الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطبقة السادسة والخمسون
551 -
560
بسم الله الرحمن الرحيم
(الحوادث)
حوادث
سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
قدم في أواخر سنة خمسين إلى بغداد السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه مستجيرًا بالخلافة، فخرج لتلقيه ولد الوزير عون الدين، ولم يترجل أحد منهما للآخر ولم يحتفل بمجيئه لتمكن الخليفة وقوته، وكثرة جيوشه. فلما كان في نصف المحرم استدعي إلى باب الحجرة، وحلف على النصح ولزوم طاعة أمير المؤمنين، ثم خطب له في آخر الشهر، وذكر في الخطبة بعد اسم السلطان سنجر ولقب بألقاب أبيه. وفي وسط صفر أحضر وألبس الخلعة والتاج والسوارين، وقرر بأن العراق لأمير المؤمنين، ولا يكون لسليمان شاه إلا ما يفتحه من بلاد خراسان. ثم خرج، فقدم له الخليفة عشرين ألف دينار ومائتي كر، وخلع على أمرائه، ثم سار الخليفة ومعه سليمان شاه إلى أن وصل حلوان، ونفذ معه العسكر.
وفيها، في رمضان، هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من يد الغز في جماعة من الأمراء، فساروا إلى قلعة ترمذ، فاستظهر بها على الغز. وكان خوارزم شاه آتسز هو والخاقان محمود بن محمد ابن أخت سنجر يقاتلان الغز، والحرب بينهم سجال، فذلت الغز بموت علي بك، وكان أشد شيء على السلطان سنجر وعلى غيره، ثم مضت الأتراك الفارغلية إلى خدمة سنجر، وتجمع له جيش ورد إلى دار ملكه مرو، فكانت مدة أسره مع الغز إلى أن رجع إلى دست سلطنته ثلاث سنين وأربعة أشهر.
وفيها، كما قال أبو يعلى التميمي، كانت بالشام زلازل عظيمة، انهدم
كثير من مساكن شيزر على أهلها. وأما كفرطاب فهرب أهلها منها خوفًا على أرواحهم، وأما حماة فكانت كذلك.
قلت: وقد ذكر ابن الجوزي الزلزلة كما يأتي في سنة اثنتين، فبالغ ونقل ما لم يقع.
قال حمزة: وفي رمضان وصل الملك نور الدين إلى دمشق من حلب بعد أن تفقد أحوالها وهذبها. وفي شوال تقررت الموادعة بينه وبين ملك الفرنج سنة كاملة، وأن المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية. وكتبت الموادعة بذلك، وأكدت بالأيمان، فبعد شهرين غدرت الفرنج لوصول نجدة في البحر، ونهضوا إلى الشغراء من ناحية بانياس، وبها جشارات الخيول، فاستاقوا الجميع، وأسروا خلقًا.
وفيها كثر الحريق ببغداد، ودام أيامًا ووقع في تسعة دروب سماها ابن الجوزي.
وفيها سافر أمير المؤمنين إلى ناحية دجيل بعد قدومه من حلوان وخرج يتصيد.
وانضاف إلى سليمان شاه ابن أخيه ملكشاه وإلدكز وتحالفوا، فسار لقتالهم محمد شاه، فعملوا مصافًا فانتصر محمد شاه، ووصل إلى بغداد من عسكرها خمسون فارسًا بعد أن خرجوا ثلاثة آلاف، ولم يقتل منهم أحد، إنما نهبوا، وأخذت خيولهم، وتشتتوا. ورد سليمان شاه في حالة نحسةٍ، فخرج عليه أمير الموصل، فقبض عليه وطلعه إلى القلعة. وسار محمد شاه يقصد بغداد، فوصل إلى ناحية بعقوبا، وبعث إلى كوجك، فتأخر عنه، فانزعجت بغداد، وأحضرت العساكر، واستعرضهم الوزير.
وفيها تسلم نور الدين بعلبك.
سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة
ثم قرب محمد شاه بن محمود من بغداد، وجاءه زين الدين علي كوجك صاحب إربل نجدة، فحاصرا بغداد، واختلف عسكر الخليفة عليه، وفرق الخليفة سبعة آلاف جوشن، وعملت الأترسة الكبار، والمجانيق الكثيرة، وأذن للوعاظ في الجلوس، بعد منعهم في سنةٍ وخمسة أشهر. ثم ركب محمد شاه وعلي كوجك، وجاءوا في ثلاثين ألفًا، ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج، وقاتلت العامة، ونهب الجانب الغربي، وأحرقوا مائتين وسبعين دولابًا، وقاتل عسكر الخليفة في السفن، كل ذلك في المحرم.
فلما كان ثالث صفر جاء عسكر محمد في جمع عظيم، وانتشروا على دجلة، وخرج عسكر الخليفة في السفن يقاتلون، وكان يوما مشهودا، فلما كان يوم سادس عشر صفر وصلت سفن للقوم فخرجت سفن الخليفة تمنعها من الإصعاد، وجرى قتال عظيم، وقاتل سائر أهل البلد.
وجاء الحاج سالمين فدخلوا بغداد من هذا الجانب. فلما كان يوم سادس وعشرين جاء بريدي يخبر بدخول ملكشاه ابن السلطان مسعود همذان، وكبس بيوت المخالفين ونهبها؛ ففرح الناس بذلك.
فلما كان يوم سلخ صفر عبر في السفن ألف فارس، وصعدوا فدخلوا دار السلطنة فنزل منكورس الشحنة، وكان أحد الأبطال المذكورين، فأحاط بهم وقتل منهم جماعة، ورمى الباقون أنفسهم في الماء، واتصل القتال، وكان الخليفة يفرق كل يوم نحوًا من مائة كر، وفي بعض الأيام فرق على الجند خمسة وعشرين ألف نشابة، والكل من عنده، لم يكلف أحدًا ولا استقرض.
وحكى الزجاج الحلبي أنه عمل في هذه النوبة ثمانية عشر ألف قارورة للنفط.
وفي خامس ربيع الأول خرج منكورس، وقيماز السلطاني، والخيالة، والرجالة، فحملوا اثنتي عشرة حملة، واقتتلوا.
وفي العشرين من ربيع الأول جاءوا بالسلالم التي عملوها، وكانت أربعمائة سلم، لينصبوها على السور فلم يقدروا، وأصبحوا يوم الجمعة، فلم يجر
يومئذ كبير قتال، وهي الجمعة الثالثة التي لم تصل بها الجمعة ببغداد في غير جامع القصر.
ثم قدمت بنت خوارزم شاه زوجة سليمان شاه، وكانت قد أصلحت بين ملكشاه وبين الأمراء جميعهم في همذان، وجاءت في زي الحاج الصوفية إلى الموصل وعليها مرقعة، ومعها ركابي في زي شحاذ. ثم جاءت حتى صارت في عسكر محمد شاه، وتوصلت وعبرت إلى الخليفة، فأكرمت وأفردت لها دار، وأخبرت بدخول ملكشاه همذان، وبأنه نهب دور المخالفين.
وفي الخامس والعشرين منه صعد أهل بغداد السور بالسلاح، وجاء العدو ومعهم السلالم، وهموا بطم الخندق، فخرج الناس واقتتلوا.
وفي التاسع والعشرين منه نادوا: اليوم يوم الحرب العظيم، فلا يتأخرن أحد، فخرج الناس ولم يجر قتال.
وبعث محمد شاه إلى علي كوجك يعاتبه ويقول: أنت وعدتني بأخذ بغداد فبغداد ما حصلت، وخرجت من يدي همذان، وأخربت بيوتي وبيوت أمرائي. فأنا عازم على المضي، فشجعه ونخاه وقال: نمد الجسر، ونعبر، ونطم الخندق، وكانوا قد صنعوا غرائر وملأوها ترابًا، وننصب هذه السلالم الطوال، ونحمل حملة واحدة، ونأخذ البلد، ثم أخذوا يتسللون، وقلت عليهم الميرة، وهلك منهم خلق، ثم استأمن خلق كثير منهم وخامروا، ودخلوا، وأخبروا بأن القوم على رحيل.
وفي العشرين من ربيع الآخر جرى قتال، وعطلت الجمعة إلا من جامع القصر، وهي الجمعة السابعة، ووقع الواقع بين محمد شاه وبين كوجك. وهو يطمعه ويهون عليه أخذ بغداد.
ثم نصبوا الجسر، وعبر أكثر عسكر محمد شاه، وعبر محمد شاه من الغد في أصحابه إلى عشية، فلما كان العشاء قطع كوجك الجسر، وقلع الخيم، وبعث نقله طول الليل. ثم أصبح وضرب النار في زواريق الجسر، وأخذ خزانة محمد شاه وخزانة وزيره، ورحل، وبقي محمد شاه وأصحابه بقية يوم الثلاثاء. ثم ركب هو وعسكره، فمنع الخليفة العسكر من أن يلحقوه، ونهب أصحاب محمد شاه بعض الأعمال، ثم قال الخليفة: اذهبوا إلى همذان فكونوا مع ملكشاه، وخلع عليهم، وفرح الناس بالسلامة. ثم ركب الخليفة
وافتقد السور من أوله إلى آخره، وكثرت الأمراض وغلت الأسعار. ثم جاء الخبر بوفاة السلطان سنجر، فقطعت خطبته.
وفيها غزا رستم بن علي بن شهريار الملك مازندران بلاد الألموت وأوطأ الإسماعيلية ذلًا، وخرب بلادهم، وسبى النساء والأولاد، وغنم، وخذل الإسماعيلية، وخربت عامة قراهم.
وفيها خرجت الإسماعيلية، على حجاج خراسان، فاقتتلوا وثبت الفريقان إلى أن قتل أمير الحاج، فذلوا وألقوا بأيديهم، وقتلتهم الإسماعيلية قتلًا ذريعًا، وعظم المصاب فـ إنا لله وإنا إليه راجعون. وصبحهم من الغد شيخ في المقتلة ينادي: يا مسلمين، يا حجاج، ذهب الملاحدة وأنا مسلم، فمن أراد الماء سقيته. فكان كل من كلمه أجهز عليه، فهلكوا أجمعين إلا القليل.
وأما خراسان فتخربت على يد الغز، ومات سلطانها سنجر، واختلف أمراؤه بعده، وغلب كل مقدم على ناحية واقتتلوا، وجرت أمور طويلة بخراسان، أجحفت بخراسان فالأمر لله. واشتد بخراسان القحط، وأكلت الجيف؛ قال ابن الأثير: فكان بنيسابور طباخ، فذبح إنسانًا علويًا وطبخه، ثم ظهر ذلك فقتل الطباخ.
وسافر الخليفة إلى أوانا ودجيل، ثم رجع. ثم راح يتصيد، ورجع بعد عشرة أيام.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين نور الدين وبين الفرنج على صفد، ونصر عليهم. ثم جاء إلى الخليفة رسوله برؤوس الفرنج وبتحف وهدايا.
وفيها، وفي سنة إحدى وخمسين، كان بالشام زلازل عظيمة هدمت في ثلاثة عشر بلدًا، منها خمسة للفرنج، وبدعت في شيزر، وحماة، والمعرة وحصن الأكراد، وطرابلس، وأنطاكية، وحلب. فأما حلب فهلك فيها تحت الردم خمسمائة نفس؛ وأما حماة فهلكت جميعها إلا اليسير، وأما شيزر فما سلم منها إلا امرأة وخادم، وهلك جميع من فيها وتسلمها نور الدين، فجدد عمارتها وحصنها. وهي على جبل منيع بقي في يدي بني منقذ نحو مائة وعشرين سنة أو أكثر. وأما كفرطاب فما سلم منها أحد؛ وأما فامية فهلكت
وساخت قلعتها، وأما حمص فهلك بها عالم عظيم، وأما المعرة فهلك بعضها، وأما تل حران فإنه انقسم نصفين، وظهر من وسطه نواويس وبيوت كثيرة، وأما حصن الأكراد وعرقة فهلكا جميعًا، وسلم من اللاذقية نفر، وأما طرابلس فهلك أكثرها، وأما أنطاكية فسلم نصفها.
قال ابن الجوزي في المنتظم: وصل الخبر في رمضان بزلازل كانت بالشام عظيمة في رجب، ثم ذكر هذا الفصل.
قلت: الله أعلم بصحة ذلك وبحقيقة تفاصيله.
قال: وفي رمضان أنفق الوزير ابن هبيرة للإفطار طول الشهر ثلاثة آلاف دينار، وكان يحضر عنده الأماثل. وخلع على المفطرين عنده الخلع السنية.
وفيها افتتح عسكر المسلمين غزة واستعيدت من الفرنج، وتسلم نور الدين بانياس من الفرنج.
وفيها انقرضت دولة الملثمين بالأندلس وتملك عبد المؤمن مدينة المرية، واستعمل أولاده على الأندلس، ولم يبق للملثمين إلا جزيرة ميورقة. وكانت المرية بيد الفرنج من عشر سنين، فنازلها أبو سعيد بن عبد المؤمن، وحاصرها برًا وبحرًا ثلاثة أشهر، وبنى بإزائها سورًا، وجاع أهلها فسلموها بالأمان.
وفي صفر ورد على نور الدين كتاب السلطان أبي الحارث سنجر بن ملكشاه بالتشوق إليه، وما ينتهي إليه من جميل أفعاله، وإعلامه بما من الله عليه من خلاصه من الشدة، والخلاص من أيدي الغز بحيلة دبرها بحيث عاد إلى منصبه من السلطنة، ووعده بنصره على الفرنج، فأمر نور الدين بزينة دمشق، وفعل في ذلك ما لم تجر به عادة فيما تقدم في أيام ملوكها، وأمر بزينة قلعتها، فجللت أسوارها بالجواشن، والدروع، والتراس، والسيوف، والأعلام، وأنواع الملاهي، وهرعت الخلائق والغرباء لمشاهدة هذا فأعجبهم وبقي أسبوعًا.
ثم جاءته الأخبار بإغارة الفرنج على أعمال حمص وحماة، ثم سارت
الفرنج في سبعمائة فارس، سوى الرجالة إلى ناحية بانياس، فوقع عليهم عسكر الإسلام ونزل النصر، فلم ينج من الملاعين إلا القليل، وصاروا بين أسير وجريح وقتيل، وذلك في ربيع الأول. وجاءت الرؤوس والأسرى، وكان يومًا مشهودًا.
ثم تهيأ نور الدين للجهاد، وجاءته الأمداد، ونودي في دمشق بالتأهب والحث على الجهاد، فتبعه خلق كثير من الأحداث والفقهاء والصلحاء، ونازل بانياس، وجد في حصارها، فافتتحها بالسيف، ثم إن الفرنج تحزبوا وأقبلوا لينصروا هنفري صاحب بانياس وهو بالقلعة، فوصل ملك الفرنج بجموعه على حين غفلة، فاندفع جيش الإسلام، ووصلوا هم إلى بانياس، فحين شاهدوا ما عمها من خراب سورها ودورها يئسوا منها.
ثم إن الملك نور الدين عرف أن الفرنج على الملاحة بقرب طبرية، فنهض بجيوشه، وجد في السير، فشارفهم وهم غارون، وأظلتهم عصائبه، فبادروا الخيل، وافترقوا أربع فرق، وحملوا على المسلمين، فترجل نور الدين، وترجلت معه الأبطال، ورموا بالسهام، ونزل النصر، ووقع القتل والأسر في الكفرة.
قال أبو يعلى: فلم يفلت منهم، على ما حكاه الخبير الصادق، غير عشرة نفر، قيل إن ملكهم فيهم، وقيل قتل. ولم يفقد من المسلمين الأجناد سوى رجلين، أحدهما من الأبطال قتل أربعة من شجعان الفرنج واستشهد. وفرح المسلمون بهذا النصر العزيز، وجيء بالرؤوس والأسرى إلى دمشق، والخيالة على الجمال، والمقدمون على الخيل بالزرديات والخوذ، وفي أيديهم أعلامهم. وضج الخلق بالدعاء لنور الدين.
وفيها جاءت عدة زلازل عظيمة بالشام.
ثم جاءت الأخبار بوصول ولد السلطان مسعود للنزول على أنطاكية، فاضطر نور الدين إلى مهادنة الفرنج، ثم توجه إلى حلب.
وجاءت الأخبار من الشمال بما يرعب النفوس من شأن الزلزلة، بحيث انهدمت حماة وقلعتها ودورها على أهلها ولم ينج إلا اليسير. وأما شيزر
فانهدم حصنها على واليها تاج الدولة ابن منقذ. وأما حمص فهرب أهلها منها وتلفت قلعتها. وأما حلب فهدمت بعض دورها، وتلفت سلمية وغيرها. ثم جاءت عدة زلازل في أشهر مختلفة، ورخها حمزة التميمي.
وفي رمضان مرض الملك نور الدين مرضًا صعبًا، فاستدعى أخاه نصرة الدين أمير ميران، وأسد الدين شيركوه والأمراء، فقرر معهم أن الأمر من بعده لأخيه لاشتهاره بالشجاعة، فيكون بحلب، وينوب عنه بدمشق شيركوه، وحلفوا له وتوجه في المحفة إلى حلب، فتمرض بالقلعة، وهاج النفاق والكفر، وشنعوا بموت نور الدين. وذهب نصرة الدين إلى حلب، فأغلق مجد الدين والي القلعة بابها وعصى، فثارت أحداث حلب وقالوا: هذا ملكنا بعد أخيه، وحملوا السلاح، وكسروا باب البلد، ودخله نصرة الدين، واقترحوا عليه أشياء منها إعادة التأذين بحي على خير العمل، محمد وعلي خير البشر، فأجابهم ونزل في داره.
ثم عوفي نور الدين وتوجه المسمى بنصرة الدين إلى حران، وكان قد وليها، وقدم نور الدين دمشق.
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
وقع الاتفاق بين ملكشاه وأخيه محمد شاه، وأمده بعسكر ففتح خوزستان، ودفع عنها شملة التركماني.
وفي ربيع الآخر زار المقتفي مشهد الحسين، ومضى إلى واسط، وعبر في سوقها.
وكان الوزير مريضًا، فأنفق في مرضته نحو خمسة آلاف دينار منها لابن التلميذ الطبيب جملة.
وخرج الخليفة إلى المدائن، ثم خرج مرة أخرى إلى المدائن، وخرج يوم الفطر، وكان موكبه بتجمل وحشمة لم يعهد مثلها من الأعمار.
ووقع في شوال مطر وبرد أكبر من البيض.
وأما خراسان فكانت الغز قد شبعوا، وسكنت سورتهم، واستوطنوا بلخ، وتركوا النهب، واتفقوا على طاعة الخاقان محمود بن محمد ابن أخت
سنجر، وأتابكه الأمير أي أبه، فلما دخل شعبان سارت الغز إلى مرو، فنهض لحربهم الأمير المؤيد، فظفر بهم، وقتل بعضهم، فدخلوا مرو، فجاء الخاقان من سرخس، وانضم إليه المؤيد، فالتقوا في شوال، فكان بينهم مصاف لم يسمع بمثله، وبقي القتال يومين، وتواقعوا مرات عديدة وانهدم الغز ثلاث مرات، ثم يعودون للقتال، فلما طلع الضوء من الليلة الثانية انجلت الحرب عن هزيمة الخراسانية، وظفر الغز بهم قتلًا وأسرًا وعادوا إلى مرو، وقد استغنوا عن الظلم المفرط فشرعوا في العدل وإكرام العلماء، ثم أغاروا على سرخس وأخربوا رساتيقها، وعملوا كل شر. وقتل من أهل سرخس نحو من عشرة آلاف نفس، وعادوا إلى مرو، وتقهقر الخاقان بعساكره إلى جرجان. فلما دخلت سنة أربع بعث إليه الغز يسألونه القدوم ليملكوه كما كان فلم يركن إليهم، فأرسلوا يطلبون ابنه جلال الدين محمد، وترددت الرسل، فبعث إليهم ابنه، ولما اطمأن هو سار إليهم، وكان مستضعفًا معهم في السلطنة.
قال ابن الجوزي: وحججت فيها، وتكلمت بالحرم مرتين.
وفيها مصرع الإسماعيلية الخراسانيين، وذلك أنهم نزلوا في ألف وسبعمائة رجل على روق كبير للتركمان، فلم يجدوا به الرجال، فسبوا الذرية، وحازوا الروق، وقتلوا الرجال وأحرقوا الأشياء الثقيلة. وبلغ الخبر عسكر التركمان، فأسرعوا فأدركوا الإسماعيلية لعنهم الله، وهم يقتسمون الغنيمة، فأحاطوا بهم ووضعوا فيهم السيف، وألقى الله الذل على الإسماعيلية، واستولى عليهم القتل والأسر، فلم ينج منهم إلا تسعة أنفس. قاله ابن الأثير.
وفي صفر خرج جيش من مصر فأغاروا على غزة، وعسقلان، ونواحيها، فالتقاهم الفرنج، فانتصر المصريون، ووضعوا في الفرنج السيف بحيث لم يسلم منهم إلا الشريد، ورجعوا بالغنائم.
وخرج نور الدين من دمشق بآلات الحرب مجدًا في جهاد الفرنج، وأغار عسكره على أعمال صيدا، فقتلوا خلقًا.
وفي أول تموز جاء سيل أحمر ببرد كما يجيء في الشتاء، وكثر التعجب منه.
ثم التقى نور الدين الفرنج، فانهزم عسكره، وثبت هو ساعة، ثم ولى العدو خوفًا من كمين يكون للمسلمين، ونجى الله نور الدين وسلمه.
وفي رجب تجمع قوم من الظلمة وعزموا على تحريض نور الدين على إعادة ما كان أبطله، إذ تملك دمشق من رسوم دار البطيخ والأنهار، وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء حتى أجيبوا إلى ما راموه، وعسفوا الناس، ثم أبطل نور الدين ذلك كله بعد أربعين يومًا.
وفيها برز ملك الروم من القسطنطينية بجيوشه، وقصد ممالك الإسلام، ووصلت خيله غائرة على أعمال أنطاكية، فتأهب المسلمون للجهاد.
سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فيها وصل ترشك فلم يشعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه كفن، فوقع الرضا عنه.
وفيها عاد الغز ونهبوا نيسابور، وكان بها ابن أخت سنجر، فهرب إلى جرجان.
وفيها سافر الخليفة إلى واسط، فرماه فرسه، وشج جبينه بقبيعة السيف.
ووقع برد كبار أهلك أماكن، وذكر أنه كان في البرد ما وزنه خمسة أرطال ونحو ذلك، وقيل إنهم رأوا بردة فيها تسعة أرطال.
وفيها كان الغرق ببغداد، ووقع بعض سورها، وسقطت الدور، قال ابن الجوزي: لم نعرف دربنا إلا بمنارة المسجد، فإنها لم تقع. وغرقت مقبرة الإمام أحمد، وخرجت الموتى على وجه الماء، وكانت آية عجيبة.
وفيها سار عبد المؤمن في نحو مائة ألف فنازل المهدية، فحاصرها برًا وبحرًا سبعة أشهر، وأخذها بالأمان. وركب الفرنج في البحر قاصدين صقلية في الشتاء، فغرق أكثرهم. وكان ملك الفرنج قال: إن قتل عبد المؤمن نصارى المهدية فلأقتلن من عندي من المسلمين بصقلية، ولعل أكثر رعيته بصقلية
مسلمون، فأهلك الله النصارى بالغرق، وكان مدة ملكهم للمهدية اثنتي عشرة سنة، ودخلها عبد المؤمن يوم عاشوراء سنة خمس فبقي بها أيامًا، وكان قد افتتح قبلها تونس، فنازلها أسطوله في البحر ستون شينيًا، وأخذها بالأمان على مشاطرة أهلها أموالهم، لكونه عرض عليهم أولًا التوكيد والأمان، فأبوا عليه. وبعدها افتتح المهدية.
وكان رئيس نيسابور هو نقيب العلويين ذخر الدين زيد بن الحسين الحسيني، فقتل بعض أصحابه أبو الفتوح الفستقاني الشافعي، فبعث إلى رئيس الشافعية مؤيد الدين الموفقي يطلب منه القاتل ليقتص منه، فامتنع المؤيد وقال: إنما حكمك على العلوية، فخرج النقيب وقصد الشافعية، فاقتتلوا وقتل جماعة، وأحرق النقيب سوق العطارين وسكة معاذ، وعظم البلاء. ثم جمع المؤيد جموعًا وجيش، والتقى هو والعلوية في شوال سنة أربع، واشتد الحرب، وأحرقت المدارس والأسواق، واستحر القتل بالشافعية، فالتجأ المؤيد إلى قلعة فرخك، وخربت نيسابور بسبب هذه المصيبة الكبرى. وأما المؤيد أي أبه الأمير فإنه جرت له فصول وأسر، ثم هرب، وقدم نيسابور، فنزل إليه المؤيد رئيس الشافعية، وتحصن العلوي بنيسابور، واشتد الخطب على المعترين الرعية، وتمنوا الموت، وسفكت الدماء، وهتكت الأستار، وخربوا ما بقي من البلد، وبالغ الشافعية في الانتقام، وخربوا مدرسة الحنفية، واستؤصلت نيسابور، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير في كامله.
ومرض نور الدين في آخر الماضية وأول سنة أربع وضعف، فعهد بالأمر من بعده لأخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل. وقال: ابن أخي أمير ميران لا أرتضيه لمصالح المسلمين لسوء أفعاله وأخلاقه. فحلفت الأمراء وكاتب جماعة من الكبار أمير ميران يحثونه على المجيء ليستولي على الشام، فبادر وقطع الفرات، فبعث أسد الدين عسكرًا فردوه. وبلغ صاحب الموصل الخبر، فبعث وزيره كمال الدين محمد بن علي الجواد، فدخل دمشق في
أحسن زي، وأبهى تجمل، وهو حميد الخلال، كثير الإنفاق في وجوه البر فصادف نور الدين قد عوفي.
وجاءت بدمشق زلازل مهولة صعبة، فسبحان من حركها وسبحان من سكنها.
وصالح نور الدين ملك الروم القادم من القسطنطينية وأجيب ملك الروم إلى ما التمسه من إطلاق مقدمي الفرنج، فأطلقهم نور الدين، فبعث لنور الدين عدة أثواب مثمنة وجواهر، وخيمة من الديباج، وخيلًا، ورد إلى بلاده، ولم يؤذ أحدًا. واطمأن المسلمون.
وجاء الخبر إلى دمشق بأن الملك نور الدين صنع لأخيه قطب الدين ولجيشه الذين قدموا للجهاد في يوم جمعة سماطًا عظيمًا هائلًا، تناهى فيه بالاستكثار من ذبح الخيل والبقر والأغنام، بحيث لم يشاهد مثله، وقام ذلك بجملة كثيرة. وفرق من الخيل العربية جملة، ومن الخلع شيئًا كثيرًا. وكان يومًا مشهودا. ثم توجه إلى حران وانتزعها من يد أخيه أمير ميران، وسلمها إلى الأمير زين الدين علي إقطاعًا له.
إلى هنا زدته من تاريخ ابن القلانسي.
وفيها جمع ملك الروم جمعًا عظيمًا، وقصد الشام، فضاق بالمسلمين الأمر، فنصر الله تعالى، وأسر ابن أخت ملكهم، وغنمهم المسلمون، وعادوا خائبين.
وفيها مات محمد شاه ابن السلطان محمود الذي حاصر بغداد. مات بهمذان.
قال عبد المنعم بن عمر المغربي في أخبار ابن تومرت: وفي سنة أربع وخمسين توجه أمير المؤمنين عبد المؤمن إلى بلاد إفريقية، فتجهز في مائة ألف فارس محصاة في ديوانه، ومعهم من السوقة والصناع والأتباع أضعافهم مرارًا.
قال: وكان هذا الجمع الحفل يمشون بين الزروع في الطرق الضيقة، فلا يكسرون سنبلة، ولا يطؤونها من هيبة الأمير، وكان خيامهم وأسواقهم مسافة فرسخين، وكلهم يصلون الخمس وراء إمام واحد بتكبيرة واحدة، ولا يتخلف
أحد عن الصلاة إذا قامت، كائنًا من كان من أصناف الجيش والسوقة وغيرهم. وكان عبد المؤمن يسير وحده منفردًا أمام الجيوش ليس معه فارس إلا ابنه ولي عهده وراءه. وحوله من عبيده السودان ألوف بالرماح والدرق.
قال: ولم يكن في دولته أحد يسمى بالأمير ولا بالوالي، وإنما يسمون الطلبة لأن دولته مبنية على العلم، ومن دون الطلبة يسمون الحفاظ. وأما أولاد أمير المؤمنين فيسمون السادة. ولا يجتمع الناس عنده فينصرفون إلا عن دعاء منه، ويؤمن الحاضرون، وما لبس إلا ثياب الصوف طول عمره.
سنة خمس وخمسين وخمسمائة
فيها أفرج علي كوجك عن سليمان شاه بن محمد وسلطنه وخطب له، وبعثه إلى همذان؛ وذهب ابن أخيه ملكشاه بن محمود إلى أصبهان طالبًا للملك، فمات بها.
وفيها منع المحدثون من السماع في جامع القصر لأن بعض الأحداث قرأوا شيئًا من الصفات وأتبعوه بذم المتأولين، فمنعوا.
وفي ثاني ربيع الأول توفي المقتفي لأمر الله، وطلبت الناس نصف النهار لبيعة المستنجد بالله، فأول من بايعه عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر، وكان أسن من أخيه المستنجد بالله، ثم بايعه ابن هبيرة، وقاضي القضاة.
وفي شوال اتفق الأمراء بهمذان على القبض على سليمان شاه وخطبوا لرسلان شاه ابن طغرل.
وفيه ورد علي كوجك إلى بغداد قاصدًا للحج، فخلع عليه وعفي عنه ما أسلف من حصار بغداد مع محمد شاه.
وولي قضاء القضاة أبو جعفر الثقفي، وعزل أبو الحسن علي بن أحمد الدامغاني فلم يبق الثقفي إلا أشهرًا ومات، فولي مكانه ولده جعفر.
وفيها مات الفائز خليفة مصر، وعاش عشر سنين أو أكثر، وكان يصرع، وقام بعده العاضد آخر الخلفاء الباطنية.
وأما نيسابور فشرع في عمارتها المؤيد أي أبه، واستقل بمملكتها، وأحسن إلى الناس، فتراجعت بعض الشيء.
سنة ست وخمسين وخمسمائة
في المحرم قطعت خطبة سليمان شاه من المنابر، ثم خطب لأرسلان شاه.
قال ابن الأثير: لما قتل سليمان شاه أرسلوا إلى إيلدكز صاحب أران وأكثر أذربيجان، فطلبه الأمير كردباز ليخطب لأرسلان الذي معه. وكان إيلدكز قد تزوج بأم أرسلان، وولدت له البهلوان بن إيلدكز. وكان إيلدكز أتابكه وأخوه لأمه البهلوان حاجبه، وكان إيلدكز مملوكًا للسلطان مسعود، فأقطعه أران وبعض أذربيجان، ووقع الاختلاف، فلم يحضر إيلدكز عند فرقتهم أصلًا. وعظم شأنه، وجاءته الأولاد من أم السلطان أرسلان فسار إيلدكز في العساكر، وهم أكثر من عشرين ألفًا، ومعه أرسلان بن طغرل بن محمد ملكشاه فتلقاهم كردباز، فأنزله بهمذان في دار السلطنة، وخطب لأرسلان. ثم بعثوا إلى بغداد يطلبون له السلطنة، فأهين رسولهم. وكان قد تغلب على الري الأمير إينانج، وقوي حاله، فصالحه، إيلدكز، وزوج ولده البهلوان بابنة إينانج وزفت إليه بهمذان. ثم التقى البهلوان وصاحب مراغة آقسنقر، فانهزم البهلوان فجاء إلى همذان على أسوأ حال.
وفيها كثر اللصوص والحرامية بنيسابور، ونهبوا دور الناس نهارًا جهارًا، فقبض المؤيد على نقيب العلويين أبي القاسم زيد الحسيني وعلى جماعة، وقتل جماعة، وخربت نيسابور، ومما خرب سبع عشرة مدرسة للحنفية، وأحرقت خمس خزائن للكتب، ونهبت سبع خزائن، وبيعت بأبخس الأثمان، وخرب مسجد عقيل.
وانتشر في هذه الأيام، وقت عاشوراء، الرفض والتسنن حتى خيف من فتنة تقع.
وفيه ركب المستنجد بالله وراح إلى الصيد، ثم بعد أيام خرج أيضًا إلى الصيد.
وكان الرخص كثيرًا ببغداد، فأبيع اللحم أربعة أرطال بقيراط، والبيض كل مائة بقيراط.
وفيها كان مقتل الملك الصالح طلائع بن رزيك، واستولى على مصر شاور.
سنة سبع وخمسين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أن الحاج العراقي وصلوا مكة، فلم يدخل أكثرهم لفتن جرت، وإنما دخلت شرذمة، ورجع أكثر الناس بلا حج.
وفيها خرج الخليفة للصيد على طريق واسط.
ووقع فيها حريق عظيم ببغداد، احترق سوق الطير، والبزوريين وإلى سوق الصفر والخان، واحترق كثير من الطيور.
وفيها كان مصاف كبير وحرب شديد بين جيوش أذربيجان، وأرمينية، وبين الكرج، فنصر المسلمون، وغنموا ما لا يحد ولا يوصف.
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
جاءت الأخبار بما تم على الحجيج، عاث عبيد مكة في الركب، فثار عليهم أصحاب أمير الحاج، فقتلوا منهم جماعة، فردوا إلى مكة وتجمعوا، ثم أغاروا على جمال الحاج، فانتهبوا نحوًا من ألف جمل، فركب أمير الحاج وجنده بالسلاح، ووقع القتال وقتل طائفة. ثم جمع الأمير الناس، ورجع بهم ولم يطوفوا.
وفيها بني ببغداد كشك للخليفة وكشك للوزير، وأنفق عليهما مبلغ عظيم.
وثارت بنو خفاجة بالعراق، فعاثت وأفسدت، وكانت القوافل تؤخذ إلى باب الحربية.
وفيها قتل العادل ابن الصالح طلائع بن رزيك، وقام بعده شاور السعدي.
وفيها سار المؤيد أي أبه صاحب نيسابور، فاستولى على بسطام،
ودامغان، واستعمل عليهما مملوكه تنكز.
وفيها التقى المؤيد وصاحب مازندران وانتصر المؤيد.
وفيها بعث السلطان أرسلان بن طغرل خلعًا وألوية معقودة وتقادم إلى المؤيد، وأمره أن يهتم باستيعاب تملك خراسان، فلبس الخلع. وكان السبب في ذلك شمس الدين إيلدكز أتابك السلطان. وكان إيلدكز هو الكل، وبينه وبين المؤيد ود وإخاء. وكانت الخطبة في مرو، وبلخ، وهراة وهذه البلاد للغز سوى هراة، فإنها بيد أيتكين وهو مسالم للغز.
وفيها قتل صاحب الغور سيف الدين محمد.
وفيها جمع نور الدين جيشه، وسار لغزو الفرنج، ونزل تحت حصن الأكراد ومن عزمه محاصرة طرابلس، فتجمعت الفرنج وكبسوا المسلمين، فلم يشعر الترك إلا بظهور الصلبان من وراء الجبل، فبعثوا إلى نور الدين يعرفونه، وتقهقروا فرهقتهم الفرنج بالحملة فهربوا، والفرنج في أقفية الترك، إلى المخيم النوري، فلم يستمكن المسلمون من الأهبة، فوقع فيهم القتل والأسر، وقصدوا خيمة السلطان نور الدين وقد ركب فرسه، وطلب النجاة، فلدهشته ركب والشبحة في رجل الفرس، فنزل كردي فقطعها، فنجا نور الدين، وقتل ذلك الكردي. ونزل نور الدين على بحيرة حمص وقال: والله لا أستظل بسقف حتى آخذ بالثأر، وأحضر الأموال والأمتعة، ولم شعث عساكره.
وفيها أمر المستنجد بالله بقتال بني أسد أصحاب الحلة وإجلائهم عن العراق، فتجمع لحربهم عدة أمراء وخلق من العسكر، فخذلت بنو أسد وزالت دولتهم، وقتل منهم نحو أربعة آلاف، وتفرق الباقون، وقطع دابرهم، ولم يبق من هذا الوقت أحد يعرف بالعراق من الأسديين.
سنة تسع وخمسين وخمسمائة
فيها أخرج ببغداد تسعة من اللصوص فقتلوا.
وفيها كسر نور الدين الفرنج كسرة هائلة وأخذ الإبرنس والقمص أسيرين.
وفيها جهز نور الدين جيشًا عليهم أسد الدين شيركوه إلى مصر نجدة لشاور، لكونه قصده واستجار به. فأول دخولهم قتل الملك المنصور ضرغام الذي كان قد قهر شاور، وأخذ وزارة مصر منه في آخر العام الماضي. ثم تمكن شاور ولم يلتفت على شيركوه، فاستولى على بلبيس وأعمال الشرقية. وأرسل شاور يستنجد بالفرنج، فسارعوا إليه، وبذل لهم ذهبًا عظيمًا، فجاؤوا من القدس والسواحل، والتجأ شيركوه وعسكر الشام إلى بلبيس، وجعلها ظهرًا له، وحصروه ثلاثة أشهر ومنعته مع قصر سورها وعدم خندق لها. فبينا هم كذلك إذ أتاهم الصريخ أن نور الدين أخذ حصن حارم منهم وسار إلى بانياس، فسقط في أيديهم، فهموا بالعود إلى بلادهم ليحفظوها، وطلبوا الصلح مع شيركوه، فأجابهم لقلة الأقوات عليه، وسار إلى الشام سالمًا.
وفيها وقعة حارم، وذلك أن نجم الدين ألبي الأرتقي صاحب ماردين نازل حارم ونصب عليها المجانيق، فجاءتها نجدات الفرنج من كل ناحية، واجتمع طائفة من ملوكهم، وعلى الكل بيمند صاحب أنطاكية، فكشفوا عن حارم، وترحل عنها صاحب ماردين، فقصدهم نور الدين رضي الله عنه، فالتقى الجمعان، فحملت الفرنج على ميمنة الإسلام فهزمتها، فيقال: إنهم انهزموا عن خديعة قررت، فتبعتهم الفرنج الفرسان، فمال المسلمون من الميسرة، فحصدت رجالة الفرنج؛ ثم ردت الفرسان عليهم اللعنة، فأحاط بهم المسلمون، واشتدت الحرب، وطاب القتل في سبيل الله، وكثر القتل في الفرنج والأسر، فكان في جملة الأسرى سلطان أنطاكية، وصاحب طرابلس، والدوك مقدم الروميين، وابن جوسلين. وزادت عدة القتلى منهم على عشرة آلاف، فلله الحمد على هذا الفتح المبين.
ثم سار نور الدين بعد أن افتتح حارم، فافتتح قلعة بانياس في آخر السنة. وكان لها بيد الفرنج ستة عشر عامًا. ولما عاد منها إلى دمشق، قال ابن الأثير: كان في يده خاتم بفص ياقوت يسمى الجبل لكبره وحسنه، فسقط من يده في شعرة بانياس، فنفذ وراءه من فتش عليه فلقيه، فقال فيه بعض الشعراء:
إن يمتري الشكاك فيك بأنك ال ـمهدي مطفئ جمرة الدجال فلعودة الجبل الذي أضللته بالأمس بين غياطل وجبال
في أبيات
وفيها قتل الملك أيتكين صاحب هراة في مصاف بينه وبين عسكر الغور.
وفيها استولى ملك مازندران على قومس، وبسطام، بعد أن هزم دنكز مملوك المؤيد أي أبه.
وفيها سار ملك القسطنطينية، لعنه الله، بجيش عرمرم وقصد الإسلام والبلاد التي لقلج أرسلان وابن دانشمند، فكان التركمان يبيتونهم ويغيرون عليهم بالليل حتى قتلوا منهم نحوًا من عشرة آلاف، فرجعوا خائبين. وكفى الله شرهم، وطمع المسلمون فيهم، وأخذوا لهم عدة حصون.
سنة ستين وخمسمائة
فيها خرج الخليفة إلى الصيد، فقبض على الأمير توبة البدوي، وسجن ثم أهلك، وكان قد واطأ عسكر همذان على الخروج.
وفي يوم عيد النحر ولدت امرأة من درب بهروز يقال لها بنت أبي العز الأهوازي أربع بنات، ولم يسمع بمثل هذا.
وفيها كاتب أهل هراة المؤيد صاحب نيسابور، فبعث إليهم مملوكه تنكز، فتسلمها وطرد الغز عن حصارها.
وفيها وقعت فتنة عظيمة آلت إلى الحرب بأصبهان بين صدر الدين عبد اللطيف ابن الخجندي وغيره من أصحاب المذاهب، وسببها التعصب للمذاهب، فدام القتال بين الفريقين ثمانية أيام، قتل فيها خلق كثير، وأحرق كثير من الدروب والأسواق، قاله ابن الأثير.
بسم الله الرحمن الرحيم
(الوفيات)
المتوفون في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
1 -
أحمد بن أبي المجد صاعد بن أبي الغنائم الحربي الإسكاف
، والد عبد الله بن أبي المجد، وهو أخو عمر بن عبد الله الحربي لأمه.
روى عن أبي طلحة النعالي، والمبارك ابن الطيوري، وجماعة.
روى عنه ابن الأخضر، ومحمد بن محمد بن ياسين. وكان صالحًا حافظًا للقرآن، يؤم الناس، ويغسل الموتى احتسابا.
توفي في شعبان عن سبعين سنة، رحمه الله تعالى.
2 -
أحمد بن الفرج بن راشد
، أبو العباس المدني، ثم البغدادي الوراق، قاضي دجيل.
ولد سنة تسعين وأربعمائة، وسمع من: أبي غالب بن زريق، وغيره.
كتب عنه أبو سعد السمعاني وقال: كان يسمع معنا ولده من القاضي أبي بكر.
3 -
آتسز بن محمد بن أنوشتكين
، الملك خوارزم شاه.
أصابه فالج فعالجوه بكل ممكن فلم يبرأ، فأعطوه حرارات عظيمة بغير أمر الطبيب، فاشتد مرضه وخارت قوته، ومات في جمادى الآخرة؛ وكان يقول عند الموت: ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه.
وولد في رجب سنة تسعين، وامتدت أيامه، وتملك بعده ابنه أرسلان فقتل نفرًا من أعمامه.
وكان آتسز عادلًا، عافًا عن أموال الرعية، محببًا إليهم، فيه خير وإحسان، وكان تحت طاعة السلطان سنجر.
4 -
آمنه بنت الشريف أبي الفضل محمد بن عبد الله ابن المهتدي بالله الهاشمي
.
سمعت أبا عبد الله النعالي، وطرادا.
كتب عنها ابن السمعاني، وتوفيت في رجب، وروى عنها ابن الأخضر.
5 -
إسماعيل بن علي بن الحسين بن أبي نصر
، أبو القاسم النيسابوري، ثم الأصبهاني، الصوفي المعروف بالحمامي.
شيخ معمر، عالي الرواية. ولد في حدود سنة خمسين وأربعمائة، وبكر به أبوه بالسماع، فسمع أبا مسلم محمد بن علي بن مهربزد صاحب ابن المقرئ، وأبا منصور بكر بن محمد بن حيد، ومسعود بن ناصر السجزي الحافظ، وأبا الفتح عبد الجبار بن عبد الله بن برزة الواعظ، وأبا سهل حمد بن ولكيز، وأبا بكر محمد بن إبراهيم بن علي العطار، وعبد الله بن محمد الكروني، وأبا طاهر أحمد بن محمد بن عمر النقاش، وأبا بكر بن أسيد، والحسن بن عمر بن يونس، وعائشة بنت الحسن الوركانية؛ وانفرد بالرواية عنهم. وأول سماعه سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وعاش بعدما سمع نيفًا وتسعين سنة. ولعل الذين اتفق لهم هذا لا يصلون إلى عشرة أنفس ليس فيهم الأصم، ولا الطبراني، ولا القطيعي، ولا ابن غيلان، ولا الجوهري، ولا ابن البطر، ولا ابن الحصين، ولا أبو الوقت، ولا السلفي، ولا ابن كليب، ولا الكندي، ولا ابن اللتي.
روى عنه: السلفي، وابن عساكر، وابن السمعاني، وأبو موسى، ويوسف بن أحمد بن إبراهيم البغدادي وقال: حدثنا الشيخ المعمر الممتع بالسمع والبصر والعقل، وقد جاوز المائة، أبو القاسم الصوفي، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن علي النحوي سنة تسع وخمسين، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبدان بن أحمد الجواليقي، قال: حدثنا عمر بن عيسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه
أبي رزين قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء» .
قلت: أخبرنا به جماعة، عن محمد بن عبد الواحد المديني، أن أبا القاسم إسماعيل أخبرهم، فذكره مثله، إلا أن عندنا عمر بن موسى، وهو الصحيح.
روى عنه أيضًا: أبو المجد زاهر بن أبي طاهر الثقفي، وعبد الخالق بن أسد الدمشقي، وأحمد بن محمد بن أحمد ويرج، وإسماعيل بن ماشاذة، وحمزة بن أبي المطهر الصالحاني، وخضر بن معمر بن الفاخر، وأخوه يوسف، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد ابن المستملي، ومحمد بن محمود بن خمارتاش الواعظ، ومحمد بن محمود الصباغ، ومودود بن مسعود الفهاد، وأحمد بن محمد الفارقاني، وأحمد بن محمد بن عثمان الأصبهانيون. وآخر من روى عنه محمد ابن عبد الواحد المذكور. وسماع السلفي منه في سنة نيف وتسعين وأربعمائة.
أخبرنا أبو علي الخلال أن كريمة الأسدية أخبرتهم عن عبد الرحيم بن أبي الوفاء الحافظ، قال: توفي أبو قاسم إسماعيل بن أبي الحسن الحمامي يوم السبت السابع من صفر سنة إحدى وخمسين.
6 -
تركانشاه بن محمد بن تركانشاه
، الحاجب أبو المظفر البغدادي المراتبي.
سمع هبة الله بن أحمد الموصلي ببغداد، والإمام أبا المحاسن الروياني بالري، وجماعة. وتوفي في رابع عشر ذي القعدة وله سبع وستون سنة.
روى عنه ابن الأخضر.
7 -
جابر بن محمد
، أبو الحسين اللاذاني، الأصبهاني، القصار.
سمع: أبا منصور بن شكرويه، ورزق الله.
روى عنه: أبو سعد السمعاني، وقال: مات في شوال.
8 -
حذيفة بن يحيى
، أبو بكر البطائحي المقرئ.
شيخ صالح، سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا طالب الزينبي.
وعنه السمعاني، وعمر بن طبرزد. وعاش إحدى وستين سنة.
9 -
الحسن بن أحمد بن محمد
، أبو علي البحيري، الملقاباذي، النيسابوري.
سمع: أحمد بن محمد الشجاعي، وأبا سعد البحيري.
روى عنه: عبد الرحيم ابن السمعاني وقال: توفي في شوال، أو ذي القعدة.
10 -
الحسين بن الحسن بن محمد
، أبو القاسم بن البن الأسدي، الدمشقي، الفقيه.
سمع: أبا القاسم بن أبي العلاء، وسهل بن بشر، وأبا عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد، وأبا البركات بن طاوس، والفقيه نصر المقدسي وعليه تفقه.
وخلط على نفسه لكنه تاب توبة نصوحًا، وكان حسن الظن بالله، قاله الحافظ ابن عساكر، وقال: قال لي: ولدت في رمضان سنة ست وستين وأربعمائة.
قلت: روى عنه هو، وابنه القاسم، والحافظ أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم بن صصرى، وهو آخر من حدث عنه، وأبو القاسم ابن الحرستاني، وأبو محمد الحسن بن علي بن الحسين الأسدي حفيده، وآخرون. وتوفي في نصف ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
11 -
سلمان بن مسعود بن الحسن
، أبو محمد البغدادي، الشحام.
سمع الكثير بنفسه من أبي المعالي ثابت بن بندار، وجعفر السراج، والمبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وعلي بن محمد العلاف، وطائفة.
وخرج له الحافظ اليونارتي خمسة أجزاء فوائد.
قال أبو سعد السمعاني: سمعت عليه، وهو شيخ صالح، مشتغل
بكسبه، توفي في المحرم، وولد سنة سبع وسبعين.
وقال ابن الجوزي: قرأت عليه كثيرًا من حديثه، وكان من أهل السنة، صحيح السماع.
قلت: روى عنه عبد الخالق بن أسد، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير.
توفي في الثاني والعشرين من المحرم، كذا أرخه السمعاني. ثم قرأت بخط عمر بن الحاجب قال: سمعت أبا الحسن القطيعي يقول في وفاة سلمان الشحام إنها سهو لأنه أجاز في ذي القعدة من السنة لابن دحروج، وقرأ عليه فيها في ربيع الأول ابن الخشاب جزءًا.
12 -
شكر بنت سهل بن بشر بن أحمد الإسفراييني
، أمة العزيز.
سمعت بدمشق من: أبيها، وأبي نصر أحمد الطريثيثي. ومولدها بصور في سنة اثنتين وسبعين. روى عنها الحافظ ابن عساكر، وغيره، وتوفيت بدمشق في جمادى الأولى.
13 -
صدقة بن محمد بن حسين بن المحلبان
، أبو القاسم سبط ابن السياف البغدادي.
شيخ متجمل، ظاهره الخير، وكان على العمائر.
سمع الكثير من: مالك البانياسي، وأبي الفضل بن خيرون، وأحمد بن عثمان بن نفيس الواسطي، وأبي الفضل حمد الحداد.
روى عنه: أبو سعد السمعاني، وجماعة.
وتوفي في وسط جمادى الأولى.
وروى عنه: ابن الأخضر، وعبد الرزاق.
14 -
عبد الحكيم بن مظفر بن أحمد
، أبو نصر الفحفحي الكرخي الأديب.
شيخ معمر. ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. روى عنه أبو موسى المديني، وقال: سمعت منه بالكرخ.
15 -
عبد الرشيد بن ناصر بن فاخر
، أبو المظفر البناء الصوفي الهروي.
سمع حاتم بن محمد الأزدي، ومحمد بن أبي عمر القويني، والحسين بن محمد الكتبي. حدث ببغداد، وسمع منه أبو سعد السمعاني.
قلت: عاش نيفا وتسعين سنة.
16 -
عبد السميع بن أبي تمام عبد الله بن عبد السميع الهاشمي
، أبو المظفر الواسطي. من ذرية جعفر بن سليمان الأمير.
قرأ القرآن على: المبارك بن محمد ابن الرواس، وأحمد بن محمد ابن العكبري، والقلانسي. ورحل إلى بغداد فقرأ على أبي الخطاب الجراح، وثابت بن بندار. وسمع من جعفر السراج، وعدة.
قرأ عليه بحرف أبي عمرو أبو أحمد ابن سكينة. وأخذ عنه السمعاني.
ولد سنة ست وستين وأربعمائة. وكان عابدًا، صوامًا، مات في ذي القعدة.
17 -
عبد القاهر بن عبد الله بن حسين
، أبو الفرج الشيباني، الحلبي، الشاعر المعروف بالوأواء.
له ديوان مشهور. تردد إلى دمشق غير مرة، وأقرأ بها النحو، وكان حاذقًا به، وصنف شرح المتنبي، ومدح جماعة من الأكابر.
توفي في شوال بحلب، وكان من فحول الشعراء.
18 -
عبد الملك بن محمد بن هشام بن سعد
، الإمام أبو الحسن ابن الطلاء، القيسي، الشلبي، من كبار أئمة الأندلس، كان أبوه طلاء في اللجم.
سمع أبو الحسن من أبي عبد الله بن شبرين، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي محمد بن عتاب، وأبي الحسن شريح، وأبي بحر بن العاص، وأبي الوليد
ابن طريف، وخلق كثير. وأجاز له: أبو عبد الله ابن الطلاع، وأبو علي الغساني، وأبو القاسم الهوزني. وأجاز له من بغداد أبو الفضل بن خيرون، وغيره.
قال أبو عبد الله الأبار: وكان من أهل العلم بالحديث والعكوف عليه، مع المعرفة باللغة والآداب والنسب والمشاركة في الأصول، ولي خطابة مدينة شلب مدة، وتوفي في صفر. وكان مولده في سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة. قال: وأجاز روايته لجميع المسلمين قبل موته بيومين.
19 -
عبد الواسع بن الموفق بن أميرك
، أبو محمد الهروي الصيرفي.
شيخ صالح، عابد، قانت، سمع الكثير من شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري، وأبي عطاء عبد الرحمن الجوهري، وأبي عامر الأزدي، وجماعة.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه قدر خمسة عشر جزءًا من أمالي الأنصاري، وتوفي في خامس رمضان.
20 -
عتيق بن أحمد بن عبد الرحمن
، أبو بكر الأزدي، الأندلسي، الأوريولي.
حج سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ولقي بمكة أبا الفوارس طرادا الزينبي فسمع منه، وطال عمره، وتفرد عنه في الأندلس بالرواية. وقد حج سنة عشرين وخمسمائة أيضًا، وجاور، وسمع من أبي عبد الله الرازي صاحب السداسيات، ورزين العبدري، وزاهر الشحامي، وجماعة من القادمين للحج.
قال الأبار: وكان ثقة، معتنيًا بالرواية.
روى عنه أبو طاهر السلفي، وأبو القاسم بن بشكوال، وأبو عمر بن عياد، وأبو بكر بن أبي ليلى، وغيرهم.
وكان مولده بأوريولة سنة سبع وستين وأربعمائة وبها توفي.
قلت: رواية السلفي عنه في الوجيز له، وسمع منه السمعاني بمكة مجلسًا.
21 -
العزيز بن محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد
، القاضي أبو المفاخر الصاعدي، النيسابوري. قاضي نيسابور.
ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وسمع أبا بكر بن خلف، وأبا القاسم عبد الرحمن الواحدي، وعلي بن محمد الجوزجاني، وغيرهم، وبكروا به وسمعوه حضورًا.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: توفي في صفر.
22 -
علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن محمويه
، الإمام أبو الحسن اليزدي الفقيه، الشافعي المقرئ، المحدث الزاهد، نزيل بغداد.
ولد بيزد في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ظنًا، وسمع الحسين بن الحسن بن جوانشير، وأبا المكارم محمد بن علي الفسوي، ومحمد بن الحسين بن بلوك. ورحل إلى أصبهان فقرأ بها على أبي الفتح أحمد بن محمد الحداد، وأبي سعد المطرز، وأبي علي الحداد. وسمع من أحمد بن محمد ابن الحافظ أبي بكر بن مردويه. وسمع بهمذان من ناصر بن مهدي المشطبي، وبالدون من عبد الرحمن بن حمد الدوني. ودخل بغداد سنة خمسمائة فسمع بها أبا الحسين بن الطيوري، وأبا القاسم علي بن الحسين الربعي، وأبا سعد بن خشيش، وأبا الحسن العلاّف، وجماعة. وتفقه على الإمام أبي بكر الشاشي. ورحل إلى واسط، وتفقه على قاضيها أبي علي الفارقي. وسمع بالكوفة، والبصرة، والحجاز.
وصنف في الفقه، والحديث، والزهد، وحدث بسنن النسائي، عن الدوني.
قال أبو سعد السمعاني: فقيه، فاضل، زاهد، حسن السيرة، عزيز النفس، سخي بما يملك، قانع بما هو فيه، كثير الصوم والعبادة. صنف تصانيف في الفقه، وأورد فيها أحاديث بأسانيده. سمعت منه وسمع مني. وكان حسن الأخلاق، دائم البشر، متواضعًا. وكان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه، إذا خرج ذاك قعد ذا، وإذا خرج ذا قعد الآخر.
وقال ابن النجار في تاريخه: كان من أعيان الفقهاء ومشهوري العباد. سمعت أبا يعلى حمزة بن علي يقول: كان شيخنا أبو الحسن اليزدي يقول لنا: إذا مت فلا تدفنوني إلا بعد ثلاث، فإني أخاف أن يكون بي سكتة. وقال: وكان جثيثًا صاحب بلغم. وكان يصوم رجب، فلما كان سنة موته قبل رجب بأيام، قال: قد رجعت عن وصيتي، ادفنوني في الحال، فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول: يا علي، صم رجب عندنا. قال: فمات ليلة رجب.
قال: وقرأت بخط أحمد بن شافع وفاته في تاسع عشر جمادى الآخرة، وقال: زادت مصنفاته على خمسين مصنفًا.
قلت: روى عنه ابن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وعبد الملك بن ياسين الدولعي الخطيب، وعلي بن أحمد بن سعيد الواسطي الدباس وقرأ عليه القراءات، وأبو أحمد عبد الوهاب ابن سكينة، وعبد العزيز بن الأخضر، وآخرون.
23 -
علي بن الحسين بن عبد الله
، أبو الحسن الغزنوي الواعظ، نزيل بغداد.
سمع بغزنة من حمزة بن الحسين القايني صحيح البخاري بروايته عن العيار. وسمع ببغداد أبا سعد ابن الطيوري، وابن الحصين.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: كان مليح الإيراد، لطيف الحركات، بنت له زوجة المستظهر بالله رباطًا بباب الأزج ووقفت عليه الوقوف، وصار له جاه عظيم لميل الأعاجم إليه. وكان السلطان يأتيه يزوره والأمراء والأكابر، وكثرت عنده المحتشمون والقراء، واستعبد كثيرًا من العلماء والفقراء بنواله وعطائه، وكان محفوظه قليلًا، فحدثني جماعة من القراء أنه كان يعين لهم ما يقرؤون بين يديه، ويتحفظ الكلام عليه، وسمعته يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال.
وقال ابن السمعاني: سمعته يقول: رب طالب غير واجد، وواجد غير طالب. وقال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع.
وقال ابن الجوزي: كان يميل إلى التشيع ويدل بمحبة الأعاجم له، ولا يعظم بيت الخلافة كما ينبغي، فسمعته يقول يوما: تتولانا وتغفل عنا:
فما تصنع بالسيف إذا لم يك قتالاً فغير حلية السيف وصغه لك خلخالاً
ثم قال: تولي اليهود فيسبون نبيك يوم السبت، ويجلسون عن يمينك يوم الأحد. ثم صاح: اللهم هل بلغت.
قال: فبقيت هذه الأشياء في النفوس حتى منع من الوعظ. ثم قدم السلطان مسعود، فجلس بجامع السلطان، فحدثني فقيه أنه لما جلس قال لما حضر السلطان: يا سلطان العالم، محمد بن عبد الله أمرني أن أجلس، ومحمد أبو عبد الله منعني أن أجلس، يعني المقتفي. وكان إذا نبغ واعظ سعى في قطع مجلسه. وكان يلقب بالبرهان، فلما مات السلطان أهين الغزنوي، وكان معه قرية فأخذت منه، وطولب بمغلها عند القاضي، وحبس ثم أطلق، ومنع من الوعظ. وتشفع في أمر القرية، فقال المقتفي: ألا يرضى أن نحقن دمه؟ وما زال الغزنوي يلقى الذل بعد العز الوافر، وتوفي في المحرم.
وهو والد المسند أبي الفتح أحمد بن علي الغزنوي، راوي الترمذي.
24 -
علي بن حيدرة بن جعفر بن المحسن
، أبو طالب الحسيني العلوي الشريف الدمشقي، نقيب العلويين.
سمع أبا القاسم بن أبي العلاء المصيصي، والفقيه نصر بن إبراهيم. روى عنه ابن عساكر، وولده القاسم، وأبو المواهب، وأبو القاسم ابنا صصرى، وغيرهم.
وهو راوي السابع من فضائل الصحابة لخيثمة، توفي في جمادى الآخرة، ودفن بمقابر باب الصغير.
25 -
علي بن أبي تراب بن فيروز
، أبو الحسن الزيكوني، ثم البغدادي، الخياط.
سمع أبا الفضل محمد بن عبد السلام، وأبا الحسين المبارك ابن الصيرفي.
قال ابن السمعاني: كتب لي جزءًا عن شيوخه، وقرأته عليه وولد سنة أربع وسبعين.
ومات في ثاني ربيع الأول.
26 -
محمد بن عبد الله بن محمد بن خيرة
، أبو الوليد القرطبي.
قال ابن بشكوال: روى عن جماعة من شيوخنا وصحبنا عندهم، وكان من جلة العلماء الحفاظ، متفننًا في المعارف كلها، جامعًا لها، كثير الدراية، واسع المعرفة، حافل الأدب. حج وتوفي بزبيد في شوال، وله اثنتان وستون سنة.
27 -
محمد بن عبد الخالق
، الإمام أبو المحامد السمرقندي، الكندي.
ورع، عارف بالفقه، له حلقة إشغال، كتب عنه أبو سعد السمعاني.
وكندى من قرى سمرقند.
28 -
محمد بن عبيد الله بن سلامة بن عبيد الله بن مخلد
، أبو عبد الله الكرخي البغدادي الرطبي، من كرخ جدان، لا من كرخ بغداد.
وهو ابن أخي القاضي أبي العباس أحمد بن سلامة ابن الرطبي.
كان أحد الشهود المعدلين، كان جميل الأمر، لازمًا بيته، مشتغلًا بما يعنيه. سمع أبا القاسم ابن البسري، وأبا نصر الزينبي، وعاصم بن الحسن،
وجماعة، وتوفي في شوال. وكان مولده في سنة ثمان وستين وأربعمائة.
روى عنه: ابن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وداود بن ملاعب، وابن الأخضر، وعمر بن أحمد بن بكرون، ومحمد بن علي بن يحيى ابن الطراح، وجماعة.
29 -
محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله
، أبو الفتح بن أبي الحسن البسطامي، ثم البلخي، أخو الحافظ أبي شجاع عمر.
قال ابن السمعاني: كان إمامًا صالحًا، كثير العبادة، متواضعًا. سمع الكثير ببلخ من أبيه، وأبي هريرة عبد الرحمن بن عبد الملك بن يحيى القلانسي، وأبي القاسم أحمد بن محمد الخليلي، وإبراهيم بن أبي نصر الأصبهاني، والوزير نظام الملك. وأجاز له الحافظ أبو علي الوخشي القاضي، ولد في رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة. وتوفي في رمضان أيضًا.
روى عنه بالإجازة عبد الرحيم ابن السمعاني.
30 -
محمود بن إسماعيل بن قادوس
، القاضي، أبو الفتح المصري الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية.
أصله من دمياط، وهو أحد من اشتغل عليه القاضي الفاضل، وكان يعظمه ويصفه ويسميه ذا البلاغتين. وكان لا يتمكن من اقتباس فرائده غالبًا إلا في ركوبه من القصر إلى منزله، ومن منزله إلى القصر، فيسايره الفاضل ويجاريه في فنون الإنشاء والشعر، وله في موسوس يكثر التكبير وقت الإحرام:
وفاتر النية عنينها مع كثرة الرعدة والهزة يكبر السبعين في مرة كأنه صلى على حمزة
31 -
مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، السلجوقي، صاحب الروم.
مات بقونية، وتملك بعده ولده قلج أرسلان.
32 -
المرتضى بن محمد بن إسماعيل بن الحسين
، أبو القاسم العلوي.
شيخ معمر. سمع نجيب بن ميمون الواسطي.
مات بسجستان في ذي الحجة؛ ورخه أبو سعد.
33 -
نبأ بن محمد بن محفوظ
، الشيخ أبو البيان رضي الله عنه، شيخ الطائفة البيانية بدمشق.
كان كبير القدر، عالمًا، عاملًا، زاهدًا، قانتًا، عابدًا، إمامًا في اللغة، فقيها، شافعي المذهب، سلفي المعتقد، داعية إلى السنة. له تواليف ومجاميع، وشعر كثير، وأذكار مسجوعة مطبوعة، وقبره يزار بمقابر باب الصغير.
ولم يذكره ابن عساكر في تاريخه، ولا ابن خلكان في الأعيان.
توفي وقت الظهر يوم الثلاثاء ثاني ربيع الأول، ودفن من الغد، وشيعه خلق عظيم.
وقرأت بخط السيف ابن المجد؛ الشيخ الفقيه أبو البيان نبأ بن محمد بن محفوظ القرشي، الشافعي، رحمه الله، المعروف بابن الحوراني، سمع أبا الحسن علي ابن الموازيني، وأبا الحسن علي بن أحمد بن قبيس المالكي. وكان حسن الطريقة، قد نشأ صبيًا إلى أن قضى متدينًا، تقياً، عفيفًا، محبًا للعلم والأدب والمطالعة للغة العرب.
قلت: روى عنه يوسف بن عبد الواحد بن وفاء السلمي، والقاضي أسعد بن المنجى، والفقيه أحمد العراقي، وعبد الرحمن بن الحسين بن عبدان، وغيرهم.
أخبرنا القاضي أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام، قال: أخبرنا العلامة أبو محمد بن قدامة، قال: حدثني أبو المعالي أسعد بن المنجى، قال: كنت يومًا قاعدًا عند الشيخ أبي البيان، رحمه الله، فجاءه ابن تميم الذي يدعى الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك، ما أنحسكم، فإن
الحنابلة إذا قيل لهم: ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وذكر الشيخ الآيات والأخبار؛ وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟ قلتم: قال الأخطل: إن الكلام من الفؤاد، أيش هذا، نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم الكتاب والسنة!!.
وحدث أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المعدل في تاريخه قال: حكى جماعة من ثقات الدمشقيين أن طائفة من أصحاب الشيخ أبي البيان، بعد وفاته بأربع سنين، اجتمعوا وجمعوا دراهم واتفقوا على أن يبنوا لهم مكانًا يجتمعون فيه للذكر، واشتروا أخصاصًا وبواري ومصاطيج، وشرعوا في حفر الأساس، والفقراء قد فرحوا وهم يعملون، فبلغ ذلك نور الدين، فسير إليهم من يمنعهم، فنزل إليهم الرسول من القلعة، فالتقاه في الطريق الشيخ نصر صاحب أبي البيان، فقال له: أنت رسول محمود بمنع الفقراء من البناء؟ قال: نعم. قال: ارجع إليه وقل بعلامة ما قمت قي جوف الليل وسألت الله في باطنك أن يرزقك ولدًا ذكرًا من فلانة وواقعتها لا تتعرض إلى جماعة الشيخ ولا تمنعهم. فعاد الرسول إلى السلطان وأخبره فقال: والله العظيم ما تفوهت بهذا لمخلوق، ثم أمر بعشرة آلاف درهم ومائة حمل خشب ليبنوا بها. فبنوا الرباط، ووقف عليه مزرعة بجسرين.
هذه حكاية منقطعة لا تصح.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم الأرموي: أخبرني والدي، عن جدي، عن الشيخ عبد الله البطائحي قال: رأيت الشيخ أبا البيان والشيخ رسلان مجتمعين بجامع دمشق، فسألت الله أن يحجبني عنهما حتى لا يشتغلا بي، وتبعتهما حتى صعدا إلى أعلى مغارة الدم، وقعدا يتحدثان، وإذا بشخص قد أتى كأنه طائر في الهواء، فجلسا بين يديه كالتلميذين، وسألاه عن أشياء من جملتها: على وجه الأرض بلد ما رأيته؟ قال: لا. فقالا: هل رأيت مثل دمشق؟ قال: ما رأيت مثلها. وكانوا يخاطبونه يا أبا العباس، فعلمت أنه الخضر عليه السلام.
فقلت: إن صحت هذه الحكاية عن عبد الله البطائحي فهو ظن من الشيخ
عبد الله في أن ذلك الشخص الخضر، ومن الناس من يقول: إن الخضر مرتبة من وصل إليها سمي الخضر كالقطب والغوث.
34 -
واثق بن تمام بن محمد بن علي بن أبي عيسى
، أبو منصور الهاشمي، العباسي، العيسوي، البغدادي، العتابي.
سمع عبد الخالق بن هبة الله المفسر، ومحمد بن عبد الله المستعمل. روى عنه يحيى بن الحسين الأواني، وعبد العزيز بن الأخضر.
توفي في شعبان عن بضع وثمانين سنة.
35 -
يحيى بن سلامة بن الحسين بن عبد الله
، الخطيب، معين الدين أبو الفضل الحصكفي، نسبة إلى حصن كيفا.
تأدب ببغداد على أبي زكريا التبريزي، وقرأ الفقه وجوده، ثم نزل ميافارقين وولي خطابتها والفتوى بها، واشتغل عليه أهلها، وله ديوان معروف، وخطب، ورسائل.
قال العماد في الخريدة: كان علامة الزمان في علمه، ومعري العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم.
ومن شعره:
وخليع بت أعذله ويرى عذلي من العبث قلت: إن الخمر مخبثة قال: حاشاها من الخبث قلت: فالأرفاث تتبعها قال: طيب العيش في الرفث قلت: منها القيء قال: أجل شرفت عن مخرج الحدث وسأجفوها، فقلت متى؟ قال: عند الكون في الجدث
وله في مغن:
ومطرب قوله بالكره مسموع محجب عن بيوت الناس ممنوع غنى فبرق عينيه وحول لحـ ييه فقلنا: الفتى، لا شك، مصروع وقطع الشعر حتى ود أكثرنا أن اللسان الذي في فيه مقطوع
لم يأت دعوة أقوام بأمرهم ولا مضى قط إلا وهو مصفوع
توفي الخطيب الحصكفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث.
36 -
يحيى بن عبد الباقي بن محمد
، أبو بكر البغدادي، الغزال.
سمع مالكًا البانياسي، ورزق الله التميمي، وحمدًا الحداد الأصبهاني، وجماعة. روى عنه أبو سعد السمعاني، وأحمد بن حمزة ابن الموازيني، وجماعة، وتوفي في شوال.
سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة
37 -
أحمد بن أحمد بن علي بن أحمد ابن الخراز
، أبو علي الحريمي، البغدادي.
قال ابن السمعاني: شيخ صالح، مستور، متدين، لازم لمسجده. سمع أبا الغنائم محمد بن علي الدقاق، وولد في سنة خمس وسبعين وأربعمائة قرأت عليه جزءًا من أمالي المحاملي
قلت: هو الجزء الأول، لأنه كان يرويه عن أبي الغنائم، وتفرد به وما كأنه روى سواه. بلى، روى جزءًا عن محمد بن أحمد ابن الجبان العطار، عن أحمد بن عمر ابن الإسكاف، وروى جزءًا عن، طراد الزينبي، وآخر عن مالك البانياسي، وتوفي في أول ذي الحجة.
وقد روى عنه عبد الخالق بن أسد، وعمر بن طبرزد، وأبو علي الحسن ابن الزبيدي، ومحمد وعبد الواحد ابنا المبارك ابن المستعمل.
وآخر من روى عنه بالإجازة ابن المقير، فأخبرنا صبيح فتى صواب المالقي، قال: أخبرنا ابن المقير، قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن أحمد إجازة، قال: أخبرنا محمد بن علي بن أبي عثمان، قال: أخبرنا عبد الله بن البيع، قال: أخبرنا أبو عبد الله المحاملي، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا جرير، ومحمد بن فضيل، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه بشيء منها، فنظر أصحابه إلى حموشة ساقيه، فضحكوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تضحكون لرجل عند الله في الميزان أثقل يوم القيامة من أحد. قيل اسم أم موسى حبيبة.
وقال ابن النجار: كان شيخًا صالحًا، له سمت حسن، وعليه وقار
وسكينة، قال لي بعض أهل العلم إنهم يقولون إن وجهه يشبه وجه أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
38 -
أحمد بن أحمد بن محمد بن اليعسوب
، أبو الفتح البغدادي.
سمع أبا غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وأبا العز محمد بن المختار.
وكان أديبًا شاعرًا، روى عنه أبو المنجى بن اللتي.
قال ابن النجار: توفي في سادس عشر جمادى الآخرة.
39 -
أحمد بن بختيار بن علي بن محمد
، القاضي أبو العباس المندائي، الواسطي.
ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة، ورحل إلى بغداد. وسمع من أبي القاسم بن بيان، وأبي غالب أحمد ابن المعبر، وأبي علي بن نبهان.
وكان فقيهًا، إمامًا، بارعًا في كتابة الشروط بارعًا في اللغة والأدب، ولي قضاء واسط مدة، وهو والد أبي الفتح المندائي. وحدث عن الحريري بالمقامات وصنف كتاب القضاة وغير ذلك. وكان ثقة صدوقًا.
قال أبو سعد السمعاني: قرأت عليه مقامات الحريري، وتوفي في نصف جمادى الأولى.
قلت: وقد أجاز لابن المقير، وروى عنه ابنه، وجماعة.
40 -
أحمد بن جبير بن محمد بن سعيد بن جبير
، الوزير أبو جعفر الكناني، من ولد بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة.
كان من وجوه أهل بلنسية، روى عن صهره أبي عمران بن أبي تليد، وأبي عبد الله بن خلصة وعليه قرأ الأدب. ووزر لمروان بن عبد العزيز عند ثورته وخروجه ببلنسية لما انقرضت دولة الملثمين. وامتحن يوم خلع مروان، فقبض عليه الجند، ثم انتقل إلى شاطبة.
روى عنه ولده أبو الحسين محمد بن أحمد.
41 -
أحمد بن عمر بن محمد بن لقمان
، أبو الليث النسفي، ثم السمرقندي، الفقيه، مجد الدين الواعظ.
قال ابن السمعاني: كان فقيهًا، فاضلًا، واعظًا كاملًا، سمعه أبوه من جماعة. وكان مولده في سنة سبع وخمسمائة بسمرقند. وكان أبوه حافظًا. قدم مجد الدين بغداد حاجًا، ثم رد إلى وطنه، فلما وصل إلى قومس خرج طائفة كبيرة من أهل قلاع الإسماعيلية وقطعوا الطريق على القافلة، وقتلوا مقتلة عظيمة من الحاج والعلماء، أكثر من سبعين نفسًا، منهم المجد النسفي.
42 -
أحمد بن هبة الله بن أحمد
، أبو الفضائل ابن الزيتوني، الهاشمي، العباسي، الواثقي، البغدادي.
سمع طرادًا الزينبي، وثابت بن بندار. روى عنه المبارك بن كامل مع تقدمه في معجمه، وثابت بن مشرف، وعمر بن أحمد العلوي، وتوفي في صفر وله اثنتان وثمانون سنة.
43 -
إبراهيم بن رضوان بن تتش بن ألب أرسلان
، شمس الملوك، أبو نصر.
ولد سنة ثلاث وخمسمائة، ونزل على حلب محاصرًا لها في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وكان معه الأمير دبيس بن صدقة الأسدي صاحب الحلة، وبغدوين ملك الفرنج. وفي سنة إحدى وعشرين قدم أبو نصر إبراهيم هذا إلى حلب أيضًا فدخلها وملكها، وفرحوا به، ونادوا بشعاره. وخرج صاحب أنطاكية فأتاها ونازلها، فترددت الرسل لما ضايق حلب، فركب أبو نصر وعزيز الدولة في خلق عظيم، فتراسلوا، فانعقدت الهدنة، وحلف لهم، وحملوا إليه ما افترضه، ولطف الله. ثم بعد مدة سار أبو نصر، وأعطاه الأتابك زنكي نصيبين، فملكها إلى أن مات في ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وخمسين.
قال ابن العديم في تاريخه: أخبرني بذلك بعض أحفاده.
44 -
الحسن بن الحسين بن الحسن
، الأستاذ أبو علي الأندقي، العارف، شيخ الصوفية، وكبير القوم بما وراء النهر
صحب يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد بمرو مدة طويلة وكان يسافر معه. وجالس جده لأمه الإمام أبا المظفر عبد الكريم بن أبي حنيفة الأندقي الفقيه المذكور في سنة إحدى وثمانين.
قال أبو سعد السمعاني: هو شيخ عصره أبو علي الأندقي من أهل بخارى. وأندقى من قرى بخارى. ظهرت بركته على جماعة كثيرة من أهل العلم والدين، وكان صاحب طريقة حسنة في تربية المريدين ودعاء الخلق إلى الله تعالى، مع ما رزقه الله من صفاء الوقت، ودوام العبادة والرياضة، واتباع الأثر والسنة النبوية. وكان مهيبًا، حسن الكلام، يتكلم على الخواطر، وابتلي وامتحن، وظهر له جماعة من الخصوم ممن قصد قتله، فصبر ودفع الله عنه، وسلمه من أيديهم. ولد في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وتوفي في السادس والعشرين من رمضان، وله تسع وثمانون سنة.
قلت: ذكره أبو سعد في الأنساب، وفي معجم ولده.
وروى عنه ولده عبد الرحيم حديثًا واحدًا بروايته عن يوسف الهمذاني.
45 -
الحسن بن سعد
، أبو شجاع ابن القواريري، البغدادي، البزاز، أخو يعيش بن سعد قاضي باب البصرة.
سمع ثابت بن بندار، وابن سوسن التمار.
قال ابن الأخضر: كان متكلمًا أشعريًا.
وقال السمعاني: شيخ صالح.
وروى عنه هو، وابن عساكر، مات في شوال.
46 -
الحسن بن المبارك بن محمد الأديب
، أبو الحسين ابن الخل، أخو الفقيه أبي الحسن محمد
شاعر ماجن ظريف، بديع النظم. روى عن أبي الخطاب الكلوذاني. روى عنه ابن عساكر وغيره، وهو القائل:
آه من قلة التجلد والصبـ ـر وويلي من كثرة العذال وبنفسي ذاك الغزال وحاشا حسنه أن أقيسه بالغزال والبديع الذي إذا بلبل الأصـ ـداغ أعدى القلوب بالبلبال
عاش سبعين سنة، ومات في ذي القعدة
47 -
الحسين بن نصر بن محمد بن الحسين بن القاسم بن خميس
، الجهني، الكعبي، الموصلي، القاضي أبو عبد الله، قاضي رحبة مالك بن طوق
قال ابن السمعاني: إمام فاضل، حسن الأخلاق، بهي المنظر. قدم بغداد قبل الثمانين وأربعمائة، وسمع بها قاضي القضاة أبا بكر محمد بن المظفر الشامي، وطرادًا الزينبي، وأحمد بن عبد القادر بن يوسف، ونصر بن البطر. وسمع بالموصل: أبا نصر بن ودعان، قرأت عليه أحاديث، وقال لي: ولدت في المحرم سنة ست وستين وأربعمائة بالموصل.
ثم ظفرت بوفاته؛ وأرخها ابن خلكان وابن النجار سنة اثنتين وخمسين.
48 -
سرخاك
، الأمير الكبير فخر الدين، متولي قلعة بصرى.
قتل في شوال غيلة بالقلعة بتدبير من زوج بنته الأمير علي بن جولة ومن وافقه من أعيان خاصته مع أنه كان يبالغ في التحرز والتيقظ، ولكنه الأجل.
49 -
سعد بن محمد بن أبي عبيد
، أبو محمد الدستجردي، المروزي، خطيب دستجرد.
فقيه صالح، سمع أبا الفتح عبيد الله بن محمد الهشامي، ومحمد بن إسماعيل اليعقوبي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
وتوفي في رمضان.
50 -
سنجر ابن السلطان
ملكشاه ابن السلطان ألب رسلان ابن السلطان جغربيك بن ميكائيل بن سليمان بن سلجوق، سلطان خراسان، وغزنة، وما وراء النهر.
وخطب له بالعراق، والشام، والجزيرة، وأذربيجان، وأران، وديار بكر، والحرمين، ولقبه السلطان الأعظم معز الدين، أبو الحارث، واسمه بالعربي أحمد بن الحسن بن محمد بن داود. كذا ساقه ابن السمعاني، وقال في أبيه الحسن إن شاء الله. ثم قال: ولد بسنجار من بلاد الجزيرة في رجب سنة
تسع وسبعين وأربعمائة حين توجه أبوه إلى غزو الروم، ونشأ ببلاد الخزر، وسكن خراسان، واستوطن مرو.
وقال ابن خلكان: تولى المملكة نيابة عن أخيه بركياروق سنة تسعين وأربعمائة، ثم استقل بالسلطنة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
وقال ابن السمعاني: وكان في أيام أخيه يلقب بالملك المظفر إلى أن توفي أخوه السلطان محمد بالعراق في ذي الحجة سنة إحدى عشرة، فلقب بالسلطان. وقال: ورث الملك عن آبائه وزاد عليهم: ملك البلاد، وقهر العباد، وخطب له على أكثر منابر الإسلام. وكان وقورًا، حييًا، سخيًا، كريمًا، مشفقًا، ناصحًا لرعيته، كثير الصفح، صارت أيام دولته تاريخًا للملوك، وجلس على سرير الملك قريبًا من ستين سنة. أقام ببغداد، وانصرف منها إلى خراسان، ونزل مرو، وكان يخرج منها ويعود.
قال: وحكى أنه دخل مع أخيه محمد على الإمام المستظهر بالله، قال: فلما وقفنا بين يديه ظن أني أنا هو السلطان، فافتتح كلامه معي، فخدمته وقلت: يا مولانا أمير المؤمنين السلطان هو وأشرت إلى أخي. ففوض إليه السلطنة، وجعلني ولي العهد بعده بلفظه.
قال ابن السمعاني: واتفق أن في سنة إحدى وتسعين لما هزم عساكر أخيه والأمير حبشي كان فتحًا عظيمًا في الإسلام، فإن أكثر ذلك العسكر كان ممن يميل عن الحق، فبلغ ذلك الإمام أبا الحسن علي بن أحمد المديني المؤذن، فصلى ركعتين، وسجد شكرًا لله. ثم أجاز للسلطان سنجر جميع مسموعاته، فقرأت عليه بها أحاديث. وكان قد حصل له طرش.
قال ابن الجوزي: واتفق أنه حارب الغز، يعني قبل الخمسين، فأسروه، ثم تخلص بعد مدة وجمع إليه أطرافه بمرو.
وقال القاضي ابن خلكان: كان من أعظم الملوك همة، وأكثرهم عطاء. ثم قال: ذكر أنه اصطبح خمسة أيام متوالية، ذهب بها في الجود كل مذهب، فبلغ ما وهبه من العين سبعمائة ألف دينار، سوى الخلع والخيل.
قال: وقال خازنه: اجتمع في خزائنه من الأموال ما لم يسمع أنه اجتمع في خزائن أحد من الملوك الأكاسرة، وقلت له يوماً: حصل في خزائنك ألف ثوب ديباج أطلس، وأحب أن تبصرها، فسكت، فأبرزت جميعها فحمد الله، ثم قال: يقبح بمثلي أن يقال: مال إلى المال. وأذن للأمراء في الدخول، فدخلوا عليه، ففرق عليهم الثياب وانصرفوا. قال: واجتمع عنده من الجواهر ألف وثلاثون رطلًا، ولم يسمع عند أحد من الملوك ما يقارب هذا.
وقال ابن خلكان: ولم يزل أمره في ازدياد إلى أن ظهرت عليه الغز في سنة ثمان وأربعين، وهي واقعة مشهورة استشهد فيها الفقيه محمد بن يحيى فكسروه وانحل نظام ملكه، وملكوا نيسابور، وقتلوا بها خلقًا كثيرًا، وأسروا السلطان سنجر، وأقام في أسرهم خمس سنين.
قلت: بل بقي في أسرهم ثلاث سنين وأربعة أشهر.
وتغلب خوارزم شاه على مرو، يعني بعده، وتفرقت مملكة خراسان، قال: ثم إن السلطان سنجر أفلت من الأسر وعاد إلى خراسان، وتوفي في رابع عشر ربيع الأول سنة اثنتين بعد خلاصه من الأسر، وانقطع بموته استبداد الملوك السلجوقية بخراسان، واستولى على أكثر مملكته السلطان خوارزم شاه آتسز بن محمد بن نوشتكين.
وقال ابن السمعاني: توفي في رابع وعشرين ربيع الأول، وهو الصحيح. وأظن ذلك غلطًا من الناسخ. ودفن في قبة بناها وسماها دار الآخرة.
قال ابن الجوزي: ولما بلغ خبر موته إلى بغداد قطعت خطبته، ولم يعقد له العزاء، فجلست امرأة سليمان للعزاء، فرآها المقتفي بالله وأقامها.
وقال ابن السمعاني: تسلطن بعده ابن أخته الخاقان محمود بن محمد بن بغراخان.
51 -
صلاح الدين، متولي حمص
.
كان قد تقدم عند الأتابك زنكي بالمناصحة وسداد الرأي، فلما شاخ عجز عن ركوب الفرس. وكان يحمل في المحفة. وخلفه من بعده في حمص أولاده، ثم تملكها أسد الدين وذريته.
52 -
طاهر بن حيدرة بن مفوز بن أحمد بن مفوّز
، أبو الحسن المعافري، الشاطبي
سمع أخاه أبا بكر، وأبا علي الصدفي، وأجاز له عمه طاهر بن مفوز الحافظ.
قال الأبار: وكان فقيهًا حافظًا، مقدمًا في علم الفرائض يلجأ إليه في ذلك، وولي قضاء شاطبة، ثم استعفى فأعفي. روى عنه ابناه أبو بكر عبد الله، ومفوز، وتوفي في المحرم.
53 -
عبد الباقي بن محمد بن عبد الباقي
، أبو منصور التميمي، الموصلي، الدمشقي.
قرأ القرآن على أبي الوحش سبيع، وسمع الشريف النسيب، وأبا طاهر الحنائي، وأبا الحسن ابن الموازيني. وكتب الحديث بخط حسن.
وكان شاهدًا متوددًا، روى عنه ابن عساكر، وابن السمعاني، وأبو الحسن علي بن محمد بن يحيى القاضي ابن الزكي، وأبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم.
توفي في رمضان.
54 -
عبد الصبور بن عبد السلام بن أبي الفضل
، أبو صابر الهروي، الفامي، التاجر.
قال ابن السمعاني: ولد في رمضان سنة سبعين وأربعمائة، وكان صالحًا، كثير الخير، مشتغلًا بنفسه. سمع أبا إسماعيل عبد الله الأنصاري، وأبا عامر محمود بن القاسم الأزدي، ونجيب بن ميمون الواسطي، وإلياس بن مضر البالكي، وحدث بجامع الترمذي عن أبي عامر. وكان من التجار
المعروفين، صدوقًا أمينًا، ورد بغداد حاجًا سنة تسع وثلاثين وحدث بها بجامع الترمذي، ورواه أيضًا بهمذان.
قلت: روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، وأبو الحسن علي ابن نجا الواعظ الحنبلي، وأحمد بن الحسن العاقولي، وآخرون.
توفي بهراة في شعبان.
55 -
عبد القاهر بن علي بن أبي جرادة
، الأمين مخلص الدين العقيلي، الحلبي، ناظر خزانة الملك نور الدين بحلب.
قال أبو يعلى حمزة: راعني فقده لأنه كان خيرًا، كاتبا بليغًا، حسن البلاغة. نظمًا ونثرًا، بديع الكتابة، يتوقد ذكاء. وكانت بيننا مودة من الصبى بحكم تردده إلى دمشق، ورثيته بأبيات، فذكر منها:
وقد كان ذا فضلٍ وحسن بلاغة ونظم كدر في قلائد حور يفوق بحسن اللفظ كل فصاحة وخط بديعٍ في الطروس منير
56 -
عبد الملك بن علي بن حمد
، أبو الفضل الهمذاني، البزاز.
عاش اثنتين وثمانين سنة. سمع أحمد بن عمر البيع، وفيد الشعراني، والدوني، وببغداد أبا سعد الصيرفي.
مات في ربيع الأول.
57 -
عبد الملك بن مسرة بن فرج بن خلف بن عزير
، أبو مروان اليحصبي، الشنتمري، ثم القرطبي، أحد الأئمة الأعلام.
أخذ الموطأ عن أبي عبد الله ابن الطلاع سماعًا، واختص بالقاضي أبي الوليد بن رشد، وتفقه معه، وصحب أبا بكر بن مفوز، فانتفع به معرفة الحديث.
قال ابن بشكوال: كان ممن جمع الله له الحديث والفقه، مع الأدب البارع، والخط الحسن، والدين، والورع، والتواضع والهدي الصالح. كان على منهاج السلف المتقدم. أخذ الناس عنه، وكان أهلًا لذلك لعلو ذكره، ورفعة قدره. توفي لثمان بقين من رمضان.
آخر من سمع منه أبو القاسم بن بقي، قاله ابن الزبير.
58 -
عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن غالب
، أبو العرب التجيبي، الأندلسي، البلنسي، المعروف بالبقساني، نسبة إلى قرية بغربي بلنسية.
سمع أبا الحسن بن واجب، وأبا محمد بن خيرون، وخليص بن عبد الله، وأبا علي الصدفي، وأبا بحر الأسدي، وأبا محمد بن أبي جعفر الفقيه. وأجاز له طائفة آخرون.
وكان خطيبًا مفوهًا، فصيحًا، شاعرًا، ذا لسانٍ وبلاغة وعربية، وله مشاركة في العلوم. ولي قضاء لرية، وحدث؛ أخذ عنه أبو عمر بن عياد، وأبو الحسن بن سعد الخير، وأبو مروان ابن الجلاء، وتوفي في المحرم عن ثلاثٍ وسبعين سنة
59 -
عثمان بن علي بن محمد بن علي
، أبو عمرو البيكندي، مسند أهل بخارى
قال ابن السمعاني: ولد في شوال سنة خمس وستين وأربعمائة، وكان إمامًا فاضلًا، ورعًا، عفيفًا، نزهًا، قانعًا باليسير، كثير العبادة، ثقة، صالحًا.
سمع أبا محمد عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيدي المعمر، وأبا بكر محمد بن الحسين خواهرزادة، وأبا الخطاب الطبري القاضي، والإمام محمد بن أحمد بن أبي سهل الفقيه، وطائفة كبيرة.
روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم. توفي في تاسع شوال، وشيعه أمم. وهو آخر من حدث عن الإمام أبي المظفر عبد الكريم الأندقي.
60 -
علي بن أحمد بن الحسين بن أبي نصر بن الأشعث بن حاشد
، الكندكيني، السغدي، السمرقندي.
روى بالإجازة عن السيد محمد بن محمد بن زيد. سمع منه ابن السمعاني، وولده عبد الرحيم، وتوفي في ربيع الأول.
61 -
علي ابن الوزير أبي علي الحسن بن علي بن صدقة
صدر معظم، يلقب شرف الدولة. سمع أبا القاسم الربعي، وغيره. وعنه أبو سعد السمعاني.
62 -
علي بن الحسين بن علي
، أبو الحسن ابن أشليها، الدمشقي.
سمع أبا القاسم بن أبي العلاء المصيصي، وأبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وأبا الفضل بن الفرات. روى عنه ابن عساكر، وابنه القاسم، وغيرهما، وتوفي في رمضان.
63 -
علي بن صدقة بن علي بن صدقة
، الوزير أبو القاسم قوام الدين.
استوزره أمير المؤمنين المقتفي سنتين، ثم عزله سنة خمس وأربعين. توفي في الثالث والعشرين من جمادى الأولى؛ ذكره ابن الجوزي.
قال ابن النجار: هو ابن أخي الوزير جلال الدين.
64 -
علي بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن الضحاك
، أبو الحسن الفزاري، الغرناطي، المعروف بابن المقرئ.
روى عن أبي الوليد بن بقوة، وشريح بن محمد، وأبي الحسن بن مغيث، وجماعة.
قال الأبار: اعتنى بالحديث، وشارك في غيره، وعرف بصحة النقل. حدث عنه أبو بكر بن أبي زمنين، وأبو جعفر بن شراحيل ابن أخته، وأبو الحسن بن جابر؛ القرطبيون.
65 -
عمر بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي طاهر
، أبو حفص الحربي المقرئ
شيخ صالح، خير، قيم بكتاب الله. سمع بنفسه الكثير وأفاد غيره. وتلا للكسائي، على ثابت بن بندار. وسمع أبا عبد الله النعالي، وأبا الخطاب القارئ، وأبا بكر الطريثيثي، وأبا الفوارس الزينبي، وجماعة.
روى عنه الحسين بن أحمد ابن الخياري النساج، وعمر بن طبرزد
، وابن اللتي، وآخرون. وهو الذي روى عنه ابن اللتي الجزء الأول من مشيخة الفسوي والأمالي والقراءة لابن عفان.
توفي في حادي عشر شعبان.
وقرأ عليه ريحان بن تيكان الضرير المقرئ، وعبد العزيز ابن الناقد.
66 -
عيسى بن محمد بن فتوح بن فرج
، الأستاذ أبو الأصبغ الهاشمي، الأندلسي، المقرئ، المعروف بابن المرابط. نزيل بلنسية.
أخذ القراءات عن أبي زيد الوراق، وأبي عبد الله بن ثابت، وأبي بكر بن الصباغ الهدهد. وتصدر للإقراء. وكان من جلة المقرئين.
أخذ عنه القراءات أبو عبد الله ابن الخباز.
وحدث عنه أبو عمر بن عياد، وابنه محمد، وأبو عبد الله بن سعادة.
وتوفي في رجب، وقد جاوز السبعين؛ قاله الأبار.
67 -
أبو القاسم ابن الخليفة المستظهر بالله
توفي في ثامن عشر جمادى الأولى، وحمل إلى التربة التي للخلفاء في الماء. ومضى معه الوزير وأرباب الدولة، وجلسوا للعزاء يومين. ثم خرج توقيع بإقامتهم من العزاء. وكان أصغر أولاد المستظهر، وأخا أمير المؤمنين المقتفي.
68 -
محمد بن الحسين
، الأديب الكامل أبو المكارم ابن الآمدي، البغدادي.
من فحول الشعراء، تأخر حتى مدح ابن هبيرة، مات في هذه السنة.
69 -
محمد بن خداداذ بن سلامة
، الفقيه أبو بكر البغدادي، الحداد.
كان إمامًا أصوليًا، مناظرًا، من أعيان الحنابلة. تفقه على أبي الخطاب، وسمع من ابن طلحة النعالي، وطراد، وابن البطر. روى عنه ابن الأخضر، وثابت بن مشرف.
وتوفي في جمادى الأولى.
70 -
محمد بن سليمان بن خلف
، أبو عبد الله النفزي، الشاطبي، ويعرف بابن بركة.
سمع من أبي عمران بن أبي تليد وأبي جعفر بن جحدر، وأبي علي ابن سكرة. وأخذ رواية نافع عن: أبي الحسن بن شفيع، وكان إمامًا مفتيًا، نافذًا في عقد الشروط، متقدمًا فيها.
روى عنه المعمر أبو عبد الله بن سعادة، وابن أخته محمد بن أحمد النحوي.
وقد جاوز السبعين، وتوفي في هذا العام أو بعده.
71 -
محمد بن صافي بن خلف
، أبو عبد الله الأنصاري، الأندلسي، قاضي أوريولة.
يروي عن أبي علي بن سكرة الصدفي، وأبي محمد بن أبي جعفر الفقيه.
72 -
محمد بن عبد الحميد بن الحسين بن الحسن
، أبو الفتح الأسمندي، السمرقندي، المعروف بالعلاء العالم.
قال ابن السمعاني: كان فقيهًا، مناظرًا، بارعًا، صنف تصنيفًا في الخلاف، وسار في البلدان، وتخرج على الإمام الأشرف، وصار من فحول المناظرين، وسمع من علي بن عمر الخراط، وغيره. لقيته بسمرقند، وكان يقول لي: أنا تلميذ والدك، قال: دخلت مرو لأتفقه على القاضي محمد بن الحسين الأرسابندي فلم يكن حاضرًا، فحضرت درس والدك وإن لم أكن على مذهبه
قال ابن السمعاني: وكان يملي التفسير، ولم أسمع منه لأنه كان مدمنًا للخمر على ما سمعت عامة الناس يقولون، ولم يكن يخفي ذلك. وسمعت أبا الحسين إبراهيم بن مهدي بن قلنبا الإسكندراني يقول: سمعت من أثق به أن العلاء العالم قال: ليس في الدنيا راحة إلا في شيئين: كتاب أطالعه، وباطية خمرٍ أشرب منها.
ولد في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة بسمرقند، وقدم بغداد حاجًا في سنة اثنتين هذه.
وقال أبو سعد: حدثني ولدي أبو المظفر، قال: حدثنا أبو الفتح محمد بن عبد الحميد، قال: حدثنا علي بن إسماعيل الخراط، قال: حدثنا علي بن أحمد بن الربيع، قال: حدثنا أبي، فذكر حديثًا.
73 -
محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت
، العلامة أبو بكر الخجندي، ثم الأصبهاني.
سمع أبا علي الحداد، وجماعة.
قال ابن السمعاني: لقبه صدر الدين، كان صدر العراق في وقته على الإطلاق، وكان إمامًا، مناظرًا، فحلًا، واعظًا، مليح الوعظ، سخي النفس، جوادًا مهيبًا. دخل بغداد مرات، وكان حسن التقدم عند السلاطين. كان السلطان محمود يصدر عن رأيه. وكان بالوزراء أشبه منه بالعلماء. وكان يروي الحديث على المنبر من حفظه.
قال ابن الجوزي: قدم بغداد، وولي تدريس النظامية، وكان مليح المناظرة. حضرت مناظرته وهو يتكلم بكلمات معدودة كأنها الدر. ووعظ بجامع القصر وبالنظامية، وما كان يندار في الوعظ، وكان مهيبًا، وحوله السيوف.
قال ابن السمعاني: خرج إلى أصبهان من بغداد، فنزل قرية بين همذان والكرج، نام في عافية وأصبح ميتًا في الثامن والعشرين من شوال فحمل إلى أصبهان.
قال ابن الأثير: وقعت لموته فتنة عظيمة قتل فيها خلق بأصبهان.
74 -
محمد بن عبيد الله بن نصر بن السري
، أبو بكر ابن الزاغوني، البغدادي، المجلد.
سمعه أخوه الإمام أبو الحسن من أبي القاسم ابن البسري، وأبي نصر الزينبي، وعاصم بن الحسن، وأبي الفضل بن خيرون، ومالك البانياسي، ورزق الله التميمي، وطراد، وطائفة. وطال عمره، وتفرد في عصره.
روى عنه ابن السمعاني، وابن الجوزي، وعمر بن طبرزد، والتاج الكندي، وابن ملاعب، ومحمد بن عبد الله ابن البناء الصوفي، وعبد السلام بن
يوسف العبرتي ومحاسن بن عمر الخزائني، وأبو علي الحسن بن إسحاق ابن الجواليقي، وعبد السلام بن عبد الله الداهري، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي وهو آخر من روى عنه بالسماع.
أخبرنا علي بن أحمد العلوي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد القطيعي، قال: أخبرنا أبو بكر ابن الزاغوني، قال: أخبرنا أبو نصر الزينبي، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن بلال، «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بين العمودين تلقاء وجهه في جوف الكعبة» .
أخرجه مسلم، عن أبي الربيع، فوافقناه.
قال ابن السمعاني: أبو بكر ابن الزاغوني، شيخ صالح، متدين، مرضي الطريقة. قرأت عليه أجزاء، وكان له دكان يجلد فيها. ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتوفي في الثالث والعشرين من ربيع الآخر.
قلت: وفي هذا الشهر سمع منه الداهري. وآخر من روى عنه بالإجازة ابن المقير، عاش بعده نيفًا وتسعين سنة.
وكان غاية في حسن التجليد، اصطفاه المقتفي لأمر الله لتجليد خزانة كتبه
75 -
محمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الخل
، الإمام أبو الحسن بن أبي البقاء البغدادي، الفقيه الشافعي.
كان إمامًا بارعًا، خبيرًا بالمذهب. تفقه على أبي بكر الشاشي المستظهري، ودرس، وأفتى، وصنف، وتفرد بالفتوى ببغداد في المسألة السريجية. وصنف كتابًا سماه توجيه التنبيه على صورة الشرح وهو مختصر، وذاك أول شرح صنف للتنبيه. وصنف كتابًا في أصول الفقه.
وقد سمع الحديث من جماعة من الكبار، وحدث عن أبي عبد الله
النعالي، ونصر أبي الخطاب بن البطر، وثابت بن بندار، وأبي عبد الله ابن البسري، وجعفر السراج، وأبي بكر الطريثيثي، وأبي الفضل محمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبي غالب الباقلاني، وأبي الحسن ابن الطيوري، وآخرين.
روى عنه عبد الخالق بن أسد، وأبو سعد ابن السمعاني، وأحمد بن طارق الكركي، والفتح بن عبد السلام، وجماعة آخرهم وفاة أبو الحسن القطيعي.
وقيل: كان الناس يتحيلون على أخذ خطه في الفتاوى لحسن خطه لا للحاجة إلى الفتيا.
ولد سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
قال ابن السمعاني: هو أحد الأئمة الشافعية ببغداد، برع في العلم وهو مصيب في فتاويه، وله السيرة الحسنة والطريقة الجميلة، خشن العيش، تارك للتكلف، على طريقة السلف. حلس مسجده الذي بالرحبة لا يخرج منه إلا بقدر الحاجة.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: توفي في المحرم، ودفن بالوردية.
وتوفي أخوه: أبو الحسين أحمد بن الخل الشاعر في ذي القعدة من السنة أيضًا.
قلت: وكان فقيهًا أيضًا، وعاش سبعًا وسبعين سنة.
وقع الجزء الأول من مشيخة أبي الحسن لنا بعلو.
76 -
محمد بن عمر بن عبد الصمد
، أبو الفتح المطيعي البلخي، الفقيه الحنفي.
سمع أبا القاسم أحمد بن محمد الخليلي. أخذ عنه السمعاني.
مات في شعبان عن اثنتين وثمانين سنة.
77 -
محمد بن مسعود بن أحمد بن السدنك
، أبو الغنائم الميداني، البغدادي. كان يسكن الميدان عند دار البساسيري.
قال ابن السمعاني: شيخ صالح مستور، سمع أبا الحسين عاصم بن الحسن، كتبت عنه، وتوفي في الثامن والعشرين من ربيع الأول.
قلت: وسمع من رزق الله التميمي، وغيره. روى عنه ابن السمعاني، وهبة الله بن وجيه ابن السقطي، وعبد العزيز بن الأخضر.
78 -
محمد بن يحيى بن محمد بن بذال
، أبو الفضل ابن النفيس البغدادي، العطار.
شيخ صالح، روى عن أبي الحسين ابن الطيوري. روى عنه ابن السمعاني، وابن سكينة، وأبو الفرج ابن الجوزي، وغيرهم. توفي في صفر.
79 -
المبارك بن أحمد بن علي بن الإخوة
، أبو البركات البغدادي الدقيقي.
فقيه فاضل، شاعر، علق عنه ابن السمعاني من شعره، وعاش سبعين سنه
80 -
مبشر بن أحمد بن محمود بن عبد الله بن أحمد
، أبو الفتوح النكوي، الأصبهاني، الزاهد، الواعظ.
سمع رزق الله التميمي، وأبا منصور بن شكرويه، وأبا حفص عمر بن أحمد السمسار. روى عنه ابن السمعاني وقال: سألته عن مولده فقال: في حدود سنة سبعٍ وسبعين وأربعمائة.
وروى عنه يوسف بن المبارك الخفاف.
وقال معمر بن الفاخر: توفي مبشر بن أبي سعد الزاهد في الثامن والعشرين من صفر.
81 -
محمود بن إبراهيم
، أخو أبي بكر محمد الصالحاني الأصبهاني.
سمع أبا الخير بن ررا. كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني.
82 -
محمود بن حسين بن محمد، الأصبهاني
.
سمع رزق الله التميمي، والثقفي، يكنى أبا الفتح.
روى عنه السمعاني، وقال: مات في شوال.
83 -
مغيث بن يونس بن محمد بن مغيث
، أبو يونس القرطبي
من بيت العلم والرواية، روى عن أبيه، وأبي القاسم بن صواب، وأبي بحر بن العاص، وجماعة. وشوور بقرطبة. وشرف بنفسه وببيته، وتوفي في رجب عن ست وستين سنة.
84 -
منصور بن محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد
، برهان الدين أبو القاسم بن أبي سعد بن أبي نصر الصاعدي، النيسابوري، قاضي نيسابور.
سمع من جده أبي نصر، وأبي بكر بن خلف الشيرازي، وأبي القاسم عبد الرحمن الواحدي، وإسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، وغيرهم. روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم.
وقال أبو سعد: كان حميد الولاية، مشتغلًا بالعبادة. لزم الجامع مدة معتكفًا. وكان شديد الامتناع عن التحديث.
وقال عبد الرحيم ابن السمعاني في معجمه، وهو كلام أبيه على لسان عبد الرحيم: كان إمامًا، فاضلًا، عالمًا، مهيبًا، وقورًا، قصير اليد عن أموال الناس، غير أنه كان شديد الميل إلى مذهب أهل العدل، يعني المعتزلة، قرأ والدي عليه جزءًا ضخمًا بجهدٍ، وسمعت منه الأول من تاريخ نيسابور للحاكم بروايته عن موسى بن عمران عنه. توفي في ربيع الآخر.
85 -
ناصر بن سلمان بن ناصر بن عمران بن محمد
، أبو الفتح، العلامة ابن أبي القاسم الأنصاري، النيسابوري.
قال ابن السمعاني: كان إمامًا مناظرًا، بارعًا في الكلام، حاز قصب السبق فيه على أقرانه، وصار في عصره واحد ميدانه. وصنف التصانيف، وترسل من جهة السلطان سنجر إلى الملوك. مولده سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
قال: وكان صاحب أوقاف الممالك، وكان لا يتورع عن مال الوقف، ولا عن بيع رقاب أوقاف المساجد والربط، وكان يقول: يجب صرفها إلي لأني
أذب عن الدين. سمع أباه، وأبا الحسن المديني المؤذن، والفضل بن عبد الواحد التاجر، وتوفي بمرو في جمادى الأولى.
قلت: روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وأبوه.
86 -
نصر بن نصر بن علي بن يونس
، أبو القاسم العكبري الواعظ، الشافعي.
قال ابن السمعاني: شيخ واعظ، متودد، متواضع.
وقال ابن النجار: كان يتكلم في الأعزية. سمع أبا القاسم ابن البسري، وعاصم بن الحسن، ونظام الملك أبو علي الوزير، وأبا الغنائم محمد بن علي بن أبي عثمان، وأبا الليث نصر بن الحسن التنكتي. حدثنا عنه ابن ابنه محمد بن علي، وأبو أحمد ابن سكينة، وابن الأخضر، وعبد السلام الداهري، وعمر بن كرم، وجماعة.
قلت: وروى عنه ابن السمعاني، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن الشيخ عبد القادر، وعبد الرحمن بن عمر ابن الغزال، وسعيد بن محمد ابن الرزاز، وداود بن ملاعب الوكيل، ويوسف بن عمر ابن نظام الملك، والحسن بن إسحاق ابن الجواليقي، وأبو الحسن القطيعي وهو آخرهم. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير.
قال ابن الجوزي: كان ظاهر الكياسة، يعظ وعظ المشايخ، ويتخيره الناس لعمل الأعزية. ولد سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفي في ذي الحجة، ونشأ ولده أبو محمد على طريقته إلى أن مات سنة خمس وسبعين.
87 -
يحيى بن عيسى بن حسن بن إدريس
، أبو البركات الأنباري، الواعظ، الزاهد
بغدادي كبير القدر، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي فقال: قرأ القرآن على جماعة؛ وسمع من عبد الوهاب الأنماطي، وغيره. وقرأ النحو على
الزبيدي وصحبه مدة. وتفقه على القاضي الحراني، ووعظ. وكان يبكي على المنبر من حين صعوده إلى حين نزوله. وتعبد في زاويته نحو خمسين سنة. وكان ورعًا حتى إنه عطش مرة فجئ بماء من بعض دور الحكام فلم يشرب.
وكان لا يفعل شيئًا إلا بنية. وكان من جياد أهل السنة ورزق أولادًا صالحين فسماهم أبا بكر،، وعمر، وعثمان، وعلي. وكان أمارًا بالمعروف نهاءً عن المنكر مستجاب الدعوة، له كرامات ومنامات صالحة، رأى في بعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان هو وزوجته يصومان النهار ويقومان الليل، ويحييان بين العشاءين، ولا يفطران إلا بعد العشاء. وختما أولادهما القرآن، وأقرءا جماعة من النساء والرجال، فلما توفي إلى رحمة الله قالت زوجته: اللهم لا تحييني بعده، فماتت بعده بخمسة عشر يومًا رحمهما الله تعالى.
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
88 -
أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل
، المقدسي، جد الحافظ الضياء.
قرأت بخط الحافظ حفيده أنه توفي في شعبان بجبل قاسيون بجنينة الحمصي. وكان قد هاجر من نحو سنة، وخلف من الولد عبد الرحمن، وإبراهيم والد البهاء، وعبد الواحد والد الضياء، ورضا، وفاطمة، وأمهم مباركة عمة الشيخ موفق الدين. وقد حج فأخذتهم العرب، وسلم له ذهب جعله في شمعة لزقها بكفه.
89 -
جعفر بن الحسن بن منصور
، أبو الفضل الكثيري القومسي، البياري المعبر، وكان كثير جده لأمه.
ذكره ابن السمعاني، فقال: أديب فاضل، شاعر، عابر، سمع عبد الواحد ابن القشيري، وطبقته. وتوفي ببخارى عن اثنتين وثمانين سنة.
روى عنه هو، وولده عبد الرحيم.
90 -
الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد
، أبو علي الموسياباذي، الصوفي، الهمذاني.
سمع الفضل بن أبي حرب الجرجاني، وأبا الفتح عبدوس بن محمد الهمذاني. مات في نصف رجب، وله تسعون سنة، فإنه ولد في المحرم سنة اثنتين وستين.
روى عنه السمعاني في التحبير.
وقال ابن النجار: سمع من أحمد بن عيسى بن عباد الدينوري صاحب ابن لال. وعنه المبارك بن كامل. وله رباط بهمذان. وكان ظريفًا مطبوعًا، رحمه الله تعالى.
91 -
الحسن بن إبراهيم بن زكون
، أبو علي الفارسي.
دخل إلى الأندلس، وسمع منه ابن سكرة، وطبقته. توفي ليلة عيد الفطر.
92 -
الحسن بن علي بن عبد الملك بن يوسف
، أبو محمد الإسكافي. وإسكاف بلدة بالنهروان.
كان حافظًا للقرآن؛ قرأ على الشيخ أبي منصور الخياط وسمع منه، ومن أبي الفرج القزويني، وأبي الفضل محمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبي محمد السراج.
روى عنه أحمد بن صالح الجيلي، وأحمد بن طارق، وعبد العزيز بن الأخضر.
توفي في ربيع الآخر عن ثمانين سنة ببغداد.
93 -
سعد بن محمد بن عبد الواحد
، أبو الفخر الكرابيسي، الهمذاني، الصوفي، الرجل الصالح.
سمع جده عبد الأحد بن علي، وعبد الغفار بن منصور السمسار، وعبد الرحمن الدوني.
مات في شوال عن ثمانين سنة غير أشهر.
أخذ عنه السمعاني.
94 -
عبد الله بن محمد بن نبهان بن محرز
، أبو محمد الغنوي، الرقي، أخو الشيخ أبي إسحاق الغنوي.
شيخ صالح، ساكن، مقرئ. تلا على أبي الخطاب بن الجراح.
قال ابن السمعاني: ولد بالرافقة ونشأ بحران وسكن بغداد. وأجاز له على يد أخيه طراد الزينبي، ورزق الله التميمي، وجماعة. وسمع من أبي القاسم بن بيان، وجماعة. كتبت عنه، وقال لي: ولدت سنة ثمان وسبعين.
وتوفي رحمه الله في ثاني عشر ربيع الآخر.
95 -
عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق
، مسند الوقت، أبو الوقت بن أبي عبد الله السجزي الأصل، الهروي، الماليني، الصوفي، رحمه الله.
ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
وسمع الصحيح، ومنتخب مسند عبد، وكتاب الدارمي، من جمال الإسلام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي في سنة خمس وستين ببوشنج، حمله أبوه إليها، وهي مرحلة من هراة. وسمع من أبي عاصم الفضيل بن يحيى، ومحمد بن أبي مسعود الفارسي، وأبي يعلى صاعد بن هبة الله الفضيلي، وبيبى بنت عبد الصمد الهرثمية، وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن عفيف البوشنجي كلار، وأحمد بن أبي نصر الكوفاني كاكو، وعبد الوهاب بن أحمد الثقفي وأبي القاسم أحمد بن محمد العاصمي، ومحمد بن الحسين الفضلويي، وأبي عطاء عبد الرحمن بن أبي عاصم الجوهري، وأبي عامر محمود بن القاسم الأزدي، وشيخه شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري، وأبي المظفر عبد الله بن عطاء البغاورداني، وأبي سعد حكيم بن أحمد الإسفراييني، وأبي عدنان القاسم بن علي القرشي، وأبي القاسم عبد الله بن عمر الكلوذاني، وأبي الفتح نصر بن أحمد الحنفي، وغيرهم. وحدث بخراسان، وأصبهان، وكرمان، وهمذان، وبغداد، واشتهر اسمه وازدحم عليه الطلبة، وبقي كلما قدم مدينة تسامع به الخلق وقصدوه وسمع منه أمم لا يحصون.
روى عنه ابن عساكر، وابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، وأبو الفرج ابن الجوزي، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وأسعد بن حمد الليثي الأصبهاني، وحامد بن محمود الروذراوري المؤدب، والحسن بن محمد بن علي ابن نظام
الملك، والحسين بن أحمد الخياري، والحسين بن معاذ الهمذاني، وسفيان بن إبراهيم بن مندة، وأبو ذر سهيل بن محمد البوسنجي، وأبو الضوء شهاب الشذباني، وأبو روح عبد المعز، وعبد الجبار بن بندار الهمذاني القاضي، وعبد الجليل بن مندويه، وأحمد بن عبد الله السلمي العطار، وعثمان بن علي الوركاني الهمذاني، وعثمان بن محمود الأصبهاني، وفضل الله بن محمد البوشنجي، ومحمد بن ظفر ابن الحافظ الطرقي، وأخوه محمود، ومحمد بن عبد الرزاق الأصبهاني، ومحمد بن عبد الفتاح البوشنجي، ومحمد بن عطية الله الهمذاني، ومحمد بن محمد بن سرايا البلدي الموصلي، ومحمد بن مسعود البوشنجي، ومحمود بن الواثق البيهقي، ومحمود شاه بن محمد بن إسماعيل اليعقوبي الهروي، ومقرب بن علي الهمذاني الزاهد، ويحيى بن سعد الرازي الفقيه، ويوسف بن عمر بن محمد بن عبيد الله ابن نظام الملك البغدادي، وحماد بن هبة الله الحراني، وعمر بن طبرزد، وأبو منصور سعيد بن محمد الرزاز، وعمر بن محمد الدينوري السديد الصوفي، ويحيى بن عبد الله ابن السهروردي، وأنجب بن علي الدارقزي الدلال، وعبد العزيز بن أحمد ابن الناقد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي نزيل الموصل، ومحمد بن أحمد بن هبة الله الروذراوري، وداود بن بندار الجيلي الفقيه، وأبو العباس محمد بن عبد الله الرشيدي المقرئ، ويحيى بن محمد بن عبد الجبار الصوفي، ومحمد بن أبي علي الشطرنجي، وعلي بن أبي الكرم العمري، وأحمد بن ظفر ابن الوزير ابن هبيرة، وإسماعيل بن محمد بن خمارتكين، وعبد الواحد بن المبارك الحريمي، ومحمد بن أحمد بن العريسة الحاجب، ومحمد بن هبة الله ابن المكرم، وعبد الغني بن عبد العزيز بن البندار، ومظفر بن أبي السعادات بن حركها، وعلي بن يوسف بن صبوخا، وأحمد بن يوسف بن صرما، ومحمد بن أبي القاسم الميبذي، وزيد بن يحيى البيع، وعبد اللطيف بن المعمر بن
عسكر، وعمر بن محمد بن أبي الريان، وأسعد بن علي بن صعلوك، والنفيس بن كرم، وعبد الله بن إبراهيم الهمذاني الخطيب، وأبو جعفر عبد الله ابن شريف الرحبة، وعبد الرحمن بن أبي العز ابن الخبازة، ومحمد بن عمر بن خليفة الروباني، وأبو المحاسن محمد بن هبة الله ابن المراتبي البيع، وأبو الحسن علي بن بورنداز، وأبو حفص عمر بن أعز السهروردي، وأبو هريرة محمد بن ليث ابن الوسطاني، وصاعد بن علي الواعظ بإربل، وأبو بكر محمد بن المبارك المستعمل، وأبو علي الحسن ابن الجواليقي، وأبو الفتح محمد بن النفيس بن عطاء، وأبو نصر المهذب ابن قنيدة، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، وعبد الرحمن بن عتيق بن صيلا، وأبو الرضا محمد بن أبي الفتح المبارك بن عصية، وعبد السلام بن عبد الله بن بكران، وأبو نصر أحمد بن الحسين بن عبد الله ابن النرسي، والحسن والحسين ابنا أبي بكر ابن الزبيدي، وعمر بن كرم الحمامي، وأمة الرحيم بنت عفيف الناسخ، وعبد الخالق بن أبي الفضل ابن غريبة، وظفر بن سالم البيطار، وإبراهيم بن عبد الرحمن المواقيتي، وعبد البر بن أبي العلاء الهمذاني، وأحمد بن شيرويه بن شهردار الديلمي وبقي إلى سنة خمس وعشرين، وعبد الرحمن بن عبد الله عتيق ابن باقا، وزكريا بن علي العلبي، وعلي بن أبي بكر بن روزبة القلانسي، ومحمد بن عبد الواحد المديني، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي، وأبو المنجى عبد الله بن عمران اللتي، وأبو بكر محمد بن مسعود بن بهروز. وآخر من ذكر أنه سمع منه أبو سعد ثابت بن أحمد بن أبي بكر محمد
ابن الخجندي الأصبهاني، نزيل شيراز، فإن كان سمع منه فسماعه منه في الخامسة، فإنه ولد سنة ثمان وأربعين. وسماع الأصبهانيين من أبي الوقت سنة اثنتين وخمسين أو قبلها. وتوفي هذا الخجندي في سنة سبع وثلاثين.
وروى عنه بالإجازة: جهمة أخت الرشيد بن مسلمة الدمشقي وتوفيت سنة ثمان وثلاثين، وأبو الكرم محمد بن عبد الواحد بن أحمد المتوكلي، ويعرف بابن شفنين، ومات سنة أربعين، وكريمة بنت عبد الوهاب القرشية، وتوفيت في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وهي آخر من روى عنه بالإجازة الخاصة.
وذكره ابن السمعاني فقال: شيخ صالح، حسن السمت والأخلاق، متودد، متواضع، سليم الجانب، استسعد بصحبة الإمام عبد الله الأنصاري وخدمه مدة، وسافر إلى العراق، وخوزستان، والبصرة، قدم بغداد ونزل رباط البسطامي، فيما ذكره لي، وسمعت منه بهراة، ومالين. وكان صبورًا على القراءة، محبًا للرواية، وحدث بالصحيح، ومسند عبد، والدارمي، عدة نوب. وسمعت أن أباه سماه محمدًا، فسماه الإمام عبد الله الأنصاري عبد الأول، وكناه بأبي الوقت، وقال: الصوفي ابن وقته.
وقال أبو سعد في التحبير في ترجمة والد أبي الوقت: إنه ولد بسجستان في سنة عشر وأربع مائة، وأنه سمع من علي بن بشرى الليثي الحافظ كتاب مناقب الشافعي لمحمد بن الحسين الآبري، إلا مجلسًا واحدًا، وهو من باب ما حكى عنه مالك إلى باب سخائه وكرمه، بسماعه من الآبري، وقال: سكن هراة، وهو صالح معمر، له جد في الأمور الدينية، حريص على سماعه للحديث وطلبه حمل ابنه أبا الوقت على عاتقه إلى بوشنج، وكان عبد الله الأنصاري يكرمه ويراعيه.
قال: وسمع بغزنة من الخليل بن أبي يعلى، وبهراة من أبي القاسم
عبد الوهاب بن محمد بن عيسى الخطابي. وكتب إلي بالإجازة بمسموعاته سنة سبع وخمس مائة، ومات بمالين هراة في ثاني عشر شوال سنة اثنتي عشرة، وقيل: سنة ثلاث عشرة، عاش مائة وثلاث سنين.
وقال زكي الدين البرزالي وغيره: طاف أبو الوقت العراق، وخوزستان، وحدث بهراة، ومالين، وبوشنج، وكرمان، ويزد، وأصبهان، والكرج، وفارس، وهمذان. وقعد بين يديه الحفاظ والوزراء، وكان عنده كتب وأجزاء، وسمع عليه من لا يحصى ولا يحصر.
وقال ابن الجوزي: كان صبورًا على القراءة عليه، وكان شيخًا صالحًا كثير الذكر والتهجد والبكاء، على سمت السلف. وعزم في هذه السنة على الحج، وهيأ ما يحتاج إليه فمات.
وقال الحافظ يوسف بن أحمد في الأربعين البلدية له، ومن خطه نقلت: ولما رحلت إلى شيخنا شيخ الوقت ومسند العصر ورحلة الدنيا أبي الوقت، قدر الله لي الوصول إليه في آخر بلاد كرمان على طرف بادية سجستان، فسلمت عليه وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومعولي بعد الله عليك. وقد كتبت ما وقع إلي من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلو إسنادك. فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حق معرفتي لما سلمت علي، ولا جلست بين يدي. ثم بكى بكاء طويلًا وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا. وقال: يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضًا لسماع الصحيح ماشيًا مع والدي من هراة إلى الداودي ببوشنج، وكان لي من العمر دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين ويقول: احملهما، فكنت من خوفه أحفظهما بيدي، وأمشي وهو يتأملني، فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجرًا واحدًا، فألقيه ويخف عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه فأقول: لا. فيقول: لم تقصر في
المشي؟ فأسرع بين يديه ساعة، ثم أعجز، فيأخذ الحجر الآخر من يدي ويلقيه عني، فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني على كتفه. وكنا نلتقي على أفواه الطرق بجماعة من الفلاحين وغيرهم من المعارف، فيقولون: يا شيخ عيسى، ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول: معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نمشي، فإذا عجز عن المشي أركبته على رأسي إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاء ثوابه والانتفاع به. فكان ثمرة ذلك من حسن نية والدي رحمه الله أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى صارت الوفود ترحل إلي من الأمصار.
ثم أشار إلى صاحبنا عبد الباقي بن عبد الجبار الهروي أن يقدم لي شيئًا من الحلواء، فقلت: يا سيدي قراءتي بجزء أبي الجهم أحب إلي من أكل الحلواء، فتبسم، وقال: إذا دخل الطعام خرج الكلام. وقدم لنا صحنًا فيه حلواء الفانيد. فأكلنا، ثم أخرجت الجزء وسألته إحضار الأصل، فأحضره وقال: لا تخف ولا تحرص، فإني قد قبرت ممن سمع علي خلقًا كثيرًا، فسل الله السلامة. فقرأت الجزء عليه وسررت به، ويسر الله سماع الصحيح وغيره مرارًا، ولم أزل في صحبته وخدمته إلى أن توفي ببغداد في ليلة الثلاثاء من ذي القعدة.
قلت: بيض لليوم، وهو سادس الشهر.
قال: ودفناه بالشونيزية؛ قال لي: تدفنني تحت أقدام مشايخنا بالشونيزية. ولما احتضر سندته إلى صدري، وكان مشتهرًا بالذكر، فدخل عليه محمد بن القاسم الصوفي، وأكب عليه وقال: يا سيدي، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» . فرفع طرفه إليه، وتلا هذه الآية:{يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب، ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة، وقال: الله الله الله، ثم توفي وهو جالس على السجادة.
وقال ابن الجوزي: حدثني محمد بن الحسين التكريتي الصوفي قال: أسندته إلي فمات وكان آخر كلمة قالها: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} .
قرأت بخط الحافظ يوسف بن أحمد: أنشدنا الرئيس أبو الفضل محمد بن المفضل بن كاهوية لنفسه وقد دخل على أبي الوقت في النظامية بأصبهان، وشاهد اجتماع العلماء والحفاظ في مجلسه عند الإمام صدر الدين محمد بن عبد اللطيف الخجندي، والحافظ أبو مسعود كوتاه يقرأ عليه الصحيح:
أتاكم الشيخ أبو الوقت بأحسن الأخبار عن ثبت طوى إليكم علمه ناشرًا مراحل الأبرق والخبت ألحق بالأشياخ أطفالكم وقد رمى الحاسد بالكبت فمنة الشيخ بما قد روى كمنة الغيث على النبت بارك فيه الله من حامل خلاصة الفقه إلى المفتي انتهزوا الفرصة يا سادتي وحصلوا الإسناد في الوقت فإن من فوت ما عنده يصير ذا الحسرة والمقت
96 -
عبد الجبار بن عبد الجبار بن محمد بن ثابت بن أحمد
، أبو محمد الثابتي، الخرقي، المروزي.
فقيه فاضل بارع، تفقه على تاج الإسلام أبي بكر ابن السمعاني، وعلى الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المروروذي، ثم اشتغل في الحساب والهندسة، وتجاوزها إلى علوم الأوائل، ومع ذلك كان حسن الصلاة. سمع الكثير من الحديث فانتفع به، وجمع تاريخًا لمرو. وسمع أبا بكر محمد ابن السمعاني، وإسماعيل بن أحمد البيهقي.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: ولد بقرية خرق في سنة سبع وسبعين وأربع مائة.
وتوفي بمرو يوم عيد الفطر؛ قاله أبو سعد وحدث عنه في التحبير.
97 -
عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن إبراهيم بن شهرمرد بن مهرة
، الحافظ الكبير، أبو مسعود الأصبهاني كوتاه.
ذكره الحافظ أبو موسى، وروى عنه، وقال فيه: أوحد وقته في علمه مع طريقته وتواضعه. حدثنا لفظًا وحفظًا على منبر وعظه سنة تسع عشرة وخمس مائة، وسمعته يقول: ولدت سنة ست وسبعين وأربع مائة.
وقال ابن السمعاني: من أولاد المحدثين، حسن السيرة، مكرم للغرباء، فقير، قنوع، صحب والدي مدة مقامه بأصبهان، وسمع بقراءته الكثير، وله معرفة تامة بالحديث، وهو من مقدمي أصحاب شيخنا إسماعيل الحافظ. سمع رزق الله التميمي، وأحمد بن عبد الرحمن الذكواني، وأبا بكر ابن ماجه الأبهري، وأبا عبد الله الثقفي، وجماعة كبيرة من أصحاب أبي سعيد النقاش، وأبي نعيم. كتبت عنه وحضرت مجلس أماليه، وسمعت أبا القاسم الحافظ بدمشق يثني عليه ثناء حسنًا، ويفخم أمره، ويصفه بالحفظ والإتقان.
قال أبو سعد: ولما وردت أصبهان كان ما يخرج من داره إلا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: أقول النزول بالذات، وكان شيخنا إسماعيل ينكر هذا، وأمره بالرجوع عن هذا الاعتقاد، فما فعل، فهجره لهذا.
قلت: ورحل بعد الخمس مائة إلى بغداد، وحج وسمع، ورحل إلى نيسابور، ولقي أبا بكر الشيرويي. وقد روى عن ابن ماجه جزء لوين، وكان عاليًا له. وقد روى عنه الكبار.
وقال ابن السمعاني: حدثنا عبد الخالق بن زاهر بنيسابور، قال: حدثنا أبو العلاء صاعد بن سيار الحافظ إملاء، قال: حدثنا عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم قال: أخبرنا روح بن محمد، قال: أخبرنا أبو
الحسن الخرجاني، قال: أخبرنا ابن خرزاذ، قال: حدثنا علي بن روحان، قال: حدثنا أحمد بن سنان، قال: سمعت شيبان بن يحيى يقول: ما أعلم طريقًا إلى الجنة أقصد ممن يسلك طريق الحديث.
قلت: وهذا من جملة ما روته كريمة بالإجازة عن عبد الجليل كوتاه، وبين وفاتها ووفاة صاعد بن سيار مائة وعشرون سنة، وذلك مستفاد في السابق واللاحق. وقد روى عنه ابن عساكر، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وآخرون.
وتوفي في أول شعبان، وقيل في ثامنه.
98 -
عبد الرحمن بن مدرك بن علي
، أبو سهل التنوخي، المعري، الشاعر.
زلزلت حماة في رجب، فهلك جماعة تحت الردم منهم أبو سهل. روى عنه من شعره أبو اليسر شاكر التنوخي الكاتب مقطعات، منها:
سارقته نظرة أطال بها عذاب قلبي وما له ذنب يا جور حكم الهوى ويا عجبًا تسرق عيني ويقطع القلب
99 -
عبد الكريم بن الحسن بن أحمد بن يحيى
، أبو القاسم التميمي، النيسابوري، الكاتب.
رئيس فاضل، لغوي، شاعر. سمع إسماعيل بن زاهر النوقاني، وأبا إسحاق الشيرازي الفقيه، وأبا بكر بن خلف، وغيرهم. روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، والمؤيد الطوسي. قال أبو سعد: كان صحيح السماع، توفي رحمه الله في رمضان.
ومن شعره:
سئمت تكاليف هذا الزمان إلى كم أقاسي وحتى متى فهل من إياب لوصلٍ مضى وهل من ذهاب لهجرٍ أتى
100 -
عبد الواحد بن الحسن بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن جعفر
، الإمام أبو الفتح الباقرحي، البغدادي.
، من بيت الحديث. تغرب وجال في الآفاق. وسمع ببغداد، وخراسان. سمع أباه، وأبا الحسن العلاف. وتفقه على إلكيا الهراسي. وبخراسان على الغزالي. وسمع بها من إسماعيل بن الحسن الفرائضي، وعبد الغفار الشيرويي.
وكان فقيهًا فاضلًا، سكن غزنة. ومولده سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي بغزنة في أواخر العام ظنًا.
قال ابن النجار: كان مقدمًا في الأدب وفي الترسل، درس بالنظامية ثم عزل بأسعد الميهني.
101 -
علي بن عساكر بن سرور
، أبو الحسن المقدسي، ثم الدمشقي، الخشاب، الكيال.
سمع الفقيه أبا الفتح نصر بن إبراهيم ببيت المقدس، وأبا عبد الله الحسن بن أبي الحديد بدمشق، وكان قد جاء إليها تاجرًا، ثم سكنها بعد أخذ القدس. وكان يصحب الفقيه نصر الله المصيصي.
ولد سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة، وسمع سنة سبعين من أبي الفتح. وتوفي في سن أبي الوقت صحيح الذهن والجسم.
روى عنه أبو القاسم بن عساكر، وابنه القاسم، وأبو القاسم بن صصرى، وآخرون.
توفي في شوال.
102 -
علي بن هبة الله بن علي بن عبد الملك بن يوسف الصوفي
، أبو الحسن.
كان كثير الكلام فيما لا يعنيه. روى عن ثابت بن بندار، والحسين بن علي ابن البسري، وغيرهما. وتوفي إن شاء الله في هذه السنة.
103 -
عمر بن أحمد بن منصور بن أبي بكر محمد بن القاسم بن حبيب
، العلامة أبو حفص ابن الصفار النيسابوري، ختن أبي نصر القشيري على ابنته.
ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وسمع بقراءة جده إسماعيل بن عبد الغافر من أبي بكر بن خلف، وأبي المظفر موسى بن عمران، وأبي تراب عبد الباقي المراغي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن أحمد الواحدي، وأبي الحسن المديني، وجماعة.
روى عنه ابنه أبو سعد عبد الله، وابن ابنه القاسم بن عبد الله، وأبو سعد ابن السمعاني، وابنه المظفر عبد الرحيم، والمؤيد الطوسي، ومنصور الفراوي، ويحيى بن الربيع الواسطي الفقيه، وسليمان الموصلي، وأخوه علي، وأبو الفضل محمد بن عبد الكريم الرافعي، وزينب الشعرية، وآخرون.
ولقبه عصام الدين، وكان من كبار أئمة الشافعية.
قال حفيده القاسم: كان جدي نظيرًا لمحمد بن يحيى، وكان يزيد على ابن يحيى بعلم الأصلين.
وقال ابن السمعاني: إمام بارع، مبرز، جامع لأنواع الفضل من العلوم الشرعية، وكان سديد السيرة، مكثرًا من الحديث. توفي يوم عيد الأضحى.
وقد ذكره عبد الغافر فقال: شاب فاضل، دين ورع، أصيل، من أحفاد الإمام أبي بكر بن فورك، والفقيه أبي بكر الصفار، ومن أسباط أبي القاسم القشيري. نشأ معي وفي حجر الوالد مع أخيه أبي بكر، وسمعا الكثير بإفادة جدهما والدي، وأدركا إسناد السيد أبي الحسن، والحاكم، وعبد الله بن يوسف، وهذا الإمام أحد وجوه الفقهاء الآن، يرجى له البقاء إن شاء الله إلى وقت الرواية.
104 -
عيسى بن هارون
، أبو موسى المغربي، المالكي، مدرس حلقة المالكية بدمشق.
إمام في المذهب والفرائض.
105 -
محمد بن أحمد بن ثابت
، أبو العز ابن الشيرجي، البغدادي.
روى عن أبي الحسن بن أيوب، وأبي سعد بن خشيش. وعنه أبو سعد السمعاني، ومحمد بن أبي غالب الباقداري.
توفي في رمضان.
106 -
محمد بن أحمد بن أبي القاسم
، أبو بكر النسفي اللؤلئي، نزيل بخارى.
سمع بنسف من أبي بكر محمد بن أحمد البلدي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وتوفي في نصف ربيع الآخر ببخارى.
107 -
محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن يعلى
، أبو البركات ابن الصائغ البغدادي، المؤدب.
كان مليح الخط، جيد النظم. صحب أبا النجيب السهروردي مدة طويلة. وحدث عن أحمد بن عبد القادر بن يوسف. روى عنه المبارك بن كامل، ويوسف بن مقلد. وعاش إحدى وثمانين سنة.
108 -
محمد بن محمد بن عبد الله بن معاذ
، أبو بكر اللخمي، الإشبيلي، المعروف بالفلنقي.
أخذ القراءات من شريح، وخلفه في حلقته، ورحل إلى قلعة حماد، فقرأ بها على أبي بكر عتيق بن محمد المقرئ تلميذ العباس بن نفيس المصري. وروى عن أبي الحسن بن الأخضر، وأبي مروان الباجي، وأبي محمد بن عتاب.
قال الأبار: كان إمامًا في صناعة الإقراء، مجودًا، مسندًا، مشاركًا في العربية، مليح الخط، له تأليف في القراءات سماه كتاب الإنماء إلى مذاهب السبعة القراء. أخذ عنه أبو الحسن نجبة، وأبو محمد بن عبيد الله، وأبو ذر الخشني، واستوطن فارس وأقرأ بها، وتوفي في المحرم.
وآخر من تلا عليه بالسبع الإمام محمد بن الفتوت الفاسي.
109 -
محمد بن أبي منصور معمر بن أحمد بن محمد
، أبو روح العبدي اللنباني، الأصبهاني.
روى عن سليمان بن إبراهيم الحافظ، وأبي مطيع، ورزق الله. روى عنه
محمد بن أبي المكارم المديني شيخ الأبرقوهي، وأحمد بن عمر بن لبيدة، وعلي بن يعيش، وجماعة.
حج، وحدث ببغداد، ومات في شوال.
وقع لنا حديثه عاليًا.
110 -
المبارك بن أحمد بن زريق
، أبو الفتح الواسطي، الحداد، مقرئ أهل واسط وإمام جامعها، وأحد الموصوفين بالحذق في القراءات.
قرأ على أبي العز القلانسي، وسبط الخياط. وسمع من أبي نعيم الجماري، وخميس الحوزي، وأبي القاسم بن الحصين.
وصنف في القراءات. روى عنه ابنه المبارك بن المبارك، وإبراهيم بن البناء.
قال ابن الدبيثي: سمعت الثناء عليه جميلًا. وتوفي في المحرم.
111 -
المبارك بن أحمد بن محمد
، أبو القاسم البغدادي، الصيرفي، صاحب أبي بكر المرزفي.
سمع طرادًا الزينبي، والنعالي، وهبة الله بن عبد الرزاق. وعنه ابن سكينة، وعبد العزيز بن الأخضر.
وكان شيخًا صالحًا، عاش نيفًا وسبعين سنة.
وتوفي في ربيع الأول سنة ثلاث.
112 -
المبارك بن أحمد بن منصور
، أبو محمد ابن الشاطر.
بغدادي، روى عن أبي سعد الأسدي. روى عنه ابن الأخضر، وغيره.
وتوفي في رمضان.
113 -
المبارك بن المبارك بن علي بن نصر
، الإمام الزاهد الكبير، أبو محمد ابن التعاويذي، الجوهري.
ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة، وسمع النعالي، وطرادًا الزينبي، وابن البطر وحصل الأجزاء، وصحب الشيخ حمادًا الدباس.
قال ابن النجار: كان يتكلم على لسان القوم، وله رياضات ومقامات. حدثنا عنه ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن الحصري. وكان صدوقًا. توفي في جمادى الأولى في سنة ثلاث.
114 -
مباركة بنت أبي بكر محمد بن منصور بن عمر الكرخي
، وتعرف بست الإخوة، أخت أبي البدر الكرخي.
سمعت من عاصم بن الحسن، وتوفيت في ذي الحجة. روى عنها ابن طبرزد، وابن الأخضر، وثابت بن مشرف، وآخرون.
115 -
مسعود بن محمد بن غانم بن محمد
، أبو المحاسن الغانمي الهروي، الأديب.
ولد بطوس، ونشأ بنيسابور، وتفقه ببلخ، وسكن هراة. أجاز له الأستاذ أبو القاسم القشيري، وأبو صالح المؤذن. وسمع مسند الهيثم من أبي القاسم أحمد بن محمد الخليلي. وسمع أبا إسحاق إبراهيم الأصبهاني، وأبا جعفر السمنجاني، وغيرهم.
قال ابن السمعاني: كان إمامًا فاضلًا، ورعًا، كثير العبادة. كان يتورع عن طعام والده لاختلاطه بالدولة. عمر العمر الطويل في طاعة الله. وكان سريع النظم، ويسمي أشعاره السحريات. ولد سنة أربع وستين وأربعمائة، وتوفي في ربيع الأول.
قلت: هو آخر من روى عن القشيري. وروى عنه ابن السمعاني، وولده عبد الرحيم، وابن عساكر. سمع منه عبد الرحيم مسند الهيثم بن كليب، ورسالة القشيري.
116 -
مسعود بن محمد بن شنيف
، الوراق، أخو أحمد.
سمع أبا غالب محمد بن محمد العطار، والحسين بن محمد السراج. سمع منه أحمد بن يحيى بن هبة الله، وابن عمه الحسين بن شنيف، وابن اللتي، وإبراهيم بن محمود الشعار، وغيرهم.
كنيته أبو الفتح. توفي في شعبان سنة ثلاث وخمسين.
117 -
نصر بن منصور بن حسين
، أبو القاسم ابن العطار، الحراني، التاجر، نزيل بغداد.
كان متمولًا، كثير الصدقات، وفك الأسارى، وصلة المحدثين، مع الدين والخير.
قال ابن الأخضر: سألته يومًا عن زكاة ماله فضحك وقال: سبعة آلاف دينار.
وقال ابن النجار: حدثونا أنه غرق له مركب، فأحضر الغواصين، فلم يزالوا يصعدون ما فيه حتى قال: قد بقي طشت وإبريق، فإن هذا المال كان مزكى لا يضيع منه شيء. فغاصوا فوجدوه.
توفي في شعبان ببغداد، وله أربع وثمانون سنة. ولم يرو شيئًا. وكان يحفظ القرآن.
قال أبو المظفر: كان خصيصًا بجدي، يحبه ويحسن إليه. حكى لي جماعة عنه أن عينه ذهبت، قال: فتوضأت من دجلة، وإذا بفقير عليه أطمار رثة، فقلت: امسح على عيني. فمسح عليها، فعادت صحيحة، فناولته دنانير، فامتنع وقال: إن كان معك رغيف فنعم. فقمت وأتيت بخبز، فلم أره. فكان نصر لا يمشي إلا وفي كمه خبز.
وسمعت جماعة يحكون أن نصرًا اشترى مملوكًا تركيًا بألف دينار، وأعطاه تجارةً بألف دينار، وجهزه إلى بلاد الترك. وكان جدي قد جمع كتاب المغفلين فكتب نصر فيه فعاتبه، وقال: أنا من جملة المحبين لك، وأنت تلحقني بالمغفلين؟ فقال: بلغني كذا وكذا، وكيف يعود إليك المملوك وقد
صار ببلاده ومعه ألف دينار؟ قال: فإن عاد. قال جدي: أمحو اسمك وأكتب اسمه!
قلت: هو والد الوزير ظهير الدين منصور العطار المقتول في سنة خمس وسبعين.
118 -
يحيى بن محمد بن علي بن محمد
، أبو طاهر بن أبي الفتوح الطائي، الهمذاني سلار الحاج، وأخو المحدث أبي الفتوح محمد صاحب الأربعين.
حج أكثر من عشرين حجة.
قال ابن السمعاني: كان جلدًا، جريئًا، متحركًا، لسنًا، عارفًا بالطرق، دخالًا في الأمور.
سمع بهمذان أبا الحسن طريف بن محمد الحيري، وأبا المظفر محمد بن أحمد الأبيوردي الأديب. سمعت منه بالحجاز، وكان يختم القرآن كله في ليلة قائمًا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. توفي في شعبان.
119 -
يحيى بن سلامة
، الحصكفي الخطيب.
تقدم في سنة إحدى وخمسين؛ وقال أبو الفرج ابن الجوزي: توفي سنة ثلاث في ربيع الأول بميافارقين، ثم ذكر له أشعارًا كثيرة.
120 -
يحيى بن عبد الملك بن شعيب
، أبو زكريا الكافوري، التاجر.
صالح، ورع، خير، صحب حمادا الدباس ولازمه، وجمع كلامه بعد وفاته، سمع أبا غالب البقال، وأبا الحسين ابن الطيوري.
وعنه ابن الأخضر. مات في جمادى الآخرة في عشر الثمانين.
121 -
أبو إسحاق ابن المستظهر
، أخو الخليفة المقتفي لأمر الله.
توفي في منتصف المحرم، واغتم عليه الخليفة غمًا شديدًا. وماتت بعده والدته بيومين.
132 -
أبو بكر السمرقندي
، ظهير الدين.
من كبار الحنفية، درس بدمشق بمسجد خاتون.
سنة أربع وخمسين وخمس مائة
123 -
أحمد بن عبد الله بن بركة
، أبو القاسم بن ناجية الحربي، الفقيه.
تفقه على أبي الخطاب، وبرع في مذهب أحمد، ثم صار حنفيًا، ثم تحول شافعيًا، وكان إمامًا بارعًا، بصيرًا بالفقه، فقيه النفس، قيمًا بالمناظرة، مليح الوعظ، دينًا.
قال ابن السمعاني: اجتمعت به يومًا فقال لي: أنا الساعة متبع الدليل ما أقلد أحدًا. سمع من ثابت بن بندار. وحدث. وتوفي في جمادى الآخرة.
روى عنه ابن الأخضر، وأحمد بن يحيى بن هبة الله. ومولده سنة خمس وسبعين وأربع مائة.
124 -
أحمد بن محمد بن عبد العزيز
بن علي بن إسماعيل بن سليمان بن يعقوب بن إبراهيم بن محمد ابن الأمير إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس، أبو جعفر العباسي، المكي، نقيب الهاشميين بمكة.
سمع من أبي علي الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، وغيره، وأبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، وعبد القاهر بن عبد السلام العباسي المقرئ.
ورد بغداد وحدث بها وبأصبهان. وولد سنة ثمانٍ وستين وأربع مائة، وتوفي في شعبان.
قال أبو سعد: شيخ، ثقة، صالح، متواضع، ما رأيت في الأشراف مثله. قدم علينا أصبهان، وأنا بها، لدين ركبه ومعه خمسة أجزاء فسمعت منه. وسمع في الكهولة ونسخ الكثير. ثم قدم أصبهان راجعًا من كرمان في سنة سبعٍ وأربعين وخمس مائة.
قلت: تفرد في وقته عن أبي علي الشافعي. روى عنه ابن عساكر،
والقاضي أبو المعالي أسعد بن المنجى، وثابت بن مشرف، وعبد السلام بن عبد الله الداهري، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي، وطائفة. وآخر من روى عنه بالإجازة ابن المقير. وسماعه من الشافعي في الخامسة من عمره، فإنه قال: ولدت في إحدى الجماديين سنة ثمانٍ وستين. وهو من أولاد إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس.
قال ابن النجار: كان صدوقًا، زاهدًا، عابدًا. قرأت بخطه قال: سمعت الحديث من أبي علي الشافعي سنة اثنتين وسبعين ولي من العمر سبع سنين.
قلت: وهذا مخالف لما مر.
125 -
أحمد بن محمد بن زيادة الله
، قاضي القضاة أبو العباس ابن الخلال الثقفي، المرسي.
روى عن أبي علي بن سكرة، وصحب أبا بكر بن فتحون. وتفقه على أبي القاسم بن أبي حمزة، ومال إلى الفقه والمسائل. وولي القضاء بأوريولة، ثم استعفى ثم ولي القضاء للأمير محمد بن سعد، ثم قبض عليه وسجنه، وأخذ أمواله، ثم قتله. روى عنه أبو بكر عتيق بن عطاف، وعبد المنعم الخزرجي، وابن واجب.
126 -
أحمد بن مهلهل
، أبو العباس البرداني، البغدادي، الضرير، العبد الزاهد.
كان فقيهًا، عابدًا، قانتًا لله. تفقه على أبي الخطاب الكلوذاني.
وسمع من أبي غالب البقال، ومن أبي طالب بن يوسف، وغيره. وحدث.
وكان المقتفي لأمر الله يزوره، والناس كافة.
وبردانية: قرية من بلاد إسكاف. وكان يعرف بالأزجي.
توفي في جمادى الأولى.
127 -
جعفر بن زيد بن جامع
، أبو زيد الحموي، الشامي.
قدم بغداد، وسمع أبا سعد أحمد بن عبد الجبار الصيرفي، وأبا طالب بن يوسف، وأبا القاسم بن الحصين، وأبا العز بن كادش، وغيرهم.
ذكره ابن السمعاني وذكر أنه سمع من أبي الحسين ابن الطيوري، وهو وهم من ابن السمعاني. ثم قال: شيخ صالح، كثير العبادة، دائم التلاوة. كتبت عنه أحاديث يسيرة.
قلت: ذكره ابن النجار، فقال: ويكنى أبا الفضل، حموي نزل بغداد، إلى حين وفاته كان بقطفتا. سمع الكثير من أبي الحسين المبارك، وأبي سعد أحمد بن عبد الجبار. كذا قال ابن النجار أيضًا، ومشى فيه خلف أبي سعد.
قال: وكتب بخطه كثيرًا، وجمع وخرج، وكان مشتهرًا بالصلاح. وقيل: مولده سنة ثلاث أو خمس وثمانين وأربع مائة.
روى عنه أبو الفرج ابن الجوزي، وأبو عبد الله بن الزبيدي وعنده عنه رسالة البرهان من تصنيفه ينتصر فيها لقدم القرآن ويرد على المخالفين.
توفي في ذي الحجة.
قرأت على أحمد بن مؤمن: أخبركم الحسين بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الفضل جعفر بن زيد الحموي في رسالته، قال: أخبرنا أبو العز العكبري، قال: أخبرنا أبو طالب الحربي، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي يقول: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه، كما نفى ذلك عن نفسه، فقال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
128 -
الحسن بن أحمد
، أبو المعالي ابن الكرخي، الأزجي، المعدل.
سمع ابن طلحة النعالي، والحسين ابن البسري. وعنه السمعاني وأثنى عليه، وابن الأخضر.
متعبد ورع. مات في ذي القعدة عن أربع وسبعين سنة.
129 -
الحسن بن جعفر بن عبد الصمد ابن المتوكل على الله
، أبو علي الهاشمي، العباسي، البغدادي.
سمع أبا الحسن ابن العلاف، وأبا غالب الباقلاني، وجماعة.
روى عنه ابن السمعاني، وقال: له معرفة بالأدب والشعر، قال لي: إنه ولد سنة سبع وسبعين وأربع مائة. وكان شيخًا صالحًا، له أصول ببعض ما سمع.
وقال ابن النجار: صنف كتاب سرعة الجواب أتى فيه بكل مليح.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كان فيه لطف وظرف. جمع سيرة المسترشد، وسيرة المقتفي. وتوفي في جمادى الآخرة.
قلت: وكان يلقب بهاء الشرف. روى عنه عبد المغيث بن زهير، وعبد الله بن عمر ابن اللتي، وغيرهما.
130 -
حماد بن محمد بن هبة الله الغساني
، الدمشقي، الشيخ أبو محمد القطائفي، المقرئ.
قرأ القرآن على أبي الوحش سبيع، وأقرأه. وكان شيخًا مستورًا. توفي في رمضان.
131 -
زيد بن سعد بن علي بن أحمد بن علي
، أبو إسماعيل العلوي، الحسني، الهمذاني.
سمع أبا الفتح عبدوس بن عبد الله، وأبا العلاء محمد بن طاهر. روى عنه ابن السمعاني.
مات بهمذان، وله ثمانون سنة.
132 -
سعيد بن الحسين بن شنيف
، أبو عبد الله الدارقزي. أمين القضاة. وهو والد الحسين بن شنيف.
سمع الحسين بن محمد السراج، وابن طلحة النعالي. روى عنه ابنه، وعمر بن طبرزد، وعبد العزيز بن الأخضر. وتوفي في آخر السنة.
ذكره ابن السمعاني، لكنه غلط فسماه عبد الله.
133 -
ظهير بن أبي سعد بن علي الرفاء
، أبو الفتوح الهمذاني.
كذا سماه السمعاني، وسماه ابن عساكر: غياثًا.
سمع عبدوس بن عبد الله. وتوفي في شوال، وله تسعون سنة.
134 -
عبد الحليم بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن أبي الفوارس
، أبو محمد البراني، البخاري، المعروف بالحليمي، النحوي، المقرئ.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: كان أديبًا فاضلًا، ومقرئًا صالحًا، عالمًا بالنحو. كان يعلم الصبيان، ويقرئ القرآن، وله حلقة بجامع بخارى يجتمع فيها القراء يقرأون عليه. سمع عثمان الفضيلي، وعبد الله بن عطاء الهروي، وأبا الفضل بكر الزرنجري، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق. سمعت منه كتاب الزهد لهناد بن السري. وكان مولده - تقديرًا - في سنة ثلاثٍ وتسعين بالبرانية. وتوفي ببخارى في رجب.
135 -
عبد الرحمن بن أحمد بن أبي القاسم بن أحمد
، أبو القاسم المروزي، المؤذن، المقرئ.
قرأ بالروايات على الأستاذ أبي محمد الكركانجي فأتقنها، وسمع بمرو، ثم سمع ببغداد جزء الأنصاري وغيره على قاضي المارستان. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
ولد سنة ست وثمانين وأربعمائة، وتوفي في ذي القعدة.
136 -
عبد الرحمن بن محمد بن منصور
، أبو القاسم الحضرمي، الإسكندري.
ولد سنة ست وستين وأربعمائة. وسمع من أبي إسحاق الحبال، وعبد المحسن الشيحي، التاجر.
ورخه ابن المفضل المقدسي. وأبوه ممن قرأ على ابن نفيس. وقرأ عليه ابن الحطيئة من سنة عشر.
ورأيت في معجم السفر للسلفي: أخبرنا أبو القاسم الحضرمي قال: أخبرنا أبو العلاء زيد بن الحسين الطحان سنة سبعين وأربعمائة، قال: حدثنا المحسن بن جعفر بن أبي الكرام، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبيد الحمصي، قال: حدثنا موسى بن عيسى بن المنذر، فذكر حديثًا.
قال السلفي: عبد الرحمن من أولاد المحدثين. توفي أبوه قبل دخولي الثغر بمديدة قريبة، وهو محمد بن منصور بن محمد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن يونس بن عبد الرحمن بن الليث بن المغيث بن عبد الرحمن بن العلاء ابن الحضرمي. أخرج إلي هذه النسبة عبد الرحمن بخط أبيه. كتب عبد الرحمن بخطه كتبًا كبارًا، وكتب عني أجزاء كثيرة.
قلت: وقد سمع ولديه أحمد ومحمد من أبي عبد الله الرازي.
قال ابن المفضل: توفي في رمضان.
137 -
عبد الرحمن بن محمد بن عدنان بن محمد بن علي
، أبو شجاع الزينبي، الحريمي.
قال ابن السمعاني: أحد الأشراف، سمع الكثير بقراءة شجاع الذهلي، فسمع ثابت بن بندار، وأبا سعد بن خشيش. كتبت عنه، وتوفي في ذي القعدة.
138 -
عبد الواحد بن محمد بن المهذب بن المفضل
، أبو المجد التنوخي، المعري.
سمع من أبيه بالمعرة في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة نسخة أبي هدبة عن آبائه. وسكن دمشق حين أخذت الفرنج المعرة. وسمع أبا القاسم النسيب، وغيره. ثم انتقل إلى المعرة بعد مدة طويلة حين استنقذت من العدو. روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وغيره.
139 -
عبد الواسع بن عطاء بن عبيد الله بن أحمد
، أبو أحمد الهروي، الصيرفي، أخو عبد المعز وعبد الفتاح.
سمع من القاضي صاعد بن سيار الكناني. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: توفي في ربيع الآخر.
140 -
عبد الوهاب بن إسماعيل بن محمد بن عمر
، أبو الفتح النيسابوري الصيرفي، سبط أبي القاسم القشيري.
عالم فاضل، مليح الخط. نسخ الكثير، وسمع فاطمة بنت أبي علي الدقاق جدته، وأبا بكر بن خلف، والفضل بن أحمد الجرجاني.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وتوفي في شوال وله إحدى وثمانون سنة. روى عنه المؤيد الطوسي.
141 -
عبد الوهاب بن عيسى
، أبو محمد اليشكري، المغربي، الفقيه المالكي، نزيل دمشق.
قدمها سنة خمس وثلاثين، واعتنى به بعض الأمراء. واجتمع عليه جماعة من المغاربة. ودرس ووعظ وفتح عليه، فلما قتل الفندلاوي رحمه الله جلس أبو محمد في حلقة المالكية. ثم بنى السلطان نور الدين دارا بحجر الذهب عند المارستان، وجعلها مدرسة، وولى هذا تدريسها. وتوفي في رجب.
142 -
علي بن علي بن نصر
، أبو الحسن بن أبي تراب البصري الأديب، الشاعر.
سمع ببغداد من أبي البركات الوكيل، وأبي الحسين ابن الطيوري. وعنه حمزة ابن القبيطي.
مات في ذي الحجة عن بضع وسبعين سنة.
143 -
عمر بن محمد بن الحسن بن عبد الله
، أبو حفص الهمذاني، المعروف بالزاهد.
ورد بغداد بعد الخمسمائة، وتفقه على أسعد الميهني.
قال ابن السمعاني: وكان ورعًا، صالحًا، متدينًا. ثم ورد خراسان، وسكن مرو مدة. وصحب يوسف الهمذاني الزاهد، وكان يروض نفسه ويداوم على التهجد والصوم وأكل الحلال. وكان لا يخاف في الله لومة لائم، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وصحب ببغداد الشيخ حمادًا الدباس، ثم سكن قرية بأرض مرو، وتأهل ورزق الأولاد، واشتغل بالعبادة ودعوة الخلق إلى الحق. وسمع صحيح البخاري من أبي طالب الحسين بن محمد الزينبي. روى عنه أبو سعد، وقال: توفي في أحد الربيعين أو الجماديين، وله أربع وستون سنة.
144 -
فاطمة بنت سعد الله بن سعد بن سعيد ابن الشيخ أبي سعيد الميهني
، أم عطية.
قدمت بغداد وأقامت، وروت عن محمد بن أحمد الكامخي، ومحمد بن الحسن الإسفراييني. وعنها عمر بن كرم.
توفيت في جمادى الآخرة.
145 -
محمد بن عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز
، الفقيه أبو ثابت المستملي البخاري، الصفار، إمام الجامع.
سمع أبا علي النسفي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وتوفي في رمضان ببخارى، وله سبع وثمانون سنة.
146 -
محمد بن محمد بن أحمد بن مكتوم بن الربيع
، أبو القاسم الشيباني، الخوارزمي، الصوفي.
تغرب ورأى المشايخ، ودخل الشام بعد الخمسمائة. وسمع بأصبهان، وخدم بمرو يوسف الهمذاني.
توفي في ربيع الأول في عشر التسعين.
147 -
محمد شاه بن محمود بن محمد بن ملكشاه
، أخو ملكشاه، السلجوقي.
طلب أن يخطب له ببغداد، فلم يجب إلى ذلك، فسار إليها وحاصرها على ما هو مذكور في الحوادث. ثم رحل عن بغداد، وتوفي في ذي الحجة بقرب همذان بعلة السل وله ثلاث وثلاثون سنة.
وكان موصوفًا بالعقل والكرم والتأني في أموره. واختلفت الأمراء بعده، فطائفة طلبت أخاه ملكشاه، وطائفة طلبت أخاه الآخر سليمان شاه وهم الأكثر، وطائفة طلبت أرسلان الذي مع إلدكز.
148 -
مسعود بن عبد الله بن أبي يعلى
، أبو علي الشيرازي، ثم البغدادي الخياط.
سمع أبا الحسين ابن الطيوري، وأبا سعد بن خشيش. روى عنه محمد بن أحمد بن علي الصوفي. وتوفي في المحرم عن ثمان وسبعين سنة.
149 -
مسعود بن محمد بن عبد الغفار بن عبد السلام
، أبو سعد الغياثي، الماهاني، المروزي.
فقيه عالم بمذهب أبي حنيفة، واعظ، كثير المحفوظ، كثير الرغبة في تحصيل المال. سمع أبا نصر محمد بن محمد الماهاني، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق. روى عنه ابن السمعاني، وولده.
وتوفي في ذي الحجة. وعظ ببغداد.
150 –
المطهر بن يعلى بن عوض بن محمد
، السيد أبو طالب العلوي الهروي، أخو السيد أبي القاسم الواعظ.
قال أبو سعد: كان الثناء عليه سيئًا، ويرمونه بأشياء، وكان صحيح السماع. سمع نجيب بن ميمون، ومحمد بن علي العمري، وصاعد بن سيار الكناني.
قلت: روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، لم أدر موته.
151 -
منجح بن مفلح بن أحمد بن محمد
، أبو سعد بن أبي الفتح الدومي، البغدادي.
سمع أبا عبد الله النعالي، وأبا طاهر الباقلاني، وجماعة. وكان فقيهًا، ويعمل الورق.
كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني، وقال: توفي في جمادى الآخرة.
روى عنه بالإجازة ابن المقير.
152 -
منصور بن مسلم بن عبدون بن أبي فوناس
، الإمام أبو علي الزرهوني الفاسي.
مولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، ودخل إلى الأندلس، وسمع من أبي علي ابن سكرة، وعباد بن سرحان. وكان فقيهًا بارعًا، تخرج به أهل فاس.
ورخه ابن فرتون، وقال: حدثنا عنه محمد بن أحمد بن وسون، وعبد الرحيم بن الملجوم.
153 -
يحيى بن نزار المنبجي
.
فاضل، شاعر محسن.
قال ابن الجوزي: كان يحضر مجلسي، وجد في أذنه ثقلًا فخاف الطرش، فاستدعى طرقيًا فامتص أذنه حتى خرج شيء من مخه، وكان سبب موته.
وقد ذكره أبو سعد ابن السمعاني.
وقدم الشام ومدح السلطان نور الدين، فمن شعره:
لو صد عني دلالًا أو معاتبة لكنت أرجو تلاقيه وأعتذر لكن ملالًا فلا أرجو تعطفه جبر الزجاج عسير حين ينكسر
سنة خمس وخمسين وخمس مائة
154 -
أحمد بن عبد الجليل
، أبو العباس التدميري، الأندلسي.
روى عن أبي علي بن سكرة، وأبي محمد بن عطية، وجماعة. وكان عالمًا باللغة والنحو، مصنفًا نبيلًا. أدب أولاد صاحب مراكش. وتوفي بفاس.
155 -
أحمد بن محمد بن الحسين
، أبو بكر البغدادي المراوحي المقرئ.
سمع ابن بيان، وأبيًا النرسي، وأبا الخطاب الكلوذاني. روى عنه ابن الأخضر، وغيره. وكان يؤم بمسجد.
توفي في شعبان.
156 -
أحمد بن هبة الله بن محمد ابن البيضاوي
، أبو طالب.
سمع ثابت بن بندار، وغيره. روى عنه عمر بن علي القرشي الحافظ.
توفي في شوال. وكان من الحجاب.
157 -
إبراهيم بن منبه بن عمر
، أبو أمية الغافقي، الأندلسي، من أهل المرية.
أخذ القراءات عن ابن شفيع. وسمع أبا علي بن سكرة، وابن زغيبة، وأبا محمد بن عتاب. وحج، فسمع من سلطان بن إبراهيم المقدسي. وولي الخطابة والقضاء بمرسية. سمع منه أبو القاسم بن حبيش، وغيره.
ولم تحفظ وفاته، لكنه حدث في هذا العام بصحيح البخاري عن رجلٍ، عن كريمة.
158 -
بزان بن مامين
، الأمير الكبير مجاهد الدين الكردي.
أحد الموصوفين بالشجاعة، والرأي، والسماحة، وصاحب الصدقات والصلات. مات بداره عند باب الفراديس، ودفن بمدرسته المجاهدية، ولم يخل من باك عليه، ومتأسف لفقده. ورثي بقصيدة.
وكان من كبار أمراء دمشق، وبقي في الإمرة زمانًا رحمه الله.
ورخه حمزة التميمي أو إنسان بعده، فإن حمزة هذا تراه وقد توفي في أوائل العام.
159 -
حمزة بن أسد بن علي بن محمد
، أبو يعلى التميمي، الدمشقي، العميد ابن القلانسي، الكاتب.
حدث عن سهل بن بشر، وحامد بن يوسف التنيسي.
قال الحافظ ابن عساكر: سمع منه بعض أصحابنا، ولم أسمع منه.
قال: وكان أديبًا كاتبًا، تولى رياسة دمشق مرتين، وكان يكتب له في سماعه أبو العلاء المسلم ابن القلانسي، فذكر أنه هو وأنه كذلك كان يسمى. وقد صنف تاريخًا للحوادث من بعد سنة أربعين وأربع مائة إلى حين وفاته.
وقرأت من شعره:
يا نفس لا تجزعي من شدة عرضت وأيقني من إله الخلق بالفرج كم شدة عظمت ثم انجلت ومضت من بعد تأثيرها في المال والمهج توفي في ربيع الأول.
قلت: روى عنه ابن صصرى، ومكرم بن أبي الصقر، وجماعة. وجمع بين كتابة الإنشاء وكتابة الحساب، وحمدت ولايته، وتوفي في عشر التسعين.
160 -
حمزة بن علي بن هبة الله بن الحسن بن علي
، الثعلبي، أبو يعلى، الدمشقي، المعروف بابن الحبوبي، البزاز.
سمع أبا القاسم بن أبي العلاء المصيصي، وأبا الفتح المقدسي، وسهل بن بشر الإسفراييني؛ سمعه عمه أبو المجد معالي بن هبة الله.
قال ابن عساكر: كان شيخًا لا بأس به. سمعته يقول: ولدت في آخر
سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة، ومات في جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون.
قلت: روى عنه ابن عساكر، وابنه البهاء، وأبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم، وعبد الخالق بن أسد، وابنه غالب، وحمزة بن عبد الوهاب الكندي، وأحمد بن المسمع، ومكرم بن أبي الصقر، وأبو نصر محمد ابن الشيرازي. وآخر من روى عنه كريمة القرشية.
161 -
خسروشاه
، سلطان غزنة، وابن سلاطينها.
ولي الملك بعد أبيه الملك بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين.
قال ابن الأثير: توفي في رجب من سنة خمس. وكان عادلًا حسن السيرة في رعيته، محبًا للخير، مقربًا للعلماء، راجعًا إلى قولهم. وكان ملكه تسع سنين. وملك بعده ابنه ملكشاه، فلما ملك نزل علاء الدين ملك الغور فحاصر غزنة، وكان الثلج كثيرًا، فلم يمكنه المقام وعاد إلى بلاده.
162 -
طاهر بن عثمان بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن
، أبو الطيب القرشي، الزهري، العوفي، البخاري.
فاضل، ظريف، كيس، مطبوع الحركات. طلب الحديث وتفقه، ووعظ وعظًا مليحًا. وسمع من جده محمد بن عبد الحميد العوفي، وعثمان بن إبراهيم الفضيلي، وبكر ابن الزرنجري، وتوفي في رجب وله إحدى وسبعون سنة.
163 -
عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور
، أبو عبد الكريم المقدسي.
شيخ صالح، مقرئ. هاجر إلى دمشق قبل الجماعة. وتعلم بها شيئًا من العلم، وعاد. وكان كثير الخير، نظيف الثياب صالحًا. ثم جاء ومضى إلى حران المرج، فأم بأهلها، وعاد مريضًا إلى دمشق، فمات في رجب. وهو عم الحافظ الضياء.
قال: سألت خالي موفق الدين عنه، فقال: كان أكبر إخوته، انتقل إلى
قرية حجا وأم بأهلها حين قدم علينا بعد أن انتقلنا إلى الجبل من مسجد أبي صالح، فأسس له بيتًا في الدير، وخرج إلى حران المرج.
وسمعت شيخنا العماد إبراهيم بن عبد الواحد قال: كان يخطب في حران، فقال في خطبته: اللهم ارحم أمير المؤمنين المقتفي، بدل أصلح، فلما كان بعد أيام جاءنا الخبر بموت المقتفي.
164 -
عبد الرحمن بن أبي سعد محمد بن محمد بن إبراهيم بن موسى
، أبو القاسم الفارسي، ثم السرخسي.
فقيه ورع، قانع، خير. تفقه على محيي السنة البغوي، وبعده على عبد الرحمن بن عبد الله النيهي، وأتقن مذهب الشافعي. وتوفي في الكهولة بنسا في هذا العام ظنًا.
165 -
عبد الرشيد بن أبي بكر بن أبي الفضل بن ينال
، أبو محمد الهروي، الطاقي، البناء.
شيخ صالح، سمع كثيرًا من محمد بن علي العميري. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني وغيره.
توفي بسجستان في ربيع الآخر.
166 -
عبد السيد بن أبي بكر بن ينال
، أبو محمد الهروي، المهندس.
شيخ صالح، سمع كثيرًا من محمد بن علي العميري وحده، من ذلك: العوالي في التاريخ لابن عدي، رواه عن العميري، عن الفوشنجي، عنه. سمعه منه السمعاني، وقال: مات بسجستان في ربيع الآخر عن ثمانين سنة.
167 -
عبد الغني بن مكي بن أيوب
، أبو محمد التغلبي، الشاطبي.
فقيه، حافظ، شروطي حاذق، شاعر. ولي خطة الشورى بشاطبة.
وروى عن أبيه، وأبي عبد الله بن سيف، وأبي بكر بن مفوز، وأبي علي بن سكرة.
168 -
عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حمزة بن محمد بن عبد الله
، الثقفي، أبو جعفر قاضي القضاة.
سمع أبا الغنائم محمد بن علي النرسي، وولي قضاء الكوفة مدة. ثم ولاه المستنجد بالله في هذا العام قضاء العراق، فتوفي في آخر العام وقد ناهز الثمانين.
قال أبو سعد السمعاني: من بيت القضاء والعلم، فصيح العبارة، يحفظ التواريخ. سمع ببغداد أبا الخطاب بن البطر، وأبا عبد الله ابن البسري، وقال لي: ولدت في صفر سنة تسع وسبعين وأربع مائة بالكوفة. وقرأت عليه جزءًا من المحامليات.
169 -
عبد الواحد بن ثابت بن روح بن محمد بن عبد الواحد
، أبو القاسم الصوفي، الراراني، الأصبهاني، وراران: قرية.
قال أبو سعد: شيخ صالح، خير، من بيت الحديث والتصوف. سمع الحافظ سليمان بن إبراهيم، وطراد بن محمد الزينبي، وجماعة بأصبهان. وتوفي في السابع والعشرين من ذي الحجة.
170 -
علي بن حسان بن علي
، أبو الحسن ابن العلبي، والد زكريا.
شيخ بغدادي، سمع من طراد الزينبي. روى عنه محمد بن مشق، وغيره.
توفي في شعبان.
171 -
عيسى ابن الظافر إسماعيل ابن الحافظ عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر بالله العبيدي
، الفائز بنصر الله أبو القاسم، خليفة مصر.
بويع بالقاهرة يوم قتل والده وله خمس سنين، وقيل: بل سنتان، فحمله الوزير عباس على كتفه، ووقف في صحن الدار به، مظهرًا الحزن والكآبة، وأمر أن يدخل الأمراء، فدخلوا، فقال لهم: هذا ولد مولاكم، وقد قتل عماه مولاكم، وقد قتلتهما كما ترون به، والواجب إخلاص الطاعة لهذا الطفل. فقالوا كلهم: سمعنا وأطعنا. وضجوا ضجة واحدة بذلك، ففزع الطفل، وبال على كتف عباس من الفزع. وسموه الفائز، وسيروه إلى أمه، واختل عقله من تلك الصيحة فيما قيل، فصار يتحرك في بعض الأوقات ويصرع. ولم تبق على يد عباس يد، ودانت له الممالك.
وأما أهل القصر فإنهم اطلعوا على باطن القضية، فأخذوا في إعمال الحيلة في قتل عباس وابنه، فكاتبوا طلائع بن رزيك الأرمني والي منية بني خصيب، وكان معروفًا بالشجاعة والرأي، فسألوه النصرة، وقطعوا شعور النسوان والأولاد، وسيروها في طي الكتاب، وسودوا الكتاب. فلما وقف عليه اطلع من حوله من الجند عليه، وأظهر الحزن، ولبس السواد، واستمال عرب الصعيد، وحشد وجمع. ثم كاتب أمراء القاهرة في الطلب بدم الظافر، فوعدوه بما يحب، فسار إلى القاهرة، فلما قرب خرج إليه الأمراء، والجند، والسودان، وبقي عباس في نفرٍ يسير، فهرب هو وابنه وغلمانه والأمير أسامة بن منقذ. وقيل: هو الذي أشار عليهما بقتل الظافر، والعلم لله؛ فنقل ابن الأثير قال: اتفق أن أسامة بن منقذ قدم مصر، فاتصل بعباس، وحسن له قتل زوج أمه العادل علي بن السلار فقتله، وولاه الظافر الوزارة، فاستبد بالأمر، وتم له ذلك. وعلم الأمراء أن ذلك من فعل ابن منقذ، فعزموا على قتله، فخلا بعباس وقال له: كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول من الناس: أن الظافر يفعل بابنك نصر؟ وكان من أجمل الناس، وكان ملازمًا للظافر. فانزعج لذلك فقال: كيف الحيلة؟ قال: اقتله فيذهب عنك العار. فاتفق مع ابنه على قتله.
وقيل: إن الظافر أقطع نصر بن عباس قليوب كلها، فدخل وقال: أقطعني مولانا قليوب. فقال ابن منقذ: ما هي في مهرك بكثير. فجرى ما ذكرناه.
وهربوا فقصدوا الشام على ناحية أيلة في ربيع الأول سنة تسع وأربعين. وملك الصالح طلائع بن رزيك ديار مصر من غير قتال، وأتى إلى دار عباس المعروفة بدار الوزير المأمون ابن البطائحي التي هي اليوم المدرسة السيوفية الحنفية، فاستحضر الخادم الصغير الذي كان مع الظافر لما نزل سرًا، وسأله عن الموضع الذي دفن فيه الظافر، فعرفه به، فقلع البلاطة التي كانت عليه، وأخرج الظافر ومن معه من المقتولين، وحملوا، وقطعت عليهم الشعور، وناحوا عليهم بمصر، ومشى الأمراء قدام الجنازة إلى تربة آبائه، وتكفل الصالح بالصغير ودبر أحواله.
وأما عباس ومن معه، فإن أخت الظافر كاتبت إفرنج عسقلان الذين استولوا عليها من مديدة يسيرة، وشرطت لهم مالًا جزيلًا إذا خرجوا عليه وأخذوه. فخرجوا عليه، فواقعهم، فقتل عباس، وأخذت أمواله، وهرب ابن منقذ في طائفة إلى الشام. وأرسلت الفرنج نصر بن عباس إلى مصر في قفص حديد. فلما وصل تسلم رسولهم المال، وذلك في ربيع الأول سنة خمسين. ثم قطعت يد نصر، وضرب ضربًا مهلكًا وقرض جسمه بالمقاريض، ثم صلب على باب زويلة حيًا، ثم مات. وبقي مصلوبًا إلى يوم عاشوراء سنة إحدى وخمسين، فأحرقت عظامه. وهلك الفائز في رجب سنة خمس، وهو ابن عشر سنين أو نحوها.
وقيل: إن الملك الصالح ابن رزيك بعث إلى الفرنج يطلب منهم نصر بن عباس، وبذل لهم أموالًا، فلما وصل سلمه الملك الصالح إلى نساء الظافر، فأقمن يضربنه بالقباقيب واللوالك أيامًا، وقطعن لحمه، وأطعمنه إياه إلى أن مات، ثم صلب.
ولما مات الفائز بالله بايعوا العاضد لدين الله أبا محمد عبد الله بن يوسف ابن الحافظ عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر العبيدي، ابن عم الفائز، وأجلسه الملك الصالح طلائع بن رزيك على سرير الخلافة، وزوجه بابنته. ثم استعمل الصالح على بلد الصعيد شاور البدوي الذي وزر.
172 -
فضائل بن حسن
، أبو القاسم الأنصاري، الدمشقي، الكتاني.
كان يخرج إلى الغوطة ويقارض الكتان بالغزل. روى عن سهل بن بشر. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وقال: مات في ذي الحجة.
173 -
الفضل بن الحسن بن علي بن محمد
، الخطيب أبو نصر الطوسي، المقرئ.
قال ابن السمعاني: كان يؤم الوزراء. قدم علينا مع الوزير محمود ابن أبي توبة، وخطب بجامع مرو. وكان حسن الصوت، عالمًا، كثير المحفوظ. حج وسمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الرضا علي بن يحيى النسفي، وهادي بن إسماعيل الحسني. وكان قد سمع أبا تراب عبد الباقي المراغي، ونصر الله بن أحمد الخشنامي على ما ذكر لي، وما رأيت له أصلًا يفرح به. ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي بمرو في جمادى الآخرة.
قلت: روى عنه عبد الرحيم.
174 -
القاسم بن الحسين بن القاسم
، أبو بكر الهروي الحصيري.
قال عبد الرحيم في معجمه: كان شيخًا صالحًا، حسن الخط، حملني والدي إليه ليسمعني منه صحيح الإسماعيلي، فسمعت منه. سمع أبا عامر محمود بن القاسم الأزدي، وإسماعيل بن حمزة الهروي، وأبا أحمد إسماعيل بن عبد الله القهندزي. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفي بهراة في رابع جمادى الآخرة.
وقال أبو سعد في التحبير: سمعت منه الجامع الصحيح للإسماعيلي بروايته عن إسماعيل بن حمزة بن فضالة العطار، رواية الحسين بن محمد الباشاني، عنه. وسمعت منه الجواهر لمحمد بن المنذر شكر.
175 -
كريمة بنت أحمد بن علي الكوفي
، الأبيوردي، أم الحسن العابدة.
نزلت مرو، وسمعت مع السمعاني. وكانت صوامة، قوامة، متهجدة قانتة، عابدة.
176 -
محمد المقتفي لأمر الله
، أمير المؤمنين أبو عبد الله ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله عبد الله ابن الأمير محمد ابن القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد الهاشمي العباسي، رضي الله عنه.
من سروات الخلفاء، كان عالمًا، دينًا، شجاعًا، حليمًا، دمث الأخلاق، كامل السؤدد، خليقًا للإمامة، قليل المثل في الأئمة عليهم السلام، لا يجري في دولته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه. وكتب في خلافته ثلاث ربعات منها ربعة نفذت إلى بلاد فارس.
ووزر له علي بن طراد الزينبي، ثم أبو نصر بن جهير، ثم أبو القاسم علي بن صدقة، ثم أبو المظفر يحيى بن هبيرة. وحجبه أبو المعالي ابن الصاحب، ثم كامل بن مسافر، ثم أبو غالب ابن المعوج، ثم أبو الفتح بن الصيقل، ثم أبو القاسم علي ابن الصاحب.
وكان آدم، مجدور الوجه، مليح الشيبة، له هيبة عظيمة، وأمه حبشية.
ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، وبويع بالخلافة في السادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة، وقد جاوز الأربعين. وسمع من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج ابن السيبي.
قال ابن السمعاني: وأظن أنه سمع جزء ابن عرفة من أبي القاسم بن بيان، مع أخيه المسترشد بالله، واتفق أني كتبت قصة إليه، وسألته الإنعام بالأحاديث، والإذن في السماع منه، فأنعم وفتش على الجزء ونفذه إلي على يد شيخنا أبي منصور ابن الجواليقي، وكان يؤم به الصلوات، فخرجت من بغداد قبل أن أسمعه منه، غير أني سمعته من ابن الجواليقي، وكان قد قرأه عليه: حدثنا أبو منصور، قال: أخبرنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، قال: أخبرنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو محمد الصريفيني، قال: أخبرنا المخلص، قال: أخبرنا إسماعيل الوراق، قال: حدثنا حفص بن عمرو الربالي، قال: حدثنا أبو سحيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الناس إلا شحًا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس.
قلت: أخبرناه أبو المعالي الهمذاني، قال: أخبرنا أبو علي ابن الجواليقي، قال: أخبرنا أبو المظفر يحيى بن محمد الوزير قال: قرأت على مولانا المقتفي لأمر الله سنة اثنتين وخمسين: حدثكم السيبي، فذكره. وأجازه لنا جماعة سمعوه من الكندي، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله ابن البيضاوي، قال: أخبرنا أبو محمد بن هزارمرد الصريفيني، فذكره.
وقد جدد المقتفي بابًا للكعبة، واتخذ من العتيق تابوتًا لدفنه. وكان محمود السيرة، مشكور الدولة، يرجع إلى دين، وعقل، وفضل، ورأي، وسياسة؛ جدد معالم الإمامة، ومهد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غير مرة في جنوده، وامتدت أيامه.
وذكر أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب العباسية المقتفي، فقال: كانت أيامه نضرة بالعدل، زهرة بفعل الخيرات، وكان على قدمٍ من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه ومعه. وكان في أول عمره متشاغلًا بالدين، ونسخ العلوم وقراءة القرآن. إلى أن قال: ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته، مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته. ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت.
قال ابن الجوزي: مات بالتراقي، وقيل: دمل كان في عنقه، فتوفي ليلة الأحد ثاني ربيع الأول، عن ست وستين سنة إلا ثمانية وعشرين يومًا. قال: ومن العجائب أنه وافق أباه في علة التراقي، وماتا جميعًا في ربيع الأول. وتقدم موت شاه محمد على موت المقتفي بثلاثة أشهر، وكذلك المستظهر مات قبله السلطان محمد بن ملكشاه بثلاثة أشهر. ومات المقتفي بعد الغرق
بسنة، وكذلك القائم مات بعد الغرق بسنة.
وكان من سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خراسان، والسلطان نور الدين صاحب الشام.
واستوزر عون الدين يحيى بن هبيرة. وكان هو الذي أقام حشمة الدولة العباسية، وقطع عنها أطماع الملوك السلجوقية وغيرهم من المتغلبين.
ومن أيام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبق لهم فيها منازع. وقبل ذلك لعل من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك، وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة.
وكان رضي الله عنه كريمًا، جوادًا، محبًا للحديث وسماعه، معتنيًا بالعلم، مكرمًا لأهله. وبويع بعده ولده أبو المظفر يوسف بن محمد، ولقب بالمستنجد بالله.
177 -
محمد بن أحمد بن علي بن الحسين
، أبو المظفر ابن التريكي، الهاشمي العباسي، خطيب جامع المهدي.
كان من كبار العدول ببغداد، وله إسناد عالٍ على قلته؛ روى عن أبي نصر الزينبي، وعاصم، ورزق الله.
ولد سنة سبعين وأربعمائة.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وعلي بن هارون الحلي النحوي، وأبو الفرج محمد بن عبد الرحمن الواسطي التاجر، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، ويحيى بن أبي المظفر الحنفي مدرس النفيسية، وآخرون.
توفي في نصف ذي القعدة.
178 -
محمد بن علي بن عمر
، الخطيب أبو بكر البروجردي.
قدم بغداد، وتفقه على أسعد الميهني. وتفقه بمرو مدة حتى برع في المذهب، وصار من أئمة الشافعية. وانقطع إلى صحبة يوسف بن أيوب الزاهد، وتعبد، ولزم الطاعة، وحج.
روى عنه أبو سعد السمعاني أناشيد، وقال: يعرف بالموفق، وأثنى عليه. وروى عن أبي منصور محمد بن علي الكراعي، والفقيه عمر بن محمد السرخسي، وجماعة. وسمع الكثير، وقرأ بنفسه ببغداد على قاضي المارستان.
ومات في ربيع الأول وله إحدى وستون سنة.
179 -
محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن علوي بن محمد بن زيد بن غبرة الهاشمي
، أبو الحسن الحارثي، الكوفي، المعروف بابن المعلم.
أحد عدول الكوفة، من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
ولد سنة ثمانٍ وستين وأربعمائة، وسمع سنة خمس وسبعين من العدل أبي الفرج محمد بن أحمد بن علان، وأبي علي محمد بن محمد بن محمد بن حمدان الخالدي، وأبي القاسم الحسين بن محمد بن سلمان الدهقان، وأبي غالب بن المنثور الجهني، وجماعة، وتفرد بالرواية عن بعضهم. ورحل إليه الطلبة إلى الكوفة.
قال ابن النجار: روى لنا عن جماعة سمعوا منه بالكوفة، وقد سمع منه أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع، وأبو الفرج بن النقور، وحدث ببغداد قديمًا.
مات بالكوفة في سلخ ذي الحجة سنة خمس؛ قاله مسعود بن النادر.
وقال أبو الفضل بن شافع: توفي في أواخر محرم سنة ست. قال: وكان ثقة في روايته. سمعت عليه بقراءتي الأجزاء التي ظهرت له جميعها.
قلت: آخر من روى عنه بالإجازة كريمة الدمشقية.
180 -
محمد بن أبي جعفر محمد بن علي بن محمد
، أبو الفتوح الطائي، الهمذاني، صاحب الأربعين الطائية.
ولد سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة بهمذان، وسمع فيد بن عبد الرحمن الشعراني، وعبد الرحمن بن حمد الدوني، وظريف بن محمد، ومحمد بن أبي العباس الأبيوردي الأديب، وإسماعيل بن الحسن الفرائضي، وعبد الغفار الشيرويي، وفخر الإسلام عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، وتاج الإسلام أبا بكر السمعاني، وشيرويه الديلمي الحافظ، وابن طاهر المقدسي، وأبا القاسم بن بيان الرزاز. وتفقه بمرو على محيي السنة البغوي، وعلى أبي بكر السمعاني. قال أبو سعد ابن السمعاني: يرجع إلى نصيب من العلوم؛ فقه،
وحديث، وأدب، ووعظ. حضرت وعظه بهمذان، فاستحسنته.
قلت: روى عنه محمد بن عبد الله ابن البناء الصوفي، والحسين بن الزبيدي، وأخوه الحسن، وجماعة. وتوفي في شوال بهمذان. وآخر من روى عنه ابن اللتي.
181 -
محمد بن محمد بن عبد الكريم
، أبو المفضل بن زنبقة الواسطي، المعدل.
ولد سنة خمسٍ وسبعين وأربع مائة، وعدل سنة خمس مائة، وسمع أباه أبا تمام، وأبا الفضل محمد بن محمد ابن السوادي، وأبا غالب محمد بن أحمد. وسمع البخاري ببغداد من نور الهدى أبي طالب.
روى عنه أبو يعلى محمد بن علي ابن القارئ، وأبو طالب بن عبد السميع، وغيرهما.
وتوفي في ذي الحجة.
182 -
محمد بن بركة بن الكسا
.
شيخ صالح سني، سمع أبا غالب الباقلاني، وأبا الحسين ابن الطيوري. وعنه ابن الأخضر.
183 -
محمد بن يحيى بن علي بن مسلم بن موسى بن عمران
، القرشي، اليمني، الزبيدي، الواعظ، أبو عبد الله.
ولد في المحرم سنة ستين وأربع مائة، وقدم دمشق في حدود سنة ست وخمس مائة فوعظ وأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلم يحتمل طغتكين أتابك له ذلك، وأخرجه عن دمشق، فذهب إلى العراق، ودخلها سنة تسع وخمس مائة، ووعظ. وكان له معرفة بالنحو والأدب. وكان صبورًا على الفقر، متعففًا. ثم قدم دمشق رسولًا من المسترشد بالله في أمر الباطنية وعاد.
وكان حنفي المذهب، على طريقة السلف في الأصول.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: حدثني الوزير ابن هبيرة، قال: جلست مع الزبيدي من بكرة إلى قريب الظهر، وهو يلوك شيئًا في فيه، فسألته، فقال: لم يكن لي شيء، فأخذت نواة أتعلل بها! قال ابن الجوزي: وكان يقول الحق وإن كان مرًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم. ولقد حكي أنه دخل على الوزير الزينبي وقد خلعت عليه خلع الوزارة، والناس يهنئونه بالخلعة، فقال هو: هذا يوم عزاء لا يوم هناء، فقيل: لم؟ فقال: أهنئ على لبس الحرير؟!
قال أبو الفرج: وحدثني عبد الرحمن بن عيسى الفقيه، قال: سمعت محمد بن يحيى الزبيدي، قال: خرجت إلى المدينة على الوحدة، فآواني الليل إلى جبل، فصعدت وناديت: اللهم إني الليلة ضيفك. ثم نزلت فتواريت عند صخرة، فسمعت مناديًا ينادي: مرحبًا يا ضيف الله. إنك مع طلوع الشمس تمر بقوم على بئر يأكلون خبزًا وتمرًا، فإذا دعوك فأجب، فهذه ضيافتك. فلما كان من الغد سرت، فلما طلعت الشمس لاحت لي أهداف بئر، فجئتها، فوجدت عندها قومًا يأكلون خبزًا وتمرًا، ودعوني، فأجبت.
وقال ابن السمعاني: كان يعرف النحو معرفة حسنة، ويعظ، ويسمع معنا من غير قصد من القاضي أبي بكر الأنصاري، وغيره. وكان فنًا عجيبًا. وكان في أيام المسترشد يخضب بالحناء، ويركب حمارًا مخضوبًا بالحناء، وكان يجلس ويجتمع عليه العوام، ثم فتر سوقه. ثم إن الوزير عون الدين ابن هبيرة نفق عليه الزبيدي ورغب فيه. وسمعت جماعة يحكون عنه أشياء السكوت عنها أولى.
ثم قال: وقيل لي: إنه يذهب إلى مذهب السالمية، ويقول: إن الأموات يأكلون ويشربون وينكحون في قبورهم، والسارق والشارب للخمر والزاني لا يلام على فعله؛ لأنه يفعل بقضاء الله وقدره. وسمعت علي بن عبد الملك
الأندلسي يقول: زاد الزبيدي في أسماء الله تعالى أسامي، ويقول: هو المتمم، والمبهم، والمظهر، والزارع.
وقال أبو البركات عبد الوهاب الأنماطي: حمل إلي الزبيدي جزءًا صنفه فذكر فيه أن لكل ميت بيتًا في الجنة وبيتًا في النار، فإذا دخل الجنة هدم بيته الذي في النار، وإذا دخل النار هدم بيته الذي في الجنة.
قلت: وحفيداه اللذان رويا الصحيح هما الحسن والحسين ابنا المبارك بن محمد.
وقال ابن عساكر: قال ولده إسماعيل: كان أبي في كل يوم وليلة من أيام مرضه يقول: الله الله؛ قريبًا من خمسة عشر ألف مرة، وما زال يقول الله الله حتى طفئ، توفي في ربيع الآخر.
وقال أحمد بن صالح بن شافع: كان له في علم الأصول وعلم العربية حظ وافر، وقد صنف كتبًا في فنون العلوم تزيد على مائة مصنف. ولم يضيع شيئًا من عمره. ثم بالغ الجيلي في تعظيمه، وقال: كان يخضب بالحناء ويعتم متلحيًا دائمًا. حكيت لي عنه من جهات صحيحة غير كرامة، منها رؤيته للخضر وجماعة من الأولياء.
184 -
محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد
، أبو طاهر السبخي، البزدوي البخاري الصابوني الفقيه الزاهد.
سمعه أبوه بقرية وركي أجزاء من الإمام المعمر أبي محمد عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيري. وسمع القاضي: أبا اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي، وعلي بن أحمد بن خذام، وأبا صادق أحمد بن الحسين الزندي، وجماعة. ولد بعد الثمانين وأربع مائة. وكان فقيهًا صالحًا صحب يوسف الهمذاني الزاهد، وإبراهيم الصفار الزاهد واختص به.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وأثنى عليه، وولده عبد الرحيم، توفي في جمادى الأولى ببخارى.
قلت: ومن شيوخ السمعاني وابنه: أبو طاهر محمد بن أبي بكر السنجي
المروزي المؤذن يشتبه بأبي طاهر محمد بن أبي بكر السبخي هذا، فينبغي أن يتفطن له.
185 -
المبارك بن المبارك بن هبة الله
، ابن المعطوش، أبو القاسم بن أبي المعالي البغدادي التاجر السفار.
سمع أبا العز محمد بن المختار، وحدث.
قال أخوه أبو طاهر المبارك ابن المعطوش: توفي أخي بدمشق سنة خمس وخمسين.
قلت: وسمع من ابن بيان أيضًا. روى عنه داود بن الفاخر.
186 -
المبارك بن هبة الله بن علي بن العقاد
، أبو المعالي البغدادي، المؤدب.
سمع من طراد الزينبي، وأبي الحسن الأنباري الأقطع، وابن طلحة النعالي.
وقد سماه السمعاني في الذيل: المبارك بن الحسين، وإنما هو ابن أبي الحسين.
روى عنه أبو الحسن الشهرستاني، وأبو محمد بن الأخضر.
مات في صفر سنة خمس، وله خمس وثمانون سنة.
187 -
المبارك بن أبي الفضل البغدادي الطباخ المؤدب
.
سمع أبا الفضل بن خيرون، وتوفي في ذي العقدة.
روى عنه عمر القرشي الدمشقي، وغيره.
• - مجاهد الدين، واقف المدرسة المجاهدية، واسمه بزان، وقد ذكر.
188 -
مسعود بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحصين
، أبو منصور بن أبي الفرج الشيباني، الكاتب.
بغدادي جليل، حدث عن أبي الخطاب بن البطر، وطبقته.
قال ابن السمعاني: كتبت عنه، ولا أعرف من حاله شيئًا. وسمعته يقول: ولدت سنة سبع وستين وأربع مائة. وتوفي في أواخر ذي الحجة.
قلت: وأخبرونا عن ابن المقير أن مسعود بن الحصين أجاز له: أخبرنا أبو الخطاب علي بن عبد الرحمن بن الجراح. وقد سمع أيضًا من رزق الله، وأبي الحسن الأنباري، وطراد. وقرأ القراءات على أبي منصور الخياط. وطلب، وكتب ما لا يوصف. وكان ثقة.
189 -
ملكشاه ابن السلطان محمود بن محمد السلجوقي
.
توفي بأصبهان في ربيع الأول؛ قاله ابن الجوزي. فقيل: إنه سم، وسبب ذلك أنه لما كثر جمعه بأصبهان في السنة الماضية أرسل إلى بغداد وطلب أن تقطع خطبة عمه سليمان شاه، وتقام له الخطبة، ويعيدوا القواعد القديمة، فوضع ابن هبيرة الوزير خادمًا اسمه غلبك الكوهرائي، فمضى واشترى جارية بألف دينار، وباعها لملكشاه، وقرر معها أن تسمه، ووعدها أمورًا عظيمة، فسمته في لحم مشوي، فأصبح ميتًا، فضربت فأقرت. وملك أصبهان بعده عمه سليمان شاه، فلم تطل مدته، ومات بعد سنة.
190 -
منصور بن محمد بن سعيد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود
، أبو المظفر بن أبي الفضل المسعودي، المروزي.
قال ابن السمعاني: كان أحد الفضلاء المبرزين، وأحد الدهاة الأجلاد. وكان كثير المحفوظ، مليح الشعر. سمع الإمام أبا المظفر جدي، وإسماعيل الناقدي، وأبا جعفر أحمد بن الحسين الخزاعي. وبنيسابور أبا بكر الشيرويي، وغيره.
روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، وآخرون.
وولد سنة إحدى وثمانين وأربع مائة، وتوفي في أواخر رجب.
191 -
يحيى بن سعد بن مظفر
، القاضي أبو الوفاء البغدادي، عرف بابن المرخم.
اشتغل بالطب والنجوم ومذهب الأوائل، حتى انطفأ نور إيمانه، وتقدم،
ورأس إلى أن ناب في القضاء عن علي بن الحسين الزينبي، وعلا شأنه. ثم ولي أقضى القضاة، وظلم، وعسف، وارتشى. وكان من سيئات المقتفي. وكان يتظاهر بالفلسفة، فلما مات مخدومه واستخلف المستنجد سجنه مديدة، ثم أخرج من السجن ميتًا في شوال سنة خمس. وله نظم جيد.
ذكره علي بن أنجب في قضاة بغداد.
192 -
يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن رافع
، أبو اليمن ابن تاج القراء، الطوسي، أخو علي.
سمع البانياسي، وأبا الحسن الأنباري، ورزق الله. وعنه ابن سكينة، وابن الأخضر.
ولد سنة سبع وسبعين وأربع مائة، ومات في ربيع الآخر.
سنة ست وخمسين وخمس مائة
193 -
أحمد بن ظفر
، أبو الوفاء الثقفي الأصبهاني المعدل.
مات في أول السنة.
194 -
أحمد بن كبيرة بن مقلد
، أبو بكر الأزجي، الخزاز، الصالح، العابد.
سمع أبا القاسم بن بيان، وابن ملة المحتسب. روى عنه أحمد بن يحيى بن هبة الله، وعبد العزيز بن الأخضر.
توفي في ربيع الأول.
195 -
أحمد بن المبارك بن عبد الباقي بن محمد بن قفرجل الذهبي
، أبو القاسم البغدادي القطان.
شيخ مسند مستور. سمع عاصم بن الحسن، وطراد بن محمد الزينبي، ورزق الله التميمي، والفضل بن أبي حرب الجرجاني، وأبا الغنائم ابن أبي عثمان، وابن خيرون، وأبا طاهر الباقلاني، وغيرهم.
روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وسعد بن طاهر البلخي، وزيد بن يحيى البيع، وأبو هريرة محمد بن ليث الوسطاني، وجماعة. وآخر من روى عنه بالإجازة ابن المقير.
وكان له أخ اسمه باسمه أحمد حدث أيضًا بشيء عن شيوخ أخيه، وتوفي قديمًا.
196 -
أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الوهاب
، أبو المحاسن ابن أبي نصر ابن الدباس.
من أرباب البيوتات الكبار ببغداد، ومن ذرية القاسم بن عبيد الله الوزير. أديب، كاتب، شاعر، قعد به الوقت، وصار ينسخ بالأجرة. سمع النعالي، وطرادًا الزينبي. روى عنه ابن سكينة، ويوسف بن المبارك الخفاف.
توفي رحمه الله في المحرم.
197 -
أحمد بن هبة الله بن محمد
، أبو عبد الله ابن الفرضي، بسكون الراء، البغدادي المقرئ.
قرأ بالروايات على أبي ياسر الحمامي، وثابت بن بندار، وعبد العزيز بن علي الخباز، ومحمد بن أحمد الوقاياتي، وجماعة. وسمع من رزق الله التميمي، وعلي بن قريش. وجماعة.
روى عنه أحمد بن طارق، وابن الأخضر، وجماعة. وقرأ عليه بالروايات أبو الفتوح ابن الحصري.
وكان عالي الإسناد في القراءات. سكن الدسكرة وخطب بها. وكان القراء يقصدونه لعلو روايته. وكان صالحًا، خيرًا، مسنًا، توفي في جمادى الآخرة.
ذكره ابن الدبيثي، والمحب ابن النجار.
198 -
إبراهيم بن دينار بن أحمد
، أبو حكيم النهرواني، الفقيه الحنبلي، من علماء بغداد.
كان من المشهورين بالزهد والورع، والحلم الزائد، وإليه كان المرجع في علم الفرائض. أنشأ مدرسة من ماله بباب الأزج، وانقطع بها للعلم والعمل. وكان يؤثر الخمول والتواضع والعيش الخشن، ويقتات من خياطة يده، فيأخذ على القميص حبتين فقط.
ولقد اجتهد جماعة في إغضابه وإضجاره فلم يقدروا. وكان صبورًا على خدمة الفقراء والعجائز والزمنى، ولم ير عابسًا قط.
سمع أبا الحسن العلاف، وابن بيان الرزاز، وغيرهما. روى عنه أبو الفرج ابن الجوزي، وابن الأخضر، وأبو نصر عمر بن محمد المقرئ.
وكان صدوقًا، صحيح السماع. ولد سنة إحدى وثمانين وأربع مائة. وسمع أيضًا من أبي الخطاب الكلوذاني. وتفقه على صاحبه أبي سعد بن حمزة، وقرأ عليه كثيرًا.
قال ابن الجوزي: أعدت درسه بمدرسة ابن الشمحل، فلما توفي
درست بعده بها. وكان يضرب به المثل في الحلم والتواضع. قرأت عليه القرآن والمذهب. وقرأت بخطه على ظهر جزء له: رأيت ليلة الجمعة عاشر رجب سنة خمس وأربعين فيما يرى النائم، كأن شخصًا في وسط داري قائمًا، فقلت له: من أنت؟ قال: الخضر، وقال:
تأهب للذي لا بد منه من الموت الموكل بالعباد ثم كأنه علم أنني أريد أن أقول له: هل ذلك عن قرب؟ فقال: قد بقي من عمرك اثنتا عشرة سنة تمام سني أصحابك. وعمري يومئذ خمس وستون سنة.
قال ابن الجوزي: فكنت أترقب صحة هذا، ولا أفاوضه، فمرض اثنين وعشرين يومًا، وتوفي في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست وخمسين.
قلت: إنما يكون اثنتي عشرة سنة إذا حسبنا السنة التي رأى فيها والتي توفي فيها.
199 -
إبراهيم بن محمد بن علي
، أبو إسحاق الهمذاني الخطيب.
ولد سنة خمس وسبعين، وسمع من نصر بن محمد بن زيرك المقرئ. كتب عنه السمعاني.
200 -
حاتم بن شافع بن صالح
، أبو الفتح الجيلي، بواب دار الخلافة، أخو صالح بن شافع.
روى عن جعفر ابن الحكاك، وأبي منصور الخياط. وعنه ابن الأخضر، وداود بن معمر، وغيرهما.
مات فجاءة في ربيع الآخر سنة ست وخمسين، وله سبعون سنة.
201 -
الحسين بن الحسين
، الملك علاء الدين الغوري صاحب الغور.
توفي بعد رجوعه من محاصرة مدينة غزنة. وكان من أجود الملوك سيرة في رعيته. وتملك بعده ابنه الملك سيف الدين محمد فأطاعه الناس وأحبوه. وكان قد كثر في جبالهم الإسماعيلية، فأخرجهم من تلك الأرض، ونظفها
منهم، وراسل الملوك وهاداهم، واستمال صاحب نيسابور المؤيد أي أبه وهادنه.
202 -
حمزة بن علي بن طلحة
، أبو الفتوح البغدادي.
روى عن أبي القاسم بن بيان، وولي حجبة الباب، ثم الخزانة. وكان قريبًا من المسترشد، وولي المقتفي وهو على ذلك. وبنى مدرسة إلى جانب داره، وحج، وتزهد، وانقطع في بيته حتى توفي. وكان محترمًا يزوره الأكابر والدولة.
203 -
سليمان شاه ابن السلطان محمد ابن السلطان ملكشاه
، السلطان السلجوقي.
كان فاسقًا، مدمن الخمر، أهوج أخرق. قال ابن الأثير: شرب الخمر في رمضان نهاراً، وكان يجمع المساخر، ولا يلتفت إلى الأمراء، فأهمل العسكر أمره، وصاروا لا يحضرون بابه. وكان قد رد الأمور إلى الخادم شرف الدين كردباز، أحد مشايخ الخدام السلجوقية. وكان الخادم يرجع إلى دين وعقل، فاتفق أن السلطان شرب يومًا بظاهر همذان، فحضر عنده كردباز فكشف له بعضهم سوأته، فخرج مغضبًا. ثم إنه بعد أيام عمد إلى مساخر سليمان شاه فقتلهم، وقال: إنما أفعل هذا صيانة لملكك، فوقعت الوحشة. ثم إن الخادم عمل دعوة حضرها السلطان، فقبض الخادم على السلطان بمعونة الأمراء، وعلى وزيره محمود بن عبد العزيز الحامدي في شوال سنة خمس وخمسين، وقتلوا الوزير، وجماعة من خاصة سليمان شاه، وحبسه في قلعة، ثم بعث من خنقه في ربيع الآخر سنة ست. وقيل: بل سمه.
وقد ذكرنا من أخباره في الحوادث.
204 -
طلائع بن رزيك
، الأرمني ثم المصري الشيعي الرافضي، أبو الغارات، وزير الديار المصرية، الملقب بالملك الصالح.
كان واليًا على الصعيد، فلما قتل الظافر سير أهل القصر إلى ابن رزيك واستصرخوا به، فحشد وأقبل وملك ديار مصر، كما ذكرنا في ترجمة الفائز،
واستقل بالأمور، وكانت ولايته في سنة تسع وأربعين.
وكان أديبًا، شاعرًا، سمحًا، جوادًا، محبًا لأهل الفضائل، وله ديوان شعر صغير.
ولما مات الفائز وبويع العاضد استمر ابن رزيك في وزارته، وتزوج العاضد بابنته. وكان العاضد من تحت قبضته، فاغتر بطول السلامة، وقطع أرزاق الخاصة، فتعاقدوا على قتله، ووافقهم العاضد، وقرر مع أولاد الداعي قتله، وعين لهم موضعًا في القصر يكمنون فيه، فإذا عبر أبو الغارات قتلوه، فخرج من القصر ليلة، فقاموا إليه، فأراد أحدهم أن يفتح الباب فأغلقه، وما علم لتأخير الأجل. ثم جلسوا له يومًا آخر، ووثبوا عليه عند دخوله القصر نهارًا وجرحوه عدة جراحات، ووقع الصوت، فدخل حشمه، فقتلوا أولئك، ثم حملوه إلى داره جريحًا، ومات ليومه في تاسع عشر رمضان، وخرجت الخلع لولده العادل رزيك بالوزارة.
ورثاه عمارة اليمني بعدة قصائد.
ومن شعر أبي الغارات:
ومهفهف ثمل القوام سرت إلى أعطافه النشوات من عينيه ماضي اللحاظ كأنما سلت يدي سيفًا غداة الروع من جفنيه قد قلت إذ خط العذار بمسكة في خده ألفيه لا لاميه ما الشعر دب بعارضيه، وإنما أصداغه نفضت على خديه الناس طوع يدي وأمري نافذ فيهم وقلبي الآن طوع يديه فاعجب لسلطان يعم بعدله ويجور سلطان الغرام عليه وله أشعار كثيرة في أهل البيت تدل على تشيعه، وسوء مذهبه، حتى قال الشريف الجواني: كان في نصر المذهب كالسكة المحماة، لا يفرى فريه، ولا يبارى عبقريه، وكان يجمع العلماء من الطوائف، ويناظرهم على الإمامة.
قلت: وكان يرى القدر، وصنف كتابًا سماه: الاعتماد في الرد على أهل العناد يقرر فيه قواعد الرفض، ويعظم بني عبيد.
وقال عمارة: دخلت عليه قبل قتله بثلاثة أيام، فناولني قرطاسًا فيه بيتان من شعره، وهما:
نحن في غفلة ونوم، وللمو ت عيون يقظانة لا تنام قد رحلنا إلى الحمام سنينًا ليت شعري متى يكون الحمام وقد كان أبو محمد ابن الدهان النحوي نزيل الموصل شرح بيتًا من شعر ابن رزيك وهو هذا:
تجنب سمعي ما تقول العواذل وأصبح لي شغل، من الغر شاغل فبلغه ذلك، فبعث إليه هدية سنية.
ولما قتل رثاه عمارة اليمني، فأبلغ وأجاد حيث يقول:
خربت ربوع المكرمات لراحل عمرت به الأجداث وهي قفار شخص الأنام إليه تحت جنازة خفضت برفعة قدرها الأقدار وكأنه تابوت موسى أودعت في جانبيه سكينة ووقار وتغاير الحرمان والهرمان في تابوته وعلى الكريم يغار أنبأني أحمد بن سلامة، عن علي بن نجا الواعظ قال: قرأت على الملك الصالح طلائع لنفسه:
قولوا لمغرور بطول العمر ويحك، ما عرفت صرف الدهر نحن قعود والزمان يجري والموت يغدو نحونا ويسري يطرق في غسق وفجر وبعده أهوال يوم الحشر طوبى لمن جانب طرق الشر ومر جذلان خفيف الظهر يمضي ويبقى منه حسن الذكر
205 -
عبد الحميد بن إسماعيل بن أحمد
، أبو الفرج الموسياباذي، الهمذاني، الصوفي.
سمع عبدوس بن عبد الله، والفضل بن أحمد الزجاجي.
مات في رمضان عن اثنتين وثمانين سنة.
أخذ عنه السمعاني.
206 -
عبد الصمد بن محمد بن عمر بن محمد
، أبو محمد البغوي الخطيب، من أهل بغشور.
شيخ صالح، ورع، تقي، قانت لله. ولي خطابة بغشور مدة، وكان الناس يتبركون به، سمع من القاضي أبي سعيد بن أبي صالح البغوي، الدباس.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: ولد سنة إحدى وثمانين وأربع مائة.
وتوفي بهراة في ربيع الأول.
207 -
عبد الكريم بن أبي الفتح عبيد الله ابن الإمام أبي القاسم القشيري
، أبو المعالي الواعظ.
سمع أباه، والفضل بن أحمد الجرجاني.
لقيه السمعاني بإسفرايين، وقال: كان يعظ بنيسابور ويقع في الروافض، فقتلوه في أحد الجماديين سنة ست هذه.
208 -
عبد الملك بن عبد السلام بن عبد الملك بن الصدر التيمي البغدادي
.
سمع الحسين بن محمد السراج، وحدث، وتوفي في رمضان.
وهو مقل، سمع منه أحمد بن طارق الكركي.
209 -
عبد الوهاب بن محمد بن الحسين
، أبو الفتح ابن الصابوني، المالكي، المقرئ، الخفاف، وهو من قرية المالكية التي على الفرات.
ولد سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة.
وسمع من أبي عبد الله النعالي، ونصر ابن البطر، وأبي طاهر محمد بن أحمد بن قيداس، وثابت بن بندار، والمبارك ابن الطيوري، وخلق كثير، وسمع ونسخ وحصل الأصول وروى الكثير. وقرأ القراءات على أبي بكر بن بدران الحلواني، وأبي العز القلانسي.
وأقرأ الناس، وكان قيمًا بالروايات ومعرفتها، ثبتًا، صالحًا، حسن الطريقة، روى عنه عبد العزيز بن الأخضر، وسبطه عمر بن كرم.
قال ابن السمعاني: هو شيخ صدوق، قيم بكتاب الله، يأكل من كد يده، كتبت عنه.
وقال عمر بن علي القرشي: توفي في صفر.
قلت: وله أربعون حديثا رواها عنه عمر بن كرم.
210 -
عبد المنعم بن أبي سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه
، أبو محمد الأصبهاني.
روى عن أبي الخير بن ررا، روى عنه محمود بن منده أبو الوفاء.
توفي في الثالث والعشرين من شعبان.
211 -
عدنان بن محمد بن عدنان
، أبو هاشم الزينبي.
سمع من أبي القاسم الربعي، وأبي سعد بن خشيش. روى عنه ابن السمعاني، وعبد العزيز بن الأخضر.
212 -
علي بن محمد بن طاهر بن علي
، أبو تراب التميمي الكرميني، أحد الأئمة الكبار.
قال ابن السمعاني: أديب عديم النظير، حافظ لأصول اللغة، لا نعرف في زماننا له نظيرًا، ومع هذا الفضل كان ورعًا عفيفًا كثير التلاوة والتهجد متدينًا متقنًا لما ينقله.
سمع من القاضي أبي بكر محمود بن مسعود، وغيره، لقيته ببخارى، ومات بكرمينية في صفر.
قلت: وروى عنه ابنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
213 -
العلاء بن علي بن محمد بن علي
، أبو الفرج ابن السوادي، الواسطي الكاتب الشاعر المشهور.
من بيت تقدم وحشمة، وقد كان أبو الفضل هبة الله بن الفضل القطان هجا قاضي القضاة أبا القاسم الزينبي بقصيدته التي أولها:
يا أخي الشرط أملك لست للثلب أترك وهي زيادة على مائة بيت مشهورة.
فأحضر الزينبي أبا الفضل وصفعه، وحبسه مدة، ثم بعد ذلك مدح أبو الفرج هذا قاضي القضاة الزينبي لما قدم من
واسط، فتأخرت عنه جائزته، وتردد مرات، فما أجدى، فاجتمع بابن القطان وشرح له حاله، ثم كتب إلى صديق لقاضي القضاة الزينبي:
يا أبا الفتح الهجاء إذا جاش صدر منه متسع وقوافي الشعر كامنة ولها الشيطان متبع فاحذروا كافات منحدر ما لكم في صفعه طمع فاتصلت الأبيات بالزينبي، فأجاز ابن السوادي وأرضاه.
ولد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة بواسط.
والسوادي: نسبة إلى سواد العراق.
ومن شعره:
أشكو إليك ومن صدودك أشتكي وأظن من شغفي بأنك منصفي وأصد عنك مخافة من أن يرى منك الصدود فيشتفي من يشتفي
214 -
عمر بن أحمد بن أبي الحسن، الإمام أبو محمد الفرغاني المرغيناني، نزيل سمرقند.
فقيه، إمام، ورع، متواضع، سمع ببلخ من أبي جعفر محمد بن الحسين السمنجاني، وإسماعيل بن أحمد البيهقي، ومحمد بن أبي القصر السجزي، روى عنه عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني.
وتوفي في المحرم سنة إذٍ وله سبعون سنة.
215 -
عمر بن محمد بن عبد الملك بن ينكي
، أبو حفص الفرخوزديزجي، النسفي، نزيل بخارى.
شيخ صالح، عالم، متميز، سمع أبا بكر البلدي، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
وعاش خمسًا وستين سنة.
216 -
قاسم بن هاشم بن فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي
، الحسني، صاحب مكة.
كان ظالمًا جبارًا، صادر المجاورين وأهل مكة، وهرب من عسكر الخليفة، فلما وصل أمير الحاج أرغش رتب مكانه عمه عيسى، فبقي كذلك إلى رمضان من السنة المقبلة، فجمع قاسم العرب، وقصد عمه، فهرب منه، فأقام بمكة أيامًا ولم يكن له مال يوصله إلى العرب، ثم إنه قتل قائدًا كان معه، فتغيرت نيات أصحابه وكاتبوا عمه عيسى فقدم، وهرب قاسم، فصعد جبل أبي قبيس، فسقط عن فرسه، فأخذه أصحاب عيسى فقتلوه، فتألم عمه لقتله وغسله، ودفنه عند أبيه فليتة، واستقر الأمر لعيسى.
217 -
محمد بن أحمد بن محمد
، القاضي أبو طاهر ابن الكرخي، قاضي باب الأزج.
ولي قضاء واسط أيضًا، وطالت أيامه في القضاء، وهو الذي حكم بفسخ خلافة الراشد.
توفي في ربيع الأول.
سمع من النعالي، والحسين ابن البسري، وعنه ابن الأخضر.
218 -
محمد بن أحمد بن صدقة
، الوزير جلال الدين أبو الرضا.
وزر للراشد بالله، وكان هو المدبر لأموره، وكان الراشد مهيبًا، جبارًا، ذا سطوةٍ، فخاف منه ابن صدقة، فصار إلى متولي الموصل الأتابك زنكي، ثم صلح أمره عند الراشد، فعاد إلى بغداد؛ فلما خرج الراشد من بغداد سنة ثلاثين تأخر الوزير ابن صدقة عنه، فلما خلع الراشد وبويع المقتفي استخدم المقتفي ابن صدقة في غير الوزارة.
وكان يرجع إلى خيرٍ ودين، وحدث عن أبي الحسن ابن العلاف.
سمع منه أحمد بن شافع، وعمر بن علي القرشي.
ولد سنة ثمانٍ وتسعين وأربعمائة، وتوفي في شعبان ببغداد.
وروى عنه أحمد بن طارق الكركي.
219 -
محمد ابن المقرئ أبي طاهر أحمد بن علي بن عبيد الله بن سوار
، أبو الفتوح البغدادي، الوكيل.
سمع أباه، وطرادًا، وأبا الفضل عبد الله بن محمد الدقاق، وجماعة.
وعنه ثابت بن مشرف، وغيره، وكان عسرًا في التحديث.
مات في جمادى الآخرة.
220 -
محمد بن أحمد بن عبد الكريم بن محمد
، أبو محمد ابن المادح التميمي، البغدادي.
شيخ معمر عالي الرواية، كان يروي ستة أجزاء أو نحوها.
سمع أبا نصر الزينبي، وأبا الغنائم بن أبي عثمان، وأبا الحسن الأنباري، وابن البطر.
روى عنه إبراهيم بن محمود الشعار، وأحمد بن طارق، وعمر بن محمد الدينوري، وأحمد بن يحيى بن هبة الله، وعبد الحق بن محمد ابن المقرون، وعبد الرحمن بن عمر ابن الغزال، ونصر بن أبي الفرج ابن الحصري، وعلي بن بورنداز، وثابت بن مشرف، وعبد اللطيف بن عبد الوهاب بن محمد الطبري، وأبو الحسن محمد بن محمد بن أبي حرب النرسي، وطائفة سواهم.
وتوفي في ذي القعدة.
وكان أبوه ينوح على الصحابة بالقصائد، ويمدحهم في المواسم بصوت طيب ملحن.
221 -
محمد بن علي بن إبراهيم بن زبرج
، أبو منصور البغدادي، النحوي، المعروف بالعتابي، صاحب الخط المنسوب.
أخذ العربية عن: أبي السعادات ابن الشجري، وأبي منصور ابن الجواليقي، وسمع من قاضي المرستان، وكان من كبار النحاة، وخطه يتنافس فيه الفضلاء.
توفي في جمادى الأولى، وقد جاوز السبعين.
222 -
محمد بن عمر بن محمد بن محمد
، أبو عبد الله الشاشي.
فقيه، عابد، خير، تفقه بمرو على محيي السنة البغوي، وحدث عنه
بالأربعين الصغرى له، رواها عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
وتوفي في شعبان، وله بضع وسبعون سنة.
223 -
محمد بن محفوظ
، أخي مسعود بن الحسن بن القاسم بن الفضل، الثقفي، الأصبهاني، أبو طالب الرئيس.
توفي في ذي القعدة، قاله عبد الرحيم الحاجي.
224 -
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يعيش
، أبو عبد الله اللخمي، البلنسي، نزيل شاطبة.
روى عن أبي علي بن سكرة، وأبي محمد بن خيرون، وحج سنة ست وخمسمائة، وأقام بمصر مدة، وسمع أبا بكر عبد الله بن طلحة اليابري، وأبا الحسن ابن الفراء، وأبا عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وأبا بكر الطرطوشي، ورافع بن دغش.
قال أبو عبد الله الأبار: كان ثقة ولم يكن له كبير معرفة، حدث عنه صهره أبو عبد الله ابن الخباز، وأبو عمر بن عياد.
وكان مولده سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
225 -
محمد بن المؤيد بن عبد المنعم بن روح الأصبهاني
، أبو عبد الله.
توفي في آخر السنة.
226 -
محمود بن محمد، الخاقان التركي
، صاحب ما وراء النهر، وابن أخت السلطان سنجر السلجوقي.
قد ذكرنا من أخباره في الحوادث، وأنه ولي ملك خراسان من تحت يد الغز، لا بارك الله فيهم، فلما كان في وسط سنة ست هذه سار بالغز، وحاصر نيسابور شهرين، وكان من تحت، حكمته الغز، فأظهر أنه يريد الحمام، وهرب من الغز إلى المؤيد أي أبه صاحب نيسابور. ثم ترحلت الغز عن نيسابور بعد أشهر، فعاثوا وأفسدوا، ونهبوا طوس، والمشهد. ثم أمهله المؤيد إلى رمضان من سنة سبع الآتية، فقبض عليه وعلى ابنه الملك جلال الدين
محمد، وكحلهما، وسجنهما، واستولى على ذخائر محمود وجواهره، وقطع خطبته، وخطب لنفسه بعد الخليفة، فلم تطل أيامهما في الحبس، ومات السلطان محمود، ثم مات بعده ابنه محمد، وكان قد أكرمهما في الحبس بعض الشيء، ونقل إليهما سراريهما، ولا أعلم متى توفيا، فلعله في سنة ثمانٍ وخمسين.
227 -
مقبل بن أحمد بن بركة بن الصدر
، أبو القاسم القرشي، التيمي، الطلحي، البغدادي، القزاز، المعروف بابن الأبيض الحنبلي.
فقيه، إمام، فرضي، صالح، مقرئ، مجود، قرأ بالروايات على أبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وسمع من ثابت بن بندار، وأبي الحسين المبارك بن عبد الجبار، وأبي القاسم الربعي، والعلاف، وجماعة.
وولد في سنة ست وثمانين وأربعمائة، وعاش سبعين سنة.
روى عنه أبو محمد بن الأخضر، وريحان بن تيكان، ومحمد بن محمد بن اليعسوب، وثابت بن مشرف، وغيرهم.
توفي في ربيع الآخر، قاله ابن النجار، وآخر من روى عنه ابن اللتي.
228 -
منصور بن أبي فوناس
، أبو علي.
فقيه مشاور.
روى بالأندلس عن: أبي علي الصدفي، وأبي محمد بن عتاب.
ومات في عشر التسعين، يعرف بالزرهوني.
تفقه به أهل فاس، وحدث عنه جماعة.
229 -
منصور بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أبي جعفر ابن التيتي
، الكشميهني، الأمير أبو الغنائم ابن الأمير أبي جعفر، صاحب التقدم والرياسة بمرو.
نظر في الفلسفة والنجوم، وضيع أمواله في اللهو والعشرة، وقل ما بيده، وأصابته في الآخر زمانة من النقرس. سمع أبا المظفر منصور ابن
السمعاني، وأبا نصر أحمد بن محمد بن صاعد القاضي، وجماعة. وعنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
وتوفي في رمضان وله خمس وثمانون سنة وأشهر.
230 -
هبة الله بن عبد العزيز بن المفرج بن عمرو بن مسلمة
، أبو المعالي التنوخي، الدمشقي، العدل، الطيبي.
سمع هبة الله ابن الأكفاني. روى عنه أبو القاسم بن صصرى. وقد حج مرات.
وكان صالحًا، كثير الصدقة، توفي في رجب، ودفن بقاسيون.
231 -
يحيى بن محمد بن يحيى بن سعيد بن سعدون بن زيدون
، أبو بكر الفهري القرطبي.
روى عن أبيه وتفقه به. وروى عن أبي عبد الله ابن الطلاع، وخازم بن محمد، وأبي عبد الله بن حمدين، وأبي عبد الله بن خليفة المرواني، وجماعة.
قال الأبار: وكان فقيهًا، حافظًا، مشاورًا في الأحكام. ثم انتقل من قرطبة إلى لبلة وتجول في الأندلس. حدث عنه أبو القاسم القنطري، وأبو بكر بن خير، وأبو القاسم بن الملجوم. وكان مولده في رمضان سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وتوفي بإشبيلية.
سنة سبع وخمسين وخمسمائة
232 -
أحمد بن عمر بن أبي بكر بن عمر بن خالويه الأصبهاني
.
في رمضان.
233 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن الفتح الأصبهاني
.
سمع عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده. روى عنه أبو الوفاء محمود بن منده، وتوفي في ربيع الآخر.
234 -
أحمد بن يحيى بن أحمد بن زيد بن ناقة
، أبو العباس المسلي الكوفي.
شيخ محدث سمع بنفسه، ورحل إلى بغداد، ونسخ وحصل، سمع أبا البقاء الحبال، وأبا الغنائم النرسي، وهبة الله بن أحمد الموصلي، وأبا محمد التككي. وله شعر وسط. روى عنه أبو سعد السمعاني.
ومولده في سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
وممن روى عنه مسمار بن العويس، ونصر الله بن محمد بن مدلل. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير.
وتوفي يوم عيد الفطر بالكوفة.
235 -
أحمد بن أبي المظفر محمد بن أبي مطيع أحمد بن محمد
. القاضي أبو مطيع الهروي، ثم المروزي.
عالم، فاضل، كثير المحفوظ. سمع عبد الرحمن بن أحمد السرخسي، وأبا عمرو الفضل بن أحمد بن متويه.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: توفي في نصف ربيع الأول.
وكان مولده في نصف ذي الحجة سنة سبع وسبعين.
236 -
أسعد بن الحسين
، أبو المعالي ابن الشهرستاني، الدمشقي.
سمع أبا البركات بن طاوس، وأبا طاهر محمد بن الحسين الحنائي،
وهبة الله ابن الأكفاني. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وقال: كان خيرًا نزل الربوة مدة.
237 -
أنس بن عبد الخالق بن زاهر بن طاهر الشحامي
، أبو هريرة النيسابوري.
سمع جده، وأبا سعد محمد بن أحمد بن صاعد. كتب عنه أبو سعد السمعاني، وقال: مات تحت الهدم.
238 -
الحسن بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم
، القاضي أبو ثابت النسفي البزدوي.
سمع جميع مسند الحسن بن سفيان من أبي علي الحسن بن عبد الملك النسفي.
وسمع من علي بن محمد بن خذام صاحب أبي الفضل منصور الكاغدي مسند علي بن عبد العزيز البغوي.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
توفي بسمرقند وله ثمانون سنة.
239 -
الحسين بن علي بن القاسم بن مظفر ابن الشهرزوري
، الموصلي، أبو عبد الله قاضي بغداد، مشاركًا لأبي البركات جعفر الثقفي.
روى عن أبي البركات محمد بن محمد بن خميس. أخذ عنه عمر بن علي القرشي، وتوفي في جمادى الآخرة.
240 -
حمزة بن أحمد بن فارس بن المنجى بن كروس
. أبو يعلى السلمي، الدمشقي.
ولد يوم عيد النحر سنة ثلاثٍ وسبعين وأربعمائة، وسمع من نصر بن إبراهيم الفقيه، وسهل بن بشر الإسفراييني، ومكي بن عبد السلام الرميلي.
قال ابن عساكر: كتبت عنه بعد ما تاب، وكان شيخًا حسن السمت، توفي في صفر.
قلت: وروى عنه عمر بن علي القرشي، وأخوه عبد الوهاب بن علي، والقاضي عبد الرحمن بن سلطان القرشي، وأبو القاسم بن صصرى. وآخر من روى عنه إسحاق بن طرخان الشاغوري، وآخر من روى عنه الموطأ من رواية يحيى بن بكير: مكرم بن أبي الصقر.
وقد طلب بنفسه وكتب الحديث بخطه.
241 -
خلف بن محمد بن خلف بن سليمان بن خلف بن محمد بن فتحون
. أبو القاسم الأندلسي، الأوريولي.
سمع أباه أبا بكر، وتفقه بأبي علي بن سكرة، وسمع منه. وأجاز له جده أبو القاسم خلف المذكور في سنة خمس وخمس مائة. وقرأ على أبي بكر بن عمار، وكتب إليه أبو عبد الله الخولاني، وغيره. وولي قضاء مرسية، ثم قضاء أوريولة.
قال أبو عبد الله الأبار: كان من قضاة العدل، صارمًا مهيبًا. توفي في جمادى الأولى، وله اثنتان وستون سنة، وثكله أهل بلده، وبكوه دهرًا.
242 -
زمرد بنت الأمير جاولي بن عبد الله
، الخاتون، الجهة، صفوة الملك، أخت الملك دقاق لأمه، وزوجة الملك بوري تاج الملوك، وأم الملك إسماعيل شمس الملوك ومحمود ابني بوري.
سمعت من أبي الحسن بن قبيس المالكي، ونصر الله بن محمد المصيصي الفقيه. واستنسخت الكتب، وقرأت القرآن على أبي محمد هبة الله بن طاوس، والقرطبي. وبنت المسجد الكبير الذي في صنعاء دمشق، ووقفته مدرسةً على الحنفية، وهي من كبار مدارسهم وأجودها معلومًا.
وكانت كبيرة القدر، وافرة الحرمة؛ ولما خافت من ابنها شمس الملوك دبرت الحيلة في قتله حتى قتل بحضرتها. وأقامت في الملك أخاه شهاب الدين محمود. ثم تزوجها الأتابك قسيم الدولة زنكي والد السلطان نور الدين، وسارت إليه إلى حلب في سنة اثنتين وثلاثين، فلما مات عادت إلى دمشق ثم
حجت على درب بغداد، وجاورت إلى أن ماتت بالمدينة، ودفنت بالبقيع.
قاله أبو القاسم ابن عساكر بمعناه.
وأما خاتون بنت معين الدين أنر فتأخرت، ولها مدرسة بدمشق وخانكاه غربي البلد.
243 -
سعد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن حمدي
، أبو البركات، أخو الحسين.
بغدادي، صالح، خير، يتجر في البز عند باب النوبي. سمع نصر بن البطر، والحسين بن أحمد النعالي، وأبا بكر الطريثيثي.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وقال: توفي في رابع شعبان. وروى عنه أبو الفرج ابن الجوزي، وابن سكينة المقرئ، وجماعة.
ومات ابنه إسماعيل سنة أربع عشرة، وسيأتي.
244 -
سهل بن محمد بن سهل
، الكموني، أبو القاسم السرخسي، ثم المروزي.
شيخ صالح، خير متواضع. سمع أبا نصر محمد بن محمد الماهاني، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق. وتوفي في رمضان وله سبعون سنة.
روى عنه أبو المظفر عبد الرحيم.
245 –
الشافعي بن محمد بن محمد بن علي
، أبو محمد المروزي، الخياط الزاهد.
من صلحاء مريدي الشيخ يوسف الهمذاني.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: كان صالحًا، خيرًا، ورعًا، كثير العبادة، متواضعًا، يأكل من الخياطة. حملني أبي إليه في سنة سبع وخمسين عائدًا وزائرًا، وقرأ عليه حديثين وحكاية.
246 -
شجاع الفقيه الحنفي
، مدرس مشهد أبي حنيفة ببغداد.
تفقه عليه جماعة، وتوفي في ذي القعدة؛ قاله أبو الفرج ابن الجوزي.
247 -
صدقة بن الحسين بن أحمد بن محمد بن وزير
، أبو الحسن الواسطي الواعظ.
قال ابن الدبيثي: كان أبوه من تناء قرية خسرو وبها ولد صدقة، وأحب العلم، وأقبل على طلبه، وقرأ القراءات على المبارك بن زريق الحداد، وغيره. وطلب الحديث فسمع في حدود الخمسين بالبصرة من إمامها إبراهيم بن عطية، وبالكوفة من أبي الحسن بن غبرة، وببغداد من أبي الوقت، وأبي جعفر العباسي، وأحمد بن قفرجل، وجماعة. وتكلم في الوعظ، وحصل له القبول، وأخذ نفسه بالمجاهدة والرياضة وإدامة الصوم والتعبد. وله أتباع من أهل الخير. وسكن بغداد، وأكثر من طلب الحديث، وبنى له رباطًا بقراح القاضي، وسكن فيه جماعة، فكان يخدمهم بنفسه، ويأخذ نفسه بكثرة المجاهدة. سمع منه الشيخ أحمد بن أبي الهياج الذي خلفه بعد موته، وأحمد بن مبشر، وعمر بن محمد المقرئ، وجماعة. أخبرنا عمر بن محمد بن هارون، قال: حدثنا صدقة، قال: أخبرنا محمد بن حمزة بن أبي الصقر بمكة، قال: أخبرنا ابن قبيس، قال: أخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد، قال: أخبرنا جدي، قال: حدثنا الخرائطي، فذكر حديثًا من مساوئ الأخلاق.
وقد روى عن ابن أبي الصقر: محمد بن عبد الهادي، وعاش بعد صدقة مائة سنة وأشهرًا.
وقال ابن الجوزي في المنتظم: دخل صدقة بن وزير إلى بغداد، ولازم التقشف زائدًا في الحد ووعظ. وكان يصعد إلى المنبر وليس عليه فرش. وأخذ قلوب العوام بثلاثة أشياء؛ أحدها: التقشف الخارج، والثاني: التمشعر، فإنه كان يميل إلى مذهب الأشعري، والثالث: الترفض، فإنه كان يتكلم في ذلك. وكان إذا جاءه فتوح يقول: سلموه إلى أصحابي. فتم له ما
أراد، وبنى رباطًا اجتمع فيه جماعة. وتوفي في ثامن ذي القعدة.
248 -
عبد الرحمن بن مروان بن سالم
، أبو محمد التنوخي المعري، المعروف بابن المنجم الواعظ.
كان أبوه ينجم بدمشق، وكان هو يمشي على الدكاكين ينشد في الأسواق بصوت مطرب. خرج عن دمشق ورجع بعد مدة، فكان يعظ في الأعزية، ثم وعظ على الكرسي ورزق القبول. ثم سافر إلى العراق وتزهد، وظهر له بها سوق. ثم رجع إلى دمشق فوعظ، وأقبلوا عليه.
قال ابن عساكر: وكان يظهر لكل طائفة أنه منهم حرصًا على التحصيل، وطلع صبي يتوب فحمله وقال: هذا صغير ما أتى صغيرة فهل كبير ركب الكبائر. فضج الناس وبكوا. وحضرنا عزاء أمير المؤمنين المقتفي بدمشق، فقام ورثاه بأبيات، فخلع عليه القاضي أبو الفضل ابن الشهرزوري ثوبه، وقال في ذلك اليوم: أنا المُعري لا المَعري. وذكر أشياء أضحك منها الحاضرين.
وقال ابن النجار: قدم بغداد قبل الأربعين وخمس مائة وعليه مسح مثل السياح، وصار له ناموس عظيم ووعظ؛ وازدحموا عليه، وجلس بدار السلطان، فحضر السلطان مجلسه، وصار له الجاه العظيم، ونفذه الخليفة رسولًا إلى الموصل، وفشا أمره. وكان مشتهرًا بنكاح الأبكار وأكثر من ذلك، حتى قيلت فيه الأشعار في الأسواق، وصار له جوار يغنين. وفر من بغداد هاربًا من الغرماء، وأقام بدمشق. وله ديوان شعر رأيته في مجلدة، وأنشدنا عنه ابن سكينة، ومن شعره:
يا ساهرًا عبراته ذرف في الخد إلا أنها علق أتقيم بعدهم وقد رحلوا ومطيتاك الشوق والقلق وله:
أرى حب ذات الطوق يزداد لوعة إذا نحت أو ناح الحمام المطوق
وقلبي على جمر الوداع مودع وإنسان عيني بالمدامع تغرق
249 -
عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن محمد بن مروان
، أبو مروان الإشبيلي.
شيخ الأطباء، له مصنفات في الطب. أخذ عن والده، وتقدم في الطب، ورأس، وشاع ذكره، ولحق بأبيه أبي العلاء زهر في الصناعة، وأقبل الأطباء على حفظ مصنفاته.
وكان واصلًا عند عبد المؤمن، عالي القدر، صنف له الترياق السبعيني ونال من جهته دنيا عريضة. ومن أجل تلامذته أبو الحسين بن أسدون المصدوم، وأبو بكر ابن الفقيه ابن قاضي إشبيلية، والزاهد أبو عمران ابن أبي عمران، ومات بإشبيلية.
250 -
عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى
، الزاهد الشامي، ثم الهكاري سكنًا.
وذكره الحافظ عبد القادر فسماه عدي بن صخر الشامي، وقال: ساح سنين كثيرة، وصحب المشايخ، وجاهد أنواعًا من المجاهدات. ثم إنه سكن بعض جبال الموصل في موضع ليس به أنيس، ثم آنس الله تلك المواضع به، وعمرها ببركاته حتى صار لا يخاف أحد بها بعد قطع السبيل، وارتدع جماعة من مفسدي الأكراد ببركاته، وعمره الله حتى انتفع به خلق، وانتشر ذكره. وكان معلمًا للخير ناصحًا، متشرعًا، شديدًا في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم. عاش قريبًا من ثمانين سنة ما بلغنا أنه باع شيئًا قط، ولا اشترى، ولا تلبس بشيء من أمر الدنيا؛ كانت له غليلة يزرعها بالقدوم في الجبل ويحصدها، ويتقوت منها. وكان يزرع القطن ويكتسي منه. ولا يأكل من مال أحد شيئًا، ولا يدخل منزل أحد. وكان يجيء إلى الموصل فلا يدخلها. وكانت له أوقات لا يرى فيها محافظة على أوراده. وقد طفت معه أيامًا في سواد الموصل، فكان يصلي معنا العشاء، ثم لا نراه إلا الصبح. ورأيته إذا أقبل إلى القرية يتلقاه أهلها من قبل أن يسمعوا كلامه تائبين، رجالهم
ونساؤهم، إلا من شاء الله منهم. ولقد أتينا معه على دير فيه رهبان، فتلقاه منهم راهبان، فلما وصلا إلى الشيخ كشفا رأسيهما وقبلا رجليه وقالا: ادع لنا، فما نحن إلا في بركاتك، وأخرجا طبقًا فيه خبز وعسل فأكل الجماعة. وأول مرة خرجت إلى زيارته مع طائفة، فلما أقبلنا أخذ يحادثنا ويسائل الجماعة ويؤانسهم، وقال: رأيت البارحة في النوم كأننا في الجنة، ونحن ينزل علينا شيء مثل البرد. ثم قال: الرحمة. فنظرت إلى فوق رأسي، فرأيت ناسًا، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: أهل السنة والصيت الحنابلة. وسمعت شخصًا يقول له: يا شيخ، لا بأس بمداراة الفاسق؟ فقال: لا يا أخي، دين مكتوم دين ميشوم. وكان يواصل الأيام الكثيرة على ما اشتهر عنه، حتى إن بعض الناس كان يعتقد أنه لا يأكل شيئًا قط. فلما بلغه ذلك أخذ شيئًا، وأكله بحضرة الناس. واشتهر عنه من الرياضات، والسير، والكرامات، والانتفاع به ما لو كان في الزمان القديم لكان أحدوثة. ورأيته قد جاء إلى الموصل في السنة التي مات فيها، فنزل في مشهد خارج الموصل، فخرج إليه السلطان وأصحاب الولايات والمشايخ والعوام، حتى آذوه مما يقبلون يده فأجلس في موضع بينه وبين الناس شباك، بحيث لا يصل إليه أحد إلا رؤيةً، فكانوا يسلمون عليه وينصرفون. ثم رجع إلى زاويته فمات على أحسن حالاته.
وقال القاضي ابن خلكان: أصله من قرية بيت فار من بلاد بعلبك، والبيت الذي ولد فيه من بيت فار يزار إلى اليوم. وتوجه إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، وانقطع فيه، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل البلاد ميلًا لم يسمع بمثله، وساد ذكره في الآفاق، وتبعه خلق، وجاوز اعتقادهم فيه الحد حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها. صحب الشيخ عقيلًا المنبجي، والشيخ حمادًا الدباس، وغيرهما، وقبر بزاويته، وقبره من كبار المزارات عندهم. وعاش تسعين سنة. وتوفي سنة سبع، وقيل: سنة خمس وخمسين.
قلت: قرأت بخط الحافظ الضياء: سمعت الشيخ نصر يقول: قدم الشيخ
عدي الموصل سنة ست وخمسين، وفيها: أخذ من شعري، وتوفي يوم عاشوراء وقت طلوع الشمس سنة سبع.
251 -
علي بن محمد بن عبد العزيز
، أبو القاسم العجلي، البندكاني، المروزي، وبندكان على بريد من مرو.
سمع الإمام أبا المظفر السمعاني. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وتوفي في عاشر رمضان.
252 -
علي بن موجود بن حسين
، أبو الحسن النظري، الكشاني، وكشانية: من سغد سمرقند.
إمام، مناظر، علامة. تفقه ببخارى على البرهان عبد العزيز، وبمرو على محمد بن الحسن النسفي، وسمع من جماعة. وعاش سبعا وسبعين سنين، مات في ربيع الأول؛ قاله السمعاني.
253 -
عمر بن محمد بن واجب بن عمر بن واجب
، أبو حفص القيسي، البلنسي، شيخ المالكية، وصاحب الأحكام ببلنسية.
سمع من أبيه، وأبي محمد بن خيرون، وأبي بحر بن العاص، وأبي محمد البطليوسي. وتفقه بأبي محمد بن سعيد، وعرض عليه مختصر المدونة.
وكان بصيرًا بالأحكام، مفتيًا، إمامًا كبيرًا. نوظر عليه في حياة أبيه وبعده. وكان متواضعًا، نزهًا، قانعًا، متعففًا، منقبضًا عن السلطان، حسن السمت. ولي قضاء دانية.
وكان مولده في حدود سنة ست وسبعين وأربعمائة.
روى عنه حفيده أبو الخطاب أحمد بن واجب، وأبو عمر بن عياد، وأبو عبد الله بن سعادة، وأبو محمد بن سفيان.
وتوفي في سلخ رمضان.
قال الأبار: وهو آخر حفاظ المسائل بشرق الأندلس.
254 -
إلكيا الصباحي
، صاحب الألموت، ومقدم الإسماعيلية ورئيس الضلال الباطنية.
هلك في هذا العام، وقام بعده ابنه فأظهر التوبة وألزم الإسماعيلية الذين عنده الصلوات وصوم رمضان، وبعثوا إلى قزوين يطلبون من يصلي بهم ويعلمهم حدود الإسلام، والله أعلم بالنيات.
255 -
فضل الله بن محمد بن إبراهيم
، أبو بكر المروزي الفقيه الأديب العابد الصوام.
أخذ عنه السمعاني وعاش نيفًا وسبعين سنة، مات في المحرم.
256 -
محمد بن أحمد بن تغلب
، أبو عبد الله البغدادي التاجر السفار.
تأدب على ابن الجواليقي. وحدث عن أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان بدمشق، وغيرها. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وابنه القاسم، وقال الحافظ: بلغني أنه توفي سنة ثمان وخمسين.
وقال ابن مشق: توفي في سابع عشري ذي القعدة سنة سبع وخمسين.
257 -
محمد بن أحمد بن الحسين بن محمود
، أبو نصر العراقي الأواني، الكاتب المعروف بالفروخي.
كان مستوفيًا على السواد من قبل الوزير ابن هبيرة، وله يد طولى في النظم والنثر والرسائل.
258 -
محمد بن الحسن بن علي بن صدقة
، أبو العز ابن الوزير أبي علي.
سمع المقامات من أبي محمد الحريري، وسمع من أبي سعد ابن الطيوري. روى عنه إبراهيم بن محمود الشعار. انقطع إلى العبادة وصحب الصوفية، ومات كهلًا.
259 -
محمد بن الحسن بن محمد بن محمد
، أبو الفتح الأنباري، الخطيب، المعدل.
سمع أبا الحسن علي بن محمد بن محمد الأنباري. روى عنه عمر بن علي القرشي، وأحمد بن الحسين العاقولي.
حدث في هذه السنة، ولم تحفظ وفاته.
260 -
محمد بن حمزة بن أحمد ابن العرقي
، التنوخي المصري.
من شيوخ السلفي، قال: ولد بمصر سنة خمس وستين وأربعمائة. وذكر أنه سمع من الخلعي، وغيره، وقرأ اللغة على ابن القطاع.
261 -
محمد بن طاهر بن عبد الله بن علي بن إسحاق
، أبو بكر الطوسي رئيس نيسابور.
صدر كبير، سمع في أيام عمه النظام بأصبهان من ابن شكرويه، وأبي بكر محمد بن أحمد بن ماجه، وسليمان ابن الحافظ. أخذ عنه السمعاني، ومات في أوائل العام.
262 -
محمد بن محمد بن عبد الرحمن
، أبو الفتح البخاري ثم المروزي الصفار الفقيه.
تفقه على القاضي عبد الرحمن بن عبد الرحيم، وسمع منه، ومن أسعد بن محمد الباهلي.
أخذ عنه السمعاني، وقال: مات بخوارزم في رجب في عشر الثمانين.
263 -
محمد بن مفضل بن سيار
، أبو نصر.
ولد سنة سبع وثمانين. وسمع من أبي عطاء المليحي، وصاعد بن سيار
القاضي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وبقي بعد أخيه المذكور في سنة ثمان وأربعين.
وجدت وفاته في التحبير للسمعاني في ربيع الأول هذه السنة.
264 -
محمد بن النعمان بن محمد بن أبي عاصم
، أبو الفتح البالقاني، المروزي، ويعرف بأبي حنيفة.
كان كثير التلاوة، ملازمًا لصلاة الجماعة، غير أنه كان يشرب الخمر، ويعرف النجوم. قاله ابن السمعاني.
سمع أبا المظفر ابن السمعاني، وإسماعيل بن محمد الزاهري.
ولد سنة ست وسبعين، ومات بهراة في شوال أو ذي القعدة.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
265 -
محمد بن أبي بكر بن أبي الخليل
، أبو بكر التميمي، الأندلسي، المريني.
أخذ القراءات عن شريح، وروى عن ابن خلصة النحوي، وأبي عبد الله بن أبي الخصال. وكان ذا فهم ومعرفة؛ أخذ عنه أبو عبد الله بن نوح الغافقي، وغيره.
266 -
محمود بن المبارك بن أبي غالب
، أبو الثناء البواب.
بغدادي، روى عن أبي الحسن ابن العلاف، وابن الطيوري. روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وتوفي في رمضان.
267 -
المؤيد بن محمد بن علي
، أبو سعيد الألوسي الشاعر.
كان منقطعًا إلى الوزير ابن هبيرة، وكان بزي الأجناد. وله ديوان شعر، وقد أكثر من الهجاء والغزل، وجرت له أقاصيص، وسجن مدة، ثم أخرج عن بغداد. توفي بالموصل في رمضان وهو في عشر السبعين.
والألوس: بالضم وهي ناحية عند حديثة عانة.
268 -
نصر الله بن علي بن صالح
، أبو الفتح البغدادي، الصوفي.
سمع أبا البركات محمد بن عبد الله الوكيل. سمع منه بواسط محمد بن علي الأنصاري في هذه السنة.
269 -
هبة الله بن أحمد بن محمد
ابن الشبلي
، أبو المظفر القصار، الدقاق، المؤذن.
ولد سنة سبعين وأربعمائة، وسمع من أبي نصر الزينبي، وهو آخر من سمع منه. وسمع من طراد، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وأبي نصر ابن المجلي، وغيرهم.
روى عنه إبراهيم الشعار، وأحمد بن شافع، وأبو بكر الباقداري، وأبو العلاء الهمذاني، وعبد المغيث بن زهير، وأحمد بن طارق، وأبو طالب بن عبد السميع، وأبو الفتوح ابن الحصري، وعبد العزيز بن الأخضر، وظفر وياسين ولدا سالم البيطار، وأبو حفص عمر بن محمد السهروردي، وعلي بن أبي سعد بن تميرة، وأخته فرحة، وزيد بن يحيى البيع، والنفيس بن كرم، وعبيد الله بن علي بن نغوبا وآخر من روى عنه هبة الله بن عمر بن كمال القطان، وتوفي هو وياسمين في سنة أربع وثلاثين.
وتوفي الشبلي في سلخ ذي الحجة.
وقع لي من طريقه جزءان؛ وآخر من روى عنه بالإجازة عجيبة بنت الباقداري.
270 -
هبة الله بن أحمد بن محمد، أبو بكر البغدادي، الحفار.
سمع من رزق الله التميمي. كتب عنه عمر بن علي، وإبراهيم ابن الشعار. وآخر من روى عنه إجازة كريمة الزبيرية، وتوفي في شوال.
أخبرنا محمد بن الحسن الفقيه، وجماعة آخرهم موتًا إبراهيم ابن الشيرازي؛ قالوا: أخبرتنا كريمة، قالت: أخبرنا هبة الله بن أحمد الحفار في
كتابه، قال: أخبرنا أبو محمد التميمي، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد الواعظ، قال: حدثنا المحاملي، قال: حدثنا أبو الأشعث، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء الآية.
271 -
يحيى بن بختيار
، أبو زكريا الشيرازي، ثم الدمشقي.
حدث عن الفقيه نصر المقدسي. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وقال: توفي في رجب، وله ثمانون سنة.
وروى عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: كان صوفيًا، صالحًا، خيرًا.
272 -
يحيى بن محمد بن يوسف
، أبو بكر الأنصاري الغرناطي الشاعر المعروف بابن الصيرفي.
ألف تاريخ الدولة اللمتونية. وكان من أعيان شعرائها، ومداح أمرائها.
توفي بأوريولة وله تسعون سنة.
سنة ثمان وخمسين وخمس مائة
273 -
أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر
، الرجل الصالح، أبو العباس المقدسي، الجماعيلي الحنبلي، والد الشيخ أبي عمر، والشيخ الموفق، نزيل سفح قاسيون رضي الله عنه.
ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وهاجر إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، فنزل بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي نحو سنتين، وانتقل إلى الجبل، وبنى الدير المبارك، وسكن بالجبل. وقد حج وجاور، وسمع من رزين العبدري صحيح مسلم، وحدث به. روى عنه ابناه، وتوفي في شوال.
وكان صالحًا، زاهدًا، عابدًا، قانتًا، صاحب كرامات وأحوال، جمع أخباره سبطه الحافظ ضياء الدين، وساق له عدة كرامات، وحكى عن خاله الموفق، أن أباه قرأ في شهر رمضان بمسجد أبي صالح خمسًا وستين ختمة، ثم حكاها عن الشيخ العماد، عن الشيخ أحمد، أنه قرأ ذلك.
وقال العماد: كان الشيخ أحمد بين عينيه نور لا يكاد أحد يراه إلا قبل يده.
قلت: قبره بمقبرة المقادسة التي فوق مرقد الحوراني، مقصود بالزيارة، رضي الله عنه.
274 -
أحمد بن مسعود بن يحيى بن إبراهيم
، أبو جعفر بن أشكبند القيسي السرقسطي ثم الشاطبي.
سمع من أبي عامر بن حبيب، وعبد الحق بن عطية، وجماعة. وولي خطة الشورى بشاطبة.
قال ابن الأبار: وكان محدثًا، حافظًا، متقنًا. أخذ عنه أبو القاسم بن فيرة الضرير، وغيره. قال ابن عياد: لم أر بعد أبي الوليد ابن الدباغ أحفظ منه لأسماء الرجال، وكان ورعًا، منقبضًا، متواضعًا، تزهد في آخر عمره، حتى عرف بإجابة الدعوة. توفي في رمضان، ويقال، توفي سنة سبع وخمسين.
ومولده سنة خمس وخمس مائة. وكان بارعًا في كتابة الوثائق. رحمه الله.
275 -
سخاء بنت المبارك بن علي البغدادية
، وتدعى مهناز.
سمعت من أبي القاسم الربعي. روى عنها أبو المعالي بن هبة، ونصر ابن الحصري. وعاشت إلى هذه السنة.
• - سديد الدين ابن الأنباري، اسمه محمد، سيأتي إن شاء الله.
276 -
سلامة بن أحمد بن عبد الملك ابن الصدر
، أبو بكر البغدادي التاجر، أخو مقبل المذكور سنة ست.
سمع رزق الله التميمي، وطرادًا، والنعالي. وتوفي في ثامن ربيع الأول.
روى عنه ابن الحصري، وأحمد ابن البندنيجي.
277 -
شهردار بن شيرويه
بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو بن خسركان بن رينويه بن خسرو بن وروداذ بن ديلم بن الدياس بن لشكري بن داجي بن كيوش بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحاك بن فيروز الديلمي، أبو منصور ابن المحدث المؤرخ أبي شجاع الهمذاني.
قال ابن السمعاني في الذيل: كذا قرأت نسبه في ديباجة كتابه، ثم قال: كان أبو منصور حافظًا، عارفًا بالحديث، فهمًا، عارفًا بالأدب، ظريفًا، خفيفًا، لازمًا مسجده، متبعًا أثر والده في كتابة الحديث وسماعه وطلبه. رحل إلى أصبهان مع والده سنة خمس وخمس مائة، ثم رحل إلى بغداد سنة سبع وثلاثين. سمع أباه، وأبا الفتح عبدوس بن عبد الله، ومكي بن منصور الكرجي، وحمد بن نصر الأعمش، وفيد بن عبد الرحمن الشعراني، وأبا محمد الدوني. وبزنجان الفقيه أبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه، وذكر أنه سمع منه مسند أحمد بن حنبل سنة خمس مائة بروايته عن الحسين بن محمد الفلاكي، عن القطيعي. وله إجازة من أبي بكر بن خلف الشيرازي، وأبي منصور الحسين ابن المقومي. كتبت عنه. وكان يجمع أسانيد كتاب الفردوس لوالده، ورتب لذلك ترتيبًا عجيبًا حسنًا. ثم رأيت الكتاب سنة ست وخمسين
بمرو في ثلاث مجلدات ضخمة، وقد فرغ منه، وهذبه ونقحه. وقال: أخبرنا المقومي سنة ثلاث وثمانين إجازةً، وفيها ولدت.
قلت: روى عنه ابنه أبو مسلم أحمد وأبو سهل عبد السلام السرفولي، وطائفة. وسمعنا من طريقه كتاب الألقاب لأبي بكر الشيرازي.
وقيد وفاته في هذه السنة عبد الرحيم الحاجي، زاد السمعاني: في رجبها.
278 -
عبد الله بن علي بن أحمد بن علي بن حسن
، أبو القاسم الأنصاري الدمشقي الشاهد المعروف بابن الشيرجي.
سمع من سعد بن أحمد النسوي الذي استشهد بالقدس. روى عنه ابن عساكر، وغيره. وتوفي في ربيع الآخر.
279 -
عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم بن عبد الله
، أبو محمد الكناني الداراني الدمشقي، ابن أخت محمد بن إبراهيم النسائي.
سمعه خاله من أبي الفضل بن الفرات، وسهل بن بشر، وعبد الله بن عبد الرزاق. روى عنه ابن عساكر، وقال: لم يكن الحديث من صنعته، وابنه القاسم، والمسلم بن أحمد المازني، ومكرم بن أبي الصقر، وكريمة، وآخرون.
توفي في الخامس والعشرين من جمادى الأولى.
وقد سمع قطعة كبيرة من السنن الكبير للنسائي على سهل بن بشر الإسفراييني.
280 -
عبد الرحمن بن زيد بن الفضل
، أبو محمد الوراق.
بغدادي، ثقة، ذكره ابن السمعاني، فقال: شيخ صالح، دين، كثير التلاوة، والصلاة، والعبادة، مشتغل بما يعنيه. سمع أبا الحسن ابن العلاف، وابن نبهان، وأبيًا النرسي. ولد في حدود سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، كتبت عنه.
قلت: هذا كان من الصالحين ببغداد. روى عن ابن طلحة النعالي أيضًا، وعنه إبراهيم بن محمد بن برهان النساج، وعبد الواحد بن علوان السقلاطوني، ومحمد بن عمر العطار، وهبة الله بن الحسن الحلاج الحربيون. وتوفي في العشرين من شوال، وأصله مدني.
281 -
عبد اللطيف ابن المحدث أبي سعد أحمد بن محمد البغدادي ثم الأصبهاني.
سمع أبا مطيع، وأبا الفتح الحداد، وكان صدوقًا. قرأ عليه ابن ناصر. مات في ذي القعدة بأصبهان.
282 -
عبد المؤمن بن علي بن علوي
، القيسي المغربي الكومي التلمساني.
ولد بقرية من ضياع تلمسان، وكان أبوه صانعًا في الفخار.
نقل عبد الواحد المراكشي في كتاب المعجب فقال: وقيل إن عبد المؤمن قال: إنما نحن لقيس؛ لقيس عيلان من مضر بن نزار، ولكومية علينا حق الولادة فيهم والمنشأ، وهم أخوالي. وأما خطباء المغرب فكانوا يقولون إذا ذكروا الملك عبد المؤمن بعد ابن تومرت: قسيمه في النسب الكريم. ولد سنة سبع وثمانين وأربعمائة، واستقل بالملك إحدى وعشرين سنة، وعاش إحدى وسبعين سنة، واستوسق له أمر المغرب بموت أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين.
قال: وكان أبيض، ذا جسم عمم تعلوه حمرة وكان أسود الشعر، معتدل القامة، وضيئًا، جهوري الصوت، فصيحًا، جزل المنطق، لا يراه أحد إلا أحبه بديهة.
قال: وبلغني أن ابن تومرت كان إذا رآه أنشد:
تكاملت فيك أخلاق خصصت بها فكلنا بك مسرور ومغتبط فالسن ضاحكة والكف مانحة والصدر منشرح والوجه منبسط
وقال ابن خلكان: كان عند موته شيخًا نقي البياض، معتدل القامة، عظيمًا، أشهل العينين، كث اللحية، شثن الكفين، طويل القعدة، واضح بياض الأسنان، بخده الأيمن خال، عظيم الهامة. قال صاحب سيرته: هكذا رأيته.
قال ابن خلكان: وحكي أن عبد المؤمن كان في صباه نائمًا، فسمع أبوه دويًا، فرفع رأسه، فإذا سحابة سوداء من النحل قد أهوت مطبقة على بيته، فنزلت كلها على عبد المؤمن وهو نائمًا، فلم يستيقظ، ولا آذاه شيء منها، فصاحت أمه، فسكتها أبوه، وقال: لا بأس، ولكني متعجب مما يدل عليه هذا، ثم طار عنه النحل كله، واستيقظ الصبي سالمًا فمشى أبوه إلى زاجر فأخبره بالأمر، فقال: يوشك أن يكون له شأن يجتمع على طاعته أهل المغرب.
وقد ذكرنا في ترجمة ابن تومرت كيف وقع بعبد المؤمن، وأفضى إليه بسره. وكان ابن تومرت يقول لأصحابه: هذا غلاب الدول.
وقد مر أيضًا في ترجمة ابن تومرت: أن في سنة إحدى وعشرين جرت وقعة البحيرة على باب مراكش استؤصلت فيها عامة عسكر الموحدين، ولم ينج منهم إلا أربعمائة مقاتل، وذلت المصامدة، فلما توفي ابن تومرت سنة أربع وعشرين أخفوا موته، فكان عبد المؤمن وغيره يخرج الرجل منهم ويقول: قال المهدي كذا، وأمر بكذا. وجعل عبد المؤمن يخرج بنفسه، ويغير على البلاد، وأمرهم يكاد أن يدثر، حتى وقع بين المرابطين وبين الفلاكي ما أوجب عليه الهرب منهم فقدم إلى الجبل، فتلقاه عبد المؤمن بالإكرام، واعتضد به اعتضادًا كليًا. فلما كان في سنة تسع وعشرين صرحوا بموت المهدي، ولقبوا عبد المؤمن أمير المؤمنين، ورجعت حصون الفلاكي كلها للموحدين،
والفلاكي يغير على نواحي السوس، وأغمات، وهم كلهم تنمو أحوالهم وتستفحل.
قال صاحب المعجب: قبل وفاة ابن تومرت بأيام استدعى المسمين بالجماعة، وأهل الخمسين، والقواد الثلاثة: عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف بعمر أرتاج، وعمر بن ومزال ويعرف بعمر إينتي، وعبد الله بن سليمان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله سبحانه، وله الحمد، من عليكم أيتها الطائفة بتأييده، وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده، وقيض لكم من ألفاكم ضلالًا لا تهتدون، وعميًا لا تبصرون، لا تعرفون معروفًا، ولا تنكرون منكرًا. قد فشت فيكم البدع، واستهوتكم الأباطيل، وزين لكم الشيطان أباطيل وترهات، أنزه لساني عن النطق بها، فهداكم الله به بعد الضلالة، وبصركم به بعد العمى، وجمعكم بعد الفرقة، وأعزكم بعد الذلة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين، وسيورثكم أرضهم وديارهم، وذلك بما كسبت أيديهم، وأضمرته قلوبهم، فجددوا لله خالص نياتكم، وأروه من الشكر قولًا وفعلًا مما يزكي به سعيكم، واحذروا الفرقة، وكونوا يدًا واحدة على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم، وإن لا تفعلوا شملكم الذل، واحتقرتكم العامة، وعليكم بمزج الرأفة بالغلظة، واللين بالعنف. وقد اخترنا لكم رجلًا منكم، وجعلناه أميرًا عليكم بعد أن بلوناه، فرأيناه ثبتًا في دينه، متبصراُ في أمره، وهو هذا، وأشار إلى عبد المؤمن، فاسمعوا له وأطيعوا، ما دام سامعًا مطيعًا لربه، فإن بدل ففي الموحدين بركة وخير، والأمر أمر الله يقلده من يشاء. فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت، ومسح صدورهم.
وأما ابن خلكان فقال: لم يصح عنه أنه استخلفه، بل راعى أصحابه في تقديمه إشارته، فتم له الأمر.
قال: وأول ما أخذ من البلاد وهران، ثم تلمسان، ثم فاس، ثم سلا، ثم سبتة، ثم إنه حاصر مراكش أحد عشر شهرًا، ثم أخذها في أوائل سنة اثنتين وأربعين، وامتد ملكه إلى أقصى المغرب وأدناه وبلاد إفريقية وكثيرٍ من
الأندلس، وسمى نفسه أمير المؤمنين، وقصدته الشعراء وامتدحوه. ولما قال فيه الفقيه محمد بن أبي العباس التيفاشي هذه القصيدة وأنشده إياها:
ما هز عطفيه بين البيض والأسل مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي
فلما أنشده هذا المطلع أشار إليه أن يقتصر عليه، وأجازه بألف دينار.
وقال صاحب المعجب: ولم يزل عبد المؤمن بعد موت ابن تومرت يقوى ويظهر على النواحي، ويدوخ البلاد، وكان من آخر ما استولى عليه مراكش كرسي ملك أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. وكان لما توفي علي عهد إلى ابنه تاشفين، فلم يتفق له ما أمله فيه من استقلاله بالأمور، فخرج قاصدًا نحو تلمسان، فلم يتهيأ له من أهلها ما يحب، فقصد مدينة وهران، وهي على ثلاثة مراحل من تلمسان فأقام بها، فحاصره جيش عبد المؤمن، فلما اشتد عليه الحصار خرج راكبًا في سلاحه، فاقتحم البحر، فهلك. ويقال: إنهم أخرجوه وصلبوه، ثم أحرقوه في سنة أربعين، فكانت ولايته ثلاثة أعوام في نكدٍ، وخوف، وضعف. ولما ملك عبد المؤمن مراكش طلب قبر أمير المسلمين علي، وبحث عنه، فما وقع به. وانقطعت الدعوة لبني العباس بموت أمير المسلمين وابنه تاشفين، فإنهم كانوا يخطبون لبني العباس، ثم لم يذكروا إلى الآن خلا أعوام يسيرة بإفريقية فقط، فإنه تملكها الأمير يحيى بن غانية الثائر من جزيرة ميورقة.
وقال ابن الجوزي في المرآة: استولى عبد المؤمن على مراكش، فقتل المقاتلة، ولم يتعرض للرعية، وأحضر الذمية وقال: إن المهدي أمرني أن ل أقر الناس إلا على ملة الإسلام، وأنا مخيركم بين ثلاث: إما أن تسلموا، وإما أن تلحقوا بدار الحرب، وإما القتل. فأسلم طائفة، ولحق بدار الحرب آخرون وخرب الكنائس وردها مساجد، وأبطل الجزية، وفعل ذلك في جميع مملكته. ثم فرق بين الناس بيت المال وكنسه، وأمر الناس بالصلاة فيه اقتداءًا بعلي رضي الله عنه وليعلم الناس أنه لا يؤثر جمع المال، ثم أقام معالم الإسلام مع السياسة الكاملة، وقال: من ترك الصلاة ثلاثة أيام فاقتلوه، ولم يدع منكراً
إلا وأزاله، وكان يصلي بالناس الصلوات، ويقرأ كل يوم سبعًا، ويلبس الصوف، ويصوم الاثنين والخميس، ويقسم الفيء على الوجه الشرعي، فأحبه الناس.
وقال عزيز في كتاب الجمع والبيان: كان يأخذ الحق إذا وجب على ولده، ولم يدع مشركًا في بلاده؛ لا يهوديًا ولا نصرانياً، ولا كنيسةً في بقعة من بلاده ولا بيعة، لأنه من أول ولايته كان إذا ملك بلدًا إسلاميًا لم يترك فيه ذميًا إلا عرض عليه الإسلام، ومن أبى قتل، فجميع أهل مملكته مسلمون لا يخالطهم سواهم.
قال عبد الواحد بن علي: ووزر لعبد المؤمن أولًا عمر أرتاج، ثم أجله عن الوزارة ورفعه عنها، واستوزر أبا جعفر أحمد بن عطية الكاتب، وجمع له بين الكتابة والوزارة، فلما افتتح بجاية استكتب من أهلها أبا القاسم القالمي. ودامت وزارة ابن عطية إلى أن قتله في سنة ثلاثٍ وخمسين، وأخذ أمواله، ثم استوزر بعده عبد السلام الكومي، ثم قتله سنة سبع وخمسين، واستوزر ابنه عمر. وكان قاضيه أبو محمد عبد الله بن جبل الوهراني، ثم عبد الله بن عبد الرحمن المالقي، فلم يزل قاضيًا له وصدرًا من أيام ابنه يوسف بن عبد المؤمن.
قال: ولما دان له أقطار المغرب مما كان يملكه المرابطون قبله، سار من مراكش إلى بجاية، فحاصر صاحبها يحيى الصنهاجي، فهرب يحيى في البحر حتى أتى مدينة بونة وهي أول حد إفريقية، ومضى منها إلى قسنطينة المغرب، فأرسل عبد المؤمن وراءه جيشًا، فأخذوه بالأمان، وأتوا به عبد المؤمن. وتملك عبد المؤمن بجاية وأعمالها، وكان يحيى بن العزيز، وأبوه، وجده المنصور، وجد أبيه المنتصر، وجدهم حماد من شيعة الرافضة بني عبيد، والقائمين بدعوتهم، وطالت أيامهم حتى أخرجهم عبد المؤمن. واستعمل عبد المؤمن على مملكة بجاية ابنه عبد الله، ورجع إلى مراكش ومعه يحيى بن العزيز وجماعة من أمراء دولة يحيى، فأمر لهم بخلع، وبوأهم المنازل، وخص يحيى بأموال وعطايا، ونال يحيى عنده مرتبة لا مزيد عليها.
قال: وكان عبد المؤمن مؤثرًا لأهل العلم، محبًا لهم، يستدعيهم من البلاد، ويجزل لهم الصلات، وينوه بهم.
قال: وتسمى المصامدة بالموحدين، لأجل خوض ابن تومرت بهم في علم الاعتقاد. وكان عبد المؤمن في نفسه كامل السؤدد، خليقًا للإمارة، سري الهمة، لا يرضى إلا بمعالي الأمور، كأنه ورث الملك كابرًا عن كابر، وكان شديد السطوة، عظيم الهيبة.
قال عزيز في تاريخه: أخبرني رجل من أهل المهدية سنة إحدى وخمسين وخمس مائة بصقلية، قال: افتتح عبد المؤمن بجاية، فأتيتها بأحمال لنبتاع، فلما كنا على مرحلة منها سرقت لي شدة من المتاع، فدخلت وبعت المتاع، وأفدت منه فائدة يسيرة. فقلت لتاجر: سرقت لي شدة، وأخلف الله علي في الباقي. فقال: وما أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد المؤمن؟ قلت: لا. قال: والله إن علم بك للحقك ضرر. فرحت إلى القصر، فأدخلني خادم عليه، فأعلمته ورجعت. فلما كان صبيحة اليوم الثالث جاءني غلام فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت معه، فإذا جماعة كبيرة، والمصامدة محيطة بهم، فقال الغلام لي: هؤلاء أهل الصقع الذي أخذ رحلك فيه. فدخلت وأجلست بين يديه، فاستدعى مشايخهم، وقال: كم صلح لك في الشدة التي فقدت أختها؟ قلت: كذا وكذا. فأمر من وزن لي المبلغ وقال: قم، أنت أخذت حقك، وبقي حقي وحق الله. وأمر بإخراج المشايخ، وبقتل الجميع، فأقبلوا يتضرعون ويبكون وقالوا: يؤاخذ سيدنا الصلحاء بالمفسدين؟ فقال: يخرج كل طائفة منكم من فيها من المفسدين. فصار الرجل يخرج ولده، وأخاه، وابن عمه، إلى أن اجتمع نحو مائة نفسٍ، فأمر أهلهم أن يتولوا قتلهم، ففعلوا ذلك. فخرجت من المغرب إلى صقلية خوفًا على نفسي من أهل المقتولين.
قال عبد الواحد: قلت: كان عبد المؤمن من أفرد العالم في زمانه على هناته.
قال عبد المؤمن بن عمر الكحال في أخبار ابن تومرت: توجه أمير المؤمنين عبد المؤمن إلى بلاد إفريقية، فسار في مائة ألف فارس محصاةً في
ديوانه، سوى ما يتبعها، وكانوا يصلون كلهم خلف إمامٍ واحد.
قال: وكان هو يصلي الصبح مبكرًا، ثم يركب ويقف عند باب خيمته، وبين يديه مناد يقول بصوتٍ عالٍ: الاستعانة بالله، والتوكل عليه. فينتظم حوله الكبراء على خيلهم فيدعو ويؤمنون، ثم يأخذ في قراءة حزب من القرآن، وهم يقرؤون معه بصوتٍ واحدٍ يسرون، فإذا فرغ أمسك عنان فرسه، فيدعو ويؤمنون، ثم يلحق أولئك الأعيان، ويلقبون بالطلبة والحفاظ لا بالأمراء والقواد، إلى عساكرهم، ويبقى وحده وحوله ألوف من عبيده السود رجالةً بالرماح والدرق. وكان إذا مر على قوم ٍسلم ودعا لهم فيؤمنون، وكان فصيحًا بالعربية، حسن العبارة.
قال: وكان في جوده بالمال كالسيل، وفي حبه لحسن الثناء كالعاشق، مجلسه مجلس وقار وهيبة، مع طلاقة الوجه. انعمرت البلاد في أيامه، وما لبس قط إلا الصوف طول عمره، وما كان في مجلسه حصير، بل مفروش بالحصباء، وله سجادة من الخوص تحته خاصة. وأما الأندلس فاختلت أحوالها اختلالا بينًا أوجب تخاذل المرابطين وميلهم إلى الراحة، فهانوا على الناس، واجترأ عليهم الفرنج، وقام بكل مدينة بالأندلس رئيس منها، فاستبد بالأمر، وأخرج من عنده من المرابطين. وكادت الأندلس تعود إلى مثل سيرتها بعد الأربعمائة عند زوال دولة بني أمية. فأما بلاد إفراغة فاستولى عليها صاحب أرغن لعنه الله، ثم أخذ سرقسطة ونواحيها، فلا قوة إلا بالله. وأما أهل شرق الأندلس بلنسية ومرسية، فاتفقوا على تقديم الزاهد عبد الرحمن بن عياض، بلغني عن غير واحدٍ أنه كان مجاب الدعوة، بكاء، رقيقًا، فإذا ركب للحرب لا يقوم له أحد. كان الفرنج يعدونه بمائة فارس، فحمى الله بابن عياض تلك الناحية مدة إلى أن توفي رحمه الله، ولا أتحقق تاريخ وفاته، فقام بعده خادمه محمد بن سعد وهو خليفته على الناس، فاستمرت أيامه إلى أن مات سنة ثمانٍ وستين وخمس مائة. وأما أهل المرية فأخرجوا عنهم أيضًا المرابطين، وندبوا للأمر عليهم الأمير أبا عبد الله بن ميمون الداني، فأبى عليهم، وقال: إنما وظيفتي البحر وبه عرفت. فقدموا عليهم عبد الله بن محمد
ابن الرميمي، فلم يزل على المرية إلى أن دخلها الفرنج واستباحوها. وأما جيان وحصن شقورة، وتلك الناحية فاستولى عليها عبد الله بن همشك، وربما تملك قرطبة أيامًا يسيرة. وأما إشبيلية، وغرناطة فأقامت على طاعة المرابطين. وأما غرب الأندلس، فقام به دعاة فتن ورؤوس ضلالة، منهم أحمد بن قسي، وكان في أول أمره يدعي الولاية، وكان ذا حيل وشعوذة ومعرفة بالبلاغة، فقام بحصن مارتلة، ثم اختلف عليه أصحابه وتحيلوا فأخرجوه من الحصن وأسلموه إلى جند عبد المؤمن، فأتوه به، وهو الذي قال له عبد المؤمن: بلغني أنك دعيت إلى الهداية. فقال: أليس الفجر فجرين، كاذب وصادق؟ فأنا كنت الفجر الكاذب. فضحك وعفا عنه.
وجهز عبد المؤمن الشيخ أبا حفص عمر إينتي، فعدى البحر إلى الأندلس، فافتتح الجزيرة الخضراء، ثم رندة، ثم افتتح إشبيلية، وغرناطة، وقرطبة. وسار عبد المؤمن في جيوشه وعبر من زقاق سبتة، فنزل جبل طارق، وسماه جبل الفتح. فأقام هناك أشهرًا، وابتنى هناك قصورًا عظيمة ومدينة، فوفد إليه رؤساء الأندلس، ومدحه شعراؤها، فمن ذلك:
ما للعدى جنة أوقى من الهرب أين المفر وخيل الله في الطلب وأين يذهب من في رأس شاهقةٍ وقد رمته سهام الله بالشهب حدث عن الروم في أقطار أندلسٍ والبحر قد ملأ البرين بالعرب
فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن: بمثل هذا تمدح الخلفاء.
ثم استعمل على إشبيلية ولده يوسف الذي ولي الأمر من بعده، واستعمل على قرطبة وبلادها أبا حفص إينتي، واستعمل على غرناطة ابنه عثمان بن عبد المؤمن، ورجع إلى مراكش وترك بالأندلس جيشًا كثيفًا من المصامدة والعرب.
وكان قد استخدم العرب الذين ببلاد بجاية، وهم قبائل من بني هلال بن عامر، خرجوا إلى البلاد حين خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب، فعاثوا في القيروان عيثًا شديداًُ أوجب خرابها إلى اليوم، ودوخوا مملكة بني زيري بن مناد، وهذا كان بعد موت المعز بن باديس، فانتقل ابنه تميم إلى
المهدية، وسار هؤلاء العربان حتى نزلوا على المنصور الحمادي، فصالحهم على أن يجعل لهم نصف غلة البلاد، فأقاموا على ذلك إلى أن حاربوا عبد المؤمن في سنة ثمانٍ وأربعين، فتحزبوا عليه، وهم بنو هلال، وبنو الأثبج، وبنو عدي وبنو رباح، وغيرهم من القبائل، وقالوا: إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا، وتحالفوا عليه. فبذل لهم رجار الفرنجي ملك صقلية نجدةً بخمسة آلاف مقاتل، فقالوا: لا نستعين إلا بمسلم. وساروا في عددٍ عظيم، وسار جيش عبد المؤمن في ثلاثين ألفًا، عليهم عبد الله بن عمر الهنتاتي، فالتقوا وانهزمت العرب، وأخذت البربر جميع متاعهم ونسائهم وأطفالهم، فأتوا بها عبد المؤمن، فقسم المتاع والمال، وصان الحريم وأحسن إليهم، وكاتب العرب واستمالهم وحلف لهم، فأتوا مراكش فخلع عليهم، وبالغ في إكرامهم، ثم استخدمهم عبد المؤمن، وأنزلهم بنواحي إشبيلية وشريش، فهم باقون إلى وقتنا.
قال: وكان عبور عبد المؤمن إلى الأندلس في سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مائة، وكان قد كتب إلى أمراء هؤلاء العربان رسالةً فيها أبيات قالها هو، وهي:
أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل وقوموا لنصر الدين قومة ثائر وشدوا على الأعداء شدة صائل فما العز إلا ظهر أجرد سابح وأبيض مأثور وليس بسائل بني العم من عليا هلال بن عامر وما جمعت من باسل وابن باسل تعالوا فقد شدت إلى الغزو نية عواقبها منصورة بالأوائل هي الغزوة الغراء والموعد الذي تنجز من بعد المدى المتطاول بها نفتح الدنيا بها نبلغ المنى بها ننصف التحقيق من كل باطل فلا تتوانوا فالبدار غنيمة وللمدلج الساري صفاء المناهل
قال عبد الواحد بن علي المراكشي: أخبرني غير واحد ممن أرضى نقله، أن عبد المؤمن لما نزل مدينة سلا، وهي على البحر المحيط ينصب إليها نهر عظيم يصب في البحر، عبر النهر، وضربت له خيمة، وجعلت الجيوش تعبر قبيلة قبيلة، فخر ساجدًا ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته، والتف إليه
الخواص وقال: أعرف ثلاثة وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد، فراموا عبور هذا النهر، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يعدي بهم، فقال: لا آخذه إلا على اثنين خاصة. فقال له أحدهم، وكان شابًا، خذ ثيابي، وأنا أعبر سباحة. ففعل ذلك فكان كلما أعيا من السباحة دنا من القارب ووضع يده عليه ليستريح، فيضربه صاحبه بالمجذاف الذي معه، فما عدى إلا بعد جهد. قال: فما شك السامعون أنه هو العابر سباحةً، وأن الآخرين ابن تومرت، وعبد الواحد الشرقي. ثم نزل عبد المؤمن مراكش، وأقبل على البناء والغراس وترتيب المملكة، وبسط العدل، وجعل ابنه عبد الله الذي على بجاية يشن الغارات على نواحي إفريقية وضيق على تونس، ثم تجهز في جيش عظيم وسار حتى نازل تونس وهي حاضرة إفريقية بعد القيروان. فحاصرها، وقطع أشجارها، وغور مياهها، وبها يومئذ عبد الله بن خراسان نائب صاحبها لوجار ابن الدوقة الرومي، لعنه الله، وهو صاحب صقلية. فلما طال على ابن خراسان الحصار، أجمع رأيه على مناجزة المصامدة، فخرج فالتقوا، فانهزم المصامدة، وقتل منهم خلق، ورد ابن خراسان إلى البلد، فكتب عبد الله بن عبد المؤمن إلى أبيه يخبره، فلما كان في آخر سنة ثلاث وخمسين تهيأ عبد المؤمن لتونس، وسار حتى نازلها، ثم افتتحها عنوة، وفصل عنها إلى المهدية، وبها النصارى أصحاب ابن الدوقة وهي له، لكن نائبه بها يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس، فحاصرها عبد المؤمن أشد الحصار، لأنها حصينة إلى الغاية. بلغني أن عرض سورها ممر ستة أفراس، وأكثرها في البحر، فكانت الأمداد تأتيها في البحر من صقلية، فأقام يحاصرها سبعة أشهر.
فنقل ابن الأثير: نازل عبد المؤمن المهدية، فكانت الفرنج تخرج شجعانهم فتنال من العسكر ويعودون، فأمر ببناء سور من غربيها، وأحاط أسطوله بالبحر، وركب عبد المؤمن في شيني، ومعه الحسن بن علي بن باديس الذي كان صاحبها، وأخذتها الفرنج منه من سنوات، فطاف بها في البحر، فهال عبد المؤمن ما رأى من حصانتها، وعرف أنها لا توخذ بقتال، وليس إلا المطاولة، وأمر بجلب الأقوات وترك القتال، فلم يمض إلا أيام حتى صار في
العسكر كالجبلين من القمح والشعير، فكان من يجيء من بعيد يقول: متى حدثت هذه الجبال هنا؟ فيقال: إنما هي غلة. وتمادى الحصار، وفي مدته أخذ بالأمان بلد سفاقس، وبلد طرابلس، وقصور إفريقية، وافتتح قابس بالسيف. وكانت عساكره تغار، وجاءت جيوش صاحب صقلية، لعنه الله، فكانت مائتين وخمسين شينيًا، فنصر الله عليهم أسطول عبد المؤمن.
قال عبد الواحد: واشتد على جيشه الغلاء، بلغني عن غير واحد أنهم اشتروا سبع باقلات بدرهم مؤمني، وهو نصف درهم النصاب، ثم افتتحها بعد أن أمن النصارى على أن يلحقوا بصقلية. ثم جهز إلى قابس من افتتحها، ثم افتتح أطرابلس المغرب، وأرسل إلى توزر وبلاد الجريد، فافتتحت كلها، وأخرج الفرنج منها وألحقهم ببلادهم، وتطهرت إفريقية من الكفر، وتم له ملك المغرب من طرابلس إلى سوس الأقصى، وأكثر جزيرة الأندلس. قال: وهذه مملكة لا أعلمها انتظمت لأحد قبله منذ أيام مروان الحمار.
وقيل: إنه بدا له أن يمر في هذا الوجه على قرية تاجرا، وبها ولد، ليزور قبر أمه وليصل من هناك من ذوي رحمه، فلما أطل عليها والجيوش قد انتشرت بين يديه، والرايات قد خفقت على رأسه، أكثر من ثلاث مائة راية من بنود وألوية، وهزت أكثر من مائتي طبل، وطبولهم في نهاية الكبر وغاية الضخامة، يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز، فخرج أهل القرية للقائه، فقالت عجوز منهم: هكذا يعود الغريب إلى بلده، ورفعت صوتها.
وفي سنة ثمان وخمسين أمر الناس بالجهاد لغزو الروم بالأندلس، واستنفر أهل مملكته ثم سار حتى نزل مدينة سلا، فمرض ثم مات بها في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وكان قد جعل ولي عهده محمدًا ولده الكبير، وكان لا يصلح لإدمانه الخمور وكثرة طيشه، وقيل: كان به جذام. فلما مات اضطرب أمر محمد هذا، وخلعوه بعد شهر ونصف، وأجمعت الدولة على تولية أحد أخويه يوسف أو عمر، فأباها عمر، فبايعوا أبا يعقوب يوسف، فبقي في الخلافة اثنتين وعشرين سنة.
وخلف عبد المؤمن ستة عشر ابنًا، وهم: محمد المخلوع، وعلي،
وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب.
قال صاحب الجمع والبيان: وقفت على كتاب كتبه عنه بعض كتابه، يقول بعد البسملة: من الخليفة المعصوم الرضي الزكي الذي وردت البشارة به من النبي العربي، القامع لكل مجسم غوي، الناصر لدين الله الكبير العلي، أمير المؤمنين الولي، عبد المؤمن بن علي.
283 -
علي بن أحمد، أبو الحسن ابن الدلاء الدمشقي
.
روى عن نصر المقدسي مجلسًا، سمعه منه أبو القاسم ابن عساكر، وقال: توفي في شعبان، وله ثلاث وثمانون سنة.
284 -
علي بن عبد الرحيم بن محمد بن علي بن أبي موسى الهاشمي الشريف
، أبو المظفر.
بغدادي نبيل، ذكر وفاته أبو بكر محمد بن مشق.
285 -
كمال بنت المحدث أبي محمد عبد الله بن أحمد بن عمر ابن أبي الأشعث ابن السمرقندي
، أم الحسن.
امرأة صالحة خيرة، وهي زوجة أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد اليوسفي. سمعها أبوها من طراد الزينبي، وأبي عبد الله النعالي، وابن البطر، وجماعة في سنة إحدى وتسعين. ومولدها سنة نيف وثمانين وأربعمائة. روى عنها إبراهيم بن محمد بن برهان النساج.
286 -
محمد بن أحمد بن محمد بن سفيان
، أبو بكر السلمي، المرسي.
روى عن أبي محمد بن أبي جعفر الفقيه، وأبي القاسم بن الجنان. روى عنه أبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني.
توفي في هذا العام ظنًا أو قبله.
287 -
محمد بن أحمد بن محمد الدباس المقرئ
.
هو ابن أخي أبي عبد الله البارع. كان صالحًا مقرئًا، وراقًا. سمع مالكاً
البانياسي، والنعالي. وعنه ابن الأخضر.
عاش ثمانين سنة، مات في صفر.
288 -
محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العافية
، أبو عبد الله اللخمي المرسي، يعرف بالقسطلي.
روى عن أبي علي بن سكرة، وتفقه عليه، وكان بصيرًا بمذهب الإمام مالك، موصوفًا بذلك؛ تفقه عليه أبو عبد الله محمد بن سليمان بن برطلة.
289 -
محمد بن الحسين، الملك سيف الدين ابن الملك
علاء الدين، الغوري، صاحب الغور.
تملك بعد أبيه فلم تطل سلطنته. سار بعساكره لغزو الغز وهم ببلخ، فاتفق أنه انفرد من عسكره يتفرج ويتصيد، فشعر به أمراء الغز، فأسرعوا إليه وأحاطوا به، فقاتلهم أشد قتال، إلى أن قتل هو وجماعة، وأسر الباقون، وبلغ جيشه الخبر، فانهزموا.
وكان عادلًا، حسن السيرة، لما ملك هراة منع جنده من أذية المسلمين.
قتل في رجب من هذه السنة وله نحو من عشرين سنة.
290 -
محمد بن حماد
، أبو غالب الموسوي، المروزي.
سمع أبا المظفر ابن السمعاني وخدمه مدة، وإسماعيل بن محمد الزاهري.
قال أبو سعد الحافظ: اتصل بالأتراك، وكان يوافقهم على شرب الخمر، وكان رافضيًا مبالغًا. توفي في جمادى الآخرة وله ثمانون سنة.
291 -
محمد بن عبد الله بن سفيان بن سيدالَّه
، أبو بكر التجيبي، الشاطبي.
روى عن أبي القاسم بن الجنان، وأبي بكر بن أسود. وتفقه بصهره أبي بكر بن أسد. وكان عارفًا بالحديث، له مجموع في رجال الأندلس ذيل به على الصلة لابن بشكوال، وتوفي قبله سنة ثمان هذه.
292 -
محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله ابن البيضاوي
، القاضي أبو عبد الله.
بغدادي فاضل نبيل، ولد سنة ست وثمانين وأربعمائة، وحدث، وتوفي في شوال.
روى عن ابن طلحة النعالي، وابن البطر، وأبي الحسين ابن الطيوري. وعنه أبو الفرج ابن الجوزي، وأبو محمد ابن الأخضر، وإسماعيل بن حمدين.
293 -
محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم بن رفاعة
، سديد الدولة الشيباني، المعروف بابن الأنباري، كاتب الإنشاء بالديوان العزيز.
أقام بديوان الإنشاء خمسين سنة، وناب في الوزارة، ونفذ رسولًا إلى ملوك الشام وخراسان، وكان ذا رأي وتدبير وحسن سيرة، وكانت بينه وبين أبي محمد الحريري مصنف المقامات رسائل قد دونت.
حدث عن ابن الحصين، وأبي محمد ابن السمرقندي، وسمع من أحمد بن محمد الخياط، وأبي عبد الله محمد بن نصر القيسراني بعض شعرهما. سمع منه أحمد بن صالح بن شافع، والمبارك بن عبد الله بن النقور، وعبد المحسن بن خطلخ.
وعاش نيفًا وثمانين سنة. وشيعه ابن هبيرة الوزير فمن دونه، وكان رائق اللفظ، بليغ الكتابة، مليح الخط.
وقد مدحه إبراهيم الغزي، وأبو بكر الأرجاني، ومحمد بن نصر القيسراني، وللأرجاني فيه أشعار لو دونت لجاءت مجلدة وسطى. وله قصة في كتابته للإنشاء، فأنبأني أحمد بن سلامة، عن أحمد بن طارق أنه سمع سديد الدولة ابن الأنباري يقول: كتب إلي صديقي هبة الله ابن السقطي المحدث سنة ست وخمس مائة رقعة، وقد مات كاتب الإنشاء ابن رضوان:
قل لسديد الدولة المجتبى في الأصل والأفضال والمغرس قد عنت لرتبة فانهض لها واخطب جديدا كتبة المجلس
فكتبت على ظهرها:
يا من حوى مع فضله همة بغير ثوب الشكر لا تكتسي أرهقت عزمي في طلاب العلا أن رغبوا في كاتب مفلس
ودفعتها إلى الرسول، وكان صبياً، فخرج في الحال، فاجتاز بباب العامة والرقعة بيده، والخط رطب، فأخذ ترابًا ينشفه، فصادف ابن الحلواني صاحب الخبر فقال: يا صبي ما هذه الرقعة؟ قال: كتبها ابن السقطي إلى سديد الدولة ابن الأنباري. فكتب نسختها وعرضها على الإمام المستظهر بالله، فلما كان من الغد إذا رقعة ظهير الدين صاحب المخزن جاءتني إلى داري، يذكر فيها: إن رأى التجشم إلى داره التي أنا ساكنها لألقي إليه ما رسم فقل إن شاء الله، فركبت إليه في الحال، فحين دخلت قام متمثلًا وقال للجماعة: الخلوة، فانصرفوا، فقال: أمير المؤمنين يهدي إليك السلام ويقول: قد رغبنا في كاتب مفلس. فقلت في الحال: التصريح بطلب الرتب ما لا يقتضيه الأدب، فقلدت يومئذ ديوان الإنشاء، وأنعم علي بالخلع والمواهب.
قلت: وكان عمره يومئذٍ خمسًا وثلاثين سنة.
وأنبأني أحمد، عن ابن طارق، قال: حدثني سديد الدولة أن الحريري صاحب المقامات كتب إليه رقعة، فكتب إليه في الحال بديهاً:
أهلًا بمن أهدى إلي صحيفة صافحتها بالروح لا بالراح وتبلجت فتأرجت نفحاتها كالمسك شيب نسيمه بالراح
فكتب إلي جواب هذه: لقد صدقت رواة الأخبار: إن معدن الكتابة الأنبار.
وقد ذكر وفاته ابن الأثير في الكامل في سنة خمس وثلاثين، والنسخة سقيمة فلعل بدل توفي: عزل أو نحوه.
294 -
محمد بن علي بن خطاب بن أبي الفتح
، أبو شجاع الدينوري ثم البغدادي الخيمي، أخو يحيى.
سمع أبا الفضل أحمد بن خيرون، وأبا غالب الباقلاني، ومحمد بن
عبد السلام. روى عنه أبو محمد ابن الخشاب، وعمر القرشي، وابن أخيه عبد اللطيف بن يحيى، وابن الحصري.
توفي في شوال.
295 -
المبارك بن أبي طاهر
، أبو نصر ابن الملاح.
بغدادي. روى عن الحسين بن علي ابن البسري، وغيره.
296 -
مكي بن علي بن المبارك بن طليب الحربي
.
شيخ صالح سمع من أبي الحسين ابن الطيوري، وغيره، روى عنه عبد الله بن جحشويه، وعبد العزيز ابن الأخضر. وتوفي في رجب.
297 -
نصر الله بن أحمد بن أبي العز محمد بن المختار بن المؤيد بالله
، أبو العباس بن أبي تمام الهاشمي الحريمي التاجر.
سفار كثير المال، من بيت العلم والشرف، حدث بمرو عن جده، ومات بسمرقند، روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم.
298 -
هبة الله بن الفضل بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن علي
، أبو القاسم ابن القطان المتوثي الشاعر.
سمع أباه الفضل، وأبا الفضل بن خيرون، وأبا طاهر أحمد بن الحسن الباقلاني، وأبا عبد الله النعالي، وغيرهم.
وكان شاعرًا محسنًا، بليغ الهجاء. روى عنه أبو سعد السمعاني، فقال: سألته عن مولده فقال: سنة ثمان وسبعين. وتوفي يوم عيد الفطر.
قلت: وكان يعرف الطب والكحالة، وديوانه مشهور، وقد هجا الحيص بيص، وهو الذي شهره بهذا اللقب، وله قصيدة طنانة في كاتب الإنشاء سديد الدولة محمد ابن الأنباري، أولها:
يا من هجرت فلا تبالي هل ترجع دولة الوصال ما أطمع يا حياة قلبي أن ينعم في هواك بالي الطرف من الصدود باك الجسم، كما ترين بالي أهواك وأنت حظ غيري يا قاتلتي، فما احتيالي واللوم فيك يزجروني عن حبك ما لهم، وما لي؟
طلقت تجلدي ثلاثًا والصبوة بعد في خيالي
روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وثابت بن مشرف، وابن الأخضر. وكان عسرًا في الرواية.
299 -
ياقوت المسترشدي
.
عن: أبي غالب ابن البناء. وعنه أبو الفتوح ابن الحصري. ورخه ابن الدبيثي.
300 -
يحيى بن سالم بن أسعد بن يحيى
، الفقيه أبو الخير بن أبي الخير العمراني الشافعي، مصنف كتاب البيان في المذهب.
قيل: إنه كان يكرر على المهذب لأبي إسحاق، فكان يقرؤه في ليلة واحدة. وله مصنفات مفيدة منها: غرائب كتاب الوسيط للغزالي. نشر العلم باليمن، ورحل الناس إليه وتفقهوا عليه.
توفي في هذه السنة.
301 -
يغمر بن ألب سارج
، الفقيه أبو البدر التركي المقرئ.
كان أبوه جنديًا، قال ابن عساكر: كان يعمل في القز ويلقن القرآن، وتفقه على شيخنا أبي الحسن بن مسلم، وكان يحفظ قطعة صالحة من الأخبار والأشعار، وكان يحثني على تبييض التاريخ. وكان قد حصل عندي فتور عن تبييضه، فلما مات في هذه السنة وكنت في جنازته فكرت وقلت: أنا والله أحق بالاهتمام بهذا التاريخ فصرفت همتي إليه وشرعت في تبييضه.
302 -
يوسف بن محمد بن مقلد بن عيسى
، أبو الحجاج الدمشقي، المعروف بابن الدوانيقي.
قال ابن عساكر: سمع معنا من هبة الله ابن الأكفاني، وطاهر بن سهل ابن بشر، ورحل فسمع ببغداد: أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وتفقه على أبي منصور ابن الرزاز، واستوطن بغداد، وتصوف وصحب أبا
النجيب السهروردي، ووعظ وناظر، وقدم دمشق ومرض بالاستسقاء فعدته، وقرأ لابني أبي الفتح ثلاثة أحاديث من حفظه، ومات في عاشر شهر صفر.
وأنشدنا أبو الحسين أحمد بن حمزة، قال: أنشدنا يوسف بن محمد التنوخي لنفسه:
أنوم بعدما هجع النيام وظلم بعدما انقشع الظلام فهذا الصبح في الفودين بادٍ ينادي ما بقي إلا منام فبادر يا فتى قبل المنايا فما لك بعد ذا عذر يقام فعند الله موقفنا جميعًا وبين يديه ينفصل الخصام
سنة تسع وخمسين وخمس مائة
303 -
أحمد بن محمد بن هذيل
، أبو العباس الأنصاري، البلنسي.
سمع أبا الوليد ابن الدباغ، وابن النعمة، وتفقه عند أبي محمد بن عاشر، ورحل فلقي بقرطبة أبا عبد الله بن الحاج، وغيره، وولي قضاء بلده، فلم تحمد سيرته، وكان عارفًا بالأدب والكتابة، وتوفي كهلًا.
304 -
أحمد بن مسعود بن سعد بن علي
، أبو الرضا ابن الناقد، الجصاص.
بغدادي، ثقة جليل سمع أبا غالب الباقلاني، وأبا سعد بن خشيش، وأبا الحسن العلاف، روى عنه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وابنه عبد العزيز بن أحمد، وتوفي في ذي الحجة؛ سقط من بناء للدولة فمات صائمًا.
305 -
إبراهيم بن موهوب بن علي بن حمزة
، أبو إسحاق ابن المقصص السلمي، الدمشقي.
سمع من أبي الحسن علي بن الحسن بن الحزور، وإبراهيم بن يونس المقدسي، ونصر بن أحمد الهمذاني المؤدب؛ سمع من المؤدب في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
وكان شيخًا مباركًا من قراء السبع الكبير؛ سمع منه الحافظ ابن عساكر، وابنه، وأبو المواهب، وأخوه أبو القاسم، ودفن بمقبرة باب الصغير.
306 -
أسعد بن إسماعيل بن حسين
، العميد أبو الفتح النسوي، المستوفي.
ساكن وقور متصل بالدولة، سمع الترغيب لحميد بن زنجويه من أبي بكر بن خزيمة. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وتوفي في ذي الحجة.
307 -
بنيمان بن محمد بن الفضل
، أبو القاسم الكندوج الأصبهاني.
توفي في الثاني والعشرين من شوال. وكان عدلًا متميزًا، سمع الرئيس
الثقفي. أخذ عنه السمعاني، وغيره.
308 -
سعد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن حمدي
، أبو البركات البغدادي الدقاق البزاز.
روى عن أبي عبد الله بن طلحة النعالي، ونصر ابن البطر، وأحمد بن علي الطريثيثي، وكان من أهل الخير. روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وأبو الفرج ابن الجوزي، وجماعة.
توفي في شعبان.
309 -
ضرغام بن عامر بن سوار
، الملك المنصور فارس المسلمين، أبو الأشبال اللخمي المنذري.
الذي استولى على الديار المصرية، وهرب منه شاور إلى نور الدين يستنجد به عليه، فسير معه أسد الدين شيركوه، فدخلوا مصر في رجب من هذا العام، فوجدوا الضرغام قد قتل في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من السنة؛ قتل عند قبر الست نفيسة، وطافوا برأسه، وبقيت جثته حتى أكلتها الكلاب، ثم دفن وبني عليه قبة معروفة عند بركة الفيل بها القلندرية.
وفي التاريخ لدخولهم وهم، لأن الضرغام ما قتل إلا بعد دخول أسد الدين.
310 -
ظافر بن معاويه بن خليف
، أبو السعادات الحربي الخياط.
صالح، ساكن من أهل القرآن والصلاح، سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا علي بن محمد بن محمد ابن المهتدي، وغيرهما.
قال ابن السمعاني: كتبت عنه، وكان كخير الرجال.
وقال ابن مشق: توفي في سابع جمادى الآخرة.
وكان مولده سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
قلت: روى عنه أحمد بن سلمان السكر.
311 -
عبد الرحمن بن هبة الرحمن بن عبد الواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري
، أبو خلف.
نيسابوري، ورع عالم خير، مليح الوعظ، ولي خطابة نيسابور بعد والده، وكان ضريرًا، سمع أعمام أبيه، وعلي بن عبد الله بن أبي صادق، وعبد الغفار الشيرويي، وإسماعيل بن عبد الغافر الفارسي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وتوفي بنسا في يوم عاشوراء.
312 -
عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي ابن الأخوة
، أبو الفتح بن أبي الغنائم البغدادي البيع اللغوي الأديب، نزيل أصبهان.
روى عن أبي الحسن بن فتحان الشهرزوي مجلسًا من أمالي ابن بشران، سمعه منه ابن السمعاني، وقال: شاب، له معرفة تامة باللغة والأدب. توفي في صفر.
313 -
عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله
، أبو سعد الكرماني الرمجاري.
شيخ صالح من أهل نيسابور، سمع أبا بكر بن خلف الشيرازي، وأبا المظفر موسى بن عمران، وأبا سهل عبد الملك بن عبد الله الدشتي، وغيرهم. وولد في ربيع الأول سنة ثمانين وأربعمائة. وهو آخر من روى عن هؤلاء الثلاثة فيما أعلم.
روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، ومحمد بن ناصر بن سلمان الأنصاري، وجماعة.
314 -
علي بن حمزة بن إسماعيل بن حمزة بن حمزة بن محمد
، السيد أبو الحسن العلوي الموسوي الهروي.
قال ابن السمعاني: كان سيدًا، عالمًا، زاهدًا، عفيفًا، مواظبًا على الجماعات، سمع الكثير بهراة من أبي عبد الله محمد بن علي العميري، ونجيب بن ميمون، ومحمود بن القاسم الأزدي، والحافظ عبد الله بن يوسف الجرجاني، وصاعد بن سيار الكناني، وجماعة، وخرج له أبو النضر عبد الرحمن الفامي جزءًا ضخمًا عن شيوخه. وحدث بمرو وهراة، وحدث
بكتاب العوالي لابن عدي، وهو مجلد. وولد سنة ثمان وستين وأربعمائة.
قلت: وقد ذكره في كتاب ذيل تاريخ الخطيب، فقال: علوي، حسن السيرة، مرضي، جميل الظاهر والباطن، كثير العبادة والخير، يتفقد الفقراء ويراعيهم، محترم عند أهل بلده.
قلت: روى عنه هو وابنه وعبد الله بن عيسى بن أبي حبيب الأنصاري، وحفيده محمد بن إسماعيل بن علي الموسوي، وحفيده علي بن محمد بن علي الموسوي، ويحيى بن محمد بن عبد اللطيف المروزي، وأبو روح عبد المعز الهروي، وآخرون. وعاش إحدى وتسعين سنة، وكان مسند هراة في عصره؛ سمع الجامع لأبي عيسى، من أبي عامر الأزدي.
315 -
عمر بن علي بن نصر
، أبو المعالي الصيرفي البغدادي الخفاف.
سمع رزق الله التميمي، وغيره. روى عنه القاضي عمر بن علي القرشي، وإبراهيم بن محمود الشعار، وعبد الوهاب بن عبد الله الصوفي القصار، وآخرون. وآخر من روى عنه بالإجازة كريمة بنت عبد الوهاب.
توفي في شهر ربيع الأول.
وآخر من روى عنه بالسماع إسماعيل بن باتكين.
316 -
محمد بن أحمد بن محمد بن عمر الأصبهاني المقدر البناء
، أبو الخير الباغبان.
شيخ مسند، عالي الإسناد، مشهور، سمع أبا عمرو بن منده، وأبا عيسى بن زياد، والمطهر البزاني، وأبا بكر بن ماجه، وحكيم بن محمد الإسفراييني، حدث عنه بمسند الشافعي بسماعه من جده لأمه علي بن محمد السقاء.
روى عنه ابن السمعاني، وجامع بن خمارتاش، وصالح بن أحمد، ومحمد بن أحمد بن أبي الفتح النجار، ومحمد بن مكي الحنبلي، وأحمد بن صالح بن أحمد الهروي، وداود بن معمر، وأحمد بن عبيد الله المستملي الخاني، وعبد البر بن أبي العلاء، ومحمود بن أحمد المعلم، ومعمر بن محمد
ابن مبشر، وأبو الوفاء محمود بن منده الأصبهانيون. وآخر من روى عنه بالإجازة كريمة ثم عجيبة الباقدارية.
قال أبو مسعود الحاجي: توفي في ثاني عشر شوال.
وقال ابن نقطة: كان ثقة، صحيح السماع، حدث بحضرة أبي العلاء الحافظ، وسمع منه مسند الشافعي أشياخنا أبو مسلم أحمد بن شيرويه، وعلي ومحمد ابنا عبد الرشيد بن بنيمان، وعبد السلام بن شعيب الوطيسي، وغيرهم بهمذان.
317 -
محمد بن أحمد بن عامر، أبو عامر البلوي الطرطوشي، السالمي، من مدينة سالم؛ سكن مرسية.
وكان عالمًا، أديبًا، مؤرخًا، لغويًا، صنف في اللغة كتابًا مفيدًا، وله كتاب في الطب سماه الشفا، وكتاب في التشبيهات.
قال الأبار: روى عنه عبد المنعم بن الفرس، وأبو القاسم بن البراق.
318 -
محمد بن أحمد بن علي بن محمود
، أبو الفتوح الزوزني، الصوفي، ابن عم أبي سعد أحمد بن محمد.
ولد سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وحدث.
توفي في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة.
319 -
محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب
، الحافظ العلامة أبو عبد الله البنجديهي الزاغولي الأرزي، وزاغول من عمل بنج ديه، وقيل: من عمل مرو الروذ، بها قبر المهلب بن أبي صفرة الأمير.
ذكره أبو سعد ابن السمعاني فقال: ولد سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة ببنج ديه، وسكن مرو، وتفقه على والدي وعلى الموفق بن عبد الكريم الهروي، وسمع أبا الفتح نصر بن أحمد بن إبراهيم الحنفي، وعيسى بن شعيب السجزي، ومحيي السنة أبا محمد البغوي.
وكان فقيهًا صالحًا، حسن السيرة، خشن العيش، تاركًا للتكلف، قانعاً
باليسير، عارفًا بالحديث وطرقه، اشتغل بطلبه وجمعه طول عمره، وجمع كتابًا مطولًا أكثر من أربعمائة مجلدة مشتملة على التفسير والحديث والفقه واللغة، سماه قيد الأوابد. وسمع جماعة كثيرة. وسمعت بإفادته. ووفاته بقرية نوش كارنجان في ثاني عشر جمادى الآخرة.
قلت: روى عنه هو وابنه عبد الرحيم بن أبي سعد.
320 -
محمد بن طاهر بن عبد الله أخي نظام الملك الحسن ابني علي بن إسحاق بن العباس
، الرئيس أبو بكر الطوسي، الرادكاني.
