المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ (174) - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ - تفسير ابن كمال باشا - جـ ٢

[ابن كمال باشا]

فهرس الكتاب

(174) - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا} قد مرَّ تفسيرُه وبيانُ

(1)

ما في عبارة الثمن من المزيَّة على عبارة الشيء والعِوَض

(2)

وغيرِ ذلك

(3)

.

{قَلِيلًا} ليس المرادُ به أنَّهم إذا اشترَوا به ثمنًا كثيرًا كان جائزًا، بل المعنى: إنَّ كلَّ ما يأخذونه في مقابَلته من حُطام الدنيا

(4)

فهو قليل.

{أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} ؛ أي: مِلْءَ بطونهم، يقال: أكل في بطنه، وأكل في بعضِ بطنه، قال الشاعر:

كُلُوا في بَعْضِ بطنِكُم تَعِفُّوا

(5)

فمرادُهم من الأكل في البطن: الأكلُ في جميعِ البطن، والظاهرُ أنَّ التَّعدية بـ (في) لتضمين معنى الاستقرار المناسبِ للمَقام؛ فإنَّ الأكل قد يَعْقُبُه الدَّفعُ، خصوصًا إذا كان المأكولُ غيرَ ملائم للطبع، وذُكر الأكلُ لكونه المقصودَ الأوَّل من تحصيل المال، وذُكر {فِي بُطُونِهِمْ} تنبيهًا على شَرَهِهم

(6)

وتقبيحًا لتضييع

(1)

في (ك): "تفسير بيان".

(2)

في (م): "أو العرض".

(3)

في هامش (د) و (ف) و (م): "ومن غفل عن هذا قال في تفسيره: عوضًا حقيرًا. منه".

(4)

في (ف) و (م): "من الدنيا".

(5)

صدر بيت في "الكتاب"(1/ 210)، و"أساس البلاغة" (مادة: خمص)، وعجزه:

فإنَّ زمانكمْ زمنٌ خَمِيصُ

(6)

في (ف) و (ك) و (م): "شرهم".

ص: 5

أعظم النِّعم لأَجْل المطعَم الذي هو أحسنُ مطلَبٍ من

(1)

الدنيا.

{إِلَّا النَّارَ} مَجازٌ من بابِ إطلاق اسم المسبَّبِ على السَّبب أو الغاية

(2)

على الشيء لتلبُّسه بها؛ فإنهم إذا أكلوا السُّحت - وهو الرّشا - على الكتمان لزمهم

(3)

عقوبتُه التي هي النارُ، فكأنَّهم أكلوا النار، ومنه قولُهم: أكل فلانٌ الدَّمَ، إذا أكل الدِّيَةَ التي هي بدلٌ منه.

{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} عبارةٌ عن غضبه تعالى عليهم؛ لأنَّ مَن غَضِبَ على صاحبه حرَمه وقطَعَ كلامه.

وقيل: تعريضٌ بحرمانهم حالَ أهل الجنة في تَكْرمة الله تعالى إياهم بكلامه وتزكِيَتِهم بالثَّناء.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لمحافظةِ الفاصلة.

* * *

(175) - {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} .

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} في الدنيا.

{وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} في الآخرة، والحاجةُ إلى المغفرة أشدُّ من الثواب

(4)

، فالخسرانُ في فقدانها أقوى، ولهذا آثرَها عليه مع أنَّه أنسبُ لأنْ يُذكرَ مع العذاب لفظًا ومعنًى.

(1)

في (ف): "في".

(2)

في (م): "الغلبة".

(3)

في (ك): (لزمتهم).

(4)

"من الثواب" ليس في (ح) و (ف).

ص: 6

{فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} تعجُّب من حالهم

(1)

في ارتكابِ مُوجِبات النار والتباسِهم بها من غيرِ مبالاةٍ منهم به؛ كما تقول لمَن يتعرَّض لمَا يُوجب غضبَ السلطان: ما أصبرَكَ على القيد والسِّجن! تُريد أنه لا يتعرَّضُ بذلك

(2)

إلا مَن هو شديدُ الصبر على العذاب.

و (ما) تامَّةٌ مرفوعةٌ بالابتداء، وتخصيصُها كتخصيصِ قولهم: شرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ

(3)

. أو استفهامية وما بعدها الخبر أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.

* * *

(176) - {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} .

{ذَلِكَ} ؛ أي: ذلك

(4)

العذاب.

{بِأَنَّ اللَّهَ} : بسببِ أنَّ اللّه.

(1)

قوله: "تعجب من حالهم" كذا قال الزمخشري في "الكشاف"(1/ 216)، وتابعه عليه البيضاوي في "تفسيره"(1/ 120)، والمؤلف هنا، وهذا كلام يحتاج إلى توجيه، فالتعجب هو استعظام الشيء وخفاء حصول السبب، وهذا مستحيل في حق الله تعالى، وبالتالي فهو راجع لمن يصح ذلك منه، أي: هم ممن يقول فيهم من رآهم: ما أصبرهم على النار. انظر: "البحر المحيط"(3/ 244). وقد تلافى الآلوسي رحمه الله هذا الإشكال فقال: (تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة .. ). انظر: "روح المعاني"(3/ 95).

(2)

قوله: "بذلك" كذا في النسخ، والذي في "الكشاف" (1/ 216):(لذلك).

(3)

انظر: "مجمع الأمثال"(3/ 95)، و"تفسير البيضاوي" (1/ 120). قال الميداني:(يقال: أهره، إذا حمله على الهرير، وشر رفع بالابتداء، وهو نكرة وشرط النكرة أن لا يبتدأ بها حتى تخصص بصفة كقولنا: رجل من بني تميم فارس، وابتدؤوا بالنكرة هاهنا من غير صفة، وإنما جاز ذلك لأن المعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر، وذو الناب: السبع. يُضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله).

(4)

"ذلك": ليست في (م).

ص: 7

{نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} أي: نزَّل ما نزَّل من الكتب مُلْتبِسًا بالحقِّ.

{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ} الظاهر أنَّ المراد هو القرآن، واللامُ إشارةٌ إلى أنه الجنس المسمَّى كتابًا؛ أي: الكامل في كونه كتابًا، كأنَّ ما عدَاه من الكتب لا يَستأهِل معه أن يسمَّى كتابًا.

والإظهارُ في موضعِ الإضمار للتعظيم، وتربيةِ

(1)

فائدةِ اللام، وبيانِ أنَّ الاختلاف فيه عظيمةٌ من العظائم، ولهذا قيَّده في الأوَّل بالحقِّ.

واختلافُهم فيه قولُ بعضهم: سحرٌ، وقولُ بعضهم: شعرٌ، وقولُ بعضهم: أساطيرُ الأولين.

{لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} عن الحق، والشِّقاق: انحياز كلٍّ من المتخالِفَين عن شقِّ صاحبه للخلاف، وطلبُ كلٍّ منهما ما يَشُقُّ على الآخر.

* * *

(177) - {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}

{لَيْسَ الْبِرَّ} البرُّ: اسم جامعٌ للطاعات وأعمالِ الخير.

{أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} الخطابُ لأهل الكتاب، فإنهم أكثَروا الخوضَ في أمر القبلة حين حوِّلت.

(1)

في النسخ عدا (ك): "وتربيته"، والمثبت من (ك).

ص: 8

{قِبَلَ الْمَشْرِقِ} ؛ أي: مُقابِلَه كفعلِ النصارى.

{وَالْمَغْرِبِ} ؛ أي: قِبَلَ المغرب كفعل اليهود، وذلك منسوخٌ فهو إثمٌ لا برٌّ.

وقرئ: {لَيْسَ الْبِرَّ} بالنصب

(1)

على أنه خبرٌ مقدَّم.

وقرئ: (بأنْ تُوَلُّوا) بالباء

(2)

؛ لتأكيد النفي.

{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ؛ أي: بالمَبدأ والمَعاد.

{وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} ؛ أي: بالشرائع المتَّحدةِ في أصول الدِّين المنزل على الأنبياء عليهم السلام بواسطة الملك.

وللتنبيه على جهة الاتحاد قال: {وَالْكِتَابِ} دون: الكتب.

إنما قال: {وَالْمَلَائِكَةِ} دون: والملكِ

(3)

؛ لأنَّ سفير الوحي وإنْ كان واحدًا إلا أنه قد أُنزل بعضُ الكتب بل بعضُ سور القرآن بجمٍّ غفيرٍ من الملائكة تعظيمًا لشأنِ المنزَل

(4)

.

والمعنى والله أعلم: ولكنَّ البرَّ هذه العقائدُ الصحيحةُ والأعمالُ الصالحةُ، والوصفُ كما يُذكر في مَقام الموصوف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ

(5)

بحسَب اللفظ كما في

(1)

في قراءة حمزة وحفص. انظر: "التيسير"(ص: 79).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 11).

(3)

في (ف) و (م): (الملك). ووقع بدلًا منها في (ك): "الكتب" ولعله وهم ناسخ أو سبق قلم منه.

(4)

ومنه ما رواه الحاكم في "المستدرك"(3226) وصححه عن جابر رضي الله عنه قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق". وقد تعقب الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: أظن هذا موضوعًا.

(5)

في النسخ عدا (ح): (يجوز)، والمثبت من (ح)، وهو الصواب.

ص: 9

قولك: رجلٌ عَدْلٌ، فإن التجوُّز فيه في الإسناد دون المسنَد، كذلك يُذكر الموصوفُ في مَقام الوصف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ

(1)

بحسَب اللفظ كالذي نحن فيه تنزيلًا للموصوف مَنزلتَه، ولا يَخفى ما فيه من المبالغة في شأن ذلك الوصفِ وتعظيمِه، على عكس ما في المثال المذكور، فإنَّ المبالغةَ فيه في شأن الموصوف، ولدقَّةِ الفرق بين الاعتبارَين ذهب على كثيرٍ من الحذاق

(2)

.

وفي المصير إلى التقدير في مثلِ هذا المقامِ تنزيلٌ للكلام عن مَنزلته الرَّفيعة، وتغييرٌ لصورته البديعةِ، على أنه إذا قيل: ولكنَّ البرَّ برُّ

(3)

من آمن .. إلخ، يُفهم منه عدمُ الاعتبارِ لبِرِّ مَن قصَّر في بعض تلك الأعمال، وإذا قيل: ولكنَّ ذا البرِّ

(4)

مَن آمَن .. إلخ، يخرج الكلام عن سَنن الانتظام، وأيضًا لو قُصد هذا لكان المناسبُ أن يقال: ولكنَّ البَرَّ، بفتح الباء.

{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} ، أي: حبَ المال والشُّحِّ به كما قال عليٌّ رضي الله عنه لمَّا سُئل أيُّ الصدقة أفضلُ؟: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُلُ العيش وتخشَى الفقر

(5)

. وقال الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

والجارُّ والمجرور في موضع الحال.

(1)

في النسخ: (يجوز)، والمثبت هو الصواب بدلالة السياق مع ما سبق.

(2)

في هامش (د) و (ف) و (م): "كصاحب الكشاف وشراح كلامه. منه".

(3)

كلمة: "بر" سقطت من (د).

(4)

في النسخ عدا (ك): (ولكن ذا البربر)، والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر:"الكشاف"(1/ 218)، و"تفسير القرطبي"(3/ 54 - 55)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 121).

(5)

رواه البخاري (1419)، ومسلم (1032)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (1/ 66) من قول ابن مسعود رضي الله عنه. ورواية الصحيحين:"تخشى الفقر وتأمل الغنى"، وفي رواية لمسلم:"وتأمل البقاء".

ص: 10

{ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} الإيتاء أعمُّ من الصدقة فلا يُشترط فيهما الفقرُ، وقد قفَّاه بالزكاة فانصَرف إلى المندوبات من الصِّلات، وقدَّم ذوي القُربى لأنهم أحقُّ بالإحسان، قال عليه السلام:"صدقتُك على المسكينِ صدقةٌ، وعلى ذوي رَحِمِكَ اثْنتان: صَدقةٌ وصِلَةٌ"

(1)

.

{وَالْمَسَاكِينَ} : جمع مسكينٍ، وهو الدائمُ السكونِ إلى الناس لشدَّة فقره، أو الدائمُ السكونِ في البيت لعدمِ اللباس أو لعدم القوة؛ كالسِّكِّير

(2)

الدائمِ السُّكر.

{وَابْنَ السَّبِيلِ} : المسافر المنقطَعُ به، وجُعل ابنًا للسبيل لملازَمته له.

{وَالسَّائِلِينَ} : المستطعِمِين.

{وَفِي الرِّقَابِ} ؛ أي: في معاونةِ المكاتَبين حتى يفكُوا رقابهم، وقيل: في ابتياعِ الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى.

وفي العطف بعبارةِ الجمع إشارةٌ إلى فضل التفريق إلى هذه الأنواع.

{وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} مفروضةً كانت أو واجبةً.

{وَآتَى الزَّكَاةَ} المقدَّرةَ.

{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} عطفٌ على {مَنْ آمَنَ} .

{وَالصَّابِرِينَ} نصبٌ على المدح لبيان فضيلة الصبر في الشدائد ومَواطنِ القتال، وإظهارًا لفضل الصبر على سائر الأخلاق والأعمال.

(1)

رواه الترمذي (658)، والنسائي (2582)، من حديث سلمان بن عامر رضي الله عنه. وحسنه الترمذي، وله شاهد من حديث زينب زوجة بن مسعود رضي الله عنهما عند البخاري (1466)، ومسلم (1000).

(2)

في (ح): "كالسكر"، وفي (م):"كالمسكير". وفي (د) و (ت): (كالمسكين).

ص: 11

{فِي الْبَأْسَاءِ} : في الفقر والشِّدة.

{وَالضَّرَّاءِ} : المرضِ والزَّمانة.

{وَحِينَ الْبَأْسِ} : وقتَ مُجاهَدة العدوِّ.

{أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} كانوا صادقين في الدِّين جادِّين.

{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ؛ أي: هم المُوفُون حقَّ الصِّدق قولًا وفعلًا وعَقْدًا، وحقَّ التقوى حَظْرًا وكراهةً وندبًا، والصدقُ فيما يُفعل، والتقوى فيما يُترك، فالآيةُ

(1)

جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ عليه السلام في قوله:"مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان"

(2)

.

* * *

(178) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} تخصيصُ الخطابِ بالمؤمنين لا لاختصاصِ الحكمِ المذكورِ بهم، بل للتَّنبيه بخطابهم بوصفِ الإيمان عندَ إيجابِ القِصاص عليهم بقتل العمد الذي هو من الكبائر التي ورد فيها أشدُّ وعيدٍ وتهديدٍ على أنَّ الكبيرة لا تُزيل الإيمان.

وأصلُ الكتابة: الخطُّ، وكُني به عن الإلزام، وهذا الوجوبُ على الناس كافَّةً، فمنهم مَن يَلزمُه استيفاؤه وهو السلطان إذا طلبه الوليُّ، ومنهم مَن يَلزمُه تسليمُ النفس

(1)

في (د): (فآية).

(2)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3490) عن أبي ميسرة قوله.

ص: 12

وهو القاتلُ، ومنهم مَن تَلزمُه المعاوَنةُ أو الرِّضا به، ومنهم مَن يَلزمُه أن لا يتعدَّى بل يقتصُّ، أو يأخذُ الدِّيةَ، أو يَعفو.

والقصُّ: قطعُ الشيء على سبيلِ الاحتذاء، ومنه قَصَّ شعرَه، وقَصَّ أثرَه، وقَصَّ الحديث: اقتطع كلامًا حاذيًا حذوَ غيره، والقِصَّة اسمٌ منه.

وحقيقةُ القصاص: أن يُفعل بالقاتل أو الجارح مِثْلَ ما فَعَلَ، ففيه إشارةٌ إلى أن القصد بالآية منعُ التعدِّي، فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يتعدَّون في القتل.

وكلمة {فِي} [في]

(1)

{فِي الْقَتْلَى} للسببية؛ كهي في قوله تعالى: {لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32].

والقتلى: جمع قتيل، والإتيانُ بصيغة الجمع للاهتمام في المنع عن التعدِّي، فإنه إذا كان ممنوعًا في قتلِ جماعة فالمنع عنه في قتلِ واحدٍ بطريقِ الأَولى.

{الْحُرُّ بِالْحُرِّ} ؛ أي: يُقتصُّ الحرُّ القاتلُ بالحرِّ المقتول

(2)

، ولا يُتعدَّى من الحرِّ إلى العبد لخساسةِ وليِّ المقتول، ولا من واحدٍ إلى اثنين لشرفه.

{وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} ولا يُتعدَّى من العبد إلى الحرِّ لشرف مولَى المقتول وقبيلتِه.

{وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} ولا يُتعدى من الأنثى إلى الذَّكر لشرف المقتولة.

كان بنو النَّضير يقولون لبني قُريظةَ: إذا قتلتُم منَّا عبدًا قتلْنا منكم حرًّا، وإذا قتلتُم منَّا امرأةً قتلنا منكم رجلًا، وإذا قتلتُم منَّا حرًّا قتلْنا منكم حرَّينِ، وكانوا على ذلك قبلَ ظهور النبيِّ عليه السلام، فلما جاء الإسلام تحاكَموا إلى رسول الله عليه السلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا.

(1)

زيادة يقتضيها السياق.

(2)

في (ف): "الحر القاتل بالمقتول".

ص: 13

فلا دلالة فيها على أنْ لا يُقتل الحرُّ بالعبد والذَّكرُ بالأنثى، كما لا دلالة على عكسه؛ فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لا يظهر للتخصيص وجهٌ سوى اختصاصِ الحكم، وقد ظهر هنا وجهُه فلا متمسَّك للقائلين بحجيَّة المفهوم في هذه الآية لإثبات ما قالوا مِن عدمِ قتلِ الحرِّ بالعبد.

{فَمَنْ عُفِيَ} تفريع على ما في عبارة القِصاص من الإشارة إلى أنَّ المكتوب حقُّ العبد سقط بإسقاطه.

{لَهُ} مفعول به، لكنْ لكونه بواسطة حرف الجرِّ كان مُساويًا للمصدر وغيرِه في جواز الإسناد إليه.

{مِنْ أَخِيهِ} ؛ أي: من جهةِ أخيه، يجوز أن يَتعلَّق بالفعل وأن يكون حالًا من {شَيْءٌ} ، يعني: وليَّ الدم، وإنَّما ذكره بهذه العبارة تذكيرًا لِمَا بينهما من الأخوَّة الدينيَّة والجِنسيَّة؛ ليَرِقَّ له وَيعطفَ عليه فيتساهلَ.

{شَيْءٌ} ؛ أي: شيءٌ كلا من العفو، بأنْ كان للقتيل أولياءُ فعفَى بعضُهم فصار نصيبُ الباقين

(1)

مالًا، وهو حصتُهم من الدِّيَة، فهو في مَوقع المفعول المطلَق المقيَّدِ الموصوف؛ مثل: ضُرِبَ ضرب شديد؛ لمَا في تنكير {شَيْءٌ} من الدلالة على ذلك، وفائدتُه: الإشعار بأنَّ بعض العفوِ كالعفوِ التامِّ في إسقاط القصاص.

ولا يصحُّ أن يكون {شَيْءٌ} مفعولًا به؛ لأنَّ {عُفِيَ} لا يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به، لكن بـ (عن) إلى الجاني وإلى الذنب، وإذا تعدَّى إلى الذنب بـ (عن)

(2)

عُدِّي إلى

(1)

في (ف) و (م): "الباقي".

(2)

في (ف) و (م): "يعني"، وفي (د):"معين"، وكلاهما تصحيف.

ص: 14

الجاني باللام، وكان أصله في الآية: فمَن عُفي له عن جناية

(1)

من أخيه، فاستُغني بذكر القصاص في القتلى عن ذكر الجناية.

وأمَّا عُفي بمعنى تُرك المتعدِّي بنفسه إلى المفعول به فلم يَثبت، وإنما ثبت: أَعْفى.

ولمَّا انقَلب حقُّ باقي الورثةِ في الصورة المذكورة من القصاص إلى الدِّيَة قال: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} ؛ أي: فعلى الوليِّ اتِّباعٌ بالمعروف

(2)

بأنْ لا يتجاوزَ عن الحدِّ المعهود في الدِّيَة بأخذِ الزيادة عن حصَّته منها

(3)

، ومن هنا ظهر وجه التعريف في (المعروف)

(4)

، وعلى الجاني أداءٌ إليه بإحسانٍ بأنْ لا يَمْطُلَه ولا يبخسه، على أن كلًّا منهما مبتدأٌ أو فاعلٌ للظرف؛ أي

(5)

: فليكن اتِّباعٌ من الولي وأداءٌ من الجاني على الفاعلية فيهما، أو: فأَمْرُ الوليِّ اتِّباعٌ وأمر الجاني أداءٌ على الخبرية فيهما.

وفي هذه التوصية لهما تربية لفائدة الأخوة.

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى المذكور صريحًا وهو العفوُ المستلزِم للدية، وضمنًا وهو

(1)

في (م): "الجناية".

(2)

بعدها في (م): "على الجاني".

(3)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "فلا دلالة فيه على أن الدية أحد مقتضى العمد. منه).

(4)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "وأما على ما قيل بأن لا يعنفه به ولا يمطله، فلا يظهر وجه لتخصيص التعريف به والتنكير بقرينة، ومن القائلين به مَن بدل في تفسيره تنكير الإحسان بالتعريف في تفسيره، ولا يخفى ما فيه من الجرأة القبيحة. منه".

(5)

في (د) و (م): "أو"، والصواب المثبت؛ لأن الآتي تعليل لما قبله على طريقة اللف والنشر المشوش.

ص: 15

العفو العاري

(1)

عنها، وذلك أنَّ عفو بعض القصاص لمَّا كان مشروعًا لكونه حقَّ العبد، عُلم منه بطريقِ الدلالة أن عفوَ كله أيضًا مشروع.

{تَخْفِيفٌ} : تسهيلٌ بدفع القصاص عن الجاني.

{مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} بنفع الوليِّ حيث لم يضع حقَّه، والفصلُ بينهما بقوله:{مِنْ رَبِّكُمْ} للإيذان بتعلُّقه بهما كما في قوله تعالى: {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].

قال ابن عباس والحسن البصريُّ رضي الله عنهم: كان في شريعة موسى عليه السلام القتل لا غير، وفي شريعة عيسى عليه السلام العفو لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ والعفوُ حسنٌ والصلحُ جائزٌ، على حسب ما يراه العبد أنفعَ له وأشفَى لقلبه وأوفَقَ لمراده.

ومَن قال: خيرت

(2)

هذه الآيةُ

(3)

بين الثلاث: القصاصِ والديةِ والعفوِ، لم يُصبْ؛ إذ ليس الثاني منها

(4)

باختيار الولي؛ لأنَّه بدل صلح

(5)

لا يكون إلا برضا الجاني.

بقي هاهنا شيءٌ: وهو أن قولهما: كان في شريعة موسى عليه السلام القتلُ لا غير، محلُّ بحث؛ فإن ما يأتي في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف:{يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] أنَّ الحسن هو الاقتصاص والأحسنَ العفوُ

(6)

، صريحٌ في أن ذلك في التوراة إذ ضميرُ (أحسنها) للألواح.

(1)

في (ك): (العري).

(2)

في (د): "وخيرت"، و في (ك):"وخير". و في (م). "فخيرت".

(3)

في (د): "الأمة".

(4)

في (م): "اثنان منها".

(5)

في (م): "الصلح".

(6)

في هامش (د) و (ف) و (م): "هذا التفسير مذكور في الكشاف وغيره. منه".

ص: 16

{فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} الحُكمِ، أو التخفيفِ

(1)

، فتجاوَزَه

(2)

بقتلِ غيرِ القاتل، أو القتلِ بعد العفو أو أخذ الدية {فَلَهُ عَذَابٌ} نوعٌ من العذاب {أَلِيمٌ} شديدُ الألم.

* * *

(179) - {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} كلامٌ كاملٌ في الفصاحة، وعالي الطبقة في البلاغة، لم يوجد أقلُّ مسموعًا وأجلُّ مفهومًا منه، مع اشتماله على الغرابة التي هي من نكت البلاغة

(3)

، وذلك أن القصاص قتلٌ وتفويتٌ للحياة، فجُعل محلَّ الحياة.

وعرَّف القصاص ونكَّر الحياة وقدَّم الخبر وخصَّص الخطاب بـ (أولي الألباب) بقوله:

{يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} إشعارًا بأنه لا يَفهم معناه إلا ذو اللُّب؛ أي: لكم خاصةً أيها العقلاءُ في هذا الجنس من الحُكم نوع من الحياة أو حياةٌ عظيمةٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُها

(4)

؛ إذ لو لم يُشْرَع، وكان

(5)

ما كان في الجاهلية من قتلِ غيرِ القاتل، وقتلِ الجماعة بواحدٍ،

(1)

في (م): "والتخفيف".

(2)

في (م): "فيتجاوز". وفي (ك): (فتجاوز).

(3)

في هامش (د) و (ف) و (م): "وفي عبارة الكشاف غرابة، حيث قال: كلام فصيح لما فيه من الغرابة، ورام سعد الدين إصلاحه ولم يدر أن ما ذكر تغيير لا تفسير وجرح لا شرح ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر. منه".

(4)

في هامش (د) و (ف) و (م): "على أن التنوين [في (م): التنكير] للتنويع أو للتعظيم، والقاضي لم يفرق بينهما. منه".

(5)

في (م): "فكان".

ص: 17

لوقع الهَرْجُ والمَرْجُ بين الناس، وهاجت الفتن والحروب، وارتفع الأمن من

(1)

الناس، فانطفت تلك النائرةُ بشرعِ القصاص، وارتَدع كلُّ مَن همَّ بالقتل لعلمه بذلك، فسَلِم المقتول من القتل والقاتلُ من القَوَد، ولم يَجْسر

(2)

أحدٌ من أولي الألباب على القتل، فأَمِنَ الناس، وتلك حياةٌ تخَلْق كثير في أمنٍ وسلامةٍ وسعةٍ فضلًا عن النَّفْسين، فلهذا

(3)

قال:

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} القتلَ بغير الحق، أي: أَرَيتُكم ما فيه من

(4)

الحياة لكي تتَّقوا.

ويجوز أن يختص الخطاب بالأئمَّة وهم أولوا الألباب؛ أي: لعلكم تتَّقون في المحافظة على القصاص والحكم به.

* * *

(180) - {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} .

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ} أمرُ الوصية لا بد في إقامته من جماعة، فلهذا آثَرَ صيغة الجمع هنا.

{إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} ؛ أي: قرُب منه بظهور أماراته.

{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} ؛ أي: مالًا طيِّبًا، وكان هذا القيدُ لا بدَّ منه لأنَّ المال الخبيث

(1)

في (م): "بين".

