المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي ونعم الوكيل (1) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - تفسير ابن كمال باشا - جـ ١

[ابن كمال باشا]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

وهو حسبي ونعم الوكيل

(1)

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} .

‌سورة فاتحة الكتاب

السُّورةُ عبارةٌ عن طائفةٍ من القرآن مترجَمةٍ، أقلُّها ثلاثُ آياتٍ، وهي:

إنْ جُعلت واوُها أصليةً منقولةٌ من سُور المدينة، أو من

(2)

السُّورة التي هي الرُّتبةُ.

وإن جُعلت مُبدَلةً من الهمزة، فمِن السُّورة التي هي البقيَّةُ أو القطعةُ من الشيء.

وفائدةُ تقطيع القرآن سوراً: أنَّ تنويع الجنس أحسنُ من كونه بياناً واحداً، وأنشطُ للقارئ، وأسهلُ للحفظ.

وأمَّا إفرادُ الأنواع وتلاحُقُ الأشكال فلا يَصلحُ وجهاً لِمَا ذُكر؛ لأنَّه غيرُ مراعًى في ترتيب الآيات وتقطيعِها سوَراً كما لا يَخْفى على من تتبَّع وتأمَّل

(3)

.

(1)

جملة: (وهو حسبي ونعم الوكيل) من "ح " و"م".

(2)

في "ف": (عن).

(3)

في هامش "ف" و"م": (رد لصاحب الكشاف والقاضي).

ص: 5

وفاتحةُ الشيء أوَّلُه وخاتمتُه آخرُه؛ إذ بهما الفتحُ والختْمُ، والتاءُ للنقل من الوصفيَّة إلى الاسميَّة

(1)

.

وقيل: هي في الأصل مصدرٌ بمعنى الفتح، ثم أُطلقت على أوَّل الشَّيء تسميةً للمفعول بالمصدر، والفاعليَّةُ في المصادر غيرُ عزيز.

وإضافتُها إلى (الكتاب) - وهو مجموعُ كلام الله المُفْتَتَحِ بالتحميد والمُخْتَتَمِ بالاستعاذة - بمعنى اللَّام؛ لأنَّ أوَّل الشيء جزؤُه، وإضافةُ الجزء إلى كلِّه بمعنى اللَّام.

ثم إنَّ وجْهَ تسميةِ هذه السُّورةِ بـ (فاتحة الكتاب)، و (الفاتحةِ)، و (سورةِ الحمد)، و (الشُّكرِ)، و (الدُّعاءِ)، و (تعليمِ المسألة)، ظاهرٌ.

أمَّا تسميتُها بـ (أُمِّ القرآن): فلاشتِمالها على كُليَّات المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله تعالى، ومن التعبُّد بالأمر والنَّهي والوعدِ والوعيد.

وأمَّا التَّسميةُ بـ (الأساسِ): فلأنَّها مفتتحُ الكتاب ومَبدؤه، فكأنها أصلُه ومَنشَؤه.

وأمَّا تسميتُها بـ (سورة الكنز): فلِمَا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنما أنزلتْ مِن كنْزٍ تحتَ العرْشِ"

(2)

.

(1)

في هامش "ف" و"م": (صرح به صاحب الكشاف في تفسير سورة الأحزاب. منه).

(2)

رواه ابن الأعرابي في "معجمه"(1810) من حديث علي رضي الله عنه مرفوعاً. ورواه الثعلبي في "تفسيره"(1/ 89)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: 19)، عن علي رضي الله عنه موقوفاً. والموقوف والمرفوع كلاهما من طريق الفضيل بن عمرو عن علي رضي الله عنه، ولم يسمع منه فهو منقطع. ورواه أبو يعلى في "مسنده" كما في "المطالب العالية"(3477)، والطبراني في "المعجم الكبير"(20/ 225)، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو متروك كما في "التقريب".

ص: 6

وأما تسميتُها بـ (سورة الشِّفاء) و (الشَّافية): فلقولهِ عليه السلام: "هي أمُّ القرآنِ وهي شفاءٌ من كلِّ داءٍ"

(1)

.

وأمَّا تسميتُها بـ (سورة الصَّلاة): فلِوجوبِ قراءتها فيها، وقد تُسمَّى بالصَّلاة كما وقع في الحديث القدسيِّ:"قَسمتُ الصَّلاة بيْنِي وبينَ عبْدِي"

(2)

، وذلك من باب تسميةِ الشيء باسمِ ما يُلازمه.

وأمَّا تسميتُها بـ (الوافية) و (الكافية): فلأنَّها تكفي في الصَّلاة عن غيرها، ولا يكفي غيرُها عنها

(3)

، والمرادُ من الصَّلاة: الرَّكعتانِ الأخيرتانِ من الرباعيَّة؛ لأنَّ ضمَّ السُّورة عليها واجبٌ في الأُوليَينِ.

وأمَّا تسميتُها بـ (السَّبع المثاني): فلأنَّها سبعُ آيات تُثنَّى في الصلاة.

وقيل: لأنَّها ثُنِّيتْ في النزولِ، فإنَّها نزلت بمكةَ حين فُرضت الصلاةُ، وبالمدينة

(4)

حين حُوِّلت القِبلةُ.

وفيه: أنَّ الوصف المذكورَ قد ثَبَت لها بمكة بدلالةِ قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ

(1)

رواه بهذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره"(1/ 129) بإسناد منقطع، وتسميتها بأم القرآن رواه البخاري (4704) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أما باقي الحديث فرواه الدارمي (3370) عن عبد الملك بن عمير عن النبي صلى الله على وسلم مرسلاً. وروى سعيد بن منصور في "سننه" (178 - تفسير) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً:"فاتحة الكتاب شفاء من السم"، وإسناده ضعيف جدًّا. وانظر ما رواه البخاري (5007)، ومسلم (2201)، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

(2)

رواه مسلم (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

في "م": (عنها غيرها).

(4)

في "ف" و"ك": (والمدينة).

ص: 7

سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] يعني: فاتحةَ الكتاب، على ما نصَّ عليه النبيُّ عليه السلام حيث قال في رواية أبي هريرةَ رضي الله عنه:"فاتحةُ الكتابِ إنَّها السَّبْعُ المَثاني والقراَنُ العظيمُ الذي أُوتيْتُه"

(1)

، والآيةُ مكيةٌ بالنصِّ، وبذلك استدلُّوا على مكِّية هذه السورة، قُدم

(2)

دليل مكيَّتِها آنفاً، ووجهُ الدلالة ظاهرٌ، والمكيُّ ما نزل قبل الهجرة، والمدنيُّ ما نزل بعدها سواءٌ نزلَ

(3)

بالمدينة أو في سفَرٍ من الأسفارِ

(4)

.

وهي سبعُ آياتٍ بالاتِّفاق، إلا أن قُرَّاء المدينة والبَصْرة والشام وفقهاءَها عَدُّوا {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آيةً، ولم يَروا التسميةَ آيةً منها

(5)

، وعليه مالكٌ وأصحابه، وأبو حنيفةَ وأصحابه، ولهذا لم يذكُرها مالكٌ في الصَّلاة، ويُسِرُّ بها أبو حنيفةَ رحمه الله ويقول: إنَّها آيةٌ من القرآن أُنزلت للفصل بين السُّور والافتتاحِ بها تبرُّكاً، وقراءُ مكةَ والكوفةِ وفقهاؤها على أنها آية مِن الفاتحة ومن كلِّ سُورةٍ، وعليه الشافعيُّ وأصحابه، ولهذا يُجهر بها في الصَّلاة، ولا دلالةَ في الإجماع على أنَّ ما بينَ دفَّتي المُصحفِ كلامُ الله تعالى، والوِفاق على إثْباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريْد

(6)

القرآن حتَّى لم تُكتب "آمين" = على صحَّة القول الثاني؛ إذ لا يلزم من كونها كلام الله تعالى أنْ تكونَ آيةً من الفاتحة.

(1)

رواه البخاري (4704) بلفظ: "أُمُّ القُرْآنِ هي السَّبْعُ المَثَانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ"، ورواه أبو داود (1457) بلفظ:"الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ أُمُّ الْقُرْآنِ وأُمُّ الْكِتَابِ والسَّبْعُ المَثَانِي".

(2)

في "د": (قد مر).

(3)

في "ف": (أنزل).

(4)

في هامش "ف" و"م": (نص على هذا القرطبي في تفسير سورة المائدة. منه).

(5)

في هامش "ف": (ذكره الفقيه أبو الليث. منه).

(6)

في "ف" و"م": (تحرير).

ص: 8

نعَم فيما روى أبو هريرةَ رضي الله عنه من أنَّه عليه السلام قال: "فاتحةُ الكتاب سبْعُ آياتٍ أُولاهُنَّ بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم"

(1)

دلالةٌ عليها.

(بسم الله الرحمن الرحيم) قد جاء في الخبر عن خَير البَشر أنَّه كان يكتب: باسمكَ اللهمَّ، فلمَّا نزلتْ سورة هودٍ:{بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] كَتب بسم الله، فلمَّا نَزلتْ سورةُ بني إسرائيلَ:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110] كَتب باسم الله الرحمن، فلما نزلتْ سورة النَّمل:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 30] كَتب بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

.

ففي الخبَر دلالةٌ على أنَّه ليس من أول كلِّ سورة، ولكنَّها بعضُ آيةٍ من كتاب الله تعالى في سورة النَّمل.

وقالوا: اللُّطف من الله في عَدمِ كونها آيةً تامَّةً: أنْ لا يكون الجُنُبُ والحائضُ والنُّفساءُ ممنوعِينَ عندَ كلِّ أمرٍ ذي بالٍ، كالشَّهادتينِ لم يجمعا

(3)

في القرآن في موضعٍ واحد؛ لئلا

(4)

يُتوهَّم أنَّهما آيةٌ، وربما يُحتضَرُ الجُنبُ ونحوُه فلا يُمكنه التكلُّمُ بها عند ختْمِ عُمُرِهِ.

(بسم) نَصبٌ بفعلٍ مضمَرٍ تقديره: بسم الله أقرأُ، وتقديمُ المعمول للاهتمام

(1)

روي مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أشبه بالصواب. انظر:"العلل" للدارقطني (8/ 148).

(2)

رواه عبد الرزاق في "تفسيره"(2/ 81) عن عامر الشعبي مرسلاً. وجاء في هامش "ف" و"م": (قال الفقيه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي: حدثنا خليل بن أحمد السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان رسول الله يكتب .. منه). وانظر: تفسير أبي الليث المسمى: "بحر العلوم"(1/ 13).

(3)

في "ف" و"م": (يجيئا).

(4)

في "ك": (حتى لا).

ص: 9

والاختصاصِ، وأصلُه:(باسم) بالألِف حُذفت لكثرة الاستعمالِ، ولذلكَ تُثبَتُ عند استعمالها بحرفٍ آخرَ؛ نحوَ قولكَ: لاسمِ اللهِ حلاوةٌ في القلوب، أو مضافاً إلى اسمٍ آخرَ نحو:(باسم ربِّك)

(1)

، وطُوِّلت الباءُ لأجلِه، وهي للخفض كُسرتْ لتُشابِهَ حركتُها عملَها.

وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه قال لكاتبِهِ: طَوِّلِ الباءَ، وأَظهِرِ السِّيناتِ، ودَوِّرِ الميمَ

(2)

.

وكان القياسُ: السِّنَّات؛ لأنَّه جمعُ السنِّ، إلا أنه عَدَل عنه حذَراً عن الالتباسِ ببعض المصادر كما قال الجوهريُّ في (الدِّينار): أصله (الدِّنَّار) بالتشديد، فأُبدِل من أحد أحرفِ تضعيفهِ ياءٌ لئلا يلتبِسَ بالمصادر التي تجيءُ على (فِعَّال)؛ كقوله تعالى:{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} [النبأ: 28]

(3)

.

افْتتَحَ كتابَه العزيزَ بحرف الباء، وآثَرها على سائرِ الحروف لا سيَّما على الألِف، حيثُ أَسقطه وأَثبتَ هيئة الباءِ مكانَه؛ إشارةً إلى أنَّها وإنْ كانت متبوعاً للباء صورةً،

(1)

في هامش "م": (ومن غفل عن هذا قال ما قال. منه)، ومثله في هامش "ف" لكن بلفظ:(عدل) مكان (غفل).

(2)

انظر: "الكشاف" للزمخشري (1/ 5)، ووقع في مطبوعه:(السنات)، لكن بالرجوع إلى نسختين خطيتين نفيستين له وجدناه فيهما كما نقل المؤلف رحمه الله:(السينات)، وكذا جاءت عند الطيبي في حاشيته على "الكشاف" المسماة "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" (1/ 698) حيث قال: قوله (يعني الزمخشري): (السينات)، ويروى:(السنات)، وهو أصح درايةً، والأولُ روايةً، جمع سنَّة وهي رأس القلم وسنَّة السين.

(3)

انظر: "الصحاح"(مادة: دنر). وللمؤلف رسالة في تحقيق معنى السنات في هذا الخبر، وهي مطبوعة ضمن "مجموع رسائل ابن كمال باشا".

ص: 10

لكنَّه من توابعها معنًى، وذلكَ أنَّكَ إذا نظرتَ إلى صورة وضعِ الحروف وجدتَ الألِفَ مقدَّماً على الباء متبوعاً له، وإذا تلفَّظْتَ بالباء وجدتَ الألِفَ تابعاً لها.

والاسمُ من السُّمُوِّ لأنها رِفعة للمُسمَّى وشِعارٌ له، صِلةٌ

(1)

لدفعِ توهُّم اختصاصِ الاستعانةِ بلفظ (الله) فقط، فإنَّ القائل: إذا قال: (بالله أبتدِئ

(2)

) فمعناه: بهذا الاسمِ، وإذا قال: (بسم اللهِ أبتدئ

(3)

معناه: باسمه تعالى ابتِدائي، فإنَّ المقصود به حينئذٍ المُسمَّى.

(الله): اسمُ عَلمٍ خاصٌّ له تعالى عند الخليلِ ومَن تَبِعه، وعلاقةُ الاشتقاقِ بينهُ وبينَ غيره إنَّما يُنافي عَلَميَّتهُ إذا ثبتَ أصالةُ ذلك الغير، وذلكَ لم يَثبتْ بعدُ

(4)

.

وقيل: وصفٌ لكنَّه غلَب

(5)

عليه تعالى بحيثُ لا يُستعمَلُ في غيرِه، وصار كالعَلَم لا عَلَماً؛ لأنَّ ذاتَه تعالى من حيثُ هو بلا اعتبارِ أمرٍ حقيقيٍّ أو غيرِه غيرُ معقولٍ

(6)

من البشَر

(7)

، فلا يمكنُ أنْ يُدلَّ عليه بلفظهِ.

وَيرِدُ عليه: أنَّ المعتبَرَ في اسمِ الذَّاتِ تجريدُ الموضوعِ له عن معنًى زائدٍ على الذات، لا تجريدُ الذات عنه عند الوضعِ، فملاحظتُه بوصفٍ مخصوصٍ لا ينافي

(1)

في "د": (وحله).

(2)

في "د" و"م": (ابتداء)، وفي "ك":(ابتدائي).

(3)

في "ك": (ابتدائي).

(4)

في هامش "م": (استدل هاهنا على العلمية بأنه لا يوصف به، وجوز التوصيف به في سورة سبأ عليه). ونحوه في هامش "ف" مع بعض التغيير، ولعله من التحريف في العبارة.

(5)

في "ف": (غالب).

(6)

في "ح " و"ف": (غير منقول).

(7)

قوله: "من البشر" من "م".

ص: 11

كونَه اسمَ ذاتٍ إذا لم يكنْ ذلك الوصفُ معتبَراً في الموضوع له، على أنَّ في وضعِ الأعلام لا حاجةَ إلى معرفة الموضوعِ له وملاحظتِه بشخصهِ

(1)

؛ بل يكفي معرفتُهُ وملاحظتُهُ على وجهٍ ينحصرُ ذلك الوجهُ في الخارج فيه، ألَا تَرى أنَّ الأبَ يَضعُ عَلَماً لولده قبلَ أنْ يَراه؟

ولو سُلِّم أنَّه يستحيلُ أنْ يُوضَعَ لهُ تعالى عَلماً؛ ولكنْ لِمَ لا يجوزُ أن يُسمِّيَ الحقُّ نفسَه باسمٍ يدلُّ على ذاتِهِ تعالى بالمُطابقة ثمَّ يعرِّفَنا بذلك؟

أو يقال: لو دلَّ على مجرَّد ذاته تعالى لَمَا أفاد ظاهرُ قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3]، معنًى صحيحاً؛ لأنَّ اللازم حينئذٍ عدمُ دلالته وضْعاً على معنًى زائدٍ، لا عدمُ دلالتِه عليه أصلاً؛ كـ:(حاتم)؛ فإنَّه عَلَمٌ، ومع ذلكَ دلَّ على معنى السَّخاوَة لاشتِهاره بها.

أصلُه: (إله)، فلمَّا دخلَ عليه الألِفُ واللامُ حُذفتِ الهمزةُ تخفيْفاً وعوِّضت عنْها حرْفا التعريفِ.

فإنْ قلتَ: إذا كان دخولُهما قبلَ حذفِها فكيفَ يكونُ عِوَضاً عنْها؟

قلتُ: دخولُهما قبلَ حذفها لا بطريقِ اللُّزوم، وبعدَ الحذفِ يكونانِ لازمينِ، فهُما باعتبارِ اللُّزوم يكونانِ عِوَضاً عنها، ولذلك قُطِعتِ الهمزةُ في:(يا الله).

وهو اسمُ جنْسٍ وُضِعَ لكلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطلٍ، ثمَّ غَلَبَ منكَّراً على المعبود بحقٍّ، كبعوضةٍ وسَنَةٍ، وقد دلَّ على ذلكَ - أيْ: على غَلَبته منكَّراً - كلمةُ التَّوحيدِ

(2)

، ثم

(1)

في هامش "ف" و"م": (ولا حاجة هاهنا إلى الالتزام بالتوقف في الأسماء كلها. منه).

(2)

في هامش "ف" و"م": (في الكشاف: كالنجم والبيت والكتاب، والغلبة فيها معنى التعريف فلا حاجة للتنظير بها).

ص: 12

اختَصَّ بذاته تعالى بعدَ حذْفِ الهمزةِ وتعويضِ التعريفِ عنْها، ويدلُّ على هذا أيضاً كلمةُ التَّوحيدِ، مشتقٌّ

(1)

من (أَلَهَ) كعَبَدَ وزْناً ومعنًى وتصرُّفاً، أو من (أَلِهَ) بمعنى فزِع، أو من (أَلِهَ) بمعنى وَلِعَ، أو من (أَلِهَ) بمعنَى تحيَّر، أو من (أَلِهَ) بمعنى سَكَنَ، أو من (وَلِهَ) كعَلِهَ ودَلِهَ وزناً ومعنىً وتصرفاً؛ أي: تحيَّر ودُهِشَ، أو من (وَلِهَ) بمعنى طَرِبَ، أو من (لاهَ) بمعنى: ارتفع، أو بمعنى: احتجَبَ، أو بمعنى: استَتَرَ.

فمجموع الأقاويل: هو المعبودُ للخواصِّ والعوامِّ، المفزوعُ إليه عند الأمور العِظامِ، المرتفِعُ عن الأوهامِ، المُحتجِبُ عن الأَفهامِ، الظاهرُ بالأَعلامِ، الذي تَحيَّرَ في صفاته الأَحلامُ، وسَكنَتْ في عبادتِه الأَجسامُ، ووَلِعَتْ به نفوسُ الأنام، وطرِب إليه قلوبُ الكرامِ.

(الرحمن الرحيم): أصلُهما واحدٌ؛ لأنَّهما من الرَّحمة، والأولُ أبلغُ من الثاني لأنَّ (فعيلاً) لمن كثُرَ منه الفِعْل، وفَعْلان لمن كَثر منه وتكرَّر، وحقُّ الأبْلغِ التأخيرُ إلَّا أنَّه قُدِّم لأنَّه لاختصاصهِ به تعالى كالعَلَم.

ووصْفُهُ تعالى بالرَّحمة - ومعناها: العَطْفُ، ومنه: الرَّحِمُ - مِن قَبيْلِ إطلاقِ السَّببِ على المُسبَّب وهو الإنعامُ والإحسانُ، فإنَّ الملِك إذا عطَف على رعيَّته أنعم عليهم وأحسنَ في حقِّهم.

وما في معْنَى الرَّحمن من الزيادة كمًّا وكيفاً - حيثُ يقالُ تارةً: يا رحمنَ الدُّنيا ورحيمَ الآخرةِ

(2)

، وأُخرى: يا رحمنَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَ الدُّنيا

(3)

-

(1)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (مشتقا)، والمثبت من "د".

(2)

هذا باعتبار الكم، فإن (يا رحمن الدنيا) يعمُّ المؤمن والكافر.

(3)

هذا باعتبار الكيف، فإن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. انظر:"روح المعاني"(1/ 228) ط: الرسالة، بتحقيقنا.

ص: 13

فمرجِعُه إلى الصيغةِ، فإنَّ زيادة البِناء لزيادةِ المعْنى

(1)

، وهذا بعدَ الرجوع إلى أصلٍ واحد في الاشتِقاق بشْرطِ الاتِّحاد في النَّوع، فلا نقْضِي بنحو: حاذِر

(2)

وحَذِر؛ لأنَّ أحدَهما اسمُ فاعل والآخرُ صفةٌ مشبَّهة، فالرَّحمنُ عامُّ المعنى خاصُّ اللَّفظ حيثُ لمْ يُستعملْ في غير اللهِ تعالى إلا تَعنُّتاً؛ كرحمنِ اليمامةِ، والرَّحيمُ على عكس ذلك.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ} : الحمدُ هو المدْحُ والوصفُ بالجميل، ولا اختصاصَ له باللهِ تعالى، يُفصِح عن ذلك قولُ عائشةَ رضي الله عنها: نحمدُ اللهَ لا نَحمدُكَ

(3)

.

وقولُ عليٍّ رضي الله عنه:

لا تَحْمَدَنَّ امرءاً حتَّى تجرِّبَه

(4)

(1)

في هامش "م": (صرح بذلك العلامة السكاكي في تصريف المفتاح. منه). ومثله في هامش "ف" لكن فيه: (نص على ذلك

).

(2)

في "ك": (فلا نقضي بحاذر).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(24013)، والبخاري (4757)، من حديث عائشة رضي الله عنها، والبزار في "مسنده"(8011) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ له، ولفظ أحمد:(بحمد الله لا بحمدك)، ولفظ البخاري (فقُلْتُ: لا واللهِ لا أَقُومُ إليهِ، ولا أَحْمَدُهُ ولا أَحْمَدُكُمَا، ولكِنْ أَحْمَدُ اللهَ الذي أَنْزَلَ براءتي).

(4)

صدر بيت للنجاشىِ الحارثي كما في "عيون الأخبار"(3/ 190)، و"الشعر والشعراء"(1/ 320)، كلاهما لابن قتيبة، وعجزه:

ولا تَذُمَّنَ مَن لم يَبْلُه الخُبْرُ

ونسب للنابغة الشيباني واسمه عبد الله بن المخارق كما في "المؤتلف والمختلف" للآمدي (ص: 253)، وعجزه:

ولا تذمَّنَّه من غيرِ تجريبِ

ص: 14

بل لا اختصاصَ له بذي عِلْم وشعورٍ، يُرشدكَ إليه قولُه تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]

(1)

، وقولُ العرب في المَثَل السَّائر:

عندَ الصَّباحِ يَحمَدُ القومُ السُّرَى

(2)

ومن هاهنا تبيَّن أنَّ المحمودَ لا يَلزم أنْ يكون فاعلاً لِمَا حُمد به، فضلاً عن أنْ يكونَ مختاراً فيه كما تُوهِّم.

ومَن وَهَمَ قيامَ الفَرقِ بينَ الحمدِ والمدح بصحَّةِ تعلُّقِ الثاني بالجماد دونَ الأوَّل فقد وَهِمَ

(3)

.

(1)

في هامش "م": (أقول: رُد عليه أنه قال في تفسير تلك الآية: ومعنى كونه محموداً أنه تعالى يقيمه عليه السلام فيه، فيشفع فيحمده الخلق، وهذا صريح في أن المحمود هناك وصف للنبي عليه السلام حقيقة، وإنما أطلق على مقامه بطريق التجوز فلا يثبت به ما ادعاه هنا. ويمكن أن يجاب أيضاً بأن الحمد في تلك الآية وأمثالها ليس بالمعنى الذي نحن بصدده، وهو الوصف بالجميل، بل هو بمعنى الرضاء فإنه يجيء في اللغة بذلك المعنى؛ قال الجوهري: أتيت موضع كذا فأحمدته؛ أي: صادفته محموداً موافقاً، وذلك إذا رضيت سكناه أو مَرعاه. ولا يتجه ما قيل من أن المعنى: محموداً فيه النبي، أو الله، ففيه حذف وإيصال، ولكن كلام المصنف في تفسيره بظاهره يدل على أن المقام نفسه محمود، انتهى. فإن كلام المصنف هناك إما مبني على كون الحمد بمعنى الرضاء، أو على التجوز الذي ذكرناه، ولا يخفى أن ذلك أقل مؤنة من الحذف والإيصال. غني زاده).

(2)

الرجز للجُمَيح كما في "مجمع الأمثال" للميداني (2/ 42)، و"المستقصى" للزمخشري (2/ 168)، ونسب لخالد رضي الله عنه كما في "مجمع الأمثال"(2/ 3)، ولمحمد بن دكين كما في "معجم الشعراء" للمرزباني (ص: 407)، وقال أبو عبيد في "الأمثال" (ص: 231): يقال: إنه للأغلب العجلي، ويقال: لغيره، وقال: معناه: أنهم يدأبون في ليلهم بالسهر، فإذا أصبحوا وقد طووا البعد حمدوا ذلك حينئذ.

(3)

وَهَمَ كوَعَدَ: ذهب وهمه إليه، ووَهِمَ كوَجِلَ: غَلِطَ. انظر: "القاموس"(مادة: وهم). فيكون معنى العبارة: ومن ذَهَبَ وهمُه إلى قيام الفرق

فقد غلط. وهذه العبارة كثيرة الدوران في مؤلفات المصنف.

ص: 15

واتَّضح أنه لا دخْلَ لمسألة خلْقِ العِباد أفعالَهم في هذا المقامِ؛ لأنَّ الكلامَ في الحمْد اللُّغوي، والمرجعُ فيه من وُثِقَ بعربيَّتِهم، وقد ثبتَ بالنَّقل الصريحِ والاستعمالِ الصحيح من قِبَلِهم عدمُ اختصاص الحمدِ به تعالى.

وأمَّا حمْلُ التَّعريفِ

(1)

على الجنْس دونَ الاستغراقِ فمنشَؤه أمرٌ آخَرُ، وهو أنَّ مقتَضَى مَقام الخطابةِ تخصيصُ

(2)

حقيقةِ الحمد به تعالى تنزيلاً لأفْراد الحمدِ الثابتة لغيره بمَنزِلة العدَم

(3)

، والقصدُ إلى هذا المعنى ظاهرٌ عند كونِ التعريفِ للجنْس دونَ الاستغراقِ؛ لأنَّه قد يكونُ عُرفياً كما في: جمَعَ الأميرُ الصَّاغةَ، ويساعده مقامُ الخطابة، فلا يوجدُ استيعابُ جميعِ الأفرادِ، فلا يتحققُ مقتَضَى المقام

(4)

.

والشُّكْرُ: بمقابَلةِ النِّعمة بالقول أو العمل

(5)

، ولكونه

(6)

بالفعل كما يكون بالقول قيل: دابَّةٌ شَكورٌ، إذا ظهَر سِمَنُه بأدنى عَلْفٍ له، وقال الله تعالى:{اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، فهو أخصُّ من الحمدِ متعلَّقاً، وأعمُ منه مَورِداً، وهو اللِّسان والأركانُ.

ومُقابِل الشُّكرِ: الكُفْرانُ، ومقابِلُ الحمدِ: الذمُّ الذي يُقابل المدحَ على ما نصَّ

(1)

في "ف" و"م": (التفريق)، وهو تحريف.

(2)

في "ف" و"م": (بتخصيص).

(3)

في هامش "ف": (أما كونه في مقابلة شيء واقترانه بقصد التعظيم فواحد منها غير معتبر في مفهومه اللغوي إنما اعتبار ذلك في معناه العرفي. منه).

(4)

في "ف": (الكلام).

(5)

في "م": (بالعمل).

(6)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (أو لكونه)، والمثبت من "د".

ص: 16

عليه الجوهريُّ

(1)

، ومِن هاهنا ظَهَر أنهما مترادفانِ لغةً، وأمَّا الجَنان فليسَ بمَوردٍ له؛ بل هو شرطٌ لكون القولِ شكراً، ولا دلالة في قول الشاعر:

أفادتْكُمُ النَّعماءُ منِّي ثلاثةً

يدِي ولساني والضميرَ المُحجَّبا

(2)

على استقلالِ كلٍّ منهما

(3)

مَورداً.

ولمَّا كان الحمدُ في مقابَلة النِّعمة من شُعَب الشُّكر أَشْيَعَ لها وأدلَّ على مكانها لِمَا في آداب الجوارح من الاحتمال، جُعِل رأسَ الشُّكر والعُمدة، وقال عليه السلام:"الحَمدُ رَأسُ الشُّكرِ، ما شَكرَ اللهَ مَن لم يَحْمَدْهُ"

(4)

.

ورُفِعَ (الحمْدُ) بالابْتداء، وخبرُه (لله)، وأصلُه النَّصبُ على المصدر بإضمار فعْله؛ لكونهِ من المصادر التي حقُّها أنْ تكون كذلكَ، ولا يُذكر الفعلُ معها البتَّةَ؛ كـ: شُكراً وعَجباً، وقد قرئ

(5)

على الأصل

(6)

، والعدولُ إلى الرفع على الأوَّلِ للثَّبات؛ لِمَا في الفعل من التجدُّد؛ لِدلالتِه على الأزمنة، ولذلك كانت تحيةُ إبراهيمَ عليه السلام أحسنَ في قوله تعالى:{قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [هود: 69].

(1)

انظر: "الصحاح"(مادة: حمد وذمم).

(2)

البيت دون نسبة في "الكشاف"(1/ 8).

(3)

في "ح " و"ف": (منها).

(4)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(19574) - ومن طريقه الخطابي في "غريب الحديث"(1/ 346)، والبيهقي في "الشعب"(4085) - من طريق معمر، عن قتادة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وإسناده ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يسمع من عبد الله بن عمرو.

(5)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (ترك)، والمثبت من "د".

(6)

هي قراءة رؤبة بن العجاج كما في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 1).

ص: 17

ولأنَّ معناه على الرَّفع: أنَّ الحمد حقٌّ لله يستحقُّه لذاته، وعلى النَّصب لا دلالةَ على ذلك.

ولأنَّ الغافلَ عن معناهُ، وكذا السَّاهي عن ملاحظته، إذا تكلَّم به على النَّصب يكونُ كاذباً؛ لإخباره عن نفسه بكونهِ حامداً مع أنَّه ليس كذلكَ، بخلافِ ما إذا تَكلَّم به على الرفع.

وإنما خُصَّ الاسمُ المذكور هاهنا لتكونَ المَحامِدُ كلُّها مقرونةً بمعانيها المستدعيةِ لها، فإنَّه اسمٌ يُنبِئ عن جميع صفات الكمال، لمَّا أَخبر بأنَّه تعالى حقيقٌ بالحمْد باعتبار ذاتِه المستجمِعةِ لجميع صفاتِ الكمال، وعامَّةِ نُعوتِ الجلال، حُمِدَ أو لمْ يُحمدْ، نبَّه على استحقاقِه لهُ باعتبارِ أفعالهِ العِظام وآثارِه الجِسام أيضاً، مِن رُبوبيَّته لِلكل، وشُمولِ رحمتِه الظاهرة للجميع، وخصوصِ رحمتهِ الباطنة لِعباده المؤمنينَ، وذلك أنَّ ترتيب الحُكم على الوصف كما يُشعر بالعِلَّيةِ، كذلك تعقيبُ الحكم بالوصف يُشعر بها، كأنَّه قال: حقيقةُ الحمد مخصوصةٌ لذاته الواجبةِ الكاملة بذاتها، ولِكمالاتِها التي لا يَشتركُ فيها غيرُه.

{رَبِّ الْعَالَمِينَ} : الربُّ يُطلق على المُربِّي، والمُصلِح، والسَّيد، والمالِك، والخالق، والمعبودِ، وكلُّ ذلك يتحمَّله المقام، فيَصحُّ أنْ يُراد به هاهنا كلٌّ منها، وكفى ذلك وجْهاً لإيْثاره على المالِك ونحوهِ.

ثمَّ إنَّ ربوبيَّته تعالى بمعنى الخالِقيَّة والمالِكيَّة والسَّيِّديّة والمَعبوديَّة عامَّةٌ، وبمعنى التَّربية والإصلاح خاصةٌ، بحسب أنواعِ الموجوداتِ متفاوتةٌ، فهو مربِّي الأشباحِ بأنواع نِعَمهِ، ومربِّي الأرواحِ بأصناف كرمِهِ، ومربِّي نفوسِ العابدِينَ بأحكام الشَّريعة، ومربِّي قلوب العارفينَ بآداب الطَّريقةِ، ومربِّي أسرار الأبرارِ بأنواع الحقيقةِ،

ص: 18

ولقد أحسنَ مَن قال: إنَّه تعالى يملِك عباداً غيرَك كما قال: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31] وأنتَ ليس لك ربٌّ سواه، ثمَّ إنكَ تتساهل في خدمته كأنَّ لكَ ربًّا غيرُه، وهو يعتَني في تربيتكَ كأنْ ليس له عبدٌ سِواكَ، يحفظكَ بالنَّهار عن الآفاتِ بلا عِوَضٍ، ويحرسُك باللَّيل عن المخافاتِ من غيرِ غرضٍ، فما أحسنَ هذه التريبةَ!

وإطلاقُ الربِّ على غيره تعالى لا يجوزُ شرعاً، لا مُطلقاً ولا مقيَّداً

(1)

؛ لِمَا رواه الشيخان عن أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً: "لا يَقلْ أحدُكم: أطْعِمْ رَبَّكَ وضِّئْ ربَّكَ اسْقِ ربَّك، ولا يَقُلْ أحدُكم: ربِّي وليَقُلْ سيِّدِي"

(2)

.

وأمَّا قولُ يوسفَ عليه السلام: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} [يوسف: 50] و: {إِنَّهُ رَبِّي} [يوسف: 23] فمحمولٌ على الحكاية مِن الله تعالى؛ لأنَّه عليه السلام كان يتكلَّم بالعِبْرِيَّة، فلا حاجةَ إلى ما قيل: إنَّه ملحَقٌ بقوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] في الاختصاص بزمانِهِ؛ بل لا وجهَ له كما لا يخفَى.

ويجوزُ لغةً ولو مطلَقاً كما وقع في شِعر الحارث بنِ حِلِّزة - من شعراء الجاهليَّة - يَمدحُ مَلِكاً:

وهو الرَّبُّ والشهيدُ على يَو

مِ الحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ

(3)

(1)

في هامش "ف" و"م": (فيه رد للزمخشري والبيضاوي. منه).

(2)

رواه البخاري (2552)، ومسلم (2249).

(3)

انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: 476)، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص: 267)، و"الكشاف" (1/ 136). قال ابن الأنباري: والرب عني به المنذر بن ماء السماء، يخبر أنه قد شهدهم في هذين اليومين فعلم فيه صنيعهم وبلاءهم الذي أبلوا، وكان المنذر بن ماء السماء غزا أهل الحيارين ومعه بنو يشكر فأبلوا بلاء حسناً.

ص: 19

و {الْعَالَمِينَ} : جمْعُ عالَم، وهو في لسان العرب: اسمٌ لنوعٍ من المخلوقِينَ فيه علامةٌ يمتازُ بها عن خلافه من الأنواعِ كالمَلَك والإنْسِ والجِنِّ، فتقول العربُ: عالَم البَرِّ وعالَم البَحرِ وعالَم الأرضِ وعالَم السَّماء، على ما نقله أئمةُ اللِّسان، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظه كالأنام والرَّهْطِ والجيش.

وهو مأخوذٌ من العَلَم والعَلامة، فجُعل اسماً لما يُعلَم به الصانعُ، فإنَّ فاعَلاً كثيراً ما يجيءُ في اسم الآلةِ التي يُفعل بها الشيءُ كالخاتَم والقالَب والطَّابَع، فجُعل بناؤه على هذه الصيغةِ لكونه كالآلة في الدَّلالة على صانعٍ.

وأمَّا جمْعهُ فلأنَّه لو أُفرِد لربَّما يَتبادر إلى الفهم أنَّه إشارةٌ إلى هذا العالَم المُشاهَد بشهادة العُرْف، أو إلى الجنْس والحقيقة على ما هو الظاهرُ عندَ عدم العَهْدِ، فجُمع ليشملَ كلَّ جنسٍ سُمِّي بالعالَم لعدم العَهدِ.

وفي الجَمع دلالةٌ على أنَّ القصدَ إلى الإفراد دونَ نفسِ الحقيقةِ والجنسِ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ قِلَّةٍ والظاهرُ يستدعي الإتيانَ بجَمْع الكَثرةِ - قال وهبٌ: للهِ ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَمٍ، والدُّنيا عالَمٌ منها - تنْبيهاً على أنَّهم وإنْ كَثُروا قليلونَ في جَنْب عظَمتِهِ وكبريائهِ. وأمَّا جمعُه بالياء والنُّون فلِتَغليبِ العُقلاءِ منْهم.

{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ذكرَهما عَقِيْبَ الحمْدِ لذاتهِ على صفاتهِ؛ كما قال عليه السلام فيما رُوي عنه: "يقول العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقولُ اللهُ: حَمِدَنِي عبْدِي، ويقولُ العبدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، يقولُ اللهُ: أَثْنَى عَليَّ عَبْدِي"

(1)

، فذكرَهما في البَسْملة لاستِمالة قلوبِ العِباد على العُبوديَّة بالرَّحمة والغُفران، وفي الفاتحة للثَّناء على الله تعالى بالجَمال والجَلال للقُربَة والرِّضوانِ.

(1)

رواه مسلم (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 20

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} المِلْك: تمامُ القُدرة.

وقُرِئ: {مَلِكِ}

(1)

مِن المُلك: وهو التَّسلُّطُ العامُّ والاستعلاءُ التَّامُّ، وهو أشدُّ مناسَبةً للهِ تعالى، والإضافةِ إلى {يَوْمِ الدِّينِ} ؛ فإنَّ مَدار الجزاءِ على الأعمال - مِن الثَّواب والعِقاب، وأخْذِ حقِّ الضعيفِ من القويِّ - على الاستعلاء والسَّلطَنةِ.

وإضافةُ المُلك والسَّلطنةِ إلى الوقت شائعٌ دونَ إضافة المِلك.

وقيلَ في ترجيح قراءة (مالِك): إنَّ فيه زيادةَ حرفٍ، وبه زيادةُ ثوابٍ؛ لقوله عليه السلام:"مَن قرأَ القرآنَ كُتِبَتْ له بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ، ومُحيَت عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفعتْ له عشرُ درجاتٍ"

(2)

.

وإضافتُه إلى اليوم إضافةُ اسمِ الفاعلِ إلى الظَّرف المُجرى مُجرى المفعولِ اتِّساعاً، وإنَّما ساغَ وقوعُه صفةً للمعرفة لأنَّ إضافةَ اسم الفاعل إنَّما تكونُ غيرَ حقيقيَّةٍ إذا أُريدَ به الحالُ والاستقبال؛ لكونه في تقدير الانفِصال، والمرادُ هنا الزمانُ المستمرُّ أو الماضي؛ لقراءةِ (مَلَكَ) على الماضي

(3)

.

واليومُ: مدَّةُ كون الشَّمس فوقَ الأرض عُرفاً، وعبارتُه عن وقت استطارةِ الفجر الثَّاني إلى غروب الشَّمس شرْعاً، وهو الوقتُ المطلَقُ لغةً؛ ليلاً كان أو نهاراً، طويلاً كان أو قصيراً، وهو المراد في الآية لعدم الطُّلوع والغروبِ ثمَّة.

(1)

قرأ عاصم والكسائي: {مَالِكِ} ، وباقي السبعة:{ملك} . انظر: "التيسير في القراءات السبع" للداني (ص: 18).

(2)

رواه الطبراني في "الأوسط"(4920) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(3)

نسبت لأنس بن مالك رضي الله عنه كما في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 1)، ولغيره كما في "المحرر الوجيز"(1/ 68).

ص: 21

و (الدِّين): الجزاءُ، خيراً كان المَجزيُّ به أو شراً؛ كما يقال:"كما تَدينُ تُدان"

(1)

.

وإنَّما خصَّ إضافةَ (مَلِك) إليه لأنَّ الأملاك يومئذٍ زائلةٌ، قال الله تعالى:{وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19]، فكأنَّه يقول: خلقتكَ أولاً فأنا إلهٌ، ثمَّ ربَّيتكَ بوجوه النِّعمة فأنا ربٌّ، ثمَّ عصيتَ فسترتُ عليكَ فأنا رحمن، ثم تُبتَ فغفرتُ لكَ فأنا رحيمٌ، ثمَّ لا بدَّ من إيصال الجزاءِ إليك فأنا مالكُ يوم الدِّينِ.

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنَّك مالكٌ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنَّ ما سِواك هالكٌ.

(إيَّا) ضميرٌ منفصل منصوب، وكافُه للخِطاب مثل كافِ (ذلكَ)، وهو:(أي يا) وهما حرفا التنبيه والنداء، فأُدغم الياء وكُسرت الألفُ لجِوار الياء.

والعبوديَّة: التذلُّلُ، والعبادة أبلغُ منها؛ لأنَّها غايةُ التَّذللِ، ولهذا اختَصَّتْ بالربِّ.

عدَلَ عن الغَيْبة إلى الخِطاب وهو صنعةُ

(2)

الالتفاتِ، وقد اقتضاهُ المقام، وذلكَ من أوَّل السورة إلى هناك ثناءٌ، والثناءُ في الغَيبة أَولى، ومن هاهنا إلى آخره دعاءٌ، والدُّعاء في الحضور أَوْلى.

والمعنى: نخصُّكَ يا مَن لا تسوغُ العِبادةُ إلَّا لهُ؛ لاتِّصافه بما ذُكر من إضافة النِّعم الدُنيويَّة والأُخرويَّةِ، ولا تجوزُ الاستعانةُ إلَّا به؛ لكمال قُدرته، وإحاطةِ ملكوته بكلِّ شيءٍ، بغاية التَّذللِ في طلب المعونةِ، لا نعبدُ غيرك ولا نستعين بِسواكَ، قُدِّم الضميرُ

(1)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(20262) من طريق أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. ومن طريق عبد الرزاق رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 142) لكن عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قوله. وله شاهد موصول من حديث ابن عمر رضي الله عنه رواه ابن عدي في ترجمة محمد بن عبد الملك وضعفه. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" لابن حجر (ص: 3).

(2)

في "ح" و"ك": (صفة).

ص: 22

المنفصل للتخصيص والتَّوحيدِ، وقطْعاً لاحتمال تعلُّق العِبادة لغيرهِ من أوَّل الأمر؛ لأَنَّه كفرٌ لا بدَّ من الاحتياط عن ذَهاب الوهمِ إليهِ.

ولمْ يُسلكْ في (الحمد لله) ذلكَ المَسلكَ؛ إذ لا بأسَ في تعلُّق الحمد بغيرهِ تعالى.

وآثَرَ الضميرَ المستكنَّ الشامل للقارئ ولِسائر الموحِّدينَ للتَّعميم والتَّشريكِ، ودَرْجاً لعبادته في تضاعيفِ عبادتِهم وخلْطاً لحاجته بحاجتِهم، لعلَّها تُقبَلُ ببركتها ويُجاب إليْها، ولهذا شُرعت الجماعةُ وكان في ذلك إيفاءٌ لكلِّ مقام حقَّه؛ فكأنَّه يقول: أنتَ منفردٌ في المعبوديَّة ونحنُ شركاء في العُبوديَّة.

ولكَ أنْ تقول: إنَّ في (أعبدُ) معنى التَّوحيدِ المُشعرِ عن التَّكبُّر، وفي (نعبدُ) معنى التَّواضعِ المناسب لمقام العبادةِ والتَّذلل، فكأنَّه يقول: إني واحدٌ من عبيدِكَ.

وقدَّم العبادةَ على الاستعانة تعليماً للعِباد، وجَرياً على ما انطبعَ في الغرائزِ من تقديم الوسيلةِ على الحاجة؛ لأَنَّه أنجحُ لحصول المَطلبِ، وأسرعُ لوقوع الإجابَةِ.

وأَطلقَ الاستعانة ليَعمَّ كلَّ مستعانٍ عليه، ثمَّ خصَّصَها بقوله:(اهدنا) ليتكرَّر إجمالاً وتفْصيلاً، فيدلَّ على أنَّ أهمَّ المهمات الاستعانةُ به وبتوفيقه في طلبِ الهداية والسَّعادة الأُخرَوَّيةِ الباقية.

وكرَّر الضَّمير المنفصلَ للتنصيص على التخصيص في كلٍّ من العبادة والاستعانةِ، ولولا ذلك لكان التَّخصيص في مجموعهما، ولا يلزمُ من ذلكَ التَّخصيصُ في كلٍّ منهما.

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} : الدِّينَ القويمَ، وما يدلُّ عليه القرآنُ العظيم.

ص: 23

قال عليٌّ وأُبَيُّ بنُ كعبٍ رضي الله عنهما: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ} : ثبِّتنا عليه

(1)

، كما يقالُ للقائم: قُمْ حتى أعودَ

(2)

إليك؛ أي: دُمْ على ما أنتَ عليه.

قيل: وقُرئ: (ثبِّتنا)

(3)

، وفي التعبير عنه بـ (اهدنا) إشارةٌ إلى أنَّ المطلوبَ هو الثباتُ في ضِمن التَّجدُّد، يعني: ثبِّتنا على أصل الهِداية وزِدْنا فيها في كلِّ وقتٍ.

والهداية: دلالةٌ بلُطف، ومنه الهديَّةُ. وخُصَّ ما كان دلالةً بـ (فعلتُ) نحو: هديتُه الطَّريق، وما كان من الإعطاء بـ (أفعلتُ) نحو: أهديتُ الهديَّة، واستعمالُها في الشرِّ كما في قوله تعالى:{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] فعلى طريق التَّهكُّم كالبِشارة في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21].

والفعل منه (هَدَى) يتعدَّى إلى ثاني مَفْعولَيْهِ باللَّام تارةً وبـ (إلى) أُخرى، ففي حذفِ أداةِ التَّعدية على طريقة:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] إخراجٌ له مُخرجَ المتعدِّي إلى المفعولين بالذَّات.

ولا بُعْدَ في أنْ يُقصد بذلكَ الإشارةُ إلى قوَّة الهِداية المطلوبةِ، فكأنَّه قيل: اهدِنا هدايةً كاملة لا نحتاجُ إلى الواسطة.

وإنَّما قال: (اهدِنا) دونَ: اهدِني

(4)

، رعايةً للمناسَبة مع (نعبدُ) و (نستعين)، ولأنَّ الدُّعاء مهما كان أعمَّ كان إلى الإجابة أقربَ؛ كان بعضُ العلماء يقول لِتلامِذتهِ: إذا

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 15).

(2)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (أدعو)، والمثبت من "د".

(3)

لم أجدها.

(4)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (اهد)، والمثبت من "د".

ص: 24

قرَأتُم في خُطبة السبق

(1)

: (ورضي اللهُ عنْكم وعن جماعة المسلمينَ) إنْ ذكَرتني

(2)

في قولك: (رضي الله .. ) فحَسَنٌ، وإلا فلا حرج، ولكنْ إياك وأنْ تنساني في قولك:(وعن جماعة المسلمين)؛ [لأنَّ قوله: (رضي الله عنك) تخصيصٌ بالدعاء فيجوز أن لا يُقبل، وأمَّا قولُه: (وعن جماعة المسلمين)] فلا بدَّ وأنْ يكونَ في المسلمينَ مَن يستحقُّ الإجابةَ، وإذا أجاب الله تعالى الدُّعاءَ في البعض فهو أكرمُ من أنْ يردَّه في الباقي، ولهذا السببِ قالوا: السُّنَّة إذا أراد أحدٌ أن يذكر دعاءً أنْ يُصلي أولاً على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يَذكر ذلك الدعاءَ، ثم يصلي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثانياً؛ فإنه إذا أجيب في طرفي دعائه امتَنَع أن يُردَّ في وسطه.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ادعُوا اللهَ بألسِنَةٍ ما عَصيْتُموهُ بها"، قالوا: يا رسولَ الله! فمِن أينَ لنا بتلك الألسِنةِ؟ قال: "يَدعو بعضُكم لبعضٍ؛ لأنَّك ما عصيتَ بلسانهِ، وهو ما عَصى بلسانِكَ"

(3)

.

و (الصراط) كالطريق في التَّذكير والتَّأنيثِ، أمَّا في المعنى فبينَهما فَرْقٌ لطيفٌ، وهو أنَّ الطريقَ: كلُّ ما يَطرقُه طارقٌ معتاداً كان أو غيرَ معتادٍ، والسبيلُ من الطُّرق: ما هو معتادُ السُّلوكِ، والصِّراطُ من السُّبُل: ما لا الْتِواءَ فيه ولا اعوِجاجَ، بل يكونُ على جهةِ القصد، فهو أخصُّ الثَّلاثةِ

(4)

.

وفائدةُ وصْفِه بالمستقيم: أنَّ الصِّراطَ يُطلق على ما فيه صُعودٌ أو هُبوطٌ،

(1)

في "تفسير الرازي"(1/ 207): (السابق)، والكلام وما بين معكوفتين منه.

(2)

في المصدر السابق: (نويتني)، ولعلها أنسب بالسياق.

(3)

ذكره الرازي في "تفسيره" ولم أجده عند غيره.

(4)

في "ف": (الثلاث).

ص: 25

والمستَقيمُ: ما لا مَيلَ فيه إلى جهةٍ من الجهات الأربعة، وأصلُ الاستقامة في قِيام الشَّخصِ: أنْ لا يكون مُنحَنياً ولا مُنْثَنياً

(1)

، ولا مائلاً إلى يمينٍ أو يسارٍ.

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدَلٌ من {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، وفائدتهُ: التَّوكيدُ - للتَّكرير - والتَّفصيلُ بعدَ الإجمالِ.

وأُطلق الإنعامُ ليَنتظمَ كلَّ نِعَمٍ.

شُدِّدت اللامُ في (الَّذينَ) لأنَّها لامانِ، والأصلُ:(لَذٍ) مثلُ: (عَمٍ)

(2)

، ثمَّ دخلت الألفُ واللَّام للتعريف، والتَّشديدُ من أجل ذلكَ.

والإنعامُ: نفْعُ العالي مَنْ دُونَه بأمرِ عظيمٍ خالياً عن العِوَض والتَّبِعَة.

ولمَّا كان الكفَّارُ من جُملة الذينَ أنعمَ اللهُ عليهم - على ما صرَّح بهِ في

(3)

قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]- خصَّهم بقوله:

{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} في دار الدُّنيا {وَلَا الضَّالِّينَ} في دار الآخرة، والمشهورُ أنَّ نِعمةَ اللهِ تعالى على نوعين:

دُنْيويَّةٍ: وهي أوفَرُ في حقِّ الكافر، لقوله عليه السلام:"الدُّنْيا سِجنُ المؤمنِ وجَنَّةُ الكافرِ"

(4)

.

(1)

في "م": (متعيباً).

وفي "ف": (متعنتاً)، وغير واضحة في "ح "، وسقطت من "د"، والمثبت من "ك".

(2)

يعني: (الذين) جمع، ومفرده:(لذٍ) اسم منقوص مثل: (عمٍ) و (شجٍ) المنقوصان، فلما دخلته الألف واللام ولزمتا عادت الياء كما تعود في قاض، ففلت: الذي، وأصله أن يكتب بلامين، إلا أنهم حذفوا إحدى اللامين لكثرة الاستعمال تخفيفاً، وجرى الجمع على الواحد إذ هو مبني مثله إذ هو أقرب إليه في الإعراب وكتبت التثنية بلامين على الأصل. انظر:"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب (1/ 71).

(3)

كلمة: (في) ليست في "ك".

(4)

رواه مسلم (2956) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 26

وأُخْرَوَّيةٍ: وهي مختصَّةٌ بالمؤمن.

ونحن نقولُ: إنَّ النِّعمةَ الأُخرويَّة على قِسْمينِ: نعمةِ نفْعٍ وهي المختصَّةُ بالمؤمن، ونعمةِ دفْعٍ

(1)

ولا شُبْهةَ في عمومِها للكافر أيْضاً؛ لأنَّه تعالى لا يُعذِّب كافراً من الكفَّار بنوعٍ من العذاب إلَّا وهو قادرٌ على أنْ يُعذِّبه بأشدَّ منه، وترْكُ ذلك نعمةُ تخفيفٍ منه تعالى عليهِ.

{غَيْرِ} صفةٌ مقيِّدة؛ أي: جَمعوا بينَ النِّعمة والسَّلامةِ منهما، وإنَّما وصَفَ المعرفةَ بـ (غير) تنزيلاً للموصول منْزلةَ النَّكرةِ إذْ

(2)

لم يقصدْ به مَعهوداً

(3)

، أو رفعاً لـ (غير) إلى درجة المعرفةِ؛ لِزوالِ إبهامهِ بالإضافة إلى ما لَهُ ضِدٌّ واحدٌ

(4)

.

اعلَمْ

(5)

أنَّ (غيراً) لها ثلاثةُ مواضعَ:

أحدها: أنَّ تقعَ موقِعاً لا تكونُ فيه إلا نكِرةً، وذلكَ إذا أُريد بها النَّفيُ السَّاذجُ في نحو: مررتُ برجلٍ غيرِ زيدٍ.

الثاني: أنْ تقعَ موقعاً لا تكونُ فيه إلا معرفةً، وذلك إذا أُريد بها شيءٌ قد عُرِفَ بمضادَّة المضافِ إليه في معنًى لا يُضادُّه فيه إلَّا هو، كما إذا قلت: مررتُ بغيرِك؛

(1)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (رفع)، والمثبت من "د".

(2)

في "د": (إذا)، و في "ف":(إن).

(3)

في "ك": (معهود).

(4)

قال العلماء: إذا أضيفت (غَيْر) إلى معرَّف له ضدٌّ واحد فقط تعرفت لانحصار الغيرية، وهنا المنعم عليهم ضد لما بعده. انظر:"الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي (1/ 143)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (1/ 77)، و"مغني اللبيب" (ص: 210)، و"روح المعاني"(1/ 309).

(5)

في "ح " و"ف": (واعلم).

ص: 27

أي: المعروفِ بمُضادَّتِك، إلَّا أنَّها في هذا لا تَجري صفةً، فتُذكَر غير جارية على الموصوف

(1)

.

الثالث: أنْ تقعَ موقِعاً تكونُ فيه نكرةً تارةً ومعرفةً أُخرى؛ كما إذا قلتَ: مررتُ برجلٍ كريمٍ غيرِ لئيمٍ، وعاقلٍ غيرِ جاهلٍ، والرجلُ الكريمُ غيرُ اللئيم، كذا قال صدر الأفاضل

(2)

.

وقدْ تَبيَّنَ منه أنَّ مَن قال: إنَّ (غير) لا تتعرَّفُ أصلاً وإنْ أُضيفَ إلى المعارف لم يُصِبْ، وأنَّ مَن زعَم أنَّه بالإضافة إلى ما لَهُ ضدٌّ واحد تَعيَّنَ

(3)

تعيُّنَ الحركةِ مِن غيرِ السُّكون فقدْ أخطَأَ من وجوهٍ:

أمَّا الأوَّل: فِلأنَّهُ وإنْ أُضيْفَ إلى ما لَه ضِدٌّ واحدٌ، لكنَّه لم يُعرف ما أُريد به بمضادَّة المضافِ إليه في معنىً لا يُضادُّه فيه إلّا هو، ولهذا لم يكنْ مِن قبيلِ الثاني، فلَمْ يتعيَّنْ تعيُّنَ الحركةِ من غيرِ السُّكونِ.

وأما ثانياً: فلأنَّه حيْنئذٍ

(4)

يكونُ معرفةً بالحقيقة على ما مرَّ، لا بالتأويل كما ظنَّه ذلكَ الزاعمُ.

وأمَّا ثالثاً: فلأنَّه حينئذٍ لا يَجري صفةً، وإنما يُذْكر غيرَ جارٍ على الموصوف،

(1)

في "ف": (الموصول).

(2)

القاسم بن الحسين بن أحمد الخوارزمي، مجد الدين، الملقب بصدر الأفاضل، عالم بالعربية، من فقهاء الحنفية، من كتبه:"شرح المفصل" للزمخشري، و"ضرام السقط في شرح سقط الزند"، و"التوضيح" في شرح المقامات، و"الزوايا والخبايا" في النحو، وله نظم. قتله التتار سنة (617 هـ). انظر:"معجم الأدباء"(5/ 2191)، و"الأعلام"(5/ 175).

(3)

في "م": (تبين).

(4)

في هامش "ف": (أي: على تقدير تعين الحركة من غير السكون. منه).

ص: 28

وهو في صدَدِ توجيهِ كونه صفةً لِمَا قَبْله، وقيل: هو بدلٌ مِن (الذين)، ولا يُعجبني ذلكَ؛ لأنَّ (غيراً) أصلُ وضْعِه للوَصْف، والبدلُ بالوصفِ ضعيفٌ.

والغضبُ: تغيُّرٌ يحصلُ عندَ غليانِ دمِ القلبِ لإرادة الانتِقام، والقانونُ في أمثال هذا: أنَّ جميعَ الأعراض النَّفسانيَّةِ - مثل: الرَّحمةِ والفرَحِ والسُّرورِ والغضب والحياءِ والتَّكبُّر والاستِهزاء - لها أوائلُ ولها نهاياتٌ، ويتبيَّنُ ذلكَ في الغضب؛ فإنَّ له غليانَ الدَّمِ، وغايتُهُ إرادةُ إيصالِ الضَّررِ إلى المغضوب عليهِ، فلفظ (الغضب) في حقِّ الله تعالى لا يُحملُ على أوَّله الذي هو مِن خواصِّ الجسمِ، بل يُحمل على غايته، وهذه قاعدةٌ شريفةٌ.

بقي هاهنا نكتةٌ لطيفة، وهي: أنَّه صرَّحَ بالخِطاب لمَّا ذَكَر النِّعمة، ثمَّ لوَّنه

(1)

حيث قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، ولمْ يقلْ: غيرِ الذينَ غَضِبتَ عليهم، عَطفاً على الأوَّل، فجاءَ باللَّفظ مُنْحرِفاً بهِ عن ذِكْر الغاضبِ، فأَسنَد النِّعمةَ إليه لفْظاً، وزَوَى عنه لفظَ الغضبِ تحَسُّناً ولُطفاً.

قيل: يعني بالأوَّل: اليهودَ؛ لقوله تعالى في قِصَّتهم: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90]، وبالثاني: النَّصارى؛ لقوله تعالى في حقِّهم: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} [المائدة: 77]. وهذا على وَفْقِ ما رُوِيَ عنه عليه السلام: من أنَّ رَجلاً سأله وهو بوادي القُرى: مَن المغضوب عليهم؟ فقال: "اليهودُ"، ومَنْ الضَّالين؟ فقال:"النَّصارى"

(2)

.

(1)

في "د": (ثم وإنه)، وفي "ف":(ثم لوى به)، وفي "ك":(بل لوح به).

(2)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(20351) من حديث رجل سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وإسناده صحيح، ولا تضر جهالة صحابيه.

ص: 29

فإن قلتَ: كيفَ فسَّر ذلك وكِلا الفريْقَينِ ضالٌّ ومغْضوبٌ عليهم

(1)

؟

قلتُ: خصَّ كلَّ فريقٍ منهم بصِفةٍ كانتْ أغلبَ عليهم، وإنْ شاركوا غيرَهم في صفات ذمٍّ.

و {عَلَيْهِمْ} هاهنا في محلِّ الرفعِ؛ لأنَّه نائبٌ منابَ الفاعل، بخلافهِ في {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فإنَّه في محلِّ النَّصب على المفعوليَّة.

و (لا) مزيدةٌ لِتأكيد ما في (غيرِ) مِن معْنى النَّفي، فكأنَّه قيل: لا المغضوبِ عليهم ولا الضَّالين، وعَيَّن دخولَها العطفُ على قوله:(المغضوبِ عليهم)، لمُناسبة (غير)؛ لئلا يُتوهَّم في أوَّل الوهلةِ بتركها عطفَ (الضَّالِّين) على (الذينَ).

والضَّلال: فقدانُ الطريق السَّويِّ، سواءٌ سبقه وُجدانٌ أو لا؛ كما في قوله تعالى:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7].

وإنما عدَلْنا عن تفسيرهِ بـ: العُدول عن الطَّريق السَّويِّ عَمداً أو خطأً؛ لأنَّ مَن طلبَ الطريقَ السويَّ ولم يجدْه، أو قصَّر

(2)

عن الطلب، ضالٌّ

(3)

، ولا عدولَ ثمَّة لا عمداً

(4)

ولا خطأً.

(آمينَ) مبنيٌّ على الفتحة

(5)

كـ (أينَ) لالتقاءِ السَّاكنينِ، وجاء مَدُّ ألِفه وقصرُها، والأصلُ فيه القصرُ، وإنَّما مُدَّ ليرتفع الصوتُ بالدُّعاء، كذا قال ابنُ خالوَيْه في "إعراب القرآن".

(1)

في "م": (عليه).

(2)

في "د" و"م": (قعد).

(3)

في "م": (الطلب يكون ضالًا).

(4)

في "ح " و"ف" و"ك": (ثمة عمداً).

(5)

في "م": (الفتح).

ص: 30

وذَكَر ابنُ دَرَسْتَوَيْه أنَّ القصْرَ ليسَ بمعروف، وإنَّما قصَرَه الشاعرُ في قوله:

أمِينَ فزادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعْداً

(1)

للضَّرورةِ، وذلكَ وهمٌ إذْ لا ضرورةَ، فإنَّه لو قدَّم الفاءَ فقال:

فَآمينَ زادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعداً

انْدفعَ الضَّرورةُ

(2)

.

ولا يُشدَّد ميْمُه فإنَّه لحْنٌ، والعامَّة ربَّما فَعلوا ذلكَ، وأمَّا في قوله تعالى:{وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] فالميمُ مشدَّدةٌ لأنَّه من أمَمْتُ؛ أي: قَصَدْتُ.

معناه على قول ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: كذلكَ يكونُ

(3)

.

وقيل: اسمُ فعلٍ؛ أي: استَجِبْ.

ورُوي عن كعبِ الأحبار أنَّه قال: آمين خاتَم ربِّ العالمينَ، يَختمُ دعاءَ عبدِهِ المؤمنِ

(4)

.

وليسَ من القرآن إجماعاً، وقراءتُه سُنَّةٌ في الصَّلاة وخارجَ الصَّلاة بعد الفاتحة مفصولةً عنها.

* * *

(1)

عجز بيت ذكره ابن الأنباري في "الزاهر"(1/ 66)، والجوهري في "الصحاح" (مادة: أمن)، وصدره:

تباعَدَ مني فُطْحُلٌ إذ سألتُه

(2)

انظر: "تصحيح الفصيح" لابن درستويه (ص: 466).

(3)

انظر: "الزاهر" لابن الأنباري (1/ 66)، و"تفسير السمرقندي"(1/ 44)، و"تفسير الثعلبي"(1/ 125).

(4)

انظر: "تفسير السمرقندي"(1/ 45).

ص: 31

‌سُورَةُ البَقَرَةِ

عن سهْلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ لكلِّ شيءٍ سَناماً، وسنامُ القرآنِ سورةُ البقرةِ"

(1)

.

ولا حُجَّةَ فيه على مَن استَكرَهَ أنْ يُقال: سورةُ البقرةِ، وقال: ينبغي أنْ يُقال: السُّورةُ التي يُذكر فيها البَّقرةُ، كما قال عليه السلام:"السُّورة التي يُذكر فيها البقرةُ فُسطاطُ القرآنِ"

(2)

؛ لأنَّ ما يُكره من الأمة قد لا يُكره منه عليه السلام، ألَا ترى أنَّه قال:"لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهما"

(3)

، وقد أَنْكرَ قولَ الأعرابيِّ: ومَن عصاهُما فقَدْ غَوى، وقال:"بِئْسَ خطِيبُ القومِ أنتَ"

(4)

.

(1)

رواه العقيلي في "الضعفاء"(2/ 6)، وابن حبان في "صحيحه"(78)، والطبراني في "الكبير"(5864). وفي إسناده خالد بن سعيد المدني، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح بخلاف هذا اللفظ وأما في تمثيل القرآن فليس فيه شيء يثبت.

(2)

رواه الديلمي في "الفردوس"(3559) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(13151)، والبخاري (16)، ومسلم (43)، من حديث أنس رضي الله عنه. ولفظ الصحيحين: "ثَلَاثٌ من كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إليه مِمَّا سِوَاهُمَا

".

(4)

رواه مسلم (870) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. وكلام المؤلف هذا فيه نظر، فقد روى البخاري (1750)، ومسلم (1296)، عن الأَعْمَش، قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ، يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آل عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا =

ص: 35

(1 - 2) - {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} .

بسم الله الرحمن الرحيم

{الم} في الفواتح المقطَّعة أوجُهٌ، والأوجَهُ أنَّها أسماءُ السُّورة، وعليه الأكثر، ومحلُّها رفعٌ على الابتداء، وقيل: نصبٌ أو جرٌّ على حذْف حرفِ الجرِّ وإضمارهِ.

والمرويُّ عن الصدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه.

وقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما

(1)

.

والمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه عليه السلام في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ عليه السلام بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل عليه السلام.

ويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل عليه السلام لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: {كهيعص} ، فلما قال: كاف، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"علمتُ"، فقال: ها، قال:

= النِّسَاءُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْترَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ:"مِنْ هَا هنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أنزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ صلى الله عليه وسلم ". قال الآلوسي في "روح المعاني"(1/ 317): وهو معارِض لما روي من منع ذلك، وتعيُّنِ أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، وكذا في سور القرآن كله، ومن ثمة أجاز الجمهور ذلك من غير كراهة.

(1)

هذا الكلام للسجاوندي كما في "فتوح الغيب" للطيبي (2/ 33)، و"نواهد الأبكار" للسيوطي (1/ 269)، وزادا: وتفيد تحريض الحاضرين إلى استماع ما بعد ذلك، وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي ابتلاء لتصديق المؤمن وتكذيب الكافر.

ص: 36

"علمتُ"، فقال: يا، قال:"علمتُ"، فقال: عين قال: "علمتُ"، فقال: صاد، قال:"علمتُ"، فقال جبرائيلُ عليه السلام: كيفَ علمتَ ما لم أعلمْ

(1)

؟

{ذَلِكَ الْكِتَابُ} أصلُ (ذلك): (ذا) اسمٌ مبهَم للإشارة، واللامُ عِوضٌ عن (ها) التي للتنْبيهِ، ولهذا لا يُجمع بينَهما، والكافُ للخطاب، فلا دلالةَ في أصل وضْعِه للبُعد

(2)

، وإنَّما ذلكَ بحَسَبِ العُرفِ الطَّارئِ، فالإشارةُ به هاهنا إلى الحاضر: إمَّا على الوضْع اللُّغويِّ، أو لأنَّ ما لا يُحسُّ بالبصرِ فالإشارةُ إليه بلفظ (ذلك) و (هذا) سواءٌ؛ لأَنَّه من حيثُ إنَّه لا يُحسُّ بالبَصر أشبهَ المحسوسَ الغائبَ، ومن حيثُ إنَّه مُدرَكٌ بالعقل أو السَّمعِ أشبهَ المحسوسَ الحاضرَ، فصحَّ فيه استعمال اللفظين، ولهذا قال جمعٌ من أئمة التَّفسيرِ والعربيَّة: إنَّ معنى قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} : هذا الكتابُ، وتذكيرُه لأنَّ المُشار إليه المسمَّى - وهو ذلكَ البعضُ من القرآن - ليسَ بمؤنَّثٍ، وكذا اسمُهُ المذكورُ وهو {الم} ليس بمؤنَّث.

نَعَم له اسمٌ آخرُ مؤنَّثٌ وهو السُّورة، لكنَّ الإشارةَ ليستْ باعتبارها، فلا حاجةَ إلى التَّأويل في تذكيره.

وهو مبتدأٌ ثانٍ، و (الكتابُ) خبرُه، والجملةُ خبرُ المبتدأ الأوَّل، والمعنى: إنَّ ذلك هو الكتابُ الكامل.

أو خبرُ المبتدأ و (الكتابُ) صفتُه، ومعناه: هو

(3)

ذلك الكتابُ الموعود، مصدرٌ بمعنى المفعول.

(1)

لم أجده، ولا يصلح هذا حجة لما قاله المؤلف؛ فإن مثله يحتاج لدليل صحيح ثابت.

(2)

في "د" و"ك" و"م": (إلى البعد).

(3)

في "م": (ومعناه وهو)، وفي "ف":(والمعنى هو).

ص: 37

قال الراغبُ: الكَتْبُ: ضمُّ أَديمٍ إلى أديْمٍ بالخياطة، وفي المُتعارف: ضمُّ الحروفِ بعضِها إلى بعض [بالخطِّ، وقد يقالُ ذلك للمضمومِ بعضِها إلى بعضٍ] في اللَّفظ، ولهذا سُمِّيَ كتابُ الله

(1)

- وإنْ لم يُكتَبْ - كتاباً

(2)

.

فمَن قال

(3)

: أُطلق على المنْظوم عبارةً

(4)

قبلَ أنْ يُكتبَ؛ لأنَّه مما يُكتب

(5)

، فكأنَّه لم يُفرِّقْ بين الخطِّ والكتابةِ.

{لَا رَيْبَ فِيهِ} في محلِّ الحال، والعاملُ فيه معنى الإشارةِ، وفيه إشارةٌ إلى كماله في نفسه.

وقوله: {هُدًى} إشارةٌ إلى كونه مُكمِّلاً لغيره، فيكونُ وصفاً له بالتكمِيْل بعدَ وصْفِه بالكمال.

قال الراغبُ في الفرْق بينَ الشكِّ والمِريةِ والرَّيْب:

إنَّ الشكَّ: وقوفُ النَّفْس بينَ شيئينِ متقابلينِ بحيثُ لا يترجَّح أحدُهما على الآخر بأَمارة.

والمِريةُ: التردُّد في المتقابلَينِ، وطلبُ الأمارةِ، مأخوذٌ من مَرَى الضَّرع؛ أي: مسَحَه ليدُرَّ، فكأنَّه يحصلُ مع الشكِّ تردُّدٌ في طلب ما يَقتضي غلبةَ الظنِّ.

(1)

في المصدر: (كلام الله).

(2)

انظر: "المفردات في غريب القرآن" للراغب (ص: 699)(مادة: كتب)، وما بين معكوفتين منه.

(3)

في هامش "م": (رد على البيضاوي)، وفي هامش "ف":(البيضاوي. منه).

(4)

في "ح " و"ف" و"ك": (عبارته)، والمثبت من "د" و"م"، وهو الموافق لما في المصدر.

(5)

انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 36).

ص: 38

والرَّيبُ: أنْ يُتوهَّمَ في الشَّيء أمرٌ

(1)

ما، ثُمَّ يَنكشفَ عمَّا تُوهِّم

(2)

فيه

(3)

.

ولمَّا كان الرَّيبُ أضعفَ كان نفيُه أبلغَ.

ثمَّ إنَّ المَنفيَّ عنه مَنشأُ الرَّيب لا نفسُه؛ لأنَّه حالةٌ قائمة بالمُرتاب لا يَحتمِلُ أنْ توجدَ في جنس الكلامِ، فلا حاجةَ إلى نفْيِها؛ بل لا وَجهَ لهُ في مقامِ المدحِ، فتَأخيرُ الظَّرف لا

(4)

لأنَّ الحصر المستفادَ من تقديمه باطلٌ؛ لأنَّ باقيَ الكتبِ السَّماوية ليسَ بمعجِز فلا قاطعَ لعِرْقِ الرَّيب فيه، بل لتجريدِ الكلام لمَا سيْقَ له، فإنَّ المفهومَ من الحصر المذكورِ فضلةٌ في المقام

(5)

، واختيارِ ما هو أحسنُ نظماً، وتوسيعِ دائرة القراءة

(6)

على ما ستَقِفُ عليه بإذن الله تعالى.

وقُرئ: (لا ريبٌ) بالتَّنوينِ والرَّفع

(7)

، والفرْقُ بينَها وبين المشهورةِ: أنَّ المشهورةَ تُوجب الاستغراقَ وهذه تُجوِّزُه.

{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ؛ أي: المشارِفينَ للتَّقوى الصائِرينَ إليه، ففيه مجازٌ وإيجازٌ وهما من أقوى أسبابِ الإعجازِ، ونكتةُ المجازِ: التنْبيهُ على قوَّة ترتُّبِ اهتدائهم على هدايتِه بحيثُ لا يتخلَّلُ بينهما زمانٌ، فكأنَّ هدايتَه بالذينَ يهتدون به هدايةٌ بالمهتدِينَ.

وإنَّما لم يقل: هدًى للطالبينَ؛ لئلا يَندرجَ تحتَ عمومه المطبوعُ على قلوبهم.

(1)

في "ف": (أمراً). ومثله في "تفسير الراغب"، ولفظه:(أن تتوهم في الشيء أمراً).

(2)

في "ح " و"ف" و"ك": (يتوهم)، وفي "تفسير الراغب":(توهمت).

(3)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 115).

(4)

كلمة: (لا) سقطت من "ح " و"ف" و"ك".

(5)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (في الكتاب المقام)، والمثبت من "د".

(6)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (القرآن)، والمثبت من "د".

(7)

عزاها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 2) لزهير الفرقبي.

ص: 39

(هدى) مبتدأٌ خبرُه (فيه) قُدِّم عليه محقَّقاً على قراءةِ مَن وقفَ على: (لا ريب)، ومقدَّراً على قراءةِ مَن وَقفَ على (فيه)؛ للعناية والاهتمام، تنبيهاً على أنَّ المقصودَ بالإخبار كونُ الكتاب متضمِّناً لهدايتهِم لا كونُهم مُهتدينَ به، وللمُحافظة على الفاصلة. وإيثارُ الظَّرف على الضَّمير المُنفصِل للإشارة إلى أنَّ الهدايةَ من بعضِ الفوائد التي تضمَّنَها.

وتنكيرُه للتَّعظيم، والهدى في الأصل مصدرٌ على (فُعَل) كالسُّرَى، وقد مرَّ تفسير الهداية وما يَتعلَّقُ به.

والتَّقوى على ما قال عليٌّ رضي الله عنه: ترْكُ الإصرارِ على المعصية، والاغترارِ بالطَّاعةِ

(1)

.

والمتَّقي: اسمُ فاعلٍ من قولهم: وَقَى فاتَّقى

(2)

، والوِقاية: فرْطُ العِنايةِ.

وقيل: التَّقيُّ

(3)

مَنْ سلَكَ سبيلَ المُصطفى، ونبذَ الدُّنيا

(4)

وراءَ القَفا، وكلَّفَ نفسَه الإخلاصَ والوفا، واجتنبَ الحرامَ والجَفا.

ولو لم يكنْ فضلٌ إلَّا ما فُهِم من هنا فكَفى، فإنَّه تعالى بيَّنَ في غيرِ موضعٍ أنَّ القرآنَ هدىً للنَّاس، وقال هنا:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} فكأنَّه يقول: إنَّ المتَّقينَ هم كلُّ النَّاسِ فمَنْ لا يكونُ متَّقِياً ليس منهم.

ولمَّا كان معنى قولِه: {لِلْمُتَّقِينَ} : للَّذين يتقون

(5)

، صحَّ أنْ يكونَ قولُه:

* * *

(1)

انظر: "تفسير الخازن"(1/ 27).

(2)

في "م": (وقاه فاتقاه).

(3)

في "ك": (المتقي).

(4)

في "ك": (الدينار).

(5)

في "ح " و"ف": (الذين ينفقون)، وفي "ك" و"م":(الذين يؤمنون)، والمثبت من "د".

ص: 40

(3) - {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .

{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} موصولةً بالمتَّقينَ

(1)

على أنَّه صفةٌ مجرورة، أو مدحٌ منصوبٌ بتقدير: أعني أو أمدحُ، أو مرفوعٌ بتقديرِ: هم.

وأمَّا فصْلُه عنه على أنَّه مرفوعٌ بالابتداء مخبَرٌ

(2)

عنه بـ {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى} فضعيفٌ

(3)

؛ لانفلاته ممَّا قبلَه، والذَّهابِ به مذهبَ الاستئنافِ، مع وضوح اتِّصاله بما قبلَه وتعلُّقِه به، ومبْنى الاستئنافِ على تقدير أن يُسألَ: ما بالُ المتَّقينِ مخْصوصينَ بذلكَ؟ فلا يتِمُّ الجواب إلَّا بمجموعِ القصَّتينِ، فيكونُ القطْعُ بينَهما لكمال الاتِّحاد، والظَّاهرُ أنَّه لكمال الانفصالِ في الغَرضِ والأسلوب، على ما شهِد لذلك تصديرُ القصَّة الثَّانية بـ (إنَّ) المشعرةِ بالأخذ في فنٍّ آخرَ.

والإيمان: إفْعالٌ من الأمْن، يقال: أمِنْتُه، وآمَنَنيه غيري، ثم نُقل إلى التصديق فقيل: آمَنَه [إذا صدَّقه، وحقيقتُه: آمَنه]

(4)

التكذيبَ والمخالفة، ثم ضُمَن معنى أقرَّ واعترفَ فعُدِّي بالباء.

{بِالْغَيْبِ} ؛ أي: بما غاب عن الحسِّ والعقل غيبةً كاملة حيثُ لا يُدركه واحدٌ منهما لا بالبديْهة ولا بالاستدلال، يعني: أحوالَ البعثِ والجنَّة والنار؛ كما في قوله تعالى: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المعارج: 22 - 26].

(1)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (للمتقين)، والمثبت من "د". وجاء في هامشها:(فيه رد للقاضي التفتازاني)، ومثله في هامش "م" لكن فيه:(للفاضل) بدل: (للقاضي).

(2)

في "م": "مخبراً".

(3)

في "م": (ضعيف)، وجاء في هامشها وهامش "ف":(فيه رد للزمخشري والبيضاوي ومن تبعهما. منه).

(4)

ما بين معكوفتين من "الكشاف"(1/ 38).

ص: 41

ولقوَّة غَيْبَتِه - حيثُ غاب عن مَظهَري الحسِّ والعقل - عبَّر عنه بالمصدر؛ كما يقال لمَن بلغ الغايةَ في العدالة: عَدْلٌ.

ولكماله في معنى الغَيبة - حيثُ لم يُمكنِ استحضارُه لا بالبديهة ولا بالنظر - عُرِّفَ بتعريف الجنس، كأنَّ معنى الغَيبة إنما تمَّ فيه، وباقي الغائبينَ بمنزلة الشاهد نظراً إليه.

ففيه إشارةٌ إلى قوَّة تصديقهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ووفورِ اعتقادِهم بنبوَّته، حيثُ صدَّقوه في أخبارٍ لا طريق إلى العلم بصِدْقها لا بالحسِّ ولا بالعقل، لا بالبديهة ولا بالكسب.

وعدمُ التعرُّض للتَّصديق بالمبدأ للتنبيه على أنَّ شأنَه تعالى أظهرُ الأمور، بحيثُ كان التصديقُ به تصديقاً بأجلى المعلومات، فلا يناسب ذكره في مقام المدح بالتَّصديق بأخفى المجهولات.

وفيه نعيٌ على الدَّهْرية على أبلغ وجهٍ.

{وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} : إقامةُ الشيء: جعْلُه قائماً، والقيامُ: انتصابُ القامة، ولمَّا كانت هيئةُ الانتصاب أكملَ هيئاتِ مَن له القامةُ وأحسنَها استُعيرت الإقامةُ للتكميل والتَّحسين، ومنه: أقام الأمرَ: إذا أتمَّه، وجاء به معطًى حقوقَه.

وأيضاً لمَّا كان استعمالُ مَن له القامةُ بإقامتها، استُعيرت الإقامةُ للاستعمال أيضاً، ومنه: أقام القومُ سيوفَهم: إذا استعمَلوها ولم يُعطِّلوها.

فالمعنى على الأول: يُعدِّلون أركانها ويُكمِّلون حدودها.

وعلى الثاني: يحافظونَ عليها في مواقيتِها ولا يُعطِّلونها.

والصَّلاةُ: الأذكار المعروفةُ، والأفعالُ المشهورة، وأصلها: الدُّعاء، قال الله

ص: 42

تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103]؛ أي: ادعُ لهم، وفيما نقلَها الشَّرع إليه اشتمالٌ على الدُّعاء.

وفائدةُ الإطنابِ بزيادة الإقامة: التنبيهُ على أنَّه لم يُرِدْ إيقاعَها فقط، ولهذا لم يأمرْ بالصَّلاة ولم يمدحْ بها إلَّا بلفظ الإقامة، نحو:{أَقِمِ الصَّلَاةَ} [الإسراء: 78] و {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162]، ولم يقلْ: والمصلين، إلا في المنافقين حينَ قال:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5].

ومنْ ثمَّة قيل: المصلُّون كثير، والمقيمونَ لها قليلٌ، كما قال [ابن] عمر رضي الله عنه: الحاجُّ قليلٌ والرَّكبُ كثيرٌ

(1)

.

وكثيرٌ من الأفعال التي حَثَّ الله تعالى على تَوفية حقِّه ذَكَره بلفظِ الإقامة؛ نحو: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [المائدة: 66]. و {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} [الرحمن: 9].

ولمَّا كان المعنى: يَعبدون الله تعالى بكلٍّ من نوعي العِبادة البَدنيَّة والماليَّة، عقَّبه بقوله:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وقدَّم ما هو الأشقُّ، وبالتقديم أحقُّ؛ لأنَّه أمُّ العبادات وعِمادُ الدِّين.

ولم يقلْ: ويؤتون الزكاة، لئلا يختصَّ المدحُ بالأغنياء.

(1)

في "د" و"ف" و"م": (والراكب كثير). والمثبت موافق لما في المصادر. انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (2/ 192)، و"الإحياء"(1/ 263)، وما بين معكوفتين منهما. وروى عبد الرزاق في "المصنف" (8836) عن مجاهد قال: قال رجل عند ابن عمر: ما أكثر الحاج! فقال ابن عمر: ما أقلهم! و (8837) عن سعيد بن جبير قال: سمعت شريحاً العراقي يقول: الحاج قليل والركبان كثيرة.

ص: 43

وأيضاً لمَّا ذَكَر البدنيّةَ مطلقةً شاملةً للواجبة منها وغيرِ الواجبة، ناسَبَ أنْ يَذكرَ الماليةَ أيضاً على وجهِ الإطلاق.

والرِّزقُ: اسمٌ لكلِّ ما يَنْتفِعُ به الحيوانُ، وأصله: الحظُّ والنَّصيب مِن أَيِّ نوعٍ كانَ، ثمَّ شاع إطلاقُه

(1)

على ما أعطى اللهُ تعالى عبْدَه ومكَّنه من التَّصرُّف فيه حلالاً كان أو حراماً؛ لقوله عليه السلام: "لقد رَزَقكَ اللهُ طيِّباً، فاخترتَ ما حَرَّم اللهُ عليكَ مِن رِزقه مكانَ ما أحلَّ اللهُ لكَ مِن حلالهِ"

(2)

.

وأمَّا ما قيلَ: لو لمْ يكنْ الحرامُ

(3)

رِزقاً لم يكنْ المُغذَّى به طولَ عُمُره مَرزوقاً، وليسَ كذلكَ؛ لقولهِ تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].

فيَرِدُ عليهِ: أنَّ الملازمةَ مسلَّمةٌ، وكذلكَ بُطلانُ التَّالي مسلَّمٌ إنَّما الشَّأن في وقوع المقدَّم فافْهَم.

نَعمْ هو محمولٌ هاهنا على المُباح دونَ المحظورِ، بقرينة إضافتهِ إلى الله تعالى، فإنَّ ما يُضاف إليهِ تعالى بخصوصه مُفصَّلاً حقُّه أنْ يكونَ خالياً عن الكراهة فضْلاً عن الحُرمةِ، وإنْ كان قد تُضاف إليه الأفعالُ كلُّها على سبيل العمومِ والإجمال.

(1)

كلمة: (إطلاقه) من "د" و"م".

(2)

رواه ابن ماجه (2613) من حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه، وفيه قصة. وفي إسناده يحيى بن العلاء البجلي وبشر بن نمير، وهما متهمان متروكان. قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة يحيى ابن العلاء: قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وضعفه ابن معين وجماعة، وقال الدارقطني: متروك، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث، وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة. ثم ذكر هذا الحديث وقال: وبشر هالك، فلعل الحديث من وضعه.

(3)

في "ح " و"ف" و"م": (الحلال). والصواب المثبت. انظر: "تفسير أبي السعود"(1/ 31).

ص: 44

وأمَّا الحثُّ على الإنْفاق والمدحُ للمُنفِق وكونُه من المتَّقينَ، فإنَّما يَصلُح قرينةً لكون المنفَقِ مُباحاً، ولا دلالةَ فيه على عدم كونِ الرِّزق الذي ذلك المنفقُ بعضٌ منه مشتمِلاً على الحرام.

وزيادةُ حرْف التبْعيض للحثِّ على الاقتصاد المحمود؛ لأنَّه الجودُ الذي هو وسطٌ بينَ الإسراف والإقتارِ، قال الله تعالى:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29]، ففيه إخبارٌ صريحٌ في حقِّ الغابرينَ

(1)

ونهيٌ ضِمناً في حقِّ الحاضرِينَ.

وأمَّا التبذيرُ فلا حاجةَ للاحتراز عنهُ إلى أداة التَّبْعيض؛ لأنَّه بمعْزِلٍ عن مَظنَّة المدحِ به، كيفَ وهو حرامٌ منهيٌّ عنه بأبلغِ وجهٍ في قوله تعالى:{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 27]؟

بخلافِ الإسرافِ، فإنَّه قد شاعَ أنَّه لا إسراف في الخير، فكانَ مظِنَّة أنْ يُمدحَ به.

ولمَّا كان المدحُ باعتبار تخصيصِهم الإنفاقَ بالبعض الحلالِ من رِزْقِهم لا بالإنفاق مُطلقاً، كان ذِكرُ المفعولِ وتعيينُه أهم

(2)

من الإخبار عن نفْس الفعلِ، فقدَّمه عليه إظهاراً للاهتمام به والاعتناءِ بشِأْنه، ومحافظةً على الفاصلة.

والإنْفاقُ: صرْفُ المالِ إلى ذي الحاجة، لا إنفاقهُ وإذهابه مطلقاً، فالإحراقُ مثلاً ليس بإنفاق.

* * *

(1)

في "ك" و"م": (الغائبين).

(2)

في "ك": (أتم).

ص: 45

(4) - {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} .

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} هم مؤمِنو أهلِ الكتابِ كعبدِ الله بن سَلامٍ وأضرابِه، معطوفون

(1)

على {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} ، داخلونَ معهم في جُملة المتَّقينَ دخولَ أخصَّ

(2)

تحتَ أعمَّ؛ إذْ المرادُ بأولئك: الذينَ آمنوا وليْسوا بأهل الكتابِ، وبهؤلاء مُقابِلوهُم، فكانتْ الآيتانِ الكريمتان تفْصيلاً للمتَّقين.

وانَّما قدَّم غيرَ الكتابيِّ لأنَّ تصديقَهم بتلك المغيَّباتِ أغربُ، إذْ هم لم يسمعوا شيئاً منها إلى أنْ أَخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فهُم بالمدح بذلك الوصفِ أحقُّ، ومن ذلك تبيَّن وجهُ تخصيصِ التَّعبيرِ بالغيبِ عن المصدَّقِ به في حقِّهم، مع أنَّ مُتعلَّق التَّصديق لكلا الفريقينِ واحدٌ، وظهر أنَّ ما فُصِّل بقوله:{بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} الآيةَ هو بعَيْنه ما عُبِّر عنه إجمالاً بقوله: {بِالْغَيْبِ} .

{إِلَيْكَ} أصله: إلَاكَ، قُلِبَ فرْقاً بينَ الإضافة إلى المُكنى وغيرِه.

والإنزال: نقْلُ الشَّيءِ من أعلى إلى أسفلَ، وهو إنَّما يَلحق المعانيَ بتوسُّطِ لُحوقه الذَّواتِ الحاملةَ لها؛ كما في إنزال القرآنِ، فإنَّه أُنزل جملةً من اللَّوح إلى سماء الدُّنيا، ثمَّ نُزِّل منها على لسان جبريلَ مُنجَّماً على الرَّسول عليه السلام، أو للنُّقوش الدالةِ عليها؛ كما في إنزال التَّوراةِ، فإنَّها قد أُنزلت على موسى عليه السلام مكتوبةً على الألواح، فإنْ كان المرادُ جميعَ ما أُنزل عليه عليه السلام إلى حينِ نُزول هذه الآية كما هو الظاهر، فالأمرُ هيِّنٌ، فإن الإيمان

(3)

بالمُترقَّب غيرُ واجبٍ وذلك بيِّنٌ،

(1)

في "ف": (عطف).

(2)

في "ح " و"د" و"ف": (أخصين).

(3)

في "ح " و"ف": (فالأمر حين الإيمان)، وفي "ك" و"م": (فالأمر بين فإن الإيمان"، والمثبت من "د".

ص: 46

وإنْ كان المرادُ مجموعَ القرآن والشريعةِ فمَبْناه على تنزيلِ المترقَّبِ منزلةَ النّازلِ؛ لتحقُّق وقوعهِ، أو لارتباطِ بعضهِ ببعضٍ كالشَّيء الواحد، ونظيرهُ قولكَ: كلُّ ما خطَب به فلانٌ فهو فصيحٌ، ولا تريدُ به الماضيَ فقطْ بل الآتي أيضاً، أو تغليبِ

(1)

النَّازلِ على ما لم ينزلْ.