حمله أبوه أيام عمه النظام إلى أصبهان، وسمعه من الكبار. وكان مولده في سنة أربع وسبعين وأربعمائة. حدث عن أبي بكر بن ماجه الأبهري، وأبي منصور محمد بن شكرويه، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وأبي الحسن علي بن أحمد المؤذن.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه جزء لوين، وتوفي بسردة من سواد نيسابور، في أحد الربيعين أو الجماديين.
وبخط الضياء: مات سنة سبع، كما مر.
321 -
محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الأشقر الأموي الداني المقرئ
، نزيل سبتة.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن شفيع، وأبي محمد بن إدريس.
قال الأبار: أقرأ القرآن، وكان عالي الرواية، فاضلًا، مجاب الدعوة. أخذ عنه أبو الصبر أيوب بن عبد الله، وقال: توفي في جمادى الآخرة.
322 -
محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله
، أبو الفتح الحمدويي المروزي البنجديهي الفقيه.
سمع جامع الترمذي من أبي سعيد الدباس، وقد سمعه منه السمعاني. وسمع من هبة الله الشيرازي، والمظفر بن منصور الرازي. ولد سنة بضع
وستين، ومات بمرو في جمادى الآخرة في تاسعه سنة تسع؛ قاله أبو سعد.
323 -
محمد بن علي بن أبي منصور
، الصاحب جمال الدين أبو جعفر الأصبهاني، الملقب بالجواد، وزير صاحب الموصل أتابك زنكي بن آقسنقر.
استعمله زنكي على ولاية نصيبين والرحبة، وجعله مشرف مملكته كلها، واعتمد عليه. وكان نبيلًا، رئيسًا، دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، محبوب الصورة، سمحًا، كريمًا. ومدحه محمد بن نصر القيسراني بقصيدته التي أولها:
سقى الله بالزوراء من جانب الغربي مها وردت ماء الحياة من القلب
قال القاضي ابن خلكان: وكان يحمل في السنة إلى الحرمين أموالًا وكسوة تقوم بالفقراء سنتهم كلها، وتنوع في أفعال الخير، حتى جاء في زمنه غلاء عظيم، فواسى الناس حتى لم يبق له شيء وباع بقياره، وعرف بالجواد، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم، وبنى سور مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالغ في أنواع البر والقرب. ولما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر رتبه سيف الدين غازي بن زنكي وزيره إلى أن مات. ثم وزر بعده لقطب الدين مودود وأخيه. ثم إنه استكثر إقطاعه وثقل عليه، فقبض عليه سنة ثمان وخمسين، ومات محبوسًا مضيقًا عليه في سنة تسع، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا من ضجيج الضعفاء والأيتام حول جنازته، ودفن بالموصل، ونقل بعد سنة إلى مكة في تابوت، فوقفوا به وطافوا بتابوته، ثم ردوه فدفنوه بالمدينة النبوية.
قلت: خالفوا السنة بما فعلوا.
ولما دخل تابوته الكوفة ذكره الخطيب وأثنى عليه، وقال:
سرى نعشه فوق الركاب وطالما سرى بره فوق الرقاب ونائله فتى مر بالوادي فانثنت رماله عليه وبالنادي فحنت أرامله
فضج الناس بالبكاء، وكانت ساعة عجيبة.
قال ابن خلكان: وكان ابنه جلال الدين علي من بلغاء الأدباء، له ديوان رسائل أجاد فيه، وكان الصدر مجد الدين أبو السعادات المبارك بن الأثير في صباه كاتبًا بين يديه، فكان يملي عليه الإنشاء، وتوفي سنة أربع وسبعين، وقد ولي وزارة الموصل، ومات بدنيسر، ودفن عند أبيه بالمدينة.
ولقد حكى ابن الأثير في ترجمة الجواد مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها في الأعمار فالله يرحمه.
324 -
محمد بن مهدي بن الحسين بن عمر
، أبو الحسين الطبري الصوفي، نزيل بغداد.
وبها نشأ، ومولده سنة ست وثمانين وأربعمائة، وأسمعه أبوه من محمد بن عبد السلام الأنصاري، وثابت بن بندار. وعنه عبد الوهاب ابن سكينة، وغيره.
توفي في جمادى الآخرة.
325 -
محمد بن أبي زيد بن حمكا
، الأصبهاني، الرجل الصالح، والد حفصة.
توفي في نصف شوال بأصبهان.
326 -
نصر بن خلف، السلطان أبو الفضل
، صاحب سجستان.
قال ابن الأثير: عمر مائة سنة، وتملك ثمانين سنة.
قلت: لا أعلم أحدًا في الإسلام بقي ملكًا هذه المدة سوى هذا، وبعده ملك ابنه شمس الدين أبو الفتح أحمد بن نصر.
قال: وكان أبو الفضل ملكًا عادلًا، عفيفًا عن رعيته، وله آثار حسنة في نصرة السلطان سنجر في غير موقف.
توفي في سنة تسع هذه.
327 -
يحيى بن علي بن خطاب
، أبو شجاع البغدادي، المقرئ.
وليس هذا بالخيمي، ذاك يأتي سنة أربع وستين، وهذا ورخه ابن مشق في شعبان.
سنة ستين وخمسمائة
328 -
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام
، أبو العباس بن الحطيئة اللخمي الفاسي المقرئ الناسخ.
شيخ إمام صالح، كبير القدر، مقرئ بارع مجود من أعلام المقرئين، نسخ الكثير بالأجرة، وكان مليح الخط، جيد الضبط.
ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس، وحج ودخل الشام ولقي الكبار، ثم استوطن مصر بجامع راشدة خارج الفسطاط، وكان لأهل مصر فيه اعتقاد كبير لا مزيد عليه.
قرأت بخط أبي الطاهر ابن الأنماطي: سمعت شيخنا أبا الحسن شجاعًا المدلجي، وكان من خيار عباد الله، يقول: كان شيخنا ابن الحطيئة شديدًا في دين الله، فظا غليظا على أعداء الله، لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة مع عظم سلطنته ونفوذ أمره، فما يحتشمه ولا يكرمه، ويقول: أحمق الناس في مسألة كذا الروافض، خالفوا الكتاب والسنة وكفروا بالله. وكنت عنده يومًا في مسجده بشرف مصر، وقد حضر بعض وزراء المصريين، أظنه ابن عباس، فاستسقى في مجلسه، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة، فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده، وصرخ صرخة ملأت المسجد وقال: واحرها على كبدي، أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آنية الفضة؟ لا والله لا تفعل. وطرد الغلام، فخرج، ثم طلب كوزًا، فجاء بكوز قد تثلم فشرب، واستحيى من الشيخ، فرأيته والله كما قال الله تعالى: يتجرعه ولا يكاد يسيغه. أتى رجل إلى شيخنا ابن الحطيئة بمئزر، وحلف بالطلاق ثلاثًا لا بد أن يقبله. فوبخه على ذلك وقال: علقه على ذاك الوتد، قال لنا شجاع وغيره: فلم يزل على الوتد حتى أكله العث وتساقط. وكان ينسخ بالأجرة، ولا يقبل لأحد قط هدية. وكان له على الجزية في الشهر ثلاثة دنانير، ولقد عرض عليه غير واحد من الأمراء أن يزيد جامكيته فما قبل. وكان له من الموقع في قلوبهم، مع كثرة ما يهينهم ما لم يكن لأحد سواه،
وعرضوا عليه القضاء بمصر فقال: لا والله لا أقضي لهم.
قال شيخنا شجاع: وكتب صحيح مسلم كله بقلم واحد، وسمعته يقول: وقال له إنسان: فلان رزق نعمة ومعدة، فقال: حسدتموه على التردد إلى الخلاء! وسمعته يقول كثيرا إذا ذكر عمر بن الخطاب: طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر رضي الله عنه.
قلت: وكان لا يقبل من أحد شيئًا. قرأ بالروايات على أبي القاسم ابن الفحام بالإسكندرية، وعلم زوجته وابنته الكتابة، فكانا يكتبان مثل خطه سواء، فإذا شرعوا في نسخ كتاب أخذ كل واحد منهم جزءًا من الكتاب ونسخوه، فلا يفرق بين خطوطهم إلا الحاذق.
ووقع بمصر الغلاء، فأتاه جماعة وسألوه قبول شيء فامتنع، فخطب الفضل بن يحيى الطويل ابنته وتزوجها، ثم سأل أباها أن تكون أمها عندها لتؤنسها، ففعل، فما أحسن ما تلطف هذا الرجل في بر أبي العباس رحمه الله، وبقي أبو العباس، وحده ينسخ ويقتنع.
قرأ عليه جماعة منهم شجاع بن محمد بن سيدهم المدلجي، وأبو الطاهر محمد بن محمد بن بنان الأنباري ثم المصري، وجماعة سواهم.
وحدث عنه السلفي، وهو أكبر منه، وقال: توفي في آخر المحرم بمصر، قال: وكان رأسًا في القراءات، سمع الحديث من أبي عبد الله الحضرمي، وأبي الحسن بن مشرف، وسمعته يقول: ولدت بفاس ودخلت الشام.
قلت: وروى عنه صنيعة الملك هبة الله بن يحيى بن حيدرة، والأمير إسماعيل بن أحمد اللمطي، والنفيس أسعد بن قادوس وهو آخر من حدث عنه. وقبره يزار بالقرافة الصغرى، وقد طلب لقضاء مصر فأبى.
قرأت بخط ابن الأنماطي الحافظ: حكى لنا أبو الحسن شجاع بن محمد بن سيدهم، قال: كان الشيخ أبو العباس قد أخذ نفسه بتقليل الأكل بحيث بلغ في ذلك إلى الغاية، وكان يتعجب ممن يأكل ثلاثين لقمة ويقول: لو أكل الناس من الضار ما آكل من النافع ما اعتلوا. وحكى لي شجاع أن أبا العباس ولدت له ابنته هند وكبرت وقرأت عليه بالسبع، وقرأت عليه الصحيحين، وغير ذلك، وكتبت الكثير، وتعلمت عليه كثيرًا من علوم القرآن والحديث وغير ذلك، ولم ينظر إليها قط. فسألت شجاعًا أكان ذلك عن قصد؟ فقال: كان في
أول العمر اتفاقًا، لأنه كان يشتغل بالإقراء إلى المغرب، ثم يدخل إلى بيته وهي في مهدها، وتمادى الحال إلى أن كبرت فصارت عادة، وزوجها ودخلت بيتها والأمر على ذلك، ولم ينظر إليها قط إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
329 -
أحمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان الحمامي البخاري
، أبو العباس الأديب.
من مشيخة أبي سعد السمعاني، قال: كان فقيهًا، زاهدًا، عارفًا باللغة، كثير الاجتهاد والتعبد، سمع عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيري، والقاضي محمد بن الحسن النسفي، وجماعة. مولده سنة تسع وثمانين، ومات في ربيع الأول سنة ستين، وكان إمام الناس في الجمعة.
330 -
إبراهيم بن محمد، أبو إسحاق الموصلي الحنفي
، الفقيه.
نزل دمشق، ودرس بالصادرية، وناب في الحكم للقاضي الزكي، وتوفي في هذه السنة.
331 -
أمير ميران بن أتابك زنكي بن آقسنقر التركي
، أخو السلطان نور الدين.
كان شجاعًا مقدامًا. مرض صاحب الشام نور الدين أخوه، فكاتب هو الأمراء ليملكوه، فلما عوفي نور الدين سار إليه، وأخذ منه حران بعد الخمسين وطرده، فمضى إلى صاحب الروم، وجيش الجيوش في العام الماضي، وكان نور الدين نازلًا على رأس الماء، فالتقوا فكسره نور الدين، وقتل في الوقعة جماعة منهم ابن الداية الأمير، ورد أمير ميران إلى صاحب حصن كيفا، ثم اصطلح هو وأخوه، وأصابه سهم في عينه على بانياس فقتله، ومات منه بدمشق.
332 -
حسان بن تميم بن نصر
، أبو الندى الزيات.
شيخ صالح دمشقي، سمع مجالس من الفقيه نصر. روى عنه ابن عساكر، وابنه، وأبو المواهب التغلبي، وعبد الخالق بن أسد، ومكرم بن أبي الصقر، وكريمة القرشية، وآخرون.
توفي الحاج حسان في تاسع عشر رجب، ودفن بباب الفراديس عن نيف وثمانين سنة.
333 -
الحسين بن محمد بن الحسين بن حما البغدادي
، سبط أبي سعد محمد بن عبد الملك الأسدي.
سمع من جده أبي سعد، وحدث في هذه السنة؛ روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وغيره.
334 -
خزيفة بن سعد بن الحسين بن الهاطرا
، أبو المعمر الأزجي الوزان.
ولد سنة ثمانين وأربعمائة. شيخ صالح مسند، سمع ابن البطر، وأبا الفضل بن خيرون، وأبا الحسن بن أيوب البزاز، وجماعة. روى عنه ابن السمعاني، ومحمد بن المبارك بن مشق، وشهاب الدين السهروردي، وآخرون.
توفي في العشرين من رجب، وروى عنه بالإجازة الرشيد أحمد بن مسلمة.
335 -
رستم بن علي بن شهريار بن قارن
، ملك مازندران.
كان ملكًا شجاعًا مخوفًا، استولى في العام الماضي على بسطام وقومس، واتسعت ممالكه. مات في ثامن ربيع الأول، فكتم ابنه علاء الدين الحسن موته أيامًا حتى تمكن وثبت ملكه، ثم خرج عليه صاحب جرجان ونازعه في الملك فلم يبال به.
336 -
سعيد بن سهل بن محمد بن عبد الله
، أبو المظفر النيسابوري، ثم الخوارزمي، الوزير المعروف بالفلكي.
سمع أبا الحسن المؤذن، ونصر الله بن أحمد الخشنامي. وسافر إلى خوارزم، ووزر لصاحبها.
وكان ذا رأي، وشهامة، وكفاية، وحسن سيرة وسخاء ومكارم. ثم إنه خاف من صاحب خوارزم فحج وتصدق بأموال كثيرة، وتزهد، وتعبد. وحدث ببغداد ودمشق، وسكن دمشق بخانقاه السميساطي، وجدد بها الصفة الغربية والبركة والقناة التي لها من ماله. وتولى النظر في وقف الخانقاه.
وكان ثقة، متواضعًا، صالحًا، حسن الاعتقاد، أثنى عليه ابن عساكر وغيره. ووقع لنا جزء الفلكي عن الشيخين المذكورين. روى عنه ابن عساكر، وأبو القاسم بن صصرى، وأخوه أبو المواهب، وأبو عبد الله ابن المجاور، وزين الأمناء، ومكرم، ومحمد بن غسان، ومات في شوال، ودفن بمقابر الصوفية.
337 –
شرف بن عبد المطلب
، السيد أبو علي العلوي الأصبهاني.
توفي في رجب.
338 -
طغرل شاه بن محمد بن الحسين
، الشيخ أبو المعالي الكاشغري.
توفي بأصبهان في ثاني جمادى الأولى.
339 -
عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن سبعون
، أبو محمد القيرواني الأصل البغدادي.
سمع أباه، وأبا الفضل بن خيرون. وحدث في هذا العام؛ روى عنه عمر
ابن علي القرشي، ونصر ابن الحصري.
• - عبد الله بن سعد بن الحسين بن الهاطرا الوزان، لقبه خزيفة.
ذكرته في الخاء.
340 -
عبد الرحمن بن علي بن الحسين
، أبو محمد الكوفي، العطار.
سمع بدمشق: أبا البركات بن طاوس، وحدث، وتوفي بدمشق في ذي القعدة، وكان كثير التلاوة.
روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
341 -
عبد القاهر بن أحمد بن محمد ابن الطوسي
، أبو علي، نزيل الموصل، أخو عبد الله خطيب الموصل، وعبد الرحمن، ومحمد، وعبد الوهاب.
سمع من جعفر السراج، وغيره. توفي يوم عيد الأضحى.
342 -
عبد المحسن بن عبد المنعم بن علي بن منيب
، الفقيه أبو محمد الكفرطابي، ثم الشيزري.
رحل، وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي العز بن كادش، وطبقتهما. وتفقه بالنظامية، وسكن دمشق. روى عنه أبو القاسم بن صصرى. وكان ثقة، خيرًا.
343 -
عبد الملك بن أحمد بن أبي يداس
، أبو مروان الصنهاجي، الجياني.
قرأ القرآن والعربية على بكر بن مسعود. وأخذ بالمرية عن أبي الحجاج القضاعي، وغيره. وأقرأ بشاطبة القراءات والعربية. روى عنه أبو عبد الله بن سعادة المعمر.
344 -
عبد الواحد بن إبراهيم بن أحمد، أبو الفضل بن القزة الدمشقي.
روى صحيح البخاري عن الفقيه نصر، عن علي بن موسى السمسار، عن أبي زيد المروزي، عن الفربري. وسمع مجلسًا من نصر أيضًا.
روى عنه ابن عساكر، وقال: سألته عن مولده، فقال: سنة خمس وسبعين وأربعمائة. ومات في ذي الحجة. قال: وكان قد اختلط.
قلت: وروى عنه علي بن محمد ابن جمال الإسلام، وأبو القاسم بن صصرى وغيرهما. وقد روى بالإجازة عن عاصم بن الحسن العاصمي.
345 -
عبيد الله بن خليفة
، أبو الحسين البطليوسي.
ولي قضاء إشبيلية في الدولة اللمتونية بعد القاضي أبي بكر ابن العربي، ثم عزل، وتوفي في شوال.
346 -
عتيق بن عبد العزيز
، أبو بكر السمرقندي الدرغمي ثم النيسابوري الأديب الأوحد.
له محفوظات في اللغة، وشعر جيد. سمع عبد الغفار بن شيرويه، وغيره.
ولد سنة سبع وسبعين ومات بخوارزم في حدود سنة ستين.
347 –
عسكر بن أسامة بن جامع
، أبو عبد الرحمن العدوي النصيبي، إمام مسجد كندة بنصيبين.
دخل بغداد، وتفقه على مذهب الشافعي، وسمع من هبة الله بن الحصين، وأبي العز بن كادش، وخلق؛ سمع منه ابن السمعاني.
وقال ابن النجار: سألت عنه شيخنا عبد الوهاب الأمين فأثنى عليه كثيرا، وقال: كان ناسكا صالحا منعزلا، أفتى ببلده، ودرس.
وقال غيره: ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
348 -
عطاء بن عبد المنعم
، أبو الغنائم الأصبهاني.
حج في هذا العام، فحدث ببغداد عن غانم البرجي. روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وغيره.
349 -
علي بن أحمد بن محمد بن أبي العباس
، أبو الحسن الأصبهاني، المعروف باللباد.
سمع رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، وأبا بكر محمد بن أحمد بن ماجه، والقاسم بن الفضل الثقفي، ورجاء بن عبد الواحد بن قولويه، وأبا نصر عبد الرحمن بن محمد السمسار، وجماعة. وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي. وخرج له معمر بن الفاخر جزءًا، وروى عنه جماعة. وروى عنه بالإجازة، أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة.
توفي في ثامن عشر شوال.
350 -
علي بن أحمد بن مقاتل بن مطكود
، أبو الحسن السوسي، ثم الدمشقي، الشاغوري، ويعرف بابن المعلم.
سمع جزءًا واحدًا من أبي القاسم علي بن محمد المصيصي، وهو آخر من حدث عنه.
قال ابن عساكر: وكان قبل أن يحج يتولى توظيف ما يؤخذ من مزارع الشاغور، وتوفي في رمضان.
قلت: روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وزين الأمناء أبو البركات، ومكرم، وجماعة جزء الصفة وأحاديث عنبسة. وهو أخو نصر بن أحمد.
351 -
علي بن محمد بن الحسن بن علان
، أبو الحسن البواب.
سمع أبا الحسين ابن الطيوري. وولد في سنة سبعين وأربعمائة، وكان يمكنه أن يسمع من أبي نصر الزينبي، لكن السماع قسمية.
توفي في المحرم.
352 -
عمر بن محمد بن أحمد بن عكرمة
، أبو القاسم ابن البزري، الشافعي العلامة فقيه أهل الجزيرة.
رحل إلى بغداد، واشتغل على إلكيا الهراسي، وأبي حامد الغزالي، وجماعة، وبرع في المذهب ودقائقه، وقصده الطلبة من البلاد وتفقهوا به. وصنف كتابًا كبيرًا شرح فيه إشكالات المهذب. وكان من الدين والعلم بمحل رفيع.
قال القاضي ابن خلكان: كان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال لمذهب الشافعي. وكان ينعت بزين الدين جمال الإسلام. انتفع به خلق كثير، ولم يخلف بالجزيرة مثله.
وكان قد قرأ أولًا على أبي الغنائم محمد بن الفرج السلمي الفارقي، قليلًا من الفقه، فمات أبو الغنائم سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
توفي ابن البزري في أحد الربيعين، وله تسع وثمانون سنة.
والبزري: نسبة إلى عمل البزر وبيعه، والبزر في تلك البلاد اسم للدهن المستخرج من حب الكتان وبه يستصبحون.
وكان مولده في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
353 -
عمر بن بهليقا الطحان البغدادي
الذي عمر جامع العقيبة بالجانب الغربي من بغداد.
توفي في ذي القعدة.
354 -
محمد بن أبي سعد أحمد بن محمد الزوزني
، أبو الفتوح الصوفي.
سمع الطريثيثي، وابن البطر. وعنه ابن سكينة، وابن الأخضر.
مات في جمادى الآخرة سنة تسع.
355 -
محمد بن حمزة بن الحسن بن المفرج
، أبو عبد الله بن أبي يعلى الأزدي الدمشقي الشروطي.
سمع أباه، وعلي بن طاهر النحوي، وسبيع بن المسلم المقرئ.
مات في شعبان، وله إحدى وسبعون سنة.
356 -
محمد بن عبد الله بن المسلم بن أبي سراقة
، أبو المجد الهمذاني، ثم الدمشقي.
سمع أبا الحسن ابن الموازيني، وعبد المنعم بن الغمر الكلابي، وحيدرة بن أحمد. سمع منه ابنه أبو الفتح. وتولى عمالة الجامع، ثم عمالة الحشرية.
مات في شعبان أو رمضان. روى عنه أبو المواهب، وأبو القاسم ابنا صصرى.
357 -
محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد الحميد المعدل
، أبو عبد الله الحراني، ثم البغدادي. أحد العدول الكبار.
كيس، متودد. سمع هبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، ورزق الله التميمي، وطراد بن محمد الزينبي، وأبا الفتح أحمد بن محمد الحداد، وأبا سعد المطرز، ويحيى بن منده الحافظ، وغيرهم. ورحل إلى أصبهان.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وقال: سألته عن مولده فقال: سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
قلت: وروى عنه ابن الجوزي وقال: كان لطيفًا ظريفًا، جمع كتابًا سماه روضة الأدباء، وهو آخر من مات من شهود القاضي أبي الحسن ابن الدامغاني.
وروى عنه ابنته خديجة، وعبد اللطيف بن محمد القبيطي. وله شعر حسن.
توفي في ثاني عشر جمادى الأولى.
وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد أحمد بن مسلمة.
358 -
محمد بن عبد الجبار بن جوروية الأصبهاني
.
توفي في ربيع الآخر.
359 -
محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف ابن العلاف
، أبو طاهر بن أبي الحسن
من حجاب الديوان ومن بيت العلم. سمع أباه، وابن طلحة النعالي، وابن البطر. روى عنه ابن الأخضر، وغيره. وتفرد بإجازته الرشيد بن مسلمة، وتوفي في ثاني عشر شعبان، ولم يكن مرضيًا.
360 -
محمد بن أبي خازم محمد ابن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء
، القاضي أبو يعلى الصغير، شيخ الحنابلة.
تفقه على أبيه، وعمه القاضي أبي الحسين. وكان من أنبل الفقهاء وأنظرهم وأفصحهم. وفي سنة ثمان وعشرين زكي، ثم بعد ذلك ولي قضاء واسط، فبقي بها مدة، ثم عزل عن القضاء والعدالة، ولزم العلم والمقام بمنزله إلى أن توفي وقد أضر.
سمع الحسن بن محمد التككي، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبا الغنائم النرسي. روى عنه أبو الفتح المندائي، وأبو محمد ابن الأخضر، وغيرهما.
وتوفي في ربيع الآخر ببغداد، وله ست وستون سنة. والأصح أنه توفي في خامس جمادى الأولى، وقد درس وأفتى وأفاد وتخرج به خلق، وكانت جنازته مشهودة.
361 -
محمد بن محمد بن عمر بن قرطف
، أبو الفتح النعماني، الشاعر المشهور، ويعرف بابن الأديب.
ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد، ومات في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة. وكان من ظرفاء البغداديين وشعرائهم الفحول، وله مع براعته في النظم كتابة في غاية الحسن.
روى عنه من شعره: أبو سعد السمعاني، وأبو أحمد ابن سكينة، وأحمد بن طارق الكركي.
أنبأنا جماعة، عن ابن سكينة، قال: أنشدنا أبو الفتح ابن الأديب لنفسه:
عاطل وهو بالمناقب خالي نسب المجد غير عم وخال شبه قرب الشخوص وفي نقد المعاني تباين الأشكال ما استطال القنا بطول الأنا بيب ولكن بالصبر يوم النزال رب حسن يعود قبحًا إذا لم ترو عنه محاسن الأفعال يوجد التبر في التراب كما يستخرج المسك من مصير الغزال
وهي طويلة.
وبالإسناد له:
طليق دمع أسير القلب عاينه كل بعينك فانظر ما يعانيه تنام عن سهر لا تلتقي قصر أجفانه كلما طالت لياليه تحيى على زفرات الشوق أضلعه وأنت في غفلة عما يلاقيه
منها:
سهم على القلب قبل السمع موقعه قد أتبعته بسهم كف راميه وليلة الجزع لما بات يرشفني ثغر الزجاجة والصهباء من فيه شربت كأس مدام من سلافته شجت بكأس عتاب من تجنيه وبه له:
لم يبق بعد المفرق الأشيب لديك من ملهى ولا ملعب أنذرت الخمسون أبناءها بعد ذهاب العمر المذهب أنسيت ما فات كأن الذي مضى من الأيام لم يحسب هل هو إلا أمد منتهي إلى بعيد الدار لم يصقب مسافة تطمع في قطعها بغير زاد وبلا مركب يا ويح من أنفق أيامه في طلب المتجر والمكسب ما هو آت غير مستبعد قد آن وضع الحامل المقرب وكل عام أترجى المنى وهن قد سوفن الوعد بي وليس لي هم سوى وقفة في حرم المدفون في يثرب
362 -
محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي ابن أبي زيد
. الشريف أبو طالب العلوي، الحسني، البصري، النقيب، نقيب الطالبيين بالبصرة ثم عزل من النقابة.
قال ابن السمعاني: قدم بغداد عدة نوب، وانحدرت في صحبته إلى البصرة فاجتمعت به. وكان ظريفًا مطبوعًا. وكان أصحابنا البصريون يقولون: إنه يكذب كثيرًا فاحشًا في أحاديث الناس. وروى ببغداد عن أبي علي البسري. قال: وسمع منه، ومن جعفر العباداني، وأبي عمر الحسن بن علي بن محمد بن غسان النحوي، ومحمد بن علي ابن العلاف المؤدب.
قال ابن نقطة: قدم بغداد سنة خمس وخمسين، وحدث بها عن أبي علي بكتاب السنن لأبي داود الجزء الأول بالسماع المتصل، والباقي إجازة، إن لم يكن سماعًا. حدثنا عنه أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع، وسماعه من التستري سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. وقال عمر بن علي القرشي في معجمه: أخبرنا الشريف أبو طالب محمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن عبد الله بن علي بن باغر ابن الأمير عبيد الله بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي، ويعرف بابن أبي زيد، سألته عن مولده؛ فقال: في ربيع الأول سنة إحدى وستين وأربعمائة. وتوفي في ربيع الأول سنة ستين.
قلت: وقال ابن السمعاني: ولد سنة تسع وستين وأربعمائة.
وقال ابن النجار: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن محمد، عن والده متى ولد؟ قال: سنة تسع وستين.
قلت: وروى أبو طالب ببغداد كتاب السنن، استقدمه الوزير ابن هبيرة وأكرمه، وسمع منه الكتاب. وقد حدث به أبو الفتوح ابن الحصري عنه بالسماع المتصل، وقال: أخبرت أن سماعه ظهر بعد ذلك.
قال ابن نقطة: وهذا القول عندي فيه نظر، لأنا لم نسمع أحدًا قاله
غير ابن الحصري، والصحيح عندي ما قيده أبو المحاسن القرشي، يعني الجزء الأول فقط، وآخره عند كراهية مسه الذكر في الاستبراء.
قال ابن نقطة: وحدثني أبو السعود محمد بن محمد بن جعفر البصري الفقيه، قال: قال لي علي بن الحسن ابن المعلمة: لما أرادوا قراءة السنن على ابن أبي زيد النقيب كتب إلي أبو المحاسن القرشي: انقل لنا سماع الشيخ في سنن أبي داود فطفت فلم أجد سماعه إلا في جزء واحد.
قلت: عاش نيفا وتسعين سنة، وقد رواه المقداد بن أبي القاسم القيسي بدمشق، أعني السنن كله، عن ابن الحصري، بسماعه عن العلوي عن التستري بجميع الكتاب سماعًا، فالله أعلم بحقيقة الأمر.
أنبؤونا عن أحمد بن طارق قال: أنشدنا أبو طالب العلوي لنفسه:
لا تشكون دهرًا سطا شكواكه عين الخطا واصبر على حدثانه إن جار يومًا وامتطى الدهر دهر قلب يوماه بؤس أو عطا
363 –
المبارك بن مسعود بن عبد الملك بن خميس
، أبو الكرم الغسال البزاز.
بغدادي، مطبوع، صاحب نوادر، وحكايات، وأشعار، وله بضاعة يتجر فيها إلى الحجاز والري. سمع من جعفر السراج، وأبي القاسم الربعي، وجماعة.
قال ابن السمعاني: كتبت عنه، وقال لي: ولدت سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
وقال ابن مشق: توفي في سابع عشر ربيع الأول.
وروى عنه ابن الأخضر، وابن الحصري.
364 -
مرجان الخادم
قال ابن الجوزي: كان يقرأ القرآن، ويعرف شيئًا من مذهب الشافعي، وتعصب على الحنابلة فوق الحد، وناصبني دون الكل وبلغني أنه كان يقول: مقصودي قلع المذهب. ولما مات الوزير ابن هبيرة سعى بي إلى الخليفة
فقال: عنده كتب من كتب الوزير، فقال الخليفة: هذا محال، فإن فلانًا كان عنده أحد عشر دينارًا فما فعل فيها شيئا حتى طالعنا فدفع الله عني شره، ومات في ذي القعدة.
365 –
محمود بن عبد الله بن محمد بن عزيزة
، أبو الغنائم الأصبهاني.
توفي في جمادى الأولى.
366 -
محمود بن عبد العزيز الوزير شهاب الدين الحامدي الهروي
، وزير السلطان أرسلان، ووزير أتابكه إلدكز.
توفي في ربيع الأول من سنة ستين، وكان من رجال الدهر حزمًا ورأيًا.
367 -
مظفر بن هبة الله بن المظفر
، أبو شجاع ابن المسلمة، البغدادي.
سمع أبا القاسم بن بيان، وشجاعًا الذهلي. روى عنه يوسف بن الطفيل الدمشقي، وتوفي في رمضان.
368 -
نصر بن إدريس
، أبو عمرو الشقوري، الرجل الصالح، قاضي شاطبة. روى عن أبي بحر بن العاص، ويونس بن مغيث. ورخه أبو عبد الله الأبار.
369 -
هبة الله بن صاعد بن هبة الله بن إبراهيم
، أمين الدولة، أبو الحسن ابن التلميذ النصراني، المسيحي، البغدادي، شيخ الطب، بقراط عصره، وجالينوس زمانه، وشيخ النصارى لعنهم الله وقسيسهم.
ذكره العماد في الخريدة فيا ما بالغ في وصف هذا الخنزير، ومما قال: هو سلطان الحكماء، ومقصد العالم في علم الطب.
وقال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة في تاريخه: ابن التلميذ أوحد
زمانه في صناعة الطب، وفي مباشرة أعمالها ويدل على ذلك ما هو مشهور من تصانيفه وحواشيه على الكتب الطبية، وكان ساعور البيمارستان العضدي ببغداد إلى حين وفاته. سافر في صباه إلى العجم، وبقي بها في الخدمة زمانًا. وكان يكتب خطًا منسوبًا، خبيرًا باللسان السرياني واللسان الفارسي واللغة، وله نظم حسن ظريف وترسل كثير، وكان والده أبو العلاء صاعد طبيبًا مشهورًا. وكان أمين الدولة، وأبو البركات أوحد الزمان في خدمة المستضيء بأمر الله، وكان أوحد الزمان أفضل من أمين الدولة في العلوم الفلسفية، وله فيها تصانيف. وكان الآخر أبصر بالطب، وكان بينهما عداوة، لكن كان ابن التلميذ أوفر عقلًا، وأجود طباعًا.
وقال ابن خلكان: وكان أوحد الزمان، واسمه هبة الله بن علي بن ملكا، يهوديًا فأسلم في آخر أيامه، وأصابه الجذام فعالج روحه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوعها، فبالغت في نهشه، فبرئ من الجذام وعمي، فعمل ابن التلميذ:
لنا صديق يهودي من حماقته إذا تكلم تبدو فيه من فيه يتيه والكلب أعلى منه منزلة كأنه بعد لم يخرج من التيه
وقال الموفق عبد اللطيف بن يوسف: كان ابن التلميذ كريم الأخلاق، عنده سخاء ومروءة، وأعمال في الطب مشهورة، وحدوس صائبة، منها أنه أدخل إليه رجل منزف يعرق دمًا في الصيف فيسأل تلاميذه، وكانوا قدر خمسين، فلم يعرفوا المرض، فأمره أن يأكل خبز شعير مع باذنجان مشوي، ففعل ذلك ثلاثة أيام، فبرئ، فسأله أصحابه عن العلة، فقال: إن دمه قد رق، ومسامه تفتحت، وهذا الغذاء من شأنه تغليظ الدم ويكثف المسام.
قال: ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي النظامية، فإذا مرض فقيه نقله إليه، وقام في مرضه عليه فإذا أبل وهبه دينارين وصرفه.
وقال الموفق بن أبي أصيبعة: وكان الخليفة قد فوض إليه رياسة الطب، فلما اجتمعوا إليه ليمتحنهم، كان فيهم شيخ له هيئة ووقار فأكرمه، وكان للشيخ دربة ما بالمعالجة من غير علم. فلما انتهى الأمر إليه قال له ابن
التلميذ: لم لا شاركتم الجماعة في البحث لنعلم ما عندكم من هذه الصناعة؟ فقال: وهل تكلموا بشيء إلا وأنا أعلمه، وسبق إلى فهمي أضعافه؟! قال: فعلى من قرأتم؟ قال: يا سيدنا إذا صار الإنسان إلى هذا السن ما يبقى يليق به إلا أن يسأل: كم لكم من التلاميذ. قال: فأخبرني ما قرأت من الكتب؟ قال: سبحان الله! صرنا إلى حد الصبيان، أيقال لمثلي هذا؟ إنما يقال لي: ما صنفتم في الطب؟ وكم لكم من الكتب والمقالات؟ ولا بد أن أعرفك بنفسي. ثم دنا إلى أذن أمين الدولة وقال له سراً: اعلم بأنني قد شخت وأنا أوسم بالطب، وما عندي إلا معرفة اصطلاحات مشهورة، وعمري كله أتكسب بهذا الفن، ولي عائلة، فسألتك بالله يا سيدنا أن تكاسر عني ولا تفضحني بين الجماعة. فقال: على شرط أنك لا تهجم على مريض بما لا تعلمه ولا تشير بفصد ولا بإسهال إلا لما قرب من الأمراض. فقال الشيخ: هذا مذهبي مذ كنت وما تعديت شراب الليمون والجلاب. فقال ابن التلميذ للجماعة جهراً: يا شيخ ما كنا نعرفك فاعذرنا والآن قد عرفناك، فاستمر فيما أنت فيه.
وقال ابن أبي أصيبعة: حدثني سعد الدين بن أبي السهل البغدادي العواد، قال: رأيت ابن التلميذ، وكان يحب صناعة الموسيقى، وله ميل إلى أهلها، وكان شيخًا ربع القامة، عريض اللحية، حلو الشمائل، كثير النادرة.
ومن شعر ابن التلميذ:
لو كان يحسن غصن البان مشيتها تأودًا لمشاها غير محتشم في صدرها كوكبا نور أقلهما ركنان لم يقربا من كف مستلم صانتهما في حريم من غلائلها فنحن في الحل والركنان في الحرم
وله:
عانقتها وظلام الليل منسدل ثم انتبهت ببرد الحلي في الغلس فصرت أحميه خوفًا أن ينبهها وأتقي أن يذوب العقد من نفسي
وله:
أكثر حسو البيض كيما يستقيم قيام أيرك ما لا يقوم ببيضتيك فلا يقوم ببيض غيرك
وله من الكتب أقراباذين وهو مشهور تداوله الناس، وآخر اسمه الموجز صغير، واختيار كتاب الحاوي للرازي، اختصار شرح جالينوس لفصول أبقراط، شرح مسائل حنين، كناش، مختصر الحواشي على القانون لابن سينا، مقالة في الفصد، وتصانيف سوى ذلك.
وتوفي في الثامن والعشرين من ربيع الأول، وله أربع وتسعون سنة، لا رحمه الله، وخلف أموالًا جزيلة، وكتبًا فائقة، ورثه ابنه، ثم أسلم ابنه قبل موته، وعاش نحوًا من ثمانين سنة، وخنق في داره، وأخذ ماله، ونقلت كتبه على اثني عشر حمالا.
وكان أمين الدولة قد قرأ الطب على أبي الحسن سعيد بن هبة الله صاحب المصنفات.
وذكر الموفق عبد اللطيف أن ولد أمين الدولة كان شيخه في الطب، وأنه انتفع به، وقال: لم أر من يستحق اسم الطب غيره، خنق في دهليزه.
قلت: ومن أقارب أمين الدولة الأجل الحكيم:
370 -
معتمد الملك أبو الفرج يحيى بن صاعد بن يحيى ابن التلميذ
.
كان بارعًا في الطب رأسا في الفلسفة، له شعر رائق، وله عدة تلاميذ. وقد مدحه الشريف أبو يعلى محمد ابن الهبارية، وكان قد أتاه إلى أصبهان، فحصل له من الأمراء والأعيان مالًا جزيلا، فقال فيه قصيدة منها:
نعمى أبي الفرج بن صاعد الذي ما زال عني في المكاسب نائبا ثقة الخلافة سيد الحكماء معتمد الملوك الفيلسوف الكاتبا
371 -
ياغي أرسلان بن دانشمند
، صاحب ملطية.
جرى بينه وبين قلج أرسلان بن مسعود السلجوقي حروب لأنه كان جاره بقونية، وسببها أن قلج أرسلان تزوج بابنة الملك صلتق فجهزت إليه، فنزل ياغي أرسلان فأخذ العروس وجهازها ثم أراد أن يزوجها بابن أخيه ذي النون؛ فقيل له: لا يصلح هذا، فعلمه بعض فقهاء الرأي أن يأمرها بالردة عن الإسلام فارتدت لينفسخ النكاح، ثم أسلمت فزوجها لذي النون. فسار قلج أرسلان
لقتاله فعملا مصافًا فانهزم قلج أرسلان. وهلك ياغي أرسلان عقب ذلك، وتملك بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد بن دانشمند وأخوه ذو النون واتفقا مع قلج أرسلان.
372 -
يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم
، أبو المظفر الشيباني الوزير عون الدين.
ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالدور، وهو موضع من سواد العراق، بقرية بني أوقر، ودخل بغداد في صباه، وطلب العلم، وجالس الفقهاء والأدباء وسمع الحديث، وقرأ القراءات، وشارك في فنون عديدة، وكان خبيرًا باللغة، ويعرف النحو والعروض والفقه. وكان مشددًا في السنة واتباع السلف، ثم أمضه الفقر فتعرض للكتابة وولي مشارفة الخزانة، ثم ولي ديوان الزمام للمقتفي بأمر الله، ثم استوزره المقتفي سنة أربع وأربعين فدام وزيره، ثم وزير ولده المستنجد إلى أن مات.
وكان من خيار الوزراء دينا وصلاحًا ورأيًا وعقلا وتواضعًا لأهل العلم وبرًا بهم. سمع أبا عثمان بن ملة، وأبا القاسم بن الحصين، ومن بعدهما.
وكان يحضر مجلسه الأئمة والفقهاء، ويقرأ عنده الحديث على الرواة، ويجري من البحوث والفوائد عجائب. دخل عليه الحيص بيص مرة، فقال ابن هبيرة: قد نظمت بيتين تقدر أن تعززهما بثالث؟ فقال: وما هما؟ قال:
زار الخيال نجيلًا مثل مرسله فما شفاني منه الضم والقبل ما زارني قط إلا كي يوافقني على الرقاد فينفيه ويرتحل
فقال الحيص بيص من غير روية:
وما درى أن نومي حيلة نصبت لوصله حين أعيا اليقظة الحيل
ذكره أبو الفرج ابن الجوزي فقال: كان يجتهد في اتباع الصواب، ويحذر من الظلم، ولا يلبس الحرير. قال لي: لما رجعت من الحلة دخلت على المقتفي، فقال لي: ادخل هذا البيت وغير ثيابك. فدخلت فإذا خادم وفراش ومعهم خلعة حرير، فقلت: والله ما ألبسها. فخرج الخادم فأخبر المقتفي؛ فسمعت صوته يقول: قد والله قلت إنه ما يلبس. وكان المقتفي
معجبًا به. ولما استخلف المستنجد دخل عليه فقال له: يكفي في إخلاصي أني ما حابيتك في زمن أبيك. فقال: صدقت. قال: وقال مرجان الخادم: سمعت المستنجد بالله ينشد وزيره وقد مثل بين يديه في أثناء مفاوضة ترجع إلى تقرير قواعد الدين وإصلاح أمور المسلمين، فأعجب المستنجد به، فأنشده لنفسه:
ضفت نعمتان خصتاك وعمتا فذكرهما حتى القيامة يذكر وجودك والدنيا إليك فقيرة وجودك والمعروف في الناس ينكر فلو رام يا يحيى مكانك جعفر ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ مظفر إلا كنت أنت المظفر
قال ابن الجوزي: وكان مبالغا في تحصيل التعظيم للدولة، قامعًا للمخالفين بأنواع الحيل. حسم أمور السلاطين السلجوقية، وكان شحنةٌ قد آذاه في صباه؛ فلما وزر أحضره وأكرمه. وكان يتحدث بنعم الله، ويذكر في منصبه شدة فقره القديم. وقال: نزلت يومًا إلى دجلة وليس معي رغيف أعبر به. وكان يكثر مجالسة العلماء والفقراء، وكان يبذل لهم الأموال. فكانت السنة تدور وعليه ديون؛ وقال: ما وجبت علي زكاة قط. وكان إذا استفاد شيئًا قال: أفادنيه فلان. أفدته معنى حديث، فكان يقول: أفادنيه ابن الجوزي. فكنت أستحيي من الجماعة. وجعل لي مجلسًا في داره كل جمعة، ويأذن للعوام في الحضور. وكان بعض الفقراء يقرأ عنده كثيرًا، فأعجبه وقال لزوجته: أريد أزوجه بابنتي. فغضبت الأم من ذلك. وكان يقرأ عنده الحديث كل يوم بعد العصر، فحضر فقيه مالكي، فذكرت مسألة، فخالف فيها الجميع وأصر، فقال الوزير: أحمار أنت؟ أما ترى الكل يخالفونك؟! فلما كان في اليوم الثاني قال للجماعة: إنه جرى مني بالأمس على هذا الرجل ما لا يليق، فليقل لي كما قلت له، فما أنا إلا كأحدكم. فضج المجلس بالبكاء، واعتذر الفقيه وقال هو: أنا أولى بالاعتذار. وجعل يقول: القصاص القصاص، فلم يزل حتى قال يوسف الدمشقي: إذ أبى القصاص فالفداء، فقال الوزير: له حكمه. فقال الفقيه: نعمك علي كثيرة، فأي حكم بقي لي؟ قال: لا بد. قال: علي دين مائة
دينار. فقال: أعطوه مائة دينار لإبراء ذمته، ومائة لإبراء ذمتي. فأحضرت في الحال.
وما أحسن قول الحيص بيص في قصيدته في الوزير:
يهز حديث الجود ساكن عطفه كما هز شرب الحي صهباء قرقف إذا قيل عون الدين يحيى تألق الـ غمام وماس السمهري المثقف
قال: وكان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه، ويندم على ما دخل فيه. ولقد قال لي: كان عندنا بالقرية مسجد فيه نخلة تحمل ألف رطل، فحدثت نفسي أن أقيم في ذلك المسجد، وقلت لأخي محب الدين: أقعد أنا وأنت وحاصلها يكفينا. ثم انظر إلى ما صرت. ثم صار يسأل الله الشهادة ويتعرض لأسبابها. وفي ليلة ثالث عشر جمادى الأولى استيقظ وقت السحر فقاء، فحضر طبيبه ابن رشادة فسقاه شيئًا، فيقال إنه سمه، فمات وسقي الطبيب بعده بنصف سنة سمًا، فكان يقول: سقيت كما سقيت؛ فمات. ورأيت أنا وقت الفجر كأني في دار الوزير وهو جالس، فدخل رجل بيده حربة، فضربه بها، فخرج الدم كالفوارة، فالتفت فإذا خاتم ذهب، فأخذته وقلت: لمن أعطيه؟ أنتظر خادمًا يخرج فأسلمه إليه. فانتبهت فأخبرت من كان معي، فما استممت الحديث حتى جاء رجل فقال: مات الوزير. فقال واحد: هذا محال أنا فارقته في عافية أمس العصر. فنفذوا إلي، فقال لي ولده: لا بد أن تغسله. فغسلته، ورفعت يده ليدخل الماء في مغابنه، فسقط الخاتم من يده حيث رأيت ذلك الخاتم. ورأيت آثارًا بجسده ووجهه تدل على أنه مسموم. وحملت جنازته إلى جامع القصر، وخرج معه جمع لم نره لمخلوق قط، وكثر البكاء عليه لما كان يفعله من البر والعدل، ورثاه الشعراء.
قلت: وقد روي عن المقتفي تلك الأحاديث المقتفوية. سمعتها من الأبرقوهي، عن ابن الجواليقي، عنه.
وقد شرح صحيحي البخاري ومسلم في عدة مجلدات، وسماه كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح. وألف كتاب العبادات في مذهب أحمد، وأرجوزة في المقصور والممدود، وأخرى في علم الخط، واختصر إصلاح المنطق لابن السكيت.
وولي الوزارة بعده شرف الدين أبو جعفر أحمد ابن البلدي، فأخذ في تتبع آل هبيرة، فقبض على ولديه محمد وظفر ثم قتلهما.
وقال أبو المظفر: اضطر ورثة ابن هبيرة إلى بيع ثيابهم وأثاثهم، وبيعت كتب الوزير الموقوفة على مدرسته حتى أبيع كتاب البستان في الرقائق لأبي الليث السمرقندي بدانقين وحبة، وكان يساوي عشرة دنانير، فقال واحد: ما أرخص هذا البستان! فقال جمال الدين بن الحصين: لثقل ما عليه من الخراج. يشير إلى الوقفية. فأخذ وضرب وحبس.
373 -
يحيى بن محمد بن رزق
، أبو بكر الأندلسي.
قال ابن بشكوال: هو من أهل المرية. أخذ عن جماعة من شيوخنا وصحبنا عند بعضهم. وكان محدثًا حافظًا، متيقظًا، عارفًا بالحديث ورجاله، ثقة، دينًا.
وقد أخذ عنه. وتوفي بسبتة في شعبان، وكان مولده سنة ثلاث وخمس مائة.
ومن الذين كانوا في هذه الطبقة ولم أعرف وفياتهم
374 -
أحمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي
، القاضي أبو الخطاب الطبري، البخاري، العلامة.
أستاذ في علم الخلاف، قدوة في علم النظر؛ تفقه على والده، والإمام البرهان، وحدث عن أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الدقاق، وغيره. وكان مولده في سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
روى عنه أبو المظفر عبد الرحيم السمعاني، وقال: هو أستاذي في علم الخلاف.
375 -
أحمد بن الحسن بن سيد
، أبو العباس الجراوي، المالقي.
من كبار النحاة والأدباء بالأندلس. حدث عن أبي الحسن بن مغيث.
قال الأبار: توفي نحو الستين، ومن شعره:
وبين ضلوعي للصبابة لوعة بحكم الهوى تقضي علي ولا أقضي جنى ناظري منها على القلب ما جنى فيا من رأى بعضًا يعين على بعض
376 -
أحمد بن قسي، صاحب خلع النعلين من أهل الأندلس.
قال عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي: كان في أول أمره يدعي الولاية، وكان ذا حيل وشعبذة ومعرفة بالبلاغة. ثم قام بحصن مارتلة، ودعا إلى بيعته، ثم اختلف عليه أصحابه، ودسوا عليه من أخرجه من الحصن بحيلة حتى أسلموه إلى الموحدين، فأتوا به عبد المؤمن، فقال له: بلغني أنك دعيت إلى الهداية. فكان من جوابه أن قال: أليس الفجر فجرين: كاذب وصادق؟ قال: بلى. قال: فأنا كنت الفجر الكاذب، فضحك عبد المؤمن ثم عفا عنه. ولم يزل بحضرة عبد المؤمن حتى قتل. قتله صاحب له.
قلت: كان سيئ الاعتقاد، فلسفي التصوف، له في خلع النعلين أوابد ومصائب.
377 -
إبراهيم بن أحمد
، القاضي أبو إسحاق السلمي الغرناطي، ويعرف بابن صدقة.
روى ببلده عن أبي بكر بن غالب بن عطية، وغيره، وحج فسمع من أبي بكر الطرطوشي، وأبي الحسن ابن الفراء. روى عنه أبو القاسم بن سمجون.
قال الأبار: بقي إلى بعد الخمسين.
378 -
إبراهيم بن عطية بن علي بن طلحة
، أبو إسحاق البصري، الضرير، المقرئ، إمام الجامع.
شيخ صالح، ظريف، كثير المحفوظ، سمع من قاضي البصرة أبي عمر محمد بن أحمد النهاوندي. وأحسبه آخر من روى عنه. وسمع ببغداد من مالك البانياسي.
قال ابن الدبيثي: بقي إلى سنة إحدى وخمسين، وحدثنا عنه سعيد ابن محاوش، وأحمد بن مبشر المقرئ، وغيرهما.
379 -
إبراهيم بن محمد بن أحمد بن عقيل بن الأشعث
. الحكيم أبو إسحاق السمرقندي، المعروف جده بالدغوش.
ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، قال عبد الرحيم السمعاني: سمعت منه جزءًا من حديث قتيبة، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن حسن الصيرفي، قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين السمرقندي سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد الدزماري سنة اثنتين وسبعين، قال: حدثنا محمد بن الفضل البلخي، عنه.
380 -
أحمشاد بن عبد السلام بن محمود
، العلامة الواعظ، أبو المكارم الغزنوي، الحنفي.
أحد فحول الفضلاء والعلماء، بحر يتموج، وفجر يتبلج، وهمام فتاك، وحسام بتاك، وفقيه مدره، وفصيح مفوه، وواعظ مذكر. كان بأصبهان، ثم لحق بالعسكر، وولي أرانية وجنزة. ثم لما كان محمد شاه محاصرًا بغداد، ورد أبو
المكارم هذا من جهة إلدكز، وعبر إلى الجانب الشرقي، كأنه يؤدي رسالة واجتمع بالوزير ابن هبيرة وعاد، فاتهمه محمد شاه ونكبه. ثم عاد إلى جنزة، ومات بعد سنة اثنتين وخمسين وهو في الكهولة.
قال العماد في الخريدة: أنشدني لنفسه:
أمالك رقي ما لك اليوم رقة على صبوتي والحين من تبعاتها سألت حياتي إذ سألتك قبلة لي الربح فيها خذ حياتي وهاتها
381 -
إسماعيل بن علي بن بركات، أبو الفضل الغساني، الدمشقي، المقرئ، ويعرف بابن البجاوي.
من ذرية الإمام يحيى بن يحيى الغساني.
قرأ بالروايات على سبيع بن المسلم. وسمع من الشريف نسيب الدولة، وأبي طاهر الحنائي. وقدم بغداد سنة اثنتين وخمسين، فسمع ولده من أبي الوقت السجزي. ثم مات الولد.
قال ابن النجار: قرأ عليه شيخنا أحمد بن عبد الملك بن باتانة، وعبد الوهاب بن بزغش وأقرأ عنه. وكان عالمًا بالقراءات ووجوهها، صدوقًا، موثقًا.
382 -
أوحد الزمان الطبيب، واسمه هبة الله بن علي بن ملكا، أبو البركات البلدي.
وولد ببلد وسكن بغداد، وكان يهوديًا فأسلم في أواخر عمره، وخدم المستنجد بالله.
قال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة: تصانيفه في غاية الجودة، وكان له اهتمام بالغ في العلوم وفطرة فائقة. وكان مبدأ تعلمه الطب أن أبا الحسن سعيد بن هبة الله كان له تصانيف وتلامذة، ولم يكن يقرئ يهوديًا، وكان أوحد الزمان يشتهي الاجتماع به والتعلم منه، وثقل عليه بكل طريق فما مكنه، فكان يتخادم للبواب ويجلس في الدهليز، بحيث يسمع جميع ما يقرأ على أبي الحسن. فلما كان بعد سنة جرت مسألة وبحثوا فيها، فلم يتجه لهم عنها جوابًا، وبقوا متطلعين إلى حلها، فلما تحقق ذلك منهم أبو البركات، دخل وخدم الشيخ، وقال: يا سيدنا، بإذنك أتكلم في هذه المسألة؟ فقال: قل.
فأجاب بشيء من كلام جالينيوس، وقال: يا سيدنا، هذا جرى في اليوم الفلاني، في ميعاد فلان، وحفظته. فبقي الشيخ متعجبا من ذكائه وحرصه، واستخبره عن المكان الذي كان يجلس فيه، فأعلمه به فقال: من يكون بهذه المثابة ما نمنعه؟ وقربه وصار من أجل تلاميذه. وكان ببغداد مريض بالماليخوليا، بقي يعتقد أن على رأسه دنًا، وأنه لا يفارقه، وكان يتحايد السقوف القصيرة، ويطأطئ رأسه، فأحضره أبو البركات عنده، وأمر غلامه أن يرمي دنًا بقرب رأسه، وأن يضربه بخشبة يكسره، فزال ذلك الوهم عن الرجل وعوفي، واعتقد أنهم كسروا الدن الذي على رأسه. ومثل هذه المداواة بالأمور الوهمية معتبر عند الأطباء. وقد أضر أبو البركات في آخر عمره، وكان يملي على الجمال بن فضلان، وعلى ابن الدهان المنجم، وعلى يوسف والد عبد اللطيف، وعلى المهذب ابن النقاش كتاب المعتبر. وقيل: إن سبب إسلامه أنه دخل يومًا إلى الخليفة، فقام الحاضرون سوى قاضي القضاة، فلم يقم له لكونه يهوديًا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان القاضي لم يوافق الجماعة لكونه يرى أني على غير ملته، فأنا أسلم بين يدي أمير المؤمنين، ولا أتركه ينتقصني. وأسلم. خلف أوحد الزمان أبو البركات ثلاث بنات، وعاش نحو ثمانين سنة.
وحدثني نجم الدين عمر بن محمد ابن الكريدي قال: كان أوحد الزمان وأمين الدولة ابن التلميذ بينهما معاداة، وكان أوحد الزمان لما أسلم يتنصل من اليهود ويلعنهم، فحضر في مجمع فقال أوحد الزمان: لعن الله اليهود. فقال ابن التلميذ: نعم وأبناء اليهود. فوجم لها أوحد الزمان ولم يتكلم. وله كتاب المعتبر، وهو في نهاية الجودة في الحكمة التي هي دين الفلاسفة، ومقالة في سبب ظهور الكواكب ليلًا واختفائها نهارًا، واختصار التشريح، وكتاب أقرباذين، ومقالة في الدواء الذي ألفه وسماه برشعثا، ورسالة في العقل وماهيته وغير ذلك.
من تلامذته: المهذب بن هبل.
مات سنة أربع وتسعين وخمس مائة.
383 –
البديع الأصطرلابي
هو بديع الزمان أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي الطبيب الفيلسوف.
قال الموفق ابن أبي أصيبعة: كان من الحكماء الفضلاء والأدباء النبلاء، طبيب عالم، وفيلسوف متكلم، غلب عليه الحكمة وعلم الكلام والرياضي، وبرع في النجوم والأرصاد. وكان صديقا لأمين الدولة ابن التلميذ، واجتمع به بأصبهان في سنة عشر وخمس مائة. وكان أوحد عصره في عمل الإصطرلاب وإتقان صنعته، وله شعر كثير. وقد اختصر ديوان أبي عبد الله الحسين بن الحجاج وأسماه المعرب المحمودي؛ ألفه للسلطان محمود بن محمد ولابن القيسراني الشاعر؛ فيه:
أعرب الفضل من بديع الزمان عن معان عزت على اليونان ما تلاها لما تلاها ولكن فاتها حائزا خصال الرهان فأجابه البديع بأبيات منها:
أيها السيد الذي أطراني بمديح كالدر قد أطغاني والذي زاد في محلي وقدري وأذل الشاني بتعظيم شاني وترشحت للجواب فأعيا ني وانسل هاربا شيطاني مخبلا مختلا يقول اتق الـ له فما لي بما تروم يدان أتظن الوهاد مثل الروابي أم تخال الهجين مثل الهجان؟! فاكتنفني سرا فشعري يخطئ حين يبدو لناظر عورتان
384 -
الحسن بن أحمد بن محمد بن جعفر
، شرف القضاة أبو المعالي الكرخي الفقيه الشاهد.
خير متعبد، ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وسمع النعالي، والحسين ابن البسري. كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني، والمسعودي.
385 -
الحسن بن محمد بن الحسن
، أبو المعالي الوثابي، الأصبهاني، الفقيه.
سمع من طراد الزينبي، والرئيس أبي عبد الله الثقفي، وغيرهما. روى عنه
حفيده أبو الفتح محمد بن محمد بن أبي المعالي.
توفي قريبا من الستين وخمسمائة، وكان من أئمة الفتيا بأصبهان.
386 -
دري الظافري المصري الأمير
.
ولي إمرة الإسكندرية وإمرة دمياط، ثم تزهد، وأقبل على الاشتغال والتحصيل، فبرع في علوم الرافضة، وصنف التصانيف؛ من ذلك كتاب معالم الدين على قواعد الرافضة والمعتزلة، ينكر فيه الرؤية والقدر، وله مصنف في الفقه مشهور بين الرافضة لا بارك الله فيهم، وكان له منزلة عظيمة في دولة الباطنية، وفيه زهد وورع، وكان الصالح بن رزيك يحترمه ويكرمه.
387 -
رافع بن أبي سهل بن أبي سهل
، أبو محمد القصاب اللحام الهروي.
سمع من أبي عبد الله العميري.
قال ابن السمعاني: قيل: كان يشرب الخمر فأحضرناه وتوبناه، فتاب وبكى.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
388 -
رسلان بن يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله
، الجعبري الأصل، الدمشقي النشار الزاهد القدوة، رضي الله عنه.
قال شمس الدين الجزري: رسلان معناه بالتركي أسد، قال: وقال الشيخ نجم الدين محمد بن إسرائيل الشاعر: سمعت المشايخ الذين أدركتهم من أصحابه يقولون: إنه من قلعة جعبر من أولاد الأجناد، صحب شيخه أبا عامر المؤدب، وهو مقبور في القبة التي بظاهر باب توما، وتعرف بتربة الشيخ رسلان في القبر القبلي، والشيخ رضي الله عنه في الأوسط، والشيخ أبو المجد خادم الشيخ رسلان في القبر الثالث. وصحب أبو عامر الشيخ ياسين، وهو صحب الشيخ مسلمة، وهو صحب الشيخ عقيل، وهو صحب الشيخ علي بن عليم، وهو صحب الشيخ أبا سعيد أحمد بن عيسى الخزاز، وهو صحب السري السقطي.
قال: وكان الشيخ رسلان يعمل في صنعة النشر في الخشب، فذكروا عنه أنه بقي مدة عشرين سنة يأخذ ما يحصل له من أجرته ويعطيها لشيخه أبي عامر، وشيخه يطعمه، فتارة يجوع وتارة يشبع. وقيل عنه - وهو أشهر: إنه كان يقسم أجرته أثلاثا؛ ثلث ينفقه، وثلث يتصدق به، وثلث يكتسي به ولمصالحه. وكان أولا يتعبد بمسجد صغير داخل باب توما جوار بيته ودكان النشر، ثم انتقل إلى مسجد درب الحجر وقعد بالجانب الشرقي منه، وكان ينام هناك. وكان الشيخ أبو البيان في الجانب الغربي، وبقيا على ذلك زمانا يتعبدان، وكل واحد منهما بأصحابه في ناحية من المسجد. ثم خرج إلى ظاهر باب توما إلى مسجد خالد بن الوليد، وهو مكان خيمة خالد لما حاصر دمشق، وعبد الله فيه إلى أن توفي بعد الأربعين وخمسمائة.
وحكى الشيخ داود بن يحيى بن داود الحريري - وكان صدوقا - قال: حكى لي جماعة أن الشيخ رسلان لما شرع في بنيان المعبد، سير إليه الشيخ أبو البيان ذهبا مع بعض أصحابه حتى يصرفه في العمارة، فلما اجتمع به وعرض عليه الصرة قال الشيخ رسلان: ما يستحي شيخك يبعث لي هذا، وفي عباد الله من لو أشار إلى ما حوله لصار ذهبا وفضة! وأشار بيده، فرأى الرسول الطين ذهبا وفضة، وقال: عد إليه. فقال: والله ما بقيت أرجع، بل أكون في خدمتك إلى الموت. وانقطع عنده.
وقال الشيخ داود: كان الشيخ أحمد ابن الرفاعي قد دار النخيل الذي له، وعين على واحدة، وقال لأصحابه: إذا استوت هذه أهديناها للشيخ رسلان. فمر بها بعد مدة فوجد أكثر ما عليها قد راح، فسألهم فقالوا: لم يطلع إليها أحد، لكن في كل يوم يجيء إليها باز أشهب يأكل منها ولا يقرب غيرها، ثم يطير. فقال لهم: الباز الذي يجيء هو الشيخ رسلان، فلذلك يقال له: الباز الأشهب.
قال داود: لما احتضر الشيخ أبو عامر المؤدب سألوه أن يوصي إلى ولده عامر، فقال: عامر خراب، ورسلان عامر. فلما توفي قام الشيخ رسلان مقامه، ولم يجئ من عامر حاله.
قال شمس الدين ابن الجزري: صليت العصر في مسجد كان فيه الشيخ رسلان داخل باب توما، فقال لي يوسف المؤذن: يا سيدي، هذا البئر حفره
الشيخ رسلان بيده، وأهل هذه الناحية يشربون منه للبركة، ومن أوجعه جوفه أو حصل له ألم يشرب منه فيعافى بإذن الله، وقد جربه جماعة، ثم أراني طبقة وقال: هذا بيت الشيخ رسلان، وإلى جانب الطبقة دكان حياكة، فقال: في هذا المكان كان يعمل بالمنشار، وهنا كلمه المنشار مرتين، وفي الثالثة كلمه وتقطع ثلاث قطع، وقال: يا رسلان، ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت. فترك العمل وجلس في هذا المعبد؛ وهو مسجد صغير. وعاد نور الدين الشهيد اشترى دارا مجاورة للمسجد وكبر وبنى له منارة ووقف عليه.
قال: وحكى لي الشيخ يوسف المؤذن عن الشرف الحصري أن نور الدين الشهيد سير إلى الشيخ رسلان ألف دينار مع مملوك، وقال: إن أخذها منك فأنت حر لوجه الله. فجاء بها إليه وهو يبني المعبد الذي بظاهر دمشق، فقال له: ما يستحي محمود يبعث هذه، وفي عباد الله من لو شاء لجعل ما حوله ذهبا وفضة! فرأى المملوك الحيطان والطين ذهبا وفضة، فتحير وقال: يا سيدي، قد جعل عتقي على قبولك هذا الذهب. فأخذها وصرفها في الحال على المساكين والأرامل والأيتام، ففرقت بحضور المملوك.
وذكر أيضا أن الشيخ رسلان أعطى نور الدين من المنشار الذي كلمه وتقطع قطعة، قال: فأوصى نور الدين لأصحابه وأهله إذا مات أن يضعوها في كفنه.
قلت: والشيخ علي الحريري صحب المغربل صاحب الشيخ رسلان، ويقال: إن هذه القبة بناها الشيخ رسلان على شيخه أبي عامر لما أعطاه بعض التجار مبلغا من المال، فالله أعلم.
ومناقب الشيخ رسلان كثيرة، اقتصرنا منها على هذا، فرحمه الله ورضي عنه، وكان عريا من العلم بخلاف الشيخ أبي البيان.
389 -
ريحان الحبشي
، أبو محمد الزاهد الشيعي.
كان بالديار المصرية بعد الخمسين، وكان من فقهاء الإمامية الكبار، قال ابن أبي طيئ في تاريخه: كان مقيما بالقاهرة، وكان مولى الأمير سديد الدولة ظفر المصري. تفقه على الشيخ الفقيه علي بن عبد الله بن عبد العزيز بن كامل الفقيه المصري، وعليه تخرج، وقرأ عليه في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
كتاب النهاية، وروى عن ريحان سديد الدين شاذان بن جبريل القمي، وحكى لي أبي مذاكرة قال: كان الفقيه ريحان من أحفظ الناس، كان يكرر على النهاية والمقنعة والذخيرة، وقال: ما حفظت شيئا فنسيته. وحدثني أبي عن القاضي الأسعد محمد بن علي المصري قال: كان الفقيه ريحان يصوم جميع الأيام المندوب إلى صومها، وكان لا يأكل إلا من طعام يعلم أصله، وكان إذا قدمت الغلال التقط من الطرقات حبات من الشعير والقمح فيتقوت به، وكان يؤجر نفسه إذا احتاج، وكان لا يصلي النوافل مقابل أحد ويقول: أخاف الرياء. وكان إذا علم أحدا يحب العلم قصده في بيته وعلمه، ولا يأكل له شيئا، وإذا علم أن الطالب محتاج دخل به على الصالح بن رزيك وسلم، فيعلم ابن رزيك أنه جاء في مثوبة، فيقوم لذلك الرجل بجميع ما يحتاج إليه. وكان لا يطأ له على بساط، ولا يزيده أكثر من السلام في باب داره، وكان ابن رزيك يبجله ويعظمه، ويقول: يقولون ما ساد من بني حام إلا اثنان: لقمان وبلال، وأنا أقول: ريحان ثالثهم.
وقيل: إن ريحان هذا منذ تفقه ما نام إلا جالسا، ولا جلس قط إلا على وضوء، وأنه ما ذكر النار إلا وأخذه دمع منها، وكان سريع الدمعة كثير الحب لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، خفيف الرفض.
390 -
زليخا بنت أحمد بن محمد بن فضلوية الأصبهانية
.
سمعت من رزق الله التميمي. روى عنها شيبان بن الحسن الكيمختي، وعمر بن أبي الجيش القصاب؛ شيخا ابن النجار.
391 -
سعيد بن الحسن بن محمد بن سورة
، أبو محمد التميمي، النيسابوري الدلال.
سمع عبد الله بن الحسين الوراق، ونصر الله بن أحمد الخشنامي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني جزء الذهلي.
392 -
شهاب بن سيار بن صاعد بن سيار بن يحيى الكناني
، القاضي أبو محفوظ الهروي، أخو القاضي أبي الفتح نصر بن سيار.
كان يؤثر الانفراد والعزلة، سمع من جده، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
393 -
عبد الله بن طاهر بن علي بن محمد بن علي بن فارس
، أبو المظفر بن أبي المعالي البغدادي الخياط التاجر.
خرج عن بغداد قديما ودخل خراسان والهند، وسكن لوهور وولد له بها، ثم كان يتردد إليها. وحدث عن ثابت بن بندار، وجعفر السراج، والحسين ابن البسري، وأبي بكر الطريثيثي، وأبي غالب الباقلاني، وغانم البرجي، وأبي علي الحداد، وأبي بكر الشيرويي.
قال ابن السمعاني: هو شيخ عالم فاضل، حسن السيرة متواضع، له أنسة بالحديث، يحفظ الأجزاء والكتب التي سمعها والطرق وأسماء شيوخه، وكان ثقة مكثرا، حدث بمرو وبلخ.
روى عنه ابن السمعاني وابنه عبد الرحيم، وولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
394 -
عبد الله بن محمد بن المظفر بن المتولي
، أبو محمد البغوي البناء الفقيه.
قال ابن السمعاني: ولد ببغشور سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وكان فقيها مفتيا ذكيا، تفقه على محيي السنة أبي محمد البغوي، وولي قضاء بغشور مدة، وسمع بنيسابور العباس بن أحمد الشقاني وأبا بكر الشيرويي وجماعة.
روى عنه أبو المظفر عبد الرحيم.
395 -
عبد الرحمن بن أبي نصر بن محمد بن أبي نصر
، أبو أحمد البغوي، شيخ الصوفية ببغداد.
شيخ صالح جواد سخي، يخدم الفقراء. سمع عمر بن أحمد بن محمد البغوي.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني وقال: ولد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
396 -
عبد الرشيد بن أبي حنيفة النعمان بن عبد الرزاق بن عبد الملك
، الإمام أبو الفتح الولوالجي.
إمام فاضل، حسن السيرة. سمع ببلخ أحمد بن محمد الخليلي ومحمد بن الحسين السمنجاني، وببخارى أبا بكر محمد بن الحسين النسفي وأحمد بن أبي سهل وأبا المعين المكحولي واسمه ميمون، وبسمرقند محمد بن محمد بن أيوب القطواني.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: لقيته بقطوان وسمعت منه، ومولده بولوالج سنة سبع وستين وأربعمائة.
397 -
عبد الصمد بن أبي منصور محمد بن عبد الله بن عبد الواحد ابن مندوية
، أبو القاسم الأصبهاني الضرير.
سمع أباه، وأبا بكر بن ماجة، ورزق الله. وعنه السمعاني، وقال: كان حيا في سنة خمس وأربعين.
398 -
عبد العزيز بن عبد الجبار بن ناصر
، أبو الفتح الهروي القواس.
شيخ صالح مستور، سمع أبا عبد الله العميري، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني وغيره.
399 -
عبد العزيز بن عبد العزيز بن محمد بن شداد
، أبو بكر المعافري الأندلسي الشوذري، وشوذر من عمل جيان.
أخذ عن شريح بن محمد، وأبي بكر ابن العربي، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وجماعة. وكان أديبا كاتبا بليغا مفوها شاعرا.
قال الأبار: توفي في حدود الستين وخمسمائة.
400 -
عبد الكريم بن علي بن الحسن
، الرئيس أبو الفتح العلوي النيسابوري.
شيخ عالم عابد، راغب في الخير، عفيف. سمع إسماعيل بن زاهر
النوقاني، وأبا عدي محمد بن علي الأبيوردي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
401 -
عبد الواحد بن أبي طاهر محمد بن عبد الواحد
، أبو القاسم الأصبهاني الشرابي الخباز النشاستجي.
سمع رزق الله التميمي وغيره، وأجاز لابن اللتي في سنة تسع وخمسين.
402 -
عبد الوهاب بن محمد بن أحمد
، أبو علي الهروي النباذاني، ونباذان من قرى هراة، وهو أخو أمة الله وأمة الرحمن.
شيخ مستور، سمع نجيب بن ميمون الواسطي، روى عنه عبد الرحيم.
403 -
عبد الوهاب بن هبة الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي
، أبو الفضل البغدادي.
تاجر متميز، صاحب صدقات وديانة. سمع أخاه أحمد، وأبا الحسن العلاف، وابن بدران الحلواني. وحدث بسمرقند بمقامات الحريري بسماعه بقوله من مصنفها، سمعها عنه عبد الرحيم.
404 -
عتيق بن علي بن منصور
، الإمام أبو بكر المروزي الغازي المقرئ.
فقيه فاضل، مقرئ كامل، ورع قانع، مقل، له تصانيف في القراءات والحساب ومنازل القمر. سمع أبا المظفر منصور ابن السمعاني، وأبا الفتح عبيد الله الهشامي، وغير واحد. روى عنه ابن السمعاني، وولده عبد الرحيم.
405 –
عثمان بن عطاء ملك بن عبد الجبار بن أبي طاهر
، أبو المعالي السمرقندي الخطيب النحوي.
سمع أباه، وأبا بكر محمد بن أحمد البلدي، وأبا القاسم عبيد الله الكشاني، وأبا الحسن الخراط. روى عنه عبد الرحيم.
406 -
عثمان بن علي بن عثمان
، أبو عمرو ابن الإمام الأندلسي الشلبي، نزيل إشبيلية.
سمع من أبي بكر محمد بن إبراهيم العامري، وأبي عبد الله بن مكي، وأبي بكر ابن العربي، وجماعة. وكان أديبا بارعا، بليغ القلم واللسان، كاتبا كاملا، وشاعرا محسنا، له مصنف في شعراء عصره.
توفي بعد الخمسين.
407 -
علي بن طويل بن أحمد بن طويل
، الشيخ أبو الحسن بن بيضاء القيسي الفاسي.
من ذوي الهمة والشارة والصيانة، تفقه وبرع؛ قرأ الملخص في سنة خمس وتسعين على محمد بن علي الأزدي، وسمع بالأندلس من عبد الله بن أبي جعفر وغيره. حدث عنه ولده أبو الحسين يحيى، ومحمد بن وساخة القروي.
قال ابن فرتون: مات في عشر الستين وخمسمائة.
408 -
علي بن محمد بن حمزة بن محمد بن حمزة
، أبو الحسن الأصبهاني الفلكي الخطاط.
شيخ صالح متميز، سمع الحلية ومسند أحمد من أبي علي الحداد.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه جميع حلية الأولياء بسمرقند، وولد في حدود تسعين وأربعمائة.
409 -
عمر بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن أحمد
، أبو حفص البزدوي السنجي الصابوني، أخو محمد.
سكن بخارى، وسمع أبا محمد عبد الواحد الزبيري الوركي، وأبا صادق أحمد بن حسين، وأبا اليسر محمد بن محمد البزدوي. وولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، وغيرهما.
410 -
عمر بن الفضل بن أحمد
، أبو الوفاء ابن المميز الأصبهاني.
شيخ صالح سديد، سمع بإفادة أخيه أحمد من رزق الله التميمي وغيره، وعمر حتى حدث بالكثير، روى عنه أبو سعد السمعاني وغيره.
411 -
القاسم بن محمد بن مبارك
، أبو محمد ابن الحاج الأموي الزقاق.
أخذ القراءات بالأندلس عن شريح بن محمد، ومنصور بن الخير. وروى عن أبي عبد الله الخولاني، وجماعة. ونزل مدينة فاس، وتصدر للإقراء، وأخذ الناس عنه؛ أخذ عنه ابن خروف، وهذيل بن محمد، وأبو الصبر أيوب بن عبد الله. وتوفي بسلا في حدود الستين وخمسمائة.
412 -
قتيبة بن سعيد بن الفضل
، أبو بكر العراقي المفتاحي التاجر.
رجل خير من أهل نيسابور، سمع أبا الحسن علي بن أحمد المديني وغيره، روى عنه عبد الرحيم السمعاني.
413 -
قتيبة بن سعيد الأصبهاني المغازلي
.
سمع رزق الله التميمي وغيره، روى عنه شيوخ ابن النجار: محمد بن محمد بن أبي بكر، وعمر بن أبي الجيش القصاب، وأبو بكر شيبان بن الحسن الكيمختي؛ الأصبهانيون، وغيرهم.
414 -
قراطاس بن طنطاش
، أبو صالح الظفري البغدادي.
شيخ صعلوك، وهو رأس طبقة البغداديين في لعب الشطرنج. سمع أبا الحسين ابن الطيوري، وهبة الله الموصلي، وابن بيان.
كتب عنه أبو سعد السمعاني، وقال له: إنه ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
415 -
لوط بن علي بن محمد بن عمر
، أبو مطيع الباغبان الخباز.
شيخ صالح، سمع أبا مطيع وغيره، وأجاز من أصبهان لعبد الرحيم ابن السمعاني.
416 -
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن
، أبو عبد الله ابن الصيقل الفهري المرسي، الملقب أبا هريرة لعنايته بالآثار.
سمع أبا محمد بن أبي جعفر، وأبا الوليد ابن الدباغ، وأجاز له جماعة. روى عنه أبو بكر بن سفيان وغيره.
417 -
محمد بن إبراهيم ابن المنخل
، أبو بكر المهري الأديب الشلبي.
أحد الشعراء المجودين، كان يعرف علم الكلام، روى عنه من ديوانه عبد الله بن أحمد الشلبي، فمن شعره:
مضت لي ست بعد سبعين حجة ولي حركات بعدها وسكون فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى يكون الذي لا بد أن سيكون
418 -
محمد بن الحسن بن محمود
، أبو جعفر المروزي البيع.
كان صاحب أموال كثيرة ذهبت في نهب مرو وفي المصادرة، وكان دينا خيرا، سمع ببغداد من أبي القاسم بن بيان، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني وقال: قال: وزنت لابن بيان دينارا أحمر حتى سمعت منه؛ يعني جزء ابن عرفة. ولد سنة أربع وثمانين.
419 -
محمد بن عبد الحق بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحق
، أبو عبد الله الخزرجي القرطبي.
سمع أبا عبد الله محمد بن الفرج مولى ابن الطلاع وأكثر عنه، وعني بالفقه، وطال عمره وعلا سنده، وسمع في الكهولة من أبي محمد بن عتاب وغيره، روى عنه ابنه القاضي أبو محمد عبد الحق وغيره، وآخر من روى عنه أبو القاسم أحمد بن بقي؛ سمع منه الموطأ وأجاز له، وتوفي قريبا من سنة ستين وخمسمائة.
وقد أجاز لنا عبد الله بن هارون الطائي سنة سبعمائة من المغرب، قال: حدثنا أحمد بن بقي بالموطأ قال: أخبرنا محمد بن عبد الحق قال: أخبرنا ابن الطلاع. وهذا أعلى ما يوجد من الروايات بالمغرب.
420 -
محمد بن عبد الحميد بن الحسين
، العلامة أبو الفتح الأسمندي السمرقندي.
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسمع الحديث من علي بن عثمان الخراط. وأسمند: من قرى سمرقند.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: كان إماما مناظرا، له الباع الطويل في علم الجدل، وصنف التصانيف في علم الخلاف، وشاعت تصانيفه في البلدان.
421 -
محمد بن علي بن عبد الله بن أحمد بن حمدان
، أبو سعيد وأبو عبد الله الجاواني الحلوي العراقي، وجاوان: قبيلة من الأكراد سكنوا الحلة.
قدم بغداد في الصبى، وتفقه بها على أبي حامد الغزالي وإلكيا الهراسي حتى برع وتميز. وسمع من الحميدي، وأبي سعد عبد الواحد ابن القشيري، وأبي بكر محمد بن المظفر الشامي القاضي، وجماعة. وقرأ المقامات على الحريري، وكان إماما مناظرا، شرح كتاب المقامات، وله كتاب عيوب الشعر وكتاب الفرق بين الراء والغين. وحدث بإربل والموصل، وسكن البوازيج، وحدث ببغداد قديما بكتاب إلجام العوام للغزالي.
وحدث عنه قاضي أسيوط أبو البركات محمد بن علي الأنصاري، وقال: أخبرنا شيخنا الإمام رضي الدين الجاواني بالموصل في رجب سنة تسع وخمسين وخمسمائة قال: أخبرنا أبو سعد القشيري قراءة عليه ببغداد.
وقال ابن النجار: أخبرنا شهاب المزكي قال: أخبرنا أبو سعد ابن السمعاني قال: أنشدني أبو الفوارس الحسن بن عبد الله بن شافع الدمشقي بمرو قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن علي العراقي لنفسه بإربل:
دعاني من ملامكما دعاني فداعي الحب للبلوى دعاني أجاب له الفؤاد ونوم عيني وسارا في الرفاق وودعاني فطرفي ساهر في طول ليلي وقلبي في يد الأشواق عاني فكيف يصيخ للعذال سمعي ولا عقلي لدي ولا جناني؟ وقد قرأ عليه أبو سعد أحمد بن إبراهيم المؤدب مقامات الحريري بإربل في سنة إحدى وخمسين، وبقي إلى قريب الستين، وعاش ثنتين وتسعين سنة.
422 -
محمد بن علي بن محمد بن أبي العاص النفزي
، الأستاذ أبو عبد الله الشاطبي، ويعرف ببلده بابن اللايه؛ بتفخيم اللام، وضم الياء بعدها، ثم هاء ساكنة. المقرئ الضرير.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله محمد ابن غلام الفرس الداني، وتصدر للإقراء مدة؛ أخذ عنه القراءات أبو القاسم الرعيني الشاطبي، وأبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة، والقاضي أبو بكر بن مفوز مع تقدمه. وكان موصوفا بالإتقان والديانة.
قال شيخنا أبو حيان: كان حيا في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو والد المقرئ أبي جعفر أحمد بن محمد، وهو الذي خلف أباه أبا عبد الله في الإقراء.
423 -
محمد بن عمر بن محمد بن العباس بن علي
، الأديب أبو الفضل القرشي المخزومي الخالدي، الإشتيخني السغدي، السمرقندي.
كان أديبا، نحويا بارعا، صالحا خيرا، سريع الدمعة، كتب بنفسه أمالي أئمة سمرقند، واختص بالإمام مسعود بن الحسين الكشاني وعليه تفقه، وسمع منه ومن علي بن عثمان الخراط، ومحمود بن مسعود الشعيبي، وجماعة كبيرة. وكان مولده بإشتيخن في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ومات الخراط في سنة عشر، ومات الشعيبي سنة أربع عشرة.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
424 -
محمد بن أبي القاسم بن محمد الأصبهاني
.
روى جزء لوين عن أبي عيسى بن زياد، وعن أبي بكر بن ماجه الأبهري. روى عنه جامع بن إسماعيل - عرف بباله - والأمير أبو المعالي، وابنه غانم بن أبي المعالي بن حيدر الحسيني، ومحمد بن أبي الفتوح السوذرجاني، ومحمد بن أميرك بن حسين الصيرفي، والوجيه محمد بن أبي رشيد بن عبد المطلب الضراب البصري، ومحمد بن محمد بن أبي نصر البقال، وسفيان بن إبراهيم بن منده، وآخرون.
وكان أديبا نبيلا، كنيته أبو بكر الصالحاني.
425 -
محمد بن الفضل بن محمد بن منصور
، العلامة أبو طاهر البرجي الأصبهاني العروضي.
إمام مناظر فحل، صاحب فنون. سمع أبا المطيع المصري، ومكي بن منصور الكرجي، وجماعة.
عظمه السمعاني وأخذ عنه ببلخ وببخارى في سنة إحدى وخمسين، ثم دخل بلاد الترك.
426 -
محمد بن المجلى ابن الصائغ
، أبو المؤيد الجزري الطبيب، المعروف بالعنتري.
عرف بذلك لأنه كان في أول أمره يكتب سيرة عنترة العبسي.
قال ابن أبي أصيبعة: كان طبيبا مشهورا، وعالما مذكورا، حسن المعالجة والتدبير فيلسوفا، متميزا في علم الأدب، شاعرا. روى السديد محمود بن عمر بن زقيقة الطبيب عن الحكيم مؤيد الدين ابن العنتري، عن أبيه، له هذه الأبيات:
احفظ بني وصيتي واعمل بها فالطب مجموع بنص كلامي قدم على طب المريض عناية في حفظ قوته مع الأيام بالشبه تحفظ صحة موجودة والضد فيه شفاء كل سقام أقلل نكاحك ما استطعت فإنه ماء الحياة يراق في الأرحام واجعل طعامك كل يوم مرة واحذر طعاما قبل هضم طعام لا تحقر المرض اليسير فإنه كالنار تصبح وهي ذات ضرام لا تهجرن القيء واهجر كلما كيموسه سبب إلى الأسقام إن الحمى عون الطبيعة مسعد شاف من الأمراض والآلام لا تشربن بعقب أكل عاجلا أو تأكلن بعقب شرب مدام إياك تلزم أكل شيء واحد فيقود طبعك للأذى بزمام
في أبيات أخر؛ وهي تنسب أيضا إلى الرئيس ابن سينا، وتنسب إلى المختار بن بطلان.
قال ابن أبي أصيبعة: والصحيح أنها للعنتري.
وله:
من لزم الصمت اكتسى هيبة تخفي عن الناس مساويه لسان من يعقل في قلبه وقلب من يجهل في فيه وله:
جردته الحمام من كل ثوب وأرتني منه الذي كان قصدي بدنا كالصباح من تحت ليل حالك اللون أسود غير جعد سكب الماء فوق جسم حكى الفضة حتى اكتسى غلالة ورد وله من المصنفات كتاب الحماية في الطبيعي والإلهي، وكتاب الأقراباذين وهو كبير مفيد، وكتاب رسالة الشعرى اليمانية إلى الشعرى الشمالية، كتبها إلى عرفة النحوي بدمشق، ورسالة يهنئ بها الوزير مروان الذي وزر بعده أتابك زنكي بن آقسنقر، ورسالة الفرق ما بين الدهر والزمان، والكفر والإيمان، ورسالة العشق الإلهي والطبيعي، وكتاب النور المجتنى في المحاضرة.
427 -
محمد بن الفضل بن إسماعيل بن الفضل
، أبو الفضل بن كاهويه التميمي الأصبهاني الكاتب.
ولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وسمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وابن ملة، وخلقا كثيرا بأصبهان وبغداد وخراسان. وخرج لنفسه معجما، وكان كاتبا بليغا ناظما ناثرا مرضي الأخلاق. روى اليسير، وخرج من بغداد سنة تسع وأربعين، وأحسبه توفي بعد الخمسين.
428 -
السجاوندي
، أحد القراء، هو أبو عبد الله محمد بن طيفور الغزنوي السجاوندي المقرئ المفسر النحوي.
له تفسير حسن للقرآن، وكتاب علل القراءات في عدة مجلدات،
وكتاب الوقف والابتداء في مجلد كبير يدل على تبحره. ولم يبلغني على من قرأ، ولا من أخذ عنه.
ذكره القفطي مختصرا وقال: كان في وسط المائة السادسة، رحمه الله.
429 –
المبارك بن هبة الله بن علي
، أبو المعالي ابن العقاد البغدادي المؤدب.
سمع أبا الحسن الأنباري الخطيب، وأبا عبد الله النعالي. وعنه السمعاني، والمسعودي، وغيرهما.
قال أبو سعد السمعاني: كان صالحا خيرا، من أولاد المحدثين، ولد سنة ثمان أو تسع وستين وأربعمائة.
قلت: وبقي إلى سنة أربع وخمسين.
430 -
محمود بن أحمد بن الفرج بن عبد العزيز
، أبو المحامد الساغرجي السغدي السمرقندي، المعروف بشيخ الإسلام.
قال ابن السمعاني: إمام فاضل بارع، مبرز في أنواع الفضل والتفسير والحديث والأصول والخلاف والوعظ، ومع اجتماع هذه الفضائل هو حسن السيرة، سليم الباطن كثير الخير والعبادة، تارك لما لا يعنيه. ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وقال لي: أول ما كتبت الحديث عن شيخ والدي الإمام يوسف بن صالح الخطيبي سنة إحدى وتسعين. وسمع بسمرقند من الحسن بن عطاء السغدي وأبي إبراهيم إسحاق بن محمد النوحي، وببخارى أبا المعين ميمون المكحولي وعلي بن أحمد الكلابادي والبرهان عبد العزيز بن عمر ابن مازة. قرأت عليه تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، عن النوحي، عن سبط الترمذي، عنه من أوله إلى باب الورع. كتبت عنه بسمرقند، وحج سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
قلت: روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
431 -
محمود بن علي بن نصر بن أبي يعمر
، الأديب أبو القاسم النسفي، نزيل سمرقند.
نحوي لغوي فاضل، كان يعلم أولاد الخاقان، وكان خيرا صالحا صدوقا. سمع أبا بكر محمد بن أحمد البلدي، وعبد الله بن أبي جعفر النسفي، وعلي بن عثمان الخراط، وغيرهم.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه أخبار مكة للأزرقي؛ قال: أخبرنا البلدي قال: أخبرنا معتمد بن محمد بن محمد النسفي قال: أخبرنا هارون بن أحمد الإستراباذي، عن إسحاق بن أحمد الخزاعي، عن أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفي سنة نيف وخمسين.
432 -
محمود بن محمد بن عبد الرحمن
، أبو القاسم المروزي التاجر السفار.
سمع أبا المظفر منصورا السمعاني، وعبد الغفار الشيرويي.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه بمرو وسمرقند، وولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
433 -
مسعود بن محمد بن سعيد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود
، أبو الفتح المسعودي المروزي، الخطيب بجامع مرو القديم.
ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وسمع الإمام أبا المظفر السمعاني، ومحمد بن الحسين الخزاعي، وأبا المظفر سليمان بن محمد الصيدلاني.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
434 -
مصعب بن محمد بن أحمد بن القاسم
، أبو الفرج البغدادي الخشاب.
سمع أبا عبد الله ابن البسري، وأبا القاسم الربعي. روى عنه عبد العزيز بن الأخضر.
435 -
نصر بن علي بن عيسى بن مختار
، أبو عمر الغافقي الأندلسي الشقوري.
سمع جامع الترمذي من أبي علي بن سكرة، وأجاز له من خراسان أبو عبد الله الفراوي وغيره، ولي قضاء شقورة. روى عنه ابن أخيه محمد بن عبد العزيز، وسبطه نصر بن عبد الله؛ بقي سبطه إلى بعد العشرين وستمائة.
• - هبة الله، هو أوحد الزمان الطبيب، قد تقدم ذكره.
436 -
الوليد بن الموفق
، مولى ابن جديع الأزدي الجياني، أبو الحسن، من أهل وادي آش.
حج وسمع من أبي عبد الله الرازي، وأبي بكر الطرطوشي. وسمع تجريد الصحاح من رزين العبدري وأدخله الأندلس. روى عنه أبو خالد المرواني، وأبو عبد الله المكناسي، وأبو خالد بن رفاعة.
وكان صالحا ذا مشاركة في الفقه والأصول، ونيف على الثمانين. أجاز لأبي محمد بن سفيان في سنة خمسين وخمسمائة.
437 -
يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن رافع
، أبو اليمن ابن تاج القراء الطوسي، أخو أبي الحسن علي.
سمع من مالك البانياسي، ورزق الله بن عبد الوهاب. وكان مولده في سنة سبع وسبعين.
438 -
يحيى بن عبد الملك بن أحمد بن شعيب
، أبو زكريا السدري الكافوري.
ولد بحلب سنة ست وسبعين وأربعمائة، ونشأ ببغداد، وصحب الشيخ حمادا الدباس وجمع كلامه بعد وفاته. وسمع الحديث من أبي الحسين ابن الطيوري، والحسن بن محمد بن عبد العزيز التككي.
قال ابن السمعاني: شيخ صالح دين، مشتغل بما يعنيه، له سكون وحياء ووقار، كتبت عنه أحاديث.
439 -
يوسف بن آدم بن محمد بن آدم
، أبو يعقوب، المراغي ثم الدمشقي، المحدث.
شيخ سني خير، له معرفة قليلة، رحل وسمع من أبي الفضل محمد بن ناصر وجماعة، وحدث بصحيح مسلم عن أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي. وحدث بدمشق وبغداد ونصيبين، ونسخ الكثير، وكان مولده في سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
روى عنه عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر، والشيخ أحمد والد الشيخ الموفق، وأبو الخير سلامة الحداد، والفقيه هلال بن محفوظ الرسعني، وغيرهم.
وفي سنة نيف وخمسين ضرب السيف البلخي الواعظ أنف يوسف بن آدم بدمشق فأدماه، فأخرج الملك نور الدين يوسف منفيا من دمشق، ونفي إلى حدود الستين، وانقطع خبره.
قال ابن النجار: حدث بصحيح مسلم، سمعه منه شيخنا عبد الرزاق الجيلي، ومحمد بن مشق. وكان كثير الشغب، مثيرا للفتن بين الطوائف.
وقال أبو الحسن القطيعي: كان إذا بلغه أن قاضيا أشعريا عقد نكاحا فسخ نكاحه، وأفتى أن الطلاق لا يقع في ذلك النكاح، فأثار بذلك فتنا، فأخرجه صاحب دمشق منها فسكن حران، ثم ملكها نور الدين، فطلب منه أن يعود ليرى أمه بدمشق، فأذن له بشرط أن لا يدخل البلد، فجاء ونزل كهف آدم فخرجت أمه إليه، ثم دخل دمشق يوم جمعة فخاف الوالي من فتنه، فأمره بالعود إلى حران فعاد إليها، لقيته بها وكتبت عنه، وبها مات في قرب ربيع الأول سنة تسع وستين.
(آخر الطبقة والحمد لله)
الطبقة السابعة والخمسون
561 -
570
بسم الله الرحمن الرحيم
(الحوادث)
سنة إحدى وستين وخمسمائة
ظهر في أيام عاشوراء من الرفض ببغداد أمر عظيم حتى سبوا الصحابة، وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحلا ضربوه.
ووقع الرخص حتى أبيعت كارة الدقيق بعشرة قراريط، قال ابن الجوزي: وقد اشتريتها في زمن المسترشد باثني عشر دينارا.
وفيها هاجت الكرج على بلاد الإسلام وقتلوا وسبوا، وغنموا ما لا يحصى.
وفيها افتتح نور الدين حصن المنيطرة.
سنة اثنتين وستين وخمسمائة
وقع الإرجاف بمجيء شملة التركماني إلى قلعة الماهكي، وبعث يطلب ويتنطع، فامتنع الخليفة أن يعطيه ما طلب من البلاد، وبعث لحربه أكثر عسكر بغداد.
وقدم الركب، وأخبروا بالأمن والرخص والمياه، وأنهم نقضوا القبة التي بنيت بمكة للمصريين.
وفيها قدم قطب الدين من الموصل للغزو مع عمه نور الدين، فاجتمعا على حمص، وسارا بالجيوش، فأغاروا على بلاد حصن الأكراد، وحاصروا عرقة، وحاصروا حلبة وأخذوها، وأخذوا العريمة وصافيتا، ثم صاموا رمضان بحمص، وساروا إلى بانياس، فنازلوا حصن هونين وأحرقوه. وعزم نور الدين على منازلة بيروت، فوقع خلف في العسكر، فعاد قطب الدين إلى الموصل وأعطاه أخوه بلد الرقة.
وفيها قال أبو المظفر الجوزي: احترقت اللبادين وباب الساعات بدمشق حريقا عظيما صار تاريخا؛ رقد طباخ هريسة على القدر ونام، فاحترقت دكانه، ولعبت النار في اللبادين، وتعدت إلى دور كثيرة، ونهبت أموال عظيمة، وأقامت النار تلعب أياما.
وفيها كان مسير أسد الدين شيركوه المسير الثاني إلى مصر، جهزه السلطان نور الدين بمعظم جيوشه، وقيل: بل جهز معه ألفي فارس، فنزل بالجيزة محاصرا لمصر مدة نيف وخمسين يوما، فاستنجد شاور بالفرنج فدخلوا مصر من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدين من بين أيديهم، وتقدم عن منزلته، ثم وقع بينه وبين المصريين حرب على قلة عسكره وكثرة عدوه، فانتصر فيها أسد الدين، وقتل من الفرنج ألوفا وأسر منهم سبعين فارسا.
قال ابن الأثير: كانت هذه الوقعة من أعجب ما يؤرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج الساحلية.
قلت: صدق والله ابن الأثير، وهذه تسمى وقعة البابين، وهو موضع بالصعيد، أدركته فيه الفرنج والمصريون في جمادى الآخرة من السنة، فعمل مشورة فأشاروا بالتعدية إلى الجانب الشرقي والرجوع إلى الشام، وقالوا: إن انهزمنا إلى أين نلتجئ؟ فقال بزغش النوري صاحب الشقيف: من خاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ليأخذن إقطاعنا ويطردنا. فقال أسد الدين: هذا رأيي. وقال صلاح الدين كذلك، فوافق الأمراء، وتعبوا للملتقى، وجعلوا الثقل في القلب حفظا له وتكثيرا للسواد، وأقيم صلاح الدين في القلب، وقال له عمه أسد الدين: إذا حملوا على القلب فلا تصدقوهم القتال وتقهقروا، فإن ردوا عنكم فارجعوا في أعقابهم. ثم اختار هو جماعة يثق بشجاعتهم، ووقف في الميمنة فحملت الفرنج على القلب، فناوشوهم القتال، واندفعوا بين أيديهم على بغيتهم، فتبعتهم الفرنج، فحمل أسد الدين على باقي الفرنج والمصريين فهزمهم،
ووضع فيهم السيف، فلما عاد الفرنج من حملتهم على القلب رأوا عسكرهم مهزوما، فولوا وانهزموا، ونزل النصر.
ثم سار أسد الدين إلى الصعيد فجبى خراجها، وأقام الفرنج بالقاهرة حتى استراشوا، وقصدوا الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدين يوسف ابن أخي أسد الدين، فحاصروها أربعة أشهر، وقاتل أهلها مع صلاح الدين أشد قتال، وكانوا باغضين في دولة بني عبيد لسوء عقائدهم، ثم أقبل أسد الدين بجموعه، فترحل الفرنج عن الإسكندرية.
ثم وقعت مهادنة بين أسد الدين وشاور على أن ينصرف أسد الدين إلى الشام ويعطى خمسين ألف دينار، فأخذها ورجع. واستقر بالقاهرة شحنة للفرنج، وقطيعة مائة ألف دينار في السنة.
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
لم يحج المصريون لما فيه ملكهم من الويل والاشتغال بحرب أسد الدين.
ورخص الورد ببغداد إلى أن أبيع كل ثمانين رطلا بقيراط.
وفيها أنعم السلطان نور الدين على أسد الدين شيركوه بحمص وأعمالها فتملكها، وصارت لذريته إلى دولة الملك الظاهر.
وفيها ولي الوزير شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد ابن البلدي وزارة المستنجد بالله، وكان ناظرا بواسط.
وفيها كان حرب ومحاصرة من البهلوان لصاحب مراغة آقسنقر الأحمديلي، ثم وقع الصلح بعد مصاف كبير.
وفيها ولي مشيخة الشيوخ والأوقاف بدمشق وحمص وحماة أبو الفتح عمر بن علي بن حموية.
سنة أربع وستين وخمسمائة
فيها واقع غلمان الخليفة العيارين بالدجيل، وقتل كثير منهم، وجاءوا برؤوسهم، وأخذ قائدهم، وصلب ببغداد تسعة من اللصوص.
وفيها صودر الأمير قايماز ببغداد وأخذ منه ثلاثون ألف دينار، وانكسر بذلك.
وفيها كان مسير أسد الدين إلى مصر المسير الثالث، وذلك أن الفرنج قصدت الديار المصرية في جمع عظيم، وكان السلطان نور الدين في جهة الشمال ونواحي الفرات، فطلعوا من عسقلان، وأتوا بلبيس فحاصروها وملوكها، واستباحوها، ثم نزلوا على القاهرة فحاصروها، فأحرق شاور مصر خوفا من الفرنج، فلما ضايقوا القاهرة بعث إلى ملكهم يطلب الصلح على ألف ألف دينار يعجل له بعضها. فأجابه ملك الفرنج مري إلى ذلك وحلف له، فحمل إليه شاور مائة ألف دينار وماطله بالباقي. وكاتب في غضون ذلك الملك العادل نور الدين يستنجد به، وسود كتابه، وجعل في طيه ذوائب النساء، وواصل كتبه يستحثه، فكان بحلب، فساق أسد الدين من حمص إلى حلب في ليلة.
قال القاضي بهاء الدين يوسف بن شداد: قال لي السلطان صلاح الدين: كنت أكره الناس في الخروج إلى مصر هذه المرة، وهذا معنى قوله:(أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).
وقال ابن الأثير: حكي عن صلاح الدين قال: لما وردت الكتب من مصر إلى نور الدين أحضرني وأعلمني الحال، وقال: تمضي إلى عمك أسد الدين بحمص مع رسولي تحثوه على الحضور. ففعلت، فلما سرنا عن حلب ميلا لقيناه قادما، فقال له نور الدين: تجهز. فامتنع خوفا من غدرهم أولا، وعدم ما ينفقه في العسكر آخرا، فأعطاه نور الدين الأموال والرجال وقال: إن
تأخرت عن مصر سرت أنا بنفسي، فإن ملكها الفرنج لا يبقى معهم بالشام مقام. فالتفت إلي عمي وقال: تجهز يا يوسف. فكأنما ضرب قلبي بسكين! فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية من المشاق ما لا أنساه. فقال عمي لنور الدين: لا بد من مسيره معي، فترسم له. فأمرني نور الدين وأنا أستقيله، وانقضى المجلس. ثم قال نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك. فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به، وكأنما أساق إلى الموت. وكان نور الدين مهيبا مخوفا مع لينه ورحمته، فسرت معه، فلما توفي أعطاني الله من الملك ما كنت أتوقعه.
رجعنا إلى ذكر مسير أسد الدين: فجمع الجيوش وسار إلى دمشق، وعرض الجيش، ثم سار إلى مصر في جيش عرمرم، فقيل: كانوا سبعين ألف فارس وراجل. فتقهقر الفرنج لمجيئه، ودخل القاهرة في ربيع الآخر، وجلس في الدست، وخلع عليه العاضد خلع السلطنة، وولاه وزارته، وهذه نسخة العهد:
من عبد الله أبي محمد عبد الله بن يوسف العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيد الأجل، الملك المنصور، سلطان الجيوش، ولي الأئمة، مجير الأمة، أسد الدين، هادي دعاة المؤمنين، أبي الحارث شيركوه العاضدي، عضد الله به الدين، وأمتع ببقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته، سلام عليك؛ فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد سيد المرسلين وعلى آله الطاهرين والأئمة المهديين. . . ثم أتبع ذلك بخطبتين بليغتين، وأنه ولاه الوزارة، وفوض إليه تدبير الدولة. وكتب هو في أعلى المنشور بخطه: هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله، فتقلد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا لحملها، والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت بك بنو النبوة، واتخذ للفوز سبيلا، (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا).
وكان هذا قبل مقتل شاور؛ وهو أن أسد الدين لما دخل القاهرة قام شاور
بضيافته وضيافة عسكره، وتردد إلى خدمته، فطلب منه أسد الدين مالا ينفقه على جيشه فماطله، فبعث إليه الفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد الهكاري يقول: إن الجيش طلبوا نفقاتهم، وقد مطلتهم بها وتغيرت قلوبهم، فإذا أبيت فكن على حذر منهم. فلم يؤثر هذا عند شاور، وركب على عادته، وأتى أسد الدين مسترسلا، وقيل: إنه تمارض، فجاء شاور يعوده، فاعترضه صلاح الدين يوسف بن أيوب وجماعة من الأمراء النورية فقبضوا عليه، فجاءهم رسول العاضد يطلب رأس شاور، فذبح وحمل رأسه إليه.
ثم لم يلبث أسد الدين أن حضرته المنية بعد خمسة وستين يوما من ولايته، وقلد العاضد الملك الناصر صلاح الدين يوسف الأمور، وهو لقبه الملك الناصر، وكتب تقليده القاضي الفاضل، فقام بالسلطنة أتم قيام.
قال العماد في البرق الشامي بعد أن ذكر استباحة الفرنج بلبيس: فأناخوا على القاهرة معولين على المحاصرة في عاشر صفر، فخاف الناس من نوبة بلبيس، فلو أن الفرنج لم يعمدوا بالسوء إلى بلبيس لوثقت منهم القاهرة ولم تدم المحاصرة. وأحرق شاور مصر، وخاف عليها منهم، فبقيت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما، وكان غرضه أن يأمن عليها من العدو الكافر، ثم عرف العجز، فشرع في الحيل ومداواة الغيل، فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل له المودة، وأنه يراه لدهره العمدة، فأحسن له العدة، ووفر لرجائه الجدة، وقال: أمهلني حتى أجمع لك الدنانير، وأنفذ لك منها قناطير، وأطمعه في ألف ألف دينار معجلة ومؤجلة، وتوثق منه بمواثيق مستحكمة، ثم قال له: ترحل عنا، وتوسع الخناق، وتترك الشقاق، وعجل له مائة ألف دينار حيلة وخداعا، وواصل بكتبه نور الدين مستصرخا مستنفرا، وفي طيها ذوائب مجزوزة وعصائب محزوزة، وبقي ينفذ للفرنج في كل حين مالا، ويطلب منهم إمهالا، حتى أتى الغوث، فسلب أسد الدين القرار، وساق في ليلة إلى حلب، وقال: إن الفرنج قد استحكم في البلاد المصرية طمعهم، وليس في الوجود غيرك من يرغمهم، ومتى تجمع العسكر وكيف تدفعهم؟ فقال له: خزانتي لك، فخذ منها ما تريد، ويصحبك أجنادي. وعجل له بمائتي ألف دينار، وأمر خازنه ولي الدين إسماعيل بأن يعطيه ما يطلب، فقال: أمضي إلى الرحبة لجمع التركمان. وذهب نور الدين ليتسلم قلعة جعبر، وحشد أسد الدين وحشر، وأسرع نور
الدين بالعود إلى دمشق، وخرجنا إلى الفوار، وأسد الدين هناك في العسكر الجرار، وأطلق لكل فارس عشرين دينارا، ورحلوا على قصد مصر.
وخيم نور الدين بمن أقام معه على رأس الماء، فجاء البشير برحيل الفرنج عن القاهرة عند وصول خبر العسكر، فدخلوا مصر في سابع ربيع الآخر، وتودد شاور إلى أسد الدين وتردد، وتجدد بينهما من الود ما تأكد، ثم ساق العماد نحو ما تقدم، وأنه قتل في سابع عشر ربيع الآخر.
ثم قال: ولما فرغ العسكر بمصر بعد ثلاثة أيام من التعزية بأسد الدين اختلفت آراؤهم، واختلطت أهواؤهم، وكاد الشمل لا ينتظم، فاجتمع الأمراء النورية على كلمة واحدة، وأيد متساعدة، وعقدوا لصلاح الدين الرأي والراية، وأخلصوا له الولاء والولاية، وقالوا: هذا مقام عمه، ونحن بحكمه. وألزموا صاحب القصر بتوليته، ونادت السعادة بتلبيته، وشرع في ترتيب الملك وتربيته، وسلط الجود على الموجود، وبسط الوفور للوفود.
قال القاضي بهاء الدين بن شداد: كانت الوصية إلى صلاح الدين من عمه، ولما فوض إليه تاب من الخمر وأعرض عن اللهو. ولقد سمعته يقول لما يسر الله ديار مصر: علمت أنه أراد فتح الساحل، لأنه أوقع ذلك في نفسي.
وقال ابن واصل: لما مات أسد الدين كان ثم جماعة؛ منهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين خسرو الهذباني، وسيف الدين علي المشطوب، وشهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين، وكل منهم تطاول إلى الأمر، فطلب العاضد صلاح الدين ليوليه الأمر، حمله على ذلك ضعف صلاح الدين، وأنه لا يجسر على مخالفة، فامتنع وجبن، فألزم وأحضر إلى القصر، وخلع عليه، ولقب بالملك الناصر صلاح الدين، وعاد إلى دار الوزارة، فلم يلتفت إليه أولئك الأمراء ولا خدموه، فقام بأمره الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري، وأمال إليه المشطوب، ثم قال لشهاب الدين: هذا هو ابن أختك، وملكه لك. ولم يزل به حتى حلفه له، ثم أتى قطب الدين وقال: إن صلاح الدين قد أطاعه الناس، ولم يبق غيرك وغير عين الدولة، وعلى كل
حال، فالجامع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك. ووعده بزيادة إقطاعه، فلان وحلف. ثم ذهب ضياء الدين واجتمع بعين الدولة الياروقي، وكان أكبر الجماعة وأكثرهم جمعا، فلم تنفع رقاه، وقال: لا أخدم يوسف أبدا. وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر عليهم فراقهم له.
قال العماد: وكان بالقصر أستاذ خصي يلقب بمؤتمن الخلافة، لأمره نفاذ، وبه في الشدة عياذ، وله بتمحل الحيل لياذ، وعلى القصر استحواذ، فشمر وتنمر، وقال: من كسرى، ومن كيقباذ. وتآمر هو ومن شايعه وبايعه على مكاتبة الفرنج، فكاتبوهم خفية، فاتفق أن تركمانيا عبر بالبير البيضاء فرأى نعلين جديدين مع إنسان، فأخذهما وجاء بهما إلى صلاح الدين، فوجد في البطانة خرقا مكتوبة مكتومة مختومة، بالشر محتومة، وإذا هي إلى الفرنج من القصر؛ يرجون بالفرنج النصر، فقال: دلوني على كاتب هذا الخط. فدلوه على يهودي من الرهط، فلما أحضروه تلفظ بالشهادتين، واعترف أنه بأمر مؤتمن الخلافة كتبه، واستشعر الخصي العصي، وخشي أن تسقه على شق العصا العصي، فلزم القصر، وأعرض عنه صلاح الدين، ثم خرج إلى قرية له، فأنهض له السلطان صلاح الدين من أخذ رأسه في ذي القعدة.
ولما قتل هذا الخادم غار السودان وثاروا، ومن إسعار السعير استعاروا، وقاموا ثاني يوم قتله وجيشوا، وكانوا أكثر من خمسين ألفا؛ من كل أعبس أغبش، أحمر أحمش، أجرى أجرش، ألسع أليش أسود وأسحم حسامه يحسم، فحسبوا أن كل بيضاء شحمة، وأن كل سوداء فحمة، وحمراء لحمة، وأن كل ما أسدوه من العجاج ما له لحمة، فأقبلوا ونصرائهم زحمة، وما في قلوبهم رحمة، فقال أصحابنا: إن فشلنا عنهم سلونا البقاء، وما في عادتهم العادية شيء من الإبقاء، فهاجوا إلى الهيجا، وكان المقدم الأمير أبو الهيجا، واتصلت الحرب بين القصرين، ودام الشر يومين، وأخرجوا عن منازلهم العزيزة إلى الجيزة، وكانت لهم محلة تسمى المنصورة، فأخربت وحرثت.
ولما عرف نور الدين النصر، واستقرار ملك مصر، ارتاح سره، وانشرح صدره، وأمد الصلاح بأخيه شمس الدولة تورانشاه.
وأما مملكة الري فكانت بيد إينانج يؤدي حملا إلى إلدكز صاحب أذربيجان، فمنعه سنتين، وطالبه فاعتذر بكثرة الجند والحاشية، فقصده إلدكز، فالتقيا وعملا مصافا، فانهزم إينانج، وتحصن بقلعة، فحصره إلدكز فيها. ثم كاتب غلمان إينانج وأطمعهم، فقتلوه، وسلموا البلد إلى إلدكز، فلم يف لهم بما وعد، وطردهم، وظفر خوارزم شاه بالذي باشر قتل إينانج، فأخذه وصلبه. وأما إلدكز فعاد إلى همذان، وكان هذه المدة قد سكنها.
وفيها تملك الأمير شملة صاحب خوزستان بلاد فارس، ثم حشد صاحبها وجمع، وحارب شملة ونصر عليه، فرد شملة إلى بلاده.
وفيها قتل العاضد بالقصر الكامل وأخاه ابني شاور وعمهما في جمادى الآخرة؛ وذلك أنهم لاذوا بالقصر، ولو أنهم جاءوا إلى أسد الدين سلموا، فإنه ساءه قتل شاور.
وفيها كانت الزلزلة العظمى بصقلية، وأهلك خلق كثير، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
سنة خمس وستين وخمسمائة
وردت الأخبار بوقوع زلازل في الشام وقع فيها نصف حلب، ويقال: هلك من أهلها ثمانون ألفا؛ ذكره ابن الجوزي.
وقال العماد: تواصلت الأخبار من جميع البلاد الشامية بما أحدثته الزلزلة بها من الانهدام والانهداد، وأن زلات زلازلها حلت وجلت، ومعاقد معاقلها انحلت واختلت، وألقت ما فيها وتخلت، وأن أسوارها غرتها الأسواء وعرتها، وقرت بها النواكب فنكبتها وما أقرتها، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، وأن سماءها انفطرت، وشموسها كورت، وعيونها عورت وغورت. وذكر فصلا طويلا في الزلزلة وتهويلها.
وقال أبو المظفر ابن الجوزي بعد أن أطنب في شأن هذه الزلزلة وأسهب: لم ير الناس زلزلة من أول الإسلام مثلها، أفنت العالم، وأخربت القلاع والبلاد. وفرق نور الدين في القلاع العساكر خوفا عليها؛ لأنها بقيت بلا أسوار.
وفيها نزلت الفرنج على دمياط في صفر، فحاصروها واحدا وخمسين يوما ثم رحلوا خائبين، وذلك أن نور الدين وصلاح الدين أجلبا عليها برا وبحرا، وأغارا على بلادهم.
قال ابن الأثير: بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخلو البلاد من مانع، فلما بلغهم ذلك رجعوا، وكان موضع المثل: خرجت النعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أذنين. وأخرج صلاح الدين في هذه المرة أموالا لا تحصى، حكي لي عنه أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب وغيرها.
وفيها توجه نور الدين إلى سنجار فحاصرها حصارا شديدا، ثم أخذها بالأمان، ثم توجه إلى الموصل ورتب أمورها، وبنى بها جامعا وقف عليه الوقوف الجليلة.
وفيها دخل نجم الدين أيوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه، وكان يوما مشهودا، وتأدب ابنه صلاح الدين معه، وعرض عليه منصبه.
وفيها سار نور الدين فنازل الكرك، ونصب عليها منجنيقين، وقاتلهم أشد القتال، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين، فعطف عليهم فانهزموا.
وفيها طرق الفرنج حصن عكار من المسلمين، وأسروا أميرها؛ وهو خطلخ العلمدار مملوك نور الدين.
سنة ست وستين وخمسمائة
فيها وفاة المستنجد بالله، وما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض، وكانت ترمي ضوءها على الحيطان، وبويع ابنه المستضيء بالله أبو
محمد الحسن، وأمه أرمنية؛ بايعه الناس وصلى ليومه على المستنجد، ونادى برفع المكوس، ورد مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره من الأعمار؛ قاله ابن الجوزي. ثم قال: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قايماز.
وقال العماد الكاتب: أنشأت عن نور الدين كتابا إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط. وكان قد ورد كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك في مصر خوفا منهم، والاقتصار منهم على صلاح الدين. فقلت: الخادم يهنئ بما نشأه الله من الظفر الذي أضحك سن الإيمان. ثم ذكر أن الفرنج لا تؤمن غائلتهم، والرأي إبقاء الترك بديار مصر.
ولما بلغ نور الدين وفاة أخيه قطب الدين بالموصل توجه ليدبر أحوالها، وكان الخادم فخر الدين عبد المسيح قد تعرض للحكم، وأقام سيف الدين غازي مقام أبيه، فقال نور الدين: أنا أولى بتدبير البلاد، فسار مارا على قلعة جعبر، واستصحب معه العسكر، ثم سير من الرقة العماد الكاتب في الرسلية إلى الخليفة.
ثم حاصر نور الدين سنجار، وهدم سورها بالمجانيق، ثم تسلمها، وسلمها إلى ابن أخيه زنكي بن مودود.
وقصد الموصل فنزل عليها، خاض إليها دجلة من مخاضة دله عليها تركماني. ثم أنعم نور الدين على أولاد أخيه، وأقر غازيا عليها، وألبسه التشريف الذي وصل إليه من الإمام المستضيء. ثم دخل نور الدين قلعة الموصل، فأقام بها سبعة عشر يوما، وجدد مناشير ذوي المناصب، فكتب منشورا لقاضيها حجة الدين الشهرزوري، وتوقيعا لنقيب العلويين، وكتب منشورا بإسقاط المكوس والضرائب، فما أعيدت إلا بعد وفاته.
قال العماد: وكتبت له منشورا أيضا بإسقاط المكوس والضرائب في جميع بلاده.
قال: وحضر مجاهد الدين قايماز صاحب إربل في الخدمة النورية، وزخرفت الموصل بأنوار هداياه. ثم ولى نور الدين سعد الدين كمشتكين بقلعة
الموصل عنه نائبا، وأمر فخر الدين عبد المسيح أن يكون له في خدمته بالشام مصاحبا، واقتطع عن صاحب الموصل: حران، ونصيبين، والخابور. وعاد إلى سنجار فأعاد عمارة أسوارها، ودخل حلب في رجب.
وكان ثلاثمائة من الفرنج قد أغاروا، فصادفهم صاحب البيرة شهاب الدين محمد بن إلياس بن إيلغازي بن أرتق وهو يتصيد، فقتل وأسر أكثرهم، وقدم بالأسارى على نور الدين، وكان منهم سبعة عشر فارسا فيهم مقدم الإسبتار الأعور بحصن الأكراد، وللعماد الكاتب في شهاب الدين قصيدة مطلعها:
يروق ملوك الأرض صيد القنائص وصيد شهاب الدين صيد القوامص وفيها عمل صلاح الدين بمصر حبس المعونة مدرسة للشافعية، وبنى دار الغزل مدرسة للمالكية. وقلد القضاء بديار مصر صدر الدين عبد الملك بن درباس. وخرج بجيوشه فأغار على الرملة وعسقلان وأولي الكفر الخذلان، وهجم ربض غزة، ورجع إلى مصر. وافتتح قلعة أيلة في السنة، غزاها جنده في المراكب واستباحها قتلا وسبيا.
وفيها سار إلى الإسكندرية ليشاهدها ويرتب قواعدها، وسمع بها حينئذ من السلفي.
وفيها اشترى تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب منازل العز بمصر، وصيرها مدرسة للشافعية.
وفي جمادى الآخرة توفي بمصر القاضي ابن الخلال صاحب ديوان الإنشاء بمصر، ولما كبر جلس في بيته. وكان القاضي الفاضل يوصل إليه كل ما كان له.
وفيها ظهر ملك الخزر وفتح دوين؛ وهي بلدة قرب أذربيجان، وقتلوا من المسلمين بها ثلاثين ألفا.
وفيها ظهر بدمشق معز في أخلاط طائفة من الأغبياء، وأظهر التخاييل، ثم ادعى الربوبية فقتل، ولله الحمد.
سنة سبع وستين وخمسمائة
في هذه السنة دخل نجاح الخادم على الوزير ابن رئيس الرؤساء ومعه خط الخليفة بعزله، وأمر بطبق دواته، وحل أزراره، وإقامته من مسنده، وقبض على ولده أستاذ الدار، ثم نهبت داره ودار ولده، واستنيب ابن جعفر ناظر المخزن في الوزارة.
وفيها وقع حريق عظيم ببغداد.
ووصلت رسل صاحب البحرين إلى الخليفة بهدايا.
قال ابن الجوزي: وتكلمت في رمضان بالحلبة، فتاب نحو مائتي رجل، وقطعت شعور مائة وعشرين منهم.
ووصل ابن عصرون رسولا بأن أمير المؤمنين خطب له بمصر، وضربت السكة باسمه، فغلقت أسواق بغداد، وعملت القباب. وكانت قد قطعت من مصر خطبة بني العباس من أكثر من مائتي سنة.
قال العماد رحمه الله: استفتح السلطان سنة سبع بجامع مصر كل طاعة وسمع، وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى بمصر لبني العباس، وعفت البدعة، وصفت الشرعة، وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة. وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء بالقصر، وجلس السلطان صلاح الدين للعزاء، وأغرب في الحزن والبكاء، وتسلم القصر بما فيه من خزائنه ودفائنه.
ولما قتل مؤتمن الخلافة صرف من هو زمام القصر، وصير زمامه بهاء الدين قراقوش، فما دخل القصر شيء ولا خرج إلا بمرأى منه ومسمع، ولا حصل أهل القصر بعد ذلك على صفو مشرع. فلما توفي العاضد احتيط على آل القصر في موضع جعل برسمهم على الانفراد، وقررت لهم الكسوات والأزواد فدامت زمانا، وجمعت رجالهم، واحترز عليهم، ومنعوا من النساء
لئلا يتناسلوا، وهم إلى الآن محصورون محسورون لم يظهروا. وقد نقص عددهم، وقلص مددهم. وفرق ما في القصر من الحرائر والإماء، وأخذ ما صلح له ولأمرائه من أخاير الذخاير، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، وقلائد الفرائد، والدرة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة. ووصف العماد أشياء عديدة.
قال: واستمر البيع فيما بقي عشر سنين، ومن جملتها الكتب، وكانت خزانة الكتب مشتملة على نحو مائة وعشرين ألف مجلدة. وانتقل إلى القصر الملك العادل سيف الدين أبو بكر لما ناب عن أخيه، واستمرت سكناه فيه. وكان صلاح الدين لا يخرج عن أمر نور الدين، ويعمل له عمل القوي الأمين، ويرجع إلى رأيه المتين. وسير نور الدين إلى الديوان العزيز بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين بن أبي عصرون، وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام:
الحمد لله معلي الحق ومعلنه، وموهي الباطل وموهنه. منها: ولم يبق بتلك البلاد منبر إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وتمهدت جوامع الجمع، وتهدمت صوامع البدع. إلى أن قال: وطالما مرت عليها الحقب الخوالي، وبقيت مائتين وثمان سنين ممنوة بدعوة المبطلين، مملؤة بحزب الشياطين. فملكنا الله تلك البلاد، ومكن لنا في الأرض، وأقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد والرفض. وتقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك، ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك. وقال من إنشائه في البشارة إلى الديوان العزيز:
وصارت مصر سوق الفسوق، ودوحة شعب الإلحاد، وموطن دعوة الدعي، ومحل المحال والمحل، وقحط الضلال والجهل، وقد استولت بها جند الشياطين، واستعلت بها دعوة المعطلين، وغلبت بها نجوى المبطلين، وتبطلت الجماعات والجمع، واستفحلت الشناعات والبدع، وأفرخ الشيطان بها وباض، واشتهر الجور واستفاض، واستبدلت العمائم السواد بالبياض.
وللعماد قصيدة منها:
قد خطبنا للمستضيء بمصر نائب المصطفى إمام العصر
وخذلنا نصرة العضد العا ضد والقاصر الذي بالقصر وتركنا الدعي يدعو ثبورا وهو بالذل تحت حجر وحصر ووصل الأستاذ عماد الدين صندل الطواشي المقتفوي إلى دمشق رسولا من دار الخلافة في جواب البشارة بالخلع والتشريفات لنور الدين وصلاح الدين في السنة، ومعه رسولان من الوزير ومن الأمير قطب الدين قايماز. وكان صندل قد ولي أستاذية الدار المستضيئة بعد الكمال ابن رئيس الرؤساء. ولبس نور الدين الخلع، وهي فرجية، وجبة، وقباء، وطوق ذهب ألف دينار، وحصان بسرج خاص، وسيفان، ولواء، وحصان آخر بحليته يجنب بين يديه، وقلد السيفين إشارة إلى الجمع له بين مصر والشام. وخرج في دست السلطنة، واللواء منشور، والذهب منثور إلى ظاهر دمشق، وانتهى إلى آخر الميدان ثم عاد.
وسير إلى صلاح الدين تشريف فائق، لكنه دون ما ذكرناه لنور الدين بقليل، فكان أول أهبة عباسية دخلت الديار المصرية، وقضى أهلها منها العجب، وكان معها أعلام وبنود وأهب عباسية للخطباء بمصر. وسير إلى العماد الكاتب خلعة ومائة دينار من الديوان. قال: فسيرت إلى الوزير هذه المدحة واستزدت المنحة، وهي:
عسى أن تعود ليالي زرود وهي طويلة، منها:
نحولي من ناحلات الخصور وميلي إلى مائلات القدود وتطميني طاميات الوشاح وتعلقني علقات العقود وما العيش إلا مبيت المحب فوق الترائب بين النهود وما كنت أعلم أن الظبا بوجـ ـره قانصات الأسود وخيل بنت لنجوم الصعاد كما العجاج بأرض الصعيد سوابق قد ضمرت للطراد بكل عتاق من الجرد قود فتخفق منها قلوب العداة كما خفقت عذبات البنود أدالت بمصر لداعي الهداة وانتقمت من دعي اليهود
يعني بدعي اليهود: العاضد؛ لأن جدهم عبيد الله قد جاء أنه يهودي الأصل.
وقال ابن الأثير:
فصل في انقراض الدولة المصرية وإقامة الدولة العباسية بمصر:
وذلك في المحرم سنة سبع، فقطعت خطبة العاضد، وخطب فيها للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وسبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت قدمه، وضعف أمر العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه نور الدين يأمره بذلك، فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين وامتناعهم، فلم يصغ إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك. واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة، فاستشار أمراءه كيف الابتداء؟ فمنهم من أقدم على المساعدة، ومنهم من خاف. وكان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم، قد رأيته بالموصل، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدي بها. فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر ذلك أحد. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد، ففعل ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان. والعاضد شديد المرض، فتوفي يوم عاشوراء، واستولى صلاح الدين على القصر وما حوى، وكان فيه من الجواهر والأعلاق النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك، فمنه القضيب الزمرد، طوله نحو قبضة ونصف، والجبل الياقوت، ومن الكتب التي بالخطوط المنسوبة نحو مائة ألف مجلد.
وذكر أشياء، ثم قال: وفي هذه السنة حدث ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين؛ أرسل نور الدين إليه يأمره بجمع الجيش والمسير لمنازلة الكرك، ليجيء هو بجيشه ويحاصرانها. فكتب إلى نور الدين يعرفه أنه قادم، فرحل على قصد الكرك وأتاها، وانتظر وصوله، فأتاه كتاب يعتذر باختلال البلاد، فلم يقبل عذره. وكان خواص صلاح الدين خوفوه من الاجتماع، وهم
نور الدين بالدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ صلاح الدين ذلك، فجمع أهله وأباه وخاله الأمير شهاب الدين الحارمي وسائر الأمراء وأطلعهم على نية نور الدين، واستشارهم فسكتوا، فقال ابن أخيه تقي الدين عمر: إذا جاء قاتلناه. ووافقه غيره من أهله، فسبهم نجم الدين أيوب واحتد، وكان ذا رأي ومكر، وقال لتقي الدين: اسكت. وزبره، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا خالك، أتظن أن في هؤلاء من يريد لك الخير مثلنا؟ فقال: لا. فقال: والله لو رأيت أنا وهذا نور الدين لم يمكننا إلا أن ننزل ونقبل الأرض، ولو أمرنا بضرب عنقك لفعلنا، فما ظنك بغيرنا؟! فكل من تراه من الأمراء لو رأى نور الدين لما وسعه إلا الترجل له، وهذه البلاد له، وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء؟ بل يطلبك بكتاب. وتفرقوا، وكتب أكثر الأمراء إلى نور الدين بما تم، ولما خلا بولده قال: أنت جاهل، تجمع هذا الجمع وتطلعهم على سرك، ولو قصدك نور الدين لم تر معك أحدا منهم. ثم كتب إلى نور الدين بإشارة والده نجم الدين يتخضع له، ففتر عنه.
قال العماد: وكان نور الدين لا يقيم في البلد أيام الربيع والصيف محافظة على الثغر وصونا من الحيف، ليحمي البلاد بالسيف. وهو متشوف إلى أخبار مصر وأحوالها، فرأى اتخاذ الحمام المناسب، وتدريجها على الطيران لتحمل إليه الكتب بأخبار البلدان. وتقدم إلي بكتب منشور لأربابها، وإعذار أصحابها، ونودي بالتهديد لمن اصطاد منها شيئا.
قال: وفي رجب فوض إلي نور الدين المدرسة التي عند حمام القصير، وهي التي أنا منذ قدمت دمشق فيها ساكن، وكان فيها الشيخ الكبير ابن عبد، وقد استفاد من علمه كل حر وعبد، فتوفي وخلف ولدين استمرا فيها على رسم الوالد، ودرسا بها، فخدعهما مغربي بالكيمياء فلزماه، وافتقرا به وأغنياه، وغاظ نور الدين ذلك، وأحضرهما ووبخهما، ورتبني فيها مدرسا وناظرا.
وفيها عبرت الخطا نهر جيحون يريدون خوارزم، فجمع خوارزم شاه ابن أرسلان بن آتسز بن محمد جيوشه وقصدهم، فمرض، فجهز الجيش
للملتقى، فالتقوا واشتد الحرب، ثم انهزم الخوارزميون، وأسر مقدمهم ورجعت الخطا.
سنة ثمان وستين وخمسمائة
قال ابن الجوزي: جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور، فحضر من الجمع ما حزر بمائة ألف. وفيها وقعت الأراجيف بمجيء العسكر من همذان، فأخذ الخليفة في التجنيد وعمارة السور، وجمع الغلات وعرض العساكر.
وعمل ختان إخوة الخليفة وأقاربه، فتفرقت الخلع، وذبح ألف رأس غنم، وثلاثة آلاف دجاجة، وعشرون ألف خشكنانكة، وغير ذلك.
وفي رجب تقدم إلي بالجلوس بباب بدر ليسمع الخليفة، فكنت أجلس أسبوعا وأبو الخير القزويني أسبوعا، إلى آخر رمضان، وجمعي عظيم، وجمعه يسير. ثم شاع أن أمير المؤمنين لا يحضر إلا مجلسي، وكانت زيادة عظيمة ببغداد.
قال ابن الأثير: وفيها سار طائفة من الترك مع قراقوش مملوك تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين إلى جبال نفوسة، فاجتمع به بعض المقدمين هناك، فاتفقا وكثر جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب فحاصراها مدة، ثم فتحت، فاستولى عليها قراقوش وسكنها، وكثرت عساكره.
وفيها افتتح شمس الدولة أخو صلاح الدين برقة على يد غلام له تركي، ثم سار وافتتح اليمن بعد ذلك، وقبض على ابن مهدي الخارج باليمن؛ وكان شابا أسود، منحل الاعتقاد.
وفيها سار صلاح الدين بعساكر مصر يريد الكرك، وإنما بدأ بها لقربها إليه، وكانت تمنع من يقصد الديار المصرية، وتقطع القوافل، فحاصرها وقاتل الفرنج، ثم رجع ولم يفتحها.
وفيها مات خوارزم شاه أرسلان وملك بعده ابنه الصغير محمود، وكان
ابنه الكبير علاء الدين تكش غائبا نائبا لأبيه على الجند، فاستنجد بالخطا وأقبل بهم، فاستعان أخوه محمود بصاحب نيسابور المؤيد، وعملوا المصاف، فأسر المؤيد وذبح صبرا، وهرب محمود وأسرت أمه فيما بعد، وقتلت، وثبت قدم تكش في الملك، فجاءته رسل صاحب الخطا بأمور مشقة واقتراحات صعبة، فقتل كل من عنده من الخطا، ونبذ إلى ملك الخطا، فسار محمود إلى ملك الخطا فجهز معه جيشا، فنازل خوارزم وحصرها، فأمر تكش بإجراء ماء جيحون فكادوا يغرقون، فرحلوا وندموا، فسار محمود بهم فأخذ مرو، فعادت الخطا إلى بلادها؛ وجعل محمود الغز من دأبه، وحاربهم وأوطأهم ذلا، ثم افتتح مدينة سرخس سنة ست وسبعين، ثم أخذ طوس.
وأما نيسابور ومملكتها فتولاها طغان شاه بعد والده المؤيد، وكان لعابا مسرفا على نفسه، ملك أربع عشرة سنة ومات.
وفيها - في جمادى الأولى - هزم مليح بن لاون الأرمني النصراني صاحب بلاد الدروب وسيس عسكر الروم، لعنهم الله معا، وذلك أن نور الدين رحمه الله كان قد استخدم صاحب سيس هذا وأقطعه واستماله، وظهر له منه نصحه، وكان ملازما لخدمة نور الدين، معينا له على الفرنج، ولما قيل لنور الدين في معنى استخدامه وإعطائه بلاد سيس قال: أستعين به على قتال أهل ملته وأريح طائفة من عسكري، وأجعله سدا بيننا وبين صاحب القسطنطينية. فجهز إليه صاحب الروم جيشا كثيفا، فالتقاهم، ومعه طائفة من عسكر المسلمين، فهزمهم، وكثر القتل والأسر في الروم، وقويت شوكة مليح.
وفيها سار نور الدين إلى بلاد الشرق، فصلى في جامع الموصل الذي بناه، وتصدق بمال عظيم، ثم رد وقطع الفرات، وقصد ناحية الروم فافتتح بهسنا ومرعش، ورد إلى الشام ومعه ابن الدانشمند ووعده بخلاص بلاده، فبعث قلج أرسلان إلى نور الدين يخضع له، وأن يرد إلى ابن الدانشمند قلاعه، فشرط عليه نور الدين تجديد إسلامه، لأن قلج أرسلان اتهم بالزندقة،
وأنه متى طلب منه عسكره ينجده به، وأن يزوج بنت قلج أرسلان بابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل. ففعل، وبعث نور الدين في خدمة ابن الدانشمند عسكرا صحبة الأمير فخر الدين عبد المسيح إلى ملطية وسيواس، فلما مات نور الدين عادت البلاد إلى قلج أرسلان.
وفيها قدم القطب النيسابوري من حلب إلى دمشق، فدرس بالغزالية.
وشرع نور الدين في بناء مدرسة للشافعية، ووضع محرابها، فمات ولم يتمها. وبقي أمرها على حاله إلى أن أزال الملك العادل ذلك البناء وعملها مدرسة عظيمة؛ فهي العادلية.
سنة تسع وستين وخمسمائة
في المحرم وقع حريق بالظفرية، فاحترقت مواضع كثيرة.
قال ابن الجوزي: وجلست يوم عاشوراء في جامع المنصور، فحزر الجميع بمائة ألف. كذا قال.
قال: وسألني في ربيع الأول أهل الحربية أن أعمل عندهم مجلسا، فوعدتهم ليلة، فانقلبت بغداد وعبر أهلها، وتلقيت بشموع حزرت بألف شمعة، وما رأيت البرية إلا مملوءة بالضوء، وكان أمرا مفرطا، فلو قال قائل: إن الخلق كانوا ثلاثمائة ألف لما أبعد.
وفي رجب وصل ابن الشهرزوري بتحف وتقادم للخليفة من نور الدين، وفيها حمار مخطط كثوب عتابي، وخرج الخلق للفرجة عليه وكان فيهم رجل عتابي كثير الدعاوى، وهو بليد ناقص الفضيلة، فقال رجل: إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي، فنحن عندنا عتابي حمار.
وفيها ولي أبو الخير القزويني تدريس النظامية ببغداد.
وخرج ابن أخي شملة التركماني، ويعرف بابن سنكة، وأخذ قلعة
بنواحي باذرايا ليتخذها عونا له على الإغارة، فسارت لقتاله العساكر، فالتقوا، فطحن الميمنة، ثم حمي القتال وظفروا به، وجيء برأسه إلى بغداد.
وفيها وقع برد بالسواد هدم الدور، وقتل جماعة وكثيرا من المواشي؛ وقال ابن الجوزي: فحدثني الثقة أنهم وزنوا بردة فكانت سبعة أرطال. قال: وكان عامته كالنارنج.
وفي رمضان زادت دجلة زيادة عظيمة على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد بذراع وكسر، وخرج الناس إلى الصحراء، وأيسوا من البلد، وضجوا إلى الله بالبكاء، وانهدمت دور كثيرة بمرة، وكان آية من الآيات، وهلكت قرى ومزارع لا تحصى، ونصب يوم الجمعة منبر خارج السور، وصلى الخطيب بالناس هناك.
وفي الجمعة الأخرى جمعوا بمسجد التوثة، ودام الغرق أياما، وكثر الابتهال إلى الله، وبقي الخلق والأمراء كلما سدوا بثقا وتعبوا عليه غلبهم الماء وخربه، أو انفتح آخر غيره.
وجاءت أمطار هائلة بالموصل، ودامت أربعة أشهر حتى تهدم بها نحو ألفي دار، وهلك خلق تحت الردم، وزادت الفرات زيادة كبيرة، وفاضت حتى أهلكت قرى ومزارع. ومن العجائب أن هذا الماء على هذه الصفة، ودجيل قد هلكت مزارعه بالعطش.
وتوفي السلطان نور الدين فتجدد بحلب بعد موته اختلاف بين السنة والرافضة، فقتل من الطائفتين خلق، ونهب ظاهر البلد.
وكان مما قدم به ابن الشهرزوري من البشارة فتح اليمن، وكسر الفرنج مرة ثانية، ومقدمهم الدوقش، وكان أسيرا عند نور الدين، أسره نوبة حارم، ففداه بخمسة وخمسين ألف دينار وخمسمائة ثوب أطلس، وفي كتابه يقول: ولم ينج من عشرة آلاف غير عشرة حمر مستنفرة، فرت من قسورة.
وذكر ابن الأثير أن صلاح الدين لما استولى على مصر وأراد أن
يستبد بالأمر خاف من نور الدين، وعرف أنه ربما يقصده ويأخذ منه مصر، فشرع هو وأهل بيته في تحصيل مملكة تكون لهم ملجأ إن قصدهم، فجهز أخاه تورانشاه إلى النوبة فافتتح منها. فلما عاد تجهز إلى اليمن بقصد عبد النبي صاحب زبيد وطرده عن اليمن، وحسن لهم ذلك عمارة اليمني، فسار في أكمل الهيبة والأهبة فلم يثبت له أهل زبيد، وانهزموا، فعمد العسكر إلى سور زبيد، ونصبوا السلالم وطلعوا، فأسروا عبد النبي وزوجته الحرة، وكانت صالحة كثيرة الصدقة، فعذبوا عبد النبي، واستخرجوا منه أموالا كثيرة، ثم سار تورانشاه إلى عدن، وهي لياسر، فهزموه وأسروه. ثم سار فافتتح حصون اليمن، وهي قلعة تعز وقلعة الجند، واستناب بعدن عز الدين عثمان ابن الزنجبيلي، وبزبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ، زاد أبو المظفر السبط فقال: يقال إنه افتتح ثمانين حصنا ومدينة، وقتل عبد النبي بن مهدي.
وذكر ابن أبي طيئ قال: في هذه السنة وصل الموفق ابن القيسراني إلى مصر رسولا من نور الدين، فاجتمع بصلاح الدين وأنهى إليه رسالة، وطالبه بحساب جميع ما حصله من ارتفاع البلاد فشق ذلك عليه، وأراد شق العصا ثم ثاب، وأمر النواب بالحساب، ثم عرضه على ابن القيسراني، وأراه جرائد الأجناد بالإقطاع. ثم أرسل معه هدية على يد الفقيه عيسى، وهي ختمة بخط ابن البواب، وختمة بخط مهلهل، وختمة بخط الحاكم البغدادي، وربعه مكتوبة بالذهب بخط يانس، وربعة عشرة أجزاء بخط راشد، وثلاثة أحجار بلخش، وست قصبات زمرد، وقطعة ياقوت وزن سبعة مثاقيل، وحجر أزرق ستة مثاقيل، ومائة عقد جوهر وزنها ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا، وخمسون قارورة دهن بلسان، وعشرون قطعة بلور، وأربع عشرة قطعة جزع، وإبريق يشم، وطست يشم، وصحون صيني، وزبادي أربعون، وكرتان عود قماري وزن إحداهما ثلاثون رطلا بالمصري، والأخرى أحد وعشرون، ومائة ثوب أطلس، وأربعة وعشرون
بقيارا مذهبة، وخمسون ثوبا حرير، وحلة فلفلي مذهب، وحلة مرايش صفراء، وغير ذلك من القماش قيمتها مائتان وخمسة وعشرون ألف دينار، وعدة من الخيل والغلمان والجواري والسلاح، ولم تصل إلى نور الدين؛ لأنه مات، فمنها ما أعيد ومنها ما استهلك، لأن الفقيه عيسى وابن القيسراني وضعا عليها من نهبها واستبدا بأكثرها. وقيل: ردت كلها إلى صلاح الدين، وكان معها خمسة أحمال مالا.
وتحركت الفرنج بالسواحل، وكان بدمشق الملك الصالح إسماعيل ابن السلطان نور الدين، صبي عمره عشر سنين أو أكثر، فاستنجد بصلاح الدين صاحب مصر. وبلغ صلاح الدين نزول الملاعين على بانياس، فصالحهم الأمراء وأهل دمشق، وهادنوهم على مال وأسارى يطلقون. فكتب إلى جماعة يوبخهم، فكتب إلى الشيخ شرف الدين ابن أبي عصرون يخبره أنه لما أتاه كتاب الملك الصالح تجهز للجهاد وخرج، وسار أربع مراحل، فجاءه الخبر بالهدنة المؤذنة بذل الإسلام، من رفع القطيعة، وإطلاق الأسارى، وسيدنا المسيح أول من جرد لسانه الذي تغمد له السيوف وتجرد. وكتب في ذي الحجة من السنة.
مصرع الذين سعوا في إعادة دولة بني عبيد
كانت دولة العاضد وذويه لذيذة لأناس، وهم يتقلبون في نعيمها، فأخروا وأبعدوا، فذكر جمال الدين بن واصل وغيره أن في سنة تسع وستين أراد جماعة من شيعة العبيديين ومحبيهم إقامة الدعوة وردها إلى العاضد، فكان منهم عمارة اليمني وعبد الصمد الكاتب والقاضي هبة الله ابن كامل وداعي الدعاة ابن عبد القوي وغيرهم من الجند والأعيان والحاشية، ووافقهم على ذلك جماعة من أمراء صلاح الدين، وعينوا الخليفة والوزير، وتقاسموا الدور؛ واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية والشام يقصدون مصر ليشغلوا صلاح الدين بهم ويحلو لهم الوقت، ليتم أمرهم ومكرهم،
وقال لهم عمارة اليمني: أنا قد أبعدت أخاه تورانشاه إلى اليمن خوفا من أن يسد مسده، وقرروا الأمور، وكاد أمرهم أن يتم، وأبى الله إلا أن يتم نوره، فأدخلوا في الشورى الواعظ زين الدين علي بن نجا، فأظهر لهم أنه معهم، ثم جاء إلى صلاح الدين فأخبره، وطلب من صلاح الدين ما لابن كامل من الحواصل والعقار، فبذل له، وأمره بمخالطتهم وتعريف شأنهم، فصار يعلمه بكل متجدد. فجاء رسول ملك الفرنج بالساحل إلى صلاح الدين بهدية ورسالة، وفي الباطن إليهم. وأتى الخبر إلى صلاح الدين من أرض الفرنج بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق إليه من النصارى، فداخل الرسول فأخبره بحقيقة الأمر.
وقيل: إن عبد الصمد الكاتب كان يلقى القاضي الفاضل بخضوع زائد، فلقيه يوما فلم يلتفت إليه، فقال القاضي الفاضل: ما هذا إلا لسبب. فأحضر ابن نجا الواعظ وأخبره الحال، وطلب منه كشف الأمر، فأخبره بأمرهم، فبعثه إلى صلاح الدين فأوضح له الأمر، فطلب صلاح الدين الجماعة، وقررهم فأقروا؛ وكان بين عمارة وبين الفاضل عداوة، فلما أراد صلاح الدين صلبه تقدم الفاضل وشفع فيه، فظن عمارة أنه يحثه على هلاكه، فنادى: يا مولانا، لا تسمع منه في حقي. فغضب القاضي الفاضل وخرج، فقال صلاح الدين: إنما كان يشفع فيك. فندم، وأخرج ليصلب، فطلب أن يمروا به على مجلس القاضي الفاضل، فاجتازوا به عليه فأغلق بابه، فقال عمارة:
عبد الرحيم قد احتجب إن الخلاص من العجب ثم صلب هو والجماعة بين القصرين، وذلك في ثاني رمضان، وأفنى بعد ذلك من بقي منهم.
قال العماد الكاتب: وكان منهم داعي الدعاة ابن عبد القوي، وكان عارفا بخبايا القصر وكنوزه، فباد ولم يسمح بإبدائها. وأما الذين نافقوا على صلاح الدين من جنده فلم يعرض لهم، ولا أعلمهم بأنه علم بهم. وكان ممن صلب القاضي العوريس؛ فحكى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز أن قاضي
القضاة عوريس رأى عيسى ابن مريم كأنه أخرج له رأسه من السماء، فقال له العوريس: الصلب حق؟ فقال له ابن مريم: نعم. فعبرها العابر وقال: صاحب هذه الرؤيا يصلب لأن المسيح معصوم، ولا يمكن أن يكون ذلك راجعا إليه، لأن الله تعالى نص لنا أنه لم يصلب، فبقي أن يكون راجعا للرائي. وجاء الكتاب إلى دمشق بقصة هؤلاء يوم موت نور الدين رحمه الله، وكانوا أيضا قد كاتبوا سنانا وأهل الحصون يستعينون بهم.
فلما كان في السادس والعشرين من ذي الحجة وصل أصطول الفرنج من صقلية، فنازلوا الإسكندرية بغتة، فجاءوا بناء على مراسلة الذين صلبوا، وكان معهم ألف وخمسمائة فرس، وعدتهم ثلاثون ألف مقاتل من بين فارس وراجل، وكان معهم مائتا شيني وست سفن كبار وأربعون مركبا، وبرز لحربهم أهل الثغر، فحملوا على المسلمين حملة أوصلتهم إلى السور، ففقد من المسلمين فوق المائتين، فلما أصبحوا زحفوا على الإسكندرية، ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وهي كالأبراج، وثلاثة مجانيق تضرب بحجارة سود، استصحبوها من صقلية، فزحفوا إلى أن قاربوا السور، فرأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية ما راعهم. وبعثت بطاقة إلى الملك صلاح الدين وهو نازل على فاقوس، فاستنهض الجيش وبادروا، واستمر القتال.
وفي اليوم الثالث فتح المسلمون باب البلد، وكبسوا الفرنج على غفلة، وحرقوا الدبابات، وصدقوا اللقاء، ودام القتال إلى العصر، ونزل من الله النصر، واستحر بالفرنج القتل. ورد المسلمون إلى البلد لأجل الصلاة، ثم كبروا عند المغرب، وهاجموا الفرنج في خيامهم، فتسلموها بما حوت، وقتلوا من الرجالة ما لا يوصف. واقتحم المسلمون البحر، فغرقوا المراكب وحرقوها، وهربت باقي المراكب، وصار العدو بين أسير وقتيل وغريق، واحتمى ثلاثمائة فارس في رأس تل فأخذوا أسرى، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة، فلله الحمد كثيرا.
وفي آخر السنة هلك مري ملك الفرنج لا رحمه الله، وهو الذي حاصر القاهرة وأشرف على أخذها.
ولما بلغ صلاح الدين سوء تدبير الأمراء في دولة ابن نور الدين كتب إليهم ونهاهم عن ذلك. فكتب إليه ابن المقدم يردعه عن هذه العزيمة، ويقول له:
لا يقال عنك إنك طمعت في بيت من غرسك، ورباك وأسسك، وأصفى مشربك، وأضوى ملبسك، وفي دست ملك مصر أجلسك، فما يليق بحالك غير فضلك وإفضالك. فكتب إليه صلاح الدين: إنه لا يؤثر للإسلام وأهله إلا ما جمع شملهم، وألف كلمتهم، وللبيت الأتابكي، أعلاه الله تعالى، إلا ما حفظ أصله وفرعه، فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، ونحن في واد، والظانون بنا ظن السوء في واد.
وفيها وعظ الطوسي بالتاجية من بغداد، فقال: ابن ملجم لم يكفر بقتله عليا رضي الله عنه، فجاءه الآجر من كل ناحية، وثارت عليه الشيعة، ولولا الغلمان الذين حوله لقتل. ولما هم الميعاد الآخر بالجلوس، تجمعوا ومعهم قوارير النفط ليحرقوه، فلم يحضر، فأحرقوا منبره، وأحضره نقيب النقباء وسبه، فقال: أنت نائب الديوان، وأنا نائب الرحمن. فقال: بل أنت نائب الشيطان. وأمر به فسحب ونفي، فذهب إلى مصر وعظم بها، ولقبه: الشهاب الطوسي.
سنة سبعين وخمسمائة
فيها أعيد أبو الحسن ابن الدامغاني إلى قضاء القضاة ببغداد بعد أن بقي معزولا خمسة عشر عاما.
وفيها أراد المستضيء بالله إعادة ابن المظفر إلى الوزارة، فغضب من ذلك قايماز، وأغلق باب النوبي، وبات العامة وهم بأمر سوء، وقال: لا أقيم ببغداد حتى يخرج منها ابن المظفر هو وأولاده، فإنه عدوي، ومتى عاد إلى الوزارة قتلني، فقيل لابن المظفر: تخرج من البلد. فقال: لا أفعل. فلما شدد عليه قال: إن خرجت قتلت، فاقتلوني في بيتي. فتلطفوا به، فجاء فخر
الدولة ابن المطلب وشيخ الشيوخ، وحلف له قايماز أن لا يؤذيه ولا يتبعه. وأصبح العسكر في السلاح، والدروب تحفظ، ثم خرج بالليل الوزير ابن رئيس الرؤساء وأولاده، وسكن البلد. ثم دخل قايماز إلى الخليفة فاعتذر، ثم خرج طيب النفس. ثم بقيت الرسل تتردد، واستقر الأمر أن ابن رئيس الرؤساء يعبر إلى الجانب الغربي.
وفي رجب تكلم ابن الجوزي، قال: تقدم إلي بالجلوس تحت منظرة أمير المؤمنين، فتكلمت بعد العصر، وحضر السلطان، واكترى الناس الدكاكين، وكان موضع كل رجل بقيراط، حتى إنه اكتريت دكان بثمانية عشر قيراطا، ثم جاء رجل فأعطاهم ستة قراريط حتى جلس معهم. ودرست بالمدرسة التي وقفتها أم الخليفة، وحضر قاضي القضاة، وخلعت علي خلعة، وألقيت يومئذ دروسا كثيرة من الأصول والفروع. ووقف أهل بغداد من باب النوبي إلى باب هذه المدرسة كما يكون العيد وأكثر، وعلى باب المدرسة ألوف، وكان يوما مشهودا لم ير مثله. ودخل على قلوب أرباب المذاهب غم عظيم، وتقدم ببناء دكة لنا في جامع القصر فانزعجوا، وقالوا: ما جرت عادة الحنابلة بدكة؛ فبنيت وجلست فيها.
وكان الأمير تتامش قد بعث إلى بلد الغراف من نهبهم وآذاهم، ونجا منهم جماعة، فاستغاثوا، ومنعوا الخطيب أن يخطب، وفاتت الصلاة أكثر الناس، فأنكر أمير المؤمنين ما جرى، وأمر تتامش وزوج أخته قايماز، فلم يحفلا بالإنكار، وأصرا على الخلاف، وجرت بينهما وبين ابن العطار منابذات، ثم أصلح بينهم. فلما كان الغد، أظهروا الخلاف، وضربوا النار في دار ابن العطار، وطلبوه فاختفى. فطلب الخليفة قايماز، فأبى وبارز بالعناد.
وكان قد حلف الأمراء، وخرج هو وتتامش وجماعة من الأمراء من بغداد، فنهبت العوام دورهم، وأخذوا أموالا زائدة عن الحد.
قال ابن الأثير: ودخل بعض الصعاليك فأخذ أكياس دنانير، وفزع لا يؤخذ منه، فدخل إلى مطبخ الدار، فأخذ قدرة مملوءة طبيخا، فألقى فيها
الدنانير وحملها على رأسه، فضحك الناس منه، فقال: دعوني أطعمه عيالي ثم أستغني بعد ذلك، ولم يبق من نعمة قطب الدين في ساعة واحدة لا قليل ولا كثير. وأما العامة فثاروا بأعوان قطب الدين، وأحرقوا من دورهم مواضع كثيرة، وبقي أهلها في جزع وحيرة، وقصدوا الحلة، ثم طلبوا الشام وقد تقلل جمعهم، وبقي مع قايماز عدد يسير.
ثم خلع على الوزير ابن رئيس الرؤساء، وأعيد إلى الوزارة، وكتب الفقهاء فتاويهم أن قايماز مارق، وذلك في ذي القعدة. ثم جاء الخبر في ذي الحجة أن قايماز توفي، وأن أكثر أصحابه مرضى، فسبحان مزيل النعم عن المتمردين.
وفيها ملك صلاح الدين دمشق بلا قتال، وكتب إلى مصر رجل من بصرى في الرابع والعشرين من ربيع الأول، وقد توجه صاحبها في الخدمة: ثم لقينا ناصر الدين ابن المولى أسد الدين والأمير سعد الدين بن أنر، ونزلنا في الثامن والعشرين بجسر الخشب، والأجناد إلينا متوافية من دمشق. وأصبحنا ركبنا على خيرة الله، فعرض دون الدخول عدد من الرجال، فدعستهم عساكرنا المنصورة وصدمتهم، ودخلنا البلد، واستقرت بنا دار ولدنا، وأذعنا في أرجاء البلد النداء بإطابة النفوس وإزالة المكوس، وكانت الولاية فيهم قد ساءت وأسرفت وأجحفت، فشرعنا في امتثال أمر الشرع.
ثم نازل صلاح الدين حمص، ونصبت المجانيق على قلعتها حتى دكتها. وسار إلى حماة فملكها في جمادى الآخرة، ثم سار إلى حلب وحاصرها إلى آخر الشهر، واشتد على الصالح إسماعيل ابن نور الدين بها الحصار، وأساء صلاح الدين العشرة في حقه، واستغاث الصالح بالباطنية ووعدهم بالأموال، فقتلوا الأمير ناصح الدين خمارتكين وجماعة، ثم قتلوا عن آخرهم. ورجع الناصر صلاح الدين إلى حمص فحاصرها بقية رجب، وتسلمها بالأمان في شعبان. ثم عطف على بعلبك فتسلمها، ثم رد إلى حمص وقد اجتمع عسكر حلب، وكتبوا إلى صاحب الموصل فجهز جيشه، وأمدهم بأخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، فأقبل الكل إلى حماة فحاصروا البلد، فسار صلاح الدين فالتقاهم على قرون حماة، فانكسروا أقبح كسرة، ثم سار إلى جهة حلب.
ثم وقع الصلح بينه وبين ابن زنكي على أن يكون له إلى آخر بلد حماة
والمعرة، وأن يكون لابن نور الدين حلب وجميع أعمالها. وتحالفوا ورد إلى حماة، فجاءه رسل المستضيء بالهدايا والتشريفات والتهنئة بالملك.
ثم سار إلى حصن بارين، فحاصره ثم أخذه.
وأنعم بحمص على ابن عمه الملك ناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه، واستناب بقلعة دمشق أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين. ورجع من حمص فسار إلى بعلبك، فأخذها من الخادم يمن الريحاني ثم أعطاها للأمير شمس الدين محمد ابن المقدم، فعصى عليه في سنة أربع وسبعين فسار إليه، ثم حاصره أشهرا.
ومن كتاب فاضلي إلى العادل نائب مصر عن أخيه صلاح الدين: قد أعلمنا المجلس أن العدو المخذول كان الحلبيون قد استنجدوا بصلبانهم واستطالوا على الإسلام بعدوانهم، وأنه خرج إلى حمص، فوردنا حماة وترتبنا للقاء، فسار العدو إلى حصن الأكراد متعلقا بحبله مفتضحا بحيله، وهذا فتح تفتح له القلوب، قد كفى الله فيه القتال المحسوب.
ومن كتاب فاضلي إلى الديوان العزيز من السلطان مضمونه تعداد ما للسلطان من الفتوحات، ومن جهاد الفرنج مع نور الدين، ثم فتح مصر واليمن وأطراف المغرب، وإقامة الخطبة العباسية بها، ويقول في كتابه: ومنها قلعة بثغر أيلة بناها العدو في البحر، ومنه المسلك إلى الحرمين، فغزوا ساحل الحرم، وقتلوا وسبوا، وكادت القبلة أن يستولى على أصلها، والمشاعر أن يسكنها غير أهلها، ومضجع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتطرق إليه الكفار. وكان باليمن ما علم من الخارج ابن مهدي الملحد، الذي سبى الشرائف الصالحات وباعهن بالثمن البخس واستباحهن، ودعا إلى قبر أبيه وسماه كعبة، وأخذ الأموال، فأنهضنا إليه أخانا بعسكرنا فأخذه، والكلمة هناك بمشيئة الله إلى الهند سامية. ولنا في المغرب أثر أغرب، وفي أعماله أعمال دون مطلبها مهالك، كما المهلك دون المطلب، وذلك أن بني عبد المؤمن قد اشتهر أن أمرهم قد أمر، وملكهم قد عمر، وجيوشهم لا تطاق، وأمرهم لا يشاق، ونحن فتملكنا ما يجاورنا منه بلادا تزيد مسافتها على شهر، وسيرنا إليه عسكرا بعد عسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن ذلك: برقة، قفصة، قسطيلة، توزر؛ كل هذه تقام فيها الخطبة لأمير المؤمنين، ولا عهد لإقامتها من دهر.
وفي هذه السنة كان عندنا وفد نحو سبعين راكبا، كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا، ويرجو منا وعدا ويخاف وعيدا، وسيرنا الخلع والمناشير والألوية. فأما الأعداء الذين يقاتلوننا، فمنهم صاحب قسطنطينة؛ وهو الطاغية الأكبر، والجالوت الأكفر، جرت لنا معه غزوات بحرية، ولم نخرج من مصر إلى أن وصلتنا رسالة في جمعة واحدة نوبتين بكتابين، يظهر خفض الجناح والانتقال من معاداة إلى مهاداة، ومن مفاضحة إلى مناصحة، حتى أندر بصاحب صقلية وأساطيله، وهو من الأعداء، فكان حين علم بأن صاحب الشام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نوبة دمياط فكسروا، أراد أن يظهر قوته المستقلة، فعمر أسطولا استوعب فيه ماله وزمانه، فله الآن خمس سنين يكثر عدته وينتخب عدته، إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى الإسكندرية أمر رائع، وخطب هائل، ما أثقل ظهر البحر مثل حمله، ولا ملأ صدره مثل خيله ورجله، وما هو إلا إقليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قط بنظيره، لولا أن الله خذله.
ثم عدد أشياء، إلى أن قال: والمراد الآن تقليد جامع بمصر واليمن والمغرب والشام، وكل ما تشتمل عليه الولاية النورية، وكل ما يفتحه الله للدولة العباسية بسيوفنا، ولمن يقيم من أخ وولد من بعدنا تقليدا، يضمن للنعمة تخليدا، وللدعوة تجديدا، مع ما تنعم عليه من السمات التي فيها الملك، والفرنج فهم يعرفون منا خصما لا يمل حتى يملوا، وقرنا لا يزال يحرم السيف حتى يحلوا، وإذا شد رأينا حسن الرأي ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله، ويد كل مؤمن تحت برده، واستعدنا أسيرا من المسجد الأقصى الذي أسرى الله إليه بعبده.
وفيها ملك البهلوان بن إلدكز مدينة توريز بالأمان، واستعمل عليها أخاه قرا رسلان، وتسلم مراغة.
قال ابن الأثير في فتنة قطب الدين قايماز: ولما أقام قايماز بالحلة امتنع الحاج من السفر، فتأخروا إلى أن رحل، فبادروا ورحلوا من الكوفة إلى عرفات في ثمانية عشر يوما، وهذا ما لم يسمع بمثله، ومات كثير منهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
سنة إحدى وستين وخمسمائة
(الوفيات)
1 -
أحمد بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن زينة
، أبو عاصم الأصبهاني، أخو أبي غانم محمد.
عدل زاهد فاضل، من أولاد المحدثين. سمع أبا مطيع، وأبا الفتح الحداد، وأبا العباس أحمد بن الحسن بن نجوكة، وأبا سعد المطرز، وطائفة. وعنه جماعة من الأصبهانيين.
توفي في ربيع الأول وله تسع وستون سنة.
2 -
أحمد بن يحيى بن عبد الباقي بن عبد الواحد
، أبو الفضائل الزهري، البغدادي الفقيه، ويعرف بابن شقران.
كان إماما واعظا صوفيا، معيدا بالنظامية. سمع أبا الحسن ابن العلاف، وأبا الغنائم ابن المهتدي بالله. روى عنه إبراهيم الشعار، وأحمد بن منصور الكازروني. وتوفي في المحرم.
وأخوه:
3 -
أحمد أسن منه، ولا أعلم متى توفي. سمع من ثابت بن بندار، روى عنه عمر بن علي القرشي.
ولهما أخ آخر.
4 -
إبراهيم بن الحسن بن طاهر
، الفقيه أبو طاهر ابن الحصني، الحموي الشافعي.
من فقهاء دمشق. روى عن أبي علي بن نبهان، ومحمد بن محمد ابن المهدي، وأبي طالب الزينبي، وأبي طالب اليوسفي، وأبي طاهر الحنائي، وابن الموازيني. روى عنه ابن السمعاني، وابن عساكر، وابنه القاسم، وأبو القاسم بن صصرى، وأبو نصر ابن الشيرازي.
وتوفي بدمشق في صفر، وولد بحماة في سنة خمس وثمانين.
5 -
إسماعيل بن سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ
، شرف الدولة أبو الفضل، الكناني الشيزري الأمير.
أديب فاضل، وشاعر كامل، كان أبوه صاحب شيزر وابن صاحبها، فلما مات أبوه وليها أخوه تاج الدولة، وأقام هو تحت كنف أخيه إلى أن خربتها الزلزلة، ومات أخوه وطائفة تحت الردم، وتوجه نور الدين فتسلمها، وكان إسماعيل غائبا عنها، فانتقل إلى دمشق وسكنها، وكانت الزلزلة في سنة اثنتين وخمسين. ولما سقطت القلعة على أخيه وأولاده وزوجة أخيه خاتون بنت بوري أخت شمس الملوك، سلمت خاتون وحدها وأخرجت من تحت الردم، وجاء نور الدين فطلب منها أن تعلمه بالمال، وهددها، فذكرت له أن الردم سقط عليها وعليهم ولا تعلم بشيء، وإن كان شيء فهو تحت الردم.
فلما حضر إسماعيل وشاهد ما جرى عمل:
نزلت على رغم الزمان ولو حوت يمناك قائم سيفها لم تنزل فتبدلت عن كبرها بتواضع وتعوضت عن عزها بتذلل ومن شعره:
ومهفهف كتب الجمال بخده سطرا يدله ناظر المتأمل بالغت في استخراجه فوجدته لا رأي إلا رأي أهل الموصل
6 -
إسماعيل بن علي بن زيد بن علي بن شهريار
، أبو المحاسن الأصبهاني.
سمع رزق الله التميمي وغيره، وأجاز في هذا العام لأبي المنجى ابن اللتي. وسمع منه الحافظ عبد القادر، وأبو شجاع الديلمي، ومحمد بن محفوظ المعدل، وأبو النجم زاهر بن محمد، وغيرهم.
7 -
جياش بن عبد الله الحبشي
، عبد ابن عفان الواعظ.
روى عن أبي الحسن ابن العلاف. وعنه ابن سكينة، والحسن بن المبارك ابن الزبيدي.
لعله مات أول العام، فإن ابن الحصري سمع منه في شوال سنة ستين.
8 -
الحسن بن سهل بن المؤمل
، أبو المظفر البغدادي الكاتب.
سمع بواسط من أبي نعيم محمد بن إبراهيم الجماري. وحدث ببغداد بمسند مسدد؛ سمع منه إبراهيم الشعار، وعلي بن أحمد الزيدي، وعمر بن علي، وأحمد بن طارق في هذه السنة. ثم رجع ومات بعدها بيسير، وكان مولده في شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
9 -
الحسن بن العباس بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن رستم
، العلامة أبو عبد الله بن أبي الطيب الرستمي الأصبهاني، الفقيه الشافعي.
ولد في صفر سنة ثمان وستين وأربعمائة. وسمع أبا عمرو بن مندة، ومحمود بن جعفر الكوسج، والمطهر بن عبد الواحد البزاني، وإبراهيم بن محمد القفال الطيان، وأبا بكر محمد بن أحمد السمسار، والفضل بن عبد الواحد بن سهلان، وعبد الكريم بن عبد الواحد الصحاف، وأبا عيسى عبد الرحمن بن محمد بن زياد، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وأبا منصور محمد بن أحمد بن شكروية، وأحمد بن عبد الرحمن الذكواني، وسهل بن عبد الله الغازي، وأبا الخير محمد بن أحمد بن ررا، والقاسم بن الفضل الثقفي، ورزق الله التميمي، وطرادا الزينبي، وطائفة سواهم.
روى عنه ابن السمعاني، وابن عساكر، وشرف بن أبي هاشم البغدادي، وأحمد بن سعيد الخرقي، وأبو موسى المديني وقال فيه: أستاذي الإمام أبو عبد الله. ثم ساق نسبه كما تقدم.
وروى عنه جماعة كبيرة؛ منهم الحافظ عبد القادر الرهاوي، وقال: كان
فقيها زاهدا ورعا بكاء، عاش نيفا وتسعين سنة، ومات سنة ستين. كذا قال.
قال: وحضرته يوم موته، وخرج الناس إلى قبره أفواجا، وأملى شيخنا الحافظ أبو موسى عند قبره مجلسا في مناقبه، وكان عامة فقهاء أصبهان تلاميذه، حتى شيخنا أبو موسى عليه تفقه، وروى عنه أبو موسى الحديث، وكان أهل أصبهان لا يثقون إلا بفتواه، وسألني شيخنا السلفي عن شيوخ أصبهان، فذكرته له فقال: أعرفه فقيها متنسكا.
قال أبو سعد السمعاني: إمام متدين ورع، يزجي أكثر أوقاته في نشر العلم والفتيا، وهو متواضع على طريقة السلف، وكان مفتي الشافعية.
قال عبد القادر: سمعت أبا موسى شيخنا يقول: أقرأ المذهب كذا وكذا سنة، وكان من الشداد في السنة، وسعمت بعض أصحابنا الأصبهانيين يحكي عنه أنه كان في كل جمعة ينفرد في موضع يبكي فيه، فبكى حتى ذهبت عيناه. وكنا نسمع عليه وهو في رثاثة من الملبس والمفرش، لا يساوي طائلا، وكذلك الدار التي كان فيها، وكانت الفرق مجتمعة على محبته.
قلت: وروى عنه أبو الوفا محمود بن منده؛ وبالإجازة أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة وأختها صفية، وعاشت إلى سنة ست وأربعين وستمائة؛ وآخر من روى عنه بالإجازة عجيبة بنت الباقداري.
قال أبو موسى: توفي مساء يوم الأربعاء ثاني صفر سنة إحدى وستين.
وقال أبو مسعود الحاجي: توفي عشية يوم الأربعاء غرة صفر سنة إحدى وستين.
وقال أبو سعد السمعاني: إمام فاضل، مفتي الشافعية، وهو على طريقة السلف، له زاوية بجامع أصبهان أكثر أوقاته يلازمها، ورد بغداد حاجا بعد العشرين وحدث بها.
وقال ابن الجوزي في المنتظم: قال الشيخ عبد الله الجبائي: ما رأيت أحدا أكثر بكاء منه. قال الجبائي: وسمعت محمد بن سالار أحد أصحابه
يقول: سمعت شيخي أبا عبد الله الرستمي يقول: وقفت على ابن ماشاذه وهو يتكلم على الناس، فلما كان في الليل رأيت رب العزة في المنام وهو يقول لي: يا حسن، وقفت على مبتدع ونظرت إليه وسمعت كلامه، لأحرمنك النظر في الدنيا، فاستيقظت كما ترى. قال الجبائي: وكانت عيناه مفتوحتين وهو لا ينظر بهما.
10 -
الحسن بن علي ابن الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير
، القاضي مهذب الدين، أبو محمد الغساني الأسواني، أخو القاضي الرشيد أبي الحسين أحمد، وسيأتي في سنة ثلاث.
ولأبي محمد ديوان شعر، وهو أشعر من أخيه.
توفي بالقاهرة في رجب، وأول شعر قاله في سنة ست وعشرين وخمسمائة.
وله في العاضد خليفة مصر:
وإن أمير المؤمنين وذكره قريبان للآي المنزل في الذكر لقول رسول الله: تلقون عترتي معا وكتاب الله في مورد الحشر إذا ما إمام العصر لاح لناظر فوا العصر إن الجاحدين لفي خسر ويكفي الورى منه يتيمة تاجه وما قد حوته من بهاء ومن فخر ولم تر عيني قبلها قط كوكبا يلوح مع الشمس المنيرة في الظهر وما هو إلا البحر ليس بمنكر إذا ما تحلى بالجواهر والدر على أنه لا يقتنيها لحاجة وشمس الضحى تغني عن الأنجم الزهر وقد قابلتها للمظلة هالة به أبدا تسمو على هالة البدر وما هي إلا بعض سحب يمينه وما زال منشأ السحب من لجة البحر ومن شعره:
لا تغررني بمرأى أو بمستمع فما أصدق لا سمعي ولا بصري وكيف آمن غيري عند نائبة يوما إذا كنت من نفسي على غرر وهو القائل:
وما لي إلى ماء سوى النيل غلة ولو أنه - أستغفر الله - زمزم
11 -
الحسين بن عبد الرحمن بن محبوب
، أبو عبد الله البغدادي.
توفي في شعبان عن ست وسبعين سنة.
أصله من غزة، من كبار الشافعية. سمع من أبي الحسين ابن الطيوري، وأبي الحسن ابن العلاف، وأبي غالب الباقلاني. وعنه ابن الأخضر، وداود بن معمر، وابن الحصري، وآخرون.
12 -
الحسين بن علي بن محمد بن علي
، أبو علي ابن قاضي القضاة أبي الحسن ابن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني.
سمع أبيا النرسي، روى عنه عمر بن علي القرشي، وتوفي في رجب.
13 -
زيد بن علي بن زيد بن علي
، أبو الحسين السلمي الدمشقي الدواجي الفقيه.
سمع أباه، وأبا محمد ابن الأكفاني، وجماعة. وتفقه على جمال الإسلام، ورحل إلى بغداد فلقي أبا الفضل الأرموي وطبقته، ومات كهلا في المحرم.
14 -
سعيدة بنت أبي غالب أحمد بن الحسن ابن البناء
.
امرأة صالحة، سمعت عبد الواحد بن فهد العلاف. وعنها السمعاني، وابن الحصري.
ماتت في صفر.
15 -
شعيب بن أبي الحسن علي بن عبد الواحد
، الدينوري ثم البغدادي، أبو الفتوح الخياط.
سمع من أبيه، روى عنه عمر القرشي.
توفي في ربيع الأول.
16 -
عبد الله بن جابر بن عبد الله بن محمد بن علي
، أبو إسماعيل ابن أبي عطية ابن شيخ الإسلام الأنصاري الهروي.
انتهت إليه رئاسة الصوفية بهراة وتقدمهم، وكان ذا قعدد في النسب.
قال أبو سعد السمعاني: كان فيه سلامة، وحج بعد الأربعين وخمسمائة، فسافر لا على سمت الصوفية وأهل العلم. كتبت عنه، وكان يعقد المجالس في الأشهر الثلاثة. سمع أبا الفتح نصر بن أحمد بن محمد الحنفي وطبقته، وكان يحضر مجلسه عالم لا يحصون اعتقادا إلى جده وتبركا بمكانه. ولد سنة خمس وخمسمائة، وتوفي في جمادى الآخرة بهراة.
17 -
عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن رواحة
، أبو محمد الأنصاري الحموي.
ولد بحماة سنة ست وثمانين وأربعمائة، وكان شاعرا مجودا.
قال ابن عساكر: له يد في القراءات وتهجد في الخلوات، دخل بغداد، ومدح المقتفي لأمر الله مرارا، وخلع عليه ثياب الخطابة، وقلده إياها بحماة. وقد أسر ولده في البحر فمات قبل أن يراه، وولد لابنه الحسين بالبحر ولده أبو القاسم عبد الله، ثم خلصه الله، وأتى بابنه إلى الإسكندرية وسمعا الكثير من السلفي، وتوفي هذا الخطيب في المحرم بحماة.
وآخر ما قال:
إلهي ليس لي مولى سواكا فهب من فضل فضلك لي رضاكا وإن لا ترض عني فاعف عني لعلي أن أجوز به حماكا فقد يهب الكريم وليس يرضى وأنت محكم في ذا وذاكا
18 -
عبد الله بن رفاعة بن غدير بن علي بن أبي عمر بن الذيال بن ثابت بن نعيم
، أبو محمد السعدي المصري، الفقيه الشافعي الفرضي.
كان فقيها دينا، بارعا في الفرائض والحساب، ولي القضاء بمصر بالجيزة مدة، ثم استعفى فأعفي، واشتغل بالعبادة. وكان مولده في ذي القعدة سنة سبع وستين وأربعمائة، ولزم القاضي الخلعي، وسمع منه الكثير وقدمه،
وتفقه عليه، وسمع منه السيرة والسنن لأبي داود، والأجزاء العشرين، وغير ذلك. وهو آخر من حدث عنه.
روى عنه محمد بن عبد الرحمن المسعودي، وأبو الجود المقرئ، ومحمد بن يحيى بن أبي الرداد، ويحيى بن عقيل بن شريف بن رفاعة، والقاضي عبد الله بن محمد بن مجلي، والحسن بن عقيل بن شريف، وعبد القوي ابن الجباب، وصنيعة الملك بن هبة الله بن حيدرة، ومحمد بن عماد، وابن صباح، وآخرون.
وتوفي في ذي القعدة.
أخبرنا يحيى بن أحمد ومحمد بن الحسين، قالا: أخبرنا محمد بن عماد قال: أخبرنا ابن رفاعة قال: أخبرنا أبو الحسن الخلعي قال: أخبرنا أبو سعد الماليني قال: أخبرنا عبد الله بن عدي قال: حدثنا الحسن بن الفرج الغزي قال: حدثني يحيى بن بكير قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر «أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة» .
19 -
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي
، أبو محمد الأشيري المغربي، الفقيه الحافظ.
رحل في كبره إلى العراق وإلى الشام، وحدث عن أبي الحسن علي بن عبد الله بن موهب الجذامي، والقاضي عياض. سمع منه عمر بن علي القرشي، ومحمد بن المبارك بن مشق، وأحمد بن أحمد، وأبو الفتوح نصر ابن الحصري، وأبو محمد ابن الأستاذ الحلبي، وآخرون.
وكان عالما بالحديث والإسناد واللغة والنسب والنحو، مجموع الفضائل. حضر أجله باللبوة بين حمص وبعلبك، فحمل ودفن بظاهر بعلبك. وزار قبره السلطان نور الدين، وبر عياله، وأجرى عليهم رزقا.
وقال جمال الدين علي القفطي في أخبار النحاة: إن الأشيري كان
يخدم في بعض الأمور بدولة عبد المؤمن، ولما حصل مع القوم بالأندلس جرى له أمر خشي عاقبته، فانهزم بأهله وكتبه، وقصد الشام، فخرج من البحر إلى اللاذقية وبها الفرنج، فسلمه الله حتى قدم حلب، فنزل على العلاء الغزنوي مدرس الحلاوية، وأقام عنده مدة، وروى لهم عن أبي بكر ابن العربي والقاضي عياض، وأقام إلى سنة تسع وخمسين. واتفق أن الوزير يحيى بن هبيرة صنف كتاب الإفصاح وجمع له علماء المذاهب، فطلب فقيها مالكيا، فذكروا له الأشيري، فطلبه من نور الدين فسيره إليه، فأكرمه، ثم حج من بغداد بعياله سنة ستين، فضاق بهم الحال، فأقام بالمدينة، ثم جاء بمفرده في وسط السنة إلى الشام، فاجتمع بنور الدين بظاهر حمص، فوعده بخير، فاتفق أنه مرض ومات في رمضان باللبوة. وله كتاب تهذيب الاشتقاق الذي للمبرد. ثم إن نور الدين أحضر عائلته مع متولي السبيل، وقرر لهم كفايتهم بحلب، وصار ابنه جنديا.
وقال الأبار: عبد الله بن محمد الصنهاجي الأشيري، سمع أبا جعفر ابن غزلون وغيره. وكان شاعرا، كتب لصاحب المغرب، فلما توفي مخدومه استؤسر ونهبت كتبه، فتوجه إلى الشام. وذكره ابن عساكر، وقال: سمع مني وسمعت منه، وتوفي في شوال. وقال ابن نقطة: سمع من شريح بن محمد وابن العربي، وكان ثقة صالحا حافظا، توفي في رمضان.
قلت: أشير قلعة بالمغرب لبني حماد.
قال ابن النجار: حدثنا عنه ابن الحصري، وقال لي: كان إماما في الحديث، ذا معرفة بفقهه ومعانيه ورجاله ولغته. ثم حكى انزعاج ابن هبيرة وقوله له: ما قلت ليس بصحيح، فانقطع الأشيري، وطلبه الوزير ولاطفه، وما تركه حتى قال له مثل قوله له، ووصله بمال.
20 -
عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد
، أبو طالب ابن العجمي، الحلبي.
من بيت حشمة وتقدم وفضيلة. رحل إلى بغداد فتفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، وأسعد الميهني، وسمع من أبي القاسم بن بيان. وعاد إلى بلده، وتقدم بها. وقدم دمشق رسولا من صاحب حلب، وتولى عمارة المسجد الذي ببعلبك في أيام أتابك زنكي بن آقسنقر. ثم حج وجاور، وتولى عمارة المسجد الحرام من قبل صاحب الموصل، وبنى بحلب مدرسة مليحة ووقف عليها، وكان فيه عصبية وهمة ومحبة للعلماء.
ولد سنة ثمانين وأربعمائة؛ روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وعمر بن علي القرشي، وأبو محمد بن علوان الأستاذ، وأبو القاسم بن صصرى، وآخرون. وتوفي في نصف شعبان.
21 -
عبد الصمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الصمد بن محمد بن تميم
، أبو المعالي التميمي الدمشقي الخطيب الشاهد.
قرأ بروايات، وسمع كثيرا من أبي القاسم النسيب، وأبي طاهر الحنائي. وكان صدوقا أمينا، حدث بشيء يسير، وتوفي في رمضان وله ثمان وستون سنة.
22 -
عبد العزيز بن الحسين
، القاضي الجليس، أبو المعالي ابن الجباب، التميمي السعدي الأغلبي المصري.
كان جليسا لخليفة مصر، من أجلاء الأدباء وكبار الألباء.
توفي عن نيف وسبعين سنة، وهو والد عبد القوي راوي السيرة.
ومن شعره:
ومن عجب أن السيوف لديهم تحيض دماء والسيوف ذكور وأعجب من ذا أنها في أكفهم تأجج نارا، والأكف بحور
23 -
عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست
، وزاد بعض الناس في نسبه إلى أن وصله بالحسن بن علي رضي الله عنه؛ فقال: ابن أبي عبد الله بن عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، الشيخ أبو محمد الجيلي الحنبلي الزاهد، صاحب الكرامات والمقامات، وشيخ الحنابلة، رحمة الله عليه.
ولد بجيلان في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وقدم بغداد شابا فتفقه على القاضي أبي سعد المخرمي. وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار، وأبي غالب الباقلاني، وأبي القاسم بن بيان الرزاز، وأبي محمد جعفر السراج، وأبي سعد بن خشيش، وأبي طالب بن يوسف، وجماعة.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وعمر بن علي القرشي، وولداه عبد الرزاق وموسى ابنا عبد القادر، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، ويحيى بن سعد الله التكريتي، والشيخ علي بن إدريس البعقوبي، وأحمد بن مطيع الباجسرائي، وأبو هريرة محمد بن ليث ابن الوسطاني، وأكمل بن مسعود الهاشمي، وطائفة آخرهم وفاة أبو طالب عبد اللطيف بن محمد ابن القبيطي. وآخر من روى عنه بالإجازة الرشيد أحمد بن مسلمة.
وكان إمام زمانه، وقطب عصره، وشيخ شيوخ الوقت بلا مدافعة.
أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام ببعلبك قال: أخبرنا أبو محمد بن قدامة سنة إحدى عشرة وستمائة قال: أخبرنا شيخ الإسلام محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن المظفر التمار قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح قال: أخبرنا يعقوب بن يوسف القزويني قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: «إن بني إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى، فقام يصلي في القمر فوق بيت المقدس، فذكر أمورا كان صنعها، فخرج فتدلى بسبب، فأصبح السبب معلقا في المسجد وقد ذهب، فانطلق حتى أتى قوما على شط البحر، فوجدهم يصنعون لبنا، فسألهم: كيف تأخذون هذا اللبن؟ قال: فأخبروه فلبن معهم، وكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصلاة تطهر فصلى، فرفع ذلك العمال إلى قهرمانهم: إن
فينا رجلا يفعل كذا وكذا. فأرسل إليه فأبى أن يأتيه؛ ثلاث مرات، ثم إنه جاءه بنفسه يسير على دابته، فلما رآه فر واتبعه فسبقه، فقال: أنظرني أكلمك. قال: فقام حتى كلمه، فأخبره خبره، فلما أخبره خبره، وأنه كان ملكا، وأنه فر من رهبة الله ربه عز وجل، قال: إني لا أظن أني لاحق بك. قال: فلحقه، فعبد الله حتى ماتا برملة مصر. قال عبد الله: لو كنت ثم لاهتديت إلى قبريهما من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي وصف».
قال ابن السمعاني: أبو محمد عبد القادر من أهل جيلان، إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح دين خير، كثير الذكر دائم الفكر، سريع الدمعة. تفقه على المخرمي، وصحب الشيخ حمادا الدباس.
قال: وكان يسكن باب الأزج في المدرسة التي بنوا له، مضيت يوما لأودع رفيقا لي، فلما انصرفنا قال لي بعض من كان معي: ترغب في زيارة عبد القادر والتبرك به؟ فمضينا ودخلت مدرسته، وكانت بكرة، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فلما فرغنا أردت أن أقوم، فأجلسني وقال: حتى نفرغ من الدرس. فألقى درسا على أصحابه ما فهمت منه شيئا، وأعجب من هذا أن أصحابه قاموا وأعادوا ما درس لهم، فلعلهم فهموا لإلفهم بكلامه وعبارته.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كان أبو سعد المخرمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس. وكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط، ويتوب عنده في المجلس خلق كثير، فعمرت المدرسة ووسعت. وتعصب في ذلك العوام، وأقام فيها يدرس ويعظ إلى أن توفي.
قلت: لم تسع مرارة ابن الجوزي بأن يترجمه بأكثر من هذا لما في قلبه له من البغض، نعوذ بالله من الهوى.
أنبأنا أبو بكر بن طرخان أن الشيخ الموفق أخبرهم قال - وقد سئل عن الشيخ عبد القادر رضي الله عنه: أدركناه في آخر عمره، فأسكننا في مدرسته، وكان يعنى بنا، وربما أرسل إلينا ابنه يحيى فيسرج لنا السراج، وربما يرسل إلينا طعاما من منزله، وكان يصلي الفريضة بنا إماما، وكنت أقرأ عليه من حفظي من كتاب الخرقي غدوة، ويقرأ عليه الحافظ عبد الغني من كتاب الهداية، في الكتاب وما كان أحد يقرأ عليه ذلك الوقت سوانا، فأقمنا عنده شهرا وتسعة أيام ثم مات، وصلينا عليه ليلا في مدرسته. ولم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه، ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أجل الدين أكثر منه، وسمعنا عليه أجزاء يسيرة.
قرأت بخط السيف ابن المجد الحافظ: سمعت أبا عبد الله محمد بن محمود المراتبي يقول: سمعت الشيخ أبا بكر العماد رحمه الله قال: كنت قد قرأت في أصول الدين، فأوقع عندي شكا، فقلت: حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر، فقد ذكر أنه يتكلم على الخواطر. فمضيت إلى مجلسه وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة. فقلت في نفسي: هذا قاله اتفاقا. فتكلم ثم التفت إلى الناحية التي أنا فيها فأعاد القول، فقلت: الواعظ يلتفت مرة هكذا، ومرة هكذا. فالتفت إلي ثالثة وقال: يا أبا بكر - فأعاد القول - قم فقد جاء أبوك، وكان غائبا. فقمت مبادرا إلى بيتنا، وإذا أبي قد جاء.
قلت: ونظير هذه الحكاية ما حدثنا الفقيه أبو القاسم بن محمد بن خالد قال: حدثني شيخنا جمال الدين يحيى ابن الصيرفي قال: سمعت أبا البقاء النحوي قال: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: ترى لأي شيء ما ينكر الشيخ هذا؟ فقال الشيخ: يجيء واحد قد قرأ أبوابا من الفقه ينكر. فقلت في نفسي: لعل أنه قصد غيري. فقال: إياك نعني بالقول. فتبت في نفسي من اعتراضي على الشيخ. فقال: قد قبل الله توبتك.
وسمعت شيخنا ابن تيمية يقول: سمعت الشيخ عز الدين أحمد الفاروثي يقول: سمعت شيخنا شهاب الدين السهروردي يقول: عزمت على الاشتغال بالكلام وأصول الدين، فقلت في نفسي: أستشير الشيخ عبد القادر. فأتيته فقال قبل أن أنطق: يا عمر ما هو من عدة القبر، يا عمر ما هو من عدة القبر. قال: فتركته.
وقال أبو عبد الله محمد بن محمود المراتبي: قلت للشيخ الموفق: هل رأيتم من الشيخ عبد القادر كرامة لما أقمتم عنده؟ فقال: لا أظن، لكن كان يجلس يوم الجمعة فكنا نتركه ونمضي لسماع الحديث عند ابن شافع، فكل ما سمعناه لم ننتفع به.
قال السيف: يعني لنزول ذلك، وذلك أنهم سمعوا منه المسند والبخاري.
وقال شيخنا أبو الحسين اليونيني: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر؛ فقيل له: هذا مع اعتقاده، فكيف هذا؟! قال: لازم المذهب ليس بمذهب.
وقال ابن النجار في ترجمة الشيخ عبد القادر: دخل بغداد سنة ثمان وثمانين وله ثمان عشرة سنة، فقرأ الفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي الخطاب، وأبي سعد المبارك المخرمي، وأبي الحسين ابن الفراء - حتى أحكم الأصول والفروع والخلاف. وسمع الحديث. فذكر شيوخه.
قال: وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، واشتغل بالوعظ إلى أن برز فيه، ثم لازم الخلوة والرياضة والسياحة والمجاهدة والسهر والمقام في الخراب والصحراء. وصحب الشيخ حمادا الدباس، وأخذ عنه علم الطريق. ثم إن الله أظهره للخلق، وأوقع له القبول العظيم، فعقد مجلس الوعظ في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وأظهر الله الحكمة على لسانه، ثم جلس في مدرسة شيخه أبي سعد للتدريس والفتوى في سنة ثمان وعشرين، وصار يقصد بالزيارة والنذور. وصنف في الأصول والفروع، وله كلام على لسان أهل
الطريقة عال، روى لنا عنه ولده عبد الرزاق، وأحمد ابن البندنيجي، وابن القبيطي، وغيرهم.
كتب إلي عبد الله بن أبي الحسن الجبائي بخطه قال: قال لي الشيخ عبد القادر: طالبتني نفسي يوما بشهوة، فكنت أضاجرها، وأدخل في درب وأخرج إلى درب أطلب الصحراء، فبينما أنا أمشي إذ رأيت رقعة ملقاة، فإذا فيها: ما للأقوياء والشهوات، إنما خلقت الشهوات للضعفاء ليتقووا بها على طاعتي، فلما قرأتها خرجت تلك الشهوة من قلبي، قال: وقال لي: كنت أقتات بخرنوب الشوك، وورق الخس من جانب النهر.
قرأت بخط أبي بكر عبد الله بن نصر بن حمزة التيمي: سمعت عبد القادر الجيلي قال: بلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد، إلى أن بقيت أياما لا آكل فيها طعاما بل أتبع المنبوذات، فخرجت يوما إلى الشط لعلي أجد ورق الخس والبقل، فما ذهبت إلى موضع إلا وجدت غيري قد سبقني إليه، فرجعت أمشي في البلد، فلا أدرك موضعا قد كان فيه شيء منبوذ إلا وقد سبقت إليه، فأجهدني الضعف، وعجزت عن التماسك، فدخلت مسجدا، وقعدت، وكدت أصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمي ومعه خبز وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع يده باللقمة أن أفتح فمي من شدة الجوع، حتى أنكرت ذلك على نفسي، إذ التفت فرآني، فقال: بسم الله؛ فأبيت، فأقسم علي، فبادرت نفسي إلى إجابته، فأبيت مخالفا لها ولهواها، فأقسم علي، فأجبته، فأكلت مقصرا، وأخذ يسألني: ما شغلك، ومن أين أنت؟ فقلت: أما شغلي فمتفقه، وأما من أين، فمن جيلان، فقال: وأنا والله من جيلان، فهل تعرف لي شابا جيلانيا اسمه عبد القادر، يعرف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب لذلك، وتغير وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد، ومعي بقية نفقة لي فسألت عنك، فلم يرشدني أحد، إلى أن نفدت نفقتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك معي، فلما كان هذا اليوم الرابع قلت: قد تجاوزتني ثلاثة أيام لم آكل فيها
طعاما، وقد أحلت لي الميتة، فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشواء، فكل طيبا، فإنما هو لك، وأنا ضيفك الآن، فقلت: وما ذاك؟ قال: أمك وجهت معي ثمانية دنانير، والله ما خنتك فيها إلى اليوم، فسكنته وطيبت نفسه، ودفعت إليه شيئا منها.
كتب إلي عبد الله بن أبي الحسن الجبائي، قال: قال لي الشيخ عبد القادر: كنت في الصحراء أكرر الفقه وأنا في مشقة من الفقر، فقال لي قائل لم أر شخصه: اقترض ما تستعين به على طلب الفقه، فقلت: كيف أقترض وأنا فقير، ولا وفاء لي؟ قال: اقترض وعلينا الوفاء، قال: فجئت إلى بقال فقلت له: تعاملني بشرط إذا سهل الله لي شيئا أعطيك، وإن مت تجعلني في حل، تعطيني كل يوم رغيفا ورشادا، قال: فبكى وقال: يا سيدي أنا بحكمك، فأخذت منه مدة، فضاق صدري، فأظن أنه قال: فقيل لي: امض إلى موضع كذا، فأي شيء رأيت على الدكة فخذه وادفعه إلى البقلي، فلما جئت رأيت على دكة هناك قطعة ذهب كبيرة، فأخذتها وأعطيتها للبقلي.
قال: ولحقني الجنون مرة، وحملت إلى المارستان، وطرقتني الأحوال حتى مت، وجاؤوا بالكفن، وجعلوني على المغتسل، ثم سري عني وقمت، ثم وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن التي بها، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أين تمشي؟ ودفعني دفعة حتى خررت منها، وقال: ارجع، فإن للناس فيك منفعة، قلت: أريد سلامة ديني، قال: لك ذاك، ولم أر شخصه، ثم بعد ذلك طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاجتزت بالظفرية، ففتح رجل داره، وقال لي: يا عبد القادر، أيش طلبت البارحة؟ فنسيت وسكت، فاغتاظ مني، ودفع الباب في وجهي دفعة عظيمة، فلما مشيت ذكرت الذي سألت الله، فرجعت أطلب الباب، فلم أعرفه، وكان حمادا الدباس، ثم عرفته بعد
ذلك، وكشف لي جميع ما كان يشكل علي، وكنت إذا غبت عنه لطلب العلم ورجعت إليه يقول: أيش جاء بك إلينا؟ أنت فقيه، مر إلى الفقهاء، وأنا أسكت، فلما كان يوم جمعة، خرجت مع الجماعة معه إلى الصلاة في شدة البرد، فلما وصلنا إلى قنطرة النهر، فدفعني ألقاني في الماء، فقلت: غسل الجمعة، بسم الله، وكان علي جبة صوف، وفي كمي أجزاء، فرفعت كمي لئلا تهلك الأجزاء، وخلوني ومشوا، فعصرت الجبة، وتبعتهم، وتأذيت من البرد كثيرا، وكان الشيخ يؤذيني ويضربني، وإذا غبت وجئت يقول: قد جاءنا اليوم الخبز الكثير والفالوذج، وأكلنا وما خبأنا لك وحشة عليك، فطمع في أصحابه وقالوا: أنت فقيه، أيش تعمل معنا؟ فلما رآهم الشيخ يؤذونني غار لي، وقال لهم: يا كلاب، لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله، وإنما أؤذيه لأمتحنه، فأراه جبلا لا يتحرك، ثم بعد مدة قدم رجل من همذان يقال له يوسف الهمذاني، وكان يقال إنه القطب، ونزل في رباط؛ فلما سمعت به مشيت إلى الرباط، فلم أره، فسألت عنه، فقيل: هو في السرداب، فنزلت إليه، فلما رآني قام وأجلسني ففرشني، وذكر لي جميع أحوالي، وحل لي المشكل علي، ثم قال لي: تكلم على الناس، فقلت: يا سيدي أنا رجل أعجمي قح أخرس، أيش أتكلم على فصحاء بغداد؟ فقال لي: أنت حفظت الفقه وأصوله، والخلاف والنحو واللغة وتفسير القرآن، لا يصلح لك أن تتكلم؟ اصعد على الكرسي، وتكلم على الناس، فإني أرى فيك عذقا سيصير نخلة.
قال: وقال لي الشيخ عبد القادر: كنت أؤمر وأنهى في النوم واليقظة، وكان يغلب علي الكلام، ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم حتى أكاد أختنق، ولا أقدر أن أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي، ثم تسامع الناس بي، وازدحم علي الخلق، حتى صار يحضر المجلس نحو من سبعين ألفا.
وقال لي: فتشت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع.
وقال لي: كفي مثقوبة لا تضبط شيئا، لو جاءني ألف دينار لم أبيتها، وكان إذا جاءه أحد بذهب يقول له: ضعه تحت السجادة.
وقال لي: أتمنى أن أكون في الصحارى والبراري، كما كنت في الأول لا أرى الخلق ولا يروني.
ثم قال: أراد الله مني منفعة الخلق، فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسمائة، وتاب على يدي من العيارين والمشالحة أكثر من مائة ألف، وهذا خير كثير.
وقال لي: ترد علي الأثقال الكثيرة، ولو وضعت على الجبال تفسخت، فأضع جنبي على الأرض، وأقول:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني.
وقال لي: إذا ولد لي ولد أخذته على يدي، وأقول هذا ميت، فأخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثر عندي موته شيئا.
وقال ابن النجار: سمعت عبد الرزاق بن عبد القادر يقول: ولد لوالدي تسع وأربعون ولدا، سبعة وعشرون ذكرا، والباقي إناث.
وقال: كتب إلي عبد الله بن أبي الحسن الجبائي، قال: كنت أسمع كتاب الحلية على ابن ناصر، فرق قلبي، وقلت في نفسي: اشتهيت أن أنقطع عن الخلق وأشتغل بالعبادة، ومضيت فصليت خلف الشيخ عبد القادر، فلما صلى جلسنا، فنظر إلي وقال: إذا أردت الانقطاع، فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدب، وإلا فتنقطع وأنت فريخ ما ريشت.
قال ابن النجار: أخبرني أبو عبد الله محمد بن سعيد الشاهد، عن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر قال: سمعت أبا الثناء بن أبي البركات النهرملكي يقول: قال لي صديق لي: قد سمعت أن الشيخ عبد القادر لا يقع على ثيابه الذباب، فقلت: ما لي علم بهذا، ثم بكرنا يوم الجمعة، وحضرنا مجلسه، فالتفت إلي وإليه وقال: أيش يعمل الذباب عندي، لا دبس الدنيا، ولا عسل الآخرة.
قال: وأنبأنا أبو البقاء عبد الله بن الحسين الحنبلي، قال: سمعت يحيى بن نجاح الأديب يقول: قلت في نفسي: أريد أحصي كم يقص الشيخ
عبد القادر شعرا من التواب، فحضرت المجلس ومعي خيط، فكلما قص شعرا عقدت عقدة تحت ثيابي من الخيط، وأنا في آخر الناس، وإذا به يقول: أنا أحل وأنت تعقد؟!.
قال: وسمعت شيخ الصوفية عمر بن محمد السهروردي يقول: كنت أتفقه في صباي، فخطر لي أن أقرأ شيئا من علم الكلام، وعزمت على ذلك من غير أن أتكلم به، فاتفق أني صليت مع عمي الشيخ أبي النجيب، فحضر عنده الشيخ عبد القادر مسلما، فسأله عمي الدعاء لي، وذكر له أني مشتغل بالفقه، وقمت فقبلت يده، فأخذ يدي وقال لي: تب مما عزمت على الاشتغال به، فإنك تفلح، ثم سكت وترك يدي، ولم يتغير عزمي عن الاشتغال بالكلام، حتى شوشت علي جميع أحوالي، وتكدر وقتي، فعلمت أن ذلك بمخالفة الشيخ.
قال: وسمعت أبا محمد ابن الأخضر يقول: كنت أدخل على الشيخ عبد القادر في وسط الشتاء وقوة برده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، وحوله من يروحه بالمروحة، والعرق يخرج من جسده كما يكون في شدة الحر.
قال: وسمعت عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني يقول: سمعت الحافظ عبد الغني يقول: سمعت أبا محمد ابن الخشاب النحوي يقول: كنت وأنا شاب أقرأ النحو، وأسمع الناس يصفون حسن كلام الشيخ عبد القادر، فكنت أريد أن أسمعه، ولا يتسع وقتي لذلك، فاتفق أن حضرت يوما مجلسه، فلما تكلم لم أستحسن كلامه، ولم أفهمه، وقلت في نفسي: ضاع اليوم مني، فالتفت إلى الجهة التي كنت فيها وقال: ويلك تفضل النحو على مجالس الذكر، وتختار ذلك؟! اصحبنا نصيرك سيبويه.
وقال: حكى شيخنا أحمد بن ظفر ابن الوزير ابن هبيرة قال: سألت جدي أن يأذن لي إلى الشيخ عبد القادر، فأذن لي، وأعطاني مبلغا من الذهب، وأمرني أن أدفعه إليه، وتقدم إلي بالسلام عليه، فحضرت، فلما انقضى المجلس ونزل عن المنبر، سلمت عليه، وتحرجت من دفع الذهب إليه في ذلك الجمع، فبادرني الشيخ مستأنفا لفكرتي وقال: هات ما معك، ولا عليك
من الناس، وسلِّم على الوزير، قال: ففعلت وانصرفت مَدهوشًا.
وقال أبو بكر عبد الله بن نصر الهاشمي: حدثني أبو العباس أحمد بن المبارك المُرَقَّعاتي، قال: صحبت الشيخ عبد القادر.
وقال صاحب مرآة الزمان: كان سكوت الشيخ عبد القادر أكثر من كلامه، وكان يتكلم على الخواطر، فظهر له صيت عظيم، وقبول تام، وما كان يخرج من مدرسته إلا يوم الجمعة، أو إلى الرباط، وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم معظم اليهود والنصارى، وما كان أحد يراه إلا في أوقات الصلاة، وكان يصدع بالحق على المنبر، وينكر على من يولي الظلمة على الناس، ولما ولَّى المقتفي القاضي ابن المرخم الظالم، قال على المنبر: وليت على المسلمين أظلم الظالمين، ما جوابك غدا عند رب العالمين؟ وكان له كرامات ظاهرة، لقد أدركت جماعة من مشايخنا يحكون منها جملة؛ حكى لي خالي لأمي خاصبك، قال: كان الشيخ عبد القادر يجلس يوم الأحد، فبت مهتما بحضور مجلسه، فاتفق أنني احتلمت، وكانت ليلة باردة، فقلت: ما أفوت مجلسه، وإذا انقضى المجلس اغتسلت، وجئت إلى المدرسة والشيخ على المنبر، فساعة وقعت عينه علي قال: يا زبير، تحضر مجلسنا وأنت جنب وتحتج بالبرد!
وحكى لي مظفر الحربي، رجل صالح، قال: كنت أنام في مدرسة الشيخ عبد القادر لأجل المجلس، فمضيت ليلة وصعدت على سطوح المدرسة، وكان الحر شديدا، فاشتهيت الرطب وقلت: يا إلهي وسيدي، ولو أنها خمس رطبات، قال: وكان للشيخ باب صغير في السطح، ففتح الباب وخرج، وبيده خمس رطبات، وصاح: يا مظفر، وما يعرفني، تعال خذ ما طلبت، قال: ومن هذا شيء كثير، قال: وكان ابن يونس وزير الإمام الناصر قد قصد أولاد الشيخ عبد القادر، وبدد شملهم، وفعل في حقهم كل قبيح، ونفاهم إلى واسط، فبدد الله شمل ابن يونس ومزقه، ومات أقبح موتة.
قلت: كان الشيخ رضي الله عنه عديم النظير، بعيد الصيت، رأسا في العلم والعمل، جمع الشيخ نور الدين الشطنوفي المقرئ كتابا حافلا في سيرته وأخباره في ثلاث مجلدات، أتى فيه بالبرة وأذن الجرة، وبالصحيح والواهي والمكذوب، فإنه كتب فيه حكايات عن قوم لا صدق لهم، كما حكوا أن الشيخ مشى في الهواء من منبره ثلاث عشرة خطوة في المجلس، ومنها أن الشيخ وعظ، فلم يتحرك أحد فقال: أنتم لا تتحركون ولا تطربون، يا قناديل اطربي. قال: فتحركت القناديل، ورقصت الأطباق.
وفي الجملة فكراماته متواترة جمة، ولم يخلف بعده مثله.
توفي في عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وله تسعون سنة، وشيعه خلق لا يحصون.
قال الجبائي: كان الشيخ عبد القادر يقول: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك.
24 -
عبد العزيز بن علي بن محمد بن سلمة
، أبو الأصبغ ابن الطحان الأندلسي السماني الإشبيلي المقرئ المجود، ويكنى أبا حميد أيضا.
ولد سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بإشبيلية، وأخذ القراءات عن أبي العباس بن عيشون، وأبي الحسن شريح، وروى عنهما، وعن أبي عبد الله بن عبد الرزاق الكلبي، ويحيى بن سعادة، وأحمد بن بقاء صاحب أبي علي بن سكرة، وروى مصنف النسائي، عن أبي مروان بن مسرة، وروى أيضا عن جعفر ابن مكي.
وانتقل بأخرة إلى مدينة فاس، ثم حج ودخل إلى العراق، ثم إلى الشام.
وقرأ بواسط القراءات أيضا، وأقرأها، وكان بارعا في معرفتها وتعليلها وله مصنف في الوقف والابتداء.
قال أبو عبد الله ابن الأبار: حج، وسمع منه، وجل قدره، وصنف تصانيف، وكان أستاذا ماهرا في القراءات، روى عنه عبد الحق الإشبيلي، وعلي بن يونس، وأجاز لشيخنا أبي القاسم بن بقي، وكانت رحلته سنة أربع وخمسين.
وقال ابن الدبيثي: سمعت غير واحد يقول: ليس بالمغرب أعلم بالقراءات من ابن الطحان، قرأ عليه الأثير أبو الحسن محمد بن الحسن بن أبي العلاء، وأبو طالب بن عبد السميع، ونعمة الله بن أحمد بن أبي الهندباء، وغيرهم، وتوفي بحلب بعد الستين.
قلت: كتبته في هذه السنة ظنا لا يقينا.
25 -
عبد الكريم بن محمد بن أبي الفضل بن محمد بن عبد الواحد
، الفقيه أبو الفضائل الأنصاري الحرستاني الدمشقي الشافعي.
قال الحافظ ابن عساكر: ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وسمع جمال الإسلام السلمي، وأبا الحسن بن قبيس، ورحل فسمع ببغداد درس أبي منصور ابن الرزاز، وبخراسان درس محمد بن يحيى، وناب في التدريس عن ابن عصرون بالأمينية، وتوفي في رمضان.
قلت: هو أخو قاضي القضاة جمال الدين عبد الصمد.
26 -
عبد الواحد بن علي بن عبد الواحد الدينوري
، أخو شعيب.
توفي قبل شعيب بأيام في صفر، وله أربع وثمانون سنة.
روى عن أبيه، روى عنه أيضا عمر القرشي.
27 -
علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن جعفر
، أبو الحسن القرشي الحرستاني الدمشقي.
سمع جزء الرافقي بحرستا من أبي عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد في سنة ثمانين وأربعمائة، وكان ذاكرا لسماعه، وهو الذي عرف الطلبة بنفسه لما رآهم يسمعون بحرستا، وقال: ما أنسى ابن أبي الحديد وقد طلع إلى هنا، وسمعنا عليه، وطلعت إلى هذا الأصل الجوز، وفرطت لهم منه وأنا صبي، فدخل الطلبة ونبشوا سماعه وسمعوا منه.
روى عنه الحافظ ابن عساكر، وابنه القاسم، ومحمود بن شتي، وأبو القاسم بن صصرى، وسيف الدولة محمد بن غسان، ومكرم، وكريمة، ولم
يخبرني أحد أنه رأى أصل سماع كريمة منه.
توفي في شوال.
وآخر من روى لنا الجزء المذكور سنقر القضائي بحلب، عن مكرم عنه.
28 -
علي بن أحمد بن محمد ابن الكرخي
، أبو المظفر.
روى عن الحسين بن علي ابن البسري، وتوفي في المحرم وله أربع وثمانون سنة.
29 -
عمر بن ثابت بن علي
، أبو القاسم البغدادي، ويعرف بابن الشمحل.
سمع أبا منصور الخياط، وأبا الحسن ابن العلاف، وتوفي في ذي الحجة، وعنه عمر القرشي، وأحمد بن طارق الكركي.
وعاش خمسا وسبعين سنة، وكان ديوانيا متمولا، فعمل مدرسة للحنابلة درس بها أبو حكيم النهرواني، ثم ابن الجوزي، ثم قبض عليه وصودر وبيعت المدرسة ولم تثبت وقفيتها، وصارت دار أمير.
30 -
محمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن مفرج
، أبو القاسم الأندلسي الشلبي، المعروف بالقنطري.
سمع أبا بكر بن غالب، وأبا الحسين بن صاعد، وجماعة، وبإشبيلية أبا الحكم بن برجان، وأبا بكر ابن العربي، وبقرطبة ابن مغيث، وابن أبي الخصال، وطائفة.
قال الأبار: كان من أهل المعرفة الكاملة بصناعة الحديث، بعيد الصيت في الحفظ والإتقان، جماعة للكتب، وقد شوور في الأحكام، روى عنه يعيش بن القديم الشلبي، وغيره، وتوفي بمراكش في ذي الحجة.
31 -
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن فرج بن سليمان
، أبو
عبد الله القيسي المكناسي الشاطبي، المعروف بابن تريس المقرئ.
سمع من أبى علي بن سكرة، وأبي زيد ابن الوراق، وأبي محمد بن أبي جعفر، وأبي عمران بن أبي تليد، وطائفة، وله معجم شيوخه، وأخذ القراءات عن أبي بكر إبراهيم بن خلف، والشيخ أبي عبد الله ابن الفراء الزاهد، وجماعة.
قال الأبار: تصدر بشاطبة للإقراء، سالكا طريقة جده محمد بن فرج، فأخذ عنه الناس، وكان قديم الطلب، مشاركا في الحديث والأدب، يتحقق في القراءات، مع براعة في الخط، وكتب علما كثيرا، حدث عنه أبو الحجاج بن أيوب، وأبو عمر بن عياد، وأثنى عليه ووصفه بالتقلل من الدنيا، وقال: توفي في جمادى الآخرة وله سبع وستون سنة، وروى عنه ابن سفيان ووصفه بالمشاركة في حفظ التاريخ والبصر بالنحو.
32 -
محمد بن علي بن محمد بن محمد بن أبان
، الحاجب أبو الفضل ابن الوكيل البغدادي.
سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا محمد الحسن ابن رئيس الرؤساء، وتوفي في جمادى الآخرة، كتب عنه أبو المحاسن عمر القرشي.
33 -
محمد بن علي ابن الوزير أبي نصر أحمد ابن الوزير نظام الملك أبي علي الطوسي
.
صدر، إمام، معظم، تفقه على أسعد الميهني، ودرس بمدرسة جدهم ببغداد ستة أعوام، ثم صرف، ثم أعيد سنة سبع وأربعين، وفوض إليه نظر أوقافها، كان ذا جاه عريض، وحرمة تامة، ثم عزل سنة سبع وخمسين، واعتقل مديدة ثم أطلق، فحج سنة تسع وخمسين، ثم سافر إلى دمشق، فأكرم مورده، وولي تدريس الغزالية إلى أن توفي.
وقد سمع من أبي منصور بن خيرون، وأبي الوقت، ولم يرو لأنه مات شابا.
توفي في أوائل صفر.
34 -
محمد بن علي بن محمد بن عمر
، أبو رشيد الباغبان الأصبهاني.
توفي في أواخر ربيع الأول، وله ثمانون سنة أو نحوها.
35 -
محمد بن علي، الأديب أبو الفتح سبط النطنزي
.
توفي في المحرم، وكان من الأدباء البلغاء، له النظم والنثر، سافر البلاد ولقي الأكابر، وسمع من أبي علي الحداد، وغانم البرجي، وببغداد من أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان، كتب عنه أبو سعد السمعاني، والمبارك بن كامل.
وكان محتشما، نديما للملوك، يرجع إلى دين وخير.
ونطنز: بليدة بنواحي أصبهان.
ومن شعره:
يا طالبا للعلم كي تحظى به دينا ودنيا حظوة تعليه اسمعه ثم احفظه ثم اعمل به لله ثم انشره في أهليه
36 -
محمد بن محمد بن أحمد
، أبو الأزهر بن غزال، الواسطي، الكاتب.
ولد سنة خمس وثمانين، وسمع من خميس الحوزي، وأبي نعيم محمد بن إبراهيم الجماري، وكان من كبار الكتاب المتصرفين، روى عنه أحمد بن طارق الكركي، وتوفي في وسط السنة.
37 -
محمد بن محمد بن هبة الله
، أبو بكر القادسي، البغدادي، المغسل.
روى عن أبي سعد بن خشيش، روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي، وتوفي في ربيع الآخر.
38 -
محمد بن يحيى بن محمد بن هبيرة
، الرئيس عز الدين ابن الوزير عون الدين.
ناب في الوزارة عن أبيه مدة، فلما توفي أبوه حبس فهرب من الحبس، وواعد بدويا حتى يهرب به، فنم به وذهب إلى أستاذ الدار، فأخبره به، فأخذه وضربه ضربا مبرحا وألقي في مطمورة، ثم خنق رحمه الله، وأخرج من دار الخلافة ميتا، ثم خنق أخوه شرف الدين ظفر في السنة الآتية.
39 -
محمد بن أبي القاسم بن بابجوك
، الأستاذ أبو الفضل الخوارزمي، البقالي، النحوي، صاحب التصانيف.
ويعرف أيضا بالأدمي، لحفظه في النحو مقدمة الأدمي تلميذ الزمخشري؛ وجلس بعده في حلقته، واشتهر اسمه وبعد صيته، وأقبل الطلبة على تصانيفه.
مات في سلخ جمادى الآخرة، وقد نيف على السبعين.
40 -
مسعود بن محمد بن أحمد
، القاضي أبو الفضائل المديني، الخطيب.
توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة رحمه الله تعالى، قاله عبد الرحيم الحاجي.
41 -
مشرف بن أبي سعد محمد بن إبراهيم الخباز
، والد ثابت.
شيخ بغدادي، سمع بإفادة أخيه المفيد علي من أبي الغنائم ابن المهتدي بالله، ومحمد بن عبد الباقي الدوري، وجماعة، روى عنه ابنه، وعبد الرزاق الجيلي، ومات في صفر.
42 -
معمر بن عسكر بن قاسم
، أبو الحسن المخرمي المؤدب.
سمع أبا بكر أحمد بن سوسن التمار، وأبا القاسم بن بيان، وأبا محمد الحريري البصري.
روى عنه داود بن معمر بن الفاخر في معجمه.
وكان صالحا يؤدب، وهو والد عبد اللطيف الذي روى عنه الأبرقوهي جزء أبي الجهم، توفي في رجب.
43 -
مكي بن محمد بن هبيرة
.
كان أسن من أخيه الوزير عون الدين، كنيته أبو جعفر، وكان فاضلا، شاعرا فقيها، نظم الخرقي في الفقه وقرئ عليه مرارا؛ وولد قبل السبعين.
وخاف عندما سقي أخوه، فنزح عن بغداد، فأدركه الموت بنواحي الموصل في ذي الحجة، وله نحو من تسعين سنة أو أكثر، ولم يسمع إلا من المتأخرين، ولو سمع على مقدار عمره لسمع من أصحاب المخلص.
44 -
هبة الله بن عبد العزيز بن علي
، أبو القاسم الجزري، المعدل.
سمع أبا عثمان بن ملة، روى عنه نصر ابن الحصري بمكة، وتوفي في ذي القعدة ببغداد فيما أرى.
45 -
يوسف بن فتوح
، أبو الحجاج الأندلسي، المريي، العشاب.
سمع أبا علي بن سكرة، وخلف ابن الإمام، وكان ذكيا فاضلا، ولي الشورى ببلده، ثم حج، ونزل بمدينة فاس، وكان له حظ من الفقه، والتفسير، ومعرفة النبات؛ كان يجلبه ويتجر فيه، روى عنه أبو الحسن بن النقرات، وأبو عبد الله بن العقار، ويحيى بن أحمد الجذامي، ويوسف بن أحمد، توفي سنة إحدى أو اثنتين وستين، قاله الأبار.
وقد ذكره ابن فرتون فقال: أخذ بقرطبة عن أبي علي الجياني، وأبي القاسم خلف ابن الإمام الإشبيلي، وتحمل عنه الموطِأ وكان بصيرا بالنبات، وركب من المرية إلى بجاية، فغرقت كتبه بمرسى بجاية، فأتى فاس، وأخفى نفسه عن الرواية، ثم روى الموطأ.
46 -
يوسف بن المبارك
، أبو الفرج ابن البيني الدلال.
سمع أبا القاسم الربعي، وجعفر السراج، وعنه ابن عساكر، وابن الأخضر، وابن الحصري.
مات في ذي القعدة.
47 -
يوسف بن محمد بن سماجة
، أبو الحجاج الداني.
سمع من أبي علي الصدفي ابن سكرة، وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر، وناظر وبرع في الفقه، وكان مائلا إلى علم الكلام وأصول الفقه، مشاركا في الحديث، ولي قضاء دانية، ثم بلنسية، وتوفي على قضائها يوم عيد الفطر، وله ثمان وسبعون سنة.
48 -
أبو عاصم بن الحسين بن زينة
، الأصبهاني المحدث.
أجاز لكريمة، وغيرها، واسمه أحمد، يروي عن أحمد بن أبي الفتح الخرقي، وغير واحد.
توفي في أواخر ربيع الأول.
49 -
أبو الفضائل بن شقران البغدادي
.
قال ابن الجوزي: كان في مبدأ أمره يتتلمذ لأبي العز الواعظ، ثم صار فقيها، ثم صار معيدا بالنظامية، ووعظ، وأخذ ينصر مذهب أبي الحسن الأشعري ويبالغ، فتقدم الوزير ابن هبيرة بمنعه، فأنزل عن المنبر يوم جلوسه، ثم ترك الوعظ، وأقام برباط بهروز مدة.
وتوفي في صفر.
وهو أحمد المذكور في أول السنة.
سنة اثنتين وستين وخمسمائة
50 -
أحمد بن عبد الملك بن محمد
، أبو البركات البزوغائي ثم البغدادي.
سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا الحسين ابن الطيوري، وابن العلاف، سمع منه أبو سعد السمعاني، وحدث عنه ابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وأحمد بن أحمد البندنيجي.
ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ومات في شعبان.
51 -
أحمد بن علي بن الخليل
، أبو العباس الجوسقي، المقرئ، الخطيب، خطيب صرصر.
سمع محمد بن عبد الباقي الدوري، وعبد القادر اليوسفي، وابن الحصين، روى عنه ابنه خليل، وابن الأخضر، وأحمد ابن البندنيجي، ووصفاه بالصلاح.
مات في رمضان عن أربع وسبعين سنة.
52 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد
، أبو عبد الله الأصبهاني، المعدل، المعروف بقلا.
قدم بغداد، وحدث عن غانم البرجي، والحداد، وأبي منصور بن مندويه الشروطي، وجماعة، روى عنه ابن الأخضر، ونصر ابن الحصري.
توفي في سادس شوال بأصبهان.
53 -
أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد
، أبو العابس الأنصاري الأندلسي.
روى عن أبي بكر بن غالب بن عطية، وأبي علي الصدفي، وأبي الحسن ابن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وأبي محمد بن عتاب، وغيرهم.
وكان متقنا للقراءات، والتفسير، والكلام، يغلب عليه علم اللغة.
حدث عنه أبو ذر الخشني، وأبو الخطاب بن واجب، وأبو عبد الله الأندرشي.
ورخه الأبار.
54 -
أحمد بن موهوب بن أحمد النرسي
.
عن ابن بيان الرزاز، وابن العلاف، وعنه عمر القرشي، وأبو الفتوح ابن الحصري.
توفي في شعبان.
55 -
الخضر بن شبل بن عبد
، الفقيه أبو البركات الحارثي، الدمشقي، الشافعي، خطيب دمشق ومدرس الغزالية، والمجاهدية.
كان فقيها، إماما كبير القدر، بعيد الصيت، بنى نور الدين مدرسته التي عند باب الفرج، وجعله مدرسها، وقد قرأ على أبي الوحش سبيع، وسمع منه، ومن ابن الموازيني، وجماعة، روى عنه ابن عساكر، وابنه، وزين الأمناء، وأبو نصر بن الشيرازي، وآخرون.
وذكر له ابن عساكر ترجمة حسنة، فقال: سمع النسيب وأبا طاهر الحنائي، وأبا الحسن ابن الموازيني، وأبا الوحش المقرئ، وجماعة كثيرة.
وصحب أبا الحسن بن قبيس، وتفقه على جمال الإسلام، وأبي الفتح نصر الله المصيصي، وكتب كثيرا من الحديث والفقه، ودرس سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وكان سديد الفتوى، واسع المحفوظ، ثبتا في الرواية، ذا مروءة ظاهرة، لزمت درسه مدة، وعلقت عنه من مسائل الخلاف، وكان عالما بالمذهب، يتكلم في الأصول والخلاف، ولد في شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة، وتوفي في ذي القعدة، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وقد قال السلفي: سمعت أبا البركات الخضر بن شبل صاحبنا بدمشق
يقول: سمعت الشريف النسيب أبا القاسم يقول: أبو علي الأهوازي المقرئ، ثقة ثقة.
56 -
الحسن بن محمد بن هبة الله بن محمد بن علي بن المطلب
، أبو علي ناظر بعقوبا.
سيئ السيرة، سمع ابن العلاف، وابن نبهان، وعنه أحمد بن طارق، مات في ذي الحجة.
57 -
عبد الجليل بن أبي سعد منصور بن إسماعيل بن أبي سعد بن أبي بشر بن محمد
، أبو محمد الهروي، الفامي، المعدل.
قال ابن السمعاني: كان من أهل الخير والصدق، سمع أبا منصور عبد الرحمن بن محمد البوشنجي كلار، وأم الفضل بيبى، وتفرد عنهما، وأبا إسماعيل شيخ الإسلام، وغيرهم.
قلت: روى عنه هو، وابنه عبد الرحيم، وقال: ولد في سادس شعبان سنة سبعين، وروى عنه عبد القادر الرهاوي وهو أعلى شيخ له رواية، وعبد الباقي بن عبد الواسع الأزدي، وآخرون.
ولم يكن بقي في الدنيا أعلى إسنادا منه، وبموته ختم حديث البغوي بعلو، رحمه الله.
58 -
عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الباقي بن محمد
، أبو محمد الزهري، البغدادي.
قال ابن مشق: توفي في ثامن عشر ذي الحجة، ودفن عند أخيه، ومولده في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ويعرف بابن شقران، وهم جماعة إخوة.
سمع هذا من أبي الفضل أحمد بن خيرون، والحسين بن محمد السراج، وهبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وعبد المحسن الشيحي، سمع منه أبو الحسن الزيدي، وأبو المحاسن القرشي، وأحمد بن طارق الكركي، وعبد العزيز ابن الأخضر، وغيرهم.
قال ابن الدبيثي: ولأبي الفضل بن شافع فيه كلام يغمزه به.
قلت: آخر من روى عنه بالإجازة ابن مسلمة.
قال ابن النجار: روى لنا عنه ابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وابن الحصري، وعلي بن مظفر العكبري.
قال عمر بن علي: بان لنا تزوير هذا الشيخ، وعلمنا منه أشياء تبطل روايته.
وقال أحمد بن شافع: كان ذا هنة، قد صحب العلماء لو لم يفسد نفسه بنفسه، ولم يكن من أهل هذا الشأن.
59 -
عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر
، الحافظ الكبير أبو سعد، الملقب بتاج الإسلام، ابن الإمام الأوحد تاج الإسلام معين الدين أبي بكر ابن الإمام المجتهد أبي المظفر التميمي السمعاني المروزي، محدث المشرق، وصاحب التصانيف.
ولد في الحادي والعشرين من شعبان سنة ست وخمسمائة بمرو، وحمله والده أبو بكر إلى نيسابور سنة تسع، وأحضره السماع من عبد الغفار الشيرويي، وأبي العلاء عبيد بن محمد القشيري، وجماعة وأحضره بمرو علي أبي منصور محمد بن علي الكراعي، وغيره.
ومات أبوه سنة عشر في أولها، وتربى أبو سعد بين أعمامه وأهله، فلما راهق أقبل على القرآن والفقه والاشتغال؛ وكبر وأحب الحديث والسماع، وعني بهذا الشأن، ورحل قبل الثلاثين وبعدها إلى خراسان، وأصبهان، والعراق، والحجاز، والشام، وطبرستان، وما وراء النهر، فسمع بنفسه من الفراوي، وزاهر الشحامي، وهبة الله السيدي، وتميم الجرجاني، وعبد الجبار الخواري، والحسين بن عبد الملك الخلال، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وإسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ، وإسماعيل بن أبي القاسم القارئ، وأبي سعد أحمد ابن الإمام أبي بكر محمد بن ثابت الخجندي، وأبي نصر أحمد بن عمر الغازي، وعبد المنعم ابن القشيري، وعبد الواحد بن حمد الشرابي، ومحمد بن محمد الكبريتي، وفاطمة بنت زعبل، وأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وعلي بن علي الأمين، وعبد الرحمن بن محمد الشيباني
القزاز، وعمر بن إبراهيم العلوي الكوفي.
وسمع بمدن كثيرة، وألف معجم البلدان التي سمع بها، وصنف كتاب الأنساب، وكتاب ذيل تاريخ بغداد، وكتاب تاريخ مرو، وعاد إلى وطنه سنة ثمان وثلاثين، فتزوج وولد له أبو المظفر عبد الرحيم، فاعتنى به، وأسمعه الكثير، ورحل به إلى نيسابور ونواحيها، وهراة ونواحيها، وبلخ، وسمرقند، وبخارى، وصنف له معجما، ثم عاد به إلى مرو، وألقى بها عصى الترحال، وأقبل على التصنيف والإملاء والوعظ والتدريس؛ درس بالمدرسة العميدية، وكان عالي الهمة في الطلب، سريع الكتابة جدا، مجتهدا، مضبوط الأوقات، كتب عمن دب ودرج، وجمع معجمه في عشر مجلدات كبار.
قال أبو عبد الله ابن النجار: سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد، وكان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد، لطيف المزاج، ظريفا، حافظا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقا، دينا، جميل السيرة، سمع منه مشايخه وأقرانه، وحدثنا عنه جماعة من أهل خراسان، وبغداد.
قلت: روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وابنه القاسم، وأبو أحمد ابن سكينة، وعبد العزيز بن منينا، وأبو روح عبد المعز الهروي، وأبو الضوء شهاب الشذياني، والافتخار عبد المطلب الهاشمي، وابنه أبو المظفر عبد الرحيم بن السمعاني، ويوسف بن المبارك الخفاف، وأبو الفتح محمد ابن محمد بن عمر الصائغ، وآخرون.
ذكر مصنفاته في تاريخ ابن النجار، وذكر أنه نقلها من خطه:
الذيل على تاريخ الخطيب أربعمائة طاقة، تاريخ مرو خمسمائة طاقة، طراز الذهب في أدب الطلب مائة وخمسون طاقة، الإسفار عن الأسفار خمس وعشرون طاقة، الإملاء والاستملاء خمس عشرة طاقة، معجم البلدان خمسون طاقة، معجم الشيوخ ثمانون طاقة، تحفة المسافر مائة وخمسون طاقة، التحف والهدايا خمس وعشرون طاقة، عز العزلة سبعون طاقة، والأدب في استعمال الحسب خمس طاقات، المناسك ستون
طاقة، الدعوات أربعون طاقة، الدعوات النبوية خمس عشرة طاقة، الحث على غسل اليد خمس طاقات، أفانين البساتين خمس عشرة طاقة، دخول الحمام خمس عشرة طاقة، فضل صلاة التسبيح عشر طاقات، التحايا والهدايا ست طاقات، تحفة العيدين ثلاثون طاقة، فضل الديك خمس طاقات، الرسائل والوسائل خمس عشرة طاقة، صوم الأيام البيض خمس عشرة طاقة، سلوة الأحباب ورحمة الأصحاب خمس طاقات، التحبير في المعجم الكبير ثلاث مائة طاقة، فرط الغرام إلى ساكني الشام خمس عشرة طاقة، مقام العلماء بين يدي الأمراء إحدى عشرة طاقة، المساواة والمصافحة ثلاث عشرة طاقة، ذكرى حبيب رحل وبشرى مشيب نزل عشرون طاقة، الأمالي الخمسمائة مئتا طاقة، فوائد الموائد مائة طاقة، وفضل الهر ثلاث طاقات، الأخطار في ركوب البحار سبع طاقات، الهريسة ثلاث طاقات، تاريخ الوفاة للمتأخرين من الرواة خمس عشرة طاقة، الأنساب ثلاث مائة وخمسون طاقة، الأمالي ستون طاقة، بخار بخور البخاري عشرون طاقة، تقديم الجفان إلى الضيفان سبعون طاقة، صلاة الضحى عشر طاقات، الصدق في الصداقة، الربح في التجارة، رفع الارتياب عن كتابة الكتاب أربع طاقات، النزوع إلى الأوطان خمس وثلاثون طاقة، حث الإمام على تخفيف الصلاة في طاقتين، لفتة المشتاق إلى ساكني العراق أربع طاقات، السد لمن اكتنى بأبي سعد ثلاثون طاقة، فضائل الشام في طاقتين، فضل يس في طاقتين.
توفي - وأبو المظفر ابنه هو الذي ورخه -، في غرة ربيع الأول، وله ست وخسمون سنة.
60 -
عبد الواحد بن الحسين بن عبد الواحد
، أبو محمد البغدادي، البزاز، ويعرف بابن البارزي.
سمع أبا عبد الله النعالي، وابن البطر، ويحيى بن ثابت، روى عنه الحافظ عبد الغني، وأبو الحسن بن رشيد، وأبو طالب بن عبد السميع، وأبو محمد بن
قدامة، وآخرون، وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد أحمد بن مسلمة، وتوفي في شوال، وله اثنتان وثمانون سنة.
أخبرنا عبد الحافظ، قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الواحد، قال: أخبرنا الحسين بن طلحة، قال: حدثنا الحسن بن الحسين ابن المنذر، قال: حدثنا عمر بن دينار إملاء، قال: حدثنا أبو يزيد يوسف بن يزيد بن كامل، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا عثمان بن مكتل، وأنس بن عياض؛ قالا: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» .
قال ابن النجار: كان عبد الواحد شيخا صالحا على طريقة السلف.
61 -
عبد الهادي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مأمون
، أبو عروبة السجستاني الزاهد شيخ الصوفية وإمام سجستان.
يحول من الماضية إلى هنا، فإن فيها ورخه الحافظ يوسف بن أحمد الشيرازي، وقال: كان للمذهب ركنا وثيقا، ولأهل الحديث حصنا منيعا، وكان صلب الدين، خلف جده وخاله في الرد على المبتدعين، وكانت أوراده تستغرق ليله ونهاره، ومناقبه لا تنتهي حتى ينتهى عنها.
وقد سمع عنه الحفاظ لما حج كأبي مسعود كوتاه، وأبي العلاء العطار، وابن ناصر.
رحل إليه الحافظ عبد القادر، فأكثر عنه، وقال: سمع الحديث من
جده عبد الله سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وحج، وسمع المسند من ابن الحصين، وبلغني أنه لما حج قرأ عليه ابن ناصر مسلسلات أبى حاتم ابن حبان، وكان زاهدا، ورعا متواضعا، كثير النوافل، سريع الدمعة، حسن الأخلاق، عاش تسعا وثمانين سنة ما عرفت له زلة، وكان منتشر الذكر في البلاد القاصية بحسن السيرة، وكان له رباط ينزل فيه كل من أراد من القادمين، ووقف عليه نصف قرية، فكان لا يتناول من ذلك شيئا، بل يجعله في نفقة الرباط، ويتعيش بغليلة له يسيرة، ومات وعليه دين؛ هذا مع سعة جاهه بسجستان، حتى عند بعض مخالفيه، بلغنا موته وأنا بهراة بعد مفارقتي له بقليل، فأغلقت أسوار هراة، ومنع الوعاظ من الوعظ، وجلس كبراء هراة من العلماء والرؤساء، والعمال في الجامع عليهم ثياب العزاء، وجلس واعظ وذكر مناقبه، وبكى الناس عليه، كنت يوما عنده، فجاء إنسان فجعل يحدثنا بدخل بغداد، فتعجب وقال: سبحان الله، إنسان يعيش حتى يشيخ، ولا يرى في يد أحد عشرة دنانير! قلت: ولا رأيت في يدك عشرة دنانير؟ قال: ولا خمسة، وكان يعظ في رباطه، فلما جئت إلى عنده قال: الآن أريد أن أشتغل بالحديث، فلم يعظ مدة مقامي، وكان قد ولي سجستان أمير معتزلي، فقصد الشيخ، فخرج من سجستان إلى هراة، وتلقوه ملتقى حسنا، ونزل في رباط شيخ الإسلام، وكان له ابن يقال له عبد المعز، سمع مع أبيه من أبي نصر هبة الله بن عبد الجبار بن فاخر، وكان أعلم من أبيه، وقريبا منه في السيرة والعقل والوقار والحرمة عند الناس، فلم يعش بعد أبيه طائلا، سمعت رجلا بسجستان يقول: خبرت أهل سجستان ليس فيهم أدين من عبد الهادي وأولاده، وكان لديانته قد فوض إليه الوقف وإمامة الجامع، وكان لا يقدر أحد من المخالفين يصلي في الصف الأول من الجامع من غلبة أصحابه، مع قلتهم وكثرة المخالفين، ومساعدة السلطان لمخالفيه.
قلت: توفي في هذه السنة إن شاء الله، فإن فيها كان عبد القادر بهراة، وقد شهد عزاءه.
وأجاز لنا أبو زكريا يحيى ابن الصيرفي الفقيه وغيره، قالوا: أخبرنا
عبد القادر، قال: أخبرنا أبو عروبة عبد الهادي. . . فذكر أحاديث.
62 -
عبيد الله بن سعيد بن حسن ابن الخوزي
، أبو منصور، وكيل الوزير أبي المظفر بن هبيرة.
سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا القاسم بن بيان، روى عنه عبد العزيز ابن الأخضر، وتوفي في ذي الحجة.
أخبرنا ابن الفراء، قال: أخبرنا أبو محمد بن قدامة، قال: حدثنا أبو منصور ابن الخوزي، قال: أخبرنا ابن خشيش، فذكر حديثا.
63 -
علي بن أحمد بن محمد ابن الكرخي
، أبو المظفر الأزجي، أخو محمد والحسن.
شيخ حسن نظيف، منزو في منزله، مشتغل بالخير، سمع أبا الفضل بن خيرون، ومحمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبا بكر الطريثيثي، ومحمد بن أبي نصر الحميدي، وعنه ابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وغيرهما.
مولده في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ومات في المحرم سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
64 -
علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد
، أبو القاسم بن أبي الفضائل الكلابي الدمشقي الفقيه الشافعي الفرضي النحوي، المعروف بجمال الأئمة ابن الماسح.
من علماء دمشق الكبار، ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقرأ لابن عامر وغيره من القراء على أبي الوحش سبيع بن قيراط، وغيره، وسمع أباه، وسبيعا، وأبا تراب حيدرة، وعبد المنعم بن الغمر، وغيرهم، وتفقه على: جمال الإسلام السلمي، ونصر الله المصيصي، وكانت له حلقة كبيرة بالجامع يقرئ فيها القرآن والفقه والنحو، وكان معيدا لجمال الإسلام أبي الحسن بالأمينية،
ودرس بالمجاهدية، وكان حريصا على الإفادة، وعليه كان الاعتماد في الفتوى وقسمة الأرضين.
قلت: روى عنه أبو المواهب وأبو القاسم ابنا صصرى، وجماعة، ومات في ذي الحجة، وقد حدث بكتاب الوجيز للأهوازي في القراءات، عن أبي الوحش سبيع، عنه.
65 -
علي بن أبي سعد محمد بن إبراهيم بن شستان
، أبو الحسن الأزجي، الخباز، وقيل: اسم أبيه ثابت.
كان علي أحد طلبة الحديث ببغداد، وكان يلقب بالمفيد، وهو خال يحيى من بوش، فلذلك سمعه الكثير، سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وأبا الغنائم ابن المهتدي، والفقيه أبا الخطاب فمن بعدهم، وحدث بالكثير، وكان ثقة، فاضلا، ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
روى عنه يحيى بن بوش، والحافظ عبد الغني، وابن الأخضر، والشيخ الموفق، وأبو طالب بن عبد السميع، وعبد العزيز بن باقا، وآخرون، وتوفي في عاشر شعبان.
66 -
علي بن مهدي بن مفرج
، أبو الحسن الهلالي الدمشقي، الطبيب.
سمع أبا الفضل ابن الكريدي، وأبا القاسم النسيب، وأبا طاهر الحنائي، وجماعة، ورحل في الكهولة إلى بغداد، فسمع من القاضي أبي بكر الأنصاري، وأبي منصور بن خيرون، ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان يطب في المارستان، ونسخ الكثير، روى عنه الحافظ ابن عساكر، وأبو نصر ابن الشيرازي، ومكرم التاجر، وكريمة، وآخرون، ومات في ذي الحجة.
67 -
علي بن يوسف بن خلف بن غالب
، أبو الحسن العبدري، الداني.
أخذ القراءات عن عمر بن أبي الفتح، وعتيق بن محمد، وروى عن أبي بكر ابن الخياط، وأبي العباس بن عيسى، وأبي بكر بن برنجال، وتفقه بهم، وأخذ الآداب واللغة عن جماعة.
وكان فقيها، إماما، مفتيا، مشاورا، كبير القدر، بليغا، مفوها، متضلعا من العلوم، عاش ثمانين سنة.
ويقال إنه مات في سنة تسع وخمسين.
68 -
عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن نصر
- بالتحريك -، العلامة أبو شجاع البسطامي، ثم البلخي، إمام مسجد راغوم.
ذكره ابن السمعاني فقال: مجموع حسن وجملة مليحة، مفت، مناظر، محدث، مفسر، واعظ، أديب، شاعر، حاسب.
قال: وكان مع هذه الفضائل حسن السيرة، جميل الأمر، مليح الأخلاق، مأمون الصحبة، نظيف الظاهر والباطن، لطيف العشرة، فصيح العبارة، مليح الإشارة في وعظه، كثير النكت والفوائد، وكان على كبر السن حريصا على طلب الحديث والعلم، مقتبسا من كل أحد، قال لي: ولدت في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، سمع ببلخ أباه، وأبا القاسم أحمد بن محمد الخليلي، وإبراهيم بن محمد الأصبهاني، وأبا جعفر محمد بن الحسين السمنجاني وعليه تفقه، وجماعة كبيرة، كتبت عنه الكثير بمرو وهراة وبخارى، وبسمرقند، وكتب عني الكثير، وحصل نسخة بهذا الكتاب، يعني ذيل تاريخ الخطيب، وكتب إلي من بلخ أبياتا، وهي:
يا آل سمعان ما أسنى فضائلكم قد صرن في صحف الأيام عنوانا معاهد ألفتها النازلون بها فما وهت بمرور الدهر أركانا حتى أتاها أبو سعد فشيدها وزادها بعلو الشأن بنيانا كانوا ملاذ بني الآمال فانقرضوا مخلفين به مثل الذي كانا كانوا رياضا فأهدوا من خلائقه إلى طبائعنا روحا وريحانا
لولا مكان أبي سعد لما وجدوا على مفاخرهم للناس برهانا كأن مآثرها عين الزمان وقد صارت مناقبه للعين إنسانا زان التواريخ بالتذييل مخترعا أعجب بذيل به أضحى جريانا وقاه ربي من عين الكمال فما أبقت علاه لرد العين نقصانا
قلت: سمع من الخليلي مسند الهيثم بن كليب، وغريب الحديث لابن قتيبة، والشمائل للترمذي، وصنف كتابا في أدب المريض والعائد.
وقال ابن السمعاني في موضع آخر: لا يعرف أجمع للفضائل منه مع الورع التام، وسمع الإمام أبا حامد أحمد بن محمد الشجاعي، وأبا نصر محمد بن محمد الماهاني، وعبد الرحمن بن عبد الرحيم القاضي، وجماعة كثيرة.
قلت: روى عنه أبو سعد السمعاني، وابنه عبد الرحيم، وابن الجوزي، والافتخار عبد المطلب الهاشمي، والتاج الكندي، وعبد الوهاب ابن سكينة، وأبو الفتح المندائي، وأبو روح عبد المعز الهروي، وآخرون.
توفي سنة اثنتين ببلخ.
69 -
قرا رسلان بن داود بن سقمان بن أرتق بن أكسب
، الأمير فخر الدين صاحب حصن كيفا وأكثر ديار بكر.
لما احتضر بعث إلى الملك نور الدين يقول: بيننا صحبة في الجهاد وأريد أن ترعى ولدي، ولما توفي تملك بعده ولده نور الدين محمد، فحماة الملك نور الدين وذب عنه، ومنع أخاه قطب الدين من قصده، قاله ابن الأثير.
70 -
قيس بن محمد بن إسماعيل
، أبو عاصم السويقي، المؤذن.
شيخ أصبهاني فاضل، صوفي، مؤذن بجامع أصبهان.
ذكره ابن السمعاني فقال: كان حسن السيرة والطريقة، وكان رفيقا لأبي نصر اليونارتي إلى بغداد، فسمع بقراءته بها من أبي الحسين ابن الطيوري، وغيره.
قلت: وسمع من أبي الحسن ابن العلاف، والحسن بن محمد بن
عبد العزيز التككي، وأبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وابن بيان، وابن نبهان، وعبد الله بن علي ابن الآبنوسي، وغيرهم، وانتقى له اليونارتي جزءا، وسمع منه الفضلاء.
قال أبو سعد السمعاني: لحقته وما اتفق لي السماع منه، وحدثني عنه جماعة.
قال الحافظ الضياء، ومن خطه نقلت: سمعت أبا الضوء شهاب بن محمود يقول: سمعت أبا سعد عبد الكريم بن محمد يقول: سمعت محمد بن أبي نصر بن الحسن الخونجاني بأصبهان يقول: سمعت أبا عاصم قيس بن محمد الصوفي يقول: سمعت المبارك بن عبد الجبار بن أحمد يقول: سمعت محمد بن علي الصوري الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن علي الأنطاكي يقول: سمعت ابن الشعشاع المصري يقول: رأيت أبا بكر ابن النابلسي بعدما قتل في المنام وهو في أحسن هيئة، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال:
حباني مالكي بدوام عز وواعدني بقرب الانتصار وقربني وأدناني إليه وقال: أنعم بعيش في جواري
قلت: أنبأنا بذلك أحمد بن سلامة عن يحيى بن بوش، عن أحمد بن عبد الجبار، عن الصوري كتابة.
وقد روى عنه بالإجازة أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة القرشية، وتوفي في سابع عشر جمادى الآخرة وهو في عشر التسعين.
71 -
محمد بن إبراهيم بن ثابت
، أبو عبد الله المصري الكيزاني الواعظ المقرئ.
من شيوخ المصريين الفضلاء، توفي في المحرم، وله كلام في السنة، وشعر جيد كثير في الزهد، وكان زاهدا ورعا، له أصحاب ينتمون إليه.
وقيل: توفي في ربيع الأول.
قال أبو المظفر سبط الجوزي: إنه توفي في سنة ستين، فيحرر هذا.
وقال: كان يقول بأن أفعال العباد قديمة، وبينه وبين المصريين خلاف
وكان قد دفن عند الشافعي، فتعصب عليه الخبوشاني الشافعي ونبشه وقال: هذا حشوي لا يكون عند الشافعي، ودفن في مكان آخر.
من شعره:
يا من يتيه على الزمان بحسنه اعطف على الصب المشوق التائه أضحى يخاف على احتراق فؤاده أسفا لأنك منه في سودائه
72 -
محمد بن أبي سعد الحسن بن محمد بن علي بن حمدون
، أبو المعالي الكاتب المعدل، كافي الكفاة، بهاء الدين البغدادي.
من بيت فضل ورئاسة هو وأبوه، وكان ذا معرفة تامة بالأدب والكتابة، وله أخوان: أبو نصر، وأبو المظفر.
سمع في سنة عشر وخمسمائة من إسماعيل بن الفضل الجرجاني، روى عنه ابنه أبو سعد الحسن، وأحمد بن طارق الكركي، وأحمد بن أبي البقاء العاقولي، وصنف كتاب التذكرة في الآداب والنوادر والتواريخ، وهو كبير مشهور.
وكان عارض الجيش المقتفوي، ثم صار صاحب الزمام المستنجدي.
قال العماد في الخريدة: وقف الإمام المستنجد على حكايات رواها ابن حمدون في التذكرة توهم غضاضة على الدولة، فأخذ من دست منصبه وحبس، ولم يزل في نصبه إلى أن رمس.
توفي في ذي القعدة محبوسا وله سبع وستون سنة.
وتوفي أخوه أبو نصر في سنة خمس وأربعين.
73 -
محمد بن عبد العزيز بن بادار القزويني ثم الطوسي، أبو جعفر زوج كهر بنت زاهر الشحامي.
قال أبو سعد السمعاني: سمعت منها، ومات هو في المحرم سنة اثنتين عن أربع وتسعين سنة، سمع من شيخنا عبد الغفار الشيرويي.
74 -
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد
، أبو المعالي
ابن الجبان الحريمي، المعروف بابن اللحاس العطار.
سمع من جده أبي الحسن محمد، وعبد الله بن عطاء الهروي الإبراهيمي، وطراد الزينبي، والحسين بن محمد بن الحسين السراج، وغيرهم، وأجاز له أبو القاسم ابن البسري، وهو آخر من روى عن أكثر هؤلاء المسمين.
وقد سمع من جده سنة ثمان وسبعين عن أحمد بن علي البادي في حياة أبي نصر الزينبي، وقد روى الكثير عن ابن البسري بالإجازة، وكان يمكنه أيضا السماع منه، فإنه ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتوفي في تاسع عشر ربيع الآخر وله أربع وتسعون سنة.
روى عنه أبو سعد السمعاني، ويوسف بن المبارك البيع، وعبد الرحمن بن إسماعيل ابن السمذي، وعمر بن عيسى البزوري، وعبد الغني بن عبد العزيز ابن البندار، وأبو بكر محمد بن المبارك المستعمل، وأفضل بن المبارك الشنكاتي، ومحمد بن أبي البركات بن صعنين، وأبو بكر محمد بن الحسن ابن البواب الأمين، وأبو المنجى ابن اللتي، والأنجب بن أبي السعادات الحمامي، ومحمد بن محمد بن الحسن السباك، وأحمد بن يعقوب المارستاني، وغيرهم.
قال ابن الدبيثي: ثقة، صحيح السماع.
وقال ابن النجار: كان شيخا صالحا، عفيفا، صدوقا، ظريفا، حسن الأخلاق، لطيفا، حدث بالكثير.
75 -
محمد بن أبي القاسم بن بابجوك
، زين المشايخ أبو الفضل الخوارزمي، البقالي النحوي، الملقب بالأدمي لحفظه كتاب الأدمي في النحو.
قال لنا أبو العلاء الفرضي: ذكره الحافظ محمود بن محمد بن أرسلان الخوارزمي في تاريخ خوارزم فقال: كان إماما حجة في العربية، أخذ عن الزمخشري، وخلفه في حلقته، وصنف كتاب شرح الأسماء الحسنى،
وكتاب أسرار الأدب وافتخار العرب، وكتاب مفتاح التنزيل، وكتاب الترغيب في العلم، وكتاب كافي التراجم بلسان الأعاجم، وكتاب الأسمى في سرد الأسماء، وكتاب أذكار الصلاة والهداية في المعاني والبيان، وكتاب إعجاز القرآن، وكتاب مياه العرب، وكتاب تفسير القرآن، وغير ذلك، وقد سمع في الكهولة من عمر بن محمد بن حسن الفرغولي، وغيره، توفي بجرجانية خوارزم في شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين، وله نيف وسبعون سنة.
76 -
المبارك بن علي بن محمد بن علي بن خضير
، أبو طالب الصيرفي البغدادي.
قال أبو سعد في الذيل: سمع الكثير بنفسه ونسخ، وله جد في السماع والطلب على كبر السن، وهو جميل الأمر، سديد السيرة، سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبا الغنائم ابن النرسي، وأبا القاسم الرزاز، وأبا الحسن بن مرزوق، وأبا طالب اليوسفي، وخلقا يطول ذكرهم، ورحل إلى دمشق وسمع بها أبا الحسن بن المسلم، وهبة الله بن الأكفاني، وغيرهما، وخرج له أبو القاسم الدمشقي جزءا عن شيوخه، سمعت منه، وسمع مني، وسألته عن مولده فقال: سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة بالكرخ.
وقال ابن الدبيثي: حدث بالكثير، وحدثنا عنه أبو الفرج ابن الجوزي، وابن الأخضر، وأبو طالب الهاشمي، وغيرهم، وكان ثقة.
قلت: روى عنه أيضا الحافظ عبد الغني، وابن قدامة، ومنصور ابن المعوج، وأحمد بن أبي الفتح بن المعز الحراني، وعدة، وأجاز لابن مسلمة.
توفي في ثالث عشر ذي الحجة.
77 -
المبارك بن المبارك بن صدقة
، أبو الفضل البغدادي السمسار الخباز.
سمع أبا عبد الله بن طلحة النعالي، وطراد بن محمد الزينبي، روى عنه عمر بن علي، وعلي بن أحمد الزيدي، وأحمد بن أحمد البزاز، وعمر بن جابر، والحافظ عبد الغني، وابن قدامة، وأجاز للرشيد بن مسلمة، وتوفي في تاسع عشر ربيع الآخر، وله إحدى وثمانون سنة.
78 -
محمود بن محمد بن هبيرة
، الخطيب أبو غالب، أخو الوزير عون الدين.
روى عن ابن الحصين، وكان زاهدا عابدا، يخطب بقريته، توفي في شعبان، وقد حدث.
79 -
مسعود بن الحسن بن القاسم بن الفضل بن أحمد بن أحمد بن محمود بن عبد الله بن إبراهيم
، الرئيس المعمر، أبو الفرج بن أبي محمد ابن الرئيس المعتمد أبي عبد الله الثقفي الأصبهاني، مسند الوقت ورحلة الدينا.
كان شيخا حسنا، رئيسا، جليلا، ولد سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وأجاز له الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، وأبو الغنائم عبد الصمد ابن المأمون، وأبو الحسين ابن المهتدي بالله، وغيرهم في سنة ثلاث وستين من بغداد على ما نقله أبو الخير عبد الرحيم بن محمد بن موسى، واتهم أبو الخير، وكذبه في ذلك الحافظ أبو موسى المديني، نقله ابن النجار.
وسمع من جده، وأبي عمرو بن منده، وأبي عيسى بن زياد، والمطهر بن عبد الواحد البزاني، ومحمد بن أحمد السمسار، وإبراهيم بن محمد الطيان، وسهل بن عبد لله بن علي العلوي، وأبي نصر محمد بن عمر تانة، وأبي الخير محمد بن أحمد بن ررا، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وغانم بن عبد الواحد، وأحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد، وطائفة سواهم.
وخرجت له الفوائد في تسعة أجزاء، وطال عمره حتى ألحق الصغار بالكبار، وتفرد في الدنيا عن كثير من شيوخه.
روى عنه خلق، منهم محمد بن يوسف الآملي، وعبد الله بن أبي الفرج الجبائي، والحسين بن محمد الجرباذقاني، وعبد الأول بن ثابت المديني، وعبد القادر الرهاوي، وعبد الملك بن محمد المديني، ومحمد بن إبراهيم الأصبهاني، ومحمد بن مكي الحنبلي الحافظ، ومحمود بن محمد الحداد، وأبو الوفاء محمود بن منده، وبالإجازة أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة وأختها صفية، ولو عاش أحد من أصحابه من نسبة ما عاش هو بعد شيوخه لبقي إلى بعد الخمسين وستمائة.
توفي يوم الاثنين غرة رجب، وله مائة سنة، وآخر من روى عنه بالإجازة عجيبة بنت أبي بكر الباقداري.
قال السمعاني: لم يتفق أن أسمع منه شيئا لاشتغالي بغيره، وما كانوا يحسنون الثناء عليه، والله يرحمه، وقد حدثني محمد بن عبد الرحمن الفيج أنه قرأ على الرئيس أبي الفرج جميع تاريخ الخطيب في سنة ستين وخمسمائة، وكتب إلي بالإجازة.
80 -
هبة الله بن الحسن بن هلال
، أبو القاسم الدقاق.
أسند من بقي ببغداد، كان يسكن الظفرية، سمع عاصم بن الحسن العاصمي، والبانياسي، والخطيب أبا الحسن الأنباري، وغيرهما، ولد سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وقال: كان شيخا لا بأس به، ظاهره الخير والصلاح.
وروى عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق وقال: هو فيما أظن أقدم مشايخنا سماعا، ومحمد بن عمر ابن الذهبي، وإسماعيل بن باتكين الجوهري، وعبد اللطيف بن محمد القبيطي، وآخرون، وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد بن مسلمة.
قال ابن مشق: توفي في تاسع عشر المحرم.
81 -
يزيد بن عبد الجبار بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ
، أبو خالد الأموي، المرواني، القرطبي، من أولاد أصحاب الأندلس.
روى عن أبيه، وأبي محمد بن عتاب، وعبد الجليل بن عبد العزيز المقرئ، وابن مغيث، وطائفة، وكان بصيرا بالقراءات والعربية، أخذ عنه أبو جعفر بن يحيى، وأبو القاسم بن بقي، وجلس للإقراء، وله مصنف في قراءة نافع.
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
82 -
أحمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس
، أبو العباس التجيبي، المرسي.
أجاز له أبو داود سليمان بن أبي القاسم، وسمع من والده، وأبي علي بن سكرة، وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر.
قال الأبار: وكان فقيها حافظا، مدرسا، ولي قضاء بلده، وحدثنا عنه أبو عمر بن عباد، وابنه محمد، وأبو محمد بن سفيان، توفي في حادي عشر ذي الحجة.
83 -
أحمد بن عبد الغني بن محمد بن حنيفة الباجسرائي
، أبو المعالي التاني.
سكن بغداد، وسمع من نصر بن البطر، والحسين ابن البسري، وجعفر ابن السراج، وأبي منصور الخياط، وثابت بن بندار، وجماعة، وحدث بالكثير، روى عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو طالب علي بن محمد الحاجب، ومحمد بن عماد الحراني، وعبد اللطيف ابن القبيطي، وأبو إسحاق الكاشغري، وآخرون، روى عنه بالإجازة الرشيد بن مسلمة.
قال ابن الجوزي: كان ثقة.
وقال ابن الدبيثي: خرج إلى همذان لدين عجز عن وفائه، فأقام بها يسيرا، ومات في رمضان، ولم يحدث بها.
84 -
أحمد بن علي ابن الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن الزبير
، القاضي الرشيد أبو الحسين الغساني الأسواني، الكاتب الشاعر.
من بيت رياسة وتقدم بالديار المصرية، ذكره السلفي فقال: ولي
النظر بالإسكندرية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، ثم قتل ظلما وعدوانا في المحرم سنة ثلاث.
وأما العماد الكاتب فقال فيه: الخضم الزاخر، والبحر العباب، قتله شاور ظلما لميله إلى أسد الدين شيركوه، كان أسود الجلدة، سيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة، والرياضيات، والعلوم الشرعية، والآداب، والشعريات، فمن شعره:
جلت لدي الرزايا بل جلت هممي وهل يضر جلاء الصارم الذكر غيري يغيره عن حسن شيمته صرف الزمان وما يلقى من الغير لو كانت النار للياقوت محرقة لكان يشتبه الياقوت بالحجر لا تغررن بأطماري وقيمتها فإنما هي أصداف على درر
وسافر رسولا من مصر إلى اليمن، فمدح جماعة من ملوكها، منهم علي بن حاتم بقوله:
لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا فلست أنال القحط في أرض قحطان ومذ كفلت لي مأرب بمآربي فلست على أسوان يوما بأسوان وإن جهلت حقي زعانف خندف فقد عرفت فضلي غطارف همدان فحسده الداعي لبني عبيد في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى بني عبيد، فكان سبب الغضب عليه، ثم أمسكه وقيده، وأنفذه إلى مصر، فقتله شاور.
وهو أخو المهذب الشاعر المذكور في سنة إحدى.
85 -
أحمد بن عمر بن حسين بن خلف
، الإمام المفتي الواعظ أبو العباس القطيعي، قطيعة باب الأزج.
قال ابن الدبيثي: هو والد شيخينا محمد وعليّ، صحب القاضي أبا يعلى محمد بن محمد ابن القاضي أبي يعلى، وتفقه عليه، وتكلم في الوعظ.
وسمع أبا الفرج بن يوسف، والفضل بن سهل الإسفراييني، وابن الزاغوني، سمع منه ابنه محمد، وتوفي رحمه الله في رمضان وله إحدى وخمسون سنة.
قال ابن النجار: تكلم في مسائل الخلاف، وكان حسن المناظرة، لازم أبا يعلى الصغير حتى برع في الفقه، وسمع أبا منصور القزاز.
86 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد
، الإمام أبو القاسم قاضي قرطبة.
تفقه على والده، ولازمه طويلا، وسمع من أبي محمد بن عتاب، وأجاز له: أبو عبد الله ابن الطلاعي، وأبو علي الغساني.
قال ابن بشكوال: كان خيرا، فاضلا، عاقلا، ظهر بنفسه وأبوته، محببا إلى الناس، طالبا السلامة منهم، بارا بهم، توفي في رابع عشر رمضان، وولد سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
87 -
أحمد بن محمد بن علي بن صالح
، أبو المظفر الكاغدي الوراق.
بغدادي مشهور، سمع أبا بكر الطريثيثي، وأبا القاسم بن بيان، وأبا الخطاب بن الجراح، وأبا الحسين ابن الطيوري، وأحمد بن قريش، روى عنه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وإبراهيم بن عثمان الكاشغري، وآخرون.
توفي في رجب، وهو راوي مشيخة الفسوي.
88 -
أحمد بن المقرب بن الحسين بن الحسن
، أبو بكر بن أبي منصور الكرخي البغدادي.
سمع طراد بن محمد الزينبي، ونصر بن البطر، وأبا طاهر بن سوار، وجعفر السراج، وابن طلحة النعالي، وجماعة.
قال أبو سعد السمعاني: شيخ كيس سيد متودد، سمعت منه أحاديث، قال لي: ولدت ليلة عرفة سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
قلت: روى عنه هو وابن الجوزي، والحافظ عبد الغني، وموفق الدين المقدسي، وأبو علي أحمد بن المعز الحراني، والحسين بن علي ابن رئيس الرؤساء، وعبد اللطيف ابن القبيطي، وأبو بكر محمد بن سعيد بن الخازن، وطائفة سواهم.
توفي في ذي الحجة، وأجاز لغير واحد، أثنى عليه الحفاظ، ووثقه ابن الجوزي.
قال ابن النجار: سمع بنفسه من جعفر السراج، وابن الطيوري، وكتب بخطه، وحصل، وكان صدوقا متواضعا، ربما حدث من لفظه، وكانت له أصول، حدثنا عنه أبو أحمد بن سكينة، وابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري.
وقال غيره: قرأ القراءات، وتفقه على مذهب الشافعي، وتصوف، توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة.
89 -
أحمد بن هبة الله بن عبد القادر ابن المنصوري
، الهاشمي، أبو العباس.
بغدادي شريف، روى عن علي بن عبد الواحد الدينوري.
90 -
ألتنتاش بن كمشتكين
، أبو منصور المظفري الصوفي.
ذكر أنه سمع من جعفر السراج.
حدث عن أبي طاهر بن يوسف، وعنه عبد الله بن أحمد الخباز، عاش ثمانين سنة.
91 -
الأعز بن عبد السيد
، أبو الفضل السلمي الحاجب.
روى عن أبي علي بن نبهان، وأبي طالب بن يوسف، سمع منه عمر بن علي القرشي، وأحمد بن طارق.
توفي في صفر ببغداد.
92 -
بدر بن سعد
، أبو النجم ابن الأشقر الأزجي.
روى عن أبي عثمان بن ملة، روى عنه أبو الفتوح محمد بن علي ابن الجلاجلي، وغيره، وعاش ثلاثا وثمانين سنة.
93 -
تركناز بنت عبد الله بن محمد بن علي ابن الدامغاني
، أخت جعفر.
من بيت قضاء ورياسة ببغداد، سمعت: أبا عبد الله بن طلحة النعالي، روى عنها ابن السمعاني، وعمر بن علي القرشي، ومحمد بن محمد بن حرب النرسي، وسعيد بن محمد بن ياسين، وغيرهم.
توفيت في ربيع الآخر.
94 -
تمني بنت علي بن محمد بن عليان البواب البغدادي
، تدعى ست القضاة.
روت عن أبي القاسم الربعي، وعنها عمر القرشي، وعلي الزيدي، وأبو الفتوح ابن الحصري.
95 -
جعفر بن أحمد بن علي ابن المجلي
، أبو الفضل بن أبي السعود.
بغدادي من أولاد الشيوخ، سمع أباه، وأبا القاسم بن بيان، روى عنه ابن السمعاني فيما أحسب، وعبد العزيز ابن الأخضر، وتوفي في ذي الحجة.
96 -
جعفر بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد الثقفي الكوفي الأصل
، قاضي القضاة أبو البركات ابن قاضي القضاة أبي جعفر.
ولي أبوه قضاء العراق سنة خمس وخمسين فاستناب ولده هذا، ثم توفي بعد أشهر، فولي مكان والده في صفر سنة ست، فلما مات الوزير عون الدين سنة ستين ناب أبو البركات في الوزارة مضافا إلى قضاء القضاة، وهذا أمر
فضيع كما ترى، فلما قدم أبو جعفر أحمد ابن البلدي من واسط في صفر سنة ثلاث وستين قلد الوزارة.
سمع أبو البركات من أبي القاسم بن الحصين، وهبة الله بن الطبر، وجماعة، سمع منه أبو المحاسن القرشي، وغيره، وتوفي في جمادى الآخرة، وله ست وأربعون سنة.
ذكره ابن الدبيثي، وغيره.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كان سبب موته أنه طولب بمال أخرجه عليه رجل من أهل الكوفة، فضاق صدره وأشرف على بيع عقاره، وكلمه الوزير ابن البلدي بكلمات خشنة فقاء الدم ومات.
وكان جده أبو الحسين قاضيا.
97 -
جوهر بن لؤلؤ الإسكندري المقرئ
.
قال الحافظ ابن المفضل: عنده الطرطوشي، وابن الخطاب، سمعنا منه رحمه الله تعالى.
98 -
الحسين بن علي بن حماد
، أبو القاسم الجبائي.
من كبار الحنابلة، وجبى: من قرى السواد، وهو أخو المقرئ دعوان، روى عن أبي القاسم بن بيان، وأبي النرسي، روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وغيره.
توفي في المحرم.
قال ابن النجار: حدثنا عنه ابن الحصري؛ وكان فقيها، ورعا، كثير العبادة، منقطعا، تفقه على أبي الخطاب.
99 -
الحسين بن محمد بن حسين بن علي بن عريب
، الإمام أبو علي الأنصاري، الطرطوشي، المقرئ.
أخذ القراءات بطرطوشة عن أبي محمد بن مؤمن، وبسرقسطة عن ابن الوراق.
وتفقه بقاضي طرطوشة أبي العباس بن مسعدة، وتأدب على جماعة، وأخذ القراءات أيضا عن أبي علي بن سكرة، وأبي الحسن، وغير واحد، وكان ابن سكرة قد حمل القراءات عن أبي طاهر بن سوار، وغيره، وسمع أدب الكاتب لابن قتيبة بطرطوشة، من أبي العرب الصقلي الشاعر، بقراءته عليه، ورواه بعلو عن أبي عمر بن عبد البر، وأجاز له أبو محمد بن عتاب، وغير واحد، وتصدر للإقراء ببلده، والخطابة، وأقرأ بجامع المرية، فلما دخلها الفرنج استوطن مرسية وتصدر بها للإقراء، وقدم للخطابة.
قال ابن الأبار: انفرد في وقته بطريقة الإقراء، وأخذ الناس عنه، وكانت له حلقة عظيمة، وكان مع فضائله متواضعا، لين الجانب، وكان رجلا صالحا، حدثنا عنه أبو الخطاب بن واجب، وأبو محمد بن غلبون، ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفي بمرسية في ذي القعدة، قال: وكانت جنازته مشهودة.
100 -
حيدرة بن أبي البركات عمر بن إبراهيم بن محمد بن حمزة
، أبو المناقب العلوي، الحسيني، الزيدي الكوفي.
سمعه والده من طراد الزينبي، وغيره ببغداد، وأبي البقاء الحبال وغيره بالكوفة.
وقد ذكره أبو سعد السمعاني فقال: كتبت عنه بالكوفة، وسمعت أنه يعظ بها، وكان الناس يستبردون وعظه، وكان يدعي معرفة النحو واللغة.
قلت: وروى عنه أبو نصر محمد بن محمد الكاتب، والحافظ عبد الغني، والشيخ موفق الدين وآخرون، وتوفي بالكوفة في ذي الحجة.
قال الشيخ الموفق: قدم علينا من بغداد وروى لنا عن طراد مجلسين من أماليه.
قلت: وآخر أصحابه بالإجازة الرشيد بن مسلمة.
101 -
الخضر بن الفضل بن عبد الواحد
، أبو طاهر الأصبهاني الصفار، المعروف برجل.
ذكره ابن السمعاني في الذيل، وقال: أجاز له أبو عمرو بن منده، وإسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، وأبو إسحاق الطيان، كتب إلي بالإجازة في سنة خمس وأربعين.
قلت: روى عنه عبد القادر الرهاوي، وجماعة، وأجاز للحافظ عبد الغني، ولابن قدامة، ولابن اللتي، وحدثوا عنه بالإجازة، وهو آخر من حدث بالإجازة عن المذكورين.
توفي في ثالث عشر جمادى الأولى؛ قاله عبد الرحيم الحاجي.
102 -
سعد الله بن محمد بن علي بن طاهر
، أبو الحسن البغدادي، الدقاق، المقرئ.
قرأ القراءات على جماعة، وأقرأ مدة، روى عن أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان، وعبد المنعم ابن القشيري، وهبة الله بن عبد الله الواسطي، وولد سنة ست وثمانين وأربعمائة، روى عنه عبد الوهاب ابن سكينة، وعبد العزيز ابن الأخضر، والشيخ الموفق، وجماعة.
قال عمر بن علي القرشي: كان جالسا في مسجده بدرب السلسلة يقرئ فمال ووقع ميتا، وذلك في ربيع الآخر.
قلت: أجاز للرشيد بن مسلمة، ولجماعة.
103 -
سعد بن أحمد بن إسماعيل
، أبو الفتوح الإسفراييني، الصوفي.
قال ابن الدبيثي: قدم بغداد في صباه، وأقام برباط إسماعيل بن أبي
سعد، وسمع من أبي عبد الله الحميدي، وأبي الفوارس طراد الزينبي، ثم صار إلى واسط، وسكن قرية عبد الله تحت واسط بفرسخين، يخدم الفقراء برباط بها إلى أن مات، حدث بواسط، وحدثنا عنه موهوب بن المبارك المقرئ، وأبو الفتح المندائي، وأبو طالب بن عبد السميع، وغيرهم، وتوفي في صفر وله تسعون سنة.
104 -
شاكر بن علي بن أحمد بن علي بن محمد
، أبو الفضل الأسواري، الأصبهاني.
سمع أبا بكر محمد بن عزيزة، وأبا مطيع محمد بن عبد الواحد، وأبا الفتح أحمد بن عبد الله السوذرجاني، وأبا العلاء محمد بن عبد الجبار الفرساني، وفضلان بن عثمان القيسي، وأبا بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن مردويه، وجده أحمد بن علي الأسواري، وجماعة، وسمع جامع الترمذي من أبي الفتح الحداد، روى عنه جماعة، روى عنه بالإجازة ابن اللتي، وكريمة.
وتوفي في أواخر رمضان.
105 -
الضحاك بن سليمان بن سالم
، أبو الأزهر الأنصاري، الأديب الشاعر.
قرأ القرآن على أبي بكر محمد بن الخضر خطيب المحول، وشعره جيد مليح.
106 -
عبد الله بن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن
، أبو محمد الطامذي، الأصبهاني، المقرئ، وطامذ: مكان بأصبهان.
شيخ عالم، زاهد، معمر، عالي الرواية، رحل وسمع أبا عبد الله النعالي، وابن البطر، وطراد بن محمد، وأبا الحسن بن أيوب البزاز، وجعفر بن محمد العباداني، وأبا العباس بن أشتة، وأبا نصر عبد الرحمن بن محمد السمسار، وجماعة، وقرأ الحديث بنفسه على العباداني، وخرج له الطلبة.
حدث عنه محمد بن مكي الحنبلي، وعبد القادر الرهاوي، ومحمد بن
أبي غالب شعرانة، ومحمد بن محمود الرويدشتي، وغيرهم، وبالإجازة كريمة القرشية، وغلط أبو الفتح الأبيوردي فقرأ على إسماعيل العراقي بإجازته من الطامذي، ولم يدركه.
توفي في العشرين من شعبان عن سن عالية.
107 -
عبد الله بن موسى بن سليمان
، أبو محمد بن برطلة المرسي.
سمع سنة عشر وخمسمائة من صهره أبي علي بن سكرة، ورحل وسمع أبا عبد الله بن الخطاب الرازي، وأبا بكر الطرطوشي، وولي إمامة جامع مرسية، وكان فاضلا متواضعا، أخذ عنه أبو عمر بن عياد، وهو من جلة شيوخه، وتوفي وله اثنتان وثمانون سنة.
• - عبد الخالق بن أسد.
قيل: توفي آخر السنة، وهو في العام المقبل.
108 -
عبد الرحمن بن علي بن علي بن سكينة
.
كان أسن من أخيه عبد الوهاب، سمع أباه، وجده لأمه إسماعيل بن أبي سعد، وابن الحصين، وزاهر بن طاهر، وتوفي بحلب كهلا.
109 -
عبد الرحيم بن رستم
، أبو الفضائل الزنجاني الفقيه الشافعي.
تفقه ببغداد على أبي منصور سعيد ابن الرزاز، وقدم دمشق، ودرس بالمجاهدية ثم بالغزالية، ثم ولي قضاء بعلبك، ولم يزل بها حتى قتل شهيدا.
قال ابن عساكر: كان عالما بالمذهب والأصول وعلوم القرآن، شديدا على المخالفين، يعني الحنابلة، وله شعر جيد، قتل ببعلبك في ربيع الآخر، وحمل إلى دمشق فدفن بها.
110 -
عبد السيد بن أبي القاسم علي ابن العلامة أبي نصر ابن الصباغ
.
بغدادي، من بيت العلم والعدالة، سمع ابن بيان، وابن نبهان، وحدث؛
روى عنه عمر بن علي الدمشقي في معجمه.
111 -
عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عمويه
، الشيخ أبو النجيب السهروردي، الصوفي الزاهد الواعظ الفقيه الشافعي.
سمع أبا علي بن نبهان، وزاهر بن طاهر، والقاضي أبا بكر الأنصاري، وجماعة، وكان يحضر المشايخ عنده، وسمع الناس بإفادته، وحصل الأصول والنسخ، ويعظ الناس في مدرسته.
ذكره ابن النجار فقال: كان مذهبه في الوعظ اطراح الكلفة وترك التسجيع، وبقي مدة سنتين يستقي بالقربة على ظهره بالأجرة ويتقوت بذلك، ويتقوت من عنده من الأصحاب، وكان له خربة على دجلة يأوي هو وأصحابه إليها يحضر عنده الرجل والرجلان والجماعة إلى أن اشتهر اسمه وظهر، وصار له القبول عند الملوك، فكان السلطان يزوره والأمراء، فبنى تلك الخربة رباطا، وبنى إلى جانبها مدرسة، فصار حمى لمن لجأ إليه من الخائفين يجير من الخليفة والسلطان، ثم ولي التدريس بالنظامية سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وعزل عنها بعد سنتين، وأملى مجالس، وصنف مصنفات، وقال: حملني عمي إلى الشيخ أحمد الصياد، وكان يأكل من الصيد، وكان مؤاخيا للشيخ أحمد العريبي، ثم قدم أسعد الميهني وولي تدريس النظامية.
قال ابن النجار: فصحبه الشيخ أبو النجيب واشتغل عليه اشتغالا جيدا، ثم صحب الشيخ أحمد الغزالي الواعظ، وسلكه، وجرت له أحوال ومقامات.
كتب عنه أبو سعد السمعاني وأثنى عليه كثيرا، قال في الذيل: عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عمويه - واسمه عبد الله - بن سعد بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن النضر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، من أهل سهرورد، سكن بغداد، وتفقه في النظامية زمانا، ثم هب له نسيم الإقبال والتوفيق فدله على الطريق، وانقطع عن الناس مدة مديدة، ثم رجع ودعا إلى الله، ورجع جماعة كثيرة بسببه إلى الله وتركوا الدنيا، وبنى رباطا لأصحابه على الشط، وسكنه جماعة من الصالحين من أصحابه، حضرت عنده يوما فسمعت من كلامه ما انتفعت به، وكتبت عنه
وسألته عن مولده فقال: تقديرا في سنة تسعين وأربعمائة بسهرورد.
وقال عمر بن علي القرشي: أبو النجيب إمام من أئمة الشافعية، وعلم من أعلام الصوفية، ذكر لي أنه دخل بغداد، سنة سبع وخمسمائة، وسمع من ابن نبهان غريب الحديث لأبي عبيد، وتفقه على أسعد الميهني، وعلق التعليق وقرأ المذهب وتأدب على الفصيحي، ثم آثر الانقطاع وسلوك الطريق، فخرج على التجريد حافيا إلى الحج في غير وقته، وجرت له قصص، وسلك طريقا وعرا في المجاهدات، ودخل أصبهان، وانقطع إلى أحمد الغزالي، فأرشده إلى الله بواسطة الذكر، ففتح له الطريق، وجال في الجبال، ودخل بغداد فصحب الشيخ حمادا الدباس، وشرع في دعاء الخلق إلى الله تعالى، فأقبل عليه الناس إقبالا كثيرا، وصار له قبول عظيم، وتبعه جماعة، وأفلح بسببه أمة صاروا سرجا في البلاد وأئمة هدى، وبنى مدرسة ورباطين، ودرس وأفتى، وولي تدريس النظامية، وحدث، ولم أر له أصلا يعتمد عليه بسماعه غريب الحديث.
وقال ابن النجار: أنبأنا يحيى بن القاسم التكريتي: قال: حدثنا أبو النجيب قال: كنت أدخل على الشيخ حماد، ويكون قد اعتراني بعض الفتور عما كنت عليه من المجاهدة فيقول: أراك قد دخلت علي وعليك ظلمة، فأعلم بسبب ذلك كرامة الشيخ فيه، وكنت أبقى اليومين والثلاثة لا أستطعم بزاد، وكنت أنزل إلى دجلة فأتقلب في الماء ليسكن جوعي، حتى دعتني الحاجة إلى أن اتخذت قربة أستقي بها الماء لأقوام، فمن أعطاني شيئا أخذته، ومن لم يعطني لم أطالبه، ولما تعذر ذلك في الشتاء علي خرجت يوما إلى بعض الأسواق، فوجدت رجلا بين يديه طبرزد، وعنده جماعة يدقون الأرز، فقلت: هل لك أن تستأجرني؟ فقال: أرني يديك، فأريته فقال: هذه يد لا تصلح إلا للقلم، ثم ناولني قرطاسا فيه ذهب، فقلت: ما آخذ إلا أجرة عملي، فإن كان عندك نسخ تستأجرني في النسخ وإلا انصرفت، وكان رجلا يقظا، فقال: اصعد، وقال لغلامه: ناوله تلك المدقة، فناولني، فدققت معهم وليس لي عادة، وصاحب الدكان يلحظني، فلما عملت ساعة قال: تعال، فجئت إليه فناولني الذهب وقال: هذا أجرتك فأخذته وانصرفت، ثم أوقع الله في قلبي الاشتغال بالعلم، فاشتغلت حتى أتقنت المذهب، وقرأت أصول الدين وأصول
الفقه، وحفظت كتاب الوسيط في التفسير للواحدي، وسمعت كتب الحديث المشهورة.
وقال ابن عساكر في تاريخه: ذكر أبو النجيب لي أنه سمع بأصبهان من أبي علي الحداد، واشتغل بالزهد والمجاهدة مدة، واستقى الماء بالأجرة ثم اشتغل بالتذكير، وحصل له قبول، وولي تدريس النظامية وأملى الحديث، وقدم دمشق سنة ثمان وخمسين عازما على زيارة بيت المقدس، فلم يتفق له لانفساخ الهدنة بين المسلمين والفرنج، فحدث بدمشق ووعظ بها.
قلت: روى عنه ابن عساكر، وابنه القاسم، وابن السمعاني، وأبو أحمد ابن سكينة، وأبو طالب بن عبد السميع، وابن أخيه الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي، وزين الأمناء أبو البركات، وطائفة.
وقال ابن مشق في الوفيات: في سنة ثلاث هذه توفي أبو النجيب عبد القاهر السهروردي الكردي الواعظ، ومولده سنة تسعين وأربعمائة.
وقال ابن الجوزي: توفي في جمادى الآخرة، ودفن بمدرسته.
وقال ابن الدبيثي: حدثنا عنه جماعة، ووصفوه بما يطول شرحه من العلم والحلم والمداراة والسماحة.
112 -
عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن يحيى ابن الوكيل المعدل
، أبو الفتوح.
ولي الحسبة بالجانب الغربي، وسمع من أبيه أبي البركات، وأبي الفضل محمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبي بكر بن سوسن، روى عنه عمر بن طبرزد، والحافظ عبد الغني، وتوفي في ذي القعدة وله اثنتان وثمانون سنة.
113 -
علي بن بكتكين بن محمد
، الأمير علي كوجك التركماني، وهو زين الدين صاحب إربل.
أحد الأبطال الموصوفين، والفرسان المذكورين، وكوجك يعني لطيف القد، لقب بذلك لأنه كان قصيرا، وكان معروفا بالقوة المفرطة والشهامة،
وكان ممن حاصر المقتفي لأمر الله وخرج عن الطاعة، ثم طلب العفو وحسنت طاعته، وحج هو وأسد الدين شيركوه، وكانا من أكابر الدولة الأتابكية، عمل نيابة الموصل مدة، وطال عمره.
قال ابن الأثير: فارق زين الدين علي خدمة صاحب الموصل قطب الدين مودود، وسار إلى إربل، وكان هو الحاكم في الدولة، وأكثر البلاد بيده، منها إربل، وفيها بيته وأولاده وخزائنه، ومنها شهرزور وقلاعها، وجميع بلد الهكارية وقلاعه كالعمادية، والحميدية، وتكريت، وسنجار، وحران، وقلعة الموصل، وكان قد أصابه طرش، وعمى أيضا، فلما عزم على مفارقة الموصل إلى إربل سلم جميع ما بيده من البلاد إلى مودود، سوى إربل، وكان شجاعا، عادلا، حسن السيرة، سليم القلب، ميمون النقيبة، لم ينهزم في حرب قط، وكان جوادا، كثير العطاء للجند وغيرهم، مدحه الحيص بيص بقصيدة، فلما أراد أن ينشده قال: أنا ما أعرف ما يقول، ولكني أعلم أنه يريد شيئا، فأمر له بخمسمائة دينار وفرس وخلعة، ولم يزل بإربل إلى أن مات بها هذه السنة، ولما فارق قلعة الموصل وليها الخادم فخر الدين عبد المسيح مملوك أتابك زنكي.
قال ابن خلكان: توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، قال: ويقال: إنه جاوز المائة، وهو والد مظفر الدين.
114 -
علي بن الحسن بن سلامة المنبجي ثم البغدادي، أخو أحمد ويحيى.
روى عن أبي القاسم بن بيان، وتوفي في صفر.
115 -
علي بن عبد الرحمن بن محمد
، أبو الحسن ابن تاج القراء الطوسي، ثم البغدادي.
سمع جزء البانياسي منه، وسمع من يحيى بن أحمد السيبي، وأبي بكر الطريثيثي، وغيرهما.
وقال الشيخ الموفق: سمعنا منه جزءين يرويهما عن البانياسي.
وقال ابن السمعاني: كان صوفيا خدم المشايخ وتخلق بأخلاقهم، طلبته عدة نوب فما صدفته، وهو أخو شيخنا يحيى.
قلت: روى عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وجماعة آخرهم موتا أبو إسحاق الكاشغري، وآخر من روى عنه بالإجازة الرشيد ابن مسلمة.
وقال ابن مشق: توفي في صفر، رحمه الله.
116 -
علي بن عبد الرحمن بن مبادر
، أبو الحسن الأزجي الفقيه الشافعي، قاضي واسط.
كان من كبار الشافعية، ذكر ابن الدبيثي: أنه توفي في هذه السنة، وهو أخو أحمد، وقد ولي قضاء ربع الكرخ، ثم عزل وسجن إلى أن مات في ربيع الأول.
117 -
عمر بن بنيمان بن عمر بن نصر
، أبو المعالي البغدادي.
قال ابن الدبيثي: شيخ ثقة، صدوق، سمع أبا عبد الله ابن البسري، وثابت بن بندار، وأبا غالب الباقلاني، وأبا علي البرداني، وجماعة، سمع منه إبراهيم بن محمود الشعار، وأبو الحسن الزيدي، وعمر بن علي القرشي، وعبد العزيز ابن الأخضر، وتوفي في رجب.
قلت: روى عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وابن اللتي، وجماعة.
قال ابن النجار: كان صدوقا، صالحا، متدينا.
118 -
القاسم بن علي بن الحسين بن محمد بن علي
، أقضى القضاة أبو نصر ابن قاضي القضاة أبي القاسم ابن نور الهدى الهاشمي الزينبي العباسي البغدادي الفقيه الحنفي.
قال ابن الدبيثي: تولى هذا أقضى القضاة شرقا وغربا سنة ست وخمسين، وناب في الحكم عنه ببغداد أبو الخير مسعود اليزدي، وتوفي قبل أن يتكهل في المحرم.
قلت: ولد سنة تسع وعشرين، وسمع من قاضي المرستان ونحوه، وكان من ملاح زمانه، وله أدب وشعر وخط منسوب ومعرفة بالمذهب، ويلقب بعلاء الدين؛ ذكره ابن النجار، عاش أربعا وثلاثين سنة.
119 -
محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن حمدي
، أبو الفرج أخو الشيخ أبي المظفر أحمد.
شيخ صالح، عابد، قانت، قرأ القراءات على أبي منصور بن خيرون، وسبط الخياط، وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وابن البناء، وجماعة، سمع منه أحمد بن صالح الجيلي، وعلي بن أحمد الزيدي، وكان يسرد الصوم.
120 -
محمد بن أحمد بن عمران بن عبد الرحمن بن محمد بن عمران بن نمارة
، أبو بكر الحجري البلنسي، من ولد حجر التميمي، والد أوس الشاعر.
انتقل أبو بكر من بلنسية مع والده سنة سبع وثمانين وأربعمائة عند أخذ الروم لعنهم الله بلنسية، فنشأ بالمرية.
ونقلت من خطه على نسختي بـ التيسير: قرأ علي فلان هذا الكتاب، وأخبرته به عن الفقيه المشاور أبي بكر الفصيح، وأبي القاسم ابن العربي؛ كلاهما عن مؤلفه.
قلت: وقرأ على أبي الحسن البرجي، وسمع من أبي علي الصدفي، وعباد ابن سرحان، وعبد القادر ابن الحناط، وصحب الشيخ أبا العباس بن العريف، ورحل إلى قرطبة سنة ست وخمسمائة، فأخذ القراءات عن أبي القاسم ابن النخاس، وعليه اعتمد لعلو روايته التي ساوى بها في بعض الطرق أبا عمرو الداني، وسمع منه، ومن أبي بحر بن العاص، وأجاز له أبو عبد الله الخولاني.
وعاد إلى بلنسية لما تراجع أمرها، فأخذ علم العربية عن أبي محمد البطليوسي، وتفقه بأبي القاسم ابن الأنقر السرقسطي، وتصدر للإقراء مع كثرة علومه ورياسته، وصنف شرحا لمقدمة ابن بابشاذ.
قال الأبار: حدثنا عنه غير واحد، وهو آخر من تلا بالروايات على ابن النخاس، وتوفي في شعبان، وصلى عليه ابن النعمة، وكانت جنازته مشهودة وعاش ثمانين سنة.
قلت: عاش بعده يحيى بن سعدون القرطبي نزيل الموصل، وهو ممن قرأ بالروايات على أبي القاسم ابن النخاس.
121 -
محمد بن إسحاق بن محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال
، أبو الحسن ابن الصابئ البغدادي.
من بيت كتابة وفضيلة وأدب، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وسمع أبا عبد الله النعالي، وأبا عبد الله ابن البسري، وأبا غالب الذهلي.
قال ابن الدبيثي: كان ثقة، صحيح السماع، سمع منه أبو المحاسن القرشي، وأبو بكر بن مشق، وأحمد بن أحمد الشاهد، وغيرهم.
وأجاز للرشيد ابن مسلمة، وغيره، وتوفي في ربيع الأول.
122 -
محمد بن عبد الرزاق بن يوسف
، أبو عبد الله الكلبي الإشبيلي.
روى عن أبي القاسم الهوزني، وصحب أبا بكر ابن العربي مدة طويلة، ورحل قديما ولقي أبا بكر الطرطوشي، ومحمد بن أحمد الرازي، وأبا الحسن بن مشرف، والسلفي.
قال ابن بشكوال: انفرد برواية الكامل لابن عدي، وقد قرأت عليه بعضه، وناولنا جميعه، وكان فاضلا، دينا، نبيها، عالما بما يحدث، استقضاه شيخنا أبو بكر على مدينة باجة، ثم استعفاه فأعفاه، ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وتوفي في سادس عشر جمادى الآخرة.
123 -
محمد بن عبد الرشيد بن ناصر
، أبو الفضل الرجائي، الأصبهاني الواعظ الزاهد، أصله من سرخس.
حدث ببغداد وأصبهان عن جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وإسماعيل ابن محمد بن الفضل الحافظ.
وكان إماما، زاهدا، ورعا، كبير القدر، له في بلده قبول زائد وأصحاب ومريدون.
ذكره الحافظ عبد القادر في أعيان مشايخه فقال: تفقه على الرستمي، وكان زوج أمه، وكان زاهدا، ورعا، طويل الصمت، ضحوك السن في سكينة ووقار، مات كهلا في طريق مكة.
وقال غيره: ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة، ومات بالحلة السيفية في ذي القعدة، ودفن بها رحمه الله.
124 -
محمد بن عبد المتكبر بن حسن بن عبد الودود ابن المهتدي بالله العباسي
.
من بيت الخطابة والقضاء والرواية، كان خطيب جامع المنصور، روى عن أبي السعود أحمد ابن المجلي، وكنيته أبو يعلى، ولم يسمع على قدر سنه، فإنه ولد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
توفي في رمضان.
125 -
محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن ياسر
، أبو بكر الأنصاري الجياني الأندلسي.
قال: ولدت بجبال جيان في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وقدم دمشق وله نيف وعشرون سنة، ففتح مكتبا عند قنطرة سنان، وتفقه على أبي الفتح نصر الله المصيصي.
قال الحافظ ابن عساكر: ثم زاملني إلى بغداد، وسمع من ابن
الحصين، وسمع بدمشق من جمال الإسلام، ودخل بعد العشرين إلى نيسابور، فسمع بها من أبي القاسم سهل بن إبراهيم المسجدي، وأدرك بمرو أبا منصور محمد بن علي الكراعي، وسمع منه، وسمع ببلخ من عثمان بن محمد ابن الشريك، وسمع صحيح مسلم من الفراوي.
روى عنه أبو المظفر ابن السمعاني، وأبو الفتوح ابن الحصري، والقاضي بهاء الدين يوسف بن شداد، وأبو حفص عمر بن قشام، وأبو محمد ابن الأستاذ، وأقام مدة بالموصل، ثم قدم حلب وولي خزانة الكتب بها.
قال ابن النجار: قرأت في كتاب أبي بكر الجياني: كنت مشتغلا بالجدل والخلاف، مجدا في ذلك، فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قد جاءني وقال لي: قم يا أبا بكر، فلما قمت تناول يدي فصافحني، ثم ولى وقال لي: تعال خلفي، فتبعته نحوا من عشر خطوات وانتبهت، قال: فأتيت شيخنا أبا طالب إبراهيم ابن هبة الله الدياري الزاهد، فقصصت عليه، فقال لي: يريد منك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تترك الخلاف وتشتغل بحديثه إذ قد أمرك باتباعه، فتركت الاشتغال بالخلاف، وكان أحب إلي من الحديث، وأقبلت على الحديث.
سئل ابن الحصري عن الجياني فقال: شيخ حافظ، عالم بالحديث، وفيه فضل.
وقال بعض الحلبيين: مات في سابع ربيع الآخر بحلب.
126 -
المبارك بن المبارك بن زيد
، أبو الكرم الكوفي المقرئ، عرف بابن الطبقي، نزيل بغداد.
سمع ثابت بن بندار، وأبا الحسن العلاف، وحدث.
127 -
ناصر بن الحسن بن إسماعيل
، الشريف الخطيب أبو الفتوح الحسيني المصري المقرئ.
قرأ القراءات على أبي الحسن علي بن أحمد الأبهري صاحب الأهوازي، وعلى أبي الحسين يحيى بن الفرج الخشاب، وتصدر للإقراء؛ أخذ عنه جماعة
منهم أبو الجود غياث بن فارس، وحدث عن محمد بن عبد الله بن أبي داود الفارسي، وأبي الحسين الخشاب، وابن القطاع اللغوي، وغيرهم.
وكان مولده في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي رحمه الله يوم عيد الفطر.
روى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقدسي الحافظ، وعيسى بن عبد العزيز اللخمي، وغيرهما، وسمع منه جماعة من المصريين، وهو قليل الحديث، وكانت قراءته بالروايات في سنة اثنتين وخمسمائة وبعدها.
128 -
نعمة بن زيادة الله بن خلف
، أبو عبيد الغفاري.
توفي بالإسكندرية في هذا العام، وقد سمع صحيح البخاري على الشيخ أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر الهروي بمكة، بقراءته وقراءة غيره، إلا شيئا يسيرا من آخر الصحيح، فإنه قرأه بالإجازة.
روى عنه علي بن المفضل الحافظ، وقاضي الإسكندرية أبو القاسم عبد الرحمن بن سلامة القضاعي، وغيرهما.
129 -
نفيسة بنت محمد بن علي
، أخت أبي الفرج ابن البزاز الخفاف البغدادي، وتسمى أيضا فاطمة، والأول أشهر.
سمعت من طراد الزينبي، والحسين بن طلحة النعالي الحمامي، وغيرهما، سمع منها أبو سعد السمعاني، وعمر بن علي القرشي، روى عنها الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو إسحاق إبراهيم الكاشغري، وجماعة، وتوفيت في ذي الحجة.
قال الموفق: سمعت الكثير عن طراد، وطبقته، وكانت نظيرة شهدة في كثرة السماع وعلوه.
أخبرنا ابن الفراء وغيره أن الشيخ الموفق أخبرهم قال: قرئ على نفيسة بنت محمد، وأنا أسمع: أخبركم أبو عبد الله بن طلحة، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو، قال: أخبرنا عباس بن محمد، قال: حدثنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله.
ولابن مسلمة إجازة منها.
130 -
هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر
، الفقيه صائن الدين أبو الحسين الدمشقي الشافعي، أخو الحافظ أبي القاسم.
قال أبو القاسم: ولد أخي في رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقرأ بالروايات على أبي الوحش سبيع بن قيراط، وعلى أحمد بن محمد بن خلف الأندلسي مصنف المقنع في القراءات، وهو من أصحاب أبي الحسين يحيى بن الفرج الخشاب، وسمع أبا القاسم النسيب، وأبا طاهر الحنائي، وأبا الحسن ابن الموازيني، ووجد له سماع من أبي الحسن بن أبي الجرو الراوي عن أبي الحسن ابن السمسار، فلم يروه، وقال: لا أحق هذا الشيخ، وتفقه مدة على أبي الحسن بن المسلم، وعلى الفقيه نصر الله بن محمد، ورحل إلى بغداد سنة عشر فسمع أبا علي بن نبهان، وأبا علي ابن المهدي، وأبا الغنائم ابن المهتدي بالله، وأبا طالب الزينبي، وأبا طالب بن يوسف، وأصحاب البرمكي، والتنوخي، وعلق الخلاف عن أسعد الميهني، وقرأ على أبي عبد الله ابن أبي كدنة المتكلم شيئا من الأصول، وعلى أبي الفتح بن برهان شيئا من أصول الفقه، وحج سنة إحدى عشرة ورجع إلى بغداد، ثم خرج منها سنة أربع عشرة وخمسمائة، وأعاد بالأمينية لشيخه أبي الحسن السلمي، ودرس بالزاوية الغربية، يعني الغزالية، وأفتى وكتب الحديث الكثير، وكان معنيا بعلوم القرآن والنحو واللغة، وحدث بـ طبقات ابن سعد وسنن الدارقطني، وعرضت عليه الخطابة وغيرها، فامتنع، وكان خاله أبو المعالي يجتهد أن
ينوب عنه في القضاء فلم يفعل، وكان ثقة، ثبتا، متيقظا، له شعر كثير، توفي في شعبان.
قلت: روى عنه هو، وابنه القاسم، وأبو سعد السعماني، وبنو أخيه زين الأمناء الحسن، وفخر الدين عبد الرحمن شيخ الشافعية، وتاج الأمناء أحمد، وأبو نصر عبد الرحيم بنو محمد بن الحسن، وأبو القاسم بن صصرى، وسيف الدولة بن غسان، ومكرم، وآخرون.
ذكر ابن الدبيثي: أن الصائن وقع في الحمام ففلج أياما ثم مات، رحمه الله.
131 -
هبة الله بن عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث
، أبو المظفر ابن السمرقندي.
شيخ بغدادي من بيت الحديث والثقة والرواية، سمع أبا عبد الله النعالي، وأبا محمد السراج، وأبا زكريا التبريزي، وغيرهم، ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، سمع منه أبو سعد السمعاني، وأبو المحاسن القرشي.
أخبرنا العماد بن بدران، قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا هبة الله ابن السمرقندي، قال: أخبرنا الحسين ابن البسري، فذكر حديثا.
توفي في رابع ربيع الآخر.
132 -
هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن صصرى
، أبو الغنائم التغلبي الدمشقي المعدل.
قال الحافظ ابن عساكر: ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وسمع من الفقيه نصر الله المصيصي، وهبة الله بن طاوس، وتفقه على أبي الحسن بن المسلم السلمي، وغيره، وحفظ القرآن وتأدب، وكتب الحديث، وكان كثير الصلاة والتلاوة والصدقة، وأوصى بصدقات في عدة أشياء من وجوه البر، توفي في جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب توما عند أبيه وجده، وروى الحديث.
قلت: هو والد الحافظ أبي المواهب وأخيه.
133 -
هبة الله بن أبي المحاسن بن أبي بكر
، أبو الحسن الجيلي اللوتمي الزاهد.
قدم بغداد في صباه وسكنها، وكان زاهدا، عابدا، قانتا، ورعا، مدققا في الورع، صاحب رياضات ومجاهدات.
أثنى عليه عمر بن علي القرشي، وغيره، وعظمه ابن الدبيثي ثم قال: وقال لي أبو العلاء ابن الرأس: لم أر في زمانه مثله، توفي في جمادى الآخرة، وقد قال: إنه سمع من ابن الحصين.
134 -
يحيى بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن إسحاق
، أبو زكريا الأنصاري الأندلسي اللري.
روى عن أبيه، وعمه محمد، وسمع صحيح البخاري من أبي الوليد ابن الدباغ، وأخذ النحو عن أبي بكر عتيق بن الخصم وبحث عليه كتاب سيبويه، وأقرأ العربية بلرية وخطب بجامعها.
أخذ عنه أبو عبد الله بن عياد، وقال: توفي في ذي الحجة، وله ست وخمسون سنة.
135 -
يوسف بن عبد الله بن بندار
، الإمام أبو المحاسن الدمشقي الشافعي.
تفقه على: أسعد الميهني ببغداد.
وبرع في الفقه والأصول والخلاف، وصار أنظر أهل عصره، ودرس بالنظامية، وحدث عن إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وأبي البركات ابن البخاري.
روى عنه أبو الخير الجيلاني، وغيره، ونفذ رسولا إلى خوزستان فتوفي هناك في شوال.
136 -
أبو بكر بن سليمان بن سمحون الأنصاري الأندلسي القرطبي المقرئ
.
أخذ القراءات عن أبي القاسم بن رضا؛ والعربية عن أبي الحسين بن الطراوة، ولقب تلميذ ابن الطراوة، وكان يقول: ما يجوز على الصراط أعلم بالنحو من ابن الطراوة، وله رواية عن أبي محمد بن عتاب، وكان يقرئ القرآن والنحو.
أخذ عنه أبو جعفر بن مضاء، وأثنى عليه بحسن التعليم، وعبد الحق الخزرجي، وأبو القاسم أحمد بن بقي.
توفي بقرطبة في هذه السنة، وقيل: سنة أربع الآتية.
سنة أربع وستين وخمسمائة
137 -
أحمد بن عبد الرحمن بن مبادر
، أبو بكر الأزجي الدقاق.
سمع أبا عبد الله ابن البسري، وأبا القاسم ابن الربعي، روى عنه ابن الأخضر، وغيره، وتوفي في جمادى الأولى.
وأخبرنا عبد الحافظ بن بدران، قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: حدثنا ابن مبادر، فذكر حديثا.
وآخر من روى عنه بالإجازة ابن مسلمة.
138 -
إبراهيم بن محمود بن نصر
، أبو إسحاق الشاب، المحدث ابن أبي المجد الحراني ثم البغدادي الشعار.
أحد من عني بطلب الحديث وكتابته إلى أن توفي، مع صلاح وخير ومعرفة وفهم، سمعه أبوه من أبي منصور بن خيرون، وأبي عبد الله السلال، وجماعة، ومولده سنة نيف وثلاثين وخمسمائة.
وقد سمع هو بنفسه من نصر بن نصر العكبري، وابن المادح، وهبة الله الشبلي، فمن بعدهم، حتى سمع من أصحاب قاضي المرستان، سمع منه علي بن أحمد الزيدي.
وكان الحازمي يثني عليه ويصفه بالحفظ، ويقول: لو عاش ما كان يماثله أحد.
توفي في حياة والده في شهر رمضان، وقد جاوز الثلاثين، وقيل: بل عاش سبعا وعشرين سنة.
قال ابن النجار: أخبرتنا زهرة بنت حاضر الأنباري قالت: حدثنا إبراهيم بن محمود الشعار لفظا سنة إحدى وستين، قال: أخبرنا الأرموي، فذكر حديثا.
139 -
إبراهيم بن محمد بن خليفة
، أبو إسحاق النفزي الداني المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي الحسن ابن الدوش، وأخذ قراءة ورش عن أبي الحسن بن شفيع، وسمع من ابن تليد، وابن الحناط، وتصدر للإقراء، وحمل الناس عنه.
قال الأبار: كان متحققا بالقراءات، معروفا بالضبط والتجويد، أديبا فصيحا، عمر وأسن، وكان مولده سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
140 -
أبق، الملك المظفر مجير الدين أبو سعيد
صاحب دمشق ابن صاحبها جمال الدين محمد ابن تاج الملوك بوري بن طغتكين التركي الدمشقي.
ولد ببعلبك في ولاية والده على بعلبك، وقدم معه دمشق لما وثب عليها وأخذها، فلما مات أبوه في سنة أربع وثلاثين أقيم مجير الدين هذا في الأمر وهو دون البلوغ، وأتابك زنكي إذ ذاك يحاصر دمشق، فلم يصل منها إلى مقصود، ورجع إلى حلب.
وكان المدبر لدولة مجير الدين الأمير معين الدين أنر عتيق جد أبيه، والوزير الرئيس أبو الفوارس المسيب بن علي ابن الصوفي، فلما مات أنر انبسطت يد مجير الدين قليلا، وابن الصوفي يدبر الأمور، ثم بعد مدة غضب عليه وأخرجه إلى صرخد، واستوزر أخاه أبا البيان حيدرة بن علي ابن الصوفي مدة، ثم أقدم عطاء بن حفاظ من بعلبك وقدمه على العسكر، وقتل الوزير أبا البيان، ثم قتل عطاء بعد يسير، ثم قدم الملك العادل نور الدين محمود لما بلغته الأمور، فحاصر دمشق مدة قليلة، وتسلمها بالأمان في صفر سنة تسع وأربعين، ووفى لمجير الدين أبق بما قرر له، وسلم إليه حمص، فانتقل إليها، وأقام بها يسيرا، ثم انتقل منها إلى بالس بأمر نور الدين، ثم توجه منها إلى بغداد، فقبله أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله، وأقطعه، وقرر له ما كفاه، وكان كريما جوادا.
ورخ ابن خلكان وفاته في هذه السنة ببغداد، ترجمه مختصرا في سياق ترجمة نور الدين، ولم يورخ ابن عساكر موته.
141 -
أزهر بن عبد الوهاب بن أحمد بن حمزة
، أبو جعفر البغدادي السباك الأديب.
ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وسمع الكثير، وعني بالحديث، وسمع أبا طالب عبد القادر اليوسفي، وأبا القاسم بن الحصين، وهبة الله بن الطبر، ولازم الحافظ عبد الوهاب الأنماطي فأكثر عنه.
قال ابن الدبيثي: حدثنا عنه جماعة، وسمع منه عمر بن علي، ومحمد بن مشق، وتوفي في المحرم.
قلت: وثقه ابن الجوزي.
142 -
الحسين بن الخضر بن الحسين بن عبدان
، عفيف الدين الأزدي الدمشقي.
من بيت حديث وعدالة، توفي في جمادى الآخرة.
143 -
حمد بن عثمان بن سالار
، المحدث المفيد الأوحد الجوال أبو محمد الأصبهاني، صاحب المعجم الكبير.
سمع أبا الوقت، ومحمد بن أبي نصر هاجر، وأبا الخير الباغبان، وأبا العلاء الهمذاني، وعبد العزيز بن محمد الشيرازي، وابن البطي، وخلقا، روى عنه عبد العزيز بن أحمد بن الناقد.
مات بالحلة غريبا في ذي القعدة سنة أربع، وله ست وثلاثون سنة.
144 -
رضية بنت الحافظ أبي علي البرداني
.
ذكر ابن مشق أنها توفيت في شوال.
145 -
سالم بن إبراهيم بن خلف
، أبو الغنائم الأموي الإسكندراني المقرئ.
روى عن أبي القاسم ابن الفحام.
قال أبو الحسن المقدسي: شيخ صالح، ثقة، توفي في جمادى الآخرة، ومولده سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
146 -
سعد الله بن نصر بن سعيد بن علي
، أبو الحسن ابن الدجاجي البغدادي الواعظ المقرئ.
قرأ ببعض الروايات على الزاهد أبي منصور الخياط، وأبي الخطاب علي بن الجراح، وسمع منهما، ومن جماعة، وأقرأ الناس ووعظهم سنين.
سمع منه عمر بن علي، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وعبد العزيز بن الأخضر، وحدث عنه ابنه محمد، ويعيش بن مالك الأنباري، والشيخ الموفق، والأنجب الحمامي، ومحمد بن عماد، وآخرون.
ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وتوفي في شعبان.
قال ابن الجوزي: تفقه وناظر ووعظ، وكان لطيف الكلام حلو الإيراد، وسئل في مجلس وعظه عن أحاديث الصفات، فنهى عن التعرض لها، وأمر بالتسليم.
وقال عبد الخالق بن أسد في معجمه: أنشدنا سعد الله ابن الدجاجي الواعظ لنفسه:
ملكتم مهجتي بيعا ومقدرة فأنتم اليوم أعلالي وأغلالي علوت فخرا ولكني ضنيت هوى فحبكم هو أعلالي وإعلالي
147 -
شاور بن مجير بن نزار بن عشائر
، السعدي الهوازني، أبو شجاع ملك الديار المصرية ووزيرها.