(2)

في النسخ عدا (ح): "يجتر"، ولعل المراد: يجترئ، فسهلت الهمزة ثم حذفت الياء للجزم، والمثبت من (ح).

(3)

في (د): (فلذا).

(4)

"من": ليست في (م).

ص: 18

لا يجوز الوصيةُ به

(1)

؛ لِمَا فيها من الإثم، والتنوين للتكثير

(2)

؛ لمَا روي عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلًا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف درهم، فقالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وإنَّ هذا الشيءَ يسير

(3)

فاتركه لعيالك

(4)

.

{الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ {الْوَصِيَّةُ} فاعلُ {كُتِبَ} ، وتأنيثُها ليست بحقيقة

(5)

فيجوز تذكيرها، ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله:{فَمَنْ بَدَّلَهُ} ، والعامل في {إِذَا} مدلولُ {كُتِبَ} لا {الْوَصِيَّةُ} لتقدُّمه عليها.

{بِالْمَعْرُوفِ} أي

(6)

: بالعدل المعهود، وهو أن لا يوصيَ للغنيِّ ويدعَ الفقيرَ، ولا يتجاوزَ الثلث.

{حَقًّا} مصدرٌ مؤكِّد، أي: حقَّ ذلك حقًّا.

{عَلَى الْمُتَّقِينَ} كان هذا الحكمُ في بدء الإسلام، فنُسخ بعد نزول آية المواريث بقوله عليه السلام:"إنَّ الله أَعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ألَا لا وصيَّةَ لوارثٍ"

(7)

، فإنه وإن

(1)

في هامش (د) و (ف): "من فسر الخير بالمال أو بالمال الكثير لم يصب. منه".

(2)

في النسخ عدا (د): "للتنكير"، والمثبت من (د).

(3)

في (د): "لشيء عسير"، وفي (ك):"لشيء يسير"، وفي (ف) و (م):"الشيء ليسير".

(4)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(30946)

(5)

في (ك): "بحقيقية"، وفي (ح):"بحقيقته".

(6)

"أي" ليست في (د).

(7)

رواه أبو داود (2870)، والترمذي (2120) وحسنه، وابن ماجه (2713)، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.

ص: 19

كان من الآحاد إلا أن الأمَّه تلقَّته بالقبول حتى لحق بالمتواترِ؛ لعِلْمنا بأنهم لا يتلقَّون بالقبول إلا الثَّبتَ الذي صحَّت روايته.

* * *

(181) - {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{فَمَنْ بَدَّلَهُ} ؛ أي: قولَ الموصِي، بقرينةِ قوله:{بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} ؛ أي: غيَّره عن وجهه من الأوصياء والشهود والحكَّام، ولا حاجة إلى أن يقالَ: إن كان موافقًا للشرع. لأنَّ الذي لا يوافقه مردود لا مبدَّلٌ.

{فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} ؛ أي: إثمُ التبديل، أو الإيصاءِ المبدَّل.

{عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} لا على الموصى والموصَى له، وإنما أتى هنا بصيغة الجمع لأنَّ التبديل إنما يتقرَّر بالاتِّفاق، فإن الوصيَّ مثلًا إنما يَقدِر على التبديل بمساعدة

(1)

الشهود ولو بالسكوت، وكذا الحالُ في غيره.

{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} بقول الموصِي.

{عَلِيمٌ} بفعل الوصيِّ وغيره من الذين يبدِّلون الوصيةَ، ظاهرُه الإخبارُ وباطنُه الوعيد للمبدِّل ومَن يساعده فيه.

* * *

(182) - {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{فَمَنْ خَافَ} يراد بالخوف في مثل هذا: ما يلزمُه من التوقُّع والظن الغالب؛ إذ لا خفاء في أنه لا معنَى للخوف من الميلِ والإثمِ بعد الوقوع.

(1)

في (ك) و (م): "بمشاهدة".

ص: 20

{مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} ميلًا عن الحقِّ.

{أَوْ إِثْمًا} تعمُّدًا للجَنَف، قال الربيع: الجنفُ في الخطأ، والإثمُ في العمد

(1)

.

{فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} ؛ أي: بين الموصَى لهم وهم الوالدان والأقربون، أو بين الموصَى لهم والورثةِ، بردِّهم إلى الحق، وجاز إضمارُهم لانفهامِهم من سياق الكلام بمعونةِ المَقام.

قال الرَّاغب: ولا فرقَ بين أن يَخاف منه ذلك قبل موت الموصِي فيرشدَه، أو بعد موته فيصلحَه، وليس الإصلاحُ بمقصورٍ على إيقاع الصُّلح دون استعمالِ الصلاح، بل يتناولُهما

(2)

.

{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} ؛ أي: على المبدِّل حينئذٍ؛ لأنَّه تبديلُ باطلٍ بحقٍّ، وإنما قال هذا لأنَّه لمَّا خوَّف في الآية الأولى من تغيير الوصية بيَّن أن النَّهي عن تغييره

(3)

فيما لا جَنَف

(4)

ولا إثم فيه، فأمَّا إذا كان فيه شيءٌ من ذلك فلا شيءَ في تغييره.

ولمَّا كان ما تَضمَّنه الكلام السابق من الوعيد باعتبارِ إحاطته تعالى بالظواهر والسرائر عِلْمًا ناسَبَ أن يرتَّب عليه ما في هذا الكلام من الوعد

(5)

لمَن قَصَد بتغيير الوصية الصلاحَ

(6)

، فصدَّره بأداة الترتيب، وبيَّن بقوله:

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(3/ 151) بلفظ: (الجنف الخطأ، والإثم العمد).

(2)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 384).

(3)

في (ك) و (م): "تغيير".

(4)

في (د): "حيف"، وفي (ح):"خيف".

(5)

في (ف) و (ك): "من الوعيد".

(6)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "ومن غفل عن هذا قال ما قال. منه".

ص: 21

{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أنه يَتجاوز عمَّا عسى أنْ يَسقط من المصلِح ما لا يجوز {رَحِيمٌ} بـ الرخصة فيما ذُكر.

* * *

(183) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ} تخصيصُ الخطاب بالمؤمنين لا لاختصاصِ الكتاب المذكورِ بهم، بل لاشتراطِ صحَّة المكتوب بالإيمان، فلا متمسَّك فيه لمن قال: إنَّ الكفار غيرُ مخاطَبين بالعبادات.

{الصِّيَامُ} : الصَّوم، قال الخليل: الصَّومُ قيامٌ بلا عملٍ

(1)

.

والصَّومُ: الإمساكُ عن الطُّعْم، وفي الشرع: الإمساكُ بالنيَّة في النَّهار الشَّرعيِّ عن المفطِّرات.

{كَمَا كُتِبَ} نَصبٌ على المصدر؛ أي: كتابًا

(2)

كما كُتب.

{عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} من الأنبياء عليهم السلام، والأممِ من لدُنْ آدمَ عليه السلام، يعني: أنه عبادةٌ قديمة

(3)

ما أَخْلَى اللّه تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم، ففيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ على الفعل، وتطييبٌ على النَّفْس.

والتشبيهُ في أصل الوجوب فقط، وقيل: في الأصل والقَدْر والوقت جميعًا.

(1)

انظر: "العين"(7/ 171).

(2)

في (م): "كتبًا".

(3)

في (ف) زيادة: (قديمة)

ص: 22

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} اللّهَ بالمحافظةِ عليها لقِدَمِها وأصالتِها، فإنها ما فُرضت عليكم وحدَكم.

أو: تتَّقون المعاصيَ لأن الصائم أردعُ لنفسه، فإنَّ الصوم يكسرُ الشهوة التي هي مبدؤُها

(1)

، على ما أشار إليه النبيُّ عليه السلام بقوله:"فإنَّ الصومَ له وِجاءٌ"

(2)

.

أو: لعلكم تَنتظِمون في زُمرة المتَّقين، فإنَّ الصوم شعارُهم.

* * *

(184) - {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} : موقَّتاتٍ بعددٍ معلوم، أو: قلائل، كقوله تعالى:{دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] وأصله: أن المال القليلَ يقدَّر بالعدد

(3)

والكثيرَ يُحثَى حَثْيًا.

نصبُها على الظرفيَّة لـ {الصِّيَامُ} ، وقد جوِّز عملُ المصدر في الظرف مع تخلُّل الفاصل وإنْ لم يَجُزْ في غيره.

والمراد بها: ما أُوجِبَ صومُه قبل فَرْضيَّة

(4)

رمضانَ ونُسخ به، وهو عاشوراءُ، أو ثلاثةُ أيام من كلِّ شهر، ويجوز أن يراد بها رمضانُ، والأوَّل أَوْلى؛ إذ الأنسبُ على الثاني أن يقال: شهرًا معلومًا؛ كما قيل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].

(1)

في النسخ: "مبداها"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(1/ 123).

(2)

رواه البخاري (1905)، ومسلم (1400)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. والوِجَاءَ رَضُّ الخصيتَينِ. انظر:"فتح الباري"(9/ 110).

(3)

في (م): "بالعد".

(4)

في (د) و (ف) و (م): "فريضة".

ص: 23

وقيل: معناه: صومُكم كصومِهم في عددِ الأيام، كما

(1)

رُوي أنَّ رمضان كُتب على النصارى فوقع في حرٍّ أو بردٍ شديدٍ، فحوَّلوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين [يومًا] كفارةً لتحويله

(2)

.

وقيل: زادوا ذلك لمُوتان أصابهم

(3)

.

{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} ذهب بعضُهم إلى أنَّ كلَّ مرضٍ مبيحٌ للإفطار؛ أخذًا بإطلاق النصِّ

(4)

، وبعضُهم إلى أن المراد المرضُ الذي يضرُّه الصوم أو يَعْسُرُ معه؛ لقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر}

(5)

.

{أَوْ عَلَى سَفَرٍ} لم يقل: مسافرًا، ليتناولَ مَن دخل بلدةً ومكث

(6)

فيها أيامًا لا بنيَّة الإقامة، فإنَّ ما ذُكر يُطلق عليه دون ما تُرك

(7)

.

(1)

(في (ك): "لما".

(2)

انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 124). قال السيوطي في "نواهد الأبكار"(2/ 373): رواه ابن جرير عن السدي. قلت: رواه بنحوه الطبري في "تفسيره"(3/ 154)، وما بين معكوفتين منه. وروي نحوه مرفوعًا، رواه البخاري في "التاريخ الكبير"(3/ 254 - 255)، والطبراني في "الأوسط"(8189)، من طريق الحسن عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال البخاري: لا يعرف سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه الطبراني في "الكبير"(4203)، ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال"(8/ 486) - ترجمة دغفل - من طريق الحسن عن دغفل قوله.

(3)

انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 124). والموتان بوزن البطلان: الموت الكثير الوقوع. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي"(2/ 274).

(4)

لم يرد في هذا عن السلف قول يحتج به، ونسب لبعض الشافعية ولا يصح عنهم. انظر ما ذكرناه في تعليقنا على "روح المعاني"(3/ 124).

(5)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "فإن فيه دلالة على أن علة الرخصة إرادة اليسر، واليسر في الصوم إذا كان نافعًا للمرض، ولا يسر في الإفطار إذا لم يضره الصوم".

(6)

في (ف) و (ك): "مكث".

(7)

في (د): "تركه". وجاء في هامش (ح) و (د) و (ف): "السفر الذي يبيح الفطر ما يبيح القصر".

ص: 24

{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ؛ أي: فعليه صومُ عِدَّةِ أيامِ المرض أو السفر

(1)

من أيامٍ أُخَرَ إنْ أفطر، فحُذف الشرطُ والمضافُ والمضافُ إليه للعِلم بها.

كذا قالوا، وفيه: أنَّ وجه التعليل المذكورِ ظاهرٌ في حذف المضافَين لأنَّه بحُكم قانون العربية، وأمَّا في حذف الشرط فلا؛ لأنَّه بحُكم الشرع، ولم يُعلم بعدُ أنه حَتْمٌ

(2)

أم معلَّق على شرطٍ، ولذلك قال بعضهم: مكتوبٌ عليهما أن يُفطِرا ويصومَا عدَّةَ أيامٍ أُخر، ولعله حُذف مساغًا للاجتهاد فيه.

وقرئ: (فعدَّةً) بالنصب؛ أي: فلْيَصُمْ عِدَّةً

(3)

.

{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: المطيقِينَ للصيام ولا عذرَ لهم إنْ أفطروا

(4)

.

وقرئ: {يُطِيقُونَهُ} على البناء للمفعول

(5)

، تفعيلٌ من الطَّوق بمعنى الطَّاقة؛ أي: يكلَّفونه، أو القِلادةِ

(6)

؛ أي: يُقَلَّدونه ويقال لهم: صُوموا.

وقُرئ: (يَتَطوَّقونه)

(7)

؛ أي: يَتكلَّفونه، أو: يَتقلَّدونه.

و: (يَطَّوَّقونه) بإدغام التَّاء في الطَّاء

(8)

.

(1)

في (ف) و (ك): "والسفر".

(2)

في النسخ عدا (د): (ختم)، والمثبت من (د).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 225).

(4)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "لا بدّ من هذا القيد لإخراج المسافر ومن أهمله لم يُصب. منه".

(5)

انظر: "المحتسب"(1/ 118)، ورواها البخاري (4505) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(6)

عطف على (الطاقة).

(7)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 11) عن ابن عباس، و"المحتسب"(1/ 119) دون نسبة.

(8)

انظر: "المحتسب"(1/ 118) عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد.

ص: 25

و: (يُطَيَّقونه) و (يَطَّيَّقونه)

(1)

بمعنى: يَتطيَّقونه، وأصلهما: يُطَيْوَقونه ويَتَطَيْوَقونه، من فَيْعَلَ وتَفَيْعَلَ من الطَّوق، فقُلِبت الواو ياءً وأُدغمتْ فيها الياءُ؛ كقولهم: تَدَيَّرَ المكانُ، و: ما بها دَيَّار.

وهو إمَّا بمعنى: يُطِيْقونه، أو يُقلَّدونه ويَتَقَلَّدونه، وإمَّا بمعنى يُكلَّفونه أو يَتكلَّفونه على جَهدٍ منهم وعُسرٍ وهم الشيوخ والعجائز، وحكمُهم الإفطارُ والفديةُ، و [هو] على هذا الوجهِ ثابتٌ غيرُ منسوخ، ويجوزُ أن يكون معنى {يُطِيقُونَهُ} أيضًا هذا؛ أي: يصومونه جَهْدَهم وطاقتَهم ومَبْلَغَ وُسْعِهم

(2)

.

{فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : نصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٌ غيره عند فقهاء العراق، ومُدٌّ عند فقهاء الحجاز.

قيل: رُخِّصَ لهم ذلك في أوَّل الأمر لمَّا أُمروا بالصوم فاشتدَّ عليهم لأنهم لم يتعوَّدوا، ثم نُسخ.

وقد نبَّهتُ فيما تقدَّم على أنه لا حاجةَ إلى المصيرِ إلى النسخ.

وقُرئ: {فِدْيَةٌ} منوَّنًا و {طَعَامُ} مرفوعًا بدلًا من {فِدْيَةٌ} ، و {مِسْكِينٍ} مفردًا وجمعًا، وقرئ بالإضافة والجمع

(3)

. وتبيَّن بقراءة الإفرادِ أن الحكم لكلِّ يومٍ يُفطر فيه طعامُ مسكينٍ.

(1)

انظر القراءتين في "الكشاف"(1/ 226)، والثانية في "المحتسب"(1/ 118).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 226) وما بين معكوفتين منه.

(3)

قرأ نافِع وابن ذكوان: (فديَةُ طَعَامِ مساكِينَ) بالإضافة والجمع، وباقي السبعة:{فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} بالتَّنْوِينِ ورفع المِيم والتوحيد، مَا خلا هشامًا فإنه جمع (مِسْكين). انظر:"التيسير"(ص: 79).

ص: 26

{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} بأن زاد في الطعام للمسكين، أو في عددِ مَن يلزمُه إطعامُه وانتصاب خيرًا على أنه صفة لمصدر محذوف أي: تطوعًا خيرًا لا على إسقاط الحرف أي: بخير لأنَّه غير قياس.

و (مَن)

(1)

في قراءةِ مَن جعَل {تَطَوَّعَ} ماضيًا تَحتمِل الموصولةَ

(2)

والشرطيَّة، وفي قراءةِ مَن قرأها مجزومًا

(3)

شرطيَّةٌ.

{فَهُوَ} ؛ أي: فالتطوُّع {خَيْرٌ} ؛ أي: أكثرُ خيرًا {لَهُ} من الاقتصار على القَدْر المفروض.

{وَأَنْ تَصُومُوا} أيها المطِيقون أو المطوَّقون.

{خَيْرٌ لَكُمْ} من الفديةِ على أيِّ وجهٍ كان.

{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جوابُه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه؛ أي: إنْ كنتُم من أهل العلم والتمييز عَلِمْتم أن الصوم خيرٌ لكم من ذلك.

* * *

(185) - {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

(1)

كلمة: "من "من (ح).

(2)

في (ح) و (ف): "الموصولية".

(3)

أي: (يَطَّوَّعْ). انظر: "الكشاف"(1/ 226).

ص: 27

{شَهْرُ رَمَضَانَ} مبتدأٌ خبرُه {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ، أو:{فَمَنْ شَهِدَ} ، والفاءُ لوصف المبتدأ بما تضمَّن معنى الشرطِ، وفيه إشعارٌ بأنَّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب

(1)

الصوم فيه.

أو بدلٌ من {الصِّيَامُ} في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ، و {الَّذِي أُنْزِلَ} صفتُه أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو - أو: هي - الأيام المعدودات، وقُرئ بالنصب

(2)

بدلًا منها، أو على: صوموا شهرَ رمضان، ولا يجوز أن يكون مفعولَ (أن تصوموا)؛ إذ حينئذ يَلزم الفصلُ بين المعمول وعامله بالخبر.

ورمضانُ

(3)

مصدرُ رَمضَ: إذا احترق من الرَّمْضاء، فأُضيف إليه الشهرُ وجُعل علمًا ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون، وسمَّوه بذلك لارْتماضِهم فيه من حرِّ الجوع والظَّمأ

(4)

، أو لوقوعه أيامَ رَمَضِ الحرِّ حينما

(5)

نقلوا أسماء الشهور عن اللُّغة القديمة.

وقد يُحذف المضاف لأَمْن الإلباس، على ما جاء في الحديث:"مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبه"

(6)

.

(1)

في (ح) و (د): "اختصاص بوجوب"، وفي (ك) و (م):"اختصاص لوجوب"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 125).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 12).

(3)

في (ح) و (د): (والرمضان).

(4)

يعني: لأن الصوم فيه عبادة قديمة. انظر: "الكشاف"(1/ 227).

(5)

في النسخ عدا (ك): (حيثما)، والمثبت من (ك)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 124)، والعبارة منقولة منه.

(6)

رواه البخاري (37)، ومسلم (759)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 28

{الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ؛ أي: ابتدأ فيه إنزالُه، وكان ذلك في ليلة القَدْرِ.

وقيل: أُنزل جملةً إلى سماءِ الدنيا، ثم أُنزل إلى الأرض نجومًا.

وقيل: أُنزل في شأنه القرآن، وهو قولُه تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} .

{هُدًى لِلنَّاسِ} إلى الحقِّ، حالٌ.

{وَبَيِّنَاتٍ} : وآياتٍ واضحاتٍ، عطفٌ عليه.

{مِنَ الْهُدَى} : من جملةِ ما يهدي اللّهُ به الناسَ.

{وَالْفُرْقَانِ} : وما يُفْرقُ به بين الحقِّ والباطل؛ من وحيه وكتبه السماوَّية الهاديَة الفارقة

(1)

بينهما.

{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} ؛ أي: فمَن شَهِدَ منكم هلالَ الشهر {فَلْيَصُمْهُ} على أنه مفعولٌ به؛ كقولك: شهدتُ الجمعةَ؛ أي: صلاتَها، وعلى هذا يَنتظِم أمرُ المريض والمسافر، ولا بدَّ منه لأن أصل الوجوبِ ثابتٌ في حقِّهما، والساقطُ بالرخصة المستفادة من قوله:

{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إنما هو وجوبُ الأداء، فلا وجه لأن يكون {شَهِدَ} بمعنى: حَضَر؛ لاستلزامهِ اختصاصَ الأمر بالمقيم، ولا صحةَ له

(2)

؛ إذ حينئذٍ يلزم أن يكون الحكمُ المذكورُ في حقِّ المسافر عزيمةً.

وعلى تقديرِ حملِ الوجوبِ المستفادِ من الأمر على وجوبِ الأداءِ لا وجهَ لتخصيص المقيم بالذِّكر دون الصَّحيح.

ثم إنَّ اختصاص وجوبِ الأداء بما عدا المريضَ والمسافرَ قد عُلم من قوله:

(1)

في (د): "العارفة"، وفي (ف) و (ك) و (م):"الغارقة"، والمثبت من (ح) وهو الصواب.

(2)

في هامش (د) و (ف) و (م): "من غفل عن هذا قال ما قال".

ص: 29

{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} فالوجه أن يحمل ما قبله على أصل الوجوب؛ لأنَّ الإفادة خيرٌ من الإعادة.

{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر} إطلاقُه اقتضى التخييرَ بين الجمع والتفريق

(1)

، ولا يجوز تقييدُه بالتَّتابُع بخبر الواحد؛ لأن التقييد نسخ ولا يجوز نسخُ الكتاب بأخبارِ الآحاد.

{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} برخصته الإفطارَ بعذرِ المرض والسفر.

{وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} بإيجابِ القضاءِ متواليًا وبلا

(2)

تأخيرٍ عند زوالِ العذر

(3)

.

وفي عبارة {يُرِيدُ اللَّهُ} إشارةٌ إلى أن الأَحَبَّ عنده تعالى الإفطارُ عند أحد هذين العُذرين؛ لمَا في مقابَلة

(4)

عدم قبولِ الإحسان والامتنان به، وقد نبَّه النبيُّ عليه الصلاة والسلام على هذا بقوله:"ليس مِن البِرِّ الصِّيامُ في السَّفر"

(5)

وما في الأداءِ في رمضانَ من الفضيلة لا يعارِضُ هذا الاستحباب

(6)

، واللّهُ أعلمُ بالصواب.

(1)

في (د): (التعريف).

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "بلا" دون الواو.

(3)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "يعني أنه تعالى يريد اليسر بأصل الرخصة ولا يريد العسر بالتضييق فيها؛ لأنَّه لا يناسبها، ومن هنا اتضح وجه الوصل، فإنه على تقدير أن يكون الثاني تقريرًا للأول حقُّه الفصل كما لا يخفى".

(4)

في (د): "مقابله".

(5)

رواه البخاري (1946)، ومسلم (1115)، من حديث جابر رضي الله عنه.

(6)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "إشارة إلى وجه أصحابنا في هذه الخلافية، وهو أن رمضان أفضل الوقتين فكان الأداء فيه أولى".

ص: 30

{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} يجوز أن يُعطف على علَّةٍ محذوفة؛ أي: لتَعْلَموا ما شُرِعَ لكم ولتكْملوا العدَّةَ، أو على {الْيُسْرَ}؛ أي: يريدُ اللّه بكم اليسرَ ويريدُ لتكمِلوا العدَّة؛ كقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} [الأحزاب: 33].

{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} قيل: هو تكبيرُ يوم الفِطْر، وقيل: التكبيرُ عند الإهلال، ضُمِّن فعلُ التكبير معنى الحمدِ فعُدِّي بـ (على)، فكان المعنى: حامدِينَ {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} : على هدايتكم.

{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ؛ أي: إرادةَ أن تشكروا، مَجازٌ لاشتراك المرجوِّ والمرادِ في الترجُّح.

والأفصحُ أن يُجعل {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}

(1)

إلخ عِللًا لفعلٍ معلَّلٍ محذوفٍ مدلولٍ عليه بما ذُكر من قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} إلخ؛ أي: ولهذه الأمور شُرع ذلك، فقولُه:{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} علَّةٌ للأمر في قوله: {فَعِدَّةٌ} ، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} علَّةٌ للأمر بصوم الشاهد في الشهر، وإفطارِ المسافر والمريض، وما عُلم من كيفية القضاء والخروجِ عن عُهدة الفطر؛ أي: ولتعظِّموا اللّه وتُثْنوا عليه، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} علَّةٌ الترخيص

(2)

، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك، لا يَطَّلِعُ عليه إلا الحُذَّاقُ من علماء البيان.

* * *

(186) - {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} .

(1)

في (ح) و (ف) و (ك): "لتكملوا العدة".

(2)

في (ف): "للترخيص"، وفي (ك):"الترخص".

ص: 31

{وَإِذَا سَأَلَكَ} مرتبِطٌ بما تقدَّم من جهةِ أنه لمَّا حَثَّ على تكبيره وشكره بيَّن أنَّ الذي يذكرونه ويشكرونه قريبٌ منهم، ولهذا فصله

(1)

به بين حُكمي رمضان.

{عِبَادِي} شرَّفهم بالإضافة إلى نَفْسه.

{عَنِّي} ؛ أي: عن صِفتي ومعامَلتي معهم إذا دعَوني.

{فَإِنِّي قَرِيبٌ} لم يقل: (فقل: إني قريبٌ) كما في سائر سؤالاتهم؛ لأنَّه تعالى تولَّى جوابهم حين كان عنه سؤالُهم، فتقديرُ الكلام:(فأقولُ: إني قريب).

رُوي أن أعرابيًّا قال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فنزلت

(2)

. تمثيلٌ لحاله في إجابةِ الداعي بحالِ مَن قرُبَ مكانُه من مكانه، فيُلبِّيه

(3)

إذا دعاه؛ لأنَّه تعالى عن المكان، فإنه كانَ ولا مكانَ وهو الآن على ما كان.

{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تقريرٌ للقرب، ووعدٌ للدَّاعي بالإخلاص مقرونًا بشرائطه بالإجابة

(4)

، والإجابةُ من الجَوْب: وهو القطعُ، فإجابةُ السائل: القطع بما سأل؛ لأنَّ سؤاله على الوقف: أيكونُ أم لا يكون

(5)

.

(1)

في (د): "فضل"، والمثبت من باقي النسخ، ولعل الأنسب بالسياق:(فصل).

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(3/ 223)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(1/ 314)، وابن حبان في "الثقات"(8/ 436)، من حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه. وفي سنده ضعف كما قال الحافظ في "العجاب في بيان الأسباب"(1/ 434)، وأخرج نحوه الطبري عقبه عن الحسن مرسلًا.

(3)

في (د): "فيلبينّه".

(4)

قوله: (بالإجابة) متعلق بقوله: (وعد)؛ أي: وعد بالإجابة لمن دعاه مخلصًا دعاءً مقرونًا بتحقيق شرائط الدعاء.