وفي {يُؤْمِنُونَ} إشارةٌ إلى أنَّ القرآنَ غيرُ متفاوِتِ الأبعاضِ في البلوغِ إلى حدِّ الإعجازِ، فمَن آمنَ ببعضِه يؤمِنُ بكلِّه لا محالةَ.

والعدولُ عن صيغة الماضي إلى المستقبل لِمَا فيهِ مِن الحدوث والتَّجدُّدِ المتضمِّنِ للإشارة إلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل إليه عليه السلام يَتجدَّدُ بحسب تجدُّدِ نزولِ الآيات والأحكامِ، وإلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل مِن قبلِه إيمانٌ حادثٌ لا إيمانٌ ثابتٌ؛ لأنَّ إيمانَهم السابقَ إنكارٌ له في الحقيقة لا تصديقٌ به.

وقدَّم الإيمان بما أُنزل إليه لأصالَتهِ، حيثُ كان صحةُ إيمانهم بما أُنزل من قَبله في ضِمن الإيمان بما أُنزل إليه وسببِه، ولهذه النُّكتةِ لم يُكرَّر الباءُ في قوله:

{وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} كما كرِّر في: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8] والمراد بذلك: ما أنزل على الأنبياء الذينَ كانوا قبلَ محمَّدٍ عليه وعليهم السَّلام، والإيمانُ به واجبٌ إجمالاً؛ لأنَّ الله تعالى ما تعبَّدَنا الآنَ به حتى يُلزمَنا معرفَته تفْصيلاً.

نَعم إنْ عرفنا شيئاً من تفاصيلهِ فهناكَ يجب علينا الإيمانُ بتلك التفاصيلِ.

{وَبِالْآخِرَةِ} تأنيثُ الآخِرِ، صفةٌ للدَّارِ كما في قوله تعالى:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ} [القصص: 83]، أو النَّشأةِ كما في قوله تعالى:{ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} [العنكبوت: 20]، سمِّيت بذلك لأنَّها متأخِّرةٌ عن الدُّنيا أو النَّشأةِ الأُولى زماناً.

(1)

عطف على (تنزيل) في قوله: (على تنزيل المترقب

).

ص: 47

وقيل: الدُّنيا دُنيا لأنَّها أَدنى من الآخرة رُتبةً.

{هُمْ يُوقِنُونَ} تقديمُ الظَّرف للقَصر عليه؛ كما في قوله تعالى: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158]. وتقديمُ المسندِ إليهِ وهو ضميرٌ مع بناء الفعلِ عليه أيضاً للقَصر عليه؛ كما في قولك: أنا سعيتُ في حاجتِكَ، والقَصران إضافيانِ كما هو الغالِبُ في استعمالاتِ البُلغاء.

والمعنى المستفادُ من القَصر الأوَّل: أنَّ

(1)

إيقانَهم مقصورٌ على حقيقة الآخرة لا يتعدَّاها إلى ما هو على خلافِ حقيقتِها، وتعريضٌ

(2)

بسائر أهلِ الكتاب وبما هُم عليه من أمر الآخرةِ.

والمعنى المستفادُ من القَصر الثاني: أنَّ الإيقانَ المذكورَ لا يتعدَّاهُم إلى غيرهِم، وهذا تصريحٌ بأنَّهم على جهالةٍ في أمرِ الآخرةِ، والإيقانُ إيقانُ العِلم بإزالة الشكِّ والشُّبهة عنه، فاليقينُ: هو العِلم بالشَّيء بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه، ولذلك لا يُطلق على عِلمه تعالى.

قال الإمام: ويقالُ ذلكَ في العِلم الحادث بالأمورِ، سواءٌ كان ذلكَ العِلم ضرورّياً أو استدلاليًّا، فيقولُ القائل: تيقَّنتُ ما أردتُه بهذا الكلامِ، وإنْ كان قد عَلِم مرادَه بالاضطرار، ويقول: تيقَّنتُ أنَّ الإلهَ واحدٌ، وإنْ كان قد عَلمه اكتساباً

(3)

.

* * *

(1)

كلمة: (أن) من "د" وليست في باقي النسخ.

(2)

في "م": (أو تعريض).

(3)

انظر: "تفسير الرازي"(2/ 278).

ص: 48

(5) - {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

{أُولَئِكَ} ؛ أي: أهلُ هذه الصِّفاتِ، فيُبتنَى الحكمُ على الوصفِ فيَنتفي بانتفائِه، وهذا معنى الاختصاصِ.

و (أولاءِ): كلمةٌ معناها الكِنايةُ عن الجماعة نحو: (هم)؛ جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، بُني على الكسر، والكافُ للخطاب، والجملةُ استئنافٌ لا محل لها، فكأنَّه نتيجةُ الأحكامِ والصفات المتقدِّمةِ.

{عَلَى هُدًى} مَثَلٌ لتَمْكُّنهم مِن الهدى، شُبِّهتْ حالُهم بحالِ مَن اعْتلى الشَّيءَ ورَكِبَهْ، ونكَّر (هدًى) ليُفيد ضربًا مُبْهماً لا يُبلَغُ كُنْهُه؛ نحوَ: لقد وقعتُ على لحمٍ.

ومعنى كونِهم على الهدى: تمسُّكُهم بمُوجَبِ الدَّلائل؛ لأنَّ الواجبَ على المتمسِّك بالدَّليل

(1)

أنْ يدومَ على ذلكَ، فكأنَّه تعالى لمَّا مدَحَهُم بالإيمان بما أَنزل اللهُ عليه أولاً، مدَحَهم بالإقامة على ذلكَ ثانياً.

{مِنْ رَبِّهِمْ} بنَفْي

(2)

الكسْبِ، وإثباتِ كونهِ لمحضِ العِناية والعطاءِ كالشَّيء الذَّاتيِّ المقارِنِ لوجودِهم في أوَّل الكونِ، وفيه زيادةُ تعظيمٍ لتلك الهدايةِ.

وإضافةُ الربِّ إليهم للتَّشريف، فكما تُفيد إضافةُ العبد إليهِ تعالى تشريفَه، فكذلك إضافتُه تعالى إليه تفيدُه، بلْ ذلك أقوى إفادةً له.

{وَأُولَئِكَ} أعاد اسمَ الإشارةِ تنْبيهاً على أنَّ المقتَضِيَ للفلاح أيضاً هو اتِّصافُهُم بتلكَ الصِّفاتِ، وأنَّ كلَّ واحدةٍ من الأثرتينِ لهم بالاستقلال والانفرادِ،

(1)

في (م): "بالدلائل".

(2)

في "د": (نفي)، وتحرفت في "ح " إلى:(مع).

ص: 49

لا بتبَعيَّةِ إحداهما للأُخرى، ولو انفردتْ إحداهما لكفَتْ في تفوُّقهم بالكمال وإنافتِهم على غيرهم.

وتوسيطُ العاطفِ لتناسُبِهِما في الوجود حيثُ كان أحدُهما علةً للآخَرِ، وتغايُرِهما في المعنى المقصودِ، فإنَّ الهدى حاصل في الدُّنيا والفلاحَ في الآخرة، فالجملتانِ متوسِّطتانِ بين كمال الاتِّصال وكمالِ الانقطاعِ، بخلافِ {كَالْأَنْعَامِ} و {الْغَافِلُونَ} فإنَّهما شيءٌ واحدٌ بحسب المقصودِ والمآلِ، وإنْ تعدَّدا بحسب اللَّفظ والمفهومِ

(1)

.

{هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (هم) فصلٌ يفصِلُ الخبرَ عن الصِّفة، وُيؤكِّد النِّسبة، ويُفيد اختصاصَ المسنَدِ بالمسنَد إليهِ، أو مبتدأٌ و (المفلِحون) خبرُهُ، والجملةُ خبرُ (أولئك).

والمفلحُ: الظافرُ بمطلوبه، والفلاحُ: الخيرُ المقطوع، ومنه يقال: الفلَّاحُ، للمُكاري والأكَّارِ؛ لقَطْعِهما الأرضَ في الكِراءِ والكرابِ

(2)

.

وفي المثَلِ: (الحديدُ بالحديد يُفْلَحُ)

(3)

؛ أي: يُقْطَعُ ويُصْلَحُ.

والتعريفُ للدَّلالة على أنَّ المتَّقينَ هم الناسُ الذين بلغكَ أنَّهم المفلِحونَ في الآخرة، أو الإشارةِ إلى ما يَعرفُه كلُّ أحدٍ من حقيقة المُفلِحينَ وخصوصيَّاتِهم.

(1)

يعني أن {كَالْأَنْعَامِ} و {الْغَافِلُونَ} في قوله تعالى: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} وإن اختلفا مفهوماً فقد اتحدا مقصوداً، إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة، فالجملة الثانية مع مشاركتها للأولى في المحكوم عليه مؤكدة لها فلا مجال للعطف. انظر:"حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي"(1/ 249 - 250)، و"روح المعاني"(1/ 377).

(2)

الكراب: إثارة الأرض للزرع. انظر: "القاموس"(مادة: كرب).

(3)

انظر: "مجمع الأمثال"(1/ 11)، و"المستقصى"(1/ 403).

ص: 50

ولا دلالةَ في الآية على خلودِ الفُسَّاقِ من أهل القِبلةِ في العذاب؛ لأنَّ الفائزَ بمطلوبهِ في الآخرة مَن زُحْزِحَ عن النَّار وأُدْخِلَ الجنَّةَ، فالمعذَّبُ بالنَّار وإنْ لم يُخلَّدْ فيها غيرُ مفلِحٍ.

نَعَم، لو قيل: إنَّ فيها دلالةً على أنَّ الفاسقَ - بل تاركُ الصَّلاة - وإنْ كان تائِباً لا بدَّ له مِن العذاب = لاحْتِيْجَ في جوابه إلى أنْ يقال: إنَّ المرادَ بالمُفْلحِينَ: الكاملون في الفَلاح.

* * *

(6) - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} لمَّا أنجزَ الكلامَ في تقرير ما سيْقَ له إلى ذِكْر خاصَّةِ عِباده وخُلاصةِ أوليائه بصفاتهم التي أهَّلتُهم للهُدى والفلاح، قفَّى على أثرِهِ بذِكْرِ أضدادِهم، وهُم العُتاةُ المَرَدَةُ من الكفَّار المطبوعِ على قُلوبهم، بحيثُ لا ينجعُ فيهِم الهُدى، ولا يَجري إليهم اللُّطفُ والدَّعوةُ والإنذارُ، وإنَّما فصَل بينهما لتَباينِهِما في الغرض، فإنَّ الأُولى سيْقَت لبيان شأنِ الكتابِ، والثانيةَ سوقُها لشرح تمرُّدهِم وانهماكِهم في الضَّلال.

والتأكيدُ بـ (إنَّ) لأنَّ الخبرَ قد بَولِغَ فيهِ، وعُلِّل بما عسى أنْ يُستنكَرَ ويُستَبْعَدَ.

والتعريفُ للإشارة إلى أُناس معهودِينَ؛ أَخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرُه بسنَدٍ صحيح عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ المرادَ به الكفارُ من اليهود خاصَّةً

(1)

.

وهو الظاهرُ بقرينةِ إيلاءِ المؤمنينَ من أهل الكتابِ، ولأنَّ السُّورةَ مدنيَّةٌ وأكثرُ الخِطاب فيها لليهود.

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(1/ 258).

ص: 51

والكُفْر - بالضم والفتح

(1)

- في اللغة: السَّتْر، ومنه سمِّي الزَّارعُ كافراً، فإنَّه يسترُ البذرَ، ونُقلَ في الشَّرع إلى عدَم قَبُول ما عُلِم مجيءُ الرَّسولِ عليه السلام به عقْداً أو قَولا؛ لِمَا فيه مِن سَتْر نورِ الفِطرةِ الأصليَّةِ الذي هو بذْرُ الكمالِ، هذا هو الكفر المقابِلُ للإيمان المُنْجي.

وأمَّا الكفرُ المقابلُ للإيمان الشَّرعي الذي لا بُدَّ فيه من الاحتراز عن أمارات عدَمِ قَبول ما ذُكِر، فيَكفي في تحقُّقهِ

(2)

وجودُ إحدى تلك الأماراتِ.

والإخبارُ بلفظ الماضي نظراً إلى حال المخاطَبِ؛ لأنَّه مقصودٌ بالإفادة، والمتكلِّمُ

(3)

ليس بزمانيٍّ، فلا يختلفُ الإخبارُ

(4)

- بحسب دلالتِها على الأزمنة الثلاثةِ - نظراً إليه.

{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} ؛ أي: مستوٍ، عُدِل عنه مبالغةً، وإيثارُ الاسم

(5)

على الوصف؛ لتَجرُّده عن معنى الحدوثِ، وتمحُّضهِ للدَّلالة على الثُبوت.

والسَّواءُ: الاعتِدالُ في الوسَط، والوسَط: الاعتدال في المقدار، ولكون ذلكَ الاستواءِ ضارًّا

(6)

لهم غيرَ نافعٍ، قال:{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} ولم يقلْ: سواءٌ لهم.

والفعلُ في تأويل المصدَرِ، وإنَّما عُدل عنه لِما في الفِعل من إيهام التَّجدُّد،

(1)

في هامش "د" و"ف" و"م": (قال الراغب: يقال: كفر كفراً وكفوراً، نحو: شكر شكراً وشكوراً. منه).

(2)

في "ح " و"ف" و"ك": (في الحقيقة)، وفي "د":(في تحقيقه)، والمثبت من "م".

(3)

في "ف" و"ك": (والتكلم).

(4)

في "ح " و"ف" و"ك": (الإخبار بزيادة).

(5)

في "ح " و"د" و"ف" و"م": (وإيثاراً للاسم)، والمثبت من "ك".

(6)

في "م": (صار).

ص: 52

وحَسُنَ دخولُ الهمزة و (أَمْ) عليه لتقريرِ معنى الاستواءِ وتأكيدهِ، فإنَّهما جُرِّدتا عن معنى الاستفهامِ لمجرَّد الاستواءِ.

والمعنى: سواءٌ عليهمُ الإنذارُ وعدمُه، فالإنذارُ وما عُطف عليه مبتدأٌ في المعنى، و (سواءٌ) الخبرُ، والجملة خبر (إنَّ).

وإنَّما قلنا: إنَّ (سواءٌ) هو الخبر؛ لأنَّ موضعَ الفائدة الخبرُ، والشكُّ إنَّما وقَع في استواء الإنذار وعدمهِ لا في نفي الإنذارِ، ومن هاهنا خرجَ وجْه العناية الدَّاعيةِ إلى تقديمه، ولفظُ الاستفهامِ لا يَمنعُ من ذلكَ، إذْ المعنى على اليَقِين

(1)

والتَّحقيقِ لا على الاستفهام؛ لِمَا عرفتَ من أنَّ الهمزةَ هنا مستعارةٌ للتَّسوية.

والإنذارُ: الإعلامُ بالتَخويفِ.

وقال ابنُ عطيَّةَ: ولا يكادُ يكونُ إلَّا في تخويفٍ يَسعُ زمانُه الاحترازَ، فإنْ لم يَسعْ زمانُه الاحترازَ كان إشعاراً

(2)

.

والاقتصارُ عليه لأنَّ الكفارَ ليْسوا أهْلاً للبِشارة المُطلَقة

(3)

، والبِشارةُ المعلَّقة على الإيمان تنقلبُ في حقِّهم إنذاراً؛ لأنَّهم مُصِرُّون على الكفر مصمِّمونَ. عليه، فيَنتظِم الإنذارُ هذا القسمَ من البِشارة في حقِّهم.

(1)

في "ح " و"ف": (التعيين).

(2)

لم أجده في "المحرر الوجيز"، لكن عزاه إليه أيضاً السيوطي في حاشيته على "تفسير البيضاوي" المسماة "نواهد الأبكار وشوارد الأفكار"(1/ 342)، والشهاب الخفاجي في حاشيته على "تفسير البيضاوي" المسماة "عناية القاضي وكفاية الراضي"(1/ 272)، وقاله القرطبي في "تفسيره"(1/ 281) دون عزو لقائل.

(3)

في هامش "م": (فكأنه قيل: فما وجه الاقتصار على الإنذار؟ قال: لأن الكفار ليسوا أهلاً للبشارة المطلقة).

ص: 53

{لَا يُؤْمِنُونَ} مفسِّرةٌ لإجمال ما قبْلَها، فلا محلَّ لها من الإعراب، أو خبرُ (إنَّ)، وما قبلها اعتراضٌ.

ولا دلالةَ في الآية على وقوعِ التَّكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّ الإخبارَ بوقوع الشَّيء أو عدمِهِ لا ينفي القدرةَ عليه، واستحالةُ الكذبِ على الله تعالى اللَّازمِ على تقدير وقوعِ ما أَخبر بعدم وقوعِه، إنَّما تدلُّ على عدم وقوعِ الملزومِ، لا على عدم كونِه مَقْدوراً، فإنَّ استحالةَ اللازمِ لا تستلزمُ استحالةَ الملزومِ.

وفائدةُ الإنذار بعدَ العِلم بأنَّه لا ينجَعُ: إلزامُ الحُجَّة، وحيازةُ

(1)

الرسولِ عليه السلام فضلَ الإبلاغِ، ولذلكَ حَكَم بالتَّسوية نظراً إليهم دونَ إليه عليه السلام.

* * *

(7)

- {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

ولمَّا كان مظنَّةَ أن يُسألَ عن سبب الحُكم السَّابقِ لغَرابته استُؤنفُ الجوابُ عنه بقوله:

{خَتَمَ اللَّهُ} الختْمُ والطَّبعُ: الأثرُ الحاصلُ عن نقشٍ، ويُتجوَّز بهِ عن الاستيثاق عن الشَّيء والمنعِ منه، نظراً إلى ما يَحصلُ بالختْم على الكُتب والأبواب بالمنْع، وقد يقالُ ذلك وُيعنى به بلوغُ آخرِ الشَّيء نظراً إلى أنَّه آخرُ فصلٍ في إحراز الشَّيء، ومنه: ختمتُ القرآن.

ولم يُرِدْ به هنا الختمَ في بَدْءِ الفِطرةِ ليكونَ التَّكليفُ ضائعاً، ويخالفَ ما رُوي عن النبيِّ عليه السلام شائعاً مِن أنَّ:"كلّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ"

(2)

؛ أي: على

(1)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (وصيانة)، والمثبت من "د".

(2)

رواه البخاري (1385)، ومسلم (2658)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 54

الخِلقةِ القابلةِ للإسلامِ، ويُخرجَ النَّعيُ

(1)

عليهم شناعةَ صفتهم مُخرجَ التَّشنيعِ على فاقد البصرِ بعَدَم الإبصارِ؛ بل أرادَ الخَتْم بعدما أعرَضوا عن الحقِّ وأصرُّوا على ذلكَ على ما وردَ في قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155].

وأفصَحَ عنه ما رَوى ابنُ عُمرَ رضي الله عنه مرفوعاً قال: "الطَّابعُ

(2)

معلَّقٌ بقائمة العَرشِ، فإذا اشتكتِ الرَّحمُ، وعُملَ بالمعاصي، واجتُرئَ على اللهِ تعالى، بعثَ اللهُ الطابعَ فطبَعَ على قلبهِ فلا يعقِلُ بعدَ ذلكَ شيئاً"

(3)

.

فالإسناد إليه تعالى مجازيٌّ، لكنَّ المسنَدَ على حقيْقَتهِ

(4)

.

{عَلَى قُلُوبِهِمْ} أُريد بالقلب محلُّ القوَّة العاقلةِ مِن الفؤاد.

{وَعَلَى سَمْعِهِمْ} السَّمع: محلُّ القوَّةِ السَّامعةِ مِن الأُذنِ، وكانَ في الأصلِ مصْدراً، ولذلكَ وُحِّدَ في مَواضع الأمنِ عن اللَّبسِ جَرْياً على مُقتضى الأصلِ.

وإعادةُ الجارِّ للدَّلالة على أنَّ الختْم على السَّمع بالاستقلال والأصالةِ لا تَبَعاً لختْم القلبِ؛ لأنَّ الختْمَ على السَّمع لا يتبعُ الختْمَ على القلب، بل الأمرُ على العكس، فإنَّ الختمَ على السَّمع يتبعُهُ الختْمُ على القلبِ في الجملة، ولذلكَ تركَ إعادةَ الجارِّ حيثُ قدَّمَ ختْمَ السَّمعِ على ختْم القلبِ في قوله تعالى:{وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} [الجاثية: 23].

(1)

في "ح " و"ف": (النفي)، وفي "م":(للنعي)، والمثبت من "د" و"ك"، وهو الصواب.

(2)

في "ف" و"م": (الطابع فطبع)، وفي "ح " و"ك":(الطابع مطبع). والمثبت من "د" وهو الصواب.

(3)

رواه البزار في "مسنده"(5981)، والعقيلي في "الضعفاء"(2/ 139)، وابن عدي في "الكامل" (3/ 286). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 269): فيه سليمان بن مسلم الخشاب، وهو ضعيف جدًّا.

(4)

في "ح " و"ف": "المسند على رد حقيقة"، ومثله في "ك" لكن بلفظ:(حقيقته).

ص: 55

وأمَّا ذِكْره في قوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} فليسَ بإعادة؛ لأنَّه متعلِّقٌ بما بعدَه، فإنَّ الأبصارَ داخلةٌ في حُكمِ التَّغشيةِ دونَ الختْم بخلافِ الأسماعِ؛ لقوله تعالى:{وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] وللوفاقِ على الوقف على {سَمْعِهِمْ} دونَ {قُلُوبِهِمْ} ، ولأنَّ التَّغشيةَ ليستْ بمانعةٍ للسامعةِ عن الإدراك بخلاف الباصِرةِ.

{غِشَاوَةً} رفعٌ على الابتداء، وتقديمُ الخبرِ للاهتمامِ، فإنَّ المقصودَ بالإخبارِ كونُها على الأبصارِ، والعدولُ إلى الاسميَّةِ لإفادةِ الدَّوامِ والثبوتِ تقويةً لحُكم التَّغشيةِ، وجبْرًا لِنُقصانهِ عن حُكم الختْمِ.

وقُرئ بالنَّصب

(1)

عَطفًا على المختوم من باب الاستغناءِ بأحدِ

(2)

الفِعلينِ عن الآخرِ، فإنَّ العربَ إذا اجتمعَ فعلانِ متقاربانِ في المعنى، ولكلِّ واحدٍ متعلَّقٌ على حِدَةٍ، جوَّزتْ ذِكْرَ أحدِهما وعطفَ متعلَّقِ الآخرِ المتروكِ على المذكور؛ كقوله:

متقلِّدًا سيْفًا ورُمحًا

(3)

والمصيرُ إلى تقدير فعل أو الحذفِ والإيصالِ في مثل هذا مِن ضِيْق العَطَن.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 2).

(2)

في "ح " و"ف": (استغناء أحد).

(3)

أي: وحاملا رمحًا. وهذا عجز بيت كثير الدوران في كتب التفسير والنحو للاستدلال على هذه المسألة، وقائله عبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه (ص: 32)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (2/ 68)، و"الخصائص" لابن جني (2/ 431)، وغيرها، وصدره:

يا ليت زوجك قد غدا

ص: 56

ولو لا الوفاقُ على الوقف على {سَمْعِهِمْ} لجازَ أنْ يكون (غشاوةً) اسمًا وُضِعَ موضعَ مصدرٍ من معنى {خَتَمَ}

(1)

؛ لأنَّ معنى (خَتَم): غشَّى وسَتَر، كأنه قيل: تغشيَةً، على سبيل التأكيدِ، وتكونُ قلوبُهم وسمعُهم وأبصارُهم مختومًا عليها مغشَّاةً.

ولمَّا كان الختْم والتّغشيةُ مسبَّبًا ممَّا

(2)

اقترَفوه، ناسبَ تعقيْبَهُ بوعيدٍ وبيانٍ لِمَا يستحقُّونه، لا على وجْهِ التقْريعِ كيْلا يُتوهَّمَ أنَّ ما سبَق من الختْم والتَّغشيةِ سببٌ لذلكَ فقيلَ:

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} اللَّامُ الجارَّةُ إذا اتَّصلتْ بالضمير غيرِ الياءِ بُنيتْ على النَّصب، والعذابُ: كلُّ ما يمنعُ من المطلوب، يُقال

(3)

: عَذِبَ الرجلُ وعَذَبَ: لم يأكل غيرَ صائمٍ.

والعِظَمُ: شِدَّةُ القوَّةِ، ومنه العَظْم، أو الزائدُ القَدْرِ، وذلك في الدنيا الإسَار، وفي العُقبى النَّارُ.

والمعنى: أنَّ تلكَ الطائفةَ مخصوصةٌ من بينِ الطَّوائف بنوع من العذاب، على أنَّ التَّنوينَ للتنويع كما في (غِشاوة)؛ أي: نوعٌ من العذاب لا يتعارَفُه النَّاسُ، وفائدتُه التَّهويلُ، وتوصيْفُه بالعظيم تأكيدٌ له، وترْكهُ في الغِشاوة تنْبيهًا على الفرق بين مَقامي التَّهويل، فإنَّ الأوَّلَ في أحوال الدُّنيا، والثاني في أحوال الآخرة، وكم بيْنَ الحالين وما فيهِما مِن الهَولَينِ.

(1)

في "ك": (الختم).

(2)

في "ح ": (سببا مما)، وفي "م":(سببا فيما).

(3)

في "م" و"ك": (ويقال).

ص: 57

(8) - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} .

ثُمَّ بعدَ ذِكْرِ المؤمنينَ وأحوالِهم، والكافرينَ وأفعالِهم، ذَكَر المنافقينَ وأقوالَهم وأعمالَهم وخصالَهم بقوله:

{وَمِنَ النَّاسِ} (الناس) أصله: أُناسٌ جمعُ: إنسان، ولذلكَ لا يُستعمل إلَّا في معنى جماعةٍ، كقوله تعالى:{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71]، وقوله تعالى:{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]، وقوله:{إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82]، فحُذفت الهمزةُ وعُوِّض عنها حرفُ التَّعريفِ، وهي هنا للعهد.

و (مَن) في قوله تعالى: {مَنْ يَقُولُ} موصولةٌ، والقولُ عبارةٌ عن جملةِ ما يتكلَّم به المتكلِّمُ على وجه الحكايةِ، وَحَّدَ (يقول) نظرًا إلى لفظ:(مَن)، وجَمعَ (مَن) نظرًا إلى معناها؛ اعتُبرت جهةُ وحدتِه عند ذِكْر مقالِهم، وجهةُ تعدُّده عند بيانِ أحوالِهم، إشارةً إلى أنَّهم وإنْ كانوا متفرِّقينَ على عقائدَ شتَّى في الكُفر الباطنِ، لكنَّهم مجتمعون على كلمة واحدةٍ في إظهار النِّفاقِ.

خَصَّ هذا الصنفَ مِن بينِ الأصناف بمبالَغات وتشديداتٍ، وأبرزَ نظْمَ قصَّتِهم إبرازًا غريبًا حيثُ قدَّم الخبرَ على المبتدأ، وأبهَمهُ غايةَ الإبهام، ووصفَه بصفاتٍ عجيبةٍ؛ ليتشوَّقَ السَّامعُ إلى ذِكْر ما بعدَه مِن قبائِحهم، ونكَّرهم نعْيًا عليهم وتعجيبًا من شأنهم، يعني: انظُروا إلى هؤلاء الخَبَثةِ وقبيحِ ما ارتكبوه، كيفَ اختصُّوا مِن بينِ سائرِ النَّاس بِما لم يرضَ العاقلُ أنْ يَنْتسبَ

(1)

إليه.

ولمَّا كانت فائدةُ الإخبارِ بكونهِم مِن بعض النَّاسِ استعظامَ أنْ يكونَ من جنسهِ مَن اختصَّ بمثلِ هذه الصفاتِ، فإنَّها تُنافي الإنسانيةَ بحيثُ كان ينبغي أنْ لا

(1)

في "ك "و"م": (ينسب).

ص: 58

يُعدَّ المتَّصفُ بها من جنس الإنسِ، ناسَب تصديرَ الكلامِ به

(1)

وإنْ كان حقُّه التأخيرَ، وهذا النَّوعُ من الاعتبار اللطيف مدارهُ على دلالةٍ رائعةٍ خطابيةٍ لا يعتبرُها البليغُ إلا بمعونة المقامِ واقتضاءِ الحالِ، فلا يُطالَبُ بالاطِّراد.

وهذا الصنفُ أبغضُ الكفرةِ إلى الله تعالى، وأمقتُهم عنده؛ لاستعدادِهم الاهتداءَ وإمكانِ قَبولِهم لذلكَ لعدم انطفاءِ نور الفِطرةِ فيهم، مع بقائهم على الكفر، وخَلْطِهم بالكفر تمويهًا وتلبيسًا واستهزاءً وخداعًا.

وقصَّتُهم عن آخرها معطوفة على قصَّة المصرِّينَ، والاقتصارُ في وصفه الكفارَ الصِّرفَ المطبوعَ على قلوبهم على آيتين، والإطنابُ في وصْف المنافقين في ثلاثةَ عشرَ آيةً؛ للإضراب عن أولئكَ صفْحًا؛ إذ لا ينجعُ فيهم الكلامُ، ولا يُجدي لهم الخطابُ، وأمَّا المنافقونَ فقدْ يَنجعُ فيهم التَّوبيخُ والتَّعييرُ، وعسى أنْ يرتدِعوا بالتَّشنيع عليهم وتفظيعِ شأنِهم وسيرتِهم، وتهجينِ عادتِهم، وخُبْثِ نيَّتهم وسريرتِهم، وينتبهوا

(2)

بتَقبيْح صورةِ حالِهم، وتفضيحِهم بالتَّمثيل بهم وبطريقتِهم، فتلينُ قلوبُهم، وتنقادُ نفوسُهم، وتتزكَّى

(3)

بواطنُهم، وتضمحلُّ رذائلُهم، فيرجعون عمَّا هم عليه، وَيصيرونَ من المستثنَينَ في قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146]

(4)

.

(1)

"به" ليست في "ك" و "ف".

(2)

في هامش "م": (وتنبيههم).

(3)

في "خ"و "ك": (بتزكي).

(4)

هذا التعليل للاقتصار والإطناب في وصف كل من الكافرين والمنافقين فيه نظر، فالمنافق كما يظهر من استقراء السيرة والواقع ليس أقل بعدًا عن الإيمان من الكافر، وإنما كان الإطناب - والله أعلم - في وصف المنافقين للتعريف بهم وبخطرهم العظيم على المجتمع المسلم؛ لمحاولتهم إخفاء=

ص: 59

{آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر} ، أي: يومِ البعثِ، وتوصيفُه بالآخِرِ لتأخُّره عن الدُّنيا، والمرادُ: صدَّقنا بالمبدأ والمعادِ، وفيه إحاطةُ الإيمان بقُطريه، وفي تكرير الجارِّ ادعاءُ التعريفِ بكلٍّ منهما على الأصالة.

وما قيلَ: فيه إيذان بأنَّهم منافقون فيما يظنُّونَ أنَّهم مخلصونَ فيه، فكيفَ بما يقصدونَ به النفاقَ، فإنَّ القومَ كانوا يهودًا، وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخرِ إيمانًا كلا إيمانٍ، لاعتقادهِم التَّشبيهَ واتخاذَ الولدِ، وأنَّ الجَنَّة لا يدخلُها غيرُهم، وأنَّ النّارَ لم تمسَّهم إلّا أيامًا معدودةً وغيرَها، ويرونَ المؤمنينَ أنَّهم آمنوا مثْلَ إيمانِهم

(1)

= مبناهُ على أنْ يكونَ التصرُّفُ بتخصيصها بالذِّكر في الحكاية دونَ المحكيِّ، وذلك خلافُ الظَّاهرِ.

ثُمَّ إنَّ تَمْشيةَ ما ذُكَر على تقديرِ أنْ لا يكونَ مرادُهم من الإيمان بالله وباليوم الآخرِ التصديقَ بجميع ما لا بدَّ منه في دين الإسلامِ، والظاهرُ خلافه على ما مرَّ الإشارةُ إليه.

ثمَّ إنَّ بيانَه بقوله: فإنَّ القومَ كانوا .. ، إنَّما يُفيد أنَّهم مخطئونَ فيما يعتقدونَ أنَّهم مصيْبون فيه، لا أنَّهم منافقونَ فيما يظنُّونَ أنَّهم مُخلِصونَ فيه؛ لأنَّ الخطأَ لا يستلزمُ النِّفاقَ، وذلك ظاهرٌ؛ بل نقولُ: شرْطُ النِّفاق الكتمُ، وهم لا يكتمونَ ذلكَ.

{وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} (ما) نائبةٌ عن (ليس)، ولهذا أُعقبتْ بالباء، والضميرُ للمعهودِينَ، والمعنى: نفيُ ما انتَحلوا إثباتَه، ولأجل التَّأكيدِ والمبالغة في نفْي إيمانِهم

= حقيقتهم، وتسترهم بستار الدين، فكان لا بد من التوسع في التعريف بهم، بينما الكفار معروفون مكشوفون، بل كثيرًا ما تجد الكافر بعيدًا عن سمة النفاق، واضحًا في إظهار حقيقته، والله أعلم.

(1)

القائل البيضاوي في "تفسيره"(1/ 44).

ص: 60

جاءت الجملةُ المنفيَّةُ اسميةً مصدَّرة بـ (هم)، وسُلِّط

(1)

النَّفي على اسم الفاعلِ الذي ليس مُقيَّدًا بزمانٍ ليشملَ

(2)

النَّفيُ جميعَ الأزمان، ويُجرَّد الكلام للدَّلالة على ما سيقَ له، ولم يُؤت بشيءٍ زائدٍ عليه إلَّا ما يشدُّ من عضُدِه كحرف الباء لتأكيد النَّفي.

وإطلاقُ الإيمان في سياق النَّفي - وكان مقيَّدًا في الإثبات - لأنَّه غيرُ منجَّزٍ، فمَن أخلَّ ببعضِ ما لا بدَّ منه ليس بمؤمنٍ أصلًا، لا أنَّه مؤمنٌ ببعضٍ دونَ آخر.

والآيةُ الكريمةُ لا تنهضُ حُجَّة على الكرَّاميَّة، لا لأنَّهم

(3)

يشترطونَ في كون الشَّهادتينِ إيمانًا عدمَ مخالفة القلبِ اللسانَ، أعمَّ من أنْ يكونَ موافقًا له أو فارغًا عنهما؛ لأنَّ احتجاجَهم بأنَّه تواترَ أنَّ الرسول عليه السلام والصحابةَ والتَّابعين - رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ - كانوا يَقنَعون بالكلمتين ممَّن أتى بهما، ولا يَستَفسرونَ عن علمه وتصديقه القلبيِّ وعملِه، فيَحكمون بإيمانه بمجرَّد الكلِمتينِ، فعلمنا أنَّه الإيمان بلا عِلم وعملٍ، صريحٌ

(4)

في عدم الاشتراط بالقيد المذكور، بل لأنَّ كلامَهم - على ما دلَّ سياقُ احتجاجِهم - في الإيمان الشَّرعيِّ المعتبرِ عندنا في إجراء أحكامِ الإسلام في الدُّنيا، لا الإيمانِ الحقيقي المعتبر عند الله تعالى المُنْجي عن

(5)

الخلود في النَّار، فلا يندفعُ قولُهم بالإجماع على أنَّ المنافقَ كافرٌ، ولا بالإجماع على أنَّ مَن هَمَّ بالشَّهادتينِ فمنَع مانعٌ من خرَسٍ أو خوفٍ مؤمنٌ.

(1)

في "ح " و" ف" و"ك" و"م": (وسلطوا)، والمثبت من "د".

(2)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (يشمل)، والمثبت من "د". وكلمة (النفي) بعدها ليست في "ح ".

(3)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (لأنهم) بإسقاط (لا)، والمثبت من "د"، وهو الصواب.

(4)

قوله: (صريح) خبر (أنَّ) في قوله: (لأنَّ احتجاجَهم

).

(5)

في "ف": (من).

ص: 61

(9) - {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} .

{يُخَادِعُونَ اللَّهَ} يعني: رسولَه، فالتجوُّزُ في الإسناد تفخيمًا لشأنه عليه السلام، وتنبيهًا على أنَّ المعاملةَ معه فيما يتعلَّق بالرِّسالة معامَلةٌ مع المرسِل في الحقيقة، وكونُهم من أهل الكتابِ العارفينَ بأنَّه تعالى لا ينخدعُ، فلا يُناسبهم قصدُ خداعهِ، وإنَّما يُناسبهم قصدُ خداعِ الرَّسولِ؛ لأنَّهم يُنكرون نبوَّته، كفى قرينةً

(1)

للمجاز.

والمعنى: يعملون له عملَ المخادعِ.

والخِداعُ: إظهارُ ما يخالفُ

(2)

الإضمارَ، ويرادُ به التغريرُ، ومنه: الأخْدَعانِ؛ لاستتارِهما تارةً وظهورِهما أُخرى، وأنَّه مفاعلةٌ من واحد نحو: طارقتُ النَّعلَ، وعاقبتُ اللِّصَّ، وما في الصِّيغة من المبالغة للإفصاح عن بلوغهم الغايةَ في وجهَي النِّفاقِ؛ لأنَّه بيانٌ لـ (يقولُ) تابعٌ لصلة (مَن).

أو لا محلَّ له من الإعراب في موضع الاستئنافِ بذِكْر ما هو الغرَضُ منه، كأنَّه سئلُ عن أصل دعواهُم، وعن كيفية مبالغتِهم فيه المُنْفهمةِ من ذِكر الإيمان بقُطريه وتكرير الباءِ، فأُجيبَ عنهما معًا: عن الأصْل بالأصلِ، وعن الوصْف بالوصف.

وعلى تقديرِ اعتبارِ الخداع من الجانبينِ يزيدُ البيانُ على قَدْر الحاجةِ، وُيفصَل الكلامُ عن مُقتضى المقامِ.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا} يجوزُ أنْ يكونَ ذِكرُ اللهِ تعالى توطئةً، والمرادُ مخادعةُ المؤمنين، مِن قولهم: أعجبَني زيدٌ وكرمُه، وفائدةُ هذه الطريقةِ بيانُ قوة اختصاصِهم، وكونِهم من اللهِ تعالى بمكانٍ، ومنه قولُه تعالى:{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]. {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 57].

(1)

في "ح ": (يكفي قرينته)، وفي "ف" و"ك" و"م":(كفى قرينته)، والمثبت من "د".

(2)

في "ح" و"ف" و"ك": (يخاف).

ص: 62

{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} نفْسُ الشَّيءِ: ذاتُه، وهي من النَّفاسة.

يقال: خادَعَ إذا لم يبلغْ مرادَه، وخدَعَ: إذا بلَغ مرادَه، فلمَّا لم يَنفُذْ خداعُهم فيما قصدوا كان مخادعةً، ولمَّا وقعَ

(1)

ضررُ فعلِهم على أنفُسِهم كان في حقِّ أنفُسهم خَدْعًا

(2)

؛ أي: لم يرجعْ وبالُ خداعِهم إلَّا إليهِم؛ لأنَّهم لمَّا سلَكوا مسْلَكَ الخِداع نزلوا بقدَمِ النِّفاقِ الدَّرْكَ الأسفلَ مِن النَّار

(3)

، فكانتْ مفسدةُ خداعِهم راجعةً إلى أنفُسِهم.

والواو عاطفةُ الجملةِ على الجملة، وفي {وَمَا يَشْعُرُونَ} واوُ الحال، أو بالعكس.

والشُّعور: هو الإدراكُ الحِسِّيِّ، ومشاعرُ الإنسان: حواسُّه الظاهرةُ والباطنة؛ أي: ما يُحِسُّون أنَّ ضررَ الخِداع لا يلحقُ إلَّا بهِم؛ لِتمادِي غفلتِهم، فإنَّه منْ شِدَّة ظهورِه كالمحسوس المشاهَدِ، فكأنَّه لا حِسَّ لهم أصلًا.

وليس نفْيُ الشُّعورِ هنا كنَفيهِ في قوله تعالى: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]؛ لأنَّه لبيانِ العُذر

(4)

من جهتِهم، وهذا لتعظيم الأمرِ على المنافقينَ، وأنَّهم مع جهلهِم يجهلون جهلَهم؛ كما قال:

جهلتَ ولم تعلمْ بأنَّكَ جاهلٌ

وذاكَ لَعَمري من تمَام الجهالةِ

(1)

في "ك": (كان).

(2)

في "م": (خداعًا).

(3)

في هامش "م": (أي: لما قصد المنافقون أن يخدعوا بالسلوك مسلك الخداع وإن لم يصل المطلوب لعدم نفود خدعهم إلى الله ورسوله، نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار).

(4)

في "ح " و"ك": (بيان للعذر)، وفي "ف" و"م":(بيان العذر).

ص: 63

(10) - {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} .

{فِي قُلُوبِهِمْ} آثَر حرفَ الظَّرفِ على أداة الملابَسةِ؛ ليدلَّ على الاستقرار

(1)

والرُّسوخ.

{مَرَضٌ} ؛ أي: تردُّدٌ واضطرابٌ، استُعيرَ المرضُ للعَرَض النَّفسانيِّ، وتنكيرُه للتنويع؛ أي: نوعُ مرضٍ ليس ما يتعارفُه النَّاسُ، شبَّههم بمرضَى لاضطرابهم في الدِّين؛ لأنَّهم كانوا يُظهرونَ الموافقةَ للمؤمنينَ بالقول، ويُضمِرونَ لهم الخلافَ بالقلب، فكان حالُهم كحالِ المريض إذ هو مشرِفٌ على الموت، ويُرجى الإقبالُ منه ثانيًا.

وأمَّا سائرُ الكفَرةِ فإنَّهم لم يضطَرِبوا في الدِّين، بل أظهَروا بالقول ما أضمَروا بالقلب، فسمَّاهم اللهُ تعالى موتى، وسمَّى المؤمنينَ أحياءً؛ لأَنَّهم اطمَأنوا على الإيمان قولًا وعقيدةً.

{فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} بتكرير الوحي وازديادِ التَّكاليف، ولا تجوُّزَ في الإسناد كما تَوهَّم مَن لا يرى صدورَ القبيحِ عنه تعالى، ولا يدري أنَّ القبيحَ بالنسبةِ إلى الكاسبِ لا بالنِّسبة إلى الفاعل، وأصلُ الكلامِ: فزاد اللهُ مرضَهم.

وإنَّما عدَل إلى ما في النَّظم لنكتة سَرِيةَّ، فلا دلالةَ في تنكير المرضِ الثاني على مغايرته للأوَّل حقيقةً، كيفَ وفي تصدير الكلامِ بالفاء دلالةٌ على تفريع الثاني على الأوَّل؟

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ؛ أي: مؤلِمٌ؛ نحو: سميعٍ وخَصيبٍ، بمعنى: مُسْمِعٍ ومُخْصِبٍ، ذَكَره الرَّاغب

(2)

، وُصفَ

(3)

به العذابُ للمبالغةِ.

(1)

في "ح" و"ف" و" ك": (الاستمرار).

(2)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 100).

(3)

في "م": (ووصف).

ص: 64

وإنَّما وُصف عذابُ المختومِ على قلوبهم بالعِظَم؛ لأنَّهم حُرموا عن جدوى المشاعرِ، وحُجِبوا عن عالَم النُّور، وحُبِسوا في سجون الظُّلماتِ، فما أعظَم عذابَهم وإن لم يُحسُّوا بإيلامهم كعُضوِ الميِّت والمفلوجِ! وعذابُ المنافقينَ بشدَّة الإيلامِ؛ لأنَّ مشاعرَهم غيرُ مؤوفة

(1)

؛ لعدَم انطفاءِ نورِ فطرتِهم، والألمُ بقدْر إدراكِ المؤلمِ، فلمنافاة نورِ استعدادِهم لِمَا رسخَ فيهم من الرذائل والملَكات الرَّديَّة والصِّفاتِ الظُّلمانيَّة يتألَّمون، وكان إدراكُهم لذلك أشدَّ إيلامًا، وعذابُهم أقوى وأنكى، وإنْ كان عذابُ الأوَّلينَ - لشدَّة حِجابِهم وغايةِ بُعدِهم من النُّور - أعظمَ؛ لعدَم منافاةِ ذواتِهم لصفاتهم، وضعفِ إدراكِهم لذلكَ، فلم يُحسُّوا بالألم بخلاف هؤلاء.

{بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} بسبب ثباتِهم واستمرارِهم على الكذب، وزيادةُ (كان) للثَّبات، وصيغةُ الفعل للاستمرار التَّجَدُّدِي.

وفيه دلالةٌ على أنَّ العذابَ الأليمَ لاحقٌ بهم من أجْل كذبِهم الذي هو أدنى حالِهم في الكفر والنِّفاقِ، فكيفَ سائرُ الأحوال؟

ولا دلالةَ فيه على أنَّ الكذبَ - وهو الإخبار بالشَّيء على خلاف الواقعِ - يُستحَقُّ به العذابُ مطلقًا، كيفَ وقد صُرِّح في كتب الفقهِ أنَّ الكذبَ لإحياء الحقِّ مباحٌ؟

قال الإمامُ الغزاليُّ: إذا اختفى مسلمٌ من ظالم وسألَ عنه وجبَ الكذبُ بإخفائه

(2)

.

(1)

المؤوفة بزنة معونة - بفتح فضم يليه واو ونون وهاء -: هي التي أصابها ما أفسدها وأبطل إحساسها. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(1/ 282).

(2)

انظر: "إحياء علوم الدين"(3/ 137)، و"الأذكار" (ص: 301)، وعنه نقل المؤلف.

ص: 65

(11) - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} .

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} عطفٌ على (يقولُ) فلا محلَّ له من الإعراب، ولا بأسَ بالتخلُّل بين أجزاء الصِّلة بالبيان والاستئنافِ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ، فالآياتُ على سَنن تعديد قبائحِهم وتوصيفِهم بالأوصاف المذكورة قصدًا واستقلالًا.

ويحتملُ أنْ تكونَ مستأنفةً؛ إذ هذه الجملةُ والجملتانِ بعدَها من تفاصيل الكذبِ ونتائجِ النِّفاقِ.

ألَا ترى قولَهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]، وقولَهم:{أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 13]، وقولَهم عند لقاءِ المؤمنينَ:{آمَنَّا} [البقرة: 8] كذبٌ محضٌ، فناسَب جعْلُ ذلك جُملًا مستقلَّةً ذُكرتْ لإظهار كذبِهم ونفاقِهم.

والإفسادُ: جعْلُ الشَّيءِ فاسدًا خارجًا عمَّا ينبغي أنْ يكونَ عليه، وعن كونِه منتفَعًا به، وكان

(1)

من إفسادِهم في الأرض

(2)

هَيْجُهم الحروبَ والفِتنَ؛ لمُخادعة المسلِمينَ، وممالأةِ الكفَّارِ عليهم، بإفشاءِ الأسرارِ إليهم.

والظَّاهرُ أنَّ القائلَ مَن شافَهَهُم من الرَّسول والصَّحابة، والثاني أقرب.

{قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} لمَّا كان نهيُهم عن الإفساد مُشعِرًا بأنَّ فيه إفسادًا نَفَوا ذلك عن أنفسِهم بادِّعاءِ أنَّهم مقصورونَ على الاصلاحِ من غير شائبةِ إفسادٍ، وآثروا (إنَّما) دلالةً على أنَّ ذلكَ الدعوى ظاهرٌ بيِّنٌ لا ينبغي أنْ يُشكَّ فيه.

(1)

في "ح "و"م": (فكان).

(2)

(في الأرض) ليست في "ح " و"ف" و"ك".

ص: 66

وفيه تنبيهٌ على أنَّهم يتصورونَ إفسادَهم بصورة الإصلاحِ لِمَا في قلوبِهم من المرض؛ كما قال اللهُ تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8]. وقوله: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} . فردَّ الله تعالى ذلكَ بقوله:

* * *

(12) - {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} .

{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} قصْرُ قلبٍ؛ أي: هم مقصورون على الإفساد لا ينتظِمونَ في جملة المصلِحينَ أصلًا، مع المبالغةِ على أبلغ الوجوهِ وآكدِها؛ من الاستئنافِ المقصودِ به تمكُّنُ الحكمِ في ذهن السَّامعِ فضْلَ تمكُّنٍ؛ لحصوله بعد التشويقِ الحاصلِ من ذِكْر ادِّعائِهم الإصلاحَ على وجهٍ أبلغَ مع توغُّلهم في الإفساد، فإنَّه يُشوِّق السامعَ أنْ يعرفَ

(1)

ما حَكَم اللهُ عليهم، والشَّيءُ إذا وُجِد بعد الطَّلبِ يكونُ أعزَّ ممَّا فوجِئَ

(2)

به من غيرِ النَّصَب.

وتصديرِ

(3)

الجملةِ بـ (ألَا) و (إنَّ) للتنبيهِ والتَّحقيقِ، وذلكَ أنَّ (ألَا) مركَّبةٌ مِن همزةِ الاستفهامِ وحرفِ النَّفي لإعطاء معْنَى التنْبيهِ على تحقّقِ ما بعدها، والاستفهامُ إذا دخلَ النَّفيَ أفاد التَّقريرَ والتَّحقيقَ؛ كقوله تعالى:{أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر} [القيامة:40]، وتكونُ همزة الاستفهام بهذه المثابةِ من التَّحقيق تُتَلقَّى بما يُتلقَّى به القسَمُ، وأختُها

(4)

(1)

في "ح " و"ك" و"م": (يصدق)، وفي "ف":(يقصد)، والمثبت من "د".

(2)

في "م": (جيء).

(3)

قوله: (وتصديرِ

) معطوف على كلمة (الاستئناف) في قوله: (من الاستئناف المقصود به

). وانظر ما سيأتي بعد تعليق.

(4)

أي: أخت (ألا).

ص: 67

التي هي (أمَا) من مقدِّمات القسَمِ وطلائعهِ، وتوسيطِ (هم)، وتعريفِ الخَبرِ، والاستدراكِ

(1)

بقوله:

{وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون} وهذا أَولى من نفي العِلم مُطْلقًا، المستلزمِ لنفْيِ العِلم الخاصِّ؛ لأنَّ مَن لا يشعرُ بالضَّروريات لا سيَّما المحسوساتُ منها أَولى أنْ لا يعلمَ غيرَها، وهذا من هذا الوجه؛ لأنَّه نفيٌ مع دليلٍ، ولأنَّه يُنادي عليهم بانحطاطِ رُتبتهم عن رُتبة البهائمِ، ويُؤذِن بأنَّ معلومَه من أجلِّ المعلوماتِ، ولا كذلك: لا يعلمون، وهذا الأخير هو الأصل والباقي مؤيِّد.

(13) - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} .

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا} نُهوا عن الإفساد ثُمَّ أُمروا بالسُّلوك إلى

(2)

سبيل الرَّشادِ، وبدأ بالمنهيِّ عنه لأنَّه الأهمُّ وهو ترْكٌ، والتركُ أسهلُ عن إتيان المأمورِ به، فكان في ذلكَ تدريجٌ لهم.

{كَمَا آمَنَ النَّاسُ} (كما آمن) في محلِّ النَّصبِ على المصدرَّيةِ، وهو في الحقيقة

(1)

قوله: (وتوسيط

وتعريف

والاستدراك) كلها مجرورة بالعطف على (الاستئناف)، كما تقدم في قوله: (وتصديرِ

)، ومعنى الكلام: أي: مع المبالغة على أبلغ الوجوه: بالاستئناف المقصود به تمكين الحكم في ذهن السامع، وبالتأكيد بحرفي التنبيه والتحقيق المقصود بهما تنبيه السامع للحكم، وتقرره عنده بحيث لا مجال فيه للريبة، وبتعريف الخبر المفيد للحصر، وبتوسط ضمير الفصل المؤكد لذلك، وبقوله (ولكن لا يشعرون) الدال على أن كونهم مفسدين مما ظهر ظهور المحسوس، لكن لا إحساس لهم ليدركوه.

(2)

في "م" و"ك": (في).

ص: 68

صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا مثلَ إيمانِ النَّاسِ، واللَّامُ في (النَّاس) للجنْس، إمَّا لأنَّهم الكاملون في الإنسانيَّةِ من بابِ {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ، وإمَّا لأنَّ غيرَهم ليس بناسٍ حقيقةً؛ لقُصُورهم وانحطاطِهم عن رُتبةِ الإنسانيَّةِ، بل رتبةِ البهيميَّةِ، وفي الأول نظرٌ إلى كمال المؤمنينَ، وفي الثاني إلى قُصور غيرِهم على نحو:

إِذِ النَّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زمانُ

(1)

وهذا أبلغُ في هذا المقامِ، ولا دلالةَ فيه على قَبول توبةِ الزِّنديقِ؛ لأنَّ النِّفاق غيرُ الزَّنْدقةِ، كيفَ ويُقتلُ الزِّنديقُ دونَ المنافقِ؟ ولم يقلْ أحدٌ: إنَّ في عدمِ قتْله عليه السلام المنافقَ

(2)

دلالةٌ على عدم قتْلِ الزِّنديق.

ثُمَّ إنَّ دلالةَ التقييدِ على أنَّ في أفراد الإيمانِ تفاوتًا بالكمال والنُّقصانِ، لا على أنَّ الإقرارَ باللِّسان وحدَه إيمانٌ.

{قَالُوا أَنُؤْمِنُ} الاستفهامُ للإنكارِ.

{كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} لمَّا كان المأمورُ به مشبَّهًا آتَوا بإنكارهم مشبَّهًا

(3)

، واللَّامُ للعهد والإشارةِ إلى الناس، والسَّفهُ: خِفَّةٌ في البَدَنِ أو في المقال يقْتَضِيْها نقصانُ العقلِ، والحِلْم: رَزانةٌ في البَدنِ يقتَضيْها وفورُ العقلِ.

نَصحُوهم بأمرين

(4)

: تقبيحِ ما هُم

(5)

فيه لأدائهِ إلى الفساد والفِتنةِ، وتبصيرِهِم

(1)

عجز بيت كما في "يتيمة الدهر" للثعالبي (4/ 311)، وصدره:

بلاد بها كنا وكنا نحبها (2)

(2)

في "ح " و"ك" و"م": (عدم قتله دم المنافق)، وفي "ف":(عدم قتل المنافق)، والمثبت من "د".

(3)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": (شبيهًا أتوا بإنكارهم شبيهًا)، والمثبت من "د".

(4)

في "ح " و"ف" و"ك": (يصحون بأمر من)، والمثبت من "د" و"م".

(5)

في "م" و"ك": (حالهم).

ص: 69

طريقَ الهدى والصَّلاحِ، فما كان جوابُهم إلَّا أنْ سفَّهوهم وادَّعوا الصلاح فيما كانوا عليهِ بجهلِهم المركَّبِ، وتماديْهِم في غيِّهم، وإفراطِهم في السَّفه، واعتقادِهم أنَّ ما هم عليه هو الحقُّ، وأنَّ ما عليه المؤمنون هو الباطلُ، فكانوا عندَهم سفهاءَ.

{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} ردٌّ على وجه المبالغةِ في تجهيْلِهم، فإنَّ الجاهلَ الجازمَ على خلافِ ما هو الواقعُ أتمُّ جهالةً وأعظمُ ضلالةً من المتوقِّف المعترِفِ بجهلِه، فإنَّه ربَّما يُعذرُ

(1)

وتنفعُه الآياتُ والنُّذرُ.

والتفصيلُ بـ (لا يعلمون)

(2)

؛ لأنَّ تسفيْهَهم العلماءَ الأعلامَ لا يكونُ إلا لغاية السَّفهِ والجهل المركَّبِ، ومعرفةُ الحقِّ والإيمانُ به، وكونُ المؤمنينَ على الحقِّ، وكونُهم على الباطل، أمرٌ نظريٌّ لا يتعلق بالحسِّ، بخلافِ الفسادِ في الأرض، ولأنَّ ذِكْرَ العِلم مع السَّفهِ - وهو جهْلٌ - أحسنُ طباقًا.

(14) - {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} .

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} تقول: لَقيْتُه ولاقَيْتُه: إذا استقبَلْتَه قريبًا منه، بيانٌ لمعاملَتِهم مع المؤمنينَ والكفارِ، وما سبَقَ سيْقَ لبيانِ مذهبِهم وتمهيدِ نفاقِهم، فلا تكرير، على أنَّ المعنى: من النَّاس مَن يتفوَّه

(3)

بالإيمان نِفاقًا للخداع، وذلكَ

(1)

في "ح ""ف" و"ك": "يفيد"، وفي "م":(يعتذر)، والمثبت من "د".

(2)

في هامش "م": (أي: تفصيل هذه الآية بـ (إلا يعلمون)، والآية السابقة بـ (لا يشعرون). منه.) وتحته:(التفصيل من الفاصلة كالتقفية من القافية. منه).

(3)

في "ح " و"ف" و"ك" و"م": "ينفق"، وفي "د":(يتفق). والمثبت من "حاشية الشهاب على البيضاوي"(1/ 338)، و"روح المعاني"(1/ 443).

ص: 70

عندَ لقاءِ المؤمنينَ، وفيهِ زيادةُ بيان أنَّهم ضَمُّوا إلى الخداع الاستهزاءَ، ولا يتفوَّهون بالكلمة إلَّا عند الحاجةِ.

{قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا} تقول: خلَوْتُ به وإليه: إذا انفَرَدْتُ معه.

{إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} الشيطان: فيْعالٌ مِن شَطَنَ: إذا بَعُدَ؛ لِبُعدِه عن الحقِّ، أو فَعْلانُ من شاطَ: إذا بطَل، ومن أسمائه: الباطلُ.

وقال الرَّاغبُ: مِن شاطَ: إذا احترقَ غضَبًا

(1)

.

والمراد: متَمرِّدوهُم وشُطَّارُهُم.

{قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} خاطَبوا المؤمنينَ بالجملة الفعليَّةِ ادِّعاءً لإحداث الإيمانِ، إذ لا يَروجُ عنهم دعوى التَّحقيقِ

(2)

، أو

(3)

لا تساعدهم أنفسُهم على ذلك، إذْ ليسَ لهم صِدْقُ رغبةٍ ولا قوَّةُ داعٍ. وشياطينَهم بالاسميَّة مع التأكيدِ؛ لوجود الأمرينِ، ونفْيِ الشكِّ والتردُّدِ عنهم في كذب قولهم:(آمنَّا)، واستمرارِهم على دينهم وموافقتِهم.

ولكَ أنْ تقولَ: إنَّ مقتضَى المقامِ في الأوَّل تجريدُ الكلامِ عن جنْس المؤكِّد؛ لأنَّ التأكيدَ والتقويةَ فيه لا يخلو عن تذكيرٍ لنفاقهم، من حيثُ باعتبارِ أنَّ فيه دلالةً على إنكار المخاطَبِ وسوءِ ظنِّه، وهمْ في صدد التجنُّبِ فيه، والاحترازِ عن مظانِّه.

ومقتضَى المقامِ في الثاني تحليةٌ به؛ لأنَّ إظهارَهم الإيمانَ وموافقتَهم المسلمينَ في ظاهر الأحكامِ كان مظنّةً لإنكارِ المخاطَبينَ ثباتَهم على اليهوديَّةِ

(4)

.

(1)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 103).

(2)

أي: لا يتوقعون رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار مع ما هم عليه من الرزانة والذكاء. انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 47)، و"روح المعاني"(1/ 446).

(3)

في "ف": (إذ)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر المصدرين السابقين.

(4)

(على اليهودية) ليست في "ح" و"ف" و"ك".

ص: 71

{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} الهُزءُ: السُّخرية من شيء يحقُّ عند صاحبهِ ولا يحقُّ عندَ الهازئِ.

استئنافٌ، كأنَّهم اعترَضوا عليهم حين قالوا:(إنَّا معكم)، فقالوا: فما بالُكُمْ توافقونَ؟ فقالوا: (إنَّما نحنُ مستَهزئونَ).

ويجوز أنْ يكونَ تأكيدًا لقوله: (إنا معكم)؛ لأنَّه لمَّا كان معنى قوله: (إنَّا معكم) هو: إنَّا معكم قُلوبًا، وتوهَّم أصحابُ محمدٍ الإيمانَ، وقَع قولهُ:(إنما نحن مستهزئون) مقرِّرًا له؛ لأنَّ الاستخفافَ بالشَّيء إنكارٌ له، ودفع للاعتداد به، ودفعُ نقيضِ الشَّيء تأكيدٌ لثُبوته.

أو أنْ يكونَ بدلًا؛ لأنَّ مَن حقَّر الإسلامَ فقدْ عظَّم الكفرَ.

والأولُ أوجهُ؛ لزيادة الفائدةِ، وكونِ المحرِّكِ للسؤال - أعني قوله:(إنا معكم) - في غاية الظُّهورِ.

(15) - {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .

{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ} يقال: هَزِئْتُ واستَهْزَأتُ، نحو: أجَبْتُ واستَجَبْتُ، والصحيحُ أنَّ الاستهزاءَ: ارتيادُ الهُزءِ، وإنْ كان قد يُعبَّر به عنهُ، وكذا الاستجابةُ في الأصل معناها مخالفٌ للإجابةِ، وإنْ كان قدْ يجري مجراها، كذا قال الراغب

(1)

.

لمَّا ذَكرَ استِهزاءَهم بالمؤمنينَ استأنفَ الكلام إظهارًا للسُّخط، وإنَّما قال:{يَسْتَهْزِئُ} ليدلَّ على دوامِ تجدُّد الاستهزاءِ وقتًا فوَقتًا، وفي الجملة الاسميَّةِ والخبر

(1)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 103).

ص: 72

الفعليِّ مع المعنى المذكورِ تقوِّي الإسنادِ؛ لتكرُّره والتخصيصِ؛ أي: هو الذي يتولَّى الاستهزاءَ بهم - خاصةً - الاستهزاءَ الأبلغَ الأقوى الذي يكونُ استهزاؤُهم بالنِّسبة إليه كلَا استهزاءٍ، ولا يُحْوجُ المؤمنينَ إلى معارضتهم.

{بِهِمْ} ذُكِر هاهنا لعدم الدَّاعي إلى الحذف، بخلافِ ما تقدم، فإنَّ فيه باعثًا لَفظيًّا وهو المحافظةُ على الفاصلة، وداعيًا مَعنويًّا وهو تحرُّجُهم من إبلاع المؤمنينَ، وإبقاءُ اللفظِ محتمَلًا ليكونَ لهم مجالُ التَّوجيهِ عندَ الحاجةِ إليه، والمعنى: أنَّه تعالى عاملَهم في الدُّنيا على وَفقِ معامَلَتِهم، فإنَّهم أظهَروا الإيمانَ وفي باطنهم النِّفاقُ، واللهُ تعالى أظهرَ لهم في الحال الأمانَ، وعاقبتُهم الإحراقُ

(1)

بالنيران، وعلى هذا يكونُ الكلامُ المذكورُ من قَبيل الاستعارةِ التبعيَّةِ.

وقيل: إنَّ معناه: يُجازيهِم في الآخرة جزاءَ استهزائهم، والعربُ تُسمِّي الجزاءَ باسم الابتداءِ، قال عمرو بن كلثومٍ:

ألَا لا يَجْهلَنَّ أحدٌ علَيْنا

فنَجْهَلَ فوقَ جهْلِ الجاهِليْنا

(2)

وفي القرآن العظيمِ

(3)

: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]. وهذا توسُّعٌ مخصوصٌ غير المشاكلةِ.

وقيل: إنَّه تعالى يجعلُ المؤمنينَ يطَّلعونَ على المنافقينَ من الجَنَّة، فيقولون لهم: أتُحبُّون أنْ تخرجوا من النَّار وتدخلونَ الجنَّةَ، فيقولون: نعَم، فيُفتح لهم بابٌ من النَّار، فيَقصِدون إليه فيُغلَق عليهم، ثمَّ يُفتحُ بابٌ آخرَ فتقصدُونه فيُغلَق،

(1)

في "ف": (وعاقبهم بالإحراق)، وفي "م":(وعاقبهم الإحراق).

(2)

انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: 426).

(3)

(العظيم): ليست في "م" و "ك".

ص: 73

ولا يزالُ يُفعَل بهم كذلكَ والمؤمنونَ يضحكونَ منهم، قال اللهُ تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين: 29]. إلى أنْ قال الله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين: 34]

(1)

. وعلى هذا يكون التجوُّزُ في إسناد الاستهزاءِ إلى الله تعالى.

{وَيَمُدُّهُمْ} مِن مَدَّ الجيشَ وأَمدَّهُ: إذا زادَه وأَلحقَ به ما يقوِّيهِ ويُكثِّرُه، لا مِن المدِّ في العُمُر فإنَّه يُعدَّى باللَّام كـ (أُمْلِي لهُم)، والحذفُ والإيصالُ خلافُ الأصلِ فلا يُصارُ إليه إلَّا بدليل، وهنا دليل على خلافه، وهو قراءةٍ:(ويُمِدُّهم)

(2)

.

{فِي طُغْيَانِهِم} الطغيانُ بالضمِّ والكسْرِ: تجاوُزُ الشَّيء عن مكانه، والمرادُ: غلُوُّهم في الكفرِ وتجاوزُهم الحدَّ في العتوِّ، وإنَّما أُضيفَ إليهم

(3)

لأنَّه أُريد الطُّغيانُ الذي عُرفَ لهم، واشتُهِر بصُدوره عنهم، فلا دلالةَ في إضافته إليهِم على أنَّه فعلُهم.

{يَعْمَهُونَ} في محلِّ النَّصبِ بالحال مِن مفعول (يَمُدُّهم) أو فاعلِ (طغيانِهم).

العَمَه في البَصيرة، والعَمى في البصر، وهو التحيُّر والتَّردُّد، قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل: 4].

(1)

رواه بنحوه البيهقي في "الأسماء والصفات"(1018) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 2)، وعزاها لابن محيصن. ومحل الشاهد أن (يمدهم) بضم الياء من المزيد لم يسمع في مد العمر. انظر:"روح المعاني"(1/ 451).

(3)

في "ف": (لهم).

ص: 74

(16) - {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} .

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لاستحقاقهم الاستهزاءَ الأبلغ، والمدِّ في الطُّغيان، ويحتملُ

(1)

أنْ تُجعلَ مقرِّرةً لقوله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .

واستُعيرت

(2)

الضَّلالةُ - وهو الجورُ عن القصد - للذَّهاب عن الحقِّ والصوابِ في الدِّين، والهدى - وقد مرَّ بيانُ معناه - للنُّور الفِطريِّ والدِّينِ القيِّم الأصليِّ، والاشتراءُ - وهو إعطاءُ بدلٍ وأخذُ آخرَ - للاستبدال؛ أي: اختاروا الضَّلالةَ واستبْدَلوها بالهُدى.

{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} الرِّبحُ: الفَضلُ على رأس المالِ. والتَّجارةُ: تعاطي الأمتِعةِ بالبيْع والشِّراءِ للرِّبح، وعدمُ الرِّبحِ كِنايةٌ عن الخُسران، ويسْبتهُ إلى التِّجارة على التوسُّع الشائعِ.

قال الرَّاغبُ: والرِّبحُ والخُسرانُ يُنسبانِ مرَّةً إلى صاحب السِّلعةِ، ومرةً إلى السِّلعة، ومرةً إلى الصَّفقة

(3)

؛ إذْ لا اشتباهَ فيه

(4)

.

وحُسْنُ تلكَ الكِنايةِ التي هي ترشيحٌ للاستعارةِ

(5)

المذكورة يظهرُ في وجه قوله: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ؛ أي: لطريق التِّجارةِ؛ فإنَّه كنايةٌ عن إضاعة الطَّلِبةِ الأصليَّةِ وهي سلامةُ رأسِ المال؛ لأنَّ مَن لم يهتدِ لطريق التِّجارةِ تكثرُ الآفاتُ في أمواله، ويعمُّ الحِرمانُ أكثرَ أحوالهِ.

(1)

في "ف": (ويجوز).

(2)

في "ف": (استعيرت).

(3)

في "ح " و"م": (الصفة)، وفي "ف" و"ك":(الصنعة)، والمثبت من "د".

(4)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 106).

(5)

في "ف" و"م": (الاستعارة).

ص: 75

وقد استبانَ من هذا التَّوضيحِ أنَّه يَشدُّ من عَضُد التَّرشيحِ، وزيادةُ (كان) لاستمرار النَّفي، على أنَّ النَّفي اعتُبِرَ أوَّلًا ثمَّ قُيِّدَ، والتَّعويلُ في مثل هذا على القرائنِ.

(17) - {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} .

{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} لمَّا بيَّنَ أوصافَهم عقَّبها بضرْب المَثَلِ زيادةً في الكشْفِ والتَّبيينِ، فإنَّه أوقعُ في القلب، وأقمعُ للخصْم الألدِّ؛ لأنَّه يُريكَ المتخيَّلَ محقَّقًا والمعقولَ

(1)

محسوسًا.

ولشأنِهِ العجيبِ في إبراز الحقائقِ المستورةِ، ورفعِ الأستار عن وجه الخفيَّاتِ، أكْثَرَ اللّهُ تعالى في القرآن وسائرِ كُتبهِ الأمثالَ، وفَشَتْ في كلام رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وسائرِ الأنْبياءِ.

والمثلُ في الأصل بمعنى: النَّظير، ثُمَّ نُقل في العُرف إلى القول السَّائرِ الممثَّل مَضْرِبُه بموردهِ، ولم يُسيِّروه ولم يجعلوهُ مَثَلًا إلَّا إذا خُصَّ بنوع من الغَرابة، ولهذا لم يُغيِّروه عمَّا وردَ عليه، ثُمَّ استُعير للصِّفة والحالِ والقصَّةِ إذا كانت عجيْبةَ الشَّأنِ وفيها غرابةٌ.

فالمعنى: حالُهم العجيبُ الشَّأنِ كحال المُستوقِد، فلا حاجةَ إلى معنى الجمعِ كما في قوله تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ} [الجمعة: 5].

(1)

في "ح" و"ك": (المقول).

ص: 76

واستَوقدَ: من الوُقود، وهو سُطوع النَّار وارتفاعُ لهَبِها، وسينُ الاستفعالِ ليس للطَّلب والسؤال، بل للاهتمام والمبالغةِ في الإيْقاد.

والنَّارُ: جسمٌ لطيفٌ مُحرِقٌ، اشتقاقُها من نارَ ينورُ نَوْرًا: إذا نفَر؛ لأنَّ فيها حركةً واضطرابًا.

{فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} الإضاءةُ: فرْطُ الإنارةِ، من الضوء الذي هو النُّور البالِغُ القويُّ، ومصداقُه قوله تعالى:{جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5]. وتأليفُ الحولِ: للدَّورانِ والإطافةِ، وقيل للعامِ: حَوْلٌ؛ لأنَّه يدورُ.

و (أضاءتْ) إمَّا متعدٍّ و (حولَه) مفعولٌ به، و (ما) زائدة. أو (ما) موصولةٌ مفعولٌ به، و (حوله) ظرفٌ صِلتُه؛ أي: جعلتْهُ النَّارُ مُضيْئًا.

وإمَّا لازمٌ مستنِدٌ إلى (ما حوله)، و (ما) موصولةٌ؛ أي: أضاءت الأماكنُ التي حولَ المستوقِدِ. أو إلى النَّار، و (ما حولَه) ظرفٌ لغوٌ لـ (أضاءت)، و (ما) زائدة، أو (حول) ظرفٌ في موضع الصِّلةِ، و (ما) موصولةٌ عبارة عن الأمكنة، والموصولُ مع الصِّلة مفعولٌ فيه.

وجوابُ (لمَّا) إمَّا قولُه: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} والضميرُ لـ (الذي)، وجمعُه للحمل على المعنى، وإنَّما لم يقلْ: بنارهم؛ لأنَّ في النار شيئينِ: حرارةً ونورًا، والله تعالى أذهبَ النُّورَ، وبَقيَ عليهم الحرُّ المحذور.

وإمَّا محذوفٌ دلَّ عليه ما بعدَه كما حُذِف في قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} [يوسف: 15]؛ لاستطالة الكلامِ مع الأمنِ مِن اللَّبْس

(1)

، وفي الحذف إيجازٌ مع

(1)

ولا يخفى ما فيه على من له أدنى إنصاف، وإن ارتضاه الجم الغفير، ويُجل عن مثل هذه الألغاز كلام الله تعالى اللطيف الخبير. انظر:"روح المعاني"(1/ 465).

ص: 77

الإفصاحِ

(1)

عن الصِّفة التي عليها المستوقِدُ بما هو أبلغُ في الدَّلالة على المعنى من اللَّفظ وهو العقلُ، كانه قال: فلمَّا أضاءت ما حوله خمدتْ فبَقُوا خابطينَ

(2)

في ظلام، متحَسِّرينَ على فوات الضَّوء، خائبينَ بعدَ الكدحِ في إحياء النَّارِ. وما ذُكِر استئنافٌ؛ أي: جوابٌ للسؤال عن وجه الشَّبهِ لعدم ظهورهِ، أو بيانٌ لجملة المثَل

(3)

.

وإسنادُ الإذهابِ إلى الله تعالى لقصْد

(4)

المبالَغةِ، ولذلكَ عُدِّي الفعلُ بالباء دونَ الهمزةِ؛ لِما فيها من معنى الاستِصْحابِ والاستمساكِ، يقال: ذهبَ السُّلطانُ بماله، إذا أخذَهُ، وما أخذَه اللهُ تعالى وما أمسكَه فلا مرسلَ لهُ.

وعدَلَ عن الضَّوء الذي هو مقتضَى الظَّاهرِ إلى النُّور، فإنَّه لو قيلَ: ذهبَ اللهُ بضوئهم، احْتَمَلَ أنْ يكونَ الذَّاهبُ ما في الضَّوء مِن الزِّيادة، والغرضُ إزالةُ النُّورِ عنهم رأسًا، ألا ترى كيفَ قرَّر ذلك وأكَّد بقوله:

{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} فذَكرَ الظُّلمةَ التي هي عدمُ النُّورِ والطُّمأنينةِ بالكلِّيّة، وجمَعَها ونكَّرها، ووصَفَها بالخلوص.

و (ترَكَ) بمعنى: طرَح وخلَّى، و (في ظلمات) متعلِّقٌ به، و (لا يُبصرونَ) في موضعِ الحالِ. أو (في ظلمات) في موضع الحال فيتعلَّق بمحذوفٍ، و (لا يبصرونَ) حالٌ أيضًا: إمَّا من الضمير في (تركَهم)، وإمَّا مِن الضمير المستكنِّ في المجرور.

(1)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (الإيضاح)، والمثبت من "د".

(2)

في "ف "و"م": (خائضين).

(3)

في "ف": (لجملة المستوقد).

(4)

في "ك": (بقصد).

ص: 78

وإنْ ضمِّنَ (تَرَك) معنى: صيَّر، يكونُ ثاني المفعولَينِ (في ظلمات)، و (لا يبصرون) حال، ولا يجوزُ العكسُ؛ لأنَّ الخبرَ لا يكونُ مؤكِّدًا. وقولُ الشَّاعر:

فتَركْتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ

(1)

يَحتمِلُ الوجهينِ لأنَّ (جَزرَ السِّباع) وإنْ كانَ معرفةً يَحتمِلُ الحالَ، كما أنَّ (يسبُّني) في قوله:

ولقدْ أَمُرُّ على اللَّئيمِ يَسُبُّنِي

(2)

يحتملُ الصِّفةَ وإنْ كانَ (اللَّئيم) معرفةً.

والظُّلمة مأخوذة من ظلَمَه: إذا منَعَ حقَّهُ؛ لأَنها تَمنعُ البصرَ من النُّفوذِ وتسدُّه. وظلماتُهم: ظلمةُ الجهلِ، وظلمةُ الكفْرِ، وظلمةُ النِّفاقِ.

وقيل: يجوزُ أنْ يُرادَ بالنَّار: نارٌ مجازَّيةٌ كنارِ فتنةٍ أو حربٍ، وليس بقويٍّ؛ لأنَّ الغرضَ من التمثيل إبرازُ المعقولِ في صورة المحسوسِ ليكونَ مُشاهدًا، وعلى هذا التقديرِ يفوتُ الغرضُ منه.

وفي الآيةِ دلالةٌ على أنَّ وجودَ النُّورِ شرْطٌ لرُؤية الألوانِ لا لوجودِها، إذ حينئذٍ يَمتنعُ الإبصارُ فلا يخرجُ قولُه:(لا يبصرون) مخرجَه.

(1)

صدر بيت لعنترة من معلقته، وهو في "الكشاف"(1/ 74)، وعجزه كما في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري (ص: 347):

ما بينَ قُلَّةِ رأَسِه والمِعْصمِ

(2)

صدر بيت لشمر بن عمر الحنفي، وعجزه كما في "الأصمعيات" (ص: 126):

فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني

ص: 79

(18) - {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} .

{صُمٌّ} جمعُ الأصمِّ

(1)

، النَّعتُ من الصَّمَم، وهو انسدادُ خرُوقِ المَسامعِ، ومنه: القناةُ الصماءُ التي ليستْ بمجوَّفة، وكذا كلُّ فعلٍ كان نعْتًا مما هو خلقةٌ فجمعه: الفُعْلُ، ومثلُه: البُكْم والعُمْيُ، وإنْ كان اسمًا فعلى الأَفاعِل يُجمع؛ كالأرنب والأرانِبِ، والأعجم والأعاجِم، وإنْ كان نعْتًا لِمَا هو آفَةٌ فعلى الفَعْلى؛ كالأعجَف والعَجْفى، والأحْمَق والحَمْقى.

{بُكْمٌ} من البَكَم: وهو الخرَسُ، وهو آفَةٌ في اللِّسان لا يَتمكَّنُ معها أنْ يعتمدَ مواضعَ الحروفِ.

{عُمْيٌ} من العَمَى، الأعمى في العيْن وجمعُه: العُمْيُ، ومن القلب: العَمِي، وجمعُه: العَمُونَ، قال الله تعالى:{بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [النمل: 66].

لمَّا سَدُّوا مسامعَهم عن الإصاخَة إلى الحقِّ، وأبَوا أنْ يُنْطِقوا به ألسنتَهم، ويُبْصِروا الآياتِ بأبصارِهم، جُعلوا كأنَّما فُقِدت مشاعرُهم، ولم توجدْ قُواهم.

وإيرادُ هذه الصِّفاتِ مع سلامةِ حَواسِّهم تشبيهٌ بليغٌ؛ إذْ شرْطُ الاستعارةِ الإعراضُ عن المستعارِ له صَفْحًا ونسْيانُه مُطلَقًا، وهاهنا وإنْ حُذِفَ المبتدأُ الذي هو ضميرُ المنافقينَ لكنَّه في حُكمِ المقدَّر المنْويِّ؛ لاستنادِ الخبرِ إليه، ونظيرُه قولُه:

صُمٌّ إذا سمِعوا خيْرًا ذُكرْتُ بهِ

وإنْ

(2)

ذُكِرتُ بسُوءٍ عندَهم أَذِنوا

(3)

(1)

في "م": (لأصم).

(2)

) (وإن) ليست في "ك"و"ف".

(3)

البيت لقعنب بن أم صاحب كما في "عيون الأخبار" لابن قتيبة (3/ 96)، و"الصحاح" (مادة: أذن)، ودون نسبة في "الكشاف"(1/ 76).

ص: 80

وأمَّا قولُه:

أَسدٌ عليَّ وفي الحُروبِ نَعامَةٌ

(1)

ففي كونِه من هذا البابِ نظرٌ.

{فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} ؛ أي: جوابًا؛ لأنَّ مَن اشتدَّتْ عليه تلكَ المشاعرُ لا يمكنُ أنْ يَرجعَ جوابًا؛ بل يخاطبُه لا بالعبارة ولا بالإشارة، من الرَّجْع بمعنى الصَّرفِ، لا من الرجوعِ بمعنى الانصرافِ، فإنَّ (رجَعَ) لازمٌ ومتعدٍّ.

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19].

{أَوْ كَصَيِّبٍ} مجرورٌ بمضافٍ محذوفٍ؛ أي: كمَثَل ذَوي صيْبٍ.

{مِنَ السَّمَاءِ} صفةٌ في محلِّ الجرِّ.

أمَّا تقديرُ المَثَل فلا بد منه للعطف على السَّابق، وأمَّا تقديرُ (ذَوِي) فلقوله:{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ} ، وإلَّا فنَفْسُ التَّشبيهِ لا يقْتَضي تقديرَ شيءٍ، إذْ لا يلزمُ في التَّشبيه المركَّب أنْ يكونَ ما يلي الكافَ هو المشبَّهَ بهِ كما في قوله:

وما النَّاسُ إلَّا كالدِّيارِ وأهْلُها

(2)

(1)

صدر بيت لعمران بن حطان السدوسي يؤنب الحجاج، كما في "تاريخ خليفة بن خياط" (ص: 274)، و "الأغاني"(18/ 122)، وعجزه:

فتخاءُ تجفلُ من صفيرِ الصافر

(2)

صدر بيت للبيد، وعجزه كما في "الأغاني"(15/ 362)، و"الكشاف" (1/ 81):

بها يومَ حلُّوها وغَدْوًا بلاقعُ

ص: 81

و (أو) في الأصل للتَّساوي في الشكِّ، ثمَّ اتُّسع فيْها فأُطلق للتَّساوي من غيرِ شكٍّ؛ مثلَ: جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرينَ، ومعناهُ: أنَّ قصَّة المنافقينَ مشبَّهةٌ بهاتينِ القصَّتينِ، وألَهما سواءٌ في صحَّة التَّشبيهِ بهما.

وتثْنيَةُ التَّمثيلِ كشفٌ بعدَ كشفٍ، وإيضاحٌ غِبَّ

(1)

إيضاحٍ، وكما يجبُ على البليغ في مظانِّ الإجماعِ والإيجازِ أنْ يُجملَ ويُوجزَ، فكذلكَ الواجبُ عليهِ في موارد التَّفصيلِ والإشباعِ أنْ يفصِّلَ ويُشبعَ، أنشدَ الجاحظُ:

يَرمونَ بالخُطَبِ الطِّوالِ وتارةً

وحْيَ المُلاحظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ

(2)

والصيِّبُ يقالُ للمَطَر والسَّحابِ، وفي الآية يحتملُهما، وتنكيرُه للتَّعظيم؛ كتَنْكير النَّارِ في المثَل الأوَّلِ.

والسماءُ: هذه المُظِلَّةُ، قد يُطلق على جهة الفَوقِ، وهو المراد هاهنا.

وتعريفُها للدَّلالة على إطباق ذلكَ الصَّيِّبِ

(3)

الآفاقَ كلَّها، فإنَّ كلَّ أُفُقٍ يُسمَّى سماءً، أمدَّ بهِ

(4)

ما في (صيِّبٍ) من المبالغة مِن جهة التَّركيبِ، فإنَّ الصَّادَ

= قال الطيبي في حاشيته على "الكشاف" المسماة "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب"(2/ 261): قوله: (بلاقع) خبر مبتدأ محذوف، و (غدوًا) متعلق به، والجملة حال عطفًا على قوله:(وأهلُها بها)، و (يوم) ظرف للمقدَّر في (بها) الذي هو الخبر؛ أي: الناس كالديار مأهولة يوم حلوا فيها، وبلاقع يوم رحلوا عنها.

(1)

في "م": (بعد). والمعنى واحد.

(2)

انظر: "البيان والتبيين"(ص: 38 و 96) وعزاه لأبي دؤاد بن جرير، و"الكشاف"(1/ 79)، وعنه نقل المؤلف.

(3)

في "م" و "ف": (الغيث).

(4)

قوله: (أمدَّ به

) خبرٌ آخر لقوله: (وتعريفها)، وأمدَّ بمعنى: قوَّى وأكَّد. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(1/ 394).

ص: 82

من المستَعليَة والياءَ مشددةٌ والباءَ من الشَّديدة، ومن جهةِ المعنى فإنَّ الصَّوبَ: فرطُ الانسكابِ والوقوعِ، ومن جهة البِناءِ فإنَّ فَيْعلًا صفةٌ مشبَّهةٌ دالَّةٌ على الثُبوت، ومن جهة العارِضِ؛ لأنَّ التَّنكيرَ للتَّعظيم والتَّهويلِ.

{فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و (ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق

(1)

؛ لاعتمادهِ على الموصوف، والمعنى: في أثنائه وتضاعيفِه إنْ أُريدَ بالصَّيِّب المطرُ، وجَعلُه مكانًا للرَّعد والبرْقِ؛ لأنَّهما في أعلاه ومنْحَدَرِه جُعلا كأنَّهما فيه بطريقِ استعار كلمةِ (في) للتَّلبُّس المخصوصِ الشبيهِ بتلبُّس الظَّرفيةِ الحقيقيَّةِ، والظُّلماتُ: تكاثفُ المطرِ بتَتابُعِ القَطْر والسَّحابِ وسُحْمتِه وتطبيقه معَ ظلمةِ اللَّيلِ.

وإنْ أُريدَ به السَّحابُ ففيهِ الرعدُ والبرْقُ، وأمَّا الظُّلمات فما ذُكِرَتْ بعَيْنِها إلَّا المطرَ، فإنَّه قد يكونُ وقد لا يكونُ

(2)

.

والرَّعدُ: الصَّوتُ الذي يُسمَع من السَّحاب عندَ تمزيقِ الرِّيح إياه، وهو تحريق

(3)

الدُّخانِ البُخارَ عندَ احتِقانهِ فيه بتكاثُفه.

والبَرْقُ: ما يَلمَعُ مِن السَّحاب إذا تحاكَّتْ أجزاؤُه، مِن بَرَقَ الشَّيءُ بريْقًا: إذا لَمَعَ.

(1)

قوله: (بالاتفاق)، كذا قال الزمخشري في "الكشاف"(1/ 83)، وتابعه البيضاوي في "تفسيره"(1/ 51)، والمؤلف كما هنا، لكن أجاز غيره فيهما الابتداء والخبر. انظر:"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب (1/ 81)، و"الإملاء" للعكبري (1/ 35)، و"تفسير القرطبي"(1/ 327)، و"روح المعاني" (1/ 480). وذكره أيضًا أبو حيان لكنه استبعده بقوله: ولا حاجة إلى هذا؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الصفة من قبيل المفرد، وبين أن تكون من قبيل الجمل، كان الأولى جعلها من قبيل المفرد. انظر:"البحر المحيط"(1/ 241) ط: الرسالة، بتحقيقنا.

(2)

وقعت العبارة في "د" هكذا: (وأما الظلمات فما ذكرت بعينها فما ذكرت فإنه قد لا يكون).

(3)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (تحريف)، والمثبت من "د".

ص: 83

ولم يُجمَع (رعدٌ وبرقٌ)، وإنْ كان الجمعُ أشدَّ مناسبةً لقوله تعالى:(ظلماتٌ) وأكثرَ مبالغةً كما في قول البُحتريِّ:

يا عارِضًا مُتَلفِّعًا بِبُرودِه

يَختالُ بيْنَ بُرُوقهِ ورُعودِهِ

(1)

لكونِهما في الأصل مصدَرينِ، فإنْ أُريد العينانِ رُوعِي الأصلُ فلمْ يُجمَعا، وإنْ أُريد الحدَثانِ؛ أي: الإبراقُ والإرعادُ فحقُّهما الإفراد، وأيضًا قُصِدَ التَّهويلُ المناسب للمقامِ بغرابةِ

(2)

نوعهما المستفاد من التنْكير، لا بتَعدُّدِ أفرادهما المسْتَفادِ مِن صيغةِ الجمْعِ.

{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} جملةٌ استِئْنافيّةٌ، وذلك أنَّه لمَّا ذَكَر الظلماتِ والرَّعدَ والبَرْق على ما يُؤذِنُ بالهول والشدَّةِ، فكأنَّ قائلًا قال

(3)

: فكيفَ حالُهم مع ذلك الرعدِ؟ فقال: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} ، ثمَّ قال: فكيفَ حالُهم مِن ذلك البرقِ؟ فقيل: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} ، ثم قال: فكيفَ حالُهم مع تلك الظلماتِ؟ فقيل: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} .

أو صفةٌ للمضاف المحذوفِ في محلِّ الجرِّ؛ أي: ذوِي صيِّبٍ يجعلونَ، وصحَّ رجوعُ الضَّمير إلى ذلك المضافِ لكونهِ في الحكم المذكورِ.

وفي ذِكر الأصابعِ من المبالغة ما ليسَ في ذِكر الأناملِ، ومبناها على أنْ تكونَ الأصابعُ بمعناها لا بمعنى الأناملِ، وفي العُدول عنْ:(يُدخلون) - وهو الظاهرُ - إلى المذكور نوعُ تقويَةٍ لتلك المبالغةِ.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 83). العارض: السحاب. يقال: تلفعت، أي: تلحَّفْتُ كما تلحَّفَتِ المرأة بمرطها، والاختيال: التبختر. انظر: "فتوح الغيب"(2/ 269).

(2)

في "ف": (بقرينة).

(3)

في "م": (بالهول فقال: يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال).

ص: 84

ثمّ إنَّه كنايةٌ عن كمال الحَيْرةِ وفرْطِ الدَّهشةِ، فيَستقيم المعنى بلا حاجةٍ إلى تنزيلِ الكلام عَن درجتِه البَليغةِ حذَرًا عن عدم مطابقتِه للواقع

(1)

.

{مِنَ الصَّوَاعِقِ} متعلِّق بـ (يجعلون)؛ أي: مِن أجلها يَجعلون، كقولك: سقاهُ من العَيمة

(2)

.

والصَّاعقةُ: قصفةُ رعدٍ تنقَضُّ معها شُقَّةٌ من نارٍ لطيفةٍ حديدةٍ لا تمرُّ بشيءٍ إلَّا أتتْ عليه، لكنَّها مع حدَّتِها سريعةُ الخُمودِ لِلَطافَتِها، وهي تنْقدحُ مِن السَّحاب إذا اصطَكَّتْ أجرامُه.