كان الملك الصالح طلائع بن رزيك قد ولاه إمرة الصعيد، ثم ندم على توليته حيث لا ينفع الندم، ثم إن شاور تمكن في الصعيد، وكان شجاعا، فارسا شهما، وكان الصالح لما احتضر قد وصى لولده رزيك أن لا يتعرض
لشاور ولا يهيجه، وجرت أمور، ثم إن شاور حشد وجمع وأقبل من الصعيد على واحات، واخترق البرية إلى أن خرج من عند تروجة بقرب إسكندرية، وتوجه إلى القاهرة ودخلها، وقتل العادل رزيك بن الصالح، ووزر للعاضد.
ثم إنه توجه إلى الشام، وقدم دمشق في سنة ثمان وخمسين مستنجدا بالسلطان نور الدين على عدوه، فأنجده بالأمير أسد الدين شيركوه بعد أربعة عشر شهرا، فسيره معه، فمضى واسترد له منصبه، فلما تمكن قال لأسد الدين: اذهب فقد رفع عنك العناء، وأخلفه وعده، فأنف أسد الدين وأضمر السوء له، وكان شاور قد استعان بالفرنج، وحارب بهم المسلمين، وقدموا على حمية، فخافهم أسد الدين وتحصن منهم ببلبيس شهورا، وبقي بها محصورا حتى ملت الفرنج من حصاره، فبذلوا له قطيعة يأخذها وينفصل عن بلبيس.
واغتنم نور الدين تلك المدة خلو الشام من الفرنج، وضرب معهم المصاف على حارم، وأسر ملوكهم، وهي سنة تسع وخمسين.
وقتل شاور في ربيع الآخر سنة أربع، وكان المباشر لقتله عز الدين جرديك النوري.
وقال الروحي: إن السلطان صلاح الدين ابن أخي أسد الدين هو الذي أوقع بشاور، وكان في صحبة عمه أسد الدين، وقيل: كان قتله إياه في جمادى الأولى، وذلك أن أسد الدين تمارض، فعاده شاور، وكان صلاح الدين قد كمن له فخرج عليه، ففتك به.
ولعمارة اليمني فيه:
ضجر الحديد من الحديد وشاور في نصر دين محمد لم يضجر حلف الزمان ليأتين بمثله حنثت يمينك يا زمان فكفر وله في شاور عندما ظفر ببني رزيك وجلس في الدست:
زالت ليالي بني رزيك وانصرمت والحمد والذم فيها غير منصرم كأن صالحهم يوما وعادلهم في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
كنا نظن وبعض الظن مأثمة بأن ذلك جمع غير منهزم فمذ وقعت وقوع النسر خانهم من كان مجتمعا من ذلك الرخم ولم يكونوا عدوا ذل جانبه وإنما غرقوا في سيلك العرم وما قصدت بتعظيمي عداك سوى تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلم ولو شكرت لياليهم محافظة لعهدها لم يكن بالعهد من قدم ولو فتحت فمي يوما بذمهم لم يرض فضلك إلا أن يسد فمي
قال الفقيه عمارة: فشكرني شاور وأمراؤه على الوفاء لهم.
148 -
شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب
، الملك المنصور أسد الدين، وزير العاضد العبيدي بمصر.
مولده بدوين، بلدة من طرف أذربيجان، ونشأ بتكريت، إذ كان أبوه متولي قلعتها، وقيل: جد مروان هو ابن محمد بن يعقوب.
قال ابن الأثير المؤرخ: أصلهم من الأكراد الروادية، وهو فخذ من الهذبانية، وأنكر جماعة من بني أيوب النسبة إلى الأكراد، وقالوا: إنما نحن عرب نزلنا عند الأكراد، وتزوجنا منهم.
وأسد الدين هذا كان من كبار أمراء السلطان نور الدين، فسيره إلى مصر عونا لشاور كما ذكرنا، ولم يف له شاور، فعاد إلى دمشق، وسنة اثنتين وستين عاد أسد الدين إلى مصر طامعا في أخذها، وسلك طريق وادي الغزلان، وخرج عند أطفيح، فكانت في تلك الرقعة وقعة الأشمونيين، وتوجه ابن أخيه صلاح الدين إلى الإسكندرية فاحتمى بها، وحاصره شاور وعسكر مصر إلى أن رجع أسد الدين من الصعيد إلى بلبيس، وجرى الصلح بينه وبين المصريين، وسيروا له صلاح الدين وعاد إلى الشام.
ولما وصل الفرنج لعنهم الله إلى بلبيس وأخذوها وقتلوا أهلها، وسبوا الذرية في هذه السنة، سنة أربع، سير المصريون إلى أسد الدين وطلبوه ومنوه، ودخلوا في مرضاته لينجدهم، فمضى إليهم، وطرد الفرنج عنهم، وعزم شاور على قتله، وقتل الأمراء الكبار الذين معه، فناجزوه وقتلوه، وولي
أسد الدين وزارة مصر في ربيع الآخر، وأقام بها شهرين وخمسة أيام، ثم توفي فجاءة في ثاني عشري جمادى الآخرة بالقاهرة، فدفن بها، ثم نقل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بوصية منه، وقام بالأمر بعده بمصر ابن أخيه الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب.
وكان أسد الدين أحد الأبطال المذكورين، ومن يضرب بشجاعته المثل، وكانت الفرنج تهابه وتخافه، وقد حاصروه ببلبيس مدة، ولم يجسروا أن يناجزوه، وما لبلبيس سور يحميها، ولكن لفرط هيبته لم يقدموا عليه.
وكان موته بخانوق عظيم قتله في ليلة، وكان كثيرا ما تعتريه التخم والخوانيق لكثرة أكله اللحوم الغليظة، فيقاسي شدة شديدة، ثم يتعافى، ولم يخلف ولدا سوى ناصر الدين الملك القاهر محمد صاحب حمص.
149 -
عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن زيدون
، أبو جعفر المخزومي القرطبي نزيل إشبيلية.
شيخ مسند، من كبار رواة الأندلس، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وسمع سنة خمس وتسعين من أبي علي الغساني كتاب التقصي، وسمع من أبي القاسم الهوزني.
وكان فقيها عالما؛ حدث عنه أبو إسحاق ابن المالقي، وأبو بكر بن خير وتوفي يوم التروية.
150 -
عبد الحاكم بن ظفر بن أحمد بن أحمد بن محمود الثقفي
، أبو محمد الأصبهاني.
سمع من رزق الله التميمي، روى عنه كريمة إجازة، وروى عنه بالسماع جماعة.
151 -
عبد الخالق بن أسد بن ثابت
، الفقيه أبو محمد الدمشقي الحنفي المحدث الأطرابلسي الأصل.
تفقه شافعيا، ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة، وتفقه على الفقيه
البلخي. ورحل في الحديث وجمع، وخرج، ودرس بالصادرية والمعينية، وعقد مجلس الوعظ.
روى عنه ابنه غالب، ومحمد بن غسان، وإسماعيل بن يداش السلار، وغيرهم.
وكان يلقب تاج الدين، سمع جمال الإسلام علي بن المسلم، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل، وعلي بن قبيس الغساني، ويحيى بن بطريق، ونصر الله المصيصي، وابن طاوس بدمشق، وأحمد بن محمد الزوزني، وإسماعيل ابن السمرقندي، وأبا محمد سبط الخياط وأخاه الحسين، وعبد الله ابن البيضاوي، وعبد الوهاب الأنماطي ببغداد، وعمر بن إبراهيم العلوي بالكوفة، وهبة الله ابن أخت الطويل بهمذان، وعتيق بن أحمد الرويدشتي، وفاطمة بنت عمر البغدادي، وإسماعيل الحمامي، وطائفة بأصبهان.
وتوفي بدمشق في المحرم في أول السنة.
ولي بمعجمه نسخة مليحة.
152 -
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن قزمان
، أبو مروان القرطبي.
ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وسمع من أبي عبد الله محمد بن فرج، وأبي علي الغساني، وأبي الحسن العبسي.
وتفقه عند القاضي أبي الوليد بن رشد.
قال ابن بشكوال: كان من كبار العلماء وجلة الفقهاء، مقدمًا في الأدباء والنبهاء. أخذ الناس عنه، وتوفي في مستهل ذي القعدة.
قلت: روى عنه أبو الخطاب أحمد بن محمد بن واجب الحافظ البلنسي، وإبراهيم بن علي الخولاني شيخ عيسى الرعيني، ومحمد بن أحمد ابن اليتيم شيخ لابن مسدي.
153 -
عبد السلام بن عتيق
، السفاقسي ثم الإسكندري، الفقيه المالكي
من علماء الثغر المذكورين، أخذ عنه أبو الحسن ابن المفضل، وقال: توفي في ذي الحجة.
154 -
عبد العزيز بن الحسن بن أبي البسام
، الحسيني الميورقي.
ولد بميورقة وأخذ بها العربية عن أبي عبيدة الزاهد، وولي خطة الكتابة.
وكان عابدًا، صالحًا، مجتهدًا، أخذ عنه من شعره: أبو العباس بن مضاء.
155 -
عليم بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبيد الله
، الحافظ أبو محمد القرشي، العدوي، العمري، الأندلسي، أحد الأعلام، ويكنى بأبي الحسن أيضًا.
ولد بشاطبة سنة تسع وخمسمائة، وسمع أبا عبد الله بن مغاور، وأبا جعفر بن جحدر.
وسمع بدانية من أبي عبد الله ابن غلام الفرس، وأبي إسحاق ابن جماعة.
ورحل إلى المرية فسمع بها من أبي القاسم بن ورد، وأبي الحجاج القضاعي، وجماعة.
قال ابن الأبار: كان أحد العلماء الزهاد، أقرأ القرآن، ودرس الفقه.
وكان صاحب فنون، كثير المحفوظات جدًا لا سيما الموطأ والصحيحين، وكان يقول: ما حفظت شيئًا فنسيته، وكان كثير الميل إلى السنن والآثار، وعلوم القرآن، مع حظ من علم النحو والشعر، والميل إلى الزهد، مع الورع والتواضع: وكان معظمًا في النفوس، لين الجانب، كثير المحاسن.
توفي في ذي القعدة ببلنسية.
156 -
علي بن محمد بن علي بن هذيل
، أبو الحسن البلنسي المقرئ، شيخ القراء بالأندلس.
ولد سنة سبعين أو إحدى وسبعين وأربعمائة، ونشأ في حجر أبي داود سليمان بن نجاح، ولازمه بضعة عشر عامًا بدانية وبلنسية، وكان زوج أمه،
وهو أثبت الناس فيه، حمل عنه الكثير من العلوم، وصارت إليه أصوله العتيقة، أتقن عليه القراءات حتى برع فيها. وسمع صحيح البخاري ورواه عن أبي محمد الركلي. وسمع صحيح مسلم من طارق بن يعيش، وسمع مختصر الطليطلي في الفقه، من أبي عبد الله بن عيسى، وسمع سنن أبي داود من طارق أيضًا، وأجاز له أبو الحسين بن البياز، وخازم بن محمد، وأبو علي ابن سكرة، وغيرهم.
قال الأبار: وكان منقطع القرين في الفضل، والزهد، والورع، مع العدالة والتواضع والإعراض عن الدنيا والتقلل منها، صومًا قوامًا، كثير الصدقة، كانت له ضيعة فكان يخرج لتفقدها فتصحبه الطلبة، فمن قارئ، ومن سامع، وهو منشرح، طويل الاحتمال على فرط ملازمتهم له وانتيابهم إياه ليلًا ونهارًا. وأسن وعمر. وهو آخر من حدث عن أبي داود، وانتهت إليه الرياسة في صناعة الإقراء عامة عمره لعلو روايته، وإمامته في التجويد والإتقان، وحدث عن جلة لا يحصون، ورحلوا إليه، وأقرأ وحدث نحوًا من ستين سنة، قال لنا محمد بن أحمد بن سلمون: كان رحمه الله يتصدق على اليتامى والأرامل، فقالت زوجته: إنك لتسعى بهذا في فقر أولادك، فقال لها: لا والله بل أنا شيخ طماع أسعى في غناهم.
قلت: قرأ عليه القراءات أبو محمد القاسم بن فيره الشاطبي، وأبو عبد الله محمد بن نوح الغافقي، وأبو جعفر أحمد بن علي الحصار، وأبو عبد الله محمد بن سعيد المرادي، وأبو علي الحسين بن يوسف بن زلال، وأبو عبد الله محمد بن خلف بن نسع الزناتي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعادة الشاطبي، وعمه المعمر محمد بن عبد العزيز بن سعادة، وولد ابن هذيل أبو عامر محمد بن علي، ومحمد النفزي المعروف بابن فتوح، وأبو الأصبغ عبد العزيز بن أحمد بن الموصل الزاهد، وغلبون بن محمد بن غلبون الأنصاري، وجعفر بن عبد الله بن سيد بونه الخزاعي العابد شيخ الصوفية، وطائفة سواهم. وقرأ عليه رواية نافع محمد بن أحمد بن مسعود الأزدي،
والحسن بن عبد العزيز التجيبي، وغيرهما.
وروى عنه الحديث خلق منهم: محمد بن أحمد بن سلمون، وسبطته زينب بنت محمد بن أحمد الزهرية وتوفيت سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكذا توفي عامئذ الحسن التجيبي. وروى عنه بالإجازة محيي الدين ابن العربي نزيل دمشق.
قال الأبار: توفي ابن هذيل في سابع عشر رجب يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة، وصلى عليه أبو الحسن بن النعمة، وحضره السلطان أبو الحجاج يوسف بن سعد، وتزاحم الناس على نعشه. ورثاه واجب بن عمر بن واجب بقصيدة منها:
لم أنس يوم تهادى نعشه أسفًا أيدي الورى وتراميها على الكفن كزهرة تتهاداها الأكف فلا تقيم في راحة إلا على ظعن قال لنا ابن سلمون: هذا صحيح، كان الناس يتعلقون بالنطق والسقف ليدركوا النعش بأيديهم، ثم يمسحون بها على وجوههم.
عاش أربعًا وتسعين سنة.
157 -
علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز
، القاضي زكي الدين أبو الحسن ابن القاضي المنتجب أبي المعالي القرشي الدمشقي قاضي دمشق هو وأبوه وجده.
كان فقيهًا، خيرًا، دينًا، محمود السيرة، استعفى من القضاء فأعفي، وذهب إلى العراق فحج منها، ثم عاد إلى بغداد، فأقام بها سنة، وأدركه الموت.
قال علي بن أحمد الزيدي: كان نزهًا، عالمًا، ذا وقار وتدين.
وقال ابن الدبيثي: سمع من عبد الكريم بن حمزة، وجمال الإسلام علي بن المسلم، وعبد الرحمن بن أبي عقيل. سمع منه أبو محمد ابن الخشاب مع تقدمه، وأبو بكر الباقداري، وعمر بن علي القرشي. وأخبرنا عنه أبو طالب بن عبد السميع الهاشمي، وأبو محمد ابن الأخضر.
وقال محمد بن حمزة بن أبي الصقر: وفيها ورد الخبر بوفاة القاضي أبي الحسن علي بن محمد القرشي ببغداد يوم الجمعة ثامن عشري شوال، ودفن بالقرب من قبر أحمد بن حنبل.
قلت: وولد سنة سبع وخمسمائة.
158 -
علي بن أبي نصر ابن الهيتي
، الشيخ القدوة الزاهد الشيخ أبو الحسن الهيتي
من سادة مشايخ العراق، صاحب أحوال وكرامات وأخلاق، وفقر، صحب الشيخ عبد القادر، وغيره.
قال ابن النجار: كان يسكن بزريران بقرب المدائن، وله بها رباط يقيم به، وعنده جماعة من المنقطعين إلى الله، وكان يتكلم على الخواطر، وله قبول عظيم بين العوام، ويقال: ناهز المائة. مات رضي الله عنه في جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة.
159 -
عمرو بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حجاج
، أبو الحكم الإشبيلي اللخمي.
روى عن أبي مروان الباجي، وأبي الحسن شريح، وعباد بن سرحان، وجماعة. وكان فاضلًا ورعًا، ولي خطابة إشبيلية، وأخذ الناس عنه، وعاش بضعًا وثمانين سنة.
160 -
عيسى بن محمد بن علي
، أبو نصر الكلوذاني.
سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان.
قال ابن السمعاني: حدث بعد خروجي من بغداد.
قلت: ولد سنة خمسمائة، وروى عنه أبو محمد بن الأخضر، وابن قدامة، توفي في صفر.
161 -
محمد بن أحمد بن الفرج
، الدقاق أبو المعالي البغدادي ابن أخت الحافظ ابن ناصر، وهو أخو عبد الله ويوسف وأبي منصور محمد.
سمع أبا الحسن ابن العلاف، وابن بيان، وأبا الغنائم النرسي، وأبا طالب يوسف، روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وابن قدامة، وابن الحصري، وجماعة. وكان ثقة.
توفي في ذي القعدة، وكان شروطيًا شاهدًا.
162 -
محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان
، الحاجب أبو الفتح ابن البطي، البغدادي.
ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وأجاز له أبو نصر الزينبي وهو آخر من روى عنه بالإجازة، وكان أبواه صالحين عادت عليه ركتهما، وعني به الحافظ أبو بكر ابن الخاضبة فسمعه من مالك بن أحمد البانياسي، وعلي بن محمد بن محمد الأنباري، وأبي الفضل عبد الله بن علي بن زكري الدقاق، وعاصم بن الحسن، ومحمد بن أبي نصر الحميدي، وعبد الواحد بن فهد العلاف، ورزق الله التميمي، وأبي الفضل أحمد بن خيرون، وطراد، وابن الخاضبة، وطائفة سواهم.
ثم اتصل في شبيبته بالأمير يمن أمير الجيوش، وغلب عليه وعلى جميع أموره، وكان الناس يقصدونه ويتشفعون به إلى مخدومه، وظهر منه خير ومروءة. وكان عفيفًا نزهًا، متفقدًا للفقراء. قعد في بيته بعد موت أمير الجيوش، فكان شيخًا صالحًا، محبًا للرواية، حصل أكثر مسموعاته، وطال عمره، واشتهر ذكره وصار أسند شيخ ببغداد في زمانه.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وأبو الفرج ابن الجوزي، والحافظ عبد الغني، وفخر الدين محمد بن تيمية، وموفق الدين بن قدامة، وشهاب الدين السهروردي، وعلي بن أبي الفرج بن كبة، وتامر بن مطلق، وزهرة بنت محمد بن حاضر، وإسماعيل بن علي بن باتكين، وعلي بن أبي الفرج ابن الجوزي، وسعيد بن محمد بن ياسين، ومحمد بن محمد ابن السباك، والأنجب بن أبي السعادات، ومحمد بن عماد، والحسين بن علي ابن رئيس الرؤساء، وخليل بن أحمد الجوسقي، وأحمد بن يحيى البراج، والموفق عبد اللطيف بن يوسف، وعبد السلام الداهري، وداود بن معمر بن الفاخر، وعبد اللطيف بن
عبد الوهاب الطبري، ومسمار بن العويس، والحسن ابن الجوالقي، ومحمد بن محمد بن أبي حرب النرسي، وعلي بن أبي الفخار الهاشمي، وعبد اللطيف ابن القبيطي، والمبارك بن علي ابن المطرز، وعبد الله بن عمر ابن اللتي، ومحمد بن مسعود بن بهروز، وعبد الله بن المظفر ابن الوزير علي بن طراد، ومحمد بن ياقوت الجازري الصوفي، وأحمد بن محمود بن المعز الحراني، وسعيد بن علي بن بكري وبقي إلى قبيل سنة تسع وثلاثين، وجمال النساء بنت أبي بكر الغراف، وماتت سنة أربعين. وآخر من روى عنه إبراهيم بن عثمان الكاشغري. وآخر من روى عنه بالإجازة عيسى بن سلامة الحراني. وتوفيت نفيسة في أواخر سنة اثنتين وخمسين بعد الشيخ المجد، وله مائة سنة وستة وشهر.
قال ابن نقطة: حدث ابن البطي بـ حلية الأولياء عن حمد الحداد، عن أبي نعيم. وسمع منه الأئمة والحفاظ، وهو ثقة صحيح السماع.
وقال ابن مشق: توفي يوم الخميس سابع عشري جمادى الأولى، ودفن يوم الجمعة بباب أبرز.
وقال الشيخ الموفق: ابن البطي شيخنا وشيخ أهل بغداد في وقته، وأكثر سماعه على ابن خيرون. وما روى لنا عن رزق الله التميمي ولا عن الحميدي ولا عن حمد الحداد، غيره. قال: وكان ثقة سهلًا في السماع.
وقال ابن النجار: كان صالحًا، مليح الأخلاق، حريصًا على نشر العلم. صدوقًا، حصل أكثر مسموعاته شراء، ونسخًا، ووقفهًا. سمع منه ابن ناصر، وسعد الخير، والكبار.
163 -
محمد بن عبد الرحمن بن عبادة
، أبو عبد الله الأنصاري، الأندلسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي القاسم ابن النحاس، وشريح، ومنصور بن الخير. وسمع من أبي محمد بن عتاب، وابن مغيث، وجماعة، وتفقه بأبي
الوليد بن رشد، وأبي عبد الله بن الحاج. وتصدر للإقراء بجيان، وهي بلدة ثم سكن شاطبة، وأخذ الناس عنه وكان من مهرة القراء.
ولد سنة ثمانين وأربعمائة.
قال الأبار: أخذ عنه شيخنا أبو عبد الله بن سعادة.
164 -
محمد بن عبد الملك بن عبد الحميد
، أبو عبد الله الفارقي الزاهد، نزيل بغداد.
ذو العبارات الفصيحة، والمعاني الصحيحة، المعرض عن زخارف الدنيا، المقبل على العلم والتقوى، كذا قال فيه ابن النجار.
وقال: قدم بغداد في صباه فاستوطنها. وكان يتكلم على الناس كل جمعة بعد الصلاة بجامع القصر، يجلس على آجرتين، ويقوم إذا حمي الكلام. وسئل أن يعمل له كرسي، فأبى ذلك. وكان يحضر مجلسه العلماء والأعيان، ويتكلم على لسان أهل الحقيقة بلسان عذب، وكلام لطيف، ومنطق بليغ، فانتفع به خلق كثير. وكان من أولياء الله وأصفيائه، له المقامات، والرياضات، والمجاهدات. دون كلامه أبو المعالي الكتبي في كتاب مفرد. روى لي عنه ابن سكينة، وابن الحصري. وكان شيخًا مليح الصورة، ذا تجمل في ملبوسه وبيته قفر.
وقال ابن الجوزي: كان محمد الفارقي يتكلم على الناس قاعدًا، وربما قام على قدميه في دار سيف الدولة من الجامع. وكان يقال إنه يحفظ كتاب نهج البلاغة ويغير ألفاظه. وكانت له كلمات حسان في الجملة.
وقال أبو المحاسن القرشي: قدم بغداد في صباه، وسمع من جعفر السراج، وانقطع إلى الخلوة والمجاهدة والعبادة إلى أن لاحت له إمارات القبول. وكان العلماء والفضلاء يقصدونه ويكتبون كلامه الذي هو فوق الدر. وكان متقللًا، خشن العيش.
وقال ابن الدبيثي: كان يتكلم على الناس كل جمعة من غير تكلف ولا روية والناس يكتبون.
وقال أبو أحمد ابن سكينة الأمين: سمعت أبا عبد الله الفارقي يقول: المحبة نار، زنادها جمال المحبوب، وكبريتها الكمد، وخزانها حرق القلوب، ووقودها الفؤاد والكبد.
قال: وسمعته يقول: المحب بسطوة سلطان الجمال مغلوب، وبحسام الحسن مضروب، مأخوذ عنه، مسلوب. نجم رغبته غارب عن كل مرغوب، طالع في أفق العيوب، مصباح حبه يتوهج في رجاجة وجده بنار الوله بالمحبوب، شهاب شوقه وكمده في قلبه وكبده ساطع الألهوب.
وقال يحيى بن القاسم التكريتي: سمعت الشيخ محمدا الفارقي يقول: الدني الهمة عبد شهوته مستخدم في اصطبل طبعه يخدم كودن كبره، وأتان تيهه، وحمار حرصه، جواد همه مقيد بقيود دنائه. قد وضع على قدميه شبحة شحه فمنعت من الجري في حلبة المكارم، وجعل على ظهره جل الذل منسوجًا من الصفات الذمائم.
ثم قال يحيى: حكى لي أبو الفتح مسعود بن محمد البدري قال: دخل يوسف بن محمد بن مقلد الدمشقي على الشيخ محمد الفارقي ومعه فقراء، فلما ظهر الفقراء إلى الشيخ لحقهم وجد، فصاحوا، فرفع رأسه وقال: لا تخبزوا فطيرًا، فإن الفطير يوجع الفؤاد.
وقال ابن النجار: قرأت على يوسف بن جبريل بالقاهرة، عن القاضي أبي البركات محمد بن علي بن محمد الأنصاري قال: أخبرنا الإمام الزاهد العارف أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي بقراءتي، ولم أر ببغداد من يدانيه في فضله ويضاهيه، وهو المتكلم بالعراق، قال: حدثنا شيخنا أبو البقاء المبارك ابن الخل، فذكر حديثًا.
قلت: ابن الخل هو والد الفقيه أبي الحسن، وصوفي زاهد، ذكرناه في سنة عشرين وخمسمائة.
وقال القاضي عمر بن علي القرشي: محمد بن عبد الملك الفارقي العارف، قدم بغداد قديمًا، وسمع بها من جعفر السراج. كذا قال القاضي.
قال: وانقطع إلى الخلوة والمجاهدة، والعبادة، واستعمل الإخلاص في أعماله إلى أن تحقق جريان الحكمة من قلبه على لسانه، فكان الفضلاء يقصدونه ويكتبون كلامه الذي يفوق الدر. وجرى على طريقة واحدة في اختيار الفقر والتقلل والتخشن، ورد ما يفتح به إلا القليل من الآحاد.
ولد سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
قال ابن الدبيثي: روى لنا عنه جماعة. وتوفي في رجب عن سبع وسبعين سنة.
165 -
محمد بن علي بن المسلم بن محمد بن علي بن الفتح
، الواعظ أبو بكر ابن جمال الإسلام أبي الحسن السلمي الفقيه الدمشقي.
سمع أباه، وعلي ابن الموازيني، وهبة الله ابن الأكفاني، وجماعة. وكتب وحصل، ودرس، ووعظ، في حياة أبيه، وولي تدريس الأمينية بعد أبيه وخطابة دمشق. وناب في القضاء عن القاضي كمال الدين أبي الفضل الشهرزوري.
وكان حسن الأخلاق، قليل التصنع. روى عنه القاسم ابن عساكر، والحسين بن صصرى، وغيرهما. وتوفي في شوال عن اثنتين وستين سنة.
166 -
محمد بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن أميرك
، أبو بكر الأنصاري الخازمي - بخاء منقوطة - الهروي الفقيه الزاهد.
سمع أبا الفتح نصر بن أحمد الحنفي، وعبد الرزاق بن عبد الرحمن الماليني، وصاعد بن سيار الدهان، وبنيسابور محمد بن أحمد بن صاعد وسهل بن إبراهيم المسجدي والفراوي، وبسرخس، وبلخ، وبغداد، وغيرها. وعنه الحافظ عبد القادر الرهاوي، ونصر الله بن سلامة الهيتي، وعمر بن أحمد بن بكرون، وآخرون.
ولد سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وورخ وفاته حفيده أبو الفتح عمر بن محمد بن محمد الخازمي.
قال أبو سعد السمعاني: كان فقيهًا مناظرًا، وأديبًا بارعًا، عفيف النفس، حسن السيرة. تفقه بمرو، وبخارى.
وقال يوسف بن أحمد الشيرازي: روى عن عيسى بن شعيب السجزي سمعت منه غريب الحديث للخطابي.
قال الرهاوي: سمع من أبي نصر الشامي، وأبي الفتح الحنفي. ورحل إلى نيسابور وغيرها، وسافر إلى مرو، وبرع بها في علم الخلاف. وكان عالمًا بالفقه، والنحو واللغة، زاهدًا متواضعًا، لازمًا لبيته، وله ملك يعيش منه هو وأولاده. وكان يعظ في جامع هراة، وينال من المتكلمين. ولما رجعت إلى همذان سألني شيخنا الحافظ أبو العلاء: من المقدم بهراة؟ قلت: أولاد شيخ الإسلام. فقال: إن كان لهم أمر مشكل إلى من يرجعون؟ قلت: إلى الخازمي.
167 -
المبارك بن علي بن محمد بن غنيمة
، أبو السعادات البغدادي الشروطي.
قرأ القراءات على أبي البركات محمد بن عبد الله الوكيل صاحب أبي العلاء الواسطي. وسمع من شجاع الذهلي، وأبي النرسي، وجماعة. روى عنه أبو بكر بن مشق وأبو محمد ابن الأخضر.
توفي في ربيع الأول، وله خمس وسبعون سنة.
168 -
مسعود بن الحسين بن هبة الله
، أبو المظفر الحلي الضرير المقرئ.
قدم بغداد في صباه، وقد قرأ على أبي العز القلانسي، ولكنه خلط وخبط، وادعى أنه قرأ على أبي طاهر بن سوار وظهر كذبه، لأنه قال: قرأت عليه سنة ست وخمسمائة.
وقد حدث عن أبي القاسم بن بيان، وابن ملة، وتوفي في رجب.
استوعبت خبره في طبقات القراء.
169 -
معمر بن عبد الواحد بن رجاء بن عبد الواحد بن محمد بن الفاخر بن أحمد
، الحافظ أبو أحمد القرشي العبشمي، من ولد سمرة بن جندب
من أعيان عدول أصبهان وكبار محدثيها وفضلاء وعاظها. ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمع من أبي الفتح أحمد بن محمد الحداد، وغانم البرجي، وأبي المحاسن الروياني، وأبي علي الحداد، ومحمد بن أحمد بن المطهر، وفاطمة الجوزدانية، وخلق كثير. ورحل سنة نيف وعشرين وخمسمائة فسمع أبا القاسم بن الحصين، وأحمد بن رضوان، وأبا العز بن كادش، وأبا بكر الأنصاري، ومن بعدهم. وعاد إلى أصبهان مشغولًا بالسماع وإفادة الغرباء. وقدم بغداد بعد ذلك سبع مرات يسمع ويسمع أولاده.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وابن الجوزي، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، والسهروردي، وأبو محمد ابن الأخضر، وعمر بن طبرزذ، وآخرون آخرهم أبو الحسن ابن المقير بالسماع، وابن مسلمة، وعيسى الخياط بالإجازة.
قال ابن السمعاني: معمر بن عبد الواحد شاب كيس، حسن العشرة والصحبة، سخي النفس، متودد، يراعي حقوق الغرباء ويقضي حوائجهم. وأكثر ما سمعت بأصبهان من الشيوخ كان بإفادته، كان يدور من الصباح إلى الليل على الشيوخ شكر الله سعيه، ثم كان ينفذ إلي الأجزاء لأنسخها، ويكتب إلي وفاة الشيوخ، كتب لي جزءًا من حديثه عن شيوخه، وحدثني به.
وقال ابن الجوزي: كان من الحفاظ الوعاظ، وله معرفة حسنة بالحديث، كان يخرج ويملي. سمعت منه بالمدينة في الروضة. وتوفي بالبادية ذاهبًا إلى الحج في ذي القعدة.
وقال ابن النجار: كان سريع الكتابة موصوفًا بالحفظ والمعرفة والثقة والصلاح والمروءة والورع. صنف كثيرًا في الحديث، والتواريخ، والمعاجم،
وكان معظمًا بأصبهان، ذا قبول ووجاهة.
أخبرنا عبد الحافظ وابن الفراء قالا: أخبرنا ابن قدامة سنة ست عشر وستمائة قال: أخبرنا معمر بن عبد الواحد ببغداد، قال: أخبرنا أبو الفتح الحداد سنة خمسمائة، قال: أخبرنا ابن عبد كوية، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحًا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها.
قال ابن مشق: توفي في ثالث عشر ذي القعدة بطريق الحجاز، وولد لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع تسعين وأربعمائة.
170 -
ياروق بن أرسلان التركماني الأمير
.
مقدم جليل القدر في قومه، إليه تنسب التركمان الياروقية. وكان عظيم الخلقة، هائل الشكل. سكن بظاهر حلب في قبلي البلد، وبنى هو وأتباعه هناك أبنية كثيرة، فبقيت كالقرية، وهي على قويق نهر حلب.
توفي في المحرم من السنة.
171 -
يحيى بن علي بن خطاب
، أبو المظفر الدينوري الخيمي.
شيخ بغدادي، سمع أبا الفضل بن عبد السلام، وأبا غالب الباقلاني. روى عنه ابنه عبد اللطيف، وابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري، والشيخ الموفق، وجماعة. وتوفي في ربيع الآخر
ساكن عامل.
172 -
أبو طالب ابن الإمام المستظهر بالله الهاشمي
.
من مشايخ بني العباس المتقدمين الذين بدار الخلافة، له بر ومعروف.
توفي في رمضان.
سنة خمس وستين وخمسمائة
173 -
أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم
، أبو الفضل بن أبي المعالي الجيلي ثم البغدادي الحافظ.
أحد الشهود والعلماء. سمع هبة الله بن عبد الله الشروطي، وأبا غالب ابن البناء، وأبا القاسم بن الطبر، وقاضي المارستان، وبدر بن عبد الله، وابن الطلاية، فمن بعدهم. وقرأ الروايات على سبط الخياط، وعني بالحديث بعد الأربعين، وكان يقتفي أثر ابن ناصر ويحذو حذوه، ولازمه مدة، واستملى عليه.
وكان مشارًا إليه بمعرفة الحديث، وهو الذي كان يقرأ الحديث بمجلس ابن هبيرة. وكان مليح الخط، متقنًا، محققًا، ورعًا، دينًا على طريقة السلف.
له تاريخ على السنين من وفاة أبي بكر الخطيب يذكر فيه الحوادث والوفيات، ولم يبيضه.
روى عنه ابن الأخضر، والشيخ الموفق، والحافظ عبد الغني، وآخرون.
وتوفي في شعبان، وله خمس وأربعون سنة.
وقال الشيخ الموفق: كان ابن شافع إمامًا، حافظًا، ثقة، إمامًا في السنة، يقرأ الحديث قراءة مليحة بصوت رفيع.
قلت: وروى عنه بالإجازة ابن مسلمة.
قال ابن النجار: كان حافظًا، حجة، ثبتًا، ورعًا، سنيًا، صحيح النقل.
وقال غيره: صلى عليه خلائق لا يحصون كثرة رحمه الله، وكان عنده حلم وسؤدد.
174 -
أحمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان
، أبو بكر ابن البطي، أخو أبي الفتح المذكور عام أول.
سمع أبا عبد الله النعالي، وأبا محمد السراج، وأبا القاسم الربعي. روى
عنه عمر بن علي القرشي، وتميم البندنيجي، وابن الأخضر، وآخرون. وتوفي في شعبان.
أجاز لابن مسلمة، وكان حريصًا على المال مقسطًا على نفسه.
175 -
أحمد بن عمر بن لبيدة
، أبو العباس الأزجي، المقرئ.
قرأ على سبط الخياط بالروايات، ولقي جماعة، وسمع الكثير، واعتنى بالحديث، وأفاد، ونسخ، وكان صدوقًا. روى عن أبي القاسم بن الحصين، وجماعة. وسمع كل ما قرئ على ابن ناصر. روى عنه عبد الرحمن بن المبارك.
وتوفي بطريق الحجاز في ذي القعدة.
176 -
أحمد بن محمد بن علي بن قضاعة
، أبو العباس البغدادي.
سمع أبا القاسم الربعي، وأبا القاسم بن بيان. سمع منه أبو منصور ابن الطيان، وأبو المحاسن القرشي. وحدث عنه ابن الأخضر، والموفق، وآخرون. وتوفي يوم الأضحى.
177 -
أحمد بن المبارك بن محمد بن السدنك
، أبو محمد الحريمي.
شيخ بغدادي معمر ولد سنة ست وستين وأربعمائة. ولو سمع في صغره للحق أبا القاسم ابن البسري وطبقته، ولكنه سمع بنفسه من عاصم بن الحسن، ورزق الله التميمي، وطراد الزيني، وغيرهم؛ وقاله ابن الدبيثي.
سمع منه أحمد بن صالح الجيلي، وأبو بكر بن مشق. وعمر حتى قارب المائة.
وما ذكر ابن النجار سماعه من عاصم وذويه؛ بل قال: وجد سماعه من هبة الله ابن المجلي، وأبي علي البرداني، وأبي غالب ابن البناء. روى لنا عنه محمد بن عبد الله بن جرير. قال: وذكر تميم ابن البندنيجي أن أبا محمد هذا
سمع من عاصم ورزق الله، فسمعت ابن الأخضر شيخنا يذكر أن ابني البندنيجي وضعا طبقة سماعه على عاصم بن الحسن، وأرادا أن يسمعا فأنكرت عليهم، وجرت قضية فأخفيا التسميع.
178 -
بشارة بنت أحمد بن طاهر
.
سمعت: أحمد ابن العلاف، سمع منها أبو سعد السمعاني، وعمر بن علي. وتوفيت في ذي الحجة.
179 -
حبشي بن محمد بن شعيب
، أبو الغنائم الشيباني الواسطي الضرير
شيخ العربية ببغداد، لازم الشجري، وبلغ الغاية في النحو. وحدث عن قاضي المرستان.
مات في ذي القعدة.
180 -
الحسن بن علي بن محمد بن علي
، أبو نصر ابن قاضي القضاة أبي الحسن الدامغاني.
كان ينوب عن أخيه قاضي القضاة أبي الحسين أحمد في القضاء بالجانب الغربي. وحدث عن أبي الغنائم النرسي. سمع منه: عمر القرشي.
توفي في شوال.
181 -
الحسن بن مكي بن جعفر بن إبراهيم
، أبو علي المرندي الصوفي الفقيه.
قال الشيخ موفق الدين: كان بدويرة السميساطي، وكان من أهل السنة. وكان يتوسوس في تكبيرة الإحرام.
قلت: روى عن أبي الفتح الكروخي، غيره. روى عنه الشيخ الموفق، وغيره.
توفي في رمضان.
182 -
الحسن بن هلال بن محمد بن هلال
، أبو محمد ابن الصابي، البغدادي، الكاتب، المعروف بالأشرف
من بيت حشمة وكتابة. سمع أبا غالب الباقلاني، وأبا الغنائم النرسي. روى عنه ابن الأخضر، وغيره.
ولد سنة ست وثمانين وأربعمائة.
183 -
الحسين بن علي بن محمد ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم علي ابن المسلمة
، أبو الفضائل البغدادي.
روى عن أبي القاسم بن الحصين. وعنه عمر بن علي.
184 -
الحسين بن محمد السيبي
، عامل قومسان، أبو المظفر.
سجن مدة، ثم قطعت يده ورجله، وحمل إلى المارستان، فتوفي. وله شعر رائق.
185 -
الخضر بن علي بن أبي هشام الدمشقي
، السمسار.
عمر تسعين سنة، وسمع من نصر المقدسي، وهو آخر من سمع منه، إلا أنه كان رافضيًا. روى عنه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه، وأبو القاسم بن صصرى في مشيخته
وقد سمع سنة خمس وثمانين من عبد الله بن الحسن البعلبكي، ومن أبي البركات أحمد بن طاوس.
186 -
خطلخ الدباس
، مولى أبي الفتح بن شاتيل.
سمع معه من أبي القاسم الربعي. سمع منه عمر العليمي، وعمر القرشي. وتوفي بالموصل في السنة ظنًا.
187 -
خلف بن يحيى بن فضلان
، أبو القاسم البغدادي، المؤدب، المشاهر.
سمع الكثير، وحدث عن ابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وهبة الله بن الطبر. سمع منه ابناه فضلان وعبد القادر، وأبو طالب بن عبد السميع. مات في رجب.
قال ابن النجار: صالح متدين، طلب بنفسه، ولا يعرف العلم. وخطه في غاية الرداءة، وأصوله مسخمة سقيمة، وفيه غفلة وسلامة. وربما أحلق اسمه بخطه في طباق السماع التي بخطه. حدثنا عنه أحمد ابن البندنيجي.
188 -
خليل بن وجيه
.
من شيوخ عبد الرحيم ابن السمعاني.
189 -
طاوس أم أمير المؤمنين المستنجد بالله
.
ماتت في شهر ذي الحجة، وشيعها الوزير والأمراء قيامًا في السفن إلى ترب الرصافة.
190 -
عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد ابن النقور
، أبو بكر بن أبي منصور بن أبي الحسين البزاز.
شيخ ثقة، مشهور، من أولاد المحدثين. سمع أباه، والمبارك بن عبد الجبار، وأبا الحسن العلاف، وأبا القاسم بن بيان، وجماعة. وروى الكثير؛ سمع منه أبو سعد السمعاني، وعمر العليمي، وعمر القرشي. وحدث عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وعبد العزيز بن باقا، ومحمد بن إبراهيم الإربلي، ومحمد بن عماد، وطائفة.
قال عمر بن علي: أبو بكر ابن النقور طلب بنفسه وقرأ وكتب، وكان من أهل الدين والصلاح والتحري على درجة رفيعة، قل ما رأيت في شيوخنا أكثر تثبتًا منه. سألته عن مولده فقال: سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
وقال ابن مشق: توفي في عاشر شعبان سنة خمس وستين.
191 -
عبد الباقي بن وفاء
، أبو الموفق الهمذاني، الصوفي.
روى عن أبي القاسم بن بيان. وعنه ابن الأخضر، وغيره. وكان معروفًا بين الصوفية.
192 -
عبد المنعم بن محمد بن طاهر بن سعيد بن فضل الله بن أبي الخير الميهني
، أبو الفضائل بن أبي البركات.
من بيت المشيخة والتصوف، سمع أباه، وأبا حامد الغزالي، وأبا الفتح عبيد الله بن محمد بن أردشير بن محمد. وقدم بغداد وسكنها، وخدم الفقراء برباط البسطامي. سمع منه ابناه محمد وأحمد، وجماعة.
توفي في المحرم، وله ثمان وسبعون سنة.
193 -
عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال
، أبو المكارم الأزدي. المعدل، الدمشقي.
أحضره والده أبو طاهر عند عبد الكريم الكفرطابي في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، فروى له جزءًا من حديث خيثمة، وكان مولده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وأربعمائة. ثم سمع من الشريف النسيب، وأبي طاهر الحنائي، وأبي الحسن ابن الموازيني. وأجاز له الفقيه نصر المقدسي، وأبو الفرج الإسفراييني، وعبد الله بن عبد الرزاق الكلاعي، وجماعة.
روى عنه الحافظ ابن عساكر، وقال: حدث بقطعة صالحة من مسموعاته، وحج غير مرة، وهو كثير الصلاة والصوم والتلاوة والصدقة.
قلت: وكان من أعيان البلد. روى عنه البهاء ابن عساكر، والحافظ عبد الغني، والموفق المقدسي، وأخوه أبو عمر الزاهد، والبهاء محمد بن خلف، وأبو القاسم بن صصري، ومحمد بن غسان، وآخرون، وتوفي في عاشر جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
194 -
عثمان بن محمد بن أحمد بن نقاقا
، أبو عمرو النجار.
بغدادي، روى عن الفقيه أبي الخطاب الكلوذاني، وأبي طالب بن يوسف. روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وأحمد بن أحمد البندنيجي، وغيرهما. وتوفي في المحرم.
195 -
علي بن أحمد بن محمد بن عثمان
، أبو الحسن ابن القابلة الكلبي الأندلسي، نزيل مراكش.
روى عن شريح بن محمد، وأبي بكر ابن العربي.
قال الأبار: وكان عالمًا، متفننًا، متقدمًا في علم الأصول، شاعرًا مكثرًا.
196 -
علي بن ثروان بن زيد بن الحسن
، أبو الحسن الكندي البغدادي، ابن عم تاج الدين الكندي.
أديب شاعر، وهو الذي أفاد تاج الدين وأحضره مجالس الأدب، وحثه من الصغر على العلم. وأصله من بلد الخابور، قدم بغداد وأخذ عن أبي منصور ابن الجواليقي. وله خط مليح، سكن دمشق وتقدم عند الدولة، وبها توفي في حدود هذا العام؛ ذكره القفطي في تاريخ النحاة.
وقال الدبيثي: إنه سمع من إسماعيل ابن السمرقندي، وجماعة. وسكن قبل موته مدينة دمشق، وحظي عند ملكها نور الدين، وتوفي بعد سنة خمس وستين.
197 -
علي بن محمد بن بركة
، أبو الحسن الواسطي، ثم البغدادي الزجاج.
روى عنه أبي النرسي. روى عنه تميم بن أحمد، وأبو محمد بن قدامة، وجماعة.
198 -
علي بن خلف بن غالب الأنصاري الشلبي
، ابن غالب، الإمام القدوة العارف أبو الحسن، شيخ الصوفية، ونزيل قصر كتامة ثم نزيل قرطبة.
سمع الموطأ من أبي القاسم بن رضا، وروى عن أبي عبد الله بن معمر، وقرأ على وليد بن موفق الجياني تجريد الصحاح لرزين العبدري عن مؤلفه. وكتب السر مدة لصاحب شقورة. وله تصانيف. وكان ذا سنة واتباع وتمسك بالأثر.
أخذ عنه أيوب بن عبد الله الفهري، وعبد الجليل القصري، وغيرهما. وكان مبرزًا في التصوف، خيرًا، رحيمًا، متعبدًا.
قال ابن الزبير: بقي إلى سنة خمس وستين وبلغ الثمانين.
199 -
علي بن هبة الله بن محمد ابن البخاري
، أبو الحسن بن أبي البركات البغدادي، والد قاضي القضاة أبي طالب.
شيخ فقيه بارع، تفقه على أسعد الميهني. وسمع أبا القاسم بن بيان، وابن نبهان. ودخل الروم، وولي قضاء قونية، وبها توفي في هذا العام.
200 -
مجد الدين، أبو بكر ابن الداية
من أكبر الأمراء النورية، وهو أخو نور الدين من الرضاع، وصاحب أمره، وبيت سره.
وكان بطلًا شجاعًا، دينًا، عاقلًا، له خانقاه معروفة بحلب، واتفق موته وموت العمادي، نائب حلب وأعمالها وحاجبه، فتوفي ابن الداية والعمادي بدمشق، فحزن عليهما نور الدين وبكى لفقدهما، وقال: قص جناحاي، وأعطى أولاد العمادي بعلبك، وقدم على عساكره بعد مجد الدين أخاه سابق الدين عثمان ابن الداية.
وللعمادي تربة مشهورة بقاسيون شمالي تربة شركس، وهي أول تربة بنيت في الجبل، واسمه مكتوب على بابها.
201 -
محمد بن بركة بن خلف بن كرما
، أبو بكر الصلحي، الصوفي.
شيخ خير صالح، كريم، سخي، سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا سعد ابن الطيوري، وأبا طالب اليوسفي، وابن الحصين. وحدث بالشام؛ روى عنه الحافظ ابن عساكر، وابن أخيه تاج الأمناء أحمد، وأبو محمد ابن الأستاذ، وأبو نصر ابن الشيرازي.
أخبرنا محمد بن مكي قال: أخبرنا محمد بن هبة الله، قال: أخبرنا محمد بن بركة سنة إحدى وستين، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن غيلان، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي، قال: حدثنا عبد الله بن روح ومحمد بن رمح؛ قالا: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص يقول سمعت عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنية
…
الحديث.
مات الصلحي بدمشق في المحرم سنة ست وستين وخمسمائة.
202 -
محمد بن حمزة ابن الشيخ أبي الحسن علي بن الحسن ابن الموازيني
، أبو المعالي السلمي، الدمشقي المعدل.
تفقه على جمال الإسلام، وسمع ببغداد من أبي القاسم بن بيان، وبدمشق من الأمين هبة الله ابن الأكفاني
قال الحافظ ابن عساكر: وكان متجملًا، حسن الاعتقاد. باع أملاكه وأنفقها على نفسه.
قلت: روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وأبو البركات زين الأمناء. ومات في جمادى الآخرة.
203 -
محمد بن الخصيب بن المؤمل بن محمد
، أبو عبد الله بن أبي العلاء البغدادي، أحد حجاب الخليفة.
سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا نعيم محمد بن إبراهيم الجماري الواسطي، وهبة الله ابن رئيس الرؤساء المتوفى سنة ست وعشرين. روى عنه عبد العزيز ابن الأخضر، وجماعة. وتوفي في صفر، وكان يلعب بالحمام.
204 -
محمد بن عبد الرحيم بن سليمان
، أبو حامد وأبو عبد الله القيسي، الغرناطي.
شيخ مسن، ولد سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بغرناطة، وقدم الإسكندرية سنة ثمان وخمسمائة. وسمع أبا عبد الله محمد بن أحمد الرازي، ومرشد بن يحيى المديني، وهبة الله بن الحصين، وطائفة. ودخل خراسان، ثم قدم بعد مدة إلى بغداد وحدث بها، ثم قدم الشام، وسكن بحلب.
قال ابن عساكر في تاريخه: كان كثير الدعاوى، لم يوثق بما يحكي من المستحيلات، سمعا منه مجلس البطاقة، ومات في صفر.
قلت: روى عنه الشيخ علي بن إدريس الزاهد، وأبو القاسم بن صصرى، والحسن والحسين ابنا الزبيدي، وأبو محمد ابن الأستاذ.
205 -
محمد ابن المحدث أبي محمد عبد الله بن أحمد بن عمر ابن السمرقندي
، أبو منصور.
بغدادي من بيت الحديث والرواية. روى عن أبي القاسم بن بيان. وعنه عبد العزيز ابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري.
206 -
محمد بن عبد الملك بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة
، أبو المكارم العقيلي، الحلبي المعروف بابن العديم.
من بيت العلم والقضاء والحشمة. كان كاتبًا، شاعرًا، فاضلًا. سمع من قرابته علي بن عبد الله بن أبي جرادة، ورحل فسمع من أبي الفضل الأرموي، وجماعة. وبدمشق من أبي الفتح نصر الله المصيصي.
قال ابن النجار في تاريخه: حدثني أبو القاسم عمر بن هبة الله، يعني ابن
العديم، قال: سمعت الكندي قال: كان أبو المكارم ابن العديم يسمع معنا، فورد دمشق ودعاه ابن القلانسي وكنت حاضرًا فجعل لا يسأله عن شيء فيخبره عنه إلا قال: بسعادتك. إن قال: ما فعل فلان؟ قال: مات بسعادتك. أو قال: ما فعلت الدار الفلانية؟ قال: خربت بسعادتك. فلقبناه: القاضي بسعادتك.
توفي أبو المكارم سنة خمس أو ست وستين.
207 -
محمد بن محمد بن علي بن السكن
، أبو عبد لله بن أبي سعد البغدادي، ويعرف بابن المعوج.
من بيت حجابة وتميز، روى عن نصر بن البطر. روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وذكره في كتابه
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وحدث عنه محمد بن المبارك بن أيوب، وأبو محمد بن قدامة، وعبد الله بن المظفر بن علي الزينبي، وأبو علي أحمد بن محمد بن المعز الحراني، وجماعة. وأجاز لجماعة. وكان صالحًا، كاتبًا، منشئًا، وتوفي في ربيع الأول، وله اثنتان وثمانون سنة.
208 -
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن المهتدي بالله
، الخطيب أبو الحارث ابن الشيخ أبي الغنائم الهاشمي العباسي.
من بيت خطابة وعدالة، وكان خطيب جامع القطيعة. سمع أباه، وأبا العز محمد بن المختار. سمع منه عمر بن علي، وعبد السلام بن يوسف التنوخي، ومحمد بن سعد الله ابن الدجاجي.
توفي في ربيع الآخر.
209 -
محمد بن أبي محمد بن ظفر
، الشيخ حجة الدين الصقلي نزيل حماة وبها توفي.
له مصنفات عديدة، وآداب وفضائل. اختصر كتاب الإحياء. وألف كتاب خير البِشر بخير البَشر. وكان مولده بصقلية، ومنشؤه بمكة. روى عنه
أبو محمد عبد العظيم بن عبد الغفار المصري، وغيره.
210 -
المبارك بن علي بن عبد الباقي
، أبو عبد الله البغدادي، الخياط، سمع أبا ياسر محمد بن عبد العزيز الخياط، وأبا الحسن ابن العلاف.
سمع منه أبو سعد السمعاني، وقال: هو ابن أخت عبد الخالق بن أحمد بن يوسف وبإفادته سمعنا منه. وهو شيخ صالح، أمين، موثوق به، لقيته ببلخ وسمعت منه وسألته عن مولده فقال: سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
قلت: وقال ابن عساكر: سمع بإفادة خاله أبا سعد الأسدي، والعلاف، وأبا الغنائم النرسي، وحمد بن إسماعيل الهمذاني. سمعنا منه بدمشق ثم سكن ديار بكر.
قلت: روى عنه ابن الأخضر، والقاسم ابن عساكر وأبو القاسم بن صصرى، وزين الأمناء، وغيرهم. وتوفي في شوال.
211 -
محمود بن عبد الكريم بن علي بن محمد بن إبراهيم
، أبو القاسم الأصبهاني، التاجر، المعروف بفورجة.
سمع أبا بكر محمد بن أحمد بن ماجه الأبهري، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، والقاسم بن الفضل الثقفي، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب، وجده علي بن محمد، وغيرهم.
وخرجت له فوائد سمعت منه. وحدث بأصبهان، وبغداد وحلوان؛ روى عنه ابن السمعاني، ويوسف بن أحمد الشيرازي، ويوسف العاقولي، وعلي بن نصر، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، وعبد العزيز بن الأخضر، وثابت بن مشرف، وعلي بن بورنداز، وعبد القادر الرهاوي، ومحمد بن ثابت الصائغ، ومحمد بن سعيد التاجر، ومحمد بن محمد بن محمد بن غانم الحافظ، ومحمد بن محمود الرويدشتي، ومحمود بن محمد اللباد، ومعاوية بن محمود الخباز الأصبهانيون.
وتوفي بأصبهان في صفر، وبه ختم حديث لوين.
وروى عنه بالإجازة ابن اللتي، وكريمة وصفية بنتا عبد الوهاب، وعلم الدين علي ابن الصابوني، وآخرون.
212 -
مودود بن أتابك زنكي آقسنقر
، الملك قطب الدين صاحب الموصل المعروف بالأعرج، أخو السلطان نور الدين
تملك الموصل بعد أخيه الأكبر سيف الدين غازي.
قال ابن خلكان: وكان قطب الدين حسن السيرة، عادلًا في حكمه، وفي أيامه عظم الوزير محمد الأصبهاني المعروف بالجواد، وهو الذي قبض عليه. وكان مدبر دولته الأمير زين الدين علي والد الملك مظفر الدين صاحب إربل. توفي في شوال بالموصل، وله نيف وأربعون سنة، وخلف عدة أولاد، منهم السلطان عز الدين مسعود، والسلطان سيف الدين غازي صاحب الموصل بعد أبيه.
قال ابن الأثير: كان ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا. وكان فخر الدين عبد المسيح الخصي هو المدبر للأمور والحاكم في الدولة.
قال: وكان قطب الدين من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أموال رعيته، محسنًا إليه، كثير الإنعام عليهم، محبوبًا إلى كبيرهم وصغيرهم، كريم الأخلاق، حسن الصحبة لهم، جم المناقب، وقليل المعايب.
213 -
يحيى بن الحسن بن سلامة بن مساعد
، أبو الرضا المنبجي، الحنفي أخو أحمد وعلي.
سمع أبا القاسم بن بيان، وشجاعًا الذهلي، وأبا العز محمد بن المختار، وولي قضاء المحول. روى عنه ابن الأخضر، وغيره. وتوفي في ذي الحجة.
214 -
يوسف بن مكي بن علي
، أبو الحجاج الحارثي، الشافعي، الدمشقي، إمام جامع دمشق.
قال الحافظ ابن عساكر: كان أبوه حائكًا، فنشأ يوسف وقرأ بروايات، وتفقه عند أبي الحسن بن المسلم. ورحل فسمع من أبي طالب نور الهدى، وأبي علي ابن المهدي، وأبي سعد ابن الطيوري. وكان يسمع مع أخي، ثم حج وعاد مع حجاج الشام ولزم الفقيه نصر الله، وأعاد له، وقد أوصى له بتدريس الزاوية، فلم تصح له. وحدث، وكان ثقة ونصب لإمامة الجامع، وكتب كثيرًا. وتوفي في صفر.
سنة ست وستين وخمسمائة
215 -
أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن مالك
، أبو بكر بن أبي إسحاق العاقولي، الأزجي، الوزان.
سمع الحسين بن علي ابن البسري، وعنه أبو سعد ابن السمعاني، وأحمد بن أحمد البندنيجي.
توفي في ربيع الآخر.
216 -
أحمد بن بنيمان بن عمر بن نصر
، أبو العباس الهمذاني، ثم البغدادي، أخو عمر.
سمع من أبي الفضل محمد بن عبد السلام، وثابت بن بندار، والحسين ابن البسري، والمبارك ابن الطيوري.
قال ابن الدبيثي: وكان ثقة، صحيح السماع. سمع منه محمد بن مشق، وجماعة. وحدثنا عنه ابن الأخضر. وتوفي في ذي القعدة.
قلت: وروى عنه عبد الله ابن اللتي، والشيخ الموفق.
217 -
أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم
، الوزير أبو جعفر ابن البلدي، وزير المستنجد بالله
فلما توفي المستنجد وبويع المستضيء في هذه السنة كان المتولي لعقد بيعته أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء. ثم إنه استوزر أبا الفرج، فانتقم من ابن البلدي وقتله. وكان في وزارته قد قطع أنف امرأة ويد رجل لجناية جرت، فسلم إلى أولئك، فقطعوا أنفه ثم يده، ثم ضرب المسكين بالسيوف، وألقي في دجلة في ربيع الآخر. وكانت وزارته ستة أعوام.
قال ابن الأثير: أتى ابن البلدي من يستدعيه للجلوس لعزاء المستنجد ولأخذ البيعة، فلما دخل دار الخلافة صرف إلى موضع وقتل، وقطع قطعًا، وألقي في دجلة، وأخذ ما في داره، فوجد فيها خطوط الخليفة المستنجد يأمره
بالقبض على ابن رئيس الرؤساء وقطب الدين قايماز، وخط الوزير بالمراجعة في ذلك، وصرفه عن هذا الرأي. فندما حيث فرطا في قتله، وعلما براءته.
قال ابن النجار: كان ابن البلدي شهمًا مقدامًا، شديد الوطأة، عظيم الهيبة، وله شعر يسير.
218 -
أحمد بن أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف
، اليوسفي أبو جعفر.
عن عبد الله بن محمد بن جحشويه، عن القزويني. وعنه محمد بن عبد الله السقلاطوني.
219 -
الحسن بن علي بن محمد بن علي
، الكامل أبو محمد ابن السوادي، الواسطي الحاسب.
من بيت كتابة وتقدم، كان بارعًا في الحساب والمساحة وفي الفرائض. سمع أبا نعيم الجماري، ومحمد بن علي بن أبي الصقر، وأبا الخير العسال، وخميسًا الحوزي. وحدث ببغداد محمد بن محمد في سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
قال ابن الدبيثي: ثنا عنه أبو الفتح المندائي، ومحمد بن يحيى القاضي، وأبو طالب بن عبد السميع. توفي بواسط في رمضان، وله سبع وثمانون سنة.
220 -
سفيان بن أحمد بن عبد الله
، أبو محمد ابن الإمام المغربي، نزيل مرسية.
روى عن أبي محمد بن برطلة، وأبي عبد الله بن سعادة، وجماعة.
قال الأبار: كان محدثًا، ورعًا، دينًا، خيارًا، واقفًا على متون المصنفات، ظاهري المذهب. توجه إلى مكة سنة ست، فكان آخر العهد به. وولد سنة خمس وتسعين.
221 -
سليمان بن فيروز
، أبو داود العيشوني، الخياط الزاهد.
سمع محمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبا الحسن ابن العلاف، وجماعة. وأجاز له أبو المحاسن الروياني. وعنه ابن الأخضر، وأحمد بن أحمد البندنيجي.
قال ابن النجار: كان صالحًا، ورعًا، زاهدًا، يأكل من كسب يده، ولا يخرج من مسجده.
222 -
طارق بن موسى بن طارق
، أبو جعفر المعافري، البلنسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن ابن هذيل بعد العشرين وخمسمائة، ورحل إلى شريح فأخذ عنه. وروى عن أبي عبد الله ابن المرابط. وكان بارعًا في القراءات. أخذ عنه أبو علي بن زلال، وغيره.
قتل في جمادى الأولى سحرًا.
223 -
طاهر ابن الحافظ محمد بن طاهر بن علي
، أبو زرعة المقدسي، ثم الهمذاني.
مولده بالري في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة في الرابع والعشرين من رمضان، بخط أبيه، وسمع بها من محمد بن الحسين المقومي، وغيره، وبالدون من عبد الرحمن بن حمد، وبهمذان من عبدوس بن عبد الله بن عبدوس، وبساوة من محمد بن أحمد الكامخي، وبالكرج من مكي بن منصور السلار، وببغداد من أبي القاسم بن بيان.
وحج غير مرة، وحدث بالكثير من مسموعاته، روى سنن النسائي وسنن ابن ماجه، وسكن به أبوه همذان فاستوطنها.
روى عنه أحمد بن صالح الجيلي، وأحمد بن طارق، وأبو الفرج ابن الجوزي، وابن السمعاني، وعبد الغني، وابن قدامة، وابن الأخضر، وابن الزبيدي، وعبد اللطيف بن يوسف، وأحمد بن يحيى البراج، وعبد العزيز بن
باقا، والمهذب بن قنيدة، وأبو القاسم علي ابن الجوزي، وأبو حفص عمر بن محمد السهروردي، والأنجب بن أبي السعادات، وأبو بكر بن بهروز الطبيب، وأبو تمام علي بن أبي الفخار، وأبو طالب ابن القبيطي، وأبو بكر محمد بن سعيد بن الخازن، وآخرون.
قال عمر بن علي القرشي: بدأت بقراءة سنن ابن ماجه على أبي زرعة، قدم علينا حاجًا في العشرين من شوال، وقال لنا: الكتاب سماعي من أبي منصور المقومي. وكان سماعي في نسخة عندي بخط أبي، وفيها سماع إسماعيل الكرماني، فطلبها مني، فدفعتها إليه من أكثر من ثلاثين سنة. قال القرشي: وتحققنا أن له إجازة من المقومي، فقرئ عليه إجازة، إن لم يكن سماعًا.
قلت: وقد سمع من المقومي في شعبان سنة أربع وثمانين فضائل القرآن لأبي عبيد، وعمره ثلاث سنين.
وقال الدبيثي: توفي في ربيع الآخر بهمذان، وما كان يعرف شيئًا.
قلت: سمعنا من طريقه الكتب المسماة، ومسند الشافعي واشتهر اسمه. وقد سماه ابن السمعاني في الذيل: داود، فوهم. وقيل: اسمه الفضل.
قال: وولد سنة ثمانين رحمه الله.
قال ابن النجار: أبو زرعة طاهر؛ طوف به والده، وسمعه ببغداد من أبي الحسن العلاف، وابن بيان. وكان تاجرًا لا يفهم شيئًا من العلم. وكان شيخًا صالحًا، حمل جميع كتب والده، وكانت كلها بخطه، إلى الحافظ أبي العلاء، ووقفها وسلمها إليه، فسمعت من يذكر أنها كانت في ثلاثين غرارة، رأيت
أكثرها في خزانة أبي العلاء. وقيل: حج عشرين حجة.
224 -
عبد الله بن أحمد بن سعيد
، أبو محمد بن موجوال العبدري، البلنسي.
روى عن أبي علي بن سكرة، وأبي محمد البطليوسي ولازمه، وأبي الحسن بن واجب، وجماعة.
قال الأبار: وكان حافظًا للفقه بصيرًا به مقدمًا، مع الصلاح والزهد، وجمع كتابًا حافلًا في شرح مسلم، ولم يتمه، وشرح رسالة ابن أبي زيد. وكان أبو بكر ابن الجد يغض منه. أخذ عنه يحيى بن أحمد الجذامي، وأحمد بن أبي هارون، وأبو بكر بن خير. وحدثنا عنه أبو الخطاب ابن واجب، وأبو عبد الله الأندرشي، أجاز لهما في هذه السنة وانقطع خبره.
225 -
عبد الله بن خلف الكفرطابي
، النحوي.
درس النحو بحماة مدة، وصنف فيه. وكان يلقب بسطيح، ورخه ابن عساكر.
226 -
عبد الجبار بن محمد بن علي
، أبو طالب المعافري، المغربي، اللغوي.
قدم البلاد، وأقرأ العربية. بمصر، وببغداد، وانتفع به خلق. وتوفي وهو راجع إلى بلاده. وهو شيخ عبد الله بن بري النحوي.
227 -
عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خلف بن أبي ليلى أبو بكر الأنصاري
، الغرناطي ثم المرسي.
قال أبو عبد الله الأبار: هو من ولد عبد الرحمن بن أبي ليلى قارئ الكوفة. سمع أباه أبا القاسم المتوفى سنة أربع عشرة، وأبا علي الصدفي. ولازمه كثيرًا، وهو أثبت الناس فيه، كان قارئه للناس. وسمع أبا محمد بن جعفر الفقيه، وأبا محمد بن عتاب. وحج فسمع أبا المظفر الشيباني، وأبا علي
ابن العرجاء. وكان عدلًا خيرًا، موصوفًا بالإتقان، متقللًا، منقبضًا عن الناس، بضاعته حمل الآثار مع مشاركته في الأدب وغيره. وقد كتب للأمير أبي إسحاق ابن تاشفين، وامتحن معه لما نكب، وأخذت كتبه. وقد أراده أبو العباس ابن الخلال على القضاء فامتنع، ولزم باديته بخارج مرسية إلى أن رغب إليه بأخرة، فقعد للإسماع، وتنافسوا في الرواية عنه. وروى عنه جلة من شيوخنا. وتوفي بالذبحة، وله ست وسبعون سنة.
228 -
عبد الرحيم بن أبي الوفاء علي بن أبي طالب حمد بن عيسى بن عبد الوهاب بن المرزبان
، أبو مسعود الأصبهاني، الحاجي، الحافظ، المعدل، سبط غانم البرجي.
سمع من جده غانم، وأبي علي الحداد، وجماعة. ورحل إلى نيسابور فسمع من أبي بكر عبد الغفار الشيرويي، وإلى بغداد فسمع من أبي القاسم ابن الحصين، وأبي العز بن كادش، وطائفة.
قال ابن السمعاني في ترجمته: شاب كيس، متودد، حسن السيرة، له أنسة بالحديث، وهو أحد الشهود المعدلين.
قلت: وسمع منه أبو القاسم ابن عساكر المعجم الكبير للطبراني، وله جزء وفيات شيوخه ومن بعدهم من الأصبهانيين، سمعناه بإجازة كريمة منه. وأجاز أيضًا لابن اللتي. وحدث عنه أيضًا الحافظ عبد القادر الرهاوي، وغيره. وتوفي في الثاني والعشرين من شوال عن بضع وسبعين سنة.
229 -
عمر بن محمد بن الحسن
، أبو البقاء المصري المالكي الفقيه.
توفي بمصر في ربيع الأول.
قال أبو الحسن بن المفضل: وأجاز لنا.
230 -
ليث بن شجاع بن مسعود
، أبو الفتوح الوسطاني.
توفي في رمضان ببغداد. وهو والد أبي هريرة محمد.
231 -
محمد بن أحمد بن الحسن بن جابر
، أبو بكر بن أبي نصر الدينوري، الصوفي، المقرئ، ثم البغدادي.
قدم جده من الدينور، فسكن بغداد. وأبو بكر هذا هو والد أبي نصر عمر بن محمد المقرئ. ولد سنة ثلاث وخمسمائة، وسمع من ابن الحصين، وهبة الله بن الطبر. وقرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط. وكان صالحًا، ورعًا، عالمًا. صحب أبا النجيب السهروردي مدة. روى عنه ابنه عمر.
وتوفي بدمشق.
232 -
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن أبي العيش
، أبو عبد الله اللخمي، الطرطوشي، المعروف بابن الأصيلي.
رحل في طلب العلم، وأخذ القراءات عن منصور بن الخير. وسمع من أبي عبد الله بن أبي الخصال، وأبي القاسم بن ورد، وجماعة. وجلس للناس للإقراء، ونفعهم؛ سمع منه الموطأ في سنة تسع وخمسين أبو الحسين بن جبير الكناني. وكتب عنه ابن عياد، وغيره.
ولد سنة ست وتسعين وأربعمائة، وتوفي في العام، وقيل بعده.
233 -
محمد بن خمارتكين
، أبو عبد الله التبريزي.
تفقه على مذهب الشافعي، وقرأ الأدب على مولاه، وسمع منه ومن أبي الخطاب الكلواذاني، وأبي الخير المبارك الغسال، سمع منه عمر بن علي
القرشي، وأحمد بن يحيى بن هبة الله، وأحمد بن أحمد البندنيجي. وروى عنه الموفق عبد اللطيف الطبيب.
قال ابن الدبيثي: توفي سنة ست أو سبع وستين.
234 -
محمد بن عمر بن عبد العزيز بن مازة
، أبو جعفر البخاري، الفقيه الحنفي، شيخ بخارى ورئيسها وابن شيخها. لقبه: شمس الدين.
روى عن أبيه. وعنه أبو البركات محمد بن علي الأنصاري قاضي أسيوط في مشيخته؛ سمع منه ببغداد لما قدمها.
عاش خمسًا وخمسين سنة.
235 -
محمد بن محمد بن سعد بن محمد
، أبو الفضل بن عسكر الأنباري، الكاتب.
روى جزء ابن عرفة عن ابن بيان. وعنه أبو الفتوح نصر ابن الحصري. ومن شعره، وكتب به إلى المستنجد:
خدمتك فارسًا حدثًا غنيًا أؤمل سيب كفيك الغزيرا أيجمل أن أفارق بعد حين جنابك راجلًا شيخًا فقيرا؟ توفي غريبًا بقونية في ربيع الأول.
236 -
محمد بن يوسف بن سعادة
، أبو عبد الله المرسي، مولى سعيد بن نصر. نزيل شاطبة.
أكثر عن أبي علي بن سكرة، وصارت إليه عامة أصوله وكتبه لصهر بينهما. وتفقه على أبي محمد بن جعفر. ورحل، فسمع أبا محمد بن عتاب، وأبا بحر بن العاص. وحج فلقي بالإسكندرية أبا الحجاج الميورقي فصحبه وأخذ عنه. وسمع بمكة من رزين بن معاوية، وأبي محمد بن غزال صاحب كريمة. ولقي بالمهدية أبا عبد الله المازري، فسمع منه كتاب المعلم.
قال ابن الأبار: كان عارفًا بالآثار، مشاركًا في التفسير، حافظًا للفروع، بصيرًا باللغة، مائلًا إلى التصوف. ذا حظ من علم الكلام، أديبًا، فصيحًا مفوهًا، خطيبًا، مع الوقار، والحلم، والسمت، والتلاوة، والخشوع، والصيام. ولي خطة الشورى بمرسية والخطابة، ثم ولي قضاء شاطبة فاستوطنها. وحدث وأقرأ. سمع منه أبو الحسن بن هذيل - مع تقدمه – جامع الترمذي، وصنف كتاب شجرة الوهم المترقية إلى ذروة الفهم لم يسبق إلى مثله. حدثنا عنه أكابر شيوخنا، وكان موته بشاطبة مصروفًا عن القضاء، ودفن في أول يوم من سنة ست، وله سبعون سنة.
237 -
محمود بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر
، أبو البدائع المسعودي، الخطيبي، المروزي الكشميهني.
روى هو وأبوه عن أبي منصور محمد بن علي الكراعي. روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وزين الأمناء.
توفي ببغداد كهلًا.
238 -
يحيى بن ثابت بن بندار بن إبراهيم
، أبو القاسم الوكيل ابن المقرئ أبي المعالي الدينوري، ثم البغدادي، البقال.
سمع أباه، وطراد بن محمد الزينبي، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبا عبد الله النعالي، وجماعة.
وروى الكثير، سمع منه ابن السمعاني، وعمر بن علي القرشي. وروى عنه بالإجازة: الحافظ ابن عساكر، وصاحبه الرشيد أحمد بن مسلمة. وبالسماع: أبو الفرج ابن الجوزي، وابن الأخضر، وعبد الغني، وابن قدامة المقدسيان، وابن اللتي، والموفق عبد اللطيف، والفخر الإربلي، وشهاب الدين السهروردي، وعبد الله بن باقا، ومحمد بن عماد الحراني، وأبو الكرم محمد بن دلف بن كرم، وعبد الوهاب بن محمود الجوهري، وعلي بن مبارك بن فائق، وعبد اللطيف بن محمد القبيطي، وخلق سواهم.
توفي في خامس ربيع الأول، وقد جاوز الثمانين.
روى صحيح الإسماعيلي، عن أبيه، عن البرقاني، عنه.
239 -
يوسف المستنجد بالله
، أمير المؤمنين أبو المظفر ابن المقتفي لأمر الله محمد ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله الهاشمي العباسي.
خطب له والده بولاية العهد في سنة سبع وأربعين، فلما احتضر أبوه كان عنده حظيته أم علي، فأرسلت إلى الأمراء بأن يقوموا معها ليكون الأمر لابنها علي، وبذلت لهم الإقطاعات والأموال، فقالوا: كيف الحيلة مع وجود ولي العهد يوسف؟ فقالت: أنا أقبض عليه، فأجابوها، وعينوا لوزارتة أبا المعالي ابن إلكيا الهراسي، وهيأت هي عدة من الجواري بسكاكين، وأمرتهن بالوثوب على ولي العهد المستنجد، وكان له خويدم، فرأى الجواري بأيديهن السكاكين، وبيد علي وأمه سيفين، فعاد مذعورًا إلى المستنجد وأخبره، وبعثت هي إليه تقول: احضر، فأبوك يموت. فطلب أستاذ داره، وأخذه معه في جماعة من الفراشين، ولبس الدرع، وشهر سيفًا، فلما دخل ضرب واحدة من تلك الجواري جرحها، فتهاربن، وأخذ أخاه عليًا وأمه فحبسها، وغرق بعض الجواري، وقتل بعضهن؛ واستخلف يوم موت أبيه في ربيع الأول سنة خمس وخمسين.
وولد سنة ثمان عشرة، وأمه طاوس كرجية، أدركت خلافته.
قال ابن الدبيثي: كان يقول الشعر. قال: وكان نقش خاتمه: من أحب نفسه عمل لها.
قال ابن النجار: حكى ابن صفية أن المقتفي كان قد نزل يومًا في المخيم بنهر عيسى، والدنيا صيف، فدخل إليه المستنجد، وقد أثر الحر والعطش فيه، فقال: أيش بك؟ قال: أنا عطشان، قال: ولم تركت نفسك؟ قال: يا مولانا، فإن الماء في الموكبيات قد حمي. فقال: أيش في فمك؟ قال: خاتم يزدن عليه مكتوب اثني عشر إماما، وهو يسكن من العطش فضحك وقال: والك يريد
يصيرك يزدن رافضيًا، سيد هؤلاء الأئمة الحسين، ومات عطشان.
وقال ابن الجوزي في المرآة: ومن شعر المستنجد:
عيرتني بالشيب وهو وقار ليتها عيرت بما هو عار إن تكن شابت الذوائب مني فالليالي تزينها الأقمار وله في بخيل:
وباخل أشعل في بيته تكرمة منه لنا شمعه فما جرت من عينها دمعة حتى جرت من عينه دمعه وقال ابن الجوزي: أول من بايعه عمه أبو طالب، ثم أخوه أبو جعفر وكان أسن من المستنجد، ثم الوزير عون الدين، ثم قاضي القضاة. وحدثني الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، قال: حدثني أمير المؤمنين المستنجد بالله، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لي: يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة. فكان كما قال. ورأيته صلى الله عليه وسلم قبل موت أبي بأربعة أشهر، فدخل بي من باب كبير، ثم ارتفعنا إلى رأس جبل، وصلى بي ركعتين وألبسني قميصًا، ثم قال لي: قل اللهم اهدني فيمن هديت. وذكر دعاء القنوت. وحدثني الوزير ابن هبيرة قال: كان المستنجد قد بعث إلي مكتوبًا مع خادم في حياة أبيه، وكأنه أراد أن يسره عن أبيه، فأخذته وقبلته، وقلت للخادم: قل له: والله ما يمكنني أن أقرأه، ولا أن أجيب عنه. قال: فأخذ ذلك في نفسه علي. فلما ولي دخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين، أكبر دليل في نصحي أني ما حابيتك نصحًا لأمير المؤمنين. فقال: صدقت، أنت الوزير. فقلت: إلى متى؟ فقال: إلى الموت. فقلت: أحتاج والله، إلى اليد الشريفة. فأحلفته على ما ضمن لي.
قال ابن الجوزي: وحكي أن الوزير بعد ذلك خدم بحمل الكثير من خيل، وسلاح، وغلمان، وطيب، ودنانير، فبعث أربعة عشر فرسًا عرابًا، فيها فرس يزيد ثمنه على أربعمائة دينار، وست بغلات، وعشرة غلمان ترك، وعشرة
زرديات وخوذة، وعشرة تخوت من الثياب، وسفط فيه عود وكافور وعنبر، وسفط فيه دنانير، فقبل منه وطاب قلبه. وأقر المستنجد أصحاب الولايات، وأزال المكوس والضرائب.
توفي في ثامن ربيع الآخر. وكان موصوفًا بالعدل والرفق. أطلق من المكوس شيئًا كثيرًا، بحيث لم يترك بالعراق مكسًا فيما نقل صاحب الروضتين وقال: كان شديدًا على المفسدين والعوانية. سجن رجلًا كان يسعى بالناس مدة، فحضر رجل وبذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، ودلني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره.
ومن أخبار المستنجد، قال ابن الأثير: كان أسمر، تام القامة، طويل اللحية. اشتد مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قايماز المقتفوي أكبر الأمراء، فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا وواضعا الطبيب على أن يصف له ما يؤذيه، فوصف له الحمام، فامتنع لضعفه، ثم أدخلها، فأعلق عليه باب الحمام، فمات. هكذا سمعت غير واحد ممن يعلم الحال.
قال: وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على قايماز وابن رئيس الرؤساء وصلبهما. فاجتمع ابن صفية بابن رئيس الرؤساء، وأعطاه خط الخليفة، فاجتمع بقايماز ويزدن، وأراهما الخط، فاتفقوا على قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن، وقايماز العميدي، فحملاه، وهو يستغيث، إلى الحمام وأغلقاه عليه فتلف.
قال: ولما مرض المستنجد أرجف بموته، فركب الوزير بالأمراء والسلاح، فأرسل إليه عضد الدين يقول: إن أمير المؤمنين قد خف، وأقبلت العافية. فعاد الوزير إلى داره. وعمد عضد الدين ابن رئيس الرؤساء وقايماز، فبايعا المستضيء بالله أبا محمد الحسن ابن المستنجد.
قال ابن النجار: كان المستنجد موصوفًا بالفهم الثاقب، والرأي
الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، له نثر بليغ، ونظم بديع، ومعرفة بعمل آلات الفلك والأسطرلاب، وغير ذلك.
240 -
ابن الخلال الكاتب
، ويعرف بالقاضي، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية، واسمه أبو الحجاج يوسف بن محمد بن حسين، الأديب موفق الدين.
وكان قد شاخ وكبر، فلما مات أقام صلاح الدين مكانه القاضي الفاضل. مات في جمادى الآخرة.
قال العماد: هو ناظر مصر، وإنسان ناظره، وجامع مفاخره. وكان إليه الإنشاء. عطل في آخر أيامه، وعمر وأضر. ثم قال: أنشدني مرهف بن أسامة، قال أنشدني الموفق ابن الخلال لنفسه:
عذبت ليال بالعذيب حوالي وخلت مواقف بالوصال خوالي ومضت لذاذات تقضى ذكرها تصبي الخلي وتستهيم السالي وجلت موردة الخدود فأوثقت في الصبوة الخالي بحسن الخال وله:
أما اللسان فقد أخفى وقد كتما لو أمكن الجفن كف الدمع حين همى أصبتم بسهام اللحظ مهجته فهل يلام إذا أجرى الدموع دما قد صار بالسقم من تعذيبكم علمًا ولم يبح بالذي من جوركم علما فما على صامت أبدى لصدكم في كل جارحة منه السقام فما
وله:
وله طرف لواحظه نصرت شوقي على جلدي قذفت عيني سوالفه فتوارت منه بالزرد
سنة سبع وستين وخمسمائة
241 -
أحمد بن محمد بن أحمد ابن الرحبي
، أبو علي الحريمي، العطار، البواب.
سمع أبا عبد الله النعالي، وأبو الحسن ابن الخل، وأبا سعد بن خشيش. روى عنه ابن الأخضر، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو القاسم بن محمد بن المقير، وسعيد بن علي بن بكري، وأحمد بن يعقوب المارستاني، وعبد اللطيف ابن القبيطي، وواثلة بن كراز الملاح.
وتوفي في صفر، وله خمس وثمانون سنة.
242 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد
، أبو عبد الله الأصبهاني، يعرف بقلا المعدل.
سمع غانمًا البرجي، وأبا منصور بن مندويه، وأبا علي الحداد. وحدث ببغداد، وكان حيًا في هذا العام.
243 -
جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد بن مأمون
، أبو أحمد البلنسي.
روى عن أبي محمد البطليوسي، وأبي القاسم الأبرش.
قال الأبار: وكان ثقة خيارًا، وهو والد القاضي أبي عبد الله بن حميد.
عاش نيفًا وسبعين سنة.
244 -
الحسين بن علي بن عبد الله
، أبو عبد الله ابن السماك، الحريمي.
سمع أبا علي البرداني، وأبا العز محمد بن المختار، وشجاعًا الذهلي. وسافر عن بغداد سنين كثيرة. سمع منه ابنه واثق، وأبو بكر بن مشق، وأحمد
ابن أحمد البندنيجي. وتوفي في جمادى الآخرة.
245 -
الخضر بن نصر بن عقيل
، أبو العباس الإربلي، الفقيه الشافعي، أحد الأئمة.
اشتغل ببغداد على إلكيا الهراسي، وأبي بكر الشاشي.
قال ابن خلكان: وله تصانيف كثيرة في التفسير والفقه، وغير ذلك، وألف كتابًا فيه ست وعشرون خطبة نبوية كلها مسندة، وانتفع عليه خلق. وكان رجلًا صالحًا. توفي بإربل، وولي التدريس مكانه ابن أخيه عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر، ثم سخط عليه مظفر الدين، فأخرجه، فقدم الموصل بعد الستمائة وبها توفي سنة تسع عشرة.
246 -
سليمان بن داود التويزي الأندلسي
، ويعرف بابن حوط الله.
أخذ القراءات عن ابن هذيل. وسمع من طارق بن يعيش، وأبي الوليد ابن الدباغ. وكان حسن التلاوة، أخذ عنه ابناه أبو محمد وأبو سليمان. وتوفي في عاشر ذي الحجة.
247 -
سليمان بن علي بن عبد الرحمن
، أبو تميم الفراتي، الرحبي، المقرئ، الخباز.
سمع عبد الرحمن بن الحسين بن محمد الحنائي. روى عنه ابنا صصرى، وعبد الرحمن بن عمر النساج، وآخرون.
مات في ربيع الأول؛ نقلت وفاته من خط أبي عبد الله البرزالي.
248 -
عاشر بن محمد بن عاشر بن خلف
، أبو محمد الأنصاري الشاطبي.
سمع من أبي علي بن سكرة، وأبي جعفر بن جحدر، وأبي عامر بن حبيب، وأبي عمران بن أبي تليد، وأبي بحر الأسدي. وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر. وأخذ القراءات بقرطبة عن أبي العباس بن ذروة. وأخذ بعض الروايات عن أبي القاسم ابن النخاس، وتوفي الشيخ، وسمع من ابن عتاب.
وأجاز له أبو عبد الله الخولاني، وجماعة.
وعني بالفقه، وشهر بالحفظ. وولي خطة الشورى ببلنسية، ثم قضاء مرسية، فحمدت سيرته، ونال دنيا وحشمة. ثم صرف عند زوال دولة الملثمة، وانتهت إليه رياسة الفتوى.
روى عنه أبو الخطاب بن واجب، وأبو عبد الله بن سعادة، وابن أخته أبو محمد بن غلبون، وأبو عبد الله الأندرشي. وله مصنفات نافعة.
مات في نصف شعبان بعد أن كف بصره وله ثلاث وثمانون سنة.
249 -
عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر
، العلامة أبو محمد ابن الخشاب النحوي.
شيخ بغداد ونحوي البلاد يقال: إنه بلغ في النحو درجة أبي علي الفارسي. وكانت له معرفة تامة بالحديث، واللغة، والهندسة، والفلسفة، وغير ذلك.
أخذ عن أبي منصور ابن الجواليقي، وأبي بكر بن جوامرد القطان النحوي، وعلي بن أبي زيد الفصيحي، وأبي السعادات هبة الله ابن الشجري، والحسن بن علي المحولي اللغوي، حتى أحكم العربية.
وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وسمع من أبي القاسم الربعي، وأبي الغنائم النرسي، وأبي زكريا بن منده، وغيرهم. ثم طلب بنفسه، وقرأ الكثير. وسمع من أبي عبد الله البارع، وابن الحصين، وابن كادش، وأبي غالب ابن البناء. وقرأ العالي والنازل إلى أن قرأ على أقرانه. وكان له كتب كثيرة إلى الغاية.
وروى الكثير، وتخرج به خلق في النحو. وحدث عنه أبو سعد السمعاني، وذكره في تاريخه فقال: شاب كامل، فاضل، له معرفة تامة بالأدب، واللغة، والنحو، والحديث، يقرأ الحديث قراءة حسنة، صحيحة، سريعة، مفهومة. سمع الكثير بنفسه، وجمع الأصول الحسان من أي وجه، وكان يضن بها. سمعت بقراءته من أبي بكر محمد بن عبد الباقي، وابن السمرقندي،
وسمعت بقراءته مجلدات من طبقات ابن سعد. وكان يديم القراءة طول النهار من غير فتور.
قلت: كان عمره إذ ذاك أربعين سنة.
قال: وسمعت أبا شجاع عمر البسطامي يقول: لما دخلت بغداد قرأ علي ابن الخشاب غريب الحديث لأبي محمد القتبي قراءة ما سمعت قبلها مثلها في الصحة والسرعة. وحضر جماعة من الفضلاء، وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسان فما قدروا.
قال ابن السمعاني: كتبت عنه جزءًا رواه عن الربعي، وسألته عن مولده فقال: أظن أنه في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وقال ابن النجار: إنه أخذ الحساب والهندسة عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأخذ الفرائض عن أبي بكر المزرفي. وكان ثقة. ولم يكن في دينه بذاك.
قلت: روى عنه أيضاً: أبو اليمن الكندي، والحافظ عبد الغني، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو أحمد ابن سكينة، وأبو محمد بن قدامة، ومحمد بن عماد الحراني، وأبو البقاء العكبري، وأبو الحسن علي بن نصر الجلي؛ وهو شيخهما في النحو وشيخ الفخر أبي عبد الله ابن تيمية الخطيب.
وقرأت بخط أبي محمد بن قدامة: كان ابن الخشاب إمام أهل عصره في علم العربية، وحضرت كثيرًا من مجالسه، لكن لم أتمكن من الإكثار عنه لكثرة الزحام عليه، وكان حسن الكلام في السنة وشرحها.
قلت: وكان ظريفًا مزاحًا على عادة الأدباء؛ قال ابن الأخضر: كنت عنده وعنده جماعة من الحنابلة، فسأله مكي الغراد فقال: عندك كتاب الجبال؟ فقال: يا أبله ما تراهم حولي؟
وقال ابن النجار: سمعت بعضهم يقول: سأل ابن الخشاب واحد من تلامذته: القفا يمد أو يقصر؟ فقال: يمد ثم يقصر.
قال: وبلغني أنه أتاه اثنان ليعرضا عليه شعرًا قالاه، فسمع من أحدهما، فقال للآخر: هو أردأ شعرًا منك. فقال: وكيف ولم تسمع شعري؟ قال: لأن
شعره لا يمكن أن يكون أردأ منه. وسأل بعض تلامذته: ما بك؟ فقال: فؤادي. فقال: لو لم تهمزه لم يوجعك.
قال: وبلغني أن بعض المعلمين قرأ عليه قول العجاج:
أطربًا وأنت فنسري وإنما يأتي الصبا الصبي فجعله الصبي بالياء، فقال له: هذا عندك في المكتب! فاستحيا.
وله في الشمعة:
صفراء لا من سقم مسها كيف وكانت أمها الشافية عريانة باطنها مكتس فاعجب لها كاسية عارية قال ابن النجار: وسمعت حمزة القبيطي يقول: كان ابن الخشاب يتعمم بالعمامة، وتبقى على حالها مدة حتى يسود ما يلي رأسه منها، وتتقطع من الوسخ، وترمي عليها العصافير ذرقها، فيتركه على حاله.
قال: وسمعت أبا محمد ابن الأخضر أن ابن الخشاب ما تزوج قط ولا تسرى، وكان قذرًا يستقي بجرة مكسورًة، ولما مرض أتيناه نعوده، فوجدناه في أسوأ حال من وسخ الثياب وقذر مكانه وعدم الغذاء، فأشرنا على القاضي أبي القاسم ابن الفراء بأن ينقله إلى داره، فنقله وأسكنه في بيت نظيف، وألبسه ثوبًا نظيفًا، وأحضر الأشربة والماء ورد، فوجد راحة وخفة، فأشهدنا بوقف كتبه، فاستولى عليها بيت العطار، وباعوا أكثرها، وتفرقت حتى بقي عشرها، فترك برباط المأمونية.
قال ابن النجار: كان رحمه الله بخيلًا، متبذلًا في ملبسه ومطعمه، ويلبس قذرًا، ويلعب بالشطرنج على الطريق، ويقف على المشعبذ وأصحاب القرود، ويكثر المزاح.
وقد صنف الرد على الحريري في مواضع من المقامات، وشرح اللمع لابن جني ولم يتمه، وشرح مقدمة الوزير ابن هبيرة في النحو، وصنف الرد على أبي زكريا التبريزي في تهذيبه لإصلاح المنطق.
وقال جمال الدين القفطي: كان مطرحًا للتكلف، وفيه بذاذة، ويقف على الحلق، ويقعد للشطرنج أين وجده، وكلامه أجود من قلمه. وكان ضيق
العطن، ما صنف تصنيفًا فكمله. شرح الجمل للجرجاني، وترك أبوابًا في وسط الكتاب وأقرأ هذا المصنف وهو على هذه الصورة، ولم يعتذر عنه.
قال ابن النجار: سمعت أبا بكر المبارك بن المبارك النحوي يقول: كان أبو محمد ابن الخشاب يحضر دائمًا سوق الكتب، فإذا نودي على الكتاب يريد أن يشتريه أخذه وطالعه، واستغفل الحاضرين، وقطع ورقة، ثم يقول إنه مقطوع ليشتريه برخص، فإذا اشتراه أعاد الورقة في بيته.
قال: وكان له إيوان كبير ملآن من الكتب والأجزاء، فكان إذا استعار شيئًا وطلب منه يقول: قد حصل بين الكتب ف اأقدر عليه.
قلت: إن صح هذا فلعله تاب والله يغفر له.
قال ابن الجوزي: دخلت عليه في مرضه وقد يئس من نفسه، فقال لي: عند الله أحتسب نفسي. وتوفي يوم الجمعة ثالث رمضان. ودفن يوم السبت. وحدثني عبد الله بن أبي الفرج الجبائي الرجل الصالح قال: رأيته في النوم بعد موته بأيام، ووجهه مضيء، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، إلا أنه أعرض عني. فقلت له: أعرض عنك؟ فقال: نعم، وعن جماعة من العلماء تركوا العمل.
250 -
عبد الله بن طاهر بن حيدرة بن مفوز
، أبو محمد المعافري، الشاطبي.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن أبي العيش. وسمع من أبيه، وأبي إسحاق بن جماعة. وتفقه بأبي عبد الله بن مغاور، وأجاز له آخرون.
قال الأبار: كان فقيهًا، إمامًا، خبيرًا بالشروط، وقورًا. ولي قضاء شاطبة، فجرى على طريقة السلف الصالح عدلًا، وزكاة، وحلمًا، وأناة. وتوفي كهلًا.
251 -
عبد الله بن منصور بن هبة الله بن أحمد
، أبو محمد بن أبي الفوارس ابن الموصلي، البغدادي، المعدل.
سمع من أبي البركات محمد بن عبد الله الوكيل ديوان المتنبي وتفرد
به. وسمع من أبي عبد الله النعالي، وأبي الحسن ابن الطيوري، وأبي الحسن ابن العلاف، وشجاع الذهلي، وغيرهم.
سمع منه أبو محمد ابن الخشاب، وأبو سعد ابن السمعاني، وغير واحد. وحدث عنه أبو محمد ابن الأخضر، وابن قدامة، ومنصور ابن الزكي الغزال، ومحمد بن عماد الحراني، وأبو حفص السهروردي في مشيخته، وآخرون. وروى عنه بالإجازة الرشيد بن مسلمة، وغيره.
قال الدبيثي: فقد أيامًا ثم وجد في بيته ميتًا في ربيع الآخر، وله ثمانون سنة.
252 -
عبد الله العاضد لدين الله
، أبو محمد بن يوسف ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر ابن الظاهر ابن الحاكم العبيدي، المصري، الرافضي، الذي يزعم هو وبيته أنهم فاطميون وهو آخر خلفاء مصر.
ولد سنة ست وخمسمائة في أولها. ولما هلك الفائز ابن عمه واستولى الملك الصالح طلائع بن رزيك على الديار المصرية بايع العاضد وأقامه صورة، وكان كالمحجور عليه لا يتصرف في كل ما يريد. ومع هذا فكان رافضيًا، سبابًا، خبيثًا.
قال ابن خلكان: كان إذا رأى سنيًا استحل دمه. وسار وزيره الملك الصالح سيرة مذمومة، واحتكر الغلات، فغلت الأسعار، وقتل أمراء الدولة خيفة منهم، وأضعف أحوال دولتهم بقتل ذوي الرأي والبأس، وصادر أولي الثروة. وفي أيام العاضد ورد حسين بن نزار ابن المستنصر العبيدي من الغرب، وقد جمع وحشد، فلما قارب مصر غدر به أصحابه، وقبضوا عليه، وأتوا به إلى العاضد، فذبح صبرًا في سنة سبع وخمسين.
قلت: ثم قتل ابن رزيك، ووزر له شاور، فكان سبب خراب دياره، ودخل أسد الدين إلى ديار مصر كما ذكرنا، وقتل شاور، ومات بعده أسد
الدين، وقام في الأمر ابن أخيه صلاح الدين وتمكن من المملكة.
قال القاضي جمال الدين ابن واصل: حكى لي الأمير حسام الدين أبي علي قال: كان جدي في خدمة صلاح الدين، فحكى أنه لما وقعت هذه الوقعة، يعني وقعة السودان، بالقاهرة التي زالت دولتهم فيها، ودولة آل عبيد، قال: شرع صلاح الدين فطلب من العاضد أشياء من الخيل والرقيق والأموال ليتقوى بذلك. قال: فسيرني يومًا إلى العاضد أطلب منه فرسًا، ولم يبق عنده إلا فرس واحد، فأتيه وهو راكب في بستانه المعروف بالكافوري الذي يلي القصر، فقلت: صلاح الدين يسلم عليك، ويطلب منك فرسًا. فقال: ما عندي إلا الفرس الذي أنا راكبه؛ ونزل عنه وشق خفيه ورمى بهما، وسلم إلي الفرس، فأتيت به صلاح الدين. ولزم العاضد بيته.
قلت: واستقل صلاح الدين بالأمر، وبقي العاضد معه صورة إلى أن خلعه، وخطب في حياته لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله العباسي، وأزال الله تلك الدولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلفًا لا مستخلفًا.
قال الإمام شهاب الدين أبو شامة: اجتمعت بالأمير أبي الفتوح ابن العاضد وهو مسجون مقيد في سنة ثمان وعشرين وستمائة، فحكى لي أن أباه في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر، قال: فأحضرونا، يعني أولاده، ونحن صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا.
قال أبو شامة: كان منهم ثلاثة بإفريقية وهم الملقبون بالمهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر، وهم: المعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد، يدعون الشرف، ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك بين العوام، فصاروا يقولون: الدولة الفاطمية والدولة العلوية. إنما هي الدولة اليهودية، أو المجوسية الملحدة الباطنية.
قال: وقد ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر أنهم لم يكونوا لذلك
أهلًا، ولا نسبهم صحيحا، بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي.
قال: وقيل: كان والد عبيد هذا يهوديًا من أهل سلمية، وكان حدادًا. وعبيد كان اسمه سعيدا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وادعى نسبًا ليس بصحيح. وذكر ذلك جماعة من علماء الأنساب، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك المغرب، وبنى المهدية، وتلقب بالمهدي. وكان زنديقًا خبيثًا، عدوًا للإسلام. قتل من الفقهاء، والمحدثين، والصالحين جماعة كبيرة، ونشأت ذريته على ذلك. وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة.
وقد بين نسبهم جماعة مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، فإنه كشف في أول كتابه المسمى كشف أسرار الباطنية عن بطلان نسب هؤلاء إلى علي رضي الله عنه، وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد استقصى الكلام في أصولها، وبينها في آخر كتاب تثبيت النبوة، وبين بعض ما فعلوه من الكفريات والمنكرات.
قرأت في تاريخ صنف على السنين في مجلد صنفه بعض الفضلاء سنة بضع وثلاثين وستمائة، وقدمه لصاحب مصر الملك الصالح قال: في سنة سبع وستين: وفاة العاضد في يوم عاشوراء بعد إقامة الخطبة بمصر بيويمات قلائل في أول جمعة من المحرم لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله، وهو آخر خلفاء مصر. فلما كانت الجمعة الثانية خطب بالقاهرة أيضًا للمستضيء، ورجعت الدعوة العباسية بعد أن كانت قد قطعت بها أكثر من مائتي سنة. وتسلم الملك الناصر صلاح الدين قصر الخلافة، واستولى على ما كان به من الأموال والذخائر، وكانت عظيمة الوصف. وقبض على أولاد العاضد وأهل بيته، وحبسهم في مكان واحد بالقصر، وأجرى عليهم ما يمولهم، وعفى آثارهم، وقمع مواليهم وسائر أنسبائهم.
قال: وكانت هذه الفعلة من أشرف أفعاله، فلنعم ما فعل، فإن هؤلاء كانوا باطنية زنادقة، دعوا إلى مذهب التناسخ، واعتقاد حلول الجزء الإلهي في أشباحهم.
وقد ذكرنا أن الحاكم قال لداعيه: كم في جريدتك؟ قال: ستة عشر ألفًا يعتقدون أنك الإله. وقال قائلهم وأظنه في الحاكم:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
فلعن الله المادح والممدوح، فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}
وقال بعض شعرائهم في المهدي برقادة:
حل برقادة المسيح حل بها آدم ونوح حل بها الله في علاه وما سوى الله فهو ريح
قال: وهذا أعظم كفرًا من النصارى، لأن النصارى يزعمون أن الجزء الإلهي حل بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حلوله في جسد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمة. هذا اعتقادهم لعنهم الله. فأما نسبهم فأئمة النسب مجمعون على أنهم ليسوا من ولد علي رضوان الله عليه، بل ولا من قريش أصلًا.
قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن القادر بالله كتب محضرًا يتضمن القدح في نسبهم ومذهبهم، وأنه شهد في ذلك المحضر خلق، منهم: الشريفان الرضي، والمرتضى، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، وأبو جعفر القدوري. وفي المحضر أن أصلهم من الديصانية، وأنهم خوارج أدعياء. وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة.
وقال العماد الكاتب، يصف ما جرى على ما خلفه العاضد من ولد وخدم وأمتعة، إلى أن قال: وهم الآن محصورون محسورون، ولم يظهروا، وقد نقص عددهم، وقلص مددهم. ثم عرض من بالقصر من الجواري والعبيد فوجد أكثرهن حرائر، فأطلقهن، وفرق من بقي. وأخذ - يعني صلاح الدين – كل ما صلح له ولأهله وأمرائه من أخاير الذخائر، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، والدرة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة، والمصوغات التبرية، والمصنوعات العنبرية، والأواني الفضية، والصواني الصينية، والمنسوجات المغربية، والممزوجات الذهبية، والعقود والنقود، والمنظوم والمنضود، وما لا يعد إحصاءا. وأطلق البيع بعد ذلك في كل
جديد وعتيق، وبال وأسمال، واستمر البيع فيها مدة عشر سنين، وانتقلت إلى البلاد بأيدي المسافرين.
وكتب السلطان صلاح الدين إلى وزير بغداد على يد شمس الدين محمد بن المحسن بن الحسين بن أبي المضاء البعلبكي الذي خطب أول شيء بمصر لبني العباس في أول السنة بإنشاء الفاضل كتابًا، فمما فيه:
وقد توالت الفتوح غربًا وشرقًا، ويمنًا وشامًا، وصارت البلاد والشهر بل الدهر حرمًا حراما، وأضحى الدين واحدًا بعدما كان أديانا. والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها إلا صمًا وعميانا. والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة. ذلك أنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء. وتقطعوا في أمرهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا. وكذبوا بالنار، فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظباء حروف رؤوسهم نثر الأقلام للحروف. ومزقوا كل ممزق، وأخذ منهم كل مخنق. وقطع دابرهم، ووعظ آتيهم غابرهم. ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، وليس السيف عمن سواهم من الفرنج بصائم، ولا الليل عن السير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبي أن من شد عقد خلافة، وحل عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يشكر ما نصح، ويقلد ما فتح، ويبلغ ما اقترح، ويقدم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة.
إلى أن قال: وقد أنهض لإيصال ملطفاته، وتنجز تشريفاته، خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود المنبر، وقام بالأمر قيام من بر، واستفتح بلبس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السواد الأعظم.
وقال ابن أبي طيئ: لما فرغ السلطان من أمر الخطبة أمر بالقبض على القصور بما فيها، فلم يوجد فيها من المال كبير أمر، لأن شاور كان قد ضيعه في إعطائه الفرنج، بل وجد فيها ذخائر جليلة.
ومن عجيب ما وجد فيه قضيب زمرد طوله شبر وشيء في غلظ الإبهام، فأخذه السلطان، وأحضر صائغًا ليقطعه، فأبى الصائغ واستعفى، فرماه السلطان، فانقطع ثلاث قطع، وفرقه
على نسائه. ووجد طبل القولنج الذي صنع للظافر، وكان من ضربه خرج منه الريح واستراح من القولنج، فوقع إلى بعض الأكراد، فلم يدر ما هو، فكسره، لأنه ضرب به فحبق. ووجد في الذخائر إبريق عظيم من الحجر المائع، فكان من جملة ما أرسل من التحف إلى بغداد. ثم وصل موفق الدين ابن القيسراني، واجتمع في مصر بصلاح الدين، وأبلغه رسالة السلطان نور الدين، وطالبه بحساب جميع ما حصله، فصعب ذلك عليه، وهم بشق العصا، ثم سكن، وأمر النواب بعمل الحساب، وعرضه على ابن القيسراني، وأراه جرائد الأجناد بأخبارهم، وقد ذكر في الحوادث جميع ذلك.
وكان عمارة اليمني الشاعر من العبيديين وممن يتولاهم، فرثى العاضد بهذه:
رميت يا دهر كف المجد بالشلل وجيده بعد حسن الحلى بالعطل سعيت في منهج الرأي العثور فإن قدرت من عثرات الدهر فاستقل جدعت مازنك الأعلى فأنفك لا ينفك ما بين أمر الشين والخجل لهفي ولهف بني الآمال قاطبة على فجيعتها في أكرم الدول قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن كمالها أنها جاءت ولم أسل يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة لك الملامة إن قصرت في عذلي بالله زر ساحة القصرين وابك معي عليهما لا على صفين والجمل ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة في نسل آل أمير المؤمنين علي أسلت من أسف دمعي غداة خلت رحابكم وغدت مهجورة السبل والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم ولا نجا من عذاب النار غير ولي
وهي طويلة.
قيل: كان موت العاضد بذرب مفرط أتلفه. وقيل: مات غمًا لما سمع بقطع خطبته؟ وقيل: بل كان له خاتم مسموم فامتصه، لما سمع بزوال دولته. والأول أقرب وأشبه.
253 -
عبد الله بن أحمد بن الحسين
، الرئيس أبو محمد الحميري الأطرابلسي الكاتب، ويعرف بابن النقار.
ولد بطرابلس سنة تسع وسبعين، وقرأ بها الأدب، فلما أخذتها الفرنج تحول إلى دمشق. وكان شاعرًا فاضلًا، كتب لملوك دمشق، ثم كتب لنور الدين رحمه الله. وعمر دهراً، وله قصيدة مشهورة يقول فيها:
من منصفي من ظالم متعتب يزداد ظلمًا كلما حكمته ملكته روحي ليحفظ ملكه فأضاعني وأضاع ما ملكته أحبابنا أنفقت عمري عندكم فمتى أعوض بعض ما أنفقته؟ فلمن ألوم على الهوى وأنا الذي قدت الفؤاد إلى الغرام وسقته
254 -
عبد الرحمن بن سعد الله بن قبان بن حامد
، أبو القاسم بن أبي المواهب البغدادي، ابن خال شهدة.
سمع أبا غالب الباقلاني، وأجاز له طراد الزينبي فيما قيل. سمع منه عمر القرشي وأبو بكر بن مشق.
255 -
عبد الكريم بن إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد النيسابوري ثم البغدادي، الصوفي.
سمع من ابن الحصين، وزاهر الشحامي. كتب عنه عمر بن علي القرشي، وغيره.
256 -
عبد الملك بن إلكيا الهراسي أبي الحسن علي بن محمد الطبري ثم البغدادي.
سمع من ابن بيان الرزاز. روى عنه ابن الأخضر، وتوفي في ربيع الآخر.
257 -
عبد الملك بن محمد بن باتانة
، أبو الحسن المغربي، المجود.
ما ذكر ابن النجار على من تلا. سمع أبا العز بن المختار. ومات في ربيع الأول.
258 -
عثمان بن يوسف بن أيوب
، أبو عمرو الكاشغري الخجندي، ويعرف أبوه بابن زريق.
من أهل كاشغر، سكن بغداد. وكان أعني يوسف يخدم في إصطبل المستظهر بالله، فولد له عثمان، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث. وسمع أولاده عليًا وأبا بكر وإبراهيم من أبي الفتح ابن البطي، وأبي بكر ابن النقور، وأبي المعالي بن حنيفة، وأمثالهم، وحصل الأصول، واستنسخ، ونفذ من الديوان العزيز في مهم إلى الملك نور الدين، فسمع منه الشيخ أبو عمرو، وأخوه الشيخ الموفق، والحافظ عبد الغني في سنة خمس وستين.
قال ابنه إبراهيم: توفي في حدود سنة سبع وستين.
259 -
عرقلة، الشاعر
المشهور
هو أبو الندى حسان بن نمير الكلبي، الدمشقي، شاعر مجيد، ونديم خليع، وأعور مطبوع، وهو القائل في دمشق:
أما دمشق فجنات مزخرفة للطالبين بها الولدان والحور ما صاح فيها على أوتاره قمر إلا وغناه قمري وشحرور يا حبذا ودروع الماء تنسجها أنامل الريح إلا أنها زور وله وقد ولي صلاح الدين يوسف بن أيوب شحنكية دمشق لنور الدين في سنة ستين وخمسمائة:
رويدكم يا لصوص الشام فإني لكم ناصح في المقال أتاكم سمي النبي الكريم يوسف رب الحجى والجمال فذلك يقطع أيدي النسا وهذا يقطع أيدي الرجال
وكان صلاح الدين وعده إن أخذ مصر أن يعطيه ألف دينار، فلما ملكها قال فيه:
قل للصلاح معيني عند افتقاري يا ألف مولاي أين الألف دينار؟ أخشى من الأسر إن حاولت أرضكم وما تقي جنة الفردوس بالنار فجد بها عاضديات موفرة من بعض ما خلف الطاغي أخو العار حمرًا كأسيافكم غرًا كخيلكم عتقًا ثقالًا كأعدائي وأطماري
فأعطاه ألف دينار وأخذ له من إخوته مثلها، فجاءه الموت فجاءة ولم ينتفع بفجاءة الغنى.
ومن شعره:
عندي لكم من الأشواق والبرحا ما صير الجسم من بعد الضنا شبحا أحبابنا لا تظنوني سلوتكم الحال ما حال والتبريح ما برحا لو كان يسبح صب في مدامعه لكنت أول من في دمعه سبحا أو كنت أعلم أن البين يقتلني ما بنت عنكم ولكن فات ما ربحا
وله:
ترى عند من أحببته لا عدمته من الشوق ما عندي وما أنا صانع جميعي إذا حدثت عن ذاك أعين وكلي إذا نوجيت عنه مسامع
ولعرقلة ديوان مشهور، توفي بدمشق في حدود سنة سبع هذه.
260 -
علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن يعيش
، أبو الحسن القرشي، الزهري، العوفي، الباجي، قاضي إشبيلية.
سمع أبا القاسم الهوزني، وشريح بن محمد، وأبا بكر ابن العربي، وناظر في المدونة عند أبي مروان الباجي، وأخذ العربية عن أبي الحسن بن الأخضر. وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتاب، وابن بقي، وأبي الوليد بن طريف.
قال الأبار: وكان فقيهًا، مشاورًا، محدثًا، متقدمًا بنفسه وبشرفه
وله تصنيف في مناسك الحج، حدث عنه أبو بكر بن خير، وأبو عمر ابن عياد، وأبو بكر بن أبي زمنين، وأبو الخطاب بن واجب، وآخر من حدث عنه
أبو القاسم عبد الرحمن ابنه.
توفي في ربيع الأول وله سبع وسبعون سنة. وكانت له جنازة مشهودة.
261 -
علي بن صالح بن أبي الليث
، أبو الحسن ابن عز الناس العبدري، الداني الطرطوشي.
سمع أبا محمد بن الصيقل، وأبا بكر بن العربي، وأبا القاسم بن ورد.
قال الأبار: وكان فقيها متقنا، عالما بالأصول والفروع، دقيق النظر، جيد الاستنباط، فصيحًا لسنًا، وكان رأس الفتوى بدانية، وله مصنفات. أخذ عنه أبو عمر بن عياد، وابنه محمد، وأبو محمد بن سفيان، وأسامة بن سليمان، وأبو القاسم بن سمجون. وقتل مظلومًا بدانية سنة ست وستين. وقال محمد بن عياد: قتل لسعاية لحقته عند السلطان محمد بن سعد سنة سبع وستين، وولد سنة ثمان وخمسمائة بطرطوشة.
262 -
علي بن عبد الله بن خلف بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الملك
. الإمام أبو الحسن ابن النعمة الأنصاري، الأندلسي، المريي، نزيل بلنسية.
أخذ في صغره عن أبي الحسن بن شفيع. وسمع من عباد بن سرحان.
وانتقل به أبوه إلى بلنسية سنة ست وخمسمائة فقرأ بها القرآن على موسى بن خميس الضرير، وأبي عبد الله بن باسة. وأخذ العربية عن أبي محمد البطليوسي واختص به. وروى عن أبي بحر بن العاص، وخليص بن عبد الله، وأبي عبد الله بن أبي الخير. ورحل إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة فتفقه بأبي الوليد بن رشد، وأبي عبد الله بن الحاج. وسمع من أبي محمد بن عتاب، وأبي القاسم بن بقي، وأبي الحسن بن مغيث، وجماعة. وسمع أيضًا من أبي علي بن سكرة. وأجاز له جماعة. وتصدر ببلنسية لإقراء القرآن، والفقه، والنحو، والرواية، ونشر العلوم.
قال الأبار: وكان عالمًا متقنًا، حافظًا للفقه والتفاسير ومعاني الآثار، مقدمًا في علم اللسان، فصيحًا، مفوهًا، ورعًا، فاضلًا، معظما عند الخاصة والعامة، دمث الأخلاق، لين الجانب. ولي خطة الشورى وخطابة بلنسية
دهرًا، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى. وصنف كتاب ري الظمآن في تفسير القرآن، وهو كبير. وصنف كتاب الإمعان في شرح مصنف النسائي أبي عبد الرحمن بلغ فيه الغاية في الاحتفال والإكثار، وانتفع به الناس، وكثر الراحلون إليه. وأخبرنا عنه جماعة من شيوخنا، وهو خاتمة العلماء بشرق الأندلس. توفي في رمضان إلى رحمة الله تعالى، وهو في عشر الثمانين. قرأ عليه بالروايات: أبو علي الحسن بن محمد ابن فاتح.
263 -
علي بن عمران بن علي بن معروف
، أبو الحسن البكري التيمي الأصبهاني.
كان سالار الحاج، حج مرات. روى عن أبي مطيع، وأبي الفتح الحداد. وعنه أبو المحاسن القرشي، وابنه أبو بكر عبد الله.
ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ومات في ذي الحجة.
264 -
علي بن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن فيد
، أبو الحسن الفارسي الأصل القرطبي.
روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن طريف، وأبي بحر الأسدي. وحج سنة ثلاثين، فسمع أبا بكر بن عشير الشرواني، وأبا علي بن العرجاء، وأبا المظفر الشيباني.
قال الأبار: ولقي أيضاً: أبا سعيد حيدر بن يحيى، وسلطان بن إبراهيم المقدسي؛ وأكثر عن السلفي. وانصرف إلى قرطبة بفوائد جمة، فسمعوا منه. وكان من أهل العناية الكاملة بالرواية، ثبتًا، عارفًا، موصوفًا بالذكاء والحفظ، متواضعًا. خرج من قرطبة في الفتنة بعد الأربعين وخمسمائة، فنزل كورة ألش، من أعمال مرسية، فولي خطابتها مدة. وكان الناس يقصدونه. حدث عنه ابن بشكوال؛ وأعجب من هذا أن رزين بن معاوية العبدري حدث عنه بسيرة ابن إسحاق، بروايته عن السلفي. وحدث عنه من شيوخنا: أبو الخطاب ابن واجب، وأبو عبد الله التجيبي. استشهد في خروجه من ألش مع عامة أهلها لما خافوا من الأمير سعد بن محمد، وكانوا قد خلعوا دعوته.
قتل في هذه السنة وقد قارب الثمانين.
265 -
علي بن محمد بن خليد
، أبو الحسن ابن الإشبيلي.
سكن المرية، وأخذ عن أبي القاسم بن ورد؛ ولازمه. وبرع في علم الأصول والكلام. وكان خطيبًا مفوهًا، وافر الحرمة. أخذ عنه أبو القاسم ابن الملجوم، وأبو عمرو عثمان بن عبد الله.
توفي بمراكش.
266 -
القاسم بن الفضل بن عبد الواحد بن الفضل
، أبو المطهر بن أبي طاهر الأصبهاني، الصيدلاني.
سمع من رزق الله التميمي والقاسم بن الفضل الثقفي، ومكي بن منصور الكرجي، وغيرهم. حدث عنه بمسند الشافعي أحمد بن محمد الجنزي، ثم الأصبهاني، وروى عنه أبو نزار ربيعة بن الحسن اليمني، ومحمد بن مسعود بن أبي الفتح المديني، والحافظ عبد القادر الرهاوي، ومحمد بن أبي سعيد بن طاهر الفقيه، ومعاوية بن محمد بن الفضل، وجماعة. وروى عنه بالإجازة: موفق الدين بن قدامة، وكريمة القرشية.
وكان من آخر من روى عن رزق الله أو آخرهم. وتوفي في نصف جمادى الأولى عن نيف وتسعين سنة. ورخه ابن نقطة.
وروى عنه أبو سعد السمعاني وقال: كان متميزًا، حريصًا على طلب الحديث، مليح الخط، سمع وأكثر وبالغ.
روى عن سليمان الحافظ، وجده لأمه أبي منصور محمد بن علي بن عبد الرزاق، وطائفة.
267 -
محمد بن أحمد بن الزبير
، أبو عبد الله القيسي الشاطبي، عرف بالأغرشي، نسبة إلى بعض أعمال شاطبة.
ولي خطاب شاطبة، وكان موصوفًا بالزهد والخشوع وإلاخبات، والبكاء؛ مشارًا إليه بإجابة الدعوة.
268 -
محمد بن أسعد بن محمد بن نصر
. الفقيه أبو المظفر بن الحليم البغدادي، العراقي، الحنفي، الواعظ، نزيل دمشق.
وكان يعظ بها، ثم درس بها بالطرخانية وبالصادرية، وبنى له الأمير معين الدين أنر مدرسة. وظهر له القبول في الوعظ. وسمع أبا علي بن نبهان، وأبا غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، ونور الهدى الزينبي، وغيرهم. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه شمس الدين أبو القاسم، والقاضي أبو نصر ابن الشيرازي، وغيرهم.
قال الحافظ ابن عساكر في ترجمته: وذكر أنه سمع المقامات من الحريري، وألف تفسيرًا وشرح المقامات وأنشدني بماردين أبياتًا، لقيته بها.
قلت: أخبرتنا بالمقامات الكاتبة أمة العزيز بنت يوسف بن غنيمة بمنزلها، قالت: أخبرنا أبو نصر ابن الشيرازي، قال: أخبرنا أبو المظفر الحنفي، قال: أخبرنا الحريري المصنف.
توفي عن نيف وثمانين سنة بدمشق.
وقد كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني.
269 -
محمد بن سعد بن مردنيش
. الأمير أبو عبد الله، صاحب الشجاعة والإقدام بمرسية ونواحيها.
ولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وتنقلت به الأحوال، وتملك مرسية وبلنسية، واستعان بالفرنج على حرب الموحدين، واستفحل شأنه بعد موت عبد المؤمن، فسار إليه أبو يعقوب بن عبد المؤمن، وعبر إلى الأندلس في مائة ألف، ودخل إشبيلية، وجاء إليه أخوه عمر، وكان نائبه على الأندلس، فاستشعر ابن مردنيش العجز، والقهر، ومرض مرضًا شديدًا، واحتضر، فأمر بنيه أن يبادروا إلى أبي يعقوب، ويسلموا إليه البلاد التي بيده.
ومات هو في التاسع والعشرين من رجب، فقيل: إن أمه سقته السم لأنه كان قد أساء إلى أهله وخواصه، فكلمته وأغلظت له، فتهددها حتى خافت منه، فعملت عليه وسقته، وبادر إخوته فسلموا شرق الأندلس إلى أبي يعقوب
وهي مرسية، وبلنسية، وجيان، فأكرمهم وفرح بمحبتهم، وتزوج بأختهم، وصاروا من حزبه.
270 -
محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس
، أبو بكر العبدري، القرطبي الأديب.
روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن رشد، وأبي بحر الأسدي، وابن مغيث، وجماعة.
قال الأبار: كان متقدمًا في علم اللسان، متصرفًا في غيره من الفنون، حافظًا، حافلًا، شاعر، مجودًا. نزل مراكش، وأقرأ بها العربية، والآداب، وشرح الجمل للزجاجي. حدث عنه يعيش بن القديم. وتوفي بمراكش عن إقلاع وإنابة.
271 -
محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن الفرج بن خلف
، الإمام أبو عبد الله ابن الفرس الأنصاري، الخزرجي، الغرناطي.
سمع أباه أبا القاسم وأخذ عنه القراءات، وتفقه عليه. وسمع أبا بكر بن عطية، وأبا الحسن بن الباذش. ورحل إلى قرطبة فسمع أبا محمد بن عتاب، وأبا بحر، وابن رشد، وابن مغيث، وطائفة. وتفقه ببعضهم؛ وأخذ القراءات بقرطبة. وعدد شيوخه خمسة وثمانون.
قال الأبار: كان عالمًا، حافلًا، راوية، مكثرًا متحققًا بالقراءات والفقه، وله مشاركة في الحديث والأصول مع البصر بالفتوى. نزل مرسية، وولي خطة الشورى، ثم ولي قضاء بلنسية، ثم استعفى منه، وكان في وقته أحد حفاظ الأندلس في المسائل مع المعرفة بالآداب. وكانت أصوله أعلاقًا نفيسة لا نظير لها، جمع منها كثيرًا وكتب بخطه أكثرها.
قال التجيبي: ذكر لي من فضله ما أزعجني إليه، فلقيت عالمًا كبيرًا، ووجدت عنده جماعة وافرة من شرق الأندلس وغربها، يأخذون عنه الفقه، والحديث، والقراءات، أفرادًا وجمعًا. وحكى أنه قرأ عليه بها وبرواية يعقوب، واستظهر عليه التيسير
وملخص القابسي. وكان يؤم بجامع مرسية لحسن صوته.
قال الأبار: حدثنا عنه جماعة من جلة شيوخنا. وتوفي في شوال وله ست وستون سنة.
272 -
محمد بن علي بن جعفر القيسي القلعي
، من قلعة حماد بالمغرب، أبو عبد الله ابن الرمامة، نزيل مدينة فاس.
تفقه على: أبي الفضل ابن النحوي. ودخل الأندلس فسمع من أبي محمد بن عتاب، وأبي بحر الأسدي. وولي قضاء فاس فلم يحمد. وكان عاكفًا على تواليف الغزالي سيما البسيط. روى عنه أبو القاسم بن بقي، وجماعة.
مات في رجب، وله تسع وثمانون سنة، وله تصانيف.
273 -
محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد
. الفقيه أبو حامد الطوسي، البروي، الشافعي.
سمع محمد بن إسماعيل الفارسي، وعبد الوهاب بن شاه الشاذياخي وتفقه بأبي سعد محمد بن يحيى. وقدم دمشق سنة خمس وستين، ونزل بدويرة السميساطي، وكان واعظًا، فاضلًا، مناظرًا. توفي ببغداد في رمضان وله خمسون سنة. كذا ذكره ابن عساكر.
وأما ابن الدبيثي فأطنب في وصفه، وسماه محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله البروي، وقال: أحد علماء عصره، والمشار إليه بالتقدم في معرفة الفقه، والكلام، والنظر، وحسن العبارة والبلاغة. قدم من دمشق فرزق قبولًا ببغداد، ودرس بها الأصول والجدل بالمدرسة بالبهائية؛ وكان يحضر درسه خلق. ووعظ بالنظامية ثم عاجله الموت. وقد حدث بشيء يسير.
وكناه ابن الجوزي في منتظمه أبا المظفر، وقال: قدم علينا بغداد،
وجلس للواعظ، وأظهر مذهب الأشعري، وناظر عليه، وتعصب على الحنابلة وبالغ.
وقال ابن الأثير: أصابه إسهال فمات، فقيل: إن الحنابلة أهدوا له حلواء، فأكل منها فمات هو وكل من أكل منها.
وقال سبط ابن الجوزي: كان شابًا، حسن الصورة، فصيحًا، مليح الإشارة والعبارة بالغ في ذم الحنابلة، وقال: لو كان لي أمر لوضعت عليهم الجزية. فيقال إنهم دسوا عليه امرأة جاءته في الليل بصحن حلوى مسموم، وقالت: هذا يا سيدي من غزلي. فأكل هو وامرأته وولد له صغير، فأصبحوا موتى.
وقال ابن خلكان في اسمه: محمد بن محمد بن محمد بن سعد، أبو منصور البروي، صاحب التعليقة المشهورة في الخلاف، وكان من أكبر أصحاب محمد بن يحيى، وله جدل مليح مشهور، أكثر اشتغال الفقهاء به، وشرحه تقي الدين منصور بن عبد الله المصري المعروف بالمعتز شرحًا مشبعًا. ودخل البروي بغداد فصادف قبولًا وافرًا، وتوفي بعد أشهر.
274 -
المبارك بن محمد بن المعمر
، أبو المكارم الباذرائي، الرجل الصالح.
سمع من نصر بن البطر، وأحمد بن علي الطريثيثي، ومحمد بن عبد العزيز الخياط، وعلي بن عبد الرحمن الجراح، وأبي الحسن ابن العلاف، وغيرهم.
قال الشيخ الموفق: شيخ صالح ضعيف، أكثر أوقاته مستلق على قفاه، وكان يسألنا عن الصلاة قاعدًا لعجزه.
قلت: روى عنه تميم البندنيجي، والحافظ عبد الغني، وعبد القادر الرهاوي، والشيخ الموفق، وعلي بن ثابت الطالباني، وأبو طالب بن
عبد السميع، والضحاك بن أبي بكر القطيعي، وعلي بن الحسين بن يوحن الباوري، وآخرون.
وتوفي في العشرين من جمادى الآخرة.
275 -
محمود بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن
. الفقيه أبو المحامد الكشميهني المروزي، الصوفي.
روى عن أبي منصور محمد بن علي الكراعي. حدث بدمشق وبغداد، روى عنه عبد الكريم بن محمد السيدي، وأبو القاسم بن صصرى، وغير واحد.
وتوفي ببغداد.
276 -
نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن قلاقس
. القاضي الأعز أبو الفتوح اللخمي، الأزهري، الإسكندري الأديب، الشاعر.
له ديوان مشهور؛ وكان شاعرًا محسنًا، له في السلفي مدائح وهي في ديوانه. وكان كثير الأسفار، سناطا. وله في كثرة أسفاره:
والناس كثر ولكن لا يقدر لي إلا مرافقة الملاح والحادي
ثم دخل اليمن، ومدح وزيرها أبا الفرج ياسر بن بلال وزير الملك محمد بن عمران بن محمد ابن الداعي سبأ بن أبي السعود اليامي صاحب اليمن. ورجع من اليمن مثريًا من جوائزه، فغرق جميع ما معه بقرب دهلك، فرد إليه وهو عريان، وأنشده قصيدته التي أولها:
صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا فعدنا إلى مغناك والعود أحمد
ثم أنشده قصيدة أخرى، هي:
سافر إذا حاولت قدرا سار الهلال فصار بدرا والماء يكسب ما جرى طيبًا ويخبث ما استقرا وينقل الدرر النفيـ سة بدلت بالبحر نحرا يا راويًا عن ياسر خبرًا ولم يعرفه خبرا إقرأ بغرة وجهه صحف المنى إن كنت تقرا والثم بنان يمينه وقل السلام عليك بحرا
وغلطت في تشبيهه بالبحر فاللهم غفرا أوليس نلت بذا غنى جما ونلت بذاك فقرا وعهدت هذا لم يزل مدًا، وذاك يعود جزرا
وله في القاضي الفاضل هذه:
ما ضر ذاك الريم أن لا يريم لو كان يرثي لسليم سليم وما على من وصله جنة ألا أرى من صده في جحيم رقيم خد نام عن ساهر ما أجدر النوم بأهل الرقيم ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في ثالث شوال بعيذاب.
277 -
وجيه بن هبة الله بن المبارك بن موسى
، أبو العلاء بن أبي البركات السقطي، البغدادي، الأزجي. 50 من أولاد الشيوخ، سمع أباه، والحسين بن علي ابن البسري، وأبا سعد بن خشيش، وأبا القاسم الربعي، والعلاف، وغيرهم. روى عنه ابن الأخضر، وطاهر الأزجي، وأبو محمد بن قدامة، وآخرون.
وقال ابن النجار: كان من دعاة المواكب الديوانية، وسكن في أواخر عمره أوانا.
وقال أبو سعد السمعاني: كتبت عنه أحاديث، وقال لي أبو القاسم الدمشقي: هو أدبر من أبيه.
قال أبو سعد: وقال لي: ولدت سنة خمس وتسعين، فإن صح قوله فسماعه من ابن البسري حضورًا.
وقال هبة الله بن وجيه: توفي أبي في ذي القعدة سنة سبع بصريفين.
278 -
يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد
. الإمام أبو بكر الأزدي القرطبي، المقرئ، نزيل الموصل.
قرأ القراءات بالأندلس على أبي القاسم خلف بن إبراهيم النخاس الحصار مقرئ الأندلس، وعلى أبي الحسن عون الله بن محمد بن عبد الرحمن نائب الخطيب بقرطبة، وتوفي سنة عشر، وأحمد بن عبد الحق الخزرجي
بالأندلس، وما هذان بمعروفين. ورحل فقرأ بالإسكندرية على: أبي القاسم عبد الرحمن ابن الفحام. وأتى بغداد فقرأ القراءات على: أبي عبد الله الحسين بن محمد البارع، وأبي بكر المزرفي، وسبط الخياط. وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتاب، وبالثغر من أبي عبد الله الرازي، وبمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى، سمع منه سنة خمس عشرة صحيح البخاري. وببغداد من البارع، وابن الحصين، وأبي العز بن كادش. ثم قدم دمشق فسكنها مدة، وأقرأ بها القرآن والنحو.
وكان ماهرًا بالعربية، بصيرًا بالقراءات، عالي الإسناد فيها، شديد العناية بها من صغره. وكان متواضعًا، حسن الأخلاق، ثقة، نبيلًا.
وحدث ابن سعدون هذا عن أبي القاسم الزمخشري بكتاب أسماء الجبال والمياه. وخرج عن دمشق حين توجه النصراني الكندي إليها، فدخل الموصل وذهب إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل فسكنها.
ولد في ربيع الأول سنة ست وثمانين وأربعمائة.
روى عنه الحافظان ابن عساكر، والسمعاني، وأبو جعفر القرطبي والد التاج، وعبد الله بن الحسن الموصلي، ومحمد بن محمد الحلي، والقاضي بهاء الدين يوسف بن شداد، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي. وقرأ عليه القراءات فخر الدين محمد بن أبي المعالي الموصلي، وعز الدين محمد بن عبد الكريم بن حرمية البوازيجي، وابن شداد، والكمال عبد المجير بن محمد القبيصي بحلب.
قال ابن عساكر: هو ثقة، ثبت.
وقال ابن السمعاني: هو أحد أئمة اللغة، وله يد قوية في النحو. قرأ القراءات بروايات على جماعة بمصر والعراق، وهو فاضل دين، ورع، حسن الإقراء والأخذ. له وقار وسكون، واشتغال بما يعنيه. سمعت منه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وكان ثقة، ثبتًا، صدوقًا، نبيلًا، قليل الكلام، كثير الخير، مفيدًا.
وقال ابن عساكر: توفي يوم الجمعة يوم عيد الفطر.
وقال ابن خلكان: لقبه صائن الدين.
279 -
يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن عقال
، أبو زكريا الفهري، البلنسي.
سمع من أبي الوليد ابن الدباغ، وأبي بكر بن برنجال. وتفقه على أبي محمد بن عاشر، وأبي بكر بن أسد. ولقي بقرطبة أبا جعفر البطروجي، فتفقه به، وناظر عليه في المدونة. وسمع من أبي بكر ابن العربي. وبغرناطة من القاضي عياض. وولي خطة الشورى ببلده.
قال الأبار: وكان فقيهًا، حافظًا، مفتيا، قائمًا على المدونة والعتبية، متين المعرفة، عاكفًا على عقد الشروط. وولي قضاء أندة من كور بلنسية، وقضاء ألش، فحمدت سيرته. أخذ عنه شيخنا أبو عبد الله بن نوح وتفقه عليه. توفي في صفر وله ثلاث وستون سنة.
وتوفي أخوه محمد قبيله في المحرم.
280 -
يحيى بن محمد بن هانئ بن ذي النون
، أبو بكر بن مانية التغلبي، الغرناطي.
سمع من غالب بن عطية، وأبي الوليد بن بقوة، وأبي بكر ابن العربي. وحج سنة ثلاثين.
وسمع من أبي علي بن العرجاء. وبمصر من سلطان بن إبراهيم المقدسي. وأكثر من السماع، واستوطن أوريولة وولي خطابتها، وحدث بها.
سنة ثمان وستين وخمسمائة
281 -
أحمد بن سعيد بن حسن
، أبو الحارث البغدادي الخياط، المقرئ، المعروف بالعسكري.
سمع أبا علي بن نبهان، وأبيا النرسي، روى عنه عمر بن علي القرشي، وقال: كان غير ثقة، بان لنا تزويره في غير شيء.
282 -
أحمد بن محمد بن شنيف بن محمد
، أبو الفضل الدارقزي، المقرئ.
شيخ معمر، عالي الطبقة. قرأ بالروايات على أبي طاهر بن سوار، وأبي منصور محمد بن أحمد الخياط، وثابت بن بندار، وسمع منهم الحديث. وأقرأ القرآن. سمع منه عمر القرشي، وعلي بن أحمد الزيدي، وصالح العطار.
قال ابن الدبيثي: حدثنا عنه غير واحد. وتوفي في المحرم وله ست وتسعون سنة.
قلت: هذا أسند من بقي في القراءات، في طبقة سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري، والعجب من البغداديين كيف لم يزدحموا على هذا ويقرؤوا عليه؟!.
283 -
أحمد بن هبة الله بن عبد القادر بن الحسين
، أبو العباس الهاشمي، المنصوري الخطيب.
توفي في جمادى الأولى ببغداد؛ ورخه ابن مشق.
284 -
إبراهيم بن سعود بن عياش
، أبو إسحاق الوقاياتي، البغدادي، المقرئ.
قرأ القراءات على سبط الخياط، وغيره، وطلب الحديث وعني به، وكتب كثيرًا من الأجزاء عن هبة الله بن الطبر، وأبي غالب ابن البناء، وقاضي المرستان. وعنه ابن الأخضر، ويوسف بن كامل. وكان صدوقًا خيرًا.
285 -
إبراهيم بن محمد، أبو إسحاق الشنتمري
، صاحب أبي الحسن بن هذيل المقرئ وخليفته على التعليم.
استشهد في وقعة بظاهر بلنسية في رجب.
286 -
أرسلان بن خوارزم شاه آتسز بن محمد بن أنوشتكين
.
رجع من قتال أمة الخطا مريضًا فمات. وكان حاكمًا على خوارزم وأعمالها، وتملك بعده ابنه سلطان شاه محمود. وأما ابنه الآخر، وهو الأكبر، وهو علاء الدين تكش، فكان مقيمًا بالجند، فلما بلغه موت أبيه وتملك أخيه الصغير غضب، وقصد ملك الخطا، واستمد منه، فبعث معه جيشًا، فلما قاربوا خوارزم، خرج سلطان شاه ووالدته إلى المؤيد صاحب نيسابور، وتملك علاء الدين خوارزم وبلادها بغير قتال.
وأما المؤيد فسار مع محمود بجيوشه، وقارب خوارزم، فالتقوا وحمي الحرب، فانهزمت الخراسانية، وأسر المؤيد، وقتل بين يدي علاء الدين تكش صبرًا، وهرب محمود وأمه إلى دهستان، فحاصرهم تكش، وافتتح البلد، فهرب محمود، وأمسكت أمه، فقتلها تكش.
وقام بعد المؤيد ابنه طغان شاه أبو بكر. وسار محمود إلى عند غياث الدين ملك الغور، فأكرمه وأجله، وثبت ملك أخيه تكش.
287 -
إلدكز، الأتابك شمس الدين صاحب أذربيجان
، وهمذان.
كان مملوكًا للكمال السميرمي وزير السلطان محمود السلجوقي، فلما قتل السميرمي صار إلدكز إلى السلطان وصار أميرًا، فلما ولي مسعود السلطنة ولاه أرانية. ثم غلب على أكثر أذربيجان وبلاد همذان وأصبهان والري، وخطب بالسلطنة لابن امرأته أرسلان شاه بن طغرل.
وكان عدد عسكر إلدكز خمسين ألفًا، وكان أرسلان شاه من تحت أمره. وكان فيه عقل، وحسن سيرة، ونظر في مصالح الرعية. وكان ملكه من باب تفليس إلى مكران. وولي بعده ولده محمد البهلوان.
288 -
أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب
، الأمير نجم الدين أبو الشكر، الكردي، الدويني. والد الملوك.
كان أبوه من أهل دوين ومن أبناء أعيانها، وبها ولد أيوب. وولي أول شيء قلعة تكريت، ثم انتقل إلى الموصل وخدم أتابك زنكي والد نور الدين، وكان وجيهًا عنده. ثم انتقل إلى الشام، وولي له نيابة بعلبك، ووليها لنور الدين أيضًا قبل أن يستولي على دمشق، فولد له بها الملك العادل أبو بكر.
مبدأ سعادة شاذي فيما بلغنا، أنه كان لشاذي صاحب، وهو جمال الدولة بهروز، وكان ظريفًا لطيفًا، خيرًا، وكان كثير الود لشاذي، فاتهم بهروز بزوجة أمير بدوين، فأخذه الأمير وخصاه، فنزح عن دوين، ثم اتصل بالطواشي الذي هو لالا أولاد السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه. فوجده لطيفًا كافيًا في جميع أموره، فنفق عليه، وجعله يركب مع أولاد السلطان. ثم توصل إلى السلطان، وصار يلعب معه بالشطرنج وأحبه. ومات اللالا، فصيره مكانه، وأرصده لمهامه، وشاع ذكره، فأرسل إلى صديقه شاذي يطلبه، فلما قدم عليه بالغ في إكرامه.
ثم إن السلطان جعل بهروز نائبه على بغداد، فاستصحب معه شاذي
وأولاده، ثم أعطاه السلطان قلعة تكريت، فلم يثق في أمرها بسوى شاذي، فأرسله إليها، فأقام بها مدة إلى أن توفي بها، فولي عليها ولده نجم الدين أيوب هذا، فقام في إمرة القلعة أحسن قيام، فشكره بهروز وأحسن إليه. فاتفق أن امرأة خرجت من القلعة، فعبرت باكية على نجم الدين وأخيه أسد الدين شيركوه، فسألاها، فقالت: تعرض إلي الإسفهسلار فقام شيركوه فأخذ حربة للإسفهسلار فقتله بها، فأمسكه أخوه واعتقله، وكتب بذلك إلى بهروز، فرد جوابه: لأبيكما علي حق، وأشتهي أن تخرجا من بلدي. فخرجا إلى الموصل، فأحسن إليهما أتابك زنكي وأكرمهما.
فلما ملك زنكي بعلبك استناب بها نجم الدين، فعمر بها خانقاه للصوفية. وكان رجلًا خيرًا، دينًا، مباركًا، كثير الصدقات، سمحًا، كريمًا، وافر العقل.
ولما توجه أخوه أسد الدين إلى مصر وغلب عليها، كان نجم الدين في خدمة السلطان نور الدين بدمشق. فلما ولي الوزارة صلاح الدين ابنه بمصر سيره نور الدين إلى عند ابنه صلاح الدين، فدخل القاهرة في رجب سنة خمس وستين، وخرج العاضد للقائه، وترجل ولده في ركابه، وكان يومًا مشهودًا. وعرض عليه ولده الأمر كله فأبى وقال: يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت له أهل.
وبقي عنده، وأمر صلاح الدين - أيده الله - في ازدياد إلى أن ملك البلاد. فلما خرج لحصار الكرك خرج نجم الدين من باب النصر بالقاهرة. فشب به فرسه فرماه، فحمل إلى داره وبقي تسعة أيام، ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة. وكان يلقب بالأجل الأفضل. ومنهم من يقول: بالملك الأفضل. ودفن إلى جانب أخيه أسد الدين بالدار، ثم نقلا إلى المدينة النبوية في سنة تسع وسبعين.
وقد روى بالإجازة عن الوزير أبي المظفر بن هبيرة. سمع منه يوسف بن الطفيل، والحافظ عبد الغني، والشيح الموفق.
قال الشيخ أبو عمر: أخبرنا نجم الدين أيوب قال: أخبرنا ابن هبيرة إجازة قال: كنت أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعيناي مطبقتان، فرأيت من وراء
جفني كاتبًا يكتب بمداد أسود صلاتي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس، ففتحت عيني لأنظره ببصري، فرأيته وقد توارى عني، حتى رأيت بياض ثوبه. ولقد أشرت إلى هذا في كتابنا، يعني الإفصاح.
وقال الصاحب أبو القاسم بن أبي جرادة: وذكر لي رجل يعتني بعلم النسب نسب أيوب بن شاذي إلى عدنان، ولا أعتمد على نقله.
قال: كان المعز إسماعيل ابن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب صاحب اليمن ادعى نسبًا في بني أمية، وادعى الخلافة، وكان شيخنا قاضي القضاة ابن شداد يحكي عن السلطان صلاح الدين إنكار ذلك.
وشاذي: اسم أعجمي معناه: فرحان. ودوين بضم الدال وكسر الواو: بلدة بآخر أذربيجان تجاور بلاد الكرج، والنسبة إليها دويني، ودويني، بفتح الواو.
ولأيوب من الأولاد: السلطان صلاح الدين، والسلطان العادل سيف الدين، وشمس الدولة تورانشاه الذي دخل اليمن أولًا وتملكها، وشاهنشاه. والد صاحب بعلبك عز الدين فروخ شاه، وصاحب حماة تقي الدين عمر ابني شاهنشاه وسيف الإسلام ظغتكين صاحب اليمن، وتاج الملوك بوري وهو أصغرهم، وست الشام، وربيعة.
289 -
أي أبه بن عبد الله السنجري الملك
، الملقب بالمؤيد.
استولى على نيسابور وكثير من خراسان بعد الغز، فلم شعثها، ورتب قواعدها، وكان من أمراء السلطان سنجر. قتل في مصاف بينه وبين خوارزم شاه علاء الدين أول ما ملك علاء الدين.
290 -
جعفر بن عبد الله ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الدامغاني
، أبو منصور.
شيخ بغدادي رئيس، سمع أبا مسلم بن عبد الرحمن السمناني، وأبا الحسين
ابن الطيوري، وأبا طاهر بن سوار، وأبا زكريا بن منده، وغيرهم.
ولد سنة تسعين وأربعمائة. وحدث عنه عمر بن علي القرشي، وابن الأخضر، والموفق بن قدامة، وولده يحيى بن جعفر الذي يروي عنه شيخنا سنقر الحلبي، وسعيد بن محمد بن ياسين، وعبد السيد بن أحمد خطيب بعقوبا، وآخرون.
توفي في جمادى الآخرة.
قال ابن النجار: كان نبيلًا، جليلًا، محمود السيرة، سمع الكثير، وكان صدوقًا.
وقيل: كان على إشراف ديوان الأبنية.
291 -
الحسن بن صافي بن عبد الله
، أبو نزار، الملقب بملك النحاة البغدادي، النحوي.
ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
وسمع الحديث من نور الهدى أبي طالب الزينبي. وقرأ النحو على أبي الحسن علي بن أبي زيد الفصيحي. وعلم الكلام على محمد بن أبي بكر القيرواني. والأصول على أبي الفتح أحمد بن علي بن برهان. والخلاف على أسعد الميهني. وصار أنحى أهل طبقته.
وكان فصيحًا، ذكيًا، متقعرًا، معجبًا بنفسه، فيه تيه وبأو، لكنه صحيح الاعتقاد.
ذكره ابن النجار وطول، وقال: أبوه مولى لحسين الأرموي التاجر، له كتاب الحاوي في النحو مجلدان، والعمد في النحو مجلد، والتصريف مجلد، وعلل القراءات مجلدان، وأصول الفقه مجلدان، وأصول الدين مجلد صغير، وله التذكرة السفرية عدة مجلدات.
قلت: سكن واسط مدة بعد العشرين وخمسمائة، وحملوا عنه أدبًا كثيرًا، ثم صار إلى شيراز، وكرمان، وتنقلت به الأحوال إلى أن استقر بدمشق.
وكان يقال له أيضًا حجة العرب. وكان أحد النحاة المبرزين، والشعراء المجودين. وله عدة تصانيف.
ذكره العماد الكاتب، فقال: أحد الفضلاء المبرزين، بل واحدهم فضلًا، وماجدهم نبلًا. وبالغ في وصفه بالعلم والرياسة والكرم والإفضال.
وقال ابن خلكان: له مصنفات في الفقه والأصلين والنحو. وله ديوان شعر، فمن شعره:
سلوت بحمد الله عنها فأصبحت دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها على أنني لا شامت إن أصابها بلاء ولا راض بواش يعيبها وروى عنه جماعة منهم القاضي شمس الدين ابن الشيرازي. وتوفي في تاسع شوال، ورئي في النوم فقال: غفر لي ربي بأبيات قلتها، وهي:
يا رب ها قد أتيت معترفًا بما جنته يداي من زلل ملآن كف بكل مأثمة صفر يد من محاسن العمل وكيف أخشى نارًا مسعرة وأنت يا رب في القيامة لي قال الصاحب في تاريخ حلب: ذكر لي شمس الدين محمد بن يوسف بن الخضر أن ملك النحاة خلع عليه نور الدين خلعة فلبسها، ومر بطرقي قد علم تيسًا إخراج الخبية بإشارات علمها التيس، فوقف ملك النحاة على الحلقة وهو راكب، فقال الطرقي: في حلقتي رجل رجل عظيم القدر، ملك في زي عالم، أعلم الناس، وأكرم الناس، فأرني إياه. فشق التيس الحلقة، وخرج حتى وضع يده على ملك النحاة فما تمالك أن نزع الخلعة ووهبها للطرقي. فبلغ ذلك نور الدين، فعاتبه على فعله، فقال: يا مولانا عذري واضح، لأن في بلدك مائة ألف تيس، ما فيهم من عرف قدري غير ذلك التيس! فضحك نور الدين منه.
292 -
الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر
، أبو علي البطليوسي، الأنصاري، المعروف في بلده بابن الفراء.
سمع بالإسكندرية من أبي بكر الطرطوشي، وغيره. ودخل خراسان فسمع من أبي نصر عبد الرحيم ابن القشيري، وسهل بن إبراهيم السبعي،
والأديب أحمد بن محمد الميداني، وأبي عبد الله الفراوي، ثم قدم في أواخر عمره بغداد فسمع منه عمر بن علي القرشي، وابنه عبد الله بن عمر، ثم سافر إلى الشام بعد أن حج، فسكن حلب. وكان قد قرأ علم الكلام على أبي نصر ابن القشيري.
وكان صالحًا، بكاء، خائفًا. وهم أبو سعد السمعاني في قوله: توفي سنة ثمان أو تسع وأربعين، فقد قال أبو المواهب بن صصرى، وهو أحد من أخذ عنه، توفي بحلب سنة ثمان وستين، وقد بلغ الثمانين.
قلت: حدث بـ صحيح مسلم ببغداد في سنة ست وستين، فسمعه منه: الموفق عبد اللطيف بن يوسف، ومحمد بن إسماعيل بن أبي الضيف، وعبد الله بن عمر بن علي القرشي، بقراءة أبيه، وروى عنه بدمشق: الفخر الإربلي، وأبو نصر ابن الشيرازي، وغيرهما.
293 -
سعد بن علي بن القاسم
، أبو المعالي الحظيري، الكتبي، الوراق، الأديب، المعروف بدلال الكتب ببغداد.
كانت لديه فضائل، وله مجاميع مفيدة، منها كتاب زينة الدهر الذي ذيله على دمية القصر للباخرزي، وله كتاب لمح الملح.
وشعره مليح فمنه:
ومعذر في خده ورد وفي فمه مدام ما لان لي حتى تغشى صبح سالفه ظلام وله:
شكوت هوى من شف قلبي بعده توقد نار ليس يطفى سعيرها فقال بعادي عنك أكثر راحة ولولا بعاد الشمس أطرق نورها توفي في صفر ببغداد.
والحظيرة: موضع فوق بغداد من عمل دجيل.
294 -
صالح بن إسماعيل بن سند
. العلامة أبو طالب الإسكندراني المالكي الفقيه، المعروف بابن بنت معافى.
من أصحاب أبي بكر الطرطوشي، تفقه عليه الحافظ أبو الحسن علي ابن المفضل، وغيره. وسمع منه الموطأ أبو القاسم الصفراوي.
295 -
عبد الله بن المبارك بن علي بن الحسين
، أبو الفتح ابن البقلي، الحريمي، القزاز.
روى عن ثابت بن بندار. سمعه: أبو بكر الباقداري، وعمر بن علي القرشي، وغيرهما.
وتوفي في صفر.
296 -
عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى
، أبو الخير الأصبهاني.
سمع أبا القاسم غانمًا البرجي، وأبا علي الحداد، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجوزدانية، وأبا القاسم بن الحصين، وأبا العز بن كادش. وأملى بأصبهان مجالس.
ثم حج سنة اثنتين وستين. وحدث ببغداد. روى عنه أحمد بن طارق، وابن الأخضر، وأبو طالب بن عبد السميع، والحافظ عبد الغني، وأبو محمد بن قدامة، وآخرون.
وتوفي في شوال. وله تسع وستون سنة.
قال ابن النجار: كان من حفاظ الحديث، موصوفًا بالفضل ومعرفة الحديث. وقال ابن الأخضر: كانوا يفضلونه بالحفظ على معمر بن الفاخر.
ثم طول ابن النجار في ترجمته بأنهم رموه بالوهن، واتهموه في نقل إجازة مسعود الثقفي، من الخطيب، وابن المأمون، وهؤلاء.
297 -
عبد الملك بن عياش
، أبو الحسن الأزدي القرطبي.
أخذ عن أبيه عياش بن فرج. دخل في الدنيا بعد الزهد، وكتب للدولة، وحصل ثروة، فقال:
عصيت هوى نفسي صغيرًا فعندما رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر أطعت الهوى عكس القضية ليتني خلقت كبيرًا وانتقلت إلى الصغر
فزاد ابنه أبو الحسن علي:
هنيئًا له إن لم يكن كابنه الذي أطاع الهوى في حالتيه وما اعتذر وكان عبد الملك بن عياش مع فنونه وفضائله من أبرع الناس خطًا.
298 -
علي بن حمزة بن فارس
، أبو الحسن ابن القبيطي، الحراني، والد حمزة ومحمد.
قدم بغداد فاستوطنها، وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي. وسمع من أبي بكر المزرفي، وغيره. سمع منه ولداه، وأبو المحاسن القرشي. وتوفي في جمادى الآخرة.
قال ابن النجار: قرأ لأبي عمرو على القلانسي؛ تلا عليه ابنه حمزة. صالح، خير، دين، عاش ثلاثًا وثمانين سنة.
299 -
علي بن المبارك بن الحسين بن عبد الوهاب بن نغوبا
، أبو الحسن الواسطي المعدل.
من بيت حديث وميزة. سمع أبا نعيم محمد بن إبراهيم الجمازي، وأبا نعيم بن زبزب، وأبا الأزهر علي بن أحمد الكتاني، وخميسًا الحوزي. وببغداد من عبد الوهاب الأنماطي، وجماعة.
وروى الكثير؛ سمع منه صدقة بن الحسين مع تقدمه، وأحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، والشيخ الموفق، وآخرون.
وغرق في دجلة منحدرًا إلى واسط في ذي القعدة وله اثنتان وثمانون سنة. وروى عنه أيضًا سليمان بن داود الحربي النساج، قاله ابن النجار.
300 -
محمد بن الحسن بن الحسين
، أبو جعفر الأصبهاني، الصيدلاني.
شيخ معمر، عالي الإسناد، معدوم النظير. له إجازة من الهرويين في سنة أربع وسبعين وأربعمائة. أجاز له عبد الرحمن بن محمد بن عفيف كلار البوشنجي، وبيبى الهرثمية، وهو آخر من روى في الدنيا عنهما، وأبو عامر
محمود بن القاسم الأزدي، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل، ونجيب بن ميمون الواسطي، ومحمد بن علي العميري، وجماعة. وسمع سنة أربع وثمانين ببلده من سليمان بن إبراهيم الحافظ، ورزق الله التميمي، والقاسم بن الفضل الرئيس، وأبي نصر أحمد بن عبد الله بن سمير، ومحمد بن علي بن محمد بن فضلويه الأبهري، ومحمد بن علي بن أحمد السكري، والثلاثة يروون عن محمد بن إبراهيم بن جعفر اليزدي. وسمع أيضًا من مكي السلار، وعمر بن أحمد بن عمر السمسار، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني، وجماعة.
خرج له الحافظ أحمد بن عمر الناييني جزءًا سماه لآلئ القلائد.
روى عنه عبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي، والحافظ عبد القادر بن عبد الله الرهاوي، وعبد الكريم بن محمد بن محمد المؤدب، والعماد أحمد بن أحمد بن أميركا الأصبهاني؛ وبقي العماد إلى بعد الثلاثين وستمائة. وأجاز أبو جعفر لكريمة، ولعلم الدين علي ابن الصابوني، وجماعة.
وتوفي في السادس والعشرين من ذي القعدة؛ ورخه أحمد ابن الجوهري الحافظ.
301 -
محمد بن خمارتكين
، أبو عبد الله التبريزي، البغدادي، الفقيه.
سمع من مولاه أبي زكريا التبريزي البغدادي، وأبي الخطاب الكلوذاني، وأبي الخير المبارك ابن الغسال. روى عنه ابنه إسماعيل، وأحمد بن أحمد البندنيجي، والموفق عبد اللطيف بن يوسف، وعبد اللطيف ابن القبيطي. وتوفي في العشرين من ربيع الأول وله تسعون سنة. وكان فقيهًا بالنظامية.
302 -
محمد بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي
، أخو عبد الحق، وعبد الرحيم، وهو أصغر الإخوة وأدبرهم.
سمع بيزد إسماعيل بن أبي صالح المؤذن. وببغداد: قاضي المرستان، وأبا منصور الشيباني القزاز. واستوطن الموصل. وله ذكر في تزوير السماعات، أفسد بها أحوال شيوخ، واختلط سماعهم بتزويره، فترك الناس حديثهم.
قال ابن الدبيثي: سمعت تميم ابن البندنيجي يقول: أبو الفضل خطيب الموصل ثقة صحيح السماع، أدخل عليه محمد بن عبد الخالق في حديثه أشياء لم يسمعها، وكان قد دخل عليه ولاطفه بأجزاء ذكر أنه نقل سماعه فيها من مثل طراد، والنعالي، وابن البطر، وهؤلاء قد سمع منهم أبو الفضل، فقبلها منه، وحدث بها اعتمادًا على نقل محمد له، وإحسان الظن به، فلما علم كذب محمد طلبت أصول الأجزاء التي حملها إليه، فلم توجد، واشتهر أمره، فلم يعبأ الناس بنقله، وترك خطيب الموصل كل ما شك فيه، وحذر من رواية ما شك فيه.
قلت: وبعد ذلك جمع خطيب الموصل المشيخة المشهورة وخرجها من أصوله.
توفي محمد في سنة ثمان وستين في جمادى الآخرة بالموصل، وله ست وأربعون سنة.
303 -
محمد بن علي بن عمر بن زيد
، أبو بكر ابن اللتي، الحريمي.
قرأ بالروايات على أبي منصور بن خيرون، وغيره. وسمع من القاضي أبي بكر، وأبي منصور القزاز، وجماعة. وكان له فهم وعناية، وبإفادته سمع ابن أخيه أبو المنجى عبد الله بن عمر.
قال ابن النجار: كان صدوقًا، سمع منه محمد بن مشق. وتوفي في رمضان، وله تسع وأربعون سنة.
304 -
المبارك بن نصر الله بن سلمان
. الإمام أبو الفتح ابن الدبي، الفقيه الحنفي.
أحد الكبار ببغداد. درس المذهب، وتوفي في آخر السنة. وكان عامل ديوان المقاطعات، وكتب جميع ماله لامرأة له يهودية، وحرم ابن أخيه.
305 -
محمود بن محمد بن العباس
، الفقيه أبو محمد الخوارزمي، الشافعي.
سمع أباه، وجده عباس بن رسلان، وإسماعيل بن أحمد البيهقي، ومحمد بن عبد الله الحفصوي سمع منه بمرو، وأحمد بن عبد الواحد الفارسي بسمرقند، ومحمد بن علي المطهري ببخارى، وابن الطلاية ببغداد، ووعظ بها بالنظامية. سمع منه يوسف بن مقلد، وأحمد بن طارق.
قال أبو سعد السمعاني: كان فقيهًا، عارفًا بالمتفق والمختلف، صوفيًا، حسن الظاهر والباطن. سمع الكثير على كبر السن، وعلق المذهب عن الحسن بن مسعود البغوي. وأفاد الناس بخوارزم، وألف تاريخ خوارزم. ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
قلت: توفي في رمضان سنة ثمان رحمه الله، وكان يعرف بالعباسي، وله ترجمة في تاريخ ابن النجار.
وقال السمعاني: سمعت منه بجرجانية خوارزم.
قلت: طالعت الأول من تاريخ خوارزم له.
306 -
مسعود بن محمد بن سعيد بن مسعود
، الإمام أبو الفتح المسعودي، المروزي. خطيب مرو.
كثير العبادة، ملازم التلاوة، وكان ينظم الشعر وينشئ الخطب.
ولد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
وسمع من والده، ومن أبي بكر ابن السمعاني، ووالده الإمام أبي المظفر منصور ابن السمعاني، وأبي منصور البيع، وأبي عبد الله الدقاق، وغيرهم. وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي، وأبو بكر بن سوسن البغدادي، وأبو بكر حفيد ابن مردويه. وخرج له أبو سعد السمعاني مشيخة.
وسمع منه أبو المظفر عبد الرحيم ابن السمعاني، وأخوه أبو زيد، ورقية بنت المنيعي، وغيرهم.
وطال عمره وتفرد في وقته.
توفي سنة ثمان وستين وخمسمائة.
307 -
الموفق بن أحمد بن محمد
، أبو المؤيد المكي العلامة، خطيب خوارزم.
كان أديبًا، فصيحًا، مفوهًا، خطب بخوارزم دهرًا، وأنشأ الخطب، وأقرأ الناس، وتخرج به جماعة. وهو الذي يقال له: خطيب خوارزم.
توفي بخوارزم في صفر.
قال ابن الدبيثي: أخبرنا ناصر بن عبد السيد الأديب، قال: أخبرنا الموفق، قال: أخبرنا أبو الغنائم النرسي، الكوفي. . . فذكر حديثًا.
وله كتاب في فضائل علي، رأيته؛ وفيه واهيات كثيرة.
ولخطيب خوارزم شعر جيد، معجرف اللغة، كقوله:
لقد شق قلبي سهم النوى على أن موتي في خدشه أموت بتأفيف هجر الحبيب فقس كيف حالي لدى بطشه إذا لم تنل لظى الصدر من شآبيب وصل فمن رشه ألا فأنعش ذا هوى قد هوى ففي بطشة المنع من نعشه
308 -
يزدن التركي
.
من كبار أمراء الدولة، وكان شيعيًا غاليًا، متعصبًا. فانتشر بسببه الرفض، وتأذى أهل السنة إلى أن هلك في ذي الحجة.
سنة تسع وستين وخمسمائة
309 -
أحمد بن جعفر بن أحمد بن إدريس
، أبو القاسم الغافقي، المقرئ، الخطيب. نزيل الإسكندرية.
توفي فيها، ومولده سنة خمسمائة. أخذ عنه الحافظ ابن المفضل، وأبو القاسم الصفراوي، وغيرهما.
310 -
أحمد بن عبد الله
، أبو طالب العلوي، القصري. من ولد محمد ابن الحنفية.
روى عن يوسف اللخمي بالمغرب.
311 -
أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الصقر
، أبو العباس الأنصاري، الأندلسي. قاضي إشبيلية.
سمع من أبي الحسن بن الباذش، وأبي القاسم بن الأبرش، ودرس عليهما العربية. وكان بصيرًا بالفقه، معروفًا بالذكاء، بارع الخط. روى عنه ابنه، وأبو خالد بن رفاعة.
توفي بمراكش في جمادى الأولى، وقد قارب الثمانين.
312 -
أحمد بن عبيد الله بن العباس
. أبو العباس البغدادي، المؤدب.
صحب أبا الخطاب الكلوذاني الفقيه، وسمع منه. روى عنه عبد الله بن أحمد الخباز. وكان يؤم بمسجد.
توفي في رمضان.
313 -
أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن المعمر
. النقيب أبو عبد الله العلوي الحسيني.
شريف، نبيل، عريق في السيادة، له شعر وترسل. تولى نقابة الطالبيين بعد والده سنة ثلاثين. وسمع أبا الحسين ابن الطيوري، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبيًا النرسي، وغيرهم. وولد في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة.
روى عنه أحمد بن طارق، والشيخ الموفق، وأبو إسحاق الكاشغري، ومحمد بن عبد العزيز ابن الخزاز، وطائفة.
قال ابن النجار: كان يحب الرواية ويكرم أهل الحديث. وله شعر فائق، وحدث بالكثير. وتوفي في جمادى الأولى.
وللرشيد بن مسلمة إجازة منه.
314 -
إبراهيم بن يحيى
، أبو عمرو الشاطبي، الأديب.
روى عن أبي علي بن سكرة، وأبي عمران بن أبي تليد. كتب عنه أبو عمر بن عات، وغيره. وكان أخباريًا.
315 -
إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد
، أبو إسحاق بن قرقول الوهراني، الحمزي. وحمزة: موضع من عمل بجاية.
ولد بالمرية. وسمع من جده لأمه أبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن نافع. وروى عن خلق منهم: أبو عبد الله بن زغيبة، وأبو الحسن بن معدان ابن اللوان، وأبو عبد الله بن الحاج، وأبو العباس بن العريف. وأخذ عن أبي إسحاق الخفاجي ديوانه.
قال الأبار: وكان رحالًا في العلم فقيهًا نظارًا، أديبًا، حافظًا، يبصر الحديث ورجاله.
صنف وكتب الخط الأنيق، وأخذ الناس عنه. وانتقل من مالقة إلى سبتة، ثم إلى سلا، ثم إلى فاس، وبها توفي في شعبان. وكان مولده في سنة خمس وخمسمائة رحمه الله.
وكان رفقيًا للسهيلي، فلما تحول إلى سلا نظم فيه السهيلي:
سلا عن سلا إن المعارف والنهى بها ودعا أم الرباب ومأسلا بكيت أسى أيام كان بسبتة فكيف التأسي حين منزله سلا
وقال أناس: إن في البعد سلوة وقد طال هذا البعد والقلب ما سلا فليت أبا إسحاق إذ شطت النوى تحيته الحسنى من الريح أرسلا فعادت دبور الريح عندي كالصبا بذي غمر إذ أمر زيد تبسلا فقد كان يهديني الحديث موصلًا فأصبح موصول الأحاديث مرسلا وقد كان يحيي العلم والذكر عندنا أوان دنا، فالآن بالنأي كسلا فلله أم بالمرية أنجبت به وأب ماذا من الخير أنسلا
316 -
أسعد بن عبد الكريم بن أحمد
، أبو المنيع الهمذاني، المزكي.
أنفق مالًا صالحًا على العلماء. وروى الكثير بالإجازة عن أبي الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس. وورد دمشق مرة. روى عنه أبو المواهب بن صصرى.
توفي في جمادى الأولى.
317 -
جامع السمك بن محمد بن جامع الحربي الصياد
.
سمع ابن الحصين. وحدث عنه أحمد بن أحمد ابن البندنيجي.
318 -
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل
، الحافظ، أبو العلاء الهمذاني، العطار، المقرئ، المحدث، شيخ مدينة همذان.
رحل إلى أصبهان، وقرأ القراءات على أبي علي الحداد، وسمع منه الكثير. وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي بواسط. وعلى أبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرفي، وجماعة ببغداد، وسمع بها من أبي القاسم بن بيان، وأبي علي ابن المهدي، وخلق. ومن أبي عبد الله الفراوي، وطبقته بخراسان. ثم رحل ثانية سنة نيف وعشرين وخمسمائة إلى بغداد، فقرأ بها لولده الكثير، ثم قدمها بعد الثلاثين. ثم قدمها بعد الأربعين، فقرأ بها لولده أحمد الكثير على أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وابن الزاغوني، وحدث إذ ذاك بها.
وقرأ عليه القراءات أبو أحمد عبد الوهاب ابن سكينة. روى عنه هو، والمبارك بن الأزهر، وأبو المواهب بن صصرى، وعبد القادر بن عبد الله
الرهاوي، ويوسف بن أحمد الشيرازي، ومحمد بن محمود بن إبراهيم الحمامي، وأولاده أحمد، وعبد البر، وفاطمة، وعتيق بن بدل المكي بمكة، وسبطه محمد بن عبد الرشيد بن علي بن بنيمان، وأخو هذا القاضي علي بن عبد الرشيد وماتا في سنة إحدى وعشرين، وأخوهما القاضي عبد الحميد، وبقي إلى سنة سبع وثلاثين، وسماعه في الرابعة. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير، وهو آخر من روى عنه فيما أعلم.
ذكره أبو سعد السمعاني فقال: حافظ، متقن، ومقرئ فاضل، حسن السيرة، جميل الأمر، مرضي الطريقة، عزيز النفس، سخي بما يملكه، مكرم للغرباء، يعرف الحديث والقراءات والأدب معرفة حسنة. سمعت منه بهمذان.
وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: شيخنا الإمام أبو العلاء أشهر من أن يعرف، بل تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة، على ما بلغنا من سيرة العلماء والمشايخ. أربى على أهل زمانه في كثرة السماعات، مع تحصيل أصول ما سمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتبه بخطه. فإنه ما كان يكتب شيئًا إلا منقوطًا معربًا. وأول سماعه من عبد الرحمن بن حمد الدوني في سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وبرع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب، والتواريخ، والأسماء، والكنى، والقصص، والسير. ولقد كان يومًا في مجلسه، وجاءته فتوى في أمر عثمان رضي الله عنه، فأخذها وكتب فيها من حفظه، ونحن جلوس، درجًا طويلًا، ذكر فيه نسبه، ومولده، ووفاته، وأولاده، وما قيل فيه، إلى غير ذلك. وله التصانيف في الحديث، والزهد والرقائق، وصنف زاد المسافر في نحو خمسين مجلدًا. وكان إمامًا في القرآن وعلومه، وحصل من القراءات المسندة، ما إنه صنف العشرة والمفردات، وصنف في الوقف والابتداء، وفي التجويد، والماءات، والعدد ومعرفة القراء وهو نحو من عشرين مجلدًا. واستحسنت تصانيفه في القرآن، وكتبت، ونقلت إلى خوارزم والشام. وبرع عليه جماعة كثيرة في علوم القرآن. وكان إذا جرى ذكر القراء يقول: فلان مات في سنة كذا، وفلان مات في سنة كذا، وفلان يعلو إسناده على فلان بكذا.
وكان إمامًا في النحو واللغة، سمعت أن من جملة ما حفظ في اللغة كتاب الجمهرة، وخرج له تلامذة في العربية أئمة يقرئون بهمذان. وفي بعض من رأيت من أصحابه من جملة محفوظاته كتاب الغريبين للهروي.
وكان عتيقًا من حب المال، مهينًا له، باع جميع ما ورثه، وكان من أبناء التجار، وأخرجه في طلب العلم، حتى سافر إلى بغداد، وأصبهان مرات كثيرة ماشيًا، وكان يحمل كتبه على ظهره. وسمعته يقول: كنت أبيت ببغداد في المساجد، وآكل خبز الدخن.
وسمعت شيخنا أبا الفضل بن بنيمان الأديب بهمذان يقول: رأيت الحافظ أبا العلاء في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم على رجليه، لأن السراج كان عاليًا. ثم نشر الله ذكره في الآفاق، وعظم شأنه في قلوب الملوك وأرباب المناصب العوام، حتى إنه كان يمر في همذان فلا يبقى أحد رآه إلا قام ودعا له، حتى الصبيان واليهود. وحتى أنه كان في بعض الأحايين يمضي إلى مشكان بلدة في ناحية همذان، ليصلي بها الجمعة، فكان يتلقاه أهلها خارج البلد، المسلمون على حدة، واليهود على حدة، يدعون له إلى أن يدخل البلد. وكان يفتح عليه من الدنيا جمل، فلم يدخرها، بل كان ينفقها على تلامذته، حتى أنه ما كان يكون عنده متعلم إلا رتب له رفقًا يصل إليه، وإذا قصده أحد يطلب بره وصله بما يجد إليه من السبيل من ماله وجاهه، ويتدين له. وكانت عليه رسوم لأقوام في كل سنة يبعثها إلى مكة، وبغداد، وغيرهما. وما كان يبرح عليه ألف دينار همذانية أو أكثر من الدين، مع كثرة ما كان يفتح عليه. وكان يطلب لأصحابه من الناس، ويعز أصحابه ومن يلوذ به، ولا يحضر دعوة حتى تحضر جماعة أصحابه. وكان لا يأكل من أموال الظلمة، ولا قبل منهم مدرسة قط ولا رباطًا، وإنما كان يقرئ في داره، ونحن في مسجده، فكان يقرئ نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعلم. وكان لا يغشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحدًا أن يعمل في محلته منكرًا ولا سماعًا. وكان ينزل كل إنسان منزلته، حتى تألفت القلوب على محبته وحسن الذكر له في الآفاق البعيدة. حتى أهل خوارزم، الذين هم من أشد الناس في الاعتزال كتبوا تصانيفه، وصار له عندهم من الصيت لعل قريبًا من همذان، مع مباينتهم له في الاعتقاد، ومعرفتهم شدته في الحنبلية. وكان حسن الصلاة، لم أر أحدًا من مشايخنا أحسن صلاة منه. وكان متشددًا في أمر
الطهارات، حتى أنه ما كان يثق بكل أحد. وكان لا يدع أحدًا يمس مداسه. وقد حضرته يومًا وأخذ منطرًا وجبة برد قد أهديا له، وكانا جديدين بطراوتهما، فجاء بهما إلى بركة فيها ماء وطين وورق الشجر، فغمسهما في الماء وسمعته يقول: قليلًا قليلًا ثقة بالله. فغسلهما، وانطفأت نضارتهما. وكان لا يبالي ما لبس. ولا يلبس الكتان بل القطن، ثياب قصار، وأكمام قصار، وعمامة نحو سبعة أذرع. وكان لا يتشهى المواكيل، ولا يكاد يأمر بصنعة طعام. وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادًا وفعلًا. كان لا يكاد يبدأ في أمر إلا ابتدأ فيه بسنة إما دعاء وإما غير ذلك. وكان معظما للسنة بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه أحد، فقدم رجله اليسرى كلف أن يرجع فيقدم اليمنى.
وكان لا يمس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء، ولا يدع شيئًا قط إلا مستقبل القبلة تعظيمًا لها.
ورآني يومًا وعلى رأسي قلنسوة سوداء مكشوفة فقال لي: لا تلبسها مكشوفة، فإن أول من أظهر لبس هذه القلانس أبو مسلم الخراساني. ثم شرع في ذكر أبي مسلم، فذكر أحواله من أولها إلى آخرها.
قال: وسمعت من أثق به يحكي أن السلفي رأى طبقة بخط أبي العلاء فقال: هذا خط أهل الإتقان. وسمعته يحكي عنه أنه ذكر له فقال: قدمه دينه. وسمعت من أثق به يحكي عن أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي أنه قال للحافظ أبي العلاء لما دخل نيسابور: ما دخل نيسابور مثلك. وسمعت الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن يقول، وذكر رجلًا من أصحابه رحل: إن رجع ولم يلق الحافظ أبا العلاء ضاعت سفرته. قال: وقد روى عنه الحافظ أبو القاسم.
وقال الحافظ محمد بن محمود الحمامي الهمذاني: ولد شيخنا أبو العلاء في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
قال: وتوفي في تاسع عشر جمادى الأولى.
وذكره ابن النجار فقال: إمام في علوم القراءات، والحديث، والأدب، والزهد، والتمسك بالسنن.
319 -
الحسن بن عبد الله بن حسين
، أبو علي ابن الأشيري الكاتب، نزيل تلمسان.
قال الأبار: كان عالمًا بالقراءات، واللغة، والشعر. صنف في غريب الموطأ، وغير ذلك.
320 -
الحسين بن محمد بن الحسين بن حما
. الشيخ أبو عبد الله البغدادي.
من وكلاء القضاة. سمع من جده لأمه أبي سعد محمد بن عبد الملك الأسدي، وأبي سعد بن خشيش.
قال ابن النجار: حدثنا عنه ابن الأخضر. ولد سنة تسعين وأربعمائة، ومات في شوال سنة تسع.
321 -
دلف بن كرم
، أبو الفرج العكبري المقرئ، الخباز.
أحد طلبة الحديث ببغداد.
سمع أبا بكر الأنصاري، وأبا القاسم ابن السمرقندي فمن بعدهما. سمع منه علي بن أحمد الزيدي، ومكي الغراد.
توفي في عشر السبعين.
322 -
دهبل بن علي بن منصور بن إبراهيم
. المعروف بابن كاره، أبو الحسن الحريمي، والد عبد الله.
كان فقيهًا حنبليًا. سمع الحسين بن علي ابن البسري، وأبا القاسم بن بيان، وابن نبهان. وكان زاهدًا، ثقة. سمع منه أبو سعد ابن السمعاني، وعلي بن أحمد الزيدي، وأبو محمد بن الأخضر، وابن قدامة، وأبو المنجى ابن اللتي، ولبابة بنت الثلاجي، وآخرون.
وتوفي في ثاني المحرم، وكان قد أضر.
323 -
سعد الله بن مصعب بن محمد
، أبو القاسم البغدادي
المقرئ، المعروف بابن ساقي الماء.
قال ابن الدبيثي: بقي أكثر من سبعين سنة مقيمًا بمسجد بالجانب الغربي. قرأ القراءات على أبي عبد الله البارع. وسمع من أبي القاسم بن بيان. كتب عنه عمر القرشي، وتوفي في المحرم.
324 -
سعيد بن المبارك بن علي
، أبو محمد ابن الدهان البغدادي، النحوي، صاحب المصنفات.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وغيرهما.
كتب عنه أبو سعد السمعاني وقال: قال لي: ولدت سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وهو شاب فاضل له معرفة بالنحو ويد باسطة في الشعر. شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في ثلاثة وأربعين مجلدًا، وشرح اللمع لابن جني في ثلاثة مجلدات.
وقال ابن الدبيثي: سكن في آخر عمره بالموصل، وأخذ عنه أهلها.
وقال جمال الدين القفطي: رحل إلى أصبهان، وسمع بها، واستفاد من خزائن وقوفها، وكتب الكثير من الأدب بخطه. وأخذ الناس عنه. وخرج عن بغداد قاصدًا إلى دمشق، فاجتاز بالموصل وبها وزيرها جمال الدين محمد الأصبهاني الجواد فارتبطه عنده وأكرمه وصدره بالموصل للإفادة. وغرقت كتبه ببغداد في غيبته، ثم حملت إليه، فشرع في تبخيرها باللاذن ليقطع الرائحة الردية، إلى أن بخرها بنحو من ثلاثين رطل لاذن، فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه، فأحدث له العمى.
ومن شعره:
بادر إلى العيش والأيام راقدة ولا تكن لصروف الدهر تنتظر فالعمر كالكأس يبدو في أوائله صفو وآخره في قعره الكدر
وقال الحافظ ابن عساكر: سمعت سعيد ابن الدهان ببغداد يقول: رأيت في النوم منشدًا ينشد محبوبه:
أيها الماطل ديني أملي وتماطل؟ علل القلب فإني قانع منك بباطل وله سرقات المتنبي في مجلد، وكتاب التذكرة سبع مجلدات.
قال العماد الكاتب: هو سيبويه عصره، ووحيد دهره. لقيته ببغداد، وكان يقال حينئذ: النحويون في بغداد أربعة: ابن الجواليقي، وابن الشجري، وابن الخشاب، وابن الدهان.
وقال ابن خلكان: لقبه: ناصح الدين، رحمه الله تعالى.
325 -
سلمان بن علي بن عبد الرحمن
، أبو تميم الرحبي، الدمشقي، الخباز.
سمع جزءًا من عبد الرحمن بن الحسين الحنائي، وهو آخر من حدث عنه. روى عنه الحافظان أبو المواهب، وعبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو القاسم بن صصرى، وعبد الرحمن بن عمر النساج، والقاضي عمر بن المنجى.
قال أبو المواهب: توفي في ربيع الآخر، وكان مقرئًا صالحًا. ما حدثنا عن ابن الحنائي سواه.
326 -
عبد الله بن أحمد بن الحسين
، أبو محمد ابن النقار الطرابلسي، الشامي، الحميري، الكاتب، المعدل.
ولد بأطرابلس سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وعاش تسعين سنة. قدم دمشق شابًا عند استيلاء العدو على أطرابلس، وتقدم في كتابة الإنشاء، وكتب لصاحب الشام.
وكان جيد النظم والنثر، كبير القدر. روى عنه ابن عساكر في تاريخه قصيدتين.
327 -
عبد الله بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون
، أبو محمد بن أبي نصر بن أبي طاهر بن أبي الحسين ابن النرسي البغدادي.
من بيت العدالة والرواية. سمع أبا الفضل محمد بن عبد السلام، وأبا غالب الباقلاني، وأبا بكر الطريثيثي، وأبا الحسين ابن الطيوري، وابن العلاف.
سمع منه علي بن أحمد الزيدي، وأبو بكر الباقداري. وحدث عنه جماعة وأثنوا عليه منهم الحافظ عبد الغني، وأبو محمد بن قدامة، وعبد العزيز ابن الأخضر، وحفيداه أحمد وإسماعيل ابنا إسماعيل ابن النرسي. وكان يلقب بالحمامة. توفي في رمضان وله ثلاث وثمانون سنة.
328 -
عبد الواحد بن عبد الماجد بن عبد الواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري
، أبو محمد النيسابوري، الصوفي.
حدث بدمشق وبغداد عن أبيه وعبد الغفار الشيرويي، ومحمد بن أحمد بن صاعد. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وأبو القاسم بن صصرى، والجماعة. وتوفي في المحرم بأصبهان.
329 -
عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد
، أبو نصر الفضلوسي الكرجي، الصوفي، الزاهد.
له عبادة ومجاهدات، وسافر الكثير ولقي المشايخ. وحج مرات. وربما حج منفردًا متوكلًا. وسمع بأصبهان، وبغداد، ومصر. وسمع من أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وأبي القاسم بن الحصين. وكان أبو الفرج ابن النقور قد كتب عنه عجائب، وأنه قد رأى الخضر ورأى الجن، ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وروى عنه جماعة منهم أبو سعد السمعاني.
وقال ابن الدبيثي: بلغنا أنه توفي بالكرج في سنة تسع هذه.
330 -
عبد النبي بن المهدي
، اليمني الخارجي، الملقب بالمهدي.
كان أبوه المهدي قد استولى على اليمن، وظلم وعسف، وشق أجواف الحبالى، وذبح الأطفال، وتمرد على الله. وكان يرى رأي القرامطة والباطنية، وكان يظهر أنه داعية للمصريين، فهلك سنة تسع أو سبع وستين وخمسمائة.
وولي الأمر بعده عبد النبي هذا، ففعل أنحس من فعل الوالد، وسبى النساء، وبنى على قبر أبيه قبة عظيمة لم يعمل في الإسلام مثلها، فإنه صفح حيطانها بالذهب والجواهر، ظاهرًا وباطنًا، وعمل لها ستور الحرير، وقناديل الذهب، فيقال: إنه أمر الناس بالحج إلى قبر أبيه، كما تحج الكعبة، وأن يحمل كل واحد إليها مالًا، ومن لم يحمل مالًا قتله، ومنعهم من الحج، فكانوا يقصدونها من السحر، واجتمع فيها أموال لا تحصى، وانهمك في اللذات والفواحش إلى أن قصمه الله واستأصله على يد شمس الدولة ابن أيوب، واستولى على جميع خزائنه وعذبه، ثم قتله، وهدم القبة، وأحرق ما فيها. هذا معنى ما قاله صاحب مرآة الزمان.
331 -
علي بن أحمد بن أبي بكر
، أبو الحسن الكناني القرطبي ابن حنين، نزيل مدينة فاس.
سمع الموطأ بقراءة أبيه من أبي عبد الله محمد بن الفرج مولى الطلاع. وسمع من أبي الحسن العبسي، وأخذ عنه القراءات، وخازم بن محمد، وأبي القاسم بن مدير، وأبي الوليد بن خشرم. وأخذ عنه الكبار. وأخذ أيضًا عن أبي الحسن بن شفيع، وأبي عمران الإلبيري. وقرأ بجيان على أبي عامر محمد بن حبيب. ثم حج سنة خمسمائة، ولقي أبا حامد الغزالي وصحبه. كذا قال أبو عبد الله الأبار. وفي هذا نظر، إلا أن يكون دخل خراسان، وهو محتمل على بعد.
قال: وأقام ببيت المقدس يعلم القرآن تسعة أشهر، ثم انصرف واستوطن مدينة فاس سنة ثلاث وخمسمائة، وتصدر للإقراء، وطال عمره. وروى عنه من شيوخنا أبو القاسم بن بقي، وأبو زكريا التادلي. وقرأت على التادلي كتاب الشهاب للقضاعي، بسماعه منه، عن العبسي، عن مؤلفه. وكان مولده في سنة ست وسبعين وأربعمائة.
قلت: عاش ثلاثًا وتسعين سنة. وكان من أسند أهل وقته. وقد روى عنه بالإجازة أبو الحسن بن المفضل، وبالسماع عبد العزيز بن علي بن زيدان النحوي السماني، نزيل فاس.
332 -
علي بن إبراهيم بن المسلم
، أبو الحسن الأنصاري، الزاهد، المعروف بابن بنت أبي سعد.
توفي بمصر في رجب. وقد حدث قبل موته بيسير. وكان محدثًا، عارفًا بشيوخ المصريين. أخذ عنه الحافظ عبد الغني، والمصريون.
333 -
علي بن الحسن بن علي
بن أبي الأسود
، أبو الحسين بن البل البغدادي، عم هبة الله بن البل.
روى عن أبي القاسم الربعي، وابن بيان الرزاز. سمع منه علي بن أحمد الزيدي، وغير واحد. وروى عنه علي بن محمد العلوي، وابن الأخضر، وموفق الدين المقدسي، وآخرون.
وتوفي في ذي الحجة.
334 -
علي بن الحسن بن علي، أبو الحسن ابن الرميلي، الفقيه الشافعي.
كان من أئمة الشافعية، ورشح ببغداد لتدريس النظامية. وروى القليل عن الأرموي، وأبي الوقت. وله تعليقة في الخلاف. وكتب على طريقة ابن البواب، وأعاد بالنظامية.
335 -
عمارة بن علي بن زيدان
، الفقيه أبو محمد الحكمي، المذحجي، اليمني، نجم الدين الشافعي الفرضي الشاعر المشهور.
تفقه بزبيد مدة أربع سنين في المدرسة، وحج سنة تسع وأربعين وخمسمائة. ومولده سنة خمس عشرة.
وسيره صاحب مكة قاسم بن هاشم بن فليتة رسولًا إلى الفائز خليفة مصر، فامتدحه بقصيدته الميمية، وهي:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم حمدًا يقوم بما أولت من النعم لا أجحد الحق، عندي للركاب يد تمنت اللجم فيها رتبة الخطم قربن بعد مزار العز من نظري حتى رأيت إمام العصر من أمم ورحن من كعبة البطحاء والحرم وفدًا إلى كعبة المعروف والكرم فهل درى البيت أني بعد فرقته ما سرت من حرم إلا إلى حرم حيث الخلافة مضروب سرادقها بين النقيضين من عفو ومن نقم وللإمامة أنوار مقدسة تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم وللنبوة آيات تنص لنا على الخفيين من حكم ومن حكم وللمكارم أعلام تعلمنا مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلا ألسن تثني محامدها على الحميدين من فعل ومن شيم أقسمت بالفائز المعصوم معتقدًا فوز النجاة وأجر البر في القسم لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما وزيره الصالح الفراج للغمم اللابس الفخر لم تنسج غلائله إلا يد الصنعتين السيف والقلم ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لكم كلمي فوصلوه. ثم رد إلى مكة، وعاد إلى زبيد. ثم حج، فأعاده صاحب مكة في الرسلية، فاستوطن مصر.
قال ابن خلكان: وكان شافعيًا شديد التعصب للسنة، أديبًا، ماهرًا، ولم يزل ماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين، فمدحه ومدح جماعة. ثم إنه شرع في أمور، وأخذ في اتفاق مع رؤساء البلد في
التعصب للعبيديين وإعادة أمرهم، فنقل أمرهم، وكانوا ثمانية من الأعيان، فأمر صلاح الدين بشنقهم في رمضان بالقاهرة، وكفى الله شرهم. ولعمارة كتاب أخبار اليمن، وله شيء في أخبار خلفاء مصر ووزرائها. وكان هؤلاء المخذولون قد هموا بإقامة ولد العاضد، وقيل: إنهم كاتبوا الفرنج لينجدوهم، فنم عليهم رجل جندي، وقد نسب إلى عمارة بيت شعر، وهو:
قد كان أول هذا الأمر من رجل سعى إلى أن دعوه سيد الأمم فأفتى الفقهاء بقتله.
وله ديوان مشهور.
وللفقيه عمارة مجلد فيه النكت العصرية في الدولة المصرية ترجم نفسه في أوله، فقال: والحديث كما قيل شجون، والجد قد يخلط بالمجون، وعسى أن يقول من وقع في يده هذا المجموع: خبرتنا عن غيرك، فمن تكون؟ وإلى أي عش ترجع من الوكون؟ وأنا أقتصر وأختصر: فأما جرثومة النسب فقحطان، ثم الحكم بعد سعد العشيرة المذحجي. وأما الوطن فمن تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع، بعدها من مكة أحد عشر يومًا، وبها المولد والمربى، وأهلها بقية العرب في تهامة، لأنهم لا يساكنهم حضري ولا يناكحونه، ولا يجيزون شهادته، ولا يرضون بقتله قودًا بأحد منهم؛ ولذلك سلمت لغتهم من الفساد، وكانت رياستهم تنتهي إلى المثيب بن سليمان، وهو جدي من جهة الأم، وإلى زيدان بن أحمد، وهو جدي لأبي، وهما أبناء عم، وكان زيدان يقول: أنا أعد من أسلافي أحد عشر جدًا، ما منهم إلا عالم مصنف في عدة علوم. ولقد أدركت عمي علي بن زيدان وخالي محمد بن المثيب، ورياسة حكم بن سعد تقف عليهما. وما أعرف فيمن رأيته أحدًا يشبه عمي عليًا في السؤدد. وحدثني أخي يحيى بن أبي الحسن، وكان عالمًا بأيام الناس، قال: لو كان عمك علي بن زيدان في زمن نبي لكان حواريًا أو صديقا له لفرط سؤدده. وحدثني الفقيه محمد بن حسين الأوقص، وكان صالحًا، قال: والله لو كان علي بن زيدان قرشيًا ودعانا إلى بيعته لمتنا تحت رايته لاجتماع شروط الخلافة فيه. قال لي أخي يحيى: كان
علي لا يغضب، ولا يقذع في القول، ولا يجبن، ولا يبخل، ولا يضرب مملوكًا أبدًا، ولا يرد سائلًا، ولا عصى الله بقول ولا فعل، وهذه همة الملوك، وأخلاق الصديقين. وحسبك أنه حج أربعين حجة، وزار النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات، ورآه في النوم خمس مرات، وأخبره بأمور لم يخرم منها شيء. فقلت لأخي: من القائل:
إذا طرقتك أحداث الليالي ولم يوجد لعلتها طبيب وأعوز من يجيرك من سطاها فزيدان يجيرك والمثيب هما ردًا علي شتيت ملكي ووجه الدهر من رغم قطوب وقاما عند خذلاني بنصري قيامًا تستكين له الخطوب فقال: هو السلطان علي بن حبابة، كان قومه قد أخرجوه من ملكه، وأفقروه من ملكه، وولوا عليهم أخاه سلامة، فنزل بهما، فسارا معه في جموع من قومهما حتى عزلا سلامة وردا عليًا وأصلحا له قومه، وكان الذي وصل إليه من برهما وأنفقاه على الجيش في نصرته ما ينيف على خمسين ألفًا.
حدثني أبي قال: مرض عمك علي بن زيدان مرضًا أشرف منه على الموت ثم أبل منه، فأنشدته لرجل من بني الحارث يدعى سالم بن شافع، كان وفد عليه يستعينه في دية قتيل لزمته، فلما شغلنا بمرضه رجع الحارثي إلى قومه:
إذا أودى ابن زيدان علي فلا طلعت نجومك يا سماء ولا اشتمل النساء على جنين ولا روى الثرى للسحب ماء على الدنيا وساكنها جميعًا إذا أودى أبو الحسن العفاء قال: فبكى عمك وأمرني بإحضار الحارثي، ودفع إليه ألف دينار، وبعد ستة أشهر ساق عنه الدية.
وحدثني خالي محمد بن المثيب قال: أجدب الناس سنة، ففرق علي بن زيدان على المقلين أربعمائة بقرة لبون، ومائتي ناقة لبون.
وأذكر وأنا طفل أن معلمي عطية بن محمد بعثني إلى عمي بكتابة كتبها في لوحي. فضمني إليه وأجلسني في حجره، وقال: كم يعطى الأديب؟ قلت: بقرة لبونًا، فضحك، ثم أمر له بمائة بقرة لبون معها أولادها، ووهب له غلة
أرض حصل له منها ألفا إردب من السمسم خاصة.
وأما سعة أمواله، فلم تكن تدخل تحت حصر، بل كان الفارس يمشي من صلاة الصبح إلى آخر الساعة الثانية في فرقانات من الإبل والبقر والغنم كلها له، وكان يسكن في مدينة منفردة عن البلد الكبير.
وأما حماسته وشدة بأسه فيضرب بها المثل، وهو شيء يزيد على العادة بنوع من التأييد، فلم يكن أحد يقدر أن يجر قوسه، وكان سهمه ينفذ من الدرقة ومن الإنسان الذي تحتها، وكان الناس يسرحون أموالهم إلى واد معشب مخصب مسبع بعيد من البلد، وفيه عبيد متغلبة نحو من ثلاثة آلاف راجل، قد حموا ذلك الوادي بالسيف، يقطعون الطريق، ويعتصمون بشعفات الجبال وصياصيها. وكان العدد الذي يسرح مع المال في كل يوم خمسمائة قوس ومائة فارس، فشكى الناس إلى علي بن زيدان أن فيهم من قد طال شعره، وانقطع حذاؤه ووتره، وسألوه أن ينظر لهم من ينوب عنهم يومًا ليصلحوا أحوالهم، فنادى مناديه بالليل: من أراد أن يقعد فليقعد، فقد كفي. ثم أمر الرعاء فسرحوا، وركب وحده فرسًا له نجديًا من أكرم الخيل سبقًا وأدبًا وجنب حجرة، فما هو إلا أن وردت الأنعام ذلك الوادي حتى خرجت عليها العبيد، فاستاقوها وقتلوا من الرعاء تسعة. فركب ابن زيدان فأدرك العبيد، وهم سبعمائة رجل أبطالا، فقال لهم: ردوا المال وإلا فأنا علي بن زيدان. فتسرعوا إليه فكان لا يضع سهمًا إلا بقتيل، حتى إذا ضايقوه اندفع عنهم غير بعيد، فإذا ولوا كر عليهم، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى قتل منهم خمسة وتسعين رجلًا، فطلب الباقون أمانه ففعل، وأمرهم أن يدير بعضهم بكتاف بعض، ففعلوا، وأخذ جميع أسلحتهم فحملها بعمائمهم على ظهور الإبل، وعاد والعبيد بين يديه أسارى. وقد كان بعض الرعاء هرب فنعاه إلى الناس، فخرج الناس أرسالًا حتى لقوه العصر خارجًا من الوادي، والمواشي سالمة، والعبيد أسارى. قال لي أبي: أذكر أنا لم نصل تلك الليلة صحبته إلى المدينة حتى كسرت العرب على باب داري ألف سيف، حتى قيل: إن عليًا قتل وامتد الخبر إلى بني الحارث، وكانوا حلفاء، فأصبح في منازلهم سبعون فرسًا معقورة وثلاثمائة قوس مكسورة حزنًا عليه. ثم اصطنع العبيد وأعتقهم، ورد عليهم أسلحتهم، فتكفلوا له أمان البلاد من عشائرهم. وكان السفهاء والشباب منا لا
يزال يجني بعضهم على بعض، ويكثر الجراح والقتل، فأذكر عشية أن القوم هزمونا حتى أدخلونا البيوت، فقيل لهم: هذا علي أقبل. فانهزموا حتى مات تحت أرجل الناس ثلاثة رجال، ثم أصلح بين الناس.
توفي علي بن زيدان سنة ست وعشرين وخمسمائة، وتبعه خالي محمد بن المثيب سنة ثمان، فكان أبي يتمثل بعدهما بقول الشاعر:
ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وتماسكت أحوال الناس بوالدي سنة تسع وعشرين، وفيها أدركت الحلم، ثم منعنا الغيث لسنة وبعض أخرى، حتى هلك الحرث، ومات الناس في بيوتهم، فلم يجدوا من يدفنهم.
وفي سنة إحدى وثلاثين دفعت لي والدتي مصوغًا لها بألف مثقال، ودفع لي أبي أربعمائة دينار وسبعين، وقالا لي: تمضي إلى زبيد إلى الوزير مسلم بن سخت، وتنفق هذا المال عليك وتنفقه، ولا ترجع حتى تفلح، وزبيد عنا تسعة أيام.
فأنزلني الوزير في داره مع أولاده، ولازمت الطلب، فأقمت أربع سنين لا أخرج من المدرسة إلا لصلاة الجمعة. ثم زرت أبوي في السنة الخامسة ورددت ذلك المصاغ، ولم أحتج إليه. وتفقهت، وقرأ علي جماعة في مذهب الشافعي والفرائض، ولي فيها مصنف يقرأ باليمن.
وقد زارني والدي بزبيد سنة تسع وثلاثين، فأنشدته من شعري، فاستحسنه واستحلفني أن لا أهجو مسلمًا. فحلفت له، ولطف الله بي، فلم أهج أحدًا، سوى إنسان هجاني ببيتين بحضرة الملك الصالح، يعني ابن رزيك، فأقسم علي أن أجيبه.
وحججت مع الحرة أم فاتك ملك زبيد، وربما حج معها أهل اليمن في أربعة آلاف بعير. ويسافر الرجل منهم بحريمه وأولاده.
إلى أن قال: فأذكر ليلة، وقد سئمت ركوب المحمل، أني ركبت نجيبًا، وحين تهور الليل آنست حسًا، فوجدت هودجًا مفردًا، والبعير يرتعي، فناديت مرارًا: يا أهل الجمل. فلم يكلمني أحد، فدنوت فإذا امرأتان نائمتان في الهودج، أرجلهما خارجة ولكل واحد زوج خلخال من الذهب. فسلبت الزوجين من أرجلهما وهما لا تعقلان، وأخذت بخطام الجمل حتى أبركته في
المحجة العظمى وعقلته، وبعدت عنه بحيث أشاهده، حتى مرت قافلة، فأقاموا البعير وساقوه. فلما أصبح الناس إذا صائح ينشد الضالة، ويبذل لمن ردها مائة دينار. وإذا هما امرأتان لبعض أكابر أهل زبيد. وكانت عادة الحرة أن تمشي في الساقة، فمن نام أيقظته، وكان لها مائة بعير برسم حمل المنقطعين. وحين تنصفت الليلة الثانية تأخرت حتى مر بي محملها، فبادر الغلمان إلي وقالوا: لك حاجة؟ فقلت: الحديث مع الحرة. ففعلوا ذلك، فأخرجت رأسها من سجف الهودج. قال: فناولتها الزوجين، وبلغني أن وزنهما ألف مثقال، فقالت: ما اسمك؟ ومن تكون؟ فقد وجب حقك. فأعلمتها، وحصل لي منها جانب قوي وصورة وتقدم، وتسهيل الوصول إليها في كل وقت. وبذلك حصلت معرفة بالوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكي. وكسبت بمعرفتها مالًا جزيلًا. وتجرت لهما بألوف من المال، ورددت إلى عدن، وحصلت لي صحبة أهل عدن وامتد هذا من سنة تسع وثلاثين إلى سنة ثمان وأربعين وقضى ذلك باتساع الحال وذهاب الصيت، حتى كان القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عقامة الحفائلي رأس أهل العلم والأدب بزبيد يقول لي: أنت خارجي هذا الوقت وسعيده، لأنك أصحبت تعد من جملة أكابر التجار وأهل الثروة، ومن أعيان الفقهاء الذين أفتوا، ومن أفضل أهل الأدب. فأما الوجاهة عند أهل الدول، ونعمة خدك بالطيب واللباس وكثرة السراري، فوالله ما أعرف من يعشرك فيه، فهنيئًا لك.
فكأنه والله بهذا القول نعى إلي حالي وذهاب مالي، وذلك أن كتاب الداعي محمد بن سبأ صاحب عدن جاءني من ذي جبلة يستدعي وصولي إليه، فاستأذنت أهل زبيد، فأذنوا لي على غش. وكانت للداعي بيدي خمسة آلاف دينار سيرها معي أتباع له، بها أمتعة من مكة وزبيد، فلما قدمت إلى ذي جبلة وجدته قد دخل عروسًا على ابنة السلطان عبد الله. وكان جماعة من أكابر التجار والأعيان، مثل بركات ابن المقرئ، وحسن ابن الخمار، ومرجى الحراني، وعلي بن محمد النيلي، والفقيه أبي الحسن بن مهدي القائم الذي قام باليمن، وأزال دولة أهل زبيد، وكانوا قد سبقوني ولم يصلوا إلى الداعي. فلما وصلت إلى ذي جبلة كتبت إليه قول أبي الطيب:
كن حيث شئت تصل إليك ركابنا فالأرض واحدة وأنت الأوحد
ثم أتبعت ذلك برقعة أطلب الإذن بالاجتماع به، فكتب بخطه على ظهرها:
مرحبًا مرحبًا قدومك بالسعد فقد أشرقت بك الآفاق لو فرشنا الأحداق حتى تطأهن لقلت في حقك الأحداق وكان هذان البيتان مما حفظه عن جارية مغنية كنت أهديتها إليه، واتفق أن الرقعة وصلت مفتوحة بيد غلام جاهل، فلم تقع في يدي حتى وقف عليها الجماعة كلهم، وركبت إليه فأقمت عنده في المستنزه أربعة أيام، فما من الجماعة إلا من كتب إلى أهل زبيد بما يوجب سفك دمي، ولا علم لي، حسدًا منهم وبغيًا. وكان مما تمموا به المكيدة علي ونسبوه إلي، أن علي بن مهدي صاحب الدولة اليوم باليمن التمس من الداعي محمد بن سبأ أن ينصره على أهل زبيد، فسألني الداعي أن اعتذر عنه إلى علي بن مهدي لما كان بيني وبين ابن مهدي من أكيد الصحبة في مبادئ أمره، لأني لم أفارقه إلا بعيد أن استفحل أمره، وكشف القناع في عداوة أهل زبيد، فتركته خوفًا على مالي وأولادي لأني مقيم بينهم. وحين رجعت إلى زبيد من تلك السفرة وجدت القوم قد كتبوا إلى أهل زبيد في حقي كتبًا مضمونها: إن فلانًا كان الواسطة بين الداعي وبين ابن مهدي على حربكم وزوال ملككم فاقتلوه. فحدثني الشيخ جياش قال: أجمع رأيهم على قتلك في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين. فجاءهم في الليل خبر محمد بن أبي الأعز ونفاقه وزحفه على تهامة، فانزعجوا واشتغلوا، وخرجت حاجًا بل هاجًا إلى مكة سنة تسع. فمات أمير مكة هاشم بن فليتة، وولي الحرمين ابنه قاسم، فألزمني السفارة عنه إلى الدولة المصرية، فقدمتها في ربيع الأول سنة خمسين، والخليفة بها الفائز، والوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك. فلما أحضرت للسلام عليهما في قاعة الذهب أنشدتهما:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم حمدًا يقوم بما أولت من النعم إلى آخرها.
وعهدي بالصالح يستعيدها في حال النشيد، والأستاذون وأعيان الأمراء
والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب، ثم أفيضت علي خلع من ثياب الخلافة مذهبة، ودفع لي الصالح خمسمائة دينار، وإذا ببعض الأستاذين خرج لي من عند السيدة بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى. وأطلقت لي رسوم لم تطلق لأحد قبلي. وتهادتني أمراء الدولة إلى منازلهم، واستحضرني الصالح للمجالسة، وانثالت علي صلاته، ووجدت بحضرته أعيان أهل الأدب الجليس أبا المعالي بن الجباب، والموفق ابن الخلال صاحب ديوان الإنشاء، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب حسن بن الزبير. وما من هذه الجلة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانية والرياسة الإنسانية بأوفر نصيب. وأما جلساؤه من أهل السيوف فولده مجد الإسلام، وصهره سيف الدين حسين، وأخوه فارس الإسلام بدر، وعز الدين حسام، وعلي بن الرند، ويحيى بن الخياط، ورضوان، وعلي هوشات، ومحمد ابن شمس الخلافة.
قلت: وعمل عمارة في الصالح عدة قصائد، وتوجه إلى مكة مع الحجاج، ثم ذكر أنه قدم في الرسلية أيضًا من أمير مكة. وذكر أنه حضر مجلس الصالح طلائع، قال: فكانت تجري بحضرته مسائل ومذاكرات ويأمرني بالخوض فيها، وأنا بمعزل عن ذلك لا أنطق، حتى جرى من بعض الأمراء ذكر بعض السلف، فاعتمدت قوله تعالى: فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، ونهضت، فأدركني الغلمان، فقلت: حصاة يعتادني وجعها. وانقطعت ثلاثة أيام، ورسوله في كل يوم والطبيب معه. ثم ركبت بالنهار، فوجدته في بستان وقلت: إني لم يكن بي وجع، وإنما كرهت ما جرى في حق السلف، فإن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت، وإلا فلا، وكان لي في الأرض سعة، وفي الملوك كثرة، فتعجب من هذا وقال: سألتك ما الذي تعتقد في أبي بكر وعمر؟ قلت: أعتقد أنه لولاهما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم، وأن محبتهما واجبة، فضحك، وكان مرتاضًا حصيفًا قد لقي في ولايته فقهاء السنة وسمع كلامهم، وقد جاءتني منه مرة أبيات معها ثلاثة أكياس ذهب، وهي قوله:
قل للفقيه عمارة يا خير من أضحى يؤلف خطبة وخطابا اقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى قل حطة وادخل إلينا البابا تلق الأئمة شافعين ولا تجد إلا لدينا سنة وكتابا وعلي إن يعلو محلك في الورى وإذا شفعت إلي كنت مجابا وتعجل الآلاف وحي ثلاثة صلة وحقك لا تعد ثوابا فأجبته مع رسوله:
حاشاك من هذا الخطاب خطابا يا خير أملاك الزمان نصابا فاشدد يديك على صفاء محبتي وامنن علي وسد هذا البابا ومن مليح قول عمارة اليمني من قصيدة:
ولو لم يكن يدري بما جهل الورى من الفضل لم تنفق عليه الفضائل لئن كان منا قاب قوس فبيننا فراسخ من إجلاله ومراحل وله يرثي الصالح ابن رزيك لما قتل:
أفي أهل ذا النادي عليم أسائله فإني لما بي ذاهب اللب ذاهله سمعت حديثًا أحسد الصم عنده ويذهل واعيه ويخرس قائله وقد رابني من شاهد الحال أنني أرى الدست منصوبًا وما فيه كافله وإني أرى فوق الوجوه كآبة تدل على أن الوجوه ثواكله دعوني فما هذا بوقت بكائه سيأتيكم ظل البكاء ووابله وله من قصيدة يمدحهم فذكر ما بينه لهم في المذهب:
أفاعيلهم في الجود أفعال سنة وإن خالفوني في اعتقاد التشيع ومن شعره الفائق:
لي في هوى الرشأ العذري أعذار لم يبق مذ أقر الدمع إنكار لي في القدود وفي لثم الخدود وفي ضم النهود لبانات وأوطار هذا اختياري فوافق إن رضيت به أو لا فدعني وما أهوى وأختار لمني جزافًا وسامحني مصارفة فالناس في درجات الحب أطوار وغر غيري ففي أسري ودائرتي في المها درة قلبي لها دار ومن كتاب فاضلي إلى نور الدين عن صلاح الدين في أمر المصلبين،
وفي جملتهم عمارة اليمني: قصر هذه الخدمة على متجدد سار في الإسلام، والمملوك لم يزل يتوسم من جند مصر وأهل القصر أنهم أعداء وإن قعدت بهم الأيام، ولم تزل عيونه بمقاصدهم موكلة، وخطراته في التحرز منهم مستعملة، لا يخلو شهر من مكر يجتمعون عليه، وحيلة يبرمونها. وكان أكثر ما يستروحون إليه المكاتبات إلى الفرنج، فسير ملك الفرنج كاتبه جرج رسولًا إلينا ظاهرًا، وإليهم باطنًا. والمولى عالم أن عادة أوليائه المستفادة من أدبه أن لا يبسطوا عقابًا مؤلمًا، وإذا طال لهم الاعتقال خلى سبيلهم. ولا يزيدهم العفو إلا ضراوة، ولا الرقة عليهم إلا قساوة. وعند وصول جرج ورد إلينا كتاب ممن لا نرتاب به من قومه يذكرون أنه رسول مخاتلة لا رسول مجاملة، حامل بلية، لا حامل هدية. فأوهمناه الإغفال، فتوصل مرة بالخروج إلى الكنيسة إلى الاجتماع بحاشية القصر وأعوانهم، فنقلت إلينا أحوالهم فأمسكنا جماعة متمردة قد اشتملت على الاعتقادات المارقة، وكلا أخذ الله بذنبه، فمنهم من أقر طائعًا، ومنهم من أقر بعد الضرب، وانكشفت المكتومات، وعينوا خليفة ووزيرًا، وكانوا فيما تقدم، والمملوك بالعسكر على الكرك والشوبك، قد كاتبوهم، وقالوا لهم إنه بعيد، والفرصة قد أمكنت. وكاتبوا سنانًا صاحب الحشيشية بأن الدعوة واحدة، والكلمة جامعة، واستدعوا منه من يغتال المملوك. وكان الرسول خال ابن قرجلة، فقتل الله بسيف الشرع والفتاوى جماعة من الغواة الدعاة إلى النار، وشنقوا على أبواب قصورهم، وصلبوا على الجذوع المواجهة لدورهم، ووقع التتبع لأتباعهم، وشردت الإسماعيلية، ونودي بأن يرحل كافة الأجناد وحاشية القصر إلى أقصى الصعيد، وثغر الإسكندرية، فظهر به داعية يسمى قديدا القفاص، ومع خموله بمصر، قد فشت بالشام دعوته، وطبقت مصر فتنته، وإن أرباب المعايش يحملون إليه جزءًا من كسبهم. ووجدت في منزله بالإسكندرية عند القبض عليه كتب فيها خلع العذار، وصريح الكفر الذي ما عنه اعتذار. وكان يدعي النسب إلى أهل القصر، وأنه خرج منه صغيرًا، ونشأ على الضلالة كبيرًا، فقد صرعه كفره، وحاق به مكره. والحمد لله وحده.
336 -
فوارس بن موهوب بن عبد الله
، ابن الشباكية الخفاف أبو الهيجاء.
روى عن إسماعيل بن ملة. روى عنه مكي الغراد، وأبو محمد بن قدامة، وجماعة.
337 -
محمد بن أحمد بن محرز بن عبد الله
، أبو بكر البطليوسي، عرف بالمنتانجشي، نزيل إشبيلية.
سمع من أبيه، ومن أبي الوليد العتبي، وأبي محمد بن عتاب، وأبي القاسم ابن النخاس. وأخذ عن ابن النخاس القراءات، وعن أبي عبد الله بن مزاحم، وابن طريف. وأخذ العربية والأدب عن أبي عبد الله بن أبي العافية.
قال الأبار: كان فقيهًا، مشاورًا، حافظًا، أديبًا، حافلًا، كاتبًا. روى عنه أبو بكر بن خير، وأبو عمر بن عياد، وأبو الخطاب بن واجب شيخنا، وغيرهم. توفي في آخر السنة. قال: وفي هذه السنة كانت غزوة السبطاط وفتح قنطرة السيف عنوة.
338 -
محمد بن الحسين بن أحمد بن عمر
، أبو شجاع المادرائي.
أحد الحجاب الأعيان بالديوان العزيز. سمع من طراد الزينبي، وأبي عبد الله بن طلحة النعالي، وغيرهما. سمع منه المبارك بن كامل مع تقدمه، وعمر بن علي القرشي. وحدث عنه أحمد بن أحمد الأزجي، وعبد اللطيف ابن القبيطي، وموفق الدين بن قدامة، وغيرهم.
وكان مولده في سنة ثمانين وأربعمائة، وتوفي في صفر.
أخبرنا عبد الحافظ بنابلس، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن الحسين المادرائي بقراءتي: قال: أخبرنا طراد بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، قال: حدثنا بكر بن بكار، قال: حدثنا شعبة قال: أخبرنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الشعر حكمًا، وإن من البيان سحرًا.
339 -
محمد بن عبد الملك بن مسعود
، أبو بكر الدينوري.
أحد العدول ببغداد، كان متساهلًا في الشهادة فعزل، وكان غير محمود الطريقة، ثم أعيد إلى العدالة في أواخر أيامه.
سمع من أبي سعد ابن الطيوري، وعبد القادر بن يوسف. روى عنه أبو سعد السمعاني، ومات قبله.
توفي سنة تسع في شعبان.
340 -
محمود ابن قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن آقسنقر التركي
، الملك العادل نور الدين، ناصر أمير المؤمنين، أبو القاسم.
قال ابن عساكر: كان آقسنقر قد ولي نيابة حلب للسلطان ملك شاه بن ألب رسلان، وولي غيرها من بلاد الشام. ونشأ قسيم الدولة زنكي بالعراق، وندبه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب رسلان برأي الخليفة المسترشد بالله لولاية الموصل، وديار بكر، والبلاد الشامية، بعد قتل آقسنقر البرسقي، وموت ابنه مسعود. وظهرت كفاية زنكي، وعرفت شهامته وثباته عند ظهور ملك الروم، ونزوله على شيزر، حتى رجع إلى بلاده خائباً. وقد حاصر ابن قسيم الدولة زنكي دمشق مرتين، فلم يفتحها، وافتتح الرها، والمعرة، وكفرطاب وغيرها من أيدي الكفار، وتوفي. وقام مقامه في ولاية الشام ابنه الملك نور الدين. ولد في شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة، ودخل قلعة حلب بعد قتل والده على جعبر في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين، فخلع على الأمراء.
قلت: تملك وله ثلاثون سنة. وكان أعدل ملوك زمانه بالإجماع، وأكثرهم جهادًا، وأحرصهم على الخير، وأدينهم وأتقاهم لله.
قال ابن عساكر: ظهر منه بذل الاجتهاد في قيام الجهاد، وخرج من
حلب غازيًا في أعمال تل باشر، فافتتح حصونًا كثيرة، وقلعة أفامية، وحصن البارة، وقلعة الراوندان، وقلعة تل خالد، وحصن كفرلاثا، وحصن بسرفوت بجبل بني عليم، وقلعة عزاز، وتل باشر، ودلوك، ومرعش، وقلعة عين تاب، ونهر الجوز. وغزا حصن إنب، فقصده الإبرنس صاحب أنطاكية، فواقعه، فكسره نور الدين وقتله، وقتل ثلاثة آلاف إفرنجي، وبقي له ولد صغير مع أمه بأنطاكية، فتزوجت بإبرنس آخر، فخرج نور الدين في بعض غزواته فأسر الإبرنس الآخر، وتملك أنطاكية ابنه، وباعه نور الدين نفسه بمال عظيم.
قال: وأظهر السنة بحلب، وغير البدعة التي كانت لهم في التأذين، وقمع الرافضة، وبنى بها المدارس، وأقام العدل. وحاصر دمشق مرتين، ثم قصدها الثالثة. وقد كان صالح معين الدين أنر نائب صاحبها، وصاهره، واجتمعت كلمتهما على العدو، فسلم أهل دمشق إليه البلد لغلاء الأسعار، وللخوف من العدو، فتملكها وسكنها، وحصن سورها، وبنى بها المدارس والمساجد، ووسع أسواقها، ورفع عن الناس الأثقال، ومنع من أخذ ما كان يؤخذ منهم من المغارم بدار بطيخ وسوق الغنم. وضمان النهر والكيالة، وأبطل الخمر. وأخذ من الفرنج ثغر بانياس، والمنيطرة. وكان ي الحرب رابط الجأش، ثابت القدم، حسن الرمي. وكان يتعرض بنفسه للشهادة، فلقد حكى عنه كاتبه أبو اليسر شاكر بن عبد الله أنه سمعه يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، فالله يقي مهجته من الأسواء. فلقد أحسن إلى العلماء وأكرمهم، وبنى دور العدل، وحضرها بنفسه أكثر الأوقات، ووقف على المرضى، وأدر على الضعفاء والأيتام وعلى المجاورين، وأمر بإكمال سور مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، واستخراج العين التي بأحد، وكانت قد دفنتها السيول. وفتح سبيل الحج من الشام، وعمر الربط والخوانق، والبيمارستانات في بلاده، وبنى الجسور والطرق والخانات، ونصب مؤدبين للأيتام. وكذلك صنع لما ملك سنجار، وحران، والرقة، والرها، ومنبج، وشيزر، وحماة، وحمص، وصرخد، وبعلبك، وتدمر. ووقف كتبًا كثيرة على أهل العلم، وكسر الفرنج والأرمن على حارم هو وأخوه قطب الدين في عسكر الموصل، وكان العدو ثلاثين ألفا، فلم يفلت منهم إلا القليل. وقبلها كسر الفرنج على بانياس.
قال سبط الجوزي: سبب أخذ نور الدين دمشق ما ظهر من صاحبها مجير الدين من الظلم ومصادرات أهلها، وقبضه على جماعة من الأعيان، واستدعى زين الدولة ابن الصوفي الذي ولاه رياسة دمشق لما أخرج أخاه وجيه الدولة منها، فقتله في القلعة، ونهب داره، وأحرق دور بني الصوفي، ونهب أموالهم. وتواترت مكاتباته للفرنج يستنجد بهم ويطمعهم في البلاد، وأعطاهم بانياس، فكانوا يشنون الغارات إلى باب دمشق، فيقتلون ويأسرون. وجعل للفرنج على أهل دمشق قطيعة، فكاتب أهل دولته نور الدين، فأخذ نور الدين معه في الملاطفة والود، وخاف إن شدد عليه أن يستعين بالفرنج، ولم يزل إلى أن تسلم دمشق.
قال ابن عساكر: وقد كان شاور السعدي أمير الجيوش بمصر وصل إلى جنابه مستجيرًا به لما عاين الذعر، فأكرمه وأكرم مورده واحترمه، وبعث معه جيشًا ليرده إلى درجته، فوصلوا معه، وقتلوا خصمه، ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته، واستجاش بجيش الفرنج طلبا لبقائه في مرتبته ثم وجه إليه بعد ذلك جيشا آخر فأصر على المشاققة وكابر، واستنجد بالعدو المخذول، فأنجدوه، وضمن لهم الأموال العظيمة، فرجع عسكر نور الدين إلى الشام، فحدث صاحب الفرنج نفسه بأخذ مصر، فتوجه إليها بعد سنتين لينتهز الفرصة، فأخذ بلبيس، وخيم بعرصة مصر، فلما بلغ نور الدين ذلك، بذل جهده في توجيه الجيش إليها، فلما سمع العدو بمجيء جيشه رجعوا، وأمن أهل مصر بقدوم الجيش وانتعشوا، واطلع من شاور على المخامرة، وأنه أنفذ يراسل العدو ليردهم إلى مصر، ويدفع بهم الجيش، فلما عرف غدره تمارض أسد الدين، فجاء شاور يعوده، فوثب جورديك وبزغش النوريان فقتلاه، وأراح الله منه، وصفى الأمر لأسد الدين، وتملك وحمدت سيرته، وظهرت السنة بمصر.
وكان حسن الخط، حريصًا على تحصيل الكتب الصحاح والسنن، كثير المطالعة للفقه، والحديث، مواظبًا على الصلوات في جماعة، كثير التلاوة،
والصيام، والتسبيح، عفيفًا، متحريًا في المطعم والمشرب، عريًا عن التكبر. وكان ذا عقل متين ورأي رصين، مقتديًا بسيرة السلف، متشبهًا بالعلماء والصلحاء، روى الحديث وأسمعه بالإجازة، وكان من رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره، ولقد حكى عنه من صحبه في حضره وسفره أنه لم يسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وإن أشهى ما إليه كلمة حق يسمعها، أو إرشاد إلى سنة يتبعها، يؤاخي الصالحين ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم. ومتى تكررت الشكاية من ولاته عزلهم. وأكثر ما أخذه من البلدان تسلمه بالأمان. وكان كلما فتح الله عليه فتحًا، وزاده ولاية، أسقط عن رعيته قسطًا، حتى ارتفعت عنهم الظلامات والمكوس، واتضعت في جميع ولايته الغرامات والنحوس.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: نور الدين ولي الشام سنين، وجاهد الثغور، وانتزع من أيدي الكفار نيفًا وخمسين مدينة وحصنًا، وبنى مارستانًا في الشام، فأنفق عليه مالًا، وبنى بالموصل جامعًا غرم عليه سبعين ألف دينار؛ ثم أثنى عليه. وقال: كان يتدين بطاعة الخلافة، وترك المكوس قبل موته؛ وبعث جنودًا فتحوا مصر. وكان يميل إلى التواضع، ومحبة العلماء والصلحاء، وكاتبني مرارًا. وأحلف الأمراء على طاعة ولده بعده، وعاهد ملك الفرنج، صاحب طرابلس، وقد كان في قبضته أسيرًا، على أن يطلقه بثلاثمائة ألف دينار وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية، ومثلها تراس إفرنجية، ومثلها قنطوريات، وخمسمائة أسير مسلمين، وبأنه لا يغير على بلاد المسلمين سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك مائة من كبار أولاد الفرنج وبطارقتهم، فإن نكث أراق دماءهم. وعزم على فتح بيت المقدس، فتوفي في شوال. وكانت ولايته ثمانيًا وعشرين سنة.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، ويعمل أغلافًا تارة، ويلبس الصوف،
ويلازم السجادة والمصحف، وعمر المدارس، وعمر المارستان بدمشق للمهذب ابن النقاش تلميذ أوحد الزمان. وكان حنفيًا، ويراعي مذهب الشافعي ومالك. وكان ولده الصالح أحسن أهل زمانه صورة. ونزل نور الدين على حارم، فكبستهم الفرنج، وهرب جيشه على الخيل عريًا، وقام هو حافيًا، فركب فرس النوبة، وأخذت الفرنج الخيم بما حوت، فلما دخل حلب غرم لجميع الجند ما ذهب، حتى المخلاة والمقود، وخرج بعد شهر بأتم عدة، وكسرهم كسرة مبيدة.
ونقل الحسن بن محمد القليوبي في تاريخه قال: لما جاءت الزلزلة بنى نور الدين في القلعة بيتًا من خشب كان يبيت فيه، فدفن في ذلك البيت، ورثاه جماعة من الشعراء، وأخرجت الأمراء ولده مشقوق الثياب، مجزوز الشعر، وأجلسوه على التخت الباقي من عهد الملك تتش، والناس حوله يبكون، ثم حلف له الأمراء.
وقال القاضي ابن خلكان: وسير نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه إلى مصر ثلاث دفعات، ثم ملكها صلاح الدين نيابة له، وضرب باسمه السكة والخطبة.
قال: وكان زاهدًا، عابدًا، متمسكًا بالشريعة، مجاهدًا، كثير البر والأوقاف. وبنى بالموصل الجامع النوري. وله من المناقب ما يستغرق الوصف. توفي في حادي عشر شوال بقلعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عليه بالفصد فامتنع، وكان مهيبًا، فما روجع، وكان أسمر طويلًا، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى حنكه. وعهد بالملك إلى ولده الملك الصالح إسماعيل، وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وقال ابن الأثير: حكى لي الطبيب قال: استدعاني نور الدين مع غيري، فدخلنا عليه، وقد تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، ولا يكاد يسمع صوته، فقلت: ينبغي أن ينتقل إلى موضع فسيح مضيء، فله أثر في هذا
المرض. وأشرنا بالفصد، فقال: ابن ستين سنة لا يفتصد. وامتنع منه، فعالجناه بغيره، فلم ينجع.
وقال ابن الأثير: كان أسمر طويلًا، ليس له لحية إلا في حنكه. وكان واسع الجبهة، حسن الصورة، حلو العينين، قد طالعت السير، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريًا منه للعدل. وكان لا يأكل، ولا يلبس، ولا يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين. ولقد طلبت منه زوجته فأعطاها ثلاثة دكاكين بحمص كراؤها نحو عشرين دينارًا في السنة، فاستقلتها فقال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين. وكان رحمه الله يصلي كثيرًا بالليل. وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ولم يترك في بلاده على سعتها مكسًا. إلى أن قال في أوقافه على أنواع البر: سمعت أن حاصل وقفه في الشهر تسعة آلاف دينار صوري. قال له القطب النيسابوري مرة: بالله لا تخاطر بنفسك، فإن أصبت في معركة لا يبقى للمسلمين أحد إلا أخذه السيف. فقال: ومن محمود حتى يقال هذا؟ من حفظ البلاد قبلي؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو.
وقال يحيى بن محمد الوهراني، وذكر نور الدين: هو سهم للدولة سديد، وركن للخلافة شديد، وأمير زاهد، وملك مجاهد، تساعده الأفلاك، وتعضده الجيوش والأملاك، غير أنه عرف بالمرعى الوكيل لابن السبيل، وبالمحل الجديب للشاعر الأديب، فما يرزى ولا يعزى، ولا لشاعر عنده نعمة تجزى. وإياه عنى أسامة بن منقذ بقوله:
سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا له فكل عن الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم طاهرة من المعاصي وفيها الجوع والعطش قلت: وفي كتاب البرق الشامي وغيره من مصنفات العماد الكاتب كثير من سيرة نور الدين وأخباره. وقد عني الإمام أبو شامة في كتاب الروضتين له بأخبار الدولتين النورية والصلاحية.
ودفن نور الدين بتربته على باب الخواصين رحمه الله، وعاش ابنه عشرين سنة، ومات بالقولنج في حلب.
وقال مجد الدين ابن الأثير الجزري، في تاريخ الموصل على ما حكاه أبو المظفر ابن الجوزي عنه، قال: لم يلبس حريرًا قط، ولا ذهبًا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر في بلاده.
قلت: قد لبس خلعة الخليفة وهي من حرير وطوق ذهب، فلعله أراد أنه لا بد من لبس ذلك.
قال: وكان كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار، كثير اللعب بالكرة، فكتب إليه بعض الصالحين ينكر عليه، ويقول: تتعب الخيل في غير فائدة، فكتب إليه بخطه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن في ثغر، فربما وقع الصوت، فتكون الخيل قد أدمنت على سرعة الانعطاف بالكر والفر. وأهديت له عمامة مذهبة من مصر، فوهبها لشيخ الصوفية ابن حمويه، فبعث بها إلى العجم، فأبيعت بألف دينار.
قال: وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وليس عنده تعصب، والمذاهب عنده سواء.
قال: وكان يلعب يومًا في ديوان دمشق، وجاءه رجل فطلبه إلى الشرع، فجاء معه إلى مجلس القاضي كمال الدين الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك لا تنزعج، واسلك معه ما تسلك مع آحاد الناس. فلما حضر سوى بينه وبين خصمه وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان يدعي ملكًا في يد نور الدين، فقال نور الدين: هل ثبت له حق؟ قالوا: لا. قال: فاشهدوا أني قد وهبت له الملك، وإنما حضرت معه لئلا يقال عني أني دعيت إلى مجلس الشرع فأبيت.
قال: ودخل يومًا فرأى مالًا كثيرًا، فقالوا: بعث بهذا القاضي كمال الدين من قابض الأوقاف. فقال: ردوه، وقولوا له: أنا رقبتي رقيقة، لا أقدر على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة تقدر على حمله. ولما قدم أمراؤه دمشق
اقتنوا الأملاك، واستطالوا على الناس، خصوصًا أسد الدين شيركوه، ولم يقدر القاضي على الانتصاف من شيركوه، فأمر نور الدين ببناء دار العدل، فقال شيركوه: إن نور الدين ما بنى هذه الدار إلا بسببي، وإلا فمن يمتنع على كمال الدين؟. وقال لديوانه: والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه بمهما أمكن، ولو أتى على جميع مالي.
وكان نور الدين يقعد في دار العدل في الأسبوع أربع مرات، ويحضر عنده الفقهاء والعلماء، ويأمر بإزالة الحاجب والبوابين.
قال: وكان إذا حضرت الحرب حمل قوسين وتركشين، وكان لا يتكل الجند على الأمراء، بل يتولاهم بنفسه، ويباشر خيولهم وسلاحهم.
قال: وأنفق على عمارة جامع الموصل ستين ألف دينار، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر الملا الزاهد. قال: ويقال: أنفق عليه ثلاثمائة ألف دينار، فتم في ثلاث سنين. وبنى جامع حماة على العاصي.
قال: ووقع في أسره ملك إفرنجي، فأشار الأمراء ببقائه في أسره خوفًا من شره، وبذل هو في نفسه مالًا. فبعث إليه نور الدين سرًا يقول: أحضر المال، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار، فأطلقه، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال: ما تستحقون منه شيئًا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحسنيين: الفداء، وموت اللعين، وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال المارستان، والمدرسة بدمشق، ودار الحديث.
قال: وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إليه وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا.
وقال العماد الكاتب في البرق الشامي: أكثر نور الدين في السنة التي توفي فيها من الصدقات، والأوقاف، وعمارة المساجد، وأسقط كل ما فيه حرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج، وما يحصل من قسمة الغلات على قويم المنهاج، وأمرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبت أكثر من ألف
منشور، وحسبنا ما تصدق به في تلك الشهور، فكان ثلاثين ألف دينار. وكان له برسم نفقته الخاصة في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس، يصرفها في كسوته ومأكوله، وأجرة خياطه، وجامكية طباخه، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر. وقيل إن قيمة كل ستين قرطاسًا بدينار. وذكر العماد جملة من فضائله.
وقال في ترجمته القاضي ابن واصل: حكى معين الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد ابن القيسراني قال: انكسر على ضامن الزكاة مال، وهو ابن شمام، فباع أملاكه بثمانية آلاف دينار صورية وحملها، فحبس على ما بقي عليه، وكان جدي خالد هو الوزير والمشير، فقال لنور الدين: رأيت البارحة كأن المولى قد نزع ثيابه ودفعها إلي، وقال: اغسلها. فأخذتها وغسلتها. فأطرق وسكت، فندمت وخفت أن يكون تطير مني، فخرجت وأنا ضيق الصدر، فبقيت ثمانية أيام لم يطلبني، فساء ظني، فدخل على نور الدين الشيخ إسماعيل المكبس، وكان يحبه، فقال: يا مولانا قد حضر من زاد في دار الزكاة خمسة آلاف دينار في السنة، فانتهره وقال: قد أصبحت على سجادتي بعد أداء فريضتي أذكر الله، واستفتحت أنت تبشرني بمكس. فوجم الشيخ إسماعيل، ثم قال: اطلبوا خالدًا. قال: فحضرت، فتبسم وقال: قد تفسر منامك. فقلت: بخير إن شاء الله. فقال: لا تظن أن تركي لك لموجدة، بل كنت مفكرًا في المنام حتى فتح الله بتأويله. اعلم أن غسل الثياب غسل أوساخ الذنوب، ولا ذنب أوسخ من تناول أموال المكوس. فلا تترك من يومنا هذا في بلد من بلادي مكسًا، ولا درهمًا حرامًا، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلدة في البلاد. والتفت إلى إسماعيل فقال: مر أطلق ابن شمام، ورد عليه ما أخذ منه. فلما عرف ابن شمام بذلك، اقترح بأن يجعل الذهب في أطباق، وتزف بالطبول والبوقات في الأسواق. فأمر نور الدين بإجابته، وأن يخلع عليه.
وكتب جدي خالد بذلك تواقيع ونسختها كلها: الحمد لله فاتح أبواب الخيرات بعد إغلاقها، وناهج سبل النجاة لطلابها وطراقها، وفارج الكربات بعد إرتاجها
وإطباقها، الذي منح أولياءه التوفيق، وأوضح لهم دليله، ونصر أهل الحق، وأعان قبيله، نحمده على جزيل مواهبه، وجليل رغائبه، ونسأله أن يصلي على محمد الذي أوضح الطريق والمحجة، وأوجب الحجة، وعلى آله، إلى أن قال: وبعد، فقد اتضح على الأفهام، ووضح عند الخاص والعام، ما نغاديه ونراوحه، ونماسيه ونصابحه، ونشتغل به عامة أوقاتنا، ونعمل فيه رؤيتنا وأفكارنا من الاجتهاد في إحياء سنة حسنة، وإماتة سنة سيئة، وإزالة مظلمة، ومحو سيرة مؤلمة، إلى أن قال: وقد علمتم معاشر الرعايا وفقكم الله، ما كان مرتبًا من المظالم المجحفة بأحوالكم، والمكوس المستولية على شطر أموالكم، والرسوم المضيقة عليكم في أرزاقكم، فأمرنا بإزالة ذلك عنكم أولًا فأولًا، ولا نتبع في إقراره على وجوهه شبهة ولا تأولًا، وقد كان بقي من رسم الظلم ومعالم الجور في سائر ولايتنا ما أقررنا بإزالته رأفة بكم ولطفًا، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، وسنذكر ما أزلناه من المظالم والمكوس أولًا وآخرًا من سائر أعمال ولايتنا - عمرها الدهر - في هذا السجل من الديوان.
قال: ثم كتب بقلم دقيق ما صورته: ذكر ما أطلق من الرسوم والمكوس والضرائب في هذا التاريخ، ورسم إطلاق ذلك وتعفية آثاره، وإخماد ناره، ومبلغ ما يتحصل من ذلك في كل سنة خمسمائة ألف وستة وثمانون ألفًا وأربعمائة وسبعون دينارًا نقد الشام. فمن ذلك دمشق بتواريخ متقدمة: مائتا ألف وعشرون ألفًا وخمسمائة وثلاثة وثمانون دينارًا. دمشق في تاريخ هذا الكتاب: خمسون ألفًا وسبعمائة وثلاثون دينارًا، تدمر: خمسمائة دينار، صرخد: سبعمائة، القريتين والسخنة: خمسمائة دينار، بانياس: ألف ومائتا دينار، بعلبك وأعمالها: ستة آلاف وتسعمائة وعشرون دينارًا، حمص وأعمالها: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، حماة وأعمالها: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، حلب: ستة وتسعون ألف دينار ونيف، سرمين: ألفان وثلاثمائة وستون دينارًا، المعرة: سبعة آلاف دينار، كفرطاب: ألف دينار، عزاز: ستة آلاف وخمسمائة دينار، تل باشر: ألف وخمسمائة دينار، عين تاب: تسعة وثمانون دينارًا، بالس: أربعة آلاف دينار، منبج وأعمالها: ثمانية عشر ألفًا وخمسمائة وستة وستون دينارًا، الباب وبزاعة: ثلاثة آلاف دينار، قلعة نجم: ثلاثمائة دينار، قلعة جعبر: سبعة آلاف
وستمائة دينار ونيف، الرقة: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، والرها: ثمانية آلاف وخمسمائة دينار، حران: ستة عشر ألفا وستمائة ونيف دينارًا، سنجار: سبعة آلاف دينار، الموصل: ثمانية وثلاثون ألف دينار، نصيبين: عشرة آلاف وأربعمائة دينار، عرابان: خمسة آلاف وسبعمائة دينار، بطامان من أعمال الخابور: مائتان وخمسون دينارًا، الأرسل: سبعمائة وخمسون دينارًا، السمسمانية: ألف دينار، قرقيسيا: ألف دينار، السلين: مائتا دينار، ماكسين: خمسة آلاف دينار، المجدل: ثلاثة آلاف دينار، الحصين: ستمائة دينار ونيف، الجحيشة هي وما قبلها من الخابور: مائتا دينار، المحولية: مائة وثلاثة وستون دينارًا، الرحبة: ستة عشر ألفًا وسبعمائة وأربعون دينارًا.
ثم كتب بعد ذلك بالقلم الجافي: تحقيقًا للحق، وتمحيقًا للباطل، ونشرًا للعدل، وتقديمًا للصلاح الشامل، وإيثارًا للثواب الآجل على الحطام العاجل، إلى أن قال: وأيقنوا أن ذلك إنعام مستمر على الدهور، باق إلى يوم النشور، فـ كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور، وسبيل كل واقف على هذا المثال من الولاة والعمال حذف ذلك كله، وتعفية رسومه، ومحو آثاره وأوزاره، وإطلاقه على الإطلاق، فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم، والتوقيع الأعلى حجة لمضمونه ومقتضاه، وكتب بالمشافهة الكريمة شرفها الله، في مستهل رجب سنة سبع وستين وخمسمائة.
ومن شجاعته، نقل ابن واصل وغيره أنه كان من أقوى الناس بدنًا وقلبًا، وأنه لم ير على ظهر فرس أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرك. وكان من أحسن الناس لعبًا بالكرة، تجري الفرس ويتناولها من الهواء بيده، ويرميها إلى آخر الميدان، وكان يمسك الجوكان بكم قبائه استهانة باللعب، وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركاشين، وباشر القتال بنفسه، وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها.
قلت: قد أدركتها على فراشك، وبقي ذلك في أفواه المسلمين تراهم يقولون: نور الدين الشهيد، وما شهادته إلا بالخوانيق، رحمه الله.
ومن فضائله، قال سبط ابن الجوزي: إنه كان له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافر ويعمل السكاكر وتبيعها له العجائز سرًا، فكان يوم يصوم يفطر على أثمانها. حكى لي شرف الدين يعقوب بن المعتمد أن في دارهم سكرة على حرستان من عمل نور الدين يتبركون بها، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة. ومنها ما حكاه لي الشيخ أبو عمر قال: كان نور الدين يزور والدي في المدرسة الصغيرة المجاورة للدير، ونور الدين بنى هذه المدرسة، والمصنع، والفرن؛ فجاء لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعض الجماعة: لو جددت السقف، فنظر إلى الخشبة وسكت، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة، فزرقها موضع المكسورة ومضى. فقال له بعض الحاضرين: فاكرتنا في كشف سقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردت أن أزخرف له المسجد. ومنها ما حكاه لي نجم الدين الحسن بن سلام قال: لما ملك الأشرف دمشق، وعمر في القلعة مسجد أبي الدرداء، قال لي: يا نجم الدين، كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمرته وأفردته عن الدور، وما صلى فيه أحد من زمان أبي الدرداء. فقلت: الله الله يا مولانا، ما زال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس.
حدثني والدي، وكان من أكابر عدول دمشق، أن الفرنج لما نزلت على دمياط بعد موت أسد الدين، وضايقوها، أشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين عشرين يومًا صائمًا، لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف، وكان مهيبًا لا يتجاسر أحد أن يخاطبه في ذلك، وكان له إمام ضرير اسمه يحيى، وكان يقرأ عليه القرآن، فاجتمع إليه خواص نور الدين، فكلموه في ذلك، فلما كان تلك الليلة رأى الشيخ يحيى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له: يا يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط. فقلت: يا رسول الله، ربما لا يصدقني! فقال:
قل له: بعلامة يوم حارم. قال: وانتبه يحيى، فلما صلى نور الدين خلفه الفجر، وشرع يدعو، هابه أن يكلمه، فقال له نور الدين: يا يحيى. قال: لبيك. قال: تحدثني أو أحدثك؟ فارتعد يحيى وخرس، فقال: أنا أحدثك، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا. قال: نعم، فبالله يا مولانا، ما معنى قوله: بعلامة يوم حارم؟ قال: لما التقينا خفت على الإسلام، فانفردت ونزلت، ومرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي، من محمود في البين، ادين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم هو، فافعل ما يليق بكرمك. قال: فنصرنا الله عليهم.
وحكى لنا شيخنا تاج الدين الكندي قال: ما تبسم نور الدين إلا نادرًا. حكى لي جماعة من المحدثين أنهم قرؤوا عنده حديث التبسم، وكان يرويه، فقالوا له: تبسم. فقال: لا والله لا أتبسم من غير عجب.
وللعماد الكاتب في نور الدين يرثيه:
يا ملكًا أيامه لم تزل بفضله فاضلة فاخرة ملكت دنياك وخلفتها وسرت حتى تملك الآخرة
341 -
مظفر بن القاسم
، أبو الأزهر الصيدلاني، المقرئ، المجود.
قرأ القراءات على أبي العز القلانسي، وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأقرأ ببغداد في آخر أيامه.
342 -
هبة الله بن كامل
، أبو القاسم المصري، قاضي القضاة وداعي الدعاة.
كان عالمًا، فاضلًا، أديبًا، شاعرًا، متفننًا، من كبار علماء الدولة المصرية، وكان عندهم في الرتبة العليا. وكان أحد الجماعة الذين سعوا في إعادة دولة بني عبيد، فظفر بهم السلطان صلاح الدين، فأول ما صلب داعي الدعاة هذا، وعمارة اليمني نسأل الله الستر والسلامة، وصلب في رمضان وهو صائم.
343 -
الهيثم بن هلال بن الهيثم بن محمد
، أبو جعفر بن أبي سعد البغدادي.
من أبناء الرؤساء، سمع من أبي القاسم الربعي، والحسن بن محمد التككي، وأبي الحسن ابن العلاف. روى عنه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو محمد بن قدامة، وآخرون. وتوفي في جمادى الآخرة.
344 -
يحيى بن سعد الله بن عبد الباقي
، أبو منصور البجلي، الكوفي.
قدم بغداد وحدث بها عن عمه محمد بن عبد الباقي بن مجالد، وأبي الغنائم النرسي. روى عنه ابن أخيه سعد الله، وابن الأخضر. وتوفي في ربيع الآخر عن أربع وسبعين سنة.
345 -
يحيى بن نجاح البغدادي
، المؤدب.
محدث، نحوي، لغوي، شاعر، كان يؤدب.
346 -
يوسف بن آدم
.
توفي سنة تسع بحران. وقد مر مجملًا.
سنة سبعين وخمسمائة
347 -
أحمد بن محمد بن أحمد ابن البسري
، أبو الفرج البغدادي، سبط أبي منصور بن النقور.
شيخ بزاز، سمع من جده، أخذ عنه عمر القرشي، وعلي الزيدي. وسمع أيضًا من أبي الحسين ابن الطيوري. روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي، وغيره.
348 -
أحمد بن المبارك بن سعد
، أبو العباس البغدادي، المقرئ، المعروف بالمرقعاتي.
روى عن ثابت بن بندار، وهو جده لأمه. روى عنه ابنه عبد الرحمن، وأبو محمد ابن الأخضر، وابن قدامة، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، وجماعة.
وسئل الشيخ الموفق عنه، فقال: أظنه نسب إلى المرقعاتي لكونه يبسط المرقعة للشيخ عبد القادر على الكرسي.
وقال ابن الدبيثي: كان عسرًا في الرواية، توفي في صفر.
قلت: وأجاز للرشيد بن مسلمة، وغيره. وكان ملازمًا لخدمة عبد القادر.
349 -
أحمد بن موهوب بن المبارك بن محمد بن أحمد السدنك أبو شجاع
.
كان أمين القضاة بالحريم الطاهري. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان. وكان ثقة. روى عنه ابن مشق، وابن الأخضر، وابن قدامة، وآخرون.
توفي في ذي القعدة.
350 -
إبراهيم بن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي
، ثم الإسكندراني.
سمع من أبيه، وأبي صادق المديني، وكاتب الفارقي.
قال أبو الحسن بن المفضل: توفي في صفر ولم يكن أهلًا أن يروى عنه.
351 -
أرسلان شاه السلجوقي
. صاحب همذان.
قال سبط الجوزي: توفي سنة سبعين.
قلت: سيأتي في سنة ثلاث وسبعين.
352 -
أسعد بن هبة الله
، أبو المظفر الربعي، المؤدب، المعروف بابن الخيزراني، البغدادي.
تفقه على مذهب أبي حنيفة، وتأدب على ابن الجواليقي. وسمع ابن الحصين، وأبا غالب ابن البناء. روى عنه علي بن أحمد الزيدي، وأحمد بن أحمد البندنيجي.
353 -
حامد بن محمود بن حامد
، أبو الفضل الحنبلي.
قدم بغداد، وتفقه. وسمع من عبد الوهاب الأنماطي، وعاد إلى حران، ودرس، وأفتى. وكان ورعًا به وسواس في الطهارة. ذكره ابن الجوزي في المنتظم.
ويقال له: حامد بن أبي الحجر.
قرأت بخط ابن الحاجب قال: ذكر لي شيخنا عمر بن منجى أنه قدم دمشق في دولة نور الدين، فأخذ والدي إلى حران.
قال ابن الحاجب: وذكر لي عدل حراني أن ابن حامد هذا كان من أعيان البلد، ووجد من الجاه في أيام نور الدين ما لا يجده غيره، واستنابه في جميع أمور البلد، وأمرهم أن يكتبوا له توقيعًا بذلك. فلما حضر عند الديوان ورأوا بزته وسمته وأنه ابن أبي الحجر قال بعضهم لبعض: ماذا يوم معاش ذا يوم
صخرة. ففهم وتلا: وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وتبسم، فاستحيوا.
354 -
خديجة بنت أحمد بن الحسن بن عبد الكريم
، فخر النساء بنت النهرواني، البغدادية، ويعرف أبوها بابن العنبري.
امرأة صالحة مسندة. روت عن أبي عبد الله النعالي. روى عنها ابن أخيها علي بن روح، والموفق المقدسي، ونصر بن عبد الرزاق، والشيخ العماد المقدسي؛ وأظن ابن راجح.
توفيت في رمضان.
355 -
روح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح
، قاضي القضاة أبو طالب الحديثي، ثم البغدادي.
سمع إسماعيل بن الفضل الجرجاني، ومحمد بن عبد الباقي البجلي، وابن الحصين. سمع منه صدقة بن الحسين، وعمر بن علي القرشي. وحدث عنه إسفنديار بن الموفق. ولم يزل على قضاء القضاة إلى حين وفاته.
قال ابن النجار: كان متدينًا، حسن الطريقة، عفيفًا، نزهًا، ولاه المستضيء سنة ست وستين وخمسمائة بعد امتناع منه شديد. توفي في المحرم، وله ثمان وستون سنة.
وآخر من روى عنه بالإجازة الرشيد بن مسلمة.
356 -
سعيد بن صافي
، أبو شجاع البغدادي، الحاجب، الجمالي. مولى أبي عبد الله بن جردة.
قرأ القرآن على جماعة، وسمع حضورًا من أبي الحسن ابن العلاف، ثم من ابن بيان، وابن ملة، وكتب الكثير بخطه، روى عنه ابن الأخضر، وأبو محمد ابن قدامة. وتوفي في رجب.
357 -
سليمان بن عبد الواحد
، أبو الربيع الهمذاني، الغرناطي، قاضي غرناطة.
له مصنف في الفقه. حدث عنه أبو القاسم الملاحي. وأجاز في هذه السنة لأبي عبد الله الأندرشي، شيخ الأبار.
358 -
شملة التركماني
.
كان قد تغلب على بلاد فارس، واستحدث قلاعًا، ونهب الأكراد والتركمان، وبدع، وقوي على السلجوقية، وكان يظهر طاعة الإمام مكرًا منه، وتم له الأمر أكثر من عشرين سنة إلى أن نهض على قتال بعض التركمان، فتهيؤوا له، واستعانوا بالبهلوان ابن إلدكز، فساعدهم بجيشه، وعملوا مصافًا، فأصاب شملة سهم، وانكسر جيشه وأخذ أسيرًا هو وولده وابن أخيه، ومات بعد يومين، لا رحمه الله، فما كان أظلمه وأغشمه.
359 -
عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق
، أبو محمد السلمي، البغدادي.
ذكر أنه من ولد أبي عبد الرحمن السلمي قارئ الكوفة. سمع أبا القاسم الربعي، وأبا الغنائم النرسي، وابن بيان، وجماعة.
روى عنه ابن الأخضر، والموفق بن قدامة، وابنه الشمس أحمد بن عبد الله السلمي العطار، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، والخليل بن أحمد الجوسقي، وعثمان بن أبي نصر ابن الوتار، وجماعة.
وتوفي في المحرم.
360 -
عبد الرحمن بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الباقي
، أبو طالب التميمي، الدمشقي.
سمعه أبوه من هبة الله ابن الأكفاني، وطبقته. ثم سمع هو بنفسه واشتغل وحصل، وشهد عند القضاة. وتوفي في شوال.
كتب عنه أبو المواهب بن صصرى.
361 -
عبد الصمد بن محمد بن علي بن أبي الغنائم عبد الصمد بن علي ابن المأمون
، أبو الغنائم الهاشمي، العباسي.
شيخ صالح عابد، من بيت الحديث والشرف. روى عن أبي علي بن نبهان، وأبي النرسي. روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي، وغيره.
362 -
عبد الملك ابن قاضي القضاة أبي طالب روح بن أحمد الحديثي
.
استنابه أبوه في القضاء بدار الخلافة، وعين بعد موت والده للقضاء، فبغته الموت وهو شاب. سمع من أبي عبد الله السلال، والأرموي. روى عنه عبد الملك بن أبي محمد البرداني. وكان دينًا حسن الطريقة، يكنى أبا المعالي.
قال ابن النجار: سمعت جارنا أبا الحسن بن ملاعب يقول: كان القاضي عبد الملك يخرج من دار والده بالطيلسان والوكلاء والركابية بين يديه وهو راكب، فإذا نزل ودخل ذهب الجماعة. ثم خرج هو في ثياب قصيرة وعمامة لطيفة، والسجاد على كتفه، فيأتي مسجده بالسوق، فيؤذن ويقيم. وكان يسحر في رمضان، وله معرفة بالوقت.
363 -
عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي
، أخو خطيب الموصل.
روى عن جعفر السراج، وتوفي في شوال. كتب عنه أبو سعد السمعاني مع تقدمه. وروى عنه عبد الكريم السيدي، ومحمد بن ياقوت.
364 -
عثمان بن فرج بن خلف
، أبو عمرو العبدري، السرقسطي.
حج فسمع من أبي عبد الله الرازي، وعبد الله بن طلحة اليابري، وأبي الحجاج بن زياد الميورقي، وأبي الحسن علي البيهقي الزاهد، وسكن القاهرة. روى عنه عوض بن محمود، وأبو عبد الله الأندرشي، وغيرهما.
حدث في هذا العام ولا أعلم وفاته بعد.
365 -
علي بن خلف بن عمر بن هلال
، أبو الحسن الغرناطي.
روى عن أبي الحسن بن الباذش، وأبي بكر بن الخلوف، وأبي القاسم ابن النخاس، ومنصور بن الخير، وأخذ عنه القراءات. سكن ميورقة وغيرها، وأقرأ القراءات، وكان عارفًا بها، سخيًا، جوادًا. روى عنه أبو عمر بن عياد، وأجاز لأبي الخطاب بن واجب، وأبي بكر عتيق بن علي، وكف بصره بأخرة.
قال الأبار: توفي بميورقة في نحو سنة سبعين.
366 -
فاطمة بنت علي بن عبد الله الوقاياتي
، أم علي البغدادية.
سمعت أبا عبد الله ابن البسري، وأبا القاسم الرزاز. روى عنها ابن الأخضر، وموفق الدين بن قدامة، وجماعة.
ماتت في آخر السنة.
367 -
فاطمة بنت المحدث أبي غالب محمد بن الحسن الماوردي
، أم الخير.
سمعها أبوها من أبي عبد الله البسري، وأبي النرسي. وعنها أحمد البندنيجي.
ماتت في ربيع الآخر.
368 -
قايماز، قطب الدين
، مملوك المستنجد بالله.
ارتفع أمره وعلا قدره في أيام مولاه، فلما استخلف المستضيء بالله عظم وصار مقدمًا على الكل. ولم يكن على يده يد، وقد أراد المستضيء تولية وزير فمنعه قايماز من ذلك، وأغلق باب النوبي، وهم بأمر سوء، ثم خرج من بغداد في جيش، فمات بناحية الموصل في ذي الحجة، وكفى الله شره.
وكان كريمًا، طلق الوجه، قليل الظلم.
369 -
محمد بن حسين بن عبد الله بن حيوس
، أبو عبد الله الفاسي.
شاعر مفلق، بديع النظم، سائر القول مدح الأمراء. وله ديوان. روى عنه عبد العزيز بن زيدان، وغيره. وعاش سبعين سنة.
370 -
محمد بن حمزة بن علي بن طلحة الرازي ثم البغدادي.
من أبناء المحتشمين. سمع هبة الله بن الحصين، وتوفي في رمضان. كتب عنه عمر بن علي، وغيره.
371 -
محمد بن عبد الله بن محمد بن خليل
، أبو عبد الله القيسي، اللبلي.
صحب مالك بن وهيب ولازمه مدة، وسمع صحيح مسلم من أبي علي الغساني. وروى عنه، وعن ابن الطلاع، وخازم بن محمد، وأبي الحسين بن سراج، وأبي علي الصدفي، وجماعة.
وذكر ابن الزبير أن روايته للموطأ عن ابن الطلاع إجازة إن لم يكن سماعًا.
قال الأبار: كان من أهل الرواية والدراية. نزل فارس، ثم مراكش. أخذ عنه شيخنا أبو عبد الله الأندرشي، وأبو عبد الله بن عبد الحق، قاضي تلمسان.
372 -
محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم
، أبو بكر الطوسي الملقب ناصح المسلمين.
فقيه، إمام، مسند. حدث في رجب من السنة عن علي بن أحمد المديني، ونصر الله بن أحمد الخشنامي، والفضل بن عبد الواحد التاجر أصحاب الحيري، ونحوهم.
روى عنه زينب الشعرية، وولداها المؤيد وبيبى ولدي نجيب الدين محمد بن علي بن عمر الطوسي، وعثمان بن أبي بكر الخبوشاني، ومحمد ابن أبي طاهر العطاري، وأبو حامد محمد بن محمد بن أبي بكر السمناني، ثم الجويني، وجماعة.
وكان أسند من بقي بنيسابور في هذا الوقت، وله أربعون سمعناها،
خرجها له علي بن عمر الطوسي. وممن روى عنه الحسن بن عبيد الله بن عبد الرحمن القشيري.
373 -
محمد بن المبارك بن محمد بن جابر
، أبو نصر البغدادي.
روى عن أبي علي بن نبهان، ونور الهدى الزينبي. روى عنه تميم بن أحمد، ونصر بن عبد الرزاق، وغيرهما. وتوفي في أواخر السنة وقد أضر، وعاش نيفًا وسبعين سنة.
374 -
محمد بن محمد بن فارس
، أبو بكر بن الشاروق، الحريمي، المقرئ.
أحد القراء الموصوفين بجودة الأداء وملاحة الصوت. سمع أبا الحسين ابن الطيوري. روى عنه محمد بن مشق، وابن الأخضر، وتوفي في رجب.
375 -
معالي بن أبي بكر بن معالي البغدادي الكيال
.
سمع أبا الغنائم النرسي. روى عنه أبو محمد بن قدامة، والشهاب بن راجح، والعماد إبراهيم بن عبد الواحد.
376 -
هبة الله بن بكر بن طاهر الفزاري
، البغدادي، القزاز.
روى عن جده أبي ياسر أحمد بن بندار البقال. وعنه ابن الأخضر. توفي في صفر.
377 -
هبة الله بن عبد الله بن منصور الأنطاكي ثم الدمشقي، أبو القاسم الخطيب.
روى عن عبد الكريم بن حمزة. وعنه أبو القاسم بن صصرى.
378 -
ورع بنت أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد الخلال
، بدر التمام.
روت عن أبيها عن جده الحافظ أبي محمد. وعنها أبو الفتوح ابن الحصري، وغيره.
379 -
يحيى بن عبد الله بن محمد بن المعمر بن جعفر الثقفي
، أبو الفضل، صاحب مخزن المقتفي، والمستنجد.
ناب في الوزارة للمستضيء، وبقي في المناصب ثمانيًا وعشرين سنة. وكان حافظًا لكتاب الله. وحج مرات كثيرة، وخلف ولدين ماتا شابين.
380 -
يوسف بن المبارك بن أبي شيبة
، أبو القاسم الخياط، المقرئ.
صار في آخر أيامه وكيلًا بباب القاضي. وقد قرأ بالروايات على: أبي العز القلانسي، وجماعة. وسمع ابن ملة. وادعى أنه قرأ على أبي طاهر بن سوار، وبان كذبه في ذلك. قرأ عليه جماعة. وروى عنه ابن الأخضر حديثًا.
وتوفي في رجب.
وفيها ولد: سبط السلفي. والشرف المرسي، والبدر عمر بن محمد الكرماني الواعظ.
المتوفون في هذه الحدود ما بين الستين إلى السبعين
381 -
أحمد بن زهير بن محمد بن الفضل
، أبو العباس المعروف بملة الأصبهاني.
سمع أبا نهشل عبد الصمد العنبري، ومحمد بن طاهر المقدسي. وعنه عمر بن علي القرشي، وأبو محمد بن قدامة. حدث ببغداد سنة أربع وستين.
382 -
أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن أبي العاص
، أبو جعفر النفزي، الشاطبي، المعروف بابن اللايه المقرئ.
أخذ القراءات عن أبيه الأستاذ أبي عبد الله. ورحل إلى دانية فأخذ عن أبي عبد الله محمد بن سعيد. وخلف أباه في الإقراء؛ أخذ عنه جماعة منهم ابن فيره الشاطبي.
قال ابن الأبار: كان معروفًا بالضبط والتجويد كأبيه.
قلت: ذكر قبله من توفي سنة ثلاث وستين، وبعده من توفي سنة تسع وستين وخمسمائة.
383 -
رجاء بن حامد بن رجاء بن عمر
، أبو القاسم المعداني الأصبهاني.
سمع رزق الله التميمي، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، ومكي بن منصور بن علان الكرجي، وهذه الطبقة.
روى عنه الحافظ عبد القادر الرهاوي، وأبو نزار ربيعة اليمني، وسليمان بن داود بن ماشاذة، وسبطه محمد بن عمر بن أبي الفضائل، ومحمود بن محمد بن أبي المعالي الوثابي. وبالإجازة كريمة، وغيرها.
أخبرنا سليمان بن قدامة، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن أبي المعالي الوثابي، قال: حدثنا رجاء بن حامد قراءة، فذكر حديثًا.
384 -
عبد الله بن أسد بن عمار الدقاق
، أبو محمد ابن السويدي، الدمشقي.
شيخ معمر، روى بالإجازة المطلقة عن عبد العزيز الكتاني. روى عنه أبو القاسم بن صصرى في معجمه، وقال: توفي بعد الستين.
385 -
عبد الله بن محمد بن أبي العباس
، أبو بكر النوقاني.
قدم دمشق في سنة سبع وستين، وحدث بها بحضرة الحافظ ابن عساكر. ونزل بقبة الطواويس، وروى عن أبيه، عن أبي بكر بن خلف الشيرازي، وغيره. روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وعبد الكريم خطيب زملكا، وآخرون.
مولده في سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
386 -
عبد الله بن محمد بن سهل العبدري
، إمام جامع ميورقة.
سمع بشاطبة من أبي عمران بن أبي تليد. وأقرأ بإشبيلية القراءات على شريح.
مات بعد الستين وخمسمائة.
387 -
عبد الملك بن عمر بن سليخ
، أبو محمد البصري.
حدث بمربد البصرة، كان منزله بها. سمع من جعفر بن محمد بن الفضل العباداني، ولعله آخر من سمع منه. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وأبو السعود محمد بن محمد بن جعفر البصري، وغيرهم. وحدث في سنة ثمان وستين.
وآخر من روى عنه أبو السعود عبد الله بن عبد الودود البصري الدباس.
388 -
عبد الله بن محمد بن عبد الله
، أبو الفتوح الجوهري، الأصبهاني.
سمع أبا نصر عبد الرحمن بن محمد السمسار، وأبا بكر أحمد بن محمد
ابن أحمد بن مردويه، وإسماعيل بن أبي عثمان الصابوني، وأحمد بن أبي الفتح الخرقي. أجاز لابن اللتي، ولكريمة.
389 -
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر
، أبو محمد الطوسي، الخطيب.
كان بالموصل مع إخوته. وولد ببغداد في سنة ثمانين وأربعمائة. وسمع من طراد، وابن طلحة النعالي. وسمع كتاب شريعة المقارئ لأبي بكر بن أبي داود على أبي الحسين ابن الطيوري في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
سمع منه أبو المحاسن علي القرشي، وأبو الحسن الزيدي، وأبو محمد ابن الأخضر، وابن أخيه عبد المحسن ابن خطيب الموصل. وأجاز لأبي منصور بن عفيجة، ولكريمة.
وبقي إلى بعد الستين.
390 -
عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد
، أبو حامد المسعودي، البنجديهي، الخمقري، المروزي.
ذكره أبو سعد السمعاني في التحبير فقال: من أهل بنج ديه، شيخ صالح، عفيف، معمر. تفرد برواية الجامع للترمذي، عن القاضي أبي سعيد محمد بن علي ابن الدباس. سمعت منه بعض الكتاب، ونشأ له ولد اسمه محمد، فهم الحديث، وبالغ في طلبه، ورحل إلى العراق، والشام، ومصر، والإسكندرية.
قلت: هو تاج الدين محمد بن عبد الرحمن المسعودي المتوفى بعد الثمانين وخمسمائة.
وأما أبوه عبد الرحمن صاحب الترجمة فروى عنه جامع الترمذي بالإجازة القاضي أبو نصر ابن الشيرازي.
391 -
عبد الرحيم بن عبد الجبار بن يوسف
، أبو محمد التجيبي، الأندلسي، الشمنتي، وشمنت حصن.
أخذ القراءات بالمرية عن أبي القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن رضا. وتصدر للإقراء بمرسية. وتوفي في حدود السبعين. مولده سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
392 -
عبد الرحيم بن محمد بن أبي العيش
، أبو بكر الأنصاري.
روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي علي الصدفي، وأبي عمران بن أبي تليد، وجماعة. وسكن مراكش وحدث بها. وتوفي في رأس السبعين تقريبًا.
روى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن الزهري، وأبوه القاضي أبو الحسن الزهري.
393 -
عبد الصمد بن ظفر بن سعيد بن ملاعب
، أبو نصر الربعي، الحلبي، المعروف بالقباني.
سمع من طاهر بن عبد الرحمن ابن العجمي جزءًا من رواية علي بن عمر الحربي السكري. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم. لقياه بحلب في حدود الستين وخمسمائة.
394 -
عبد العزيز بن علي بن محمد بن سلمة
، أبو الأصبغ، ويقال: أبو حميد السماتي، الإشبيلي، الطحان، ويعرف بابن الحاج أيضًا.
من جلة المقرئين. قرأ على أبي الحسن شريح بن محمد، وأبي العباس ابن عيشون.
وقد مر في سنة إحدى وستين على التقريب.
395 -
عبد الكريم بن عمر بن أحمد بن عبد الواحد
، أبو إبراهيم الأصبهاني العطار، المعروف بالجنيد.
سمع القاسم بن الفضل الثقفي. وأجاز لكريمة.
396 -
عسكر بن أسامة بن جامع بن مسلم
، أبو عبد الرحمن العدوي النصيبي، إمام مسجد كندة.
ذكره ابن السمعاني في الذيل، فقال: شاب عالم، صالح، دين، كثير
الصلاة والذكر، دائم التلاوة. سمع بقراءتي الكثير، ورأيته بمكة في الحجتين.
رحل قبلي وسمع أبا القاسم بن الحصين وأبا العز بن كادش. وطبقتهما. وكنت أراقبه مدة صحبتنا فوجدته مأمونا، صدوقا، متمسكا بالسنة، ونشر العلم، وترغيب الناس في كتابته وطلبه. ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بنصيبين.
وقال الحافظ عبد القادر: هو شيخ أهل نصيبين في العلم والحديث والورع، ورأيت أبا بكر بن إسماعيل الحراني قد جاءه زائرا. وكان عاقلا وقورا، ورعا، نزه المجلس، طويل الصمت، لازما لبيته، محبا للخمول. حضرت عنده في مسجده رحمه الله.
قلت: بقي إلى سنة اثنتين وستين أو بعدها رحمه الله.
397 -
علي بن أبي منصور عبد الصمد بن أبي بكر أحمد بن محمد
بن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك، أبو المحاسن الأصبهاني.
من بيت الحديث والعلم، سمع القاسم بن الفضل، ومكي بن منصور السلار، وغيرهما. روى عنه عبد القادر الرهاوي. وبالإجازة: ابن اللتي، وكريمة.
398 -
عمر بن محمد بن أحمد بن علي بن عديس
، أبو حفص القضاعي، البلنسي اللغوي، صاحب أبي محمد البطليوسي.
حمل عنه الكثير، ورحل إلى باجة، فأخذ عن أبي العباس بن حاطب، وقرأ عليه الكامل للمبرد وغيره في سنة ست وعشرين. وصنف كتابًا حافلًا في المثلث في عشرة أجزاء ضخام، دل على تبحره وسعة اطلاعه وحفظه للغة. وشرح الفصيح شرحًا مفيدًا. وسكن تونس، وبها توفي في حدود السبعين، قاله الأبار.
399 -
محمد بن أحمد بن عسكر
، الأزدي، المرسي.
سمع الشهاب من أبي القاسم ابن الفحام لما حج، وحدث به قبل السبعين. سمع منه عبد الكبير بن بقي، وغيره.
400 -
محمد بن الحسن بن هبة الله
، أبو عبد الله ابن عساكر الدمشقي، أخو الحافظ أبي القاسم، والصائن.
ولد بعد الخمسمائة بقليل.
قال القاسم ابن عساكر: هو عمي الأوسط. سمع الكثير من عبد الكريم بن حمزة، وأبي الحسن بن قبيس المالكي. وتفقه على أبي الفتح نصر الله المصيصي. وسمعت بقراءته كثيرًا. وما أظنه حدث. وكان شيخًا كريمًا، حسن الأخلاق، كثير التلاوة.
قلت: هو والد العلامة فخر الدين الفقيه وزين الأمناء، وتاج الأمناء أبي نصر عبد الرحيم.
توفي سنة بضع وستين.
401 -
محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد بن أحمد بن مدرك
، أبو عبد الله وأبو بكر الغساني المالقي.
روى عن أبي الحسن بن مغيث، وأبي جعفر بن عبد العزيز، وأبي بكر ابن العربي، وجماعة.
قال الأبار: وكان مؤرخًا، نسابة، فصيحًا، جمع ما لا يوصف من الكتب. وحدث عنه أبو الحجاج ابن الشيخ، وأبو علي الرندي، وأبو محمد بن غلبون شيخنا.
402 -
محمد بن عبيد الله بن أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن
، الأصبهاني، الحداد.
روى عن جده، وأبي العباس أحمد بن أبي الفتح الخرقي، وغيرهما. وأجاز لكريمة وحدث. وكان خطيبًا نبيلًا، حريصًا على الرواية، له فهم ومعرفة. وقد سمع أيضًا من أبي مطيع محمد بن عبد الواحد المصري، وأبي سعد المطرز. وولد بنيسابور إذ أبوه بها، وحضر عند أبي سعد بن أبي صادق، وغيره.
403 -
محمد بن أبي الحكم عبيد الله بن مظفر
، الباهلي الأندلسي، ثم
الدمشقي، أبو المجد الطبيب، رئيس الأطباء بدمشق، ويلقب بأفضل الدولة.
كان مع براعته في الطب بصيرًا بالهندسة، لعابًا بالعود، مجودًا للموسيقى، وله يد في عمل الآلات. قد صنع أرغنًا، وبالغ في تحريره.
اشتغل على والده أبي الحكم المتوفى سنة تسع وأربعين. وكان السلطان نور الدين يقدمه ويرى له، ورد إليه أمر الطب بمارستانه الذي أنشأه، فكان يدور على المرضى، ثم يجلس في الإيوان يشغل الطلبة، ويبحثون نحو ثلاث ساعات.
وكان حيا في هذا الوقت، لم يذكر ابن أبي أصيبعة وفاته.
404 -
محمد بن علي بن عبد الله
، أبو بكر البتماري، الحريمي، المعروف بابن العجيل، وبتمارى من قرى النهروان.
سمع أحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا سعد بن خشيش. روى عنه أحمد بن طارق الكركي.
قال ابن النجار: بلغني أنه توفي بعد السبعين.
405 -
محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن حمدان بن الحسين
، أبو الغنائم الجصاني، الهيتي، الأديب، اللغوي. نزيل الأنبار.
وينسب إلى جصين، أحد ملوك الفرس، كان صاحب قلعة عند الأنبار في الزمن القديم.
سمع أبو الغنائم من يحيى بن علي بن محمد بن الأخضر الأنباري، وقرأ القراءات ببغداد على أبي بكر المزرفي، وسبط الخياط. وسمع من ابن الحصين، وجماعة. وحدث بهيت والأنبار سنة اثنتين وستين. وصنف كتاب روضة الآداب في اللغة، والمثلث الحمداني، والحماسة، وغير ذلك.
وولد بهيت في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولم تضبط وفاته.
سمع منه أبو أحمد ابن سكينة، ويوسف بن أحمد الشيرازي.
406 -
محمد بن عريب بن عبد الرحمن بن عريب
، أبو الوليد العبسي، السرقسطي، نزيل شاطبة.
روى عن أبي علي الصدفي، وابن عتاب. وتصدر للإقراء بشاطبة. وولي خطابتها. أخذ عنه أبو عبد الله بن سعادة حرف نافع.
407 -
محمد بن محمود بن علي بن أبي علي الحسن بن يوسف بن حجر بن عمرو
، العلامة أبو الرضا الأسدي، الطرازي، البخاري.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: كان إمامًا فاضلًا، مبرزًا، ورعًا، تقيًا، كثير الذكر والتهجد والتلاوة. تفقه على الإمام الحسين بن مسعود ابن الفراء بمرو الروذ، وعلى الإمام عبد العزيز بن عمر ببخارى.
وسمع أبا الفضل بكر بن محمد الزرنجري، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، ومحمد بن علي بن حفص، وهو أول أستاذ لي في الفقه. ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ببخارى.
408 -
محمد بن أبي الرجاء أحمد بن محمد بن أحمد
، أبو عبد الله الأصبهاني المعروف بالكسائي.
سمع أبا مطيع محمد بن عبد الواحد المصري، وغيره. روى عنه بالإجازة ابن اللتي، وكريمة.
وتوفي بعد الستين.
409 -
محمد بن المرجى بن الحسن بن محمد بن الفضل بن علي
، أبو جعفر التيمي، الأصبهاني.
سمع أبا العباس أحمد بن أبي الفتح الخرقي، وأبا مطيع المصري. وعنه بالإجازة: ابن اللتي، وكريمة.
410 -
محمود بن إسماعيل بن عمر بن علي
، الإمام العلامة أبو القاسم الطريثيثي، النيسابوري، الفقيه.
تخرج بأبي بكر محمد بن منصور السمعاني في الفقه. وبرع في الأصول، والنظر والمذهب. وكان حسن السيرة متواضعًا مطرحًا للتكلف. سمع عبد الغفار الشيرويي، وصاعد بن سيار. سمع منه عبد الرحيم ابن السمعاني، وغيره.
411 -
مسعود بن عبد الله بن أحمد بن أبي يعلى
، أبو علي الشيرازي، ثم البغدادي.
سمع أبا الحسين المبارك ابن الطيوري، وأبا سعد بن خشيش. روى عنه محمد بن أحمد الصوفي، وعبد السلام الداهري الخفاف.
412 -
يوسف بن إسماعيل
، أبو الحجاج المخزومي، القرطبي، المعروف بالمرادي اللغوي.
أخذ عن أبي الحسين بن سراج فأكثر، وعن أبي عبيدة جراح بن موسى، وأبي جعفر بن عبد العزيز. وجلس لإقراء العربية واللغة. وكان حافظًا للغريب، معتنيًا باللغات. لازمه أبو جعفر بن يحيى مدة وأكثر عنه.
آخر الطبقة والحمد لله
الطبقة الثامنة والخمسون
571 -
580 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
(الأحداث)
سنة إحدى وسبعون وخمسمائة
قال ابن الجوزي: تقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة، فتكلمت في ثالث المحرم والخليفة حاضر، وكان يومًا مشهودًا. ثم تقدم إلي بالجلوس يوم عاشوراء، فكان الزحام شديدًا زائدًا على الحد، وحضر أمير المؤمنين.
وفي صفر قبض على أستاذ الدار صندل الذي جاء في الرسلية إلى نور الدين، وعلى خادمين أرجف الناس على أنهم تحالفوا على سوء. وولي أبو الفضل ابن الصاحب أستاذدارية الدار، وولي مكانه في الحجابة ابن الناقد.
قال ابن الجوزي: وكانت بنتي رابعة قد خطبت، فسأل الزوج أن يكون العقد بباب الحجرة، فحضرنا يوم الجمعة، وحضر قاضي القضاة ونقيب النقباء والأكابر. فزوجتها بأبي الفرج ابن الرشيد الطبري، وتزوج حينئذ ولدي أبو القاسم بابنة الوزير عون الدين بن هبيرة.
قلت: رابعة هي والدة الواعظ شمس الدين ابن الجوزي، لم يطل عمر ابن رشيد معها، ثم تزوجها أبو شمس الدين.
وأما ابنه أبو القاسم فإنه تحارف وصار ينسخ بالأجرة، وهو ممن أجاز للقاضي تقي الدين الحنبلي.
قال: وتكلمت في رجب تحت المنظرة وازدحم الخلق، وحضر أمير
المؤمنين. وكنت إذا تكلمت أصعد المنبر، ثم أضع الطرحة إلى جانبي، فإذا فرغت أعدتها.
وكان المستضيء بالله كثيرًا ما يحضر مجلس ابن الجوزي في مكان من وراء الستر، وقال مرةً: ما على كلام ابن الجوزي مزيد. يعني في الحسن.
قال: وكان الرفض قد كثر، فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين: إن لم تقوِّ يد ابن الجوزي لم يطق دفع البدع! فكتب بتقوية يدي، فأخبرت الناس بذلك على المنبر، فقلت: إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قد بلغه كثرة الرفض، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في إزالة البدع، فمن سمعتموه يسب فأخبروني حتى أخرّب داره وأسجنه. فانكف الناس.
وأمر بمنع الوعاظ إلا ثلاثة: أنا، وأبو الخير القزويني من الشافعية، وصهر العبادي من الحنفية. ثم سئل في ابن الشيخ عبد القادر، فأطلق.
وفي ذي القعدة خرج المستضيء إلى الكشك الذي جدده راكبًا، والدولة مشاة، ورآه الناس، ودعوا له.
وفيها خلع على الظهير ابن العطار بولاية المخزن.
وفيها عمل الوزير ابن رئيس الرؤساء دعوةً جمع فيها أرباب المناصب، وخلع عليّ، ونصب لي منبرا في الدار، وحضر الخليفة الدعوة. فلما أكلوا تكلمت، وحضر السلطان والدولة، وجميع علماء بغداد ووعاظها إلا النادر.
وفيها أرسل إلى صاحب المدينة تقليد بمكة، فجرت فتنة لذلك بمكة، وقتل جماعة. ثم صعد أمير مكة المعزول، وهو مكثر بن عيسى بن فليتة، إلى القلعة التي على أبي قبيس، ثم نزل وخرج عن مكة. ووقع النهب بمكة، وأحرقت دور كثيرة.
وحكى القليوبي في تاريخه أن الركب خرجوا عن عرفات، ولم يبيتوا بمزدلفة، ومروا بها، ولم يقدروا على رمي الجمار. وخرجوا إلى الأبطح، فبكروا يوم العيد، وقد خرج إليهم من يحاربهم من مكة، فتطاردوا وقتل
جماعة بين الفريقين. ثم آل الأمر إلى أن صيح في الناس: الغزاة الغزاة إلى مكة.
قال ابن الجوزي: فحدثني بعض الحاج أن زرّاقًا ضرب بالنفط دارًا فاشتعلت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكانت تلك الدار لأيتام. ثم سوى قارورة نفط ليضرب بها، فجاءه حجر فكسرها، فعادت إليه وأحرقته. وبقي ثلاثة أيام منتفخ الجسد، ورأى بنفسه العجائب، ثم مات.
قال: ثم إن ذلك الأمير الجديد قال: لا أجسر أن أقيم بعد الحاج بمكة. فأمروا غيره.
وفيها كانت وقعة تل السلطان، وحديث ذلك أن عسكر الموصل نكثوا وحنثوا ووافوا تل السلطان بنواحي حلب في جموع كثيرة، وعلى الكل السلطان سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي، فالتقاهم السلطان صلاح الدين في جمع قليل، فهزمهم وأسر فيهم، ونهب، وحقن دماءهم. ثم أحضر الأمراء الذين أسرهم فأطلقهم ومنّ عليهم.
قال ابن الأثير: لم يقتل من الفريقين - على كثرتهم - إلا رجل واحد. ووقفت على جريدة العرض، فكان عسكر سيف الدين غازي في هذه الوقعة يزيدون على ستة آلاف فارس، والرجالة أقل من خمسمائة.
قلت: ثم سار صلاح الدين إلى منبج فأخذها، ثم سار إلى عزاز، فنازل القلعة ثمانيةً وثلاثين يومًا، ثم قفز عليه وهو محاصرها قوم من الفداوية، وجرح في فخذه، وأخذوا فقتلوا. ثم افتتح عزاز.
ومن كتاب فاضلي عن صلاح الدين إلى الخليفة يطالع بأن الحلبيين والموصليين لما وضعوا السلاح، وخفضوا الجناح - اقتصرنا بعد أن كانت البلاد في أيدينا على استخدام عسكر الحلبيين في البيكارات إلى الكفر،
وعرضنا عليهم الأمانة فحملوها، والأيمان فبذلوها.
وسار رسولنا، وحلف صاحب الموصل يمينًا جعل الله فيها حكمً. وعاد رسوله ليسمع منا اليمين، فلما حضر وأحضر نسختها أومأ بيده ليخرجها، فأخرج نسخة يمين كانت بين الموصليين والحلبيين على حربنا، والتداعي إلى حربنا. وقد حلف بها كمشتكين الخادم بحلب، وجماعة معه يمينًا نقضت الأولى، فرددنا اليمين إلى يمين الرسول، وقلنا: هذه يمين عن الأيمان خارجة، وأردت عمرًا وأراد الله خارجة.
وانصرف الرسول، وعلمنا أن الناقد بصير، والمواقف الشريفة مستخرجة الأوامر إلى الموصلي؛ إما بكتاب مؤكد بأن لا ينقض العهد، وإما الفسحة لنا في حربه.
وقال ابن أبي طيئ: لما ملك صلاح الدين منبج في شوال صعد الحصن، وجلس يستعرض أموال ابن حسان وذخائره، فكانت ثلاثمائة ألف دينار، ومن أواني الذهب والفضة والذخائر والأسلحة ما يناهز ألفي ألف دينار، فرأى على بعض الأكياس والآنية مكتوبًا يوسف، فسأل عن هذا الاسم، فقيل: له ولد يحبه اسمه يوسف، كان يدخر هذه الأموال له. فقال السلطان: أنا يوسف، وقد أخذت ما خبئ لي.
ومن كتاب السلطان إلى أخيه العادل يقول: ولم ينلني من الحشيشي الملعون إلا خدش قطرت منه قطرات دم خفيفة، انقطعت لوقتها، واندملت لساعتها.
وأما صلاح الدين فسار من عزاز، فنازل حلب في نصف ذي الحجة، وقامت العامة في حفظها بكل ممكن، وصابرها صلاح الدين شهرًا، ثم ترددت الرسل في الصلح، فترحل عنهم، وأطلق لابنة نور الدين قلعة عزاز.
قال ابن الأثير: وفي رمضان انكسفت الشمس ضحوة نهار، وظهرت الكواكب، حتى بقي الوقت كأنه ليل مظلم، وكنت صبيًا حينئذٍ.
سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
في المحرم وعظ ابن الجوزي، وحضر الخليفة في المنظرة، وازدحمت الأمم.
قال: وكان عرس ابنتي رابعة، وحضرت الجهة المعظّمة، وجهزتها من عندها بمال كثير.
وفي صفر نقصت دجلة واخترقت حتى ظهرت جزائر كثيرة، وكانوا يجرون السفن في أماكن.
وجاء في آب برد شديد ببغداد، فنزلوا من الأسطحة، ثم عاد الحر وطلعوا.
وفي جمادى الآخرة وعظت بجامع القصر، واجتمع خلائق، فحزر الجمع بمائة ألف، وكان يومًا مشهودًا.
وفيها قارب بغداد بعض السلجوقية ممن يروم السلطنة، وجاء رسوله ليؤذن له في المجيء، فلم يلتفت إليه، فجمع جمعًا، ونهب قرى. فخرج إليه عسكر فتواقعوا، وخرج جماعة. ورجع العسكر فعاد هو إلى النهب، فرد إليه العسكر وعليهم شكر الخادم، فترحل إلى ناحية خراسان.
وفيها كانت بالري وقزوين زلزلة عظيمة.
وفيها قال رجل لطحان: أعطني كارة دقيق. فقال: لا. فقال: والله ما أبرح حتى آخذ! فقال الطحان: وحق علي الذي هو خير من الله ما أعطيك! فشهد عليه جماعة، فسجن أيامًا. ثم ضرب مائة سوط، وسوّد وجهه وصفع والناس يرجمونه، وأعيد إلى الحبس.
وجلس ابن الجوزي في السنة غير مرة، يحضر فيها الخليفة.
وفيها كانت وقعة الكنز مقدّم السودان بالصعيد، جمع خلقًا كبيرا، وسار إلى القاهرة في مائة ألف ليعيد دولة العبيديين، فخرج إليه العادل سيف الدين
وأبو الهيجا الهكّاري، وعز الدين موسك، فالتقوا، فقتل الكنز، وما انتطح فيها عنزان، وقتل خلق كثير من جموعه، حتى قيل: إنه قتل منهم ثمانون ألفًا. كذا قال أبو المظفّر بن قزغلي، فالله أعلم بذلك.
وفيها أخذ صلاح الدين منبج من صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، وكان قد ولاّه إياها الملك نور الدين لمّا انتزعها نور الدين من أخيه غازي بن حسان.
وفيها حاصر صلاح الدين حلب مدة، ثم وقع الصلح، وأبقى حلب على الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين ورد عليه عزاز. وعاد إلى مصياب بلد الباطنية، فنصب عليها المجانيق، وأباح قتلهم، وخرّب بلادهم، فضرعوا إلى شهاب الدين صاحب حماة خال السلطان، فسأل فيهم، فترحل عنهم. وتوجه إلى مصر وأمر ببناء السور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة، وجعل على بنائه الأمير قراقوش.
قال ابن الأثير: دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالهاشمي، ولم يزل العمل فيها إلى أن مات صلاح الدين.
وقال أبو المظفر ابن الجوزي: ضيّع فيه أموالًا عظيمة، ولم ينتفع به أحد.
وأمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم وهي التي صارت دار السلطنة.
قال ابن واصل: شرع بهاء الدين قراقوش الأسدي فيها، وقطع
الخندق وتعميقه، وحفر واديه، وهناك مسجد سعد الدولة، فدخل في القلعة. وحفر فيها بئرًا كبيرًا في الصخر. ولم يتأت هذا بتمامه إلا بعد موت السلطان بمدة. وبعد ذلك كمل السلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين العمارات بالقلعة وسكنها، وهو أول من سكنها، وإنما كان سكناه وسكنى من قبله بدار الوزارة بالقاهرة.
ثم سافر إلى الإسكندرية، وسمع فيها من السلفي، وتردد إليه مرات عديدة، وأسمع منه ولديه: الملك العزيز، والملك الأفضل. ثم عاد إلى مصر وبنى تربة الشافعي.
سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
في أولها دخل بغداد تتامش الأمير الذي خرج مع قيماز، ونزل تحت التاج، وقبّل الأرض مرارًا، فعفي عنه، وأعطي إمرية.
وحضر ابن الجوزي مرتين فوعظ، وأمير المؤمنين يسمع، واجتمع خلق لا يحصون.
وجرت ببغداد همرجة، وقبض على حاجب الحجاب وعلى جماعة.
قال ابن الجوزي: وجاءتني فتوى في عبد وأمة، أعتقهما مولاهما، وزوّج أحدهما بالآخر، فبقيت معه عشرين سنة، وجاءت منه بأربعة أولاد، ثم بان الآن أنها أخته لأبويه، وقد وقعا في البكاء والنحيب. فعجبت من وقوع هذا، وأعلمتهما أنه لا إثم عليهما، وبوجوب العدة، وأنه يجوز له النظر إليها نظره إلى أخته، إلا أن يخاف على نفسه.
وفي ليلة رجب تكلمت تحت المنظرة الشريفة، والخليفة حاضر، ومن الغد حضرنا دعوة الخليفة التي يعملها كل رجب، وحضر الدولة والعلماء والصوفية، وختمت ختمة. وخلع على جماعة كثيرة، وانصرف من عادته الانصراف، وبات الباقون على عادتهم لسماع الأبيات، وفرق عليهم المال.
وفيها عمل الخليفة مسجدًا عظيمًا ببغداد، وجعل إمامه حنبليًا، وزخرفه، وتقدم إليّ فصليت فيه التراويح.
وتكلمت في رمضان في دار صاحب المخزن وازدحموا، وكان الخليفة حاضرًا.
وفي شوال هبت ريح عظيمة ببغداد، فزلزلت الدنيا بتراب عظيم، حتى خيف أن تكون القيامة. وجاء برد ودام ساعة، ووقعت مواضع على أقوام، ومات بعضهم.
وتهيّأ الوزير ابن رئيس الرؤساء للحج، فقيل: إنه اشترى ستمائة جمل، منها مائة للمنقطعين. ورحل في ثالث أو رابع ذي القعدة، فلما وصل في الموكب إلى باب قطفتا قال رجل: يا مولانا، أنا مظلوم. وتقرّب، فزجره الغلمان، فقال: دعوه. فتقدم إليه، فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني. ووقع وانكشف رأسه، فغطى رأسه بكمه على الطريق، وضرب ذلك الباطني بسيف. فعاد وضرب الوزير، فهبروه بالسيوف.
وقيل: كانوا اثنين، وخرج منهم شاب بيده سكين فقتل، ولم يعمل شيئًا، وأحرق الثلاثة. وحمل الوزير إلى دار، وجرح الحاجب. وكان الوزير قد رأى أنه معانق عثمان رضي الله عنه، وحكى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غسل الإسلام؛ فإني مقتول بلا شك. ثم مات بعد الظهر، ومات حاجبه بالليل.
وعمل عزاء الوزير، فلم يحضره إلا عدد يسير، فتعجب من هذه الحال؛ فإنه قد يكون عزاء تاجر أحسن من ذلك. وكان انقطاع الدولة إرضاءً لصاحب المخزن. ولما كان في اليوم الثاني لم يقعد أولاده، فلما علم السلطان بالحال أمر أرباب الدولة بالحضور فحضروا، وتكلمت على كرسي.
ثم ولي ابن طلحة حجابة الباب، وبعث صاحب المخزن بعلامة بعد ثلاث إلى الأمير تتامش فحضر، فوكل به في حجرة من داره، ونفذ إلى بيته، فأخذت الخيل والكوسات، وكل ما في الدار. واختلفت الأراجيف في نيته، وقيل: إنه اتهم بالوزير، وخيف أن تكون نيته رديئة للخليفة، فقيل إنه كاتب
أمراء خراسان، وما صح ذلك. وناب صاحب المخزن في الوزارة.
وجاء أهل المدائن فشكوا من يهود المدائن، وأنهم قالوا لهم: قد آذيتمونا بكثرة الأذان. فقال المؤذّن: لا نبالي تأذّيتم أم لا. فتناوشوا وجرت بينهم خصومة استظهر فيها اليهود، فجاء المسلمون مستصرخين إلى صاحب المخزن، فأمر بحبس بعضهم، ثم أطلقهم.
فاستغاثوا يوم الجمعة بجامع الخليفة، فخفف الخطيب. فلما فرغت الصلاة استغاثوا، فخرج إليهم الجند فضربوهم ومنعوهم، فانهزموا. وغضب العوام نصرة للإسلام، فضجوا وشتموا، وقلعوا طوابيق الجامع، وضربوا بها الجند وبالآجر، وخرجوا فنهبوا المخلّطين؛ لأن أكثرهم يهود.
فوقف حاحب الباب بيده السيف مجذوبًا، وحمل على الناس ثانيةً فرجموه، وانقلب البلد، ونهبوا الكنيسة، وقلعوا شبابيكها، وقطّعوا التوراة، واختفى اليهود. فتقدّم الخليفة بإخراب كنيسة المدائن، وأن تجعل مسجدًا.
وبعد أيام أخرج لصوص قطعوا الطريق، فصلبوا بالرحبة، وكان منهم شاب هاشمي.
وفيها وقعة الرملة، فسار السلطان صلاح الدين من القاهرة إلى عسقلان فسبى وغنم. وسار إلى الرملة، فخرج عليه الفرنج مطلبين وعليهم البرنس أرناط صاحب الكرك، وحملوا على المسلمين، فانهزموا، وثبت السلطان وابن أخيه المظفر تقي الدين عمر.
ودخل الليل، واحتوت الملاعين على أثقال المسلمين، فلم يبق لهم قدرة على ماء ولا زاد، وتعسفوا تلك الرمال راجعين إلى مصر، وتمزقوا وهلكت خيلهم.
ومن خبر هذه الوقعة أن الفقيه عيسى أسر، فافتداه السلطان بستين ألف دينار، وكان موصوفًا بالشجاعة والفضيلة، أسر هو وأخوه ظهير الدين، وكانا قد ضلاّ عن الطريق بعد الوقعة. ووصل صلاح الدين إلى القاهرة في نصف جمادى الآخرة.
قال ابن الأثير: رأيت كتابًا بخط يده كتبه إلى شمس الدولة تورانشاه، وهو بدمشق، يذكر الوقعة، وفي أوله: ذكرتك والخطيّ يخطر بيننا وقد نهلت منا المثقّفة السمر ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما نجانا الله إلا لأمر يريده.
وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر.
وقال غيره: انهزم السلطان والناس، ولم يكن لهم بلد يلجؤون إليه إلا مصر، فسلكوا البرية، ورأوا مشاقًا، وقل عليهم القوت والماء، وهلكت خيلهم، وفقد منهم خلق.
ودخل السلطان القاهرة بعد ثلاثة عشر يومًا، وتواصل العسكر، وأسر الفرنج منهم. واستشهد جماعة منهم: أحمد ولد تقي الدين عمر المذكور، وكان شابًا حسنًا له عشرون سنة. وكان أشد الناس قتالًا يومئذ الفقيه عيسى الهكّاري. وحملت الفرنج على صلاح الدين، وتكاثروا عليه، فانهزم يسير قليلًا قليلًا. وكانت نوبةً صعبة.
وفيها نزلت الفرنج على حماة، وهي لشهاب الدين محمود بن تكش خال السلطان، وكان مريضا، وكان الأمير سيف الدين المشطوب قريبا من حماة، فدخلها وجمع الرجال. فزحفت الفرنج على البلد، وقاتلهم المسلمون قتالا شديدا مدة أربعة أشهر، ثم ترحلوا عنها. وأما السلطان فإنه أقام بالرملة أياما بمن سلم معه، ثم خرج من مصر. وعيّد بالبركة، ثم كمل عدة جيشه، فبلغه أمر حماة، فأسرع إليها، فلما دخل دمشق تحقق رحيل الفرنج عن حماة.
وعصى الأمير شمس الدين محمد بن المقدم ببعلبك، فكاتبه السلطان وترفق به، فلم يجب، ودام إلى سنة أربع.
وجاء كتاب ابن المشطوب أن الذي قتل من الفرنج على حماة أكثر من ألف نفس.
ووردت مطالعة القاضي الفاضل إلى صلاح الدين تتضمن التوجع لقتل الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وفيها: وما ربّك بظلاّم للعبيد فقد كان -عفا الله عنه- قتل ولدي الوزير ابن هبيرة، وأزهق أنفسهما
وجماعة لا تحصى.
وهذا البيت، بيت ابن المسلمة، عريق في القتل. وجدّه هو المقتول بيد البساسيري. ثم قال: وقد ختمت له السعادة بما حتمت له به الشهادة، لاسيما وهو خارج من بيته إلى بيت الله، ووقع أجره على الله: إنّ المساءة قد تسرّ وربما كان السرور بما كرهت جديرا إن الوزير وزير آل محمد أودى فمن يشناك كان وزيرا وهما في أبي سلمة الخلاّل وزير بني العباس قبل أن يستخلفوا.
سنة أربع وسبعين وخمسمائة
قال ابن الجوزي: تكلمت في أول السنة وفي عاشوراء تحت المنظرة، وحضر الخليفة، وقلت: لو أني مثلت بين يدي السدة الشريفة لقلت: يا أمير المؤمنين، كن لله سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك. إنه لم يجعل أحدا فوقك، فلا ترض أن يكون أحد أشكر له منك. فتصدّق أمير المؤمنين يومئذ بصدقات، وأطلق محبوسين.
وانكسف القمر في ربيع الأول، وكسفت الشمس في التاسع والعشرين منه أيضا. وولدت امرأة من جيراننا ابنا وبنتين في بطن، فعاشوا بعض يوم.
وفيها جدّد المستضيء قبر أحمد بن حنبل رحمه الله، وعمل له لوح فيه: هذا ما أمر بعمله سيّدنا ومولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين. هذا في رأس اللوح. وفي وسطه: هذا قبر تاج السنّة، ووحيد الأمة، العالي الهمة، العالم، العابد، الفقيه، الزاهد، الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانيّ رحمه الله، توفّي في تاريخ كذا وكذا. وكتب حول ذلك آية الكرسي.
وتكلمت في جامع المنصور، فاجتمع خلائق، وحزر الجمع بمائة ألف
وتاب خلق، وقطعت شعورهم. ثم نزلت فمضيت إلى قبر أحمد بن حنبل، فتبعني من حزر بخمسة آلاف.
وفيه أطلق الأمير تتامش إلى داره.
وتقدم المستضيء بعمل دكة بجامع القصر للشيخ أبي الفتح بن المني الحنبليّ، وجلس فيها، فتأثر أهل المذاهب من عمل مواضع للحنابلة.
وكان الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء يقول: ما دخلت قط على الخليفة إلا أجرى ذكر فلان، يعنيني. وصار لي اليوم خمس مدارس، ومائة وخمسون مصنّفا في كل فن. وقد تاب على يدي أكثر من مائة ألف، وقطعت أكثر من عشرة آلاف طائلة، ولم ير واعظ مثل جمعي؛ فقد حضر مجلسي الخليفة والوزير وصاحب المخزن وكبار العلماء، والحمد لله.
وفي رجب عمل المستضيء الدعوة، ووعظت وبالغت في وعظ أمير المؤمنين، فمما حكيته أن الرشيد قال لشيبان: عظني. قال: لأن تصحب من يخوّفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمّنك حتى يدركك الخوف. قال: فسّر لي هذا. قال: من يقول لك: أنت مسؤول عن الرعيّة؛ فاتق الله - أنصح لك ممّن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيّكم. فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.
وقلت له في كلامي: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكتّ خفت عليك، وأنا أقدّم خوفي عليك على خوفي منك.
وفي رمضان جاء مشعبذ، فذكر أنه يضرب بالسّيف والسّكين ولا يؤثر فيه، لكن بسيفه وسكّينه خاصة.
وفيه أخذ ابن قرايا الذي ينشد على الدكاكين من شعر الرافضة، فوجدوا في بيته كتبا في سبّ الصحابة، فقطع لسانه ويده، وذهب به إلى المارستان، فرجمته العوام بالآجرّ، فهرب وسبح وهم يضربونه حتى مات.
ثم أخرجوه وأحرقوه، وعملت فيه العامة كان وكان. ثم تتبّع جماعة من الروافض، وأحرقت كتب عندهم، وقد خمدت جمرتهم بمرّة، وصاروا أذلّ من اليهود.
ولم يخرج الركب العراقي لعدم الماء والعشب، وكانت سنة مقحطة. وحجّ من حجّ على خطر. ورجع طائفة فنزلت عليهم عرب، فأخذوا أكثر الأموال، وقتل جماعة.
وفي ذي القعدة هبّت ببغداد ريح شديدة نصف الليل، وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء كأنها تتصاعد من الأرض، واستغاث الناس استغاثة شديدة. وبقي الأمر على ذلك إلى السّحر.
قال ابن الجوزي: وجلست يوم الجمعة بباب بدر، وأمير المؤمنين يسمع.
وفيها اجتمعت الفرنج عند حصن الأكراد، وسار السلطان الملك الناصر صلاح الدين فنزل على حمص في مقابلة العدوّ. فلما أمن من غاراتهم سار إلى بعلبكّ، فنزل على رأس العين، وأقام هناك أشهرًا يراود شمس الدين ابن المقدّم على طاعته، وهو يأبى.
ولم يزل الأمر كذلك إلى أن دخل رمضان، فأجاب شمس الدين إلى تسليم بعلبكّ على عوض طلبه. فتسلّمها السلطان، وأنعم بها على أخيه المعظّم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب. وسار إلى دمشق في شوّال. ثم أقطع أخاه شمس الدولة تورانشاه بمصر، واستردّ منه بعلبكّ.
قال ابن الأثير: وفي ذي القعدة أغارت الفرنج على بلاد الإسلام وعلى أعمال دمشق، فسار لحربهم فرّخشاه ابن أخي السلطان في ألف فارس، فالتقاهم وألقى نفسه عليهم، وقتل من مقدميهم جماعةً، منهم هنفري، وما أدراك ما هنفري! به كان يضرب المثل في الشجاعة.
وفيها أغار البرنس صاحب أنطاكية على شيزر.
وأغار صاحب طرابلس على التركمان.
وفيها أنعم السلطان على ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بحماة، والمعرة، وفامية، ومنبج، وقلعة نجم. فتسلمها وبعث نوابه إليها، وذلك عند وفاة صاحب حماة شهاب الدين محمود خال السلطان. ثم توجه إليها الملك المظفر تقي الدين، ورتب في خدمته أميران كبيران: شمس الدين ابن المقدم، وسيف الدين علي ابن المشطوب، فكانوا في مقابلة صاحب
أنطاكية. ورتب بحمص ابن شيركوه في مقابلة القومص.
وجاء من إنشاء الفاضل: وأما ما أمر به المولى من إنشاء سور القاهرة فقد ظهر العمل، وطلع البناء، وسلكت به الطريق المؤدية إلى الساحل بالمقسم. والله يعمر المولى إلى أن يراه نطاقًا على البلدين، وسورًا بل سوارًا يكون الإسلام به محلى اليدين، والأمير بهاء الدين قراقوش ملازم للاستحثاث بنفسه ورجاله.
قلت: وهذه السنة هي آخر المنتظم.
سنة خمس وسبعين وخمسمائة
أجاز لنا شيخنا أبو بكر محفوظ بن معتوق بن أبي بكر بن عمر البغدادي بن البزوري التاجر قد ذيّل المنتظم في عدة مجلدات ذهبت في أيام التتار الغازانية سنة تسع وتسعين وستمائة من خزانة كتبه الموقوفة بتربته بسفح قاسيون، ثم ظفرنا ببعضها.
فذكر في حوادث هذه السنة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة، أن أبا الحسن علي بن حمزة بن طلحة حاجب باب النوبي عزل بعميد الدين أبي طالب يحيى بن زيادة.
وفي صفر وصل إلى بغداد ثلاثة عشر نجابًا، نفذهم صلاح الدين يبشرون بكسرة الفرنج، فضربت الطبول على باب النوبي، وخلع عليهم، وأخبروا أن صلاح الدين حارب الفرنج ونصر عليهم وأسر أعيانهم، وأسر صاحب الرملة، وصاحب طبرية.
قلت: وهي وقعة مرج العيون. ومن حديثها أن صلاح الدين كان نازلًا بتل بانياس يبث سراياه، فلما استهل المحرم ركب فرأى راعيًا، فسأله عن الفرنج، فأخبر بقربهم. فعاد إلى مخيمه، وأمر الجيش بالركوب، فركبوا، وسار بهم حتى أشرف على الفرنج وهم في ألف قنطارية، وعشرة آلاف مقاتل من فارس وراجل. فحملوا على المسلمين، فثبت لهم المسلمون، وحملوا عليهم فولوا الأدبار، فقتل أكثرهم، وأسر منهم مائتان وسبعون أسيرًا، منهم: بادين
مقدم الداوية وأود بن القومصة، وأخو صاحب جبيل، وابن صاحب مرقية، وصاحب طبرية.
فأما بادين بن بارزان فاستفك نفسه بمبلغ وبألف أسير من المسلمين. واستفك الآخر نفسه بجملة. ومات أود في حبس قلعة دمشق. وانهزم من الوقعة ملكهم مجروحًا.
وأبلى في هذه الوقعة عز الدين فرخشاه بلاءً حسنًا، واتفق أن في يوم الوقعة ظفر أسطول مصر ببطستين، وأسروا ألف نفس، فلله الحمد على نصره.
وكان قليج أرسلان سلطان الروم طالب حصن رعبان، وزعم أنه من بلادهم، وإنما أخذه منه نور الدين على خلاف مراده، وأن ولده الصالح إسماعيل قد أنعم به عليهم. فلم يفعل السلطان، فأرسل قليج عشرين ألفًا لحصار الحصن، فالتقاهم تقي الدين عمر صاحب حماة ومعه سيف الدين علي المشطوب في ألف فارس، فهزمهم لأنه حمل عليهم بغتةً وهم على غير تعبئة، وضربت كوساته، وعمل عسكره كراديس.
فلما سمعت الروم الضجة ظنوا أنهم قد دهمهم جيش عظيم، فركبوا خيولهم عريًا، وطلبوا النجاة وتركوا الخيام بما فيها، فأسر منهم عددًا، ثم منّ عليهم بأموالهم وسرّحهم. ولم يزل تقي الدين يدل بهذه النصرة، ولا ريب أنها عظيمة.
وورد بغداد رسول صلاح الدين، وهو مبارز الدين كشطغاي، وجلس له ظهير الدين أبو بكر ابن العطار، وبين يديه أرباب الدولة، فجاؤوا بين يديه اثنا عشر أسيرًا عليهم الخوذ والزرديات. ومع كل واحد قنطارية، وعلى كتفه طارقة منها طارقة ملك الفرنج، وعلى القنطاريات سعف الفرنج.
وبين يديه أيضًا من التحف والنفائس، من ذلك صنم حجر طوله ذراعان، فيه صناعة عجيبة، قد جعل سبابته على شفته كالمتبسم عجبًا. ومن ذلك صينية ملأى جواهر. وضلع آدمي نحو سبعة أشبار في عرض أربع أصابع، وضلع سمكة طوله عشرة أذرع في عرض ذراعين.
وفيها رتب حاجب الحجاب أبو الفتح محمد ابن الداريج، وكان من حجاب المناطق.
وفيها قدم رسول صلاح الدين، وهو القاضي أبو الفضائل القاسم ابن الشهرزوري، وبين يديه عشرة من أسرى الفرنج، وقدم جواهر مثمنة.
وفيها عزل عن نقابة النقباء أبو العباس أحمد ابن الزوال بأبي الهيجا نصر بن عدنان الزينبي.
وفي شوال مرض الخليفة وأرجف بموته، وهاش الغوغاء ببغداد. ووقع نهب، وركب العسكر لتسكينهم، فتفاقم الشرّ، واتسع الخرق، وركبت الأمراء بالسلاح. وصلب جماعة من المؤذين على الدكاكين. وكانت العامة قد تسوّروا على دار الخلافة، ورموا بالنشّاب فوقعت نشّابة في فرس النائب ومعه جماعة، فتأخروا من مكانهم.
وفيه وقّع للأمير أبي العباس أحمد بولاية العهد. وقال الوزير لمن حضر من الدولة: اليوم الجمعة، ولا بدّ من إقامة الدعوة والجهة بنفشا، يعني امرأة الخليفة قد بالغت في كتم مرض أمير المؤمنين، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بتيقّن الأمر؛ فإن كان حيّا جرت الخطبة على العادة، وإن كان قد توفّي خطبنا لولده حيث وقّع له بولاية العهد.
ثم عيّن الشيخ أبو الفضل مسعود ابن النادر ليحضر بين يدي الخليفة، فدخل صحبة سعد الشرابي، وقبل الأرض وقال: المملوك الوكيل، يشير بقوله إلى ظهير الدين ابن العطار، ينهي أنه وقّع بالخطبة للأمير أحمد بولاية العهد، وما وسع المملوك إمضاء ذلك بدون مشافهة. فقال المستضيء: يمضى ما كنّا وقّعنا به. فقبّل الأرض. وعاد فأخبر الوزير ظهير الدين، فسجد شكرا لله تعالى على عافيته، وخطب بولاية العهد لأبي العباس، ونثرت الدنانير في الجوامع عند ذكره.
وفي شوّال ملك عبد الوهاب بن أحمد الكردي قلعة الماهكي، وعمل سلالم موصولة، ونصبها عليها في ليلة ذات مطر ورعد، فشعر الحارس، فذهب وعرّف المقدّم كمشتكين، فقام بيده طبر، وبين يديه المشعل، فوثبوا عليه فقتلوه، وقتلوا الحارس، ونادوا بشعار عبد الوهّاب.