(5)

"يكون": ليست في (ح) و (ف).

ص: 32

{فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} ؛ أي: أنا أُجيبُهم فيما دعَوني فعليهم أنْ يُجيبوني فيما دعوتُهم إليه بالائتمارِ فيما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه.

قال أبو عبيدةَ: الاستجابةُ والإجابةُ واحدٌ؛ كالإنابة والاستنابة، وأنشد لكعبِ بنِ سعدٍ الغَنَويِّ:

وداعٍ دَعَا يا مَن يُجيب إلى النَّدَى

فلم يَسْتَجِبهُ عند ذاكَ مجيبُ

(1)

أي: لم يُجبه.

هذا ما بحسَبِ جَليلِ النظر، والذي بحسب دقيقِه وهي: أنه تعالى إنما قال: {فَلْيَسْتَجِيبُوا} ولم يقل: فلْيُجيبوا؛ لِلَطيفةٍ وهي: أنَّ حقيقة الاستجابة طلبُ الإجابة وإنْ كان قد يُستعمل في معنى الإجابة، فبيَّن

(2)

أن العباد متى تحرَّوا إجابتَه بقَدْرِ وُسعِهم فإنه

(3)

يرضَى به عنهم، هذا فيما يتولَّاه الجوارح من الأعمال، وأمَّا الذي يتعلَّق بالإذعان القلبي من الإيمان فلا بدَّ فيه من حقيقة الإجابة، ولهذا أفرده بالذكر بقوله:

{وَلْيُؤْمِنُوا بِي} مع انتظامه فيما

(4)

تقدَّم بحسب جَليل النظر.

{لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} راجينَ الرُّشد وهو إجابةُ الخير، ونقيضُه: الغي.

وقرئ بفتح الشين وضمِّها

(5)

؛ أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ

(1)

انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (1/ 67 و 112 و 245 و 326) و (2/ 107).

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "فتبين".

(3)

في (م) زيادة: "قد".

(4)

في (د) و (ك) و (م): (ما).

(5)

القراءة بالضم هي قراءة الجمهور، وبالفتح ذكرها الزمخشري في "الكشاف"(1/ 229).

ص: 33

رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ

(1)

، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْدًا فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل

(2)

، وقُرئ بالكسر أيضًا

(3)

.

* * *

(187) - {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} نصبٌ على الظرف، وإنما لم يَقُل: لياليَ الصيام؛ إعمالًا لدلالة الكلام، ولا يَخفَى لطفُه على ذوي الأفهام.

{الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} رُوي: أن المسلمين كانوا إذا صلَّوا العشاءَ أو ناموا حرُم عليهم المفطِّر إلى القابلة وإن لم يُفطِر، ثم إن عمر رضي الله عنه باشَر بعد العِشاء، فندِم وأتى النبيَّ عليه السلام واعتذَر إليه، فقام رجالٌ واعترفوا بما صنعوا بعد العِشاء، فنزلت

(4)

.

(1)

يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: من حد طَرِبَ - كما في "مختار الصحاح" - لكان أدق وأولى.

(2)

يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: رَشَد يَرْشُدُ من حدِّ دَخَل رُشْدًا - كما في "مختار الصحاح" لكنه مثَّل بقعد يقعد - لكان أدق وأولى.

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 229)، و" المحرر الوجيز"(1/ 256).

(4)

رواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند"(15795) من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه. وله شواهد تنظر في حاشية "المسند"، وروي في معناه آثار تنظر في "تفسير الطبري"(3/ 233 - 241).

ص: 34

والرَّفثُ في الأصل هو قولُ الفُحش، ثم جُعل اسمًا للإفصاح بما يجب أن يُكنى عنه عند النساء من معاني الإفضاء إليهنَّ

(1)

، يرشدُك إلى هذا قولُ ابن عباس رضي الله عنهما حين أنشد وهو مُحْرِم:

وهنَّ يمشينَ بنا هَميسا

إنْ يَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا

فقيل له: أَرَفَثْتَ؟ قال: إنَّما الرَّفَثُ ما كان عندَ النساء

(2)

.

وإنما عدِّي بـ (إلى) لِمَا في مفهومه من معنى الإفضاء

(3)

.

ثم إنه كنى بمجموع قوله: {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} عن الجماع، وقد

(4)

كُني عن الجماع في جميع القرآن بلفظٍ مستحسَنٍ لا يدلُّ على معنى القبحِ مراعاةً للأدب - ولا أدبَ كأدبِ التنزيل - كقوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]، {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} [الأعراف: 189]، {بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]، {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} [البقرة: 223]، {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 237]، {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} [النساء: 24]، {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222]، إلا

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "القوم زعموا أن الكناية عن الجماع بلفظ الرفث وحده، ويلزمهم اعتبار التضمين بلا حاجة إليه؛ لأن الجماع لا يوجد بدون الإفضاء، والتضمينُ إنما يصار إليه لفائدة زائدة، ولا يرد مثل هذا على ما ذكرناه؛ لأن المعتبر في مفهوم الرفث الإفضاء إلى مطلق النساء، والمفاد في المقام الإفضاء إلى ما أحل لهم من النساء، ولا بد منه لتصحيح الكناية عن الجماع الحلال. منه".

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 230)، ورواه سعيد بن منصور في "سننه"(345 - تفسير)، والطبري في "تفسيره"(3/ 458 - 459)، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل. انظر: "اللسان"(مادة: همس).

(3)

في هامش (د): "فلا حاجة إلى التضمين. منه".

(4)

في النسخ عدا (م): "قد"، والمثبت من (م).

ص: 35

هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح

(1)

استهجانًا واستقباحًا لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً.

{هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} استئنافٌ يبيِّن سبب الإحلال، وهو قلَّةُ الصبر عنهنَّ وصعوبةُ اجتنابهن لكثرة المخالَطة وشدةِ الملابَسة، وفي تقديم {هُنَّ لِبَاسٌ}

(2)

نوعُ تأييدٍ له، حيث كان ذلك لزيادة الشَّغَف من جانبه، شبَّه الرجل والمرأة في تعانُقهما واشتمالِ كلٍّ منهما على صاحبه في عناقه باللِّباس المشتمِل عليه، قال الجعدي:

إذا ما الضِّجيع ثَنَى عِطْفَه

تثنَّتْ فكانَتْ عليه لِباسًا

(3)

وأفرد اللباس لأنَّه

(4)

كالمصدر.

{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} تظلِمونها بتعريضِها للعقاب، وتنقيصِ حظِّها من الثواب.

والاختيانُ أبلغ من الخيانة؛ كالاكتساب من الكسب، لتضمُّنه معنى

(5)

القصدِ والزيادة.

والخيانة ضدُّ الأمانة، وقد ائتمَن اللّه عبادَه على ما أمَرهم به ونهاهم عنه، فإذا عصَوه في السرِّ فقد خانوه، وفي زيادة {كُنْتُمْ} دلالةٌ على أنهم مجبولون على ذلك، ففيه نوعُ إشارة إلى وجهِ قبول توبتهم، ولهذا أتى بأداة التفريع في قوله:

(1)

في (ك) و (م): "القبح".

(2)

في (د): {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} .

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 230)، وهو في ديوان النابغة الجعدي (ص: 81) برواية: (ثنى جيدها).

(4)

في (ف): "كأنه".

(5)

كلمة: "معنى" ليست في (د).

ص: 36

{فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: لمَّا تُبتم ممَّا اقترفتُموه من المحظور، وقد مرَّ تفسير التوبة.

{وَعَفَا عَنْكُمْ} : ومحا أثر ذلك عنكم بالتجاوُز.

{فَالْآنَ} (آن) أصله: فَعَلَ، بمعنى: حان، ثم جُعل اسمًا للزمان الحاضر، وعرِّف بالألف واللام، وبقي

(1)

على الفتحة، والمراد: ليلة الصيام.

{بَاشِرُوهُنَّ} لما نُسخ عنكم حكمُ التحريم، ولا دلالةَ فيه على انتساخ السنَّة بالقرآن؛ لاحتمالِ أن يكون المنسوخُ حكمَه من كلام الله تعالى المنسوخِ تلاوته

(2)

.

وأصل المباشَرة: إلصاق البشَرة بالبشرة، وهي ظاهرُ الجلد كُني بها عن المجامعة، والأمرُ للإباحة.

{وَابْتَغُوا} الابتغاء: الطلبُ للبغية.

{مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} ما قدَّر الله تعالى لكم من الولد؛ أي: لا تباشروهن لقضاء الشهوة وحدها، ولكنْ لابتغاءِ ما وضَع اللهُ له النكاحَ من التناسل لبقاءِ النوع إلى غايةٍ، وهذا يتضمَّن النهي عن العزل وإتيانِ المحل المحرَّم وكفى في الابتغاء المذكور كونُ الولد مقدَّرًا للجملة، ولا يَلزم أن يكون مقدَّرًا لكلِّ واحدٍ منهم

(3)

.

{وَكُلُوا} الظاهر أنه كلامٌ مبتدَأٌ لا معطوفٌ على {بَاشِرُوهُنَّ} ، وإنما زِيدَ قولُه:

{وَاشْرَبُوا} إهمالًا للدلالة، فإنه على تقدير إعمالها لم يبقَ حاجةٌ إلى تلك

(1)

في (ف): "بني".

(2)

في (م): "تلاوةً".

(3)

في هامش (د) و (م): "حتى يلزم الاشتراك في الغاية. منه". وفي هامش (ح) و (ف): "حتى لا يلزم

".

ص: 37

الزيادة، وإنما أُهملت لأنها تنتظِم

(1)

الوقاعَ، وهو لا يجوز أن يُفعل إلى طلوع الفجر؛ إذ لا ينقطع أثرُه المفسدُ للصوم في الحال، بخلاف الأكل والشرب.

{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ} التَبَيُّن: تمييز

(2)

الشيء الذي يَظهر للنفس على التحقيق.

{الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} شبَّه أولَ ما يبدو من نور الفجر المعترِضِ في الأفق بالخيط الأبيض، وما يمتدُّ معه من غَلَس

(3)

الليل بالخيط الأسود.

اختلف مشايخ أصحابنا في أنَّ العبرة لأوَّل طلوعه أم لاستطارَته وانتشارِه؛ قال شمسُ الأئمة الحَلْواني

(4)

: الأولُ أحوطُ والثاني أوسعُ.

ونحن نقول: إنَّ التشبيه بالخيط للتنبيه على أنَّ العبرة لأولِ طلوعه، فلا مَساغَ للاختلاف المذكور.

{مِنَ الْفَجْرِ} بيانٌ لهما؛ أمَّا كونُه بيانًا للأول فظاهرٌ، وأمَّا كونه بيانًا للثاني: فلأنه باعتبارِ انتهائه إليه واتصالهِ به يُعدُّ منه، ومثلُ هذا التوسَّعِ في البيان ليس بعزيزٍ، ولهذا قدِّم الخيط الأبيض على قَرينه، فإنه على تقديرِ اختصاص البيان له حقُّه التأخيرُ عنه، ومن هنا اتَّضح أنه لا وجهَ لأنْ تكون {مِنَ} المذكورةُ للتبعيض، وبالبيان المذكور خرَج الكلام من احتمالِ الاستعارة

(5)

، وإنما زِيدَ

(1)

في النسخ عدا (د): "لا تنتظم"، والمثبت من (د).

(2)

في (د) و (م): "تميز".

(3)

في (ك): "غسق".

(4)

عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحَلْوانيُّ، الملقب بشمس الأئمَّة، إمام أصحاب أبي حنيفة ببخارى في وقته، من تصانيفه:"المبسوط"، توفِّي سنة ثَمَانٍ أو تسعٍ وأربعين وأربع مئة. والحلواني بفتْح الحاء المهلة وسكون اللَّام. انظر:"الجواهر المضية"(1/ 318).

(5)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "لكون البيان المذكور مشتركًا بينهما. منه".

ص: 38

مع أنَّ الاستعارة أبلغُ من التشبيه

(1)

؛ لفَقْدِ شرطها وهو تَعذُّرُ الحقيقة

(2)

.

قال سهل بن سعدٍ الساعديُّ: نزلت هذه الآيةُ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربط أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، فلا يزال يأكلُ ويشربُ حتى يَتبيَّن له منهما

(3)

، فأَنزل الله بعد ذلك قولَه:{مِنَ الْفَجْرِ} فعَلِموا أنَّه إنَّما يعني بذلك الليلَ والنهارَ. وهذا حديثٌ صحيح عند أئمَّة الحديث كالبخاريِّ ومسلم

(4)

.

لا يقال: إنه

(5)

غيرُ مقبولٍ عند أئمة البلاغة لأن الكلام المذكور بدون البيان المزكور ساقطٌ عن درجة البلاغة؛ لفَقْدِ

(6)

قرينة الاستعارة على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وعند عامةِ الأصوليين لِمَا فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا خلاف في امتناعه عند مَن لا يجوِّز تكليفَ المحال، وإنما الخلاف في التأخير عن وقت الخطاب.

لأنَّا نقول

(7)

: كفى قولُه: {لَكُمُ} قرينةً للاستعارة، وذلك أنَّ في التخصيص المستفادِ من تقديمه دلالةً على أن التبيينَ المذكور مما يَختلفُ، فيتحقَّقُ لبعض

(1)

"من التشبيه" ليس في (ف).

(2)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن المراد المعنى العام منهما. منه".

(3)

قوله: "منهما" كذا في النسخ، والذي في الصحيحين:(رؤيتهما).

(4)

رواه البخاري (1917)، ومسلم (1091).

(5)

في (د) و (ك): "إلا أنه" بدل: "لا يقال إنه".

(6)

في (م): "لفقدان".

(7)

من هنا إلى قوله: (بقوله من الفجر) سقط من (د) و (ك).

ص: 39

الرائين دون بعضٍ، وعلى تقدير الحقيقة لا مجال لهذا الاختلاف، وإنما يتحقَّق على تقدير

(1)

الاستعارة لاختلاف المطالع، ولمَا في هذا البيانِ من الدِّقَّة اشتَبه على بعض أهل اللسان، فاحتيج إلى زيادة البيان بقوله:{مِنَ الْفَجْرِ} .

قيل: في تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالةُ على جواز تأخير الغُسل عنه. ويلزمُه صحةُ صوم المصبِح جنبًا، ومبناه الغُفول عمَّا قدَّمناه من إهمال الدلالة.

ثم إنَّ تمام الاستدلال المذكور على تحقُّق

(2)

المنافاة بين إباحة المباشرة إلى آخِر الليل ووجوبِ الاغتسال فيه، وذلك غيرُ مسلَّم، فإنَّ وجوب الصلاة مع كونها مشروطةً بالطهارة قد اجتمع مع إباحتها في آخِر جزءٍ من أجزاء وقت صلاة المغرب.

{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} تمسَّكَ أصحابنا بهذا في جواز النيَّة بالنهار في صوم رمضان، ولا وجهَ له، بل هو ظاهرٌ فيما ذكره المخالفُ، حيث قال اللّه تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} ولم يقل: ثم صُوموا، ولولا ما فيه من محذورِ الدلالة على تراخي الشروعِ في الصوم عن طلوع الفجر لَمَا عُدِل عن الأَخْصَر الأظهَر

(3)

.

{إِلَى اللَّيْلِ} بيانُ آخِرِ وقتِ الفَرْض، وإخراجُ الليل عن حدِّه لا يستلزمُ إخراجَه عن مَحِلِّيَّة الصوم مُطلقًا، فلا دلالةَ فيه على نفي صوم الوصال.

{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ} المراد بالمباشرة: الوطءُ، والنهيُ عنه لا لعَيْنهِ، بل لأنَّه سببٌ للجنابة

(4)

المانعة لصحةِ الاعتكاف، فإنه في الشرع: لبثُ المسلم العاقل الطاهر في المسجد بنيَّة القُربة، فيَنتظِم النهيُ ما في معناه من الملامسةِ بالشهوة مع الإنزال.

(1)

في (م): "مع تقدير"، وسقطت العبارة من (ف)، والمثبت من (ح).

(2)

في النسخ عدا (د): "تحقيق"، والمثبت من (د).

(3)

في (ك) و (م): "إلى الأظهر".

(4)

في (ف) و (ك): "للخيانة".

ص: 40

{وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} : معتكفون فيها، والعُكوف في اللغة: الإقامةُ.

بيَّن أنَّ المباشرة تحلُّ في ليالي رمضان لكنْ لغير المعتكِفِ، فإنها تُفسد الاعتكاف، عن قتادة: كان الرجل يعتكِفُ، فيَخرجُ إلى امرأته فيباشرُها ثم يرجع، فنُهوا عن ذلك

(1)

.

وإنما زاد قوله: {فِي الْمَسَاجِدِ} للإشارةِ إلى أنَّ الاعتكاف إنَّما يكونُ في المسجد، وصيغةُ الجمع لدفع وَهمِ العهد، فيُفهمُ منه عدمُ اختصاصه بمسجدٍ دون مسجدٍ.

{تِلْكَ} إشارةٌ إلى

(2)

التقديرات الواقعة في الأوامر والنواهي المذكورة، المانعةِ عن التجاوُز عنها.

{حُدُودُ اللَّهِ} أصل الحدِّ: المنعُ، ومنه: الحدَّاد، للبواب. وحدودُ الشرع موانعُ عن الجنايات، وحدودُ الدار موانع عن الاختلاط.

{فَلَا تَقْرَبُوهَا} نهيُ إشفاقٍ يتضمَّن نهيَ التحريم عن التَّجاوُز عنها على وجهٍ أبلغَ؛ كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] قال النبيُّ عليه السلام: "إنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى، وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُه، فمَن رَتَعَ حولَ الحِمَى يُوشكُ أن يَقع فيه"

(3)

ومن هنا ظهر وجهُ النهي المذكور.

{كَذَلِكَ} مِثْلَ ذلك التبيينِ {يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ} الدالَّة على سائر مشروعاته.

{لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} مخالَفةَ الأوامرِ والنَّوَاهي.

* * *

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(3/ 270).

(2)

في (ك) و (م): "إلى أن".

(3)

رواه بنحوه البخاري (52)، ومسلم (1559)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.

ص: 41

(188) - {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} نصبٌ على الظرف أو الحال من الأموال، تقبيحٌ بليغٌ لمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ.

{بِالْبَاطِلِ} : بالجهة التي ليست مشروعةً، كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله:{أَمْوَالَكُمْ} .

قيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ

(1)

. ولا يخفَى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه.

{وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} عطفٌ على النَّهي

(2)

؛ أي: ولا تُدْلوا

(3)

، لا منصوبٌ بإضمار (أنْ) إذ حينئذٍ يكون المعنى: لا تجمَعوا بين الأكلِ بالباطل والإدلاءِ إلى الحكام، والنهيُ عن الجمع بينَهما لا يَستلزِمُ النهيَ عن كلٍّ منهما، وكلٌّ منهما حرامٌ فحقُّه أنْ يُنهى عنه منفردًا عن الآخَر، فيُفهَمَ منه النهيُ عن الجمع بينهما بطريقِ الدلالة على آكَدِ وجهٍ وأَبلغِه.

والإدلاءُ: إرسالُ الدَّلو في البئر، واستُعير للتوصُّل إلى الشيء.

{لِتَأْكُلُوا} بالتحاكُم.

{فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ} الفريق: القطعةُ المعزولةُ من الشيء.

(1)

"ولا تأكلوا بعضكم مال بعض" كذا في النسخ، وهي على لغة أكلوني البراغيث، والذي في "الكشاف"(1/ 233)، و"تفسير البيضاوي" (1/ 127):(ولا يأكل بعضكم مال بعض).

(2)

في (ح) و (ت) و (ك): "المنهي".

(3)

في (م): "ولا تدلوا ولا تأكلوا".

ص: 42

{بِالْإِثْمِ} ؛ أي: بما يوجِبُ الإثمَ؛ كشهادةِ الزُّور، واليمينِ الكاذبة. أو: مُلْتبسِين

(1)

بالإثم.

{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مُبْطِلون، وإنما قيّد به لأن حصول الإثم مشروطٌ بالعلم المذكور.

وقيل: ارتكاب المعصية مع العِلم بقبحها أعظمُ، وصاحبُها بالتوبيخ أحقُّ.

والأولُ أولى كما لا يَخفَى.

رُوي أنَّ عَيْدان

(2)

الحضرميَّ ادَّعى على امرئ القيس الكنديِّ أرضًا غصْبًا في يده، واختصَما إلى النبيِّ عليه السلام، فقال لعَيْدان:"أَلكَ بيِّنةٌ" قال: لا، قال:"لَكَ يَمينُه"، فقال: إذًا يذهب بأرضي! فقال النبيُّ عليه السلام: "ليس لكَ إلَّا ذلك" فحلَف كاذبًا باللّه ما له قِبَلَه حقًا، فنزلت الآية، فأقَرَّ عيدانَ وردَّ أرضَه إليه، وأعطاه أرضًا أخرى أيضًا مكانَ ما أخذ من غلَّتها

(3)

.

(1)

في (ف): "متلبسين".

(2)

وقع في النسخ وأكثر المطبوعات: (عبدان) بالباء هنا وفي المواضع الآتية، والتصويب من "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (1/ 452) حيث قيده بفتح العين وبعدها ياء نقلًا عن أصحاب المشتبه.

(3)

كذا ذكر المؤلف في هذا الخبر أن الكندي حلف كاذبًا ثم رجع وعوَّض، ولم أجده هكذا عند أحد غيره، والذي في المصادر أنه أراد أن يحلف لكنه لم يحلف خوفًا من الوعيد. انظر:"تفسير مقاتل بن سليمان"(1/ 165)، و"تفسير أبي الليث"(1/ 126)، و"تفسير الثعلبي"(2/ 83)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: 53)، و"تفسير البغوي"(1/ 233)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 127). ولم يذكر لها أحد سندًا، لكن عزاها الثعلبي لابن حيان وابن السائب، وتابعه تلميذه الواحدي في عزوها لمقاتل بن حيان، فتعقبه الحافظ في "العجاب" بقوله: كذا رأيت فيه: (ابن حيان) وقد وجدته في "تفسير مقاتل بن سليمان". وروى القصة دون ذكر سبب النزول الإمام أحمد في "المسند"=

ص: 43

(189) - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} (الأهلَّة): جمعُ هلال، وهو للَيلةٍ أو ليلتين، سُمي به لأنَّ الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته، رُوي أنَّ مُعاذ بن جَبَلٍ وثعلبة بن عَنَمة

(1)

الأنصاريَّ سألا فقالا: ما بالُ الهلال

(2)

يبدو دقيقًا كالخيط، ثم يَزيد حتى يمتلئَ ويستويَ، ثم لا يزال يَنقص حتى يعودَ كما بدأ

(3)

؟

ومن هنا ظهر وجهُ الإتيان بصيغة الجمع، فإنهما لمَّا سألا عمَّا في أول

= (17716) بإسناد صحيح من حديث عدي بن عميرة الكندي رضي الله عنه. وأصلها في "صحيح مسلم"(139) من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه.

(1)

في النسخ: "وثعلبة بن غنم"، وكذا وقع في "الكشاف" و"تفسير البيضاوي" وغيرهما، والتصويب من "العجاب"(1/ 453) حيث قيدها الحافظ بفتح العين والنون، وكذا جاء في أكثر المصادر الآتية.

(2)

في هامش (ح) و (ف): "عبارة (ما بال) ظاهرة في السؤال عن السبب وإن خفي على بعض الناظرين فيها. منه".

(3)

انظر: "النكت والعيون"(1/ 249)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: 53)، و"تفسير البغوي"(1/ 233)، وعزاه الواحدي للكلبي، ورواه ابن عساكر في "تاريخه"(1/ 25) من طريق محمَّد ابن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس وذكر معاذ بن جبل وثعلبة بن عَنَمَة

، وهذا سند تالف، ضعفه السيوطي في "الدر المنثور"(1/ 490)، والمناوي في "الفتح السماوي" (1/ 232) وقال: سنده واهٍ. وقال الحافظ في "العجاب"(1/ 455): قد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعًا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم.

ص: 44

الشهر وعمَّا في آخره كان المناسبُ أن يعبَّر عن المسؤول عنه بصيغة الجمع

(1)

.

{قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ} : جمع ميقاتٍ، وهو مفعالٌ من الوقت معناه: ما وقِّت به الشيءُ؛ أي: حُدَّ ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يتجاوزها مَن يريد دخولَ مكة محرِمًا، والوقتُ والمدة والزمان يتقارب لكنَّ المدة المطلَقة أوسعُها، فإنها امتدادُ حركة الفلك؛ أي: اتِّصالُها من مبدئها إلى غايتها، والزمان

(2)

مدةٌ مقسومة من مطلَق المدة، والوقتُ [نهاية] الزمان المفروضِ للعمل.

{لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ؛ أي: لِمَا يتعلَّق به من أمور المعاملات

(3)

ومصالحهم، ونبَّه بذكر الحج على ما يتعلَّق به من العبادات، ولكن ذكر أعظمَها أثرًا، فإن الحج يراعَى في أدائه وقضائه الوقتُ المعلوم بخلافِ سائر العبادات التي لا يصير في قضائها وقتٌ معيَّنٌ.

كان السؤال عن السبب العاديِّ لاختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه، وأجيبَ على أسلوبِ الحكيم ببيان الحكمة في هذا الاختلاف؛ للتنبيه على أن المناسب لحالِ السائل أن يَسأل عن ذلك لا عن السبب؛ لأنَّه ليس مما يُطلع عليه بسهولة؛ لابتنائه على معرفة مسائلَ من دقائق علم الهيئة.

{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} ؛ أيْ برُّ مَن اتَّقى،

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "يعني لما كان السؤال عن الأحوال المختلفة لا عن الحالة المستمرة، وكان يطلق اسم الهلال عند كل حال من تلك الأحوال، جيء بلفظ الجمع تنبيهًا على أن السؤال كان عن الأحوال المختلفة له لا عن حالته المستمرة. منه".

(2)

في النسخ عدا (د): (والغاية)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب"(1/ 401)، والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.

(3)

أي: معاملاتهم. انظر: "تفسير الراغب"(1/ 401)، و"البحر المحيط"(3/ 419).

ص: 45

لمَّا بيَّن أنهم عكَسوا الحالَ في السؤال عن حال الهلال، مثَّل حالهم في السؤال عمَّا لا ينبغي بحالهم في الإحرام بالحج، وجريهم على خلاف ما يجب أن يكونوا عليه، وهو أن ناسًا من الأنصار كانوا إذا أَحرموا لم يدخلوا بيتًا من البيوت من بابه، فإنْ كانوا من أهل المَدَر

(1)

نقَبوا نقبًا في ظهر بيتهم منه

(2)

يدخلون ويخرجون، أو اتَّخذوا سلَّمًا يصعدون فيه وينزلون، وإن كانوا من أهل الوَبَر دخلوا وخرجوا

(3)

من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البرُّ بتحرُّجِكم من دخول الباب، ولكنَّ البرَّ الاتِّقاءُ من محارِم الله تعالى.