أو جِرْمٌ ثقيلٌ مُذابٌ مفرَغٌ من الأجزاء اللَّطيفةِ الأرضيَّة الصَّاعدةِ المُسماةِ دخانًا، والمائيَّةِ المُسماة بخارًا، حارٌّ حادٌّ في غاية الحدَّةِ والحرارة لا يقعُ على شيءٍ إلا ثُقب وأُحرق

(3)

ونفذَ في الأرض حتى بلغَ الماءَ فانطفى ووقفَ، ومنه الخارصينُ

(4)

.

من الصَّعق: وهو شدَّةُ الصَّوتِ، وقد يُطلق على كلِّ هائلٍ مسموعٍ أو مشاهَدٍ، ويقال: صعَقَتْهُ الصَّاعقةُ: إذا أهلَكَتْهُ بالإحراق أو شدَّةِ الصَّوتِ.

وقُرِئ: (من الصَّوَاقع)

(5)

وهو ليس بقلبٍ لـ (الصواعق)؛ لاستواءِ البِناءينِ في

(1)

في "م": (مطابقة الواقع).

(2)

في "م": (القيم)، وفي "ف":(القيامة). والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، والعيمة: شهوة اللبن، والعطش. انظر:"القاموس"(مادة: عيم).

(3)

في "م": (أو أحرق).

(4)

هو التوتياء: معدن صلب أبيض ضارب إلى الزرقة يلين بالإحماء ويطرق، ويستعمل لتغطية سطوح البيوت القلية الانحدار، ويطلى به الحديد فيقيه الصدأ، وربما استعملوا بعض أملاحه سمادًا وسيطًا. انظر:"معجم متن اللغة"(مادة: خرص).

(5)

نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 3)، و"الكشاف"(1/ 85).

ص: 85

التَّصرُّف، يقال: صَقعَ الدِّيكُ

(1)

، وخطيِبٌ مِصْقَعٌ، ونظيرُه (جبَذ) في (جذَب)، وهي في الأصل إمَّا صفةٌ لقَصْفة الرَّعدِ أو للرَّعد، والتاءُ للمبالغةِ كما في الرَّاوية، أو مصدرٌ كالعافية والكاذبةِ.

{حَذَرَ الْمَوْتِ} منصوبٌ على المفعول لهُ، والموتُ: زوالُ الحياةِ.

{وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} جملةٌ اعتراضيّة لا محلَّ لها، وإحاطةُ اللهِ بالكافرينَ مجازٌ، معناه: أنَّهم لا يَفوتونَهُ كما لا يفوتُ المُحاطُ به المحيطَ.

(20) - {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} (كادَ) من أفعال المقارَبةِ، وُضِعتْ لمقاربةِ الخبرِ مِن الوجودِ لعُروض سببِه، لكنَّه لم يوجدْ: إمَّا لفَقْد شرْطهِ، أو لعُروض مانعٍ.

والخطفُ: الأخذُ بسرعةٍ.

{كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} المشيُ: السَّيرُ السَّهل، و (أضاءَ)؛ إنْ جُعل متعدِّيًا؛ أي: أضاءَ لهم ممشًى، ورجَع الضَّميرُ في (فيه) إليه لكونِه مَنْوِيًّا، ويُؤيِّده قراءةُ:(كلَّما ضاء لهم)

(2)

.

(1)

أي: صاح. انظر: "القاموس"(مادة: صقع).

(2)

قوله: (ويؤيده قراءة: كلما ضاء لهم) كذا قال المؤلف، وفي الاستدلال بها على التعدي وهم، فهي دليل للُّزوم لا للتعدي. انظر:"الكشاف"(1/ 86)، و"البحر المحيط"(1/ 253)، و"روح المعاني"(1/ 489).

ص: 86

وإنْ كان لازمًا - وهو الظاهرُ - كأظْلَم، ومعناه: مشَوا في الضَّوء؛ أي

(1)

: في مَطْرَحه أو به، أو كلَّما نارَ البريق

(2)

فأَنارَ الطريقَ مشَوا فيهِ.

{وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} (أظلَمَ) غيرُ متعدٍّ على الظَّاهر، وَيحتملُ أنْ يكونَ متعدِّيًا من: ظَلِمَ الليل، ويعضُدُه قراءةُ:(أُظلِم) على ما لم يُسمَّ فاعلُه

(3)

.

ومعنى (قاموا): وقَفُوا وثَبَتوا في مكانهم، ومنهُ قامتِ السُّوقُ: إذا ركَدتْ، وقامَ الماءُ: إذا جَمَدَ.

وإنَّما جاء مع (أضاء) بـ (كلَّما)، ومع (أظلم) بـ (إذا)؛ لقوَّة دواعيهِم إلى مكان المشْي، والخلاصِ عمَّا هم فيه من الشدَّة والحَيْرةِ، وحرصِهم على ما همُّهُم به معقودٌ من السَّعي والحركةِ، فلا يَسعُهم الإهمالُ

(4)

وتركُ الفرصةِ، أمَّا الوقوفُ فليس كذلكَ لأنَّه يلزمُهم للعجز.

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} ؛ أي: ولو شاء اللهُ أنْ يَذهبَ بسمْعِهم وأبصارِهم، وقُرئ:(لأذْهبَ بأسماعِهم)

(5)

بزيادة الباءِ؛ كقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].

(1)

في "ك"و"م": (أو).

(2)

في "ف": (البرق).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 86)، و"المحرر الوجيز"(1/ 104).

(4)

في "م": (الإمهال)، وفي "ك":(الآمال).

(5)

في النسخ: (لأذهب الله بأسماعهم) بزيادة لفظ الجلالة، وزيد بعده في بعضها:(تعالى)، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(1/ 87)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 52)، و"البحر المحيط"(1/ 257)، وقد نبهنا على مثل هذا الخطأ أيضًا في "روح المعاني"(1/ 490).

ص: 87

شاعَ حذفُ مفعولِ (شاء) و (أراد) مع حرفِ الشَّرط لدلالة الجوابِ عليهِ، حتَّى لا يكادُ يُذْكَر إلَّا إذا كان مسْتَغرَبًا، كقوله:

ولو شِئتُ أنْ أبْكي دَمًا لَبَكَيْتُهُ

(1)

أرادَ: ولو شاء اللهُ لزاد في قَصيْف الرَّعد فأصمَّهم، وفي خُفوق البرقِ فأعْماهم.

وفائدةُ هذه الشَّرطيَّةِ: التنْبيهُ على أنَّ كلَّ محنةٍ معها مِنْحةٌ، وأنَّ نعمةَ الدَّفع تفوقُ نعمةَ النَّفعِ.

ولا دلالةَ فيه على وجود ما يقتضي الجزاءَ المذكورَ، ولا على أنَّ تأثيرَ الأسبابِ شرْطٌ لمشيئة اللهِ تعالى، وأمَّا أنَّ الكلَّ واقعٌ بقدرتهِ تعالى فالتنبيهُ عليه بقوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} تقريرٌ لِمَا تقدَّم، ولا اختصاصَ لـ (الشَّيء) بالموجود، كيفَ وهو أعمُّ العامِّ يقعُ على الواجب والمُمكن والممتنعِ؟ نصَّ على ذلك سيبَويْه حيثُ قال في "كتابه": إنَّ (الشَّيء) يقعُ على [كلِّ] ما أُخبرَ عنه

(2)

.

وخُصَّ هاهنا بالممكنِ بدليل العقلِ وقرينةِ القدرةِ؛ إذ القدرةُ هي مبدأُ الأفعالِ المتضادَّةِ على نسبةٍ متساويةٍ، والواجبُ راجحُ الوجودِ، والممتنعُ راجحُ العدمِ، فلا يمكنُ تساوي الطَّرفينِ الذي هو شرطُ تعلُّقِ القدرةِ إلَّا في المُمكن، فكأنَّه قيل: على كلِّ شيءٍ ممكنٍ قديرٌ.

(1)

انظر: "الكامل" للمبرد (4/ 3)، و"ذيل الأمالي" للقالي (ص: 221)، و"الكشاف"(1/ 87). وهذا صدر بيت للخريمي كما ذكر البكري في "اللآلي"(3/ 57)، قال: والخريمي - وقد كثر التصحيف في اسمه - هو أبو يعقوب إسحاق بن حسان بن قُوهي من شعراء الدولة العباسية. وعجز البيت:

عليه ولكن ساحة الصبر أوسع

(2)

انظر: "الكتاب"(1/ 22).

ص: 88

نعَم إنَّه في الأصل مصدرُ (شاء)، إلَّا أنَّ إطلاقَه بمعنى مشيءٍ

(1)

لا يَستلزِمُ الوجودَ في الجملة؛ لأنَّ متعلَّق المشيئةِ قد يكونُ زوالَ الوجودِ، وعدمَ الإيجادِ.

واشتقاقُ القُدر من القَدْر؛ لأنَّ القادرَ يُوقعُ الفعلَ على مِقدار قوَّته

(2)

، والقادرُ هو الذي يصحُّ منه الفعلُ والتَّركُ.

وأمَّا الذي إنْ شاءَ فعلَ وإنْ لم يشأْ لم يفعلْ فهو المختارُ، ولا يلزمه أنْ يكونَ قادرًا؛ لجواز أنْ تكونَ مشيئة

(3)

الفعلِ لازمًا لذاته، وصحَّةُ الشَّرطيةِ لا تقتضي وجودَ المقدَّم.

واعلم أنَّ ما ذُكر تَتميمٌ لتمثيل شدَّة الأمرِ على المنافقينَ بشدَّته على أصحاب الصيِّب من الحَيرة والخوفِ والدَّهشةِ، بحيثُ إذا صادَفوا خفقةً من البرق انتهزُوها فرصةً، مع خوفِ أنْ يخطفَ أبصارَهم، فخَطَوا خُطواتٍ يسيرةً، وإذا انطوتْ وانطَفتْ حُبسوا عن الحركة وبَقوا متحيِّرينَ خائبينَ.

ثمَّ إنَّ التَّمثيلينِ المذكورينِ جازَ أنْ يكونا مُفْرديْنِ، إلَّا أنَّ الأصحَّ الأفصحَ الذي عليه الفحولُ من علماء البيانِ أنْ يكونا من التمثيلات المركَّبةِ، لا يُتكلَّف لكلِّ جزءٍ جزءٍ من أجزاء الجملةِ الممثَّل لها فُرادى بشيءٍ مشبَّهٍ به من أجزاء الجملةِ الممثَّل بها مُفرَّقةً، كما في قول امرئِ القيْس:

كأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا

لدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحشَفُ البالِي

(4)

(1)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (شيء)، والمثبت من "د".

(2)

في "م": (قدرته).

(3)

في "ك": (نسبة).

(4)

انظر: "ديوان امرئ القيس"(ص: 38)، و"الكشاف" (1/ 80). العناب: ثمر، والحشف: اليا بس الفاسد من التمر.

ص: 89

بل تشبَّهُ هيئةٌ حاصلةٌ من أشياءَ تضامَّتْ وتآلَفَت

(1)

وصارت شيئًا واحدًا بأخرى مثلِها مِن غيرِ مراعاةِ أفرادِهما، والنَّظرُ إلى تشبيه شيءٍ من هذه بشيءٍ من تلكَ، فإنَّ الغرضَ تشبيهُ حالِ المنافقينَ في حيرتِهم، وما خبَطوا فيه من الضَّلالة وشدَّةِ الأمرِ عليهم، وخِزيهم وافتضاحِهم، بحالِ مَن يُكابد شدَّةَ أمرهِ عند انطفاءِ نارهِ بعدَ إيقادها ورجاءِ الانتفاعِ بها والتَهدِّي بإضاءتها، أو بحالِ مَن أخذتهُ السماءُ في ليلةٍ مظلمةٍ مع رعدٍ وبرقٍ وخوفٍ من الصواعق والموتِ.

(21) - {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ} التفَتَ من الغَيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ الكلامَ السَّابق كان في تعداد فِرَقِ المكلَّفينَ، وحكاياتِ أحوالِهم وبيانِ مآلِهم، ويناسبُه أسلوبُ الغَيبةِ، وأمَّا هذه الآيةُ فمُصدَّرةٌ بأمرٍ وتكليفٍ، وحقُّ الأوامرِ والنَّواهي أن يُسلكَ فيها مَسْلكَ الخطاب، خصوصًا إنْ كان ما كُلِّف به مما فيه مشقَّةٌ، فإنَّ فيه جَبرًا لتلك الكلفةِ بلذة المخاطبةِ.

والنِّداءُ: إحضار الغائب، وتنبيهُ الحاضر، وتوجيهُ المُعرِض، وتفريغُ المشغول، وتهييجُ الفارغ.

و (يا) حرْفٌ وُضِعَ في أصله

(2)

لنداء البَعيدِ، واستعمالهُ هاهنا في نداء القريبِ لبُعدهِ عمَّا خوطِبَ به معنىً، وقد يُستعمل لنداءِ القريبِ الفَطِنِ للدلالة على أنَّ الخِطابَ المذكورَ بعدَه معنيٌّ به جدًا.

(1)

في "م": (وتلاقت).

(2)

في "ف": (ويا حرف في أصله وضع).

ص: 90

وأمَّا نداءُ الدَّاعي المتضرِّعِ لربِّه بقوله: (يا ربِّ) مع علمهِ بأنَّه أقربُ إليه من حبل الوريدِ، فلِهَضم نفسهِ؛ استقصارًا لها، واستبعادًا من مظانِّ القُربة والزُّلفى.

و (أي): وصلة إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللَّام؛ لتعذُّر الجمعِ بينَ حرفي التَّعريف، وهو اسمٌ مبهَمٌ يَفتقر إلى ما يُزيل إبهامَه؛ من اسم جنسٍ، أو ما يجري مجراهُ صفةً له حتى يحصلَ المقصودُ بالنِّداء.

وكلمةُ التنْبيهِ لمُعاضدة حرفِ النِّداءِ بتأكيد معناه، ووقوعِها عِوضًا عمَّا يستحقُّه (أي) من الإضافةِ.

و (النَّاسُ) صفة لـ (أي) واجبٌ رفْعُها، خاطبَهم مُقبِلًا عليهم بالنِّداء لأنَّ فيه هزًّا لِما يُلقيه إليهم من أمر العبادةِ لهُ.

{اعْبُدُوا} قد مرَّ تفسيرُ العبادةِ، والأمرُ به يعمُّ أفرادَ المكلَّفين؛ لأنَّ اسمَ الجمع المحلَّى باللام للعموم حيثُ لا عهدَ، وما رُوي عن علقمةَ أنَّ كلَّ ما نزلَ فيه:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فمَكِّيٌّ

(1)

، إنْ صحَّ

(2)

فلا يوجبُ تخصيصَه بالكفَّار، وليسَ المرادُ إحداثَ العِبادةِ خاصَّةً؛ بل ما يعمُّه والمواظبةَ عليها، فإنَّ هذا هو المناسبُ للمقام، وإنْ كان الأولُ هو المتبادرَ من الكلام، والعبرةُ في الكلام البليغِ لمقتضى المقامِ لا لِما

(3)

يتبادرُ إلى الأفهام.

(1)

رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن"(ص: 367)، وصحح إسناده الزمخشري في "الكشاف"(1/ 89).

(2)

في هامش "د" و"م": (وإنما قال: إن صح؛ لأنَّه بعيد عن الصحة، كيف فإن سورة النساء مدنية وأولها: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ}. منه).

(3)

في "ف": (بمقتضى الكلام لا لما)، وفي "ك" و"م":(بمقتضى الكلام لا بما).

ص: 91

واعلمْ أنَّ النبيَّ عليه السلام بُعث بدعوة

(1)

الكفَّارِ إلى الإيمان، وورد في ذلك نصوصٌ، وأنَّهم أُخبِروا في بعض النُّصوصِ بأنَّ العبادةَ لا صحةَ لها بدونه، وبعدَ هذا أمَرَهُم بالعبادة في هذا النصِّ وغيرِه، وإنْ وردَ مطلقًا عن قيْد الإيمانِ لفظًا، لكنَّه مقيَّدٌ به معنىً بحكم النَّصِّ المخبِر عن اشتراط صحةِ العباداتِ بالإيمان، وليس في ذلك أمرٌ بالإيمان في ضِمن الأمر بالعبادة حتى يلزمَ إيجابُ الأصلِ تبَعًا لإيجاب الفرعِ فيُنافيَ حكمَ الأصالةِ.

{رَبَّكُمُ} عبارةُ الربِّ صادَفَ

(2)

مَحزَّها؛ إذ هو السيِّد والمُصلِح، ومَن كان مالكًا أو مُصلِحًا أحوالَ العبدِ فجديرٌ أن يُعبدَ ولا يُشركَ به.

ولمَّا أَمر بعبادته - وهي موقوفةٌ على معرفة وجودِه - ناسَب أنْ يَذكرَ من الأوصاف ما يتضمَّنُ الدَّليل على وجوده واستحقاقِه العبادةَ، فقال:

{الَّذِي خَلَقَكُمْ} فالتوصيفُ المذكور للتَّعليل كما هو الأصلُ في ترتيب الأمر بالشيء على الموصوف والموصول، وفي التَّعليل المذكورِ باعتبار تضمُّنه الإشارةَ إلى أنَّ ما لا قدرةَ له على الخَلْق والإيجاد لا استحقاقَ له للعبادة تعريضٌ للمشركين حيث عَبدوا ما لا قدرةَ له على شيء.

وما قيل: على تقديرِ أنْ يكون الخطاب للمشركين يكونُ الوصف المذكور للتَّخصيص، وهمٌ منشؤه عدمُ فهم معنى (ربكم)، فإنَّ المعنى المتبادِرَ منه: الرَّبُّ المشترَكُ فيما بينَهم، وليس ذلك إلا اللهُ تعالى؛ لأنهم ما اتَّفقوا على واحدٍ من معبوداتهم الباطلةِ، فإذًا لا شركةَ في معنى (ربكم)، فلا حاجةَ إلى مخصّصٍ.

(1)

في "ح" و، "ف":(لدعوة).

(2)

في "ح" و"ك" و"م": (صادق).

ص: 92

وأصلُ الخَلْق: التَّقديرُ، يقال: خَلَقَ النَّعْل: إذا قدَّرها وسوَّاها بالقياس، والمراد: إيجادُ الشيء على تقديرٍ واستواء.

{وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ذَكَر خَلْقَ مَن قبلَهم؛ لأنهم أصولُهم، وخَلْقُ الأصول إنعامٌ على الفروع، وقدَّم خَلْق المخاطَبين وإنْ تَقدَّم خَلْقُ مَن قَبْلَهم زمانًا؛ لأنَّ علمَ الإنسان بحالِ نَفْسه أظهرُ مِن عِلمهِ بأحوالِ غيره، ولأنَّهم المواجَهون به بالعبادة، فتنبيهُهم أولًا على أحوال أنفسهم أهمُّ وآكَدُ.

وبدأ أوَّلًا بصفةِ الخلق إذ كانت العرب مُقرَّةً بأنَّ الله تعالى خالقُهم، وهم المخاطَبون.

ولك أن تقول: أخرجه

(1)

مُخرج المقرَّر المعلوم: إمَّا لاعترافهم به كما أَفصحَ عنه قولُه تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 61]، أو مبالغةً في ظهوره حيث نُزِّل - لتمكُّنهم من العلم به بأدنى نَظَرٍ - منزلةَ المعلوم.

ودخلت (مِن) على الزمان، إذ التقديرُ: مِن زمنٍ قبلَ زمانِ خَلْقِكم.

وقُرئ: (مَن) بفتحِ الميم

(2)

على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ هو صدرُ الصلة، تقديرُه: والذين هم أناسٌ قبلَكم، وحذفُ صدرِ الصِّلة كثيرُ الدَّور في الكلام، وفيه تأكيدُ إبهام

(3)

يتضمَّن التنبيهَ بما فيه مِن التفخيم على أنَّ خَلْقَ مَن قبلَهم أَدخلُ في القدرة، وعلى هذا تكون (مَن) موصوفةً و (قبلَكم) صفتَها، ويحتمِلُ أن تكون موصولًا مقحَمًا كما أُقحم (تيم) في:

(1)

في "ف": (إخراجه).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 91).

(3)

في "ف" و"م": (إيهام).

ص: 93

يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ

(1)

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ؛ أي: تجعلون العبادةَ وقايتَكم

(2)

، و (لعلَّ) فيها لغاتٌ، ولم يَجئْ في القرآن إلا أفصحُها، وهي للترجِّي والإطماع، وذلك بالنِّسبة إلى المخاطَبين، والمعنى: إذا عبدتُم ربَّكم رَجَوْتُم حصولَ التَّقوى، وهي التي تحصلُ بها الوقايةُ من النار والفوزُ بدار القَرار، فتعلَّقت جملةُ الرجاء بـ {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} .

وقيل: تعلُّقها بـ (خَلَقكم).

ولا يُعجبني ذلك؛ لأنَّ الذي سِيقَ الكلامُ لأجْله هو الأمرُ بالعبادة، وذُكر الموصولُ وصلتُه لِمَا قُصد بالتبَّع، فلم يَجئ الموصولُ ليُحدَّث عنه، وكذا صلتُه، كيف وهي لتتميم ما قبلَها، فلا يناسبُ أن يتعلَّق بها ترَجٍّ، بخلافِ (اعبدوا)، فإنها الجملة المفتَتَحُ بها أوَّلًا، والمطلوبةُ من المخاطَبين، وإذا تعلَّقت بـ (اعبدوا) ناسَبَ خطابَ (لعلكم).

(22) - {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

{الَّذِي} نصبٌ على أنَّه صفةٌ بعد صفةٍ، ولزومُ توسيطِ الأجنبيِّ بين الوصفين لا يُضعفُه؛ لأنَّه أولى من توسيطه بين الموصوف والصفة، الواقعِ في قوله تعالى:{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14]، أو على المدح، أو رفعٌ عليه على أنه خبرُ مبتدأ محذوف

(3)

،

(1)

قطعة من بيت لجرير، وهو في ديوانه (1/ 212)، وتمامه:

يا تيم تيم عدي لا أبا لكم

لا يوقعنكم في سوءة عمر

(2)

في هامش "د" و"م": (ضمن تقدير الكلام الرد لما سبق إلى بعض الأفهام. شراح الكشاف. منه).

(3)

في النسخ عدا "د": (أو على أنه خبر مبتدأ محذوف) وسقطت العبارة كلها من "د"، والصواب المثبت، يعني: بحذف (أو) لأنها تفصح عن وجه جديد والصواب أنه وجه واحد، يعني: الرفع على المدح هو الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف. انظر: حاشية الطيبي على "الكشاف" المسماة "فتوح=

ص: 94

أو بالابتداءِ

(1)

وخبرُه: {فَلَا تَجْعَلُوا} ، وفيه ضعفٌ لمُضيِّ الصلة، فلا يناسبُ دخولَ الفاء في الخبر، وللربط بالاسم الظاهر.

{جَعَلَ} الجعل هاهنا بمعنى التصيير، فيتعدَّى إلى مفعولين ثانيهِما {فِرَاشًا} .

{لَكُمُ} فيه منَّةٌ على عباده، وفي تقديمِه

(2)

إشارةٌ إلى عزَّة عبيدِه، وفضيلتِهم على

(3)

باقي المخلوقات، حيث خَلَق السماوات والأرضَ لأجْلهم خاصَّةً.

{الْأَرْضَ فِرَاشًا} الفِراش والمِهاد والبِساط متقارِبةُ المعاني، والمرادُ: ما يُفرش، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأرض لم تُخلق مبسوطًا، بل خُلِقَت على وضعٍ آخر ثم بُسطت، على ما أَفصح عنه قوله تعالى:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30].

ومَن ظنَّ أن (فراشًا) حالٌ فقد اشتبه عليه حقيقةُ الحال.

{وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} مصدرٌ سمِّي به المبنيُّ.

{وَأَنْزَلَ} عطف على (جعل).

{مِنَ السَّمَاءِ} متعلِّق بـ (أنزل)، أو في موضع الحال فيتعلقُ بمحذوف، والمعنى: من جهة السماء؛ لأن الأصل الذي لا يُعدل عنه إلا بصارفٍ: أنَّ المعرفة إذا أُعيدت تكون الثانيةُ عينَ الأولى، و (مِن) للابتداء.

{مَاءً} هو جوهرٌ سيَّالٌ يضادُّ النارَ برطوبتهِ وبرودتهِ، وتنكيرُه للتنويع، يعني:

= الغيب في الكشف عن قناع الريب" (2/ 302).

(1)

في هامش "د" و"م": (فيه رد للكشاف ومن لم يفرق بين الرفع على الابتداء والرفع به في صدد توجيه كلامه. منه).

(2)

في "ف" و "ك": (وتقديمُه).

(3)

في "م" و "ك": (عند).

ص: 95

أَنزل من السماء نوعًا مَن الماء، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ في ذلك الجنسَ ما لم يَنزل من السماء، وهو ما يَحدث في الأرض بطريق الانقلاب من الهواء وغيره.

{فَأَخْرَجَ بِه} الخروج في الأصل: الانفصال من المحيط إلى الخارج

(1)

، ويلزمُه الظهور، وإنما عُطف على (أنزَلَ) بحرف التعقيب - وإنْ كان متراخيًا عنه - لسرعةِ خروجِ النَّبات بالمطر، كأنَّه

(2)

لم يتخلَّلْ بينهما زمان تصويرًا لشدَّة قدرته تعالى، وفي توسيط الأسباب حِكَمٌ ليست في الإنشاء بغتةَّ.

ثم إنَّه تعالى جَعَل بلطفه منافعَ السماء متَصلةً بمنافع الأرض، فإنَّ أكثرَ ما يخرجُ من الأرض بما ينزلُ من السماء، ليُعلم أنَّ منشأها واحدٌ؛ لأنَّه لو كان منشأُ هذا غيرَ الآخَر لم تتَصل منافعُ هذا بمنافعِ الآخر

(3)

على بُعد ما بينَهما، وتوهُّمِ خلافِ أحدِهما الآخَرَ، فلمَّا دلَّ هذا على أنَّ مُنشئها واحدٌ

(4)

لا شريك له فلا تجعلوا له أندادًا.

{مِنَ الثَّمَرَاتِ} الثمرةُ أصلُها: الزيادةُ والنَّماء، لِقال: ثمَّر اللهُ ما لَه؛ أي: زاده وكثَّره، وحَملُ الشجرة يسمَّى ثمرةً لهذا، ويُجمع على ثَمَرٍ بحذفِ الهاء التي هي للتَّوحيد، ثم على ثمارٍ؛ كالبلد يُجمع على البلاد، ثم الثمارُ يُجمع على الثُّمُرِ؛ كالحِمَار يُجمع على الحُمُر، وهذه جموعُ تكسير، وجمعُ السَّلامة هو الثَّمَرات.

والمراد منها هاهنا: المأكولاتُ كلُّها من الحبوب والفواكه وغيرِها ممَّا يَخرج من الأرض والشجر، وقد بسَط الله تعالى ما اختصَره في هذه الآية في آيةٍ أخرى فقال:

(1)

في النسخ: (الانفصال من الحصن إلى العورة)، والمثبت من هامش "د"، وهو الموافق لما في "الكليات" لأبي البقاء (ص: 449).

(2)

في "ك": (فكأنه).

(3)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (بمنافع الأرض)، والمثبت من "د".

(4)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (على منشئ واحدٍ)، والمثبت من "د".

ص: 96

{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا} [الأنعام: 99].

وقولُه تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] صريحٌ في عموم الثمرة؛ لأنَّ الحصاد إنَّما يكون للزَّرع.

واللامُ لتعريف الجنس، وإنَّما جُمع لاختلافِ أنواعه.

ثمَّ إنَّ جمع التصحيح إنما يكونُ للقِلَّة إذا لم يعرَّف باللام، فلا حاجةَ إلى أن يقال: إنَّ الجموع يَتعاوَرُ بعضُها في موضعِ بعضٍ.

و (مِن) للتبعيض؛ فإن ما يَصلح رزقًا لنا بعضُ الثمرات المخرَجة، ولا يَصلح للتبيين إذ لم يتقدَّم ما يبيَّن

(1)

.

{رِزْقًا} مصدر، فيكون مفعولًا له، وَيحتمِلُ أن يكون بمعنى: مرزوقًا، فينتصب على الحال، وعلى الأول تكون الكاف في:{لَكُمْ} مفعولًا به، واللامُ مقوِّيةً لتعدِّي المصدر إليه، وعلى الثاني يكون في موضع الصِّفة، فتعلَّق اللام بمحذوف؛ أي: كائنًا لكم، ولا يَمتنِعُ عكسُ ذلك، وَيجوزُ أن يتعلَّق بـ (أَخْرَج).

{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} نِدُّ الشيء: مُشارِكُه في الجوهر

(2)

، وذلك ضربٌ من المماثلة، فإن المِثْلَ يقال في أيِّ مشاركةٍ كانت، فكلُّ ندٍّ مِثْلٌ ولا ينعكس.

(1)

في هامش "د": (لا لفظًا ولا تقديرًا لأن مرزوقًا لا يصلح أن يكون مفعولًا به لأخرج كما ذكر سائر المفسرين. منه). وفيه أيضًا: (إذا قلت: أكلت من هذا الخبز، يكون للتبعيض لا غير، وإذا قلت: من هذا الخبزِ الجيدَ المطبوخَ، يكون هذا بيانا، وكان الجيدَ مفعولا. ط). قلت: يعني أن (الجيد) في هذه العبارة بالنصب كما صرح بذلك الطيبي في "فتوح الغيب"(2/ 305).

(2)

في "م" و"ك": (مشاركته فيما يحويه).

ص: 97

ولمَّا كانوا اتخذوا أندادًا جاء النهيُ عن جَعْلِ الأنداد للهِ تعالى على حَسَب الواقع، وإلا فحقُّ النَّهي أن يتعلَّق بجَعْلِ ندٍّ له تعالى.

وهذه الجملة متعلِّقة بـ (الذي) على ما جعلناه خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: هو الذي منَّ عليكم بأنواع النِّعَم العِظام: مِن خَلْقِ السماء سقفًا مرفوعًا، وجَعْلِ الأرض فراشًا موضوعًا، وإخراجِ النبات بالمطر رزقًا مجموعًا، فلا تجعلوا لله أندادًا.

وإنَّما عدل إلى الظاهر نعيًا عليهم بأنَّ جَعْلَهم له أندادًا جَعْلُ الأنداد لذات موصوفةٍ بصفةٍ لا شريكَ له فيه، فأنَّى الشركاء؟

ويجوز أن يكون متعلِّقا بقوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] والفاء للسبب، أي: تَسبَّبَ عن إيجاد هذه الآيات الباهرةِ النهيُ عن اتخاذكم الأندادَ، ولولا هذا الاعتبارُ لكان الأنسبَ عطفُه بالواو كما في قوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ} [النساء: 36].

ويجوزُ أن يكون نفيًا منصوبًا بإضمارِ (أنْ) على جواب الأمر كما في: زُرْني فأُكرمَكَ.

لا يقال: شرط انتصاب المضارع بإضمار (أنْ) في جواب الأمر - وهو كونُ الأول سببًا للثاني -مُنْتفٍ هاهنا. لأنَّه يجوز أنْ يُكتفَى بسببيةِ الأول للإخبار بمضمون الثاني؛ كما اكتُفي بسببية الشرط للإخبار بمضمون الجزاء في قوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]

(1)

.

{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: والحالُ أنتم من أهل العلم، على أنَّ (تعلمون) من الأفعال المنزَّلة مَنزلةَ اللازم فلا يقدَّرُ له مفعولٌ، ويجوزُ أن يقدَّر له المفعول على

(1)

في هامش "د": (رد للشريف).

ص: 98

أنَّ المعنى: وأنتم تعلمون امتناعَ الأنداد

(1)

وأنها لا تفعل مثلَ هذه الأفعال، وعلى هذا فالمقصودُ منه التوبيخُ والتنبيه

(2)

على قبح فعلهم؛ لأنَّ مرتكبَ القبيح مع علمه بقُبحه أعظمُ جرمًا، لا تقييدُ الحكم وتخصيصُه

(3)

به، فإنَّ العالِم والجاهل المتمكِّنَ من العلم سواءٌ في التكليف.

وإنَّما خَصَصْنا التوبيخَ بالوجه الأخير لأنَّ الظاهر أنَّ المراد على الأوَّل الهزُّ

(4)

لترك الأنداد، ووجْهُ ذلك: أنَّ التلطيف بعد التَّغليظ أَدْخَلُ في الأسماع وأَعْوَنُ على الإصغاء من التَّغليظ بعد التَّغليظ؛ ألا ترَى كيف وصَّى رسوله إذ أُرسل إلى عدوِّه وقال: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: 44].

(23) - {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} لمَّا قرَّر وحدانيته، وبيَّن الطريق الموصِلَ إلى العلم بها، عقَّبه بذِكر ما هو الحجَّةُ على نبوَّة محمدٍ عليه السلام، وهو القرآنُ المعجِز بفصاحته، وعرَّف ما يُتعرَّفُ به إعجازه، ويُتيقَّن أنه من عند الله.

ثمَّ إنَّه سلك مَسْلَكَ الإطناب حيث لم يَقُل: وإن ارتبتُم، سَوقًا للكلام على وَفْق

(1)

في "د" و"م": (النداء)، وفي "ح" و"ف":(الند)، والمثبت من "ك".

(2)

في "ح" و"ك" و"ف": (أو التنبيه).

(3)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (وتحقيقه)، والمثبت من "د".

(4)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (النهي)، والمثبت من "د".

ص: 99

حالهم، وتنبيهًا على توغُّلهم في الارتياب، واستمرارِهم على ذلك، واستقرارِهم فيه، وتضمينًا للنَّعي عليهم حيث بلَغوا النهاية فيما لا يجوز لأُولي الألباب الوقوعُ في بدايته، وهل هذا إلا

(1)

غايةُ الغباوة والغواية؟

وأتى بكلمة الشك مع تحقُّق الريب على خلافِ الظاهر؛ تكميلًا للنَّعْي عليهم بتنزيلِ حالهم المحقَّقِ منزلةَ المقدَّر؛ للتنبيه على أنَّ مثلَ ذلك الحالِ حقيق بأنْ يُعدَّ من قَبيل ما يُفرض كما يُفرض المحالُ.

والتنكيرُ في (ريبٍ) للتحقير، وفيه تنبيهٌ على أنَّ وضوح دلائل الإعجاز في المنزَّل المذكور بلغ إلى حدٍّ لا ينبغي أن يُفرض فيه ريبٌ إلا على وجه القِلَّة.

و (مِن) تحتمِلُ

(2)

ابتداءَ الغاية والسببيةَ، و (ما) موصولةٌ؛ أي: مِن الذي نزَّلنا، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: نزَّلناه، وتضعيفُ (نزَّلنا) بمنزلةِ همزةِ النَّقل، ويؤيِّده قراءةُ:(أنزلنا)

(3)

، ولا دلالة فيه على نزوله منجَّمًا في أوقاتٍ مختلفة؛ لأنَّ مَبناه على أن يكون التضعيفُ للتكثير، وذلك في المتعدِّي نحو: جرَّحتُ

(4)

وقطَّعتُ، ولا يكون في اللازم إلا نادرًا نحو قولهم: مات المالُ وموَّت

(5)

، إذا كثُر ذلك فيه، وحينئذ لا يجعله متعديًا كيلا يلزمَ الجمع بين

(1)

في "ح" و"ف" و"ك": (إلا أنه)، وفي "د":(إلا آية)، والمثبت من "م".

(2)

في "م" زيادة: (أن تكون).

(3)

هي قراءة يزيد بن قطيب. انظر: "المحرر الوجيز"(1/ 106)، و"البحر المحيط"(1/ 286).

(4)

في "ح""ف" و"ك": (خرجت)، والمثبت من "د" و"م" وهو الصواب؛ لأن (خرج) قبل التضعيف لازم، والكلام في الأفعال التي تكون متعدية قبل التضعيف. انظر:"البحر المحيط"(1/ 287)، و"روح" المعاني" (2/ 29).

(5)

في "د": (مات الإبل وموت الإنسان).

ص: 100

معنى التضعيف، وذلك غيرُ جائز، وفيما نحن فيه لا بدَّ من معنى التعدية، فلا مجالَ لإرادةِ معنى التكثير.

والتَّعبير بـ (ما نزلنا) دون: القرآن، للتنبيه على أن الريب فيه باعتبارِ ذلك الوصف.

والعبادةُ لمَّا كانت أشرفَ الخصال، والتَّسمِّي به أنفسَ الحظظ، حتى قال الشاعر:

لا تَدعُنِي إلا بيا عبده

فإنه أشرفُ أسمائي

(1)

سمَّى نبيَّه عبدًا وأضافه إلى نفسه تنويهًا بذكره، وتنبيهًا على أنه مختصٌّ به ومنقادٌ لأمره لا يخالفُه

(2)

، فكأنه يقول: على الرسولِ الذي كلُّ ما يبلِّغه من عندنا.

وقد شارَكَه عليه السلام في ذلك التشريفِ بعضُ الأنبياء عليهم السلام، إنما اختصاصُه عليه السلام بتسميته بالعبد المطلَق، فإنه لم يُسمَّ غيره إلا بالعبد المقيَّد باسمه؛ كما قال:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} [ص: 17]{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} [ص: 41] وغيرهما، وذلك لأنَّ كمال العبودية ما تهيَّأ لأحدٍ من العالَمين إلا لحبيبه عليه السلام، وكمالُ العبودية في الحرِّية عمَّا سوَى اللهِ تعالى، وهو مختصٌّ بهذه الكرامةِ كما أَثنى الله تعالى عليه بذلك فقال:{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 16].

(1)

البيت لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله المغربي الزاهد، كما في "طبقات الصوفية" للأزدي (ص: 196)، وهو دون نسبة في "تفسير القرطبي"(1/ 349)، و"البحر المحيط"(1/ 288)، و"روح المعاني" (2/ 30). ووقع في النسخ:(عبده)، والمثبت من المصادر وهو الصواب؛ لقوله قبله:

يا قوم قلبي عند زهراءِ

يعرفه السامع والرائي

(2)

في "ح" و"ف": (لا محالة). وفي "ك": (لا مخالفة).

ص: 101

فلمَّا اختصَّ بهذه الحريَّة أُكرم باسم العبد المطلَق، كما قال:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10].

وقرئ: (على عبادنا)

(1)

يعني: النبيِّين الذين أُنزل عليهم الكتب، وفيه تنبيهٌ على أن مَن شكَّ في القرآن مع ظهورِ إعجازه فهو شاكٌّ في سائر الكتب الإلهية أيضًا حقيقةً أو حكمًا.

ويجوزُ أن يراد: مَن أَخبر بنبوةِ محمدٍ عليه السلام وبشَّر بمجيئه من الأنبياء كموسى وعيسى عليهما السلام.

والأمرُ في {فَأْتُوا} للتعجيز؛ كما في قوله تعالى: {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258]، والفاءُ لأنَّه جوابُ الشرط، وبدونها يقال:(ايتوا) الألِفُ مجتلَبة والهمزةُ صارت ياءَ لكسرةِ ما قبلَها، وسقطت همزتُها كراهةَ التقاء الهمزتين، وتثبت الياء كتابةً في قوله:{ثُمَّ ائْتُوا} [طه: 64]؛ لأنَّه يُوْقَف على {ثُمَّ} ويبدأ: {ائْتُوا} ولا تثبت في قوله: {فَأْتُوا} وفي قوله: {وَأُتُوا} لتعذر الفصل بين الفاء والكلمة، وكذا بين الواو والكلمة.

والسورة مأخوذةٌ من قولهم: سَار يسُور: إذا ارتفع وعلا، وسمِّي الجدار المحيط بالمدينة سورًا لارتفاعه، فالسورةُ من القرآن: مجموعُ آياتٍ مفصَّلةٍ ارتَفَعتْ وعَلَتْ وظهرت وصارت كالعَلَم في مُغايَرتها لسائر السُّوَر.

وهي بإطلاقِها تتناولُ أقصرَ السُّوَر، وهي في القرآن سُورة الكوثر، وهي ثلاثُ آياتٍ قِصَارٍ، وهذا أبلغُ إلزامٍ وأتمُّ قطعٍ لأهل الخصَام، فقد كان التحدِّي أولًا بالإتيان

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 97).

ص: 102

بمثلِ كلِّ القرآن لقوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34]، ثم أَخبر

(1)

عن عجزهم عن ذلك بقوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] ثم بعشرِ سورٍ مِثْلِه بقوله تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] ثم لمَّا ظهر عجزهم عنها أيضًا تحدَّاهم بسورةٍ بقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} وقد عجزوا عن ذلك كلِّه.

{مِنْ مِثْلِهِ} في محلِّ الجر صفةً لـ (سورةٍ)؛ أي: بسورةٍ كائنةٍ مِن مِثله، والضميرُ لـ (ما نزَّلنا)، والمعنى: إنْ كنتم في شكٍّ مما أنعمْنا على عبدنا لحُسنِ استعداده

(2)

في كمالِ العبودية بإنعام الوحي، ومن

(3)

نعمة القرآن في أنَّه من عندنا، زاعِمِين أنَّ معارضته بإيرادِ المثلِ مقدورٌ للبشر - على ما أفصح عنه قوله تعالى:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال: 31]- {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} ؛ أي: مثلِ المقدور للبشر في زَعْمِكم، وقد أَفصح عن هذا المعنى في التحدِّي بعشرِ سورٍ، ولولا القصدُ إلى هذا لكان الظاهرَ أنْ يقال: فأتوا بمِثْلِ سورةٍ منه.

ورجوعُ الضميرِ للمنزَّل عليه لا يساعدُه المقامُ ولا الكلام:

أمَّا الأولُ: فكما عرفتَ فيما تقدَّم أنَّ المقام مقامُ توسيعِ دائرة التحدِّي، حيث تنزَّل من التحدِّي بكلِّ القرآن إلى التحدِّي بعشرِ سورٍ، ثم إلى التحدِّي بسورةٍ، فلا يناسبه التضييقُ باشتراطِ أنْ يكون الآتي به أميًّا في هذه الصورة دون الصور السابقة.

(1)

في "ح" و"م": (أخبرهم).

(2)

في "ح" و"ف" و، "ك":(بحسن اعتقاده).

(3)

في النسخ عدا "م": (ومنه)، والمثبت من "م".

ص: 103

وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ قوله: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} في مَعْرِض {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38]- في قولكم: إنه مفترًى، اخْتلَقه محمدٌ عليه السلام من عند نفسِه فأعانه عليه قومٌ آخرون

(1)

- فهو أمرٌ بأن يستعينوا بكلِّ مَن يُعينهم في ذلك

(2)

.

فعلى هذا لا وَجْهَ للاشتراط المذكور.

وأيضًا لا بُدَّ من اعتبارِ قيدِ المماثَلةِ بين المنزَّلِ والمأمورِ بإتيانه، وعلى تقديرِ عودِ الضمير المذكورِ إلى المنزَّل عليه يلزم أن يكون الكلام خلوًا عن ذلك القيدِ المهم.

والشُّهداءُ: جمع شهيد، معناها على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعوانكم؛ لأنَّ الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراج حقِّه، والمراد من الدعاء: دعاءُ استصراخٍ.

وكلمة (دون) لها معانٍ، والمراد هاهنا معنَى (غير)، وهي في الأصل اسمٌ، ولهذا دخله الخافضُ وخَفَضَها، ولكنها تُستعمل استعمالَ الحروف مفردةً عن اللام الذي هو للتعريف والتنوينِ الذي هو للتنكير - وهما من خصائص الأسماءِ - لأنها تفيد المعنى في غيرها كالحروف، فأُجريت مُجراها لذلك.

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في زعمكم السابق ذكرُه، والصدق: الإخبارُ المطابِقُ للواقع، هذا إذا كان وصفًا للمتكلِّم، وأمَّا إذا كان وصفًا للكلام فهو الخبرُ المطابق للواقع.

(1)

ما بين حاصرتين زيادة من "م".

(2)

في "م": (يعينهم على ذلك في زعمهم).

ص: 104

ولمَّا كان الأمر المذكور أمرَ تهكُّم وتعجيزٍ أَخبر أنهم ليسوا قادرينَ على إتيان المأمور به بقوله:

(24) - {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} .

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} لمَّا أَرشدهم إلى الدليل الذي يتبيَّن به أمرُ النبيِّ عليه السلام وصِدقُه، وكونُ ما جاء به حقًّا، صرَّح بنتيجته لاستلزامِ نفي اللازم - وهو امتناعُ معارضته - نفيَ الملزوم الذي هو انتفاءُ الرَّيب فلزمَهُم تصديقُه والإيمانُ به، وإلا استوجَبوا أشدَّ العذاب.

وإنَّما أَوْردَ الفعلَ في موضع الإتيانِ لأنَّه ما من شيءٍ من الأحداث إلا ويصحُّ أن يعبَّر به عنه وذلك؛ لِمَا ذكره الرَّاغبُ: أنَّ معناه أعمّ من معنى سائرِ أخواته نحوَ العمل والصُّنع والإحداث

(1)

.

فالمعنى: فإنْ لم تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله ولن تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله، ولا يخفى ما فيه من حسن الإيجاز

(2)

.

وأتَى بكلمة (إنْ) دون: إذا، مع تحقّقِ الشرط: إمَّا تهكُّمًا به، وإمَّا بناء على ظنِّهم قبل ظهور العجزِ عن المعارضة.

و (لم) كلمةُ نفي تدخلُ على المستقبل وتجعلُه بمعنى الماضي، ثم دخولُ (إنْ)

(1)

انظر: "تفسير الراكب"(1/ 119).

(2)

في هامش "د" و"م": (فيه رد لمن زعم أنه من باب الكناية لأنَّه من قبيل ذكر العام في موضع الخاص، فإن أريد معنى الخاص بخصوصه فمجاز مرسل وإلا فحقيقة. منه).

ص: 105

وهو للشرط يجعلُه بمعنى المستقبل، فكأنه فيه إشارةٌ إلى انقلاب حال المخاطَبين.

ولا محلَّ لقوله: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} ؛ لأنَّه اعتراضٌ قبل تمام المَرام، وهو من محاسن الكلام، إثارةً لهمَمِهم؛ ليكون عجزُهم بعد ذلك أبلغَ، ومعناه: لستُم بفاعلين ذلك أبدًا؛ لأنَّ (لن) لتأكيد النفي في المستقبل، فيشاركُ (لا) في نفيه ويُبايِنُه في التأكيد والتَّشديد.

واختُلف في أصله فقيل: (لا أنْ)، وقيل:(لا) أُبدلت ألفُه نونًا، والظاهرُ أنه حرفٌ مقتضَبٌ برأسه، كما هو قولُ سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل

(1)

.

قيل: فيه دليل على صحَّة نبوَّته عليه السلام حيث أَخبر عن الغيب على ما هو به.

وفيه: أنه من باب الكرامة، ولا اختصاصَ لها عند أهل الحقِّ بالأنبياء.

وأمَّا الاستدلالُ بعدم كونه عليه السلام شاكًّا في أمره فممَّا لا وجه له؛ لأن مَبْنَى دلالته على صحَّة دعواهُ على ثبوتِ عصمته عن الخطأ، وهو فرعُ ثبوتِ

(2)

نبوَّته، فإثباتُه به مصادَرةٌ.

{فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} جوابُ الشرط، وكُنيَ به عن ترك العناد تقريرًا للمكنيِّ عنه، وتهويلًا لشأن العناد، وتصريحًا بالوعيد مع الإيجاز، وذلك

(3)

أن مَن عانَدَ بعد وضوح الحقِّ له استَوْجَب العقاب بالنار، واتِّقاءُ النار من نتائج تركِ العناد.

و (النار): هي نار جهنم.

(1)

انظر: "العين"(8/ 350)، و"الكتاب"(3/ 5).

(2)

كلمة: (ثبوت)، ليست في "م".

(3)

في "ف": (في ذلك) بدل: (وذلك).

ص: 106

وقيل: النار مجازٌ عن العناد، وهذا

(1)

أشدُّ تهويلًا؛ لِمَا فيه من إبراز العناد في صورة النار بخلافِ الأولِ، فإنَّ النار حينئذٍ على حقيقتِها، والتهويلُ إنما جاء من إنابةِ اتِّقاءِ النار مَنابَ ترك العناد.

ثم إنَّ الأمر بالاتِّقاء أبلغُ من الأمر بالترك في النَّهي عن ملابَسة العناد.

وتعريفُها بناء على أنَّ تلك النارَ كانت معلومةً للمخاطَبين بسماعهم من النبيِّ عليه السلام بالذات أو بواسطةِ المؤمنين، وأيضًا هذه الآيةُ مدنيَّةٌ، فنزولُها بعدَ نزولِ قوله تعالى:{نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] لأنَّها مكيةٌ، فصحَّ تعريفها لكونها معروفةً قبل ذلك؛ ضرورةَ أن المكيَّات لنزولها

(2)

قبل الهجرة متقدِّمةٌ على المدنيات النازلةِ بعدها.

ولتفظيعِ شأن العناد هوَّلَ

(3)

وصفَ النار بقوله: {الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} ، وكونُ الصلة معلومةً إنما اشتُرط في غير مقام التفخيم والتهويل، ألَا يُرى إلى قوله تعالى:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]؟

والوَقود - بالفتح - ما يوقَدُ به النار، وبالضَّم: التهابُها، فهو مصدرٌ والأولُ اسمٌ، وقد جاء في المصدر بالفتح والاسمِ بالضمِّ، وقُرئ بهما

(4)

.

والظاهرُ المناسبُ لبلاغة القرآن: أن يكون المراد به المصدرَ على أنَّ المجازَ

(1)

في "ف": (وهو).

(2)

في هامش "م": (فيه تنبيه أن المكي ما نزل قبل الهجرة لا ما نزل بمكة كما يفهم من كلام الكشاف وكلام القاضي).

(3)

في "ح" و"ف": (بقول)، وفي "م":(وهو)، وفي "ك":(بهول)، والمثبت من "د".

(4)

هي بفتح الواو قراءة الجمهور، أما القراءة بالضم فتنسب لعيسى بن عمر وغيره. انظر:"المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 4)، و"المحتسب" لابن جني (1/ 63).

ص: 107

عقليٌّ؛ فإن الغرض - وهو المبالغةُ في التهويل - يَحصل حينئذٍ على وجهٍ أتمَّ وأكملَ، وفي المصير إلى حذفِ المضاف تنزيلٌ لشأن التنزيل.

و (الناس) هنا هم الكفار، و (الحجارة): جمع حَجر؛ كالجَمَل والجِمالة، وهذا جمعٌ على غير قياسٍ، والقياسُ فيه: الأحجار؛ كالشَّجر والأشجار.

وقد صحَّ عن ابن عباس رضي الله عنه على ما أخرجه ابن جريرٍ في "تفسيره"، وعن ابن مسعود رضي الله عنه على ما أخرجه البيهقيُّ في "البعث والنُّشور": أنها حجارةُ الكبريت

(1)

.

وإنَّما خُصَّت من بين أنواعِ الأحجار لأنها أسرعُ وُقودًا، وأبطأُ خمودًا، وأنتنُ رائحةً، وأكثرُ دخانًا، وأشدُّ حرًا، وألصقُ بالبدن.

والظاهرُ: أنَّ مرادَهما بيانُ الواقع لا تفسيرُ المراد هاهنا من لفظ الحجارة، فلا يتَّجهُ أنه تقييدٌ للمطلَق بغيرِ دليلٍ، فهي على إطلاقها، فلا يَفوت ما قُصد به من تهويلِ شأنِ تلك النارِ وتَفاقُمِ لهبها حيث تَتَّقد بما لا يَتَّقد به غيرُها.

وأمَّا احتمالُ أنْ يراد بها الأصنامُ فيأباه العموم المستفاد من قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] فإن بعض ما عَبدوا ليس من جنس الحجر، ومعنى {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}: أن تلك النارَ لا تَتَّقد إلا بها.

{أُعِدَّتْ} إن

(2)

الإعداد - وهو التهيئةُ والإرصاد - أكثرُ استعماله في الموجود،

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(1/ 403 - 404) عن ابن عباس وابن مسعود، والبيهقي في "البعث والنشور"(503) عن ابن مسعود، ورواه عنه أيضا عبد الرزاق في "تفسيره"(1/ 40).

(2)

كلمة: (إن) ليست في "ك".

ص: 108

وقد يُستعمل فيما هو في معنى الموجود؛ كما في قوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] فدلالةُ الآية على أنَّ النار مخلوقةٌ الآن كما هو مذهبُ أهل الحق ليست بقويَّةٍ.

{لِلْكَافِرِينَ} ختمٌ بما وقع به البدءُ؛ أي: اتَّقوا الكفر الموجِبَ للنار فإنها أُعدَّت للكفار، والجملةُ استئنافٌ يؤيِّدُه عطفُ (وبُشِّرَ) - على لفظِ المبنيِّ للمفعول

(1)

- عليه.

وقيل: صلةٌ بعد صلةٍ بلا عاطفٍ بينهما على قياسِ ما يقع في الأخبار والصفات، ويؤيدُه قولُه تعالى في سورة آل عمران:{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، وأمَّا العطفُ بترك العاطف فتجويزُه يؤدِّي إلى الإلباس في مواضعِ الفصل والوصل.

ودلالةُ لام الاختصاص على أنَّ إعداد تلك النَّار للكفار، ولا يلزمُ من ذلك اختصاصُها بهم، كما لم يَلزم من اختصاص إعداد الجنة للمتَّقين أنْ لا يدخلها غيرُهم، فلا حاجة إلى أنْ يقال: إنَّ النار التي وقودُها الناسُ والحجارة هي للكفَّار خاصةً ولغيرهم نارٌ غيرها

(2)

.

(25) - {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

(1)

هي قراءة زيد بن علي كما في "الكشاف"(1/ 104). وهي شاذة، وقراءة الجمهور بالمبني للمعلوم.

(2)

في هامش "د": (رد).

ص: 109

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} البشارة في اللغة اسمٌ لخبرٍ يغيِّر بَشَرةَ الوجهِ مطلَقًا سارًّا

(1)

كان أو محزنًا، إلَّا أنَّه غَلب استعمالُها في الأول، وصار اللفظ حقيقةً له بحكم العُرف حتى لا يُفهمُ منه غيرُه، واعتُبر فيه الصدقُ على ما نُصَّ عليه في الكتب الفقهيَّة، فالمعنى العُرفيُّ للبشارة: الخبر الصادقُ السارُّ الذي ليس عند المُخبَر به علمُه.

والمأمورُ بالتبشير على قراءةِ: (بشِّر) على لفظ المبنيِّ للفاعل: الرسولُ عليه السلام.

ولا وجهَ للتعميم لكلِّ مَن يقدرُ على البشارةِ مِن غيرِ تعيينٍ؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ مدار البشارة على الصِّدق، فحقُّها أن يكون المبشِّرُ صادقًا ومُصدَّقًا، كأنه ما اتَّكل في أمرِ التبشير على كلِّ قادرٍ عليه، بل نصَّ على أعظمِهم وأصدقِهم؛ ليكون ذلك أوثقَ عند المبشَّرين، وأقطعَ في الإخبارِ بهذه البشارةِ الجليلة، وفيه من التعظيم لأمرِ البشارة والمؤمنين ما لا يَخْفَى.

والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ قصةٍ على قصةٍ بينهما جهةٌ جامعةٌ بحيث تقتضي أنْ يُقفَّى

(2)

ذكرُ إحداهما بذكرِ الأخرى؛ توفيةً لحقِّ الكلام، ورعايةً لِمَا يقتضيه المقام، وذلك أنَّ قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا} خطابٌ عامٌ يشمل الفريقين: الموافقَ والمخالفَ.

ثم إنَّ قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} مختصٌّ بالفريق الأوَّل ومضمونُه الإنذارُ، وأنَّ قوله:{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا}

(3)

مختصٌّ بالفريق الثاني ومضمونُه البشارةُ، كأنه أوحَى

(1)

في "م": (مُسرًا).

(2)

في "ح" و"ف" و"ك" و"م": (يقع)، والمثبت من "د".

(3)

في "د": (وبشر الذين)، وفي "ك":(وبشر المؤمنين).

ص: 110

إلى نبيِّه أن يدعوَ الناس قاطبةً إلى عبادته وتوحيده وتصديقِ رسوله، ثم أَمر أن يُنذِر مَن أبَى وعانَدَ، ويبشِّرَ من آمن وعَبد، وهذا هو المعتمَد.

وقيل: معطوفةٌ على مقدَّرٍ بعد {أُعِدَّتْ} أي: فأنذِر الذين كفروا بتلك النارِ وبشِّر الذين آمنوا، وعلى هذا تكون الواو فصيحةً كما في قوله تعالى:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46]؛ أي: فاحذَرْني [واهجُرني]

(1)

.

وقيل: معطوفةٌ على قولٍ مقدَّرٍ قبل {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} ؛ أي: قل كذا وكذا وبشِّر المؤمنين، ولا يأبى عن ذلك قولُه:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} ، فإنه قد جاء في كلام الله تعالى في غيرِ موضعٍ

(2)

، منها قولُه تعالى:{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} [البقرة: 97]، قالوا: كان حقُّه: على قلبي، لكنه جاء على حكايةِ كلامِ الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.

وجوِّز أن تكون معطوفة على قوله: {فَاتَّقُوا} على أنه ليس جوابًا للشرط، بل هو محذوف، وهذا مرتَّب عليه، فعلى هذا يكون تقديرُ الكلام: إذا تَبيَّن عجزُكم عن المعارضة فقد صحَّ عند المعاند والموافق

(3)

صدقُه، وإذا كان كذلك فاحذَروا أيها المعانِدون العقابَ وبشِّر يا محمدُ المصدِّقين بالثواب، وعطفُ الأمر لمخاطَبٍ على الأمرِ لمخاطَبِ آخَرَ مما أخطأ في منعه النُّحاة؛ لوقوعه قطعًا في قوله تعالى:{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} [يوسف: 29]، وستقف على تتمة هذا الكلام في تفسير قوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229].

(1)

ما بين معكوفتين من "الكشاف"(3/ 21).

(2)

في هامش "د": (من وهم أن فيه تعسفًا فقد وهم. سعد الدين).

(3)

في "ك": (والمنافق).

ص: 111

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الصالحة نحوُ الحسنة في جَرْيها مَجرى الاسم، وهي ما ورد به الأمر إيجابًا أو ندبًا من الأعمال، وتأنيثُها على تأويل الخصلة، والتَّعريفُ للجنس، لكن لم يُرَد بالصالحات جنسُ الجمع، بل جميعُ الجنس باعتبار التوزيع، واللازمُ منه أن يَعمل كلُّ مكلَّف ما يَختصُّ به من مَواجِب التكليف؛ كما في: لَبِس القوم ثيابهم، ودخلوا مساجدهم، لا أنْ يَعمل كلُّ واحد منهم عملًا واحدًا منها كيف ما كان.

وفي مقارنةِ الإيمان والعمل الصالح في القرآن إيذانٌ بأنهما كالمتلازِمَين في توقُّف مجموع النَّجاة والثواب عليهما، وهذا لا ينافي لكون الإيمان المجرَّد عن العمل الصالح منجيًا.

ثم إنَّ (بشَّر) يتعدَّى إلى مفعولٍ بنفسه وإلى آخَرَ بحرف الجر، وهو قوله:

{أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} وحُذف منه الحرفُ، وهو في موضع نصبٍ على مذهبِ الخليل

(1)

، لا في موضعِ جرٍّ، خلافًا لمن قال: مذهبُه أنه في موضع جرٍّ

(2)

، وهو ابنُ مالكٍ، قاله في "التسهيل"

(3)

، وهو قليلُ الإلمام بكتابِ سيبويه.

واللامُ للاختصاص، إلا أنَّ التَّخصيص بفضلِ الله تعالى لا بالاستحقاقِ الذَّاتيِّ، والمختصُّ بهم منازلُ عاليةٌ من دارِ الثَّواب لا الدارُ نفسُها حتى يُشْكِلَ بالنُّصوص الدالَّة على عدم اشتراطِ العملِ في الدخول بها، ولذلك قال:{جَنَّاتٍ} دون: الجنة؛ فإنها عَلَمٌ لتلك الدَّارِ.

(1)

ذكره عنه سيبويه في "الكتاب"(3/ 127)، لكن سيبويه قوَّى القول بالجر أيضًا.

(2)

في هامش "د": (كذا قال أبو حيان).

(3)

انظر: "شرح التسهيل"(2/ 150)، وتابعه في نسبة القول بالجر للخليل أبو حيان في "البحر"(1/ 308).

ص: 112

وحملُ الجنَّات على الجِنَانِ الثمانيةِ لا يلائمُه مقابلةُ الجمعِ بالجمع؛ لأنَّ مقتضاها الانقسامُ والتوزيع، وقد رُوعيَ

(1)

ذلك في قَرِينتها السَّابقة، ولا مجالَ لرعايتها هاهنا لعَدَم العهد في توزيعها.

ثم إنَّ ذلك الاختصاصَ مشروطٌ بسلامةِ العاقبةِ؛ لأنَّ الاعتبار للخاتمة على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217]، وأمَّا الاستمرار على الإيمانِ المقارنِ

(2)

بالعمل الصالح فليس بشرط.

والجَنَّة في الأصلِ: المرَّةُ من الجَنِّ، وهو مصدر جَنَّه: إذا ستره، ومدارُ التركيب على ذلك، سمِّي به الشجر المظلِّل لالتفاف أغصانه وسترِ ما تحته، ثم البُستانُ لِمَا فيه من الأشجار المتكاثفةِ المُظلَّة، ثم دارُ الثواب لِمَا فيها من الجِنَان.

والمراد هاهنا: الغرفُ، وهي المواضع العالية والمنازلُ الرَّفيعة من بساتين الجَنة، على ما أَفصح عن ذلك في قولُه تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [العنكبوت: 58] فإنَّ القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا.

وتنكيرُ الجنات للتعظيم؛ أي: جنَّاتٍ أيَّ جنَّاتٍ

(3)

لا يُكتَنه وصفُها، ثم أكَّده بالأوصاف الغريبة

(4)

.

(1)

في النسخ عدا "د": (روي)، والمثبت من "د".

(2)

في "د": (القارن).

(3)

(أي جنات): من "م" و"ك".

(4)

في "ح" و"ف" و"م": (القريبة).

ص: 113

ويجوز أن يكون المراد: جنَّات شتَّى مرتبة في مراتبَ بحسب طبقاتهم ودرجات أعمالهم وعلومهم وأخلاقهم.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الضمير للجنات، يعني: من تحت تلك الغرف، وفيه تنبيهٌ على أنها منازلُ عالية، وقد جاء في الآثار: أن الجنة درجاتٌ والنارَ دركاتٌ

(1)

.

والنَّهَر - بالفتحتين، وبسكونِ الثاني

(2)

-: المَجْرَى الواسع، والمراد: الأنهارُ المعهودة المذكورة في قوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] فإنَّ الأصل في التعريف العهدُ، ولا يُعْدَل عنه إلا عند التعذُّر ولا تعذُّرَ هاهنا؛ إذ لا حاجةَ في ثبوت العهد إلى سبق نزول تلك الآية؛ فإن المخاطَب بتبليغ البشارة هو النبيُّ عليه السلام، فكفى عملُه بها بإعلامٍ من الله تعالى، وفي البيان بقوله:{مِنْ مَاءٍ} دلالةٌ قاطعة على أن المراد: ماءُ الأنهار، على التجوُّز فيها أو الإضمار.

{كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا} صفةٌ ثانية لـ {جَنَّاتٍ} ، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هي

(3)

، أو جملة مستأنفة على تقدير سؤال يَختلج في ذهن السامع: أَثِمارُها من جنسِ ثمار جنات الدنيا أم أجناسٌ أُخَر؟ فقيل: من جنسها.

و {مِنْ} الأولى لابتداء الغاية، وكذا الثانيةُ، واقعتان موقع الحال، و {رِزْقًا}

(1)

انظر: "الكشاف"(4/ 304).

(2)

في هامش، "د" و"م":(من قال بالفتح والسكون فكأنه غافل عن قوله تعالى: {خِلَالَهُمَا نَهَرًا}).

(3)

في هامش "د": (وهنا بحث، وهو أن الجملة المحذوفة المبتدأ إما أن تجعل صفة أو استئنافًا، فاعتبار الضمير لغو، وإما أم يكون كلاما مبتدأ غير صفة ولا استئناف، فليكن بدون اعتبار الحذف كذلك. سعد الدين).

ص: 114

مفعول ثان بمعنى: المرزوق، وأصل الكلام ومعناه: كلَّ حينٍ أو مرةٍ رزقوا مرزوقًا مبتدأً من الجنات مبتدأً من الثمرة، قيِّد الرزق المطلقُ بكونه من الجنات، ثم المقيَّدُ بكونه من الجنات قيِّد بكونه مبتدأً من أيِّ ثمرةٍ من ثمارها، فصاحب الحال الأولى {رِزْقًا} وصاحب الحال الثانية ضميرُه المستكِنُّ في الحال.

ويجوز أن تكون الثانيةُ للتبعيض؛ أي: كلَّما رزقوا من تلك الجنات بعضَ الثمرات، على أنه مفعول ثان، و {رِزْقًا} حال أو نصبٌ على المصدر

(1)

.

وليس المراد من الثمرة: الثمرةُ الواحدة بالشخص، وإنما المرادُ النوع الواحد من أنواع الثمار، يقال: فلانٌ أدركتْ ثمرةُ بستانه، والمراد الجنس.

ويجوز أن تكون بيانًا؛ كما تقول: رأيت منك أسدًا؛ أي: أنت أسدٌ، وعلى هذا الوجهِ يصحُّ أن يراد بالثمرة النوعُ، والجَناةُ الواحدةُ.

{قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبلِ هذا في الدنيا، والمقول جملة تشبيهية لقوله:{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} أي: هذا مثلُ الذي - أو: كالذي - رزقنا من قبلُ، حُذف حرف التشبيه لاستحكام الشَّبَه كأنَّ ذاتَه ذاتُه.

وإنما جُعل ثمارُ الجنة من جنس ثمار الدنيا لتميل النفس إليها أولَ ما رأت، فإنه لو لم يكن من جنسها لأَمْكَن أن تنفرَ منها طباعُهم وتعافَها نفوسُهم في أول الوهلة

(1)

في "م": (المصدرية). ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول، ورِزْقًا مصدر مؤكد أو في موقع الحال من {رِزْقًا} ؛ لبُعده، مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع، على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزاء لمجرورها لا جزئيًّا، فتأتي الركاكة هاهنا. انظر:"روح المعاني"(2/ 52).

ص: 115

وبادئ النظر

(1)

، وهذا لا ينافي الْتذاذَه به فوقَ الْتذاذِه

(2)

بمَأْلوفاتِه بعد الوقوف على طعمه، ولا يخالفُ ما اشتَهَر فيما بينهم من أنَّ لكلِّ جديد لذةً، ولأنهم إذا صادفوا ما الْتذُّوا به وأَلِفوه من جنسِ ما

(3)

كان معهودًا لهم، ورأوا بينه وبين ما عَهِدوه تفاضُلًا بيِّنًا وتفاوتًا عظيمًا، عرفوا قَدْر النعمة وحقَّها، وبلغ استلذاذُهم به واستحسانُهم له إلى ما لا يمكن وصْفُه؛ لكونه نعمةً غيرَ مترقَّبةٍ، ولو كان من جنسٍ آخر - وإنْ فاق وبلغ غايةَ الحُسن وراق - لحسبوا

(4)

أن ذلك الجنسَ لا يكون إلا كذلك، ولم يقع في أنفسهم وَقْعَ تلك النعمةِ.

وتكرارُهم هذا القولَ واستئنافُهم له عند كلِّ ثمرةٍ يُرزقونها دليل على تناهي الأمرِ في الفضيلة والمزيَّة، وأن ذلك الفرقَ البيِّنَ والتفاوتَ العظيم هو الذي يستدعي تلفُّظَهم بذلك ويَستنطقُهم ويَستَهِشُّهم فرحًا وحبورًا، ولا يدعُهم يَقَرُّوا ويسكتوا بل يستفزُّهم لذةً وسرورًا.

وعن مسروقٍ: نخل الجنة نضيدٌ من أصلها إلى فرعها

(5)

، كلما نُزعت

(1)

في هامش "د": (قوله - أي: قول صاحب "الكشاف" -: "لأنَّ الإنسان بالمألوف آنس" هذا جيد لو لم يضم إليه قوله: "وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه" فإنَّ بطلانه ظاهر، ولكل جديدة لذة، والحديث المعتاد مثلٌ في الكراهة. سعد الدين). ونقله الشهاب في "حاشيته على البيضاوي"(2/ 70) ثم تعقبه بقوله: وليس بشيء. وفيه: (

والحديث المعاد

).

(2)

في "د": (فوق ما التذ).

(3)

في النسخ عدا "د": (من جنسها)، والمثبت من "د".

(4)

في النسخ عدا "د": (ظنوا)، والمثبت من "د".

(5)

في هامش "د": (أي: نخل ثمارها [كذا، ولعل الصواب: ثمار نخلها] منضود من أولها إلى آخرها، يعني أن الثمر في كل جزء من أجزاء النخلة، لا في بعضها كما في الدنيا. قطب الدين).

ص: 116

منها ثمرةٌ عادت مكانها أخرى، وأنهارُها تجري في غيرِ أُخدود

(1)

.

والضمير في {بِهِ} يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة؛ لاشتمال الكلام عليهما

(2)

؛ كقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135]؛ أي: بجنسي الغنيِّ والفقير، ولو رجع إلى المذكور لقال

(3)

: أولى به.

ويجوز أن يكون المعنى: مِن قَبْلِ هذا في الجنة؛ لأن طعامها متشابهُ الصورة، كما حكى الحسن: يؤتَى أحدُهم بالصَّحْفة

(4)

فيأكل منها، ثم يؤتَى بالأخرى فيقول: هذا الذي أُتينا به من قبلُ، فيقول الملَك: كُلْ، فاللَّونُ واحدٌ والطَّعمُ مختلِفٌ

(5)

. وعلى هذا يرجع الضمير إلى الرزق المطلَق كما أن {هَذَا} إشارةٌ إليه.

ولا يَخفَى أن الوجه هو الأولُ؛ لعدم المساعدة في نكتة {كُلَّمَا} للأخير. والجملة اعتراضيةٌ كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34]

(6)

، والواوُ في:{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} عاطفةُ الجملة من تتمَّة وصفِ ثواب المؤمنين.

(1)

رواه الثوري في "تفسيره"(ص: 280)، ومن طريقه عبد الرزاق في "تفسيره"(3/ 267)، وهناد في "الزهد"(104).

(2)

في "ح" و"د" و"ك" و"م": "عليها"، والمثبت من "ف".

(3)

في "د": (لقيل)، وفي "ك":(لكان).

(4)

في هامش "د": (هي القصعة التي يأكل منها خمسة رجال).

(5)

انظر: "الكشاف"(1/ 109)، ورواه الطبري في "تفسيره"(1/ 410) من قول يحيى بن أبي كثير.

(6)

في هامش "د": (هذا على تجويز الاعتراض في آخر الكلام، والأكثرون يسمونه تذييلًا. سعد الدين).

ص: 117

و {مُطَهَّرَةٌ} بالتوحيد، و (مُطهَّراتٌ) بالجمع

(1)

، لغتان فصيحتان في وصف {أَزْوَاجٌ} لكونه جمعَ التكسير وإن كان جمعَ المؤنث الحقيقيِّ، بخلافِ ما لو قال: زوجاتٌ، لسلامة الواحد فيه فلم يجز إلا: مطهراتٌ، كأنه قال: جماعةُ

(2)

أزواج مُطهَّرةٌ.

وبناؤه للمفعول أفخمُ؛ إذ فُهِم أنَّ لها مطهِّرًا، وليس إلا اللهُ تعالى، فتكون

(3)

طهارتُهن أعظمَ من كلِّ طهارة.

فإن قيل: هذا معارَض بأن فيه إشعارًا بسابقةِ التلوُّث

(4)

بما يُستقذَر، والكمالُ في كون الطهارة خَلْقيَّةً، بخلافِ بناء الفاعل فإن المتبادِر منه بمعونةِ المقام أن تكون طهارتُهن خَلْقيَّةً.

قلنا: نعم، هو

(5)

كذلك، إلا أن الأول أرجحُ لكونه أدخَلَ في البلاغة؛ لِمَا فيه من تعظيم المؤمنين، وهو المناسبُ للمقام، ورعايةِ جانبِ مَن سيقَ له الكلامُ، وتطهيرُهنَّ من الأوصاف القبيحةِ في الخَلْق والخُلق.

لمَّا كانت مَجامعُ اللَّذةِ في المسكن الهنيِّ، والمشرَب الرَّوِيِّ، والمَطعَم الشهيِّ، والمنكَحِ الرَّضيِّ

(6)

، ذكَرها تعالى فيما يبشَّر به المؤمنُ، وبدأ بالمسكنِ

(1)

هي قراءة تنسب لزيد بن علي. انظر: "الكشاف"(1/ 110).

(2)

في "ك": (جمع).

(3)

في "ح" و"ف" و"م": (لتكون).

(4)

في "ح" و "ف": (التعويث)، و في "ك":(التغويث)، و في "م":(التلويث).

(5)

كلمة: (هو) من "م".

(6)

في "د": (العرضي)، وفي "ح" و"ف" و"ك":(الوحي)، والمثبت من "م".

ص: 118

لأنَّه به الاستقرارُ، ثم بالمشرب والمطعم لأن بهما قوامَ الجسم، وقدَّم المشرب لِمَا فيه من تشريف المسكن، ثم بالأزواج لأنَّ بها تمامَ اللذة والأُنس.

ولمَّا ذكر مجامعَ اللذةِ وذلك يَنقُصُ

(1)

بخوفِ الزوال، فنَفَاه بقوله:

{وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} الخلد: البقاء الدائم الذي لا يَنقطِع؛ قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] وتقييدُه بالتأبيد بقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57] يقطعُ التجوُّزَ، فإنَّ استعماله في الثبات المديدِ وإن لم يَدُمْ متعارَفٌ شائع

(2)

.

(26) - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} .

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً} لمَّا بيَّن التَّوحيدَ، وأَثبت صحَّة النبوَّة بالبرهان، وهداهم أساس الدِّين وأصلَ الإيمان، وأرشدهم إلى معرفة حقيقةِ القُرآن، وأفحمَهم بالتحدِّي، ورتَّب الوعيدَ على الكفر به والوعدَ على الإيمان، شَرَع في إبطال الاعتراضات والشُّبهات التي طَعن لها الجاحدون الجهَلةُ:

كقولهم: إن الله أجلُّ قَدْرًا وأعظمُ شأنًا من أن يمثِّل بهذه المحقَّرات كالذُّباب والعنكبوت.

وقولهِم: أمَا يستحي ربُّ محمد؟

(1)

في "ف": (ينتقص)، وفي "د":(ينفضّ).

(2)

في هامش "د": (رد للقاضي).

ص: 119

فأجابهم بما دلَّ على أن التمثيل أمرٌ يستدعيه حالُ الممثَّل له، فكلَّما كان أعظمَ كان الممثَّلُ به أعظمَ، وكلَّما كان أحقرَ كان الممثَّلُ به أحقرَ؛ كقوله:{وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] فيَلزم أن يكون لآلهتهم المثلُ الأدنى؛ لأنها جماداتٌ لا قوةَ لها ولا شعور؛ إذ الغرضُ من التمثيل تصويرُ المعقول بصورةِ المحسوس، وتقريرُ المعنى المرادِ في النفس، ولا يعارض العقلَ في المعاني المعقولةِ إلا الوهمُ؛ لميله إلى الحسِّ وامتناعِ إدراكه المعانيَ الكليَّةَ، فإذا تمثَّل المعنى العقليُّ

(1)

بصورةٍ محسوسةٍ أَذعن له وانقاد، وقَبِل المعنى المراد، ولهذا كثُر التمثيل في كلام البلغاء والحكماء والأنبياء، وفشا في الكتب الإلهية.

ولا يتعلَّق حالُ المثَل في الحُسْن والقبح بحالِ الممثِّلِ إلا فيما يُصار إليه من وجه الشَّبَه

(2)

بين الممثَّل به والممثَّل له، فإنْ لم يكن مطابقًا بأنْ لا يكون الوصف المشترَك المقصودُ إظهارُه في الممثَّل به أجلى وأقوى وأشهرَ كان الممثِّل قاصرًا في البلاغة، منسوبًا إلى الدناءة.

وإن كان مطابقًا بأنْ كان المعنى المرادُ إفهامُه في الممثَّل به أبلغَ وأتمَّ، وأكملَ وأعمَّ، كان الممثِّل أجلَّ قَدْرًا وأعلى شأنًا.

ولهذا كان تمثيلُ الله تعالى آلهتَهم بالبعوضة فما فوقها في المعنى الممثَّل له من الحقارة؛ أي

(3)

: ما هو أحقرُ منها كجناحها ومخِّها - وكما قيل: أقلُّ من لا شيء - في غايةِ الحُسن والجزالة، ونهايةِ الفصاحة والبلاغة؛ كما تقول: فلانٌ أقلُّ قَدْرًا من الكلب، فيقول صاحبك: وفوق ذلك؛ أي: في قلَّة القَدْر.

(1)

في "ح" و"ك": (للعقل)، وفي "ف":(العقل).

(2)

في "د": (التشبيه)، وسقطت من (م).

(3)

في النسخ عدا "د": (إلى)، والمثبت من "د".

ص: 120

وقد جاء في الإنجيل تمثيلُ غلِّ الصدر بالنخالة، ومعارضةِ السفهاء بإثارة الزنابير، وفي كلام العرب: أصرد

(1)

من جرادٍ، وأسمعُ من قُرادٍ.

وَيحتمِل أن يكون المراد بقوله: {فَمَا فَوْقَهَا} العنكبوتَ والذُّباب، وما ورد في المثَل مما هو أعظمُ من البعوضة، ردٌّ لِمَا استنكروه؛ كما قيل: فلانٌ بخيلٌ بدرهم، فتقول: إنه بخيل بدانق فما فوقه؛ أي: فضلًا عما فوقه في العِظَم من الدرهم.

والحياء: انقباضُ النفس بمخافةِ الذَّمِّ، وهي الوسطُ بين الوقاحةِ التي هي الجرأةُ على القبائح وعدمُ المبالاةِ بها، والخجالةِ التي هي انحصار النفس عن الفعل مطلقًا.

واستعمالُ الاستحياء لله تعالى مجازٌ على سبيل التمثيل؛ أي: لا يَترك ضربَ المثل بالمحقَّرات تَرْكَ مَن يَستحْيِي بحقارتها، وقد جاء في الحديث: "إنَّ الله ليستحيي

(2)

من ذي الشَّيبةِ المسلمِ أن يعذِّبه"

(3)

.

وفي التمثيلِ من المبالغةِ ما لا يَخْفَى على الفَطِن؛ للتَّخييل، وتصويرِ المعقول بصورة المحسوس أو الوجدانيِّ

(4)

المدرَك بالضرورة.

(1)

في النسخ: (أجرد)، وفي هامش "م":(لعله: أبصر). والصواب المثبت، يقال: صَرِدَ الرجل يَصْرَد صَرَدًا فهو صَرِدٌ ومصْراد: للذي يجد البرد سريعًا، وذلك أن الجرادة لا تُرى في الشتاء أبدًا لقلة صبرها على البرد. انظر:"الكشاف"(1/ 112)، و"فتوح الغيب"(2/ 377).

(2)

في "م": (يستحيي).

(3)

أخرجه البيهقي في "الزهد" من حديث أنس بنحوه، وابن أبي الدنيا في كتاب "العمر" من حديث سلمان بنحوه. انظر:"نواهد الأبكار"(2/ 143). وروى ابن أبي عاصم في "السنة"(23)، والطبراني في "الأوسط"(5286)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا:"إن الله عز وجل ليستحيي من ذي الشيبة المسلم إذا كان مسدَّدًا لَزومًا للسنَة أن يسأل الله فلا يعطيه". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 149): وفيه صالح بن راشد وثقه ابن حبان وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.

(4)

في النسخ عدا "د": (أو القصد إلى)، والمثبت من "د".

ص: 121

ويجوز أن يكون وقوعه على سبيل المقابلة وتطبيقِ الجواب والسؤال، فإنه لمَّا جاء في كلام الكفَرة: أمَا يَستحيي ربُّ محمدٍ أن يضرب المثَل بالذباب والعنكبوت، قابلَه بقوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ} وهو في كلامهم نوعٌ بديعٌ وفنٌّ عجيبٌ يستحبُّونه ويَرتضونه لمراعاةِ المشاكَلة.

وضربُ المثل: صُنْعُه واعتمالُه، من ضَرْبِ اللَّبِن وضربِ الخاتم، وأصله: وَقْعُ شيء على آخَرَ، والاستحياءُ يتعدَّى بنفسه وبـ (مِن)، فعَلى الأول يكون {أَنْ يَضْرِبَ} منصوبَ المحلِّ على المفعولية، وعلى الثاني يكون مجرورَ المحل بتقدير:(مِن)، أو منصوبًا

(1)

بنزع الخافض حذفًا

(2)

، وتعديَةُ الفعل إليه بنفسه.

و (مثَلًا) مفعولٌ لـ (يضربَ)، و (ما) إبهاميةٌ منصوبةُ المحلِّ صفةُ {مَثَلًا} تزيدُه شياعًا وعمومًا وإبهامًا وسدًّا لباب التقييد، أو مزيدةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى:{فَبِمَا رَحْمَةٍ} [آل عمران: 159]. أي: مَثَلًا حقًّا.

و (بعوضةً) منصوبٌ بدلٌ أو مفعولٌ به، وقيل: عطف بيان لـ (مثلًا)، وفيه: أنه لا يكونُ في النكرات عند الجمهور.

و (مثلًا) حالٌ متقدِّمةٌ عليها لتنكيرِها، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (يضربَ) إجراءً لـ (ضَرَب) مُجرى جَعَل وصَيَّر.

وإنْ رفعتَ (بعوضةٌ)

(3)

فـ (ما) موصولةٌ حُذف صدرُ صِلَتها؛ كما في قوله

(1)

في النسخ: (منصوب)، والمثبت هو الجادة.

(2)

في هامش "د" و"م": (أي: حُذف نسيًا منسيًا لا مقدرًا كالملفوظ. منه). وزاد في "م" قبل (كالملفوظ): (لأنَّه) أو: (بأنه).

(3)

وبها قرأ جماعة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 4)، و"المحتسب" لابن جني (1/ 64).

ص: 122

تعالى: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع

(1)

، أو موصوفةٌ كذلك؛ أي: صفتُها جملةٌ محذوفةُ المبتدأ، ولـ (ما) الوجوهُ الأربعةُ المذكورةُ في (بعوضةً) بالنصب، ووجهٌ آخرُ أعربُ وأفصحُ، وهو أن تكون (ما) استفهاميةً مبتدأً خبرُه (بعوضةٌ)؛ أي: ما البعوضةُ فما فوقها؟ كما يقال: فلان لا يبالي ما دينارٌ وديناران؟

والبعوضُ من البَعْضِ؛ كالقَطوع والخَموش من القَطْع والخَمْش، ومعنى البَعْض: القَطْع كالبَضْع والعَضْب، ومنه: بعضُ الشيء؛ لأنَّه قطعةٌ منه، وهو في الأصل صفةٌ غلبت على هذا النوع.

{فَمَا فَوْقَهَا} عطفٌ على (بعوضة)، أو على (ما) إنْ جُعل اسمًا.

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} (أمَّا) حرف التفصيل، وفيه معنى الشرطِ، ولذلك يجاب بالفاء، يفيد الكلامَ توكيدًا؛ تقول: زيد ذاهب، فإذا أكَّدتَ قلتَ: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ.

وما بعدَ (أمَّا) جملةٌ جزائية حقُّها أن تصدَّر بالفاء لولا دخولُ (أمَّا) عليها، فأخِّر إلى الخبر لوجودها، وجُعل المبتدأ سادًّا مسدَّ الشرط المحذوف لفظًا.

ومعنى التفصيل في (أمَّا) وتصديرِ الجملتين بها: أن بين الفريقين غايةَ البُعد والتضادِّ في فضل الفريق الأول وتحقيقِهم في علمِهم وإصابةِ نظرهم وهدايتهم وسدادهم، ونقصِ الفريق الثاني وتعمُّقِهم في جهلهم وإزاغة بصرهم وغوايتهم وزيغهم، أو عنادِهم ومكابرتهم؛ لأنهم بين أن لا يتفطَّنوا لوجهِ التمثيل وحسنه وحقيقته، وبين أن يُعانِدوا ويكابروا كِلَا الأمرين، وفيه بُعْدٌ عن مقتضى الفطرةِ،

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 115).

ص: 123

وسقوطٌ عن درجة الإنسانية، وتجافٍ عن الصَّواب والسَّداد، وانهماكٌ في الغيِّ

(1)

والفساد.

والحقّ: هو الأمر الثابت الصحيح في نفس الأمر، الذي لا يَسوغُ عند العقل إنكارُه، يقال: حَقَّ الأمرُ: إذا ثبت.

{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ} إنما قال في مقابلةِ قوله: {يَعْلَمُونَ} {يَقُولُونَ} ؛ لدلالته على عدم العلم بأبلغ الوجوه وآكَدِ البرهان، فإن صُدور القول المذكور منهم يدلُّ على فَرْط الغباوة من عدم التفطُّن، أو مخالفةِ العلم بالمكابرة، وإهمالُ العمل بمقتضى العلمِ جهلٌ أيضًا.

{مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} يحتمل أن تكون (ما) استفهاميةً، و (ذا) بمعنى الذي وما بعدَه صلتُه، والمجموعُ خبرُ (ما)، وأن يكون مع (ما) اسمًا واحدًا بمعنى: أيَّ شيء، منصوبَ المحل على المفعولية، مثلَ: ما أراد الله؟ والأحسنُ في جوابه الرفعُ على الأول والنصبُ على الثاني؛ ليطابق الجوابُ السؤالَ.

والإرادة: نَزْعُ النفس وميلُها إلى الشيء، وهو نقيضُ الكراهة التي هي النُّفرة.

وإرادةُ الله تعالى ليست بصفةٍ زائدةٍ على ذاته كإرادتنا، بل هي عينُ حكمته التي تخصِّص وقوعَ الفعل على وجهٍ دون وجهٍ، وحكمتُه عينُ علمه المقتضي لنظام الأشياء على الوجه الأصلح والترتيبِ الاكمل، وانضمامها مع القدرة هو الاختيار.

وفي لفظةِ (هذا) استرذالٌ واستحقارٌ، كما في قول عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: يا عجبًا لابن عمرٍ وهذا

(2)

.

(1)

في "ح" و"ف": (وانهما كما في البغي)، وفي "م" و"ك":(وانهما كما في النفي)، والمثبت من "د".

(2)

قطعة من حديث رواه مسلم (331).

ص: 124

و (مثلًا) نصب على الحال، كقوله:{هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [هود: 64]، أو على التمييز كما في قولك لمن أجاب بجواب ضعيف: ما أردتَ بهذا جوابًا؟

{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} بيانٌ للجملتين المصدَّرتين بـ (أمَّا)، وتقريرٌ لأنَّ العلم بكونه حقًّا من بابِ الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورًا إلى نورهم، والجهلَ به واستنكارَه من باب الضلال والفسق الذي ازداد به الجهلةُ ظلمةً إلى ظلمتهم، وفيه تسجيلٌ على الفريقين بهداية المحقِّقين

(1)

ورشدِهم وضلالةِ المنكِرين وفسقِهم، وكونِ كلٍّ منهما موصوفًا بالكثرة في أنفسهم لا بالقياس إلى الآخر، أو الضالين بالعدد والمهديِّين بالقَدْر والحقيقة؛ كما قال:

إنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلاد وإنْ

قَلُّو كما غيرُهم قَلٌّ وإنْ كَثُروا

(2)

فإنَّ المهديِّين أقلُّ من الضالين بالعدد، ولهذا قدم {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} .

وأمَّا احتمالُ كونه جوابًا لما في (ماذا)؛ أي: المراد إضلالُ كثيرٍ وهدايةُ كثيرٍ، أو: أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثيرٍ، فيأباه قوله:(مثلًا) فإن التمثيل لا يناسب أن يراد به الإضلال، قال الله تعالى:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} {الحشر: 21].

{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} الفسق لغةً: هو الخروج عن القصد؛ قال رؤبةُ:

فَوَاسِقًا عن قَصْدِها جَوَائِرا

(3)

(1)

في "د" و"ك" و"م": (المحقين).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 118).

(3)

وقبله:

يَهوِين في نجد وغورًا غائرا

ص: 125

ويستعمل في مجرد الخروج، يقال: فسقتِ الرطبة عن قشرها.

وشرعًا: هو الخروج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة.

والمراد بالفاسقين هاهنا: الخارجون عن الإيمان؛ لدلالة ما بعده عليه، وقَصْرِ الخسران عليهم، وترتيبُ الضلال على الفسق يدلُّ على كونه مسبَّبًا عن الفسوق

(1)

.

(27) - {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .

{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} منصوبُ المحل صفة لـ (الفاسقين) للذمِّ، أو مبتدأٌ خبرُه {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ويكون بيانًا للفاسقين، وتسجيلًا عليهم بالخسران.

والنقض: الفسخُ وفكُّ التركيب

(2)

، وأصلُه في طاقات الحبل، واستعمالُه في العهد من باب الاستعارة بالكناية بإيرادِ صفة المستعارِ منه دون إيراده، لينبِّه

(3)

بالرمز

= وعزاه لرؤبة أبو عبيدة في "مجاز القرآن"(1/ 406)، وابن الأنباري في "الزاهر"(1/ 120)، وهو في ملحق ديوانه (ص: 190)، وعزاه سيبويه في "الكتاب"(1/ 94) للعجاج.

القصد: الطريق المستقيم، والنجد: ما ارتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها، و (غائرًا) صفة له من لفظه مؤكِّدة كـ: ليل أليل، و (غورًا): عطفٌ على محل الجار والمجرور، يصف نوقًا يمشين في المفاوز يذهبن عن استقامة الطريق. انظر:"فتوح الغيب"(2/ 401)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 101).

(1)

في "م" و"ك": (سببًا على الفسق)، وفي "ح" و"ف":(مسببا عن الفسق)، والمثبت من "د".

(2)

في "م": (الترتيب).

(3)

في النسخ عدا "د": (بعينه)، والمثبت من "د"، وهو الصواب. انظر:"الكشاف"(1/ 120)، و"نواهد الأبكار"(2/ 168).