وفي سلخ شوّال مات الخليفة. وبويع ابنه أحمد، ولقّبوه الناصر لدين الله، فجلس للمبايعة في القبّة. فبدأ أخوه وبنو عمّه وأقاربه، ثم دخل الأعيان، فبايعه الأستاذدار مجد الدين هبة الله ابن الصاحب، ثم شيخ الشيوخ، ثم فخر الدولة أبو المظفّر بن المطلب، ثم قاضي القضاة عليّ ابن الدامغانيّ، وصاحب
ديوان الإنشاء أبو الفرج محمد ابن الأنباريّ، والحاجب أبو طالب يحيى بن زبادة.
ثم طلب الوزير ظهير الدين ابن العطار، وكان مريضا، فأركب على فرس، ثم تعضّده جماعة، وأدخل فصعد وبايع، ووقف على يمين الشبّاك الذي فيه الخليفة، فعجز عن القيام. فأدخل إلى التاج، ثم راح إلى داره. وبايع من الغد من بقي من العلماء والأكابر.
وتقدّم بعزل النقيب أبي الهيجا، وبإعادة ابن الزّوال، وتوجّهت الرسل إلى النواحي بإقامة الدعوة الناصريّة.
وفي اليوم الخامس من البيعة تقدم إلى عماد الدين صندل المقتفوي، وسعد الدولة نظر المستنجديّ الحبشيّ بالمضيّ إلى دار ابن العطار في عدّة من المماليك للقبض عليه، فجاؤوا ودخلوا عليه من غير إذن، وقبضوا عليه من الحريم. وترسّم بداره أستاذدار، فنهبت العامّة فيها، وعجز الأستاذدار.
وفي سادس ذي القعدة خلع على طاشتكين خلعة إمرة الحاج، وتوجّه إلى الحج، وتقدّمه خروج الرّكب.
وقيّد ابن العطار، وسحب وسجن في مطبّق، فهلك بعد ثلاث. وحمل إلى دار أخته، فغسّل وكفّن، وأخرج بسحر في تابوت، ومعه عدّة يحفظونه. فعرفت العامّة به عند سوق الثلاثاء، فسبّوه وهمّوا برجمه، فدافعهم الأعوان، فكثرت الغوغاء، وأجمعوا على رجمه، وشرعوا.
فخاف الحمّالون من الرجم، فوضعوه عن رؤوسهم وهربوا. فأخرج من التابوت وسحب، فتعرّى من أكفانه، وبدت عورته، وجعلوا يصيحون بين يديه: بسم الله، كما يفعل الحجّاب. وطافوا به المحالّ والأسواق مسلوبا مهتوكا، نسأل الله السّتر والعافية.
قال ابن البزوريّ: وحكى التيميّ قال: كنت بحضرته وقد ورد عليه
شيخ يلوح عليه الخير، فجعل يعظه بكلام لطيف، ونهاه عن محرّمات، فقال: أخرجوه الكلب سحبا. وكرّره مرارًا.
وقال الموفّق عبد اللطيف: صحّ عندي بعد سنين كثيرة أنّ ابن العطّار هو الذي دسّ الحشيشية على الوزير عضد الدين حتى قتلوه. ولي المخزن، وسكن في دار قطب الدين قيماز الذي هلك بنواحي الرحبة، وأخذ يجيب على الوزير، وانتصب لعداوته.
قال ابن البزوريّ: ثم في آخر النهار خلّص مماليك الحاجب ابن العطار من باب الأزج بعد تغيّر حاله وتجرّد لحمه عن عظمه، فحمل على نعش مكشوف، فوارته امرأة بإزار خليع. ثم دفن.
وكان الوباء والغلاء والمرض شديدا ببغداد، وكرّ القمح بمائة وعشرين دينارًا.
وفي سلخ الشهر خلع على جميع الدولة، وأرسلت الخلع إلى ملوك الأطراف، وركبوا بالخلع في مستهل ذي الحجّة، وجلس الناصر لدين الله للهناء. فدخل إلى بين يدي سدّته أستاذ الدار مجد الدين ابن الصاحب، وتلاه نائب الوزارة شرف الدين سليمان بن ساروس، فقبّلا الأرض.
ثم خرج نائب الوزارة فركب، وخلع على ابن الصاحب قميص أطلس أسود، وفرجيّة نسيج، وعمامة كحلية بعراقيّ، وقلّد سيفا محلّى بالذهب. وركب فرسا بمركب ذهب، وكنبوش إبريسم، وسيف ركاب، وضربت الطبول على بابه.
وجاءت ببلاد الجبل زلزلة عظيمة سقطت قلاع كثيرة، وهلك خلق.
سنة ست وسبعين وخمسمائة
في أوّلها عزل شرف الدين سليمان بن ساروس عن نيابة الوزارة لأجل علوّ سنّه وثقل سمعه، ووليها جلال الدين هبة الله بن عليّ ابن البخاريّ.
وفي المحرّم ركب الناصر لدين الله إلى الكشك، وصلّى الجمعة بجامع الرصافة.
وفيه قدم رسول الملك طغرل السلجوقيّ.
وفيه تقدّم إلى أستاذالدار بالقبض على كمال الدين عبيد الله ابن الوزير
عضد الدين محمد ابن رئيس الرؤساء. فنفّذ للقبض عليه عزّ الدولة مسعود الشرابي في جماعة من المماليك، فحمل مسحوبًا إلى بين يديه، فأمرهم أن يرفقوا به، وقيّد وسجن.
وفي صفر وصل أمير الحاج، وفي صحبته صاحب المدينة عز الدين أبو سالم القاسم بن مهنّا للمبايعة.
وفيها توجّه السلطان صلاح الدين قاصدًا بلاد الأرمن وبلاد الروم ليحارب قليج رسلان بن مسعود بن قليج رسلان. والموجب لذلك أن قليج زوّج بنته لمحمد بن قرا رسلان بن داود صاحب حصن كيفا، ومكثت عنده حينًا. وأنه أحب مغنية وشغف بها، فتزوجها، وصارت تحكم في بلاده. فلما سمع بذلك حموه قصد بلاده عازمًا على أخذ ابنته منه، فأرسل محمد إلى صلاح الدين يستنجد به، وكرر إليه الرسل. ثم استقر الحال على أن يصبروا عليه سنة، ويفارق المغنية.
ونزل صلاح الدين على حصن من بلاد الأرمن فأخذه وهده. ثم رجع إلى حمص فأتاه التقليد والخلع من الخليفة الناصر، فركب بها بحمص، وكان يومًا مشهودًا.
ومن كتاب السلطان صلاح الدين إلى الخليفة: والخادم ولله الحمد يعدد سوابق في الإسلام والدولة العباسية لا يعدها أوليّة أبي مسلم؛ لأنه والى ثم وارى، ولا آخرية طغرلبك؛ لأنه نصر ثم حجر. والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها، وأساغ الغصة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها، فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر، وأعز بتأييد إبراهيمي، فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الظاهر.
وقال العماد الكاتب: توجه السلطان إلى الإسكندرية، وشاهد الأسوار التي جددها، وقال: نغتنم حياة الإمام أبي طاهر بن عون. فحضرنا عنده وسمعنا عليه الموطأ. وكتب إليه القاضي الفاضل يهنيه ويقول: أدام الله دولة الملك الناصر سلطان الإسلام والمسلمين، محيي دولة أمير المؤمنين، وأسعده
برحلته للعلم، وأثابه عليها.
ولله وفي الله رحلتاه، وفي سبيل الله يوماه: يوم سفك دم المحابر تحت قلمه، ويوم سفك دم الكافر تحت علمه. ففي الأول يطلب حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيجعل أثره عينًا لا تستر. وفي الثاني يحفل لنصرة شريعة هداه على الضلال، فيجعل عينه أثرًا لا يظهر.
إلى أن قال: وما يحسب المملوك أن كاتب اليمين كتب لملك رحلةً قط في طلب العلم إلا للرشيد، فرحل بولديه الأمين والمأمون لسماع هذا الموطأ الذي اتفقت الهمتان الرشيدية والناصرية على الرغبة في سماعه، والرحلة لانتجاعه. وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد على مالك في خزانة المصريين، فإن كان قد حصل بالخزانة الناصرية فهو بركة عظيمة، وإلا فليلتمس.
وفيها أرسل شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم، وبشير المستنجدي الخادم إلى السلطان صلاح الدين بتقليد ما بيده من البلاد، وهو من إنشاء قوام الدين بن زبادة، فمنه: ولما كان الملك الأجل السيد صلاح الدين، ناصر الإسلام، عماد الدولة، جمال الملة، فخر الأمة، صفي الخلافة، تابع الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمتمردين، قاهر الخوارج والمشركين، عز المجاهدين، ألب غازي بك أبو يعقوب يوسف بن أيوب، أدام الله علوه على هذه السجايا مقبلًا.
وذكر التقليد، وفيه: آمره بتقوى الله، وآمره أن يتخذ القرآن دليلًا، وآمره بمحافظة الصلاة، وحضور الجماعة ولزوم نزاهة الحرمات. وآمره بالإحسان وبإظهار العدل، وأن يأمر بالمعروف، وأن يحتاط في الثغور، وأن يجيب إلى الأمان. وآمره بكذا وآمره بكذا. وكتب في صفر سنة ست وسبعين.
وفيها وصل الفقيه هبة الله بن عبد الله من عند صاحب جزيرة قيس رسولًا، وقدم هدايا.
وفي جمادى الأولى يوم الجمعة ركب الخليفة في الدست تظله الشمسية،
السوداء وعلى كريمه الطرحة، والكل مشاة. وخرج إلى ظاهر السور، ثم رد إلى جامع المنصور وصلى، وأقام بكشك الملكية أسبوعًا. وركب الجمعة الأخرى في موكبه، وصلى بجامع الرصافة، وركب في الشبارة الطويلة، تظله القبة السوداء، وأرباب الدولة قيام في السفن والخلق يدعون له.
وفيها أقطع طغرل الناصري الخاص البصرة بعد موت متوليها قسيم الدولة بهاء الدين.
وفي جمادى الآخرة ركب الناصر لدين الله في موكبه، وخرج إلى الصيد، وطاف البلاد والأعمال، وغاب أسبوعًا.
وفيها ولي نيابة دمشق عز الدين فرخشاه ابن أخي السلطان، وكان حازمًا، عاقلًا، شجاعًا، مقدامًا، كثير الحرمة.
سنة سبع وسبعين وخمسمائة
فيها قصد عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه الكرك بالعساكر وخربها، وعاد. وكان ملك الفرنج برنس لعنه الله قد سولت له نفسه قصد المدينة النبويه ليتملكها، فسار فروخشاه إلى بلد المذكور ونهبه، فآل البرنس بالخيبة.
وفي رجب ركب الخليفة في موكبه إلى الكشك، فنزل به، وقدم إلى بغداد بزرافة من صاحب جزيرة قيس.
وفيها أرسل من الديوان رسالة إلى السلطان صلاح الدين يأخذ عليه في أشياء، منها تسمّيه بالملك الناصر، مع علمه أن الإمام اختار هذه السمة لنفسه.
وفي شعبان ساق عز الدين مسعود وأخذ حلب، وكان الصالح إسماعيل بن نور الدين قد أوصى له بها.
وفي شوال تزوج بأم الصالح، ثم قايض أخاه عماد الدين بسنجار، وقدم عماد الدين فتسلم حلب.
سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
فيها تراخت الأسعار بالعراق.
وفيها وثب على عبد الوهاب الكردي صاحب قلعة الماهكي ابن عمه جوبان، فأخرجه منها، ونادى بشعار الدولة العباسية، فأرسلت إليه الخلعة والتقليد بولايتها.
وفيها وصل قاضي الموصل ووزيرها ابن الشهرزوري إلى الديوان العزيز يطلب أن يتقدم إلى السلطان صلاح الدين بالارتحال عن الموصل، فإنه نزل محاصرًا، ذاكرًا أن الخليفة أقطعه إياها، فأجيب سؤاله، وكتب إلى السلطان بالارتحال عنها. وسار إليه في الرسلية شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم.
وفيها افتتح ملك الروم قليج رسلان بن مسعود بلدًا كبيرًا بالروم كان للنصارى، وكتب إلى الديوان بالبشارة.
وافتتح فيها صلاح الدين حران، وسروج، وسنجار، ونصيبين، والرقة، والبيرة. ونازل الموصل وحاصرها، فبهره ما رأى من حصانتها، فرحل عنها، وقصده شاه أرمن بعساكر جمّة، واجتمع في ماردين بصاحبها، وفتح آمد. ثم رجع إلى حلب فتملكها، وعوّض صاحبها سنجار.
وفيها تفتّى الناصر لدين الله إلى الشيخ عبد الجبار، ولقب بشرف الفتوة عبد الجبار، وخلع عليه. وكان النقيب لهم أبا المكارم أحمد بن محمد بن دادا بن النيلي. وفتّى الناصر لدين الله في ذلك الوقت ولد رفيقه علي بن عبد الجبار، وخلع عليه وعلى النقيب.
وكان عبد الجبار هذا في مبدأ أمره شجاعًا مشهورًا، تهابه الفتيان، وتخافه الرجال. ثم ترك ذلك ولزم العبادة، وبنى لنفسه موضعًا، فأمر الخليفة بإحضاره حين تضوّع عبير أخباره، وتفتّى إليه، وجعل المعوّل في شرعها عليه.
وفيها خرج صلاح الدين من مصر غازيًا، وما تهيأ له العود إليها، وعاش بعد ذلك اثنتي عشرة سنة.
وفيها بعث صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين على مملكة اليمن، وإخراج نوّاب أخيه تورانشاه منها، فدخل إليها، وقبض على متولّي زبيد حطان بن منقذ الكناني. فيقال: إنه قتله سرًا، وأخذ منه أموالًا لا تحصى. وهرب منه عز الدين عثمان ابن الزنجيلي. وتمكن سيف الإسلام من اليمن.
وفيها مات عز الدين فروخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، فبعث عمه على نيابة دمشق شمس الدين محمد ابن المقدّم.
سنة تسع وسبعين وخمسمائة
في المحرم قدم رسول ملك مازندران، فتلقي وأكرم، ولم يكن لمرسله عادة بمراسلة الديوان، بل الله هداه من غيّ هواه، وقدم هدية.
وفيه جاء رجل إلى النظامية يستفتي، فأفتي بخلاف غرضه، فسب الشافعي، فقام إليه فقيهان، لكمه أحدهما، وضربه الآخر بنعله، فمات ليومه. فحبس الفقيهان أيامًا، وأطلقا عملًا بمذهب أبي حنيفة.
وفي جمادى الأولى قبض عز الدين مسعود صاحب الموصل على نائبه وأتابكه مجاهد الدين قايماز، وكان هو سلطان تلك البلاد في المعنى، وعز الدين معه صورة. ولكن انخرم عليه النظام بإمساكه وتعب، ثم إنه أخرجه وأعاده إلى رتبته.
وفي رمضان جاء إلى صلاح الدين بالرسلية شيخ الشيوخ، وبشير الخادم.
وفي شوال فرغ من رباط المأمونية وفتح، أنشأته والدة الناصر لدين الله، ومد به سماط، وحضره أرباب الدولة والقضاة والأئمة والأعيان، ورتب شهاب الدين السهروردي شيخًا به، ووقفت عليه الوقوف النفيسة.
وقدم رئيس أصبهان صدر الدين عبد اللطيف الخجندي للحج، فتلقّي بموكب الديوان، وأقيمت له الإقامات. وزعيم الحاج في هذه السنين مجير الدين طاشتكين.
ومن كتاب فاضلي إلى الديوان كان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرا، واقتضوا من البحر بكرا، وعمروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز، وأثخنوا وأوغلوا في البلاد، واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب، بل أهل القبلة، لما أومض إليهم من جلل العواقب.
وما ظن المسلمون إلا أنها الساعة، وقد نشر مطوي أشراطها، وانتظر غضب الله لفناء بيته المحرم، ومقام خليله الأكرم، وضريح نبيّه الأعظم صلّى الله عليهما وسلّم. ورجوا أن تشحذ البصائر آية كآية هذا البيت إذ قصده أصحاب الفيل، ووكلوا إلى الله الأمر، فكان حسبهم ونعم الوكيل.
وكان للفرنج مقصدان: أحدهما قلعة أيلة، والآخر الخوض في هذا البحر الذي تجاوره بلادهم من ساحله. وانقسموا فريقين: أما الذين قصدوا أيلة فإنهم قدروا أن يمنعوا أهلها من مورد الماء، وأما الفريق القاصد سواحل الحجاز واليمن فقدروا أن يمنعوا طريق الحاج عن حجه، ويحول بينه وبين فجّه، ويأخذ تجار اليمن وكارم وعدن ويلم بسواحل الحجاز فيستبيح، والعياذ بالله، المحارم.
وكان الأخ سيف الدين بمصر قد عمر مراكب، وفرقها على الفرقتين، وأمرهم بأن تطوى وراءهم الشقتين. فأما السائرة إلى قلعة أيلة فإنها انقضت على مرابطي الماء انقضاض الجوارح على بنات الماء، وقذفتها قذف شهب السماء، وكسرت أكثر مقاتلتها، إلا من تعلق بهضبة وما كاد، أو دخل في شعب وما عاد؛ فإن العربان اقتصوا آثارهم، والتزموا إحضارهم.
وأما السائرة إلى بحر الحجاز فتمادت في الساحل الحجازي، فأخذت تجارًا، وأخافت رفاقا، ودلها على عورات البلاد من هو أشد كفرًا ونفاقا. وهناك وقع عليها أصحابنا، وأخذت المراكب بأسرها، وفرّ فرنجها، فسلكوا في الجبال مهاوي المهالك، ومعاطن المعاطب.
وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب، يقتلون ويأسرون، حتى لم يتركوا مخبرًا، ولم يبقوا لهم
أثرًا وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرًا، وقيّد منهم إلى مصر مائة وسبعون أسيرًا.
وفي المحرم نزل صلاح الدين على حلب، ثم تسلمها صلحًا.
وفيها سار شهاب الدين الغوري بعد ما ملك جبال الهند، وعظم سلطانه إلى مدينة لهاوور في جيش عظيم وبها السلطان خسروشاه بن بهرام شاه السبكتكيني الذي كان صاحب غزنة من ثلاثين سنة، فحاصره مدةً، ثم نزل بالأمان فأكرمه ووفى له.
فورد رسول السلطان غياث الدين إلى أخيه يأمره بإرسال خسروشاه إليه، فقال له: أنا لي يمين في عنقك. فطيّب قلبه ومنّاه، وأرسله هو وولده، فلم يجتمع بهما غياث الدين بل رفعهما إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. وهذا آخر ملوك بني سبكتكين. وكان ابتداء دولتهم من سنة ست وستين وثلاثمائة، فتبارك الله الذي لا يزول ملكه.
وفيها عاد شيخ الشيوخ وبشير من الرسلية، ومعهما رسول صلاح الدين بتقدمتين كان منها شمسة، يعني جترا، وهي مصنوعة من ريش الطواويس، لم ير في حسنها، وعليها اسم المستنصر بالله معد العبيدي.
وتوفي الخلال أبو المظفر ابن البخاري نائب الوزارة، فولّي مكانه حاجب باب النوبي عز الدين أبو الفتح بن صدقة. وولي الحجابة أحمد بن هبيرة.
وعاد إلى الشام شيخ الشيوخ وبشير على الفور، فمرضا، وطلبا الرجعة إلى العراق، فقال صلاح الدين: أقيما. فلم يفعلا، وسارا في الحر، فماتا في الرحبة.
ونازل السلطان حلب، وحاصرها أشد حصار، ثم وقّع الصلح بين صاحبها عماد الدين وبين السلطان، على أن يعوّضه عنها سنجار ونصّيبين والرّقّة وسروج والخابور. وتسلّم حلب في ثاني عشر صفر. وفيه يقول القاضي محيي الدين ابن القاضي زكي الدين ابن المنتجب يمدحه بأبيات منها: وفتحكم حلبًا بالسيف في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب
وقد ذكر صاحب الروضتين أن الفقيه مجد الدين بن جهبل الحلبيّ الشافعيّ وقع إليه تفسير القرآن لأبي الحكم بن برّجان، فوجد فيه عند قوله تعالى: الم. غلبت الروم - أنّ الرّوم يغلبون في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ويفتح بيت المقدس، ويصير دارًا للإسلام إلى آخر الأبد. واستدلّ بأشياء في كتابه.
فلما فتحت حلب على يد السلطان صلاح الدين كتب إليه المجد بن جهبل ورقة يبشّره بفتح القدس على يديه، ويعيّن فيه الزمان، وأعطاها للفقيه عيسى. فلم يتجاسر أن يعرضها على السلطان، وحدّث بما فيها لمحيي الدين، وكان واثقًا بعقل المجد وأنّه لا يقول هذا حتّى يحققه، فعمل القصيدة التي فيها هذا البيت.
فلما سمعه السلطان بهت وتعجّب، فلما اتفق له فتح القدس في رجب سار إليه المجد مهنّئًا، وذكر له حديث الورقة، فتعجّب وقال: قد سبق إلى ذلك محيي الدين، غير أني أجعل لك حظًّا.
ثم جمع له من في العسكر من الفقهاء والصّلحاء، ثم أدخله بيت المقدس والفرنج بعد فيه لم ينظّف منهم، وأمره أن يذكر درسًا على الصّخرة. فدخل ودرّس هناك، وحظي بذلك.
ثم قال أبو شامة: وقفت أنا على ما فسره ابن برّجان من أن بيت المقدس استولت عليه الروم عام سبعة وثمانين وأربعمائة، وأشار إلى أنّه يبقى بأيديهم إلى تمام خمسمائة وثلاث وثمانين سنة.
قال أبو شامة: وهذا الذي ذكره أبو الحكم من عجائب ما اتّفق. وقد تكلّم عليه شيخنا السّخاويّ، فقال: وقع في تفسير أبي الحكم إخبار عن بيت المقدس، وأنّه يفتح في سنة ثلاث وثمانين. قال: فقال لي بعض الفقهاء: إنّه استخرج ذلك من فاتحة السّورة. فأخذت السّورة، وكشفت عن ذلك، فلم أره
أخذ ذلك من الحروف، وإنّما أخذه فيما زعم من غلبت الرّوم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجّمون، ثم ذكر أنهم يغلبون في سنة كذا، وفي سنة كذا، على ما تقتضيه دوائر التقدير.
وهذه نجامة وافقت إصابة إن صحّ أنّه قال ذلك قبل وقوعه، وليس ذلك من الحروف، ولا هو من قبيل الكرامات؛ فإنّ الكرامة لاتكتسب، ولا تفتقر إلى تاريخ، ولذلك لم يوافق الصّواب لمّا أراد الحساب على القراءة الأخرى الشّاذّة وهي غلبت بالفتح، ويوضح ذلك أنه قال في سورة القدر: لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه. فهذا ما ذكره.
ومن كتاب إلى الديوان: أشقى الأمراء من سمّن كيسه وأهزل الخلق، وأبعدهم من الحق من أخذ المكس وسمّاه الحق. ولمّا فتحنا الرّقّة أشرفنا على سحت يؤكل، وظلم ممّا أمر الله به أن يقطع، وأمر الظالمون أن يوصل - فأوجبنا على كافّة الولاة من قبلنا أن يضعوا هذه الرسوم بأسرها، ويلقوا الرعايا من بشائر أيام ملكنا بأسرها، وتعتق الرقّة من رقها، وتسدّ هذه الأبواب وتعطّل، وتنسخ هذه الأمور وتبطل، ويعفى خبر هذه الضرائب من الدواوين، ويسامح بها جميعها جميع الأغنياء والمساكين مسامحة ماضية الأحكام، دائمة الخلود، خالدة الدوام، تامّة البلاغ، بالغة التمام، ملعونا من يطمح إليها ناظره.
ومنه: وإذا ولاّه أمير المؤمنين ثغرًا لم يثبت في وسطه، ولم يقم في ظل غرفه، بل يبيت السّيف له ضجيعًا، ويصبح ومعترك الحرب له ربيعًا، لا كالذين يغبون أبواب الخلافة إغباب الاستبداد، ولا يؤامرونها في تصرّفاتها مؤامرة الاستعباد، وكأن الدنيا لهم إقطاع لا إيداع، وكأن الإمارة لهم تخليد لا تقليد.
وكأن السلاح عندهم زينة لحامله ولابسه، وكأن مال الله عندهم وديعة لا عذر لمانعه ولا لحابسه. وكأنهم في البيوت الدّمى في لزوم خدورها، لا في مستحسنات صورها. راضين من الدّين بالعروة اللقبية، ومن إعلاء كلمته
بما يسمعونه على الدّرجات الخشبيّة، ومن جهاد الخوارج باستحسان الأخبار المهلّبيّة، ومن قتال الكفّار بأنّه فرض كفاية، تقوم به طائفة فيسقط عن الأخرى.
وفيها سار السلطان بجيوشه إلى الكرك فحاصرها، ونصب عليها المجانيق. ثم جاءته الأخبار باجتماع الفرنج، فترك الكرك، وسار إليهم بعد أن كان أشرف على أخذها، فخالفوه في الطريق إلى الكرك، وأتوا إليها بجموعهم. فسار إلى نابلس، ثم إلى دمشق.
وأعطى أخاه نائب مصر الملك العادل سيف الدّين حلب وأعمالها، فإنّه ألحّ عليه في طلبها. فسار إليها، وانتقل منها الملك الظاهر غازي، وقدم على والده. وبعث السلطان ابن عمّه الملك المظفّر تقي الدّين عمر صاحب حماة على نيابة الدّيار المصريّة موضع الملك العادل.
سنة ثمانين وخمسمائة
فيها جعل الخليفة الناصر مشهد موسى الكاظم أمنًا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلق، وحصل بذلك مفاسد.
وفي صفر راهن رجل ببغداد على خمسة دنانير أن يندفن من غدوة إلى الظّهر، فدفن وأهيل عليه التراب، ثمّ كشف عنه وقت الظّهر، فوجد ميتًا وقد عضض سواعده لهول ما رأى.
وفيها كتب زين الدّين بن نجيّة الواعظ كتابًا إلى صلاح الدّين يشوّقه إلى مصر ويصف محاسنها، ومواضع أنسها. فكتب إليه السلطان بإنشاء العماد فيما أظنّ: ورد كتاب الفقيه زين الدّين: لا ريب أنّ الشام أفضل، وأجر ساكنه أجزل، وأنّ القلوب إليه أميل، وأنّ زلاله البارد أغلى وأنهل، وأنّ الهواء في صيفه وشتائه أعدل، وأنّ الجمال فيه أجمل وأكمل، وأنّ القلب به أروح، وأنّ الروح به أقبل؛ فدمشق عاشقها مستهام، وما على محبّها ملام. وما في ربوتها ريبة، ولكلّ نور فيها شبيبة، وساجعاتها على منابر الورق خطباء تطرب،
وهزاراتها وبلابلها تعجم وتعرب، وكم فيها من جوار ساقيات، وسواق جاريات، وأثمار بلا أثمان، وفاكهة ورمّان، وخيرات حسان.
وكونه تعالى أقسم به فقال: والتين والزّيتون - يدلّ على فضله المكنون. وقال صلى الله عليه وسلم: الشام صفوة الله من بلاده، يسوق إليها خيرته من عباده. وعامّة الصحابة اختاروا به المقام. وفتح دمشق بكر الإسلام.
وما ينكر أنّ الله تعالى ذكر مصر، لكنّ ذلك خرج مخرج العيب له والذّمّ؛ ألا ترى أنّ يوسف عليه السلام نقل منها إلى الشام؟
ثم المقام بالشام أقرب إلى الرّباط، وأوجب للنشاط. وأين قطوب المقطّم من سنا سنير؟ وأين ذرى منف من ذروة الشرف المنير؟ وأين لبانة لبنان من الهرمين؟ وهل هما إلاّ مثل السّلعتين؟ وهل للنّيل مع طول نيله وطول ذيله برد بردى في نفع العليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل.
وإن فاخرنا بالجامع وفيه النّسر، ظهر بذلك قصر القصر، ولو كان لهم مثل باناس لما احتاجوا إلى قياس المقياس، ونحن لا نجفو الوطن كما جفوته، وحبّ الوطن من الإيمان. ونحن لا ننكر فضل مصر، وأنّه إقليم عظيم، ولكن نقول كما قال المجلس الفاضليّ: إنّ دمشق تصلح أن تكون بستانًا لمصر.
وفيها هجم السّلطان نابلس، وكان وصل لنجدته عسكر ديار بكر وعسكر آمد والحصن والعادل من حلب، وتقيّ الدين من حماة، ومظفّر الدّين صاحب إربل. هكذا ذكر أبو المظفّر في مرآته. قال: نازل الكرك ونصب عليها
المجانيق، فجاءتها نجدات الفرنج من كل فجّ، وأجلبوا وطلبوا. واغتنم السلطان خلوّ السواحل منهم، ورأى أنّ حصارهم يطول، فسار ونزل الغور وهجم نابلس، فقتل وسبى، وطلع على عقبة فيق، ودخل دمشق.
وأما ابن الأثير فقال: نازل الكرك، ونصب المنجنيقات على ربضه وملكه، وبقي الحصن وهو والرّبض على سطح واحد، إلاّ أنّ بينهما خندقًا عظيمًا، عمقه نحو ستين ذراعًا.
فأمر السلطان بإلقاء الأحجار والتراب فيه ليطمّه، فلم يقدروا على الدنوّ منه لكثرة النشّاب وأحجار المجانيق، فأمر أن يلقى من الأخشاب واللّبن ما يمكن الرجال يمشون تحت السقائف، فيلقون في الخندق ما يطمّه، ومجانيق المسلمين مع ذلك ترمي الحصن ليلًا ونهارًا.
فاجتمعت الفرنج عن آخرها، وساروا عجلين، فوصل صلاح الدّين إلى طريقهم يتلقّاهم، فقرب منهم، ولم يمكن الدنوّ منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك. فأقام ينتظر خروجهم إليه، فلم يبرحوا منه، فتأخّر عنهم، فساروا إلى الكرك.
فعلم صلاح الدّين أنّه لا يتمكّن منهم حينئذ، ولا يبلغ غرضه، فسار إلى نابلس، ونهب كل ما على طريقه من قرى الفرنج، وأحرق نابلس وأسر وسبى، واستنقذ الأسرى. وبثّ السّرايا يمينًا وشمالًا.
قال: وفي شعبان خرج ابن غانية الملثّم وهو علي بن إسحاق، من كبار الملثّمين الذين كانوا ملوك المغرب، وهو حينئذ صاحب ميورقة - إلى بجاية، فملكها بقتال يسير. وذلك إثر موت يوسف بن عبد المؤمن، فقويت نفس ابن غانية وكثر جموعه، ثم التقاه متولي بجاية، وكان غائبًا عنها.
وكسر علي متولي بجاية، فانهزم إلى مرّاكش، واستولى ابن غانية على أعمال بجاية سوى قسنطينية الهواء، فحصرها إلى أن جاء جيش الموحدين في صفر سنة إحدى وثمانين في البر والبحر إلى بجاية، فهرب منها أخوا ابن غانية فلحقا به.
فترحّل عن قسنطينية، وسار إلى إفريقية، فحشد وجمع، والتف عليه سليم ورياح والترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش وبوزبا.
وصاروا في جيش عظيم، فتملّك بهم ابن غانية جميع بلاد إفريقية سوى تونس والمهديّة، حفظتهما عساكر الموحدين على شدة وضيق نالهم. وانضاف إلى ابن غانية كل
مفسد وكل حرامي، وأهلكوا العباد والبلاد.
ونزل على جزيرة باشو وهي بقرب تونس، تشتمل على قرى كثيرة، فطلب أهلها الأمان فأمنهم. فلما دخل عسكره نهبوها وسلبوا الناس، وامتدت أيديهم إلى الحريم والصبيان، والله المستعان.
وأقام ابن غانية بإفريقية الخطبة العباسية، وأرسل إلى الناصر لدين الله يطلب منه تقليدًا بالسلطنة. ونازل قفصة في سنة اثنتين وثمانين، فتسلمها من نوّاب ابن عبد المؤمن بالأمان وحصنها. فجهّز يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن جيوشه.
وسار في سنة ثلاث لحربه، فوصل إلى تونس، وبعث ابن أخيه في ستة آلاف فارس، فالتقوا، فانهزم الموحدون؛ لأنهم كان معهم جماعة من الترك، فخامروا عليهم حال المصاف، وقتل جماعة من كبار الموحدين. وكانت الوقعة في ربيع الأول سنة ثلاث.
فسار يعقوب بنفسه، فالتقوا في رجب بالقرب من مدينة قابس فانهزم ابن غانية، واستحر القتل بأصحابه فتمزّقوا، ورجع يعقوب إلى قابس فافتتحها، وأخذ منها أهل قراقوش، فبعثهم إلى مراكش.
ونازل قفصة فحاصرها ثلاثة أشهر وبها الترك، فتسلّموها بالأمان. وبعث بالأتراك ففرقهم في الثغور لما رأى من شجاعتهم. وقتل طائفةً من الملثمين، وهدم أسوار قفصة، وقطع أشجارها.
واستقامت له إفريقية بعدما كادت تخرج عن بيت عبد المؤمن. وامتدت أيام ابن غانية إلى حدود عام ثلاثين وستمائة.
وفي جمادى الأولى جمع السلطان الجيوش، وسار إلى الكرك فنازلها، ونزل بواديها، ونصب عليها تسعة مجانيق قدّام الباب، فهدّمت السور، ولم يبق مانع إلاّ الخندق العميق، فلم تكن حيلة إلاّ ردمه، فضرب اللّبن، وجمعت الأخشاب، وعملوا مثل درب مسقوف يمرّون فيها، ويرمون التراب في الخندق، إلى أن امتلأ، بحيث إنّ أسيرًا رمى بنفسه من السور إليه ونجا.
وكاتبت الفرنج من الكرك سائر ملوكهم وفرسانهم يستمدّون بهم، فأقبلوا من كلّ فجّ في حدّهم وحديدهم، فنزلوا بمضايق الوادي، فرحل السلطان، ونزل على البلقاء، وأقام ينتظر اللقاء. فما تغيّروا، فتقهقر عن حسبان فراسخ، فوصلوا إلى الكرك، فقصد السلطان الساحل لخلوّه، ونهب كلّ ما في طريقه، وأسر وسبى، فأكثر وبدّع بسبسطيَة وجينين، ثم قدم دمشق.
ومن كتاب عماديّ في حصار الكرك يقول: لولا الخندق الذي هو وادٍ لسهل المشرع، فعملنا دبّابات قدّمناها، وبنينا إلى شفيره ثلاثة أسراب باللّبن وسقفناها، وشرعنا في الطمّ، وتسارع الناس، ولم يبق إلاّ من يستبشر بالعمل، وتجاسروا حتى ازدحموا نهارًا، كازدحامهم يوم العيد وليلًا كاجتماعهم في جامع دمشق ليلة النصف السعيد، وهم من الجراح سالمون، وبنصر الله موقنون.
وإن أبطأ العدوّ عن النجدة فالنصر قريب سريع، والحصن بمن فيه صريع، قد خرقت الحجارة حجابه، وقطعت بهم أسبابه، وناولته من الأجل كتابه، وحسرت لثام سوره وحلت نقابه، فأنوف الأبراج مجدوعة، وثنايا الشرفات مقلوعة ورؤوس الأبدان محزوزة، وحروف العوامل مهموزة، وبطون السقوف مبقورة، وأعضاء الأساقف معقورة، ووجوه الجدر مسلوخة، وجلود البواشير مبشورة، والنّصر أشهر من نار على علم، والحرب أقوم من ساق على قدم.
وقدم السلطان وبدمشق الرسولان شيخ الشيوخ صدر الدّين والطواشي بشير، فمرضا، ومات جماعة من أصحابهما. وكان الشيخ نازلًا بالمنيبع، فكان السلطان يعوده في كلّ يوم. وكان قدومهما في الصلح بين السلطان وبين عزّ الدّين صاحب الموصل، فلم ينبرم أمر. فطلبا العود إلى بغداد، وعادا، فمات بشير بالسّخنة، وشيخ الشيوخ بالرحبة.
وأذن السلطان للجيوش بالرجوع إلى أوطانهم، وخلع على نور الدّين بن قرا رسلان صاحب حصن كيفا الخلعة التي جاءته هذه المرّة من الخليفة بعد أن لبسها السلطان. ثم كتب لزين الدّين يوسف ابن زين الدّين عليّ صاحب إربل منشورًا بإربل وأعمالها لمّا اعتزى إليه، وفارق صاحب الموصل.
ثم وصلت رسل زين الدّين يوسف إلى السلطان بأنّ عسكر الموصل وعسكر قزل صاحب العجم نازلوا إربل مع مجاهد الدّين قيماز. وأنّهم نهبوا وأحرقوا، وأنّه نصر عليهم وكسرهم، فكان هذا ممّا حرّك عزم السلطان على قصد الموصل هذه المرّة. فسار السلطان على طريق البقاع وبعلبك، ثمّ حمص وحماة، فأقام بحماة إلى انسلاخ السّنة.
وفيها مات صاحب ماردين قطب الدّين إيلغازي ابن نجم الدّين الأرّتقيّ.
بسم الله الرحمن الرحيم
(ال وفيات)
سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
1 -
أحمد بن عليّ بن محمد بن العبّاس
، الشريف أبو جعفر ابن المقشوط، الهاشميّ، البغداديّ.
توفّي في ربيع الآخر.
2 -
إسماعيل بن إبراهيم بن محمد
، أبو محمد القيسيّ الدمشقيّ الواعظ.
سمع من ابن الأكفاني، وغيره. وعنه أبو القاسم بن صصرى.
3 -
الخضر بن محمد بن نمر
، أبو الحسن الإشبيليّ الضرير الفقيه الظاهريّ.
قال الأبّار: كان يجتمع إليه، ويناظر عليه. أخذ عنه مفرّج بن حسين الضّرير، وغيره.
4 -
طغدي بن خمارتكين
، أبو محمد التركّيّ، من شيوخ بغداد.
سمع أبا القاسم الرّبعيّ، وابن بدران الحلوانيّ. روى عنه ابن الأخضر، ومنصور بن السكن، وغيره.
توفيّ في ذي الحجّة.
5 -
عبد الله بن حمزة بن محمد بن سماوة
، أبو الفرج الكرمانيّ، ثم الجيرُفتيّ، ثم الدّمشقيّ.
تفقّه على جمال الإسلام السّلميّ، وولي خطابة دومة زمانًا. روى عن جمال الإسلام. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: كان ثقة صالحًا.
توفّي في ربيع الآخر، وهو في عشر الثمانين.
وروى عنه أيضًا أبو القاسم بن صصرى.
6 -
عبد الله بن محمد بن سهل
، أبو محمد الغرناطيّ الضرير المقرئ، ويعرف بوجه نافخ.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن درّيّ ولازمه. وعن عبد الرحيم بن الفرس وسمع منهما، ومن غالب بن عطيّة، وجماعة. وأجاز له أبو عليّ بن سكّرة، وغيره.
قال الأبّار: كان بارعًا في العربية. حدّث عنه ابنه أبو عبد الله، وابن عيّاد. توفّي في ذي القعدة.
7 -
عبد الحقّ بن سليمان
، أبو عبد الله القيسيّ التلمسانيّ، قاضي تلمسان.
سمع القاضي أبا بكر ابن العربيّ، وغيره.
قال الأبّار: كان جليل القدر، عظيم الوجاهة، يستظهر مقامات الحريريّ، ثم تزهّد ورفض الدنيا، وحجّ وجاور، وأجهد نفسه صلاةً وصومًا وطوافًا. وتوفّي بالمدينة النبويه كهلًا.
*- عبد الرحمن بن خلف الله بن عطيّة. في المتوفّين تقريبًا.
8 -
عبد الرحمن بن محمد بن محمد
، أبو محمد السلميّ المكناسيّ الكاتب الأديب.
قال الأبّار: ختمت به البلاغة بالأندلس، ورأس في الكتابة. وديوان رسائله بأيدي الناس يتنافسون فيه. وكتب لأبي عبد الله محمد بن سعد، وغيره من الأمراء. وتوفّي كهلًا، رحمه الله.
9 -
عثمان بن عبد الملك اللّخميّ الصفّار الواعظ
.
سمع أبا الحسن ابن العلاّف، وابن فتحان الشّهرزوريّ، وابن بيان. روى عنه ابن الأخضر، وغيره.
10 -
عليّ بن إبراهيم بن محمد بن عيسى بن سعد الخير
، أبو الحسن البلنسيّ البلد الأنصاريّ النحويّ.
قال الأبّار: سمع من أبي محمد القلني وأبي الوليد ابن الدبّاغ. ولازم أبا الحسن ابن النّعمة وتأدّب به، وكان عالمًا بالعربية واللغة، إمامًا في ذلك، أقرأها حياته كلّها.
وكان بارع الخط، كاتبًا بليغًا، شاعرًا مجيدًا، مولّدًا. وكانت فيه غفلة معروفة، وله مصنّف على كتاب الكامل للمبرّد، وغير ذلك. توفّي بإشبيلية في ربيع الآخر. وقيل: توفّي سنة سبعين.
11 -
عليّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين
، الحافظ الكبير أبو القاسم ثقة الدّين ابن عساكر الدمشقيّ، الشّافعيّ، صاحب تاريخ دمشق، أحد أعلام الحديث.
ولد في مستهلّ سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وسمّعه أخوه الصّائن هبة الله سنة خمس وخمسمائة وبعدها من الشريف أبي القاسم النّسيب، وأبي القاسم قوام بن زيد، وأبي الوحش سبيع بن قيراط، وأبي طاهر محمد بن الحسين الحنّائيّ، وأبي الحسن ابن الموازينيّ، وأبي الفضائل الماسح، ومحمد بن علي المصّيصيّ.
ثم سمع بنفسه من أبي محمد ابن الأكفاني، وأبي الحسن بن قبيس المالكي، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل، ومن بعدهم.
ورحل إلى بغداد سنة عشرين، فأقام بها خمس سنين. وحجّ في سنة
إحدى وعشرين، فسمع بمكّة من عبد الله بن محمد بن الغزال المصريّ صاحب كريمة المروزيّة.
وسمع ببغداد من أبي القاسم بن الحصين، وأبي الحسن الدّينوريّ، وأبي العزّ بن كادش، وقراتكين بن أسعد، وأبي غالب ابن البنّاء، والبارع أبي عبد الله الدبّاس، وهبة الله الشّروطيّ، وخلق كثير.
وعلّق مسائل الخلاف على أبي سعد إسماعيل بن أبي صالح المؤذّن. ولازم الدّرس والتفقّه بالنظاميّة، ورجع بعلم جمّ وسماعات كثيرة. وسمع بالكوفة من عمر بن إبراهيم العلويّ.
ثم رحل سنة تسع وعشرين على أذربيجان إلى خراسان، وجال في بلادها، ودخل إلى أصبهان، وبقي في هذه الرحلة نحو أربع سنين، فسمع أبا عبد الله محمد بن الفضل الفراويّ، وعبد المنعم ابن القشيريّ، وهبة الله السيّديّ، وتميم بن أبي سعيد الجرجانيّ الهرويّ، ويوسف بن أيوب الزّاهد، وزاهر بن طاهر الشّحّاميّ، والحسين بن عبد الملك الأديب، وسعيد بن أبي الرّجاء، وغانم بن خالد، وإسماعيل بن محمد الحافظ، والموجودين في هذا العصر.
وخرّج أربعين حديثًا في أربعين بلدًا كالسلفيّ. وعدّة شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ وثمانون امرأة ونيّف. وحدّث بخراسان، وأصبهان، وبغداد. وسمع منه الكبار كالحافظ أبي العلاء الهمذانيّ، والحافظ أبي سعد السّمعانيّ.
وصنّف التصانيف المفيدة، ولم يكن في زمانه أحفظ ولا أعرف بالرجال منه. ومن تصفّح تاريخه علم قدر الرجل.
وأجاز له من الكبار: أبو الحسن ابن العلاّف، وأبو القاسم بن بيان، وأبو علي بن نبهان، وأبو الفتح أحمد بن محمد الحدّاد، وغانم البرجيّ، وأبو بكر بن عبد الغفّار الشيروييّ، وأبو علي الحداد، وأبو صادق مرشد بن يحيى، وأبو عبد الله الرّازيّ، وطائفة.
روى عنه ابنه القاسم، وبنو أخيه فخر الدّين أبو منصور، وتاج الأمناء، وزين الأمناء، وعبد الرحيم، وعزّ الدين النسّابة محمد ابن تاج الأمناء، والحافظ أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم الحسين، والقاضي أبو
القاسم ابن الحرستانيّ، وأبو جعفر القرطبيّ، والحافظ عبد القادر، وأبو الوحش عبد الرحمن بن نسيم، والحسن بن عليّ الصّيقليّ، وصالح بن فلاح الزّاهد، وظهير الدين عبد الواحد بن عبد الرحمن بن سلطان القرشيّ، وأبو العزّ مظفّر بن عقيل الشّيبانيّ الصفار والد النجيب.
والصائن نصر الله بن عبد الكريم بن الحرستانيّ، والبدر يونس بن محمد الفارقيّ الخطيب، والقاضي أبو نصر بن الشيرازي، ومحمد ابن أخي الشيخ أبي البيان، وعبد القادر بن الحسين البغدادي، ونصر الله بن فتيان، وإبراهيم وعبد العزيز ابنا الخشوعي.
ويونس بن منصور السقباني، وإدريس بن الخضر السقباني، ومحمد بن رومي السقباني، وحاطب بن عبد الكريم المزّي، وذاكر بن عبد الوهاب السقباني، وذاكر الله بن أبي بكر الشعيري، ومحمد بن غسان، ومحمد بن عبد الكريم بن الهادي، والمسلم بن أحمد المازني، وعبد العزيز بن محمد ابن الدجاجية، وعبد الرحمن بن عبد المؤمن زريق العطار، وشعبان بن إبراهيم، ومحمد بن أحمد بن زهير، ومحمود بن خضير الدارانيون.
وعبد الرحمن بن راشد البيت سوائي، ونجم الأمناء عبد الرحمن بن علي الأزدي، وعمر بن عبد الوهاب ابن البراذعي، وعتيق السلماني، وبهاء الدين علي ابن الجمّيزي، وعبد المنعم بن محمد بن محمد بن أبي المضاء نزيل حماة، ومات في آخر سنة أربع وأربعين، والرشيد أحمد بن مسلمة، وعبد الواحد بن هلال، وخلق آخرهم وفاةً أبو محمد مكي بن المسلم بن علان.
وقد روى عنه الكثير أبو سعد السمعاني، ومات قبل ابن علان بتسعين سنة.
فمن تصانيفه: التاريخ ثمانمائة جزء، والموافقات اثنان وسبعون جزءا، والأطراف التي للسنن ثمانية وأربعون جزءًا، وعوالي مالك أحد وثلاثون جزءًا، والتالي لحديث مالك العالي تسعة عشر جزءا، وغرائب مالك عشرة أجزاء، ومعجم القرى والأمصار جزء، ومعجم شيوخه اثنا عشر جزءًا، ومناقب الشبان خمسة عشر جزءًا، وفضل أصحاب الحديث أحد عشر جزءًا. والسباعيات سبعة أجزاء، وكتاب تبيين كذب المفتري فيما
نسب إلى الأشعري مجلّد، والمسلسلات له مجلّد، وكتاب فضل الجمعة مجلّد، والأربعون الطوال ثلاثة أجزاء، وعوالي شعبة مجلّد، وكتاب الزّهادة في ترك الشهادة مجلّد، وعوالي الثوريّ مجيليد، والأربعون الجهاديّة، والأربعون البلديّة، والأربعون الأبدال. ومسند أهل داريّا مجلّد، ومن وافقت كنيته كنية زوجته مجلد صغير، وشيوخ النبل مجلد لطيف، وحديث أهل صنعاء الشام مجلد صغير، وحديث أهل قرية البلاط مجلد صغير، وفضائل عاشوراء ثلاثة أجزاء، وكتاب الزلازل ثلاثة أجزاء، وثواب المصاب بالولد جزآن، وطرق قبض العلم جزء، وكتاب فضل مكّة، وكتاب فضل المدينة، وكتاب فضل القدس، وجزء فضائل عسقلان، وجزء فيمن نزل المزّة. وجزء في فضائل الرّبوة والنيرب، وجزء في مقام إبراهيم وبرزة، وجزء في أهل قرية الحِميريين، وجزء أهل كفرسوسية، وجزء أهل كفربطنا، وجزء بيت قوفا، وبيت رانس، وجزء سعد بن عبادة، والمنيحة، وجزء أهل حرستا، وجزء أهل زملكا، وجزء بيت لِهيا، وجزء جوبر، وجزء أهل حردان، وجزء أهل جدَيا، وجزء أهل برزة، وجزء أهل منين، وجزء أهل بيت سوا، وجزء أهل بعلبك، وجزء المبسوط لمنكر حديث الهبوط، والجواهر واللآلئ ثلاثة أجزاء، وغير ذلك.
وأملى أربعمائة مجلس وثمانية مجالس في فنون شتّى، وخرّج لشيخه أبي غالب ابن البنّاء مشيخة، ولشيخه جمال الإسلام مشيخة، وأربعين حديثًا مصافحات لرفيقه أبي سعد السّمعانيّ، وأربعين حديثًا مساواة لشيخه الفراويّ.
وخرّج في آخر عمره لنفسه كتاب الأبدال ولم يتمّه، ولو تمّ لجاء في نحو مائتي جزء.
ذكره ابن السمعاني في تاريخه فقال: كثير العلم، غزير الفضل، حافظ، ثقة، متقن، ديّن، خيّر حسن السّمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبّت، محتاط. رحل وتعب، وبالغ في الطلب
إلى أن جمع ما لم يجمع غيره، وأربى على أقرانه.
ودخل نيسابور قبلي بشهر أو نحوه في سنة تسع وعشرين، فسمع بقراءتي وسمعت بقراءته مدّة مقامنا بها، إلى أن اتّفق خروجه إلى هراة وخروجي إلى أصبهان. واجتمعت به ببغداد بعد رجوعه في سنة ثلاث وثلاثين. وسمعت منه كتاب المجالسة بدمشق، ومعجم شيوخه. وكان قد شرع في التاريخ الكبير لمدينة دمشق، وصنّف التصانيف، وخرّج التخاريج.
وقرأت بخط ابن الحاجب قال: حدّثني زين الأمناء قال: حدّثني ابن القزوينيّ عن والده مدرّس النّظاميّة، يعني أبا الخير، قال: حكى لنا أبو عبد الله الفراويّ قال: قدم أبو القاسم ابن عساكر فقرأ عليّ ثلاثة أيام، فأكثر وأضجرني، وآليت على نفسي أن أغلق الغد بابي وأمتنع. فلما أصبحت قدم عليّ شخص فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك. قلت: مرحبًا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي: امض إلى الفراويّ وقل له: قدم بلدكم رجل من الشام أسمر اللون يطلب حديثي، فلا يأخذك منه ضجر ولا ملل. قال القزوينيّ: فوالله ما كان الفراويّ يقوم من المجلس حتّى يقوم الحافظ ابتداء منه.
وقال ابنه القاسم أبو محمد الحافظ: كان رحمه الله مواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم في كلّ جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية. وكان كثير النوافل والأذكار.
وكان يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة. وقال لي: لمّا حملت بي أمّي رأت في منامها قائلا يقول لها: تلدين غلامًا يكون له شأن.
وحدّثني أنّ أباه رأى رؤيا معناها: يولد لك ولد يحيي الله به السنّة. حدّثني أبي رحمه الله قال: كنت يوما أقرأ على أبي الفتح المختار بن عبد الحميد وهو يتحدّث مع الجماعة، فقال: قدم علينا أبو عليّ ابن الوزير، فقلنا: ما رأينا مثله. ثم قدم علينا أبو سعد ابن السمعاني، فقلنا: ما رأينا مثله، حتّى قدم علينا هذا، فلم نر مثله.
وحكى لي أبو الحسن عليّ بن إبراهيم الأنصاريّ الحنبليّ عن أبي الحسن سعد الخير قال: ما رأينا في سنّ الحافظ أبي القاسم مثله. وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن المسعوديّ قال: سمعت أبا العلاء الهمذانيّ يقول لرجل، وقد استأذنه أن يرحل، فقال: إن عرفت
أستاذًا أعرف منّي أو في الفضل مثلي فحينئذ آذن لك أن تسافر إليه، إلاّ أن تسافر إلى الحافظ ابن عساكر؛ فإنّه حافظ كما يجب. فقلت: من هذا؟ فقال: حافظ الشام أبو القاسم يسكن دمشق. وأثنى عليه.
وكان يجري ذكره عند خطيب الموصل أبي الفضل، فيقول: ما نعلم من يستحقّ هذا اللقب اليوم، أعني الحافظ، ويكون به حقيقًا سواه. كذا حدّثني أبو المواهب بن صصرى، وقال: لمّا دخلت همذان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء، وقال لي: أنا أعلم أنّه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد، فلو خالق الناس ومازجهم كما أصنع إذًا لاجتمع عليه الموافق والمخالف.
وقال لي يوماً: أيّ شيء فتح له، وكيف ترى الناس له؟ قلت: هو بعيد من هذا كلّه، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلاّ بالجمع والتصنيف والتّسميع حتى في نزهه وخلواته. فقال: الحمد لله، هذا ثمرة العلم، ألا إنّا قد حصل لنا هذا المسجد والدار والكتب، هذا يدلّ على قلّة حظوظ أهل العلم في بلادكم. ثم قال لي: ما كان يسمّى أبو القاسم ببغداد إلاّ شعلة نار من توقّده وذكائه وحسن إدراكه.
وقال أبو المواهب: أمّا أنا فكنت أذاكره في خلواته عن الحفّاظ الذين لقيهم، فقال: أمّا ببغداد فأبو عامر العبدريّ، وأمّا بأصبهان فأبو نصر اليونارتيّ، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهر منه. فقلت له: فعلى هذا ما رأى سيّدنا مثله؟ فقال: لا تقل هذا، قال الله تعالى: فلا تزكّوا أنفسكم. قلت: وقد قال تعالى: وأمّا بنعمة ربّك فحدّث. فقال: نعم، لو قال قائل: إنّ عيني لم تر مثلي - لصدق.
قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدّة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأوّل إلاّ من عذر، والاعتكاف في رمضان وعشر ذي الحجّة، وعدم التطلّع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدّور.
وقد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه. وقلّة التفاته إلى الأمراء، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم.
قال لي: لمّا عزمت على التّحديث، والله المطّلع أنّه ما حملني على ذلك حبّ الرياسة والتقدّم، بل قلت: متى أروي كلّ ما سمعت؟ وأيّ فائدة
في كوني أخلّفه بعدي صحائف؟ فاستخرت الله تعالى، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكلٌّ قال: ومن أحق بهذا منك؟ فشرعت في ذلك في سنة ثلاث وثلاثين.
وقال عمر بن الحاجب الحافظ: حكى لي زين الأمناء أنّ الحافظ لمّا عزم على الرحلة اشترى جملًا، وتركه بالخان. فلما رحل القفل تجهّز، وخرج فوجد الجمال قد مات. فقال له الجماعة الذين خرجوا لوداعه: ارجع؛ فما هذا فأل مبارك! وفنّدوا عزمه، فقال: والله، لو مشيت راجلًا لا أثنيت عزمي، وحمل خرجه لما شرع، وتبع الركب، واكترى منهم في القصير. وكانت طريقه مباركة.
وقال أبو محمد القاسم: قال لي والدي: لمّا قدمت في سفري: قال لي جدّي القاضي أبو المفضّل يحيى بن علي: اجلس إلى سارية من هذه السواري حتّى نجلس إليك. فلمّا عزمت على الجلوس اتّفق أنّه مرض ولم يقدر له بعد ذلك خروج إلى المسجد.
وكان أبي رحمه الله قد سمع أشياء لم يحصّل منها نسخًا اعتمادًا على نسخ رفيقه الحافظ أبي عليّ ابن الوزير، وكان ما حصّله ابن الوزير لا يحصّله أبي وما حصله أبي لا يحصله ابن الوزير. فسمعته يقول: رحلت، وما كأني رحلت.
كنت أحسب أن ابن الوزير يقدم بالكتب مثل الصحيحين، وكتب البيهقي والأجزاء، فاتفق سكناه بمرو، وكنت أؤمل وصول رفيق آخر يوسف بن فارو الجياني، ووصول رفيقنا المرادي، وما أرى أحدًا منهم قدم. فلا بد من الرحلة ثالثًا وتحصيل الكتب والمهمات. فلم يمض إلا أيام يسيرة حتى قدم أبو الحسن المرادي، فأنزله أبي عندنا، فقدم بأربعة أسفاط كتب مسموعة، ففرح أبي بذلك، وكفاه الله مؤونة السفر.
وأقبل على النسخ والاستنساخ، وقابل، وبقي من مسموعاته نحو ثلاثمائة جزء، فأعانه عليها ابن السمعاني، ونقل إليه منها جملةً حتى لم يبق عليه أكثر من عشرين جزءًا. وكان كلما حصل له جزء منها كأنه قد حصل على ملك الدنيا.
قلت: وله شعر جيد يملي منه عقيب مجالسه، فمنه:
أيا نفس ويحك جاء المشيب فماذا التصابي وماذا الغزل تولّى شبابي كأنْ لم يكن وجاء مشيبي كأنْ لم يزل فيا ليت شعري ممن أكون وما قدّر الله لي في الأزل.
سمعت أبا الحسين اليونيني يقول: سمعت أبا محمد المنذري الحافظ يقول: سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضّل الحافظ عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ؟ فقال: من؟ قلت: الحافظ ابن ناصر، وابن عساكر. فقال: ابن عساكر. فقلت: الحافظ أبو موسى المديني، وابن عساكر. قال: ابن عساكر. فقلت: الحافظ أبو الطاهر السلفي، وابن عساكر. فقال: السّلفي شيخنا، السّلفي شيخنا!
قلت: يعني أنه ما أحب أن يصرح بأن ابن عساكر أفضل من السلفي، ولوّح بأنه شيخه، ويكفي هذا في الإشارة.
قلت: والرجل ورع ثبت. وما أطلق أنه ما رأى مثل نفسه في جواب الحافظ أبي المواهب إلا وهو بار صادق. وكذلك رأيت شيخنا أبا الحجاج المزّي يميل إلى هذا. وأنا جازم بذلك أنه ما رأى مثل نفسه. هو أحفظ من جميع الحفّاظ الذين رآهم من شيوخه وأقرانه.
وقال الحافظ أبو محمد عبد القادر الرّهاوي: رأيت الحافظ السلفي، والحافظ أبا العلاء، والحافظ أبا موسى، ما رأيت فيهم مثل ابن عساكر.
قرأت بخط عمر بن الحاجب: قال: حكى لي من أثق به أن الحافظ عبد الغني قال: الحافظ ابن عساكر برجال الشام أعرف من البخاري لهم، وندم على ترك السماع منه ندامةً كليّة.
وذكره ابن النجار في تاريخه، فقال: إمام المحدّثين في وقته، ومن انتهت إليه الرياسة في الحفظ الإتقان والمعرفة التامة والثقة، وبه ختم هذا الشأن. روى عنه جماعة وهو في الحياة، وحدّثوا عنه بالإجازة في حياته.
قال: وقرأت بخط الحافظ معمر بن الفاخر في معجمه: أخبرني أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي الحافظ من لفظه بمنى إملاء يوم النفر الأول،
وكان أحفظ من رأيت من طلبة الحديث والشبان، وكان شيخنا الإمام إسماعيل بن محمد يفضله على جميع من لقيناهم من أهل أصبهان وغيرها. قدم أصبهان، وسمع ونزل في داري، وما رأيت شابًا أورع ولا أتقن ولا أحفظ منه.
وكان مع ذلك فقيهًا أديبًا سنّيًا، جزاه الله خيرًا، وكثّر في الإسلام مثله. أفادني في الرحلة الأولى والثانية ببغداد كثيرًا، وسألته عن تأخره في الرحلة الأولى عن المجيء إلى أصبهان، فقال: لم تأذن لي أمي.
قلت: وهو مع جلالته وحفظه يروي الأحاديث الواهية والموضوعة ولا يبينها، وكذا كان عامة الحفاظ الذين بعد القرون الثلاثة، إلاّ من شاء ربك فليسألنّهم الله تعالى عن ذلك. وأي فائدة بمعرفة الرجال ومصنفات التاريخ والجرح والتعديل إلاّ كشف الحديث المكذوب وهتكه؟
قال ابنه أبو محمد: توفي أبي في حادي عشر رجب، وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين، وصلّيت عليه في الجامع، والشيخ قطب الدين في الميدان الذي يقابل المصلى. ورأى له جماعة من الصالحين منامات حسنة، ورثي بقصائد، ودفن بمقبرة باب الصغير.
قلت: قبره مشهور يزار، رحمه الله.
12 -
علي بن المبارك بن أحمد بن محمد بن بكري
، أبو الحسن البغدادي.
سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا الغنائم ابن المهتدي بالله، وابن الحصين. سمع منه عمر بن علي القرشي، وعمر العليمي الدمشقيان.
توفي في جمادى الأولى.
13 -
علي بن المظفّر بن علي بن حسين الظهيري
، أبو القاسم والد الأعز.
سمع هبة الله بن أحمد الموصلّي، وأبا الغنائم النرسي. روى عنه تميم بن أحمد البندنيجي، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري، وأبو محمد بن قدامة، وغيرهم.
توفي في جمادى الآخرة في الطريق فجاءة، وله ست وسبعون سنة. وكان مهيبًا، وقورًا، صموتًا.
14 -
عمر بن هدية بن سلامة
، أبو حفص البغدادي الصوّاف السمسار.
سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الخطاب الكلوذاني. روى عنه أبو الفرج بن الجوزي ووثّقه. وعاش تسعًا وثمانين سنة.
15 -
محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان
، أبو عبد الله الغافقي، المعروف بالقباعي، من أهل الجزيرة الخضراء.
روى ببلده عن أبي عبد الله بن عبد الخالق، وأبي عبد الله بن أبي صوفة، وغيرهما. وأجاز له أبو علي بن سكّرة الصدفي، وولّي خطابة بلده.
قال الأبّار: وكان فقيهًا مشاورًا، ذا دعابة مع خشية وخشوع. حدّث عنه أبو الحسن بن القاسم، وأبو الصبر السبتي، ويعيش بن القديم، وأبو الخطاب عمر بن الجميّل. وأجاز في رجب من السنة. ولم تؤرخ وفاته.
16 -
محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين
، الإمام مجد الدين، أبو منصور الطوسي العطاري، المعروف بحفدة، الفقيه الشافعي.
كان فقيهًا واعظًا أصوليًّا فاضلًا، تفقّه بمرو على أبي بكر محمد بن منصور السمعاني، ثم انتقل إلى مرو الروذ، وتفقه على القاضي أبي محمد الحسين بن مسعود الفرّاء البغوي، وسمع منه كتابيه: شرح السنّة، ومعالم التنزيل، وغير ذلك.
ثم انتقل إلى بخارى، واشتغل بها على البرهان عبد العزيز بن عمر بن مازة الحنفي. ثم عاد إلى مرو، وقدم أذربيجان والجزيرة، واجتمع
الناس عليه بسبب الوعظ. وكان مجلسه في الوعظ من أحسن المجالس، ولا ندري لم لقّب حفدة.
روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأبو أحمد بن سكينة، وعبد العزيز بن الأخضر، وأبو المجد محمد بن الحسين القزويني، والقاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن شداد، وآخرون.
قال ابن السمعاني: كتبت عنه بمرو ونيسابور. وكان فقيهًا، واعظًا، شاطرًا، جلدًا، فصيحًا. سمع من عبد الغفار الشيرويي، وأبي الفتيان الروّاسي، وناصر بن أحمد العيّاضي.
أخبرنا أحمد بن إسحاق قال: أخبرنا يوسف بن رافع الأسدي، قدم علينا مصر، قال: أخبرنا محمد بن أسعد، قال: أخبرنا محيي السنّة الحسين بن مسعود، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الصالحي (ح)، وأخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا البطّيّ، قال: أخبرنا أبو الحسن الأنباري، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسماعيل الصفّار قال: حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلاّ حصائد ألسنتهم.
قال ابن خلّكان: توفي في ربيع الآخر سنة إحدى بتبريز. وقال: قيل أيضًا: إنه توفي في رجب سنة ثلاث وسبعين، فالله أعلم.
والثاني أصح. وكان مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة.
17 -
محمد بن الحسن بن علي بن هلال بن همصا بن نافع العجلي
، أخو هبة الله الدقاق، البغدادي.
روى عن علي بن محمد بن علي الأنباري الحنبلي، وسعد الله بن أيوب، وأبي الخطاب الكلواذاني. وتفقه على أسعد الميهني. وأخذ الأدب عن أبي منصور ابن الجواليقي. وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وله أخ آخر باسمه، كنية ذاك أبو المعالي.
18 -
محمد بن الحسين بن محمد بن المعلم
، القاضي أبو منصور الحنفي.
ناب في القضاء عن قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي، ودرّس. وسكن همذان مدة، ثم قدم بغداد رسولًا. روى عن أبي القاسم بن بيان، وعلي بن أحمد الموحد. سمع منه أبو المواهب بن صصرى، وغيره بهمذان.
وعاش ثمانين سنة.
19 -
محمد بن عبيد الله بن علي
، أبو حنيفة بن أبي القاسم الأصبهاني، الخطيبي.
من بيت علم وشهرة، قدم بغداد حاجًا سنة نيّف وستين. وحدث عن جدّه لأمه حمد بن صدقة، وأبي مطيع المصري، وأبي بكر بن مردويه، وأبي الفتح الحداد، وعبد الرحمن بن حمد الدوني.
وأملى عدة مجالس. وكان حنفي المذهب. روى عنه أبو طالب بن عبد السميع، وموفق الدين بن قدامة، وأبو القاسم بن صصرى، لقيه بمكة، وسمع منه بقراءة أبيه.
توفي أبو حنيفة في صفر بأصبهان، وله ثلاث وثمانون سنة.
وروى عنه ابن الأخضر.
20 -
محمد ابن الوزير علي بن طراد الزينبي
، أبو العباس المعروف بالأمير التركي؛ لأنه ابن تركية.
كان مقبلًا على العلم، قرأ الفرائض والأدب، وقرأ الحديث على هبة الله
الشبلي، وابن البطيّ. ولم يلحق أن يسمع من أبيه. وتوفي شابًا.
21 -
محمد بن محمد بن حمّود
، أبو الأزهر الواسطي المقرئ الصوفي.
قرأ بالروايات على أبي العز القلانسي، وسمع من أبي نعيم محمد بن إبراهيم الجماري، وببغداد من أبي غالب ابن البناء. وأقرأ الناس مدةً.
روى عنه عمر بن يوسف ختن ابن الشعار، وعمر بن محمد بن أحمد الدينوري، ومحمد بن أحمد بن إسماعيل القزويني.
ذكره ابن النجار فأطنب في وصفه، وقال: كان شيخًا صالحًا، ورعًا، تقيًا، زاهدًا، قانعًا، منقطعًا عن الناس، يرجع إلى فضل وعلم بالقراءات.
وتوفي ببغداد في رجب.
22 -
محمد بن محمد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم بن لب
، الإمام أبو القاسم ابن الحاج التجيبي، القرطبي.
سمع من والده الشهيد أبي عبد الله ابن الحاج، وأبي محمد بن عتاب، وأبي علي بن سكرة، وأبي الوليد بن رشد، وأبي بحر بن العاص. وأجاز له أبو عبد الله الخولاني.
وكان بصيرًا بمذهب مالك، عارفًا بالمسائل، ذاكرًا للخلاف. وجلس للمناظرة مكان أبيه، ولم يكن يعرف الحديث. وكان وقورًا مهيبًا، لا يتكلم إلا في النادر. ولّي قضاء الجماعة بقرطبة وقتًا، ثم خرج عنه في الفتنة، وتجول بالأندلس، واستقر بمرسية مرتسمًا في ديوان الجند عند الأمير محمد بن سعد. ثم سار إلى ميورقة بعد موت ابن سعد، فحدّث بها.
روى عنه عقيل بن عطية، وابن سفيان، وغيرهما. ثم وفد إلى إشبيلية، فمات بها.
23 -
مبارك بن الحسن
، أبو النجم ابن القابلة الفرضي.
بغدادي، عارف بالفرائض والمواقيت. سمع أبا الحسين ابن القاضي أبي يعلى.
24 -
محفوظ بن أبي عبد الله محمد بن عبد المنعم
، أبو جعفر ابن الوراق البغدادي، الوكيل بباب القاضي.
سمع أبا الحسين ابن الطيوري، وأبا سعد الأسدي. روى عنه حفيده محمد بن يوسف، وعبد العزيز ابن الأخضر، وجماعة. وتوفي في جمادى الآخرة، وله ثمان وسبعون سنة.
25 -
مسعود بن الحسين بن سعد
، القاضي أبو الحسن اليزدي الحنفي.
أفتى، ودرّس، وناب في القضاء ببغداد، ثم خرج إلى الموصل ودرّس بها. وتوفي في جمادى الآخرة، وله بضع وستون سنة.
26 -
هبة الله بن يحيى بن الحسن
، أبو جعفر ابن البوقي الواسطي العطار الفقيه الشافعي.
كان عارفًا بالمذهب والخلاف والفرائض. تفقّه على أبي علي الفارقي. وسمع أبا نعيم الجماري، وأبا نعيم بن زبزب، وخميسًا الحوزي. وببغداد: أبا بكر الأنصاري، وغيره. وبرع في المذهب، وناظر الفقهاء. ثم استقدمه الوزير عون الدين فحدّث ببغداد. روى عنه ابن الأخضر، وأبو إسحاق الكاشغري، وجماعة.
وتوفي في ذي القعدة بواسط، وله ثلاث وثمانون سنة.
27 -
يحيى بن سعيد بن أبي الأسود
، أبو علي الثقفي، الأصبهاني.
حدّث ببغداد عن أبي علي الحداد، وطائفة. وعنه محمد بن مشّق، وأبو طالب بن عبد السميع.
مات في رجب.
سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
28 -
أحمد بن عبد العزيز بن الفضل بن الخليع الأنصاريّ الناسخ الأندلسيّ
، الشريّونيّ.
أخذ عن أبي محمد البطليوسيّ. وأحكم العربية، وكان أديبًا شاعرا، بديع الكتابة، نسخ الكثير، وقتل صبرا بإشبيلية في حدود هذا العام.
29 -
أحمد بن محمد بن هبة الله
، أبو منصور ابن سركيل البغداديّ.
سمع أبا الحسن ابن العلاف. روى عنه عبد العزيز بن الأخضر. وتوفّي في جمادى الآخرة.
30 -
إبراهيم بن خلف بن الحبيب الفهريّ الأندلسيّ
، من ولد أمير الأندلس عياض بن يوسف.
أخذ الصحيحين عن ميمون بن ياسين، وغلب عليه علم الأدب والفرائض. روى عنه أبو الخطّاب بن واجب. وعاش أربعًا وثمانين سنة.
ذكره أحمد بن فرتون في تاريخه، فقال: سمع الموطّأ عام سبعة وخمسمائة من القاضي أبي عبد الله محمد بن عليّ بن حمدين. وكان من أهل الإتقان، مشارًا إليه في العلم والذّكاء.
31 -
إسماعيل بن عبد الرّحمن بن يحيى بن إسماعيل العثمانيّ الدّيباجيّ
، أبو الطاهر أخو المحدّث أبي محمد عبد الله.
سمع بإفادة أخيه من جماعة. أخذ عنه الحافظ أبو الحسن بن المفضل، وقال: مات في ذي القعدة بعد أخيه بتسعة عشر يومًا بالإسكندريّة.
32 -
بشير الهندي
ّ، مولى عبد الحقّ اليوسفيّ.
سمع من أبي سعد بن خشيش، وأبي القاسم بن بيان. وكان رجلًا صالحًا. روى عنه ابن الأخضر، وغيره. وتوفي في ذي الحجة. وروى عنه أيضًا نصر بن عبد الرزاق الجيلي.
33 -
الحجّاج بن يوسف الهوّاريّ
، قاضي الجماعة بمرّاكش وخطيبها، يكنّى أبا يوسف، وهو من أهل بجّاية.
قال ابن الأبّار: كان فصيحًا مفوّهًا، بليغًا، مدركًا، نال دنيا عريضة. ولمّا توفّي حضر دفنه السّلطان.
34 -
الحسن بن سعيد بن أحمد بن الحسن ابن البنّاء
، أبو محمد بن أبي القاسم البغداديّ، الحربيّ، والد غياث.
سمع الكثير من جعفر السرّاج، وأبي غالب الباقلاّني، وأبي سعد بن خشيش، وغيرهم. روى عنه ابن الأخضر، وابن الحصري، وغيره. وهو من بيت الرواية.
توفّي في رجب.
35 -
الحسن بن عبد الله بن هبة الله ابن المسلمة
، تاج الدّين أخو الوزير أبي الفرج.
سمع أبا منصور بن خيرون.
36 -
الحسن بن عبد الجبّار
، أبو محمد ابن البردغوليّ.
روى عن أحمد بن الحسين بن قريش.
37 -
الحسن بن عليّ بن نصر بن محمد بن خميس
، القاضي أبو عليّ الكعبيّ الموصليّ، قاضي العسكر.
توفّي في أوّل سنة اثنتين وسبعين عن ست وستّين سنة. كتب عنه أبو المواهب بن صصرى.
38 -
صالح بن المبارك بن محمد بن عبد الواحد
، أبو محمد ابن الرخلة البغداديّ المقرئ القزّاز الكرخيّ.
سمّعه أبوه من أبي عبد الله بن طلحة النّعاليّ، وأبي الحسين ابن الطيوري. روى عنه تميم بن أحمد البندنيجيّ، ومحمد بن مشِّق، وأبو محمد، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد المقدسيّ، وآخرون.
وتوفّي في صفر.
39 -
ظَفَر بن عمر
، أبو أحمد الخبّاز.
سمع من شجاع الذّهليّ، ومحمد بن عبد الواحد القزّاز. وحدّث. وتوفّي في صفر أيضًا. روى عنه عبد الرحمن بن محفوظ، والأعزّ بن فضائل.
40 -
عبد الله بن محمد بن خلف بن سعادة
، أبو محمد الأصبحيّ الدّانيّ.
سمع أبا بكر بن نمارة، وأبا الحسن بن سعد الخير. ثم رحل فأكثر عن السِّلفيّ، وأبي الطاهر بن عوف. وكتب بخطه الكثير. سمع منه جعفر بن أبي ميمون الشّاطبيّ، وعبد الملك بن محمد.
وحدّث عنه أبو القاسم عيسى بن الوجيه عبد العزيز بن عيسى الشُّريشيّ، وحمّله الرواية عن قوم لم يرهم ولا أدركهم، وبعضهم لا يعرف، قاله أبو عبد الله الأبّار في تاريخه، ثم قال: وذلك من أوهام عيسى هذا، واضطّرابه في روايته.
قال: وقال أبو عبد الله التّجيبيّ: كان ابن سعادة مقرئًا، محدّثًا، ورعًا، فاضلًا، أُخبرت أنّه غرق في البحر عند صدره.
قلت: توفّي في حدود هذه السّنة فيما أرى، أو في الّتي تليها، كهلًا.
41 -
عبد الله بن عبد الرّحمن بن يحيى بن إسماعيل
، القاضي أبو محمد العثمانيّ الأمويّ الديباجيّ الإسكندرانيّ المحدّث.
روى عن أبيه، وأبي القاسم ابن الفحّام الصّقليّ المقرئ، وأبي بكر محمد بن الوليد الطّرطوشيّ، وأبي عبد الله الرّازيّ، وأبي الفضل جعفر بن إسماعيل بن خلف المقرئ، وعبد الله بن يحيى بن حمّود، وطائفة.
وله فوائد في ثمانية أجزاء رواها جعفر الهمذانيّ عنه. وروى عنه الحافظ أبو محمد عبد الغنيّ، والحافظ عبد القادر الرّهاوي، والحافظ علي بن المفضل، وابن راجح، وآخرون.
وكان يعرف بابن أبي اليابس.
قال ابن المفضّل: كان عنده فنون عدّة. توفّي في شوّال، ومولده في سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
قال حمّاد الحرّانيّ: رمى السّلفيّ العثمانيّ بالكذب.
وقال حمّاد: ذكر لي جماعة من أعيان الإسكندريّة أنّ العثمانيّ كان صحيح السّماعات، وكان ثقة ثبتًا، صالحًا، متعفّفًا. وكان يقرئ النحو واللغة والحديث. وسمعت جماعة يقولون: إنّه كان يقول: كلّ من بيني وبينه شيء فهو في حلّ ما عدا السّلفيّ فبيني وبينه وقفة بين يدي الله تعالى.
أنشدنا أبو عليّ ابن الخلاّل، قال: أنشدنا جعفر، قال: أنشدنا أبو محمد العثمانيّ، قال: أنشدني أبو الحسن عليّ بن محمد البغداديّ لنفسه: ما أجهل الإنسان في فعله من جمع آثام وأوزار يبخل بالمال على نفسه وهو بها يسخو على النّار
42 -
عبد الله بن عطاف الأَزديّ الإسكندرانيّ
.
ورّخه الحافظ ابن المفضّل وروى عنه، وقال: توفّي في صفر، وكان ثقة متحرّيًا. سمع أبا عبد الله الرّازيّ، وأبا بكر الطّرطوشيّ. وكان لا بأس به في الفقه.
43 -
عبد الصّمد بن سعد بن أحمد بن محمد
، أبو محمد النسويّ ثم الدمشقيّ، المعروف بالقاضي.
ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وتوفّي في صفر بدمشق. وسمع من قوام الدّين بن زيد في سنة خمس وتسعين.
روى عنه الحافظ أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم، وعبد الحق بن خلف، والعزّ محمد بن أحمد النسّابة، وغيرهم.
44 -
عليّ بن عساكر بن المرحّب بن العوّام
، أبو الحسن البطائحيّ الضرير المقرئ الأستاذ، والبطائح: بين واسط والبصرة.
قدم بغداد وحفظ بها القرآن، وقرأه بالروايات الكثيرة المشهورة والشّاذّة على أبي العزّ القلانسيّ، وأبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرَفيّ، وسبط الخيّاط.
وقرأ بالكوفة على الشريف عمر بن إبراهيم العلويّ. وسمع من أبي طالب بن يوسف، وابن الحصين، وطائفة. وروى الكثير وتصدّر للإقراء. وأقرأ القراءات مدّة طويلة. وكان بارعًا فيها، جيّد المعرفة بالعربيّة، ثقة صحيح السّماع، أثنى عليه غير واحد.
ولد سنة تسعين وأربعمائة أو قبيلها.
وروى عنه القراءات خلق كثير، من آخرهم وفاة عبد العزيز بن دُلَف. وسمع منه الكبار. وحدّث عنه الحافظ عبد الغنيّ، وأبو محمد بن قدامة، والحافظ عبد القادر، والزاهد أبو عمر المقدسيّ، والشّهاب ابن راجح، وأبو صالح الجيليّ، وعبد العزيز بن باقا. وآخر من روى عنه وقرأ عليه القراءات العشر الإمام بهاء الدّين عليّ ابن الجمّيزيّ.
توفّي في الثامن والعشرين من شعبان.
45 -
الفضل بن محمد بن هبة الله
، أبو محمد البغداديّ، المعروف بابن المطّلب.
سمع أبا الحسن العلاّف، وأبا طالب اليوسفيّ. سمع منه مكي الغراد، وغيره.
46 -
محمد بن أحمد بن أبي الفرج بن ماشاذة
، أبو بكر الأصبهاني السكّريّ المقرئ.
مقرئ، مجوّد، عالم بطرق القرّاء، طويل العمر. سمع الحافظ سليمان بن إبراهيم وتفرّد عنه، والقاسم بن الفضل الرئيس، ومكّيّ بن منصور السلاّر وغيرهم. روى عنه محمد بن مكّيّ الحنبليّ، والحافظ عبد القادر، وعبد الأعلى بن محمد بن محمد الرّستميّ، وإسحاق بن المطهّر اليزديّ القاضي، وأحمد بن إبراهيم بن سفيان بن منده، وجامع بن أحمد الخبّاز الأصبهانيون، وآخرون. وبالإجازة كريمة القرشيّة.
وتوفّي في هذا العام وله نيّف وتسعون سنة.
47 -
محمد بن سعيد بن محمد بن عمر
، أبو سعيد ابن الإمام أبي منصور الرّزّاز البغداديّ المعدّل.
سمع أبا القاسم بن بيان، وابن نبهان، وزاهر بن طاهر، وابن الحصين. وتفقّه على والده، وله شعر حسن. وَلي نظر الحشريّة مدّة، فلم تحمد سيرته؛ قاله ابن النجّار. روى عنه أبو نصر عمر بن محمد الدّينوريّ. وتوفّي في ذي الحجّة وله إحدى وسبعون سنة.
48 -
محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفّر بن عليّ
، قاضي القضاة كمال الدّين أبو الفضل بن أبي محمد ابن الشّهرزوريّ، ثم الموصليّ الفقيه الشافعيّ ويعرفون قديمًا ببني الخراسانيّ.
ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وتفقّه ببغداد على أسعد الميهنيّ. وسمع الحديث من نور الهدى أبي طالب الزّينبيّ. وبالموصل من أبي البركات بن خميس، وجدّه لأمّه عليّ بن أحمد بن طوق.
وولّي قضاء بلده. وكان يتردّد إلى بغداد وخراسان رسولًا من أتابك زنكي، ثم قدم الشام وافدًا على نور الدّين، فبالغ في إكرامه، ونفّذه رسولًا من حلب إلى الديوان العزيز. وقد بنى بالموصل مدرسة، وبنى بمدينة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
رباطًا. ثم ولاّه السلطان نور الدين قضاء دمشق، ونظر الأوقاف ونظر أموال السلطان وغير ذلك. فاستناب ابنه القاضي أبا حامد بحلب، وابن أخيه أبا القاسم بحماة، وابن أخيه الآخر في قضاء حمص. وحدّث بالشام وبغداد.
قال القاسم بن عساكر: ولي قضاء دمشق سنة خمس وخمسين، وكان يتكلم في الأصول كلامًا حسنًا، وكان أديبًا، شاعرًا، ظريفًا، فكه المجلس، وقف وقوفًا كثيرة، وكان خبيرًا بالسياسة وتدبير الملك. وقد أخبرنا بحضرة أبي قال: أخبرنا ابن خميس فذكر حديثًا.
وقال ابن خلّكان: ولي قضاء دمشق، وترقّى إلى درجة الوزارة، وحكم في البلاد الشاميّة، واستناب ولده محيي الدين في الحكم بحلب. وتمكّن في الأيّام النوريّة تمكّنًا بالغًا. فلما تملّك السلطان صلاح الدين أقرّه على ما كان عليه. وله أوقاف كثيرة بالموصل، ونصّيبين، ودمشق. عظمت رياسته، ونال ما لم ينله أحد من التقدّم.
وقال سبط ابن الجوزي: قدم صلاح الدين سنة سبعين فأخذ دمشق. قال: وكان عسكر دمشق لما رأوا فعل العوام والتقاءهم له، ونثره عليهم الدراهم والذهب، فدخلها ولم يغلق في وجهه باب، وانكفأ العسكر إلى القلعة، ونزل هو بدار العقيقي، وكانت لأبيه. وتمنّعت عليه القلعة أيامًا. ومشى صلاح الدين إلى دار القاضي كمال الدين، فانزعج وخرج لتلقيه، فدخل وجلس وباسطه وقال: طب نفسًا، وقرّ عينًا، فالأمر أمرك، والبلد بلدك. فكان مشي صلاح الدين إليه من أحسن ما ورّخ، وهو دليل على تواضعه، وعلى جلالة كمال الدين.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كان أبو الفضل رئيس أهل بيته، بنى مدرسةً بالموصل، ومدرسة بنصيبين. وولاه نور الدين القضاء، ثم استوزره، ورد بغداد رسولًا، فذكر أنه كتب قصةً إلى المقتفي، وكتب على رأسها محمد بن عبد الله الرسول، فكتب المقتفي: صلى الله عليه وسلم.
وقال شمس الدين سبط ابن الجوزي: لما جاء الشيخ أحمد بن قدامة والد الشيخ أبي عمر إلى دمشق خرج إليه أبو الفضل ومعه ألف دينار، فعرضها فلم يقبلها، فاشترى بها قرية الهامة، ووقفها على المقادسة.
ولما توفي رثاه بحلب ابنه محيي الدين بقصيدته التي أولها:
ألمّوا بسفحي قاسيون وسلّموا على جدث بادي السنا وترحّموا وأدوا إليه عن كئيب تحيةً يكلّفكم إهداءها القلب والفم توفي في المحرم يوم الخميس السادس منه.
وقد روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم بن صصرى، وموفق الدين بن قدامة، وبهاء الدين عبد الرحمن، وشمس الدين عمر بن المنجى، وأبو محمد ابن الأخضر، وآخرون.
ومن شعره:
وجاؤوا عشاءً يهرعون وقد بدا بجسمي من داء الصبابة ألوان فقالوا وكل معظم بعض ما رأى أصابتك عين قلت: إنّ وأجفان
49 -
محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن علي ابن النرسي
، أبو الفتح الأزجي الضرير.
من بيت حديث وعدالة. سمع أباه، وأبا القاسم بن بيان، وغيرهما.
روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وأبو محمد بن قدامة، وجماعة.
وتوفي في ربيع الأول؛ ورّخه الدّبيثي.
وقال ابن مشّق: توفي في ذي الحجة.
والأول أصح وهو الذي نقله ابن النجار.
50 -
محمد بن علي بن محمد بن مهند
، أبو عبد الله ابن السقّاء، الحريمي المقرئ.
شيخ صالح ملقن لقن خلقًا، وكان يستقي الماء إلى بيوت الناس ويتعفف به. روى عن أبي القاسم بن بيان، وغيره.
توفي في صفر.
روى عنه عبد الله بن أحمد الخباز، وغيره.
51 -
محمد بن غالب، أبو عبد الله الأندلسي
، الرصافي، رصافة بلنسية، الرفاء، نزيل مالقة.
كان يعيش من صناعة الرفو بيده.
قال الأبّار: وكان شاعر زمانه، سكن غرناطة مدة، وامتدح أميرها. وشعره مدوّن يتنافس فيه الناس. كان ينظم البديع، ويبدع المنظوم. ولم يتزوج وكان متعففًا. روى عنه من نظمه أبو علي بن كسرى المالقي، وأبو الحسين بن جبير. توفي في رمضان بمالقة.
52 -
محمد بن محمد بن عبدكان
، أبو المحاسن البغدادي المقرئ.
قرأ القرآن على أبي الخير المبارك الغسّال، وأبي سعد محمد بن عبد الجبار الجويمي. قرأ عليه عبد الوهاب بن بزغش.
وله مصنف في الأصول سماه نور المحجّة على طريقة الأشعري.
ويعرف بابن الضجة.
53 -
محمد بن محمود بن محمد
، أبو طالب ابن الشيرازي، البغدادي، المعروف بابن العلوية.
سمع أبا غالب محمد بن الحسن الباقلاني. روى عنه ابن الأخضر، والحافظ عبد القادر، وجماعة. وولي قضاء بعض البلاد، وأقام بواسط مدةً، وبها توفي في ذي الحجة.
54 -
محمد بن المحسّن بن الحسين بن أبي المضاء
. الخطيب شمس الدين أبو عبد الله البعلبكي ثم المصري.
نشأ بمصر وقرأ بها الأدب. وسمع بدمشق من الحافظ ابن عساكر، وغيره. ورحل إلى بغداد وسمع بها وقرأ الفقه. وعاد إلى مصر، واتصل بالسلطان صلاح الدين. وهو أول من خطب بمصر لبني العباس. ثم نفّذه السلطان رسولًا إلى الديوان. وسمع ببغداد من أبي زرعة، وابن البطي. ومات بدمشق ولم يكمل أربعين سنة.
55 -
المبارك بن عبد الجبار بن محمد
، أبو عبد الله البردغولي.
روى عن أحمد بن علي بن قريش. روى عنه ابنه عبد السلام، وغيره.
توفي في جمادى الأولى.
56 -
المبارك بن محمد بن المبارك
، أبو جعفر البصري، المواقيتي، الكتّاني الشافعي المعدّل.
ولد سنة تسعين وأربعمائة. وسمع من أبي طاهر محمد بن محمد بن إبراهيم العبدي، والغطريف بن عبد الله السعيداني، وجابر بن محمد بن جابر، وعدة. وحدّث ببغداد؛ روى عنه عمر بن محمد بن جابر الصوفي، ومحمد بن أبي غالب الباقداري، وطائفة. وسمع من السلفي بالبصرة.
قال ابن النجار: مات بالبصرة بعد السبعين وخمسمائة.
57 -
محمود بن محمد بن عبد الواحد بن ماشاذة الأصبهاني الصوفي
، نزيل بغداد وشيخ رباط الأقفاصيين.
زاهد عابد عارف. سمع من زاهر الشحّامي، وأبي غالب ابن البناء، وأبي بكر المزرفي. وله مصنفات في الحقائق. سمع منه عمر بن علي القرشي، ومحمد بن بقاء الضرير. توفي في ربيع الآخر؛ كذا ترجمه ابن النجار.
58 -
مسعود بن عبد الله بن عبيد الله
، أبو عبد الله البغدادي الواعظ.
روى بدمشق عن أبي الوقت. وعنه أبو القاسم بن صصرى.
مات في رمضان.
59 -
مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم
، أبو عبد الله ابن النخاس الوكيل البغدادي، ويعرف بابن جوالق والد عبد الله.
فقيه إمام حنبلي، تفقه على أبي بكر الدينوري، وتوكل لبعض الأمراء، وعلّت سنه. وحدّث بالكثير عن أبي بكر بن سوسن، وأبي القاسم بن بيان، وابن نبهان، وأبي النرسي، وجماعة.
وولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
روى عنه أبو محمد بن قدامة، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، وأبو البقاء إسماعيل بن محمد بن يحيى الهمذاني، والحسين بن مسعود البيّع، وعثمان بن أبي نصر ابن الوتار، وآخرون.
توفي في ذي الحجة.
وقد سمع منه أبو المحاسن عمر بن علي القرشي، والقدماء.
60 -
نصر بن سيّار بن صاعد بن سيّار
، شرف الدين، أبو الفتح الكناني، الهروي، القاضي الحنفي الفقيه.
من بيت القضاء والحشمة والرواية. وكان خبيرًا بالمذهب، عالي الإسناد، معمّرًا. سمع الكثير من جدّه القاضي أبي العلاء صاعد بن سيّار بن يحيى بن محمد بن إدريس، والقاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي، وأبي عطاء عبد الأعلى بن أبي عمر المليحي، والزاهد محمد بن علي العميري، ونجيب بن ميمون الواسطي، وأبي نصر أحمد بن أحمد المعروف بأميرجة شك، وغيرهم. وأجاز له شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو القاسم أحمد بن محمد الخليلي.
قال ابن السمعاني: كان فقيهًا، مناظرًا، فاضلًا، متديّنًا، حسن السيرة، مطبوع الحركات، تاركًا للتكلف، سليم الجانب. ولد في شوال سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
قلت: روى عنه هو، وابنه أبو المظفر عبد الرحيم، وأبو القاسم زنكي بن أبي الوفاء، ومودود بن محمود الشقّاني، والحافظ عبد القادر الرهاوي،
والمفتي ضياء الدين أبو بكر بن علي المامنجي الهروي، وآخرون. وبالإجازة القاضي شمس الدين ابن الشيرازي.
قال السمعاني في تحبيره: سمعت منه جامع الترمذي، وسمعت منه كتاب الزهد لسعيد بن منصور، بروايته عن جده.
وقال ابن نقطة: إنه حدّث بكتاب الجامع للترمذي، عن أبي عامر الأزدي. وسمع صحيح الإسماعيلي، من جده. وكان سماعه صحيحًا. وبلغني أنه توفي يوم الثلاثاء عاشر المحرم.
قلت: عاش سبعًا وتسعين سنة، وكان رحمه الله أسند من بقي بخراسان.
61 -
هبة الله بن علي بن محمد بن زنبقة
، أبو القاسم الصفار.
شيخ بغدادي سمع شجاعًا الذهلي، وأبا علي ابن المهدي. روى عنه عبد الوهاب بن أزهر.
قال ابن القطيعي: مات في شوال سنة اثنتين.
62 -
هبة الله بن يحيى بن محمد بن هبة الله
، أبو محمد البغدادي، الوكيل بباب القضاة.
سمع أبا الحسن العلاّف. روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري.
توفي في ربيع الآخر.
63 -
يحيى بن أحمد
، أبو شجاع ابن البراج، الوكيل بباب القضاة.
ثم زكّي، وشهد وتقدم. روى عن أبي القاسم بن الحصين، وغيره. كتب عنه عمر القرشي، وغيره.
64 -
يحيى بن محمد بن أحمد بن إبراهيم
، أبو زكريا بن الخطاب الرازي ثم الإسكندراني.
سمع من والده، وتوفي في هذه السنة، وقد حدّث.
ضعّفه ابن المفضّل وقال: لا أروي عنه.
وفيها ولد:
الشيخ الفقيه بيونين في رجب، والصفي إسماعيل بن إبراهيم ابن الدرجي بدمشق، والكمال علي بن شجاع الضرير بمصر في شعبان، والشيخ أوحد الدين عمر الدويني.
سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
65 -
أحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن أبي يعلى
، أبو جعفر ابن القاصّ الشيرازي ثم البغدادي القطفتي المقرئ الزاهد.
صاحب رياضة وتعبّد ونسك وعرفان وتصوّف. قرأ القراءات على أحمد بن علي بن بدران الحلواني، وأبي الخير المبارك الغسّال، وأبي بكر محمد بن بركات بن سلامة الدارمي الآمدي. وسمع أبا محمد ابن الآبنوسي، وأبا القاسم ابن بيان، وجماعة. وحدّث وأقرأ الناس. أخذ عنه جماعة وأثنوا عليه. وتوفي في صفر وله سبع وسبعون سنة.
روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأبو بكر بن مشّق، وآخرون، وأبو القاسم بن صصرى، وأحمد بن أحمد البندنيجي. وقرأ عليه بالروايات عبد العزيز بن دلف، وجماعة.
66 -
أحمد بن حامد بن الفرات بن أحمد بن مهدي
، أبو العباس الربعي، الضميري، البزاز.
سمع ابن الخطاب الرازي بثغر الإسكندرية. روى عنه ابن صصرى في مشيخته، وفيها أنه ولد بقرية ضمير سنة ست وثمانين وأربعمائة. وله شعر حسن. مات في جمادى الآخرة سنة ثلاث هذه.
67 -
أحمد بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس
، أبو العباس البغدادي الحنبلي الفقيه الزاهد.
ولد سنة إحدى وخمسمائة. وسمع من أبي سعد ابن الطيوري، وأبي طال الزينبي. وتفقّه على أبي بكر الدينوري، وأبي خازم ابن القاضي أبي يعلى. وأنشأ له نصر ابن العطار التاجر مدرسةً ودرّس بها. وأقرأ الفقراء وتخرّج به جماعة. وكان زاهدًا عابدًا، خيّرًا، متبتّلًا، كبير القدر. قرأ أيضًا القراءات على أبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرفي.
روى عنه موفق الدين المقدسي وقال: كان من أصحاب أحمد، وله
مسجد ومدرسة، يتكلم في مسائل الخلاف ويدرس، وكان يتزهد وما علمت منه إلا الخير.
قال ابن مشّق: توفي في خامس صفر.
وروى عنه أيضًا عبد العزيز بن باقا، ومحمد بن أحمد بن شافع.
68 -
أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه السلجوقي السلطان
.
توفي في هذا العام، وكان القائم بدولته زوج أمه شمس الدين إلدكز، وابنه البهلوان. وكان أرسلان سلطانًا مستضعفًا، له السكة والخطبة. ولما مات خطب بعده لولده طغرل الذي قتله خوارزم شاه، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
69 -
الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد
، أبو علي ابن الحويزي، العباسي.
سمع إسماعيل ابن السمرقندي، وطائفة. وقرأ بالروايات على الشهرزوري، وأقرأ القراءات والعربية بواسط. وكان يعلم الموسيقى، فيه دين وتعبّد.
أرّخه ابن النجار.
70 -
داود بن محمد بن الحسن بن خالد
، القاضي أبو سليمان الخالدي الإربلي ثم الحصكفي الفقيه الشافعي.
ولد سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة بالموصل. وتفقه ببغداد.
سمع أبا القاسم بن بيان ببغداد؛ وأبا منصور محمد بن علي بن محمود الكراعي بمرو. وقدم دمشق رسولًا فحدّث بها، ثم سكن الموصل وحدّث بها بأشياء منها صحيح البخاري، لكنه أسقط من إسناده إلى البخاري رجلًا، واستمر الوهم عليهم وعليه.
روى عنه أبو القاسم بن صصرى، والقاضي أبو نصر ابن الشيرازي. وأجاز للبهاء عبد الرحمن. وتوفي بالموصل يوم النحر، وقد ولي قضاء حصن كيفا مدة.
71 -
داود بن يزيد
، أبو سليمان السعدي، الغرناطي.
بقية النحويين بالأندلس. أخذ عن أبي الحسن بن الباذش، وكان من أكبر تلامذته. وسمع من أبي محمد بن عتّاب، وأبي بحر بن العاص، وابن مغيث، وغيرهم. وكان له مشاركة في علم الحديث. أخذ الناس عنه، ومن رواته أبو بكر بن أبي زمنين، وأبو الحسن بن خروف، وأبو القاسم الملاحي.
وتوفي عن خمس وثمانين سنة.
72 -
صدقة بن الحسين بن الحسن بن بختيار
، أبو الفرج ابن الحداد البغدادي، الفقيه، الحنبلي، الناسخ.
تفقه على: أبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن ابن الزاغوني؛ وسمع منهما. ومن أبي عثمان بن ملّة، وأبي طالب اليوسفي.
وكان قيّمًا بالفرائض والحساب، ويفهم الكلام. وأقرأ الناس، وتخرّج به جماعة. وكان مليح الخط، نسخ الكثير، وكان ذلك معاشه. وكان يؤمّ بمسجد وهو يقيم فيه.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: ناظر وأفتى إلا أنه كان يظهر في فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته. وكان لا ينضبط، فكل من يجالسه يعثر منه على ذلك. وكان تارةً يميل إلى مذهب الفلاسفة، وتارةً يعترض على القدر. دخلت عليه يومًا وعليه جرب فقال: ينبغي أن يكون هذا على جمل لا علي.
وقال لي يوماً: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وقال لي القاضي أبو يعلى ابن الفراء: مذ كتب صدقة الشفاء لابن سينا تغير. وحدثني علي بن الحسن المقرئ فقال: دخلت عليه فقال: والله ما أدري من أين جاؤوا بنا، ولا إلى أي مطبق يريدون أن يحملونا. وحدثني الظهير الحنفي قال: دخلت عليه فقال: إني لأفرح بتعثيري. قلت: ولم؟ قال: لأن الصانع يقصدني. وكان طول
عمره ينسخ بالأجرة، وفي آخر عمره تفقده رئيس، فقيل: إنه قال: أنا كنت أنسخ طول عمري فلا أقدر على دجاجة، فانظر كيف بعث لي الحلواء والدجاج في وقت لا أقدر أن آكله.
وهو كقول ابن الريوندي: وكنت أنا أتأمل عليه إذا قام للصلاة، وأكون إلى جانبه، فلا أرى شفتيه تتحرك أصلًا. ومن شعره:
لا توطّنها فليست بمقام واجتنبها فهي دار الانتقام أتراها صنعةً من صانع أم تراها رميةً من غير رام فلما كثر عثوري على هذا منه هجرته، ولم أصلّ عليه حين مات. وكان يعرف منه فواحش. وكان يطلب من غير حاجة. وخلّف ثلاثمائة دينار. وحكي عنه أنه رئي له منامات نحسة، نسأل الله العفو.
توفي في ربيع الآخر في عشر الثمانين.
73 -
عبد الباقي بن أبي العز بن عبد الباقي ابن الكواز البغدادي الصوفي
، ويعرف بابن القوّالة.
روى عن أبي الحسين ابن الطيوري. روى عنه عمر بن بكرون، وابن الأخضر. وتوفي في ربيع الآخر.
74 -
عبد الرحمن بن أبي القاسم
أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد أبو الحسن القرطبي.
روى عن أبيه وعمه أبي الحسن عبد الرحمن وأبي القاسم بن النخاس، وأبي محمد بن عتّاب، وغيرهم.
قال الأبّار: وكان فقيهًا مشاورًا. ولي القضاء، وكان عريقًا في العلم والنباهة. سمع منه ابنه أبو الوليد يزيد، وحفيده شيخنا أبو القاسم أحمد بن يزيد. وتوفي عن ثمان وسبعين سنة.
75 -
عبد العزيز بن أحمد بن غالب
، أبو الأصبغ بن موصّل البلنسي، الزاهد، المقرئ.
قال الأبّار: أخذ القراءات عن ابن هذيل، وكان مقدّمًا فيها، عارفًا بالتعليل، مجوّدًا، فردًا في الاجتهاد، صوّامًا قوّامًا، صاحب ليل. ولم يتزوج قط. توفي في حدود سنة ثلاث.
76 -
عبد الواحد بن عسكر
، أبو محمد المخزومي، الخالدي، الهمذانيّ الأصل.
ولد بمصر، وسكن الإسكندرية. وكان يعرف بالنجار. سمع من أبي صادق مرشد، وأبي عبد الله الرازي.
قال الحافظ ابن المفضّل: سألته عن مولده فقال: في رجب سنة سبع وتسعين. سمعنا منه كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، والحادي والعشرين من حديث الذّهلي. وكان شيخًا صالحًا. قال لي: نسبي عندي بخط أبي إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه. وتوفي في تاسع عشر ذي الحجة.
قلت: روى عنه جعفر الهمذاني، وعبد الوهاب بن رواج، وجماعة.
77 -
عبيد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن مسعود بن عيشون
، أبو مروان المعافري، البلنسي.
روى عن أبي الوليد ابن الدباغ. وحج فلقي: أبا علي ابن العرجاء، وأبا عبد الله المازري، وأبا طاهر بن سلفة. روى عنه أبو عبد الله بن نوح الغافقي.
قال الأبّار: وكان نهايةً في الصلاح والبر والخير، متواضعًا. لم يتزوّج، وكان ذا ثروة، واقتنى كثيرًا من الكتب. وتوفي سنة ثلاث أو أربع وسبعين.
78 -
عتيق بن عبد العزيز بن علي بن صيلا
، أبو بكر الحربي، الخباز، والد عبد الرحمن، وعبد العزيز.
سمع عبد الواحد بن علوان الشيباني، وأحمد بن عبد القادر بن يوسف، وغيرهما. روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وأحمد بن أحمد البندنيجي، والبهاء عبد الرحمن، والأنجب بن محمد بن صيلا الحمامي، وأبو القاسم بن أبي الحسن المالحاني، وآخرون.
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. ومات في ربيع الآخر وله خمس وثمانون سنة.
79 -
علي بن الحسين بن علي
، أبو الحسن اللّواتي الفاسي.
روى عن أبي جعفر بن باقي، وأبي الحسن ابن الأخضر الإشبيلي أخذ عنه النحو واللغة. وسمع أبا عبد الله بن شبرين. وأجاز له أبو عبد الله الخولاني، وأبو علي الصدفي. وحدّث بالموطّأ عن الخولاني، لقيه سنة إحدى وخمسمائة، وأجاز له وروى عن جماعة آخرين.
قال الأبّار: كان فقيهًا، مشاورًا، فاضلًا، متقنًا. أخذ عنه يعيش بن القديم، وأبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني، وأبو الخطاب بن الجميل، يعني ابن دحية. وولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
80 -
علي بن عبد الله بن حمود
، أبو الحسن المكناسي، الفاسي، وأصله من مكناسة الزيتون.
حج سنة اثنتي عشرة. وأخذ عن أبي بكر الطرطوشي سنن أبي داود، وصحيح مسلم، أخذه عن ابن طرخان، وجامع أبي عيسى، عن ابن المبارك. ودخل الأندلس مرابطًا. ثم حج ثانيًا وجاور، وأقام بالحرم.
قال ابن الأبّار: وكان زاهدًا، ورعًا، محسنًا إلى الغرباء. توفي بمكة عن سبع وسبعين سنة.
81 -
فاطمة بنت نصر ابن العطار البغدادية
. أخت صاحب المخزن.
امرأة محتشمة، زاهدة، عابدة، كبيرة القدر. شيعها أرباب الدولة لأجل أخيها، وخلق كثير.
وقال أخوها: إنها ما خرجت من البيت في عمرها إلاّ ثلاث مرات رضي الله عنها.
82 -
فتيان بن حيدرة
، أبو المجد البجلي، الكاتب.
توفي بدمشق في جمادى الأولى. يروي عن الحسن بن صصرى. روى عنه الحافظ أبو المواهب، وقال: ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ويعرف بابن الرميلي.
وروى عنه أيضًا أبو القاسم بن صصرى.
83 -
كمشتكين
، نائب حلب للملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين، ولقبه: سعد الدين.
وهو مدبر دولة الصالح. وكان الرئيس أبو صالح ابن العجمي كالوزير في دولة إسماعيل فقتل، فاتهموا به سعد الدين، وحسّنوا للصالح القبض عليه، فقبض عليه وقتل تحت العذاب في هذه السنة؛ لأن رفقاءه الخدام حسدوا مرتبته، ومالوا إلى أبي صالح، فصارت الأمور كلها إلى أبي صالح، فجهز كمشتكين عليه جماعة من الباطنية، فقتلوه يوم جمعة.
84 -
محمد بن أحمد بن عبد الجبار
. الفقيه، أبو المظفّر الحنفي، المعروف بالمشطّب السّمناني.
تفقه بمرو على أبي الفضل الكرماني، وأفتى، وناظَر، ودرّس. وكان مولده في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة؛ وجال في بلاد المشرق، ثم استوطن بغداد، ودرّس المذهب بمدرسة زيرك.
وحدث عن أبي المعالي جعفر بن حيدر، والحسين بن محمد بن فرّخان. وعنه عمر القرشي. وتوفي في حادي عشر جمادى الأولى، وشيّعه قاضي القضاة، والناس.
85 -
محمد بن أحمد بن هبة الله بن محمد
، أبو عبد الله بن أبي منصور الدّيناريّ.
ذكر أنّه من ولد ذي الرياستين. روى عن أبي القاسم بن بيان. وأبي النّرسيّ. سمع منه عمر بن علي القرشيّ، وعمر بن محمد العليميّ، وعبد العزيز ابن الأخضر. وتوفّي في آخر العام، وقيل: توفّي في شوّال سنة خمس وسبعين.
86 -
محمّد بن أسعد حفَدة العطّاريّ
درّس، وأفتى، وناظر، وأخذ عن الغزاليّ.
وقد ذكر في سنة إحدى وسبعين. وذكره في سنة ثلاث أبو الفرج ابن الجوزي، وابن الدّبيثي وقال: روى عن أبي الفتيان عمر الدّهستانيّ. حدثنا عنه عبد الوهّاب بن سكينة، وابن الأخضر.
وطوّل فيه ابن النجّار.
87 -
محمد بن بدر بن عبد الله
، أبو الرّضا الشّيحيّ.
كان أبوه يروي عن أبي بكر الخطيب. سمع أباه، وأبا الحسن ابن العلاّف، وأبا القاسم بن بيان. روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجيّ، وابن الأخضر. وآخر من روى عنه يحيى بن القميرة.
توفّي في ربيع الأوّل.
88 -
محمد بن بُنيمان بن يوسف الهمذانيّ
.
توفّي في آخر السّنة عن تسعين سنة. وكان مسنِد همذان في وقته. يحوّل إلى هنا. نعم، هو أبو الفضل المؤدّب الأديب.
سمع محمد بن جامع القطّان الجوهريّ، شيخ همذانيّ. وقد روى عن ابنه جامع بن محمد، والرّيحانيّ. وتوفّي سنة إحدى وسبعين.
وسمع من مكّيّ بن منصور السّلاّر الكرجيّ، ومن سعد بن عليّ العجليّ مفتي همذان، ومن عبد الرحمن بن حمد الدّونيّ، وغيرهم. روى: سنن النّسائيّ، وعمل اليوم والليلة لابن السُّنّي، عن الدّونيّ.
قال السّمعانيّ: هو أبو الفضل المؤدّب المؤذّن الأُشنانيّ. وهو سبط
حمد بن نصر الحافظ الأعمش. شيخ أديب فاضل، جميل الطّريقة، له سمتٌ، ووقار، وصلاح، وتودّد، مكثر من الحديث. سمع من جدّه، وعبدوس بن عبد الله بن عبدوس، والحسن بن ياسين، وجماعة كبيرة بإفادة جدّه. وقرأ الأدب على أبي المظفّر الأبيورديّ. سمعت من لفظه كتاب سنن التّحديث لصالح بن أحمد الهمذانيّ، وجزء الذُهليّ.
قلت: حدّث عنه يوسف بن أحمد الشّيرازيّ في الأربعين البلدانية له، وأبو المواهب بن صصرى، ومحمد بن محمد ابن الكرابيسيّ الهمذاني، وصالح بن المعزم، وأحمد بن آدم الكرابيسي، وآخرون. وكان أسند من بقي ببلده. وكان شيخًا صالحًا، أديبًا، فاضلًا، انفرد بالرواية عن جماعة.
قال أبو المواهب: سألته عن مولده فقال: سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. وتوفّي في آخر سنة ثلاث وسبعين بهمذان.
89 -
محمّد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفّر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم عليّ ابن المسلمة
، أبو الفرج، وزير العراق.
سمع من ابن الحصين، وعبيد الله بن محمد ابن البيهقيّ، وزاهر الشّحّاميّ. روى عنه حافده داود بن عليّ. وكان أوّلًا أستاذ دار المقتفيّ، والمستنجد، ووَزر للمستضيء. وكان فيه مروءة وإكرام للعلماء. ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان يلقّب عضد الدين. وكان سريًّا، مهيبًا، جوادًا.
قال الموفّق عبد اللطيف: كان إذا وزن الذّهب يرمي تحت الحصر قراضةً كثيرة قدر خمسة دنانير، فأخذت منها يومًا، فنهرني أبي وقال: هذه يرميها الوزير برسم الفرّاشين. وكان يسير في داره، فلا يرى واحدًا منّا معشر الصّبيان إلاّ وضع في يده دينارًا، وكذا كان يفعل ولداه كمال الدين، وعماد الدين، إلاّ أنّ دينارهما أخفّ. وكان والدي ملازمه على قراءة القرآن والحديث. استوزره الإمام المستضيء أوّل ما ولي، واستفحل أمره. وكان المستضيء كريمًا رؤوفًا، واسع المعروف، هيّنًا، ليّنًا. وكانت زوجته بنفشه كثيرة الصّدقات والمروءة. وكان الوزير ذا انصباب إلى أهل العلم والصّوفيّة، يسبغ عليهم النعمة، ويشتغل هو وأولاده بالحديث والفقه والأدب. وكان الناس معهم في
بلهَنيّة، ثم وقعت كدورات، منها الإحنة التي وقعت بينه وبين قطب الدين قايماز.
قلت: قد ذكرتها في مكانها.
وعزل ثم أُعيد إلى الوزارة. وخرج من بيته حاجًّا في رابع ذي القعدة، فضربه واحد من الباطنيّة أربع ضربات على باب قطُفتا، فحمل إلى دار هناك، فلم يتكلّم، إلاّ أنّه كان يقول: الله، الله. وقال: ادفنوني عند أبي. ثم مات بعد الظّهر، رحمه الله تعالى.
90 -
محمد بن عبد الله بن الحسين بن السَّكن
، أبو سعد ابن المعوَجّ.
ولّي حجابة باب النّوبيّ في سنة إحدى وسبعين، وجرح مع الوزير أبي الفرج المذكور جراحات منكرة، ومات ليلتئذٍ.
91 -
محمد بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن منصور
، أبو الثناء ابن الزّيتوني، الواعظ، المجهز، سبط ابن الواثق.
ولد سنة اثنتين وخمسمائة ببغداد وسمع هبة الله بن الحصين، وأبا بكر الأنصاريّ. وبنيسابور من محمد بن الفضل الفراويّ، وعبد الجبّار الخواريّ، وأبي سعيد محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد، وزاهر بن طاهر، وعبد الغافر بن إسماعيل. وبهراة: تميم بن أبي سعيد الجرجانيّ.
ولزم مسجدًا في آخر عمره يعظ فيه، ويروي الحديث. وسمع منه خلق، وحدّث بكتاب أسباب النّزول للواحديّ. روى عنه أبو طالب بن عبد السميع، وأبو محمد بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، وطائفة.
قال ابن قدامة: كان شيخ جماعة، له أصحاب. حدّثني الشهاب الهمذانيّ أنّه رجل صالح له كرامات.
وقال ابن النجّار: لزم مسجده منعكفًا على الإقراء والتحديث والوعظ ونفع الناس. وكان مشهورًا بالصلاح والزّهد والعبادة والتّقى، وكان الناس يتبرّكون به ويستشفون بدعائه، وكان له صيت عظيم عند الخاصّ والعام؛ كان
السلطان مسعود يأتي إلى زيارته، ويقال: إنّه وُجد في تركته عدّة رقاع قد كتبها إليه السلطان يخاطبه فيها بخادمه. وكان مليح الخلقة، ظريف الشكل، بزِيّ الصوفية، وله تلامذة ومريدون.
وقال الدّبيثي: توفّي في نصف رمضان رحمه الله.
92 -
محمد بن ميدمان
، أبو عبد الله الكلبيّ، القرطبيّ.
سمع جامع الترمذيّ سنة عشرين وخمسمائة من عبّاد بن سرحان. وكان أديبًا كاتبا متصرّفًا؛ ذكره الأبّار.
93 -
محمود بن تكَش
، الأمير شهاب الدين الحارميّ، خال السلطان صلاح الدين.
أعطاه السلطان حماة عندما تملّكها، فبقي بها هذه المدّة، ومرض فحاصرته الفرنج حصارًا شديدًا، ولولا لطف الله لأخذت الفرنج حماة. ولمّا ترحّلوا توفّي شهاب الدين. وتوفّي قبله بثلاثة أيّام ولده، وكان شابًّا مليحًا، من أحسن أهل زمانه.
94 -
منوية، أمة الواحد بنت عبد الله
بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف، ابنة عم أبي الحسين بن عبد الحقّ وزوجته.
سمعت من أبي الحسن ابن العلاّف.
وصفها أبو سعد ابن السمعاني، وروى عنها هو، وموفّق الدين ابن قدامة، وآخرون.
توفّيت في المحرّم في عشر الثّمانين، رحمها الله.
95 -
هارون بن العبّاس بن محمد بن أحمد بن محمد ابن المأمون
، أبو محمد الهاشمي، العباسي، المأموني، البغدادي، الأديب.
سمع أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور بن زريق الشيباني، وغيرهما. وصنف شرحًا لمقامات الحريري مختصرًا. وجمع تاريخًا على السنين فيه
أخبار الأوائل والحوادث والدول في مجلدين.
توفي في ذي الحجة.
96 -
هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى
، القاضي الجليل أبو الغنائم الربعي، التغلبي. الدمشقي.
روى عن يحيى بن بطريق، وابن المسلم، وهبة الله بن طاوس، وجماعة. وتفقه وقرأ القرآن، وحصّل وشهد على القضاة، وحدّث بدمشق والحرمين. روى عنه ولداه أبو المواهب، وأبو القاسم. وكان كثير البر والتعبد والتلاوة، يختم في شهر رمضان ثلاثين ختمة.
توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وله اثنتان وستون سنة.
97 -
لاحق بن علي بن منصور بن كاره
، أبو محمد أخو دهبل.
روى عن أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان. كتب عنه أبو سعد السمعاني، وذكره في تاريخه. وحدّث عنه ابن الأخضر، والشيخ الموفق، والبهاء، وآخرون.
توفي ليلة نصف شعبان، وله ثمان وسبعون سنة.
وعنه ابن المقيّر، وعبد العزيز بن دلف.
98 -
يحيى بن موهوب بن المبارك بن السدنك
، أبو نصر المستعمل، أخو أحمد.
سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا العز محمد بن المختار، وغيرهما. روى عنه ابن الأخضر، وعبد العزيز ابن الزبيدي، والبهاء عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الواحد بن سفيان، وجماعة. وتوفي في شوال، وله أربع وسبعون سنة.
99 -
يحيى بن يوسف بن أحمد
، أبو شاكر السقلاطوني، عرف بصاحب ابن بالان.
شيخ مسند، معمر. روى عن ثابت بن بندار، والحسين بن علي ابن البسري، وابن الطيوري، وأبي سعد بن خشيش، وأحمد بن سوسن، وغيرهم.
روى عنه ابن الأخضر، وابن قدامة، والبهاء، والمبارك بن علي المطرز، وأبو الحسن علي بن هبة الله ابن الجمّيزي، وآخرون. وكان خبّازًا.
توفي في شعبان.
100 -
يوسف بن محمد
، أبو الحجاج الإسكندري، المؤدب.
سمع أبا بكر الطرطوشي.
قال ابن المفضل: حدثنا، وكان فرضيًّا، له شعر.
وفيها ولد:
الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي الحسيني، الحلبي، ثم المصري في رمضان، ومحمد بن سليمان بن أبي الفضل الأنصاري ليلة الفطر.
سنة أربع وسبعين وخمسمائة
101 -
أحمد بن أحمد بن علي
، أبو منصور النهرواني، المؤدب، المعروف بابن بهدل.
سمع أبا سعد أحمد ابن الطيوري، وغيره. سمع منه عمر القرشي، وأبو القاسم ابن البندنيجي. وتوفي في رمضان عن ثمانين سنة.
روى عنه مكي ابن الطيبي.
102 -
أحمد بن علي بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن علي ابن المهتدي بالله
، أبو تمام بن أبي الحسن بن أبي تمام الهاشمي ابن الغريق، خطيب الحربية.
روى عن ابن الحصين، وغيره. كتب عنه محمد بن المبارك بن مشّق.
103 -
أحمد بن علي بن الحسين ابن الناعم
، أبو بكر الوكيل بباب القاضي.
سمع هبة الله بن أحمد الموصلي، وأبا القاسم بن بيان، وابن بدران الحلواني، والقاسم بن علي الحريري. روى عنه ابن الأخضر، وأبو محمد بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة.
توفي في ربيع الأول.
104 -
أحمد بن نصر بن تميم
، الفقيه أبو زيد الحموي، الأشعري، المتكلم.
كان متعصبًا في علم الكلام. ولي حسبة دمشق وحسبة مصر.
105 -
إبراهيم بن أحمد
، والد البهاء عبد الرحمن المقدسي.
توفي في رجب.
قرأت ترجمته بخط الضياء، وقال: ولد في حدود سنة خمس وعشرين
وخمسمائة. وسألت عنه خالي الموفق، فقال: كان رجلًا كاملًا حسن الخلق، كان يمازحني وأنا صغير، وكنت أحبه لحسن خلقه. سمعت أن عمي إبراهيم سافر إلى مصر في تجارة، ومضى إلى إسكندرية فسمع من السلفي. وكان مقدّم الفرنج قد حبسه وأراد صلبه لأنهم وجدوه ومعه متاع من الذي للكنيسة قد اشتراه من سارق، فهرب هو وغيره من الحبس بالليل.
106 -
أسعد بن يلدرك بن أبي اللقاء
، أبو أحمد الجبريلي، البواب بدار الخلافة.
شيخ بغدادي، معمر؛ قال عمر بن علي القرشي: سألته عن مولده فقال: في ربيع الأول سنة سبعين وأربعمائة.
قلت: كان يمكن أن يجيز له أبو الحسين ابن النقّور، وأن يسمع من أبي نصر الزينبي فيبقى مسند الدنيا.
قال الدّبيثي: كان أبوه صاحبًا للرئيس أبي الخطاب ابن الجرّاح، فأسمعه منه، ومن أبي الحسن ابن العلاف. روى عنه ابن الأخضر، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، ومحمد بن أبي البدر مقبل بن فتيان بن المنّي، وطائفة سواهم. توفي في سلخ ربيع الأول.
107 -
بنيمان بن أبي الفوارس بن أبي بكر
، أبو بكر الأصبهاني، السباك.
سمع أبا مطيع محمد بن عبد الواحد. وحدّث في رجب من السنة. ولا أعلم وفاته. روى عنه الحافظ عبد الغني.
108 -
الحسن بن علي بن محمد بن فرح
، الكلبي، المعروف بابن الجميّل الداني، والد عمر وعثمان المحدّثين النازلين بديار مصر.
نزل أبو علي سبتة، وبها توفي عن ثمانين سنة.
قال الأبّار: لا أعلم له رواية.
109 -
زيد بن نصر بن تميم
، الحموي، الفقيه الشافعي.
كذا سمّاه أبو المواهب بن صصرى، وهذا هو أبو زيد أحمد بن نصر المذكور آنفًا. وقال: توفي في شعبان بدمشق وقد جاوز السبعين، وكان ذا فنون وذا خبرة بمقالة الأشعري.
روى عن عبد الكريم بن حمزة، وجمال الإسلام وتفقه عليه مدة.
قال البهاء ابن عساكر: كان شديد التعصّب في مذهب الحق، وهو زيد أبو القاسم الحموي، ثم تسمّى بأحمد، وتكنّى بأبي زيد.
قلت: روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
110 -
سعد بن محمد بن سعد بن صيفي
، شهاب الدين، أبو الفوارس، التميمي الشاعر المشهور، الملقّب بالحيص بيص، ومعناهما: الشدّة والاختلاط.
قيل: إنه رأى الناس في شدّة وحركة، فقال: ما للناس في حيص بيص؟ فلزمه ذلك.
وكان من فضلاء العالم، تفقه في مذهب الشافعي بالري على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزّان، وتكلم في مسائل الخلاف.
وذكره ابن السمعاني في ذيله فقال: كان فصيحًا، حسن الشعر.
وذكره ابن أبي طيئ في تاريخ الشيعة فقال: شاعر فاضل، بليغ، وافر الأدب، عظيم المنزلة في الدولتين العباسية والسلجوقية، وكان ذا معرفة تامة بالأدب، ونفاذ في اللغة، وحفظ كثير للشعر، وكان إمامًا في الرأي، حسن العقيدة. حدّثني عبد الباقي بن زريق الحلبي الزاهد قال: رأيته واجتمعت به فكان صدرًا في كل علم، عظيم النفس، حسن الشارة، يركب الخيل العربية الأصيلة ويتقلّد بسيفين، ويحمل خلفة الرمح، ويأخذ بنفسه بمآخذ الأمراء، ويتبادى في لفظه، ويعقد القاف، وكان أفصح من رأيت. وكان يناظر على رأي الجمهور.
وقال الدبيثي: سمع من أبي طالب الحسين بن محمد الزينبي، وبواسط من أبي المجد محمد بن جهور.
وله ديوان شعر مشهور وترسّل، وكان بارعًا في الشعر، محسنًا، بديع المعاني، بليغ الرسائل ذا خبرة تامة باللغة.
ومن شعره:
ما أنصفت بغداد ناشئها الذي كثر الثناء به على بغداد سل ذا إذا مدّ الجدال رواقه بصوارم غير السيوف حداد وجرت بأنواع العلوم مقالتي كالسيل مدّ إلى قرار الوادي وذعرت ألباب الخصوم بخاطر يقظان في الإصدار والإيراد فتصدّعوا متفرقين كأنهم مال تفرقه يد ابن طراد وله يستعفي من حضور سماط ابن هبيرة، ويسمون السماط: الطبق، لما كان يناله من تألمه بقعود بعض الأعيان فوقه، فقال:
يا باذل المال في عدم وفي سعة ومطعم الزاد في صبح وفي غسق في كل بيت خوان من فواضله يميرهم وهو يدعوهم إلى الطبق فاض النوال، فلولا خوف مفعمة من بأس عدلك نادى الناس بالغرق فكل أرض بها صوب وساكبة حتى الوغى من نجيع الخيل والعرق صن منكبي عن زحام إن غضبت له تمكّن الطعن من عقلي ومن خلقي وإن رضيت به فالذل منقصة وكم تكلّفته حملا فلم أطق وإن توهّم قوم أنه حمق فربما اشتبه التوقير بالحمق وقد مدح الخلفاء والوزراء، واكتسب بالشعر. وكان لا يخاطب أحدًا إلاّ بالكلام العربي، ويلبس زي العرب، ويتقلّد سيفًا. فعمل فيه أبو القاسم بن الفضل:
كم تبادى وكم تطوّل طرطو رك ما فيك شعرة من تميم فكل الضبّ واقرط الحنظل اليا بس واشرب ما شئت بول الظّليم ليس ذا وجه من يضيف ولا يق ري ولا يدفع الأذى عن حريم
فعمل أبو الفوارس لمّا بلغته الأبيات:
لا تضع من عظيم قدر وإن كن ت مشارًا إليه بالتعظيم فالشريف الكريم يصغر قدرًا بالتعدي على الشريف الكريم ولع الخمر بالعقول رمى الخم ر بتنجيسها وبالتحريم رواها عنه القاضي بهاء الدين بن شدّاد سماعًا.
وقد روى عنه محمد بن أبي البدر ابن المنّي، وغيره. وتوفي رحمه الله في سادس شعبان.
111 -
سعد الله بن نجا بن محمد بن فهد
، أبو صالح ابن الوادي الدلال في الدور.
سمع الكثير من زاهر، وهبة الله بن عبد الله الشروطي، وأبي غالب ابن البناء، وهبة الله ابن الطبر، وطبقتهم. وبورك له في مسموعاته، وروى الكثير، وسمع منه خلق.
قال ابن الدّبيثي: كان ثقة، مضى على الصحة، وأجاز لي مرويّاته.
قلت: روى عنه ابن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة من البغداديين. وتوفي في ذي الحجة.
112 -
شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الدينوري
، ثم البغدادي، الإبري، الكاتبة، فخر النساء، مسندة العراق.
قال ابن الدّبيثي: امرأة جليلة صالحة، ذات دين، وورع، وعبادة. سمعت الكثير وعمّرت، وصارت أسند أهل زمانها، وعني بها أبوها. وسمعت من طراد بن محمد الزينبي، وابن طلحة النعالي، وأبي الحسن بن أيوب، وأبي الخطّاب ابن البطر، وأحمد بن عبد القادر بن يوسف، والحسن بن أحمد بن سلمان الدقّاق، وثابت بن بندار، وأخيه أبي ياسر أحمد، وعبد الواحد بن علوان الشيباني، وجعفر السرّاج، وأبي منصور محمد بن هريسة، ومنصور بن
حيد النيسابوري، وأبي البركات محمد بن عبد الله الوكيل، وأبي غالب الباقلاني، وجماعة.
روى عنها الحفّاظ الكبار أبو القاسم ابن عساكر، وأبو سعد السمعاني، وأبو محمد عبد الغني، وعبد القادر الرهاوي، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو الفرج ابن الجوزي، وأبو محمد بن قدامة، والعماد إبراهيم بن عبد الواحد، والبهاء عبد الرحمن، والشهاب بن راجح، والقاضي أبو صالح الجيلي، والناصح ابن الحنبلي، والفخر الإربلي، وعبد الرزاق بن سكينة، وشيخ الشيوخ أبو محمد بن حمويه، والأعز ابن العلّيق، وإبراهيم بن الخير، وأبو الحسن ابن الجمّيزي، وأبو القاسم بن قمّيرة، ومحمد بن مقبل ابن المنّي، وخلق كثير.
وكانت تكتب خطًا مليحًا.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: قرأت عليها كثيرًا من حديثها. وكان لها خطّ حسن. وتزوجت ببعض وكلاء الخليفة، وعاشت مخالطةً للدار ولأهل العلم. وكان لها برّ وخير. وقرئ عليها الحديث سنين، وعمّرت حتى قاربت المائة. وتوفّيت ليلة الاثنين رابع عشر المحرم، وصلّي عليها بجامع القصر، وأزيل شبّاك المقصورة لأجلها، وحضرها خلق كثير وعامة العلماء.
وقال الشيخ الموفّق، وقد سئل عنها انتهى إليها إسناد بغداد، وعمّرت حتى ألحقت الصغار بالكبار. وكان لها دار واسعة، وقلّ ما كانت تردّ أحدًا يريد السماع. وكانت تكتب خطًّا جيّدًا، لكنه تغير لكبرها.
وقال أبو سعد السمعاني في الذيل وذكرها، فقال: امرأة من أولاد المحدّثين، متميّزة فصيحة، حسنة الخط، تكتب على طريقة الكاتبة بنت الأقرع. وما كان ببغداد في زمانها من يكتب مثل خطّها. وكانت مختصّة بأمير المؤمنين المقتفي. سمّعها أبوها الكثير، وعمّرت حتى حدّثت. قرأت عليها جزء الحفّار.
113 -
صالح بن عبد الملك بن سعيد
، أبو الحسن الأوسي، المالقي.
أخذ القراءات عن أبيه، وأبي المطرّف بن زيد الورّاق، ومنصور ابن الخير. وروى عن أبي بحر الأسدي، وأبي القاسم بن رشد، وغالب بن عطيّة، وشريح، وخلق سواهم. وكان من أهل العلم والزهد. وكان يشارك في الأصول.
قال الأبّار: لم يكن بالضابط. أخذ عنه أبو بكر بن أبي زمنين، وأبو الصبر السبتي، وابن عيشون وأجاز له في صفر من هذه السنة.
ولا نعلم وفاته.
114 -
ظفر بن محمد بن مسعود بن السدنك
، أبو الفتح الحريمي.
سمع أبا الحسن العلاّف، وأبا علي بن نبهان، وغيرهما. سمع منه أبو سعد السمعاني، وذكره في الذيل. وروى عنه أحمد بن منصور الكازروني، وغيره، وابن الأخضر، وأبو المعالي بن شافع. وتوفي في رمضان.
115 -
عبد الله بن الخضر بن الحسين
، الفقيه أبو البركات ابن الشيرجي، الموصلي، الشافعي، أحد الأئمة.
انتفع به جماعة، وحصّل المذهب وناظر. وسمع أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور الشيباني، وجماعة. روى عنه غير واحد بالموصل، منهم: محمد بن علوان الفقيه، والقاضي بهاء الدين ابن شدّاد.
وكان زاهدًا إمامًا، متقشّفًا.
116 -
عبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر
، أبو رشيد الأصبهاني.
سمع الرئيس أبا عبد الله الثقفي، وأحمد بن عبد الغفار بن أشتة، وهو آخر من روى عنهما بأصبهان. وتوفي في ربيع الآخر عن نيّف وتسعين سنة.
روى عنه طائفة بأصبهان. وبالإجازة ابن اللتيّ، وكريمة.
117 -
عبد الله بن محمد بن علي بن خلف
، أبو محمد الشاطبي.
أخذ القراءات عن أبيه. وسمع من أبي الوليد ابن الدبّاغ، وأبي إسحاق
ابن جماعة، وأبي بكر بن أسد وتفقّه به. وأخذ الأدب عن جماعة. وعاش ستين سنة؛ ذكره الأبّار.
118 -
عبد الله بن محمد بن عيسى
، أبو محمد ابن المالقي، الأنصاري، نزيل مرّاكش.
أخذ عن أبي الحكم بن برجان، واختلف إليه. وبرع في علمه. وكان فقيهًا، نظّارًا، خطيبًا، مفوّهًا متيقّظًا. وكان ذا دنيا واسعة وجاه.
119 -
عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف
، أبو نصر ابن الحافظ أبي الفرج، أخو أبي الحسين عبد الحق البغدادي.
من بيت حديث وصلاح. حدث عن أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان، وأبي الحسن محمد بن مرزوق، وأبي طالب بن يوسف.
قال أبو المحاسن عمر بن علي القرشي: كتبت عنه، وكان خيّاطًا، خيّرًا، ذا مروءة تامة. ولد سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمكّة.
قلت: حدّث ببغداد ودمشق؛ روى عنه ابن الأخضر، والشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، وعبد الحق الفيالي، والشمس أحمد بن عبد الواحد، وكتائب بن مهدي، وآخرون آخرهم عبد الحق بن خلف.
120 -
عبيد الله بن عبد الله بن خلف بن عيّاش
، أبو مروان الأنصاري، القرطبي، نزيل مالقة.
سمع الموطّأ من أبي محمد بن عتّاب سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وكان رجلًا صالحًا. حدّث عنه أبو العباس بن الجنان المالقي.
121 -
علي بن عيسى بن هبة الله
، الشيخ مهذّب الدين ابن النقّاش البغدادي، الطبيب، الأديب، صاحب أمين الدولة ابن التلميذ.
سمع من ابن الحصين، وحدّث. وكان بزّازًا، وكان أبوه أديبًا. توفي سنة
أربع وأربعين، وهو من شيوخ ابن السمعاني.
قدم المهذّب دمشق وطبّ بها، ورأس واشتغل وأشغل، واشتهر ذكره. وخدم نور الدين بالطب والإنشاء، وخدم في زمانه في مارستانه. ثم طبّ صلاح الدين. وتوفي في المحرم بدمشق.
122 -
علي بن محمد بن علي
، الأصبهاني، الوزير، جلال الدين ابن الوزير جمال الدين الجواد، وزير صاحب الموصل.
وزر هذا للملك سيف الدين غازي بن مودود في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فظهرت منه فضيلة وخبرة بالديوان، وله خمس وعشرون سنة. ثم قبض عليه بعد سنتين فشفع فيه حموه كمال الدين وزير صاحب آمد، فأطلق له، فسار إلى آمد مريضًا، وتعلل ثم مات بدنيسر سنة أربع وسبعين، ثم حمل إلى المدينة النبوية، فدفن عند والده رحمهما الله تعالى.
123 -
علي بن مهدي بن علي بن قلنبا
، أبو القاسم اللخمي، الفقيه الإسكندري.
وبنو قلنبا من أقدم بيت في الإسلام. يقال: إن أسلافهم حضروا فتح الإسكندرية.
ذكر هذا الحافظ ابن المفضّل، وقال: كان ثقة، وله أدب وشعر. حدّثنا عن أبي عبد الله الرازي، وأبي بكر الطرطوشي، وأبي الحسن التونسي.
قلت: وإليه ينسب جزء ابن قلنبا الذي للسلفي.
124 -
علي بن خلف بن العريف
، أبو القاسم الإسكندراني.
قال ابن المفضّل: توفي في صفر، وحدثنا عن أبي عبد الله الرازي.
125 -
عمر بن محمد بن عبد الله بن الخضر بن مسافر
، أبو الخطّاب العليمي، ثم الدمشقي، التاجر، ويعرف بابن حوائج كاش.
سافر للتجارة إلى مصر، والعراقين، وخراسان، وما وراء النهر. وكان يطلب الحديث ويسمع ويكتب حتى أكثر من ذلك. سمع نصر الله بن محمد المصّيصي، ونصر بن أحمد بن مقاتل، وناصر بن عبد الرحمن النجار، وأبا القاسم بن البنّ بدمشق، والشريف ناصر بن إسماعيل الحسيني الخطيب، وعبد الله بن
رفاعة بمصر؛ والسّلفي بالثغر؛ والحسين بن خميس بالموصل، ونصر بن المظفّر الشخص بهمذان؛ وأبا الأسعد هبة الرحمن ابن القشيري، وأبا البركات عبد الله ابن الفراوي، وعمر بن أحمد الصفّار، وعبد الخالق بن زاهر بنيسابور، وهبة الله الدقّاق، ومحمد بن عبد الله الحرّاني، وابن البطيّ ببغداد. وبالغ حتى سمع من أقرانه ومن دونهم. وكان يفهم ويدري.
قال ابن النجار: كان صدوقًا محمود السيرة، روى اليسير ببغداد، ودمشق. حدثنا عنه ابن الأخضر وأثنى عليه، وسمع منه شيخه أبو سعد السمعاني.
وروى عنه زين الأمناء وقال: سمعته يقول: مولدي سنة عشرين وخمسمائة. قال: وتوفي بدمشق في شوال. وكان فاضلًا، حسن الأخلاق، طيب المعاشرة.
126 -
فتح بن محمد بن فتح
، أبو نصر الإشبيلي، الأنصاري.
أخذ القراءات عن منصور بن الخيّر، وأبي العباس ابن القصبي، وأبي الأصبغ عيسى بن حزم، وغيرهم. وتصدّر بقرطبة مدةً، ثم أقرأ بشلب، ثم تحول إلى فاس، فأخذ عنه أبو القاسم ابن الملجوم، ومفرّج الضرير، وعبد الجليل بن موسى، وعقيل بن عطيّة.
توفي في شهر رجب.
127 -
كرم بن أحمد بن عبد الرحمن بن قنية الدارقزّي
.
سمع الكثير بنفسه من أبي غالب ابن البنّاء، وأبي المواهب بن ملوك، والقاضي أبي بكر، وطائفة. وروى عنه صفيّة بنت عبد الجبار. وأضرّ بأخرة.
128 -
محمد بن أحمد بن عبيد الله بن عبد الرحمن الأنصاري
، الإشبيلي أبو عبد الله ابن المجاهد الزاهد. وقيل لأبيه المجاهد لأنه كان كثير الغزو.
ولد أبو عبد الله في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقد سمع من أبي مروان الباجي؛ ولازم أبا بكر ابن العربي. وأخذ النحو عن أبي الحسن ابن الأخضر.
قال الأبّار: كان المشار إليه في وقته بالصلاح والورع والعبادة وإجابة الدعاء. كان أحد أولياء الله الذين تذكّر به رؤيتهم. آثاره مشهورة وكراماته معروفة رضي الله عنه، مع الحظ الوافر من الفقه والقراءات. وعمّر وأسنّ. وأخذ عنه أبو بكر بن خير، وأبو عمران الميرتلي وهو الذي سلك طريقته من بعده، وأبو عبد الله بن قسّوم الفهمي، وأبو الخطاب بن الجميّل. وتوفي في شوال.
وكان قد انقطع من مجلس أبي بكر ابن العربي، فقيل له في ذلك، فقال: كان يدرّس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان.
129 -
محمد بن عبد الرحمن بن أحمد
، أبو عبد الرحمن القيسي، المرسي، الفقيه.
أخذ بقرطبة عن أبي مروان بن مسرة وطبقته. ثم أقبل على مطالعة كتب الأوائل، فصار إمامًا فيها، والله أعلم بما يعتقده منها. توفي بمرّاكش.
130 -
محمد بن علي بن أحمد بن واصل
، أبو المظفّر ابن الموازيني، المصري، ثم البغدادي سبط ابن الإخوة.
روى عن ابن بيان الرزّاز. وعنه ابن الأخضر وابن الحصري.
131 -
محمد بن نسيم بن عبد الله العيشوني
، أبو عبد الله، كان نسيم مولى أبي الفضل بن عيشون.
سمع محمد من أبي الحسن ابن العلاف، وأبي القاسم بن بيان. روى عنه ابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، والمأمون بن أحمد الرشيدي، وعبد القادر الرهاوي، والحسين بن باز الموصلي، وأبو الحسن علي ابن الجمّيزي، وآخرون.
ومات شهيدًا، فإنه وقع من سلّم بيته فمات لوقته في جمادى الآخرة.
132 -
محمد بن هبة الله بن عبد الله
، السديد، السلماسي، الفقيه الشافعي.
قال ابن خلّكان: هو الذي شهر طريقة الشريف بالعراق، قصده الناس واشتغلوا عليه، وخرج من تلامذته علماء ومدرّسون منهم العماد محمد والكمال موسى ابنا يونس، والشرف محمد بن علوان بن مهاجر. وكان مسددًا في الفتوى. أعاد ببغداد بالنظامية، وأتقن عدة فنون. وتوفي في شعبان.
133 -
المبارك بن محمد بن مكارم بن سكّينة
، أبو المظفّر.
بغدادي محتشم، روى عن أبي القاسم بن بيان. وعنه ابن الأخضر.
توفي في رجب بأرض السواد.
ذمّه ابن النجار بأكل الربا.
134 -
المشرّف بن علي بن مشرّف بن المسلم
، أبو الفضل الأنماطي.
توفي بالإسكندرية، ومولده سنة ست وخمسمائة. قاله ابن المفضّل الحافظ.
*المهذّب ابن النقّاش الطبيب.
هو علي بن عيسى البغدادي، مرّ.
135 -
نفيس بن دينار الرزّاز
.
روى عن ابن الحصين. وعنه تميم البندنيجي.
136 -
ياقوت النقّاش
.
عن ابن الحصين. وعنه ابن الأخضر، وجماعة.
وفيها ولد:
الصدر البكري، وإبراهيم بن نجيب بن بشارة بالقاهرة، والحسن بن علي بن منتصر الكتبي، وأحمد بن حامد بن أحمد الأرتاحي.
سنة خمس وسبعين وخمسمائة
137 -
أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن
، أبو بكر الفارسي. شيخ رباط الزوزني ببغداد.
قال ابن الدّبيثي: كان كثير العبادة دائم الصوم والصلاة والتلاوة، وهو أصغر من أخيه الحسن. وقد سمع هبة الله بن الطبر، وأبا بكر الأنصاري، وابن زريق الشيباني، وغيرهم. سمع منه محمد بن سعد الله الدجاجي، ومحمد بن علي ابن الرأس. توفي كهلًا في ذي القعدة.
138 -
أحمد بن عبد الرحمن بن سلمان بن حمزة بن الخضر السّلمي
، الدمشقي، أبو الحسين.
سمع عم أبيه عبد الكريم بن حمزة. روى عنه أبو المواهب، وأبو القاسم ابنا صصرى. وتوفي في ذي القعدة وقد جاوز السبعين.
139 -
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن
ابن الدينوري
، أبو العباس البغدادي
شيخ مقلّ. سمع أبا علي ابن المهدي، وابن الحصين. وعنه أبو المحاسن القرشي، وابنه عبد الله بن عمر.
توفي في رمضان.
140 -
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو العباس اليافعي، السبتي.
روى عن شريح، والقاضي عياض. وعنه أبو الخطاب بن دحية، وغيره.
141 -
أحمد بن مسعود بن عبد الواحد بن مطر
، أبو العباس الهاشمي، البغدادي.
سمع أبا الغنائم النرسي، وأبا الحسن بن محمد بن مرزوق. سمع منه
ابناه، وعمر بن علي، وغير واحد. وروى عنه الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، وآخرون.
توفي في شعبان وله ثمان وسبعون سنة.
142 -
أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن بن عبد الصمد
، أبو الفتح، البغدادي، الحنبلي، ابن الصائغ. ويعرف بغلام أبي الخطاب لخدمته له.
روى عن أبي القاسم بن بيان. وحدّث بحلب، وحرّان. روى عنه الحافظ أبو محمد عبد الغني، والحافظ يوسف بن أحمد الشيرازي، وأبو القاسم بن صصرى، وإبراهيم بن أبي الحسن الزيّات، وأخواه محمد وبركات، وعلي بن سلامة الخياط، وعمار بن عبد المنعم بن منيع، وعبد الحق بن خلف، وسليمان بن أحمد المقدسي الفقيه، وابنه عبد الرزاق بن أحمد.
وتوفي بحرّان.
قال ابن النجار: درّس بحرّان وأفتى. مولده سنة تسعين وأربعمائة، وتوفي سنة ستّ. كذا قال في موته.
143 -
إبراهيم بن علي
، أبو إسحاق السّلمي، الآمدي، ظهير الدين ابن الفرّاء.
قرأ ببعض الروايات على أبي عبد الله البارع. وسمع من ابن الحصين، والفراوي. وتفقّه على أسعد الميهني. وعلّق الخلاف بنيسابور عن الإمام محمد بن يحيى. وحدّث بصحيح مسلم. ومولده سنة إحدى وخمسمائة. وكان فقيهًا، مهيبًا، عارفًا بمذهب الشافعي.
ومن شعره:
تحامته غزلان الحمى ومها النّقا كما تتحامى العين سهمًا مفوّقا وبات يرجّي من مزار مزوّر وصالًا محالًا واعتذارًا منمّقا وكم جمعت بين الشتيتين غفوة فما التقت الأجفان حتى تفرّقا
144 -
إبراهيم بن علي بن مواهب
، أبو إسحاق ابن الزّرّاد الأزجيّ.
سمع أبا الغنائم محمد بن علي النّرسيّ، وابن الحصين. روى عنه أبو سعد السّمعانيّ وهو أقدم منه، وأبو الحسن القطيعيّ في تاريخه.
توفّي رحمه الله في تاسع رجب.
145 -
إسحاق بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضِر
، أبو طاهر بن أبي منصور ابن الجواليقيّ.
سمع زاهر بن طاهر، وابن الحصين، وجماعة. وولد سنة سبع عشرة.
146 -
إسماعيل بن موهوب ابن الجواليقي
ّ، أبو محمد.
توفّي في شوّال بعد أخيه إسحاق بشهرين. وكان إسماعيل أديبًا لغويًّا.
قرأ على والده. وسمع من ابن الحصين، وأبي العزّ بن كادش. وأقرأ الناس العربية بعد أبيه. وروى عنه ابن الأخضر، وغيره. وولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
قال ابن النجّار: كان من أعيان العلماء بالأدب، صحيح النّقل، كثير المحفوظ، ثقة، نبيلًا، مليح الخط. تأدّب على أبيه، وله حلقة بجامع القصر. وقد كتّب أولاد الخلفاء كأبيه، مع النزاهة والدّيانة والرّزانة.
قال ابن الجوزي: ما رأينا ولدًا أشبه أباه مثل إسماعيل ابن الجواليقيّ.
147 -
إسماعيل بن أبي القاسم نصر بن نصر
، العُكبَريّ، أبو محمد الواعظ.
سمع أبا طالب بن يوسف، وأبا سعد أحمد ابن الطيوري. وتوفّي في شوّال، وولد سنة خمسمائة.
قال ابن النّجار: كان فقيهًا شافعيًّا، حسن الوعظ.
148 -
اليسَع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليَسَع
، أبو يحيى الغافقيّ، الجيّانيّ، المقرئ.
سكن أبوه المَريّة. أخذ القراءات عن أبيه، وأبي العبّاس القصبي، وأبي القاسم بن أبي رجاء، وأبي الحسن شُريح. وسمع منهم، ومن أبي عبد الله بن زُغيبة، وابن موهَب الجذاميّ، وأبي الفضل بن شرّف، وابن أخت غانم. ولقي ببلنسية: أبا حفص بن واجب، وأبا إسحاق بن خفاجة الشاعر. وأجاز له أبو محمد بن عتّاب، وأبو عمران بن أبي تليد، وجماعة.
ورحل واستوطن الإسكندريّة، وأقرأ بها القراءات. ثم رحل إلى القاهرة واشتمل عليه الملك صلاح الدين، ورسم له جاريًا يقوم به. وكان يكرمه ويحترمه ويقبل شفاعته. وكان من أوّل من خطب بالدعوة العباسيّة.
وكان فقيهًا، مشاوَرًا، مقرئًا، محدّثًا، حافظًا، نسّابة، بديع الخط، بليغ الإنشاء، رائق النظم. وله تصنيف سمّاه المُغرب في محاسن المغرب. وقيل: هو متّهم في هذا التصنيف.
روى عنه أبو عبد الله التُجيبيّ، والحافظ أبو الحسن بن المفضّل، وأبو القاسم ابن الصفراويّ، وآخرون. وقرأ عليه بالروايات ابن الصفراويّ، وغيره.
وتوفّي في رجب وقد جاوز السبعين.
149 -
تجنّي أم عِتب الوهبانيّة
، عتيقة أبي المكارم بن وهبان.
شيخة مسندة معمّرة. وهي من آخر من سمع في الدنيا من طراد الزَّينبيّ، وابن طلحة النّعالي. روى عنها أبو سعد السّمعانيّ، والشيخ الموفّق، والبهاء عبد الرحمن، والناصح بن نجم الحنبليّ، وعبد الرحيم بن عمر بن علي القرشيّ، وعمر بن عبد العزيز ابن النّاقد، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، وأبو الفتوح نصر ابن الحصري، وهبة الله بن الحسن الدّوامي، وسيّدة بنت عبد الرحيم ابن السّهرورديّ، ومحمد بن عبد الكريم السّيّديّ، وزُهرة بنت
حاضر، وفخر النساء بنت الوزير محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء، ويوسف بن يحيى البزّاز، وأبو البدر بن منصور بن عبد الله بن عفيجة، وإبراهيم بن الخيّر، ويحيى بن القُميرة، وآخرون.
قال ابن الدّبيثي: أجازت لنا، وتوفّيت في شوّال.
150 -
الحجّاج بن عليّ بن حجّاج
، أبو القاسم ابن الدّبيثي، الواسطيّ.
قال ابن الدّبيثي: هو جدّي لأمّي. سمع بواسط من القاضي الجلابي. وسمع ببغداد من أبي السعادات أحمد بن أحمد، وابن الحصين. سألته عن مولده فقال: سنة خمس وخمسمائة يوم عاشوراء وتوفّي رحمه الله في صفر. سمعته يتمثّل بشِعر.
151 -
الحسن المستضيء بأمر الله
، أمير المؤمنين أبو محمد ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر أحمد ابن المقتدي الهاشميّ العبّاسيّ.
بويع بالخلافة بعد موت أبيه في ربيع الآخر سنة ستّ وستّين وخمسمائة. وكان القائم بأخذ البيعة له الوزير عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء واستوزره يومئذ.
ولد المستضيء في سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وكان ذا حلم وأناة، وفيه رأفة. وكان كثير الصّدقة والمعروف. وأمه أرمنية تدعى غضة، وكان له من الولد أحمد، وهو الإمام الناصر، وهاشم أبو منصور.
قال ابن الجوزي في المنتظم: بايعه الناس ونودي برفع المكوس، وردّ مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا. وفرّق مالًا عظيمًا على الهاشميّين، والعلويين، والعلماء، والمدارس، والرُبط. وكان دائم البذل للمال ليس له عنده وقع. ولمّا استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم، فحكى خيّاط المخزن أنّه فصّل ألفًا وثلاثمائة قباء إبريسم. وخُطب له على
منابر بغداد، ونُثرت له الدنانير كما جرت العادة. ووُلّى رَوح ابن الحديثيّ قضاء القضاة، ثم أمّر سبعة عشر مملوكًا.
وللحيص بيص فيه:
يا إمام الهدى علوتَ عن الجو د بمالٍ وفضّةٍ ونضارٍ فوهبتُ الأعمارَ والأمن والبل دان في ساعةٍ مضت من نهار فبماذا نثني عليك وقد جا وزت فضلَ البحور والأمطار إنّما أنت مُعجِزٌ مستقلٌّ خارقٌ للعقول والأفكار جمعَت نفسُك الشريفة بالبأ س وبالجود بين ماءٍ ونار
قال ابن الجوزي: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلاّ مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قَيماز.
وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد المصريين، وخُطب له بمصر، وضُربت السكّة باسمه، وجاء البشير بذلك إلى بغداد، فغلّقت الأسواق ببغداد وعُملت القباب. وصنّفتُ كتابًا سمّيته النصر على مصر وعرضته على الإمام المستضيء. توفّي في شوّال.
قلت: رُزق سعادة عظيمة في خلافته، وخطب له باليمن، وبرقة، وتَوزر، ومصر إلى أسوان. ودانت الملوك بطاعته. وكان يطلب ابن الجوزي، ويأمر بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يُسمَع، ويميل إلى الحنابلة. وفي أيّامه ضعُف الرفض ببغداد ووهى، وأمِن الناس.
وقال ابن النجار: بويع المستضيء وله إحدى وعشرون سنة، وهذا وهم، قال: وكان حليمًا، رحيمًا، شفيقًا، ليّنًا، كريمًا. نقلت من خط أبي طالب بن عبد السميع أنّه كان من الأئمة الموفّقين كثير السخاء، حسن السيرة، إلى أن قال: اتصل بي أنّه وهب في يوم لجهات وحظايا زيادةً على خمسين ألف دينار.
وقال عبد العزيز بن دلف: حدثنا مسعود بن النادر قال: كنت أنادم المستضيء، وكان صاحب المخزن ابن العطّار قد عمل تور شمعة من ألف
دينار. قال: فحضر وفيه الشمعة، فلمّا قمت قام الخادم بها بين يديّ، فأطلق لي التور.
مات في سلخ شوّال.
152 -
سالم بن عليّ بن سلامة الدلاّل ابن البيطار
.
بغداديّ، سمع بنفسه من القاضي أبي بكر الأنصاريّ، وعليّ ابن الصبّاغ، وجماعة. وحدّث.
153 -
سعيد بن عبد الله بن أحمد بن مفضّل
، أبو القاسم الأزَجيّ.
سمع أبيًا النرسيّ، ومحمد بن عبد الباقي الدُّوريّ. وكان كاتبًا مذموم السيرة. سمع منه أبو محمد ابن الخشاب، والقدماء. وتوفّي في شعبان.
154 -
شافع بن صالح بن شافع بن حاتم الجيليّ ثم البغداديّ
، أخو الحافظ أحمد بن صالح، وشافع الأكبر.
وكان من عدول بغداد. سمع أبا سعد ابن الطيوري، وهبة الله بن الحصين، وهبة الله الشروطيّ. روى عنه إلياس بن جامع الإربليّ، وجماعة.
قال ابن الدّبيثي: أجاز لنا، وتوفّي في آخر السنة.
155 -
الضحاك بن أبي الفوارس محمد بن هبة الله
، أبو شجاع البوّاب.
أسمعه خاله علي بن أبي سعد الخبّاز من أبي نصر بن رضوان، وهبة الله ابن الحصين. روى عنه غير واحد.
156 -
عبد الله بن أحمد بن بكران
، أبو محمد الداهريّ الضرير المقرئ، والد عبد السلام الخفّاف. والداهرية من قرى السّواد.
قرأ على سبط الخيّاط. وسمع من أبي غالب ابن البنّاء. وتوفّي راجعًا من الحج.
157 -
عبد الله بن أحمد بن عليّ بن قرشيّ
، أبو الوليد الحجريّ القرطبي.
سمع من أبي الوليد ابن الدباغ، وأبي الحسن بن النعمة، وجدّه لأمه أبي الحسن بن فيد. وصحِب أبا بكر عتيق ابن الخصم وتأدّب به، وبأبي الحسن بن سعد الخير. ومهر في صناعة العربية واللغة، وجلس لإقرائهما. وله النظم والنثر؛ أخذ عنه أبو عبد الله بن سعادة النحويّ، وغيره.
158 -
عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف
، أبو الحسين.
الشيخ، الثقة، من بيت الحديث والفضل. ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمّعه أبوه الكثير من أبي الحسين ابن الطيوري، وجعفر السرّاج، وأبي القاسم الربعي، وأبي سعد بن خشيش، وأبي الحسن العلاّف، وابن بيان، وخلق سواهم.
وكان أبو الفضل بن شافع يقول: هو أثبت أقرانه.
وقال عبد العزيز بن الأخضر: كان عبد الحق لا يحدّث بما سمعه حضورًا، ترك ذلك تورّعًا.
روى عنه ابن السمعاني، وذكره في تاريخه، وأبو الفرج ابن الجوزي، وقال: كان حافظًا لكتاب الله، ديّنًا، ثقة، سمع الكثير وحدّث. وهو من بيت المحدّثين.
وقال البهاء عبد الرحمن: سمعنا كثيرًا على عبد الحق، وكان من بيت الحديث فإنّه روى لنا عن أبيه عن أبيه عن أبيه.
قال: وكان صالحًا فقيرًا، وكان عسِرًا في السماع جدًا. ورزقت منه حظًّا، لأنّه كان يراني منكسرًا مواظبًا، وكان يعيرني الأجزاء فأكتبها. وأُلهم في آخر عمره القرآن، فكان يقرأ كل يوم عشرين جزءًا أو أكثر.
قلت: وروى عنه الحافظان عبد العزيز ابن الأخضر، وعبد القادر الرُهاوي، والشيخ موفق الدين، والحافظ عبد الغنيّ، والشّهاب ابن راجح، وحمد بن
صدّيق الحرّانيّ، وأبو الحسن القطيعيّ، وعبد الرحمن بن بختيار، وقيصر البوّاب، وإبراهيم ابن الخيّر، ويحيى ابن القميرة، وعليّ بن هبة الله ابن الجمّيزيّ، والأعز ابن العلّيق، ومحمد بن عبد الكريم السِيديّ، وخلق سواهم.
وقال ابن مشِّق: توفّي في السادس والعشرين من جمادى الأولى.
159 -
عبد المحسّن بن تُريك بن عبد المحسّن بن تريك
، أبو الفضل الأزَجيّ البيّع.
سمع أبا الغنائم النّرسيّ، وأبا القاسم بن بيان، وأبا عبد الله الدّوري. سمع منه أحمد وتميم ابنا أحمد البندنيجيّ، وعبد العزيز ابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، ونصر بن عبد الرزاق، وآخرون.
توفّي يوم عرفة.
160 -
عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة
، أخو الشيخ أبي عمر، والشيخ الموفّق.
ولد في أوّل سنة خمسين، وعاش خمسًا وعشرين سنة. ومات في طريق الحج. وقد سافر إلى بغداد، وسمع من شُهدة، وعبد الحق، وجماعة. وكان ذا مروءة وكرم. رمي بسهم بين مكّة وعرفات فبقي منه مريضًا حتى مات بين تيماء والمدينة.
قال الضّياء: وسمعت أنّ ابنه الشّرف كان طفلًا نائمًا، فانتبه فقال: الساعة يدفنون أبي، فزجرته أمّه. فلمّا قدم الحاج تبيّن أنهم دفنوه تلك الليلة. خلّف من الولد: أحمد، وسارة، وزينب.
161 -
علم زوجة الشيخ محمد بن يحيى الزّبيدي
.
امرأة زاهدة، صالحة، واعظة. قدمت بغداد مع زوجها، وهي أم المبارك وجدّة الحسين. تزوّج بها بدمشق، وعُمّرت دهرًا.
162 -
عليّ بن أحمد بن محمد بن عمر بن حسن
، أبو الحسن العَلويّ الحسينيّ الزيديّ البغداديّ القدوة السيّد الفقيه الشافعي المحدّث.
قال ابن الدّبيثي: أحد الأعيان والزّهّاد والنسّاك. حفظ القرآن وحصّل الفقه، وكتب الكثير من الحديث وجمعه. وكان نبيلًا، جامعًا لصفات الخير. سمعت شيخنا ابن الأخضر يعظّم شأنه ويثني عليه ويصف زهده ودينه. وقال: أوّل سماعه سنة سبع وأربعين وإلى آخر عمره. سمع الحافظ ابن ناصر، وابن الزاغونيّ، ونصر ابن العكبريّ. وانتخب لنفسه أجزاء، وحدّث بها وسمع منه شيوخه وأقرانه تبرّكًا به، منهم عمر القرشيّ، وعمر العُليميّ، وأبو المواهب بن صصرى. وكان ثقة صدوقًا. ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وتوفّي في شوّال وأبواه في الحياة، ودفن بداره. ووقف كتبه، وانتفع بها الناس.
وقيل: إنّ الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء لمّا عاد إلى الوزارة بعث إليه بألف دينار، وكان نذَرها إن عاد إلى الوزارة، فلمّا سمع المستضيء بذلك بعث إلى الشريف بألف دينار أخرى، وبعثت إليه بنفشه أمّ الخليفة بألف دينار، فلم يتصرّف فيها بل بنى مسجدًا واشترى كتبًا كثيرة وقفها فيه وانتفع بها الناس.
163 -
عليّ بن حُميد بن عمّار
، أبو الحسن الأنصاريّ الأطرابلسيّ ثم المكيّ النحويّ المقرئ.
حدّث في هذا العام بصحيح البخاريّ، عن أبي مكتوم عيسى بن أبي ذرّ الهرويّ سماعًا، وهو آخر من سمع منه. روى عنه محمد بن عبد الرحمن التُجيبيّ الأندلسيّ، وعبد الرحمن بن أبي حرَميّ فتّوح بن بنين المكّي العطّار، وناصر بن عبد الله المصريّ العطّار نزيل مكة ستين عامًا، وأبو الربيع سليمان بن أحمد السّعديّ المغربل الشارعيّ، وآخرون. حدّث في سنة خمس وسبعين.
164 -
عليّ بن هبة الله بن عليّ بن خلدون
، أبو المعالي الواعظ.
ولد ببغداد، ونشأ بالكوفة، وحج، ودخل مصر فتعلّم الوعظ، ثم قدم دمشق وسمع بها من أبي الحسين علي ابن الموازيني. وسكنها حتى مات.
روى عنه أبو المواهب بن صصرى وقال: توفي في ربيع الآخر عن ثلاث وتسعين سنة ممتّعًا بحواسه.
قلت: وروى عنه عتيق السلماني، ومكي بن علان.
165 -
عمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي
، أبو المحاسن القرشي الزبيري الدمشقي القاضي الحافظ.
قال ابن الدّبيثي: حافظ، ثقة، عالم. عني بطلب الحديث وبسماعه، وكتابته. وسمع بدمشق، وحلب، وحرّان، والموصل، وبغداد، والكوفة، والحجاز، ورزق الفهم في الحديث. سمع أبا الدر ياقوت، وأبا القاسم بن البنّ، وأبا طالب عبد الرحمن ابن العجمي، وحامد بن محمود الحرّاني. وقدم بغداد في سنة ثلاث وخمسين، وسكنها. وسمع أبا الوقت، وأبا جعفر العباسي، وأبا المظفر ابن التريكي، وأبا محمد ابن المادح، فمن بعدهم. حتى سمع من أصحاب قاضي المرستان. وصحب أبا النجيب السهروردي. وولاّه قاضي القضاة روح ابن الحديثي قضاء الحريم. ونفّذ رسولًا إلى نور الدين وما كان بلغ الثلاثين سنة. سمع منه أبو بكر الباقداري، وأحمد بن أحمد البندنيجي، وأبو الفتوح ابن الحصري، وابنه أبو بكر عبد الله بن عمر. وأجاز لي. ولد بدمشق في شعبان سنة ست وعشرين. وتوفي في ذي الحجة.
166 -
عمر بن المبارك بن أحمد بن سهلان
، أبو حفص النعالي.
سمع الحديث، وطلب بنفسه؛ سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا العز بن كادش، وجماعة.
كتب عنه أبو سعد السمعاني وذكره في الذيل فقال: كان صالحا صدوقا خيرا، قنوعا، كتب لي جزءا وحدثني به، وقال لي: ولدت سنة خمسمائة.
قلت: وعاش بعد أبي سعد دهرا، وحمل الناس عنه، وتوفي في ذي القعدة.
167 -
عيسى بن أحمد بن محمد بن عبيد الله
، أبو هاشم الدوشابي، الهاشمي، العباسي، البغدادي، الهرّاس. وهو منسوب إلى دوشاب بن علي العباسي.
سمع من أبي عبد الله الحسين بن علي ابن البسري.
قال أبو سعد السمعاني: كان هرّاسًا، كتبت عنه حديثين.
قلت: وروى عنه البهاء عبد الرحمن، وأبو بكر عبد الله بن نصر قاضي حرّان، وحمد بن صديق، وابن المقيّر، وجماعة. وتوفي في رجب.
168 -
عيسى ابن الإمام المسترشد بالله
.
توفي كهلًا في المحرم.
169 -
القاسم بن عبد الرحمن بن دحمان
، أبو محمد الأنصاري، المالقي، المقرئ.
قال الأبّار: أخذ القراءات عن أبي منصور ابن الخير، وأبي عبد الله ابن أخت غانم، وأبي الحسين ابن الطراوة، وأبي الفتح سعدون المرادي أخذ عنه كتب النحو. وناظر في المدونة على: أبي محمد ابن الوحيدي، وأبي عبد الله ابن الأديب. وسمع منهما صحيح البخاري. وأجاز له أبو بحر الأسدي، وأبو عبد الله بن الحاج، وجماعة. وكان مقرئًا جليلًا، نحويًا ماهرًا، عالمًا بالقراءات والعربية، متصدّرًا لإقرائها. حدّث عنه جماعة من شيوخنا. وقد أخذ عنه أبو زيد السهيلي مع تقدّمه، وأبو الحسن بن خروف. توفي بمالقة وقد نيّف على الثمانين.
170 -
محمد بن أحمد بن الفرج
، أبو منصور الدقّاق، البغدادي الوكيل بباب القاضي. وهو أحد الإخوة الأربعة.
سمّعه خاله الحافظ محمد بن ناصر من أحمد بن محمد ابن المحاملي، وعبد الله بن أحمد ابن السمرقندي، وأبي طالب اليوسفي، وأبي العز القلانسي. وحدّث عنهم. وكان ثقة. روى عنه الحافظ أبو بكر الحازمي، وأبو محمد ابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، وطائفة سواهم.
وتوفي في ذي الحجة. وكان مولده في سنة أربع وخمسمائة. وأول سماعه سنة إحدى عشرة من ابن يوسف.
171 -
محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل
، أبو الفرج الأديب الهيتي.
سمع أبا القاسم بن الطبر، وعبد الوهاب الأنماطي. وقرأ العربية على ابن الشجري. كتب عنه ابن السمعاني مع تقدّمه. وتوفي في ربيع الآخر.
172 -
محمد بن خير بن عمر بن خليفة
، المقرئ، الأستاذ، الحافظ، أبو بكر اللمتوني، الإشبيلي.
أخذ القراءات عن شريح، واختص به حتى برع وفاق. وسمع من أبي مروان الباجي، وأبي بكر ابن العربي. ورحل إلى قرطبة فسمع من أبي جعفر بن عبد العزيز، وابن عمه أبي بكر، وأبي القاسم بن بقي، وابن مغيث، وابن أبي الخصال، وطائفة.
قال الأبّار: وكان مكثرًا إلى الغاية بحيث إنه سمع من رفاقه، وسمع أكثر من مائة نفر. ولا نعلم أحدًا من طبقته مثله. وتصدّر بإشبيلية للإقراء والإسماع. وأخذ الناس عنه. وكان مقرئًا مجوّدًا، ومحدّثًا متقنًا، أديبًا، نحويًا، لغويًا، واسع المعرفة، رضًا، مأمونًا. ولما مات بيعت كتبه بأغلى ثمن لصحّتها. ولم يكن له نظير في هذا الشأن مع الحظ الأوفر من علم اللسان.
توفي في ربيع الأول، وكان له جنازة مشهودة. وولد سنة اثنتين وخمسمائة. أكثر عنه شيخنا ابن واجب.
173 -
محمد ابن قاضي القضاة أبي الحسن علي بن أحمد بن علي بن محمد بن علي
. القاضي أبو الفتح ابن الدامغاني.
كان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وناب في الحكم عن والده. وتوفي شابًا عن سبع وعشرين سنة.
174 -
محمد بن علي بن حمزة بن محمد
، أبو يعلى ابن الأقساسي، العلوي، الشريف، الكوفي، أخو النقيب أبي محمد الحسن بن علي.
كان كاتبا أديبًا، شاعرًا. سمع من أبي النرسي، وأبي البركات عمر بن إبراهيم العلوي. وتوفي في ذي الحجة وقد قارب الثمانين.
175 -
محمد ابن القاضي عياض بن موسى بن عياض
. اليحصبي السبتي أبو عبد الله قاضي دانية.
قيل: توفي في هذه السنة، أو سنة اثنتين وسبعين.
176 -
محمد بن أبي غالب بن أحمد بن مرزوق
، الحافظ أبو بكر الباقداري، الضرير.
قدم بغداد في صباه من باقدار، وقرأ على جماعة. وسمع الحديث من خلق كثير.
وقال ابن الدّبيثي: وانتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه، وعليه كان المعتمد فيه.
وقال أبو الفتوح ابن الحصري: هو آخر من بقي من حفّاظ الحديث الأئمة.
وقال ابن الدّبيثي: سمعت غير واحد من شيوخنا يذكرون أبا بكر الباقداري، ويصفونه بالحفظ ومعرفة الرجال، والمتون، والإتقان، مع كونه
ضريرًا مقصورًا، إلاّ أنه كان حفظة، حسن الفهم. سمع أبا محمد سبط الخيّاط، وابن ناصر، وابن الزاغوني، والفضل بن سهل الإسفراييني، والناس بعدهم. وبلغني أن ابن ناصر كان يراجع الباقداري في أشياء، ويرجع إلى قوله.
وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم، وذكر ابن الباقداري فقال: كان أبوه أحد حفاظ بغداد المشهورين بمعرفة الرجال، والتقدّم مع ضرره.
قلت: وسمع منه إبراهيم الشعار، وعمر بن علي القرشي، ونصر ابن الحصري.
وقال ابن الدّبيثي: أخبرنا عبد الله بن عمر الوكيل، قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر، قال: أخبرنا ابن الزاغوني، وسعيد ابن البنّاء، وابن المادح قالوا: أخبرنا أبو نصر الزينبي، فذكر من البعث أن النبي صلى الله عليه وسلم توفيت بنته زينب، فخرج لجنازتها. . الحديث.
توفي الحافظ أبو بكر في ذي الحجة كهلًا. وكانت بنته عجيبة من أسند شيوخ بغداد. سمّعها واستجاز لها الكبار.
177 -
محمد بن محمد ابن الأنباري
، أبو الفرج. صاحب ديوان الإنشاء ببغداد.
ناب في الوزارة. وقد كتب الإنشاء سبعة عشر عامًا وأشهرًا. وحدث عن عبد الله بن أحمد ابن السمرقندي.
توفي في ذي القعدة وله ثمان وستون سنة.
روى عنه أحمد بن طارق الكركي.
وكان ناقص الفضيلة، ظاهر القصور في الترسّل. وإنما روعي لأجل
والده سديد الدولة محمد بن عبد الكريم.
178 -
محمد بن محرز
، أبو عبد الله الوهراني المغربي، ركن الدين. وقيل: جمال الدين. أحد ظرفاء العالم وأدبائهم.
قدم من بلاده إلى ديار مصر وهو يدّعي أنه يعرف صناعة الإنشاء، فرأى بها القاضي الفاضل والعماد الكاتب وتلك الحلبة، فعلم من نفسه أنه ليس من طبقتهم، فسلك سبيل الهزل، وعمل المنامات المشهورة، والرسائل المعروفة. ولو لم يكن في ذلك إلاّ المنام الكبير لكفاه، فإنه ما سبق إلى مثله.
قدم دمشق وأقام بها مديدة، وبها توفي في رجب.
وأما وهران فمدينة كبيرة على أرض القيروان بينها وبين تلمسان يومان. بنيت سنة تسعين ومائتين.
فمن كلامه، مما كتب به إلى القاضي الأثير: فالخادم كلما ذكر تلك المائدة الخصيبة، وما يجري عليها من الخواطر المصيبة علم أن التخلف عنها هو المصيبة. لكنه إذا ذكر ما يأتي بعدها من القيام والقعود، والركوع والسجود، علم أن هذا أجرة ما يأكله من تلك الوليمة، نحو من عشرين تسليمة، كل لقمة بنقمة، فما تحصل الشبعة إلا بأربعين ركعة، فيكون الدعوة عليه لا له، والحضور في الشرطة أحب إليه منها له. فزهدت حينئذ في الوصول، إذ ليس للخادم من الدين، ولا قوة اليقين، ما يهجر لأجله مؤاكلة الوجوه القمرية، بمشاهدة السنة العمرية. فموعد الإتمام انقضاء شهر الصيام، والسلام.
وكتب رقعة إلى أبي القاسم العوني الأعور: يا مولانا الشيخ الزاهد، دبّوس الإسلام، لتّ الفقهاء، قنطارية العلماء، تافروت الأئمة، طبل باز السنة، نصر الله خاطرك، وستر ناظرك. أنت تعلم أن الله ما خلقك إلاّ تلعة، فكن في رقاب الرافضة واليهود، وما صوّرك إلاّ لالكة في رؤوس المبتدعة، وأراذل الشهود. وأنت بلا مرية جعموس عظيم، ولكن في ذقون الزائغين، فالله
ينفعك بالإسلام، ولا يوقعك يوم القيامة في يد علي عليه السلام، وأن ينقذك من الهاوية، بشفاعة معاوية.
وله: وصل كتاب الأمير المولى تقي الدين مصطفى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، حتى يتوب المخلص من القيادة، وينقطع المعيدي إلى العبادة، بألفاظ أحسن من فتور الألحاظ، ومعاني كترجيع المغاني. وكان ذلك أجمل في عيني من الروض غبّ السحاب، وألذ من الصفع بخفاف القحاب، لا بل أحلى من مطابقة الزامر للعوّاد، وأشهى إلى النفس من مواعيد القوّاد، فطرب المملوك ولا طرب فلان الفلاني لما اجتمع بفلانة في دعوة فلان في المحرم من هذه السنة، وغنّت له:
ما غيّر البعد ودًّا كنت تعرفه ولا تبدّل بعد الذكر نسيانا ولا ذكرت صديقًا كنت آلفه إلاّ جعلتك فوق الذكر عنوانا
فإنه لما سمع ذلك قام وقعد، وصاح ولطم، وفتل شعر عنفقته، وأدار شربوشه على رأسه، وشق غلالته، وجرى إلى الشمعة ليحرق ذقنه فيها فلم يزل يحلف بحياة الجماعة، ليسكبنّ قدحه في سرّتها، ويتلقّاه بهمز من بين أشفارها، بحيث أن تكون لحيته ستارة على ثقبها، فمنعه عشيقها، فحلف برأس الملك العظيم ليشربنّ بخفّها، فقال: هذا هيّن، فلو أردت أن أسقيك بالخف ثلاثمائة فعلت. فعبّ في الخف إلى أن وقع. إلى أن قال: لا والله ولا طرب الصوفية ليلة العيد، إذ حضر عندهم مرتضى المغني، معشوق العماد الكاتب، وقد أسبل شعره على كتفيه، وأمسك أبو شعيب الشمعة بين يديه، وهو يغني لابن رشيق القيرواني:
فتور عينيك ينهاني ويأمرني وورد خديك يغري بي ويغريني أمّا لئن بعت ديني واشتريت به دنيا فما بعت فيك الدين بالدون سبحان من خلق الأشياء قاطبةً تراه صوّر ذاك الجسم من طين أستغفر الله لا والله ما نفعت من سحر مقلته آيات ياسين
فإنهم لما سمعوا هاجوا وماجوا، وصاحوا وناحوا، وزعقوا وقفزوا إلى السماء، وجلخوا حتى انخسف ببعضهم الموضع، فنبشوا وكفّنوا ودفنوا، والباقون يرقصون ولا يدرون.
وبعد هذا فالذي فعله مولانا تقي الدين من التقاء الجمع الكثير بالعدد القليل عين الخطأ، لأنه ما المغرور بمحمود وإن سلم. فالله الله لا يكون لها مثنوية، ولا يرجع المولى يلتقي ألفًا وستمائة فارس إلاّ أن يكون في ثلاثين ألفًا، بشرط أن يكون العدو مثل حمزة الزامر، وعثمان الجنكي، وأبي علي القوّاد، وحميدة المخنّث، وأمثال هؤلاء الفرسان، ويكون جندك مثل فلان وفلان الذين ما اجتمع المملوك بواحد منهم إلاّ تجشّأ في وجهي سيوف وسكاكين، ويزعم أنه يقرقش الحديد. والرأي عندي غير هذا كله. وهو أن تستقيل من الخدمة، وتنقطع في بستان القابون، وتنكث التوبة، وتجمع علوق دمشق، وقحاب الموصل، وقوّادين حلب، ومغاني العراق، وتقطع بقية العمر على القصف، وتتكل على عفو الغفور الرحيم. فيوم من أيامك في دمياط مكفّر لهذا كله. فإن قبلت مني فأنت صحيح المزاج، وإن أبيت ولعنت كل من جاء من وهران، فأنت منحرف محتاج إلى العلاج.
وله، جواب كتاب إلى الكندي: فأما تعريضه لخادمه بالقيادة، وعتبه علي بالتزويج بالنساء العواهر، فسيّدي معذور، لأنه لم يذق حلاوة هذه الصنعة، ولو أنه أدام الله عزّه خرج يومًا من البيت، ولم يترك إلا ثمن الخبز والجبن، ورجع بعد ساعة، وجد السنبوسك الموّرد، والدجاج المسمّن، والفاكهة المنوّعة، والخضرة النضرة، فتربّع في الصدر، فأكل وشرب وطرب، ولم يخرج في هذا كله إلا إلى التغافل وحسن الظن، وقلة الفضول وسأل الله أن يحييه قوّادًا، وأن يميته قوّادًا، وأن يحشره مع القوّادين.
ويظن الخادم أنه في هذا القول كجالب التمر إلى هجر، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ومهما جهل من فضل نكاح الملاح النهمات، فلا يجهل أن أكل الحلاوة مع الناس أحسن من أكل الخرا منفردًا.
179 -
محمد بن محمد بن محمد بن عثمان
، أبو الفضل ابن الدباب البابصري، الدبّاس.
عن هبة الله بن الحصين، وأحمد بن المجلي.
وعنه محمد بن أحمد بن صالح الجيلي.
وكان شيخًا صالحًا، كثير الصدق، مات في شعبان.
180 -
المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد
، أبو محمد بن الطباخ البغدادي، الحنبلي. نزيل مكة.
كان إمام الحنابلة بمكة ويكتب العمر ويبيعها.
سمع أبا السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، وهبة الله بن الحصين، وابن كادش، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذّن، وجماعة، ونسخ بخطه.
سمع منه أبو سعد السمعاني مع تقدّمه.
وروى عنه أبو محمد بن قدامة، وابن الأخضر، وغير واحد. وتوفي في شوال.
أخبرني عبد الحافظ، قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا ابن الطباخ، قال: أخبرنا زاهر، وإسماعيل ابن المؤذّن بالمسلسل بالأوليّة.
181 -
المبارك بن محمد بن أحمد بن محمد بن قيداس
، أبو المعالي الحريمي.
سمع ابن بيان، وأبيًا النرسي. وعنه عبد الله بن أحمد الخباز.
وكان ظريفًا مطبوعًا. بقي إلى هذه السنة، وتوفي في الغربة.
182 -
المبارك بن محمد بن عبد الكريم بن أبي الفوارس
، أبو الفتوح الهاشمي، البغدادي.
سمع ابن بيان، وابن نبهان. وقرأ القرآن على: أبي بكر المزرفي.
سمع منه عمر القرشي، وابن الأخضر. وتوفي في ذي القعدة.
183 -
محمود بن تكش
، الأمير شهاب الدين الحارمي صاحب حماة. خال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.
مات في هذه السنة كهلًا.
184 -
مكّي بن محمد بن عبد الملك. الهمذاني
، أبو محمد الشعّار.
من بيت الحديث، ذكره ابن النجار فقال: كان حافظًا ذا فهم ثاقب وإدراك صائب. وكان من أصحاب الحافظ أبي العلاء العطار، خصّيصًا به، مقدّمًا عنده.
قدم بغداد، وحدّث عن محمد بن علي بن كاكويه الكاتب، وأبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي، وأبي جعفر محمد بن أبي علي الحافظ، وهبة الله ابن أخت الطويل.
روى عنه محمد بن محمود الحرّاني، وأبو الحسن القطيعي.
وتوفي في المحرم عن اثنتين وخمسين سنة.
185 -
منصور بن نصر بن منصور بن الحسين
، أبو بكر ابن العطار الحرّاني، ثم البغدادي، الكاتب الوزير.
كان أبوه من كبار التجار.
قال ابن النجار: نشأ أبو بكر، وسمع الكثير وقرأ العلم.
وقال ابن الدّبيثي: لقبه ظهير الدين.
سمع من ابن ناصر، وأبي بكر الزاغوني، وأبي الوقت.
سمع منه مكّي الغرّاد. فلما مات أبوه بسط يده في المال وخالط الدولة.
قال ابن النجار: ورث نعمةً طائلة، وخالط الكبراء وأرباب المناصب، وبذل معروفه، وتوصّل حتى صار له اختصاص بالإمام المستضيء قبل أن يلي الخلافة. فلما استخلف قرّبه وولاّه مشارفة المخزن، ثم ولاّه نظر المخزن والوكالة المطلقة، وارتفع أمره. فلما قتل الوزير أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء ردّ المستضيء جميع أمور دواوينه إليه، وناب في الوزارة. وكان كل الدولة يحضرون عنده. وكان يولّي ويعزل. وكان شهمًا مقدامًا، له هيبة عظيمة، وشدّة وطأة، ولم يزل على ذلك حتى مات المستضيء، فأقرّه الناصر على نظر المخزن فقط، ثم خلاّه أيامًا وقبض عليه وسجنه أيامًا، ومات.
وبلغني أن مولده سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
وأنبأنا ابن الجوزي قال: منصور ابن العطار كان مقدامًا على القطع والصلب، ولما مات حمل إلى بيت أخته، فأخرج بعد الصبح، فعلم به الناس فضربوا التابوت بالآجر، ثم رمي فطرح التابوت في النار، وخرّق الكفن، وأخذ القطن، فأخرج عريانًا، وشدّ في رجله
حبل، وسحب إلى المدبغة. ورموه فيها. ثم سحب إلى قراح أبي الشحم، والصبيان يصيحون بين يديه: يا مولانا وقّع لنا. إلى أن جاء جماعة من الأتراك فاستخلصوه منهم، ولفّوه في شقّه، ومضوا به فألقوه في قبر والده.
توفي في ذي القعدة وأراح الله منه، إلاّ أنه كان نقمة وعذابًا على الشيعة.
186 -
منوجهر بن محمد بن تركانشاه
، أبو الفضل الكاتب، كاتب الأمير قطب الدين قايماز المستنجدي.
قال ابن النجار: كان أديبًا فاضلًا، حاذقا، حسن الطريقة، صدوقًا.
سمع أباه أبا الوفاء، وهبة الله بن أحمد الموصلي، وأبا القاسم بن بيان، والقاسم بن علي الحريري روى عنه المقامات مرارًا. وهو آخر من رواها عنه ببغداد. روى عنه أبو سعد السمعاني. وحدثنا عنه ابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري، وأحمد ابن البندنيجي، وسعيد بن المبارك الحمامي. وقرأت مولده بخطه في شوال سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وحدّث بكتاب إصلاح المنطق عن أبي عبد الله البارع.
قلت: وأصله من بروجرد، وهو بغدادي. وروى عنه البهاء عبد الرحمن، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، ويوسف بن عمر بن صقير، وطائفة سواهم. وتوفي في جمادى الآخرة.
187 -
نصر الله بن عبد الرحمن بن عبد السلام
، أبو الفتوح اللمغانيّ، الفقيه، الحنفيّ.
كان مفتيًا، مناظرًا ببغداد، كثير العبادة، ديّنًا خيّرًا رحمه الله.
188 -
يوسف بن أحمد بن الحسين
، أبو طالب اللبّان.
له دكّان ببغداد لبيع الّلبن. سمع أبا المعالي أحمد ابن البخاريّ، وأخاه هبة الله، وأبا العزّ بن كادش.
وعنه أحمد ابن البندنيجيّ، وعبد الرحمن بن عمر بن الغزّال.
مات في شعبان عن خمس وسبعين سنة.
189 -
يوسف بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن أبي زيد الأندلسيّ اللُّرييّ
الأستاذ أبو عمر بن عيّاد.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن أبي إسحاق. وقدم بلنسية سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ولقي بها أعلام المقرئين: أبا مروان بن الصّيقل، وابن هذيل، وأبا الحسن بن النعمة، فأخذ عنهم. وسمع من أبي الوليد ابن الدبّاغ، وطارق بن يعيش، وخلق. وكتب إليه أبو القاسم بن ورد، وأبو محمد بن عطيّة.
وكان معنيًّا بصناعة الحديث، جمّاعة للدفاتر والدواوين، معدودًا في الأثبات المكثرين. سمع العالي والنازل، ولقي خلقًا، ولو اعتنى بذلك من أوّل أمره اعتناءه به في الآخر لبذّ أقرانه وفات أصحابه. وكان يحفظ أخبار المشايخ وينقب عليهم ويعتني بهم، ويؤرّخ وفياتهم ويدوّن قصصهم، وفي ذلك أنفق عمره.
وكان قد شرع في تذييل كتاب ابن بشكُوال، وله كتاب الكفاية في مراتب الرواية والمرتضى في شرح المنتقى لابن الجارود، وبهجة الألباب في شرح الشّهاب، والأربعون حديثًا في النشر وأهوال الحشر، وأربعون حديثًا في وظائف العبادة، والمنهج الرائق في الوثائق، وبهجة الحقائق في الزهد والرّقائق، وكتاب طبقات الفقهاء من عصر ابن عبد البرّ إلى عصره.
حدّث عنه ابنه أبو عبد الله محمد، وأبو الحجّاج بن عَبدَة، وأبو محمد بن غلبون، وغيرهم.
وصفه بعض أصحابه بالمشاركة في الآداب والفقه وفهم القراءات. وكان من أهل التواضع والخلق السّهل.
واستشهد ببلده عند كبسة العدوّ، فقاتل حتّى أُثخن جراحًا، ثم أجهزوا عليه، وذلك يوم العيد. وعاش سبعين سنة.
ترجمه الأبّار.
190 -
يوسف بن عمر بن الحسن
، أبو الحجّاج ابن البستنبان البغدادي، المقرئ.
سمع أبا طالب بن يوسف، وحدّث. وتوفي في المحرم وقد شاخ.
وفيها ولد:
ابن عبد الدائم، والإمام مجد الدين إسماعيل بن باطيش الفقيه، ومحمد بن الأنجب النعّال، وعبد الغني بن بنين، والعماد أبو بكر بن هلال بن عبّاد الحنفي.
سنة ست وسبعين وخمسمائة
191 -
أحمد بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام
، أبو الغنائم الكاتب.
سمّعه أبوه أبو الفتح من جدّه، وأبي الغنائم ابن المهتدي بالله، وأبي علي بن المهدي، وابن الحصين. روى عنه أحمد بن طارق الكركي، وغيره.
ذبح غيلةً في جمادى الأولى ولم يعلم قاتله.
192 -
أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن حمدي
، أبو المظفر البغدادي، المقرئ، الشاهد.
قرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط، وقبله على أبي بكر المزرفي، وأبي عبد الله البارع. وأقام بعد بمسجد ابن جردة. وكان طيب الصوت مجوّدًا. سمع أبا سعد ابن الطيوري، وأبا العز بن كادش، وزاهر بن طاهر، وابن الحصين، وخلقًا سواهم. وحدّث بالكثير.
وولد سنة عشر وخمسمائة، وتوفي في جمادى الأولى.
روى عنه أبو محمد بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، ومحمد بن مقبل بن المنّي.
193 -
أحمد بن عبد الله ابن الإمام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي
، ثم البغدادي، العلاّمة أبو نصر مدرّس النظامية، وأحد المصنّفين في المذهب.
تفقّه على أبيه، وعلى أبي الحسن بن الخل. وسمع من أبي الوقت. ومات شابًا رحمه الله.
194 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم
. الحافظ الكبير أبو طاهر بن أبي أحمد بن سلفة الأصبهاني، الجروآني، وجروآن: محلّة بأصبهان. وسلفة لقب أحمد وإليه ينسب.
قال الحافظ عبد الغني: سمعت السّلفي يقول: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين، وكان عمري نحو عشر سنين. وقد كتبوا عني في أول سنة اثنتين وتسعين وأنا ابن سبع عشرة سنة أكثر أو أقل، وليس في وجهي شعرة كالبخاري؛ يعني لمّا كتبوا عنه.
وأول سماع السّلفي سنة ثمان وثمانين. سمع من القاسم بن الفضل الثقفي، وسمع من عبد الرحمن بن محمد بن يوسف السمسار، وسعيد بن محمد الجوهري، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني، والفضل بن علي الحنفي، وأحمد بن عبد الغفار بن أشتة، وأحمد ومحمد ابني عبد الله ابن السوذرجاني، ومكي بن منصور بن علاّن الكرجي، ومعمر بن أحمد اللنباني، وخلق كثير.
وعمل معجمًا حافلًا لشيوخه الأصبهانيين. ثم رحل في رمضان إلى بغداد، من سنة ثلاث وتسعين وأدرك أبا الخطاب نصر بن البطر، فقال حمّاد الحرّاني: سمعت السّلفي يقول: دخلت بغداد في رابع شوال سنة ثلاث، فساعة دخولي لم يكن لي همّة إلى أن مضيت إلى ابن البطر فدخلت عليه، وكان شيخًا عسرًا، فقلت: قد وصلت من أصبهان لأجلك. فقال: اقرأ. جعل بدل الراء غينًا. فقرأت عليه وأنا متّكئ لأجل دمامل بي، فقال: ابصر ذا الكلب. فاعتذرت بالدماميل، وبكيت من كلامه، وقرأت سبعة عشر حديثًا، وخرجت، ثم قرأت عليه نحوًا من خمسة وعشرين جزءًا، ولم يكن بذاك.
قلت: فسمع منه، ومن أبي بكر الطريثيثي، وأبي عبد الله ابن البسري، وثابت بن بندار، والموجودين بها.
وعمل معجمًا لشيوخ بغداد، ثم حج وسمع في طريقه بالكوفة من أبي البقاء المعمر بن محمد الحبال وغيره، وبمكة من الحسين بن علي الطبري، وبالمدينة: أبا الفرج القزويني.
وقدم بغداد، وأقبل على الفقه، والعربية، حتى برع فيهما، وأتقن مذهب الشافعيّ.
ثم رحل إلى البصرة سنة خمسمائة، فسمع من محمد بن جعفر العسكريّ، وجماعة. وبزَنجان: أبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه الفقيه، الراوي عن أبي عليّ بن شاذان. وبهمذان: أبا غالب أحمد بن محمد المزكّي،
وطائفة.
وجال في الجبال ومدنها. وسمع بالريّ، والدينَوَر، وقزوين، وساوة، ونهاوند. وكذا طاف بلاد أذربيجان إلى درَبند، فسمع بأماكن، وعاد إلى الجزيرة من ثغر آمد وسمع بخِلاط ونصيبين والرحبة.
وقدم دمشق سنة تسع وخمسمائة بعلم جمّ، فأقام بها عامين. وسمع بها من أبي طاهر الحنّائي، وأبي الحسين ابن الموازينيّ، وخلق. ثم مضى إلى صور، وركب منها البحر الأخضر إلى الإسكندريّة، فاستوطنها إلى الموت، لم يخرج منه إلاّ مرّة في سنة سبع عشرة إلى مصر، فسمع من أبي صادق المدينيّ، والموجودين. وعاد.
وكان إمامًا، مُقرئًا، مجودًا، ومحدّثًا، حافظًا، جهبذًا، وفقيهًا متقنًا، ونحويًّا ماهرًا، ولغويًّا محققًا، ثقة فيما ينقله، حجّة، ثبتًا، انتهى إليه علوّ الإسناد في البلاد. وقد جمع معجمًا ثالثًا لباقي البلدان التي سمع بها، سوى أصبهان، وبغداد، فإنّ لكلّ واحدة معجمًا.
سمع منه ببغداد من شيوخه ورفاقه: أبو علي البرَدانيّ، وهزارسب بن عوض، وأبو عامر العبدريّ، وعبد الملك بن يوسف، وسعد الخير الأندلسيّ. وروى عنه الحافظ محمد بن طاهر شيخه، وسبطُه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكّي، وبينهما في الموت مائة وأربع وأربعون سنة. وروى عنه الحافظ سعد الخير، وعليّ بن إبراهيم السرَقسطيّ، وأبو العزّ محمد بن علي المُلقاباذيّ، والطيب بن محمد المروزيّ، وقد روى عن هؤلاء الثلاثة عنه أبو سعد السمعاني. ومات ابن السمعاني قبله بأربع عشرة سنة. وروى عنه أيضاً: الصائن هبة الله ابن عساكر، ويحيى بن سعدون القرطبيّ. وروى عنه بالإجازة جماعة ماتوا قبله، منهم القاضي عِياض.
وروى عنه أمم منهم: حمّاد الحرّاني، والحافظ علي بن المفضل، والحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القاهر الرُّهاويّ، وابن راجح، وعبد القوي بن الجبّاب، وفرقد الكنانيّ، وعبد الغفّار المحلي، ونصر بن جرو، والفخر الفارسي، والشيخ حسن الإوقي، وعيسى بن الوجيه اللخميّ، ومحمد بن
عمّاد، ومحمد بن عبد الوهّاب ابن الشيرجيّ، وعبد الخالق بن إسماعيل التنيسيّ، وعلي بن رحّال، ومحمد بن محمد بن سعيد المأموني، ومرتضى بن أبي الجود، وأبو القاسم عبد الرحمن ابن الصفراوي، وأبو الفضل جعفر الهمذاني، وإبراهيم ومحمد ابنا عبد الرحمن ابن الجبّاب، وأحمد بن محمد ابن الجبّاب، وعبد الرحيم بن الطفيل، والحسن بن دينار، وعلي بن مختار، ويوسف ابن المخيلي، وظافر بن شحم، وعلي بن زيد التسارَسيّ، ومحمد بن علي بن تاجر عينة، وحمزة بن أوس الغزّال، وعلي بن جبارة، ويحيى بن عبد العزيز الأغماتيّ، وحسين بن يوسف الشاطبي، وعبد العزيز ابن النقّار، ومظفّر ابن الفوّيّ، ومنصور ابن الدماغ، وعلي بن محمد السخاويّ، وعلي بن عبد الجليل الرازي، وأبو الوفاء عبد الملك ابن الحنبليّ، وشعيب الزعفراني، والعَلم ابن الصابوني، والعز بن رواحة، وعبد الوهاب بن رَواج، ويوسف بن محمود الساويّ، وبهاء الدين ابن الجميزيّ، وهبة الله بن محمد ابن الواعظ. وتوفّي سنة خمسين وستمائة، والسِّبط.
وبقي أبو بكر محمد بن الحسن السّفاقُسيّ إلى سنة أربع وخمسين، فروى عن السِلَفيّ المسلسل بأوّل حديث، رواه حضورًا، ولم يكن عنده سواه. وهو ابن أخت الحافظ علي بن المفضّل.
أنبأني أحمد بن سلامة، عن فاطمة بنت سعد الخير (ح). وقال ابن النجار: قرأت على محمد بن عبد الله المخزوميّ، عن فاطمة بنت سعد الخير، قالت: أخبرنا أبي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة قال: حدّثني أبو طاهر بن سِلَفة سنة سبع وتسعين وأربعمائة، قال: أخبرنا القاسم بن الفضل الثّقفي، فذكر حديث البلد الرابع، وهو أصبهان، متنه: إنكم اليوم على دين وإني مُكاثر بكم الأمم.
ولا أعلم أحدًا في الدنيا حدّث نيّفًا وثمانين سنة سوى السلفيّ. وقد
أملى المجالس الخمسة بسلَماس، وعمره ثلاثون سنة. وعمل الأربعين البلديّة التي لم يُسبق إلى مثلها.
وقد انتخب على غير واحد من شيوخه.
قال الزاهد أبو علي الإوقيّ: سمعت السِلَفيّ يقول: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية إلاّ من هذه الطاقة. رواها ابن النجّار عن الإوقي.
وقال ابن المفضّل في معجمه: عدّة شيوخ شيخنا السلفي تزيد على ستمائة نفس بأصبهان. وخرج إلى بغداد وله نحو من عشرين سنة أقلّ أو أكثر، ومشيخته البغدادية خمسة وثلاثون جزءًا. وله تصانيف كثيرة. وكان يستحسن الشعر وينظمه، ويثيب من يمدحه. وأخذ الفقه عن إلكِيا أبي الحسن علي بن محمد الطبريّ، وأبي بكر محمد بن أحمد الشّاشيّ، وأبي القاسم يوسف بن علي الزَنجاني. والأدب عن أبي زكريا التبريزيّ، وأبي الكرم بن فاخر، وعلي بن محمد الفصيحيّ. وسمعته يقول: متى لم يكن الأصل بخطّي لم أفرح به. وكان جيّد الضبط، كثير البحث عمّا يشكل عليه. وكان أوحد زمانه في علم الحديث، وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث. جمع بين علوّ الإسناد، وغلوّ الانتقاد، وبذلك كان ينفرد عن أبناء جنسه.
وقال ابن السمعاني في الذيل: هو ثقة ورع، متقن، متثبت، حافظ، فهم، له حفظ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه. روى عنه الحافظ ابن طاهر فسمعت أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ يقول: سمعت محمد بن طاهر المقدسي يقول: سمعت أبا طاهر الأصبهاني، وكان من أهل الصنعة، يقول: كان أبو حازم العبدوييّ: إذا روى عن أبي سعد المالينيّ يقول: أخبرنا أحمد بن حفص الحديثيّ هذا أو نحوه.
وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر أنّه قال عن السلفي: كان ببغداد كأنّه شعلة نار في تحصيل الحديث.
قال عبد القادر: وكان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفته لهم في المذهب. وكان لا يبدو منه جفوة لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماء، ولا يبزق، ولا يتورّك، ولا يبدو له قدم، وقد جاز المائة. بلغني أنّ سلطان مصر حضر عنده للسماع، فجعل يتحدّث مع أخيه فزَبَرهما وقال: أيش
هذا، نحن نقرأ الحديث وأنتما تتحدّثان؟! قال: وبلغني أنّه في مدّة مقامه بالإسكندريّة، وهي أربع وستون سنة، ما خرج إلى بستان ولا فرجة غير مرّة واحدة. بل كان عامّة دهره لازمًا مدرسته، وما كنّا نكاد ندخل عليه إلاّ نراه مطالعًا في شيء. وكان حليمًا، متحمّلاّ لجفاء الغرباء. وقد سمعت بعض فضلاء همذان يقول: السلفيّ أحفظ الحفّاظ.
وقال ابن عساكر: سمع السلفي ممن لا يحصى، وحدث بدمشق فسمع منه أصحابنا ولم أظفر بالسماع منه. وسمعت بقراءته من شيوخ عدّة. ثم خرج إلى مصر، واستوطن الإسكندرية، وتزوّج بها امرأة ذات يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوّف. وصارت له بالإسكندرية وجاهة. وبنى له العادل عليّ بن إسحاق ابن السلاّر أمير مصر مدرسة بالإسكندرية. وحدّثني عنه أخي وأجاز لي. أخبرنا ابن البطر قال: أخبرنا ابن البيِّع فذكر حديثا، وهو موافقة مسلم من سادس المحامليّات.
ثم قال: أنشدنا أبو سعد السمعانيّ بدمشق، قال: أنشدنا أبو العزّ محمد بن عليّ البستيّ، قال: أنشدنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ لنفسه بميّافارقين:
إنّ علم الحديث علم رجال تركوا الابتداع للاتباع فإذا الليل جنّهم كتبوه وإذا أصبحوا غدوا للسماع
قلت: أنشدناهما أبو الحسين اليونينيّ وأبو عليّ ابن الخلاّل قالا: أنشدنا جعفر بن عليّ، قال: أنشدنا السلفيّ، فذكرهما.
وقال الحافظ عبد القادر عنه: وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، حتّى أنّه كان قد أزال من جواره منكرات كثيرة. ورأيته يومًا وقد جاء جماعة من المقرئين بالألحان فأرادوا أن يقرؤوا، فمنعهم من ذلك وقال: هذه القراءة بدعة، بل اقرؤوا ترسُّلًا، فقرؤوا كما أمرهم.
قرأت بخط الحافظ عبد الغني جزءًا فيه نقل خطوط المشايخ للسِلفيّ بالقراءات: وقد قرأ بحرف عاصم على أبي سعد المطرّز، وقرأ بحمزة
والكسائيّ على محمد بن أبي نصر القصّار، وقرأ برواية قالون على نصر بن محمد الشيرازيّ، وبرواية قُنبل على عبد الله بن أحمد الخِرقيّ. وقد قرأ عليهم سنة إحدى وتسعين وبعدها.
وقال ابن نقطة: كان حافظًا، ثقة، جوّالًا في الآفاق. سأل عن أحوال الرجال شجاعًا الذّهليّ، والمؤتمن الساجيّ، وأبا علي البرَداني، وأبا الغنائم النَرسي، وخميسًا الحوزيّ. وحدّثني عبد العظيم المنذريّ الحافظ قال: لمّا أرادوا أن يقرؤوا سنن النسائي على السلفي أتوه بنسخة سعد الخير وهي مصححة قد سمعها من الدّونيّ. فقال: اسمي فيها؟ قالوا: لا. فاجتذبها من يد القارئ بغيظ وقال: لا أحدّث إلاّ من أصل فيه اسمي. ولم يحدّث بالكتاب. وقال لي عبد العظيم: إنّ أبا الحسن المقدسيّ قال: حفظت أسماء وكنَى، وجئت إلى السِلفي فذاكرته بها، فجعل يذكرها من حفظه، وما قال لي: أحسنت. وقال: ما هذا شيء مليح، أنا شيخ كبير في هذه البلدة هذه السنين لا يذاكرني أحد وحفظي هكذا.
وقال أبو سعد السمعاني: أنشدنا يحيى بن سعدون النّحوي بدمشق قال: أنشدنا السِلفيّ لنفسه:
ليس حسن الحديث قرب رجال عند أرباب علمه النقّاد بل علوُّ الحديث عند أولي الإتـ قان والحفظ صحّة الإسناد فإذا ما تجمّعا في حديث فاغتنمه فذاك أقصى المراد
قلت: أنشدنا اليونينيّ، وابن الخلاّل قالا: أنشدنا جعفر قال: أنشدنا السِلفيّ فذكرها.
قرأت بخط السيف ابن المجد: سمعت أحمد بن سلامة النجّار يقول: إنّ الحافظَين عبد الغني وعبد القادر أرادا سماع كتاب اللاّلكائيّ، يعني شرح السنّة، على السلفيّ، فأخذ يتعلّل عليهما مرّة، ويدافعهم عنه أخرى بأصل السماع، حتى كلّمته امرأته في ذلك.
قرأت بخط الحافظ عمر ابن الحاجب أنّ معجم السفَر للسلفي يشتمل على ألفي شيخ.
وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم: كان السلفيّ مُغرى بجمع الكتب والاستكثار منها. وما كان يصل إليه من المال يخرجه في شرائها. وكان عنده خزائن كتب، ولا يتفرّغ للنظر فيها. فلمّا مات وجدوا معظم الكتب في الخزائن قد عفّنت، والتصق بعضها في بعض، لنداوة الإسكندرية. وكانوا يستخلصونها بالفأس فتلف أكثرها.
أنبأنا أحمد بن سلامة الحداد، عن الحافظ عبد الغني، أن السلفي أنشدهم لنفسه:
ضلّ المجسّم والمعطّل مثله عن منهج الحق المبين ضلالا وأتى أماثلهم بنكر لا رعوا من معشر قد حاولوا الإشكالا وغدّوا يقيسون الأمور برأيهم ويدلّسون على الورى الأقوالا فالأولون تعدوا الحد الذي قد حدّ في وصف الإله تعالى وتصوّروه صورةً من جنسنا جسمًا، وليس الله عزّ مثالا والآخرون فعطّلوا ما جاء في الـ قرآن أقبح بالمقال مقالا وأبوا حديث المصطفى أن يقبلوا ورأوه حشوًا لا يفيد منالا
وهي بضعة وعشرون بيتًا. وله قصيدة أخرى نحو من تسعين بيتًا، سمّى فيها أئمة السنّة ورؤوس البدعة، أوردتها في ترجمته التي أفردتها.
وقال الوجيه عيسى بن عبد العزيز اللخمي: توفي الحافظ السلفي صبيحة الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وله مائة وست سنين. ولم يزل يقرأ عليه الحديث إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يرد على القارئ
اللحن الخفي، وصلى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر، وتوفي بعدها فجاءةً.
قلت: قد اضطرب قول السلفي في مولده، وقد ذكرنا قوله للحافظ عبد الغني: إنه كان ابن نحو عشر سنين وقت قتل نظام الملك، فيكون مولده على هذا القول في حدود سنة خمس وسبعين.
وقال الإمام شهاب الدين أبو شامة: سمعت الإمام علم الدين السخاوي يقول: سمعت أبا طاهر السلفي يومًا وهو ينشد لنفسه شعرًا قاله قديمًا، وهو:
أنا من أهل الحديث وهم خير فئة جزت تسعين وأرجو أن أجوزن المائة
فقيل له: قد حقق الله رجاءك. فعلمت أنه قد جاوز المائة. وذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة.
وقال محمد بن عبد الرحمن بن علي التجيبي الأندلسي: سمعت الحديث على السلفي، ووجدت بخطّه: مولدي بأصبهان سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة تخمينًا لا يقينًا.
وقال قاضي القضاة ابن خلّكان: كانت ولادة السلفي سنة اثنتين وسبعين تقريبًا. قال: ووجدت العلماء بالديار المصرية من جملتهم الحافظ زكي الدين عبد العظيم يقولون في مولده هذه المقالة. قال: ثم وجدت في كتاب زهر الرياض لجمال الدين عبد الرحمن بن عبد المجيد الصفراوي يقول: إن السلفي كان يقول: مولدي -بالتخمين لا باليقين - سنة ثمان وسبعين.
قلت: قد شذّ الصفراوي عن الجماعة بهذا القول، والسلفي فقد جاوز المائة بلا ريب. وقد طلب الحديث، وكتب الأجزاء، وقرأ بالروايات في سنة تسعين وبعدها، وقد حكى للحافظ عبد الغني أنه حدّث سنة اثنتين وتسعين، وما في وجهه شعرة، وأنه كان ابن سبع عشرة سنة أو نحوها، ولكنه اختلف قوله، فتارةً قال: سنة اثنتين وسبعين تقريبًا، وتارةً يقول: في سنة خمس وسبعين تقريبًا، وهذا تباين ظاهر.
195 -
أحمد بن أبي الوفاء
، الصائغ الحنبلي.
قد ذكر في العام الماضي. وقيل: توفي في هذا العام.
196 -
إبراهيم بن علي بن مواهب
، أبو إسحاق ابن الزرّاد الأزجي البزّاز.
روى عن أبي الغنائم النرسي. سمع منه أبو سعد السمعاني. وتوفي في رجب.
197 -
أيوب بن محمد بن وهب بن محمد بن وهب بن أيوب
، أبو محمد الغافقي، المعروف بابن نوح، وهو لقب جدّهم وهب بن أيوب لقّب به لكثرة أولاده.
كان أبو محمد من رؤساء سرقسطة. روى عن أبيه محمد، وأبي زيد ابن الورّاق، وأبي مروان بن الصيقل، وجماعة.
وأخذت الروم سرقسطة فخرج منها سنة اثنتي عشرة إلى طرطوشة، ثم سكن غرناطة، ولقي أبا عبد الله بن أبي الخصال، وكتب عنه خطبه التي عارض بها ابن نباتة. ثم كرّ إلى بلنسية فسكنها، وولي قضاء جزيرة شقر بعد أبيه. ونسخ علمًا كثيرًا، وجمع شيئًا من التاريخ رواه عنه ابنه القاضي أبو عبد الله محمد بن نوح، وقال: توفي أبي في صفر عن تسعين سنة.
198 -
بدر الحبشي الخدادادي الطواشي
، أبو الضياء، مولى العدل أبي عبد الله محمد بن خداداد، الإسكندري أو المصري، والثاني أقرب.
سمع أبا عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وأبا صادق المديني، وأبا الحسن الفرّاء، وعبد الرحمن بن فاتك، وأبا القاسم ابن الدوري.
روى عنه أبو الحسن بن المفضّل، ويوسف بن جبريل اللواتي، وأبو القاسم سبط السلفي، وآخرون.
وتوفي في شوال.
199 -
تورانشاه
، الملك المعظّم شمس الدولة بن أيوب بن شاذي، أخو صلاح الدين والسلطان سيف الدين، وكان يلقب أيضًا بفخر الدين.
وكان أسنّ من صلاح الدين، فكان يحترمه ويرجّحه على نفسه. وسيّره سنة ثمان وستين إلى بلاد النوبة ليفتحها، فلما قدمها وجدها لا تساوي التعب، فرجع بغنائم كثيرة ورقيق. ثم أرسله إلى اليمن، وبها عبد النبي بن مهدي قد استولى على أكثر اليمن. فقدمها تورانشاه، وظفر بعبد النبي وقتله، وملك معظم اليمن. وكان سخيًّا جوادًا.
ثم إنه قدم دمشق في آخر سنة إحدى وسبعين، وقد تمهّدت له مملكة اليمن، لكنه كره المقام بها، وحن إلى الشام وثماره. وكان قد جاءه رسول من أخيه صلاح الدين يرغّبه في المقام باليمن، فلما أدى الرسالة طلب ألف دينار، وقال لغلام له: امض إلى السوق واشتر لي بها قطعة ثلج. فقال: ومن أين هنا الثلج؟ فقال: فاشتر بها طبق مشمش، فقال: ومن أين يوجد ذلك؟ فأخذ يذكر له أنواع الفواكه، والغلام يقول ما يوجد. فقال للرسول: ليت شعري، ما أصنع بالأموال إذا لم أنتفع بها في شهوتي؟! ورجع الرسول فأذن له السلطان في القدوم. وقد كتب له بإنشاء القاضي الفاضل:
لا تضجرن مما أبث فإنه صدر لأسرار الصبابة ينفث أما فراقك واللقاء فإنّ ذا منه أموت وذا منه أبعث حلف الزمان على تفرق شملنا فمتى يرق لنا الزمان ويحنث؟ حول المضاجع كتبكم فكأنني ملسوعكم وهي الرقاة النفّث كم يلبث الجسم الذي ما نفسه فيه ولا أنفاسه كم يلبث
فلما قدم دمشق استنابه صلاح الدين لما رجع إلى مصر. ثم انتقل تورانشاه إلى مصر سنة أربع وسبعين.
وكانت وفاته بالإسكندرية في صفر سنة ست، فنقلته شقيقته ست الشام فدفنته في مدرستها.
وذكر المهذب محمد بن علي ابن الخيمي الحلّي الأديب قال: رأيت
في النوم شمس الدولة تورانشاه بعد موته، فمدحته بأبيات وهو في القبر، فلفّ كفنه ورماه إليّ، ثم قال:
لا تستقلّنّ معروفًا سمحت به ميّتًا فأمسيت منه عاري البدن ولا تظنّن جودي شانه بخل من بعد بذلي ملك الشام واليمن إني خرجت من الدنيا وليس معي من كل ما ملكت كفي سوى كفني
تورانشاه: معناه ملك الشرق.
قال ابن الأثير: كان لما قدم من اليمن وعمل نيابة دمشق قد ملك بعلبك، ثم عوّضه أخوه عنها بالإسكندرية إقطاعًا، فذهب إليها. وكان له أكثر بلاد اليمن، ونوّابه هناك يحملون إليه الأموال من زبيد، وعدن، وما بينهما. وكان أجود الناس وأسخاهم كفًّا، يخرج كل ما يحمل إليه من البلاد، ومع هذا مات وعليه نحو مائتي ألف دينار، فوفّاها أخوه صلاح الدين عنه. وكان منهمكًا على اللهو واللعب، فيه شر وظلم.
200 -
حمّاد بن إبراهيم بن إسماعيل
بن إسحاق بن أحمد بن شيث بن نصر بن شيث بن الحكم بن أفلذ بن أبان بن عقبة بن يزيد، الإمام قِوام الدين أبو المحامد ابن الإمام ركن الدين أبي إسحاق ابن الإمام أبي إبراهيم الوائليّ، البخاريّ ابن الصّفّاري الحنفيّ.
سمع من أبيه، وإسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقيّ. وعنه إسماعيل بن محمد البيلقيّ، وإبراهيم بن سالار الخُوارزميّ، وأبو الفضل عبيد الله بن إبراهيم المحبوبيّ، والأديب أبو عليّ الحسين بن عمر التّرمذيّ، وبرهان الإسلام عمر بن مسعود بن مازة، وآخرون آخرهم موتًا تاج الإسلام محمد بن طاهر بن محمد الخُداباذيّ البخاريّ، نقلت ذلك من خط الفرَضيّ.
ثم قال: وأبوه ركن الدين من كبار مشايخ بخارى. سمع على والده، وعلى عمر بن منصور البزّاز المعروف بخَنب، وعبد العزيز بن المستقر
الكرمينيّ، وأجاز له جماعة سماهم الفرضي، روى عنه ابنه هذا، والأديب أبو الفتح محمد بن محمود النسفي، وشيخ الإسلام أبو نصر أحمد بن عثمان العاصميّ البلخيّ، وغيرهم. قال: وتوفّي ركن الدين بعد سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة. وأبوه إسماعيل الوائليّ. روى عن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن النّضر الشُروطي، وأبي عاصم محمد بن علي البلخيّ، وأبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسيّ. وعنه ولده ركن الدين. ولم يذكر الفرَضيّ لهذا وفاة.
201 -
خلف بن يحيى بن خطّاب
، أبو القاسم القرطبيّ الزّاهد.
من أهل التصوّف والهدي الصالح، وكان يوصف بإجابة الدعوة. أمَّ بجامع قرطبة مُدَيدَة، ثم رغب في الانقباض. وكان يعظ ويقصده الناس للبركة.
202 -
سالم بن إسحاق بن الحسين البزّاز
، أبو المعالي التّنوخيّ.
تاجر صاحب مروءة وخير.
قال الشيخ الموفّق: كان ذا مروءة وكرم، حملني والحافظ عبد الغني من بغداد إلى دمشق، وكنّا نرى منه كرماُ وبذلًا.
قلت: روى عن سعيد ابن البنّاء، وجماعة من البغداديين. سمع منهم بعد الأربعين وخمس مائة.
وروى عنه أبو المواهب بن صصرى، والحافظ عبد القادر، والشيخ الموفّق. وكان يسافر كثيرًا للتجارة. وتوفّي في عشر الستين.
203 -
سعيد بن الحسين بن سعيد بن محمد
، أبو المفاخر الهاشمي المأمونيّ النيسابوريّ الشريف.
قدم مصر وحدّث بها بصحيح مسلم غير مرّة عن أبي عبد الله الفراوي. روى عنه أبو الحسن بن المفضّل المقدسيّ، وصالح بن شجاع المدلَجي، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز ابن الجبّاب، وحفيده محمد بن محمد المأمونيّ، وآخرون.
ورّخه ابن المفضّل.
204 -
سعيد بن عبد الله بن القاسم
، فخر الدين أبو الرّضا، أخو القاضي كمال الدين محمد الشهرزوريّ.
فقيه شافعيّ، سمع بالعراق من زاهر الشّحّاميّ، والقاضي أبي بكر، وجماعة. وتفقّه بخراسان عند الفقيه محمد بن يحيى. وعاد إلى الموصل، وتقدّم وساد، وصار أوجه أهل بيته، وسار في الرسليّة إلى بغداد.
سمع منه هبة الله بن الحسن الفقيه، وإلياس بن جامع الإربليّ، وأحمد بن صدقة. وتوفّي في جُمادى الآخرة في العشر الأخير عن سبعين سنة.
205 -
سليمان بن أحمد بن سليمان
، وبعض أصحابه قال فيه: سليمان بن خلف، أبو الحسين الإشبيلي، جدّ أبي العبّاس أحمد ابن سيّد الناس لأمّه.
سمع من أبي بكر بن طاهر، وأبي الحسن شريح، وأخذ عنه القراءات. وسمع من ابن العربيّ، وغير واحد.
وكان مقرئًا، نحويًّا، ضابطًا، مجوّدًا. أخذ عنه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا حوط الله، ومفرَّج بن حسين الضرير، وغيرهم.
حدّث في هذا العام وانقطع ذكره.
206 -
سليمان بن محمد بن حسن
، أبو طالب العُكبريّ، ثم الواسطيّ، المقرئ.
قرأ القراءات على ابن شيران، وأبي بكر المزرَفيّ، وسبط الخيّاط، والشهرزوريّ.
قرأ عليه ابن الدّبيثي، وعليّ بن منصور البُرسفيّ.
207 -
عبد الله ابن المحدِّث عبد الرحمن بن أحمد بن عليّ بن صابر السُّلَميّ
، أبو المعالي الدمشقي، ويعرف بابن سيده.
ولد سنة تسع وتسعين وأربع مائة. وسمع الشريف أبا القاسم النّسيب، وأبا طاهر محمد بن الحسين الحِنّائيّ، وابن الموازينيّ، وطبقتهم.
وحدّث ببغداد فسمع منه الحافظ أبو سعد السمعانيّ كتاب المروءة. وذكره في الذيل فقال: شابّ قدِم بغداد للتجارة.
وذكره أبو المواهب بن صصرى في معجمه فقال: باع كتب أبيه وعمّه بثمن بخس، وأعرض عن الخير في وسط عمره، ثم أقلع في آخره. وسُمع منه من النُّسَخ التي بأيدي الناس. وتوفّي في رجب.
قلت: وروى عنه الحافظ أبو محمد عبد الغنيّ، والشيخان أبو عمر والموفّق، والبهاء عبد الرحمن، والشمس عمر بن المنجى، وسالم بن عبد الرزاق، وأخوه يحيى، وعبد الحق بن خلف، والحافظ الضّياء، وغيرهم.
208 -
عبد الله بن خلف بن محمد بن حبيب بن فَرقد
، أبو محمد القرشيّ، الفهريّ، الأندلسيّ، الإشبيليّ.
سمع من أخيه أبي إسحاق من أبي محمد بن عتّاب، وأبي الحسن بن بقيّ. وناظر في الرأي عن أبي عبد الله ابن الحاجّ. وأخذ القراءات عن أبي عمرو موسى بن حبيب عن مكّيّ بن أبي طالب.
وقال الأبّار: كان حافظًا للفقه، صادعًا بالحق. مولده بعد التسعين وأربع مائة حدّث عنه ابنه أبو القاسم.
209 -
عبد الله بن مغيث بن يونس بن محمد بن مغيث بن محمد بن يونس بن عبد الله بن مغيث
، أبو محمد ابن الصّفّار الأنصاريّ، القرطبيّ.
روى عن جدّه أبي الحسن، وأبي عبد الله ابن الحاجّ، وأبي الحسن شُرَيح، وأبي بكر ابن العربيّ، وجماعة. ووُلّي قضاء الجماعة بقرطبة ثمانية عشر عامًا.
قال الأبّار: روى عنه أبو القاسم ابن الملجوم، وعامر بن هاشم، وأبو
محمد بن حوط الله، وأخوه أبو سليمان بن حَوط الله. وتوفّي في ربيع الأوّل وله ستون سنة.
210 -
عبد الله بن يزيد بن عبد الله
، القاضي أبو محمد السعديّ، الغَرناطيّ، ثم اليحصُبيّ. من قلعة يحصُب.
حدّث في هذا العام عن أبي الوليد بن طريف، وأبي الحسن بن الباذش، وطائفة. وعنه الأخوان ابنا حوط الله، وابن دحية، وآخرون.
211 -
عبد الله بن يوسف بن عليّ بن محمد
، القضاعيّ، المريي.
سمع من أبيه. وبالثّغر من أبي عبد الله محمد بن أحمد الرّازيّ. روى عنه عليّ بن المفضّل الحافظ.
بقي إلى هذا العام.
212 -
عبد الجبار بن يحيى بن عليّ بن هلال
، أبو سعيد الأزَجيّ، الدّبّاس، المعروف بابن الأعرابي.
سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا ياسر البرَدانيّ، ومحمد بن عبد الباقي الدّوريّ، وابن الحصين، وجماعة. سمع منه أبو محمد ابن الخشّاب مع تقدّمه. وروى عنه ابن الدّبيثي، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة. وتوفّي في ربيع الآخر وله ستّ وسبعون سنة.
213 -
عبد الرحمن بن عبد العزيز
بن محمد بن عبد الرحمن بن عليّ بن عبد الرحمن بن سعيد بن حُميد بن أبي العجائز، أبو الفهم الأَزديّ، الدّمشقي.
من بيت الحديث والرواية. سمع أبا طاهر الحِنّائيّ، وغيره. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وابنه القاسم، وأبو المواهب بن صصرى، وإبراهيم ابن الخُشوعيّ، ومكّيّ بن علاّن، وطائفة.
وكان ملازمًا لحلقة الحافظ ابن عساكر.
توفّي رحمه الله في جُمادى الآخرة، وله ثمانون سنة. وهو راوي حديث ابن سختام.
214 -
عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد
، أبو جعفر ابن القصير الأَزديّ، الغرناطيّ.
روى عن أبيه أبي الحسن، وعمّه أبي مروان عبد الملك، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، والقاضي عِياض.
وكان وجيهًا في بلده، من بيت تقدّم، وكان كثير العناية بالرواية، وله حظّ وافر من الفقه والأدب. وصنّف تصانيف منها شيء من مناقب أهل عصره. وحجّ وسكن بإفريقية وتونس. ووُلّي القضاء. وحدّث عنه أبو عبد الله بن نافع الخطيب.
غرق في البحر في آخر العام رحمه الله تعالى.
215 -
عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الماجد بن عبد الواحد بن أبي القاسم القُشيريّ
، أبو المحاسن النيسابوريّ، الصوفيّ.
توفّي في ربيع الأوّل، وله خمسون سنة.
روى عن عبد المنعم ابن القُشيريّ. روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
216 -
عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن هبة الله ابن رئيس الرؤساء
، أبو الفضل ابن الوزير أبي الفرج، يلقّب كمال الدين.
استنابه أبوه في الأستاذداريّة ثم استقلّ بها عندما وَزَر أبوه. وكان ذا غلظة وشدّة وطأة وصرامة وقساوة وسوء سيرة. كانت الألسنة مجمعة على ذمّه. وله شعر جيّد.
قال العماد الكاتب: هو شهم مهيب، وله فهم مصيب. وهو غضنفر بني المظفّر، وقيل: بني الرفيل. ومن شعره:
وأهيَفُ معسول النكاهة واللَّمى مليح التثني والشمائل والقدّ به ريّ عيني وهو ظام إلى دمي وخدّي له ورد ومن خدّه وردي
توفّي في الكهولة. وقد عُزل عن أستاذيّة الدار لسوء سيرته، في أيّام أبيه. وخافه مجد الدين ابن الصاحب أستاذ دار الخليفة الناصر، فدقّق الحيلة في القبض عليه، ثم صادره وعاقبه عقوبة شديدة. وقيل إنّه رفسه برجله فمات منها.
217 -
عليّ بن أحمد بن محمد بن بكروس
، أبو الحسن.
ولد سنة تسع وخمس مائة. وتوفّي في ثالث ذي الحجّة ببغداد.
كذا سمّاه ابن مشِّق، وسيُعاد.
218 -
عليّ بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الملك
، أبو الحسن ابن العصّار السُّلَميّ، المِرداسيّ، الرَقّيّ، ثم البغداديّ، اللغويّ.
كان علاّمة العرب وحجّة الأدب في نقل اللغة. أخذ عن أبي منصور ابن الجواليقيّ، وكتب الكثير. وأكثر المطالعة. وكان مليح الخط، وأنيق الوِراقة والضبط، ثقة، ثبتا. سافر إلى مصر تاجرًا، وأقام بها مدّة، وقرأ بها الأدب على أبي الحجّاج يوسف بن محمد بن الحسين الكاتب ابن الخلاّل صاحب ديوان الإنشاء. ثم قدم بغداد، وتصدّر للإقراء والإفادة في داره. وكان الفضلاء يترددون إليه، ويقرؤون عليه كتب الأدب. وسمع من أبي الغنائم ابن المهتدي، وأبي العز بن كادَش، وجماعة. روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وابن أخته أحمد بن طارق، وغيرهما.
وتوفّي في المحرّم. وولد سنة ثمان وخمس مائة.
قال ابن النجّار: وخلّف مالًا طائلًا، وكان بخيلًا مقتّرًا على نفسه رحمه الله تعالى.
قلت: كان آية في اللغة، وهو متوسّط في النحو، وكان تاجرًا متموّلًا، سافر إلى مصر. ويحضر حلقة ابن برّيّ ويأخذ عنه النحو. وكان ابن بري
يأخذ عنه اللغة، وكان يحفظ من أشعار العرب ما لا يوصف.
219 -
علي بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس
، أبو الحسن أخو أبي العبّاس البغداديّ، الحنبليّ.
شيخ صالح، سمع الكثير بنفسه. روى عن أبي الغنائم محمد بن محمد ابن المهتدي بالله، وابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وهبة الله الشُروطيّ، وجماعة.
روى عنه موفّق الدين ابن قُدامة، والبهاء عبد الرحمن، وإلياس الإربليّ وآخرون.
توفّي في ذي الحجّة.
220 -
عمر بن عبد الرحمن بن عذرة
، أبو حفص الأنصاريّ، الأندلسيّ، من أهل الجزيرة الخضراء.
روى عن أبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن بن مغيث، وأبي القاسم بن بقِيّ. ووُلي قضاء بلده وقضاء سبتة. وكان فقيهًا مشاورًا، له النظم والنثر.
أخذ عنه أبو الوليد القسطَليّ، وعمر بن عبد المجيد النحويّ، وجماعة.
توفّي في رمضان.
221 -
غازي، سيف الدين صاحب الموصل ابن الملك قطب الدين مودود بن أتابك زنكي بن آقسنقر التّركيّ
. والد سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر.
لمّا مات أبوه قطب الدين بلغ السلطان نور الدين الخبر، وهو على تل باشر، فسار في الحال إلى الموصل، وأتى الرقة في أول سنة ست وستين فملكها، ثم سار إلى نصيبين فمكلها، ثم أخذ سنجار في ربيع الآخر، ثم أتى الموصل، وقصد أن لا يقابلها، فعبر بجيشه من مخاضة بلد ثم نزل قبالة الموصل، وأرسل إلى غازي وعرّفه صحة قصده، فصالحه. ونزل الموصل ودخلها، وأقرّ صاحبها فيها، وزوجه بابنته، وعاد إلى الشام، فدخل حلب في
شعبان من السنة. فلما تملك صلاح الدين وسار إلى حلب وحاصرها، سيّر إليه غازي جيشًا عليه أخوه عز الدين مسعود، فالتقوا عند قرون حماة، فانكسر عز الدين. فتجهّز غازي وسار بنفسه، فالتقوا على تل السلطان، وهي قرية بين حلب وحماة في شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفّر الدين ابن زين الدين صاحب إربل، فإنه كان على ميمنة غازي، فحمل السلطان صلاح الدين بنفسه، فانهزم جيش غازي فعاد إلى حلب، ثم رحل إلى الموصل. ومات بالسل في صفر. وعاش نحوًا من ثلاثين سنة.
قال ابن الأثير: كان مليح الشباب، تام القامة، أبيض اللون، وكان عاقلًا وقورًا، قليل الالتفات. لم يذكر عنه ما ينافي العفة. وكان غيورًا شديد الغيرة، يمنع الخدّام الكبار من دخول الدور، ولا يحب الظلم، على شحّ فيه وجبن.
قلت: ودار الخمر والزنا ببلاده بعد موت نور الدين، فمقته أهل الخير. وقد تاب قبل موته بيسير، وتملّك بعده أخوه مسعود، فبقي ثلاث عشرة سنة.
222 -
محمد بن حامد
، أبو سعيد الأصبهاني.
من حفّاظ الحديث ببلده. يروي عن أبي العلاء صاعد بن سيّار الدهّان. وغيره.
توفي بأصبهان.
223 -
محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن هشام
. الإمام أبو عبد الله الخشني، الرّندي، نزيل مالقة، ويعرف قديمًا باسم العويص.
أخذ القراءات عن منصور ابن الخير، وعن أبي القاسم بن رضا. وسمع من ابن مغيث، وابن مكّي، وجماعة. وناظر في كتاب سيبويه على ابن الطراوة وروى عنه، وعن أبي محمد البطليوسي.
قال الأبّار: وكان مقرئًا ماهرًا، نحويًا، لغويًا، دأب على تعليم القرآن والعربية دهره. وحدّث. وتوفي بمالقة في شوال. حدثنا عنه ابن حوط الله، وأبو العباس العزفي.
224 -
محمد بن علي بن محبوب
، أبو بكر البغدادي المسدّي.
سمع أبا العز محمد بن المختار، وأحمد بن الحسين بن قريش. وعنه ابن الحصري، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن جرير. وكان رجلا مباركًا.
توفي في ربيع الآخر.
225 -
محمد بن محمد بن مواهب
، أبو العز ابن الخراساني، البغدادي، الشاعر، صاحب العروض ومصنّف النوادر المنسوبة إلى حدّة الخاطر.
قرأ الأديب على: أبي منصور ابن الجواليقي. وله ديوان شعر في خمسة عشر مجلدًا، قاله العماد الكاتب، ومصنفات أدبية. ومدح الخلفاء والوزراء، وتغيّر ذهنه في آخر أيامه قليلًا. وكان بارع الأدب، بصيرًا بالعروض، مقدّمًا في اللغة والنحو، صاحب مجون وخلاعة ونوادر.
سمع أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار، وأبا سعد بن خشيش، وأحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا علي بن نبهان.
قال ابن الدّبيثي: سمعت منه وتركته لتغيّره. وأجاز لي قبل أن يتغير ذهنه.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة. وتوفي في رمضان، وله اثنتان وثمانون سنة.
قال ابن الدّبيثي: أنشدنا في المسترشد بالله:
قل للإمام الذي إنعامه نعم وسحّ كفّيه منه تخجل الدّيم وعرضه وافر في كل نازلة وماله في جميع الناس مقتسم وبحره الجمّ عذب ماؤه غدق سهل الشرائع غمر طيّب شبم مسترشد إن بدا فالبدر غرّته وإن يقل كلمًا فالدرّ منتظم
226 -
المبارك بن عبد الله بن محمد
، أبو منصور البغدادي.
قال الدّبيثي: كان خيّرًا متيقظًا. سمعت عليه. روى عن ابن الحصين، وزاهر بن طاهر. ولازم ابن ناصر فأكثر. وتوفي في رمضان.
227 -
المبارك بن المبارك بن محمد بن أحمد بن الحكيم
، أبو بكر الخياط البغدادي.
سمع أبا الحسن العلاف، وشجاعًا الذهلي، وأبا علي بن المهدي، وغيرهم. روى عنه إلياس بن جامع، وابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، وآخرون.
توفي أيضًا في رمضان.
228 -
المبارك بن محمد بن محمد بن العرمرم
، أبو جعفر ابن أبي طاهر ابن الواسطي، البغدادي.
له إجازة من جعفر السرّاج، وأبي الحسين ابن الطيوري. سمع منه علي بن أحمد الزيدي، ومحمد بن سعيد ابن الدّبيثي.
مات في ذي القعدة سنة ست.
229 -
مسعود بن عمر الملاح
.
سمع أبا الحسن ابن الزاغوني، وعلي بن الفاعوس. روى عنه أبو الحسن القطيعي في تاريخه.
230 -
مسعود بن محمود بن أحمد بن عبد المنعم بن ماشاذة
، الإمام أبو عبد الله الأصبهاني، المفسّر، الفقيه.
قال ابن النجار: كان إمامًا حافظًا، قيّمًا بالمذهب، والخلاف، والتفسير، والوعظ. سمع غانمًا البرجي، وأبا علي الحداد، ومحمود بن إسماعيل، وعبد الكريم بن فورجة. وحج وحدّث ببغداد، وجلس للوعظ، ولقي القبول التام، واستحسن الأكابر كلامه.
قلت: ولم يذكر أن أحدًا روى عنه.
231 -
المسلم بن عبد المحسن بن أحمد
، أبو الغنائم الكفرطابي، ثم الدمشقي، البزّاز.
سمع من جدّه لأمه أبي طاهر محمد بن الحسين الحنائي. ودخل بغداد للتجارة، وسمع بها علي بن هبة الله بن عبد السلام. أخذ عنه عمر بن محمد بن جابر، وإلياس بن جامع، وغيرهما. وتوفي في جمادى الآخرة عن إحدى وسبعين سنة.
232 -
مطهر بن خلف بن عبد الكريم بن خلف بن طاهر بن محمد الشّحامي النيسابوري
.
حدّث بدمشق عن وجيه بن طاهر. وكان صوفيًا ينسخ بالأجرة.
روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم، ومحمد البلخي المقرئ.
233 -
المظفّر بن محمد بن عبد الباقي بن حند
، أبو عبد الله البناء، البغدادي، وهو ابن عم أبي المعمر بقاء بن عمر.
سمع أبا طالب بن يوسف، وأبا الحسن الزاغوني، وأبا غالب ابن البناء. روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي وأثنى عليه. وتوفي في ربيع الآخر.
234 -
نصر الله بن أحمد بن حمزة بن أبي الجحجّاج
، أبو الفتح العدوي، الحلبي، ثم الدمشقي، العطار.
حدث عن هبة الله بن طاوس. وعنه أبو القاسم بن صصرى.
235 -
هبة الله بن أحمد بن محمد بن هلال
، أبو الفرج ابن الأعرابي، الأزجي، الدبّاس.
سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الغنائم النرسي، وأبا ياسر البرداني. سمع منه أبو محمد ابن الخشّاب، وعمر بن علي القرشي. وتوفي في رجب.
وهو أسنّ من ابن عمّه عبد الجبار بعامين.
236 -
واثق بن الحسين بن علي العطار أبو الحسين ابن السمّاك
.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء. روى عنه عبد الله بن أحمد الخباز. وعاش ثلاثًا وستين سنة.
237 -
يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد الموصلي ثم البغدادي
، أخو سليمان وعلي، ووالد الموفق عبد اللطيف.
صحب أبا النجيب السهروردي وتفقّه عليه. وسمع أبا القاسم ابن السمرقندي، وأبا منصور بن خيرون، وخلقًا. وسمّع ابنه، وحدّث.
وتوفي في المحرم، وله إحدى وستون سنة.
238 -
يونس بن محمد
، أبو الوليد القسطلي، الأندلسي.
من فحول الشعراء وأعيان البلغاء. كتب لبعض ملوك الأندلس، وصنّف في الأدب.
وفيها ولد: كمال الدين محمد ابن قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني في ربيع الأول.
سنة سبع وسبعين وخمس مائة
239 -
أحمد بن جميل بن الحسن
، أبو منصور الأزجي الكاتب، الشيباني، مصنّف المقامات العشرين.
أديب بارع، وشاعر محسن. روى عنه ولده يوسف.
توفي في ربيع الأول ببغداد.
240 -
أحمد بن عبد الملك بن عميرة
، أبو جعفر الضّبّي، الأندلسي.
سمع بمرسية من أبي علي الصدفي، وأبي محمد بن أبي جعفر الفقيه. وبقرطبة أبا محمد بن عتّاب، وابن رشد. ولقي بمصالة منصور بن الخير وأخذ عنه القراءات. وحجّ، وكان زاهدًا عابدًا، قانتًا لله.
روى عنه سليمان بن حوط الله، وأحمد بن يحيى بن عميرة.
وتوفي عن سنّ عالية.
241 -
أحمد بن علي بن محمد بن عبد الملك بن سليمان بن سند
، أبو العباس الأندلسي، الكناني، النحوي، من أهل إشبيلية. وكان يعرف باللص؛ لإغارته على الأشعار في حداثته.
روى عن أبي بحر الأسدي، وأبي محمد بن صارة. وأقرأ العربية والآداب واللغة. وكان شاعرًا محسنًا.
روى عنه أبو الحسين بن زرقون، وأبو الخطّاب بن دحية.
وعاش بضعًا وسبعين سنة، وتوفي سنة سبع أو سنة ثمان وسبعين.
242 -
أحمد بن علي بن سعيد
، أبو العباس الخوزي الصوفي.
قرأ القرآن بواسط، وسمع بها من أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي. وببغداد من أبي بكر الأنصاري.
وكان رجلًا صالحًا. عاش سبعا وسبعين سنة.
243 -
أحمد بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام
، أبو الغنائم الكاتب، أخو أبي منصور عبد الله.
سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا القاسم بن الحصين. وحدّث.
قتله غلام له بداره طمعًا في شئ كان له في المحرم. وقيل: في سنة ست.
وولد سنة أربع وخمس مائة.
244 -
أحمد بن محمد بن أبي القاسم
، الشيخ أبو الرشيد الخفيفي، الصوفي، الزاهد.
قال ابن النجار: قدم بغداد شابًا من أبهر زنجان، وتفقّه مدّة. وسمع زاهر الشحّامي، وأبا بكر محمد بن عبد الباقي، وجماعة. ثم صحب أبا النجيب السهروردي؛ وانقطع، وجلس في الخلوة، وظهر له الكرامات، وفتح عليه.
روى لنا عنه أبو نصر عمر بن محمد بن جابر المقرئ.
وقرأت بخط عمر بن علي القرشي: جلس أبو الرشيد الأبهري في الخلوة اثنتي عشرة سنة، وفتح له خير كثير، وظهر كلامه. وقد كتب من كلامه ما يقارب ثمانين مجلدة.
قال ابن النجار: بلغني أنه مات في جمادى الآخرة. وكان منسوبًا إلى ابن خفيف الشيرازي.
245 -
أحمد بن مواهب بن حسن
، أبو عبد الرحمن البغدادي، المعروف بغلام الزاهد ابن العلبي.
شيخ صالح، سمع أبا طالب بن يوسف. سمع منه ابنه عبد الرحمن، وتميم بن أحمد البندنيجي، والحافظ عبد القادر الرّهاوي. سمعوا منه في هذه السنة، وانقطع خبره.
246 -
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران
، الإمام رضي الدين أبو طاهر الجزري الفقيه الشافعي.
تفقّه وبرع على شيخه أبي القاسم ابن البزري، ثم تفقّه ببغداد بالنظامية. وسمع من الكروخي. ودرّس ببلده وساد بعد ابن البزري.
مات في المحرم عن أربع وستين سنة.
ذكره الفرضي.
247 -
إسماعيل، الملك الصالح نور الدين
، أبو الفتح ابن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي التركي.
ختنه أبوه في سنة تسع وستين، وسرّ به، وزيّنوا دمشق، وكان وقتًا مشهودًا وهو يوم عيد الفطر. وزيّنت دمشق أيامًا وضربت خيمة بالميدان، وصلّى هناك بالناس شمس الدين قاضي العسكر، وخطب، ثم مدّ السماط العام، وأنهب على عادة الترك. وعاد نور الدين إلى القلعة فمد سماطه الخاص، ولعب من الغد بالكرة، فاعترضه برتقش أمير آخر وقال له: باش. فاغتاظ بخلاف عادته، وزبر برتقش، ثم ساق ودخل القلعة، فما خرج منها إلاّ ميّتًا.
وتوفي نور الدين بعد الختان بأيام، فحلّف أمراء دمشق لابنه أن يكون في السلطنة بعده، وهو يومئذ صبي، ووقعت البطاقة إلى حلب بموت نور الدين، ومتولّيها شاذبخت الخادم، فأمر بضرب البشائر، وأحضر الأمراء والعلماء وقال: هذا كتاب من السلطان بأنه ختن ولده وولاّه العهد بعده. ومشى بين يديه فسروا بذلك ثم قال تحلفون له كما أمر بأن حلب له؟ فحلفوا كلهم في الحال. ثم قام إلى مجلس فلبس الحداد، وخرج إليهم وقال: يحسن الله عزاكم في الملك العادل وبكى.
وأما صلاح الدين فسار إلى الشام ليكون هو المدبّر لدولة هذا الصبي، ويستولي على الأمور.
ووقعت الفتنة بحلب بين السنّة والرافضة. ونهبت الشيعة دار قطب
الدين ابن العجمي، ودار بهاء الدين ابن أمين الملك. ونزل جماعة من القلعة وأمرهم الأمير شمس الدين علي بن محمد ابن الداية والي القلعة أن يزحفوا إلى دار أبي الفضل ابن الخشّاب رئيس الشيعة، فزحفوا إليها ونهبوها، واختفى ابن الخشّاب.
ثم وصل الصالح إسماعيل إلى حلب في ثاني المحرّم من سنة سبعين، ومعه سابق الدين عثمان ابن الدايّة، فقبض عليه، وصعد القلعة، وظهر ابن الخشّاب، وركب في جمع عظيم إلى القلعة، فصعد إليها، والشيعة تحت القلعة وقوف. فقتل بها ابن الخشّاب وتفرّق ذلك الجمع. وسجن شمس الدين علي ابن الدايّة وأخواه: سابق الدين عثمان، وبدر الدين حسن.
ودخل السلطان صلاح الدين دمشق في سلخ ربيع الآخر، ثم سار إلى حمص فملكها. ثم نازل حلب في سلخ جمادى الأولى، فنزل الملك الصالح إلى البلد، واستنجد بأهل البلد، وذكّرهم حقوق والده، فوعدوه بالنصر، وجاءته النجدة من ابن عمه صاحب الموصل مع عز الدين مسعود بن مودود. فردّ السلطان صلاح الدين إلى حماة، وتبعه عز الدين مسعود، فالتقوا عند قرون حماة في رمضان. فانكسر عز الدين وانهزم، وردّ صلاح الدين فنازل حلب، فصالحوه وأعطوه المعرّة، وكفرطاب، وبارين.
ثم جاء صاحب الموصل سيف الدين غازي في جيش كثيف، وجاء صلاح الدين بعساكره، فالتقوا في شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسر صاحب الموصل على تل السلطان، وسار صلاح الدين، فأخذ منبج، ثم نازل عزاز ففتحها، ثم نازل حلب في ذي القعدة، وأقام عليها مدةً. وبذل أهلها المجهود في القتال، بحيث إنهم كانوا يحملون ويصلون إلى مخيم صلاح الدين، وأنه قبض على جماعة منهم، فكان يشرّح أسافل أقدامهم، ولا يمنعهم ذلك عن القتال، فلما ملّ صالحهم وسار عنها. وخرجت إليه أخت الملك الصالح، وكانت طفلة، فأطلق لها عزاز لما طلبتها منه. وكان تدبير أمر حلب إلى والدة الصالح، وإلى شاذبخت، وخالد ابن القيسراني.
ثم إن الصالح مرض بالقولنج جمعتين، ومات في رجب من سنة سبع، وتأسفوا عليه، وأقاموا عليه المآتم، وفرشوا الرماد في الأسواق، وبالغوا في النوح عليه. وكان أمرًا منكرًا.
وكان ديّنًا، عفيفًا، ورعًا، عادلًا، محبّبًا إلى العامة، متّبعًا للسنّة، رحمه الله، ولم يبلغ عشرين سنة.
وذكر العفيف بن سكّرة اليهودي، لا رحمه الله، وكان يطبّبه، قال: قلت له: يا مولانا، والله شفاؤك في قدح خمر، وأنا أحمله إليك سرًا، ولا تعلم والدتك، ولا اللالا، ولا أحد. فقال: كنت أظنك عاقلًا، نبيّنا صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليها. وتقول لي أنت هذا. وما يؤمنني أن أشربه وأموت وهو في جوفي؟!.
وقيل: توفي وله قريب من ثماني عشر سنة. فتملّك حلب بعده عزّ الدين مسعود ابن عمّه مودود.
248 -
أشرف بن هبة الله
، أبو العباس الهاشمي البيّاضي، إمام جامع المنصور.
سمع أحمد بن المجلي، وهبة الله بن الحصين. سمع منه محمد بن مشّق، وأحمد بن أحمد البندنيجي. وتوفي في أول السنة.
249 -
خمرتاش
، مولى أبي الفرج هبة الله ابن رئيس الرؤساء.
سمع من أبي الحسين ابن العلاّف. روى عنه ابن الأخضر، وغيره، ونصر ابن الحصري. وتوفي في رمضان.
250 -
سليمان بن أرسلان
، المعروف بشرف الدين ابن شاووش البغدادي.
كان يخدم في السواد فعلا وساد، وناب في وزارة الناصر لدين الله أول ما استخلف، ثم عزل بعد شهرين لشيخوخته وضعفه.
توفي في جمادى الأولى عن سنّ عالية.
251 -
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد
، كمال الدين أبو البركات الأنباري النحوي، الرجل الصالح، صاحب التصانيف المفيدة.
سكن بغداد من صباه، وتفقّه بالنظامية على أبي منصور ابن الرزاز، وقرأ النحو على أبي السعادات ابن الشجري، واللغة على أبي منصور ابن الجواليقي. وبرع في الأدب حتى صار شيخ العراق في عصره، وأقرأ الناس ودرّس النحو بالنظامية، ثم انقطع في منزله مشتغلًا بالعلم والعبادة والورع وإفادة الناس. وكان زاهدًا ناسكًا، تاركًا للدنيا، ذا صدق وإخلاص.
قال الموفق عبد اللطيف: أما شيخنا كمال الدين الأنباري فلم أر في العبّاد والمنقطعين أقوى منه في طريقه، ولا أصدق منه في أسلوبه، جد محض لا يعتريه تصنّع، ولا يعرف الشرور، ولا أحوال العالم. وكان له من أبيه دار يسكنها، ودار وحانوت مقدار أجرتهما نصف دينار في الشهر ينتفع به ويشتري منه ورقًا. وسيّر إليه المستضيء خمس مائة دينار فردّها، فقالوا له: اجعلها لولدك، فقال: إن كنت خلقته فأنا أرزقه. وكان لا يوقد عليه ضوءًا. وتحته حصير قصب، وعليه ثوب وعمامة من قطن يلبسهما يوم الجمعة. وكان لا يخرج إلاّ للجمعة، ويلبس في بيته ثوبًا خلقًا. وكان ممن قعد في الخلوة عند الشيخ أبي النجيب. قرأ عليه معيد بالنظامية، فبقي يكثر الصياح والكلام، فلطمه على رأسه وقال: ويلك، إذا كنت تجترّ في المرعى متى ترعى؟ وللشيخ مائة وثلاثون مصنفًا، أكثرها نحو، وبعضها في الفقه والأصول، والتصوّف، والزهد، أتيت على أكثرها قراءةً، وسماعًا وحفظًا.
قلت: من كتبه أسرار العربية، الإنصاف في مسائل الخلاف،
أخبار النحاة، الداعي إلى الإسلام في علم الكلام، النور اللائح في اعتقاد السلف الصالح، الجمل في علم الجدل، كتاب ما، وغرائب إعراب القرآن، ديوان اللغة، الضاد والظاء، تفسير لغة المقامات، شرح الحماسة، شرح المتنبي، نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، تاريخ الأنبار، نسمة العبير في علم التعبير.
روى الحديث عن أبيه، وخليفة بن محفوظ الأنباري، ومحمد بن محمد بن محمد بن عطّاف، وأحمد ابن نظام الملك. روى عنه الحافظ أبو بكر الحازمي، وابن الدّبيثي، وطائفة.
وتوفي في شعبان. وله أربع وستون سنة.
ومن شعره:
دع الفؤاد بما فيه من الحرق ليس التصوّف بالتلبيس والخرق بل التصوّف صفو القلب من كدر ورؤية الصفو فيه أعظم الخرق وصبر نفس على أدنى مطاعمها وعن مطامعها في الخلق بالخلق وترك دعوى بمعنى فيه حقته فكيف دعوى بلا معنى ولا خلق؟
252 -
عبد الصمد بن علي
، أبو القاسم ابن الأخرم البغدادي، الحذّاء.
سمع أبا علي الباقرحي، وأبا سعد ابن الطيوري، وأبا طالب اليوسفي.
سمع منه عمر القرشي، وجماعة. وتوفي فجاءة في ذي الحجة، وله سبعون سنة.
253 -
عبد القادر بن علي بن نومة
، أبو محمد الواسطي الشاعر.
جالس أبا السعادات ابن الشجري، وأبا منصور ابن الجواليقي. ومدح الخلفاء. ومات غريبًا بمصر.
ومن شعره:
أصيب ببلوى الجسم أيّوب فاغتدى به تضرب الأمثال إذ يذكر الصبر فلما انتهى بلواه من بعد جسمه إلى القلب نادى معلناً: مسني الضّر وكل بلائي عند قلبي ولم أبح بشكوى الذي ألقى ولم يظهر السر
هذا هذيان وقول من وراء العافية، ومجرد دعوى كاذبة. كما فشر من قال: وكل بلاء أيوب بعض بليّتي
ولكن الشعراء في كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون. وكما قيل: أملح الشعر أكذبه.
254 -
عثمان بن يوسف بن أبي بكر بن عبد البرّ بن سيّدا بن ثابت
، أبو عمرو الأنصاري، السرقسطي، المعروف بالبلجيطي.
أخذ القراءات عن أبي زيد الورّاق، ويحيى بن محمد القلعي.
وأخذ قراءة نافع عن أبي زيد بن حيوة. واختلف إلى أبي جعفر بن سراج، وأبي الحسن بن طاهر وأخذ عنه العربية. وسمع التيسير سنة إحدى وعشرين وخمس مائة من ابن هذيل. وأقرأ القراءات، وسكن بلد لريّة ثم ولّي قضاءها.
وكان محققًا للقراءات، ضابطًا، إخباريًا، ذاكرًا، ماهرًا بالقضاء والشروط.
توفي عن تسعين سنة في نصف ذي القعدة.
أخذ عنه أبو عمر بن عيّاد، وأبو عبد الله بن عيّاد، وأبو عبد الله الشوني، وأبو الربيع بن سالم.
255 -
علي بن محمد بن الحسن
، أبو المفاخر المستوفي البيهقي، الواعظ، الصوفي.
حدّث ببغداد وواسط عن محمد بن أحمد بن صاعد، وعبد الغافر بن إسماعيل، وأبي عبد الله الفراوي، وغيرهم. وتوفي رحمه الله في شعبان.
256 -
عمر بن علي ابن الزاهد محمد بن علي بن حمويه
، أبو الفتح الجويني الصوفي، شيخ الشيوخ بدمشق.
ولد في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. وسمع من جدّه، وأبي عبد الله الفراوي، وأبي القاسم الشّحامي، وأبي الفتوح عبد الوهاب الشاذياخي، وعبد الجبار الخواري، وعبد الواحد الفارمذي. وأقام بدويرة السميساطي. وحدّث؛ وإليه انتهى التقدم في التصوّف. وكان السلطان صلاح الدين يحترمه ويعظمه، وهو أخو أبي بكر وأبي سعد عبد الواحد.
روى عنه الحافظ أبو المواهب، وأخوه أبو القاسم الحسين، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، وآخرون. وتوفي في رجب، ودفن بمقابر الصوفية.
وذكره العماد الكاتب فقال: كبير الشأن كثير الإحسان، لم يكن له في علم الطريقة والحقيقة مساو. وأقبل عليه نور الدين بكلّيته، وأمرني بإنشاء منشور له بمشيخة الشام، ورغّبه بالإحسان في المقام، ومن جملة ما أتحفه به عمامة ذهبية نفّذ بها صلاح الدين من مصر، فبذل له فيها ألف دينار بزنة ذهبها، فلم يجب.
257 -
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز
، أبو عبد الله الحميري، القرطبي، المعروف بالإستجي نزيل مالقة.
سمع صحيح البخاري من شريح. وولي خطابة مالقة. وكان من أهل الفضل والصلاح.
ورّخه الأبّار، وقال: حدثنا عنه أبو عبد الله الأندرشي، وأبو سليمان بن حوط الله.
258 -
محمد بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال
. أخو الحافظ أبي القاسم، أبو عبد الله القرطبي.
روى عن أبيه، وأبي جعفر البطروجي، وأبي الحسن بن مغيث. وكان فقيهًا شروطيًا. وأجاز له أبو علي بن سكّرة.
توفي في جمادى الآخرة قبل أخيه.
259 -
محمد بن محمد بن شجاع بن أحمد بن علي
، أبو الطيّب اللفتواني الأصبهاني.
سمع أباه أبا بكر، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجوزدانيّة، وجماعة. وطلب بنفسه، وكتب، وقرأ.
توفي في صفر.
260 -
المبارك بن علي بن محمد بن خلف
، أبو الفائز البرداني، الدلاّل في الدور.
سمع أبا الغنائم النرسي، ومحمد بن الحسن ابن البنّاء، وأبا طالب بن يوسف. روى عنه أبو بكر الحازمي، وابن الأخضر، وآخرون.
توفي في جمادى الآخرة وله سبع وسبعون سنة. وقيل: إحدى وثمانون سنة.
261 -
هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم
، أبو طاهر الحلبي، الخطيب.
شيخ زاهد، خيّر، بارع في العربية. كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني، والخطيب يونس بن محمد الفارقي. وتوفي في جمادى الآخرة.
وروى عنه أبو القاسم بن صصرى، وقال: كان خطيب حلب، جامعًا لفنون شتّى.
وقال ابن النجار: أديب، بليغ، فصيح، له تصانيف وخطب، وله كتاب التنبيه عن اللحن الخفي. قرأه عليه حمزة ابن القبّيطي. عاش ثلاثًا وثمانين سنة.
262 -
هبة الله بن المبارك بن بكري الحريمي
.
من بيت رواية. سمع أبا الحسن الدينوري، وابن الحصين. أخذ عنه ابن مشّق، وغيره. وتوفي في شوال.
وروى عنه عبد الوهاب بن بزغش، وعبد الرحمن بن عمر الغزّال.
263 -
هبة الله بن أبي الكرم نصر الله بن محمد بن محمد بن مخلد
، أبو العباس ابن الجلخت الواسطي المعدّل.
ثقة، صحيح السماع، من بيت رواية وعدالة. ولد سنة أربع وثمانين وأربع مائة. وسمع أبا نعيم محمد بن إبراهيم الجماري، وأبا نعيم محمد بن زبزب، ومحمد بن محمد ابن السوادي. وسمع ببغداد من هبة الله ابن البخاري، وأبا بكر القاضي.
وروى الكثير؛ روى عنه أبو عبد الله ابن الدّبيثي وترجمه، وقال: توفي في رجب.
264 -
يحيى بن علي بن يحيى بن أبي العافية
. المؤذّن أبو زكريا الدمشقي، المقرئ.
سمع من جمال الإسلام أبي الحسن.
كتب عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: توفي في ربيع الأول.
265 -
أبو الفهم بن فتيان بن حيدرة البجلي الدمشقي ابن الكاتب
.
زاهد عابد ورع. روى عن جمال الإسلام. وعنه ابن صصرى.
وفيها ولد:
أبو البيان بن سعد الله بن راهب الحموي بحماة؛ وشمس الدين إسحاق بن بلكويه، وأبو الفتح عبد الهادي بن عبد الكريم القيسي، وعبد العزيز بن عبد الوهاب الكفرطابي، وعماد الدين ابن الحرستاني، وكمال الدين أحمد بن نعمة بنابلس.
سنة ثمان وسبعين وخمس مائة
266 -
أحمد بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة
، الزاهد الكبير، سلطان العارفين في زمانه أبو العباس الرفاعي المغربي رضي الله عنه.
قدم أبوه العراق وسكن البطائح بقرية اسمها أم عبيدة، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها أولادا منهم الشيخ أحمد ابن الرفاعي رحمه الله.
وكان أبو الحسن مقرئًا يؤمّ بالشيخ منصور، فمات وزوجته حامل بالشيخ أحمد، فربّاه وأدبه خاله منصور، فقيل: إنه ولد في أول المحرم سنة خمس مائة.
ويروى عن الشيخ يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد ابن الرفاعي في المجلس، فقال لأصحابه: أي سادة، أقسمت عليكم بالعزيز سبحانه، من كان يعلم فيّ عيبًا يقوله. فقام الشيخ عمر الفاروثي وقال: أي سيدي، أنا أعلم فيك عيبًا. فقال: يا شيخ عمر، قله لي. قال: أي سيدي عيبك نحن الذين مثلنا في أصحابك. فبكى الشيخ والفقراء، وقال: أي عمر، إن سلم المركب حمل من فيه في التّعدية.
وقيل: إن هرّةً نامت على كمّ الشيخ أحمد، وجاء وقت الصلاة، فقصّ كمّه ولم يزعجها، وعاد من الصلاة فوجدها قد فاقت، فوصل الكمّ بالثوب وخيّطه وقال: ما تغيّر شيء.
وعن يعقوب بن كراز، وكان يؤذن في المنارة ويصلّي بالشيخ، قال: دخلت على سيدي أحمد في يوم بارد، وقد توضّأ ويده ممدودة، فبقي زمانًا لا يحرك يده، فتقدّمت وجئت أقبّلها فقال: أي يعقوب، شوّشت على هذه الضعيفة. قلت: من هي؟ قال: بعوضة كانت تأكل رزقها من يدي، فهربت منك.
قال: ورأيته مرةً يتكلم ويقول: يا مباركة ما علمت بك، أبعدتك عن وطنك. فنظرت فإذا جرادة تعلّقت بثوبه، وهو يعتذر إليها رحمةً لها.
وعنه قال: سلكت كل الطرق الموصلة، فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلحّ من الافتقار، والذلّ، والانكسار. فقيل له: يا سيدي، فكيف يكون؟ قال: تعظّم أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنّة سيدك رسول الله – صلى الله عليه وسلم.
وورد أنه كان فقيهًا، شافعي المذهب.
وعن الشيخ يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد إذا قدم من سفر شمّر، وجمع الحطب، ثم يحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين، فكان الفقراء يوافقونه ويحتطبون معه. وربما كان يملأ الماء للأرامل ويؤثرهم.
وعن يعقوب قال: قال لي سيدي أحمد: لما بويع الشيخ منصور رحمه الله. قيل له: أي منصور اطلب. فقال: أصحابي. فقال رجل لسيدي أحمد: يا سيدي وأنت أيش؟ فبكى فقال: أي فقير، ومن أنا في البين، ثبّت نسب واطلب ميراث. فقلت: يا سيدي أقسم عليك بالعزيز أيش أنت؟ قال: أي يعقوب، لمّا اجتمع القوم وطلب كل واحد شيئًا دارت النوبة إلى هذا اللاش أحمد وقيل: أي أحمد اطلب. قلت: أي ربّ علمك محيط بطلبي. فكرر عليّ القول، قلت: أي مولاي، أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار. فأجابني، وصار الأمر له وعليه. أي يعقوب، من يختاره العزيز يجيبه إلى هذه البقعة.
وعن يعقوب قال: مرّ سيدي على دار الطعام، فرأى الكلاب يأكلون التمر من القوصرّة، وهم يتحارشون، فوقف على الباب لئلا يدخل إليهم أحد يؤذيهم، وهو يقول: أي مباركين اصطلحوا وكلوا، ولا يدروا بكم يمنعوكم.
ورأى فقيرًا يقتل قملةً فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك؟
وعن يعقوب، قال لي سيدي أحمد: يا يعقوب، لو أن عن يميني خمس مائة يرّوحوني بمراوح الندّ والطيب، وهم من أقرب الناس إلي، وعن يساري مثلهم من أبغض الناس إليّ، معهم مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه. ثم قرأ: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور. وكان
سيدي أحمد إذا حضر بين يديه تمر أو رطب ينقّي الشيص والحشف لنفسه يأكله ويقول: أنا أحق بالدون من غيري، فإني مثله دون. وكان لا يجمع بين لبس قميصين لا في شتاء ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلةً. وإذا غسل ثوبه ينزل في الشطّ كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف. وإذا ورد عليه ضيف يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في مئزر.
وأحضر ابن الصيرفي وهو مريض ليدعو له الشيخ ومعه خدمه وحشمه، فبقي أيامًا لم يكلمه، فقال يعقوب بن كراز: أي سيدي ما تدعو لهذا المريض؟ فقال: أي يعقوب، وعزّة العزيز لأحمد كل يوم عليه مائة حاجة مقضيّة، وما سألتوه منها حاجةً واحدة. فقلت: أي سيدي فتكون واحدة لهذا المريض المسكين. فقال: لا كرامة ولا عزازة، تريدني أكون سيئ الأدب. لي إرادة وله إرادة؟! ثم قرأ: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين أي يعقوب، الرجل المتمكّن في أحواله، إذا سأل حاجةً وقضيت له، نقص تمكّنه درجةً. فقلت: أراك تدعو عقيب الصلوات وكل وقت. قال: ذاك الدعاء تعبّد وامتثال. ودعاء الحاجات لها شروط، وهو غير هذا الدعاء. ثم بعد يومين تعافى ذلك المريض.
وعن يعقوب أنه سأل الشيخ أحمد: أي سيدي، لو كانت جهنّم لك ما كنت تصنع تعذّب بها أحداً؟ فقال: لا وعزّته، ما كنت أدخل إليها أحدًا. فقال: أي شيخ، فأنت تقول: إنّك أكرم ممن خلقها لينتقم بها ممن عصاه. فزعق وسقط على وجهه زمانًا، ثم أفاق وهو يقول: من هو أحمد في البين؟ يكرّرها مرات. وقال: أي يعقوب، المالك يتصرف سبحانه.
وعن يعقوب أن الشيخ أحمد كان لا يقوم لأحد من أبناء الدنيا، ويقول: النظر إلى وجوههم يقسّي القلب.
وعن الشيخ يعقوب، وسئل عن أوراد سيدي أحمد، فقال: كان يصلّي أربع ركعات بألف قل هو الله أحد. ويستغفر الله كل يوم
ألف مرّة، واستغفاره أن يقول: لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، عملت سوءًا، وظلمت نفسي، وأسرفت في أمري، ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت، فاغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم. يا حيّ يا قيّوم، لا إله إلاّ أنت. وذكر غير ذلك.
وكان يترنّم بهذا البيت:
إن كان لي عند سليمى قبول فلا أبالي بما يقول العذول
وكان يقول:
ومستخبر عن سرّ ليلى تركته بعمياء من ليلى بغير يقين يقولون: خبّرنا، فأنت أمينها وما أنا إن خبّرتهم بأمين
ويقول:
أرى رجالًا بدون العيش قد قنعوا وما أراهم رضوا الدنيا على الدّين إذا رأيت ملوك الأرض أجمعها بلا مراء ولا شك ولا مين وقيل: هل فوقهم في الناس مرتبةً فقل: نعم ملك في زي مسكين ذاك الذي حسنت في الناس سيرته وصار يصلح للدنيا وللدين
ويقول:
أغار عليها من أبيها وأمّها ومن كل من يرنو إليها وينظر وأحذر من أخذّ المراة بكفّها إذا نظرت منك الذي أنا أنظر
ومنه:
إذا تذكّرت من أنتم وكيف أنا أجللت ذكركم يجري على بالي ولو شريت بروحي ساعةً سلفت من عيشتي معكم ما كان بالغالي
وكان كثير التعظيم لخاله سيّدي الشيخ منصور، ويقول للفقراء: إذا قبّلتم عتبة الشيخ منصور، فإنما تقبّلون يده. ويقول: أنا ملاّح لسفينة الشيخ منصور، فاسألوا ربّنا به في حوائجكم. وكان يقول: إلى أن ينفخ في الصور لا يأتي مثل طريق الشيخ منصور.
وعن ابن كراز: سمعت يوسف بن صقير المحدّث يقول: كنّا في قرية
الضريّة مع سيدي أحمد قدس الله روحه، وقد غنّى ابن هديّة:
لو يسمعون كما سمعت حديثها خرّوا لعزّة ركّعًا وسجودا
فقام سيدي وتواجد، وردّد البيت، ولم يزل حتى كادت قلوب الفقراء تنفطر. وكان ذلك في بدايته بعد موت سيدي الشيخ منصور. ولمّا كان في النهاية بقي سبع سنين لا يسمع الحادي وهو قريب منه حتى توفي.
وعنه قال: ذكر الشيخ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي أن سبب وفاة سيدي أحمد أبيات أنشدت بين يديه، تواجد عند سماعها تواجدًا كان سبب مرضه الذي مات فيه. وكان المنشد لها الشيخ عبد الغني ابن نقطة حين زاره، وهي:
إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم أنوح كما ناح الحمام المطوّق وفوقي سحاب يمطر الهمّ والأسى وتحتي بحار بالدموع تتدفّق سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرها تفكّ الأسارى دونه وهو موثّق فلا هو مقتول ففي القتل راحة ولا هو ممنون عليه فيعتق
قال: وتوفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين.
وعن يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد والفقراء في نهر وليد فقال: لا إله إلاّ الله، قد حان أوان هذا المجلس، فليعلم الحاضر الغائب أن أحمد يقول، وأنتم تسمعون: من خلا بامرأة أجنبية، فأنا منه بريء، وسيدي الشيخ منصور منه بريء، وسيدي المصطفى صلى الله عليه وسلم منه بريء، وربنا سبحانه منه بريء، ومن خلا بأمرد فكذلك، ومن نكث البيعة فإنما ينكث على نفسه. ثم قام من مجلسه. وبعد شهر عبر إلى الله، ودفن في قبّة الشيخ يحيى النجار.
وحكى الشيخ محمد بن أبي بكر بن أبي طالب الصوفي أنه سمع جدّه عفيف الدين أبا طالب يقول: سمعت الشيخ عبد الرحمن شملة يقول: سمعت سيدي علي يقول: لما حضرت الوفاة سيدي أحمد قبلها بأيام قلت: أي سيدي، ما نقول بعدك، وأيش تورّثنا؟ فقال: أي علي، قل عنّي: إنه ما نام ليلةً إلاّ وكل الخلق أفضل منه، ولا حرد قط، ولا رأى لنفسه قيمةً قط. وأما ما أورثه فيا ولدي تشهد أنّ لي مالا حتى أورثكم؟! إنما أورثكم قلوب الخلق.
فلما سمعت من سيدي خرجت إلى الشيخ يعقوب بن كراز فأخبرته، فقال: لك حسب، أو لذريّتك معك؟ فعدت إلى سيدي فقلت له فقال: لك ولذريّتك إلى يوم القيامة، البيعة عامة، والنعمة تامة، والضمين ثقة، هي اليوم مشيخة وإلى يوم القيامة مملكة بمشيخة.
نقلت أكثر ما هنا عن يعقوب من كتاب مناقب ابن الرفاعي رضي الله عنه جمع الشيخ محيي الدين أحمد بن سليمان الهمّامي الحسيني الرفاعي شيخ الرواق المعمور بالهلالية بظاهر القاهرة، سمعه منه الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن الشيخ أبي طالب الأنصاري الرفاعي الدمشقي، ويعرف بشيخ حطّين، بالقاهرة سنة ثمانين وست مائة. وقد كتبه عنه مناولةً وإجازةً المولى شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الجزري، وأودعه تاريخه في سنة خمس وسبع مائة، فأوّله قال: ذكر ولادته. ثم قال: قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن ابن الشيخ يعقوب بن كراز؛ وأكثر الكتاب عن الشيخ يعقوب، وهو نحو من أربعة كراريس. وهو ثمانية فصول في مقاماته وكراماته، وغير ذلك. وهي بلا إسناد، وقع الاختيار منها على هذا القدر الذي هنا.
وتوفي الشيخ ولم يعقب، وإنما المشيخة في أولاد أخيه.
قال القاضي ابن خلّكان: كان رجلًا صالحًا، شافعيًّا، فقيهًا، انضم إليه خلق من الفقراء، وأحسنوا فيه الاعتقاد، وهم الطائفة الرفاعية، ويقال لهم الأحمدية، ويقال لهم البطائحية، ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيّات حيّةً، والنزول إلى التنانير وهي تتضرم نارًا، والدخول إلى الأفرية وينام الواحد منهم في جانب الفرن والخبّاز يخبز في الجانب الآخر، وتوقد لهم النار العظيمة، ويقام السماع، فيرقصون عليها إلى أن تنطفئ. ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود ونحو ذلك وأشباهه. ولهم أوقات معلومة يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يحصون ويقومون بكفاية الجميع. والبطائح عدّة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة.
* أحمد بن المسلم. سيأتي.
267 -
الحسن بن أحمد بن محمد بن المعمّر
، أبو جعفر البغدادي.
سمع أبا القاسم بن بيان. وعنه نسيبه أبو طالب علي بن جعفر.
مات في صفر؛ قاله ابن النجار.
268 -
الحسن بن علي بن الحسن بن شيرويه
، أبو علي الدّيلمي الأصل الأزجي.
سمع أبا الغنائم محمد بن علي النرسي. روى عنه أحمد وتميم ابنا البندنيجي، ونصر ابن الحصري، وأبو الحسن ابن المقيّر، وجماعة. وتوفي في وسط السنة.
269 -
الحسن بن هبة الله بن محمد بن علي بن المطّلب
، فخر الدولة أبو المظّفر ابن الوزير أبي المعالي.
كان متصوّفًا متزهدًا، كثير الحج والصدقات والأوقاف، كبير الشأن، وافر الحرمة. له جامع كبير بغربي بغداد. وله مدرسة بشرقي بغداد ورباط، ولم يدخل في الولايات.
سمع أبا الحسن العلاّف، وقرأ الأدب على أبي بكر بن جوامرد. وامتنع في كبره من الرواية. وقد سمع منه أبو سعد السمعاني، وأحمد بن صالح الجيلي، والكبار. وتوفي في شوال في هذا العام.
270 -
الخضر بن هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن طاوس
، أبو طالب الدمشقي.
قرأ القراءات على أبي الوحش سبيع بن قيراط صاحب أبي علي الأهوازي، وهو آخر من قرأ في الدنيا عليه، وآخر من سمع من الشريف أبي القاسم النسيب، وأبي الحسن علي بن طاهر.
ومولده في سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. وكان أبوه وجده من كبار المقرئين.
روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم. وقال أبو
القاسم: توفي في ثامن شوال. وروى عنه أيضاً موفق الدين ابن قدامة، والشمس والضياء ابنا عبد الواحد، والبهاء عبد الرحمن، وزين الأمناء، وطائفة سواهم، وأحمد بن الحسن بن ريش، والعزّ النّسّابة، وإبراهيم ابن الخشوعي.
271 -
خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال بن يوسف بن داحة
، أبو القاسم الأنصاري، القرطبي، المحدّث، حافظ الأندلس في عصره ومؤرّخها ومسندها.
ولد سنة أربع وتسعين وأربع مائة. وسمع أباه، وأبا محمد بن عتّاب فأكثر، وأبا بحر بن العاص، وأبا الوليد بن رشد، وأبا الوليد بن طريف، وأبا القاسم بن بقيّ، وخلقًا. ورحل إلى إشبيلية فسمع شريح بن محمد، وأبا بكر ابن العربي. وأجاز له علي بن سكّرة، وأبو القاسم بن منظور، وطائفة. ومن العراق أبو المظفّر هبة الله ابن الشبلي بأخرة. وله معجم مفيد.
قال أبو عبد الله الأبّار: كان متّسع الرواية، شديد العناية بها، عارفًا بوجوهها، حجّة، مقدّمًا على أهل وقته، حافظًا، حافلًا، أخباريًا، تاريخيًا، ذاكرًا لأخبار الأندلس القديمة والحديثة. سمع العالي والنازل، وأسند عن شيوخه نيّفًا وأربع مائة كتاب بين صغير وكبير. ورحل إليه الناس وأخذوا عنه. وحدثنا عنه جماعة، ووصفوه بصلاح الدخلة، وسلامة الباطن، وصحة التواضع، وصدق الصبر للطلبة، وطول الاحتمال. وألّف خمسين تأليفًا في أنواع العلم. وولّي بإشبيلية قضاء بعض جهاتها لأبي بكر ابن العربي. وعقد الشروط، ثم اقتصر على إسماع العلم وعلى هذه الصناعة، وهي كانت بضاعته. والرواة عنه لا يحصون، منهم: أبو بكر بن خير، وأبو القاسم القنطري، وأبو بكر بن سمحون، وأبو الحسن بن الضحّاك. وكلهم مات قبله. وصنّف كتاب الصّلة في علماء الأندلس، وصل به تاريخ ابن الفرضي، وقد حمله عنه شيخه أبو العباس ابن العريف الزاهد.
قلت: وله كتاب الحكايات المستغربة مجلّد، وغوامض الأسماء المبهمة عشرة أجزاء، وكتاب معرفة العلماء الأفاضل أحد وعشرون جزءًا
طرق حديث المغفر ثلاثة أجزاء، القربة إلى الله بالصلاة على نبيّه جزء كبير، من روى الموطّأ عن مالك في جزءين، اختصار تاريخ أبي بكر الفنشّي في تسعة أجزاء، أخبار سفيان بن عيينة جزء كبير، أخبار ابن المبارك جزءان، أخبار الأعمش ثلاثة أجزاء، أخبار النّسائي جزء، أخبار شبطون جزء، أخبار المحاسبي جزء، أخبار ابن القاسم جزء، أخبار إسماعيل القاضي جزء، أخبار ابن وهب جزء، أخبار أبي المطرّف عبد الرحمن بن مروان القنازعي جزء، قضاة قرطبة ثلاثة أجزاء، المسلسلات جزء، طرق من كذب عليّ جزء إلى غير ذلك.
وممن روى عنه أبو القاسم أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد، وأحمد بن عبد المجيد المالقي، وأحمد بن محمد ابن الأصلع، وأبو القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، وأحمد بن عيّاش المرسي، وأحمد بن أبي حجة القيسي، وثابت بن محمد الكلاعي، ومحمد بن إبراهيم بن صلتان، ومحمد بن عبد الله ابن الصفار القرطبي، وموسى بن عبد الرحمن الغرناطي، وأبو الخطاب عمر بن دحية، وأخوه عثمان بن دحية. وبالإجازة أبو الفضل جعفر بن علي الهمذاني، وأبو القاسم سبط السلفي، وآخرون.
قال الأبّار: توفي في ثامن رمضان، ودفن بقرب قبر يحيى بن يحيى الليثي، وله أربع وثمانون سنة.
272 -
خليفة بن المسلم بن رجاء
، أبو طالب التنوخي الإسكندراني، ويعرف بأحمد اللخمي.
قال أبو الحسن بن المفضل الحافظ: غلب عليه أحمد. سمع أبا عبد الله الرازي، وأبا بكر الطرطوشي، وعبد المعطي بن مسافر. وكان عارفًا بالفقه والأصول، ماهرًا في علم الكلام، وفيه لين فيما يرويه، إلاّ أنّا لم نسمع منه إلاّ من أصوله. توفي في رمضان.
قلت: وروى عنه أبو القاسم بن رواحة، وعبد الوهاب بن رواج، وأبو علي الإوقي، ونبأ بن هجّام.
273 -
روزبهان العبد الصالح
.
توفي بالقاهرة، في ذي القعدة.
274 -
عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر
، الخطيب أبو الفضل بن أبي نصر الطوسي ثم البغدادي، نزيل الموصل وخطيبها.
ولد في صفر سنة سبع وثمانين وأربع مائة. وسمع حضورًا من طراد الزينبي، وأبي عبد الله بن طلحة النعالي، وطائفة. وسمع من ابن البطر، والطريثيثي، وأحمد بن عبد القادر، وأبي الفضل محمد بن عبد السلام، وجعفر السراج، وأبي الخطاب بن الجرّاح، وأبي غالب الباقلاني، وأبي الحسن بن أيّوب البزّاز، ومنصور بن حيد، والحسين ابن البسري وأبي منصور الخيّاط، وجماعة. وتفرّد بالرواية عن أكثرهم.
وكان في نفسه ثقة. وكان أبو بكر الحازمي إذا روى عنه قال: أخبرنا أبو الفضل من أصله العتيق؛ يقول ذلك احترازًا مما زوّر له وغيره محمد بن عبد الخالق اليوسفي. لكن لما بيّن المحدثون ذلك للخطيب أبي الفضل رجع عن روايته. ثم خرّج لنفسه المشيخة المشهورة من أصوله.
روى عنه أبو سعد السمعاني. وعبد القادر الرّهاوي، وأبو محمد بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، والقاضي أبو المحاسن يوسف بن شدّاد، وأبو الحسن علي بن الأثير، وأبو البقاء يعيش النحوي، وعبد الكريم بن عبد الرحمن الترابي، وأبو الخير إياس الشهرزوري، وإبراهيم بن يوسف بن ختة الكتبي الموصلي، وآخرون.
قال الشيخ الموفق: كان شيخًا حسنًا، قرأت عليه المعتقد لعبد الرحمن بن أبي حاتم، فكتب في آخره سماعي، وكتب: هذا اعتقادي وبه أدين لله تعالى. ولم نر منه إلا الخير.
وقال ابن الدّبيثي: أنشدنا لنفسه كتابةً:
أقول وقد خيّمت بالخيف من منىً وقرّبت قرباني وقضّيت أنساكي وحرمة بيت الله ما أنا بالذي أملّك مع طول الزمان وأنساك
توفي رحمه الله في رمضان في اثنتين وتسعين سنة.
وقال الحافظ ابن النجار في تاريخه: ولد ببغداد، وقرأ الفقه والأصول على إلكيّا أبي الحسن علي بن محمد الهرّاسي، وأبي بكر الشاشي. وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، وأبي محمد الحريري. وسمع بأصبهان من أبي علي الحداد، وبنيسابور من أبي نصر ابن القشيري، وبترمذ من أبي المظفر ميمون بن محمود، وبالموصل من أبيه وعمّه، وولي خطابتها زمانًا. وتفرّد وقصده الرحالون. حدثنا عنه هبة الله بن باطيش، وعلي الطبيب، وأبو الحسن محمد ابن القطيعي.
275 -
عبد الله بن أحمد بن محمد بن علي بن حمتيس
، أبو محمد السرّاج البغدادي. وقيل: اسمه عبيد الله.
سمع أحمد بن المظفّر بن سوسن، وأبا القاسم بن بيان، وأبا العز محمد بن المختار، وأبا الحسن ابن العلاّف، وأبا سعد بن خشيش.
قال ابن الأخضر: كان عاميًّا لا يفهم، ولا يحسن أن يصلي، ولا يقرأ التحيات.
قلت: روى عنه تميم البندنيجي، ونصر ابن الحصري، وأبو عبد الله ابن الدّبيثي، وأبو صالح الجيلي، ومحمد بن إسماعيل الطبال، وعبد اللطيف بن المبارك النهرواني، وآخرون.
ومات في رجب عن سنّ عالية.
276 -
عبد الله بن عبد الله، أبو الخير الرومي الجوهري
، مولى جعفر الطيبي.
قال الدّبيثي: كان خيّرًا حافظًا للقرآن. قرأ لأبي عمرو على أبي العز القلانسي سنة سبع عشرة وخمس مائة ببغداد. وأقرأ الناس، وروى عن أبي القاسم بن الحصين.
277 -
عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فتوح
، أبو محمد الحضرمي، الداني النحوي، المعروف بعبدون، وبابن صاحب الصلاة.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد الداني، وقرأ عليه الأدب، وعلى والده يحيى، وأبي الحسن طاهر. وحمل عن الحافظ أبي الوليد بن خيرة.
وأقرأ النحو بشاطبة زمانًا. ثم أدّب بني صاحب بلنسية. وكان مبرّزًا في العربية، مشاركًا في الفقه وقول الشعر، متواضعًا، طيب الأخلاق.
أخذ عنه جلّة، منهم أبو جعفر الذهبي، وأبو الحسن بن حريق، وأبو محمد بن نصرون، وأبو الربيع بن سالم.
وتوفي في مستهلّ رجب ببلنسية وله إحدى وستون سنة.
278 -
عبد الرحيم ابن القاضي أبي خازم محمد ابن القاضي أبي يعلى ابن الفرّاء الحنبلي
، أخو أبي يعلى الصغير.
سمع أباه، وابن الحصين، وابن كادش. وعنه القطيعي، وعبد الله بن أحمد الخباز.
ولد سنة عشر وخمس مائة، ومات في ذي الحجّة.
279 -
علوان بن عبد الله بن علوان
، أبو عبد الله الأسدي، الحلبي المجاور بالحجاز، أخو أبي محمد ابن الأستاذ.
إمام زاهد عابد. علّق عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: أقام بالحجاز سنين، وكان للمجاورين به راحة. قدم علينا سنة ثمان وسبعين، ثم سأل من صلاح الدين أن يرسل معه من يخفره إلى المدينة، فأرسل معه من خفره، فوصل ومرض، فمات في شعبان منها.
280 -
علي بن أنوشتكين
، أبو الحسن الجوهري.
روى عن أبي النرسي. سمع منه عمر بن علي، وغيره. وتوفي في رجب، وقد نيّف على الثمانين.
281 -
علي بن الحسين
، أبو الحسن الأندلسي، النجار، الزاهد المعروف بابن سعدوك.
من جزيرة شقر، سكن بلنسية.
قال الأبّار: كان من أهل الزهد والصلاح التام والعلم، يستظهر كثيرًا من صحيح مسلم. وتؤثر عنه كرامات مشهورة ومقالات عجيبة. وكان يخبر بأشياء خفيّة لا تتوانى أن تظهر جليّة. وكان أمّارًا بالمعروف، نهّاءًا عن المنكر. يجلس للناس ويعظ. وكانت العامة حزبه. ولما مات ازدحم الخلق على نعشه، رحمه الله.
282 -
عيسى بن عمران
، أبو موسى المكناسي.
صحب أبا القاسم بن ورد واختص به. وكان يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي القاسم بن ورد. ولقي بأغمات أبا محمد اللخمي فسمع منه في سنة ثلاثين. وكان من الراسخين في العلم، قائمًا على الأصول والفروع، أديبًا شاعرًا، خطيبًا، مفوّهًا، مدركًا، من رجال الكمال. ولي قضاء مراكش فحمدت سيرته.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. وتوفي في شعبان، وله ست وستون سنة.
283 -
فرّوخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي
، الملك عز الدين أبو سعد، صاحب بعلبك، ابن أخي السلطان صلاح الدين.
كان كثير الصدقة والتواضع، ولديه فضيلة في العربية والشعر. ناب عن صلاح الدين بالشام، وكان للتاج الكندي به اختصاص. وقد مدحه هو والعماد الكاتب.
توفي بدمشق في جمادى الأولى، ودفن بقبّته. ومدرسته بالشرف الأعلى. وولي بعلبك بعده ابنه الملك الأمجد.
284 -
القاسم بن عمر
، الأديب البارع، أبو عبد الله البغدادي، المؤدب، ويعرف بالخليع، الشاعر
مدح الخلفاء والوزراء. روى عنه أبو الحسن ابن القطيعي. وكان من فحول الشعراء. له قصيدة طنانة في المستضيء.
مات في جمادى الأولى سنة ثمان، وله إحدى وستون سنة.
285 -
محمد بن أحمد بن عبيد الله بن حسين
، أبو المفضل الآمدي ثم الواسطي سبط ابن الأغلاقي.
من أهل القرآن والحديث والتصوّف. سمع من أحمد بن محمد بن حمدون المقرئ، والمبارك بن إبراهيم الخطيب، وأبي علي بن الحسن بن إبراهيم الفارقي. وتوفي في ذي الحجة بواسط، وله ثلاث وسبعون سنة.
روى عنه أبو عبد الله ابن الدّبيثي في تاريخه.
286 -
محمد بن عبد الملك بن علي بن محمد
، أبو المحاسن الهمذاني.
كان أبوه محدّثًا مكثرًا، قدم بغداد واستوطنها. وسمع محمد من ابن الفاعوس، وابن الحصين، وأحمد بن رضوان، وزاهر بن طاهر.
وكان محمد ثقة مطبوعًا، سمع منه جماعة. وتوفي في ذي الحجة.
أجاز لابن الدّبيثي، وللشيخ الضياء. وحدّث عنه عبد الرحمن بن عمر الغزّال.
287 -
محمد بن عتيق بن عطّاف
، أبو عبد الله الأنصاري اللاردي، المعروف بابن المؤذن.
سكن بلنسية. وأخذ عن أبي محمد القلني وناظر عليه في المدوّنة. ورحل إلى قرطبة فناظر على أبي عبد الله ابن الحاج. وقدم للشورى والفتيا ببلنسية. وكان عارفًا بالفقه، حافظًا إمامًا.
توفي في شعبان وقد تعدّى الثمانين.
288 -
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر
، أبو عبد الرحمن بن أبي الفتح الكشمهيَنيّ، المروَزيّ، الواعظ. والد أبي المحامد محمود.
قدِم بغداد سنة ستين وخمس مائة. وحدّث بصحيح مسلم عن الفُراوي في مجلس الوزير ابن هبيرة. وسمع أيضًا من أبي بكر محمد بن منصور السمعانيّ، وأبا حنيفة النعمان بن إسماعيل، وأبا منصور محمد بن علي الكراعيّ. وقد سمع ببغداد من هبة الله بن الطّبر، وأبي غالب ابن البنّاء. وسمع بنيسابور من أحمد بن علي بن سلموَيه، والفراويّ، وعبد الغافر بن إسماعيل.
وقد قدم الشام وحدّث بها، روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، والأستاذ عبد الرحمن الأسَديّ بحلب، وزين الأُمناء ابن عساكر، وأبو القاسم بن صصرى بدمشق. حدّث بها هو وابنه محمود ولم يذكرهما ابن عساكر في تاريخه فإنّهما قدما دمشق بعد أن فرغ من التاريخ.
وآخر من روى عنه أبو إسحاق الكاشغَريّ. سمع منه جزء الكراعيّ أو بعضه في سنة ستين وخمس مائة.
وكان ورعًا ديّنًا، مليح الوعظ.
وروى عنه أبو الفرج ابن الجوزي، وغيره.
توفّي في المحرّم بمَرو، وله خمس وثمانون سنة إلاّ شهرًا.
289 -
محمد بن مالك بن أحمد بن مالك
، أبو بكر وأبو عبد الله الميرتليّ نزيل إشبيلية.
أخذ القراءات عن شُريح، والعربية عن أبي العبّاس بن حاطب. وروى عن أبي بكر ابن العربي. وحجّ وحدّث.
وكان فاضلًا زاهدًا، مشارًا إليه بإجابة الدعوة.
روى عنه ثابت بن خيار. وقرأ عليه كتاب سيبويه، وأبو إسحاق الأصبحيّ، وأخذ عنه القراءات وأجاز له في شوّال من السنة.
290 -
مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد
، أبو عبد الملك البلَنسيّ، قاضي بلَنسِية ورئيسها.
سمع من أبي الحسن بن هُذيل، وأبي عبد الله بن سعيد الدّاني، وأبي الوليد ابن الدبّاغ. وأجاز له أبو عليّ بن سكّرة، وجماعة.
ووُلي القضاء سنة تسع وثلاثين، ثم تأمّر ببلده عند انقراض الدولة اللمتونيّة في شوّال من سنة تسع، وبويع بالإمرة في صفر سنة أربعين. ثم خُلع بعد قليل، وحبسه اللمتونيّون في حصن نيف عشرة سنة. ثم خلّص وسار إلى مرّاكش وحدّث بها.
قال الأبّار: أخذ عنه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا حوط الله، وعقيل بن عطيّة، وأبو الخطّاب بن الجميّل، وأخوه عثمان. ومات بمرّاكش وله أربع وسبعون سنة.
291 -
مسعود بن محمد بن مسعود
. قطب الدين النيسابوريّ أبو المعالي الطُرَيثيثيّ، الفقيه الشافعيّ، نزيل دمشق.
ولد سنة خمس وخمس مائة. ورأى: أبا نصر عبد الرحيم ابن القشيريّ. وتفقّه بنيسابور على ابن يحيى. وقرأ الأدب على والده أبي عبد الله الطُرَيثيثيّ. ثم رحل إلى مرو، فتفقّه على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المَروَزيّ. وسمع من هبة الله السّيدّيّ، وعبد الجبّار البيهقيّ.
ودرّس بنظاميّة نيسابور نيابة، واشتغل بالوعظ. وورد بغداد ووعظ بها، وحصل له القبول التام. وكان ديّنًا، عالمًا، متفنّنًا.
ثم راح إلى دمشق سنة أربعين، وأقبلوا عليه، ودرّس بالمجاهديّة ثم بالزاوية الغزاليّة بعد موت أبي الفتح نصر الله المصّيصيّ. وكان حسن النّظَر.
ثم خرج إلى حلب، وولي بها تدريس المدرستين اللتين بناهما نور الدين وأسد الدين، ثم مضى إلى همَذان وولي بها التدريس مدّة، ثم عاد إلى دمشق، ودرّس بالغزاليّة وحدّث، وتفرّد برياسة الشافعية.
قال القاسم ابن عساكر: كان حسن الأخلاق، متودّدًا، قليل التصنّع.
مات في سلخ رمضان. ودفن يوم العيد.
قلت: وقد ورد بغداد رسولًا، وكتب عنه عمر بن علي القرشيّ، وأبو المواهب بن صصرى، وأجاز للبهاء عبد الرحمن، وللحافظ الضياء. وروى عنه أبو القاسم بن صصرى، وتاج الدين عبد الله بن حمويه وجماعة. وتخرّج به جماعة.
وقيل: إنّه وعظ مرّةً، فسأل نور الدين أن يحضر مجلسه، فحضر فشرع في وعظه يناديه: يا محمود، كما كان يفعل البرهان البلخيّ شيخ الحنفيّة، فقال للحاجب: اصعد إليه، وقل له: لا تخاطبني باسمي. فسُئل نور الدين عن ذلك فيما بعد. فقال: إنّ البلخيّ كان إذا قال: يا محمود قامت كلّ شعرة في جسدي هيبة له، ويرقّ قلبي، والقطب إذا قال: يا محمود يقسو قلبي ويضيق صدري. حكاها سبط ابن الجوزي، وقال: كان القطب غريقًا في بحار الدنيا.
قلت: وكان معروفا بالفصاحة والبلاغة وكثرة النوادر ومعرفة الفقه والخلاف. تخرّج به جماعة. ودرّس أيضًا بالجاروخيّة. ودفن بتربة أنشأها بغربيّ مقابر الصّوفيّة. وبنى مسجدًا على الصخرات التي بمقبرة طاحون الميدان، ووقف كتُبه.
292 -
معَدّ بن حسن بن عبد الله
، أبو نزار البغداديّ، المنادي.
سمع: أبا سعد أحمد بن عبد الجبّار الصّيرفي، وهبة الله بن الحصين. سمع منه أحمد بن أحمد البندنيجيّ.
وكان لا بأس به ينادي على السَّقط. وتوفّي في جُمادى الآخرة.
293 -
مودود الذهبيّ الزاهد
.
بغداديّ كبير القدر.
قال ابن النّجّار: ذكر لي شيخنا السّهرورديّ أنّه كان من أولياء الله المكاشفين. قال: وصحِبته.
قال ابن النجّار: وذكر لي أبو الحسن القطيعيّ: أُخذ مودود الذهبي في حادثة إلى باب النّوبيّ، فأمروا بضربه، فلما رفع الضارب يده لم يقدر على حطّها. فأُطلق فأُطلقت يد الضارب، فانقطع عن الناس. وكان جارنا أبو البركات الشهرزوري الخياط يذكر لنا أحواله وكراماته.
توفّي في هذا العام.
294 -
هبة الله بن محمد بن هبة الله بن مميل
، أبو محمد بن أبي نصر الشيرازيّ، ثم البغداديّ.
ولد ببغداد سنة خمس مائة، وسمع بها: أبا عليّ بن نبهان، ومحمد بن الحسن بن باكير الفارسيّ، وجماعة.
وكان عدلًا فاضلًا، وصوفيًّا واعظًا. قدم دمشق سنة ثلاثين وخمس مائة فاستوطنها، وولي إمامة مشهد عليّ بالجامع. وفُوّض إليه عقد الأنكحة. وكان ديّنًا، حسن الطريقة.
ولمّا توفّي في ربيع الأوّل خلَفه في إمامة المشهد ابنه القاضي أبو نصر.
روى عنه ابنه، وابن ابنه أبو المعالي أحمد بن محمد، وأبو المواهب بن صصرى، وآخرون.
295 -
وفاء بن أسعد بن النّفيس بن البهيّ
، أبو الفضل التّركيّ، ثم البغداديّ الخبّاز.
شيخ صالح من أولاد الأجناد. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الخطّاب الكَلوَاذانيّ، وأبا طاهر عبد الرحمن اليوسفيّ، وجماعة. وولد سنة خمس مائة.
روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وأبو محمد بن قُدامة، والبهاء عبد الرحمن، وأبو صالح الجيليّ، وجماعة.
وقال أبو الفتوح ابن الحصري: توفّي في ربيع الآخر.
296 -
يحيى بن أحمد بن يحيى بن سيدبونه
، أبو زكريّا الخزاعيّ، الدانيّ.
روى عن أبيه، وأبي إسحاق بن جماعة. وأخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد الدّانيّ. وحجّ، وسمع بالإسكندريّة.
سمع منه في هذا العام محمد بن عمر بن عامر الدّانيّ.
وفيها وُلد:
بعقرباء، مكّيّ بن عبد الرزّاق.
سنة تسع وسبعين وخمس مائة
297 -
أحمد بن محمد بن سليمان بن محمد
، الإمام أبو جعفر الأنصاريّ، الأندلسيّ، الملقّب بالطيلسان؛ لحسن بِزّته.
أكثر عن أبي مروان بن مسَرّة، وغيره. وطال عمره.
قال حفيده أبو القاسم ابن الطّيلسان: توفّي في صفر.
298 -
إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان
، أبو إسحاق الأنصاريّ، الغَرناطيّ.
سمع من غالب بن عطيّة، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي الوليد بن بقوة، وابن عتّاب. وقرأ بالروايات على منصور بن الخير، وابن شفيع، وابن المطرِّف ابن الورّاق. وسمع الموطّأ في يوم واحد على ابن موهب. وله إجازة من أبي بكر الطّرطوشيّ. وأوّل سماعه سنة أربع عشرة وخمس مائة.
وكان ذا تفنّن في العلوم. وُلّي القضاء بأماكن.
روى عنه أبو الخطّاب بن واجب.
مات في جُمادى الأولى، وله أربع وثمانون سنة، رحمه الله.
299 -
إسماعيل بن قاسم الزيّات المصريّ
.
روى عن أبي صادق. مرشد بن يحيى المدينيّ، وغيره. روى عنه الحافظ عبد الغنيّ، والشيخ أبو عمر، ونبأ بن أبي المكارم الأطرابلُسيّ، وكريمة بنت عبد الحقّ القُضاعيّة، وجماعة.
قال أبو الحسن بن المفضّل: أجاز لي ولولدَيَّ. وتوفّي بمصر في شعبان.
300 -
بنجير بن عليّ بن بنجير القاضي أبو الفتح الأشتريّ
، الفقيه، نزيل دمشق.
حدّث عن عبد الملك الكَروخيّ. روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وغيره.
وناب في القضاء عن الشهرزوريّ. ودرس بالغزاليّة مدّة، وعاش نيّفًا وسبعين سنة.
توفّي في تاسع ربيع الآخر.
301 -
بوري، تاج الملوك مجد الدين، أخو السلطان صلاح الدين
.
صار إلى عفو الله في الثالث والعشرين من صفر، وله ثلاث وعشرون سنة. وكان أصغر أولاد نجم الدين أيّوب.
وكان أديبًا فاضلًا له ديوان شِعر، منه:
يا حياتي حين يرضى ومماتي حين يسخط آه من ورد على خد يك بالمسك منقط بين أجفانك سلطا ن على ضعفي مُسلط قد تصبّرت وإن بر ح الشوق وأفرط فلعلّ الدهر يومًا بالتّلاقي منك يغلط
وله:
رمضان بل مرضان إلاّ أنهم غلطوا إذًا في قولهم وأساؤوا مرضان فيه تحالفا، فنهاره سِلّ وسائر ليله استسقاء
وله:
أقبل من أعشقه راكبًا من جهة الغرب على أشهب فقلت: سبحانك يا ذا العُلا أشرقت الشمس من المغرب
توفّي على حلب من طعنة أصابت رُكبته يوم سادس عشر المحرّم يوم نزول أخيه عليها، فمرض منها. وكان السلطان قد أعدّ للصالح عماد الدين صاحب حلب ضيافة في المخيّم بعد الصلح، وهو على السِّماط إذ جاءه الحاجب فأسرّ إليه موت بوري، فلم يتغيّر وأمره بتجهيزه ودفنه سرًّا، وأعطى الضّيافة حقّها. فكان يقول: ما أخذنا حلب رخيصة.
وبوري بالعربيّ: ذئب.
302 -
تقيّة أمّ عليّ الشاعرة بنت المحدّث غيث بن عليّ السُّلَميّ الأرمنازيّ
، ثم الصّوريّ. والدة المحدّث تاج الدين عليّ بن فاضل بن صمدون الصّوري.
صحبت السِّلفي بالإسكندريّة، وأثنى عليها في تعاليقه، وقال: عثُرتُ في منزلي، فانجرح أخمصي، فشقّت وليدة في الدار خِرقةً من خمارها وعصَبته، فأنشدت تقيّة في الحال لنفسها:
لو وجدت السبيل جُدتُ بخدّي عوضًا عن خمار تلك الوليده كيف لي أن أُقبِّل اليوم رِجلًا سلكت دهرَها الطريق الحميده وذكر الحافظ زكي الدين المنذريّ أنّ تقيّة نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفّر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين، فوصفت الخمر وآلة المجلس، فلمّا قرأها قال: الشيخة تعرف هذه الأحوال من صباها. فبلغها ذلك، فعملت قصيدةً أخرى حربية وأرسلتها، تقول: عِلمي بذاك كعِلمي بهذا.
وُلِدت بدمشق في أوّل سنة خمسٍ وخمس مائة. وتوفّيت في أوائل شوّال.
وقد روى عنها من شِعرها أبو القاسم عبد الله بن رَواحة.
وتوفّي ابنها في سنة ثلاثٍ وست مائة.
303 -
ثعلب بن مذكور بن أرنب أبو الحسن
، وقيل: أبو الحصين الأكّاف، أخو رجب.
سمع من أبي العز بن كادش، وأبي القاسم بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء.
وكان حارسًا سيئ الطريقة، ليس بأهل أن يُحمل عنه. كان مقدّم حرّاس الخلافة.
مات في رمضان.
304 -
الحسن بن سعيد بن عبد الله بن بُندار
، أبو عليّ الشّاتانيّ علم الدين الشاعر.
قدم بغداد وتفقه وتأدب. وسمع من قاضي المَرِستان، وابن الحصين، وإسماعيل ابن السّمَرقَنديّ. وأنشأ الرسائل، وسكن الموصل، ونفّذه أميرها رسولًا إلى الديوان. وخرج إلى الشام، وحدّث بها. وسمّاه ابن عساكر في تاريخه.
وكان ابن هُبَيرة الوزير مقبلًا عليه.
توفّي في شعبان بالموصل.
305 -
الحسَن بن عسكر
، أبو محمد الواسطيّ.
سمع أبا علي الفارقيّ، وغيره. روى عنه ابن الدّبيثي قال: كنت ببغداد في ليلة رجب سنة إحدى وعشرين وخمس مائة جالسًا على دكّة للفرجة بباب أبرَز، إذ جاء ثلاث نسوة فجلسن إلى جانبي، فأنشدتُ متمثّلاً:
هواءٌ ولكنّه راكدٌ وماءٌ ولكنّه غير جاري
فقالت لي إحداهنّ: هل تحفظ لهذا البيت تماما؟ فقلت: لا. فقالت: فإن أنشَدَك أحدٌ تمامه ماذا تعطيه؟ قلت: أقبّل فاه. فأنشدتني:
وخمرٌ من الشّمس مخلوقةٌ بدت لك في قَدَحٍ من نُضار إذا ما تأمّلتَها وهي فيه تأمّلتَ نورًا محيطًا بنار هواءٌ ولكنّه راكد وماءٌ ولكنّه غير جاري كأنّ المدير لها باليمين إذا دار بالشرب أو باليسار توشّح ثوبًا من الياسمين له فرد كمّ من الجلَّنار
306 -
الحسين ابن القاضي أبي الحسين أحمد ابن قاضي القضاة عليّ بن محمد الدّامَغانيّ
.
استنابه أخوه قاضي القضاة في القضاء ببغداد سنة ستٍّ وأربعين وخمس مائة.
قال ابن النجّار: ولم يُحمَد في القضاء. حدثنا عنه أحمد بن الحسن بن حنظلة الكتبي. وقد سمع من ابن الحُصَين، وأبي غالب ابن البناء. وعاش نيّفًا وستين سنة.
307 -
الحسين بن هبة الله بن رُطبة
، أبو عبد الله السّورائيّ، شيخ الشيعة، وأبو شيخهم الفقيه العلاّمة أبي طاهر هبة الله.
كان متبحّرًا في الأصول والفروع على مذهب الرافضة. قرأ الكثير، ورحل إلى خُراسان، والريّ، ومازندَران، ولقي كبار الشيعة، وصنّف، وأشغل بسورا والحِلّة. وتوفّي في رجب.
308 -
سُبَيع بن خَلَف بن محمد
، أبو الوحش الأسَديّ، الأديب.
شاعر دمشقيّ معروف، مليح القول. روى عنه أبو المواهب بن صَصرى، وقال: مات في عاشر رجب. وأنشدني لنفسه:
يمّمت دار أبي فلانٍ قاصدًا بمدائحي فيه وحسن مقاصدي فرأيت منه ضِدّ ما عوّدتُه من بخله المتكاثف المتزايد فذكرت لمّا أن رجعت مُجَلببًا بعطائه ولقيت غير عوائدي ولربّما جاد البخيل وما به جودٌ ولكن من نجاح القاصد
309 -
صالح بن عبد الرحمن بن عليّ بن زَرعان
، أبو محمد البغداديّ، التاجر، أحد الأعيان
سمع ابن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وأبا غالب محمد بن الحسن الماوَرديّ وجماعة. وكتب بنفسه عنهم. سمع منه جماعة.
310 -
طاهر بن عطيّة
، أبو منصور اللَّخميّ، الإسكندريّ.
رجلٌ صالح. روى عن أبي بكر الطَّرطوشيّ. أخذ عنه أبو الحسن المقدسيّ، وغيره.
311 -
عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح بن محمد بن أحمد
، أبو الفتح القاسميّ، الخِرَقيّ، الأصبهاني.