وهذا مع كونه نهيًا لهم عن عادتهم الرديَّة في باب الحجِّ على سبيل الاستطراد لذكرِ الحج وبيانِ مواقيته

(4)

بيان لتعكيسهم في السؤال، وهو أن يسكتوا عمَّا يهمُّهم ويَسألوا عمَّا لا يَعْنيهم؛ أي: ما أنتم في سؤالكم عن سبب نقصانِ الأهلَّة وكمالِها وتركِكُم ما يهمُّكم من فوائدها إلا ككَونِكم متحرِّجينَ عن دخول البيوت من أبوابها وإتيانِكم من ظهورها حاسِبِين ذلك برًّا وما هو من البرِّ في شيء، وترككم التحرُّجَ عمَّا يجب عليكم اتقاؤه واجتنابُه وهو البرُّ. ثم قال:

{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} ؛ أي: باشِروا الأمور من وجوهها، والمراد: توطينُ النَّفْس على ترك الفضول من السؤال والفعال، واجتنابُ ما يجب اجتنابُه، والتزامُ ما أَوجبَ الشرع من غير شكٍّ وشبهةٍ، فإن في السؤال أمَارةَ الشكِّ.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} في تغيير أحكامه والاعتراضِ على أفعاله.

{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : لكي تَظفروا بالبِرِّ.

(1)

في (ف) و (م): "المدن".

(2)

"منه" سقط من (ح) و (ف) و (ك) و (م).

(3)

في (د): "أو خرجوا".

(4)

في (د): "موافقته".

ص: 46

(190) - {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} .

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: جاهِدوا لإعلاء كلمةِ الله وإعزازِ دِينه، والقتال: محاولةُ القتل ممن يحاولُه، والقتل: نقضُ بِنْيَة الحياة.

{الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} عن الربيع بن أنس رضي الله عنه: هي أوَّل آيةٍ نزلت في القتال بالمدينة، فـ[لما نزلت] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلُ مَن قاتَلَ وَيكفُّ عمَّن كَفَّ [عنه حتى نزلت براءة]

(1)

؛ أي: قاتِلوا الذين يناجِزونكم القتالَ دون المحاجِزِين

(2)

، فعلى هذا يكون منسوخًا بقوله تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36]، أو: الذين يناصبُونكم القتال دون غيرهم كالشيوخ والنساء والصِّبيان والرُّهبان، أو: الكفرةَ كلَّهم لأنهم أعداء المؤمنين قاصدين لقتالهم

(3)

، فهم في حكم المقاتِلة قاتَلوا أو لم يقاتِلوا، فيكون غيرَ منسوخ.

وقيل: لمَّا صدَّ المشركون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابَه عامَ الحُديبيَة وصالحوه على أن يرجع مِن قابلٍ فيُخْلوا له مكةَ ثلاثةَ أيام، فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لا تَفِيَ لهم قريشٌ ويقاتلوهم

(4)

في الحرم وفي الشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت وأُطلق لهم قتالُ الذين يقاتلونهم فيها.

{وَلَا تَعْتَدُوا} بابتداءِ القتال على الأول والرابعِ، أو بقتال غيرِ الناصِبِين

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 235)، ورواه الطبري في "تفسيره"(3/ 289)، وما بين معكوفتين منه.

(2)

المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والمحاجزة: الممانعة، وفي المثل: المحاجزة قبل المناجزة. انظر: "فتوح الغيب"(3/ 261).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 235)، وفيه:( .. لأنهم جميعًا مضادّون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم .. ).

(4)

في (م): "ويقاتلونهم".

ص: 47

كالشيوخ والصبيان والنسوان والرهبان والذين بينكم وبينهم عهدٌ على الثاني، أو بالمُثْلة

(1)

أو المفاجأةِ من غير دعوة على الثالث.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} عدمُ الحبِّ كنايةٌ عن الكراهة

(2)

، فهم في مَعْرِض المؤاخَذةِ بسبب الاعتداء.

* * *

(191) - {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} .

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} في حِلٍّ أو حَرَمٍ، تقول: ثَقِفْتُه أَثْقَفُه ثَقْفًا: إذا ظَفِرْتَ به، ومنه قوله تعالى:{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ} [الأنفال: 57]، وقولُ الشاعر:

فإمَّا تَثْقَفوني فاقْتُلوني

فإنْ أثْقَفْ فسوف ترون بالي

(3)

وأمَّا الحَذَاقةُ في الأخذ فغيرُ معتبرٍ في مفهومه.

{وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} ؛ أي: من مكةَ، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم[ذلك]

(4)

بمَن لم يُسلم منهم يومَ الفتح.

(1)

في هامش (ف) و (م): "المثلة قلع الأنف والأذن. منه".

(2)

في هامش (د) و (ف) و (م): "من غفل عن هذا قال لا يريد بهم الخبر. منه".

(3)

انظر: "جمهرة اللغة"(1/ 429)، و"الصحاح" (مادة: ثقف)، و"مقاييس اللغة"(1/ 383)، و"اللسان" و"التاج" (مادة: ثقف). وعزاه صاحب التاج لعمرو ذي الكلب. ووقع في النسخ: (فسوف تروني)، والمثبت من المصادر.

(4)

من "تفسير البيضاوي"(1/ 128).

ص: 48

{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} من باب التعميم؛ لاندراج الخاصِّ فيه؛ أي: المحنة والبلاء الذي يتعذب

(1)

به الإنسان أشد عليه

(2)

من القتل.

قيل لبعض الحكماء: ما أشدُّ من الموت؟ قال: الذي يُتمنَّى فيه الموت.

جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن الذي يُتمنَّى عندها الموت، ومنه قولُ القائل:

لقتلٌ بحدِّ السيف أهونُ مَوقِعًا

على النَّفْس مِن قتلٍ بحدِّ فراقِ

(3)

{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ؛ أي: لا تُفاتحوهم بالقتل وهَتْكِ حُرمة المسجد الحرام، والمسجدُ الحرام: الحرَمُ كلُّه، قال تعالى:{وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الفتح: 25]، وإنما صدُّوهم عن الحرَم كله

(4)

.

{حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} أُتي هنا بعبارة {فِيهِ} دون: عند؛ للدلالة على أنه لا رخصةَ للقتال بمقاتَلتهم عند المسجد الحرام، بل لا بدَّ في أول الأمر من الالتجاء إليه بالدخول فيه، فإنِ انتَهوا عن القتال وإلا فلهم أنْ يقاتلوهم

(5)

بعد ذلك، وهذا لرعايةِ حُرمته مهما أَمْكَنَ، وفيما تقدَّم أُتي بـ {عِنْدَ} دون: فيه؛ لأن النهي عن القتال عند المسجد الحرام يَستلزمُ النهيَ عن القتال فيه بدون العكس، فكلٌّ من العبارتين أصاب محزَّها

(6)

.

(1)

في (ك): "اللذين يتعذب"، وفي (م):"اللذين يعذب".

(2)

في (م): "عليهم".

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 236).

(4)

في هامش (ف) و (د) و (م): "مذكور في تفسير قوله تعالى: {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} من التيسير. منه".

(5)

في (م) زيادة: "عند المسجد الحرام بل لا بد"، ولعله سبق نظر من الناسخ.

(6)

في (ف) و (م): (مخبرها).

ص: 49

{فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} فلا تُبالوا بقتالهم ثَمةَ فإنهم الذين هتكوا حُرمته، وهذا تصريحٌ بمفهوم الغاية، وبشارةٌ بالغَلَبة حيث قال:{فَاقْتُلُوهُمْ} دون: فقاتلوهم. وقُرئ: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ .. حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ .. فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ}

(1)

جُعل وقوعُ القتل في بعضهم كوقوعه فيهم، يقال: قتلَتْنا بنو

(2)

فلان.

{كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}

(3)

ذلك جزاؤهم يُفعَلُ بهم مِثْلَ ما فَعَلوا.

* * *

(192) - {فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{فَإِنِ انْتَهَوْا} عن الكفر والقتال.

{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} غفرُ لهم ما قد

(4)

سلف، ويرحمُهم في المؤتنَف

(5)

.

* * *

(193) - {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} .

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} عدوان، وتفسيرُها بالشرك يأباه العطفُ بالواو في قوله:

(1)

هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 80).

(2)

في (ح) و (ف): "قتلْنا بني"، وفي (ك) و (م):"قتلَنا بنو"، والمثبت من "د"، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 236).

(3)

"مثل" مبتدأ وما بعده الخبر، هذا اختيار أبي البقاء: أن الكاف بمعنى مثل مبتدأ {جَزَاءُ} خبره، والمشهور أن {كَذَلِكَ} جار ومجرور خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر. انظر:"التبيان" للعكبري (1/ 158)، و"روح المعاني"(3/ 165).

(4)

"قد": ليست في (ك) و (م).

(5)

في هامش (د) و (ف): "والمؤتنف للمفعول: الذي لم يؤكل منه شيء كالمتأنِّف للفاعل. إلى هنا كلام قاموس. منه".

ص: 50

{فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} خالصًا ليس للشيطان فيه نصيبٌ.

{فَإِنِ انْتَهَوْا} أي: عن العدوان، والفاءُ للتعقيب.

{فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} ؛ أي: فلا عدوانَ عليهم، فأراد أن ينبِّه على قبح العدوان وأنَّه ظلم، وأنَّ مقاتلةَ المنتَهِين عدوانٌ، فحصَر العدوانَ في أضدادهم، وسجَّل على

(1)

أنَّ العدوان ظلمٌ، فوَضع {الظَّالِمِينَ} موضع ضمير المعادِينَ، فدلَّ بالفحوى على أنَّ المنتهِين هم المعادلون الذين

(2)

لا عدوانَ عليهم، وسمَّى

(3)

القتلَ عدوانًا مجازًا من حيث كان عقوبةً على العدوان

(4)

كما قال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وحسُن ذلك لازدواجِ الكلام ومزاوجتِه هاهنا على اعتبارِ المقدَّر؛ لِمَا عرفتَ أنَّ تقديره: فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوانَ إلا على الظالمين.

* * *

(194) - {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} .

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} قاتلَهم المشركون عامَ الحديبيَة في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء فيه وكراهتِهم القتالَ:{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} ؛ أي: هذا الشهرُ بذاك الشهرِ، فهَتْكُه بهَتْكِه، فلا تُبالوا به.

(1)

"على" ليست في (ح) و (ف).

(2)

في (د): (الذي).

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): (ويسمى).

(4)

في هامش (د) و (ف): "وأما قوله: (فَمَنِ اَعْتَدَى

)

إلخ فليس من هذا القبيل على ما ستقف عليه. منه".

ص: 51

{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} احتجاجٌ عليه؛ أي: كلُّ حُرمةٍ - وهو ما يجب أن يحافَظَ عليه - يجري فيها

(1)

القصاصُ، فلما هتكوا حرمةَ شهركم بالصد فيه

(2)

فافعلوا بهم مثلَه، وادخلوا عليهم عَنْوةً، واقتُلوهم إن قاتلوكم. وأكَّد معنى القصاصِ بقوله:

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} الاعتداء: مجاوزةُ حدِّ مّا، وذلك قد لا يكون مذمومًا، بخلافِ الظلم فإنه وضع الشيء في غير الموضع الذي يحق أن يوضع فيه

(3)

، وهذا في كلِّ حالٍ مذمومٍ، فلا يقال: مَن ظلمَك فاظلِمْه إلا بطريق المشاكلة، بخلافِ ما في الآية المذكورة.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} في حال كونكم منتصِرين

(4)

منهم، فلا تَزيدوا على المِثْل فتعتدُوا إلى ما لا يحلُّ لكم.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} فيجزيهم ويُصلحُ شأنهم.

* * *

(195) - {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ولا تمسِكوا كلَّ الإمساك.

{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بالإسراف وتضييعِ أسباب المعاش، فإنَّ المال وقايةُ النفس، فتضييعُه يُفضي إلى تضييعها.

أو: بالكفِّ عن الغزو والإنفاقِ فيه، فإنَّ ذلك يُقوِّي العدوَّ ويسلِّطُه

(1)

في (م): "فيه".

(2)

"فيه" من (ح) و (ف)، وليست في باقي النسخ ولا في "تفسير البيضاوي"(1/ 128) والكلام منه.

(3)

في هامش (د) و (ف): "وعلى هذا نص الإمام الراغب في تفسيره".

(4)

في (م): "منتظرين".

ص: 52

عليكم، ويؤيِّده ما رُوي عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه: نحن أعلمُ بهذه الآية فإنها نزلت فينا حين رجعنا إلى إصلاح الأموال وتركْنا القتالَ بعدما فشا الإسلامُ وكثرَ أهلُه

(1)

.

والهلاك: انتهاءُ الشيء في الفساد، وله

(2)

سُمي الموت هلاكًا.

عن أبي عبيدةَ: التهلُكة والهلاك والهُلْك واحدٌ

(3)

.

والإلقاء: إطلاق الشيء إلى جهةِ السُّفْل، ونقيضه الإمساكُ، وتعديتُه بـ (إلى) لِمَا فيه من معنى الانتهاءِ، والمراد بالأيدي: الأَنفُسُ، فإن اليد يعبَّر بها عن النَّفْس

(4)

، كما في قوله:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} والباءُ مزيدةٌ.

{وَأَحْسِنُوا} أعمالَكم وأخلاقَكم، أو

(5)

تفضَّلوا على المحاويج.

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} يريد بهم الخير.

* * *

(196) - {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

(1)

رواه أبو داود (2512) ن والترمذي (2972) وقال: حسن صحيح غريب.

(2)

في (م): "ولهذا". وفي (ح) و (ف) و (ك): "وبه".

(3)

انظر: "مجاز القرآن"(1/ 68).

(4)

في هامش (د) و (ف) و (م): "لا بطريق التضمين كما توهم. منه".

(5)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): (و).

ص: 53

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} إنما قال فيهما: (أتمُّوا) كما في الصوم دون: (أَقيموا) كما في الصلاة؛ تنبيهًا على أنهما يَجبَان بالنية كالصوم، فيلزمُ إتمامُهما بعد النية كما يلزمُ إتمامُ الصوم بعدها

(1)

، بخلافِ الصلاة فإنها لا تجبُ بالنية، فلا يلزمُ إتمامُها بعدها، بل يجوز أن تُترك، ومن هنا اتَّضح وجهُ تخصيص هذه الثلاثة من بين العبادات بالأمر بالإتمام.

ومَن لم يَتنبَّهْ لهذه الدقيقةِ الأنيقة قال في تفسيره: ائتُوا بهما تامَّين مستجمعَي

(2)

المناسك، فدلالتُه على أنَّ مَن شَرَع فيهما لزمَه

(3)

إتمامُهما من جهة الأركان والشرائط، وبه نقول: إن العمرة تجب بالشروع، وكذا الحجُّ مطلقًا إنما يجبُ به، فلا متمسَّكَ فيها لمن قال بوجوب العمرة، وقراءةُ:(وأَقيموا الحجَّ والعمرة)

(4)

شاذةٌ فلا تصلُح حجَّةً.

وما رَوَى جابر رضي الله عنه أنه قيل: يا رسول اللّه! العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحج؟ فقال: "لا، ولكن أن تعتمِروا خيرٌ لكم"

(5)

نصٌّ في هذا الباب.

ولا يعارضُه ما رُوي: أن رجلًا قال لعمرَ رضي الله عنه: إنِّي وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبَينِ عليَّ، أهلَلْتُ بهما جميعًا. فقال: هُديتَ لسنةِ نبيِّكَ

(6)

.

(1)

في هامش (د) و (ف): "بني الشأن في أنها هل يشترط أن تكون في حال التلبية أم لا. منه".

(2)

في (د): "مستجمع"، وفي (ف):"مستجمعين".

(3)

في (م): "لزم". وفي (ك): (لزوم).

(4)

رواها الطبري في "تفسيره"(3/ 334) عن ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما.

(5)

رواه الترمذي (931). وفيه كلام كثير للعلماء لخصه ابن دقيق العيد في "الإلمام"(1/ 365) بقوله: أخرجه الترمذي وصححه، وفي رواية عنه: حسن، واعتُرض عليه بالكلام في الحجاج بن أرطاة رافعه، وقد روي موقوفًا من قول جابر.

(6)

رواه أبو داود (1799) من حديث الضُّبيِّ بن مَعبد.

ص: 54

لأنَّ الأثر لا يعارضُ الخبر، على أنه ليس في كلامه ترتيبُ الإهلال على الوجدان، بل الظاهر منه بيانُ سبب الوجدان على سبيل الاستئناف.

{لِلَّهِ} : لوجه الله تعالى، عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهم: أن تُحرم بهما من دُوَيرةِ أهلِكَ

(1)

.

وقيل: أن يُفرِد لكلٍّ منهما سفرًا.

وقيل: أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تَشُوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيويَّة

(2)

.

وقرئ: (والعمرةُ لله) على الابتداء

(3)

.

{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} ؛ أي: مُنعتم، يقال: أُحصِرَ فلان، إذا مَنعه أمرٌ من خوفٍ أو مرضٍ أو عجزٍ، قال الله تعالى:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273]، وقال ابن ميَّادةَ:

وما هَجْرُ ليلى أنْ تكونَ تَباعَدَتْ

عليكَ ولا إنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ

(4)

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(3/ 329) عن علي رضي الله عنه.

(2)

في هامش (د) و (ف) و (م): "هذا معنى قوله: {لِلَّهِ} لا معنى قوله: أتموا، كما توهم".

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 12)، وتنسب هذه القراءة للشعبي، وردها ابن عبد البر في "التمهيد" (20/ 17) فقال: لا أعلم أحدًا من أئمة القراء تعلق بالشعبي في قراءته هذه ولا تابعه عليها، والناس على نصب العمرة عطفًا على الحج، وقراءة الشعبي ليست بصحيحة المعنى؛ لأن الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحد منهما بإجماع، ولو صحت قراءة الشعبي كان فيها خلاف الإجماع، وما خلافه مردود، ومعلوم أن الحج لله كما العمرة لله، فلا وجه لقراءة الشعبي والله أعلم.

(4)

البيت في ديوان ابن ميادة (ص: 187)، و"الكشاف"(1/ 239). وابن ميادة هو الرماح بن أبرد،=

ص: 55

ويقال: حُصِرَ: إذا حبَسه عدوٌّ عن المضيِّ أو سجنٌ، هذا هو الأكثر في كلامهم، وقد نصَّ عليه الخليل حيث قال: الحصر: الحبس، والإحصار: أن يُحصَرَ الحاجُّ عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو غيره

(1)

. ويوافقُه قولُ الكسائيِّ وأبي

(2)

عبيدة.

وقال الفرَّاء وأبو عمرٍ والشيبانيُّ: هما بمعنى المنع في كلِّ شيء، مثل صدَّه وأَصَدَّه

(3)

.

وعن جماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم: مَن كُسر أو عرجَ فقد أُحصر

(4)

. وهو مذهب أصحابنا.

وقال الشافعيُّ: لا يكون الإحصار إلا عن عدوٍّ، فإنَّ إحصار النبيِّ عليه السلام وأصحابِه رضي الله عنهم كان بالعدوِّ ولأنه تعالى قال:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} وذلك زوال خوف العدوِّ.

= وميادة أمه، توفي في خلافة المنصور في حدود (136 هـ). وجاء في هامش (ف) و (م):"يقول الشاعر: ليس الهجر هو صدود الحبيب وتباعده لحاجة من جانبه، أو منع وحبس من جانبك، إنما الهجر صدوده عن اختيار منه. منه".

(1)

في (ك) و (م): "لمرض أو غيره"، والمثبت من باقي النسخ. ولفظ "العين" (3/ 113):(مرض أو غيره).

(2)

في النسخ: "وأبي"، والمثبت هو الجادة.

(3)

انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 118)، و"الصحاح" (مادة: حصر).

(4)

لم أجده هكذا، لكن روى أبو داود (1862)، والترمذي (940) وصححه، وابن ماجه (3077)، والنسائي (2861)، من حديث الحجاج بن عمرو رضي الله عنه مرفوعًا:"مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحج من قابل" لفظ أبي داود، وكذا ذكرة الزمخشري في "الكشاف"(1/ 240) بهذا اللفظ.

ص: 56

قلنا: العبرةُ لعموم

(1)

اللفظ لا لخصوص

(2)

السببِ واللفظ لما قلنا لغةً، والأمنُ يكون عن العلل أيضًا، قال النبي عليه السلام "الزكامُ أمانٌ من الجُذام"

(3)

.

{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} في محلِّ الرفع بالابتداء؛ أي: فعليه ما استيسر، أو النصبِ على

(4)

: فاهدوا ما استيسر.

و {اسْتَيْسَرَ} بمعنى: تَيَسَّر؛ كاستَيْقَنَ وتَيَقَّنَ، واستَعْجَلَ وتَعَجَّلَ، كذا قالوا، والظاهر أن زيادة السين لزيادة اليُسر، فالمراد الشاةُ؛ لأن الهديَ من الثلاث: من الإبل والبقر والغنم، وأيسرُها الشَّاةُ.

والهديُ: جمع هَدْيَةٍ؛ كجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وقرئ:(من الهَدِيِّ) بالتشديد

(5)

؛ جمعُ هديَّةٍ كمَطِيَّةٍ ومَطِيٍّ.

والمعنى: إنْ أُحصِر المحرِمُ وأراد أن يتحلَّلَ تحلَّلَ بذبح هَدْيٍ يُسِّر عليه

(6)

حيث حُصر عند الشافعي رضي الله عنه، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أُحصر بالحديبيَة وذَبح هناك وتحلَّل، وعند أبي حنيفة: لا يَذبح إلا بالحرم، يبعثُه ولا يتحلَّلُ حتى يبلغَ مَحِلَّه، ويُعيِّن للمبعوث

(7)

على يده يومَ أمارة، ويدلُّ عليه قوله تعالى:

(1)

في (ك): "بعموم".

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "بخصوص".

(3)

ذكره بهذا اللفظ القرطبي في "تفسيره"(3/ 275)، ولم أجده مسندًا.

(4)

في (م) زيادة: "تقدير".

(5)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 12).

(6)

في "تفسير البيضاوي"(1/ 129): (تيسر عليه). قال الشهاب في "الحاشية"(2/ 287): قوله (يعني البيضاوي): تيسر عليه، وفي نسخة: يسر عليه، إشارةٌ إلى أنّ السين ليست للطلب وأنَّه (يعني استيسر) بمعنى: تيسر.

(7)

في النسخ: "المبعوث"، والمثبت من المصادر. انظر:"الكشاف"(1/ 240)، و"تفسير البيضاوي"=

ص: 57

{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى:{وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25].

والخطاب في {وَلَا تَحْلِقُوا} للمحصَرين؛ أي: ولا تتحلَّلوا حتى تعلَموا بلوغَ الهدي مَحِلَّه، ومَحِلُّه: مكانُه الذي يجب فيه نحرُه أو ذبحُه؛ كمَحِلِّ الدَّين وهو الوقتُ الذي يجب فيه قضاؤه، وإنَّما نحر الرسولُ في موضع الإحصار لأنَّ مُحْصَرَه كان طرفَ الحديبيَة الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم.

وقال الواقدي: الحديبيَةُ هي طرفُ الحرم على تسعةِ أميالٍ من مكة

(1)

.

وعن الزهريِّ: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نحر هَدْيه في الحرم

(2)

.

{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} الفاء للتعقيب، وفائدتها: دفعُ ذهاب الوهم إلى العطف على (إنْ أُحصرتم) على تقدير التصدير بالواو، فإنه حينئذ يلزمُ إخراجُ المريض عن حدَ المحصَر، ولا وجه له.

والخطاب في {مِنْكُمْ} للَّذين بَعثوا الهدي من المحصَرين، فالمعنى: مَن كان بعد البعث مريضًا [مرضًا]

(3)

يُحوِجُه إلى الحلق.

والتنكيرُ للتقليل، فينتظِم المرضُ المرخَّصُ ما في الرأس من الجراحة والقرحة.

{أَوْ بِهِ} هو ما يؤذيه؛ أي: يُتعبه وَيشُقُّ عليه من بُخارٍ في الرأس وقملٍ،

= (1/ 129)، و"روح المعاني"(3/ 196).

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 240).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 240). قال الحافظ في "الكاف الشاف"(ص: 16): لم أجده. وانظر حديث ناجية بن جندب في "السنن الكبرى" للنسائي (4121).

(3)

من "تفسير البيضاوي"(1/ 129).

ص: 58

وللتعميم للثاني

(1)

قال: {مِنْ رَأْسِهِ} ؛ أي: من جهتها، دون: في رأسه

(2)

.

{فَفِدْيَةٌ} : فعليه فديةٌ إنْ حلَق.

{مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} بيانٌ لجنس الفدية، وأما قَدْرُها، فقد رُوي أنه عليه السلام قال لكعب بن عُجْرةَ إذ مرَّ عليه والقملُ تتهافَتُ في وجهه:"لعلَّك آذاك هوامُّك؟ " فقال: نعم يا رسول اللّه، فقال:"احْلِقْ وصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو تَصَدَّقْ بفَرَقٍ على ستَّةِ مساكينَ، أو انسُكْ بشاةٍ"

(3)

. والفَرَقُ: ثلاثةُ أَصْوُعٍ

(4)

.

و (أو) للعطف على وجهِ التفريقِ، وبيانِ عدم خُلوِّ الواجب عن أحد الأنواع الثلاثِ المذكورةِ للفديةِ، والتخييرُ يلزمُ هذا البيان

(5)

ضرورةً لا لأنَّه معناها الوضعيُّ.

والنُّسُك: جمع نسيكةٍ، وهي الذبيحة، واختيرَ الجمعُ هنا لتعدُّد أنواعها، وقرئ:(أو نُسْكٍ) بالتخفيف

(6)

.

كان مقتضَى الظاهر البدايةُ بالأشقِّ وهو النسكُ، وإنما عدلَ عنه بالبداية بالصيام تطييبًا لقلوب الفقراء العاجزين عن النسك بإظهارِ العناية والاهتمام في شأن الصيام بتقديمه على الباقين، والتقديمُ لا يخلو عن التَّعظيم.

{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} الإحصارَ، أو كنتُم في حالِ أمنٍ وسعة.

(1)

في (ح) و (ف): "الثاني".

(2)

في هامش (د) و (ف): "فإن القمل لا استقرار له في الرأس كما البخار. منه".

(3)

رواه البخاري (5703)، ومسلم (83/ 1201)، من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.

(4)

في (م): "آصع".

(5)

في (د): "لبيان".

(6)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 12) عن السلمي والزهري.