ص: 126

على أن العهد حبلٌ

(1)

في ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وعلى هذا لا يَلزم أن يكون النقضُ مستعمَلًا في معنى الإبطالِ منقولًا عن معناه الأصلي

(2)

، كما أن استعارة الأسد للشجاع واستعارةَ البحر للعالِم بطريق الكناية

(3)

لا يلزمها

(4)

خروج الافتراس والاغتراف عن معناهما الأصليين، بل نقول: مقتضى تلك الاستعارةِ أن يكون ما به الكنايةُ قارًّا في معناه الأصلي حتى يكون من خواصِّ المستعارِ منه حقيقةً.

والعهد: المَوْثِقُ، ولهذا قال في الوصية: عهد الله في كذا، إذا وصَّاه به ووثَّقه عليه، ووضْعُه لِمَا

(5)

يُحفظ وُيراعى ويُتعهد كالوصية والشرط واليمين، ويقال للدار التي تراعَى والتاريخِ الذي يُحفظ: عهد.

وهذا العهدُ: إمَّا العهدُ المأخوذ بالفعل، وهو الحجَّة القائمة على عباده الدالَّةُ على جميع تصديقه في الإيمان، وعلى هذا أُوِّل قوله تعالى:{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأعراف: 172] أو المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بُعث إليهم رسول الله المصدَّق بالمعجزات صدَّقوه واتَّبعوه، ولا تكتموا أمره، ولم يخالفوا حُكمه، وإليه

(6)

أشار بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187].

(1)

في "ح" و"ف" و"م": (حبال)، والمثبت من "د" و"ك"، وهو الموافق لما في المصادر. انظر:"الكشاف"(1/ 119)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 64)، و"روح المعاني"(2/ 70).

(2)

في هامش "د" و"م": "فمن قال استعارة النقض للإبطال إنما جازت بعد استعارة الحبل للعهد لم يصب. منه". وكتب فوقها في "د": (سعد الدين).

(3)

في نحو قولك: عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه. انظر:"روح المعاني"(2/ 70).

(4)

في النسخ عدا "د": (يلزم)، والمثبت من "د".

(5)

في النسخ عدا "د": (ووصفه بما)، والمثبت من "د".

(6)

في (م): "وإلى ذلك".

ص: 127

{مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الميثاقُ ما وثِّق به العهد من القبول الإلزام والحَلِف وأمثاله، مِفْعَالٌ من الوَثاقة، والأصل في مفعالٍ أن يكون صفةً كمعطارٍ، أو آلةً كمِحْراث.

وقال ابن عطيةَ: اسمٌ بمعنى المصدر

(1)

، ولا نعلم مفعالًا جاء مصدرًا ولا عَدُّوه في أبنيته.

والضمير عائدٌ على العهد إنْ عُني به ما وثِّق به العهد، وعلى الله أو عليه إن عُنيَ به معنى

(2)

المصدر.

{وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} يحتمل كلَّ قطيعة، لكن الظاهر أنه توصيفٌ للفاسقين بأنهم يضيعون حقَّ خَلْقِ الله تعالى بعد توصيفهم بأنهم يضيِّعون حقَّه تعالى، وتضييعُ حقِّه

(3)

تعالى بنقضِ عهده، وتضييعُ حقِّ خَلْقه بقطيعةِ أرحامهم.

والأمرُ: طلب الفعل ممن هو دونك، وبه سمِّي الأمر الذي هو واحدُ

(4)

الأمور تسميةً للمفعول به بالمصدر، كأنَّ الداعيَ الذي يدعو إليه ويبعث عليه آمرٌ يأمر به، فهو مأمور به، كما سمي شأنًا، والشأن: الطلب والقصد، يقال: شَأَنْتُ شَأْنه؛ أي: قَصَدْتُ قَصْدَه.

و (أنْ يوصل) مخفوضُ المحلِّ بدلٌ من الضمير في (به) للاشتمال، أو على تقدير اللام.

{وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بقطع الزرع والنسل، وهَيْجِ الحروب والفتن، وإحداثِ الهَرْج والمَرْج، ولذلك قصر في قوله:

(1)

انظر: "المحرر الوجيز"(1/ 113).

(2)

قوله: (معنى)، وقع في "ك" بدلًا منه:(غير)، وسقط من "ف" و"م".

(3)

في "ف": (حقوقه).

(4)

في "ف": (أحد).

ص: 128

{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الخسارَ عليهم؛ لخروجهم عن مقتضى الفطرةِ، واستبدالِهم ظلمةَ الجهل بالنور الفِطري، والغوايةَ بالهداية الأصلية التي هي نور العقل، والنقضَ بالوفاء، والقطعَ بالوصل، والفسادَ بالصلاح، والعقابَ بالثواب.

(28) - {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ} (كيف) للاستفهام عن الحال، والمراد: الإنكار والاستبعاد والتعجُّب، وليس فيه معنى الإخبارِ وإلا يلزم الجمع بين المعنى الحقيقيِّ والمجازيِّ.

ولمَّا عُلم امتناعُ وقوع الشيء على غير حالٍ من الأحوال، كان إنكار حالٍ مّا من

(1)

أحوال الكفر إنكارَ نفسِ الكفر على الطريق البرهاني، فيكونُ من باب الكناية بنَفْي اللازم عن نفي الملزوم، فيفيدُ كونَ الكفر بالله مع العلم بالحالةِ الآتي ذكرُها كالمستحيل في نفسه؛ لقوَّة الدليل الموجِبِ للإيمان؛ فإنها آياتٌ بيِّنات، ولهذا كان الاستفهام الإنكاري بـ (كيف) أبلغَ من الاستفهام الإنكاري بالهمزة.

وحملُ الكفر على معنى الكفران المقابلِ للشكر

(2)

تأباه الباء في قوله:

{بِاللَّهِ} لأنَّه لا يقال: كَفَر بالمنعِم وبالنعمة، بل يقال: كَفَر المنعِمَ والنعمةَ، ولأن بعضَ ما ذُكر ليس من النِّعم كما لا يخفى.

(1)

في النسخ عدا "م": (هي)، والمثبت من "م".

(2)

في هامش "د": (رد للقاضي حيث جوز ذلك).

ص: 129

والخطاب مع الذين كفروا؛ لمَّا وَصَفهم بالكفر، وسوءِ المقال، وخُبثِ الفعال، خاطَبهم على طريق الالتفات، ووبَّخهم على كفرهم مع علمه

(1)

بحالهم المقتضيةِ خلافَ ذلك.

{وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} ؛ أي: أجسامًا لا حياة لها عناصرَ وأغذيةً، ونطفًا ومضغًا.

والأموات: جمع الميْت؛ كالأقيال جمع القيْل

(2)

، وإطلاقُها على تلك الأجسام من قَبيل إطلاق المقيَّد على المطلَق مجازًا كإطلاق المَرْسن

(3)

على الأنف.

وقيل: بطريق الاستعارة؛ للاشتراك مع الأموات الحقيقية، وهي التي زال عنها الحياة في عدم الروح والإحساس، وفيه نظر

(4)

.

والواو للحال، والمنصوبُ على الحال ليس فعلًا واحدًا بل جملةُ قوله:{وَكُنْتُمْ} إلى قوله: {تُرْجَعُونَ} ، وهي وإن كانت بعض أجزائها ماضيًا وبعضُها مستقبلًا، ولا يصحُّ كونها حالًا حتى يكون فعلًا مقارنًا لوجود ما هو حالٌ عنه، لكن معناها: وحالُكم المشهورةُ وفضلكم

(5)

المعلومةُ هذه، فيَؤُول معناها إلى قوله: كيف تكفرون في حال علمكم بهذه القصة.

{فَأَحْيَاكُمْ} بنفخ الأرواح فيكم، وأمَّا خلقُ الأرواح فلا دليل على تأخُّره عما

(1)

في "د": (علمه)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 65).

(2)

القيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله: قيِّل، بالتشديد، كأنه الذي له قول؛ أي: ينفذ قوله، ومن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشددًا. انظر:"فتوح الغيب"(2/ 415).

(3)

المرسن: أنف فيه رسن، ويستعار لمطلق الأنف. انظر:"فتوح الغيب"(12/ 117).

(4)

في هامش "م": "وجه النظر هو أن حق الاستعارة أن يكون المستعار منه أقوى من المستعار في وجه الشبه وهنا على عكس هذا. منه".

(5)

كذا في "ح" و"ف" و"ك" و"م"، وفي "د":(وفضكم).

ص: 130

ذكر، بل الظاهرُ من بعض الأحاديث تقدُّمُه عليه، والعطفُ بأداةِ التعقيبِ لأنَّه متصلٌ بما عُطف عليه من

(1)

غيرِ ترَاخٍ عنه بخلافِ البَوَاقي.

{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجالكم.

{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالنشورِ، يومَ يُنفخ في الصور، لا للسؤال في القبور؛ إذ لا يناسبه التنزيلُ منزلةَ البديهيِّ في الظهور.

{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بعد الحشر ليجازَيكم بأعمالكم، أو: تُنشرون إليه من قبوركم للحساب.

وهذه الأمورُ بعضُها معلومٌ بالضرورة، وبعضُه - لوضوح أدلَّته النقليَّة - جُعل كالمعلوم بالبديهة لقوةِ التَمكُّن من العلم به.

(29) - {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} لأَجْلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم: أمَّا الأولُ فظاهر، وأمَّا الثاني فبالنَّظرِ فيه وما فيه

(2)

من عجائبِ الصنع الدالَّةِ على الصانع القادر الحكيم، يعني: إنَّ الحكمة والمصلحة في خَلْقه انتفاعُكم، وهذا لا يُنافي التوقُّفَ في الانتفاع به على الرخصة من جهةِ الشرع، حتى يكون فيه دلالةٌ على أن الأصل في الأشياء الإباحةُ، ولا الاختصاصَ في البعضِ ببعضِ الطارئ بسببِ

(1)

"من": ليس في (م) و (ك).

(2)

قوله: (وما فيه) من "م".

ص: 131

بعضِ العوارض، حتى يُحتاج إلى أن يقال: إن الكل للكلِّ على التوزيع، فإنَّ المعتبرَ صلاحيةُ الانتفاع بالفعل.

وإيرادُ الضمير مبتدأً، وبناءُ (الذي) عليه دونَ إيقاعه صفةً لله تعالى، يفيدُ التخصيصَ والتعظيم؛ أي: هو الخالقُ لِمَا ذُكر دون غيرِه.

والمراد من (الأرض): الجهةُ السفلية، فـ (ما في الأرض) يتناولُ الأرضَ وما فيها.

{جَمِيعًا} نصبٌ على الحال من (ما في الأرض)، وهو للمبالغة في التكثير لا

(1)

للاستغراق؛ كلفظ (كل) في قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] وقولهِ: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [النحل: 69]؛ لأن في الأرض ما لا صلاحيةَ فيه للانتفاع، ولا هو في مَعرِض الاعتبارِ لكونه مستورًا عن النظر.

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} الاستواء: الاعتدال والاستقامة، مِن استوى العُودُ: إذا قام واعتدل، واستوى إليه: قَصَده قَصْدًا مستويًا لا اعوجاجَ فيه؛ كالسهم المرسَل من غيرِ ميلٍ إلى غيره، وسوَّاه: عَدَّله وقوَّمه.

والاستواءُ

(2)

: طلبُ السَّواء، وإطلاقُه على الاعتدال لِمَا فيه من تسويةِ وضعِ الأجزاء، ولا يمكن حملُه عليه لأنَّه من خواصِّ الأجسام.

وقيل: استوى إليه، بمعنى: استوى عليه ومَلَك؛ قال:

قد استَوَى بِشرٌ على العِراق

(3)

(1)

كلمة: (لا) سقطت من النسخ عدا "د".

(2)

في هامش "ف" و"م": (لم يقل: وأصل، كما قال القاضي، لما تقدم من الإشارة إلى دفعه. منه).

(3)

صدر بيت منسوب للأخطل كما في "المحرر الوجيز"(1/ 115)، و"التاج" (مادة: سوى وعزاه=

ص: 132

والأولُ أوفق للأصل، والتسويةِ المرتَّبة عليه.

والمرادُ من السماء: هذه الأجرامُ العلويَّةُ، أو جهاتُ العلوِّ.

{فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} (هن): ضميرٌ مبهَمٌ فسَّره (سبعَ سماوات) بيانًا

(1)

له.

وقيل: راجع إلى (السماء) لأنَّه في معنى الجنس، و (سبعَ سماوات) حال، وقيل: جمع سماءةٍ، والوجهُ الأولُ.

وقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} جملة اعتراضية.

و (ثمَّ) للتفاوت بين الخَلْقَين، وبيانِ فضلِ خَلْقِ السماء على الأرض، استُعيرَ من معنى التَّراخي لبُعدِ خَلْقِ السماء مِن خَلْقِ الأرض في الرُّتبة، ولهذا عضَده ورشَّحه بالإبهام والتفسيرِ ليفيدَ عظمةً ورِفعةً في النَّفس، ثمَّ قوَّاه بالجملةِ الاعتراضيةِ؛ لإفادةِ أنَّ مثلَ ذلك الخَلْقِ لا يكونُ إلا عن علمٍ تامٍّ بالغٍ فوقَ كلِّ ذي علمٍ، فمعنى (ثمَّ): أنه مع خَلْق هذه الأشياءِ البديعة العجيبة أَقْدَم على خَلْق ما هو أبدعُ منها وأعجبُ، وأبعدُ من الوهم والقياس، من غيرِ ميلٍ إلى شيءٍ غيرِه، فلا يدلُّ على تأخُّر خلقِ السماء عن الأرض بالزمان، بل على شدة تبايُنهما وتفاضُلهما.

(30) - {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

= المرزوقي في "الأزمنة والأمكنة"(1/ 38) للبعيث، وهو دون نسبة في "الصحاح" (مادة: سوى). وقال ابن القيم في "مختصر الصواعق المرسلة"(ص: 359): وهو غير معروف في شيء من دواوين العرب وأشعارهم التي يرجع إليها.

(1)

في النسخ عدا "د": (بيان)، والمثبت من "د".

ص: 133

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (إذ) ظرفٌ ينتصِب بإضمارِ: اذكُرْ، فيكون عطفًا على قوله:{وَبَشِّرِ} على الوجه الذي جُعل

(1)

عطفَ قصةٍ على قصة، وما تخلَّلَ ليس بأجنبيٍّ بل مِن تمامِ القصة.

وأحسنُ منه لقرب مأخذه وصحتِه على الأوجهِ أن يقدَّر: (فتدبَّرْ) أو نحوُه، بعد قوله: {وَهُوَ

(2)

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ويكون (واذكر) عطفًا عليه، ولمَّا كان هذا من أجلِّ النِّعم على نوع البشر، ومن أدلِّ الدليل على عناية الباري تعالى بشأن

(3)

هذا النوع، كان العطف عقيبَ تعداد النعم مناسبًا؛ كأنه قيل: فتدبَّرْ ذلك واذكر هذه النعمةَ خاصةً فإن فيها بلاغًا لمَن تَذكَّرَ.

ويجوز أن ينتصب بـ {قَالُوا} ، وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون عطفَ قصةٍ على قصةٍ متقدِّمةٍ من قوله:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ} ، أو من قوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} وقد سبق أنها قصةٌ واحدة في المساق والغرض

(4)

، وأنَّه لا يجبُ مراعاة الخبر والطلب في هذا الضرب.

والملائك: جمع ملأكٍ على الأصل؛ كالشمائل في جمع شمألٍ، وإلحاقُ التاء لتأنيث الجمع، كما في الصَّياقِلة في جمع صَيْقَلٍ.

والخليفة: فَعيلةٌ بمعنى الفاعل، مَن خَلَفَ غيرَه: إذا قام مَقامَه، والتاءُ فيه للمبالغة.

(1)

في "ح" و"ف": (على الوجه الأول جعل)، ومثله في "م" و"ك" لكن بإسقاط كلمة:(جعل)، والمثبت من "د"، وانظر ما تقدم من وجوه في إعراب {وَبَشِّرِ} .

(2)

في النسخ عدا "م": (والله)، والمثبت من "م".

(3)

في "ك": (بنشأة).

(4)

في "ك": (والعرض).

ص: 134

{فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} كانا في الأصل مبتدأً وخبرًا انتَصَبا بمفعولي {جَاعِلٌ} من (جَعَل) المتعدِّي إلى مفعولين بمعنى (صيَّر)، والمعنى: إني جاعلٌ في الأرض خليفةً مني؛ أي: مَن يخلُفني ويقومُ بأمري في الأرض.

وقيل: منكم؛ أي: مَن يخلُفكم ويسكنُ مكانَكم؛ لأنهم كانوا قبل آدم سكانَ الأرض، فخلَفهم منها آدمُ وذرَّيتُه، واستُغنيَ بذكر آدم عن ذكر ذريته كما يُستغنَى بذكر أبي القبيلة عنها في قولك: مُضَرُ وهاشمٌ.

أو أُريدَ به الجنس؛ أي: مَن يخلُفكم.

وإنما أخبرهم بذلك ليَعرفوا بسؤالهم وجوابه حكمةَ الله تعالى في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ؛ إذ الملائكةُ تطَّلع على تفاصيل وجوده وخواصِّ قُواه؛ من الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء المختصَّين بالقُوى الشَّهْوانية والغَضَبية، ولا تطَّلع على خواصِّ الهيئة الاجتماعية، وعلى خواصِّ ما فوق أطوارهم من المعارف والأسرار الإلهية، أو قاسُوا الإنسَ على الجنِّ حيث أُسكنوا الأرض قبل الملائكة فأفسدوا فيها، ولذلك استبعَدوه وتعجَّبوا منه.

وليس فيه تعليمُ المشاوَرة؛ لأنَّه ليس بطريقِ المشورة؛ قال الراغب: ليس قولُه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} على [سبيل] الاستشارة، فإنَّ

(1)

الاستشارةَ استمدادٌ في العلم من المستشار، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، وإنَّما هو إعلامٌ كإعلامه إيانا كثيرًا من الكائنات لمصلحةٍ مّا

(2)

. ولا البشارةُ بوجود المجعول؛ لأنها إنما تكون بالخبر السارِّ، والقيدُ المذكور مقصودُ

(3)

هاهنا على ما يُفصح عنه قولُهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ}

إلخ.

(1)

في "م" و"ك"(لأن).

(2)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 140)، وما بين معكوفتين منه.

(3)

في "د": لعلها (معقود) أو (مفقود).

ص: 135

{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} لمَّا كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرَ الاعتراض، تأوَّله العلماء على وجوهٍ أحسنُها عندي: أنهم كانوا حين الخطاب لهم مجمَلين، وإبليسُ مندرجٌ في جملتهم، فورد منهم الجوابُ مجمَلًا، فلمَّا انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه واستكباره انفصَل الجواب إلى نوعين: فنوعُ الاعتراض كان عن إبليس، ونوعُ التقديس والتسبيح كان من الملائكة، فانقسم الجواب إلى قِسمَين كانقسام الجنس إليهما، وناسَبَ كلُّ جوابٍ لمن ظَهر عنه.

وكان

(1)

الظاهر المطابق للخطاب السابق أن يقولوا: أتجعلُ فيها خليفةً مَن يُفسد؟ وإنما عدَلوا عنه إلى ما ذُكر صرفًا للتعجُّب إلى جعلِ المفسِد وخلْقهِ في الأرض مع قطع النظر عن معنى الخلافة، يعني: إن وجودهم فيها محلُّ استبعادٍ فأنَّى كونُهم خليفة.

وَيحتمِل أن يكون القصد تجريدَ التعجب عن شَوْب التعصب، فإن في ذكرهم بوَصْفِ الخلافة تعرُّضًا لِمَا هو مطمحُ نظرهم.

وأمَّا قصدُ الاستكشاف عمَّا خَفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسدَ، والاستخبارِ عمَّا يرشدهم ويزيحُ شبهتهم كسؤالِ المتعلِّم معلِّمَه

(2)

، فيأباه ما في توصيفهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس من التَّعريض، وما في قوله:{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من عدمِ البيان لِمَا اشتَبهَ عليهم لا يناسبه.

{مَنْ يُفْسِدُ} أحد مفعولي (تَجعلُ)، والثاني {فِيهَا} وإنما قدَّم للاهتمام، وفي تكرير {فِيهَا} تنبيهٌ على أنَّ ما كان محلًّا للعبادة لا يناسب أن يكون محلًّا للفساد.

(1)

في النسخ عدا "م": (كان) دون الواو، والمثبت من "م".

(2)

في هامش "د" و"م": (عبارة القاضي: عن معلمه، ولا وجه لها؛ لأن سأل يتعدى إلى أول المفعولين بالذات وإلى ثانيهما بعن. منه).

ص: 136

والسَّفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والسَّنُّ والشَّنُّ والصَّبُّ متقاربةٌ وبينها فروق: فالصبُّ أعمُّ من هذه الألفاظ والسَّفكُ يقال في الدم والدمع، والسبكُ في الجواهر المذابة، والسفحُ في الصبِّ من أعلى، والشَّنُّ والسَّنُّ للصبِّ عن القِربة ونحوِها.

{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} الواو في {وَنَحْنُ} للحال؛ كما تقول: أتُحْسِنُ إلى فلان وأنا أحقُّ منه بالإحسان؟!

وقوله: {بِحَمْدِكَ} في محل الحال؛ أي: ملْتبِسِينَ بحمدك، بمعنى: حامِدِينَ لك.

والتسبيح: تنزيهُ الله

(1)

تعالى من النقص والسوء قولًا واعتقادًا، أصله من السَّبْحِ وهو سرعةُ الذهاب في الماء، واستُعير لمرِّ النجوم في الفلك ولجَرْي الفَرَس، وقال الله تعالى:{إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} [المزمل: 7]؛ أي: سعةَ ذهاب.

وسبَّحْتُه عن كذا؛ أي: نزَّهْتُه.

والتقديس: التطهير، من قَدَسَ في الأرض إذا ذهب فيها وأَبْعَدَ، ثم استُعمل في التطهير لأنَّ مطهِّر الشيء مبعدُه عن الأقذار.

ومعنى (نقدِّس لك): نقدِّسُك، واللامُ مزيدةٌ.

وقيل: نقدِّس نفوسَنا لأجلك، كأنهم قابَلوا الفسادَ بالتسبيح، وسفكَ الدماء بتطهير النفس، وليس ذلك إظهارًا للمنة، بل هو على حسَبِ ما يقول مجتهدٌ يجب أن يفوِّض صاحبه إليه خدمةً مّا، فيقول: تأمر الخدمة لغيري

(2)

وأنا مجدٌّ فيها، وعلى ذلك قولهم:{وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 165 - 166].

(1)

في "م": (لله).

(2)

في "د" و"م": (بغيري).

ص: 137

{قَالَ} تعالى في جوابهم

(1)

: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فعرَّض ولم يصرِّح هاهنا؛ ليُريَهم فضيلة الإنسان وما خُصوا به من العلم والعمل اللذَين يَقصُر الملَك عنهما عِيانًا ومشاهَدةً، وإنما أَبْهم بيانَ استحقاقه فيه ليُقرُّوا بالعبودية، ويعرفوا أن له وراء علمهم علمًا هم عنه محجوبون، وكفى العبادَ علمُهم بذلك ليزدادوا تعظيمًا له، ويتبيَّنوا نقصَهم وكمالَه.

ثم بيَّن لهم بعضَه فيما بعدُ ليَعظُم عندهم وقعُه، فيرجعوا ويسلِّموا ويعترفوا بنقصهم، وتلينَ شكائمُهم.

هنا جملةٌ محذوفة يَتمُّ بها المعنى ويصحُّ

(2)

العطف، وتقديرُها: فجعل في الأرض خليفةً، وسماه آدمَ، فالواوُ المذكورةُ فصيحةٌ.

(31) - {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} التعليم حقيقةً: فعلٌ يترتَّب عليه العلم ولا يتخلف عنه، وقد يُطلق مجازًا على إلقاء مقدِّمات العلم، وهو الذي يترتب عليه العلم غالبًا، وقد يتخلف عنه، وهو المراد في قولهم: علَّمتُه فلم يَتعلَّم.

ومعنى تعليمِ الأسماء: أنه أراه أجناس المخلوقات، وبيَّن أن هذا اسمُه فرس وأن هذا اسمُه بقر، على أن المراد من (الأسماء): الألفاظُ الموضوعة للمعاني مفردةً كانت أو مركَّبةً مخبَرًا عنها أو خبرًا، أو رابطةً بينهما.

(1)

في "ك": (في شأنهم).

(2)

في "ك": (ويصلح).

ص: 138

أو بيَّن أن هذا للركوب وهذا للحرث، على أن المراد منها سماتُ

(1)

الأشياء وخصائصُها.

ولا علم لنا بطريق تعليمه تعالى آدم الأسماء

(2)

.

واعلم أنهم بعدما اتفقوا على أن دلالة الألفاظ وضعيَّةٌ اختلفوا في تعيين الواضع: فذهب قوم إلى أنه هو الله تعالى، ويسمى هذا المذهب مذهبَ التوقيف.

وذهب قوم إلى أنه هو الناس، ويسمى هذا المذهب مذهبَ الاصطلاح.

وبعضُهم إلى التوزيع

(3)

؛ أي: بعضُه توقيفيٌّ وبعضُه اصطلاحيٌّ.

وذهب بعضهم إلى التوقُّف

(4)

.

فإن كان النزاع في الظهور لا في القطع فالظاهرُ من الآية

(5)

هو الأول المذكور، وعلى المذهب الثاني لا يلزم من الحاجة إلى سابقةِ اصطلاحٍ التسلسل؛ إذ يجوز أن يُعرف القَدْرُ المحتاجُ إليه في الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يُعرف الأطفال، والله أعلم بحقيقة الحال.

وآدمُ وزنه فاعَل - كآزرَ وعازَرَ وشالَخَ وفالَغَ - إن كان عجميًا

(6)

، وأَفْعَلَ على أنه مشتقٌّ من أديم الأرض إنْ كان عربيًّا.

(1)

في "ح": (مسماة)، وفي "ف":(مسمى)، وفي "م" و"ك":"مسميات".

(2)

في "ك": (الأشياء).

(3)

في "د": (التوضيح).

(4)

وقع هنا في النسخ اضطراب كثير، وتقديم وتأخير، وتحريف أحيانًا، والمثبت إن شاء الله هو الصواب. انظر لتوضيح ذلك:"المزهر" للسيوطي (1/ 18)، وقد جعل التوقُّف مذهب المحققين.

(5)

بعدها في "م": (المذكورة).

(6)

في "ك": (أعجميًا).

ص: 139

قال الجواليقي في "المعرَّب": أسماء الأنبياء كلُّها أعجمية إلا أربعةَ أسماء، وهي: آدمُ وصالحٌ وشعيبٌ ومحمدٌ عليهم السلام

(1)

.

وقد صحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنَّما سُمي آدمُ لأنَّه خُلق من أديم الأرض. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في "الأسماء والصفات"

(2)

.

وورد مثلُه عن عليٍّ وابن مسعود رضي الله عنهما أخرجه ابن جرير

(3)

.

وأديمُ الأرض: ظاهرُ وجهِها.

وقرئ: (عُلِّمَ) على البناء للمفعول ورفعِ (آدمُ)

(4)

.

ومُنِعَ الصَّرفَ للعَلَمية والعُجمة أو وزنِ الفعل.

{ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} الضميرُ للمسمَّيات المدلولِ عليها - كما في قوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ} [النساء: 11]- إن كان الألف واللام في {الْأَسْمَاءَ} للجنس، أو المقدَّرةِ إن كان التعريف باللام عوضًا عن التعريف بالمضاف إليه على أن المراد: أسماء المسميات؛ كما في قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، وإنما ذكِّر الضمير للتغليب فإن في المسمَّيات العقلاءَ.

ولفظة {ثُمَّ} للدلالة على تأخير الغرض عن التعليم وذلك ليتحقَّق

(5)

(1)

انظر: "المعرب"(ص: 61).

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(1/ 511)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(370) و (8240)، والحاكم في "المستدرك"(3436)، والبيهقي في "الأسماء والصفات"(816).

(3)

رواه عنهما الطبري في "تفسيره"(1/ 512).

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 4).

(5)

في النسخ عدا "د": (لتحققه)، والمثبت من "د".

ص: 140

ويظهرَ فضلُ آدم وجهةُ أحقِّيَّته للخلافة وقتَ قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فإنه يَدلُّ على أنهم غيرُ صادقين في زعمهم أنهم أحقَّاءُ للخلافة، وذلك بثبوت فضل آدم في ذلك الوقت.

{فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الإنباء: إخبارٌ فيه إعلامٌ، ولذلك أُجري مُجرى كل واحد منهما، فقيل: أنبأتُه بكذا، كقولك: أخبرتُه بكذا، وأنبأته كذا، كقولك: أَعلمتُه كذا. ولمَّا كان المراد هاهنا معنى الإخبار قال: {بِأَسْمَاءِ} .

ثم إنه لا يقال: (نبأٌ) إلا لخبرٍ فيه خطرٌ، ففي عبارة الإنباء تعظيمٌ لشأن علمِ الأسماء.

وإنما استنبأهم للتبكيت، والردِّ عليهم فيما أظهَروا من عدمِ استحقاقه للخلافة، وما أبطَنوا من أولويَّتهم بذلك، لا للتكليف، لا لأنَّه من باب التكليف بالمُحال لأنَّه معلَّق، بل لأن التعليق المذكورَ لا يناسبُ التكليفَ.

وجواب الشرط في {إِنْ كُنْتُمْ} محذوف دل عليه {أَنْبِئُونِي} .

فإن قيل: الصدق إنما يتعلق بالخبر، وهم استَخبَروا ولم يُخبِروا، فكيف يصدَّقون أو يكذَّبون؟

قلتُ: الصدق والكذب وإن كانا لا يتعلقان بالاستخبار بالقصد الأول ومن حيث المنطوقُ، فقد يتعلقان به بالقصد الثاني ومن حيث المفهومُ، وذلك إذا كان الاستخبار على وجهٍ يُفهم منه معنى الخبر، وقد نبَّهت فيما تقدَّم أن الأمر فيما نحن فيه كذلك، فإن مَساق كلامهم لمَّا كان كاشفًا عن زعمهم أنَّهم أحِقَّاءُ للخلافة كان استخبارُهم متضمِّنًا لمعنى الخبر.

ص: 141

فإن قيل: أليس زعمهم المذكورُ فاسدًا متضمنًا لتجويزهم صدورَ ما

(1)

يخالف الحكمة عن الله تعالى، وشأنُ الملائكة أعلى من ذلك؛ لأنهم عِبَاد مُكرمون لا يَسبقونه بالقول وهم بأمرِه يعملون.

قلت

(2)

: الآن قَوِيَ الإشكال، وقد مرَّ منَّا الإشارةُ إلى وجه الانحلال بإرجاع الزعم المذكور إلى إبليس، واللهُ أعلم.

(32) - {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} .

{قَالُوا سُبْحَانَكَ} تنزيه منهم له تعالى عن فعلِ ما لا مصلحةَ فيه ولا حكمةَ؛ أي: نُبعِّدك عن فعلِ ما يمكنُ أن يكون أصلحُ منه.

وأمَّا الإشعارُ بأن سؤالهم كان استفسارًا محضًا فلا يناسب المقام؛ لِمَا فيه من التَّلبيس، ولأنه مردودٌ بقوله تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} على ما تقف عليه بإذن الله تعالى.

و (سبحان) من المصادر اللازمِ حذفُ فعلها سماعًا، وهو عَلَم التسبيح يجري ذِكْرُه مَجرى ذكر الفعل؛ أي: نسبِّحك تسبيحًا.

{لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} اعترافٌ منهم بالنَّقص ولزومِ الحدِّ؛ أي: لا يمكننا الاكتساب والتَّرقِّي.

ولمَّا كان قولهم: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} من باب الشكر، أفادت الآية أن العبد ما ينبغي له أن يغفل عن نقصانه، وعن فضل الله وإحسانه.

(1)

في "ح، و"ف" و"ك": (ما لا)، والمثبت من "د" و"م" وهو الصواب.

(2)

في "م": (قلنا).

ص: 142

وفي وجه هذا الجوابِ من الحُسن ما يبهر الألباب، حيث قدَّموا بين يديه تنزيهَ الله تعالي، ثم اعترفوا بالجهل، ثم نَسبوا العلم لله تعالى، وأَردفوا صفةَ العلم صفةَ الحكمة، إذ بان لهم وصفُ الحكمة في قوله:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ، وقدَّموا وصف العلم لأن الذي ظهرت به المزيَّةُ لآدم هو العلم، ولأن الحكمة من آثاره.

{إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} سلبٌ للعلم والحكمة عن أنفسهم بقَصْرهما عليه، وإنَّما قصَروهما عليه بتوسيط الضمير، وإيرادِ اللام وصدَّروا الجملة بـ (إنَّ) التوكيديِّ الرافعِ للشكِّ والإنكار؛ لإيهام كلامهم بأن استخلافَ آدمَ على خلافِ مقتضى العلم والحكمة، ودعواهم العلمَ لأنفسهم، وشكِّهم في استحقاقه وإنكاره لمزيَّته

(1)

عليهم، فرجعوا عن ذلك وأقرُّوا بأنَّ ماهيةَ العلم والحكمة مخصوصةٌ به دون غيره، وأنَّه محقَّق عندهم.

و (الحكيم) فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ؛ أي: محكِمٌ لمبدَعاته، وذلك لأنَّه لا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ بالغة.

(33) - {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} .

{قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} ناداه باسمه العَلَمِ، وكذا سائرُ الأنبياء عليهم السلام، وهو خطابُ تعريفٍ، ونادى محمدًا عليه السلام:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال: 64] و: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة: 41] وهو خطاب تشريف، فانظر تفاوتَ ما بين النداءَين

(2)

،

(1)

في النسخ عدا "د": (بمزيته)، والمثبت من "د". ولعل الصواب:(وإنكارهم لمزيته).

(2)

في "ف": "الخطابين".

ص: 143

وقال الله تعالى: {أَنْبَأَهُمْ} فجَعل مَن اعترضوا به معلِّمًا لهم، ومنبئَهم بما تقاصرت علومُهم عنه؛ ليظهر بذلك فضلُه عليهم.

{فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} بَيْنَ هذه الجملة والتي قبلها جملةٌ محذوفة تقديرها: فأنبأهم، فالفاءُ المذكورة فصيحةٌ؛ أي: أخبَرهم بها وعَلِموا فضلَه وظهر عجزهم وقصورهم.

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} إنكارٌ داخلٌ على النفي فيفيدُ التقريرَ؛ لأن نَفْيَ النَّفي إثباتٌ.

{إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} استحضارٌ لقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} لكنه جاء به

(1)

على وجهِ البَسْطِ ليكونَ كالحجة عليه، وإضافةُ {غَيْبَ} بمعنى (في) كـ: ضَرْبُ اليومِ؛ أي: ما غاب في السماوات والأرض.

والغيبُ هاهنا: ما خفي عنهم فيهما، وفي الأصل: ما غاب عن الحس؛ أي: الغائبُ المقابلُ للشهادة بمعنى الشاهد.

{وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} عطفٌ على {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} لا على {أَعْلَمُ} ؛ لأنَّه ما كان مقولًا لهم في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فهو مقولٌ لذاك

(2)

.

ويجوز أن يكون واوَ الحال، والمراد بـ (ما تبدون): ما صدَر عنهم من التصريح والتلويح، فينتظمُ ما تعرَّضوا له بطريق التعريض، وبـ (ما تكتمون): ما أسرَّه إبليسُ من الكبر والعصيان، فهو من قبيل خطاب الجمع بفعلِ الواحد منهم كما في قوله تعالى:{فَعَقَرُوهَا} [هود: 65].

(1)

في "م": (قد جاء به).

(2)

في "ح" و"ف": (لذلك)، وفي (م):(فهو مقول لذلك القول لا لذاك).

ص: 144

واعلم أن في

(1)

هذه الآيات دلالةً على شرف الإنسان، ومزيَّةِ العلم وفضلهِ على العبادة، وأنَّه شرطٌ في الخلافة، بل العمدةُ فيها، وأن التعليم يصحُّ إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصحَّ إطلاقُ المعلِّم عليه؛ لاشتهاره فيمَن يَحترف بالتعليم وإن لم يكن مختصًا به، على ما يُفصِح عنه تلقيبُ الفارابيِّ بالمعلِّم الثاني.

(34) - {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} .

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ} نَظْمُه بما قبلَه من حيث إنَّ في أول هذه الآية كشفَ ما أُجمل في ضمِّ تلك الآية مما نُسب إليهم من كتمان إبليس من الكبرِ والعصيان.

و (إذ) هذه عطفٌ على التي قبلَها إنْ نصَبْتَها بإضمارِ: اذْكُرْ، وإنْ نصبْتَها بـ {قَالُوا} فهذه منصوبةٌ بـ (اذكُرْ) مقدَّرٍ، والواو حينئذٍ عاطفةُ الجملة على الجملة.

ولك أن تقول: إن العامل محذوف بتقدير

(2)

: انقادوا فسجدوا؛ لأن السجود كان ناشئًا عن الانقياد.

وفي {قُلْنَا} خروجٌ عن ضميرِ المتكلِّم المفرَد إلى ضمير الجمع؛ لأن التعظيم

(3)

من حيث إنه أَدْعى لامتثالِ الأمر من غير بُطءٍ يناسبُ المقام.

{اسْجُدُوا لِآدَمَ} فيه إيجازٌ ونقلٌ للأمر التعليقيِّ إلى صورة التنجيز اعتبارًا للحاصل، على ما دل عليه قوله تعالى:{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ}

(1)

(في): ليست. في "م".

(2)

في "م": (تقديره).

(3)

في "ف": (لأنه للتعظيم).

ص: 145

سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] فإنه صريحٌ في أن الأمر بالسجود كان قبلَ تسوية خلق آدم عليه السلام، فلمَّا لم يكن أمرُهم بالسجود

(1)

مرتَّبًا على إنبائهم بالأسماء بل على ظهورِ شأنِ نفخِ الروح في قالبِ آدمَ عليه السلام، لم يَصلُح

(2)

أن يكون ذلك اعترافًا بفضله وأداءً لحقِّه واعتذارًا عمَّا قالوا فيه.

قال أبو عمرٍو: يقال: سجد: إذا طأطأ رأسَه وانحنى

(3)

.

فالسجود: التطأطؤُ مع خفضِ الرأس، وبه يفارقُ الركوعَ.

وأمَّا التذلُّلُ فاعتبارُه في مفهومه العُرفيِّ دون اللغويِّ، وقد جاء في المثَل:(أَسْجَدُ مِن هُدْهُدٍ)

(4)

وليس في سجوده تذلُّلٌ.

وفي الشرع: وضعُ الجبهة على الأرض، ولا يَلزم أن يكون على قَصْدِ العبادة، فإنَّ صلاة المُرائي صلاةٌ حقيقةً وليست على قَصْدِ العبادة.

والسجودُ المأمورُ كان على سبيل التَّكرمة؛ كسجودِ إخوةِ يوسفَ عليه السلام له.

وكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ عليه السلام قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا

(1)

قوله: (بالسجود) ليس في "ك".

(2)

في "م": (يصح).

(3)

انظر قول أبي عمرو في "الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس (ص: 45)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (10/ 300)، و"الصحاح" (مادة: سجد)، و"المغرب" للمطرزي (مادة: سجد)، و "تفسير القرطبي"(1/ 434)، و"المزهر" للسيوطي (1/ 236)، وعندهم جميعًا:(أسجد)، مكان (سجد). وزاد الأزهري والمطرزي نقلًا عن أبي عمرو أيضًا: وسَجَدَ إِذا وضعَ جبهتَه بالأرضِ.

(4)

انظر: "مجمع الأمثال"(1/ 356).

ص: 146

عن إبليس: {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: 61] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة

(1)

كالكعبة شرَّفها الله تعالى.

قال الإمامُ أبو منصورٍ: فيه دليل على أن الكتاب نُسخ بالسنَّة، فإن جواز السجود لغير الله تعالى ثبت بقصةِ آدم عليه السلام، ثم نُسخ ذلك بالخبر

(2)

.

وقيل: هو بيانُ استغنائه عن عبادتهم إياه، وإنكارِه عليهم قولَهم:{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقال لهم: لا حاجة إلى عبادتكم وخدمتكم فاخدموا عبدًا من عبادي لم يخدمني كثيرَ خدمةٍ.

{فَسَجَدُوا} عن وهب قال: أولُ مَن سجد

(3)

جبريلُ عليه السلام، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائرُ الملائكة، وكان ذلك كما نُفخ فيه الروحُ من غيرِ تأخيرٍ بقوله عز وجل:{فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] فإن الفاء للتعقيب بلا تراخٍ.

{إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} استثناءٌ متَّصلٌ، لا لأنَّه من جنس الملائكة ولا ينافيه قولُه تعالى:{كَانَ مِنَ الْجِنِّ} لأن صنفًا منهم يُطلق عليه الجنُّ على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158]، ولا لأنَّه كان جنيًّا واحدًا بين أظهُر الألوف من الملائكة مغمورًا بهم فغلِّبوا عليه في قوله:{لِلْمَلَائِكَةَ} ثم استُثنيَ منهم استثناءَ واحدٍ منهم؛ لِمَا في قوله تعالى: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75] دلالةٌ على أنَّ تناوُلَ الأمر إياه بطريق الدلالة؛ لأن المعنى: أمرُكَ دائرٌ بين أن تكونَ أدنى من المأمورين بالسجود فيتناولكَ الأمر دلالةً فيلزم الاستكبار،

(1)

في "م" و"ك": (للسجود).

(2)

انظر: "تأويلات أهل السنة" لأبي منصور الماتريدي (1/ 421).

(3)

في "ك": (أولهم).

ص: 147

أو أعلى منهم فتكونَ من زمرة العالينَ الذين لم يتناولهم الأمر= بل لأنَّ تقدير الكلام: فسجد المأمورون

(1)

به تبعًا، إلا إبليسَ فإنه امتنع عن السجود، واستَعظَمَ نفسَه، ورفَعها عن حيِّزِ المأمورين تبعًا.

وهذا ما قيل: إن الجن أيضًا كانوا مأمورين مع الملائكة، إلا أنه استُغنيَ بذكر الملائكة عن ذكرهم؛ لأنَّه إذا عُلم أن الأكابر مأمورون بالتذلُّل لأحد عُلم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به، وليس مَبْنَى هذا على أنْ يرجعَ الضمير في {فَسَجَدُوا} إلى القبيلَين؛ لأن قوله:{فَسَجَدُوا} هنا في موضع: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ} [الحجر: 30] في آيات أُخَر.

وامتَنع (إبليس) من الصرف للعَلَمية والعُجْمة، ومَن جعله مشتقًّا من الإبلاس بمعنى اليأس قال: وشِبْهِ العُجْمة؛ لكونه لم يُسمَّ به أحدٌ من العرب، فصار خاصًا بمَن أطلقه الله عليه، فكأنه دخيلٌ في لسانهم، وهو عَلَمٌ مُرْتجَل.

والإباء: امتناعٌ بالاختيار.

والتكبُّر: أن يرى الرجلُ نفسَه أكبرَ من شأنه، والاستكبارُ: طلبُ ذلك بالتشبُّع، فهو من أفعال القلوب، وإنما قُدِّم الإباءُ عليه وإن كان أدلَّ؛ لأن مفهوم الاستثناء - وهو عدمُ صدور السجود عنه - ناشٍ عن إبائه، وإباؤه ناشٍ عن استكباره، فرُوعيَ هذا الترتيبُ واستُؤنف في {أَبَى} لأنَّه موضعُ سؤالٍ؛ لاحتمالِ أن يكون تركُ السجود لعذرٍ دون استكبارٍ

(2)

؛ لظهورِ أن الامتناع بالاختيار أمرٌ فيه تذلُّلٌ لا يكون إلا عن الاستكبار، وكان استكبارُه مسبَّبًا

(3)

عن كفره الأصليِّ، ولهذا ذيَّله بالجملة الاعتراضيَّة للتعليل، وهو قوله:

(1)

في "د": (فسجدوا والمأمورون).

(2)

في النسخ عدا "م": (استكبر)، والمثبت من "م".

(3)

في "د": (سببًا).

ص: 148

{وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ؛ أي: كان أصله من كَفَرة الجنِّ، فلذلك ارتكبَ المعصية، على ما أَفصح عنه قولُه تعالى:{كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50].

قيل: أي: صار منهم باستقباحه أمرَ الله تعالى. ولو كان المعنى هذا لقيل: فكان من الكافرين.

(35) - {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} .

{وَقُلْنَا يَاآدَمُ} عطف على (إذ قلنا) لا على (قلنا)، وفائدةُ النداء تنبيهُ المأمور لِمَا يُلقى إليه من الأمر.

{اسْكُنْ} من السُّكنَى؛ أي: اتَّخِذْها مسكَنًا، ولهذا ذُكر متعلَّقُه بدون (في)، لا من السكون بمعنى تركِ الحركة، وإن كان ذلك في الحقيقةِ راجعاً إلى السكونِ؛ لأنَّه نوعٌ من اللَّبْث والاستقرار.

{أَنْتَ وَزَوْجُكَ} معطوفٌ على الضميرِ المستكنِّ في {اسْكُنْ} المؤكَّدِ بـ {أَنْتَ} ، والفصلُ بالتأكيدِ لتصحيحِ الوصلِ على سبيل التغليب؛ إشعارًا بدنوِّ رُتبتها وتَبَعيَّتِها، وكأنَّ فيه توطئةٌ للاكتفاء بذكره في قوله {فَتَابَ عَلَيْهِ} .

{الْجَنَّةَ} اللام للعهد، والمعهودُ دار الثواب لا غير.

{وَكُلَا مِنْهَا} عدل هاهنا عن أسلوب التغليب تنبيهًا على أن تبعيَّتها لزوجها في السُّكنَى دون الأكل.

{رَغَدًا} وصفٌ للمصدر؛ أي: أكلًا رغدًا، والرَّغَدُ: العيشُ الدارُّ الهنيُّ الذي لا عناءَ فيه كما ذكره القرطبيُّ (1).

ص: 149

وقال الليث

(1)

: الرَّغد أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء.

{حَيْثُ شِئْتُمَا} (حيث) للمكان المبهَم، أي: أيَّ مكانٍ من الجنة شئتُما، ومحلُّ {حَيْثُ} مضافًا إلى الجملة النصبُ على الظرفيَّة علَّقه بالأكل مع ظهورِ تعلُّقه بالسُّكنى؛ لأن إباحة الأكل من أيِّ مكانٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان مستلزِمةٌ لإباحة السُّكنى فيه بحسَب العادة، بدون العكس.

وإنما أُطلق لهما الأكلُ من الجنة حيث شاءا ومتى أرادا مع سعتها وكثرةِ أشجارها، ولم يقيَّد بوقتٍ ولا موضعٍ ولا أكلٍ مخصوصٍ بشيءٍ دون شيءٍ؛ كي لا يبقى لهما عذرٌ في التناول من شجرةٍ واحدةٍ مَنْهيِّ عنها بتلك المبالَغة.

{وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} نهى عن الأكل منها بطريق الكناية مبالغةً، فلا نهي عن القرب منها، وقد أفصحَ عن هذا قو له:{مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 20] حيث أشار بما يشار به إلى القريب.

ثم إنه لم يقل: عن القُرْب من هذه الشجرة.

و {الشَّجَرَةِ} نعتٌ أو عطفُ بيانٍ، واختلفوا في تعيينها، وقال ابن جَريرٍ: والأَوْلى أنْ لا تُعيَّن؛ لأنَّ العلم بها علمٌ لا ينفعُ، والجهلَ بها جهلٌ لا يَضُرُّ

(2)

.

ولك أن تقول: في التَّعيين بأنها الكَرْمةُ - كما ذهب إليه بعضُهم - فائدةُ الإشارةِ إلى أنَّ الخمر أمُّ الخبائث؛ لأنَّ أصلها هو الذي كان السببَ في الخروج من الجنة أولًا، فيجب الاجتنابُ عنها لئلَّا يكونَ مانعًا من العَوْدِ إليها.

(1)

في "م": (أبو الليث)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر:"الوسيط" للواحدي (1/ 121).

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(1/ 556 - 557).

ص: 150

{فَتَكُونَا} مجزومٌ عطفٌ على {تَقْرَبَا} ، أو منصوبٌ بتقدير (أنْ) جوابًا للنَّهي، والفاء تفيدُ السببيَّة سواءٌ جعلْتَه للعطف على النَّهي أو الجوابِ له.

وفي جَعْلِه سببًا للكون المذكورِ مبالغةٌ أخرى في تأكيدِ النهي.

{مِنَ الظَّالِمِينَ} أنفسَهم بنقصِ حقوقِها بالعصيانِ، وحطِّها عن درجةِ القُرْبِ والكرامات إلى مَهُول الحرمانِ والهوان، و (الظالم) أبلغُ من (الذي ظَلَم) ففيه أيضًا مبالغةٌ.

(36) - {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} .

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} ؛ أي: حملهما على الزَّلَّةِ.

والضمير في: {عَنْهَا} للشجرة؛ أي: بسببها، وتحقيقُه: أَصدر الشيطان زلَّتَهما عنها، و (عن) هذه مثلُها في قوله تعالى {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82].

قيل: يجوز أن يكون الضمير للجنة؛ أي: أذهبهما عنها وأبعدهما، مِن زلَّ: إذا ذهب، يقال: زلَّت عن الشهر

(1)

كذا: إذا ذهبت، ويأباه قراءةُ حمزة:{فَأَزَلَّهُمَا}

(2)

إذ على هذه القراءةِ لا يكون إلا للجنة، والفرقُ بينهما: أنَّ (أزلَّ) من الزَّلَل وهو عثورُ القدم، و (أَزالَ) من الزَّوال وهو التنحية ويقوِّي هذه القراءةَ أنهما أُمرا بالثبات والاستقرار في الجنة، فناسب أن يقال بعد ذلك: فأزالهما

(1)

قوله: (زلت عن الشهر) كذا في النسخ، وفي المصادر:(زل من الشهر). انظر: "الكشاف"(1/ 128)، و"البحر المحيط" (1/ 439). قال أبو حيان: وزَلَّ مِن الشَّهْرِ كذا؛ أي: ذَهَبَ وسَقَطَ.

(2)

انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: 153)، و"التيسير" للداني (ص: 73).

ص: 151

الشيطان بالمعصية عن المكان الذي أُمرا بالثبات فيه على وجهِ الطاعة.

وإزْلالُه بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120] وقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] ومقاسمتِه إياهما بقوله: {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] وهذا صريحٌ في أن إلقاءَه إليهما كان مشافَهةً لا على طريق الوسوسة، وهو قولُ ابن عباس وابن مسعود

(1)

وجمهورِ العلماء.

واختُلف في كيفية توصُّله إلى إزْلالهما بعدما قيل له: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34 وص: 77].

فقيل: إنه مُنع من الدخول على جهةِ التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولم يُمنع من الدخول على جهةِ الوسوسة ابتلاءً لآدمَ وحواءَ

(2)

.

وقيل: قام عند الباب فناداهما.

ويردُّه قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} [الأعراف: 20] لأن الوسوسة لا تُجامِع النداء.

وقيل: أَرسل بعضَ أتباعه فأزلَّهما.

ورجِّح هذا الوجهُ بأنهما يَعْرفانه، وَيعْرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أنْ يقبَلا قوله.

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(1/ 563).

(2)

في هامش "د" و"م": (وأما ما قيل: دخل في فم الحية أو متمثلًا بصورة دابة، فلا يصلح جوابًا للإشكال).

ص: 152

ويردُّه قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} إلى قوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 22] لأنَّه صريحٌ في مباشَرة الشيطان للإزلال، والله أعلمُ بحقيقة الحال.

{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من النعيم والكرامة، والإبهامُ للتعظيم؛ أي: مما لا يدخل تحت الوصف، أو من الجنة إنْ خُصَّ الضمير في {عَنْهَا} بـ {الشَّجَرَةَ} .

والإسناد هنا وفيما تقدَّم مَجازيٌّ؛ لأن الفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، والشيطانُ سببٌ عادي.

{وَقُلْنَا اهْبِطُوا} هبط لازمٌ ومتعدٍّ، ومصدر المتعدي: الهَبْط، ومصدر اللازم: الهبوطُ، وهو النزولُ من عُلوٍ إلى سُفلٍ.

والخطابُ لآدم وحواء؛ لقوله تعالى في موضعٍ آخَرَ: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه: 123]، والخطابُ تلوينٌ على ما تقف عليه، فلا مجال للتعدُّد، فلا وجه لِمَا قيل: المراد هما وإبليسُ، وكذا لِمَا قيل: المراد هما وذريتُهما؛ لأن ما وُضع لخطابِ المشافَهة لا يَنتظِم المعدومَ حالَ الخطاب، لا عبارةً ولا دلالةً، خلافًا للحنابلة.

وإنما جُمع الضمير هنا رفعًا لشأنهما؛ كما جُمع الضمير

(1)

في قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78].

{بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} جملة في محلِّ النصب بالحال، استُغني بالضمير عن الواو؛ أي: مُتعَادِينَ، والمعاداةُ: فقدانُ الملاءَمةِ والموافَقة، ومنه قيل: مكان ذو عدوٍّ، و

(2)

قومٌ عِدًى، للأعداء والغرباء

(3)

؛ لِمَا بينهم من فقدانِ الملائمة، وذلك بين الرجل

(1)

قوله: (جمع الضمير)، من "م".

(2)

في "د": (على أو) وفي "ح": (عدم أو) وفي "م": (عدوى أو).

(3)

في (م): "والغربى".

ص: 153

والمرأةِ كثيرٌ في الخَلْق والخُلُق، حتى إن عامَّة ما يُحمد من أخلاق الرجال يُذمُّ من المرأة، وليس الأمر تكليفيًّا حتى يَلزمَ الإذنُ في المعاداة بناءً على أن الحال قيدٌ والأمرُ بالمقيَّد يتناول القيدَ.

{وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} إمَّا حالٌ برأسها بالواو، وإمَّا عطفٌ عليها.

والمستقَرُّ: إما موضعُ استقرارٍ أو استقرارٌ

(1)

، والقرارُ: هو السكونُ عن برودةٍ، ولمَّا كان من شأنِ البرودة السكونُ ومن شأن الحرارةِ الحركةُ قيل في الساكن: بَرَد، وفي المتحرِّك: اشتَعَلَ والْتَهَبَ، حتى يشبَّهُ السريع بنارٍ متَّقدةٍ والساكنُ بماءٍ

(2)

جامد.

{وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} المتاع: انتفاعٌ ممتدُّ الوقت، ومنه قيل: متَّعه الله بكذا، والمراد بالحِين: وقتُ الحَين

(3)

، إذ لا انتفاعَ تمتُّعٍ بعده.

وجَعْلُ ابتداءِ يومِ القيامة من الموت تكلُّفٌ مستغنًى عنه، وكذا جَعْلُ السُّكنى في القبر تمتُّعًا في الأرض.

(37) - {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} التَّلَقِّي كالتَّلَقُّنِ، إلا أن التَّلقِّيَ يقتضِي استقبالَ الكلام وتصوُّرَه، والتَّلَقُّنَ يقتضِي الحذقَ في تناوله، والتلقُّفُ يُقارِبُه لكنْ يقتضِي الاحتيالَ في التناول.

وصيغةُ التفعُّل للتكلُّف؛ أي: تكلَّف في لقائها بالجهد في التفصُّل والتوجُّه.

(1)

أي: إما اسم مكان، أو مصدر ميمي. انظر:"روح المعاني"(2/ 126).

(2)

في النسخ عدا "د": (بما هو)، والمثبت من "د".

(3)

الحَين: الهلاك. انظر: "القاموس"(مادة: حين).

ص: 154

وعلى قراءة النصبِ في (آدمُ) والرفعِ في (كلماتٌ)

(1)

: تكلَّفتِ الكلماتُ في الوصول إليه؛ ليكون تزكيةً وتصفِّي قلبه بالتوبة متدرِّجًا، وفي إسنادِ التلقِّي إلى الكلمات مجازٌ، شبِّه نزولُها على التدرُّج بالتكلُّف في النزول إليه.

وحاصل المعنى: استقبلَها بالقبول والعمل، أو استقبلتْه بالبلوغ والو صول إليه.

واختُلف في المراد بالكلمات، وأكثر المفسرين على أنها قوله:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وقيل غيرُه.

وأصل الكلمة: الكَلْم، وهو التأثيرُ المدرَكُ بإحدى الحاسَّتين: السمعِ والبصرِ، والكلام [مُدرَكٌ بحاسَّة السَّمْع والكَلْم] بحاسَّة البصر، فكلَمْتُه: جَرَحْتُه جِراحةَ بانَ أثرُها، ذكره الراغب

(2)

.

ولتضمُّن البناء

(3)

في قوله: {فَتَلَقَّى} معنى التوبة قال:

{فَتَابَ عَلَيْهِ} مضمِّنًا إياه معنى العطف؛ أي: فرجع متعطِّفًا عليه بالقبول والرحمة بعد إعراضه، وأُخبر عنه وحده لأنَّه هو المواجَهُ بالأمر والنهي وهي تابعةٌ له، أو طُويَ ذكرُها كما طُويَ في قوله:{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121]، وطيُّ ذكرِ النساء في القرآن والحديثِ كثيرٌ.

{إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} الرجَّاع على عباده بالمغفرة، وأصلُ التوبة: الرُّجوعُ، وتوبةُ العبد: رجوعُه إلى ربِّه من ذنبه، وتمامُها من العبد بالنَّدَم على ما كان، وتركِ الذنب الآنَ، والعزمِ على أن لا يعود إليه في مستأنَفِ الزمان، وفي المظالم لا بدَّ مع ذلك من إرضاءِ الخصم.

(1)

هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: 73).

(2)

انظر: "المفردات في غريب القرآن" للراغب (مادة: كلم)، وما بين معكوفتين منه.

(3)

في "ح" و"ف" و"ك": (ويتضمن البناء)، وفي "م":(ولتضمن الفاء)، والمثبت من "د".

ص: 155

{الرَّحِيمِ} : المبالغُ في الرحمة، يَرحَمُ التائبَ فيغفرُ حَوبتَه ويقبلُ توبتَه.

(38) - {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} كُرِّر هذا لا لأنَّ الأولَ من الجنة إلى سماءِ الدنيا والثاني منها إلى الأرض؛ لأنَّه مردودٌ بقوله: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} ، ولا لاختلاف المقصود حيث دلَّ الأولُ على أن هبوطهم إلى دارِ بليَّةٍ يتعادَون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعَرَ بأنهم أُهبطوا للتكليف؛ لأن ما ذُكر لا يقتضي التكرار، فإن الدلالتين المذكورتين يمكنُ أن تُجمعا= بل لتعليق الزيادةِ به في قوله:

{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} ليدلَّ على أن هذا الغضب مسبوقٌ برحمةٍ إلى رحمةٍ، ولهذا أورد (ما) لتأكيد الملازمة، والتزموا لتقويتها زيادةَ النون في الشرط، وإنما أورد كلمة الشك - مع أنَّ إتيانَ الهدى محقَّق عنده - نظرًا إلى أنه محتملٌ في نفسه غيرُ واجب عقلًا، وفي هذا النظر إظهارٌ لِمَا

(1)

فيه من جهة التفضل والإحسان، فلذلك حسن.

و {جَمِيْعًا} حال في اللفظ تأكيدٌ في المعنى، كأنه قال

(2)

: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمانٍ واحد كقولك: جاؤوا جميعًا.

{فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} (مَن) شرطيَّةٌ، ويجوز أن تكونَ موصولةً، ويعضدُه إتيان الموصول في قَسيمه، ودخولُ الفاء على الجملة الخبريَّةِ جائزٌ هنا، جُعل الهدى

(1)

في النسخ عدا "د": (بما)، والمثبت من "د".

(2)

في "ح" و "ف ": (قال).

ص: 156

بمنزلة الإمام المتبع المقتدَى به، وفي إضافته إليه من التعظيم ما لا يكونُ لو أتى

(1)

معرَّفًا باللام وإن كان ذلك سبيلَ ما يكون نكرةً ثم يُعاد.

وجواب {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} : {فَمَنْ تَبِعَ} .

{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ؛ أي: فلا خوفٌ عليهم من الضلالة في الدنيا، ولا حزنِ الشقاوة في العُقبى؛ قال الله تعالى:{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123].

وقدِّم انتفاءُ الخوف على انتفاءِ الحزن لأنَّ انتفاءَ الخوف فيما هو آتٍ أكثرُ من انتفاءِ الحزن على ما فات، ولذلك أُبرزت الجملة الأولى

(2)

مصدَّرةً بالنكرة التي هي أدخلُ في باب النفي، وأُبرزت الثانيةُ مصدَّرةً بالمعرفة، وفيها إشارةٌ إلى اختصاصهم بانتفاءِ الحزن وإلى غيرهم بالحزن

(3)

.

(39) - {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} عطف على (من تبع هداي .. ) إلخ، قَسيمٌ له، وهو أبلغ من قوله: ومَن لم يَتْبع هُداي، وإن كان ظاهرُ التقسيم يقتضيهِ؛ لأنَّ نفي الشيء قد يكون لعدمِ القابليَّة في المحل، فأُبرز القَسيم في صورةٍ ثُبُوتيَّةٍ مُزِيلةٍ لهذا الاحتمالِ.

(1)

في "ك": (لو أن كان)، وغير واضحة في "ح" و"ف"، والمثبت من "د" و "م".

(2)

في النسخ عدا "م": (أبرزت جملة)، والمثبت من "م".

(3)

في "ح" و"د" و"ف"(وإلى غيرهم بحزن)، وعند غير المؤلف:(وأن غيرهم يحزن). انظر: "البحر المحيط"(1/ 463)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 142)، و"روح المعاني"(2/ 132).

ص: 157

وإنَّما ذكر الصلتين ومعناهما واحد تقريرًا لقبائحهم، وتكريرًا لفضائحهم، كما قال:{وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 79].

والآيات: العلاماتُ الدالَّةُ على وحدانيَّةِ الله تعالى وصفاتهِ؛ من الكتبِ المنزلةِ وغيرِ ذلك، وسمِّيت آيةُ القرآن بها لأنها علامة لانقطاعِ كلامٍ عن كلامٍ وانفصالهِ.

وقيل: سمِّيت آيةً لأنها جماعةُ حروفٍ من القرآن وطائفةٌ من الكَلِم؛ كما يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعَتِهم.

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} الاصطحاب: اجتماع مع طول لبثٍ.

و {أُولَئِكَ} مبتدأ، ويجوز أن يكون عطفَ بيان أو بدلًا فيكون {أَصْحَابُ} خبرًا عن {وَالَّذِينَ} ، و {هُمْ فِيهَا} خبرٌ ثانٍ أو تفسيرٌ.

ولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء عليهم السلام؛ لأن مبناه على أن يكون آدم عليه السلام حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم.

وأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله:{مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ} الآية [الأعراف: 20]؛ لأنَّه صريحٌ في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه.

(40) - {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} .

ص: 158

{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} انتظامُه بخَتمِ قصةِ آدم عليه السلام: أنه وَعَد متَّبعَ الهدى بالجنة وأَوْعَد مخالِفَه بالنار، وحثَّهم في هذه الآية على الوفاء بعهده، وهو الإيمان به والطاعةُ، ليُوْفيَ بعهدهم وهو إدخالُ الجنة.

والخطابُ لأولاد يعقوب عليه السلام، فإنَّ إسرائيل لقبَه معناه بالعبرانية: صفوةُ الله، وقيل: عبد الله، ولم يَنصرف للعجمة والعلَمية.

وأصل (بني): بنين، وهو جمع ابنٍ سقطتْ نونُه للإضافة، والبَنونَ يطلق على الذكور والإناث من الأولاد إذا اجتمعوا.

والابن

(1)

من البناء، وهو وضع الشيء على الشيء

(2)

، شبِّه الأبً بالأسِّ والابنُ بما بُني عليه.

{اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان، أمرَ بذكر النِّعَم

(3)

- وكان المطلوبُ القيامَ بشكرها - إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانعَ للعاقل من القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها.

واختيرَ تحريكُ الياء في {نِعْمَتِيَ} ؛ لأنَّه لقيَها الألِفُ واللامُ، فلم يكن بدٌّ من إسقاطها أو تحريكِها، وكان التحريكُ أولى لأنَّه أدلُّ على الأصل، وأَشكَلَ بما يَلزمُ اللامَ في الاستئناف من فتحِ ألِفِ الوصل، وإسكانُ الياء في قوله:

(1)

في النسخ عدا "د": (والأبناء)، والمثبت من "د".

(2)

قوله: (على الشيء) من "م".

(3)

في "م": (النعمة).

ص: 159

{يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} [الزمر: 53] أجودُ؛ لأن مِن حقِّ ياء الإضافة أن لا تَثبت في النداء، وإذا لم تثبت

(1)

فلا طريق إلى تحريكها.

{الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} من السابقةِ واللاحقة، والظاهرةِ والباطنة.

والنعمة: اسمٌ للشيء المنعَمِ به، أضافها إلى ذاته أولًا، ثم أَسندها إليه تعظيمًا لها، ثم قيَّدها بهم هزًّا لهم، وحثًّا لطباعهم المجبولةِ على حبِّها على القيام بشكرها.

وأمَّا ما قيل: لأن الإنسان غيورٌ حسودٌ بالطبع، فإذا نظر إلى ما أَنعم الله تعالى على غيره حملَه الغيرةُ والحسد على الكفران والسخط - فإنما يصلحُ وجهًا لعدم تقييدها بغيرهم، وهو بمعزلٍ عن هذا المقام؛ لِمَا عرفْتَ أن المطلوب القيامُ بالشكر لا مجردُ الذكر.

{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} الوفاء: مراعاةُ العهد، والغدرُ: تضييعُه، كما أن الإنجاز: مراعاة الوعد، والخُلفَ: تضييعُه، فالوفاءُ والإنجازُ في الفعل كالصدق في القول، والغدرُ والخُلف كالكذب فيه.

وأَوْفَى أبلغُ من وَفَى كما أن أَسْقَى أبلغُ من سَقَى.

والعهد هو

(2)

حفظُ الشيء ومراعاتُه حالًا فحالًا، قال الخليل: أصلُه الاحتفاظ بالشيء وإجدادُ العهد به، وسمِّي الموثقُ عهدًا للُزوم مراعاته، يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد وهاهنا أضيف إلى المفعول؛ أي: أوفوا بعهدي في أنْ لا تُؤْثِروا عليَّ غيري {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} في أنْ لا أمنع منكم خيري.

(1)

بعدها في "ف": (في النداء).

(2)

في "د" و"م": (وهو).

ص: 160

إيفاؤه تعالى بعهدهم: هو ترتيبُ إنجاز ما وعدهم على ذلك، وإنما سمَّاه عهدًا على سبيل المقابَلة، أبرزه في صورة المشروط الملتزَمِ به.

وانجزامُ {أُوفِ} على جواب الأمر، وهل ضمِّن الأمرُ معنى الشرط فانجزم، أو نابت عن الشرط إذ حُذفت جملتُه؟ قولان.

ويجوز أن تكون إضافتُه في الأول إلى الفاعل؛ أي: أوفوا بعهدي الذي قبلتُم يومَ الميثاق أُوفِ بعهدكم الذي ضمِنْتُ لكم يومَ التَّلَاق.

وقيل: هو ما أُخذ عليهم من العهد في كتابهم بالإيمان برسولنا محمدٍ عليه السلام؛ قال الله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187].

{وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} من باب الإضمار على شريطة التفسير؛ كقولك: زيدًا رهبتُه، والفاءُ بتقدير الشرط؛ أي: وإياي ارهبوا إنْ كنتُم رهبتُم شيئًا فارهبون، وهو أوكدُ في إفادةِ التخصيص من {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لتكرار

(1)

الرهبة مضمَرةً ومظهَرةً، وإيقاعِها على المفعول مرَّتين مع التقدُّم في الأولى، وإخراجِ الكلام على الجملة الشرطية.

والرهبةُ: خوفٌ مع تحرُّز واضطرابٍ، ولتضمُّنه الاحتراز اختيرت على الخوف؛ لأن المقام مقامُ الحثِّ على التحرُّز عن نقض العهد.

وحُذف الياء من {فَارْهَبُونِ} لدلالة الكسرة عليه، وكونِ الفواصل كالقوافي.

(1)

في "م": (لتكرار).

ص: 161

(41) - {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} .

{وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} ؛ أي: بالقرآن الذي أنزلتُه على محمدٍ عليه السلام.

{مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} من الكتب الإلهية، حيث نزل حسب ما نُعت فيها، حالٌ وذو الحال الضميرُ في {أَنْزَلْتُ} ، أو الموصولُ، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرَّيةً، والتقدير: آمنوا بإنزال

(1)

مصدِّقًا لِمَا معكم.

وفيه تنبيهٌ على أنه لا منافاةَ بين ما أتى به الأنبياءُ عليهم السلام من أصول العبادات، وإنَّما الاختلافُ بينهم في جزئيَّات الكلام وفروعِها كفاءَ ما يقضيه مصلحةُ كلِّ قوم وزمانٍ، فكلٌّ مصدِّقٌ للآخَر فيما أتى به، من حيث إنَّ كليات شرائعهم متساويةٌ وأن فروعَها حقٌّ بحسب الإضافة إلى زمانِ كلِّ واحد منهم وأمَّتهِ، حتى لو كان أحدهم في زمنٍ الآخَرُ لم يَرَ المصلحةَ إلا فيما أتَى به الآخَرُ.

وأمَّا قوله عليه السلام: "لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتِّباعي"

(2)

فليس وجهه هذا، بل كونُه عليه السلام مبعوثًا لكافةِ الناس، فلا يَسَعُ مَن في زمنه كائنًا مَن كان إلا اتِّباعُه، بخلاف سائر الأنبياء عليهم السلام.

{وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} لا مفهومَ هنا لقوله: {أَوَّلَ} فيكونَ قد أُبيح لهم ثانيًا أو آخِرًا، وإنما ذُكرت الأوَّلية

(3)

لأنها أفحشُ؛ لِمَا فيها من الابتداء بالكفر، ولأنَّ المعنى: لا تكونوا أئمَّةً في الكفر، فيقتدي بكم أتباعُكم، فتكونوا حاملين لأوزارهم،

(1)

في النسخ عدا "ك": (بإنزال)، والمثبت من "ك".

(2)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(15156) من حديث جابر رضي الله عنه.

(3)

في "م": (الأولوية).

ص: 162

كما قال الله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] فلا بدَّ من القيد المذكور لإفادته

(1)

.

وأُضيف إلى مفردٍ وإن كان قبلَه جمعٌ؛ لأن المفرد إذا كان صفةً جاز أن يطابقَ وأن يُفرَد، وقد جاء ذلك في قوله:

وإذا هم طَعِموا فأَلْأَمُ طاعِمٍ

وإذا هم جاعوا فشرُّ جِيَاعِ

(2)

أَفْرَدَ في (طاعِمٍ) وطابَقَ في (جِيَاعٍ)، وتأوَّله النحاةُ فقدَّره الفرَّاء: أَلْأمُ مَن طَعِمَ

(3)

، وقدَّره غيرُه: أَلْأمُ فريقٍ طاعِمٍ.

والضمير في {بِهِ} للمنزَل أو المنزَلِ عليه، ويجوز أن يكون لِمَا معهم، فإن فيه نعتَه، فالكفرُ به كفرٌ لِمَا يصدِّقه، وعلى هذا أيضًا لا يكون القيدُ المذكور على ظاهره؛ لأنَّ مشركي العربِ سبقوهم إليه.

هذا بحَسَبِ جليلِ النظر، وأمَّا الذي بحَسَب دقيقِهِ: فهو أنَّه إنَّما وُجد الخبرُ عن ضمير الجمع؛ لأنَّ حكمهم

(4)

- لتَسانُدهم واتفاقِهم على ديدنٍ

(5)

واحد، واتِّحادِهم لذلك والأُلفةِ

(6)

فيما بينهم - كان حكمًا واحدًا فكأنهم شخصٌ واحد، وعلى هذا وردَ قوله تعالى:{فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16].

(1)

في هامش "د" و"م": (فلا اتجاه لما في تفسير القاضي من السؤال والجواب).

(2)

انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 33)، و"النوادر" لأبي زيد (ص: 152)، و"الاشتقاق" لابن دريد (ص: 417)، ونسبه أبو زيد لرجل جاهلي.

(3)

انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 32).

(4)

بعدها في "م" زيادة: (استبان).

(5)

في هامش "د": (الديدن: الدأب والعادة).

(6)

في "م": (وللإلف).

ص: 163

و (أوَّلُ): أَفْعَلُ، ولا فعلَ له وزنُه أفعل

(1)

، وأصله: ووَّل، أو أَوْأَل، أو أَأْوَل

(2)

.

{وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} استُعير الاشتراءُ للاستبدال، والثمنُ القليل هو الرياسةُ التي كانت لهم في قومهم، فاستبدلوها

(3)

بآياتِ الله لأنهم خافوا فواتَها لو آمنوا بمحمدٍ عليه السلام وصدَّقوا بكتابه، وما أقلَّها بالنسبة إلى الحقِّ الذي كلُّ كثيرٍ بالنسبة إليه قليل، والهدى الذي كلُّ كبيرٍ بالنسبة إليه حقيرٌ، فكيف بالمتاعِ الدُّونِ اليسيرِ، فلا مفهومَ لقوله:{قَلِيلًا} ، بل فيه التنبيهُ على خساسةِ أنفسِهم إذ يبدِّلون الشيء العظيم في تحصيل الشيء الحقير.

وإنما أُوثر الثمنُ على الشيء - مع أنه أبلغُ في التحقير - للتنبيهِ على أن الحظوظَ الدنيويَّة وسائلُ لا مقاصدُ، والنَّعْىِ على تعاكُس أحوالهم وأفعالهم، حيث جعلوا المثمَّن ثمنًا والثمن مثمَّنًا، وفي كلمةِ الباء والاستعارةِ السابقِ ذكرُها وجهُ تقويَةٍ لهذا المعنى.

{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} باتِّباعِ الحقِّ والإعراضِ عن الباطل، فُصلت الآية الأولى بالرهبة لأن التحذير فيها عن الكفران ونقضِ العهد وهما من المعاصي، وهذه الآيةُ بالاتِّقاء - وهو فرطُ الصيانة - لأنَّ التحذير هنا عن الكفو عَقْدًا

(4)

وعملًا.

(1)

قوله: (أفعل) كذا في النسخ، ولعل الصواب:(فَعَلَ)، قال الآلوسي في "روح المعاني" (2/ 143): ولا فِعْلَ له؛ لأن فاءه وعينه واو، وقد دل الاستقراء على انتفاء الفعل لما هو كذلك، وإن وجد فنادر، وما في الشافية من أنه من (وَوَلَ) بيان للفعل المقدر. وانظر:"شرح الشافية" للرضي (2/ 335 و 340).

(2)

اضطربت هذه الألفاظ في النسخ، والمثبت من المصادر. انظر:"تفسير القرطبي"(2/ 10)، و"البحر المحيط"(1/ 470)، و"روح المعاني"(2/ 143).

(3)

في النسخ عدا "م": (فاستبدلوا)، والمثبت من "م".

(4)

في (م): "عقلًا".

ص: 164

ولك أنْ تقول: إنَّ التقوى فوقَ الرَّهبةِ، فحيثُ ما خاطَبَ العامَّةَ عالِمَهم ومقلِّدَهم، وحثَّهم على شكر النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي من مبادئ التقوى، وحيث خاطَبَ العلماءَ منهم خاصةً وحثَّهم على مراعاة آياته والتنبيهِ على ما يأتي به أولو العزم من الرسل أمرهم بالتقوى التي هي منتهَى الطاعة.

(42) - {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} عطف على ما قبله، واللَّبْس والسَّتر أخَوان، وضدُّ السَّتر: الكشف، وضدُّ اللَّبس: الإيضاح.

واللباسُ: ما واريتَ به جسدَك، ومن جملة أسبابه الخلطُ.

وقد تقدَّم الكلام في الحق، وأمَّا الباطل فممَّا لا ثبات له عند الفحص عنه، والحقُّ يناقِضُه، وذلك عامٌّ في الاعتقاد والمقال والفعال.

والباء صلةٌ معناها الإلصاقُ؛ أي: لا تخلطوا الحقَّ بالباطل بأنْ تكتبوا في التوراة ما ليس منها. أو للاستعانة؛ أي: لا تجعلوه ملتبِسًا بسببِ الباطل الذي تكتبونه، فلا نظر حينئذٍ إلى معنى الاختلاطِ كما لا نظر في الأوَّل إلى معنى الاشتباه.

{وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} بأنْ تقولوا: ليس وصفُ محمدٍ عليه السلام أو هذا الحكمُ في التوراة، فليس المراد من الحقِّ في الموضعين شيئًا واحدًا.

و (تكتموا) جزمٌ داخلٌ تحت حكم النهي، بمعنى: ولا تكتموا، أو منصوبٌ بإضمار (أنْ)، والواوُ بمعنى الجمع، وحقيقتُه: لا يكنْ منكم لبسُ الحق وكتمانُ الحق، والقصدُ إلى أن يَنعيَ عليهم سوءَ فعلهم الذي هو الجمعُ بين أمرين كلُّ واحدٍ منهما مستقِلٌّ بالقُبح ووجوبِ الانتهاء عنه.

ص: 165

ويجوز أن يكون المرادُ من (الحق) في الموضعين واحدًا، ويكون إعادة صريحِ الحق دون ضميره لأنهم يكرِّرون أسماء الأجناس والأعلام كثيرًا، ولا سيَّما إذا قصدوا التفخيم، صرَّح به الإمامُ المرزوقيُّ

(1)

والشيخُ عبدُ القاهر.

وعلى ذلك وردَ قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] وقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1].

وحينئذٍ يجوز أن يكون النهيُ عن الجمع؛ لأنَّ الخلط بالباطل قد يكون لترويج الحق وإسماعه، فإنَّ أسماع العوامِّ يَمُجُّون عن الحق الصرف لأنَّه مرٌّ، فخلطُ الباطلِ الحلوِ به لئلا يَنفرَ

(2)

عنه طبع السامع ليس مما يُنكَر كلَّ الإنكار، فإنَّ الضرر اليسيرَ قد يُتحمل للنفع الكثير، ومثلُ هذه الرخصة ترغيبًا للمخاطَب إلى الاستماع من مقتضياتِ البلاغة ومُوجبات الخطابة

(3)

.

ألَا ترى قولَه تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] كيف سُرد فيه المقال على إبهام الحال، وإظهارِ التردُّد فيه توسعةً لدائرة الاحتمال.

وفي مصحف ابن مسعود رضي الله عنه: (وتكتمون)

(4)

، وهو في موضع الرفع على حذف المبتدأ؛ أي: وأنتم تكتمون.

{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} في محل النصب بالحال؛ أي: في حال عِلمكم بذلك وبقبحه، وإنما قيِّد به لأن الجهل ربما يُغتفرُ ويُجعلُ عذرًا، فعلى هذا يكون الحذفُ اختصارًا ورعايةً للفاصلة.

(1)

انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (ص: 29 و 88 و 784).

(2)

في "د": (ينبو).

(3)

في النسخ عدا "د": (الخطاب)، والمثبت من "د".

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 133).

ص: 166

ويجوز أن يكون اقتصارًا؛ أي: وأنتم من ذوي العلم، ولا يناسبُ مَن كان عالمًا أنْ يكتم الحق وَيلْبِسه بالباطل، ففيه تعييرٌ لهم بأنهم يفعلون فعلَ الجهلاء، وتذكيرٌ لِمَا فيهم من صفة العلم، وحثٌّ على العمل بمقتضاه، وذلك أَدْخلُ في قبول الحقِّ وإسماعِه من التَّقريعات الشديدة.

(43) - {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} .

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} التعريفُ فيهما للعهدِ والإشارةِ إلى الصلاة المعلومةِ والزكاةِ المعيَّنة، أو للجنس كقولهم: هو الرجل، كأنَّ ما عدا صلاةَ المسلمين ليس بصلاةٍ وكذا الزكاةُ؛ لكونهما منه

(1)

غيرَ مقبولَين.

والزكاةُ مِن زَكَى الزرعُ؛ أي: نمى، فإنها تُنمِّي المالَ باستجلابِ بركةِ الله تعالى.

أَمَرهم بفروع الإيمان بَعْدَما أمرهم بأصوله، فيَحْتمِلُ أن يكون الأمرُ الثاني مشروطًا بالامتثال بالأول، فلا تكون الآيةُ حجةً على المنكِرين؛ لكونِ الكفار مخاطَبين بالفروع.

{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ؛ أي: في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضُل صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً؛ لِمَا فيها من فضيلةِ المشقَّةِ وفضيلةِ الانتظار، وقد تَقرَّرَ في موضعه أنَّ مَن أدركَ الإمامَ في الركوع فقد أَدْركَ فضيلةَ

(2)

الجماعة، والإدراكُ فيما قبله ليس بشرطٍ، ولا عبرةَ للإدراك فيما بعده، وهذا هو السرُّ في تخصيص الركوع بالذكر وإيثارِ عبارة {مَعَ} على عبارة: في.

(1)

كلمة: (منه) ليست في "د".

(2)

كلمة: (فضيلة) ليست في "ك".

ص: 167

وأمَّا الاحترازُ عن صلاة اليهود فلا حاجة إليه بعدما أُريد من الصلاة فيما تقدَّم صلاةُ المسلمين.

وأصل الركوع: الانحناءُ، قال صاحب "العين": كلُّ شيءٍ يَنكبُّ لوجهه فتمسُّ ركبته الأرض أو لا تمسُّ بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكعٌ

(1)

.

(44) - {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} اعتراض، والبِرُّ: التوسُّعُ في أفعالِ الخير، واشتقاقُه من البَرِّ الذي هو الفضاءُ الواسع، ويتناولُ كلَّ معروف.

{وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وتتركونها من البِرِّ، والنسيانُ يجيء بمعنى التركِ، ومنه: النِّسيُ، وهو ما يسقط في منازل المرتحلينَ من رُذالِ أمتعتهم.

والهمزةُ للتقرير، معناه: أن الأمر الذي ورد عليه الاستفهام مكشوفٌ لا يمكن للمخاطَب إنكارُه فإنه

(2)

مُلجئٌ إلى الإقرار، والتعجيبِ

(3)

من حالهم، والتوبيخِ على الجمع بين الأمر بالبِر وتركه في حق أنفسهم؛ رُوي أنها نزلت في أحبارِ اليهود، كانوا يأمرون سرًّا مَن نصحوه [باتِّباع محمدٍ صلى الله عليه وسلم] ولا يتَّبعونه

(4)

.

{وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} يعني: التوراةَ، تبكيتٌ بالحجَّة كقوله {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ،

(1)

انظر: "العين"(1/ 200).

(2)

في "ح" و"د" و"ف": (فلأنه)، وفي "ك":(ولأنه)، والمثبت من "م"، ولعل الأحسن:(فكأنه).

(3)

عطف على: (للتقرير).

(4)

يروى عن ابن عباس، انظر:"الكشاف"(1/ 133)، و"وتفسير البيضاوي"(1/ 77)، وما بين معكوفتين منهما.

ص: 168

وفي عبار التلاوةِ إشارةٌ إلى وضوح ما في التوراة من النهي عن هذا الوصفِ الذميم، بحيث يقف عليه كلُّ مَن يتلوه من أهل اللسان.

والتلاوة: إتْباعٌ اللفظِ اللفظَ، سواءٌ تُدُبِّر المعنى أو لا.

وفي الآية التحريضُ على تقديم العمل على القول، والوعيدُ على مخالفةِ القول العملَ، والنَّعْيُ على مَن يَعِظُ الغيرَ ولا يَعِظُ نفسَه.

وكان المنكَرُ تركَهم أنفسَهم لا أمرَهم غيرَهم بالمعروف، إلا أنه بدأ بالتوبيخ به إيماءً إلى أن ذلك التركَ بلَغ في الشناعة غايةً خرج ما يقارنُه من الفعل المندوبِ إلى مَعرِض المستنكَر، وفيه من المبالغة في الإنكار على سوء صنيعهم ما لا يَخفى.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} توبيخ عظيمٌ بالهمزةِ وتوسيطِ الفاء؛ أي: أتفعلون ذلك فلا تعقلون، كأنكم مسلوبو العقولِ فلا تَفْطَنون لقبح ما ترتكبون فتنتهون.

والعقل أصله: المنع الشديد، ومنه: عقل البعير؛ لمنْعه إياه من الشرود، ومنه: العقل للدِّيَة لأنها تمنعُ وليَّ المقتول عن قتل الجاني.

وفي إيثار نفي العقل على نفي العلم نوعُ تأييدٍ لِمَا قدَّمناه، يعني: أن المحتاج في إداركه عند التلاوة إنما هو العقلُ الجِبِلِّيُّ لا الإدراكُ المكتسَبُ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ قُبح هذه الأشياءِ عقليٌّ، بل دلالةٌ على أنه شرعيٌّ، حيث رتَّب التوبيخَ على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب.

والفاءُ للعطف، كان الأصل تقديمَها، لكنَّ الهمزة لها صدرُ الكلام فتقدَّمت على الفاء، وحكم الواو و (ثمَّ) في نحو:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الروم: 9] و {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} [يونس: 51] حكمُ الفاء.

ص: 169

(45) - {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} .

{وَاسْتَعِينُوا} ؛ أي: اطلبوا المعونة في دفع المكاره وجلبِ المنافع، فالاختصار للتعميم.

{بِالصَّبْرِ} وهو حبسُ النفس، وقدِّمت الاستعانةُ بالصبر لتقدُّم تكاليفَ عظيمةٍ يَشُقُ التزامُها على مَن يألَفُها.

{وَالصَّلَاةِ} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزَبه

(1)

أمر فزع إلى الصلاة، وهي أرفعُ منزلةً من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضُروبًا من الصبر؛ إذ هي حبسُ الحواسِّ على العبادةِ، وحبسُ الخواطر والأفكار على الطاعة.

بل نقولُ: الأمر بالصبر تمهيدٌ للأمر بالصلاة؛ فإنَّ مرجع الجمعِ بينهما أن يصلُّوا صابرينَ على تكاليف الصلاة، محتمِلينَ لمشاقِّها وما يجبُ فيها من إخلاصِ القلب بدفعِ الوسواس ومُراعاةِ الآداب، ولهذا قال:

{وَإِنَّهَا} وخصَّها بردِّ الضمير إليها دون (الصبر)، ولولا ذكرُ الصبرِ تمهيدًا لكان حقَّ (الصلاةِ) أن يعادَ فيها حرفُ الباء الدالَّةِ إعادتُها على الأصالة، والجملةُ اعتراضيَّةٌ.

وقيل: الصبر: الصوم؛ لأنَّه حبسٌ عن المفطِّرات، ومنه قيل: شهرُ رمضان شهرُ الصبر، وعلى هذا ردُّ الضميرِ إلى (الصلاة) ليس بطريقِ التخصيص، بل بطريقِ الاكتفاء بالأعمِّ أو الأقدم؛ كما في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] وقولهِ تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا

(1)

في "ح": (أخبر به)، وفي "ف":(أضربه)، وفي "م":(أحزنه).

ص: 170

إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] فإن الكناية في أحدهما

(1)

ردّ إلى الفضة لأنها الأغلبُ والأعمّ، وفي الآخرِ إلى التجارة لأنها أفضلُ وأهمّ.

{لَكَبِيرَةٌ} من كبُر بمعنى عظُم، تمثيل وتصوير لمعنى ثقلِها وكونِها شاقَّةً على غير الخاشعين، لا من كبُر بمعنى ثقُل وشَقَّ حقيقةً أو مجازًا.

{إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} يعني: لا تهونُ على أحد إلا على الخاشعين؛ لأنَّه استثناءٌ مفرَّغٌ من كلامٍ موجَبٍ، فلا بد من تأويل النفي.

والخشوع هيئةٌ في النفس يظهرُ منها في الجوارح سكونٌ وتواضعٌ، وفيه إشارةٌ إلى أن الصلاة التي تَخِفُّ على غير الخاشع مسماةٌ باسمها وليست هي في حكمِها.

فإن قيل: هلَّا يلزمُ أن يكون ثوابُ غيرِ الخاشع أكثرَ؛ لِمَا جاء في الخبر: أن أكثر الأعمال ثوابًا أشقُّها

(2)

.

قلنا: لا يلزمُ ذلك؛ لأن مفهوم الخبر: أنَّ الأعمال المتساوية في اشتمالِ الأركان والشرائطِ وسائرِ ما يجبُ رعايتُه أو يستحبُّ أكثرُها

(3)

أشقُّها.

(46) - {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .

{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} لمَّا كانت الملاقاةُ متعذِّرةَ الحملِ على الحقيقة

(1)

في (م): "إحداهما".

(2)

انظر حديث عائشة عند البخاري (1787)، ومسلم (1211/ 126).

(3)

بعدها في "د": (ثوابًا).

ص: 171

جُعلت كنايةً عن رؤيته تعالى، وهو الوجهُ فيما يُروى في الأخبار:"لقيَ اللهَ تعالى وهو عليه غضبانُ"

(1)

.

والظنُّ بمعنى العلم، ويعضدُه أنَّ في مصحفِ ابن مسعود رضي الله عنه:(يعلمون)

(2)

، ولا يُصار إلى التضمين إلا عند قيام القرينة اللفظية، وهي ذكر ما يتعلق بالمضمَّن، وهي مفقودةٌ هنا

(3)

.

وفي عبارة الظن إشارة إلى أنه يكفي في حصول الخشوع الذي يزول به ثقل الصلاة أدنى مراتب الاعتقاد بملاقاته تعالى.

وقيل: المراد: ملاقاةُ

(4)

ثوابه، وحينئذ يكون الظنُّ بمعنى التوقُّع؛ لأنَّه وإنْ عَلِم أنه لا بد من ثوابٍ أو عقابٍ، لكنْ من أين يَعلم ما يُختم به عملُه، فلا بد مِن صرفِ الظن عن معنى العلم إلى معنى التوقُّع اللازم له.

ويأباه قولُه: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ} ؛ أي: إلى مشهدِ حكومتهِ يومَ العرض والسؤال {رَاجِعُونَ} إذ لا يناسبه معنى التوقُّع، وتقديرُ عامل آخرَ له خلافُ الظاهر.