شيخ نبيل صالح من أولاد المحدّثين، ومن بقايا المسندين. سمع أباه أبا العبّاس الراوي عن عبد الرحمن بن أبي بكر الذّكواني، وأبا مطيع محمد بن عبد الواحد الصحّاف، وأبا الفتح أحمد بن عبد الله بن أحمد السوذَرجانيّ، وأبا الفتح أحمد بن محمد الحدّاد، وبُندار بن محمد الخلقاني القاضي، وعبد الرحمن بن حمد الدّوني، وأبا أحمد حمد بن عبد الله بن حنّة، وعبد الرحمن بن أبي عثمان الصّابونيّ، وعمر بن محمد بن عمر بن علوية، وأبا علي الحدّاد، وطائفة سواهم.
وتفرّد بالرواية عن جماعة، وسماعه من ابن علويه في سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة حضورًا، فأخبرنا ابن الخلاّل، قال: حدثنا محمد بن يوسف البرزاليّ الحافظ أنّ هذا الشيخ وُلد في يوم عيد النّحر سنة تسعين وأربع مائة. وكان جدّه حيًّا، فسمّاه باسمه وكنّاه بكنيته. وعاش بعد ذلك شهرًا.
قلت: روى عنه الحافظ عبد الغني، ومحمد بن مكّي الحنبلي، وعبد الله بن أبي الفرج الجُبّائيّ، والمهذّب بن الحسين بن زينة، وأبو الفضل بن سلامة العطّار، ومحمد بن خليل الراراني، وآخرون. وبالإجازة: ابن اللّتّيّ، وكريمة، والحافظ الضياء، والرشيد إسماعيل ابن العراقيّ، وغيرهم.
وقرأت وفاته بخط زكيّ الدين البِرزاليّ في يوم الثلاثاء بعد فراغه من صلاة الصبح السابع والعشرين من رجب، ودفن بالمصلّى، وصلّى عليه الحافظ أبو موسى المدينيّ.
أخبرنا عبد الملك بن عبد الرحمن العطار بقراءتي: قال أخبرنا أبو الفضل بن سلامة بحرّان، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله بن أحمد بأصبهان، قال: أخبرنا غنّام بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو بكر بن بُندار، قال: حدثنا الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن المُعلّى الدمشقي، قال حدثنا أحمد بن أبي
الحواري: سمعت محمد بن يوسف الفِريابي يقول: على الإمام أن يضرب أعناق الجهميّة والروافض، فإنّهم زنادقة.
312 -
عبد الله بن فرج
، أبو محمد الأنصاريّ، القرطبي، الورّاق، الزّمِن. الرجل الصالح.
أجاز له أبو محمد بن عتّاب ما رواه عن مكّيّ بن أبي طالب خاصة. وأخذ أيضًا عن أبي الوليد بن طريف، وأبي بكر ابن العربيّ. وتوفّي في رمضان.
313 -
علي بن علي بن نما بن حمدون
. الكاتب أبو الحسن الحِلّي، الرّافضي، الخبيث.
مدح ملوك الشام، وله ديوان. وقد أكفر الصحابة رضي الله عنهم. وهو القائل، لعنه الله:
أيُولّى على البريّة من ليـ س على حمل سورةٍ بأمين
وهذا البيت من قصيدة ينشدها أهل الرفض في المواسم.
ذكره ابن النجّار.
314 -
كرم بن بختيار بن علي البغدادي
ّ، الزّاهد. أحد الصالحين.
روى عن هبة الله بن الحصين. أخذ عنه ابن مشِّق، وعبد العزيز بن الأخضر، وأحمد بن أبي بكر البزّاز، وغيرهم. وتوفّي في ذي الحجّة.
315 -
محمد بن أحمد بن بلال
، أبو سعيد المزي، الحارثيّ، الدّهّان.
حدث عن جمال الإسلام أبي الحسن. وعنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه الحسين.
316 -
محمد بن أحمد بن حمزة بن جيا
، أبو الفرج الكاتب الحلّي، من فرسان البلاغة والشعر.
له النظم والنثر. روى عنه علي بن نصر بن هارون الحلّي، ومحمود بن
مُفَرّج، وأبو بكر عبيد الله بن عليّ التّيمي.
ولم يكن بالعراق مثله في الترسّل والأدب، ولكنّه كان ناقص الحظ، له ملك يتبلّغ منه.
مات في المحرّم.
317 -
محمد بن أحمد بن محمد. أبو عبد الله بن عرّاق الغافقيّ
، القرطبيّ، المُقرئ.
أخذ القراءات، سوى قراءة الكوفيين، عن أبي القاسم ابن النّخّاس، وعون الله بن محمد. وسمع من أبي محمد بن عتّاب، وأبي بحر بن العاص. وتصدّر للإقراء والتسميع.
روى عنه ابن حَوط الله، وأبو الخطّاب بن دحية.
وتوفّي في رجب. ومولده في سنة تسعين وأربع مائة.
318 -
محمد بن بختيار
، أبو عبد الله البغدادي، الأبله، الشاعر، صاحب الديوان المشهور.
كان شابًّا ظريفًا وشاعرًا محسنًا، يلبس زيّ الجند. وشعره في غاية الرقّة وحسن المخلص إلى المدح. وكان أحد الأذكياء، ولذا قيل له: الأبله بالضِّدّ. وقيل: بل كان فيه بَلَه ما.
توفّي ببغداد في جُمادى الآخرة. وقد سار له هذا البيت:
ما يعرف الشوقَ إلاّ مَن يُكابدُه ولا الصبابةَ إلاّ من يعانيها
وله:
دارك يا بدرَ الدّجى جنّةٌ بغيرها نفسي ما تلهو وقد أتى في خبرٍ أنّه أكثر أهل الجنّة البلهُ
وله:
أقول للغيث لمّا سال واديه تحدّثي عن جفوني يا غواديه أعرت مُزنَكَ أجفانًا بكيت بها فمن أعارك ضوء البرق من فيه أعاد زورته والشهب ناعسةٌ والليل قد راق أو كادت حواشيه
لقد وهى عزم صبري يوم ودّعَني أحوى ضعيف نطاق الخصر واهيه عصيت في حبّه من بات يعذلني ما أطعت الهوى إلا لأعصيه بالله يا لائمي فيمن كلفتُ به إقامةُ الغصن أحلى، أم تثنّيه؟
قال أبو الفرج ابن الجوزي: ذكر عنه أنّه خلّف ثمانية آلاف دينار، وشاع أنّه كان يُعامل بالرّبا. ثم ورّخ وفاته كما مرّ.
روى عنه أبو الحسن القطيعيّ، وعلي بن نصر الأديب.
319 -
محمد بن جعفر بن عقيل
، أبو العلاء البصريّ، ثم البغداديّ، المقرئ.
قرأ القراءات على أبي الخير المبارك الغسّال. وسمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الغنائم النّرسيّ، وأبا غالب محمد بن عبد الواحد القزّاز.
قال ابن الدّبيثي: وكان حسن المحاضرة، كثير المحفوظ من الأشعار والحكايات. وأجاز له: أبو الحسن ابن العلاّف، وأبو الفتح الحدّاد الأصبهاني.
ذكره ابن السمعاني في الذيل.
قلت: روى عنه أمين الدين سالم بن صصرى، ومحمد بن أحمد بن غنيمة ابن الخرّاط، ومحمد بن سعيد ابن الخازن، وآخرون. ولم أظفر باسم أحدٍ ممّن قرأ عليه بالروايات.
وتوفّي في جُمادى الآخرة، وله ثلاث وتسعون سنة.
320 -
محمد بن عبد العزيز بن عليّ بن عيسى
، أبو الحسن الغافقي، القرطبي، المعروف بالشقوري.
سمع من أبي عبد الله بن الأحمر، وأبي بكر ابن العربي، وأبي جعفر البطروجي، وجماعة.
قال الأبّار: وكان حافظًا لأخبار الأندلس، معنيًا بالرجال، ضابطًا، متقنًا، له مشاركة في اللغة والنحو، مع الزهد والفضل. وولي قضاء شقورة وحمدت سيرته، وأخذ الناس عنه. وتوفي في المحرم. وكان مولده في سنة عشرين وخمس مائة.
321 -
محمد بن محمد بن الجنيد بن عبد الرحمن بن الجنيد
، أبو مسلم الأصبهاني.
سمع أبا الفتح الحداد، وأبا سعد المطرز، والحافظ محمد بن طاهر المقدسي. وقدم بغداد حاجًا مع خاله أبي غانم محمد بن الحسين بن زينة، فكتب عنه المبارك بن كامل الخفّاف حديثين.
وكان ثقة من بيت حديث وتصوّف.
توفي في رجب، وله اثنتان وثمانون سنة.
وقد روى الكثير بأصبهان.
322 -
محمد بن محمد بن حمزة بن أبي جيش
، أبو طالب الأزدي، الدمشقي.
سمع هبة الله ابن الأكفاني. روى عنه المسلم بن عبد الوهاب، وأبو القاسم بن صصرى.
323 -
محمد بن أبي الأزهر علي بن أحمد بن محمد بن علي بن يوسف
، أبو طالب الواسطي، الكتاني، المحتسب، المعدّل.
كان على حسبة واسط هو وأبوه. ولد سنة خمس وثمانين وأربع مائة.
قال ابن الدّبيثي: سمع محمد بن علي بن أبي الصقر الشاعر، وأبا نعيم محمد بن إبراهيم الجماري، وأبا الحسن كاتب الوقف، وأبا نعيم بن زبزب، وأحمد بن أبي محمد العكبري، وأبا غالب محمد بن أحمد، والمبارك بن فاخر، وهبة الله ابن السقطي. وانفرد في الدنيا بإجازة أبي طاهر أحمد بن الحسن الباقلاني، وأبي منصور عبد المحسن الشيحي، وأبي الحسن بن أيوب
البزّاز. ورحل إلى بغداد فسمع أبا الحسن ابن العلاف، وأبا القاسم بن بيان، ونور الهدى الزينبي.
وكان ثقة، صحيح السماع، متخشّعًا، يرجع إلى دين وصلاح.
رحل الناس إليه وكتبوا عنه. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وعبد القادر الرهاوي، وأبو بكر بن موسى الحازمي، وأبو الفتح المندائي، وأبو طالب بن عبد السميع. وسمعنا منه الكثير ونعم الشيخ كان. سمعت منه بقراءتي في سنة أربع وسبعين.
قلت: وروى عنه المرجّى بن شقير كتاب الطّوالات للتنوخي.
قال ابن الدّبيثي: وأنشدنا قال: أنشدنا محمد بن علي بن زبزب سنة أربع وخمس مائة قال: أنشدنا أبو تمام علي بن محمد بن حسن قاضي واسط لبعضهم:
لمّا تكهّل من هويت وقلت: ربع قد دثر عاينت من طلابه بالباب أفواجًا زمر وكذاك أرباب الحديث نفاقهم عند الكبر
توفي في ثاني المحرم بواسط، وله أربع وتسعون سنة.
324 -
محمود بن نصر بن حمّاد بن صدقة ابن الشعار
، أبو المجد الحراني، ثم البغدادي، والد المحدّث إبراهيم.
شيخ صالح، سمع الكثير بنفسه من هبة الله بن الحصين، وهبة الله ابن الطبر، وأبي بكر المزرفي، فمن بعدهم.
قال ابن الدّبيثي: كان ثقة، صحيح النقل. توفي في رمضان وله ثمان وسبعون سنة. قرأت عليه ونعم الشيخ كان.
قلت: وروى عن العلامة أبي الوفاء بن عقيل. روى عنه القاضي أبو منصور سعيد بن محمد بن جحدر الصوفي.
وقد قرأ بالروايات على هبة الله ابن الطبر؛ وكان ثقة.
325 -
مقاتل بن عزّون الرقّي
، المعروف بابن العريف.
مصري، واسع الرواية.
قال الحافظ ابن المفضل في الوفيات: قرأت عليه سنن أبي داود، وأخبرنا ابن المشرّف، عن الحبّال، عن أبي محمد النحّاس، عن ابن الأعرابي مناولةً، عنه.
وقرأت عليه ستة أجزاء من أول كتاب الأسماء والكنى للنسائي، وهو عشرون جزءًا، عن ابن المشرف، عن الحبّال، عن ابن الخصيب، عن ابن النسائي، عن أبيه.
وناولني صحيح مسلم، أصل سماعه من يوسف الميورقي، اللخمي، عن الحسين بن علي الطبري، بسنده. وتوفي في رمضان، ومولده سنة إحدى وخمس مائة.
326 -
الموفق بن شوعة اليهودي المصري الطبيب
، الملقّب بالقيثارة.
من أعيان الأطباء والكحّالين. وكان ظريفًا، شاعرًا، ماجنًا.
خدم السلطان صلاح الدين بالطب. وكان الشيخ نجم الدين الخبوشاني له صورة بمصر، وفيه صلاح وتمفقر، فإذا رأى ذمّيًا راكبا قصد قتله، فكانوا يتحامونه، فرأى الموفق راكبًا فضربه بشيء أصاب عينه، فقلعها وراحت هدرًا.
وله، أعني الموفق، قصيدة يهجو فيها ابن جميع اليهودي رأس الأطباء بالقاهرة ويرميه بالأبنة. فلهم اللعنة.
327 -
يوسف بن إبراهيم بن عثمان
، أبو الحجاج العبدري، الغرناطي، المعروف بالثغري.
أخذ القراءات عن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي الحسن شريح بن محمد، وأبي بكر يحيى بن الخلوف، وأبي الحسن ابن الباذش.
وسمع منهم، ومن أبي مروان الباجي، وأبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن بن مغيث، وخلق.
وصحب أبا بكر بن مسعود النحوي مدةً، وأخذ عنه العربية. وأجاز له أبو علي بن سكّرة، وأبو بكر الطرطوشي.
قال ابن الأبّار: وكان فقيهًا حافظًا، محدّثًا، راوية، مقرئًا، ضابطًا، مفسرًا، أديبًا. نزل في الفتنة قليوشة وأقرأ بها. وولي الصلاة والخطبة.
أكثر عنه أبو عبد الله التجيبي وقال: لم أر أفضل منه، ولا أزهد، ولا أحفظ لحديث
وتفسير منه. ولم أر بالبلاد المشرقية أفضل من أبي محمد العثماني ولا أزهد ولا أورع.
قال: وروى عن أبي الحجاج: أبو عمر بن عياد، وأبو العباس بن عميرة، وأبو سليمان بن حوط الله.
وتوفي في شوال، وله ست وسبعون سنة.
328 -
يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد
، الإمام رضي الدين أبو الفضل الموصلي الإربلي الأصل، الشافعي. والد الشيخ كمال الدين موسى وعماد الدين محمد.
ولد بإربل، وتفقه بالموصل على الحسين بن نصر بن خميس الجهني، وسمع منه كثيرًا من حديثه. ثم انحدر إلى بغداد وتفقه بها على أبي منصور سعيد بن محمد الرزاز.
ثم ردّ إلى الموصل وسكنها، وصادف بها قبولًا عند متولّيها زين الدين علي كوجك صاحب إربل. ودرّس وأفتى وناظر، وتفقه به جماعة.
توفي في المحرم وله ثمان وستون سنة. ورّخه ابن خلّكان.
وفيها ولد: نقيب الأشراف بهاء الدين علي بن محمد بن أبي الجن، وأبو المجد عبد الملك بن نصر ابن الفوي بالثغر. سمع من ابن المفضّل، وأبو بكر بن علي بن مكارم بن فتيان الدمشقي في شعبان.
سنة ثمانين وخمس مائة
329 -
أحمد بن علي بن معمر بن رضوان
، أبو بكر بن جرادة المشاهر البغدادي.
سمع إسماعيل بن ملّة، وأبا طالب بن يوسف. سمع منه عمر بن علي.
وتوفي في جمادى الآخرة، وهو ابن خمس وتسعين سنة، قاله ابن الدّبيثي.
330 -
أحمد بن المبارك بن درك
، أبو العباس البغدادي، الضرير، المقرئ، الدارقزّي.
شيخ صالح. سمع أبا القاسم بن بيان، وأحمد بن علي بن قريش. سمع منه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وغيرهما.
وقال إلياس بن جامع الإربلي: قرأت عليه جزءًا تحت شجرة في داره، فقال لي: قرأت تحت هذه الشجرة عشرة آلاف ختمة.
توفي في جمادى الآخرة، وله ثمان وسبعون سنة.
331 -
إبراهيم بن حسين بن يوسف بن محارب
، أبو إسحاق القيسي البلنسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد. سمع من أبي بكر بن برنجال. وأخذت عنه القراءات وكتبها. وكان مشهورًا بالتجويد.
قال الأبّار: أخذ عنه شيوخنا أبو عبد الله بن واجب، وأبو الحجاج بن أيوب، وأبو الحسن بن خيرة. وقرأ عليه في صغره أبو جعفر بن عون الله الحصّار.
توفي سنة ثمانين أو إحدى وثمانين.
332 -
إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق
. الملك قطب الدين صاحب ماردين.
وليها مدةً طويلة بعد أبيه. وكان موصوفًا بالشجاعة والعدل.
توفي في جمادى الآخرة، وخلّف ولدين صغيرين، فأقيم في الأمر أحدهما، وهو حسام الدين، وقام بتدبيره مملوكه نظام الدين ألبقش من تحت جناح خال أبيه شاه أرمن صاحب خلاط. فلما مات ولي الأخ الآخر قطب الدين، فامتدت أيامه إلى أن قتل ألبقش واستقل بالأمر.
333 -
بدر بن عبد الغني بن محمد
، أبو النجم الطحان، الواسطي، المقرئ.
قرأ على: علي بن شيران، وأبي محمد سبط الخياط. وروى القراءات بواسط.
قال الدّبيثي: سمعنا منه. وتوفي في ربيع الأول.
334 -
الحسن بن عيسى بن أصبغ
، أبو الوليد الأزدي، القرطبي، المعروف بابن المناصف.
روى عن عم أمه أبي محمد بن عتّاب، سمع منه المدوّنة وكتابه الكبير في المواعظ الملقب بشفاء الصدور.
وله إجازة من أبي علي بن سكّرة.
ولي خطابة إشبيلية. وحدّث عنه أبو القاسم ابن الملجوم، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو الخطاب بن دحية.
وتوفي في المحرم. وولد ظنًّا سنة اثنتين وخمس مائة.
335 -
الحسين بن علي بن عبد الواحد بن شبيب
، أبو عبد الله الطيبي، ثم البغدادي، الكاتب.
كان كاتبًا منشئًا، فصيحًا، بليغًا، مفوّهًا، له النّظم والنثر.
وكان يدخل على المستنجد بالله ويجالسه، ويحب سماع كلامه. ويأمره بإطالة مقامه. قال له مرةً مصحّفاً: أين شتيت؟ فجاوبه مسرعاً: عند مولانا.
توفي في ربيع الآخر.
336 -
زهير بن محمد بن أحمد بن أبي سعد
، أبو غالب الأصبهاني، يعرف بشعرانة. والد محمد ابن شعرانة الذي أجاز للقاضي تقي الدين الحنبلي.
سمع سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي.
قال الدّبيثي: وكان مقرئًا مجوّدًا، قدم بغداد، ولقيته بالحلّة وبمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت منه.
وتوفي معنا بوادي العروس في تاسع المحرم.
337 -
السّديد، أبو البيان ابن المدوّر اليهودي
، طبيب السلطان صلاح الدين.
كان حاذقًا بصيرًا بالعلاج، خدم الخلفاء الباطنية، وخدم بعدهم صلاح الدين، وطال عمره وانقطع. وكان له في الشهر أربعة وعشرون دينارًا إلى أن مات إلى لعنة الله.
وكان يقرئ الطب في داره بمصر، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة. ومن تلامذته زين الحسّاب.
توفي سنة ثمانين.
338 -
سعد بن الحسن بن سلمان
، أبو محمد الحرّاني، ثم البغدادي، ويعرف بابن التوراني. وتوران قرية على باب حرّان.
كان تاجرًا معروفًا، وأديبًا شاعرًا. جالس أبا منصور ابن الجواليقي، وغيره. روى عنه أبو سعد من شعره في الذيل. وتوفي في ذي القعدة.
339 -
عبد الله بن محمد بن وقّاص
، أبو محمد اللمطي، الميورقي، خطيب ميورقة ومفتيها.
استشهد في الحادثة الكائنة بقصر ميورقة في هذا العام.
340 -
عبد الرحيم بن أبي البركات إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد
. صدر الدين أبو القاسم النيسابوري، ثم البغدادي، الصوفي. شيخ الشيوخ.
كان حسن النظم والنثر، وله رأي ودهاء وتقدّم وجاه عريض. فكان المشار إليه في حسن الرأي والتدبير، مع زهد وعبادة. ترسّل إلى الشام، وكانت الملوك تستضيء برأيه.
سمع أباه، وأبا القاسم بن الحصين، وزاهر بن طاهر، وأبا علي الفارقي، ومقرّب بن الحسين النسّاج.
وروى الكثير، وكان صدوقًا نبيلًا. سمع منه أبو سعد السمعاني مع تقدّمه، وأبو الخير القزويني، وأبو منصور حفدة العطاري. وروى عنه أبو أحمد بن سكينة، وابنه أبو الفتوح، وأبو عبد الله محمد ابن الدّبيثي، وسالم بن صصرى، وآخرون.
وكان في الرسلية من قبل أمير المؤمنين، هو والطواشي شهاب الدين بشير، فمرضا بدمشق، وطلبا العود إلى بغداد. وسارا في الحر، فتوفي بشير بالسخنة. وأما الشيخ صدر الدين فإنه لم يستعمل في مرضه هذا دواءً توكّلًا على الله تعالى. كذا نقل ابن الأثير في تاريخه.
وتوفي بالرحبة في رجب. وكان معه كفنه إلى أين سافر، وكان من غزل أمه، ومعه دينار لتجهيزه، من أجرة غزل أمه.
341 -
عبد الرحيم بن عمر بن عبد الرحيم بن أحمد
، أبو القاسم الحضرمي، الفاسي، المعروف بابن عكيس.
سمع بقرطبة وإشبيلية من أبي الحسن بن مغيث، وأبي بكر ابن العربي.
وكان حافظًا، مشاورًا، فقيهًا، مبرّزًا، له تواليف. حدّث عنه ابنه عمر، وأبو محمد بن مطروح.
توفي في شعبان وله ثمانون سنة.
342 -
عبد القادر بن هبة الله الغضائري
، سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا الحسين ابن الفرّاء. كتب عنه ابن مشّق، وغيره.
343 -
عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي
، رئيس أصبهان، عالم، إمام كبير القدر، بعيد الصّيت. قدم بغداد ووعظ، وحج، وعاد إلى بلده، فتوفي في ربيع الأول، وقد حدّث.
344 -
عبيد الله بن علي بن محمد بن محمد بن الحسين ابن الفرّاء
، أبو القاسم بن أبي الفرج بن أبي خازم ابن القاضي أبي يعلى البغدادي، الحنبلي.
سمّعه أبوه الكثير من أبي منصور عبد الرحمن القزّاز، وأبي منصور بن خيرون، وأبي عبد الله السلال، وأبي الحسن بن عبد السلام. وطلب هو بنفسه، وأكثر عن أصحاب عاصم بن الحسن، وطراد، وبالغ حتى سمع من أصحاب ابن الحصين. وكتب وحصّل الأصول.
قال ابن النجار: وكانت داره مجمعًا لأهل العلم والشيوخ، وينفق عليهم ويتكرّم. وكان لطيفًا حسن الأخلاق ذا مروءة. قرأ الفقه وشهد على القضاة، ثم عزل لما ظهرت منه أشياء لا تليق بأهل الدين قبل موته بقليل، سمع منه ابن الأخضر، وكان يصفه بالسخاء والعطاء، وقال لي ابن القطيعي: كان عدلًا في روايته ضعيفًا في شهادته، مات سنة ثمانين في آخرها. مرض بالفالج أسبوعًا. ومولده سنة سبع وعشرين.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق وقال: كان آخر من بقي من ذرية القاضي أبي يعلى ممن له حشمة وجاه ومنصب. وكان له دار واسعة، وعنده أكثر كتب أبي يعلى، ثم افتقر فباع أكثرها.
345 -
عتيق بن أحمد بن سلمون
، أبو بكر البلنسي، النحوي، أخذ القراءات عن ابن هذيل؛ والنحو عن أبي محمد بن عبدون.
استشهد في كائنة غربالة.
346 -
عثمان بن محمد بن عيسى
، أبو عمرو اللخمي، المرسي، البشجي، نسبةً إلى بعض الثغور.
أخذ عن أبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله بن سعادة. وكان فقيهًا ماهرًا، مدرّسًا، مناظرًا. تفقّه به أبو سليمان بن حوط الله، وروى عنه هو، وأبو عيسى بن أبي السداد.
347 -
علي بن محمد بن عبد الوارث
، أبو الحسن الغرناطي.
روى عن أبي الحسن بن ثابت، وابن العربي، وشريح بن محمد، وأبي جعفر البطروجي، قال ابن الزبير: صاحب رواية ودراية وخير وتواضع. توفي سنة ثمانين أو نحوها.
348 -
علي بن محمد بن عبد الملك
، أبو الحكم اللخمي الإشبيلي.
نزل به أبوه قرطبة. سمع أباه، وأبا عبد الله بن مكي، وأبا الحسن بن مغيث، وولي خطّة الكتابة بمراكش، وكان كاتبًا بليغًا مفوّهًا، من بيت رياسة، حدّث في هذا العام واختفى خبره.
349 -
محمد بن أحمد بن أبي علي
، أبو بكر الأصبهاني، ثم البغدادي السيدي، منسوب إلى خدمة الأمير السيد أبي الحسن العلوي.
شيخ صالح. سمع في الكهولة من ابن البطي، وأبي زرعة، ومعمّر بن الفاخر، وسمع ابنه عبد الكريم، وحفيده أبا جعفر محمدًا، وكان ثقة، روى عنه إلياس بن جامع الإربلي في مصنفاته، وتوفي في شعبان، وله سبعون سنة.
350 -
محمد بن أحمد بن أبي علي محمد بن سعيد بن نبهان
، أبو الفرج البغدادي، الكرّاخي.
سمع من جدّه، وابن بيان الرزاز. روى عنه تميم البندنيجي، والحسين بن محمد بن عبد القاهر، وأبو بكر عبد الله بن أحمد المقرئ، وسالم بن صصرى، ومحمد بن إسماعيل الطبال، وجماعة. وكان شاعرًا يمدح الرؤساء، وله:
تركت القريض لمن قاله وجود فلان وأفضاله وتبت من الشعر لما رأيت كساد القريض وإهماله وعدت إلى منزلي واثقًا برب يرى الخلق سوّاله
توفي في رمضان وله أربع وتسعون سنة.
351 -
محمد بن أحمد بن طاهر
، أبو بكر الأنصاري، الإشبيلي، النحوي، ويعرف بالخدب.
أخذ العربية عن أبي القاسم بن الرماك، وأبي الحسن بن مسلم، وساد أهل زمانه في العربية، ودرّس في بلاد مختلفة. وكان قائمًا على كتاب سيبويه، وله عليه تعليق سماه بالطرر، لم يسبق إلى مثله، وكان يتعانى التجارة، فدخل مدينة فاس وأقرأ أهلها مدةً، أخذ عنه أبو ذر الخشني، وأبو الحسن بن خروف.
وحج، وأقرأ بمصر، وحلب، والبصرة، ثم رجع. واختلط عقله فأقام ببجّاية وربما ثاب إليه عقل فيتكلم في مسائل أحسن ما يكون.
ذكره الأبّار.
352 -
محمد بن حمزة بن محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي جميل
. القرشي أبو عبد الله بن أبي يعلى الشروطي المعدّل الدمشقي، المعروف بابن أبي الصقر. أحد محدّثي دمشق الثقات.
ولد في رجب سنة تسع وتسعين وأربع مائة، وسمع من هبة الله ابن الأكفاني، وعلي بن أحمد بن قبيس، وجمال الإسلام أبي الحسن السلمي، وطائفة، ورحل سنة تسع وعشرين، فسمع هبة الله ابن الطبر، وأبا بكر الأنصاري، وجماعة.
ولم يزل مشتغلًا بالطلب والإفادة، وسمّع ولده مكرمًا من حمزة ابن الحبوبي، وطبقته. وكان شروطي البلد.
روى عنه البهاء عبد الرحمن، وعبد القادر الرهاوي، وأبو الحسن القطيعي، والضياء محمد، وآخرون.
وقرأت وفاته بخط الحافظ الضياء في يوم السبت السابع والعشرين من صفر سنة ثمانين.
قلت: وروى عنه أبو المواهب بن صصرى.
353 -
محمد بن خالد بن بختيار
، أبو بكر الأزجي ابن الرزاز، الضرير، المقرئ.
قال الدّبيثي: شيخ فاضل، عارف بالقراءات والأدب، قرأ على أبي عبد الله البارع، وسبط الخياط، ودعوان بن علي، وسمع منهم. وأقرأ الناس مدةً، وتخرج به جماعة في النحو. وكان ثقة عارفًا بوجوه القراءات رحمه الله.
أمّ مدةً بمسجد دعوان بباب الأزج.
وتوفي في المحرم رحمه الله.
354 -
محمد بن سعد بن عبيد الله
، أبو المظفر المؤدب.
شيخ بغدادي، مليح الخط، علّم خلقًا.
قال الدّبيثي: هو مؤدبنا علم خلقا كثيرا. وكان شيخنا ابن ناصر يقول: هو علمني الخط، حدث عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبي منصور ابن الجواليقي، وجماعة، وتوفي في ربيع الآخر.
355 -
محمد بن عبد الكريم بن الفضل
، أبو الفضل القزويني، الرافعي، الشافعي، والد صاحب الشرح.
تفقه ببلده على ملكداد بن علي العمركي، وأبي علي بن شافعي، وأبي
سليمان الزبيري. وسمع منهم، ثم قدم بغداد، وتفقه على أبي منصور ابن الرزاز بالنظامية، وسمع منه، ومن سعد الخير، ومحمد بن طراد الزينبي، وغيرهم، ثم رحل إلى محمد بن يحيى فقيه نيسابور فتفقه عنده، وبرع في المذهب، وسمع من عبد الله ابن الفراوي، وعبد الخالق ابن الشحامي، ثم عاد إلى وطنه، ودرّس الفقه وروى الحديث.
أخذ عنه ابنه الإمام أبو الفضائل، وغيره.
وتوفي في رمضان وهو في عشر السبعين.
356 -
محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الرحمن
، أبو عبد الرحمن المروزي، الكشميهني، الصوفي.
قدم دمشق سنة ثمان وخمسين، وحدّث بها عن محمد بن علي الكراعي، روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وغير واحد.
مات سنة ثمانين وخمسمائة.
357 -
المبارك بن محمد بن يحيى
، أبو بكر ابن الواعظ الزبيدي، قدم مع أبيه بغداد وسكنها، وتكلّم في الوعظ، وسمّع ابنيه الحسن والحسين من أبي الوقت، وحدث عن أبي غالب ابن البناء، وغيره. أخذ عنه محمد بن أحمد بن صالح الجيلي، وابن الدّبيثي، وغيرهما. وتوفي في جمادى الآخرة، وله ست وسبعون سنة.
358 -
محمود بن أبي القاسم بن عمر بن حمكا
، أبو الوفاء سبط محمد بن أحمد البغدادي، الأصبهاني.
شيخ معمّر، مسند، ثقة. حمل الناس عنه، وطال عمره. وتفرّد في عصره، وكانت له إجازة من النقيب طراد الزينبي، وابن طلحة النعالي، وسمع أبا الفتح أحمد بن عبد الله السوذرجاني، وحدّث ببغداد في سنة ست وخمسين وخمس مائة، وتوفي سنة ثمانين هذه في ربيع الآخر وله إحدى وتسعون سنة.
روى عنه محمد بن محمد بن محمد بن واقا، وأبو الفتوح ابن الحصري، والحافظ عبد الغني.
وهو ابن أخت الحافظ أبي سعد البغدادي.
359 -
هبة الله بن أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد ابن البخاري
، أبو المظفر، ابن عم قاضي القضاة أبي طالب.
تفقه على مذهب الشافعي، وبرع في علم الكلام. وولاه أمير المؤمنين الناصر نيابة الوزارة إلى أن مات في المحرم؛ بقي فيها بعض سنة.
360 -
وشاح بن جواد بن أحمد
، أبو طاهر البغدادي، الضرير.
سمع أبا طالب عبد القادر بن يوسف، أخذ عنه أبو محمد ابن الأخضر، وغيره.
توفي في شعبان.
361 -
يوسف بن عبد المؤمن بن علي
، السلطان أبو يعقوب صاحب المغرب.
لمّا مات عبد المؤمن في سنة ثمان وخمسين كان قد جعل الأمر بعده لابنه الأكبر محمد، وكان لا يصلح للملك لإدمانه الخمور وكثرة طيشه، وقيل: كان به أيضًا جذام. فاضطرب أمره، وخلعه الموحّدون بعد شهر ونصف. ودار الأمر بين أخويه يوسف وعمر، فامتنع عمر وبايع أخاه مختارًا، وسلّم إليه الأمر، فبايعه الناس، واتّفقت عليه الكلمة بسعي أخيه عمر، وأمّهما هي زينب بنت موسى الضرير.
وكان أبو يعقوب أبيض بحمرة، أسود الشعر، مستدير الوجه، أفوَه، أعيَن، إلى الطّول ما هو، حلو الكلام، في صوته جهارة، وفي عبارته فصاحة. حلو المفاكهة، له معرفة تامّة باللغة والأخبار. قد صرف عنايته إلى ذلك لمّا ولي لأبيه إشبيلية، وأخذ عن علمائها، وبرع في أشياء من القرآن والحديث والأدب.
[12/ 647] قال عبد الواحد بن علي التّميميّ في كتاب المعجِب: صحّ عندي أنّه كان يحفظ أحد الصحيحين، غالب ظنّي أنّه البخاري. وكان سديد الملوكيّة، بعيد الهمّة، سخيًّا، جوادًا، استغنى الناس في أيّامه، وتموّلوا.
قال: ثم إنّه نظر في الفلسفة والطب، وحفظ أكثر الكتاب الملكيّ. وأمر بجمع كتب الفلاسفة، فأكثر منها وتطلّبها من الأقطار. وكان ممّن صحبه أبو بكر محمد بن طُفيل الفيلسوف، وكان بارعًا في علم الأوائل، أديبًا، شاعرًا، بليغًا، فكان أبو يعقوب شديد الحبّ له. بلغني أنّه كان يقيم عنده في القصر أيّامًا ليلًا ونهارًا، وكان هو الذي نبّه على قدر الحكيم أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المتفلسف، وسمعت أبا بكر بن يحيى القرطبي الفقيه يقول: سمعت الحكيم أبا الوليد يقول: لمّا دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طُفيل فقط، فأخذ أبو بكر يُثني عليّ ويُطريني، فكان أوّل ما فاتحني به أمير المؤمنين أن قال لي: ما رأيهم، يعني الفلاسفة، في السماء، أقديمة أم حادثة؟ فأدركني الخوف فتعلّلت وأنكرت اشتغالي بعلم الفلسفة، ففهم مني الرَّوع، فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلّم على المسألة، ويذكر قول أرسطو فيها، ويورد احتجاج أهل الإسلام على الفلاسفة، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنّها في أحد من المشتغلين. ولم يزل يبسطني حتّى تكلّمت، فعرف ما عندي من ذلك. فلمّا قمت أمر لي بخلعةٍ ودابّةٍ ومال.
وقد وَزَرَ لأبي يعقوب أخوه عمر أيّامًا، ثم رفع قدره عنها، وولّى أبا العلاء إدريس بن جامع إلى أن قبض عليه سنة سبع وسبعين، وأخذ أمواله، واستوزر وليّ عهده ولده يعقوب، وكتب له أبو محمد عيّاش بن عبد الملك بن عيّاش كاتب أبيه، وأبو القاسم القالميّ، وأبو الفضل جعفر بن أحمد بن محشوة البِجّائيّ. وكان على ديوان جيشه أبو عبد الرحمن الطّوسيّ. وكان حاجبه مولاه كافور الخَصيّ. وكان له من الولد ستة عشر ذَكَرًا منهم صديقي يحيى، قال: ومنه تلقّيت أكثر أخبارهم. ولم أر في الملوك ولا في السّوقة مثله.
قال: وقضاته: أبو محمد المالقيّ، ثم عيسى بن عمران التّازي، وتازا من أعمال فاس. ثم الحجّاج بن إبراهيم التُجيبيّ الأغماتيّ الزاهد، فاستعفى، فولي بعده أبو جعفر أحمد بن مضاء القرطبيّ.
وفي سنة اثنتين وستين وخمس مائة نزعت قبيلة غمارة الطاعة، وكان رأسهم سُبع بن حيّان ومرزدغ فدعوا إلى الفتنة. واجتمع لهم خلق، وبلاد غَمارة طولًا وعرضًا مسيرة اثنتي عشرة مرحلة، فخرج أبو يعقوب بجيوشه، فأسلمت الرجلين جموعهما فأُسِرا، وشرّدهما إلى قرطبة.
ودخل الأندلس في سنة سبع وستين مظهرا غزو الروم ومبطنا إتمام تملك جزيرة الأندلس، والتغلب على ما بيد محمد بن سعد بن مردنيش، فنزل إشبيلية، وجهّز العساكر إلى محمد، وأمّر عليهم أخاه أمير غَرناطة عثمان. فخرج محمد في جموع أكثرها من الفرنج. وكانوا أجناده، قد اتّخذهم أنصاره لمّا أحسّ باختلاف قوّاده عليه، فقتل أكثرهم، وأمّر الفرنج وأقطعهم. وأخرج الكثير من أهل مُرسِية وأسكن الفرنج دورهم. فالتقى هو والموحّدون على فرسخ من مُرسية، فانكسر وانهزم جيشه، وقُتل منهم جملة. ودخل مُرسية مستعدًّا للحصار، فضايقه الموحّدون، وما زالوا محاصرين له إلى أن مات، فسُتِرت وفاته إلى أن ورد أخوه يوسف بن سعد من بلنسية، فاتّفق رأيه ورأي القوّاد على أن يسلّموا إلى أبي يعقوب البلاد. ففعلوا ذلك، وقد قيل: إنّ محمد بن سعد لمّا احتضر أشار على بنيه بتسليم البلاد.
وسار أبو يعقوب من إشبيلية قاصدًا بلاد الأدفنش لعنه الله تعالى، فنازل مدينة وَبذة، وهي مدينة عظيمة، فحاصرها أشهرًا إلى أن اشتدّ الأمر وأرادوا تسليمها.
قال: فأخبرني جماعة أنّ أهل هذه المدينة لمّا برح بهم العطش أرسلوا إلى أبي يعقوب يطلبون الأمان، فأبى، وأطمعه ما نقل إليه من شدّة عطشهم وكثرة من يموت منهم، فلمّا يئسوا مما عنده سُمِع لهم في الليل لغَط وضجيج، وذلك أنّهم اجتمعوا يدعون الله ويستسقون، فجاء مطر عظيم كأفواه القِرَب ملأ
صهاريجهم وتقوّوا، فرحل عنهم أبو يعقوب بعد أن هادن الأدفنش سبع سنين، وأقام بإشبيلية سنتين ونصف، ورجع إلى مراكش في آخر سنة تسع وستّين وقد ملك الجزيرة بأسرها.
وفي سنة إحدى وسبعين خرج إلى السوس لتسكين خلاف وقع بين القبائل فسكّنهم.
وفي سنة خمس وسبعين خرج إلى بلاد إفريقية حتى أتى مدينة قفصة. وقد قام بها ابن الرّند، وتلقّب بالناصر لدين النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فحاصره وأسره، وصالح ملك صقَلية وهادنه على أن يحمل إليه كل سنة مالًا، فأرسل إليه فيما بلغني ذخائر معدومة النظير، منها حجر ياقوت على قدر استدارة حافر الفرَس، فكلّلوا به المصحف، مع أحجار نفيسة. وهذا المصحف من مصاحف عثمان رضي الله عنه، من خزائن بني أميّة، يحمله الموحّدون بين أيديهم أنّى توجّهوا على ناقة عليها من الحليّ والديباج ما يعدل أموالًا طائلة. وتحته وِطاء من الديباج الأخضر، وعن يمينه وشماله لواءان أخضران مذهّبان لطيفان. وخلف الناقة بغلٌ مُحَلّى عليه مصحف آخر. قيل: إنّه بخط ابن تومَرت. هذا كلّه بين يدي أمير المؤمنين.
قال: وبلغني من سخاء أبي يعقوب أنّه أعطى هلال بن محمد بن سعد المذكور أبوه في يوم اثني عشر ألف دينار وقرّبه، وبالغ في رفع منزلته.
وقال الحافظ أبو بكر ابن الجدّ: كنّا عند أمير المؤمنين أبي يعقوب، فسألَنا عن سحر النبي صلى الله عليه وسلم كم بقي مسحوراً؟ فبقي كل إنسان منّا يتزمزم، فقال: بقي به شهرًا كاملًا. صحَّ ذلك، وكان أمير المؤمنين إمامًا يتكلّم في مذاهب الفقهاء فيقول: قول فلانٍ صواب، ودليله من الكتاب والسنة كذا وكذا، فنتابعه على ذلك.
قال عبد الواحد: ولمّا تجهّز لحرب الروم أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى على الموحّدين ليدرسوها، ثم كان يملي بنفسه عليهم، فكان كلّ كبير من الموحّدين يجيء بلوح ويكتب.
وكان يُسهل عليه بذل الأموال سعة ما يتحصّل من الخراج. كان يرتفع ما يخرج إليه من إفريقية في كل سنة مائة وخمسون حمل بغل، هذا سوى حمل بِجاية وأعمالها وتلمسان وأعمالها. وكانت أيّامه مواسم وخصبًا وأمنًا.
وفي سنة تسع وسبعين تجهّز للغزو واستنفر أهل السهل والجبل والعرب، فعبر بهم الأندلس فنزل إشبيلية، ثم قصد مدينة شَنترين أعادها إلى المسلمين، وهي بغرب الأندلس. أخذها ابن الريق لعنه الله، فنازلها أبو يعقوب وضايقها، وقطع أشجارها، وحاصرها مدّة. ثم خاف المسلمون البرد وزيادة النهر، فأشاروا على أبي يعقوب بالرجوع فوافقهم، وقال: غدًا نرحل. فكان أوّل من قوّض خباءه أبو الحسن علي ابن القاضي عبد الله المالقيّ، وكان خطيبهم. فلمّا رآه الناس قوّضوا أخبيتهم ثقةً به لمكانه، فعبر تلك العشيّة أكثر العسكر النهر، وتقدموا خوف الزحام، وبات الناس يعبرون الليل كلّه، وأبو يعقوب لا علم له بذلك. فلما رأى الروم عبور العساكر، وأخبرهم عيونهم بالأمر، انتهزوا الفرصة وخرجوا وحملوا على الناس، فانهزموا أمامهم حتى بلغوا إلى مخيّم أبي يعقوب، فقتل على باب المخيّم خلق من أعيان الجند، وخلص إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب، فطعن تحت سُرّته طعنة مات منها بعد أيّام يسيرة. وتدارك الناس، فانهزم الروم إلى البلد، وقد قضوا ما قضوا، وعبر الموحّدون بأبي يعقوب جريحاّ في مِحَفّة، وتهدّد ابن المالقيّ فهرب بنفسه حتى دخل مدينة شنترين، فأكرمه ابن الريق. وبقي عنده إلى أن تهيّأ له أمر، فكتب إلى الموحّدين يستعطفهم ويتقرّب إليهم بضعف البلد، ويدلّهم على عورته. وقال لابن الريق: إنّي أريد أن أكتب إلى عيالي بإكرام الملك لي. فأذن له، فعثر على كتابه فأحضره وقال: ما حملك على هذا مع إكرامي لك؟ فقال: إنّ ذلك لا يمنعني من النصح لأهل ديني. فأحرقه، ولم يسيروا بأبي يعقوب إلاّ ليلتين أو ثلاثًا حتى مات، فأخبرني من كان معهم أنّه سمع في العسكر النداء الصلاة على جنازة رجل، فصلّى الناس قاطبة لا يعرفون على من صلّوا. وصبّروه وبعثوا به في تابوت مع كافور الحاجب إلى تينملل، فدفن هناك مع
أبيه وابن تومرت، مات في سابع رجب، وأخذ البيعة لابنه يعقوب عند موته، فبايعوه.
وفيها وُلد:
التّقيّ عبد الرحمن بن مُرهَف الناشريّ، المقرئ، وقاضي حماة أبو طاهر إبراهيم بن هبة الله ابن البارزيّ الجُهنيّ في شعبان، وفاطمة بنت محمود ابن الملثّم العادليّ، سمعت من البوصيريّ.
وفيها وُلد:
عبد الحميد بن رضوان المصريّ، وأبو القاسم محمد بن عبد المنعم، روى عن ابن طبَرزَد، وأبو بكر محمد بن زكريا بن رحمة.
المتوفّون على التخمين
362 -
إبراهيم بن محمد اللّخميّ السّبتيّ
، المعروف بابن المتقن.
روى عن أبي محمد بن عتّاب، وأبي بحر الأسديّ، وحجّ، وسمع من السِّلفيّ.
قال الأبّار: توفّي بعد السبعين وخمس مائة.
363 -
إسحاق بن هبة الله
، أبو طاهر العراقيّ، المقرئ.
قدم دمشق سنة اثنتين وسبعين، وحدث عن علي ابن الصّبّاغ، روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وغيره.
364 -
إسماعيل بن غانم بن خالد
، أبو رشيد الأصبهاني، البيّع.
سمع أبا الفتح أحمد بن عبد الله السّوذرجاني، وأحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه، وجماعة، وعمّر دهرًا، روى عنه الحافظ عبد الغني، ومحمد بن سعيد بن أبي أحمد الأسواريّ، ومحمد ابن النجيب أحمد بن نصر الأصبهاني، وآخرون.
وبقي إلى سنة خمس وسبعين. وهو من كبار الشيوخ الذين لحقهم عبد الغني بأصبهان.
365 -
إسماعيل بن يونس بن سلمان
، القُرشيّ، الدّمشقي المعروف بابن الأفطس.
سمع هبة الله ابن الأكفاني، وعلي بن أحمد بن قبيس، وأجاز للضياء محمد.
366 -
حبيب بن إبراهيم بن عبد الله
، أبو رشيد الأصبهاني، المقرئ.
سمع محمود بن إسماعيل الصيرفي، وغيره، وعنه الحافظ عبد الغني، وغيره، وأجاز للحافظ الضياء فيما أظن.
367 -
زاهر بن إسماعيل بن أبي القاسم الهمذاني
ّ.
أجاز للضياء في سنة أربع وسبعين، وأدركه الحافظ عبد الغنيّ.
368 -
سالم بن عبد السلام بن علوان
، أبو المُرجّى البوازيجي، الصوفي.
صحب أبا النّجيب السّهروَرديّ ولازمه، وسمع معه من زاهر الشّحّامي، وغيره، وعنه يوسف بن محمد الواعظ، وعمر بن محمد المقرئ، وشهاب الدين السهرورديّ، وغيرهم.
وتوفّي قبل الثمانين وخمس مائة؛ قاله ابن الدّبيثي.
369 -
سلامة الصيّاد المَنبِجيّ
، الزاهد، رفيق الشيخ عديّ.
قال الحافظ عبد القادر الرُّهاوي: وكانا جميعًا من تلاميذ الشيخ عقيل المنبجيّ الزاهد، ساح ولقي المشايخ، ورأى منهم الكرامات، وأقام بالموصل مدّة في زمن بني الشهرزوريّ حين كان لا يقدر أحدٌ أن يتظاهر بالموصل بالحنبلية ولا السنّة. فأقام يُظهر السنة ويُحاجّ عنها. ثم رجع إلى منبج، فأقام بها إلى أن مات، وكان يتعيّش في المقاثي وعمل الحصر، وينتفق من ذلك. دخلت عليه بمنبج في داره وهو جالس على حصير يعمله، فترك العمل، وأقبل عليّ يحادثني، فرأيت منه وقارًا وعقلًا وحفظ لسان، وتعرّيًا من الدعاوى، وكان قد لزم بيته، وترك الخروج إلى الجماعة لأنّ أهل منبج كانوا قد صاروا ينتحلون مذهب الأشعريّ، ويبغضون الحنابلة بسبب واعظٍ قدِم يسمّى الدّماغ، فأقام بها مدّة، وحسّن لهم ذلك. وكان البلد خاليًا من أهل العلم، فشربت قلوبهم ذلك.
قال: وسمعت رجلًا يقول للشيخ عسكر النصيبي: أهل منبج قد صاروا يبغضون أهل حران. فقال: لا يبغض أهل حران من فيه خير، وسمعت الشيخ سلامة يقول: لما مضى الدماغ إلى دمشق ومات، جاءنا الخبر فقاموا يصلون عليه، ولم أقم أنا، فقالوا لي: ما تصلي عليه؟ فقلت: لا، قعودي أفضل. وقالوا لي: لم لا تخرج إلى الجماعة؟ فقلت: جماعتكم قد صارت فرقة، وقال لي: عبر الشيخ الزاهد أبو بكر بن إسماعيل الحراني على منبج، ولم يدخل إلي، وبعث يقول: إنه لم يدخل إلي لأجل أهل منبج. وأنا أيش ذنبي، وكان
الشيخ أبو بكر يذكره كثيرًا، وينوّه باسمه، ويحث على زيارته، وهو الذي عرّفنا به، سمعت الشيخ سلامة يقول: كنت بالموصل في زمن بني الشهرزوري أذكر السنّة، وأنكر السماع، فسمعت رجلًا من أهل الموصل يقول: جئت إلى الجزيرة، فأخبرت أن الشيخ هناك، فسألت عنه فوجدته في بعض المساجد، فجئت إليه، ثم خرجنا من هناك، فمشى بين يديّ، فنظرت فإذا هو قد سبقني، فقلت في نفسي من غير أن يسمع: كذا وكذا من أخت كذا، فالتفت إلي وقال: أي أخواتي فإنهن جماعة؟ قلت: أيهن شئت.
370 -
سليمان بن محمد بن سليمان
، أبو الربيع الحضرمي، الإشبيلي، المعروف بالمقوّقي.
روى عن أبي محمد بن عتّاب، وأبي بحر الأسدي، وكان يعقد الشروط، وكان أبو بكر ابن الجد يغض منه ويغص به، روى عنه ابن أخته محمد بن علي التجيبي.
قال الأبّار: توفي في حدود الثمانين.
371 -
السموأل بن يحيى بن عياش المغربي ثم البغدادي الحاسب.
كان يهوديًا فأسلم، وبرع في العلوم الرياضية، وكان يتوقّد ذكاءً، وسكن بلاد العجم مدةً بأذربيجان ونواحيها، ومات قبل أن يتكهل بمراغة في هذا القرب.
وقال الموفق عبد اللطيف: بلغ في العدديات مبلغًا لم يصله أحد في زمانه، وكان حاد الذهن جداً؛ بلغ في الصناعة الجبرية الغاية القصوى. وله كتاب المفيد الأوسط في الطب، وكتاب إعجاز المهندسين صنفه في سنة سبعين وخمس مائة، وكتاب الرد على اليهود، وكتاب القوامي في الحساب.
372 -
صالح بن وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي
.
أجاز للشيخ الضياء مرويّاته.
373 -
عباس بن أبي الرجاء بن بدر
، أبو الفضل الراراني.
أجاز للضياء من أصبهان. وهو أخو خليل، سمع من الحداد.
374 -
عبد الله بن عبد الواحد بن الحسن بن المفرّج
، أبو محمد الكناني، الدمشقي، المؤدب، إمام مسجد ابن لبيد بالفسقار.
سمع أبا الحسن ابن الموازيني، ومحمد بن علي بن محمد بن أبي العلاء المصّيصي.
قال أبو المواهب بن صصرى: وكانت له حلقة بالجامع يقرئ بها الصبيان، وكان شيخًا صالحًا.
وقال ابن خليل: ولد في رجب سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة.
قلت: روى عنه أبو القاسم بن صصرى، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة، وأجاز لجماعة، وتوفي سنة نيّف وسبعين، وقد جاوز الثمانين.
375 -
عبد الجبار بن محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني
، أبو سعيد الأصبهاني.
من كبار مسندي بلده، سمع من القاسم بن الفضل الأصبهاني، الثقفي، وحدّث سنة سبعين. وتوفي بعد ذلك بسنة أو نحوها.
روى عنه محمد بن خليل الراراني، وعمر بن أبي بكر بن مسعود الأصبهاني. وبالإجازة كريمة.
376 -
عبد الرزاق بن إسماعيل بن محمد بن عثمان
، أبو المحاسن الهمذاني القومساني.
سمع عبد الرحمن بن حمد الدوني، وناصر بن مهدي الهمذاني، وغيرهما، روى عنه الحافظ عبد الغني، وأجاز للحافظ الضياء في سنة أربع وسبعين.
377 -
عبد الملك بن محمد بن عبد الملك
، أبو مروان الأنصاري، الإشبيلي، الحمامي.
سمع تاريخ ابن أبي خيثمة من أبي الحسن بن مغيث، وعنه أبو القاسم الملاّحي، وأبو سليمان حوط الله.
مات قبل الثمانين وخمس مائة.
378 -
عبيد الله بن محمد التميمي
، أبو الحسين ابن اللحياني، الإشبيلي، المقرئ.
أخذ القراءات عن شريح، وأحمد بن عيشون، وتصدّر للإقراء، قرأ عليه: أبو القاسم بن أبي هارون، وحدّث عنه مفرّج بن حسين الضرير.
توفي في حدود الثمانين.
379 -
علي بن بركات
، أبو الحسن المشغراني، ثم الدمشقي، المقرئ.
توفي بعد السبعين.
روى عن نصر الله بن محمد المصّيصي، روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
380 -
علي بن الحسين اللوّاتي
.
مر في سنة ثلاث وسبعين.
381 -
علي بن خلف بن غالب
، أبو الحسن الأنصاري، الأندلسي، نزيل قرطبة.
سمع من أبي القاسم بن رضا، وأبي عبد الله بن معمر، وأبي الحسن بن وليد بن مفوّز، وتعلّم الفرائض والحساب وتصوّف. وصنّف كتاب اليقين، رواه عنه عبد الجليل بن موسى.
وقال أيوب بن عبد الله السبتي: رحلت إليه مرّات إلى قصر عبد الكريم وكان قد سكنه. وكان محدّثًا شاعرًا.
382 -
علي بن محمد بن ناصر
، أبو الحسن الأنصاري، القرطبي.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن صاف، وعبد الجليل بن عبد العزيز،
وروى عن أبي القاسم بن بقي، وأبي جعفر البطروجي، وأبي القاسم بن رضا، وجماعة.
وكان مقرئًا، نحويًا، روى عنه أبو بكر محمد بن علي الشريشي.
383 -
علي بن هبة الله الكاملي
، المصري.
سمع من أبي صادق مرشد المديني، وغيره، روى عنه الحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القادر، وابن رواحة، وعلي بن رحّال، وعبد الرحيم بن الطفيل، ومحمود ابن الملثّم، وآخرون.
384 -
علي بن أبي القاسم بن أبي جنّون
، أبو الحسن التلمساني، قاضي مراكش.
روى عن أبي عبد الله الخولاني، وأبي علي بن سكّرة، وعنه أبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني، وعقيل بن طلحة، وأبو الخطاب ابن دحية.
قال الأبّار: كان حيًا في حدود الثمانين.
385 -
القاسم بن علي بن صالح
، أبو محمد الأنصاري نزيل دانية.
أخذ القراءات عن أبي العباس القصبي، وأبي العباس ابن العريف، وابن غلام الفرس فسمع منه التيسير سنة سبع وعشرين وخمس مائة.
وتصدّر للإقراء بدانية، أخذ عنه أسامة بن سليمان، وغيره.
بقي إلى قريب الثمانين وخمس مائة.
386 -
محمد بن التابلان المنبجي الزاهد
.
قال الحافظ عبد القادر: كان رفيق الشيخ عديّ والشيخ سلامة، من تلاميذ الشيخ عقيل. حدّثني بعض الصوفية أن الشيخ عقيل أوصى له بعد موته بالجلوس في موضعه. دخلت عليه بمنبج غير مرة فرأيت شيخًا وقورًا مهيبًا، عاش عمرًا طويلًا في طريقة حسنة ومحمود ذكر. وكان له جماعة تلاميذ، وكان حافظًا للقرآن يؤمّ بالناس. وكان له ملك يتعيّش منه رحمه الله.
قلت: كأن هذا بقي إلى قرب الست مائة، فإن ابنه الفقيه أحمد بن محمد بن إبراهيم بن التابلان المنبجي سمع منه شيخنا الشهاب الدشتي بمنبج، وهو يروي عن التاج الكندي.
387 -
محمد بن عبد الله بن محمد الغرناطي أبو عبد الله ابن الغاسل
.
سمع أبا عبد الله النميري وصحبه زمانًا، ورحل معه فلقي أبا الحسن ابن الباذش، وقرأ بالروايات على شريح، وسمع أيضاً: أبا الحسن بن مغيث، وأجاز له ابن عتّاب.
وكان مقرئًا، محدّثًا، ضابطًا.
توفي سنة نيّف وسبعين.
388 -
محمد بن عبد العزيز
، الفقيه أبو عبد الله الإربلي، الشافعي.
قدم بغداد، وتفقه بالنظامية، وبرع في المذهب. وولي إعادة النظامية، ومن شعره، وكتبه عنه عبد السلام بن يوسف الدمشقي:
رويدك فالدنيا الدنيّة كم دنت بمكروهها من أهلها وصحابها لقد فاق في الآفاق كل موفق أفاق بها من سكره وصحا بها فسل جامع الأموال فيها بحرصه أخلّفها من بعده أم سرى بها؟ هي الآل فاحذرها وذرها لآلها فما الآل إلا لمعة من سرابها وكم أسد ساد البرايا ببرّه ولو نابها خطب إذا ما دنى بها فأصبح فيها عبرةً لأولي النهى بمخلبها قد مزّقته ونابها
قال ابن النجار: بلغني أن أبا عبد الله الإربلي سافر إلى الشام ومات هناك في حدود سنة ثمانين وخمس مائة.
389 -
محمد بن علي بن عبد الله بن علي
، أبو بكر البتمّاري،
النهرواني، المعروف بابن العجيل.
سمع أحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا سعد بن خشيش، سمع منه عمر القرشي، وغيره، وأصابه صمم، وتوفي بعد السبعين.
ذكره ابن النجار.
390 -
محمد بن كشيكة الحراني
، الزاهد.
قال الرهاوي: كان أحد مشايخ أهل حران، زهدًا، وورعًا واجتهادًا في أبواب الخير، وكان متواضعًا، كريمًا، حيّيًا، لا يكاد يرفع رأسه من الحياء، صبورًا على الفقر موثرًا، وكان الشيخ أبو بكر بن إسماعيل يذكره ويمدحه بكونه يعيش من كسبه، ولما مرض أبو بكر خرج محمد إلى عيادته، فوصّى له بثلث رحاه، واستخلفه في موضعه بالمشهد، وسمعت بعض أصحابنا يقول: قال أصحاب أبي بكر لأبي بكر: من تأمرنا نجالس بعدك؟ فقال: عليكم بسيد السادات الشيخ محمد.
ذكر الرهاوي هؤلاء وغيرهم، وما أراه ذكر الشيخ حياة، وسأذكره في سنة إحدى وثمانين إن شاء الله تعالى.
391 -
محمود بن محمد
، أبو الثناء البغدادي.
حدّث بالإسكندرية عن هبة الله بن الحصين، وأبي منصور القزاز، روى عنه علي بن المفضّل، وغيره.
392 -
المطهّر بن عبد الكريم بن محمد بن عثمان
. الهمذاني القومساني.
روى عن عبد الرحمن ابن الدوني، وناصر بن مهدي، وعنه الحافظ أبو محمد المقدسي، وغيره.
وناصر المذكور هو ابن مهدي بن نصر بن علي بن نصر بن عبدان، أبو علي المشطّب الهمذاني. بكّر به أبوه أبو الحسن المشطّب فأسمعه سنن الحلواني من علي بن شعيب بن عبد الوهاب الهمذاني، وكان علي بن شعيب مسند همذان في زمانه. روى عن أوس الخطيب، وجبريل العدل، وأبي أحمد الغطريفي، وإسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان، وطائفة، روى عنه علي بن الحسين، وابن ممان. وناصر هذا، وأحمد بن عمر البيّع، وكان ثقة، صدوقًا، صالحًا.
قال الحافظ شيرويه: سمعت أبا بكر الأنصاري يقول: لما رجع الشيخ محمد بن عيسى، شيخ الصوفية، إلى همذان استقبله الخاص والعام، وكان علي بن شعيب مع من استقبله، وكان راجلًا، رثّ الهيئة، فكان أبو منصور محمد بن عيسى لا ينزل لأحد، لا للأشراف ولا للوجوه، وإنما يصافحهم راكبًا. فلما رأى علي بن شعيب نزل عن دابته وعانقه وبجله، ومشى معه ساعة حتى سأله أن يركب فركب.
قلت: كان ابن شعيب باقيًا بعد الثلاثين وأربع مائة.
393 -
أبو بكر بن إسماعيل الحراني الزاهد
.
ذكره الحافظ عبد القادر فقال: كان من مفاريد الزمان. اجتمعت فيه من خلال الخير أشياء لو سطرت كانت سيرة. كان زاهدًا، ورعًا، مجاهدًا، مجتهدًا، متواضعًا، ذا عزائم خالصة، بصيرًا بآفات أعمال الآخرة وعيوب الدنيا، ذا تجارب، ساح وخالط، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، منقادًا للحق، محبًا للخمول، عاريًا من تزيّ أهل الدين. ظاهرًا لا يستوطن المواضع. كان تارةً يكون معممًا، وتارةً بغير عمامة، وتارة محلوقًا وتارة بشعر. إذا وقف بين جماعة لا يعرفه الغريب، ولم يكن له في المسجد موضع يعرف به.
وكان إذا قال له أحد: أريد أن أتوب على يدك. يقول: أيش تعمل بيدي، تب إلى الله.
وكان شجاعًا. وهو الذي جرّأ المسلمين على محاصرة الرّها في سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، واشتهر بين الناس أنهم يوم وقعت الثلمة بالرها التي دخل منها المسلمون رأوا رجلًا قد صعد فيها، فهزم من كان بها من الفرنج، وصعد الناس بعده، فحكي لي عن بعض الناس أنه الشيخ أبو بكر رضي الله عنه.
وبلغني أن ناسًا اختلفوا فيه، فحلف بعضهم أنه الشيخ عدي بن صخر، فاختلفوا إليه في ذلك، فقال: ذاك الحرّاني. سمعته يقول: كان أبي قد أسره الفرنج إلى الرها، فقادوه، وأخذوني وأخي رهينةً، يعني وهما صغيران؛ فكان صاحب البلد يأخذني ويجيء بي عند الصليب، ويجعل يحني رأسي نحوه، فأمتنع عليه مع هيبته، ويقع في نفسي أني إن فعلت صرت نصرانيًا، وكان يأخذ أخي فيجيء به إلى الصليب، ليسجد له، فأتعلق به وأمنعه. ثم إنه خلّص من أيدي الفرنج، فسمعته يقول: كنت أمر إلى الرها في الليل فأصعد إلى السور، وأنزل إلى البلد، فإذا عرفوا بي صعدت إلى السور، فإذا صرت على السور ومعي سيفي وترسي لا أبالي بأحد. وصعدت مرةً إلى السور، فلقيت اثنين، قتلت الواحد ودخل الآخر إلى البرج، فدخلت خلفه فقتلته.
سمعته غير مرة يقول: رأيت قائلًا يقول لي: كن تبعًا إلا في ثلاثة: في الزهد، والورع، والجهاد.
وحج نحوًا من ثلاثين حجة ماشيًا. وبلغني عنه أنه حج في بعضها، ولم ينم في تلك المدّة حتى خرج من الحج. ثم إنه ترك الحج، وسكن مشهدًا قريبًا من حرّان، واشتغل بعمارة رحى هناك. ورتّب الضيافة لكل وارد خبزًا ولحمًا وشهوات، وكان سبب ذلك كما حكى لي، قال: كنت أنا وآخر في الشام، فجعنا جوعًا شديدًا، ثم جئنا إلى قرية، فصنع لنا إنسان طعامًا وقدّمه إلينا، فجعلنا نأكله وهو حار، فلما رأى شرهنا في الأكل مع حرارته قال:
أرفقوا فهو لكم. فأعتقد أنه لو كان لذلك الرجل ذنوب مثل الجبال لغفرت لما صادف من إشباع جوعنا. فرأيت أن حجي ليس فيه منفعة لغيري، وأني لو عملت موضعًا يستظل به إنسان كان أفضل من حجي، وكان مع ذلك يكره كثرة العلائق ويقول: لو قيل لي في المنام: إنك تصير إلى هذا الحال ما صدّقت.
وبنى عند المشهد خانًا للسبيل، وكان يعمل عامّة نهاره في الحر والغبار، ويقول: لو أن لي من يعمل معي في الليل لعملت، وعمل لنفسه رحىً، وكان يتقوّت منه باليسير، ويخرج الباقي في البرّ.
دخلت عليه في بيته مرارًا وهو يتعشّى، فما رأيته جالسًا في سراج قط، ولا كان تحته حصير جيّد قط ولا فراش، بل حصير عتيق، تحته قش الرز، وحضرت يومًا معه في مكان، فلما حضر وقت الغداء جلسنا نتغدّى، وأخرج رغيفًا كان معه، فأكل نصفه، وناولني باقيه، وقال: ما بقي يصلح لي أن آكل شيئًا ولا أعمل شيئًا، وقال لي: وددت أني لآتي مكانًا لا أخرج منه حتى أموت.
وسمعته يقول: وذكر لي إنسان أن بعض الرؤساء عرض عليه ملكًا يقفه عليه، فقال له أبو بكر: وأيش نعمل به، لو لم يكن في مالهم شبهة إلا الجاه لكفى.
سمعت فتيان بن نيّاح الحرّاني، وكان عالم أهل حران وقد جرى بيننا ذكر الكرامات فقال: أنا لا أحكي عن الأموات ولكن عن الأحياء. هذا أبو بكر بن إسماعيل حج في بعض السنين، فلما قرب مجيء الحاج جاء الخبر أن أبا بكر قد مات. فجلست محزونًا فجاءتني والدته وأنا في مكاني هذا، فسلّمت، فرددت عليها متحزّنًا، فقالت: أيش هو؟ فقلت: هو الذي يحكى، فقالت: ما هو صحيح، قلت: من أين لك؟ قالت: هو قال لي قبل أن يخرج إنه سيبلّغك أني قد متّ، فلا تصدقي، فإني لا بد أجيء وأتزوّج، وأرزق ابنًا وأموت، قال: فأول من جاء هو، وتزوّج ورزق ابنًا، ومات، هذا مع كراهيته إظهار الكرامات والدعاوى.
وكان عاقلًا فطنًا، يتكلّم بالحكمة في أمر الدين، حدّثني من حضر موته قال: كنّا أنا وفلان وفلان، فتوضّأ ثم صار يسأل عن وقت الظهر، فقال بعضنا: جرت عادة الناس يأخذون من آثار مشايخهم للتبرّك. فقال: إن قبلتم مني لا تريدون شيئًا من الدنيا، قال: فبينما أنا جالس أغفيت، فرأيت كأن البيت الذي نحن فيه يخرج منه مثل ألسن الشمع، يعني النور. ورأيت كأن شيخًا قد جاء إلى عند الشيخ أبي بكر، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا الشيخ حمد، فانتبهت فجعلت أسأل الجماعة عن الشيخ حمد، ففطن لي الشيخ فقال: أيش تقول؟ فقصصت عليه الرؤيا، فقال: نعم، هذا الشيخ حمد بن سرور قد جاء إلينا. وكان الشيخ حمد من مشايخ حران، قال: ثم إنه ما زال يسأل عن وقت الظهر، حتى بقي من الوقت قدر قراءة جزء، ثم إنه تفل مثل النّفخة، فخرجت معها نفسه وحمل إلى حران فدفن بها رضي الله عنه.
394 -
أبو جعفر بن هارون الترجالي
، الأندلسي، من كبار أهل إشبيلية.
وكان رأسًا في الفلسفة، والطب، والكحالة، ذا عناية بكتب أرسطوطاليس، خدم أبا يعقوب بن عبد المؤمن، وقد أخذ عن الفقيه أبي بكر ابن العربي، ولازمه مدّة، وعنه أخذ أبو الوليد بن رشد الحفيد، علم الأوائل.
وترجالة: من ثغور الأندلس.
395 -
أبو الفتح الموصلي العابد
، ويعرف بابن الرئيس.
قال الحافظ الرهاوي: كان زاهدًا، ورعًا، قنوعًا، صائم الدهر، نوراني الوجه، حسن الأخلاق، رزين العقل، متواضعًا، شديدًا في السنّة، داعيًا إليها، حافظًا للقرآن، لقّن خلقًا. وكان خياطًا يتقوّت باليسير والباقي ينفقه على أخيه وأولاد أخيه، وكان يلبس قميص خام ومئزر خام خشنًا، ولم يكن بالموصل في آخر زمانه مثله. مات وشيّعه خلق لا يحصون رحمه الله تعالى.
396 -
أبو الوفاء شيخ أهل آمد في زمانه
.
قال الحافظ الرهاوي: تكررت إليه مدّة مقامي بآمد، فرأيت منه عقلًا وافرًا، وحلمًا وتواضعًا، وسخاءً، وتألّفًا للناس على مذهب أحمد، وكان كثير الاحتمال للأذى في تألّف الناس، مفيدًا بكلامه، حافظًا للسانه، ذكيًّا، فهمًا. لم أر في تردادي إليه سقطةً، ولا بلغتني عنه، ولقد فرحت برؤيتي له فرحًا شديدًا، وأحببته كأشد ما أحببت أحدًا من المشايخ، وكان له شيء من الدنيا يتعيّش منه، ويواسي منه الفقراء، رحمه الله تعالى.
آخر الطبقة
الطبقة التاسعة والخمسون
581 – 590 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحوادث
سنة إحدى وثمانين وخمس مائة
في المحرَّم وقع بناحية نهر الملك بَرَدٌ أهلك الزَّرْع وقتل المواشي، وُزِنت منه بَرَدة فكانت رِطْلين بالعراقيّ.
وفي صَفَر انفصل رضيّ الدّين أبو الخير القزْوينيّ عن تدريس النظّامية، وولي أبو طالب المبارك بن المبارك الكرْخيّ، وخُلِع عليه من الدّيوان العزيز بطرحة.
وفي رجب أمر الخليفة بمنْع الوعّاظ كلَّهم إلاّ ابن الجوزي.
ووُلِد بالعلث ولدٌ طول وجهه شبر وأربع أصابع، وله أُذُنٌ واحدة.
وفيها وردت الأخبار بأنَّ عليّ بن إسحاق الملثَّم خطب للناصر لدين اللَّه بمعظم بلاد المغرب، وخالف بني عبد المؤمن.
وفيها سار السّلطان الملك النّاصر قاصدًا الموصِل، فلمّا قاربَ حلبَ تلقّاه صاحبها الملك العادل أخوه، ثمّ عَدَّى من الفراتَ إلى حَرّان، وكانت إذ ذاك لمظفّر الدّين ابن صاحب إربِل، وقد بذل خطّه بخمسين ألف دينار يوم وصول السّلطان إلى حَرّان برسم النَّفَقَة، فأقام السّلطان أيامًا لم يَرَ للمال أثرًا، فغضب على مظفّر الدّين واعتقله، ثم عفا عنه، وكتب له تشريفًا بعد أن تسلَّمَ منه حرَّان، والرُّها، ثم أعادهما إليه في آخر العام ثم سار إلى الموصل فحاصرها وضايقها، وبذلت العامَّةُ نفوسهم في القتال بكلّ ممكنٍ لكون بنت السّلطان نور الدين زوجة صاحب الموصل عزّ الدّين سارت إلى صلاح الدّين قبل أن ينازل البلد، وخضعت له تطلب الصُّلْح والإحسان، فردّها خائبة، ثم إنه ندِم، ورأى أنّه عاجز عن أخذ البلد عَنْوةً، وأتته الأخبار بوفاة شاه أرمن صاحب خِلاط،
وبوفاة نور الدّين محمد صاحب حصن كيفا وآمِد، فتقسّم فِكْرُه، واختلفت آراء أمرائه، فلم يلبث أن جاءته رُسُل أمراء خِلاط بتعجيل المسير إليهم، فأسرع إليهم، وجعل على مقدِّمته ابنَ عمّه ناصر الدّين محمد بن شِيرَكُوه ومظفَّر الدّين كوكبري ابن صاحب إربل إلى خِلاط، فوجد الأمير بكتمر مملوك شاه أرمن قد تملَّك، فنزلا بقربها، ووصل الملك شمس الدّين البهلوان محمد بن إلْدِكِز بجيش أذرْبَيْجان ليأخذ خِلاط فنزل أيضًا بقربها. وكان الوزير بها مجد الدّين عبد اللَّه بن الموفَّق بن رشيق، فكاتب البهلوان مرة وصلاح الدّين أخرى.
ووصل صلاح الدّين ميّافارقين فنازلها وحاصرها، وكتب إلى مقدّمته يأمرهم بالعَود إليه فعادوا، وتسلّمها بالأمان، وسلّمها إلى مملوكه سُنْقُر في جُمادى الأولى. ورحل فأتته رُسُلُ البهلوان بما فيه المصلحة وأن يرجع عن خلاط، فأجاب: على أن ترحل أنت صلاح الدين أيضًا إلى بلادك.
ثم عاد صلاح الدّين فنازل الموصل وضايقها، فخرج إليه جماعة من النّساء الأتابكيّات فخضعْن له، فأكرمهن وقبِلَ شفاعتهنّ. واستقرّ الأمر على أن يكون عماد الدّين زنكي بن مودود بن زنكي صاحب سنْجار هو المتكلّم، فتوسّط بأن تكون بلاد شهرزُور وحصونها للسّلطان، وتُضْرب السّكّة باسمه والخطْبة له بالموصل، وأن تكون الموصل لصاحبها، وأن يكون طَوْعه.
ثم رجع السّلطان فتمرّض بحَرّان مُدَيْدَة، واستدام مرضه، وتناثر شَعْر رأسه ولحيته، وأرجفوا بموته، ثم عُوفي.
وتُوُفّي ناصر الدّين محمد ابن أسد الدّين صاحب حمص، فأنعم بها السّلطان على ولده الملك المجاهد أسد الدّين شِيركُوه بن محمد. وسِنُّه يومئذٍ ثلاث عشرة سنة، وامتدَّت أيّامه.
وأمّا أهل خِلاط فإنّهم اصطلحوا مع البهلوان محمد، وصاروا من حزبه وخطبوا له.
قال ابن الأثير: وفيها ابتداء الفتنة بين التُّرْكمان والأكراد بالموصل، والجزيرة، وشهرزور، وأَذَرْبَيْجان، والشّام. وقُتِلَ فيها من الخلْق ما لا يُحصى،
ودامت عدّة سنين، وتقطّعت الطُّرُق، وأُرِيقت الدّماء، ونُهبت الأموال، وسببها أن تُرْكمانيّة تزوَّجت بتُركمانيّ، فاجتازوا بأكرادٍ، فطلبوا منهم وليمة العُرْس، فامتنعوا وجرى بينهم خصام آلَ إلى القتال، فقُتِل الزَّوج، فهاجت الفِتنة، وقامت التّرْكُمان على ساقٍ، وقتلوا جمْعًا كثيرا من الأكراد، فتناخت الأكراد وقتلوا في التُّرْكُمان. وتفاقم الشَّرّ ودام، إلى أن جمع الأمير مجاهد الدّين قايماز عنده جَمعًا من رؤوس التُّرْكُمان والأكراد وأصلح بينهم، وأعطاهم الخِلَع والثياب، وأخرج عليهم مالًا جمًّا، فانقطعت الفتنة.
وفيها استولى ابن غانية الملثّم على أكثر بلاد إفريقية كما ذكرناه في سنة ثمانين استطرادًا.
سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة
في أولها صح مزاج السّلطان بحرّان فرحل منها، ومعه ولداه الظاهر، والعزيز، وأخوه العادل، وقدِم دمشق، فبذل العادل بلاد حلب لأولاد أخيه، فشكره السّلطان على ذلك، وملّكها للسلطان الملك الظاهر غازي ولده، وسيَّر أخاه العادل إلى مصر، ونزل على نواحي البلقاء.
وقيل: إن الملك الظاهر لمّا تزوَّج بابنة العادل نزل له العادل عن حلب، وقال: أنا ألزم خدمة أخي وأقنع بما أعطاني. وسمح بهذا لأن السّلطان أخاه كان في مرضه قد أوصى إليه على أولاده وممالكه، فأعجبه ذلك.
قال العماد الكاتب: أجمع المنجّمون في سنة اثنتين وثمانين في جميع البلاد بخراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلدان، وخوّفوا بذلك من لا توثُّق له باليقين، ولا إحكام له في الدّين من ملوك الأعاجم والروم، وأشعروهم من تأثيرات النجوم، فشرعوا في حفر مغارات في التُّخُوم، وتعميق بيوت في الأسراب وتوثيقها، وشدّ منافسها على الريح، ونقلوا إليها الماء والأزواد وانتقلوا إليها، وانتظروا الميعاد وسلطاننا متنمّر من أباطيل المنجّمين، مُوقنٌ أنّ قولهم مبنيّ على الكذب
والتخمين. فلمّا كانت الليلة التي عيَّنها المنجمون لمثل ريح عاد، ونحن جلوسٌ عند السّلطان، والشُّموع توقد، وما يتحرك لنا نسيم، ولم نرَ ليلةً مثلها في ركودها، وعمل في ذلك جماعةٌ من الشعراء. فممّا عمل أبو الغنائم محمد ابن المعلّم فيما ورَّخه أبو المظفَّر السبط في المرآة:
قُلْ لأبي الفضل قَولَ معترفٍ مضى جُمادى وجاءنا رَجَبُ وما جرت زعزعا كما حكموا ولا بَدَا كوكبٌ له ذَنَبُ كلاَّ، ولا أظلمت ذُكاء ولا أبدت أذىً في قرانها الشُّهُبُ يقضي عليها من ليس يعلم ما يُقضى عليه هذا هو العَجبُ قد بان كذِبُ المنجّمين وفي أي مقال قالوا وماكذبوا؟
قال ابن البُزُوريّ: وفي يوم عاشوراء سنة اثنتين قال محمد بن القادسيّ: فُرِش الرَّماد في الأسواق ببغداد، وعلقت المسوح، وناح أهل الكَرخ والمختارة، وخرج النساء حاسراتٍ يلطمن وينحن من باب البدريّة إلى باب حجرة الخليفة، والخِلَع تُفاض عليهنّ وعلى المنشدين من الرجال، وتعدى الأمر إلى سبِّ الصحابة. وكان أهل الكرخ يصيحون: ما بقي كتمان. وأقاموا ابنة قرايا، وكان الظّهير ابن العطار قد كبس دار أبيها، وأخرج منها كُتبًا في سبّ الصحابة، فقطع يديه ورجليه، ورجمته العوّام حتى مات، فقامت هذه المرأة تحت منظرة الخليفة وحولها خلائق وهي تنشد أشعار العوْني وتقول: العنوا راكبةَ الجمل. وتذكر حديث الإفك، قال: وكلّ ذلك منسوبٌ إلى أستاذ الدّار، وهو مجد الدّين ابن الصّاحب، ثم قُتِل بعد.
وفيها وقع الخلاف بين الفرنج - لعنهم اللَّه - وتفرَّقت كلمتهم، وكان في ذلك سعادة الإسلام.
وفيها غدر اللعين أرناط صاحب الكرك فقطع الطريق على قافلةٍ كبيرة جاءت من مصر، فقتل وأسر، ثم شن الغارات على المسلمين، ونبذ العهد. فتجهز السّلطان صلاح الدّين لحربه، وطلب العساكر من البلاد، ونذر إن ظَفَرَ به ليقتلنّه، فأظفره اللَّه به كما يأتي.
أنبأنا ابن البُزُوري في الذيل قال: وقدِم الحاجّ بغداد، وأخبروا أنّ سيف الإسلام طُغتِكين أخا صلاح الدّين خرج عن الطاعة، وترك مراضي الديوان وأتباعه، واستولى على مكّة وأهلها، وخطب لأخيه، وأخبروا أنّ قِفل الكعبة عَسُر عليهم فتحُه، وازدحم الناس، فمات منهم أربعةٌ وثلاثون نفسًا.
قال: وفي هذه السنة كان المنجّمون يزعمون أنّ في تاسع جُمادى الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان، وهو القِران الخامس، ويدلّ ذلك على رياحٍ شديدة، وهلاك مدنٍ كثيرة، فلم يُرَ إلاّ الخير. وأُخبرتُ أنّ الهواء توقَّف في الشهر المذكور على أهل السواد، فلم يكن لهم ما يذرّون به الغلَّة.
قال ابن البزوري: وكان الخليفة أمر بأخذ خطوط المنجمّين بذلك، فكتبوا سوى قيماز، وكان حاذقًا بالنّجوم، فإنّه كتب: لا يتم من ذلك شيء. وخرج. فقال له منجّم: ما هذا؟ قال: إن كان كما تزعمون من هلاك العالم مَن يوافقني؟ وإن كان ما قلته حظيت عندهم.
وفيها عقد أمير المؤمنين الناصر على الجهة سلجوق خاتون بنت قَلِج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم بوكالةٍ من أخيها كيخسْرُو، وسار لإحضارها الحافظ يوسف بن أحمد شيخ الرّباط الأرجواني.
وفيها جَرت فتنة عظيمة بين الرافضة والسُّنة قُتل فيها خلقٌ كثير، وغلبوا أهل الكرخ.
وفيها وردت الأخبار بالفتن بأصبهان، والقتال والنهب، وإحراق المساجد والمدارس، وقتل الأطفال، فقُتِل أربعة آلاف نفس. وسببه اختلاف المذاهب بعد وفاة زعيم أصبهان البهلوان. ثم ملك بعده أخوه فهذَّب البلاد.
وأمير الركب العراقي في هذه الأعوام طاشتكين المستنجديّ.
وفي هذه الأيام كَثُر الخُلْف بديار بكر والجزيرة بين الأكراد والتركمان، وبين الفرنج والروم والأرمن، وبين الإسماعيلية والنبوية. وقتلت الإسماعيلية ابن نيسان والد الذي أخذ منه صلاح الدّين آمِد.
ووقع بين الكراكيّ واللقالق والإوزّ، وصارت تصطدم بالجو وتتساقط جرحى وكَسْرَى، وامْتار الناس منها بأرض حرّان؛ قاله عبد اللطيف.
سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة
قال لنا ابن البزوري: أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع، وأول السنة الشمسية وأول سِنيّ الفُرس، والشمس والقمر في أول البروج. وكان ذلك من الاتفاقات العجيبة.
قال: وفي صَفَر عُزل نقيب النُّقباء ابن الروال بأبي القاسم قُثَم بن طلحة الزَّينبيَ.
وفي ربيع الأول استدعيَ مجد الدّين هبة اللَّه ابن الصاحب أستاذ الدّار إلى باطن دار الخلافة، فقُتِل بها. وكان قد ارتفعت رُتْبته وعلا شأنه وتولّى قتلَه ياقوت الناصريّ، وعلَّق رأسه على باب داره. وولي أستاذيّة الدار قِوام الدّين أبو طالب يحيى بن زبادة، نقلًا من حجابة الباب النُّوبيّ وأمر بكشف تركة ابن الصّاحب، فكانت ألف ألف دينار وخمسة وثلاثين ألف دينار، سوى الأقمشة والآلات والأملاك. وتقدَّم أن لا يتعرض إلى ما يخصّ أولاده من أملاكهم التي باسمهم.
وقال سبط ابن الجوزيّ: قرَّبه الناصر تقريبًا زائدًا، فبسط يده في الأموال، وسفك الدّماء، وسبّ الصحابة ظاهرًا، وبَطَر بطَرًا شديدًا، وعزم على تغيير الدولة، إلى أن قال: وثب عليه في الدِّهليز ياقوت شِحنة بغداد فقتله، ووُجد له ما لم يوجد في دُور الخلفاء.
قلت: وتُوفّي النقيب عبد الملك بن عليّ بالسجن، وكان خاصًا بابن الصاحب والمنفّذ لمراسمه، وأُخرج، فلمّا رأت العامّة تابوته رَمَوه، وشدّوا في رجله حبلًا وسحبوه، وأحرقوه بباب المراتب.
وفي شوال عُزل ابن الداريج عن نيابة الوزارة، ثم نُفِّذ إلى جلال الدّين أبي المظفّر عُبيد اللَّه بن يونس فولي الأمر. ثم استُدْعيَ يوم الجمعة إلى باب الحجرة، وخُلعَ عليه خِلعة الوزارة الكاملة، ولُقِّب يومئذٍ جلال الدّين، وقبَّل يد الخليفة وقال له: قلَّدتك أمور الرعية فقدِّم تقوى اللَّه أمامك.
وقد كان ابن يونس يشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن ابن الدّامغانيّ، وتوقَّف مرة في سماع قوله. فلمّا كان هذا اليوم كان قاضي القضاة ممّن يمشي بين يديه. فقيل إنّه قال: لعن اللَّه طول العمر. ثم مات بعد أيام في ذي الحجّة، فوُلّي قضاءَ القضاة بالعراق أبو طالب عليّ بن عليّ ابن البخاري.
وفيها أرسل السّلطان طُغْرُل بن أرسلان بن طُغْرُل بن محمد السلجوقي إلى الديوان يطلب أن تُعمر دار المملكة ليجيء وينزلها، وأن يُسمى في الخطبة. فأمر الخليفة فَهُدمت دار المملكة وأُعيد رسوله بغير جواب. وكان مُستضعف المُلك مع البهلوان ليس له غير الاسم. فلما مات البهلوان قويت نفسه وعسكر، وانضمَّ إليه أمراء.
وحجَّ بالركب العراقي مُجِير الدّين طاشتكين على عادته، وحجَّ من الشام الأمير شمس الدّين محمد بن عبد الملك، المعروف بابن المقدَّم، فضرب كوساته، وتقدَّم من عرفات قبل أصحاب الخليفة، فأرسل طاشتِكين يلومه، فلم يفكّر فيه، فركب طاشتكين في أجناده، إلى قتاله، وتبعه خلق من ركب العراق. ووقع الحرب، وقُتِل من رَكب الشام خلق، ثم أُسِرَ ابن المقدَّم، وجيء به إلى خيمة طاشتكين، وخيطت جراحاته، ثم مات بمِنى ودُفن بها.
قلت: وقد كان من كبار الأمراء النُّوريّة وولي نيابة دمشق للسلطان صلاح الدّين وهو واقف المدرسة المقدّميَّة.
سنة الفتوحات
وفيها كتب السّلطان صلاح الدّين إلى الأقطار يستدعي الأجناد إلى الجهاد. وبرز في أول السنة، ونزل على أرض بُصرى مرتقبًا مجيء الحاجّ ليخفرَهم من الفرنج. وسار إلى الكرك والشَّوبك، فأحرق ضياعهما، وأقام هناك شهرين، واجتمعت الجيوش برأس الماء عند ولده الأفضل، فجهَّز بعثًا فأغاروا على طبرية، وقدِم من الشرق مظفَّر الدّين صاحب إربل بالعساكر، وقدِم بدر الدّين دلدرم على عسكر حلب، وقايماز النَّجْميّ على عسكر دمشق، فساروا مُدلجين حتى صبَّحوا صفورية، فخرجت الفرنج فنصر اللَّه المسلمين،
وقُتِل من الفرنج خلقٌ من الإسبِتار، وأسروا خلقًا.
وأسرع السّلطان حتى نزل بعشترا، وعرض العساكر وأنفق فيهم، وسار بهم وقد ملأوا الفضاء فنزل الأرْدُنّ، ونزل معظم العساكر. وسار إلى طبرية فأخذها عنوةً، فتأهَّبت الفرنج وحشدوا، وجاءوا من كل فجّ وأقبلوا، فرتَّب عساكره في مقابلتهم وصابَحهم وبايتَهم.
وكان المسلمون اثني عشر ألف فارس وخلقٍ من الرجَّالة. وقيل: كان الفرنج ثمانين ألفًا ما بين فارسٍ وراجلٍ. والتجؤوا إلى جبل حطين، فأحاط المسلمون به من كل جانب، فهرب القومُّص لعَنه اللَّه، ووقع القتال، فكانت الدائرة على الفرنج، وأُسِر خلقٌ منهم الملك كي، وأخوه جفري، وصاحب جُبيل، وهنفري بن هَنفري، والإبرِنْس أرناط صاحب الكرك، وابن صاحب إسكندرونة، وصاحب مرقيّة.
وما أحلى قول العماد الكاتب: فَمَن شاهد القتلى يومئذٍ قال: ما هناك أسير، ومَنْ عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل.
قلت: ولا عَهْد للإسلام بالشام بمثل هذه الوقعة من زمن الصحابة. فقتل السّلطان صاحب الكرك بيده لأنه تكلَّم بما أغضب صلاح الدّين، فتنمّر وقام إليه فطيَّر رأسه، فأُرعب الباقون.
وقال ابن شداد: بل كان السّلطان نذر أن يقتله لأنه سار ليملك الحجاز، وغَدَرَ وأخذ قفلًا كبيرًا، وهو الذي كان مقدَّم الفرنج نوبةَ الرملة لمّا كبسوا السلطان صلاح الدّين وكسروه سنة ثلاثٍ وسبعين، وكان أرناط فارس الفِرنج في زمانه، وقد وقع في أسر الملك نور الدين، وحبسه مدّةً بقلعة حلب. فلما مات نور الدّين وذهب ابنه إلى حلب وقصده صلاح الدّين غير مرةٍ ليأخذ منه حلب أطلق أرناط وجماعةً من كبار الفرنج ليُعِينوه على صلاح الدين، ثم قيَّد جميع الأسارى وحُملوا إلى الحصون، وأخذ السّلطان يومئذٍ منهم صليب الصَّلَبُوت، وكانت وقعة حطّين هذه في نصف ربيع الآخر، ولم ينْجُ فيها من الفرنج إلاّ القليل، وهي من أعظم الفتح في الإسلام، وقيل: كان الفرنج أربعين ألفًا، وأبيع فيها الأسير بدمشق بدينار فللَّه المنة.
قال أبو المظفَّر ابن الجوزي: خيَّم السّلطان على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفًا من الفُرسان سوى الرّجّالة، وخرج الفرنج من عكّا، فلم يدعوا بها محتلِمًا. فنزلوا صفورية، وتقدَّم السّلطان إلى طبرية، فنصب عليها المجانيق، وافتتحها في ربيع الآخر، وتقدمت الفرنج فنزلوا لوبية من الغد، وملك المسلمون عليهم الماء، وكان يومًا حارًّا. والتهب الغور عليهم، وأضرم مظفَّر الدّين النّارَ في الزُّروع، وأحاط بهم المسلمون طول الليل، فلمّا طلع الفجر قاتلوا إلى الظُّهر، وصعدوا إلى تل حطين والنار تُضرَم حولهم، وساق القومُّص على حمِيَّة وحرق، وصعد إلى صفد، وعملت السيوف في الفرنج، وأسر من الملوك جماعة، وجيء بصليب الصَّلَبُوت إلى السّلطان، وهو مرصَّع بالجواهر واليواقيت في غلافٍ من ذهب. فأُسرَ ملك الفرنج درباسُ الكُرديّ، وأسر إبرنس الكرك إبراهيم غلام المهرانيّ.
قال: واستدعاهم السّلطان، فجلس الملك عن يمينه، ويليه إبرنس الكرك، فنظر السّلطان إلى الملك وهو يَلهَث عطشًا، فأمر له بماءٍ وثلج، فشرب وسقى البرنس، فقال السّلطان: ما أذِنتُ لك في سقيه. والتفت إلى البرنس فقال: يا ملعون يا غدّار، حَلَفت ونكثت. وجعل يعدد عليه غدراته، ثم قام إليه فضربه حلَّ كتفه، وتمَّمه المماليك، فطار عقل الملك، فأمنه السّلطان وقال: هذا كلب غَدَر غير مرَّة.
إلى أن قال: وأبيعت الأسارى بثمنٍ بخسٍ، حتى باع فقيرٌ أسيرًا بنَعل، فقيل له في ذلك فقال: أردتُ إهانتهم، ودخل القاضي ابن أبي عصرون دمشقَ وصليب الصَّلَب وت منكّسًا بين يديه، وعاد السّلطان إلى طبرية، وآمن صاحبتها، فخرجت بأموالها إلى عكّا. وأمّا القومُّص فسار من صفد إلى طرابُلسَ فمات بها، فقيل: مات من جراحاتٍ أصابته. وقيل: إنّ امرأته سمّته.
قال القاضي جمال الدّين ابن واصل: اجتمعت الجحافل على رأس الماء عند الملك الأفضل ابن السّلطان، وتأخرت العساكر الحلبيّة لانشغالها
بفرنج أنطاكية وبالأرمن، فدخل الملك المظفر صاحب حماة فأخمد ثائرتهم، ثم رد إلى حماة ومعه فخر الدّين مسعود ابن الزعفرانيّ على عسكر الموصل وعسكر ماردين، فلحقوا السّلطان بعشترا، ثم ساروا، وأحاطت جيوشه ببُحيرة طبرية عند قرية الصّنبرة، ثم نازل طبريّة فافتتحها في ساعةٍ من نهار.
وحكى ابن الأثير عمّن أخبره عن الملك الأفضل قال: كنت إلى جانب والدي السّلطان في مُصافّ حطِّين، وهو أول مُصافٍّ شاهدته، فلما صار ملك الفرنج على التل حملوا حملةً منكرةً علينا، حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، فنظرت إليه وقد اربدَّ لونه، وأمسك بلحيته، وتقدم وهو يصيح: كذب الشيطان. فعاد المسلمون على الفرنج، فرجعوا إلى التل. فلمّا رأيت ذلك صُحت: هزمناهم، هزمناهم، فعاد الفرنج وحملوا حملةً ثانيةً حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، وفعَل مثل ما فعل أولًا، وعطف المسلمون عليهم وألحقوهم بالتل، فصحت أنا: هزمناهم. فقال والدي: اسكُت، ما نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة، يعني خيمة الملك، قال: فهو يقول لي وإذا الخيمة قد سقطت، فنزل أبي وسجد وشكر الله، وبكى من فرحه، وكان سبب سقوطها أنهم عطشوا، وكانوا يرجون بالحملات الخلاص، فلما لم يجدوه نزلوا عن خيلهم وجلسوا، فصعد المسلمون إليهم، وألقوا خيمة ملكهم، وأسروهم كلّهم.
قال القاضي بهاء الدّين ابن شدّاد: حدَّثني من أثَق به أنهّ لقي بحَوران شخصًا واحدًا ومعه طنب خَيمة، وفيه نيّفٌ وثلاثون أسيرًا يجرهم وحده لخذلانٍ وقع عليهم.
ومن إنشاءٍ عمادي إلى الخليفة: الحمد لله الذي أعاد الإسلام جديدًا .. إلى أن قال: ونورد البُشرى بما أنعم اللَّه من يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر إلى الخميس الآخر، تلك سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسُوما، فيوم الخميس فُتحت طبرية، ويوم الجمعة والسبت نُوزل الفرنج فكُسِروا كسرةً ما
لهم بعدها قائمة، وفي يوم الخميس سلخ الشهر فُتحت عكا بالأمان، ورُفعت بها أعلام الإيمان، وهي أمُّ البلاد، وأخت إرمَ ذات العماد، إلى أن قال: فأمّا القتلى والأسرى فإنها تزيد على ثلاثين ألفًا، يعني في وقعة حطّين وما حولها في هذا الأسبوع.
وقد ذكر العماد أيضًا أنّه خُلّص من هذه السنة من أسر الكُفر أكثر من عشرين ألف أسير، ووقع في الأسر من الكفار مائة ألف أسير. هكذا قال.
ثم سار السّلطان إلى عكا فوصلها بعد خمسة أيامٍ من الوقعة، فأخذها بالأمان، وملَكها بلا مشقة. وبلغ السّلطان الملك العادل هذا النصرُ العظيمُ، فخرج من مصر بالجيوش، فمرّ بيافا ومجدل فافتتحهما عنوةً، وغنم من الأموال ما لا يوصف. ثم فتح الله الناصرة وصفورية على يد مظفر الدّين صاحب إربل عنوةً، وفُتحت قيسارية على يد دلدرم وغرس الدّين قليج عَنوة، ونابلس على يد حسام الدّين لاجين بالأمان بعد قتالٍ شديد، ثم حصن الفولة بالأمان.
ثم نازل السّلطان تبنين فافتتحها، ثم صيدا فافتتحها، ثم بيروت ثم جُبَيل، ثم سار إلى عسقلان فحاصرها وضيّق عليها بالقتال والمجانيق، ثم أخذها بالأمان. وأخذ الرملة، والدّاروم، وغزّة، وبيت جبريل، والنَّطرُون بالأمان.
ثم سار مؤيدًا منصورًا إلى البيت المقدس، فنزل عليه من غربيه في نصف رجب، وكان بها يومئذٍ ستون ألف مقاتل. فقاتلهم المسلمون أشد قتال، ثم انتقل السّلطان بعد خمسٍ إلى الجانب الشمالي من البلد ونصب المجانيق ووقع الجدّ، فطلب الفِرنج الأمان، فأمَّنهم بعد تمنُّع، وقرر على كل رجلٍ عشرة دنانير، وعلى كل امرأةٍ خمسة دنانير، وعلى كل صغير أو صغيرةٍ دينارين، وإن من عجز أُمهل أربعين يومًا، ثم يُسترقّ، فأجابوا إلى ذلك وجمع المال فكان سبعمائة ألف دينار، فقسّمه في الجيش. وبقي ثلاثون ألفًا ليس لهم فكاك، فاستعبدهم وفرَّقهم. وخلّص من أسارى المسلمين عشرين ألفًا، وخرج منها البترَك بأموالٍ لا تُحصى، فأراد الأمراء الغدر به فمنعهم وخَفَره، وقال: الوفاء خير من الغدر، وهذا البترك عندهم أعظم رُتبةً من ملك الفرنج.
وكان هرب إلى بيت المقدس من الكبار صاحب الرملة ياليان بن
بادران، وهو دون ملك الفرنج في الرُّتبة بقليل، وخلق كثير من كبار فرسانهم، ورأوا أن الموت أهون عليهم من أخذ المسلمين القدس من أيديهم إذ هو بيت عباداتهم الأعظم، ومحلّ تجسُّد الناسوت فيما زعموا باللاهوت - تعالى اللَّه وتقدَّس عما يقولون عُلوًا كبيرًا - وبه قُمامة التي تُدعى القيامة محلّ ضلالتهم وقبلة جهالتهم، زعموا أنّ المسيح دُفن بعد الصَّلب بها ثلاثة أيام، ثم قام من القبر، وصعد إلى السماء، فبالغوا في تحصينه بكل طريق. فنازله السّلطان، وما وجد عليه موضعًا أقرب إلا من جهة الشمال فنزل عليه، واشتد الحرب، وبقيت الفرسان تخرج من المدينة وتحمل وتقاتل أشد القتال وأقواه، ثم إن المسلمين حملوا عليهم يومًا حتّى أدخلوهم القدس، ولصقوا بالخندق، ثمّ أخذوا في النُّقوب، وتتابع الرمي بالمجانيق من الفريقين ووقع الجدّ، واجتمعت الفرنج، فاتفقوا على طلب الأمان، فامتنع السّلطان - أيده اللَّه - من إجابتهم فقال: لا أفعل فيه إلاّ كما فعلتم بأهله حين ملكتموه من نحو تسعين سنة. فرجعت رُسُلهم خائبين. فخرج صاحب الرملة ياليان بنفسه فطلب الأمان فلم يعط، فاستعطف السّلطان فامتنع، فلما أيس قال: نحن خلقٌ كثير وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ورغبةً في الحياة، فإذا رأينا أن الموت لا بد منه لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا، ونحرق أموالنا، ولا ندع لكم شيئًا، فإذا فرغنا أخربنا الصَّخرة والأقصى، وقتلنا الأسرى، وهم خمسة آلاف مسلم، وقتلنا الدّوابّ، ثمّ خرجنا إليكم وقاتلنا قتال الموت، فلا يُقتل مّنا رجل حتّى يقتل رجلًا ونموت أعزاء، فاستشار حينئذٍ السّلطان أمراءه فقالوا: المصلحة الأمان. وقالوا: نحسب أنهم أسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم. فأمنهم بشرط أن يزن كل رجلٍ عشرة دنانير، وكل امرأةٍ خمسة دنانير، والطفل دينارين.
ثم رفعت أعلام الإسلام على السُّور، ورتّب السّلطان أمناءه على أبواب القدس ليأخذوا المال ممّن يخرج، وكان بها ستّون ألفًا سوى النساء والولدان. ووزن ياليان من عنده عن ثمانية عشر ألف رجل. ثم بعد ذلك أُسر منها عشرة آلاف نفس فقراء لم يقدروا على شراء أنفسهم.
ثم إن جماعةً من الأمراء ادعوا أنّ لهم في القدس رعيَّة، فكان يطلقهم
كمظفّر الدّين ابن صاحب إربل ادَّعى أنّ جماعة من أهل الرُّها بالقدس وعدّتهم ألف نفس. وكذلك صاحب البيرة ادّعى أنّ فيها خمسمائة نفس من أهل البيرة.
وكان على رأس قبة الصخرة صليبٌ كبيرٌ مذهّب، فطلع المسلمون ورموه، وضجّ الخلق ضجَّةً عظيمةً إلى الغاية.
وكان المسجد الأقصى مشغولًا بالخنازير والخبَث والأبنية، بنَت الدّاويةُ في غربيه مساكن وفيها المراحيض، وسدوا المحراب، فبادر المسلمون إلى تنظيفه وتطهيره، وبسطوا فيه البُسط الفاخرة، وعلقت القناديل، وخطب به الناس يوم الجمعة، وهو رابع شعبان، القاضي محيي الدّين ابن الزّكيّ، وتسامع الناس، وتسارعوا من كل فجٍّ وقُربٍ وبُعدٍ للزيارة، وازدحموا يوم هذه الجمعة حتى فاتوا الإحصاء، وحضر السّلطان فصّلى بقرب الصخرة، وفرح إذ جعله اللَّه تعالى في هذا الفتح ثانيًا لعمر رضي الله عنه، فاستفتح القاضي خطبته بقوله تعالى:(فقُطعَ دابِرُ القومِ الذين ظلمُوا والحمد للَّه ربِّ العالمينَ)، ثمّ أوّل الأنعام، وآخر سُبحان، وأول الكهف، وحمدَلة النَّمل، وأول سبأ، وفاطر، ثم قال: الحمد للَّه مُعز الإسلام بنصره. . إلى آخرها. ثم خطب ثلاث جُمعٍ بعدها من إنشائه.
وقد كان الملك نور الدّين أنشأ منبرًا برسم الأقصى قبل فتح بيت المقدس طمعًا في أن يفتتحه، ولم تزل نفسه تحدثه بفتحه، وكان بحلب نجّار فائق الصَّنعة، فعمل لنور الدّين هذا المنبر على أحسن نعتٍ وأجمله وأبدعه، فاحترق جامع حلب، فنُصب فيه لما جُدّد المنبر المذكور، ثم عمل النّجّار المذكور ويُعرف بالأخترينيّ، نسبةً إلى قرية أخترين، محرابًا من نسبة ذلك المنبر، فلما افتتح السّلطان بيت المقدس أمر بنقل المنبر فنصب إلى جانب محراب الأقصى، فلله الحمد على هذه النعم التي لا تُحصى.
وقد كانت الفرنج بنوا على الصخرة كنيسةً، وغيّروا أوضاعها وصوروها، ونصبوا مذبحًا، وعملوا على موضع القدم قُبةً لطيفةً مذهَّبةً بأعمدة رخام، فخربت تلك الأبنية عن الصخرة وأُبرزت. وكانت الفرنج قد قطعوا منها قطعًا، وحملوها إلى القسطنطينية وإلى صقلية، حتى قيل: كانوا يبيعونها بوزنها ذهبًا.
وحضر الملك المظفَّر تقيّ الدّين فحمل إليها أحمالًا من ماء الورد فغسلها بها، وكنس ساحاتها بيده، وغسل جدرانها، ثم بخَّرها بالطِّيب، وحضر الملك الأفضل ابن السّلطان ففرش فيها بُسطًا نفيسة، ورتب الأئمة والمؤذنين والقُوَّام. ثم عين السّلطان كنيسة صندجية وصيَّرها مدرسةً للشافعية ووقف عليها وقوفًا جليلة. وقرَّر دار البترك الأعظم رباطًا للفقراء، ومحا آثار النصرانية، وأمر بإغلاق كنيسة قُمامة، ومنع النصارى من ريادتها. ثم تقرر بعدُ على من زارها ضريبة تؤخذ منه.
ولما افتتح عمر بيت المقدس أقرَّ هذه الكنيسة ولم يهدمها، ولهذا أبقاها السّلطان.
وللنَّسَّابة محمد بن أسعد الجواني نقيب الأشراف بمصر:
أتُرى منامًا ما بعيني أُبصرُ القدس يُفتح والنصارى تكسرُ؟ وقمامة قمت من الرجس الذي بزواله وزوالها يتطهَّرُ ومليكهم في القيد مصفودٌ ولم يُرَ قبل ذاك لهم مليك يؤسَرُ قد جاء نصر اللَّه والفتحُ الذي وعد الرسولُ فسبّحوا واستغفروا يا يوسف الصديق أنت بفتحها فاروقها عمر الإمام الأطهرُ قال أبو المظفر ابن الجوزي: ولمّا افتتح السّلطان عكّا راح إلى تِبنين فتسلمها بالأمان، وتسلَّم صيدا، وبيروت، وجُبيل، وغزة، والداروم، والرملة، وبينا، وبيت جبريل، وبلد الخليل، ونازل عسقلان فقُتل عليها حسام الدّين ابن المهراني ثم تسلمها. فكان مدة استيلاء الفرنج عليها خمسًا وثلاثين سنة، إلى أن قال: ملك السّلطان هذه الأماكن في أربعين يومًا أولها ثامن عشر جمادى الأولى، ثم نازل القدس، إلى أن قال: وخلّص من الأسر بعكا أربعة آلاف، ومن القدس ثلاثة آلاف، فلله الحمد.
وقال ابن الأثير: سار السّلطان عن بيروت نحو عسقلان، واجتمع بأخيه العادل سيف الدين، ونازلوها في سادس جُمادى الآخرة، وزحفوا عليها مرةً بعد أخرى، وأُخذت بالأمان في سلخ الشهر وسار أهلها إلى بيت
المقدس، وتسلّم البلد لثلاثٍ بقين من رجب. وأنقذه اللَّه من النصارى الأنجاس بعد إحدى وتسعين سنة، فلما كان يوم الجمعة رابع شعبان أقيمت الجمعة بالمسجد الأقصى، وخطب للناس قاضي القضاة محيي الدّين ابن الزَّكيّ خطبة مونقة بليغة، وابتدأ السّلطان في إصلاح المسجد الأقصى والصخرة، ومحو آثار الفرنج وشعارهم. وتنافس الملوك معه في عمل المآثر الحسنة والآثار الجميلة، فرزقنا اللَّه شُكر هذه النعم، ورحم اللَّه صلاح الدّين وأسكنه الجنّة.
وللعماد الكاتب يصف وقعة حطين: حتى إذا أسفر الصباح خرج الجاليشية تحرق نيران النصال أهل النار، ورنَّت القسيّ، وغنَّت الأوتار، واليوم ذاكٍ، والحرب شاكٍ، والقيظ عليهم فيض، وماء للغيظ منهم غيض، وقد وَقَدَ الحرّ، واستشرى الشرّ، ووقع الكر والفرّ، والجو محرق، والجوى مقلق، وأصبح الجيش على تعبيته، والنصر على تلبيته.
قال: وبرَّح بالفرنج العطش، وأبت عثرتها تنتعش، فرمى بعض مطوِّعة المجاهدين النار في الحشيش، فتأجج عليهم استعارها، فرجا الفرنج فرجًا، وطلب طلبهم المحرج مخرجًا. وكلما خرجوا جُرحوا، وبرح بهم حرّ الحرب فما برحوا، فشوتهم نار السهام وأشوتهم، وصممت عليهم قلوب القسي القاسية وأصمتهُم.
وقال: وفتحوا عكا يوم الجمعة مستهل جُمادى الأولى، فجئنا إلى كنيستها العظمى، فأزحنا عنها البؤسى بالنُّعمى، وحضر الأجل الفاضل فرتَّب بها المنبر والقبلة، وأول من خطب بها جمال الدّين عبد اللطيف بن أبي النّجيب السهرُورديّ، وولاّه السّلطان بها القضاء والخطابة والأوقاف.
وقال في حصار القدس: أقامت المنجنيقات على حصانته حدّ الرجم، وواقعت ثنايا شرفاته بالهتم، وتطايرت الصخور في نُصرة الصخرة المباركة، وحَجَرت على حكم السور بسَفَه الأحجار المتداركة، وحسرت النقوب عن عروس البلد نقب الأسوار، وانكشفت للعيون انكشاف الأسرار.
وفي رمضان توجه السلطان صلاح الدّين فنازل صور ونصب عليها
المجانيق، وكان قد اجتمع بها خلقٌ لا يُحصون من الفرنج، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وحاصرها إلى آخر السنة وترحَّل عنها، وكان قد خرج أصطول صور في الليل فكبس أصطول المسلمين، وأسروا المقدَّم والرئيس وخمس قطع، وقتلوا خلقًا من المسلمين في أواخر شوال، فعظُم ذلك على السّلطان وتألم، وهجم الشتاء والأمطار، فرحل في ثاني ذي القعدة، وأقام بمدينة عكا شهرين في خواصه.
سنة أربع وثمانين وخمس مائة
ترحَّل السّلطان صلاح الدّين عن صور لأنه تعذَّر عليه فتحها لكثرة من فيها وقوَّة شوكتهم. ونزل على حصن كوكب في وسط المحرَّم، فوجده حصنا لا يُرام، فرتب عليه قايماز النجمي في خمس مائة فارس، ثم قدِم دمشق وأقام بها مُديدَة. ورحل إلى بعلبك فرتَّب أمورها، ثم اجتمع هو والملك عماد الدّين زنكي بن مودود صاحب سنجار على بحيرة قَدَس، وكان قد جاء إلى السّلطان لأجل الغزاة، فجعله على ميمنته، وجعل مظفر الدّين ابن صاحب إربل على الميسرة. ثم سار السّلطان فنزل بأرض حصن الأكراد في ربيع الآخر، وبث العساكر في تخريب ضياع الفرنج، وقطّع أشجارهم ونهبهم، ثم رحل إلى أنطرَطُوس، فافتتحها عَنوةً، وسار إلى جَبَلَة فتسلمها عنوة في ساعتين، ثم تسلَّم بكّاس والشُّغر وسلمها إلى الأمير غرس الدّين قليج والد الأميرين سيف الدّين وعماد الدين، ثم سيَّر ولده الملك الظاهر إلى سرمانية فهدمها.
قال العماد الكاتب: فهذه ستّ مدن وقلاع فُتحت في ست جُمَع تباع جَبَلَة، واللاذقية، وصهيون، والشغر، وبَكّاس، وسرمانية.
ثم نازل السّلطان حصن بَرزَيَة في جمادى الآخرة، وضربه بالمجانيق وأخذه بالأمان، وسلمه إلى الأمير عز الدّين ابن شمس الدّين ابن المقدّم، ثم رحل إلى دربساك فتسلمها، ثم رحل إلى بغراس فتسلّمها.
ثم عزم على قصد أنطاكية، فرغب صاحبها البرنس في الهدنة، فهادنه السّلطان. ثم رحل، وودعه عماد الدّين زنكي، وعاد إلى سنجار.
وأقام السّلطان بحلب أيامًا، ثم قدَم حماة وضيفه تقي الدّين عمر،
فأعطاه الجبلة واللاذقية، وسار على طريق بعلبك في شعبان، ودخل دمشق وخرج منها في أوائل رمضان طالبًا للغزاة.
وأما الملك العادل أخوه فكان نازلًا على تبنين بعساكر مصر متحرّزًا على البلاد من غائلة العدو. وكان صهره سعد الدّين كمشتية الأسدي مُوَكلًا بحصار الكرك، فضاقت الميرة عليهم، ويئسوا من نجدةٍ تأتيهم، فتضرعوا إلى الملك العادل، وترددت الرسل منهم، وهو يشدد حتى دخلوا تحت حكمه، وسلّموا الحصن إلى المسلمين في رمضان لفرط ما نالهم من الجوع والقحط. ثم تسلّم السّلطان الشوبك بالأمان.
وسار السّلطان إلى صفد فنازلها، ووصل إليه أخوه العادل، ودام الحصار عليها إلى ثامن شوال وأُخذت بالأمان، وكان أهلها قد قاربت ذخائرهم وأقواتهم أن تنفد، فلهذا سلّموها، ولو اتكل أخذُها وأخذ الكرك إلى فتحها بأسباب الحصار والنقوب لطال الأمر جدًا.
ثم سار إلى حصن كوكب ونازلها وحاصرها، وأخذها بالأمان في نصف ذي القعدة.
ثم قصد بيت المقدس فدخلها في ثامن ذي الحجة هو وأخوه فعيَّد. وسار إلى عسقلان فرتب أمورها، وجهَّز أخاه إلى مصر. ثم رحل صوب عكا ووصلها في آخر السنة.
قال صاحب مرآة الزمان: وكل صلاح الدّين بحصار كوكب قايماز النجمي، ووكّل بصفد طغريل، وبعث إلى الكرك والشوبك كوخيا وهو صهر السّلطان. وسار في الساحل ففتح أنطرسوس، وكان بها برجان عظيمان، فخربهما، وقتل من كان فيهما.
وأما جَبَلَة فأرسل قاضيها منصور بن نبيل يشير على السّلطان بقصدهما، وأخذ أمانًا لأهل جَبَلَة. وكان إبرنس أنطاكية قد سلَّمها إلى القاضي منصور ووثق به في حفظها، فنازلها صلاح الدّين وأخذها. وامتنع عليه الحصن يومًا، وتسلّمه بالأمان.
وسار إلى اللاذقية، وهي بلد كبير على الساحل، بها قلعتان على تلّ،
ولها ميناء من أحسن المواضع، وهي من أطيب البلاد، فحصرها أيامًا، وافتتحها، وأخذ منها غنائم كثيرة، ثم نازل القلعتين، وغلّقت النّقوب، فصاحوا الأمان، وساروا إلى أنطاكية.
قال العماد: ولقد كثر تأسُّفي على تلك العمارات كيف زالت، وعلى تلك الحالات كيف حالت.
وسار فنازل صهيون، وهي حصينة في طرف الجبل، ليس لها خندق محفور إلاّ من ناحية واحدة، طوله ستون ذراعًا، نُقر في حجر، ولها ثلاثة أسوار. وكان على قُلّتها عَلَمٌ طويل عليه صليب، فلما شارفها المسلمون وقع الصليب، فاستبشروا ونصبوا عليها المناجيق، وأخذوها بالأمان في ثلاثة أيام، ثم سلّمها إلى الأمير ناصر الدّين منكورس ابن الأمير خُمارتكين، فسكنها وحصَّنها. وكان من سادة الأمراء وعقلائهم. توفي وهو مالك صهيون. وولي بعده ولده مظفر الدّين عثمان، ثم وليها بعده سيف الدّين محمد بن عثمان إلى بعد السبعين وست مائة.
وبثَّ السّلطان عسكره وأولاده فأخذوا حصون تلك الناحية مثل بلاطُنس، وقلعة الجماهريين، وبكّاس، والشُّغر، وسرمانية، ودربساك، وبغراس، وبرزية، قال: وعُلُوّ قلعة برزية خمسمائة ونيفٌ وسبعون ذراعًا، لأنها على سنِّ جبلٍ شاهقٍ، ومن جوانبها أودية، فسلم دربساك إلى علم الدّين سليمان بن جندر، وهي قلعة قريبة من أنطاكية.
ثم سار يقصد أنطاكية، فراسله صاحبها وقدَّم له. وكانت العساكر المشرقيّة قد ضجرت وخصوصًا عماد الدّين صاحب سنجار، فطال عليه المُقام. فهادن السّلطان صاحب أنطاكية ثمانية أشهر على أن يُطلق الأسارى. ودخل إلى حلب فبات بها ليلة وعاد إلى دمشق. وأعطى تقي الدّين عمر صاحب حماة جَبَلَة واللاذقية.
وقال ابن الأثير: نزل صلاح الدّين تحت حصن الأكراد، وكنت معهم، فأتاه قاضي جَبَلَة منصور بن نبيل، وكان مسموع القول عند بيمند صاحب أنطاكية وجَبَلَة، وله الحُرمة الوافرة، ويحكم على جميع المسلمين
بجبَلَة ونواحيها، فحملته غيرة الدّين على قصد السّلطان، وتكفَّل له بفتح جبلَة واللاذقية والبلاد الشمالية، فسار صلاح الدّين معه فأخذ أًنطرطُوس، وسار إلى المرقب، وهو من حصونهم التي لا تُرام، ولا يحدّث أحد نفسه بملكه لعُلُوّه وامتناعه، ولا طريق إلى جبلَة إلاّ من تحته.
ثم ساق عز الدّين ابن الأثير فتوحات الحصون المذكورة بعبارةٍ طويلة واضحة، لأن عز الدّين حضر هذه الفتوحات الشمالية. ثم ذكر بعدها فتح الكرك، والشوبك وما جاور تلك الناحية من الحصون الصغار. ثم ذكر فتح صفد، وكوكب، إلى أن قال: فتسلّم حصن كوكب في نصف ذي القعدة، وأمنهم وسيَّرهم إلى صور، فاجتمع بها شياطين الفرنج وشجعانهم، واشتدت شوكتهم، وتابعوا الرُّسل إلى جزائر البحر يستغيثون، والأمداد كلّ قليل تأتيهم. وكان ذلك بتفريط صلاح الدّين في إطلاق كل من حضره، حتى عضّ بنانه ندمًا وأسفًا حيث لم ينفعه ذلك. وتمّ للمسلمين بفتح كوكب من حد أيلة إلى بيروت، لا يفصل بين ذلك غير مدينة صور.
أنبأني ابن البُزُوريّ قال: وفي المحرّم خرج الوزير جلال الدّين ابن يونس للقاء السّلطان طُغرل بن رسلان شاه في العساكر الديوانية، واستنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ ابن البخاري.
وفي ربيع الأول كان المُصافّ بين الوزير ابن يونس وطُغرل، وحرَّض الوزير أصحابه وكان فيما يقول: مَن هاب خاب، ومَن أقدم أصاب، ولكل أجلٍ كتاب. فلما ظهر له تقاعس عساكره عن الإقدام، وزلت بهم الأقدام، تأسَّف على فوت المُرام، وثبت في نفرٍ يسير كالأسير، وبيده سيف مشهور، ومُصحف منشور، لا يقدم لهيبته أحدٌ عليه، بل ينظرون إليه فأقدم بعض خواص طُغرل وجاء فأخذ بعنان دابته، وقادها إلى خيمته، ثم أنزله وأجلسه، فجاء إليه السّلطان في خواصه ووزيره، فلزم معهم الأدب وقانون الوزارة، ولم يقم إليهم، فعجبوا من فِعله، وكلَّمهم بكلام خشن، فلم يزل السّلطان طُغرل له مُكرِمًا، ولمنزلته محترمًا، إلى حين عوده.
وأما أبو المظفر فقال في المرآة: أخذ ابن يونس وكان محلوق الرأس، فأُحضر بين يدي السّلطان طُغرل، فألبسه طرطورًا أحمر فيه خلاخل، وجعل يضحك عليه، ولم يرجع إلى بغداد من العسكر إلاّ القليل، تقطعوا في الجبال، وماتوا جوعًا وعطشًا، وعمل الناس الأشعار فيها.
قال: ثم كتب الخليفة إلى بكتمر صاحب خِلاط ليطلب ابن يونس من طُغرُل، وكان قزل أخو البهلوان قد حشد وجمع، والتقى طغرل على هَمذان، فانهزم طغرل إلى خلاط ومعه ابن يونس، فأنكر عليه بكتمر ما فعله بالوزير وعسكر الخليفة، فقال له: هم بدؤوني وبغوا عليَّ، فقال له: أطلق الوزير. فلم يُمكنه مخالفته فأطلقه، فبعث إليه بكتمر الخيل والمماليك، فردّ الجميع، وأخذ بغلين ببرذعتين، وركب هو بغلًا وغلامه بغلا، وسار في زيّ صوفي، وقدم الموصل، فانحدر في سفينة متنكرًا.
وفي ربيع الأول عُزل قاضي القضاة أبو طالب عن نيابة الوزارة.
وفي شعبان وُلّي الوزارةَ ببغداد شهاب الدّين أبو المعالي سعيد بن حديدة.
وفي رمضان عُزل أبو طالب عليّ بن عليّ عن قضاء القضاة، وقُلده فخر الدّين أبو الحسن محمد بن جعفر العباسي.
وفيه وصل الوزير جلال الدّين في سفينةٍ من الموصل، وصعد إلى داره مختفيًا. وبلغ الخليفة فكتب إلى ابن حديدة يقول: أين هو ابن يونس؟ فقال: يكون اليوم بتكريت. فقال له الخليفة: بهذه المعرفة تدبِّر دولتي؟ ابن يونس في بيته، وكان ابن حديدة بقوانين التجارة أعرف منه بقوانين الوزارة.
وفي شوال عزل عن الأستاذ دارية أبو طالب بن زبادة ووُلّي عليّ بن بختيار.
وفيها ثار بالقاهرة اثنا عشر من بقايا شيعة الباطنية في الليل، ونادوا: يا آلَ عليّ يا آلَ عليّ. وصاحوا في الدّروب ليلبي أحدٌ دعوتهم، فما التفت إليهم أحد، فاختفوا.
وفيها وهب السّلطان أخاه العادل سيف الدّين الكرك، واستعاد منه عسقلان.
سنة خمس وثمانين وخمس مائة
في أوّلها قدِم فرج الخادم شحنة أصبهان رسولًا من السّلطان طُغرُل، فقدم تُحفًا وهدايا، ومضمون الرسالة الاستغفار والاعتذار، لاجئًا إلى الديوان لتقال عثرَتُه.
وفي صَفَر أمر الخليفة بالدعاء بالخُطبة لولي عهده أبي نصر محمد، ونقش اسمه على الدينار والدرهم، وأن يُكتب بذلك إلى سائر البلاد.
وفي صفر أيضًا وُلي أبو المظفر عُبيد اللَّه بن يونس الذي كان وزيرًا وكسره طغرُل صدرًا بالمخزن المعمور.
وفيه عُزل الوزير ابن حديدة. وكانت ولايته أقل من شهر.
وفي ربيع الأول وصل القاسم ابن الشهرَزُوريّ رسولًا من السّلطان صلاح الدّين وصحبته صليب الصَّلبُوت التي تزعم النصارى أن عيسى عليه السلام صُلب عليه. فأُلقي بين يدي عتبة باب النُّوبيّ، فبقي أيامًا.
وفي جمادى توجه مُجير الدّين طاشتكين الحاج في جيش فنزل على قلعة الحديثة وحاصرها.
وفي رجب قُلِّد مؤيد الدّين محمد ابن القصاب نيابة الوزارة.
وفي شوال قُتل زعيم قلعة تكريت، وتسلمها نواب الخليفة.
وفي ذي القعدة عُزل صدر المخزن أبو المظفَّر عُبيد اللَّه بن يونس.
وفيها وصل جماعة من الفرنج شباب مِلاح مُرد في القيود من جهة صلاح الدّين إلى الديوان العزيز، فقال فيهم قوام الدّين يحيى بن زبادة:
أفدي بُدُورًا على غصونٍ أسرى يُقادون في القيود قد نُظموا في الحبال حَسرى نظم الجُمانات في العقود إن سكنوا هؤلاء نارًا فهي إذًا جنّة الخلود وفيها سار السّلطان صلاح الدّين من عكا إلى دمشق فدخلها في صفر، ثم توجَّه إلى شَقِيف أرنُون فأقام بمرج برغوث أيامًا، ثم أتى مرج عيون، فنزل
أرناط صاحب الشقيف صيدا إلى خدمة السّلطان فخلع عليه واحترمه، وكان من أكبر الفرنج وكان يعرف العربية، وله معرفة بالتواريخ، فسلم الحصن من غير تعب وقال: لا أقدر أُساكن الفرنج، والتمس المُقام بدمشق، ثم بدا منه غدر فقبض عليه وحبسه بدمشق، ووكل بالحصن من يحاصره، ثم بلغ السّلطان أن الفرنج قد جمعوا وحشدوا وجيشوا من مدينة صور، وساروا لحصار صيدا وعكا ليستردوها، فسار إليهم فالتقاهم، فظهر الفرنج وقُتل في سبيل الله طائفة. ثم كرّ المسلمون عليهم فردوهم حتى ازدحموا على جسرٍ هناك، فغرق مائتا نفس.
ثم سار السّلطان إلى تبنين فرتب أمورها، وسار إلى عكا فأشرف عليها، وقرر بها أميرين: سيف الدّين عليّ المشطوب الكردي، وبهاء الدّين قراقوش الخادم الأبيض، وعاد فلم يلبث أن نازلت الفرنج عكا، وجاءت من البرّ والبحر، فسار السّلطان حتى نزل قبالتهم وحاربهم مراتٍ عديدة، وطال القتال عليهم، واشتد البلاء، وقتل خلقٌ من الفرنج والمسلمين إلى أن دخلت السنة الآتية والأمر كذلك.
وفيها وُلي نيابة دمشق الأمير بدر الدّين مودود أخو الملك العادل لأمه.
وقال ابن الأثير: اجتمع بصور عالم لا يُعد ولا يُحصى، ومن الأموال ما لا يَفنى. ثم إن الرهبان والقُسوس وجماعة من المشهورين لبسوا السواد، وأظهروا الحزن على بيت المقدس، فأخذهم بترك القدس، ودخل بهم بلاد الفرنج يطوف بهم ويستنفرون الفرنج، وصوروا صورة المسيح وصورة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب المسيح وقد جرحه، فعظم ذلك على الفرنج، وحشدوا وجمعوا حتى تهيأ لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرق إليه الإحصاء، فحدثني رجلٌ من حصن الأكراد من أجناد أصحابه الذين سلموه إلى الفرنج قديماُ، وكان قد تاب وندم على ما كان منه في الغارة مع الفرنج على الإسلام، قال: دخلت مع جماعة من الفرنج من أهل حصن الأكراد إلى البلاد البحرية في أربعة شواني يستنجدون. قال: فانتهى بنا الطّواف إلى رومية الكبرى، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني نُقْرة.
قال ابن الأثير: فخرجوا على الصعب والذلول برًا وبحرًا من كل فجٍّ عميق، ولولا أن اللَّه لطف بالمسلمين وأهلك ملك الألمان لما خرج إلى الشام، وإلاّ كان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين إلى أن قال: ونازلوا عكا في منتصف رجب، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فنزل صلاح الدّين على تل كيسان، وسيّر الكُتب إلى ملوك الأطراف بطلب العساكر، فأتاه عسكر الموصل وديار بكر والجزيرة، وأتاه تقي الدّين ابن أخيه، إلى أن قال ابن الأثير: فكان بين الفريقين حروب كثيرة، فقاتلهم صلاح الدّين في أول شعبان، فلم ينل منهم غرضًا، وبات الناس على تعبئة، وباكروا القتال من الغد، وصبر الفريقان صبرًا حار له مَن رآه إلى الظهر، فحمل عليهم تقي الدّين حملة منكرة من الميمنة على من يليه فأزاحهم عن مواقفهم، والتجؤوا إلى من يليهم، وملك تقي الدّين مكانهم والتصق بعكا. ودخل المسلمون البلد، وخرجوا منه، وزال الحصار. وأدخل إليهم صلاح الدّين ما أراد من الرجال والذخائر، ولو أن المسلمين لزموا القتال إلى الليل لبلغوا ما أرادوا. وأدخل إليهم صلاح الدّين الأمير حسام الدّين السّمين.
ذكر الوقعة الكبرى
قال: وبقي المسلمون إلى العشرين من شعبان، كل يوم يعاودون القتال ويراوحونه، والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يفارقونه حتى تجمعوا للمشورة، فقالوا: عساكر مصر لم تحضر، والحال مع صلاح الدّين هكذا. والرأي أننا نلقى المسلمين غدًا لعلنا نظفر بهم. وكان كثير من عساكر السّلطان غائبًا، بعضها في مقابل أنطاكية تخوفًا من صاحب أنطاكية، وبعضها في حمص مقابل طرابُلس، وعسكر في مقابل صور، وعسكر مصر بالإسكندرية ودمياط، وأصبح صلاح الدّين وعسكره على غير أُهبة، فخرجت الفرنج من الغد كأنهم الجراد المنتشر، قد ملأوا الطُّول والعرض، وطلبوا ميمنة الإسلام وعليها تقي
الدّين عمر، فردفه السّلطان برجال، فعطفت الفرنج نحو القلب، وحملوا حملة رجلٍ واحد، فانهزم المسلمون، وثبت بعضهم، فاستشهد جماعة، منهم الأمير مجلي، والظهير أخو الفقيه عيسى الهكاريّ، وكان متولّي بيت المقدس، والحاجب خليل الهكاري. ثم ساقوا إلى التل الذي عليه خيمة صلاح الدّين فقتلوا ونهبوا، وقتلوا شيخنا جمال الدّين ابن رواحة، وانحدروا إلى الجانب الآخر من التل، فوضعوا السيف فيمن لقوه، ثم رجعوا خوفًا أن ينقطعوا عن أصحابهم، فحملت ميسرة الإسلام عليهم فقاتلوهم، وتراجع كثيرٌ من القلب، فحمل بهم السّلطان في أقفية الفرنج وهم مشغولون بالميسرة، فأخذتهم سيوف الله من كل جانب، فلم يفلت منهم أحدٌ، بل قُتل أكثرهم، وأُسر الباقون، فيهم مقدَّم الداوية الذي كان السّلطان قد أسره وأطلقه، فقتله الآن. وكان عدة القتلى عشرة آلاف، فأمر بهم فأُلقوا في النهر الذي يشرب منه الفرنج. وكان أكثرهم من فرسان الفرنج.
قال القاضي ابن شداد: لقد رأيتهم يُلقون في النهر فحزرتُهم بدون سبعة آلاف.
قال غيره: وقُتل من المسلمين مائة وخمسون نفرًا، وكان من جملة الأسرى ثلاث نسوة إفرنجيات كنَّ يقاتلن على الخيل، وأما المنهزمون فبلغ بعضهم إلى دمشق، ومنهم من رجع إلى طبرية.
قال العماد الكاتب: العجب أن الذين ثبتوا نحو ألف ردّوا مائة ألف، وكان الواحد يقول: قتلت من الفرنج ثلاثين، قتلت أربعين، وجافت الأرض من نتن القتلى، وانحرفت الأمزجة وتمرّض صلاح الدّين، وحصل له قولنج كان يعتاده. فأشار الأمراء عليه بالانتقال من المنزلة، وترك مضايقة الفرنج، وأن يبعد عنهم، فإن رحلوا فقد كُفينا شرهم، وإن أقاموا عُدنا، وأيضًا فلو وقع إرجاف، يعني بوفاتك، لهلك الناس، فرحل إلى الخرُّوبة في رابع عشر رمضان.
وأخذت الفرنج في محاصرة عكا، وعملوا عليهم الخندق، وعملوا سورًا من تراب الخندق وجاءوا بما لم يكن في الحساب، واشتغل صلاح الدّين بمرضه، وتمكن الفرنج وعملوا ما أرادوا. وكان مَن بعكا يخرجون إليهم كل
يوم ويقاتلونهم، وفي نصف شوال وصل العادل بالمصريين، فقويت النفوس، وأحضر معه من آلات الحصار شيئًا كثيرًا. وجمع صلاح الدّين من الرجالة خلائق، وعزم على الزحف، وجاءه الأصطول المصري عليه الأمير لؤلؤ، وكان شهمًا، شجاعًا، خبيرًا بالبحر ميمون النقيبة، فوقع على بطسةٍ للفرنج فأخذها، وحوَّل ما فيها إلى عكا فسكنت نفوس أهلها وقوي جَنانهم.
قال: ودخل صفر من سنة ست وثمانين، فسمع الفرنج أن صلاح الدّين قد سار يتصيد، ورأوا اليزَك الذي عليهم قليلًا، فخرجوا من خندقهم على اليزك العصر، فحمي القتال إلى الليل وقُتل خلقٌ من الفريقين، وعاد الفرنج إلى سورهم، وجاءت السّلطان الأمدادُ، وذهب الشتاء فتقدم من الخروبة نحو عكا، فنزل بتل كيسان وقاتل الفرنج كل يوم وهم لا يسأمون، إلى أن قال: وافترقوا فرقتين، فرقة تقابله، وفرقة تقاتل عكا. ودام القتال ثمانية أيام متتابعة، ثم ساق قصة الأبراج الخشب التي يأتي خبرها، وقال: فكان يومًا مشهودًا لم ير الناس مثله، والمسلمون ينظرون ويفرحون، وقد أسفرت وجوههم بنصر الله.
إلى أن قال:
ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام
والألمان نوع من أكثر الفرنج عددًا وأشدهم بأسًا. وكان قد أزعجه أخذ بيت المقدس، فجمع العساكر وسار، فلما وصل إلى القسطنطينية عجز ملكها عن منعهم من العبور في بلاده، فساروا وعبروا خليج قسطنطينية، ومروا بمملكة قلج أرسلان، فثار بهم التركمان، فما زالوا يسايرونهم ويقتلون من انفرد ويسرقونهم. وكان الثلج كثيرًا فأهلكهم البرد والجوع، وماتت خيلهم لعدم العلف وشدة البرد، وتم عليهم شيء ما سمع بمثله. فلمّا قاربوا قونية خرج قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ليمنعهم، فلم يقو بهم، وكان قد حجر على والده، وتفرق أولاده، وغلب كل واحد على ناحية من بلاده. فنازلوا قونية وأرسلوا إلى قلج أرسلان هدية وقالوا: ما قصدُنا بلادك، وإنما قصدنا
بيت المقدس وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج سوق، وشبعوا وتزوَّدوا. وطلبوا من صاحب الروم جماعة تخفرهم من لصوص التركمان، فنفذ معهم خمسة وعشرين أميرًا، فما قدروا على منع الحرامية لكثرتهم، فغضب ملك الألمان، وقبض على أولئك الأمراء، وقيدهم ونهب متاعهم، ثم منهم من خلص، ومنهم من مات في الأسر.
وقال ابن واصل: جمع قطب الدّين صاحب قونية العساكر والتقاهم فكسروه كسرةً عظيمةً، وهجموا قونية بالسيف، وقتلوا منها عالمًا عظيمًا. ووصل إلى السّلطان مناصحة من ملك الأرمن صاحب قلعة الروم: كتاب المخلص الداعي الكاغيكوس أن ملك الألمان خرج من دياره، ودخل بلاد الهنكر، ثم أرض مقدم الروم، فقهره وأخذ رهائنه وولده وأخاه في جماعة، وأخذ منه أموالًا عظيمة إلى الغاية، وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن، فأمدهم صاحبها بالأقوات وخضع لهم، ثم ساروا نحو أنطاكية فنزل ملكهم يغتسل في نهر هناك، فغرق في مكانٍ منه لا يبلغ الماء وسط الرجل، وكفى اللَّه شره، وقيل: بل غرق في مخاضةٍ، أخذ فرسه التّيَار. وقيل: بل سبح فمرض أيامًا ومات، وصار في الملك بعده ولده، وسار إلى أنطاكية فاختلف أصحابه عليه، وأحب بعضهم العود إلى بلاده، ومال بعضهم إلى تمليك أخ له فرجعوا، فسار من ثبت معه فوصلوا إلى أنطاكية، فكانوا نيفا وأربعين ألفا، فوقع فيهم الوباء وتبرم بهم صاحب أنطاكية، وحسن لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكا، فساروا على جبلة واللاذقية، وتخطف المسلمون منهم فبلغوا طرابلس، وأقاموا بها أيامًا، فكثر فيهم الموت، ولم يبق منهم إلاّ نحو ألف رجل، وركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكا، فلما وصلوا ورأوا ما نالهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم، فغرق بهم المراكب، ولم ينج منهم أحدٌ. وردّ اللَّه كيدهم في نحرهم.
قال ابن واصل: ورد كتاب الملك الظاهر من حلب إلى والده يخبره أنه قد صحَّ أن ملك الألمان قد خرج من جهة القسطنطينية في عدةٍ عظيمةٍ،
قيل: إنّهم مائتا ألف وستّون ألفًا تريد الإسلام والبلاد.
قلت: كان هلاك هذه الأمة من الآيات العظيمة المشهورة. وكان الحامل لخروجهم من أقصى البحار أخذ بيت المقدس من أيديهم.
قال ابن واصل: وصل إلى السّلطان كتاب كاغيكوس الأرمنيّ صاحب قلعة الروم، وهو للأرمن كالخليفة عندنا، نسخة الكتاب: كتاب الداعي المخلص الكاغيكوس: فما أطالع به مولانا ومالكنا السّلطان الملك النّاصر، جامع كلمة الإيمان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، من أمر ملك الألمان، وما جرى له، فإنه خرج من دياره، ودخل بلاد الهنكر غصبًا ثمّ دخل أرض مقدَّم الروم، وفتح البلاد ونهبها، وأخذ رهائن ملكها، ولده وأخاه، وأربعين نفرًا من جلسائه، وأخذ منه خمسين قنطارًا ذهبًا، وخمسين قنطارًا فضة، وثياب أطلس مبلغًا عظيمًا، واغتصب المراكب، وعدى بها إلى هذا الجانب، يعني في خليج قسطنطينية، قال: إلى أن دخل إلى حدود بلاد قلج أرسلان، وردّ الرهائن، وبقي سائرًا ثلاثة أيام، وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والأبقار والخيل والبضائع، فتداخلهم الطمع وتجمعوا له من جميع البلاد، ووقع القتال بين التركمان وبينهم، وضايقوه ثلاثة وثلاثين يومًا وهو سائر. ولما قرب من قونية جمع ابن قلج أرسلان العساكر، فضرب معه المصاف، فكسره ملك الألمان كسرة عظيمة، وسار حتى أشرف على قونية، فخرج إليه جموع عظيمة، فردّهم مكسورين، وهجم قونية بالسيف، وقتل منهم عالمًا عظيمًا من المسلمين، وأقام بها خمسة أيام، فطلب قلج أرسلان منه الأمان فأمنه، وأخذ منه رهائن عشرين من أكابر دولته، وأشار على الملك أن يمروا على طرسوس ففعل، وقبل وصوله بعث إليّ رسولًا، فأنفذ المملوك خاتمًا، وصحبته ما سأل، وجماعة إليه، فكثرت عليه العساكر ونزل على نهرٍ فأكل خبزًا ونام، ثم تاقت نفسه إلى الاستحمام ففعل، فتحرك عليه مرضٌ عظيم ومات بعد أيام قلائل، وأما لافون فسار لتلقيه، فلما علم بهذا احتمى بحصنٍ له. وأما ابن ملك الألمان فكان أبوه منذ خرج نصب ولده هذا عوضه، وتأطدت قواعده، فلما بلغه هرب رسل لافون نفذ يستعطفهم فأحضرهم
وقال: إن أبي كان شيخًا كبيرًا، وإنما قصد هذه الديار لأجل حج بيت المقدس وأنا الذي دبرت المُلك، فمن أطاعني وإلاّ قصدت بلاده. واستعطف لافون، واقتضى الحال الاجتماع به ضرورة. وبالجملة قد عرض عسكره، فكانوا اثنين وأربعين ألف فارس، وأما الرّجّالة فلا يُحصون، وهم أجناس متفاوتة، وهم على سياسةٍ عظيمة، حتى أن من جنى منهم جناية قُتِل. ولقد جنى كبير منهم على غلامه فجاوز الحدَّ في ضربه، فاجتمعت القسوس للحكم فأمروا بذبحه، فشفع إلى الملك منهم خلقٌ، فلم يلتفت إلى ذلك وذبحه. وقد حرّموا الملاذَّ على أنفسهم، ولم يلبسوا إلا الحديد، وهم من الصبر على الذل والتعب والشقاء على حالٍ عظيم. انتهى الكتاب.
فلما هلك ملكهم سار بهم ولده إلى أنطاكية، وعمهم المرض، وصار معظمهم حملة عصي وركاب حمير. فتبرَّم بهم صاحب أنطاكية، وحسن لهم قصد حلب، فأبوا وطلبوا منه قلعته ليودعوا فيها الخزائن، فأخلاها لهم، ففاز بما وضعوه بها وجاءت فرقة من الألمانية إلى بغراس، وظنوا أنها للنصارى، ففتح واليها الباب، وخرج أصحابه فتسلموا صناديق أموال، وقتلوا كثيرًا منهم، ثم خرج جُند حلب وتلقطوهم. وكان الواحد يأسر جماعة، فهانوا في النفوس بعد الهيبة والرعب منهم، وبيعوا في الأسواق بأبخس ثمن.
قال ابن شداد: مرض ابن ملك الألمان مرضًا عظيمًا في بلاد ابن لاون، وأقام معه خمسة وعشرون فارسًا وأربعون داويًا، ونفذ عسكره نحو أنطاكية، حتى يقطعوا الطريق، ورتبهم ثلاث فرق لكثرتهم. فاجتازت فرقة تحت بغراس، فأخذ عسكر بغراس مع قلته مائتي رجلٍ منهم. وسار بعض عسكر البلاد لكشف أخبارهم، فوقعوا على فرقة منهم، فقتلوا وأسروا زُهاء خمس مائة.
وقال ابن شداد: حضرت من يخبر السّلطان عنهم ويقول: هم ضعفاء قليلو الخيل والعدة، وأكثر ثقلهم على حمير وخيل ضعيفة، ولم أر مع كثير منهم طارقة ولا رُمحًا، فسألتهم عن ذلك فقالوا: أقمنا بمرجٍ وخمٍ أيامًا،
وقلَّت أزوادنا وأحطابنا، فأوقدنا معظم عُدَدنا، وذبحنا الخيل وأكلناها، ومات الكُند الذي على الفرقة الواحدة، وطمع ابن لاون حتى عزم على أخذ مال الملك لمرضه وضعفه، وقلّة من أقام معه، فشاور السّلطان الأمراء، فوقع الاتفاق على تسيير بعض العساكر إلى طريقهم. فكان أول من سار الملك المنصور محمد بن المظفر، ثم سار عز الدّين ابن المقدم صاحب بَعرين وفامية، ثم الأمجد صاحب بعلبك، ثم سابق الدّين عثمان ابن الداية صاحب شيزر، ثم عسكر حماة، ثم سار الملك الظاهر إلى حفظ حلب، فخفت الميمنة، فانتقل إليها الملك العادل، ووقع في العسكر مرضٌ كثير، وكذلك في العدو، وتقدَّم السّلطان يهدم سور طبرية، ويافا، وأرسُوف، وقيسارية، وصيدا، وجُبيل، وانتقل أهلها إلى بيروت.
وفي رجب سار ملك الألمانيين من أنطاكية إلى اللاذقية ثم إلى طرابلس، وكان قد سار إليه المركيس صاحب صور، فقوّى قلبه، وسلك به الساحل، فكانت عدة من معه لمّا وصل إلى طرابلس خمسة آلاف بعد ذلك الجيش العظيم. ثم إنه نزل في البحر، وسار معظم أصحابه في الساحل، فثارت عليه ريح، فأهلكت من أصحابه ثلاثة مراكب، فوصل إلى عكا في جمع قليل في رمضان، فلم يظهر له وقع، ثم هلك على عكا في ثاني عشر ذي الحجّة سنة ستٍّ وثمانين، فسبحان من أبادهم ومحقهم.
ويوم وصول ملك الألمان إلى عكا ركبت الفرنج وأظهروا قوة وأرجفوا، وحملوا على يزك المسلمين، فركب السّلطان، ووقع الحرب، ودام إلى الليل فكانت الدائرة على الكفار، ولم يزل السيف يعمل فيهم حتى دخلوا خيامهم. ولم يُقتل يومئذ من المسلمين إلاّ رجلان، لكن جُرح جماعة كثيرة.
ولما مات طاغية الألمان حزنت عليه الفرنج، وأشعلوا نيرانًا هائلة بحيث لم يبق خيمة إلاّ أوقد فيها النار. ومات لهم كند عظيم، ووقع الوباء فيهم والمرض، ومرض كندهري، وصار يموت في اليوم المائة وأكثر في معسكرهم. واستأمن منهم خلق عظيم، أخرجهم الجوع، وقالوا للسلطان: نحن نركب البحر في مراكب صغار، ونكسب من النصارى، ويكون الكسب لنا ولكم. فأعطاهم السّلطان مركبًا فركبوا فيه، وظفروا بمراكب التجار النصارى، وأتوا بالغنائم إلى السّلطان فأعطاهم الجميع، فلما رأوا هذا أسلم جماعة
منهم، واستشهد في هذه السنة سبعة أمراء على عكا، والتقى شواني المسلمين وشواني الفرنج في البحر، فأحرقت للفرنج شواني برجالها، وأحاطت مراكب العدو بشينّي مقدمه الأمير جمال الدّين محمد بن إلدكز، فترامى ملاحو الشيني إلى الميناء، فقاتل جمال الدين، فعرضوا عليه الأمان فقال: ما أضع يدي إلاّ في يد مقدمكم الكبير. فجاء مقدمهم إليه، فعانقه جمال الدّين وماسكه وشحطه، فوقعا في البحر وغرقا معًا.
سنة ست وثمانين وخمس مائة
استهلت والفرنج مُحدقون بعكا محاصرون لها، والسّلطان بعساكره في مقابلتهم، والقتال عمَّال، فتارةً يظهر هؤلاء، وتارة يظهر هؤلاء، وقدمت العساكر البعيدة مَدَدا للسلطان صلاح الدّين، فقدم صاحب حمص أسد الدين، وصاحب شيزر سابق الدّين عثمان ابن الداية، وعز الدّين ابن المقدم، وغيرهم، ثم قدمت عساكر الشرق مع مظفر الدّين صاحب إربل، ومع عماد الدين ابن صاحب سنجار، ومعز الدّين سنجرشاه بن غازي. واشتد الأمر، وجدَّت الفرنج في الحصار، وأتتهم الأمداد في البحر من الجزائر البعيدة حتى ملأوا البر والبحر فتوفي صاحب إربل زين الدّين يوسف ابن زين الدّين عليّ كوجك، ففوض السّلطان مملكة إربل من حينئذٍ إلى أخيه مظفر الدّين كوكبرى بن علي، ودام الحصار والنزال على عكا حتى فرغت السنَّة.؟
ومن كتاب فاضلي إلى بغداد: ومن خبر الفرنج أنهم الآن على عكا يمدهم البحر بمراكب أكثر عدة من أمواجه، ويخرج للمسلمين أمر من أجاجه، وقد تعاضدت ملوك الكفر على أن ينهضوا إليهم من كل فرقة طائفة، ويرسلوا إليهم من كل سلاحٍ شوكة، فإذا قتل المسلمون واحدًا في البر بعثوا ألفًا عوضه في البحر، فالزرع أكثر من الحصاد، والثمرة أنمى من الجذاذ. وهذا العدو قد زرَّ عليه من الخنادق دروعًا متينة، واستجنّ من الجنونات بحصونٍ حصينة، فصار مستحجزًا، وممتنعًا حاسرًا، ومدرعًا، مواصلًا ومنقطعًا، وعددهم الجم قد كاثر القتل، ورقابهم الغلب، قد قطعت النصل لشدة ما قطعها النصل.
وأصحابنا قد أثرت فيهم المدة الطويلة، والكلف الثقيلة في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أحوالهم لا في شجاعتهم، وكل من يعرفهم يُناشد اللَّه فيهم المناشدة النبوية في الصحابة البدرية، اللهم إن تهلك هذه العصابة، ويخلص الدعاء ويرجو على يد مولانا أمير المؤمنين الإجابة. وقد حرم باباهم، لعنه اللَّه، كل مباح واستخرج منهم كلّ مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبس وألبس الحداد، وحكم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة. فيا عُصبة محمد صلى الله عليه وسلم اخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعه، ووفَّه الحق فينا، فإنا والمسلمون عندك ودائعه، ولولا أن في التصريح ما يعود على العدالة بالتجريح، لقال الخادم ما يبكي العيون وينكي القلوب، لكنه صابر محتسب، منتظر للنصر مرتقب. ربِّ إني لا أملك إلا نفسي، وها هي في سبيلك مبذولة، وأخي وقد هاجر هجرة يرجوها مقبولة، وولدي وقد بذلت للعدوّ صفحات وجوههم، وهان على محبوبك بمكروههم. ونقف عند هذا الحد، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد.
وقال الموفق عبد اللطيف: إن الفرنج عاثوا في سوق العسكر وفي الخيم، فرجع عليهم السّلطان فطحنهم طحنًا، وأحصى قتلاهم بأن غرزوا في كل قتيل سهمًا، ثم جمعوا السهام، فكانت اثني عشر ألفًا وخمس مائة. والذين لحقوا بأصحابهم هلك منهم تمام أربعين ألفًا. وبلغت الغرارة عندهم مائةً وعشرين دينارًا.
قال: وخرجوا مرةً أخرى، فقُتل منهم ستة آلاف ونيف، ومع هذا فصبرهم صبرهم. وعمروا على عكا برجين من خشب كل برج سبع طبقات، بأخشاب عاتية، ومسامير هائلة، يبلغ المسمار نصف قنطار، وضبات على هذا القياس، وصُفِّح كل برج منها بالحديد، ولُبس الجلود، ثم اللُّبود المُشربة بالخلّ، وجلل ذلك بشباك من حبال القنب لترد حدة المنجنيق، وكل واحد يعلو سور عكا بثلاث طبقات. وزحفوا بهما إلى السور، وفي كل طبقة مقاتلة، فيئس المسلمون بعكا، فقال دمشقي يقال له ابن النحاس: دعوني أضربها بالمجانيق. فسخروا منه، فطلب من قراقوش أن يمكنه من الآلات، ورمى البرج بحجارة حتى خلخله، ثم رماه بقدر نفط، ثم صاح: اللَّه أكبر، فعلا الدُّخان، فضج المسلمون، وبرزوا من عكا وعملت النار في أرجائه، والفرنج
ترمي أنفسها من الطبقات، واشتعلوا، فأحرق المسلمون الستائر والعُدَد، فانكسرت صولتهم، ثم اجتمعت همتهم نوبةً، وعملوا كبشًا هائلا، رأسه قناطير من الحديد لينطحوا به السور فينهدم، فلما سحبوه وقربوا من السور ساخ في الرمل لثقله، وعجزوا عن تخليصه، وكان المسلمون في عكا في مرض شديد وجوع قد ملوا من القتال، ما يحملهم سوى الإيمان بالله تعالى. وقد هدمت الفرنج برجًا ومئذنة، ثم سد المسلمون ذلك في الليل ووثقوه، وكان السّلطان يكون أول راكب وآخر نازل.
قلت: ولعله وجبت له الجنة برباطه هذين العامين.
ذكر العماد الكاتب أنه حزر ما قُتل من الفرنج في مدة الحرب على عكا، فكان أكثر من مائة ألف.
ومن كتاب إلى بغداد: قد بُلي الإسلام منهم بقومٍ استطابوا الموت، واستجابوا الصوت، وفارقوا الأوطان والأوطار، والأهل والديار، طاعة لقسِّيسهم وغيرة لمعبدهم وحمية لمعتقدهم، وتهالكًا على مقبرتهم، وتحرّقًا على قمامتهم، حتى خرجت النساء من بلادهن متبرزات، وسرّن في البحر متجهزات، وكانت منهن ملكة استتبعت خمس مائة مقاتل، والتزمت بمؤونتهم، فأخذت برجالها بقرب الإسكندرية. ومنهن ملكة وصلت مع ملك الألمان، وذوات المقانع من الفرنج مقنعات دارعات، يحملن الطوارق والقنطاريات. وقد وُجدت في الوقعات التي جرت عدة منهن بين القتلى. وما عُرفن حتى سُلبن. والبابا الذي برومية قد حرّم عليهم لذاتهم وكل مَن لا يتوجه إلى القدس فهو محرم، لا منكح له ولا مطعم، فلهذا يتهافتون على الورود، ويتهالكون على يومهم الموعود. وقال لهم: إني واصل في الربيع، جامع على الاستنفار شمل الجميع، وإذا نهض هذا اللعين فلا يقعد عنه أحد، ويصل معه كل من يقول للَّه تعالى ولد.
ومن كتاب فاضلي إلى السّلطان: فليس إلاّ الدعاء والتجلد للقضاء، فلا بد من قدر مفعول، ودعاء مقبول.
نحن الذين إذا علوا لم يبطروا يوم الهياج وإن عُلوا لم يضجروا
ومَعاذ الله أن يفتح علينا البلاد ثم يغلقها، وأن يسلم على يدينا القدس، ثم ينصره، ثم معاذ اللَّه أن نغلب عن النصر، ثم معاذ اللَّه أن نغلب على الصبر. وإذا كان ما يُقدمنا اللَّه إليه لا بدَّ منه وهو لقاؤه، فلأن نلقاه والحجة لنا خير من أن نلقاه والحجة علينا. ولا تعظم هذه الفتوق على مولانا فتبهر صبره، وتملأ صدره، {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} وهذا دين ما غُلب بكثرة وإنما اختار اللَّه له أرباب نيات، وذوي قلوب وحالات، فليكن المولى نِعم الخلف لذلك السلَف، واشتدي أزمة تنفرجي، والغمرات تذهب ثم لا تجيء، واللَّه يُسمعنا ما يسر القلب، ويصرف عن الإسلام غاشية هذا الكرب. ونستغفر اللَّه فإنه ما ابتلى إلاّ بذنب.
ومن كتاب آخر يقول: ولست بملكٍ هازم لنظيره، ولكنّك الإسلام للشِّرك هازم. يشير رحمه الله إلى أنه وحده بعسكره في مقابلة جميع دين النصرانية، لأن نفيرهم إلى عكا لم يكن بعده بعد، ولا وراءه حدّ.
ثم قال: هذا وليس لك من المسلمين مساعد إلا بدعوة، ولا خارج بين يديك إلا بأجرة، نشتري منهم الخطوات شبرًا بذراع، تدعوهم إلى الفريضة، وكأنك تكلفهم النافلة، وتعرض عليهم الجنة، وكأنك تريد أن تستأثر بها دونهم، والآراء تختلف بحضرتك، فقائل يقول: لم لا يتباعد عن المنزلة؟ وآخر: لم لا يميل إلى المصالحة؟ ومشير بالتخلي عن عكا، حتى كأن تركها تعليق المعاملة، ولا كأنها طليعة الجيش، ولا قفل الدار، ولا خرزة السِّلك إن وهت تداعى السِّلك. فألهمك اللَّه قتل الكافر، وخلاف المخذل، فكما لم يُحدث استمرارُ النعم لك بطرًا، فلا تُحدث له ساعات الامتحان ضجرًا، وما أحسن قول حاتم:
شربنا بكأس الفقر يومًا وبالغنى وما منهما إلا سقانا به الدهرُ فما زادنا بغيًا على ذي قرابةٍ غِنانا ولا أزرى بأحسابِنا الفقر وقال الآخر:
لا بطر إن تتابعت نِعَمٌ وصابر في البلاء محتسب وقيل للمهلَّب: أيسرك ظفرٌ ليس فيه تعب؟ فقال: أكره عادة العجز، ونحن في ضر قد مسَّنا، ولا نرجو لكشفه إلاّ من ابتلى. وفي طوفان فتنة،
ولَا عاصِمَ اليومَ من أمرِ اللَّه إلاّ من رَحِمَ، ولنا ذنوب قد سدَّت طريق دعائنا، فنحن أولى أن نلوم أنفسنا، والله قدر لا سلاح لنا في دفعه إلاّ: لا حول ولا قوة إلاّ بالله. وقد أشرفنا على أهوال: قُل اللَّه ينجيكم منها ومن كل كرب. وقد جمع لنا العدو، وقيل لنا: اخشوه فنقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. وليس إلاّ الاستعانة بالله، فما دلنا في الشدائد إلاّ على طروق بابه، وعلى التضرع له {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} نعوذ بالله من القسوة، ومن القنوط من الرحمة، وما شرَّد الكرى، وطوَّل على الأفكار السَّرى، إلاّ ضائقة القوت بعكا. وهذه الغمرات هي نعم اللَّه عليه، وهي درجات الرضوان، فاشكر اللَّه كما تشكره على الفتوحات، واعلم أن مثوبة الصبر فوق مثوبة الشكر. ومن ربط جأش عمر رضي الله عنه قوله: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت. وبهذه العزائم سبقونا فلا نطمع بالغبار، وامتدت خُطاهم، ونعوذ باللَّه من العثار. ومن وصايا الفرس: إن نزل بك ما فيه حيلة فلا تعجز، وإن نزل بك ما ليس فيه حيلة فلا تجزع.
ولما اشتد الأمر بعكا وطال أرسل السّلطان كتابًا إلى شمس الدين ابن منقذ يأمره بالمسير إلى صاحب المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن يستنصر به، ليقطع عنه مادتهم من جهة البحر. ويأمر ابن منقذ أن يستقرئ في الطريق والبلاد ما يُحيي به الملك يعقوب وكيف عاداتهم. وأن يقصّ عليه: من أول وصولنا إلى مصر، وما أزلنا بها من الإلحاد، وما فتحنا من بلاد الفرنج وغيرها وتفصيل ذلك كله، وأمر عكا، وأنه لا يمضي يوم إلا عن قوة تتجدد وميرة في البحر تصل، وأن ثغرنا حصروه، ونحن حصرناهم، فما تمكنوا من قتال الثغر، ولا تمكنوا من قتالنا وخندقوا على نفوسهم عدة خنادق، فما تمكنا من قتالهم. وقدموا إلى الثغر أبرجة من خشب أحرقها أهله. وخرجوا مرتين إلينا يبغون غرتنا، ينصرنا اللَّه عليهم، ونقتلهم قتلًا ذريعًا، أجلت إحدى النوبتين عن عشرين ألف قتيل منهم. والعدو وإن حصر الثغر فإنه محصور، ولو أبرز صفحته لكان بإذن اللَّه هو المكسور، ويذكر ما دخل الثغر من أساطيلنا ثلاث مرات وإحراقها مراكبهم، وهي الأكثر، ودخولها بالسيف الأظهر تنقل إلى البلد الميرة. وإن أمر العدو قد تطاول ونجدته تتواصل،
ومنهم ملك الألمان في جموع جماهيرها مجمهرة وأموالها مقنطرة. وإن اللَّه سبحانه وتعالى قد قصم طاغية الألمان، وأخذه أخذ فرعون بالإغراق في نهر الدنيا، وإنهم لو أرسل اللَّه عليهم أسطولًا قويًا مستعدًا يقطع بحره، ويمنع ملكه، لأخذنا العدو بالجوع والحصر، أو القتال والنصر. فإن كانت بالجانب الغربي الأساطيل ميسرة، والرجال في اللقاء فارهة غير كارهة، فالبدار البدار، وأنت أيها الأمير أول من استخار اللَّه وسار، وما رأينا أهلًا لخطابنا، ولا كفؤًا لإنجادنا، إلاّ ذلك الجناب، فلم ندعه إلا لواجب عليه. فقد كانت تتوقع منه همة تقدُ في الغرب نارها، ويستطير في الشرق سناؤها، ويغرس في العُدوة القصوى شجرتها، فينال من في العُدْوة الدنيا جناها، فلا ترضى همته أن يعين الكفر الكفر، ولا يعين الإسلام الإسلام. واختص بالاستعانة لأن العدو جاره، والجار أقدر على الجار، وأهل الجنة أولى بقتال أهل النار. ولأنه بحر والنجدة بحرية، ولا غرو أن تجيش البحار، وإن ذكر ما فعل بوزبا وقراقوش في أطراف المغرب، فيعرفه أنهما ليسا من وجوه الأمراء، ولا من المعدودين في الطواشية والأولياء، وإنما كسدت سوقهما، وتبعتهما ألفافٌ أمثالهما. والعادة جارية أنّ العساكر إذ طالت ذيولها وكثرت جُموعها، خرج منها وانضاف إليها، فلا يظهر مزيدها ولا نقصها. ولا كان هذان المملوكان ممن إذا غاب أحضر ولا إذا فقد افتقد، ولا يُقدر في مثلهما أنهما ممن يستطيع نكايةً، ولا يأتي بما يوجب شكوى من جناية. ومعاذ اللَّه أن نأمر مفسدًا يفسد في الأرض. والله يوفق الأمير، ويهدي دليله، ويسهل سبيله. وكتب في شعبان سنة ست وثمانين.
وأما الكتاب إلى صاحب المغرب فعنوانه: بلاغ إلى محل التقوى الطاهر من الذَّنب، ومستقر حزب اللَّه الظاهر من الغرب، أعلا اللَّه به كلمة الإيمان، ورفع به منار الإحسان، وأوّله: بسم الله الرحمن الرحيم، الفقير إلى رحمة ربه يوسف بن أيوب، أما بعد، فالحمد لله الماضي المشيّة المُمضي القضية، البرُّ بالبرية، الحفي بالحنيفية، الذي استعمل عليها من استعمر به الأرض، وأغنى من أهلها من سأله القرض، وآجر من أجرى على يده النافلة
والفرض، وصلى اللَّه على محمد الذي أنزل عليه كتابًا فيه الشفاء والتبيان، إلى أن قال: وهذه التحية الطيبة وفادة على دار الملك، ومدار النُّسك، ومحل الجلالة، وأصل الأصالة، ورأس الرياسة، ونفس النفاسة، وعلم العلم، وقائم الدّين وقيمه، ومقدم الإسلام ومقدمه، ومثبت المتقين على اليقين، ومُعلي الموحدين على الملحدين، أدام اللَّه له النصرة، وجهَّز به العُسرة وبسط له باع القدرة. تحية أستنير منها الكتاب، وأستنيب عنها الجواب، وحفز لها حافزان، أحدهما شوق قديم كان مطل غريمه ممكنًا إلى أن تتيسر الأسباب، والآخر مُرام عظيم ما كرّه إذا استفتحت به الأبواب. وكان وقت المواصلة وموسم المكاتبة هناؤه بفتح بيت المقدس وعدة من الثغور، ولم تتأخر المكاتبة إلاّ ليتم الله ما بدا من فضله، والمفتتح بيد اللَّه مُدن وأمصار، وبلاد كبار وصغار، والباقي بيد الكُفر منها أطرابلس، وصور، وأنطاكية، يسّر اللَّه أمرها بعد أن كسر اللَّه العدو الكسرة التي لم يجبر بعدها، ولم يؤخر فتح هذه المدن الثلاثة، إلاّ أن فرع الكفار بالشام استصرخ بأصله، فأجابوهم رجالًا وفرسانًا، وزرافات ووحدانا، وبرًا وبحرًا، ومركبًا وظهرًا، وسهلًا ووعرًا. وخرج كل يلبي دعوة بطركه، ولا يحتاج إلى عزمة ملكه. ونزلوا على عكا يمدهم البحر بأمداده، ويصل إلى المقاتل ما يحتاجه من سلاحه وأزواده، وعدتهم مائة ألف أو يزيدون، كلما أفناهم القتل أخلفتهم النجدة.
قال: واستمر العدو يحاصر الثغر محصورًا منّا أشد الحصر، لا يستطيع قتال الثغر لأنا من خلفه، ولا يستطيع الخروج إلينا خوفًا من حتفه، ولا نستطيع الدخول إليه لأنه قد سور وخندق، وحاجز من وراء الحجرات وأغلق. ولما خرج ملك الألمان بجيشه وعاد على رسم قديم إلى الشام، فكان العود لأُمة أحمد أحمد. فظنوا أنه يزعجنا فبعثنا إليه من تلقاه بعسكرنا الشمالي، فسلك ذات الشمال متوعرًا، وأظهر أنه مريض. وكان أبوه الطاغية قد هلك في طريقه غرقًا، وبقي ابنه المقدم المؤخر، وقائد الجمع المكسر، وربما وصلهم إلى ظاهر عكا في البحر، تهيبًا أن يسلك البر، ولو سبق عساكرنا إلى عساكر الألمان قبل دخولها إلى أنطاكية لأخذوهم، ولكن لله المشيئة، ولما كانت حضرة سلطان الإسلام، وقائد المجاهدين إلى دار السلام، أولى من توجه إليه الإسلام بشكواه وبثه، واستعان به على حماية نسله وحرثه، وكانت مساعيه
ومساعي سلفه في الجهاد الغُرّ المحجلة، الكاشفة لكل معضلة، والأخبار بذلك سائرة، والآثار ظاهرة.
إلى أن قال: وكان المتوقع من تلك الدولة العالية، والعزمة الغادية مع القدرة الوافية، والهمة المهدية الهادية، أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين. فيملأها عليهم جواري كالأعلام، ومدنًا في اللجج كأنها الليالي مقلعة بالأيام، تطلع علينا آمالًا، وعلى الكفر آجالًا، وتردنا إما جملة وإما أرسالًا ولما استبطئت ظُنَّ أنها قد توقفت على الاستدعاء، فصرحنا به في هذه التحية، وسُير لحصون مجلسه الأطهر، ومحله الأنور، الأمير الأجل المجاهد شمس الدّين أبو الحرم عبد الرحمن بن منقذ، الهدية إليه ختمة في ربعة، وثلاثمائة مثقال مسك، وستمائة حبة عنبر، وعشرة أمنان عود دهن بلسان مائة درهم، مائة قوس بأوتارها، عشرون سرجًا، عشرون سيفًا، سبع مائة سهم.
وكان دخوله على يعقوب في العشرين من ذي الحجة بمراكش، فأقام سنة وعشرين يومًا، وخرج وقدم الإسكندرية في جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وثمانين، ولم يحصل الغرض، لأنه عزَّ على يعقوب كونه لم يُخاطب بأمير المؤمنين.
وقد مدحه ابن منقذ بقصيدةٍ منها:
سأشكر بحرًا ذا عُبابٍ قطعته إلى بحر جود ما لنعماه ساحلُ إلى معدن التقوى إلى كعبة الهدى إلى مَن سَمَت بالذِّكر منه الأوائل وكان السّلطان صلاح الدّين قد هم بأن يكتب إليه بأمير المؤمنين، فكتب إلى السّلطان القاضي الفاضل يقول: والمملوك ليس عند المولى من أهل الاتهام، والهدية المغربية نجزت كما أمر به. وكتب الكتاب على ما مثّل، وفخَّم الوصف فوق العادة، وعند وصول الأمير نجم الدّين فاوضته في أنه لا يمكن إلا التعريض لا التصريح بما وقع له أنه لا تنجح الحاجة إلا به من لفظة أمير المؤمنين، وأن الذين أشاروا بهذا ما قالوا نقلًا، ولا عرفوا مكاتبة المصريين قديمًا. وآخر ما كتب في أيام الصالح بن رزيك، فخوطب به أكبر أولاد عبد المؤمن وولي عهده بالأمير الأصيل النجار، الجسيم الفخار. وعادت
الأجوبة إلى ابن رُزيك الذي في أتباع مولانا مائة مثله، مترجمة بمعظم أمره، وملتزم شكره. هذا والصالح يتوقع أن يأخذ ابن عبد المؤمن البلاد من يديه، ما هو أن يهرب مملوكان طريدان منا فيستوليان على أطراف بلاده، ويصل المشار إليه بالأمر من مراكش إلى القيروان، فيلقاهم فيُكسر مرة ويتماسك أخرى وأُعلم نجم الدّين بذلك فأمسك مقدار عشرة أيام. ثم أنفذ نجم الدّين إليه على يد ابن الجليس بأن الهدية أشير عليه بأن لا يستصحبها، وإن استصحبها تكون هدية برسم من حواليه، وأنَّ الكتاب لا يأخذه إلا بتصريح أمير المؤمنين، وأن السّلطان - عزّ نصرُه - رسم بذلك، والملك العادل بأن لا يشير إلا بذلك، وأنه إذا لقي القوم خاطبهم بهذه التحية عن السّلطان من لسانه، فأجابه المملوك بأن الخطاب وحده يكفي، وطريق جحدنا له ممكن، وأن الكتابة حجة تقيد اللسان عن الإنكار، فلا ينبغي. ومتى قُرئت على منبر الغرب جُعلنا خالعين شاقين عصا المسلمين، مطيعين من لا تجوز طاعته ويفتح باب يعجز موارده عن الإصدار، بل تمضي وتكشف الأحوال، فإن رأيت للقوم شوكة، ولنا زبدة، فعدهم بهذه المخاطبة، واجعل كلما نأخذه ثمنًا للوعد بها خاصة فامتنع وقال: أنا أقضي أشغالي، وأتوجه للإسكندرية، وأنتظر جواب السّلطان، وإلى أن أنجز أمر الموكب وأمر الركاب، فسيَّر المملوك النسخة فإن وافقت فيتصدق المولى بترجمة يلصقها على ما كتبه المملوك، ويأمر نجم الدّين بتسلم الكتاب، مع أن ابن الجليس حدثه عنه أنه ممتنع من السفر إلا بالمكاتبة بها. فأمّا الذي يترجم به مولانا فيكون مثل الذي يُدعى به على المنبر لمولانا، وهو الفقير إلى اللَّه تعالى يوسف بن أيوب. وإذا كتب إليهم ابن رزيك من السيد الأجل، الملك الصالح، قُبح أن يكتب إليه مولانا الخادم. وهذا مبلغ رأي المملوك وقد كتبت النسخة، ولم يبق إلا تلك اللفظة، وليست كتابة المملوك لها شرطًا، والمملوك وعقبه مستجيرون بالله، ثم بالسّلطان من تعريضهم لكدر الحياة، ومعاداة من لا يُخفى عنه خبر، ولا تُقال به عثرة. والكتاب الذين يشتغلون بتبييض النسخة موجودون، فينوبون عن المملوك.
ومن كتاب له إلى السّلطان: تبرَّم مولانا بكثرة المطالبات، لا أخلاه اللَّه من القدرة عليها، وهنيئًا له. فاللَّه تعالى يطالبه بحفظ دينه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطالبه بحفظ حسن الخلافة في أمته، والسلف يطالبونه بمباشرة ما لو حضروه لما زادوا على ما يفعله المولى، وأهل الحزب يطالبونه بالذهب والفضة والحديد، والرعية تطالبه بالأمن في سربهم، والاستقامة في كسبهم، والسلامة في سُبُلهم، ونفسه الكريمة تطالبه بالجنة، فهل عدم من اللَّه نصرة؟ أم هل استمرت به عُسرة؟ أم هل تمت عليه لعدوه كرَّة؟ هل بات إلا راجيًا؟ هل أصبح إلا راضيًا؟ إلى أن قال: والمشهور أن ملك الألمان خرج في مائتي ألف، وأنه الآن في دون خمسة آلاف.
قلت: وأنبئت عن العماد الكاتب قال: ووصلت في مراكب ثلاثمائة إفرنجية من ملاحهم الزواني قد سبلن أنفسهن لعسكر الفرنج تغرية لإسعاف الشباب من كل تائقةٍ شائقة، مائقةٍ رائقة، رامقة مارقة، تميس كأنها قضيب، وتزينت وعلى لبها صليب، فتحنَ أبواب الملاذ، وسَبَلنَ ما بين الأفخاذ.
وفيها في المحرم خرجت جيوش بغداد، ومقدمها نجاح الشرابي إلى دقُوقًا لقتال الملك طُغرل، فوجدوه بعد أيام أدخل ولده ابن سبع سنين، يطلب العفو لأبيه، فعفا عنه.
وأنبأنا ابن البُزُوري قال: في ربيع الأول وُلدت امرأة ابنين وبنتين في جوف واحد.
وفي جمادى الآخرة في العشرين منه خرجت جيوش الفرنج من وراء خنادقهم، وحملوا على الملك العادل والمصريين فالتقوهم، واشتد القتال، فتقهقر المصريون، ودخل الفرنج خيامهم ونهبوها، فكرَّ المصريون عليهم فقاتلوهم بين الخيام، وذهبت فرقة من المسلمين، فوقفت على فم الخندق تمنع من يخرج مددًا، وأخذت الفرنج السيوف من كل ناحية، فقتل منهم مقتلة عظيمة فوق العشرة آلاف؛ وقيل: ثمانية آلاف؛ وأقل ما قيل خمسة آلاف.
وقُتل من المسلمين نحو عشرة أنفس فقط. وكان يومًا مشهودًا حاز فضله المصريون.
وجاءت الأخبار من الغد بموت ملك الألمان، وبالوباء في أصحابه، وتباشر المسلمون، وفرحوا بنصر اللَّه، فجاءت الفرنج نجدة كبيرة لم تكن في حسبانهم مع ملكهم كندهري، وجاءتهم أموال كثيرة وميرة وأسلحة، فقويت نفوسهم. وأنتنت منزلة المسلمين بريح القتلى، فانتقل صلاح الدين، إلى الخرُّوبة في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، كما انتقل عام أول. وقلَّت الأقوات بعكا، فبعث السّلطان إلى متولي بيروت فجهز بطسة عظيمة، وألبس الرجال لبس الفرنج، ورفعوا الصُّلبان بالبطسة، فوصلت إلى عكا، فلم يشك الفرنج أنها لهم، ولم يتعرضوا لها، فلما حاذت ميناء عكا ودخلت ندمت الفرنج، وانتعش المسلمون.
وفي شوال خرجت الفرنج من وراء خنادقهم في أكمل أُهبة وأكثر عدد، فالتقاهم السّلطان في تعبئةٍ حسنةٍ، فكان أولاده في القلب، وأخوه الملك العادل في الميمنة، وابن أخيه تقي الدّين عمر، وصاحب سنجار عماد الدّين في الميسرة. واتفق للسلطان قولنج كان يعتريه، فنُصبت له خيمة على تل، فرأى الفرنج ما لا قبل لهم به فتقهقروا.
قال ابن الأثير: لولا الألم الذي حدث لصلاح الدّين لكانت هي الفيصل، وإنما للَّه أمر هو بالغه. فلما دخل الفرنج خنادقهم، ولم يكن لهم بعدها ظهور منه، عاد المسلمون إلى خيامهم وقد قتلوا من الفرنج خلقًا يومئذ. إلا أن في الثالث والعشرين من شوال تعرض عسكر من المسلمين للفرنج، فخرج إليهم أربعمائة فارس فناوشوهم القتال وتطاردوا، فتبعهم الفرنج، فخرج كمين للمسلمين عليهم فلم يفلت منهم أحد.
واشتد الغلاء على الفرنج، وجاء الشتاء، وانقطعت مادة البحر لهيجه، ولولا أن بعض الجهال كانوا يجلبون إليهم الغلات لأن الغرارة بلغت عندهم ألف درهم، لكانوا هلكوا جوعًا.
وأرسل أهل عكا يشكون الضجر والسآمة، فأمر السّلطان بإخراجهم،
وإقامة البدل، وكان ذلك من أسباب أخذها. فأشار الجماعة عليه بأن يرسل إليهم النفقات الواسعة والذخائر، فإنهم قد تدربوا، واطمأنت نفوسهم، فلم يفعل وتوهم فيهم الضجر، وأن ذلك يحملهم على العجز. وكان بها أبو الهيجاء السمين، فنزل الملك العادل تحت جبل حيفا، وجمع المراكب والشواني، فكان يبعث فيها عسكرًا، ويرد عوضهم من عكا في المراكب، لكن كان بها ستون أميرًا، فخرج أولئك، ودخل بدلهم عشرون أميرًا، فكان ذلك من التفريط أيضًا. وتوانى أيضا صلاح الدين، واتكل على غيره. وكان رأس الذين دخلوا سيف الدّين علي المشطوب، وكان دخولهم في أول سنة سبع وكان بها زهاء عشرين ألفًا. ولم يخرج قراقوش. وجهز السّلطان لعكا إقامةً كبيرةً وقُوتَ سنة، ولكن كان البحر في هيجه، فتكسرت عامّة المراكب.
سنة سبع وثمانين وخمسمائة
دخلت وقد اشتدت مضايقة الفرنج لعكا، والقتال بينهم وبين السّلطان مستمر، وكل وقتٍ يأتيهم مددٌ من البحر، فوصل ملك الإنكلتير في جمادى الأولى، وكان قد دخل قبرس وغَدر بصاحبها وتملكها جميعا، ثمّ سار إلى عكا في خمسٍ وعشرين قطعة مملوءة رجالًا وأموالًا، وكان رجل وقته مكرًا ودهاءً وشجاعة، ورُمي المسلمون منه بحجر ثقيل، وعظم الخطب، وعملت الفرنج تلا عظيمًا من التراب لا تؤثر فيه النار ولا غيرها، فنفعهم في القتال؛ وأوهى المسلمين خروج أميرين في الليل ركبوا في شيني ولحقوا بالمسلمين، فضعفت الهمم ووجلت القلوب، وراسلوا صلاح الدين، فبعث إليهم أن اخرجوا من البلد كلكم على حميّة، وسيروا مع البحر، واحملوا عليهم، وأنا أجيء من الجهة الأخرى فأكشف عنكم، وذروا البلد بما فيه. فشرعوا في هذا، فلم يتهيأ لهم، ولا تمكنوا منه، فلما اشتد البلاء على أهل عكا وضعُفت قلوبهم، وقلت منعتهم، ونُقبت بدنة من الباشورة، خرج الأمير سيف الدّين علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى ملك الفرنج وطلب الأمان، فأبى عليه إلا أن ينزل على حكمه، فقال: نحن لا نُسلّم البلد إلا أن نُقتل بأجمعنا، ورجع مغاضبًا.
فلما كان يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة زحف الفرنج
زحفًا شديدًا، وأشرفوا على أخذ البلد، فطلب المسلمون منهم الأمان على أن يُسلموا إليهم عكا، ومائتي ألف دينار، وألفًا وخمسمائة أسير، ومائة أسير من الأعيان، وصليب الصَّلبوت. فوقع الأمان على ذلك، وأخذوا رهائن على تمام القطيعة، وملكوا عكا. فلما كان في ثامن رجب جاءت رُسلهم لذلك، فأحضر السّلطان مائة ألف دينار، وصليب الصَّلبوت، والأسارى، فأبوا إلا جميع المال، واختلف الأمر نحو شهر، ثمّ كمل لهم المال، وأحضر إليهم صليبهم، وكانوا قد ظنُّوا أن السّلطان فرَّط فيه، فلما عاينوه خروا له سُجَّدًا. ثمّ ظهر للسلطان غدرهم ومكرهم، فتوقَّف في إمضاء المقرر.
قال ابن شداد في سيرة صلاح الدّين: إن الذين بعكا بذلوا للفرنج البلد بما فيه من السلاح والآلات والمراكب، ومائتي ألف دينار، وخمسمائة أسير، ومائة أسير يقترحونهم معروفين، وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأموالهم وأهلهم، ويعطوا للمركيس الذي توسط بينهم أربعة آلاف دينار، فلما وقف السّلطان على هذا أنكره وعظم عليه، وجمع أهل الرأي، واضطربت آراؤهم، وتقسم فكره، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة ينكر عليهم المصالحة، وبقي مترددًا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت صلبان الكفر على البلد، ونارهم وشعارهم على السور، وذلك ظهر يوم الجمعة سابع عشر من جمادى الآخرة، وصاح الفرنج صيحةً واحدةً، وعظمت المصيبة على المسلمين، ووقع فيهم البكاء والنحيب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وخيم ملك الأنكتير بيافا، وشرعوا في عمارتها. ثمّ راسل ملك الأنكتير السّلطان في طلب الهدنة، فكانت الرسل تتردد إلى الملك العادل، فتقررت القاعدة أن ملك الأنكتير يزوج أخته بالملك العادل، ويكون القدس وما بأيدي المسلمين من بلاد الساحل للعادل، وتكون عكا لأخت ملك الأنكتير مضافًا إلى مملكةٍ كانت لها داخل البحر قد ورثتها من زوجها. وأجاب صلاح الدّين إلى ذلك، فاجتمع الرهبان والقسيسون، وأنكروا على الملكة، ومنعوها من الإجابة. ثمّ إن الفرنج نوهوا بقصد بيت المقدس، فساق صلاح الدّين إلى
الرملة جريدة، وجرت بين المسلمين وبين الفرنج عدة وقعات صغار في هذه الأيام، في سائرها يكون الظفر للمسلمين. ثمّ دخل صلاح الدّين القدس لكثرة الأمطار، وتقدمت الفرنج إلى النطرون على قصد بيت المقدس. واشتد الأمر، وجرى بينهم وبين يزك المسلمين عدة وقعات. وجد صلاح الدّين في تحصين القدس بكل ممكن، حتى كان ينقل الحجارة على فرسه بنفسه.
ومما جرى أن ملك الأنكتير ركب بالفرنج في البحر، فركب السّلطان في البر لقتالهم. فأحضر الفرنج جماعة من أسارى المسلمين، فقتلوهم صبرًا، فحمل المسلمون عليهم وأزالوهم عن مواقفهم، وقتلوا منهم جماعة، واستشهد من المسلمين جماعة. ثمّ تصرف السّلطان في المال المقرر، فلما دخل شعبان رحلت الفرنج بخيلهم ورجلهم، فعرف السّلطان أن قصدهم عسقلان، فرحل بالجيش في قبالتهم، وبقي يزك المسلمين يقاتلونهم في كل مرحلة. ثم كانت بينهم وبين السّلطان وقعة نهر القصب، استشهد فيها إياز الطويل وكان أحد الأبطال. ثمّ كانت وقعة أرسوف، فكانت الدبرة على الفرنج خذلهم اللَّه.
ووصل السّلطان إلى عسقلان فأخلاها، وشرع في هدمها في أثناء شعبان. ثمّ رحل إلى الرملة، فأمر بتخريب حصنها، وتخريب لُدّ، ثمّ مضى جريدةً إلى القدس زائرا وعاد.
أنبأنا ابن البزوري، ق ل: في ربيع الأول حضر عبد الوهاب الكردي السارق قلعة الماهكي مصفدًا بالحديد، فرحمه الخليفة وخلع عليه وأعطي كوسات وأعلامًا، وأقطع الدينور.
وفي جمادى الأولى عُزل عن أستاذ دارية الخلافة علي بن بختيار، وولي جلال الدّين عبيد اللَّه بن يونس.
وفي جُمادى الآخرة عدا بركة الساعي من تكريت إلى بغداد في يومٍ ولم يسبق إلى هذا، وحصل له خلع ومال طائل.
وفيه رُتب الموصلي النصراني جاثليق النصارى، وخُلع عليه بدار الوزارة، وقرئ عهده في كنيسة درب دينار.
وفي شوال خرج العسكر الخليفتي مع مؤيد الدّين ابن القصاب نائب
الوزارة، وعز الدّين نجاح الشرابي إلى بلاد خوزستان، ورجعوا في ذي الحجة.
وفيها ظهر بحلب الشهاب السهروردي الفيلسوف الساحر. وكان فقيهًا واعظًا، ملعون الاعتقاد، بارعًا في علوم الأوائل، خبيرًا بالسيمياء، فعقد صاحب حلب الملك الظاهر له مجلسًا، فأفتوا بكفره، فحبس في هذه السنة ثمّ أحرق بعد أن ميت جوعًا.
وفيها، في آخرها، تأخر الفرنج إلى الرملة لقلة الميرة عليهم. وقال ملك الأنكتير لمن معه: إني ما رأيت القدس، فصوروها لي. فرأى الوادي يحيط بها ما عدا موضع يسير من جهة الشمال. فقال: هذه مدينة لا يمكن حصرها مع وجود صلاح الدّين، ومع اجتماع كلمة المسلمين.
وفيها، قال لنا ابن البزوري في مذيَّله: قدم بغداد تاجر حلبي بمال طائل، فعشق واحدة فأنفق عليها ماله حتى أفلس، ولم يبق يقدر عليها، ولا له صبر عنها، فدخل عليها فضربها بسكين، وضرب نفسه فمات. وأما هي فخيط جرحها وعاشت.
وحج بالناس من بغداد طاشتكين على عادته.
وفيها أخذ داود أمير مكة ما في الكعبة من الأموال وطوقًا كان يمسك الحجر الأسود لتشعثه، إذ ضربه ذاك الباطني بعد الأربعمائة بالدبوس. فلما قدم الركب عزل أمير الحاج داود، وولى أخاه مكثرًا، وهما ابنا عيسى بن فُليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم الحسني، فأقام داود بنخلة إلى أن توفي في رجب سنة تسع وثمانين، وهو وآباؤه الخمسة أمراء مكة.
سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
قال ابن البزوري: في صفر كُفَّت يد عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر عن وقف الجهة الأخلاطية سلجق خاتون. ووجد عند ابنه عبد السلام كُتُب بخط والده عبد الوهاب فيها يتخيَّر الكواكب، فسُئل: هل هي بخطك؟ فأقر، فأفتوا بقلة دينه، وأن الكاتب لها والقارئ لها مخطئ، ومُعتقدها كافر. وعُرضت
الفتاوى على الخليفة فاستُتيب، وأُحرقت الكتب في محفل. وكان فيها أن لا مدبر للعالم سوى الكواكب، وأنها هي الرازقة. ووهت حًرمة بني عبد القادر، وأخرجوا عن مدرستهم، وسُلمت إلى ابن الجوزي.
وفيها عُزل قاضي القُضاة العباسي لأنه حكم في كتابٍ زوّره حاجبه أبو جعفر وابن الحراني.
وفيها نفذ شهاب الدّين السهروردي رسولًا إلى زعيم خلاط بكتمر.
وفي رجب عُقد مجلس بدار أستاذدار الخليفة، وأحضر أمير الحاج مجير الدّين طاشتكين متولي الحلَّة، ثمّ أخرج مكتوب فيه الخادم طاشتكين يخدم السّلطان ويقول: أنا مشدود الوسط في خدمتكم، وهذا وقتكم، والبلاد خالية، فإذا هادنت الفرنج وعدت إلى الشام فأنا أتولى الخدمة. وقد توج المكتوب بالقلم الشريف: إنا ما أسأنا إلى طاشتكين قط وله حقوق، غير أن باطنه رديء ما يحبنا. فأنكر طاشتكين، وزعم أن هذا الخط لايعرفه. فشهد عليه جماعة ممن يختص به وكذبوه. فحُبس، وكان له إلى هذه السنة تسع عشرة حجة. ووُلي أيلبا إمرة الحاج.
وبنى الخليفة دارًا هائلة مزخرفة في بستانها من الطير والوحش ما يبهت الرائي. فلما انتهت وهبها لولده أبي نصر محمد.
وفيها في المحرم، أعني سنة ثمانٍ، نزل الفرنج بعسقلان وهي خراب، فأخذوا في عمارتها.
وفي ربيع الآخر قُتل المركيس صاحب صور، وكان من شياطين الفرنج، قدم من البحر في مركبٍ بمالٍ وتجارة أيام فتح بيت المقدس، فدخل صور وأهلها في هَرج ومرج، وليس لهم رأس، فملكوه عليهم، فقام بأمرهم أتم قيام، وضبط البلد وحصَّنها، وحاصرهم صلاح الدّين مدة بعد فتح بيت المقدس فلم يقدر عليهم، فجرّد على البلد من يضيّق عليهم ورحل.
وكان المركيس أحد من بالغ في حصار عكا. وكان سبب قتله أن سنانًا مقدم الإسماعيلية بعث إليه صلاح الدّين أن يرسل من يقتل ملك الإنكلتار، وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار. فأرسل رجلين في زي الرهبان، فاتصلا بصاحب صيدا، فأظهرا العبادة، فأنس بهما المركيس، ووثق لهما
فقتلاه، وقُتلا معه. وتملَّك صور بعده كندهري ابن أخت ملك الأنكلتار، فبقي إلى سنة أربع وتسعين، فسقط من سطح ومات. وكان لما رحل خاله إلى بلاده أرسل يستعطف صلاح الدّين ويطلب منه خلعةً وقال: أنت تعلم أن لبس القباء والشربُوش عندنا عيب، وأنا ألبسهما منك محبة فيك. فنفذ إليه خلعة سنية بشربوش، فلبسها بعكا.
وفيها في صفر نهبت بنو عامر البصرة. تجمعوا مع أميرهم عُميرة، وكان بها أمير فحاربهم، فلم يقو بهم، وقتل جماعة، ودخلوها وفعلوا كل قبيح، وذهبت أمتعة الناس.
وفيها في جمادى الأولى استولت الفرنج على حصن الداروم، ثمّ ساروا حتى بقوا على فرسخين من القدس، فصب المسلمون عليهم البلاء، وتابعوا إرسال السرايا، وبُلي الفرنج منهم بداهيةٍ، فرجعوا وتخطفهم المسلمون.
وكان شهاب الدّين الغُوري غزا الهند في سنة ثلاث وثمانين فانهزم، فلما كان في هذه السنة خرج من غزنَة بجيوشه، وقصد عدوه، فتجهز الكافر ملك الهند وسار نحوه، فلما قاربه تقهقر شهاب الدين، وتبعه ملك الهند إلى أن قارب بلاد المسلمين، فندب شهاب الدّين شطر جيشه، فداروا في الليل حتى صاروا من وراء الهنود، وحمل من الغد هو من بين أيديهم وأولئك من خلفهم، وكثر القتل في الهنود، وأُسر ملكهم في خلقٍ من جنده، وغنم المسلمون ما لا يوصف. ومن ذلك أربعة عشر فيلًا، فقال ملك الهند: إن كنت طالبًا بلادنا فما بقي فيها من يحفظها، وإن كنت طالب مالٍ فعندي أموال تحمل منها جمالك كلها. فسار شهاب الدين، وهو معه، إلى قلعته واسمها أجمير، فتملكها شهاب الدّين وتملك جميع نواحيها، وأقطع الجميع لمملوكه قُطب الدّين أيبك. وقتل ملك الهند، ورجع إلى غزنة مؤيدًا منصورًا.
وكان عسكر مصر قد خرجوا للغزاة فأقاموا ببلبيس حتى اجتمعت إليهم القوافل، وساروا في الرمل، فتهيأت الفرنج لكبسهم وكمنوا لهم، ثمّ بيتوهم بأرض الحسا. فطاف الإنكلتير حول القفل في صورة بدوي، فرآهم ساكنين، فكبسهم في السَّحر بخيله ورجله، فكان الشجاع من نجا بنفسه. وكانت وقعة شنعاء لم يُصب الناس بمثلها في هذه السنين. وتبدد الناس في البرية وهلكوا،
وحازت الفرنج أموالًا وأمتعة لا تحصى، وأسروا خمسمائة نفس، ونحو ثلاثة آلاف جمل محملة، فقويت نفوس الملاعين بالظفر والغنائم، وعزموا على قصد القدس. وسار كندهري إلى صور، وطرابلس، وعكا، يستنفر الناس، فهيأ السّلطان القدس وحصنها للحصار، وأفسد المياه التي بظاهر القدس كلها، وجمع الأمراء للمشورة، قال القاضي بهاء الدّين بن شداد: فأمرني أن أحثهم على الجهاد، فذكرت ما يسر اللَّه، وقلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد به الأمر بايع الصحابة على الموت، ونحن أول من تأسى به، فنجتمع عند الصخرة، ونتحالف على الموت. فوافقوا على ذلك. وسكت السّلطان طويلا، والناس كأن على رؤوسهم الطير، ثمّ قال: الحمد لله والصلاة على رسول اللَّه. اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلقة في ذمتكم. وأن هذا العدو ليس له من يلقاه غيركم، فلو لويتم أعنتكم، والعياذ بالله، طوى البلاد، وكان ذلك في ذمتكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا، وأكلتم بيت مال المسلمين. فانتدب لجوابه سيف الدّين المشطوب وقال: نحن مماليكك وعبيدك، وأنت الذي أنعمت علينا وعظمتنا، وليس لنا إلا رقابنا، وهي بين يديك؛ والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، فانبسطت نفس السّلطان وأطعمهم، ثمّ انصرفوا. فلما كان عشاء الآخرة اجتمعنا في خدمته على العادة وسمرنا وهو غير منبسط. ثمّ صلينا العشاء الآخرة، وكانت الصلاة هي الدستور العام، فصلينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني وقال: أعلمت ما تجدد؟ قلت: لا. قال: إن أبا الهيجاء السمين نفذ إلي اليوم وقال: اجتمع اليوم عنده الأمراء، وأنكروا موافقتنا على الحصار، وقالوا: لا مصلحة في ذلك، فإنَّا نُحصر ويجري علينا ما جرى على أهل عكا، وعند ذلك تؤخذ بلاد الإسلام أجمع. والرأي أن نعمل مصافًا، فإن هزمناهم ملكنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر وذهب القدس. وقد انحفظت بلاد الإسلام وعساكرها مدة بغير القدس. وكان السّلطان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فشقت عليه هذه الرسالة. وبت تلك الليلة في خدمته إلى الصباح،
وهي من الليالي التي أحياها في سبيل اللَّه.
وكان مما قالوه في الرسالة: إنك إن أردتنا نقيم بالقدس فتكون أنت معنا أو بعض أهلك، وإلا فالأكراد لا يدينون للأتراك، ولا الأتراك يدينون للأكراد. فانفصل الحال على أن يقيم من أهله الملك مجد الدين صاحب بعلبك.
وكان رحمه الله يحدِّث نفسه بالمقام، ثمّ امتنع من ذلك لما فيه من خطر الإسلام، فلما صلينا الصبح قلت له: ينبغي أن ترجع إلى الله تعالى، وهذا يوم جمعة، وفيه دعوة مُستجابة، ونحن في أبرك موضع. فالسّلطان يغتسل الجمعة ويتصدق بشيء سرًا، وتصلي بين الأذان والإقامة ركعتين تناجي فيهما ربك، وتفوض مقاليد أمورك إليه، وتعترف بعجزك عما تصديت له، فلعله يرحمك ويستجيب لك. وكان رحمه الله حسن الاعتقاد، تام الإيمان، يتلقى الأمور الشرعية بأحسن انقياد. فلما كان وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى، وصلى ركعتين، ورأيته ساجدًا ودموعه تتقاطر. ثم انقضت الجمعة. فلما كان العشي وصلت رقعة من عز الدّين جرديك، وكان في اليزك، يقول فيها: إن القوم قد ركبوا بأسرهم، ووقفوا في البر على ظهر، ثمّ عادوا إلى خيامهم، وقد سيرنا جواسيس تكشف.
ولما كان من الغد يوم السبت، وهو الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، وصلت رقعة أخرى تخبر أن الجواسيس رجعوا، وأخبروا أن القوم اختلفوا في الصعود إلى القدس أو الرحيل إلى بلادهم، فذهب الفرنسيسة إلى الصعود إلى القدس وقالوا: إنما جئنا بسببه ولا نرجع. وقال الإنكلتير: إن هذا الموضع قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء، فمن أين نشرب؟ قالوا: نشرب من نهر نقوع، وهو على فرسخ من القدس؛ فقال: كيف نذهب إليه؟ قالوا: نتقسم، فقسم يذهب إلى السقي، وقسم يبقى على البلد، فقال: إذًا يأخذ العسكر البراني الذي لهم من يذهب مع الدواب، ويخرج عسكر البلد على الباقين. فانفصل الحال على أنهم حكموا ثلاثمائة من أعيانهم، وحكم الثلاثمائة اثني عشر منهم، وحكم الاثنا عشر ثلاثة منهم، وقد باتوا على حكم
الثلاثة. فلما أصبحوا حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم المخالفة، فرحلوا ليومهم، وهو يوم السبت المذكور، نحو الرملة، ناكصين على أعقابهم. ثم نزلوا الرملة، وتواتر الخبر بذلك إلى السّلطان، وكان يوم فرح وسرور.
ثم ورد رسول الإنكلتير في الصلح يقول: قد هلكنا نحن وأنتم، والأصلح حقن الدماء، ولا تغتر بتأخيري عن منزلتي، فالكبش يتأخر لينطح. وهذا ابن أختي كندهري قد ملكته هذه الديار، وسلمته إليك يكون بحكمك. وإن جماعة من الرهبان قد طلبوا منك كنائس، فما بخلت بها عليهم، وأنا أطلب منك كنيسة في القدس، وما راسلتك به مع الملك العادل قد تركته، يعني من طلبه القدس وغيرها، ولو أعطيتني قرية أو مقرعة لقبلتها. فاستشار السّلطان الأمراء، فأشاروا بالصلح لما بهم من الضجر والتعب وعلاهم من الديون. فاستقر الحال على أن الجواب ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وابن أختك يكون كبعض أولادي، وسيبلغك ما أفعل معه، وأنا أعطيك أكبر الكنائس، وهي القمامة، والبلاد التي بيدك بيدك، وما بأيدينا من القلاع الجبلية يكون لنا، وما بين العملين يكون مناصفة، وعسقلان وما وراءها يكون خرابًا.
فانفصل الرسول طيب القلب. ثم ورد رسوله يقول: أن يكون لنا في القدس عشرون نفرًا، وإن من سكن من النصارى والفرنج في القدس لا يُتعرض لهم، وأما بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطاة، والبلاد الجبلية لكم. فأجابه السّلطان بأن القدس ليس لكم فيه سوى الزيارة. فقال الرسول: وليس على الزوار شيء؟ فقال السّلطان: نعم. وأطلق لهم بلاد عسقلان يزرعونها، وأن تكون قرى الداروم مناصفة.
وفيها قسم السّلطان صلاح الدّين عمارة سور بيت المقدس على أخيه وأولاد أخيه. ولم يزل مُجدًا في عمارتها حتى ارتفعت.
وفيها كان خلاص سيف الدّين علي المشطوب أمير عكا من الأسر على مال قرره. ثمّ مات في آخر شوال. فعين السّلطان ثلث نابلس لمصالح بيت المقدس وباقيها للأمير عماد الدّين أحمد ابن المرحوم سيف الدّين المشطوب.
وفيها نازل الفرنج قلعة الداروم وافتتحوها بالسيف. ثمّ كانت وقعات بينهم وبين المسلمين، كلها للمسلمين عليهم، إلا وقعة واحدة كان العادل أخو السّلطان مقدمها، ودهمهم العدو فهزموهم.
وفيها نزل السّلطان على يافا وأخذها بالسيف، وأخذ القلعة بالأمان، ثمّ طولوا ساعات الانتقال وأمهلوا وسوفوا، حتى جاءهم ملك الإنكلتير نجدة في البحر بغتة، ودخل القلعة وغدروا، فأسر السّلطان من كان خرج منهم، وسار إلى الرملة.
ثم وقعت الهدنة بينه وبين الفرنج مدة ثلاث سنين وثمانية أشهر، وجعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكا، إلى صور. وأدخلوا في الصلح طرابلس، وأنطاكية، واستعاد منهم الداروم؛ ودخل في هذا الصلح وهو كاره يأكل يديه من الحنق والغيظ ولكنه عجز وكثرت عليه الفرنج. وكتب كتاب الصلح بين الملتين في الثاني والعشرين من شعبان. ووقعت الأيمان والمواثيق على ذلك من الفريقين، ونودي بذلك.
وكان في جملة من حضر عند صلاح الدّين صاحب الرملة، فقال لصلاح الدّين: ما عمل أحد ما عملت، إننا أحصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة فكانوا ستمائة ألف رجل، ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد، بعضهم قتلوا، وبعضهم مات، وبعضهم غرق.
وأذن صلاح الدّين في زيارة القدس للفرنج، وترددت الرسل بين السّلطان وبين الفرنج. ثم سار فنزل بالعوجاء، وبلغه أن الإنكلتير بظاهر يافا في نفر يسير، فساق ليكبسه، فأتى فوجد نحو عشر خيم، فحمل السّلطان عليهم، فثبتوا ولم يتحركوا، وكشروا عن أنياب الحرب، فارتاع عسكر السّلطان وهابوهم، وداروا حولهم حلقة. وكانت عدة الخيل سبعة عشر، والرجالة ثلاثمائة. فوجد السّلطان من ذلك وتألم، ودار على جنده ينخيهم على الحملة، فلم يجب دعاءه سوى ولده الملك الظاهر. وقال للسلطان الجناح أخو سيف الدّين المشطوب: قل لغلمانك الذين ضربوا الناس يوم فتح يافا وأخذوا منهم الغنيمة يحملون. وكان في نفوس العسكر غيظ على السلطان حيث فوَّتهم الغنيمة. فغضب السّلطان وأعرض عن القتال. وذُكر أن الإنكلتير
حمل يومئذٍ بُرمحه من طرف الميمنة على طرف الميسرة، وما تعرض له أحد. فرد السّلطان وسار إلى النطرون ثمّ إلى القدس.
ومرض الإنكلتير، وكانت رسُله تتردد في طلب الخوخ والكمثرى، وكان السّلطان يمده بذلك وبالثلج. ثم عُقدت الهدنة وتوثّق من الفريقين، فحلف جماعة من ملوك الفرنج ومن ملوك الإسلام من آل السّلطان ومن أمرائه الأعيان، وكان يوم الصلح يومًا مشهودًا، عم الفرح هؤلاء وهؤلاء. ورجع إلى القدس فتمم أسواره ودخل دمشق في شوال.
وفيها قُتل سلطان الروم قلج أرسلان.
سنة تسع وثمانين وخمسمائة
فيها قدم علي ابن الأمير شملة إلى الخليفة بمفاتيح قلاع أبيه، فخلع عليه.
وفيها ولي إمرة الحاج قطب الدّين سنجر الناصري.
وفيها أعيد إلى القضاء أبو طالب علي ابن البخاري.
وفيها قُتل بكتمر المتغلب على مدينة خلاط على يد الباطنية. وكان قد تسلطن وضرب لنفسه الطبل في أوقات الصلوات الخمس.
وفيها سار السّلطان طُغرل إلى الري، فقتل بها ألف نفس، وعاد إلى همذان، فمرض وبطل نصفه.
وفيها خلع على قيماز شحنة أصبهان القادم في صُحبة مؤيد الدّين ابن القصاب وأُعطي ستة آلاف دينار، وتوجه إلى بلده وفي صحبته الأميران سنقر الطويل وإيلبا.
وتُوفي السّلطان صلاح الدّين، فوصل إلى بغداد في رمضان الرسول وصُحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدّين وفَرسه ودينار واحد وستة وثلاثون درهمًا، لم يخلف من المال سواها. وصُحبة ذلك صليب من الذهب الأحمر كان أخذه من القدس.
وفيها فُتحت المدرسة التي بُنيت ببغداد لوالدة الناصر لدين اللَّه، ودرَّس بها أبو علي النوقاني.
وفيها غزا السّلطان شهاب الدّين صاحب غزنة وتقدم مملوكه أيبك بالجيوش، فافتتح ما أمكنه، وسبى وغنم شيئًا كثيرًا، ورجع سالمًا.
قال ابن الأثير: وفيها انقض كوكبان عظيمان واضطرما، وسُمع صوت هدَّةٍ عظيمة، وذلك بعد طلوع الفجر، وغلب ضوؤهما ضوء القمر وضوء النهار.
سنة تسعين وخمسمائة
في ربيع الأول ولي مجاهد الدّين ياقوت الرومي شحنكية بغداد، فأقام سياسة البلد وأخلاه من المفسدين.
وفيها كان الحرب بين السّلطان شهاب الدّين الغوري ملك غزنة وبين بنارس سلطان الهند. وذلك أن أيبك مملوك شهاب الدّين لما دخل عام أول الهند فأغار على الأطراف تنمر بنارس وغضب، وهو أكبر ملوك الهند.
قال ابن الأثير: وولايته من حد الصين إلى بلاد ملاو طولًا، ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضًا، فحشد وجمع وقصد الإسلام، فطلبه شهاب الدّين بجيوشه، فالتقى الجمعان على نهر ماجون. قال: وكان مع الهندي سبعمائة فيل - كذا قال ابن الأثير - قال: ومن العسكر على ما قيل ألف ألف نفس، ومن جملة عسكره عدة أمراء مسلمين كانوا في تلك البلاد. فصبر الفريقان، واشتد الحرب، وكان النصر لشهاب الدين، وكثر القتل في الهنود حتى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدّين تسعين فيلًا. وقتل بنارس ملك الهند، ولم يعرفه أحد، إلا أنه كان قد شد أسنانه بالذهب، فبذلك عُرِف.
ودخل شهاب الدّين بلاد بنارس وحمل من خزائنها ألفًا وأربعمائة حمل، وعاد إلى غزنة. ومن جملة الفيلة التي أخذها فيل أبيض. حدثني بذلك من رآه، فلما عرضت الفيلة على شهاب الدّين خدمت جميعها إلا الفيل الأبيض فإنه لم يخدم.
وفيها، في جمادى الأولى، وصل رسول من خوارزم شاه وصحبته ابن
عبد الرشيد الذي سار في رسالة الخليفة إلى خوارزم شاه يأمره بمحاربة المارق طُغرل السلجوقي. فمرض عبد الرشيد وأحس بالموت، فأمر ولده بالمسير إلى خوارزم شاه لأداء الرسالة، فقابل الرسالة بالسمع والطاعة، وسار بجيوشه فحارب طُغرل وانتصر عليه، وهزم عساكره ونهب أمواله، وقتله، وحمل رأسه إلى بغداد صحبة رسوله، فأبرز للقيه الموكب، وأُتي بالرأس على رُمح، ودخل قاتله وهو شابٌّ تركي من أمراء خُوارزم شاه. وأول كتابه: الحمد لله الذي جعل الملوك من أخلص المماليك عقيدة ونية، وأصحَّهم ولاء وعبودية، وأصفاهم سريرة وطويّة.
وفيه: ولما وردت المراسيم بردع ذلك المارق المنافق، أرسل المملوك داعيًا له إلى الطريق اللاحب، ومشيرًا عليه باعتماد الواجب، ليعود إلى طاعة الإمام، وعارضًا عليه تجديد الإسلام، أو الاستعداد للمصافّ، والرجوع إلى حكم الاستئناف. وكان بالري، فزلف المملوك إليه في كتيبةٍ شهباء من جنود الإمام، مقنّعة بالزَّرَد المحبوك، مُحتفة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذمر أسودها، وهي كالجبل العظيم، والليل البهيم، خلفها السباع والذئبان وفوقها النسور والعقبان، وبين أيديها شخص المنون عريان، إلى أن وافت ذلك المخذول، وهو في جيش يُعجز عن الإحصاء، ويضيق عنهم الفضاء، فصب اللَّه عليهم الخذلان، لمّا تراءى الجمعان، وبرز الكفر إلى الإيمان، فتلا المملوك:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}
إلى أن قال: وأنفذ اللَّه حكمه في الطاغية، وعجل بروحه إلى الهاوية، وملك المملوك بلادهم.
قال ابن الأثير: وكان الخليفة قد سير نجدة لخوارزم شاه، وسير له مع وزيره ابن القصاب خلع السلطنة، فنزل على فرسخ من همذان، فأرسل إليه خوارزم شاه بعد الوقعة يطلبه إليه، فقال مؤيد الدّين ابن القصاب: ينبغي أن تحضر أنت وتلبس خلعة أمير المؤمنين من خيمتي. وترددت الرسل بينهما، فقيل لخوارزم شاه: إنها حيلة على القبض عليك. فرحل خوارزم شاه ليأخذه، فاندفع بين يديه، والتجأ إلى بعض الجبال. فامتنع به.
وفيها عزل أبو المظفر عبيد اللَّه بن يونس من الأستاذ دارية، وحبس إلى أن مات، وولي مكانه تاج الدّين أبو الفتح بن رزين.
وفيها قبض على ألب غازي متولي الحلة وأخذت أمواله، وقتل جزاء بما كذب على الأمير طاشتكين.
وفي رمضان أحضر مؤيد الدّين ابن القصاب وشافهه الخليفة بالوزارة، وقال له: يا محمد قد قلدتك ما وراء بابي، وجعلته في ذمتك، فاعمل فيما تراه برأيك. وخلع عليه، وضُربت النوبة على بابه على قاعدة الوزراء، ثمّ توجه إلى تستر، فافتتح بلاد خوزستان.
وفي شوال وقع الرضا عن أولاد الشيخ عبد القادر وأخذ ابن الجوزي إلى واسط، فحُبس بها مدة خمس سنين.
وكان سلطان مصر في هذه السنة: الملك العزيز عماد الدّين عثمان ابن صلاح الدّين، وسلطان دمشق: الملك الأفضل نور الدّين علي ابن صلاح الدين، وسلطان حلب: الملك الظاهر غياث الدّين غازي ابن صلاح الدين، والكرك وناحيتها، حرَّان، والرُّها، وتلك الناحية بيد الملك العادل سيف الدّين أبي بكر، وحماة، والمعرة، وسلمية، ومنبج بيد الملك المنصور محمد ابن تقي الدّين عمر بن شاهنشاه، وبعلبك بيد الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه، وحمص بيد المجاهد أسد الدّين شيركوه.
وكان الملك العادل بالكرك عند موت أخيه وهي مستقره وحصنه، فتوجه نحو دمشق لما بلغه مجيء الملك العزيز يحاصر أخاه الأفضل، ووافقه الظاهر غازي، فأصلح بينهم عمهم، ورجع العزيز إلى مصر في رمضان من السنة الماضية. ثم إن العزيز قصد دمشق في هذه السنة في شعبان.
وقال الإمام أبو شامة: وفيها استعادت الفرنج حصن جبيل بمعاملة من شخص كردي.
قلت: ثمّ افتتحها الملك الأشرف بعد مائة سنة.
قال: وفيها قدم العادل من الشرق وطلع إلى قلعة حلب وبات بها
واستخلص دلدمر وبني عمه كبراء الباروقية من اعتقال ابن أخيه الملك الظاهر، ثمّ قدم دمشق فأصلح بين الأخوين الأفضل والعزيز، على أن للعزيز من بيسان إلى أسوان. وقدم الظاهر من حلب إلى دمشق، ثمّ عاد كلّ إلى بلاده. وتزوج العزيز بابنة عمه العادل.
قلت: وذلك من دهاء الملك العادل، فإنه بقي يلعب بأولاد أخيه لعبًا، فإنه قدم من حلب بصاحبها، وبصاحب حماة ناصر الدّين محمد بن عمر، وبصاحب حمص، وغيرهم، واتفقوا على حفظ دمشق. وأوضح لهم العادل بأن الملك العزيز إن ملك دمشق أخذ منكم بلادكم. فلما رأى العزيز اجتماعهم فتر وراسل في الصلح، فاستقرت القاعدة على أن يكون له مملكة فلسطين، وهي البيت المقدس وبلادها مع مصر، على أن للعادل إقطاعه الأول بمصر، وأن يكون نائبًا للسلطنة بمصر. وأن للملك الأفضل دمشق والأردن، وأن للظاهر مملكة حلب مع جبلة واللاذقية. وتفرقوا على ذلك. وخرج الأفضل فودع أخاه الملك العزيز.
قال العماد الكاتب: قال لي الأفضل: كنت قد فارقت أخي منذ تسع سنين، وما التقينا إلا في هذه السنة. قال: وأنشدني لنفسه في المعنى:
نظرتُكَ نظرةً من بعد تِسعٍ تقضَّت بالتفرُّق من سنين وغضّ الطَّرف عنها طرفٌ غدرٍ مسافة قرب طرفٍ من جبين فَويح الدهر لم يسمح بقربٍ يعيدُ به الهجوعَ إلى الجُفُون فراقٌا ثمّ يُعقبه بّينٌ يعيدُ إلى الحشا عدم السكون ولا يبدي جيوشَ القُربِ حتى يرتبَ جيشَ بُعدٍ في الكمين ولا يدني محلّي منك إلا إذا دارت رحى الحرب الزَّبُون فليتَ الدهرُ يسمحُ لي بأُخرى ولو أمضى بها حُكمَ المنون فقلت: لله درك ما أبدع هذا المعنى، فكاتب أخاك بما فيه استعطاف واستلطاف.
قال العماد: فلو ترك الأفضل وفطنته الذكية، لجرت الأمور على
السداد، ولكن أصحابه وجلساءه أفسدوا أحواله، ورموا أكابر أمرائه بالمكاتبة والخيانة، فوقعت الوحشة، وقالوا له: أنت أحق بالسلطنة، وأنت أكبر الإخوة، وأنت ولي عهد أبيك. فتفرق عنه كبراء دولته، وتوجهوا إلى العزيز. فكان إذا قدم منهم أمير بالغ في إكرامه، فأخذوا يحرضون العزيز على قصد دمشق. وأقبل الأفضل مع هذا على الشرب والأغاني ليله ونهاره، وأشاع ندماؤه أن عمه العادل حضر عنده ليلة، وحسن له ذلك واستحسن المجلس، وقال: أي حاجةٍ لك إلى التكتم، ولا خير في اللذات دونها ستر. فقبل وصية عمه وتظاهر. ودبر وزيره الأمور برأيه الفاسد. ثم إن الأفضل أصبح يومًا تائبا ًمن غير سبب، وأراق الخمور، وأقبل على الزهد، ولبس الخشن وأكثر التعبد. وواظب على صيام أكثر الأوقات، وشرع في نسخ مصحف، وضرب أواني الشرب دراهم ودنانير، واتخذ لنفسه مجلسا مسجدًا وجالس الفقراء.
قال ابن واصل، وغيره: ولكنه كان قليل السعادة، ضعيف الآراء.
بسم الله الرحمن الرحيم
(الوفيات)
الموتى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة
1 -
أحمد بن سالم بن نبهان
، أبو سعيد الأسدي، المطَّوعي، القاضي.
حدث في هذا العام بالإجازة ببغداد عن أحمد بن محمد الزمخشري.
روى عنه أحمد بن محمود الواسطي.
ومولده سنة خمسمائة.
2 -
أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد
، أبو العباس ابن اليتيم الأنصاري، البلنسي، الأندرشي المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن موهب الجذامي، وأبي علي بن عُريب، وأبي إسحاق بن صالح، وأبي العباس ابن العريف، وجماعة لقيهم بالمرية وسمع منهم. ومن ابن ورد، وابن عطية، وابن اللوّاز.
وأجاز له أبو علي بن سُكرة. وتصدَّر للإقراء بمالقة، وأخذ الناس عنهم.
قال الأبّار: حدثنا عنه ابنه أبو عبد الله، وأبو القاسم بن بقي، وأبو الخطاب الكلبي.
وتُوفي في رمضان بالمريَّة.
3 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن علي ابن الطيبي
، أبو العباس المعدل، والد الوزير أبي المظفر عُبيد اللَّه.
سمع من المعمر بن محمد البيع، وقاضي المرستان. وحدَّث.
4 -
إبراهيم بن محمد بن المنذر بن أحمد بن سعيد بن ملكون
. الأستاذ أبو إسحاق الحضرمي، النحوي، الإشبيلي.
سمع من أبي مروان الباجي، وشُريح بن محمد، وعبّاد بن سرحان، وأبي الوليد بن حجَّاج، وأبي القاسم ابن الرماك، وعنهما أخذ علم العربية والأدب فرأسَ فيهما وبرع.
وأجاز له أبو الحسن بن مغيث، وجماعة.
واشتهر اسمه وصنف ايضاح المنهج جمع فيه بين كتابي ابن جنّي على الحماسة: التنبيه والمبهج، وصنَّف غير ذلك.
أخذ عنه جماعة من الجلة، وأجاز لأبي سليمان بن حوط اللَّه.
وتُوفي بإشبيلية، ودُفن بداره.
حَمل عنه أبو علي الشلوبين، والقاضي أبو مروان الباجي.
5 -
إسماعيل بن مكي بن إسماعيل بن عيسى بن عوف
.
من ولد حُميد بن عبد الرحمن بن عوف.
صدر الإسلام أبو الطاهر القرشي الزُّهري الإسكندري، الفقيه المالكي.
ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وتفقه على أبي بكر الطرطوشي، وبرع في المذهب وأقرأ الناس، وتخرج به جماعة.
وسمع من الطرطوشي، وأبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الرازي.
كتب عنه الحافظ أبو طاهر بن سِلفة وهو من شيوخه.
وحدَّث عنه الحافظ عبد الغني المقدسي، وعبد القادر الرُّهاوي، وعلي بن المفضل، وآخرون، وأحفاده الحسن وعبد اللَّه وعبد العزيز بنو الفقيه عبد الوهاب ولده.
ورحل إليه السّلطان صلاح الدّين يوسف، وسمع منه الموطأ.
تُوفي في الخامس والعشرين من شعبان.
6 -
بهلوان بن إلدِكز
. الأتابَك شمس الدّين صاحب أذربيجان وعراق العجم أصبهان، والرّي، وبلاد أرّان.
كان أبوه الأتابك إلدكز كبير القدر، وكان أتابك السّلطان رسلان شاه بن طُغريل بن محمد بن ملكشاه، فمات هو وسلطانه في سنة سبعين وخمسمائة، فتملك البهلوان إلى أن مات في آخر هذا العام، وقام بعده الملك قزل أخوه من
أمه، فبقي إلى أن مات سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة.
وكان البهلوان قد أقام في الملك طغريل بن أرسلان شاه آخر ملوك بني سلجوق، فكان من تحت حكم البهلوان.
وخلف البهلوان فيما قيل خمسة آلاف مملوك وثلاثين ألف دابّة، ومن الأموال ما لا يُحصى.
ثم قوي طُغريل وتحارب هو وقزل، وجرت أمور طويلة.
7 -
ثعلب بن علي بن حسن
، أبو الوحش الأنصاري، المصري، الكاتب.
روى عن عبد اللَّه بن رفاعة، وأحمد بن الحُطيئة.
وعنه الحافظ ابن المفضل.
8 -
الحسن بن سعيد بن أحمد ابن البنّاء
، أبو محمد. من بيت الحديث والإسناد.
قد ذكرناه في سنة اثنتين وسبعين. وبعض الناس ذكر أنه مات في هذا العام في شعبان، فالله أعلم.
9 -
الحسن بن محمد بن عبيد الله
، أبو علي المقدسي ثم المصري، عرف بابن القطان، والد القاضي أبي عبد الله محمد، ويعرف برضي الدولة.
لا رواية له.
10 -
حياة بن قيس بن رحّال بن سلطان الأنصاري
، الحراني، الزاهد، شيخ حران وصالحها، قُدوة الزهاد بها.
كان عبدًا لله صالحًا، ناسكًا، قانتًا لله، صاحب أحوال وكرامات، وصدق وإخلاص، وجدٌّ واجتهاد، وتعفُّف وانقباض.
كانت الملوك والأعيان يزورونه ويتبرَّكون بلقائه. وكان كلمة إجماع بين أهل بلده.
وقيل: إن السّلطان نور الدّين بن زنكي زاره واستشاره في جهاد الفرنج،
فقوّى عَزمه ودعا له، ولما توجَّه السّلطان صلاح الدّين إلى حرب صاحب الموصل دخل على الشيخ حياة وطلب منه الدُّعاء، فأشار عليه بترك المسير إلى الموصل، فلم يقبل، وسار إليها فلم يظفر بها.
ومن شيوخه: أبو عبد الله الحُسين البواري الرجل الصالح تلميذ الشيخ مُجلّي بن ياسين.
وللشيخ حياة سيرةٌ في نحو مجلَّد كانت عند ذريته، فلما استولت التتار الغازانية على الشام نهبت فيما نُهب بالصالحية. وقد بَلَغَنا عنه أنه كان ملازمًا لزاويته بحرّان نحوًا من خمسين سنة لم تَفُته الجماعة إلا من عُذرٍ شرعي.
وكان بشوش الوجه، لين الجانب، رحيم القلب، سخيًا كريمًا، محبًا لله، راجيًا عفوه وكرمه، صاحبَ ليلٍ وتهجُّد.
انتقل إلى اللَّه في ليلة الأربعاء سلخ جُمادى الأولى سنة إحدى وثمانين هذه، وله ثمانون سنة، رحمه الله، ولم يخلف بحران بعده مثله.
نقلتُ كثيرًا من ترجمته من تاريخ صاحبنا العدل الجليل شمس الدّين أبي المجد محمد بن ابراهيم ابن الجزري، وهو تاريخ مفيد استفدت منه أشياء مطبوعة لا تكاد توجد إلا فيه. وقد كنت انتخبتُ منه مجلدًا هو الآن ملك الفقيه المحدّث الأوحد صاحبنا صلاح الدّين خليل بن كيكلدي الشافعي، حفظه اللَّه وأصلحه.
11 -
سعد الدين، ولد الأمير مقدم الجيوش معين الدّين أنر
، اسمه مسعود.
كان من أكابر الأمراء النورية والصلاحية لأبوته ولمكان أخته الخاتون زوجة نور الدّين وصلاح الدّين.
توفي في هذه السنة بعد أخته بيسير.
وكان زوج ربيعة خاتون أخت السّلطان صلاح الدّين، فتزوج بعده بها ابن صاحب إربل.
12 -
سعيد بن أبي البقاء الموفق بن علي بن جعفر
، أبو محمد النيسابوري، ثمّ البغدادي، الصوفي، الخازن.
صحب شيخ الشيوخ إسماعيل بن أبي سعد، وكان برباطه.
وُلد سنة خمس وخمسمائة، وسمع هبة اللَّه بن الحصين، والحسين بن الفرخان السمناني.
روى عنه ابنه محمد، وعبد العزيز بن دلف، وجماعة.
13 -
شاكر بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه
، الرئيس أبو اليسر التنوخي، المعري، ثمّ الدمشقي، كاتب الإنشاء.
كان أديبًا فاضلًا، جليلًا، ذكيًا، شاعرًا. قرأ الأدب على جده القاضي أبي المجد محمد بن عبد اللَّه بحماة. وسمع من أبي عبد اللَّه الحسين ابن العجمي، وغيره. وحدث.
وولد بشيزر في سنة ست وتسعين وأربعمائة.
روى عنه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر مع تقدمه، وهو جد المحدث تقي الدّين إسماعيل.
وكان كاتب إنشاء ديوان الملك نور الدين.
وروى عنه أيضا: ابنه إبراهيم، وأبو القاسم بن صصرى.
14 -
شاه أرمن
، صاحب مملكة خلاط.
توفي بها في تاسع ربيع الآخر، وتملك بعده مملوكه بكتمر.
15 -
عبد اللَّه، أبو طالب ابن النقيب
الطاهر أبي عبد اللَّه أحمد بن علي بن المعمر العلوي، الحسيني، البغدادي، النقيب.
ولي النقابة بعد أبيه، وله شعر جيد.
16 -
عبد اللَّه بن أسعد بن علي بن عيسى
، مهذب الدّين أبو الفرج ابن الدهان، الموصلي، الفقيه، الشافعي، الأديب، الشاعر. ويعرف أيضًا بالحمصي.
له ديوان صغير؛ كان مجموع الفضائل.
لما ضاقت به الحال بالموصل وعزم على قصد الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر، كتب إلى الشريف ضياء الدّين زيد بن محمد نقيب الموصل:
وذات شجو أسال البين عبرتها باتت تؤمل بالتقييد إمساكي لجت فلما رأتني لا أصيخ لها بكت فأقرح قلبي جفنها الباكي قالت وقد رأت الأجمال مخدجة والبين قد جمع المشكو والشاكي: من لي إذا غبت في ذا المحل قلت لها اللَّه وابن عبيد اللَّه مولاك فقام النقيب بواجب حقها مدة غيبته بمصر.
ومدح ابن رزيك بالقصيدة الكافية التي يقول فيها:
أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم والشعر ما زال عند الترك متروكا؟ لا نلت وصلك إن كان الذي زعموا ولا شفا ظمأي جود ابن رزيكا ثم تقلبت به الأحوال، وتولى التدريس بحمص. ثمّ قدم على السّلطان صلاح الدّين، فأحسن إليه، وله فيه مدائح جيدة.
ومن شعره:
يضحي يجانبني مجانبة العدى ويبيت وهو إلى الصباح نديم ويمر بي يخشى الرقيب فلفظه شتمٌ، وغنجُ لحاظه تسليم وله:
قالوا: سلا، صدقوا، عن السلـ ـوان ليس عن الحبيب قالوا: فلم ترك الزيا رة؟ قلت: من خوف الرقيب قالوا: فكيف تعيش مع هذا؟ فقلت: من العجيب
ومن شعره:
تردي الكتائب كتبه فإذا انبرت لم تدرِ أنفذ أَسطرًا أم عسكرا لم يُحسِن الإتراب فوق سُطورها إلا لأنّ الجيش يعقد عثيرا وقال جمال الدّين القفطي: ابن الدهان نحوي، أديب، شاعر، قدم الشام صحبة أبي سعد بن عصرُون، وكان يلزم درسه؛ ثمّ إنه ولي التدريس بحمص.
تُوفي في شعبان بحمص.
17 -
عبد اللَّه بن سماقة
، قِوام الدّين أبو محمد، وزير ابن قُرا رسلان.
دخل عليه في ثامن رمضان مماليك مخدومه فطلبوه إلى الخدمة فجاء ودخل في الدهليز، فأغلقوا الباب الذي دخل منه، والباب الذي من جهة الأمير وقتلوه، وأخرجوه.
18 -
عبد اللَّه بن محمد بن أبي عُبيد البكري
، القرطبي، أبو عُبيد.
روى عن جعفر بن مكي، وأبي جعفر البطروجي، وغيرهما.
وكان من أهل المعرفة باللغة والأدب. وكان جده أبو عُبيد عبد اللَّه بن عبد العزيز من مفاخر الأندلس.
وهذا أخذ عنه أبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم الملاحي، وابنا حوط الله.
وتُوفي بقرطبة عن أربع وسبعين سنة في جمادى الأولى، قاله الأبّار.
19 -
عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن حسين بن سعيد
، أبو محمد الحافظ الأزدي، الإشبيلي، ويُعرف أيضًا بابن الخرّاط.
روى عن شريح بن محمد، وأبي الحكم بن برجان، وعمر بن أيوب، وأبي بكر بن مدير، وأبي الحسن طارق، وطاهر بن عطية.
وأجاز له محدث الشام أبو القاسم ابن عساكر، وغيره.
ونزل بجاية وقت فتنة الأندلس بانقراض
الدولة اللمتونية، فبث بها علمه وصنف التصانيف، وولي الخطبة والصلاة بها.
قال الأبار: وكان فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح، والزهد، والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا، مشاركًا في الأدب وقول الشعر. وقد صنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى. سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن أبي مروان الشهيد بلبلة، فحظي عبد الحق دونه؛ وله الجمع بين الصحيحين مصنف. وله مصنف كبير في الجمع بين الكتب الستة. وله كتاب في المعتل من الحديث، وكتاب في الرقائق، ومصنفات أخر.
وله في اللغة كتاب حافل ضاهى به كتاب الغريبين للهروي.
حدثنا عنه جماعة من شيوخنا.
ولد سنة عشرٍ وخمسمائة.
وتوفي ببجاية بعد محنةٍ نالته من قبل الولاة في ربيع الآخر.
ومن شعره:
واهًا لدنيا ولمغرورها كم شابت الصفو بتكديرها أي امرئ أمن في سربه ولم ينله سوء مقدورها وكان ذا عافيةٍ جسمه مَن مس بلواها وتغييرها وعنده بلغة يومٍ فقد حيزت إليه بحذافيرها سمع من ابن عطية صحيح مسلم عن محمد بن بشر، عن الصدفي، عن العذري، نازلًا.
وذكر ابن فرتون أن وفاته كانت سنة اثنتين وثمانين. وقال: حدثني عنه أبو ذر، وأبو الحجاج ابن الشيخ، وأبو عبد اللَّه بن نقيمش. وحدثني أبو العباس العزفي، بسبتة: كتب إلي عبد الحق قال: حدثنا عبد العزيز بن خلف بن مدير، قال: حدثنا أبو العباس العذري، قال: حدثنا محمد بن روح بمكة، قال: حدثنا الطبراني، فذكر حديثًا.
ومن شعره رحمه الله تعالى:
إن في الموت والمعاد لشغلًا وادكارًا لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطتين قبل المنايا صحة الجسم يا أخي والفراغا قلت: وروى عنه أبو الحسن علي بن محمد المعافري خطيب الأندلس.
20 -
عبد الرحمن بن إسماعيل بن جعفر بن أحمد بن صولة
، أبو القاسم المصري، المالكي، الكاتب المعدل.
حدث عن الفقيه سلطان بن إبراهيم المقدسي.
توفي في ذي القعدة.
21 -
عبد الرحمن بن أيوب بن تمام
، أبو القاسم الأنصاري، المالقي.
روى عن أبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن شريح، وأبي جعفر البطروجي، وجماعة. وكان عالمًا بالعربية، واللغة، والآداب، مبرزًا فيها، مع مشاركة في الفقه والحديث. استوطن دانية وأقرأ بها العربية، وأسمع الحديث. روى عنه جماعة.
وتوفي في شوال؛ قاله الأبار.
22 -
عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أحمد بن أصبغ بن الحسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح
. الإمام الحبر أبو القاسم، وأبو زيد، ويقال أيضًا: أبو الحسن، ابن الخطيب أبي محمد ابن الخطيب أبي عمر بي أبي الحسن الخثعمي السُّهيلي، الأندلسي المالقي، النحوي، الحافظ، صاحب المصنفات.
أخذ القراءات عن سليمان بن يحيى، وبعضها عن أبي علي منصور بن الخير.
وسمع أبا عبد اللَّه المعمر، وأبا بكر ابن العربي، وأبا عبد الله بن مكي، وأبا عبد الله بن نجاح الذَّهبي، وجماعة.
وأجاز له أبو عبد الله ابن أخت غانم، وغيره.
وناظرَ على أبي الحسين ابن الطَّراوة في كتاب سيبويه وسمع منه كثيرًا من كتب اللغة والآداب. وكفَّ بصره وهو ابن سبع عشرة سنة.
وكان عالمًا بالقراءات، واللُّغات، والغريب، بارعًا في ذلك. تصدَّر
للإقراء والتدريس والحديث. وبعُدَ صيته، وجلَّ قدره.
جمع بين الرواية والدراية، وحمل الناس عنه؛ وصنَّف الروض الأنُف في شرح السيرة لابن إسحاق، دل على تبحره وبراعته. وقد ذكر في آخره أنه استخرجه من نيفٍ وعشرين ومائة ديوان.
وللسُّهيلي في ابن قرقول:
سَلا عن سَلا أهل المعارف والنُّهى بها ودعا أمَّ الرباب ومأسلا بكيت دمًا أزمان كان بسبتة فكيف التأسي حين منزله سَلا وقال أناسٌ: إنَّ في البعد سلوةً وقد طال هذا البعد والقلب ما سلا فليت أبا إسحاق إذ شطَّت النوى تحيته الحسنى مع الريح أرسلا فعادت دبُور الريح عندي كالصِّبَا لدى عمر إذا مر زيد تنسلا وقد كان يُهديني الحديث معنعنًا فأصبح موصول الأحاديث مُرسلا وله كتاب التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام، وكتاب شرح آية الوصية، وشرح الجُمل ولم يتمه. واستدعي إلى مراكش ليسمع منه بها. وبها تُوفي في الخامس والعشرين من شعبان هو والإمام أبو الطاهر إسماعيل بن عوف شيخ الإسكندرية في يوم واحد، وعاش ثنتين أو ثلاثًا وسبعين سنة.
قال ابن خلكان: فتُّوح جدهم هو الداخل إلى الأندلس، سمع منه أبو الخطاب بن دحية. وقال: كان ببلده يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش، فطلبه وأحسن إليه، وأقبل عليه. وأقام بها نحوًا من ثلاثة أعوام.
وسُهيل قرية بالقرب من مالقة سُميت بالكوكب، لأنه لا يُرى من جميع الأندلس إلا من جبلٍ مُطلّ على هذه القرية.
ثم وجدت على كتاب الفرائض للسُّهيلي أنه ولد بإشبيلية سنة ثمان وخمسمائة، وأنه وُلي قضاء الجماعة، فحسنت سيرته.
23 -
عبد الرحمن بن محمد بن الحسين بن علي
، أبو القاسم السبيي، ثم المصري؛ الرجل الصالح، المعروف بابن نُخيسة الجيار.
وُلِد سنة ثمانٍ وخمسمائة.
وسمع من سلطان بن إبراهيم المقدسي؛ وأجاز له محمد بن عبد الله بن الحسن بن طلحة التنيسي ابن النّخّاس.
روى عنه المصريون.
قال الحافظ زكي الدّين المنذري: حدثنا عنه جماعة من شيوخنا. وسبية: مثل صبية بباء موحدة، من قُرى عسقلان، ونُخيسة والنّخّاس: بنون ثم خاء معجمة فيهما. والجيار: بجيم، ثم ياء آخر الحروف.
24 -
عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن عباس
، أبو القاسم، وأبو محمد الجذامي المقرئ، نزيل سبتة.
روى عن أبي الحسن بن مغيث، وأبي عبد اللَّه بن مكي، وأبي الحسن شُريح وقرأ عليه القرآن، وعلى أبي القاسم بن رضا.
وتصدر للإقراء والتحديث.
حدَّث عنه أبو سليمان، وأبو محمد ابنا حوط اللَّه، وأيوب بن عبد الله، وغيرهم.
25 -
عبد الرزاق بن نصر بن المسّلم بن نصر
، أبو محمد، وأبو مسلم الدمشقي، النجار، البناء.
سمع من أبي طاهر محمد بن الحسين الحنائي، وأبي الحسن ابن الموازيني، وهبة اللَّه ابن الأكفاني، وأبي عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء، وأبي الحسن بن مسلم الفقيه، وعبد الرحمن بن صابر.
وولد في سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة.
وتًوفي في سادس ربيع الآخر.
روى عنه عبد القادر الرهاوي، وعبد الله ابن الخُشوعي، وأبو المعالي أحمد ابن الشيرازي، والشمس محمد بن عبد الهادي المقدسي، والأمين أبو الغنائم سالم بن صصرى، والتاج محمد بن أبي جعفر القرطبي، وآخرون.
26 -
عبد الصمد بن الحسين بن أبي الوفاء عبد الغفار
، أبو المظفر الكلاهيني، الزنجاني، الصوفي، الواعظ المعروف بالبديع.
وعظ ببغداد دهرًا، وأخذ الوعظ عن أبي النجيب السهروردي وصحبه. وحدث بـ مسند أحمد كله عن ابن الحُصين. وروى أيضًا عن زاهر الشحامي.
قال ابن الدَّبيثي: وكان له رباط بقراح القاضي يجلس فيه، وعنده جماعة من الفقراء.
قلت: وقرأ عليه الحافظ أبو بكر الحازمي المُسند.
وتوفي في ربيع الآخر. وكان ذا تعبدٍ وتألهٍ.
27 -
عُبيد اللَّه بن عبد الله بن محمد بن نجا بن شاتيل
، أبو الفتح البغدادي، الدّباس.
سمع أباه، والحسين بن علي ابن البسري، وأبا غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وأحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا الحسن ابن العلاف، وانفرد عنهم سوى أبيه؛ وأبا سعد بن خُشيش، وأبا القاسم علي بن الحسن الربعي، وأُبيا النرسي، وأبا علي بن نبهان، وطائفة.
ووجد سماعه منقولًا بخط أبي بكر بن كامل على جزء الإفك، من أبي الخطاب ابن البطر سنة تسعين وأربعمائة، فسمعه عليه قوم، فإن كان سماعه صحيحًا فتاريخه غلط، وإن كان تاريخه صحيحًا فيكون لأخ له باسمه مات.
قال ابن النجار: مع أن أكثر أصحاب الحديث أبطلوا سماعه من ابن
البطر، فإنه ذكر أن مولده سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
وقال بعضهم عنه: إنه وُلد سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
روى عنه أبو سعد ابن السمعاني مع تقدمه، وابن الأخضر، والشيخ الموَّفق، والبهاء عبد الرحمن، والعز محمد ابن الحافظ، وأبوه، وسالم بن صصرى، ومحمد بن أبي بكر الحمامي، ومحمد بن علي بن بقاء السباك، وفضل اللَّه الجيلي، وخلق كثير.
وكان مُسند بغداد في عصره. وآخر من روى عنه بالإجازة الزين أحمد بن عبد الدائم.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي: سألته عن مولده فقال: في ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
وتوفي في العشرين من رجب.
ووقع له حديثٌ بينه وبين أبي داود السجستاني، فيه ثلاثة أنفس.
28 -
عُبيد اللَّه بن علي بن غلندة
، أبو الحكم الأندلسي، مولى بني أمية.
نزل إشبيلية، وكان شاعرًا، طبيبًا، ماهرًا، بارع الخط. نقل بخطّه الكثير. وطال عُمره. وتُوفي بمراكش.
29 -
عساكر بن علي بن إسماعيل بن نصر
، أبو الجيوش الصوري المولد، الخندقي المنشأ، المصري، المقرئ، النحوي، الشافعي، المعدل.
ولد سنة تسعين وأربعمائة، وأخذ القراءات عن أبي الحسين أحمد بن محمد بن شمول المقرئ، وعلي بن عبد الرحمن بن القاسم الحضرمي نفطويه، وأبي إسحاق إبراهيم بن أغلب النحوي، والشريف الخطيب.
وسمع من محمد بن أحمد الرازي. وتفقَّه على قاضي القضاة مُجلِّي بن جُميع. وقرأ العربية على ابن بري، وغيره.
وتصدَّر للإقراء بدار العلم وبالجامع الظافري. وانتفع به الناس. أخذ عنه علم الدّين السخاوي، وجماعة.
وتُوفي في تاسع المحرَّم. وكان رجلا صالحًا خيِّرًا.
30 -
عصمة الدين، الخاتون المحترمة بنت الأمير معين الدّين أنر
. زوجة السّلطان نور الدين، ثم زوجة السّلطان صلاح الدّين.
تزوج بها صلاح الدين في سنة اثنتين وسبعين، وكانت من أعف النساء وأجلّهن، وأوفرهنّ حشمةً. وهي واقفة المدرسة الخاتونية بمحلة حجر الذهب بدمشق، والخانقاه الخاتونية التي على بانياس. أما الخاتونية التي في آخر الشُرف القبلي فمنسوبة إلى زُمُرُّد خاتون بنت جاولي أخت الملك دُقاق لأمّه، وزوجة أتابك زنكي والد نور الدين.
تُوفيت عصمةُ الدّين بدمشق في ذي القعدة، وتُعرف بالخاتون العصمية، ودفنت بتربتها المنسوبة إليها بقاسيون قبلي قبة شركس. ومنارتها كلها حجر.
31 -
عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسين
، أبو حفص القرشي، العبدري، الميانشي، شيخ الحرم.
حدث عن القاضي أبي المظفَّر محمد بن علي بن الحسين الشيباني الطبري، وأحمد بن معد الإقليشي، ومحمد بن علي المازري، وأبي طاهر السلفي.
ولقي أبا عبد الله محمد بن أحمد الرازي وفرَّط به، فأكثر ما عمل أنه تناول منه سُداسياته.
روى عنه عبد الرحمن بن أبي حًرمي، وجماعة. وآخر من حدَّث عنه صدر الدّين أبو علي البكري.
توفي بمكة في جمادى الأولى.
وكان محدثًا متقنًا صالحًا، صنَّف جزءًا في ما لا يسع المحدث جهله.
32 -
الفضل بن الحسين بن إبراهيم بن سليمان
، أبو المجد الحميري، البانياسي، الرئيس عفيف الدين. من كبار شيوخ دمشق.
وُلد بها في رجب سنة خمسٍ وتسعين وأربعمائة. وهو آخر من حدَّث عن أبي القاسم الكلابي. وحدث أيضًا عن أبي الحسن علي، وأبي الفضل محمد ابني الحسن ابن الموازيني، وغيرهم.
روى عنه موفق الدّين الحنبلي، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، وعبد الرحمن بن أبي حَرمي المكي، وآخرون.
وتوفي في سابع شوال.
ولم يكن من بانياس، وإنما خزن مرةً أرُزًا كثيرًا من بانياس، فكان الرزازون يقول أحدهم: اذهبوا بنا نشتري من البانياسي. وإليه يُنسب الدَّرب الذي في الكتانيين.
33 -
محمد ابن الملك أسد الدّين شيركوه بن شاذي بن مروان
. الملك القاهر ناصر الدين، صاحب حمص، ابن عم صلاح الدّين.
تُوفي بحمص يوم عرفة، وقت الوقفة، بمرضٍ حادٍ مزعج، وتملَّك حمص بعده ولده الملك المجاهد أسد الدّين شيركوه فطالت أيامه.
وكان السّلطان صلاح الدّين قد مرض في هذه السنة بحران في شوال حتى اشتد مرضه وأوصى، فسار من عنده ناصر الدّين محمد واجتاز بحلب، وأخذ جماعة من الأحداث وأعطاهم مالًا ووعدهم، وقدِم حمصَ فكاتب أهل دمشق بأن تكون له دمشق إن مات ابن عمه. ثم عوفي صلاح الدّين.
وقيل: إنه سكر فقتله الخمر، وقيل: ابن عمه سقاه سُمًّا، ونقلته زوجته بنت عمه ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرستها الشامية بظاهر دمشق، ودفنته عند أخيها شمس الدولة تورانشاه.
وكان موصوفًا بالشجاعة والإقدام، له نفسٌ أبيه، وهمة أيوبية.
قال ابن واصل: شرب خمرًا فأكثر منها فأصبح ميتًا. فأقطع السّلطان لولده الملك المجاهد وله اثنتا عشرة سنة، فتملك حمص بضعًا وخمسين سنة.
وذكر العماد الكاتب أن التركة بلغت ما قيمته ألف ألف دينار.
34 -
محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب بن الحسين بن علي
. الحافظ أبو سعد الأصبهاني، الصائغ.
ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة. وسمع من أبي القاسم غانم البرجي، وأبي علي الحداد، وحمزة بن العباس العلوي، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وصاعد بن سيار الدهان، وأبي عدنان محمد بن أحمد، ويحيى بن منده، وقوام السنة إسماعيل بن محمد التيمي، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، وطائفة.
ورحل إلى الجبال، وفارس، وخوزستان. وسمع بهمذان من جُميع بن الحسن، وأبي طاهر محمد بن عبد الغفار، وأبي جعفر محمد بن أبي علي الحافظ.
سمع بشيراز من أبي منصور عبد الرحيم بن محمد بن أحمد الخطيب، وأبي الفتح هبة اللَّه بن الحسن، ومن جماعة.
وسمع بالأهواز من أبي القاسم عبد العزيز بن الحسين.
وحدث وخرج. وقد كتب عنه من أماليه الحافظ أبو سعد السمعاني. وروى عنه الحافظ عبد الغني، والفقيه أبو نزار ربيعة اليمني وآخرون.
وبالإجازة: كريمة، وابن اللَّتّي.
وتُوفي في الثاني والعشرين من ذي القعدة.
35 -
محمد بن علي بن محمد
، أبو الفوارس العجلي البعقوبي.
ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وسمع من محمد بن طراد، وعلي بن الصباغ. وحدَّث.
36 -
محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد
، الحافظ الكبير أبو موسى المديني، الأصبهاني، صاحب التصانيف وبقية الأعلام.
وُلد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة.
وسمع حضورًا في سنة ثلاثٍ باعتناء والده من أبي سعد محمد بن محمد المطرِّز، ومات المطرز في شوال سنة ثلاثٍ وخمسمائة. وسمع من أبي منصور محمد بن مندويه الشُّروطي، وغانم البرجي، وأبي علي الحداد، وأبي الفتح محمد بن عبد الله خوروست،
وأبي الفتح محمد بن عبد اللَّه الشرابي بِليزة، وأبي الرجاء محمد بن أبي زيد الجركاني، ومحمد بن أحمد بن المطهر العدناني، وأبي الفضل محمد بن طاهر الحافظ، ومحمد بن الفضل القرابي القصار، وأبي الرجاء أحمد بن عبد اللَّه بن منده، وإبراهيم بن أبي الحسين محمد بن أبرويه، وإبراهيم بن عبد الواحد بن أبي ذر الصالحاني، وإسماعيل بن الفضل الإخشيد، وأبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ وبه تخرَّج وهو أستاذه، وإسحاق بن أحمد الراشتيناني، وتميم بن علي الواعظ، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وحمزة بن العباس العلوي، وأبي شكر حمد بن علي الحبال، وحبيب بن أبي مسلم الزاهد، ورجاء بن إبراهيم الخباز، وطلحة بن الحسين الصالحاني، وطاهر بن أحمد البزاز، وأبي نهشل عبد الصمد بن أحمد العنبري، وعبد الكريم بن علي بن فورجة، وعبد الواحد بن محمد الدشتج، وعثمان بن عبد الرحيم اللبيكي، النيسابوري، وعلي بن عبد اللَّه النيسابوري الواعظ يرويان عن ابن مسرور؛ وغانم بن علي العطار مشكة، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي الأشقر، ونصر بن أبي القاسم الصباغ، ونوشروان بن شيرزاد الديلمي، وهبة اللَّه بن الحسن الأبرقوهي، وهبة اللَّه بن الحصين، سمع منه المسند؛ وهبة اللَّه ابن الطبر الحريري، وهادي بن إسماعيل العلوي، والهيثم بن محمد المعداني، ويحيى بن عبد الوهاب بن منده الحافظ، وخجستة بنت علي بن أبي ذر، ودعجاء بنت أبي سهل الكاغدي، وفاطمة الجوزدانية، وأبي العز بن كادش، وخلق كثير ببلده، وببغداد، وهمذان.
وصنف التصانيف النافعة. وكان واسع الدائرة في معرفة الحديث، وعلله، وأبوابه، ورجاله، وفنونه، ولم يكن في وقته أحد أحفظ منه، ولا أعلم، ولا أعلى سندًا ممن يعتني بهذا الشأن.
قال ابن الدبيثي: عاش حتى صار أوحد وقته وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا.
وقال أبو سعد السمعاني: سمعت منه وكتب عني، وهو ثقة صدوق.
قلت: وروى عنه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، والحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القادر الرهاوي، والحافظ محمد بن مكي، وعبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي، والحسن بن أبي معشر الأصبهاني، والناصح ابن الحنبلي، وأبو نجيح محمد بن معاوية مقرئ أصبهان، وخلق كثير.
وبالإجازة: الفقيه محمد اليونيني، وعبد اللَّه ابن الخشوعي، وآخرون.
وكانت رحلته إلى ابن الحصين سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ثم قَدم بغداد ثانيًا في سنة اثنتين وأربعين، وعاد إلى بلده وأقبل على التصنيف والإملاء وتعليم العلم والأدب.
ومن مصنفاته الكتاب المشهور في تتمة معرفة الصحابة الذي ذيّل به على أبي نعيم، يدل على تبحره وحفظه، وكتاب الطوالات مجلدان، وكتاب تتمة الغريبين يدل على براعته في اللغة والغريب، وكتاب الوظائف، وكتاب اللطائف وكتاب عوالي التابعين، وغير ذلك.
وعرض من حفظه كتاب علوم الحديث للحاكم على إسماعيل الحافظ.
قال الحافظ عبد القادر: إن أبا موسى حصل من المسموعات بأصبهان خاصة ما لم يحصل لأحد في زمانه فيما أعلم، وانضم إلى كثرة مسموعاته الحفظ والإتقان. وله التصانيف التي أربى فيها على تصانيف بعض من تقدمه، مع الثقة فيما يقول، وتعففه الذي لم نره لأحد من حفاظ الحديث في زماننا، له شيء يسير يتربح به وينفق منه، ولا يقبل من أحد شيئا قط، حتى إنه كان ببعض قرى أصبهان رجل من أهل العلم والدين أراد أن يحج حج نافلة، فجاء جماعة إلى الحافظ أبي موسى فسألوه أن يشفع إليه في قعوده عن الحج لما يرجون من الانتفاع بإقامته، فخرج معهم إلى القرية راكبًا على حمار، فأجابه إلى ذلك، فحملوا إلى أبي موسى شيئًا من الذهب، فلم يقبله. فقالوا: فرقه في
أصحابك. فقال: فرقوه أنتم إن شئتم.
وحدثني بعض من رحل بعدي إلى أصبهان أن رجلًا من الأغنياء أوصى إلى الشيخ أبي موسى بمال كثير يفرقه في البر، فلم يقبل، وقال: بل أوص إلى غيري، وأنا أدلك إلى من تدفعه إليه. ففعل. وفيه من التواضع بحيث إنه يقرئ كل من أراد ذلك من صغير وكبير. ويرشد المبتدئين، حتى رأيته يحفظ صبيانًا القرآن في الألواح. ولا يكاد يستتبع أحدًا إذا مضى إلى موضع، حتى إنني تبعته مرة فقال: ارجع. ثم تبعته، فالتفت إلي مغضبًا وقال لي: ألم أقل لك لا تمش خلفي، أنت إذا مشيت خلفي لا تنفعني، وتبطل عن النسخ؛ وترددت إليه نحوا من سنة ونصف، فما رأيت منه ولا سمعت عنه سقطة تعاب عليه.
وقال محمد بن محمود الرويدشتي: توفي الحافظ أبو موسى في تاسع جمادى الأولى. وكان أبو مسعود كوتاه الحافظ يقول: أبو موسى كنز مخفي.
وقال الحسين بن يوحن الباوري: كنت في مدينة الخان فجاءني رجل فسألني عن رؤيا، قال: رأيت كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي. فقلت: هذه رؤيا الكبار، وإن صدقت رؤياك يموت إمام لا نظير له في زمانه. فإن هذا المنام رئي حالة وفاة الشافعي والثوري وأحمد بن حنبل. قال: فما أمسينا حتى جاءنا الخبر بوفاة الحافظ أبي موسى.
وعن عبد اللَّه بن محمد الخجندي قال: لما مات أبو موسى لم يكادوا يفرغون حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد، وكان الماء قليلًا بأصبهان.
37 -
محمد بن منجح بن عبد اللَّه
، أبو شجاع الفقيه الشافعي، الصوفي الواعظ.
توفي ببغداد في ربيع الأول، وكان مولده في سنة خمس وخمسمائة.
وسمع من قاضي المرستان. وتفقه على: أبي محمد عبد اللَّه بن أبي بكر الشاشي؛ وأجاز له ابن طاهر المقدسي. وله شعر حسن. وتفقه أيضًا بالجزيرة على الأستاذ أبي القاسم البزري، وخرج إلى الشام. وولي قضاء بعلبك، ثم عاد إلى بغداد.
ومن شعره:
سلامٌ على وادي الغضا ما تناوحتْ على ضفَّتيه شمألً وجنوبُ أحمل أنفاسي الخزامى تحيةً إذا آن منها بالعشي هبوبُ لعمري لأن شطت بنا غربة النوى وحالت صروفٌ دوننا وخطوبُ وما كل رمل جئته رملٍ عالجٍ ولا كل ماء عمت فيه شروبُ رعى اللَّه هذا الدهر كل محاسني لديه وإن كثرتُهن ذنوبُ وكان فيه مزاح ودعابة. طاب وعظه لأهل واسط لما دخلها، فسألوه أن يجلس في الأسبوع مرتين، فكان كلما عيَّن يومًا يحتجون بأن القراء يكونون مشغولين، فقال: لو عرفت هذا كنت جئت معي بيومٍ من بغداد.
تُوفي ببغداد في ثامن عشر ربيع الأول.
38 -
المبارك بن فارس
، أبو منصور الماوردي.
حدَّث بدمشق في هذه السنة عن قاضي المرستان بنسخة الأنصاري.
سمع منه بَدَل التبريزي.
39 -
محمود بن أحمد بن علي بن أحمد
، أبو الفتح المحمودي البغدادي الجعفري الصوفي، ابن الصابوني. من ساكني الجعفرية.
كان من أجلاء الشيوخ. ولد سنة خمسمائة تقريبًا، وقرأ بالروايات على أبي العز القلانسي. وسمع الحديث من أبي القاسم بن الحُصين، وأبي بكر المزرفي، وعلي بن المبارك بن نغوبا، وأبي البدر الكرخي. وصحب: أبا الحسن علي بن مهدي البصري الصوفي، وحماد بن مسلم الدباس.
وكان له رباط ببغداد. ثم إنه سافر إلى مصر وسكنها، وروى بها الكثير؛ حدَّث عنه ابنه علم الدين، وابن المفضل الحافظ، وجماعة.
ولقبه جمال الدين. وهو منسوب إلى جد أمه شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، وقيل لجده أبي جعفر علي بن أحمد المحمودي، لاتصاله بالسّلطان محمود بن محمد بن ملكشاه.
ولما قدم أبو الفتح هذا دمشق نزل إلى زيارته السّلطان نور الدّين
محمود، وسأله الإقامة بدمشق، فذكر له قصده زيارة الشافعي رحمه الله، فجهزه صحبة الأمير نجم الدّين أيوب عندما سار إلى ولده صلاح الدّين، وصار بينه وبين نجم الدّين مودة أكيدة، ومحبة عظيمة، فكان السّلطانان الناصر والعادل يرعيانه ويحترمانه.
وقد كتب الشيخ الزاهد عمر الملا الموصلي كتابًا إلى ابن الصابوني هذا يطلب منه الدعاء.
تُوفي في الثاني والعشرين من شعبان.
40 -
مظفر بن محمد بن عبد الخالق
، أبو سعد البغدادي، النجار، معبر الرؤيا، ويُعرف بالحُجة.
كان مشهورًا بالكلام العجيب، وقد سمع الكثير من عبد القادر بن محمد بن يوسف، وابن الحُصين، وزاهر الشحامي.
روى عنه عبد اللَّه بن أحمد الخياط، وغيره.
وتوفي في شوال عن سبعٍ وسبعين سنة.
41 -
موسى بن عبد اللَّه بن هلوات
، أبو عمران الجُذامي، الناتلي، المصري، الفقيه الشافعي، المقرئ، الضرير.
قرأ القرآن على محمد بن إبراهيم الكيزاني، وعلي بن عبد الرحمن نفطويه.
وسمع من مُنجب المرشدي.
وتفقّه على: القاضي المجلي بن جُميع المخزومي.
روى عنه ابنه، وحرمي، وجماعة.
وتُوفي في ذي القعدة.
42 -
نور الدين، صاحب آمد وحصن كيفا
. اسمه محمد بن قُرا رسلان بن داود.
توفي في هذه السنة، وتملك بعده ابنه قُطب الدّين سقمان، وزرَ له القوام بن سماقا الإسعردي. فبادر سقمان إلى خدمة السّلطان صلاح الدّين وهو يحاصر ميافارقين، فأقره على ملك بلاده، وأن يصدر عن أمره ونهيه. ثم إن قطب
الدّين سكمان قتل غيلة في شهر رمضان من السنة.
43 -
يحيى بن إبراهيم بن علي
. القاضي أبو الحسين المصري، الخيمي، المقرئ، نائب الحكم بمصر.
روى عن أبي طالب عبد الجبار بن محمد المعافري، وغيره.
44 -
يوسف بن المظفر بن فاخر
، أبو الحجاج البغدادي، المقرئ، نزيل واسط.
قرأ القراءات على جماعة بواسط، منهم: أبو الفتح بن زُريق، وأبو يعلى بن تركان. وببغداد على: أبي محمد سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري. وأقرأ الناس مدةً.
وكان بارعًا في الفن، حلو التلاوة، مجودًا. ويُعرف بغلام كنيني.
تُوفي في أول ذي الحجة.
45 -
يونس بن أحمد بن عبيد اللَّه بن هبة اللَّه
، أبو منصور البغدادي، والد الوزير أبي المظفر عُبيد اللَّه بن يونس.
كان متدينًا، حسن الطريقة، توكل لوالدة الخليفة. وحدث عن هبة اللَّه بن الحُصين، وأبي منصور القزاز.
وفيها ولد:
قاضي قُوص صالح بن الحسين الجعفري الزينبي، وله تواليف.
والعلامة زكي الدّين عبد العظيم المنذري.
ومجد الدّين علي بن وهب القشيري بمنفلوط، والخطيب عبد المعطي بن عبد الكريم الأنصاري، ويوسف بن عمر ابن خطيب بيت الآبار.
سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة
46 -
أحمد بن عبد الصمد بن أبي عُبيدة محمد بن أحمد
، أبو جعفر الخزرجي، القرطبي، نزيل بجاية وغرناطة.
روى عن أبي عبد الله بن مكي، وأبي جعفر البطروجي، وعبد الرحيم الحجاري، وشريح بن محمد، وأبي بكر ابن العربي.
وكان معتنيًا بالآثار، صنّف كتاب الأحكام وسمَّاه آفاق الشموس وأعلاق النفوس.
قال الأبار: حدثنا عنه ابن بقي، وأبو سليمان بن حَوط اللَّه.
وتوفي بفاس في ذي الحجة، وله أربع وستون سنة.
47 -
أحمد بن يوسف بن عبد العزيز بن محمد بن رشد
، أبو القاسم القيسي، الوراق، القرطبي.
روى عن أبيه، وأبي محمد بن عتاب، وأبي بحر الأسدي، وابن رشد.
أخذ عنه أبو القاسم بن بقي، وأبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو الحسن بن قُطرال.
توفي يوم عرفة.
48 -
أحمد بن أبي بكر بن المبارك بن الشبل
، أبو السعود الحريمي، العطار، الزاهد. صاحب الشيخ عبد القادر.
وكان منزله مجمع الفقراء، وله قبول زائد. وصار يشار إليه في الطريقة والمعرفة، وفيه رفق وانبساط.
49 -
بيبش بن محمد بن علي بن بيبش
، أبو بكر العبدري، الشاطبي، الفقيه، قاضي شاطبة.
سمع أبا الحسن بن هذيل، وأبا عبد اللَّه بن سعادة.
وكان امرأ صدق، حميد السيرة، مهابًا. قل ما يغيب عنه شيء من
صحيح البخاري لحفظه إياه. وكان مفتيًا، مُفسرًا، مصنفًا، له آثار في الأمر بالمعروف وقمع الباطل. ألف الأحاديث التي انفرد بها مسلم، واختصر صحيح البخاري.
سمع منه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا حوط الله. وعاش ثمانيًا وخمسين سنة.
50 -
الحسن بن أحمد ابن قاضي القضاة أبي الحسن علي بن محمد بن علي
، القاضي الأجل أبو محمد ابن الدامغاني.
ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وسمع هبة اللَّه ابن الطبر، وإسماعيل بن السمرقندي.
وولي القضاء بربع الكرخ، ثم ولي قضاء واسط مضافًا إلى قضاء الكرخ فانحدر إلى واسط، واستناب على الكرخ.
فلما عزل أخوه قاضي القضاة أبو الحسن عزل هذا فلازم بيته. فلما وُلي قضاء القضاة روح الحديثي أعاد هذا إلى قضاء واسط.
توفي في رجب ببغداد.
51 -
الحسن بن ابراهيم بن علي
. فخر الكُتّاب الجُويني المجوّد.
كان أوحد زمانه في براعة الخط، كتب عليه خلقٌ ببغداد. وخطَّه يتغالى في تحصيله بالثمن الوافر.
توفي في هذه السنة فيما نبأني ابن البزوري.
52 -
الحسن بن سيف
، أبو علي الشهراباني، ثم البغدادي، التاجر العدل.
توفي بمكة في جمادى الأولى. وقد روى زاهر بن طاهر الشحامي.
53 -
الحسن بن علي بن بركة بن عبيدة
، أبو محمد الكرخي، المقرئ، النحوي.
من كبار القراء. قرأ القراءات على أبي منصور بن خيرون، وأبي محمد السبط. ورحل إلى الكوفة فقرأ على أبي البركات عمر بن إبراهيم.
وسمع الحديث من القاضي أبي بكر. وأخذ العربية عن أبي السعادات ابن الشجري.
وكان إمامًا أيضًا في معرفة الفرائض والحساب. أقرأ الناس، وتخرَّج به جماعة.
وتوفي في شوال.
ومن شعره:
وما شنآن الشيب من أجل لونه ولكنهُ حادٍ إلى الموت مُسرعُ إذا ما بدت منه الطليعة آذنت بأن المنايا بعدها تتطلعُ فإن قصها المقراضُ جاءت بأختها وتَطلعُ يتلوها ثلاثٌ وأربعُ وإن خُضبت حال الخضاب لأنه يغالب صُنع اللَّه والله أصنعُ
54 -
الحسين بن علي بن مهجل
، أبو عبد اللَّه البغدادي، الضرير، الرجل الصالح.
قرأ القراءات على جماعة. وسمع من أبي عبد الله البارع، وهبة الله بن الحصين.
روى عنه ابن الدُّبيثي في تاريخه.
وتوفي في ثالث ربيع الأول.
قال ابن النجار: قرأ بالروايات على البارع.
55 -
الخضر بن كامل بن منصور
. الأمير أبو محمد الغنوي، المعدل بدمشق.
روى عن محمد بن أحمد بن تغلب الآمدي.
وعاش خمسًا وسبعين سنة.
وكان كبير المروءة، قاضيًا لحقوق الناس. ويُنعت بصفي الدولة.
كتب عنه أبو المواهب.
56 -
ضياء بن بدر بن عبد اللَّه
، أبو الفرج ابن البزاز، عتيق ابن غوادي التاجر.
بغدادي يروي عن هبة اللَّه ابن البخاري، والحسين بن محمد البارع، وغيرهما.
كتب عنه عمر بن علي القُرشي. وأجاز لابن الدبيثي.
توفي في جمادى الآخرة.
57 -
طُغان شاه ابن الملك المؤيد أي أبه
. وكنيته أبو بكر.
تملك نيسابور بعد مقتل والده سنة ثمانٍ وستين.
وكان منهمكًا في اللذات، معاقرًا للخمر. التقى سنة ست وسبعين هو وسلطان شاه ابن صاحب خوارزم الذي تملك مرو، فنصر عليه سلطان شاه وأخذ بعض بلاده. وتوفي في المحرم سنة اثنتين هذه، وتملك بعده ابنه سنجرشاه، وصير أتابكه مملوك جده أمير منكلي، فغلب على الأمور، وتفرق أمراء والده واتصل أكثرهم بسلطان شاه الخوارزمي، وهو أخو علاء الدّين تكش. وأساء منكلي وظلم وعسف، وقتل بعض الأمراء، فسار إليه علاء الدّين تكش، وحصر نيسابور شهرين، ثم عاد لحصارها من العام الآتي، فتسلمها بالأمان، وقتل منكلي، وأخذ سنجر شاه معه إلى خوارزم، وأزوجه بابنته، وتزوج بوالدته، وبقيت البنت في صحبة سنجر مدة وماتت، فتزوج بأخت علاء الدين. وعاش إلى سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة.
قاله أبو الحسن البيهقي في كتاب مشارب التجارب.
58 -
عبد اللَّه بن بري بن عبد الجبار بن بري
. العلامة أبو محمد بن أبي الوحش المقدسي الأصل، المصري، النحوي، الشافعي.
وُلد سنة تسع وتسعين وأربعمائة في رجبها. وقرأ الأدب على الإمام أبي بكر محمد بن عبد الملك النحوي.
وسمع من أبي صادق المديني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وعبد الجبار بن محمد المعافري، وعلي بن عبد الرحمن الحضرمي، وأبي البركات محمد بن حمزة ابن العرقي، وأبي العباس بن الحطيئة، وغيرهم.
وتصدر بجامع مصر لإقراء العربية، وتخرج به جماعة كثيرة. وانفرد بهذا الشأن، وقصده الطلبة من آلافاق.
قال جمال الدّين القفطي: وكان عالمًا بكتاب سيبويه وعلله، قيمًا باللغة وشواهدها. وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه. وكان ينسب إلى الغفلة في غير العربية، وتُحكى عنه حكايات. وقد تصدر غير واحد من أصحابه في حياته.
وكان قليل التصنيف، له مقدمة سماها اللباب وله جواب المسائل العشرة التي سأل عنها ملك النحاة. وله حواش على صحاح الجوهري أجاد فيها، وهي ستة مجلدات، وكان ثقة حُجّة.
توفي في السابع والعشرين من شوال.
روى عنه الحافظ ابن المفضل، والزاهد أبو عمر المقدسيان، والفقيه عبد اللَّه بن نجم بن شاس، وأبو المعالي عبد الرحمن بن علي المغيري، ومصطفى بن محمود، ونبأ بن أبي المكارم الأطرابُلسي، والوجيه عبد الرحمن بن محمد القوصي، والزاهد أبو العباس أحمد بن علي بن محمد القسطلاني، وعبد الرحيم بن الطفيل، وبهاء الدّين علي ابن الجميزي، ومرتضى بن أبي الجود حاتم.
ومن تلامذته: أبو موسى عيسى بن يللبخت الجزولي صاحب القانون.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن بري شيخًا محققًا، صُحفيًّا، ساذج الطباع، أبله في أمور الدنيا، مبارك الصحبة، ميمون الطلعة، وفيه تغفل
عجيب، يستبعد من سمعه أن يجتمع في رجل متقن للعلم.
فمن ذلك أنه كان يلبس ثيابًا فاخرة، ويأخذ في كمه الواسع العنب والبيض والحطب. وربما وجد منزله مغلقًا فرمى بالبيض من الطاقة إلى داخل، ويقطر ماء العنب على قدمه، فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: العُجب أنها تمطر مع الصحو. وكان يتحدث ملحونًا ولا يتكلفُ، ويتبرم بمن يخاطبه بإعراب.
قلت: وقد أجاز لجميع من أدرك حياته من المسلمين. قرأت ذلك بخط أحمد ابن الجوهري، عن خط حسن بن عبد الباقي الصقلي، عنه.
59 -
عبد اللَّه بن محمد بن جرير
، أبو محمد القرشي، الأموي، البغدادي، الناسخ، من ولد سعيد بن العاص بن أمية.
سمع الكثير وكتب من الكتب الكبار شيئًا كثيرًا، وكان مليح الكتابة، محدثًا مفيدًا، مالكي المذهب.
سمع القاضي أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور بن زريق، ويحيى بن علي ابن الطراح، وأبا البدر الكرخي، وأبا منصور بن خيرون، وعبد الوهاب الأنماطي، وخلقًا كثيرًا.
روى عنه عمر بن علي القرشي، وإلياس بن جامع، ومحمد بن مشق، وآخرون.
وتوفي في سابع ربيع الأول.
قال ابن الدُّبيثي: ظاهرُ أمره الصدق.
وقال ابن النجار: كتب ما لا يدخل تحت الحصر بالأجرة. ويقال: إنه كتب بخمسمائة رطل حبرٍا أحصاها هو، وكان حسن الطريقة، متدينًا.
توفي في شعبان، وله اثنتان وسبعون سنة.
60 -
عبد الرحمن بن جامع بن غنيمة ابن البناء
، أبو الغنائم، ويُدعى أيضًا غنيمة، الفقيه الصالح، البغدادي، الحنبلي.
تفقه على أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري.
وسمع من أبي طالب بن يوسف.
وسمع من ابن الحصين المسند، ومن الحسين بن عبد الملك الخلال، والقاضي أبي بكر.
وكان فقيهًا مناظرًا، عارفًا بالمذهب.
روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، وحمد بن أحمد بن صديق وعمر بن بركات الحرانيان، وأبو عبد اللَّه ابن الدبيثي، وآخرون.
توفي ثامن شوال.
61 -
عبد الرحمن بن علي بن محمد بن قاسم
. الشريف الأجل أبو القاسم العلوي الحُسيني.
توفي في شوال بالقاهرة.
وُلد بدمشق في حدود سنة عشرين وخمسمائة.
وهو جد الشريف عز الدّين الحافظ.
62 -
عبد السلام بن يوسف بن محمد بن مقلد
، أبو الفتوح التنوخي، الجماهري، الدمشقي الأصل، البغدادي.
سمع ببغداد بإفادة أبيه من القاضي الأرموي، وأبي منصور بن خيرون، وابن ناصر، وأبي الوقت.
وطلب بنفسه، وقرأ على الشيوخ.
وحدَّث ببغداد، والموصل، ودمشق.
وبدمشق توفي في رجب.
كتب عنه أبو المواهب الحافظ وقال: كان قد قدم إلينا مسرورًا من عند الملك الناصر صلاح الدّين وأعطاه ذهبًا. وكان يترسل وينظم، وحملت تركته إلى أهله بالعراق.
ومن شعره:
على ساكني بطن العقيق سلامُ وهي أبيات مشهورة.
63 -
عبد الصمد بن محمد بن يعيش الغساني الأندلسي
، المنكبي، خطيب المنكب.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن ثابت، وأبي بكر بن الخلوف.
وروى عن أبي الحسن شريح، وأبي الحسن بن مغيث، والقاضي عياض.
وتصدر للإقراء. وأخذ الناس عنه.
روى عنه أبو القاسم الملاحي، وأبو محمد بن حوط اللَّه.
وبقي إلى هذا العام.
64 -
عبد الغني ابن الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن
. الهمذاني، العطار، أبو محمد.
رحل به والده إلى أصبهان فسمع من جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وغانم بن خالد.
ورحلَ به إلى بغداد فسمعه من أبي القاسم بن الحُصين، وأبي غالب ابن البنّاء وطبقتهما.
وبهمذان من عبد الملك بن مكي بن بنجير، وهبة اللَّه ابن أخت الطويل، وطائفة. وله إجازة من أبي علي الحداد.
توفي في رمضان ببلده، وكان مولده في المحرم سنة خمس عشرة وخمسمائة.
روى عنه أبو عبد اللَّه ابن الدبيثي، فإنه حجّ سنة إحدى وثمانين. وحدَّث.
65 -
عبد الغني بن القاسم بن الحسن
، أبو محمد المصري، المقرئ، الشافعي الحجار.
الذي اختصر تفسير سُليم الرازي، اختصره اختصاراُ حسنًا، وقال: أخبرنا به أبو عبد اللَّه محمد بن إبراهيم بن ثابت المقرئ، قال: أخبرنا سلطان بن إبراهيم المقدسي، عن نصر المقدسي، عن سًليم.
سمع منه عبد اللَّه بن خلف المسكي.
تُوفي في شوال.
66 -
علي بن أحمد بن علي
، أبو الحسن الطليطلي.
روى عن أبي عبد اللَّه بن مكي، وأبي جعفر البطروجي، وأبي الحسن شريح. وأخذ القراءات عن شريح.
روى عنه يعيش بن القديم، وأبو الحسن
ابن القطان. وكان حيًا في هذه السنة.
67 -
علي ابن الوزير عضد الدّين أبي الفرج محمد بن عبد الله بن هبة اللَّه بن المظفر ابن رئيس الرؤساء
، أبو الحسن عماد الدين.
تزهد وتصوَّف، وبنى رباطًا بدار الخلافة، فلما نكب أخوه اُتُّهم هو بمالِ إخوته الصغار، فخرج إلى الشام، فأكرمه السّلطان صلاح الدّين، وأدرّ عليه أنعامًا.
وكان قد سمع من القاضي الأرموي، وأبي الوقت.
وعاش أربعًا وأربعين سنة، ودُفن بجبل قاسيون.
68 -
عمر بن أبي بكر بن علي بن حسين
، أبو حفص ابن التبان المأموني، البغدادي.
سمع هبة اللَّه بن الحُصين، وزاهر بن طاهر الشحامي، وأبا غالب ابن البناء، وجماعة.
وكان رجلًا صالحًا من سكان المأمونية.
69 -
عِوَض بن إبراهيم بن علي بن خلف
، أبو محمد البغدادي، المراتبي، المقرئ.
قرأ القراءات على: أبي عبد اللَّه البارع، وأبي بكر محمد بن الحسين المزرفي.
وسمع من ابن الحُصين.
أخذ عنه أبو عبد اللَّه ابن الدُّبيثي. وقرأ عليه بعض الختمة، وقال: توفي في رجب.
70 -
محمد بن أحمد بن داود
، الشيخ أبو الرضا المؤدب، الحيسوب، المعروف بالمفيد.
بغدادي بارع في الحساب، له تصانيف.
سمع من ابن البطي قليلًا، وتخرَّج عليه خلق.
71 -
محمد بن أحمد ابن العلامة أبي المظفر منصور بن عبد الجبار السمعاني
، أبو المعالي المروزي، الواعظ.
ورد بغداد، ووعظ بها مدة، وتوفي بها.
وهو ابن عم الحافظ أبي سعد.
72 -
محمد بن الحسن بن الحسين بن محمد بن إسحاق بن موهوب بن عبد الملك بن منصور
. الفقيه أبو الحسن، وقيل: أبو الفضل السمرقندي، المنصوري، الحنفي، المقرئ، خطيب سمرقند.
من علماء بلده. تفقه على الحسن بن عطاء السغدي، وعمر بن محمد النسفي.
وسمع من أبي المحامد محمود بن مسعود القاضي السغدي، وعلي بن عثمان الخراط، وأبي إبراهيم إسحاق بن محمد النوحي، وإبراهيم بن إسماعيل الصّفّار.
وحدَّث ببغداد سنة ستٍّ وسبعين. وعاد إلى بلاده.
وتوفي في هذه السنة عن مائةٍ وأربع سنين، وكان معمرًا مُسندًا.
روى عنه أبو الحسن ابن القطيعي، وعبد اللَّه بن أبي النجيب السهروردي.
وكان ممتعًا بحواسه في هذه السنة. وقيل: بل عاش خمسا وتسعين سنة.
73 -
محمد بن طلحة بن علي بن أحمد
. الفقيه أبو أحمد العامري، البصري، الفقيه المالكي، المفتي.
وٌلد سنة عشرين وخمسمائة.
وأقرأ القرآن وحدَّث، وأفتى.
سمع من ابن ناصر، وغيره.
وتوفي في رمضان بالبصرة.
74 -
محمد ابن الحافظ أبي مسعود عبد الجليل بن أبي بكر محمد بن عبد الواحد
. أبو حامد ابن كوتاه الأصبهاني، الجوباري.
وأبو بكر هو الملقب بكوتاه، وعرف بذلك أيضًا عبد الجليل، وهو بالعربي: القصير. وجُوبار: محلة بأصبهان.
ولد سنة عشرين وخمسمائة. وسمع من جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وأبي نصر الغازي، ومنصور بن محمد بن الحسن بن سُليم، والحُسين بن عبد الملك الخلال.
وحدث ببغداد، وأصبهان، وجمع كتابًا في أسباب الحديث.
روى عنه عبد اللَّه بن أحمد الخباز، وأبو نزار ربيعة اليماني.
وتوفي في نصف المحرم.
75 -
محمد ابن القاضي السعيد علي بن عثمان بن إبراهيم القرشي
، المخزومي، المغيري، المصري، القاضي الأسعد أبو الطاهر الشافعي.
ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
وسمع من السلفي، والعثماني.
واستشهد في صفر ببزاعة.
76 -
محمد بن علي بن فارس الفراش الشرابي
، أبو بكر، ويُقال: أبو عبد اللَّه الزاهد.
حدث عن أبي القاسم بن الحصين، وغيره.
وكان منقطعًا بمسجد كامل.
77 -
محمد بن أبي منصور المبارك بن محمد بن محمد بن الخطيب
، أبو المعالي قاضي المدائن وابن قاضيها الفقيه الشافعي.
روى عن أبي الوقت. وله شِعر.
78 -
هارون بن أحمد بن جعفر بن عات
. أبو محمد النفزي، الشاطبي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي مروان بن يسار صاحب ابن الدوش.
وسمع من أبي الوليد ابن الدباغ.
وتفقه على أبي جعفر الخشني ولازمه سبع سنين، وعرض عليه المدوَّنة مرات. ومهر عنده.
وكان فقيهًا مشاورًا مستقلًا بالفتوى، فرضيًا، حاسبًا، مصنفًا. استُقضي بشاطبة فحُمدَت سيرته.
روى عنه أبو عمر بن عياد، وأبو عبد اللَّه بن سعادة، وابنه أبو عمر بن عات.
وتوفي في شعبان عن سبعين سنة.
وكان من أئمة الأندلس.
79 -
واجب بن أبي الخطاب محمد بن عمر بن محمد بن واجب بن عمر بن واجب
. أبو محمد البلنسي القيسي.
سمع ابن هذيل، وأبا عبد الله بن سعادة. وأجاز له أبو مروان بن قزمان، وأبو طاهر السلفي. وسمع منه أبو سليمان بن حوط اللَّه.
وكان كاتبًا بليغًا، شاعرًا خطيبًا، مفوّهًا، من بيت جلالة. صحب السّلطان، وتوفي بمراكش.
وجد جده واجب سمع من أبي العباس العُذري، وتوفي قبل التسعين وأربعمائة.
80 -
أبو السعود بن الشبل العطار الحريمي الزاهد
.
كان عطارًا فزهد، وصحب الشيخ عبد القادر، وصار من كبار الفقراء.
له كرامات وأحوال، وقبول عظيم. غلب عليه الفناء فكان لا يأكل ولا يلبس إلا أن يطعموه أو يلبسوه. ولا يكاد يتكلم إلا جوابًا. ولا يزال على طهارة مستقبل القبلة.
حكى لي عنه جماعة.
يقول أبو المظفر سبط ابن الجوزي: قالوا: كان جالسًا فوقع السقف، فجاء طرف جذع على أضلاعه فكسرها، فلم يتحرك، فبقي عشرين سنة، فلما
مات وجُرِّد للغسل رأوا أضلاعه مكسرة.
توفي في عاشر شوال، وبنوا على قبره قبة عالية، وقبره يُزار.
وفيها وُلد:
الكمال بن طلحة، وزكي البيلقاني، وعثمان بن عبد الرحمن بن رشيق الرَّبعي.
سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
81 -
أحمد بن المفرج بن درع التكريتي
.
حدث عن أبي شاكر محمد بن سعد، وغيره.
وتوفي بتكريت.
82 -
أحمد بن أبي المطَّرف عبد الرَّحمن بن أحمد بن عبد الرَّحمن بن جزي
، أبو بكر البلنسي.
سمع أبا محمد البطليوسي، وطارق بن يعيش، وأبا الوليد ابن الدباغ. وأقرأ الناس الفرائض والحساب. وهو آخر الرّواة عن البَطَلْيُوسي.
حدث عنه أبو عامر بن نذير، وأبو الربيع بن سالم، وابن نعمان.
وبالإجازة: الطيب بن محمد، وأبو عيسى بن أبي السداد.
وتوفي في المحرم عن أربعٍ وثمانين سنة.
83 -
إبراهيم بن الحسين
، الأمير الكبير حسام الدّين المهراني، أحد أمراء صلاح الدّين.
استشهد على حصار عسقلان في جمادى الآخرة.
84 -
الحسن بن حفاظ بن الحسن بن الحسين
، أبو علي الغساني الدمشقي، الناسخ، المعدل.
حدث عن طاهر بن سهل الإسفراييني. وعاش ستًا وثمانين سنة؛ روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
ضعف وأصابته رعشة وافتقر.
85 -
الحسن بن نصر اللَّه بن عبد الواحد بن أحمد
، أبو القاسم الدسْكرِي، ثم البغدادي، المعروف بابن الفقيه.
سمع من هبة اللَّه بن الحصين، وأبي غالب أحمد ابن البناء.
وكان جده أبو سعد عبد الواحد من أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشّيرازي.
86 -
سعيد بن عبد السّميع بن محمد بن شجاع
، أبو الحسن الهاشمي، البغدادي.
ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة.
وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، وهبة اللَّه بن عبد الله الشُّروطي، وأبي بكر الأنصاري. كتب عنه جماعة.
وتوفي في ربيع الأول.
87 -
سليمان بن عبد الله
، أبو الربيع التجيبي الخشيني، ويقال: الخشني، المقرئ.
روى عن أبي القاسم ابن الأبرش، وأحمد بن يعلى.
وأجاز له أبو محمد بن عتاب.
وكان عارفًا بالعربية والفقه. وتصدر للإقراء والعربية.
حدث عنه أبو محمد، وأبو سليمان، ابنا حَوْط اللَّه؛ وأجاز لهما في هذا العام، وانقطع خبره.
88 -
شروين بن حسن
، الأمير الكبير، جمال الدّين الزرزاري، الصلاحي.
كان أول من بادر وخاطر فسبق بأصحابه إلى منازلة القدس قبل تواصل الجيش، فلقيه جمع كبير من الفرنج خرجوا يزكًا فقتلوه، وقتلوا جماعة من أصحابه، رحمهم الله.
89 -
عبد الجبار بن يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي
. القاضي الأكرم أبو محمد ابن القاضي الأجل أبي الحجاج الجذامي، الصويتي، المقدسي.
ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وسمع من السلفي.
وولي ديوان الجيوش بمصر مدة.
وصويت: فخذ من جذام.
توفي في سابع عشر ذي القعدة ببيت المقدس، ودفن بباب الرحمة. ومولده وداره بمصر.
90 -
عبد الجبار بن يوسف بن صالح البغدادي
. شيخ الفتوة ورئيسها، ودرة تاجها، وحامل لوائها. تفرد بالمروءة والعصبية، وانفرد بشرف النفس والأبوة، وانقطع إلى عبادة اللَّه تعالى بموضع اتخذه لنفسه وبناه، فاستدعاه الإمام الناصر لدين اللَّه، وتفتى إليه، ولبس منه.
خرج حاجًا في هذه السنة فتوفي بالمعلى، ودفن به في ذي الحجة.
91 -
عبد الغني بن أبي بكر البغدادي
، الإسكاف، الفقير، المعروف بابن نقطة، وهي أمه.
كان يلعب بالحمام، فتاب على يد الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وصحب الفقراء فكثر أتباعه، وبنت له أم الخليفة مسجدًا، فكان يأتيه الناس ويتكلم عليهم. ولم يكن يعرف شيئا من العلم ولا القرآن ولا الخط، بل كان رجلًا خيِّرًا.
توفي كهلًا في جمادى الآخرة، رحمه الله.
وهو والد الحافظ أبي بكر محمد مصنف التقييد. وذكر ابنه أنه كان لا يدخر شيئًا.
وله أخبار مشهورة في الإيثار والتنزه عن الدنيا.
92 -
عبد المغيث بن زهير بن زهير بن علوي
. المحدث أبو العز بن أبي حرب البغدادي، الحربي.
أحد من عني بهذا الشأن. قرأ الكثير، وحصل، ونسخ، وخرج، وصنف.
قال ابن الدبيثي: كان ثقةً صالحًا، صاحب سنة، منظورًا إليه بعين الديانة والأمانة.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا العز بن كادش، وهبة اللَّه بن الطبر، وأبا غالب ابن البناء، فمن بعدهم.
وحدث بالكثير، وأفاد الطلبة، ونعم الشيخ كان.
كان مولده في سنة خمسمائة، وتوفي في الثالث والعشرين من المحرم.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق، والحافظ عبد الغني، وحمد بن صديق الحراني، والبهاء المقدسي، وأبو عبد الله الدبيثي، وخلق سواهم.
وصنف كتابًا في فضائل يزيد أتى فيه بالعجائب، ولو لم يصنفه لكان خيرًا له. وعمله ردًا على ابن الجوزي. ووقع بينهما عداوة لأجل يزيد، نسأل اللَّه أن يثبت عقولنا، فإن الرجل لا يزال بعقله حتى ينتصب لعداوة يزيد أو ينتصر له، إذ له أسوة بالملوك الظلمة.
وذكر شيخنا ابن تيمية قال: قد قيل: إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن لعنة يزيد قصده متنكرًا، وسأله عن ذلك، فعرفه عبد المغيث، ولم يظهر أنه يعرفه، فقال: يا هذا، أنا قصدي كف ألسنة الناس عن خلفاء المسلمين، وإلا فلو فتحنا هذا الباب لكان خليفة الوقت هذا أحق باللعن، فإنه يفعل كذا؛ وجعل يعدد خطايا الخليفة، حتى قال: يا شيخ ادع لي. وذهب.
93 -
عطاء بن عبد المنعم بن عبد الله
، أبو الغنائم الأصبهاني الخاني.
حدث ببغداد وأصبهان عن غانم البرجي.
روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري.
وعاش إلى هذه السنة. وكان مولده سنة ست وخمسمائة.
94 -
علي بن أحمد بن علي
، أبو الحسن بن لبال الشريشي.
سمع صحيح البخاري من أبي الحسن شريح، وقرأ عليه بالروايات.
وروى عن أبي بكر ابن العربي الموطأ. وولي قضاء شريش.
وكان من أهل العدالة والورع.
صنف شرحًا لمقامات الحريري، وله النظم والنثر.
قال الأبار: حدث عنه جماعةً من شيوخنا.
95 -
علي بن أحمد ابن قاضي القضاة أبي الحسن علي ابن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني
، أبو الحسن قاضي القضاة بالعراق، الفقيه الحنفي.
ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ببغداد.
وسمع هبات اللَّه: ابن الحصين، وابن الطبر، والشروطي، وأبا الحسين ابن القاضي أبي يعلى.
وكان ساكنًا وقورًا، رئيسًا، نبيلًا. ولي قضاء ربع الكرخ بعد وفاة والده. ثم ولي قضاء القضاة بعد وفاة أبي القاسم الزينبي سنة ثلاثٍ وأربعين، فبقي فيه إلى أن عزله المستنجد أول ما استخلف، وطالت أيام عزله. ثم وُلي القضاء في سنة سبعين وخمسمائة.
سمع منه عمر القرشي، ومحمد بن عبد الواحد ابن الصباغ، وغيرهما.
وتوفي في ذي القعدة، وشيعه أعيان الدولة وخلق كثير.
قال ابن النجار: كان مهيبًا، جليلًا، عالمًا، ثخين الستر، عفيفًا، كامل العقل، نزهًا، جميل السيرة.
96 -
علي بن محمد بن علي بن أبي منصور
، جلال الدّين ابن الوزير أبي جعفر الجواد وزير السّلطان عز الدّين مسعود.
توفي في المحرم. وقيل: توفي قبل هذا. وقد ذكر.
97 -
عيسى بن مالك العقيلي
، الأمير الشهيد عز الدين، ابن صاحب قلعة جعبَر.
أمير جليل، شجاع بطل. استشهد في حصار القدس بعد أن بين وأبلى بلاءً حسنًا، وتأسف المسلمون على قتله. قُتل في رجب، رحمه الله.
98 -
محمد بن بركة بن عمر
، أبو عبد الله البغدادي، الحلاج العطار، لا القطان.
له إجازة عالية من أبي القاسم الربعي، وأبي الغنائم النرسي، وشجاع الذُّهلي. حدَّث بها عنهم.
سمع منه عبد الجبار ابن البندار، وجماعة، ومحمد بن أحمد بن شافع. مات في ذي القعدة.
99 -
محمد بن ذاكر بن محمد بن أحمد بن عمر
، أبو بكر الأصبهاني، الخرقي.
حج سنة ثمانٍ وستين. وحدَّث ببغداد عن أبي علي الحداد، وجعفر الثقفي.
وسمع الكثير من أصحاب أحمد بن محمود الثقفي، وسعيد العيار.
وخرج لنفسه مُعجمًا.
كتب عنه أبو بكر الحازمي، وجماعة، وابنه أبو نصر القاساني.
وتوفي في رجب عن ثمانين سنة.
وهو محمد بن أبي نصر.
قال أبو رشيد الغزال: سمعت منه الكثير بإفادة والدي، وقد رحل إلى نيسابور بعد الأربعين.
100 -
محمد بن عبد الخالق بن أبي شُكر
، أبو المحاسن الأنصاري، الأصبهاني، الجوهري.
وُلد سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة. وسمع حضورًا سُنن النسائي من الدوني، وسمع كتاب تاريخ أصبهان، والحلية، ومُستخرج أبي نعيم على البخاري ومسلم على أبي علي الحداد. وسمع المعجم الكبير للطبراني على المجسَّد بن محمد الإسكاف، بسماعه من ابن فاذشاه.
ورَّخ موته أبو رشيد الغزال.
101 -
محمد بن أبي مسعود عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد
، أبو حامد كوتاه الأصبهاني. والد أبي بكر محمد.
محدّث حافظ مصنف، له كتاب أسباب الحديث على نموذج أسباب النزول للواحدي، لم يُسبق إلى مثله. وسوَّد تاريخًا لأصبهان، وكتب الكثير، وكان صدوقًا نبيلًا.
سمع جعفر بن عبد الواحد، وزاهر بن طاهر، وسعيد بن أبي الرجاء.
روى عنه أبو محمد الغزال.
توفي في المحرم وله ثلاثٌ وستون سنة. وقيل: تُوفي في العام الماضي.
102 -
محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن خليفة بن أبي العافية
. الأزدي الغرناطي، أبو بكر الكُتندي.
روى عن أبي محمد بن أبي جعفر، وأبي عبد الله بن مكي، وأبي الحسن بن مغيث.
ولقي ابن خفاجة الشاعر وأخذ عنه.
روى عنه أبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو القاسم الملاحي، وغيرهما. وكان أديبًا، كاتبًا، شاعرًا، لغويًا.
تُوفي سنة ثلاثٍ أو أربعٍ وثمانين.
103 -
محمد بن عبد الملك
. الأمير شمس الدّين ابن المقدَّم.
من كبار أمراء الدولتين النورية والصلاحية. وهو الذي سلم سنجار إلى نور الدين، وسكن دمشق. فلما تُوفي نور الدّين كان أحد من قام بسلطنة ولد نور الدين. ثم إن صلاح الدين أعطاه بعلبك، فتحول إليها وأقام بها. ثم عصى على صلاح الدين، فجاء إليه وحاصره، وأعطاه عوضها بعض القلاع. ثم استنابه على دمشق سنة نيف وثمانين.
وكان بطلًا شجاعًا، محتشمًا. وقد حضر في هذا العام وقعة حطين، وفتوح عكا، والقدس، والسواحل. وتوجه إلى الحج في تجمل عظيم، فلما بلغ عرفات رفع علم صلاح الدّين وضرب الكوسات، فأنكر عليه طاشتكين أمير الركب العراقي وقال: لا يُرفع هنا إلا علم الخليفة. فلم يلتفت إليه،
وأمر غلمانه فرموا علمَ الخليفة، وركب فيمن معه من الجند الشاميين، وركب طاشتكين، فالتقوا وقتل بينهما جماعة. وجاء ابن المقدم سهمٌ في عينه، فخرّ صريعًا. وجاء طاشتكين فحمله إلى خيمته وخيط جراحه، فتوفي من الغد بمنى يوم الأضحى. ونهب الركب الشامي.
قال العماد الكاتب: وصل شمس الدّين عرفات، وما عرف الآفات، وشاع وصوله، وضُربت طبوله، وجالت خيوله، وخفقت أعلامه، وضُربت خيامه، فغاظ ذلك طاشتكين، فركب في أصحابه، فأوقع بشمس الدّين وأترابه، وقتل جماعة وجُرحوا.
قال: ودفن بالمُعلى، وارتاع طاشتكين لما اجترمه، وأخذ شهادة الأعيان أن الذنب لابن المقدم. وقُرئ المحضر في الديوان. ولما بلغ السّلطان مقتله بكى وحزن عليه وقال: قتلني اللَّه إن لم أنتصر له. وتأكدت الوحشة بينه وبين الخليفة. وجاءه رسولٌ يعتذر، فقال: أنا الجواب عما جرى. ثم اشتغل بالجهاد عن ذلك.
وقال ابن الأثير: لما فتح بيت المقدس طلب ابن المقدم من السّلطان إذنًا ليحج ويُحرم من القدس، ويجمع في سَنَته بين الجهاد والحج، وزيارة الخليل والرسول صلى اللَّه عليهما وسلم. وكان قد اجتمع بالشام ركبٌ عظيم، فحج بهم ابن المقدّم. فلما كان عشية عرَفة، أمر بضرب كوساته ليتقدم للإفاضة، فأرسل إليه مُجير الدّين طاشتكين ينهاه عن التقدم، فأرسل إليه: إني ليس لي معك تعلُّق، وكلٌّ يفعل ما يراه. وسار ولم يقف. فركب طاشتكين في أجناده، وتبعه من الغوغاء والطماعة عالمٌ كبير، وقصدوا حاجّ الشام، فلما قربوا خرج الأمر عن الضبط، فهجم طماعةُ العراق على الشاميين وفتكوا فيهم، وقتلوا جماعة، ونُهبت أموالهم. وجُرح ابن المقدَّم عدة جراحات. وكان يكفُّ أصحابه عن القتال، ولو أذن لهم لانتصف منهم، ولكنه راقب اللَّه وحُرمة المكان واليوم، فلما أُثخن بالجراحات أخذه طاشتكين إلى خيمته، وأنزله عنده ليمرضه ويستدرك الفارط، فمات من الغد، ورُزق الشهادة بعد الجهاد، رحمه الله.
قلت: وله دارٌ كبيرة إلى جانب مدرسته المقدَّمية بدمشق، ثم صارت لصاحب حماة، ثم صارت لقراسنقُر المنصوري، ثم صارت للسّلطان الملك الناصر بعده. وله تربة ومسجد وخان مشهور داخل باب الفراديس.
104 -
محمد بن عمر بن محمد بن واجب
، أبو بكر القيسي البلنسي.
سمع أباه وعليه تفقّه، وأبا الحسن ابن النعمة.
وأخذ القراءات عن أبي محمد بن سعدون الضرير.
105 -
محمد بن يحيى بن محمد بن مواهب بن إسرائيل، أبو الفتح البرداني
.
روى عن أبي علي بن نبهان، وأبي غالب محمد بن عبد الواحد، وأبي علي ابن المهدي، ومحمد بن عبد الباقي الدّوُري.
قال ابن الدُّبيثي: رأيت بعضهم يتهمه بالتحديث بما لم يسمعه، ولم أقف على ما يُنافي الصحة. سمعنا منه. وسمع منه عمر القرشي، وأصحابنا.
ووُلد سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وتوفي في جمادى الأولى.
106 -
المبارك بن الأعز بن سعد اللَّه، أبو المظفَّر التوثي القوَّال
. مغني بغداد في عصره، من أهل محلة التوثة.
كان رأسًا في الغناء، وأخذ المطربون عنه الأنغام. وله تصانيف في الموسيقى، وكان يخالط الصوفية.
107 -
المبارك بن عبد الواحد بن غيلان البغدادي
.
سمع من ابن الحُصين، وحدث.
108 -
محفوظ بن أحمد ابن العلامة أبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذانّي
.
سمع ابن الحصين وحدَّث.
وكان أبوه من عُدُول بغداد.
109 -
مخلوف بن علي بن عبد الحق
، الفقيه أبو القاسم التميمي، القروي، ثم الإسكندراني. الفقيه المالكي، المعروف بابن جارة.
تفقه وبرع في المذهب.
ومن شيوخه: أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز اللخمي، ومحمد بن أبي سعيد الأندلسي، وسند بن عنان، وأبو عبد الله المازري، وآخرون.
ودرّس وأفتى، وانتفع به جماعةٌ كثيرة في الفقه. وكان من أعلام المذهب.
تُوفي في رمضان بالثغر.
تفقه به ابن المفضل، وروى عنه.
110 -
نصر اللَّه بن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد
، أبو السعادات بن زُريق الشيباني، القزَّاز، الحريمي. مُسند بغداد في وقته.
كان شيخًا صالحًا من بيت الرواية. سمع جده أبا غالب، وأبا سعد بن خُشيش، وأبا القاسم الربعي، وأبا الحسين ابن الطيوري، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبا العز محمد بن المختار، وأبا العباس أحمد بن محمد بن عمروس، وأحمد بن محمد بن علي ابن العلاف، وأبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وشجاع بن فارس الذُّهلي، وأمه شمس النهار بنت أبي علي البرداني.
حدَّث عنه أبو سعد ابن السمعاني، ومات قبله بإحدى وعشرين سنة. وابنه عثمان، وابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، والتقي بن باسويه، ومعالي بن سلامة الحراني، وأبو عبد الله ابن الدبيثي، والجمال أبو حمزة، ومحمد ابن الحافظ عبد الغني، والأمين سالم بن صصرى، وفضل اللَّه بن عبد الرزاق الجيلي، ومحمد بن علي بن بقاء السباك، ومحمد بن أبي الفتوح ابن الحصري، وعبد الله بن عمر البندنيجي، وآّخرون.
وآّخر من روى عنه بالإجازة ابن عبد الدائم.
قال ابن الدبيثي: أراني مولده بخط جده أبي غالب في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وتوفي في تاسع عشر ربيع الآخر، وله اثنتان وتسعون سنة.
111 -
نصر بن فتيان بن مطر
، العلامة ناصح الدّين أبو الفتح ابن المني النهرواني، الحنبلي، فقيه العراق.
ولد سنة إحدى وخمسمائة. وتفقه على أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري، ولازمه حتى برع في المذهب.
وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، والحسين بن محمد البارع، وأبي بكر محمد بن علي ابن الدنف، والحسين بن عبد الملك الخلال، وأبي الحسن بن الزاغوني، وأبي غالب ابن البناء، وأبي نصر اليونارتي.
وتصدر للإشغال، وطال عمره، وقصده الطلبة من البلاد، وبعد صيته، واشتهر اسمه، وتخرج به أئمة.
قال ابن النجار: كان ورعًا عابدا، حسن السمت، على منهاج السلف.
أضر في آّخر عمره، وحصل له طرش. ولم يزل يدرس الفقه إلى حين وفاته. توفي في خامس رمضان.
وقال ابن الدبيثي: كان له مسجد في المأمونية، وبه يدرس.
قلت: تفقه عليه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، وروى عنه هما، وابن أخيه محمد بن مقبل، وأبو صالح نصر بن عبد الرزاق، وجماعة.
قال ابن النجار: حمل على الرؤوس، وتولى حفظ جنازته جماعة من الأتراك خوفًا من العوام وازدحامهم عليه، ودفن بداره.
112 -
هبة اللَّه بن أبي القاسم علي بن هبة اللَّه بن محمد بن الحسن
، المولى مجد الدّين أبو الفضل ابن الصاحب، أستاذ دار المستضيء.
انتهت إليه الرياسة في زمانه. وبلغ من الرتبة رتب الوزراء وأبلغ، وصار يولي ويعزل. وماج في أيامه الرفض، وشمخت المبتدعة. وقد ولي حجابة الباب النوبي في أيام المستنجد، ولما بويع الناصر قربه وأدناه، وحكمه في
الأمور والصدور. ولم يزل على ارتقائه إلى أن سعى به بعض الناس، فاستدعي إلى دار الخلافة، فقتل بها تاسع عشر ربيع الأول، وعلق رأسه على داره.
وكان رافضيا سبابًا.
عاش إحدى وأربعين سنة، وخلف تركة عظيمة منها ألف ألف دينار ونيف.
وفيها وُلد:
التقي الحوراني الزاهد، وفراس ابن العسقلاني، والجمال يحيى ابن الصيرفي، وعمر بن عوة الجزري، وآخرون.
سنة أربع وثمانين وخمسمائة
113 -
إبراهيم بن سفيان بن إبراهيم بن عبد الوهاب ابن الحافظ عبد الله بن منده
، أبو إسحاق العبدي، الأصبهاني.
حدث عن زاهر الشحامي، والحسين الخلال، وخلق.
قال ابن النجار: سمع كثيرًا وأسمع أولاده، وكتب بخطه وكان موصوفًا بالصدق والأمانة، وحسن الطريقة والديانة. توفي في ثاني عشر جمادى الأولى.
114 -
إبراهيم بن عبد الأعلى بن أحمد
، أبو غالب الخطيب، الواسطي، المعدل.
شيخ صالح يخطب بقرية.
سمع أباه، ونصر اللَّه بن الجلخت، والحسن بن إبراهيم الفارقي الفقيه، والمبارك بن نغوبا.
قال ابن الدبيثي: قدم بغداد، وكتبنا عنه وكان ثقةً توفي في المحرم، وله نيف وسبعون سنة.
115 -
أسامة بن مرشد بن عليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ
. الأمير الكبير مجد الدين، مؤيد الدولة، أبو المظفر الكناني، الشيزري الأديب، أحد أبطال الإسلام، ورئيس الشعراء الأعلام.
ولد بشيزر في سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة. وسمع سنة تسعٍ وتسعين نسخة أبي هدبة من عليّ بن سالم السنبسي.
سمع منه أبو القاسم بن عساكر الحافظ وأبو سعد ابن السمعاني، وأبو المواهب بن صصرى، والحافظ عبد الغني، وولده الأمير أبو الفوارس مرهف، والبهاء عبد الرحمن، وشمس الدّين محمد بن عبد الكافي، وعبد الصمد بن خليل بن مقلد الصائغ، وعبد الكريم بن نصر اللَّه بن أبي سُراقة، وآخرون.
وله شعر يروق وشجاعة مشهورة. دخل ديار مصر وخدم بها في أيام
العادل ابن السلار، ثم قدم دمشق، وسكن حماة مدةً، وكان أبوه أميرًا شاعرًا مجيدًا أيضًا.
وقال ابن السمعاني: قال لي أبو المظفر: أحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من شعر الجاهلية. ودخلت بغداد وقت محاربة دبيس والمسترشد بالله، ونزلت الجانب الغربي، وما عبرت إلى شرقيها.