ص: 59

{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} ؛ أي: استمتَع بها إلى وقتِ الحج، واستمتاعُه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعُه إذا حلَّ من عمرته باستباحةِ ما كان محرَّمًا عليه إلى أن يُحْرِم بالحج.

وقيل: بالتقرُّب بها إلى اللّه تعالى قبل الانتفاع بتقرُّبه إليه بالحج.

{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي} فعليه دمٌ بسبب التمتُّع هو هديُ المتعة، وهو نسكٌ عند أبي حنيفةَ لا يذبحُه إلا يومَ النحر ويأكلُ منه، وجُبرانٌ عند الشافعيِّ يجوز ذبحُه إذا أَحرم بحجَّته؛ لأن السبب هو التمتُّع، ولا يتحقَّق إلا به، ولا يأكل منه لأنَّه دمُ جنايةٍ.

{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} ؛ أي: الهديَ.

{فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} ؛ أي: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيام.

{فِي الْحَجِّ} : في أيام الاشتغالِ به بعد الإحرام عند الشافعيِّ، وعند أبي حنيفة: في وقت الحج؛ أي: في أشهُره ما بينَ الإحرامين، وأفضلُه اليومُ السابع ويومُ الترويةِ وعرفة، ولا يجوز في

(1)

أيام النحر وأيامِ التشريق عند الأكثر.

{وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى أهليكُم، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أو نفرتُم وفرغتُم من أفعال

(2)

الحج، وهو قوله الثاني ومذهبُ أبي حنيفة.

وقرئ: (سبعةً) بالنصب عطفًا على محلِّ {ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} ؛ إذ تقديرُه: فصيامٌ ثلاثةَ أيامٍ

(3)

.

(1)

"في" ليست في (ك).

(2)

في (ك): (أحوال).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 241).

ص: 60

{تِلْكَ عَشَرَةٌ} فذلكةُ الحساب

(1)

، وفائدتُها أمران:

أحدهما: أن يُعلَم جملةً كما عُلم تفصيلًا؛ فإن أكثر العرب لم يُحسنوا الحساب، قال الفرزدق:

ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ

(2)

والثاني: أن يَنفي توهُّم الإباحة، فإن الواو قد تجيءُ لها؛ كما في قولك: جالس الحسنَ وابنَ سيرين.

وَيرِدُ على الأول: أنه لا يناسبُ بلاغةَ القرآن؛ لأن المُراعَى فيها مقتضَى المقام نظرًا إلى الخواصِّ دون العوامّ.

وعلى الثاني: أن الإباحة موجَبُ صيغةِ الأمر، والواو للتشريك في الحكم فقط، وأمَّا إرادةُ الكثرة من السبعة دون العدد فلا يذهبُ إليه وَهَمٌ عند ذكرها مع

(3)

الثلاثة، فلا حاجة إلى دفعها.

وعندي: أن صيام ثلاثة أيام لمَّا كان قبل تعذُّر الأصل ودخولِ وقته احتَمَل أن يذهب الوهمُ إلى عدم اعتباره في أصل البدل، فأُتي بالفذلكة المذكورة دفعًا لذلك الوهم.

(1)

في هامش (ح) و (ف): "يعني: فذلكة الحساب عشرة كاملة، والفذلكة مصدر من قولك: فذلِكَ كذا، بعد التفصيل في الحساب، مثل السبحلة من قولك: سبحان اللّه، والبسملة من قولك: بسم اللّه، فتدبر. منه".

(2)

ديوان الفرزدق (2/ 835)، و"تفسير القرطبي"(3/ 317)، وعجزه:

وسادسةٌ تميل إلى الشِّمام

(3)

في (ك): "من".

ص: 61

{كَامِلَةٌ} صفةٌ مؤكِّدة تُفيد المبالغةَ في محافظةِ العِدَّة، أو مبيِّنةٌ كمالَ العشَرة فإنه أولُ عدد كاملٍ؛ إذ به ينتهي الآحاد ويتمُّ مراتبُها، أو مقيِّدةٌ تُفيد كمالَ بدَليَّتها من الهدْي.

كذا قيل، وأَوْجَهُ الأَوْجُهِ: أنها مقيِّدةٌ تُفيد كمالَها في الثواب والأجر، ودفعَ ذهاب الوَهَم إلى أن صوم السبعةِ ليس كصوم الثلاثة في الأجر للتفاوُت في زمانها.

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى التمتُّع عند أبي حنيفةَ وأكثرِ الأئمة؛ لأنَّه مختصٌّ بالآفاقيِّ عندهم، فلا متعةَ ولا قران لحاضِري المسجدِ الحرام، فمَن فعل ذلك منهم فعليه دمُ جنايةٍ، وإلى الحُكمِ المذكور عند الشافعي.

{لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: لِلَّذي لا يسكن ثَمَّةَ، وإنما ذكر الأهل لأنَّ الظاهر أنَّ الإنسان يسكنُ حيث سكنَ أهلُه، فعبَّر بسكون الأهل عن سكون نفسه

(1)

، وقد مرَّ أن المسجد الحرام هو الحرمُ كلُّه، وحاضِرو المسجد

(2)

عند أبي حنيفةَ هم أهلُ مكة ومَن كان منزلُه داخلَ الميقات، وعند الشافعي: أهلُ مكة ومَن كان من الحرم على مسافةِ القصر عنده، وعند مالكٍ: أهل مكة وأهلُ ذي طُوَى

(3)

.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} لمَّا تقدَّمَ أمرٌ ونهيٌ وواجبٌ ناسَبَ أن يُختم ذلك بالأمر بالتقوى في أنْ لا يتعدَّى ما حدَّه.

ثم أَعلمَ بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} شدةَ عقابه على المخالَفة.

* * *

(1)

في (ح) و (ف): (أهله).

(2)

في (م) زيادة: "الحرام".

(3)

في هامش (ح) و (ف): "ذو طوَى مثقلة [كذا، وفي "القاموس": مثلثة] الطاء وتنوَّن: موضع قرب مكة ذكره "قاموس". منه".

ص: 62

(197) - {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} .

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ} ؛ أي: وقتُه، كقولك: البرد شهران.

لمَّا أَمر بإتمام الحجِّ والعمرة، ثم اقتَصر على بيان وقتِ الحج، عُلم منه بطريقِ البيان السُّكوتي وقتَ الحاجة أن العمرة غير موقَّتة، وهذا من جملة وجوه الإيجاز الذي ارْتَقَى به القرآن إلى ذروة الإعجاز، ولم يَتنبَّه

(1)

له الناظرون فيه.

{مَعْلُومَاتٌ} هي شوالٌ وذو القعدةِ وعشرٌ من

(2)

ذي الحجَّة

(3)

، خلافًا للشافعي في يوم النحر، وذو الحجة كلُّه عند مالكٍ، وبناء الخلاف: أن المراد من وقته وقتُ أفعاله، أو وقتُ إحرامه، أو ما لا يَحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، وإنما لم يسمِّها بأعيانها لأنها كانت معروفةً عندهم على ما توارثوه، إلا أنهم كانوا يُدخلون فيها النَّسيءَ، فنُبِّهوا على أنها هي أوقاتُه دون غيرها.

والأشهُرُ على الحقيقة، وإنما التجوُّز في جَعْلِ بعضِ الشهر شهرًا

(4)

، وأمَّا إطلاقُ

(1)

في (ف): "ينتبه".

(2)

"من" ليست في (ف) و (ك) و (م).

(3)

في هامش (د) و (ف): "وما ذكر من أن شيئًا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها يشكل بالرمي والحلق وطواف الركن ونحو ذلك مما يصح بعد فجر النحر، وأجيب بأنه بيان على مذهب أبي حنيفة، والمراد بالأفعال الأركان، وفيه بحث لأن الطواف ركن. ملا سعد الدين".

(4)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "هذا التجوز عقلي فلا يؤثر في اللفظ، كالتجوز في رجل عدل، فافهم. منه".

ص: 63

الجمع على ما فوق الواحد فلا يناسبُ المقام؛ لِمَا فيه من إخراج بعض الشهر الثالث من حدِّ المرام

(1)

.

ثم إن الاستدلال على الإطلاق المذكور بقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ليس بشيء؛ لأنهم صرَّحوا بأن مثل هذا ليس من المتنازَع فيه.

{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أَلزمه نفسَه بالإحرام، ولا خلاف فيه، إنما الخلافُ بيننا وبين الشافعيِّ في أن الإحرام يَتمُّ بالنية، أو لا يَتمُّ بل لا بدَّ من التلبية معها أو من سَوقِ الهدي.

ولا دلالةَ فيه على خروج يوم النحر مِن وقتِ الحج؛ لأن معنى (مَن فَرَضَ

(2)

فيهنَّ): مَن فَرَضَه في كلٍّ من الأشهُر المذكورة، لا مَن فَرَضَه في كلِّ يوم من أيامها، نعم فيه دلالةٌ على كراهة تقديم الإحرام عليها، فإنه لو جاز ذلك لضاع قوله:{فِيهِنَّ} ، وأمَّا أنَّ مَن أَحرم بالحج لزمه الإتمامُ فقد دلَّ عليه قولُه تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} بظاهره.

{فَلَا رَفَثَ} : فلا جماع؛ فإنه مُفسِدٌ للحج، وقيل: لا فحشَ في الكلام.

{وَلَا فُسُوقَ} : ولا خروجَ عن حدود الشريعة بالسِّباب

(3)

والتنابُز بالألقاب؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ} [الحجرات: 11].

{وَلَا جِدَالَ} : ولا مِرَاءَ ولا شِقَاقَ مع الرُّفَقاء والخدم وغيرهم، وإنما نُهي

(4)

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "الحرام".

(2)

في (ح) و (د) و (ك): "فرضه".

(3)

في (م): "بالأسباب".

(4)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): (ينهى).

ص: 64

عنه في الحج مع كونه منهيًّا عنه؛ لكونه في الحج أقبحَ؛ كلُبس الحرير في الصلاة.

{فِي الْحَجِّ} : في أثناء إقامةِ مناسكه بعد الإحرام

(1)

، وإنما نفى الحقيقة في الثلاثة المذكورة للمبالغة في النهي؛ أي: فلا تكونَنَّ هذه الأجناس، وإذا وجب انتفاؤُها وكانت حقيقةً بأنْ لا تكونَ لزم الانتهاءُ عنها ضرورةً.

وقُرئ الأوَّلان بالرفع

(2)

على معنى النهي؛ أي: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والآخِرُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الجدال؛ أي: الخلاف، وذلك أن قريشًا كانت تخالف سائرَ العرب في الحج فتقف بالمَشعَر الحرام وسائرُ العرب بعرفةَ، وكانوا يؤخِّرون الحجَّ سنةً ويقدِّمونه سنةً وهو النَّسيء، فرُدَّ الوقوفُ إلى عرفةَ، والحجُّ إلى وقتٍ واحد، فأَخبر اللّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج.

واستُدلَّ على أنَّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوق دون الجدال بقوله عليه السلام: "مَن حجَّ ولم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خَرَجَ كهيئتهِ

(3)

يومَ وَلَدتْهُ أمُّه"

(4)

، فإنه لم يَذكر الجدال.

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} التنكيرُ للتقليل {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} حثٌّ على الخير بعد النهي عن الشر، ومبناه على الكناية بعلمه تعالى بفعلٍ من أفعال العباد عن

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "لا في أيامه مطلقًا. منه".

(2)

قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو: (فَلَا رفثٌ وَلَا فسوقٌ) بِالرَّفْع والتنوين فيهمَا، والبَاقُونَ بالنّصب من غير تَنْوِين، ولا خلاف عند السبعة في قوله:{وَلَا جِدَالَ} . انظر: "التيسير"(ص:80). وقرأ أبو جعفر من العشرة الثلاثةَ بالرفع والتنوين. انظر: "النشر"(2/ 211).

(3)

في (ف) و (ك) و (م): (كهيئة).

(4)

رواه البخاري (1521)، ومسلم (1350)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 65

ترتُّب الجزاء عليه

(1)

، ولا يخفَى ما في ضمن هذا الوعد من الوعيد، وبه يَتمُّ حقُّ المَقام.

والمراد من الخير بقرينةِ سياق الكلام: أن يأتوا بالكلام الحسَن مكانَ القبيح، وبالبِرِّ والتقوى مكان الفُسوق، وبالثناء والمدح مكان السِّباب والتَّنابُز، وبالوفاق مكانَ الخلاف

(2)

، ومحاسنِ الأخلاق مكان الجدال.

ويجوز بقرينةِ لحاقه أن يراد بفعلِ الخير ضبطُ أنفسهم عما نُهوا عنه.

{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ؛ أي: اجعلوا زادَكم في الآخرة اتِّقاءَ القبائح، فإن خير الزاد اتِّقاؤها، والزاد: الطعامُ الذي يُتَّخَذ للسفر.

وقيل: كان أهل اليمن لا يتزوَّدون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، ونحن نحجُّ بيت اللّه تعالى أفلا

(3)

يطعمنا؟ ويكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم

(4)

. ومعناه: وتزوَّدوا واتَّقوا الاستطعامَ وإبرامَ الناس والتثقيلَ عليهم فإن خيرَ الزاد الاجتنابُ من ذلك.

{وَاتَّقُونِ} : وخافوا عقابي.

{يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} أيها الذين مَننتُ عليهم بالعقول التي هي أفضل ما جُعل

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "حيث يكون الكلام المذكور باعتبار معناه حثًا على فعل الخير وباعتبار مبناه حثًا على ترك الشر. منه".

(2)

"مكان الخلاف" من (م).

(3)

في (ف): "فلا".

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 244)، ورواه بنحوه البخاري (1523) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 66

في الخلق، فإن لبَّ الشيء هو خالصُ ما فيه؛ أي: جعلتُ فيكم العقولَ التي هي آلاتُ التمييز والتدبير

(1)

فيَسهُلُ معها التَّقوى والتفكُّر.

* * *

(198) - {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} .

{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} : حرجٌ.

{أَنْ تَبْتَغُوا} : في أن تبتغوا؛ أي: تطلبوا.

{فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} : زيادةَ عطاءٍ، وهو الربحُ بالتجارة، قيل: كان عُكاظٌ ومَجَنَّةُ وذو المَجَاز أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها مواسمَ الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثَّموا منها، فنزلت فرُفع عنهم الجناحُ في ذلك، وإنما يباحُ ما لم يَشغَلْ عن العبادة الواجبة

(2)

.

{فَإِذَا أَفَضْتُمْ} دفَعْتُم بكثرةٍ، وهو من إفاضةِ الماء، أي: صَبِّه بكثرةٍ، وأصله: أفضتم أنفسَكم، وتُرك ذكرُ المفعول كما تُرك

(3)

في: دَفَعوا من موضع كذا وصبُّوا.

والفاءُ للتعقيب، لمَّا بيَّن وقتَ الحج، وذَكر ما نُهي عنه في الإحرام، وما

(1)

في (م): "التميز والتدبر".

(2)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "لا بد من هذا القيد؛ لأن الشَّغل عن المندوب لا تخلو عنه التجارة. منه". وتحته في (ف): "أي: الاتجار ما لم يشغل عن العبادة: أما عن الفرض فظاهر، وأما عن الندب فلأنه ترجح عدمه، فلا يكون مباحًا بمعنى استواء الطرفين. ملا سعد الدين".

(3)

في (د): "تركه".

ص: 67

نُدب إليه، وما أُبيح فيه، عقَّبه ببيان ما يجب أن يُفعل بعد الفراغ عن إقامة ركنه وهو الوقوف

(1)

.

{مِنْ عَرَفَاتٍ} : عَلَمٌ للمَوقف منقولٌ عن الجمع كأذرعاتٍ، والظاهرُ أنه جمع عَرَفةَ جمع عارفٍ، وإلا فهو من الأسماء المرتجَلة إذ لا يُعرف النقلُ في أسماء الأجناس، منصرِفٌ لأن تاءه مع الألف علامةُ جمع المؤنَّث، لا التاءُ التي هي علامة التأنيث، وأما التأنيث المعنوي فمقدَّر باعتبار المعنى، والموقف ليس بمؤنثٍ، فليس فيه إلا العَلَمية، فلا تمنعُه الصرفَ وحدها.

وإنما سُمي

(2)

الموقف بها لأنَّ آدم عليه السلام وحواءَ الْتقَيَا فيه فتعارَفا، والناسُ يتعارفون فيه، وكان جبريل عليه السلام يدورُ بإبراهيم عليه السلام في المشاعر، [فلمَّا] أراه إياه قال

(3)

: عرفتُ.

وقيل: وُصف له عليه السلام فلمَّا رآه عرفه

(4)

.

وليس هنا دليل على وجوب الوقوف فيه

(5)

.

(1)

في هامش (د): "رد للتفتازاني".

(2)

في (ف) و (ك): "يسمى".

(3)

في النسخ: "فقال"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(1/ 131)، والكلام وما بين معكوفتين منه.

(4)

في هامش (د) و (ف) و (م): "يعني: أن هذه الوجوه كانت سببًا لتسميته بالجمع. منه".

(5)

في هامش (د) و (ف): "إنما يتوهم ذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا}

إلخ على ما ستقف عليه. منه".

قلت: فيه رد على البيضاوي في "تفسيره"(1/ 131) حيث قال: (وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده، وهي مأمور بها بقوله تعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا} . وأمثال هذه الردود المبطنة كثير في هذا التفسير وغيره من مؤلفات العلامة ابن كمال باشا.

ص: 68

{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} بالتلبيةِ والتهليلِ والتكبيرِ والثناءِ والدعاء.

وقيل: بصلاة المغرب والعشاء، فإنهما يُجمعان بالمشعَر الحرام، وهو الجبلُ الذي يقف عليه الإمامُ وعليه المِيقدةُ

(1)

.

وقيل: ما بين جبلَيِ المزدلفةِ من مَأْزِمَيْ عرفةَ إلى وادي مُحسِّرٍ، وليس المَأْزِمان ولا وادي محسِّرٍ من المَشعر.

والصحيحُ أنه الجبل؛ لِمَا روَى جابرٌ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا صلَّى الفجر - يعني: بالمزدلفة - بغَلَسٍ ركب ناقتَه حتى أتَى المشعَرَ الحرام، فدعا وكبَّر وهلَّل، ولم يزل واقفًا حتى أسفرَ

(2)

.

وإنما سُمي مَشعَرًا لأنَّه مَعْلَمٌ للعبادة، ووُصف بالحرام لحُرمته، ومعنى {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}: ما يليه وَيقرُبُ منه، وذلك للفضل كالقرب من جبلِ الرحمة، وإلا فالمزدلفةُ كلُّها موقفٌ إلا وادي محسِّرٍ أو جُعلت أعقاب

(3)

المزدلفة - لكونها في حكم المشعَر ومتَّصلةً به - عند المشعَر.

{وَاذْكُرُوهُ} ذكرًا حسنًا.

(1)

هي بالمشعر الحرام على قزح، كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار. انظر:"فتوح الغيب"(3/ 301).

(2)

قطعة من حديث جابر الطويل في الحج، رواه مسلم (1218)، واللفظ للزمخشري في "الكشاف"(1/ 246)، وعنه نقل المؤلف.

(3)

في (ف): "أعتاب"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 246)، والكلام منه.

ص: 69

{كَمَا هَدَاكُمْ} هدايةً حسنةً إلى المناسك وغيرِها، أو: اذكروه كما علَّمكم كيف تذكرونه، و (ما) مصدريةٌ أو كافَّة.

{وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبلِ الهدى.

{لَمِنَ الضَّالِّينَ} : الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكُرونه، و (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارِقة.

* * *

(199) - {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ؛ أي: مِن عرفةَ لا من المزدلفةِ، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ

(1)

وسائرُ الناس بعرفةَ، وَيرون ذلك ترفُّعًا عليهم، فأُمروا بأنْ يساووهم، فليس فيه إيجابُ الإفاضة حتى يدلَّ على وجوب الوقوف بعرفة بناءً على أن الإفاضة لا تكون إلا بعده، بل بيانُ اختصاص مشروعيَّتها بالوجه المذكور.

و {ثُمَّ} لتفاوتِ ما بين الإفاضتين؛ كما في قولك: أَحْسِنْ إلى الناس ثم لا تُحْسِنْ إلى غيرِ كريم.

وقيل من مزدلفةَ إلى منًى بعد الإفاضة من عرفةَ إليها، والخطاب عامٌّ.

وقرئ: (الناسِ) بالكسر

(2)

؛ أي: الناسي، يريد آدم عليه السلام، من قوله تعالى:{فَنَسِيَ} [طه: 88] والمعنى: أن الإفاضة من عرفة شرعٌ قديمٌ فلا تغيِّروه.

(1)

في هامش (ح) و (ف): "المراد منه مزدلفة لاجتماع الناس فيها. منه".

(2)

نسبت لسعيد بن جبير. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 12)، و"المحتسب"(1/ 119).

ص: 70

{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} من مخالَفَتِكم في الموقف وغيرِها من أفعال الجاهلية وعاداتهم.

{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} يغفر الذنوب.

{رَحِيمٌ} بالمذنِبين، يدعوهم بجميل إحسانه إلى بابه، ويرغِّبهم في جزيل ثوابه، ولهذا - أي: ولتضمُّنه الترغيبَ المذكور - أُتي بأداة السببية في قوله:

* * *

(200) - {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} .

{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} ؛ أي: فإذا أتممْتُم أمور حجِّكم.

{فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} ؛ أي: فاذكروا اللّه تعالى ذكرًا كثيرًا، وبالِغوا فيه كما تفعلون في ذكركُم أباءَكم، وكانت العرب إذا قضَوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنًى والجبلِ وَيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسنَ أيامهم، فنزلت؛ أي: أَكْثِروا ذكرَ اللّه تعالى ودعائه

(1)

، ولا تطلبوا بالذكر أغراض الدنيا كالذاكرين آباءهم

(2)

.

{أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} في موضع الجرِّ عطفٌ على الضمير المضاف إليه الذكرُ في قوله: {كَذِكْرِكُمْ} ؛ أي: أو قومٍ أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءَكم، أو في

(3)

موضعِ النصب عطفٌ على {آبَاءَكُمْ} ؛ أي: أو أشدَّ ذكرًا من آبائكم، على أنه من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: مذكورَّية.

(1)

"ودعائه" كذا في النسخ، والصواب:(دعاءه). انظر: "الكشاف"(1/ 248).

(2)

في (ك): (أيامهم).

(3)

كلمة "في" من (د)، وليست في (ح) و (ف) و (ك) و (م).

ص: 71

ويجوز أن يكون معطوفًا على الكاف في {كَذِكْرِكُمْ} ؛ أي: ذكرًا مثلَ ذكرِكم أو ذكرًا أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءكم، على أنَّ الذكر ذاكرًا أشدُّ من ذكرهم؛ كقولهم: جَدَّ جَدُّه، و: شعرٌ شاعرٌ.

و (أو) هنا ليست للتخيير بل للنَّقل عن الأوَّل، قال القفَّال: ومَجاز اللغة في مثل هذا معروفٌ، يقول الرجل لآخَرَ: افعل كذا إلى شهرٍ، ثم يقول: أو أسرعَ منه، يريد به النقلَ عن الأول إلى ما هو أقربُ وقتًا منه

(1)

.

{فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ} الفاء مسبَّبٌ عن تقسيمٍ يتضمَّنه الكلامُ السابق، فإنه يشتمِلُ على ذكر المُفيضين من عرفاتٍ الذاكرِينَ لله

(2)

، والمفيضينَ من المزدلفة الذاكرين لآبائهم، فعُقِّب القسم الثاني بأنهم الطالبون لحظوظ الدنيا، وأما القسم الأول الجامعون بين الأثَرتينِ فأولئك هم أهل الفلاح والفوز.

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} ؛ أي: اجْعَلْ إيتاءَنا في الدنيا خاصَّةً.

{وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} الخلاق: نصيبُ الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خُلقًا له، وقد يراد به النصيبُ من الخير على وجهِ الاستحقاق، وهو المراد هاهنا.

* * *

(201) - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} من الصحة والكَفَاف والتوفيق للخير.

(1)

انظر قول القفال في "تفسير الرازي"(5/ 335).

(2)

في (ك) و (م): "الله".

ص: 72

{وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} من الثواب والكرامة والقُربة.

{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} بالعفو والمغفرة.

* * *

(202) - {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

{أُولَئِكَ} إشارةٌ إلى الفريق الثاني، أو إليهما.

{لَهُمْ نَصِيبٌ} النصيب في الأصل: المنصوبُ، وجُعل السهمُ المفرَزُ نصيبًا.

{مِمَّا كَسَبُوا} ؛ أي: من جنسه من الأعمال الحسَنة، وهو التوابُ الحسن في الآخرة، والمنافعُ الحسنة في الدنيا.

أو: من أجْلِ ما كسبوا.

أو: مما دعَوا به، نعطيهِم منه ما يستوجِبونه في الدنيا والآخرة؛ لأن الدعاء من الأعمال الحسنة، والأعمالُ توصَف بالكسب فسُمي كسبًا.

أو: من جنس ما كسبوا على ما تقضيه مشيئةُ اللّه تعالى وحكمتُه

(1)

.

{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} وعيدٌ؛ أي: سريعٌ حسابه للخلائق مع كثرةِ أعدادهم وأعمالهم؛ لكمالِ علمه وقدرته، فيجب الحذر منه.

(1)

هذا الاحتمال الأخير ظاهره أنه كالأول، لكن يظهر الاختلاف من لفظ الزمخشري، حيث قال في "الكشاف" (1/ 248) بعد ذكر الوجوه السابقة التي هي منقولة عنه:(ويجوز أن يكون [أُولَئِكَ] للفريقين جميعًا، وأن لكل فريق نصيبًا من جنس ما كسبوا)، فيكون تقدير الكلام على ما قاله الطيبي في "فتوح الغيب" (3/ 310):(أولئك الفريقان اللذان اختص كل واحد بنوع من الدعاء، لهم نصيب مما دعوا، من اقتصر على طلب الدنيا فله نصيب منها فحسب، ومن طلب الدنيا والآخرة جميعًا فله ذلك).

ص: 73

أو حثٌّ على العبادة؛ أي: سريعٌ وقوعُ حسابه، يوشكُ أنْ يُقيم القيامةَ ويحاسبَ العباد فبادروا إكثارَ

(1)

الذكر وطلبَ الآخرة.

* * *

(203) - {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} .

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} الأيام المعدودات: أيام التشريق، وذكرُ اللّه فيها التكبيرُ في أدبار الصلوات، وعند الجِمار، وعند ذبح القَرَابين وغيرها.

{فَمَنْ تَعَجَّلَ} : فمَن استعجل النَّفْرَ {فِي يَوْمَيْنِ} : يومِ النَّفْر والذي بعدَه؛ أي: فمَن نَفَر في ثاني أيام التشريقِ قبل طلوع الفجر عندنا، وبعد رمي الجمار عند الشافعي.