وإنما ثقُل على غيرهم لأنهم لم يعتقدوا بالجزاء

(5)

، ولم يرجوا الثوابَ، فكانت في حقهم مشقةً خالصةً، ولم تثقل عليهم لأنهم اعتقدوا بلقاء

(6)

الجزاء، وتوقَّعوا ما ادَّخر للصابرين على متاعها، فزاولوها برغبةٍ ونشاط وانشراح صدرٍ،

(1)

قطعة من حديث رواه البخاري (2356)، ومسلم (138)، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 134).

(3)

في هامش "د": (رد للقاضي).

(4)

في "ح" و"د" و"ف": "وقيل الملاقاة"، وفي (ك):(وقيل لملاقاة)، والمثبت من "م".

(5)

في "ك": (الجزاء).

(6)

في "ك": (لقاء).

ص: 172

واستلذُّوا بها، ومن ثَمَّةَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وجُعلتْ قرَّةُ عيني في الصَّلاة"

(1)

.

(47) - {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} .

{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تكريرٌ تمهيدًا لتذكير نعمة التفضيل، وقد جاء تفصيلها في قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20]، وذكرُ تلك النعمة على الآباء إلزامُ الشكر على الأبناء؛ لأنهم يَشْرُفون بشَرَفهم، ولذلك قال:

{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ} ولم يقل: فضَّلت آباءكم.

والفضل: الزيادة في الخير، والجملة في محلِّ النصب معطوفةٌ على معنى ما تقدم؛ أي: أنِّي أنعمتُ عليكم وأنِّي فضَّلتكم.

{عَلَى الْعَالَمِينَ} الظاهرُ هو الاستغراق، وقد خرج إلى حيِّز النصِّ بقوله:{وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] ولا حاجةَ إلى الصرف إلى الاستغراق العُرفيِّ بقرينةِ أن المتبادِر من الموجود المعتبر في مفهوم العالم الموجودُ

(2)

بالفعل؛ لعدم الدلالة فيه على التفضيل من كلِّ جهةٍ عمومًا، ولا من جهة القُرْب والمكانة عند الله تعالى خصوصًا، ولذلك لم يكن فيه متمسكٌ لمن فضَّل البشر على الملك.

(1)

رواه النَّسَائِيّ (3939) و (3940)، والإمام أحمد في "المسند"(12293)، وأبو يعلى في "مسنده"(3482)، من حديث أنس. وإسناده حسن.

(2)

في "م" و"ك": (الوجود).

ص: 173

(48) - {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} .

{وَاتَّقُوا يَوْمًا} يريد يوم القيامة، وعظَّمه بالتنكير، ثم بالتوصيف، والمقصود: بيان كون ذلك معيارًا للمخاوف بحيث لا يكون آنٌ من آنائه خاليًا عن الخوف، وهذا يجعل نفسَ اليوم مَخوفًا لا ما

(1)

فيه.

{لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} ؛ أي: لا تقضي نفسٌ ما من النفوس عن نفسٍ - أيِّ نفسٍ كانت - حقًّا من الحقوق، و {شَيْئًا} مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع المصدر؛ أي: قليلًا من الجزاء، وعلى قراءةِ:(لا تُجْزِئُ)

(2)

من أَجْزأَ عنه: إذا أَغْنَى عنه، لا يكون إلا بمعنى: شيئًا من الإجزاء.

والجملةُ في محل النصب صفة لـ {يَوْمًا} والعائد محذوفٌ؛ أي: لا تجزي فيه، وهل الحذف بتدريج، أم حذفٌ برمَّته ابتداءً؟ قولان.

{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} أي

(3)

: أيَّةُ شفاعة كانت، والضمير في {مِنْهَا} راجعٌ إلى النفس الثانية العاصية، أي: إن جاءت بشفاعةِ شفيعٍ لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى الأولى؛ أي: لا تجزي منها شيئًا وإن شفعت لها لا يقبل، وقِسْ على هذا قولَه:

{وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} والعدل: الفديةُ؛ لأنها تعادل المَفديَّ، والشفاعةُ من الشَّفع، كأن الجانيَ كان فردًا فجعله الشفيعُ شفعًا بضم نفسه إليه.

(1)

في "ح": (لا يلو)، وفي "ك":(لأمر)، وفي"م":(لا أمن)، وغير واضحة في "ف"، والمثبت من "د".

(2)

تنسب لأبي السمال العدوي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 5)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (1/ 139).

(3)

كلمة: (أي) من "م" و"ك".

ص: 174

وضمير الجمع في {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} يرجع إلى ما دلَّت عليه النفسُ المنكَّرة في سياق النفي الدالَّةُ على العموم، والتذكيرُ بمعنى العِباد والأناس، والنصر أخصُّ من المعونة؛ لاختصاصه بدفع الضرر.

وإنما عَدَل عن الجملة الفعلية المعطوفةِ على أخواتها إلى الاسمية؛ للدلالة على الدوام الوضعي؛ أي: ولا هم ينصرون دائمًا ما دامو هم هم، وفيه إيماءٌ إلى أنه يَنصرُ غيرَهم.

وإنما قنَّطهم الإقناطَ الكليَّ لأن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم.

ولمَّا كان الخطاب لليهود كان تقديره: لا تجزي نفسٌ ما منكم عن نفسٍ ما منكم، فلا دلالة فيه على أن الشفاعة لا تُقبل للعصاة مطلقًا.

وكأنه أُريدَ بالآية نفيُ أن يَرفع

(1)

العذابَ أحدٌ عن أحدٍ من كلِّ وجهٍ محتمَلٍ، فإنه إمَّا أن يكون بإعطاء شيء أو مجانًا:

فإن كان الأولَ: فإما أن يكون بأداءِ ما كان عليه وهو الجزاءُ، أو غيره وهو الفدية.

وإن كان الثانيَ: فإما أن يكون على سبيل العطف وهو الشفاعةُ، أو على سبيل القهر وهو النصرةُ.

وإنما عدَل عن الترتيب الذي هو مقتضَى هذا التقسيمِ اختيارًا لأسلوب التَّرقِّي، كأنه قيل: النفسُ الأولى غيرُ قادرة على استخلاصِ صاحبها بقضاء الواجب وتدارُكِ التَّبِعات

(2)

لأنها مشتغلةٌ عنها بشأنها؛ كما أفصَحَ عنه قولُه تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ

(1)

في "ك": (يدفع).

(2)

في "ك": (الفائت).

ص: 175

شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]، ثم إنْ قَدَرتْ على سعيٍ ما مثلَ الشفاعة فلا يُقبل منها، وإن زادت عليها بأنْ يضمَّها الفداء فلا يؤخذُ منها، وإن حاولت الخلاصَ بالقهر والغلبةِ وأنَّى لها ذلك فلا تتمكن منه، فالترقِّي من السعي إلى السعي.

(49) - {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} .

{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} (إذ) نصبٌ بـ: اذكروا، والتنجيَةُ: التَّخليصُ من مكروهٍ وشدَّةٍ، ومثْلُه الإنجاءُ.

قيل: معنى {نَجَّيْنَاكُمْ} : ألقيناكم على نَجْوةٍ من الأرض، وهي ما ارتفَع منه، هذا هو الأصل، ثم سمِّى كلُّ فائز ناجيًا، فالناجي: مَن خرج من ضِيقٍ إلى سعةٍ، ومعناه: خلَّصنا آباءَكم، وجعل ذلك نعمةً عليهم لأنهم نَجَوا بنجاتهم، ومن عادة العرب هذا؛ يقولون: قتلناكم يوم عكاظٍ، أي: قتل آباؤنا آباءَكم.

وقرئ: (نجَّيتُكم)

(1)

فوافَقَ الضميرُ ضميرَ {نِعْمَتِيَ} ، وعطفُها عليها كعطف جبريل وميكائيل عليهما السلام على الملائكة، أو تفصيلٌ لِمَا أجمله في قوله:{اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} والتفصيلُ لا يلزم أن يكون على وجه الاستيعاب، بل قد يكتفى فيه بذكر المعظَّمات.

{مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أصل (آل): أهل؛ لأن تصغيره: أُهَيلٌ، فأُبدلت هاؤه ألفًا، وخُصَّ بالإضافة إلى أعلام الناطقين، دون النكرات والأمكنة والأزمنة والصناعات.

(1)

تنسب للنخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 5).

ص: 176

و (فرعون) عَلَمُ شخصٍ سُمِّي

(1)

به كلُّ مَن يملك العمالقة - وهم جبابرةُ مصر - وضعًا ابتدائيًّا

(2)

، دلَّ على ذلك منعُ صرفه، وجمعُه باعتبار الأفراد؛ كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس.

ولشهرةِ الفراعنة بالعتوِّ اشتُقَّ منه: تَفَرْعَن، إذا عتَا وتجبَّر

(3)

.

وآلُه: قومُه المناسبون له، وحقيقةُ الآل: هم الذين يَؤُولُ أمرُهم

(4)

إليه في نسبةٍ أو صحبة.

{يَسُومُونَكُمْ} حالٌ من {آلِ فِرْعَوْنَ} ، أو استئناف

(5)

حكاية حال، والسَّوم أصلُه: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظٌ مفردٌ بمعنًى مركَّبٍ من الذهاب والابتغاء، فأُجري مُجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل فهي سائمةٌ، ومُجرى الابتغاء في قولهم: سمْتُه كذا، ومنه: السَّومُ في البيع.

{سُوءَ الْعَذَابِ} نصب على المفعولية

(6)

لـ {يَسُومُونَكُمْ} ، والسوء مصدرُ ساء؛ أي: قَبُحَ، ومعنى سوءِ العذاب - مع أن نفسه سيئٌ -: أقبحُه وأفظعُه.

{يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} استئنافٌ، أو حالٌ من ضمير الفاعل في {يَسُومُونَكُمْ} ، أو بدل منه، أو معطوفةٌ عليه حُذف منها حرفُ العطف، ويؤيِّدُه ثبوتُه في سورة إبراهيم عليه السلام.

(1)

في "د" و"م": (يسمى).

(2)

في هامش "د" و"م": (وليس بلقب في أصل وضعه كما توهمه القاضي. منه).

(3)

"ك": (وفجر).

(4)

"د": (أمورهم).

(5)

في "د" و"م": (واستئناف).

(6)

في "ك": (المفعول).

ص: 177

{وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} والاستحياء: استفعالٌ من الحياة؛ أي: يبقون بناتكم للخدمة، سمِّينَ بما يَؤُول إليه أمرُهن. ولمَا في صيغةِ الاستفعال من الدلالة على أنَّ إبقاءَهن كان لمصلحتهم، كان المذكور من جملةِ الشدائد.

{وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ} البلاء: هو الاختبار، ويكون بالشَّرِّ ليَصبروا فيكونُ محنةً، وبالخير ليشكروا فيكون مِنحةً، وكلاهما محتملٌ هاهنا بحسَب احتمالِ

(1)

المشارِ إليه أن يكون مصدرًا لـ {نَجَّيْنَاكُمْ} ، أو مصدر (يسومون) و (يذبِّحون) و (يستحيون).

والأولُ أَوْفقُ بقوله: {مِنْ رَبِّكُمْ} وأَليَقُ بأصل المقام، فإنه لتعديدِ النِّعم، والثاني أَلْصقُ

(2)

بمقامِ تفصيلِ المحن، وأنسبُ للتذييل بهذه الجملة الاعتراضية.

{عَظِيمٌ} صفة {بَلَاءٌ} .

وفيما ذُكر من المبالغة والتأكيد بالإجمال والتفصيل، والتسجيلِ بان الذبح

(3)

أشدُّ العذاب وأفظعُه، ما لا يَخفى، ولهذا ذيَّله بالاعتراض تأكيدًا وتقويَةً له.

(50) - {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} .

{وَإِذْ فَرَقْنَا} الفَرْق والفَلْق كالفَصْل، لكنَّ الفلْقَ لا يكون إلا بينَ جسمين، والفرقَ يكون فيهما وفي المعاني.

وقرئ: (فرَّقْنا)

(4)

على بناء التكثير؛ لأنَّ المسالِكَ كانت اثني عَشَرَ بعددِ الأسباط.

(1)

كلمة: (احتمال) من "م".

(2)

في "م" و"ك": (أليق).

(3)

في "م" زيادة: (المذكور).

(4)

تنسب للزهري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 5)، و"البحر المحيط"(2/ 33).

ص: 178

والباء في: {بِكُمُ} للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} [الشعراء: 63] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله:{فانفلق} دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب.

{الْبَحْرَ} هذا البحرُ كان قريبًا من مصرِ فرعونِ موسى عليه السلام، يقال له أسافًا، ويسمى اليوم: بحرَ القلزم

(1)

.

{فَأَنْجَيْنَاكُمْ} من خطرِ عبورِ البحر، وأخرجناكم من ضِيقِ مسالكه إلى سَعةِ البرِّ، وهذه الفاءُ أيضًا فصيحةٌ.

{وَأَغْرَقْنَا} غَرِقَ في الماء من حدِّ عَلِمَ؛ أي: رسب فيه، فهو غَرِقٌ إذا كان لم يَمتْ بعدُ، فإذا مات فهو غريقٌ وجمعه: الغرقى.

{آلَ فِرْعَوْنَ} أتباعَه، فهو أول الغرقى وأَوْلى

(2)

به، فكان غرقه معلومًا دلالةً، وفيما في العدول من الضمير إلى المظهَر من التنبيه على أنَّ السبب لذلك الحال كونُهم

(3)

أتباعَه نوعُ تأييد لتلك الدلالة.

{وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} تقلِّبون أبصارَكم في الجهات نظرَ المبهوت إذا فاجأه خطبٌ

(4)

،

(1)

وهو المعروف اليوم بخليج السويس من البحر الأحمر. انظر: "معجم متن اللغة"(مادة: قلزم).

(2)

في"د": (وأدنى).

(3)

بعدها في "د": (فيما)، ولا يظهر لها وجه ارتباط بالسياق.

(4)

في "ك": (الخطب).

ص: 179

أو تنظرون ما يُفعل بأعدائكم، فعلى الأول يكون النظر بمعنى طلبِ

(1)

الإبصار، وعلى الثاني بمعنى الانتظار.

رُوي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل، فأَتْبعهم فرعون وجنوده مشرقين، فلما تراءى الجمعان وهم على شاطئ البحر أوحى الله تعالى:{أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء: 63]، فضرب فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا، فسلكوها حتى جاوَزوا البحر، ثم وصل إليه فرعون ورآه منفلِقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين

(2)

.

(51) - {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} .

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} الوعد هو التَّرجيَةُ بالخير، وَعَد الله تعالى موسى عليه السلام بعد هلاك فرعون أن يُنزل عليه كتابًا يَنتمون إليه ويتمسَّكون به، وعيَّن له ميقاتًا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما عبَّر عنه بالليالي لأنها غُرر الشهور.

وانتصابُ {أَرْبَعِينَ} على المفعول به، إذ هي الموعودة

(3)

على الاتِّساع المعهودِ بجَعْلِ الزمان

(4)

- لكونه شرطَ الموعود - موعودًا، ولا يجوز نصبه على الظرفيَّة

(5)

(1)

بعدها في "ح" و"ف": (الفعل)، وفي "ك":(فعل).

(2)

في هامش "د": (فيه رد للقاضي في قوله: وصادفوهم في شاطئ البحر). وفي هامش "م": (فيه رد للقاضي في قوله: فصبحهم. منه). وانظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 80)، وفيه: فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطئ البحر.

(3)

في "م": (الموعدة).

(4)

في "م": (على الاتساع والمفهوم الزمان). وسقطت العبارة من "ك".

(5)

في "د" و"م": (الظرف).

ص: 180

لأنَّه معدودٌ، فيلزم أن يكون وقوعُ العامل في كلِّ فردٍ فردٍ منها، وليس كذلك.

وقرئ: {وَاعَدْنَا}

(1)

وقال الزجَّاج: هذا جيد؛ لأنَّ الطاعة في القبول بمنزلةِ المطاوَعة

(2)

، فمِن الله تعالى وعدٌ ومن موسى قبولٌ

(3)

.

و (موسى) اسمٌ عجمي لا ينصرفُ للعُجمة والتعريف، رُوي أنَّ القِبْطَ يقولون للماء: مو، وللشجر: سا، فلما وُجد موسى عليه السلام في التابوت عند ماءٍ وشجرٍ سُمي موسى.

{لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} ؛ أي: اتَّخذْتُموه إلهًا، وحُذف المفعول الثاني للعلم به، ولسَمَاجةِ ذكرِه، وفيه تفظيعٌ لشأنه حيت ترك تطهيرًا؛ أي: جعلتُموه لأنفسكم معبودًا.

ونُسب الاتِّخاذ إلى جميعهم وإن كان بعضهم لم يتَّخذ ولم يرضَ به؛ لأن القبيلة قد تُذمُّ وتُمدح بما وقع من

(4)

بعضها، وفيه تنبيهٌ على زيادة القبح في ذلك الاتخاذ، حتى خرَّج البريء مخرج الذم لمقارنته

(5)

المباشِرَ له

(6)

.

والتعريفُ في {الْعِجْلَ} للعهد، والمعهودُ ما ذكر في قوله تعالى:{عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148].

(1)

هي قراءة السبعة عدا أبي عمرو فإنه قرأ: (وعدْنا). انظر: "التيسير" للداني (ص: 73).

(2)

قوله: (المطاوعة) كذا في النسخ، والذي عند الزجاج:(المواعدة).

(3)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (1/ 133).

(4)

في "م" و"ك": (في).

(5)

في "م" و"ك": (بمقارنة).

(6)

في هامش "د" و"م": (فيه رد للقاضي في قوله باشر كلهم. منه).

ص: 181

و {ثُمَّ} للبعد بين مشاهَدة النعم المذكورة واتِّخاذِ العجلِ معبودًا؛ لأن معنى التراخي قد فُهم من قوله

(1)

:

{مِنْ بَعْدِهِ} الضميرُ لموسى عليه السلام، والمعنى: بعد غيبته، وهي بالمضيِّ إلى الطور.

{وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} إخبارٌ بأن سجيَّتهم الظلم

(2)

، يرشدك

(3)

إلى هذا قولُه تعالى في موضعٍ آخَرَ: {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148].

والاتخاذُ المذكورُ يدلُّ على أنهم مجسِّمة أو حُلوليةٌ.

(52) - {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

{ثُمَّ عَفَوْنَا} ؛ أي: تجاوَزْنا {عَنْكُمْ} حين تبتُم.

فإنْ قلتَ: أنهم عُوقبوا بالقتل - على ما يأتي عن قريبٍ - فما معنى العفو؟

قلتُ: العفو قد يكون قبل العقوبة وقد يكون بعدها، بخلافِ الغفران فإنه لا يكون معه عقوبةٌ البتة

(4)

، على أن العقوبة كانت لبعضهم.

وأصلُ العفو: المحوُ، من عَفَتِ الريحُ الأثرَ: إذا أَذْهَبتْه، لا من عفا المنزلُ: إذا دَرَس، فإنه يَتعدَّى ولا يَتعدَّى.

(1)

في هامش "د" و"م": (فيه رد للقاضي في قوله باشر الحكيم. منه).

(2)

في هامش "د" و"م": (فيه رد للقاضي في قوله: بإشراكهم. منه).

(3)

في "م": (يرشد).

(4)

في هامش "د" و"م": (نص على ذلك الإمام القرطبي. منه).

ص: 182

و {ثُمَّ} للبُعد، فإنَّ العفو بعد ارتكابهم ما هو الموجِبُ لأشدِّ العذاب في غايةِ البعد.

و {ذَلِكَ} في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} لتعظيم الشرك؛ أي: عفَوْنا من بعدِ ذلك الأمر العظيم البعيد عن العفو {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمةَ العفو.

ومعنى الشكرِ في اللغة: عرفانُ الإحسانِ بالجَنان، ونشرُه باللسان.

وتفسير (لعل) بـ (كي) مردودٌ بأنَّ جمهور أئمَّة اللغة اقتصروا في بيان معناها الحقيقيِّ على الترجِّي والإشفاق، وعدمُ صُلوحها لمجرَّد معنى العلِّيَّة والغَرَضيَّة مما وقع عليه الاتِّفاق، ألَا تَرى تقول: دخلت على المريض كي أعودَه، وأخذتُ الماء كي أشربَه، ولا يصحُّ: لعل.

وحملُها على الإرادة إنما يصحُّ على أصل الاعتزال، وأمَّا على أصلِ أهلِ الحق فلا صحةَ؛ لأن إرادته تعالى تستلزمُ الوقوعَ عندهم ولم يقع، فلا بد من الحمل على كونهم في صورةِ مَن يُرجَى منه الشكرُ وإنْ لم يتعلَّق به الإرادةُ.

(53) - {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الواو بينهما هو التي توسَّطُ

(1)

بين الصفات، والمفيدةُ كونَ الموصوف جامعًا لها؛ أي: الشيءُ الجامع بين كونه كتابًا منزلًا من عند الله وبين كونه فرقانًا يَفْرُق

(2)

بين الحقِّ والباطل، وهو التوراة.

(1)

في النسخ عدا "م": (تواسط)، والمثبت من "م".

(2)

(يفرق): ليست في "م".

ص: 183

وفي توصيفه

(1)

بالكتاب في مقام المدح إشارةٌ إلى نزوله من السماء مكتوبًا.

وحمل (الفرقان) على النصر الذي فرَق بينه وبين عدوِّه - كما في قوله تعالى: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41] يعني: يومَ بدر - لا يناسبُه قولُه: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} باتِّباع ذلك الكتاب المنزَل والعملِ بما فيه، قال الله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44].

(54) - {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} القوم اسمٌ جمع لا واحدَ له من لفظه، ويختصُّ بالرجال.

{يَاقَوْمِ} المنادى إذا أضفْتَه إلى نفسكَ جاز فيه حذفُ الياء وإثباتُها كما في قوله تعالى: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} [الزمر: 53]، وفتحُها كما في قراءةِ مَن فتحَ الياء، والأجودُ الاكتفاء بالكسر.

{إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} ؛ أي: ضَرَرْتُم أنفسكم بإيجاب العقوبة عليها، أو نَقَصْتُموها ثواب الإقامة على عهدي، فإن الظلم في اللغة: النَّقصُ، وفي العُرف: الضررُ الخالي عن نفعٍ يزيد عليه، ودفع مَضرَّةٍ أعظمَ منه، وظلمُ الإنسان نفسَه أفحشُ من ظلم غيرها.

{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} الفاء الأولى للسببية؛ لأن الظلم سبب التوبة، والثانيةُ للتعقيب، فإن كانت توبتُهم نفسَ القتل فقوله:{فَاقْتُلُوا} تفسير

(1)

في "ك": (وصفه).

ص: 184

وتفصيلٌ لقوله: {فَتُوبُوا} ، ولا حاجة إلى تقدير العزيمة، وإن كانت تتمَّةَ التوبة وسببَ قبولها فمعناه: توبوا فأَتْبِعوا توبتكم القتلَ تمامًا لها، والتعديةُ بـ (إلى) لمَا في التوبة من معنى الرجوع.

وخُصَّ البارئُ بالذكر من

(1)

سائر أسمائه؛ لأن البارئ هو الذي خلقهم أبرياءَ من التفاوُت في النوع والتشابُهِ في الشخص، وذلك من عجيبِ حكمته وبديعِ قدرته، فعيَّرهم على تركهم عبادةَ مَن هذا شأنُه إلى عبادةِ ما هو مَثَلٌ في الغباوة حتى عرَّضوا أنفسَهم لسخطه، فناسب خلقَهم وجَمْعَ بِنييهم باللُّطف قَتْلُهم وفكُّ تركيبهم بالقهر حيث تقابَلا.

والنفسُ هاهنا هي هذه البِنيةُ الإنسانيَّة، والقتلُ هو إزهاقُ الروح.

وحُمل قوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} على الظاهر وهو النَّجْع؛ أي: قتل أحدٍ نفسَه، ويجوز أن يكون على التجوُّز بجَعل المقتولِ نفسَ القاتل؛ لِمَا

(2)

بينهما من التعلُّق والاتحاد في الاعتقاد، قيل: أُمروا أن يقتل بعضُهم بالسيف بعضًا، وقيل: مَن لم يعبدِ العجل أن يقتل العبَدةَ.

{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} ؛ أي: ذلك القتلُ والرجوعُ أنفعُ لكم من الحياة بالإصرار المؤدِّي إلي العذاب المخلَّد في النار، ولمَّا كان ظهور نفعِه في الآخرة بالحياة الأبدية والبهجةِ السَّرْمديَّة نبَّه عليه بقوله:

{عِنْدَ بَارِئِكُمْ} وإعادة {بَارِئِكُمْ} كإعادة (الحق) في قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105].

(1)

في "ف": (من بين).

(2)

في "ك" و"م": (بما).

ص: 185

{فَتَابَ عَلَيْكُمْ} إخبار بالتوبة، وعطفٌ على محذوفٍ؛ أي: فامتثَلْتُم ذلك فتاب عليكم.

وهاتان الجملتان مندرِجتان تحت الإضافة إلى الظرف الذي تقدَّم، والْتِفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، حيث عبَّر عنهم بطريق الغيبة بلفظ (قومه)، وأمَّا اندارجُه تحت قول موسى عليه السلام على تقدير شرطٍ محذوف؛ أي: إنْ فعلتُم، ففيه أنَّ دخول الفاء الجزائية على الماضي المتصرِّف من غير (قد) غيرُ جائزٍ، وإضمارُها ضعيف، وحذفُ فعل الشرط وأداتهِ معًا وإبقاءُ الجواب مما نُوزع في صحته.

{إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} المبالغةُ في الوصف الأول لكثرة توفيقه تعالى في

(1)

التوبة وقبولها مرةً بعد أخرى، والمبالغةُ في الوصف الثاني لعدم الاستعجال في أمر العقوبة، والإهمالِ إلى زمان التوبة بدءًا وعودًا.

(55) - {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} .

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى} يعدِّدُ عليهم ما صدر عنهم من سوء الاقتراح، وفي ندائهم موسى كليمِ الله باسمه دليلٌ على سوء أدبهم معه، وقد تكرَّر ذلك منهم.

{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} تعديَةُ الإيمان باللام باعتبارِ تَضْمينهِ

(2)

معنى الوثوق.

وما قيل: أي: لأجل قولك، يأباه قوله:{حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} لأنَّ عدم إيمانهم لأَجْل قوله لا ينتهىِ عند رؤيته تعالى بل يستمر.

(1)

كلمة (في) ليست في "د" و"م" و"ك"، وكلمة (تعالى) ليست في "ح" و"ف".

(2)

في "ك": (تضمنه).

ص: 186

والرؤية بصَريَّةٌ، وأكِّدت بقوله:{جَهْرَةً} - أي: غيرَ مستترٍ عنا بشيءٍ - مبالغةً في الإبصار، وانتَصَب على المصدر

(1)

لأنها نوعٌ من الرؤية، أو على الحال بمعنى ذوي جهرةٍ.

وقرئ: (جهَرةً)

(2)

بفتح الهاء، وهي إمَّا مصدرٌ كالغلبة، وإمَّا جمعُ جاهرٍ.

وأوجَهُ الأوجُهِ هو أن يكونَ بمعنى (جَهْرة) لأنَّ كلَّ اسم كان ثانيهِ من حروف الحلْق يجوز تحريكُه قياسًا مطَّردًا كبَحْر وبَحَر، ونَهْر ونَهَر، والأصل في القراءتين التَّوافُقُ.

والجهرُ حقيقة في ظهور الشيء بإفراطٍ صوتًا

(3)

كان أو غيرَه.

والقائلون هم النُّقباءُ السبعون الذين خرج بهم موسى عليه السلام إلى الطُّور.

وقيل: قاله عشرةُ آلافٍ منهم.

والمؤمَنُ به: أن هذا كتابُ الله تعالى، وأنك سمعتَ كلامه، وأنَّه أَمَرنا بقبوله والعملِ به.

{فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} لا لاستحالة المسئول، بل لأنهم لم يَسألوا سؤالَ استرشادٍ

(4)

، بل سألوا سؤالَ تعنُّتٍ، وأساؤوا الأدب في السؤال حيث قالوا:{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} .

والصاعقة: كلُّ أمرٍ هائلٍ مميتٍ، أو مزيلٍ للعقل والفهمِ غالبًا، والمراد: الصيحةُ

(1)

في "ك": (المصدرية).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 5).

(3)

في "ك": (صورة).

(4)

في "م" و"ك": (لم يسألوا الرسول استرشادا).

ص: 187

الهائلةُ الحاصلةُ بالرجفة؛ لقوله

(1)

تعالى في سورة الأعراف: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: 78] وأصلها: الاضطراب، فخرُّوا صَعِقينَ ميتين يومًا وليلة.

{وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} دلَّ هذا على أنها جاءتهم مُعاينةً بالنهار وهم أيقاظٌ يُبصرونها، وذلك أقطعُ وأشدُّ وقعًا.

(56) - {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} البعثُ: إثارةُ الباركِ والنائمِ عن مكانه، ونشرُ الميت كبعثِ النائمِ، فالتقييدُ بقوله:{مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} - أي: بسبب الصاعقة - لتعيينِ المراد ودَفعِ الاشتِباه.

{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمةَ البعث، أو نعمةَ الهداية بعد الضلالة.

(57) - {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} ؛ أي: وجَعلْنا الغمامَ يُظلُّكم، وذلك في التِّيه سخَّر الله تعالى لهم السحابَ يسيرُ بسَيرِهم يظلُّهم

(2)

من الشمسِ.

والظلُّ في اللُّغة: السَّترُ.

والغمامُ: جمع غمامةٍ، وهي ما ابيضَّ من السحاب، سمِّي بها لستره، فإن كلَّ ما يَستر شيئًا فهو غمَّةٌ.

(1)

في "م" و"ك": (بقوله).

(2)

في "ك": (السحاب يسترهم ويظلهم).

ص: 188

{وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} هو التَّرنجبينُ، وكان ينزل كهيئةِ الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

{وَالسَّلْوَى} هو السُّمَانَى، وكانت ريحُ الجَنوب تحشرُه عليهم.

{كُلُوا} على إرادة القول {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} من المشتهَيَات الخاليات عن الأدواء والمَضرَّات، وعن الحُرمة والكراهة؛ لأن أمر الإباحة لا يتناولُهما.

{وَمَا ظَلَمُونَا} عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: فظلموا بكُفرانهم هذه النِّعم وما ظلَمونا، فالواوُ فصيحةٌ.

ولمَّا أَخبر عن وقوع الظلم، ونَفَى أن يصل إليه، تشوَّقت

(1)

النفسُ إلى ذكرِ مَن وقع به الظلمُ، واتَّصل به ضررُه، فاستدرك بيانَه فقال:

{وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فتقديمُ المفعول للتخصيص، والجمعُ بين (كان) وصيغةِ المضارع للدلالة على الاستمرار التجدُّديِّ.

(58) - {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} .

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا} الدخول: الانتقال من العورة إلى الحصن

(2)

.

{هَذِهِ الْقَرْيَةَ} هو كقولك: هذا المالُ، وذاك الرجلُ، تنبيهًا على كماله، فإن الشيء إذا عظُم أمرُه يُوصف باسمِ جنسه.

(1)

في "ك": (تشوفت)، والمعنى متقارب.

(2)

تقدم نحو هذا عند تفسير قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 22] فانظره لزاما.

ص: 189

والقرية: الأبنيةُ التي هي مجتمَعُ الناس، من قولك: قريتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعتُه.

والمراد بالقرية هنا: بيتُ المقدس.

وقيل: إيلياء، وهي البلدةُ التي فيها بيتُ المقدس.

وقيل: أريحا، وهي بقربِ بيت المقدس.

أُمروا به بعد التِّيهِ، وقد أُمروا بالدخول في الأرض المقدَّسة مرةً

(1)

أخرى، وذلك الأمرُ قبل التِّيه، دل على ذلك ما في سورة المائدة من ترتيبِ التِّيه على عدم امتثالهم بهذا الأمر.

{فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} أي: أَبَحْنا لكم ووسَّعْنا عليكم، فتعيَّشوا فيها أين شئتُم بلا تضييقٍ ولا منعٍ، وذُكر الأكلُ لأنَّه معظَمُ المقصود.

والفاءُ أفادَ تَسبُّب

(2)

دخولهم للأكل منها؛ لأنَّه كنايةٌ عن استيلائهم عليهم، وهو سببُ المِلك المعبَّرِ عنه بالأكل.

{رَغَدًا} واسعًا، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، ويجوز أن يكون في موضعِ الحال.

{وَادْخُلُوا الْبَابَ} يعني: بابَ القرية، قال مجاهد والسدِّيُّ: هو البابُ الثامن من بيت المقدس، يُعرف اليوم بـ: باب حِطَّة.

والأمرُ على لسانِ يوشَعِ بن نونٍ عليه السلام، فلا ينافي عدمَ دخولهم بيتَ المقدس في حياة موسى عليه السلام.

{سُجَّدًا} أُمروا بالسجود عند الانتهاءِ إلى الباب شكرًا للهِ تعالى وتواضُعًا.

(1)

بعدها في (م) زيادة: (بعد).

(2)

في "ك": (سبب).

ص: 190

وقيل: أُمروا بالدخول بخشوعٍ وإخباتٍ.

{وَقُولُوا حِطَّةٌ} فِعْلة مِن الحَطِّ، وهو إنزالُ الشيء مِن عُلوٍ.

وحطُّ الذَّنبِ: إسقاطُه، وهو كإلقاءِ الحَملِ عن الظهر، وحَطَّ حَطًّا متعدٍّ، وحَطَّ حُطوطًا لازمٌ.

وهي خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: مسألتُنا حِطَّةٌ، أو: أمرُكَ حِطَّةٌ، والأصلُ النَّصبُ بمعنى: حُطَّ عنَّا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنما رُفعتْ لتعطيَ معنى الثَّباتِ.

وقُرئ بالنصب على الأصل

(1)

على أنه مفعولُ (قولوا).

وقيل: معناه: أمرُنا حطةٌ؛ أي: أن نَحُطَّ في هذه القريةِ ونُقيمَ بها.

{نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} جواب الأمر، مترتِّبٌ على دخول الباب بقيدِ السجود وقولِ:{حِطَّةٌ} .

الغَفْرُ والغُفْرانُ والمغفرةُ: السترُ، ومنه الجمُّ الغَفيرُ: الجمعُ الكثيرُ الذي يَستر بعضُه بعضًا.

والخطايا: جمع خطيئةٍ بمعنى الإثم، يقال: خَطِئَ: إذا أَثِمَ متعمِّدًا، وأخطأ: إذا لم يتعمَّدْ.

{وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} ثوابًا، يعني: مَن كان خاطئًا غفرْنا له خطاياه، ومَن كان مُحسنًا زِدْنا في عطاياه، ففي الكلام جمعٌ وتفريقٌ.

أمَّا عدمُ انْجِزامِ (سنزيدُ) مع عطفه على مجزومٍ فلِخروجه عن صورة الجواب بدخول السين المانعةِ عن

(2)

الانجزام.

(1)

تنسب لابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 5).

(2)

في "م" و"ك": (من).

ص: 191

ونكتةُ الإخراج الدلالةُ على أنه يُفعل البتةَ؛ لأن تلك الزيادةَ إذا

(1)

كانت عن وعدِ الله تعالى كانت أقطعَ مما إذا كانت مسبَّبةً عن فِعْلِهم.

(59) - {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} .

{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} وُضع المظهَرُ موضعَ المضمَرِ ليدلَّ على أن التبديل ظلمٌ، أو مسبَّبٌ عن ظلمِهم وعادتِهم في وضع الأشياء غيرَ مواضعها، وأن المبدِّلين بعضُهم لا كلُّهم.

{قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} ؛ أي: أمر وا بقولٍ معناه التوبةُ والاستغفارُ، فبدَّلوا به قولًا معناه غيرَ ذلك

(2)

، وليس الغرض أنهم أُمروا بلفظةٍ معيَّنةٍ فجاؤوا بغيرها؛ لأنهم لو قالوا مكان {حِطَّةٌ}: نستغفرُك ونتوبُ إليك، وما أشبهَ ذلك ولم يؤاخَذوا به ولم يعذَّبوا.

وقيل: قالوا مكانَ {حِطَّةٌ} : حنطةٌ، استهزاءً وإعراضًا عن طلبِ ما عند اللهِ تعالى إلى طلبِ ما اشتَهَتْ نفوسُهم.

{فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} الإظهارُ في موضعِ الإضمار للتَّنصيص على عدمِ تَعَدِّي العذابِ عن الذين ظلموا إلى غيرهم، فإنَّ منه ما يتعدَّى إلى غير الظالم على ما دلَّ عليه قوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]،

(1)

في "م": (إن).

(2)

في "م": (غيره)، وسقطت كلمهَ (ذلك) من "ح" و"د" و"ف"، والمثبت من "ك".

ص: 192

وأما الإشعارُ بأن الإنزال عليهم بظلمهم المذكور فقد حصل من الفاء الدالة على التسبُّب فيما تقدم.

{رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} عذابًا في غايةِ الاشتدادِ، خارجًا عن حدِّ المعتاد، فإن النسبة إلى السماء للإشارةِ إلى هذا المعنى، رُوي أنه مات منهم بالطاعون في ساعةٍ واحدةٍ

(1)

أربعةٌ وعشرون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا.

وهاهنا وجهٌ آخرُ وهو أن العذاب ضربان: ضربٌ يحصل بالأسباب

(2)

الظاهرة فيُظنُّ أنه يمكن دفاعه كالهدم والغرق، وضربٌ يحصل بأسبابٍ غير ظاهرةٍ فلا يُظن أنه يمكن دفاعه كالطاعون والصاعقة، وقد شاع في متعارَف الناس نسبةُ هذا الضرب إلى السماء.

والرِّجز إنما يطلق على العذاب الموجِب للاضطراب، يقال: ارتَجز، إذا ارتَعش.

{بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} بسبب اعتيادهم بالخروج عن الطاعة.

(60) - {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} .

{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} الاستسقاء: طلبُ السَّقْي أو الإسقاء

(3)

، والسَّقْيُ:

(1)

في "م" و"ك": (الساعة الواحدة).

(2)

في "م": (بالأشياء).

(3)

في "ك": (الاستقاء).

ص: 193

أن يجعل له ما يشربُه، والإسقاءُ: التعريضُ للماء وجعلُه له ليتناوله

(1)

متى أراد، فهو أخصُّ معنًى من السَّقْي.

وقد دلَّ ذلك على أنهم عطشوا واشتدَّ حاجتُهم إلى الماء، وكان العطش والتضليل

(2)

في التِّيه، ودخولُ القرية بعدها، ولم يراعَ الترتيب في ذكرها لأن المقصود تعديدُ النعم

(3)

والتقريعُ على كفرانها نعمةً نعمةً على التفصيل، والتفريقُ أدلُّ على ذلك؛ لأنها لو وردت مرتَّبةً كانت قصةً واحدةً، فيُظنُّ أن المراد ذكرُ نعمةٍ واحدةٍ.

{فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} كانت عصاه من آسِ الجنة وله شعبتان تتَّقدان في الظُّلمة، واللام في {الْحَجَرَ} للعهد على ما رُوي أنه كان حجرًا أَهبطه آدم عليه السلام من الجنة، فوقع

(4)

إلى شعيبٍ عليه السلام، فأعطاه إليه مع العصا.

أو حجرًا طُوريًا حمله معه

(5)

.

أو الحجر الذي فرَّ بثوبه لمَّا وضعه عليه ليغتسل وبرَّأه الله تعالى به عمَّا رمَوه [به] من الأُدْرة

(6)

، فأشار إليه جبريل عليه السلام بحمله.

(1)

في "م" و"ك": (يتناوله).

(2)

قوله: (والتضليل) من "د".

(3)

في النسخ عدا "م": (تقدير النعم)، والمثبت من "م"، وجاء في هامشها وهامش "د":(مبنى هذا على أن الأبناء ممنونة بنعمة الآباء على ما تقدم بيانه. منه).

(4)

في "م": (فرفع)، وفي "ك":(فدفع).

(5)

في النسخ عدا "م": (منه)، والمثبت من "م".

(6)

في "ك": (لما رموه بالأدرة)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"، وما بين معكوفتين منه.

ص: 194

أو للجنس على ما قيل: لم يأمره أن يضرب حجرًا معيَّنًا، ولكنْ لمَّا قالوا: كيف بنا لو أَفضينا إلى أرضٍ لا حجر بها؟! حمل حجرًا في مِخْلاته، وهذا أظهرُ في الحجة، والأول أنسبُ لتعريف قَرينه.

قال ابن عطيةَ: لا خلاف أنه كان حجرًا منفصِلًا مربَّعًا، تطَّردُ من كل جهةٍ ثلاثةُ عيون إذا ضربه موسى عليه السلام، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفَّت العيون

(1)

.

وإياك أن تتوهَّم أن هذا من قبيل ما يستنِدُ إلى الطبائع من الخواص؛ كجذب بعض الأحجار الحديدَ، وحلقِ بعضِها الشعرَ؛ لأنَّه لا يتبع الإرادة والحاجة، والحقُّ أن فتح باب أمثالِ هذا التوجيه الباطل في خوارق العادات الصادرةِ عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم سعيٌ في سد طريق دلالة المعجزة على صدق النبوة.

{فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} متعلِّق بمحذوف يُفصح عنه الفاءُ الفصيحة، تقديره: فضَرب فانفجرت، ونكتةُ الحذف: الدلالةُ على سرعة الامتثال، وظهورِ الأثر في الحال، وعلى أنَّ المقصود بالأمر أثرُ الضرب لا الضربُ نفسه، والإشارةُ إلى أن ترتُّب الانفجار وإن كان في الظاهر على ضرب موسى عليه السلام لكنه في الحقيقة على أمر الله تعالى به وبتعليقه عليه.

والفَجْرُ: الشَّقُّ، ومنه: الفاجر؛ لأنَّه فَسَقَ فشَقَّ عصا المسلمين بخروجه إلى الفِسق.

والعين: الينبوع، وهي مؤنَّثة سماعًا، ونُصب على التمييز.

وجاز اجتماعُ علامتي التأنيث في {اثْنَتَىْ عَشْرَةَ} لأنهما في شيئين.

(1)

انظر: "المحرر الوجيز"(1/ 152).

ص: 195

{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} الأناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد: كلُّ سبط من أسباط بني إسرائيل، وكانوا على عدد العيون.

{مَشْرَبَهُمْ} المشرب: موضع الشرب، والعلمُ بموضعِ الشرب كنايةٌ عن عدم التجاوز عنه؛ كما يقال: فلان يعرف حده؛ أي: لا يَتجاوز عنه، ففي الكلام إيجاز بليغ حيث دل على سَبْق التعيين

(1)

والتخصيص.

قيل: كانوا ستَّ مئةِ ألفٍ، وسعةُ العسكر اثني عشر ميلًا.

{كُلُوا وَاشْرَبُوا} على تقدير القول.

وقيل: الماء يَنبت منه الزرع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويشرب. ولا وجه له في هذا المقام؛ لأنهم في التِّيه ما كانوا يأكلون من زرع الماء وثمره.

(من رزق الله) من المنِّ والسلوى وماء العيون، (مِن) للابتداء أو للتبعيض، والرزق: المرزوق، والإسناد إلى الله تعالى لعدم التوقُّف على الكسب العادي، وإلا فالرزق كلُّه مستندٌ إليه تعالى خلقًا وإيجادًا.

{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} لمَّا كان قد تهيَّأ لهم المأكولُ والمشروب من غيرِ تعبٍ نُهوا عن الفساد؛ إذ كان ذلك قد يدعو إليه؛ كما قال الشاعر:

إن الشبابَ والفراغَ والجِدَةْ

مَفْسدةٌ للمرءِ أيُّ مَفْسَدةْ

(2)

والعِثِيُّ على ما ذُكر في "العين": أشدُّ الفساد

(3)

، والفسادُ: خروجُ الشيء عن أنْ يكونَ منتفَعًا به، وربما لا يكون منهيًّا بل يكون واجبًا؛ كهدم دُور المشركين وحرق

(1)

في "م" و"ك": (اليقين).

(2)

البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه (ص: 448).

(3)

انظر: "العين"(2/ 231)، ولفظه: عثِي يعثَى في الأرض عِثِيًّا وعَثَيانًا: أفسد.

ص: 196

زروعهم، ولذلك قيِّد بقَصدِ

(1)

الإفسادِ المستفادِ من قوله: {مُفْسِدِينَ} ، فإنَّ المفسِدَ مَن باشَرَ الفسادَ عَمْدًا، لا مَن صدر عنه الفسادُ مطلقًا ولو سهوًا.

وفائدةُ ما في مفهوم العِثِيِّ من الشدة: الدلالةُ على أنَّ أشدَّ الفساد غيرُ منهيٍّ إذا كان لمصلحةٍ فكيف

(2)

الفسادُ في الجملة

(3)

.

قال الراغب: والعَيْثُ العِثِيُّ يتقاربان؛ نحو: جَذَبَ وجَبَذَ، إلا أنَّ العيثَ أكثرُ ما يقال فيما يُدرَكُ حِسًّا، والعُثُوَّ

(4)

فيما يدرَك حكمًا

(5)

.

(61) - {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} .

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} يعني: ما رزقوا به في التِّيه، قيل: كان

(1)

في "م": (بقيد).

(2)

في النسخ عدا "م": (غير منتهي فكيف)، والمثبت من "م".

(3)

في هامش "ف" و"م": (من لم يتنبه لهذا قال: ورد الكلام نهيًا لهم عما كانوا عليه، وإلا فالفساد منكر منهي عنه كيف ما كان. منه). وفوقها في "ف": (كشاف وسعد الدين).

(4)

قوله: (والعثو) كذا في النسخ، والذي في "المفردات":(والعثي)، وهو الأنسب بالسياق وإن كان معناهما واحدًا.

(5)

انظر: "مفردات الراغب"(مادة: عثا).

ص: 197

ينزل عليهم المنُّ وحده، ثم ملُّوه فأُرسلت عليهم السلوى، وكان هذا الكلام منهم قبل نزول السلوى.

وقيل: أريد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، فلا ينافي التعدُّدَ.

{فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} سَلْهُ لنا بدعائكَ إيَّاه وفي معنى التربية التي هي مأخَذُ الربِّ مناسَبةٌ للمقام.

{يُخْرِجْ لَنَا} جزمٌ على أنه جوابُ {فَادْعُ} ، كأنهم طلبوا حصول ما طلبوه على سبيل خرق العادةِ؛ كنزول المنِّ والسلوى، ولذلك قالو ا:{يُخْرِجْ} ؛ أي: يُظهِرْ، ولم يقولوا: يُنبت.

وإنما كُرِّر (لنا) - مع أنَّ في الثاني منهما غنًى عن الأول - إظهارًا لصلة الدعاء النافع؛ اهتمامًا في شأنه.

{مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} (مِن) للتبعيض، والإنبات: عمل طبيعةِ الأرض في تربية البذر ومادةُ النبات

(1)

بتسخيرِ الله تعالى إياها وتدبيرِه، وذلك أمرٌ آخَرُ وراء إيجاده وإيجادِ أسبابه، والعملُ إنما يُسند حقيقةً إلى مَن باشرَه لا إلى مَن خلقه وأوجَدَه، فالمنبتُ والمولِّد والمصوِّر ونحو ذلك حقيقةً المباشرُ لأسباب

(2)

هذه الأعمالِ لا الباري تعالى، وإنما نُسب إليه كنسبةِ القتل والقطع والكسر إليه؛ لكونه الممكِّنَ منها.

{مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} تفسيرٌ وبيانٌ وقع موقعَ الحال من الضمير، تقديره: مما تنبتُ كائنًا من بقلها، أو بدلٌ بإعادة الجارِّ.

والبقل: كلُّ ما يؤكل مع الطعام مِن الخُضَرِ.

(1)

في "ف": (الإنبات).

(2)

في "د" و"م": (بأسباب).

ص: 198

والفُومُ: الحنطةُ عند الأكثر، وقال مجاهد: الفوم: الخبز

(1)

، يقال: فوِّموا لنا؛ أي: اختَبِزوا؛ قال الفرَّاء: هي لغةٌ قديمة

(2)

.

وقيل: الثوم، ولا دلالة في قراءة:(وثومِها)

(3)

عليه؛ لأن الثاء تُبْدل من الفاء؛ كما قالوا: مغافيرُ ومغاثيرُ، وجَدَفٌ وجَدَثٌ، ولو كان المراد الثومَ لكان المناسبُ أن يُذكر بعد العدس

(4)

.

والقثَّاء: جمع قُثَّاءةٍ وهو نوعٌ آخر من جنسِ الخيار، واختير صيغةُ الجمع هنا لفصاحتها، وأما معنى الجمعِ فقد بَطَل بالتعريف؛ لعدم مناسبة المقام.

قيل: كان القوم فلَّاحةً، فنزعوا إلى عَكَرهم واشتَهَوا ما أَلِفُوه.

{قَالَ} ؛ أي: اللهُ، أو موسى عليه السلام؛ أي: دعا فأجابه الله تعالى لِمَا دعا، فقال الله تعالى - أو موسى عليه السلام بإذنه -:

{أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} ؛ أي: أتطلبون تبديلَ الذي هو أدنى، والمنصوبُ هو الحاصل، والذي يَدخل عليه الباء هو الزائلُ، و (أدنى) أفعلُ

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(2/ 16).

(2)

انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 41).

(3)

تنسب لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 6).

(4)

قوله: (لكان المناسب أن يذكر بعد العدس) كذا قال، ولم يَذكر السبب، ولعله يريد أن المناسب ذكره مع البصل لاقترانهما في العادة والأخبار، ولم يشترط غيرُه هذا الشرط لترجيح وجه الثوم، قال الآلوسي في "روح المعاني" (2/ 206): هو بالعدس والبصل أوفق. وقال أبو حيان في "البحر"(2/ 127): وهو المناسب للبقل والعدس والبصل. وقال القرطبي في "تفسيره"(2/ 146): قيل: هو الثوم لأنَّه المشاكل للبصل.

ص: 199

تفضيلٍ من الدنوِّ المستعار من القرب المكانيِّ للخسَّة؛ كالقرب المستعارِ للشرف والرِّفعة

(1)

، أو من الدُّون وهو الرديءُ، فقُلب، أو أصله: أدنأ، فسُهِّلت همزتُه بإبدالها أَلِفًا من الدَّناءة، وقد قُرئ بالهمزة

(2)

.

{بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}

(3)

المنُّ والسلوى، وإنما كان خيرًا لحصوله بلا تعبٍ، ووصوله من جهة الربِّ تشريفًا، وخلوصِه عن شبهة الخطر، وكونه ذا خطر بخلافِ البقول.

{اهْبِطُوا مِصْرًا} انحدِروا إليه، فإن القادم على خطرٍ كأنه منصبٌّ عليه، والمِصرُ: البلد العظيم؛ أي: انزلوا بعضَ الأمصار إن كنتم تريدون هذه الأشياء.

ويحتمل أن يريد العَلَم؛ أعني: مصرَ فرعون وصرفُه لعدم سببٍ آخر على إرادة البلد، أو لسكونِ وسطه، ويؤيده أنه غيرُ منوَّنٍ في مصحف أبيٍّ وقراءةِ ابن مسعود

(4)

.

وقيل: أصلُه: مصرائيم، فعرِّب، ولصرفه حينئذٍ وجهٌ آخر، وهو أنه لا اعتداد بالعُجمة؛ لوجود التعريب والتصرُّف.

{فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} لمَّا كان هذا في قوةِ قوله: فوجدوا ما سألوهم، عُطف

(1)

قوله: (كالقرب .. )، كذا قال، والصواب:(كالبعد)، فهو المستعار للشرف، فيقال: بعيد المحل بعيد الهمة، يريدون الرفعة والعلو. وأما القرب فهو كالدنو يعبر به عن قلة المقدار كما قال الزمخشري، لا عن الشرف كما ذكر المؤلف. انظر:"الكشاف"(1/ 145)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 84)، و"روح المعاني"(2/ 207).

(2)

تنسب لزهير الكسائي - ويعرف أيضًا بالفرقبي - كما في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 6).

(3)

بعدها في "م": (يريد)، وفي "ك":(يريد به).

(4)

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 25)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: 6)، و"الكشاف"(1/ 145)، و"المحرر الوجيز"(1/ 154)، و"البحر المحيط"(2/ 131).

ص: 200

عليه قولُه: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} وفي الجمع بينهما إشارةٌ إلى أن الذلَّةَ والمسكنةَ من روادفِ ما ابتغَوه من الزراعة والحراثة

(1)

، وقد جاء في الخبر:"والذلُّ في أذناب البقر"

(2)

.

والكلامُ كنايةٌ عن كونهم أذلَّاء متصاغرين، مبناها على الاستعارة: أمَّا في (الذلَّة) - تشبيهًا لها بالقبَّة - فهي مَكْنيَّةٌ، وإثبات الضرب تخييلي

(3)

، وأمَّا في الفعل - أعني:(ضُربتْ) تشبيهًا لإلصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط - فتكون تصريحيةً تبَعيةً.

والذلَّة: فِعْلةٌ من الذُّلِّ، كأنها هيئةٌ وحالٌ.

والمسكنة: من المسكين، وقال الزَّجَّاج: هي مأخوذةٌ من السكون، وهي هنا ذلُّ الفقر وخضوعُه، وإن وجد يهوديٌّ غني

(4)

فلا يخلو من زي

(5)

الفقر ومهانته مخافةَ أن تضاعَفَ جزيتُهم.

{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} : رجعوا به؛ أي: لزمَهم ذلك، ومنه قولُه عليه السلام في دعائه ومناجاته:"أبوء بنعمتك"

(6)

؛ أي: أُقرُّ بها وأُلزمها نفسي، هذا على ما ذكره الفرَّاء أن (باء) بمعنى: رجع.

(1)

في "م" و"ك": (والحرث).

(2)

رواه ابن عدي في "الكامل"(7/ 284) من حديث أنس رضي الله عنه وقال: حديث منكر.

(3)

في "ك" و"م": (تخييل).

(4)

في "ك": (غنيًا).

(5)

في "ك": (يخلو من ذل)، وفي "م":(يخلو منه).

(6)

قطعة من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري (6306) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، وفيه: "أبوء لك بنعمتك

".

ص: 201

وقال

(1)

الكسائي: ولا يكون (باء) إلا بشيء، إما بخيرٍ وإما بشرٍّ، ولا يكون لمطلَق الانصراف.

أو: حَلُّوا مبوَّأهم ومعهم غضبُ الله تعالى؛ أي: عقوبتُه، وقوله:(بغضبٍ) في محلِّ الحال؛ نحو: خرج بسيفه، واستعمالُ (باءَ) للتنبيه على أنَّ مكانهم الموافقَ يلزمُهم فيه غضبُ الله فكيف غيره من الأمكنة؟ وهذا على ما ذكره الراغب من أنَّ أصل البَوَاء: مساواةُ الأجزاء في المكان، خلاف النَّبْو الذي هو منافاتُها

(2)

.

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما سبق من الضرب والبَوْء.

{بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} بسبب أنهم جمعوا بين الثبات على أصل الكفر والدوامِ عليه وبين تجدُّد أنواعه، والمراد من الآيات: المعجزات، أو الكتبُ المنزلة.

{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} أنهم قتلوا شعيبًا وزكريا ويحيى وغيرَهم صلوات الله عليهم أجمعين.

{بِغَيْرِ الْحَقِّ} ليس احترازًا إذ لا يقع قتلُ نبي إلَّا بغير الحق، فهو قيد لازم، نحو: دعوت الله سميعًا، وجاء تعظيمًا للشُّنعة والذنبِ الذي أَتَوه.

وما قيل: معناه: أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، يردُّه أنهم كانوا يقولون: هؤلاء كاذبون، وما أتوا به تمويهاتٌ وليست من الله تعالى، ويقتلونهم بهذا الاعتقاد الباطل.

{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} إشارةٌ إلى السبب المذكور، والباءُ في {بِمَا}

(1)

في "ك": (قال) بلا واو.

(2)

انظر: "مفردات الراغب"(مادة: باء).

ص: 202

للسببية، فيكون بيانًا لسببِ السبب مبالغةً في جوابِ اجتنابِ المعصية والاعتداء، بأنهما يُفضيان إلى الكفر بالآيات، وقتلِ الأنبياء، وهما من أشنع القبائح.

ويجوز أن يكون ذلك تكريرًا للدلالة على أن ضرب الذلة والمسكنة، والبوءَ بالغضب، مسبَّبٌ عن أمورٍ كثيرةٍ كلُّ واحدٍ منها يوجب ذلك.

والعصيان والاعتداء هنا من الأفعال التي جعلت لازمةً، وتركت مفاعيلُها نَسيًا منسيًا.

والاعتداءُ وإن كان في أصل وضعِه تجاوُزُ الحد في كلِّ شيء، لكنَّ عرفَه الظلمُ والمعاصي، والعدول عن قوله: واعتدوا، لمثلِ ما مر من النكتةِ في قوله:{بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ} .

وأما التأكيدُ ثمةَ دون هنا: فلأن الكفر بالمعجزات الباهرة، وقتلَ الأنبياء المبعوثين بالبينات الظاهرة، مظنةُ أن يُستبعد، بخلافِ مطلَق العصيان والاعتداء.

(62) - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بألسنتهم من غير مواطأةِ القلوب، لا بد من هذا القيد

(1)

ليدخلوا في عداد الكفرة وينتظموا معهم، فيصحَّ الإبدال والإخبار بأن مَن آمن منهم إيمانًا خالصًا فله كذا.

{وَالَّذِينَ هَادُوا} يقال: هاد يهودُ: إذا دخل في اليهودية، ويهود من هاد بمعنى تاب، سمُّوا بذلك لمَّا تابوا من عبادة العجل.

(1)

في "ح" و"ف": (التقييد).

ص: 203

{وَالنَّصَارَى} اختُلف في أصلها، والأقربُ ما قيل: إن المسيح عليه السلام كان من قريةٍ يقال لها: نصران، فإمَّا أن سُمُّوا بها ثم جمعته العربُ على نصارى؛ نحو: سكران وسكارى، أو جعلوا منسوبين إليها ثم جمعت

(1)

؛ نحو: مَهْريٍّ ومَهَارَى، كذا قال الراغب

(2)

، فالياء في نصرانيٍّ للنسبة إلى تلك القرية، أو إلى ذلك الجيل، أو للفرق بين اسم الجمع والواحد كما في اليهوديِّ والمجوسيِّ.

{وَالصَّابِئِينَ} الصابئ مِن صبأ: إذا خرج من الدِّين، وهم قومٌ خرجوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة أو الكواكب

(3)

.

{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} في محلِّ النصب بدلٌ من اسم (إنَّ) وما عُطف عليه، وخبر (إنَّ):{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} ودخولُ الفاء لتضمُّن الموصول معنى الشرط.

أو في محل الرفع بالابتداء وخبره: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} ، والجملة خبر (إنَّ).

والمعنى: مَن آمَنَ مِن هؤلاء الكفرة إيمانًا صادقًا، مصدِّقًا بقلبه بجميع ما يجب تصديقُه

(4)

، عاملًا بمقتضَى شرع نبيِّ أرسل إليه.

وما قيل في تفسيره

(5)

: مَن كان منهم في دينه قبل أن يُنسخ، لا يناسب المقام؛ لِمَا عرفتَ أن المراد من {الَّذِينَ آمَنُوا}: المنافقون، والصابئون لم يَثبت لهم دينٌ سماويٌّ، ولذلك اختُلف في حلِّ نكاحهن.

(1)

في "ك": (جعلت).

(2)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 214).

(3)

في (م) و (ك): "أو الكواكب".

(4)

بعدها في "م": (به).

(5)

(في تفسيره) من "م" و"ك".

ص: 204

{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} ؛ أي: ثوابُ إيمانهم وعملِهم الصالح، سمَّاه أجرًا لأنَّه جزاءُ عمله بوعده الصادق فضلًا منه.

وترتيبُ الحكم على الموصول دلَّ على أن الاستحقاق له مسبَّب عمَّا ذكر في الصلة من الإيمان العمل الصالح مقدَّر بحَسَبه، والجملة اعتراض بين خطابي بني إسرائيل.

{عِنْدَ رَبِّهِمْ} كناية عن كون ذلك الأجرِ مأمونًا عن

(1)

الضياع لكونه عند أمينٍ حافظ.

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ؛ أي: لا ينالُهم خوفٌ ولا يصيبهم حزنٌ في الآخرة؛ لأنهم يصيرون إلى النعيم المقيم والأمن الدائم.

والتنكير في الخوف للتقليل، وفي قوله:{وَلَا هُمْ} دلالةٌ على ثبوت الحزن لغيرهم.

(63) - {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} بالعمل على ما في التوراة، والدليل على اختصاصه قوله:{وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} ؛ أي: حتى قبلتُم وأعطيتُم الميثاق.

والميثاق مِفْعالٌ من وَثِقَ يَثِقُ، مثل ميزانٍ من وَزَنَ يَزِنُ، وحِّد وإنْ أُضيف إلى الجمع تنبيهًا على أن المأخوذ على الكلِّ ميثاقٌ واحد.

(1)

في "م" و"ك": (من).

ص: 205

قال الواحديُّ: (الطور): الجبل بالسُّريانيَّة، وقد تكلَّمت به العرب

(1)

.

وقيل: عَلَمٌ للجبل الذي ناجى عليه الله تعالى موسى عليه السلام، وهو المراد هنا.

{خُذُوا} على إرادة القول.

{مَا آتَيْنَاكُمْ} ؛ أي: التوراةَ.

{بِقُوَّةٍ} ؛ أي: بجِدٍّ واجتهاد، امتَنعوا من أخذ التوراة والتزامِ أحكامها الشاقة، فأُكرهوا على ذلك برفع الطور فوقهم.

{وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} أمرٌ بحفظه وعدمِ تَناسِيه قولًا وعملًا.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قد مر في تفسير {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] ما يُغني عن بسط الكلام في هذا المقام، بتوضيح المرام وردِّ الأوهام.

* * *

(64) - {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ؛ أي: أعرضْتُم عن الوفاء بالميثاق بعد أَخْذِه على الكيفية المذكورة، وفي كلمة {ثُمَّ} إشارةٌ إلى أن الإعراض بعد تأكيد الميثاق بما ذُكر أمر بعيد، ورشَّحه عبارة {ذَلِكَ} .

{فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بقبول التوراة {وَرَحْمَتُهُ} بالعفو عن الزلَّة.

(1)

انظر: "الوسيط" للواحدي (1/ 150).

ص: 206

وارتفاع {فَضْلُ} على الابتداء، و {عَلَيْكُمْ} متعلقٌ بـ {فَضْلُ} والخبر محذوف واجبُ الحذف على المختارِ لدلالةِ الجواب عليه.

{لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ؛ أي: من المغبونِينَ بالوقوع في العذاب وحرمانِ الثواب، جوابُ (لولا)، وكثُر دخول اللام عليه إذا كان موجَبًا.

و (لو) في الأصل لامتناع الشيء لامتناعِ غيره، فإذا دخل على (لا) أفاد إثباتًا، وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والتفريغ المستفاد من الفاء باعتبارِ أنَّ في مدخولها دلالةً على أنهم كانوا على شرف الخُسران لولا تدارُكُ فضل الله تعالى، وذلك مسبَّبٌ عما تقدَّم ذكره من أحوالهم القبيحة.

* * *

(65) - {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .

{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} اللامُ موطِّئةٌ للقسَم، مسهِّلةٌ لتفهيم

(1)

جوابه على السامع.

و (عَلِمَ) هنا تعدَّى إلى واحدٍ، يعني: قد عرفتُم أصحاب السبت وما أحلَلْنا بهم من النَّكال في الدنيا بالمسخ حين اعتدَوا بالاصطياد يوم السبت، فلم يكن تأخيرنا العقوبةَ عن أسلافكم الذين كانوا قبلكم على عصيانهم ونقضِهم ميثاقَهم للعجز عن تعجيل ذلك، بل فضلًا ورحمةً، ولو شئنا لعاجَلْنا لهم بما عاجلْنا به أصحاب السبت، فيكون هذا التذكيرُ لتقرير ما ذُكر من أنَّ نجاتهم عن الخسران بمَحْضِ فضلِ الله تعالى ورحمته.

{الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} ؛ أي: الذين جاوَزوا الحدَّ الذي حُدَّ لهم مِن ترك الصيد يوم السبت من أسلافكم، وهو يومٌ معروفٌ سمِّي به لأنَّه سُبِتَ فيه خَلْقُ

(1)

في "ح" و"ك" و"ف": (لتفهم).

ص: 207

كلِّ شيء؛ أي: قُطع وتُمم وأصل السبت: القطع، ومنه السُّبات لأنَّه يقطعُ الأفعال الاختيارية، واليهود يَسبِتون فيه؛ أي: يقطعون الأعمال.

وقيل: هو مأخوذ من السُّبوت الذي هو الراحةُ والدَّعَةُ، والسبتُ هنا مصدر سَبَتَت اليهود: إذا عظَّمت السبتَ، فمعنى {فِي السَّبْتِ}: في تعظيم يوم السبت

(1)

، وتعظيمُه عبارةٌ عن ترك العادات، والاشتغالِ بالعبادات

(2)

، والإعراضُ عما يؤدِّي إلى ما يؤذي الحيوانات داخلٌ في حدِّه.

وذكرُ الموصول مع الصلة يفيدُ تعلُّق العلم بالوصف المذكور الموجبِ للمسخ المذكور لا بذواتهم، وتفصيلُ القصة يأتي في سورة الأعراف بإذن الله تعالى.

{فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً} مجازٌ لتعلُّق إرادة لله تعالى بمسخهم في آنٍ واحد.

والقِرَدةُ: جمع قردٍ، كالدِّيَكةِ جمع ديكٍ، والقياسُ في فِعْلٍ الاسمِ: فُعولٌ؛ نحو: قرود، وجمعُه على فِعَلةٍ لا يَنْقاس.

{خَاسِئِينَ} خبرٌ آخر لـ {كُونُوا} ، أو صفةٌ لـ {قِرَدَةً} باعتبارِ أنهم كانوا من العُقلاء؛ أي: جامعِينَ بين القِرْديَّة والخُسوءِ، وهو الصَّغارُ والطَّردُ، وفعله خسأ يجيء متعديًا ولازمًا.

* * *

(66) - {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} .

والضمير في {فَجَعَلْنَاهَا} للمَسخة.

(1)

في هامش "د" و"ف" و"م": (كأن صاحب الكشاف غفل عن هذا، فلذلك تكلف في تصحيح معنى الظرفية. منه).

(2)

في "ف": (والانتقال للعبادات)، وفي "ح" و"د" و"م":(والاشتغال للعبادات)، والمثبت من "ك".

ص: 208

{نَكَالًا} النَّكال: العقوبة الغليظةُ المنكِّلة للغير؛ أي: المانعة من الذنب، فإنَّ أصله المنع، ومنه النكلُ للقيد واللِّجام؟

{لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} مَن يأتي بعدها {وَمَا خَلْفَهَا} مَن تقدَّمَها وُجودًا، والتقدُّمُ بحَسَب الوجود لا ينافي حضورَ المتقدِّم عند المتأخِّر.

أو: ما بحضرتها وما بعدها فظرفا المكان مستعاران للزمان وأنَّ (ما) أُقيمت موقعَ (مَن) لا تحقيرًا لشأنهم لأنَّه لا يناسب المقام، بل لاعتبارِ وصفِ المعتبَرِين.

{وَمَوْعِظَةً} مَفْعِلةً من الاتِّعاظ والانْزِجار، والوعظُ: التَّخويفُ، والعِظَةُ: الاسم.

{لِلْمُتَّقِينَ} لكلِّ مَن اعتَبر بها

(1)

واتَّقى؛ أي: لم يفعل ذلك قصدًا للتشفِّي كفعل الآدميينَ، بل لمصلحة العباد.

* * *

(67) - {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} .

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} أولُ هذه القصة قولُه تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} [البقرة: 72] وإنما فُكَّ عنه أول القصة وأُخرج مخرج

(2)

الاستئناف كأنه قصةٌ مستقلةٌ، بالتقريع

(3)

على القتل والتدافُع، والتنبيهِ على القدرة

(1)

في (م): "اعتبرها".

(2)

في "د": (وإنما فكت عنه وأخرج إلى القصة مخرج).

(3)

في "ح" و"ف" و"م": (بالتفريع).

ص: 209

في إحياء الميت والإعجاز، وقدِّم آخرُها لاستقلاله بنوعٍ آخر من مساويهم، وهو الاستهزاءُ بالأمر، والاستقصاءُ في السؤال، وتركُ المسارَعة إلى الامتثال، ولذلك لم يقل: قال موسى لقومه يا قوم، كما قال فيما تقدم، فإنه لمَّا كان جوابَ سؤالٍ لا ابتداءَ خطابٍ لم يناسب التصديرَ بالنداء، ثم أضمر في الثانية ضمير البقرة ليدلَّ بهذا الربط أنها قصةٌ واحدةٌ، وفيما يراد منها من التقريع والتعيير قصتان، ولو أُوردت مسرودةً على الترتيب لأَمْكن أن يُغفل عن ذلك.

وقصتُه: أنه كان فيهم شيخٌ موسِر، فقتله بنو عمِّه طمعًا في ميراثه، وطرَحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمِه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويَضربوه ببعضها ليَحْيَى فيُخبِرَ بقاتله.

والبقرُ اسمٌ للأنثى، واسم الذكر: الثور؛ مثل: ناقة وجمل.

وقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذَّكر سواءٌ، وأصله من بَقَر؛ أي: شَقَّ، فالبقر يشقُّ الأرض بالحرث.

{قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} ؛ أي: أتجعلُنا نَفْسَ الهُزو؟! للمبالغةِ وفَرْطِ الاستهزاء، أو: أهلَ هُزء؟ أو: مكانَ هزء؟ أو: مهزوءًا بنا؟ للاختصار والإيجاز.

وأمَّا كونُ المفعول الأول جماعةً فلا دخل له في اقتضاءِ التأويلِ بالحذف، أو التجوُّزِ في المفرد أو الحكم؛ لأن ما أصلُه المصدرُ يجوز أن يكون خبرًا عن الاثنين وعن الجماعة؛ كما في قوله تعالى:{فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

(1)

(1)

في هامش "د" و"م": (قال صاحب الكشاف: جعل الرسول هنا بمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع. منه).

ص: 210

[الشعراء: 16] وقوله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} [الممتحنة: 10] كيف بالمصدر

(1)

؟

ظنُّوا أن موسى عليه السلام يستهزئُ بهم ويداعبُهم

(2)

، قالوا: نخبرُك أن رجلًا منا قُتل فتقول لنا: اذبحوا بقرة؟! فيحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبحها ولم يبيِّن المرادَ والثمرةَ بها في أول الأمر، فلذلك وقع هذا القولُ منهم موقعَ الهزءِ في بادئ نظرهم.

قيل: قُرئ: (أيتَّخذُنا) بالياء

(3)

؛ أي: اللهُ تعالى، ولا يناسبه قولُه تعالى:

{قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} تبرَّأ عن الاستهزاء على وجهٍ أبلغَ، حيث عدَّه من الجهل واستعاذ منه استفظاعًا له، وذلك لكونه في مقام التبليغ والإرشاد، فلا يُنافي قصدَه في مقام الاحتقار والتهكُّم، بمثلِ:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] فمرجعُ الجهل هنا إلى عدم العلم بمقتضَى المقام، فلا حاجةَ إلى صَرْفه إلى معنى السَّفَه.

* * *

(68) - {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} .

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا} قد مرَّ نظيرُه عن قريب.

{مَا هِيَ} لمَّا رأوا ما أُمروا به على حالٍ ليست من أحوالِ جنس البقر اشْتَبَه

(1)

من قوله: (وأما كون المفعول .. ) إلى هنا وقع في "ك" و"م" بعد قوله الآتي: (غالبًا عن الجنس).

(2)

في "ح" و"ف": (ويراعيهم).

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 6).

ص: 211

عليهم وجهُ الامتثال، فلذلك قالوا

(1)

: {يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} فإن الحاجة إلى البيان إنَّما تكون في موضع الاشتباه، والسؤالُ بـ (ما هي) يكون غالبًا عن الجنس.

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ} إنما زِيدَ هذا كيلا يُتوهَّمَ أن ما ذُكر قولُ موسى عليه السلام، وقد رُوعِيَ هذه النكتةُ في مواضعَ من هذه القصة.

{إِنَّهَا بَقَرَةٌ} تكرير الاسم

(2)

لتقرير المعنى المراد؛ دفعًا لاحتمالِ أن يراد جنسٌ آخرُ لغرابةِ ما ذُكر من الأثر كما سبق إلى وهم السائلين.

{لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} صفةٌ للبقرة النكرة، وإذا وُصفت النكرة بما دخل عليه (لا) كُررت، وكذا الخبرُ والحالُ إلا ما نَدَر.

والفارض: المُسنَّة التي انقطَعَتْ ولادتُها من الكبر.

والبِكْر: الصغيرة التي لم تَلِدْ من الصغر.

{عَوَانٌ} : نَصَفٌ.

الفعل من الفارض: فَرَضَتْ تَفرِضُ فروضًا، ومن العوان عوَّنتْ تُعوِّن تعوينًا، ولم يُسمع من البِكر فعلٌ إلا أنَّ في تركيبها الأوَّليَّةُ، ومنه: البُكرةُ والباكورة، وإنما لم تدخل الهاءُ في هذه الصفاتِ للتأنيث؛ لأنها من خصائصِ أوصافِ الإناث، فصارت كالحائض والطالق.

{عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} ؛ أي: بين البكر والفارض، ولم يقل: بين تينِكَ، ترجيحًا لمَا في عبارة (ذلك) من الفخامة على ما في (تينك) من الجناس مع بين، وقد مرَّ وجه التعبيرِ عن الاثنين بـ (ذلك)

(3)

.

(1)

في (م) و (ك): "قال".

(2)

(الاسم) من "م" و"ك".

(3)

في هامش "د" و"م": (فيه رد لصاحب الكشاف حيث توهم أن في العدول إلى (ذلك) على تأويل ما=

ص: 212

{فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} (ما) موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، وأصله: ما تؤمرون به؛ لأن الأمر يتعدى إلى المأمور بنفسه وإلى الفعل المطلوب بالباء، يقال: أمرته بكذا، ثم حُذف الجارُّ وأُوصل بنفسه، ثم حُذف المفعول به.

لا مصدريةٌ، أي: أمرَكم، بمعنى: مأمورَكم؛ لأن المصدر بمعنى المفعولِ شائعٌ، وأمَّا المصدر بمعنى المفعول به فقليلٌ جدًا

(1)

.

تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت والمسارَعة إلى الامتثال، ولم يُجْدِ حيث أعادوا السؤال.

* * *

(69) - {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} .

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} الفُقوع: أشدُّ ما يكون من الصُّفرة وأنصعُه، واستعماله للتأكيد، يقال: أصفرُ فاقعٌ، وأحمرُ قانئٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأسودُ حالكٌ، وأبيضُ يَقَقٌ. فهذه التوابعُ تدل على شدَّة الوصفِ وخُلوصه.

وفي ارتفاعِ اللونِ بـ {فَاقِعٌ} مزيدُ تأكيدٍ لذلك، كأنه صفراءُ شديدُ الصُّفرةِ صُفرتُها، وعلى هذا لا تقِفْ على {صَفْرَاءُ} لئلا تفصلَ بين الصفة والموصوف.

= ذكر اختصارًا، فإن مبناه الغفول عن أن العدول في الحقيقة عن (تينك) لا عن الفارض والبكر. منه).

(1)

انظر: "روح المعاني"(2/ 236)، وقد قال في تعليل استبعاد المصدرية: لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر. ولعله أوجه من تعليل المؤلف.

ص: 213

وإنْ جعلت {صَفْرَاءُ} بمعنى سوداءَ وقفْتَ عليها، ويكون الفُقوعُ بمعنى الخُلوصِ صفةُ اللون، كأنه قال: لونُها خالصٌ، على أنَّ {فَاقِعٌ} واقعٌ خبرًا عن اللون، فلم يقع تأكيدًا لـ {صَفْرَاءُ} حتى ينافيَ تفسيرَه بالسوداء.

{تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} : أي: تَروقُ هذه البقرةُ مَن نَظَر إليها وتُعْجبُه وتُفْرحُ قلبَه؛ لتمام خَلْقها ولطافةِ شكلِها وحُسنِ لونها.

والسرور: لذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعٍ، أو توقُّعه، أو اندفاعِ ضرٍّ.

* * *

(70) - {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} .

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} طلبوا تمامَ

(1)

الكشف ببيانِ ما يرفعُ الاشتِباهَ ويدفعُ الصِّدقَ على متعدِّدٍ، ولمَّا أرادوا التَّعيين الزائد على التعيين بالعوارض المشتركة، سألوا بـ (ما هي)، فكأنهم طلبوا ما في منزلة الذاتي المميَّز من الأوصاف المخصوصة بشخصٍ معيَّن.

{إِنَّ الْبَقَرَ} وقُرئ: (إنَّ الباقِرَ)

(2)

وهو اسم لجماعةِ البقر

(3)

، قال القرطبيُّ: البقر والباقر والبَيقور والبَقير لغاتٌ بمعنًى، والعربُ تذكِّرُه وتؤنِّثُه وإلى ذلك ترجع [معاني] القراءاتِ في {تَشَابَهَ}

(4)

.

(1)

في "ك" و"م": (إتمام).

(2)

عزاها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 7) لمحمد ذي الشامة، وهو محمد المعيطي، وعزاها ابن عطية في "المحرر الوجيز"(1/ 163) ليحيى بن يعمر وعكرمة.

(3)

قوله: (وهو اسم لجماعة البقر) من "م" و"ك".

(4)

انظر: "تفسير القرطبي"(2/ 188)، وما بين معكوفتين منه.

ص: 214

{تَشَابَهَ عَلَيْنَا} اعتذارًا عنه، ولم يقل: إنَّ البقرة تشابه علينا، إذ لم يُردْ تشابه المعهود، بل أُريدَ أن الأوصاف المذكورةَ صدَقت على جماعةٍ من الجنس المذكور، فأشكَلَ علينا الأمر فيها؛ للتشابُه والتشارُك في تلك الأوصاف.

وقرئ: (تشابَهَتْ) مخفَّفًا ومشدَّدًا، قال القرطبيُّ وفي مصحفِ أبيٍّ:(تشَّابَهَتْ) بتشديد الشين، قال أبو حاتم: وهو غلط؛ لأن التاء في هذا الباب لا تُدغم إلا في المضارع

(1)

.

وإنَّما ذكِّر الفعل لتذكير اللفظ؛ كقوله تعالى: {نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20]، وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروفِ واحدِه جاز تذكيرُه، مثل: بقر ونخل وسحاب.

{وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} إلى البقرة المرادِ ذبحُها؛ لِمَا جاء في الحديث: "لو لم يَستثنوا لمَا بُيِّنتْ لهم آخِرَ الأبد"

(2)

؛ أي: لو لم يقولوا: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} ، وإنَّما سُمِّيت استثناءً لصَرْفها الكلامَ عن الجزمِ، وعن الثبوت في الحال من حيث التعليقُ

(1)

انظر: "تفسير القرطبي"(2/ 187). وذكر أبو حيان في "البحر"(2/ 186) عن أبي أنه قرأ: (تشَابهت) بالتخفيف، أما قراءة التشديد فعزاها لابن أبي إسحاق، لكنه استبعد ذلك بقوله: وهذا لا يظن بابن أبي إسحاق، فإنه رأس في علم النحو، وممن أخذ النحو عن أصحاب أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو، وقد كان ابن أبي إسحاق يزري على العرب وعلى من يستشهد بكلامهم - كالفرزدق - إذا جاء في شعرهم ما ليس بالمشهور في كلام العرب، فكيف يقرأ قراءة لا وجه لها؟!

(2)

رواه سعيد بن منصور في "سننه"(193 - تفسير) عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا، والطبري في "تفسيره"(2/ 99) عن ابن جريج مرفوعًا معضلًا، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(1/ 141) عن أبي هريرة مرفوعًا متصلًا، لكنه ضعيف لضعف سرور بن المغيرة الواسطي وعباد بن منصور، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.

ص: 215

بما لا يعلمه المستثني، و (آخِرَ الأبد) كنايةٌ عن المبالغة في التأبيد، والمعنى: الأبد الذي هو آخِرُ الأوقات.

وتقدير الكلام: وإنا لمهتدون إن شاء الله، فقدِّم على ذكر الاهتداء اهتمامًا به، وحفظًا لرؤوس الآي.

ولا متمسَّك فيه لأصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله تعالى؛ لأن دلالته على أن مراده تعالى واقعٌ، وأمَّا أن الواقع ليس إلا مرادَه فلا تعرُّضَ له

(1)

، ولا على أن الأمر قد ينفكُّ عن الإرادة؛ لأن محل الخلاف الأمرُ التكليفيُّ، وهذا الأمر للإرشاد على ما يرشد إليه قولهم:{أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} ولا خلاف فيه.

* * *

(71) - {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} .

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ} صفة لـ {بَقَرَةٌ} ؛ أي: لم تُذلَّل للكِرَاب، من الذلِّ بكسر الذال، وهو خلافُ الصعوبة؛ يقال: ذلَّت الدابَّةُ ذِلًّا فهي ذلولٌ، وذلَّ الرجل ذُلًّا - بضم الذال - فهو ذليل.

{تُثِيرُ الْأَرْضَ} صفةٌ لـ {ذَلُولٌ} داخلةٌ تحت النَّفي، والمقصود نفيُ إثارتها

(1)

أقول فيه بحث أما أولًا فلأن قائل هذا القول لو لم يعلم أن الحوادث بإرادة الله تعالى لم يصح تعليقه بقوله: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} بل يصير تعليقه عبثًا فدل هذا التعليق على طريق البرهان على أن الحوادث بإرادة الله تعالى.

وأما ثانيًا فلأن هذا الأمر تكليفي وإلا لما قيل {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} ولما قيل عقيبه {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} الآية ولما شددوا وشدد الله ولما امتثلوا حتمًا، فإن الامتثال في الإرشادي غير واجب وامتثالهم إنما هو بعلمهم بأن الأمر تكليفي وقولهم {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} لا يرشد على الإرشادي فإنه صادر منهم في بادئ نظرهم على ما صرح به. هداية الله. ويسمى مثل هذه الدلائل في عرف الأصول إشارة.

ص: 216

الأرضَ. {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} نفيٌ معادلٌ لقوله: {لَا ذَلُولٌ} ، والمعنى: أنها لم تذلَّل بالعمل في حرثٍ ولا سقي.

وقيل: (لا) في قوله: {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} زائدةٌ للتوكيد، وأن المعنى: لا ذلولٌ تُثير الأرضَ وتَسقي الحرثَ، والفعلان صفتان لـ {ذَلُولٌ} كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ، فيَلزم حينئذ الوصفُ بـ (لا) غيرِ مكرَّرةٍ، ولا مقابل منفي، وذلك لا يكون إلا في الشعر.

وقرئ: (لا ذلولَ) بالفتح على أنَّ (لا) لنفي الجنس، والخبرُ محذوف، والجملة صفةُ (ذلولَ) كناية عن نفي الذل عنه كما يقال: الذليل حيث هو كنايةٌ عن إثبات الذلِّ له.

والحرث: الأرضُ المهيَّأة للزرع، ومعنى الإثارةِ هنا: قلبُ الأرض للزراعة، يقال: أثَرْتُ الشيءَ واستثَرْتُه: إذا هيَّجْتَه.

{مُسَلَّمَةٌ} من العيوب؛ أي: سلَّمها الله تعالى، أو: من العمل؛ أي: سلَّمها أهلها، وقيل: مخْلَصة اللونِ، من سَلِمَ له كذا: إذا خَلُص له؛ أي: لم يَشُبْ صُفرتَها شيءٌ من الألوان، وَيرِدُ عليه أنَّ حق هذا البيان حينئذ أنْ يعقب السؤال السابق ويُذكر في آخر جوابه.

{لَا شِيَةَ فِيهَا} ؛ أي: لا علامة فيها تَشينُها.

وقيل: لا لون فيها يخالفُ لونَ جلدها، مأخوذٌ من وَشْي الثوب: إذا نُسج على لونَينِ مختلفين، يقال: فرسٌ أبلقُ، وكبشٌ أخرجُ، وتيسٌ أمرقُ، وغرابٌ أبقَعُ، وثورٌ أشيَهُ، كلُّ ذلك بمعنى البَلَقيَّة، وَيرِدُ على هذا ما وَرَدَ على المعنى الأخيرِ لـ {مُسَلَّمَةٌ} .

{قَالُوا الْآنَ} هو حدُّ الزمانينِ: الماضي والمستقبل، مبنيٌّ لتضمُّنه معنى الإشارةِ، تقديرُه: هذا الوقتَ.

ص: 217

{جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي: بما تحقَّقنا به، المراد: من البقرة، ففيه دلالةٌ على أنهم عرفوها بعينها، وروي أنَّه كان في بني إسرائيل شيخٌ صالح له عِجلةٌ، فأتى بها الغَيضة وقال: اللهم إني أَستودِعُكَها لابني حتى يكبرَ، وكان برًّا بوالديه، فشبَّت وكانت وحيدةً بالصفات المطلوبة، فساوَمُوها اليتيمَ وأمَّه، حتى اشتروها بملءِ مَسْكها ذهبًا، وكانت [البقرة] إذ ذاك بثلاثة دنانير

(1)

.

{فَذَبَحُوهَا} ؛ أي: فحصَّلوا البقرة الجامعةَ لهذه الصِّفات

(2)

كلِّها فذبحوها، وإنما حُذف ما حُذف اختصارًا لدلالة المذكور عليه، والفاء ليست فصيحة لأن شرطها أن يكون المحذوف سببًا للمذكور، والتحصيل ليس سببًا للذبح وإنما سببُه الأمر به، بل للتعقيب وللدلالة على أنهم كما حصَّلوها ذبحوها

(3)

.

{وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} يعني: شيئًا من الذَّبح ومقدماتهِ؛ من تحصيل المأمور بذبحه، وتهيئةِ أسبابه وبهذا الاعتبارِ

(4)

كان المذكورُ أبلغَ من: يذبحون.

و (كاد) من أفعال المقارَبة، وُضع لدنوِّ الخبر حصولًا، فالفعلُ المقرون به مقيَّد، والنفي الداخلُ عليه قد يُعتبر سابقًا على القيد، فيفيدُ معنى الإثبات بالتكلُّف كما في هذه الآية، وقد يعتبر مسبوقًا به

(5)

فيفيد البعد عن الإثبات والوقوع؛ كما في قوله تعالى: {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف: 93].

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 152)، وما بين معكوفتين منه.

(2)

في (م) و (ك): "الأوصاف".

(3)

في هامش "د": (فلا وجه لما قيل إنهم طلبوها أربعين سنة. رد سعد الدين).

(4)

في "ح" و"د" و"ف": (لإفادة هذا التعميم) بدل: (وبهذا الاعتبار).

(5)

كلمة: (به) ليست في "ح" و"ف".

ص: 218

ومَن غفل عن هذا توهَّم التدافُعَ بينه وبين قوله: {فَذَبَحُوهَا} فتكلف

(1)

في التوفيق.

واعلم أنه لا خلاف في أن ظاهر اللفظ في أول الأمر بقرةٌ مطلقةٌ مبهمةٌ، ولا في أن الامتثال في آخِرِ الأمر إنما وقع بذبح بقرةٍ موصوفة معيَّنة، حتى لو ذبحوا غيرها لم يكن مطابقًا، لكن اختلفوا في أن المراد به في أول الأمر هو البقرةُ المعيَّنة وأُخر البيان عن وقت الخطاب، أو المبهمة ولحقها التغييرُ إلى المعيَّنة

(2)

بسبب تثاقلهم في امتثالهم وكثرةِ سؤالهم واستكشافهم.

والحقُّ هو الثاني؛ لقوله عليه السلام: "لو اعترضوا أدنى بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم، ولكن شدَّدوا فشدَّد الله تعالى عليهم" والاستقصاءُ شؤمٌ

(3)

.

ورُوي مثلُه عن ابن عباس

(4)

، وهو رئيس المفسِّرين.

ولأن اللازم على الأول تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجة؛ لدلالة قوله: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} [البقرة: 68] على أنهم أُمروا بإيقاع ذبح البقرة قبل بيان اللون وكونِها مسلَّمة غيرَ مذلَّلةٍ، وهذا اللازم محذورٌ عند المخالِف أيضًا.

ومَن ذهب إلى الأول تمسَّك أولًا: بأن الضمائر في الأجوبة - أعني: (إنها بقرة

(1)

في "ف": (وتكلف).

(2)

في "م": (إلى المعينة الماهية).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 151). ورواه الطبري في "تفسيره"(2/ 100) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا، وله شاهد رواه البزار (2188 - كشف) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، وفي سنده عباد بن منصور، وفيه ضعف، وقال ابن كثِر: حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. قلت: وقوله: (والاستقصاء شؤم) من كلام الزمخشري.

(4)

انظر التعليق السابق.

ص: 219

كذا وكذا) - للمعيَّنة قطعًا، فكذا في السؤال للتطابقُ، والسؤالُ إنما هو عن البقرة المأمورِ بذبحها فتكون هي المعيَّنةَ.

وجوابه: أنهم لمَّا تعجَّبوا من بقرةٍ ميتةٍ يُضربُ ببعضها ميتٌ فيَحْيَى، ظنُّوها معيَّنةً خارجةً عما هو عليه صفةُ الجنس، فسألوا عن حالها وصفتِها، فوقعت الضمائر لمعيَّنةٍ بزعمهم واعتقادهم، فعيَّنها الله تشديدًا عليهم، وإن لم يكن المراد من الأمر هي المعيَّنةَ.

وثانيًا: بأنه قد دلَّ السياقُ ووقع الاتِّفاقُ على أنه لم يَرِدْ أمرٌ متجدِّد غيرُ الأول، فالامتثالُ ليس إلا بالأمر الأول، فلزم أن لا يكون منسوخًا، وأن يكون أمرًا بذبح المعيَّنة؛ لظهور أن الامتثال لم يقع إلا بذبح المعيَّنة.