وقال العماد الكاتب: مؤيد الدولة أعرق أهل بيته في الحسب، وأعرفهم بالأدب. وجرت له نبوة في أيام الدمشقيين، وسافر إلى مصر فأقام بها سنين في أيام المصريين، ثم عاد إلى دمشق. وكنت أسمع بفضله وأنا بأصبهان. وما زال بنو منقذ مالكي شيزر إلى أن جاءت الزلزلة في سنة نيفٍ وخمسين وخمسمائة، فخربت حصنها، وأذهبت حسنها، وتملكها نور الدّين عليهم، وأعاد بناءها، فتشعبوا شعبًا، وتفرقوا أيدي سبأ. وأسامة كاسمه في قوة نثره ونظمه، تلوح في كلامه أمارة الإمارة، ويؤسس بيتُ قريضه عمارة العبارة. انتقل إلى مصر فبقي بها مؤمَّرًا، مشارًا إليه بالتعظيم إلى أيام ابن رزيك، فعاد إلى دمشق محترمًا حتى أخذت شيزر من أهله، ورشقهم صرف الزمان بنبله، ورماه الحدثان إلى حصن كيفا مقيمًا بها في ولده، مؤثرًا بلدها على بلده، حتى أعاد اللَّه دمشق إلى سلطنة صلاح الدّين، ولم يزل مشغوفًا بذكره، مستهترًا بإشاعة نظمه ونثره. والأمير عضد الدولة ولد الأمير مؤيد الدولة جليسه ونديمه، فطلبه إلى دمشق وقد شاخ، فاجتمعتُ به وأنشدني لنفسه في ضرسه:
وصاحب لا أملُّ الدهرَ صُحبته يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهدِ لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا لناظري افترقنا فُرقة الأبدِ قال العماد: ومن عجيب ما اتفق لي أني وجدتُ هذين البيتين مع أُخر في ديوان أبي الحسين أحمد بن منير الرفاء المتوفى سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة، وهي:
وصاحب لا أملُّ الدهر صُحبته يسعى لنفعي وأجني ضره بيدي أدنى إلى القلب من سمعي ومن بصري ومن تلادي ومن مالي ومن ولدي أخلو ببثي من خالٍ بوجنته مداده زائد التقصير للمُددِ والأشبه أن ابن منير أخذهما، وزاد عليهما.
ولأسامة في ضرس آخر:
أعجب بمحتجب عن كل ذي نظر صحبته الدهر لم أسبر خلائقه حتى إذا رابني قابلته فقضى حياؤه وإبائي أن أفارقه وله:
وصاحب صاحبني في الصبى حتى ترديت رداء المشيب لم يبدُ لي ستين حولًا ولا بلوت من أخلاقه ما يريب أفسده الدهر ومن ذا الذي يحافظ العهد بظهر المغيب منذ افترقنا لم أصب مثله عُمري ومثلي أبدًا لا يصيب وله:
قالوا نهتهُ الأربعون عن الصبا وأخو المشيب يجور ثمَّتَ يهتدي كم حار في ليل الشباب فدلَّه صبح المشيب على الطريق الأقصد وإذا عددت سني ثم نقصتها زمنَ الهُموم فتلك ساعةُ مولدي وله في الشيب:
أنا كالدُّجى لما تناهى عُمره نشرت له أيدي الصباح ذوائبا وله:
انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها مغالبًا ثم بعد الجمع يرميها كالمرء يكدحُ للدنيا ويجمعها حتى إذا مات خلاها وما فيها وله إلى الصالح طلائع بن رزيك وزير مصر يسأله تسيير أهله إلى الشام، وكان ابن رزيك يتوقع رجوعه إلى مصر:
أذكرهم الودَّ إن صدُّوا وإن صدفوا إن الكرام إذا استعطفتهم عطفوا ولا تُرد شافعًا إلاّ هواك لهم كفاك ما اختبروا منه وما كشفوا يا حيرة القلب والفسطاطُ دارُهم لم تصقب الدار ولكن أصقب الكلفُ فارقتكم مُكرهًا والقلب يخبرني أن ليس لي عوضٌ عنكم ولا خلفُ ولو تعوَّضتُ بالدنيا غُبنتُ وهل يعوضني عن نفس الجوهر الصدفُ ولست أُنكر ما يأتي الزمان به كل الورى لرزايا دهرهم هرفُ ولا أسفتُ لأمر فات مطلبه لكن لفرقةِ من فراقته الأسفُ الملكُ الصالح الهادي الذي شهدت بفضل أيامه الأنباء والصُحفُ ملك أقل عطاياه الغنى فإذا أدناكَ منه فأدنى حظك الشرفُ سعت إلى زُهده الدنيا بزخرفها طوعًا وفيها على خطابها صلفُ مسهدُ وعيونُ الناس هاجعةٌ على التهجدِ والقرآن معتكفُ وتشرق الشمس من لألاء غُرتهِ في دسته فتكاد الشمس تنكسفُ فأجابه الصالح، وكان يجيد النظم:
آدابُك الغر بحرٌ ما له طرفُ في كل حين بدا من حُسنه طُرفُ نقول لما أتانا ما بعثت به هذا كتابٌ أتى أم روضةٌ أنُفُ إذا ذكرناك مجد الدّين عاودنا شوقٌ تجدد منه الوجد والأسفُ يا من جفانا ولو قد شاء كان الى جانبنا دون أهلِ الأرض ينعطفُ وهي طويلة.
ولأسامة:
مع الثمانين عاث الضعفُ في جسدي وساءني ضعفُ رجلي واضطرابُ يدي إذا كتبتُ فخطّي خط مضطربٍ كخط مرتعش الكفين مرتعد فاعجب لضعف يدي عن حملها قلمًا من بعد حطمِ القنا في لبَّةِ الأسدِ وإن مشيتُ وفي كفي العصا ثقلت رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد فقل لمن يتمنى طول مدته هذي عواقبُ طول العمر والمُدد ولما قدم من حصن كيفا على صلاح الدّين قال:
حمدت على طول عُمري المشيبا وإن كنتُ أكثرتُ فيه الذُّنوبا لأني حييتُ إلى أن لقيت بعد العدوّ صديقًا حبيبا وله:
لا تستعر جلدًا على هجرانهم فقواك تضعفُ عن صدود دائمِ واعلم بأنك إن عدت إليهم طوعًا وإلا عُدت عودة راغمِ وعندي له مجلد يخبر فيه بما رأى من الأهوال، قال: حضرت من المصافات والوقعات مهول أخطارها، واصطليت من سعير نارها، وباشرتُ الحرب، وأنا ابن خمس عشرة سنة إلى أن بلغت مدى التسعين، وصرتُ من الخوالف، خدين المنزل، وعن الحروب والجهاد بمعزل، لا أُعدُّ لمهم، ولا أُدعى لدفاع ملم، بعدما كنتُ أول من تنثني عليه الخناصر، وأكبر العددِ لدفع الكبائر، أول من يتقدم السنجقية عند حملة الأصحاب، وآخر جاذب عند الجولة لحماية الأعقاب.
كم قد شهدت من الحروب فليتني في بعضها من قبل نكسي أقتلُ فالقتل أحسن بالفتى من قبل أن يفنى ويُبليه الزمانُ وأجملُ وأبيك ما أحجمتُ عن خوض الردى في الحرب شهد لي بذاك المفصلُ لكن قضاء اللَّه أخَّرني الى أجلي الموقت لي فماذا أفعلُ ثم أخذ يعد ما حضره من الوقعات الكبار، قال: فمن ذلك وقعة كان بيننا وبين الإسماعيلية في قلعة شيزر لما توثبوا على الحصن في سنة سبعٍ وخمسمائة، ووقعة كانت بين عسكر حماة وعسكر حمص في سنة خمس وعشرين وخمسمائة، ومصافّ على تكريت بين أتابك زنكي بن آقسنقر، وبين قراجا صاحب مرس في سنة ستٍّ وعشرين، ومصاف بين المسترشد بالله وبين أتابك زنكي على بغداد في سبعٍ وعشرين، ومصاف بين أتابك زنكي وبين الأرتقية وصاحب آمد على آمد في سنة ثمانٍ وعشرين، ومصاف على رفنية بين أتابك زنكي وبين الفرنج سنة إحدى وثلاثين، ومصاف على قنسرين بين أتابك وبين الفرنج لم يكن فيه لقاء في سنة اثنتين وثلاثين، ووقعة بين
المصريين وبين رضوان الولخشي سنة اثنتين وأربعين، ووقعة بين السودان بمصر في أيام الحافظ في سنة أربع وأربعين. ووقعة كانت بين الملك العادل ابن السّلار، وبين أصحاب ابن مصال في السنة، ووقعة أيضًا بين أصحاب العادل وبين ابن مصال في السنة أيضًا بدلاص، وفتنة قُتل فيها العادل ابن السلار في سنة ثمانٍ وأربعين. وفتنة قُتل فيها الظافر وأخواه وابن عمه في سنة تسعٍ وأربعين، وفتنة المصريين وعباس بن أبي الفتوح في السنة. وفتنة أخرى بعد شهر حين قامت عليه الجند. ووقعة كانت بيننا وبين الفرنج في السنة.
ثم أخذ يسرد عجائب ما شاهد في هذه الوقعات، ويصف فيها شجاعته وإقدامه.
وقد ذكره يحيى بن أبي طيئ في تاريخ الشيعة فقال: حدثني أبي رحمه الله، قال: اجتمعت به دفعات، وكان إماميا حسن العقيدة، إلا أنه كان يداري عن منصبه ويظهر التقية. وكان فيه خيرٌ وافر. وكان يرفد الشيعة، ويصل فقراءهم، ويعطي الأشراف.
وصنَّف كتبًا منها التاريخ البدري جمع فيه أسماء من شهد بدرًا من الفريقين، وكتاب أخبار البلدان في مدة عمره، وذيل على خريدة القصر للباخرزي، وله ديوان كبير، ومصنفات.
وتوفي ليلة الثالث والعشرين من رمضان بدمشق، ودُفن بسفح قاسيون عن سبع وتسعين سنة.
116 -
إقبال بن عليّ بن أحمد بن برهان
، أبو القاسم الواسطي، المقرئ، النحوي، المعروف بابن الغاسلة.
ولد بواسط سنة ثمانٍ وتسعين وأربعمائة، وقرأ القرآن على المظفر بن سلامة الخباز، وجماعة.
وسمع من أبي عليّ الفارقي، وأبي السعادات الخطيب.
ودخل بغداد فسمع من أبي بكر ابن الزاغونيّ.
وكان عارفًا بالعربية.
توفي ليلة عيد الأضحى.
وبرهان: بالفتح.
روى عنه ابن الدُّبيثي ووثقه.
117 -
أيوب بن محمد
، أبو محمد ابن القلاطي، البلنسي، المؤدب.
أخذ القراءات عن ابن هذيل.
وكان صالحًا، محققًا، مجوِّدًا. أخذ عنه أبو الربيع بن سالم، وأبو بكر بن محرز.
118 -
الحسن بن عليّ بن إبراهيم
، أبو عليّ الجويني الكاتب. صاحب الخط المنسوب.
كان أديبًا فاضلًا، شاعرًا، حدث عن موهوب بن أحمد الجواليقي.
قال أبو محمد المنذري: أنشدنا عنه غير واحدٍ من أصحابه. وتوفي في تاسع صفر بالقاهرة.
قال: وقيل إنه تُوفي سنة ستٍّ وثمانين.
قلت: وكان مختصا بالسلطان نور الدّين وبابنه لأدبه وظرفه.
119 -
الحسين بن مسافر بن تغلب
، أبو عبد الله الواسطي، البرجوني، الضرير، المقرئ.
قدم بغداد في صباه، وقرأ القراءات على سبط الخياط وأكثر عنه، وعاد إلى بلده، وحمل الناس عنه. وكان حاذقًا بالفن.
روى عنه: أبو عبد الله الدُّبيثي، وغيره.
توفي في ذي الحجة.
وجده تغلب: بغين معجمة.
120 -
خالص الأمير مجاهد الدّين الحبشي الخادم
.
كان ذا رأي وعقل. وله اختصاص بالدخول على الخليفة.
توفي في رجب.
قال ابن الأثير: كان أكبر أمير ببغداد.
121 -
سلجوقي خاتون بنت قليج رسلان بن مسعود الرومية
، الجهة المعظمة، ابنة سلطان الروم، وتعرف بالخلاطية. زوجة الناصر لدين اللَّه.
وكان يحبها.
قدمت بغداد للحج، فوصفت لأمير المؤمنين، وأخبر بجمالها الزائد، وكانت مزوَّجة بصاحب حصن كيفا. فحجت وعادت إلى بلدها، فتوفي زوجها، فراسل الخليفة أخاها وخطبها، فزوجها منه. ومضى لإحضارها الحافظ يوسف بن أحمد شيخ رباط الأرجوانية في سنة اثنتين وثمانين، فأحضرت وشغف الخليفة بها.
وبنت لها رباطًا وتربةً بالجانب الغربي، فتوفيت قبل فراغ العمارة، ودخل على الخليفة من الحزن ما لا يوصف، وذلك في ربيع الآخر، وحضرها كافة الدولة والقضاة والأعيان. ورفعت الغرز والطرحات، ولبسوا الأبيض ورفعت البسملة ووضعت على رؤوس الخدام، وارتفع البكاء من الجواري والخدم، وعُمل لها العزاء والختمات.
122 -
سليمان بن أبي البركات محمد بن محمد بن الحسين بن خميس
، أبو ربيع الكعبي الموصلي المعدل.
حدث عن والده.
وتوفي في أول السنة. وكان ثقة.
وأبوه أبو البركات يروي عن أبي نصر أحمد بن طوق الموصلي.
وأبو البركات هو عم الفقيه الإمام أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الشافعي، وكان صاحب فنون. روى عن ابن البطر وطبقته، ومات بالموصل قبل أبي الوقت.
123 -
صبيح بن عبد الله
، أبو الخير الحبشي، العطاري، البغدادي، الزاهد، مولى أبي القاسم نصر بن منصور العطار، الحراني، التاجر.
حفظ القرآن وسمع الكثير مع ابن مولاه، وكتب بخطه الكثير. واعتنى بالسماع فسمع من ابن ناصر، ونصر العكبري، وابن الزاغوني، وأبي الوقت. وطبقتهم؟ وكان عبدًا صالحًا، وقف كُتُبه.
ويقال له: النصري، نسبة إلى معتقه نصر.
سمع منه: إبراهيم بن محمود الشعار، وعلي بن الحسن ابن رئيس الرؤساء، وأبو المواهب بن صصرى، وداود بن علي.
توفي في صفر.
واسم أبيه: بكَّر مُثقَّل، وهو فردٌ.
124 -
ظاعن بن محمد بن محمود بن الفرج بن زرير
، أبو محمد، وأبو المقيم الأسدي، الزبيري، الأزجي، الخياط، من ذرية أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير.
سمع أبا عثمان بن ملة، وأبا طالب بن يوسف.
وكان حافظًا لكتاب اللَّه.
روى عنه حفيده عليّ بن عبد الصمد شيخ الدمياطي، وغيره.
وآخر من حدث عنه أبو الحسن ابن النعال.
وسمع منه أبو سعد ابن السمعاني وقال: شابٌّ من أهل دار الخلافة، لا بأس به، كتبت عنه شيئًا يسيرًا، وقال لي: كناني المسترشد بالله بأبي مقيم، ولي أربعون سنة. قال ذلك في سنة ستٍّ وثلاثين.
وقال ابن الدبيثي: ولد في ذي الحجة سنة ست وتسعين وأربعمائة.
قلت: آخر من روى عنه محمد بن أنجب النعال الصوفي.
125 -
ظافر بن عساكر بن عبد الله بن أحمد
، أبو المنصور الخزرجي، الأنصاري، المصري، المالكي.
ولد سنة عشرين وخمسمائة.
وسمع من أحمد بن الحطيئة. ومحمد بن إبراهيم الكيزاني.
وهو والد المحدث أبي اليمن بركات. وله شعر حسن.
126 -
عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عمر بن حسن
، أبو محمد بن سويدة التكريتي.
سمع أباه، ومحمد بن خلف بتكريت.
ورحل وطلب الحديث، فسمع بالموصل محمد بن القاسم الأنصاري، وأحمد بن أبي الفضل الزبيري؛ وببغداد: أبا الفتح الكروخي، وابن ناصر، وعبد الخالق اليوسفي.
سمع منه أهل تكريت والرحالة.
قال ابن الدبيثي: كان فيه تساهل في الراوية.
وتوفي في ربيع الأول.
قلت: روى عنه البهاء عبد الرحمن، وعز الدّين ابن الأثير.
قال: وكان عالمًا بالحديث، له تصانيف حسنة.
127 -
عبد الله بن محمد بن سعد اللَّه بن محمد
، أبو محمد البجلي، الجريري، البغدادي، الحريمي، الحنفي الفقيه الواعظ، المعروف بابن الشاعر. نزيل القاهرة.
توفي بالقاهرة عن ثنتين وسبعين سنة.
وكان ذا جاهٍ وقبول وتقدم في مذهبه.
روى عن ابن الحصين، وأبي المواهب بن ملوك، والقاضي أبي بكر، وجماعة من الكبار.
وقدم دمشق وسمع من أبي المكارم بن هلال، والحافظ ابن عساكر.
ودرس بالأسدية، وهي التي في قبلة الميدان. وحدَّث بدمشق، ومصر.
روى عنه: ابن المفضل الحافظ، وأبو القاسم بن صصرى.
128 -
عبد الله بن محمد بن أبي الفضل
، أبو بكر الطوسي، الشنجي، شيخ رباط الشونيزية. وذكر أنه ابن أخت الغزالي.
روى عن عبد المنعم ابن القشيري.
وعنه أبو المواهب بن صصرى.
توفي في ذي الحجة سنة أربعٍ وثمانين.
129 -
عبد الله بن محمد بن مسعود بن خلف
، أبو محمد اللخمي، الإشبيلي، نزيل بلنسية.
روى عن أبي الحسن بن مغيث، وأبي بكر ابن العربي، وجماعة.
لقيه أبو الربيع بن سالم في هذه السنة وأخذ عنه.
130 -
عبد الباقي بن إبراهيم
. الواسطي، الحنائي.
يروي عن أبي عليّ الفارقي.
روى عنه ابن الدُّبيثي.
مات في جمادى الأولى.
131 -
عبد الجبار بن هبة اللَّه بن القاسم بن منصور
، أبو طاهر بن أبي البقاء ابن البندار البغدادي.
ولد سنة اربع وخمسمائة.
وسمع من أبي الغنائم محمد بن محمد ابن المهتدي بالله، وهبة اللَّه بن عليّ البخاري، وعليّ بن عبد الواحد الدينوري، وهبة اللَّه بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء وجماعة.
روى عنه أبو بكر الحازمي، وأبو بكر بن مشقّ، وجماعة.
وكان ثقة من بيت الرواية.
توفي في شوال.
132 -
عبد الرحمن بن الحسين بن الخضر بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن عبدان
. العدل أبو الحسين ابن العدل أبي عبد الله الأزدي، الدمشقي.
ولد سنة عشرين وخمسمائة.
وسمع من عبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل الإسفراييني، وعلي بن قبيس المالكي، وجمال الإسلام.
ورحل فسمع ببغداد من أبي الفضل الأرمويّ، والمبارك بن المبارك التعاويذي، وعلي بن عبد السيد الصباغ.
وتوفي في رابع عشر شعبان.
روي عنه.
133 -
عبد الرحمن بن محمد بن عبيد اللَّه بن يوسف بن أبي عيسى
، القاضي أبو القاسم بن حُبيش الأنصاري الأندلسي المريّي، نزيل مرسية. وحُبيش خاله، فنُسب إليه، واشتهر به.
ولد سنة أربع وخمسمائة بالمرية، وقرأ القراءات على أبي القاسم أحمد بن عبد الرحمن القصبيّ، وأبي القاسم بن أبي رجاء البلويّ.
وأبي الأصبغ بن اليسع.
وتفقه بأبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن نافع. وسمع منهما، ومن أبي عبد الله بن وضاح، وعبد الحق بن غالب، وعلي بن إبراهيم الأنصاري، وأبي الحسن بن موهب الجذامي.
ورحل إلى قرطبة، فأدرك بها يونس بن محمد بن مغيث، وهو أسند شيوخه، فسمع منه ومن جعفر بن محمد بن مكين وقاضي الجماعة محمد بن أصبغ، وأبي بكر ابن العربي.
وأخذ الأدب عن أبي عبد الله محمد بن أبي زيد النحويّ، وبرع في النحو.
فلما تغلبت الروم على المرية سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة خرج إلى مرسية، ثم أوطن جزيرة شقر، وولي القضاة والخطابة بها ثنتي عشرة سنة. ثم نقل إلى خطابة مرسية، ثم ولي قضاءها سنة خمسٍ وسبعين، فحمدت أحكامه مع ضيقٍ في أخلاقه.
وكان أحد أئمة الحديث بالأندلس، والمسلم له في حفظ أغربة الحديث ولغات العرب وأيامها، لم يكن أحد يجاريه في معرفة الرجال والتواريخ
والأخبار. قاله أبو عبد الله الأبار.
قال: وسمعت أبا سليمان بن حوط اللَّه يقول: سمعته يقول إنه مرّ عليه وقتٌ يذكر فيه تاريخ أحمد بن أبي خيثمة أو أكثره.
قال أبو سليمان: وكان خطيبًا، فصيحًا، حسن الصوت، لهُ خطبٌ حسان.
وذكره أبو عبد الله بن عياد فقال: كان عالمًا بالقرآن إمامًا في علم الحديث، عارفًا بعلله، واقفًا على رجاله. لم يكن بالأندلس من يُجاريه فيه. أقرَّ له بذلك أهل عصره، مع تقدمه في اللغة والأدب. واستقلاله بغير ذلك من جميع الفنون.
قال: وكان له حظ من البلاغة والبيان، صارمًا في أحكامه، جزلًا في أموره. تصدّر للإقراء والتسميع وتدريس الأدب، وكانت الرحلة في وقته إليه وطال عمره.
قال: وله كتاب المغازي في عدة مجلدات حمله عنه الناس.
قلت: روى عنه أحمد بن محمد الطرسوسي، وأبو سليمان بن حوط اللَّه، ومحمد بن وهب الفهري، ومحمد بن الحسن اللخمي الدانيّ، ومحمد بن إبراهيم بن صلتان، ومحمد بن أحمد بن حيون المرسي، ومحمد بن محمد بن أبي السداد اللمتونيّ، ونذير بن وهب الفهريّ أخو محمد، وعبد الله بن الحسن المالقي، ويُعرف بابن القُرطبيّ الحافظ، وأبو الخطاب عمر بن دُحية الكلبيّ، وعلي بن يوسف بن الشريك، وعليّ بن أبي العافية القسطلي، وخلق سواهم.
وروى عنه بالإجازة أبو عليّ عمر بن محمد الشلوبين النحوي، وغيره.
قال الأبار: توفي بمرسية في رابع عشر صفر. وكاد يهلك الناس من الزحمة على نعشه.
134 -
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد
، أبو الحسن القُرطبي.
روى عن أبيه: أبي بكر، وأبي الحسن بن مغيث، وأبي عبد الله بن مكي، وأبي الحسن شريح، وميمون بن ياسين.
وولي خطابة إشبيلية.
وكان من أهل الفضل والصلاح والانقباض.
أخذ الناس عنه.
وتوفي سنة أربعٍ، وقيل: سنة خمس وثمانين.
135 -
عشير بن عليّ بن أحمد بن الفتح
، أبو القبائل الشامي، الجبلي، المزارع، القيِّم، الوقّاد، الرجل الصالح، المعمر.
ولد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
وسمع وهو كبير من أبي صادق مرشد بن يحيى المديني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي.
روى عنه الحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القادر، وطائفة آخرهم عبد الغني بن بنين.
وعاش مائة وسنتين.
قال الحافظ المنذري: قال لي بعض شيوخنا: لولا بياض لحيته ما كنت تظنه شيخًا لظهور قوته.
وكأنه من جَبلة التي بالساحل.
136 -
علي بن يحيى بن عليّ بن محمد ابن الطّرّاح
، أبو الحسن بن أبي محمد البغدادي، المُدير.
سمع أباه، وهبة اللَّه بن الحصين، وهبة اللَّه الشُّروطي، ومحمد بن الحسين الإسكاف، وجماعة.
وروى الكثير، روى عنه ابن الدبيثي في تاريخه، وأولاده: محمد، وعزيزة، ونعمة، وجماعة.
ويُقال لمن يدور بالسجلات التي حكم بها القاضي على الشهود: المدير. واشتهر بهذا جدُّه.
توفي في رمضان.
137 -
عمر بن بكر بن محمد بن عليّ بن الفضل
. القاضي العلامة عماد الدّين أبو حفص ابن الإمام، الكبير شمس الأئمة أبي الفضل الأنصاري، الخزرجي، الجابري، البخاري، الزرنجري، وزرنجرة من أعمال بخارى.
الفقيه الحنفيّ، ويُكنّى أيضًا بأبي العلاء.
أنبأني أبو العلاء الفرضي، قال: هو نعمان الثاني في وقته، تفقّه على أبيه وعلى بُرهان الأئمة ابن مازة رفيق والده.
وسمع صحيح البخاري من أبيه، قال: أخبرنا أبو سهل الأبيوردي، قال: أخبرنا أبو عليّ بن حاجب الكشاني، قال: أخبرنا الفربري، عن المؤلف.
وسمع أيضًا من الحسين بن أبي الحسن الكاشغري، وأبي الفتح محمد بن إبراهيم الحمدوني السرخسيّ، وغيرهم.
تفقَّه عليه شمسُ الأئمة، أبو الوحدة محمد بن عبد الستار الكردري، ومفتي الشرق: جمال الدّين عُبيد اللَّه بن إبراهيم المحبوبي، وصدر العالم: محمد بن عبد العزيز بن مازة.
وسمع منه: أبو الوحدة المذكور، وأثير الدّين أحمد بن محمد الخجنديّ.
وعاش نحوًا من تسعين سنة. وانتهت إليه رياسة المذهب.
وتوفي في تاسع عشر شوال.
وهو آخر من روى عن أبيه.
138 -
عمر بن نعمة بن يوسف بن سيف بن عساكر
، أبو حفص الرؤبيّ، المقدسي، ثم المصري، المقرئ، البناء.
ولد سنة خمسمائة، وقرأ القرآن على سلطان بن صخر.
وسمع من أبي الفتح الكروخيّ.
وأقرأ القرآن مدةً طويلة بمسجده بسوق وردان. وكان عجبًا في ملازمة التلقين.
روى عنه: ابنه أبو الحرم مكي، وقال: إنه منسوب إلى رؤبة، وإنه صحابي؛ وهذا لا يُعرف.
وقيل: إن رؤبة بلد بالشام.
139 -
عيسى بن مودود بن عليّ بن عبد الملك بن شعيب
. الأمير فخر الدّين أبو المنصور التركي، صاحب تكريت. من أتراك الشام.
كان حسن السير، كثير المروءة، سمحًا، جوادًا، له نظمُ لطيف الأسلوب، وترسُّل، وديوان.
ومن شعره:
وما ذات طوق في فُروع أراكةٍ لها رنة تحت الدُّجى وصدوحُ ترامت بها أيدي النَّوى وتمكنت بها فرقةٌ من أهلها ونُزوحُ بأبرحَ من وجدي لذكراكم متى تألق برقٌ أو تنسَّم ريح وُلد بحماة، وقتلته إخوته بقلعة تكريت، ثم باع أخوه إلياس قلعة تكريت للخليفة.
140 -
غالب بن محمد بن هشام
، أبو تمام العوفي، الأندلسي، من أهل وادي آش.
روى عن أبي القاسم بن ورد، وأبي محمد بن عطية، وأبي الحجاج القُضاعي، وجماعة.
حدَّث عنه: أبو القاسم الملاحي، وأبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو الوليد ابن الحاج.
عاش إلى هذه السنة.
141 -
محمد بن إبراهيم بن أحمد
، أبو عبد الله البُستيّ، الصوفيّ، العارف.
توفي بروذراور في رمضان عن نيفٍ وثمانين سنة.
له تصانيف في الطريقة.
142 -
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد بن الحسين
، الإمام: أبو سعيد وأبو عبد الله بن أبي السعادات المسعودي، الخُراساني، البنجديهي، الفقيه الصوفي، المحدث.
وُلد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة في أول ربيع الآخر.
وسمع بخُراسان من أبي شجاع عمر بن محمد البسطامي، وأبي الوقت السجزيّ، ومحمد بن أبي بكر السنجي، وعبد السلام بن أحمد بكبرة، وأبي النضر الفامي، ومسعود بن محمد الغانمي، والحسن بن أحمد بن محمد
الموسياباذيّ.
وسمع ببغداد من أبي المظفر محمد بن أحمد ابن التُّريكي؛ وبمصر من عبد الله بن رفاعة؛ وبالإسكندرية من السلفي.
وحدَّث عن أبيه، وعبد الصبور بن عبد السلام، ومسعود بن الحسن الثقفي.
وأملى بمصر سنة خمسٍ وسبعين مجالس.
وبنجديه: من أعمال مروالرُّوذ.
وأدب الملك الأفضل ابن السّلطان صلاح الدّين. وصنَّف شرح المقامات وطوله، واقتنى كُتبًا نفيسة بجاه الملك.
قال القفطي: فأخبرني أبو البركات الهاشمى، قال: لما دخل صلاح الدّين حلب سنة سبعٍ وسبعين، نزل البنجديهي الجامع، واختار من خزانة الوقف جُملة كُتبٍ لم يمنعه منها أحد، ورأيته يحشرها في عدل. وكان المحدثون يلينونه في الحديث، ولقبه: تاج الدين.
وقال المنذري: كتب عنه السلفي أناشيد. وحدثنا عنه: الحافظ عليّ بن المفضل، وآخرون. وهو منسوبٌ إلى جده مسعود.
قلت: روى عنه: محمد بن أبي بكر البلخي، وزين الأمناء أبو البركات، والتاج بن أبي جعفر، وجماعة.
وقال ابن خليل الأدمي: لم يكن في نقله بثقةٍ ولا مأمون.
توفي المسعودي في سلخ ربيع الأول، ودُفن بسفح جبل قاسيون، ووقف كتبه بالسميساطية.
وقال ابن النجار في تاريخه: كان المسعودي من الفضلاء في كل فن، في الفقه، والحديث، والأدب؛ وكان من أظرف المشايخ، وأحسنهم هيئة، وأجملهم لباسًا.
قدم بغداد سنة أربع وخمسين طالب حديث. وسمع بدمشق
من عبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني، والفلكي.
وأجاز له أبو العز بن كادش.
143 -
محمد بن عبيد اللَّه بن عبد الله
، أبو الفتح ابن التعاويذي، الشاعر المشهور صاحب الديوان الذي في مجلدتين. وإنما عرف بابن التعاويذي، لأنه سبط المبارك بن المبارك ابن التعاويذيّ.
وكان عُبيد اللَّه والده مولّى لبني المظفَّر، اسمه: نُشتكين، ثم سمّي عُبيد اللَّه. وأضرّ أبو الفتح في آخر عمره.
وكان شاعر العراق في وقته. وهو القائل:
أمط اللثام عن العذارِ السائل ليقوم عُذري فيك عند عواذلي واغمد لحاظك قد فللت تجلدي واكفف سهامك قد أصبتّ مقاتلي لا تجمع الشوقّ المبرّح والقلى والبين لي أحد الثلاثة قاتلي وبنفسي الغضبان لا يرضيه غيـ ر دمي وما في سفكهِ من طائل عانقته أبكي ويبسم ثغره كالبرق أومضَ في غمامٍ هاطلِ وكان كاتبًا بديوان المقاطعات، وكان الوزير أبو جعفر ابن البلدي قد عزل كتاب الدواوين وصادرهم وعاقبهم، فعمل ابن التعاويذي في بغداد من قصيدة:
بادت وأهلوها معًا فديارهم ببقاء مولانا الوزير خرابُ والناسُ قد قامت قيامتهم فلا أنسابَ بينهم ولا أسبابُ حَشرٌ وميزانٌ وهولٌ مفظعٌ وصحائفٌ منشورةٌ وحسابُ ما فاتهم من كل ما وعدوا به في الحشر إلاّ راحمٌ وهَّابُ وله:
قالت أتقنعُ أن أزورك في الكرى فتبيتَ في حُلمِ المنام ضجيعي وأبيك ما سمحت بطيف خيالها إلا وقد ملكت عليّ هجوعي وله أشعارٌ كثيرة يرثي عينيه، ويبكي أيام شبابه. وكان قد جمع ديوانه قبل العمى، ورتبه أربعة فصول. وكلما جدده بعد ذلك سمّاه: الزيادات.
روى عنه: عليّ بن المبارك بن الوارث.
توفي في شوال عن خمسٍ وستين سنة.
144 -
محمد بن عليّ بن عبد العزيز بن جابر بن أوسن
، أبو عبد الله اليحصبي، القرطبي.
روى عن أبي مروان بن مسرة، وأبي عبد الله بن أصبغ.
وسمع الموطأ من أبي عبد الله بن نجاح الذهبي.
وقرأ القرآن على عياش بن فرج، وأتقن العربية وولي خطابة قرطبة.
روى عنه أبو سليمان بن حوّط اللَّه، وأبو القاسم بن ملجوم.
ووصفه غير واحد بالحفظ والدين.
وتوفي في ذي القعدة.
145 -
محمد بن عليّ بن محمد بن الحسن بن صدقة
، أبو عبد الله الحراني، التاجر السفار، ويعرف بابن الوحش.
شيخ صالح، صدوق، معمَّر، جليل، تردَّد في التجارة إلى خراسان، وغيرها.
وسمع في الكهولة صحيح مسلم من أبي عبد الله الفراوي سنة ثمانٍ وعشرين وخمسمائة وله إحدى وأربعون سنة. وحدَّث به بدمشق، وسمعه منه خلق.
روى عنه الشيخ أبو عمر، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، وخطيب مردا، ومحمد بن عبد الهادي، وابن عبد الدائم، ويوسف بن خليل، وأبو المعالي أحمد بن محمد ابن الشيرازي، ومحمد بن سعد الكاتب، والعماد عبد الله بن الحسن ابن النحاس، ومحمد بن سليمان الصقلي الدلاّل، وخلق سواهم.
وقد روى ابن الدُّبيثي في تاريخه عن ابن الأخضر، عنه.
توفي في ربيع الأول. وقيل: في ربيع الآخر بدمشق، وله سبعٌ وتسعون سنة.
وقال ابن النجار: سكن دمشق، وبنى بها مدرسة ووقفها على الحنابلة.
146 -
محمد بن المطهر بن يعلى بن عوض بن أميرجة
، أبو الفتوح العلوي، العمري، الهروي.
حدث ببغداد، والحجاز عن أحمد بن محمد بن صاعد، ومحمد بن الفضل الفراوي.
روى عنه أبو عبد الله ابن الدبيثي، والتاج بن محمد بن أبي جعفر، ومحمد بن أبي البدر ابن المَنِّي، وأبو القاسم عليّ بن سالم بن الخشاب، وآخرون.
وتوفي بأذربيجان، ولعله حدث هناك، وعاش ثمانين سنة.
147 -
محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم الحافظ أبو بكر الحازمي
، الهمذاني.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
وسمع بهمذان من أبي الوقت حضورًا، ومن شهردار بن شيرويه، وأبي زرعة بن طاهر، وأبي العلاء العطار، ومحمد بن بنيمان، وعبد الله بن حيدر القزويني، ومعمر بن الفاخر.
ورحل إلى بغداد سنة بضع وسبعين فسمع عبد الله بن عبد الصمد السلمي العطار، وأبا الحسين عبد الحق، وأخاه أبا نصر عبد الرحيم، وأبا الثناء محمد بن محمد ابن الزيتوني، وطائفة.
وسمع بالموصل من خطيبها أبي الفضل. وبواسط من أبي طالب الكتاني المحتسب، وأحمد بن سالم المقرئ، وبالبصرة من محمد بن طلحة المالكي. وبدر بن عمر، وبأصبهان من أبي الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي، وأحمد بن ينال، وأبي موسى المديني الحافظ، وطائفة سواهم.
وسمع بالجزيرة، والحجاز، والشام، وعني بهذا الشأن، وكتب الكثير، وصنف، وله إجازة من أبي سعد السمعاني، وأبيعبد الله الرستمي، وأبي طاهر السلفي.
روى عنه: أبو عبد الله الدبيثي، والتقي عليّ بن باسويه المقرئ، وابن
أبي جعفر، وخطيب دمياط الجلال عبد الله بن الحسن السعدي، وآخرون.
قال ابن الدبيثي: قدم بغداد عند بلوغه واستوطنها، وتفقه بها على مذهب الشافعي، وجالس علماءها، وتميز، وفهم وصار من أحفظ الناس للحديث وأسانيده ورجاله، مع زهد، وتعبد، ورياضةٍ وذكر.
صنف في علم الحديث عدة مصنفات، وأملى عدة مجالس. سمعت منه ومعه. وكان كثير المحفوظ، حلو المذاكرة، يغلب عليه معرفة أحاديث الأحكام. وأملى طرق الأحاديث التي في كتاب المهذب لأبي إسحاق وأسندها. ولم يتمه.
وقال ابن النجار: كان من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله. ألف كتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب عجالة المبتدئ في الأنساب والمؤتلف والمختلف في أسماء البلدان، وكتاب إسناد الأحاديث التي في المهذّب. وأملى بواسط مجالس. وكان ثقة، حجة، نبيلًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا ملازمًا للخلوة والتصنيف ونشر العلم. أدركه أجله شابا.
وسمعت محمد بن محمد بن محمد بن غانم الحافظ بأصبهان يقول: كان شيخنا الحافظ أبو موسى يفضل أبا بكر الحازمي على عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ويقول: هو أحفظ منه. وما رأيت شابا أحفظ منه.
سمعتُ محمد بن سعيد الحافظ يقول: ذكر لنا الحازمي أن مولده في سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وتوفي في ثامن وعشرين جمادى الأولى.
قلت: عاش خمسًا وثلاثين سنة.
148 -
محمد بن أبي المعالي بن قايد
، أبو عبد الله الأواني، الصوفي، الصالح.
دخل عليه رجل من الملاحدة في الخامس والعشرين من رمضان، فوجده وحده فقتله وهو صائم، ودفن في رباطه رحمه الله بأوانا.
حكى عنه شهاب الدّين عمر السهروردي وغيره حكايات.
وقايد بالقاف. وأوانا قرية على مرحلة من بغداد مما يلي الموصل.
قال سبط ابن الجوزي: كان صاحب كرامات وإشارات ورياضات، وكلام على الخواطر. أقعد زمانًا، وكان يحمل في محفة إلى الجمعة. وقدم أوانا واعظ فنال من الصحابة، فجاؤوا به في المحفة، فصاح على الواعظ، ثم قال: انزل يا كلب، وكان الواعظ من دعاة سنان رأس الإسماعيلية، ورجمته العامة، فهرب إلى الشام، وحدث سنانًا بما جرى عليه، فبعث له اثنين، فأقاما في رباطه أشهرا يتعبدان، ثم وثبا عليه فقتلاه، وقتلا صاحبه عبد الحميد، وهربا مذعورين، فدخلا البساتين، فرأيا فلاحًا يسقي ومعه مر، فأنكرهما وحط بالمر على الواحد فقتله، فحمل عليه الآخر فاتقاه بالمر، فقتل الآخر. ثم سقط في يده وندم، ورآهما بزي الفقراء. ووقع الصائح بأوانا حتى بطلت يومئذٍ الجمعة بها. وجاء الفلاح للضجة فسأل: من قتل الشيخ؟ فوصفوا له صفة الرجلين، فقال: تعالوا. فجاء معه فقراء فقالوا: هما واللهِ؟ وقالوا له أعلمت الغيب؟ قال: لا والله، بل أُلهمت إلهامًا فأحرقوهما. وقيل: إن الشيخ عبد الله الأرموي نزيل قاسيون حضر هذه الوقعة.
149 -
المبارك بن أبي غالب أحمد بن وفاء بن منصور
، الأزجي، أبو الفضل الدقاق، المعروف بابن الشيرجي.
ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وحدث عن أبي القاسم بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وتوفي في شوال.
150 -
المبارك بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد ابن النقور
، أبو الفرج البغدادي، المعدل.
من بيت الرواية، والمشيخة. ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع بإفادة أبيه، وبنفسه من هبة اللَّه بن الحصين، وأحمد بن الحسن ابن البناء، وهبة اللَّه بن أحمد الحريري، وأبي بكر الأنصاري، وأبي منصور القزاز، وطائفة.
وهو آخر أولاد ابن النقور، ولم يخلف ولدا ذكرًا.
سمع منه إبراهيم ابن الشعار، وعلي بن أحمد الزيدي، وعمر بن علي، وآخرون.
وتوفي في شعبان.
151 -
مسعود بن قُراتكين
، أبو الفتح البدري، الجندي.
حدث عن أبي جعفر أحمد بن محمد العباسي، وأبو الوقت، وجماعة بنابلس.
وكان جنديًا فتزهد وتعبّد.
152 -
مفرج بن سعادة
، أبو الفرج الإشبيلي، المعروف بغلام أبي عبد الله البرزالي.
روى عن ميمون بن ياسين، وأبي القاسم الهوزني، ونعمان بن عبد الله.
وأجاز له أبو محمد بن عتاب.
وكان محدثًا، حافظًا، متقنًا، نبيلًا.
أخذ عنه أبو جعفر بن أبي مروان، وأبو محمد بن جهور، وأبو بكر بن عُبيد.
وكان حيًا في هذه السنة.
153 -
المفضل بن عليّ بن مفرّج بن حاتم بن الحسن
. القاضي الأنجب أبو المكارم المقدسي، الأصل الإسكندراني، المالكي.
ولد سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وحدث عن عمه الحسين بن مفرج المقدسي.
روى عنه ابنه الحافظ أبو الحسن، وغيره.
وتوفي في رجب بالإسكندرية.
154 -
ميمون بن جبارة بن خلفون
، أبو تميم الفرداوي.
دخل الأندلس وولي قضاء بلنسية مدة، ثم صُرف. وولي قضاء بجاية.
وكان من كبار العلماء، معدودًا في الرؤساء، كريم الأخلاق، عظيم الحرمة، وبه انتفع أهل بلنسية، واستقاموا وتفقهوا.
استقدم إلى مراكش لتولي قضاة مرسية بعد وفاة الإمام أبي القاسم بن
حُبيش، فتوفي في طريقه إليها بتلمسان.
أخذ عنه القاضي أبو عبد الله بن عبد الحق، وغيره.
155 -
هارون بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد
، أبو جعفر ابن المهتدي بالله، الخطيب العباسي.
من بيت خطابة ورياسة. ولي خطابة جامع القصر زمانًا، وسمع أبا طالب بن يوسف، وهبة اللَّه بن الحصين. وشهد عند قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي.
وكان كثير الخشوع في صلاته، بليغ الموعظة.
توفي في صفر، وله أربعٌ وسبعون سنة.
156 -
يحيى بن عيسى بن أزهر
، أبو بكر الحجري، الشريشي، قاضي شريش.
أخذ عن أبيه، وأبي القاسم بن جهور. وعلم القرآن والعربية.
حدث عنه: أبو العباس بن سلمة اللورقي، وأبو بكر الغزال. وأجاز لأبي عليّ الشلوبيني.
157 -
يحيى بن محمود بن سعد
، أبو الفرج الثقفي، الصوفي، الأصبهاني.
ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة، وسمع حضورًا في الأولى من أبي عليّ الحداد، وحمزة بن العباس العلوي، وأبي عدنان محمد بن أحمد بن أبي نزار.
وسمع من حمزة بن محمد بن طباطبا العلوي، وعبد الكريم بن عبد الرزاق الحسناباذي، والمحسن بن محمد بن عمر بن واقد، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، والحسين بن عبد الملك الأديب، وفاطمة بنت عبد الله الجوزدانية، وجده لأمه إسماعيل بن محمد الحافظ مؤلف الترغيب والترهيب.
وحدَّث بأصبهان ودمشق، وحلب، والموصل، وكان له نسخٌ بمسموعاته، اقتناها له والده، ورحل في آخر عمره، ونشر حديثه.
روى عنه الشيخ الموفَّق، وأبو الحسن محمد بن حمويه، والشيخ أبو عمر، وابنه عبد الله بن أبي عمر، ويوسف بن خليل، ومحمد بن عبد الواحد، وبدل التبريزي، والخطيب عليّ بن محمد بن عليّ المعافري، والرضي عبد الرحمن المقدسي، والقاضي زين الدّين عبد الله ابن الأستاذ، ومحمد بن طرخان الصالحي، ونجم الدّين الحسن بن سلام، وسالم بن عبد الرزاق خطيب عقربا، وعقيل بن نصر اللَّه ابن الصوفي، وإسحاق بن الحسين بن صصرى، وخطيب مردا، والعماد عبد الحميد، ومحمد ابنا عبد الهادي، والضياء صقر الحلبي، وإبراهيم بن خليل، وخلق كثير، آخرهم: الزين أحمد بن عبد الدائم.
توفي قريبًا من همذان غريبًا عن سبعين سنة.
وقيل: توفي في آخر سنة ثلاثٍ وثمانين.
158 -
يعقوب بن محمد بن خلف بن يونس بن طلحة
، أبو يوسف الشقري، نزيل شاطبة.
قرأ الموطأ: على أبي بكر عتيق بن أسد، وصحب أبا إسحاق بن خفاجة الشاعر، وحمل عنه.
وكان فقيهًا مشاورًا، أديبًا، بارعًا، عالمًا، بالشروط.
روى عنه: طلحة بن يعقوب، وأبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم البراق.
وعاش ثمانيًا وسبعين سنة.
وفيها ولد:
حسن بن المهير البغدادي، وأبو بكر عبد الله بن أحمد بن طغان الطرائفي، والرشيد العطار الحافظ، ويوسف بن مكتوم.
سنة خمس وثمانين وخمسمائة
159 -
أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن يَنَال
، أبو العباس الترك الأصبهاني، شيخ الصوفية بأصبهان.
كان دينا متواضعًا، معمرا عالي الرواية، مسند أصبهان في عصره.
سمع أبا مطيع محمد بن عبد الواحد المصريّ، وعبد الرحمن بن حمد الدوني، وتفرّد بالرواية عنهما، وقدم بغداد في صباه، فسمع أبا عليّ بن نبهان الكاتب، وأبا طاهر عبد الرحمن بن أحمد اليوسفي.
وطال عمره: وخرج له الحافظ أبو موسى المديني.
وروى عنه: أبو القاسم ابن عساكر الحافظ، والحافظ عبد الغني، والحافظ أبو بكر الحازمي، وأبو المجد القزويني، وخلق كثير.
وبالإجازة: أبو المنجى ابن اللتي، والرشيد إسماعيل العراقي.
وتوفي في شعبان بأصبهان عن نيفٍ وتسعين سنة.
160 -
أحمد بن حمزة بن أبي الحسن عليّ بن الحسن بن الحسين بن الموازيني
. السُّلمي، الدمشقي، أبو الحسين بن أبي طاهر، المعدل.
ولد في ربيع الأول سنة ستٍّ وخمسمائة.
وسمع من جده أبي الحسن، وأمه شكر بنت سهل الإسفراييني.
ورحل إلى بغداد وهو كهل، فسمع أبا الكرم الشهرزوريُّ، وأبا بكر ابن الزاغوني، ومحمد بن عُبيد اللَّه الرطبي، وسليمان بن مسعود الشحام. وسعيد ابن البناء، وجماعة.
وله إجازة من أبي عليّ الحداد، وغيره.
وكان محدثًا، خيرًا، صالحًا، يحب العزلة والانقطاع.
روى عنه البهاء عبد الرحمن، والضياء محمد، والزين ابن عبد الدائم، وجهمة بنت هبة اللَّه السلمية، وعبد الحق بن خلف، وعلي بن حسان الكتبي، ويوسف بن خليل الحافظ، ومحمد بن سعد الكاتب، وأبو الفضل عباس بن نصر اللَّه القيسراني، والعماد عبد اللَّه بن الحسن ابن النحاس الأصم، وخطيب
مردا محمد بن إسماعيل، والعماد عبد الحميد بن عبد الهادي، وخلق سواهم.
قرأت في حقه بخط الضياء: كان خيرًا، ديِّنًا كبيرا، سمعنا عليه الكثير، وكان يسكن الجبل. وكان كل ليلة يأتي من منزله حتّى نسمع عليه، وكان قد انحنى. وسمعنا عليه أكثر الحلية بإجازته من أبي عليّ الحداد.
وقرأت بخط ابن الحاجب أنه سمع أيضًا من نصر بن نصر العكبري، وابن ناصر، وأبي العباس ابن الطلاية، وأبي الفضل الأرموي، وهبة اللَّه الحاسب، وأبي القاسم الكروخي.
وبالموصل من: الحسين بن نصر بن خميس؛ وبنصيبين من عسكر بن أسامة؛ وبدمشق أيضًا من حمزة بن كروس، ومحمد بن أحمد بن أبي الحوافر، وحمزة بن أسد التميمي.
ولم يزل مؤثرًا للانقطاع عن الناس. أنفق مالًا صالحًا على زاوية انقطع إليها بالجبل. وكان مقبلًا على شأنه، مفيدًا لمن قصده من إخوانه، مواسيًا، باذلًا.
خرج لنفسه مشيخة، وخرج في الرقائق والفضائل، ورحل إلى العراق مرتين.
وتوفي في نصف المحرم.
قلت: كذا ورخه الضياء، والدبيثي، والمنذري، وغيرهم.
وقال أبو المواهب بن صصرى: توفي في نصف ذي الحجة سنة خمس، ولعله سبق قلم.
161 -
أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن الفضل
. الفقيه أبو الفضل ابن الشيخ أبي القاسم بن أبي عبد اللَّه الحضرمي الصقلّيّ الأصل، ثم الإسكندراني، المالكي.
تفقه وأحكم المذهب. وروى عن أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الرازي، وأبي الوليد محمد بن عبد اللَّه بن خيرة، ويوسف بن محمد الأرموي. وسمع في الكهولة بمصر من أبي محمد بن رفاعة. وبمكة من الحافظ أبي موسى المديني. وحدث ودرس. وقال: مولدي في المحرم سنة اثنتين وعشرين، فعلى هذا يكون سماعه من الرازي حضورًا.
وهو من بيت الرواية والعلم، حدَّث هو وأخوه القاضي محمد،
وأبوهما، وجدهما. وأبوهما آخر من حدَّث عن الحبال بالإجازة.
توفي أحمد في سادس رجب، وهو أقدم شيخ لأبي الطاهر ابن الأنماطي الحافظ، وروى عنه جماعة.
162 -
أحمد بن أبي نصر ابن نظام الملك
، الطوسي، ثم البغدادي.
أحد الأكابر. كان ذا فضل، وأدب، وحشمة، وجلالة. توفي ببغداد، وشيعه الأعيان.
163 -
إسحاق بن محمد بن علي
، أبو إبراهيم العبدري الميورقي، ويعرف بابن عائشة.
فقيه مالكي مشاور، قائم على المدونة بعيد الصيت. تفقه عليه غير واحد.
اشتغل على أبي إسحاق بن فتحون، وغيره. وتوفي في حدود هذه السنة.
164 -
إسماعيل بن مفروح بن عبد الملك بن إبراهيم
، أبو العرب الكناني السبتي، المغربي، ويعرف بابن معيشة.
شاب فاضل في علم الكلام والأدب. له شعر جيد. قدم العراق وناظر. وأول طلوعه من البحر من اللاذقية، فدخل حلب ومدح الملك الظّاهر صاحبها، فخلع عليه، واتفق أنه دخل الحمام، فرأى رجلا يخاصم الناطور على عمامة له ضاعت، فقال: أنا أقاسمك بقياري. ثم قطعه نصفين، وكان معروفا بالكرم.
وفي شعره يبوسة وفصاحة، فله في الظاهر:
جنب السرب وخف من أن تصد أيها الآمل جهدا ًأن يصد واجتنب رشقةً ظبي إن رنا أثبت الأسهم في خلب الكبد ثعلبي الطرف طائي الحشا مازني الفتك صخري الجلد أهيف لاعبه من شعره أرقم ماسَ على خوطه قد
فانثنت غصنا ومن أزهاره بدر تمٍّ حل في برج الفند منعته عرقبا أصداغه من جنا لثم ومن تجميش يد وحسام من لحاظ خلته صارم الظاهر يوم المطرد ملكٌ قامت له هيبته عوض الجيش وتكثير العدد علق الفرقد في جبهته والثريا في عذارٍ فوق خد وأرانا سرجه شمس الضحى فحسبنا أنه برج الأسد ثم رجع أبو العرب في هذا العام إلى مصر، فالتقى الحكيم أبا موسى اليهودي الذي أُهدر دمه بالمغرب وهرب، فاصطنعه أبو العرب، فمني الخبر إلى صاحب المغرب، فطلب أبا العرب أيضًا، فهرب وطلع من اللاذقية ثانيًا، وأراد أن يتكلم في اليهودي بمصر، فبذل لرجلٍ ذهبًا حتّى يقتل أبا العرب، فأتاه وهو على شاطئ النيل، فضربه بخشبة، فسقط في النيل.
165 -
تميم بن الحسين بن أبي نصر
، أبو نصر البغدادي، البزاز ويُعرف بابن القراح.
روى عن هبة اللَّه بن الحصين، وغيره.
والقَراح بالتخفيف.
166 -
حزب اللَّه بن محمد بن علي
، أبو مروان الأزدي، البلنسي.
أخذ القراءات عن أبي عبد اللَّه بن أبي إسحاق.
وكان يحفظ الكامل للمبرد، والنوادر للقالي.
167 -
الحسن بن أحمد بن يحيى
، أبو عليّ الأنصاري، القرطبي، نزيل مالقة. والد الحافظ أبي محمد.
أخذ القراءات عن أبي الحسن سعد بن خلف، وأبي القاسم بن رضا.
وسمع منهما، ومن أبي إسحاق بن قرقول.
وكان ذا فنون، وله يد طولى في الفرائض.
أخذ عنه ابنه: وأبو الربيع بن سالم، وعبد الحق بن بونه.
وتوفي في رمضان في عشر السبعين.
168 -
الحسن بن محمد بن الحسن أبو عليّ ابن الرهيبل الأنصاري
، البلنسي.
سمع من أبي الحسن بن النعمة كثيرًا؛ وأخذ عنه القراءات.
وحج فسمع من السفلي، والصحيح للبخاري، من عليّ بن عمار. ورجع فلزم الزهد والتبتل.
سمعوا منه بالإسكندرية التيسير بروايته عن ابن هذيل. مات في شعبان كهلًا.
169 -
الحسين بن عبد اللَّه بن رواحة
، أبو عليّ الأنصاري، الحموي، الفقيه الشافعي، الشاعر ابن خطيب حماة.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة. وسمع بدمشق من أبي المظفر الفلكي، وأبي الحسن عليّ بن سليمان المرادي، والصائن هبة اللَّه، وجماعة.
ووقع في أسر الفرنج، فبقي عندهم مدة، وولد له بجزائر البحر عز الدّين عبد اللَّه. ثم قدم به إلى الإسكندرية، وسمعه الكثير من السفلي. وسبب أسره أنه سافر في البحر إلى المغرب فأسر، ثم خلصه اللَّه سبحانه.
وله شعر رائق، وحصلت له الشهادة على عكا.
قال الحافظ المنذري: أنشدنا عنه أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الكندي بمصر، ومحمد بن المفضل البهراني بمنبج.
قال القاضي ابن واصل في مصرعه: نقلت من خطه نسبه هكذا: الحسين بن عبد اللَّه بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن رواحة بن عبيد بن محمد بن عبد اللَّه بن رواحة الأنصاري الخزرجي الحموي.
170 -
خاصة بنت أبي المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيز الأنصاري
، الواعظة صاحبة الشيخ أبي النجيب السهروردي.
كانت تعظ برباطها على النساء، وقد حدثت.
171 -
الرشيد ابن البوسنجي
نشأ ببغداد، وكان من ملاحها، فحصل الأدب، وقال الشعر، ثم تحول إلى الشام، واتصل بخدمة السّلطان صلاح الدّين، وعلا شأنه حتّى بعثه السّلطان رسولًا إلى الخليفة، فعز عليهم ذلك وقالوا: من هو ابن البوسنجي حتّى يبعث إلى الديوان رسولاً؟ وحصل في هذا إنكار.
ثم إنه استشهد على عكا بسهم، وضرب له في الجهاد بسهم.
ومن شعره:
قفوا فاسألوا عن حال قلبي وضعفه فقد زاده الشوق الأسى فوق ضعفه وقولوا لمن أرجو الشفاء بوصله مريضك قد أشفى على الموت فاشفه أخو سقم أخفاه إخفاؤه الهوى نحولًا ومن يخف المحبة تخفه وما شغفي بالدار إلا لأهلها وما جزعي بالجزع إلا لخشفه
172 -
سعيد بن يحيى بن عليّ بن حجاج
، أبو المعالي الدبيثي. والد الحافظ أبي عبد اللَّه، من قرية دبيثا.
قدم جده عليّ منها إلى واسط فسكنها. سمع سعيد من سعد الخير الأنصاري.
وأجاز له أبو عليّ الفارقي الفقيه.
كتب عنه ابنه، وقال: توفي يوم الأضحى. وولد في سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
173 -
عبد اللَّه بن عبد اللَّه التجيبي القرطبي
، أبو محمد الزاهد المعروف بالأندوجري.
كان صالحًا، عابدًا، قانتًا، مجاب الدعوة، له ذكرٌ.
174 -
عبد اللَّه بن محمد بن أحمد ابن الخلال
، أبو الفرج الأنباري، البغدادي، من رؤساء العراق.
ولي صدرية ديوان الزمام مدةً، ثم عزل.
175 -
عبد اللَّه بن محمد بن هبة اللَّه بن المطهر بن عليّ بن أبي عصرون بن أبي السري
.
قاضي القضاة شرف الدّين أبو سعد التميمي، الحديثي، ثم الموصلي الفقيه، أحد الأعلام.
تفقه أولًا على: القاضي المرتضى ابن الشهرزوري، وأبي عبد اللَّه الحسين بن خميس الموصلي. وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وتلقن على المسلم السروجي.
وقرأ بالسبع ببغداد على: أبي عبد اللَّه الحسين بن محمد البارع، وبالعشر على: أبي بكر المزرفي، ودعوان، وسبط الخياط، وتوجه إلى واسط فتفقه بها على القاضي أبي عليّ الفارقي، وبرع عنده، وعلق ببغداد عن أسعد الميهني. وأخذ الأصول عن أبي الفتح أحمد بن عليّ بن برهان. وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي البركات ابن البخاري، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن.
ودرس النحو على: أبي الحسن بن دبيس، وأبي دلف.
وسمع قديمًا في سنة ثمانٍ وخمسمائة من أبي الحسن بن طوق.
ورجع إلى وطنه بعلمٍ كثير، فدرس بالموصل في سنة ثلاثٍ وعشرين وخمسمائة. ثم أقام بسنجار مدةً.
ودخل حلب في سنة خمسٍ وأربعين، ودرس بها، وأقبل عليه صاحبها السّلطان نور الدين. فلما أخذ دمشق سنة تسعٍ وأربعين قدم معه، ودرس بالغزالية، وولي نظر الأوقاف، ثم ارتحل إلى حلب.
ثم ولي قضاء سنجار، وحرّان، وديار ربيعة، وتفقه عليه جماعة، ثم عاد إلى دمشق في سنة سبعين، فولي بها القضاء سنة ثلاثٍ وسبعين.
وصنَّف التصانيف، وانتفع به خلق، وانتهت إليه رياسة المذهب.
ومن تلامذته الشيخ فخر الدّين أبو منصور ابن عساكر.
ومن تصانيفه: صفوة
المذهب في نهاية المطلب في سبع مجلدات، وكتاب الانتصار في أربع مجلدات، وكتاب المرشد في مجلدين، وكتاب الذريعة في معرفة الشريعة، وكتاب التيسير في الخلاف أربعة أجزاء، وكتاب مآخذ النظر ومختصر في الفرائض، وكتاب الإرشاد في نصرة المذهب ولم يُكمله، وذهب فيما نُهب له بحلب.
وبنى له نور الدّين المدارس بحلب، وحماة، وحمص، وبعلبك. وبنى هو لنفسه مدرسة بحلب، وأخرى بدمشق. وله أيضًا كتاب التنبيه في معرفة الأحكام وكتاب فوائد المهذب في مجلدين، وغير ذلك.
روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وأبو نصر ابن الشيرازي، وأبو محمد بن قدامة، وعبد اللطيف بن سيما، والتاج بن أبي جعفر، وعبد الرحمن بن عبدان، وعلي بن قرقين، وصديق بن رمضان، وخلق آخرهم موتًا العماد أبو بكر عبد اللَّه ابن النحاس.
وأضر في آخر عمره وهو قاض، فصنف جزءًا في جواز قضاء الأعمى، وهو خلاف مذهبه. وفي المسألة وجهان، والجواز أقوى، لأن الأعمى أجود حالًا من الأصم والأعجمي الذي يتعرف الأمور بترجمان ونحو ذلك.
وقد كان ولي القضاء قبل شرف الدّين القاضي ضياء الدّين ابن الشهرزوري، بحكم العهد إليه من عمه القاضي كمال الدّين قاضي الشام، فلم يعزله السّلطان صلاح الدّين، وآثر أن يكون الحكم لابن أبي عصرون، فاستشعر ذلك ضياء الدين، فاستعفى فأعفي، وبقي على وكالة بيت المال، وولي القضاء ابن أبي عصرون، وناب في القضاء الأوحد داود، والقاضي محيي الدّين محمد ابن الزكي، وكتب لهما توقيع سلطاني، فكانا في حكم المستقلين، وإن كان في الظاهر نائبين، وذلك في سنة اثنتين وسبعين، فلما عاد السّلطان من مصر في سنة سبع وسبعين تكلم الناس في ذهاب بصر ابن أبي عصرون، ولم يذهب بالكلية أو ذهب، فولى السّلطان القضاء لولده القاضي محيي الدّين من غير عزلٍ للوالد، واستمر هذا إلى سنة سبع وثمانين، فصرف
عن القضاء، واستقل قاضي القضاة محيي الدّين ابن الذكي.
ويقال: إن هذا له:
أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة تمر بي الموتى تهز نعوشها وما أنا إلا منهم غير أن لي بقايا ليالٍ في الزمان أعيشها توفي إلى رضوان اللَّه في حادي عشر رمضان، ودفن بمدرسته بدمشق.
وقد سئل عنه الشيخ الموفق، فقال: كان إمام أصحاب الشافعي في عصره، وكان يذكر الدرس في زاوية الدولعي، ويصلي صلاةً حسنةً ويتم الركوع والسجود. ثم تولى القضاء في آخر عمره وعمي، وسمعنا درسه مع أخي أبي عمر، وانقطعنا عنه، فسمعت أخي رحمه الله يقول: دخلت عليه بعد انقطاعنا فقال: لم انقطعتم عني؟ فقلت: إن ناسًا يقولون إنك أشعري. فقال: واللَّه ما أنا بأشعري. هذا معنى الحكاية.
ومن شعر القاضي شرف الدين:
كل جمع إلى الشتات يصير أي صفوٍ ما شانه تكدير أنت في اللهو والأماني مقيمٌ والمنايا في كل وقتٍ تسير والذي غره بلوغ الأماني بسراب وخلبٍ مغرور ويك يا نفسُ اخلصي إن ربي بالذي أخفت الصدور بصير
176 -
عبد اللَّه بن أبي الفتوح بن عمران
، الإمام أبو حامد القزويني الفقيه الشافعي.
رحل إلى نيسابور، وتفقه على الإمام محمد بن يحيى.
وتفقه ببغداد على: أبي المحاسن يوسف بن بندار الدمشقي.
وسمع من أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر الحافظ، وجماعة. وحدث بقزوين.
177 -
عبد الرحمن بن أبي عامر أحمد بن عبد الرحمن بن الربيع
، الأشعري، القرطبي، أبو الحسين.
سمع أباه، وأبا بكر ابن العربي، وأبا جعفر البطروجي، وعباد بن سرحان، وأبا مروان بن مسرة، وجماعة.
روى عنه أبو الربيع بن سالم الحافظ، وغيره.
وله جزء مفيد خرّجه عن مشيخته.
ولي قضاء إستجة، وكان ذا عناية بالحديث، وعاش ستا وستين سنة، لأنه ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة.
وروى عنه أيضًا بنوه الربيع، ويحيى، وأحمد، وأبو يحيى بن الفَرس.
178 -
عبد الرحمن ابن قاضي القضاة عبد الملك بن عيسى بن درباس
، أبو طالب المارانيّ.
توفي في حياة والده.
وكان قد ناب عن أبيه في القضاء.
179 -
عبد الرزاق بن عليّ بن محمد بن عليّ ابن الجوزي
، أبو البقاء البغدادي، الصفار، أخو العلامة أبي الفرج.
توفي في المحرم.
يقال: إنه روى شيئًا من الحديث. وكان مزوقًا دهانًا. سمعه أخوه من هبة اللَّه بن الحصين، وأبي غالب محمد بن الحسن الماوردي.
روى عنه: ابن أخيه أبو القاسم علي، وأبو الحسن ابن القطيعي.
ومولده كان في صفر سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
سقط من الصقالة، فزَمن مدةً.
180 -
عبد السلام بن عبد السميع بن محمد
، أبو جعفر الهاشمي البواب.
سمع من زاهر، وابن الحصين.
وعنه عبد اللَّه بن أحمد الخباز.
مات في ربيع الأول.
181 -
عبد المجيد بن الحسين بن يوسف بن الحسن بن أحمد بن دُليل
، أبو المفضل الكندي، الإسكندرانيّ المعدل.
سمع من الإمام أبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، وروى عنه: سنن أبي داود.
وحدث عنه أبو التقى صالح بن بدر الشافعي، والحسن بن ناصر المهدوي، وعلي بن محمد بن منتصر، وآخرون.
توفي في تاسع شوال، وله اثنتان وتسعون سنة.
182 -
عبيد اللَّه بن هبة اللَّه
، أبو الوفاء القزويني، ثم الأصبهاني، الواعظ الحنفي، يُعرف بابن شفروه، أخو رزق اللَّه.
له النظم والنثر، وكان فصيحًا بليغًا، عقد ببغداد مجلس الوعظ لما حج.
توفي في الكهولة.
183 -
علي بن سلمان بن سالم
، أبو الحسن الكعكي.
سمع الكثير من أبي الفتح بن شاتيل، وطبقته. وكتب بخطه، وعني بالسماع. ومات شابا.
184 -
علي بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن يوسف
، القاضي السعيد، أبو الحسن القرشي المخزومي، الشافعي المصري.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
وحدث عن: عبد العزيز بن عثمان التونسي، وأحمد بن الحطيئة، وإسماعيل بن الحارث القاضي.
قال أبو محمد المنذري: حدثونا عنه، وكان عارفا بكتابة الخراج، صنَّف في ذلك كتابًا. وتقلَّب في الخدم، وتقدم فيها.
185 -
عيسى بن محمد بن عيسى
، الأمير العالم، الفقيه، أبو محمد الهكاري، الشافعي، ضياء الدين، أحد أمراء الدولة الصلاحية، بل واحدهم وكبيرهم.
كان في مبدأ أمره يشتغل، فتفقه بالجزيرة على الإمام أبي القاسم عمر ابن البزري شيخ الشافعية؛ واشتغل بحلب بالمدرسة الزجاجية، ثم اتصل بخدمة الملك أسد الدّين شيركوه، وصار إمامه في الصلوات، وتوجه معه إلى مصر. وكان هو أحد الأسباب المُعِينة على سلطنة صلاح الدّين بعد عمه مع الأمير
الطواشي بهاء الدّين قراقوش، فرعيت له الخدمة وقِدمه، وكان ذا شجاعة وشهامة، فأمره أسد الدين.
وقد سمع من الحافظ أبي طاهر السلفي، والحافظ ابن عساكر.
وحدَّث بقيسارية، فسمع منه القاضي محمد بن عليّ الأنصاري، وغيره.
وكان ذا مكانةٍ عظيمة عند صلاح الدين، واشتهر بقضاء الحوائج، فكان لا يكاد يدخل على صلاح الدّين، إلا ومعه أوراق وقصص في عمامته ومنديله وفي يده، فيكتب له عليها.
توفي في ذي القعدة بالمخيم أيام حصر عكا. وله ذكرٌ في الحوادث، وأنه أسر وخلص من الأسر بستين ألف دينار.
186 -
غيداق بن جعفر الديلمي
.
روى شيئًا عن أحمد بن ناقة.
187 -
قيصر، الأمير الأجلّ ابن الأمير طي ابن
الملك أمير الجيوش شاور بن مجير السعدي، المصري.
روى عن أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن المسلم الأنصاري.
وتُوفي في ذي القعدة.
188 -
محمد بن أحمد بن عبد اللَّه
، أبو عبد الله الجمدي المقرئ، والجمد من قرى دجيل.
روى عن: أبي البدر الكرخي، وأبي الوقت، وجماعة.
189 -
محمد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن صاف
، أبو بكر الإشبيلي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي الحسن شُريح؛ واختلف إلى أبي القاسم ابن الرمّاك في العربية، وأجاز له أبو الحسن بن مغيث، وابن مكي.
وكان عارفًا بالقراءات والعربية متقدمًا فيهما، من كبار أصحاب شريح.
شرح الأشعار الستة والفصيح لثعلب، وغير ذلك.
قال أبو عبد اللَّه الأبار: حدَّث عنه جماعة من شيوخنا، وأقرأ نحوًا من خمسين سنة.
وتوفي سنة خمس، ويقال سنة ست وثمانين عن بضعٍ وسبعين سنة.
190 -
محمد بن عبد اللَّه بن عبد الكريم
. الأنصاري، الطنجي.
دخل الأندلس، وسمع من أبي الحسن بن مغيث، وغيره.
وكان أديبًا شاعرًا.
ورخه الأبار.
وطنجة من أقصى المغرب.
191 -
محمد بن عبد العزيز بن إسماعيل الفقيه
، أبو عبد الله الخزرجي التلمساني، ثم المصري المالكي المعدل.
سمع أبا محمد بن رفاعة وحدث.
192 -
محمد بن عبد الملك بن علي
، أبو الكرم الهاشمي، المخرِّميّ.
سمع هبة اللَّه بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء.
روى عنه: عبد اللَّه بن أحمد الخباز، وغيره. وكتب عنه جماعة. وتوفي في جمادى الأولى.
193 -
محمد بن عبد الواحد ابن العدل أبي غالب محمد بن علي
، الفقيه أبو جعفر ابن الصباغ، البغدادي، الشافعي.
سمع أبا السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، وأبا القاسم هبة اللَّه بن الحُصين. وناب في تدريس النظامية.
سمع منه عمر بن عليّ القرشي، وسعيد بن هبة اللَّه، وغيرهما.
وتوفي في ذي الحجة وقد شاخ. فإنه ولد في سنة ثمانٍ وخمسمائة.
وتفقَّه على سعيد ابن الرزاز.
وولي القضاء بحريم دار الخلافة، فلم تُحمد سيرته وعُزل. وكانت له إجازة من ابن بيان الرزاز.
وروى عنه من المتأخرين: محمد ابن النفيس الأزجي، وغيره.
194 -
محمد بن المبارك بن محمد بن الحسين
، أبو السعادات السلمي الجُبيّ.
سمع ابن شاتيل، وأبا السعادات القزاز، وطائفة، وعني بالحديث، ولزم الحازمي، وكتب تصانيفه.
والجُبّة: قرية من قرى بغداد على طريق خراسان، وبها توفي في ذي الحجة.
وكان أبوه أحد الشيوخ الزُّهاد، كنيته أبو سعد.
195 -
محمد بن يوسف بن محمد بن قائد
. موفق الدّين الإربلي، البحراني، النحوي، الشاعر.
كان بارع الأدب، رائق الشعر، لطيف المعاني. قدم دمشق، ومدح السلطان صلاح الدّين، ومدح صاحب إربل زين الدّين يوسف ابن زين الدّين علي، إلاّ أنه اشتغل بعلم الفلاسفة.
وكان يعرف الهندسة، وألف فيها.
وكان أبوه من تجار إربل يتردد إلى البحرين، فولد له الموفّق بالبحرين.
وله:
رب دارٍ بالغضا طال بلاها عكف الدَّهرُ عليها فبكاها درست إلاَّ بقايا أسطرٍ سمح الدهر بها ثم محاها وقفت فيها الغوادي وقفةً أَلصقت حَرَّ ثراها بحشاها وبكت أطلالها نائبةً عن جفوني أحسن اللَّه جزاها كان لي فيها زمانٌ وانقضى فسقى اللَّه زماني وسقاها
196 -
المبارك بن المبارك بن المبارك
، أبو طالب الكرخي، الفقيه الشافعي، صاحب ابن الخلّ.
وكان من أئمة الشافعية، درّس، وأفتى، وكتب الخطّ المنسوب.
وسمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا بكر الأنصاري.
وكان ذا جاهٍ وقبول لكونه أدب السادة الأمراء أولاد الناصر لدين اللَّه.
درّس بالنظامية بعد أبي الخير القزويني سنة إحدى وثمانين، وتفقّه به جماعة. وكتب عنه أبو بكر الحازمي، وغيره.
وعاش اثنتين وثمانين سنة، وتوفي في ثامن ذي القعدة.
وذكره الموفق عبد اللطيف فقال: كان ربّ عِلم، وعمل، وعفاف، ونُسك، وورع. وكان ناعم العيش، يقوم على نفسه وبدنه قيامًا حكميا، رأيته يُلقي الدرس، فسمعتُ منه فصاحةً رائعة، ونغمة رائقة، فقلت: ما أفصح هذا الرجل! فقال شيخنا ابن عبيدة النحوي: كان أبوه عوّادًا، وكان هو معي في المكتب، وضرب بالعود وأجاد وتحقق فيه حتّى شهدوا له أنه في طبقة معبد، ثم أنف واشتغل بالخط، إلى أن شهدوا له أنه أكتب من ابن البواب ولا سيما في الطومار والثلث، ثم أنِف منه، واشتغل بالفقه، فصار كما ترى. وعلم ولدّي الناصر لدين اللَّه، وأصلحا مداسهُ.
197 -
مجاهد بن محمد بن مجاهد
، أبو الجيش الأندلسي.
قال الأبار: روى عن أبي عليّ الصدفي، وأبي محمد بن عتاب.
قال يعيش بن القديم: لقيته بمراكش.
وبها توفي في ذي القعدة.
198 -
محمود بن عليّ بن أبي طالب بن عبد اللَّه بن أبي الرجاء
، الأستاذ أبو طالب التميمي، الأصبهاني، الشافعي، المعروف بالقاضي، صاحب الطريقة في الخلاف.
كان من كبار الأئمة. تفقه على الإمام محمد بن يحيى صاحب الغزالي، وكان له في الوعظ اليد البيضاء، وكان ذا تفنُّن في العلوم.
تفقّه به جماعة بأصبهان، وتوفي في شوال.
وله تعليقة جمّة المعارف.
199 -
مشرف بن المؤيد بن علي
، أبو المحاسن الهمذاني، الصوفيّ، الشافعي، البزّاز، أثير الدين، المعروف بابن الحاجب.
سمع هبة اللَّه بن الفرَج ابن أخت الطويل، وأبا الفتوح الطائي. وقدم دمشق، فسمع بها من أبي المظفر الفلكي، ودخل مصر واستوطنها وسمع بها من أبي الحسن عليّ ابن بنت أبي سعد.
وقد سمع من جماعة سوى مَن ذكرنا. وحدَّث بمصر، وبها توفي في ثامن جمادى الأولى. وهو أخو جدِّ شيخنا الأبرقُوهيّ.
200 -
مُنجبُ بن عبد اللَّه
، أبو المعالي، وأبو النجاح، مولى مرشد بن يحيى المديني، المرشدي.
روى عن مولاه صحيح البخاري، وعاش قريبًا من مائة سنة. وكان ظاهر القوة يمشي في هذا السن بالقبقاب عدة فراسخ.
روى عنه جماعة منهم: ضياء الدّين عيسى بن سليمان بن رمضان، وكُتاب بنت مرتضى بن أبي الجود، والحافظ عليّ بن المفضل.
توفي في المحرم.
201 -
موسى بن جكو
، الأمير الكبير عز الدّين ابن خال السلطان صلاح الدّين.
توفي بمنزلة العسكر على عكا مُرابطًا، رحمه الله.
202 -
يزيد بن محمد بن يزيد بن رفاعة
، أبو خالد اللخميّ، الغرناطيّ. ويُعرف بابن الصفار أيضًا.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن الباذش. وسمع من أبي محمد بن عطية وابن العربي، والقاضي عياض، وأجاز له أبو محمد بن عتاب، وأبو عمران بن أبي تُليد، وطائفة.
وكان عارفًا بالقراءات والعربية، راوية جليلًا، يعقد الوثائق.
مات في المحرم، وله أربعٌ وسبعون سنة.
203 -
يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه
، الحافظ أبو يعقوب الشيرازي، ثم البغدادي، الصوفي، شيخ الصوفية بالرباط الأرجواني.
وُلد سنة تسعٍ وعشرين وخمسمائة. وسمعه أبوه من الحافظ أبي القاسم ابن السمرقندي، وأبي محمد ابن الطرّاح، وأبي الحسن بن عبد السلام، وأبي سعد أحمد بن محمد البغدادي، وعمر بن أحمد البندنيجي، والكروخي.
وسمع بنفسه من ابن ناصر، وابن الزاغوني، وهذه الطبقة.
وجال في الآفاق ما بين خُراسان، وفارس، والجزيرة، والشام، والحجاز، والجبال.
وسمع أبا الحسن بن غبرة بالكوفة، وأبا الوقت السجزي بكرمان، وعبد اللَّه بن عمر بن سليخ بالبصرة، وأحمد بن بختيار القاضي بواسط، وعبد الجليل بن أبي سعد بهراة، وأبا بكر محمد بن عليّ الطوسي، وعبد الملك بن جامع الفارسي بنيسابور، وأبا شجاع البسطامي ببلخ، وإسماعيل بن عليّ الحمامي المعمر، ومسعود الثقفي، والرستمي، وطائفة بأصبهان، ونصر بن المظفر، وشيرويه بهمذان، وعبد الواحد بن هلال بدمشق.
وصنف وخرج وكتب الكثير. وكان ثقة واسع الرحلة، جمع أربعي البلدان، فأجاد تصنيفها.
روى عنه عبد الرحمن بن عمر الواعظ، والتاج محمد بن أبي جعفر القرطبي، وأبو عبد اللَّه ابن الدُّبيثي، وآخرون.
وثّقه الدبيثي، وكتب عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: اشتغل في آخر عمره بالترسل من الديوان إلى الأطراف، وولي رباطًا ببغداد. وكان حسن المفاكهة والعشرة.
وقال ابن النجار: كان ثقة حسن المعرفة، نُفِّذ رسولًا من الديوان العزيز إلى الروم، وولي المشيخة برباط الخليفة، وصارت له ثروة، وحدّث باليسير. وتوفي في رمضان.
وفيها ولد:
الحافظ زين الدّين خالد بن يوسف بنابلس، وشرف الدّين عمر بن عبد اللَّه بن صالح السُّبكيُّ، وأبو البركات أحمد بن عبد اللَّه ابن النحاس الإسكندري، وعبد الواحد بن أبي بكر ابن الحموي.
سنة ست وثمانين وخمسمائة
204 -
أحمد بن عليّ بن أحمد
، أبو العباس المازني، النصيبي، الجابي، المعروف أبوه بالخطيب.
شيخ دمشقي. وهو والد المسلّم.
سمع عبد الكريم بن حمزة، وغيره.
وولد سنة ثمانٍ وتسعين وأربعمائة، وعاش ثمانيًا وثمانين سنة.
روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
205 -
أحمد بن عليّ بن هبة اللَّه بن المأمون
، أبو العباس ابن الزوال العباسي، المأموني، البغدادي، أحد العدول والأشراف.
قرأ القراءات على: أبي بكر ابن المزرفي. والعربية على: أبي منصور ابن الجواليقي.
وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي العز بن كادش، وبدر بن عبد اللَّه الشيحي.
وصنَّف في اللغة، وروى الكثير.
روى عنه أبو عبد اللَّه ابن الدبيثي، وغيره.
وولي قضاء دُجيل، وكان رأسًا في العربية.
ولد سنة تسعٍ وخمسمائة، وتوفي في شعبان.
أنبأني ابن البزوري أن له مصنَّفًا سماه أسرار الحروف، قال: ووقع لي جزء بخطُّه، فنقلت منه قوله:
قد كنت أركب بالخيل العتاق فما أبقى لي الدهرُ لا بغلًا ولا فرسا وكنت أنهضُ بالعبءِ الثقيل فقد أجدَّ بي الدهرُ عن نهضي به فَرَسا وكم فرستُ أسودًا عنوةً فِرَسًا وعضني الدهرُ حتّى خلته فَرِسا فآه من دهرنا أُفٍّ له فلقد أضاع حرًّا كريمًا بيننا فَرسَا مِنَ الفراسة.
206 -
أحمد بن محمد بن الحسن بن خلف
، أبو جعفر ابن برنجال الدانيّ.
سمع أباه، وأبا بكر بن أسوة القاضي.
وولي قضاء دانية.
وتوفي في جمادى الأولى، وقد شاخ.
207 -
أحمد بن محمد بن عمر
، العلامة الزاهد، زين الدّين أبو القاسم البخاري، العتابي، من محلة عتاب بُخارى.
كان من كبار الحنفية، صنَّف الجامع الكبير والزيادات وتفسير القرآن.
لازمه شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، وأخذ عنه.
ومات ببخارى. ورخه الفرضيّ.
208 -
الحسن بن هبة اللَّه بن أبي البركات
، محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسين بن صصرى. الحافظ الكبير أبو المواهب بن أبي الغنائم الربعي، التغلبي، البلدي الأصل، الدمشقي، المعدل.
ولد سنة سبعٍ وثلاثين وخمسمائة، وكان اسمه أولًا نصر اللَّه، فغيره بالحسن.
سمع بدمشق: جده أبا البركات، والفقيه نصر اللَّه بن محمد المصيصي، وعبدان بن زرين المقرئ، وعلي بن حيدرة العلوي، ونصر بن أحمد بن مقاتل، والحسين بن البُنّ الأسديّ، وأبا يَعلَى ابن الحُبُوبيّ، وأبا المظفر الفلكي، وحمزة بن كروس، وأبا الحسين هبة اللَّه بن الحسن، وأبا يعلى حمزة بن أسد التميمي، وأبا الندى حسان بن تميم، وخلقًا كثيرًا.
ولزم أبا القاسم الحافظ فأكثر عنه، وتخرج به، وعُني بها الشأن أتمّ عنايةٍ، ثم رحل فسمع بحماة: محمد بن ظَفَر الحجة، وبحلب: أبا طالب ابن العجمي، وابن ياسر الجياني، وبالموصل: الحسن بن عليّ الكعبي، وسليمان بن محمد بن خميس، ويحيى بن سعدون المقرئ، وطائفة.
وببغداد: هبة اللَّه بن الحسن الدقاق، ومحمد بن عبد الباقي ابن البطيّ، ويحيى بن ثابت، وصالح بن الرخلة، وشهدة الكاتبة، وجماعة.
وبهمذان: أبا العلاء العطار الحافظ، وبأصبهان محمد بن أحمد بن ماشاذه صاحب سليمان بن إبراهيم الحافظ، وأبا رشيد
عبد اللَّه بن عمر، وعلي بن محمد بن أحمد بن مردويه، والحافظ أبا موسى المديني، وطائفة.
وبتبريز: محمد بن أسعد العطاري حفدة، أو لقيه بالموصل.
روى عنه ولده أمين الدّين سالم.
وصنَّف التصانيف، وجمع المعجم لنفسه في ستة عشر جزءًا، وصنف فضائل الصحابة وفضائل القدس، وعوالي ابن عُيينة، وجزءًا في رباعيات التابعين. وأصيب بكتبه فإنها احترقت لما وقع الحريق بالكلاسة. ثم وقف بعد ذلك خزانةً أخرى.
وكان ثقةً متقنًا، مستقيم الطريقة، لين الجانب، سمحًا، كريمًا. رحل سنة ثمانٍ وسبعين بابنه أبي الغنائم سالم، فسمعه من ابن شاتيل وطبقته.
قال أبو عبد اللَّه الدُّبيثيّ: كان ثقة، وتوفي سنة ستٍّ وثمانين. وكتب إلينا بالإجازة.
قلت: عاش تسعًا وأربعين سنة.
209 -
الحسين بن محمد بن الحسين
، أبو عليّ الفارسي، الدارابجرديّ، المقرئ، الخوّاصّ، المؤدب.
سمع هبة اللَّه ابن الأكفاني.
روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
وتوفي في رجب.
210 -
خلف بن رافع بن رئيس المسكي
، ثم المصري.
سمع من الفقيه رسلان بن عبد اللَّه بن شعبان الشارعي، وهو والد الحافظ أبي محمد عبد الله، المعروف بابن بصيلة.
211 -
صالح بن أبي القاسم خلف بن عمر
، أبو الحسن الأنصاري، الأوسي، المالقيّ.
روى عن منصور بن الخير، وأبي الحسين ابن الطراوة.
ورحل فلقي بتلمسان أبا جعفر بن باقي، وأخذ عنه علم الكلام. ولقي بتونس عبد الرزاق
الفقيه.
وأخذ بالمهدية عن أبي عبد اللَّه المازري.
وكان متقدمًا في علم الكلام والعقليات.
روى عنه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا حَوط اللَّه.
وتوفي في رمضان وله ستٌّ وثمانون سنة.
212 -
عبد اللَّه بن عمر بن أبي بكر
. سيف الدين، أبو القاسم المقدسي، الحنبلي الفقيه، أحد الأعلام.
وُلد سنة تسعٍ وخمسين وخمسمائة بجبل قاسيون. ورحل إلى بغداد، وسمع بها الكثير، وتفقه.
قرأت أخباره بخط الحافظ الضياء، قال: اشتغل بالفقه، والخلاف، والفرائض، والنحو، وصار إمامًا، عالمًا، ذكيا، فطنًا، فصيحًا، مليح الإيراد، حتّى إنني سمعت بعض الناس يقول عن بعض الفقهاء أنه قال: ما اعترض السيف على مستدل إلا ثلم دليله. وكان يتكلم في المسألة غير مستعجلٍ بكلام فصيح من غير توقف ولا تتعتع، وكان حسن الخلق والخلق، وكان أنكر منكرًا ببغداد، فضربه الذي أنكر عليه وكسر ثنيته، ثم إنه مُكّن من ذلك الرجل، فلم يقتصّ منه.
وسافرتُ معه إلى بيت المقدس، فرأيت منه من ورعه وحُسنِ خُلقه ما تعجبت منه.
قال: وشهدنا غزاةً مع صلاح الدّين، فجاء ثلاثة فقهاء فدخلوا خيمة أصحابنا، فشرعوا في المناظرة، وكان الشيخ الموفق والبهاء حاضرين، فارتفع كلام أولئك الفقهاء، ولم يكن السيف حاضرًا، ثم حضر فشرع في المناظرة، فما كان بأسرع من أن انقطعوا من كلامه.
وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول مرة: كان أبو القاسم عبد اللَّه بن عمر فيه من الذكاء والفطنة ما يدهش أهل بغداد. كان يحفظ درس الشيخ إذا ألقي عليه من مرة أو مرتين، وكنت أنا أتعب حتّى أحفظه.
وكان ورعًا، يتعلم من العماد، ويسلك طريقه، وكان مبرزًا في علم الخلاف.
واشتغل بعلم النحو على الشيخ أبي البقاء، فحفظ كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، واشتغل بعلم العروض وصنَّف فيه تصنيفا.
قال الضياء: توفي بحران في شوال، ورثاه سليمان ابن النجيب بقوله:
على مثلِ عبد اللَّه يفترض الحزنُ وتُسفح آماقٌ ولم يغتمض جفنُ عليه بكى الدّين الحنيفي والتُّقى كما قد بكاه الفقه والذِّهنُ والحُسنُ ثوى لمثواه كلُّ فضلٍ وسؤددٍ وعلمٍ جزيلٍ ليس تحمله البُدنُ وهي بضعةٌ وستون بيتًا.
وقال فيه جبريل المصعبي المصري:
صبري لفقدك عبد اللَّه مفقودُ ووجدُ قلبي عليك الدَّهر موجودُ عدمتُ صبري لما قيل إنك في قبر بحران سيف الدّين مغمودُ نبكي عليك بشجوٍ بالدما كما تبكي التعاليقُ حزنًا والمسانيدُ وللمشايخ تعديدٌ عليك كما للطير في الرُّوح تغريدٌ وتعديدُ وهي ستة وعشرون بيتًا.
213 -
عبد الجبار بن الحسن بن عبد العزيز
، أبو الحسن القرشي، المخزومي، الفراش.
مصري قديم المولد.
سمع في الكهولة من عبد اللَّه بن رفاعة.
214 -
عبد الرحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن عليّ بن قريش
، أبو المجد المخزومي، المصري.
استشهد في جمادى الأولى بظاهر عكا.
له رواية عن السلفي.
215 -
عبد الرحمن بن محمد بن غالب
، أبو القاسم الأنصاري القرطبي المعروف بالشراط.
أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح، وأبي القاسم الحجازي، وأبي القاسم بن رضا.
وسمع من أبي القاسم بن بقي، وأبي الحسن بن مغيث، وأبي عبد اللَّه بن مكي، وأبي بكر ابن العربي، وجماعة.
وأخذ الأدب عن أبي بكر بن فندلة، وأبي الوليد بن حجاج.
قال الأبار: وكان عارفًا بالقراءات، رأسًا في تجويدها، بصيرًا
بالعربية، زاهدًا، ورعًا، صاحب ليل، أقرأ الناس القراءات والنحو، وحدث.
روى عنه ابنه غالب، وابن أخته الأستاذ أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد، وابنا حوط اللَّه، والحافظ أبو محمد القرطبي، وأبو عليّ الرندي، وأبو محمد بن عطية، وأبو الحسين ابن السراج، وأبو يحيى بن عبد الرحيم. وتوفي في ثاني جمادى الآخر، وله خمسٌ وسبعون سنة، ولم يتخلف عن جنازته كبير أحد، ودفن بمقبرة أمّ سلمة بظاهر قرطبة.
216 -
عبد الرشيد بن عبد الرزاق
. الكرجي، الصوفي، أبو محمد.
ذكره أبو شامة في تاريخه في ترجمة إبراهيم بن محمد فقال: جرت ببغداد واقعة؛ كان ببغداد عبد الرشيد، وكان ورعًا عاملًا، وكان ببغداد النفيس الصوفي يضحك منه ويسخر به، وكان يدخل على الخليفة، فدخل يومًا مدرسة دار الذهب فجعل يتمسخر، فقال له الكرجي: اتق اللَّه، نحن في بحث العلم وأنت تهزل، فدخل على الخليفة وبكى، وقال: ضربني الكرجي وعيرني، فثار الخليفة وأمر بصلبه، فأخرج وعليه ثوب ليصلبوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين. فصلى وصلبوه، فجاء أمر الخليفة لا تصلبوه وقد فات، فلعن الناس النفيس واختفى. ورأى بعض الصالحين الكرجي في النوم، فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: أوقفني بين يديه، فقلت: يا إلهي رضيت ما جرى عليّ؟ فقال: أو ما سمعت ما قلت: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} إني أردتُ أن تصل إلى درجة الشهداء.
217 -
عبد المحمود بن أحمد بن علي
، الفقيه الصالح أبو محمد الواسطي، الشافعي.
تفقه بواسط على أبي جعفر هبة اللَّه ابن البوقي.
وسمع بالكوفة من أبي العباس بن ناقة، وبالبصرة من المبارك بن محمد المواقيتي، وبمكةَ من المبارك بن عليّ الطباخ.
ودرس وأفتى، ومات كهلًا في ربيع الأول بواسط.
218 -
عبد المنعم ابن المقرئ الكبير أبي بكر يحيى بن خلف بن النفيس
، الإمام أبو الطيب الحميري، الأندلسي، الغرناطي، المقرئ، المكتب.
أخذ القراءات عن والده، وعن أبي الحسن شريح، وأبي الحسن بن ثابت الخطيب، وأبي عبد اللَّه النوالشيّ، وأبي الحسن بن هذيل، وجماعة.
وروى عن أبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن بن موهب، والقاضي عياض، وعبد الرحمن بن أحمد بن رضا، وجماعة.
ونزل مراكش مدة، فأدب بالقرآن زمانًا، وأقرأ القراءات.
قال أبو عبد اللَّه الأبار: أخذ عنه ولم يكن بالضابط لأسماء شيوخه مع رداءة خطه. وكان له حظ من العربية، ثم إنه حج وتجول في بلاد المشرق، وسكن الإسكندرية وحدث بها، وأقرأ القراءات، وسمع منه هناك الموطأ أبو الحسن بن خيرة.
قلت: وقرأ عليه القراءات أبو القاسم بن عيسى.
وسمع منه عليّ بن المفضل الحافظ، والفقيه أبو البركات محمد بن محمد البلوي.
وتوفي في ربيع الأول، ويعرف بابن الخُلوف.
219 -
عبد الواحد بن أبي الفتح بن عبد الرحمن بن عصية
، أبو محمد البغدادي، الحربي.
روى عن عبد الله بن أحمد بن يوسف، وتوفي في جمادى الأولى.
220 -
عبد الوهاب بن عبد الصمد بن محمد بن غياث
، أبو محمد الصدفي، نزيل مالقة.
سمع أبا بكر ابن العربي، وأبا الوليد بن بقوة.
وأخذ عن أبي عبد اللَّه النوالشي كثيرًا من كتب القراءات.
وولي القضاء، وحدَّث.
وقتل رحمه الله بإشبيلية في فتنة الجزيري، وصلب في هذه السنة.
221 -
عثمان بن سعادة بن غنيمة
، اللبّان المعّاز.
سمع من ابن ناصر.
222 -
عثمان بن محمد بن الحسن بن قُديرة
، أبو عمرو البغدادي، الدقاق.
حدث عن أبي البدر إبراهيم الكرخي، وغيره.
223 -
علي بن محمد بن علي
، أبو الحسن البغدادي، الضرير، المقرئ الفقيه.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وأبا القاسم ابن السمرقندي. وحدَّث.
224 -
عيسى بن محمد بن شعيب
، أبو موسى الغافقي، الورَّاق.
روى عن أبي بكر ابن العربي، وأبي الفضل بن الأعلم، وجماعة.
وكان فقيهًا، كاتبًا، شاعرًا. استوطن فاس.
وتوفي في جمادى الآخرة.
روى عنه أبو الحسن ابن القطان.
225 -
محمد بن أحمد بن عليّ بن أبي الضوء
، أبو الحارث الهاشمي، الواسطي، الضري.
سمع نصر بن نصر العُكبَري، والمبارك بن المبارك السّرّاج، وتوفي بواسط.
226 -
محمد بن جعفر بن أحمد بن حميد بن مأمون
، أبو عبد اللَّه الأموي، البلنسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن ابن هذيل، ثم رحل إلى غرناطة فأخذ القراءات عن أبي
الحسن بن ثابت الخطيب، وأبي عبد اللَّه بن أبي سحرة.
وأخذ القراءات بإشبيلية عن أبي الحسن شريح.
وسمع منهم ومن أبي جعفر بن ثعبان.
وقرأ بجيان علم العربية واللغة على: أبي بكر بن مسعود. وأقرأ العربية واللغة، وحمل الناس عنه.
وقد أجاز له أبو الحسن بن مغيث.
وسمع بالمرية: أبا محمد بن عطية.
وولي قضاء بلنسية فحمدت طريقته. ثم أوطن مرسية في آخر عمره.
وتوفي في جمادى الأولى وله ثلاثٌ وسبعون سنة.
روى عنه أبو الربيع بن سالم، وغيره.
227 -
محمد بن الحسين بن الخضر بن عبد اللَّه بن عبدان
، أبو طالب الأزدي، الدمشقي، العدل.
ولد سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
وسمع من عبد الكريم بن حمزة، وجمال الإسلام بن المسلم، وأبي الحسن عليّ بن أحمد بن قبيس، وطاهر بن سهل.
روى عنه الحافظ ابن خليل، وغيره.
وتوفي في ربيع الآخر.
• - محمد بن خلف بن صاف، مر سنة خمس.
228 -
محمد بن أبي الطيب سعيد بن أحمد بن سعيد بن عبد البر بن مجاهد
، الفقيه أبو عبد اللَّه الأنصاري، الإشبيلي، المالكي، المقرئ المعروف بابن زرقون.
ولد سنة اثنتين وخمسمائة، فأجاز له في هذه السنة أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد الخولاني، وانفرد في الدنيا بالرواية عنه.
وسمع بمراكش من أبي عمران موسى بن أبي تليد وتفرد بالسماع منه.
وسمع بسبتة من القاضي عبد اللَّه بن أحمد بن عمر القيسي الوحيدي.
وسمع أيضًا من عبد المجيد بن عيذون، وخلف بن يوسف، الأبرش، والقاضي عياض، ولزمه زمانًا.
وحدث عنهم، وعن أبي محمد بن عتاب، وحمد بن شبرين الشلبي، وأبي بحر بن العاص، وأبي الحسن شريح، وأبي مروان عبد الملك بن عبد العزيز.
وقرأ التقصي
على أبي عمران بن أبي تليد، وسمع الموطأ من القاضي عياض.
قال الأبار: وولي قضاء سبتة فشكر. وكان من سروات الرجال، فقيهًا، مبرزًا، وأديبًا كاملًا، حسن البزة، لين الجانب، صبورًا على التسميع، جمع بين جامع الترمذي ووسنن أبي داود، ورحل الناس إليه لعلو روايته. ولم يكن له سماع كثير.
قال: ولد بشريش في نصف ربيع الأول سنة اثنتين، وفي ذي قعدتها أجاز له الخولاني.
وتوفي بإشبيلية في نصف رجب.
قلت: روى عنه أحمد بن محمد النباتي ابن الرومية، وإبراهيم بن قسوم اللخمي، وأبو سليمان داود بن حوط اللَّه، ومحمد بن عبد اللَّه ابن القرطبي، ومحمد بن عبد النور الإشبيلي، ومحمد بن عامر الفهري، ومحمد بن محمد اللوشي الجياني، ومحمد بن إسماعيل بن خلفون الأويني الحافظ، ومحمد بن عبد اللَّه ابن الصفار الضرير، وعبد الغني بن محمد الغرناطي الصيدلاني، وأبو الخطاب عمر بن حسن الكلبي ابن دحية، وأخوه عثمان، وخلق كثير.
وكان مسند الأندلس في وقته.
وزرقون: هو لقب جدهم سعيد.
229 -
محمد بن عبد اللَّه بن يحيى بن فرج ابن الجد
، أبو بكر الفهري، الإشبيلي الحافظ، أصله من لبلة.
سمع أبا الحسن بن الأخضر، وبحث عليه كتاب سيبويه، وأخذ عنه كتب اللغات، وسمع صحيح مسلم من أبي القاسم الهوزني، ومن أبي الحسن شريح، وأبي بكر ابن العربي، وكان لا يحدث عنهما.
ولقي بقرطبة أبا محمد بن عتاب، وأبا الوليد بن رشد، وأبا بحر بن العاص.
وبرع في الفقه والعربية، وانتهت إليه الرياسة في الحفظ والفُتيا، وقدم للشورى مع أبي بكر ابن العربي ونظرائه، سنة إحدى وعشرين. وعظم جاهه وحرمته مع أنه امتحن في كائنة لبلة، وقيد وسجن.
وكان في وقته فقيه الأندلس، وحافظ مذهب مالك. واستفاد ثروة عظيمةً ودنيا واسعة؛ ولم يكن الحديث من شأنه، معه أن إسناده فيه عال، وإليه كانت رياسة بلده.
وكان فقيهًا، فصيحًا، خطيبًا، مفوهًا، كبير الشأن، يبلغ بالبديهة ما لا يبلغه بالرواية.
أخذ عنه جلةُ أهل الأندلس، وطال عمره، واشتهر اسمه.
وتوفي في رابع عشر شوال سنة ست وثمانين، وله تسعون سنة كاملة وأشهر.
وممن روى عنه محمد بن عبيد اللَّه الشريشي، وأبو الحسين محمد بن محمد بن سعيد بن زرقون، وأبو بكر محمد بن عليّ ابن الغزال، وأبو عليّ عمر بن محمد الشلوبين، وأبو الخطاب بن دحية، ويحيى بن أحمد السكوني، اللبلي، وخلق سواهم.
230 -
محمد بن عبد الباقي بن عبد العزيز بن عبد الباقي
، أبو الفتح الشهرياري، الفارسي الأصل، البغدادي، المعروف بالداريح.
خدم حاجبًا، ثم ولي حجبة الحجاب، ثم نقل إلى صدرية ديوان العرض، ثم خرج بالعسكر المنصور إلى دقوقا فافتتحها.
وكان نجيبًا، شهمًا، كامل السؤْدد، فولي نيابة الوزارة، وعزل قبل موته.
وتوفي في ثامن جمادى الأولى.
231 -
محمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم بن المظفر بن علي
، قاضي القضاة أبو حامد ابن قاضي القضاة، كمال الدّين أبي الفضل ابن الشهرزوري الموصلي، الفقيه الشافعي، الملقب بمحيي الدين.
كان أبوه من أميز القضاة وأحشمهم، وقد مر في سنة اثنتين وسبعين.
وتفقه هذا ببغداد على أبي منصور سعيد ابن الرزاز، ثم قدم الشام، وولي قضاء حلب بعد أن ناب في الحكم بدمشق عن أبيه، ثم بعد حلب انتقل إلى الموصل وولي قضاءها، ودرس بمدرسة أبيه، وبالمدرسة النظامية بها، وتمكن من الملك عز الدّين مسعود بن زنكي، واستولى على أموره. وكان جوادًا سريا.
قال ابن خلكان: قيل إنه أنعم في بعض رسائله إلى بغداد بعشرة آلاف
دينار أميرية على الفقهاء والأدباء والشعراء. ويقال: إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريمًا على دينارين فما دونها، بل كان يوفيهما عنه ورعا.
ولي قضاء حلب بعد عزل ابن أبي جرادة، فتمكن أيضًا من صاحبها الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدّين غاية التمكن، وفوض إليه تدبير مملكة حلب. ثم فارق حلب في سنة ثلاث وسبعين.
وتوجه رسولًا إلى الخليفة غير مرة.
ويحكى عنه رياسة ضخمة، ومكارم كثيرة، وأنشدني له بعض الأصحاب في جرادة:
لها فخِذا بِكْرٍ وساقا نعامةٍ وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعي الرمل بطنًا وأنعمت عليها جياد الخيل بالرأس والفم قلت: حدث عن عم أبيه أبي بكر محمد بن القاسم.
كتب عنه القاضي أبو عبد اللَّه محمد بن عليّ الأنصاري.
وتوفي في رابع عشر جمادى الأولى. وله اثنتان وستون سنة. ودفن بالموصل، وقيل: إنه نقل إلى المدينة النبوية، ولم يصحّ.
ومن شعره:
قامت بإثبات الصفات أدلةٌ قصمت ظهور أئمة التعطيل وطلائع التنزيه لما أقبلت هزمت ذوي التشبيه والتمثيل فالحق ما صرنا إليه جميعنا بأدلة الأخبار والتنزيل من لم يكن بالشرع مقتديًا فقد ألقاه فرط الجهل في التضليل
232 -
محمد بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن واجب
، أبو عبد اللَّه القيسي، البلنسي، المقرئ.
روى عن أبيه، وأبي العباس ابن الخلال، وأبي عبد اللَّه بن سعادة، وأبي الحسن بن النعمة، وأخذ عنه القراءات والأدب، وقد قرأ ببعض الروايات عن أبي القاسم محمد بن وضاح.
وكان موصوفًا بالتجويد والصلاح.
وتوفي في الكهولة.
233 -
محمد بن مالك بن محمد
، أبو عبد اللَّه الغافقي، المرسي.
أخذ عن أبي بكر ابن العربي. وكان بصيرًا بمذهب مالك، مقدمًا فيه،
محققًا له، ذاكرا.
234 -
محمد بن المبارك بن الحسين بن طالب
، أبو عبد اللَّه بن أبي السعود الحلاوي، الحربي، المقرئ.
شيخ معمر عتيق، لم يظهر له سماع ولا إجازة، ثم إن المحدث أحمد بن سلمان بن شريك ذكر أنه وجد له إجازات من جماعة قدماء، منهم أبو الحسين ابن الطيوري، وجعفر بن أحمد السراج، وجماعة. فازدحم عليه الطلبة، وقرؤوا عليه الكثير في زمنٍ يسير. ولم يعش بعد ظهور الإجازة إلا أربعين يومًا.
قال أبو عبد اللَّه الدبيثي: وكتب إلي تميم بن أحمد البندنيجي قال: وجدت سماع هذا الشيخ بعد موته في سنة تسعٍ وتسعين من جعفر السراج، وفي سنة ستٍّ وخمسمائة من أبي منصور عليّ بن محمد الأنباري.
وقال: مولده بمكة في جمادى الآخرة سنة أربعٍ وتسعين وأربعمائة، ومات في التاسع والعشرين من ذي القعدة، ودفن عند بشر الحافي، وله ثلاثٌ وتسعون سنة.
وقال ابن النجار: محمد ابن الحلاوي سمع أباه، وأبا الحسين محمد بن محمد ابن الفراء، وظهرت له إجازة قديمة من أبي الفضل محمد بن عبد السلام الأنصاري، والحسن بن محمد التككي، وابن الطيوري وجعفر، فأكب عليه أصحاب الحديث يقرؤون عليه، سمع منه عامة رفقائنا، وحدثونا عنه.
235 -
محمد بن أبي الليث بن أبي طالب
، أبو بكر الراذاني، الضرير، المقرئ، العراقي، المعروف بالقنين.
قرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط، ودعوان بن عليّ الجبائي، وسمع منهما، ومن محمد بن الحسين المزرفي، وأبي سعد أحمد بن محمد البغدادي، وجماعة، وأقرأ، وحدث.
وراذان ناحية من السواد كبيرة، وراذان قرية أيضًا من نواحي المدينة لها ذكر في حديث ابن مسعود.
236 -
المبارك بن أحمد بن أبي محمد
، أبو محمد الدينوري ثم البغدادي، الشروطي سبط ابن السلال.
سمع هبتي اللَّه ابن الحصين، وابن البخاري، وأبا بكر الأنصاري. سمع منه جماعة. وتوفي في ذي الحجة.
237 -
مسعود بن عليّ بن عبيد اللَّه بن النادر
، أبو الفضل البغدادي، المعدل، المقرئ، المحدث.
ولد في أول سنة ست عشرة، وسمع الكثير، وتلقن القرآن على أبي بكر محمد بن الحسين المزرفي. وقرأ ببعض الروايات على أبي محمد سبط الخياط.
وسمع أبا بكر الأنصاري، ويحيى ابن البناء، وهبة اللَّه ابن الطبر، وأبا منصور بن زريق، وأبا القاسم ابن السمرقندي، وأبا البركات الأنماطي، وجماعة كثيرة. وعني بهذا الشأن، وكتب الكثير، وكان مليح الخط، ثقة، ظريفًا صاحب نوادر.
قال الدبيثي: سمعته يقول: كتبت القرآن بخطي مائة وإحدى وعشرين مرة، منها ختمة تحت ميزاب الكعبة.
قال ابن النجار: كان ثقةً موصوفًا بالدماثة والظرف والتجمل والمزاح والدعابة. وكان خصيصًا بمنصور ابن العطار صاحب المخزن، وبطريقه صار يجالس المستضيء وينادمه.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة. وسمع منه أبو سعد ابن السمعاني، وأبو بكر الحازمي، وتقي الدّين عليّ بن المبارك بن باسويه، وتوفي في الثالث والعشرين من المحرم.
238 -
نجم الدين، الفقيه أبو العلاء ابن شرف الإسلام
أبي البركات عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج عبدالواحد بن محمد الأنصاري،
الخزرجي، السعدي، العبادي، الشيرازي، ثم الدمشقي، الحنبلي، والد الناصح.
فقيه فاضل في مذهبه، أجاز له أبو الحسن عليّ بن عبيد اللَّه بن الزاغوني، وغيره. وتوفي في الثاني والعشرين من ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون بتربتهم، وشيعه خلائق.
239 -
نصر اللَّه بن عليّ بن منصور
، أبو الفتح ابن الكيال الواسطي، المقرئ، الفقيه الحنفي، قارئ واسط.
أخذ العشرة عن أبي القاسم عليّ بن عليّ بن شيران، ورحل إلى بغداد فقرأ القراءات على: أبي عبد اللَّه الحسين البارع، وإبراهيم بن محمد الهيتي القاضي.
وتفقه وقرأ الخلاف وناظر ودرس.
وأخذ النحو عن أبي السعادات هبة اللَّه ابن الشجري، وابن الجواليقي، وسمع من أبي عليّ الفارقيّ، وهبة اللَّه بن الحصين، وجماعة.
وولي قضاء البصرة سنة خمسٍ وسبعين، ثم قدم بغداد فأقرأ بها، وكان غزير الفضل، واسع العلم، ثم ولي قضاء واسط، وعاد إلى وطنه.
ولد سنة اثنتين وخمسمائة، وتوفي في جمادى الآخرة عن أربعٍ وثمانين سنة.
وكان عالي الإسناد في القراءات.
روى عنه أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي، ومحمد بن سعيد الحافظ، وعبد الوهاب بن بزغش، وآخرون.
قال محمد بن سعيد الدبيثي: قرأت عليه بالروايات، وسمعت منه الكثير، وكان ثقة صدوقًا.
قلت: وقرأ عليه بكتابه المفيدة في العشر: ابن الدُّبيثي وأبو بكر محمد بن محمود بن محمد بن حمزة الناسخ الأزجي.
وسمع منه الكتاب: هما، والمرجى بن شقيرة، وأبو طالب بن عبد السميع، وعلي بن مسعود بن هياب الجماجمي، وعمر بن عبد الواحد العطار الواسطيون.
240 -
هبة الله بن الحسين
، أبو المكارم المصري، الفقيه.
ذكره: أبو عبد اللَّه الأبار في تاريخه فقال: كان من أهم العلم، عارفًا بالأصول، حافظًا للحديث، متيقظًا، حسن الصورة والشارة. دخل الأندلس، وولي قضاء إشبيلية سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وبه صرف أبو القاسم الخولاني. وأقام بها سنةً. وكان قدومه الأندلس خوفًا من صلاح الدّين، قدم في قوم من شيعة العبيدي ملك مصر، ثم استصحبه المنصور معه في غزوة قفصة الثانية، وولاه قضاء تونس، وولى صاحبه أبا الوفاء المصري القضاء، توفي أبو المكارم على قضاء تونس سنة ستٍّ هذه.
241 -
يحيى بن محمد بن أحمد
، أبو بكر الأنصاري، القرطبي، عُرف بالأركشي.
حَمل عن أبي إسحاق بن خفاجة ديوانه، وسمع من أبي الطاهر التميمي، وعباد بن سرحان، وأبي بكر ابن العربي.
وكان أديبًا، بليغًا، كاتبًا، شاعرًا.
قُتل بقرطبة في داره وله إحدى وثمانون سنة.
روى عنه أبو سليمان بن حوط اللَّه.
242 -
يوسف، زين الدّين أبو يعقوب ابن زين الدّين عليّ كوجك
بن يلتكين، صاحب إربل.
وليها بعد والده إلى أن مات، وولي بعده ولده فغلب على البلد أخوه مظفر الدين.
وكانت وفاته بظاهر عكا مرابطًا في شوال.
وفيها وُلد:
العز حسن بن محمد الضرير المتكلم، وأبو موسى عبد اللَّه بن علاق، والمعين أحمد ابن القاضي زين الدين، والجمال عبد الرحمن بن سليمان البغدادي، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري، وإسماعيل بن عبد اللَّه ابن قاضي اليمن.
سنة سبع وثمانين وخمسمائة
243 -
أحمد بن أبي طاهر
، إسحاق ابن العلامة أبي منصور ابن الجواليقي النحوي.
توفي شابا، وله سماع من أبي بكر ابن الزاغوني وأبي الوقت.
244 -
أحمد بن سالم
، أبو العباس البرجوني، الواسطي المقرئ.
شيخ معمر، ولد سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة.
وسمع من أبي عليّ الحسن بن إبراهيم الفارقي.
روى عنه عليّ بن المبارك البرجوني ابن باسويه، وعليه تلّقن القرآن كله.
245 -
أحمد بن محمد بن أبي الحسن عليّ بن هبة اللَّه بن عبد السلام
، أبو الغنائم البغدادي الكاتب، أخو أبي منصور عبد اللَّه.
سمع أبا عليّ ابن المهدي، وأبا القاسم بن الحصين، وأبا الحسن بن عبد السلام.
استشهد ببغداد في سادس عشر المحرم، قتله غلامه لأجل سحت الدنيا.
كتب عنه عمر بن علي، وغيره.
وعاش ثلاثا وثمانين سنة.
246 -
أحمد بن أبي السعادات المبارك بن الحسين بن عبد الوهاب بن الحسين بن نغوبا
، أبو الفرج الواسطي.
ولد سنة خمسمائة، وحدَّث عن خميس بن عليّ الحوزي الحافظ، والفضل بن الحسين بن تركان، وأبي تغلب محمد بن عجيف، وغيرهم.
ونغوبا: لقب لجده، لقب باسم ضيعةٍ كان يكثر المضيّ إليها.
توفي في ربيع الأول.
وقال يوسف بن خليل: روى جزء الأنصاري عن أبي سعيد محمد بن حماد العميد، عن البرمكي سماعًا.
247 -
أحمد بن منصور بن أحمد بن عبد اللَّه
، أبو العباس الكازروني.
قدم بغداد، وسمع أبا محمد سبط الخياط، وأبا عبد الله ابن السلال، وأبا بكر أحمد بن الأشقر، وجماعة.
وكتب أكثر مسموعاته، وتفقه مدةً على مذهب الشافعي. ثمّ وليّ قضاء كازرون، ثمّ قدم بعد مدةٍ رسولًا من أمير شيراز، وحدَّث.
روى عنه أبو عبد الله الدُّبيثيّ فقال: سمعت منه مشيخته في سبعة أجزاء جمعها لنفسه، وقال لي: ولدت سنة ستّ عشرة وخمسمائة.
وتوفي في جمادى الأولى بشيراز.
وقد حفظ أبو العباس هذا جملة كتبٍ في اللغة والعربية.
248 -
أحمد بن أبي محمد بن أبي القاسم
، أبو الرضا، الرجل الصالح المقرئ النجاد.
من شيوخ بغداد.
سمع عبد الوهاب الأنماطي، وأبا الحسن بن عبد السلام، وغيرهما.
ويُعرف بابن العودي.
قرأ القراءات على سبط الخياط. وكان ناسخًا.
249 -
إبراهيم بن بركة بن إبراهيم بن طاقويه
، أبو إسحاق الأزجي البيّع.
ولد سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وقرأ ببعض الروايات على أبي بكر المزرفي، وأبي الفضل الإسكاف.
وسمع أبا العزّ بن كادش، وزاهر بن طاهر،
وابن الحصين، وجماعة.
روى عنه أبو بكر الحازمي، وأبو عبد الله الدُّبيثيّ، ويوسف بن خليل.
ولم يكن بالمرضيّ في دينه.
توفي في ذي القعدة.
قال ابن النجار: كان يشرب الخمر.
250 -
إسحاق بن هبة اللَّه
، أبو طاهر الأشنانبرتي الضرير المقرئ، ويسمى أحمد.
من سواد العراق.
قرأ بالروايات على: هبة اللَّه ابن الطبر، وسبط الخياط.
وسمع من عليّ بن عبد السيد، وغيره.
وسكن دمشق وأقرأ بها. وكان صالحًا، مجودًا، مقرئًا.
سمع منه أبو المواهب بن صصرى، والخضر بن عبدان.
حدث في هذه السنة.
251 -
أسعد بن إلياس بن جرجس
. المطران موفق الدّين الطبيب، طبيب السّلطان صلاح الدّين، وشيخ الأطباء بالشام.
وكان من أهل الظَّرافة والنظافة، ومن ذوي الفصاحة والحصافة.
وفَّقه اللَّه في بدايته للإسلام، ونال الحشمة والاحترام، وتوفي في ربيع الأول.
وكان مع براعته في الطب عارفًا بالعربية، ذكيا، كثير الاشتغال، له تصانيف، وكان مليح الصورة، سمحًا، جوادًا، نبيلًا، يركب في مماليك تركٍ حتّى كأنه وزير، ويتيه ويحمق، وقد اشتغل على مهذَب الدّين ابن النقاش.
ويُقال: إنه من عُجبه وبأوِهِ عمل أنابيب بركة قاعته ذهبًا. وزوجه السّلطان بواحدة من حظاياه.
وخلف من الكتب نحوًا من عشرة آلاف مجلدة. وأجلّ تلامذته المهذب عبد الرحيم بن عليّ الدخوار.
252 -
أسعد بن نصر بن أسعد
، أبو منصور ابن العبرتي الشاعر.
أخذ الأدب عن أبي محمد ابن الخشاب، وغيره.
توفي في رمضان.
253 -
إقبال بن المبارك بن محمد بن الحسن
، أبو جعفر العكبري، الواسطي، المعدل.
سمع عليّ بن عليّ بن شيران، وأبا عليّ الفارقي، وأبا عبد الله محمد بن عليّ الجلابي، وغيرهم.
وحدَّث، وتوفي في خامس رمضان.
254 -
الحسين بن حمزة بن الحسين بن حبيش
، البهراني، الحبشي، الحموي، القضاعي، الشافعي، قاضي حماة، أمين الدولة، أبو القاسم.
أحد الكرماء الأجواد، كان يضيف الخاص والعام، وكان السّلطان صلاح الدّين يكرمه ويُجله، وكان لا يقبل برَّ أحدٍ، نقلت هذا من تعاليق البرزالي، وأنه مات سنة سبعٍ، في ترجمة العدل كمال الدّين عبد الوهاب ابن القاضي محيي الدّين حمزة بن محمد قاضي القضاة بحماة أبي القاسم هذا.
قلت: ومن أولاده خطيب دمشق موفق الدّين محمد بن محمد بن المفضل بن محمد بن عبد المنعم بن أبي القاسم.
255 -
الحسين بن يوحن بن أبويه
، الباوريّ.
شيخ صالح توفي بأصبهان.
يروي عن أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر.
في السنة الآتية، والأظهر أنه توفي في هذا العام.
256 -
سليمان بن جندر
، الأمير الكبير علم الدّين صاحب عزاز، وبغراس، أحد الأمراء الكبار.
له مواقف مشهودة في جهاد الفرنج.
توفي في أواخر ذي الحجة بقرية غباغب.
257 -
صالح الزناتي
، أبو الحسن الإشبيلي العابد، أحد الأولياء.
ذكره أبو عبد الله الأبار في تاريخه، فقال: زاهد عابد لم يتشبث من الدنيا بقليل ولا كثير، ولا شاهده أحد يبتاع شيئًا، ولا يطبخ قدرًا. وكان يأوي إلى مسجد. شيع جنازته أمم لا يحصون.
258 -
عبد الله بن عبد الحق
، القاضي أبو محمد الأندلسي الأنصاري.
ولي قضاء إشبيلية.
قال الأبار: كان جزلًا، صارمًا، صليبًا في الحق، ذا سطوةٍ مرهوبةٍ، وأحكامٍ محمودةٍ.
259 -
عبد الله بن عبد القادر بن أبي صالح
، أبو عبد الرحمن الجيلي.
كان أكبر ولد الشيخ؛ ولد سنة ثمانٍ وخمسمائة. وسمع هبة الله بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء.
ويقال: إنه حدث ولم يكن مشتغلًا بالعلم.
توفي في صفر.
260 -
عبد الله بن مسعود بن عبد الله بن أبي يعلى
، أبو القاسم الشيرازي، ثم البغدادي، الخياط.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا البركات عبد الله بن أحمد البيع. وحدث، وتوفي في المحرم.
روى عنه أبو الحسن القطيعي.
261 -
عبد الحق بن عبد الملك بن بونه بن سعيد
، أبو محمد المالقي، العبدري، المعروف بابن البيطار، نزيل مدينة المنكب بالأندلس.
شيخ معمر، يروي عنه أبيه أبي مروان، وأبي محمد بن عتاب، وأبي بحر بن العاص، وغالب بن عطية، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي الحسن بن
مغيث، وطائفة. وأجاز له أبو علي بن سكرة.
قال أبو عبد الله الأبار: كان عالي الإسناد، صحيح السماع، اعتنى به أبوه وسمعه صغيرًا، ورحل به إلى قرطبة فأورثه نباهة، وأخذ عنه جماعة من شيوخنا، وقرأت بخط ابن سالم أنه توفي في آخر سنة سبعٍ وثمانين.
وقال ابن حوط الله: توفي يوم الأضحى سنة ست وثمانين، وكان مولده في سنة أربعٍ وخمسمائة.
قلت: روى عنه جماعة كابن دحية، وغيره.
وقال ابن فرتون: حدثنا عنه هانئ بن هانئ، وابنا حوط الله، وأبو الربيع بن سالم، وغيرهم.
ومن روايته عن اثنين عن أبي بكر عن أبي الفضل الجوهري، قال:
يا خرب القلب عامر الوطن عشت وغرتك صحةُ البدنِ لا أنت قصرت في القبيح ولا سترت بعض القبيح بالحسنِ لو كنت ممن تكفه وعظة كفك ذكرُ الحنوط والكفنِ
262 -
عبد الرحمن بن علي بن المسلم بن الحسين
، الفقيه أبو محمد اللخمي، الدمشقي، الخرقي، الفقيه الشافعي.
ولد في نصف شعبان سنة تسعٍ وتسعين وأربعمائة، وسمع أبا الحسن علي ابن الموازيني، وعبد الكريم بن حمزة، وعلي بن أحمد بن قبيس، وأبا الحسن بن المسلم الفقيه، وطاهر بن سهل الإسفراييني، والحسين بن حمزة الشعيري، ونصر الله المصيصي الفقيه، وجماعة.
روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، ويوسف بن خليل، وخطيب مردا، وإبراهيم بن خليل، وعبد الرحمن بن سلطان الحنفي، وأبو الثناء محمود بن نصر الله ابن البعلبكي، ومحمد بن سعد الكاتب، وأحمد بن عبد الدائم، وطائفة سواهم.
ونقلت من خط عمر بن الحاجب، قال: حكى ابن نقطة عن ابن الأنماطي أن الخرقي روى نسخة أبي مسهر بقوله، ولم يوجد له بها سماع، إنما
سمعت عليه بقوله، عن ابن الموازيني.
قال ابن الحاجب: وكان فقيهًا، عدلًا، صالحًا، يقرأ كل يومٍ وليلةٍ ختمة.
توفي في ذي القعدة.
وأنبأني أبو حامد ابن الصابوني أن أبا محمد ابن الخرقي أعاد مدة بالأمينية لجمال الإسلام أبي الحسن السلمي، وكان من جلة العدول بدمشق، وأضر في الآخر وأقعد، فاحتاج ليلةًً إلى الوضوء، ولم يكن عنده في البيت أحد. فذكر عنه أنه قال: فبينا أنا أتفكر إذا بنورِ من السماء دخل البيت، فبصرت بالماء فتوضأت، حدث بذلك بعض إخوانه، وأوصاه أن لا يخبر بها إلا بعد موته.
263 -
عبد الرحمن بن محمد بن مغاور
، الفقيه أبو بكر السلمي، الشاطبي الكاتب.
ولد في سنة اثنتين وخمسمائة.
وسمع من أبيه محمد بن مغاور بن الحكم، وأبي علي الحسين بن محمد الصدفي ابن سُكرة، وهو آخر من سمع منه.
وأخذ صحيح البخاري عن أبي جعفر أحمد بن علي بن غزلون صاحب أبي الوليد الباجي.
وسمع أيضًا من أحمد بن عبد الرحمن بن جحدر الأنصاري، الشاطبي.
قال الأبار: وكان بقية مشيخة الكتاب والأدباء والمشاهير، مع الثقة والكرم، بليغًا مفوهًا، مدركًا، له حظ وافرٌ من قرض الشعر وصدق اللهجة، طال عُمره وعلت روايته.
وتوفي في صفر.
حدث بشاطبة، فروى عنه أبو القاسم الطيب المرسي، وقال: هو رئيس البلاغة، وابنا حوط الله، وهانئ بن هانئ، وأبو الربيع بن سالم.
264 -
عبد المنعم بن أبي البركات
، عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد، أبو المعالي الصاعدي الفُراوي الأصل، النيسابوري.
ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة في ربيع الأول.
وسمع من جده، وعبد الغفار بن محمد الشيرويي، وأبي نصر عبد الرحيم ابن القشيري، وأبي
الفضل العباس بن أحمد بن محمد الشقاني، وأبي الحسن ظريف بن محمد الحيري، وجماعة.
وحج في أواخر عمره، وحدث بالحرمين وبغداد. وتفرد عن أقرانه، وكان أسند أهل خُراسان.
روى عنه مُكرم بن مسعود الفقيه، والإمام شمس الدين أحمد بن عبد الواحد والد الفخر ابن البخاري، والتقي علي بن باسويه، وأبو عبد الله محمد بن عمر القرطبي المقرئ، وأبو محمد عبد الله بن عبد الجبار الأموي، وأبو عبد الله الدبيثي، والنفيس محمد بن رواحة، والتاج محمد بن أبي جعفر، وآخرون.
وهو من بيت الرواية والإسناد العالي هو وابنه منصور، وأبوه، وجده، وأبو جده، وحفيده محمد بن منصور.
وفراوة: بالضم والفتح، بُليدة مما يلي خوارزم.
قدم منها أبو مسعود الفضل فسكن نيسابور.
توفي عبد المنعم في أواخر شعبان بنيسابور، وله تسعون سنة.
265 -
علي بن أبي السعادات بن علي بن منصور
، أبو الحسن الهاشمي، البغدادي، الخراط.
شيخ معمر، سمع جزء ابن عرفة من أبي القاسم بن بيان.
روى عنه سعيد بن المبارك، وأبو بكر الخباز.
وتوفي في صفر.
266 -
عمر ابن الأمير نور الدين شاهنشاه ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي
، الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وأبو ملوكها.
كان بطلًا شجاعًا له مواقف مشهودة في قتال الفرنج مع عمه السلطان صلاح الدين، وكان يحبه، وهو الذي أعطاه حماة. وقد استنابه على مصر مدة، وأعطاه المعرة، وسليمة، وكفر طاب، وميافارقين، ثم أعطاه في العام الماضي حران والرها بعد ابن صاحب إربل، فأذن له السلطان في السفر إلى تلك البلاد
ليقرر قواعدها، فسار إليها وإلى ميافارقين في سبعمائة فارس، وكان عالي الهمة، فقصد مدينة حاني فحاصرها وافتتحها، فلما سمع الملك بكتمر صاحب خلاط سار لقتاله في أربعة آلاف فارس فالتقوا، فلم يثبت عسكر خلاط وانهزموا، فساق تقي الدين وراءهم، وأخذ قلعة لبكتمر، ونازل خلاط وحاصرها، فلم ينل غرضًا لقلة عسكره، فرحل. ونازل منازكرد مدة. وله أفعال بر بمصر والفيوم.
وسمع بالإسكندرية من السفلي، والفقيه إسماعيل بن عوف، وروى شيئًا من شعره.
توفي على منازكرد محاصرًا لها، وهي من عمل أرمينية في طريق خلاط، في تاسع عشر رمضان، ونقل إلى حماة فدفن بها. وكان فيه عدل وكرم ورياسة.
ثم فوض السلطان حماة، والمعرة، وسليمة إلى ولده الملك المنصور ناصر الدين محمد.
وكان تقي الدين قد حدث نفسه بتملك الديار المصرية، فلم يتم له، وعوفي عمه صلاح الدين، وطلبه إلى الشام، فامتنع واستوحش، وهم باللحوق بمملوكيه قراقوش وبوزبا اللذين استوليا على برقة وأطراف المغرب، وتجهز للمسير، ثم سار إليه الفقيه عيسى الهكاري الأمير، وكان مهيبًا مطاعًا، فثنى عزمه، وأخرجه إلى الشام، فأحسن إليه عمه السلطان وأكرمه وداراه، وأعطاه عدة بلاد.
قال ابن واصل: كان الملك المظفر عمر شجاعًا جوادًا، شديد البأس، عظيم الهيبة، ركنًا من أركان البيت الأيوبي. وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن، أصيب السلطان صلاح الدين بموته؛ لأنه كان من أعظم أعوانه على الشدائد. وتملك حران والرها بعده العادل سيف الدين.
267 -
غياث بن هياب بن غياث بن الحسين
، أبو الفضل البصري، ثم المصري، المعروف بالأنطاكي.
سمع عبد الله بن رفاعة.
روى عنه أبو الطاهر إسماعيل ابن الأنماطي.
وغياث وهياب بالتشديد.
268 -
فضالة بن نصر الله بن جواس
، أبو المكارم العرضي.
سمع بدمشق من أبي الفتح نصر الله المصيصي.
وحدث.
روى عنه محمد وإسماعيل ابنا أبي جعفر.
269 -
الفضل بن أبي المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد
، أبو الفضائل الأصبهاني، الصيدلاني.
روى عن أبي علي الحداد، وغيره.
روى عنه الحافظان أبو بكر الحازمي، وأبو نزار ربيعة اليمني.
توفي في الحادي والعشرين من جُمادى الآخرة.
وكان مُكثرًا. وهو أخو عبد الواحد.
270 -
قزل أرسلان أخو البهلوان محمد بن إلدكز
.
ولي أذربيجان، وأران، وهمذان، وأصبهان، والري بع أخيه، وقد كان سار إلى أصبهان والفتن بها متصلة بين المذاهب، وقد قتل خلق، فقبض على جماعة من الشافعية فصلب بعضهم، وعاد إلى همذان، وخطب لنفسه بالسلطنة.
وكان فيه كرم وعدل وحلم في الجملة.
وقتل ليلةً على فراشه غيلة، ولم يُعرف قاتله، وذلك في شعبان. قاله ابن الأثير.
271 -
محمد بن إبراهيم بن محمد بن وضاح
، أبو القاسم اللخمي، الغرناطي.
أخذ القراءات عن أبي الحسين بن هُذيل.
وحج فأخذ القراءات بمكة عن أبي علي ابن العرجاء سنة سبعٍ وأربعين.
وحج ثلاث حجج. ودخل بغداد، ثم رد واستوطن جزيرة واستوطن جزيرة شُقر خطيبًا ومقرئًا بلا معلوم. وكان زاهدًا قانتًا واحدًا في وقته، يُشار إليه بإجابة
الدعوة، أخذ عنه ابنه أبو بكر محمد بن محمد، وأبو عبد الله بن سعادة.
272 -
محمد بن أحمد بن سلطان
، أبو الفضل الواسطي، الغرافي.
حدث عن أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي.
والغراف: من سواد واسط.
273 -
محمد بن أحمد بن عبد الله
، أبو عبد الله الجمدي، والجمد: قرية بدجيل.
سكن بغداد، وسمع من أبي البدر الكرخي، وعبد الوهاب ابن الأنماطي، وسعد الخير الأندلسي، وطائفة.
روى عنه محمد بن خالد الحربي.
وكان صالحًا خيرًا، مُجاورًا بجامع الرصافة.
274 -
محمد بن الحسن بن محمد
، أبو عبد الله الراذاني، ثم البغدادي.
كان من أولاد المشايخ.
سمع أبا بكر الأنصاري، وأبا القاسم ابن السمرقندي.
سمع منه محمد بن محمود ابن المعز الحراني، وغيره.
وتوفي في جمادى الأولى.
275 -
محمد بن عبد الكريم ابن شيخ الشيوخ إسماعيل بن أبي سعد
. النيسابوري، الصوفي.
صحب جده، وسمع منه، ومن أبي الفتح عبد الملك الكروخي، وأبي الوقت السجزي.
وتوفي في جمادى الآخرة.
حدث بدمشق فسمع منه أحمد بن عثمان بن أبي الحديد الدمشقي، ومحمد بن محمد ابن المروزي.
276 -
محمد ابن الوزير أبي طالب علي بن أحمد بن علي
، أبو المحاسن السميرمي، الأصبهاني، الملقب بالعضد.
قدم بغداد مع والده، فسمع من أبي البركات هبة الله ابن البخاري، وهبة الله بن الحصين، فقتل أبوه ببغداد سنة ست عشرة، وحُمل في تابوت، وسار معه ولده هذا إلى أصبهان. ثم إنه قدم في دولة المقتفي والمستنجد ومدحهما، وخدم في الديوان، ثم عاد إلى أصبهان، ومضى إلى أذربيجان، وخدم السلطان داود، وتولى الكتابة والإنشاء له، ثم عاد إلى أصبهان وتزهد وتعبد، وأقبل على شأنه.
وقد سمع بأصبهان من غانم بن خالد، ومن إسماعيل الحافظ. وكتب كتبًا كثيرة بخطه المليح. وله شعرٌ رائق. وترجل له قاضي أصبهان مرةً، فرآه وسرجه بالحرير، فأنكر عليه وعنفه.
توفي في رمضان سنة سبعٍ وثمانين هذه.
277 -
محمد بن عمر بن لاجين
. ابن أُخت السلطان صلاح الدين، الأمير حسام الدين.
توفي في تاسع عشر رمضان في الليلة التي توفي في صبيحتها صاحب حماة تقي الدين، فحزن عليهما السلطان.
ودفن حسام الدين في التربة الحسامية المنسوبة إليه من بناء والدته ست الشام، وهي في الشامية الكبرى بظاهر دمشق.
وقيل اسمه عمر بن لاجين.
278 -
محمد بن محمد، أبو القاسم الأنصاري القرطبي الفقيه
، قاضي مالقة.
روى عن أبي القاسم بن رضا، وأبي جعفر بن الباذش. وعاش ثمانين سنة.
279 -
محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن
. نجم الدين أبو البركات الخُبوشاني، الصوفي، الفقيه الشافعي.
قال القاضي شمس الدين: كان فقيهًا ورعًا، تفقه بنيسابور على محمد بن يحيى، وكان يستحضر كتابه المحيط حتى قيل إنه عُدم الكتاب فأملاه من خاطره. وله كتاب تحقيق المحيط وهو في ستة عشر مجلدًا رأيته.
وقال الحافظ المنذري: كان مولده بأستوا بخبوشان في رجب سنة عشر وخمسمائة، وحدث عن أبي الأسعد هبة الرحمن القشيري.
وقدم مصر سنة خمس وستين فأقام بالمسجد المعروف به بالقاهرة على باب الجوانية مدةً، ثم تحول إلى تربة الشافعي رحمه الله، وتبتل لعمارة التربة المذكورة والمدرسة، ودرس بها مدة طويلة، وأفتى، ووضع في المذهب كتابًا مشهورًا.
وخُبُوشان قرية من أعمال نيسابور.
وقال القاضي ابن خلكان: كان السلطان صلاح الدين يقربه ويعتقد في علمه ودينه، وعمر له المدرسة المجاورة لضريح الشافعي، ورأيتُ جماعةً من أصحابه، وكانوا يصفون فضله ودينه، وأنه كان سليم الباطن.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان فقيهًا صوفيًا، سكن خانقاه السُميساطي بدمشق، وكانت له معرفة بنجم الدين أيوب، وبأسد الدين أخيه. وكان قشفًا في العيش، يابسًا في الدين، وكان يقول بملء فيه: أصعد إلى مصر وأُزيل ملك بني عُبيد اليهودي. فلما صعد أسد الدين صعِد ونزل بمسجد، وصرح بثلب أهل القصر، وجعل تسبيحه سبهم، فحاروا في أمره، فأرسلوا إليه بمالٍ عظيم، قيل: مبلغه أربعة آلاف دينار، فلما وقع نظره على رسولهم وهو بالزي
المعروف، نهض إليه بأشد غضب وقال: ويلك ما هذه البدعة؟ وكان الرجل قد زور في نفسه كلامًا لطيفا يلاطفه به، فأعجله عن ذلك، فرمى الدنانير بين يديه، فضربه على رأسه، فصارت عمامته حلقًا في عنقه، وأنزله من السلم وهو يرمي بالدنانير على رأسه، ويلعن أهل القصر.
ثم إن العاضد توفي، وتهيب صلاح الدين أن يخطب لبني العباس خوفًا من الشيعة، فوقف الخُبوشاني قُدام المنبر بعصاه، وأمر الخطيب أن يذكر بني العباس، ففعل، ولم يكن إلا الخير. ووصل الخبر إلى بغداد، فزينوا بغداد وبالغوا، وأظهروا من الفرح فوق الوصف.
ثم إن الخُبُوشاني أخذ في بناء ضريح الشافعي، وكان مدفونًا عنده ابن الكيزاني، رجلٌ ينسب إلى التشبيه، وله أتباع كثيرون من الشارع.
قلت: بالغ الموفق، فإن هذا رجلٌ سُني يلعن المشبهة، توفي في حدود الستين وخمسمائة.
قال: فقال الخبوشاني: لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد. وجعل ينبش ويرمي عظامه وعظام الموتى الذين حوله، فشد الحنابلة عليه وتألبوا، وصار بينهم حملات حربية، وزحفات إفرنجية، إلى أن غلبهم وبنى القبر والمدرسة، ودرس بها. وكان يركب الحمار، ويجعل تحته أكسية لئلا يصل إليه عرقُه. وجاء الملك العزيز إلى زيارته وصافحه، فاستدعى بماءٍ وغسل يده وقال: يا ولدي إنك تمسك العنان، ولا يتوقى الغلمان عليه. فقال: اغسل وجهك، فإنك بعد المصافحة لمست وجهك. فقال: نعم. وغسل وجهه.
وكان أصحابه يتلاعبون به، ويأكلون الدنيا بسببه، ولا يسمع فيهم قولًا، وهم عنده معصومون.
وكان متى رأى ذميًا راكبًا قصد قتله، فكانوا يتحامونه، وإنه ظفر بواحد منهم، فوكزه بالمقرعة، فأندر عينه وذهبت هدرًا. وكان هذا طبيبًا يُعرف بابن شوعة؛ وكان صلاح الدين لما توجه إلى الفرنج نوبة الرملة خرج في عسكرٍ كثيفٍ فيهم أربعة عشر ألف فارس من مزيحي العلل، وجاء إلى وداعه، فالتمس منه أن يُسقط رسومًا لا يمكن إسقاطها، فساء عليه خُلُقه وقال: قم لا نصرك الله، ووكزه بعصا، فوقعت قلنسوته عن رأسه. فوجم لها، ثم نهض
متوجهًا إلى الحرب، فكُسر وأُسر كثير من أصحابه، فظن أن ذلك بدعوة الشيخ، فجاء وقبل يديه، وسأله العفو.
وكان تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين له مواضع يباعُ فيها المزرُ. فكتب ورقةً إلى صلاح الدين فيها: إن هذا عمر لا جبره الله يبيع المزر. فسيرها إلى عمر وقال: لا طاقة لنا بهذا الشيخ فأرضه. فركب إليه، فقال له حاجبه ابن السلار: قف بباب المدرسة وأسبقك. فأُوطئ لك. فدخل وقال: إن تقي الدين يسلم عليك. فقال: لا تقل تقي الدين بل شقي الدين لا سلم الله عليه.
قال: إنه يعتذر ويقول: ليس لي موضع يباع فيه المزر. فقال: يكذب. فقال: إن كان هناك موضع مزرٍ فأرناه. فقال: ادنُ. وأمسك ذؤابتيه وجعل يلطم على رأسه وخديه ويقول: لست مزارًا فأعرف مواضع المزر، فخلصوه من يده، فخرج إلى تقي الدين وقال: سلمتُ وفديتك بنفسي.
وعاش هذا الشيخ عُمره لم يأخذ درهمًا من مال الملوك، ولا أكل من وقف المدرسة لقمةً، ودُفن في الكساء الذي صحبه من خُبوشان. وكان بمصر رجل تاجر من بلده يأكل من ماله. وكان قليل الرزء، ليس له نصيب في لذات الدنيا.
ودخل يومًا القاضي الفاضل لزيارة الشافعي، فوجده يُلقي الدرس على كُرسي ضيق، فجلس على طرفه وجنبه إلى القبر، فصاح به: قم قم ظهرك إلى الإمام. فقال: إن كنتُ مستدبره بقالبي فأنا مستقبله بقلبي، فصاح فيه أخرى وقال: ما تعبدنا بهذا. فخرج وهو لا يعقل.
توفي في ذي القعدة.
280 -
محمود بن محمد بن الحسين
، الفقيه أبو القاسم القزويني، الشافعي، الواعظ.
ولد سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وحدث بمصر عن أبي شجاع عمر بن محمد البسطامي، وأبي القاسم ابن عساكر، والسلفي.
ودرس بمشهد الحسين مدةً. ووعظ.
وتوفي في صفر.
281 -
نور العين بنت أبي بكر بن أحمد بن أبي الليات الحربية البغدادية
.
أجاز لها شجاع الذهلي، وأبو طالب بن يوسف، وعبيد الله بن نصر الزاغوني.
روت بالإجازة.
وتوفيت في رجب.
282 -
يحيى بن حبش بن أميرك
. الشهاب السهروردي، الفيلسوف.
شابٌ فاضل، متكلم، مناظر، يتوقد ذكاء.
ذكره ابن أبي أُصيبعة فقال: اسمه عمر. كان أوحد في العلوم الحكمية، جامعًا لفنون الفلسفة، بارعًا في أصول الفقه، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، لم يناظر أحدًا إلا أربى عليه، وكان علمه أكثر من عقله.
قال فخر الدين المارديني: ما أذكى هذا الشاب وأفصحه إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره تلافه.
ثم إن الشهاب السهروردي قدم الشام فناظر فُقهاء حلب، ولم يُجاره أحدٌ، فاستحضره الملك الظاهر، وعقد له مجلسًا، فبان فضله، وبهر علمه، وحسن موقعه عند السلطان، وقربه، واختص به، فشنعوا عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيروها إلى السلطان صلاح الدين، وخوفوه من أن يفسد اعتقاد ولده، وزادوا عليه أشياء كثيرة، فبعث إلى ولده الملك الظاهر بخط القاضي الفاضل يقول فيه: لا بد من قتله، ولا سبيل إلى أن يُطلق ولا يُبقى بوجه. فلما لم يبق إلا قتله اختار هو لنفسه أن يترك في بيتٍ حتى يموت جوعًا، ففُعل به ذلك في أواخر سنة ست وثمانين بقلعة حلب. وعاش ستًا وثلاثين سنة.
حكى ابن أبي أُصيبعة هذا الفصل عن السديد محمود بن زقيقة. ثم قال: وحدثني الحكيم إبراهيم بن صدقة أنه اجتمع مع الشهاب هو وجماعة، وخرج من باب الفرج إلى الميادين، فجرى ذكر السيمياء، فمشى قليلًا وقال: ما أحسن دمشق وهذه المواضع. فنظرنا فإذا من ناحية الشرق جواسق مبيضة كبيرة مزخرفة، وفي طاقاتها نساء كالأقمار ومغاني، وغير ذلك فتعجبنا وانذهلنا فبقينا ساعةً، وعُدنا إلى ما كنا نعرفه، إلا أني عند رؤية ذلك بقيت
أحس من نفسي كأني في سنة خفية، ولم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني.
وحدثني بعض فقهاء العجم قال: كنا مع شهاب الدين عند القابون، فقلنا: يا مولانا، نريد رأس غنم. فأعطانا عشرة دراهم، فاشترينا رأسًا، ثم تنازعنا نحن والتركماني، فقال الشيخ: روحوا بالرأس وأنا أُرضيه، فتقدمنا، ثم تبعنا الشيخ، فقال التركماني: أعطني رحلي وأرضني. وهو لا يرد فجاء التركماني، وجذب يد الشيخ وقال: كيف تروح وتخليني؟ فإذا بيد الشيخ قد انخلعت من كتفه، وبقيت في يد التركماني، ودمها يشخب. فتحير التركماني، ورماها وهرب، فأخذ الشيخ تلك اليد بيده الأخرى، فلما صار معنا رأينا في يده منديله لا غير.
وقال الضياء صقر: في سنة تسع وسبعين قدم إلى حلب شهاب الدين عمر السهروردي، ونزل في مدرسة الحلاوية، ومدرسها الافتخار الهاشمي، فحضر وبحث وهو لابس دلق، وله إبريق وعكاز. فأخرج له افتخار الدين ثوب عتابي، وبقيارا، وغلالة، ولباسا، وبعثها مع ولده إليه. فسكت عنه، ثم قال: ضع هذا واقضِ لي حاجة. وأخرج فص بلخش كالبيضة، ما ملك أحدٌ مثله وقال: نادِ لي عليه وعرفني. فجاب خمسة وعشرين ألفًا. فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي، فدفع فيه ثلاثين ألفًا. فنزل وشاور، فأتاه ابن الافتخار وعرفه، فتألم وصعُب عليه، وأخذ الفص جعله على حجر، وضربه بحجرٍ آخر فتته، وقال: يا ولدي، خُذ هذه الثياب، وقبل يد والدك، وقُل له: لو أردنا الملبوس ما غُلبنا عليه. فراح إلى أبيه، وعرفه فبقي متحيرًا.
وأما السلطان فطلب العريف وقال: أريد الفص. فقال: هو لابن الشريف الافتخار. فركب السلطان، ونزل إلى المدرسة، وقعد في الإيوان وكلمه، فقال السلطان: إن صدق حدسي فهذا الشهاب السهروردي. ثم قام واجتمع به، وأخذه معه إلى القلعة، وصار له شأنٌ عظيم، وبحث مع الفقهاء وعجزهم، واستطال على أهل حلب، وصار يكلمهم كلام من هو أعلى منهم قدرًا، فتعصبوا عليه، وأفتوا في دمه حتى قُتل.
وقيل: إن الملك الظاهر سير إليه من خنقه، ثم بعد مدةٍ نقم على الذين أفتوا في دمه، وحبس جماعةً وأهانهم وصادرهم.
حدثني السديد محمود بن زقيقة قال: كان السهروردي لا يلتفت إلى ما يلبسه، ولا يحتفل بأمور الدنيا. كنتُ أتمشى أنا وهو في جامع ميافارقين وعليه جبة قصيرة زرقاء، وعلى رأسه فوطة، وفي رجليه زربول، كأنه خربندا.
وللشهاب شعر رائق حسن، وله مصنفات منها كتاب التلويحات اللوحية والعرشية، وكتاب اللمحة، وكتاب هياكل النور، وكتاب المعارج وكتاب المطارحات، وكتاب حكمة الإشراق.
قلت: سائر كتبه فلسفة وإلحاد. نسأل الله السلامة في الدين.
قُتل سنة سبعٍ وثمانين.
وذكره في حرف الياء ابن خلكان، فسماه كما ذكرنا، وأنه قرأ الحكمة والأصول على مجد الدين الجيلي شيخ الفخر الرازي بمراغة، وقال: كان شافعي المذهب، وله في النظم والنثر أشياء، ولقبوه المؤيد بالملكوت.
قال: وكان يتهم بانحلال العقيدة والتعطيل، ويعتمد مذهب الحكماء المتقدمين؛ اشتهر ذلك عنه، وأفتى علماء حلب بإباحة دمه. وكان أشدهم عليه زين الدين، ومجد الدين ابني جهبل.
ابن خلكان قال: قال السيف الآمدي: اجتمعت بالسهروردي بحلب، فرأيته كثير العلم، قليل العقل. قال لي: لا بُد أن أملك الأرض. رأيت كأني قد شربت ماء البحر. فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم وما يناسب هذا، فرأيته لا يرجع. ولما أن تحقق هلاكه قال:
أرى قدمي أراق دمي وهان دمي فها ندمي قال ابن خلكان: حبسه الملك الظاهر، ثم خنقه في خامس رجب سنة سبع.
وقال بهاء الدين ابن شداد: قتل ثم صُلب أيامًا.
وقال: أُخرج السهروردي ميتًا في سلخ سنة سبعٍ من الحبس، فتفرق عنه أصحابه.
وقد قرأتُ بخط كاتب ابن وداعة أن شيخنا محيي الدين ابن النحاس
حدثه قال: حدثني جدي موفق الدين يعيش النحوي، أن السهروردي لما تكلموا فيه قال له تلميذ: قد كثروا القول بأنك تقول النبوة مكتسبة، فانزح بنا.
فقال: اصبر علي أيامًا حتى نأكل البطيخ ونروح، فإن بي طرفًا من السل، وهو يوافقه.
ثم خرج إلى قرية دوبران الخشاب، وبها محفرة تراب الراس، وبها بطيخ مليح، فأقام بها عشرة أيام، فجاء يومًا إلى المحفرة، وحفر في أسفلها، فطلع له حصى، فأخذه ودهنه بدهنٍ معه، ولفه في قطنٍ وتحمله في وسطه ووسط أصحابه أيامًا. ثم أحضر بعض من يحك الجوهر، فحكه فظهر كله ياقوتًا أحمر، فباع منه ووهب. ولما قُتل وُجد منه شيء في وسطه.
283 -
يحيى بن غالب بن أحمد بن غالب
، أبو القاسم البغدادي الحربي.
سمع عبد الله بن أحمد بن يوسف.
وأجاز له شجاع الذُهلي، وأحمد بن الحسين بن قريش.
وحدث.
وتوفي في شعبان.
284 -
يحيى بن محمد بن يحيى بن أبي إسحاق
، أبو بكر الأنصاري الأندلسي اللريي، من أهل لرية.
أخذ القراءات عن أبيه، وسمع منه، ومن ابن هُذيل.
وأجاز له أبو عبد الله بن سعيد الداني، والسلفي.
وتصدر للإقراء. وخلف أباه جاريًا على مهيعه.
سمع منه محمد بن عياد كثيرًا، وأخذ عنه القراءات أبو عبد الله بن هاجر.
وسمع منه في هذه السنة أبو عبد الله بن غبرة.
285 -
يحيى بن أبي القاسم مقبل بن أحمد بن بركة بن الصدر
، أبو طاهر البغدادي الحريمي، المعروف بابن الأبيض.
ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة.
وسمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا بكر الأنصاري. وحدث.
توفي في ذي القعدة.
286 -
يحيى بن هبة الله بن فضل الله بن محمد
، أبو الحسن ابن النخاس، بخاء معجمة، الواسطي الغرافي.
حدث عن أبي علي الفارقي، وأبي الحسن بن عبد السلام.
توفي في رابع شوال.
وكان أبوه أبو المعالي قاضيًا بالغراف.
287 -
يعقوب بن يوسف بن عمر بن الحسين
، أبو محمد الحربي، المقرئ.
قرأ القراءات على الحسين بن محمد البارع، ومحمد بن الحسين المزرفي، وغيرهما.
وسمع من ابن الحصين، وابن كادش، وأبي الحسين ابن الفراء، وجماعة.
وأقرأ الناس القراءات، وكان مبرزًا في معرفتها، قيمًا بها، ثقةً، مُسنًا.
روى عنه البهاء عبد الرحمن، وقال: سمعنا عليه، وعلى عبد المغيث مسند الإمام أحمد.
وروى عنه أبو عبد الله الدبيثي؛ وأجاز للزين ابن عبد الدائم، وغيره.
وتوفي في شوال عن سن عالية.
وعنه أيضاً: عبد الرحمن بن يوسف بن الكل.
288 -
يوسف بن الحسن بن أبي البقاء بن الحسن
، أبو محمد العاقولي الأصل، البغدادي المأموني المقرئ.
ولد سنة عشرٍ وخمسمائة. وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي بكر بن عبد الباقي، وأبي منصور القزاز، وجماعة.
وكتب الكثير.
قال ابن الدبيثي، كتبتُ عنه، وما أعلم من أمره إلا خيرًا. وتوفي في صفر.
وقال ابن النجار: كان صالحًا متدينًا، إلا أنه لم يكن يعرف شيئًا من علم الحديث، وهو كثير الغلط.
289 -
يوسف الأندلسي الشبربري الزاهد
، أبو الحجاج تلميذ أبي عبد الله بن المجاهد.
مشهور بالزهد والعبادة، وله في ذلك أخبار وأحوال.
وعاش نحوًا من ثمانين سنة.
توفي في هذه السنة ظنًا.
290 -
أبو القاسم بن حُبيش البهراني الحموي الفقيه الشافعي
، قاضي القضاة بحماة، أمين الدين.
قال القاضي ابن واصل: توفي في حادي عشر رمضان.
قال: وكان رئيسًا جوادًا، عظيم القدر بحماة، مشهورًا عند الملوك.
قلت: هو من أجداد شيخنا موفق الدين الحموي خطيب دمشق.
وفيها ولد:
العماد أبو جعفر محمد ابن السهروردي، والمجد محمد بن إسماعيل ابن عساكر، والنجيب عبد اللطيف بن الصيقل، والنصير بن تمام رئيس المؤذنين، ونجم الدين مظفر بن محمد بن إلياس ابن الشيرجي، والأمير يعقوب ابن المعتمد العادلي.
سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة
291 -
أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد
، الفقيه أبو العباس العراقي الحنبلي المقرئ الملقن بجامع دمشق تحت النسر.
سمع محمد بن عبد الله بن سهلون السبط، وأبا الفتح الكروخي، وسعد الخير الأنصاري، وجماعة.
وهو والد الرشيد إسماعيل الراوي بالإجازة عن السلفي.
روى عنه الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة.
ذكر زكي الدين المنذري: أنه توفي في هذه السنة.
وقال الضياء محمد: توفي في جمادى الأولى سنة ست وسبعين، فوهم.
وذكره الشيخ الموفق فقال: إمام في السنة داعية إليها، إمام في القراءة، كان يقرئ تحت النسر، وكان دينًا يقول شعرًا حسنًا. وشرح عبادات الخرقي بالشعر.
وقال ابن النجار: قرأ القرآن على سبط الخياط، وسمع بدمشق في سنة إحدى وخمسين أيضًا من محمد بن أحمد بن أبي الحوافر البعلبكي.
وروى عنه أيضاً: يوسف بن خليل، ومحمد بن طرخان.
وقال ابن خليل: قرأ القرآن بالقراءات على أبي محمد، وغيره. وكان شيخًا فاضلًا، متفننًا، طيب المحاضرة.
توفي سنة ثمانٍ.
292 -
أحمد بن محمد بن خلف
، أبو القاسم الكلاعي، الإشبيلي الفقيه، المعروف بالحوفي.
سمع صحيح البخاري من أبي الحسن شريح، وأبي بكر ابن العربي. وولي قضاء إشبيلية مرتين. وكان مشكورًا في الأحكام، فرضيًا.
293 -
إبراهيم بن إسماعيل بن سعيد بن أبي بكر
. الفقيه، الأخباري أبو إسحاق الهاشمي، العباسي، المصري، إمام مسجد الزبير.
من فضلاء المالكية.
حدث عن أبي القاسم ابن عساكر بمصر.
وألف تاريخًا في أمراء مصر إلى أيام صلاح الدين، وجمع مجاميع. وله كتاب البُغية والاغتباط فيمن سكن الفسطاط، وكتاب في الوعظ. وله نظم.
توفي في ربيع الأول وله ثلاثٌ وسبعون سنة.
294 -
إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم
، أبو الفضل الجنزوي الأصل، الدمشقي المولد والدار، الفقيه الشافعي الشروطي، الكاتب المعدل، الفرضي. ويقال فيه أيضًا: الجنزي.
ولد في ربيع الأول سنة ثمانٍ وتسعين وأربعمائة، وتفقه على جمال الإسلام أبي الحسن بن المسلم، وأبي الفتح نصر الله المصيصي، وسمع منهما ومن الأمين هبة الله ابن الأكفاني، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل، وعلي بن قبيس، ويحيى بن بطريق، وأبي بكر محمد بن القاسم الشهرزوري، وطبقتهم بدمشق.
ورحل فسمع أبا البركات هبة الله ابن البخاري، وأبا محمد عبد الله ابن السمرقندي، وأبا علي الحسن بن إسحاق الباقرحي، وأبا الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني، وأبا نصر أحمد بن محمد الطوسي، وأبا القاسم هبة الله الحريري، وأبا بكر الأنصاري، وطائفة كبيرة ببغداد، وبالأنبار.
كتب عنه عمر بن علي القرشي، وأبو المواهب بن صصرى، وأبو محمد القاسم ابن الحافظ، وعبد العزيز بن الأخضر، وعبد القادر الرهاوي، ومحمد بن عبد الواحد، ويوسف بن خليل؛ الحفاظ، والشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، والتاج ابن أبي جعفر، وإبراهيم بن خليل، وعبد الله بن الخُشوعي، والعماد عبد الحميد بن عبد الهادي، والزين أحمد بن عبد الدائم.
وجنزة من مدن أران، وإقليم أران بين أذربيجان وأرمينية.
كان يشهد على باب الجامع، وكان بصيرًا بكتابة الشروط، نبيهًا في الحديث، ذا عناية بسماعه وروايته.
تُوفي في سلخ جمادى الأولى.
ورحل إلى بغداد مرات، وعمر تسعين سنة.
295 -
الحسن ابن الإمام أبي جعفر هبة الله بن يحيى بن أبي نعيم الحسن بن أحمد
، الفقيه أبو علي الواسطي الشافعي المعدل، المعروف بابن البوقي.
ولد سنة ثلاثٍ وعشرين وخمسمائة.
وتفقه على أبيه، وبرع في المذهب.
وسمع من أبي الكرم نصر الله بن محمد بن مخلد، وأبي عبد الله محمد بن علي الجُلابي، وسعد بن عبد الكريم الغندجاني.
وسمع ببغداد من الوزير أبي المظفر بن هُبيرة، وأبي الفتح ابن البطي، وجماعة.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي وقال: كان إليه الفتوى بواسط. وتوفي في سادس شعبان.
296 -
الحسين بن يوحن بن أبويه بن النعمان
، أبو عبد الله الباوري اليمني. وباور جزيرة في البحر باليمن.
سمع ببغداد أبا الفضل محمد بن عمر الأرموي، وابن ناصر، وابن الزاغوني.
ودخل أصبهان وسكنها، وسمع بها من أبي الخير الباغبان، ومسعود الثقفي، وجماعة.
ثم قدم بغداد، وسمع ولديه: الحسن وعليًا من شهدة.
سمع منه عبد الله االجبائي، وعلي بن يعيش القواريري. وكان صالحًا صوفيًا، كتب الكثير.
كان الشيخ عبد الرزاق الجيلي يثني عليه كثيرًا.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وغيره.
قال ابن النجار: توفي سنة ثمان وثمانين بأصبهان، وقد نيف على الثمانين.
297 -
خالد بن محمد بن نصر بن صغير
. الرئيس موفق الدين أبو البقاء ابن الأديب البارع أبي عبد الله، المخزومي، الخالدي، الحلبي، ابن القيسراني، الكاتب، وزير السلطان نور الدين.
كان صدرًا نبيلًا، وافر الجلالة، بارع الكتابة، يكتب الخط المحقق كتابة ينفرد بها.
بعثه نور الدين رسولًا إلى الديار المصرية، فسمع من عبد الله بن رفاعة، والسلفي.
وسمع بدمشق من ابن عساكر.
وحدث بحلب؛ روى عنه الموفق يعيش النحوي، وغيره.
ومات في جمادى الآخرة بحلب.
298 -
زينب ست الناس
، وتدعى مباركة، بنت الشيخ أبي الفتح عبد الوهاب بن محمد الصابوني، الخفاف، الحنبلي.
سمعها أبوها من هبة الله بن الحصين، وقراتكين بن الأسعد، وأحمد ابن البناء.
روى عنها ابنها عمر بن كرم الدينوري، والحسن بن محمد بن حمدون.
وتوفيت في ذي القعدة. وهي أخت عبد الخالق.
299 -
ست الدار بنت عبد الرحمن بن علي بن الأشقر الحربية
.
روت عن أبيها، وعبد الله بن أحمد بن يوسف.
300 -
سعد السعود بن أحمد بن هشام بن إدريس
، أبو الوليد الأموي الأندلسي اللبلي. ويعرف بابن عفير.
روى عن أبي الحسن شريح، وأبي محمد بن كوثر، وأبي الحسن بن مؤمن، وأبي العباس بن أبي مروان واختص به ولزمه. وسمع من جماعة آخرين.
قال الأبار: وكان فقيهًا ظاهريًا، محدثًا، نظارًا، أديبًا، شاعرًا. حدث عنه ابنه أبو أمية إسماعيل، وأبو العباس النباتي، وأبو عبد الله بن خلفون. وتوفي في ذي القعدة بقرية برجلانة من قرى لبلة. وعاش خمسًا وسبعين سنة.
301 -
طاهر بن مكارم بن أحمد بن سعد
، أبو منصور الموصلي، القلانسي، المؤدب، البقال.
سمع مسند المعافى بن أبي القاسم نصر بن أحمد بن صفوان في سنة
اثنتي عشرة وخمسمائة.
روى عنه أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير، والحافظ ابن خليل، وغيرهما.
توفي في رابع رمضان بالموصل.
302 -
عبد السلام بن علي بن عبد العزيز بن علي بن قريش
، القاضي الوجيه أبو المعالي القرشي، المخزومي، المصري الكاتب.
توفي بالقدس ودفن به.
كتب للملك العادل مدة.
303 -
عبد الواحد بن علي ابن القدوة أبي عبد الله محمد بن حمويه
، أبو سعد الجويني، البحيراباذي الشافعي الصوفي.
ولد سنة تسعٍ وعشرين وخمسمائة.
وسمع من وجيه الشحامي. وببغداد من أبي الوقت. وبهمذان من شهردار بن شيرويه، وأبي الفضل أحمد بن سعد.
وحدث ببغداد، ومكة، ودمشق.
روى عنه علي بن المفضل الحافظ، والتاج ابن أبي جعفر، وآخرون. وتوفي بالري.
وممن روى عنه ابن أخته تاج الدين عبد السلام، وأبو طاهر الحسن بن أحمد التميمي.
ووهم من قال: إنه توفي سنة خمسٍ وثمانين. وقد ذكر أبو حامد ابن الصابوني أن سنة ثمانٍ وهم أيضًا، وقال: فإن شيخنا أبا طاهر التميمي سمع منه مشيخة وجيه في المحرم سنة تسع وثمانين.
304 -
عبد الوهاب بن الحسن بن علي
، أبو الفتح ابن الكتاني، الواسطي.
روى عن الحسن بن محمد ابن السوادي، وخميس بن علي الحوزي الواسطيين.
مات في صفر.
305 -
عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي ياسر عبد الوهاب بن علي بن أبي حبة
، أبو ياسر الدقاق الطحان البغدادي.
سمع الكثير من هبة الله بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وأبي الحسين ابن الفراء، وهبة الله ابن الطبر، ومحمد بن الحسين المزرفي، وزاهر الشحامي، وخلق كثير.
وروى الكثير، وحدث بمسند أحمد بحران. وكان فقيرًا قانعًا.
قال ابن النجار: كان لا بأس به، صبورًا على فقره.
وقال ابن الدبيثي: كان فقيرا، صبورا، صحيح السماع، ولد سنة ست عشرة وخمسمائة، وأدركه أجله بحران في الحادي والعشرين من ربيع الأول.
قلت: حدث ببغداد والموصل وحران.
وأبو حبة: بباء موحدة.
روى عنه البهاء عبد الرحمن، وعبد العزيز بن محمد بن صديق.
306 -
عبيد الله بن أحمد بن علي بن علي بن السمين
، أبو جعفر بن أبي المعالي البغدادي.
من أولاد المحدثين.
سمع هبة الله بن أحمد الحريري، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وعبد الرحمن بن محمد الشيباني، وعبد الله بن أحمد اليوسفي، وعبد الملك الكروخي، وطائفة سواهم.
وكتب بخطه الكثير لنفسه وللناس.
وخرج، وحدث ببغداد والموصل. وولد سنة ثلاثٍ وعشرين وخمسمائة.
قال أبو الحسن القطيعي: كتبتُ عنه، وكان ثقة من أهل التقشف والصلاح. كتب الكثير، وأكل من كسب يده.
قلت: وروى عنه الإمام أبو عمرو بن الصلاح.
وتوفي في رمضان.
307 -
عرفة بن علي بن أبي الفضل
، أبو المعالي ابن البقلي المقرئ، الزاهد.
شيخ عابد منقطع في مسجده، يلقن القرآن.
روى عن أبي نصر الحسن بن محمد اليونارتي، وجماعة.
روى عنه محمد بن مقبل.
وعاش تسعًا وثمانين سنة.
308 -
علي بن أحمد ابن صاحب القلاع الهكارية أبي الهيجاء بن عبد الله بن المرزبان بن عبد الله
، الأمير الكبير، مقدم الجيوش، سيف الدين الهكاري المشطوب.
ولي نيابة عكا، ثم أقطعه السلطان، صلاح الدين القدس. وخلص من الفرنج الذين أسروه من عكا قبل موته بنحوٍ من ستة أشهر.
ولم يكن في أمراء الدولة أحدٌ يُدانيه حشمةً وجلالة. وكان يُلقب بالأمير الكبير. ولما استفك من الأسر وصل إلى السلطان وهو بالقدس في جمادى الآخرة.
قال ابن شداد: دخل على السلطان بغتةً وعنده أخوه العادل، فنهض له واعتنقه، وسر به سرورًا عظيمًا، وأخلى المكان، وتحدث معه طويلًا.
قلت: وقيل: إن خبزه كان يعمل ثلاثمائة ألف دينار. وقيل: إنه استفك نفسه من الفرنج بخمسين ألف دينار، وجاء فأعطاه السلطان نابلس، فظلم أهلها قليلًا، فشكوه إلى السلطان، فعتب عليه. ثم مات عن قريب.
وأقطع السلطان ولده عماد الدين أحمد ابن سيف الدين المشطوب ثلث بلد نابلس.
وأما سيف الدين فتوفي بالقدس في شوال. وكان ابنه عماد الدين ابن المشطوب من كبار أمراء الدولة الكاملية.
309 -
علي بن أحمد بن محمد الحديثي
، أخو قاضي القضاة روح.
سمع قاضي المرستان، وعبد الرحمن القزاز، وبدرا الشيحي.
وعنه يوسف بن خليل، وغيره.
مات في ربيع الآخر.
310 -
علي بن مرتضى بن علي بن محمد
، الداعي الشريف الأجل أبو الحسن ابن الشريف أبي الحسين المرتضى الحسيني، الأصبهاني الأصل، البغدادي، الفقيه الحنفي، المعروف بالأمير السيد.
ولد سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وتفقه وحدث عن أبي سعد أحمد بن محمد البغدادي. ودرس مدة.
وكان من سراة الناس وأعيانهم.
روى عنه عمر بن علي القرشي، وغيره.
311 -
عون بن عبد الواحد بن شُنيف البغدادي الرجل الصالح
.
روى عن أبي بكر الأنصاري، وغيره.
وكان عارفًا بالفرائض.
312 -
فارس بن أبي القاسم بن فارس بن أبي سعد
، أبو محمد الحربي الحفار، الشيخ الصالح.
ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وسمع علي بن محمد بن أبي البدر يعلى الكوفي، وأحمد بن الحسين بن قريش، ومحمد بن محمد ابن المهدي، وهبة الله بن الحصين، وجماعة.
وهو آخر من سمع من ابن قريش.
روى عنه يوسف بن خليل، وغيره.
وتوفي في شوال.
313 -
قاسم بن إبراهيم بن عبد الله
، أبو إبراهيم المقدسي، ثم المصري الشافعي الشيخ الصالح.
ولد في حدود سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وسمع من علي بن إبراهيم بن صولة، وعبد الغني بن طاهر الزعفراني، وابن رفاعة الفرضي.
روى عنه علي بن المفضل الحافظ، وأبو نزار ربيعة اليمني، ومحمد بن عبد الله بن مزيبل، وأبو محمد عبد المحسن بن عبد العزيز المخزومي ابن
الصيرفي، وعثمان بن مكي الشارعي، وعبد الغني بن بنين، وآخرون.
توفي في ثالث عشر المحرم.
314 -
قُراجا، الأمير أبو منصور الصلاحي، أمير الإسكندرية.
دفن بداره بالإسكندرية في جمادى الأولى.
وسمع من أبي طاهر السلفي.
315 -
قلج أرسلان
بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قُتُلمش بن إسرائيل بن سلجوق بن دُقاق التركماني، السلطان عز الدين.
• - وقيل: والد قتلمش هو رسلان بن بيغو بن سلجوق، وقيل: قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق بن دقاق. فبيغو بالعربي هو إسرائيل - السلجوقي ملك الروم.
كان فيه عدل وحسن سياسة، وسداد رأي.
طالت أيامه. وهو والد الجهة السلجوقية زوجة الناصر لدين الله.
وتسلطن بعده ولده السلطان غياث الدين كيخسرو.
وقيل إنه قتل. وهو من السلاطين السلجوقية، وكان قد قوي عليه أولاده، حتى لم يبق له معهم إلا مجرد الاسم، لكونه شاخ.
توفي بقونية في منتصف شعبان.
ورخه ابن الأثير، وقال: كان له من البلاد قونية، وأقصرا، وسيواس، وملطية. وكانت مدة ملكه تسعًا وعشرين سنة. وكان ذا سياسة، وعدل، وهيبة عظيمة، وغزوات كثيرة في الروم. ولما كبر فرق بلاده على أولاده، فحجر عليه ابنه قطب الدين، فهرب إلى ابنه الآخر، فتبرم به. ثم أكرمه ولده كيخسرو وسار في خدمته. وندم هو على تفريق بلاده على أولاده.
وكان ملكه بضعًا وثلاثين سنة.
316 -
محمد بن أسعد بن علي بن معمر
بن عمر بن علي بن الحسين بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد الجواني بن عبيد الله بن حُسين بن زين العابدين علي بن الحسين، الشريف
النسابة أبو علي ابن الشريف الأجل أبي البركات العلوي الحسيني، العُبيدلي الجواني المصري.
ولد سنة خمسٍ وعشرين وخمسمائة، وقرأ على والده، وعلى الفقيه عبد الرحمن بن الحسين بن الجباب، وعبد المنعم بن موهوب الواعظ، ومحمد بن إبراهيم ابن الكيزاني.
وحدث عن عبد الله بن رفاعة، والسلفي.
قال الحافظ عبد العظيم: حدثنا عنه غير واحد. وولي نقابة الأشراف مدة بمصر، وذكر أنه صنف كتاب طبقات الطالبيين، وكتاب تاج الأنساب ومنهاج الصواب، وغير ذلك.
وكان علامة النسب في عصره. أخذ ذلك عن ثقة الدولة أبي الحسين يحيى بن محمد بن حيدرة الحسيني الأرقطي.
ومحمد هذا منسوب إلى الجوانية، وهي من عمل المدينة من جهة الفرع.
ذكر أن السلطان صلاح الدين وقع لأبي علي بربعها وأنه وكل عليها من يستغلها له.
قلت: روى عنه يونس بن محمد الفارقي هذه القصيدة التي مدح بها القاضي أبا سعد بن عصرون، ومنها:
هتفت فمادت بالفروع غصون وبكت فجادت بالدموع عيون مرحت بها قضب الأراكة فانثنى غصنٌ يميسُ بها وماد غصون ما لي وما للهاتفات ترنمًا يصبو لهن فؤادي المحزون وهي قصيدة طويلة.
317 -
محمد بن إسماعيل بن عُبيد الله بن ودعة
، الفقيه أبو عبد الله بن البقال البغدادي الشافعي، معيد النظامية.
كان بارعًا في المذهب والخلاف، واخترمته المنية شابًا.
318 -
محمد ابن الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن هذيل
، الشيخ أبو عبد الله البلنسي.
سمع من أبيه، وأبي عبد الله بن سعيد، وأبي الوليد ابن الدباغ.
وحج سنة تسع وثلاثين فسمع من السلفي.
أخذ عنه أبو عمر بن عياد، وابناه محمد وأحمد، وأبو الربيع بن سالم الكلاعي، وأبو بكر بن محرز، وغيرهم.
قال الأبار: وكان في غاية الصلاح والورع، وله حظ من علم التعبير. عاش تسعًا وستين سنة.
319 -
محمد بن علي بن شهراشوب بن أبي نصر
، أبو جعفر السروري، المازندراني، رشيد الدين الشيعي، أحد شيوخ الشيعة، لا بارك الله فيهم.
قال ابن أبي طيئ في تاريخه: نشأ في العلم والدراسة وحفظ القرآن وله ثمان سنين. واشتغل بالحديث، ولقي الرجال، ثم تفقه وبلغ النهاية في فقه أهل البيت، ونبغ في علم الأصول حتى صار رجله. ثم تقدم في علم القرآن؛ القراءات، والغريب، والتفسير، والنحو، وركب المنبر للوعظ. ونفقت سوقه عند الخاصة والعامة. وكان مقبول الصورة، مستعذب الألفاظ، مليح الغوص على المعاني.
حدثني قال: صار لي سوقٌ بمازندران حتى خافني صاحبها، فأنفذ يأمرني بالخروج عن بلاده، فصرت إلى بغداد في أيام المقتفي، ووعظت، فعظمت منزلتي واستدعيت، وخلع علي، وناظرت، واستظهرت على خصومي، فلقبت برشيد الدين، وكنت أُلقب بعز الدين. ثم خرجت إلى الموصل، ثم أتيت حلب.
قال: وكان نزوله على والدي فأكرمه، وزوجه ببنت أخته، فربيت في حجره، وغذاني من علمه، وبصرني في ديني.
وكان إمام عصره، وواحد دهره. وكان الغالب عليه علم القرآن والحديث، كشف وشرح، وميز الرجال، وحقق طريق طالبي الإسناد، وأبان مراسيل الأحاديث من الآحاد، وأوضح المفترق من المتفق، والمؤتلف من المختلف، والسابق من اللاحق، والفصل من الوصل، وفرق بين رجال الخاصة ورجال العامة.
قلت: يعني بالخاصة الشيعة، وبالعامة السنة.
حدثني أبي قال: ما زال أصحابنا بحلب لا يعرفون الفرق بين ابن بطة – بالضم - الشيعي من ابن بطة الحنبلي، حتى قدم الرشيد فقال: ابن بطة الحنبلي بالفتح، والشيعي بضمها. وكان رحمه الله عند أصحابنا بمنزلة الخطيب للعامة، وكيحيى بن معين في معرفة الرجال. وقد عارض كل علم من علوم العامة بمثله، وبرز عليهم بأشياء حسنة لم يصلوا إليها. وكان بهي المنظر، حسن الوجه والشيبة، صدوق اللهجة، مليح المحاورة، واسع العلم، كثير الفنون، كثير الخشوع والعبادة والتهجد، لا يجلس إلا على وضوء.
توفي ليلة سادس عشر شعبان سنة ثمانٍ وثمانين، ودفن بجبل جوشن عند مشهد الحسين.
320 -
محمود بن محمد بن كرم
، أبو المجد البغدادي، الضرير، المقرئ.
روى عن أبي غالب ابن البناء. روى عنه عبد الله بن أحمد الخباز.
توفي في شهر رجب.
321 -
نصر بن منصور بن الحسن بن جوشن بن منصور بن حميد
، الأمير أبو المرهف النميري الشاعر المشهور.
من أولاد أمراء العرب، وأمه بنة بنت سالم بن مالك بن بدران بن مقلد بن مسيب العقيلي.
ولد بالرافقة سنة إحدى وخمسمائة، ونشأ بالشام، وخالط أهل الأدب، وقال الشعر الفائق وهو مراهق. وأصابه جدري وله أربع عشرة سنة، فضعف بصره، فكان لا يبصر إلا شيئًا قريبًا منه. ثم وقع الاختلاف بين عشيرته بعد موت والده، واختل أمرهم. فسار إلى بغداد طامعًا في مداواة عينيه، فآيسه الأطباء من ذلك، فاشتغل بالقرآن فحفظه، وتفقه على مذهب أحمد، وقرأ العربية على أبي منصور ابن الجواليقي.
وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي بكر الأنصاري، ويحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وعبد الوهاب الأنماطي.
وقوض ما تبقى من بصره من ألمٍ أصابه، وصحب الصالحين والأخيار،
ومدح الخلفاء والوزراء.
وكان فصيح القول، حسن المعاني، وفيه دين وتسنن.
روى عنه عثمان بن مقبل، والبهاء عبد الرحمن، ويوسف بن خليل، ومحمد بن سعيد الدبيثي، وعلي بن يوسف الحمامي، وآخرون.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي: منع الوزير ابن هبيرة الشعراء من إنشاد الشعر بمجلسه، فكتب النميري إليه قصيدة، فكتب الوزير عليها: هذا لو كان الشعراء كلهم مثله في دينه وقوله لم يمنعوا، وإنما يقولون ما لا يحل الإقرار عليه، وهو فالصديق، وما يذكره يوقف عليه، ورسومه تزاد.
قلت: وفي ديوانه عدة قصائد مدح بها المقتفي لأمر الله، فمن ذلك:
جوًى بين أثناء الحشاء ما يزايلُه ودمعٌ إذا كفكفته لج هامله يضيق لبُعد النازلين على الشرى بمرفض دمع العين مني سائلُه وهل أنسين الحي من آل جندلِ تجاوب ليلًا بُزله وصواهلُه تُبوئهُ الثغر المخُوف محله طوالُ ردينياته ومناصلُه وتقتنص الأعداء جهرًا رجالُه كما اقتنصت حر باز شهب أجادلُه وكنت أرى أني صبورٌ على النوى فلما افترقنا غال صبري غوائلُه أفُرسان قيسٍ من نُميرٍ إذا القنا تولج لباه الكُماة عواملُه هل السفح من نجم المعاقل بالشرى على العهدِ منكم أم تعفت منازلُه؟ وهل ما يُقضى من زمان اجتماعنا بمردوده أسحارهُ وأصائلُه بكم يأمن الجاني جريرة ما جنى ويروي من الخُطى في الحرب ناهله وأوهن طول البعد عنكم تجلدي وغادر ليلي سرمدًا متطاولُه ولم أتخذ إلفًا من الناس بعدكم وهل يألف الإنسان من لا يُشاكله وله فيه:
لولا القنا والصوارم الخدمُ ما أقلعت عن عنادها العجمُ توهموا المُلك بالعراق وما شارفه مسلم الحمى لهمُ وما دروا أن دون حوزته من المنايا لأمرهِ خدمُ تتابعوا في عجاجتي لجبٌ تضيف عنه البطاحُ والأكمُ لا يحسبون الإمام من مُضرٍ مرصده للعدى به النقمُ
حتى إذا أبصروا كتائبه حاروا فما أقدموا ولا انهزموا وقد تلقاهم بمرهفةٍ ما برحت من غمودها القممُ فناشدوهُ الأمان والتزموا لأمره الطاعة التي التزموا ورد عنهم عقابه ملكٌ شيمته العفو حين يحتكم لله در النفوس هاديةً إذا أناسٌ عن الرشاد عًمُوا هو الدواء الذي تزول به عن القلوب الشكوك والتهمُ ما ابتسمت والخطوب مظلمة إلا انجلت بابتسامتها الظلمُ يسمع إنشادها إذا ارتحلت غرائب الموت من به صمم وله:
يزهدني في جميع الأنام قلةُ إنصافِ من يُصحبُ وهل عرف الناس ذو نُهية فأمسى لهم فيهم مأربُ هم الناس ما لم تجربهمُ وطُلسُ الذئاب إذا جُربوا وليتك تسلم عند البعادِ منهم فكيف إذا قُربوا؟ أنشدنا محمد بن علي الواسطي، قال: أنشدنا عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: أنشدنا نصر بن منصور لنفسه:
أُحب عليًا والبتول وولدها ولا أجحد الشيخين حق التقدمِِ وأبرأُ ممن نال عثمان بالأذى كما أتبرأ من ولاء ابن مُلجمِ ويُعجبني أهلُ الحديثِ لصدقهم مدى الدهر في أفعالهم والتكلمِ توفي رحمه الله في ربيع الآخر، وله ثمانٌ وثمانون سنة.
322 -
نصر بن أبي منصور المؤدب
، المعروف بالحكم الشاعر.
توفي في هذه السنة أيضًا.
وقد روى عنه من شعره ابن الدبيثي هذين البيتين:
ولما رأى وردًا بخديه يُجتنى ويقطفُ أحيانًا بغير اختياره أقام عليه حارسًا من جفونه وسل عليه مرهفًا من عِذاره
قلت: لو قال وسيجه صونًا بآسِ عِذاره لكان أحسن.
323 -
يحيى بن عبد الجليل بن مجبر
، أبو بكر الفهري، المرسي، ثم الإشبيلي، شاعر الأندلس في زمانه بلا مُدافعة.
أخذ الأدب عن شيوخ مرسية، ومدح الملوك والأمراء، وشهد له بقوة عارضته، وسلامة طبعه، قصائده البديعة التي سارت أمثالًا، وبعدتُ على قربها منالًا.
أخذ عنه أبو القاسم بن حسان، وغيره.
توفي بمراكش ليلة عيد النحر في الكهولة.
وقيل: توفي سنة سبع الماضية.
وله:
لا تغبط المجدب في عِلمهِ وإن رأيت الخصب في حالهِ إن الذي ضيع من نفسه فوق الذي ثمر من مالهِ وله أيضاً:
إن الشدائد قد تغشى الكريم لأن تبين فضل سجاياه وتوضحه كمبرد القين إذ يعلو الحديد به وليس يأكله إلا ليصلحه ذكره أبو عبد الله الأبار في تكملة الصلة وبالغ في وصفه.
ولأبي بكر بن مجبر ديوان أكثر ما فيه من المديح في السلطان يعقوب صاحب المغرب. فمن ذلك هذه القصيدة البديعة:
أتراه يترك الغزلا وعليه شب واكتهلا كلفٌ بالغيد ما علقت نفسه السلوان مُذ عقلا غير راضٍ عن سجيةِ من ذاق طعم الحب ثم سلا أيها اللوامُ ويحكُم إن لي عن لومكم شُغلا نظرت عيني لشقوتها نظراتٍ وافقت أجلا غادةً لما مثلت لها تركتني في الهوى مثلا خشيت أني سأحرقها إذ رأت رأسي قد اشتعلا
يا سراة الحي مثلكم يتلافى الحادث الجللا قد نزلنا في جواركم فشكرنا ذلك النزلا ثم واجهنا ظباءكم فلقينا الهول والوهلا أضمنتم أمن جيرتكم ثم ما أمنتم السبلا ليتنا نلقى السيوف ولم نلق تلك الأعين النجلا أشرعوا الأعطاف مايسةً حين أشرعنا القنا الذبلا واستفزتنا عيونُهُم فخلعنا البيض والأسلا نصروا بالحُسن فانتهبوا كل قلبٍ بالهوى خُذلا عطلتني الغيد، من جلدي وأنا حليتها الغزلا حملت نفسي على فتنٍ سمتها صبرا فما احتملا ثم قالت سوف نتركها سلبًا للحب أو نفلا قلتُ: أما وهي قد علقت بأمير المؤمنين، فلا ما عدا تأميلها ملكًا من رآه أدرك الأملا فإذا ما الجودُ حركه فاض في كفيه فانهملا وهي مائة وتسعة أبيات.
وله يمدح يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن أيضاً:
دعا الشوق قلبي والركائب والركبا فلبوا جميعًا وهو أول من لبى وظلنا نشاوى للذي بقلوبنا نخال الهوى كأسًا وتحسبنا شربا أرق نفوسًا عندما نصف الهوى وأقسى قلوبًا عندما نشهد الحربا ويؤلمنا لمعُ البروق إذا بدا ويصرعُنا نفحُ النسيم إذا هبا يقولون: داوِ القلب تسلُ عن الهوى فقلت: لنعم الرأيُ لو أن لي قلبا
324 -
يزيد بن محمد بن يزيد بن رفاعة
، أبو خالد اللخمي، الغرناطي، المحدث.
قد مر في سنة خمسٍ وثمانين.
وقال ابن الزبير: كان من جلة الشيوخ، وثقاة الرواة، عارفًا بالأسانيد، يعظ ويُقرئ. وكان مكثرًا. أكثر عن أبي محمد الرشاطي. وسمى جماعة.
ثم افتقر واحتاج بدخول النصارى المرية، فجلس يؤدب.
مات من عطسةٍ في المحرم سنة ثمانٍ وثمانين.
وفيها ولد:
إسماعيل بن عبد القوي بن غزون، وتاج الدين علي بن أحمد ابن القسطلاني، والصاحب كمال الدين عمر بن العديم، والضياء زُهير بن عمر الزرعي، والكمال إسحاق بن خليل الشيباني قاضي زرع، وعمر بن أبي الفتح بن عوة الجزري التاجر، ويحيى بن شجاع بن ضرغام صاحب ابن المفضل المقدسي.
سنة تسع وثمانين وخمسمائة
325 -
أحمد بن أسعد بن محمد بن أحمد
، أبو المعالي الأصبهاني، المديني.
سمع أبا الطاهر إسحاق بن أحمد الراشتيناني.
وأجاز له غانم البرجي، وأبو علي الحداد.
وتوفي في جمادى الأولى.
326 -
أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن السكن
، أبو الفتح بن أبي غالب ابن المعوج.
سمع أباه، وأبا القاسم ابن السمرقندي، وأبا الحسن بن عبد السلام، وجماعة كثيرة.
وطلب، ونسخ، وحصل.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، ويوسف بن خليل.
وكان صحيح السماع، صالحًا.
327 -
إبراهيم بن إسماعيل بن سعيد
، الفقيه أبو إسحاق القرشي، الهاشمي، المصري، المالكي.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وحدث عن أبي القاسم ابن عساكر، وعبد المولى بن محمد المالكي.
وكان إمام مسجد الزبير بن العوام بمصر، وبه يعرف.
توفي في ربيع الآخر.
وله مجاميع في الرقائق وغيرها.
328 -
إبراهيم بن سعيد بن يحيى بن محمد ابن الخشاب
، القاضي الرئيس أبو طاهر الحلبي، من أعيان الحلبيين وكبرائهم.
كان فاضلًا، أديبًا، شاعرًا، منشئًا، له نظر في العلوم، إلا أنه كان من أجلاد الشيعة المعروفين. وكان دمث الأخلاق، ظريفًا، مطبوعًا، وهو والد المولى الصدر بهاء الدين الحسن ابن الخشاب.
توفي في ذي القعدة، وله ثمان وخمسون سنة.
329 -
أسعد بن نصر بن أسعد
، أبو منصور ابن العبرتي الأديب.
أخذ النحو عن أبي محمد ابن الخشاب، والكمال عبد الرحمن الأنباري، وعلم الناس العربية.
وكان له شعر حسن وتواليف، ومآخذ على النحاة.
توفي في رمضان.
330 -
بُزغُش
، أبو علي عتيق أبي طاهر محمد بن علي الأنصاري، الدباس.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وأبا الحسين ابن الفراء.
روى عنه يوسف بن خليل.
توفي في ذي القعدة.
331 -
بكتمر
، سيف الدين صاحب خلاط، مملوك صاحبها.
توفي في أول جمادى الأولى.
وكان قد أسرف في إظهار الشماتة بموت صلاح الدين، وفرح وعمل تختا جلس عليه، ولقب نفسه بالسلطان المعظم صلاح الدين، وسمى نفسه عبد العزيز، وظهر منه رعونة، وتجهز لقصد ميافارقين.
وكان مملوك لشاه أرمن قد تزوج بابنة لبكتمر، وطمع في الملك، فجهز على بكتمر من قتله، وتملك بعده.
قال ابن الأثير: وكان بكتمر خيرًا، صالحًا، كثير الصدقة، محبًا للصوفية، حسن السيرة في الرعية.
332 -
حاتم بن محمد بن الحسين بن مفرج بن حاتم
، الفقيه أبو المحاسن المقدسي الأصل، الإسكندراني. ابن عم الحافظ علي بن المفضل.
توفي في الكهولة، ولا أعلمه روى شيئًا.
333 -
حرمي بن مغفر
، أبو محمد الشاهد البزاز، المصري.
سمع منجبًا المرشدي.
334 -
الحسن بن أبي سعد المظفر بن الحسن بن المظفر ابن السبط الهمذاني
، أبو محمد، ويقال اسمه ثابت. وهو بكنيته أشهر.
شيخ بغدادي، روى عن جده أبي علي.
سمع منه أحمد بن طارق، وجعفر بن أحمد العباسي.
وتوفي في رجب.
335 -
الحسن بن أبي نصر بن أبي حنيفة بن القارص
. أخو الحسين. وسماه بعضهم: المبارك.
روى عن هبة الله بن الحصين.
روى عنه يوسف بن خليل، وغيره.
336 -
الحسين بن عبد الرحمن بن الحسين بن علي بن الخضر بن عبدان الأزدي
، الدمشقي، أبو عبد الله المحدث.
له سماعات كثيرة وإجازات.
وتوفي في رابع رمضان.
337 -
داود بن عيسى بن فُليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم
. العلوي، الحسني، صاحب مكة.
توفي في رجب.
قال ابن الأثير: ما زالت إمرة مكة تكون له تارة ولأخيه مُكثر تارةً إلى أن مات.
338 -
أبو رجال بن غلبون
. المرسي الكاتب.
روى عن أبي جعفر بن وضاح، وحمل عن ابن خفاجة ديوانه.
وكان أديبًا، بليغًا، فصيحًا.
أخذ عنه أبو الربيع بن سالم. وأجاز لأبي
عبد الله ابن الأبار ديوان أبي إسحاق بن خفاجة.
توفي في ذي الحجة.
339 -
رجب بن مذكور بن أرنب
، أبو الحرم، ويقال: أبو عثمان الأزجي الأكاف.
شيخ أمي، صحيح السماع، عالي الرواية.
سمع هو، وأخوه ثعلب من هبة الله بن الحصين، وأحمد بن الحسن البناء، وأبي العز أحمد بن كادش، وعلي بن أحمد بن الموحد، وقراتكين بن الأسعد، وجماعة.
سمع منه عمر بن علي القرشي، ومات قبله بأربع عشرة سنة.
وروى عن رجب: يوسف بن خليل، وسالم بن صصرى، والبهاء عبد الرحمن، وابن الدبيثي.
قال ابن النجار: شيخ لا بأس به.
توفي في ثالث عشر رمضان.
340 -
زبيدة ابنة المقتفي لأمر الله التي تزوج بها السلطان مسعود السلجوقي
على مهر مائة ألف دينار، ولم يدخل بها.
عاشت إلى هذا العام.
341 -
سالم بن سلامة
، أبو محمد السوسي، المغربي، نزيل سجلماسة.
سمع بفاس صحيح البخاري من أبي عبد الله ابن الرمامة.
وكان حافظًا لمذهب مالك، زاهدًا، خيرًا، يورد الفقه بالبربري.
قال الأبار: وقد نيف على المائة سنة.
سلطان شاه الخوارزمي. اسمه محمود. يأتي في موضعه.
342 -
سنان بن سلمان بن محمد
، أبو الحسن البصري، كبير الإسماعيلية وصاحب الدعوة النزارية.
كان أديبًا، فاضلًا، عاقلا عارفا بالفلسفة وشيء من الكلام والشعر والأخبار.
تفسير الدعوة النزارية
وكانت في حدود الثمانين وأربعمائة فيما أحسب، وهي نسبة إلى نزار بن المستنصر بالله معد ابن الظاهر علي ابن الحاكم العُبيدي.
وكان نزار قد بايع له أبوه، وبث له الدعاة في البلاد بذلك، منهم صباح صاحب الدعوة. وكان صباح ذا سمتٍ، وذلقٍ، وإظهار نسكٍ، وله أتباعٌ من جنسه، فدخل الشام والسواحل، فلم يتم له مراد، فتوجه إلى بلاد العجم، وتكلم مع أهل الجبال والغُتم الجهلة من تلك الأراضي، فقصد قلعة ألموت، وهي قلعة حصينة، أهلها ضعاف العقول، فقراء، وفيهم قوة وشجاعة.
فقال لهم: نحن قومٌ زُهاد نعبدُ الله في هذا الجبل، ونشتري منكم نصف القلعة بسبعة آلاف دينار، فباعوه إياها، وأقام بها.
فلما قوي استولى على الجميع. وبلغت عدة أصحابه ثلاثمائة ونيفًا.
واتصل بملك تلك الناحية: إن هاهنا قومًا يُفسدون عقائد الناس، وهم في تزيد، ونخاف من غائلتهم. فنهد إليهم، ونزل عليهم، وأقبل على سُكره ولذاته. فقال رجلٌ من قوم صباح اسمه علي اليعقوبي: أي شيء يكون لي عندكم إن أنا كفيتكم مؤونة هذا العدو؟ قالوا: يكون لك عندنا ذكران. أي: نذكرك في تسابيحنا.
قال: رضيت. فأمرهم بالنزول من القلعة ليلًا، وقسمهم أرباعًا في نواحي العسكر، ورتب معهم طبولًا وقال: إذا سمعتم الصياح فاضربوا الطبول، ثم انتهز علي اليعقوبي الفرصة من غرة الملك، وهجم عليه فقتله، وصاح أصحابه، فقتل الخواص عليا، وضرب أولئك بالطبول، فأرجفوا الجيش، فهجوا على وجوههم، وتركوا الخيام بما فيها، فنقل الجميع إلى القلعة، وصار لهم أموال وأعتاد، واستفحل أمرهم.
وأما نزار، فإن عمته خافت منه، فعاهدت أعيان الدولة على أن تُولي أخاه الآمر، وله ست سنين؛ وخاف نزار فهرب إلى الإسكندرية، وجرت له أمور، ثم قتل بالإسكندرية. وصار أهل الألموت يدعون إلى نزار، فأخذوا قلعة أخرى، وتسرع أهل الجبل من الأعاجم إلى الدخول في دعوتهم، وباينوا المصريين لكونهم قتلوا نزارًا. وبنوا قلعةً ثالثة، واتسع بلاؤهم وبلادهم، وأظهروا شغل الهجوم بالسكين التي سنها لهم علي اليعقوبي، فارتاع منهم الملوك، وصانعوهم بالتحف والأموال.
ثم بعثوا داعيًا من دُعاتهم في حدود الخمسمائة أو بعدها إلى الشام، يُعرف بأبي محمد، فجرت له أمور، إلى أن ملك قلاعًا من بلد جبل السماق، كانت في يد النصيرية. وقام بعده سنان هذا؛ وكان شهمًا، مهيبًا، وله فحولية، وذكاء، وغور. وكان لا يُرى إلا ناسكًا، أو ذاكرًا، أو متخشعا، أو واعظًا، كان يجلس على حجر، ويتكلم كأنه حجر، لا يتحرك منه إلا لسانه، حتى اعتقد جُهالهم فيه الإلهية. وحصل كُتبًا كثيرةً.
وأما صباح فإنه قرر عند أصحابه أن الإمام هو نزار. فلما طال انتظارهم له، وتقاضيهم به قال: إنه بين أعداء، والبلاد شاسعة، ولا يمكنه السلوك، وقد عزم أن يختفي في بطنِ حاملٍ، ويجيء سالمًا، ويستأنف الولادة. فرضوا بذلك - اللهُم ثبت علينا عقولنا وديننا وإيماننا - ثم إنه أحضر جارية مصرية قد أحبلها وقال: إنه قد اختفى في بطن هذه، فأخذوا يعظمونها، ويتخشعون لرؤيتها، ويرتقبون الإمام المنتظر أن يخرج منها، فولدت ولدًا، فسماه حسنًا.
فلما تسلطن خُوارزم شاه محمد بن تكش، واتسع ملكه، وفخم أمره، قصد بلاد هؤلاء الملاحدة، وهي قلاع حصينة، منيعة كبيرة، يقال: إنها ممتدة إلى أطراف الهند.
وقد حكم على الملاحدة بعد صباح ابنه محمد، ثم بعده الحسن بن محمد بن صباح المذكور، فرأى الحسنُ من الحزم أن يتظاهر بالإسلام، وذلك في سنة سبعٍ وستمائة، فادعى أنه رأى عليًا عليه السلام في النوم يأمره أن يُعيد شعار الإسلام من الصلاة والصيام، والأذان، وتحريم الخمر. ثم قص المنام على أصحابه وقال: أليس الدين لي؟ قالوا: بلى. قال: فتارةً أرفع التكاليف،
وتارة أضعها.
قالوا: سمعًا وطاعةً.
فكتب بذلك إلى بغداد والنواحي، واجتمع بمن جاوره من الملوك، وأدخل بلاده القراء، والفقهاء، والمؤذنين، واستخدم في ركابه أهل قزوين. وذلك من العجائب.
وجاء رسوله ونائبه في صحبة رسول الخليفة إلى الملك الظاهر إلى حلب، بأن يقتل النائب الأول ويقيم هذا النائب له على قلاعهم التي بالشام. فأنفق عليهم الظاهر وأكرمهم، وخلصوا بإظهار الإسلام من يد خوارزم شاه.
رجعنا إلى أخبار سنان. كان أعرج لحجرٍ وقع عليه من الزلزلة الكائنة في دولة نور الدين. فاجتمع إليه محبوه، على ما ذكر الموفق عبد اللطيف، لكي يقتلوه. فقال لهم. ولم تقتلوني؟.
قالوا: لترجع إلينا صحيحًا، فإنا نكره أن يكون فينا أعرج.
فشكرهم ودعا لهم، وقال: اصبروا علي، فليس هذا وقته. ولاطفهم. ولما أراد أن يُحلهم من الإسلام، ويسقط عنهم التكاليف لأمرٍ جاءه من الألموت على عهد إلكيا محمد، نزل إلى مقثأةٍ في شهر رمضان، فأكل منها، فأكلوا معه، واستمر أمرهم على ذلك.
وأول قدوم سنان كان إلى حلب، فذكر سعد الدين عبد الكريم، رسول الإسماعيلية، قال: حكى سنان صاحب الدعوة قال: لما وردت الشام اجتزتُ بحلب، فصليت العصر بمشهد علي بظاهر باب الجنان، وثم شيخ مُسن، فسألته: من أين يكون الشيخ؟ قال: من صبيان حلب.
وقال الصاحب كمال الدين في تاريخ حلب: أخبرني شيخ أدرك سنانًا أن سنانًا كان من أهل البصرة، وكان يعلم الصبيان، وأنه مر وهو طالع إلى الحصون على حمارٍ حين ولاه إياها صاحب الألموت، فمر بإقميناس، فأراد أهلها أخذ حماره، فبعد جهد تركوه، وبلغ من أمره ما بلغ. وكان يُظهر لهم التنسك حتى انقادوا له، فأحضرهم يومًا وأوصاهم، وقال: عليكم بالصفاء بعضكم لبعض، ولا يمنعن أحدكم أخاه شيئًا هو له. فنزلوا إلى جبل السماق وقالوا: قد أمرنا بالصفاء، وأن لا يمنع أحدنا صاحبه شيئًا هو له. فأخذ هذا زوجة هذا، وهذا بنت هذا سِفاحًا، وسموا أنفسهم الصفاة. فاستدعاهم
سنان إلى الحصون، وقتل منهم مقتلةً عظيمة.
قال الصاحب كمال الدين: وتمكن في الحصون، وانقادوا له ما لم ينقادوا لغيره، وتمكن. وأخبرني علي ابن الهواري أن الملك صلاح الدين سير إليه رسولًا، وفي رسالته تهديد، فقال للرسول: سأريك الرجال الذين ألقاه بهم. وأشار إلى جماعة من أصحابه بأن يُلقوا أنفسهم من أعلى الحصن، فألقوا نفوسهم فهلكوا.
قال: وبلغني أنه أحل لهم وطء أمهاتهم، وأخواتهم، وبناتهم، وأسقط عنهم صوم رمضان.
قال: وقرأت بخط أبي غالب بن الحُصين في تاريخه: وفيه يعني محرم سنة تسع وثمانين، هلك سنان صاحب دار الدعوة النزارية بالشام بحصن الكهف. وكان رجلًا عظيمًا، خفي الكيد، بعيد الهمة، عظيم المخاريق، ذا قدرة على الإغواء، وخديعة القلوب، وكتمان السر، واستخدام الطغام والغفلة في أغراضه الفاسدة. وأصله من قرية من قرى البصرة، وتُعرف بعقر السدف. خدم رؤساء الإسماعيلية بالألموت، وراض نفسه بعلوم الفلسفة. وقرأ كثيرا من كتب الجدل والمغالطة، ورسائل إخوان الصفا وما شاكلها من الفلسفة الإقناعية المشوقة غير المبرهنة.
بنى بالشام حصونًا لهذه الطائفة، بعضها مستجدة، وبعضها كانت قديمة، فاحتال في تحصيلها وتحصينها، وتوعير مسالكها.
وسالمته الأنام، وخافته الملوك من أجل هجوم أصحابه عليهم. ودام له الأمر بالشام نيفًا وثلاثين سنة. وسير إليه داعي دُعاتهم من ألموت جماعةً في عدة مرار ليقتلوه خوفًا من استبداده عليه بالرياسة، فكان سنان يقتلهم، وبعضهم يخدعه سنان، ويثنيه عما سُير لأجله.
قال كمال الدين: وقرأت بخط الحسين بن علي بن الفضل الرازي في تاريخه قال: حدثني الحاجب معين الدين مودود أنه حضر عند الإسماعيلية سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وأنه خلا بسنان، وسأله عن سبب كونه في هذا المكان، فقال: إنني نشأت بالبصرة، وكان والدي من مقدميها. فوقع هذا الحديث في قلبي، فجرى لي مع إخوتي أمرٌ أحوجني إلى الانصراف عنهم، فخرجت بغير زاد ولا ركوب، فتوصلت حتى بلغت الألموت، فدخلتها وبها
إلكيا محمد متحكم، وكان له ابنان سماهما: الحسن، والحسين، فأقعدني معهما في المكتب، وكان يبرني برهما، ويساويني بهما. وبقيت حتى مات وولي بعده ابنه الحسن، فأنفذني إلى الشام.
قال: فخرجت مثل خروجي من البصرة، فلم أقارب بلدًا إلا في القليل. وكان قد أمرني بأوامر، وحملني رسائل. فدخلت الموصل، ونزلت مسجد التمارين، وسرت من هناك إلى الرقة، وكان معي رسالة إلى بعض الرفاق بها، فأديت الرسالة، فزودني، واكترى لي بهيمةً إلى حلب. ولقيت آخر أوصلتُ إليه رسالةً، فاكترى لي بهيمةً، وأنفذني إلى الكهف. وكان الأمر أن أقيم بهذا الحصن. فأقمت حتى توفي الشيخ أبو محمد في الجبل، وكان صاحب الأمر، فتولى بعده الأخواجة علي بن مسعود بغير نص، إلا باتفاق بعض الجماعة. ثم اتفق الرئيس أبو منصور بن أحمد ابن الشيخ أبي محمد، والرئيس فهد، فأنفذوا من قتله، وبقي الأمر شورى، فجاء الأمر من الألموت بقتل قاتله، وإطلاق فهد، ومعه وصية، وأمر أن يقرأها على الجماعة، وهذه نسخة المكتوب: هذا عهدٌ عهدناه إلى الرئيس ناصر الدين سنان، وأمرناه بقراءته على سائر الرفاق والإخوان، أعاذكم الله جميع الإخوان من اختلاف الآراء، واتباع الأهواء، إذ ذاك فتنة الأولين، وبلاء الآخرين، وفيه عبرة للمعتبرين، من تبرأ من أعداء الله، وأعداء وليه ودينه، عليه موالاة أولياء الله، والاتحاد بالوحدة سُنة جوامع الكلم، كلمة الله والتوحيد والإخلاص، لا إله إلا الله، عُروة الله الوثقى، وحبله المتين، ألا فتمسكوا به، واعتصموا عباد الله الصالحين، فيه صلاح الأولين، وفلاح الآخرين. أجمعوا آراءكم لتعليم شخصٍ معين بنص من الله ووليه. فتلقوا ما يُلقيه إليكم من أوامره ونواهيه بقبول، فلا ورب العالمين لا تؤمنون حتى تحكموه فيما شجر بينكم، ثم لا تجدوا في أنفسكم حرجًا مما قضى، وتسلموا تسليمًا. فذلك الاتحادُ به بالوحدة التي هي آية الحق، المنجية من المهالك، المؤدية إلى السعادة السرمدية، إذ الكثرة علامة الباطل، المؤدية إلى الشقاوة المخزية، والعياذ بالله من زواله، وبالواحد من آلهة شتى،
وبالوحدة من الكثرة، وبالنص والتعليم من الأدواء والأهواء المختلفة، وبالحق من الباطل، وبالآخرة الباقية من الدنيا الملعونة، الملعون ما فيها، إلا ما أُريد به وجه الله، ليكون علمكم وعملكم خالصًا لوجهه الكريم. يا قوم إنما دنياكم ملعبةٌ لأهلها، فتزودوا منها للأخرى، وخير الزاد التقوى.
إلى أن قال: أطيعوا أميركم ولو كان عبدًا حبشيًا، ولا تزكوا أنفُسكم.
قال كمال الدين: وكتب سنان إلى سابق الدين صاحب شيزر يعزيه عن أخيه شمس الدين صاحب قلعة جعبر:
إن المنايا لا يطأن بمنسمِ إلا على أكتاف أهل السؤددِ فلئن صبرت فأنت سيد معشرٍ صُبُروا وإن تجزع فغير مُفندِ هذا التناصر باللسان ولو أتى غيرُ الحمام أتاك نصري باليدِ وهي لأبي تمام.
وقال: ذُكر أن سنانا كتب إلى نور الدين محمود بن زنكي، والصحيح أنه إلى صلاح الدين:
يا ذا الذي بقراع السيف هددنا لا قام مصرعُ جنبي حين تصرعه قام الحمام إلى البازي يُهددُهُ واستيقظت لأسود البر أضبعُه أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه يكفيه ما قد تُلاقي منه إصبعه وقفنا على تفصيله وجُمله، وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله، ويا لله العجب من ذُبابة تطن في أُذُن فيل، وبعوضة تُعد في التماثيل، ولقد قالها قومٌ من قبلك آخرون، فدمرنا عليهم وما كان لهم ناصرون، أللحق تدحضون، وللباطل تنصرون؟! وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون. ولئن صدر قولك في قطع رأسي، وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة، وخيالات غير صائبة، فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض. وإن عُدنا إلى الظواهر، وعدلنا عن البواطن، فلنا في رسول الله أسوة حسنة: ما أوُذي نبيٌ ما أُوذيتُ. وقد علمتم ما جرى على عترته
وشيعته، والحال ما حال، والأمرُ ما زال، ولله الأمر في الآخرة والأولى. وقد علمتم ظاهر حالنا، وكيفية رجالنا، وما يتمنونه من الفوت، ويتقربون به إلى حياض الموت، وفي المثل: أو للبط تهدد بالشط؟ فهيئ للبلايا أسبابًا، وتدرع للرزايا جلبابًا، فلأظهرن عليك منك، وتكون كالباحث عن حتفه بظلفه، وما ذلك على الله بعزيز، فإذا وقفت على كتابنا هذا، فكن لأمرنا بالمرصاد، ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أول النحل وآخر ص.
وقال كمال الدين: حدثني النجم محمد بن إسرائيل قال: أخبرني المنتجبُ بن دفتر خوان قال: أرسلني صلاح الدين إلى سنان زعيم الإسماعيلية حين وثبوا على صلاح الدين للمرة الثالثة بدمشق، ونعى القُطب النيسابوري، وأرسل معي تهديدًا وتخويفًا، فلم يُجبه، بل كتب على طُرة كتاب صلاح الدين، وقال لنا: هذا جوابكم:
جاء الغراب إلى البازي يهددهُ ونبهت لصراع الأسد أضبعُه يا مًن يهددني بالسيف خُذهُ وقُم لا قام مصرعُ جنبي حين تصرعه يا من يسد فم الأفعى بإصبعه يكفيه ما لقيت من ذاك إصبعُه ثم قال: إن صاحبك يحكم على ظواهر جُنده، وأنا أحكم على بواطن جُندي، ودليله ما تشاهد الآن. ثم دعا عشرةً من صبيان القاعة، وكان على حصنه المنيف، فاستخرج سكينًا وألقاها إلى الخندق، وقال: من أراد هذه فليُلقِ نفسه خلفها. فتبادروا جميعًا وثبًا خلفها، فتقطعوا. فعدنا إلى السلطان صلاح الدين وعرفناه، فصالحه.
وذكر الشيخ قطب الدين في تاريخه أن سنانًا سير إلى صلاح الدين رحمه الله رسولًا، وأمره أن لا يؤدي رسالته إلا خلوة، ففتشه صلاح الدين، فلم يجد معه ما يخافه، فأخلى له المجلس، إلا نفرا يسيرا، فامتنع من أداء الرسالة حتى يخرجوا، فأخرجهم كلهم، سوى مملوكين، فقال: هات رسالتك. فقال: أمرت أن لا أقولها إلا في خلوة. فقال: هذان ما يخرجان، فإن أردت تذكر رسالتك، وإلا قم: قال: فلم لا يخرج هذان؟ قال: لأنهما مثل أولادي.
فالتفت الرسول إليهما، وقال لهما: إذا أمرتكما عن مخدومي بقتل هذا السلطان تقتلانه؟ قالا: نعم. وجذبا سيفيهما. فبهت السلطان، وخرج الرسول وأخذهما معه. وجنح صلاح الدين إلى الصلح والدخول في مراضيه.
قلت: هذه حكاية مرسلة، والله أعلم بصحتها.
وقال كمال الدين: أنشدني بهاء الدين الحسن بن إبراهيم ابن الخشاب، قال أنشدني شيخ من الإسماعيلية، قال: أنشدني سنان لنفسه:
ما أكثر الناس وما أقلهُم وما أقل في القليل النجبا ليتهم إذ لم يكونوا خُلِقُوا مهذبين صحبُوا مُهذبا قال: وقرأت على ظهر كتاب لسنان صاحب الدعوة:
ألجأني الدهرُ إلى معشرٍ ما فيهم للخير مستمعُ إن حدثوا لم يفهموا سامعًا أو حدثوا مجوا ولم يسمعوا تقدمي أخرني فيهمُ من ذنبه الإحسانُ ما يصنعُ؟
343 -
شمس النهار بنت كامل البغدادية
.
روت عن أبي الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء.
توفيت في تاسع ربيع الآخر.
344 -
طُغدي بن خُتلُغ بن عبد الله
، أبو محمد الأميري، البغدادي، الفرضي، ويُسمى عبد المحسن، وهو بطُغدي أشهر.
ولد سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وقرأ القراءات على: علي بن عساكر البطائحي زوج أمه، وهو الذي رباه. وسمع بإفادته من أبي الفضل الأرموي، وابن باجة، وهبة الله بن أبي شُريك، وأبي الوقت.
وكان أستاذًا في الفرائض، قدم الشام واستوطنها وحدث بها.
وتوفي في المحرم.
روى عنه يوسف بن خليل، والضياء محمد.
345 -
ظفر بن أحمد بن ثابت بن محمد
، أبو الغنائم ابن الحافظ أبي العباس الطرقي، ثم اليزدي.
سمع من أبيه، وأبي علي الحداد، وجماعة.
وقدم بغداد حاجًا فحدث بها.
وطرق: بُليدة من نواحي أصبهان.
346 -
عبد الله بن الحسين بن الخضر بن عبدان
. الأزدي، الدمشقي.
روى شيئًا يسيرًا عن أبي الحسن علي بن أشليها، وأبي يعلى ابن الحُبوبي.
توفي في المحرم.
347 -
عبد الله بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام
، أبو منصور بن أبي الفتح البغدادي، الكاتب.
من بيت حديث وكتابة. ولد في جمادى الأولى أو في ربيع الآخر سنة ست وخمسمائة.
وسمع من أبي القاسم هبة الله بن الحصين، وقبله من أبي القاسم بن بيان، وسماعه منه حضورًا.
ومن أبي علي بن نبهان، ومحمد بن عبد الباقي الدوري، وعبد القادر بن يوسف، وجعفر بن المحسن السلماسي، وغيرهم.
وهو والد الفتح مُسند بغداد في زمانه.
توفي في تاسع ربيع الأول.
روى عنه يوسف بن خليل، والشيخ الموفق، والجلال عبد الله بن الحسن قاضي دمياط، وعلي بن عبد اللطيف ابن الخيمي، ومحمد بن نفيس الزعيمي، وأحمد بن شكر الكندي، وآخرون.
قال عبد العزيز بن الأخضر: سمعت منه، ومن أبيه وجده.
348 -
عبد الله بن المبارك بن أبي نصر المبارك بن زوما
، أبو بكر الأزجي البزاز.
روى عن أبي القاسم بن الحصين، وزاهر الشحامي.
روى عنه تميم بن
أحمد، ويوسف بن خليل، وغيرهما.
وتوفي بعد الذي قبله بيومين.
349 -
عبد الخالق بن أبي هاشم محمد بن المبارك
، الشريف أبو جعفر الهاشمي، الكوفي، القصري؛ قصر الكوفة.
روى عن هبة الله بن الحصين.
350 -
عبد العزيز بن أبي بكر بن عبد العزيز بن صيلا الحربي الخباز
.
روى عن سعيد ابن البناء.
وتوفي في سابع شعبان.
روى عنه ابن خليل.
351 -
عتيق بن هبة الله بن ميمون بن عتيق بن وردان
، أبو الفضل. من ذرية عيسى بن وردان التابعي، المصري.
حدث عن أبيه، عن آبائه بنسخةٍ مُنكرةٍ بعيدة عن الصحة.
روى عنه ولده المحدث أبو الميمون عبد الوهاب، وغيره.
توفي في العشرين من شعبان.
352 -
علي بن أحمد بن محمد بن كوثر
، أبو الحسن المحاربي الغرناطي.
سمع من أبيه أبي العباس.
وحجا معًا، فسمعا بمكة من أبي الفتح الكروخي سنة سبعٍ وأربعين جامع أبي عيسى.
وأخذ القراءات بمكة عن أبي علي ابن العرجاء القيرواني، وأبي الحسن بن رضا البلنسي الضرير، وسمع منهما، ومن أبي الفضل الشيباني، وأبي بكر بن أبي الحسن الطوسي.
وقرأ بمصر على أحمد بن الحطيئة سنة ثلاثٍ وخمسين، وعلى الشريف أبي الفتوح الخطيب.
وأخذ العربية عن ابن بري.
وحمل عن السلفي كثيرًا، وتصدر بغرناطة للإقراء والرواية، وصنف في القراءات، وأخذ الناس عنه.
وتوفي في ربيع الآخر.
353 -
علي بن الحسين بن قنان بن أبي بكر بن خطاب
، أبو الحسن الأنباري ثم البغدادي السمسار الربي.
ولد سنة خمسمائة.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وزاهر بن طاهر، وهبة الله ابن الطبر، وهبة الله الشروطي، ويحيى وأحمد ابني البناء، وجماعة كثيرة.
وحج نحوًا من أربعين حجة.
354 -
علي بن أبي شجاع بن هبة الله بن روح الأميني
، أبو الحسن البغدادي الشاعر.
توفي في هذا العام.
وله:
لكم على الدنفِ العليلِ حُكمُ العزيز على الذليلِ ما لي إذا ما جُرتُمُ يومًا سوى الصبر الجميل من لي بأسمر كالقضيب ضياء طلعته دليلي من لحظه سحرُ العيونِ ولفظه شركُ العقولِ كيف السبيل إلى لماهُ ورشف ذاك السلسبيلِ ما لي عُدُولٌ عن هواهُ فدع ملامك يا عذُولي
355 -
علي بن عبد الله بن عبد الرحيم
، أبو الحسن الفهري، البلنسي المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن هُذيل.
وروى الحديث عن أبي الوليد بن الدباغ، وجماعة.
وكان صالحًا، منعزلًا عن الناس.
روى عنه أبو الربيع بن سالم، وقال: توفي في حدود التسعين وخمسمائة.
356 -
عيسى ابن الصالح عبد الرحمن بن زيد بن الفضل الوراق
، أبو شجاع العتابي البغدادي.
سمع من جده لأمه أبي السعود أحمد بن علي المجلي، وهبة الله بن الحُصين، وأحمد بن ملوك الوراق.
وحدث، روى عنه يوسف بن خليل.
وأجاز لابن الدبيثي.
357 -
محمد بن أبي علي الحسن بن الفضل بن الحسن الأدمي
، أبو الفضل الأصبهاني.
سمع من أبي علي الحداد، وأجاز له.
توفي في ذي القعدة.
358 -
محمد ابن الفقيه أبي علي الحسين بن مفرج بن حاتم
. المقدسي ثم الإسكندراني، رشيد الدين الواعظ.
وُلد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
وسمع من أبيه.
روى عنه ابن عمه الحافظ أبو الحسن.
وتوفي في رمضان.
359 -
محمد بن ساكن بن عيسى بن مخلوف
، أبو عبد الله الحميري، المصري.
شيخ جليل عالم، جمع لنفسه مشيخة. ذكر فيها أنه قرأ القرآن على أبي الحسن علي بن محمد الروحاني، والشريف أبي الفتوح ناصر بن الحسن، وأبي العباس بن الحطيئة، ومحمد بن إبراهيم ابن الكيزاني.
وأنه سمع من عبد الرحمن بن الحسين الجباب، والفقيه عمر بن محمد البلوي الذهبي، وعبد الله بن رفاعة، والسلفي، وطائفة.
وحدث وألف مجاميع، وتصدر بجامع مصر، وخطب بجيزة الفسطاط مدة.
توفي في أوائل شوال.
360 -
محمد بن عبد الله ابن الفقيه مُجلي بن الحسين بن علي بن الحارث الرملي الأصل
، المصري، الفقيه الشافعي، القاضي أبو عبد الله.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
ناب في القضاء بمصر نحوًا من عشرين سنة.
وسمع من أبي الفتح سلطان بن إبراهيم الفقيه، وأبي صادق
مرشد بن يحيى، وابن رفاعة.
وحدث. وكان يُقال له: حسون.
وهو والد القاضي أبي محمد عبد الله.
وكان جده الفقيه مُجلي قد سمع من القاضي الخلعي، وولي عقد الأنكحة بالرملة.
361 -
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن منصور
بن محمد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن يونس بن عبد الرحمن بن الليث بن عبد الرحمن بن المغيث بن عبد الرحمن بن العلاء بن الحضرمي، الفقيه أبو عبد الله ابن الشيخ أبي القاسم بن أبي عبد الله الحضرمي العلائي، الصقلي، ثم الإسكندراني المالكي.
ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة بالإسكندرية، وسمع من أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وتفقه على مذهب مالك. وكان في القضاء بالثغر مدة.
روى عنه أبو الحسن بن المفضل، وابن رواج، وعبد الرحمن بن يحيى بن علاس القصديري، وعلي بن إسماعيل بن سكين، وعلي بن عمر بن ركاب الإسكندرانيون.
362 -
محمد بن علي بن محمد
، أبو بكر السرخسي، ثم البغدادي، الخياط المعروف بالخاتوني.
سمع من أبي القاسم سعيد ابن البناء، وأبي بكر ابن الزاغوني، وجماعة، وحدث.
363 -
محمد بن محمد بن عبد الحميد بن الحارث
، أبو عبد الله وأبو بكر اليعمري الأندلسي الأديب الشاعر.
روى عن أبي عبد الله بن أبي الخصال.
روى عنه أبو عبد الله ابن الصفار، وغير واحد.
364 -
المبارك بن كامل بن مقلد بن علي بن نصر بن منقذ
، الأمير سيف الدولة أبو الميمون الكناني، الشيزري.
ولد بشيزر سنة ست وعشرين وخمسمائة، وسمع بمكة قليلًا من أبي حفص الميانشي.
روى عنه ولده الأمير إسماعيل.
وقد ولي سيف الدولة أمر الدواوين بمصر مدةً، وله شعرٌ يسير، وكان مع شمس الدولة تورانشاه أخي السلطان لما ملك اليمن، فناب في مدينة زبيد عنه، ثم رجع معه، واستناب أخاه حطان، فلما مات شمس الدولة حبسه السلطان، لأنه بلغه عنه أنه قتل باليمن جماعةً، وأخذ أموالهم، فصادره، وضيق عليه، وأخذ منه مائة ألف دينار، وذلك في سنة سبعٍ وسبعين.
ولما توجه سيف الإسلام طغتكين إلى اليمن، تحصن الأمير حطان في قلعةٍ وعصى، فخدعه سيف الإسلام حتى نزل إليه، فاستصفى أمواله وسجنه، ثم أعدمه.
وقيل: إنه أخذ منه سبعين غلاف زردية مملوءًا ذهبًا.
توفي سيف الدولة في رمضان بالقاهرة.
365 -
المبارك بن أبي بكر بن أبي العز
، أبو الفتح البغدادي، المقرئ المعروف بابن غلام الديك، وبابن الديك.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي القاسم ابن الطبر، وأبي السعُود أحمد ابن المجلي، وأبي الحسين محمد بن الفراء، وجماعة.
وكان واعظًا فاضلًا؛ سمع منه محمد بن مشق، وتميم البندنيجي، وجماعة.
واسم أبيه أحمد.
توفي في المحرم.
366 -
المبارك بن أبي نصر بن أبي عبد الله بن أبي طاهر بن أبي حنيفة
، أبو محمد ابن القارص البغدادي، الحريمي.
ويقال اسمه الحسن.
سمع من أبي القاسم بن الحصين، وجماعة.
وتوفي في شعبان.
367 -
مبشر بن أحمد بن علي
، أبو الرشيد الرازي، ثم البغدادي، الفرضي، الحاسب.
له مصنفات مفيدة.
روى عن أبي الوقت، وتوفي برأس عين في ذي القعدة، وانتفع عليه جماعة.
ولقد بالغ ابن النجار في تقريظه، وقال: كان إمامًا في الجبر، والمقابلة، والمساحة، وخواص الأعداد، واستخراج الضمير، وحساب الوقت، وقسمة الفرائض، والمنطق، والفلسفة، والهيئة؛ صنف في جميع ذلك، وكان شديد الذكاء، شُدت إليه الرحال إلى أن قال: وكان يرمى بفساد العقيدة وإنكار البعث، ويتهاون بالفرائض.
نفذ من الديوان رسولًا إلى الشام، فمات برأس العين.
368 -
محاسن بن أبي بكر بن سلمان بن أبي شريك
، أبو البدر الحربي.
روى عن عبد الله بن أحمد اليوسفي. وتوفي في جمادى الأولى.
369 -
محمود ابن خوارزم شاه أرسلان ابن خوارزم شاه آتسز بن محمد بن أنوشتكين
، السلطان الخوارزمي، ولقبه: سلطان شاه. وهو أخو علاء الدين خوارزم شاه تكش.
تملك بعد والده في سنة ثمانٍ وستين، وجرت له أمورٌ يطول شرحها، وكان أخوه قد سلم إليه أبوه بعض المدائن، فحشد وجمع وقصد أخاه، فترك خوارزم وهرب، وذلك مذكورٌ في الحوادث.
ثم إنه استولى على مملكة مرو.
وكان نظيرًا لأخيه في الحزم والعزم والرأي والشجاعة، وحضر غير مصاف. واستعان بجيش الخطا. وافتتح جماعة مدائن. وكان السيف بينه وبين أخيه؛ لأنه أخذ منه خوارزم، والتقاه فهزمه، وأسر أمه أم محمود فقتلها،
واستولى على أكثر حواصل أبيهما؛ أعني علاء الدين.
ونقل ابن الأثير في كامله فصلًا طويلًا في أخبارهما استطرادًا. وحكى فيه عن بعض المؤرخين أن سلطان شاه أخذ مرو، ودفع الغز عنها، ثم تجمعوا له وأخرجوه، وانتهبوا خزائنه، وقتلوا أكثر رجاله، فاستنجد بالخطا، وجاء بعسكرٍ عظيم، وأخرج الغُز عن مرو، وسرخس، ونسا، وأبيورد، وتملكها، ورجعت الخطا إلى بلادهم بالأموال.
ثم كاتب غياث الدين الغوري ليسلم إليه هراة، وبعث إليه غياث الدين أيضًا، فأمره أن يخطب له ببلاده، فسار وشن الغارات، ونهب بلاد الغوري، وظلم وعسف، فجهز الغوري لحربه ابن أخيه بهاء الدين وصاحب سجستان، فتقهقر سلطان شاه إلى مرو بعد أن عمل كل قبيح بالقرى، فتحزب لقصده غياث الدين وأخوه شهاب الدين صاحب الهند. وجمع سلطان شاه العساكر، واستخدم الغُز وأولي الطمع، وعسكر بمرو الروذ، وعسكر الغوريون بالطالقان. وبقوا كذلك شهرين، وترددت الرسل في معنى الصلح، فلم ينتظم أمر. ثم التقى الجمعان، وصبر الفريقان، ثم انهزم جيش سلطان شاه، ودخل هو مرو في عشرين فارسا، فانتهز أخوه تكش الفرصة، وسار في عسكر، وبعث عسكرًا إلى حافة جيحون يمنعون أخاه من الدخول إلى الخطا إن أرادهم، فلما ضاقت السبل على سلطان شاه، خاطر وسار إلى غياث الدين، فبالغ في إكرامه واحترامه، وأنزله معه، فبعث علاء الدين تكش إلى غياث الدين يأمره بالقبض عليه، فلم يفعل. فبعث علاء الدين يتهدده بقصد بلاده، فتجهز غياث الدين وجمع العساكر، فلم ينشب سلطان شاه أن تُوفي في سلخ رمضان في سنة تسع هذه، فاستخدم غياث الدين أكثر أجناده، وأنعم عليهم، وجرى بعده لعلاء الدين تكش ولغياث الدين اختلاف وائتلاف طمعت بسبب ذلك الغُز، وعادوا إلى النهب والتخريب، فتجهز علاء الدين تكش، وسار ودخل مرو، وسرخس، ونسا، وتطرق إلى طوس.
قلت: وساق ابن الأثير رحمه الله قولًا آخر مخالفًا لهذا في أماكن، واعتذر عنه ببعد الديار، واختلاف النقلة من السفار.
370 -
مسعود ابن الملك مودود بن أتابك زنكي بن آقسُنقُر
، السلطان عز الدين أبو المظفر صاحب الموصل.
وصل إلى حلب قبل السلطنة مُنجدًا لابن عمه الصالح إسماعيل بن نور الدين على السلطان الملك الناصر صلاح الدين، وليرهب صلاح الدين، لئلا يطمع ويقصد الموصل، فانضم إليه عسكر حلب، وسار في جمعٍ كثير، فوقع المصاف على قرون حماة، فكسره صلاح الدين، وأسر جماعة من أمرائه في سنة سبعين، كما ذكرناه في الحوادث.
ولما احتضر الصالح أوصى بمملكة حلب لابن عمه عز الدين هذا، فساق إليها، وصعد القلعة، وورث ابن عمه واستولى على الخزائن النورية وتزوج بامرأة الصالح، وعلم أنه لا يمكنه حفظ حلب والموصل، فاستناب بحلب مظفر الدين ابن صاحب إربل، ورجع، فلما وصل إلى الرقة لقيه أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، فقايضه بسنجار وجاء إلى حلب فتملكها.
وبلغ السلطان صلاح الدين أن عز الدين مسعود قد راسل الفرنج يحثهم على قتال صلاح الدين، فعلم أنه قد غدر، فقصد حلب والموصل، فنازل حلب في سنة ثمان وسبعين، فأقام عليها ثلاثة أيام. ثم جاءه مظفر الدين ابن صاحب إربل منابذا لعز الدين فقوى عزمه على قصد الجزيرة، فعدا الفرات فأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج واستناب بها.
ثم سار فنزل على الموصل وعلم أنه بلد عظيم لا ينال بالمحاصرة، فترحل ونزل على سنجار أياما، فأخذها وأعطاها إلى ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر، وعاد إلى حران.
ثم عاد بعد سنتين إلى منازلة الموصل، فنزلت إليه والدة مسعود وطلبت المصالحة، فردها ظنا أن ذلك عجز من ولدها، واعتذر إليها، ثم ندم بعد.
وبذل أهل الموصل جهدهم في القتال لكون صلاح الدين رد المصالحة، فأقام عليها إلى أن بلغته وفاة شاه أرمن صاحب خلاط وقيام مملوكه بكتمر.
ثم عجز بكتمر وكاتب صلاح الدين أن يسلم إليه خلاط وأن يعوضه عنها، فقصد خلاط وترك حصار الموصل، فنزل بطوانة، بليدة بقرب خلاط، وراسل بكتمر، وإذا شمس الدين
بهلوان بن إلدكز صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط قاصدا محاصرتها، فبعث إليه يعرفه بأنه إن لم يرجع عنه وإلا سلم البلد إلى صلاح الدين، فصالحه، فنزل صلاح الدين على ميافارقين، فقاتلها قتالا شديدا، ثم أخذها صلحا بالخديعة، وكان صاحبها قطب الدين إيلغازي بن ألبي الأرتقي، فمات وخلف ولده حسام الدين بولق أرسلان وهو صبي، فطمع صلاح الدين وتسلمها بمعاملة من واليها، وأما بكتمر فقويت نفسه بمصاهرته لصاحب أذربيجان.
وعاد صلاح الدين فنازل الموصل ثالثًا، فمرض في الحر مرضًا أشفى منه على الموت، فترحل إلى حران، فسير صاحب الموصل عز الدين رسولًا، وهو القاضي بهاء الدين يوسف بن شداد إلى صلاح الدين في الصلح، فأجاب وحلف له وقد تماثل من مرضه، ووفى له إلى أن مات. فلم تطل مدة عز الدين بعد صلاح الدين، وعاش أشهرًا.
وتوفي في شعبان في التاسع والعشرين منه.
قال ابن الأثير: وكان قد بقي ما يزيد على عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن، وإذا تكلم بغيرها استغفر الله، ثم عاد إلى التلاوة، فرُزق خاتمة خير.
وكان خير الطبع، كثير الخير والإحسان، يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم. وكان حليمًا حييا، لم يكلم جليسه إلا وهو مُطرق. وكان قد حج، ولبس بمكة خرقة التصوف. فكان يلبس تلك الخرقة كل ليلة، ويخرج إلى مسجد داره، فيصلي فيه إلى نحو ثلث الليل. وكان رقيق القلب، شفوقًا على الرعية.
قلت: ودُفن في مدرسته بالموصل، وهي مدرسة كبيرة على الشافعية والحنفية، وتسلطن بعده ولده نور الدين إلى أن مات عن ولدين وهما: القاهر عز الدين مسعود، والمنصور عماد الدين زنكي.
وقسم البلاد بينهما، فأعطى القاهر الموصل، وأعطى المنصور قلاعًا.
وقد توفي القاهر صاحب الموصل فجاءةً في سنة خمس عشرة وستمائة، ودُفن بمدرسته.
وأما زنكي فانتقل إلى إربل، وتزوج بابنة صاحبها مظفر الدين، وكان من
أحسن الناس صورة، ثم قبض عليه مظفر الدين لأمور جرت، وسيره إلى الملك الأشرف موسى، ثم أطلقه وعاد. وأُعطي بلد شهرزور وأعمالها. وتوفي في حدود سنة ثلاثين وستمائة، وقام بعده ولده قليلًا ومات.
371 -
المكرم بن هبة الله بن المكرم
، أبو محمد الصوفي، أخو أبي جعفر محمد.
شيخ معروف سمع أبا بكر محمد بن عبد الباقي، وعلي بن علي بن سُكينة، وأبا سعد أحمد بن محمد الزوزني، وشيخ الشيوخ إسماعيل بن أبي سعد، وجماعة.
روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والضياء محمد، والزين بن عبد الدائم، وجماعة. وحدث بدمشق، وبغداد.
وتوفي في رجب.
372 -
منصور بن المبارك بن الفضل بن أبي نُعيم
، أبو المظفر الواسطي الواعظ، الملقب بجرادة.
سمع من أبي الوقت السجزي، وذكر أنه سمع المقامات من أبي محمد الحريري؛ وله فصول وعظية.
وكان شيخًا مسنًا، يقال إنه جاوز المائة، والصحيح أنه عاش سبعًا وثمانين سنة.
وله نظم ونثر ودُعابة. وكان يعظ في الأعزية ببغداد.
ذكره ابن النجار.
373 -
موسى بن حجاج
، أبو عمران الأشيري.
دخل الأندلس في سنة بضع وثلاثين وخمسمائة.
وسمع بقرطبة من أبي عبد الله محمد بن أصبغ الفقيه، وأبي مروان بن مسرة، وسمع بإشبيلية من أبي الحسن شُريح. وبالمرية من عبد الحق بن عطية. وعُني بالرواية.
قال الأبار: إلا أنه عديم الضبط، نزل الجزائر وأم بها وحدث بها، وتوفي في صفر.
374 -
هبة الله بن عبد المحسن بن علي
، الفقيه أبو البركات الأنصاري، المالكي، المصري، مدرس المدرسة المجاورة لجامع مصر العتيق.
تفقه عليه جماعة، وكان مشهورًا بالصلاح والعلم.
توفي في ذي القعدة.
375 -
يحيى بن علي بن عبد الرحمن
، أبو زكريا القيسي، المقرئ، المالكي.
سمع من عبد الله بن رفاعة، وتصدر بالجامع العتيق بمصر.
376 -
يوسف السلطان الملك الناصر صلاح الدين
، أبو المظفر ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني الأصل، التكريتي المولد.
ودوين بطرف أذربيجان من جهة أران والكرج، أهلها أكراد روادية، والروادية بطن من الهذبانية.
ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة إذ أبوه والي تكريت.
وسمع من أبي الطاهر السلفي، والإمام أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المسلم ابن بنت أبي سعد، وأبي الطاهر بن عوف، وعبد الله بن بري النحوي، والقطب مسعود النيسابوري، وجماعة.
وروى الحديث، وملك البلاد، ودانت له العباد، وافتتح الفتوحات، وكسر الفرنج مرات، وجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. وكان خليقا للملك. وأقام في السلطة أربعًا وعشرين سنة.
روى عنه يونس بن محمد الفارقي، والعماد الكاتب، وغيرهما.
وتوفي بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر، وحضر وفاته القاضي الفاضل.
وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة أنه لما انتهى في القراءة إلى قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة سمعه وهو يقول: صحيح. وكان ذهنه غائبًا قبل ذلك. ثم توفي. وهذه يقظة عند
الحاجة، وغسله الدولعي، وأخرج في تابوت، وصلى عليه القاضي محيي الدين ابن الزكي، وأعيد إلى الدار التي في البستان التي كان متمرضًا فيها. ودفن بالصفة الغربية منها. وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعظم الضجيج، حتى إن العاقل يتخيل أن الدنيا كلها تصيح صوتًا واحدًا.
وغشي الناس من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصلاة، وصلى عليه الناس أرسالًا، وتأسف الناس عليه، حتى الفرنج، لما كان من صدق وفائه إذا عاهد. ثم بنى ولده الأفضل صاحب دمشق قبة شمالي الجامع، وهي التي شباكها القبلي إلى الكلاسة، ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين، ومشى بين يدي تابوته. وأراد العلماء حمله على أعناقهم، فقال الأفضل: تكفيه أدعيتكم الصالحة. وحمله مماليكه، وأخرج إلى باب البريد، فصلي عليه قدام النسر. وتقدم في الإمامة القاضي محيي الدين بإذن ولده. ودخل الأفضل لحده وأودعه وخرج، وسد الباب، وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيام، وذلك خلاف العادة، وخلاف السنة.
كان رحمه الله كريمًا، جوادًا، بطلًا، شجاعًا، كامل العقل والقوى، شديد الهيبة، افتتح بسيفه وبأقاربه من اليمن إلى الموصل، إلى أوائل الغرب، إلى أسوان.
وفي الروضتين لأبي شامة أن السلطان رحمه الله لم يخلف في خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعةً وأربعين درهمًا، ودينارًا واحدًا صوريًا. ولم يخلف ملكًا ولا عقارًا، وخلف سبعة عشر ولدًا ذكرًا، وابنة صغيرة.
ومن إنشاء العماد الكاتب إلى الخليفة على لسان الأفضل: أصدر العبد هذه الخدمة وصدره مشروح بالولاء، وقلبه مغمور بالضياء، ويده مرفوعة إلى السماء، ولسانه ناطق بالشكر والدعاء، وجنانه ثابت من المهابة والمحبة على الخوف والرجاء، وطرفه مغمض من الحياء. وهو للأرض مقبل، وللفرض متقبل، يمت بما قدمه من الخدمات، وذخره ذخر الأقوات لهذه الأوقات، وقد أحاطت العلوم الشريفة بأن الوالد السعيد الشهيد الشديد السديد المبيد للشرك المبير، لم يزل مستقيمًا على جديد الجد، ومصر بل الأمصار باجتهاده في
الجهاد شاهدة، والأنجاد والأغوار في نظر عزمه واحدة، والبيت المقدس من فتوحاته، والمُلك العقيم من نتائج عزماته، وهو الذي ملك ملوك الشرق، وغل أعناقها، وأسر طواغيت الكفر، وشد خناقها، وقمع عبدة الصلبان، وقطع أصلابها، وجمع كلمة الإيمان وعصم جنابها، وقبض وعدله مبسوط، ووزره محطوط، وعمله بالصلاح منوط، وخرج من الدنيا وهو في الطاعة الإمامية داخل.
قال العماد الكاتب: لما توفي وملكت أولاده كان العزيز عثمان بمصر يقرب أصحاب أبيه ويكرمهم، والأفضل بدمشق يفعل بضد ذلك. وأشار عليه جماعة كالوزير الجزري الذي استوزره، يعني الضياء ابن الأثير.
وفيه يقول فتيان الشاغوري:
متى أرى وزيركم وما له من وزرِ يقلعه الله فذا أوانُ قلع الجزرِ ومن كتاب فاضلي: أما هذا البيت، فإن الآباء منه اتفقوا فملكوا، وإن الأبناء منه اختلفوا فهلكوا.
قلت: خلف من الأولاد صاحب مصر السلطان الملك العزيز، والملك الأفضل علي صاحب دمشق، والملك الظاهر غازي صاحب حلب، والملك المعز فتح الدين إسحاق، والملك المؤيد نجم الدين مسعود، والملك الأعز شرف الدين يعقوب، والملك الظافر مظفر الدين خضر، والملك الزاهر مجير الدين داود، والملك المفضل قطب الدين موسى، والملك الأشرف عزيز الدين محمد، والملك المحسن ظهير الدين أحمد، والملك المعظم فخر الدين تورانشاه، والجواد ركن الدين أيوب، والغالب نصير الدين ملك شاه، وعماد الدين شاذي. ونصرة الدين مروان، والمنصور أبو بكر، ومؤنسة زوجة الكامل.
هؤلاء كلهم عاشوا بعده، وكان أكثرهم بحلب عند الظاهر، وآخرهم موتًا تورانشاه، توفي بعد أخذ حلب، وكان بقلعتها.
قال الموفق عبد اللطيف: أتيتُ الشام، والملك صلاح الدين بالقدس، فأتيته فرأيته ملكًا عظيمًا، يملأ العيون روعةً، والقلوب محبةً، قريبًا بعيدًا، سهلًا محببًا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قال الله
تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} وأول ليلةٍ حضرته وجدت مجلسًا حفلًا بأهل العلم يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يُحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار، وحفر الخنادق، ويتفقه في ذلك، ويأتي بكل معنى بديع.
وكان مهتمًا في بناء سور القدس، وحفر خندقه، يتولى ذلك بنفسه، وينقل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الناس الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل، ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر، ويأتي داره فيمد السماط، ثم يستريح، ويركب العصر، ويرجع في ضوء المشاعل، ويصرف أكثر الليل في تدبير ما يعمل نهارًا. وقال له بعض الصناع: هذه الحجارة التي تقطع من أسفل الخندق، ويبنى بها السور رخوة. قال: نعم، هذه تكون الحجارة التي تلي القرار والنداوة، فإذا ضربتها الشمس صلبت. وكان رحمه الله يحفظ الحماسة، ويظن أن كل فقيه يحفظها، فكان ينشد القطعة، فإذا توقف في موضعٍ استطعم فلم يطعم. وجرى له ذلك مع القاضي الفاضل، ولم يكن يحفظها، فخرج من عنده، فلم يزل حتى حفظها. وكتب لي صلاح الدين بثلاثين دينارًا في الشهر على ديوان الجامع بدمشق، وأطلق لي أولاده رواتب، حتى تقرر لي في كل شهر مائة دينار.
ورجعت إلى دمشق، وأكبيت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع.
قال: وكان عمه أسد الدين شيركوه من أمراء دولة نور الدين، وكان أبوه أيوب معروفًا بالصلاح. وكان شيركوه معروفًا بالشجاعة، وكان لأيوب بنون وبنات، ولم يكن صلاح الدين أكبرهم. وكان شحنة دمشق، ويشرب الخمر، فمذ باشر الملك طلق الخمر واللذات. وكان محببًا، خفيفًا إلى قلب نور الدين، يلاعبه بالكرة. وملك مصر.
وكانت وقعته مع السودان سنة بضع وستين، وكانوا نحو مائتي ألف، ونصر عليهم، وقتل أكثرهم، وهرب الباقون، وابتنى سور القاهرة ومصر على يد الأمير قراقوش.
وفي هذه الأيام ظهر ملك الخزر، وملك دوين وقتل من المسلمين ثلاثين ألفًا.
ثم في سنة سبع قطع صلاح الدين خطبة العاضد بمصر، وخطب للمستضيء. ومات العاضد واستولى صلاح الدين على القصر وذخائره، وقبض على الفاطميين.
وفي سنة ثمان وستين فتح أخوه شمس الدولة برقة ونفوسًا.
وفي سنة تسع مات أبوه، ونور الدين، وافتتح أخوه شمس الدولة اليمن، وقبض على المتغلب عليها عبد النبي بن مهدي المهدي، وكان شابًا أسود.
وفي سنة سبعين سار من مصر، وملك دمشق.
وفي سنة إحدى وسبعين حاصر عزاز. قال ابن واصل: حاصر عزاز ثمانية وثلاثين يومًا بالمجانيق، وقتل عليها كثير من عسكره. وكانت لجاولي الأمير خيمة، كان السلطان يحضر فيها، ويحض الرجال على الحرب، فحضرها والباطنية، الذين هم الإسماعيلية، في زي الأجناد وقوف، إذ قفز عليه واحد منهم، فضرب رأسه بسكين، فلولا المغفر الزرد، وكان تحت القلنسوة، لقتله. فأمسك السلطان يد الباطني بيديه، فبقي يضرب في عنقه ضربًا ضعيفًا، والزرد يمنع، فأدرك السلطان مملوكه يازكوج الأمير، فأمسك السكين فجرحته، وما سيبها الباطني حتى بضعوه. ووثب آخر، فوثب عليه الأمير داود بن منكلان، فجرحه الباطني الآخر في جنبه فمات وقتل الباطني، ثم جاء باطني ثالث، فماسكه الأمير علي بن أبي الفوارس، فضمه تحت إبطه، وبقيت يد الباطني من ورائه لا يقدر على الضرب بالسكين، ونادى: اقتلوني معه، فقد قتلني وأذهب قوتي. فطعنه ناصر الدين محمد بن شيركوه فقتله، وانهزم آخر فقطعوه، وركب السلطان إلى مخيمه ودمه سائل على خده، واحتجب في بيت خشب، وعرض الجند، فمن أنكره أبعده. ثم تسلم القلعة بالأمان.
وفي سنة ثلاث كسرته الفرنج على الرملة، وفر عندما بقي في نفرٍ يسير.
وفي سنة خمس وسبعين كسرهم. وأسر ملوكهم وأبطالهم.
وفي سنة ست أمر ببناء قلعة القاهرة على جبل المقطم.
وفي سنة ثمانٍ عبر الفرات، وفتح حران، وسروج، والرها، والرقة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمد، وحاصر الموصل، وملك حلب، وعوض عنها سنجار لصاحبها عماد الدين زنكي الذي بنى العمادية بالموصل.
ثم إن صلاح الدين حاصر الموصل ثانيًا وثالثًا، ثم هادنه صاحبها عز الدين مسعود، ودخل في طاعته، ثم تسلم صلاح الدين البوازيج، وشهرزور، وأنزل أخاه الملك العادل عن قلعة حلب، وسلمها لولده الملك الظاهر، وعمره إحدى عشر سنة. وسير العادل إلى ديار مصر نائبًا عنه، وكان بها ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه، فغضب حيث عزله، وأراد أن يتوجه إلى المغرب، وكان شهمًا شجاعًا، فخاف صلاح الدين من مغبة أمره، فلاطفه بكل وجهٍ حتى رجع مغضبًا وقال: أنا أفتح بسيفي ما أستغني به عما في أيديكم. وتوجه إلى خلاط، وفيها بكتمر، فالتقى هو وبكتمر، فانكسر بكتمر شر كسرة، وسير تقي الدين علمه وفرسه إلى دمشق وأنا بها، وكان يومًا مشهودًا.
وفي سنة ثلاث وثمانين فتح صلاح الدين طبرية، ونازل عسقلان، وكانت وقعة حطين، واجتمع الفرنج، وكانوا أربعين ألفًا، على تل حطين، وسبق المسلمون إلى الماء، وعطش الفرنج، وأسلموا نفوسهم وأخذوا عن بكرة أبيهم، وأسرت ملوكهم.
ثم سار فأخذ عكا، وبيروت، وقلعة كوكب، والسواحل. وسار فأخذ القدس بالأمان بعد قتالٍ ليس بالشديد.
ثم إن قراقوش التركي مملوك تقي الدين عمر المذكور توجه إلى المغرب لما رجع عنها مولاه، فاستولى على أطراف المغرب، وكسر عسكر تونس، وخطب لبني العباس. وإن ابن عبد المؤمن قصد قراقوش، ففر منه ودخل البرية. ثم دخل إليه مملوك آخر يسمى بوزبه، واتفقا، ثم اختلفا، ولو اتفقا مع المايرقي لأخذوا المغرب بأسره. ووصلت خيل المايرقي إلى قريب مراكش، وتهيأ الموحدون للهرب، لكن أرسلوا رجلًا يعرف بعبد الواحد له رأي ودهاء، فقاوم المايرقي بأن أفسد أكثر أصحابه والعرب الذين حوله بالأموال، وكسره مرات، وجرت أمورٌ ليس هذا موضعها.
ثم إن الفرنج نازلوا عكا مدةً طويلة، وكانوا أممًا لا يُحصون، وتعب المسلمون، واشتد الأمر.
قال: ومدة أيامه لم يختلف عليه أحدٌ من أصحابه، وفُجع الناس بموته. وكان الناس في أيامه يأمنون ظُلمه، ويرجون رفده. وأكثر ما كان عطاؤه يصل إلى الشجعان، وإلى أهل العلم، وأهل البيوتات. ولم يكن لمبطل، ولا لصاحب هزلٍ عنده نصيب.
ووجد في خزائنه بعد موته دينار صوري، وثلاثون درهمًا.
وكان حسن الوفاء بالعهود، حسن المقدرة إذا قدر، كثير الصفح. وإذا نازل بلدًا وأشرف على أخذه، ثم طلبوا منه الأمان أمنهم، فيتألم جيشه لذلك لفوات حظهم. وقد عاقد الفرنج وهادنهم عندما ضرس عسكره الحرب وملوا.
قال القاضي بهاء الدين ابن شداد: قال لي السلطان في بعض محاوراته في الصلح: أخاف أن أصالح، وما أدري أي شيء يكون مني، فيقوى هذا العدو، وقد بقيت لهم بلادٌ فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين، وترى كل واحدٍ من هؤلاء، يعني أخاه وأولاده وأولاد أخيه، قد قعد في رأس تلةٍ، يعني قلعته، وقال لا أنزل. ويهلك المسلمون.
قال ابن شداد: فكان والله كما قال؛ توفي عن قريبٍ، واشتغل كل واحدٍ من أهل بيته بناحية، ووقع الخُلف بينهم، وبعد، فكان الصلح مصلحة، فلو قُدر موته والحرب قائمةٌ لكان الإسلام على خطر.
قال الموفق: حم صلاح الدين ففصده من لا خبرة له، فخارت القوة ومات قبل الرابع عشر، ووجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء. وما رأيت ملكًا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محببًا، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر.
ثم تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، ومزقوا في البلاد.
قلت: ولقد أجاد في مدحه العماد حيث يقول:
وللناس بالمالك الناصر الص صلاح صلاحٌ ونصرٌ كبيرٌ هو الشمس أفلاكه في البلا دِ ومطلعه وسرجُه والسريرُ إذا ما سطا أو حبا واحتبى فما الليثُ من حاتم ما ثبير وقد طول القاضي شمس الدين ترجمته فعملها في تسعٍ وثلاثين ورقة
بالقطع الكبير، فمما فيها بالمعنى أن صلاح الدّين قدم به أبوه وهو رضيع، فناب أبوه ببعلبك لما أخذها الأتابك زنكي في سنة ثلاثٍ وثلاثين.
وقيل: إنهم خرجوا من تكريت في الليلة التي ولد فيه صلاح الدّين، فتطيروا به، ثم قال بعضهم: لعل فيه الخيرة، وأنتم لا تعلمون.
ثم خدم نجم الدّين أيوب وولده صلاح الدّين السّلطان نور الدين، وصيرهما أميرين، وكان أسد الدّين شيركوه أخو نجم الدّين أرفع منهما منزلةً عنده، فإنه كان مقدَّم جيوشه، ووليّ صلاح الدّين وزارة مصر، وهي كالسلطنة في ذلك الوقت، بعد موت عمه أسد الدّين سنة أربع وستين، فلما هلك العاضد في أول سنة سبع، استقل بالأمر، مع مُداراة نور الدّين ومراوغته، فإن نور الدّين عزم على قصد مصر ليقيم غيره في نيابته، ثم فتر، ولما مات نور الدّين سار صلاح الدّين إلى دمشق مظهرًا أنه يقيم نفسه أتابكًا لولد نور الدّين لكونه صبيًا، فدخلها بلا كلفة، واستولى على الأمور في سلخ ربيع الأول سنة سبعين، ونزل بالبلد بدار أبيه المعروفة بالشريف العقيقي التي هي اليوم الظاهرية، ثم تسلم القلعة، وصعد إليها، وشال الصبي من الوسط، ثم سار فأخذ حمص، ولم يشتغل بأخذ قلعتها، في جمادى الأولى، ثم نازل حلب في سلخ الشهر، وهي الوقعة الأولى، فجهز السّلطان غازي بن مودود أخاه عز الدّين مسعود في جيش كبير لحربه، فترحل عن حلب، ونزل على قلعة حمص فأخذها، وجاء عز الدّين مسعود، فأخذ معه عسكر حلب، وساق إلى قرون حماة، فراسلهم وراسلوه، وحرص على الصلح فأبوا، ورأوا أن المصاف معه ينالون به غرضهم لكثرتهم، فالتقوا، فكانت الهزيمة عليهم، وأسر جماعة، وذلك في تاسع عشر رمضان، ثم ساق وراءهم، ونزل على حلب ثانيًا، فصالحوه وأعطوه المعرة، وكفرطاب، وبارين.
وجاء صاحب الموصل غازي فحاصر أخاه عماد الدّين زنكي بسنجار، لكونه انتمى إلى صلاح الدّين، ثم صالحه لما بلغ غازي كسرة أخيه مسعود، ونزل بنصيبين، وجمع العساكر، وأنفق الأموال، وعبر الفرات، وقدم حلب، فخرج إلى تلقيه ابن عمه الصالح ابن نور الدين، وأقام على حلب مدة، ثم كانت وقعة تل السلطان، وهي منزلة بين حلب وحماة، جرت بين صلاح الدّين وبين غازي صاحب الموصل في سنة إحدى وسبعين، فنصر صلاح الدّين، ورجع غازي فعدى الفرات، وأعطى صلاح الدّين لابن أخيه عز الدّين فرخشاه
ابن شاهنشاه صاحب بعلبك خيمة السّلطان غازي، ثم سار فتسلم منبج وحاصر قلعة عزاز، ثم نازل حلب ثالثًا في آخر السنة، فأقام عليها مدةً، فأخرجوا ابنةً صغيرة لنور الدّين إلى صلاح الدّين، فسألته عزاز، فوهبها لها، ثم دخل الديار المصرية واستعمل على دمشق شمس الدولة تورانشاه، وكان قد جاء من اليمن، وخرج سنة ثلاثٍ من مصر، فالتقى الفرنج على الرملة، فانكسر المسلمون يومئذٍ، وثبت صلاح الدّين، وتحيز بمن معه، ثم دخل مصر، ولم شعث العسكر.
وتقدم أكثر هذا القول مفرقًا.
ونازل حلب في أول سنة تسعٍ، فطلب منه عماد الدّين زنكي بن مودود أن يأخذ ما أراد من القلعة، ويعطيه سنجار، ونصيبين، وسروج، وغير ذلك، فحلف له صلاح الدّين على ذلك، وكان صلاح الدّين قد أخذ سنجار من أربعة أشهر، وأعطاها لابن أخيه تقي الدّين عمر، ثم عوضه عنها، ودخل حلب، ورتب بها ولده الملك الظاهر، وجعل أتابكه يازكوج الأسدي، ثم توجه لمحاصرة الكرك، وجاءه أخوه العادل من مصر، فحشدت الفرنج، وجاؤوا إلى الكرك نجدةً، فسير صلاح الدّين تقي الدّين عمر يحفظ له مصر، ثم رحل عن الكرك في نصف شعبان، وأعطى أخاه العادل حلب، فدخلها في أواخر رمضان، وقدم الظاهر وأتابكه، فدخلا دمشق في شوال، وقيل: أعطاه عوض حلب ثلاث مائة ألف دينار، ثم إن صلاح الدّين رأى أن عود العادل إلى مصر، وعود الظاهر إلى حلب أصلح، وعوض بعد العادل بحران، والرها، وميافارقين.
وفي شعبان سنة إحدى وثمانين نزل صلاح الدّين على الموصل، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها عز الدين، ثم مرض صلاح الدّين، فرجع إلى حران، واشتد مرضه حتى أيسوا منه، وحلفوا لأولاده بأمره، وجعل وصيه عليهم أخاه العادل وكان عنده، ثم عوفي ومر بحمص وقد مات بها ابن عمه ناصر الدّين محمد بن شيركوه، فأقطعها لولده شيركوه، ثم استعرض التركة فأخذ أكثرها، قال عز الدّين ابن الأثير: وكان عمر شيركوه اثنتي عشرة سنة.
ثم إنه حضر بعد سنة عند صلاح الدّين، فقال له: إلى أين بلغت في
القرآن؟ قال: إلى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} فعجب الحاضرون من ذكائه.
وفي سنة اثنتين وثمانين عاد الظاهر فدخل حلب، وزوجه أبوه بغازية بنت أخيه الملك العادل، فدخل بها بحلب في السنة.
وفي سنة ثلاثٍ افتتح صلاح الدّين بلاد الفرنج، وقهرهم وأباد خضراءهم، وأسر ملوكهم، وكسرهم على حطين، وافتتح القدس، وعكا، وطبرية، وغير ذلك.
وكان قد نذر أن يقتل البرنس أرناط صاحب الكرك، فكان ممن وقع في أسره يومئذٍ، وكان قد جاز به قومٌ من مصر في حال الهدنة، فغدر بهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما فيه استخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم، فاستحضرهم صلاح الدّين، ثم ناول الملك جفري شربةً من جلاب وثلج، فشرب، وكان في غاية العطش، ثم ناولها البرنس أرناط فشرب، فقال السّلطان للترجمان: قل للملك جفري، أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما سقيته.
ثم استحضر البرنس في مجلس آخر وقال: أنا أنتصر لمحمد منك، ثم عرض عليه الإسلام، فامتنع فسلَّ النيمجاه، وحلَّ بها كتفه، وتممه بعض الخاصة، وافتتح في هذا العام من الفتوحات ما لم يفتحه ملك قبله، وطار صيته في الدنيا، وهابته الملوك.
ثم وقع المأتم والنَّوح في جزائر الفرنج، وإلى رومية العظمى، ونودي بالنفير إلى نصرة الصليب، فأتى السّلطان من عساكر الفرنج ما لا قبل له به، وأحاطوا بعكا يحاصرونها، فسار السّلطان إليها ليكشف عنها، فعيل صبره، وبذل فوق طاقته، وجرت له أمورٌ وحروبٌ قد ذكرتها في الحوادث، وبقي مرابطًا عليه نحوًا من سنتين، فالله يُثيبه الجنة برحمته.
وكتب القاضي الفاضل بطاقة إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} كتبتُ إلى مولانا السّلطان الملك الظاهر أحسن اللَّه عزاءه، وجبر مُصابه، وجعل فيه الخَلف في الساعة المذكورة، وقد زُلزل المسلمون زلزالًا شديدًا وقد حفرت الدموعُ المحاجر، وبلغت القلوب
الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعًا لا تلاقي بعده، وقبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى اللَّه تعالى، مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة، والأسلحة المعمدة، ما لم يدفع البلاء ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا بك يا يوسف لمحزونون، وأمّا الوصايا فما تحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المُصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاقٌ فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو الهولُ العظيم؟ وقد كتب إلى صلاح الدّين ابن التعاويذيّ هذه القصيدة يمتدحه:
إن كان دينك في الصبابة ديني فقف المطي برملتي يبرينِ والثم ثرى لو شارفت بي هضبه أيدي المطي لثمته بجفوني وانشد فؤادي في الظباء معرضًا فبغير غزلان الصريم جنوني ونشيدتي بين الخيام، وإنما غالطتُ عنها بالظباءِ العينِ لله ما اشتملتْ عليه قبابُهم يوم النوى من لؤلؤٍ مكنونِ من كل تائهةٍ على أترابها في الحسن غانية عن التحسين خودٍ ترى قمرَ السماء إذا بدت ما بين سالفةٍ لها وجبين يا سَلمَ إن ضاعت عهودي عندكم فأنا الذي استودعتُ غيرَ أمين هيهات ما للبيض في ودّ امرئ أربٌ وقد أربى على الخمسين ليت الضنين على المحبّ بوصلهِ لقن السماحة من صلاح الدّين ولعلم الدّين حَسن الشاتاني فيه قصيدةٌ مطلعها:
أرى النصرَ مقرونًا برايتك الصَّفرا فسر واملك الدنيا فأنت بها أحرى وللمهذب عمر بن محمد ابن الشحنة الموصلي قصيدةٌ فيه مطلعها:
سلامُ مشوقٍ قد براه التشوُّقُ على جيرة الحي الذين تفرقوا منها:
وإني امرؤٌ أحببتكم لمكارم سمعتُ بها والأذن كالعين تعشقُ وقالت لي الآمال: إن كنت لاحقًا بأبناء أيوب فأنت الموفقُ وللقاضي السعيد هبة اللَّه ابن سناء الملك فيه:
لستُ أدري بأي فتحٍ تُهنّا يا مُنيل الإسلام ما قد تمنى أنهنيك إذ تملكت شاما أم نهنيك إذ تبوأت عدنا قد ملكت الجنان قصرًا فقصرًا إذ فتحت الشامَ حصنًا فحصنا لم تقف في المعارك قطُّ إلاّ كنت يا يوسف كيوسف حُسنا قصدت نحوكَ الأعادي، فردّ اللَّه ما أملوه عنك وعنّا حملوا كالجبال عُظمًا ولكن جعلتها حملاتُ خيلك عِهنا كل من يجعل الحديدَ له ثوبًا وتاجًا وطيلسانًا ورُدنا خانهم ذلك السلاح فلا الرمحُ تثنى، ولا المهند طنّا وتولت تلك الخيولُ وكم يُثنى عليها بأنها ليس تُثنى وتصيدتهم لحلقة صيدٍ تجمع الليثَ والغزال الأغنّا وجرت منهم الدماء بِحارًا فجرت فوقها الجزائرُ سفنا صنعت فيهم وليمةُ وحشٍ رقص المشرفي فيها وغنى وحوى الأسرُ كلّ ملك يظنّ الدهر يفنى وملكه ليس يفنى والملكُ العظيمُ فيهم أسيرٌ يتثنى في أدهمٍ يتثنى كم تمنى اللقاء حتى رآهُ فتمنى لو أنه ما تمن رقّ من رحمةٍ له القيدُ والغلّ عليه فكُلما أنَّ أنّا واللعين البرنس أرناط مذبوحٌ بيمنى من بات للدين يُمنى أنت ذكَّيته فوفيت نذرًا كنت قدَّمتهُ فجوزيت حُسنا قد ملكت البلاد شرقًا وغربًا وحويتَ الآفاق سهلًا وحَزنا واغتدى الوصفُ في عُلاك حسيرًا أيُّ لفظٍ يقال أو أيُّ معنى فمن فتوحاته: افتتح أولًا الإسكندرية سنة أربعٍ وستين، وقاتل معه أهلها لما حاصرتهم الفرنج أربعة أشهر، ثم كشف عنه عمه أسد الدّين شيركوه، وفارقاها وقدما الشام.
ثم تملك وزارة العاضد بعد عمه شيركوه سنة أربع وستين، وقتل شاور، وحارب السودان؛ واستتب له أمر ديار مصر، فأعاد بها الخطبة العباسية، وأباد بني عُبيد، وعبيدهم.
ثم تملَّك دمشق بعد نور الدين، ثم حمص، وحماة، ثم حلب، وآمد، وميافارقين، وعدة بلاد بالجزيرة، وديار بكر.
وأرسل أخاه فافتتح له اليمن، وسار بعض عسكره فافتتح له بعض بلاد إفريقية.
ثم لم يزل أمره في ارتقاء، وملكه في ارتفاع، إلى أن كسر الفرنج نوبة حطين، وأسر ملوكهم، ثم افتتح طبرية، وعكا، وبيروت، وصيدا، ونابلس، والناصرة، وقيسارية، وصفورية، والشَّقيف، والطُّور، وحيفا، ومعليا، والفولة، وغيرها من البلاد المجاورة لعكا، وسبسطية التي يُقال لها قبر زكريا، وتبنين، وجُبيل، وعسقلان، وغزة، وبيت المقدس، ثم نازل صور مدة أشهر، فلم يقدر عليها وترحل عنها، وافتتح هونين، وكوكب، وأنطرسوس، وجبلة، وبكسرائيل، واللاذقية، وصهيون، وقلعة العيذ، وقلعة الجماهرية، وبلاطنُس، والشَّغر، وبكاس، وسرمانية، وبرزُية، ودربساك، وبغراس، وكانا كالجناحين لأنطاكية، ثم عقد هدنة مع إبرنس إنطاكية، ثم افتتح الكرك، والشوبك، وصفد، والشقيف المنسوب إلى أرنون.
وحضر مصافاتٍ عدة ذُكرت سائرها في الحوادث، رحمه الله وأسكنه جنته بفضله.
وفي سنة تسعٍ ولد:
تقي الدّين إسماعيل بن أبي اليُسر، والكمال عبد العزيز بن عبد، والتاج مظفر بن عبد الكريم الحنبلي، والشهاب محمد بن يعقوب بن أبي الدنية، والزين أحمد بن أبي الخير سلامة، والنجيب محاسن بن الحسن السُّلمي، والزكي إسرائيل بن شقير، والعلامة عز الدّين عبد الرزاق بن رزق اللَّه الرسعنيّ، وسعد اللَّه بن أبي الفضل التنوخيّ البزاز، والشيخ زين الدّين الزواويّ، وعبد الرحمن بن أحمد بن ناصر بن طغان الطّريفيّ، والجمال محمد بن عبد الحق بن خلف، وإمام الدّين محمد بن عمر بن الحسن الفارسيّ، وقاضي القُضاة صدر الدّين أحمد ابن سنيّ الدولة.
سنة تسعين وخمسمائة
377 -
أحمد بن إسماعيل بن يوسف
، أبو الخير الطالقاني القزويني، الفقيه الشافعي، الواعظ، رضي الدين، أحد الأعلام.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين، وتفقه على الفقيه أبي بكر بن ملكداذ بن عليّ العمركي، ثم ارتحل إلى نيسابور، وتفقه على محمد بن يحيى الفقيه حتى برع في المذهب، وسمع الكثير من أبيه، ومن أبي الحسن عليّ الشافعي القزويني، وأبي عبد اللَّه محمد بن الفضل الفُراوي، وزاهر الشحامي، وعبد المنعم ابن القشيري، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وعبد الجبار الخواري، وهبة اللَّه بن سهل السيدي، وأبي نصر محمد بن عبد اللَّه الأرغياني، ووجيه بن طاهر، وسمع بالطَّابران من محمد بن المنتصر المتُّوثي، وببغداد من أبي الفتح ابن البطي.
ودرس ببلده مدةً، ثم درس ببغداد في سنة بضعٍ وخمسين ووعظ، وخلع عليه، وعاد إلى بلده، ثم قدمها قبل السبعين وخمسمائة، ودرّس بالنظامية.
قال ابن النجار: كان رئيس أصحاب الشافعي، وكان إمامًا في المذهب، والخلاف، والأصول، والتفسير، والوعظ، حدَّث بالكتب الكبار كـ صحيح مسلم، ومُسند إسحاق، وتاريخ نيسابور للحاكم، والسنن الكبير للبيهقي، ودلائل النبوة، والبعث والنشور له أيضًا، وأملى عدة مجالس، ووعظ، ونَفَق كلامه على الناس، وأقبلوا عليه لحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثرة محفوظاته، ثم قدم ثانيًا، وعقد مجلس الوعظ، وصارت وجوه الدولة ملتفتة إليه، وكثُر التعصب له من الأمراء والخواص، وأحبه العوام، وكان يجلس بالنظامية، وبجامع القصر، ويحضر مجلسه أممٌ، ثم ولي تدريس النظامية سنة تسعٍ وستين، وبقي مدرّسها إلى سنة ثمانين وخمسمائة، ثم عاد إلى بلده، وكان كثير العبادة والصلاة، دائم الذكر، قليل المأكل، وكان مجلسه كثير الخير، مشتملًا على التفسير، والحديث، والفقه، وحكايات الصالحين
من غير سجعٍ، ولا تزويق عبارةٍ ولا شعر، وهو ثقة في روايته، وقيل: إنه كان له في كل يومٍ ختمةٌ مع دوام الصوم، وقيل: إنه يُفطر على قرص واحد.
وقال ابن الدبيثي: أملى عدة مجالس، وكان مقبلًا على الخير، كثير الصلاة، له يدٌ باسطةٌ في النظر، واطلاع على العلوم، ومعرفة بالحديث، وكان جماعةً للفنون، رحمه الله، رجع إلى بلده سنة ثمانين، فأقام بها مشتغلًا بالعبادة إلى أن توفي في محرم سنة تسعين.
وقال الحافظ عبد العظيم: حكى عنه غيرُ واحدٍ أنه كان لا يزال لسانه رطبًا من ذِكر اللَّه، توفي في الثالث والعشرين من المحرم.
وأنبأني ابن البزُوري أنه أوَّل من تكلم بالوعظ بباب بدر الشريف.
قلت: هو مكان كان يحضر فيه وعظه الإمام المستضيء من وراء حجاب، وتحضر الخلائق، فكان يعظ فيه القزويني مرةً، وابن الجوزي مرةً.
وقد روى عنه مسند إسحاق بن راهويه أبو البقاء لإسماعيل بن محمد المؤدب البغدادي، وروى عنه ابن الدُّبيثي، ومحمد بن عليّ بن أبي سهل الواسطي، والموفق عبد اللطيف بن يوسف، وبالغ في الثناء عليه، وقال: كان يعمل في اليوم والليلة، ما يعجز المجتهد عن عمله في شهر، ولما ظهر التشيُّع في زمان ابن الصاحب التمس العامة منه يوم عاشوراء على المنبر أن يلعن يزيد فامتنع، ووثبوا عليه بالقتل مرات، فلم يُرع، ولا زَلَّ له لسانٌ ولا قدم، وخلص سليمًا، وسافر إلى قزوين.
قال: وفي أيام مجد الدّين ابن الصاحب صارت بغداد بالكرخ، وجماعةٌ من الحنابلة تشيعوا، حتى إن ابن الجوزي صار يسجع ويُلغِز، إلا رضي الدّين القزويني، فإنه تصلّب في دينه وتشدد.
قلت: ورخه في هذه السنة ابن الدبيثي، والزكي المنذري، وورَّخه ابن النجار سنة تسع وثمانين في المحرم، ورواه عن ولده أبي المناقب محمد بن أحمد رحمه الله.
378 -
أحمد بن عبد اللَّه
، أبو العباس الشافعي، الواعظ، فخر الدّين ابن فويرة.
قدِم دمشق ووعظ بها، وبمصر، وحصل له قبولٌ تامٌّ، وكان حُلو الإيراد، توفي في شوال.
379 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن علي
، أبو بكر الأصبهاني، الجورتاني، الحنبلي الحمامي.
سمع من سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وغيره.
وتُوفي قبل والده بأيامٍ أو بأشهر.
380 -
أحمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي
، أبو العباس بن المأمون الهاشمي العباسي، المأموني، نقيب العباسيين، ببغداد، ويعرف بابن الزّوال.
توفي ببغداد في صفر؛ وله سماعٌ نازلٌ من أبي بكر محمد بن ذاكر الأصبهاني.
381 -
إبراهيم بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن يعقوب بن أحمد
، أبو إسحاق الأنصاري، البلنسي، المحدث، نزيل الإسكندرية، ويُعرف بابن الجمش.
رحل وحجَّ واستوطن الإسكندرية، فأكثر الكتابة عن السلفي، وبدر الحبشي، وأبي طاهر بن عوف، وخُّطهُ كيِّس مغربي، رفيع، نسخ شيئًا كثيرًا، وزهد فيما بعد وتنسك، وأقبل على شأنه، وكان يُنفق في الشهر أقل من درهمين يتقنّع بها، وكان حافظًا، فهمًا، متيقظًا.
توفي في آخر السنة في ذي الحجة، وقيل: في السابع والعشرين من ذي القعدة.
382 -
إبراهيم بن مسعود بن حسان
، أبو إسحاق الضرير، الرصافي، النحوي المعروف بالوجيه الذكي.
أخذ العربية عن مُصدق بن شبيب النحوي، وتوفي شابًا في جمادى الأولى، وكان قد برع في الأدب.
383 -
تميم بن سلمان بن معالي
، أبو كامل العبادي، الربعي، ربيعة الفرس، الأزجي.
حدث عن أبي الكرم الشهرزوري، روى عنه تميم البندنيجيّ، وابن خليل.
384 -
جاكير الزاهد
، أحد شيوخ العراق.
كان كبير القدر، صاحب أحوال، وكرامات، واتباع، وسُنّة، وعبادة، وله أصحاب مشهورون فيهم دين وتعبُّد.
بلغني أنه صحب الشيخ عليّ ابن الهيتي، وتوفي في هذا العام أو بعده بسنة رحمه الله.
وذكر لي الشيخ شُعيب التركماني أحد من اختُصي وخدم بيت الشيخ في صباه، أن اسم الشيخ جاكير محمد بن دشم الكردي الحنبلي، وأنه لم يتزوج، ثم ذكر لي عنه كرامات، وأن زاويته وضريحه بقرية راذان، وهي على بريدٍ من سامرا، وأن أخاه الشيخ قعد في المسجد بعده، ثم بعده ابنه الغَرس.
ثم وُلي المشيخة بعد الغرس ولده محمد، ثم ولده الآخر أحمد، ثم جلس في المسجد بعد أحمد ابنه عليّ بن أحمد، وهو حيٌّ، وفيه مخالطة للتتار، مخلِّطٌ على نفسه، كثير الخباط، وقد ابيض رأسه ولحيته، وهو في آخر الكهولة.
385 -
خازم بن عليّ بن هبة اللَّه
، أبو القاسم ابن الكتاني، الواسطي، المعروف بابن أبي الدّبس.
سمع أبا عليّ الفارقي، وابن شيران، وببغداد من إسماعيل ابن السمرقندي، وقرأ على سبط الخياط.
سمع منه ابن الدُّبيثي، وقال: مات بواسط في ربيع الأول سنة تسعين.
386 -
زكريا بن عمر بن أحمد
، أبو الوليد الأنصاري، الخزرجي، القرطبي.
روى عن أبي الحسن بن موهب، وأبي القاسم بن ورد، وأبي بكر ابن العربي، وغيرهم بالإجازة.
387 -
سلامة بن عبد الباقي بن سلامة
، العلاّمة أبو الخير الأنباري النحوي المقرئ الضرير، نزيل مصر، والمتصدر بجامع عمرو.
له تصانيف شرح المقامات، وروى عن أبي الكرم السروري، وسعد الخير، وعنه عبد الوهاب بن وردان.
ولد سنة ثلاثٍ وخمسمائة، ومات في ذي الحجة عن ثمانٍ وثمانين سنة.
388 -
سلمان بن يوسف بن عليّ بن سلمان بن الحسن
، أبو نصر وأبو محمد البغدادي، الطحان، النُّعيمي، البزار، المعروف جدهم سلمان بابن صاحب الذهبية.
ولد سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، وأبي السعود أحمد ابن المجلي، وأبي بكر الأنصاري.
أخذ عنه عمر بن عليّ القُرشي، ومحمد بن مشق، ويوسف بن خليل، وآخرون، وقد حدَّث هو وأبوه، وجده، وجدُّ أبيه، وكان يسكن بسكة النُّعيمية، محلة ببغداد.
وتوفي في الثاني والعشرين من ربيع الآخر.
389 -
طُغريل شاه بن أرسلان شاه بن طُغريل بن محمد بن ملكشاه
، السّلطان، آخر الملوك السلجوقية سوى صاحب الروم.
وطغريل هذا هو الذي خرج على الخليفة الناصر لدين اللَّه، وخافه أهل بغداد، فسار وزير الخليفة ابن يونس في جيش بغداد فالتقاه بأرض همذان، فانهزم جيش الخليفة، وأُسر الوزير، كما ذكرنا في الحوادث، ثم إن خُوارزم شاه كاتب الخليفة وطلب منه أن يُسلطنه ويقلده، ففعل، وسار خُوارزم شاه بعساكره، وقصد طغريل، فكان المصاف بينهما على الري، فقتل طغريل، وقطع رأسه، وبُعث به إلى بغداد، فدخلوا به على رمحٍ، وكوساته مشقَّقة، وسنجقه منكَّس.
وكان من أحسن الناس صورة، فيه إقدام وشجاعة زائدة.
وكان عدد الملوك السلجوقية نيفًا وعشرين ملكًا، أولهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد، وقطع دعوة بني عُبيد بعد أن خُطب لهم مدة أشهر، وآخرهم هذا، ومدة دولتهم مائة وستون سنة.
ويُقال طغرل بحذف الياء، والله أعلم.
ومن أخباره أنه أُقيم في السلطنة بعد موت والده، وكان أتابكه البهلوان هو الكل، فمات، وكبر طغريل، فالتفت عليه الأمراء، وطلب السلطنة من الخليفة، وأن يأتي إلى بغداد كآبائه، ويأمر وينهى، ثم آل أمره إلى أن ظفر به قُزل أخو البلهوان وسجنه؛ ثم خلص، وعاث في البلاد، وتملك همذان، وغيرها.
وكان خوارزم شاه قد سار إلى الري، واستولى عليها ورجع إلى بلاده، فقصدها طُغريل في أول هذه السنة وأغار عليها، فجمع خوارزم شاه جيوشه، وسار إليه وانضم إليه قُتُلغ إينانج ولد البلهوان ابن إلدكز، فلما سمع طُغريل بقدومهما كانت له عساكر متفرقة، فلم يقف لجمعها، فقيل له: هذا ما هو مصلحة، والأولى أن تجمع العساكر، فما التفت لفرط شجاعته، والتقاهم وحمل بنفسه، وشق العساكر، فأحاطوا به، ورموه عن جواده، وقُتل في الرابع والعشرين من ربيع الأول، وملك خُوارزم شاه تلك البلاد، واستناب عليها قُتُلغ، وأقطع كثيرًا منها لممالكيه.
390 -
عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن سُفيان
، التجيبي، الشاطبي، القونكي.
سمع أبا الوليد ابن الدباغ، وابن هذيل، وابن النعمة، وخلقًا سواهم، وأتقن الفقه والعربية.
وكان فصيحًا، بليغًا، مفوهًا، له النظم والنثر، ولي قضاء لورقة.
وحدَّث عنه أبو عيسى بن أبي السداد، وأبو الربيع بن سالم الكلاعي.
قال الأبار: توفي في حدود التسعين وخمسمائة.
391 -
عبد اللَّه بن أبي المعالي المبارك بن هبة اللَّه بن سلمان
، أبو جعفر ابن الصباغ، البغدادي، الشمعي، المعروف أبوه بابن سُكرة.
سمعه أبوه من القاضي أبي بكر، ويحيى ابن الطرّاح، وأبي منصور محمد ابن خيرون، وأبي عبد اللَّه السلاّل، وجماعة كثيرة، ولأبيه رواية عن أبي طالب ابن يوسف.
روى عن عبد اللَّه تميم البندنيجي، ويوسف بن خليل.
392 -
عبد الحميد بن أبي المكارم عبد المجيد بن محمد بن أبي الرجاء الكوسج
، أبو بكر التميمي، الأصبهاني.
ولد سنة أربع وخمسمائة، وسمع إسماعيل ابن السراج، وأجاز له أبو عليّ الحداد، وأبو طالب بن يوسف، وتوفي في شوال، قاله المهذَب بن زينة.
393 -
عبد الخالق بن فيروز بن عبد اللَّه بن عبد الملك بن داود
، أبو المظفر الجوهري، الواعظ، الهمذاني الأصل، البغدادي.
قال ابن النجار: كذا رأيت نسبه بخطه، سمع بخُراسان، وأصبهان، وبغداد، ودخل الشام، وسكن مصر، وحدَّث بها ووعظ، وذكر أنه سمع من أبي عبد اللَّه الفراويّ، وأبي القاسم الشحامي، وإسماعيل القارئ، وأبي بكر الأنصاري، ويحيى ابن البناء، والأرموي، وابن ناصر، وبأصبهان من أبي الخير الباغبان، وجماعة، وخرج لنفسه عنهم جزءًا سمعه منه الحافظ بن المفضل.
قال: ولم يكن موثوقًا به، ولإخوته سماع من بعض هؤلاء، فلعله وثب على سماعهم.
ولد سنة ثلاثٍ وعشرين وخمسمائة.
قلت: روى عنه أبو الحسن السخاوي، ومحمد بن جبريل الصوفي، وأحمد بن محمد الأبرقوهي الهمذاني، والضياء محمد، وابن عبد الدائم، وإبراهيم بن محمود الضرير، وآخرون.
وتوفي بعد المحرم، فإنه أجاز فيه لبعضهم، وقرأ عليه في هذه السنة جزء الأنصاري الحافظ عبد الغني.
وقال الضياء: تكلموا في سماعه لجزء الأنصاري.
394 -
عبد الرحمن بن عبد الواحد بن أبي طاهر محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال
، أبو عليّ الأزدي، الدمشقي، المعدل.
شيخ جليل من رؤساء دمشق، سمع من أبيه أبي المكارم، وتوفي في ذي القعدة عن ثمانٍ وستين سنة.
وروى أيضًا عن أبي الدر ياقوت، روى عنه يوسف بن خليل، وغيره.
395 -
عبد الرحمن بن محمد بن أبي طالب عبد القادر بن محمد
، أبو الفرج اليوسفي، البغدادي.
أجاز له جده، وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، وابن الطبر، وقاضي المرستان، وهو من بيت الحديث والإسناد.
ولد في رجب سنة ست عشرة، وتوفي في مستهل جمادى الأولى.
روى عنه ابن خليل.
396 -
عبد الرزاق بن النفيس بن الحسين
، الفقيه أبو شجاع الواسطي، الخرزي، المعروف بابن الخيمي.
توفي في شوال بواسط.
سمع من أبي الوقت، وغيره.
397 -
عبد السلام بن أحمد بن علي
، أبو أحمد البصري، الكواز.
حدث بواسط عن أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد ابن أخي طلحة الشاهد البصري.
توفي في ربيع الآخر.
398 -
عبد الملك بن نصر اللَّه بن جهبل، الفقيه أبو الحسين الحلبي الشافعي، الزاهد العابد، مدرس الزجاجية بحلب.
حدث ببغداد لما حج عن ابن ياسر الجياني.
توفي في جمادى الآخرة.
399 -
عبد الوهاب بن عليّ بن الخضر بن عبد اللَّه بن علي
، العدل أبو محمد القرشي، الأسدي، الزبيري، الدمشقي، الشروطي، ويعرف بالحبقبق، أخو القاضي أبي المحاسن عمر بن عليّ الحافظ، نزيل بغداد، ووالد كريمة، وصفية.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وسمع أبا الحسن بن المسلم السلمي، وأبا الفتح نصر اللَّه المصيصي، وأبا الدر ياقوت التاجر، وأبا يعلى ابن الحبوبي، وخلقًا سواهم.
روى عنه أخوه أبو المحاسن، وولداه عليّ وكريمة، وأبو المواهب بن صصرى، ويوسف بن خليل، وآخرون.
وتوفي في ثالث صفر.
400 -
عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن
، أبو أحمد المقدسي، الجماعيلي، والد الشمس أحمد، المعروف بالبخاري، والضياء محمد الحافظ.
ولد سنة ثلاثين، أو إحدى وثلاثين وخمسمائة، وسمع ببغداد من سعد اللَّه بن نجا ابن الوادي، وأبي الحسين عبد الحق، وحدَّث، ولم يرو عنه ابنه، روى عنه عبد الرحمن بن سلامة المقدسي، ومحمد بن طرخان، وروى ابنه عنهما عنه.
وقال ابنه الضياء: قتل مظلومًا في تاسع شعبان، رحمه الله.
401 -
علي بن بختيار
، أبو الحسن البغدادي، الكاتب.
تنقل في الخدم إلى أن ولي أستاذ دارية الخلافة مديدة، ثم عزل فلزم بيته، وتوفي في خامس عشري شوال، ودفن إلى جانب رباطه.
402 -
علي بن يحيى بن إسماعيل، أبو المكارم البغدادي الكاتب.
له إجازات عالية، روى بالإجازة عن أبي سعد محمد بن محمد المطرز، وهو آخر من حدث عنه، وغانم بن أبي نصر البرجي، وأبي عليّ الحداد، وجماعة، روى عنه يوسف بن خليل، وغيره.
مولده بعد الخمس مائة، وتوفي في ذي الحجة.
403 -
القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد
، أبو محمد وأبو القاسم الرعيني، الأندلسي الشاطبي، الضرير، المقرئ، أحد الأعلام.
من جعل كنيته أبا القاسم لم يجعل له اسمًا سواها، وكذلك فعل أبو الحسن السخاوي، والأصح أن اسمه القاسم وكنيته أبو محمد، كذا سماه جماعة كثيرة.
وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية.
ولد في آخر سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة، وقرأ القراءات بشاطبة على أبي عبد اللَّه محمد بن عليّ بن أبي العاص المقرئ النفزي، المعروف بابن اللايه، وارتحل إلى بلنسية فقرأ القراءات، وعرض التيسير حفظًا على أبي الحسن بن هذيل، وسمع منه، ومن: أبي الحسن بن النعمة، وأبي عبد اللَّه بن سعادة، وأبي محمد بن عاشر، وأبي عبد اللَّه بن عبد الرحيم، وأبي محمد عليم بن عبد العزيز، وأبي عبد اللَّه بن حميد، وارتحل للحج، فسمع من أبي طاهر السلفي، وغيره.
وكان إمامًا علاّمة، نبيلًا، محققًا، ذكيًا، واسع المحفوظ، كثير الفنون، بارعًا في القراءات وعللها، حافظًا للحديث، كثير العناية به، أستاذًا في العربية، وقصيدتاه في القراءات والرسم مما يدل على تبحره، وقد سار بهما الركبان، وخضع لهما فحول الشعراء، وحُذّاق القراء، وأعيان البلغاء، ولقد سهل
بهما الصعب من تحصيل الفن، وحفظهما خلقٌ كثير، وقد قرأتهما على أصحاب أصحابه.
وكان إمامًا قُدوة، زاهدًا، عابدًا، قانتًا، منقبضًا، مهيبًا، كبير الشأن، استوطن القاهرة، وتصدر للإقراء بالمدرسة الفاضلية، وانتفع به الخلق، وكان يتوقّد ذكاءً.
روى عنه أبو الحسن بن خيرة ووصفه من قوة الحفظ بأمر معجب، وروى عنه أيضاً: أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى الجنجالي، وأبو بكر بن وضاح، وأبو الحسن عليّ بن هبة اللَّه ابن الجُميزي، وأبو محمد عبد اللَّه بن عبد الوارث المعروف بابن فار اللبن، وهو آخر من روى عنه.
وقرأ عليه القراءات: أبو موسى عيسى بن يوسف بن إسماعيل المقدسي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن سعد الشافعي، وأبو الحسن عليّ بن محمد السخاوي، وأبو عبد اللَّه محمد بن عمر القُرطبي، والزين أبو عبد اللَّه محمد المقرئ الكردي، والسديد أبو القاسم عيسى بن مكي العامري، والكمال عليّ بن شجاع العباسي، الضرير، وآخرون.
فحكى الإمام أبو شامة أن أبا الحسن السخاوي أخبره أن سبب انتقال الشاطبي من شاطبة إلى مصر، أنه أريد على أن يُولى الخطابة بشاطبة، فاحتج بأنه قد وجب عليه الحج، وأنه عازمٌ عليه، وتركها ولم يعد إليها تورعًا، مما كانوا يُلزمون به الخطباء من ذكرهم على المنابر بأوصافٍ لم يرها سائغةً شرعًا، وصبرَ على فقرٍ شديد، وسمع بالثغر من السلفي، ثم قدم القاهرة، فطلبه القاضي الفاضل للإقراء بمدرسته، فأجاب بعد شروطٍ اشترطها، وقد زار البيت المقدس قبل موته بثلاثة أعوام، وصام به شهر رمضان، قال السخاوي: أقطعُ بأنه كان مكاشفًا، وأنه سأل اللَّه كفاف حاله ماكان أحدٌ يعلم أيَّ شيء هو.
قال الأبار في تاريخه: تصدَّر للإقراء بمصر، فعظم شأنه، وبعُد صيته، وانتهت إليه الرياسة في الإقراء، ثم قال: وقفتُ على نسخةٍ من
إجازته، وحدَّث فيها بالقراءات عن ابن اللايُه، عن أبي عبد اللَّه بن سعيد، ولم يحدث عن ابن هذيل، قال: وتوفي بمصر في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة.
قرأت على أبي الحسين اليونيني ببعلبك: أخبرك أبو الحسن ابن الجميزي، قال: أخبرنا أبو القاسم الرعيني، قال: أخبرنا ابن هذيل، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو داود سليمان بن نجاح، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عمر ابن عبد البر، قَالَ: أَخْبَرَنَا سعيد بن نصر: قَالَ: حَدَّثَنَا قاسم بن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن وضاح، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، قَالَ: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده قال: بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في اللَّه لومة لائم، أخرجه البخاري.
ومن شعره:
قلْ للأميرِ نصيحةً لا تركننَّ إلى فقيهِ إن الفقيه إذ أتى أبوابكُم لا خيَر فيه
404 -
قيترمش المستنجدي
، أبو سعيد، أحد الأمراء الكبار.
ولي شحنكية بغداد فهذبها وقمع المفسدين، ثم أعطي دقوقا، فمرض بها، فجيء به إلى بغداد، فمات بظاهرها، فكتم أصحابه موته وأدخلوه، ثم أشاعوا موته، وحضره الأمراء وأرباب الدولة.
وولي شحنكية بغداد خمس عشرة سنة.
405 -
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن سعيد
، أبو عبد اللَّه ابن عروس الغرناطي، السلمي.
سمع من أبي الحسن بن الباذش، وأبي عبد اللَّه الموالشي، وأبي بكر بن الخلوف وقرأ عليه القراءات، وسمع من أبي بكر ابن العربي أيضًا،
وتصدر للإقراء ببلده، وإسماع الحديث، وولي الخطابة، وكان من أهل التجويد، والثقة، والضبط، والصلاح، أخذ الناس عنه كثيرًا.
وتوفي في منتصف رجب، وكان مولده في سنة تسعٍ وخمسمائة أو في حدودها.
406 -
محمد بن أحمد بن حامد
، أبو البركات ابن الصائغ الحربي العامل.
سمع بإفادة مؤدبه أبي البقاء محمد بن طبرزد من عليّ بن طراد، وأبي منصور بن خيرون، وجماعة، روى عنه أحمد بن محمد بن طلحة، وغيره، ومات في شوال.
407 -
محمد بن أحمد بن عليّ بن محمد
، أبو عبد اللَّه الأصبهاني، الجورتاني، الحمامي، الأديب، المعروف بالمصلح.
ولد في سنة خمس مائة، وسمع من أبي عليّ الحداد، وأبي نهشل عبد الصمد بن أحمد العنبري، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وغيرهم.
وحج سنة تسع وستين، فحدَّث ببغداد، وأخذ عنه عمر بن عليّ القرشي، والكبار، وعاد إلى أصبهان، وبقي إلى هذا الوقت.
توفي في حادي عشر ربيع الآخر.
وكان فقيهًا حنبليًا، أديبًا، ذا زهد وعبادة، يختم كل يومٍ ختمة.
408 -
محمد بن إبراهيم بن خلف
، أبو عبد اللَّه ابن الفخار الأنصاري الأندلسي المالقي الحافظ.
سمع أبا بكر ابن العربي، ولزمه واختص به، وأبا جعفر البطروجي، وأبا عبد اللَّه بن الأحمر، وأبا الحسن شريحًا، وأبا مروان بن مسرة، ومحمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي، وجماعة.
قال أبو عبد اللَّه الأبار: كان صدرًا في الحفاظ، مقدمًا، معروفًا، يسرد المتون والأسانيد، مع معرفةٍ بالرجال، وذكر للغريب، سمع منه جلة، وحدث
عنه أئمّة، وسمعت أبو سليمان بن حوط اللَّه يقول عنه: إنه حفظ في شبيبته سنن أبي داود السجستاني وأما في مدة لقائي إياه، فكان يذكر صحيح مسلم أو أكثره، قال الأبار: وذكر أبو جعفر بن عميرة أنه كان يحفظ صحيح مسلم، وكان موصوفًا بالورع والفضل، مسلمًا له في جلالة القدر، ومتانة العدالة، استدعي إلى حضرة السّلطان بمراكش، ليسمع عليه بها، فتوفي هناك في شعبان.
قلت: وولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
409 -
محمد بن الحسن بن محمد بن زرقان
، الفقيه أبو عبد اللَّه الشافعي، تلميذ أبي الحسن ابن الخل.
وقد أعاد لأبي طالب المبارك بن المبارك الكرخي، وشهد عند قاضي القضاء أبي طالب عليّ ابن البخاري، وناب عنه في القضاء، وسمع من أبي الوقت، وغيره، وتوفي بنواحي خلاط في هذه السنة تقريبًا.
410 -
محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم
، صدر الدّين أبو بكر المراغي قاضي مراغة، كان من أعيان أهل بلده فضلًا وتقدمًا، قدم بغداد، وسمع بها من أبي البركات إسماعيل بن أبي سعد النيسابوري، وغيره، ثم قدم بغداد سنة سبعٍ وسبعين حاجًا، وكان كثير المال والجاه والحشمة، وله آثار حسنة من البر، لكنه كان يلبس الحرير والذهب، اللَّه يسامحه المسكين.
توفي بمراغة، ونقل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فدفن برباط أنشأه بها.
411 -
محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن أبي زاهر
، أبو عبد اللَّه البلنسي، الخطيب.
قرأ القراءات على ابن هذيل، وسمع منه، ومن ابن النعمة، وكان من أهل الصلاح الكامل، والورع التام، أقرأ القرآن طول عمره، وسمع منه ابنه أبو
حامد محمد، وغيره، وتوفي في ربيع الأول عن ثلاث وستين سنة.
412 -
محمد بن عبد اللَّه بن الحسين بن عليّ بن نصر بن أحمد بن محمد بن جعفر
، أبو الفتح، وأبو عبد اللَّه البرمكي، الهروي، الحنبلي.
ولد سنة ثمانٍ وعشرين وخمسمائة.
وسمع بهمذان من أبي الوقت عبد الأول، وأبي الفضل أحمد بن سعد، وأبي المحاسن هبة اللَّه بن أحمد ابن السماك، وببغداد من أبي المعالي محمد بن محمد ابن اللحاس، وابن البطي، وخلق، وبالثغر من السفلي، وجاور وأم بالحنابلة بالحرم مدة.
روى عنه أبو الثناء حامد بن أحمد الأرتاحي، وغيره، وتوفي بمكة في حدود سنة تسعين.
413 -
محمد بن عبد الملك بن بونه بن سعيد
، أبو عبد اللَّه العبدري، المالقي، نزيل غرناطة، ويعرف بابن البيطار.
ولد سنة ستٍّ وخمسمائة، وسمع أباه، وأبا محمد بن عتاب، وغالب بن عطية، وأبا بحر بن العاص، وأبا الوليد بن طريف، وهو آخر من روى بالإجازة عن أبي عليّ بن سكرة الصدفي، روى عنه أبو القاسم الملاحي، وآخرون، وتوفي في جمادى الأولى.
ذكره الأبار، وكان أسند من بقي.
414 -
محمد بن عليّ بن شعيب
، فخر الدّين أبو شجاع ابن الدهان البغدادي، الفرضي، الأديب، الحاسب.
خرج من بغداد، وجال في الجزيرة، والشام، ومصر، وسكن دمشق مدة، وهو أول من وضع الفرائض على شكل المنبر، وجمع تاريخًا جيدًا، وصنف غريب الحديث في عدة مجلدات، وكانت له يد طولى في النجوم، وحل الزيج، نسأل اللَّه العافية، وله أبيات في التاج الكندي.
توفي فجأة بالحلة السيفية في صفر.
روى عنه أبو الفتوح محمد بن عليّ الجلاجلي شيئًا من شعره، وقد مدح
ملوكًا وأمراء، وكان من أذكياء بني آدم.
415 -
محمد بن محمد بن سعد اللَّه بن القلاس
، البغدادي، الكرخي، الشاعر المعروف بابن ملاوي، ويلقب قوس الندف.
مدح الخلفاء والوزراء، وعاش دهرًا، وله مدائح في المستنجد باللَّه، وفي ابن هبيرة، وكان مستثقل الجملة، ذكره صاحب خريدة القصر وابن النجار، وأوردا من شعره.
416 -
محمد ابن الفقيه أبي جعفر هبة اللَّه بن يحيى ابن البوقي
، الفقيه أبو العلاء الواسطي، المعدل، كاتب الإنشاءات في ديوان المجلس، عن الوزير أبي جعفر ابن البلدي.
ثم عاد إلى واسط بعد هلاك أبي جعفر.
توفي في ثاني عشر رمضان.
417 -
المبارك بن أبي سعد عليّ بن هبة اللَّه بن أحمد بن محمد بن علي
، أبو القاسم الكتاني، الواسطي.
ولد سنة سبع وخمسمائة، وقرأ القرآن على عليّ بن عليّ بن شيران وسمع منه، ومن أبي عليّ الحسن بن إبراهيم الفارقي، وأبي الحسن عليّ بن هبة اللَّه بن عبد السلام، والجلابي، وسمع ببغداد من أبي القاسم ابن السمرقندي، وغيره.
وحدث بواسط، روى عنه أبو عبد اللَّه ابن الدبيثي، وغيره.
وتوفي في ربيع الأول.
418 -
محمود بن أبي نصر
، محمد بن أحمد بن الحسين، الأديب، أبو الفتح الفروخي، الأواني، الكاتب.
ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، له النظم والنثر، حدث بشيء من شعره.
وبلد أوانا على يوم من بغداد، وهي قرية كبليدة.
419 -
مفوز بن طاهر بن حيدرة بن مفوز
، القاضي أبو بكر الشاطبي، قاضي شاطبة.
سمع أباه، وأبا الوليد ابن الدباغ، وأبا عامر بن حبيب، وأخذ القراءات عن أبي الحسن بن أبي العيش، وابن أبي العاص النفزي، وتفقه بأبي محمد بن عاشر، وغيره، وأجاز له السلفي.
وكان فصيحًا، فاضلًا، حسن السمت.
مات في شعبان عن ثلاثٍ وسبعين سنة.
420 -
مكي ابن الإمام أبي الطاهر إسماعيل بن عوف
، الزهري، الفقيه، الزاهد، أبو الحرم، ابن شيخ المالكية بالإسكندرية.
ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة، وروى بالإجازة عن أبي عبد اللَّه الفراوي، وأبي الحسن عبد الغافر الفارسي، وذكر أن أبا بكر الطرطوشي أجاز له.
توفي في شعبان.
421 -
نصر بن يحيى بن محمد بن عبد اللَّه بن حميلة
، أبو السعود البغدادي، الحربي، المعروف بابن الشناء.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، وأبي الحسين محمد ابن القاضي أبي يعلى، وأبي بكر القاضي، وجماعة، وحدَّث، روى عنه يوسف بن خليل، وأحمد بن أبي شريك، وتوفي في رجب، وسمع منه مبارك بن مسعود الرصافي مسند أحمد بن حنبل.
422 -
الوليد بن محمد بن أحمد بن جهور
، أبو محمد القرطبي، كبير الشهود المعدلين بقرطبة.
كان فاضلًا متواضعًا على منهاج السلف، سمع من أبي مروان بن مسرة، وأبي بكر بن سمجون، وعاش قريبًا من ثمانين سنة.
423 -
يحيى بن عبد الجبار بن يحيى بن يوسف
، أبو بكر الأنصاري، المالقي، المعروف بالأبار، قاضي مالقة.
ذكره أبو عبد اللَّه الأبار في تاريخه فقال: كان جزلًا في أحكامه، مهيبًا، ورعًا، فقيهًا، بصيرًا بالشروط، سمع أبا عبد اللَّه بن الأصبغ، وأبا جعفر بن عبد العزيز؛ وأبا عبد اللَّه بن نجاح الذهبي بقرطبة، ورحل إلى إشبيلية، فسمع صحيح البخاري من أبي الحسن شريح، وسمع من أبي بكر ابن العربي، حدَّث عنه أبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو يحيى بن هانئ، وغيرهما، وتوفي سنة تسعين في ذي الحجة، وله خمسٌ وثمانون سنة.
424 -
يحيى بن منصور بن أبي القاسم
، أبو زكريا البجائي، المالكي، الزاهد.
حكى عنه الزاهد أبو النون عبد النور بن عليّ التميمي.
وفيها ولد:
السيف يحيى ابن الناصح ابن الحنبلي، والشرف سليمان بن بنيمان الإربلي الشاعر، والشرف محمد بن محمد ابن البكري، ومحمد بن مرتضى بن أبي الجود، والصفيّ خليل المراغيّ، والجمال ابن شعيب التميمي، وقاضي نابلس نجم الدّين محمد بن سالم القرشي، وعبد العزيز بن إسماعيل بن مسلمة الدمشقي.
وممن كان في هذا الوقت ولم تتصل بي وفاته
425 -
أحمد بن عليّ بن أحمد
، الأنصاري، أبو العباس ابن الفقيه السرقسطيّ، نزيل الإسكندرية.
سمع الكروخي، وابن ناصر، وجماعة، وحدَّث بالتيسير عن أبي عبد اللَّه بن سعيد الداني ابن الفرس، وله شعر جيد.
حدَّث عنه أبو الحجاج ابن الشيخ، وعلي بن المفضل الحافظ، وأبو بكر بن عليّ الإشبيلي.
وكأنه توفي بعد الثمانين.
426 -
إسحاق بن محمد بن إسحاق بن محمد بن هلال بن المحسن
، أبو نصر ابن الصابئ، الكاتب البغدادي.
من بيت كتابة، وبلاغة، وترسُّل، كان شيخًا حسنًا.
قال ابن الدُّبيثي: توفي بعد الثمانين.
427 -
الحسن بن منصور بن محمود
، البخاري، الحنفي، العلامة، شيخ الحنفية، قاضي خان الأوزجندي، صاحب التصانيف.
رأيت مجلدًا من أماليه في سنة سبعٍ، وسنة ثمانٍ، وسنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة.
وسمع كثيرًا من الإمام ظهير الدّين حسن بن عليّ بن عبد العزيز، وإبراهيم بن إسماعيل الصفاري.
روى عنه العلامة جمال الدّين محمود بن أحمد بن عبد السيد الحصيري تلميذه.
428 -
شعيب بن الحسين
، أبو مدين الأندلسي، الزاهد، شيخ أهل المغرب رحمة اللَّه عليه.
أصله من أعمال إشبيلية من حصن منتوجب، جال وساح وسكن بجاية مدةً، ثم سكن تلمسان، وكان كبير الصوفية والعارفين في عصره.
ذكره أبو عبد اللَّه الأبار، ولم يؤرخ له موتًا، وقال: كان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع القرين في العبادة والنُّسك.
قال: وتوفي بتلمسان في نحو التسعين وخمسمائة، وكان آخر كلامه: اللَّه الحي، ثم فاضت نفسه.
429 -
عبد اللَّه بن عليّ بن خلف
، المحاربي، الغرناطي، أبو محمد.
روى عن أبيه، وشريح، وابن العربي.
وعنه سليمان بن حوط، وتوفي سنة بضعٍ وثمانين.
430 -
عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن سفيان
، التجيبي، الشاطبي، الفقيه، النحوي، قاضي لورقة.
سمع أبا الوليد ابن الدباغ، وابن هذيل، وطبقتهما.
وكان بليغًا مفوِّهًا، له النَّظم والنثر.
روى عنه أبو عيسى بن أبي السداد، وأبو الربيع بن سالم.
بقي إلى حدود التسعين وخمسمائة.
431 -
عبد اللَّه بن محمد بن عليّ بن وهب
، القضاعي، المؤدب، أبو محمد الإشبيلي، نزيل سبتة.
أخذ عن أبي الحسن شريح، وعمرو بن بطال.
وكان عارفًا بالقراءات والنحو، جيد التفهيم، أخذ عنه أبو العباس العزفي والد صاحب سبتة.
432 -
عبد الرحمن بن يحيى بن الحسين
، أبو القاسم الأموي، الإشبيلي، الزاهد.
روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي القاسم الهوزني، وشريح، وجماعة، ونزل بجاية من المغرب، وألف الجمع بين الصحيحين وأتى فيه بالأسانيد.