{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} باستعجاله.

{وَمَنْ تَأَخَّرَ} ؛ أي: في النَّفْر حتى رمَى اليومَ الثالث بعد الزَّوال.

{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} قال أبو حنيفة: يجوز تقديمُ رميه قبل الزوال.

وهو مخيَّرٌ بين النَّفْرين، فلذلك سوِّيَ بينهما بنفي الإثم عن صاحبهما، وفيه ردٌّ على أهل الجاهلية، فإن منهم مَن أثَّم المتعجِّل

(2)

، ومنهم مَن أثَّم المتأخِّر.

{لِمَنِ اتَّقَى} ؛ أي: الذي ذُكر من التخيير أو من الأحكام لمَن اتَّقى؛ لأنَّه حذِرٌ متحرِّزٌ عن كلِّ ما يَرِيبُه، أو لأنَّه هو الحاجُّ عند اللّه بالحقيقة.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} في المحافظة على هذه الأحكام ليَعْبأَ

(3)

بكم.

(1)

في (م) و (ك): (فبادروا إلى إكثار). والمثبت موافق لما في "الكشاف"(1/ 248).

(2)

في (د) و (ف) و (ك) و (م): "المستجعل".

(3)

في (ف): "وليعبأ".

ص: 74

{وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} وعيدٌ شديد؛ أي: إليه لا إلى غيره حشرُكم، ويجازيكم على حَسَب تقواكم، وأصل الحشر: ضمُّ المتفرِّق وسَوقه من جهاتٍ مختلفة.

* * *

(204) - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} .

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ} يَروقُك

(1)

، وَيعظُم في نفسك.

{قَوْلُهُ} والتعجُّب

(2)

: حيرةٌ تَعرِض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ومعنى أعجبني كذا: ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه.

{فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يتعلَّق بـ {قَوْلُهُ} ؛ أي: ما يقولُه في باب الدنيا وبشأنه، إذ مرادُه

(3)

به إحرازُ حظوظ الدنيا، لا ثوابِ الآخرة كما يراد بالإيمان الحقيقيِّ والمحبة الصادقة.

وقيل: بـ {يُعْجِبُكَ} ؛ أي: يعجبُك

(4)

في الحياة الدنيا لفصاحته وحلاوته، لا

(1)

في هامش (ح) و (د) و (م): "الروق إرادة الشيء في صورة حسنة والإعجاب به في شأنه. قاموس. منه".

(2)

في (ح) و (ف) و (ك): "والتعجيب"، والمثبت موافق لما في "تفسير الراغب"(1/ 427) والكلام منه.

(3)

في (ك): "في شأن الدنيا وشأنه أن مراده"، والمثبت من باقي النسخ، لكن في (ح) و (ف):(وشأنه) بدل: (وبشأنه).

(4)

يعني يعجبك قوله. انظر: "الكشاف"(1/ 251)، وفيه: (أي: قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه

).

ص: 75

في الآخرة لمَا يَرْهَقُه هناك من الحُبْسة واللُّكْنة، أو لأنَّه لا يُؤذَن له في الكلام.

{وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يحلفُ

(1)

ويقول: اللّه شاهدٌ على ما في قلبي من المحبة والإسلام

(2)

.

{وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} : شديدُ الجدال والعداوة للمسلمين، وإضافة الألدِّ بمعنى (في) على أن الخصام بمعنى المخاصَمة؛ كقولهم: ثَبْتُ الغَدَرِ

(3)

، وإنما وُصف بكونه ألدَّ للمبالغةِ وجَعْلِ خصامه لشدته كأنه في نفسه خصمٌ ألدُّ.

وقيل: جمعُ خصم؛ كصعبٍ وصِعاب؛ أي: هو أشدُّ الخصوم خصومةً.

روي أنها نزلت في الأخنس بن شريقٍ الثَّقَفي، وكان حَسَنَ المنظر حُلوَ المنطِق يوالي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ويدَّعى الإسلام

(4)

.

وقيل: في المنافقين كلِّهم

(5)

.

* * *

(205) - {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} .

(1)

في (ك): "ويحلف".

(2)

في (م): "للإسلام".

(3)

رجلٌ ثَبْتُ الغَدَرِ محرَّكةً: يَثْبُتُ في القِتالِ والجَدَلِ وفي جميعِ ما يأخُذُ فيه. والغَدَرُ: كلُّ مَوضِعٍ صَعْبٍ لا تَكادُ الدابَّةُ تَنْفُذُ فيه. انظر: "القاموس"(مادة: غدر).

(4)

رويت فيه أخبار مقطوعة عن عطاء والسدي ومقاتل والكلبي. انظر: "البحر المحيط"(4/ 21).

(5)

روي عن قتادة وابن زيد. انظر: "تفسير الطبري"(3/ 575 و 576)، و"البحر المحيط"(4/ 21)، وقد استوفينا في تحقيقه تخريج ما روي في أسباب نزول هذه الآية.

ص: 76

{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى} التولِّي: الانحراف عن الشيء إلى خلافِ جهته، والسعيُ: الإسراع في المشي

(1)

؛ أي: إذا انصرف عنك وذهب مسرعًا.

{فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} كما فعله الأخنس بثَقيفٍ

(2)

.

وقيل: إذا صار واليًا فعَل ما يفعلُه ولاةُ السُّوء من الإفساد والظلم.

{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} حقيقةً، أو حكمًا بأنْ يمنع اللّه تعالى القَطْرَ بشؤم ظلمه وفساده فيَهلكُ الحرثُ والنسل، والحرثُ هو الزرع، وأصله: الشق، والنسل: ما خرج من كلِّ أنثى من أجناس الحيوان.

{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} عدمُ الحب كنايةٌ عن البغض

(3)

، ففيه وعيدٌ بليغٌ، ويتضمَّن التعليلَ لمَا سَبَق على المعنى الثاني والإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء عن حالةٍ محمودةٍ لا لغرضٍ صحيحٍ، وذلك غيرُ موجودٍ في فعل اللّه تعالى، ولا هو آمرٌ به ولا محبٌّ له، وما تراه في فعله فسادًا فهو بالإضافة إلينا والاعتبار

(4)

بنا، فأمَّا بالنظر إليه فكلُّه صلاحٌ

(5)

.

* * *

(206) - {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} .

(1)

في (ف): "الشيء".

(2)

روي عن عطاء ومقاتل والكلبي، وهو من ضمن سبب النزول. انظر:"البحر المحيط"(4/ 21).

(3)

في هامش (د) و (ف) و (م): "هذه الكناية شائعة في اللسان التركية أيضًا. منه".

(4)

في (م): "وبالاعتبار".

(5)

في هامش (د) و (ف) و (م): "ولهذا قال بعض الحكماء: يا من إفساده إصلاح؛ أي: ما نعده إفسادًا لقصور نظرنا فهو في الحقيقة إصلاح. منه".

ص: 77

{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} ؛ أي: إذا

(1)

خوِّف هذا المنافقُ باللّه تعالى.

{اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} ؛ أي: حملتْه العزَّة على ذلك، من قولك: أخَذْتُه بكذا: إذا حملْتَه عليه وألزَمْتَه إياه، وفيه مبالغةٌ شديدةٌ؛ كأنَّ العزةَ التي فيه - أي

(2)

: حميَّةَ الجاهليَّة والترفُّعَ - حاكمٌ مسلَّطٌ عليه يُلزِمه ارتكابَ الإثم الذي يُنهى عنه لجاجًا وضرارًا، أو على رغم الواعظ وردِّ قولِه.

{فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} ؛ أي: كافيه جزاءُ جهنمَ وهو استعظامٌ لمَا حلَّ به، وجهنمُ: اسمٌ عَلَمٌ للنار

(3)

، وهي مأخوذةٌ من قولهم: ركيَّةٌ جِهِنَّامٌ: إذا كانت بعيدةَ القعر. وامتَنعت من الصرف للتأنيث والعَلَمية.

بَيَّن أن جهنم نصيبُه الكافي وجزاؤه الوافي، ثم دل على حال جهنم بقوله:

{وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} جوابُ قسمٍ محذوف، وحُذف المخصوص بالذمِّ للعِلم به. والمهاد: ما يُوطَّأ للجَنْب ويُهيَّأُ للنوم.

* * *

(207) - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} .

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} يبيعُها ببذلها بالجهاد

(4)

، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يُقتل.

(1)

في (د): "وإذا".

(2)

كلمة: "أي" من (د).

(3)

في هامش (ت): "هو فارسي معرب، وركية جهنام - بكسر الجيم والهاء -؛ أي: بعيدة العقر. كذا في الصحاح. منه".

(4)

في (ك) و (م): "للجهاد".

ص: 78

{ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} : طلبًا لرضاه.

{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} ؛ أي: هو في غايةِ الرحمة لهم، ولهذا عوَّضهم النعيمَ المقيمَ على عملٍ منقطِع. عقَّب ذِكر المذموم من أعدائه بذكرِ المحمود

(1)

من أوليائه ترهيبًا وترغيبًا.

* * *

(208) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (السّلم) بالكسر والفتح: الإسلامُ والطاعة، و {كَافَّةً} اسمٌ للجملةِ من الكفِّ؛ كأنهم كُفُّوا باجتماعهم عن أنْ يَخرج منهم أحدٌ، حالٌ من فاعل {ادْخُلُوا} أو من {السِّلْمِ} ، وتاؤها بعد النَّقل لم تَبْقَ للتأنيث

(2)

.

والمعنى: استسلِموا للّه تعالى وأطيعوه جميعًا ظاهرًا وباطنًا، على أن الخطاب للمنافقين.

أو: ادخلوا في الإسلام بكلِّيَّتكم ولا تخلطوا به غيرَه، على أن الخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فإنهم بعد إسلامهم عظَّموا السبت وحرَّموا الإبل وألبانَها

(3)

.

أو: في شرائع اللّه تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبياء عليهم السلام والكتبِ جميعًا، على أن الخطاب لأهل الكتاب.

(1)

في (م): "المحمودين".

(2)

في هامش (د) و (ف) و (م): "فلا حاجة إلى بيان التأنيث في السلم. منه".

(3)

رواه الواحدي في "أسباب النزول"(ص: 67) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده عبد الغني بن سعيد، وهو واه كما ذكر الحافظ في "العجاب"(1/ 530).

ص: 79

أو: في شُعَبِ الإسلامِ وأحكامِه كلِّها فلا تُخلُّوا بشيء منها، على أن الخطاب للمسلمين.

{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} بالتفريق والتفرُّق، وقد مرَّ ما يتعلَّق به وبقوله

(1)

:

{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} فتدبَّرْ.

* * *

(209) - {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

{فَإِنْ زَلَلْتُمْ} عن الدخول في السَّلْم.

أصل الزَّلَل في القدم

(2)

، يقال: زَلَّ يَزِلُّ زَلًّا وزُلولًا: إذا دَحضت قدمُه، تم استُعمل في الاعتقاد والرأي بطريق الاستعارة.

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} : الحُججُ والشواهدُ على أنَّ ما أُمرتم بالدخول فيه هو الحق.

{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ لا يُعجزه الانتقامُ منكم.

{حَكِيمٌ} لا يُهمِلُ وإن كان يُمهِلُ على ما تقتضيه الحكمة.

* * *

(210)

- {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْر وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور} .

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "بقوله" دون الواو.

(2)

في (ف): "التقدم".

ص: 80

{هَلْ يَنْظُرُونَ} : ما ينتظرون.

{إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} ؛ أي: يأتيَهم أمرُه؛ لقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33]، وإنما أُسند الإتيانُ إليه تعالى تعظيمًا وتهويلًا؛ تنبيهًا على أنه يأتي الأمرُ الذي لا يُدافَع، كأنَّ أمره هو لوجوبه، وأُكِّد التهويل وشدةُ العذاب ببيان إتيانه من الغمام الذي هو مَظِنَّةُ الرحمة لكونه أفظع؛ فإن الشرَّ إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أغمَّ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أَسَرَّ، فكيف إذا جاء الشر

(1)

من حيث يُحتسب الخير، ولهذا كانت الصاعقةُ من العذاب المستفظَع لمجيئها من حيث يُتوقَّع الغيث.

{فِي ظُلَلٍ} : جمعُ ظلَّةٍ؛ كقُلَّةٍ وقُلَلٍ، وهي ما يُستظلُّ به.

وقرئ: (ظِلَالٍ)

(2)

: جمعُها

(3)

؛ كقُلَّةٍ وقِلَالٍ، أو جمعُ ظلٍّ.

{مِنَ الْغَمَامِ} قال الثعالبيُّ

(4)

في "سر الأدب": أولُ ما يَنشأ [السحابُ] هو النَّشْءُ، فإذا انسحب في الهواء فهو السحابُ، فإذا تغيَّرت له السماء فهو الغمام

(5)

. انتهى.

فالغمامُ أقوى من السحاب ظلمةَّ، فكان أنسبَ لعبارةِ

(6)

الظُّلَلِ من السحاب

(7)

.

(1)

في (ف): "بالشر".

(2)

تنسب لقتادة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 13)، و"المحتسب"(1/ 122).

(3)

أي: جمع ظلة. انظر: "الكشاف"(1/ 253).

(4)

في (م): "الثعلبي".

(5)

انظر: "فقه اللغة وسر العربية" لأبي منصور الثعالبي (ص: 189).

(6)

أي: لِلَفظ، والمؤلف رحمه الله يستعمل في مؤلفاته كلمة (العبارة) بدل كلمة:(اللفظ).

(7)

في هامش (د) و (ف) و (م): "رد لمن فسره بالسحاب. منه".

ص: 81

{وَالْمَلَائِكَةُ} وقُرئ بالجر

(1)

عطفًا على {ظُلَلٍ} أو {الْغَمَامِ} .

{وَقُضِيَ الْأَمْرُ} ؛ أي: قُضي أمر إهلاكهم وتدميرهم وفُرغ منه، عبِّر بالماضي عن المستقبل لدُنوِّه أو تيقُّنِ وقوعه. وقرئ:(وقضاءُ الأمر)

(2)

عطفًا على {الْمَلَائِكَةُ} .

{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} قُرئ على البناء للمفعول على أنه من الرَّجْع، وعلى البناء للفاعل على أنه من الرُّجوع

(3)

.

* * *

(211) - {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} بحذف

(4)

الهمزة في الكلام المبتدأ، وتَثبت

(5)

في العطف؛ مثلَ قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، والسؤالُ للتقريع، والخطابُ لكلِّ أحدٍ، أو للرسول عليه السلام.

{كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتُهم، أو: من آيةٍ في الكتب شاهدةٍ على صحة دين الإسلام وحقِّيَّتِه.

و {كَمْ} خبريةٌ أو استفهاميةٌ للتقرير، ومحلُّها النصبُ على المفعوليَّة، أو الرفعُ بالابتداء على حذفِ العائد من الخبر، و {آيَةٍ} مميِّزُها، و {مِنْ} للفصل.

(1)

هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر"(2/ 227).

(2)

تنسب لمعاذ رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 13).

(3)

قرأ بالبناء للفاعل حمزة والكسائي وابن عامر، وباقي السبعة بالبناء للمفعول. انظر:"التيسير"(ص: 80).

(4)

في (ف) و (ك) و (م): "حذف".

(5)

في (د): "وثبت".

ص: 82

{وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} ؛ أي: آياتهِ؛ إذ هي أجلُّ نعمةٍ من اللّه تعالى، بأنْ يجعلَها أسبابَ الضلالة وهي أسبابُ الهدى والنجاةِ عنها؛ لقوله تعالى:{فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125]، أو يحرِّفها كما حرَّفوا الآيات الدالَّةَ على دين محمدٍ عليه السلام.

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} : من بعد ما وصلت إليه وتمكَّنَ من معرفتها، وفيه تعريضٌ بأنهم بدَّلوها بعدما عقَلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدَّلوها ومَن يبدِّلْ.

{فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فيعاقبُه أشدَّ عقوبةٍ لأنَّه ارتَكب أعظمَ جريمةٍ، والعقاب مأخوذ من العَقِب، كأن المعاقِبَ يمشي بالمجازاة له في آثار عَقِبه.

* * *

(212) - {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} التزيين هو التحسينُ المدرَك بالحسِّ دون المدرَك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، والمزيِّن في الحقيقة هو الشيطانُ، فإنه حسَّن الدنيا في أعينهم وحبَّبها إليهم.

وقراءةُ (زَّين) على البناء للفاعل و (الحياةُ) بالنصب

(1)

على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن [له]

(2)

فجَعل إمهاله تزيينًا، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 13).

(2)

من "الكشاف"(1/ 254).

ص: 83

ومَن قال: المزيِّن في

(1)

الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل:

أمَّا الأول: فلأن التزيين صفةٌ تقوم بالشيطان والفاعلُ الحقيقي لصفةٍ ما تقومُ به تلك الصفة، وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة؛ فإن فاعل القيام حقيقةً هو القائم الذي يتَّصف به لا خالقه.

وأمَّا الثاني: فلأن مَبْناه عدمُ الفرق بين الفاعل النَّحوي الذي كلامنا فيه والفاعلِ الكلامي الذي بمعزلٍ عن هذا المقام

(2)

.

{وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ أي: يَهْزؤون من فقراء المؤمنين الذين لا حظَّ لهم في الدنيا - كابن مسعود وعمارٍ وصُهيب وغيرهم رضي الله عنهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة.

قال القرطبيُّ: يقال: سَخِرتُ منه وسَخِرتُ به، وضحكْتُ منه وضحِكْتُ به، وهَزِئْتُ منه وهَزِئْتُ به، كلُّ ذلك يقالُ، حكاه الأخفشُ والاسمُ: السُّخرية

(3)

.

(1)

في (د) و (ك): (على) والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 135)، وهو صاحب هذا القول.

(2)

هذا ما تعقب به المؤلف البيضاوي، وقد رد عليه الشهاب في "الحاشية" (2/ 298) بقوله: وهذا كله من عدم التأمل؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضع كقوله: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل: 4] وفي مواضع إلى الشيطان كقوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [الأنفال: 48] وفي مواضع ذكَره غيرَ مسمًّى فاعله كما هنا، فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذاتَ زينة كما في قوله تعالى:{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6] فلا شك أن فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين، وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى:{لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ} [الحجر: 39] فلا شك أن فاعله عندهما الشيطان

إلخ.

(3)

انظر: "تفسير القرطبي"(3/ 403)، و"الصحاح" (مادة: سخر)، وعنه نقل القرطبي.

ص: 84

{وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} ، أي: الذين اتَّقَوا الدنيا واختاروا الفقر من المؤمنين هم أهل الزُّلفى والكرامة عند الله تعالى، وُضعوا

(1)

موضع الذين آمنوا لأنهم يسخرون منهم دون الأغنياء؛ تنبيهًا على أنهم أهل السعادة الكبرى عند الله تعالى، وتحريضًا للمؤمنين على التقوى.

{فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ لأنهم كانوا في درجات الجنة وهم في دركات النار، فينادونهم:{أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50].

{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} يعني: في الدنيا؛ لأن مَساق الكلام فيه.

{بِغَيْرِ حِسَابٍ} : بغير تقديرٍ، أو

(2)

يوسِّع بحسَب الحكمة والمشيئة التابعةِ له على عباده، فمنهم مَن تكون التوسِعةُ عليه استدراجاً كهؤلاء الكفرة وقارونَ وأحزابهم، ومنهم مَن تكون التوسعةُ عليه كرامةً له كأغنياء المؤمنين

(3)

وسليمانَ وداودَ عليهما السلام وأمثالِهم.

* * *

(213) - {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} على الفطرة، متَّفقةً على دين الإسلام فيما بين آدم ونوحٍ عليهما السلام.

(1)

في (ك) و (م): "وضع".

(2)

في (م): "أي".

(3)

في (ك) و (م): "المسلمين".

ص: 85

وقيل: فيما بين آدمَ وإدريسَ عليهما السلام.

قال القرطبي: وفيه نظر؛ لأن إدريس عليه السلام بعد نوحٍ عليه السلام على الصحيح

(1)

.

وقيل: هم نوحٌ ومَن معه في السفينة.

{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} ؛ أي: فاختلفوا فبعث الله، فحُذف لدلالة قوله:{لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} عليه، وفي قراءة عبد الله:(فاختلفوا فبعث اللهُ)

(2)

، ولقوله تعالى:{وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [يونس: 19]، ولمَّا كان سببُ البعثة الاختلافَ لم يَبْقَ احتمالٌ لأنْ يكون المراد من الأمَّة المذكورة المتَّفقينَ على الجهالة والكفر.

{مُبَشِّرِينَ} مَن أطاع.

{وَمُنْذِرِينَ} مَن عَصَى.

{وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} ؛ أي: الكتب، واسمُ الجنس يَصلح للجميع، و {مَعَهُمُ} حالٌ مقدَّرةٌ من {الْكِتَابَ} فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس منصوبًا بـ (أنزَلَ)، ولا يريد به أنه أُنزل مع كلِّ واحد منهم كتابٌ يخصُّه، لا لأن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصُّهم، بل كانوا يأخذون بكتبِ مَن قبلهم؛ لأن المعنى حينئذ: مع كل واحدٍ من الذين لهم كتاب، وعموم {النَّبِيِّينَ} لا ينافي خصوصَ الضمير العائد إليه بمعونة القرينة= بل

(1)

انظر: "تفسير القرطبي"(3/ 404).

(2)

انظر: "تفسير الطبري "(3/ 621)، و"الكشاف"(1/ 255). وهذه القراءة محمولة على التفسير؛ لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمعت الأمة عليه، والذي ابن مسعود أحد نقَلته.

ص: 86

لأنَّ بعض الكتاب المخصوصِ لمن معه لا يشمل الأحكام كالزبور، فلا يصلح ما ذُكر بقوله:{لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} غايةً له.

{الْحَقِّ} حالٌ من {الْكِتَابَ} ؛ أي: مُلْتبِسًا بالحق.

{لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} ؛ أي: النبيُّ الذي معه الكتابُ.

{فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} من أمر الدين.

{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} أي: الكتابِ المنزَل لإزالة الاختلاف، ومعناه: زاد اختلافهم بسبب الكتاب حتى كان الاختلافُ الأولُ بالنسبة إليه كلَا اختلافٍ، أو ما

(1)

كان الاختلاف إلا الذي حدث بعده كأن الاختلاف الموجب لنزول الكتاب اتفاقٌ

(2)

في جنبه لشدة عنادهم.

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : الدلائلُ الشاهدةُ على حقيقة الدِّين المتَّفَق عليه.

{بَغْيًا بَيْنَهُمْ} وحسدًا وقلةَ إنصافٍ منهم؛ لحرصهم

(3)

على الدنيا وتهالكهم.

{فَهَدَى اللَّهُ} بسبب تلك البينات {الَّذِينَ آمَنُوا} منهم {لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ} بيانٌ لِما اختلفوا فيه

(4)

.

{بِإِذْنِهِ} بتيسيره وتوفيقه إياهم.

{وَاللَّهُ يَهْدِي} دون غيره {مَنْ يَشَاءُ} من أهل العناية بمقتضى الحكمة.

(1)

في (ح) و (د) و (ت): "بالنسبة إليه لا اختلافا وما"، وفي (م):"بالنسبة إليه كلا اختلاف أو لما"، والمثبت من (ك).

(2)

في (ح) و (ف) و (م): (اتفاقًا).

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "بحرصهم ".

(4)

"بيان لما اختلفوا فيه " ليس في (ح) و (ف).

ص: 87

{إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} صراطٍ لا يُعرف كُنْهُه، وهو طريق التوحيد.

* * *

(214) - {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} {أَمْ} منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ.

والحسبانُ كالظن يُستعمل في المترجِّح.

لمَّا ذَكر حال

(1)

الأمم الخالية، واختلافَهم على النبيين بعد مجيء البينات، وإنكارَهم - تشجيعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وإغراءً لهم على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهلِ الكتاب، وإنكارهم لآياته وعداوتهم له - خاطبهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ:

{وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} : حالُهم التي هي مَثَلٌ في الشدة، و (لمَّا) للتوقُّع

(2)

في النفي كـ (قد) في الإثبات، ومعناها: أن إتيان ذلك متوقَّعٌ ومنتظَرٌ ولم يقع بعدُ.

{مَسَّتْهُمُ} بيانٌ للمَثَل على الاستئناف.

{الْبَأْسَاءُ} : الشدة من الخوف والجوع والفاقة.

{وَالضَّرَّاءُ} الآلام

(3)

والأمراض.

(1)

كلمة: "حال" ليست في (ف) و (ك) و (م).

(2)

في (ف) و (م): "للتوقف".

(3)

في (م): "الألم ".

ص: 88

{وَزُلْزِلُوا} ؛ أي: أُزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيهًا بالزلزلة مما أصابهم من الأهوال والأفزاع.

{حَتَّى يَقُولَ} لتَناهي الشدَّة وتَماديها في العِظَم بحيث تقطَّعت حبالُ الصبر.

{الرَّسُولُ} مع كونه في كمال الثبات والصبر وضبط النفس والوقار إلى غايةٍ لا يُقْدَرُ قَدْرُها.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} الصابرين في البأساء والضرَّاء.

وقرئ: {يَقُولَ} بالرفع

(1)

على معنى الحال، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وبالنصب على إضمارِ (أنْ) ومعنى الاستقبال.

{مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} معناه: استبطاءُ النصر وطلبُه وتَمنِّيهِ، واستطالةُ زمان الشدة.

{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} استئناف على إرادة القول، أي: فقيل لهم إجابةً لهم إلى طلبهم

(2)

من عاجل النصر وإعطاءً لسؤلهم

(3)

.

* * *

(215) - {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} .

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} لمَّا نزل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] جاء عمرو بن جموح الأنصاريُّ وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

(1)

هي قراءة نافع من السبعة، وقرأ الباقون بالنصب. انظر:"التيسير"(ص: 80).

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "طلبهم".

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "سؤلهم".

ص: 89

كم ننفقُ؛ وعلى مَن

(1)

نُنفق؛ فنزل جواب السؤالين في آيتين من هذه السورة؛ جوابُ قوله: كم ننفق؟ في قوله: {قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]، وجواب قوله: على مَن ننفق؟ في قوله:

{قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ}

(2)

أيَّ شيءٍ أنفقتُم من مالٍ، والمالُ يسمى خيرًا؛ قال الله تعالى:{لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} [فصلت: 49]، وقال:{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، وإنما سمَّاه خيرًا هنا لأنَّه مذكور في موضع الصرف إلى الخير.

{فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} بدأ في المصرِف بالأقرب

(3)

، ثم بالأحوج

(4)

فالأحوج.