وجوابه: أن انتقال الحكم إلى المخصوصة لا يلزمُه ارتفاعُ حكم الأمرِ الأول حتى يحتاجَ إيجاب المخصوصة إلى أمرٍ متجدِّد، بل على أنه

(1)

كان متناولًا لها ولغيرها، بمعنى حصولِ الامتثال بأيِّ فردٍ كان، فارتفع حكمه في حقِّ ما عداها وبقي الامتثالُ بذبحها خاصةً، فكان ذبحها امتثالًا للأمر الأول، ولم يكن هذا منافيًا لنسخ الأمر الأول في الجملة، ولا موجبًا لكون المراد به أولًا ذبحَ المعيَّنة.

* * *

(72) - {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} .

{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} خطابُ الجمع لأن القتل صدر عن جماعةٍ، وهم بنو عمِّ المقتول.

(1)

قوله: (بل على أنه

) لا يظهر تعلقه بما قبله، وحق العبارة حتى يظهر ذلك التعلق أن تكون: (وجوابه: أن انتقال الحكم إلى المخصوصة ليس مبنيا على ارتفاع حكم الأمرِ الأول

بل على أنه .. ). انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 178).

ص: 220

{فَادَّارَأْتُمْ} ؛ أي: تخاصمتُم؛ لأن المتخاصمينَ يدرأُ بعضُهم بعضًا، أو: تدافعتُم؛ لأن كلًّا منهم يدفعُ التهمة عن نفسه إلى الآخَرِ، والبراءةَ عن الآخرِ إلى نفسه.

وأصله: فتدارأتُم، فأُدغمت التاء في الدال لأنها من مخرجها، فسكِّنت وأدخلت ألفُ الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن.

و (في) في {فِيهَا} للتعليل؛ كما في قوله تعالى: {لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32].

{وَاللَّهُ مُخْرِجٌ} مظهِرٌ لا محالةَ، حُكي ما كان مستقبلًا وقت التدارُؤ، فأُعمل، فنُصب به {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} على المفعولية، كما حُكي ما كان حاضرًا وقت التقليب في قوله:{وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف: 18].

* * *

(73) - {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .

{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} عطفٌ على {فَادَّارَأْتُمْ} ، وما بينهما اعتراضٌ مشعِرٌ بأنَّ التَّدارؤ لا يُجدي إذ اللهُ مخرجٌ ومظهِرٌ ما كتموه، والضميرُ البارز للقتيل، وفي تذكيره تنبيهٌ على زوال حكم النفس عن الجسد بعد القتل.

{بِبَعْضِهَا} أيِّ بعضٍ كان، دلَّ على ذلك الإبهام.

{كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} خطاب لمنكري البعثِ من مشركي مكَّة، أو للَّذين حضروا القتيل على تقدير: فقلنا لهم، والكاف

(1)

في محل النصب على المصدر؛ أي: مثلَ ذلك الإحياءِ العجيب الشأنِ، و (ذلك) إشارةٌ إلى ما دلَّ عليه المحذوف المدلولُ عليه بهذا الكلام وما قبله وهو قوله: فأُحيي.

(1)

في هامش "د" و"م": (فيه رد لمن قصر الدلالة على الأول لأن الدلالة على الفاء إنما هي بالثاني. منه).

ص: 221

رُوي أنه لما ضُرب قام بإذن الله تعالى وأوداجُه تَشخَبُ دمًا فقال: قتلني ابنا عمي فلانٌ وفلانٌ، وسقط ميتًا، فأُخذا وقُتلا ولم يورَّث قاتل بعد ذلك.

{وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} دلائلِه؛ لأن مَن قدر على إحياءِ نفسٍ واحدةٍ قدر على إحياء الكل؛ لعَدَم الفرق عند العقل.

{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تستدلُّون به، أو: تعملون على قضية عقولكم، وقد مرَّ معنى (لعل) غيرَ مرةٍ، وإنما جَعل إحياءَه مسبَّبًا عن ذبح البقرة وضربِه ببعضها وهو قادر على إحيائه ابتداءً ليُعلم أن في الأسباب والشرائط حِكَمًا وفوائدَ؛ كالتقرُّب بالقربان، والتنبُّه

(1)

على حُسن تقديم القُربة في الطلب، وتَحرِّي الأحسن والغالي في الثمن، وعلى وجوب المسارعة في امتثال الأمر ولو كان للإرشاد، وأن التشديد موجِبٌ لتشديد الله تعالى على مَن شدَّد، وأن الاستهزاء مِن فِعْلِ الجُهَّال، وأن بِرَّ الوالدين له بركةٌ، وكذا التوكُّل، والشفقةُ على الأبناء.

* * *

(74) - {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ؛ أي: بعد أحياءِ القتيل، وهو أمر عظيم خارقٌ للعادة، موجِبٌ للاعتبار.

قيل: {ثُمَّ} للاستبعاد. وفيه: أن معناها الحقيقيَّ غيرُ متعذِّرٍ.

(1)

في "ك" و"م": (والتنبيه).

ص: 222

قال الواحدي: يقال قسا قلبُه يَقسو قَسْوةً وقَساوةً، وهي الشدةُ والصلابةُ واليبس

(1)

.

و {قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} استعارةٌ تبعيةٌ واقعةٌ على سبيلِ التمثيلِ، شُبهت حالةُ قلوبهم وهي نُبوُّها عن الاعتبار بحالة قسوة الحجارة في أنها لا يجدي فيها لطفُ العمل وحُسنُ الحيَل، ولاعتبارِ هذه الاستعارة حَسُنَ التفريعُ والتعقيب بقوله:

{فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} تشبيهٌ في القساوة بالحجارة ثم رجوعٌ عنه بتفضيلها في القساوة على الحجارة

(2)

، وبيانه وتقريرُه:

{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ} لدلالته على أنها في شدة القسوة مفضَّلةٌ على الحجارة؛ لمطاوَعةِ الحجارة لأمر الله تعالى دونها.

وعلى هذا قولُه: {أَوْ أَشَدُّ} معطوفٌ على قوله: {كَالْحِجَارَةِ} من قبيل عطف المفرد على المفرد؛ كما تقول: زيد على سفر أو مقيم.

وقرئ: (أشدَّ) بالفتح

(3)

عطفًا على (الحجارة): أو مثلَ شيءٍ أشدَّ من الحجارة.

قال الواحدي: قال المفسرون: إنما شبَّه قلوبهم بالحجارة في الغِلظة والشدة، ولم يُشبِّه بالحديد وإن كان الحديد أصلبَ من الحجارة؛ لأن الحديد يليَّن بالنار ولا تليَّن الحجارة بمعالجةٍ أبدًا

(4)

.

(1)

انظر: "الوسيط" للواحدي (1/ 158).

(2)

في هامش "د" و"م": (من قال هنا: لإرادة الله تعالى، وفي القلوب: لأمر الله، فقد أخرج الكلام عن سنن الانتظام. منه).

(3)

تنسب لأبي حيوة كما في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 7)، وللأعمش كما في "الكشاف"(1/ 155).

(4)

انظر: "الوسيط" للواحدي (1/ 158).

ص: 223

وانتصَب {قَسْوَةً} على التمييز، ويقتضيه {أَشَدُّ} وكافُ التشبيه

(1)

، وهذا التمييز الذي بعد أفعل التفضيل منقول من المبتدأ وهو نقلٌ غريب.

وإنما لم يقل: أقسى؛ لِمَا في (أشدّ) من المبالغة؛ لدلالته عليها بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئةٍ موضوعة للشدة فيها، وفي ذلك من الإيماء إلى الاعتناء ببيان الزيادة ما لا يخفى، والدلالةِ على اشتداد القسوتين، واشتمالِ المفضَّل على زيادةِ (أو) بمعنى: بل

(2)

؛ كما في قول الشاعر:

بدَتْ مثلَ قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى

وصورتِها أو أنتِ في العينِ أملحُ

(3)

أي: بل أنتِ.

أو للإبهام على المخاطب، قال أبو الأسود الدُّؤليُّ:

أحبُّ محمدًا حبًّا شديدًا

وعباسًا وحمزةَ أو عليّا

فإنْ يكُ حبُّهم رَشَدًا أُصِبْهُ

ولستُ بمخطئٍ إن كان غَيّا

(4)

(1)

لأن كلًا منهما ينتصب عنه التمييز، تقول: زيد أشدُّ حلما من عمرو، و: زيد كعمرو حلمًا انظر: "البحر المحيط"(2/ 207).

(2)

في "د" و"م": (على زيادة واو بمعنى بل)، والمثبت من باقي النسخ، ولعل في الكلام سقطًا على كليهما، وحق العبارة أن تكون هكذا:(على زيادة (أو) بمعنى الواو، أو بمعنى بل). انظر:"تفسير القرطبي"(2/ 205)، وعنه نقل المؤلف، وهذا لفظه:(أو) قيل: هي بمعنى الواو كما قال: {آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24]، {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} [المرسلات: 6]، وقال الشاعر:

نال الخلافة أو كانت له قدرًا

أي: وكانت، وقيل: هي بمعنى: بل

إلخ.

(3)

نسبه ابن جني في "المحتسب"(1/ 99) لذي الرمة، وهو في ملحقات ديوانه (3/ 1857)، وأورده الفراء في "معاني القرآن"(1/ 72) دون نسبة.

(4)

انظر: "النكت والعيون" للماوردي (1/ 145)، و"المحرر الوجيز"(1/ 166). والبيتان في=

ص: 224

ولم يَشكَّ أبو الأسود أنَّ حبَّهم رَشَدٌ ظاهرٌ وإنما قصَد الإبهام، وقد قيل له حين قال ذلك: شكَكْتَ؟! قال: لا، ثم استشهد بقوله تعالى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] قال: أوَكان شاكًا مَن أَخبر بهذا

(1)

.

{[وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ] لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} التفجُّر: التفتُّح بسَعةِ وكثرةٍ، وقرئ:(وإنْ) مخفَّفةً من المثقَّلة

(2)

، لوجود اللام في {لَمَا} .

{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} أصله: يتشقَّق، وقُرئ به

(3)

.

والتشقُّق: التصدُّع بطولٍ أو عرضٍ، فينبع منه الماء بقلةٍ، هذا على التَّتميم دون الترقِّي، وإلا لقُدِّم المؤخَّر.

{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} الهبوط: التردِّي من عُلوٍ إلى سُفلٍ

(4)

، والخشية: الخوف عن علم، وهي هنا مجازٌ عن الانقياد؛ إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم.

وقوله: {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} متعلقٌ بالأفعال السابقة كلِّها.

ولما كانت قساوة القلب تنشأ عنها الأعمال القبيحة قال تعالى على سبيل التهديد:

= ديوان أبي الأسود (ص: 119 - 120)، و"تفسير الطبري"(2/ 131)، لكن بلفظ:(وعباسًا وحمزة والوصيّا).

(1)

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 131)، و"النكت والعيون" للماوردي (1/ 145)، و" المحرر الوجيز"(1/ 166)، و"تفسير القرطبي"(2/ 205 - 206).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 155) عن الأعمش.

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 7) عن قتادة. ووقع في "ك" و"م": (من مثقلة).

(4)

في "ك": (أسفل).

ص: 225

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وقرئ بالياء للغيبة

(1)

؛ ضمَّا إلى ما بعده من الضمائر العائدة إلى اليهود.

(75) - {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

{أَفَتَطْمَعُونَ} الطمع: نزوعُ النفس إلى شيءٍ مّا بشهوةٍ، والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

{أَنْ يُؤْمِنُوا} في محل الجر؛ أي: في إيمانهم، والضمير لليهود الذين في زمن محمد عليه السلام؛ لأنهم الذين يصحُّ منهم الطمع.

واللام في {لَكُمْ} للتعليل، أو لاعتبار معنى الاستجابة؛ أي: إن يُحْدِثوا الإيمان لأَجْل دعوتكم أو يستجيبوا لكم؛ كما في قوله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] لا للصلة كما في {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17]؛ أي: مصدِّقِ

(2)

؛ لأن مثله لا يوجد في الفعل.

وانتظامُه بما قبلَه: أن النبيَّ عليه السلام والصحابةَ رضي الله عنهم لمَّا سمعوا هذه الآيات - وهي في مخاطبةِ اليهود - طمعوا أن يؤثِّر ذلك في قلوبهم فيؤمنوا، فقال الله عز وجل:{أَفَتَطْمَعُونَ} مبالغةً في إنكار الطمع مع كونه كالمستحيل عادةً بإيراد الفاء بعد الهمزة؛ أي: بعد ما تشاهدون منهم ما يوجب اليأس من إيمانهم من قسوة القلب تطمعون في إيمانهم، وهم قوم بأعيانهم كما في قوله تعالى:{أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6].

{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ} الفريق: اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظهِ كالحزب، والواو للحال؛ أي: في حال عِلمكم بطريقتهم

(3)

وعادتهم.

(1)

هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: 74).

(2)

في "ك"و"م": (بمصدق).

(3)

في (م) و (ك): "طريقهم".

ص: 226

{مِنْهُمْ} الظاهرُ رجوع الضمير إلى ما يرجع الضمير في {يُؤْمِنُوا} ، وعناد

(1)

البعض إنما كان منافيًا لإقرار الباقين لأنهم كانوا مقلِّدين لهم.

{يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} ما يتلونه من التوراة.

السماع كنايةٌ عن القبول، ففي ذكره زيادةُ تقبيحٍ لحالهم؛ لأنَّ التحريف بعد القبول أشدُّ قباحةً، ولو كان على حقيقته لَمَا احتيج إلى ذكره؛ لأن التحريف لا يكون إلا بعد السماع.

{ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} تحريف الشيء: إمالتُه عن حالٍ إلى حالٍ، ومنه: قلم محرَّف؛ أي: أحد شقَّيه مائلٌ، فينتظِم التغييرَ والتبديلَ والتأويلَ، وما حرَّفوه نعتُ رسول الله

(2)

صلى الله عليه وسلم، وشريعتُهم كآية الرجم.

ويجوز أن يكون المراد من الفريق مَن كان في زمن موسى عليه السلام وهم أهل الميقات، والكلامُ المسموع كلامَه تعالى بالطور، وقد نُقل تحريفُهم ما سمعوه، وعلى هذا أيضًا الضمير في {مِنْهُمْ} على ظاهره ولا حاجة إلى أن يكون المعنى من أسلافهم فإن أسلاف طائفة يعدون منهم

(3)

، وعلى هذا يكون المعنى: الإصرارُ على البطلان موروثٌ لهم شِنْشِنةً أعرفُها مِن أَخْزمِ

(4)

.

(1)

في "ح": (إذ عناد)، وفي "ف":(أو عناد).

(2)

في "م": (نعت الرسول)، وفي (ك):(من نعت الرسول).

(3)

في هامش "د" و"م": (يعني أن الحاجة إلى الصرف عن الظاهر إنما يتوهم على هذا التقدير دون الأول ففيه ردٌّ للقاضي. منه).

(4)

الشنشنة: السجية والطبيعة، وهذا مثل أصله: أنَّ ابنَ أَخْزَمَ الطائيَّ كان عاقًّا أباهُ، ثمَّ جاءَهُ بَنُونَ فعَقُّوه، واجْتَمَعوا عليه فضَرَبُوه وأَدْمَوْه، فقال:

إنَّ بَنيَّ زمَّلُوني بالدَّمِ

شِنْشِنةٌ أَعْرِفُها مِن أَخْزَمِ

ص: 227

{مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة.

{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مفترون؛ أي: لم يفعلوا ذلك عن خطأ ونسيان بل فعلوا عن قصد وتعمد حسدًا وبغيًا.

* * *

(76) - {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

{وَإِذَا لَقُوا} يعني: المنافقين.

{الَّذِينَ آمَنُوا} المخلِصين من أصحاب الرسول عليه السلام.

{قَالُوا آمَنَّا} ، أي: بأنكم على الحق ورسولكم هو المبشَّر في التوراة، وإنما لم ينطقوا بالمتعلَّق لعدم المساعدة من باطنهم، وهذه آيةُ غايةِ خبثهم.

{وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} ؛ أي: إذا انفردوا عن المخلصين منضمِّين، بعضُهم الساكتون وقت الملاقاة إلى الناطقين بكلمات النفاق.

{قَالُوا} ؛ أي: الذين سكتوا حينئذٍ عاتبين على الذين نطقوا:

{أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: بما بيِّن لكم في التوراة من نعت محمد عليه السلام، فالاستفهام للتقريع والتشنيع.

واللام في {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ} متعلق بـ {أَتُحَدِّثُونَهُمْ} ، وهي لام (كي) على تجوُّزٍ؛ لأن الناشئ عن شيء وإن لم يُقصد كالغاية، والمعنى: ليحتجُّوا عليكم بما أَنزل ربكم في كتابه من الحجة، وأصله مِن حجَّ: إذا قصَد مغالبةَ خصمه.

= انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: شنن).

ص: 228

{عِنْدَ رَبِّكُمْ} جعَلوا محاجَّتهم بكتاب الله تعالى وحُكمه محاجةً عنده؛ كما يقال: عند الله كذا، ويراد أنه في كتابه وحكمه كذا، وعلى هذا يكون {عِنْدَ رَبِّكُمْ} بدلًا عن قوله:{بِهِ} أو ظرفًا مستقرًّا بمعنى: ليحاجوكم بما قلتم حال كونه في كتابكم.

وقيل: المعنى: عند ربكم يوم القيامة. لا يقال: إن اليهود يعلمون أنهم يوم القيامة محجوجون حدَّثوا أو لم يحدِّثوا؛ لأن ذلك العلم لعلمائهم لا لكلِّهم، فلا ينافي تحذيرَهم الجهَّالَ منهم بذلك القول إبقاءً لهم على اليهودية، ولأنَّ [محجوجيَّتهم يومَ القيامة من الله لا تنافي]

(1)

احترازَهم عن كونهم محجوجين من جهة الخصم، فإن ذلك لازم إن حدَّثوا ومندفعٌ إن لم يحدِّثوا في زعمهم.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أفليس لكم عقلٌ حتى تدركوا فسادَ ما فعلتُم، وهذا من تمام كلام اللائمين.

* * *

(77) - {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} .

{أَوَلَا يَعْلَمُونَ} مقابَلةٌ لهم بذلك التجهيل والتوبيخ والتعجيب مع التقرير؛ أي: أتنكرون عليهم ولا تعلمون أن الفساد في قولكم مضاعَف.

{أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي: يعلمهما على السَّواء، وللقصد إلى معنى التسوية ذكر قوله:{وَمَا يُعْلِنُونَ} مع أن قوله: {مَا يُسِرُّونَ} يغني عنه، ونظيرُ هذا قوله:{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [آل عمران: 46] في القصد إلى المعنى المذكور.

(1)

ما بين معكوفتين من "حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 189).

ص: 229

وتقديم {مَا يُسِرُّونَ} مع أن حقَّه في أسلوب الترقِّي التأخيرُ؛ للتسوية بينهما في الاهتمام، فإن في الجمع بين العبارة والدلالة اهتمامًا بالثاني، وفي التقديم مع أن حقه التأخير اهتمامًا بالأول.

* * *

(78) - {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} .

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} عامِّيون. الأمِّيُّ مَن لا يكتب ولا يقرأ، سمي به لأنَّه على الخلقة التي ولدته الأمُّ عليها.

{لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} ؛ أي: التوراة.

{إِلَّا أَمَانِيَّ} الاستثناء منقطع. والأمانيُّ: جمع أمنيَّةٍ، أُفعولةٌ من التمنِّي وهو التقديرُ، ولها معانٍ ثلاثةٌ:

المتمنَّيات: لأن المتمنِّيَ يقدِّر في نفسه ما يشتهيه ويتخيَّله.

أو الأكاذيب: إذ الكاذب يقدِّر في نفسه ويتخيَّل شيئًا لا وجود له.

أو المقروءات: لأن القارئ يقدِّر عند قراءته في نفسه أن كلمة كذا بعد كذا، ومنه قوله:

تمنَّى كتابَ الله أولَ ليلةٍ

(1)

فالمعنى: ولكن يعتقدون أكاذيب من المحرِّفين، أو مواعيد فارغة سمعوها منهم: أن أباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم، وأن النار لم تمسهم إلا أيامًا معدودة، أو ما

(1)

صدر بيت مذكور في "النكت والعيون"(1/ 150)، و"المحرر الوجيز"(1/ 169)، و"الفائق"(2/ 392)، ونسب لكعب بن مالك، وهو في ملحق ديوانه (ص: 224)، وعجزه:

وآخرَه لاقى حِمَامَ المقادِرِ

ص: 230

يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره، والأمي ربما يقدر على قراءةٍ مّا بالأخذ من أفواه الرجال.

{وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} ما هم إلا قوم يظنون، والظن هنا على بابه من ترجيح أحد الطرفين، ولا يلزم من الترجيح عندهم أن يكون راجحًا في نفس الأمر.

ويجوز أن يجعل الضمير للفريقين، فنفي العلم عن العلماء في قوله:{أَوَلَا يَعْلَمُونَ} على سبيل الإنكار حيث لم يعملوا بموجبه، وعن المقلدين بقوله:{لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} ثم حكم أنهم في الظن المؤدي إلى الضلال سواءٌ، فعلى هذا يكون في الآيات جمعٌ وتقسيمٌ؛ جمع الفريقين في قوله:{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} ، ثم قسمهم إلى فريقين: علماء معاندين وجهلاء مقلدين، ثم جمعهم في {يَظُنُّونَ} .

* * *

(79) - {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} .

{فَوَيْلٌ} أي: تحسُّرٌ أو هُلْكٌ، روى عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم:"الويل جبل في النار"

(1)

، وفي رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:"واد في جهنم"

(2)

.

وهو في الأصل مصدر لا فعلَ له؛ لأن فاءه وعينه معتلان، وتنكيره للتعظيم، فلم تكن نكرةً محضة، على أن الغرض من الكلام الإفادةُ، فإذا حصلت جاز الحكم سواءٌ تَخصَّص المحكوم عليه بشيء أو لا، وأمَّا أن النكرة إذا كانت دعاء

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(1/ 164)، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب جدًّا.

(2)

رواه الترمذي (2576) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد به، وقال: حديث غريب. قلت: إسناده ضعيف لضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم.

ص: 231

تقع مبتدأ وإن لم يتخصص، فما قيل في بيانه لا يجري في (ويل) صرح به الرضي.

{لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ} يعني: ما كتبوه من التأويلات الزائغة، ولذلك احتاجوا في ترويجه إلى بيان نسبته إلى الله تعالى، ولو كان المراد الكتابَ المحرَّف لَمَا احتاجوا إليه؛ لأن كون التوراة من عند الله مسلَّمٌ وما أحدثوه من التحريف غير معلوم لغيرهم.

{بِأَيْدِيهِمْ} نفيٌ للمجاز؛ أي: يتولَّونه بأنفسهم، فقد يقول الإنسان: كتب إليَّ فلان، إذا أمر غيره بأن يكتب عنه، وإذا قال: كتبتُ بيدي، فقد أخبر بأنه باشَر بنفسه، فهو من حيث إنه كنايةٌ عن أنه من تلقاء أنفسهم دون أن ينزَّل عليهم ناظرٌ إلى ما في قولهم:{هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} من دعوى النزول هكذا مكتوبًا من السماء كما هو الشأن في التوراة. ويجوز أن يكون لدفع احتمال الإنشاء، فإن الكتابة شائعةٌ فيه.

وفائدة التنصيص بمعنى الإملاء التغليظُ في الجناية، حيث انضم إلى القول العملُ.

{ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} كلمة {ثُمَّ} للاستبعادِ، وعدمُ الفائدة في الإخبار عن تراخي القول المذكور عن العمل المزبور كفى قرينتُه صارفةً عن المعنى الحقيقيِّ لها في الكلام البليغ.

{لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} متعلق بـ {يَقُولُونَ} وقد مر بيانُ استعارة الاشتراء للاستبدال، ونكتةُ التعبير عن البيع بالثمن، فتذكَّرْ.

وما حصَّلوا به وإنْ جَلَّ قليلٌ بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة.

{فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} جعلُ (ما) ها هنا وفي قوله: {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا

ص: 232

يَكْسِبُونَ} مصدريةً أولى مِن جعلها موصولةً؛ لعدم الحذف، ولكون الويل على الفعل أولى وأنسب من كونه على المفعول.

وأصل الكسب: الفعلُ لجرِّ نفع أو دفع ضرٍّ، ولهذا لا يوصف به الله تعالى.

وقيل: هو اجتلاب الحظ بما هُيِّئ له من الأسباب.

وكرِّر الويل حتى يَتحقَّق أن الخسار والهلكة يترتَّب على كل واحد من المكتوب والمكسوب على حدة.

* * *

(80) - {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} المسُّ أقل تمكُّنًا من الإصابة، وهو أقلُّ درجاتها، ولذلك أوثر عليها في قوله تعالى:{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38] وفي قولهِ تعالى: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47]، وقولُه تعالى:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران: 120] كالنص فيه.

{إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} أي: قلائل، وهذا لأنهم يَكنُون بالعدِّ عن القِلَّة بناءً على أنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقيَّةَ وَيعدُّون ما دونها.

روي أنهم قالوا: سبعة أيام. وعنهم: أربعون يومًا، عددَ عبادتهم العجل، ولا وجه له لأنهم قد تابوا عنها توبة مقبولة

(1)

.

(1)

في هامش "د""م": (ولأن أربعون لا ينتظمه الكناية المذكورة. منه). وفي هامش "م" مثله، لكن فيه:(لا ينتظم).

ص: 233

{قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} الألف المجتلَبة ذهبت بالإدراج، وهذه الألف المقطوعة ألف الاستفهام للتوبيخ، يعني: إن مثل هذا الجزمِ لا يكون إلا ممن وعده الله تعالى به، وإنما عبر عن الوعد بالعهد إيماء إلى أن في الجزم المذكور لا بد من وعد قوي، وإنما قال:{عِنْدَ اللَّهِ} دون: من الله؛ تعليمًا للسلوك مسلك الكناية في أمثال هذا، فإن التصريح باتخاذ العهد من الله تعالى لا يخلو عن سوء أدب.

{فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} جوابُ شرطٍ مقدَّر؛ أي: إن كنتم اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، فالفاء فصيحة والجملة معترضة.

وإنما قلنا: إنَّ المقدَّر: إن كنتم اتخذتم؛ لأن المعنى ليس على الاستقبال.

ثم إنَّ هذا من جملة المواعيد، فلا وجه للاستدلال به على عدم الخُلف في وعده، وعلى تقدير صحته إنما يدلُّ على عدم وقوع الخُلف في وعده لا على استحالته.

{أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (أم) إمَّا معادِلةٌ للهمزة، بمعنى: أيُّ الأمرين كائنٌ

(1)

، على سبيل التقرير لوقوع العلم بكون أحدهما، أو منقطعةٌ بمعنى (بل) والهمزةِ التقريرية.

* * *

(81) - {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

(1)

أي: أيُّ هذين واقع: اتخاذكم العهد، أم قولكم على الله ما لا تعلمون؟ انظر:"روح المعاني"(2/ 271).

ص: 234

{بَلَى} إثباتٌ لِمَا بعد النفي في {لَنْ تَمَسَّنَا} أي: بلى تمسُّكم أبدًا، وتختص بجواب النفي.

{مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} السيئة: تأنيثُ السيِّئ، وهو فَعيلٌ من السوء، وهو العمل الفاسد ولذلك ذكر في مقابلته

(1)

العملُ الصالح، والمكسوبُ لا يلزم أن يكون نافعًا في نفس الأمر، بل يكفي أن يكون ملائمًا لطبع الكاسب، مُؤْثَرًا عنده، نافعًا في زعمه.

{وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال القفَّال: كلُّ ذنب خطأٌ وخطيئةٌ؛ لأنَّه ليس بصوابٍ.

وفي "الأساس": أخطأ في المسألة وفي الرأي، وخَطِئَ خطأً [عظيمًا]: إذا تعمَّد الذنب

(2)

.

وُضع قوله: {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} إلخ مكان: تمسُّكم النار أبدًا؛ للإثبات على الطريق البرهاني؛ لأنَّه أثبتَ السيئةَ العامة؛ أي: سيئةً من السيئات، ثم خصَّصها بالكبيرة بقوله:{وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} أي: استولت عليه ولم يَتفَصَّ

(3)

عنها بالتوبة.

وقرئ: (خطاياه)

(4)

، و:{خَطِيئَتُهُ}

(5)

، تعريضًا بكثرة خطاياهم؛ من الشرك والنفاق والتحريف، والافتراءِ على الله تعالى، وشبَّهها بالعدوِّ المحيط به من جميع الجهات لذلك، ولغلبتها على طاعته.

وأشار بقوله: {فَأُولَئِكَ} إلى أن سبب استحقاق الخلود في النار هو ذلك الكسبُ المعلوم.

(1)

في "ك" و"م": (مقابلة).

(2)

انظر: "أساس البلاغة"(مادة: خطأ)، وما بين معكوفتين منه.

(3)

أي: ينفصل.

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 158).

(5)

هي قراءة نافع من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 74).

ص: 235

{أَصْحَابُ النَّارِ} ملازموها في الآخرة؛ لأنهم ملازمو أسبابها في الدنيا، وذلك لأن الصاحب مشتقٌّ من الصحبة، وهي وإن كانت تعمُّ القليلَ والكثير لكن العرف خصَّصها لمَّا طالت.

{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أوقع {هُمْ} للتأكيد، كأنه قال: أيُّ كبيرةٍ من الكبائر استولت ورسخت بالغلبة على الطاعة استحقَّ صاحبها الخلودَ في النار.

وقد تقرَّر أن الشرك كبيرةٌ؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] وكذا التحريفُ والافتراء على الله؛ تعالى لقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] فثبت بالبرهان أنه تمسُّكم النار أبدًا.

ومعنى الخلود في الأصل: الثباتُ المديد، دام أو لم يَدُمْ، لكن المراد به ها هنا الدوامُ؛ لِمَا يشهد له من الآيات والسنن.

ولك أن تقول: الإحاطة في الأصل: الإحداقُ بالشيء من كلِّ جانب، وجوانبُ المكلف المكلف من حيث إنه مكلَّف ثلاثةٌ: اللسان كلِّف من جهته بالإقرار، والأركان كلِّف من جهتها بالطاعات، والجَنان كلِّف من جهته بالتصديق، وهم لمَّا افتروا بألسنتهم، وحرَّفوا كتاب الله تعالى بأيديهم، وأصروا على النفاق معتقدين بالباطن خلافَ ما أظهروه، فقد تحقق إحاطةُ الخطيئات بهم، وثبت استيلاؤها عليهم، فالآية كما ترى لا حجةَ فيها على خلود صاحب الكبيرة في النار.

* * *

(82) - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} جرت عادته تعالى على أن يَستَتْبع وعدَه

ص: 236

بوعيده؛ تبشيرًا للمطيع وإنذارًا للعاصي، والإيمانُ على معناه اللغويِّ، فلا دلالة في عطف العمل عليه على الخلافيَّة المشهورة المذكورة في كتب الكلام.

نعم يفهم منه اشتراطُ العمل الصالح في دخول الجنة، فلِمَن شَرَط في الإيمان المقبول الإقرارَ باللسان أنْ يحمل العملَ الصالح عليه.

وللمخالف أن يقول: إن لفظة (هم) للتأكيد لا للحصر، بدلالة النصوص القاطعة على عدم اشتراط العمل في النجاة عن النار، وعلى أنه لا دارَ ثالثَ للقرار

(1)

.

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ذُكر الفاءُ فيما تقدَّم وتُرك ها هنا للدلالة على أن الملازَمة والخلودَ ثَمة بالاستحقاق مِن قبلهم بسبب ما بهم من إحاطة الخطيئات، وها هنا بمحض فضل الله تعالى، على ما دل عليه قوله تعالى:{الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر: 35].

* * *

(83) - {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} .

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} إخبار في معنى النهي؛ كما في {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233]، وفي:"لا تُنكح المرأة على عمَّتها"

(2)

، وهو بابٌ من أبواب البلاغة في الأمر والنهي، يُظهِر البليغُ به شدة اعتنائه بالامتثال والانتهاء،

(1)

من قوله: (نعم يفهم منه اشتراط العمل الصالح .. ) إلى هنا وقع في "ك" و"م" بعد ما سيأتي من قوله: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} .

(2)

رواه البخاري (5109)، ومسلم (1408/ 37) واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 237

وتحريض المخاطَب على المسارعة والمبادرة فيهما كأنه سارع إلى الامتثال والانتهاء، فيخبِرُ عنه الآمر والناهي، ويؤيده قراءة:(لا تعبدوا)

(1)

ويدلُّ عليه قوله: {وَقُولُوا} فيكون على إرادة القول، وأمَّا إيهامُ أن المنهيَّ مسارعٌ

(2)

إلى الانتهاء فهو يخبر عنه، فلا يناسب هذا المقام؛ لأن حال المنهيِّ هنا على خلاف ذلك.

وقيل: تقديره: أن لا تعبدوا، فلما سقط (أنْ) رُفع الفعل لزوال الناصب؛ كقوله تعالى:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] وقال طرفة:

ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى

يروى: (أحضرُ) بالرفع؛ أي: أنْ أحضرَ الوغى، ولذلك عُطف عليه:

وأنْ أشهَدَ اللَّذَّات هل أنت مُخْلِدي

(3)

ويدل عليه قراءة: (أن لا تعبدوا)

(4)

فيحتمل أن تكون (أنْ) مفسِّرةً بمعنى (أي)، وأن يكون (أنْ) مع الفعل بدلًا عن الميثاق؛ أي: أخذنا توحيدهم، أو معمولًا له بحذف الجارّ.

وقيل: إنه جواب قسم دلَّ عليه المعنى، كأنه قال: وخلقناهم لا يعبدون.

وقيل: إنه وقع في موضع الحال في صيغة الفعل، وموضعُه نصبٌ في الاسم،

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 7). ووقع في "م" و"ك": (لا يعبدون)، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(1/ 159)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 91)، و"روح المعاني"(2/ 277).

وقراءة: (لا يعبدون) قراءة سبعية كما سيأتي لكنها ليست المرادة هنا.

(2)

في "ح" و"ف": (المنهي سَارع)، وفي "د":(المنتهي سارع).

(3)

انظر: "ديوان طرفة بن العبد"(ص: 32)، و" الكتاب"(3/ 99). و (أحضر) يروى بالرفع والنصب كما قال السمين في "الدر المصون"(1/ 460).

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 159).

ص: 238

تقول: دخل عليه يتبسم؛ أي: متبسمًا، والتقدير هنا: أخذنا ميثاقهم غيرَ عابدين.

وقرئ بالتاء حكايةً لما خُوطبوا به، وبالياء لأنهم غُيَّب

(1)

.

{إِلَّا اللَّهَ} استثناء مفرَّغ، وفيه التفات من التكلُّم إلى الغيبة؛ لِمَا في الاسم الظاهر من الفخامة.

{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} مصدر في معنى الأمر؛ أي: وأَحْسِنوا بالوالدين، وتقديم المعمول للاهتمام، وأَحْسَنَ كما يتعدَّى بـ (إلى) يتعدَّى بالباء؛ قال الله تعالى:{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} [يوسف: 100].

{وَذِي الْقُرْبَى} عطف على (الوالدين) أراد به الجنس، ولذلك أُفرد (ذو)، وإضافته إلى المصدر تغني عن صيغة الجمع.

{وَالْيَتَامَى} : جمع يتيم؛ كنديم ونَدَامَى، واليتيم: الذي مات أبوه فانفرَد عنه واليُتْمُ: الانفراد، ومنه: الدُّرَّة اليتيمة، وحقُّ هذا الاسم أن لا يزول عن الكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلَب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، وعلى وَفْقِ هذا ورد قوله عليه السلام:"لا يُتْمَ بَعْدَ الحُلم" وإن كان المراد تعليم شريعةٍ

(2)

.

{وَالْمَسَاكِينِ} : جمع مسكين، وهو مِفْعيلٌ من السُّكون، كأنَّ الفقر أسكنه عن التصرُّف.

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} : قولًا حسنًا، وسماه:{حُسْنًا} للمبالغة، لمَّا أَتْبعَ

(1)

قرأ: {تَعْبُدُونَ} بالتاء من السبعة نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم، والباقون بالياء. انظر:"التيسير"(ص: 74).

(2)

في "ح" و "ف": (شريعته)، وفي "م":(الشريعة).

ص: 239

عبادةَ الله تعالى بالإحسان لمَن ذُكر وهو فِعْلٌ، أَتبَعَ ذلك بالقول ليكون الإحسان بالفعل والقول، ولمَّا كان الإحسانُ القوليُّ أمرًا هينًا على ما أَفصح عنه مَن قال: البرَّ شيءٌ هينٌ، وجهٌ طليقٌ ولسانٌ لينٌ

(1)

، كان متعلَّقه الناس عمومًا.

وقرئ: {حَسَنًا} بفتحتين

(2)

على أنه صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، و:(حُسُنًا) بضمتين وهو لغة أهل الحجاز، و:(حُسْنَى) على المصدر كبُشرى

(3)

، والمراد به: ما فيه تخلُّقٌ وإرشاد.

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} يريد بهما: ما فُرض عليهم في شريعتهم، ومن هنا ظهر أنهما منقولان إلى القَدْر المشترَك بين صلاتنا وصلاتهم، والقَدْر المشترك بين زكاتنا وزكاتهم.

{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} على طريقة الالتفات للتعنيف في التوبيخ

(4)

، فإنه عند الاستحضار

(5)

أشدُّ، ويجوز أن يكون الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن قبلَهم على التغليب؛ إشعارًا بأن التولِّيَ الذي حصل منهم في عهده عليه السلام ليس ببِدْعٍ منهم؛ لأنَّه دأبهم ودأبُ أسلافهم.

{إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} ؛ أي: أشخاصًا قليلين، وهم الذين أقاموا اليهودية على

(1)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(8059) من قول ابن عمر، وأورده البكري في "اللآلي في شرح أمالي القالي" (1/ 72) رجزًا من حكَم العرب بلفظ:

بنيَّ إن البرَّ شيء ....... إلى آخره.

(2)

هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: 74).

(3)

هذه والتي قبلها في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 7).

(4)

في "ك" و"م": (للتعنيف والتوبيخ).

(5)

في "ك": (الاستحقاق).

ص: 240

وجهها قبل النَّسخ، وأمَّا الذين أسلموا من الذين ما أقاموها

(1)

فقد وُجد منهم التَّولِّي والإعراضُ، فلا وجه لاستثنائهم.

{وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} التَّولِّي قد يكون لحاجةٍ تدعو إلى الانصراف مع ثبوت القصد، والإعراض: هو الانصراف عن الشيء بالقلب، فالجملة حال وليست من قَبيل {وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25].

وفي اسميَّة هذه الجملة الدالَّةِ على أنهم قومٌ عادتُهم الإعراضُ عن الطاعة والوفاء ترشيحٌ لِمَا تقدَّم من نكتةِ التغليب.

* * *

(84) - {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} .

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} على نحوِ ما سبق في {لَا تَعْبُدُونَ} ، والمعنى: لا تفعلون ما يؤدي إلى هذين المحذورَين، أو: لا يفعلُ ذلك بعضكم ببعض

(2)

جُعل غيرُ الرجل نفسَه لاتِّصاله به نسبًا

(3)

أو دينًا، ثم نُسب إلى نفسه ما كان منسوبًا إلى الغير على التجوز

(4)

لأدنى ملابَسةٍ.

والديار: مباني الإقامة، وقال الخليل: محلَّةُ القوم دارُهم

(5)

.

(1)

في "ك": (من الذين أقاموها).

(2)

في "ك" و"م": (لبعض).

(3)

في "ف": (سببًا).

(4)

في "ك": (إلى الغير يجوز).

(5)

انظر: "العين"(8/ 58).

ص: 241

{ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} أي: خَلَفًا بعد سَلَفٍ أنَّ هذا الميثاق أُخذ عليكم والتَزَمْتُموه، ويحتمِلُ هذا أنْ يكون من الإقرار الذي هو ضدُّ الجحدِ ويتعدَّى بالباء، وأن يكون من الإقرار الذي هو إبقاءُ الأمر على حاله؛ أي: أقررتُم هذا الميثاقَ ملتزَمًا، فقوله:

{وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} تأسيسٌ على هذا، وتأكيدٌ على الأول؛ لقطعِ احتمالِ أن يكون أَقرَّ بمعنى: تكلَّمَ بما يلزمُ منه الإقرار.

* * *

(85) - {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} استبعاد قويٌّ لِمَا نُسب إليهم بعد أداء الميثاق على الانتهاء منه، وإقرارِهم وشهادتهم، وفي {هَؤُلَاءِ} توبيخٌ وتعييرٌ بليغٌ وتحقير؛ أي: أنتم المشاهَدون المشارُ إليهم بنقض العهد، الذين لا يمكن ذمُّهم بما يزيد على ما يشاهَدُ منهم ويشارُ به إليهم؛ كقولهم في التحقير: يا هذا. أو: أنتم المشاهَدون؛ أي: [إنكم]

(1)

قومٌ آخرون غيرُ أولئك المقرِّين؛ تنزيلًا لتغيُّر

(2)

الصفة منزلة تغيُّر الذات، كقولك: خرجتَ بغير الوجه الذي دخلتَ به، وعدَّهم باعتبارِ ما أُسند إليهم حضورًا وباعتبارِ ما سيُحكى عنهم غيَّبًا، ثم فصَّل ما أُبهم في اسم الإشارة؛ للتسجيل عليهم وتشهيرهم بنقضِ العهد ومخالفةِ الإقرار والشهادة، والإفراطِ في ذلك بالتظاهُر بالإثم والعدوان، فقال:

(1)

ما بين معكوفتين من "الكشاف"(1/ 160).

(2)

في "ك" و"م": (لتغيير)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصدر السابق.

ص: 242

{تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} ويجوزُ أن يكون خبرًا لـ {أَنْتُمْ} و {هَؤُلَاءِ} منادى، أو منصوبٌ على الاختصاص للذَّمِّ؛ [أي]

(1)

: أعني هؤلاء الحاضرين

(2)

، أو تأكيدٌ والخبرُ هو الجملة، أو بمعنى (الذين) والجملةُ صلتُه والمجموعُ هو الخبر.

ويجوز أن يكون

(3)

حالًا والعامل فيها معنى الإشارة.

{تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} حال من فاعل (تُخرجون)، أو مفعولهِ، أو كليهما.

والتظاهر: التعاونُ، وأصله: الظَّهْر، وبه يقع الاستناد والاعتماد.

{وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} رُوي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضيرَ حلفاءَ الخزرج، فإذا اقتتلا عاوَن كلُّ فريق حلفاءه في القتل، وتخريب الديار، وإجلاءِ أهلها، وإذا أُسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يَفدوه.

وقرئ: {أُسْرَى}

(4)

وهو جمعُ أسيرٍ؛ كجرحى وجريح، و (أُسارى) جمعه؛ كسَكْرى وسُكَارى، وقيل: هو أيضًا جمع أسير؛ كما قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قُدامى، وهو قليل.

(1)

في "ك" و"م": (لتغيير)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصدر السابق.

(2)

وفيه: أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة، والمستقِرُّ من لسان العرب أنه يكون بـ (أيَّتُها) كـ: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وبالمعرَّف باللام كـ: نحن العرب أقرى الناس للضيف، أو الإضافة كـ: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقد يكون بالعَلَم كـ: بنا تميمًا يُكشف الضباب. انظر: "البحر المحيط"(2/ 280)، و"روح المعاني"(2/ 287).

(3)

أي: قوله تعالى: {تَقْتُلُونَ

}.

(4)

هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: 74).

ص: 243

وقال الواحدي نقلًا عن سيبويه: قالوا: كَسْلَى، شبَّهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبَّهوه بكُسالى

(1)

.

والأسير: هو المأخوذ قهرًا، وأصل الأسر: الشدُّ، ومَن أُخذ قهرًا شُدَّ غالبًا، فسمِّي المأخوذُ قهرًا أسيرًا وإن لم يُشد.

وقال أبو عمرو

(2)

: الأُسارى: الذين هم في الوَثاق، والأَسرى: الذين هم في اليد وإن لم يكن في الوثاق.

وقرئ: {تَفْدوهم}

(3)

؛ أي: تُطْلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئًا. قاله أبو علي

(4)

.

وفاديتُ نفسي؛ أي: أطلقتُها بعد أن دفعتُ شيئًا.

وقد يَجيء فاديتُ بمعنى: فديتُ؛ أي: دفعتُ فيه مِن مالِ نفسي، ومنه قولُ العباس للنبي عليه السلام: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقيلًا

(5)

.

وهما فعلان يتعدَّيان إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف جر؛ تقول: فديتُ زيدًا بمال، وفاديتُه بمال.

(1)

انظر: "الكتاب"(3/ 650)، و"الوسيط" للواحدي (1/ 169).

(2)

هو ابن العلاء أحد القراء السبعة، وكلامه في "النكت والعيون"(1/ 155).

(3)

هي قراءة حمزة وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو من السبعة. انظر: "التيسير" للداني (ص: 74).

(4)

انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي (2/ 146)، ولفظه:(فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئًا). فكلامه في (فادى) لا في (فدى) كما يوهم سياف المؤلف، وكذا نقله ابن عطية في "المحرر الوجيز"(1/ 175)، وأبو حيان في "البحر"(2/ 283 - 284)، والآلوسي في "روح المعاني"(2/ 289)، عن أبي علي في معنى:(فادى). وقد وقع في "ك": (قال أبو علي) على أن كلامه هو اللاحق لا السابق، لكن سياقه كما ذكرناه هو إلى السابق أقرب.

(5)

قطعة من خبر طويل في قسمة مال البحرين رواه البخاري (421) من حديث أنس رضي الله عنه.

ص: 244

قال أبو عليٍّ: كل واحدٍ من الفريقين فَعَلَ: الآسِرُ دَفَعَ الأسير، والمأسورُ منه دفعٌ أيضًا، إمَّا أسيرًا وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف

(1)

.

{وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} متعلِّق بقوله: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} وما بينهما اعتراض.

والضمير للشأن، و (محرَّمٌ) خبر، و (إخراجُهم) مرفوع بـ (محرَّمٌ). ويجوز أن يكون (إخراجُهم) مبتدأً و (محرَّمٌ) خبر مقدم، والجملةُ خبرُ (هو).

أو مبهمٌ وتفسيرُه (إخراجهم)

(2)

.

أو راجعٌ إلى مصدرٍ دلَّ عليه (تُخرجون)، ويكون (محرَّمٌ) الخبرَ، و (إخراجُهم) بدل من الضمير في (محرَّمٌ) أو من (هو).

أو تأكيدٌ وبيانٌ؛ كيلا يذهب الوهم إلى أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى.

وإنما أكد الإخراج بالنص على تحريمه - وإن كان ما سبق أيضًا محرَّمًا - لِمَا فيه من الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شرُّه، بخلاف القتل، فإنَّ شرَّه ينقطع في الحال، والمحرَّم الممنوع منه.

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ} يعني: الفديةَ.

(1)

انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي (2/ 147)، ولفظه:(من قرأ: {تُفَادُوهُمْ} فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع الأسير، ومن المأسور منهم دفع فدائه، فإذا كان كذلك فوجه {تُفَادُوهُمْ} ظاهر، والمفعول الثاني الذي يصل إليه الفعل بالحرف محذوف؛ لأن معناه: تفادونهم بالمال).

(2)

وهو في هذا الوجه مبتدأ أيضًا، و (مُحَرَّمٌ) خبره و (إِخْراجُهُمْ) بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه. انظر:"روح المعاني"(2/ 291).

ص: 245

{وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} يعني: حرمةَ المقاتلة والإجلاء، والاستفهامُ بمعنى الإنكارِ والتوبيخِ والتهديد، وذلك على التفريق بين أحكام الله تعالى، فكأنَّ مرجع الإنكار إلى القيد المستفادِ من لفظ البعض.

{فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فإذا فعلتم ذلك تسبَّب أن لا يكون جزاؤكم في الدنيا إلا خزيٌ، وفي قوله:{مِنْكُمْ} دلالةٌ على أن التفريق المذكورَ فعلُ بعضهم، والتوبيخ للكلِّ لعدم منع الباقين عنه.

والخزيُ: الذلُّ

(1)

من الفضيحة، وقد خَزِيَ خِزْيًا فهو خَزٍ.

والخَزَاية: الاستحياء، وقد خَزِيَ خَزَايةً فهو خَزْيان

(2)

.

قال المرزوقي: و (أَخْزى) يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية: الاستحياء

(3)

.

والمراد: قتلُ قُريظة، فإنَّ قتل مقاتِلَتِهم سببٌ لذلِّ ذراريهم، وإجلاءُ النضير، وضرب الجزية على غيرهم.

و (الدنيا) مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيه واوٌ، لكن أُبدلت فرقًا بين الأسماء والصفات، وإنما قُدم ذكر الجزاء هنا للإشارة إلى بقائهم أحياءً على تلك الحال مدةً مديدةً، وأُخر الجزاء في الآخرة لأنَّه عند انتهاء يوم القيامة

(4)

.

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ} معنى الردِّ: الإرجاع، ففيه إشارةٌ إلى أنهم كانوا قبل ذلك

(1)

في "ك": (الذي).

(2)

في هامش "د" و"م": (فيه رد لمن قال الخزي يستعمل فيهما. منه).

(3)

انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (ص: 171).

(4)

في هامش "د" و"م": (مبنى هذا على ما تقدم أن المراد من القتل ما يترتب عليه من الذل. منه).

ص: 246

مرةً

(1)

أخرى في أشد العذاب، وهو ما في القبر، ثم إن فيه بيانَ أنَّ ما كان في الحياة الدنيا من الخزي غيرُ مكفِّر لذنوبهم.

{إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} أي: إلى عذابٍ لا رَوْحَ فيه لاتِّصال أجزائه، وذلك لأن عصيانهم أشد.

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تأكيد للوعيد.

وقرئ: {يُرَدُّونَ} بالياء اعتبارًا بقوله: {مَنْ يَفْعَلُ} ، وبالتاء اعتبارًا بقوله:{مِنْكُمْ}

(2)

.

وقرئ: {يَعْمَلُونَ} أيضًا بالياء والتاء على الاعتبارين

(3)

.

* * *

(86) - {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} .

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} ؛ أي: بحظوظها، لا بحياتها، إذ هي لا تفوت عنهم، والاشتراء مستعارٌ لإيثار العاجل الفاني على الآجل الباقي.

{فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} ؛ أي: يبقى على شدته، معطوفٌ على الصلة من قَبيل عطفِ الجمل، فلا يُشترط اتحاد الزمان.

{وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} بدفعه عنهم.

(1)

في "ف": (مدة).

(2)

القراءة بالياء هي قراءة الجمهور، والقراءة بالتاء تنسب للحسن وابن هرمز وغيرهما. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 9)، و"إعراب القرآن" للنحاس (1/ 245)، و"المحرر الوجيز"(1/ 177)، و"البحر المحيط"(2/ 289).

(3)

قرأ بالياء نافع وابن كثير وأبو بكر، والباقون بالتاء. انظر:"التيسير" للداني (ص: 74).

ص: 247

(87) - {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} .

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} : التوراة.

{وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} ؛ أي: جئنا مِن بعدِه بالرسل مُقْتَفِين أثرَه، متَّبعين شريعتَه، يقال: قَفَاه: إذا اتَّبعه من القفا، نحو: ذَنَبه، من الذَّنَب، وقفَّاه به: أَتْبعه إياه، ولولا اعتبارُ معنى (جئنا) على التضمين لضاع قوله:{مِنْ بَعْدِهِ} .

{وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} لمَّا لم يكن عيسى عليه السلام من جملةِ المقتَفين أثرَ موسى عليه السلام، المتَّبعين شريعتَه، أفردَه بالذكر، وأضافه إلى أمِّه تحقيقًا لعدم نسبته إلى الأب، وفيه رد لقول اليهود حيث نسبوه إلى الأب.

وعيسى بالعبرية: إيشوع.

ومريم بالسُّريانية: الخادم، وقد جعلتْها أمُّها محرَّرةً لخدمة المسجد، وبالعبرية كالزير من الرجال

(1)

.

وقال أبو البقاء: (مريمُ) علَمٌ عجَمي، ولو كان مشتقًّا مِن رامَ يَريم كان مَرِيمًا بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتحِ الياء نحو: مَزْيَد، وهو خلاف القياس

(2)

.

(1)

قوله: (بالعبرية

) كذا في النسخ، والذي عند البيضاوي والآلوسي:(بالعربية)، وهو الظاهر من، "القاموس"، حيث قال في (مادة: ريم): المريم كمقعد: التي تحب حديث الرجال ولا تفجر. قال الآلوسي: قيل: ولا يناسب مريم أن يكون عربيًا؛ لأنها كانت برية عن محبة محادثة الرجال، ثم قال: والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري لا بالعربي، بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف.

(2)

انظر: "التبيان" للعكبري (1/ 88).

ص: 248

{الْبَيِّنَاتِ} : الآياتِ الظاهرات

(1)

، من قولك: بان؛ أي: ظهر، وما ثبت به الدَّعوى من حيث إفادتُه البيان يسمَّى بيِّنة، ومن حيث الغلبة به على الخصم حجة.

والمراد بالبينات

(2)

: المعجزات الواضحات؛ كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، أو الإنجيل.

{وَأَيَّدْنَاهُ} ؛ أي: قوَّيناه

(3)

.

{بِرُوحِ الْقُدُسِ} جبريل عليه السلام، وذلك أنه تَوَلَّد بنَفْخهِ، وأنَّه عصَمه مِن أول حالهِ إلى آخره، فلم يَدْنُ منه الشيطان عند الولادة، ورفَعه إلى السماء حين قصد اليهود قتلَه.

والقُدُس: الطَّهارة، وكان الأصل: الرَّوح المقدَّسة، لكن أُضيف الروحُ إلى القُدُس تنبيهًا على زيادةِ اختصاص الروح به؛ لأن مِن شأن الصفة أن تكون منسوبةً

(4)

إلى الموصوف فإذا عكس بإضافته إليها يزيد معنى الاختصاص.

{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ} بما لا تحبُّه، يقال: هَوِيَ - بالكسر - هوًى: إذا أَحبَّ، وهَوَى - بالفتح - هُوِيًّا بالضم: سقط، وإنما أُسند الهوى إلى الأنفس لا إلى ضمير الخطاب إشعارًا بأن حق السيئات أن تُسند إليها.

وقوله: (كلما جاءكم) مسبَّب عن قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} ولهذا دخلت الفاعلية على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى عليه السلام، وإيتائه

(1)

في "ك" و"م": (الظاهرة).

(2)

قوله: (بالبينات) من "م" و"ك".

(3)

في (م): "فقويناه".

(4)

بعدها في "م": (إليه أي).

ص: 249

الكتاب، ثم أتبعناه الرسلَ، وبإيتاء عيسى عليه السلام [البينات]؛ لتشكروا تلك النعم بالتلقِّي بالقبول، فعكستُم بأن كذَّبتم فريقًا وقصدتُم قتلَ آخرين، ثم أَدخل بين السبب والمسبَّب همزةَ التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم.

ويجوز أن يكون استئنافًا والفاءُ للعطف على مقدَّر، فعلى هذا ما عقبوا الإيتاء محذوف، وهو قوله: ففعلتم ما فعلتم، وهو كناية عن التكذيب والقتل، وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم، ثم استأنف الكلام موبخًا لهم مصدِّرًا الجملة بهمزةِ الإنكار، على تقدير: أكفرتم وخالفتم فكلما جاءكم رسول، ويرجح هذا أنه حينئذ بين التقريع والتوبيخ إجمالًا وتفصيلًا

(1)

.

{اسْتَكْبَرْتُمْ} ؛ أي: عن قبول ما أتى به مما لا تحبُّه أنفسكم - على تضمين الاستكبار معنى الإباء - لا عن الإيمان به؛ لأنهم كانوا مصدِّقين بعضَ مَن

(2)

جاء من بعد موسى عليه السلام من الرسل؛ كيوشع وداود وسليمان عليهم السلام

(3)

.

{فَفَرِيقًا} ؛ أي: فريقًا منهم {كَذَّبْتُمْ} يريد به التكذيبَ من غير قتلٍ، بقرينةِ تفريق هذا عن قرينهِ، وإلا فمطلَقُ التكذيب ينتظمُها

(4)

، والفاء للسببية أو التعقيب.

{تَقْتُلُونَ} ؛ أي: فريقًا آخر.

{تَقْتُلُونَ} حالٌ ماضيةٌ أُريد استحضارها وتصويرُها لشدة فظاعتها ونُكْرها، فأخرجها مُخرج الحال المشاهَدة، أو قُصد الدلالةُ على أنهم بعدُ فيه؛ لأنهم كانوا

(1)

انظر: "فتوح الغيب" للطيبي (2/ 568)، وما سلف بين معكوفتين منه.

(2)

في (م) و (ك): "ما".

(3)

في هامش "د" و"م": (الظاهر من السياق أن المراد من جاء من بعده، فلا يدخل هو في المكذَّبين. منه).

(4)

في "ف": (ينتظمهما).

ص: 250

حولَ قتل محمد عليه السلام لولا العصمةُ من الله تعالى، ولهذا سحروه وسَمُّوا الشاة له، ثم إن فيه محافظةً على الفاصلة، وإنما لم يذكر تكذيبهم هذا الفريقَ استغناءً بذكر أقبح الفعلين عن الآخَر.

* * *

(88) - {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} .

{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} : جمع أغلفَ، وهو الذي لم يُختن، مستعارٌ للقلوب المغشَّاة بالأغطية خلقةً وجِبِلَّةً؛ أي: مجبولةٌ على صفةٍ لا يَتوصَّل إليها ما جاء به محمد عليه السلام، وقد أفصحَ عن هذا في موضعٍ آخر بقوله:{قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] والقرآن يفسِّر بعضُه بعضًا

(1)

.

وفي القراءة الشاذة: (غُلُفٌ) بضم اللام

(2)

: جمعُ غلافٍ، وهو الغشاءُ والوعاءُ؛ كالشهاب والشُّهب، معناه: قلوبنا أوعيةُ العلم تفهم وتعي ما يقال وتخاطَبُ به، ولكن لا تفهم ما تقول ولا تفقه ما تحدِّث، فلو كان حقًّا وصدقًا لفهمت وفقهت

(3)

، يدَّعون به إبطالَ ما يقول، أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره، ويأبى عن حمل القراءة المتواترة على هذا التصريح بالمعنى الأول في موضع آخر

(4)

.

(1)

في هامش "د": (ض: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} مغشاة بأغطية خَلقية لا يصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، وقيل: أصله: غُلُف، جمع غلاف فخفف، والمعنى: أنها أوعية للعلم لا تسمع علمًا إلا وعته، ولا تعي ما تقول. أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} . وهو منقول من البيضاوي.

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 8).

(3)

في "ك" و"م": (وتفهمت).

(4)

في هامش "د" و"م": (والتوفيق بين المتواترتين مقدم على التوفيق بين المتواترة والشاذة. منه).

ص: 251

{بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} ردٌّ لِمَا قالوا؛ أي: ليست قلوبهم كذلك خلقةً؛ لأنها خُلقت على الفطرة، بل طردهم الله وأبعدهم عن قبول ذلك بسبب كفرهم واحتجابهم بالعقائد الفاسدة، فهم الذين غلَّفوا قلوبهم بما أسقطها عن الفطرة، أَثبت اللعنَ من نفسه والكفر منهم، وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة.

والمعنى على القراءة الشاذة: بل أنتم مبعَدون عن حيِّز العلم بشؤم كفركم، لستُم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقَبِلْتم هذا وعمِلْتم به.

{فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} ؛ أي: فإيمانًا قليلًا تؤمنون، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، و (ما) مزيدةٌ للتأكيد لا نافيةٌ لأنَّ ما في حيِّزها لا يتقدَّمها، وجوِّز أن تكون مصدريةً على أن (قليلًا) منصوب بنزع الخافض، ويجوز أن تكون المبالغةُ في القلة كنايةً عن العدم، بناء على أن التقليل

(1)

إذا بولغَ فيه يستتبعُه العدم

(2)

، وحينئذ يجوز أن يكون انتصاب (قليلًا) على الظرفية.

* * *

(89) - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} .

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ} أي: القرآن.

{مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} زيادة {عِنْدِ} لتعيين معنى النزول، فإن كلَّ شيء من الله تعالى.

{مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} من كتابهم، وفي مصحف أبيٍّ رضي الله عنه:(مصدقًا)

(1)

في "م": (القليل).

(2)

في هامش "د" و"ف" و"م": (وقيل: القلة بمعنى العدم للتهكم والسخرية، كقولك لمن يدعي القدرة على المحال: قلما يجمع الله بين الليل والنهار، تريد ظهور استحالته. منه).

ص: 252

بالنصب

(1)

على الحال من {كِتَابٌ} تخصَّص

(2)

بالوصف، وحُذف جواب (لمَّا) لدلالة جواب (لمَّا) الثانيةِ عليه.

وقيل: (لمَّا) الثانيةُ تكرار للأولى، والفاءُ للإشعار بأن مجيئه كان عقيبَ استفتاحهم به، ولا بُعْدَ فيه؛ لأن ما عرفوا

(3)

حاصل الكتاب.

{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ} أي: من قبلِ مجيء الكتاب.

{يَسْتَفْتِحُونَ} أي: يستنصرون.

{عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} وهم المشركون الذين يقاتلونهم ويقولون: اللهمَّ انصرنا بنبيِّ آخِرِ الزمان المنعوت في التوراة.

أو: يفتحون عليهم ويعرِّفونهم أن نبيًّا يبعث منهم وقد قرب زمانه، والسينُ للمبالغة كأنهم يطلبون الفتح من أنفسهم كما في {فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32] ونحوِه

(4)

، وذلك لأن الفعل مع الداعي والطلب يكون أقوى فجرد لها، أو لأنَّه لما كان الفعل حاصلًا يكون الطلب للزيادة.

{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} من الكتاب والنبي {كَفَرُوا بِهِ} حسدًا وخوفًا على الرئاسة.

{فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: عليهم، على أن التعريف للعهد كما هو

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 8)، و"المحرر الوجيز"(1/ 303)، وهي عند ابن خالويه عن ابن مسعود رضي الله عنه.

(2)

في "ك"و"م": (تخصيص).

(3)

في "ك" و"م": (عرفوه).

(4)

في هامش "د" و"ف" و"م": (القاضي لم يصب في قوله: والإشعار. منه).

ص: 253

الأصل، فلا يُعدل عنه إلى الجنس إلا عند التعذُّر، على أن الفاء تأبى عن الحمل على الجنس، والإظهارُ في موضع الإضمار للدلالة على أن استحقاقهم اللعنةَ لثباتهم على الكفر، وكلمةُ (على) أوقعُ من اللام؛ لمَا فيها من الدلالة على أنه تعالى جعل اللعنة متعلِّيةً

(1)

عليهم جلَّلهم بها.

* * *

(90) - {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} .

{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} (ما) نكرة موصوفة مفسِّرة لفاعلِ (بئس) المستكن؛ أي: بئس شيئًا اشتروا به أنفسَهم؛ أي: باعوها، أو اشتروا بحسب زعمهم، فإنهم زعموا أنهم خلَّصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا، والمراد كفرُهم في الماضي، إلا أنه عبر عنه بصيغة المضارع استحضارًا لذلك الأمر القبيح.

{أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} هو المخصوص بالذم.

{بَغْيًا} ؛ أي: حسدًا.

قال اللِّحياني

(2)

: بغَيتَ على أخيك بغيًا؛ أي: حسدتَه، فالبغيُ أصله الحسد، والباغي هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسد، وأما بَغَى بمعنى طلب فمصدرُه بُغاءٌ بضم الباء، وبغَتْ بمعنى فَجَرتْ مصدره بِغاءٌ بالكسر.

(1)

في "ك": (منقلبة)، وفي "م":(متغلبة).

(2)

عليّ بن المُبَارك - وقيل: ابن حازِم - أبو الحسن اللحياني، أَخذ عن الكسَائي وأبي زيد وأبي عَمْرو الشَّيْبَانيّ والأصمعي وأبي عُبَيْدَة، وعمدته على الكسَائي. وأخذ عنهُ القاسم بن سلام، وله "النَّوَادِر" المشهورَة. انظر:"بغية الوعاة"(2/ 185).

ص: 254

وهو علة {اشْتَرَوْا} لا {أَنْ يَكْفُرُوا} ، إذ المعنى على ذمِّ الكفر الذي أُوثر على الإيمان بغيًا، لا على ذمِّ الكفر المعلَّل بالبغي، وأما الفصلُ فليس بما هو أجنبيٌّ؛ لأن الموصوف والصفة

(1)

في حكم الاتحاد، وكذا التمييز والمميَّز فما لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى فاعل فعل الذم لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييزُ ذلك الفاعل.

ثم إنه لا ريبةَ في أن إيثار الكفر على أنفسهم بغيًا وعنادًا أدخل في الذم من إيثارهم الكفرَ الناشئ عن البغي على أنفسهم؛ إذ لا يتعيَّن حينئذ كونُ الإيثار عنادًا وبغيًا

(2)

، فيحتمل أن يكون لوجه يخفُّ به استحقاق الذم، فالفرق

(3)

واضح.

{أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ} لِأَنْ ينزِّل، أو: حسدوه على أن ينزِّل الله.

{مِنْ فَضْلِهِ} أي: بعضَ فضله الذي هو الوحيُ، أو الشيءَ الذي هو فضله.

{عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} : على من اختاره للرسالة.

{فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} أي: صاروا أَحقَّاء بغضبٍ مترادفٍ متراكمٍ بعضُه على بعضٍ لكفرهم بنبيِّ الحق وبغيهم عليه، أو كفرهم بمحمد عليه السلام بعد كفرهم بعيسى عليه السلام، وغيرِ ذلك من أنواع كفرهم، والاستحقاق معتبرٌ في مفهوم باء على ما تقدَّم بيانه، ودلالة الفاء على سببية الاشتراء المذكور لذلك الاستحقاق لا على الاستحقاق

(4)

.

(1)

في (م) و (ك): "الصلة والموصول".

(2)

في "ح" و"ف": (عنادًا بغيًا).

(3)

في "ك" و"م": (والفرق).

(4)

في هامش "د": (رد لشراح الكشاف. منه)، ومثله في هامش "ف" و"م"، لكن وقع في الأولى:(لشارح) وفي الثانية: (لصاحب).

ص: 255

وقوله: {بِغَضَبٍ} حالٌ، و {عَلَى غَضَبٍ} صفة له.

{وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} يراد

(1)

به إذلالهم، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص، فإن عذاب العاصي من المؤمنين طُهرةٌ لذنوبه.

* * *

(91) - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ؛ أي: بجميع الكتب الإلهية.

{قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} خصَّصوا إيمانهم بالتوراة.

{وَيَكْفُرُونَ} حال عن

(2)

الضمير في {قَالُوا} على حذف المبتدأ، وتقديره: وهم يكفرون، أو تجويزِ الواو في المضارع المثبت.

{بِمَا وَرَاءَهُ} قال الأزهري: إن (وراء) يصلح لِمَا قبله ولمَا بعده

(3)

، لا لأنَّه وضع لكلٍّ منهما على حِدَةٍ، بل لأن معناه: ما توارى عنك؛ أي: استتر

(4)

، وهو موجود فيهما، وهو في الأصل مصدر جعل ظرفًا يضاف إلى الفاعل والمفعول.

قيل: فيراد على الأول الخَلف، وعلى الثاني القدَّام، وفيه نظر

(5)

.

(1)

في "ك" و "م": (يريد).

(2)

في "ك" و "م": (من).

(3)

في هامش "ح" و"ف": (وعلى وفق هذا قال صاحب الكشاف في تفسير سورة الجاثية. منه).

(4)

ذكره بنحوه عن الأزهري تلميذه الهروي في "الغريبين"(مادة: ورا). وجاء في هامش "د" و"ف" و"م": (رد للجوهري ولمن تبعه في قولهم: إنه [من] الأضداد. منه).

(5)

في هامش "ح" و"ف": (ستقف على وجهه في تفسير قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}. منه).

ص: 256

{وَهُوَ الْحَقُّ} الضمير لي (ما وراءه) الشاملِ للإنجيل والقرآن، وإنما وحِّد لتوحُّد

(1)

اللفظ.

{مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} حال مؤكِّدة تتضمن

(2)

الردَّ لإيمانهم بالتوراة؛ لأنهم لمَّا كفروا بما يصدِّقها حيث نزل

(3)

على حسب ما نُعت فيها فقد كفروا فيها.

والجملةُ حال من (ما وراءه)، وتعريفُ الخبر

(4)

لزيادة التوبيخ والتجهيل، بمعنى: أنه خاصةً هو الحق الذي يقارن تصديق كتابهم، ولولا الحال - أعني:{مُصَدِّقًا} - لم يستقم الحصر؛ لأنَّه في مقابلةِ كتابهم وهو أيضًا حقٌّ.

{قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} الفاء جواب شرطٍ مقدَّرٍ دل عليه المعنى؛ أي: قل لهم: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلمَ تقتلون أنبياء الله، فإن ذلك المنزَل ينهى عنه، وإنما قال:{تَقْتُلُونَ} حكايةً للحال الماضية

(5)

؛ كأنه قيل: فلمَ كنتم تقتلون.

وإنما أسنده إليهم لأنَّه فعل آبائهم، وهم راضون به، عازمون عليه.

ويجوز أن يكون المعنى على التضمين: فلمَ ترضَون قتل الأنبياء وتعزمون عليه، وحينئذ يتضح وجه الاعتراض.

و (لم) أصله: لِمَا، وسقطت الألف، وهذا السقوط خُص بالاستفهامية؛ لأنها

(1)

في "ك" و"م": (بتوحيد).

(2)

في "ح" و "ف": (تقتضي).

(3)

في "ح" و "ف": (تنزل).

(4)

في "م": (الحق).

(5)

في "ح" و"ف": (لحال ماضية).

ص: 257

تامةٌ فألفها طرفٌ والأطراف محلٌّ للحذف وغيره من التغيير، بخلاف الموصولة فإنها ناقصةٌ تحتاج إلى ما تُوصَل به، وهي وما تُوصَل به كاسمٍ واحد، فألفها في حكم المتوسط.

* * *

(92) - {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} .

{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} بالمعجزات الواضحة، ويدخل فيها فَلْقُ البحر، وهو خارج عن الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ} [الإسراء: 101] لأن المراد منها

(1)

ما جاء به موسى عليه السلام إلى فرعون، على ما تقف عليه في موضعه بإذن الله تعالى، فلا وجه

(2)

لحمل البينات المذكورة على الآيات التسع.

{ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} ؛ أي: إلهًا، ولفظة (ثم) أبلغ من الواو في التقريع؛ لأنها تدل على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلةٍ من النظر في الآيات، وذلك أعظم ذنباً.

{مِنْ بَعْدِهِ} ؛ أي: من بعدِ مجيء موسى عليه السلام لكم بالبينات، لا من

(3)

بعد مجيئه أو ذهابه إلى الطور؛ لعدم انْفِهامه من سياق الكلام.

{وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} حال؛ أي: واضعون العبادةَ غيرَ موضعها، أو: ظالمون بالإخلال بآيات الله تعالى، ويجوز أن يكون من قبيل: اتَّخذ خاتمًا، بمعنى: صنَعه

(1)

في "ك" و "م": (بها).

(2)

في "ك" و "م": (فلا حاجة).

(3)

(من): ليست في "ك" و "م".

ص: 258

وعَمِله، ففائدةُ الحال ظاهرةٌ؛ لأن الاتخاذ بهذا المعنى لا يكون ظلمًا إلا حالَ كونه مقرونًا بالعبادة، وعلى الأول فائدتُه زيادةُ التوبيخ والتقبيح.

أو اعتراض بمعنى: أنتم قوم عادتكم الظلم، ومساقُ هذا أيضًا لإبطال قولهم:{نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} والتنبيهِ على أن طريقتهم مع الرسول عليه السلام طريقةُ أسلافهم مع موسى عليه السلام، لا لتأكيد القصة بالتكرير، وكذا ما بعده:

* * *

(93) - {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} ويجوز أن يكون تكرير هذا لما نيطَ به من زيادة ليست مع الأول.

{وَاسْمَعُوا} ؛ أي: أطيعوا، فإن الأمر بالسماع في العُرف يفيد الإجابةَ والقبول، ومنه: سمع الله لمن حمده

(1)

؛ أي: قَبِلَ وأجاب

(2)

، قال:

دعوتُ الله حتى خفتُ أن لا

يكونَ اللهُ يَسمعُ ما أقول

(3)

أي: يقبل.

وهم حملوه على المفهوم اللُّغوي تجاهُلًا وتعامِيًا عنادًا منهم.

(1)

في هامش "ح" و "د" و"ف": (فلم يصب من اعترض هاهنا وأجاب. منه).

(2)

بعدها في "ك" و "م": (لمن).

(3)

البيت لشمير بن الحارث الضبي، وهو في "النوادر" لأبي زيد (ص: 124)، و"تفسير الطبري"(5/ 516)، و"الزاهر" لابن الأنباري (1/ 60)، و"تفسير القرطبي"(2/ 255).

ص: 259

{قَالُوا سَمِعْنَا} ؛ أي: القولَ {وَعَصَيْنَا} ؛ أي: الأمرَ.

قال الإمام القرطبي: اختلف: هل صدَر منهم هذا القولُ، أو فعلوا فعلًا قام مقامه فيكونَ مجازًا

(1)

؟

وقال الإمام أبو منصور: قولهم: {وَعَصَيْنَا} لم يكن على أثر قولهم: {سَمِعْنَا} ، لكن بعده بأوقات، فإنهم لمَّا أبوا قبول التوراة لِمَا فيها من الشدائد رفع اللّه تعالى الجبل فوقهم، فقبِلوها خوفًا وقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما زايل الجبل وآمنوا قالوا: عصينا، وهو ما ذكر في قوله تعالى:{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} وكان التولِّي بعد ذلك بأوقات

(2)

.

{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} ؛ أي: تَداخَلَهم حبُّه، ورسخ في قلوبهم صورتُه؛ لفَرْط شغفهم به، وهذا كما يقال: أُشرب الثوبُ الصبغَ: إذا تداخَل الصبغُ أجزاءه تداخُلَ الماء أعضاءَ الشارب، كأنه جُعل شاربًا إياه

(3)

.

وفي العدول عن الظاهر - وهو: أشرب قلوبُهم حبَّ العجل - إلى ما عليه المنزل ما لا يخفى من الفخامة والإبهامِ، والتفسيرِ من وجه، والمبالغةِ في الإسناد إلى الكل، والدلالة على التمكن المستفاد من الظرفية، وأن العجل نفسَه هو المشرَب مبالغةً في إشراب الحب، إلى غير ذلك.

{بِكُفْرِهِمْ} بسبب كفرهم؛ لِمَا مرَّ

(4)

أنهم كانوا مجسِّمةً وحلوليَّةً

(5)

.

(1)

انظر: "تفسير القرطبي"(2/ 255).

(2)

انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (1/ 512).

(3)

في هامش "ح" و"ف" و"م": (وعلى هذا عدم اتجاه ما في الكشاف من السؤال والجواب واضح. منه).

(4)

كلمة: (مر) ليست في "ك".

(5)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (القول بالتجسم لا يكون بدون القول بالحلول، إذ لا شبهة في حدوث العجل. منه).

ص: 260

{قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} ؛ أي: بالتوراة، إذ ليس فيها عبادةُ العجاجيل، وإضافةُ الأمر إلى إيمانهم

(1)

تهكُّم، وكذلك إضافة الإيمان.

أمَّا الثاني: فظاهر؛ كما في قوله: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27]، تحقيرًا واسترذالًا، ودلالةً على أن مثل هذا لا يليق أن يسمى إيمانًا إلا بالإضافة إليكم، وليس المراد أنه استعارةٌ تهكمية.

وأمَّا الأول: فلأنَّ الإيمان إنما يأمر ويدعو إلى عبادةِ مَن هو غايةٌ في العلم والحكمة، فالإخبارُ بأن إيمانهم يأمر بعبادةِ مَن هو غايةٌ في البَلادة غايةُ التهكُّم والاستهزاء

(2)

، سواءٌ جعل (يأمر به) بمعنى: يدعو إليه، أو لا، وسواءٌ قصد الإسناد إلى السبب الباعثِ مجازًا كما قد يتوهم، أو لا كما هو الحق.

والمخصوصُ بالذم محذوف نحو: هذا الأمرُ، أو ما يعمُّه وغيرَه من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزامًا عليهم.

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ليس للشك من المتكلِّم، لا لاستحالته لأن المأمور

(3)

بهذا القول مما يصح منه الشك، بل لعدم مطابقته للواقع

(4)

.

ولا للتشكيك إذ لم يعهد استعمال (إن) لتشكيك السامعين

(5)

، بل لتقرير القدح في دعواهم الإيمانَ بالتوراة،

(1)

في "ك" و "م": (إيمانكم).

(2)

في هامش "ح" و "د" و"ف" و "م": (التهكم كما يكون بطريق الاستعارة كذلك يكون بطريق آخر مفسر. منه).

(3)

في "ح" و"ف": (الأمر).

(4)

في هامش "ح" و "د" و"ف": (رد لسعد الدين).

(5)

في هامش "ح" و "د" و"ف": (رد لصاحب الكشاف).

ص: 261

وذلك أن

(1)

القائل قد يأتي بالشرط وهو جازمٌ بعدم وقوعه إقامةً للحجة بقياسٍ بيِّنٍ؛ كما في قوله: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} [المائدة: 116].

وتقديره: إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به أيمانكم بها؛ لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر به، فإذًا لستم بمؤمنين.

* * *

(94) - {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ} المراد من الدار الآخرة: الجنةُ، وإنما قال:{عِنْدَ اللَّهِ} تشريفًا لها، وتنبيهًا على أنها في عالَم الغيب.

{خَالِصَةً} صافيةً عن شوب

(2)

خطر التخلُّف؛ لعدم احتمال الزوال لِمَا هو سبب الاستحقاق، وهو كونهم أبناءَ الله وأحباءَه في زعمهم.

أصل الخلوص: الصفوة، والإخلاص: تصفيةُ السرِّ والقولِ والعملِ، إلا أنه ضمِّن معنى الاختصاص على ما ستقف عليه.

وهو نصب على الحال من {الدَّارُ} عند مَن جوَّز مجيء الحال من اسم (كان)، وأما عند مَن لم يجوِّزه فهو حال من الضمير المستتر في الخبر العائد إلى {الدَّارُ} ، ومرجع الخلاف إلى أن اسم (كان) هل هو فاعل أو لا؟

{مِنْ دُونِ النَّاسِ} متعلق بـ {خَالِصَةً} باعتبارِ تضمُّنه معنى الاختصاص، و (دونَ) لفظٌ يُستعمل للاختصاص وقطعِ الشركة، تقول: هذا لي دون لك، أو: مِن

(1)

في "ك" و "م": (لأن).

(2)

في "ح" و"ف": (شؤم).

ص: 262

دونك؛ أي: لا حق لك فيه ولا نصيب، وفي غير هذا الاستعمال يأتي بمعنى الانتقاص في المنزلة أو في

(1)

المكان أو المقدار

(2)

.

فإن قلتَ: أليس قد استُفيد معنى الاختصاصِ من تقديم الظرف؟.

قلتُ: نعم، إلا أنه يَحتمِلُ أن يراد به الاختصاصُ بجنسِ المخاطَبين، فلا قطعَ فيه بالمعنى المقصود.

فإنْ قلتَ: لا وجه لدعوى الاختصاص مطلقًا؛ لأنهم لا ينكرون أن من مات قبل حدوث اليهودية على شريعة إبراهيم عليه السلام يدخل الجنة.

قلتُ: ذلك إذا كان معنى الخلوص الاختصاصَ، وأمَّا إذا كان معناه الصفاءَ عن شوب

(3)

خطرِ التخلُّف، فلا بُعدَ في أن يدَّعوا اختصاصَ دخول الجنة مقيَّدًا بتلك الحال لأنفسهم مطلقًا

(4)

.

وأيضًا تفرُّع الأمر بالتمني الآتي ذكرُه إنما يصح على اعتبارِ الخلوص بالمعنى المذكور.

والظاهر أن المراد من {النَّاسِ} سائرُ الأمم، لا سائرُهم مطلقًا حتى يَنتظِم الأنبياءَ عليهم السلام، إذ هم لا ينكرون الأنبياء المتقدمين كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، ولا دلالة في قولهم:{لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] على ما ذكر؛ لأن المفهوم منه اختصاصُ الجنة بهم لا

(1)

(في): ليست في "ك" و"م".

(2)

في "ك": (أو القدر)، وليست في "م".

(3)

في "ح" و "ف": (شؤم).

(4)

في هامش "ح" و"د" و "ف" و"م": (من هنا ظهر ما في الكشاف ومن حذا حذوه من الخلل فتأمل).

ص: 263

اختصاصُهم بالجنة، وما يصلح منشأً للتمني المذكور إنما هو الثاني دون الأول على ما نبَّهت عليه آنفًا.

{فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} لأن مَن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقَها وأحبَّ التخلُّص إليها من الدار ذات النوائب

(1)

، ولا يذهبْ عليك أن هذا الايقانَ على تقدير أنْ يكون معنى الخلوصِ ما ذكرناه، لا ما ذكره القوم.

* * *

(95) - {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .

{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بما أسلفوا من الكبائر الموجِبة لدخول النار، وإنما أُسند التقديم إلى اليد لأنها أعظمُ الأعضاء في التصرُّف.

وعن النبيِّ عليه السلام: "لو تمنَّوا الموتَ لغَصَّ كلُّ إنسانٍ برِيقِه فمات مكانَه، وما بقيَ على وجهِ الأرضِ يهوديٌّ"

(2)

.

والمراد بالتمنِّي قول القائل: ليتني متُّ، لا معناه في القلب، دل عليه قوله عليه السلام:"غص بريقه"، وأن التحدِّيَ لا يمكن بالأعمال القلبية لخفائها، ولو كان المراد المعنى القلبيَّ لكان يمكنهم

(3)

أن يقولوا: (تمنَّينا) كاذبين، ولو ادَّعوا مع ذلك لنُقل إلينا؛ لتَوفُّر دواعيهم على النقل مع كثرتهم، ولو نُقل لاشتَهر.

(1)

في "د" و "ك" و "م": (الشوائب).

(2)

رواه البيهقي في "دلائل النبوة"(6/ 274) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا بنحوه. ورواه الإمام أحمد في "المسند"(2225)، والنسائي في "الكبرى" (10995) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ:" .. وإن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار .. ". وذكر الحافظ في "الفتح"(8/ 724) أن الخبر عند البخاري من رواية الإسماعيلي موقوف على ابن عباس.

(3)

في "ك": (تمنيهم).

ص: 264

وكذا قول أحدهم: ليتني متُّ، لم ينقل مع كثرة اليهود وغيرهم من الطاعنين في الإسلام كما نقل سائر المطاعن، فهذه الجملة إخبارٌ بالغيب صادقًا كقوله:{وَلَنْ تَفْعَلُوا} .

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} تهديد لهم.

* * *

(96) - {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .

{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} مِن وَجَدَ بمعنى عَلِمَ المتعدِّي إلى المفعولين، وهما:(هم) و (أحرصَ).

وتنكيرُ (حياةٍ)

(1)

للدلالة على نوعٍ من الحياة متطاوِلةٍ، ولذلك كانت القراءة بها أوقعَ من قراءة:(على الحياة)

(2)

.

{وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} إمَّا أن يكون معطوفًا على {النَّاسِ} محمولًا على المعنى؛ لأن المعنى: أحرصَ من باقي الناس، وإمَّا يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة {أَحْرَصَ} عليه.

وعلى الوجه الأول الأولى: إنما خُصَّ المشركون بالذكر لاختصاصهم من بينِ الناس بزيادة الحرص على الحياة الدنيا؛ لعدم إقرارهم بالبعث، فكأنهم نوعٌ آخَرُ غيرُ الناس، ففي إفرادهم بالذكر زيادةُ توبيخ وتقريع لأهل الكتاب؛ لأنَّه لمَّا زاد حرصهم

(1)

في "م": (الحياة).

(2)

تنسب إلى أبي رضي الله عنه. انظر: "الكشاف"(1/ 168)، و"البحر المحيط"(2/ 336).

ص: 265

- وهم مقرُّون بالجزاء - على حرص المنكرين دلَّ ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار.

وقيل: (من الذين أشركوا) كلام مبتدَأٌ على حذف الموصوف؛ أي: ومن الذين أشركوا أناسٌ {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} ، على أن المراد بـ (الذين أشركوا) المجوس؛ لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: هزار سال بزي؛ أي: عِشْ ألف سنة، فالجملةُ

(1)

على هذا صفةُ محذوفٍ، وعلى الأوَّلينِ استئنافٌ لبيانِ زيادة حرصهم.

{لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} حكايةٌ لوِدَادتهم على طريق الالتفات؛ لأن (لو) للتمنِّي، وكان القياس: لو أُعمَّرُ، لتطابق الحكايةُ المحكيَّ، إلا أنه جرى على لفظِ {يَوَدُّ} بالغيبة؛ كقولهم: حلف بالله ليفعلن.

ومفعول {يَوَدُّ} محذوف كالمنسي

(2)

، إجراءً للفعل المتعدِّي

(3)

مُجرى اللازم؛ أي: يصدر من أحدهم الوِدادة المطلَقة، فيكون {لَوْ يُعَمَّرُ} توضيحًا بعد الإبهام؛ للإيقاع في النفس.

ويجوز أن تكون {لَوْ} هذه مصدريةً بمنزلةِ (أنْ) لتأكيد معنى الوِدادة، فيكون مفعولًا لـ {يَوَدُّ} ، والضمير في:{وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ} لـ {أَحَدُهُمْ} ، و {أَنْ يُعَمَّرَ} فاعل بـ {بِمُزَحْزِحِهِ}؛ أي: وما أحدهم بمن يزحزحُه

(4)

من النار تعميرُه.

وقيل: الضمير لِمَا دلَّ عليه {يُعَمَّرُ} من مصدره، و {أَنْ يُعَمَّرَ} بدلٌ منه.

ويجوز أن يكون {هُوَ} مبهَمًا، و {أَنْ يُعَمَّرَ} موضِّحه.

(1)

أي: جملة {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} .

(2)

في "ك": (كالعيش)، وفي "م":(كأعيش).

(3)

(المتعدي) من "ح" و "ف".

(4)

في (م): "أحدهم بمزحزحه".

ص: 266

والزحزحة: التبعيدُ والإنحاء.

{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} قرئ بالياء جريًا على الغَيبة، وبالتاء على سبيل الالتفات

(1)

، وكني بالبصير عن العليم

(2)

مبالغةً في إدراكِ الخفيَّات، وفيه تهديدٌ ووعيد.

* * *

(97) - {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} .

{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} نزل في عبد الله بن صوريا من أحبار فدك، حاجَّ رسول الله عليه السلام وسأله عمَّن ينزَّل عليه، فقال:"جبريل"، فقال: ذاك عدوُّنا، عادانا مرارًا وأشدُّها أنه أَنزل على نبيِّنا أن بيت المقدس سيخرِّبه بختنصَّر، فبعثْنا مَن يقتلُه، فرآه ببابل، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربُّكم أمره بهلاككم

(3)

فلا يسلِّطكم عليه، وإلا فبِمَ تقتلونه

(4)

.

(1)

قرأ بالتاء يعقوب من العشرة، والباقون بالياء. انظر:"النشر في القراءات العشر"(2/ 219).

(2)

في "ح" و"ف": (بالبصر من العلم).

(3)

في "ك" و "م": (أمره بهذا الحكم).

(4)

ذكره الثعلبي في "تفسيره"(1/ 238)، وتلميذه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: 30)، وتلميذه البغوي في "تفسيره"(1/ 124)، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعندهم زيادة حسنة، حيث قالوا:( .. فلما كان وقته بعثنا رجلًا مَن أقوياء بني إسرائيل في طلب بختنصّر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلامًا مسكينًا ليست له قوة. فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبريل .. ). وذكره أيضًا الزمخشري في "الكشاف"(1/ 169)، والبيضاوي في "تفسيره" (1/ 96) وعنه نقل المؤلف. قال ابن حجر في "الكافي الشاف" (ص: 9): هكذا ذكره الثعلبي والو احدي والبغوي، فقالوا: روى ابن عباس: أن حبرًا

، ولم أقف له على سند، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عنه.

ص: 267

وقيل: دخل عمرُ رضي الله عنه مدارس اليهود يومًا فسألهم عن جبريل، فقالوا: ذاك عدونا يُطْلع محمدًا عليه السلام على أسرارنا، وإنه صاحب كل خسفٍ وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام، فقال: وما منزلتهما من الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة، فقال: لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين، ولأنتم أكفرُ من الحمير، ومَن كان عدوَّ أحدهما فهو عدو الله تعالى، ثم رجع فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال عليه السلام:"لقد وافقك ربُّك يا عمر"

(1)

.

وفي (جبريل) ثمانُ لغات قرئ بهن:

أربع في المشهورات: (جَبْرَئيل) كسلسبيل، و (جَبْرَئِل) بحذف الياء و (جَبْريل) و (جِبْريل) بفتح الفاء وكسرها وحذف الهمزة

(2)

.

وأربع في الشَّواذِّ: (جَبْرَائيل) و (جَبْرائِل) بالمد فيهما وحذفِ الياء في الثانية، و (جبرائلّ) بحذف الياء وتشديد اللام، و (جِبْرين)

(3)

.

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(2/ 287 - 291)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(1/ 181)، من طريق الشعبي عن عمر رضي الله عنه به. وذكره الزمخشري في "الكشاف"(1/ 169)، والبيضاوي في "تفسيره" (1/ 96) وعنه نقل المؤلف. قال السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 233): صحيح الإسناد، ولكن الشعبي لم يدرك عمر. قوله:(المدارس) قال الشهاب في "حاشيته على البيضاوي"(2/ 211): بيت اليهود الذي يدرسون به كتبهم، جمع مدراس.

(2)

انظر هذه القراءات في "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: 166)، و"التيسير في القراءات السبع" للداني (ص: 75)، و"النشر"(2/ 219).