روى عنه أبو ذر الخُشني، وغيره، وبالإجازة أبو عليّ الشلوبيني.
قال الأبار: كان مقرئًا، محدثًا، زاهدًا، ورعًا.
توفي بعد الثمانين وخمسمائة.
433 -
عربي بن مسافر
، الحليّ، الشيعي، عالم الشيعة وفقيههم بالحلة.
رحلت إليه الروافض من النواحي للأخذ عنه، وروى عن العماد أبي جعفر الطبري، وغيره.
وهلك بعد الثمانين.
434 -
علي بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم
، الفهري، أبو الحسن البلنسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن ابن هذيل، وروى عن أبي الوليد ابن الدباغ، وطبقته.
وكان صالحًا منقطعًا عن الناس.
روى عنه أبو الربيع بن سالم، وقال: توفي في حدود التسعين وخمسمائة.
435 -
علي بن عبد الكريم بن أبي العلاء
، أبو الكرم العطار، العباسي، الهمذاني، مسند همذان في وقته.
كان بها في سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة في قيد الحياة، فحدث عن فند بن عبد الرحمن الشعراني، وأبي غالب أحمد بن محمد العدل صاحب ابن شبابة، وجماعة.
روى عنه عليّ بن إسفهسلاّر الرازي، والشمس أحمد بن عبد الواحد البخاري، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وغيرهم.
وسماعاته بعد الخمس مائة.
أخبرنا إسماعيل ابن المنادي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن عبد الواحد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عليّ بن عبد الكريم بقراءتي عليه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن محمد العدل سنة ستٍّ وخمسمائة، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد بن شبابة قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن عُبيد، قال: حدثنا إبراهيم بن
الحسين، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا عُفير، عن سليمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لا يقطع الصلاة شيء.
عُفير هو ابن معدان، كُنيته: أبو عائذ، ضعيف.
436 -
علي بن المظفر بن عباس
، أبو الحسن الواسطي، المقرئ، خطيب شافيا.
قرأ بالروايات العشر على أبي العز القلانسي، وتصدّر للإقراء، قرأ عليه القراءات: أبو الحسن عليّ بن باسُويه، والموفّق عليّ بن خطاب بن مقلد الضرير.
437 -
محمد بن إبراهيم بن حزب اللَّه
، الإمام أبو عبد اللَّه ابن النقّار الفاسيّ.
أخذ عن أبي عبد اللَّه ابن الرمامة المتوفى سنة سبع وستين، وعن أبي عَبْد اللَّهِ بن خليل، وجماعة.
وكان فقيهًا، متفننا، محدثًا، زاهدًا.
روى عنه أبو الحسن ابن القطان الحافظ، وتفقه به، وأجاز له في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
438 -
يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد
، أبو الوليد المخلدي، البقوي، القرطبي، والد أبي القاسم أحمد بن بقي.
روى عن جده أحمد بن محمد، وأبيه، وأبي بكر ابن العربي، وشُريح بن محمد، وأبي القاسم بن رضا، وجماعة سواهم.
حدَّث عنه ابنه أبو القاسم، وأبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو زيد الفازازي.
وولي القضاء ببسكرة، بُليدة من بلاد الزّاب.
قال الأبار: توفي بعد الثمانين وخمسمائة.
439 -
يوسف بن عبد الرحمن بن جزء، أبو الحكم الكلبي، الغرناطي.
روى عن أبيه أبي بكر، وعم أبيه أبي الوليد بن جزء، وأبي الحسن بن الباذش، والقاضي أبي بكر ابن العربي، والقاضي عياض وجماعة، حدث عنه ابنه أبو العباس.
وتوفي في حدود التسعين.
آخر الطبقة
الطبقة الستّون
591 -
600 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
(الحوادث)
سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
أنبأنا ابن البزوري قَالَ: في المحرم وصل الخبر على جناج طائر باستيلاء الوزير مؤيّد الدين محمد ابن القصاب على همذان، وضربت الطُّبول.
قلت: واعتنى الناصر لدين الله هذه المدّة بالحمام اعتناء زائداً.
قال: وولىّ مؤيَّد الدّين كلَّ بلد أميراً، واجتمع بختلغ إنج فخلع عليه، واتّفقا على الخوارزميّة وقتالهم، فقصد الوزير دامغان، وقصد خلتغ إنج الريّ فدخلها وتحصّن بها، وخالف فيها الوزير فحصره، ففارقها خلتغ إنج، ودخلها الوزير وأنهبها عسكر بغداد، ثمّ ولاّها فلك الدّين سنقر النّاصريّ.
ثمّ سار فحارب ختلغ إنج، فانكسر ختلغ إنج ونجا بنفسه، ورجع الوزير فدخل همذان، فنفّذ خوارزم شاه يعتب على الوزير، ويتهدّده لما فعله في أطراف بلاده، فاستعدّ الوزير للملتقى، فتوفّي دون ذلك، وجيَّش خوارزم شاه، وقصد همذان، وحارب العسكر فهزمهم، ونبش الوزير ليشيع الخبر أنّه قتل في المعركة، ثم عاد إلى خراسان، ثمّ إنّ المماليك البهلوانيّة أمّروا عليهم كوكج، وملكوا الريّ، وأخرج فلك الدّين سنقر.
وفيها سار الملك العزيز من مصر ليأخذ دمشق، فبادر الملك الأفضل منها وساق إلى عمّه العادل، وهو بقلعة جعبر، وطلب نجدته، ثم عطف إلى أخيه الظّاهر يستنجده، فساق العادل وسبق الأفضل إلى دمشق، وقام معهما كبار الأمراء، فردّ العزيز منهزماً، وسار وراءه العادل والأفضل فيمن معهما من الأسديّة والأكراد، فلمّا رأى العادل انضمام العساكر إلى الأفضل وقيامهم معه، خاف أن يملك مصر، ولا يسلّم إليه دمشق، فبعث في السّرّ إلى العزيز يأمره بالثَّبات، وأن يجعل على بلبيس من يحفظها، وتكفّل بأنّه يمنع الأفضل، فجهّز العزيز النّاصريّة مع فخر الدّين جركس، فنزلوا ببلبيس، وجاء الأفضل والعادل فنازلوهم، فأراد الأفضل مناجزتهم أو دخول مصر، فمنعه العادل من الأمرين
وقال: هذه عساكر الإسلام، فإذا قتلوا في الحرب فمن يردّ العدوّ، والبلاد فبحكمك، وأخذ يراوغه، وجاء القاضي الفاضل في الصُّلح، ووقعت المطاولة، واستقرّ العادل بمصر عند العزيز، ورجع الأفضل.
هذا ملخص ما قاله ابن الأثير.
وفي هذه المدّة جدّد العزيز الهدنة مع ملك الفرنج كندهري، وزاد في المدّة ثم لم يلبث كندهري أن سقط من مكان بعكّا فمات، واختلفت أحوال الفرنج قليلاً.
قال ابن واصل وغيره: لمّا عزم العزيز على قصد الشّام ثانياً، أشار العُقلاء على الملك الأفضل بملاطفة أخيه العزيز، ولو فعل لصلح حاله، ولرضي منه العزيز بإقامة السّكّة والخطبة له بدمشق، لكن قبل ما أشار به وزيره الضّياء ابن الأثير، من اعتصامه بعمّه العادل والالتجاء إليه، وكان ذلك من فاسد الرأي، حتّى استولى عمه على الأمر، وغلب على السَّلطنة، ولمّا رجع الأفضل من بلبيس إلى دمشق أقبل أيضًا على الزُّهد والعبادة وفوّض الأمور إلى ابن الأثير، فاختلّت به غاية الاختلال.
وفيها قدم بغداد شمس الدّين عليّ بن سوسيان بن شملة، ومعه نساء أبيه وجواريه، فتلقّي بالموكب الشريف، وكان صبيًّا بديع الجمال، تضرب بحسنه الأمثال.
وقال أبو شامة: فيها قدم العزيز إلى الشّام أيضًا ونزل على الفوار، ثمّ رحل إلى مصر لمّا سمع بقدوم العساكر مع عمّه العادل وأخيه الأفضل، فتبعاه إلى مصر، وخرج القاضي الفاضل فأصلح الحال، فدخل العادل مصر مع العزيز وأقام عنده، وردّ الملك الأفضل إلى دمشق.
وفيها كانت بالمغرب وقعة الزّلاّقة، وكانت ملحمة عظيمة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وبين الفنش ملك طليطلة لعنه الله.
كان الفنش قد استولى على عامّة جزيرة الأندلس، وقهر ولاتها، وكان يعقوب ببرّ العدوة مشغولًا عن نصرة أهل الأندلس بالخوارج الخارجين عليه، وبين الأندلس وبين
سبتة كان أدقّ ما يكون من عرض البحر، وعرضه ثلاثة فراسخ، ويسمى العدوة، وزقاق سبتة، وغير ذلك، ومنه دخل المسلمون في المراكب لمّا افتتحوا الأندلس في دولة الوليد بن عبد الملك، واستضرى الفنش واستفحل أمره، واتّسع ملكه، وكتب إلى يعقوب يحثه في الدّخول إليه، فأخذته حميّة الإسلام، وسار فنزل على زقاق سبتة، وجمع المراكب وعرض جيوشه، فكانوا مائة ألف مرتزقة، ومائة ألف مطَّوّعة، وعدّوا كلُّهم، ووصل إلى موضع يقال له الزّلاّقة وجاء الفنش في مائتي ألف وأربعين ألفاً، فالتقوا، فنصر الله دينه، ونجا الفونش في عددٍ يسير إلى طليطلة، وغنم المسلمون غنيمةً لا تحصى.
قال أبو شامة: كان عدّة من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعين ألفًا، وأسر ثلاثون ألفاً، وأخذ من الخيام مائة ألف خيمة وخمسون ألفاً، ومن الخيل ثمانون ألف رأس، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير أربع مائة ألف حمار، تحمل أثقالهم، لأنّهم لا جمال عندهم، ومن الأموال والجواهر والقماش ما لا يحصى.
قال: وبيع الأسير بدرهم، والسّيف بنصف، والحصان بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسّم يعقوب الملقّب بأمير المؤمنين الغنائم على مقتضى الشّريعة فاستغنوا للأبد. وأمّا الفنش فوصل بلده على أسوأ حال، فحلق رأسه ونكّس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش ولا يقرب النّساء، ولا يركب حتّى يأخذ بالثّأر، وأقام يجمع من الجزائر والبلاد ويستعدّ.
قال: وقيل: إنما كانت هذه الوقعة في سنة تسعين.
وذلك وهم، إنّما كانت في سنة إحدى وتسعين في تاسع شعبان.
سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة
فيها استنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ بن عليّ ابن البخاريّ.
وفيها أفرج عن الأمير مجير الدّين طاشتكين الحاجّ، وولي مملكة بلاد
خوزستان، ووسم بالملك، وأنعم عليه بكوسات وأعلام.
وقال أبو شامة: وفيها قدم العزيز ثالثًا إلى الشّام ومعه عمّه الملك العادل.
قلت: فحاصرا دمشق مدّةً يسيرة، ووقعت المخامرة من عسكر دمشق ففتحوا الأبواب، ودخل العزيز والعادل في رجب.
قال ابن الأثير: كان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بعمّه، وقد بلغ من وثوقه به أنّه أدخله بلده وهو غائب عنه، وقد كان أرسل إليه أخوه الظّاهر يقول له: أخرج عمّنا من بيننا، فإنّه لا يجيء علينا منه خير، وأنا أعرف به منك، وأنا زوج بنته. فردّ عليه الأفضل: أنت سّيئ الظّنّ، وأيّ مصلحة لعمّنا في أن يؤذينا؟ ولمّا تقرّر العادل بمصر استمال الملك العزيز، وقرّر معه أنه يخرج إلى دمشق، ويملك دمشق ويسلّمها إليه، فسار معه وحصروها، واستمالوا أميرًا فسلِّم إليهم باب شرقيّ، وفتحه ودخل منه العادل ووقف العزيز بالميدان، فلمّا رأى الأفضل أنّ البلد قد ملك، خرج إلى أخيه ودخل به البلد، واجتمعا بالعادل وقد نزل في دار أسد الدّين شيركوه، فبقوا أيامًا كذلك، ثمّ أرسلا إلى الأفضل ليتحول من القلعة، فخرج وسلَّم القلعة إلى أخيه.
قلت: رجع العزيز إلى مصر، وأقام العادل بدمشق، فتغلّب عليها، وأخرج أولاد أخيه صلاح الدّين عنها، وأنزل الأفضل في صرخد.
وقال أبو شامة: انفصل الحال على أن خرج الأفضل إلى صرخد، وتسَّلم البلد الملك العزيز، وسلّمها إلى عمه، وأسقط ما فيها من المكوس، وبقيت بها الخطبة والسّكة باسم الملك العزيز.
وقال في الروضتين: فيها نزل العزيز بقلعة دمشق، ودخل هو وأخوه الأفضل متصاحبين إلى الضريح النّاصريّ، وصلّى الجمعة عند ضريح والده، ودخل دار الأمير سامة في جوار التُّربة، وأمر القاضي محيي الدّين أن يبنيها مدرسةً للتربة، فهي المدرسة العزيزية، ووقف عليها قرية محجّة.
قلت: ما أحسن قول ملك البلاغة القاضي الفاضل: أمّا هذا البيت فإنّ الآباء منه اتَّفقوا فملكوا، وأنّ الأبناء منه اختلفوا فهلكوا، إذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه، وإذا خرق ثوبُ فما يليه إلاّ تمزيقهُ، وإذا كان الله مع الخصم فمن يطيقه؟
قال أبو شامة: وأخذت قلعة بصرى من الملك الظافر خضر ابن صلاح الدّين، أخذها أخوه.
قال: وفيها بعد خروج النّاس من مكّة هبّت ريح سوداء عمت الدنيا، ووقع على الناس رملٌ أحمر، ووقع من الركن اليمانّي قطعة، وتجرّد البيت مراراً.
قَالَ: وفيها سار عسكر خوارزم شاه على مقدمته مملوك له جاء فكسر عسكر الخليفة، وكان في مقدمته وهو عشرون ألفا ابن القصاب الوزير، أشنع من كسرة ابن يونس، وعاد العسكر إلى بغداد عرايا جياعا، وقطع رأس الوزير وبعث به وبأعلام الخليفة والخزائن، وكان ذلك على باب همذان.
ومن خبر خوارزم شاه أنه كان قد قطع نهر جيحون في خمسين ألفاً، ثمّ وصل همذان وشحن على البلاد إلى باب بغداد، وبعث إلى الخليفة يطلب السّلطنة، وإعادة دار السّلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، وأن يكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السَّلجوقية، فانزعج الخليفة وأهل بغداد، وغلت الأسعار.
قال: وفيها كانت وقعة أخرى ليعقوب بن يوسف مع الفنش، وكان الفنش قد حشد وجمع جمعًا أكثر من الأوّل، ووقع المصاف، فكسره يعقوب، وساق خلفه إلى طليطلة ونازلها، وضربها بالمنجنيق، وضيّق عليها ولم يبق إلاّ أخذها، فخرجت إليه والدة الفنش وبناته وحريمه، وبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد عليهنّ، فرقّ لهنّ ومَنَّ عليهن بالبلد، ولو فتح طليطلة لفتح إلى مدينة النّحاس، وعاد إلى قرطبة وقسم الغنائم، وصالح الفنش مدّة.
وقيل: إنّ هذه الوقعة كانت في سنة إحدى وتسعين.
وفيها وفي الّتي قبلها عاث ابن غانية الملثَّم، وخلت له إفريقيّة، وكان بالبرّية مع العرب، فعاود إفريقية، وخرّبت عساكره البلاد، فلهذا صالح يعقوب الفرنج ورجع إلى المغرب لحرب الملثَّم.
سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
فيها وصل الأمير أبو الهيجاء الكرديّ، المعروف بالسّمين، كان مفرط السُّمن، ومن أعيان أمراء الشّام، ترك خدمة الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدّين وقدم بغداد، فتلقّي وأكرم، وبالغوا في احترامه، ثمّ جرت من أجناده ناقصة لمّا جرّدوا وحاربوا عسكر الدّيوان، وكان هو ببغداد.
وفيها خطب بالسلطنة وضربت السّكّة للملك العزيز، كما خطب له عام أوّل بدمشق، وتمّت له سلطنة مصر والشّام، مع كون عمّه العادل صاحب دمشق، وأخيه صاحب حلب.
وفي جمادى الآخرة جرى بركة السّاعي من واسط إلى بغداد في يوم وليلة، وهذا لم يسبق إلى مثله، وخلع عليه خلع سنيّة، وحصل له مال.
ثم خلع على أبي الهيجاء السّمين، وأمر أن ينزل بهمذان، وتوفّي بعد شهر.
وفيها وجّه محيي الدّين الحسن بن الربيع رسولا إلى شهاب الدّين الغوريّ صاحب غزنة.
أنبأنا ابن البزوري قال: وانقضّ في شوّال كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوتٌ هائل، واهتزّت الدُّور والأماكن، فاستغاث الناس، وأعلنوا بالدّعاء، وظنّوا ذلك من أمارات القيامة.
قال: وفيها ملك إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بلد اليمن بعد أبيه، وأساء في ولايته، وادّعى أنّه قرشيّ، وخطب لنفسه وتسمّى بالهادي، ثم قتل.
قال أبو شامة: وفي شوّالها فتح العادل يافا عنوةً وأخربها، وكان قد
أتاها أربعون فارسًا نجدةً، فلما عاينوا الغلبة دخلوا الكنيسة وأغلقوا بابها، ثم قتل بعضهم بعضاً، فكسر المسلمون الباب فوجدوهم صرعى.
وهذا ثالث فتح لها؛ لأنّها فتحت في أيّام فتح بيت المقدس، ثم استرجعها الإنكتير، ثم أخذها ثاني مرّة صلاح الدّين، ثم افتتحها في هذا الوقت الملك العادل، ثمّ ملكتها الفرنج، ثمّ افتتحها السّلطان الملك الظاهر رابعاً، ثم خرِّبت.
كتب الفاضل إلى محيي الدّين ابن الزكيّ يقول: وممّا جرى من المعضلات بأس من الله طرق ونحن نيام، وظنّ النّاس أنّه اليوم الموعود، ولا يحسب المجلس أنّي أرسلت القلم محرِّفاً، والقول مجزفا، فالأمر أعظم، ولكنّ الله سلَّم، إنّ الله أتى بساعةٍ كالسّاعة، كادت تكون للدّنيا السّاعة، في الثّلث الأوّل من ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة، أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، قوي ألهوبها، واشتدّ هبوبها، وارتفعت لها صعقات، فرجفت الجدران، واصطفقت، وتلاقت على بعدها، واعتنقت، وثار عجاج، فقيل: لعلّ هذه على هذه قد انطبقت، وتوالت البروق على نظام، فلا يحسب إلاّ أنّ جهنّم قد سال منها وادٍ، وزاد عصف الريح إلى أن تغطت النُّجوم، وكانت تسكن وتعود عودًا عنيفاً، ففرّ الناس والنّساء والأطفال، وخرجوا من دورهم لا يستطيعون حيلةً، ولا يهتدون سبيلاً، بل يستغيثون ربّهم، ويذكرون دينهم، ولا يستغربون العذاب، لأنّهم على موجباته مصرون، وفي وقت وقوع واقعاته باستحقاقه مقرون، معتصمين بالمساجد الجامعة، وملتقين الآية النّازلة من السّماء بالأعناق الخاضعة، بوجوهٍ عانية، ونفوسٍ عن الأموال والأهل سالية، قد انقطعت من الحياة علقهم، وعميت عن النجاة طرقهم، فدامت إلى الثّلث الأخير، وأصبح كلٌّ يسلِّم على رفيقه ويهنيه بسلامة طريقه، ويرى أنّه بعث بعد النّفخة، وأفاق بعد الصَّرخة، وتكسرت عدّة مراكب في البحار، وتقلّعت الأشجار الكبار، ومن كان نائمًا في الطُّرق من المسافرين دفنته الرّيح حياّ، وركب فما أغنى الفرار شيئاً، والخطب أشقّ، وما قضيت بعض الحقّ، فما من عباد الله من رأى القيامة عيانًا إلاّ أهل بلدنا، فما اقتص الأوّلون مثلها في المثلات، والحمد لله الذّي جعلنا نخبر عنها ولا يخبر عنّا، في كلام طويل.
وفيها أخذت الفرنج بيروت، وكان أميرها الأمير عزّ الدّين سامة لمّا سمع بوصول العدوّ إلى صيدا هرب، فملكها الفرنج ثاني يوم، وفيه صنِّف:
سلِّم الحِصنَ ما عليكَ مَلامَه ما يُلام الّذي يرومُ السّلامهْ فَعَطاءُ الحصونِ من غير حربٍ سنَّةٌ سنَّها ببيروتَ سامهْ
سنة أربع وتسعين وخمسمائة
فيها نزلت الفرنج على تبنين، وقدم منهم جمع كبير في البحر، فانتشروا بالسّاحل، وكثروا، وخاف الناس، فنفّذ الملك العادل صاحب دمشق القاضي محيي الدّين إلى صاحب مصر الملك العزيز مستصرخاً به، فجاء العزيز، فترحّل الفرنج بعد أن قرِّرت معهم الهدنة خمس سنين وثمانية أشهر.
وحجّ بالنّاس من الشام قراجا.
وفيها ملك علاء الدّين خوارزم شاه، واسمه تكش بن أيل رسلان بخارى، وكان لصاحب الخطا، وجرى له معهم حروبٌ وخطوب، وانتصر عليهم، وقتل خلقًا منهم، وساق وراءهم، ثم حاصرهم مدّة، وافتتحها عنوة، وعفى عن الرعيّة، وكان يقع في مدّة الحصار بين الفريقين سبّ، وتقول الخوارزمية: يا أجناد الكفّار أنتم تعينون الخطا علينا، أنتم مرتدّة.
وكان خوارزم شاه أعور، فعمد أهل بخارى إلى كلب أعور، وألبسوه قباءً ورموه في المنجنيق إليهم، وقالوا: هذا سلطانكم تكش.
وفيها مات سنقر الكبير أمير القدس، وولي بعده صارم الدّين خطلو الفرُّخشاهيّ.
وفيها سار ملك الموصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود فنازل نصيبين، وأخذها من ابن عمّه قطب الدّين، فسار إلى الملك العادل واستنجد به، فسار معه بعسكره، وقصدا نصيبين فتركها أرسلان شاه وسار إلى بلده ودخلها، وعاد قطب الدين فدخل نصيبين شاكرًا للعادل، وأراد الرجوع في خدمته إلى دمشق فردّه.
ونازل العادل ماردين، وحاصرها أشهراً، وملك ربضها، ثمّ رحل عنها.
سنة خمس وتسعين وخمسمائة
في ربيع الأوّل قصد علاء الدّين خوارزم شاه الريّ، وكان قد عصى عليه نائبه بها، فحاصره وظفر به، وهمَّ بقتله، ثم حبسه.
وفيه نفّذ الخليفة إلى علاء الدّين خوارزم شاه تشريفًا وتقليدًا بما في يده من الممالك، فقبل الأرض ولبس الخلعة.
ثم سار وفتح قلعة من قلاع الإسماعيلية على باب قزوين، وحصر ألموت، ثم عاد، فوثبت الباطنية على وزيره نظام الملك مسعود بن علي فقتلوه.
وقتلت الإسماعيليّة في حصار الألموت رئيس الشّافعيّة صدر الدّين محمد ابن الوزّان.
وفيها تقدم بعمارة سور ثان على بغداد، وجدّوا في بنائه إلى أن فرع.
وفيها ولي سلطنة المغرب والأندلس محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بعد موت والده.
وفي وسط السّنة أخرج أبو الفرج ابن الجوزي من سجن واسط مكرَّمًا وتلقاه الأعيان، وخلع عليه وأذن له في الجلوس فجلس وكان يومًا مشهوداً.
وفيها كانت بخراسان الفتنة الهائلة للفخر الرّازيّ صاحب التّصانيف.
أنبأني ابن البزوريّ قال: سببها أنّه فارق بهاء الدّين صاحب باميان وقصد غياث الدّين الغوريّ خال بهاء الدّين، فالتقاه وبجله وأنزله، وبنى له مدرسة، وقصده الفقهاء من النواحي فعظم ذلك على الكرامية، وهم خلق بهراة وكان أشدّ النّاس عليه ابن عم غياث الدين وزوج بنته، وهو الملك ضياء الدين، فاتفق حضور الفقهاء الكراميّة، والحنفيّة والشّافعية، وفيهم فخر الدّين الرّازيّ، والقاضي مجد الدّين عبد المجيد بن عمر بن القدوة، وكان محترماً، إماماً، زاهداً، فتكلم الفخر، فاعترضه ابن القدوة، واتّسع الجدال والبحث وطال، فنهض السّلطان غياث الدين، واستطال الفخر على ابن القدوة بحيث إنّه شتمه وبالغ في إهانته، وانقضى المجلس، فشكا الملك ضياء الدّين إلى ابن عمّه ما جرى من الفخر بعد انقضاء المجلس، وذم الفخر ونسبه إلى الزندقة والفلسفة، فلم يحتفل السّلطان بقوله، فلمّا كان من الغد جلس ابن عمّ المجد
ابن القدوة في الجامع للوعظ فقال في وعظه: لا إله إلاّ الله ربنّا آمنّا بما أنزلت واتَّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشّاهدين، أيّها الناس، إنّا لا نقول إلاّ ما صحّ عندنا عن ربنا وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قول أرسطا طاليس، وكفريّات ابن سينا، وفلسفة الفارابيّ، فلا نعلمها، فلأيّ شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذبّ عن دين الله؟ وبكى، فضجّ النّاس، وبكى الكرّاميّة، واستغاثوا، وثار النّاس من كلّ جانب واستعرت الفتنة، وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك به خلق كثير، فبلغ ذلك السّلطان، فأرسل الأجناد وسكّنهم ووعدهم بإخراج الفخر، وأحضره وأمره بالخروج.
وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغنيّ بينه وبين الأشعرية، وهمّوا بقتله، ثم أخرجوه من دمشق، وتفصيل ذلك في ترجمته إن شاء الله.
وفي أوّلها مات الملك العزيز، وكان سيف الدّين أركش، الأسدي بالصّعيد، فقدم القاهرة فوجد الملك المنصور سلطاناً، وقد استولى فخر الدّين شركس على الأمور، فحلّف أركش الأمراء على أن يسلطنوا الأفضل، وأرسلوا النجب بالكتب إليه وانعزل عنهم شركس، وزين الدّين قراجا، وقراسنقر، ثم لما قرب الأفضل من مصر هربوا إلى القدس، فسار الأفضل من صرخد ودخل مصر، فأخذ ابن العزيز وصار أتابكه، وسارا بالجيوش فحاصرا دمشق وبها العادل قد ساق على البريد من ماردين، وترك عليها الجيش مع ولده الكامل محمد، ودخل دمشق قبل أن يصل الأفضل بيومين، وأحرق جميع ما كان خارج باب الجابية من الفنادق والحوانيت، وأحرق النَّيرب وأبواب الطّواحين، وقطعت الأنهار، واشتد الأمر، وأحرقت بيادر غلّة حرستا، ودخل الأفضل من باب السّلامة، وضجّت العوام بشعاره، وكان محبوبًا إلى النّاس، وبلغ الخبر العادل، فكاد يستسلم فتماسك، ووصل الذين دخلوا إلى باب البريد، وكانوا قليلين، فوثب عليهم أصحاب العادل وأخرجوهم، ثمّ قدم صاحب حلب، وصاحب حمص، وهمّوا بالزَّحف، ثم قويّ العادل بمجيء الأمراء الذين كانوا بالقدس، وضعف الأفضل، ثم وقعت كبسة على عسكره المصريّين، وبقي الحصار إلى سنة ستٍّ وتسعين.
وفيها ظهر بدمشق الدّاعي العجميّ المدّعي أنه عيسى ابن مريم، وأفسد طائفة وأضلهم، فأفتى العلماء بقتله، فصلبه الصّارم بزغش العادليّ.
وفيها قامت العامّة على الرّافضة، وأخرجوهم إلى باب الصّغير من دمشق، ونبشوا وثّابًا المرحّل من قبره، وعلّقوا رأسه مع كلبين ميّتين.
وفيها ولّي قضاء القضاة بالعراق ضياء الدّين أبو القاسم ابن الشّهرزوريّ.
سنة ست وتسعين وخمسمائة
فيها مات السّلطان علاء الدّين خوارزم شاه تكش، وقام بعده ابنه محمد.
وفيها كان الملك الأفضل والملك الظّاهر على حصار دمشق، والعساكر قائمة بمنزلتهم، قد حفروا عليها خندقًا من أرض اللّوان إلى يلدا احترازًا من مهاجمة الدّمشقييّن لهم، وعظم الغلاء بدمشق، وزاد البلاء، وكادت أن تعدم الأقوات بالكلية، ونفذت أموال الملك العادل على الأمراء والجند، وأكثر الاستدانة من التّجّار والأكابر، وكان يدبّر الأمور بعقل ومكر ودهاء، حتّى تماسك أمره، ثم فارقه جماعة أمراء، فكتب إلى ابنه الكامل: أن أسرع إليَّ بالعساكر، وخذ من قلعة جعبر ما تنفقه في العساكر، فسار الكامل ودخل جعبر، وأخذ منها أربعمائة ألف دينار، وسار إلى دمشق، وتوانى الأخوان عن معارضته، فدخل البلد وقوي به أبوه، وضعف أمر الظّاهر والأفضل، ووقع بينهما على مملوك للظّاهر كان مليحًا أخذه الأفضل وأخفاه، ثم رحل الأفضل والظّاهر إلى رأس الماء وافترقا، وهجم الشّتاء، وردّ الأفضل إلى مصر، والظّاهر إلى حلب، فخرج العادل يتبع الأفضل، فأدركه عند الغرابيّ من رمل مصر، ودخل العادل القاهرة، فرجع الأفضل إلى صرخد منحوساً.
وكان في أوّل السّنة قد وصل ابن أخي السّلطان خوارزم شاه مستغفرًا عن عمه ممّا أقدم عليه من مواجهة الدّيوان بطلب الخطبة، فأكرم مورده.
وقال القاضي جمال الدّين ابن واصل: ثم سار الأفضل والظّاهر إلى رأس الماء، وعزما على المقام به إلى أن ينسلخ الشتاء، فتواترت الأمطار، وغلت الأسعار، فاتفقا على الرحيل وتأخير الحصار إلى الربيع.
ودخل الأفضل مصر، وتفرق عسكره لرعي دوابّهم، بعد أن خامر منهم طائفة كبيرة إلى العادل، ورحل العادل فدخل الرمل، فرام الأفضل جمع العساكر، فتعذّر عليه،
فخرج في عسكر قليل، ونزل السّائح، وعمل المصافّ مع عمّه، فانكسر وولى، والمصريّون منهزمين، وكان بعضهم مخامرين وتخاذلوا عنه، فاضطرّ إلى أن ترك مصر، وتعوَّض بميَّافارقين، وحاني وسميساط، ودخل العادل القاهرة في الحادي والعشرين من ربيع الآخر، واجتمع به الأفضل، ثم سافر إلى صرخد.
ثم طلب العادل ابنه الكامل، وملك الدّيار المصرّية، وجعل ابنه الكامل نائبًا عنه، فناب عنه قريبًا من عشرين سنة، ثمّ استقلّ بالملك بعده عشرين سنة وأشهراً.
وأنبأنا ابن البزوريّ قال: في ربيع الآخر التقى عسكر العادل وعسكر الأفضل، فانهزم عسكر الأفضل وهو إلى القاهرة، فساق العادل ونزل محاصرًا القاهرة، فأرسل الأفضل إلى عمّه العادل يقنع منه ببعض بلاده، فقال للعادل: أريد دمشق، فلم يجبه، ثم آل الأمر إلى أن رضي بميّافارقين وخرج من مصر، ودخلها العادل فعمل أتابيكة الملك المنصور عليّ ابن العزيز، ثم لم يبرح يتلطف ويتألف الأمراء إلى أن ملك الدّيار المصرية، وخطب لنفسه وقال: هذا صبيّ يحتاج إلى المكتب ثم قطع خطبة الصَّبي.
وفيها قدم بغداد من المغرب رسول الملثّمة، من مخدومه إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن غانية الملثَّم المايرقي الخارج على بني عبد المؤمن، فتلقّي بالموكب الشّريف، وأخبر أن مرسله أقام الدّعوة للخليفة ببلاده بلاد المغرب.
أنبأني ابن البزوريّ قال: أخبرت أنّ الرسول المذكور كان ملثّما لا يظهر منه سوى عينيه، وأقام ببغداد أيّاماً، وأعطي لواء أسود وخلعاً، وأعيد إلى مرسله.
وحجّ من العراق بالنّاس سنقر النّاصريّ، ويعرف بوجه السَّبع.
ولمّا تمكن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر من مملكة مصر سيَّر الأميرين علم الدّين كرجيّ الأسدي، وأسد الدّين سراسنقر ليحضرا ولده الملك الكامل، فدخل الكامل إلى القاهرة في أواخر رمضان من السّنة، وخرج العادل بأمراء الدّولة المصريّة بأن يبرزوا معه ليسيروا إلى خلاط، وحثهم على ذلك.
فلما كان سابع عشر شوّال ركب بالسّناجق والسّيوف المجذَّبة في الدَّست، فلم يجسر أحد من الأمراء أن ينطق، وأمر الخطباء أن يخطبوا باسمه
كما ذكرنا، ثمّ لم يلبث إلاّ أيامًا يسيرة حتّى سلطن ولده الكامل على الدّيار المصرية، وقدم عليه أخوه لأمه صاحب المدرسة الفلكيّة بدمشق فلك الدّين سليمان بن سروة بن جلدك.
وفيها كان نقص النّيل، والغلاء والوباء المفرط، وخربت ديار مصر، وجلا أهلها عنها، واشتد البلاء في سنة سبع، وأكلوا الجيف، ثم أكلوا الآدميّين، ومات بديار مصر أمم لا يحصيهم إلاّ الله، وكسر النّيل من ثلاثة عشر ذراعًا إلا ثلاثة أصابع، وقيل لم يكمل أربعة عشر ذراعا.
سنة سبع وتسعين وخمسمائة
قال الموفّق عبد اللّطيف: دخلت سنة سبعٍ مفترسة لأسباب الحياة، ويئسوا من زيادة النّيل، وارتفعت الأسعار، وأقحطت البلاد، وضوى أهل السواد والريف إلى أمّهات البلاد، وجلا كثير إلى البلاد النّائية، ومزِّقوا كلَّ ممزَّق، ودخل منهم خلق إلى القاهرة، واشتدّ بهم الجوع، ووقع فيهم الموت عند نزول الشّمس الحمل، ووبئ الهواء، وأكلوا الميتات والبَعر، ثمّ تعدّوا إلى أكل الصِّغار، وكثيرًا ما يُعثر عليهم ومعهم صِغار مشويّون أو مطبوخون، فيأمر السّلطان بإحراق الفاعل، رأيت صغيرًا مشويًا مع رجل وامرأة أُحضرا فقالا: نحن أبواه، فأمر بإحراقهما، ووُجد بمصر رجل قد جُرّدت عظامه وبقي قَفصاً، وفشى أكل بني آدم واشتهر ووجِد كثيراً، وحكى لي عدّة نساء أنّه يتوثَّب عليهنّ لاقتناص أولادهنّ ويُحامين عنهم بجهدهنّ، ولقد أُحرِق من النّساء بمصر في أيّامٍ يسيرة ثلاثون امرأة، كلٌّ منهنّ تُقِرّ بأنّها أكلت جماعة، ورأيت امرأة أُحضرت إلى الوالي وفي عنقها طفلٌ مَشوِيّ، فضُرِبت أكثر من مائة سَوط، على أن تقرّ، فلا تخبر جواباً، بل تجدها قد انخلعت عن الطِّباع البشريّة، ثمّ سُجِنت فماتت، وحكى لنا رجل أنّه كان له صديق، فدعاه ليأكل، فوجد عنده فقراء قدّامهم طبيخ كثير اللّحم، وليس معه خبز، فرابه ذلك، وطلب المِرحاض، فصادف عنده خزانة مشحونة برُمم الآدميّين وباللّحم الطَّريّ، فارتاع وخرج هارباً، وقد جرى لثلاثةٍ من الأطبّاء ممّن ينتابني، أمّا
أحدهم فإنّ أباه خرج فلم يرجع، والآخر فأعطته امرأة درهمين ومضى معها، فلمّا توغّلت به مضائق الطُّرق استراب وامتنع، وشنّع عليها، فتركت دراهمها وانسلّت، وأمّا الثّالث فإنّ رجلًا استصحبه إلى مريضةٍ إلى الشَارع، وجعل في أثناء الطّريق يتصدَّق بالكِسَر ويقول: هذا وقت اغتنام الأجر، ثمّ أكثر حتّى ارتاب منه الطّبيب، ودخل معه دارًا خربة، فتوقّف في الدَّرج، وفتح الرجل فخرج إليه رفيقه يقول: هل حصل صيد ينفع؟ فجزع الطّبيب، وألقى نفسه إلى إصطبل، فقام إليه صاحب الإصطبل يسأله، فأخفى قصّته خوفًا منه أيضًا فقال: قد علمت حالك، فإنّ أهل هذا المنزل يذبحون النّاس بِالحيَل، ووجدنا بإطفيح عند عطّار عدّة خوابي مملوءة بلحوم الآدميّين في الماء والملح، فسألوه فقال: خفت دوام الجدب فيهزل النّاس، وكان جماعة قد أَوَوا إلى الجزيرة، فعُثِر عليهم، وطُلبوا ليُقتَلوا فهربوا، فأخبرني الثّقة أنّ الذّي وُجد في بيوتهم أربع مائة جمجمة.
ثمّ ساق غير حكاية، وقال: وجميع ما شاهدناه لم نتقصّده ولا تتبّعنا مظانّه، وإنّما هو شيء صادفناه اتّفاقاً، وحكى لي من أثق به أنه اجتاز على امرأةٍ وبين يديها ميّت قد انتفخ وانفجر، وهي تأكل من أفخاذه، فأُنكِر عليها، فزعمت أنّه زوجها.
ثم قال: وأشباه هذا كثير جدّاً، وممّا شاع أيضًا نبش القبور، وأكل الموتى، فأخبرني تاجر مأمون حين ورد من الإسكندريّة بكثرة ما عاين بها من ذلك، يعني من أكل بني آدم، وأنّه عاين خمسة أرؤس صغار مطبوخة في قِدر، وهذا المقدار كافٍ، وأعتقد أنّي قد قصّرت.
وأمّا موت الفقراء جوعًا فشيء لا يعلمه إلاّ الله تعالى، فالّذي شاهدناه بالقاهرة ومصر وهو أنّ الماشي لا يزال يقع قدمه أو بصره على ميت، أو مَن هو في السّياق، وكان يُرفع من القاهرة كلّ يوم من الميضأة ما بين مائة إلى خمس مائة، وأما مصر فليس لموتاها عدد، يُرمون ولا يُوارَون، ثمّ عجزوا عن رميهم، فبقوا في الأسواق والدّكاكين، وأما الضّواحي والقرى، فهلك أهلها
قاطبةً إلاّ من شاء الله، وأن المسافر ليمرّ بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، وتجد البيوت مفتَّحة وأهلها موتى، حدَّثني بذلك غير واحد، وقال لي بعضهم: إنّه مرّ ببلدٍ ذكر لنا أنّ فيها أربع مائة نول للحياكة، فوجدناها خراباً، وأنّ الحائك في جورة حياكته ميّت، وأهله موتى حوله فحضرني قوله تعالى:{إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}
قال: ثم انتقلنا إلى بلدٍ آخر، فوجدناه ليس به أنيس، واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزّراعة، فاستأجرنا من ينقل الموتى ممّا حولنا إلى النيل، كلّ عشرة بدرهم، وأخبرت عن صيادٍ بفُوهة تِنَّيس أنّه مرّ به في بعض يوم أربع مائة آدميّ يقذف بهم النّيل إلى البحر، وأما أنا فمررت على النّيل، فمرّ بي في ساعة نحو عشرة موتى.
وأمّا طريق الشّام فصارت منزرعةً ببني آدم، وعادت مأدبة بلحومهم للطّير والسِّباع، وكثيرًا ما كانت المرأة تتخلّص من صِبيتها في الزّحام، فيتضورون حتى يموتوا، وأما بيع الأحرار فشاع وذاع، وعرض عليَّ جاريتان مراهقتان بدينار واحد، وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم، فعرّفتها أن ذلك حرام فقالت: خذها هدية، وقد أُبيع خلقٌ، وجلبوا إلى العراق، وخراسان، هذا، وهم عاكفون على شهواتهم، منغمسون في بحر ضلالاتهم، كأنهم مُستثنون، وكانوا يزْنون بالنساء حتى إنّ منهم من يقول: إنّه اقتض خمسين بكرًا، ومنهم من يقول: سبعين، كلّ ذلك بالكسر.
وأمّا مصر فخلا مُعظمها، وأما بيوت الخليج وزقاق البركة والمقس وما تاخم ذلك، فلم يبق فيها بيتٌ مسكون، ولم يبق وقود النّاس عِوض الأحطاب إلا خشب السّقوف والبيوت الخالية، وقد استغنى طائفة كبيرة من النّاس في هذه النَّوبة، وأمّا النيل فإنه اخترق في برمودة اختراقاً كبيرا، وصار المقياس في أرض جزر، وانحسر الماء عنه نحو الجزيرة، وظهر في وسطه جزيرة عظيمة ومقطَّعات أبنية، وتغيّر ريحه وطعمه، ثم تزايد التّغيُّر، ثم
انكشف أمره عن خضرة طحلبيّة، كلمّا تطاولت الأيام ظهرت وكثّرت كالّتي ظهرت في أبيب من السّنة الخالية، ولم تزل الخضرة تتزايد إلى أواخر شعبان، ثم ذهبت، وبقي في الماء أجزاء نباتيّة منتنة، وطاب طعمه وريحه، ثمّ أخذ ينمَى ويقوى جريه إلى نصف رمضان، فقاس ابن أبي الرداد قاع البركة فكان ذراعين، وزاد زيادةً ضعيفة إلى ثامن ذي القعدة، ثم وقف ثلاثة أيّام، فأيقن الناس بالهلاك، واستسلموا، ثم إنه أخذ في زيادات قويّة، فبلغ في ثالث ذي الحجة خمسة عشر ذراعًا وستة عشر إصبعاً، ثم انحطَّ من يومه، ومسّ بعض البلاد تحلة القسم، وأروى الغربيّة ونحوها، غير أن القرى خالية كما قال تعالى:{فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ} وزرع الأمراء بعض البلاد، ونهاية سعر الإردبّ خمسة دنانير، وأما بقُوص، والإسكندريّة فبلغ ستة دنانير.
ودخلت سنة ثمانٍ وتسعين والأحوال على حالها أو في تزيُّد إلى زهاء نصف السّنة، وتناقصت موت الفقراء لقلّتهم، لا لارتفاع السبب الموجب وتناقص أكل الآدمييّن ثم عُدِم، وقلَّ خطفُ الأطعمة من الأسواق لفناء الصّعاليك، ثم انحط الإردب إلى ثلاثة دنانير لقلة الناس، وخفّت القاهرة، وحُكي لي أنّه كان بمصر تسع مائة منسج للحُصر، فلم يبق إلاّ خمسة عشر منسجاً، فقس على هذا أمر باقي الصُّناع من سائر الأصناف، وأما الدّجاح فعُدِم رأساً، لولا أنّه جُلِب من الشّام، وحكي لي أن رجلًا جلب من الشّام دجاجًا بستّين ديناراً، باعها بنحو ثمانمائة دينار، فلمّا وُجد البيض بيع بيضة بدرهم، ثم كثُر، وأما الفراريج فاشتُرِي الفرُّوج بمائة درهم، ثم أبيع بدينار مُديدة.
وقال في أمر الخراب: فأما الهلاّلية، ومُعظم الشارع ودور الخليج، وحارة السّاسة والمقس، وما تاخم ذلك، فلم يبق فيها أنيس، وإنّما ترى مساكنهم خاوية على عروشها.
قال: والّذي تحت قلم ديوان الحبس من الموتى الحشرية وضمّته الميضأة في مدّة اثنتين وعشرين شهرًا مائة ألف وأحد عشر ألفًا إلا شيئًا يسيراً.
قلت: هذا في القاهرة.
قال: وهذا مع كثرته نزرٌ في جنب ما هلك بمصر والحواضر، وكلّه نزرٌ في جنب ما هلك بالإقليم، وسمعنا من الثِّقات عن الإسكندرية أن الإمام صلّى يوم الجمعة على سبع مائة جنازة، وأن تركةً انتقلت في مدّة شهر إلى أربعة عشر وارثاً، وأن طائفة تزيد على عشرين ألفًا انتقلوا إلى برقة وأعمالها، فعمروها وقطنوا بها، وكانت مملكة عظيمة خربت في زمان خلفاء مصر على يد الوزير اليازوريّ، ونزح عنها أهلها.
ومن عجيبٍ ما اتفق لشيخٍ من أطباء اليهود ممن كان ينتابني أنه استدعاه رجلٌ ذو شارة وشُهرة، فلما صار في المنزل وأغلق الباب وثب المريض عليه فجعل في عنقه وهَقاً، ومرث خصيتَيه، ولم يكن له معرفة بالقتل، فطالت المناوشة، وعلا ضجيجه، فتسامع النّاس، ودخلوا فخلّصوا اليهودي، وبه رمق، وقد وجبت خصَاه، وكُسرت ثنيَّتاه، وحُمل إلى منزله، وأُحضر ذاك إلى الوالي فقال: ما حملك على هذا؟ قال: الجوع فضربه ونفاه.
في سحر يوم الاثنين السّادس والعشرين من شعبان ارتاع الناس، وهبّوا من مضاجعهم مدهوشين، وضجّوا إلى الله تعالى، وبقيت مدّة وكانت حركتها كالغربلة، أو كخفق جناح الطائر، وانقضت على ثلاث زحفات قويّة، مادّت الأبنية، واصطفقت الأبواب، وتداعى من الأبنية الواهي والعالي، ثم تواترت الأخبار بحدوثها في هذه الساعة في البلاد النّائية، فصح عندي أنها تحرَّكت من قوص إلى دمياط والإسكندرية، ثم بلاد السّاحل بأسرها، والشّام طولًا وعرضاّ، وتعفّت بلاد كثيرة وهلك من الناس خلق عظيم وأمم لا تُحصى، ولا أعرف في الشّام أحسن سلامة من القدس، وأنكت في بلاد الفرنج أكثر، وسمعنا أنها وصلت إلى خلاط وإلى قبرس، وأن ال حر ارتطم وتشوهت مناظره، وصار فرقا كالأطواد، وعادت المراكب على الأرض، ثم تراجعت المياه، وطفا سمك كثير على سواحله، ووردت كتُب من الشام بأمر الزّلزلة،
واتصّل بي كتابان أوردتُهما بلفظهما، يقول في أحدهما: زلزلةٌ كادت لها الأرض تسير سيراً، والجبال تمُور موراً، وما ظنّ أحد من الخلق إلاّ أنها زلزلة السّاعة، وأتت في الموقت على دفعتين، فأما الدّفعة الأولى فاستمرت مقدار ساعةٍ أو تزيد عليها، وأما الثانية فكانت دونها، ولكن أشدّ منها، وتأثّر منها بعض القلاع، فأولها قلعة حماة، وفي الكتاب الآخر أنها دامت بمقدار ما قرأ سورة الكهف وأن بانياس سقط بعضها، وصَفَد لم يسلم بها إلا ولد صاحبها لا غير، ونابلس لم يبق بها جدار قائم سوى حارة السّمرة، وكذلك أكثر حوران، غارت ولم يُعرف لبلدٍ منها موضعٌ يقال فيه هذه القرية الفلانية.
قلت: هذا كذب وفجور من كاتب هذه المكاتبة أما استحى من الله تعالى؟
ثم قال فيه: ويقال: إن عرقة خُسف بها، وكذلك صافيتا.
قال الموفّق: وأخبرونا أن بالمقس تلاًّ عظيمًا عليه رممٌ كثيرة فأتيناه ورأيناه وحدسناه بعشرة آلاف فصاعدا، وهم على طبقات في قُرب العهد وبعده، فرأينا من شكل العظام ومفاصلها وكيفيّة اتصالها وتناسُبها وأوضاعها ما أفادنا علمًا لا نستفيده من الكتُب، ثم إنُنا دخلنا مصر، فرأينا فيها دروبًا وأسواقًا عظيمة كانت مغتصّة بالزّحام، والجميع خالٍ ليس فيه إلًا عابر سبيل، وخرجنا إلى سكرجة فرعون، فرأيت الأقطار كلُها مغتصّة بالجثث والرمَّم، وقد غلبت على الآكام بحيث جلَّلتها، ورأينا في هذه الأسكرجة وهي عظيمة، الجماجم بيضا وسودا ودكنا، وقد خفي أكثرها وتركها سائر العظام، حتى كأنها رؤوس لم تكن معها أبدان، أو كأنها بيدر بطيخ.
قال أبو شامة: وجاءت في شعبان سنة سبع زلزلة هائلة عمّت الدّنيا في ساعة واحدة، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلقٌ كثير، ثم امتدت إلى الشام، فهدمت مدينة نابلس، فلم يبق فيها جدار قائم إلا حارة السّمرة، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفاً، وهُدمت عكّا وصور، وجميع قلاع الساحل.
قلت: هذا نقله الإمام أبو شامة من مرآة الزمان ومصنَّفه شمس
الدين يوسف رحمه الله كثير الخسف والمجازفة، وإلا من عنده ورع لم يُطلق هذه العبارات إذ لم تصل الصورة إلى هذا الحد، فقوله أولا: عمت الدنيا مجرد دعوى فما الذي أطلعه على جميع الممالك، وقوله: فلم يبق منهما جدار قائم، مجازفة أيضاً، وقوله: هُدمت جميع قلاع الساحل، فيه بعض ما فيه كما ترى، فلا تعتمد على تهويله.
قال أبو شامة: ورمت بعض المنارة الشّرقية بجامع دمشق، وأكثر الكلاّسة، والمارستان النُّوري، وعامّة دور دمشق إلا القليل، وهرب الناس إلى الميادين، وسقط من الجامع ست عشرة شرافة، وتشققت قبّة النَّسر، وتهدّمت بانياس، وهونين، وتبنين، وخرج قوم من بعلبك يجمعون الرّيباس من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان فماتوا، وتهدمت قلعة بعلبك مع عِظَم حجارتها، وانفرق البحر، فصار أطواداً، وقذف بالمراكب إلى السّاحل فتكسرت، وأحصي من هلك في هذه السّنة فكان ألف ألف ومائة ألف إنسان.
ثم قال: نقلت ذلك من تاريخ أبي المظفّر سبط ابن الجوزي.
وقال ابن الأثير: لما ملك العادل مصر وقطع خطبة المنصور ولد العزيز لم يرض الأمراء بذلك، وراسلوا الظاهر صاحب حلب، والأفضل بصَرْخَد، وتكررت المكاتبات يدعونهما إلى قصد دمشق ليخرج العادل، فإذا خرج إليهم أسلموه وتحولوا إليهما، ففشا الخبر وعرف العادل، فكتب إلى ابنه بدمشق يأمره أن يحاصر صرخد فعلم الأفضل، فسار إلى حلب، فخرج معه الظاهر ونازلا دمشق، واتفقا على أن تكون دمشق للأفضل، ثم يسيرون إلى مصر، فإذا تملكاها صارت مصر للأفضل، وصارت الشام كلها للظاهر.
رجعنا إلى قول أبي شامة، قال: وفي ذي القعدة حوصرت دمشق، جاء الأفضل والظاهر، ونَجَدَهما من بانياس حسام الدين بشارة، وقاتلوا أهل دمشق أياماً، وكان بها المعظّم عيسى، وبلغ أباه فقدم من مصر، ونزل نابلس، وبعث إلى الأمراء مكاتبات، فصرفهم إليه، ثم زحف ابنا صلاح الدين،
المذكوران على دمشق فوصلوا إلى باب الفراديس وأحرقوا فندق تقي الدين، وحاربهم الملك المعظّم، وحفظ البلد، وبقوا نحو شهرين، ثم بعث العادل فأوقع الخُلْف بين الأخوين فرحلوا، ثم قدم العادل، وجهّز المعظّم مع شركس، وقراجا، فحاصروا حسام الدين بشارة ببانياس، فقاتلهم وقُتِل ولده، وأخرجوه عن البلد، وتسلمها شركس وتسلم قراجا صرخد.
قلت: ذكر المؤيد أن الملك الأفضل سلم صرخد إلى زين الدين قراجا، ونقل أمه وأهله منها إلى حمص.
واشتد حصار الأخوين لدمشق، وتعلق النقابون بسورها، فلما شاهد الظاهر ذلك قال لأخيه: دمشق لي، فقال: حُرمي على الأرض ليس لنا موضع، فهب البلد لك فاجعله لي حتى تملك مصر فامتنع الظاهر فقال الأفضل: يا أمراء اتركوا القتال ونُصالح عمي فتفرقت الكلمة، وترحل الظاهر، ثم ذهب الأفضل وقنع بسميساط.
وأنبأنا ابن البزوري قال: وفيها سار غياث الدين وشهاب الدين ملكا الغور من غزنة في جنودهما إلى خراسان، وبها الأمير جقر، فأكرماه واستوليا على مرو، وسيرا جقر إلى هراة مكرماً، لأنهما وعداه بالجميل، ثم سلما مرو إلى هندوخان بن ملكشاه بن علاء الدين خوارزم شاه، وكان قد هرب من عمه محمد إلى غياث الدين، ثم سار غياث الدين فملك سرخس صلحاً، وسلمها إلى الأمير زنكي بن مسعود أحد أولاد عمه، ثم سار إلى طوس، فتسلمها بعد أيام بالأمان، ثم قصد نيسابور وبها علي شاه ابن السلطان خوارزم شاه، وقد استنابه عليها أخوه قطب الدين محمد، فراسله في تسليمها، فامتنع وأظهر القوة، فقال غياث الدين لجيوشه: إن دخلتموها فسحت لكم في نهبها، فزحفوا وجدوا حتى أخذوا البلد، ووقعوا في النهب، ثم أمر غياث الدين بكف النهب، وأن يرد كل شخص ما نهب، فردوه جميعاً، أخبرت عن بعض التجار قال: كنت بها، فنهب لي شيء في جملته قليل سكر وبساط فحين نودي في العسكر برد ما نهبوه عدا بساطي والسكر، وكنت رأيت ما أخذ مني في أيدي جماعة، فطلبته فقالوا: السكر شربناه، ونسألك أن لا تشيع ذلك، وإن أردت
الثمن أعطيناك، فجعلتهم منه في حل، ثم خرجت إلى ظاهر البلد، فرأيت البساط ملقى على باب البلد، لا يجسر أحد أن يأخذه، فأخذته.
وانهزمت الخوارزمية، وأسر علي شاه المذكور، وأحضر بين يدي السلطان غياث الدين راجلاً، فصعب ذلك عليه، وأنكر على من أسره، وأركبه فرساً، فلما استقر به المجلس أحضره، فقال له علي شاه: هكذا تفعل بأولاد الملوك؟ فقال: لا، بل هكذا، وأخذ بيده وأجلسه على سريره، وطيب قلبه، وسير من كان صحبته من الأمراء إلى هراة، واستناب بها ضياء الدين محمد بن علي بن عمير، وولاه حرب خراسان، ولقبه الملك علاء الدين، وأضاف إليه الأمراء، ثم سلم علي شاه إلى أخيه شهاب الدين الغُوريّ.
ثم رحل السّلطان غياث الدّين نحو هراة، وسار أخوه شهاب الدّين نحو قهستان، وملك بلاد الإسماعيليّة وطردهم عنها، وأظهر بها دين الإسلام، وأقام بها فسأل صاحبها السّلطان غياث الدين أن يرحِّل أخاه عنها، ففعل ذلك، وأمر أخاه، فأبى عليه، فعاوده فرحل عنها إلى بلاد الهند مغاضبًا لأخيه، وأرسل مملوكه قُطب الدين أيبك فحارب عسكر الهند فهزمهم، وانضم إليه عالمٌ كثير، وملك شهاب الدين مدينة عظيمةً من مدن الهند بعد أن هرب ملكها عنها، فعلم أنّه لا يمكن حفظها إلا بمُقامه بها، وذلك لا يمكنه، فصالح صاحبها على مالٍ، ورحل عنها.
قال ابن البُزُوريّ: وزُلزِلت الأرض بالجزيرة، والشّام، ومصر، فأخربت الّزلزلة أماكن كثيرة جدًا بدمشق، وحمص، وحماة، واستولى الخراب على صور، وعكّا، ونابلس، وطرابلس، وانخسفت قرية من أعمال بُصرَى، وخربت عدّة قلاع.
وفيها اهتمّ عبد الرحمن بن حمزة العلويّ المتغلّب على بلاد اليمن بجمع العساكر، فجمع اثني عشر ألف فارس، ونحوها رجّالة، فخاف منه الملك المعزّ إسماعيل ابن سيف الإسلام صاحب اليمن، ثمّ إنّ أمراء ابن حمزة اجتمعوا للمشورة، فوقعت عليهم صاعقة، فبلغ ذلك إسماعيل، فسار لوقته وحارب عسكر ابن حمزة فهزمهم، وقتل منهم ستّة آلاف، وتمكّن من اليمن،
وقهر الرعيّة، وادعى الخلافة وأنّه أُمَوي.
وفي ذي القعدة عاد القاضي مجد الدّين يحيى بن الربيع مدرّس النّظامية، وكان قد نُفِّذ رسولًا إلى شهاب الدّين الغُوريّ.
وفيها قدِم الأمير مجد الدين طاشتِكين بعسكره من خُوزستان، ثم توجه في خامس ذي القعدة حاجًا ومحاربًا للمعز إسماعيل ابن سيف الإسلام، وخرج نائب الوزارة نصير الدين ناصر بن مهدي فتوجّه إلى الحِلّة لاستعراض العساكر الّتي تحجّ مع طاشتكين، فاستعرضهم، وتوجّهوا، فلمّا وصل طاشتكين أرسل إلى إسماعيل يحذره عواقب فعله وينكر عليه، فلم يردعه العتب، فراسل طاشتكِين أمراء اليمن يحثّهم على محاربته ويأمرهم بالجهاد، وكانوا كارهين ما ادّعاه إسماعيل من ادّعاء الإمامة، فأجاب أكثرهم إلى ذلك، وكان إسماعيل يركب في أُبَّهَة المُلك، ويحترز كثيرًا على نفسه، فتحالف القرابليّ وأخوه السابق وعيسى بن حوك على اغتياله فركض يوما خلف وحش فوثب عليه القرابلي فحل كتفه بضربة، وضربه السّابق بدد أمعاءه، وناديا بشعار الدّولة العبّاسية، فلبى دعوتهما جمعُ من الأمراء، ونزلا من خوفهما مركباً، وهبّت لهم ريح، فسارا في خمسة أيّام فوصلا جُدة، ثم أتيا مكَّة، فخلع عليهما طاشتِكين، ونفّذ بهما إلى بغداد، فاختارا أن يكونا في خدمة طاشتِكين بخوزستان.
وفيها خُلع على الأمير طُغرل المستنجديّ زعيم البلاد الجبليّة.
وفيها وقع الغلاء المُفرِط ببلاد الشّراة.
سنة ثمان وتسعين وخمسمائة
في المحرّم خُلِع ببغداد على أبي الحسن عليّ بن سلمان الحلّي وقُلّد قضاء القضاة.
وفي رابع عشر صَفَر وصل الأمير طاشتكين من مكة وفي صحبته أبو أيّوب حنظلة بن قتادة بن إدريس العلويّ المتغلّب أبوه على مكّة يسأل أن يُقرّ والده على الإمارة.
وفيها خرج قَفَلٌ كبير من بغداد إلى الشّام، فأخذهم بزغش مملوك ابن مهارش، وقُتل من القَفَل نفرٌ يسير، فرجع التّجّار فقراء، فتقدّم الخليفة إلى علاء الدين تتامش بالخروج في عسكره، فقصد بزغش وأصحابه، فظفر بهم
وقتلهم، وجيء برؤوسهم فأُلقيت بباب النّوبيّ، ورُدت الأموال إلى أربابها، وتأرّج عَرفُ هذه المنقبة في أقاصي البلاد.
وقدِم طاشتكين ليقيم للنّاس الحجّ.
وفيها سار في الرسلية مدرّس النظاميّة يحيى بن الربيع إلى شهاب الدين صاحب غزْنة.
وفي وسط السنة تناقص الغلاء والوباء عن إقليم مصر، وخفّ الإقليم من الناس، ثم زاد النيل كما قدمنا في السنة الماضية.
وفيها خرج العادل من دمشق طالبًا حلب، وكان الملك الأفضل بحمص عند صاحبها، وهو زوج أخته، فالتقى عمّه العادل إلى ثَنِيّة العقاب، فأكرمه وعوّضه عن ميافارقين سميساط، وسَروج، وقلعة نجم، ثم نزل العادل على حماة، فصالحه الملك الظاهر، فرجع العادل.
وكان في شعبان زلزلة عظيمة شقّقت قلعة حمص، وأخربت حصن الأكراد، وتعدّت إلى قبرس، وأخربت بنابلس ما بقي.
قال العزّ النّسّابة: هذه هي الزلزلة العظمى التي هدمت بلاد الساحل، صور، وطرابلس، وعرقة، ورمت بدمشق رؤوس المآذن، وقتلت مغربيًا بالكلاسة ومملوكاً.
وقال سبط ابن الجوزي: فيها شرع الشيخ أبو عمر في بناء جامع الجبل وكان بقاسيون فاميّ اسمه محاسن، فأنفق في أساسه ما كان يمتلكه، فبلغ مظفّر الدين صاحب إربل، فبعث مالًا لبنائه.
قلت: ومن ثم قيل له الجامع المظفري، ونُسب إلى مظفر الدين.
وفيها كانت قتلة المعز ابن سيف الإسلام صاحب اليمن، كما ذكرنا في ترجمته، وأقيم في المُلْك بعده أخوه الملك الناصر.
قال ابن واصل: كان له سرية، فعصت في قلعة منيعة، وعندها أموال لا تحصى، ونُقِل عنها أنها ما تسلم الحصن إلا لرجل من بيت السلطان، وكان
لسعد الدين شاهنشاه ابن الملك المظفر عمر ولد يقال له سليمان، قد تفقر وحمل الركوة، وحج بين الفقراء، ثم إنه كاتب والدة الملك الناصر ابن سيف الإسلام، وكانت قد تغلبت على زَبِيد، وهي تنتظر وصول أحد من آل أيوب تتزوجه وتملّكه، وبعثت إلى مكة تكشف أخبار الملوك، فكتب إليها غلامها، وعرّفها بسليمان هذا، فاستحضرته وخلعت عليه، وتزوجته، ومَلكته اليمن، فملأها ظلمًا وجوراً، واطرح الملكة، وأعرض عنها، وكتب إلى السلطان الملك العادل كتابًا أوله:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فاستقل العادل عقله، وفكر فيمن يبعثه ليملك اليمن.
سنة تسع وتسعين وخمسمائة
أنبأنا ابن البُزُوري قال: في سلخ المحرم ماجت النجوم، وتطايرت كتطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وخافوا وضجوا بالدعاء إلى الله تعالى، ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيها جمع الملك العادل عسكرًا عديداً، وفرّق عليهم العُدد والأموال، وقدم عليهم ولده الأشرف موسى، وأمره أن يحاصر ماردين، فقطع صاحب ماردين الميرة عن عسكر العادل، وأمر أهل القلاع أن يقطعوا السُّبُل والميرة، والتقى طائفة من هؤلاء بطائفة من هؤلاء، فاقتتلوا وانهزم عسكر ماردين بعد أن قطعوا الطّرق وتعذّر سلوكها، وسار جماعة من عسكر العادل إلى رأس عين، وبقي الملك الأشرف فلم ينل غرضه، ودخل الملك الظاهر صاحب حلب في الصلح، فأجاب العادل على أن يحمل إليه صاحب ماردين مائة وخمسين ألف دينار، وأن يخطب له في بلاده، وأن يضرب السكة باسمه، ويكون عسكر ماردين في خدمته، فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك.
وذكر سبط ابن الجوزي مثل ما قدمنا من موج النجوم وتطايرها.
وقال العزّ النّسّابة: رُئيَ في السماء نجوم متكاثفة متطايرة، شديدة الاضطراب إلى غاية.
وفيها شرع العادل في عمارة أسوار قلعة دمشق.
وفيها مات السلطان غياث الدين الغوري، وقبض أخوه السلطان شهاب الدين إلْب غازي على جماعة من خواص أخيه وأتباعه وصادرهم، وبالغ في التنكيل بامرأة أخيه، وأخذ أموالها، وسيّرها إلى الهند على أسوأ حال، وهدم تربتها، ونبش أبويها، ورمى بعظامهم.
وفيها سيّر الملك العادل المنصور علي ابن الملك العزيز، وقيل اسمه محمد، إلى مدينة الرها، وألزمه المقام بها، وكان بدمشق هو وأمّه وإخوته، فخاف العادل من ميل الرعية إليه، وأن يتملّك دمشق فأبعده.
وفيها بعث الخليفة الناصر لدين الله إلى الملك العادل وأولاده بسراويلات الفتوة ومعها الخلع.
وكان الأشرف بحران، ملكه أبوه بها مع الرها وغيرها في عام أول.
وفيها خرج ابن لاون صاحب سيس لحرب البرنس صاحب أنطاكية، وعاث وأفسد.
وقدم عكا خلق من الفرنج وتحركوا، فاهتمّ لهم العادل، ثم ترحّلوا لأجل الغلاء والقحط بعكا، وخافوا لا يقطع العادل عن عكا الميرة.
وفيها سار صاحب حماة الملك المنصور ونزل ببعرين، فقصده الفرنج من حصن الأكراد وطرابلس وغيرها، فالتقوا فهزمهم وقتل وأسر، وذلك في رمضان، ثم لم ينشب أن خرج جمعٌ منهم في أربع مائة فارس وألف ومائتي راجل، فالتقاهم صاحب حماة فكسرهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر جماعة، وذلك في رمضان أيضا، ومدحه الشعراء.
سنة ستمائة
قال سبط ابن الجوزي: فيها سار نور الدين صاحب الموصل إلى تلْعفر، فأخذها وكانت لابن عمّه قطب الدين ابن عماد الدين صاحب سنجار، فاستنجد القطب بالملك الأشرف جاره فجمع جمعًا كثيرًا وساق، فعمل مُصافًّا مع صاحب الموصل فكسره الأشرف، وأسر جماعة من أمرائه،
منهم مبارز الدين سُنْقُر الحلبي، وابنه غازي، ثم اصطلحا في آخر السنة، وتزوج الأشرف بأخت نور الدين، وهي الست الأتابكية صاحبة التربة بقاسيون.
وفيها احترقت خزانة السلاح بدمشق، وذهب جميع ما كان فيها.
وفيها أخذت العملة المشهورة من مخزن الأيتام بقَيسارية الفرش لأيتام الأمير سيف الدّين ابن السّلاّر، ومبلغها ستّة عشر ألف دينار، وبقيت سِنين، ثم ظهرت على ابن الدُّخينَة، وقد حُبِس بسببها جماعة.
وفي رمضان توجّه أسطول الفِرنج - لعنهم الله - من عكا في البحر عشرون قطعة، ودخلوا يوم العيد من فم رشيد في النيل إلى بُليدة فُوَّه، فنهبوها واستباحوها ورجعوا، ولم يتجاسروا على هذا منذ فُتحت ديار مصر، وقد دخلوا من عند دِمياط في النّيل أيضًا في سنة سبعٍ وست مائة إلى قرب بورة، ففعلوا نحو ذلك.
وفيها نزل صاحب سيس على أنطاكية وجدّ في حصارها، فخرج صاحب حلب وخيَّم على حارم، فخاف صاحب سيس على بلاده وترحَّل، ثم بعد أيام هجم أنطاكية بمواطأةٍ من أهلها، فقاتله البرنس ساعةً، ثم التجأ إلى القلعة ونادى بشعار الملك الظاهر، وصرح بطاقة إلى حلب، فَنَجَده صاحب حلب، فبلغ ذلك صاحبَ سيس، ففرّ إلى بلاده.
وفيها أقبلت الفرنج من كل فجّ عميق بعكَا عازمين على قصد بيت المقدس، فخرج العادل ونزل على الطُّور، وجاءته النَّجدة من الأطراف، وأقبلت الفرنج تُغِير على بلاد الإسلام وتأسر وتسبي، واستمرّ الحال على ذلك شُهوراً.
وأما القسطنطينية فلم تزل بيد الروم من قبل الإسلام فلما كان في هذا الأوان أقبلت الفرنج في جمع عظيم ونازلوها إلى أن ملكوها.
قال ابن واصل: ثم لم تزل في أيدي الفرنج إلى سنة ستّين وستّمائة، فقصدتها الروم وأخذوها من أيدي الفِرنج، فهي بأيديهم إلى الآن، يعني سنة بضعٍ وسبعين وستّمائة.
وفيها ظفر متولّي واسط برئيس الباطنية محمد بن طالب بن عُصَيَّة ومعه طائفة، فقُتِلوا بواسط ولله الحمد، وكانوا أربعين نفساً.
بسم الله الرحمن الرحيم
(ال وفيات)
سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
1 -
أحمد بن أبي المجد إبراهيم بن محمد بن محمد بن حسّان
بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرَّحمن ابن سيف الله خالد بن الوليد بن المغيرة، الحافظ رشيد الدّين أبو بكر المخزوميّ، المَنِيعيّ، الشَّبذي، بالإعجام والحَرَكة، وشّبذ: من أعمال أبِيورد.
كان شيخًا من أهل العِلم، ذكره أبو العلاء الفَرَضيّ فقال: سمع أبا المعالي الفارسيّ، وعبد الجبّار الخواريّ، ووجيهًا الشّحّاميّ، وعبد الوهّاب بن شاه الشاذياخي، وغيرهم، وأجاز لجميع المسلمين في المحرَّم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.
وابنه رشيد الدين محمد، سمع من أبيه، وغيره، وخرَّج لنفسه.
2 -
أحمد بن بدر بن الفَرَج أبو بكر القطّان
، الكاتب البغداديّ.
حدث عن أبي سعد أحمد بن محمد البغداديّ، وأحمد بن علي الأشقر.
3 -
أحمد بن عثمان بن أبي عليّ بن مهديّ أبو العبّاس الكرديّ الإربليّ
، الرجل الصالح.
روى عن أبي الكَرَم الشَّهرَزُوري، وأحمد بن طاهر الميهني، وأبي الوقْت.
4 -
أحمد بن عمر الفقيه، أبو العبّاس الكردي الشّافعيّ، مُعيد النّظاميّة.
تُوفّي ببغداد في ذي الحجّة، وكان من كبار الفقهاء.
5 -
أحمد بن مدرك بن الحسين بن حمزة بن الحسين بن أحمد
، أبو الرضا البهرانيّ، القُضاعي، الحموي، قاضي حماة وخطيبها.
ولي القضاء بها في سنة إحدى وسبعين، وقد تفقّه بحلب على أبي سعد بن عصرون، وبدمشق على القُطب النيسابوريّ.
وكان رئيسًا جليلًا فاضلاً، تردّد إلى دمشق وسمع بها من الفقيه نصر الله بن محمد.
وقيل: بل تُوفّي في جُمادى الآخرة سنة تسعين.
6 -
أحمد بن المظفّر بن الحسين الفقيه
، أبو العبّاس، الدّمشقيّ، الشافعيّ، المعروف بابن زين التُّجار، مدرّس المدرسة النّاصرية الصّلاحيّة المجاورة للجامع العتيق بمصر، وبه تُعرف إلى اليوم لأنّه درّس بها مدّة، وكان من أعيان الشّافعية.
تُوفّي في ذي القعدة.
7 -
أحمد بن أبي منصور محمد بن محمد بن عبد الرَّحمن بن الزّبرقان، أبو العباس الأصبهاني.
وُلد سنة خمس مائة في رجب وسمع من جعفر بن عبد الواحد الثّقفي، ومحمد بن عبد الواحد الدّقّاق، وإسماعيل بن الفضل الإخشيد، وأجاز له أبو سعد محمد بن عليّ السّرفرتج، وغانم البُرجيّ، ومحمد بن عبد الله بن مندويه الشُّرُوطي، والحسن بن أحمد الحدّاد، والحافظ شيرويه بن شهردار الدَّيلَميّ، وآخرون، وحدَّث، وهو من كبار شيوخ أصبهان الّذين أدركهم ابن خليل.
تُوفّي في ذي القعدَة في عشر المائة.
8 -
أحمد بن أبي نصر بن أبي الرجاء
، أبو نُعَيم الأصبهاني، الشّرابيّ.
له إجازة من أبي علي الحدّاد.
9 -
إبراهيم بن محمد بن عبد الله
، أبو إسحاق الأمويّ، الطّريانيّ، الإشبيليّ.
سمع من أبي بكر ابن العربيّ، وأحمد بن ثعبان، وأخذ عن شُرَيح قراءة نافع، أخذ عنه أبو الربيع بن سالم.
تُوفيّ في هذا العام أو بُعَيده.
10 -
إسماعيل بن أبي سعد
، أبو الحسن الأصبهاني البنّاء.
تُوفّي في صفر، وقد حدَّث عن فاطمة بنت البغداديّ وفاطمة الجُوزدانية، حدَّث ببغداد.
11 -
الحسن بن هبة الله بن عليّ أبو علي ابن المكشوط الهاشميّ
، الحريمي.
وُلد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وسمع من أبي القاسم بن الحُصَين، وأبي غالب ابن البناء، وتوفي في شعبان.
روى عنه يوسف بن خليل.
12 -
الحسين بن أحمد بن الحسين بن سعد
، الإمام أبو الفضل الهَمَذاني، اليزدي، الحنفيّ.
حدَّث بِجُدّة عن الشريف شُمَيلة بن محمد الحُسينيّ، وتوفي بقوص قاصدًا مصر، وحُمِل إلى مصر فدُفن بالقرافة.
سمع منه أبو الجود نَدَى بن عبد الغنيّ، وقيل: إنه كان تحت يده إحدى عشرة مدرسة.
مات في ربيع الأوّل.
13 -
الحسين بن أبي خازم محمد بن الحسين بن علي
، أبو عبد الله العَبديّ، الواسطيّ.
حدث عن أبي الحسن بن عبد السّلام، وتُوفي في رجب.
سمع منه ابن الدُّبيثي.
14 -
ذاكر بن كامل بن أبي غالب محمد بن الحسين بن محمد
، أبو القاسم بن أبي عَمرو الخفّاف، الحذّاء، أخو المبارك.
بغدادي مشهور، سمع بإفادة أخيه من الحسن بن محمد بن إسحاق الباقَرحِي، والمعمَّر بن محمد بن جامع البيّع، وأبي علي محمد بن محمد ابن المهدي، وأبي سعد أحمد ابن الطيوري، وأبي الغنائم ابن المهتدي بالله، وأبي طالب اليُوسفي، وعبد الله ابن السمرقندي، ومحمد بن عبد الباقي الدُّوريّ، وأبي العزّ القلانِسيّ، وجماعة، وأجاز له أبي النَّرسِيّ، وأبو القاسم بن بيان، وعبد الغفّار الشِّيرُويي، وأبي علي الحدّاد، ومحمد بن طاهر الحافظ، وأبو طاهر محمد بن الحسين الحِنّائيّ الدّمشقيّ، وأبو الحسن ابن الموازيني، وخلق سواهم.
وحدَّث بالكثير، وكان صالحًا خيِّراً، قليل الكلام، روى عنه أبو عبد الله الدُّبيثيّ، وسالم بن صصْرى، ويوسف بن خليل، ومحمد بن عبد الجليل البغداديّ، وعليّ بن معالي.
ذكره الحافظ زكيّ الدّين في الوَفَيَات فقال: كان ذاكرًا كاسمه صبورًا على قراءة الحديث، يقال: إنّه أقام أربعين سنة ما رُئيَ آكلًا بنهارٍ، تُوُفّي سادس رجب.
قلت: وآخر من روى عنه بالإجازة محمد بن يعقوب ابن الدِّينَة.
وقد سمع منه مَعمَر بن الفاخر، وأبو سعد السّمعانيّ.
قال ابن النّجار: كان صالحًا متدينًا كثير الصمت، يأكل من عمله،
وكان أُميًا لا يكتب، سمعتُ منه سنة تسعين، ومولده سنة ستٍّ وخمسمائة.
15 -
شجاع بن محمد بن سيدهم بن عَمرو بن حديد بن عسكر
، الإمام أبو الحسن المُدلجيّ، المصريّ، المالكيّ، المقرئ.
وُلِد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وقرأ القراءات على: أبي العبّاس أحمد بن الحُطَيئَة، وسمع منه، ومن عبد الله بن رِفاعة، وعبد المنعم بن موهوب الواعظ، وأبي طاهر السِّلَفّي، ولقي من الفقهاء: أبا القاسم عبد الرحمن بن الحسين الجَبّاب، وأبا حفص عمر بن محمد الذَهَبيّ، وقرأ العربيّة على: أبي بكر بن السّرّاج، وصَحب أبا محمد بن برّي، وتصدَّر بجامع مصر، وأقرأ وحدَّث وانتفع به جماعة، وآخر من قرأ عليه وفاةً: أبو الحسن علي بن شجاع الضرير.
تُوفّي في سابع عشر ربيع الآخر.
16 -
عبد الله بن أحمد بن جعفر
، أبو جعفر الواسطيّ، المقرئ، الضّرير.
وُلِد بواسط سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وقرأ القرآن على: أبي عبد الله البارع، وغيره، وسمع من أبي القاسم بن الحُصَين، وأبي غالب الماوَردِيّ، وأبي الحسن عليّ ابن الزَاغوني، وجماعة.
وأقرأ وحدَّث، وكان يسكن بباب الأزَج من بغداد، روى عنه الدُّبيثي، ويوسف بن خليل، وتوفي يوم عَرَفَة.
17 -
عبد الله بن صالح بن سالم بن خميس
، أبو محمد الأنباريّ، ثم البغداديّ، الأَزَجي، الخبّاز.
سمع من القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي، وإسماعيل ابن السمرقندي، وتوفي في ثاني جُمادى الآخرة.
18 -
عبد الله بن عمر بن جواد البغدادي الأزجي
.
سمع أبا الفضل الأُرموي، وابن ناصر، وحدَّث.
وتوفي في جُمادى الأولى.
19 -
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل
، أبو القاسم المصري الأصل، ثم البغدادي، الصوفي.
وُلِد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
وسمع من جدّه لأمّه عبد الرَّحمن بن الحسن الفارسيّ، وأبي الوقت وأبي القاسم ابن البناء، ووُلّي مشيخة رباط الزَّوزَنيّ.
وكان صالحًا عابداً، سَرَدَ الصَّومَ مدّة، وكان أبوه قدم بغداد وصار من أطِباء المارستان العَضُديّ.
توفي أبو القاسم في شوّال.
20 -
عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عُبَيد الله بن سعيد بن محمد بن ذي النّون الحَجريّ
، حَجر ذي رُعين؛ الأندلسيّ، المَرِيّيّ، الحافظ الثَّبت، أبو محمد بن عُبَيد الله الزّاهد، أحد أئمّة الأندلس.
وُلد في نصف ذي الحجّة سنة خمسٍ وخمسمائة، وسمع صحيح مسلم من أبي عبد الله بن زُغَيبة، وسمع من أبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن اللّوان، وأبي الحسن بن موهب الجُذاميّ، ورحل إلى قُرطبة فلقي بها: أبا القاسم بن بَقِيّ، وأبا الحسن بن مغيث، وأبا عبد الله بن مكّي، وأبا جعفر البِطروجي، وأبا بكر ابن العربيّ، ولقي بإشبيلية أبا الحسن شُرَيح بن محمد، وأبا عمر أحمد بن عبد الله بن صالح المقرئ الأزديّ.
وقرأ صحيح البخاري على شُرَيح في سنة أربعٍ وثلاثين، وحضر سماعه نحوٌ من ثلاث مائة نفس من أعيان طلبة البلاد فقرأه في إحدى وعشرين دولةً بسماعه من أبيه، وأبي عبد الله بن منظور، عن أبي ذَرّ الهَرَويّ، وكان النّاس يرحلون إلى شُرَيح بسببه لكونه قد عيَّن تسميعه في كل رمضان، وأجاز له القاضي عياض، وأبو بكر بن فَندَلة، وجماعة، وسمع أيضًا من محمد بن عبد العزيز الكِلابي، وجعفر بن محمد البُرجي، وأبي بكر يحيى بن خلف بن النّفيس، وإبراهيم بن مروان، ويوسف
ابن عليّ القُضاعيّ القفّال.
وعُني بهذا الشّأن. وكان غايةً في الوَرَع والصّلاح والعَدَالة. قاله الأَبّار.
وقال: ولي الصّلاة والخطابة بجامع المَرِيّة. وكان يعرف القراءات. ودُعي إلى القضاء فأبى. وخرج بعد تغلُّب العدو إلى مُرسية. وضاقت حاله بها، فقصد مالقة، وأجاز البحر إلى مدينة فاس. ثم استوطن سبتَة يُقرئ ويُسمع، فبَعُد صِيتُه، وعلا ذِكرُه، ورحل النّاس إليه لعُلُوّ سَنَده، وجلالة قدرِه.
وكان له بَصَرٌ بصناعة الحديث، موصوفًا بجَودة الفَهم. استُدعي إلى حضرة السّلطان بمَرَاكُش لِيَسمع منه، فقدِمَها وبقي بها حيناً، ثم رجع إلى سَبتَة.
حدَّثنا عنه عالم من الجِلّة. مولده سنة خمسٍ، وقيل: سنة ثلاثٍ وخمسمائة. وتوُفي بسَبتَة في المحرَّم، وقيل في مُستَهل صَفَر. وكانت جنازته مشهودة.
سمعتُ أبا الربيع بن سالم يقول: صادَفَ وقتُ وفاته قحطاً، أَضَرّ بالنّاس، فلما وُضِعت جنازته على شفير قبره توسّلوا به إلى الله في إغاثتهم فسُقوا مِن تلك مَطَرًا وابلاً. وما اختلف النّاس إلى قبره مدّة الأسبوع إلاّ في الوحل والطّين.
قلت: قرأ بالسَّبع على شّرَيح، وعلى يحيى بن الخُلُوف، وعلى أبي جعفر أحمد بن أبي الحسن بن الباذش بكتاب الإقناع له.
وأقرأ القراءات لأبي الحسن الشّاري، وغيره.
قال ابن فرتون: ظهرت له كرامات. حدثنا شيخنا الراوية محمد بن الحسن بن غازي، عن بنت عمّه، وكانت صالحة، وكانت استحيضت مدّة، قالت: حُدّثت بموت ابن عُبَيد الله، فشقَّ عليَّ أن لا أشهده فقلت: اللهُمَّ إن كان وليًّا من أوليائك فأمِسك عنّي الدّمَ حتّى أصلّي عليه. فانقطع عنّي لوقته، ثم لم أره بعد.
روى عنه أبو عَمرو محمد بن عَيشون البكيّ، ومحمد بن أحمد بن اليتيم الأندرشيّ، ومحمد بن محمد اليحصُبيّ، ومحمد بن عبد الله القُرطُبي بن الصّفّار، والشَّرَف محمد بن عُبيد الله المُرسي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن
مُحرِز الزُّهري، وعبد الرحمن بن القاسم السّرّاج، وأبو الخطّاب عمر بن دِحية الكلبيّ، وأخوه أبو عَمرو عثمان، وأبو الحسن علي ابن الفخّار الشَّريشيّ، وأبو الحسن علي بن عبد الله بن قطرال، وأبو الحَجّاج يوسف بن محمد الأزدي، وخلق يطول ذكرهم من آخرهم: أبو الحسن علي بن محمد الغافِقي، الشّاري، وإبراهيم بن عامر الطَّوسِي، ومحمد بن الجِرج نزيل الإسكندرية، ومحمد بن عبد الله الأزديّ وبه خُتِم حديثه.
مات الأزديّ سنة ستّين وستمائة.
أخبرنا عبد المؤمن بن خَلَف الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الأنصاريّ قراءة، قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد الحَجري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن بَقِيّ، وأبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن البطروجيّ قالا: حدثنا محمد بن الفرج الفقيه. قال: حدثنا يونس بن عبد الله القاضي، قال: أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله، قال: أخبرنا عمّ أبي عُبَيد بن يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الّذي تفوُتهُ صلاة العصر كأنما وُتِر أهله ومالَه. متَّفقٌ عليه.
21 -
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل أبو القاسم المصري
ّ، ثم البغدادي، الصُّوفيّ.
سمع من جدّه لأمّه عبد الرحمن بن الحسن الفارسيّ، وأبي الوقت وسعيد ابن البناء، وهبة الله ابن الشِّبلي.
وولي مشيخة الرباط الزَّوزني. وكان أبوه أحد الأطبّاء ببغداد. قدِمها وسكنها، وسمع الكثير.
وُلِد أبو القاسم بن محمد في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وتُوفي كهلًا في سابع شوّال.
22 -
عبد الله بن محمد بن فُلَيح أبو محمد الحضرميّ القصري
، من قصر عبد الكريم.
روى عن ابن العربيّ، وعَبّاد بن سرحان، والقاضي عِياض وعليه اعتماده في الرواية. حدَّث، وولي القضاء بموضعه.
قال الأَبّار: حدثنا عنه أبو محمد النّاميسيّ، وأبو بكر بن محرز. وقال لي أبو الربيع بن سالم: بقي إلى سنة إحدى وتسعين.
23 -
عبد الله بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الفقيه أبو المظفَّر الدّمشقي
، الشّافعي ابن عساكر. أخو زين الأُمَناء وإخوته.
وُلِد سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. وتفقَّه على أبي الفتح بنجير بن عليّ الأشتريّ، والقُطب أبي المعالي مسعود بن محمد النيسابوري. وسمع من عمّيه الصّائن هبة الله، والثِّقة أبي القاسم. وقرأ الأدب على محمود بن نعمة بن رسلان الشَّيزري، النَّحوي. وخرَّج أربعين حديثاً، وحدَّث بمصر، ودمشق، والقدس، وحماة، وشيزَر، والإسكندرية. ودرّس بدمشق بالتَّقَوية. وكان مجموع الفضائل.
قُتِل غيلةً بظاهر القاهرة في ثامن ربيع الأوّل.
24 -
عبد الله بن محمد بن حمد أبو محمد الأصبهاني
، الخبّاز.
روى عن إسماعيل بن محمد الحافظ التَّيميّ. وعنه يوسف بن خليل.
تُوفّي في ذي القعدة.
25 -
عبد الحق بن هبة الله بن ظافر بن حمزة
. الرئيس أبو صادق القُضاعيّ، الشّافعي، المصريّ.
سمع عبد الله بن رفاعة، والسَّلَفي، وجماعة فأكثر. روى عنه عبد الرحمن بن عليّ المغيريّ المخزومي.
تُوفّي في ربيع الأول.
26 -
عبد الرحمن بن المبارك بن أحمد بن منصور أبو محمد الدّلاّل البغداديّ
، المعروف بالشاطر.
سمع هبة الله بن الحُصَين. وتُوفي في رجب.
27 -
عبد المؤمن بن عبد الغالب بن محمد بن طاهر بن خليفة أبو محمد الشَّيبانيّ البغداديّ
، الفقيه الحنبليّ، الورّاق.
وُلِد سنة بضع عشرة وخمسمائة. وسمع أبا بكر الأنصاريّ، وأبا القاسم ابن السَّمَرقَندي ببغداد، وأبا الخير البَاغبَان بهَمَذان. وحدَّث. روى عنه يوسف بن خليل، وجماعة. وتُوفي يوم عَرَفة.
28 -
عليّ بن حسّان بن مسافر أبو الحسن البغداديّ
، الكاتبّ الشّاعر؛ له شِعر جيّد خدم به الدّيوان العزيز فمنه قوله:
عَذِيري من الغضبان لا يعرف الرضا إذا لم يجد عتبًا عليَّ تعتَّباً وما لي من دهري سوى أن برهة خلِعت على أيّامها خلعَة الصِّبا فللَّه ما أحلى الهوى وأمَرّه وأَبعد وصل الغانيات وأقربا
29 -
عليّ بن هلال بن خميس أبو الحسن الواسطّي
، الفاخرانيّ، الفقيه الضّرير، الحنبليّ.
تفقّه ببغداد على أئمّتها. وسمع أبا الحسين عبد الحقّ، وخديجة بنت النّهرواني.
والفاخَرانية قريةً من سواد واسط.
30 -
عمر بن أبي السّعادات بن محمد بن مكابر
، أبو حفص الوكيل السَّقلاطوني.
سمع أبا القاسم بن الحُصَين، وأبا بكر القاضي. وعنه ابن خليل، وجماعة.
31 -
عمر بن المبارك بن أبي الفضل العاقولي
ّ، ثم الأَزَجيّ. يُعرف بابن طرّويه.
سمع أبا القاسم بن الحُصَين، وأبا الحسن ابن الزّاغونيّ، وأبا البركات بن حُبَيش الفارقيّ. سمع منه عمر بن عليّ القُرَشي، وتميم البَندنيجي، ويوسف بن خليل، وجماعة.
تُوفيّ في ذي الحجّة عن ثمانين سنة.
32 -
فاطمة بنت أبي الغنائم عبد الواحد بن أبي السّعادات
، أحمد بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن أبي عيسى محمد ابن المتوّكل على الله. الشّريفة أمّ عبد الله الهاشميّة العبّاسيّة المتوكّليّة البغدادية.
رَوَت عن المبارك بن المبارك السّرّاج. وتُوفُيت في رمضان
33 -
محمد بن أحمد بن خَلفَ بن عُبَيد بن فحلون أبو بكر السَّكسَكي
. نزيل شَرِيش.
روى عن أبي الحسن شُرَيح، وأبي مروان بن قزمان، وطائفة. وحدَّث. مات في شعبان بعد وَقعة الأرك الّتي كانت على الروم لَعَنَهم الله بأيّام.
34 -
محمد بن أحمد بن محمد أبو عبد الله البغدادي
ّ، الحَظيريّ، السِّمسار المعروف بالجِنَانيّ. كان يسكن محلّة الشّمعيّة.
سمع أبا العزّ أحمد بن كادش، وأبا القاسم بن الحُصَين، وأبا غالب ابن البناء، وجماعة.
وكان صحيح السَماع، عَسرًا في التَّحديث.
روى عنه يوسف بن خليل، وغيره. وتُوفي في رمضان.
والحظيرة: قرية كبيرة على يومَين من بغداد ممّا يلي الموصل.
قال ابن النّجّار: مات في شوّال.
35 -
محمد بن الحسن بن الحسين أبو المحاسن الأصبهاني التّاجر
، المعروف بالأصفهبذ.
وُلِد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع إسماعيل بن الإخشيذ، وجعفر بن عبد الواحد الثَّقَفيّ، وابن أبي ذَرّ الصّالحانيّ، وعثمان اللبيكي النيسابوريّ الراوي عن عمر بن مسرور. وحضَر أبا طاهر الدّشتج. وأجاز له أبو عليّ الحدّاد.
وهو ابن أخت الحافظ أبي العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الأصبهاني، وقد حجّ سنة سبعين، وحدَّث ببغداد. وعاش إلى هذا الوقت.
روى عنه أحمد بن أسعد المقرئ، والحافظ محمد بن موسى الحازميّ، ويوسف بن خليل.
تُوفّي في ثامن ذي القعدة. وكان صالحاً، عفيفاً، مُقرِئاً، تاجراً.
36 -
محمد بن الحسين بن يحيى بن المُعَوَّج
، أبو بكر البغداديّ، الحريمي، القزّاز.
سمع أبا منصور بن زُرَيق القزّاز، وأبا البدر الكرخيّ، وجماعة. وحدَّث.
37 -
محمد بن عبد الوهّاب بن علي بن علي بن سُكَينة
، أبو منصور.
سمّعه أبوه الكثير من نصر بن نصر العُكبريّ، وأبي الوقت، وطبقتهما. وحدَّث. وهو من بيت الحديث والتُصوُف.
تُوفّي في جُمادى الآخرة في أيّام أبيه. وكان من كبار الفقهاء.
38 -
محمد بن عمر بن أحمد بن جامع
، أبو عبد الله ابن البنّاء الشّافعيّ، المقرئ الصّالح.
كان منقطعًا في مسجد القاهرة دهراً، وقد سمع من قاضي القضاة أبي المعالي مُجَلي بن جميع الأرسُوفي، وعمر بن محمد المقدسيّ، ومحمد بن إبراهيم الكيزانيّ. وأقرأ. وحدَّث، وانتفع به جماعة.
قال المنذريّ: حدثنا عنه أبو القاسم عبد الرَّحمن بن أبي عبيد الله الشّعبانيّ. وتُوفيّ في ربيع الآخر.
39 -
محمد بن أبي محمد رسلان بن عبد الله بن شعبان الفقيه أبو عبد الله الشّارعيّ
، الشافعيّ، المقرئ بالشّارع.
وُلِد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وسمع من أبيه رسلان، ومُجَلّي بن جُمَيع القاضي، وعثمان بن إسماعيل الشّارعيّ، وجماعة. روى عنه ابنه عبد الرَّحمن.
40 -
محمد بن المبارك بن أحمد ابن البُنّيّ
، بالنّون، أبو الفضل الواسطيّ.
حدث عن أبي الكرم نصر الله بن محمد، وأبي السّعادات المبارك بن نَغُوبا. تُوفّي في المحرَّم، قاله الدُّبيثي.
41 -
ناشب بن هلال بن نَصِير
، أبو منصور الحرَّانيّ، ثم البغدادي، ثم المُضَرِي، البَدِيهيّ.
وُلِد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع من أبي القاسم بن الحُصَين، وأبي العزّ بن كادش. روى عنه ابن خليل، وغيره.
وكان يتكّلم في الأَعزِية، ويقول الشَّعر على البَدية، ولذا قيل له: البديهيّ.
تُوفّي في رمضان.
42 -
نَجَبة بن يحيى بن خَلَف بن نجبة يوسف بن نَجَبَة
، الإمام أبو الحسن الرُّعَينيّ، الإشبيليّ، المقرئ، المجوِّد، النَّحويّ.
وُلِد بعد العشرين، وأخذ القراءات عن أبي الحسن شُرَيح، وأبي محمد شُعَيب اليابُريّ، وأبي جعفر بن عَيشُون. وسمع منهم، ومن صهرِه أبي مروان
عبد الملك ابن البَاجي، وأبي بكر ابن العربيّ، وأبي بكر محمد بن عبد الغنيّ بن فَندلَة، ومحمد بن أحمد بن طاهر القَيسيّ، وأبي الحسن بن لُبّ. وأجاز له عتيق بن محمد. وتصدَّر بإشبيليّة للإقراء والنَّحو. وروى عنه أبو الربيع بن سالم الكلاعيّ، وجماعة.
وذكره الأَبّار فأثنى عليه وقال: كان إمامًا مقدَّمًا مع الصَّلاح والتواضع. واستوطنَ مَرّاكُش مدَّةً، وأقرأ بها وبإفريقيّة. وكان مقرئاُ محقِّقاً، ونَحويًا حافظاً. حدَّث عنه جماعة من جِلّة شيوخنا. وتُوفّي في جُمادى الآخرة بِشَرِيش، وله سبعون سنة.
43 -
نصر بن عبد الرحمن بن محمد بن محفوظ بن أحمد
، أبو الفتح القُرَشي الدمشقيّ، والد محمد.
تُوفيّ في جُمادى الآخرة. وهو ابن أخي الشّيخ أبي البَيَان.
44 -
هبة الله بن صَدَقَة بن هبة الله بن ثابت بن عُصفور
، أبو البقاء الأَزَجيّ، الصّائغ.
وُلِد سنة خمسمائة. وسمع في كِبره من أبي الحسن بن عبد السّلام، وأبي سعد أحمد بن محمد البغداديّ، وأبي البدر الكرخيّ، وطبقتهم. وحدَّث. وخرَّج مجاميع، وصنَّف في الردّ على الرافضة وفي الردّ على أبي الوفاء عليّ بن عقيل في نُصرة الحلاّج. روى عنه إلياس بن جامع، ويوسف بن جليل.
تُوفيّ في شوال.
45 -
يحيى بن الخَضِر بن يحيى بن محمد
، أبو زكريّا الأُرمَوي.
شيخ صالح دمشقيّ. سمع من جمال الإسلام عليّ بن المسلم. وحدَّث. وتُوُفي في عاشر شوّال.
46 -
يحيى بن علي بن أحمد بن عليّ الخرّاز
، أبو منصور البغدادي، الحريميّ.
وُلِد سنة سبعٍ وخمسمائة. وسمع من أبي عليّ محمد بن محمد ابن المهديّ، ومحمد بن محمد ابن المهتدي بالله، وهبة الله ابن الحُصَين، وأحمد ابن البناء، وغيرهم.
والخرّاز: براء ثم زاي، وهو من بيت حديث. روى هو، وأبوه، وابنه عبد الله.
روى عنه الدُّبيثيّ، وابن خليل. وتُوفّي في ثاني عشر ذي الحجّة.
47 -
يَمَان بن أحمد بن محمد بن خميس
، الفقيه أبو الخير الرُّصافيّ، الواسطيّ، الشّافعي. دُفِن برُصافة واسط.
وقد تفقّه ببغداد على أبي المحاسن يوسف بن بُندار. وسمع من أحمد بن المبارك المُرَقَّعاتيّ. واشتغل ببلده وأفتى.
وهذه الرُّصافة تحت واسط بستّة فراسخ، وهي قرية كبيرة. والرُّصافة بالشّام بلد بناه هشام بن عبد الملك. وبهذا الاسم محلّة ببغداد، وأخرى بالكوفة، وبُلَيدَة بقرب البصرة، وموضع بالأنبار، وموضع بقُرطبة، وأخرى ببلَنسية، وأخرى بنيسابور، وأخرى بقرب إفريقيّة. ذكر العشرة الحافظ زكيّ الدّين في وفاة يَمان، وأنّها تقريبًا في سنة إحدى وتسعين.
وفيها وُلِد:
إبراهيم بن إسماعيل المقدسي أخو أبي شامة. والنَّجم محمد بن عليّ ابن المظفَّر النشبيّ. والتّاج عبد الوهّاب ابن زين الأُمَناء. والسّيف يحيى ابن الحنبليّ. وعبد الواحد بن عليّ الهَكاريّ. والجمال محمد بن عبد الجليل ابن الموقاتيّ بالقدس.
سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة
48 -
أحمد بن طارق بن سنان
، أبو الرضا الكَركي الأصل، البغدادي المَولد، التّاجر، المحدّث.
وُلِد سنة سبعٍ وعشرين وخمسمائة في ربيع الأوّل. وسمع من أبي منصور موهوب ابن الجواليقيّ، وأبي الفضل الأُرمَوِي، وابن ناصر، وأحمد بن طاهر المَيهني، ونصر بن نصر، وسعيد ابن البناء، وهبة الله الحاسب، ومحمد بن طِراد النّقيب، وأبي بكر ابن الزّاغونيّ، وسعد الخير البَلَنسي، ومحمد بن عُبيد الله الرُّطَبي، والمبارك ابن الشَّهرزُوريّ، وعبد الملك الكَرُّوخي. وبالكوفة من أبي الحسن محمد بن غبرة. وبمكّة من عبد الرحيم ابن شيخ الشّيوخ؛ وبدمشق من أبي القاسم الحسين ابن البُنّ، وناصر بن عبد الرَّحمن النّجّار، وحمزة بن كرّوس، وجماعة. وبمصر من عبد الله بن رفاعة، وأحمد بن الحُطيئة، وعلي بن هبة الله الكاملي؛ وبالثّغر من أبي طاهر ابن سِلفَةَ. وحدَّث بهذه البلاد.
قال ابن الدُّبيثيّ: كان حريصًا على السّماع، وتحصيل المسموعات، مع قلّة معرفة بالنسبة إلى طَلَبه. وكان ثقة.
وقال المنذري: هو من الكَركِ، قرية بجبل لبنان، بسكون الراء. وأمّا البلد المشهور فبالتّحريك.
قلتُ: أراد كرك نوح، وهي بُلَيدَة بالبقاع. ولم أسمع أحدًا قيّده بالسُّكون سوى المنذريّ؛ بلى وابن نُقطَة.
روى عن ابن طارق: أبو الحسن عليّ بن المفضّل، وأبو عبد الله الدُّبيثيّ، ويوسف بن خليل.
وذكره الحافظ الضّياء في شيوخ الإجازة، وقال: كان شيعيًا غالباً.
قال ابن النّجّار: لم يزل يطلب إلى أن مات، وكان يُوادُّني. وكان صدوقًا
ثبتاً، طيّب المعاشرة، إلاّ أنّه كان غاليًا في التّشيُّع، شحيحاً، مقنطًا على نفسه، يشتري من لُقَم المُكِدًّين، ويتبع المحدّثين ليأكل معهم ولا يُشعِل في بيته ضوءًا وخلّف تجارة تساوي ثلاثة آلاف دينار. مات وحده ولم يعلم به أحد.
قال عبد الرّزّاق الجيليّ: كان ثقةً ثَبتًا مع فساد دِينه.
وقال ابن نقطة: كان متقناً، خبيث الاعتقاد، رافضيّاً. مات في سادس عشر ذي الحجّة. وبقي في بيته أيّامًا لا يُدرَى به، وأكلت الفأرة أُذُنَيه وأنفَه كما قيل.
قلت: كان جدّه سنان قاضي كَرك البقاع.
49 -
أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعيد بن حُرَيث بن مضاء بن مهنَّد بن عُمَير
، أبو العبَاس، وأبو جعفر اللَّخميّ، القُرطُبي قاضي الجماعة.
عرض الموطّأ على أبي عبد الله بن أَصبَغ. وسمع من أبي جعفر البِطروجيّ، وأبي جعفر بن عبد العزيز. وجماعة، وأخذ القراءات عن أبي القاسم بن رضا. ورحل إلى إشبيلية فأخذ عن شُرَيح بن محمد قراءة نافع، وقراءة ابن كثير. وسمع من أبي بكر ابن العربيّ، وطائفة. لكنه امتًحِن بضياع أسمِعَته. وكان بارعًا في علم العربيّة. وُلّي قضاء فاس، ثم نُقل إلى قضاء الجماعة بمراكش عند وفاة القاضي أبي موسى عيسى بن عِمران سنة ثمانٍ وسبعين. وكان جميل السّيرة، إماماً، مُتقِناً، روى عنه جماعة.
وتُوفّي في جُمادى، وقد شارف الثّمانين.
وله المُشرِق في إصلاح المنطق، وكتاب تَنزيه القرآن عمّا لا يليق بالبيان. ورّخه الأَبّار.
وقال أبو الخطاب بن دحية: سمعتُ منه صحيح مسلم، بسماعه من أبي حاتم الأَسَدي.
50 -
أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن حُرَيث بن عاصم
، أبو جعفر اللَّخمي الشَّريشيّ، أبو جعفر، وأبو القاسم.
روى عن محمد بن أَصبَغ، وأبي بكر ابن العربيّ، وعِياض، والبِطروجيّ، وطائفة. وُلّي قضاء فاس، ثم قضاء الجماعة بمرّاكُش. وحدَّث عنه جماعة.
مات في جُمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين عن ثمانين سنة إلا سنة.
قلت: النّسخة المنقول منها سقيمة، كأنه اثنتين وسبعين.
51 -
أحمد بن علي بن يحيى بن بَذّال
، أبو العباس الحريميّ، المعروف بابن النّفيس المُستَعمَل.
وُلِد سنة تسعٍ وخمسمائة. وسمع هبة الله بن الحُصَين، وأبا غالب ابن البناء، وأبا المواهب أحمد بن ملوك، وجماعة. سمع منه أبو المحاسن عمر بن علي ومات قبله بزمانٍ، ويوسف بن خليل، وغير واحد.
تُوفي في المحرَّم.
52 -
أحمد بن علي بن طلحة
، أبو العبّاس الواسطي، الشّاهد.
وُلِد سنة تسع عشرة وخمسمائة. وسمع أبا الكَرَم نصر الله بن محمد بن مَخلَد، وسعد بن عبد الكَريم الغُندُجانيّ، وعليّ بن هبة الله بن عبد السّلام. وحدَّث. ووُلّي نيابة الحُكم بواسط وبها تُوفّي في صَفَر.
روى عنه أبو عبد الله الدُّبيثيّ، وغيره.
53 -
أحمد بن عمر بن بَرَكة. الأَزَجيّ
، البزّاز، المعروف بابن الكزليّ.
حدث عن أبي القاسم بن الحُصَين، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وأبي بكر الأنصاري. وعنه ابن خليل.
تُوفي في ربيع الأول.
54 -
أحمد بن مسعود بن الحسن
، أبو الرّضا الباذَبِينيّ، ثم البغدادي التّاجر ابن الزُّقطَرّ.
سمع من أبي البركات يحيى بن حُبيش، وأبي بكر الأنصاري. وحدث. وتوفي في رابع ربيع الآخر. ومولده سنة سبعٍ وخمسمائة.
55 -
أحمد بن هبة الله بن أسعَد
، أبو العبّاس ابن الثّخين البغدادي، الحنفيّ.
سمع عبد الوهّاب الأنماطيّ، وأبا الوقت. روى عنه عبد الله بن أحمد الخبّاز.
ورّخه ابن النّجّار في رجب.
56 -
إبراهيم ابن الشّيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيليّ
.
سمع من أبي الوقت، وسعيد ابن البناء. وتُوفي بواسط.
قال الدُّبِيثيّ: ما أظنه حدّث لاشتغاله بالمعاش.
57 -
إبراهيم بن محمد بن أحمد بن حَمَدِيّةَ
، أبو طاهر العُكبَرِيّ، البيّع. أخو عبد الله.
سمَّعه أبوه الكثير، وسمع بنفسه، وكتبَ بخطّه. وروى الكثير عن هبة الله بن الحُصَين، وأبي غالب الماوردي، وهبة الله بن عبد الله الشُّرُوطي، وزاهر الشّحّاميّ. وكان صحيح السَّماع. روى عنه الدُّبيثي، وابن خليل، وجماعة.
وكان مولده سنة عشر أو اثنتي عشرة وخمسمائة. وتوفي في صَفَر بعد أخيه عبد الله بعشرين يوماً.
58 -
إسماعيل بن أبي بكر محمد بن عليّ بن عبد العزيز
، أبو محمد الحريمي، السِّمِّذي، الخبّاز.
سمع عمّه المبارك بن علي، وأبا بكر محمد بن عبد الباقي، ويحيى ابن الطّرّاح، وأبي منصور محمد بن خيرون، وجماعة. روى عنه يوسف بن خليل، وجماعة. وتوفي في صَفَر.
59 -
أشرف بن عليّ بن محمد بن إبراهيم
، أبو الفضل الهاشميّ.
روى عن جدّه لأمّه أبي الفضل الأُرمَوي.
وكان يمكنه أن يسمع من ابن كادش، ونحوه، لأنّه وُلِد في حدود سنة خمس عشرة وخمسمائة.
60 -
بَلقيس بنت سليمان بن أحمد ابن الوزير نظام المُلك الحسن بن علي بن إسحاق الطُّوسي
. المَدعُوّة خاتون.
وُلِدت بأصبهان سنة سبع عشرة وخمسمائة، ونشأت بها. وسمعت من فاطمة الجَوزدانيّة، وسعيد بن أبي الرجاء، والحسين بن عبد الملك الخلاّل. سمع منها جماعة. وحدث عنها يوسف بن خليل، وغيره.
تُوُفِّيت في ثامن رجب.
61 -
تميم بن أبي الفتوح بن محمد بن أبي القاسم
، أبو رشيد الأصبهاني، المقرئ، الخلاّل.
سمع محمد بن علي بن أبي ذَر الصّالحانيّ. وعنه ابن خليل.
تُوفّي في رمضان.
62 -
الحسن بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عبد الله القاضي الأَجَلّ
، أبو المكارم التَّميمي، السَّعديّ، الأغلبيّ، ابن الجبّاب.
وُلِد سنة سبعٍ وثلاثين وخمسمائة وحدث عن السِّلَفيّ، وقد وُلّي قضاء الإسكندرية سنة أربعٍ وستّين. وإلى أن تُوُفّي.
وكان يُراجع الفقيه أبا الطّاهر بن عوف فيما يشكل عليه من الأحكام وهو من بيت حشمة وجلالة.
63 -
الحسن بن علي
ّ، ويقال: المبارك بن عليّ بن المبارك، أبو علي المؤدب البغدادي، ويُعرف بابن الحلاوي.
سمع من ابن الحُصَين، وأبي غالب ابن البناء. وعنه ابن خليل، وغيره. توفي في صَفَر.
64 -
الحسين بن عبد الرحمن بن الحسين
، أبو عبد الله الواسطي.
روى عن نصر الله بن الجَلخت، ومحمد بن عليّ الجُلابي. وتُوفي في جمادى الأولى.
65 -
السديد، شيخ الأطِبّاء بمصر، هو أبو منصور عبد الله بن علي. ولَقَبه أيضًا شرف الدّين، وإنّما غَلَبَ عليه لَقب أبيه السّديد أبي الحسن.
أخذ الصّناعة عن الموفّق عدنان بن العَين زّربيّ. وسمع بالإسكندرية من أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، وبرع في الفنّ، وخدم العاضد العُبيديّ وجماعةً قبله. وحصّل أموالًا عظيمة، ونال الحُرمة والجاه العريض، وعُمِّر دهراً. وكان أبوه طبيبًا للدّولة أيضاً.
ومّمن أخذ عن أبي منصور: نفيس الدّين ابن الزُّبَير شيخ الأطبّاء. فحكى عنه أنه دخل مع أبيه على الآمر بأحكام الله.
قال ابن أبي أُصيَبعَة: وحدَّثني أسعد الدّين عبد العزيز بن أبي الحسن أن الشّيخ السّديد حصل له في يوم واحد من الدّولة ثلاثون ألف دينار. وقال لي نفيس الدّين ابن الزُّبَير عنه: إنّه طهَّرَ ابني الحافظ لدين الله فحصل له من الذَّهب نحو خمسين ألف دينار. وما زال شيخ الأطبّاء إلى أن مات. وكان صلاح الدّين يحترمه ويعتمد عليه في الطّبّ.
توفي في منتصف جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: توفي في هذا العام.
66 -
سعد بن عثمان بن مرزوق بن حُمَيد القُرَشي
، الزّاهد، أبو الخير ابن الفقيه أبي عَمرو المصريّ، الحنبليّ.
خرج من مصر قديماً، وسكن بغداد، وتفقه بها على مذهب أحمد. وسمع من أبي محمد ابن الخشّاب وجالسَه، وحصَلَ له ببغداد قبولٌ تام مِن الخاصّة والعامّة. وكان يُحمل إليه من مصر ما يقتات به من شيء له.
وكان زاهدًا ورِعاً، ناسكاً، قانتاً. ولمّا احتُضِر شيخه أبو الفتح بن المُنَي أوصى أن يتقدَّم في الصلاة عليه سعد رحمه الله.
تُوفي في سادس عشر ربيع الآخر. وشيّعه الخَلق.
قال ابن النّجّار: قدِم بغدادَ واستوطنها برباط الشّيخ عبد القادر. وكان عبدًا صالحاً، مشهورًا بالعبادة، والمجاهدة، والتّقشُّف، والوَرَع، خشِن العَيش، كثير الانقطاع. حدَّث باليسير عن ابن الخشّاب، وكان على غايةٍ من الوسواس في الطّهارة. مات في صلاة الظُّهر، وكان قد تلا فيها:{فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}
67 -
شعيب بن الحسن بن محمد بن شعيب
، أبو نصر السَّمرقَنديّ، ثمَ الأصبهاني.
وُلِد سنة خمس عشرة وخمسمائة بأصبهان. وسمع من علي بن هاشم بن طَباطَبا العلوي، وفاطمة الجُوزدانيّة. روى عنه يوسف بن خليل. وتوفي في شوّال.
68 -
صاعد بن رجاء بن حامد بن رجاء المَعدانيّ
، أبو الخطّاب الأصبهاني، الشّافعي.
روى عن زاهر الشّحّامي. وعنه ابن خليل. تُوفي في جمادى الآخرة.
69 -
صَدقة بن أبي المظفَّر محمد بن المبارك
، أبو الفُتُوح البردغوليّ، الحريميّ، الطّاهريّ.
سمع ابن الحُصَين. وعنه ابن خليل، وأبو عبد الله الدُّبيثي.
توفي في شوال.
70 -
عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الأنصاري
، أبو محمد الصُّوفيّ الصّالح.
سمع أبا طاهر السِّلَفي، وأبا محمد الدّيباجيّ، وعبد الله بن برّي، وخلقًا كثيرًا بعدهم بالقاهرة. وكتب الكثير. روى عنه أبو نزار ربيعة، وغيره.
ويقال: إنه نَسَخ أكثر من مائة ألف وخمسمائة جزء سوى المجلّدات. وخطّه معروف.
تُوفيّ في تاسع عشر جُمادى الأولى. وكان قد سُيِّر إلى قلعة صَدَر، قلعة مشهورة بين أَيلة ومصر.
71 -
عبد الله بن أحمد بن جمهور بن سعيد
، أبو محمد القيسي الإشبيلي.
سمع أبا الحسن شريح بن محمد، وأبا بكر ابن العربي، وأبا بكر بن موجوال وتفقه به، وأبا مروان بن مسرة. وأخذ القراءات عن أبي الحكم بن بطال. وولي إمامة إشبيلية.
قال الأبار: كان رجلًا صالحاً، فاضلاً، بصيرًا باللغة والشروط. حدث عنه جماعة من شيوخنا. وتوفي في ربيع الآخر، وله نحوٌ من ثمانين سنة.
72 -
عبد الله بن علي بن عثمان بن يوسف
. القاضي أبو محمد القرشي، المخزومي، المصري، الفقيه الشافعي، المعدل، الأديب.
ولد سنة تسع وأربعين. وقرأ الكثير على أبي محمد بن بري، وله شعر حسن. وكان كثير المعروف والإيثار.
وقد حدث والده وطائفة من إخوته وأهل بيته، وهم بيت كتابة وتقدُّم.
73 -
عبد الله بن محمد بن أحمد بن حَمَدِيّة
، أبو منصور العُكبَرِي الأصل، البغداديّ، أخو إبراهيم المذكور آنفاً.
سمع أبا العِزّ بن كادش، وأبا علي الحسن ابن السِّبط، وأبا بكر محمد بن الحسين المَزرفيّ، وأبا سهل محمد بن إبراهيم بن سَعدَوَيه، وزاهر بن طاهر، وأبا عبد الله الحسين البارع، وعُبَيد الله بن محمد ابن البَيهَقيّ، وخلقاً.
روى عنه أبو عبد الله الدُّبيثيّ، ويوسف بن خليل، وجماعة. وسمع منه عمر بن علي القُرَشي، والقُدماء.
وتوفي في ثالث صفر. وكان مولده سنة ثمانٍ وخمسمائة.
74 -
عبد الله ابن الأجل أبي شجاع المظفَّر بن أبي الفَرَج هبة الله ابن المظفَّر ابن الوزير رئيس الرؤساء
أبي القاسم علي ابن المُسلمة. ويُعرف بالأثير أبي جعفر.
وُلِد سنة تسع عشرة وخمسمائة. وسمع بنفسه من أبي منصور ابن خيرون، وأبي الحسن محمد بن أحمد بن توبة، وأبي سعد أحمد بن محمد البغداديّ. روى عنه إلياس بن جامع، ويوسف بن خليل. وتوفي في تاسع عشر صفر. وهو من بيتٍ كبير.
75 -
عبد الله بن أبي المحاسن بن أبي منصور العتّابيّ
، الحنّاط.
روى عن إسماعيل ابن السَّمَرقَندي، وغيره، ويُعرف بابن السِّنَّور.
76 -
عبد الخالق بن أبي الفتح عبد الوهّاب بن محمد بن الحسين
، أبو محمد المالكيّ الأصل، البغدادي المولد، الصّابوني، الخفّاف الحنبليّ، الضّرير.
وُلِد سنة سبعٍ أو عشرٍ وخمسمائة. وسمع بإفادة أبيه من الحسن بن محمد البَاقَرحي، وأبي المعالي أحمد بن محمد ابن البخاريّ، وأبي نَصر أحمد بن رضوان، وعلي بن عبد الواحد الدِّينَوري، وأحمد بن كادش، وزاهر بن طاهر، وإسماعيل ابن المؤذّن، وقُراتِكِين بن الأسعد، وطائفة. وسمع صحيح البخاري من الحسين بن عبد الملك الخلاّل، ومُسنَد أحمد من ابن الحُصين. روى عنه أبو عبد الله الدُّبيثيّ، وصَدَقَة بن محمد الوكيل، ويوسف بن خليل.
تُوفي في الخامس والعشرين من ذي الحجّة.
77 -
عبد الرحمن بن سعود بن سرور بن الحسين
، أبو محمد القصريّ، الملاّح.
سمع أبا القاسم بن الحُصَين، وأبا غالب ابن البناء، وأبا بكر الأنصاري، وجماعة. وعنه الدُّبيثيّ، وابن خليل. وتوفي في جُمادى الآخرة، وله ستٌّ وسبعون سنة.
ويقال له: ابن ملاّح الشّطّ، كما يقال لعبد الرحمن بن أبي الكَرَم الآتي سنة سبعٍ وتسعين.
78 -
عبد الرحمن بن أبي الفضائل نصر الله بن موسى بن نصر بن شِبزِق
، أبو القاسم الموصليّ، ثم البغدادي، البيّع، الرّفاء، الأعن. ويُعرف بابن فضائل.
وُلِد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وسمع من أبي العزّ بن كادش، وأبي القاسم بن الحُصين، وعلي بن عبد الواحد الدّينوَري، وأبا بكر المَزرفيّ. سمع منه عمر بن عليّ القُرَشي، ويوسف بن خليل، وجماعة. وتوفي في الرابع والعشرين من المحرَّم. وشِبزِق بكسرتين.
79 -
عبد الرحيم بن أحمد بن حَجُّون
، بن محمد بن حمزة بن جعفر بن إسماعيل بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر كذا في نسَب حفيده شيخنا ضياء الدّين بن عبد الرَّحيم الشّافعيّ، فاللَّه أعلم بصحة ذلك، فكأنّه قد سقط منه جماعة. أبو محمد المغربيّ الزاهد.
تُوفي في أحد الرَّبيعين بالصّعيد ببلد قِنَا. وكان أحد الزُّهّاد في عصره، ظهرت بركاته على جماعةٍ من أصحابه، وله تلامذة من كبار الصُّلحاء نفعَ الله ببركتهم.
80 -
عبد العزيز بن فارس بن عبد العزيز بن ميمون الحكيم
، أبو محمد الشَّيبَانيّ، الرَّبَعِي، الإسكندرانيّ.
كان من أعيان الأطبّاء في زمانه. حدث عن عبد المُعطي بن مسافر القمّوديّ.
وعاش اثنتين وثمانين سنة، فإنه وُلِد سنة عشرٍ وخمسمائة. وتوفي في الثّامن والعشرين من صَفَر.
81 -
عبد القويّ بن عبد الله بن سلامة بن سعد
، أبو محمد المنذريّ، الشّاميّ الأصل، المصريّ. والِد الحافظ زكي الدّين عبد العظيم.
وُلِد سنة أربع وخمسين وخمسمائة تقريباً. وسمع بمكّة من محمد بن الحسين الهَرَوِي؛ وبمصر من أبي عبد الله الأرتاحيّ.
قال ابنه: علقتُ عنه فوائد. وكان يحرّضني على الحديث. تُوفي في ثالث رمضان.
82 -
عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن جَلدَك
، أبو عَمرو القلانِسيّ، المَوصِلي، الشّافعيّ.
سمع من خطيب الموصل، ويحيى الثَّقفيّ. وارتحل إلى بغداد، فتفقَّه بها على أبي القاسم يحيى بن فضلان. وسمع من ذاكر بن كامل، وابن بوش، وجماعة. ورحل إلى أصبهان فسمع من الحافظ أبي موسى، وأبي رشيد حبيب
ابن إبراهيم، وطائفة. وبدمشق من العلاّمة أبي سعد بن أبي عَصرون، والخُشُوعيّ. وحدث ببغداد ومصر، وله شعر حسن.
توفي في أواخر العام، رحمه الله.
83 -
عليّ بن أبي القاسم أحمد بن محمد بن العبّاس
، أبو الحسن البغدادي، العطّار، المعروف بابن الدّيناريّ.
سمع من القاضي أبي بكر، وغيره. روى عنه يوسف بن خليل، وابن الدُّبيثي في تاريخه وقال: تُوفي في جمادى الآخرة.
84 -
علي بن سعيد بن الحسن المأموني
ّ، الشّافعيّ، الفقيه أبو الحسن.
روى عن أبي الفتح الكروخيّ، وأبي الوقت. وهو من محلّة المأمونية ببغداد.
قال ابن النّجار: كان ينتحل مذهب الإماميّة، شيعيًا غالياً.
85 -
عمر بن عبد الله بن أبي بكر أحمد ابن الإمام أبي محمد عبد الله بن سبعون بن يحيى
، أبو حفص القَيسيّ، السلمي القَيروانيّ، ثم البغدادي.
وُلِد سنة ست عشرة وخمسمائة. وسمع من يحيى الطّرّاح، وأبي البدر إبراهيم الكَرخي، وأبي بكر ابن الزاغوني. وحدث.
تُوفّي في ثالث شعبان ببغداد.
وأخوه أبو بكر يُسمَّى اللَّيث، يروي عن أبي البدر الكرخيّ. ووالدهما أبو محمد يروي عن ابن خيرون؛ كتب عنه ابن الحصري. وجدُّهما أبو بكر يروي عن أبي الطّيب الطَّبَري؛ مات سنة إحدى وخمسمائة.
86 -
غُنَيمة بن المفضل
، أبو الغنائم الصُّوفي الخطيبيّ.
سمع بواسط من هبة الله بن نصر الله بن الجَلَخت. وكان من مشاهير الصُّوفية والفُقَهاء.
مات في رجب.
87 -
فضلان بن خَلَف بن فضلان
، أبو محمد البغدادي، الأَزجيّ، القصّار.
تُوفي في ذي الحجّة.
روى عن إسماعيل ابن السَّمَرقَندي، وعبد الملك الكَرُّوخيّ. روى عنه ابن خليل، والدُّبيثي، وجماعة.
88 -
كرَم بن حَيدر الرَّبعي الحربيّ
.
سمع من أبي بكر محمد بن منصور بن إبراهيم القصريّ. روى عنه يوسف بن خليل.
89 -
ليث بن أحمد بن محمد
، أبو البركات الحربيّ، البيّع، المعروف بابن الدُخنِي.
سمع من أبي الحسين محمد بن أبي يَعلَي الفرّاء، وعبد الله بن أحمد بن يوسف. وعنه يوسف بن خليل.
توفي سابع عشر صَفَر.
90 -
محمد بن أحمد بن موسى بن هُذيل
، أبو عبد الله العَبدري، الأندلسيّ.
حجَّ، وسمع من عليّ بن حُميد بن عمار بمكة، ومن السِّلَفي، وغيره بالثّغر.
تُوفي في هذه السنّة أو في التي بعدها.
91 -
محمد بن أحمد بن محمد
، أبو بكر الأصبهاني، المهّاد، المؤذَن المقرئ.
سمع محمود بن إسماعيل الصَّيرَفي، وجعفر بن عبد الواحد الثقّفي. روى عنه يوسف بن خليل وقال: تُوفي في ذي الحجّة.
92 -
محمد بن أبي بكر بن محمد
، أبو عبد الله الجَلَاليّ، البغدادي.
سمع هبة الله بن الحُصَين، وأبا بكر المزرفي. وذكر أنّه سمع المقامات من المصنِّف. وكان جليلًا نبيلاً. روى عنه أحمد بن محمد بن طَلحة.
وُلِد سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة. ومات في رجب، قال ذلك ابن النّجار.
وأمّا ابن الدُّبيثي فقال: مات في رمضان. وقال: سألته عن مولده فقال لي: في نصف رجب سنة اثنتين وتسعين.
عاش مائة سنة وشهرين، وهو محمد بن عبد الله الآتي ذِكره.
93 -
محمد بن الحسن بن أحمد
ابن قاضي القضاة علي ابن العلامة قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني.
توفي في شوال شابا، وقد سمع بواسط شيئا من أبي طالب الكتاني، كنيته أبو الفضل.
94 -
محمد بن الحسن بن أبي الفوارس هبة الله ابن المقرئ الكبير أبي طاهر بن سِوار البغدادي
، أبو بكر الوكيل بباب القضاة.
كان بارِعًا في فنّه وفي السِّجلاّت كأبيه وجده. سمع من صَدَقة بن محمد ابن المَحلبان، وأبي علي أحمد بن محمد الرَّحبي، وابن البطّي. وحدث. وتوفي في رابع شعبان.
كذَّبه ابن نُقطة، ووهّاه ابن الحصري.
95 -
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله المعّمر
، أبو عبد الله البغداديّ، المعروف بالجَلَالي، منسوب إلى خدمة الوزير جلال الدّين الحسن بن صَدَقة.
شيخ معمَّر، كان أحد من جاوز المائة. وُلِد في نصف رجب أو في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وسمع من علي بن المبارك ابن الفَاعُوس، وابن الحُصَين، ومحمد بن الحسن المَزرَفي. وحدث. ولو سمع في صِغَرِه لسمع جماعة من أصحاب أبي علي بن شاذان، بل السّماع قِسمِيَّة.
روى عنه أبو عبد الله الدُّبيثي، وأبو الحَجّاج الأدمي، وجماعة. وتوفي في رابع رمضان، وله مائة سنة وشهر.
وكان يمكن أن تكون له إجازة من أبي عبد الله بن طلحة النِّعالي وغيره.
96 -
محمد بن عبد اللَّطيف بن أبي بكر محمد بن عبد اللَّطيف بن محمد بن ثابت بن الحسن الرَّئيس الكبير صَدر الدين
، أبو بكر الأزدي، الخُجَندي الأصل الأصبهاني، الفقيه الشّافعي.
كان قد سمع الحديث وتفقَّه. وكان رئيسًا مقدَّمًا بأصبهان هو وآباؤه، وهو وآباؤه الثلاثة يُلَقَّبون صَدر الدين. وخُجَند مدينة على طرف سَيحُون.
قَتَلَه فَلَكُ الدين سُنقر الطويل متولي أصبهان في هذا العام وكان يدخل ويخرج في أمر الدّولة فَخُتِمَ له بخير.
97 -
محمد بن أبي الطّاهر عبد الوارِث ابن القاضي هبة الله بن عبد الله بن الحسين الرَّئيس
، أبو الفخر الأنصاري، الأوسي، المصري، الشّافعي، المعروف بابن الأزرق.
وُلِد في حدود سنة ستٍّ وثلاثين وخمسمائة. وكان جده أبو الفضائل هبة الله قاضي قُضاة الديار المصرية.
تُوفي في جُمادى الأولى.
98 -
محمد بن علي بن فارس بن علي
، أبو الغنائم ابن المعلّم الواسطي، الهُرثي، الشّاعر المشهور. والهُرث: من قرى واسط.
وُلِد سنة إحدى وخمسمائة. وانتهت إليه رياسة الشِّعر في زمانه. وطال عُمره حتّى صار شيخ الشّعراء في وقته وسار شِعره، واشتهر ذكره، وقد أكثر القولَ في المديح والغَزَل.
قال ابن الدُّبيثي: سمعت عليه أكثر شِعره بواسط، وبالهُرث، فأنشدنا لنفسه:
يا مُبيحَ القتل في دين الهَوَى أنتَ مِن قَتلي في أوسَعِ حِلِّ اغضُضِ الطَّرف فنيران الهوَى لَم تدع لي كَبدًا تُرمى بِنَبلِ هَبكَ أغليتَ وصالي ضِنَّةً منكَ بالحُسنِ فلِم أرخَصتَ قَتلي؟ فلَحُبيّ لكَ أحببتُ الضَّنَا لست بالطّالبِ بُرئِي يا مُعِلّي وله:
يا نازلينَ الحِمَى رِفقًا بقَلبِ فتًى إن صاحَ بالبَينِ داعٍ فهو مُضمِرُه مقسمًا حذر الواشي يغيبُ به عنه وأم الهَوَى العُذريّ يُحضِره كم تستريحون عن صُبحي وأتعِبه وكم تَّنَامُون عن ليلي وأُسهِرُه لا تحسبوا البُعد عن عَهدِ يغيّرني غيري ملازمةُ البلوى تغيّرُه فما ذكرتكمُ إلاّ وهِمتُ جوّى وآفةُ المُبتلى فيكم تَذَكُّرُه وتستلذّ الصّبا نفسي، وقد علمت أن لا تمرّ بصافٍ لا تكدّرُه سلا بوجديَ عن قيسٍ مُلوَّحُه وعن جميلٍ بما ألقاه مَعمَرُه يزداد في مسمعي تكرارُ ذِكركُم طِيبًا ويحسُنُ في عيني مكرَّرُه وله مما سمعه منه أبو الحسن ابن القَطِيعيّ:
تنبّهي يا عَذَبَاتِ الرَّند كم ذا الكَرَى هَبَّ نسيمُ نجدِ مرَّ على الرَّوض وجاء سَحَرًا يَسحَبُ بُردَي أرَجِ وبردِ حتّى إذا عانقتُ منه نفحةً عادَ سَمُومًا والغَرَامُ يُعدي أُعَلِّلُ القلبَ ببانِ رامةٍ وما ينوبُ غُصُنٌ عن قدٍّ وأقتصي النَّوحَ حماماتِ الِّلوَى هيهاتَ ما عند اللِّوى ما عندي ما ضرِّ مَن لم يسمحوا بزَورةٍ لو سمحوا عن طَيفهم بوعدِ وله:
أأحبابنا إنّ الدّموع الّتي جَرَت رخاصاَ على أيدي النَّوى لغَوَالي أقيموا على الوادي ولو عُمرَ سَاعةٍ كلَوثِ إزَارٍ أو كَحَلِّ عقالِ فكم تمّ لي من وقفةٍ لو شَرَيتُها بروحي لم أُغبَن فكيف بمالي؟ وله:
هو الحِمَى ومغانيه مغانيه فاحبس وعانِ بليلى ما تعانيهِ لا تسأل الركبَ والحادي فما سأل العشاق قبلك عن ركب وحاديهِ ما في الصِّحاب أخو وَجدٍ أُطارحُهُ حديثَ نجدٍ ولا صَبٍّ أجاريه إليك عن كلّ قلب في أماكنهِ ساهٍ كلّ دمعٍ في مآقيه ما واحدُ القلب في المعنى كفاقده وجامد الدّمع في البَلوى كجاريه يا منزلًا بدواعي البَين مُنتَهبٌ وما البليَّة إلا من دواعيه وقفت أشكو اشتياقي والسّحاب به فانهَلّ دمعي وما انهلَّت عزاليه ومالكٍ غير قتلي ليس يُقنِعُهُ وفاتك غير ذلي ليس يرضيهِ لم أدرِ حين بدا والكأس في يده من كأسِه الخمرُ، أم عينيه، أم فيهِ حَكَت جواهرُه أيّامه فَصَفَت واستهدتِ الشمس معنى من معانيهِ تُوفي في رابع رجب بقَريتهِ، وقد أنشد أبو الفَرَج ابن الجوزي من شِعره على المنبر.
99 -
محمد بن عليّ بن أحمد بن المبارك الوزير مؤيد الدين
، أبو الفضل ابن القصّاب البغدادي.
كان ذا رأي وشهامة وحزم وغَورٍ بعيد، وهمّته علِيّةَ، ونفسه أبيّة. وكان أديبًا بارِعًا بليغاً، شاعراً. وُلّي كتابة ديوان الإنشاء مّدة، ثم ناب في وزارة
الخلافة في سنة تسعين وخمسمائة، وسار بعسكر الخليفة، ففتح البلاد هَمَذَان، وأصبهان، وحاصر الرّيّ، وبيَّن، وصارت له هيبة في النّفوس، فلمّا عاد وُلي الوزارة. ثم إنّه خرج بالجيوش إلى هَمَذَان فتُوُفّي بظاهرها في رابع شعبان، وقد نيّف على السّبعين.
وقد قرأ العربيّة على أبي السّعادات هبة الله ابن الشَّجَري، وتنقّل في الخدم. وأقام بأصبهان مدّة. ثم قدِم من أصبهان فرتِّب في ديوان الإنشاء. ولم يزل في عُلُوٍّ حتى ناب في الوزارة.
وأنشدوه قول المتنبي:
قاضٍ إذا اشتبه الأمران عنَّ له رأيٌ يفصّل بين الماء واللَّبَنِ فقال: أنا أفصل بين الماء واللّبن بأن أغمس البُردي فيه ثم أعصره، فلا يُشرب إلا الماء، ويخلص اللّبن.
وكان والد الوزير قصّابًا أعجميًا بسوق الثلاثاء ببغداد.
تُوُفّي الوزير بظاهر همَذان، فأخفي موته ودُفن، وأركِب في مِحَفته قيصر العونيّ الأمير، وكان يشبهه، ثم طِيف به في الجيش تسكيناً. ثم ظهر الأمر، ونبشه خُوارزم شاه تكش، وحزَّ رأسه، ثم طاف به على رمح في بلاد خُراسان.
قال ابن النّجار: لو مُدَّ له في العُمر لكان لعلَه يملكُ خُراسان. وكان فيه من الدّهاء وحسن التّدبير والحِيَل ما يعجز عنه الوصف، مع الفضل والأدب والبلاغة.
وهو القائل يرثي ولده:
وإذا ذكرتُك والّذي فعل البِلَى بجمال وجهك جاء ما لا يُدفّعُ عاش مؤيد الدين بضعًا وسبعين سنة.
100 -
محمد بن مالك بن يوسف بن مالك
. أبو بكر الفِهريّ، الشَّرِيشيّ.
سمع من شُرَيح بن محمد صحيح البخاري ومن أبي القاسم بن جَهور مقامات الحريريّ؛ ومن العلامة أبي بكر ابن العربي. وجماعة.
قال الأبّار: وكان حافظًا لمذهب مالك، بصيرًا بالشُّروط. حدثنا عنه
بسّام بن أحمد، وأبو سليمان بن حَوط الله. وقد وُلد سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وتوفي سنة اثنتين أو ثلاثٍ وتسعين.
101 -
محمد بن معالي بن محمد
، أبو محمد البغدادي ابن شِدقَيني.
سمع علي بن عبد الواحد الدِّينَوَريّ، وأحمد بن كادش، وهبة الله بن الحُصَين، وهبة الله بن الطّبر، وجماعة. وكان عارفًا بتعبير الرؤيا.
روى عنه ابن خليل والدُّبيثي، وقال: كان في تسميعاته في شيء اسمه محمد وفي شيء، أبو محمد، وقد سمّاه أبو المحاسن القُرَشيّ في معجمه أبو الفضل.
تُوفي في سلخ ربيع الآخر، وله اثنتان وثمانون سنة.
102 -
محمد بن يحيى بن علي بن الحسن
، أبو الحسن بن أبي البقاء الهَمَذاني الأصل، البغدادي، المؤدب.
ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. وسمع من زاهر الشَّحّاميّ، وثابت بن منصور الكِيليّ، وغيرهما.
وكِيل قرية على دُجَلة مسيرة يوم من بغداد من جهة واسط، ويقال فيها جِيل، كما قيل جيلان وكيلان.
تُوفي سنة إحدى أو اثنتين وتسعين. وكان شيخًا صالحاً، أديباً، فاضلاً. سمع منه القدماء.
قال ابن النّجّار: لم أر للمتأخرين عليه سماعًا فلعلّهم لم يعرفوه، وقد رأيته. وقال لي ولده إسماعيل: إنه تُوفي في سادس المحرَّم سنة اثنتين.
103 -
محمد بن أبي علي بن أبي نصر فخر الدّين
، أبو عبد الله النَّوقَاني، الفقيه الشّافعي، الأصُولي.
تفقّه بخُراسان على الإمام محمد بن يحيى صاحب الغزاليّ، وبرع في المذهب، ودرّس، وناظرَ، وقدِم بغداد، وتردّدت إليه الطّلبة، وتخرَّج به جماعة.
وكان عنده طلب لمدرسة النّظامية، فأنشأت والدة النّاصر لدين الله
مدرسةً وجعلته مدرّسها، وخلعوا عليه، وحضر عنده الأعيان، فألقى أربعة دروس، وأعاد له الدَّرسَ ولدُه.
وحجّ وعاد فتُوفي بالكوفة في ثالث صَفَر.
وكان شيخًا مَهِيباً، له يدٌ طُولَى في التفسير، والفِقه، والجَدَل، والمنطق، مع ما هو فيه من العِبادة والصّلاح.
104 -
المبارك بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم
، أبو الفتح الواسطي، البَرجُوني، المقرئ المعروف بابن باسوَيه.
وُلِد سنة عشرين وخمسمائة. وقرأ بالروايات على أبي البركات محمد بن أحمد المَزرَفيّ، وأبي الفتح المبارك بن أحمد الحدّاد، وأبي يَعلَى محمد بن تُركان. وقدِم بغداد فقرأ القراءات على أبي الفتح عبد الوهّاب بن محمد بن الصّابوني. وسمع من أحمد ابن المقرب. وحدث ببلده وأقرأ. وهو والد تقي الدّين عليّ نزيل دمشق.
تُوُفي في شعبان.
105 -
المبارك بن المبارك بن هبة الله بن بكري
، أبو المعالي الحريمي.
روى عن أبي غالب ابن البنّاء، وأبي منصور القّزاز، وأحمد بن علي ابن الأشقر. وتوفي في جُمادى الأولى.
106 -
محمود بن القاسم الحريمّي الوزّان
. عُرِف بابن باذِنجانَة. سمع أبا البدر الكَرخي. وحدث.
تُوفّي في المحرَّم أو صَفَر.
روى عنه ابن الدّبيثي.
107 -
محمود بن المبارك بن أبي القاسم علي بن المبار
ك، الإمام أبو القاسم الواسطي، ثم البغدادي، الشّافعي، الفقيه، المنعوت بالمُجِير.
تفقَّه بالنّظامية على أبي منصور الرّزاز، وأبي نصر المبارك بن زوما. وقرأ علم الكلام على أبي الفتوح محمد بن الفضل الإسفراييني، وعلى أبي جعفر عبد السّيد بن علي ابن الزَّيتُوني. وتقدم على أقرانه. وكان المُشار إليه في وقته. تخرَّج به خلق. وكان من أذكياء العالم.
وُلِد سنة سبع عشرة وخمسمائة. وسمع من أبي القاسم بن الحصَين، وأبي بكر الأنصاري، وأبي القاسم ابن السَّمَرقَندي، وجماعة. وحدث ببغداد، وواسط، وأعاد في شبيبته للإمام أبي النّجيب السُّهرُوَرديّ بمدرسته. وسار إلى دمشق، ودرس بها وناظر، واستدلّ؛ وتخرَّج به جماعة. ثم رجع ودرس بشِيراز، وبعسكر مُكرَم، وواسط. ووُلَي تدريس النّظامية ببغداد، وخُلِع عليه خِلعة سوداء، بطَرحة، وحضر درسَه العلماءُ وأرباب الدّولة كلّهم، وكان يومًا مشهوداً. ونُفِّذ رسولًا إلى هَمَذان، فأدركه أَجَلُه بها.
قال أبو عبد الله الدُّبيثي: برع في الفقه حتى صار أوحد زمانه، وتفرَّد بمعرفة الأصول والكلام. قرأت عليه بواسط عِلم الأصول، وما رأيت أجمع لفنون العِلم منه، مع حُسن العبادة. قال: وخرج رسولًا إلى خُوارزم شاه إلى أصبهان، فمات في طريقه بهَمَذَان في ذي القعدة.
وقال الموفَّق عبد اللّطيف: وكان بالنّظاميّة المُجِير البغدادي، وكان ضئيلاً، طُوالاً، ذكياً، دقيق الفَهم، غوّاصًا على المعاني، غير منفعلٍ عند المناظرة يُعِدّ لها كلّ سلاح، ويستعمله أفضل استعمال. وكان يشتغل في الخفية بالهندسة، والمنطق، وفنون الحكمة على أبي البركات اليهوديّ كان، ثمّ أسلم في آخر عمره وعمي، وكان يُملي عليه وعلى جماعة، منهم ابن الدّهان المنجّم، ومنهم والدي، ومنهم المهذَّب ابن النّقاش كتاب المعتبر له. هذا حكاية ابن الدهّان لي بدمشق. وكان شيخًا فاضلاً، بنى له نور الدّين المارِستان
بدمشق، ونشر بها عِلم الطّب. وكان بين المُجِير وبين ابن فضلان مناظرة كمحاربة، وكان المُجير يقطعه كثيراً. ثمّ إن ابن فضلان شنَّع عليه بالفلسفة، فخرج إلى دمشق، واتّصل بامرأةٍ من بنات الملوك، وبُنيت له مدرسة جاروخ، واستخلص من المرأة جوهرًا كثيراً، فكثُر التّعصُّب عليه، فتوجَّه إلى شيراز، وبنى له ملِكها شرفُ الدين مدرسة، فلما جاءت دولة ابن القصاب أحضره إلى بغداد، وولاّه تدريس النظامية، ويوم ألقى الدّرس كان يومًا مشهوداً، فدرَّس بها أسبوعاً. وسُيِّرَ في الرسالة فلم يرجع. وحضر مرةً بدمشق مجلس المناظرة بحضرة القاضي كمال الدّين الشَّهرَزوريّ، فجاء الصُّوفيّة ولهم ذُقون وعليهم ذلوق، فارتفعوا على الفقهاء، فأنفوا وقصدوا أذاهم ففوَّضوا الأمر إلى المُجير، فاستدلّ في مسّ الذَّكَر، فقال فُضُوليُّ: لا ينتقض الوضوء بلمسه قياسًا على الصُّوفيّ. فسألوه البيان. فقال: إنّ الصُّوفي يُطرق حتى يُطرقُ الباب فيثب ويقول: فُتُوح، ويقع نظر الرجل منهم على صورةٍ جميلةً قيثب من وسطه ويقول: فُتُوح. فاستحيا الصُّوفيّة ونهضوا. وكان أجدل أهل زمانه في سكونٍ ظاهر، وقلّة انزعاج.
روى عنه ابن خليل في معجمه. وروى ابن النّجّار في تاريخه عن ابن خليل، عنه.
108 -
مسعود بن أبي الفضائل محمود بن خَلَف بن أحمد بن محمد
، أبو المعالي العِجليّ، الأصبهاني. أخو المنتجب أسعد الفقيه.
سمع أبا نهشل عبد الصّمد العنبريّ. وعنه يوسف بن خليل، وقال: تُوفّي في صَفَر.
109 -
نصر بن علي بن أحمد
، أبو طالب ابن النّاقد البغدادي.
روى عن سعيد ابن البنّاء. وتوفي في الثامن والعشرين من جُمادى الآخرة.
110 -
نفيس بن عبد الجبّار بن أحمد بن شِيشُويه
، أبو صالح الحربيّ، الضرير.
سمع من عبد الوهاب الأنماطي، وعبد الله بن أحمد بن يوسف. روى عنه ابن خليل، وغيره.
تُوفي في شوّال.
111 -
هبة الله بن مسعود بن الحسن
، أبو القاسم ابن الزّقطَر الباذبيني، التّاجر.
روى عن أبي غالب ابن البنّاء، وأبي الفضل الأرمَوي، وغيرهما. وعنه ابن خليل.
تُوفي في صَفَر.
112 -
يحيى بن عبد الجليل بن مُجبّر
، أبو بكر، ويقال أبو زكريّا، الفِهري، الأندلسي، الإشبيليّ. شاعر الأندلس بلا مُدافعة.
قد ذكرتُه في سنة بضع وثمانين، ثم وجدتُ تاجَ الدين بن حمويه قد ذكر أنه لم يلحقه، وذكر أن له قطعة في وقعة الزّلاقة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ثم ساق له قصائد مُؤنِقَة.
113 -
يحيى بن عليّ بن طِراد بن الحُسين
، أبو فراس البغدادي، الحريميّ، المعروف بابن كَرسَا.
حدث عن هبة الله بن الحُصَين. وعنه ابن خليل، والدُّبيثي.
تُوفي في مستهل شهر رمضان.
114 -
يحيى بن مُروءة بن بركات
، أبو الحسين ابن الجمّال الأزدي، المصري.
روى عن ظافر بن القاسم الحدّاد قطعةً من شعره. وعنه الحافظ عليّ بن المفضّل.
والجمّال: بجيم والتّشديد. تُوفي في جُمادى الأولى.
115 -
يوسف بن عبد الله بن يوسف بن أيّوب بن موهوب
، أبو الحَجّاج الفِهري، الأندلسي، الدّاني، وقيل الشّاطبي، نزيل بَلَنسِية.
وُلِد سنة ستّ عشرة وخمسمائة، وأجاز له أبو محمد بن عتّاب. وتفقّه بأبي محمد عبد الواحد بن بَقِيّ. وسمع من أبيه، وأبي بكر بن برنجال. وأخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد الدّانيّ، وأبي عبد الله المكناسيّ. وأخذ العربيّة عن أبي العبّاس بن عامر.
ذكره الأَبّار فقال: كان من أهل العناية بالرواية والتّقدّم في الآداب. وكان إمامًا في معرفة الشُّرُوط، كاتبًا بليغاُ، شاعراً. كتبَ للقُضاة، وناب في الأحكام. وتوفي في شعبان.
وقال غيره: أجاز له أيضًا الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي المازِريّ.
116 -
يوسف بن معالي بن نصر
، أبو الحَجّاج الأطرابُلُسِي، ثم الدمشقيّ، الكتّاني المقرئ، البزّاز.
سمع من الأمير هبة الله ابن الأكفاني، وعلي بن قبيس المالكيّ، وجمال الإسلام الفقيه. روى عنه الحافظ الضّياء، وابن خليل، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي الفَهم اليلدانيّ، والعماد عبد الحميد بن عبد الهادي، والبهاء عبد الرحمن والزَّين أحمد بن عبد الدّائم، وآخرون.
تُوفي في شعبان. وكان من الثّقات.
وفيها وُلد:
التقي يعقوب بن أبي بكر الطّبَري، ثم المكّيّ في المحرَّم، والإمام محيي الدين أبو القاسم محمد بن محمد بن سُراقة الشاطبيّ بها في رجب، وقُطب الدين أحمد بن عبد السّلام بن أبي عصرون بحلب في رجب، وكريم بن أبي المُنَى عم الزّين خالد، أجاز له الصَّيدلانيّ، ومسعود بن عبد الله بن عمر بن حمويه في ربيع الأول.
وفيات سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
117 -
أحمد بن أسعد بن وهب البغدادي
ّ، ثم الهَرَوِيّ، المقرئ، أبو الخليل بن صُفَير.
قدِم بغداد وسمع بها من خَلَف بن أحمد، وصالح ابن الرّخلة، وخديجة بنت النَّهرُوانيّ. وسمع بهَرَاة من نصر بن سَيار. وصحِبَ الشّيخَ عبد القادر.
تُوفي في شعبان.
والرِّخلة؛ بسكون الخاء.
وقد سافر إلى هَمَذَان فقرأ بالروايات أو ببعضها على الحافظ أبي العلاء، وبأصبهان. وكان له حُرمَة وافِرة بهَرَاة. كان صاحب البلد يزوره، ونَفَقَت سوقُه وعمل دكّانًا جيّدة. ثم بان مُحالُه وكَذبُه. ثم رد إلى بغداد وبها مات.
118 -
أحمد بن علي بن عيسى بن هبة الله بن الواثق بالله أبو جعفر الهاشمي
ّ، العبّاسي، الواثقيّ، المقرئ.
سمع أبا غالب ابن البنّاء، وأبا البدر الكَرخيّ. وتوفي في ذي القُعدة.
روى عنه ابن خليل. وكان أديبًا شاعرًا فاضلاً.
119 -
أحمد بن أبي الفائز بن عبد المحسن ابن الكُبريّ البغداديّ
، الشُّرُوطي، أبو العبّاس.
روى عن هبة الله بن الحُصَين، وأبي غالب ابن البنّاء. وعنه أبو عبد الله الدُّبيثي، وابن خليل.
تُوفي في جُمادى الآخرة، وله خمسٌ وثمانون سنة.
120 -
أحمد ابن الوزير مؤيد الدين محمد بن علي ابن القصاب
ناب في الوزارة عن أبيه حين سار بالجيوش أبوه إلى خوزستان.
تُوفي في هذا العام.
121 -
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم
، أبو إسحاق البغدادي، البزّاز. ويُعرف بابن حسّان.
سمع أبا الدُّرّ ياقوت بن عبد الله التّاجر، وأحمد ابن المقرَّب. وحدث.
تُوفي في ذي الحجة.
122 -
إبراهيم بن عبد الواحد بن علي
ّ، أبو إسحاق المَوصليّ، ثم البغدادي.
حدث عن أبي الفضل الأرمَوِي، وغيره. تُوفي في حدود هذا العام، قاله المنذريّ.
123 -
الحَسَن بن علي بن حمزة بن محمد
بن الحَسَن بن محمد بن عليّ بن محمد بن يحيى بن الحُسَين بن زَيد بن علي بن الحُسَين بن علي بن أبي طالب النّقيب الطّاهر، أبو محمد الهاشميّ، العَلَويّ، الحُسَينيّ، الزَّيدِيّ، المعروف بابن الأقسَاسِي.
أحد الرؤساء وسِنان صعدة البُلَغاء، ونجم أُفق الأدباء. له النَّظم والنَّثر. سمع من الفضل بن سهل الإسفراييني الأثير. وحدَّث. وولي نقابة العلوييّن بالكوفة مدّة، ثم ببغداد. وقد مدح النّاصر لدين الله.
والأقساس: قرية بالكوفة. فمن شِعره:
لو أننّي من سِحر لَحظك سالم لم أعصِ فيكَ وقد ألحّ اللاّئمُ لكنّه ناجى فؤادًا هائمًا ولَقَلَّما أصغَى فؤادٌ هائمُ أين الشّجِيُّ من الخَلِيّ فخِلّني لبلابلي اليَقظَى فسِرُّك نائم وشعره متوسط.
تُوفي في شعبان. وكان مولده سنة تسعٍ وخمسمائة.
124 -
الحسين بن الحسن بن أحمد
، أبو عبد الله التّكريتيّ، البغداديّ، الصُّوفي.
وُلِد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وحدث بأناشيد.
125 -
الخاتون والدة السّلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب
.
تُوُفّيت بدمشق في ذي الحجّة بدارها المعروفة بدار العقيقيّ التي صارت ترُبة السّلطان الملك الظّاهر.
126 -
خاصّ بَك بن بزغش النّاصري الخليفي الأمير
. وُلّي القاهرة مدّة طويلة. وحجّ بالناس. وتُوفي في جُمادى الآخرة.
127 -
صالح بن عيسى بن عبد الملك الفقيه الصّالح
، أبو التّقى المصريّ، المالكيّ، الخطيب.
قرأ القرآن على أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكيزانيّ، وعلي بن عبد الرحمن نِفطُوَيه. روى عنه ولده الفقيه أبو محمد عبد الله. وكان صالحًا زاهداً، لمّا زالت دولة العُبَيديّين كان يخرج إلى البلاد المصرية ويخطبُ بها، وينسخ ما كان بها من الأذان. بحيّ على خير العمل، ثم ينتقل إلى بلدٍ آخر احتساباً.
128 -
صَندَل الزمام الكبير، الأمير أبو الفضل الحَبَشيّ
، المُقَتَفوي الخادم.
سمع من أبي الفتح ابن البَطِّيّ، وعلي بن عساكر البطائحيّ. وحدث. وكان يلقَّب عماد الدين. فيه ذكاء وفِطنة وعقل. وُلي أستاذية الدّار للخلافة المُسَتَضوِية، فلمّا بويع النّاصر كان صَندَل قد كبر وضعُف، وطلب إذنًا
بالانقطاع في تُربةٍ له، ففُسِح له. وتوفي في ربيع الأول.
129 -
طغتكين ابن نجم الدين أيوب بن شاذي بن يعقوب بن مروان
. الدويني الأصل، ظهير الدين، الملك العزيز سيف الإسلام صاحب اليمن، أخو السلطان صلاح الدين.
كان أخوه قد سيره إلى بلاد اليمن بعد أخيه شمس الدولة، فملكها واستولى على كثير من بلادها في سنة سبع وسبعين.
وكان شجاعاً، محمود السيرة، مع ظلم. وكان قد أخذ من نائبي أخيه ابن منقذ، وعثمان الزنجيلي أموالًا عظيمة بالمرة. وكان مما كثر الذهب عنده يسبكه ويجعله كالطاحون. وكان حسن السياسة، مقصودًا من البلاد. سار إليه شرف الدين بن عنين ومدحه فأحسن إليه، وخرج من عنده بذهب كثير ومتاجر، فقدم مصر، فأخذ منه ديوان الزكاة ما على متجره، والسلطان يومئذ العزيز عثمان، فعمل:
ما كل من يتسمى بالعزيز لها أهل ولا كل برق سحبه غدقه بين العزيزين بون في فعالهما هذاك يعطي، وهذا يأكل الصدقة توفي سيف الإسلام في شوال بالمنصورة، مدينة أنشأها باليمن، وقام بالملك بعده ابنه إسماعيل الذي سفك الدماء، وادعى أنه أموي، ورام الخلافة وتلقب بالهادي، وكان شهماً، شجاعًا طياشاً، وكان أبوه يخاف منه، وقد وفد على عمه السلطان صلاح الدين قبل موته بأيام، ثم رجع إلى اليمن، فأدركته وفاة أبيه، وقد قارب تعز، فتسلم اليمن.
130 -
طلحة بن مظفر بن غانم
، أبو محمد العراقي، العلثي الحنبلي، الزاهد.
تفقه ببغداد على الإمام أبي الفتح ابن المني، وغيره. وسمع من أبي الفتح ابن البطي، ويحيى بن ثابت، وأحمد بن المبارك المرقعاني، وطائفة. وعني بالحديث، وحصل، وقرأ على ابن الجوزي أكثر مصنفاته. ثم انقطع في زاويته بالعلث، وأقبل على العبادة وتعليم العلم، وأقبل الناس عليه، وصار له
أتباع، واشتهر اسمه وكان من الثقات رضي الله عنه.
روى عنه يوسف بن خليل، وجماعة. وتوفي في ثالث عشر ذي الحجة، وله جماعة أولاد. وهو ابن عم الزاهد إسحاق العلثي.
131 -
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هبة الله
، أبو محمد الأرسوفي، ثم المصري، الشافعي، التاجر.
كان كثير المال، غزير الأفضال، وافر البر والمعروف.
وأرسوف: بضم أوله.
132 -
عبد الله بن منصور بن عمران بن ربيعة
، أبو بكر الربعي، المقرئ، الواسطي، المعروف بابن الباقلاني. شيخ العراق.
ولد في المحرم سنة خمسمائة. وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي، وهو آخر أصحابه. وعلى علي بن علي بن شيران، وأبي محمد سبط الخياط. وسمع منهم، ومن أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي، وخميس الحوزي، وأبي الكرم نصر الله بن الجلخت، وأبي عبد الله البارع، وأبي العز بن كادش، وأبي القاسم بن الحصين، وأبي بكر المزرفي، وجماعة.
روى عنه تاج الإسلام، أبو سعد السمعاني، وأبو القاسم ابن عساكر أناشيد، وماتا قبله بدهر.
وقد ذكره ابن عساكر في تاريخه فقال: شاب قدم دمشق وأقرأ بها، وكان قد قرأ على القلانسي. وقرأ علي كتاب الغاية لابن مهران، وتفسير الواحدي الوسيط.
قال: ورأيت له قصيدة مدح بها بعض الناس بدمشق يقول:
بأي حكم دم العشاق مطلول فليس يودى لهم في الشرع مقتول ليت البنان التي فيها رأيتُ دمي يرى بها لي تقليب وتقبيل قلت: وقرأ عليه بالقراءات التقي أبو الحسن بن باسويه، والمرجى بن شقيرة التاجر، وأبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي، والحسن بن أبي الحسن
ابن ثابت الطيبي، والعلامة أبو الفرج ابن الجوزي، وولده الصاحب محيي الدين يوسف، وخلق سواهم. وازدحم عليه الطلبة وقصدوه من النواحي. لكن قد ضعفه غير واحد.
قال ابن نقطة: حدث بسنن أبي داود، عن أبي علي الفارقي، وسمعه منه في سنة ثمان عشرة وخمسمائة. قال: وحدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن الواسطي ابن أخت ابن عبد السميع، وكان ثقة صالحاً، قال: سمعت منه السنن وسماعه فيه صحيح.
قال: وكان قد قرأ على القلانسي بكتاب الإرشاد وقراءته به صحيحة، وما سوى ذلك فإنه كان يزوره.
قال ابن نقطة: وقال لي أبو طالب بن عبد السميع: كان ابن الباقلاني يسمع كتاب مناقب علي، عن مؤلفة أبي عبد الله ابن الجلابي، فقال: في نسخة ليست موجودة بواسط، يعني سماعه. فقلت له: إن النسخ بها مختلفة تزيد وتنقص. فلم يزل يسمعها من أي نسخةٍ كانت.
وقد ضعفه الدبيثي فقال: انفرد برواية العشرة عن أبي العز، وادعى رواية شيء آخر من الشواذ عن أبي العز، فتكلم الناس فيه، ووقفوا في ذلك، واستمر هو على روايته للمشهور والشاذ شرها منه. قال: وكان حسن التلاوة، عارفًا بوجوه القراءات. وتوفي في سلخ ربيع الآخر. وأقرأ الناس أكثر من أربعين سنة. قال: وسمعت أبا طالب عبد المحسن بن أبي العميد الصوفي يقول: رأيت في المنام بعد وفاة ابن الباقلاني كأن شخصًا يقول لي: صلى عليه سبعون وليًا لله.
قلت: آخر من مات من تلامذته الشريف الداعي.
133 -
عبد الخالق بن المبارك بن عيسى
، أبو الفرج ابن المزين البغدادي، القارئ.
سمع من أبي الحسين محمد بن محمد ابن الفراء. وكان معمرًا عاش نيفًا وتسعين سنة.
134 -
عبد الكريم بن يحيى بن شجاع بن عباس
، أبو محمد القيسي الدمشقي، المعروف بابن الهادي.
سمع عبد الكريم بن حمزة، ويحيى بن بطريق. روى عنه يوسف بن خليل، والعماد علي ابن عساكر، وجماعة.
ويقال له: كرم.
توفي في ثاني شعبان.
135 -
عبد الكريم بن يوسف بن محمد
، أبو نصر البغدادي، الحنفي، المعروف بابن الديناري.
ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة. وسمع من هبة الله بن الحصين. وحدث. وتوفي في جمادى الأولى.
روى عنه ابن الدبيثي، وغيره.
136 -
عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح
. الفقيه أبو عبد الله الجيلي، ثم البغدادي، الأزجي، الواعظ الحنبلي.
ولد سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة. وسمع من أبي الفضل الأرموي، وأبي غالب ابن البناء، وولده سعيد بن أبي غالب، وأبي منصور بن زريق القزاز، ومحمد بن أحمد بن صرما. وتفقه على والده، ودرس بعده بمدرستهم، وحدث ووعظ وأفتى وناظر، وروسل من الديوان العزيز. وكان أديبًا ظريفاً، ماجناً، خفيفًا على القلوب.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل. وجماعة.
وولاه الناصر لدين الله المظالم، وبنى تربة الخلاطية.
قال أبو شامة: قيل له يومًا في مجلس وعظه: ما تقول في أهل البيت؟
قال: قد أعموني. وكان أعمش. أجاب عن بيت نفسه. وقيل له يوماً: بأي شيء يعرف المحق من المبطل؟ قال: بليمونة. أجاب عمن يخضب، أي بليمونة، يزول خضابه.
وقال ابن البزوري: وعظ مرة، فقال له شخص: ما سمعنا مثل هذا. فقال: لا شك يكون هذيان.
توفي في شوال.
137 -
عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك
، أبو الحسين بن قزمان، القرطبي.
سمع من أبيه القاضي أبي مروان. وسمع صحيح البخاري من أبي جعفر البطروجي. وأجاز له أبو محمد بن عتاب، وأبو بحر الأسدي. وولي القضاء بكور قرطبة. وكان بصيرًا بالأحكام، أديباً، شاعراً، بارع الخط.
سمع منه أبو سليمان بن حوط الله قبل الثمانين.
واختبل قبل موته بمدة.
توفي سنة ثلاث أو أربع وتسعين. ذكره الأبار.
138 -
عبيد الله بن يونس بن أحمد
، أبو المظفر الأزجي، البغدادي، الوزير جلال الدين.
تفقه على أبي حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني. وقرأ الأصول والكلام على أبي الفرج صدقة بن الحسين. وسمع أبا الوقت، ونصر بن نصر العكبري. وسافر إلى همذان، فقرأ القراءات أو بعضها على الحافظ أبي العلاء، ثم داخل الدولة إلى أن رتب وكيلا لوالدة الخليفة، ثم ترقى أمره، وعظم قدره، إلى أن ولي وزارة الناصر لدين الله في سنة ثلاث وثمانين. ثم سار بالجيوش المنصورة لمناجزة طغريل بن أرسلان السلجوقي، وعمل معه مصافاً، فانكسر الوزير وانجفل جمعه وأسر، وحمل إلى همذان، ثم إلى أذربيجان. ثم تسحب فجاء إلى الموصل، ثم إلى بغداد متستراً، ولزم بيته مدة، ثم بعد مدة ظهر، فرتب ناظرًا للخزانة، ثم نقل إلى الأستدارية، وذلك في سنة سبع وثمانين،
وصار كالنائب في الوزارة. فلما ولي ابن القصاب الوزارة سنة تسعين قبض على جلال الدين ابن يونس وسجنه. فلما مات ابن القصاب عام أول، نقلوا ابن يونس إلى دار الخلافة، وحبس في مطمورة، وكان آخر العهد به.
قال أبو عبد الله بن النجار: كان يعرف الكلام. صنف كتابًا في الأصول والمقالات، وسمعه منه الفضلاء. وسمع منه الحديث: عبد العزيز بن دلف، وأبو الحسن ابن القطيعي. ولم يكن في ولايته محموداً. قيل: مات في صفر في السرداب، ودفن به.
139 -
عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب بن شاذي
. الخاتون الجليلة صاحبة العذراوية، وأخت عز الدين فروخشاه.
توفيت في أول العام، ودفنت بتربتها في مدرستها داخل باب النصر.
وهي عمة الملك الأمجد البعلبكي.
140 -
علي بن أبي بكر بن عبد الجليل
. العلامة، شيخ الحنفية، برهان الدين المرغيناني، الحنفي، صاحب كتابي الهداية والبداية في المذهب.
توفي ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
141 -
علي بن خليفة بن علي
، أبو الحسن ابن المنقي، الموصلي، النحوي.
كان زاهداً، ورعاً، صالحاً. أقرأ بالعربية مدة، وله شعر حسن، ومقدمة نحو. وتخرج به خلق من أهل الموصل. وكان مع دينه يهجو بالشعر.
142 -
علي بن علي بن أبي البركات هبة الله بن محمد بن علي بن أحمد
. قاضي القضاة، أبو طالب ابن البخاري، البغدادي، الفقيه الشافعي.
ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتفقه على العلامة أبي القاسم يحيى بن فضلان. وسمع من أبي الوقت، وغيره.
وخرج أبوه قاضيًا إلى بعض بلاد الروم، فسافر معه وأقام هناك. فلما توفي أبوه ولي هو القضاء. ثم إنه عزل فسار إلى الشام، ثم عاد إلى بغداد بعد عشرين سنة، فأكرم مورده، وزيد في احترامه. ثم إنه ولي قضاء القضاة سنة اثنتين وثمانين. ثم ناب في الوزارة مع القضاء مديدة، ثم عزل عنهما، ثم أعيد إلى قضاء القضاة سنة تسع وثمانين. وتوفي في جمادى الآخرة.
143 -
علي بن محمد بن حبشي
، بفتح الحاء ثم سكون الباء، أبو الحسن الأزجي الرفاء.
روى عن أبي سعد أحمد بن محمد البغدادي. وتوفي في المحرم.
144 -
علي بن موسى بن علي بن موسى بن محمد بن خلف
، أبو الحسن ابن النقرات الأنصاري، السالمي، الأندلسي، الجياني، نزيل مدينة فاس.
أخذ القراءات عن أبي علي بن عريب، وأبي العباس بن الحطيئة، وعبد الله بن محمد الفهري. وحدث عن أبي عبد الله ابن الرمامة، وأبي الحسن اللواتي. وأقرأ الناس، وولي خطابة فاس. وأكثر عنه أبو الحسن ابن القطان.
وإليه ينسب الكتاب الموسوم بشذور الذهب في الكيمياء.
وقد ذكره التجيبي ووصفه بالزهد والصلاح والورع. وقال: ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة. وعاش إلى هذا العام.
145 -
عمر بن محمد بن علي
، أبو حفص البغدادي، القزاز. ويعرف بابن العجيل.
حدث عن هبة الله بن الحصين. وكان رجلًا صالحاً.
توفي في صفر.
146 -
عمر بن أبي المعالي
. البغدادي، الكميماتي، الزاهد. صاحب الشيخ عبد القادر.
ذكره المحب ابن النجار فقال: كان صالحاً، منقطعًا عن الناس، مشتغلًا بما يعنيه. كانت له حلقة بجامع القصر بعد الجمعة. يجتمع حوله الناس، ويتكلم عليهم بكلام مفيد. وكان له أتباع وأصحاب وقبول. توفي في صفر، وقد جاوز السبعين. وبنت والدة الخليفة على قبره قبة.
147 -
عيسى ابن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي
، أبو عبد الرحمن نزيل مصر.
سمع أباه. وبدمشق علي بن مهدي الهلالي. ووعظ بمصر، وحصل له قبول. روى عنه حمد بن ميسرة. وتوفي في رمضان.
148 -
فايز بن داود بن بركة
. أبو الفايز وأبو المظفر النهرواني، الأزجي.
ولد سنة ثمان وخمسمائة. وسمع من إبراهيم بن أحمد بن مالك العاقولي، وأبي الفضل الأرموي، وأبي المعمر المبارك بن أحمد. وحدث.
149 -
فتيان بن محمد بن علي الخياط
. حدث بالموصل عن أحمد بن هشام الطوسي.
توفي في ذي الحجة.
150 -
محمد ابن الفقيه أحمد بن محمد بن أبي العز المبارك بن بكروس
، أبو بكر البغدادي.
سمع أبا محمد ابن الخشاب، وجماعة. وتوفي شابًا رحمه الله.
151 -
محمد بن أحمد بن يحيى بن زيد بن ناقة
، أبو منصور الكوفي، المعدل.
سمع أباه. وحدث. وتوفي ببغداد في جمادى الآخرة.
152 -
محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن أحمد ابن النرسي
، أبو منصور العدل البغدادي، المحتسب.
توفي في ذي القعدة عن سبعين سنة.
روى عن جده، وعن هبة الله ابن الطبر، وجماعة. روى عنه عبد الله بن أحمد الخباز، وغيره.
153 -
محمد بن حسن بن عطية الأنصاري
، الجابري، جابر بن عبد الله، أبو عبد الله السبتي.
سمع فأكثر عن القاضي عياض. وسمع من جده لأمه سليمان بن يسع تسع الخطيب، والحسن بن سهل الخشني. وجماعة.
قال الأبار: كان من الثقة والأمانة والعدالة بمكان. ولي القضاء وعني بعقد الشروط، وله حظ من النظم. حدث عنه من شيوخنا: أبو العباس العزفي، وأبو بكر بن محرز.
قلت: ومن آخر أصحابه محمد بن عبد الله الأزدي، السبتي.
154 -
محمد بن حيدرة بن عمر بن إبراهيم بن محمد
. الشريف أبو المعمر بن أبي المناقب العلوي، الحسيني، الزيدي، الكوفي.
ولد سنة أربع وخمسمائة بالكوفة، وبها مات في هذا العام تقريباً. سمع من أبي الغنائم محمد بن علي النرسي، وهو آخر من حدث عنه بالكوفة. ومن جده أبي البركات عمر بن إبراهيم، وأبي غالب سعيد بن محمد الثقفي. روى عنه أحمد بن طارق، ويوسف بن خليل، وغيرهما.
وقال تميم بن أحمد البندنيجي: إن أبا المعمّر كان رافضيًا يتناول الصحابة.
155 -
محمد بن سيدهم بن هبة الله بن سرايا
، أبو عبد الله الأنصاري، الدمشقي، المعروف بابن الهراس.
سمع جمال الإسلام السلمي، ونصر الله المصيصي، وهبة الله بن
طاوس، والبهجة أبا طالب علي بن عبد الرحمن الصوري. وأكثر عن الحافظ ابن عساكر.
ولد سنة اثنتين أو ثلاثٍ وخمسمائة. وقد ذكر أنه سمع من هبة الله ابن الأكفاني. وهو والد أبي الفضل أحمد بن محمد.
روى عنه الحافظ الضياء، وابن خليل، والشهاب إسماعيل القوصي، وطائفة. وأول سماعه سنة ست عشرة وخمسمائة. وتوفي في ذي الحجة. وكان ثقة معمراً، يلقب مهذب الدين.
156 -
محمد بن صدقة بن محمد
، أبو المحاسن البوشنجي، الكاتب، الأديب.
له شِعْرٌ بالعربية والعجمية. وسمع من القاضي أبي بكر الأنصاري. وتوفي في رمضان.
ووزر لأمير واسط ولغيره. وكان والده من كبار الكُتّاب، وكان هو يلبس القميص والشربوش على قاعدة كُتّاب العَجَم، أبيض الرأس واللّحية.
157 -
محمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر
، أبو السعود البغدادي.
من بيت حشمة ورياسة، وولاية. ولي حجابة الحجاب. وتوفي في رمضان وشيعه الأعيان.
158 -
محمد ابن المحدث أبي بكر محمد بن المبارك بن محمد بن مشق
، أبو نصر البغدادي، البيع.
توفي شابًا في حياة والده، وله ثلاثٌ وثلاثون سنة. سمع أبا الحسين عبد الحق، وشهدة، وطبقتهما. وتوفي في ذي الحجة.
159 -
محمد بن يحيى بن طلحة
. أبو عبد الله البجلي، الواسطي، الشاعر.
دخل بغداد، والشام. ومدح غير واحد. وتوفي في ربيع الآخر.
160 -
محمد بن يوسف بن مفرج
، أبو عبد الله البناني البلنسي، المقرئ المعروف بابن الجيار.
أخذ القراءات عن أبي الأصبغ ابن المرابط، وأبي بكر بن نمارة. وسمع منهم ومن أبي الحسن بن هذيل. أخذ عنه أبو الحسن بن خيرة، وأبو الربيع بن سالم الكلاعي.
وكان رجلًا صالحًا فاضلاً.
توفي في رجب عن نيف وسبعين سنة، وشيعه الخلق.
161 -
المبارك بن سلمان بن جروان بن حسين
، أبو البركات الماكسيني، ثم البغدادي.
ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة. وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي المواهب أحمد بن ملوك، وأبي بكر الأنصاري، وجماعة. روى عنه اليلداني، وابن خليل، والدبيثي. وأجاز لأحمد بن أبي الخير سلامة، وغيره.
توفي في ذي القعدة.
162 -
محمد بن أحمد بن ناصر الحربي
، الحذاء.
سمع ابن الطلاية، وأبا الفرج عبد الخالق اليوسفي. وحدث. وتوفي في ربيع الآخر.
163 -
مكي بن أبي القاسم عبد الله بن معالي
. أبو إسحاق البغدادي، الغراد. من ساكني المأمونية.
طلب بنفسه وكتب، وحصل الأصول وأكثر، ولد سنة ثلاثين وخمسمائة. وسمع أبا الفضل الأرموي، ومحمد بن
ناصر، وأبا بكر الزاغواني، وطبقتهم. وخلقًا بعدهم.
قال ابن النجار: لم يزل يسمع ويقرأ حتى سمعنا بقراءته كثيراً. وكانت له حلقة بجامع القصر لقراءة الحديث يحضر فيها المشايخ عنده.
قال: وكان صالحًا متديناً، محمود الأفعال، محبًا للطلاب، متواضعاً، وله شعر. وسألت شيخنا ابن الأخضر عنه فأساء الثناء عليه. وكذا ضعفه شيخنا عبد الرزاق الجيلي. وقال: كتب اسمه في طبقةٍ لم يكن قبل ذلك، وراجعته فأصر.
وقال الدبيثي: كان شيخنا أبو بكر الحازمي يذمه وينهى عن السماع بقراءته.
سمع منه أبو عبد الله الدبيثي، ويوسف بن خليل، واليلداني، وغيرهم. ولم يرو إلا اليسير.
توفي في المحرم في سادسه، وشيعه الخلق، وحمل على الرؤوس.
والغراد. هو الذي يعمل البيوت من القصب في أعلى المنازل، وهو بغين معجمة.
وقال ابن نقطة: سألت ابن الحصري عنه بمكة فضعفه وقال: كان يقرأ وإلى جانب حلقته جماعة يتحدثون فيكتبهم. ووقع لي نسخة بكتاب الزكاة من سنن أبي داود، وقد نقل مكي عليه سماعًا من الأرموي، فأصلحت فيه مائة موضع أو أكثر. وغاية ما أخذه الجماعة عليه التساهل. مات يوم الجمعة سادس شهر المحرَّم. وأبوه يروي عن ابن الحُصين.
164 -
مكّيّ بن علي بن الحسن
، أبو الحرم العراقي، الحربوي، الفقيه، الضرير. وحربا: من عمل دجيل.
تفقه على أبي منصور سعيد الرزاز. وسافر إلى الشام في صباه، وسكن دمشق. وتفقه بها أيضًا على جمال الإسلام أبي الحسن السلمي، وسمع منه
ومن نصر الله المصيصي. روى عنه الحافظ الضياء، وابن خليل، وجماعة. وتوفي في شعبان. وكان مولده في سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
165 -
ناصر بن محمد بن أبي الفتح
، أبو الفتح الأصبهاني، القطان، المقرئ، المعروف بالويرج.
شيخ كثير السماع عالي الإسناد. ثقة. سمع من إسماعيل بن الإخشيد، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وابن أبي ذر الصالحاني، والحسين بن عبد الملك الخلال، وسعيد بن أبي الرجاء، وفاطمة الجوزدانية. وتفرد في وقته بأشياء. أكثر عنه يوسف بن خليل، وأبو رشيد الغزال، وأبو الجناب الخيوقي.
قال لنا أبو العلاء الفرضي: سمع ناصر بن محمد الويرجي مُسْنَد أبي حنيفة، جمع ابن المقرئ، من إسماعيل بن الإخشيد، عن ابن عبد الرحيم، عنه. وسمع كتاب شرح معاني الآثار للطحاوي، من الإخشيد أيضًا بسماعه من منصور بن الحسين، عن ابن المقرئ، عنه. وسمع المعجم الكبير من فاطمة، والمعجم الصغير من خجسته، وقال: توفي في ثامن ذي الحجة.
166 -
نصر الله بن محمد بن المسلم بن أبي سراقة
، أبو الفتح الدمشقي الكاتب.
سمع أبا الفتح نصر الله بن محمد المصيصي، الفقيه. روى عنه ابن خليل.
توفي في ربيع الآخر.
167 -
نصر بن صدقة بن نجا بن أبي بكر المظفر
. الصرصري، ثم الأزجي، البيع.
سمع من أبي القاسم بن الحُصين. وحدث. وتوفي في هذه السنة.
168 -
نصر بن عبد الكريم بن عبد السلام
، أبو القاسم البندنيجي، المقرئ الضرير.
روى عن ابن ناصر، وأبي الوقت.
169 -
نعمة بن أحمد بن أحمد
. تاج الشرف، أبو البركات الزيدي، المصري، المؤذن. رئيس المؤذنين بجامع القاهرة.
تفقه على مذهب مالك على الإمام أبي المنصور ظافر بن الحسين الأزدي.
ذكره الحافظ المنذري فقال: برع في علم المواقيت، وتقدم على أقرانه، ونظم في ذلك أرجوزة. سمعتُ منه، وانتفع به جماعة. روى عنه شيخنا إسماعيل بن عبد الرحمن الكاتب، وغيره. وتوفي في ثامن جمادى الآخرة.
170 -
نعمة الله بن أحمد بن يوسف بن سعيد
، أبو الفضل الأنصاري، الواسطي، العدل. ويعرف بابن أبي الهندباء.
قرأ القراءات على أبي الفتح المبارك بن أحمد الحدّاد، وعبد الرحمن بن الحسين ابن الدّجاجيّ. وتفقّه على الإمام أبي جعفر هبة الله بن يحيى ابن البُوقيّ. وسمع من جماعة، وقرأ علم الكلام على المُجِير محمود بن المبارك. وحدث بأناشيد.
تُوفي في نصف رجب.
171 -
هبة الله بن رمضان بن أبي العلاء بن شبيبا
، أبو القاسم الهيتي، ثم البغدادي، المقرئ.
ولد سنة عشر وخمسمائة. وسمع من هبة الله بن الحُصين، ثم من أبي الفتح الكروخي، وأبي الفضل الأرموي، وغيرهم. روى عنه ابن خليل، والدبيثي، وأبو محمد اليلداني.
وكان رجلًا صالحاً، إمامًا بمسجد دار البساسيري.
توفي في سابع عشر ربيع الأول.
وشبيبا: بالضم.
172 -
هبة الله بن عمر بن الحسين بن خليل
، أبو البقاء الطيبي، ثم البغدادي، المقرئ.
سمع من أبي غالب ابن البناء، وأبي البركات يحيى بن حبيش، وأبي القاسم ابن السمرقندي. روى عنه ابن خليل، وجماعة. وتوفي في شعبان عن ثمان وسبعين سنة.
173 -
يحيى بن أسعد بن يحيى بن محمد بن بوش
، أبو القاسم الأزجي، الحنبلي، الخباز.
سمع الكثير في صغره بإفادة خاله علي بن أبي سعد الخباز، من أبي طالب عبد القادر بن يوسف، وأبي الغنائم محمد بن محمد ابن المهتدي بالله، وأبي علي الحسن بن محمد الباقرحي، وأبي سعد ابن الطيوري، وأبي غالب عبيد الله بن عبد الملك الشهرزوري، وأبي محمد عبد الله بن أحمد ابن السمرقندي، وأبي البركات هبة الله بن محمد ابن البخاري، وأبي نصر أحمد بن هبة الله ابن النرسي، وأبي العز بن كادش، وعلي بن عبد الواحد الدينوري، وابن الحصين، وأبي عبد الله البارع، وخلق سواهم. وأجاز له أبو القاسم بن بيان، وأبي النرسي، وأبو علي الحداد.
ذكره أبو عبد الله الدبيثي فقال: كان سماعه صحيحاً. بورك في عمره، واحتيج إليه، وحدث نحوًا من أربعين سنة. ولم يكن عنده من العلم شيء.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والتقي علي بن باسويه، ومحمد بن أحمد ابن الفلوس، ومحمد بن عبد العزيز الصواف، ومحمد بن عبد القادر البندنيجي، وتميم بن منصور الرُّصافي، وجعفر بن ثناء بن القُرطبان، وداود بن شجاع البوَّاب، وعلي بن أحمد بن فائزة المؤدّب، وعلي بن أبي محمد ابن الأخضر، وعلي بن معالي الرُّصافي، وفضل الله بن
عبد الرزاق الجيلي، ومحيي الدين يوسف ابن الجوزي، وابن خليل، واليلداني، وابن المُهير الحراني، وخلق كثير.
وآخر من روى عنه بالإجازة أحمد بن أبي الخير.
تُوفي في ثالث ذي القعدة فجاءة من لقمةٍ غص بها فمات. وكان فقيرًا قانعاً، وربما كان يُعطى على التسميع. وولد سنة عشر، وقيل سنة ثمانٍ وخمسمائة. وهو أحدُ من سمع المُسند بكماله على ابن الحُصين.
174 -
يعيش بن صدقة بن علي
، أبو القاسم الفراتي، الضرير، الفقيه الشافعي، صاحب ابن الخل.
كان إماماً، صالحاً، بارعًا في المذهب والخلاف. وكان أجل من بقي ببغداد من الشافعية. تخرج به جماعة، ودرس بمدرسة ثقة الدولة، وبالمدرسة الكمالية. وكان سديد الفتاوى، حسن الكلام في المناظرة.
قرأ بالكوفة القراءات على الشريف عمر بن إبراهيم بن حمزة العلوي. وسمع أبا القاسم ابن السمرقندي، وأبا محمد ابن الطراح، وجماعة. وتفقه علي أبي الحسن محمد بن المبارك ابن الخل. روى عنه التقي بن باسويه، وأبو عبد الله الدبيثي، وابن خليل، واليلداني، وآخرون.
وهو منسوب إلى نهر الفرات.
توفي ببغداد في الرابع والعشرين من ذي القعدة، وآخر من روى عنه بالإجازة أحمد بن أبي الخير.
175 -
يوسف بن أحمد
. الأمير صاحب الحديثة.
أخذت منه الحديثة، وقدم بغداد فأقام بها إلى أن توفي في جمادى الآخرة.
176 -
أبو الهيجاء الكردي السمين
. الأمير الكبير حسام الدين، من أعيان الدولة الصلاحية.
ولي نيابة عكا فقام بأمرها أتمّ قيام كما ذكرناه في الحوادث. ثم صار بعد سنة تسعين إلى بغداد، وخدم بها.
وولد فيها:
غازي بن أبي الفضل الحلاوي تقريباً، وأبو بكر بن عمر بن يونس المزي، وشمس الدين محمد بن حسن ابن الحافظ أبي القاسم بن عساكر، والجنيد بن عيسى بن خلكان، والأمير شرف الدين عيسى بن محمد بن أبي القاسم الهكاري، والظهير محمود بن عبيد الله الزنجاني.
سنة أربع وتسعين وخمسمائة
177 -
إسحاق بن علي بن أبي ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم
، أبو القاسم الدينوري الأصل، البغدادي، التاجر المعروف بابن البقال. ويُعرف بابن الشاة الحلابة.
ولد سنة ست وعشرين وخمسمائة. وسمع من أبي القاسم ابن السمرقندي، وأبي الحسن بن عبد السلام، وعلي ابن الصّبّاغ، وغيرهم. روى عنه ابن الدبيثي، وابن خليل، وغيرهما. سافر الكثير في التجارة. وتوفي في رابع ربيع الأول.
وهو من بيت معروف بالرواية والأمانة.
178 -
أسماء بنت محمد بن الحسن بن طاهر بن الران
. الدمشقية.
سمعت من عبد الكريم بن حمزة، وجدها أبي المفضل يحيى بن علي القاضي. روى عنها يوسف بن خليل، وولدها زين الأمناء، أبو البركات، والشهاب إسماعيل القوصي، وآخرون. وتوفيت في ثالث عشر ذي الحجة.
وهي أخت آمنة والدة قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي محمد ابن الزكي.
179 -
تمام بن عمر بن محمد بن عبد الله
، أبو الحسن ابن الشنا الحربي.
سمع أبا الحسين محمد ابن القاضي أبي يعلى. روى عنه ابن الدبيثي، وابن خليل. وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير.
توفي في العشرين من شعبان.
180 -
جرديك. الأمير النوري الأتابكي
، من كبار أمراء الدولة.
وهو الذي تولى قتل شاور بمصر، وقتل ابن الخشاب بحلب. وكان بطلاً، شجاعاً، جواداً. ولي إمرة القدس لصلاح الدين.
181 -
حاتم بن ظافر بن حامد
، أبو الجود الأرسوفي، ثم المصري، المقرئ الصالح الشافعي.
كان ينسخ في بيته فوقع عليه البيت فاستشهد. وكان طيب الصوت بالقرآن.
182 -
حامد بن إسماعيل بن نصر
، أبو محمد الأصبهاني، البغدادي.
حدث عن أبي منصور بن خيرون. وتوفي في جمادى الأولى.
183 -
الحسن بن مسلم بن أبي الحسن بن أبي الجود
، أبو علي الفارسي، الحوري العراقي، الزاهد.
أحد العباد المشهورين رحمة الله عليه. قرأ القرآن، وتفقه في شبيبته. وسمع من أبي البدر إبراهيم بن محمد الكرخي، وغيره. روى عنه يوسف بن خليل، والدبيثي، وابن باسويه، وآخرون، والتقي اليلداني. وتوفي في حادي عشر المحرم، وقد بلغ التسعين أو نحوها. وكان مشتغلًا بالعبادة، منقطع القرين.
ذكره أبو شامة فقال: أحد الأبدال، أقام أربعين سنة لا يكلم أحدًا وكان صائم الدهر، يقرأ في اليوم والليلة ختمة. وكانت السباع تأوي إلى زاويته. قال: توفي يوم عاشوراء، ودفن برباطه بالفارسية، قرية من قرى دجيل، وهو منها. وأما حورا المنسوب أيضًا إليها فقريةٌ من عمل دجيل.
وذكره شيخنا ابن البزوري فقال: كان مجدًا في العبادة، ملازمًا للمحراب والسجادة، ورعاً، تقياً، ومن الأدناس نقياً، ظاهر الخشوع، كثير البكاء والخضوع، صحب الشيخ عبد القادر، والشيخ حمادا الدباس. كذا قال.
وكان الناس يقصدونه، ويتبركون به، ويغتنمون دعاءه. وتردّد إليه الإمام الناصر لدين الله وزاره، وكان يعتقد فيه.
قلت: وكان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي يبالغ في وصفه وتعظيمه، رحمه الله.
184 -
الحسن بن هبة الله بن أبي الفضل بن سفير
، بالفاء، أبو القاسم الدمشقي.
سمع من جمال الإسلام أبي الحسن، وأبي الفتح المصيصي. وحدث. روى عنه ابن خليل في معجمه، وغير واحد.
توفي في رمضان.
185 -
الحسين بن أبي المكارم أحمد بن الحسين بن بهرام
، أبو عبد الله القزويني، الصوفي، الصالح، والد أبي المجد محمد.
روى عنه ولده. وتوفي في صفر.
186 -
زنكي ابن قطب الدين مودود ابن الأتابك زنكي بن آقسُنقُر
. الملك عماد الدين صاحب سنجار.
كان قد تملك مدينة حلب بعد وفاة ابن عمه الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين، ثم إن الملك الناصر صلاح الدين سار إليه وحاصر حلب، ثم وقع بعد الحصار الاتفاق على أن يترك حلب ويعوضه بسنجار وأعمالها، فسار إليها. ولم يزل ملكها إلى هذا الوقت. وكان يكرم العلماء ويبرُّ الفقراء. وبنى بسنجار مدرسة للحنفية. وكان عاقلاً، حسن السيرة. تزوج بابنة عمه نور الدين. وكان الملك صلاح الدين يحترمه ويتحفه بالهدايا. ولم يزل مع صلاح الدين في غزواته وحروبه.
توفي في المحرم.
قال ابن الأثير: كان بخيلًا شديد البخل، لكنه كان عادلًا في الرعية، عفيفًا عن أموالهم، متواضعاً. ملك بعده ابنه قطب الدين محمد.
187 -
سلامة بن إبراهيم بن سلامة
. المحدث، أبو الخير الدمشقي، الحداد، والد أبي العباس أحمد.
سمع أبا المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال، وعبد الخالق بن أسد الحنفي، وعبد الله بن عبد الواحد الكتّاني، وأبا المعالي بن صابر، وجماعة. ونسخ الكثير بخطه.
وكان ثقة صالحاً، فاضلاً. أم بحلقة الحنابلة بدمشق مدة. وكان يُلقب تقي الدين.
روى عنه الحافظ الضياء، وابن خليل، والشهاب القوصي، وابن عبد الدائم، وآخرون.
توفي في السابع والعشرين من ربيع الآخر في أوائل سنّ الشَّيخوخة.
188 -
طلحة بن عثمان بن طلحة بن الحسين بن أبي ذر
. الصالحاني الأصبهاني.
توفي في رمضان. ذكره المنذري.
189 -
عبد الرحيم بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد
. الخطيب أبو الفضائل الأصبهاني، الكاغدي، القاضي المعدل.
ولد سنة إحدى وخمسمائة. وسمع من أبي علي الحداد، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، وإسماعيل بن الفضل الإخشيد، وفاطمة الجوزدانية، وغيرهم. روى عنه يوسف بن خليل: وجماعة. وآخر من روى عنه بالإجازة: أحمد بن أبي الخير.
توفي في العشر الأول من ذي القعدة.
190 -
عبد الوهاب بن جماز بن شهاب
. القاضي أبو محمد النميري، القلعي.
سمع من المبارك بن علي السمذي، وابن ناصر، وأبي الوقت. روى عنه ابن خليل. وتوفي بدمشق في ربيع الأول.
وقد ناب عن قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري. وسمع منه الشهاب القوصي صحيح البخاري كله. لقبه تقي الدين.
191 -
علي بن جابر بن زهير بن علي
. القاضي أبو الحسن البطائحي، الفقيه.
وُلد سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وتفقه على مذهب الشافعي مدة ببغداد، وتفقه بالرحبة أيضاً. وسمع من ابن ناصر، وعلي بن عبد العزيز ابن السماك. وولي القضاء بسواد العراق مدة. وتوفي في رمضان.
192 -
علي بن سعيد بن فاذشاه
، أبو طاهر الأصبهاني.
سمع أبا علي الحداد. وهو من كبار مشايخ ابن خليل. توفي في ربيع الأول.
193 -
علي بن علي بن أبي طالب يحيى بن محمد بن محمد
. الشريف الصالح، أبو المجد العلوي، الحسيني، البغدادي، الحنفي، الفقيه. ويعرف بابن ناصر.
ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة. وسمع من القاضي أبي بكر الأنصاري، وحدث. ودرس بجامع السلطان، وكان عارفًا بالمذهب.
توفي في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول.
ويقال: إنه سمع من ابن الحصين. روى عنه الدبيثي، وابن خليل، وابن الأخضر رفيقه.
194 -
علي بن المبارك بن هبة الله بن المعمر الشريف
، أبو المعالي الهاشمي، القصري.
سمع هبة الله بن الحصين، وأبا منصور القزاز، وأبا الحسن بن صرما، وجماعة. وتوفي في عاشر ربيع الآخر.
195 -
علي بن المبارك بن عبد الباقي بن بانويه
، أبو الحسن الظفري، من محلة الظفرية، النحوي، الأديب. ويعرف بابن الزاهدة.
أخذ العربية عن أبي السعادات ابن الشجري، وأبي جعفر المعروف بالتكريتي، وابن الخشاب. وعلم العربية، وحدث، وتخرج به جماعة. توفي في ذي الحجة. وكانت أمه واعظة مشهورة بالعراق، وهي أمةُ السلام مباركة.
196 -
عمر بن علي بن عبد السيد بن عبد الكريم
، أبو حفص البغدادي، الصفار.
روى عن أبي القاسم بن الحصين، وأبي القاسم بن الطبر، وأبي القاسم ابن السمرقندي. روى عنه ابن الدبيثي، وابن خليل، واليلداني، وآخرون. وبالإجازة: ابن أبي الخير، وغيره.
توفي في جمادى الآخرة، وله تسع وسبعون سنة.
197 -
أبو غالب بن سعد الله بن دبوس
. الأزجي، القطيعي.
روى عن محمد بن أحمد الطرائفي، وابن ناصر.
توفي في المحرم.
198 -
غياث بن الحسن بن سعيد بن أبي غالب ابن البناء
، أبو بكر البغدادي.
من بيت الرواية والإسناد. سمع جد أبيه أبا غالب، وابن الحصين، وعبد الله بن أحمد بن جحشويه. روى عنه ابن الأخضر، والدبيثي، وابن خليل، وآخرون.
قال الحافظ ابن الأخضر: سمعت منه، ومن أبيه، وجده.
قلت: روى عنه بالإجازة شيخنا ابن أبي الخير. وتوفي في ذي الحجة.
199 -
القاسم بن علي بن أبي العلاء
، أبو الفتح السقلاطوني الدارقزي.
حدث عن عبد الوهاب الأنماطي. وتوفي في أول السنة.
200 -
قليج النوري
. الأمير الكبير غرس الدين.
أعطاه السلطان صلاح الدين الشُّغر، وبَكاس، وشقيف دركُوش لما افتتحها، فلما مات قصد صاحب هذه البلاد، وأخذها بالأمان بعد المحاصرة، من أولاد قليج وعوَّضهم.
201 -
محمد بن حامد
، أبو عبد الله ابن الدباهي.
ناظر الخالص، والخالص من أعمال العراق. وهو أخو مكي، ناظر الديوان العزيز.
202 -
محمد بن عبد السلام بن عبد الساتر
. الأنصاري، فخر الدين المارديني، الطبيب. إمام أهل الطب في وقته.
أخذ الطب عن أمين الدولة ابن التلميذ، والفلسفة عن النجم أحمد بن الصلاح.
قدم دمشق في أواخر عمره وأقرأ بها الطب. أخذ عنه السديد محمود بن عمر بن زقيقة، والمهذب عبد الرحيم بن علي. ثم سافر إلى حلب، فأنعم عليه الملك الظّاهر غازي، وبقي عنده نحو سنتين مكرماً. ثم سافر إلى ماردين. وتوفي بآمد في ذي الحجة. ووقف كتبه بماردين.
وحكى السديد تلميذه أنّه حضره عند الموت، فكان آخر ما تكلم به:
اللهم إني آمنت بك وبرسولك، صدق صلى الله عليه وسلم: إن الله يستحي من عذاب الشيخ.
توفي وله اثنتان وثمانون سنة.
203 -
محمد بن عبد المولى بن محمد
. الفقيه أبو عبد الله اللخمي، اللبني، المهدوي، المالكي، الفقيه. ولبنة: من قرى المهدية.
روى عن أبيه، عن نصر المقدسي الفقيه. روى عنه ابن الأنماطي، والكمال الضرير، والرشيد العطار، وجماعة. ومات بمصر في صفر، وعاش خمسًا وثمانين سنة.
204 -
محمد بن عمر بن علي
، أبو الفتوح الطوسي، ثم النيسابوري.
سمع أبا المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي. حمل عنه بدل التبريزي السنن الكبير بكماله.
205 -
محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن أمامة
، أبو المفاخر الواسطي، المقرئ، النحوي.
توفي بالقاهرة. أحد من قرأ على أبي بكر ابن الباقلاني، وتوفي شاباً.
206 -
محمد بن محمد بن أبي الغنائم محمد بن محمد ابن المهتدي بالله
. الشريف أبو الغنائم الهاشمي، العباسي، الحريمي، الخطيب.
ولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وقد سمع من أبي بكر الأنصاري، وبعده من أبي عبد الله ابن السلال، وابن الطلاية.
توفي في نصف المحرم. وحدث بشيء يسير. وكان خطيب جامع القصر.
207 -
محمد بن محمد بن أبي البركات المبارك بن إسماعيل ابن الحصري
. القاضي أبو عبد الله البغدادي، ثم الواسطي، المعدل.
روى عن أبي الوقت. وولي قضاء بلده.
208 -
محمد بن محمود بن إسحاق بن المعز
، أبو الفتح الحراني ثم البغدادي.
سمع من جده لأمه محمد بن عبد الله الحراني وأبي الوقت السجزي وأبي المظفر الشبلي وطائفة. وخرج لنفسه مشيخة. وتوفي في ذي الحجة. وقد شهر على جمل لكونه زور.
209 -
محمد بن أبي المظفر بن محمد بن أبي عمامة
، أبو بكر الأزجي، البزاز.
سمع أبا القاسم ابن السمرقندي، وغيره. وتوفي في ذي الحجة.
210 -
محمد البشيلي
. الزاهد.
من فقراء بغداد المذكورين. صحب الشيخ عبد القادر. وتوفي في ثاني عشر شعبان. وبشيلة: قرية قريبة من الجانب الغربي من بغداد.
211 -
محمود بن عبد الله بن مطروح بن محمود
، أبو الثناء المصيصي الأصل، المصري، المقرئ، المؤدب، الحنبلي. الصالح.
حدث عن الشريف أبي الفتوح الخطيب، والفقيه أبي عمرو عثمان بن مرزوق. وروى بالإجازة عن حسان بن سلامة الخلال. روى عنه الفقيه مكي بن عمر.
وكان حسن التلفظ بالقرآن جداً. قاله المنذري. وقال: توفي في جمادى الأولى.
212 -
محمود بن كرم بن أحمد
، أبو الثناء البغدادي، المقرئ، الضرير.
قرأ القرآن على علي بن عساكر، وغيره. وتوفي في رجب. وكان مجودًا للقراءات.
213 -
المبارك بن محمد بن الحسين بن عباس
. الخطيب أبو سعد الجبائي، العراقي، السلمي.
سمع دعوان بن علي، وأبا الفضل الأرموي، وأحمد بن محمد بن المذاري. وعنه أبو الفتوح ابن الحصري.
مات في ربيع الآخر، وله سبع وسبعون سنة. وكان صالحًا خيراً، يخطب بالجبة بقرب بعقوبا.
214 -
محمود بن كرم بن أحمد، أبو الثناء البغدادي، المقرئ، الضرير.
قرأ القرآن على علي بن عساكر، توفي في رجب. وكان مجودًا للقراءات.
215 -
مسعود بن أحمد بن محمد بن علي بن العباس
. الفقيه أبو المعالي ابن الديناري، الحنفي، العطار.
ولد سنة ثمان عشرة. وسمع من جده لأمه الحسين بن الحسن المقدسي، وأبي القاسم بن الحصين وقاضي المرستان. سمع منه عمر بن علي الحافظ، والقدماء. وروى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وابن خليل.
وتوفي في رمضان. وكان إمام مشهد أبي حنيفة. وهو أخو محمود بن الديناري.
أثنى عليه ابن النجار.
216 -
مظفر بن صدقة
، أبو البدر الأزجي، الطحان.
حدث عن هبة الله بن الحصين. وقيل إنّ اسمه نصر، وكنيته، أبو المظفر. توفي سنة ثلاث أو أربع وتسعين.
217 -
مفرج بن الحسين بن إبراهيم
، أبو الخليل الأنصاري، الإشبيلي، الضرير.
أخذ القراءات عن أبي بكر بن خير، ونجبة بن يحيى. وحدث عن عبد الكريم بن غليب، وفتح بن محمد بن فتح، وسليمان بن أحمد اللخمي، وجماعة. سمع من بعضهم، وأجازوا له كلهم. وأقرأ القراءات، وقد أجاز لبعضهم في هذه السنة.
لم تحفظ وفاته.
218 -
نعمة الله بن علي ابن العطار
، أبو الفضل الواسطي.
روى عن جده لأمه أبي عبد الله محمد بن علي الجلابي. وحدث ببغداد.
219 -
واثق بن هبة الله بن أبي القاسم
، أبو البركات الحربي.
سمع عبد الله بن أحمد بن يوسف. وتوفي في ربيع الأول من شيوخ ابن خليل.
220 -
يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن علي بن زبادة
، أبو طالب بن أبي الفرج الواسطي الأصل، البغدادي، الكاتب. شيخ ديوان الإنشاء بالعراق، قوام الدين.
انتهت إليه رياسة الإنشاء في عصره، مع تفننه بعلوم أخر، كالفقه، والأصول، والكلام، والشعر.
وقد سارت برسائله المونقة الركبان.
ومن شعره:
لا تغبطن وزيرًا للملوك وإن أناله الدهر منهم فوق همته واعلم بأن له يومًا تمورُ به الْـ أرضُ الوقورُ كما مادت لهيبته هارون وهو أخو موسى الشقيق له لولا الوزارة لم يأخذ بلحيته
وولي مناصب جليلة.
ومولده في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
وحدث عن أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام، وأبي القاسم علي ابن الصباغ، والقاضي أبي بكر أحمد بن محمد الأرجاني الأديب.
وأخذ العربية عن أبي منصور ابن الجواليقي.
وولي نظر واسط، والبصرة، ثم ولي حجابة الحجاب، ثم ولي الأستاذ دارية ونقل إلى كتابة الإنشاء.
حدث عنه أبو عبد الله الدبيثي، وابن خليل، وغيرهما.
قال الدبيثي: أنشدنا أبو طالب، أن القاضي أبا بكر أحمد بن محمد الأرجاني أنشده لنفسه في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة:
ومقسومة العينين من دهش النوى وقد راعها بالعيس رجع حدائي تجيب بإحدى مقلتيها تحيتي وأخرى تراعي أعين الرقباء رأت حولها الواشين طافوا فغيضت لهم دمعها واستعصمت بخباء فلما بكت عيني غداة وداعهم وقد روعتني فرقة القرناء بدت في مُحياها خيالاتُ أدمعي فغاروا وظنوا أن بكت لبكائي
توفي ابن زبادة في سابع عشر ذي الحجة.
وكان دينًا، محمود السيرة.
221 -
يحيى بن ياقوت
.
أبو الفرج البغدادي، النجار.
روى عن هبة الله بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وهبة الله ابن الطبر، وجماعة.
روى عنه ابن الدبيثي، وابن خليل، واليلداني، وغيرهم.
وكان يسكن المختارة من الجانب الشرقي.
توفي في حادي عشر جمادى الآخرة.
222 -
يونس بن أبي محمد بن علي بن المعمر
، أبو اليمن البغدادي، البستنباني، المعروف بابن جرادة.
روى عن عبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن.
وتوفي في المحرم.
روى عنه ابن خليل.
وفيها ولد:
شمس الدين المسلم بن محمد بن المسلم بن علان القيسي، وعبد الرحمن بن عبد المؤمن الصوري في ذي الحجة.
والنظام علي بن الفضل بن عقيل العباسي التاجر، له إجازة من الخشوعي.
والعدل بدر الدين محمد بن علي العدوي بن السكاكري.
وأبو بكر بن محمد بن أبي بكر الهروي، ثم الصالحي في شوال، وعبد الله بن عبد الرحمن بن سلامة المقدسي، والعز عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصيقل بحَرّان، والزاهد أحمد بن علي الأثري.
سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
223 -
أحمد بن حيوس بن رافع بن متوج بن منصور بن فُتيح
. العدل، الجليل، أبو الحسين الغنوي، الدمشقي.
ولد سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وكان اسمه قديمًا عبد الله.
سمع من أبي الفتح نصر الله المصيصي، وهبة الله بن طاوس.
وتوفي في ذي القعدة.
روى عنه الحافظ الضياء، وطائفة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير.
224 -
أحمد بن وهب بن سلمان بن أحمد ابن الزنف
، أبو الحسين السلمي، الدمشقي.
ولد سنة ثلاثين، وسمعه أبوه حضورًا من يحيى بن بطريق.
وسمع أبا الفتح نصر الله المصيصي، وأبا الدر ياقوتًا الرومي، وأبا المعالي محمد بن يحيى القاضي، وجماعة.
روى عنه ابن خليل، وجماعة.
وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في ذي الحجة.
225 -
إسماعيل بن فضائل بن عبد الباقي بن مكي
، أبو عبد الرحمن الحربي.
سمع هبة الله بن الحصين، والقاضي أبا بكر.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وابن خليل.
وأجاز لابن أبي الخير.
وتوفي في شعبان.
قال ابن النجار: هو شيخ صالح.
226 -
إسماعيل بن هبة الله بن أبي نصر بن أبي الفضل
، أبو محمد البغدادي، الحربي، المعروف بابن دقيقة.
سمع من أبي البركات الأنماطي، وأبي البدر الكرخي، وعبد الله بن أحمد بن يوسف.
ودقيقة بالفتح.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل.
وأجاز لابن أبي الخير سلامة.
توفي يوم عاشوراء.
227 -
أسماء بنت أبي البركات محمد بن الحسن بن الران
. الدمشقية.
روت عن جدها لأمها أبي المفضل يحيى بن علي القاضي.
وعنها سبطها النسابة عزّ الدين محمد بن أحمد، ويوسف بن خليل، والشهاب القوصي.
وتزوجت بابن خالتها محمد أخي الحافظ ابن عساكر.
توفيت في ذي الحجة.
228 -
أعز بن علي بن المظفر بن علي
، أبو المكارم البغدادي، المراتبي، المعروف بالظهيري.
سمع من أبي القاسم والده، ومن إسماعيل ابن السمرقندي، ومسرة بن عبد الله الزعيمي.
وكان أميًا لا يكتب.
روى عنه ابن خليل، واليلداني.
وتوفي في ثالث عشر ربيع الأول.
229 -
آمنة بنت محمد بن الحسن بن طاهر بن الران
. أخت الست أسماء.
ولدت سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
وتوفيت في شوال، ودفنت بمسجد القدم.
سمعت من جدها لأمها القاضي المنتجب يحيى بن علي القرشي، وعبد الكريم بن حمزة.
وحجت هي وأختها، ثم حجت مرتين أيضًا.
روى عنها
ولدها القاضي محيي الدين أبو المعالي ابن الزكي، وشهاب الدين القوصي، وغير واحد.
ووقفت رباطًا بدمشق.
230 -
بشير بن محفوظ بن غنيمة
، أبو الخير الأزجي شيخ صالح.
روى عن ابن ناصر، وأبي الوقت.
وصحب الشيخ عبد القادر، وانقطع إلى العبادة. وله كلام في العرفان.
وكان الناس يتبركون به.
توفي في حادي عشر في ربيع الأول.
231 -
ثابت بن محمد بن أبي الفرج بن الحسن
، أبو الفرج المديني، الأصبهاني.
محدث ناحيته.
سمع من أبي بكر محمد بن علي بن أبي ذر، وسعيد الصيرفي، وزاهر الشحامي، والحسين الخلال، وجماعة.
ورحل إلى بغداد.
فسمع من أبي الفضل الأرموي، والمبارك بن كامل المفيد، وغيرهما وأملى بأصبهان، وخرج.
وولي خطابة أصبهان. وكان ذا معرفة بهذا الشأن.
سمع منه الحافظ أبو بكر الحازمي، ونصر بن أبي رشيد الأصبهاني، ويوسف بن خليل، وجماعة.
وأجاز لأحمد بن أبي الخير.
توفي أواخر رمضان.
232 -
الحسن بن محمد بن علي
، أبو علي البغدادي، البقال، المعروف بابن القطائفي.
روى عن ابن الحصين.
وكان سوقيًا متعيشًا.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل، وجماعة.
وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في المحرم وقد قارب الثمانين.
233 -
الحسين بن أبي بكر بن الحسين
، أبو عبد الله الحربي، المعروف بابن السمك.
روى عن هبة الله بن محمد بن أبي الأصابع الحربي.
234 -
حميد الأبله
.
كان ببغداد ينام على المزابل، وربما تكشف، ومع هذا فكان للبغاددة في اعتقاد كقاعدتهم في المولهين.
توفي في ذي القعدة، وشيعه خلائق.
235 -
خليفة بن أبي بكر بن أحمد
، أبو نصر البغدادي ابن القطوة.
روى عن إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهاب ابن الأنماطي.
وكان سقاء.
روى عنه بالإجازة: أحمد بن أبي الخير.
توفي في شعبان.
وأبوه قيده ابن نقطة.
وحدث عنه ابن النجار.
236 -
دلف بن أحمد بن محمد بن قوفا
، أبو القاسم الحريمي.
سمع ابن الحصين، وغيره.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل، واليلداني. وبالإجازة: ابن أبي الخير.
توفي في شوال.
قال ابن النجار: كان صالحًا، دمثًا، حسن الأخلاق.
237 -
ضياء بن أحمد بن يوسف بن جندل أبو محمد الحربي
.
روى عن أبي الحسن بن عبد السلام، وعبد الله اليوسفي، والمبارك بن كامل الدلال.
سمع منه أحمد بن سلمان الحربي، وابن خليل، وجماعة.
وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في جمادى الآخرة.
238 -
طرخان بن ماضي بن جوشن بن علي
. الفقيه أبو عبد الله اليمني، ثم الدمشقي، الشاغوري، الضرير الشافعي.
سمع من أبي المعالي محمد بن يحيى القرشي، وأبي القاسم بن مقاتل، ومحمد بن كامل بن ديسم، وغيرهم.
روى عنه عبد الكافي الصقلي، وابن خليل، والشهاب القوصي، وجماعة.
وأم بالسلطان نور الدين. وكان يلقب تقي الدين.
سئل عن مولده فقال: في سنة ثمان عشرة بالشاغور.
وتوفي في ثالث ذي الحجة. وهو والد إسحاق شيخ الشرف محمد ابن خطيب بيت الآبار.
239 -
ظفر بن إبراهيم
، أبو السعود، المعروف بابن الأرمني.
روى عن أبي الحسين ابن القاضي أبي يعلى، وعبد الباقي بن أبي الغبار الأديب.
وكان قصابًا.
توفي في نصف جمادى الآخرة.
ولابن أبي الخير منه إجازة.
روى عنه ابن النجار.
240 -
عبد الله بن المظفر بن أبي نصر بن هبة الله
، أبو محمد البواب.
سمعه أبوه من يحيى بن حبيش الفارقي، وأبي بكر الأنصاري.
وكان أبوه بوابًا بدار الخلافة.
روى عنه ابن خليل، والدبيثي.
وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في ربيع الآخر.
241 -
عبد الخالق بن أبي البقاء هبة الله بن القاسم بن منصور
، أبو محمد ابن البندار الحريمي، الزاهد، العابد.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في جمادى الآخرة. وقيل سنة إحدى عشرة.
وسمع من ابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وابن الطبر، وأبي
المواهب بن ملوك، والقاضي أبي بكر، وأبي منصور القزاز.
وكان ثقة صالحًا خيرًا، ناسكًا، سلفيًا.
روى عنه الدبيثي، وابن النجار، وابن خليل، واليلداني، وابن عبد الدائم، وجماعة.
وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، وغيره.
قال ابن النجار في تاريخه: كان يشبه الصحابة. ما رأيت مثله رحمه الله.
توفي في سادس ذي القعدة.
242 -
عبد الرحمن بن أبي المظفر أحمد بن عبد الواحد بن الحسين بن محمد
، أبو الحسن العكبري، الصوفي الدباس، ولد سنة عشرين.
وسمع من أبي الفضل الأرموي، وهبة الله الحاسب، وجماعة.
وحدث بمكة.
روى عنه الحافظ ابن المفضل، ومكي بن عمر الفقيه.
توفي في أول ذي القعدة.
243 -
عبد الغني بن علي بن إبراهيم
، أبو القاسم المصري، النحاس، المقرئ.
حدث بالوجيز للأهوازي، عن الشريف أبي الفتوح الخطيب. وكان مؤدبًا بزقاق القناديل.
روى عنه الكمال.
وتوفي في ربيع الأول.
244 -
عبد القادر بن هبة الله بن عبد الملك بن غريب الخال
، أبو محمد.
يقال إنه سمع من القاضي أبي بكر، وحدث.
245 -
عبد المعيد بن المحدث عبد المغيث بن زهير بن زهير
، أبو محمد الحربي، الحنبلي.
سمعه أبوه من أبي الوقت، وهبة الله الشبلي، وجماعة، قيل: إنه حدث.
246 -
عبد المنعم بن الخضر بن شبل بن عبد الواحد
، أبو محمد الحارثي، الدمشقي.
روى عن أبي القاسم الحسين ابن البن.
روى عنه ابن خليل، وغيره.
وتوفي في ربيع الأول بنواحي طبرية.
247 -
عبد الواحد بن ناصر بن أبي الأسد
، أبو محمد المعري المعروف بالكريمي، الدمشقي.
روى عن هبة الله بن طاوس.
وعنه ابن خليل.
248 -
عبيد الله بن الحسن بن علي
، أبو الفرج ابن الدوامي الكاتب.
سمع أباه، وأبا محمد سبط الخياط، وأبا منصور بن خيرون، وأبا عبد الله بن السلال.
وكان على ديوان الحشر، فشكرت سيرته.
توفي في جمادى الآخرة.
249 -
عثمان بن يوسف بن أيوب بن شاذي
. السلطان الملك العزيز أبو الفتح، وأبو عمرو ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين، صاحب مصر.
ولد في جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة.
وسمع من أبي طاهر السلفي، وأبي الطاهر بن عوف، وعبد الله بن بري النحوي.
وحدث بثغر الإسكندرية.
ملك ديار مصر بعد والده، وكان لا بأس في سيرته. وكان قد خرج يتصيد فرماه فرسه رمية مؤلمة منكرة، فرد إلى القاهرة وتمرض ومات.
قال الحافظ الضياء، ومن خطه نقلت، قال: خرج إلى الصيد، فجاءته كتب من دمشق في أذية أصحابنا الحنابلة، فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة كل من كان يقول بمقالتهم أخرجناه من بلدنا. فرماه فرسه، ووقع عليه فخسف صدره. كذا حدثني يوسف بن الطفيل، وهو الذي غسله.
قال المنذري: توفي في العشرين من المحرم، وعاش ثمانيًا وعشرين سنة، وأقيم بعده ولده في الملك، صبي دون البلوغ، فلم يتم.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان العزيز شابًا، حسن الصورة، ظريف الشمائل، قويًا، ذا بطش وأيد، وخفة حركة، حييًا، كريمًا، عفيفًا عن الأموال والفروج. وبلغ من كرمه أنه لم يبق له خزانة ولا خاص ولا برك ولا فرس، وأما بيوت أصحابه وأمرائه فتفيض بالخيرات. وكان شجاعًا مقدامًا.
وبلغ من عفته أنه كان له غلام تركي اشتراه بألف دينار يقال له أبو شامة، فوقف على رأسه خلوةً. فنظر إلى جماله، فأمره أن ينزع ثيابه، وجلس معه مقعد الفاحشة، فأدركه التوفيق ونهض مسرعًا إلى بعض سراريه، فقضى وطره، وخرج والغلام بحاله، فأمره بالتستر والخروج.
وأما عفته عن الأموال فلا أقدر أن أصف حكاياته في ذلك.
ثم حكى الموفق ثلاث حكايات في المعنى.
وقال ابن واصل: كانت الرعية يحبونه محبة عظيمة شديدة، وفجعوا بموته، إذ كانت الآمال متعلقة بأنه يسد مسد أبيه.
ثم حكى ابن واصل حكايتين في عدله ومروءته رحمه الله وسامحه.
ولما سار الملك الأفضل أخوه مع العادل ونازلًا بلبيس، وتزلزل أمره، بذلت له الرعية أموالها ليذب عن نفسه فامتنع.
قال ابن واصل: وقد حكي أنه لما امتنع قيل له: اقترض من القاضي الفاضل، فإن أمواله عظيمة. فامتنع، فألحوا عليه، فاستدعى القاضي الفاضل، فلما رآه مقبلًا وهو يراه من المنظرة قام حياءً، ودخل إلى النساء. فراسلته الأمراء وشجعوه، فخرج وقال له بعد أن
أطنب في الثناء عليه: أيها القاضي، قد علمت أن الأمور قد ضاقت علي، وليس لي إلا حسن نظرك، وإصلاح الأمر بمالك، أو برأيك، أو بنفسك.
فقال: جميع ما أنا فيه من نعمتكم، ونحن نقدم أولًا الرأي والحيلة، ومتى احتيج إلى المال فهو بين يديك.
فوردت رسالة من العادل إلى القاضي الفاضل باستدعائه، ووقع الاتفاق.
وقد حكي عنه ما هو أبلغ من هذا، وهو أن عبد الكريم بن علي أخا القاضي الفاضل كان يتولى الجيزة زمانًا وحصل الأموال، فجرت بينه وبين الفاضل نبوة أوجبت اتضاعه عند الناس فعزل، وكان متزوجًا بابنة ابن ميسر، فانتقل بها إلى الإسكندرية، فضايقها وأساء عشرتها لسوء خلقه، فتوجه أبوها وأثبت عند قاضي الإسكندرية ضررها، وأنه قد حصرها في بيتٍ، فمضى القاضي بنفسه، ورام أن يفتح عليها فلم يقدر فأحضر نقابًا فنقب البيت وأخرجها ثم أمر بسد النقب، فهاج عبد الكريم وقصد الأمير فخر الدين جهاركس بالقاهرة، وقال: هذه خمسة آلاف دينار لك، وهذا أربعون ألف دينار للسلطان، وأولى قضاء الإسكندرية. فأخذ منه المال، واجتمع بالملك العزيز ليلًا، وأحضر له الذهب.
وحدثه، فسكت ثم قال: رد عليه المال، وقل له: إياك والعود إلى مثلها، فما كل ملك يكون عادلًا، فأنا ما أبيع أهل الإسكندرية بهذا المال.
قال جهاركس: فوجمت وظهر علي، فقال لي: أراك واجمًا، وأراك أخذت شيئًا على الوساطة. قلت: نعم. قال: كم أخذت؟ قلت: خمسة آلاف دينار. فقال: أعطاك ما لا تنتفع به إلا مرة، وأنا أعطيك في قبالته ما تنتفع به مرات.
ثم أخذ القلم ووقع لي بخطه بإطلاق جهةٍ تعرف طنبزة كنت أستغلها سبعة آلاف دينار.
قلت: وقد قصد دمشق وملكها، كما ذكرنا في الحوادث، وأنشأ بها المدرسة العزيزية. وكان السكة والخطبة باسمه بها وبحلب.
وخلف ولده الملك المنصور محمد بن عثمان، وهو ابن عشر، فأوصى له بالملك، وأن يكون مدبره الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي. وكان كبير الأسدية الأمير سيف الدين يازكوج، وبعضهم يغير يازكوج ويقول: أزكش، وكان سائر الأمراء
الأسدية والأكراد محبين للملك الأفضل، مؤثرين له، والأمراء الصلاحية بالعكس، لكونهم أساؤوا إليه. ثم تشاوروا وقال مقدم الجيش سيف الدين يازكوج: نطلب الملك الأفضل ونجعله مع هذا الصبي. فقال الأمير فخر الدين جهاركس، وكان من أكبر الدولة: هو بعيد علينا. فقال يازكوج: هو في صرخد فنطلبه ويصل مسرعًا. فقال جهاركس شيئًا يُمَغْلط به، فقال يازكوج: نشاور القاضي الفاضل. فاجتمع الأميران به، فأشار بالأفضل. هكذا حكى ابن الأثير.
وحكى غيره أنّهم أجلسوا الصبي في المُلك. وقام قراقوش بأتابكيّته، وحفلوا له، وامتنع عماه الملك المؤيد والملك المعز إلاّ أن تكون لهما الأتابكيّة. ثم حلفا على كرهٍ. ثم اختلفت الأمراء وقالوا: قراقوش مضطرب الآراء، ضيق العطن.
وقال قوم: بل نرضى بهذا الخادم فإنه أطْوَع وأسوس.
وقال آخرون: لا يحفظ هذا الإقليم إلا بملك يُرهب ويُخاف.
ثم اشْتَوَروا أيامًا، ورجعوا إلى رأي القاضي الفاضل، وطلبوا الأفضل ليعمل الأتابكية سبع سنين، ثم يسلم الأمر إلى الصبي، ويشترط أن لا يذكر في خطبةٍ ولا سِكّة. وكتبوا إليه، فأسرع إلى مصر في عشرين فارسًا، ثم جرت أمور.
250 -
عثمان ابن الرئيس أبي القاسم نصر بن منصور بن الحسين ابن العطار
. الصدر أبو عمرو الحراني الأصل، ثم البغدادي.
سمع من أبي الوقت، وابن البطي.
وكان رئيسًا متواضعًا.
مات في ذي القعدة.
251 -
علي بن أبي تمام أحمد بن علي بن أبي تمام أحمد بن هبة الله ابن المهتدي بالله
، أبو الحسن الهاشمي، الخطيب.
من بيت حشمة وخطابة ورواية.
توفي في صفر.
252 -
علي بن أحمد، أبو الحسن اللمطي
.
سمع معمر بن الفاخر. وحدث عن عمر الميانشي، ويوسف بن أحمد الشيرازي البغدادي.
وكان كثير البر والصلة والأفضال.
توفي بمصر في ربيع الآخر.
253 -
علي بن أبي طالب عبد الله ابن النقيب أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمر
. الشريف أبو الحسن العلوي الحسيني.
حدَّث بشيء يسير من شعره. ومات شابًا.
254 -
علي ابن الشيخ عبد الرحمن بن علي بن المسلم
، أبو الحسن اللخمي الخرقي، الدمشقي.
ولد سنة خمس وثلاثين. وسمع من نصر الله المصيصي. وحدث.
توفي في ذي القعدة.
255 -
عمر بن علي بن فارس
. أبو حفص الطيني.
روى عن أحمد بن علي بن الأشقر، وأبي الوقت. وكان يعمل من الطين عصفورًا يصفر به الصبيان، ويعمل الزمامير.
مات في رجب.
256 -
عمر بن يوسف بن أحمد بن يوسف
، أبو حفص الكتامي، الحموي الكاتب، المعروف بابن الرفيش، بفاء وشين معجمة.
سمع بدمشق من جمال الإسلام أبي الحسن بن المسلم، وببغداد من الأرموي، وهبة الله الحاسب.
روى عنه ابن خليل. وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير.
وكان صالحًا عابدًا، ورده في اليوم مائة ركعة.
توفي في ربيع الآخر.
257 -
فتون بنت أبي غالب بن سعود بن الحبوس الحربية
.
روت عن عبد الله بن أحمد بن يوسف.
أخذ عنها أحمد بن أبي شريك الحربي، وابن خليل، وجماعة.
وفتون: بالتاء المثناة، والحبوس: بحاء مفتوحة وسين مهملة.
توفيت في خامس ذي القعدة.
258 -
قايماز الأمير مجاهد الدين أبو منصور الرومي
، الزينبي، الخادم الأبيض الذي بنى بالموصل الجامع المجاهدي، والرباط، والمدرسة.
كان لزين الدين صاحب إربل، فأعتقه وأمره، وفوض إليه أمور مدينة إربل، وجعله أتابك أولاده في سنة تسع وخمسين، فعدل في الرعية وأحسن السيرة. وكان كثير الخير والصلاح والإفضال، ذا رأي وعقل وسؤدد.
انتقل إلى الموصل سنة إحدى وسبعين، وسكن قلعتها، وولي تدبيرها، وراسل الملوك، وفوض إليه صاحب الموصل غازي بن مودود الأمور، وكان هو الكل، وامتدت أيامه، فلما وصلت السلطنة إلى رسلان شاه وتمكن من الملك، قبض على قيماز وسجنه، وضيق عليه إلى أن مات في السجن.
وكان لعز الدين مسعود صاحب الموصل جارية اسمها أقصرا، فزوجه بها، وهي أم الأتابكية زوجة الملك الأشرف موسى التي لها بالجبل مدرسة وتربة.
وقيل: إنه كان يتصدق في اليوم بمائة دينار خارجًا عن الرواتب.
وقد مدحه سبط التعاويذي بقصيدة سيرها إليه من بغداد، مطلعها:
عليلُ الشوق فيك متى يصح وسكرانٌ بحبّك كيف يَصحو وبين القلب والسّلوان حَرْبٌ وبين الجفنِ والعبرات صُلحُ
فبعث إليه بجائزة سنيّة وبغلة، فضعفت البغلة في الطريق، فكتب إليه:
مجاهد الدين دمت ذخرًا لكل ذي فاقةٍ وكنزا بعثتَ لي بغلةً ولكن قد مسخت في الطريق عنزا
أجاز لي ابن البزوري قال: مجاهد الدين قايماز الحاكم في دولة نور الدين أرسلان شاه، كان أديبًا فاضلًا، وإلى ما يُقَرَّبه إلى الله مائلًا، كثير الصدقات، له آثار جميلة بالموصل، فمنها الجامع، وإلى جانبه مدرسة، ورباط، ومارستان، وبنى عدّة خانات في الطرق وفنادق وقناطر.
وكان كثير الصيام، يصوم في السنة مقدار سبعة أشهر. وعنده معرفة تامة بمذهب الشافعي. كذا قال.
وأما ابن الأثير فقال: كان عاقلًا، خيرًا، فاضلًا، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويكثر الصوم، وله أوراد، وكان كثير المحفوظ من التّواريخ، والشعر، وغرائب الأخبار.
توفي في ربيع الأول.
259 -
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد
، أبو الوليد القرطبي، حفيد العلامة ابن رشد الفقيه.
ولد سنة عشرين، قبل وفاة جده أبي الوليد بشهر واحد.
وعرض الموطأ على والده أبي القاسم.
وأخذ عن أبي مروان بن مسرة، وأبي القاسم بن بشكوال، وجماعة.
وأخذ علم الطب عن أبي مروان بن حزبول.
ودرس الفقه حتى برع فيه، وأقبل على علم الكلام، والفلسفة، وعلوم الأوائل، حتى صار يضربُ به المثل فيها.
فمن تصانيفه على ما ذكره ابن أبي أصيبعة: كتاب التحصيل، جمع فيه اختلافات العلماء، كتاب المقدمات في الفقه، كتاب نهاية المجتهد، كتاب الكليات طب، كتاب شرح أرجوزة ابن سينا في الطب، كتاب الحيوان، كتاب جوامع كتب أرسطو طاليس في الطبيعيات والإلهيات، كتاب في المنطق، كتاب تلخيص الإلهيات لنيقولاوس، كتاب تلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطو طاليس، شرح كتاب
السماء والعالم لأرسطوطاليس، شرح كتاب النفس لأرسطوطاليس، تلخيص كتاب الأسطقسات لجالينوس، ولخص له أيضًا كتاب المزاج، وكتاب القوى، وكتاب العلل، وكتاب التعرف، وكتاب الحُميات، وكتاب حيلة البرء، ولخص كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس، وله كتاب تهافت التهافت، يرد فيه على الغزالي، وكتاب منهاج الأدلة في الأصول، كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، كتاب شرح كتاب القياس لأرسطو، مقالة في العقل، مقالة في القياس، كتاب الفحص في أمر العقل، كتاب الفحص عن مسائل وقعت في الإلهيات من الشفاء لابن سينا، مسألة في الزمان، مقالة في أن ما يعتقده المشاؤون وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا في كيفية وجود العالم متقارب في المعنى، مقالة في نظر أبي نصر الفارابي في المنطق ونظر أرسطوطاليس، مقالة في اتصال العقل المفارق للإنسان، مقالة في ذلك أيضًا، مباحثات بين المؤلف وابن أبي بكر بن الطفيل في رسمه للدواء، مقالة في وجود المادة الأولى، مقالة في الرد على ابن سينا في تقسيمه الموجودات إلى ممكن على الإطلاق وممكن بذاته، مقالة في المزاج، مقالة في نوائب الحمى، مسائل في الحكمة، مقالة في حركة الفلك، كتاب ما خالف فيه أبو نصر لأرسطو في كتاب البرهان، مقالة في الترياق، تلخيص كتاب الأخلاق لأرسطو، وتلخيص كتاب البرهان له.
قلت: ذكر شيخ الشيوخ تاج الدين: لما دخلتُ إلى البلاد سألت عنه، فقيل: إنه مهجور في داره من جهة الخليفة يعقوب، ولا يدخل أحدٌ عليه، ولا يخرج هو إلى أحد. فقيل: لِمَ؟ قالوا: رفعت عنه أقوالُ ردية، ونسب إليه كثرة الاشتغال بالعلوم المهجورة من علوم الأوائل.
ومات وهو محبوس بداره بمراكش في أواخر سنة أربع وتسعين.
ذكره الأبار فقال: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالًا وعلمًا وفضلًا. قال: وكان متواضعًا، منخفض الجناح، عني بالعلم حتى حكي عنه أنه لم يترك النظر والقراءة مذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه وليلة عرسه، وأنه سوَّد فيما صنف وقيد
واختصر نحوًا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الأوائل، فكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره. وكان يفزعُ إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع الحظ الوافر من العربية.
قيل: كان يحفظ ديوان حبيب والمتنبي. وله من المصنفات: كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه، علل فيه ووجَّه، ولا نعلم في فنه أنفع منه، ولا أحسن مساقا. وله كتاب الكليات في الطب، ومختصر المستصفى في الأصول، وكتاب في العربية، وغير ذلك.
وقد ولي قضاء قرطبة بعد أبي محمد بن مغيث، فحمدت سيرته وعظم قدره.
سمع منه أبو محمد بن حوط الله، وسهل بن مالك، وجماعة.
وامتحن بأخرة، فاعتقله السلطان يعقوب وأهانه، ثم أعاده إلى الكرامة فيما قيل، واستدعاه إلى مراكش، وبها توفي في صفر، وقيل في ربيع الأول، وقد مات السلطان بعده بشهر.
وقال ابن أبي أصيبعة: هو أوحد في علم الفقه والخلاف. تفقه على الحافظ أبي محمد بن رزق. وبرع في الطب. وألف كتاب الكليات أجاد فيه. وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة.
وحدثني أبو مروان الباجي قال: كان أبو الوليد بن رشد ذكيًا، رث البزة، قوي النفس، اشتغل بالطب على أبي جعفر بن هارون، ولازمه مدة.
ولما كان المنصور بقرطبة وقت غزو الفنش استدعى أبا الوليد واحترمه وقربه، حتى تعدى به الموضع الذي كان يجلس فيه الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي، ثم بعد ذلك نقم عليه لأجل الحكمة، يعني الفلسفة.
260 -
محمد بن إبراهيم بن خطاب
. الأندلسي.
توفي بطريق مكة. وقد رحل، وسمع ببغداد على: ذاكر بن كامل، وابن بوش، وطبقتهما.
ودخل أصبهان. وقرأ القرآن بواسط على ابن الباقلاني.
مات في ذي الحجة.
261 -
محمد بن إسماعيل بن محمد بن أبي الفتح
، أبو جعفر الطرسوسي، ثم الأصبهاني، الحنبلي.
من كبار شيوخ عصره في مصره.
ولد سنة اثنتين وخمسمائة في حادي عشر صفر.
وسمع من أبي علي الحداد، والحافظ محمد بن طاهر، والحافظ يحيى بن منده، والحافظ محمد بن عبد الواحد الدقاق، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي، وأبي نهشل عبد الصمد العنبري.
حدث عنه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني، ويوسف بن خليل، وجماعة كثيرة.
وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وغيره من المتأخرين.
أخبرنا أحمد بن سلامة في كتابه، عن أبي جعفر محمد بن إسماعيل، أن أبا علي الحداد أخبرهم قال: أخبرنا أبو نعيم قال: حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة الدمشقي قال: حَدَّثَنَا يحيى بن صالح قال: حَدَّثَنَا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي بالصلاة جامعة. أخرجه البخاري عن إسحاق بن راهويه، عن يحيى بن صالح.
توفي في السابع والعشرين من جمادى الآخرة.
وهو آخر من حدث عن ابن طاهر بالسماع.
262 -
محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز
. قاضي القضاة أبو الحسن الهاشمي، العباسي، المكي، ثم البغدادي.
ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
وتفقه على أبي الحسن بن الخل الشافعي.
وسمع من جده، وأبي الوقت.
وأجاز له: أبو القاسم بن الحصين، وأبو العز بن كادش، وهبة الله الشروطي، وجماعة.
وولي القضاء والخطابة بمكة، ثم ولي قضاء القضاة ببغداد بعد عزل أبي طالب علي بن علي ابن البخاري في سنة أربع وثمانين. ثم صرف في سنة ثمان وثمانين بسبب كتاب امرأة زوَّره وارتشى على إثباته خمسين دينارًا وثيابًا من الحسن الإستراباذي، فقال: ثبت عندي بشهادة فلان وفلان. فأنكرا، فعزله أستاذ الدار، ورسم عليه أيامًا، ثم لزم بيته حتى مات.
وقد سمع منه ابنه الحافظ جعفر.
وتوفي في جمادى الآخرة.
ذكر ترجمته الدبيثي.
وحدث عنه ابن خليل، واليلداني.
263 -
محمد بن ذاكر بن كامل
، أبو عبد الله الخفاف.
سمع من ابن البطي، ويحيى بن ثابت.
وكان شابًا صالحًا. ما أحسبه حدث.
264 -
محمد بن عبد الله بن أبي درقة
، أبو عبد الله القحطاني القرطبي، الفقيه، قاضي تونس.
روى بها الموطأ عن أبي عبد الله ابن الرمامة.
أخذ عنه أبو عبد الله بن أصبغ، وغيره.
وتوفي في ذي الحجة.
265 -
محمد بن عبد الله بن علي بن غنيمة بن يحيى بن بركة
، أبو منصور الحربي الخياط، المعروف بابن حواوا.
سمع ابن الحصين، وأبا الحسين بن أبي يعلى الفراء.
روى عنه الدبيثي، وقال: توفي في نصف ربيع الأول.
266 -
محمد بن عبد الملك بن إسماعيل
، أبو عبد الله الأصبهاني الحنبلي الواعظ.
سمع من إسماعيل الحمامي والرستمي وخلق. وحج وأملى ببغداد، روى عنه ابن النجار وغيره.
توفي في ذي الحجة.
267 -
محمد بن عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر
، أبو بكر الإيادي الإشبيلي.
أخذ عن جده أبي العلاء علم الطب، وأخذ عن أبيه.
وانفرد بالإمامة في الطب في زمانه مع الحظ الوافر من اللغة، والآداب، والشعر.
فمن شعره، قال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة: أنشدني محيي الدين محمد ابن العربي الحاتمي: قال: أنشدني الحفيد أبو بكر بن زهر لنفسه يتشوق إلى ولده:
ولي واحدٌ مثل فرخ القطا صغيرٌ تخلف قلبي لديه نأت عنه داري فيا وحشتي لذاك الشُّخَيْصِ وذاك الوُجَيْهِ تشوقني وتشوقته فيبكي علي وأبكي عليه وقد تعب الشوق ما بيننا فمنه إلي ومني إليه
قال الموفق: وأنشدني القاضي أبو مروان الباجي: قال: أنشدنا أبو عمران بن أبي عمران الزاهد المرتلي قال: أنشدنا أبو بكر بن زهر الحفيد لنفسه:
إني نظرتُ إلى المرآة إذ جُليت فأنكرت مُقلتاي كل ما رأتا رأيتُ فيها شيخًا لست أعرفه وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى فقلت: أين الذي مثواهُ كان هنا متى ترحَّل عن هذا المكان متى؟ فاستجهلتني وقالت لي وما نطقت قد راح ذاك وهذا بعد ذاك أتى هون عليك فهذا لا بقاء له أما ترى العشب يفنى بعدما نبتا كان الغواني يقلنَ: يا أُخَيَّ، فقد صار الغَوَاني يَقُلْنَ اليوم: يا أبَتَا
وللحفيد:
لله ما صنع الغرام بقلبهِ أودى به لما ألم بلُبهِ لباه لما أن دعاه، وهكذا من يدعه داعي الغرام يُلبِّهِ يأبى الذي لا يستطيع لعجبه رد السلام وإن شككت فعج به ظبي من الأتراك ما تركت ضنى ألحاظُه من سلوةٍ لمحبِّهِ إن كنت تُنكرُ ما جنى بلحاظه في سلبه يومَ الغوير فسل به أو شئت أن تلقى غزالًا أغيدًا في سربه أسدُ العرين فسر به يا ما أميلحهُ وأعذب ريقهُ وأعزه وأذلني في حبهِ أو ما أليطف وردةً في خدهِ وأرقها وأشد قسوة قلبهِ
وله موشحات كثيرة مشهورة، فمنها هذه:
أيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمعِ ونديم همتُ في غرته وشربتُ الراح من راحته كلما استيقظ من سكرته جذب الزِّقَّ إليه واتكا وسقاني أربعًا في أربع غُصْنُ بان من حيث استوى بات من يهواه من فرط الجوى خفق الأحشاء مرهون القوى كلما فكر في البين بكا ما لهُ يبكي بما لم يقع ليس لي صبر ولا لي جلدُ يا لقومي عذلوا واجتهدوا أنكروا شكواي مما أجدُ مثل حالي حقه أن يشتكى كمد اليأس وذلّ الطمعِ ما لعيني عَشِيَتْ بالنَّظر أنكرت بعدك ضوء القمرِ وإذا ما شئتَ فاسمع خبري شقيت عيناي من طول البكا وبكى بعضي على بعضي معي
وإليه انتهت الرياسة بإشبيلية، وكان لا يعدله أحدٌ في الحظوة عند السلاطين. وكان سمحًا، جوادًا، نفاعًا بماله وجاهه، ممدحًا، ولا أعرف له رواية. قاله الأبار.
وقد أخذ عنه الأستاذ أبو علي الشلوبين، وأبو الخطاب بن دحية.
قال الأبار: وكان أبو بكر ابن الجد يزكيه.
ويحكي عنه أن يحفظ صحيح البخاري متنًا وإسنادًا.
توفي بمراكش في ذي الحجة، وقد قارب
التسعين، فإنه ولد سنة سبعٍ وخمسمائة.
وقال غيره: كان دينًا، عدلًا، محبًا للخير، مهيبًا، جريء الكلام، قوي النفس، مليح الشكل - يجر قوسًا يكون سبعًا وثلاثين رطلًا باليد.
قال ابن دحية: كان من اللغة بمكان مكين، ومورد في الطب عذب معين. كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث اللغة، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، مع سمو النسب وكثرة المال والنشب. صحبته زمانًا طويلًا، واستفدت منه أدبًا جليلًا.
وقال لي: ولدتُ سنة سبع وخمسمائة.
وله أشعار حلوة. ورحل أبو جده إلى المشرق، وولي رياسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم بالقيروان، ثم استوطن دانية بالأندلس، وطار ذكره.
قلتُ: وقد مرّ والده في سنة سبعٍ وخمسين، وجده في سنة خمسٍ وعشرين وخمسمائة.
وكان أبو بكر يقال له: الحفيد. وكان وزيرًا محتشمًا، كثير الحرمة، من سروات أهل الأندلس. وقد رأس في فني الطب والأدب، وبلغ فيهما الغاية.
268 -
محمد بن علي بن الحسن بن أحمد بن عبد الوهاب
، أبو بكر المري، الدمشقي، المعروف بابن الدوانيقي.
روى عن أبي الفتح نصر الله المصيصي.
روى عنه يوسف بن خليل، والقوصي، والتاج القرطبي، وأخوه إسماعيل.
وتوفي في شعبان.
269 -
محمد بن محمد بن الحسين
، أبو المظفر الخاتوني، الأصبهاني، ثم البغدادي، الكاتب. أحد الشعراء.
سمع جزءًا من محمد بن علي السمناني، بسماعه من أبي الغنائم ابن المأمون.
رواه عنه أبو الحسن ابن القطيعي، وغيره.
وتوفي في ذي الحجة عن نيفٍ وسبعين سنة.
270 -
المبارك بن إسماعيل بن عبد الباقي بن أحمد ابن الصواف
، أبو نصر ابن النشف الواسطي، البزاز، المقرئ.
قرأ القراءات على: أبي الفتح المبارك بن أحمد الحداد، وغيره.
وسمع أبا عبد الله محمد بن علي الجلابي، وأحمد بن عبيد الله الآمدي.
وسمع ببغداد من ابن ناصر. وحدَّث.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وقال: توفي في ذي القعدة وله أربع وسبعون سنة.
271 -
المبارك بن علي بن يحيى بن محمد بن بذال
، أبو بكر المعروف بابن النفيس البغدادي.
ولد سنة سبع عشرة.
وسمع من أبي بكر الأنصاري، وأبي منصور الشيباني القزاز.
قال الدبيثي: سمع منه بعض أصحابنا، وأجاز لي.
272 -
مسعود بن أبي منصور بن محمد بن الحسن
. الأصبهاني أبو الحسن، الخياط المعروف بالجمال.
ولد سنة ست وخمسمائة، وسمع من أبي علي الحداد، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي، وأبي نهشل عبد الصمد العنبري، والهيثم بن محمد المعداني. وحضر أبا القاسم غانمًا البرجي، وحمزة بن العباس العلوي.
وأجاز له عبد الغفار الشيرويي.
وكان من بقايا أصحاب الحداد.
روى عنه ابن خليل، وأبو موسى بن عبد الغني، ومحمد بن عمر العثماني.
وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وجماعة.
توفي في الخامس والعشرين من شوال.
273 -
مسلم بن علي بن محمد
، أبو منصور ابن السيحي، العدل الموصلي.
حدث عن أبي البركات محمد بن محمد بن خميس، وهو آخر من حدث عنه.
روى عنه ابن خليل، وأبو محمد اليلداني.
توفي في منتصف المحرم، وسمع الدمياطي من أصحابه.
274 -
منصور بن أبي الحسن بن إسماعيل بن المظفر
، أبو الفضل المخزومي، الطبري، الصوفي، الواعظ.
ولد بآمل طبرستان، ونشأ بمرو، وتفقه على الإمام أبي الحسن علي بن محمد المروزي.
وبنيسابور على محمد بن يحيى.
وكان مليح الكلام في المناظرة، ثم اشتغل بالوعظ والتصوف.
وسمع من زاهر بن طاهر، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وعلي بن محمد المروزي. وحدث ببغداد والشام.
أخذ عنه أبو بكر الحازمي، وإلياس بن جامع، وابن خليل، وأخوه إبراهيم، والضياء المقدسي، والتاج بن أبي جعفر، والشهاب القوصي، وطائفة سواهم.
وروى عنه الأمير يعقوب بن محمد الهذباني مسند أبي يعلى الموصلي، سمعه منه بالموصل، ولقبه القوصي بشهاب الدين.
ونقلتُ من خطه قال: حدث بدمشق سنة اثنتين وتسعين بصحيح مسلم، وسمعته منه، عن الفراوي.
وتوقف في أمره الحافظ بهاء الدين القاسم ابن عساكر، وامتنع جماعة لامتناعه.
وَمولده بطبرسان سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وقال ابن النجار: حدث ببغداد، ثم سكن الموصل يحدث ويدرس. ثم انتقل إلى دمشق، فذكر لي رفيقنا عبد العزيز الشيباني أنه سمع منه، وادعى أنه
سمع صحيح مسلم من الفراوي. وكان معه خط مزور على خط الفراوي.
وقال ابن نقطة: حدثني علي بن القاسم ابن عساكر قال: لما قرئ على الطبري أول مجلس من صحيح مسلم بحكم الثبت حضر شيخ الشيوخ ابن حمويه، وحضر أبي وأنا معه، فجاء ابن خليل الأدمي وقال لأبي: هذا الثبت ليس بصحيح، وأراه إياه. فامتنع أبي من الحضور والجماعة، فغضب شيخ الشيوخ أبو الحسن بن حمويه والصوفية، وقرؤوا عليه الكتاب.
أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة عن منصور بن أبي الحسن الطبري، قال: أخبرنا عبد الجبار بن محمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي، قال: أخبرنا محمد بن يعقوب الفقيه بالطابران، قال: أخبرنا أبو النضر الفقيه، قال: حَدَّثَنَا عثمان بن سعيد الدرامي، قال: حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن أيوب، قال: حدَّثني يزيد بن الهاد، أنّ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن أنيس قال: كنَّا بالبادية فقلنا: إن قدمنا بأهلينا شُقّ علينا، وإن خَلّفناهم أصابتهم ضيعة. فبعثوني - وكنت أصغرهم - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له قولهم، فأمرنا بليلة ثلاثٍ وعشرين.
قال ابن الهاد: فكان محمد بن إبراهيم يجتهد تلك الليلة.
توفي في ثامن عشر ربيع الآخر بدمشق.
275 -
نصر بن أبي المحاسن بن أبي الرشيد
، أبو الخطاب الأصبهاني، الصوفي.
حدث عن أبي المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصَّيدلاني.
وتوفي ببغداد.
276 -
وهب بن لب بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن وهب بن نذير
، أبو العطاء الفهري الأندلسي، الشنتمري، نزيل بلنسية.
سمع من أبيه أبي عيسى. ولزم أبا الوليد ابن الدباغ وأكثر عنه.
وتفقه على أبي الحسن بن النعمة. وأخذ القراءات عن أبي محمد بن سعدون الوشقي.
وكان فقيهًا، حافظًا، مشاورًا، مفتيًا، مدرسًا، من أهل العلم والذكاء والدهاء.
أخذ عنه جماعة، وولي قضاء بلنسية وخطابتها، ثم صرف عن القضاء وبقي خطيبًا.
توفي في ذي الحجة، وصلى عليه ولده أبو عبد الله، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة. ذكره الأبار.
277 -
يحيى بن عبد الرحمن
، أبو بكر الأزدي، الأندلسي، النحوي، المعروف بابن مصالة.
من علماء أوريولة. خطب ببلده وناب في القضاء.
قال التجيبي: كان شيخي في اللغة والعربية، وصحبتُه عدة سنين، وعرضتُ عليه كتبًا كثيرة. وعُمر دهرًا.
بقي إلى سنة خمسٍ هذه.
278 -
يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة
. العلامة جمال الدين أبو القاسم البغدادي، الشافعي، المعروف بابن فضلان.
ولد في آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وسمع أبا غالب ابن البناء، وأبا القاسم ابن السمرقندي، وأبا الفضل الأرموي، وغيرهم.
وكان اسمه واثقا، وكذا هو في الطباق، لكن غلب عليه يحيى واختاره هو. وكان إمامًا بارعًا في علم الخلاف، مشارًا إليه في جودة النظر.
تفقه على أبي منصور الرزاز، وارتحل إلى صاحب الغزالي محمد بن يحيى مرتين، وعلق عنه.
وظهر فضله، واشتهر اسمه، وانتفع به خلق.
وسمع أيضًا بنيسابور من أبي يحيى، وعمر بن أحمد الصفار الفقيه، وأبي الأسعد هبة الرحمن ابن القشيري، وإسماعيل بن عبد الرحمن العصائدي.
وكان حسن الأخلاق، سهل القياد، حلو العبارة، يقظًا، لبيبًا، نبيهًا، وجيهًا. درس ببغداد بمدرسة دار الذهب وغيرها.
وأعاد له الدروس الإمام أبو علي يحيى بن الربيع.
روى عنه ابن خليل في حروف الواو، وأبو عبد الله الدبيثي، وجماعة.
وتوفي في تاسع عشر شعبان.
قال الموفق عبد اللطيف: ارتحل ابن فضلان إلى محمد بن يحيى مرتين، وسقط في الطريق فانكسرت ذراعه، وصارت كفخذه، فالتجأ إلى قرية، وأدته الضرورة إلى قطعها من المرفق، وعمل محضرًا بأنها لم تُقطع في ريبة. فلما قدم بغداد وناظر المجير، وكان كثيرًا ما ينقطع في يد المجير، فقال له المُجير: يسافر أحدهم في قطع الطريق، ويدعي أنه كان يشتغل. فأخرج ابن فضلان المحضر، ثم شنَّع على المجير بالفلسفة.
وكان ابن فضلان ظريف المناظرة، له نَغمات موزونة، يشير بيده مع مخارج حروفه بوزن مطرب أنيق، يقف على أواخر الكلمات خوفًا من اللحن. وكان يُداعبني كثيرًا.
ورمي بالفالج في آخر عمره، رحمه الله.
279 -
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي
. الملقب بالمنصور، أمير المؤمنين أبو يوسف، سلطان المغرب القيسي المراكشي، وأمه أم ولد رومية اسمها سحر.
بويع في حياة والده بأمره بذلك عند موته، فملك وعمره يومئذ اثنتان وثلاثون سنة. وكان صافي السمرة إلى الطول ما هو، جميل الوجه، أعين،
أفوه، أقنى، أكحل، مستدير اللحية، ضخم الشكل، جهوري الصوت، جزل الألفاظ، صادق اللهجة، كثير الإصابة بالظن والفراسة، ذا خبرة بالخير والشر. ولي الوزارة لأبيه، فبحث عن الأمور، وكشف أحوال العمال والولاة.
وكان له من الولد: محمد ولي عهده، وإبراهيم، وموسى، وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وصالح، وعثمان، ويونس، وسعد، ومساعد، والحسن، والحسين، فهؤلاء الذين عاشوا بعده. وله عدة بنات.
ووزر له عمر بن أبي زيد الهنتاني إلى أن مات، ثم أبو بكر بن عبد الله بن الشيخ عمر إينتي، ثم ابن عم هذا محمد بن أبي بكر. ثم هرب محمد هذا وتزهد ولبس عباءةً، ثم وزر له أبو زيد عبد الرحمن بن موسى الهنتاني، وبقي بعده وزيرًا لابنه مديدة.
وكتب له أبو الفضل بن محشوة، ثم بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش الكاتب البليغ الذي بقي إلى سنة تسع عشرة وستمائة.
وكتب أيضًا لولده من بعده.
وقضى له أبو جعفر أحمد بن مضاء، وبعده أبو عبد الله بن مروان الوهراني، ثم عزله بأبي القاسم أحمد بن محمد بن بقي.
ولما بويع كان له من إخوته وعُمومته منافسون ومزاحمون لا يرونه أهلًا للإمارة؛ لما كانوا يعرفون من سوء صباه، فلقي منهم شدة، ثم عبر البحر بعساكره حتى نزل مدينة سلا، وبها تمت بيعته، لأن بعض أعمامه تلكأ، فأنعم عليهم، وملأ أيديهم أموالًا لها خطر. ثم شرع في بناء المدينة العظمى التي على البحر والنهر من العدوة، وهي تلي مراكش. وكان أبوه قد اختطها ورسمها، فشرع هو في عمارتها إلى أن تمت أسوارها، وبنى فيها جامعًا عظيمًا إلى الغاية، وعمل له منارة في نهاية العلو على هيئة منارة الإسكندرية، لكن لم يتم هذا الجامع لأن العمل بطل منه بموته. وأما المدينة فتمت، وطولها نحو
من فرسخ، لكن عرضها قليل بالنسبة. ثم سار بعد أن تهيأت فنزل مراكش.
وفي أول ملكه، وذلك في سنة ثمانين، خرج عليه صاحب ميورقة الملك المعروف بابن غانية، وهو علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية، فسار في البحر بجيوشه، وقصد مدينة بجاية، فملكها وأخرج من بها من الموحدين في شعبان من السنة. وهذا أول اختلالٍ وقع في دولة الموحدين.
وأقام ابن غانية ببجاية سبعة أيام، وصلى فيها الجمعة، وأقام الخطبة للإمام الناصر لدين الله العباسي، وكان خطيبَه يومئذ الإمام أبو محمد عبد الحق الأزدي مصنف الأحكام، فأحنق ذلك المنصور أبا يوسف، ورام قتل عبد الحق، فعصمه الله وتوفاه قريبًا.
ثم سار ابن غانية بعد أن أسس أموره ببجاية، ونازل قلعة بني حماد فملكها، وملك تلك النواحي، فتجهز المنصور لحربه، وسار إليه بجيوشه، فتقهقر ابن غانية، وقصد بلاد الجريد، فلما وصل المنصور إلى بجاية تلقاه أهلها، فصفح عنهم، وجهز جيشًا مع ابن عمه يعقوب بن عمر، ونزل هو تونس، فالتقى يعقوب وابن غانية، فانهزم الموحّدون انهزامًا منكرًا، وتبعهم جيش ابن غانية من العرب والبربر يقتلونهم في كل وجهٍ، وهلك كثير منهم عطشًا، ورجع من سَلِم إلى تونس. فلمَّ المنصور شعثهم، ثم سار بنفسه، وعمل مع ابن غانية مصافًّا، فانكسر أصحاب ابن غانية، وثبت هو، وبين إلى أن أثخن جراحًا، ففر بنفسه متماسكًا، ومات في خيمة أعرابية. ثم إن جنده قدموا عليهم أخاه يحيى، ولحقوا بالصحراء فكانوا بها مع تلك العربان إلى أن رجع المنصور إلى مراكش.
وانتقض أهل قفصة في هذه المدة، ودعوا لبني غانية، فنزل عليها المنصور، فحاصرها أشد الحصار، وافتتحها عنوة، وقتل أهلها قتلا ذريعًا. فقيل: إنه ذبح أكثرهم صبرًا، وهدم أسوارها، ورجع إلى المغرب.
وأما يحيى بن غانية فإنه بعث أخاه أبا محمد عبد الله إلى ميورقة فاستقل بها، إلى أن دخلها عليه الموحدون قبل الستمائة. وبقي يحيى بإفريقية يظهر مرة ويخمد أخرى، وله أخبار يطول شرحها.
وفي غيبة المنصور عن مراكش طمع عماه في الأمر، وهما سليمان وعمر، فأسرع المنصور ولم يتم لهما ما راماه، فتلقياه وترجلا له، فقبض
عليهما، وقيدهما في الحال، فلما دخل مراكش قتلهما صبرًا، فهابه جميع القرابة وخافوه.
ثم أظهر بعد زهدًا وتقشفًا وخشونة عيش وملبس، وعظم صيت العباد والصالحين في زمانه، وكذلك أهل الحديث، وارتفعت مراتبهم عنده، فكان يسألهم الدعاء. وانقطع في أيامه علم الفروع، وخاف منه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من الحديث، فأحرق منها جملة في سائر بلاده، كالمدونة، وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبي زيد، والتهذيب للبراذعي، والواضحة لابن حبيب.
قال محيي الدين عبد الواحد بن علي المراكشي في كتاب المعجب له: ولقد كنت بفاس، فشهدت يؤتى بالأحمال منها فتوضع ويطلق فيها النار.
قال: وتقدم إلى الناس بترك الفقه والاشتغال بالرأي والخوض فيه، وتوعد على ذلك، وأمر من عنده من المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة وهي: الموطأ، والكتب الخمسة، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند البزار، وسنن الدراقطني، وسنن البيهقي في الصلاة وما يتعلق بها، على نحو الأحاديث التي جمعها ابن تومرت في الطهارة.
فجمعوا ذلك، فكان يُمليه بنفسه على الناس، ويأخذهم بحفظه. وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب وحفظه خلق. وكان يجعل لمن حفظه عطاء وخلعة.
وكان قصده - في الجملة - محو مذهب مالك رضي الله عنه، وإزالتَه من المغرب. وحمل الناس على الظاهر من القرآن والسنة. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يُظهراه، وأظهره هو.
أخبرني غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر ابن الجد أنه أخبرهم قال: دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف أول دخلةٍ دخلتها عليه، فوجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله. أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال، وخمسة أقوال، أو أكثر، في أي هذه الأقوال الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له، فقال لي، وقطع كلامي:
يا أبا بكر ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى سنن أبي داود، أو السيف.
قال عبد الواحد: وظهر في أيام أبي يوسف يعقوب ما خفي في أيام أبيه وجده، ونال عنده طلبة العلم والحديث ما لم ينالوا في أيام أبويه، وانتهى أمره معهم إلى أن قال يومًا بحضرة كافة الموحدين: يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء - يعني الطلبة - لا قبيل لهم إلا أنا، فمهما نابهم أمرٌ فأنا ملجؤهم. فعظموا عند ذلك في أعين الموحدين، وبالغوا في احترامهم.
وفي سنة خمس وثمانين قصد بطرو بن الريق - لعنه الله - مدينة شلب فنالها فأخذها، فتجهز المنصور أبو يوسف في جيوش عظيمة، وعبر البحر، ونزل على شلب، فلم يطق الفرنج دفاعه، وهربوا منها، وتسلمها. ولم يكفه ذلك حتى أخذ لهم حصنًا، ورجع فمرض بمراكش مرضًا عظيمًا، وتكلم أخوه أبو يحيى في الملك، ودعا إلى نفسه، فلما عوفي قتله صبرًا، وقال: إنما أقتلك بقوله صلى الله عليه وسلم: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأحدث منهما. تولى قتله أخوه عبد الرحمن بمحضر من الناس. ثم تهدد القرابة وأهانهم، فلم يزالوا في خمولٍ، وقد كانوا قبل ذلك لا فرق بينهم وبين الخليفة سوى نفوذ العلامة.
وفي سنة تسعين انتقض ما بينه وبين الأذفنش من العهد، وعاثت الفرنج في الأندلس، فتجهز أبو يوسف وأخذ في العبور، فعبر في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين، ونزل بإشبيلية، فعرض جيوشه، وقسم الأموال، وقصد العدو المخذول، فتجهز الأذفنش في جموع ضخمة، فالتقوا بفحص الحديد، وكان الأذفنش قد جمع جموعًا لم يجتمع له مثلها قط، فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين، وأمير المؤمنين يعقوب في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء، والاستعانة بكل من يظن أنه صالح، فتواقعوا في ثالث شعبان، فنصر الله الإسلام، ومنح أكتاف الروم، حتى لم ينج الفنش، إلا في نحو من ثلاثين نفسًا من وجوه أصحابه. واستشهد يومئذ جماعة من الأعيان، منهم الوزير أبو بكر بن عبد الله ابن الشيخ عمر إينتي، وأتى أبو يوسف قلعة
رباح وقد هرب أهلها، فدخلها وجعل كنيستها مسجدًا، واستولى على ما حول طليطلة من الحصون، ورد إلى إشبيلية.
ثم قصد الروم من إشبيلية في سنة اثنتين وتسعين، فنزل على مدينة طليطلة بجيوشه، فقطع أشجارها، وأنكى في الروم نكاية بينة ورجع. ثم عاد في المرة الثالثة، وتوغل في بلاد الروم، ووصل إلى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين، ورجع، فأرسل الأذفنش يطلب المهادنة، فهادنه عشر سنين، وعبر بعد هذا إلى مراكش في سنة أربع وتسعين.
قال: وبلغني عن غير واحد أنه صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق، وجعل يذكر لهم البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع ويقول: نحن إن شاء الله مطهروها. ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات في صدر سنة خمس.
وكان في جميع أيامه مؤثرًا للعدل بحسب طاقته، وبما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها.
وكان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس أشهرًا إلى أن أبطأ يومًا عن العصر حتى كادت تفوت، فخرج وأوسعهم لومًا وقال: ما أرى صلاتكم إلا لنا، وإلا فما منعكم أن تقدموا رجلًا؟ فقد قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصلاة، وهو غائب، أما لكم أسوة؟ فكان ذلك سببًا لقطعه الإمامة.
وكان يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد، حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما وأمر بضربهما قليلًا، وقال: أما كان في البلد حكام قد نصبوا لهذا.
ثم بعد هذا بقي يقعد في أيام مخصوصة. واستعمل على القضاء أبا القاسم بن بقي، وشرط عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا وهو من ورائه ستر.
وكان يدخل إليه أمناء الأسواق في الشهر مرتين، فيسألهم عن أسواقهم، وأسعارهم، وحكامهم. وكان إذا وفد عليه أهلُ بلد سألهم عن ولاتهم وقضاتهم، فإذا أثنوا خيرًا قال: اعلموا أنكم مسؤولون عن هذه الشهادة يوم القيامة. وربما تلا: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط.
قال: وبلغني أنه تصدق سنة إحدى وتسعين قبل خروجه إلى الغزوة بأربعين ألف دينار. وكان كلما دخلت السنة أمر أن يكتب له الأيتام والمنقطعون، فيجمعون إلى عند قصره، فيختنون، ويأمر لكل صبي منهم بمثقال، وثوب، ورغيف، ورمانة. هذا كله شهدته.
وبنى بمراكش بيمارستانًا ما أظن في الدنيا مثله، أجرى فيه مياهًا كثيرة، وغرس فيه من جميع الأشجار، وزخرفه، وأمر له من الفرش بما يزيد على الوصف. وأجرى له ثلاثين دينارًا كل يوم برسم الأدوية. وكان كل جمعة يعود فيه المرضى ويقول: كيف حالكم؟ كيف القومة عليكم؟.
وفي سنة نيف وثمانين ورد عليه من مصر قراقش التقوي، فتى تقي الدين عمر ابن أخي السلطان الملك الناصر، والأمير شعبان، والقاضي عماد الدين في جماعة، فأكرمهم وأقطعهم، حتى أقطع رجلًا منهم من أهل إربل يعرف بأحمد الحاجب مواضع، وأقطع شعبان بالأندلس قرى تغل في السنة نحوًا من تسعة آلاف دينار، سوى ما قرر لهم من الجامكية.
وأخبرني أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف بمكة قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف: يا أبا العباس، اشهد لي بين يدي الله أني لا أقول بالعصمة، يعني عصمة ابن تومرت.
وقال لي، وقد استأذنته في فعل: متى نفتقر إلى وجود الإمام؟ يا أبا العباس أين الإمام، أين الإمام؟ أخبرني أبو بكر بن هانئ الجياني قال: لما رجع أمير المؤمنين من غزوته تلقيناه، فسألني عن أحوال البلد وقضاته وولاته، فلما فرغت من جوابه سألني: ما قرأت من العلم؟ فقلت: قرأت تواليف الإمام، أعني ابن تومرت، فنظر إلي نظرة المغضب وقال: ما هكذا يقول الطالب، إنما حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت شيئًا من السنة، ثم بعد هذا قل ما شئت.
وقال تاج الدين عبد السلام بن حمويه الصوفي: دخلت مراكش في أيام
السيد الإمام أبي يوسف يعقوب، ولقد كانت الدولة بسيادته مجملة، والمحاسن والفضائل في أيامه مكملة، يقصده العلماء لفضله، والأغنياء لعدله، والفقراء لبذله، والغزاة لكثرة جهاده، والصلحاء والعامة لتكثير سواده وزيادة إمداده، والزهاد لإرادته وحسن اعتقاده. كما قال فيه بعض الشعراء:
أهل لأن يسعى إليه ويرتجى ويزار من أقصى البلاد على الوجا ملك غدا بالمكرمات مقلدًا وموشحًا ومختمًا ومتوجًا عمرت مقامات الملوك بذكره وتعطرت منه الرياح تأرجا وجد الوجود وقد دجا فأضاءه ورآه في الكرب العظام ففرجا
ولما قدمت عليه أكرم مقدمي، وأعذب في مشارعه موردي، وأنجح في حسن الإقبال والقبول مقصدي، وقرر لي الرتبة والراتب، وعين أوقات الدخول إلى مجلسه بغير مانع ولا حاجب. وكانت أكثر مجالسه المرتبة بحضور العلماء والفضلاء، يفتتح في ذلك بقراءة القرآن، ثم يقرأ بين يديه قدر ورقتين أو ثلاث من الأحاديث النبوية. وربما وقع البحث في معانيها، ثم يختم المجلس بالدعاء، فيدعو هو. وكذا كان يدعو عند نزوله من الركوب. ثم ينزل فيدخل قصره.
والذي أعلمه من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن، وكان يحفظ متون الأحاديث، ويتكلم في الفقه والأحكام كلامًا بليغًا، ويناظر ويباحث. وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى والمشكلات وله فتاو مجموعة. وكانوا ينسبونه إلى مذهب الظاهر والحكم بالنصوص.
وكان فصيح العبارة، مهيبًا، ملحوظ الإشارة، مع تمام الخلقة وحسن الصورة وطلاقة البشر، لا يرى منه اكفهرار، ولا له عن مجالسه إعراض ولا ازورار. يدخل عليه الداخل فيراه بزي الزهاد والعلماء، وعليه جلالة الملوك.
وقد صنف كتاب الترغيب في الأحاديث التي في العبادات، فمن فتاويه:
حضانة الولد للأم ثم للأب ثم للجدة. اليمين على المنكر ولا ترد على المدعي بحال، من نكل عن اليمين حُكم عليه بما نكل عنه، الشفعة لا تنقطع إلا بتصريح من الذي يجب له إسقاطها، من ادعى العدم وأشكل أمره، خير طالبه بين أن يخلي سبيله، وبين أن يحبسه وينفق عليه.
وله شعر جيد، وموشحات مشهورة.
وبلغني أن قومًا أتوه بفيل هدية من بلاد السودان، فوصلهم ولم يقبل الفيل، وقال: لا نريد أن
نكون أصحاب الفيل. وقيل: بل جرى ذلك لوالده يوسف.
ثم ذكر فصلًا فيه طول في كرمه وعدله وخيره، إلى أن قال: فإذا كان عشر ذي الحجة أمر ولاة الزكاة بإحضارها، فيفرقها في الأصناف الثمانية.
حدثني بعض عمالهم أنه فرق في عيد سنة أربع وتسعين - ثلاثًا وسبعين ألف رأس من معز وضأن. ثم ذكر أنه عمل مكتبًا كبيرًا فيه جماعة عرفاء وغيرهم، ويجري عليهم النفقات والكسوة للصبيان، فسألت واحدًا فقال: نحن عشرة معلمين، والصبيان يزيدون على الألف، وقد ينقصون.
وكان يكسو الفقراء في العام، ويختن أولادهم، ويعطي الصبي دينارًا.
قال عبد الواحد: وكان مهتمًا بأمر البناء، لم يخل وقت من قصر يستجده، أو مدينة يعمرها. وزاد في مراكش زيادة كبيرة. وأمر أن يميز اليهود بلباس ثياب كحلية وأكمام مفرطة في الطول والسعة، تصل إلى قريب أقدامهم، وبدلًا من العمائم كلوتات على أشنع صور، كأنها البراذع، تبلغ إلى تحت آذانهم وشاع هذا الزي فيهم. وبقوا إلى أن توسلوا إلى ابنه بعده بكل وسيلة وشفاعة، فأمرهم ابنه بثياب صفر، وعمائم صفر، فهم على ذلك إلى وقتنا، وهو سنة إحدى وعشرين وستمائة.
فائدة:
ذكر تاج الدين بن حمويه أنه سأل ابن عطية الكاتب: ما بال هذه البلاد، يعني المغرب، ليس فيها أحد من أهل الذمة ولا كنائس ولا بيَع؟ فقال: هذه الدولة قامت على رهبةٍ وخشونة. وكان المهدي قد قال لأصحابه: إن هؤلاء الملثمين مبتدعة مجسمة مشبهة كفرة، يجوز قتلهم وسبيهم بعد أن يعرضوا على الإيمان. فلما فعل ذلك، واستولوا على السلاطين بعد موت المهدي، وفتح عبد المؤمن مراكش، أحضر اليهود والنصارى، وقال: ألستم قد أنكرتم، يعني أوائلكم، بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعتم أن يكون هو الرسول الموعود به في كتابكم، وقلتم: إن الذي يأتي إنما يأتي لتأييد شريعتنا وتقرير ملتنا؟ قالوا: نعم. قال: فأين منتظركم إذًا؟ سيما وقد زعمتم أنه لا يتجاوز خمسمائة عام. وهذه خمس
مائة عام قد انقضت لملتنا، ولم يأت منكم بشير ولا نذير. ونحن لا نقركم على كفركم، ولا لنا حاجة بجزيتكم، فإما الإسلام، وإما القتل.
ثم أجلهم مدة لتخفيف أثقالهم، وبيع أملاكهم، والنزوح عن بلاده. فأما أكثر اليهود، فإنهم أظهروا الإسلام تقية، فأقاموا على أموالهم، وأما النصارى فدخلوا إلى الأندلس، ولم يُسلم منهم إلا القليل. وخربت الكنائس والصوامع بجميع المملكة، فليس فيها مشرك ولا كافر يتظاهر بكفره إلى بعد الست مائة، وهو حين انفصالي عن المغرب.
قال عبد الواحد: وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه بهم شكه في إسلامهم. وكان يقول: لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بنا في أنكحتهم وأمورهم. ولو صح عندي كفرهم لقتلتهم، ولكنني متردد فيهم، ولم ينعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد المغرب بيعة ولا كنيسة، إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام، ويصلون في المساجد، ويُقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا وسنتنا، والله أعلم بما تكن صدورهم.
قلت: ما ينبغي أن يسمى هؤلاء يهود أبدًا، بل هم مسلمون.
محنة ابن رشد
وسببها أنه أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطوطاليس فهذبه، وقال فيه عند ذكر الزرافة: رأيتها عند ملك البربر. كذا غير ملتفتٍ إلى ما يتعاطاه خدمة الملك من التعظيم، فكان هذا مما أحنقهم عليه، ولم يظهروه.
ثم إن قومًا ممن يناوئه بقرطبة ويدعي معه الكفاءة في البيت والحشمة سعوا به عند أبي يوسف بأن أخذوا بعض تلك التلاخيص، فوجدوا فيه بخطه حاكيًا عن بعض الفلاسفة: قد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة. فأوقفوا أبا يوسف على هذا، فاستدعاه بمحضر من الكبار بقرطبة، فقال له: أخطك هذا؟ فأنكر، فقال: لعن الله كاتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أمر بإخراجه مهانًا. وبإبعاده وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم، وبالوعيد الشديد. وكتب إلى البلاد بالتقدم
إلى الناس في تركها، وبإحراق كتب الفلسفة، سوى الطب، والحساب، والمواقيت. ثم لما رجع إلى مراكش نزع عن ذلك كله، وجنح إلى تعلم الفلسفة، واستدعى ابن رشد للإحسان إليه، فحضر ومرض، ومات في آخر سنة أربع.
وتوفي أبو يوسف في غرة صفر، وولي بعده ولي عهده ابنه أبو عبد الله محمد، وكان قد جعله في سنة ست وثمانين ولي العهد، وله عشر سنين إذ ذاك.
وقال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة في تاريخه: حدثني أبو مروان الباجي قال: ثم إن المنصور نقم على أبي الوليد، وأمر بأن يقيم في بلد اليسانة، وأن لا يخرج منها، ونقم على جماعة من الأعيان، وأمر بأن يكونوا في مواضع أخر لأنهم مشتغلون بعلوم الأوائل. والجماعة أبو الوليد، وأبو جعفر الذهبي، ومحمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الشاعر القرابي. ثم إن جماعة شهدوا لأبي الوليد أنه على غير ما نسب إليه، فرضي عنه وعن الجماعة، وجعل أبا جعفر الذهبي مزوارًا للأطباء والطلبة.
ومما كان في قلب المنصور من أبي الوليد أنه كان إذا تكلم معه يخاطبه بأن يقول: تسمع يا أخي.
قلت: واعتذر عن قوله ملك البربر بأن قال: إنما كتبت ملك البرين، وإنما صحفها القارئ.
وقال الإمامة أبو شامة: وفيها توفي خليفة المغرب أبو يوسف الذي كسر الفنش. وكان قد قام بالملك بعد أبيه أحسن قيام، ونشر كلمة التوحيد ورفع راية الجهاد، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وأقام الحدود على أقربائه وغيرهم.
وكان سمحًا، جوادًا، عادلًا، مكرمًا للعلماء، متمسكًا بالشرع. يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبس الصوف، ويقف للمرأة
والضعيف. أوصى عند الموت إلى ولده أبي عبد الله، وأن يدفن على قارعة الطريق ليترحم عليه.
توفي في ربيع الأول ومدة ملكه خمس عشرة سنة.
كتب إليه الملك صلاح الدين يستنجده على الفرنج، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين في كتابه، فلم يجبه إلى ما طلب.
وقال أحمد بن أبي أصيبعة في ترجمة أبي جعفر ابن الغزال: إنه لازم الحفيد أبا بكر بن زهر حتى برع في الطب، وخدم المنصور. وكان المنصور قد أبطل الخمر، وشدد في أن لا يؤتى بشيء منه، أو يكون عند أحدٍ. ثم بعد مدة قال المنصور لأبي جعفر ابن الغزال: أريد أن تركب لي ترياقًا. فجمع حوائجه، فأعوزه الخمر، فأعلم المنصور فقال: تطلبه من كل ناحية فلعل يقع عند أحد. فتطلبه حتى يئس، فقال المنصور: والله ما كان قصدي بعمل الترياق إلا لأعتبر هل بقي عند أحدٍ خمرٌ أم لا.
قلت: وهذا من أحسن التلطف في كشف الأمور الباطنة.
وبلغني أن الأذفنش لما بعث إلى أبي يوسف يتهدده ويطلب منه بعض الحصون، وكانت المكاتبة من إنشاء وزيره ابن الفخار وهي: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح، روح الله وكلمته الرسول الفصيح، أما بعد، فلا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا عقل لازب، أنك أمير الملة الحنيفية، كما أنا أمير الملة النصرانية، وقد علمت ما عليه نوابك من رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل، وإهمال أمر الرعية، وإخلادهم إلى الراحة. وأنا أسومهم القهر، فأخلي الديار، وأسبي الذراري، وأقتل الرجال، ولا عذر لك في التخلف عنهم وعن نصرهم إذ أمكنتك يد القدرة، وأنتم تزعمون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا، لا تستطيعون دفاعًا، ولا تملكون امتناعًا.
وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك عامًا بعد عام، تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فلا أدري، الجبن بطأ بك أم التكذيب بما وعدك ربك. ثم قيل لي: إنك لا تجد إلى جواز البحر بيلًا لعلةٍ لا يسوغ لك التقحم معها.
وها أنا أقول لك ما فيه الراحة، وأعتذر عنك ولك على أن تفي لي بالعهود والمواثيق، وكثرة الرهائن، وترسل إلي جملة من عبيدك بالمراكب والشواني، فأجوز بحملتي إليك، وأقاتلك في أعزّ الأماكن لديك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جُلِبت إليك، وهدية عظيمة مَثَلَت بين يديك، وإن كانت لي كانت اليد العُليا لي عليك، واستحقَّيت إمارة الملّتين، والحكم في البرّين.
فلمّا وصل كتابه إلى أبي يوسف مزّقه وقطّعه، وكتب على قطعةٍ منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون الجواب ما ترى لا ما تسمع، وهذا البيت، وهو للمتنبي:
ولا كتْبَ إلا المشرفيةُ عندنا ولا رُسُلٌ إلا الخميس العرمرم
ثم استنفر الناس، وجمع الجيوش، فكانوا مائة ألف في الديوان، ومائة ألف مطوعة، وسار إلى زقاق سبتة، فعدى منه إلى الأندلس، وطلب الأذفنش، فكان المصاف عند قلعة رباح شمالي قرطبة، ففتح الله ونصر، وكانت ملحمة هائلة قل أن وقع مثلها في الإسلام. قيل: إنه حصل منها لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع. وأما الدواب فلم يُحصر لها عدد.
وذكر ابن الأثير في الكامل، أن عدد من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعون ألفًا، وقتل من المسلمين نحو من عشرين ألفًا، وأسر من الفرنج ثلاثة عشر ألفًا، وغنم المسلمون منهم شيئًا عظيمًا، فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفًا، ومن الخيل ستة وأربعون ألفًا، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف. ونادى يعقوب: من غنم شيئًا فهو له سوى السلاح.
ثم إنه سار إلى طليطلة فحاصرها، وأخذ أعمالها، وترك الفرنج في أسوأ حال، ورجع إلى إشبيلية، فأقام إلى أثناء سنة ثلاثٍ وتسعين، فعاد وأغار وسبى، ولم يبق للفرنج قدرة على ملتقاه، فالتمسوا الصلح، فأجابهم لما اتصل إليه من أخبار ابن غانية الميورقي الذي خرج عليه في سنة ثمانين، وهو علي بن إسحاق الملثَّم، وقام بعده أخوه يحيى بن إسحاق، فاستولى على بلاد إفريقية، واستفحل أمره، فهادن أبو يوسف الفرنج خمسة أعوام، وعاد إلى مراكش، وشرع في عمل الأحواض والروايا والآلات للبرية ليتوجه إلى إفريقية،
ودخل مدينة سلا متنزهًا، وكان قد بنى بقرب سلا مدينة على ترتيب الإسكندرية سماها رباط الفتح، ثم عاد إلى مراكش.
وبعد هذا فقد اختلفت الأقوال في أمره، فقيل: إنه ترك ما كان فيه، وتجرد وساح في الأرض حتى انتهى إلى بلاد المشرق مختفيًا، ومات خاملًا، حتى قيل: إنه مات ببعلبك، وهذا القول خرافة.
ومنهم من قال: رجع إلى مراكش وتوفي بها.
وقيل: مات بسلا.
وكان مولده في ربيع الأول سنة أربع وخمسين، وعاش إحدى وأربعين سنة.
وكان قد أمر برفض فروع الفقه، وأن لا يُفتي العلماء إلا بالكتاب والسنة، وأن يجتهدوا، يعني على طريقة أهل الظاهر.
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان: لقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا إلى البلاد وهم على تلك الطريقة، مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمرو، والشيخ محيي الدين ابن العربي.
وكان قد عظم ملكه، واتسعت دائرة سلطنته، وإليه تنسب الدنانير اليعقوبية.
قال ابن خلكان: وحكى لي جمع كثير بدمشق في سنة ثمانين وست مائة أن بالقرب من المجدل بالبقاع قرية يقال لها حمارة، إلى جانبها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب، وكل أهل تلك النوحي متفقون على ذلك، وبين القبر وبين المجدل نحو فرسخين.
قلت: الأصح موته بالمغرب.
توفي في غرة جمادى الأولى، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل في صفر كما تقدم.
وفيها:
في أولها ولد: فخر الدين علي ابن البخاري، وفي ذي القعدة علي بن محمود بن نبهان الربعي، وأحمد بن هبة الله بن أحمد الكهفي، ومحمد بن الحسين بن عتيق بن رشيق المالكي، والموفق محمد بن عمر ابن خطيب بيت الآبار.
وفيها تقريبًا أمين الدين القاسم بن أبي بكر الإربلي التاجر.
سنة ست وتسعين وخمسمائة
280 -
أحمد بن علي بن أبي بكر عتيق بن إسماعيل
. الإمام أبو جعفر القرطبي، الفنكي، الشافعي، المقرئ، نزيل دمشق وإمام الكلاسة.
ولد بقرطبة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وسمع بها من أبي الوليد يوسف بن عبد العزيز ابن الدباغ الحافظ، بقراءة أبيه، الموطأ، بسماعه من الخولاني.
وقرأ القراءات علي أبي بكر محمد بن جعفر بن صاف، ثم حج ودخل الموصل، فقرأ بها القراءات على يحيى بن سعدون القرطبي.
وسمع الكثير بدمشق من أبي القاسم ابن عساكر، ومن أبي نصر عبد الرحيم اليوسفي، ويحيى الثقفي، وطائفة.
ونسخ الكثير بخطه المغربي الحلو، وكان صالحًا، خيرًا، عابدًا، قانتا، وليًا لله، إمامًا في القراءات، مجودًا لمعرفتها.
روى عنه ولداه تاج الدين محمد، وإسماعيل، وابن خليل، والشهاب القوصي، وجماعة.
وأجاز لشيخنا ابن أبي الخير.
توفي في سابع عشر رمضان بدمشق.
وفنك: قرية أو قليعة من أعمال قرطبة.
أقرأ القراءات، وكان قيمًا بها، وكتب الكثير منها.
281 -
أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى
، أبو العباس الدارقزي، المعروف بابن البخيل.
سمع أبا المواهب بن ملوك، وأبا غالب ابن البناء، والقاضي أبا بكر، وغيرهم.
روى عنه النجيب عبد اللطيف.
وأجاز لابن أبي الخير، وأبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن البخاري، تنكس من داره فمات في تاسع ذي القعدة.
282 -
إبراهيم بن منصور بن المسلم
. الفقيه العلامة أبو إسحاق المصري، الخطيب المعروف بالعراقي.
ولد بمصر سنة عشر وخمسمائة، ورحل إلى بغداد، فتفقه بها، حتى برع في مذهب الشافعي، ولإقامته ببغداد سماه المصريون العراقي. وعاد إلى مصر، فولي خطابة جامعها العتيق والتصدر، وشرح كتاب المهذب لأبي إسحاق، وانتفع به الطلبة، وتفقه به جماعة من الفضلاء.
وقد تفقه ببغداد علي أبي بكر محمد بن الحسين الأرموي تلميذ الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. ثم تفقه على أبي الحسن محمد ابن الخل.
وتفقه بمصر على القاضي أبي المعالي مجلي بن جميع. وخرج له عدة تلامذة.
وهو جد شيخنا العلم العراقي لأمه. وكان على سداد وأمر جميل.
توفي في الحادي والعشرين من جمادى الأولى، وما أظنه روى شيئًا.
283 -
إسماعيل بن صالح بن ياسين بن عمران
. الرجل الصالح أبو الطاهر ابن المقرئ العالم أبي التقى الشارعي، الشفيقي، بفاء ثم قاف، نسبة إلى خدمة شفيق الملك، المصري البناء، الجبلي، نسبة إلى سكنى جبل مصر.
ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع بمصر من أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن الحطاب الرازي، بإفادة الزاهد المعروف بالرديني.
وكان آخر من حدث بمصر عن الرازي.
روى عنه الحافظ عبد الغني، والحافظ الضياء، والشهاب القوصي، والمجد عيسى ابن الموفق، وعبد الله ابن الشيخ أبي عمر، ومحمد ابن البهاء عبد الرحمن، والرضي عبد الرحمن بن محمد، وأبو سليمان عبد الرحمن ابن الحافظ عبد الغني، وخطيب مردا محمد بن إسماعيل، ويوسف بن خليل، والزين أحمد بن عبد الملك، ويونس بن خليل أخو يوسف، وأبو الحسن السخاوي، وأبو عمرو بن الحاجب، وإسماعيل بن ظفر، وأبو طالب محمد بن عبد الله بن صابر، والمعين أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي ثم المصري، وعبد الله بن عبد الواحد بن علاق، والرشيد يحيى بن علي العطار، وإسماعيل ابن عزون، وخلق آخرهم ابن علاق.
وتوفي في ثاني عشر ذي الحجة.
284 -
إسماعيل بن عبد الدائم
، أبو منصور الرحبي، ثم البغدادي المقرئ الخياط.
حدث عن أبي محمد سبط الخياط.
وتوفي في ربيع الأول.
285 -
أصبة المستنجدي
. الأمير.
ولي نيابة واسط مديدة.
286 -
جابر بن محمد بن نامي
، أبو أيوب الحضرمي الإشبيلي، النحوي.
سمع البخاري والموطأ من أبي الحسن شريح. وأخذ العربية عن أبي القاسم بن الرماك، وأبي الحسن بن مسلم. وعني بها وتحقق بمعرفتها، وجلس لإقرائها عن اتساع باع فيها، واطلاع على معانيها.
وكان يعرف كتاب سيبويه. أقرأ القراءات.
وعاش نيفًا وثمانين سنة، وتوفي سنة ست - وقيل: سنة سبع - وتسعين.
287 -
جعفر بن غريب
، أبو عبد الله العراقي.
حدث عن أبي الفتح الكروخي، وابن ناصر، وتوفي في المحرم.
288 -
الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الله
، أبو علي الفارسي، ثم البغدادي، الصوفي، الصالح. من صوفية رباط الزوزني.
كان صالحًا عابدًا، خيرًا. ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة.
وسمع هبة الله ابن الطبر، وأبا السعود أحمد بن المجلي، وأبا بكر الأنصاري، وجماعة.
روى عنه الدبيثي وأثنى عليه، وابن خليل، واليلداني، وآخرون.
وأما: الحسن بن مسلم الفارسي الزاهد فقد مات قبل هذا، وذكرناه.
توفي هذا في الثالث والعشرين من شعبان.
289 -
الحسن بن علي بن نصر بن عقيل
، أبو علي العبدي، الواسطي، ثم البغدادي، الأديب الشاعر، المنعوت بالهمام.
مدح طائفة بالشام والعراق، وأقام بدمشق. وكان شاعرًا محسنًا.
ذكره العماد في الخريدة وقال: مدح السلطان صلاح الدين.
قال ابن الدبيثي: وكان شيعيًا اكتسب بالشعر، ومدح الأكابر.
قلت: وروى عنه القوصي قصيدة، وقال: اتصل بخدمة الأمجد ببعلبك.
وقال المنذري: توفي في العشرين من شعبان.
290 -
الحسن بن علي بن أبي سالم المعمر بن عبد الملك
، أبو البدر الإسكافي، ثم البغدادي، نزيل القاهرة.
قرأ النحو على أبي محمد ابن الخشاب، وخدم في الجهات الديوانية بالعراق.
وكان أديبًا فاضلًا. روى شيئًا من شعره، وعاش نيفًا وستين سنة.
ويعرف بابن ناهوج.
291 -
الحسن بن أبي البركات محمد بن علي بن طوق
، أبو علي الموصلي، ثم البغدادي.
تفقه في صباه بالنظامية، وسمع من أبي الوقت.
توفي في شوال.
292 -
الحسن بن محمد بن أبي القاسم علي بن إبراهيم
، أبو منصور الشيرازي الأصل، البغدادي الصوفي.
روى عن أبي القاسم ابن البناء، وأبي الوقت. وكان كاتبًا ثم تصوف وخدم الفقراء.
توفي ليلة عرفة.
293 -
حماد بن مزيد بن خليفة
، أبو الفوارس.
قرأ القراءات على: علي بن عساكر البطائحي.
وأقرأ، وأم بالناس مدة.
توفي في شعبان.
294 -
حمزة بن سلمان بن جروان بن الحسين
، أبو يعلى الماكسيني الأصل، البغدادي الشعيري، البوراني، النجار.
حدث عن أبي بكر الأنصاري، وأبي البدر الكرخي.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وبالإجازة ابن أبي الخير، وغيره.
ومات في نصف ربيع الآخر.
295 -
خطلبا بن سوتكين
. الأمير.
ولي قلعة تكريت، ثم شحنكية البصرة.
وكان فيه دين وخير.
296 -
خليل بن أبي الرجاء بدر بن أبي الفتح ثابت بن روح بن محمد بن عبد الواحد
، أبو سعيد الأصبهاني، الراراني، الصوفي.
شيخ معمر عالي الرواية. ولد سنة خمسمائة.
وسمع أبا علي الحداد، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي.
روى عنه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني، ويوسف بن خليل، وابنه محمد بن خليل، وعبد العزيز بن علي الواعظ، وليلة البدر بنت محمد بن خليل الرازي، وآخرون.
وأجاز لابن أبي الخير، وغيره.
وتوفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر.
وكان من مريدي الشريف حمزة بن العباس العلوي. وكان شيخ الشيوخ بأصبهان في زمانه، أعني أبا سعيد، ولبس منه الخرقة خلق كثير.
وقيل: بل مولده سنة اثنتين وخمسمائة.
297 -
خوارزم شاه
. علاء الدين، السلطان تكش ابن الملك رسلان شاه بن آتسز.
كذا نسبة الإمام أبو شامة، وقال: هو من ولد طاهر بن الحسين.
قال: وكان شجاعًا جوادًا، ملك الدنيا من السند والهند وما وراء النهر، إلى خراسان، إلى بغداد، فإنه كان نوابه في حلوان. وكان في ديوانه مائة ألف مقاتل. وهو الذي كسر مملوكه عسكر الخليفة وأزال دولة بني سلجوق.
وكان حاذقًا بعلم الموسيقى. لم يكن في زمانه أحد ألعب منه بالعود.
قيل: إن الباطنية جهزوا عليه من يقتله، وكان يحترس كثيرًا، فجلس ليلة يلعب بالعود، فاتفق أنه غنى بيتًا بالعجمي معناه: قد أبصرتك، وفهمه الباطني، فخاف وارتعد فهرب، فأخذوه وحمل إليه، فقرره فاعترف فقتله.
وكان يباشر الحروب بنفسه، وذهبت عينه في القتال. وكان قد عزم على قصد بغداد، وحشد فوصل إلى دهستان فتوفي بها في رمضان، وحمل إلى خوارزم، ودفن عند أهله، وقام بعده ولده خوارزم شاه محمد، ولقب علاء الدين بلقبه.
وأنبأني ابن البزوري قال: السلطان خوارزم شاه تكش ملك مشهور، عنده آداب وفضائل، ومعرفة بمذهب أبي حنيفة، وبنى مدرسة بخوارزم للحنفية. وله المقامات المشهورة في رضى الديوان، منها محاربة السلطان طغريل وقتله.
وقع بينه وبين الوزير مؤيد الدين محمد ابن القصاب خلف، وكان قد نفذ له تشريف من الديوان فرده، ثم ثاب إليه عقله وندم واعتذر، وطلب تشريفًا، فنفذ له فلبسه، ولم يزل نافذ الأمر ماضي الحكم.
توفي في العشرين من رمضان بشهرستانة، وحمله ولده قطب الدين محمد، فدفنه بمدرسته بخوارزم.
وذكر المنذري وفاته في سابع عشر رمضان.
وقال ابن الأثير: حصل له خوانيق، فأشير عليه بترك الحركة، فامتنع وسار، فاشتد مرضه ومات. وولي بعده ولده قطب الدين محمد، ولقب بلقب والده علاء الدين.
298 -
داود بن سليمان بن أحمد ابن نظام الملك
، أبو علي الطوسي الأصل، الأصبهاني.
ولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
وسمع: جعفر بن عبد الواحد، وفاطمة الجوزدانية، وخجستة بنت علي بن أبي ذر الصالحانية، وسعيد بن أبي الرجاء، والحسين بن عبد الملك.
وقدم بغداد مرارًا.
وسمع من أبي منصور الرزاز الفقيه.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وابن خليل، وجماعة.
وأجاز لابن أبي الخير.
وتوفي بأصبهان، وكان بهيًا، متواضعًا، جليلًا.
مات في نصف شوال.
299 -
سعيد بن عبد المنعم بن كليب
.
سمع من ابن ناصر. ولم يرو.
300 -
سعيد بن المبارك بن أحمد بن صدقة
، أبو البدر الحمامي.
روى عن ابن ناصر، وأبي الوقت.
والحمامي بالتشديد والتخفيف، قاله المنذري.
301 -
سنقر الطويل الناصري
. فلك الدين.
كان ذا قرب من الإمام الناصر.
ألحقه بالزعماء وجعله من كبار الأمراء، وأقطعه تكريت ودقوقا.
توفي في ربيع الأول.
302 -
شاكر بن فضائل بن مسلم
، أبو حامد بن طليب الحربي.
روى عن سعيد ابن البناء.
وعنه ابن خليل.
ورخه المنذري بلا شهر.
303 -
صدقة بن نصر بن زهير بن مقلد
، أبو الحسن الحراني الأصل، البغدادي.
سمع من أبي نصر الحسن بن محمد اليونارتي.
ذكره الدبيثي وقال: ما أعلمه حدث.
وتوفي في جمادى الأولى.
304 -
طاهر بن نصر الله بن جهبل
. الشيخ مجد الدين الكلابي، الحلبي، الفقيه الشافعي، الفرضي.
مدرس مدرسة القدس.
توفي بالقدس، وكان فقيهًا إمامًا فاضلًا، عاش أكثر من ستين سنة.
روى عنه الشهاب القوصي شعرا، وقال: عاش أربعا وستين سنة.
وهو والد الفقهاء الذين كانوا بدمشق: بهاء الدين نصر الله، وتاج الدين إسماعيل، وقطب الدين.
305 -
عبد الله بن محمد بن سليمان
، أبو محمد ابن السكاك الفاسي، المالكي.
حج وسمع من السلفي.
ودخل الأندلس فأخذ عن أبي القاسم بن ورد.
حدث عنه يعيش ابن القديم، وأبو الحسن القطان.
وعاش بضعًا وتسعين سنة. وكان معمرًا معدلًا.
306 -
عبد الله ابن المستنجد بالله ابن المقتفي
. الأمير أبو القاسم.
توفي في هذه السنة.
307 -
عبد الله بن ملد بن المبارك بن الحسين ابن النشال
، أبو طالب العباسي، نقيب النقباء بالعراق.
عزل من نقابته، وأحدر إلى واسط، فحبس بها إلى أن توفي في شوال.
308 -
عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن بن سعد الله بن قنان
. البغدادي الكاتب.
سمع أباه، وشهدة.
وتوفي شابًا في ذي الحجة.
309 -
عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن المفرج بن أحمد
. القاضي الفاضل أبو علي، ابن القاضي الأشرف أبي الحسن، اللخمي البيساني، العسقلاني المولد، المصري الدار، الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء في الدولة الصلاحية وبعدها.
ولد في منتصف جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ولقبه محيي الدين. وفي نسبته إلى بيسان تجوز، فإنه ليس منها، وإنما ولي أبوه قضاءها، فلهذا نُسب إليها.
انتهت إلى القاضي الفاضل براعة الإنشاء، وبلاغة الترسل، وله في ذلك معان مبتكرة لم يسبق إليها مع كثرتها.
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان: نقل عنه أنه قال: إن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق، إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد. وله نظم كثير.
واشتغل بصناعة الإنشاء على الموفق يوسف ابن الخلال شيخ الإنشء للمتأخرين من خلفاء بني عبيد.
ثم إنه خدم بثغر الإسكندرية في شبيبته، وأقام بها مدة.
قال عمارة اليمني: ومن محاسن العادل ابن الصالح بن رزيك: خروج أمره إلى والي الإسكندرية بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب، واستخدامه في ديوان الجيش، فإنه غرس منه للدولة، بل للملة، شجرة مباركة متزايدة النماء، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وقال العماد الكاتب: وتمت الرزية الكبرى وفجيعة أهل الدين والدنيا بانتقال القاضي الفاضل من دار الفناء إلى دار البقاء، في داره بالقاهرة، في سادس ربيع الآخر. وكان ليلتئذ صلى العشاء، وجلس مع مدرس مدرسته، وتحدث معه ما شاء، وطالت المسامرة، وانفصل إلى منزله صحيح البدن، وقال لغلامه: رتب حوائج الحمام، وعرفني حتى أقضي منى المنام. فوافاه سحرًا للإعلام، فما اكترث بصوت الغلام، ولم يدر أن كلم الحمام حمى من الكلام، وأن وثوقه بطهارته من الكوثر أغناه عن الحمام، فبادر إليه ولده فألفاه وهو ساكت باهت، فلبث يومه لا يُسمع له إلا أنين خفي، ثم قضى سعيدًا ولم يبق في مدة حياته عملًا صالحًا إلا وقدمه، ولا عهدًا في الجنة إلا أحكمه، ولا عقدًا في البر إلا أبرمه، فإن صنائعه في الرقاب، وأوقافه على سبل الخيرات متجاوزة الحساب، ولا سيما أوقافه لفكاك أسرى المسلمين إلى يوم الحساب، وأعان الطلبة الشافعية والمالكية عند داره بالمدرسة، والأيتام بالكتاب.
وكان للحقوق قاضيًا، وفي الحقائق ماضيًا. سلطانه مطاع، والسلطان له مطيع، ما افتتح الأقاليم إلا بأقاليد آرائه، ومقاليد غناه وغنائه، وكنتُ من حسناته محسوبًا، وإلى مناسب آلائه منسوبًا، أعرف صناعته، ويعرف صناعتي، وأعارضُ بضاعته الثمينة بمزجاة بضاعتي. وكانت كتابته كتائب النصر، وبراعته رائعة الدهر، ويراعته بارئة للبرّ، وعبارته نافثة في عُقَد السِّحْر، وبلاغته للدولة مجملة، وللمملكة مكمّلة، وللعصر الصلاحي على سائر الأعصار مفضلة، وهو الذي نسخ أساليب القدماء بما أقدمه من الأساليب، وأعربه من الإبداع، وأبدعه من الغريب. وما ألفيته كرر دعاء في مكاتبة، ولا ردد لفظًا في مخاطبة. بل تأتي فصوله مبتكرة مبتدعة مبتدهة، لا مفتكرة بالعرف والعرفان، معرفة لا نكرة.
وكان الكرام في ظله يقيلون، ومن عثرات النوائب بفضله يستقيلون،
وبعز حمايته يعزون. فإلى من بعده الوفادة؟ وممن الإفادة؟ وفي من السيادة؟ ولمن السعادة؟
وقال ابن خلكان في ترجمته: وزر للسلطان صلاح الدين.
ومن شعره عند وصوله إلى الفرات يتشوق إلى النيل:
بالله قل للنيل عنيَ: إنني لم أشف من ماء الفرات غليلَا وسل الفؤاد فإنه لي شاهد إن كان جفني بالدموع بخيلًا يا قلبُ كم خلفتَ ثم بثينة وأعيذ صبرك أن يكون جميلًا
وكان الملك العزيز ابن صلاح الدين يميل إلى القاضي الفاضل في أيام أبيه، واتفق أنه أحب قينة وشغف بها، وبلغ صلاح الدين، فمنعه من صحبتها، ومنعها منه، فحزن ولم يستجر أن يجتمع بعد هذا بها، فسيرت له مع خادم كرة عنبر، فكسرها فوجد فيها زر ذهب، فلم يفهم المراد به، وجاء القاضي الفاضلَ فعرفه الصورة، فعمل القاضي في ذلك:
أهدت لك العنبر في وسطه زر من التبر دقيق اللحام فالزر في العنبر معناهما زر هكذا مستترًا في الظلام
وله:
بتنا على حال يسر الهوى وربما لا يمكن الشرحُ بوابنا الليل، وقلنا له: إن غبت عنا دخل الصبحُ
وله:
وسيف عتيق للعلاء فإن تقل: رأيتُ أبا بكر، فقل: وعتيق فزر بابه، فهْو الطريق إلى الندى ودع كل باب ما إليه طريقُ
ولهبة الملك ابن سناء الملك فيه - وقد ولي الوزارة - من قصيدة:
قال الزمان لغيره إذ رامها: تربت يمينك لست من أربابها اذهب طريقك لست من أربابها وارجع وراءك لست من أترابها وبعز سيدنا وسيد غيرنا ذلت من الأيام شمس صعابها وأتت سعادته إلى أبوابه لا كالذي يسعى إلى أبوابها فلتفخر الدنيا بسائس ملكها منه ودارس علمها وكتابها صوامها قوامها علامها عمالها بذالها وهابها
وبلغنا أنه كتبه التي ملكها بلغت مائة ألف مجلد، وكان يحصلها من سائر البلاد.
وذكر القاضي ضياء الدين القاسم بن يحيى الشهرزوري أن القاضي الفاضل لما سمع أن العادل أخذ الديار المصرية دعا على نفسه بالموت خشية أن يستدعيه وزيره صفي الدين ابن شكر، أو يجري في حقه إهانة، فأصبح ميتًا. وكان له معاملة حسنة مع الله وتهجد بالليل.
وقال العماد في الخريدة: وقبل شروعي في أعيان مصر، أقدم ذكر من جميعُ أفاضل العصر كالقطرة في بحره، المولى القاضي الأجل، الفاضل الأسعد، أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف أبي المجد علي ابن البيساني، صاحب القرآن، العديم الأقران، واحد الزمان
إلى أن قال: فهو كالشريعة المحمدية نسخت الشرائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، وهو ضابط الملك بآرائه، ورابط السلك بآلائه. إن شاء أنشأ في يوم ما لو دون، لكان لأهل الصناعة خير بضاعة. أين قس من فصاحته، وقيس من حصافته؟ ومن حاتم وعمرو في سماحته وحماسته؟ لا منَّ في فعله، ولا مين في قوله، ذو الوفاء والمروءة، والصفاء والفتوة، والتقى والصلاح، والندى والسماح. وهو من أولياء الله الذين خصوا بكرامته، وأخلصوا لولايته. وهو مع ما يتولاه من أشغال المملكة، لا يفتر عن المواظبة على نوافل صلواته، ونوافل صلاته. يختم كل يوم القرآن المجيد، ويضيف إليه ما شاء الله من المزيد، وأنا أوثر أن أفرد لنظمه ونثره كتابًا، فإنني أغار من ذكره مع الذين هم كالسها في فلك شمسه وذكائه، وكالثرى عند ثريا علمه وذكائه، فإنما تبدو النجوم إذا لم تبرز الشمس
حاجبها. وإنه لا يؤثر أيضًا إثبات ذلك، فأنا ممتثل لأمره المطاع، ملتزم له قانون الاتباع، لا أعرف يدًا ملكتني غير يده، ولا أتصدى إلا لما جعلني بصدده.
قلت: وكان رحمه الله أحدب. فحدثني شيخنا جمال الدين الفاضلي أن القاضي الفاضل ذهب في الرسلية إلى صاحب الموصل، فحضر، وأحضرت فواكه، فقال بعض الكبار منكتًا على الفاضل: خياركم أحدب. فقال الفاضل: خسنا خيرٌ من خياركم.
وحدثني الفاضلي في آخر سنة إحدى وتسعين أن القاضي والعماد الكاتب كانا في الموكب، فقال القاضي الفاضل:
أما الغبار فإنه مما أثارته السنابك
وقال للعماد: أجز. فقال:
فالجو منه مغبرٌ لكن تباشير السنابك يا دهر لي عبد الرحيـ ـم فلا أبالي مس نابك
قلت: وقد سمع أبا طاهر السلفي، وأبا محمد العثماني، وأبا الطاهر بن عوف، وأبا القاسم ابن عساكر الحافظ، وعثمان بن سعيد بن فرج العبدري.
قال المنذري: وزر للسلطان صلاح الدين، وركن إليه ركونًا تامًا، وتقدم عنده كثيرًا. وكان كثير البر والمعروف والصدقة. وله آثار جميلة ظاهرة، مع ما كان عليه من الإغضاء والاحتمال.
توفي في ليلة سابع ربيع الآخر.
وقال الموفق عبد اللطيف: ذِكْر خبر القاضي الفاضل
كانوا ثلاثة إخوة:
واحد منهم خدم في الإسكندرية وبها مات، وخلف من الخواتيم صناديق. ومن الحصر والقدور والخزف بيوتًا مملوءة. وكان متى رأى خاتمًا أو سمع به تسبب في تحصيله.
وأما الآخر فكان له هوس مفرط في تحصيل الكتب، كان عنده زهاء مائتي ألف كتاب، من كل كتاب نسخ.
والثالث القاضي الفاضل، وكان له غرام بالكتابة، وبتحصيل الكتب أيضًا، وكان له الدين والعفاف والتقى، مواظب على أوراد الليل، والصيام والتلاوة. ولما ملك أسد الدين
احتاج إلى كاتب، فأحضره، فأعجبه نفاذه وسمته ونصحه، فلما ملك صلاح الدين استخلصه لنفسه، وحسن اعتقاده فيه.