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} في معنى الشرط {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} جوابُه؛ أي: إنْ تفعلوا خيرًا فإن الله تعالى يعلم كُنْهَه ويُوفي ثوابَه، والفعلُ أعمُّ من الإنفاق وغيره، سألوا عن خاصٍّ وأُجيب بخاصٍّ ثم أُتي بالعموم في أفعال الخير.

قيل: كان هذا للإيجاب ونسخها الأمرُ بالزكاة.

وقيل: كان للاستحباب وهو باقٍ.

* * *

(1)

في (ف): "وعلى كم".

(2)

انظر: "تفسير أبي الليث"(1/ 141)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: 67)، وإسناده ضعيف جدًا لأنَّه من رواية الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح ولم يدرك ابن عباس، عن ابن عباس. انظر:"العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (1/ 534).

(3)

في (م) زيادة: "فالأقرب".

(4)

في (ك) و (م): "الأحوج".

ص: 90

(216) - {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} ؛ أي؛ فُرض عليكم الجهاد.

{وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} من الكراهة؛ لقوله: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} وهو إمَّا أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضعَ الوصف للمبالغة لفَرْط كراهتهم له

(5)

، وإمَّا أن يكون فُعْلاً بمعنى مفعولٍ كالخبز بمعنى المخبوز؛ أي: وهو مكروهٌ لكم.

وقرئ بالفتح

(6)

على أن يكون بمعنى المضموم، كالضَّعف والضُّعف، أو بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكُرهوا عليه لفَرْط كراهتهم له، وكراهةُ الطَّبع لا توجِبُ الذمَّ بل تحقِّق العبوديةَ إذا فُعل ذلك اتِّباعًا للشرع مع نُفرة الطبع، وأمَّا كراهةُ الاعتقاد فهو من صفات المنافقين

(7)

.

ونبَّه بقولُه

(8)

: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} بألطف وجهٍ على أنَّ ما كُتب عليهم من القتال خيرٌ لهم وأوضحِ دلالةٍ، وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهيةٌ لأمرٍ وفيه الخيريةُ، فيجوز أن يكون كراهيتكم

(9)

(5)

يعني هو مثل: رجلٌ عدلٌ.

(6)

انظر: "الكشاف"(1/ 258). والضم قراءة الجمهور.

(7)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "وبهذا اندفع ما قاله الإمام من الإشكال، وهو أن الخطاب وهو قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} مع المؤمنين، وقوله: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} يقتضي كراهتهم لحكم الله تعالى وتكليفه، وهو غير جائز. منه".

(8)

في (ح) و (د): (قوله)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب"(1/ 445) والكلام منه.

(9)

في (د): (كراهيتكم)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب ".

ص: 91

لِمَا كُتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لكم، فيجوز أن تكون محبَّتكم لِمَا أحببتُموه شرًّا.

ثم نبَّه على أن هذا الجائزَ كونُه عندكم واجبٌ كونُه في نفسه بقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وقد قضَى بأن ذلك خيرٌ، وإذا كان خيرًا فيجب أن تحبُّوه ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادتُه والشرُّ يجب كراهته.

والمحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنُّه خيرًا، والإرادة لا يلزمُها ظنُّ الخير، ولهذا قيل:{أَنْ تُحِبُّوا} دون: أنْ تريدوا، ولم يراعَ حقُّ المقابَلة مع قوله:{أَنْ تَكْرَهُوا} .

و (عسى) كلمةٌ تجري مَجرى (لعل)، وهي من العباد للترجِّي ومن الله تعالى للترجِئةِ؛ قيل: جميع ما كلِّفوا به من قَبيل الأول، وجميع ما نُهوا عنه من قَبيل الثاني، وفيه نظر.

* * *

(217) - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} نزلت في أوَّل سَرِيَّة في الإسلام أغاروا على عِيرٍ لقريش

(1)

قافلةٍ من الطائف وقتَلوا عَمْرَو بن عبد الله الحضرميَّ أولَ يوم من

(1)

في (ف): "قريش".

ص: 92

رجبٍ وهم يظنُّونه من جُمادى الآخرة

(1)

، فعيَّرهم أهل مكة باستحلاله.

{قِتَالٍ فِيهِ} بدلُ الاشتمال من {الشَّهْرِ} وفائدةُ الإبدال أنَّ في ذكر الشهر أوَّلًا تنبيهٌ على أن السؤال عن القتال لأجْل الشهر لا لغيره.

{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} : ذنبٌ كبير، والأكثرُ على

(2)

أنه منسوخ بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] خلافًا لعطاءٍ

(3)

، ولا وجه لمنعِ دلالة الآية على حرمةِ القتال في الشهر الحرام مطلقًا بناءً على أن النكرة في حيِّز الإثبات لا تعمُّ؛ لأنها إذا لم تكن موصوفةً

(4)

، وقد مر ما يؤيد هذا.

{وَصَدٌّ} الصُّدُّ: ناحيةُ الشِّعب والوادي المانعُ للسالك، وصَدَّه عن كذا: كأنما جَعل بينه وبين ما يريده صُدًّا يمنعه، والصَّديد: ما حال بين الجلد واللحم من الدم والقيح، كذا قال الراغب

(5)

.

(1)

في (م): "يظنون من جمادى الآخر".

(2)

"على"ليست في (ف) و (ك).

(3)

في هامش (د) و (ف) و (م): "من قال بقوله: (اقتلوا المشركين .. )

إلخ نظرَ إلى أن القيد الذي انقضى في زمان الشارع في حكم العدم، ونظره أدق فافهم. منه ". ثم أتبع به:"والفاضل التفتازاني لعدم تنبهه له استدرك عليه. منه".

(4)

قوله: (لأنها إذا لم تكن موصوفة) يعني: لأن كون النكرة إذا كانت في حيز الإثبات لا تعم إنما هو إذا لم تكن موصوفة، وهنا هي عامة لكونها موصوفة بوصف عام أو بقرينة المقام، والكلام رد على الرازي في "تفسيره" (6/ 388) حيث قال: والذي عندي أن قوله تعالى: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فردًا واحدًا، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقًا في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه. اهـ. قلت: وفي الأمر في هذه المسألة قيل وقال ينظر ذلك في "روح المعاني"(3/ 237).

(5)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 446).

ص: 93

{عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} و، أي: ما يُوصل العبدَ إلى الله من الطاعات.

{وَكُفْرٌ بِهِ} ، أي: بالله تعالى، عطفٌ على (صَدٌّ)، وقد عُطف عليه قبل تمام المعطوف عليه لشدة الاعتناء عند ذكر الله تعالى بأنَّ الكفر به أكبرُ الكبائر وأمُّها، والذي اندرج فيه جميع الكبائر، وإلا كان حقَه أن يُؤخَّر عن قوله:

{وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} لِمَا أَشَرْنا إليه من أنه من تمامِ قوله: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} .

{وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} خبرٌ عن الأشياء المعدودة، يعني

(1)

: وكبائر قريش؛ من صدِّهم عن سبيل الله وعن المسجدِ الحرام، وكفرِهم

(2)

، وإخراجِ أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون - منه، أكبر عند الله مما فعلَتْه السريَّة على سبيل الخطأ والبناءِ على الظن.

{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} وما ارْتَكبوه من الصَّدِّ والإخراجِ والكفر أكبر من قتل الحضرميِّ.

{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ، أي: يداوِمون على عداوتكم ولا ينفكُّون عن مقاتَلتكم.

{حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} {حَتَّى} للتعليل؛ كما في قولك: أعبدُ الله حتى أدخلَ الجنة، لقوله

(3)

:

{إِنِ اسْتَطَاعُوا} استبعادٌ لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوِّه: إن ظَفِرْتَ بي فلا تُبْقِ عليَّ، مع وثوقه بأنه لا يَظفَرُ به.

(1)

"يعني": ليست في (ك) و (م).

(2)

في (م): " وكفرهم بالله".

(3)

قوله: "لقوله" لا أرى له فائدة في السياق. وانظر: "الكشاف"(1/ 259)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 137)، والكلام منقول عنهما، لكن ليس فيهما إشارة لهذه الكلمة.

ص: 94

وإيراد (إنْ) في موضع اليقين للتهكُّم، أو البناءِ على ظنِّهم الفاسد.

{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} : ومَن يَرجعْ منكم عن دينه إلى دينهم، ويطاوِعْهم على ردِّهم إياه إليه، ولم يَتُبْ، فيَمُتْ على الرِّدَّة.

{فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ؛ أي: حسناتُهم؛ لأنها هي الأعمال في الحقيقة، إذ السيئاتُ مما ينبغي أن لا تُعمل، ويقال لمن عَمِلَ ما لا يُنتفَعُ به: لم يَعمل شيئًا.

{فِي الدُّنْيَا} لفوات ما لهم من المسلمين من ثمرات

(1)

الإسلام بإحداث الردة.

{وَ} في {الْآخِرَةِ} لفواتِ ما لهم من الثواب لو لم يرتدُّوا بالموت عليها، والحَبْطُ: فسادٌ يَلحق الماشية في بطونها من أكل الكَلأ، واستُعير لفساد العمل.

{وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} مُلازِموها، يقال: فلان صاحبُ فلانٍ، إذا كان مُلازِمًا له.

{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، أي: دائمون فيها لا يموتون ولا يُخرجون عنها.

ثم الطاعةُ تَحبَطُ بنفس الرِّدة عندنا، لقوله تعالى:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: 5] والموتُ عليها ليس بشرطٍ، وقال الشافعي: هي

(2)

شرطٌ. وتمسَّك بهذه الآية.

وقلنا: إنما جُعل الموتُ على الكفر شرطَ جميع ما ذُكر في هذه الآية: من حبوطِ العمل، والخلود في النار، وبه نقول.

(1)

في (ك) و (م): "ثواب".

(2)

"هي" من (د).

ص: 95

كذا قيل، ويأباه تكرير (أولئك) لِمَا فيه من الد لالة على اعتبار

(1)

الشرط المذكور في كلِّ واحدٍ من الحُكمين المذكورين.

فالصواب في الجواب أن يقال: إنما اعتبر الشرط المذكور في حبوط عمل الدنيا وعمل الآخرة معًا، لا في حبوط عمل الدنيا

(2)

وحده، فلا متمسَّك فيه للخصم؛ لانا نقول: تأثيرُ الشرط المذكور في حُبوط عمل الدنيا، فإنه ما لم يستمرَّ على الردة إلى آخر الحياة لا يُحرم عن ثمرات الإسلام.

* * *

(218) - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} نزلت أيضًا

(3)

في السَّرية المذكورة، لمَّا قال بعض الناس فيهم: إنْ لم يكن عليهم وِزرٌ فليس لهم أجرٌ

(4)

.

{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} ؛ أي: من مكة إلى المدينة، وقيل: أي: فارَقوا أعمال السوء وأصحابَها. والأول كان فرضًا فنُسخت فَرْضيّتها، والثاني فَرْضيتُه باقية.

{وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: قاتَلوا الكفار، وقيل: أي: استفرَغوا المجهودَ في طاعة الله.

(1)

"اعتبار" ليست في (د).

(2)

"الدنيا" من (ح)، وأشير إليها في هامش (م) بالقول:"لعله هنا: الدنيا".

(3)

"أيضا": ليست في (ك) و (م).

(4)

رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(2/ 388) برقم (2040)، والطبراني في "الكبير"(1670) من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه.

ص: 96

وتكريرُ الموصول لتعظيمِ الهجرة والجهاد، وكأنهما مستقلَّان في تحقيق الرجاء.

{أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} في الدنيا والآخرة نفعًا ورفعًا ودفعًا، وفي عبارة الرجاء مدحٌ لهم باستقصارهم أعمالَهم واستشعارهم آمالَهم، خائفين ردَّه، راجين قبوله، قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60].

{وَاللَّهُ غَفُورٌ} لِمَا فعلوا خطأً وقلَّةَ احتياطٍ.

{رَحِيمٌ} بإجزالِ الثواب والإيصالِ إلى حُسن المآب.

* * *

(219) - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} .

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} رُوي أنه نزل بمكة - شرَّفها الله تعالى - قوُله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} [النحل: 67] وكان المسلمون يشربونها

(1)

وهي لهم حلال، ثم إن عمرَ ومعاذًا ونفرًا من الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر

(2)

فإنهما مَذهَبةٌ للعقل ومَسلَبةٌ للمال، فنزلت:{فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فشربها قوم وتركها آخرون

(3)

.

(1)

في (ح) و (د) و (ف) و (م): "قال القاضي: فأخذ المسلمون يشربونها، كأنه زعم أنهم كانوا ممتنعين عن شربها. منه".

(2)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "ومن اقتصر على قوله في الخمر فقد قصر. منه ".

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 260). وجاء في هامش (ف) و (د): "تمامه يأتي في تفسير قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}. منه".

ص: 97

والخمر: ما خَمَرَ العقل؛ أي: ستره، كأنها سمِّيت بالمصدر للمبالغة، ومنه: الخِمار، لِمَا يستر الرأس.

وقال ابن الأنباري: سُميت خمرًا لأنها تُخامِرُ العقل؛ أي: تخالطُه

(1)

.

وقال

(2)

عمر رضي الله عنه في خُطبته: أيها الناسُ، فإنه نزل تحريمُ الخمر وهي من خمسة: من العنب، والعسل، والتمر، والحنطة، والشعير

(3)

.

والميسِر: القِمار، وقال الأزهريُّ: الميسر: الجَزُور الذي كانوا يتقامرون عليه سمِّي ميسِراً لأنَّه يجزَّأُ أجزاءً فكأنه موضعُ التجزئة، وكلُّ شيءٍ جزَّأْتَه فقد يَسَرْتَه، والياسر: الجازر؛ لأنَّه يُجزِّئ لحم الجزور

(4)

.

{قُلْ فِيهِمَا} لمَّا كان منشأً للإثم وسببًا للمنافع جعلهما منبعًا له ومعدنًا لها؛ تنبيهًا على قوتهما في المَنشئيَّة والسببيَّة، فلا حاجة إلى تقدير المضاف، بل لا وجه له عند البلغاء، فلا دلالة في هذا على أن السؤال عن تعاطيهما.

{إِثْمٌ} الإثم: ما يَستحِقُّ فاعلُه العقاب، فيختصُّ بما يكون عمدًا، يرشدك إليه ذكره في قوله تعالى:{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} [النساء: 112] في مقابَلة

(5)

الخطيئة.

(1)

انظر: "الزاهر" لابن الأنباري (1/ 435).

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "قال".

(3)

رواه البخاري (5588)، ومسلم (3032). وجاء في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م):"ذكره القرطبي في تفسيره، فمن خصها [(ف): قصرها] بالاثنين منها لم يصب ".

(4)

انظر: "تهذيب اللغة"(13/ 43). وجاء في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "والميسر بهذا المعنى يناسب الخمر بخلاف في الكشاف وغيره".

(5)

في (م): "مقابل".

ص: 98

{كَبِيرٌ} من حيث إنه يؤدِّي إلى الانتكاب عن المأمور وارتكابِ المحظور.

{وَمَنَافِعُ} من الطرب والالْتِذاذ وكسبِ المال ومُصادقة الفتيان، وفي الخمر خصوصًا

(1)

تشجيعُ الجبان، وتوفيرُ المروءة، وتقوية الطبيعة.

{لِلنَّاسِ} في عبارة اسم الجنس إشارةٌ إلى عموم المنافع لِمَا تحته من الأصناف والأفراد، وفيه وفي جمع المنفعة تمهيدٌ لتعظيم الإثم فيهما؛ ضرورةَ أن تعظيم المفضَّل عليه يَستلزِم تعظيمَ المفضَّل.

{وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} يعني: أن الإثم المترتِّب على المفاسد التي تنشأ من كلٍّ منهما أعظم من المنافع المتوقَّعة منه، قال الحسن: هذه الآية تدل على تحريم الخمر؛ لأنَّه ذكر أنَّ فيها

(2)

إثماً، وقد حرم الله تعالى الإثم بقوله:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} [الأعراف: 33] على أنه قد وصف ما فيها من الإثم بالكبير، والكبيرُ منه حرامٌ بلا خلافٍ.

وقوله حَسَنٌ ها ن كان مخالفًا لِمَا رُوي فيما سبق.

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} قد مر أن سائله أيضًا عمرو بن الجموح.

{قُلِ الْعَفْوَ} نقيضُ الجهد، وهو القصدُ في الإنفاق بحيث لا يبلغُ الجهدَ واستفراغَ الوُسع.

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} ؛ أي: مثلَ ما بيَّن من

(3)

الأحكام، والكافُ في موضع النصب صفةً لمصدرٍ محذوف، وتوحيد العلامة على تأويل القبيل

(4)

.

(1)

في (ح) و (ف): "خصوصيات".

(2)

في (ك): "فيهما".

(3)

في (ف): "في ".

(4)

يعني: كان مقتضى الظاهر أن يقال: كذلكم، على طبق {لَكُمُ} ، لكنه وحَّد بتأويل نحو القبيلة أو الجمع، مما هو مفرد اللفظ جمعُ المعنى؛ رومًا للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم=

ص: 99

(220) - {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} يتعلق بـ {تَتَفَكَّرُونَ} ؛ أي: لعلكم تتفكرون في أمر الدارين وما هو أصلحُ لكم فيهما، فتختارونه وتتجنَّبون عما يضرُّكم ولا ينفعُكم، أو يضرّكم أكثر.

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} الحالُ تشهدُ بأن السؤال ليس عن أعيانهم، بل عن كفالتهم ومخالَطتهم، والإفصاحُ بأمثال هذه تجافٍ

(1)

عن طريق البلاغة؛ لأنَّه لا يخلو عن غباوةٍ للمتكلِّم أو تغبيَةٍ للمخاطَب وسوءِ أدبٍ، وكلامُ الله تعالى مبرَّأٌ عن كلِّ هُجنةٍ.

رُوي أنه لمَّا نزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] تجافَوا عن اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيامَ بمصالحهم وأموالهم والاهتمامَ بأحوالهم، فشَقَّ ذلك عليهم وكاد يُوْقعُهم في الحرج، فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت

(2)

.

وعلى هذا لا سؤالَ في سبب النزول، فالوجه ما قاله مقاتل: من أن المسلمين لمَّا أشفقوا من مخالطة اليتامى، فعزلوا بيت اليتيم وطعامَه، شق عليهم فقال ثابت بن رِفاعةَ للنبيِّ عليه السلام: قد أنزل الله في اليتيم ما أَنزل فعزلناهم والذي لهم واعتزلنا والذي لنا، فشَقَّ علينا وعليهم وليس كلُّنا يجد سَعةً، فهل يَصْلُحُ لنا مخالطتُهم فيكونَ البيتُ والطعامُ واحدًا لا نرزؤهم شيئًا إلا أن نعود

(3)

عليهم بأفضل منه? فنزل قوله تعالى:

= الإشارة. انظر: "روح المعاني"(3/ 254).

(1)

في (د): "تخاف "، وفي (ح) و (ف) و (ك):"تخالف"، والمثبت من (م).

(2)

رواه أبو داود (2871)، والنسائي (3669)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(3)

في (ح) و (د) و (م): "يعود".

ص: 100

{قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم

(1)

.

{وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} حثٌّ على المخالطة، أي: إنهم إخوانكم في الدِّين، وحقُّ الأخ أن يخالط أخاه.

والخلط: الجمع بين أجزاء شيئين سواءٌ كانا مائعَين أو غيرَ مائعين، فهو أخصُّ من المزج.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} واللهُ يَميزُ المخالط بالإفساد من المخالط

(2)

بالإصلاح، ولا يخفى عليه، فيجازي بحسَبه، فلا تقصدوا في مخالطتهم إلا الإصلاح.

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} إعناتكم.

{لَأَعْنَتَكُمْ} : لحمَلكم على العنَت

(3)

وهو المشقَّةُ، ومنَعكم عن المخالطة فوقعتُم في الحرج.

{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ يَقدر على الإعنات.

{حَكِيمٌ} لا يكلِّف إلا ما يَسَعُ طاقتهم ويُصلح حالهم.

* * *

(221) - {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .

(1)

انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان"(1/ 189).

(2)

في (ح) و (ف) و (ك): "المخالطة" في الموضعين.

(3)

في (م): "التعنت".

ص: 101

{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ؛ أي: ولا تتَزوَّجوهن

(1)

، وقرئ بالضم

(2)

؛ أي: ولا تزوِّجوهن من المسلمين.

المشركاتُ والمشركةُ تعمُّ الكتابية؛ لقو له تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} إلى قوله: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 30 - 31] ولكن خُصَّت عنها الكتابياتُ الذِّمِّيات بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5]، وبقيت الحربيات في عموم هذه الآية.

رُوي أنه عليه السلام بعث مَرثدَ الغَنَويَّ إلى مكة ليخرج منها أناساً من المسلمين، فأتته عَنَاق وكان يهواها في الجاهلية فقالت: ألا تخلو

(3)

؟ فقال: إن الإسلام حالَ بيننا، فقالت: هل لك أن تتزوَّج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستأمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأمره عليه السلام فنزلت:

{وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ}

(4)

يعني: أن المؤمن ولو كان معه خساسةُ الرِّقِّ خيرٌ من الكافر ولو كان معه شرفُ الحرية، فإن شرفها لا يُجدي نفعًا مع الكفر، ودناءةَ الرق لا تَضرُّ مع شرف الإيمان.

(1)

في (د): " تتزوجوهن".

(2)

نسبت للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 13).

(3)

في (ك): "نخلو".

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 264) وعنه نقل المؤلف، و"أسباب النزول " للواحدي (ص: 73) وذكره من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك، وأبو صالح باذام ضعيف يرسل، ولم يسمع من ابن عباس، فالخبر واه، ونزول الآية في هذه القصة ليس بصحيح كما ذكر الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: 18)، وإنما الآية التي نزلت فيها هي قوله تعالى:{الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3] كما في "سنن أبي داود"(2051)، و"سنن الترمذي"(3177).

ص: 102

{وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} جملة اعتراضية، وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبلها عليه، وكذا {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}؛ أي: ولو أحببتُموها وأعجبكم حسنُها كانت المؤمنة مع ذلك خيرًا لكم.

{وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} : ولا تُزوّجوهم المؤمنات، وهو على عمومه.

{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} وُضع اللازم مقام الملزوم في الموضعين للتنفير والترغيب، فقال:

{أُولَئِكَ} أي: المشركون والمشركاتُ.

{يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} ؛ أي: الشرك المستلزِم لدخول النار، فحقُّهم أن لا يُوالَوا ولا يُصاهَروا.

{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} ؛ أي: الإيمان المستلزم

(1)

لدخول الجنة، وأُورد (اللهُ) مكان: المؤمنين؛ لاختصاصهم به وتعظيمِهم؛ حثًّا على مصاهرتهم وموالاتهم وإيثارهم على غيرهم.

{بِإِذْنِهِ} : بتيسيره وتوفيقه لِمَا يُستَحَقُّ به الجنة والمغفرةُ من الإيمان والعمل الصالح.

{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} : لكي يتذكَّروا، أو: يكونوا بحيث يُرجى منهم التذكُّر لِمَا رُكز في العقول السليمة من الميل إلى نيل الخير والاجتنابِ عن مظانِّ المضارّ.

* * *

(1)

في (ح) و (د) و (ف)"الملزوم"، وفي (ك):(الملزم).

ص: 103

(222) - {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} .

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} المحيض مصدر، يقال: حاضت محيضًا

(1)

، كما يقال: جاء مجيئًا.

رُوي: أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيَّضَ ولم يؤاكلوها كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدَّحْداح في نفر من الصحابة رضي الله عنهم عن ذلك فنزلت

(2)

.

ولعله سبحانه إنما ذكر (يسألونك) في المواضع الثلاثة بغيرِ واوٍ وفي المواضع الثلاثة بعدها مع الواو؛ لأن الأُوَلَ ليسق بمظنَّةٍ للواو، وكانت الأسئلة عن الحوادث الأُوَل في أحوالٍ متفرقةٍ كلُّ واحد منها سؤال مبتدأ، والأسئلة عن الحوادث الأُخَر مع ثالثة

(3)

الأُول كانت في وقتٍ واحد، وليس مبنَى هذا على أن الواو حرفُ الجمع؛ لأن الجمع الذي هو مدلولُ الواو أعمُّ من المعية، بل على أن في ترك الواو دلالةً على الاستقلال، وفي ذكرها دلالةً على خلافه.

{قُلْ هُوَ أَذًى} لمَّا كان الموضعُ موضعَ الكناية والمجاز - لكون التصريح والحقيقةِ لا تخلو عن سوء أدبٍ - سلك طريقة التعريض والتشبيهِ بأحسنِ الوجوه، فكَنَى عن المحيض المستقذَر الذي يَنفر منه

(4)

الطبع بالأذى، وهو اسمٌ لِمَا يَنال منه النفسَ مكروهٌ، وعن اجتناب المجامعة بقوله:

(1)

في (ح) و (ف): "حاضت حيضًا"، وكلاهما صواب. انظر:"البحر المحيط"(4/ 134).

(2)

انظر: "تفسير الثعلبي"(2/ 156)، و"الكشاف" (1/ 265). وأبو الدحداح اسمه: ثابت بن الدحداح، قيل: استشهد في أحد، وقيل: مات على فراشه مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية.

(3)

في (ح) و (ف) و (م): " ثلاثة"، وفي (ك):"الثلاثة".

(4)

في (ك) و (م): "عنه".

ص: 104

{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} واصل الاعتزال: العدولُ عن الشيء، ولمَّا كان الإنسان قد يتحمَّل الأذى ولا يراه محرَّمًا، صرَّح بالحكم ولم يكتفِ بذكر العلة، وإنما أكَّد بصيغتي نهي وأمر مبالغةً في المنع؛ لِمَا أن الزوجين يجتمعان غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهراً، والدليل على أن المراد الاجتناب عن مجامعتهن قوله عليه السلام:"إنما أمركم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهنَّ من البيوت كفعل الأعاجم "

(1)

، وهو الاقتصادُ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض.

{حَتَّى يَطْهُرْنَ} بيان لغايته؛ أي: يخرجن من الحيض بانقطاع الدم، وإذا كان أيامُها عشرةً فكما

(2)

انقطع حلَّ وطؤها

(3)

، وإذا كانت دون ذلك وانقطع واغتسلت فكذلك، وإذا لم تغتسل ومضى عليها وقتُ صلاةٍ

(4)

فكذلك، خلافاً لزُفرَ والشافعيِّ فإنهما قالا: لا يحلُّ بحالٍ قبل الاغتسال، واحتجَّا بقراءة التشديد

(5)

؛ فإن التطهُّر

(6)

الاغتسالُ، ونحن نعمل بالقراءتين في حالين، وفيه نظر؛ لأن شرط العمل بالمفهوم أن لا يكون مخالفًا للمنطوق، ومفهومُ قراءة التخفيف مخالفٌ لمنطوق قراءة التشديد.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 265). وقال الحافظ في "الكاف الشاف "(ص: 18): لم أجده.