(3)

انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: 8)، و"المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" لابن جني (1/ 97)، و"الكشاف"(1/ 169)، و"المحرر الوجيز"(1/ 183)، و"تفسير القرطبي"(2/ 262)، و"البحر المحيط"(2/ 345)، و"روح المعاني"(2/ 331). وفي الكلمة لغات أخر، فقد عد لها القرطبي عشرًا، وأبو حيان والآلوسي ثلاثة عشر.

ص: 268

قال ابن جِنِّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلَّطت فيه

(1)

.

ومُنع صرفُه للعُجمة والتعريف، ومعناه: عبد الله.

و {مَنْ} للشرط، وقوله:{فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} تعليل للجزاء قام مقامه، والبارز الأول لـ (جبريل) عليه السلام؛ أي: فلا وجه لعداوته.

{فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} ؛ أي: القرآن، وإضمارُه غيرَ مذكور يدلُّ على فخامةِ شأنه؛ كأنه لتعيُّنه وفَرْطِ شُهرته يدلُّ على نفسه، ويُستغنى بذكر شيء من صفاته عن التصريح باسمه.

{عَلَى قَلْبِكَ} لأنَّه القابل الأول للوحي، ومحلُّ الفهم والحفظ، وحرفُ الاستعلاء للدلالة على أن المنزَل يأخذ بمجامع قلبه، وكان الظاهر أن يقول: على قلبي، لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.

{بِإِذْنِ اللَّهِ} بتيسيره، حالٌ من فاعل (نزَّل).

{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} حال من ضمير القرآن.

وكذا: {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: فحقُّه أن يحبوه ويشكروا له صنيعَه؛ لإنزاله ما يصدِّق كتابهم، أو جميعَ الكتب المنزلة قبله، ويهديهم ويبشِّرهم؛ أي: إن كانوا مؤمنين به

(2)

.

ويجوز أن يكون المعنى: مَن عادى جبريل فالسببُ في عداوته أنه نزَّل القرآن على قلبك مصدِّقًا لِمَا بين يديه موافقًا إياه، وهم يكرهون القرآن خوفًا من فوات رئاستهم، ولهذا يحرِّفون كتابهم وينكرون موافقتَه إياه؛ كقولك: إن عاداك فلان فقد

(1)

انظر: "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" لابن جني (1/ 97).

(2)

في "ك" و "م": (له).

ص: 269

آذيتَه، أو خوفَ افتضاحهم؛ لأنَّه يكشف عن أسرارهم من تحريف التوراة وكتمان نعتِ الرسول عليه السلام وعداوة المؤمنين.

* * *

(98) - {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}

{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ} أراد بعداوةِ الله تعالى: مخالفةَ أمره

(1)

عنادًا، أو معاداةَ المقرَّبين من عباده، وصدَّر الكلام بذكره على طريقة التمهيد تفخيمًا لشأنهم؛ كما في قوله:{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} .

{وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ} من بني آدم والملائكة، ولو لم يكن المراد من الرسل ما يعم الرسول من جنس الملائكة لَمَا حَسُنَ الفصل بها بينهم وبين ما خُصَّ منهم بالذكر.

{وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} خصَّهما بالذكر مع اندراجهما تحت عموم الملائكة والرسل لفضلهما وكرامتهما؛ كأنَّ كلَّ واحد منهما جنسٌ برأسه؛ تنزيلًا لتَغايُر الوصف منزلةَ تَغايُر الذات

(2)

، وتنبيهًا على أن معاداة الواحد والكلِّ سواءٌ في الكفر، واستجلابِ العداوة من الله تعالى.

وفي (ميكائيل) خمس لغاتٍ: (ميكائيل)، و (ميكائل) بحذف الياء، و (ميكئيل) و (ميكئل) بحذف المد عنهما، والياءِ عن الثانية، و (ميكال) بحذف الهمزة والياء

(3)

.

(1)

في "ك": (أوامره).

(2)

في "ك" و "م": (منزلة تغاير الموصوف).

(3)

وفيه لغات أخر، وقد قرئ ببعضها في المتواتر وبالبعض الآخر في الشاذ، وخرجناها مفصلة في تحقيقنا لـ"البحر المحيط"(2/ 348)، و "روح المعاني"(2/ 337).

ص: 270

وإنما ذكر ميكائل مع أنهم كانوا يقولون: لو كان ميكائل صاحبَ محمد لاتَّبعناه لأنَّه يأتي بالخصب والسلام؛ تنبيهًا على أن مَن أبغض جبريل فقد أبغض ميكائيل؛ لأنهما قريبان بغضُ أحدهما يستلزمُ بغضَ الآخر.

{فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} مجردُ المعاداة ظاهرٌ معلوم، فلا بد من الحمل على الكناية تربيةً للفائدة؛ أي: مَن عاداهم عاقَبه الله تعالى أشدَّ العقاب، ولمَّا كان فيه تنزيلُ المقدَّر منزلةَ المحقَّق استَحقَّ التأكيدَ بالجملة الاسمية و (إنَّ)، والشدةُ المذكورةُ معتبَرةٌ في المكنيِّ عنه، ولا تأثير فيها لتأكيد الخبر

(1)

.

وكان الظاهرُ أن يقال: فإنه عدوٌّ لهم، والعدولُ عن الظاهر أولًا للتهويل، ولأنَّ فيه احتمالَ أن

(2)

يذهب الوهمُ إلى رجوع الضمير إلى مجموع ما تقدم.

وثانياً للدلالة على أن عداوة المذكورين كفرٌ، وأن الكفر سببٌ لعداوة الله تعالى إياهم.

* * *

(99) - {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} .

{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} ؛ أي: واضحةَ الدلالة لا إلباسَ فيها، فعدمُ الإيمان بها ليس شبهةً.

{وَمَا يَكْفُرُ بِهَا} عطف على مقدَّر؛ أي: فلا تَشتبِهُ على أحدٍ ولا

(3)

يكفر بها

(4)

.

(1)

في هامش "د" و "م": (رد آخر لسعد الدين في قوله: واستفيدت الشدة من تأكيد الجملة الاسمية. منه).

(2)

في "ك" و "م": (احتمالًا لأن).

(3)

في "ك": (وما).

(4)

في هامش "ح" و"د" و "ف" و "م": (فالواو فصيحة، ولولا ذلك لكان الظاهر التصدير بالفاء. منه).

ص: 271

{إِلَّا الْفَاسِقُونَ} المتمردون من الكفرة.

وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوعٍ من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع مِن كفرٍ وغيره

(1)

.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قال ابن صُوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أُنزل عليك من آيةٍ فنتبعَك لها، فنزلت

(2)

.

واللامُ للجنس، والمراد: أهلُ الكتاب الخارجين

(3)

عن دينهم؛ لأن الآية نزلت فيهم، وطرفُها كلام في شأنهم، والوصفُ بالتمرد آلْيَقُ بحالهم، ففيه دلالةٌ على أنَّ ذلك الخروجَ سببٌ لكفرهم، فيكون فيه مبالغةٌ، وهي أن يكون

(4)

كفرُ غيرهم كالعدم، ومن لم يتنبه لهذا زعم أن الأحسن أن تكون للعهد

(5)

.

* * *

(100) - {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .

{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا} الواو للعطف على محذوف؛ إذ لا مجالَ للعطف على الكلام السابق، معناه: أَكَفَروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا، فالهمزة إنكارٌ للجمع بين الكفر ونقض العهد.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 171).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 171)، رواه الطبري في "تفسيره" (2/ 305). وجاء في "م":(بها)، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"، والمثبت من باقي النسخ و"الكشاف".

(3)

كذا في النسخ، والجادة:(الخارجون).

(4)

(يكون) من "ح" و "ف".

(5)

في هامش "ح" و"د" و"ف": (فيه رد لسعد الدين في زعمه أن هذا على أحسنية العهد. منه).

ص: 272

وقرئ بسكون الواو

(1)

، على أنَّ الفاسقين بمعنى: الذين فسَقوا، فكأنه قيل: إلا الذين فسقوا أو نقضوا

(2)

عهدَ الله مرارًا كثيرة، لا على أن الواو العاطفة أُسكنت إسكانَ الهاء في (وَهْوَ) لأنَّه لم يثبت مثلُ ذلك في الواو العاطفة

(3)

.

و (أو) في مثل هذه المواضع تفيد تساويَ الأمرين في الوقوع

(4)

، مع أن الثانيَ أبعدُ وأليقُ بأن لا يقع، فيُحمل على أنها بمعنى (بل) وقد أثبتها الثقات وشهد بها الاستعمال، ودلت عليها هاهنا القرينةُ، وهي قوله:{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ترقِّيًا إلى الأغلظ فالأغلظ.

{نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} النبذ: الرميُ بالذِّمام ورفضُه، ولم يغلب فيما يُنسى فلذلك احتيج إلى زيادة قوله:{وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} عند إرادةِ معنى النسيان، وإنما قال:{فَرِيقٌ مِنْهُمْ} ؛ لأنَّ بعضهم لم ينقُضْ.

{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ردٌّ لِمَا يُتوهم أنَّ الفريق هم

(5)

الأقلُّون، وهذا على تقديرِ أن يكونَ مَن لم ينبذ جهارًا مُؤمنًا حقًّا.

* * *

(101) - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .

(1)

تنسب لأبي السمال العدوي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 8)، و"المحتسب"(1/ 99).

(2)

في "م": (فسقوا ونقضوا).

(3)

في هامش "ح" و"ف" و"م": (الواو في أو ليست مسكنة لأن الواو العاطفة لا يتسكن. منه).

(4)

في "ك" و"م": (الواقع).

(5)

في "م": (هو).

ص: 273

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ} تنكير الرسول للتعظيم، وفي قوله:{مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} إشارة إلى

(1)

استحقاقه التعظيم من جهة أخرى.

{مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} من الكتاب، وتصديقُه: كونه على الوصف الذي ذكر فيه، فالمراد من الرسول محمد عليه السلام

(2)

.

{نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ} يعني: التوراةَ، حيث لم يعملوا بموجَبِ ما فيها، وهو الإيمان بالرسول المصدِّقِ لها.

{وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} النبذ وراء الظهر مَثَلٌ لتركِ الشيء والإعراضِ عنه بالكليَّة، مثلَ ما

(3)

يرمى به وراء الظهر استغناءً عنه، وقد يكون كنايةً عن نسيانه، فإنَّ نبذ الشيء وراء الظهر يستتبِع نسيانه

(4)

غالبًا.

ويجوز أن يستعار النسيان للإعراض رأسًا، ثم يكون النبذُ وراء الظهر كنايةً عنه على أنه نسيانٌ، فيكون كنايةً متفرِّعة على الاستعارة المَنْوية، ولْنُسَمِّه كنايةً بالاستعارة، وهذا أبلغ من الكناية ابتداء والاستعارةِ التمثيلية.

{كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أنه كتابُ الله تعالى، جملةٌ حاليَّةٌ، وكأنَّ فيه إيماءً إلى ما ذكر من الاستعارة المنوية.

(1)

في "م": (إلى أن).

(2)

هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (رد للقاضي في قوله كعيسى ومحمد. منه).

(3)

في "ح" و"ف": (مثل لما)، وفي "د":(مثل بما).

(4)

في "ك" و "م": (مستتبع نسيانه).

ص: 274

(102) - {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} .

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} عطفٌ على {نَبَذَ} ؛ أي: نبذوا كتابَ الله تعالى، واتَّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت الشياطينُ - وهم المتمرِّدون من الجن - يقرؤونها على عهد مُلكِ سليمانَ عليه السلام.

وليست {عَلَى} صلةَ التلاوة، بل من قولهم: كان هذا على عهد فلانٍ؛ أي: في وقته وزمانه، {تَتْلُو} حكايةُ حالٍ ماضية.

{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} تكذيب لمن زعم أن سليمان عليه السلام سخَّر الإنس والجن والريح بالسحر، وأن مُلكه تمَّ بهذا العلم، والكنايةُ عن السحر بالكفرِ للدلالة على أنه كفرٌ، والإشارةِ إلى ما يوجب تنزُّهه عليه السلام عنه؛ كأنه قال: وما سَحَر سليمان؛ لأنَّ السحر كفرٌ، والنبيُّ معصومٌ عن الكفر.

{وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} لمَّا نفى الكفر عن سليمان عليه السلام، وكان الشياطينُ قد سخِّرت لسليمان عليه السلام يستعملُهم

(1)

فيما يشاء، فقد يُتوهم أنهم لا يكفرون أيضًا، إذ هم في خدمة نبيٍّ، فاستدرك أنهم كفروا باستعمالهم السحر.

(1)

في "م": (ليستعملهم).

ص: 275

وقرأ الحسن: (الشياطون)

(1)

.

وقال السَّجاونديُّ: خطَّأه الخارْزَنجيُّ

(2)

، ولو سلِّم صحتُه فلا خفاءَ في عدم فصاحته.

{يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} إغواءً وإضلالًا، والجملةُ حال عن الضمير، والسحرُ: مزاولةُ النفوس الخبيثة لأفعالٍ وأقوالٍ يترتَّب عليها أمورٌ خارقةٌ للعادة، ولا يروى خلافٌ في كون العمل به كفرًا، وعدُّه نوعًا من الكبائر مغايرًا للإشراك لا ينافي ذلك؛ لأن الكفر أعمُّ، والإشراكُ نوعٌ منه.

وهو في أصل اللغة: الصَّرف، حكاه الأزهري عن الفرَّاء ويونسَ

(3)

، فإطلاقُه على ما يفعله أصحابُ الحيَل بمعونة الآلات والأدوية، وما يُريك صاحبُ خفَّة اليد باعتبارِ ما فيه من صرف الشيء عن جهته حقيقةٌ لُغويَّة.

{وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} عطفٌ على {السِّحْرَ} ، والمراد بهما واحدٌ، والعطف لأنَّه نوع أقوى منه كأنه من جنسٍ آخر.

وهما ملكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله تعالى للناس.

وقيل: رجلان سمِّيا ملَكين باعتبارِ صلاحهما، ويؤيِّده قراءةُ:(المَلِكَين) بالكسر

(4)

.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 8).

(2)

هو أبو حامد أحمد بن محمد البستي، إمام الأدب بخراسان في عصره، له:"تكملة كتاب العين"، و"شرح أبيات أدب الكاتب"، توفي (348 هـ). انظر:"الأنساب" للسمعاني (5/ 12)، و"بغية الوعاة"(1/ 388).

(3)

انظر: "تهذيب اللغة"(4/ 170).

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 8). ووقع في النسخ: (ملكين) دون (ال) والصواب المثبت.

ص: 276

وقيل: (ما أُنزل) نفيٌ معطوفٌ على (ما كفر) تكذيبٌ لليهود في هذه القصة، وهذا يكذِّبه قوله تعالى:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} فإنه إذا لم يكن هناك شيءٌ منزل فالتعليم والتعلُّم في أيِّ شيء يكون؟

{بِبَابِلَ} ظرفٌ، أو حال من {الْمَلَكَيْنِ} أو الضميرِ في {أُنْزِلَ} ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: هي في سواد الكوفة. ومُنِعَ صرفُها للعَلَميَّة والتأنيث.

{هَارُوتَ وَمَارُوتَ} عطفُ بيانٍ أو بدلٌ لـ {الْمَلَكَيْنِ} ، ومُنع صرفُهما للعلَمية والعُجمة، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر - كما زعم بعضهم - لانصرفا.

وقرئ: (هاروتُ وماروتُ) بالرفع

(1)

على: هما هاروتُ وماروتُ.

وإبدالُهما من {الشَّيَاطِينَ} بدلَ البعض من الكلِّ - تصحيحًا لِمَا قيل: إنَّ (ما أُنزل) نفيٌ - يردُّه تعلُّق قوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} الآيةَ بما

(2)

قبله تعلُّقًا خاصًا بحيث لا ينتظم بدونه، فإن المبدَل منه في حكم الساقط بحيث لو أُقيم البدل مقامه لانْتَظَم الكلام معه.

{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} تصريحٌ بما قدَّمناه من أنَّ إنزال السحر عليهما للابتلاء؛ أي: ما يعلمان أحدًا حتى ينصحاه وينبهاه على أنه سحرٌ، والعمل به كفرٌ.

والفتنة: ما يَتبيَّن بها حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنتُ الذهب بالنار: إذا جرَّبته بها لتعلم أنه خالصٌ أو مشوبٌ، ومنه: الفتَّانة، وهي الحجرُ الذي يجرَّب به الذهب والفضة.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 8).

(2)

في النسخ عدا "ك": (لما)، والمثبت من "ك".

ص: 277

{فَلَا تَكْفُرْ} بالعمل به، أو باعتقاد جوازه، إنما نحن ابتلاءٌ من الله تعالى واختبار.

قال عليٌّ رضي الله عنه: كانا يعلمان تعليم إنذارٍ لا تعليم دعاءٍ إليه

(1)

، كأنهما يقولان: لا تفعل كذا وكذا.

والصحيح من مذهب أصحابنا أن تعلُّمه حرام مطلقًا؛ لأنَّه توسُّلٌ إلى محظورٍ عنه غنًى وتَوَقِّيه بالتجنُّب أصلحُ وأحوطُ.

{فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} عطفٌ على يعلِّمان المقدَّر؛ أي: يعلِّمان فيتعلَّمون الناس، على أن الضمير لِمَا دل عليه {مِنْ أَحَدٍ} .

{مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ؛ أي: ما يُحْدِث الله عنده من التفرقة بينهما.

{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ} ؛ أي: بما يفرِّقون.

{مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، فهو حالٌ من فاعلِ {بِضَارِّينَ} ، و {مِنْ أَحَدٍ} في محلِّ النصب بالمفعولية في الموضعين، وفي زيادةِ {مِنْ} تأكيدٌ بليغٌ فيهما.

وقرئ: (بضارِّي) على حذفِ النون من اسم الفاعل

(2)

، وإن لم يكن فيه (أل).

قال أبو حيان: وله نظير في نثرِ العرب ونظمِها، وأما حذفُها على الإضافة إلى {أَحَدٍ} وجعلُ الجارِّ جزءًا منه فمردودٌ بأن الجارَّ مؤثِّر فيه، وجزءُ الشيء لا يؤثِّر في الشيء

(3)

.

{وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} لِمَا عرفتَ أنه أفعالٌ وأقوالٌ تُزاوِلها النفوسُ الخبيثة،

(1)

انظر: "تفسير القرطبي"(2/ 288).

(2)

انظر: "المحتسب"(1/ 103)، و"البحر المحيط"(2/ 386).

(3)

انظر: "البحر المحيط"(2/ 387 - 388).

ص: 278

فحصوله

(1)

لا يخلو عن نوعِ تأثيرٍ في نفس المتعلِّم، وأمَّا ما قيل: لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً، فإنما يصح وجهًا لضرر العلم لا لضرر المعلوم.

{وَلَا يَنْفَعُهُمْ} نفيٌ لاحتمالِ أن يكون ضرره مَشوبًا بنفعٍ في الجملة، وهذا كالردِّ على مَن توهَّم أنَّ في تعلُّمه ليتوقاه، ولئلا يغترَّ به نفعٌ ما، واستَشهد بقول أبي نواسٍ:

عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتَوَقِّيهِ

ومَن لم يَعرفِ الشَّرَّ مِن الخيرِ وقعَ فيه

(2)

{وَلَقَدْ عَلِمُوا} ؛ أي: اليهود.

{لَمَنِ اشْتَرَاهُ} ؛ أي: استبدله بكتاب الله تعالى، والضميرُ لـ {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} ، واللام الأولى للتأكيد القسَمي، والثانيةُ لام الابتداء لتعليق فعلِ العلم.

{مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} : نصيب.

{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} عطفٌ على جملة القسم والجواب، أو على الجواب، وعطفُ الإنشاءِ على الإخبار كثير، وقد تقدَّم الكلام فيه.

{لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} جوابُ (لو) محذوفٌ؛ أي: لارْتَدَعوا عن تعلُّم السحر وإيثارِ كتبه، أو: لكان خيرًا لهم، والمعنى: لو اعتادوا العمل بموجَبِ العلم، كنى عن عَدَم العمل بموجَبِ العلم بعدم العلم؛ تنبيهًا على قوة الملازمة بين العلم والعمل بموجَبه، وأن عدم العمل لعدم الصحة فيما يُوجبه من العلم.

(1)

في "ك" و "م": (فحصولها).

(2)

في "ك": (يقع فيه).

ص: 279

(103) - {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} .

{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا} برسول الله عليه السلام والقرآن، أو التوراةِ

(1)

؛ لأن إيمانهم بها كلَا إيمانٍ.

{وَاتَّقَوْا} اجتنَبوا ما هم عليه من اتِّباع السحر واستبدالهِ بكتاب الله تعالى.

{لَمَثُوبَةٌ} لشيءٌ ما من الثواب.

{مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فيه تعظيمٌ للثواب، وتنبيهٌ على بقائه، بناءً على أن ما عند الله عبارةٌ عما في عالَم الغيب، أعني: عالمَ الآخرة، ودفعٌ لِمَا عسى أن يُتوهَّمَ أن التنكير التقليليَّ في (مثوبة) للتحقير.

{خَيْرٌ} جواب (لو)، وأصله: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيرًا

(2)

مما شَرَوا به أنفسهم، فحُذف الفعل وركِّب الباقي جملةً اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزمِ بخيريَّتها، وحُذف المفضَّل عليه إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه.

ويجوز أن يكون: ولو أنهم آمنوا تمنِّيًا على سبيل المجاز؛ كأنه قيل: وليتهم آمنوا واتَّقوا، وتركُ الجواب في (لو) هذه كاللازم؛ لكونه في معنى (ليت)، وتقديره: لو آمنوا واتقوا لكان حسنًا، وإيراد الجملة الابتدائية بعده كالتعليل للتمني.

{لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ؛ أنَّ

(3)

ثوابَ الله تعالى خيرٌ لهم مما هم فيه، جهَّلهم لتركهم العملَ بعلمهم.

(1)

في "ك" و"م": (والتوراة).

(2)

في النسخ: (خير)، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(1/ 98).

(3)

في النسخ: (أي)، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(1/ 98).

ص: 280

(104) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} (راعِنا) أمرٌ من المراعاة يقتضي المشاركةَ غالبًا؛ أي: ليكن منك رَعيٌ لنا، ومنا رَعيٌ لك، والرعي: حفظُ الغير لمصلحته، نُهوا أن ينطقوا بلفظٍ يقتضي المشاركة مع مَن يعظَّم، وتضمَّن هذا النهيَ عن كلِّ ما يكون فيه استواءٌ مع النبيِّ عليه السلام.

ورُوي أنَّ المسلمين كانوا يقولون للرسول عليه السلام: راعنا؛ أي: راقبنا وتأنَّ بنا فيما بلَّغتنا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترَصوا

(1)

وخاطَبوه به مريدين نسبتَه إلى الرَّعن، أو سبَّه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابُّون بها وهي: راعينا، فنُهي المؤمنون عنها وأُمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يحتمل التلبيس، وهو:{انْظُرْنَا} من نظَره: إذا انتظره

(2)

.

وقرئ: (أنظِرْنا) من النَّظِرة

(3)

؛ أي: أَمْهِلْنا حتى نَحفظ

(4)

.

وقرئ: (راعُونا) على لفظِ الجمع للتوقير، و:(راعنًا) بالتنوين

(5)

؛ أي: قولًا

(1)

أي: انتهزوا. انظر: "النهاية"(مادة: فرص).

(2)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (وأما معنى انظر إلينا فلا يناسب المقام لأن الكلام فيما يفيد فائدة راعنا. منه).

(3)

انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 98)، و"البحر المحيط"(2/ 404)، و"روح المعاني"(2/ 370)، وعزاها أبو حيان والآلوسي لأبي رضي الله عنه والأعمش، وعندهم جميعًا أنها من الإنظار بمعنى: أمهلنا، أما النظِرة فذكرها أبو حيان في معنى القراءة الأولى قراءة الجمهور، ويفهم من كلامه أن المعنى واحد، لكن ما ذكروه هو الأوفق بقانون الصرف مما قاله المؤلف.

(4)

في (م): "نحفظه".

(5)

القراءتان في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 9).

ص: 281

ذا رعنٍ، نسبة إلى الرَّعنِ وهو الهوج، لمَّا شابه قولَهم: راعينا، فتسبَّب للسب

(1)

.

{وَاسْمَعُوا} ما يكلِّمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعَ تيقُّظٍ حتى لا تحتاجوا إلى المراجَعة وطلب المراعاة

(2)

.

أو: واسمعوا ما أُمرتم به بجِدٍّ حتى لا ترجعوا إلى ما نُهيتم عنه، تأكيدًا عليهم في تركها

(3)

.

{وَلِلْكَافِرِينَ} ؛ أي: الذين تهاوَنوا الرسولَ عليه السلام وسبُّوه.

{عَذَابٌ أَلِيمٌ} بسبب كفرهم.

* * *

(105) - {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .

{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ} المودة: محبة الشيء مع تمنِّيه، ولذلك يستعمل في كلٍّ منهما، و (مِن) للبيان؛ لأن (الذين كفروا) جنسٌ تحته نوعان: أهلُ الكتاب والمشركون. و (لا) مزيدةٌ للتأكيد.

نزلت تكذيبًا لجمعٍ من اليهود يُظهرون مودة المؤمنين ويدعون أنهم يودون لهم الخير.

{أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} مفعولُ {يَوَدُّ} ، و (مِن) الأولى

(1)

أي: لما أشبه قولهم: راعينا، وكان سببًا في السب اتصف بالرعن. انظر:"الكشاف"(1/ 174). والهوج: الحماقة. انظر: "نواهد الأبكار"(2/ 293).

(2)

في (م): "المراجعة والمراعاة".

(3)

في هامش "ح" و"ف": (أي: في ترك كلمة راعنا. منه).

ص: 282

مزيدةٌ للاستغراق بعد النفي، والثانيةُ للابتداء، وفسِّر الخير بالوحي، والمعنى: أنهم يحسدونكم به، وما يحبون أن ينزَّل عليكم شيءٌ منه، وبالعلم وبالنصرة

(1)

، والوجهُ تعميمُه للكلِّ؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي بالواسطة.

{وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} على مقتضى حكمته، وتقديمُ اسم الله تعالى على الفعل للتأكيد والتخصيص، ثم وُضع المظهَر موضع المضمَر للتعظيم، وتربيةِ معنى الإضافة بالانفراد.

{ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} إشعارٌ بأن النبوة هي الفضل العظيم، والله تعالى صاحبُه دون غيره.

* * *

(106) - {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} وقرئ: {مَا نُنْسَخْ} من أَنْسَخَ

(2)

، و:(ننسِّيها) بالتشديد من التَّنسية

(3)

، و:{نُنْسِأهَا} بالهمزة

(4)

، و:(تَنسها) و: (تُنسها)، من نَسِي وأَنْسَى على خطاب الرسول عليه السلام

(5)

.

(1)

قوله: (يحسدونكم به)؛ أي: بسببه، وقوله:(وبالعلم وبالنصرة) معطوف على قوله: (بالوحي). انظر: "حاشية الشهاب"(2/ 218).

(2)

هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 76).

(3)

انظر: "المحتسب"(1/ 103)، و"المحرر الوجيز"(1/ 192)، و"البحر"(2/ 413).

(4)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 76).

(5)

انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 9)، و"المحتسب"(1/ 103)، و"المحرر الوجيز"(1/ 192)، و"البحر"(2/ 412 - 413).

ص: 283

وقرئ: (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسَخْها) و: (ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِكَها)

(1)

.

والنسخ في اللغة: هو النقل والتحويل، ومنه انتساخُ الكتاب: هو نقلٌ من نسخةٍ إلى أخرى.

ونسخ الآية: بيانُ انتهاء التعبُّد بقراءتها، أو حُكمِها، أو بهما جميعًا.

وإنساخُها: الأمر بنسخها.

ونَسْؤُها: تأخيرها وإذهابُها لا إلى بدلٍ.

وإنساؤها وتنسيتُها: أن يذهب بحفظها عن القلوب.

و {مَا} شرطيَّةٌ جازمةٌ لـ {نَنْسَخْ} منصوبةٌ به على المفعولية، {أَوْ نُنْسِهَا} مجزومٌ أيضًا للعطف على المجزوم، وجزمُه بحذف الياء منه.

و (الآية) على المعنى اللغوي وهو جماعةٌ من الكلام، يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعتهم؛ إذ لا اختصاص للنسخ بتمامِ الآية المصطلَحة.

{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} بما هو أنفعُ لكم في الدنيا أو في الآخرة {أَوْ مِثْلِهَا} في النفع في واحدةٍ منهما.

نزلت لمَّا قال المشركون أو اليهود: ألَا ترون إلى محمدٍ عليه السلام يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. ففي

(2)

الآية دلالة على جواز النسخ، بل على وقوعه.

(1)

انظر القراءتين في "الكشاف"(1/ 176).

(2)

في "ل" و"م": (وفي)، وجاء في هامش "ح" و "د" و "ف" و"م":(في تفريع الدلالة على سبب النزول رد للقاضي في زعمه أن الدلالة المذكورة باعتبار أنَّ (إنْ) وما يتضمنها يختص بالأمور المحتملة؛ لأن الاحتمال العقلي لا حاجة إلى الاستدلال في إثباته).

ص: 284

قيل: وذلك لأن الأحكام شُرعت والآياتِ نزلت لمصالح العباد وتكميلِ نفوسهم فضلًا من الله تعالى ورحمةً، وذلك يَختلِف باختلافِ الأعصار والأشخاص؛ كأسباب المعاش، فإنَّ النافع في عصرٍ قد يَضُرُّ في غيره.

وكأنَّ هذا القائلَ غافل عن قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضبًا على قوم.

ثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار

إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ.

{أَلَمْ تَعْلَمْ} الخطاب لكلِّ أحدٍ؛ لأن الأمر عظيمٌ شامل، والتيقُّظ له ضروريٌّ للكلِّ، فيصلح أن يخاطَب به كلَّ أحد.

{أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يَقدر على الخير وما هو خيرٌ منه، وعلى مثله في الخير.

ويجوز أن يكون الخطابُ لمحمد عليه السلام تعريضًا للمشركين أو اليهود، كما أن قوله تعالى:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي} [المائدة: 116] خطابٌ لعيسى عليه السلام يومَ القيامة تعريضًا للنصارى.

* * *

(107) - {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} .

{أَلَمْ تَعْلَمْ} تأكيد لِمَا مرَّ، وجعلُه استفهامًا محضًا ومعادِلُه:{أَمْ تُرِيدُونَ} قولُ مَن لم يَذُقْ فصاحةَ كلام العرب

(1)

.

(1)

في "ك" و"م": (القرآن)، وجاء في هامش "م":(في نسخة: العرب).

ص: 285

{أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يملك أمورَكم ويليها ويُدبِّرها، فيتعبَّدُكم بما يشاء مما يَرى فيه مصلحتكم.

{وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ} مَن يَلي أمورَكم {وَلَا نَصِيرٍ} مَن ينصركم عليه.

وفي إظهار اسم الله في {مِنْ دُونِ اللَّهِ} ما مرَّ آنفًا.

ثم لمَّا قرَّر عليهم أنه مالكُ أمورهم ومدبِّرُها بحسب مصالحهم، وأنَّه لا يُنزِل عليهم إلا ما هو خيرٌ لهم، أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما يُنزلُ

(1)

عليهم ويدبِّر به أمرهم ويتعبَّدهم به، وأن لا يكونوا كقوم موسى عليه السلام في السؤال عن أمورٍ عادت عليهم وبالًا، فيسألوا

(2)

رسولهم ما يضرُّهم ولا ينفعهم، فقال:

* * *

(108) - {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} .

{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ} {أَمْ} هي المنقطِعة بمعنى (بل) والهمزةِ، فمعنى (بل) إعراضٌ عن اعتراضهم على القرآن بالنسخ، وطعنِهم وغفلتِهم عن حكمةِ الله تعالى، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لِمَا يناسبه من اقتراحهم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم كاقتراحهم على موسى عليه السلام، وفيه مبالغةٌ في النهي حتى كأنهم كانوا بصددٍ الإرادة، فنهوا عن الإرادة فضلًا عن السؤال، يعني: من شأن العاقل أن لا يتصدَّى لإرادةِ ذلك.

(1)

في "ح" و "ف": (ينزله).

(2)

في "ك": (فسألوا).

ص: 286

ويجوز أن تكون متصلة بهمزةٍ محذوفة؛ أي: أتعترِضون عليه بالنسخ وتطعنون فيه أم تريدون أن تسألوا، وقوله:

{كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} بلفظِ المبنيِّ للمفعول ترشيحٌ لهذا المعنى، بمعنى: أنَّ مَن يَسأل

(1)

مثلَ هذا السؤالِ حقيق بأنْ يُصان عن ذكره المقالُ، وإلا فالمناسبُ أن يشبَّه سؤالهم بسؤال قومه أو سؤالُ نبيِّنا بسؤالِ موسى عليهما السلام على المصدر المبنيِّ للفاعل.

ثم ذيَّل الكلام بقوله:

{وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} ؛ أي: مَن

(2)

ترك الثقة بالآيات المنزلة وشكَّ فيها واقترح غيرَها.

{فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} : الطريقَ المستقيمَ، اضاف الوصفَ إلى الموصوف ليُفيد بُعدَ الانحراف، ويكونَ أول ما يَطرقُ سمعهم بعد الضلال هو الاستواءُ، فينتبهوا على أنهم أخطؤوا الاستقامةَ في طريقهم فيرجعوا، وهو أبلغ من قولك: فقد ضلَّ الطريق المستوي.

* * *

(109) - {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني: أحبارَهم.

(1)

في "ك" و "م": (سأل).

(2)

في "م": (ومن).

ص: 287

{لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} تمنَّوا أن يردُّوكم، فإنَّ (لو) تنوب عن (أنْ) في المعنى دون العمل.

{مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} حال، أو مفعولٌ ثانٍ على أن يضمَّن (يَرُدُّ) معنى: يَجعل.

{حَسَدًا} مفعولٌ له، أو حالٌ أُريد به نعتُ الجمع؛ أي: حاسدِينَ لكم، والحسدُ: الأسف على مَن له خير بخيره، والتمنِّي أن يزول عنه إليه.

{مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} متعلِّقٌ بـ {حَسَدًا} ؛ أي: حسدًا ناشئًا من عند أنفسهم، بمعنى: حسدًا مُتبالِغًا ذاتيًّا لا يمكنُ إزالتُه، لا عَرَضيًّا

(1)

جائزَ الزَّوال، وإلا فحسدُهم لا يكون إلا مِن عندِ أنفسهم.

ويجوز أن يتعلَّق بـ {وَدَّ} ؛ أي: تمنَّوا ارتدادَكم من قِبَلِ أنفسهم وشهوتها، لا من جهة التدين والميل إلى الحق

(2)

؛ لأنهم تمنَّوا ذلك من بعدِ ما تحقَّقوا أنكم على الحق.

{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة.

ومعنى الفاءِ في {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} السَّببيةُ، يعني: إذا علمتُم أنَّ وِدادتهم المؤكَّدةَ إنما هي لحسدهم

(3)

لا للدِّين، فليس يمكنُكم إزالتُها، فلا سبيل لكم إلا العفوُ وهو التَّركُ، والصفحُ وهو الإعراض.

{حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} من قتل بني قريظةَ، وإجلاءِ بني النَّضير، وإذلالهم

(1)

في "ح" و"ف": (عرضًا).

(2)

في "م": (التحقق).

(3)

في "م": (بحسدهم).

ص: 288

بالجزية، ولا يَخفى ما في نسبة الإتيان إليه تعالى من التعظيم والتهويل، ولذلك عدل عن الأصل وهو: حتى يأتي أمر الله.

ولمَّا كان مَظِنّةَ أن يَسبِقَ إلى الوهم أنَّ ذلك التوقُّفَ لعدم القدرة على الانتقام على الفور تُدُورِكَ

(1)

دفعُه بقوله:

{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدِر على الانتقام منهم أيَّ وقتٍ شاء.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه منسوخ بآية السيف

(2)

.

والغايةُ التي يتعلَّق بها الأمر إذا كانت لا تُعلم إلا شرعًا لم يخرج ذلك الواردُ من أن يكون ناسخًا، دل على ذلك انتساخُ

(3)

حكم التوراة والإنجيل بظهور نبينا عليه السلام، مع ما فيها من بيانِ انتهاء حكمِها بظهور النبيِّ الأمي.

* * *

(110) - {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} عطفٌ على {فَاعْفُوا} ، كأنه أمرهم بالصبر واللَّجَأ إلى الله تعالى بالعبادة والبِرّ.

{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} ؛ أي: شيئًا قليلًا من جنس الخير.

(1)

في "م": (تدارك).

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(2/ 424) عن ابن عباس بلفظ: ونَسخ ذلك قولُه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5].

(3)

في "م": (انتساخ ما في).

ص: 289

{تَجِدُوهُ} جاء في الأحاديث الصِّحاح: أنَّ الأعمال نفسَها تتجسَّد يومَ الجزاء وتوجِد نفسَها.

{عِنْدَ اللَّهِ} قد مرَّ تفسيرُه.

{إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وعدٌ يَتضمَّن الوعيدَ على عدمِ الإخلاصِ في العمل، وقرئ بالياء

(1)

فتمحَّض وعيدًا.

* * *

(111) - {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{وَقَالُوا} عطفٌ على {وَدَّ} ، والضميرُ لأهل الكتاب من الفريقين.

{لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} جمع هائد؛ كعائذٍ وعُوذٍ، وهو جمعٌ لا يَنقاس في فاعِلٍ، وتوحيدُ الاسم المضمَر وجمعُ الخبر باعتبارِ اللفظ والمعنى.

{أَوْ نَصَارَى} لفٌّ بين قولي الفريقين؛ كما في قوله: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 135] إيجازًا؛ اعتمادًا على فهم السامع، وأمنًا من الإلباس؛ لشهرتها

(2)

بين الناس بالتَّعادي.

{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} إشارةٌ إلى الأمانيِّ المذكورة، وهي أن لا ينزلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم، وأن يردُّوهم كفارًا، وأن لا يدخلَ الجنة غيرُهم، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف؛ أي: أمثالُ تلك الأمنيَّةِ أمانيُّهم، والجملةُ اعتراض.

(1)

انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 100).

(2)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:(لشهرتهما).

ص: 290

وقد مرَّ أن الأمنيَّة أفعولةٌ من التمنِّي مثلَ الأضحوكة والأعجوبة، والتمنِّي: تقدير الشيء في النفس وتصويرُه فيها، ولمَّا كان أكثرُه عن تخمينٍ صار البطلانُ له أملكَ.

{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} ؛ أي: أحضروا حُجَّتكم على اختصاصكم بدخول الجنة، والبرهانُ مشتقٌّ من البَرْه، وهو القطعُ، أو من البَرْهنة وهي البيان.

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم.

فإنْ قلتَ: هلَّا يجوز أن يكون واحدًا منَّا صادقًا في دعواه، ومع ذلك يكون عاجزًا عن إثباته؟

قلت: يجوز ذلك في العقليات، وأمَّا الذي مدارُه على السمع فلا يجوز

(1)

.

* * *

(112) - {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{بَلَى} إثباتٌ لِمَا نَفَوْه من دخول غيرهم الجنة.

{مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} أَخلصَ نفسَه {لِلَّهِ} لا يشركُ به غيرَه، عبَّر بالوجه عن الجملة، إذ هو أشرفُ الأعضاء وفيه الحواسُّ، ولأنَّ أثر الانقياد والخضوع يظهر فيه.

{وَهُوَ مُحْسِنٌ} في عمله، حالٌ.

{فَلَهُ أَجْرُهُ} الذي وُعد على عمله {عِنْدَ رَبِّهِ} لا يَضيع ولا يَنقص.

ويجوزُ أن يكون {بَلَى} وحدَه ردًّا لقولهم، ثم يقع {مَنْ أَسْلَمَ} كلامًا مبتدأ،

(1)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (قيل: فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت، ويتجه عليه أن الكلام في الصدق لا في الثبوت، والثاني وراء الأول وكثيرًا ما يتخلف عنه. منه).

ص: 291

والجملةُ

(1)

جوابُ {مَنْ} إن كانت شرطيةً، وخبرُها إن كانت موصولةً، والفاءُ فيها لتضمُّنها معنى الشرط.

وأن تكون {مَنْ} موصولةً فاعلَ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه {بَلَى} ؛ أي: يدخلها مَن أسلم وجهه لله، ويكون قوله:{فَلَهُ أَجْرُهُ} معطوفةً على: يدخلُها مَن أسلم.

ولا يخفى ما في الشرطيَّة العامة من التعريض بأنهم لا يدخلون الجنة لانتفاءِ الأوصاف الموجِبة للأجر بحكم الوعد الصادق، والترغيبِ في سلوك طريق الدخول، ولم يجزم بأن غيرهم موصوف بذلك لأنَّه على أسلوب الكلام المُنْصف

(2)

.

وأَوْجهُ الوجوه أن يقدَّر: بلى يدخلُها غيرهم، فقيل: مَن هو؟ قيل: مَن أسلم، ويكون قوله:{فَلَهُ أَجْرُهُ} من التَّتميم على أنه زيادةٌ على دخول الجنة.

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مرَّ تفسيره.

* * *

(113) - {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} هو في غاية المبالغة؛ لأنَّ الشيء يتناول المعدومَ والممكِنَ والمحال، فإذا سُلب

(3)

(1)

يعني جملة: {فَلَهُ أَجْرُهُ} .

(2)

في "ح" و"ف": (كلام المنصف)، وفي "ك":(الكلام المفيد).

(3)

في "ح" و"ف": (سلبه).

ص: 292

الشيئيَّةَ لم يبق من المبالغةِ حدٌّ وراءه، ومَن قيَّده

(1)

بقوله: يعتدُّ به، فقد أخلَّ بها.

نزلت لمَّا قَدِمَ وفد نجرانَ على رسول الله عليه السلام، وأتاهم أحبار اليهود، فتناظَروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدِّين، وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيلِ، وقالت النصارى لهم نحوَه، وكفروا بموسى عليه السلام والتوراةِ.

{وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} الواو للحال واللامُ للجنس؛ أي: قالوا ذلك وحالُهم أنهم من أهل العلم والتلاوةِ للكتب

(2)

، وحقُّ مَن يتلو بعضَ كتب الله الإيمانُ بالباقي؛ لأنَّ بعضها مصدِّقٌ للبعض.

{كَذَلِكَ} ؛ أي: مثلَ ذلك القولِ البعيدِ عن الصواب.

{قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أي: الجهَّال من المعطِّلة والدَّهريَّة، والمشركين الذين لا كتاب لهم.

{مِثْلَ قَوْلِهِمْ} لم يقل: مثلَ قولهما؛ لأن المنظور هاهنا جهةُ اتِّحادهم، وهي كونُهم أهل الكتاب، وهو بيانٌ لقوله:{كَذَلِكَ} لِمَا فيه من الإبهام، أو بدلٌ منه.

ويجوز أن يكون {كَذَلِكَ} مفعولًا به؛ أي: كلامًا مثلَ ذلك الكلامِ الشنيعِ الذي سمعت به قال الجهلة قولًا مثلَ قولهم صادرًا عن عناب وجهلٍ بلا حجةٍ، فيكون {مِثْلَ} نصبًا على المصدر، وهذا توبيخٌ عظيمٌ لهم حيث نظَموا أنفسهم مع علمهم في سلكِ مَن لا يَعلم.

(1)

في "ك" و "م": (قيد).

(2)

في "ك" و"م": (والكتب).

ص: 293

{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} ؛ أي: بين أهل الكتاب، لا بين الفريقين، وإلا لقيل: بينهما، أو بينهم وبين الجهلة أيضًا.

{يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ أي: يُريهم مَن يدخل الجنةَ عِيانًا، ومَن يدخل النارَ عِيانًا، فيظهر المُحقُّ من المُبْطل، والفاء فصيحةٌ، كأنه قيل: إذا لم يرضَوا بحكم الكتاب في الدنيا {فَاللَّهُ يَحْكُمُ} الآيةَ.

{فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الدِّين والكتابِ والنبيِّ.

* * *

(114) - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} ؛ أي: لا أظلمُ منه، دلَّت على ذلك صيغة التفضيل في سياق الاستفهام الإنكاري، وهذا لا ينافي لكون المشرك أظلم؛ لأن فضله في الظلم لنفسه، وفضلُ هذا في الظلم للغير.

وسببُ نزولها: أن النصارى كانوا يطرَحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.

وقيل: منع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية

(1)

.

وكيف كان فالاعتبارُ بعموم اللفظ لا بخصوصِ السبب، ولذلك - أي: لقصدِ

(1)

في هامش "ح" و"د" و "ف": (موضع على طريق مكة وصل إليه رسول الله عليه السلام فمنعه المشركون عن الدخول في المسجد الحرام. منه). والخبر رواه الطبري في "تفسيره"(2/ 444) من قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

ص: 294

تعميم الحكم - قيل: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} مع أن المنع والتخريب إنما وقع على مسجدٍ واحدٍ، وهو مسجدُ بيت المقدس أو المسجدُ الحرام.

{أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} مفعولٌ ثانٍ لـ {مَنَعَ} ، ويجوز أن يكون على تقدير (مِن) أي: مِن أن يُذكر، وحذفُ حرفِ الجرِّ مع (أنْ) قياسٌ.

ويمكن أن يُنصب مفعولًا له؛ أي: كراهةَ أنْ يُذكر.

{وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} بالهدم أو التعطيل، و (سعى) كلمةٌ تختلف معانيها باختلافِ مصادرها، يقال: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إذا عمل، وإذا كَسَب، وإذا عَدَا، وسَعَى مَسْعاةً: إذا جاد وتكرَّم، وجمعُ المسعاة: المساعي وسَعَى سِعايةً: إذا أخذ الصدَقات وهو عاملُها، وكذا: سعَى به إلى السلطان سِعايةً: إذا وشَى به، وكذا سعَى المكاتَبُ ومعتَق البعضِ في أداءِ ما عليه سعايةً، وساعَى الرجل الأمَة؛ أي: فَجَر بها مساعاة، ولا يقال ذلك في الحُرة.

وفائدةُ زيادة (سعى) هاهنا: قطعُ احتمال التسبُّب.

{أُولَئِكَ} المانعون {مَا كَانَ لَهُمْ} ما كان ينبغي لهم.

{أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} ؛ أي: وجِلينَ من عقابه تعالى، فكيف لهم الجرأة على تخريبها؟

قيل: ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه، فيكون وعدًا للمؤمنين بالنصرة، واستخلاصِ المساجد منهم.

وفيه نظرٌ؛ لأن تخريبهم ومنعَهم دلَّ

(1)

على أنه قد كان في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها غيرَ خائفين.

(1)

في "ك" و "م": (يدل).

ص: 295

وقيل: معناه النهيُ عن تمكينهم من الدخول في المسجد.

وفيه أيضًا نظر

(1)

؛ لأن النهي عن تمكينهم من الدخول مطلَقًا لا عن تمكينهم منه غيرَ خائفين.

{لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أي: قتلٌ وسبي، أو ذلةٌ

(2)

بضرب الجزية.

{فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} بسبب ظلمهم العظيم، وإنما أُعيد لهم تنصيصًا على أن المعذَّبين في الآخرة هم المعذَّبون في الدنيا، وليس عذابُهم في الدنيا

(3)

مكفِّرًا لذنبهم

(4)

حتى يكون أحدُ العذابينِ لبعضهم والآخرُ للباقي.

* * *

(115) - {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} هما عبارتان عن ناحيتي المعمورة، والمرادُ كلُّها.

{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} ففي أيِّ مكانٍ فعلتُم التَّوليَةَ، يعني: توليةَ وجوهكم شطرَ القِبلة، بدليلِ قوله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150].

{فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ؛ أي: جهتُه التي أَمر بها، الوجهُ والجهةُ كالوزنِ والزِّنة مصدران نُقلا إلى الاسم، والمعنى: إنكم إذا مُنعتم أن تُصلُّوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلْتُ لكم الأرضَ مسجدًا، فصلُّوا في أيِّ بُقعةٍ شئتُم من بقاعها،

(1)

في "ك" و "م": (نظر أيضًا).

(2)

في "ك" و "م": (وذلة).

(3)

في "ح" و "ف": (في الآخرة).

(4)

في "ك" و"م": (لذنوبهم).

ص: 296

وافعلوا التوليةَ فيها، فإنَّ التولية ممكِنةٌ في كلِّ مكانٍ لا يختصُّ إمكانها بمسجدٍ دون مسجدٍ، ولا بمكانٍ دون مكانٍ.

{إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ} بالرحمةِ، يريد التَّوسعة على عباده.

{عَلِيمٌ} بمصالحهم وأعمالهم في الأماكنِ كلِّها.

وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة

(1)

.

وعن عطاءٍ: عميت القبلةُ على قومٍ فصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفة، فلما أصبحوا تبيَّنوا خطأهم فعُذروا

(2)

؛ أي: في الفعل.

وأمَّا وجوبُ القضاء وعدمُه فأمرٌ آخَرُ، والظاهر أنه مستطرَدٌ عند ذكر المساجد، وتمهيدٌ لذكر نفي الولد؛ لأن مَن له الجهاتُ كلُّها يتعالى عنها، فيستحيل أن يماثله ذو جهةٍ، والولدُ جنسُ الوالد لا محالة.

* * *

(116) - {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}

{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ؛ أي: الذين قالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، والذين قالوا:{الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، والذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، قالوا:{اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ، فالضميرُ لمن سبق ذكرُهم من اليهود والنصارى والمشركين الذين لا يعلَمون.

(1)

رواه مسلم (700/ 33).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 180)، ورواه سعيد بن منصور في "سننه"(210 - تفسير).

ص: 297

وقرئ بغيرِ واوٍ على الاستئناف

(1)

؛ كأنه سُئل: هل انقطع حبل أقوالهم على الله تعالى، أو امتدَّ ولم ينقطع؟ فقيل: بل قالوا أعظمَ من ذلك وأفظع.

{سُبْحَانَهُ} تنزيه له عن ذلك، اعتراضٌ.

{بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ردٌّ لِمَا قالوه، وتنبيهٌ على فساده، والمعنى: إنه خالقُ ما في العالَم كلِّه، ومن جملتهِ عزيرٌ والمسيحُ والملائكة.

{كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} منقادُون لا يمتنِعون على مشيئته وتكوينه، وكلُّ ما كان بهذه الصِّفة لم يجانس مكوِّنَه الواجبَ لذاته، فلا يكون له ولدٌ؛ لِمَا مرَّ أنَّ حقَّ الولد أن يُجانسَ والده.

وإنما جاء بـ {مَا} للعموم، و {قَانِتُونَ} لتغليب العقلاء، وهذا التغليبُ يأبى عن قصد التحقير بإيرادِ {مَا} ، وتنوينُ {كُلٌّ} عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّ ما في السماوات والأرض.

والآيةُ تدلُّ على فسادِ ما قالوه بوجهين

(2)

، ومَبْنَى تضمُّنهْ الاحتجاجَ بالوجه الأول على ثبوت التنافي بين وَلَديَّة أحد للآخَر ومملوكيته له؛ إذ لا تصريح بهذا فيما ذُكر فالاحتجاج به على أن مَن مَلَكَ ولدَه عَتَقَ عليه بناء على ذلك المبنَى لا يخلو عن نوعِ مصادرةٍ.

* * *

(117) - {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يقال: بَدُعَ الشيءُ فهو بديعٌ، كقولهم: ظَرُفَ فهو

(1)

هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 76).

(2)

في "ك" و"م": (بثلاثة أوجه).

ص: 298

ظريفٌ، و {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ} من إضافةِ الصفةِ المشبَّهةِ إلى فاعلها؛ أي: بديعٌ سماواتُه وأرضُه؛ أو: بديعٌ في السماوات والأرض؛ كقولك: فلان ثبتُ الغدر؛ أي: ثابتٌ فيه، والمعنى: أنه تعالى عَديم النَّظير والمثْلِ فيهما.

وقيل: البديع بمعنى المُبْدعِ، فيكون مضافًا إلى المفعول.

وقال ابن مِقْسمٍ

(1)

: يجوز أن تكون العينُ بدلًا عن

(2)

الهمزة، والبديعُ والمبدِع كالبديء والمبدئ، فإنه جاء على فَعلَ وأَفْعَلَ جميعًا.

والإبداع: اختراعُ الشيءِ لا عن شيءٍ دفعةً، وعلى هذا المعنى لا تكون الأشياء كلُّها مبدَعًا، وهذا ردٌّ على الذين قالوا:{اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} بوجهٍ آخر تقديرُه: أن مَن قدر على خلق السماوات والأرض من غيرِ شيءٍ كيف لا يقدر على خلق مِثْلِ عيسى عليه السلام من غيرِ أبٍ.

وقرئ: (بديعِ) مجرورًا على البدل من الضمير في {لَهُ} ، ومنصوبًا على المدح

(3)

.

{وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} ؛ أي: أراد شيئًا؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] وأصل القضاء: إتمام الشيء قولًا كقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ} [الإسراء: 23] أو فعلًا كقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12]، وأُطلق على تعلُّق الإرادة الإلهية لوجود الشيء من حيث إنه يوجبه.

(1)

محمد بن الحسن بن مقسم، أبو بكر البغدادي، صنف في التفسير والمعاني، وأُنكر عليه إقراؤه بحروف تخالف الإجماع، ثم استتيب بحضرة الفقهاء والقراء فتاب، من كتبه:"الأنوار في علم القرآن"، وكتاب اختياره في القراءات، توفي سنة (354 هـ). انظر:"سير أعلام النبلاء"(16/ 105).

(2)

في "ك": (من).

(3)

القراءتان في "الكشاف"(1/ 182).

ص: 299

{فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} من (كان) التامَّةِ، أي: احْدُثْ فيَحْدُث؛ أي: لا يَدخله تأخير

(1)

عن وقته، ولا يمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يَلحقه به تعبٌ، ولا يحتاج إلى استعمال آلةٍ ومزاولةِ عملٍ، استعارةٌ تمثيليةٌ شبِّهت الحالةُ

(2)

التي تتصوَّر من تعلُّق إرادته تعالى بشيء من المكوَّنات وسهولةِ إيجاده إياه من غيرِ امتناعٍ ولا توقُّفٍ بحالةِ أمْرِ الآمِرِ النافذ تصرُّفُه في المأمور المطيع الذي لا يتوقَّف في الامتثال، فأُطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك من غيرِ أن يكون هنا

(3)

قولٌ وأمر.

وهذا أقربُ ما يتراءى لنا به المعنى المقصودُ، فلا تتَّجه المناقشةُ بأنَّ وجه الشَّبهِ في المشبَّه أقوى، وحقُّ التشبيه عكسُ هذا.

وذهب بعضهم إلى أنه حقيقةٌ، وقد جرت السنَّة الإلهية بأنه يكوِّن الأشياءَ بكلمة (كن)، فيكونُ المأمور هو الحاضرَ في العلم، والمأمورُ به الدخول في الوجود.

وقرئ برفع {فَيَكُونُ} ؛ أي: فهو يكون، وبالنصب على جواب الأمر

(4)

، وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداعِ، وتأكيدٌ لاستبعاد الولادة المدلول عليه بقوله:{سُبْحَانَهُ} .

وأما ما قيل: إنه حجة أخرى، وهو أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوارٍ ومُهلةٍ، وفعلُه تعالى يستغني

(5)

عن ذلك.

فيَرِدُ عليه أن ما يكون بأطوارٍ ومهلةٍ هو تكوُّن الولد على جَرْي العادة، فللمخالِف أن يقول: اتخاذه الولدَ على سبيل خرق العادة، ثم إنَّ فعله تعالى قد يقارن المهلة

(1)

في "ك" و "م": (تأخر).

(2)

في "ك" و "م": (الحال).

(3)

في "ك": (هاهنا).

(4)

قرأ بالنصب ابن عامر من السبعة، والباقون بالرفع. انظر:"التيسير"(ص: 76).

(5)

في "ك": (مستغن).

ص: 300

لحكمة وإن كان مستغنيًا عنه، كيف وقد كان خلقُه السماوات والأرض في ستة أيام، ومن هنا ظهر أن مَن اعتَبر في التمثيل المذكور الحصولَ بلا مُهلةٍ لم يُصِب.

* * *

(118) - {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ؛ أي: الجهلةُ من المشركين، وقيل: من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به، سواءٌ تجاهَلوا أو لا بأن أظهروا علمهم

(1)

.

{لَوْلَا} هلا {يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} كما يكلِّم الملائكةَ وموسى عليه السلام، ويأمرنا وينهانا بالذات، وهذا استكبارٌ منهم عن اتِّباع بشر مثلِهم.

{أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} من الله نعلم بها أنك رسول الله، وهذا استهانةٌ منهم بالمعجزات الباهرة، وإنكارٌ بالآيات

(2)

الظاهرة.

{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني: اليهودَ، حيث قالوا:{أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] وأمَّا قول الحَواريين: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 112] فليس من هذا القبيل على ما تقف عليه في موضعه.

{مِثْلَ قَوْلِهِمْ} قد مرَّ تفسيرُه، والمماثلةُ بين القولين في كونهما تحكُّمًا وعنادًا.

{تَشَابَهَتْ} ؛ أي: قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العَمَى والعناد

(3)

، اعتراضٌ.

(1)

في "ك": (جهلهم).

(2)

في "ح" و" ف": (الآيات).

(3)

في "م": (أو العناد).

ص: 301

وقُرئ بتشديد الشين

(1)

، وخطَّأه الفرَّاء قائلًا: ذلك إنما يجوزُ في المضارع بمعنى: تتشَابهُ، فتُدغَم إحدى التاءين في الشين

(2)

.

{قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ} ذوي بصائرَ.

{يُوقِنُونَ} أنها آياتٌ يجب الاكتفاءُ بها عن غيرها، وأصلُ البيان الذي يقع به الإلزامُ يعمُّ الكلَّ، لكن يخصُّ الموقنين في حقِّ النفع، واليقينُ أبلغ علم وأوكدُه لا يكون معه مجالُ عنادٍ واحتمالُ زوالٍ

(3)

، ولذلك قال في حق إبراهيم عليه السلام:{وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ولو صح أن يتخلَّف عنه الإذعان لكان درجتُه فوق الإيقان، فكان: من المذعنين، أبلغَ [من]

(4)

: {مِنَ الْمُوقِنِينَ} .

واللامُ في {الْآيَاتِ} للاستغراق؛ أي: كلَّ الآيات، أو الماهيةِ؛ أي: ما يعرفه العقلاء أنها آياتٌ.

وتنكير (قومٍ) للتعظيم؛ أي: قومٍ صفتُهم الإيقانُ، وفيه تعريضٌ بأنهم أرذالُ أهلِ الظنِّ والتقليد، وإيذانٌ بأن الإيمان له شأنٌ.

* * *

(119) - {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} .

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} مصحوبًا به لا يفارقُك.

{بَشِيرًا وَنَذِيرًا} للمطيع والعاصي، فلا عليك إلا البلاغُ المبين.

(1)

انظر: "المحرر الوجيز"(1/ 203)، و"البحر"(2/ 470).

(2)

انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 75).

(3)

في "ح" و" د" و"ف": (زوال).

(4)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 302

{وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} ما بالُهم لم يؤمنوا؟ إذا بلَّغت وبلَغت في دعوتهم جهدك.

وقرئ: {وَلَا تُسْأَلُ} على النهي

(1)

؛ تعظيمًا لِمَا فيه الكفرةُ من العذاب؛ كما تَسألُ عمَّن وقع في بليَّةٍ فيقال لك: لا تسألْ عنه؛ أي: هو في حالةٍ لا يُحتمل سماعُها لفظاعتها وإيحاشها السامعَ، أو أرقُّ أو أجزعُ أن أتكلَّم بها، فلا تكلِّفني، أو أعظمُ أن يَكتَنِهَها

(2)

أو يعبِّرَ عنها عبارة.

قيل: لمَّا أُمر بتبشير المؤمنين وإنذارِ الكفار كان يَذكر عقوبات الكفار، فقام رجل وقال: يا رسول الله، أين والدي؟ فقال:"في النار"، فحزن الرجل، فقال عليه السلام:"إنَّ والدَكَ ووالدي ووالدَ إبراهيم في النار"، فنزل القول المذكور فلم يسألوه

(3)

شيئًا بعد ذلك

(4)

.

والجحيم: النار الشديدةُ الالتهاب، والجاحم: المكانُ الشديد الحرِّ.

* * *

(120) - {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} .

(1)

هي قراءة نافع من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 76).

(2)

في هامش "ح" و "د" و"ف": (وقولهم لا يكتنهه الوصف بمعنى لا يبلغ كنهه كلام مولد. جوهري. منه).

(3)

في (م) و (ك): "يسأل".

(4)

رواه بنحوه مسلم (203) من حديث أنس رضي الله عنه دون ذكر نزول الآية، ورواه بنحوه أيضًا الطبري في "تفسيره"(9/ 17) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، لكن في نزول قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]. ولم أجده في نزول هذه الآية.

ص: 303

{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} لفٌّ بعد النشر، على عكس ما في قوله تعالى:{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111].

حكى الله تعالى كلامَهم، ولا بدَّ من الحمل على هذا ليطابِقَ قوله:{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ} فإنه يقتضي سابقةَ قولٍ ممَّن

(1)

نُدب عليه السلام إلى حجاجهم مبنيًّ عن تمادي لجاجهم

(2)

.

والملَّة من أَمْلَلتُ الكتابَ، وهي اسمٌ لِمَا شرَعه الله تعالى لعباده على لسان نبيِّه، ليَتوصَّلوا به إلى أجلِّ ثوابه، والدِّينُ مثلُها، لكن الملة تقال باعتبارِ الدعاء إليه، والدِّينَ باعتبار الطاعة والانقياد له.

ثم يقال الملة والدِّين لما لم يكن من قِبَلِ الله تعالى على التقييد؛ كقولك: ملة مزدك ودينه.

قيل: كان عليه السلام يجتهدُ في طلب ما يرضيهم ليُقبلوا إلى الإسلام، فقال له: دع طلب ما يرضيهم إلى ما أمرتُك به من مجاهَدتهم، فليس فيه إقناطٌ عن إسلامهم.

{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} بالغ في تعظيم دين الإسلام بتسميته

(3)

الهدى، وإضافتهِ إلى نفسه، وحَصْرِ الهدى فيه بـ (إنَّ) والضميرِ واللام؛ أي: إن دين الإسلام الذي هو نفسُ الهدى المخصوصِ بالله هو الذي يَستأهِل أن يسمَّى هدًى، وهو الهدى كلُّه لا غير، فيَلزم أن ما عدَاه ليس بهدًى بل هوًى؛ إذ

(4)

كلُّ قول لا حُجةَ معه ولا عن علمٍ فهو هوًى، فلهذا قال على سبيل الفَرْض:

(1)

في "ح" و "ف": (لمن).

(2)

في "ح" و "ف": (تمام لجاجهم).

(3)

في "م": (بتسمية).

(4)

في "د" و "ك" و "م": (أول).

ص: 304

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} آراءَهم الزائغةَ، فإن الهوى رأيٌ عن الشهوة

(1)

داعٍ إلى الضلال، وإنما يسمَّى بذلك لأنَّه يَهْوِي بصاحبه في الدنيا إلى كلِّ داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية.

{بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أبهمه ثم بيَّنه للتعظيم؛ أي: من الدِّين المعلوم صحتُه بالبرهان.

{مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ} جوابٌ للقسم قد سدَّ مسدَّ جوابِ الشرط.

{مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} يدفع عنك عقابَه.

* * *

(121) - {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} هم مؤمنو أهل الكتاب.

{يَتْلُونَهُ} حالٌ مقدَّرةٌ من (هم)، أو من {الْكِتَابَ} ؛ لأنهم لم يكونوا وقت إتيانه تالِينَ له، أو خبرٌ.

{حَقَّ تِلَاوَتِهِ} نصبٌ على المصدر؛ أي: تلاوةً كما يجب أن يُتلى، لا يحرِّفونه ولا يكتمون شيئًا منه كنعت الرسول عليه السلام وغيرِه.

{أُولَئِكَ} أي: التالُون على ما يجب.

{يُؤْمِنُونَ بِهِ} بكتابهم دون غيرهم من المحرِّفين.

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ} بالتحريف والكفر بما يصدِّقه.

{فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المنحصِرون في الخسران

(2)

باشترائهم الضلالةَ بالهدى.

(1)

في "ك" و "م": (شهوة).

(2)

في "ك" و "م": (بالخسران).

ص: 305

(123 - 122) - {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} .

{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} :

لمَّا ذكَّرهم النعمةَ أولًا، وخصَّهم بالخطاب من بينِ بني آدم، وحضَّهم على اتِّباعِ مَن هو رحمةٌ للعالمين، فانقسموا إلى مَن قَبِلَ ومَن أَبَى، فصَّلهم آخِرًا، ثم خاطبهم على سبيل الالتفات بمثلِ الأول خطابًا شاملًا للفريقين عَودًا على بدءٍ تحسُّرًا لمن سَبَا، وتحسيرًا لمن كَبَا.

وعُلم من ذلك أن التكرير ليس لمجرَّد

(1)

التقرير، وفيه حسنُ التخلُّص إلى حديث جدِّهم إبراهيمَ عليه السلام على وجهٍ يؤكِّد ما يدنو إليه.

* * *

(124) - {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} .

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} . بأوامرَ ونواهٍ.

واعلم أن الابتلاء والبلاء يتضمَّن أمرين: تعرُّفُ ما يُجهل من حاله، وظهورُ جودته ورداءته بعده، فربما قُصد الأمران معًا، وربما قُصد أحدها، فإذا نسب إلى الله تعالى فهو الأمر الثاني

(2)

، وليس هذا من ابتلاه الله بكذا: إذا أصابه بما يكرهه وَيشُقُّ عليه؛ لأن حمل الأوامر والنواهي على المكاره وعدَّها من البلايا ليس بمناسب.

(1)

في "ك" و"م": (بمجرد).

(2)

في هامش "ح" و"ف": (أي: أنه عار باعتبار إطلاق الفعل على إرادة ما هو الغاية منه، وهذا ما قاله الراغب. منه).

ص: 306

وإبراهيم تفسيرُه بالسُّريانية: أب راحمٌ، وذلك لرحمته بالأطفال.

قيل: جُعل هو وزوجتُه سارة كافلين لأولاد المؤمنين الذين يموتون صغارًا إلى يوم القيامة.

{فَأَتَمَّهُنَّ} أي: قام بهنَّ حقَّ

(1)

القيام، وأطاعه فيهنَّ أحسنَ الطاعة؛ كقوله

(2)

: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: 37].

(إذ

قال) استئنافٌ، فالعامل في {إذ} محذوف، أو هو العامل في {إذ} ، والواو داخلة عليه عطفًا على ما قبله عطفَ القصةِ على القصة المشارِ إليها إجمالًا بقوله:{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ}

(3)

.

{إِنِّي جَاعِلُكَ} من الجعل بمعنى التصيير، فيَتعدَّى إلى اثنين.

{لِلنَّاسِ إِمَامًا} الإمام: اسمٌ لمن يُؤْتمُّ به؛ كالإزار لِمَا يُؤتَزر

(4)

به، وإمامتُه عليه السلام مؤبَّدةٌ؛ إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان مأمورًا باتِّباعه

(5)

، وأمَّا عمومُها فينافي قوله عليه السلام: "أُعطيت خمسًا

" الحديث

(6)

.

{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} ؛ أي: واجعل بعضَ ذريتي، واستعمالُ صيغة الأمر في

(1)

في "ك": (أحسن).

(2)

في "م": (لقوله).

(3)

في "ك" و"م" زيادة: (اذكروا).

(4)

في "م": (يتزر).

(5)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (لم يقل كما قال القاضي: إلا كان من ذريته .. إلخ؛ لأنَّه مع استدراكه في مقام التعليل محل مناقشة. منه).

(6)

رواه البخاري (335)، ومسلم (521)، من حديث جابر رضي الله عنه.

ص: 307

موضع الالتباس سائغ شائع، وهذا أولى من المصير إلى عطف التلقين

(1)

؛ لأنَّه لايخلو عن سوءِ أدبٍ

(2)

.

وذريةُ الشخص: نَسْلُه.

{قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ؛ أي: مَن كان ظالمًا من ذريتك لا ينال

(3)

عهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال مَن كان عادلًا. والنَّيل: اللُّحوق.

واختُلف في المراد بالعهد، والأظهر أنه النبوَّةُ، فلا دلالةَ في الآية على أن الفاسق لا يَصلُح للإمامة.

* * *

(125) - {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} .

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} البيت: اسمٌ غالبٌ للكعبة كالنجم للثريَّا.

{مَثَابَةً لِلنَّاسِ} المثابة كالمباءة صيغةً ومعنًى؛ أي: مَرجعًا يثوبون إليه بعد التفرُّق عنه

(4)

.

(1)

عطف التلقين: هو كما يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؛ أي: وتكرم زيدًا، وتريد تلقينه ذلك. انظر:"حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 233).

(2)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (من قال: في العطف احتراز عن صورة الأمر، فكأنه زعم أن فيها شيئًا، وغفل عن قوله: رب اجعل لي وزيرًا. منه).

(3)

في "ك" و"م": (يناله).

(4)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (فيه إشارة إلى أنه من قبيل: رجل عدلٌ، لا على حذف المضاف كما تُوُهِّم، والتعليل يناسب ما ذكرنا. منه).

ص: 308

{وَأَمْنًا} ؛ أي: موضعًا في غايةِ الأمن لا يُتعرَّض لأهله؛ لقوله: {حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].

قيل: يأمَن حاجُّه من عذاب الآخرة. وفيه نظر؛ لأن الحج لا يجبُّ ما قبله من المظالم.

وقيل: لا يؤاخَذ

(1)

الجاني الملتجئُ إليه حتى يَخرج. وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يُلجأ إلى الخروج فلا يبقى آمنًا.

{وَاتَّخِذُوا} على إرادة القول، أو عطفٌ على المقدَّر عاملًا لـ {إذ} ، أو اعتراض تقديره: ثوبوا إليه واتخذوا

(2)

، وعلى هذا الواوُ فصيحةٌ.

{مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} : موضعَ صلاةٍ تصلُّون فيه، وهو على وجه الاستحباب دون الإيجاب، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه، أو الموضعُ الذي كان فيه حين قام عليه ودعا

(3)

الناس إلى الحج، أو رَفَعَ بناءَ البيت وهو موضعُه اليوم.

روي: أنه عليه السلام أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال

(4)

: "هذا مقام إبراهيم"، فقال عمر: أَفَلا نتخذه مصلًّى؟ فقال عليه السلام: "لم أُؤمر بذلك"، فلم تَغِبِ الشمس حتى نزلت

(5)

.

(1)

في "ك": (يؤخذ).

(2)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (عبر القاضي عن الأول بالمقدر وعن الثاني بالمضمر ولا وجه للفرق. منه).

(3)

في "ك" و"م": (ودعا به).

(4)

في (م) و (ك): "وقال".

(5)

رواه أبو نعيم "الحلية"(3/ 302)، ورواه ابن ماجه (1009)، والطبري في "تفسيره"(2/ 522)، إلى قوله:(أفلا نتخده مصلى).

ص: 309

وقيل: المراد به الأمرُ بركعتي الطَّواف، لِمَا رَوَى جابر رضي الله عنه: أنه عليه السلام لمَّا فرغ من طوافه عَمَدَ إلى مقام إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين، وقرأ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}

(1)

.

وقُرئ: {واتَّخَذوا} بلفظ الماضي

(2)

عطفًا على {جَعَلْنَا} أي: اتَّخَذ الناس مقامه الموسومَ به - يعني: الكعبة - قبلةً يصلُّون إليها، ويحتمِل أن يكون أمرًا على صيغة الخبر للتأكيد فتتوافَقُ القراءتان، وعلى هذا يتعيَّن كونُ الأمر للإيجاب.

{وَعَهِدْنَا} أَمَرْنا {إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا} ؛ أي: بأنْ طهِّرا {بَيْتِيَ} من الأوثان والأنجاس.

ويجوز أن تكون {أَن} مفسِّرةً؛ لتضمُّن العهدِ معنى القول، والمعنى: دُومَا على تطهيره، فهو أمرٌ أن يُبقياه على الطهارة، لا أن يكون فيه نجاسةٌ فيزيلاها، وهو كقوله تعالى:{لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] أي: مُبقاةٌ على الطهارة الأصلية.

{لِلطَّائِفِينَ} ؛ أي: للدائرين حولَه.

{وَالْعَاكِفِينَ} العاكف: مَن لزم الشيءَ وأقام

(3)

عليه.

{وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} : جمعُ الراكع والساجد؛ أي: المصلِّين، والصلاة تشتمل على أفعالٍ أقربُها إلى الخشوع هذان، وتُرك العاطف بينهما لكمال الاتصال.

* * *

(1)

رواه مسلم (1218).

(2)

هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 76).

(3)

في "م": (أو قام).

ص: 310

(126) - {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا} ؛ أي: هذا البلد، أو هذا المكان.

{بَلَدًا آمِنًا} : ذا أمن؛ كقوله: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] أو: آمنا مَن فيه غريبًا كان أو من أهله؛ كقولك: ليلٌ نائمٌ.

والبلد: الأثر في الجلد، وإنما سُمي

(1)

البلد بلدًا لِمَا فيه من الآثار.

{وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} الثمرة: هي جميع ما يخرج من الأرض والأشجار، فهو سواءٌ في الطعام والفواكه، وذلك لأنَّه أَسكن أهله بِوادٍ غيرِ ذي زرعٍ ولا ضَرْع، وإنما قال:{أَهْلَهُ} دون: أهلي؛ تعليمًا للدعاء؛ كما هو اللائق بشأن الأنبياء.

{مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} بدل من {أَهْلَهُ} ؛ أي: وارزقِ المؤمنين من أهله خاصةً، قالوا: قاس إبراهيم عليه السلام الرزق على الإمامة، فخصَّ الرزق المطلوبَ بالمؤمنين.

وهذا القياسُ لا يليق بشأنه عليه السلام؛ لظهور الفرق بينهما عند مَن له أدنى تمييزٍ، فالوجهُ أنْ يقال: إنه عليه السلام أبى عن تعميمِ الدعاء للكفار؛ لأنَّ الكافر لا يُدْعَى له بل يُدْعى عليه، قال عليه السلام:"اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ"

(2)

، وقال موسى عليه السلام:{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88]، وخشي

(1)

في "م": (وإنما يسمى).

(2)

رواه البخاري (804)، ومسلم (675)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 311

أن يخرج ذلك مخرجَ المعونة لهم على العصيان، أو أراد أن يجعل ذلك آيةَ ترغِّبُ الكفار في الإسلام

(1)

.

{قَالَ وَمَنْ كَفَرَ} مبتدأ تضمَّن

(2)

معنى الشرط، وجوابه وخبره مقدَّر تقديرُه: فلا أهلكه، والفاء في قوله:

{فَأُمَتِّعُهُ} فصيحةٌ، وجعلُه جوابًا وخبرًا يأباه الفاء، فإن الكفر لا يصلح سببًا للتمتُّع لا كثيرًا ولا قليلًا، نعم يصلُح لتقليله لكن صرف النظم إليه لا يخلو عن تعسُّف.

وأمَّا عطف (مَن كَفَر) على {مَنْ آمَنَ} ففيه أنَّ العطف يقتضي التشريكَ في العامل، فيصير التقدير: قال إبراهيم: وارزق مَن كفر، ولا يناسبه السبَاق واللحاق.

ومن هنا ظهر ما في قراءةِ الخبَرين على لفظ الأمر

(3)

- على أنه من دعاء إبراهيم عليه السلام من القصور، كيف والمناسبُ له عليه السلام طلبُ الهداية إلى الإسلام لمن كَفَر، لا طلبُ خَتْمهم على الضلالة؟

{قَلِيلًا} نصبٌ على المصدر؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو على الظرف؛ أي: زمانًا قليلًا.

{ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} ؛ أي: ألزُّه إليه لزَّ المضطرِّ؛ لكفره.

(1)

في "ح" و"ف": (آية ترغيب للكفار في الإسلام)، وفي "م":(آية الكفار للإسلام)، وفي "ك":(آية ترغب الكفار للإسلام).

(2)

في "ك" و"م": (مبتدأ فيه).

(3)

أي: (فأَمْتِعْه قليلًا ثم اِضْطرَّه) وتنسب لابن عباس ومجاهد. انظر: "المحتسب"(1/ 154)، و"البحر المحيط"(2/ 513).

ص: 312

وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء

(1)

؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجعٌ أكثر

(2)

.

فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً.

{وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} مصيرُهم، فحُذف المخصوصُ بالذمِّ.

* * *

(127) - {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ} {يَرْفَعُ} حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، أوردها مع (إذ) استحضارًا لها ليَعْظُمَ وقعُها في النفوس، ولهذا أُبْهِم.

{الْقَوَاعِدَ} بالإطلاق، ثم بيَّنها بالتقييد بقوله:{مِنَ الْبَيْتِ} تفخيمًا لشأن المبيَّن.

والقاعدة: هي الأساس والأصلُ لِمَا فوقَه، وهي من الصفات الغالبة من القعود بمعنى الثابتة.

ورفعُ القواعد: هو البناء عليها؛ لأنها بالبناء عليها نُقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع.

{وَإِسْمَاعِيلُ} عطف على {إِبْرَاهِيمُ} فهما مشترِكان في الرفع.

{رَبَّنَا} أي: يقولان: ربَّنا، والجملة حالٌ منهما.

{تَقَبَّلْ مِنَّا} ؛ أي: هذا العملَ الذي قصَدْنا به رضاك.

{إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} لدعائنا

(3)

{الْعَلِيمُ} بِنيَّاتنا.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 9).

(2)

انظر: "الكتاب"(4/ 470)، و"البحر"(2/ 518).

(3)

في "م": (بدعائنا).

ص: 313

(128) - {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا} عطفٌ على الدعوة السابقة، وتكرارُ {رَبَّنَا} للاستلذاذ بذكره والخضوعِ بالمربوبية

(1)

.

{مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مخلصَينِ لك، مِن أَسْلَم وجهَه، أو مُنقادِينَ مِن أَسْلَم بمعنى: استسلم، والمراد طلبُ الزيادة على ما كان أو الثباتُ عليه.

وقرئ: (مسلمِينَ)

(2)

على أنَّ التثنية من مراتب الجمع، وقيل: أرادا أنفسَهما وهاجرَ.

{وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} خَصَّا الذرِّيةَ بالدعاء؛ لأنهم أحقُّ بالشفقة، وأتَيَا بأداة التبعيض لأنَّه تعالى كان أعلمَهما أن في ذريتهما مَن لا ينال العهد لكونه ظالمًا.

وأما ما قيل: إن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوِّش المعاش، فلا يَصلح وجهًا لِمَا ذُكر كما لا يخفى

(3)

.

{أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} الإسلامُ هو الانقيادُ بالخضوع.

{وَأَرِنَا} من الرؤية بمعنى الإبصار أو المعرفة؛ دلَّ على ذلك الاقتصارُ على مفعولين.

(1)

في "م": (للربوبية). وفي "ك": (بالربوبية).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 9) عن الحسن وعوف الأعرابي.

(3)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": الأن الإسلام لا يقتضي الإقبال الكلي على الله تعالى، ثم إن عدم الاقتضاء لا يلزم اقتضاء العدم فافهم. منه).

ص: 314

والاختيارُ أن يُقرأ بكسر الراء، وهي قراءةُ الجمهور؛ لأنها كسرةُ الهمزة نُقلت

(1)

إلى الراء وسقطت الهمزة، فلا ينبغي أن يُسكَّن قياسًا على فَخْذٍ في فَخِذٍ، كما فعله ابنُ كثير

(2)

؛ لئلا يُجحَف بالكلمة وتَبطل الدلالةُ على الهمزة.

{مَنَاسِكَنَا} متعبَّداتِنا في الحج؛ قال الزجَّاج: كلُّ متعبَّد مَنسَكٌ [ومَنسِكٌ]

(3)

، والنُّسك في الأصل: غايةُ العبادة، وشاع في الحج لِمَا فيه من الكُلفة والبُعد عن العادة.

أو: مذابحَنا، فإن النُّسك خُصَّ بالذبيحة، وتُعورِفَ فيه حتى قيل: نَسَكَ فلانٌ: إذا ذَبَح.

{وَتُبْ عَلَيْنَا} التوبة هنا: رجوع إلى الطاعة عن العصيان، ومن الله تعالى: رَجْعٌ بالإحسان، ولهذا يتعدَّى بـ (على)، وذلك أنَّ تاب بمعنى: رجع، فكما أنَّ رَجَعَ لازمٌ ومتعدٍّ كذلك تاب لازمٌ ومتعدٍّ

(4)

.

وإنما قالا ذلك هضمًا لأنفسهما، واستتابةً عما فَرَط منهما سهوًا، أو إرشادًا لذريتهما.

{إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} لمن تاب.

* * *

(1)

في "ح" و"د" و"م": (جعلت).

(2)

قرأ ابن كثير من السبعة: (أرْنا) بسكون الراء. انظر: "التيسير"(ص: 76).

(3)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (1/ 209)، وما بين معكوفتين منه.

(4)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (وقد أشار الجوهري إلى هذا حيث قال: التوبة الرجوع من الذنب، ثم قال: وقد تاب الله عليه وفقه لها. منه).

ص: 315

(129) - {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

{رَبَّنَا} تكريرٌ لِمَا مرَّ {وَابْعَثْ فِيهِمْ} ؛ أي: في ذريتهما، لا في الأمة المسلمة لعدم الدلالة حينئذ على أنهم أمةُ ذلك الرسول.

{رَسُولًا مِنْهُمْ} البعث فيهم لا يستلزم أن يكون منهم كالعكس، ولهذا جمع بينهما.

{يَتْلُو} يقرأ {عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} المراد بالآية: المعجزةُ الواضحة الدلالةِ، وفي عبارة التلاوة إشارةٌ إلى أنه أراد أن يكون للرسول المسؤولِ معجزاتٌ من جنس الكلام.

{وَيُعَلِّمُهُمُ} أي: يَلطُفهم في التفهيم

(1)

شيئًا فشيئًا.

{الْكِتَابَ} : كلامَ الله تعالى المنزلَ

(2)

عليه عليه السلام، وهو أعمُّ من القرآن

(3)

؛ لاشتماله على منسوخِ التلاوة الخارجِ عن القرآن.

{وَالْحِكْمَةَ} السنَّة، ذكره قتادةُ

(4)

، ووجهُ المناسبة بينهما: أن الحكمة تنتظِم العلمَ والعمل كما أن السنة تنتظِم القولَ والفعل.

{وَيُزَكِّيهِمْ} : ويطهِّرهم؛ أي: يحلِّيهم بالفضائل ويخلِّيهم عن الرذائل، وإنما قدِّم الأول لأن عِلْمَ القبائح يكون سببًا لتركها.

(1)

في "د": (التفهم)، وفي "م":(الفهم).

(2)

في "ك": (أي المنزل).

(3)

في "ك" و"م": (القراءة).

(4)

رواه الطبري في "تفسيره"(2/ 576).

ص: 316

والجامع لِمَا ذكر إنما هو محمدٌ عليه السلام، وقد روي أنه عليه السلام قال:"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارةُ أخي عيسى، ورُؤيا أمِّي آمنةَ"

(1)

.

{إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} : الغالبُ الذي يَقهر ولا يُقهر.

{الْحَكِيمُ} المحكِمُ لأوامره

(2)

.

* * *

(130) - {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} .

{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} الرغبةُ: سعةُ الإرادة، ومنه: بطن رغيب؛ أي: نهِمٌ، ومتى عُدِّي بـ (عن) اقتضى صَرْفَ الإرادة عن ذلك الشيء، وذلك بالتزهُّد فيه.

و (مَن) للاستفهام على وجهِ الاستبعاد، والمراد الجحدُ على وجهٍ أبلغَ؛ أي: لا يزهدُ في ملَّة إبراهيم {إِلَّا مَنْ} إلا الذي {سَفِهَ نَفْسَهُ} : أذلَّها واستَخفَّ بها.

قال المبرِّد وثعلبٌ: إن سَفِه - بكسر الفاء - يتعدَّى كسفَّه المشدَّدِ، ويشهد له ما جاء في الحديث:"الكبرُ أن تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمِصَ الناسَ"

(3)

.

(1)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(17163)، وفيه:( .. ورُؤْيا أُمي التي رَأَتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نُورٌ أَضَاءَتْ له قُصُورُ الشَّام).

(2)

في "ح" و"د" و"ف": (المحكم له).

(3)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(20520)، والإمام أحمد في "المسند"(6583)، والبزار في "مسنده"(2433)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ولفظ المسند:" .. سَفَه الحقِّ وغمصُ الناس". وروى مسلم (91) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه نحوه، ولفظه:"الكبر بطر الحق وغمط الناس". والغمص كالغمط: وهو الاستهانة والاستحقار.

ص: 317

والمستثنى في محلِّ الرفع بدلًا

(1)

من الضمير الذي في {يَرْغَبُ} ، وهو أجودُ من النصب على الاستثناء.

{وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} ؛ أي: جعلناه صافيًا من جميع ما لا يليقُ خلَّةَ الحق، والاصطفاء في الأصل: تناوُلُ صفوةِ الشيء؛ كما أن الاختيار تناولُ خيره، والاجتباءَ تناولُ جابَته؛ أي: وسطِه، وهو المختار.

{وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} ؛ أي: من الباقين على الصَّلاح في الدنيا حتى يكون كذلك في العُقبى، فكم مِن صالحٍ في أولِ حاله ذهب صلاحُه في مآله! فهو في مقام التعليل لاصطفائه في الدنيا؛ كما أنه في مقام التعليل لِمَا سبق من أنه حقيق بالاتِّباع لا يَرغب عنه إلا سفيهٌ أو متسفِّه أذلَّ

(2)

نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.

* * *

(131) - {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .

{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ} العامل في {إِذْ قَالَ} : {أَسْلَمْتُ} ؛ أي: حين أمره الله تعالى بالإسلام قال: أسلمتُ، استئنافٌ تعليليٌّ لِمَا تقدم من الفلاح في الدارين.

وإنما زاد قوله: {لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} لبيانِ أن المراد من الإسلام هو الانقيادُ عن عرفانٍ بما يوجب الإذعان، لا مجردُ الإقرار باللسان.

* * *

(1)

في "ك" و"م": (بدل).

(2)

في "ك" و"م": (أخل).

ص: 318

(132) - {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .

{وَوَصَّى بِهَا} ؛ أي: بملَّة الإسلام المذكورة.

{إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} والتوصية: التقدُّم بفعلٍ فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، وقرئ:{وأوصى}

(1)

، والأول أبلغ. واشتقاقُها من وصَّاه؛ أي: وصَله، ويضادُّه فصَّاه؛ أي: فصَله.

{وَيَعْقُوبُ} عطفٌ على قوله: {إِبْرَاهِيمُ} أي: وصَّى هو أيضًا بها بنيهِ، وقرئ بالنصب

(2)

على أنه ممن وصَّاه إبراهيم، وإنما مُنع عن الصرفَ للعلَمية والعُجمة.

{يَابَنِيَّ} على إضمار القول، أو متعلِّق بـ (وصَّى)؛ لأنَّه نوع منه، وباعتباري القول والفعل يجوز إثباتُ (أنْ) وحذفُها؛ كما في الرسالة والإبلاغ والإنذار والوعد.

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} دينَ الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان؛ لقوله: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} كناية عن الثبات على الإسلام، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ العبرة للخاتمة.

* * *

(133) - {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .

(1)

هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 77).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 9).

ص: 319

{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} {أَمْ} منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ؛ أي: ما كنتُم حاضرين.

{إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ} وقال لبَنيه ما قال، فلِمَ تدَّعون اليهوديةَ عليه.

رُوي

(1)

أن اليهود قالوا لرسول صلى الله عليه وسلم: ألستَ تعلمُ أن يعقوب أوصى بنيهِ باليهودية يومَ ممات؟ فنزلت.

والشُّهود: حضور بالذات، أو بالعناية، أو بالمقال، والحضورُ أكثرُ ما يقال بالذات، كذا قال الراغب

(2)

.

وتقديمُ المفعول - وهو {يَعْقُوبَ} - لشدةِ الاهتمام به؛ لأنهم يدَّعون عليه اليهودية.

{إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ} بدلٌ من {إِذْ حَضَرَ} .

{مَا تَعْبُدُونَ} لم يَعْنِ به العبادةَ المشروعةَ فقط، بل عنَى جميع الأعمال، فكأنه دعاهم أنْ لا يتخيَّروا في أعمالهم غيرَ وجه الله تعالى، ولم يَخَفْ عليهم الاشتغالَ بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغَلهم دنياهم، ولهذا زادوا في الجواب قولهم:{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي: منقادون له في جميع الأفعال والأحوال.

{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} أي: نقتدي بك كما اقتديتَ بآبائك، وللإشعارِ بهذا الاعتبارِ المناسب للمقام زادوا في الكلام على قَدْر الحاجة في الجواب،

(1)

في "ك" و"م": (وروي).

(2)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 320).

ص: 320

وقُرئ: (وإنهَ أبيك)

(1)

على أنه جمعُ أبٍ على السلامة، أو مفردٌ و {إِبْرَاهِيمَ} عطفُ بيانٍ.

{إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} بدلٌ عن قوله: {آبَائِكَ} ، وإبراهيمُ عليه السلام كان جدًّا له والجدُّ أبٌ؛ قال الله تعالى {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27].

وإسماعيلُ عليه السلام كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يسمَّى أبًا، قال النبيُّ عليه السلام في حقِّ العباس رضي الله عنه:"ردُّوا عليَّ أبي"

(2)

، وإنما قدَّمه على أبيه إسحاق لأنَّه كان أكبرَ سنًا منه

(3)

.

{إِلَهًا وَاحِدًا} بدلٌ من {وَإِلَهَ آبَائِكَ} ، ويجوز أن يكون {وَاحِدًا} حالًا {إِلَهًا} توطئةً، والفائدة: التنصيصُ على أن معبودهم واحدٌ، ونفيُ التوهُّم الناشئ

(4)

من تكرير المضاف، وأمَّا النصبُ على الاختصاص فيردُّه نصُّ النُّحاة على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهَمًا.