وكان قليل اللذات، كثير الحسنات، دائم التهجد، يشتغل بالأدب والتفسير.
وكان قليل النحو، لكن له دربة قوية توجب له قلة اللحن، وكتب من الإنشاء ما لم يكتبه أحد. أعرفُ عند ابن سناء الملك من إنشائه اثنين وعشرين مجلدًا. وعند ابن القطان - أحد كتابه - عشرين مجلدًا. وكان متقللًا في مطعمه ومنكحه، وملبسه. لباسه البياض، لا يبلغ جميع ما عليه دينارين.
ويركب معه غلام وركابي. ولا يمكن أحدًا أن يصحبه. ويكثر تشييع الجنائز، وعيادة المرضى، وزيارة القبور. وله معروف معروف في السر والعلانية.
وكان ضعيف البنية، رقيق الصورة، له حدبة يغطيها الطيلسان.
وكان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه، ولا يضر أحدًا به.
ولأصحاب الفضائل عنده نَفاق، يحسن إليهم ولا يمن عليهم. ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان إليهم، وبالإعراض عنهم.
وكان دخله ومعلومه في السنة نحو خمسين ألف دينار، سوى متاجر الهند والمغرب، وغيرهما.
مات مسكوتًا، أحوج ما كان إلى الموت عند تولي الإقبال، وإقبال الإدبار، وهذا يدل على أن لله به عناية.
310 -
عبد السلام بن محمود بن أحمد
.
ظهير الدين أبو المعالي الفارسي، الفقيه، الأصولي، المتكلم.
سمع من أبي الوقت السجزي.
وبالثغر من أبي طاهر السلفي.
وروى بدمشق.
وتوفي بحلب في سابع عشر شعبان.
وكان من كبار المتكلمين والخلافيين. درس واشتغل، وصنف التصانيف. ولم يشتهر من تصانيفه إلا القليل.
وقد أجاز الحافظ المنذري، وهو ترجمه.
311 -
عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد بن سليمان
. الوجيه أبو محمد اللخمي، الأندلسي، الشريشي الأصل، الإسكندراني المولد والدار، العدل المحدث، أحد طلبة السلفي.
ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وقرأ الكثير على السلفي.
وحدث بمصر والقدس.
روى عنه ولده أبو القاسم عيسى، وعثمان بن محمد بن أبي عصرون.
وبالإجازة: الشهاب القوصي، وغيره.
وتوفي في المحرم.
312 -
عبد الكريم بن المبارك بن محمد بن عبد الكريم
. الفقيه أبو الفضل البلدي، البغدادي، الحنفي، المعروف بابن الصيرفي.
ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة.
وتفقه على الإمام مسعود بن الحسين اليزدي.
وسمع من أبي سعد أحمد بن محمد الزوزني، وأبي البدر الكرخي، وأبي الفضل الأرموي.
ودرس، وناب في القضاء. وكان يسكن بقراح أبي الشحم، ودرس بالمغيثية.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل، وغيرهما.
وتوفي في جمادى الآخرة.
وهو من بلد التي بقرب الموصل.
313 -
عبد اللطيف بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن دوست دادا
، شيخ الشيوخ أبو الحسن ابن شيخ الشيوخ أبي البركات بن أبي سعد النيسابوري الأصل، البغدادي، الصوفي، أخو شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم.
كان بليدًا، قليل الفهم، عديم التحصيل.
ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة.
وسمع من أبي بكر الأنصاري، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وأبي منصور علي بن علي الأمين، وأبي الحسن بن عبد السلام، وأبي الفتح الكروخي، وغيرهم.
قال ابن النجار: ولي رباط جده بعد أخيه، ولقب صدر الدين. ثم إنه حج وركب البحر إلى مصر، وزار بيت المقدس.
وتوفي بدمشق في رابع عشر ذي الحجة.
قلت: روى عنه ابن النجار، وابن خليل، واليلداني، وعثمان ابن خطيب القرافة، وفرج الحبشي، وعبد الله بن أحمد بن طعان، وأخوه عبد الرحمن،
والقاضي صدر الدين أحمد ابن سني الدولة، وتقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر، وابن عبد الدائم، والكمال عبد العزيز بن عبد، وخلق.
وبالإجازة: ابن أبي الخير.
قال الدبيثي: كان بليدًا لا يفهم. حدثني بعض الطلبة أنه أتاه بجزء ليقرأه عليه، فصادفه في شغل فوقف، فلما طال عليه الوقوف قال له عبد اللطيف: امض إلى ضياء الدين عبد الوهاب ابن سكينة ليسمعك إياه عني، فإني مشغول.
ونقلت من خط الحافظ الضياء ما صورته: وشيخ الشيوخ عبد اللطيف ابن شيخ الشيوخ أبي البركات توفي بدمشق في رباط خاتون في ذي الحجة، وصلى عليه شيخنا القاسم الحافظ.
314 -
عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد بن صدقة بن الخضر بن كليب
. مسند العراق أبو الفرج بن أبي الفتح الحراني الأصل، البغدادي، الحنبلي، التاجر، الآجري، لسكناه درب الآجر.
ولد في صفر سنة خمسمائة، وبكر به أبوه بالسماع، لكنه لم يكثر، فسمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وأبا منصور محمد بن أحمد بن طاهر الخازن، وأبا بكر بن بدران الحلواني، وأبا عثمان إسماعيل بن ملة، وأبا طالب الحسين بن محمد الزينبي، وصاعد بن سيار الدهان، والمبارك بن الحسين الغسال.
وانفرد بالرواية عنهم. وأجاز له: أبو الغنائم النرسي، وابن بيان، وابن نبهان، وأبو الخطاب محفوظ الكلوذاني الفقيه، وأبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد اليوسفي، وأبو العز محمد ابن المختار، وأبو علي ابن المهدي، ومحمد بن عبد الباقي الدوري، وحمزة بن أحمد الروذراوري، وأبو البركات عبد الكريم بن هبة الله النحوي.
وله مشيخة معروفة. وكان صحيح السماع والذهن والحواس إلى أن مات. صبورًا على المحدثين، محبًا للرواية.
دخل مصر مع والده، وسكن ثغر دمياط مدة، وحج سبع حجج، وحج ثامنة، ففاتته وتعوق بالبحر.
روى عنه خلق من الحفاظ، وسمع صحيح البخاري من أبي طالب الزينبي.
فممن روى عنه: الدبيثي، وابن النجار، وابن خليل، ومحمد ابن النفيس الرزاز، وعمر بن بدر الموصلي، وأبو موسى عبد الله ابن الحافظ، ومحمد بن عبد الكريم الكاتب، واليلداني، وأحمد بن سلامة الحراني، ومحيي الدين يوسف ابن الجوزي، وشرف الدين شيخ الشيوخ الحموي، ويوسف ابن شروان، وداود بن شجاع البواب، وأحمد بن عبد الواسع بن أميركاه، ومحمد بن هبة الله ابن الدوامي، وعبد العزيز بن محفوظ البناء، والواعظ شمس الدين يوسف ابن قزعلي البغداديون، ومبارك الحبشي بمصر، والزين ابن عبد الدائم، والنجيب عبد اللطيف وهو آخر من روى عنه بالسماع.
وبالإجازة: الحافظ الضياء، وابن أبي اليسر، والقطب أحمد بن عبد السلام بن أبي عصرون، وسعد الدين الخضر بن عبد السلام بن حمويه، وأبو العباس أحمد بن أبي الخير، ومحمد بن يعقوب بن أبي الدينة، والعز عبد العزيز ابن الصيقل وهو آخر من روى عنه بالإجازة في الدنيا.
قال الحافظ زكي الدين المنذري: سمعت قاضي القضاة أبا محمد الكتاني يقول: سمعته يقول - يعني ابن كليب -: تسريت مائة وثماني وأربعين جارية. وكان يخاصم أولاده في ذلك السن فيقول: اشتروا لي جارية، اشتروا لي جارية.
توفي ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول.
وقال ابن النجار: ألحق الصغار بالكبار، ومتع بصحته وذهنه، وحسن صورته، وحمرة وجهه. وكان لا يمل من السماع.
نسخ جزء ابن عرفة وله سبع وتسعون سنة بخط مليح غير مرتعش، ورواه من لفظه.
وكان من أعيان التجار، ذا ثروة واسعة. ثم تضعضع حاله وافتقر، واحتاج إلى الأخذ على الرواية. وبقي لا يحدث بجزء ابن عرفة إلا بدينار.
وكان صدوقًا، قرأت عليه كثيرًا.
315 -
عبد الوهاب بن أبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف
. الفقيه أبو محمد الزهري، الإسكندراني، نبيه الدين المالكي.
تفقه على والده، ودرس من بعده بالإسكندرية، وعاش خمسًا وستين سنة.
وتوفي في ذي القعدة.
316 -
عبيد الله بن محمد بن عبد الجليل بن محمد
. القاضي أبو محمد ابن الشيخ أبي الفتح الساوي، ثم البغدادي، الفقيه الحنفي. أحد العدول والأكابر.
ناب في الحكم بدار الخلافة، ثم بمدينة السلام بغداد. وكان محمود السيرة.
ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة في أولها.
وسمع من ابن الحصين، وابن الطبر، وأبي الحسين ابن الفراء، وجماعة.
وكان آخر من بقي من بيت الساوي، ولم يعقب.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والبغاددة.
وتوفي في تاسع المحرم.
317 -
عثمان بن الحسين بن محمد بن الحكيم
، أبو عمرو الحريمي، المارستاني.
حدث عن هبة الله بن الحصين.
وعنه ابن خليل، والدبيثي، وقبلهما أحمد بن طارق، وجماعة، وأجاز لابن أبي الخير.
وتوفي في ذي القعدة عن ثمانين سنة، وكان يخدم المرضى.
318 -
عسكر بن خليفة بن حفاظ الفقيه أبو الجيوش الحموي
، الحنفي.
حدث عن أبي الفتح نصر الله المصيصي، وهبة الله بن طاوس.
ويعرف بابن العقادة.
وكان من كبار الحنفية بدمشق.
أجاز لشيخنا ابن أبي الخير.
وتوفي في جمادى الأولى.
وروى عنه الشهاب القوصي فقال: شيخ الإسلام بدر الدين، أبو الجيوش، كان مبرزًا في جميع الفنون. قرأتُ عليه بمدرسة القصاعين.
319 -
علي بن الحسن بن علي بن محمد بن عبد السلام بن المبارك بن راشد
. المنتجب أبو الحسن التميمي، الدرامي، المكي.
سمع من أبي الفتح الكروخي، ومحمود بن عبد الكريم فورجة، وأحمد ابن المقرب.
روى عنه الحافظ ابن المفضل، وغيره.
وله شعر جيد. ووفد على الملكين نور الدين، وصلاح الدين.
320 -
علي بن المبارك بن أبي العز محمد بن جابر
، أبو الحسن البغدادي.
من كبار العدول.
سمع المسند كله من ابن الحصين.
وسمع من أبي نصر اليونارتي.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل، واليلداني، وجماعة.
وأجاز لابن أبي الخير.
وتوفي في جمادى الآخرة.
321 -
عمر بن محمد بن عمر
. الإمام أبو محمد الأنصاري، العاقلي، الحنفي، البخاري.
توفي ببخارى في ربيع الأول.
وقد حدث بمكة، وبغداد عن أبي بكر عمر بن محمد العوفي.
روى عنه الحافظ ابن المفضل.
وكان موصوفًا بمعرفة المذهب والزهد والصلاح، درس وأشغل وصنف.
وقد ذكره أبو العلاء الفرضي، فقال فيه: العقيلي بدل العاقلي، وقال: روى عن حسام الدين عمر ابن برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازة، والحافظ عمر بن محمد بن أحمد النسفي، وفخر الأئمة أبي بكر محمد بن
علي بن سعيد المطهري، ومحمد بن الفضل الفراوي، وفخر الإسلام أبو نصر أحمد بن الحسن.
روى عنه سبطه العلامة شمس الدين أحمد بن محمد بن أحمد الأنصاري، والعلامة أبو الوحدة محمد بن عبد الستار العمادي، والقاضي محمد بن محمد العمري.
مات في خامس جمادى الأولى.
322 -
عوض بن سلامة الأزجي القطيعي
، الغراد، الصالح.
شيخ معروف خير، له رباط ببغداد.
توفي في ذي الحجة.
323 -
قيصر العوني الأمير
، مملوك الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة.
كان بديع الجمال، تضرب بحسنه الأمثال. وكان الوزير يركبه في صدر موكبه بالقباء والعمامة السوداوين، وإلى جانبه خادمين.
324 -
كامل بن الفتح بن ثابت الضرير
، البادرائي، الأديب، ظهير الدين.
له شعر وترسل. كتب الطلبة عنه لأجل الكفاف من شعره. وما أحسن قوله:
وفي الأوانس من بغداد آنسة لها من القلب ما تهوى وتختار ساومتها نفثة من ريقها بدمي وليس إلا خفي الطرف سمسارُ عند العذول اعتراضات ولائمة وعند قلبي جوابات وأعذار
325 -
محمد بن إبراهيم بن رفاعة
. المفتي كمال الدين القرشي، المصري، قاضي قوص.
روى عنه الشهاب القوصي شعرًا، وورخ وفاته في هذه السنة.
326 -
محمد ابن الشريف أبي القاسم عبد الله بن عمر بن محمد بن الحسين
. الشريف أبو الحياة نظام الدين البلخي، الواعظ، المعروف بابن الظريف.
ولد ببلخ في سنة ست وعشرين وخمسمائة.
وسمع من أبي شجاع عمر البسطامي، وأبي سعد ابن السمعاني.
وسمع بالثغر من السلفي، وبدمشق، وجال في الآفاق.
روى عنه أبو الحسن بن المفضل.
ووعظ كثيرًا، وصنف في الوعظ.
وكان طيب الصوت، مطربًا، فصيحًا، شيعيًا.
توفي في تاسع عشر صفر.
وقد ذكره ابن النجار: فطول ترجمته، وقال: سمع بدمشق من حمزة بن كروس، وبمصر من ابن رفاعة، وابن الحطيئة.
وأقام عند السلفي زمانًا، وأملى أمالي.
روى عنه شيخه السلفي، وكان يعظمه ويبجله ويعجب بكلامه.
ثم قدم بغداد فسكنها.
وكان يعظ بالنظامية. وحضرتُ مجلسه مرارًا. وكان مليح الوجه مبركًا، واسع الجبهة، منورًا، بهيًا، ظريف الشكل، عالمًا أديبًا، له لسان مليح في الوعظ، حسن الإيراد، حلو الاستشهاد، رشيق المعاني، وله قبول تام، وسوق نافقة، ثم فترت، ولزم داره. وكان يرمى بأشياء، منها الخمر، وشراء الجواري المغنيات، وسماع الملاهي المحرمة، وأخرج من بغداد مرارًا لذلك.
وكان يظهر الرفض.
وأنشدني أحمد بن عمر المؤدب أن الواعظ البلخي أنشد لنفسه دوبيت:
دع عنك حديث من يمنيك غدا واقطع زمن الحياة عيشًا رغدًا لا ترجُ هوى ولا تعجل كمدا يومًا قضيته لا تراهُ أبدًا
وسمعت أخي علي بن محمود يقول: كان البلخي الواعظ كثيرًا ما يرمز في أثناء مجالسه سبَّ الصحابةِ. سمعته يقول: بكت فاطمة عليها السلام،
فقال لها علي: كم تبكين علي؟ أأخذتُ منك فدك؟ أأغضبتك؟ أفعلت، أفعلتُ؟ فضجت الرافضة وصفّقوا بأيديهم، وقالوا: أحسنت أحسنت.
327 -
محمد بن عبد المنعم بن أبي البركات محمد بن طاهر بن سعيد ابن القدوة
أبي سعيد فضل الله ابن أبي الخير، أبو البركات الميهني الصوفي.
توفي ببغداد في ذي الحجة. وكان رجلًا صالحًا.
سمع من أبيه، وشهدة، والمبارك بن علي بن خضير.
وكان شيخ رباط البسطامي.
عاش أربعًا وخمسين سنة. وكان سمحًا جوادًا، ذا فتوة، كان يؤثر بمداسه ويمشي حافيًا. لقبه: ركن الدين.
328 -
محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم
، أبو القاسم الهمداني، الأندلسي، من أهل مدينة وادي آش، ويعرف بابن البراق.
سمع من أبي العباس الجزولي، وأبي بكر يحيى بن محمد، وأبي الحسن ابن النعمة.
وأجاز له أبو بكر ابن العربي، وشريح بن محمد، وأبو الحسن بن مغيث، وآخرون.
ذكره الأبار فقال: كان محدثًا ضابطًا، أديبًا، ماهرًا، شاعرًا مجيدًا، متفننًا، وشعره مدَّون.
حدَّث عنه أبو العباس النباتي، وأبو الكرم جودي.
وعاش سبعًا وستين سنة.
329 -
محمد بن عمر أبو عبد الله المالقي الكاتب
، نزيل فاس.
قال الأبار: كان حافظًا للغات، والآداب، والتواريخ، بصيرًا بالحديث.
وكان يكتب للأمراء.
330 -
محمد بن محمد بن أبي الطاهر محمد بن بُنَان
. القاضي الأثير ذو الرياستين، ابن القاضي الأجل ذي الرياستين أبي الفضل ابن القاضي ذي الرياستين، الأنباري، المصري، أبو الفضل الكاتب.
ولد بالقاهرة سنة سبع وخمسمائة، وسمع من أبي صادق مرشد المديني، وأبي البركات محمد بن حمزة العرقي، ووالده أبي الفضل، والقاضي أبي الحسن محمد بن هبة الله بن الحسن بن عرس.
وقرأ القرآن على: أبي العبّاس بن الحطيئة.
وكان رئيسًا، عالمًا نبيلًا. ذكره الدُّبيثي فقال: قدِم بغداد رسولًا من سيف الإسلام طُغتكين أمير اليمن، ونزل بباب الأزج. وحدث بالسيرة لابن هشام عن والده، وحدث بصحاح الجوهري. وسمعهما منه جماعة كثيرة، وكنت أنا مسافرًا، وذلك في سنة اثنتين وثمانين.
روى الصحاح عن أبي البركات العرقي. وكتب الناس عنه من شعره.
وقال المنذري: سمع منه جماعة من شيوخنا ورفقائنا، ولم يتفق لي السماع منه.
وقد كتب الكثير بخطه. وخطه في غاية الجودة.
وتولى ديوان النظر في الدولة المصرية، وتقلب في الخدم في الأيام الصلاحية بتنيس، والإسكندرية.
قلت: وكان أبوه يروي السيرة عن الحبال.
روى عنه الحافظ أبو الحسين العطار، والسيد أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحسيني الحلبي.
توفي في ثالث ربيع الآخر، وله تسعٌ وثمانون سنة.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان رفيعًا، طوالًا، أسمر، عنده أدب وترسل، وخط حسن، وشعرٌ لا بأس به. وكان صاحب ديوان مصر في زمن المصريين، والفاضل ممن يغشى بابه ويمتدحه، ويفتخر بالوصول إليه. فلما جاءت الدولة الصلاحية قال القاضي الفاضل: هذا رجل كبير القدر يصلح أن يجرى عليه ما يكفيه ويجلس في بيته. ففعل ذلك.
ثم إنه توجه إلى اليمن، ووزر لسيف الإسلام، وأرسله إلى الدّيوان العزيز، فعظُم ببغداد وبُجِّل.
ولما صرتُ إلى مصر وجدتُ ابن بُنان في ضَنَكٍ من العيش، وعليه دَيْن ثقيل، وأدّى أمره إلى أن حبسه الحاكم بالجامع الأزهر. وكان يتنقص بالقاضي الفاضل،
ويراه بالعين الأولى، والفاضل يُقصّر في حقّه، فيقصّر الناسُ مراعاةً للفاضل.
وكان بعض من له عليه دَيْن أعجميًّا جاهلًا، فصعد إليه إلى سطح الجامع، وسفَّه عليه، وقبض على لحيته، وضربه، ففر وألقى بنفسه من سطح الجامع فتهشم، فحُمل إلى داره، وبقي أيامًا ومات. فسيَّر القاضي الفاضل بجهازه خمسة عشر دينارًا مع ولده. ثم إن القاضي مات فجاءة بعد ثلاثة أيام.
331 -
محمد بن المحسن بن هبة الله بن محمد
، أبو الحسن الوكيل بأبواب القُضاة.
سمع من أبي جعفر أحمد بن محمد العباسي، وغيره.
توفي في ذي الحجة.
332 -
محمد بن محمود بن محمد
. الشهاب الطوسي أبو الفتح، الفقيه الشافعي، نزيل مصر.
إمامٌ، مُفتٍ، علامة مشهور. وُلِد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
وحدث عن أبي الوقت، وغيره.
ووعظ ببغداد، وصاهر قاضي القضاة أبا البركات ابن الثقفي. وقدم مصر فسكنها، قدمها من مكة سنة تسعٍ وسبعين. ونزل بخانقاه سعيد السعداء، وتردّد إليه بها الفقهاء.
ثم ولي التدريس بمدرسة منازل العِزّ، وانتفع به جماعة كبيرة.
وكان جامعًا للفنون، معظمًا للعلم وأهله. غير محتفل بأبناء الدّنيا. وعظ بجامع مصر مدة.
روى عنه بهاء الدين ابن الجميزي، وشهاب الدين القوصي وكناه أبا الفتح.
وذكر أنه تفقه بنيسابور على الإمام محمد بن يحيى.
وقال أبو شامة، وذكر الطوسي، فقال: قيل: إنه لما قدم بغداد كان يركب بالسنجق والسيوف المُسَلَّلة والغاشية والطوق في عُنق البغلة، فمنع من ذلك. فسافر إلى مصر ووعظ، وأظهر مذهب الأشعري، وثارت عليه الحنابلة. وكان يجري بينه وبين زين الدين ابن نجية العجائب من السباب ونحوه.
قال: وبلغني أنه سئل أيّما أفضل: دمُ الحسين، أم دمُ الحلاج؟ فاستعظم
ذلك، فقيل له: فدم الحلاج كتب على الأرض: الله الله، ولا كذلك دم الحسين، فقال: المتَّهم يحتاج إلى تزكية، وهذا في غاية الحُسن، لكن لم يصح ذلك عن دم الحلاج.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان رجلًا طُوالاً، مَهيباً، مقداماً، ساد الجواب في المحافل، دخل مصر، وأقبل عليه تقي الدين، وعمل له مدرسة بمنازل العز، وبث العلم بمصر، وكان يُلقي الدرس من الكتاب، وكان يرتاعه كل أحد، وهو يرتاع من الخبوشاني ويتضاءل له، وكان يحمُق بظرافةٍ، ويتيه على الملوك بلباقة، ويخاطب الفقهاء بصرامة، وعرض له جدري بعد الثمانين عمّ جسده، وكحل عينيه، وانحط عنه في السابع، وجاء يوم العيد والسلطان بالميدان، فجاء الطوسي وبين يديه مناد ينادي: هذا ملك العلماء، والغاشية على الأصابع، وكان أهل مصر إذا رأوها قرأوا:{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} فتفرق له الجمع، وتفرق الأمراء غيظًا منه، وجرى له مع الملك العادل وابن شكر قضايا عجيبة، لما تعرضوا لوقوف المدرس، فمنع عن نفسه وعن الناس، وثبت.
وقال ابن النَجّار: مات بمصر في الحادي والعشرين من ذي القعدة، وحمله أولاد السلطان على رقابهم.
333 -
محمد بن مكارم بن أبي يعلى
، أبو بكر الحريمي.
سمع من أحمد بن الأشقر، والمبارك بن أحمد الكندي، وسعيد ابن البناء.
ويقال له: الحيري نسبة إلى الحيرة التي بقرب عانة، لا إلى حيرة نيسابور.
سمع منه جماعة، وتوفي في صفر، وأجاز لابن أبي الخير.
334 -
محمد بن هبة الله بن أبي الكرم نصر الله بن محمد بن محمد بن مخلد
، أبو المفضل الأزدي، الواسطي العدل، المعروف جده بابن الجلخت.
ولد سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة، وسمع من جده، وحدًّث ببغداد، قال ابن الدبيثي: سمعت منه، ونعم الشيخ كان، وتوفي في ذي القعدة.
335 -
المبارك بن المبارك بن أحمد بن زريق
، أبو جعفر ابن الحداد الواسطي، المقرئ.
ولد سنة تسع وخمس مائة، وقرأ القراءات على والده الإمام أبي الفتح، وسمع من أبي علي الفارقي، وعلي بن علي بن شيران، وأبي الكرم نصر الله بن الجلخت، وأبي عبد الله الجلابي، وأبي الحسن بن عبد السلام، والمبارك بن نغوبا، وغيرهم بواسط، ثم قدم بغداد سنة اثنتين وثلاثين، فقرأ القراءات الكثيرة على أبي محمد سبط الخياط، وسمع منه، ومن أبي القاسم ابن السمرقندي، حدث بالإجازة عن الحافظ خميس الحوزي، وأبي طالب بن يوسف، وأبي محمد عبد الله ابن السمرقندي، ورزين العبدري، وجماعة، وأقرأ الناس، وأم زماناً.
ترجمة الدبيثي، وقال: كان صدوقاً، قرأتُ عليه القراءات، وقدم بغداد سنة ثمان وثمانين وحدث بها.
قلت: روى عنه هو، ويوسف بن خليل، وجماعة، وتوفي في سادس عشر رمضان.
قرأ عليه بالروايات محمد بن عمر الداعي، وكان مقرئ واسط في زمانه.
336 -
المبارك بن أبي القاسم بن أبي منصور ابن السدنك
، أبو منصور البغدادي.
روى عن قاضي المرستان، وتوفي في ذي القعدة.
337 -
محمود بن المبارك بن الحسين
، أبو الثناء، ابن الداريج البغدادي.
روى عن القاضي أبي بكر، والحسين بن علي سبط الخياط، وتوفي في صفر.
338 -
مسعود بن علي
، نظام الملك الوزير، وزير السلطان خوارزم شاه.
قتلته الملاحدة في هذا العام في جمادى الآخرة، وكان دينًا حسن السيرة، شافعياً، بنى للشافعية بمرو جامعًا مشرفًا على جامع الحنفية، فتعصب شيخ الحنفية بمرو، وجمع الأوباش فأحرقه، فغضب خُورازم شاه، وأحضر هذا الشيخ وصادره.
وبنى نظام الملك هذا مدرسة عظيمة وجامعًا بخوارزم، وله آثار حسنة، فلما قتل تأسف عليه السلطان، واستوزر ابنه، وهو صبي، فأشير على الصبي بأن يستعفي، فقال السلطان خوارزم شاه: لست أعفيك وأنا وزيرك، فكن راجعني في الأمور، ثم لم تطُل أيام الصبي، ومات خوارزم شاه في العام، كما تقدم.
339 -
المظفر بن علي بن وهب
، المدائني، ثم البغدادي، الصابوني، الخياط.
شيخ معمر، ولد سنة خمس مائة، وسمع أبا نصر الحسن بن محمد اليونارتي، وثابت بن منصور الكيلي، روى عنه الدبيثي وقال: توفي سنة ست.
340 -
نجيب بن فارس الحربي
.
روى عن سعيد ابن البناء، وعنه ابن خليل.
341 -
هبة الله بن الحسن بن محمد
، ابن الوزير أبي المعالي هبة الله بن أبي سعد بن المطلب.
سمع أبا القاسم ابن السمرقندي، وحدث، وله شعر وخط منسوب، يكنى أبا المعالي.
روى عنه الدبيثي، وكان صاحب مزاح ونوادر، يُلقَّب بالجُرذ.
342 -
وهب بن محمد بن وهب
، أبو الفتح الحربي، المعروف بابن الضبيع.
روى عن أبي الحسين بن أبي يعلى، وأبي البركات الأنماطي، وتوفي في صفر.
روى عنه الدبيثي، وأجاز لابن أبي الخير.
343 -
يحيى بن علي بن يحيى بن محمد بن بذال
، أبو منصور، ابن النفيس الحريمي.
حدث عن القاضي أبي بكر، وأبي منصور القزاز، وكان رجلًا صالحاً، وهو أخو أحمد والمبارك، روى عنه الدبيثي، وابن خليل، وتوفي في ربيع الأول.
344 -
يحيى بن أبي القاسم المبارك بن علي بن هرثمة
، أبو الفتح البغدادي، الكرخي، العدل، البيع.
سمع من سعيد ابن البناء، وأبي الوقت، وجماعة، وهو من كرخ بغداد.
ولهم كرخ باجدا، وكرخ جُدّان، وكرخ سامرّا، وقيل: إن هذه الثلاثة كرخ واحد، وكرخ البصرة قرية، وكرخ عبرتا، وكرخ الرقة، وكرخ خوزستان، وكرخ ميسان، ذكرهم زكي الدين عبد العظيم.
وفيها كان مولد:
القاضي محيي الدين يحيى ابن قاضي القضاة محيي الدين محمد بن علي بن الزكي، والعدل علي بن أبي طالب الموسوي، ويعقوب بن نصر الله ابن سني الدولة، والكمال إبراهيم بن أحمد بن فارس التميمي المعري، والجمال محمد بن شبل النشابي، مصري.
سنة سبع وتسعين وخمسمائة
345 -
أحمد بن صالح بن طاهر
، أبو العباس المضري، البغدادي، الأزجي، الوكيل.
ولد سنة عشرين وخمس مائة، وسمع من أبي عبد الله السلال، ومحمد بن أحمد بن صرما، وعبد الباقي بن أحمد النرسي، وعلي ابن الصباغ، وأضر في آخر عمره، روى عنه الدبيثي، وابن خليل، وغيرهما.
وهو مستفاد مع أحمد بن صالح المصري شيخ البخاري.
توفي في رابع عشر المحرم.
وروى عنه ابن النجار، وقال: طلب الحديث بنفسه، وقرأ على المشايخ، وكتب بخطه، وكان صدوقاً، أخبرنا الشريف أحمد بن صالح، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي عثمان الدقاق، أَخْبَرَنَا هناد النسفي.
346 -
أحمد بن علي بن سعيد
، أبو العباس الخوزي، الصوفي، نزيل واسط.
شيخ معمر، وُلد سنة خمس مائة، وقال مرةً: سنة تسعٍ وتسعين وأربع مائة.
سمع من أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي، وقاضي المرستان أبي بكر، وعبد الوهاب الأنماطي، وجماعة، وكان شيخًا صالحاً.
روى عنه الدبيثي، وتوفي بواسط في جمادى الآخرة.
ولو سمع على مقتضى سنه لكان أسند أهل العصر، وهو من خوزستان، ويقال بها بلاد الخوز، وهي بين فارس والبصرة.
347 -
أحمد بن محمد بن منكير
، الحربي، الخباز.
روى عن عبد الله بن أحمد بن يوسف، وإسماعيل ابن السمرقندي، ومنكير بفتح أوله.
سمع منه أحمد بن سلمان السكر، وحدَّث عنه الحافظ الضياء، وغيره، وآخر من روى عنه بالإجازة: الفخر علي.
توفي في جمادى الآخرة.
348 -
أحمد بن أبي عيسى محمد بن محمد بن عبد الله
بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن النعمان بن عبد السلام، القاضي العدل أبو المكارم التيمي الأصبهاني الشروطي اللبان، مسند أصبهان.
ولد في صفر سنة سبع وخمس مائة، وهو من تيم الله بن ثعلبة، وقال مرة: ولدتُ سنة ست، وقال الضياء الحافظ: رأيته في موضع سنة أربع وخمس مائة.
قلت: ونقلت نسبه من خطه.
وكان مكثرًا عن أبي علي الحداد، وهو آخر من سمع منه، كما أن الصيدلاني آخر من حضر عليه، وتفرد أيضًا بإجازة عبد الغفار الشيرويي، روى عنه أبو الفتح محمد، وأبو موسى عبد الله ابنا الحافظ عبد الغني، وإسماعيل بن ظفر، ويوسف بن خليل، وأبو رشيد الغزال، وطائفة، وبالإجازة: ابن أبي اليسر، وأحمد بن أبي الخير، والفخر علي ابن البخاري، وآخرون.
توفي في السابع والعشرين من ذي الحجة بأصبهان بعد الكراني.
349 -
أحمد بن أبي القاسم
، هبة الله بن علي بن محمد بن عبد القادر بن محمد، أبو الرضا الهاشمي، البغدادي، المعروف بابن المكشوط.
قال الدبيثي: لم يحدث ولا ظهر سماعه إلا بعد موته، سمع أبا غالب
ابن البناء، وأجاز لي، قلت: بل سمع منه ابن خليل، وحدَّث عنه، وتوفي في صفر.
قال ابن النجار: كان فقيهًا مجاوراً، مقره بجامع ابن المطلب، سمع كتاب الزهد لابن المبارك من ابن البناء، وحدث به، وسمعه منه جماعة، كتبتُ عنه، وكان صدوقًا صالحا ساكناً.
قال: وتوفي في المحرم.
350 -
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
، أبو إسحاق، ناظر نهر الملك ببغداد.
كان دينًا متزهداً، يلبس القطن ويعدل، ويحسن السيرة، أمر الخليفة بصلبه فصلب وحزن عليه الناس، وكان شيخًا مهيبًا جليلاً، وتشبه واقعة عبد الرشيد المذكور في سنة ست وثمانين.
351 -
إبراهيم بن شمس الدين محمد بن عبد الملك
، الأمير عز الدين ابن المقدم الذي قتل أبوه بعرفات.
من كبار الأمراء، وهو صاحب قلعة بارين، ومنبج، وغير ذلك، وكان شجاعًا عاقلاً.
توفي بدمشق، ودفن بتربته بباب الفراديس.
352 -
إبراهيم بن مزيبل بن نصر
، الفقيه أبو إسحاق المخزومي، الشافعي، المصري، الضرير.
سمع من أبي عمرو عثمان بن إسماعيل الشارعي، وأجاز له عبد الله بن محمد بن فتحون رواية كتاب الموطأ، وقد سمع منه الشيخ إسماعيل بن قاسم الزيات، ومات قبله بعشرين سنة، وقد درس بالمدرسة المعروفة به بمصر مدة، وتفقه عليه جماعة.
وعاش ثمانين سنة وشهرين، وتوفي يوم عرفة.
353 -
إقبال بن عبد الله
، أبو الخير.
صالح مجاور بمكة، حدث عن أبي الوقت، وتوفي في رمضان.
354 -
تمام بنت الحسين بن قنان
، الأنبارية الواعظة، ويُقال لها بدر التمام.
حدَّثت عن هبة الله ابن الطبر الحريري، وأجازت للفخر علي ابن البخاري، وغيره، وسمع منها: الحافظ الضياء، وجماعة.
توفيت في ذي الحجة.
355 -
تميم بن أبي بكر أحمد بن أحمد بن كرم بن غالب
، أبو القاسم البندنيجي، ثم البغدادي الأزجي، المفيد.
ولد سنة خمس وأربعين وخمس مائة، وسمع الكثير من أبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الوقت السجزي، وأبي محمد ابن المادح، وهبة الله ابن الشلبي، والشيخ عبد القادر، وابن البطر، وخلق كثير.
وكتب بخطه الكثير لنفسه وللناس، وأفاد أهل بغداد والغرباء، وكان ذا عناية بأسماء الشيوخ وبمسموعاتهم ووفياتهم، وله فيهم فهم حسن.
روى عنه الدبيثي، والتقي اليلداني، وجماعة، وتوفي في ثالث جمادى الآخرة.
356 -
جعفر ابن القاضي السعيد أبي الحسن علي بن عثمان
، القاضي الأمجد، أبو الفضائل القرشي، المخزومي، المصري، الشافعي.
ولد سنة اثنتين وخمسين، وسمع من محمد بن عبد الرحمن المسعودي، والبوصيري، وأجاز له خطيب الموصل أبو الفضل، وجماعة، وتوفي في رمضان، وهو من بيت رياسة وتقدم.
357 -
الحسن بن علي
، أبو علي البغدادي، المقرئ، الضرير.
قرأ بالروايات الكثيرة على أبي الحسن علي بن عساكر البطائحي، وأقرأ الناس، وكان طيب الصوت.
358 -
الحسن المنعوت بالظهير الفارسي
، الفقيه.
توفي بمصر كهلاً.
359 -
خطاب بن منصور
، أبو عبد الله البغدادي الدحروج.
روى عن أبي الوقت، وغيره.
360 -
خديجة بنت الحافظ معمر بن الفاخر
، الأصبهانية.
ورخها الضياء.
361 -
الخليل بن عبد الغفار بن يوسف
، السهروردي، ثم البغدادي، الصوفي.
ولد سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، وصحب الشيخ أبا النجيب، وسمع من ابن البطي، وغيره، وحدث بأناشيد.
362 -
زينب بنت أبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف
، الزهري، المالكي، الإسكندري، أم محمد.
ولدت سنة ثمان وعشرين، وأجاز لها: الحسين بن عبد الملك الخلال، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وطائفة، وحدثت.
363 -
سعيد بن أبي البركات
، أسعد بن أحمد بن محمد، أبو منصور البلدي الحطابي، الكاتب.
توفي شاباً، وكان لديه فضيلة.
364 -
سقمان الأمير قطب الدين أبو سعيد بن محمد، صاحب آمد.
سقط من جوسق له فمات في هذه السنة.
365 -
صالح بن علي بن أحمد بن خليفة
، أبو الورد الصرصري المقرئ الضرير.
قرأ القرآن على أبي محمد سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري، ودعوان بن علي، وأقرأ الناس بقريته صرصر السفلى، وتوفي في هذا العام.
366 -
صدقة ابن الوزير أبي الرضا محمد بن أحمد بن صدقة
، ظهير الدين أبو الفتح.
ولي نيابة الوزرة ببغداد، وكان صدرًا معظماً.
وأبوه الوزير جلال الدين قد وزر للراشد بالله.
توفي الظهير في حادي عشر رجب.
367 -
ظافر بن الحسين
، الإمام أبو المنصور الأزدي الإسكندراني، ثم المصري، الفقيه المالكي.
تفقه بالثغر على العلامة أبي طالب صالح بن إسماعيل ابن بنت معافى، وتولى بمصر تدريس المدرسة المجاورة لجامع مصر العتيق مدة طويلة، وتخرج به جماعة من الشافعية والمالكية، وانتفع به خلق كثير، وكان يشغل أكثر النهار.
وكان من كبار العلماء في عصره.
توفي بمصر حادي عشر جمادى الآخرة.
368 -
عبد الله ابن الوزير الكبير أبي الفرج
محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم علي ابن المسلمة، أبو الحسن.
سمع من يحيى بن ثابت البقال، وناب عن والده في الوزارة، ولم يخدم بعد أبيه في شيء، ولزم طريقة التصوف، ومات وله دون أربعين سنة أو أكثر.
369 -
عبد الله بن محمد بن عيسى
، الإمام أبو محمد التادلي الفاسي.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وروى بالإجازة عن أبي محمد بن عتاب، وأبي بحر بن العاص، وسمع من القاضي عياض.
وكان فقيهًا أديباً، متفنناً، شاعراً، بطلًا شجاعاً، من علماء فاس.
روى عنه أبو عبد الله الحضرمي، وأبو محمد بن حوط اللَّه، وأبو الربيع بن سالم، وعدة.
وكاد أن ينفرد عن ابن عتاب.
قال ابن فرتون: اختل ذهنه من الكبر.
370 -
عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن جحشويه
، أبو محمد الحربي.
شيخ معمر، ولد سنة ثمان وتسعين وأربع مائة فيما قيل، وحدث عن سعيد ابن البناء، وعنه الضياء.
371 -
عبد الله بن أبي بكر المبارك بن هبة الله
، أبو محمد ابن الطويلة الدارقزي.
سمع ابن الحصين، وأبا القاسم ابن الطبر، وأبا المواهب بن ملوك، والقاضي أبا بكر، وجماعة.
والطويلة لقب لجده هبة الله بن محمد.
روى عنه ابن الدبيثي، وابن خليل، والضياء، واليلداني، وابن
عبد الدائم، والنجيب عبد اللطيف، وغيرهم، وآخر من روى عنه بالإجازة الفخر ابن البخاري.
توفي في تاسع رمضان، ويعرف بابن الأخرس أيضاً.
372 -
عبد الجبار بن أبي الفضل بن الفرج بن حمزة
، الأزجي، الحصري، المقرئ، الرجل الصالح.
قرأ القراءات على أبي الكرم الشهرزوري، وسمع من أبي الوقت، وابن ناصر، وأبي بكر الزاغوني، وجماعة، وأقرا القرآن مدة ببغداد، والموصل، والقفص، وتوفي في سابع محرم شهيداً، سقط عليه جرف بقرب تكريت وعجزوا عن كشفه فكان قبره رحمه الله.
373 -
عبد الحميد بن عبد الله بن أسامة بن أحمد
، أبو علي الهاشمي، العلوي، الحسيني الزيدي، الشريف النقيب.
عاش خمسًا وسبعين سنة، وكان إمامًا في الأنساب، واشتغل على ابن الخشاب النحوي.
وولي أبوه وجده النقابة.
374 -
عبد الرحمن ابن قاضي القضاة عبد الواحد بن أحمد
، الثقفي، الكوفي، القاضي أبو محمد، قاضي نهر عيسى، روى عن أبي الوقت، وغيره، وتوفي في المحرم.
375 -
عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي
بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي
بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة، الحافظ العلامة جمال الدين، أبو الفرج ابن الجوزي، القرشي، التيمي البكري، البغدادي، الحنبلي، الواعظ، صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم من التفسير، والحديث، والفقه، والوعظ، والزهد، والتاريخ، والطب، وغير ذلك.
ولد تقريبًا سنة ثمانٍ أو سنة عشر وخمس مائة، وعرف جدهم بالجوزي لجوزة في وسط داره بواسط، ولم يكن بواسط جوزة سواها.
وأول سماعه سنة ست عشرة وخمس مائة، وسمع بعد ذلك في سنة عشرين وخمس مائة وبعدها، فسمع من ابن الحصين، وعلي بن عبد الواحد الدينوري، والحسين بن محمد البارع، وأبي السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، وأبي سعد إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وأبي الحسن علي ابن الزاغوني الفقيه، وأبي غالب ابن البناء، وأخيه يحيى، وأبي بكر محمد بن الحسين المزرفي، وهبة الله ابن الطبر، وقاضي المرستان، وأبي غالب محمد بن الحسن الماوردي، وخطب أصبهان أبي القاسم عبد الله بن محمد الراوي عن ابن شمة، وأبي السعود أحمد بن المجلي، وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، وعلي بن أحمد بن الموحد، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وابن ناصر، وأبي الوقت، وخرج لنفسه مشيخةً عن سبعةٍ وثمانين نفساً، وكتب بخطه ما لا يوصف، ووعظ وهو صغير جداً.
قرأ الوعظ على الشريف أبي القاسم علي بن يعلى بن عوض العلوي الهروي، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وتفقه على أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري، وتخرج في الحديث بابن ناصر، وقرأ الأدب على أبي منصور موهوب ابن الجواليقي.
روى عنه ابنه محيي الدين يوسف، وسبطه شمس الدين يوسف الواعظ، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والضياء محمد، وابن خليل، والدبيثي، وابن النجار، واليلداني، والزين ابن عبد الدائم،
والنجيب عبد اللطيف، وخلق سواهم، وبالإجازة: الشيخ شمس الدين عبد الرحمن، وأحمد بن أبي الخير، والعزّ عبد العزيز ابن الصيقل، وقطب الدين أحمد بن عبد السلام العصروني، وتقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر، والخضر بن عبد الله بن حمويه، والفخر علي ابن البخاري.
وكان الذي حرص على تسميعه وأفاده الحافظ ابن ناصر، وقرأ القرآن على أبي محمد سبط الخياط.
وكان فريد عصره في الوعظ، وهو آخر من حدث عن الدينوري والمتوكلي.
ومن تصانيفه:
كتاب المغني في علم القرآن، كتاب زاد المسير في علم التفسير، تذكرة الأريب في شرح الغريب، مجلد، نزهة النواظر في الوجوه والنظائر، مجلد، كتاب عيون علوم القرآن، هو كتاب فنون الأفنان، مجلد، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب منهاج الوصول إلى علم الأصول، كتاب نفي التشبيه، كتاب جامع المسانيد، في سبع مجلدات، كتاب الحدائق، مجلدان، كتاب نفي النقل، كتاب المجتبى، كتاب النزهة، كتاب عيون الحكايات، مجلدان، كتاب التحقيق في أحاديث التعليق، مجلدان، كتاب كشف مشكل الصحيحين، أربع مجلدات، كتاب الموضوعات، كتاب الأحاديث الرائقة، كتاب الضعفاء، كتاب تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التواريخ والسير، كتاب المنتظم في أخبار الملوك والأمم، كتاب شذور العقود في تاريخ العهود، كتاب مناقب بغداد، كتاب المذهب في المذهب، كتاب الانتصار في مسائل الخلاف، كتاب الدلائل في مشهور المسائل، مجلدان، كتاب اليواقيت في الخطب الوعظية، كتاب المنتخب، كتاب نسيم السحر، كتاب لباب زين القصص، كتاب المدهش، كتاب في فضائل أخيار النساء، كتاب المختار في أخبار
الأخيار، كتاب صفة الصفوة، كتاب مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، كتاب المقعد المقيم، كتاب تبصرة المبتدئ، كتاب تحفة الواعظ، كتاب ذم الهوى، كتاب تلبيس إبليس، مجلدان، كتاب صيد الخاطر، ثلاث مجلدات، كتاب الأذكياء، كتاب الحمقى والمغفلين، كتاب المنافع في الطب، كتاب الشيب والخضاب، كتاب روضة الناقل، كتاب تقويم اللسان، كتاب منهاج الإصابة في محبة الصحابة، كتاب صبا نجد، كتاب المزعج، كتاب الملهب، كتاب المطرب، كتاب منتهى المشتهى، كتاب فنون الألباب، كتاب الظرفاء والمتحابين، كتاب تقريب الطريق الأبعد في فضل مقبرة أحمد، كتاب النور في فضائل الأيام والشهور، كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، مجلدان، كتاب أسباب البداية لأرباب الهداية، مجلدان.
كتاب سلوة الأحزان، كتاب ياقوتة المواعظ، كتاب منهاج القاصدين، مجلدان، كتاب اللطائف، كتاب واسطات العقود، كتاب الخواتيم، كتاب المجالس اليوسفية، كتاب المحادثة، كتاب إيقاظ الوسنان، كتاب نسيم الرياض، كتاب الثبات عند الممات، كتاب الوفا بفضائل المصطفى، كتاب مناقب أبي بكر، كتاب مناقب علي، كتاب المعاد، كتاب مناقب عمر، كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز، كتاب مناقب سعيد بن المسيب، كتاب مناقب الحسن البصري، كتاب مناقب إبراهيم بن أدهم، كتاب مناقب الفضيل، كتاب مناقب أحمد، كتاب مناقب الشافعي، كتاب مناقب معروف، كتاب مناقب الثوري، كتاب مناقب بشر، كتاب مناقب رابعة، كتاب العزلة، كتاب مرافق الموافق، كتاب الرياضة، كتاب النصر على مصر، كتاب كان وكان في الوعظ، كتاب خطب اللآلئ على الحروف، كتاب الناسخ والمنسوخ في الحديث، كتاب مواسم العمر، وتصانيف أخر لا يحضرني ذكرها.
وجعفر في أجداده هو الجوزي، منسوب إلى فرضة من فرض البصرة يقال: لها جوزة، وفرضة النهر ثلمته، وفرضة البحر محط السفن.
وتوفي والد أبي الفرج أبو الحسن وله ثلاث سنين، وكانت له عمة صالحة، وكان أهله تجارًا في النحاس، ولهذا كتب في بعض السماعات اسمه عبد الرحمن الصفار، فلما ترعرع حملته عمته إلى ابن ناصر فاعتنى به، وقد رزق القبول في الوعظ، وحضر مجلسه الخلفاء، والوزراء والكبار، وأقل ما كان يحضر مجلس ألوف، وقيل: إنه حضر مجلسه في بعض الأوقات مائة ألف، وهذا لا أعتقده أنا، على أنه قد قال: هو ذلك، وقال غير مرة: إن مجلسه حزر بمائة ألف.
قال سبطه شمس الدين أبو المظفر: سمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني.
قال: وكان يجلس بجامع القصر، والرصافة، والمنصور، وباب بدر، وتربة أم الخليفة، وكان يختم القرآن في كل أسبوع ولا يخرج من بيته إلا إلى الجمعة أو المجلس.
ثم قال: ذكر ما وقع إلي من أسامي مصنفاته كتاب المغني أحد وثمانون جزءًا بخطه، إلا أنه لم يبيضه ولم يشتهر، كتاب زاد المسير، أربع مجلدات، فذكر عامة ما ذكرناه، وزاد عليه أيضًا أشياء منها: كتاب درة الإكليل في التاريخ، أربع مجلدات، كتاب الفاخر في أيام الإمام الناصر، مجلد، كتاب المصباح المضيء بفضائل المستضيء، مجلد، كتاب الفجر النوري، كتاب المجد الصلاحي، مجلد، كتاب شذور العقود، مجلد. قال: ومن علم العربية: فضائل العرب، مجلد، كتاب الأمثال، مجلد، كتاب تقويم اللسان، جزءان، كتاب لغة الفقه، جزءان، كتاب ملح الأحاديث، جزءان. قال: وكتاب المنفعة في المذاهب الأربعة، مجلدان، كتاب منهاج القاصدين، مجلدان، كتاب إحكام الأسفار بأحكام الأشعار، مجلدان، كتاب
المختار من الأشعار عشر مجلدات، كتاب التبصرة في الوعظ، ثلاث مجلدات، كتاب المنتخب في الوعظ، مجلدان، كتاب رؤوس القوارير، مجلدان. إلى أن قال: فمجموع تصانيفه مائتان ونيف وخمسون كتاباً.
ومن كلامه في مجالس وعظه: عقاربُ المنايا تلسع، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وماء الحياة في إناء العمر يرشح بالأنفاس.
وقال لبعض الولاة: اذكر عند القدرة عدل الله فيك، وعند العقوبة، قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك.
وقال لصاحب: أنت في أوسع العذر من التأخير عني لثقتي بك، وفي أضيقه من شوقي إليك.
وقال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، قال: لأنك تريد أن تتفرج، وإنما ينبغي أن لا تنام الليلة لأجل ما سمعت.
وقال: لا تسمع ممن يقول الجوهر والعرض، والاسم والمسمى، والتلاوة والمتْلوّ؛ لأنه شيء لا تحيط به أوهام العوام، بل قل: آمنت بما جاء من عند الله، وبما صحَّ عن رسول الله.
وقام إليه رجل فقال: يا سيّدي نشتهي منك تتكلم بكلمة ننقلها عنك، أيّما أفضل: أبو بكر أو عليّ؟ فقال له: اقعد، فقعد ثم قام وأعاد قوله، فأجلسه، ثم قام فقال له: اجلس فأنت أفضل من كل أحد.
وسأله آخر، وكان التشيّع تلك المدة ظاهراً: أيّما أفضل، أبو بكر أو عليّ؟ فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ورمى بالكلمة في أودية الاحتمال، ورضي كلٌ من الشيعة والسنة بهذا الجواب المدهش.
وقرأ بين يديه قارئان فأطربا الجمع، فأنشد:
ألا يا حماميَ بطن نُعمان هجتما عليَّ الهوى لما ترنّتما ليا ألا أيها القُمريّتان تجاوبا بلَحْنَيْكما ثم اسجعا لي علانيا وقال له قائل: أيّما أفضل أسبّح أو أستغفر؟ قال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور.
وقال في قوله عليه السلام: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» :
إنما طالت أعمار القدماء لطول البادية، فلمّا شارف الركب بلد الإقامة قيل حثّوا المطي.
وقال: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه.
قال: ووعظ الخليفة فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ، خفت منك، وإن سكتُّ، خفت عليك، فأنا أقدّم خوفي عليك على خوفي منك، إنّ قول القائل: اتّق الله خيرٌ من قول القائل: أنتم أهل بيت مغفور لكم.
وقال يوماً: أهل البدع يقولون: ما في السماء أحد، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، ثلاث عورات لكم.
وقال في قوله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} يفتخر فرعون بنهرٍ، ما أجراه، ما أجرأه، وقال وقد طرب الجمع: فهمتم فهمتم.
قال: وقد ذكر العماد الكاتب جدي في الخريدة، وأنشد له هذه الأبيات:
يود حسودي أن يرى لي زلة إذا ما رأى الزلات جاءت أكاذيبُ أردُّ على خصمي وليس بقادرٍ على ردّ قولي، فهو موتٌ وتعذيبُ ترى أوجه الحُساد صُفرًا لرؤيتي فإن فهت عادت وهي سودٌ غرابيبُ قال: وقال أيضاً:
يا صاحبي إن كنت لي أو معي فعج إلى وادي الحمى نرتع وسل عن الوادي وسكانه وانشد فؤادي في ربا لعلع جئ كثيب الرمل رمل الحمى وقف وسلم لي على المجمع واسمع حديثًا قد روته الصبا تسنده عن بانه الأجرعِ وابك فما في العين من فضلة ونب فدتك النفس عن مدمعي وانزل على الشيخ بواديهم واشمم عشيب البلد البلقع
رفقًا بنضو قد براه الأسى يا عاذلي لو كان قلبي معي لهفي على طيب ليالٍ خلت عودي تعودي مدنفًا قد نعي إذا تذكرتُ زمانًا مضى فويح أجفاني من أدمعي وقد نالته محنةٌ في أواخر عمره، وذلك أنهم وشوا إلى الخليفة الناصر به بأمر اختلف في حقيقته، وذلك في الصيف، فبينا هو جالس في داره في السرداب يكتب، جاءه من أسمعه غليظ الكلام وشتمه، وختم على كتبه وداره، وشتت عياله، فلما كان في أول الليل حملوه في سفينةٍ، وأحدروه إلى واسط، فأقام خمسة أيام ما أكل طعاماً، وهو يومئذ ابن ثمانين سنة، فلما وصل إلى واسط أنزل في دار وحبس بها، وجعل عليها بواب، وكان يخدم نفسه، ويغسل ثوبه، ويطبخ، ويستقي الماء من البئر، فبقي كذلك خمس سنين، ولم يدخل فيها حماماً.
وكان من جملة أسباب القضية أن الوزير ابن يونس قبض عليه، فتتبع ابن القصاب أصحاب ابن يونس، وكان الركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي المتهم بسوء العقيدة واصلًا عند ابن القصاب، فقال له: أين أنت عن ابن الجوزي، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبي بمشورته، وهو ناصبي من أولاد أبي بكر، وكان ابن القصاب شيعيًا خبيثاً، فكتب إلى الخليفة، وساعده جماعة، ولبسوا على الخليفة، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى باب الأزج إلى دار ابن الجوزي، ودخل وأسمعه غليظ المقال كما ذكرنا، وأنزل في سفينة، ونزل معه الركن لا غير، وعلى ابن الجوزي غلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، فأحدر إلى واسط، وكان ناظرها العميد أحد الشيعة، فقال له الركن: حرسك الله، مكني من عدوي لأرميه في المطمورة، فعزّ على العميد وزبره وقال: يا زنديق أرميه بقولك؟ هات خط الخليفة، والله لو كان من أهل مذهبي لبذلتُ روحي ومالي في خدمته، فعاد الركن إلى بغداد، وكان بين ابن يونس الوزير وبين أولاد الشيخ عبد القادر عداوة قديمة، فلما ولي الوزارة، ثم أستاذية الدار بدد شملهم، وبعث ببعضهم إلى مطامير واسط، فماتوا بها، وأهين الركن بإحراق كتبه النجومية.
وكان السبب في خلاص ابن الجوزي أن ابنه محيي الدين يوسف ترعرع وقرأ الوعظ، وطلع صبيًا ذكياً، فوعظ، وتكلمت أم الخليفة في خلاص ابن الجوزي فأطلق، وعاد إلى بغداد، وكان يقول: قرأت بواسط مدة مقامي بها كل يوم ختمة، ما قرأت فيها سورة يوسف من خزني على ولدي يوسف وشوقي إليه، وكان يكتب إلى بغداد أشعارًا كثيرة.
وذكره شيخنا ابن البزوري، فأطنب في وصفه، وقال: فأصبح في مذهبه إمامًا يشار إليه، ويعقد الخنصر في وقته عليه، ودرس بمدرسة ابن الشمحل، ودرس بالمدرسة المنسوبة إلى الجهة بنفشا المستضيئية، ودرس بمدرسة الشيخ عبد القادر، وبنى لنفسه مدرسة بدرب دينار، ووقف عليها كتبه، برع في العلوم، وتفرد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء مصره، وعلا على فضلاء دهره، له التصانيف العديدة، سئل عن عددها فقال: زيادة على ثلاث مائة وأربعين مصنفاً، منها ما هو عشرون مجلدًا، ومنها ما هو كراس واحد، ولم يترك فنًا من الفنون إلا وله فيه مصنف، كان أوحد زمانه، وما أظن الزمان يسمح بمثله، ومن مؤلفاته كتاب المنتظم، وكتابنا ذيلٌ عليه.
قال: وكان إذا وعظ اختلس القلوب، وشققت النفوسُ دون الجيوب.
إلى أن قال: توفي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، وصلى عليه الخلق العظيم الخارج عن الحد، وشيعوه إلى مقبرة باب حرب، وكان يومًا شديد الحر، فأفطر من حره خلق كثير، وأوصى أن يكتب على قبره:
يا كثير الصفح عمن كثر الذنبُ لديه جاءك المذنب يرجو ال عفو عن جرم يديه أنا ضيفٌ وجزاءُ الضي ف إحسان إليه وقال سبطه أبو المظفر: جلس رحمه الله يوم السبت سابع رمضان تحت تربة أم الخليفة المجاورة لمعروف الكرخي، وكنت حاضراً، وأنشد أبياتًا قطع عليها المجلس، وهي:
الله أسالُ أن يطول مدتي وأنال بالأنعام ما في نيتي لي همةٌ في العلم ما من مثلها وهي التي جنت النحول هي التي كم كان لي من مجلسٍ لو شبهت حالاته لتشبهت بالجنة في أبيات.
ونزل، فمرض خمسة أيام، وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين في الثالث عشر من رمضان في داره بقطفتا. وحدثتني والدتي أنها سمعته يقول قبل موته: أيش أعمل بطواويس، يردّدها، قد جبتم لي هذه الطواويس، وحضر غسله شيخنا ضياء الدين ابن سكينة، وضياء الدين ابن الحبير وقت السحر، واجتمع أهل بغداد، وغلقت الأسواق، وشددنا التابوت بالحبال، وسلمناه إلى الناس، فذهبوا به إلى تحت التربة، مكان جلوسه، فصلى عليه ابنه علي اتفاقاً؛ لأن الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثم صلوا عليه بجامع المنصور، وكان يومًا مشهوداً، لم يصل إلى حفرته بمقبرة أحمد بن حنبل إلى وقت صلاة الجمعة، وكان في تموز، فأفطر خلقٌ، ورموا نفوسهم في الماء.
قال: وما وصل إلى حفرته من الكفن إلا قليل.
قلت: وهذا من مجازفة أبي المظفر.
قال: ونزل في حفرته والمؤذن يقول: الله أكبر، وحزن الناس وبكوا عليه بكاء كثيرًا وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالقناديل والشمع، ورآه في تلك الليلة المحدّث أحمد بن سلمان الحربي الملقب بالسكر
على منبر من ياقوت مرصع بالجوهر، والملائكة جلوسٌ بين يديه والحق سبحانه وتعالى حاضرٌ، يسمع كلامه، وأصبحنا عملنا عزاءهُ، وتكلمت يومئذ، وحضر خلق عظيم، وقام عبد القادر العلوي، وأنشد هذه القصيدة:
الدهر عن طمع يُغر ويخدع وزخارف الدنيا الدنية تطمعُ وأعنة الآمال يُطلقها الرجا طمعًا وأسيافُ المنية تقطعُ والموت آتٍ والحياة مريرة والناس بعضهم لبعض يتبعُ واعلم بأنك عن قليلٍ صائرٌ خبرًا فكن خبرًا لخير يسمعُ لعلا أبي الفرج الذي بعد التقى والعلم يوم حواه هذا المضجع حبر عليه الشرع أصبح والهًا ذا مقلةٍ حرى عليه تدمعُ من للفتاوى المشكلات وحلها من ذا لخرق الشرع يومًا يرقعُ من للمنابر أن يقوم خطيبها ولرد مسألة يقول فيسمعُ من للجدال إذا الشفاهُ تقلصت وتأخر القرم الهزبر المصقع من للدياجي قائمًا ديجورها يتلو الكتاب بمقلةٍ لا تهجعُ أجمال دين محمد مات التقى والعلمُ بعدك واستحم المجمع يا قبره جادتك كل غمامة هطالةٍ ركانة لا تقلع فيك الصلاة مع الصلات فته به وانظر به باريك ماذا يصنع يا أحمدًا خذ أحمد الثاني الذي ما زال عنك مدافعًا لا يرجع أقسمت لو كشف الغطاء لرأيتم وفد الملائك حوله يتسرعوا ومحمد يبكي عليه وآله خيرُ البرية والبطين الأنزعُ في أبيات.
ومن العجائب أنا كنا يومئذ بعد انقضاء العزاء عند القبر، وإذا بخالي محيي الدين يوسف قد صعد من الشط، وخلفه تابوت، فقلنا: ترى من مات في الدار؟ وإذا بها خاتون والدة محيي الدين، وعهدي بها ليلة الجمعة في عافية، وهي قائمة، فكان بين موتهما يوم وليلة، وعد الناس ذلك من كراماته؛ لأنه كان مغرى بها محبا.
وخلف من الولد علياً، وهو الذي أخذ مصنفات والده وباعها بيع العبيد، ومن يزيد، ولما أحدر والده إلى واسط تحيل على كتبه بالليل، وأخذ منها ما
أراد، وباعها ولا بثمن المداد، وكان أبوه قد هجره منذ سنين، فلما امتحن صار إلبًا عليه، ومات أبوه ولم يشهد موته. وخلف محيي الدين يوسف، وكان قد ولد سنة ثمانين وخمس مائة، وسمع الكثير، وتفقه، وناظر، ووعظ تحت تربة والدة الخليفة، وقامت بأمره أحسن قيام، وولي حسبة بغداد سنة أربع وستمائة، ثم ترسل عن الخلفاء، وتقلبت به الأحوال حتى بلغ أشرف مآل إلى سنة أربعين وستمائة، ثم ولي أستاذ دارية الخلافة.
وكان لجدي ولد اسمه عبد العزيز، وهو أكبر أولاده، سمع معه من ابن ناصر، وأبي الوقت، والأرموي، وسافر إلى الموصل، فوعظ بها سنة بضعٍ خمسين، وحصل له القبول التام، ومات بها شاباً، وكان له بنات منهن أمي رابعة، وشرف النساء، وزينب، وجوهرة، وست العلماء الكبرى، وست العلماء الصغرى.
قلت: ومع تبحر ابن الجوزي في العلوم، وكثرة اطلاعه، وسعة دائرته، لم يكن مبرزًا في علم من العلوم، وذلك شأن كل من فرق نفسه في بحور العلم، ومع أنه كان مبرزًا في التفسير، والوعظ، والتاريخ، ومتوسطًا في المذهب، متوسطًا في الحديث، له اطلاع تام على متونه، وأما الكلام على صحيحه وسقيمه، فما له فيه ذوق المحدثين، ولا نقد الحُفاظ المبرّزين، فإنه كثير الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة، مع كونه كثير السياق لتلك الأحاديث في الموضوعات، والتحقيق أنه لا ينبغي الاحتجاج بها، ولا ذكرها في الموضوعات، وربما ذكر في الموضوعات أحاديث حسانًا قوية.
ونقلتُ من خط السيف أحمد ابن المجد، قال: صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات، فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل، ومما لم يصب فيه إطلاق الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس في أحد رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو ليس بالقوي، أو لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا حجة بأنه موضوع، سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وهذا عدوان ومجازفة، وقد كان أحمد بن حنبل يقدم الحديث الضعيف على القياس.
قال: فمن ذلك أنه أورد حديث محمد بن حِمْيَر السَّليحي، عن محمد بن زياد الألهانيّ، عن أبي أُمامة في فضل قراءة آية الكُرسيّ في الصلوات الخمس، وهو: من قرأ آية الكُرسيّ دُبُرَ كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت، وجعله في الموضوعات، لقول يعقوب بن سُفيان محمد بن حِمْير ليس بالقوي، ومحمد هذا قد روى البخاريّ في صحيحه، عن رجلٍ، عنه، وقد قال ابن مَعين: إنه ثقة، وقال أحمد بن حنبل: ما عَلِمت إلاّ خيراً.
قال السيف: وهو كثير الوهم جداّ، فإنّ في مشيخته مع صِغَرها وَهْمٌ في مواضع، قال في الحديث التاسع وهو اهتزاز العرش: أخرجه البخاري، عن محمد بن المثنّى، عن الفضل بن هشام، عن الأعمش. قلت: والفضل إنما هو ابن مساور رواه عن أبي عَوَانَة، عن الأعمش، لا عن الأعمش نفسه. والحادي والعشرين، قال: أخرجه البخاري، عن ابن منير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وإنما يرويه ابن منير، عن أبي النّضر، عن عبد الرحمن، والسادس والعشرين فيه: أَخْبَرَنَا أبو العبّاس أحمد بن محمد الأثرم، وإنما هو محمد بن أحمد، والثاني والثلاثين، قال: أخرجه البخاري، عن الأُوَيْسيّ، عن إبراهيم بن سعْد، عن الزُّهريّ، وإنما هو عن ابن سعْد، عن صالح، عن الزُّهريّ، وفي التاسع والأربعين: حَدَّثَنَا قتيبة، قَالَ: أخبرنا خالد بن إسماعيل، وإنما هو حاتم بن إسماعيل، وفي الثاني والسبعين: أَخْبَرَنَا أبو الفتح محمد بن علي العشاري، وإنما هو أبو طالب محمد بن علي بن الفتح، وفي الرابع
والثمانين: عن حميد بن هلال، عن عفان بن كاهل، وإنما هو هصان، وفي الحديث الثاني: أخرجه البخاري، عن أحمد بن أبي إياس، وإنما هو آدم، قال لنا شيخنا أبو عبد الله الحافظ: كتبتُ المشيخة من فرعٍ، فإذا فيها أحمد، فاستنكرته، فراجعتُ الأصل، فإذا هو أيضًا على الخطأ، وذكر وفيات بعض شيوخه وقد خولف كيحيى بن ثابت، وابن خضير، وابن المقرب، وهذه عدة عيوب في كراريس قليلة، وسمعتُ أبا بكر محمد بن عبد الغني ابن نُقطة، يقول: قيل لأبي محمد بن الأخضر: ألا تجيب ابن الجوزي عن بعض أوهامه؟ قال: إنما يتتبع على من قل غلطه، فأما هذا فأوهامه كثيرة، أو نحو هذا.
قلت: وذلك لأنه كان كثير التأليف في كل فن فيصنف الشيء ويُلقيه، ويتكل على حفظه.
قال السيف: ما رأيت أحدًا يعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضيًا عنه، قال جدي رحمه الله: كان أبو المظفر بن حمدي أحد العدول، والمشار إليهم ببغداد ينكر على ابن الجوزي كثيرًا كلماتٍ يخالف فيها السنة.
قال السيف: وعاتبه الشيخ أبو الفتح ابن المني في بعض هذه الأشياء التي حكيناها عنه، ولما بان تخليطه أخيرًا رجع عنه أعيان أصحابنا الحنابلة، وأصحابه وأتباعه، سمعت أبا بكر ابن نقطة في غالب ظني يقول: كان ابن الجوزي يقول: أخاف شخصين: أبا المظفر بن حمدي، وأبا القاسم ابن الفراء، فإنهما كانا لهما كلمة مسموعة، وكان الشيخ أبو إسحاق العلثي يكاتبه ويُنكر عليه، سمعت بعضهم ببغداد أنه جاءه منه كتاب يذمه فيه، ويعتب عليه ما يتكلم به في السنة.
قلت: وكلامه في السنة مضطرب، تراه في وقت سنياً، وفي وقت متجهمًا محرفًا للنصوص، والله يرحمه ويغفر له.
وقرأتُ بخط الحافظ ابن نقطة قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن الحاكم بواسط قال: لما انحدر الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي إلى واسط قرأ على أبي كر ابن الباقلاني بكتاب الإرشاد لأجل ابنه، وقرأ معه ابنه يوسف.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حلو
الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المفاكهة، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، ولا يضيع من زمانه شيئاً، يكتب في اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدًا إلى ستين.
وله في كل علم مشاركة، لكنه في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التواريخ من المتوسعين، ولديه فقه كافٍ، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية، إن ارتجل أجاد، وإن روى أبدع، وله في الطب كتاب اللقط، مجلدان، وله تصانيف كثيرة، وكان يراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة أكثر مما يراعي قوة بدنه ونيل لذته، جل غذائه الفراريج والمزورات، ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس، الأبيض الناعم المطيب، ونشأ يتيمًا على العفاف والصلاح، وله ذهن وقاد، وجوابٌ حاضر، ومجون لطيف، ومُداعبات حلوة، وكانت سيرته في منزله المواظبةُ على القراءة والكتابة، ولا ينفك من جارية حسناء في أحسن زي، لا تلهيه عما هو فيه، بل تعينه عليه وتقويه.
وقرأت بخط الموقاني أن أبا الفرج كان قد شرب حب البلاذر - على ما قيل - فسقطت لحيته، فكانت قصيرة جداً، وكان يخضبها بالسواد إلى أن مات.
ثم عظمه وبالغ في وصفه، ثم قال: ومع هذا فهو كثير الغلط فيما يصنفه، فإنه كان يصنف الكتاب ولا يعتبره رحمه الله وتجاوز عنه.
376 -
عبد الرحمن بن أبي الكرم محمد بن أبي ياسر هبة الله، عرف بابن ملاح الشط.
سمع ابن الحصين، وأبا الحسن علي ابن الزاغوني، وأبا غالب ابن البناء، وأبا البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبا بكر الأنصاري، وجماعة.
وكان شيخًا صالحًا معمراً، محبًا للرواية، وصار بوابًا لمدرسة والدة الناصر لدين الله.
روى عنه: ابن خليل، وابن النجار، والضياء، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدائم، وأجاز لابن أبي الخير، والقطب أحمد بن أبي عصرون، وسعد الدين الخضر بن حمويه، وطائفة آخرهم الشيخ الفخر.
توفي في الخامس والعشرين من صفر في عشر المائة.
377 -
عبد الصمد بن جوشن بن المفرج
، أبو محمد التنوخي، الدمشقي، القواس، الفقيه الشافعي.
سمع أبا الدر ياقوت بن عبد الله الرومي.
روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي.
وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في ثالث المحرم.
378 -
عبد المحسن بن أحمد بن عبد الوهاب
، أبو منصور الأزجي، البزاز، المعروف بالزابي.
سمع أبا البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبا الفضل عبد الملك بن محمد بن يوسف، وأبا سعد أحمد بن محمد البغدادي، روى عنه ابن خليل، وغيره، وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في رجب.
379 -
عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد
، أبو محمد ابن الفرس الأنصاري، الخزرجي، الغرناطي، الفقيه المالكي.
سمع أباه، وجده أبا القاسم، وتفقه وكتب أصول الفقه والدين وبرع، وكان مولده في سنة أربع وعشرين وخمس مائة تقريباً.
ذكره أبو عبد الله الأبار في التكملة، فقال: سمع أبا الوليد بن بقوة، وأبا محمد بن أيوب، وأبا الوليد ابن الدباغ، وأبا الحسن بن هذيل، وأخذ عنه القراءات، وأجاز له خلق منهم: أبو الحسن بن موهب، وأبو عبد الله بن مكي، وأبو الحسن بن الباذش، وأبو القاسم بن بقي، وكان له تحقق بالعلوم على تفاريقها، وأخذ في كل فن منها، وتقدم في حفظ الفقه، مع المشاركة في علم الحديث، والعكوف على العلم، سمعت أبا الربيع بن سالم يقول: سمعتُ
أبا بكر ابن الجد، وناهيك به، يقول غير مرة: ما أعلم بالأندلس أحفظ لمذهب مالك بن عبد المنعم بن الفرس بعد أبي عبد الله بن زرقون، وبيته عريق في العلم.
قال الأبار: وألف عبد المنعم كتابًا في أحكام القرآن من أحسن ما وضع في ذلك، حدث عنه جلة شيوخنا وأكابر أصحابنا، وقال أبو عبد الله التجيبي، وذكر عبد المنعم ابن الفرس: رأيت من حفظه وذكائه وتفننه في العلوم عند رحلتي إلى أبيه ما عجبت منه، وأنشدني كثيرًا من نظمه، واضطرب قبل موته بيسير لاختلال أصابه في صدر سنة خمس وتسعين وخمس مائة من علة خدرٍ طاولته، فترك الأخذ عنه إلى أن توفي في رابع جمادى الآخرة سنة سبع، وشيعه أمم، وكسر الناس نعشه وتقسموه رحمه الله تعالى.
قلت: روى عنه إسماعيل بن يحيى الغرناطي العطار، وعبد الغني بن محمد الغرناطي، وأبو الحسين يحيى بن عبد الله الداني الكاتب، وآخرون، وسمع منه الشرف المرسي موطأ مالك.
380 -
عبد الواحد بن مسعود بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد
، أبو غالب ابن الشيخ الأجل أبي منصور بن الحصين الشيباني، نظام الدين البغدادي الكاتب.
ولد سنة خمس وثلاثين وخمس مائة، وروى عن أبي الوقت، وأبي الكرم الشهرزوري، وجماعة.
وحدث بالشام ومصر، وتوفي في رمضان بحلب.
وكان قد ولي ديوان دمشق، وضيق على الأمير أسامة بن منقذ في جامكيته فقال:
أضحى أسامة خاضعًا متذللًا لابن الحصين لبلغةٍ من زاده فاعجب لدهر جائر في حكمه تسطو ثعالبه على آساده
381 -
علي بن أحمد بن وهب
، الأزجي، البزاز.
سمع ابن ناصر، وأبا الفضل الأرموي، والكروخي، وتوفي في جمادى الآخرة.
وكان فقيهاً، صحب الشيخ عبد القادر، وصار أحد المعيدين لدرسه.
382 -
علي بن محمد بن الحسن ابن الطيب
، أبو القاسم القرشي، الزهري، الكوفي، المعدل.
سمع أبا البركات عمر بن إبراهيم الزيدي، وأحمد بن ناقة، وتوفي في ربيع الأول، ويعرف بابن غنج.
روى عنه الدبيثي.
383 -
عمر بن أحمد بن حسن بن علي بن بكرون
، أبو حفص النهرواني، ثم البغدادي، المقرئ المعدل.
قرأ القراءات على أبي الكرم الشهرزوري، وسمع أبا الفضل الأرموي، والفضل بن سهل الإسفراييني، وابن ناصر.
وولي خزن الديوان العزيز.
روى عنه ابن خليل، وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وتوفي في رجب.
384 -
عمر بن عبد الكريم بن أبي غالب
، الحربي الحمامي.
حدث عن عبد الله بن أحمد بن يوسف.
وعنه ابن خليل، وبالإجازة: ابن أبي الخير.
توفي في شعبان.
385 -
عمر بن علي بن عمر
، أبو علي الحربي، الواعظ، عرف بابن النوام.
كان له لسان في الوعظ، وقول الشعر.
سمع هبة الله بن الحُصين، وأبا الحسين ابن الفراء، وأبا بكر الأنصاري، روى عنه ابن خليل، والدبيثي،
والضياء محمد، وابن عبد الدائم، وآخرون، وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر علي.
ولد في صفر سنة أربع عشرة وخمس مائة، وتوفي في وسط شوال.
386 -
عمر بن محمد بن أبي الجيش
، أبو محمد الهمذاني، الصوفي.
له ببلده رباط يخدم فيه الواردين، سمع أبا المعالي محمد بن عثمان المؤدب، وأبا العلاء الحافظ.
387 -
عوض بن عبد الرحمن بن علي
، البزاز، عرف بالمشهدي.
حدث عن أبي البركات بن حبيش، روى عنه الدبيثي، وابن خليل، ومات في المحرم.
388 -
عيسى بن نصر بن منصور
، النميري أبو محمد، الشاعر ابن الشاعر.
كان من شعراء الديوان العزيز، وشعره جيد.
مات في رمضان.
389 -
فضائل بن فضائل
، المقدسي، المرداوي، الفقيه.
توفي بالموصل.
390 -
قراقوش
، الأمير بهاء الدين الأسدي، الخادم الأبيض، فتى أسد الدين شيركوه.
لما استقل السلطان صلاح الدين بمصر جعله زمام القصر، وكان مسعوداً، ميمون النقيبة، صاحب همة، بنى السور المحيط بمصر والقاهرة، وبنى قلعة الجبل، وبنى قناطر الجيزة في الدولة الصلاحية، ولما فتح صلاح الدين عكا سلمها إليه، فلما أخذتها الفرنج حصل قراقوش أسيراً في أيديهم، فافتكه منهم بعشرة آلاف دينار فيما قيل، وله حقوق على السلطان والإسلام.
وللأسعد بن مماتي كراس سماه الفاشوش في أحكام قراقوش فيه أشياء مكذوبة عليه، وما كان صالح الدين ليستنيبه لولا وثوقه بعقله ومعرفته.
توفي رحمه الله في رجب، ودفن بسفح المقطم.
قال المنذري: كانت له رغبة في الخير وآثار حسنة، وناب عن صلاح الدين مدة بالديار المصرية.
391 -
محمد بن أحمد بن صالح بن المصحح
، أبو الفضل الدقاق، الأزجي، ويسمى أيضًا المبارك.
سمع مجلسًا من ابن الحصين سنة أربع وعشرين، ولم يسمع منه أحد، لكن استجازه ابن النجار فأجاز له.
قال: وظفرت بسماعه بعد موته بثلاثين سنة، وكان شيخًا حسنًا متيقظاً، عاش إحدى وثمانين سنة.
392 -
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عمران
، أبو بكر الغافقي، الأندلسي، من أهل المرية.
له مصنف حسن في الشروط، روى عن الحسن بن موهب الجذامي، وأبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن معدان، وجماعة.
توفي في صفر.
393 -
محمد بن أحمد بن عبد الله
، أبو عبد الله الأصبهاني، الفارفاني، وفارفان: من قرى أصبهان.
ولد سنة أربع عشرة وخمس مائة، وسمع حضورًا من عبد الواحد الدشتي، صاحب أبي نعيم الحافظ، وسمع من فاطمة الجوزدانية.
وأخته عفيفة أسنّ منه بأربع سنين.
روى عنه بالإجازة: أحمد بن أبي الخير، وغيره.
وتوفي في رمضان.
394 -
محمد بن أحمد بن حامد
، الربعي، الضميري، الدمشقي، البزاز.
روى عن أبي الدر ياقوت الرومي، وكان ثقة ديناً، روى عنه ابن خليل، والقوصي، وغيرهما.
395 -
محمد بن إدريس بن أحمد بن إدريس
، الشيخ أبو عبد الله العجلي الحلي، فقيه الشيعة وعالم الرافضة في عصره.
كان عديم النظير في علم الفقه، صنف كتاب الحاوي لتحرير الفتاوي، ولقبه بكتاب السرائر، وهو كتاب مشكور بين الشيعة، وله كتاب خلاصة الاستدلال، وله منتخب كتاب التبيان فقه، وله مناسك الحج، وغير ذلك في الأصول والفروع، قرأ على الفقيه راشد بن إبراهيم، والشريف شرف شاه.
وكان بالحلة، وله أصحاب وتلامذة، ولم يكن للشيعة في وقته مثله، ولبعضهم فيه قصيدة يفضله فيها على محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، وما بينهما أفعل التفضيل.
396 -
محمد بن الحسين بن عباس
.
فقير بغدادي صالح، حدث عن أبي بكر الأنصاري، وتوفي في المحرم.
397 -
محمد بن أبي زيد بن حمد بن أبي نصر
، أبو عبد الله الأصبهاني، الكراني، الخباز.
شيخ معمر عالي الإسناد، رحلة الوقت، ولد سنة سبع وتسعين وأربع مائة، وكمل مائة سنة، وسمع أبا علي الحداد، وفاطمة الجوزدانية، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي، روى عنه سائر معجم الطبراني الكبير، بسماعه من ابن فاذشاه، عن المؤلف، روى عنه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني، وبدل التبريزي، ويوسف بن خليل، وإسماعيل بن ظفر، وجماعة، وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، والفخر علي، وتوفي في ثالث شوال.
وكران: محلة بأصبهان.
398 -
محمد بن أبي القاسم
عبد الله بن أحمد بن عبد الله ابن الحافظ أبي محمد الحسن بن محمد الخلال، أبو الحسن البغدادي، الوكيل الحاجب.
روى عن أبي الفضل الأرموي، وغيره، وعنه أبو عبد الله ابن النجار، وقال: كان ساكنًا متواضعاً، توفي في ذي الحجة.
399 -
محمد بن علي بن أحمد بن سراج
، أبو الفتح البغدادي، البيع، سبط أبي المظفر الصباغ.
شاهد جميل السيرة، دين، سمع من عم جده أبي القاسم علي ابن الصباغ، والأرموي، وعمر بن ظفر، روى عنه ابن النجار، وأثنى عليه، وقال: مات في المحرم.
400 -
محمد بن أبي القاسم علي بن إبراهيم
، أبو الحسن البغدادي الكاتب.
ولد سنة ثلاث وعشرين، وسمع من قاضي المرستان أبي بكر، وإسماعيل ابن السمرقندي، ويحيى ابن البناء، يحيى ابن الطراح.
وولي نظر أوانا مدة.
روى عنه الدبيثي، وابن النجار، وحفيده محمد بن الكريم، وغيره.
وتوفي سنة سبع وتسعين في جمادى الآخرة، وكان من الأدباء الظرفاء اللطفاء، نسخ كثيرًا من مسموعاته ومن كتب الأدب، وله مجموع كبير في عشرين مجلدة، وكان صدوقاً.
401 -
محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله
، الإمام العلامة، المنشئ، البليغ، الوزير، عماد الدين، أبو عبد الله الأصبهاني، الكاتب، المعروف قديمًا بابن أخي العزيز.
ولد بأصبهان سنة تسع عشرة وخمس مائة، وقدم بغداد وهو ابن عشرين سنة أو نحوها.
ونزل بالنظامية، وتفقه وبرع في الفقه على أبي منصور سعيد
ابن الرزاز، وأتقن الخلاف، والنحو، والأدب، وسمع من ابن الرزاز، وأبي منصور بن خيرون، وأبي الحسن علي بن عبد السلام، والمبارك بن علي السمذي، وأبي بكر بن الأشقر، وأبي القاسم علي ابن الصباغ، وطائفة، وأجاز له أبو القاسم بن الحصين، وأبو عبد الله الفراوي، ورجع إلى أصبهان سنة ثلاثٍ وأربعين، وقد برع في العلوم، فسمع بها، وقرأ الخلاف على أبي المعالي الوركاني، ومحمد بن عبد اللطيف الخجندي، ثم عاد إلى بغداد، وتعانى الكتابة والتصرف، وسمع بالثغر من السلفي، وغيره.
روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي، والخطير فتوح بن نوح الخويي، والعز عبد العزيز بن عثمان الإربلي، والشرف محمد بن إبراهيم بن علي الأنصاري، والتاج القرطبي، وآخرون، وبالإجازة أحمد بن أبي الخير، وغيره.
وأله اسم فارسي معناه العقاب.
ذكره ابن خلكان، وقال: كان شافعيًّا، تفقه بالنظامية، وأتقن الخلاف وفنون الأدب، وله من الشعر والرسائل ما هو مشهور، ولما مهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه نظر البصرة، ثم نظر واسط، فلما توفي الوزير ضعف أمره، فانتقل إلى دمشق فقدمها في سنة اثنتين وستين وخمس مائة، فتعرف بمدبر الدولة القاضي كمال الدين الشهرزوري، واتصل بطريقه بالأمير نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريت، فأحسن إليه، ثم استخدمه كمال الدين عند نور الدين في كتابة الإنشاء، قال العماد: وبقيت متحيرًا في الدخول فيما ليس من شأني، ولا تقدمت لي به دربة، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه، وصار منه ما صار، وكان ينشئ بالعجمية أيضاً، وترقت منزلته عند السلطان نور الدين، وأطلعه على سره، وسيره رسولًا إلى بغداد في أيام المستنجد، وفوض إليه تدريس المدرسة المعروفة بالعمادية بدمشق في سنة سبع وستين، ثم رتبه في إشراف الديوان في سنة ثمان، فلما توفي نور الدين وقام ولده ضويق من الذين حوله وخوف، إلى أن ترك ما هو فيه، وسافر إلى العراق، فلما وصل
إلى الموصل مرض، ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين من مصر لأخذ دمشق، فعاد إلى الشام في سنة سبعين، وصلاح الدين نازل على حلب، فقصده ومدحه، ولزم ركابه، وهو مستمر على عطلته، إلى أن استكتبه واعتمد عليه، وقرب منه حتى صار يضاهي الوزراء.
وكان القاضي الفاضل ينقطع عن خدمة السلطان على مصالح الديار المصرية، فيقوم العماد مقامه.
وله من المصنفات كتاب خريدة القصر وجريدة العصر، جعله ذيلًا على زينة الدهر لأبي المعالي سعد بن علي الحظيري، وزينة الدهر ذيل على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، والدمية ذيل على يتيمة الدهر للثعالبي، واليتيمة ذيل على كتاب البارع لهارون بن علي المنجم، فذكر العماد في كتابه الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وجمع شعراء العراق، والعجم، والشام والجزيرة، ومصر، والمغرب، وهو في عشر مجلدات.
وله كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات، وإنما سماه البرق الشامي لأنه شبه أوقاته في الأيام النورية والصلاحية بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها، وصنف كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي في مجلدين، وصنف كتاب السيل والذيل، وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة الفطرة في أخبار بني سلجوق ودولتهم، وله ديوان رسائل كبير، وديوان شعر في أربع مجلدات، وديوان جميعه دوبيت، وهو صغير.
وكان بينه وبين القاضي الفاضل مخاطبات ومحاورات ومكاتبات، قال مرة للفاضل: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له: دام علا العماد، وذلك مما يقرأ مقلوبًا وصحيحاً.
قال ابن خلكان: ولم يزل العماد على مكانته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين، فاختلت أحواله، ولم يجد في وجهه بابًا مفتوحاً، فلزم بيته وأقبل على تصانيفه، وأله: معناه بالعربي العُقاب، وهو بفتح الهمزة، وضم اللام، وسكون الهاء، وقيل: إن العقاب جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر من غير جنسه، وقيل: إن الثعلب هو الذي يسافده، وهذا من العجائب، قال ابن عنين في ابن سيده:
ما أنت إلا كالعُقاب فأمه معروفةً وله أبٌ مجهولُ وقال الموفق عبد اللطيف: حكى لي العماد من فلق فيه، قال: طلبني كمال الدين لنيابته في ديوان الإنشاء، فقلت: لا أعرف الكتابة، فقال: إنما أريد منك أن تثبت ما يجري فتخبرني به، فصرتُ أرى الكتب تكتب إلى الأطراف، فقلت لنفسي: لو طلب مني أن أكتب مثل هذا ماذا كنت أصنع؟ فأخذتُ أحفظ الكتب وأحاكيها، وأروض نفسي فيها، فكتبتُ كتبًا إلى بغداد، ولا أطلع عليها أحداً، فقال كمال الدين يوماً: ليتنا وجدنا من يكتب إلى بغداد ويريحنا، فقلت: أنا أكتب إن رضيت، فكتبت وعرضت عليه، فأعجبه فاستكتبني، فلما توجه أسد الدين إلى مصر في المرة الثالثة صحبته.
قال الموفق: وكان فقهه على طريقة أسعد الميهني، ومدرسته تحت القلعة، ويوم يدرس تتسابق الفقهاء لسماع كلامه وحسن نكته، وكان بطيء الكتابة، ولكن دائم العمل، وله توسع في اللغة، ولا سعة عنده في النحو، وتوفي بعدما قاسى مهانات ابن شكر، وكان فريد عصره نظمًا نثراً، وقد رأيته في مجلس ابن شكر مزحومًا في أخريات الناس.
وقال زكي الدين المنذري: كان جامعًا للفضائل: الفقه، الأدب، والشعر الجيد، وله اليد البيضاء في النثر والنظم، وصنف تصانيف مفيدة.
قال: وللسلطان الملك الناصر معه من الإغضاء والتجاوز والبسط وحسن الخلق ما يتعجب من وقوع مثله من مثله، توفي في مستهل رمضان بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية.
أنبأنا أحمد بن سلامة، عن محمد بن محمد الكاتب، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن عبد السيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الصريفيني، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن حبابة، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو القاسم البغوي، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن الجعد، قَالَ: أَخْبَرَنَا شعبة، عن أبي ذبيان، واسمه خليفة بن كعب، قال: سمعت ابن الزبير يقول:: لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعتُ عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، رواه البخاري، عن علي بن الجعد مثله.
ومن شعره في قصيدة:
يا مالكًا رق قلبي أراك ما لك رقه ها مُهجتي لك خذها فإنها مستحقه فدتك نفسي برفقٍ فمّا أطيق المشقه ويا رشيقًا أتتني من سهم عينيه رشقه لصارم الجفن منه في مهجتي ألف مشقه وخصره مثل معنى بلاغي فيه دقه وله:
كتبت والقلب بين الشوق والكمد والعين مطروفة بالدمع والسهد وفي الحشى لفحة للوجد محرقة متى تجد نفحة من أرضكم تقد يا رائدًا وهو سار في الظلام سنًا وطالبًا في الهجير الورد وهو صد ها مهجتي فاقتبس من نارها ضرمًا ومقلتي فاغترف من مائها ورد يا من هو الروح بل روحُ الحياة ولا بقاء بعد فراق الروح للجسد حاولت نقض عهود صنتها ولكم أردت في الحب سلوانًا ولم أرد واهًا لحاضرةٍ في القلب غائبةٍ عن ناظري من هواها ما خلا جلدي قوية البطش باللحظ الضعيف وبالخصـ ـر النحيف وكل مضعف جسدي لا غَرو إن سحرت قلبي بمقلتها نفاثة بفنون السحر في العقد بالطرف في كحل، بالعطف في ميل بالخد في خجل، بالقد في ميد بالراح مرتشفاً، بالورد مقتطفاً بالغصن منعطفاً، بالثغر كالبرد لا جلتُ يومًا ولا أبصرتُ من شغف ضلالتي في الهوى إلا من الرشد وله:
كالنجم حين هدا كالدهر حين عدا كالصبح حين بدا كالعضب حين برا في الحكم طود علا، في الحلم بحر نهى في الجود غيث ندا، في البأس ليث شرا
أنبأني ابن البزوري قال: العماد هو إمام البلغاء، وشمس الشعراء، وقطب رحا الفضلاء، أشرقت أشعة فضائله وأنارت، وأنجدت الركبان بأخباره وأغارت، في الفصاحة قس دهره، وفي البلاغة سحبان عصره، فاق الأنام طرًا نظمًا ونثراً، وفي رسائله المعاني الأبكار المخجلة الرياض عند إشراق النوار.
ومن شعره:
قضى عمره في الهجر شوقًا إلى الوصل وأبلاه من ذكر الأحبة ما يبلي وكان خلي القلب من لوعة الهوى فأصبح من برح الصبابة في شغل وأطربه اللاحي بذكر حبيبه فآلى عليه أن يزيد من العذل وما كنتُ مفتون الفؤاد وإنما علي فتوني دله فاتن الدل نحولي ممن شد عقد نطاقه على ناحل واهٍ من الخصر منحل إذا رام للصد القيام أبت له روادفه إلا المقام على وصلي
402 -
محمد بن محمد بن هارون بن محمد بن كوكب، أبو عبد الله البغدادي المولد، الحلي المنشأ، المقرئ الماهر المعروف بابن الكال البزار.
مقرئ جليل مشهور بصيرٌ بالقراءات، ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة، وقرأ القراءات على: سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري، ودعوان بن علي، وأبي العلاء الهمذاني، وسمع منهم ومن علي ابن الصباغ، وقرأ بالموصل على: يحيى بن سعدون، وأقرأ بالحلة مدة، وحمل الناس عنه.
قال أبو عبد الله الدبيثي: قرأتُ عليه بالروايات العشر، وسمعتُ منه، وحدثنا بدكانه بالحلة المزيدية، وتوفي في حادي عشر شهر ذي الحجة بالحلة.
قلت: وممن قرأ عليه الداعي الرشيدي، وهو آخر من روى عنه.
قال ابن نقطة: وحدث عن محمد بن محمد بن عنقش الأنباري، وأقرأ ببغداد، وكان له بالحلة دكان يعمل فيه البزر.
403 -
محمد بن أبي محمد بن أبي المعالي بن المقرون
، أبو شجاع اللوزي، نسبة إلى محلة اللوزية بشرقي بغداد، المقرئ، الرجل الصالح.
قرأ القرآن على: أبي محمد سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري بالروايات، وسمع منهما، ومن أبي الحسن بن عبد السلام، وابن الصباغ، وأبي الفتح عبد الله ابن البيضاوي، وأبي الفضل الأرموي، وجماعة.
وروى الكثير، وأقرأ الناس دهرًا، حتى لقن الآباء والأبناء والأحفاد.
وكان أمارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر كثير الخير، أقرأ كتاب الله نحوًا من ستين سنة، وكان بصيرًا بالقراءات، وكان يأكل من كسب يده، ولا يأخذ من أحد شيئاً.
توفي في سابع عشر ربيع الآخر.
قال أبو عبد الله النجار: لقن خلقًا لا يحصون، وحملت جنازته على الرؤوس، وما رأيت جمعًا أكثر من جمع جنازته، قال: وكان مستجاب الدعوة، وقوراً.
وقال الدبيثي: قرأنا عليه القراءات، وسمعنا منه، ونعم الشيخ كان، ثم روى عنه حديثاً.
وممن روى عنه الضياء، وابن خليل، واليلداني، والنجيب عبد اللطيف، والزين ابن عبد الدائم، وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر ابن البخاري، ودفن بصفة بشر الحافي.
404 -
محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون
، أبو غالب الأديب، الكاتب.
سمع أبا الفضل الأرموي، وابن ناصر، وأبا بكر ابن الزاغوني، وله شعر جيد، وكان مكثرًا من أشعار العرب، ولابن البخاري منه إجازة، وتوفي في جمادى الآخرة.
405 -
محمد بن أبي طاهر بن زقمير
، أبو عبد الله الحربي، الآجري.
سمع عبد الله بن أحمد بن يوسف، روى عنه الدبيثي، وابن خليل، وتوفي في ذي القعدة.
406 -
محمد البلخي الزاهد
، نزيل بعداد.
كان كبير القدر، صالحاً، منعزلًا عن الناس، يسكن الخراب، ولا يعلم من أين قوته إلى أن كبر وعجز، أدركه أجله وهو منقطع في مسجد مجاور لقبر معروف الكرخي.
توفي إلى رحمة الله في المحرم، وجهزته أم الخليفة، وأخذت دراعته للبركة، وكان قد قارب الثمانين.
قال ابن النجار: كان يتنقل في الأمكنة لئلا يعرف، وما كان يفهم بالعربي، وكان الخليفة الناصر يقصده زائرًا فلا يكلمه، وما كان يعرفُ أحدٌ من أين يأكل، وكان كثير العبادة، شديد الرياضة، له كرامات ظاهرة.
407 -
المبارك بن حمزة بن علي
، الفقيه أبو المظفر ابن البزوري، البغدادي، سبط أبي المظفر ابن الصباغ.
كان إمامًا مبرزاً، أعاد بالنظامية ببغداد، وتفقه على: أبي المحاسن يوسف بن بندار، وتوفي في المحرم.
408 -
المبارك بن المبارك بن الحسن بن الحسين بن سكينة
، أبو محمد البغدادي، الأنماطي، البيع.
حدث من بيته جماعة، وسمع هو من أبي القاسم ابن السمرقندي، روى عنه الدبيثي، وغيره، وتوفي في ربيع الأول، وله أربع وثمانون سنة.
409 -
مسعود بن محمد ابن الدلال
، الهمذاني، شيخ القلندرية.
ذكره شيخنا ابن البزوري في تاريخه، وقال: كان على قدم حسن، وكان كثيرًا ما يقول: الماضي لا يذكر، فقيل: إنه رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال لي: يا مسعود الماضي لا يذكر، انطلقوا به إلى الجنة، توفي في شهر رمضان من سنة سبع.
410 -
منصور بن الحسن بن منصور
، الإمام أبو المكارم الزنجاني، الشافعي، نزيل بغداد، ومعيد النظامية، ومدرس المدرسة الثقتية.
إمام مناظر، عارف بالمذهب، له حلقة بجامع القصر، توفي في رمضان.
411 -
يحيى بن طاهر
، أبو زكريا البغدادي، الواعظ، المعروف بابن النجار.
كان يتهم بالكذب، وله سماع من سبط الخياط، والأرموي، توفي في ذي الحجة عن خمس وسبعين سنة.
قال الدبيثي: أنشدنا ابن النجار لبعضهم.
عاشر من الناس من تبقى مودته فأكثر الناس جمعٌ غير مؤتلف منهم صديق بلا قاف، ومعرفةٌ بغير فاء، وإخوانٌ بلا ألفِ
412 -
يوسف بن عبد الرحمن بن غصن، أبو الحجاج التجيبي، وقيل اللخمي، الإشبيلي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح، وأبي العباس بن حرب، وأبي العباس بن عيشون، وروى عن أبي بكر ابن العربي، وتصدر للإقراء بإشبيلية، وطال عمره، ورحل الناس إليه، وهو آخر أصحاب شريح الذين قرأوا عليه، توفي في سنة سبع هذه تقريبًا، قاله الأبار.
قلت: بل هو من آخرهم.
413 -
أبو منصور بن أبي بكر بن شجاع بن نقطة المزكلش
، أخو الزاهد عبد الغني، بغدادي ظريف، ينشد في الأسواق ويمسخر ويلعب، وله يد في كان وكان، وكان يسحر الناس في رمضان.
قيل له: أما تستحي، أخوك زاهد العراق، وأنت تزكلش في الأسواق؟ فقال موالياً:
قد خاب من شبه الجزعة إلى دره وشابه قحبة إلى مستحسنة حره أنا مغني وأخي زاهد إلى مره بئرين في دار ذي حلوة وذي مره وفيها ولد:
الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وإبراهيم بن مسعود الحويري الحبشي، والشيخ محمد بن أحمد بن منظور المصري.
والمحيي طاهر بن أبي الفضل الكحال، ومحمد بن ربيعة بن حاتم الحبلي المصري، والعماد إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب المنقذي، وفاطمة بنت الملك المحسن في شعبان.
سنة ثمان وتسعين وخمس مائة
414 -
أحمد بن تزمش بن بكتمر
، أبو القاسم البغدادي، الخياط.
سمع أبا بكر قاضي المرستان، وأبا القاسم الكروخي، وأبا الفضل الأرموي، وجماعة.
وأقام بدمشق مدة، ثم عاد إلى بغداد، ثم رجع إلى دمشق وبها مات، كذا قال الدبيثي، وإنما مات في شوال بحلب، قاله الضياء.
روى عنه الدبيثي، وقال له: إنه ولد سنة ثمان وعشرين، وروى عنه الضياء، وابن خليل، والقوصي، وقال: لقبه: صائن الدين، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدائم، وبالإجازة: أحمد بن سلامة، وغيره.
وقال ابن النجار: كان ظريفًا كيساً، يرجع إلى أدب وتمييز، وكان صاحبًا لقاضي القضاة القاسم ابن الشهرزوري، سمعنا منه.
415 -
أحمد بن داود بن يوسف
، أبو جعفر الجذامي، الغرناطي، النحوي.
ذكره الأبار فقال: كان نحويًا لغوياً، صنف شرحًا لمقامات الحريري، وشرحًا لأدب الكاتب لابن قتيبة.
قال: وتوفي في حدود سنة ثمان.
416 -
أحمد بن سلمة بن أحمد بن يوسف
، أبو جعفر ابن الصيقل الأنصاري اللورقي.
روى عن ابن الدباغ، وأبي بكر بن خير، وجماعة، وكان معنيًا بالحديث، روى عنه أبو عيسى بن أبي السداد، وأبو عبد الله ابن الصفار، وأبو الحسن ابن القطان، وتوفي في المحرم.
ذكره الأبار.
417 -
أحمد بن علي بن الحكم
، أبو جعفر ابن الحصار القيسي، الغرناطي، العطار.
قال الأبار: سمع صحيحي البخاري ومسلم من شريح، وسمع من أبي جعفر بن الباذش، وأبي محمد بن عطية، والقاضي عياض، وأبي بكر بن نفيس، وجماعة، وأجاز له أبو القاسم بن بقي، وأبو عبد الله بن مكي، وجماعة، وكان من أهل الصلاح والعناية بالرواية، ثقة، صدوقاً، حدثنا عنه جماعة، وولي خطابة بلده، مولده سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، وتوفي فجأة في ربيع الأول.
418 -
أحمد بن أبي علي بن أحمد بن محمد بن بكري
، أبو العباس الحريمي.
روى عن أحمد بن علي بن الأشقر.
وهو من بيت الرواية.
مات في المحرم.
وهو: أحمد بن أبي علي المبارك بن أحمد بن بكري، أبو العباس الحريمي، سمع أحمد بن الأشقر، وسعد الخير الأندلسي، سمع منه أحمد بن سلمان السكر، وغيره، توفي في المحرم، ورخه ابن النجار.
419 -
أحمد بن المؤمل بن الحسن
، أبو محمد العدواني الشاعر.
كان يمدح بالشعر، وسمع من عبد الوهاب الأنماطي، وأبي محمد سبط الخياط، وحدث، ولم يكن مرضياً.
ومن شعره:
قد كان للناس أبوابٌ مفتحة تغشى ويطلب منها الفضل والجودُ فأصبحت كلها بابًا وقد مُنعت منه الحوائج فالمفتوح مسدود
420 -
أحمد بن يوسف بن محمد بن خشيش، أبو العباس الأزجي، الدقاق.
سمع من أبي البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبي القاسم ابن السمرقندي.
421 -
إبراهيم بن أحمد بن علي
، أبو منصور الأسدي، العامري، البصري، القطان.
توفي ببغداد وله ست وسبعون سنة، سمع بالبصرة من أبي جعفر الغطريف بن عبد الله، وطلحة بن علي العامري، وحدَّث ببغداد، وكان له فهم ومعرفة ما.
روى عنه ابن النجار.
422 -
إبراهيم بن عبد العزيز بن محمد بن علي بن أبي الفوارس
، نفيس الدين القرشي، الجزري، نزيل الصعيد.
توفي بالقلندون من الديار المصرية، وكان له ثروة بالجزيرة العمرية.
وكان دينًا أميناً، فطلب منه صاحب الجزيرة شاه بن الأتابك أن يتولى نظر ديوانه فأبى، فقال: لا بد من ذلك، فباشر يومًا وامتنع، وكانت زوجته حاملًا بابنه أبي بكر جد صاحبنا المولى شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر، فحلف بالطلاق أنه لا يعلم أولاده الخط، فعاش له خمسة بنين فلم يعلمهم الخط لئلا يكونوا دواوين، ثم سافر إلى مصر، وسكن بالقلندون، واقتنى الأبقار والأغنام، وكان له وكيل بالجزيرة، فبقي يبيع له ملكًا بعد ملك، وينفقه على أولاده.
وكان وكيله نحاساً، فعلم أبا بكر المذكور صنعة النحاس، ثم سافر إلى عند والده، فأقام عنده سنة ورجع، فأوصى أبوه إليه.
وخلف إبراهيم من الذهب اثني عشر ألف دينار، سوى المواشي
والبضائع فلم يرجع أبو بكر إلى الميراث، وسافر بالذهب ولداه الكبيران للتجارة، فغرقا في بحر اليمن، وله عصبة أولادٍ وذرية بالقلندون يُعرفون بأولاد النفيس.
توفي في هذه السنة.
أفادنا بذلك الشيخ شمس الدين المذكور.
423 -
أسعد بن أبي طاهر أحمد بن أبي غانم حامد بن أحمد بن محمود
، أبو محمود الثقفي، الأصبهاني، الضرير، الفقيه.
ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة، وسمع هو وأخوه زاهر مسند أبي يعلى من الحسين بن عبد الملك الخلال، وسمع من فاطمة الجوزدانية من كتاب الفتن لنعيم بن حماد، ثلاثة أجزاء من أوله، وسمع من جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وإسماعيل بن الإخشيد، ومحمد بن علي بن أبي ذر، وسمع حضورًا من أبي طاهر الدشتج.
روى عنه يوسف بن خليل، والضياء محمد، وجماعة.
وأجاز لابن أبي الخير، وابن البخاري، وتوفي في تاسع شوال، وكان فقيهًا معدلاً.
424 -
أسعد ابن المولى العميد أبي يعلى حمزة بن أسد بن علي بن محمد
، الصدر الرئيس، مؤيد الدين، أبو المعالي التميمي، الدمشقي، الكاتب الوزير، المؤرخ، ابن القلانسي.
ولد سنة سبع عشرة وخمس مائة، وسمع من أبيه، ونصر الله بن محمد المصيصي، روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي، وغيرهما، وتوفي في رابع عشر ربيع الأول.
425 -
إسماعيل الملك المعز ابن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب بن شاذي بن مروان
، صاحب اليمن.
كان قد ورد بغداد فأكرم مورده وتلقي بالإنعام، وكان منهمكًا في اللهو
والشرب، قليل الخير، وكتب معه من جهة الخلافة منشور إلى أبيه بالرضا عنه، ولما توفي أبوه ولي بعده مملكة اليمن في سنة ثلاث وتسعين.
ثم إنه ادعى أنه أموي ورام الخلافة وأظهر العصيان، فوثب عليه أخوان من أمرائه فقتلاه، وولي اليمن أخ له صغير.
وقيل: إنه ادعى النبوة، وسام أخيه الذي تولى: الملك الناصر أيوب ابن سيف الإسلام.
قال ابن واصل: خافت المعز مماليكه فتحزبوا عليه، وخرجوا عليه، وضربوا معه مصافاً، فكسروه وقتلوه، وداروا برأسه في اليمن، ونهبوا زبيد سبعة أيام، ثم جعلوا لأخيه الناصر اسم السلطنة، وترتب أتابكه سيف الدين سنقر مملوك أبيه، ثم خرجوا على سنقر وحاربوه، فانتصر، وقتل جماعة من الأكراد والأتراك، وحبس آخرين، وصفت له اليمن أربع سنين، ثم مات سنقر، فتزوج بأم الناصر الأمير غازي بن جبريل، وقام في الأتابكية، ثم سم الناصر فيما قيل، ثم قتل غازي وبقيت اليمن بلا سلطان مدة.
426 -
بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات بن إبراهيم بن علي
، مسند الشام، أبو طاهر الخشوعي الدمشقي، الرفاء، الأنماطي، الذهبي؛ لكونه يسكن بمحلة حجر الذهب.
ولد في صفر سنة عشر وخمس مائة، وانفرد بالمسموعات الكثيرة من الأمين هبة الله ابن الأكفاني، وغيره، وانفرد بالإجازة من مصنف المقامات أبي محمد الحريري، والمقرئ أبي القاسم عبد الرحمن ابن الفحام، وأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، وأجاز له أيضاً: أبو علي الحداد، وأبو طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف، وأبو علي محمد بن محمد ابن المهدي، والحسن بن محمد الباقرحي، ومحمود بن الفضل الأصبهاني، وأبو صادق مرشد بن يحيى المديني، وأبو الحسن علي بن الحسين الموصلي الفراء، وأبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي النحوي، وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم المقدسي، وعلي بن إبراهيم بن صولة، وأبو الفضل جعفر بن إسماعيل بن خلف المقرئ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحطاب الرازي، وعلي بن
المشرف الأنماطي، وعلي بن المؤمل الكاتب، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن حكم الباهلي.
وقد انفرد أيضًا بالإجازة من بعضهم، وإجازة الحريري له في سنة اثنتي عشرة من البصرة، واستجاز له المصريين أبو طاهر السلفي.
وقد سمع أيضًا من شيوخ دمشق: عبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل الإسفراييني، وعلي بن أحمد بن قبيس المالكي، وجمال الإسلام علي بن المسلم، وابن طاوس، وغيرهم.
وهو من بيت الحديث والرواية، اعتنى به والده، وما زال هو يسمع ويسمع، وحمل الناسُ عنه علمًا جماً.
روى عنه أولاده إبراهيم، وعبد العزيز، وعبد الله، وستهم، وست العجم، والشيخ الموفق، وعبد القادر الرهاوي، والبهاء عبد الرحمن، وابن خليل، والضياء، واليلداني، وأحمد بن محمد بن رومان الحنفي، وأحمد بن يوسف التلمساني، والزين أحمد بن عبد الملك، والزين أحمد بن عبد الدائم، والنجم أحمد بن راجح، وإسحاق بن سلطان التميمي، وأخوه عبد الرحمن، والشهاب القوصي، وحفيده بركات بن إبراهيم، والخطيب داود بن عمر الأباري، والفقيه سليمان بن عبد الكريم، والنظام عبد الله بن يحيى ابن البانياسي، والتقي عبد الله بن إسماعيل المقدسي الحنبلي، وأخوه علي، وعبد الله ابن الشيخ أبي عمر، وأبو سليمان عبد الرحمن ابن الحافظ، وعبد الرحمن وعبد الله ابنا أحمد بن طعان، وعبد الرحمن بن الخضر بن عبدان، وعباس بن أبي طالب الحموي، وعبد السلام بن ممدود الشيباني، والعز عرفة الحنفي، وعلي بن أبي طالب القطان، وعلي بن المظفر النشبي، وعلي بن محاسن بن عوانة النميري، والخطيب عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني، وفرج الحبشي القرطبي، والنجيب فراس ابن العسقلاني، ومحمد بن عمر الفخر المالكي، والأوحد محمد بن عبد الله القرشي الحنفي، والموفق محمد بن هارون الثلعبي، والشيخ الفقيه محمد اليونيني، ومكي بن عبد الرزاق المقدسي، ومظفر بن أبي بكر ابن الشيرجي، والتاج مظفر بن عبد الكريم ابن الحنبلي مدرس الحنبلية، وابن عمه يحيى ابن الناصح عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم البابشرقي، والشرف الإربلي، ويوسف بن يعقوب الإربلي الذهبي، ويوسف بن مكتوم المقرئ الحبال، ويوسف بن عمر أخو خطيب بيت الآبار، وأيوب بن أبي بكر
الحمامي، وعلي بن عبد الواحد الأنصاري البزاز، والمجد محمد بن إسماعيل ابن عساكر، وعبد الوهاب بن محمد القنبيطي، والتقي إسماعيل ابن أبي اليسر، والكمال عبد العزيز بن عبد المنعم بن عبد، وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، وأحمد بن عبد السلام بن أبي عصرون، وأبو الغنائم المسلم بن علان، وجماعة آخرهم الفخر ابن البخاري.
روى عنه القوصي، وقال فيه: أكثر أهل الشام حديثًا وأعلاهم إسناداً، مع تواضع وافر، ودين ظاهر، ومروءة تدل على أصل طاهر، لازمته من حين مقدمي إلى الشام إلى حين موته، ثم سمى شيئًا كثيرًا من الكتب قد سمعها منه.
وقال الضياء: توفي في سابع أو ثامن صفر، وحضرته، ودفن بباب الفراديس، وانقطع به إسناد كثير.
وقال ابن نقطة: حدث بأكثر سنن أبي داود عن عبد الكريم بن حمزة، عن الخطيب، وسماعاته وإجازاته صحيحة رحمه الله.
قلت: وبلغنا أنه لم تظهر له إجازة الحداد إلا بعد موته، ولذا لم يروها، وقد قال الشهاب القوصي: وهو مخبط ضعيف، سمعت عليه جملة من تصانيف أبي نعيم عن الحداد عنه، أفما أراد أحد يقول هذا إلا القوصي وحده؟ وهلا ظهر من ذلك شيء، ثم ذكر أنه سمع منه الموطأ رواية ابن القاسم، وسنن أبي داود، والإكمال لابن ماكولا، ومغازي ابن عقبة، وكتاب فوائد تمام، وسراج الملوك للطرطوشي، وكتاب الرهبان لتمام، والسنن للدارقطني، ومكارم الأخلاق للخرائطي، ومساوئ الأخلاق، واعتلال القلوب له، والهواتف له والقناعة له والشكر له، والمقامات للحريري، والملحة له، والجامع للخطيب، والكفاية له، والبخلاء، واقتضاء العلم، وشرف أصحاب الحديث، والطفيليين، وجملة من تصانيف الخطيب، والكامل في الضعفاء، لابن عدي، وفضائل الصحابة لخيثمة، وسمى اثنين وعشرين تصنيفًا لابن أبي الدنيا، سمعها منه.
وقال المنذري: حدث هو وأبوه وجده، ولنا منه إجازة.
وقال في نسبته: الخشوعي، الفرشي، قال: سئل أبوه إبراهيم عن النسبة بالخشوعي فقال: كان جدنا الأعلى يؤم بالناس، فتوفي في المحراب.
قال المنذري: والفرشي نسبة إلى بيع الفرش.
قلت: وقد ضبطه بالقاف جماعة من المحدثين كالضياء، وابن خليل ورأيت جماعة تركوا هذه النسبة للخلف فيها.
427 -
بشارة، الأمير حسام الدين
، أمير بانياس.
توفي فيها.
428 -
بنفشا
، فتاة المستضيء بالله.
كانت أحب سراريه إليه، وقفت مدرسة بباب الأزج، وعمرت عدة مساجد، وكانت كثيرة الرغبة في أفعال البر، وهي التي أشارت على الخليفة بأن يجعل ابنه ولي عهده، أعني الناصر لدين الله.
توفيت في تاسع عشر ربيع الأول.
429 -
جعفر بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز
، الشريف الأفضل أبو محمد العباسي، المكي، ثم البغدادي، المحدث، أحد طلبة بغداد.
كان عالي الهمة في تحصيل هذا الشأن، جيد الفهم، حسن المعرفة، ذكيًا نبيلاً.
ولد سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وسمع من أبيه قاضي القضاة أبي الحسن، وأبي الفتح بن شاتيل، والقزاز، وعبد المنعم ابن الفراوي، ثم طلب بنفسه قبل التسعين فأكثر، وسمع بالجزيرة ودمشق وحدث بها.
روى عنه يوسف بن خليل، والشهاب القوصي.
وتوفي في ذي الحجة بحماة راجعًا إلى بغداد، وله سبعٌ وعشرون سنة.
ولقبه شرف الدين.
رأيت ورقةً بخط الحافظ الضياء فيها الحط على جعفر هذا، وفيها أنه غل أجزاء، وأنه حك اسمًا وأثبت مكانه ذاكر بن كامل.
وقد ذكره ابن النجار ولم يتعرض للينه، بل قال: كان عنده حفظ ومعرفة بالمتون والرجال، ويقرأ قراءة فصيحة، وينقل نقولا صحيحة، وكان خارق الذكاء، ظريفاً.
إلى أن قال: إلا أنه كان ضجوراً، لعاباً، قليل الأمانة، مخالطًا لغير أبناء جنسه، استدعاه صاحب حماة ليقيم بها محدثاً، فمات بها.
430 -
حاتم بن سنان بن بشر
، أبو الجود الحبلي من حبلة، أحد أعمال الرملة، الناسخ المقرئ.
حدث عن أبي العباس أحمد بن معد الأقليشي، وغيره.
وأم بمسجد عبد الله بمصر مدة، وبها مات.
وعبد الله صاحب المسجد هو ابن عبد الملك بن مروان الأموي.
431 -
حامد بن أبي الفرج محمد بن حامد بن محمد بن أله
، أبو بكر الأصبهاني، نزيل بغداد، أخو العماد الكاتب.
ولد بأصبهان سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة، وسمع ببغداد من أبي زرعة المقدسي، وحدث.
وقد وفد على السلطان صلاح الدين رسولًا من الديوان العزيز، وكان من أكابر الفضلاء وأعيان الرؤساء، وكان قدومه بغداد صحبة أخيه، كذا قال ابن البزوري، وأنا أتعجب كيف لم يسمع معه من أصحاب الصريفيني.
وقد وقف مكتبًا للأيتام ببغداد.
وتوفي في ذي الحجة.
432 -
حبيب بن محمد بن حبيب
، أبو الحسن الحميري، الإشبيلي، المقرئ.
أخذ القراءات عن جده لأمه أبي الحسن شريح بن محمد، وأقرأ الناس ببلده.
قال الأبار: توفي سنة ثمان وتسعين، وكان فيه تعسُّر.
قرأ عليه: ابن وثيق، وغيره.
433 -
الحسن بن أحمد بن الفرج بن راشد
، أبو محمد ابن القاضي أبي العباس المدني، ثم البغدادي، الدارقزي، الوراق.
سمع من القاضي أبي بكر، روى عنه الدبيثي، وغيره.
وولي أبوه قضاء دجيل، وسئل عن نسبة المدني فقال: نحن من أهل مدينة فوق الأنبار بناها السفاح وسماها المدينة.
وقد أجاز لابن أبي الخير، وتوفي في الثاني والعشرين من المحرم.
434 -
الحسن بن عبد الباقي بن أبي القاسم
، أبو علي الصقلي، المديني، المالكي، العطار المعروف قديمًا بابن الباجي.
محدث مجتهد، كثير العناية والتحصيل، كتب بخطه الكثير، وكان مولده في سنة أربعين وخمس مائة، وتفقه في صباه، وسمع أبا طاهر السلفي، وأحمد بن المسلم اللخمي، وجماعة بالثغر، ومحمد بن علي الرحبي، وإسماعيل بن قاسم الزيات، ومنجب بن عبد الله المرشدي، وابن بري، وطائفة، وتوفي في هذا العام.
435 -
الحسن بن أبي بكر عتيق بن الحسن
، القاضي المرتضى، أبو علي القسطاني، المالكي، المعدل.
من فضلاء مصر، حدث عن عبد الله بن رفاعة.
توفي في جمادى الأولى عن إحدى وسبعين سنة.
436 -
حماد بن هبة الله بن حماد بن الفضيل
، المحدث أبو الثناء الحراني، الحنبلي، التاجر، السفار.
ولد في سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وسمع ببغداد من أبي القاسم إسماعيل ابن السمرقندي، وأبي بكر ابن الزاغوني، وجماعة، وبهراة من مسعود بن محمد بن غانم، وعبد السلام بن أحمد بكبرة، وبالثغر من السلفي فأكثر، وبمصر من ابن رفاعة، وحدث ببغداد، ومصر، وحران، وشرع في تاريخ لحران، وكتب بخطه الكثير، وتمم تاريخه، وحدث به، قاله الدبيثي.
وله شعر جيد.
روى عنه الشيخ الموفق، وفرقد بن عبد الله الكناني، وعبد القادر الرهاوي، والعلم السخاوي، والضياء المقدسي، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدائم، وأحمد بن سلامة النجار، وقيل: إن جمال الدين يحيى ابن الصيرفي سمع منه.
توفي في ذي الحجة بحران، وأجاز لابن أبي الخير، وجماعة.
437 -
خديجة بنت الشيخ أبي منصور موهوب بن أحمد ابن الجواليقي
.
عن أبيها، وابن ناصر، وعنها ابن النجار، وقال: كانت صادقة كثيرة العبادة، ماتت في شعبان.
438 -
داود بن أحمد بن الحسين
، أبو الفرج الحريمي، الدباس، المعروف بابن المتش.
ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة، وسمع من أبي غالب ابن البناء، وأبي
الفضل محمد ابن المهتدي بالله، وأجاز له أبو عبد الله البارع، وأبو عامر محمد بن سعدون العبدري.
قال الدبيثي: أجاز لي، وتوفي في رمضان.
وحدث عنه ابن النجار.
439 -
سعد بن طاهر بن سعد بن علي
، الأمير الرئيس أبو الفضل المزدقاني ثم الدمشقي.
ولد سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، وسمع من جمال الإسلام علي بن المسلم، روى عنه ابن خليل وغيره، وأجاز لابن أبي الخير، وللحافظ زكي الدين عبد العظيم، وقال: توفي في العشرين من شعبان.
440 -
سليمان بن أحمد بن عبد الرحيم
، أبو داود البغدادي، عرف بابن العميد.
قرأ القرآن على أبي الكرم الشهرزوري، وحدث عنه، وعن أبي الوقت، وتوفي في صفر.
441 -
شمائل بنت أبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي
.
روت عن أبيها، روى عنها الضياء.
442 -
صفوان بن إدريس
، أبو بحر التجيبي، المرسي، الكاتب البليغ.
قال الأبار: أخذ عن أبي عبد الله بن حميد، وأبي العباس بن مضاء، سمع منه صحيح مسلم، وكان من جلة الأدباء البُلغاء ومَهَرة الكُتّاب الشّعراء، فصيحًا مدركاً، جليل القدر، وله رسائل بديعة، وكان من الفضل والدين بمكان، روى عنه أبو الربيع بن سالم الكلاعي، وأبو عبد الله بن أبي
البقاء، وتوفي في شوال، وله سبع وثلاثون سنة وأشهر، فإنه ولد سنة ستين وخمس مائة.
أورد ابن فرتون له هذه الأبيات:
أحمى الهوى قلبه وأوقد فهو على أن يموت أوقد وقال عنه العذول سال قلده الله ما تقلد وباللوى شادن عليه جيدٌ غزال ووجهُ فرقد علله ريقه بخمر حتى انتشى طرفه فعربد لا تعجبوا لانهزام صبري به فجيش الهوى مؤيد أنا له كالذي تمنى عبد نعم عبده وأزيد إن بسملت عينه لقتلي صلى فؤادي على محمد
443 -
ضرغام بن إبراهيم الدمياطي.
سمع السلفي، سمع منه القوصي في هذه السنة بدمياط.
444 -
عبد الله بن أحمد بن أبي المجد بن غنائم
.
أبو محمد الحربي، العتابي، الإسكاف.
حدث بمسند أحمد عن ابن الحصين بالموصل، وبها توفي، وحدث عن أبي الحسين ابن الفراء أيضاً.
روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والضياء، وشيخ الشيوخ عبد العزيز الأنصاري، وابن عبد الدائم، والنجيب الحراني، وخلق من شيوخ الدمياطي؛ لأنه روى المسند ببغداد.
توفي بالموصل في ثاني عشر المحرم، وتوفي قبله بيوم ولده أحمد.
واسم أبي المجد صاعد.
وقد أجاز لسعد الدين الخضر بن حمويه، ولقطب الدين أحمد بن أبي عصرون، وللفخر علي، وغيرهم.
445 -
عبد الله بن خلف بن رافع بن ريس
، الحافظ، أبو محمد بن بصيلة المسكي الأصل، الشارعي، القاهري.
ولد سنة اثنتين وخمسين وخمس مائة، وقرأ القرآن على الشيخ رسلان بن عبد الله بن شعبان، وسمع من علي بن هبة الله الكاملي، ومحمد بن علي الرحبي، وعثمان بن فرج العبدري، وإسماعيل الزيات، وعبد الرحمن بن محمد السبيي، وابن بري، وخلق، وارتحل إلى الثغر فأكثر عن السلفي، وابن عوف، وبدر الخداداذي، وأبي طالب بن المسلم، وكتب بخطه الكثير.
قال المنذري: رأيته ولم يتفق لي السماع منه.
قال: وكان حافظاً، محصلاً، عالمًا بالتواريخ والوفيات، وجمع مجاميع مفيدة، وشرع في تاريخ لمصر وعجز عن إكماله لضيق ذات يده، ومسكة قرية بقرب عسقلان.
قال ابن الأنماطي: جمع تاريخًا لمصر أجاد فيه، وهو مسودة، وكان يحفظ.
446 -
عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن عطية
، أبو بكر المحاربي، الغرناطي.
سمع أباه، وابن عم أبيه عبد الحق بن غالب، وأبا الحسن بن الباذش، وأخذ عن عبد الله المقرئ، ومحمد بن أيمن السعدي، وتفقه بالقاضيين أبي الحسن بن أضحى، وأبي محمد بن سماك، وسمع بقرطبة: أبا عبد الله بن الحاج، وأبا الحسن بن مغيث، وبالمرية: أبا القاسم بن ورد وأبا الحجاج القضاعي، وسمع أيضًا من القاضي عياض وعبد الله بن سهل الضرير، وأجاز له أبو محمد بن عتاب، وغالب بن عطية، وأبو بحر الأسدي.
ذكره الأبار فقال: وكان معدودًا في الفقهاء، صدرًا في الشورى والفتيا، أخذ عنه أبو العباس بن عميرة، وأبو القاسم الملاحي، وأبو الوليد إسماعيل بن يحيى الأزدي، وولد في سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وهو آخر من روى عن غالب، وابن عتاب.
وتوفي غالب سنة ثمان عشرة وخمس مائة.
447 -
عبد الله بن محمد بن عبد الله
، أبو الفضل العليمي، أخو المحدث عمر العليمي.
روى عن أخيه، وعن نصر بن أحمد بن مقاتل، وتوفي في شعبان.
448 -
عبد الله بن أبي الفضل نصر بن أحمد بن مزروع
، أبو محمد ابن الثلاجي، الحربي، التاجر.
سمع ابن الحصين، وأبا الحسين بن الفراء، روى عنه ابن خليل، والضياء، والنجيب عبد اللطيف، وجماعة، وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر علي.
توفي في الخامس والعشرين من صفر، وله سبع وثمانون سنة.
449 -
عبد الحق بن محمد بن عبد الرحمن
، أبو محمد القيسي، المرسي، سبط عبد الحق بن عطية.
روى عن أبي محمد عبد الله بن سهل الضرير، وأبي القاسم بن حبيش.
قال الأبار: كان متفننًا في العلوم الشرعية والنظرية مع دقة الذهن، وجودة النظر، وقول الشعر، وتوفي في المحرم، وله تسع وخمسون سنة.
450 -
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد ابن العمري
، القاضي أبو الحسن البغدادي، العدل.
ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة، وسمع أبا القاسم بن الحصين، وهبة الله ابن الطبر، وأحمد بن علي المجلي، وقاضي المرستان، وجماعة، وأجاز له أبو عامر العبدري، وأبو عبد الله البارع.
وولي قضاء الجانب الغربي، وهو منسوبٌ إلى محلة العمرية من الجانب الغربي، ثم عزل في أواخر أمره بالقاضي علي بن عبد الرشيد الهمذاني، ثم إنه ناب له.
روى عنه ابن خليل، والضياء، والنجيب ابن الصيقل، وجماعة، وبالإجازة: القطب ابن عصرون، وابن أبي الخير، والفخر علي، وآخرون.
توفي في ثاني عشر رمضان.
451 -
عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي
، زين القضاة أبو بكر القرشي، الفقيه، الشافعي، الدمشقي.
ولد سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، وسمع من جده القاضي أبي المفضل يحيى، وأبي الفتح نصر الله المصيصي، وأبي الدر ياقوت الرومي، وأجاز له: الفراوي، وعبد المنعم ابن القشيري، وزاهر الشحامي، وهبة الله ابن الطبر، وآخرون.
روى عنه ابن خليل، والقوصي، الزين ابن عبد الدائم، وجماعة، وبالإجازة ابن أبي الخير، والمسلم بن علان.
وكان إمامًا فاضلًا فقيهًا رئيسًا متعبداً.
قال الضياء: توفي في ذي الحجة ونعم الشيخ كان، ودفن بمسجد القدم.
452 -
عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن سهل
، أبو الحسن الشعري الجرجاني الأصل، النيسابوري.
ثقة، صالح، خير، صحيح السماع، عالي الإسناد، وهو أخو زينب الشعرية.
ولد سنة خمس عشرة، ويقال: سنة ثمان عشرة وخمس مائة، وسمع الكثير بإفادة والده، فسمع صحيح مسلم من أبي عبد الله الفراوي، وكتاب السنن والآثار للبيهقي، من عبد الجبار الخواري، عن المصنف.
قال ابن نقطة: وقال لي بدل التبريزي: إنه سمع السنن الكبير من
عبد الجبار بن عبد الوهاب الدهان، عن البيهقي، والموطأ من هبة الله السيدي، وغريب الحديث للخطابي، من أبي عبد الله الفراوي، ومسند أبي يعلى من زاهر بن طاهر، وشعب الإيمان للبيهقي، أكثره من الفراوي، وبعضه من زاهر، بسماعهما من البيهقي.
قلت: وسمع أيضًا من إسماعيل بن أبي بكر القارئ، ووجيه الشحامي، وجماعة، وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن البخاري، وتوفي يوم الجمعة خامس المحرم.
453 -
عبد الرحيم بن عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن هلال
، الرئيس نجم الدين أبو البركات الأزدي الدمشقي، المعدل.
روى عن أبي القاسم الحسين ابن البن الأسدي، روى عنه ابن خليل، والقوصي، وأجاز لابن أبي الخير، وتوفي في ثالث شعبان.
454 -
عبد الرحيم بن المفرج بن علي بن مسلمة
، أبو محمد الدمشقي الصوفي، أخو الرشيد.
سمع حسان بن تميم، وأجازه ابن البطي وطائفة، وحدث في هذه السنة ولا أعلم متى توفي، روى عنه عبد العزيز بن عثمان الإربلي وغيره، ويوسف بن خليل.
455 -
عبد الرزاق بن أبي شجاع محمد بن أبي محمد بن المقرون
، البغدادي.
قرأ القرآن على أبيه، وسمع من ابن البطي، ودخل الشام، ومصر، ومات في المحرم.
456 -
عبد السلام بن أبي الخطاب أحمد بن محمد بن عمر
، أبو علي الحربي المؤدب.
ولد سنة خمس عشرة، وسمع من أبي بكر الأنصاري، وأبي منصور القزاز، وعبد الواحد بن أحمد بن يوسف، روى عنه ابن خليل، والدبيثي، والضياء، والنجيب عبد اللطيف، والتقي اليلداني، وآخرون، وبالإجازة: ابن أبي الخير، وابن البخاري، وتوفي في شوال.
457 -
عبد الصمد بن ظاعن بن محمد بن محمود
، القرشي، الزبيري، من أولاد الشيوخ.
روى عن أبي الوقت، وأبي محمد بن المادح.
توفي في المحرم.
458 -
عبد العزيز بن أزهر بن عبد الوهاب بن أحمد بن حمزة
، أبو محمد البغدادي السباك.
ولد سنة أربع وعشرين، وسمع من أبي بكر الأنصاري، وعبد الوهاب الأنماطي، روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وقال: توفي في ربيع الأول.
قال ابن النجار: سمعتُ منه، وكان شروطيًا لا بأس به.
459 -
عبد العزيز بن الحسن بن علي بن محمد بن علي
، القاضي عز الدين ولد مجد الدين ابن الزكي القرشي.
روى عن أسامة بن منقذ، روى عنه القوصي، وقال: توفي في ذي القعدة، وله ثلاث وثلاثون سنة.
460 -
عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قايد بن جميل
، الإمام، خطيب دمشق ضياء الدين التغلبي الأرقمي، الدولعي، الموصلي، الفقيه الشافعي.
ولد سنة سبع وخمس مائة، وقدم دمشق في شبيبته فتفقه بها، وسمع من أبي الفتح نصر الله المصيصي، وتفقه ببغداد وسمع بها جامع الترمذي من عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، وسنن النسائي من علي بن أحمد بن محمويه اليزدي.
روى عنه أبو الطاهر إسماعيل ابن الأنماطي، وابن خليل، والشهاب القوصي، والتقي ابن أبي اليسر، وطائفة سواهم.
توفي في ثاني عشر ربيع الأول وله إحدى وتسعون سنة إلا أشهرًا قليلة.
وروى عنه بالإجازة: أبو الغنائم بن علان، وأبو العباس بن أبي الخير.
وكان فقيهاً، مفتياً، عارفًا بالمذهب، ولي خطابة دمشق مدة طويلة، ودرس بالغزالية، وكان على طريقةٍ حميدة.
والدولعية: من قرى الموصل، وقايد: بالقاف، والتغلبي: بالثالثة.
وولي بعده الخطابة ابن أخيه جمال الدين محمد بن أبي الفضل بجاه فلك الدين أخي الملك العادل فبقي في الخطابة إلى أن مات سنة خمس وثلاثين وست مائة.
461 -
عبد الواحد بن عبد الله بن حيدرة بن المحسن
، أبو المحاسن السلمي، الدمشقي، الحنبلي، سبط أبي القاسم الحسين ابن البن.
ولد سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، وسمع في كبره من جده، وكان عطارًا بدمشق.
روى عنه يوسف بن خليل، وغيره، وبالإجازة: ابن أبي الخير.
وتوفي في ثامن عشر ربيع الآخر.
462 -
عبد الوهاب بن محمد
، أبو محمد القيسي، الأندلسي، الأديب، خطيب مالقة.
ورع عالم، متقلل من الدنيا، وله النثر والنظم.
توفي في شوال، وقد شاخ.
ومن شعره:
الموت حصاد بلا منجل يسطو على القاطن والمنجلي لا يقبل العذر على حالةٍ ما كان من مشكلٍ أو من جلي وله:
بإحدى هذه الخيمات جاره ترى قتلي وتعذيبي تجاره وكم ناديتُ: يا سؤلي ارحمينا فلسنا بالحديد ولا الحجاره
463 -
عفيفة بنت طارق بن سنان
، أخت المحدث أحمد بن طارق الكركي.
سمعت من سعيد ابن البناء، وأبي بكر ابن الزاغوني، وجماعة، وحدثت، سمع منها: جعفر بن محمد العباسي، ويوسف بن خليل، وتوفيت في المحرم ببغداد.
464 -
علي بن عتيق بن عيسى بن أحمد
، أبو الحسن الأنصاري، الخزرجي، القرطبي، أحد القراء.
أخذ القراءات عن أبي القاسم ابن الفرس، وأبي جعفر البطروجي، وأبي العباس ابن زرقون، وحدث عن أبي محمد الرشاطي، وأبي عبد الله بن أبي
إحدى عشرة، وأبي الحسن بن مغيث، وأبي القاسم بن بقي، وأبي بكر ابن العربي، وجماعة، وحج، فسمع من أبي طاهر السلفي.
ذكره الأبار فقال: شيوخه ينيفون على مائة وخمسين شيخاً، وكان بصيرًا بالقراءات والحديث، يشارك في علم الطب ونظم الشعر، وصنف في الطب والأصول، سمع منه أبو الحسن بن المفضل الحافظ المقدسي، وشيوخنا: أبو عبد الله التجيبي، وأبو الربيع بن سالم، وأبو الحسن بن خيرة، وتوفي وله خمسٌ وسبعون سنة.
وقال ابن الزبير: شارك في الكلام، والأصول، والطب، وفي خطه أوهام، وفيه غفلة مخلة، حدث عنه أبو الحسن ابن القطان، ويعيش بن القديم، وشيخنا أبو الحسن الغافقي لقيه بفاس، وكان آخر من حدث عنه.
465 -
علي بن محمد بن غليس
، بغين معجمة، أبو الحسن اليمني الزاهد، نزيل دمشق.
كان عبدًا صالحاً، قانتًا لله، جاور مدة بالكلاسة.
قال شهاب الدين أبو شامة: له كرامات ظاهرة، حكى عنه شيخنا السخاوي أنه قال: كنت مسافرًا مع قافلة، فإذا سبع اعترضنا، فتقدمت إليه وهو مقع على ذنبه، فقلت له كلامًا رأيته في النوم كأني أقوله لسبع، وهو: يا كلب أنت كلبُ الله، وأنا عبد الله، فاخضع واخنع لمن سكن له ما في السماوات والأرض وهو السميع العليم، فقلت له هذا الكلام، ثم تقدمت فأدخلت يدي في فمه، وفليت أسنانه، وشممت من فيه رائحة كريهة، وأدخلت يدي بين أفخاذه، فقلبت خصيته، وله من الكرامات غير ذلك، وكان يقول عن نفسه: ابن غليس ما يسوى فُليْس.
وقال زكي الدين المنذري: توفي ليلة سابع عشر رمضان ودفن بباب
الصغير بالقرب من أبي الدرداء، وكان الجمع متوفرًا ولم يبلغ ستين سنة، وقد سمع بالقدس من أبي محمد القاسم ابن عساكر، وكان مشهورًا بالصلاح والخير.
466 -
علي بن محمد بن علي بن يعيش
، أبو الحسن سبط قاضي القضاة أبي الحسن علي بن محمد ابن الدامغاني.
شيخ متميز نبيل، عالي الإسناد، سمع من هبة الله بن الحصين، وزاهر بن طاهر، وهبة الله ابن الطبر، وغيرهم.
وكان مولده في شعبان سنة تسع عشرة.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وابن خليل، والضياء، وابن عبد الدائم، وآخرون، وبالإجازة ابن أبي الخير، والفخر علي.
وتوفي في صفر.
467 -
علي بن يحيى بن صلايا
، أبو الحسن العلوي، البغدادي.
من بيت مشهور، ولي نظر أعمال دُجيل، وتوفي في شعبان.
468 -
عمر بن علي بن بقاء
، أبو حفص ابن النموذج الحريمي، السقلاطوني.
سمع من ابن الحصين، وولد بعد سنة عشرة وخمس مائة، روى عنه الدبيثي، وابن خليل، وبالإجازة ابن أبي الخير.
توفي في ثاني عشر المحرم.
469 -
فرحة بنت قراطاش بن طنطاش الظفري العوني
.
كان أبوها مولى عون الدين ابن هبيرة الوزير.
كنيتها أم الحيا.
روت عن إسماعيل ابن السمرقندي، روى عنها ابن خليل، والضياء المقدسي، والنجيب الحراني، وبالإجازة: الفخر ابن البخاري، وغيره.
وتوفيت في ذي القعدة سنة تسع؛ قاله ابن النجار. وقال ابن الدبيثي: سنة ثمان، فيحرر.
470 -
لؤلؤ الحاجب العادلي
.
من كبار الدولة، وله مواقف مشهودة بالسواحل. وكان مقدم الغزاة حين توجهوا إلى العدو الذين قصدوا الحجاز في البحر المالح بعدة مراكب وشوكة ومنعة، وسولت لهم أنفسهم أمرا، فما كان الله ليفعل، بل خذلهم وأرسل لهم الغزاة أدركتهم، فأحاطوا بهم، واستولوا عليهم بأسرهم. وكانت غزوة عظيمة القدر، وقدموا بالأسرى إلى القاهرة، وكان يومًا مشهوداً.
توفي لؤلؤ بالقاهرة في صفر.
قال الموفق عبد اللطيف: كان شيخًا أرمنيًّا في الأصل، من أجناد القصر، وخدم مع صلاح الدين مقدمًا للأسطول. وكان حيثما توجه فتح وانتصر وغنم. أدركته وقد ترك الخدمة. وكان يتصدق كل يوم باثني عشر ألف رغيف مع قدور الطعام. وكان يضعف ذلك في رمضان، ويضع ثلاثة مراكب، كل مركب طوله عشرون ذراعًا مملوءة طعاماً، ويدخل الفقراء أفواجاً، وهو مشدود الوسط، قائم بنفسه، وبيده مغرفة، وفي الأخرى جرة سمن، وهو يصلح صفوف الفقراء، ويقرب إليهم الطعام، ويبدأ بالرجال، ثم بالنساء، ثم بالصبيان. ومع كثرتهم لا يزدحمون لعلمهم أن المعروف يعمهم. فإذا فرغوا بسط سماطًا للأغنياء يعجز الملوك عن مثله. ولما كان صلاح الدين على حران توجه فرنج الكرك والشوبك لينبشوا الحجرة النبوية، وينقلوه إليهم، ويأخذوا من المسلمين جعلًا على زيارته، فقام صلاح الدين لذلك وقعد، ولم يمكنه أن يتزحزح من مكانه، فأرسل إلى سيف الدولة ابن منقذ نائبه بمصر أن جهز لؤلؤا الحاجب. فكلمه في ذلك فقال: حسبك، كم عددهم؟ قال: ثلاث مائة ونيف كلهم أبطال. فأخذ قيودًا بعددهم، وكان معهم طائفة من مرتدة العرب، ولم يبق بينهم وبين المدينة إلا مسافة يوم، فتداركهم وبذل الأموال، فمالت إليه العرب للذهب، فاعتصم الفرنج بجبل عالٍ، فصعد إليهم بنفسه راجلًا في تسعة
أنفس، فخارت قوى الملاعين بأمر الله تعالى، وقويت نفسه بالله، فسلموا أنفسهم، فصفدهم وقدم بهم القاهرة. وتولى قتلهم الفقهاء، والصالحون، والصوفية.
471 -
محمد بن أحمد بن خلف
، أبو عبد الله الأنصاري، المالقي.
قال الأبار: أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح، وأبي العباس ابن حرب المسيلي، وسمع منهما. وتوفي في شوال بمالقة. وقد نيف على الثمانين.
472 -
محمد بن الحسن بن إبراهيم الأنصاري
، أبو عبد الله الغرناطي. ويعرف بابن بداوة.
سمع أبا بكر ابن العربي، وإبراهيم بن منبه الغافقي، وغيرهما. وكان من أبرع الناس خطاً. أخذ عنه أبو القاسم الملاحي، وغيره.
حدث في أوائل هذه السنة. ولم يؤرخ الأبار له وفاة.
473 -
محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن هاجر
، أبو عبد الله الأنصاري، البلنسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي بكر بن نمارة، ويحيى بن محمد. وحج فسمع من السلفي، وبمكة سمع الصحيح من علي بن عمار الأطرابلسي. أخذ عنه أبو الحسن بن فيره، وأبو الربيع بن سالم، وأبو عبد الله بن أبي البقاء.
قال الأبار: كان من أهل الصلاح والفضل والورع، محترفًا بالتجارة. توفي في المحرم بمرسية.
474 -
محمد بن عبد الرحمن
، أبو عبد الله الرعيني السرقسطي المتكلم. ويلقب بالركن.
كان رأسًا في الأصول والكلام. يقرئ الإرشاد للجويني، وغيره بالأندلس. أخذ عنه أبو الحسن بن خروف، وأبو سليمان بن حوط الله.
كان حيًا في هذا العام.
475 -
محمد ابن العلامة أبي سعد عبد الكريم بن أحمد بن عبد الكريم بن أحمد بن طاهر
. الوزان، التيمي، الصدر، الفقيه، العلامة، عماد الدين أبو عبد الله الشافعي الرازي، مصنف شرح الوجيز.
توفي بالري في ربيع الآخر، ودفن في جوار يوسف بن الحسين الرازي.
476 -
محمد بن علي بن الحسين بن محمد بن علي
، أبو الحسن ابن قاضي العراق أبي القاسم ابن نور الهدى أبي طالب، الزينبي، الهامشي.
سمع من قاضي المرستان أبي بكر، وأبي بكر محمد بن القاسم الشهرزوري.
روى عنه أبو عبد الله ابن النجار، وقال: كان شيخًا صالحًا، ساكنًا، خاشعًا صدوقاً. افتقر في آخر عمره فقرًا مدقعاً، وكان صابرًا راضياً. وكان خليًا من العلم. توفي في الخامس والعشرين من المحرم، وقد نيف على السبعين.
477 -
محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي
، قاضي قضاة الشام محيي الدين، أبو المعالي ابن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن ابن قاضي القضاة المنتجب، أبي المعالي ابن قاضي القضاة الزكي أبي المفضل القرشي، الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة خمسين وخمس مائة، وقرأ المذهب على جماعة. وسمع من والده وعبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني، وسعيد بن سهل الفلكي، والصائن هبة ابن عساكر، وأبي المكارم عبد الواحد بن هلال، وجماعة. وهو من بيت القضاء والحشمة والأصالة والعلم.
روى عنه الشهاب القوصي في معجمه، والمجد ابن عساكر،
وغيرهما. وبالإجازة أحمد بن أبي الخير.
وعاش ثمانيًا وأربعين سنة.
وكان أديبًا منشئاً، بليغاً، مُدْرهاً، فصيحاً، مفوَّهاً.
ذكره أبو شامة، فقال: كان عالمًا صارمًا حسن الخط واللفظ. وشهد فتح بيت المقدس، فكان أول من خطب به بخطبة فائقة أنشأها. وكانت بيده أوقاف الجامع الأموي، وغيره. ثم عُزل عنها سنة موته، وتولاها شمس الدين ابن البيني ضماناً، فبقي إلى سنة أربع وستمائة، وعزل. وتولاها الرشيد ابن أخته ضمانًا بزيادة ثلاثة آلاف دينار، ثم عُزل في أثناء السنة، وأبطل الضمان، وتولاها المعتمد والي دمشق.
قال: وكان محيي الدين قد اضطرب في آخر عمره، وجرت له قضية مع الإسماعيلية بسبب قتل شخص منهم، ولذلك فتح له بابًا سرًا إلى الجامع من دارهم التي بباب البريد لأجل صلاة الجمعة.
قال: وأثنى عليه الشيخ عماد الدين ابن الحرستاني، وعلى فصاحته وحفظه لما يلقيه من الدروس.
قال: وتوفي وله ثمان وأربعون سنة. وكذا ابنه القاضي الطاهر.
وكان ينهى عن الاشتغال بكتب المنطق والجدل، وقطع كتبًا من ذلك في مجلسه.
وكان قد تظاهر بترك النيابة في القضاء عن القاضي ابن أبي عصرون، فأرسل إليه السلطان صلاح الدين مجد الدين ابن النحاس والد العماد عبد الله الراوي، وأمره أن يضرب على علامته في مجلس حكمه، ففعل به ذلك، فلزم بيته حياءً، وطلب ابن أبي عصرون من ينوب عنه، فأشاروا عليه بالخطيب ضياء الدين الدولعي، فأرسل إليه خلعة النيابة مع البدر يونس الفارقي، فرده وشتمه، فأرسل إلى جمال الدين ابن الحرستاني، فناب عنه.
قلت: ثم بعد هذا توفي ابن أبي عصرون، وولي المحيي القضاء، وعظمت رتبته عند صلاح الدين، وسار إلى مصر رسولًا من الملك العادل إلى
الملك العزيز يحثه على الجهاد، وعلى قصد الفرنج.
وأول ما خطب بالقدس قرأ أول شيء الفاتحة، ثم قرأ: فَقُطِعَ دَابِرُ القومِ الذينَ ظَلَمُوا. الآية، ثم أول الأنعام، والكهف، وحمدلة النمل، وأول سبأ، وفاطر، ثم قال: الحمد لله مُعِزّ الإسلام بنصره، ومُذل الشرك بقهره، ومصرّف الأمور بأمره، ومُديم النعم بشكره، ومُستدرج الكفار بمكره، قدّر الأيام دولًا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاد على عباده من ظلّه، أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يُمانَع، والظاهر على خليفته فلا يُنازع، والآمر بما شاء فلا يُراجع، والحاكم بما يُريد فلا يُدافع. أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه، ونصره لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد لم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، داحض الشرك، وداحض الإفك، الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى.
ثم ترضى عن الصحابة، ثم ذكر الموعظة فأبلغ، مضمونها: تعظيم بيت المقدس، وتعظيم الجهاد، والحث عليه، والدعاء لصلاح الدين.
وكان له يومئذ ثلاث وثلاثون سنة، واسمه على تثمين قبة النسر بخط كوفي بفص أبيض، وهو ظاهرٌ في الجهة الشرقية، فيه أن ذلك فصص في مباشرته. توفي في سابع شعبان.
478 -
محمد بن عمر بن عبد الله
، أبو بكر الصائغي، المروزي، السنجي.
قال أبو العلاء الفرضي: هو شيخ صالح، سمع يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد، وأبا شجاع عمر البسطامي، وأبا الفتح محمد بن عبد الرحمن
الكشميهني، وعمر بن محمد السرخسي، توفي في المحرم.
479 -
محمد بن محمود بن أحمد بن علي ابن الصابوني
. الصوفي، أبو عبد الله.
ولد بمكة ونشأ ببغداد، وسمع الكثير من سعيد بن أحمد ابن البناء، وأبي الوقت، وجماعة. وبالثغر من السلفي.
روى عنه: يوسف بن خليل، وقال: مات بدمشق في شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
480 -
محمد بن أبي بكر بن محمد بن الحسن بن علي
، أبو عبد الله الربعي الكركنتي، القيرواني، الفقيه، المالكي.
توفي وله إحدى وتسعون سنة، وقد حدث عن أبي الحجاج يوسف بن عبد العزيز الميورقي.
توفي في سلخ ذي الحجة بالإسكندرية.
481 -
مبادر ابن الأجل أحمد بن عبد الرحمن بن مبادر
. الأزجي، الكاتب، الشافعي.
تفقه، وناظر، وتكلم في مسائل الخلاف، وحدث عن ابن البطي، وغيره.
482 -
محمود بن الحسين بن الحسن بن أحمد
، أبو الثناء الساوي، الصوفي. لقبه: مخلص الدين. وهو والد المسند يوسف الساوي.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وسمع في الكهولة من السلفي مع ولده، وحدث، وكان صالحًا خيراً.
توفي بمصر.
483 -
محمود بن سليمان بن سعيد
، البغدادي، ويعرف بابن المحتسب.
موصلي أديب، فاضل، شاعر، محسن بديع القول. مدح صاحب الموصل، وقدم بغداد فسكنها، وولي نظر الأوقاف.
وعاش ستًا وستين سنة. وتوفي في ثالث شعبان بالموصل.
ومن شعره: أهاب وصف الخمر في إهابها يا حبذا اللؤلؤ من حبابها حيا بها الساقي وقد أقعدهُ سكرٌ فزيد الشكر إذ حبا بها اعن بها يا أيها المغرى بها وأسلف النضار في أعنابها ثوى بها كل سرور عندنا وإثمها أكبر من ثوابها
484 -
محمود بن عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي
، أبو التمام التميمي، الدمشقي.
ولد سنة ست عشرة وخمس مائة. وسمع من جمال الإسلام أبي الحسن السلمي معجم ابن جميع. روى عنه يوسف بن خليل، وإسحاق بن الخضر بن كامل السكري، والحافظ الضياء، والفقيه محمد اليونيني، وموسى بن راجح، وجماعة، والشهاب القوصي، وقال: لقبه شرف الدولة.
روى عنه إجازة: أحمد بن أبي الخير وغيره. وتوفي في حادي عشري جمادى الأولى.
485 -
محمود بن محمد بن قل هو الله خوان
، أبو القاسم الأصبهاني.
روى عن. . . وتوفي عن بضع وسبعين سنة.
486 -
نصر الله بن سلامة بن سالم
، أبو المعالي الهيتي، المقرئ.
توفي بالموصل أو بهيت.
روى عن أبي الفتح الكروخي، وأبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وجماعة. روى عنه الحافظ ضياء الدين، وابن خليل، واليلداني، وسماعهم منه بالموصل.
ويعرف بابن حبن، بمهملة وموحدة بالفتح. وهو أخو منصور. وهو من هيت البلد الذي فوق الأنبار على الفرات. وأما هيت التي من أعمال زرع فنسب إليها جماعة من الرواة.
توفي في جمادى الأولى.
487 -
نصر بن محمد بن مقلد
، الإمام أبو الفتح القضاعي، الشيزري، الفقيه الشافعي، الملقب بالمرتضى من علماء الديار المصرية.
تفقه على: أبي حامد محمد بن محمد البرويي، وأبي سعد عبد الله بن أبي عصرون. وسمع بدمشق من الحافظ ابن عساكر. وسكن مصر، ودرس بالقرافة. بمدرسة الشافعي. وحدث.
488 -
هبة الله بن الحسن بن أبي سعد المظفر بن الحسن بن المظفر
، أبو القاسم الهمذاني الأصل، البغدادي، المراتبي، المعروف بالسبط، سبط ابن لال.
ولد في حدود سنة عشر وخمس مائة. سمع من أبيه أبي علي، وأبي نصر أحمد بن عبد الله بن رضوان، وأبي العز أحمد بن كادش، وأبي القاسم ابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وأبي بكر محمد بن الحسين المزرفي، وأبي الحسين ابن الفراء، وعلي بن عبد القاهر بن آسة الفرضي، وعبد الله بن محمد بن شاتيل، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وجماعة.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وقال: كان صحيح السماع، فيه تسامح في الأمور الدينية، وأبو موسى بن عبد الغني، وابن خليل، والضياء، واليلداني، والنجيب، وابن عبد الدائم، وآخرون. وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر ابن البخاري.
وتوفي في العشرين من المحرم. وقيل: إنه ولد في رجب سنة ثلاث عشرة.
قال ابن نقطة: كان غير مرضي السيرة في دينه.
وقال ابن النجار: كان فهماً، ذكياً، حفظة للشعر والنوادر، ظريفاً، برع في علم السكاكين، وعمل شطرنج عاج وآبنوس زنة حبتين وأرزة كان مثل الخردل، وأشكاله مفسرة. ثم كبر وعجز، وساءت أخلاقه، وصار وسخاً، وقذرًا لا يتق النجاسة، ولم يكن في دينه بذاك. وكان يسب أباه كيف أسمعه وكان مع فقره وعسارته لا يطلب شيئًا على الرواية.
489 -
هبة الله، ويسمى أيضًا سيد الأهل، ابن علي بن سعود بن ثابت بن هاشم بن غالب، أمين الدين، أبو القاسم الأنصاري، الخزرجي، المنستيري الأصل، البوصيري، ثم المصري المولد والدار، الأديب الكاتب.
ولد سنة ست وخمس مائة، وعاش اثنتين وتسعين سنة. وكان مسند ديار مصر في وقته. سمع مع السلفي، وبقراءته من أبي صادق المديني، وأبي عبد الله محمد بن بركات السعيدي، وأبي الحسن علي بن الحسين الفراء، وسلطان بن إبراهيم، والخفرة بنت مبشر بن فاتك، وغيرهم. وانفرد بالسماع منهم. وأجاز له أبو الحسن الفراء، وابن الخطاب الرازي وقد سمع منهما، وسمع من أبي طاهر السلفي.
وحدث بمصر والإسكندرية، ورحل إليه المحدثون، وقصد من البلاد. روى عنه ابن المفضل المقدسي، وابن خليل، والضياء، وأبو الحسن السخاوي، والرشيد أبو الحسين العطار، والرضى عبد الرحمن بن محمد المقرئ، وأبو سليمان الحافظ، والشرف عبد الله بن أبي عمر، والزين أحمد بن عبد الملك، ومحمد بن البهاء، وخطيب مردا، وأحمد ابن زين الدين، وأبو بكر بن مكارم، ومحمد بن عبد العزيز الإدريسي، وسليمان الإسعردي، وأبو عمرو بن الحاجب، والملك المحسن أحمد ابن صلاح الدين، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون، وأبوه، وإسماعيل بن صارم، وعبد الله بن علاق،
وعبد الغني بن بنين، وخلق كثير. وأجاز لأحمد بن أبي الخير.
وقد قرأت بخط أحمد ابن الجوهري الحافظ أنه قرأ بخط حسن بن عبد الباقي الصقلي أنه سأل أبا القاسم البوصيري الإجازة لجميع المسلمين ممن أدرك حياته، فتلفظ بالإجازة.
قلت: وتوفي في ثاني ليلة من صفر.
وقال الضياء المقدسي: كان شيخنا البوصيري ثقيل السمع، فكنتُ إذا قرأت عليه أرفع صوتي، وكان يسمع بأذنه اليسرى أجود. وكان شرس الأخلاق. وشاهدته يومًا وشيخنا الحافظ عبد الغني يقرأ عليه من البخاري فجاء في الحديث: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد. . . الحديث.
فقال أبو القاسم: ليس فيه: ويحيى ويميت. فعلمت أنه يسمع ولله الحمد.
490 -
يحيى بن عبد الرحمن بن عيسى بن عبد الرحمن
، أبو العباس القرطبي، المعروف بابن الحاج المجريطي.
ذكره الأبار، فقال: أخذ القراءات عن أبيه، وعن أبي زيد الخزرجي. وسمع من أبي مروان بن مسرة، وأبي جعفر البطروجي، وأبي بكر ابن العربي. وأخذ العربية عن أبي بكر بن سمجون. وأجاز له الشيخ أبو عبد الله بن معمر، وغيره. وولي قضاء جيان، ومرسية وغرناطة. ثم قدم بعد أبي الوليد بن رشد لقضاء قرطبة. وكان معدودًا في رجالها، وذوي النباهة مع الجزالة والعدالة والإيثار للحق والصدع به. أقرأ القرآن وأسمع الحديث. وروى عنه جماعة من شيوخنا. وتوفي في جمادى الآخرة. وكان مولده في سنة تسع عشرة وخمس مائة.
وفيها ولد:
البدر أحمد بن شيبان بن تغلب في آخر ربيع الآخر، وشمس الدين محمد بن داود بن إلياس التغلبي، وعماد الدين داود بن يحيى القرشي والد القفجاري، والشهاب عبد الرحيم بن يوسف ابن خطيب المزة، في ذي القعدة، والشيخ عبد البصير بن علي المريوطي، والرشيد عمر بن إسماعيل الفارقي، وإلياس بن علوان الملقن.
سنة تسع وتسعين وخمس مائة
491 -
أحمد بن عبد العزيز
، أبو العباس الحربي، الخردلي.
حدث عن عبد الله بن أحمد بن يوسف، وغيره. وتوفي في ذي الحجة.
492 -
أحمد ابن قاضي القضاة أبي طالب علي بن علي ابن البخاري
. أقضى القضاة أبو الفضل.
ناب عن والده في القضاء بالحريم، وولي بعد ذلك قضاء العراق سنة أربع وتسعين، وعزل بعد سنة بأبي الفضائل القاسم بن يحيى الشهرزوري، توفي في ذي الحجة، ولا أعلم له رواية.
493 -
أحمد بن علي بن هلال بن عبد الملك
، أبو الفتوح البغدادي، القارئ المعروف بالمعمم.
روى بالإجازة عن أبي العز بن كادش، وأبي القاسم بن الحُصين.
سمع منه أبو عبد الله الدبيثي، وغيره.
وتوفي في صفر.
494 -
أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة
، أبو العباس الضبي الأندلسي.
أخذ عن أبي عبد الله بن حميد. وحج فأخذ عن أبي الطاهر بن عوف المالكي، وإسماعيل بن قاسم الزيات. ونسخ بخطه ما لا ينحصر، وحدث. وعاش بضعًا وأربعين سنة.
سقط عليه حائط بمرسية فاستشهد في ربيع الآخر.
495 -
أحمد بن يحيى بن إبراهيم بن سعود
، أبو العباس العبدري القرطبي.
سمع من أبي جعفر البطروجي، وأبي عبد الله بن أبي الخصال.
وكان كاتباً، بليغاً، مفوهاً، ظريفاً، حلو النادرة، قوي العارضة، بارع الكتابة بمرة. له النظم والنثر. كتب لبعض ملوك الأندلس.
قال الأبار: بلغني أن كتبه أبيعت بستة آلاف دينار. وتوفي بمراكش وورخه.
قلت: لعله عاش ثمانين سنة.
496 -
أحمد بن يوسف بن الحسين
، أبو العباس ابن القرميسيني، البغدادي.
ولد في سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة، وسمع أبا الفضل الأرموي، وأبا الكرم الشهرزوري المقرئ، وجماعة.
وأكثر التطواف في الأرض للتجارة حتى دخل الهند، والترك، واليمن، ورأى العجائب. وسمع بنيسابور من هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيري.
ومات بالموصل في جمادى الأولى.
روى عنه الدبيثي.
497 -
أحمد بن أبي النجم بن نبهان بن محمد
. الشيخ المعمّر أبو سالم الأبهري، الزنجاني، القاضي.
وهو أحمد بن سالم المذكور سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وما أحسبه بقي إلى هذا الوقت.
أجاز له الشيخ أبو بكر أحمد بن محمد الزنجري شيخ السلفي في الأربعين البلدية، في سنة إحدى وخمس مائة، وهو آخر من روى عنه في الدنيا.
حدث ببغداد، ومكة.
قال الحافظ المنذري: حدثنا عنه. وتوفي في هذه السنة.
498 -
إبراهيم بن محمد بن أحمد ابن الصقال
. الفقيه أبو إسحاق الطيبي، ثم البغدادي، الحنبلي، المعدل.
ولد سنة خمس وعشرين وخمس مائة. وتفقه على: القاضي أبي يعلى الصغير محمد بن محمد، وأبي حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني.
وسمع من أبي العباس ابن الطلاية، وابن ناصر، وسعيد ابن البناء، وجماعة.
وكان ثقة ثبتًا صالحاً، إمامًا في الفرائض والحساب.
روى عنه الدبيثي، والضياء محمد، وابن النجار، وغيرهم.
وتوفي في أول ذي الحجة، وشيعه خلق، وحمل على الرؤوس رحمه الله.
499 -
إسماعيل بن محمد بن حسان بن جواد بن علي بن خزرج
. القاضي الجليل، أبو الطاهر ابن القاضي أبي عبد الله الأنصاري، الفقيه المصري، الشافعي.
رحل إلى بغداد، وتفقه على الإمام أبي القاسم يحيى بن فضلان. وسمع الحديث. وحدث عن منوجهر شيئا قليلاً.
توفي بمصر في رمضان.
500 -
إسماعيل بن محمد بن محمد بن يوسف
، أبو الفتح المروزي، الفاشاني.
سمع أبا سعد ابن السمعاني الحافظ، وببغداد: أبا الفتح بن عبد السلام، وحدث بمرو.
وفاشان - بالفاء - من قرى بغداد، وأما باشان القرية التي من هراة فيقال لها: فاشان أيضًا، منها: أبو عبيد صاحب الغريبين، وغيره.
وأما قاشان - بالقاف - فبلد مشهور بقرب قم.
وأما قاسان - بالقاف وسين مهملة - فبلد كبير بما وراء النهر، وأهله يعقدون القاف فيقولون كاسان. وقاشان أيضًا بليدة بخُراسان، وناحية من أعمال أصبهان.
501 -
إسماعيل بن مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت
، أبو محمد الكرخي، الشروطي، المعروف بابن المنجم.
ولد سنة اثنتين وثلاثين، وسمع محمد بن محمد السلال، والمبارك بن علي السمذي، والأرموي، وجماعة.
وتوفي في ربيع الآخر.
روى عنه الدبيثي.
وأجاز للفخر علي.
502 -
بركات بن أبي غالب بن نزال بن همام
، أبو محمد البغدادي، السقلاطوني.
سمع أبا الحسن ابن الزاغوني، والقاضي أبا بكر، وإسماعيل ابن السمرقندي.
ويسمى أيضًا بعبد الله.
روى عنه الدبيثي، وقال: توفي في ربيع الأول.
503 -
الحسن بن إبراهيم بن منصور بن الحسين بن قحطبة
، أبو علي الفرغاني الأصل، البغدادي، الصوفي، المعروف بابن أشنانة.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وسمع من هبة الله بن الحصين، والحسن بن أحمد بن جكينا.
شيخ صوفي ظريف، حسن المذاكرة. صحب الصوفية برباط الزوزني.
قال الدبيثي: لا بأس به. توفي في ثامن عشر صفر.
روى عنه هو والضياء، وابن خليل، والنجيب عبد اللطيف، والتقي اليلداني، وآخر من روى عنه بالإجازة الفخر علي.
504 -
الحسن بن علي بن الحسن
، أبو محمد العبدي البصري، الأديب، المنشئ.
قدم بغداد، وسمع من ابن ناصر، وعاد إلى بلده، وسمع من غير ابن ناصر.
505 -
داود بن يوسف بن إبراهيم
، أبو السعادات الحربي، المؤدب.
سمع ابن الطلاية، وسعيد ابن البناء. وحدث. وتوفي في جمادى الآخرة.
506 -
زمرد خاتون
، التركية الجهة المعظمة، أم أمير المؤمنين الناصر لدين الله.
عاشت في خلافة ابنها أربعًا وعشرين سنة. وحجت، ووقفت المدارس والربط والجوامع. ولها وقوفٌ كثيرة في القُرُبات. وقد أنفقت في حجتها نحوًا من ثلاث مائة ألف دينار.
وحزن عليها الخليفة ومشى أمام تابوتها، وحُمِلت إلى تُربة معروف الكرخي، وشيعها الأكابر. وكاد الوزير أن يهلك من المشي، وقعد يستريح مرّات، وعُمِل عزاؤها شهرًا وأنشدت المراثي. وأمر الخليفة بتفريق ما خلَفته من ذهب وجوهر وثياب.
وتوفيت في ربيع الآخر.
قال لنا ابن البزوري في تاريخه: عظم على الخليفة مصابها، وتجرع لفقدها مر الأحزان وصابها. وتقدم إلى الوزير وأرباب الدولة، الكل والمدرسين بالحضور إلى باطن دار الخلافة للصلاة عليها، فلبسوا ثياب العزاء، ورفعت الغرز والطرحات والبسملة من بين يدي الأمراء. وخرج الوزير نصير الدين ابن مهدي ماشيًا من داره إلى دار الخلافة. وصلى عليها ولدها، ثم أم بالجماعة الوزير، وأنزلت في الشبارة، ونزل الناس في السفن قياماً، ولم يزل الوزير وأرباب المناصب يترددون إلى التربة شهرًا كاملًا بثياب العزاء. ولا ضرب طبل، ولا شهر سيف، ولا نودي ببسم الله. قال: ودام لبس ثياب العزاء سنة كاملة.
قلت: وهذا أمرٌ لم يُعمل مثله بأحدٍ بل ولا بخليفة.
507 -
شعيب بن عامر
، أبو محمد القيسي، الإشبيلي، المؤدب.
أخذ القراءات عن جده لأمه شعيب بن عيسى الأشجعي. وأخذها جده عن خلف بن شعيب صاحب مكي. وكان جده من كبار الأئمة فأكثر عنه، وطال عمره.
أجاز لابن الطيلسان في ذي الحجة سنة تسع وتسعين وخمسمائة بإشبيلية.
508 -
شبث بن إبراهيم بن محمد الأديب
، أبو الحسن ضياء الدين المصري، القنوي.
ولد بقنا، من عمل قوص، سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. روى عنه الشهاب القوصي من شعره جملة، وقال: هو إمام العربية في عصره، وفريد دهره. ثم ورخ موته في العام.
509 -
طفيل بن محمد بن عبد الرحمن بن الطفيل
، أبو نصر العبدي، الإشبيلي، المقرئ المعروف بابن عظيمة.
أخذ القراءات عن أبيه أبي الحسن، وأبي الحسن شريح. وأدب بالقرآن. وكان مجوداً، ضابطاً، عارفاً.
وطال عمره وأخذ عنه الآباء والأبناء. روى عنه أبو علي الشلوبيني. وأجاز له ولابن الطيلسان في هذه السنة في رمضان.
ولم يؤرخ الأبار له وفاة.
510 -
عبد الله بن الحسن بن زيد بن الحسن
، أبو محمد الكندي، أخو التاج الكندي.
تاجر متميز سمح جواد. ولد سنة تسع وعشرين وخمس مائة. وسمع ابن ناصر، وسعيد ابن البناء، وعبد الملك بن علي الهمذاني. وأجاز له أبو القاسم هبة الله ابن الطبر، وجماعة. وحدث بدمشق. روى عنه الحافظ الضياء، وغيره. وتوفي بدمشق في ذي القعدة.
وهو والد أمين الدّين أحمد الذي ورث تاج الدين وبقي إلى قريب الأربعين وستمائة. وأجاز للعماد ابن البالسي.
511 -
عبد الله بن دهبل بن علي بن منصور ابن كاره
، أبو محمد الحريمي، الدقاق، وقيل: اسمه صالح.
سمع قاضي المرستان أبا بكر، وأبا غالب ابن البناء، وأبا القاسم ابن السمرقندي. روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والضياء، وابن عبد الدائم، والنجيب الصيقلي، وآخرون. وبالإجازة: ابن أبي الخير، والقطب ابن عصرون، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن الحنبلي، وجماعة آخرهم موتًا مسند الدنيا الفخر علي.
توفي في عاشر رمضان.
512 -
عبد الله بن أحمد بن محمد بن علي
. الأستاذ أبو محمد ابن علوش الأندلسي، الإشبيلي نزيل مراكش.
أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح. وسمع من جده محمد بن علي، وأبي بكر ابن العربي. وأدب ولد صاحب المغرب المنصور أبي يوسف يعقوب بن يوسف بمراكش. وكان محققًا مهيباً، مشددًا على التلميذ، مجوداً، عارفًا بالقراءات، مشاركًا في العربية. توفي بعد سنة تسع وتسعين. قاله الأبار.
513 -
عبد الله بن محمد بن عيسى
، أبو محمد التادلي، الفاسي، الحاكم.
قال الأبار: روى عن أبي بحر الأسدي، وأبي محمد بن عتاب. كتب إليه وولاه الخليفة أبو يعقوب قضاء مدينة فاس في سنة تسع وسبعين. ودخل أيضًا إلى الأندلس في المدة اللمتونية، وأدرك أبا بكر ابن العربي. وسمع من القاضي عياض، وغيره، ولم يحدث إلا عن ابن عتاب، وأبي بحر. وكان فقيهًا متفنناً، جليل القدر، له رسائل وأشعار، مع شجاعة وصرامة. وكان أبوه أحد الفقهاء المشاورين بفاس.
ثم قال: روى عنه أبو عبد الله الحضرمي، وأبو محمد بن حوط الله، وأبو الربيع بن سالم. وقال لي أبو الربيع: هو آخر من حدث عن المذكورين. كذا قال. وقد تقدم أن عبد الله بن طلحة بن أحمد آخر من حدث عنهما.
قلت: بل هذا آخر من حدث عنهما.
قال ابن فرتون - كما نقل الأبار عنه - قال: توفي قرب الست مائة، وقد اختل ذهنه من الكبر.
قال الأبار: وقد حدث عن أبي بحر الأسدي شيخنا أبو بكر بن أبي جمرة، وتأخر عن الاثنين.
قلت: يعني حدث عنهما بالإجازة، وكثيرًا ما يقول الأبار وغيره من المغاربة: حدث فلان، عن فلان، وإنما يكون ذلك بالإجازة، وفي هذا تدليس وتعمية للسماع من الإجازة.
وحدث عن صاحب الترجمة أبو الحسن الشاري، وقال: توفي بمكناسة مغربًا عن وطنه سنة سبع وتسعين.
قلت: إنما ذكرته هنا على التقريب لقول ابن فرتون توفي قرب الستمائة.
514 -
عبد الله بن محمد بن عبد القاهر بن عليان
، أبو محمد الحربي.
سمع هبة الله بن الحُصين، وأبا الحسين ابن الفراء، وأبا بكر الأنصاري، وأبا القاسم ابن السمرقندي.
وكان يسمى أيضًا بعبد الغني، ويكنى أيضًا بأبي الغنائم.
قال الدبيثي: مرض وأصابه في آخر عمره نوع من السوداء، وجئناه لنسمع منه فأبى، وكان قد تغير.
قلت: روى عنه ابن خليل، والنجيب عبد اللطيف، والحافظ الضياء. وأجاز لابن أبي الخير. وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول.
515 -
عبد الرحمن بن عبد الله بن موسى بن سليمان
، أبو بكر بن برطلة الأزدي، المرسي، سبط الحافظ أبي علي بن سكرة الصدفي.
قرأ القراءات على أبي علي بن عريب، وسمع منه، ومن أبي بكر بن أبي ليلى، وجماعة. وتفقه بأبي عبد الله بن عبد الرحيم، وبأبي محمد بن عاشر. وسمع من أبي الحسن ابن النعمة ببلنسية. وولي قضاء دانية مدة، وحُمدت سيرته. وولي خطابة مرسية دهراً. ذكره أبو عبد الله الأبار وقال: كان حافظًا للحديث، متقناً، ذا حظ من العربية، مدرسًا للفقه. قال لي ابنه أبو محمد: إنه عرض المدونة على أبي عبد الله بن عبد الرحيم، وبعض العتبية. وعرض كتاب البراذعي، على ابن عاشر. وحدث. توفي في ربيع الأول كهلًا أو في أول الشيخوخة.
516 -
عبد الرحمن بن مكي بن حمزة بن موقى بن علي
، أبو القاسم الأنصاري، السعدي، الإسكندراني، المالكي التاجر. ويعرف بابن غلاس.
ولد سنة خمس وخمس مائة. وسمع من أبي عبد الله الرازي وله منه إجازة أيضاً. وهو آخر من حدث عنه. روى عنه الحافظ علي بن المفضل، والزين محمد بن أحمد ابن النحوي، وأبو الفتح محمد بن الحسن بن إسماعيل اللخمي، ومنصور وأحمد ابنا عبد الله ابن النحاس، وجعفر بن تمام، وعبد الله وحسين ابنا أحمد بن حديد الكناني، والحسن بن عثمان المحتسب، وهبة الله بن زوين الفقيه، وعثمان بن هبة بن عوف الزهري الإسكندرانيون، وخلق سواهم. وآخرهم موتًا عثمان، بقي إلى سنة أربع وسبعين.
قال الحافظ المنذري: لم يزل صحيح السمع والبصر والجسد إلى أن مات. وتصدق بألف دينار تخرج من ثلثه بعد موته. وتوفي في سلخ ربيع الآخر.
517 -
عبد الرحيم بن أبي البركات المبارك بن كرم بن غالب
، أبو الفرج البندنيجي، ثم البغدادي، الخازن.
سمع أبا سعد أحمد بن محمد البغدادي، وأبا الفضل الأرموي، وابن الطلاية، وحدث. ومات في المحرم.
518 -
عبد الرحيم بن عبد العزيز بن أبي البقاء هبة الله بن القاسم بن البندار الحريمي
.
سمع من أبي الوقت، وأبي جعفر محمد بن محمد الطائي. وحدَّث.
519 -
عبد الوهاب بن يوسف بن علي
، أبو محمد الدمشقي، الحنفي، بدر الدين.
قرأ المذهب على الفقيه غالي بن إبراهيم الغزنوي. وسمع من ابن صدقة الحراني. ودرس بمدرسة السيوفيين بالقاهرة، وناب في القضاء، وأفتى، وله شعر وفضائل.
توفي في صفر بالقاهرة.
520 -
عبيد الله بن علي بن نصر بن حمرة
، أبو بكر ابن المارستانية.
قال ابن نقطة: حدثني علي بن أحمد الزيدي، أن ابن المارستانية استعار منه مغازي الأموي فردها، وقد طبق عليها السماع على كل جزء ولم يسمعها. وكان شيخنا ابن الأخضر ينهى أن يسمع على أحد بنقله أو بخطه، أو بخط أبي بكر بن سوار.
وسمعت نصر بن عبد الرزاق الجيلي يقول: اجتاز ابن المارستانية على باب مسجد عبد الحق بن يوسف ونحن نسمع. فلما رآه نهض إليه، وأخذ عكازه، وجعل يضربه ويقول: ويلك تستعير مني أجزاء ثم تردها علي، وقد سمعت عليها، تستغفلني أنت؟ متى قرأتها علي؟ وشتمه حتى قام رجل خلصه منه.
وحدثني علي بن عبد العزيز ابن الأخضر قال: سمعتُ أبي
يقول: قام أبو الحسين بن يوسف عندنا بجامع القصر فقال: اشهدوا علي أن ابن المارستانية كذاب.
قلت: ابن المارستانية بغدادي طالب حديث. ذكره الدبيثي، فقال: طلب الحديث، وجمع، وادعى الحفظ والنقل عمن لم يدركه، فكذبه الناس. وانتسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه دعوى منه. وكان أبواه يخدمان المارستان، وكان ذا جرأة وقحة، ويتعانى الفلسفة والطب.
سمع من شهدة، وطبقتها، وادعى أنه سمع من أبي الفضل الأرموي، وسود تاريخًا لبغداد.
وتوفي في ذي الحجة بطريق تفليس، وكان ذاهبًا إليها رسولًا من الخليفة. وكان يعرف الطب والنجوم.
521 -
عبيد الله بن أبي المعمر بن المبارك
، أبو الفرج البغدادي، الناسخ، الفقيه، الشافعي، المعروف بالمستملي.
حدث عن أبي الوقت السجزي.
522 -
عثمان بن عيسى بن هيجون
، أبو الفتح البلطي، الأديب، النحوي.
له مجاميع في الأدب، وشعر. وقد تصدر بالجامع العتيق بمصر وأفاد.
وحدث عن محمد بن أسعد بن الحكيم العراقي.
وقد أقام عثمان البلطي بدمشق مدة يتردد إلى الزبداني للتعليم، فلما فتحت مصر انتقل إليها، ورتب له صلاح الدين جامكية على جامع مصر.
وكان ضخمًا هائلاً، أحمر اللون، يتطيلس من غير تحنيك، ويلبس الثياب الكثيرة في الحر، ويختفي في بيته في الشتاء، حتى كان يقال له: أنتَ في الشتاء من حشرات الأرض.
وكان إذا دخل الحمام دخل بالمزدوجة على رأسه، وأتى الحوض، وكشف رأسه بيده، وأقلب الماء بيده الأخرى. ثم يبادر، ويغطي رأسه إلى أن يملأ الطاسة، ثم يكشفه ويصب ويُغطيه. يفعل ذلك مراراً. ويقول: أخاف الهواء.
وكان متمكنًا من فنون العربية، يخلط المذهبين في النحو، ويحُسن القيام
بأصولهما وفروعهما.
وكان خليعًا ماجناً، مدمن الخمر، منهمكًا في اللذات.
وله في القاضي الفاضل:
لله عبدٌ رحيمٌ يُدعى بعبد الرحيم على صِراطٍ سَويّ من الهدى مستقيمِ وقال العماد الكاتب: أنشدني البلطيّ لنفسه: حكّمته ظالمًا في مُهجتي فسَطا وكان ذلك جَهْلًا شُبتُه بخَطا هلا تجنّبتُه والظلم شِيمته ولا أُسام به خَسْفًا ولا شَطَطا ومن أضلُّ هدى ممّن رأى لَهَبًا فخاض فيه وألقى نفسه وسَطا وله:
دعوه على ضَعفي يجور ويشتطّ فما في الهوى قبضٌ لديَّ ولا بَسْطُ ولا تعتِبوه فالعِتاب يَزيده مَلالا وإنّي لي اصطبارٌ إذا يَسطو فما الوعْظ فيه والعِتاب بنافع وإن يَشرِطِ الإحسان لا ينفع الشَّرْطُ تنازعَتِ الآرامُ والدّرُّ والمها لها شَبَهًا والبدر والغُصْن والسَّقْطُ فللريم منه اللحظ واللون والطلى وللدر منه اللفظ والثغر والخط وللغصن منه القد والبدر وجهه وعينُ المها عينٌ بها أبدا يسطو وللسقط منهُ ردفهُ فإذا مشى بدا خلفهُ كالموج يعلُو وينحط وله القصيدة التي يحسنُ في قوافيها الرفعُ والنصبُ والجرّ. وله موشح في القاضي الفاضل، وله كتابان في العروض، وله كتاب العظات الموقظات، وله كتاب أخبار المتنبي، وكتاب في أخبار الأجواد، وكتاب التصحيف والتحريف، وغير ذلك. والله يسامحه.
وعاش خمسًا وسبعين سنة.
وهو من بلد، ويقال: بلط.
أخذ النحو عن ملك النحاة أبي نزار، وسعيد ابن الدهان.
وبقي في بيته ثلاثة أيامً ميتًا لا يُدرى به.
523 -
علي بن أحمد بن سعيد
. الكومي تالمالكي.
دخل الأندلس، أو وُلد بها. وسمع من ابن بشكوال، ومحمد بن سعيد بن زرقون. وقدم الثغر فسمع من السلفي. وبدمشق من أبي القاسم ابن عساكر، وبمكة، وبغداد.
وحدث وخرج الفوائد، وتوفي في جمادى الأولى.
524 -
علي بن إبراهيم بن نجا بن غنائم
، زين الدين، أبو الحسن، الأنصاري، الدمشقي، الحنبلي، الواعظ المعروف بابن نجية، نزيل مصر بالشارع.
ولد بدمشق سنة ثمان وخمس مائة، وسمع من علي بن أحمد بن قبيس المالكي، وسمع ببغداد من سعد الخير بن محمد الأندلسي، وصاهره على ابنته فاطمة، وسمع أيضًا من عبد الصبور بن عبد السلام الهروي، سمع منه الجامع للترمذي، وسمع من أبي الفرج عبد الخالق اليوسفي في سنة أربعين وخمس مائة.
وحدث ببغداد، ودمشق، ومصر، والإسكندرية.
وكتب عنه أبو طاهر السلفي مع تقدمه وجلالته شيئا حكاه في معجم شيوخ بغداد.
ووعظ بجامع القرافة مدة طويلة. وكان صدرًا محتشماً، نبيلاً، ذا جاه ورياسة، ودنيا واسعة، وتقدم عند الدولة. وهو سبط الشيخ أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي، الحنبلي. وقد سار في الرسلية من جهة السلطان نور الدين إلى الديوان العزيز في سنة أربع وستين وخمس مائة.
روى عنه ابن خليل، والحافظ الضياء، ومحمد ابن البهاء عبد الرحمن، وأبو سليمان ابن الحافظ عبد الغني، وأبوه، والزكي عبد العظيم، وعبد الغني بن بنين، وجماعة. وروى عنه بالإجازة: أحمد بن أبي الخير.
قال الإمام أبو شامة: كان كبير القدر، معظمًا عند صلاح الدين، وهو الذي نم على الفقيه عمارة اليمني وأصحابه بما كانوا عزموا عليه من قلب الدولة، فشنقهم صلاح الدين. وكان صلاح الدين يكاتبه ويحضره مجلسه.
وكذلك ولده الملك العزيز من بعده. وكان واعظًا مفسراً. سكن مصر. وكان له جاهٌ عظيم، وحُرمة زائدة. وكان يجري بينه وبين الشهاب الطوسي العجائب لأنه كان حنبلياً، وكان الشهاب أشعرياً، وكلاهما واعظ. جلس ابن نجية يومًا في جامع القرافة، فوقع عليه وعلى جماعة سقف، فعمل الطوسي فصلًا ذكر فيه: فخر عليهم السقف من فوقهم. وجاء يومًا كلبٌ يشق الصفوف في مجلس ابن نجية، فقال هذا: من هناك. وأشار إلى جهة الطوسي.
قال أبو المظفر ابن الجوزي: واقتنى ابن نجية أموالًا عظيمة، وتنعم تنعمًا زائداً، بحيث إنه كان في داره عشرون جارية للفراش تساوي كل واحدة ألف دينار وأكثر. وكان يعمل له من الأطعمة ما لا يعمل للملوك. وأعطاه الخلفاء والملوك أموالًا عظيمة، ومع هذا مات فقيراً. كفنه بعض أصحابه.
قال المنذري: مات في سابع رمضان.
525 -
علي بن الحسن بن إسماعيل بن الحسن
، أبو الحسن العبدي، البصري، ابن المعلمة.
ولد بالبصرة سنة أربع وعشرين وخمس مائة. وسمع من جابر بن محمد الأنصاري، وطلحة بن علي المالكي، وإبراهيم بن عطية الشافعي. وببغداد من ابن ناصر، وأبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الكرم الشهرزوري، وجماعة. وقرأ الأدب بالبصرة على جماعة. واشتغل وحدث وصنف، وقال الشعر والترسل.
وثقه الدبيثي وروى عنه، وأثنى عليه، قال: لقيته بواسط. وتوفي في شعبان.
526 -
علي بن حمزة بن علي بن طلحة بن علي
. الشيخ الأجل أبو الحسن ابن الأجل الصالح أبي الفتوح، الرازي الأصل، البغدادي، الكاتب، نزيل مصر.
من بيت سؤدد وتقدم. ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة. وسمع من
أبي القاسم بن الحُصين. وولي حجابة الباب النوبي. وحدث ببغداد، والشام، ومصر. وكان أنيق الكتابة. سمع منه أبو المحاسن عمر بن علي القرشي، ومات قبله بدهر. وحدث عنه ابن خليل، والضياء، وخطيب مردا، وجماعة. وتوفي في غرة شعبان.
وقد ولي أبوه وكالة المسترشد بالله.
527 -
علي بن خلف بن معزوز بن علي
. الإمام أبو الحسن الكومي، المحمودي، التلمساني، المالكي. نزيل منية بني خصيب.
فقيه عارف بالمذهب، خبير بالأصول والنظر، ذو زهد وورع. وكان يحضر عند صاحب المغرب، وله منه جانب، فآثر الآخرة وفارقه، وقدم مصر، واشتغل بالثغر على أبي طالب صالح ابن بنت معافى. وحج ودخل بغداد، فسمع من يحيى بن ثابت، وأبي بكر ابن النقور، وأبي علي الرحبي، ومحمد بن محمد بن السكن، وأبي المكارم المبارك بن محمد البادرائي، وطائفة. وكتب الكثير، وحصل الأصول.
قال المنذري: توفي في الرابع والعشرين من رجب. وحدث عنه جماعة من شيوخنا ورفقائنا. ودرس بمنية بني خصيب وأشغل. وبنو محمود من كومية؛ قبيلة من البربر.
روى عنه عبد الجليل الطحاوي، والشهاب القوصي، وقال: هو مدرس النجمية اللمطية بمنية بني خصيب. كان شيخًا إماماً، كثير العبادة، رحل إلى العراق في طلب الحديث، وأفتى ودرس. سمعتُ منه ياقوتة أبي عمرو الزاهد، وعدة أجزاء.
أنشدني أحمد بن إسحاق القرافي، قال: أنشدنا عبد الجليل بن محمد الطحاوي المالكي سنة خمس وثلاثين وست مائة، قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن خلف، عن عبد الله بن محمد الأشيري، عن ابن مفوز لنفسه: تروي الأحاديث عن كل مسامحةً وإنما لمعانيها مُعانيها
528 -
علي ابن الإمام المدرس أبي البركات هبة الله بن عبد المحسن الأنصاري
، أبو الحسن المصري، المالكي.
ولي التدريس بعد والده بمدرسة المالكية المجاورة للجامع العتيق بمصر. وحدث عن عبد الغني بن أبي الطيب بشيء يسير.
529 -
عيسى بن حماد بن عبد الرحمن بن عمر
، أبو موسى القيسي، الصقلي الأصل، الدمشقي.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وقدم الشام وله ثلاثون سنة.
حدث عن أبي العشائر محمد بن خليل بن فارس القيسي. وأجاز لأحمد بن أبي الخير. وحدث عنه الشهاب القوصي، وغيره.
توفي في ربيع الأول بدمشق عن بضع وثمانين سنة.
530 -
غياث الدين، السلطان أبو الفتح محمد بن سام
بن الحسين بن الحسن الغوري صاحب غزنة، أخو السلطان شهاب الدين.
أنبأني ابن البزوري أنه كان ملكًا عادلاً، وللمال باذلاً، محسنا إلى رعيته، رؤوفا بهم في حكمه وسياسته. كانت ثغور الأيام به بواسم، وكلها بوجوده أعياد ومواسم، قرب العلماء، وأحب الفضلاء، وبنى المساجد والربط والمدارس، وجدد من مواطن العبادات ما كان دارساً، وأدر الصدقات، وبنى في الطرق الخانات. وكان بالجود والسخاء موصوفاً.
قلت: امتدت أيامه، وأسن ومرض بالنقرس مدة.
ذكر العدل شمس الدين الجزري في تاريخه أنه توفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربة له إلى جانب جامع هراة.
قال ابن الأثير: وكان عادلًا سخياً، قرب العلماء وبنى المدارس والمساجد، وكان مظفرًا في حروبه لم ينكسر له عسكر. وكان ذا دهاء ومكر وكرم. أسقط المكوس ولم يتعرض لمال أحمد. وكان من مات بلا وارث
تصدق بما خلفه. وكان فيه فضل وأدب. وقد نسخ عدة مصاحف، ولم يبدُ منه تعصبٌ لمذهب، وكان يقول: التعصب قبيح.
وأما أخوه شهاب الدّين فإنه قُتل غيلة. ثم إنّ خوارزم شاه محمد بن تكش قصد غزنة في سنة خمس وست مائة، وظفر بالملك غياث الدين محمود ولد غياث الدين محمد بن سام وقتله بعد أن آمنه، وترك بغزنة جلال الدين ابن خوارزم شاه. ولما توفي غياث الدين محمد كان الأمير تاج الدين ألدز أحد موالي الملوك الغورية قد استولى على باميان وبلخ، فسار إلى غياث الدين ابن غياث الدين ليكون في نصره، فحضر بغزنة وأحضر العلماء وفيهم رسول الخليفة مجد الدين يحيى بن الربيع مدرس النظامية، وكان قد نفذ رسولًا إلى شهاب الدين الغوري، فقتل شهاب الدين وابن الربيع بغزنة، فالتمس تاج الدين ألدز أن ينتقل إلى دار المملكة، وأن يخاطب بالمُلك، فركب هو والأمراء في خدمة غياث الدين محمود، وعليه ثياب الحزن على شهاب الدين، فتغيرت نية جماعة من الدولة لأنهم كانوا يطيعونه، أعني ألدز، بناءً على أنه يحصل الملك لغياث الدين، فلما رأى انحرافهم فرق فيهم الأموال ورضوا، وأذن لجماعة من الأمراء وأولاد الملوك أن يكونوا في خدمة غياث الدين، فلما استقروا عنده بعث إليه خلعة، وطلب منه ألدز أن يُسلطنه وأن يعتقه من الرق؛ لأنه كان لعمه الشهيد شهاب الدين، وأن يزوج ولده بابنة ألدز. فلم يجبه غياث الدين محمود. واتفق أن جماعة من الغورية أغاروا على أعمال كرمان، وهي إقطاع قديم لألدز، فجهز ألدز صهره وراءهم فظفر بهم وقتلهم. ثم إن ألدز فرق الأموال، وأجرى رسوم مولاه شهاب الدين، واستقام أمره.
وجرت لهم أمورٌ طويلة حكاها شمس الدين ابن الجزري في أوائل تاريخه، وأن ألدز ملك مدينة لهاوور وعدة مدائن، وأنه التقى هو وشمس الدين الدزمش مملوك قطب الدين أيبك فتى شهاب الدين الغوري فأسر تاج الدين ألدز في المصاف فقُتل. وكان محمود السيرة في رعيته.
531 -
فلك الدين، الأمير الملقب بالمبارز سليمان
بن. . .، وهو أخو السلطان الملك العادل لأمه.
دفن بداره بدمشق الفلكية التي وقفها مدرسة بناحية باب الفراديس. ورخه أبو شامة.
532 -
القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم
. قاضي القضاة ضياء الدين، أبو الفضائل بن الشهرزوري، الشافعي، ابن أخي قاضي الشام كمال الدين محمد.
ولد سنة أربع وثلاثين وخمس مائة. تفقه ببغداد بالنظامية مدة، ثم عاد إلى الموصل. وقدم الشام، وولي قضاء القُضاة بعد عمه. ثم استقال منه لما عرف أن غرض السلطان صلاح الدين أن يولي الإمام أبا سعد ابن أبي عصرون، فأقاله ورتبه للترسل إلى الديوان العزيز. وقدم بغداد رسولًا عن الملك الأفضل. فلما تملك العادل دمشق أخرجه منها، فسار إلى بغداد، فأكرم مورده وخلع عليه، وولاه الخليفة قضاء القضاة والمدارس والأوقاف، والحُكم في المذاهب الأربعة.
وحصلت له منزلة عظيمة إلى الغاية عند الناصر لدين الله. ولم يزل على ذلك إلى أن سأل الإعفاء والإذن له في التوجه إلى بلده، وخاف العواقب، وسار إلى حماة، فولي قضاءها، وعيب عليه هذه الهمة الناقصة.
وكان سمحاً، جواداً، رئيسا، له شعر جيد، فمنه: فارقتكم ووصلت مصر فلم يقم أنسُ اللقاء بوحشة التوديع وسررتُ عند قدومها لولا الذي لكم من الأشواق بين ضلوعي وله:
في كل يوم ترى للبين آثارُ وما له في التئام الشمل إيثار يسطو علينا بتفريق فواعجبًا هل كان للبين فيما بيننا ثارُ يهزني أبدا من بعد بعدهم إلى لقائهم وجدٌ وتذكارُ ما ضرهم في الهوى لو واصلوا دنفًا وما عليهم من الأوزار لو زاروا
يا نازلين حمى قلبي وإن بعدوا ومنصفين وإن صدوا وإن جاروا ما في فؤادي سواكم فاعطفوا وصلوا وما لكم فيه إلا حبكم جارُ وقد سمع من أبي طاهر السلفي وحدث عنه. وبحماة تُوفي في رجب، وله خمسٌ وستون سنة، في نصف الشهر.
533 -
محمد بن أحمد بن سعيد
، الأديب، مؤيد الدين التكريتي، أبو البركات، الشاعر.
قال الدبيثي: أنشدوني له:
ومن مبلغٌ عني الوجيه رسالةً وإن كان لا تُجدي إليه الرسائلُ تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل وذلك لما أعوزتك المآكل وما اخترت رأي الشافعي تدينًا ولكنما تهوى الذي هو حاصلُ وعما قليل أنت لا شك صائر إلى مالكٍ فافطن لما أنت قائلُ
534 -
محمد بن أحمد بن إبراهيم
، أبو عبد الله القرشي، الهاشمي، الزاهد، الأندلسي، نزيل بيت المقدس.
كان إمامًا كبيرًا، عارفاً، قانتاً، مخبتاً، من أهل الجزيرة الخضراء.
ذكره ابن خلكان، فقال: له كرامات ظاهرة، ورأيتُ أهل مصر يحكون عنه أشياء خارقة. قال: ولقيت جماعة ممن صحبه وكل منهم قد نما عليه من بركته. وكان من الطراز الأول. صحب بالمغرب أعلام الزهد، وسافر من مصر لزيارة بيت المقدس فأقام به إلى أن توفي.
وقال المنذري: في سادس ذي الحجة، توفي الشيخ الإمام قدوة العارفين أبو عبد الله محمد بن أحمد الهاشمي، الزاهد ببيت المقدس، وهو ابن خمس وخمسين سنة. صحب بالمغرب جماعة من أعلام الزهاد، وقدم مصر، ونفع الله به جماعة كثيرة ممن صحبه، أو شاهده، أو أحبه، وقبره ظاهر يُقصد
للزيارة والتبرك به. سمعتُ قطعة من منثور فوائده من أصحابه.
535 -
محمد بن أحمد بن عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن وليد بن أبي جمرة
. مولى بني أمية الإمام أبو بكر بن أبي جمرة المرسي.
سمع الكثير من والده وعرض عليه المدونة، ومن أبي بكر بن أسود، وناوله تفسيره، ومن أبي محمد بن أبي جعفر. وأجاز له أبو الوليد بن رشد الفقيه، وأبو بحر بن العاص الأسدي، وأبو الحسن شريح، وجماعة كثيرة.
ذكره أبو عبد الله، فقال: عني بالرأي وحفظه، وولي خطة الشورى وهو ابن نيف وعشرين سنة، وقدم للفتيا مع شيوخه في سنة تسع وثلاثين وخمس مائة.
قلت: أفتى ستين سنة.
قال: وتقلد قضاء مرُسية، وشاطبة، وغير ذلك دفعات، وكان بصيرًا بمذهب مالك، عاكفًا على تدريسه، فصيحاً، حسن البيان، عدلًا في أحكامه، جزلًا في رأيه، عريقًا في النباهة والوجاهة. وله كتاب نتائج الأفكار ومناهج النظار في معاني الآثار، ألفه بعد الثمانين وخمس مائة عندما أوقع السلطان بأهل الرأي، وأمر بإحراق المدونة وغيرها من كتب الرأي. وله كتاب إقليد التقليد المؤدي إلى النظر السديد. قرأ عليه أبو محمد بن حوط الله الموطأ، عن أبيه سماعاً، عن جده قراءة، وعن أبي الوليد ابن الباجي إجازة. وتكلم فيه بعض الناس بكلام لا يقدح فيه. وقد روى عنه أبو عمر بن عات، وأبو علي بن زلال، وجماعة كثيرة. وكتب إلي وإلى أبي بالإجازة مرتين إحداهما في سنة سبع وتسعين، وأنا ابن عامين وشهور. وهو أعلى شيوخي إسناداً. وتوفي بمرسية مصروفًا عن القضاء في آخر المحرم سنة تسع. وولد في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وخمس مائة. قال: وهو آخر من روى عن أبي بحر، وغيره.
قلت: قال ابن فرتون: قال أبو الربيع بن سالم في الأربعين له: أبو بكر ظهر منه في باب الرواية اضطرابٌ طرق الظنة إليه، وأطلق الألسنة عليه، والله أعلم بما لديه. ولأبيه إجازة من أبي عمرو الداني، وهو فله إجازة من أبيه.
وسمع من أبيه التيسير، سمعه منه ابن جُوبر السبتي.
536 -
محمد بن الحسين بن أبي الفتح طاهر بن مكي
، أبو بكر النهرواني، الأزجي، الحذاء، النعال.
روى عن أبي عبد الله السلال، وأبي سعد أحمد بن محمد البغدادي، وابن ناصر، وجماعة. روى عنه النجيب عبد اللطيف.
وأجاز للفخر علي. وتوفي في صفر.
537 -
محمد بن خلف بن مروان بن مرزوق بن أبي الأحوص
، أبو عبد الله الزناتي، البلنسي، المقرئ المعروف بابن نسع.
أخذ القراءات عن أبي الحسين بن هذيل، ولزمه مدة، وسمع منه. ومن: ابن النعمة، وابن سعادة.
قال الأبار: كان مقرئًا خيراً، زاهداً. سمع من طارق بن يعيش السيرة لابن إسحاق، وكثيرًا ما كان يسمع منه لعلوه، وكذلك كتاب الاستشفاء حتى كاد يحفظهما. حدثني بذلك أبي عبد الله بن أبي بكر، وسمع منه هو، وأبو الحسن بن خيرة، وأبو الربيع بن سالم، وأبو بكر بن محرز، وأبو محمد بن مطروح، وجماعة. ولد سنة تسع وخمسمائة، وتوفي في ثاني عشر شعبان وله تسعون سنة، وكانت جنازته مشهودة.
538 -
محمد بن عبد الكريم، أبو عبد الله الفندلاوي
، الفاسي، المعروف بابن الكتاني. كان رأسًا في علم الأصول والكلام. تخرج به طائفة. وله أرجوزة في أصول الفقه. روى عنه أبو محمد النامسي، وأبو الحسن الشاري.
ورخه الأبار.
539 -
محمد بن عبد الكريم. مؤيد الدين أبو الفضل الحارثي
، الدمشقي، المهندس.
كان ذكيًا أستاذًا في نجارة الدق. ثم برع في علم إقليدس، وكان يعمل أيضًا في نقش الرخام وضرب الخيط. ثم ترك الصنعة وأقبل على الاشتغال، وبرع في الطب والرياضي. وهو الذي صنع الساعات على باب الجامع. وقد سمع من السلفي بالإسكندرية، وصار طبيبًا بالمارستان.
وصنف كتبًا مليحة، منها: اختصار الأغاني، وهي بخطه في مشهد عروة، وكتاب الحروب والسياسة، وكتاب الأدوية المفردة، ومقالة في رؤية الهلال.
540 -
محمد بن عثمان، أبو عبد الله العكبري
، الظفري، الواعظ.
سمع من شهدة، وعبد الحق، والطبقة. وجمع لنفسه معجماً. وتوفي في جمادى الأولى.
541 -
محمد بن غنيمة بن علي
، أبو عبد الله الحريمي، القزاز، المعروف بابن القاق. وهو فلقبهُ: عصفور.
شيخ معمر قارب المائة. وسمع في شبيبته من أبي الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء. روى عنه الدبيثي. وبالإجازة: ابن أبي الخير.
توفي في رابع شعبان.
وروى عنه ابن النجار، ووصفه بالصلاح.
542 -
محمد بن محمود. العلامة وحيد الدين المروروذي، الشافعي، المدرس.
كان من كبار الشافعية، وهو الذي رغب السلطان غياث الدين محمد بن سام الغوري، حتى انتقل من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي.
توفي في رجب.
543 -
محمد بن هبة الله بن مكي
. العلامة تاج الدين أبو عبد الله الحموي، ثم المصري. الفقيه الشافعي.
سمع أبا طاهر السلفي، وعبد الله بن بري.
واعتنى بالمذهب، ومهر فيه. وحصل كتبًا كثيرة. وولي خطابة جامع القاهرة، والتدريس بالناصرية المجاورة للجامع العتيق بمصر.
توفي في سادس عشر جُمادى الآخرة. وولد بحماة في سنة ست وأربعين.
544 -
محمد بن يوسف بن علي
، أبو الفضل شهاب الدين الغزنوي، الفقيه الحنفي، المقرئ، نزيل القاهرة.
ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وسمع ببغداد من أبي بكر محمد بن عبد الباقي، وأبي منصور بن خيرون، وأبي سعد أحمد بن محمد البغدادي، وأبي الفتح الكروخي، وجماعة. وقرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط.
وحدث ببغداد وحلب والقاهرة، وأقرأ الناس. قرأ عليه أبو الحسن السخاوي، وأبو عمرو بن الحاجب، وغيرهما. وحدث عنه يوسف بن خليل، والضياء المقدسي، والكمال علي بن شجاع الضرير، والرشيد العطار، والمعين أحمد بن زين الدين الدمشقي، وآخرون. وبالإجازة أحمد بن سلامة.
توفي بالقاهرة في نصف ربيع الأول.
ودرس المذهب بالمسجد المعروف به بالقاهرة، مذهب أبي حنيفة.
545 -
المبارك بن المبارك بن هبة الله
، أبو طاهر ابن المعطوش الحريمي، العطار، أخو أبي القاسم المبارك الذي تقدمت وفاته من سنين.
ولد في رجب سنة سبع وخمسمائة. وسمع من أبي علي محمد بن محمد ابن المهدي، وأبي الغنائم محمد بن محمد بن المهتدي بالله، وهو آخر أصحابهما، وهبة الله بن الحُصين، وأحمد بن ملوك، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وغيرهم.
قال الدبيثي: وكان يقظًا فطناً، صحيح السماع.
قلت: سمع سنة أربع عشرة وخمسمائة.
وحدث عنه الدبيثي، وابن خليل، وأبو موسى ابن الحافظ، واليلداني، وابن عبد الدائم، والنجيب عبد اللطيف، وابن النجار، وطائفة. وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر علي.
وقد سمع المسند كله من ابن الحُصين، وحدث به. قال ابن نقطة: كان سماعه صحيحاً. قال: وتوفي في عاشر جُمادى الأولى.
546 -
محمود بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد
، أبو الفضائل الأصبهاني، العبدكويي، القاضي الحنفي.
ولد سنة عشرين وخمسمائة. وسمع من الحافظ أبي القاسم التيمي، وزاهر الشحامي، وغيرهما. وسمع حضورًا من فاطمة الجوزدانية.
روى عنه يوسف بن خليل، والضياء بن عبد الواحد، وجماعة. وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر علي. وتوفي في رجب.
547 -
محمود بن أبي غالب محمد بن محمد بن محمد بن السكن
، الحاجب أبو المكارم ابن المعوج.
روى عن ابن ناصر، وغيره. روى عنه ابن النجار، وأرخه.
548 -
مسعود بن شجاع بن محمد
. الإمام برهان الدين أبو الموفق القرشي الأموي الدمشقي، الحنفي، مدرس النورية بدمشق، والخاتونية أيضاً.
إمامٌ خبير بالمذهب. درس وأفتى وأشغل، وكان ذا أخلاق شريفة، وشمائل لطيفة.
ولد بدمشق، وارتحل إلى ما وراء النهر، فتفقه على شيوخ بخارى وسمع بها من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي المرغيناني، وجماعة.
وولي قضاء العسكر لنور الدين، وحصل له جاه وافر ودنيا واسعة. وكان
لا تغسل له فرجية، بل إذا اندعكت وهبها، ولبس أخرى جديدة.
وطال عمره، فإنه ولد في جمادى الآخرة سنة عشر وخمسمائة، وتوفي في سادس عشر جمادى الآخرة أيضاً.
روى عنه الشهاب القوصي في معجمه، وابن خليل. ولابن أبي الخير منه إجازة.
549 -
مسعود بن عبد الله بن عبد الكريم بن غيث
، أبو الفتوح البغدادي، الدقاق.
ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع من أبي السعود أحمد بن المجلي، وأبي الحسن علي ابن الزاغوني، وأبي غالب أحمد بن محمد بن قريش، وهبة الله ابن الطبر، وجماعة. روى عنه الدبيثي، والضياء، وابن عبد الدائم، والنجيب الحراني.
وأجاز للزكي عبد العظيم، وقال: توفي في ثالث جمادى الأولى.
وأجاز أيضا لابن أبي الخير، وللقطب ابن عصرون، ولسعد الدين بن حمويه.
550 -
المظفر بن أبي القاسم المسلم بن علي بن قيبا
، أبو عبد الله الحريمي.
سمع ابن الطلاية، وأحمد بن الأشقر، وأبا الفضل الأرموي، والمبارك بن أحمد الكندي. روى عنه الحافظ الضياء، والنجيب عبد اللطيف. وبالإجازة: أبو الحسن ابن البخاري. وتوفي في ربيع الأول عن ثمان وثمانين سنة.
551 -
النفيس بن هبة الله بن وهبان بن رومي
. أبو جعفر السلمي، الحديثي، وابن البزوري.
سمع أبا عبد الله ابن السلال، وأبا الفضل الأرموي.
وهو من الحديثة، قلعة حصينة على الفرات. روى عنه ابن خليل، والضياء، والنجيب. وبالإجازة: شمس الدين ابن أبي عمر، والفخر.
توفي في ثالث عشر صفر.
552 -
هبة الله بن أبي المعالي معد بن عبد الكريم
. الفقيه أبو القاسم بن البوري، القرشي، الدمياطي، الشافعي.
رحل إلى بغداد، وتفقه على الإمام أبي طالب ابن الخل. وبدمشق على أبي سعد بن أبي عصرون. ودرس بالإسكندرية بمدرسة السلفي مدة حتى نسبت المدرسة إليه.
وبورة بلدة صغيرة بقرب دمياط، وإليها ينسب السمك البوري. وبورة أيضًا بقرب عكبرا، النسبة إليها بوراني.
553 -
يازكوج، الأمير سيف الدين الأسدي
، من قدماء الأمراء.
توفي بالقاهرة. ورخه أبو شامة.
وقال الموفق عبد اللطيف: له قصة عجيبة، وهي أنه كان به حمى ربع أقامت به سبع سنين، فلما حضر حرب السابح وقع بين أرجل الخيل وضرب بالدبابيس حتى أثخن، فأقلعت الحمى منه.
قلت: حرب السابح وقعة بين الملك الأفضل وعمه الملك العادل بديار مصر.
554 -
يوسف بن هبة الله بن محمود بن الطفيل
، أبو يعقوب الدمشقي، الصالح الصوفي، نزيل القاهرة ووالد عبد الرحيم.
رحل إلى بغداد، وسمع أبا الفضل الأرموي، وابن ناصر، وهبة الله بن أبي شريك الحاسب، وأبا الفتح الكروخي، وأحمد ابن الطلاية، وأحمد بن طاهر الميهني، وطائفة. وسمع بدمشق قبل ذلك من أبي الفتح نصر الله المصيصي، وعلي بن أحمد بن مقاتل، وعبد الواحد بن هلال، وجماعة. وسمع بالإسكندرية من السلفي، وغيره.
وسمع ولده. وكان له عناية بسماع الحديث.
روى عنه الحفاظ: عبد الغني، وابن المفضل، والضياء محمد، وابن خليل، وجماعة كثيرة.
قال الشيخ الموفق: كنا نسمع عليه قبل سفرنا إلى بغداد.
أخبرنا عبد الحافظ بنابلس، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد سنة ست عشرة وستمائة، قال: أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن الطفيل، (ح) وأنبأني أحمد بن سلامة، عن ابن الطفيل، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر الأرموي، قال: أخبرنا أبو نصر الزينبي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بن المقدام، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة ابن أبي أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من أحبّ لقاء الله أحب الله لقاءه» . . . الحديث.
توفي في ثامن جمادى الآخرة.
555 -
أبو بكر بن خلف
، الأنصاري، القرطبي، القاضي أبو يحيى. سمع من أبي إسحاق بن قرقول، وغيره. قال الأبار: كان فقيهًا إماماً، تام النظر، عني بالحديث، والعلل، والرجال، ولم يُعن بالرواية. سمع منه أبو الحسن ابن القطان. واتصل بصاحب مراكش وحصل أموالاً، وولي قضاء مدينة فاس. توفي في شوال.
وفيها ولد:
شمس الدين عبد الواسع بن عبد الكافي الأبهري، الشافعي، ومحيي الدين عمر بن محمد بن أبي عصرون، والشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبري، ومجد الدين عبد العزيز بن الحسين الخليلي، وعز الدين بردويل بن إسماعيل بن
بردويل، وإبراهيم بن عثمان بن يحيى اللمتوني، والحسن بن محمد بن إسماعيل القبلوي، وعيسى بن سالم بن نجدة الكركي، وشمس الدين محمد بن عبد الله بن النن البغدادي، والبرهان الدرجي، والشيخ شهاب الدين أبو شامة، والفخر عمر بن يحيى الكرجي، والكمال الفويره، والمجد عبد الله بن محمود بن بلدجي شيخ الحنفية، وشرف الدين إسماعيل بن أبي سعد ابن التيتي.
سنة ستمائة
556 -
أحمد بن إبراهيم بن يحيى
، أبو سعد الدرزيجاني، المؤدب بالبصرة.
أخذ القراءات عن أصحاب أبي العز القلانسي. وسمع ببغداد من هبة الله الحاسب، وابن ناصر. وحدث بواسط.
ودرزيجان: من قرى بغداد.
روى عنه الدبيثي.
557 -
أحمد ابن الشيخ أبي عبد الله الحسين بن أحمد
، أبو بكر القنائي، ثم البغدادي. سمعه أبوه من ابن ناصر، وأبي بكر ابن الزاغوني.
توفي في حدود هذه السنة.
ودير قنا: من نواحي النهروان.
558 -
أحمد بن خلف بن قيس بن تميم
، أبو العباس القيسي، الشاغوري، الطرسوسي، وينعت بالمخلص.
حدث عن نصر بن أحمد بن مقاتل. سمع منه القفصي، والعماد ابن عساكر، وقال: توفي في ثامن عشر شوال. ومولده بعد العشرين وخمس مائة.
559 -
أحمد بن علي بن أبي تمام أحمد بن علي بن أحمد ابن المهتدي بالله
، خطيب جامع المنصور وجامع القصر.
توفي في رمضان.
560 -
أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن حراز
، أبو القاسم الكرخي، المقرئ، الخياط.
ولد سنة أربع وعشرين وخمس مائة. وسمع من أبي بكر الأنصاري، وأبي منصور عبد الرحمن القزاز، وأبي الفتح الكروخي، وجماعة. روى عنه الدبيثي، وابن النجار، والنجيب عبد اللطيف، وجماعة. وتوفي في ذي القعدة.
561 -
أحمد بن محمد بن مخلوف
، أبو العباس ابن الكعكي، الفقيه الإسكندراني، المالكي، المدرس.
توفي في المحرم.
562 -
أحمد بن محمود، أبو العباس الصوفي
، التبريزي.
صحب الشيخ أبا القاسم عبد الرحيم بن أبي سعد النيسابوري ببغداد واختص به. وكان فيه سكون وخير.
قال الدبيثي: حضر مع الصوفية في رجب، فأنشد القوال: وحق ليال الوصال أواخرها والأول لئن عاد شملي بكم حلا العيش لي واتصل فتواجد الشيخ أحمد وتحرك إلى أن سقط، فوجدوه ميتاً، رحمه الله.
563 -
إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم
، أبو محمد الشيرازي، ثم البغدادي، الصوفي، أخو الحافظ يوسف.
شيخ صالح من صوفية رباط الأرجواني. سمع أبا بكر الأنصاري، وأبا القاسم ابن السمرقندي، ويحيى ابن الطراح. روى عنه الدبيثي، وابن النجار، وابن خليل، والضياء، وغيرهم. وأجاز للفخر علي، وغيره. وتوفي في رمضان.
564 -
إسماعيل بن أبي تراب علي بن علي
، أبو عبد الله ابن وكاس البغدادي، الحنبلي، القطان.
سمع أبا غالب ابن البناء، ويحيى بن عبد الرحمن الفارقي، ومحمد بن
أحمد الديباجي الواعظ. روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والضياء، والنجيب، وآخرون. وبالإجازة: الشيخ شمس الدين، والفخر علي، وآخرون. وتوفي في شوال.
565 -
أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف بن أحمد
، العلامة منتجب الدين أبو الفتوح، وأبو الفتح العجلي الأصبهاني الفقيه الشافعي الواعظ.
ولد بأصبهان في أحد الربيعين سنة خمس عشرة وخمس مائة. وسمع من فاطمة الجوزدانية، وأبي القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ، وغانم بن أحمد الجلودي، وأبي المطهر القاسم بن الفضل الصيدلاني. وببغداد من ابن البطي. وأجاز له إسماعيل بن الفضل السراج، وغيره. وتفقه وبرع في مذهب الشافعي، وصنف التصانيف.
روى عنه أبو نزار ربيعة اليمني، وابن خليل، والضياء محمد، وآخرون. وأجاز لابن أبي الخير، والفخر علي.
قال الدبيثي: كان زاهدًا، له معرفة تامة بالمذهب. وكان ينسخ ويأكل من كسب يده، وعليه المعتمد في الفتوى بأصبهان.
وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان: هو أحد الفقهاء الأعيان، له كتاب في شرح مشكلات الوجيز والوسيط للغزالي. وله كتاب تتمة التتمة. وتوفي بأصبهان في الثاني والعشرين من صفر.
وقرأت بخط الضياء، قال: شيخنا هذا كان إمامًا مصنفاً، أملى ووعظ، ثم ترك الوعظ. وجمع كتابًا سماه: آفات الوعاظ. سمعتُ منه المعجم الصغير للطبراني.
566 -
أشرف بن هاشم بن أبي منصور
، أبو علي الهاشمي، البغدادي، المعروف بالفأفأ.
سمع أبا بكر محمد بن الحسين المزرفي، ويحيى ابن البناء. وكان يرجع إلى صلاح ودين.
روى عنه الدبيثي، وغيره. وروى عنه الضياء، وابن خليل، فقالا: ابن أبي هاشم.
وجاء عنه أنه قال: اسمي عبيد الله، ولقبي أشرف. وله إجازة من هبة الله بن الحصين.
توفي في المحرم. ولابن النجار منه إجازة.
567 -
أكمل بن علي بن عبد الرحيم بن محمد بن علي بن أبي موسى
، الشريف أبو محمد الهاشمي، الخطيب.
توفي في شوال، وله أربع وثمانون سنة.
568 -
بركة بن نزار بن عبد الواحد بن أبي سعد
، أبو الخير البغدادي، التستري، النساج، المعروف بابن الجمال.
سمع هبة الله ابن الطبر. روى عنه الدبيثي، والضياء، والنجيب الحراني، وغيرهم. وأجاز للفخر علي. وتوفي في ذي القعدة.
وهو أخو عبد الواحد بن نزار الآتي في طبقة ابن اللتي.
569 -
بزغش التاجر
، عتيق أحمد بن شافع الكفرطابي.
حدث عن أبي الوقت السجزي. روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي، وجماعة.
توفي بدمشق في صفر.
570 -
بقاء بن عمر بن عبد الباقي بن حند
، أبو المعمر الأزجي، الدقاق.
شيخ مسند مسن. روى عنه هبة الله بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وهبة الله ابن الطبر الحريري، وغيرهم. روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والضياء، واليلداني، وجماعة. وبالإجازة: القطب أحمد بن عصرون، وابن أبي الخير، والخضر بن عبد الله بن حموية، والفخر علي.
ويسمى أيضًا المبارك.
توفي في ربيع الآخر.
571 -
جابر بن محمد بن يونس بن خلف
، أبو الفرج ابن اللحية الحموي، ثم الدمشقي، الشافعي، التاجر.
سمع نصر الله بن محمد المصيصي، وهبة الله بن طاوس. روى عنه ابن خليل، والقوصي، وفرج الحبشي، وتقي الدين بن أبي اليسر، وآخرون.
وأجاز لابن أبي الخير. وتوفي في تاسع صفر بدمشق.
572 -
جبريل بن جميل بن محبوب بن إبراهيم
، الفقيه أبو الأمانة القيسي اللواتي، المصري، الحنفي.
سمع من عثمان بن فرج العبدري، وعلي بن هبة الله الكاملي، وخلق بمصر، وأبي طاهر السلفي، وطائفة بالثغر.
وسمع الكثير. وتوفي بطريق مكة.
573 -
جَهير بن أبي نصر عبد الله بن الحسين بن جَهير
. الرئيس أبو القاسم.
من بيت حشمة وتقدّم ببغداد. حدث عن سعيد ابن البنّاء، وأبي الوقت.
574 -
الحسن ابن الحافظ أبي القاسم عليّ بن الحسن بن هبة الله
، أبو الفتح الدمشقيّ ابن عساكر.
سمع عليّ بن أحمد بن مقاتل، وحمزة ابن الحُبُوبيّ، وجماعة. وتوفي كهلًا في ذي الحجة. روى عنه شمس الدين بن خليل.
575 -
الحسن بن أبي المحاسن محمد بن المحسّن
، أبو سعد القُشيري، النيسابوري.
شيخ صالح.
قال المنذري: سمع صحيح مسلم من أبي محمد إسماعيل بن عبد الرحمن القارئ، وحدّث به. وتوفي في هذه السنة.
قلت: وإسماعيل سمع الصحيح من أبي الحسين الفارسيّ.
576 -
الحسين بن عثمان بن علي
، أبو عبد الله الحربي القطّان.
عُرف بابن الكوفي.
توفي في ربيع الآخر عن ستٍّ وثمانين سنة.
حدث عن عبد الله بن أحمد بن يوسف. وعنه الدبيثي، وابن خليل، والضياء، وجماعة. وأجاز لابن أبي الخير، وللفخر عليّ.
577 -
حَمْد بن مَيْسرة بن حَمْد بن موسى بن غنائم
، أبو الثناء الشامي، ثم المصري، الخلاّل، الكامخي، الحنبلي، الرجل الصالح.
حدث عن الشيخ عثمان بن مرزوق الفقيه، وعيسى ابن الشيخ عبد القادر الجيلبيّ، وجماعة.
وكان يُسمع في الشيخوخة. وأمّ بالمسجد المشهور به مدّةً. روى عنه الفقيه مكيّ بن عمر، والحافظ عبد العظيم.
وقد روى أبو عبد الله ابن النّجّار في تاريخه عن رجلٍ، عنه في ترجمة عيسى بن عبد القادر.
وقال عبد العظيم: كان بمسجده كَوْمٌ من نَوى للتّسبيح. وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول. وقد عَلَتْ سِنّه.
578 -
حمزة بن عبد الوهّاب بن يحيى
، أبو طاهر الكِنديّ الدمشقيّ.
توفي في ذي الحجة عن ست وسبعين سنة.
سمع نصر بن أحمد بن مقاتل، وحمزة بن أسد التميمي، وغيرهما. روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي وقال: لقبه رشيد الدين.
579 -
رحمة بنت الشيخ محمود بن نصر ابن الشعار
، أخت المحدث أبي إسحاق إبراهيم، كنيتها أم أيمن.
وهي زوجة الصالح عمر بن يوسف المقرئ. وقد روت عن أبي الفتح ابن البطي، وماتت في شوال.
580 -
رضوان بن سيدهم بن مناد
، أبو الفتح الكتامي، الفقيه المالكي، الأصولي.
سمع بمصر من عثمان بن فرج العبدري، وجماعة. وأجاز له من المغرب الحافظان أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش، وأبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي.
وهو والد المقرئ عبد المنعم الشارعي.
توفي في سابع عشر ربيع الآخر.
581 -
سليمان بن قلج أرسلان
. السلطان ركن الدين ملك الروم.
قال المنذري: توفي في هذه السنة.
قلت: قد ذكر والده في سنة ثمان وثمانين وخمس مائة. وكان أخوه
غياث الدين برًا بأبيه. تملك قونية بعد أبيه، وقوي على أخيه الملك قطب الدين ملكشاه، ثم قوي أيضًا على غيره، فتغلب على غياث الدين كيخسرو السلطان ركن الدين سليمان هذا، وأخذ منه قونية، فهرب كيخسرو إلى الشام، واستغاث بصاحب حلب الملك الظاهر غازي. فلما مات ركن الدين في هذا العام وتملك بعده ولده قلج أرسلان رجع غياث الدين، وتملك قونية والبلاد كلها، وهابته الملوك. ولما توفي تملك بعده ابنه السلطان عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو، وامتدت أيامه إلى أن مات، وتسلطن بعده أخوه عز الدين كيقباذ.
قال ابن واصل: توفي السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن بيغو أرسلان بن سلجوق في سادس ذي القعدة.
قال: وكان موته بالقولنج في سبعة أيام. وكان قبل مرضه بخمسة أيام قد حاصر أخاه بأنقرة، حتى نزل إليه بالأمان، فغدر به، وقبض عليه، فلم يمهل. وملك بعده ابنه قلج أرسلان، فلم يتم أمره.
582 -
شجاع بن معالي بن محمد
، أبو القاسم البغدادي، الغراد، البوراني، القصباني، المعروف بابن شدقيني.
ولد سنة ست عشرة وخمس مائة. وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي الحسين ابن الفراء، وأبي بكر الأنصاري. روى عنه الدبيثي، ويوسف بن خليل فسماه قيساً، والضياء المقدسي، فسماه فرحاً. وإنما هو معروف بكنيته.
توفي في ربيع الآخر.
583 -
شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو
، أبو الغنائم ابن المحدث أبي منصور الحافظ أبي شجاع الديلمي. من ولد فيروز الديلمي الصحابي.
همذاني، مسند، جليل. ولد سنة ثمان عشرة وخمس مائة. وسمع من أبيه، وأبي جعفر محمد بن أبي علي الحافظ، وزاهر بن طاهر الشحامي. سمع
منه مسند أبي يعلى. وقد سمع ببغداد من القاضي أبي الفضل الأرموي، وجماعة. روى عنه الحافظ الضياء. وأجاز للفخر علي. وتوفي في تاسع عشر جمادى الآخرة.
584 -
الطيب بن إسماعيل بن علي بن خليفة
، أبو حامد البغدادي، الحربي، القصير.
ولد سنة أربع وعشرين، وسمع أبا بكر قاضي المرستان، وعبد الله وعبد الواحد ابني أحمد بن يوسف. وأصم في آخر عمره، فكان يروي من لفظه. روى عنه الدبيثي، والضياء. وأجاز للفخر علي. وتوفي في جمادى الآخرة.
585 -
عبد الله بن عمر بن أحمد بن منصور ابن الإمام محمد بن القاسم بن حبيب
. العلامة أبو سعد ابن الصفار النيسابوري، ولد الإمام أبي حفص.
ولد سنة ثمان وخمس مائة، وسمع من جده لأمه الأستاذ أبي نصر ابن القشيري وهو آخر من حدث عنه. وسمع من الفراوي، وزاهر الشحامي، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وغيرهم.
قرأت بخط الحافظ ابن نقطة، قال: أبو سعد ابن الصفار سمع الكثير. وكان إمامًا، ثقة، صالحًا، مجمعًا على دينه وخيره وأمانته. حدث بصحيح مسلم عن الفراوي، وبالسنن والآثار للبيهقي، بسماعه من الخواري، وبالسنن لأبي داود، سمعه من عبد الغافر بن إسماعيل، بسماعه من نصر بن علي الحاكمي. توفي في سابع شعبان.
وقال المنذري: توفي في سابع عشر رمضان.
قلت: روى عنه بدل بن أبي المعمر التبريزي، وإسماعيل بن ظفر النابلسي، ونجم الكبرى أبو الجناب أحمد بن عمر الخيوقي، وأبو رشيد الغزال، وابنه أبو بكر القاسم بن عبد الله، وجماعة. وبالإجازة الشيخ شمس الدين عبد الرحمن، وفخر الدين علي ابن البخاري.
وأنبأني أبو العلاء الفرضي، قال: مجد الدين أبو سعد الصفار، كان إمامًا عالمًا بالأصول، فقيهاً، ثقة، من بيت العلم والرواية. سمع أباه، وعمته عائشة، وجده لأمه أبا نصر عبد الرحيم، وجدته دردانة بنت إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، والفراوي، وزاهراً، وأبا المعالي الفارسي، وهبة الله السيدي، وسهل بن إبراهيم المسجدي، وجماعة. ومن سماع أبي سعد سنن الدراقطني، سمعه بفويتٍ على أبي القاسم الفضل بن محمد الأبيوردي، قال: أخبرنا أبو منصور النوقاني، عنه. وسمع السنن الكبير للبيهقي من زاهر. وقد روى الفخر علي عنه هذين الكتابين بالإجازة.
586 -
عبد الله بن أبي منصور محمد بن علي بن زبرج
، أبو المعالي ابن العتابي، الفقيه الشافعي.
كان يحج كل عام عن الخليفة المستضيء. وأخطأ من سمع منه عن قاضي المرستان، فإنه قال: هذا السماع لأخي، وأنا ولدت بعد تاريخ هذا السماع بثلاث سنين.
توفي في جمادى الآخرة.
وقال ابن النجار: لم تكن سيرته مرضية. ثم روى عنه من أمالي الجوهري.
587 -
عبد الله بن مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم
، أبو حامد بن النخاس، البغدادي، الوكيل، ويُعرف بابن جوالق.
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة، وأسمعه أبوه الفقيه أبو عبد الله من
القاضي الأنصاري، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وأبي منصور القزاز، وأبي البركات الأنماطي، وجماعة.
وحدث بالكثير. روى عنه الدبيثي، وقال: سمعتُ منه سنة ست وسبعين وخمس مائة، وابن خليل، والضياء، واليلداني، وابن عبد الدائم، والنجيب عبد اللطيف. وأجاز لابن أبي الخير، وشمس الدين بن أبي عمر، والفخر علي، والكمال عبد الرحيم بن عبد الملك.
وكان يروي تاريخ الخطيب، سوى جزأين منه، عن القزاز.
توفي في العشرين من رمضان. وأبوه مسلم مخفف، والنخاس بمعجمة.
588 -
عبد الله بن أبي محمد بن يعلى
، أبو الرضا المصري، الشافعي، المقرئ.
أم بمسجد السجاعة بمصر مدة طويلة. وسمع من عبد الله بن رفاعة، وعلي بن نصر الأرتاحي، ومحمد بن إبراهيم ابن الكيزاني.
قال المنذري: توفي في منتصف ربيع الأول. وحدثنا عنه غير واحد.
589 -
عبد الباقي بن عبد الجبار بن عبد الباقي
، أبو أحمد الهروي، الصوفي، الحرضي. والحرض: الأشنان.
كان صاحبًا لأبي الوقت السجزي وخدمه في السفر إلى بغداد، وحدث عنه، وعن أبي الخير الباغبان، ومسعود الثقفي. وسكن بغداد.
روى عنه الضياء، والنجيب عبد اللطيف، وإسحاق بن محمود بن بلكوية البروجردي، وغيرهم.
وتوفي في الثالث والعشرين من ذي القعدة.
وأجاز للفخر علي.
590 -
عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحمن
، أبو القاسم القرشي، المصري، المؤدب، الفقيه الشافعي.
سمع من عشير بن علي، وأبي الفضل الغزنوي، وطائفة. وانقطع إلى الحافظ عبد الغني فأكثر عنه ومعه، وكتب الكثير، وحصل كتبًا كثيرة من الحديث والفقه. وعاجلته المنية في هذه السنة.
وكان يؤدب الصبيان ويؤم بمسجد المنارة.
591 -
عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن علي بن منقذ
، الأمير الكبير شمس الدولة أبو الحارث ابن الأمير نجم الدولة الكناني الشيزري.
ولد بشيزر سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة. وسمع بالثغر من أبي طاهر السلفي. هو الذي وجهه صلاح الدين في الرسلية إلى صاحب المغرب.
وكان أديباً، عالماً، نبيلاً، شاعراً، محسناً، مترسلاً، من بيت الشجاعة والإمرة.
592 -
عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن علي بن زيد ابن اللتي الرقيقي
.
حدث عن أبي الوقت، وغيره. وتوفي في أواخر العام.
593 -
عبد الرزاق بن عبد السميع بن محمد بن شجاع
. الشريف أبو الكرم الهاشمي، البغدادي.
عاش ثلاثًا وثمانين سنة. وسمع هبة الله بن أحمد الحريري، وقاضي المرستان. روى عنه الدبيثي، وابن النجار.
توفي في ربيع الآخر.
594 -
عبد السلام بن إبراهيم بن محمد
، الأندلسي، ثم البغدادي الحربي، المعروف بابن الأرمني.
روى عن عبد الله بن أحمد بن يوسف. وأجاز للزكي عبد العظيم.
595 -
عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر
. الحافظ الكبير، تقي الدين، أبو محمد المقدسي الجماعيلي، ثم الدمشقي، الصالحي، الحنبلي.
ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة. هو والشيخ الموفق في عام، وهما ابنا خالةٍ، ولدا بجماعيل.
سمع بدمشق أبا المكارم عبد الواحد بن هلال، وأبا المعالي بن صابر، وسلمان بن علي الرحبي. وببغداد: أبا الفتح ابن البطي، والشيخ عبد القادر، وأبا زرعة المقدسي، وهبة الله بن هلال الدقاق، وأحمد ابن المقرب، وأبا بكر ابن النقور، والمبارك بن المبارك السمسار، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، ومعمر بن الفاخر، ويحيى بن ثابت، والمبارك بن خضر، ويحيى بن علي الخيمي، والمبارك بن محمد البادرائي، وأبا محمد ابن الخشاب، وطبقتهم. وبالموصل: أبا الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب، وبهمذان عبد الرزاق بن إسماعيل القومساني، ونسيبه المطهر بن عبد الكريم، وإسماعيل بن محمد بن إسماعيل القومساني، وجماعة. بأصبهان: الحافظ أبا موسى المديني، وأبا سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ، وأبا رشيد إسماعيل بن غانم البيع، وأبا الفتح بن أحمد الخرقي، وأحمد بن منصور الترك، وأبا رشيد حبيب بن إبراهيم، وأبا غالب محمد بن محمد بن ناصر، وسفيان وعليًا ابني أبي الفضل بن أبي طاهر الخرقي، وبنيمان بن أبي الفوارس السباك، ومعاوية بن علي الصوفي، وحمزة بن أبي الفتح الطبري، وغيرهم. وبالإسكندرية: أبا طاهر السلفي فأكثر، وأبا محمد عبد الله العثماني، وعبد الرحمن بن خلف الله المقرئ، وجماعة. وبمصر: محمد بن علي الرحبي، وعلي بن هبة الله الكاملي، وعبد الله بن بري النحوي، وجماعة.
وحدث بأصبهان، وبغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، والإسكندرية.
وكتب ما لا يوصف، وصنف التصانيف المفيدة، ولم يزل يسمع ويسمع ويكتب ويجمع إلى أن توفاه الله تعالى إلى رحمته.
روى عنه الشيخ الموفق، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وولداه أبو الفتح محمد وأبو موسى عبد الله، والحافظ الضياء، والحافظ ابن خليل، والفقيه اليونيني، وسليمان الأسعردي، والزين بن عبد الدائم، وعثمان بن مكي الشارعي الواعظ، وأحمد بن حامد بن أحمد بن حمد الأرتاحي المقرئ، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون، وأبو عيسى عبد الله بن علاق، وسعد الدين محمد بن مهلهل الجيتي، وبقي هذا إلى ربيع الأول سنة أربع وسبعين. وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، وغيره.
قال أبو عبد الله ابن النجار: حدث بالكثير، وصنف في الحديث تصانيف حسنة. وكان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيمًا بجميع فنون الحديث، عارفًا بقوانينه، وأصوله، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه، ومنسوخه، وغريبه، ومشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته. وكان كثير العبادة، ورعاً، متمسكًا بالسنة على قانون السلف. ولم يزل بدمشق - يعني بعد رجوعه من أصبهان - يحدث وينتفع به الناس، إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا عليه، وعقد له مجلسٌ بدار السلطان، حضره الفقهاء والقضاة، فأصر على قوله، وأباحوا إراقة دمه فشفع فيه جماعة إلى السلطان من الأمراء الأكراد، وتوسطوا في القضية على أن يخرج من دمشق، فأخرج إلى مصر، وأقام بها خاملًا إلى حين وفاته.
أخبرنا يعيش بن مالك الحنبلي، قال: أخبرنا عبد الغني. قلت: فذكر حديثاً.
قرأتُ بخط العلامة شيخ أصبهان أبي موسى المديني: يقول أبو موسى عفا الله عنه: قل من قدم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، زاده الله تعالى توفيقاً. وقد وفق لتبيين هذه الغلطات على أن في الكتب المصنفة في معرفة الصحابة غير هذا من الخطأ، ولا تنفك الكتب المجموعة في ذلك من ذلك، وما ذكره كما ذكره. إلى أن قال: ولو كان الدراقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا لما فهمه. كتبه أبو موسى.
قلت: هذا كتبه على ظهر كتاب تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة الذي جمعه الحافظ أبو نعيم. وهو مجلد صغير أبان فيه عن حفظ باهر، ومعرفة تامة.
وقال الضياء: ثم سافر الحافظ إلى أصبهان. وكان خرج وليس معه إلا قليلُ فلوس، فسهل الله له من حمله وأنفق عليه، حتى دخل أصبهان، وأقام بها مدة، وحصل بها الكتب الجيدة. وكان ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الثغر، كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه. وكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والنسخ والمطالعة.
ذكر تصانيفه رحمه الله
كتاب المصباح في الأحاديث الصحاح في ثمانية وأربعين جزءاً، يشتمل على أحاديث الصحيحين، كتاب نهاية المراد في السنن نحو مائتي جزء لم يبيضه، كتاب اليواقيت مجلد، كتاب تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين مجلد، كتاب الروضة أربعة أجزاء، كتاب فضائل خير البرية أربعة أجزاء، كتاب الذكر جزءان، كتاب الإسراء جزءان، كتاب التهجد جزءان، كتاب الفرج جزءان، كتاب صلات الأحياء إلى الأموات جزءان، كتاب الصفات جزءان، كتاب محنة أحمد ثلاثة أجزاء، كتاب ذم الرياء جزء، ذم الغيبة جزء، الترغيب في الدعاء جزء، الأمر بالمعروف جزء،
كتاب فضائل مكة أربعة أجزاء، فضائل رمضان جزء، فضائل العشر جزء، فضائل الصدقة جزء، فضائل الحج جزء، فضائل رجب جزء، وفاة النبي صلى الله عليه وسلم جزء، أقسام النبي صلى الله عليه وسلم جزء، الأربعون جزء، أربعون أخرى جزء، الأربعين من كلام رب العالمين جزء، أربعون حديثا بسند واحد، اعتقاد الشافعي جزء، كتاب الحكايات سبعة أجزاء، كتاب غنية الحفاظ في مشكل الألفاظ في مجلدتين، ذكر القبور جزء، مناقب عمر بن عبد العزيز جزء، أجزاء في الأحاديث والحكايات أكثر من مائة جزء، وهذه كلها بأسانيده.
ومن الكتب بلا إسناد: الأحكام في ستة أجزاء، العمدة في الأحكام جزءان، كتاب دُرر الأثر تسعة أجزاء، كتاب السيرة النبوية جزء كبير، النصيحة في الأدعية الصحيحة جزء، الاعتقاد جزء، تبيين أوهام أبي نعيم الحافظ في الصحابة جزء كبير، كتاب الكمال في معرفة الرجال عدة مجلدات، وفيه إسناد.
قال: وكان لا يكاد أحدٌ يسأله عن حديث إلا ذكره له وبينه. ولا يسأل عن رجل، إلا قال: هو فلان بن فلان، وبين نسبه.
قال: وأنا أقول: كان الحافظ عبد الغني المقدسي أمير المؤمنين في الحديث. سمعته يقول: كنت عند الحافظ أبي موسى فنازعني رجل في حديث فقال: هو في البخاري. وقلت: ليس هو فيه. قال: فكتب الحديث في رقعة، ورفعها إلى الحافظ أبي موسى يسأله عنه، فناولني الحافظ الرقعة وقال: ما تقول؟ هل هذا الحديث في البخاري أم لا؟ فقلت: لا. قال: فخجل الرجل.
وسمعت أبا الطاهر إسماعيل بن ظفر يقول: جاء رجل إلى الحافظ - يعني عبد الغني - فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث. فقال: لو قال أكثر لصدق.
شاهدت الحافظ غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر: اقرأ لنا أحاديث من غير الجزء. فيقرأ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه.
وقيل: إنه سئل: لم لا تقرأ من غير كتاب؟ يعني دائماً، قال: إني أخاف العُجب.
وسمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد ابن الحافظ، قال: سمعت علي بن فارس الزجاج العلثي الصالح قال: لما جاء الحافظ من بلاد العجم. قلت: يا حافظ ما حفظت بعد مائة ألف حديث؟ فقال: بلى، أو ما هذا معناه.
سمعتُ أبا محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني يقول: سمعتُ التاج الكندي يقول: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني، يعني المقدسي.
وقال الفقيه أبو الثناء محمود بن همام الأنصاري: سمعت التاج الكندي يقول: لم ير الحافظ عبد الغني مثل نفسه.
وقال أبو نزار ربيعة بن الحسن: قد رأيت أبا موسى المديني، وهذا الحافظ عبد الغني أحفظ منه.
قال الضياء: وكل من رأينا من المحدثين ممن رأى الحافظ عبد الغني وجرى ذكر حفظه ومذاكراته، قال: ما رأينا مثله، أو ما يشبه هذا.
ثم ذكر الضياء فصلًا في حرصه على الحديث وطلبه وتحريضه للطلبة، وقال: حرضني على السفر إلى مصر، وسافر معنا ولده أبو سليمان وله نحو عشر سنين. وسير قبلنا ولديه محمدًا وعبد الله إلى أصبهان. ثم سفر إسماعيل بن ظفر، وزوده وأعطاه ما احتاج إليه، فسافر إلى بغداد، وأصبهان، وخراسان. وقبل ذلك حرض أبا الحجاج يوسف بن خليل على السفر.
وكان يقرأ الحديث يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع دمشق وليلة الخميس بالجامع أيضاً. ويجتمع خلق. وكان يقرأ ويبكي، ويُبكي الناس بكاء كثيرًا، وكان بعد القراءة يدعو دعاءً كثيرًا.
وسمعتُ شيخنا أبا الحسن علي بن إبراهيم بن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ وهو يريد أن يقرأ الحديث، فأشتهي أن تحضروا مجلسه ثلاث مرّات، وبعدها أنتم تعرفونه، وتحصل لكم الرغبة. فجلس أول يوم، وكنتُ حاضرًا بجامع القرافة، فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظاً، وقرأ جزءاً، ففرح الناس بمجلسه فرحًا كثيراً. ثم سمعت ابن نجا شيخنا يقول:
قد حصل الذي كنتُ أريده في أول مجلس. قال: وكان يجلس بمصر في غير موضع يقرأ الحديث.
وكان رحمه الله لا يكاد يضيع شيئًا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما لقن الحديث. فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقيناً. ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر، ثم ينام نومة، ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع أو النسخ إلى المغرب، فإن كان صائمًا أفطر، وإن كان مفطرًا صلى من المغرب إلى العشاء الآخرة، فإذا صلى العشاء نام إلى نصف الليل أو بعده. ثم قام فتوضأ وصلى لحظة، ثم توضأ، ثم صلى كذلك، ثم توضأ وصلى إلى قرب الفجر، وربما توضأ في الليل سبع مرات أو أكثر. فقيل له في ذلك، فقال: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة. ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر. وهذا دأبه، وكان لا يكاد يصلي فريضتين بوضوء واحد.
سألت خالي الإمام موفق الدين عن الحافظ فقال وكتب بخطه: كان رفيقي في الصبى وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل. وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة، وعداوتهم له، وقيامهم عليه. ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبتغ غرضه في روايتها ونشرها.
قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيراً، حتى كأن أسنانه البرد.
سمعتُ محمود بن سلامة الحراني التاجر غير مرة يقول: كان الحافظ عبد الغني نازلًا عندي بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا قليلاً، بل يُصلي ويقرأ ويبكي، حتى ربما منعنا النوم إلى السحر. أو ما هذا معناه. وكان الحافظ لا يرى منكرًا إلا غيره بيده أو بلسانه. وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. رأيته مرة يريق خمراً، فجذب صاحبه السيف، فلم يخف، وأخذه من يده. وكان قويًا في بدنه. وكثيرًا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبابات. قال لنا خالي الموفق: كان لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه.
سمعت فضائل بن محمد بن علي بن سرور المقدسي، قال: سمعتهم
يتحدثون بمصر أن الحافظ كان قد دخل على الملك العادل، فلما رآه قام له، فلما كان اليوم الثاني إذا الأمراء قد جاؤوا إلى الإمام الحافظ إلى مصر، مثل سركس، وأزكش، فقالوا: آمنا بكراماتك يا حافظ. وذكروا أن العادل قال: ما خفتُ من أحدٍ ما خفتُ من هذا الرجل. فقلنا: أيها الملك، هذا رجل فقيه، أيش خفت منه؟ قال: لما دخل ما خيل إلي إلا أنه سبع يريد أن يأكلني. فقلنا: هذه كرامة للحافظ.
قال الضياء: شاهدتُ بخط الحافظ قال: والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل، فأقبل علي وأكرمني، وقام لي والتزمني، ودعوتُ له. ثم قلت: عندنا قُصُور فهو الذي يوجب التقصير. فقال: ما عندك لا تقصير ولا قُصُور. وذكر أمر السنة فقال: ما عندك شيء تعابُ به في أمور الدين ولا الدنيا، ولا بُد للناس من حاسدين. وبلغني عنه بعد ذلك أنه ذكر عنده العلماء فقال: ما رأيتُ بالشام ولا مصر مثل فلان، دخل علي فخيل إلي أنه أسد قد دخل علي، وهذا ببركة دعائكم ودعاء الأصحاب.
قال الضياء: وكان المبتدعة قد وغروا صدر العادل على الحافظ، وتكلموا فيه عنده. وكان بعضهم يقول: إنه ربما قتله إذا دخل عليه. فسمعتُ بعضهم أن بعض المبتدعة أرسل إلى العادل يبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار.
وسمعتُ الشيخ أبا بكر بن أحمد الطحان، قال: وكان في دولة الأفضل علي جعلوا الملاهي عند درج جيرون، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا منها. ثم جاء فصعد على المنبر يقرأ الحديث، فجاء إليه رسول القاضي يطلبه حتى يناظره في الدف والشبابة فقال الحافظ: ذاك عندي حرام. وقال: لا أمشي إليه، إن كان له حاجة فيجيء هو. ثم تكلم على المنبر، فعاد الرسول فقال: لا بد من مجيئك قد بطلت هذه الأشياء على السلطان. فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان. فمضى الرسول، وخفنا من فتنة، فما جاء أحدٌ بعد ذلك.
سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ بأصبهان فيصطف الناس في السوق ينظرون إليه. ولو أقام بأصبهان مدةً وأراد أن يملكها
لملكها. يعني من حُبهم له ورغبتهم فيه.
قال الضياء: ولما وصل إلى مصر أخيرًا كنا بها، فكان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله. وكان سخياً، جواداً، كريما، لا يدخر دينارًا ولا درهماً. ومهما حصل له أخرجه. ولقد سمعتُ عنه أنه كان يخرج في بعض الليالي بقفاف الدقيق إلى بيوت المحتاجين، فإذا فتحوا له ترك ما معه ومضى لئلا يُعرف. وكان يفتح له بشيء من الثياب والبرد، فيعطيه للناس، وربما كان عليه ثوب مرقع. قال لي خالي الموفق: كان جواداً، يؤثر بما تصل يده إليه سرًا وعلانية. وقال عبد الجليل الجيلاني: كنتُ في مسجد الوزير، فبقيت ثلاثة أيام ما لنا شيء، فلما كان العصر يوم الجمعة سلمت على الحافظ، ومشيت معه إلى خارج باب الجامع فناولني نفقةً، فإذا هي نحو خمسين درهماً. وسمعت بدر بن محمد الجزري، قال: ما رأيت أحدًا أكرم من الحافظ عبد الغني، قد أوفى عني غير مرة. سمعت سليمان بن إبراهيم الأسعردي يقول: بعث الملك الأفضل إلى الحافظ بنفقة وقمح كثير. ففرقه كله، ولم يترك شيئاً. سمعت أحمد بن عبد الله العراقي، قال: حدثني منصور، قال: شاهدتُ الحافظ في الغلاء بمصر، وهو ثلاث ليالٍ يؤثر بعشائه ويطوي. سمعتُ الفقيه مقصد بن علي بن عبد الواحد المصري، قال: سمعت أن الحافظ كان زمان الغلاء يؤثر بعشائه. يعني غلاء مصر.
قال الضياء: وقد فتح له بمصر بأشياء كثيرة من الذهب وغير ذلك، فما كان يترك شيئاً. سمعت الرضي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار؛ سمعتُ الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد بن حنبل، فقد رزقني صلاته. قال: ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي.
سمعت الإمام أبا محمد عبد الله بن أبي الحسن الجبائي يقول: كان أبو نعيم قد أخذ على الحافظ ابن مندة أشياء في معرفة الصحابة، فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه، فما كان يجسر. فلما جاء الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، فأخذ على أبي نعيم في كتابه معرفة الصحابة نحوًا من مائتين وتسعين موضعاً. فلما سمع بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخجندي طلب الحافظ عبد الغني، وأراد هلاكه، فاختفى الحافظ.
وسمعت محمود بن سلامة الحراني، قال: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا في إزار. وذلك أن بيت الخجندي أشاعرة يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء أصبهان.
سمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع الجرح والتعديل للعقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر أبي حنيفة فيه. قال: فجاءني رجل طويل معه سيف، فقلت: لعله يقتلني وأستريح. قال: فلم يصنع شيئاً. ثم أطلقت. وكان يسمع هو وابن البرني، فأخذ ابن البرني الكراس التي فيها ذكر أبي حنيفة، ففتشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئاً، فهذا كان سبب خلاصه.
قلت: سمعت عبد الحميد بن خولان، قال: سمعتُ الضياء يقول: كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، فحُسد، وشرعوا يعملون لهم وقتًا في الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس، فهذا ينام، وهذا قلبه غير حاضر، فلم يشف قلوبهم، فشرعوا في مكيدةٍ، فأمروا الناصح ابن الحنبلي بأن يعظ بعد الجمعة تحت النسر، وقت جلوس الحافظ، فأخر الحافظ ميعاده إلى العصر. فلما كان في بعض الأيام، والناصح قد فرغ، وقد ذكر الإمام، فدسوا إليه رجلًا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح ما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر. فضرب الرجل وهرب، وخبئ في الكلاسة، ومشوا إلى الوا ي، وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة. وهم وهم واعتقادهم. ثم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة، وقالوا للوالي: نشتهي أن تحضر الحافظ. وسمع مشايخنا، فانحدروا إلى المدينة، خالي الموفق، وأخي الشمس البخاري، والفقهاء، وقالوا: نحن نناظرهم. وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ، فإنك حاد، ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ فأخذوه، ولم يعلم أصحابنا، فناظروه وكان أجهلهم يغري به، فاحتد. وكانوا قد كتبوا شيئًا من اعتقادهم، وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك. فلم يفعل. فقالوا للوالي: قد اتفق الفقهاء كلهم، وهذا
يخالفهم. واستأذنوه في رفع منبره. فأرسلوا الأسرى، فرفعوا ما في جامع دمشق من منبر وخزانة وقالوا: نريد أن لا نجعل في الجامع إلا صلاة الشافعية. وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة في مكانهم، ففاتتهم الظهر. ثم إن الناصح جمع البنوية وغيرهم، وقالوا: إن لم يخلونا نصلي صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضي، وهو كان صاحب الفتنة، فأذن لهم، وخاف أن يصلوا بغير إذنه. وكان الحنفية حموا مقصورتهم بجماعة من الجند. ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة، وتوجه إلى مصر، فبقي بنابلس مدة يقرأ الحديث وكنت أنا في ذلك الوقت بمصر فجاء شاب من دمشق بفتاوى إلى الملك عثمان العزيز، ومعه كتب أن الحنابلة يقولون كذا وكذا. وكان بنواحي الإسكندرية، فقال: إذا رجعنا أخرجنا من بلادنا من يقول بهذه المقالة؟ فاتفق أنه لم يرجع، وشب به فرسه. وأقاموا ولده موضعه. ثم أرسلوا إلى الأفضل، كان بصرخد، فجاء وأخذ مصر. ثم انحرف إلى دمشق فاتفق أنه لقي الحافظ في الطريق، ففرح به وأكرمه. ونفذ يوصي به بمصر، فلما وصل الحافظ إلى مصر تلقي بالبشر والإكرام، وأقام بها يسمع الحديث بمواضع ويجلس. وقد كان بمصر كثيرٌ من المخالفين، لكن كانت رائحة السلطان تمنعهم. ثم إن الأفضل حاصر دمشق، ورد عنها بعد أن أشرف على أخذها، ورجع إلى مصر، فجاء العادل خلفه فأخذ مصر. وبقي بمصر. وأكثر المخالفون على الحافظ، حتى استدعي، ولم يحصل لهم بحمد الله ما أرادوا. وأكرمه العادل، وسافر إلى دمشق. وبقي الحافظ بمصر، وهم لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الكامل على إخراجه من مصر. ثم إن الحافظ اعتقل في دار سبع ليالٍ فسمعت التقي أحمد ابن العز محمد بن عبد الغني: حدثني الشجاع بن أبي زكري الأمير قال: قال لي الكامل: هاهنا رجل فقيه قالوا: إنه كافر. قلت: لا أعرفه. قال: بلى، هو محدث. فقلت: لعله الحافظ عبد الغني؟ قال: نعم هذا هو. فقلت: أيها الملك، العلماء أحدهم يطلب الآخرة، والآخر يطلب الدنيا. وأنت هاهنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك، أو أرسل إليك رقعة؟ قال:
لا. قلت: والله هؤلاء يحسدونه. فهل في هذه البلاد أرفع منك؟ قال: لا. فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء. فقال: جزاك الله خيرا كما عرفتني هذا.
وقال أبو المظفر ابن الجوزي في تاريخه: اجتمع قاضي دمشق محيي الدين والخطيب ضياء الدين وجماعة، وصعدوا إلى متولي القلعة أن عبد الغني قد أضل الناس ويقول بالتشبيه، فعقدوا له مجلسًا وأحضروه، فناظرهم، فأخذوا عليه مواضع، منها قوله: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول. ومنها: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. ومنها مسألة الحرف والصوت. فقالوا: إذا لم يكن على ما كان، فقد أثبت له المكان. وإذا لم تنزهه تنزيهًا ينفي عنه حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت فإنه لم يصح عن إمامك فيه شيء وإنما المنقول عنه أنه كلام الله لا غير. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين بزغش والي القلعة: كل هؤلاء على ضلالة، وأنت على الحق؟ قال: نعم. فأمر الأسارى، فنزلوا فكسروا منبره، ومنعوا الحنابلة من الصلاة، ففاتتهم صلاة الظهر.
وقال أبو المظفر في مكان آخر: اجتمع الشافعية، والحنفية، والمالكية بالملك المعظم بدار العدل، وكان يجلس فيها هو والصارم بزغش، فكان ما اشتهر من أمر عبد الغني الحافظ، وإصراره على ما ظهر من اعتقاده، وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره، وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين، فسأل أن يُمهل ثلاثة أيام لينفصل عن البلد، فأجيب.
قلت: قوله: وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره كلام ناقص، وهو كذب صريح، وإنما أفتى بذلك بعض الشافعية الذين تعصبوا عليه، وأما الشيخ موفق الدين وأبو اليمن الكندي شيخا الحنفية والحنابلة فكانا معه. ولكن نعوذ بالله من الظلم والجهل.
قال أبو المظفر: وسافر عبد الغني إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، فكتبوا إلى ابن شكر الوزير يقولون: قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رؤوس الأشهاد. فكتب
إلى والي مصر بنفيه، فمات قبل وصول الكتاب رحمه الله تعالى بمسجد المصنع.
قال: وكان يصلي كل يوم وليلة ثلاث مائة ركعة ورد الإمام أحمد بن حنبل. وكان يقوم الليل عامة دهره، ويحمل ما أمكنه إلى بيوت الأرامل واليتامى سراً. وكان أوحد زمانه في علم الحديث.
وقال الضياء: سمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا لقول الله تعالى كذا، وأقول كذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم كذا. حتى فرغ من المسائل التي يخالفونه فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل قال: أيش أقول في هذا؟ يقول بقول الله وقول رسوله؟ فخلى عنه. فصل
قال: وسمعت أبا موسى بن عبد الغني قال: كنت مع والدي بمصر وهو يذكر فضائل سفيان الثوري. فقلت في نفسي: إنّ والدي مثله. قال: فالتفت إلي وقال: أين نحن من أولئك؟
سمعتُ الزاهد إبراهيم بن محمود البعلبكي يقول: كنتُ يومًا عند الشيخ عماد الدين، وقد جاء تجارٌ، فحدثوه أنهم رأوا، أو قال: يُرى، النور على قبر الحافظ عبد الغني كل ليلة، أو كل ليلة جمعة. شك إبراهيم.
سمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني، قال: رأيتُ البارحة الكمال عبد الرحيم - يعني أخي - وعليه ثوب أبيض. فقلت: أين أنت؟ قال: في جنة عدن. فقلت: أيما أفضل الحافظ عبد الغني، أو الشيخ أبو عمر؟ قال: ما أدري، وأما الحافظ فكل ليلة جمعة يُنصب له كرسي تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، ويُنثر عليه الدر، وهذا نصيبي منه. وكان في كُمه شيء، وقد أمسك بيده على رأس الكم.
وسمعتُ عبد الله بن الحسن بن محمد الكردي بحران، قال: رأيت الحافظ في المنام، فقلتُ له: يا سيدي، أليس قد مت؟ فقال: إن الله أبقى علي وردي من الصلاة. أو نحو هذا.
وسمعتُ القاضي أبا حفص عمر بن علي الهكاري بنابلس يقول: رأيتُ الحافظ عبد الغني في النوم كأنه قد جاء إلى بيت المقدس، فقلت: جئت غير راكب؟ فقال: أنا حملني النبي صلى الله عليه وسلم.
سمعت الحافظ أبا موسى قال: حدثني رجل من أصحابنا، قال: رأيت الحافظ في النوم، وكان يمشي مستعجلاً، فقلت: إلى أين؟ قال: أزور النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت: وأين هو؟ قال: في المسجد الأقصى. فإذا النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أصحابه. فلما رأى الحافظ قام صلى الله عليه وسلم له وأجلسه إلى جانبه. قال: فبقي الحافظ يشكو إليه ما لقي، ويبكي ويقول: يا رسول الله كُذَّبتُ في الحديث الفلاني، والحديث الفلاني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صدقت يا عبد الغني، صدقتَ يا عبد الغني.
سمعتُ أبا موسى قال: مرض والدي مرضًا شديدًا منعه من الكلام والقيام ستة عشر يوماً. وكنتُ كثيرًا ما أسأله: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمه الله. ولا يزيد على ذلك. فلما كان يوم الاثنين جئتُ إليه، وكان عادتي أبعث كل يوم من يأتي بماء من الحمام بكرة يغسل به أطرافه. فلما جئنا بالماء مد يده، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الصبح، فلما توضأ قال: يا عبد الله قُم فصل بنا وخفف. فقمت فصليت بالجماعة، وصلى معنا جالساً، فلما انصرف الناس، جئتُ وقد استقبل القبلة فقال: اقرأ عند رأسي يس. فقرأتها، فجعل يدعو وأنا أؤمن. فقلت له: هاهنا دواء قد عملناه، تشربه. قال: يا بني، ما بقي إلا الموت. فقلت: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله سبحانه. فقلت: ما أنت عني راضٍ؟ قال: بلى والله، أنا راضٍ عنك وعن إخوتك، وقد أجزتُ لك ولإخوتك، ولابن أخيك إبراهيم.
فقلت: ما توصي بشيء. قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء. قلت: توصيني بوصية. قال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته. فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون ففتح عينيه وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله. فقالوا، ثم قاموا، وجعل هو يذكر الله ويحرك شفتيه، ويشير بعينيه. فدخل درع النابلسي فسلم عليه وقال: ما تعرفني؟ قال: بلى. فقمتُ لأناوله كتابًا من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه. وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من
ربيع الأول. وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد، واجتمع من الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء والناس ما لا يحصيهم إلا الله. ودفناه بالقرافة مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق، في مكان ذكر لي خادمه عبد المنعم أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكي فيه إلى أن يبل الحصى، ويقول: قلبي يرتاحُ إلى هذا المكان. فرحمه الله ورضي عنه.
قال الضياء: وتزوج ببنت خاله رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة، فولدت له محمدا، وعبد الله، وعبد الرحمن، وفاطمة، وعاشوا حتى كبروا. وتسرى بجارية في مصر، فلم توافقه، ثم بأخرى، فولدت له بنتين ماتتا ولم تكبرا.
سمعت عبد الحميد بن خولان أن الضياء أخبرهم، قال: لما دخلنا أصبهان كنا سبعة، أحدنا الإمام أحمد بن محمد ابن الحافظ، وكان طفلاً، فسمعنا على المشايخ. وكان شيخنا مؤيد الدين ابن الإخوة عنده جملة حسنة من المسموعات، فسمعنا عليه قطعة، وكان يتشدّد علينا. ثم إنه توفي، فضاق صدري لموته كثيراً، لأنه كانت عنده مسموعات عند غيره. وأكثر ما ضاق صدري لأجل ثلاث كتب: مسند العدني، ومعجم ابن المقرئ، ومعجم أبي يعلى. وكنت قد سمعت عليه في السفرة الأولى مسند العدني ولكن لأجل رفقتي، فرأيت في النوم كأن الحافظ عبد الغني رحمه الله قد أمسك رجلاً، وهو يقول لي: أم هذا، أم هذا. والرجل الذي أشار إليه هو ابن عائشة بنت معمر. فلما استيقظت قلتُ في نفسي: ما قال هذا إلا لأجل شيء. فوقع في قلبي أنه يريد الحديث، فمضيت إلى دار بني معمر وفتشت الكتب، فوجدتُ مسند العدني سماع عائشة مثل ابن الإخوة، فلما سمعناه عليها قال لي بعض الحاضرين: إن لها سماعًا بمُعجم ابن المقرئ. قلت: أين هو؟ قال: عند فلان الخباز. فأخذناه وسمعناه منها. وبعد أيام ناولني بعض الإخوان معجم أبي يعلى سماعها. فسمعناه.
أنشدنا ابن خولان، قال: أنشدنا أبو عبد الله الحافظ سنة ست وعشرين وست مائة، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن سعد بن عبد الله لنفسه يرثي الحافظ:
هذا الذي كنتُ يوم البين أحتسب فليقض دمعُك عني بعض ما يجبُ لم يبق في الأسى والسقم جارحة نفسٌ تذوبُ ودمع إثرها يجبُ تالله لا رُمتُ صبرًا عنهمُ أبدًا وفي الحياة فما لي دونهم أربُ لا تعجبن لوفاتي بعدهم أسفًا وإنما حياتي من بعدهم عجبُ سقيًا ورعيًا لأيام لنا سفلت والشملُ مجتمعٌ والأنس منتسب والعيشُ غضّ وعين الدَّهر راقدةٌ والبينُ رثّ وأثواب الهوى قُشُبُ والدارُ ما نزحت والورقُ ما صدحت وحبذا بكم الأجراع والكتُبُ إن تُمس دارُهُم عني مُباعدةً فإن مسكنهم في القلب مقترب يا سائرين إلى مصر سألتكم رفقًا عليّ فإنّ الأجرَ مُكتسبُ قولوا لساكنها: حييتَ من سكن يا مُنية النفسِ ماذا الصدُّ والغضبُ بالشام قومٌ وفي بغداد قد أسفوا لا البُعدُ أخلقَ بلواهُم ولا الحقبُ ومنها:
لولاك ماد عمود الدين وانهدمت قواعدُ الحق واغتال الهدى عطبُ فاليوم بعدك جمرُ الغي مضطرم بادي الشرار ورُكن الرشد مضطربُ فليبكينك رسول الله ما هتفت ورقُ الحمام وتبكي العجم والعربُ لم يفترق بكم حالٌ فموتكما في الشهر واليوم هذا الفخرُ والحسبُ أحييت سنته من بعد ما دفنت وشدتها وقد انهدت لها رتبُ يا شامتين وفينا ما يسوؤهُم مستبشرين وهذا الدهرُ محتسبُ ليس الفناء بمقصورٍ على سبب ولا البقاءُ بممدودٍ له سببُ من لم يعظه بياضُ الشعر أيقظهُ سوادُ عيش فلا لهو ولا طربُ الصبرُ أهونُ ما تُمطى غواربه والأجرُ أعذبُ ما يُجنى ويجتلب إن تحسبوه كريه الطعم أيسره سمٌ مذاق ففي أعقابه الضربُ ما مات من كان عزّ الدين يعقبه وإنما الميت منكم من له عقبُ ولا تقوض بيتُ كان يعمدهُ مثل العماد ولا أودى له طنب علا العُلى بجمال الدين بعدكما تحيا العلوم بمحيي الدين والقربُ مثل الدراري السواري شيخنا أبدا نجم يغور وتبقى بعده شهب
من معشر هجروا الأوطان وانتهكوا حمى الخطوب وأبكار العُلا خطبوا شم العرانين ملحٌ لو سألتهم بذل النفوس لما هابوا بأن يهبوا بيضٌ مفارقهم سودٌ عواتقهم يمسي مسابقهم من حظه التعب نورٌ إذا سئلوا، نارٌ إذا حملوا سحبٌ إذا نزلوا، أسدٌ إذا ركبوا الموقدون ونارُ الخير خامدةٌ والمُقدمون ونارُ الحرب تلتهبُ هذا الفخار فإن تجزع فلا جزعٌ على المحب وإن تصبر فلا عجبُ
596 -
عبد القادر بن خلف بن أبي البركات يحيى بن فضلان
، أبو بكر البغدادي، الأزجي، المشاهر، المؤدب.
سمع من أبيه، وابن ناصر، وأبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الفتح الكروخي، وأبي الوقت السجزي. روى عنه الدبيثي، والضياء، وآخرون. وأجاز للفخر علي.
توفي في ذي الحجة.
597 -
عبد الملك بن عثمان بن عبد الله بن سعد
، أبو محمد المقدسي.
قتل بقرية الهامة في شوال. وهو والد الزين أحمد، والجمال عبد الله.
598 -
عبد الملك بن مظفر بن عبد الله
، أبو غالب الحربي.
شيخ صالح سمع أحمد بن أبي غالب الزاهد، وسعيد ابن البناء، وجماعة. روى عنه الحافظ الضياء، والشرف عبد الله بن أبي عمر، وابن عمه المجد عيسى، وغيرهم. وأجاز للفخر علي، والكمال عبد الرحيم بن عبد الملك. وتوفي في شوال.
599 -
عبد الملك بن مواهب بن مسلم بن الربيع
، أبو محمد، وأبو القاسم السلمي، البغدادي، النصري، الوراق، الشيخ الصالح الذي كان يذكر أنه رأى الخضر.
روى عن القاضي أبي بكر الأنصاري.
قال الدبيثي: كان صالحاً، حسن الطريقة. توفي في تاسع ربيع الآخر.
روى عنه هو، وابن خليل، والضياء، والنجيب ابن الصيقل.
وقرأت بخط شيخنا ابن الظاهري، قال: كان صالحًا مستجاب الدعوة، يأكل من كسب يده، وكان يزعم أنه يرى الخضر عليه السلام.
قلت: أجاز للفخر علي، ولجماعة.
600 -
عبد الملك بن أبي القاسم عبد الله بن الحسين
، أبو علي المؤذن، الدارقزي، المعروف بابن القشوري.
ذكر أنه سمع من أبي القاسم بن الحصين، وقاضي المرستان. وحدث عن أبي غالب محمد بن محمد بن أسد العكبري، شيخ روى عن أبي الفتح ابن علوان.
روى عنه الدبيثي، وقال: توفي في صفر، وابن النجار، وقال: صدوق.
601 -
عبد المنعم ابن الفقيه أبي نصر هبة الكريم بن خلف بن المبارك ابن البطر
، أبو الفضل البغدادي البيع، المعروف بابن الحنبلي.
حدث عن أبي الفضل الأرموي.
وكان أبوه يروي عن قرابته أبي الخطاب نصر ابن البطر.
توفي في ذي القعدة.
602 -
عبد المنعم بن يحيى بن أحمد بن عبيد الله
، الأزجي، البيع.
حدث عن ابن ناصر، وأبي الوقت. ومات أيضًا في ذي القعدة.
603 -
عبد الواحد بن سعد بن يحيى
، أبو الفتح البغدادي، الصفار، من أهل نهر القلائين.
سمع أبا بكر الأنصاري، وهبة الله ابن الطبر، وإسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الجبار بن أحمد بن توبة الأسدي، وعبد الرحمن بن محمد القزاز، وجماعة. وكان شيخًا صالحاً. عاش اثنتين وثمانين سنة. ومات في رابع المحرم.
ذكره الحافظ زكي الدين، وقال: لنا منه إجازة.
604 -
عتيق بن علي بن سعيد بن عبد الملك بن رزين
، أبو بكر العبدري، الطرطوشي، القاضي، المعروف بابن العقار.
ذكره ابن الأبار، وقال: أصله من طرطوشة، ونشأ بميورقة، واستوطن بلنسية. وقرأ على: أبي الحسن بن هذيل، وابن النعمة، وأبي بكر بن نمارة. وسمع منهم، ومن غيرهم. وأجاز له أبو طاهر السلفي، وجماعة. وقعد للتعليم بالقرآن، وكان من أهل التجويد والتحقيق والتقدم في الإقراء، مع الفقه والبصر بالشروط. ولي قضاء بلنسية وخطابتها وقتاً. وكانت في أحكامه شدّة، وفي أخلاقه حدة. أخذ الناس عنه القراءات والحديث. ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة، وتوفي في ذي الحجة.
605 -
العراقي بن محمد بن العراقي
. العلامة ركن الدين، أبو الفضل القزويني الطاووسي، صاحب الطريقة.
كان إماما كبيراً، مناظراً، محجاجاً، قيمًا بعلم الخلاف، مفحمًا للخصوم. أخذ ذلك عن الشيخ رضي الدين النيسابوري الحنفي صاحب الطريقة، فبرع في الفن، وصنف ثلاثة تعاليق. وازدحم عليه الطلبة بهمذان، ورحلوا إليه من النواحي. واشتهر اسمه. ومن أصحابه: نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف المقدسي، اشتغل عليه حتى صار معيده.
توفي ركن الدين في رابع عشر جمادى الآخرة بهمذان.
606 -
عزيزة بنت علي بن أبي محمد يحيى بن علي ابن الطراح المدير
. أخت ست الكتبة.
حدثت عن جدها. روى عنها الحافظ الضياء، والنجيب الحراني، وغيرهما. وأجازت للفخر علي، وللشيخ شمس الدين، ولإسماعيل العسقلاني. وماتت في نصف شعبان.
607 -
علي ابن الأجل أبي طاهر أحمد بن الحسين بن عبد الله بن أيوب
، أبو الحسن الكرخي، الكاتب.
ولد سنة ثلاث وعشرين، وسمع أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور ابن زريق القزاز. روى عنه الدبيثي، والضياء، والنجيب عبد اللطيف. وتوفي في سلخ ربيع الأول.
608 -
عمر بن إبراهيم بن الحسن بن طاهر
، أبو حفص ابن الحصني، الحموي، ثم الدمشقي.
سمع من علي بن الحسين ابن أشليها، ونصر الله بن محمد المصيصي، وأبي يعلى حمزة ابن الحبوبي. روى عنه ابن خليل، والضياء، والشهاب القوصي. وأجاز لأحمد بن أبي الخير.
609 -
عمر بن علي بن محمد
، أبو حفص الحربي، الإسكاف.
سمع عبد الله بن أحمد بن يوسف. روى عنه يوسف بن خليل. وأجاز لابن أبي الخير.
610 -
عمر بن علي بن المظفر
، أبو حفص الأشتري، الصوفي، نفيس الدين، الخادم بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة.
سمع سعيد بن سهل الفلكي، وأبا طاهر السلفي. وحدث. وتوفي في ربيع الأول.
611 -
عمر بن محمد بن الحسن بن عبد الله
، أبو حفص الأزجي، القطان، المعروف بجُريرة.
شيخ مسند مشهور. حدث عن أبي القاسم بن الحُصين، وأبي غالب محمد بن الحسن الماوردي، وأبي بكر الأنصاري. روى عنه الدبيثي، والضياء، والنجيب عبد اللطيف. وأجاز لابن أبي الخير، وللفخر ابن البخاري. وتوفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى.
612 -
عمر ابن الإمام أبي المحاسن يوسف بن عبد الله بن بندار
، الفقيه أبو حفص الدمشقي.
تفقه على والده ببغداد. وسمع من أبي الوقت، وأبي زرعة المقدسي. وقدم مصر وحدث بها وناظر. وهو أخو قاضي القاهرة زين الدين علي. توفي في ثامن عشر صفر.
613 -
عيسى بن محمد بن عيسى بن عقاب
، أبو الأصبغ الغافقي، القرطبي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبيه، وأبي القاسم بن رضا، وغيرهما. وسمع من أبي الوليد ابن الدباغ، وجماعة. وحدث وأقرأ القرآن. وتوفي في المحرم عن أربع وسبعين سنة.
614 -
غالب بن عبد الرحمن بن محمد بن خلف
، أبو بكر الشراط، الأنصاري، الأندلسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبيه. وعن أبي بكر بن خير. وسمع الكثير من ابن بشكوال. وسمع من أبي العباس بن مضاء، وأبي الحسن عبد الرحمن بن بقي، وجماعة.
قال الأبار: أقرأ، ودرس، وحدث، وعلم العربية. وكان من أهل
العلم والعمل، محببًا إلى الخاصة والعامة، بصيرًا بالقراءات، والعربية، واللغة. توفي في ربيع الآخر كهلاً.
615 -
فتح بن محمد بن فتح
، أبو نصر ابن الفصال القرطبي.
أحد من أكثر عن أبي القاسم بن بشكوال، وأبي بكر بن خير.
616 -
فاطمة بنت أبي الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري البلنسي
، أم عبد الكريم.
ولدت بأصبهان في سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة. وسمعت حضوراً، ولها سنتان وشيء من فاطمة بنت عبد الله الجُوزدانية. وقدم بها أبوها بغداد في سنة خمس وعشرين، فسمّعها حضورًا من أبي القاسم بن الحُصين، وزاهر بن طاهر، وأحمد بن الحسين ابن البناء، وأسمعها من نفسه، ومن هبة الله بن أحمد بن الطبر، ويحيى بن حبيش الفارقي، ويحيى ابن البناء، وأبي المكارم أحمد بن عبد الباقي، وأبي منصور بن زريق القزاز، وإسماعيل ابن السمرقندي، والقاضي أبي بكر محمد بن القاسم الشهرزوري، وطائفة كبيرة. وأجاز لها خلق. وحدثت بدمشق، والقاهرة.
تزوج بها ابن نجا الواعظ، وأقدمها معه إلى دمشق، ثم سكن بها بمصر، فأكثر عنها المصريون وعني بها والدها أتم عناية.
روى عنه أبو موسى ابن الحافظ عبد الغني، والمحدث عبد الرحمن بن مقرب التجيبي، والفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد ابن الوزان، وأبو عبد الله محمد ابن المقرئ الشاطبي، والضياء، وخطيب مردا، وعبد الله بن علاق، وخلق كثير. وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، والحافظ زكي الدين عبد العظيم، وقال: توفيت في ثامن ربيع الأول.
617 -
فضل الله ابن الحافظ أبي سعيد محمد بن أحمد
، الإمام أبو المكارم النوقاني الفقيه، الشافعي. ونوقان هي مدينة طوس.
مولده في سنة أربع عشرة وخمس مائة. وبادر أبوه فأخذ له الإجازة من محيي السنة أبي محمد البغوي. وسمع من عبد الجبار بن محمد الخواري أربعي البيهقي الصغرى. وسمع من أبيه مسند الشافعي.
وكان بارعًا في مذهبه، تفقه مدة بمحمد بن يحيى. وكان مفتياً، مهيباً، مدرساً.
سمع منه أبو رشيد الغزال، وغيره. وأجاز للشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، وللفخر علي ابن البخاري.
مرض بنيسابور، فحمل إلى نوقان فمات بها في سنة ستمائة. ورخه أبو العلاء الفرضي.
وقيل: ولد سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، فنحنُ نروي تصانيف مُحيي السنة؛ كشرح السنة، ومعالم التنزيل، والمصابيح، والتهذيب، والأربعين حديثًا بالإجازة العالية، من ابن أبي عمر، والفخر علي، بإجازتهما منه، بإجازته من المؤلف.
618 -
القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين
. الحافظ، المفيد، المسند، الورع، بهاء الدين أبو محمد الدمشقي، المعروف بابن عساكر.
مولده في نصف جمادى الأولى سنة سبعٍ وعشرين وخمس مائة. وسمع أباه، وعمه الصائن هبة الله، وجدّ أبويه القاضي أبا المفضل يحيى بن علي القرشي، وابنه القاضي أبا المعالي محمد بن يحيى، وجمال الإسلام أبا الحسن علي بن المسلم، وأبا طالب علي بن عبد الرحمن الصوري، ويحيى بن بطريق الطرسوسي، وأحمد بن محمد الهاشمي الذي روى عن السميساطي، وأبا الفتح نصر الله بن محمد المصيصي، وهبة الله بن طاوس، وأبا الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، والخضر بن الحسين بن عبدان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الحديد، ونصر بن أحمد بن مقاتل، وأبا القاسم بن البن، وأبا الحسن المرادي، وأبا سعد ابن السمعاني، وخلقًا كثيراً. وأجاز له عامة مشايخ خُراسان الذين لقيهم أبوه في سنة ثلاثين. منهم: أبو عبد الله الفراوي، وزاهر الشحامي، والحسين بن عبد الملك الخلال، وهبة الله السيدي. وأجاز له القاضي أبو بكر الأنصاري، وجماعة من بغداد.
وكان إماماً، محدثاً، ثقة، حسن المعرفة، كريم النفس، مكرمًا للغرباء، ذا أنسة بما يُقرأ عليه، وخطه وحش، لكنه كتب الكثير، وصنف، وخرج، وعُني بالكتابة والمطالعة، فبالغ إلى الغاية. وكان ظريفاً، كثير المزاح.
قال العزّ النسابة: كان أحب ما إليه المزاح.
وقال ابن نقطة: هو ثقة إلا أن خطه لا يشبه خط أهل الضبط.
وقال عبد الرحمن ابن المقرب الإسكندري: حدثني المحدث ندى الحنفي قال: قرأتُ على أبي محمد بن عساكر، حدثنا ابن لهيعة، فقال: لُهيعة بالضم فراجعته فلم يرجع.
وقال الحافظ عبد العظيم: قلت للحافظ أبي الحسن المقدسي: أقول: حدثنا القاسم بن علي الحافظ بالكسر نسبةً إلى والده؟ فقال: بالضم، فإني اجتمعت به بالمدينة فأملى علي أحاديث من حفظه، ثم سير إلي الأصول فقابلتها فوجدتها كما أملاها. وفي بعض هذا يطلق عليه الحفظ.
قلت: وليس هذا هو الحفظ العرفي. وقد صنف كتاب المستقصى في فضل المسجد الأقصى، وكتاب الجهاد. وأملى مجالس. وكان يتعصب لمذهب الأشعري، ويبالغ من غير أن يحققه. وقد ولي مشيخة دار الحديث النورية بعد والده إلى أن مات. ولم يتناول من معلومه شيئاً. بل جعله مرصدًا لمن يرد عليه من الطلبة. وقيل: إنه لم يشرب من مائها، ولا توضأ منه.
وقد سمع منه خلق. وحدث بمصر، والشام. روى عنه أبو المواهب ابن صصرى، وأبو جعفر القرطبي، وأبو الحسن بن المفضل، وأبو محمد عبد القادر الرهاوي، ويوسف بن خليل، والتقي اليلداني، والكمال محمد ابن القاضي صدر الدين عبد الملك بن درباس، والمعني عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، والتاج عبد الوهاب ابن زين الأمناء، وعبد الغني بن بنين القباني، والخطيب عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني، والمحدث زين الدين خالد، والنجيب فراس العسقلاني، والمجد محمد بن إسماعيل بن عساكر، والتقي إسماعيل بن أبي اليسر، والكمال عبد العزيز بن عبد، وأبو بكر محمد بن علي النشبي. وأجاز لابن أبي الخير الحداد، ولأبي الغنائم المسلم بن علان.
وتوفي في تاسع صفر.
619 -
كامل بن عبد الجليل بن أبي تمام
، الرئيس الشريف أبو الفضائل الهاشمي، البغدادي، الحريمي، المعروف بابن الشنكاتي.
سمع أبا منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز. روى عنه الدبيثي، والنجيب عبد اللطيف. وتوفي في جمادى الآخرة.
620 -
الليث بن علي بن محمد
، أبو الفتح ابن البوراني، البغدادي.
شيخ معمر، ولد بعد الخمس مائة بيسير، ولو سمع على مقتضى سنه لسمع من أبي القاسم بن بيان، وطبقته. ولكنه سمع في كبره من القاضي أبي بكر. ومن محمد بن محمد بن أسد. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وغيره. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن البخاري. وتوفي في ثاني ربيع الأول.
621 -
محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور
، الجمال أبو بكر المقدسي، وهو مشهور بكنيته.
قال الضياء: وُلد سنة ثلاث وستين، وتوفي بنابلس لأنه مضى ليزور القدس بعد حجته. وكان فقيهًا زاهداً، ورعاً، كثير الخوف من الله. كان يعرف بالزاهد. رحل مع أخيه البهاء عبد الرحمن إلى بغداد، وسمع الكثير بها وبدمشق. وكان يتنظف ويبالغ في الوضوء. ثم رجع وتزوج. ثم سافر إلى بغداد، وأقام بها مدة وحصل فنونًا وعاد. وكان يؤم بمسجد دار البطيخ بدمشق. وتزوج بمريم بنت خلف بن راجح، فولدت له أحمد، وعبد الرحمن، وصفية.
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار بقراءتي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بحران سنة أربع وثمانين، قال: أخبرنا ابن شاتيل، قال: أخبرنا ابن بيان، فذكر حديثين.
622 -
محمد بن الحسين بن علي بن الهادي بن القاسم بن ناصر الحق
، الشريف النقيب نقيب السادة بمصر، أبو الفضل، المعروف بابن الدلالات، العلوي، الحسيني، الطبري.
توفي في جمادى الأولى. وحدث عن الوزير أبي المظفر الفلكي.
623 -
محمد بن صافي بن عبد الله
، أبو المعالي البغدادي، النقاش.
ولد سنة ثمان عشرة وخمس مائة. وسمع من أبي بكر المزرفي، ويحيى بن الحسن ابن البناء، وأبي البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبي
القاسم ابن السمرقندي. روى عنه ابن النجار، والدبيثي، والضياء المقدسي، وغيرهم. وأجاز للشيخ شمس الدين، وللشيخ الفخر المقدسيين. وتوفي في ربيع الآخر، وله اثنتان وثمانون سنة.
624 -
محمد ابن الإمام موفق الدين أبي محمد بن قدامة
، أبو الفضل.
ولد في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين، وتوفي في جمادى الأولى، وقد استكمل ستًا وعشرين سنة.
قال الضياء: مات بهمذان. وكان شابًا ظريفاً، فقيهاً، تفقه على والده، وسافر إلى بغداد، واشتغل بالخلاف على الفخر إسماعيل غلام ابن المنِّي، وسمع الحديث.
625 -
محمد ابن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي
، أبو الفضل.
سمع من والده، وسعيد ابن البناء، وأبي الوقت. وحدث. وتوفي في ذي القعدة.
روى عنه أبو عبد الله ابن النجار، وقال: كان من ذوي الثروة، وكان طحاناً، فكثرت أمواله وتنعم فقابل النعمة بالكفر، حتى سمعت من جماعة أنه كان يأخذ الذهب ويرمي به نحو السماء ويقول: كم تعطيني ذهبًا وقد شبعت! ثم ما زال في انحطاط حتى افتقر، ولبس بالفقيري، ولزم رباطهم. ثم سافر إلى دمشق ليطلب شيئاً، ثم عاد إلى بغداد. ولم تكن طريقته مرضية، وكان خاليًا من العلم. عاش ثمانيًا وخمسين سنة.
626 -
محمد بن عبد الملك بن محمد
، أبو عبد الله الأزدي، العتكي الأندلسي، من أهل الجزيرة الخضراء.
عمر وعاش ستًا وثمانين سنة. وسمع من أبي العباس بن زرقون فقط. وولي قضاء بلده. حدث عنه أبو محمد بن حوط الله، وأبو عبد الله بن هشام.
627 -
محمد بن علي بن محمد بن الخازن
، أبو المعالي البزاز، المعروف بابن قشيلة، بقافٍ مضمومة، وشين معجمة.
سمع أبا بكر محمد بن عبد الباقي القاضي، وأبا الوقت. وإنما ظهر سماعُه بعد موته.
توفي في ربيع الآخر.
628 -
محمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي
. القاضي أبو البركات الأنصاري، الموصلي، الشافعي.
ولد سنة ثلاثين وخمس مائة بالموصل. وسمع من القاضي أبي بكر محمد بن القاسم الشهرزوري. وببغداد من ابن ناصر، والنقيب أحمد بن علي العلوي، وأبي الوقت.
وذكر وفاة أبي البركات هذا الحافظ عبد العظيم فقال: توفي في ثاني ربيع الأول بأسيوط، ودفن عند مصلى العيد، وقد ولي القضاء بها زيادة على عشرين سنة. قال: وذكر أنه تولى الحكم بحماة ثمان سنين في زمان نور الدين، وجمع كتابًا سماه عيون الأخبار وغرر الحكايات والأشعار. وجمع أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا في أربعين مدينة. وجمع معجم النساء. وذكر في هذه الكتب أنه سمع بالموصل من الشهرزوري، ويحيى بن سعدون، وببغداد من ابن ناصر، وبالبصرة من فلان، وبهمذان من أبي العلاء، وبحلب من ابن عصرون، وبدمشق من ابن عساكر، وبمصر من أبي الفتح المحمودي، وبأسيوط، ودمياط، وقوص، وأسوان، ومدنًا كثيرة. سمع منه خطيب أسيوط أبو الرضا محمد بن سليمان، والحسن بن عبد الباقي الصقلي.
وحدثنا عنه أبو الحسن بن أبي الجود الفتحي. ووقع في كتابه عيون الأخبار مواضع وهمها ظاهر جداً.
629 -
محمد بن أبي نصر محمد بن ياسين بن عبد الملك
، أبو البركات التاجر البغدادي.
ولد سنة أربع وثلاثين، وعرض القرآن على أبي الحسن علي بن أحمد اليزدي. وسمع أبا الفضل الأرموي، وجماعة. وحدث عنه ابن الدبيثي.
630 -
محمد بن المهنا بن محمد
. الأديب أبو عبد الله البناني، البغدادي، الشاعر المشهور.
ولد في محرم سنة تسع وخمس مائة، ومدح الخلفاء والوزراء، وطال عمره.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه من شعره، وقال: توفي في رابع شوال.
وروى عنه أيضًا ابن النجار.
تزوج بتسعين امرأة.
631 -
محمد بن يحيى بن صباح
. أخو أبي صادق الحسن القرشي، المخزومي.
سمع عبد الله بن رفاعة. وحدث عنه بدمشق، وبها توفي وله اثنتان أو ثلاث وخمسون سنة.
توفي في شوال.
632 -
محمد بن يحيى بن محمد
بن متوكل
، أبو بكر ابن الحذاء التميمي، الإشبيلي، الشاهد.
قال الأبار: روى فيما أحسب عن أبي محمد بن عتاب. أخذ عنه أبو علي الشلوبين. وتوفي سنة ست مائة أو إحدى وست مائة عن نيفٍ وتسعين سنة.
633 -
محمد بن يحيى بن محمد، أبو بكر الجذامي، النيار، الإشبيلي، الشاهد.
سمع من شريح بن محمد صحيح البخاري، ومن أبي بكر بن طاهر الموطأ. وحدث.
توفي فيها تقريباً.
634 -
محمد بن يوسف بن مفرج بن سعادة
، أبو بكر وأبو عبد الله الإشبيلي، المقرئ، نزيل تلمسان.
قال الأبار: أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح بن محمد، وأبي العباس بن حرب. وسمع منهما، ومن القاضي أبو بكر ابن العربي، وأبي بكر بن مدير. ولم يسمع من شريح إلا الموطأ وصحيح البخاري. وكان مقرئًا فاضلاً، ومحدثًا ضابطاً. أخذ الناسُ عنه، وعمر وأسن. وحكى أبو العباس ابن المزين أنه لقيه بتلمسان، وأنه أجاز له في ربيع الآخر سنة ستمائة. وفيها توفي.
635 -
محمد بن يوسف بن أبي بكر
، الشيح ضياء الدين أبو بكر الآملي، الطبري، المقرئ، الفقيه، إمام السلطان صلاح الدين.
سمع بأصبهان من مسعود الثقفي، وأبي الخير الباغبان. وبهمذان من الحافظ أبي العلاء العطار. وبشيراز من عبد العزيز بن محمد الأدمي، وغيرهم.
وحدث بمصر، ودمشق، والمدينة. روى عنه علاء الدين علي بن محمد بن سعيد ابن القلانسي، وتقي الدين اليلداني، وشمس الدين ابن خليل، وشهاب الدين القوصي، وجماعة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وأبي الغنائم بن علان.
وتوفي في العشرين من ربيع الآخر.
وكان قد اعتنى بكتب القراءات نسخًا وسماعاً. ويعرف بخواجا إمام.
636 -
المبارك بن إبراهيم بن مختار بن تغلب
. الشيخ الصالح أبو محمد الأزجي، الطحان، المعروف بابن السيبي.
سمع أبا القاسم بن الحُصين، وأبا البركات بن حبيش الفارقي.
وتغلب: بغين معجمة.
روى عنه ابن خليل، والدبيثي، والضياء محمد، والتقي اليلداني،
وابن عبد الدائم، وعبد اللطيف الحراني، وآخرون.
وكان خيرًا حافظًا للقرآن. توفي في شوال وله ثلاثٌ وثمانون سنة. وابنه عبيد الله يروي عن ابن البطي.
637 -
المبارك بن طاهر بن المبارك
، أبو المظفر الخزاعي، البغدادي، الصوفي.
شيخ صالح عارف. نزل إربل وحدث بها، وبالموصل عن نوشتكين الرضواني، وابن ناصر. وتوفي في جمادى الآخرة.
سمع منه المطهر بن سديد. وأقام بإربل دهراً.
638 -
مريم بنت أبي الفائز مظفر بن داود النهرواني الأزجي
.
سمعت أبا الفضل محمد بن عمر الأرموي، وتوفيت في ربيع الأول.
يقال لأبيها البازيازي، بزايين بينهما ياء آخر الحروف.
639 -
نصر بن علي بن منصور
، أبو الفتح الحلي، النحوي، المعروف بابن الخازن، تلميذ أبي محمد الحسن بن علي بن عبيدة في العربية.
وقد سمع من ابن كليب، وطبقته. وكان أديبًا فاضلاً، كثير الكتب.
توفي بالحلة المزيدية، ودفن بكربلاء بالمشهد في جمادى الأولى.
640 -
نصر بن عبد الله بن الحسين بن جهير
، الرئيس الأجل أبو الفرج.
ولي الوزارة من بيته غير واحد، وحدث عن سعيد ابن البناء، ومحمد بن عبيد الله الرطبي.
641 -
هبة الله بن أبي المعمر الحسين بن الحسن بن علي بن البل
، أبو المعالي بن أبي الأسود البغدادي، البيع.
شيخ صالح معمر من أبناء التسعين. روى عن أبي بكر الأنصاري، وأبي
الفتح عبد الله ابن البيضاوي، وجماعة. روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والضياء، والنجيب عبد اللطيف. وأجاز لابن أبي الخير. وتوفي في رجب.
642 -
هبة الله بن يحيى بن علي بن أبي المكارم حيدرة
. القاضي الأجل، صنيعة الملك أبو محمد القيسراني الأصل، المصري، المعدل ويعرف بابن ميسر.
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة، وروى السيرة عن عبد الله بن رفاعة السعدي. وروى عن أبي العباس بن الحطيئة. روى عنه أبو الحسن السخاوي، والضياء محمد، وخطيب مردا، وجماعة.
ذكر الحافظ المنذري وفاته في سابع عشر ذي الحجة وأثنى عليه، فقال: كان عالي الهمة، نزهاً، صالحاً، كثير البر والمعروف. وجده علي هو الذي قدم مصر من قيسارية. وعرف بابن ميسر؛ لأن قاضي القضاة ابن ميسر ربى والده أبا الحسين يحيى للمصاهرة التي بينهما.
643 -
هذيل بن محمد بن هذيل الأنصاري
، أبو المجد الإشبيلي.
أخذ القراءات عن أبي الأصبغ السماتي، ومحمد بن محمد بن معاذ، وجماعة. وتصدر للإقراء ولتعليم العربية. أخذ عنه ابن الطيلسان.
وكان حيًا في هذه السنة.
644 -
واثق بن المبارك بن أحمد
، أبو منصور ابن قيداس الحريمي.
سمع من أحمد بن علي بن الأشقر. وحدث. ومات في شوال.
645 -
لاحق بن أبي الفضل بن علي
، الشيخ أبو طاهر الحريمي، الخباز، الصوفي برباط الخليفة، المعروف بابن قندرة.
روى المسند كله عن ابن الحُصين. وكان صحيح السماع، مسناً، معمراً. ولد سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. وعنه الدبيثي، وابن خليل،
والضياء، واليلداني، وجماعة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، والفخر علي. توفي في ثامن المحرم.
646 -
يحيى بن سعيد بن مسعود
، أبو زكريا الأندلسي، المقرئ، النحوي، نزيل تلمسان، ويعرف بالقلني. وقلنة: من بلاد الثغر الشرقي من الأندلس.
قال الأبار: كان مقرئاً، نحوياً، لغوياً، حافظاً، شاعراً. تصدر للإقراء، وله شعر كثير معظمه في الزهد والوعظ. روى عنه التجيبي، وأبو العباس ابن المزين، وقال: أجاز لي في جمادى الأولى عام ستمائة.
قلت: ولم يؤرخ الأبار له وفاة.
647 -
يحيى ابن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي
، أبو زكريا أصغر الإخوة.
ولد سنة خمسين. وحدث عن ابن البطي. وتوفي ببغداد كهلاً.
648 -
يحيى بن محمد بن علي
بن طوق
، أبو الفتح الموصلي، ثم البغدادي، الملقب بالسديد.
حدث عن أبي الوقت. وتوفي في رمضان.
649 -
يحيى بن محمد بن علي، أبو الحسين ابن الصائغ الأنصاري، السبتي، المغربي.
قال الأبار: سمع من أبي مروان بن قزمان، وأخذ عنه كتاب التقصي لابن عبد البر. وسمع من أبي عبد الله بن زرقون، وأبي القاسم بن بشكوال، وجماعة. وكان نسيج وحده في الورع، والزهد، والنسك، والتقلل من الدنيا، والإيثار. وله أخبار بديعة في ذلك.
روى عنه التجيبي وهو أكبر منه، وأبو عبد الله بن هشام، وأبو الحسن الشاري. وأثنى عليه أبو الحسن وقال: لم أر أزهد منه. وتوفي بسبتة في رمضان.
650 -
يعيش بن نجم بن عبد الله
، أبو البقاء البغدادي، المأموني، الفرضي، الحاسب، الواعظ، الوكيل.
عاش إحدى وسبعين سنة. وسمع سعيد ابن البناء، وعبد الله بن أحمد بن يوسف.
ويقال: إنه سمع من قاضي المرستان.
وكان عارفًا بالفرائض وعقد الوثائق.
مات في شوال.
651 -
يوسف بن سعيد بن مسافر بن جميل
. الأزجي، المقرئ، البناء، القطان، أبو محمد.
ولد سنة ست وأربعين، وسمع الكثير من أبي الفتح ابن البطي، والناس بعده. وتوفي في سلخ ذي الحجة.
قال الدبيثي: وكان فيه تخليط سامحه الله. وكتب الكثير إلى أن مات.
• -
أبو القاسم بن شدقيني
. تقدم في الشين، والأصح أن اسمه كنيته.
وفيها ولد:
الشيخ شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الزبير الخابوري خطيب حلب، وشيخ الطب عز الدين إبراهيم بن محمد ابن السويدي في ذي العقدة، والمحدث مكين الدين أبو الحسن بن عبد العظيم الحُصيني، والعلامة البرهان النسفي محمد بن محمد بن محمد الحنفي صاحب الجست.
ومن المتوفين تقريبًا وتخميناً
652 -
إبراهيم بن علي بن أحمد بن محمد بن حمك
. المغيثي، النيسابوري، القاضي المعمر، أبو الفضل، قاضي القضاة.
مولده في ذي الحجة سنة ثمان وخمس مائة. قرأته بخطه. وسمع منه العلامة جمال الدين محمود ابن الحصري موطأ أبي مصعب، بروايته عن هبة الله السيدي سماعاً. وأجاز للفخر ابن البخاري مروياته.
وسماع الحُصري منه في رجب سنة ثمان وتسعين وخمس مائة.
653 -
أحمد بن عبد السلام
، أبو العباس الكورائي، ويقال فيه: الجراوي. وهو بذلك أشهر، الشاعر البربري. وكورايا: قبيلةٌ من البربر، منازلهم بقرب فاس.
كان آية زمانه في النظم وحفظ الأشعار القديمة والحديثة. جالس عبد المؤمن وأولاده من بعده، وطالت أيامه، وجمع حماسة كبيرةً مشهورةً بالمغرب، أحسن فيها الترتيب. وكان ظريفًا صاحب نوادر.
ومن شعره في المنصور أبي يعقوب صاحب المغرب:
إن الإمام هو الطبيبُ وقد شفى علل البرية ظاهرًا ودخيلاً حمل البسيطة وهي تحمل شخصهُ كالروح يوجد حاملًا محمولا وله:
مشى اللؤم في الدنيا طريدًا مشردًا يجوبُ بلاد الله شرقًا ومغربا فلما أتى فاسًا تلقاه أهلها وقالوا له: أهلًا وسهلًا ومرحبا وله مدائح في السلطان عبد المؤمن وبنيه.
توفي سنة بضع وتسعين وخمس مائة، وقد جاوز الثمانين.
قال تاج الدين بن حموية: أدركته فرأيت شيخًا حسناً، وقد زاد على العمرين، وخضرم حيث أدرك العصرين، وحلب من الدهر الشطرين، مدح الكبار، وحصل أموالاً. وقيل: إن يوسف بن عبد المؤمن سأل: من بالباب؟ فقالوا: أحمد الكورائي وسعيد الغماري. فقال: من عجائب الدنيا، شاعر من
كورايا، وحكيم من غمارة. فبلغ ذلك أحمد، فقال: وضرب لنا مثلًا ونسي خلقهُ، أعجب منهما خليفة من كومية. فقال الخليفة يوسف لما بلغه ذلك: أعاقبه بالحلم والعفو عنه، ففيه تكذيبه.
وللكورائي في عبد المؤمن:
أبر على الملوك فما يُبارى همامٌ قد أعاد الحرب دارا له الأقدار أنصارٌ، فمهما أراد الغزو يبتدر ابتدارا يقدم للعقاب مقدمات من الإنذار تمنع الاعتذارا ومضى في القصيدة.
ومن أخرى في يوسف بن عبد المؤمن له:
من قيس عيلان الذين سيوفهم أبدًا تصولُ ظباؤها وتصونُ وغيوثُ حرب والنوال سحائب وليوث حربٍ والرماح عرينُ ضمنت لهم أسيافهم ورماحهم أن يكثر المضروب والمطعون قد أصحروا للنازلات فما لهم إلا ظهور السابقات حُصونُ ملكٌ إذا اضطرب الزمانُ مخافة لم يُغنهِ التسكين والتأمينُ أشفى على الدنيا فعف، وغيره بدلالها وجمالها مفتون عذرًا أبا يعقوب إن علاكم قد أفنت المدحات وهي فنون وله يصف الموحدين:
وسادة كأسود الغاب فتكهم قصدٌ إذا اغتال في الهيجاء مُغتالُ تشوقهم للطّعان الخيلُ إن صهلت كما يشوقُ العميد الصب أطلالُ إن سابقوا سبقوا، أو حاربوا غلبوا أو يمموا وصلوا، أو أملوا نالوا جادوا، وصالوا، وضاؤوا، واحتبوا، فهم مزنٌ وأسدٌ، وأقمارٌ، وأجبالُ قال تاج الدين: وتوفي في أواخر أيام السيد يعقوب عن حالةٍ مرضية، وإنابةٍ وزهادة، وإقبال على العبادة. وتناهى به العمر إلى غاية الهرم، وهو على جودة الذهن، وحسن الشيم.
قلت: وقيل: إنه توفي سنة تسع وست مائة بإشبيلية. وسأعيده هناك مختصراً.
654 -
الحسن بن علي بن إبراهيم
، أبو محمد الجويني الناسخ.
كان بديع الوراقة، كتب بخطه ما لا يوصف حتى أن من جملة ما كتب مائتين وستة وثلاثين ختمة، منها ربعات. وأقام بحلب مدة، ثم سكن مصر وبها مات بعد التسعين. وكان فيه تشيع. وصنف كتاب حيل الملوك، وكتاب مدائح الملك الناصر صلاح الدين ابن أيوب، وكتابًا في مدائح أهل البيت عليهم السلام.
655 -
محمود بن علي بن الحسن
، الشيخ سديد الدين أبو الثناء الرازي، المتكلم، المعروف بالحمصي.
شيخ شيعي، فاضل، بارع في الأصلين والنظر. له عدة مصنفات، عمر نحوًا من مائة سنة. وقرأ عليه الفخر ابن الخطيب. وورد العراق في هذه الحدود. وأخذوا عنه. وتعصب له ورام بن أبي فراس، وحصل له ألف دينار، ودخل الحلة، وقرر لهم نفي المعدوم. وأملى التعليق العراقي. وله تعليق أهل الري. وله كتاب المنقذ من التقليد، وكتاب المصادر في أصول الفقه، وكتاب التحسين والتقبيح وغير ذلك.
وكان في ابتدائه يبيع الحمص المسلوق بالري، ثم اشتغل على كبر ونبل، وصار آية في علم الكلام والمنطق. وكان درسه يبلغ ألف سطر، وما يتروى ولا يستريح، كأنما يقرأ من كتاب. وكان بصيرًا باللغة العربية، والشعر، والأخبار، وأيام الناس. وكان صاحب صلاةٍ وتعبد وبكاء وخشية.
ذكره يحيى بن أبي طيئ في تاريخه. وبالغ في وصفه، فالله أعلم.
656 -
هبة الله بن زين بن حسن بن إفرائيم بن يعقوب بن جميع
. الإسرائيلي اليهودي، لا رحم الله فيه مغرز إبرة. وهو الموفق، شمس الرياسة، أبو العشائر المصري.
قرأ الطب وبرع فيه، وصار فاضل الديار المصرية فيه. وخدم السلطان صلاح الدين، وحظي عنده. وكان له حلقة اشتغال وتلامذة.
أحكم الطب على الموفق عدنان ابن العين زربي، ولازمه مدة، ونظر في
العربية واللغة. وقد رثاه بعض تلامذته بقصيدة مونقة.
وله كتاب الإرشاد في الطب، وكتاب تنقيح القانون، ورسالة في طبع الإسكندرية، ومقالة في الليمون، ومقالة في الرواند، ومقالة في علاج القولنج، ومقالة في الحدبة، وغير ذلك.
لم تؤرخ وفاته.
657 -
يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن مخلد
، أبو الوليد البقوي القرطبي، الفقيه. والد القاضي أبي القاسم بن بقي.
روى عن جده أبي القاسم أحمد، وشريح، وأبي بكر ابن العربي، وأبي القاسم بن رضا. أخذ عنه ابنه، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زيد الفازازي. ولي قضاء بعض النواحي.
توفي سنة نيفٍ وثمانين وخمس مائة.
658 -
يوسف بن سليمان بن يوسف بن عبد الرحمن
بن حمزة المقرئ، أبو الحجاج البلنسي.
أخذ القراءات في ختمة جمعًا عن أبي عبد الله بن غلام الفرس، وأخذها عن أبي الأصبغ بن فتوح الهاشمي، وكان ثقة خيراً. صحبه أبو الحسن بن خيرة مدة.
قال الأبار: مات قبل الستمائة.
(آخر الطبقة)