{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} حال من فاعل {نَعْبُدُ} أو مفعولِه، أو منهما، ويجوز أن يكون جملةً معطوفةً على {نَعْبُدُ} أو اعتراضيةً.

* * *

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 9).

(2)

قطعة من خبر طويل رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(36902)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 312 - 315)، عن عكرمة مرسلًا.

(3)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (قال القاضي: وعدّ إسماعيل من آبائه تغليبًا للأب والجد، ولم يصب في قوله: والجد؛ لأنَّه غير مذكور لفظًا، ثم قال: أو لأنَّه كالأب؛ لقوله عليه السلام: "عم الرجل صنو أبيه"، وكأنه ظن أنه حينئذ لا حاجة إلى التغليب، وليس كذلك.

منه).

(4)

قيل: لتعذر العطف على المجرور، وكأن هذا القائل غافل عن عطف {وَالْأَرْحَامَ} في قوله تعالى:(تساءلون به والأرحامِ) على قراءة حمزة. منه).

ص: 321

(134) - {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

{تِلْكَ أُمَّةٌ} الإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبَنِيهِما، والأمَّة: أهلُ الملَّة الواحدة، وهي في الأصل: المقصودُ، من أمَّه؟ كالعُمْدة مِن عَمَده، ويسمَّى بها الجماعةُ؛ لأن الفِرَق تؤمُّها.

{قَدْ خَلَتْ} ؛ أي: مضتْ وصارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيسَ بها، وَيلزمُه الانفرادُ، ومنه: خلا الرجل بنفسه: انْفَرَد

(1)

، وخلا المكانُ من أهله؛ أي: انْفَردَ منهم.

{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} الكسب: اجتلابُ النفع بعلاجٍ ومراس

(2)

، ولذلك لا يجوز في صفة الله تعالى، وإذا قيل في المضرَّة فعلى طريقِ الاستعارة، وتقديمُ (لها) و (لكم) للتخصيص، والجملةُ استئنافٌ لبيان أن الانتفاع بالاكتساب لا بالانتساب.

{وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} تتميمٌ لِمَا تقدَّم؛ أي: لا يثاب ولا يعاقَبُ أحد بما كان من الآخر، على أن المراد سؤالُ المؤاخذة.

* * *

(135) - {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

{وَقَالُوا} أي: رؤساء اليهود ونصارى نجران.

{كُونُوا} المأمورون مَن آمَن برسول الله عليه السلام.

{هُودًا أَوْ نَصَارَى} كان الظاهر إيرادَ أداة الجمع؛ لأن كلام المجموع مجموعُ

(1)

في "م": (إذا انفرد).

(2)

في "د": (ومراس الممارسة).

ص: 322

الكلامين، إلا أنه أراد أن يضمِّن الكلام بيانَ انقسام المقال على الانفصال الحقيقيِّ فأتى بأداة المنع.

{تَهْتَدُوا} جوابُ الأمر.

{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ؛ أي: قل يا محمدُ جوابًا عن قيلهم: بل نكونُ أهلَ ملة إبراهيم، على حذف المضاف.

وقرئ: (مِلَّةُ) بالرفع

(1)

، على معنى: بل المهتدون ملةُ إبراهيم.

{حَنِيفًا} حالٌ من المضاف أو من المضاف إليه، والحنيف: المائل، والمراد: الميلُ عن الأديان كلِّها إلى دِينِ الحقِّ؛ كان يقال في الجاهلية لمن كان على دين إبراهيم عليه السلام: حنيفٌ، لميلهم عن طريقتهم إلى طريقةٍ غيرها.

{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} تعريضٌ إلى أن كلتا الطائفتين قد أَشركت.

* * *

(136) - {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .

{قُولُوا} خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطابًا للكافرين على أن المراد بقوله:{بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} : بل كونوا أهلَ ملَّتِه لتكونوا مهتدين، فيكون {قُولُوا} بيانًا له.

{آمَنَّا بِاللَّهِ} ؛ أي: بأُلوهيَّته ووحدانيَّته وسائرِ صفاته، ومن جملتها كلامُه فكان

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 10).

ص: 323

الإيمان به مشتملًا للإيمان

(1)

بجميع ما أُنزل من عنده، فلهذا لم يفْصل بينهما بأداة التعدية الدالةِ على الاستقلال.

{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} : القرآن، قدَّمه لأن التصديق به أهمّ وأتمّ.

{وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} من الصُّحف.

{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} عُطفوا على {إِبْرَاهِيمَ} لأنهم لمَّا كلِّفوا العمل بشريعته صارت الصحف المنزلةُ عليه كأنها منزلةٌ إليهم.

{وَالْأَسْبَاطِ} : أولاد يعقوب، جمع سِبطٍ: وهو في الأصل كالطائفة والفرقة، والأسباطُ في أولاد إسحاق عليه السلام كالقبائل في أولاد إسماعيل عليه السلام، وهم جماعةٌ من أبٍ وأمٍّ مأخوذٌ من السَّبَط

(2)

، وهو شجرةٌ واحدةٌ لها أغصانٌ كثيرةٌ.

{وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} : التوراة والإنجيل والآيات البيّنات، ولهذا أتى هنا بعبارة {أُوتِيَ} ولم يكرِّر {وَمَا أُوتِيَ} لأن شريعة عيسى عليه السلام هي شريعةُ موسى عليه السلام إلا في النَّزْر، وأفردهما بالذكر لوقوعِ النزاع فيهما.

{وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ} تعميمٌ بعد التخصيص.

{مِنْ رَبِّهِمْ} أي: منزلٌ من ربهم.

{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} أي: لا نكون كالذين آمَنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ من اليهود والنصارى، و (أحد) عامٌّ فساغ أن يضاف إليه (بين)، وعمومُه ليس من جهةِ كونه نكرةً في سياق النفي كما هو السابقُ إلى الوهم، بل لأنَّه موضوعٌ له في النفي

(1)

في "ك": (يشمل الإيمان).

(2)

بالتحريك: جمع سَبَطة. انظر: "الدر المصون"(2/ 138).

ص: 324

المستوي

(1)

فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، والواحدُ وما وراءه، ولو قال: بينهم، لكان أوجَزَ، إلا أنه لمَّا كان القصد إلى أن يبيِّن أن لا نفرِّق بين واحدٍ وواحدٍ ذكر لفظ أحد

(2)

.

{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} : مذعِنون مخلِصون.

* * *

(137) - {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

{فَإِنْ} الفاءُ لترتيب الكلام على ما تقدَّم.

{آمَنُوا} ؛ أي: اليهودُ والنصارى.

{بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} ؛ أي: بمثلِ إيمانكم، فـ {مَا} مصدريةٌ، و {بِهِ} بدلٌ من {بِمِثْلِ} يفيد التأكيد، وكذا الباءُ المزيدة. ويجوز أن يكون للآلة، والمعنى: إنْ تحرَّوا بطريقٍ يهدي إلى الحق مثلِ طريقكم، فإنَّ وحدة المقصِد لا تأبى تعدُّد الطرق، أو المِثْلُ مقحَمٌ كما في قوله تعالى:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10]؛ أي: عليه، ويشهد له قراءةُ:(بما آمنتم به)، و:(بالذي آمنتم به)

(3)

.

{فَقَدِ اهْتَدَوْا} أي: أصابوا الصراطَ السَّوِيَّ.

{وَإِنْ تَوَلَّوْا} يقال: تولَّاه؛ أي: اتَّخذه وليًّا، قال تعالى:{لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13]، وإذا وُصل بـ (إلى) يكون بمعنى الإقبال عليه، قال تعالى:

(1)

في "د": (مستو).

(2)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (صرح به صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ}. منه).

(3)

القراءتان في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 10)، و"المحتسب"(2/ 113).

ص: 325

{ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} [القصص: 24] وإذا وُصل بـ (عن) يكون بمعنى الإعراض وهو المراد هاهنا؛ أي: إن أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به، أو عمَّا تقولون لهم.

{فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} ؛ أي: فما هم إلا في شقاقٍ عظيمٍ، وهو المناوأةُ والمخالَفة لأهل الحق، فإنَّ كلَّ أحدٍ من المتخالِفَينِ في شقٍّ غيرِ شقِّ الآخَر.

{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} تسليةٌ وتسكينٌ للمؤمنين، ووعدٌ لهم بالحفظ والنصر، والسِّينُ إشارةٌ إلى كون الوعد محقَّقَ الوقوع قريبَه

(1)

.

{وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} حُذف المفعول للتعميم، أو تُرك تنزيلًا للمتعدِّي منزلةَ اللازم لإيهام المبالغة، وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكفار.

* * *

(138) - {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} .

{صِبْغَةَ اللَّهِ} انتصب انتصابَ المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة من قوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} ، أي: صَبَغَنا الله تعالى بالإيمان الفطريِّ صبغتَه، وهي فطرةُ الله التي فَطر الناسَ عليها، فإنها حِلْيةُ الإنسان كما أن الصبغةَ حِليةُ المصبوغ، أو: هدانا الله تعالى هدايتَه وأرشدَنا حُجَّتَه، أو: طهَّر قلوبَنا بالإيمان تطهيرَه، وسماه صبغةً؛ لأنَّه ظهر أثرُه عليهم ظهورَ الصبغ على المصبوغ، وتداخَلَ في قلوبهم تداخُلَه الثوب.

وقيل: إنه كلامٌ واردٌ على طريقِ المشاكَلة

(2)

، وذلك أنه كان للنصارى صبغٌ

(1)

في (د): "قويه"، وفي (ح) و (ف) و (م):"قرينه".

(2)

والمشاكلة واقعة بين فعل الفارس وقول القائل أعرس فإن المراد بقوله أعرس عرس الكريم، فلولا فعل الفارس لم يحسن منه كما يعرس فلان، كما أن قوله {صِبْغَةَ اللَّهِ} مشاكلة بفعل النصارى وإن لم يوجد منهم قول، وقال الزجاج: يجوز أن يكون صبغة الله بمعنى خلق الله الخلق أي الله تعالى ابتدأ الخلق الإسلام لقوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ. طيبي.

ص: 326

يسمُّونه: المعمودية، وهو ماء أصفر كانوا يغمسون أولادهم فيه يزعمون أنه تطهير لهم، ويقولون للمغموس: الآن صار نصرانيًّا حقًّا.

{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} ؛ أي: لا أحد أحسن من الله صبغة.

{وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} عطف على {آمَنَّا بِاللَّهِ} ، أو على قوله:{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ، وهو حال من {آمَنَّا بِاللَّهِ} ، وفيه تعريضٌ بهم؛ أي: لا نُشرك به كشركِكُم.

* * *

(139) - {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} .

{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} المحاجَّة: المقاومة في إظهار الحجة المبيِّنة للمَحَجَّة؛ أي: للمَقْصِد.

{فِي اللَّهِ} في شأنه واصطفائه نبيًّا من قريش، روي: أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلُّهم منا، فلو كنتَ نبيًّا لكنتَ منَّا، فنزلت.

{وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} لا اختصاصَ لربوبيته بقومٍ دون قومٍ، يُصيب برحمته مَن يشاء من عباده.

{وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} فكما أن لكم أعمالًا ربما يعتبرها الله تعالى، فكذلك لنا أعمال.

{وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي: في الاعتقاد والعمل لا أنتم، فكيف تكونون أفضل منا وأولى؟ كأنهم ألزمهم على كلِّ مذهب ينتحلونه إفحامًا وتبكيتًا، فإن كرامة النبوة إما بفضلٍ من الله تعالى على مَن يشاء والكلُّ فيه سواءٌ، وإما إفاضةُ حق على المستعدِّين لها بالمواظَبة على الطاعة والتحلِّي بالإخلاص.

* * *

ص: 327

(140) - {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .

{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} :

على القراءة بالتاء الفَوقانيَّة

(1)

: يحتمل أن تكون {أَمْ} متصلةً معادِلةً للهمزة في {أَتُحَاجُّونَنَا} ، يعني: أيَّ الأمرين تأتون: المحاجَّةَ في الله، أم ادِّعاءَ اليهودية والنصرانية على الأنبياء عليهم السلام؟ وأن تكون منقطعةً.

وعلى القراءة بالياء التحتانية لا تكون إلا منقطعة؛ لأن المتصلة تقتضي المساواة بين ما يلي الهمزة و (أم)، ولا مساواة حينئذ.

ومعنى الاستفهام: الإنكار، وعلى تقدير اتصال (أم) إنكارُ الأمرين جميعًا، وكذا على تقدير انقطاعها، وفي القراءة الثانية إعراضٌ عن الخطاب لهم استجهالًا لهم بما كان منهم.

وفي: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} إنكارٌ للقِسم الأول وتقريرٌ للثاني؛ أي: إن الله تعالى شهد لهم بملة الإسلام في قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [آل عمران: 67] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعُه في الدِّين اتِّفاقًا.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً} ثابتة {عِنْدَهُ} كائنة {مِنَ اللَّهِ} ؛ أي: شهادةَ الله تعالى في حق إبراهيم التي ثبتت عنده في كتابه الذي يتلوه.

والمعنى: لا أحد أظلمُ من أهل الكتاب؛ لأنهم كتموا الشهادة، أو منَّا لو كتمنا

(1)

هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص، والباقون بالياء. انظر:"التيسير"(ص: 77).

ص: 328

هذه الشهادة، وفيه تعريضٌ لهم بكتمانهم شهادة الله تعالى لمحمدٍ عليه السلام بالنبوة في كتبهم وغيرِها، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [البقرة: 114] ما يتعلَّق بهذا المقام من بيانِ وجهِ هذه الطريقة من الكلام.

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد لهم.

* * *

(141) - {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} تكرير للمبالغة في التحذير والزَّجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتِّكال عليهم.

* * *

(142) - {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} قد مرَّ معنى السَّفَه، والمراد: المنكِرون لتغيير القِبلة من المنافقين والمشركين واليهود، وفائدةُ تقديم الإخبار به مع أنه نوع هن الإعجاز: توطينُ النفس وإعداد الجواب.

{مَا وَلَّاهُمْ} ما صرَفَهم.

{عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعني: بيتَ المقدس

(1)

، والقبلةُ وإن كانت في الأصل

(1)

في (م) و (ك) زيادة: "والقبلة".

ص: 329

اسمًا للحال التي عليها الإنسانُ من الاستقبال كالجِلْسة والقِعْدة، فقد صارت في التعارُف للمكان المتوجَّهِ نحوه للصلاة إليها.

{قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} كنى بهما عن الجهات كلِّها؛ أي: نسبةُ

(1)

جميع الجهات إليه تعالى على السَّواء، فلا يختصُّ بأمره مكانٌ دون مكانٍ لخاصِّيَّةٍ ذاتيةٍ يمتنع إقامةُ غيره مُقامه، وإنما العبرةُ بارتسامِ أمره لا بخصوصِ المكان.

{يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} هو ما عَلم الله تعالى صلاحَهم واستقامةَ أمرهم فيه من توجيههم

(2)

إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة أخرى.

* * *

(143) - {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .

{وَكَذَلِكَ} ؛ أي: مثلَ ذلك الجعلِ العجيبِ، والإشارةُ إلى الجعل المدلول عليه بـ {جَعَلْنَاكُمْ} لا إلى الجعل المفهوم من الآية المتقدِّمة، وإنما جيء بما يدلُّ على البعد تفخيمًا، والكافُ مقحَمٌ للمبالغة.

{جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} إخبارٌ بكونهم عدولًا مزكَّين بالعلم والعمل، وهو في الأصل اسمٌ للمكان الذي تستوي إليه المساحةُ من الجوانب في المدوَّر، ومن الطرفين في المطوَّل؛ كالنقطةِ من الدائرة، ولسانِ الميزان من العمود، فجُعل عبارة

(1)

في (م): (كلها إشارة إلى أن نسبة).

(2)

في "ك": (توجههم).

ص: 330

عن العدل، وشُبِّه به كلُّ ما وقع بين طرفي

(1)

إفراطٍ وتفريطٍ، كالجود بين السَّرَف والبخل، والشجاعةِ بين التهوُّر والجبن، ثم جُعل عبارةً عن المختار من كلِّ شيء، حتى قيل: فلان من أوسطهم نسبًا، فاستوى فيه الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث، كسائر الأسماء التي يوصَف بها.

{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ} يعني: الأنبياءَ عليهم السلام يومَ القيامة.

{عَلَى النَّاسِ} على الكفار.

{وَيَكُونَ الرَّسُولُ} هو محمد عليه السلام {عَلَيْكُمْ} خاصة {شَهِيدًا} معدِّلًا مزكِّيًا لهم، والشهيدُ كالرقيب والمهَيمِن، فجيء ب (على) لاستعلائه المشهودِ له.

روي أنَّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياء عليهم السلام، فيطالِبُ الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بالبيِّنة على أنهم بلَّغوا وهو أعلَمُ، فيأتون محمدًا عليه السلام يلتمِس كلُّ رسول منه طائفةً من أمته تَشهد له، فيَشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتُم؟! فيقولون: علِمنا ذلك بإخبارِ الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيِّه الصادق، فيؤتَى بمحمد عليه السلام فيُسألُ عن أمته، فيزكِّيهم ويشهدُ بعدالتهم، وذلك قوله تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]

(2)

.

واستدل بالآية المذكورة على أن الإجماع حجة، إذ لو كان فيما اتَّفقوا عليه باطل لانثَلمت

(3)

به عدالتُهم، ولا يخفى ضعفُه؛ إذ غاية ما لزم حينئذ خطؤهم في الاجتهاد

(1)

في "ك" و"م": (طرفين).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 199). وانظر حديث أبي سعيد رضي الله عنه في "صحيح البخاري"(4487)، و"مسند أحمد"(11558)، و"السنن الكبرى" للنسائي (10940)، و"سنن ابن ماجه"(4284).

(3)

في "ك": (لاتهمت).

ص: 331

ولا تنثلم به العدالة، كيف والخطأ في الاجتهاد مما يثاب عليه؟ وما يثاب عليه لا يكون قادحًا في العدالة.

{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} ؛ أي: الجهةَ التي كنت عليها وهي الكعبة، كان عليه السلام يصلي إليها بمكة، ثم أُمر بعد الهجرة بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس، لا تألُّفًا لليهود لأنَّه مردودٌ بالحصر المستفاد من تمام الكلام الآتي ذكرُه، فإنه صريحٌ في أنَّ جَعْل الكعبة قبلةً ليس تألُّفًا لقريشٍ على هذا الوجه، وأنَّ جَعْل الصخرة قبلةً ليس تألُّفًا لليهود على الوجه الآخَر، ثم حوِّل إلى الكعبة، فالمعنى: ما ردَدْناك إلى الكعبة، وذلك لا يقتضي أن تكون {الْقِبْلَةَ} المفعولَ الأول، و {الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} المفعولَ الثانيَ كما تُوهِّم، بل يجوز أن يكون على العكس؛ أي: صيَّرنا الجهةَ التي كنتَ عليها أولًا ثم صُرِفْتَ عنها إلى بيت المقدس قبلتَك أو الصخرة، فالمخبَرُ به على الأول

(4)

الجعلُ الناسخ، وعلى الثاني المنسوخُ، والمعنى: إنَّ أصل أمرِك أن تَستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتَك بيتَ المقدس إلا امتحانًا وابتلاءً للناس.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت قبلتُه عليه السلام بمكةَ بيتَ المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبةَ بينه وبينه

(5)

.

ولا دلالةَ في هذا على أحد المعنيين المذكورين بخصوصه كما لا يخفى

(6)

.

{إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} ليَظْهَرَ علمُنا على مظاهر الرسول عليه السلام والمؤمنين، ويتميَّزَ عندهم الثابتُ على الإسلام الصادقُ فيه، وإنما عبَّر عن الظهور

(4)

في "ك" و"م": (على الوجه الأول).

(5)

انظر: "الكشاف"(1/ 200). ورواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند"(2991).

(6)

في هامش "ح" و"د" و"ف": (رد للقاضي).

ص: 332

المذكور بالعلم المسنَد إلى ذاته لأنهم خواصُّه وأهل الزلفى عنده تعظيمًا لهم، وبهذا اندفع ما قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالمًا؟

وأما التأويلُ بأنه باعتبار التعلُّق الحالي الذي هو مناطُ الجزاء، والمعنى: ليَتعلَّق به علمنا موجودًا، فليس بشيء؛ لأن علمه تعالى به موجودًا في وقتِ وجوده لم يزل أيضًا، فإنه تعالى كان عالمًا في الأزل بهم وبكلِّ حالٍ من أحوالهم التي تقع في زمانٍ من أزمنةِ وجودهم مقارِنةٍ للزمان الذي تقع فيه تلك الحالة

(1)

.

{مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} مِن المتردِّد الذي يرتدُّ بأدنى سببٍ لقلقه

(2)

، تصويرٌ لسوء حالهم في الارتدادِ بأقبحِ الوجوه، فإن الانقلاب على العَقِب أسوأُ أحوال الراجع في مشيه، وتثنيةُ العقب تقويةٌ لمساءته.

والعَقِبُ على ما قاله الأصمعيُّ: ما أصاب الأرض من مؤخَّر الرِّجل إلى موضع الشِّراك، الذي ذكر من جنس الحِكَم والغايات التي تترتَّب عليها المصالح لا من قبيل الأغراض.

وقرئ: (إلا ليُعلم) على البناء للمفعول

(3)

.

ومعنى العلم: المعرفةُ، ويجوز أن تكون {مَنْ} متضمِّنةً لمعنى الاستفهام معلَّقًا عنها العلمُ؛ كقولك: علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرو.

(1)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (أي: كان أن علمه المطلق لم يزل كذلك علمه المقيد لم يزل فتأمل. منه).

(2)

قوله: (لقلقه) تحرف في "ح" و"ف" و"ك" و"م" إلى: (لقلة)، والتصويب من "الكشاف"(1/ 200)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 111)، وفي "د" تحتمله.

(3)

تنسب للزهري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 10).

ص: 333

{وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} شاقَّةً؛ لأنَّ مَن أَلِفَ شيئًا ثم فارَقه شَقَّ عليه، (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة

(1)

، واللامُ هي الفاصلة.

وقيل: (إنْ) هي النافيةُ، واللام بمعنى: إلا، والضميرُ لِمَا دلَّ عليه قولُه:{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ} أي: الجَعلةُ أو التحويلةُ أو الرَّدَّة، ويجوز أن يكون لـ {الْقِبْلَةَ} .

وقرئ: (لكبيرةٌ) بالرفع

(2)

، فتكون (كان) زائدةً كما في قوله:

وجيرانٍ لنا كانوا كرامٍ

(3)

{إِلَّا عَلَى الَّذِينَ} استثناءٌ من محذوفٍ؛ أي: لكبيرةً على الناس إلا على الذين.

{هَدَى اللَّهُ} إلى حكمةِ الأحكام، الثابتين على الإسلام والاتِّباع.

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} : ثباتَكم على الإيمان في الاتِّباع، بل شَكَر صنيعَكم وأَعدَّ لكم الأجرَ العظيم، وقيدُ الاستمرار المستفادِ من لفظِ {كَانَ} مقدَّمٌ في الاعتبار على النفي.

أو: صلاتَكم إلى بيت المقدس؛ أي: إيمانَكم بسبب الصلاة إليه، فإنها قبل التحويل ما صحَّت إلا باستقباله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لمَّا وجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت

(4)

.

(1)

في "م": (المثقلة).

(2)

تنسب لليزيدي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 10).

(3)

عجز بيت للفرزدق، وهو في ديوانه (2/ 290)، وصدره:(فكيف إذا رأيت ديار قوم). وجاء في هامش "م": (أوله: فكيف إذا مررت بدار قوم).

(4)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(2691)، وأبو داود (4680)، والترمذي (2964). وبنحوه في "البخاري"(4486) من حديث البراء رضي الله عنه.

ص: 334

{إِنَّ اللَّهَ} فيه معنى التعليلِ، والإظهارُ في مقام الإضمار للتَّفخيم.

{بِالنَّاسِ} على الإطلاق، فكيف بالمؤمنين منهم؟

{لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} فلا يُضيع أعمالَهم، ولا يُخلُّ بما يُصلح أحوالَهم، وإنما قدِّم الرؤوف على الرحيم؛ لأن الرأفة إنما تكون باعتبارِ الحفظ والصِّيانة عن الآفات والنقائص التي يُستحَق بها العقاب، والرحمةَ باعتبارِ إفاضة الكمالات والسعادات التي بها يُستحَق الثواب، فالأُولى من باب التزكية، والثانيةُ من باب التخليَة، ولا تكون التخلية إلا بعد التزكية.

* * *

(144) - {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} .

{قَدْ نَرَى} {قَدْ} للتقليل، وقد استُعمل هاهنا في مقام التكثير؛ كما في قوله:

قد أتركُ القِرْنَ مصفَرًّا أناملُه

(1)

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 202). وهذا صدر بيت، عجزه:

كأن أثوابه مجَّت بفرصاد

وهو من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدي أوردها الأصمعى في "الأصمعيات". قوله: (قد أترك القرن)، هو بكسر القاف: المثل في الشجاعة، والأنامل: رؤوس الأصابع، والمعنى: أقتله فينزف دمه فتصفرّ أنامله. وقال الأعلم: خصّ الأنامل لأن الصفرة إليها أسرع وفيها أظهر. وقال غيره: يريد أن يقتل القرن فتصفرّ أنامله. ويقال: إنه إذا مات الميّت اصفرّت أنامله. ومجّت: دَمِيت، والمراد: صُبغت. والفرصاد بكسر الفاء قال الأعلم: هو التّوت، شبَّه الدم بحمرة عصارته. انظر:"خزانة الأدب" للبغدادي (11/ 275).

ص: 335

يعني: إنك تفعل كثيرًا - على ما دل عليه عبارةُ {تَقَلُّبَ} - وهو قليل بالنسبة إلى ما تهمّ به وتريد، وفي البيت يدَّعي قلَّةَ الترك بالنسبة إلى ما في نفسه وما يريد، وهو كثيرٌ في حدِّ ذاته.

{تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} تقلُّب الوجه أبلغُ من تقلُّب العين، على أن الوجه يريد به التوجُّه؛ كقولك: وجهي إلى فلان.

{فِي السَّمَاءِ} ؛ أي: في جهتها تطلّعًا للوحي.

كان رسول الله عليه السلام يتوقَّع من ربه أن يحوِّله إلى الكعبة؛ لأنها قبلةُ أبيه إبراهيم عليه السلام، وأقدمُ القبلتين، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتُهم ومَزارُهم ومطافُهم، ولمخالفة اليهود، وذلك يدلُّ على كمال أدبه عليه السلام، حيث انتظر ولم يسأل كما فَعل أبوه إبراهيمُ عليه السلام، حيث قال:(حسبي من سؤالي علمُه بحالي)

(1)

.

{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} فلنجعلنَّك واليًا {قِبْلَةً} من ولَّيتُه كذا: إذا جعلته واليًا له، أو: لنجعلنَّك تلي سَمْتَها، من الوَلْي.

{تَرْضَاهَا} تحبُّها وتميلُ إليها لمصلحةٍ دينية، هذا القيدُ للدلالة على أنَّ التوليةَ كانت رعايةً لرضاه عليه السلام، فلا دلالةَ فيه على كراهة القبلة الأخرى.

{فَوَلِّ وَجْهَكَ} فاجعل وجهك يلي.

(1)

ذكره ابن عراق في "تنزيه الشريعة"(1/ 250) بلفظ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) وقال: قال ابن تيمية: موضوع. قلت: وجاء في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (1/ 183): ليس له إسناد معروف، وهو باطل، بل الذي ثبت في الصحيح [البخاري (4563)] عن ابن عباس أنه قال:(حسبي الله ونعم الوكيل). قلت: وكلاهما - الموضوع والصحيح - لا دليل فيهما لما قاله المؤلف.

ص: 336

{شَطْرَ الْمَسْجِدِ} نحوَه وجانبَه، الشطرُ في الأصل لِمَا انفصل عن الشيء، من شَطر: إذا انفصل عن الشيء، ثم استُعمل لجانبه وإن لم ينفصِل، وزيادتُه ليست لأنَّه عليه السلام كان بالمدينة والبعيدُ يكفيه رعايةُ الجهة؛ لأن التعميم المستفادَ من قوله:{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] يأباه، بل للدلالة على أنَّ القبلة هي الهواء، ولا دخل فيها للبناء

(1)

.

{الْحَرَامِ} ؛ أي: المحرَّم فيه القتالُ، أو ممنوع عن الظَّلَمة أن يتعرَّضوه، وهذا الوصف هو الباعث لإيثار {الْمَسْجِدِ} على: الكعبة، فإن الحكم المذكور لا اختصاصَ له بها، لا لأن في استقبال عينها حرجًا؛ لأنَّه قد اندفع بزيادة عبارة الشطر.

رُوي أنه عليه السلام قدِم المدينةَ فصلى نحو بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا، ثم وجِّه إلى الكعبة

(2)

.

{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} خُصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمِّم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.

{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} إجمالًا، لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيصَ أهل كل شريعة بقبلةٍ، وتفصيلًا لتضمُّن كتبهم أنه عليه السلام يصلي إلى القبلتين، والضميرُ للتحويل أو التوجُّه.

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وفي قوله:

* * *

(1)

في "م": (للبناء فيها).

(2)

رواه البخاري (7252)، ومسلم (525)، من حديث البراء رضي الله عنه.

ص: 337

(145) - {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .

{وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} اللام موطِّئةٌ للقسم.

{بِكُلِّ آيَةٍ} ؛ أي: برهانٍ قاطعٍ على أن التوجُّه إلى الكعبة هو الحقُّ، بعد قوله:{لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ} دلالةً على أن امتناعهم عن التوجُّه إليها ليس عن شبهةٍ، بل عن عنادٍ ومكابرةٍ، فلا ينجع البرهان قطعًا.

{مَا تَبِعُوا} أي: كلُّهم، فلا ينافي اتِّباعَ بعضهم {قِبْلَتَكَ} جوابُ القسم المضمَر، وهو مع جوابه سادٌّ مسدَّ جواب الشرط.

{وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} قطعٌ لأطماعهم، فإنهم قالوا تغريرًا له عليه السلام وإطماعًا: لو ثبتَّ على قبلتنا

(1)

لكنا نرجوا أن تكون صاحبنا.

وقبلةُ المخالفين وإن تعدَّدت لكنها متَّحدةٌ من جهة البُطلان ومخالفةِ الحق.

{وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} لأن اليهود تستقبلُ الصخرة، والنصارى مطلعَ الشمس، فلا يرجى توافُقُهم، فلا وجه للتوجُّه إلى إحدى تينك القبلتين إرضاءً لأحد الفريقين مع ما فيه من سَخَط الآخر.

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} ؛ أي: ولئن اتَّبعتهم في موافقته الهوى فرضًا، وفي العدول عن الظاهر التنبيهُ على أن قبلتهم لمَّا انتَسخَتْ لم يبق فيها إلا جهةُ الهوى والميلِ إلى مقتضى النفس؛ لبطلان وجه الحق.

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أي: سببِه وهو الوحي.

(1)

في (م) و (ك): "قبلتك".

ص: 338

{إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} في اللاماتِ الثلاث المجيبة والموطِّئَينِ للقسم في الجمل الثلاث، والتكرارِ في قوله:{فَوَلِّ} و {فَوَلُّوا} ، مع التعميم في (حيثما)، والتأكيدِ بـ (إنَّ) واللامِ، والوعيدِ في قوله:{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} ، وإيرادِ الجملتين المنفيَّتين وهما:{وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ} و {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ} اسميَّتين، وتأكيدِ النفي بالباء فيهما، وإيرادِ كلمة الشك في قوله:{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ} بعد القطع في قوله: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ} ليدل على الفَرْض والتقدير كالمحالات، وتقويةِ ذلك المعنى بقوله:{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} ، وذكرِ الأهواء، والتأكيداتِ الأربعة في جوابه = مبالغةٌ عظيمةٌ في أن كلَّ واحد من المحقِّ والمبطِلِ في غايةِ التصلُّب والتشدُّد في دينه، وامتناعِ رجوعه عنه - أمَّا المحقُّ: فلِقوةِ يقينه، ووضوحِ برهانه، وكونه على بيِّنةٍ من ربِّه، وأما المبطلُ: فلشدة شكيمته في عناده ومكابرته - وتعظيمٌ للحق المعلوم، وتحريضٌ على اقتفائه، وتحذيرٌ عن متابعة الهوى، واستفظاعٌ لصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام.

* * *

(146) - {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} إيتاءَ فهمٍ ودراسةٍ، وهم الأحبار.

{يَعْرِفُونَهُ} الضمير للرسول عليه السلام، وقد سبق ذكره في قوله تعالى:{إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} ، وهذا الكلام غيرُ منقطِعٍ عنه، إلا أنه

(1)

الْتَفَتَ من الخطاب إلى الغيبة، ثم منها إلى الخطاب في قوله:{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} .

(1)

في "م": (لأنَّه).

ص: 339

{كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} : أي: يَعْرفونه عليه السلام معرفةً لا شبهةَ فيه بالوصف الذي يعيِّنه كما يعرفون البنين على التعيين، لا اشتباه في معرفتهم إياهم بغيرهم، وإنما خُصَّ الأبناء بالذكر لأن اختلاطهم بالآباء أكثر، فعدمُ الاشتباه فيهم أظهر، رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلَام عن رسول الله عليه وسلم فقال: أنا أعلمُ به منِّي بابْني

(1)

، قال: ولمَ؟ قال: لأني لست أشكُّ في محمد أنه نبيٌّ، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبَّل عمرُ رضي الله عنه رأسه

(2)

.

{وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ} التنوين للتحقير، والإشارةِ

(3)

إلى قلَّة قَدْرهم بالنسبة إلى المظهِرين منهم.

{لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} ؛ أي: كونَه النبيَّ الموعود، كان الظاهر أن يقال: لَيكتُمونه، والعدولُ عنه للتنبيه على أن المراد معرفتُه عليه السلام بذلك الوجهِ لا معرفةُ ذاته.

{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تخصيصٌ لمن عانَدَ، واستثناءٌ لمن آمَن.

* * *

(147) - {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .

{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} كلام مستأنف، و {الْحَقُّ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو الحق، و {مِنْ رَبِّكَ} خبرٌ بعد خبر، أو حالٌ. أو {الْحَقُّ} مبتدأ خبرُه {مِنْ رَبِّكَ} .

واللامُ إمَّا للعهد والإشارةِ إلى ما يكتمونه؛ أي: الحقُّ الذي يكتمونه هو الحقُّ

(1)

في "ك" و"م": (به من ابني).

(2)

انظر: "الوسيط" للواحدي (1/ 231)، و"الكشاف"(1/ 204).

(3)

في "م": (وللإشارة).

ص: 340

من ربك، أو إلى

(1)

الحقِّ الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما للجنس، أي: الحقُّ من ربك لا من غيره، أي: ماهيةُ الحق ما ثبت أنه من ربك، يعني: الذي أنت عليه، وما لم يَثبت أنه من ربك كالذي عليه أهلُ الكتاب فهو الباطل، كما تقول: الرجل زيد؛ أي: ماعدَاه ليس بالرجل.

وقرئ بالنصب

(2)

على أنه بدلٌ من الأول

(3)

، أو مفعولُ {يَعْلَمُونَ} .

{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} النهيُ عن الكون على صفةٍ أبلغُ من النهي عن تلك الصفة، ولذلك كثر في القرآن النهيُ عن الكون على الصفة التي يُطلب اجتنابها.

والامتراءُ من مَرَيْتُ الناقة: إذا مسحتَ ضرعَها، واستُعير للتردُّد في الأمر، وهو لا يكون بقصدٍ واختيارٍ، فالنهيُ المذكور للحثِّ على محافظةِ الأسباب المُزيلةِ له، والتحذيرِ عن الغفلة عنها، والرسولُ عليه السلام أحقُّ بهما من أمته، ولقد أحسنَ مَن قال: إن الله يحذِّر نبيَّه من اتِّباع الهوى أكثرَ مما يحذِّر غيره؛ لأن ذا المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار أحوجُ، حفظًا لمنزلته وصيانةً لمكانته.

وقد قيل: حقُّ المرآة المجلوَّة أن يكون تعهُّدُها أكثرَ، إذ كان القليل من الصداء عليها أظهر.

ومَن ذهب عليه هذا قال: ليس المراد به نهيَ الرسول عليه السلام عن الشك فيه؛ لأنَّه غير متوقَّع منه، وليس بقصدٍ واختيار، وكأنه

(4)

غافلٌ عن أنه لا

(1)

كلمة: (إلى) من "د" و"م".

(2)

تنسب لعلي رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 10).

(3)

في هامش "م": (أي من الحق الأول الذي سبق ذكره آنفًا في قوله تعالى: {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} الآية).

(4)

في "م": (فكأنه).

ص: 341

صحة للكلام على ظاهره

(1)

، وبعد الصرف عنه لا مانع عن كون الخطاب له عليه السلام

ثم إنه لا اختصاص للنهي بالمتوقَّع، ألا يرى أن الجهل غيرُ متوقَّع من نوح عليه السلام، وقد وقع التحذير عنه في حقه في قوله تعالى:{إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46].

وفائدة نهيه عليه السلام مع أن النهي غيرُ متوقَّعٍ منه: المبالغةُ في حق مَن يُتوقَّع منه ذلك.

* * *

(148) - {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} ؛ أي: ولكلِّ قوم من المسلمين جهةٌ وجانبٌ من الكعبة.

وقيل: المعنى: ولكلِّ أمةٍ من أهل الأديان المختلفة جهةٌ وقبلةٌ، ولا ينتظِمه وجه التفريع الآتي ذكرُه، وفي قراءة أبيٍّ:(قبلةٌ)

(2)

. والتنوينُ عوضٌ عن الإضافة.

{هُوَ مُوَلِّيهَا} {هُوَ} إما راجعٌ إلى (كلٍّ) أي: هو موليها وَجههُ، فحُذف أحد المفعولين، أو إلى الله تعالى؛ أي: هو مولِّيها إياه

(3)

.

(1)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (يعنى: لا صحة للكلام قبل صرف النهي عن ظاهره، سواء كان الخطاب له عليه السلام أو لأمته، وبعد صرفه عنه إلى ما ذكر لا مانع عن كونه له عليه السلام أيضًا. منه).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 205).

(3)

في النسخ: (وجهه)، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(1/ 205)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 113)، و"البحر"(3/ 105)، و"روح المعاني"(3/ 30).

ص: 342

وقرئ: (ولكلِّ وجهةٍ) بالإضافة

(1)

؛ أي: وكلُّ وجهةٍ اللهُ تعالى [مولِّيها]

(2)

أهلَها، واللامُ مزيدةٌ للتأكيد جبرًا لضعف العامل.

وقرئ: {مولَّاها}

(3)

؛ أي: مولَّى تلك الجهةِ.

ولمَّا كان في التوسعة المستفادة من الكلام السابق إزاحةُ العذر في التوقُّف والتأخّر، رتَّب عليه الأمرَ بالمبادرة بقوله:

{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} ؛ أي: تَسارعوا إلى أداء الصلاة في أوائل أوقاتها، والسَّبقُ: التقدُّم، والاستباق من الاثنين، ومن الجمع: التسابُق، وكذا التبادُر والابتدار

(4)

، والتقاتُل والاقتتال.

وفي التعبير بالخير عن الصلاة دلالةٌ على تفوُّقها في الخيرية على سائر الأعمال الصالحة، فإن النوع الخاص إذا عُبر عنه باسم الجنس يدلُّ على فضله على سائر الأنواع.

{أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ} ؛ أي: في أيِّ موضعٍ كنتُم أحضركم الله المحشرَ للثواب والعقاب، استئنافٌ تعليليٌّ للأمر المذكور.

وإنما قال: {جَمِيعًا} لأن نكال العاصي على رؤوس الأشهاد يكون أشدَّ فظاعةً، والإحسانَ للمطيع في تلك الحال يكون أقوى تأثيرًا في تحسير

(5)

العاصي، ففيه تأكيد التحذير.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 10)، و"تفسير الطبري"(2/ 678).

(2)

ما بين معكوفتين من "الكشاف"(1/ 205)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 113).

(3)

هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 77).

(4)

في "ف": (التبادر في الابتدار).

(5)

في "ك": (تخسير).

ص: 343

وقيل: المعنى: أينما تكونوا من الجهات المتقابلةِ يأت بكم الله جميعًا، ويجعلْ صلواتكم كأنها إلى جهةٍ واحدة، ويأباه قوله:

{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إذ لا دخلَ لشمول القدرة وكمالها في المعنى المذكور، فإن مبناه على الرخصة والوسعة في أمر التكليف، لا على القدرة في أمر التكوين.

* * *

(149) - {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .

{وَمِنْ حَيْثُ}

(1)

أيِّ مكانٍ.

{خَرَجْتَ} سواءٌ كان للسفر أو لأمرٍ آخَرَ.

{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إذا صليت.

{وَإِنَّهُ} وإن هذا المأمورَ به

(2)

.

{لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} تأكيدٌ على أبلغ الوجوه.

{اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وقرئ بالياء

(3)

.

* * *

(150) - {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

(1)

في "م": (أي ومن).

(2)

في "ك" و"م": (وإن هذا الأمر)، وفي "ح" و"م":(وإن هذه الأمور).

(3)

هي قراءة أبي عمرو من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 77).

ص: 344

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} كرَّر هذا الحكم لتعدُّد حكمته، فإنه تعالى ذَكر لتحويل القبلة ثلاثَ فوائد: تعظيمَ الرسول عليه السلام بابتغاءِ مرضاته، وجَرْيَ العادة الإلهية على أن يولِّي أهلَ كلِّ ملةٍ وصاحب دعوةٍ جهةً يستقبلها ويتميز بها، ودفعَ حُجج المخالفين على ما سيأتي بيانه.

وقرن بكل حُكمٍ حِكمته تقريبًا وتقريرًا على أن القبلة لها شأنٌ.

والنَّسخُ من مظانِّ الشُّبهِ والفتن، ومحالِّ تسويل الشيطان، فيحتاج إلى التأكيد والتشديد؛ ليتحقَّقوا أنه ليس بالبَداء.

{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} تعليلٌ لقوله: {فَوَلُّوا} ، يعني: إنَّ في التولية عن الصخرة إلى الكعبة دفعَ احتجاجِ اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلتُه

(1)

الكعبةُ، وأن محمدًا عليه السلام يجحد ديننا ويتَّبعنا في قبلتنا، واحتجاجِ المشركين بأنه يدَّعي ملة إبراهيم عليه السلام ويخالفُ قبلته.

{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} الظالمون المستثنَون من الناس هم المعاندون من اليهود، القائلون: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق للَزِمَ قبلة الأنبياء عليهم السلام، وأهلُ مكة من العرب الذين قالوا: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم.

{فَلَا تَخْشَوْهُمْ} ولا تبالِ بهم، فإن قولهم عنادٌ وطعنٌ ليس بحجةٍ، فلا يضرُّكم وإن ساقوه مساق الحجة، ولذلك استثناه من الحجة بناءً على زعمهم.

(1)

في "د" و"ك" و"م": (قبلة)، وفي "ف":(قبلية)، والمثبت من "ح"، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 113)، و"روح المعاني"(3/ 36).

ص: 345

وقراءةُ زيد بن علي رضي الله عنه: (ألَا الذين ظلموا)

(1)

واقفًا على {حُجَّةٌ} مستأنِفًا للجملة مصدَّرةً بـ (ألَا) للتنبيه = دلت على كونه ليس بحجة.

{وَاخْشَوْنِي} ولا تخالفوا أمري، ولكون الموصول متضمِّنًا لمعنى الشرط وكونِ الخبر جملةً إنشائيةً دخل الفاء في الخبر؛ أي: فلا يَسوغُ أن تخشوهم ويجب أن تخشَوني؛ لأن الجملة الإنشائية لا تقع خبرًا إلا على تأويل الخبرية.

{وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} معطوف على علةٍ محذوفة؛ أي: واخشوني لأعصمكم منهم في الدنيا، ولأُتم نعمتي عليكم في الآخرة بأنْ أُدخلَكم الجنة.

{وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى الله.

وفي الحديث: "إتمام النعمة دخول الجنة"

(2)

.

وعن علي رضي الله عنه: إتمام النعمة: الموتُ على الإسلام

(3)

.

أو على

(4)

{لِئَلَّا يَكُونَ} ، أو معلَّلُه محذوف؛ أي: ولأتم نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءَكم أمرتُكم بذلك.

* * *

(151) - {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} .

{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} متعلِّق بما قبله مصدرًا، أي: ولأتمَّ نعمتي

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 10).

(2)

رواه الترمذي (3527) من حديث معاذ رضي الله عنه وقال: حديث حسن.

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 206).

(4)

معطوف على قوله: (معطوف على علة محذوفة .. ).

ص: 346

عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتُها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده، أي: كما ذكرتُكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة، وإنما جمع بين {فِيكُمْ} {مِنْكُمْ} لأن كلًّا منهما واقعٌ نافعٌ، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

{يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ} يحملكم على ما تصيرون به أزكياءَ، قدَّمه هنا باعتبار القصد، وأخَّره في قصة إبراهيم عليه السلام باعتبار الفعل.

{وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قد مر تفسيرهما.

{وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} بالفكر والنظر؛ إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وتكريرُ الفعل للدلالة على أنه جنسٌ آخر.

* * *

(152) - {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} .

{فَاذْكُرُونِي} الذكر: حضور الشيء للقلب، كُني به عما يتلوه من الطاعة، وفيه تنبيهٌ على أن العصيان للنسيان حقيقةً أو حكمًا.

{أَذْكُرْكُمْ} كُني به عن الإحسان (1)، وذلك مشهورٌ في كلِّ لسان.

{وَاشْكُرُوا لِي} يقال: شكرتُه، وشكرتُ له، والثاني أفصح.

{وَلَا تَكْفُرُونِ} حُذف الياء من آخره لتستويَ الفواصلُ.

والشكر: إظهار النعمة بالاعتراف بها، أو بما هو كالاعتراف من القيام بحقها، والكُفران: ستر نعمة المنعِم بالجحود أو بما هو في حُكمِه من العمل.

* * *

ص: 347

(153) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} قد مر الكلام فيهما، حثَّ الله تعالى على الصبر لأنَّه ذريعةٌ إلى كلِّ خير، وأوَّلُ كلِّ فضل، وعلى الصلاة التي هي أمُّ العبادات القلبية والقالبية.

{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} يعني: إن النصر مع الصبر، فمَن لازَمَه فقد فاز بالنصر

(1)

.

(154) - {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} .

{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: في الجهاد؛ لأنَّه طريق إلى ثواب الله تعالى ورحمته.

{أَمْوَاتٌ} : هم أمواتٌ.

{بَلْ أَحْيَاءٌ} أي: بل هم أحياءٌ.

{وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} كيف حياتُهم، وكيف حالُهم في حياتهم؛ أي: ليس ذلك مما يدرك بالمشاعر؛ أي: الحواسِّ.

وعن الحسن: أن الشهداء أحياءٌ عند الله تعالى تُعْرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرَّوح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع

(2)

.

والآية نزلت في شهداء بدر، وفيها وفيما

(3)

رُوي عنه عليه السلام: أنه لمَّا قُتل

(1)

في (م): "بالنصرة".

(2)

انظر: "تفسير الثعلبي"(2/ 22)، و"الكشاف" (1/ 256). والرَّوح: الراحة والرحمة.

(3)

في "د" و"ك" و"م": (وفيها وما).

ص: 348

مِن صناديد قريش يوم بدرٍ مَن قُتل، جمَعَهم في قَليب، ثم أقبل يخاطبُهم بقوله:"هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًا، فإني وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا؟ " فقيل له عليه السلام: أتخاطبُ جيَفًا؟! فقال: "ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب"

(1)

= دلالة على أن الأرواح مطلقًا جواهرُ قائمة بأنفسها درَّاكةٌ مغايرةٌ لمَا يحسُّ من البدن، تبقى بعد الموت درَّاكةً، وعليه جمهورُ الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، وبه نطقتِ الآيات والآثار، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بالذكر لاختصاصهم بمزيد الزُّلفى

(2)

.

(155) - {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} .

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} مجازٌ إذ البلاءُ معيارٌ كالمحكِّ يظهر به جوهرُ النفس: هل تصبر وتثبت؟ أي: نصيبنكم

(3)

بمكروهٍ إصابةً تشبه فعلَ المختبِر.

{بِشَيْءٍ} إيراد (شيء) وتنكيرُه

(4)

تعليل لمَا ابتلانا به؛ ليُؤذِنَ أنَّ كلَّ بلاءٍ أصاب الإنسان وإنْ جلَّ ففوقَه ما يَقِلُّ هو بالنسبة إليه، وليخفِّف

(5)

عليهم ويريَهم أن رحمته معهم في كلِّ حالٍ لا تزايلهم حتى في حال البلاء، فلو عرفوا ذلك

(1)

رواه البخاري (1370) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ومسلم (2874) من حديث أنس رضي الله عنه.

(2)

في هامش "ح" و"د" و"ف": (أي: خصهم بالحياة لأن من ليس كذلك لم تكن حياته معتدًّا بها، فكأنه ليس بحي. منه).

(3)

في "ك": (نصيبكم).

(4)

في "ك": (مع تنكيره).

(5)

في "م": (ليخفف).

ص: 349

لشكروا في موضع الصبر، ولهذا شكر العرفاء وحمدوا الله تعالى على البلاء كما شكر غيرهم على النعماء.

وقد مرَّ في تفسير الفاتحة أن نعمة الدفع تنتظِمُ الفريقين في الدار الآخرة كما انتظمتهُما نعمةُ النفع في هذه الدار، وإنما وعدهم ذلك ليعلموا ثواب الصبر ويوطِّنوا عليه نفوسهم.

{مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} ، أي: خوفِ الأعداء والقحطِ.

{وَنَقْصٍ} تحقيرٌ وتقليلٌ.

{مِنَ الْأَمْوَالِ} بالهلاك والخسران.

{وَالْأَنْفُسِ} بالقتل والموت.

{وَالثَّمَرَاتِ} بالجوائح، وقلة النبات، وانقطاع البركات.

{وَبَشِّرِ} من الخطاب المتوجِّه إلى كلِّ واحد ممن يتأتَّى منه البشارةُ عند البلغاء، لتعظيم الصبر وتفخيمه؛ لأنَّه فضيلةٌ عظيمةُ الثواب، يستحقُّ صاحبه أن يبشِّره كلُّ أحد.

{الصَّابِرِينَ} الحابسين لأنفسهم

(1)

على مكروهٍ.

* * *

(156) - {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .

{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} المصيبة: ما يصيب الإنسان من مكروهٍ، روي أنه طَفِئَ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"إنا لله وإنا إليه راجعون"، فقيل: أمصيبةٌ هي؟ قال: "نعم، كلُّ شيء يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ"

(2)

.

(1)

في "ك": (أنفسهم).

(2)

رواه أبو داود في "المراسيل"(412) عن عمران القصير.

ص: 350

{قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} إقرار على أنفسنا بالملك.

{وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} إقرار على أنفسنا بالهلك

(1)

، وليس الصبر بالاسترجاع باللسان فقط، بل لا بد معه من الإذعان بالجَنان.

* * *

(157) -) {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} .

والمبشَّر به محذوفٌ دلَّ عليه قولُه تعالى:

{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} الصلاة في الأصل: الدعاء، ومن الله: إفاضةُ الكمالات والسعادات، فهي من باب التَّحلية، كما أن السلام وهو التطهيرُ والتجريد من باب التزكية والتَّخلية، وجمعُها للتنبيهِ على كثرتها وتنوُّعها، والمرادُ بالرحمة: اللُّطفُ والإحسان.

{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} للحقِّ والصواب، حيث استرجَعوا واستسلَموا لقضاء الله تعالى.

عظَّم الله تعالى الصبرَ بوجوه: بالبشارة العامة، وبقوله:{أُولَئِكَ} بعد وَصْفهم بما وَصفهم؛ إشعارًا بأن ذلك الوصفَ يوجب هذه الكرامةَ المذكورة بعده، وبتكريرِ (أولئك)، وبتقديم {عَلَيْهِمْ}؛ أي: عليهم خاصةً، وبتنكير {صَلَوَاتٌ} وجمعِه؛ أي: إمداد رأفاتٍ متصلةٍ متتالية، وتنويراتٍ لا يُعْرَف كُنْهُها ولا يُقْدَر قَدْرُها، وبتقييدها بقوله:{مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} أيةُ رحمةٍ، وبتوسيط (هم)، وتعريفِ المهتدين بلامِ الماهية.

* * *

(1)

في "ك" و"م": (بالهلاك).

ص: 351

(158) - {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} .

{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} الصفا: الحجرُ الصلب الأملس الذي لا يخالطه طين ولا تراب ولا رَمْل، مأخوذٌ من الصَّفوة وهي الخُلوصُ، والمروة: هي الحجر الليِّن، وقيل: الحجر الأبيض الذي يَبرُق، ثم جُعلا علَمين للجبلين بمكة.

{مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الشعائر: جمع شَعيرة، وهي العلامة؛ أي: من أعلام مناسكه ومتعبَّداته؛ من موقفٍ ومسعًى ومنحرٍ، لمَّا أراد إزالةَ الكراهة عن أنفس الساعين بين الصفا والمروة - على ما سيأتي بيانه - مهد لذلك كونهما من شعائر الله تعالى مؤكِّدًا بـ (إنَّ) لنفي التردُّد الذي فيهم؛ أي: من أعلام دينه تعالى ومعالم تعبُّده، فنسبَّب عنه رفع الجناح عن الساعين بينهما، فلذلك أورد فاء السبب

(1)

في قوله:

{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} الحجُّ: القصد، والاعتمار: الزيارة، فغلِّبا على قصدِ البيت وزيارتهِ للنُّسكين

(2)

المعروفَين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان.

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} الجُناح: الميل إلى الإثم، أصله من الجَناح، ونفيُه أبلغُ من نفي الإثم.

{أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} الطوف: الدور، والتطوُّف: تكلُّفه، وأصل (يطَّوف): يَتطوَّف، فأدغم.

وقرئ: (أن يَطُوفَ) مِن طاف، رُوي أنَّ إسافًا كان على الصفا ونائلةَ على المروة، وهما صنمان، وكان أهل الجاهلية إذا سَعَوا مسحوهما، فلما جاء

(1)

في "ك" و"م": (السببية).

(2)

في النسخ عدا "د": (للمنسكين)، والمثبت من "د".

ص: 352

الإسلام وكُسرت الأصنام تحرَّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت

(1)

.

واحتمالُ الجناح لا يندفع بالوجوب، فإن اليمين على المعصية يجب نقضه، وفيه جُناحٌ، ولهذا تَلزمه الكفَّارة، ومن هنا اتَّضح وجهُ الحاجة إلى الإخبار عن عدم الجناح في الطواف المذكور بعدما بيِّن أنه من معالم الدين

(2)

.

واعلم أنه لا خلاف في أنه مشروعٌ في الحج والعمرة، وإنما الخلافُ في وجه مشروعيته، فعن أحمد: أنه سنّة، وبه قال أنسٌ وابنُ عباس رضي الله عنهم، لقوله تعالى:{فَلَا جُنَاحَ} ، فإنَّ الظاهر المتبادِر منه التخييرُ المنافي للوجوب، وقد مرَّ وجه دفعه

(3)

، ولا نصرةَ في قراءة ابن مسعود:(فلا جُناحَ عليه أنْ لا يطَّوَّفَ بهما)

(4)

لِمَا ذُكر؛ لأن موجِبَ تفريعه على ما تقدم أن تكون (لا) زائدةً؛ لعدم تسبُّب انتفاءِ الجُناح عن عدم الطواف بهما عمَّا تقدم من كونهما من شعائر الله.

وعند أبي حنيفةَ وأصحابه أنه واجبٌ يُجبر بالدم، وبه قال سفيانُ الثوريُّ وعامَّةُ أهل العلم، وعند مالكٍ والشافعيِّ: هو ركنٌ؛ لقوله عليه السلام: "اسْعَوا، فإنَّ الله تعالى قد كتب عليكم السَّعي"

(5)

، وَيرِدُ عليه أن دلالته على الوجوب دون الرُّكنية.

(1)

رواه سعيد بن منصور في "سننه"(234 - تفسير)، والفاكهي في "أخبار مكة"(1438)، والطبري في "تفسيره"(2/ 714)، عن الشعبي، وصحح الحافظ في "الفتح"(3/ 500) سنده إلى الشعبي.

(2)

في هامش "ح" و"د" و"ف": (وهذا هو الذي يندفع به ما في الكشاف وأما الذي ذكر فيه فلا يشفي. منه)، ومثله في هامش "م" لكن في آخره:(فلا يندفع).

(3)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (من أنه لدفع احتمال الجناح لا للتخيير).

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 11).

(5)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(27367) من حديث حبيبة بنت أبي تجراة رضي الله عنها.

ص: 353

{وَمَنْ تَطَوَّعَ} ؛ أي: فَعَل طاعةً، فرضًا كان أو واجبًا أو نفلًا، أو زاد على ما فُرض عليه من حجٍّ أو عمرةٍ أو طوافٍ.

{خَيْرًا} نصبٌ على أنه صفةُ مصدرٍ محذوف، أو بتعدية الفعل لتضمُّنه معنى: أتى أو فَعَل، لا بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل إليه؛ لأنَّه ليس بقياس

(1)

فلا يصار إليه بلا ضرورةٍ.

وقرئ: {يَطَّوَّعْ}

(2)

، وأصلُه: يتطوَّع، فأُدغم مثلَ (يَطَّوَّف).

{فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ} مثيبٌ على الطاعة {عَلِيمٌ} لا يخفى عليه شيء.

* * *

(159) - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} من أحبار اليهود {مَا أَنْزَلْنَا} في التوراة

{مِنَ الْبَيِّنَاتِ} البينات

(3)

على أمر محمد صلى الله عليه وسلم.

{وَالْهُدَى} إلى اتِّباعه والإيمان به.

{مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ} وشَرحْناه {لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} : في التوراة، من نعته عليه السلام ووصفِه بما لا إيهام

(4)

.....................................................

(1)

في "د" و"ك": (بقياسي).

(2)

هي قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 77).

(3)

في "ف": (المبنيات)، والمثبت من باقي النسخ، والذي في "الكشاف" (1/ 209):{مِنَ الْبَيِّنَاتِ} : من الآيات الشاهدة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ومثله في "تفسير البيضاوي"(1/ 116).

(4)

في "ك": (إبهام).

ص: 354

فيه ولا إشكالَ ولا اشْتِباهَ

(1)

على أحد، فكتَموه ولبَّسوا على الناس، ففي قوله:{مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} توبيخٌ لهم وإلزام ببيان استحقاقهم للَّعن

(2)

مفخِّمًا لمَا عندهم من السبب بالإبهام والتبيين؛ لأنهم اعتقدوا أنها آيات بينات وهدًى ثم كتموها، ولذلك يلعنهم الله تعالى ويلعنهم اللاعنون أحياءً، وإذا ماتوا على الكفر والكتمان ولم يتوبوا خصَّ بهم اللعنة بسبب ذلك أبدًا سرمدًا.

{أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} اللعن: الإبعاد على وجهِ الطَّرد، وصار في التَّعارُف دعاءً.

{وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} الذين يتأتَّى منهم اللعنُ، ويُعتدُّ بلعنهم؟ من الملائكة والمؤمنين من الثقلين.

* * *

(160) - {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .

{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} عن الكتمان وسائرِ ما يجب أن يتاب عنه.

{وَأَصْلَحُوا} ما أفسَدوه من أحوالهم.

{وَبَيَّنُوا} ما كتموا من نعته عليه السلام كما بيَّن عبد الله بن سلَامٍ وأضرابه.

{فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} بالقبول والمغفرة.

{وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} المبالِغ في قبول التوبة وإفاضةِ الرحمة.

* * *

(1)

في "م": (استشباه).

(2)

في "ك" و"م": (اللعن).

ص: 355

(161) - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} أي: الذين ماتوا على الكفر من هؤلاء الكاتمين.

{أُولَئِكَ} الموصوفون بالكفر الثابتون عليه حتى الموت.

{عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ} هم المخصوصون باللعنة الأبدية أحياءً وأمواتًا.

أَورَدَ في الأولى الجملةَ الفعلية الدالةَ على الحدوث المسبَّب من

(1)

الكتمان لإمكان التوبة، والفعلَ المضارعَ الدالَّ على التجدُّد المترتِّبِ عليه وقتًا بعد وقتٍ متتابعًا في الأزمنة المتتالية، وفي الثانية الجملةَ الاسميةَ مع تقديم الخبر المفيدةَ للاختصاص على الدوام.

واللامُ في: {وَالنَّاسِ} إمَّا للماهيةِ والتأكيدُ بقوله: {أَجْمَعِينَ} لله والملائكة والناس، وإما للاستغراقِ والتأكيدُ لهم أو للكل.

ثم إنه يحتمِلُ العمومَ؛ لأن الكفار يوم القيامة يلعنُ بعضُهم بعضًا، والخصوصَ بمن يُعتدُّ بلعنه وهم المؤمنون كأنَّ مَن عَدَاهم ليسوا بالناس؛ إذ لا اعتداد بهم عند الله تعالى.

وقرئ: (والملائكةُ والناسُ أجمعون) بالرفع

(2)

عطفًا على محلِّ اسمِ اللّه تعالى؛ لأنَّه فاعل في المعنى المذكور؛ كقولك: عجبتُ من ضربِ زيدٍ وعمرٌو؛ أي: من أنْ ضربَ زيدٌ وعمرٌو

(3)

، أو فاعلًا لفعلٍ مقدَّر؛ نحو: ويلعنهم الملائكةُ.

(1)

في "ك" و "م": (عن).

(2)

تنسب للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 11)، و"المحتسب"(1/ 116).

(3)

أجاز هذا الوجه أكثر المفسرين، ولم يجوزه أبو حيان في "البحر"(3/ 163)، حيث قال: وخرَّج هذه=

ص: 356

(162) - {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} .

{خَالِدِينَ فِيهَا} ، أي: في اللعنة، أو: في النار، وإنما أُضمرت بلا ذكرٍ تفخيمًا لشأنها وتهويلًا.

= القراءة جميع مَن وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين على أنه معطوف على موضع اسم الله؛ لأنَّه عندهم في موضع رفع على المصدر، وقدروه: أنْ لعنهم الله، أو: أن يلعنهم الله.

قال: وهذا الذي جوَّزوه ليس بجائز على ما تقرر في العطف على الموضع، من أنَّ شرطه أنْ يكون ثَمَّ طالبٌ ومحرِز للموضع لا يتغير، هذا إذا سلمنا أن {لَعْنَةُ} هنا من المصادر التي تعمل، وأنَّه ينحل لـ (أنْ) والفعل، والذي يظهر أن هذا المصدر لا ينحل لـ (أن) والفعل؛ لأنَّه لا يراد به العلاج، وكأن المعنى: أن عليهم اللعنة المستقرة من الله على الكفار، فأضيفت إلى الله على سبيل التخصيص لا على سبيل الحدوث، ونظير ذلك:{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ليس المعنى: ألا أن يلعن الله على الظالمين

ولئن سلمنا أنه يتقدَّر هذا المصدر - أعني: {لَعْنَةُ اللَّهِ} - بـ (أنْ) والفعل، فهو كما ذكرناه لا محرز للموضع؛ لأنَّه لا طالب له، ألا ترى أنك لو رفعت الفاعل بعد ذكر المصدر لم يجز حتى تنوِّن المصدر؟ فقد تغير المصدر بتنوينه، ولذلك حمل سيبويه قولهم: هذا ضاربُ زيدٍ غدًا وعمرًا، على إضمار فعل؛ أي: ويضرب عمرًا، ولم يُجز حمله على موضع زيد؛ لأنَّه لا محرز للموضع، ألا ترى أنك لو نصبت زيدًا لقلت: هذا ضارب زيدًا، وتنون؟ وهذا أيضًا على تسليم مجيء الفاعل مرفوعًا بعد المصدر المنون، فهي مسألة خلاف: البصريون يجيزون ذلك فيقولون: عجبت من ضرب زيدٌ عمرًا، والفراء يقول: لا يجوز ذلك، بل إذا نون المصدر لم يجيء بعده فاعل مرفوع.

والصحيح مذهب الفراء، وليس للبصريين حجة على إثبات دعواهم من السماع، بل أثبتوا ذلك بالقياس على (أن) والفعل، فمنعُ هذا التوجيه الذي ذكروه ظاهر؛ لأنَّا نقول: لا نسلم أنه مصدر ينحل لـ (أنْ) والفعل، فيكون عاملًا، سلمنا، لكن لا نسلِّم أن للمجرور بعده موضعًا، سلمنا، لكن لا نسلِّم أنه يجوز العطف عليه.

ص: 357

{لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} من الإنظار؛ أي: لا يُمهلون ولا يؤجَّلون، أو: لا ينتظرون ليعتذروا، أو: لا يُنظر إليهم نظر

(1)

رحمة.

* * *

(163) - {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} .

{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ؛ أي: المستحِقُّ للعبادة منكم واحدٌ لا شريك له، يصح أن يعبد أو يسمى إلهًا، والخطاب عامٌّ.

{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} تقريرٌ للوحدانية، ودفعٌ لتوهُّمِ أنْ يكون إلهٌ ولكنْ لا يستحقُّ العبادة منهم.

{الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} ؛ أي: المنعِمُ على خلقه بإدرارِ رزقه وإسباغِ فضله، فهو مَفْزَعُ كلِّ مضطرّ، وغياثُ كلِّ قانعٍ ومعترّ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ ما سواه إمَّا نعمةٌ أو منعَمٌ عليه، حتى يكون كالحجة على الوحدانية وهما خبران آخَران لقوله:(إلهكُم)، أو لمبتدأ محذوفٍ، أو صفةٌ لقوله:{وَإِلَهُكُمْ} ، وفصِل بالخبر، و {لَا إِلَهَ} خبرٌ ثانٍ أو اعتراضٌ.

* * *

(164) - {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إنما جمع السماوات وأفردَ الأرض لأنها طبقاتٌ متفاصلةٌ بالذات، بخلاف الأرض.

(1)

في "م": (نظرة).

ص: 358

{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بإقبالِ أحدهما وإدبارِ الآخَر، وبالنور والظُّلمة، والطول والقِصَر والتساوي، وقدِّم الليل لسَبْقه في الخَلْق.

{وَالْفُلْكِ} : السفينةِ المدوَّرةِ، يقال للواحد والجمع، وقرئ بضمتين على الأصل

(1)

.

{وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} وهو ثقيلٌ كثيف والماء خفيفٌ لطيف، يُقبل ويُدبر بريحٍ واحدة.

{بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} (ما) موصولة؛ أي: بالذي ينفعُ الناس مما يحمل فيها، أو مصدرية؛ أي: بنفع الناس.

{وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ} وبيان للموصول، و {السَّمَاءِ} يحتمل الفلكَ والسحاب وجهةَ العلوِّ.

{فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} الإحياء والموت استعارتان لطيفتان لتزيين الأرض بالنبات واخضرارها ونموها، وكونها صعيدًا جرزًا، وإنما قال:{بَعْدَ مَوْتِهَا} دون: إماتتها، تنبيهًا على أنه مقتضى طبعها.

{وَبَثَّ فِيهَا} البثُّ: إظهارُ ما كان خَفِيًّا عن الحاسةِ، حديثًا كان، أو همًّا، أو غيرَهما.

{مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} الدَّبيب أصله: حكايةُ صوتِ حركةِ المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكلِّ ما يمشي: دابةٌ، وإنما عُطف بثُّها على إحياء الأرض لأنَّه لا يكون إلا بإحيائها بالنبات.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 11).

ص: 359

{وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} ؛ أي: صرَّفها الله تعالى، أو صرَّفها السحاب من جهة إلى أخرى.

{وَالسَّحَابِ} السَّحْب: جرُّ الثوب، والسحاب: ما يجرُّه الريح.

{الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} يعني: الرياحُ تقلِّبه في الجو بمشيئةِ الله تعالى يُمطر حيث يشاء، يرشدك إلى هذا ذكرُه عَقيب تصريف الرياح، ولولا ذلك لكان حقَّه أنْ يُذكر قبل قوله:{وَمَا أَنْزَلَ} .

وأما ما قيل: لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، منظورٌ فيه؛ لأن بعض المركَّبات لا يرسب في الماء، ولا يخرج منه، ولا يتغير حاله، فلمَ لا يجوز أن يكون بعضُ كائنات الجوِّ شأنُه كذلك.

والتسخير: القهرُ على الفعل، وهو أبلغُ من الإكراه، فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادةٍ منه؛ كحمل الرَّحى على الطَّحن.

{لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يَنظرون بعيون عقولهم ويعتبرون، وفيه تعريضٌ لجهل المشركين الذين اقترحوا

(1)

على الرسول عليه السلام آيةً في صدق قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} إلخ؛ إذ لو عقلوا لكفاهم بهذه التصاريف آيةً.

* * *

(165) - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} .

{وَمِنَ النَّاسِ} لا يخفى على الخبير ما في هذا التعبير من التحقير.

(1)

في "ف": (افترضوا).

ص: 360

{مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} {مِنْ} لابتداء الغاية متعلِّق بـ {يَتَّخِذُ} ، أو حال من {أَنْدَادًا} ، أو ثاني مفعولي {يَتَّخِذُ} .

{أَنْدَادًا} أمثالًا من الرؤساء الذين يتَّبعونهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم.

وقيل: من الأصنام، ولا يلائمُه قوله:{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا}

إلخ.

{يُحِبُّونَهُمْ} حال من فاعل {يَتَّخِذُ} أو من مفعوله.

{كَحُبِّ اللَّهِ} في محل النصب على المصدر من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: محبةً كما يحبُّ الله، أو المبنيِّ للفاعل، أي: كمحبَّتهم الله، أي: يسوُّون بينهم وبين الله تعالى في الحبِّ؛ لأنهم كانوا يُقرُّون بالله ويتقرَّبون إليه.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} في موضع الحال، وإنما قيل: حبُّهم أشدُّ؛ لأنهم لا يَعدلون عنه تعالى إلى غيره، بخلاف المشركين فإنهم يَعدلون عن رؤسائهم إلى الله تعالى عند الشدائد، وكذا يَعدلون عنهم إلى غيرهم.

والمحبة: ميلُ القلب من الحَبِّ

(1)

، استُعير لحبَّة القلب، ثم اشتُقَّ منه الحُبُّ؛ لأنَّه أصابها ورسخ فيها، ومحبةُ العبد لله تعالى: إرادةُ طاعته، والاعتناءُ بتحصيل مَراضيه، ومحبة اللّه تعالى للعبد: إرادة إكرامه، واستعمالُه في الطاعة، وصونُه عن المعاصي.

{وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتِّخاذ الأنداد.

{إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} إذ عايَنوه عند الموت أو بعد الحشر، و (لو) و (إذ) في المستقبل استعارتان لتحقُّق الوقوع؛ كأنه قد وقع وأُخبر عنه، كقوله تعالى:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 44].

(1)

بفتح الحاء كحب الحنطة ونحوها وواحده حبة. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 263).

ص: 361

وحُذف جواب (لو) إيماءً إلى أنه لا يمكنُ التعبير عنه، إمَّا لكونه أربَى على العبارة، أو كونه ممتنعَ الاكتناه

(1)

أو لا يحتملُ المعبَّر لغاية الضجر والجزع والتفجُّع عليه أو المستمع.

وقُرئ: (ولو ترى) بالتاء

(2)

على خطاب الرسول عليه السلام، أو كلِّ مخاطَبٍ على ما ذُكر من التفخيم، ومعناه: لرأيتَ أمرًا عظيمًا لا يمكن وصفُه.

وقُرئ: {إِذْ يَرَوْنَ} على البناء للمفعول

(3)

.

{أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} سادٌّ مسدَّ مفعولي {يَرَى} ؛ أي: ولو يعلمون حين معايَنتهم العذابَ يوم القيامة أنَّ القدرة المطلَقة على كلِّ شيء من الثواب والعقاب كلَّها للّه تعالى دون مَن سواه من الأنداد وغيرِهم.

{وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} للظالمين، لكان ما لا يدخل تحت الوصف من الحسرة والندامة على ظلمهم وضلالهم، فحُذف الجواب كما في قوله تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27].

وقُرئ: {وَإِنْ} في الموضعين بالكسر

(4)

على الاستئناف، أو على إضمار القول.

* * *

(166) - {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} .

(1)

في "ك" و"م": (الاكتفاء).

(2)

هي قراءة ابن عامر ونافع. انظر: "التيسير"(ص: 78).

(3)

هي قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير"(ص: 78).

(4)

هي قراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر"(2/ 224).

ص: 362

{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} بدل من {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} ؛ أي: إذ تبرأ المتبوعون من الأَتْباع، وقُرئ بالعكس

(1)

؛ أي: تبرأ الأَتْباع من الرؤساء.

والواو في {وَرَأَوُا الْعَذَابَ} للحال، و (قد) مضمَرة؛ أي: تبرَّأوا في حال رؤيتهم العذاب، وقيل: عطفٌ على {تَبَرَّأَ} .

{وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ} عطف على {تَبَرَّأَ} .

{الْأَسْبَابُ} الوُصَلُ التي كانت بينهم من الاتِّفاق على دينٍ واحدٍ، والأنساب، والمحابُّ، وسائر أنواع الاتِّباع والاستتباع. وأصل السبب: الحبل الذي يُرتقَى به الشجر.

* * *

(167) - {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} .

{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} على مَن قرأ فيما سبق بالعكس أن يقرأ هنا على البناء للمفعول.

{لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} الكرُّ: الرجوعُ عن الشيء.

{فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} نصبٌ بناء الجواب؛ لِمَا في (لو) من معنى التمنَي؛ أي: ليت لنا كرةً فنتبرأَ منهم، واستُعيرت لامتناعِ المتمنَّى.

والتبرُّؤ: الانفصالُ، ومنه: برأ

(2)

من مرضه: إذا انفصل منه بالعافية.

{كَذَلِكَ} نصبٌ على المصدر من {يُرِيهِمُ} ؛ أي: مثلَ ذلك الإراءِ الفظيع {يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} يقال: حَسَرَ يَحْسِرُ حَسْرةً وحَسَرًا: إذا كَمِدَ على

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 212) عن مجاهد.

(2)

في "ف": (تبرأ).

ص: 363

الشيء الفائت وتلهَّفَ عليه، وهي غيرُ الندم وأشدُّ منه حالًا؛ لأن رؤية الأعمال تكونُ بالبصر، على ما نطق به الخبر عن خير البشر، وبه فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال: أراد به الأعمال التي عملوها من الحسنات بزعمهم، يرونها حسراتٍ عليهم حيث أحبطوها.

و {هُمْ} في: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} لجعلِ الجملةِ اسميةً تفيد الدوامَ بحسب العُرف كما مرَّ في قوله: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، أي: وما هم بخارجين من النار دائمًا ما دامواهم

(1)

هم، ولتخصيص السَّلْب

(2)

بهم - أي: بالمشركين - من بين المكلَّفين؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]؛ أي: هم خاصةً ليسوا بخارجين من النار؛ كقوله:

هم القومُ كل القوم يا أمَّ خالدِ

(3)

لا لسَلْب التخصيص؛ فإن أداة السلب متأخرةٌ عن أداة التخصيص معنًى وإن تقدَّمت عليها لفظًا، والباء في الخبر لتأكيد النفي.

* * *

(168) - {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا} الأكل هو البلعُ عن مضغٍ.

(1)

في "ح" و"ف": (لهم)، وسقطت من "د".

(2)

في "ك "و"م": (السبب).

(3)

عجز بيت للأشهب بن رميلة، وهو في "الكتاب"(1/ 187)، و"خزانة الأدب"(6/ 25)، وصدره:

وإن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم

ص: 364

و (مِن) في قوله: {مِمَّا فِي الْأَرْضِ} إن كانت لابتداء الغاية فقوله: {حَلَالًا} مفعول، وإن كانت للتبعيض فـ (ما) مفعول، وهو

(1)

حالٌ أو صفةُ مصدرٍ محذوف، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأن حِلَّ الأكل يستلزم حِلَّ المأكول بدون العكس، فإن الحلال قد يؤكل على وجهٍ يحرمُ أو يُكره، كأكله فوق الشبع، أو صائمًا، أو في مجلس الفسق.

{طَيِّبًا} طاهرًا عن كلِّ شبهة، وإلى هذا أشار مَن قال: الحلال ما ليس بمحظورٍ، والطيِّب ما ليس بمحذور.

والآية نزلت في قوم حرَّموا على أنفسهم رفيعَ الأطعمة والملابس، والأمرُ في المأكول أمرٌ في الملبوس دلالةً.

{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ؛ أي: لا تقتفوا آثارَه اعتقادًا وقولًا وعملًا، وقد اجتمع هذه الثلاثةُ في سبب النزول، ومَن فسَّره بالنهي عن مطلَق الاتِّباع فقد ضيَّع ما في عبارة الجمع من الإشارة اللطيفة. يقال: اتَّبع خطواته ووَطِئَ على عَقِبه: إذا اقتدى به واستنَّ بسُنَّته.

وقرئ: {خُطُوَاتِ} بضمتين، وضمةٍ وسكونِ الطاء

(2)

، وبفتحتين

(3)

، وفتحةٍ وسكونها

(4)

.

(1)

أي: {حَلَالًا} .

(2)

هاتان قراءتان سبعيتان، فقد قرأ قنبلٌ وحَفْصٌ وابن عامر والكسَائيُّ:{خُطُوَاتِ} بضم الطَّاء حيثُ وَقع، والباقُونَ بإسكانها. انظر:"التيسير"(ص: 78).

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 11) عن أبي حرام الأعرابي، و"المحتسب"(1/ 117) عن أبي السمال العدوي.

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 213).

ص: 365

والخَطْوةُ بالفتح: المرةُ من الخَطْو، وهو نقلُ قدم الماشي، والخُطْوة بالضم: اسم ما بين قدمي الخاطي، وهما كالقَبْضة والقُبْضة.

{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ظاهرُ العداوة، عداوتُه لهم لا تُنافي ولايتَهم إياه المفهومةَ من قوله تعالى:{أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} [البقرة: 257] حتى يُحتاج إلى التكلُّف في التوفيق بأنْ يقال: سُمِّي

(1)

وليًا لإظهاره الموالاةَ لمَن يُغوِيهِ.

* * *

(169) - {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ} استئنافٌ لبيان وجوبِ الانتهاء عن اتِّباعه، وظهورِ عداوته؛ أي: ما يأمر إلا بالشرِّ، استُعير الأمر لوسوسة الشيطان وتزيينه، شُبِّه في تسلُّطه عليهم بآمرٍ مُطاع، وشبِّهوا في قبولهم لها وطاعتِهم له بالطبع بمأمور مُطيع؛ ليأنفوا فيَرْتدِعوا.

{بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين

(2)

؛ فإنه سوءٌ لاغتمام العاقل، وفحشاءٌ باستقباحِ الشرع إياه.

وقيل: الفحشاء ما يَظهر قبحُه من المعاصي، أو ما بتجاوز الحدَّ في القبح من العظائم، وَيردُّه قوله تعالى:{كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32].

وقيل: السوء ما لاحدَّ فيه، والفحشاء ما يجب فيه الحدُّ.

{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ} القول إذا تعدَّى بـ (على) يكون بمعنى الافتراء؛ أي: وأن يفتروا عليه تعالى، فلا تَعرُّضَ في الآية لاتِّباع الظن.

(1)

في "ك" و"م": (يسمى).

(2)

في "د": "الوضعين"، وفي "ك":(الموضعين).

ص: 366

{مَا لَا تَعْلَمُونَ} كاتِّخاذ الولد، وتحليلِ المحرَّمات، وتحريمِ الطيبات، والافتراءُ عن جهلٍ محضٍ أقبحُ من الافتراء عن ظنٍّ فاسد.

* * *

(170) - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} .

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} الضمير للناس على طريقةِ الالتفات، والسرُّ فيه أنهم وقعوا في حدِّ البعد والغيبة في طاعة الشيطان، وأنهم في غايةِ الحُمق والضلال إلى حدٍّ لا يتسأهلون للخطاب؛ إذ لا ضلالَ أضلُّ من المقلِّد للباطل؛ كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون الداعيَ.

{اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} في عبارة: {مَا أَنْزَلَ} إشارة إلى وجه وجوب الاتِّباع.

{قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا} ما وجدنا {عَلَيْهِ آبَاءَنَا} لأنهم كانوا خيرًا منَّا.

نزلت في المشركين؛ أُمروا باتِّباع القرآن وسائرِ ما أنزل الله تعالى من الحُجج والآيات، فجَنَحوا إلى التقليد.

والهمزة في: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} للردِّ والتعجيب، والواوُ للحال؛ أي: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} جهلةً لا يتفكرون في أمر الدِّين {وَلَا يَهْتَدُونَ} إلى الحق.

(لو) في مثل هذا التركيبِ يجيءُ تنبيهًا على أنَّ ما بعدها غيرُ مناسبٍ لِمَا قبلها؛ كما في قوله: "أعطوا السائل ولو جاء على فرس"

(1)

، والمعنى: على كلِّ

(1)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 996) عن زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أبو داود (1665) و (1666) من حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما ومن حديث علي رضي الله عنه،=

ص: 367

حال، وذلك أنها تجيءُ لاستقصاءِ الأحوال التي يقع عليها الفعل، وتَدلُّ على أن المراد بذلك وجودُ الفعل في كلِّ حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعل، وإذا قُصد التوبيخ والتعجيب - كما في هذه الآية - لا يكون إيرادها لاستقصاء الأحوال.

ولما كانت الواوُ للحال لم يحتج لو إلى جواب لأن الشرط إنما يقع حالًا إذا انسلخ عنه معنى الشرط ولا دلالة في الآية على المنع من التقليد لمن قدر على النظير

(1)

بل الظاهر منها أنه إنما ينكر إذا كان المقلد ضالًا.

* * *

(171) - {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} .

{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} قد مرَّ معنى المثَل، وفيه إضمار تقديرُه: ومَثَلُ داعي الذين كفروا {كَمَثَلِ الَّذِي} ، أو: مَثَلُهم كمَثَلِ البهائم الذي، والإضمارُ في الكلام من الإيجازات المعتبرة في البلاغة؛ لتنبيه

(2)

الذَّكيِّ عند الخلل المعنوي في الحمل على الظاهر على المضمَر، ثم على خصوصيته بالقرائن اللفظية أو المعنوية، فيتثبَّت

(3)

في التدبُّر ويتفهَّم في التفكُّر، فيتحقَّق المعنى.

= بلفظ: "لِلسائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جاء على فَرَسٍ". قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"(2/ 1095): وفي الأول يعلى بن أبي يحيى جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان، وفي الثاني شيخ لم يسم، وسكت عليهما أبو داود.

(1)

في "ك": (النظر).

(2)

في "د": (لتنبه).

(3)

في النسخ عدا "د": (فيثبت)، والمثبت من "د".

ص: 368

هذا ما بحسَبِ جليل النظر، والذي بحسَبِ دقيق النظر ما مرَّ في تفسير {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] من أن التشبيه التمثيليَّ لا يَلزمُه أن يكون ما يلي أداةَ التشبيه هو المشبَّهَ به، فلا حاجة إلى تقديرِ شيء.

{يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ} قال صاحب "العين": نعق الراعي بالغنم: إذا صاح بها زجرًا.

{إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، ولذلك قال الأعرابي: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟

{صُمٌّ} : هم صمٌّ، رفعٌ على الذم.

{بُكْمٌ عُمْيٌ} ؛ أي: ومَثَلُ

(1)

داعيهم إلى الإيمان كمَثَل الناعق بالبهائم في أنهم لا يسمعون إلا دعاءَ الداعي وتصويتَه من غيرِ فهمِ المعنى

(2)

وتعقُّله، أو بالأصمِّ الذي لا يَسمع مِن دعاء الرَّافعِ صوتَه بكلامه إلا التصويتَ والنداء من غير تمييز الحروف وإدراكها.

وقيل: مَثَلُهم في تقليدهم آباءَهم واتِّباعهم كمَثَل البهائم التي لا تسمع إلَّا ظاهر الصوت، ولا تفهم معناه، فكذلك يتبَّعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون ما هم عليه أحقٌّ هو أم باطل؟

{فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} ؛ أي: بالفعل؛ للإخلال بالنظر.

* * *

(172) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .

(1)

في النسخ عدا "د": (ومثل هذا)، والمثبت من "د".

(2)

في "ف": (للمعنى).

ص: 369

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} لمَّا وسَّع الأمرَ على الناس كافةً، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرَّم عليهم، أَمر المؤمنين منهم أن يتحرَّوا طيبات ما رُزقوا، وقد مرَّ أن الطيِّب أخصُّ من الحلال، وأنْ يقيموا بحقوقها، فقال:

{وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} على ما رزقكم وأحلَّ لكم.

ولمَّا تضمَّن الأمرُ الأول الامتنانَ ناسبه الخطاب، وما في الأمر الثاني من التنبيه على أنَّ استحقاقه تعالى للشُّكر ليس لكونه رازقًا لهم ومبيحًا لطيِّبات الرزق فقط، بل لكونه خالقًا للعالَم، وَيندرج

(1)

فيه جميع

(2)

ما يَستوجب الشكر، اقتضى العُدولَ عن الخطاب إلى الغيبة

(3)

، وعن التفريع بالفاء إلى العطف بالواو.

{إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فإن عبادته لا تَتمُّ إلا بالشكر، وتقديمُ المفعول لمحافظة الفاصلة كما في قوله تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] إذ لا دخل لمعنى التخصيص في التعليل.

ولك أن تقول: كان الظاهرُ أن يقول: إن كنتم تعرفون أنه مولى النِّعمِ كلِّها، إلا أنه كُني عنه بلازمه، وهو تخصيصُ العبادة إياه تعالى.

* * *

(173) - {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

(1)

في النسخ عدا "د": (ولم يندرج)، والمثبت من "د".

(2)

كلمة: (جميع) ليست في "ك "و"م".

(3)

في هامش "ح" و"د""ف " و"م"(لأن مدار ذلك على التعبير باسم الله. منه).

ص: 370

{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} قرئ: {حَرَّمَ} (حُرِّمَ) و (حَرُمَ)

(1)

بالتخفيف والتشديد و {الْمَيْتَةَ} بالتخفيف وبالتشديد

(2)

، وكلمة (إنما) قد لا تكون للقَصْر كما في قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} الآية [الأعراف: 33]، فلا حاجةَ إلى أنْ يُقال: إنَّ ما أُبين من حيٍّ في حُكم الميتة بالحديث، وإنَّ المراد قَصْرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحَلُّوه لا مطلَقًا

(3)

، وإنما لم يُسْتَثنَ السمكُ والجرادُ من الميتة، والكبدُ والطِّحال من قوله:

{وَالدَّمَ} وإنْ أُحلَّتْ على ما قال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: "أُحلَّتْ لنا

(4)

مَيْتَتانِ ودَمَانِ، أمَّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ"

(5)

بناء على ما يتعارَفُه الناس ويتفاهمُه في العادة.

ولمَّا كان المتبادِرُ من الحرمة المضافةِ إلى العين حرمةَ التصرُّف فيه مطلَقًا زاد عبارة اللحم في قوله:

(1)

القراءة الأولى هي المشهورة، والثانية والثالثة من الشواذ. انظر:"معاني القرآن" للفراء (1/ 102)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: 11)، و"الكشاف"(1/ 215)، و"البحر المحيط "(3/ 222).

(2)

قرأ بالتشديد أبو جعفر، وباقي العشرة بالتخفيف. انظر:"النشر"(2/ 224).

(3)

في هامش "ح" و"د" و"ف" و"م": (وأما قصر حرمته على حال الاختيار فلا يجدي نفعًا في دفع المحذور المذكور كما لا يخفى على ذوي الاختيار. منه).

(4)

في "د" و"ك" و"م": (لي)، والمثبت من "ح" و"ف"، وهو الموافق للمصادر.

(5)

حديث حسن، رواه الإمام أحمد في "المسند"(5723)، وابن ماجه (3314)، والدارقطني في "سننه"(4732)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وصحح الدارقطني وقفه، إلا أن له حكم الرفع كما قال البيهقي. انظر:"العلل" للدارقطني (11/ 67)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 254).

ص: 371

{وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} قرينةً صارفةً عنه دالةً على أنَّ المحرَّم أكلُ العين المذكور لا الانتفاعُ به مطلَقًا حتى يلزمَ انتساخُ النص بالحديث في جلدِ الميتة، وإنما خصَّ اللحم بالذكر لأنَّه معظَمُ ما يؤكل من الحيوان، وسائرُ أجزائه كالتابع له، وهذا الوجهُ أيضًا لا يساعد

(1)

تقديرَ الانتفاع العامِّ للأكل وغيره.

{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} ؛ أي: رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله تعالى، صنمًا كان أو نارًا أو غيرَ ذلك، وما ذُكر معناه الأصليُّ

(2)

، على ما نصَّ عليه الجوهري

(3)

.

والهلال: غرَّةُ القمر، إنما سمِّي به لرفعِ الناس أصواتَهم عند رؤيته بالتكبير.

{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} على مضطرٍّ آخرَ بالاستئثار عليه.

{وَلَا عَادٍ} : سدَّ الجوعة.

{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} في تناوُله، دَلَّ بمفهومه على ثبوت الإثم في تناوله غيرَ مضطرٍّ، وبهذا الاعتبارِ صحَّ تفريعُه على ما تقدَّم، ففيه دلالةٌ على اعتبار المفهوم كما هو مذهب الإمام الشافعي، فإنه لولا اعتبارُه لَمَا صح تصدير الكلام المذكورِ بأداة التفريع.

{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: يغفر المعاصيَ، فأَوْلَى أنْ لا يؤاخِذ بما رخَّص فيه، أو: غفورٌ لمَا عسى أن يفرَّط عند العمل بالرُّخصة

(4)

.

{رَحِيمٌ} بالرُّخصة فيه، فهو مقرِّرٌ للأول.

* * *

(1)

في "ك": (يساعده).

(2)

في هامش "د" و"ف" و"م": (ومن وهم أن الإهلال مأخوذ من الهلال فقد وهم).

(3)

انظر: "الصحاح"(مادة: هلل).

(4)

بعدها في "ك" و"م": (فيه).

ص: 372