(2)

في (د): "فيما".

(3)

في النسخ: " وطئها"، والصواب المثبت.

(4)

كلمة: "صلاة" ليست في (ف) و (م).

(5)

أي: (يَطَّهَّرن)، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم. انظر:"التيسير"(ص: 80).

(6)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "التطهير"، والمثبت من (د)، وهو الصواب؛ لأن التطهير مصدر: طهَّر، والقراءة بالتشديد من: تطهَّر، الذي مصدره: التطهُّر، ومضارعه: يتطهر، فأدغمت التاء في الطاء فصار: يطَّهَّر.

ص: 105

ونحن نقول: ليس العمل بقراءة التخفيف بطريق المفهوم، بل بطريق المنطوق؛ فإن الدلالة على انتهاء الحكم عند الغاية بحسب الوضع

(1)

.

ثم إن قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} ظاهر في تأخير جواز الإتيان عن الغسل.

{مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} ؛ أي: المأتَى الذي أمركم به وحلَّله لكم وهو القُبل، وإنما زيدَ هذا وكان الكلام تامًا بدونه؛ للنهي بطريق المفهوم عن إتيانهنَّ في الدبر، فإن الله تعالى حرَّم الإتيان في أيام الحيض للأذى، فيحرم إتيان الدبر في الأحوال كلِّها؛ لِمَا فيه من الأذى، ومن هنا ظهر وجه تصدير الكلام المذكور بالفاء التفريعيَّة.

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} مما عسى يَندُر منهم من ارتكاب ما نُهوا عنه ومن سائر الذنوب.

{وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} : المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار؛ كمجامَعة الحائض والإتيانِ في غير المأتَى.

* * *

(223) - {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .

{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} إشارةٌ إلى أن الغرض الأصليَّ

(2)

من الإتيان المأمور به طلبُ النسل لا مجرَّدُ قضاء الشهوة، وإلى وجه النهي الذي قُصد بطريق المفهوم،

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "وهذا مما ذهب على أئمة الأصول. منه ". وعُكس المعنى في هامش (م)، حيث جاء فيه:"وهذا إنما ذهب إليه أئمة الأصول. منه".

(2)

في (د): "الأصيل".

ص: 106

شبَّههن

(1)

بالمحارث تشبيهًا لإلقاء النُّطف في الأرحام للنسل بإلقاء البذر

(2)

في الأرض للزرع، ولمَّا كان التشبيه المذكور مترتَبًا على هذا التمثيلِ المتروك ترتُّبَ اللازم على الملزوم، لم يبعد أن يسمَّى تمثيلًا على سبيل الكناية، والقومُ قد غفلوا عن هذا النوع من التمثيل.

{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} كما يأتي الحراثون مَحارثهم من أيةِ جهةٍ شاؤوا بعد مراعاةِ موضع الحرث، عبّر به عن وجوه الإتيان المختلفةِ مع اتحاد المائى

(3)

تمثيلًا لحالهم بحالهم.

رُوي: أن اليهود كانوا يقولون: مَن جامَعَ امرأته وهي مُجئيةٌ

(4)

من دبرها في قبلها كان ولدها أحولَ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"كذبت اليهود" فنزلت

(5)

.

{وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} الخيرَ والذُّخر بطاعة الله

(6)

تعالى فيما أَمر به ونَهى عنه في هذه الآية.

وقيل: النيَّةَ الخالصةَ؛ أي: لا تقتصِروا

(7)

على قضاء الشهوة، ولكنِ اقصِدوا التعفُّف والولد.

(1)

في (ف) و (م): "شبهن".

(2)

في (ك) و (م): "البذور".

(3)

المائق بالفتح: محل الإتيان، وهو القبل. انظر:"حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 308).

(4)

المجبية بميمٍ مضمومة، ثم جيمٍ مفتوحة، ثم باءٍ موحدة مشددةٍ مكسورة، ثم ياءٍ مثناة من تحت؛ أي: مكبوبة على وجهها. انظر: "شرح مسلم " للنووي (6/ 10).

(5)

رواه البخاري (4528)، ومسلم (1435)، والنسائي في "الكبرى"(8924)، من حديث جابر رضي الله عنه. وليس في رواية الصحيحين:(كذبت اليهود).

(6)

في (ف): "بطاعته".

(7)

في (ف): "تقصروا".

ص: 107

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} بالاجتناب عن المعاصي.

{وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} فلا تجترئوا عليه بمخالفته، وتزوَّدوا بما لا تَفتَضِحون به.

{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} المستوجِبينَ للمدح والكرامة بترك القبائح والفواحش.

* * *

(224) - {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً} العُرضة فُعْلةٌ بمعنى المفعول كالغُرْفة

(1)

، تُطلق لِمَا يَعرِضُ دون الشيء.

{لِأَيْمَانِكُمْ} يتعلق بـ {عُرْضَةً} ؛ أي: حاجزًا لأيمانكم؛ إذ في العُرضة معنى الاعتراضِ والمنع. أو بالفعل؛ أي: لا تجعلوا لأيمانكم حاجزًا

(2)

.

{أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} عطفُ بيانٍ لـ (أيمانِكم) أي: للأمور المقسَم عليها التي هي البرُّ والتقوى والإصلاحُ بين الناس، ويجوز أن يكون اللام

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): (كالفرقة)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 267).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 267)، ولفظه:(لا تجعلوا الله لأيمانكم برزخًا وحجازًا). قال الشهاب في "حاشيته على البيضاوي"(2/ 309): (وجوز الزمخشريُّ تعلقه بالفعل، والمصنف رحمه الله (يعني: البيضاوي) تركه، فقيل: لا وجه لتركه، ولعل وجهه (أي: وجهَ تركه) أن جعَل يتعدى لمفعولين بنفسه، وقد يتعدى لواحد بنفسه وللثاني باللام نحو: جعلت المال لزيد، وأما تعديه للثالث به (أي: باللام) فلم يعهد، وقيل: إن وجه الاقتصار أنه يظهر من المذكور بطريقِ الأَولى، وفيه ما فيه).

ص: 108

للتعليل و {أَنْ تَبَرُّوا} وما عطفٌ عليه متعلقًا بالفعل، أي: ولا تجعلوا الله عرضةً لأنْ تبرُّوا لأَجْل أيمانكم به، أو بـ {عُرْضَةً} ، أي: ولا تجعلوه مُعرَّضًا لأيمانكم فتبتذِلوه بكثرة الحَلِف، ولذلك ذَمَّ الحلَّاف بقوله:{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10]، و {أَنْ تَبَرُّوا} علة للنهي؛ أي: أنهاكم عنه إرادةَ بِرِّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلَّاف مجترئٌ على الله، والمجترئُ عليه

(1)

لا يكون بَرًّا متَّقيًا ولا موثوقًا به في إصلاح البين.

نزلت في الصِّدِّيق رضي الله عنه لمَّا حلف أنْ لا ينفق على مِسْطَحٍ لافترائه على عائشة رضي الله عنها

(2)

.

وقيل: في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلِّم خَتَنَه بشيرَ بنَ النعمان، ولا يُصلحَ بينه وبين أخته

(3)

.

{سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لأيمانكم.

{عَلِيمٌ} بنيَّاتكم فيجازيكم بحسَبها

(4)

، وهو وعيدٌ على كثرة الحلِف، وعلى جعله مانعًا لشيء من أنواع البِرِّ والتقوى.

* * *

(225) - {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} .

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} اللغو: الشيءُ الساقط الذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ

(1)

في (د): "والمجترئ قلبه ".

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(4/ 10) عن ابن جريج.

(3)

انظر: "زاد المسير"(1/ 194) عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره"(2/ 163) عن الكلبي.

(4)

في (م) و (ف): "بجنبها".

ص: 109

وغيره، فاللغو من اليمين: هو الذي لا عَقْدَ له كما سبق به اللسان أو تكلَّم به جاهلًا بمعناه؛ كقول العرب وغيرهم في أثناء الكلام للتأكيد: لا والله، وبلَى والله، ولا يخطر ببالهم الحلفُ بدليل قوله تعالى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].

{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وهو قصدُ القلب لعقدِ اليمين، والمعنى: لا يؤاخذكم الله بعقوبةٍ ولا كفَّارة بما لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بواحدٍ منهما بما قصدْتُم من الأيمان.

وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلفَ الرجل بناءً على ظنِّه الكاذب، والمعنى: لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمَّدْتم الكذب فيها، ولا يساعدُه ظاهر قوله تعالى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} .

{وَاللَّهُ غَفُور} حيث لم يؤاخذ

(1)

باللغو.

{حَلِيمٌ} حيث لم يعجِّل بالمؤاخَذة على يمينِ الجِدِّ تربُّصاً للتوبة.

* * *

(226) - {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} ؛ أي: يحلفون على أن لا يجامعوهنَّ، والإيلاء: الحلِفُ، وتعديته بـ (على)، إلا أنه ضمِّن في هذا القسَم معنى الامتناع فعدِّي بـ {مِنْ}؛ أي: يمتنعون

(2)

من نسائهم مُقْسِمين.

ويجوز أن يكون المقسَم عليه محذوفاً والمراد: لهم من نسائهم {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} ؛ كقولك: لي منك كذا.

(1)

في (م): "يؤاخذكم".

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "يمنعون".

ص: 110

والتربُّص: الانتظار والتوقُّف، أُضيف إلى الظرف على الاتِّساع؛ أي: للمؤلى التلبُّثُ في هذه المدة فلا يلزمه شيء فيها، وهذا لا ينافي وقوع

(1)

الطلاق البائنِ عند مضيِّها كما قال أبو حنيفة، ولا يقتضي أن تكون مدة الإيلاء أكثر مما ذكر كما

(2)

قاله الشافعي، ولا دلالة في الفاء في قوله:

{فَإِنْ فَاءُوا} على ذلك؛ لأنها للتعقيب، فإنَّ التفصيل بالفَيئة - وإن كانت قبل مُضيِّ المدة أو وقوعِ الطلاق - يَعْقُب المفصَّل.

والفيء: الرجوع، أي: إن رجعوا عن هذا الإضرار بترك القُرْبان بأنْ تقرَّبوا في المدة {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} يَغفر للمُؤلين ما أرادوا به إضرار النساء؛ لأَجْل الفَيئة التي بمثابةِ التوبة.

{رَحِيمٌ} حيث أجاز لهم الحِنْثَ، وقَبِل منهم الكفَّارةَ، ورَفع عنهم الذَّنب.

* * *

(227) - {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} العزم هو العقدُ على الإمضاء.

{فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} بما جرى بينكم {عَلِيمٌ} بما قصدْتُموه.

* * *

(228) - {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

(1)

في (د): "بوقوع".

(2)

في (م): "كذا".

ص: 111

{وَالْمُطَلَّقَاتُ} يعني: اللاتي من ذوات الأقراء بقرينةِ الخبرِ، عامٌّ مخصَّصٌ بالمدخول بهنَّ من الحرائر بالنصوص الدالَّةِ على اختصاص الحُكم الآتي ذكرُه بهنّ

(1)

.

{يَتَرَبَّصْنَ} إخبار في معنى الأمر، وإنما عُدل عن الظاهر للتأكيد وإظهارِ الاعتناء بالمبادَرة إلى الامتثال والمسارَعة

(2)

كأنهن امتثلْنَه، وأُخبر عنه موجوداً كما يقال في الدعاء: رحمك الله، شغفًا بالإجابة وثقةً بها، كأن الرحمة وقعت فأُخبر عنها، وبناؤها على المبتدأ زاده فَضْلَ تأكيدٍ لم يكن لو قيل: يتربصن المطلقات.

وفي قوله: {بِأَنْفُسِهِنَّ} زيادةُ تحريضٍ وبعثٍ وتهييجٍ لهن على التربُّص وقمعِ الأنفُس، وذلك أن أنفُس النساء طوامحُ إلى الرجال، فإذا أُمرن أن يقمَعْنَها وَيغْلِبْنها على الطموح يَستنكِفْن فتحملُهنَّ حميّتهن على التربُّص بها.

{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} انتَصب على أنه مفعولٌ به، كقولك: المحتكر يتربَّص الغلاءَ، أي: يتربَّصنَ مُضيَّ ثلاثةِ قروءٍ. أو على أنه ظرفٌ، أي: يتربَّصن مدةَ ثلاثةِ قروء.

والقروء: جمع القرء بالضم والفتح، وهو لفظٌ مشترَكٌ بين الحيض والطُّهر بإجماعِ أهل اللغة، وقد ورد الشرعُ في كلِّ واحدٍ منهما:

قال عليه السلام لامرأة: "دَعِي الصلاة يوم قرئك"

(3)

" أي: حيضك.

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "ومن وَهَم أنه مطلق فقد وهم. منه".

(2)

"والمسارعة": ليست في (ك) و (م).

(3)

رواه الطبراني في "مسند الشاميين"(2477) بلفظ: "اجلسي أيام أقرائك"، هذا أقرب الألفاظ المسندة إليه، وله روايات في الصحيحين والسنن بغير هذا اللفظ.

ص: 112

وقال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "إن من السُّنَّة أن تطلِّقها في كلِّ قرءٍ تطليقة"

(1)

؛ أي: في كلِّ طُهرٍ.

وقال أبو حنيفة: إن المراد من القرء هنا الحيض.

وقال الشافعي: المراد الطهر.

وقوله عليه السلام: "طلاقُ الأَمَة تطليقتان وعِدَّتُها حيضتان"

(2)

صريحٌ في الأول.

وإنما جاء المميِّز على جمع الكثرة دون القلَّة التي هي الأقراءُ اعتبارًا لِمَا في (المطلَّقات) من معنى العموم، فإن المعنى: ليتربصْ كلُّ واحدة من المطلَّقات ثلاثةَ قروء، فلمَّا أُسند إلى جماعتهن والواجبُ على كلِّ واحدة منهنَّ ثلاثةٌ

(3)

، أُتي بلفظ القرء ليدلَّ على الكثرة المرادة، وإمَّا الأنفُس فكأنَّ النكتة في تقليلها الإيماءُ إلى أن التطليق ينبغي أن يكون قليلَ الوقوع من الرجال.

{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} من الولد بأن

(4)

يكتُمن حملهنَّ استعجالًا للطلاق مخافةَ أنْ يَنتظِرَ الزوج لطلاقها أن تضع، أو يشفِقَ على الولد فلا يطلِّقَ.

وقيل: من الحيض، بأن تقول: طهرت، وهي حائضٌ؛ استبطاءً للفراق.

(1)

رواه الطبراني في "مسند الشاميين"(2455).

(2)

رواه أبو داود (2189)، والترمذي (1182)، وابن ماجه (2080)، من حديث عائشة رضي الله عنها. قال أبو داود: حديث مجهول. وقال الترمذي: غريب، وأشار إلى جهالة أحد رجاله.

(3)

في (م) زيادة: "قروء".

(4)

في (ح) و (د): " الولد أن". وفي (ف) و (ك): "الولدان".

ص: 113

ويجوز أن يكون الكتمان كنايةً عن إرادتهن إسقاطَ ما في أرحامهنَّ من الأجنة، فلا يعترفنَ بهنَّ، وفيه دليل على أن قولها مقبولٌ في ذلك.

{إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} تعظيم لفعلهن وإثمهن؛ أي: لا يفعل ذلك مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يَجترِئُ على مِثْل هذه العظائم. {وَبُعُولَتُهُنَّ} ، أي: أزواجُ المطلَّقات، والبعولُ: جمع بعلٍ، والتاءُ لاحقةٌ لتأنيثِ الجمع، وإنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنَّه سيِّدُها ومالكُها، ذكره الأزهريُّ

(1)

، ومن هنا تبيَّن وجهُ التعبير عنه بالبعل فإن الحكم الآتيَ ذكرُه مخصوصٌ بصورة الطلاق الرجعيِّ الذي لا يزولُ به مِلكُ النكاح، وفي عبارة البعل إشارة إليه.

{أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} ؛ أي: برجعتهنَّ، ومعنى {أَحَقُّ}: أنَّ الرجل إذا أراد الرجعةَ وأَبَتْها المرأة فهو أحقُّ بقبولِ قوله، لا أن لها حقًّا في الرجعة.

{فِي ذَلِكَ} ؛ أي: في زمان التربُّص.

{إِنْ أَرَادُوا} ؛ أي: بالرَّجعة.

{إِصْلَاحًا} بينهم وبينهنَّ لا ضِرارًا، والمراد: التحريضُ عليه

(2)

، والمنعُ من قَصْد الإضرار، لا بيانُ اشتراطِ صحة الرجعة بقصدِ الإصلاح.

{وَلَهُنَّ} من الحقوق على الرجال {مِثْلُ الَّذِي} للرجال {عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} بالوجه الذي لا يُنكر في الشرع والعادةِ الجميلة، أي: لا يكلِّف أحد الزوجين صاحبَه ما لا يُستحسن في الشرع ولا يعنِّف به، ولكنْ يسامحُه ويسهِّل.

(1)

انظر: "تهذيب اللغة"(2/ 251).

(2)

في (م) زيادة: "في الرجعة".

ص: 114

والمراد بالمماثلة: مماثلةُ الواجب بالواجب والمستحبِّ بالمستحبِّ، لا الاتِّحادُ في الجنس

(1)

.

{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} الدرجة نحو المنزلة، لكن تقال إذا اعتُبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السلم، ويعبَّر بها عن المنزلة الرفيعة؛ أي: زيادةُ فضيلةٍ بقيامهم عليهنَّ وإنفاقهم في مصالحهنَّ بعدما تَساويًا في نَيل اللَّذة.

{وَاللَّهُ عَزِيزٌ} على الانتقام بمن

(2)

خالَفَ الأحكام.

{حَكِيمٌ} شَرَعها لحِكَمٍ ومصالح.

* * *

(229) - {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، يعني: التطليق الشرعيُّ كرَّتان على التفريق تطليقةٌ بعد تطليقةٍ يعقُبها رجعةٌ، لا تطليقتان على التَّثنية والإرسالِ دفعةً واحدةً، ولا التطليقُ البائنُ واحدًا كان أو اثنين؛ لقوله:{فَإِمْسَاكٌ} ؛ أي: فأمرُ الزوج بعدهما إمساك، أو

(3)

فعليه إمساكٌ، ولا يَخْفَى ما في عبارة الإمساك من الدلالة على استدامة المِلك، وهي لا تبقى بعد البائن.

{بِمَعْرُوفٍ} بحُسْنِ عِشرةٍ، وما يُعرف شرعًا من القيام بمَواجبها.

(1)

في (د): " والمراد بالمماثلة: الجوابُ بالجواب، والمستحبُّ بالمستوجب، لا الاتحاد والجنس".

(2)

في (ف): "بما".

(3)

في (ك) و (م): "أي".

ص: 115

{أَوْ تَسْرِيحٌ} بأنْ لا يراجعَها حتى تَبينَ بالعِدَّة.

{بِإِحْسَانٍ} بأنْ لا يراجعَها مراجعةً يريد بها الضِّرارَ وتطويلَ العِدَّة عليها.

وقيل: التسريحُ أن يطلِّقها الثالثةَ في الطُّهر الثالث، وروي: أن سائلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الثالث؟ فقال عليه السلام: " {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} "

(1)

.

وظاهرُ الآية حجةٌ على الشافعيِّ في قوله: لا بأس بإرسالِ الثلاث. ولا متمسَّك له في حديث العَجْلاني الذي لاعَنَ امرأته، فطلَّقها ثلاثًا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكِرْ عليه

(2)

، لعدم الدليل بتأخّره عن نزول الآية.

{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ} أيها الأزواج.

{أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ} من الصَّداق

(3)

.

{شَيْئًا} قليلًا.

{إِلَّا أَنْ يَخَافَا} : إلا أن يخافَ الزوجان، استثناءٌ مفرَّغٌ، و {أَنْ يَخَافَا} نصبٌ على الظرف، أو مفعولٌ له، الْتفاتٌ كأنهم إذا رضوا بالخلع وهمُّوا بالأخذ وقعوا في حدِّ البُعد ولم

(4)

يَستأهلوا للخطاب، لعدم إنصافهم وعدالتهم، واحتياجهم إلى الأئمَّة والحكَّام، فخوطبوا بما يأتي.

ويجوز أن يكون الخطاب الأولُ أيضًا للحكام وإنْ لم يكن الأخذُ والإيتاء منهم؛ لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافُع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون.

(1)

رواه أبو داود في "المراسيل"(220) عن أبي رزين الأسدي.

(2)

رواه البخاري (5259)، ومسلم (1492)، من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.

(3)

في (ف): "الصدقات".

(4)

في (ك): "وقعوا في حق البعد ولما".

ص: 116

وقرئ: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} على البناء للمفعول

(1)

وإبدالِ {أَنْ} بصلته عن الضَّمير بدلَ الاشتمال.

وقرئ: (يَظُنَّا)

(2)

، ويؤيدُه تفسير الخوف بالظنِّ.

{أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} بتركِ إقامة حدود الله فيما يَلزمُهما من مَواجِب الزوجية؛ لمَا يحدُث من نشوز المرأة وسوء خلقها.

{فَإِنْ خِفْتُمْ} أيها الحكام أن لا يقيما حدود الله بتركهما إقامةَ الحدود

(3)

المذكورة.

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ؛ أي: لا جناحَ على الزوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما بذَلت وافتَدت به نفسَها، واختَلَعت به من الصداق، أو الزيادةِ عليه على كُرْهٍ.

رُوي أن جميلة أختَ عبد الله بن أبيٍّ كانت تحت ثابتِ بن قيس، وكانت تُبغضه وهو يحبُّها، فأتت رسول الله عليه السلام فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أَعيب عليه في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكنِّي أكره الكفر في الإسلام

(4)

، ما

(5)

أطيقُه بغضًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا وأقصرُهم قامةً وأقبحُهم وجهًا. فنزلت. وكان قد

(1)

هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 80).

(2)

تنسب لأبي رضي الله عنه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 146)، و"الكشاف"(1/ 275).

(3)

في (ح) و (ف): (بتركهما إقامة حدود الله)، ووقع بدل هذه الجملة في (د) عبارة:"فلا جناح".

(4)

في هامش (ح) و (د) و (م): "أي: كفر الإحسان للأزواج. منه".

(5)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "وما"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما "الكشاف"(1/ 274).

ص: 117

أصدقها حديقةً فاختلعت

(1)

منه بها، وهو أول خُلعٍ كان في الإسلام

(2)

.

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} إشارةٌ إلى ما حُدَّ من الأحكام.

{فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} عدَل عن الضمير إلى الظاهر للتفخيم.

{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} تعقيبٌ للنهي

(3)

بالوعيد مبالغةً في التهديد.

* * *

(230) - {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

{فَإِنْ طَلَّقَهَا} متعلِّق بقوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} تفسيرٌ لقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} اعتَرض بينهما ذكرُ الخلع دلالةً على أن الطلاق يقع مجَّانًا تارةً وبعِوَضٍ أخرى.

والمعنى: فإن طلقها بعد الثنتين {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} ؛ أي

(4)

: من بعدِ ذلك التطليق.

(1)

في (ف) و (ك) و (م): (واختلعت).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 274). وروى الخبر الطبري في "تفسيره"(4/ 137 - 138)، وفيه بعد قولها:(وأقبحهم وجها): قال زوجها: يا رسول الله، إني أعطيتها أفضل مالي! حديقة، فإن ردت على حديقتي! قال:"ما تقولين؟ " قالت: نعم، وإن شاء زدته! قال: ففرق بينهما. وصححه الشيخ أحمد شاكر في طبعته (4/ 553)، وانظر كلامه عليه ثمة. لكن كما هو واضح من لفظ الخبر عند الطبري أنه ليس فيه:(فنزلت)، وكذا رواه البخاري (5273 - 5277) مختصرًا بعدة روايات ليس فيه:(فنزلت)، فلعلها من تصرفات الزمخشري، وقد كنت بعد أن كتبت هذا وجدت السيوطي قد قال في "نواهد الأبكار" (2/ 429): وليس في شيء من طرق الحديث التصريح بنزول الآية في هذه القصة.

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "فتعقيب النهي".

(4)

"أي "من (م).

ص: 118

{حَتَّى تَنْكِحَ} ، أي: تتزوَّجَ {زَوْجًا غَيْرَهُ} ، والنكاحُ يستندُ إلى كلٍّ منهما كالتزوُّج

(1)

، يقال: فلانةُ ناكحٌ في بني فلانٍ.

وتمسَّك ابن المسيِّب بدلالةِ {حَتَّى} على انتهاء الحرمة بتزوُّجها زوجًا آخر في الاقتصار على العقد في التحليل

(2)

.

فإن قلتَ: أليست الحرمةُ باقية إلى أن يطلِّقها وتنقضيَ عِدَّتُها.

قلتُ: بل تنتهي تلك الحرمةُ بالعقد، وتَحدث حرمةٌ أخرى هي أثرُه.

والجمهور على أنه لا بد من الإصابة؛ لحديث العُسيلة

(3)

؛ ويجوز به انتساخُ حكم الغاية وإن كان ثبوته

(4)

منطوقًا لا مفهومًا؛ لأنَّه حديث مشهورٌ تلقَّته الأمةُ بالقبول.

ومنهم مَن دَقَّق

(5)

وقال: إنَّ شرط الدخول ثابتٌ بنصِّ الكتاب؛ لأن المراد من التزوُّج الإصابةُ على أنها كناية عن حظِّها من الشرط المذكور

(6)

، أو الكلامُ على

(1)

في (ف): "كالزوج".

(2)

انظر: "الإشراف" لابن المنذر (5/ 238)، وفيه: وأجمع عامة علماء الأمصار على القول بما ذكرناه (أي: أن المراد هنا بالنكاح الجماع)، إلا ما رويناه عن سعيد بن المسيب

وكان سعيد بن المسيب من بين أهل العلم يقول: إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا لا يريد به إحلالًا، فلا بأس بأن يتزوجها الأول. ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بقول سعيد هذا إلا الخوارج، والسنةُ مستغنًى بها عن كل قول.

(3)

رواه البخاري (2639)، ومسلم (1433)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(4)

في (د): "ثبوتًا".

(5)

في (ك) و (م): "وفق".

(6)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "لا مجال لأن يراد بالتزوج الوطء؛ لأنَّه لا ينسب إلى المرأة نسبة الفعل إلى الفاعل، بخلاف الإصابة، ولا بد من المصير إلى الكناية حتى توجد الدلالة على الشرط المذكور. منه".

ص: 119

القلب؛ كقوله: أدخلتُ الخاتم في الإصبع، والمعنى: حتى ينكحها زوجٌ آخَرُ، ولا بد من المصير إلى أحدِ هذين الوجهين كيلا يضيعَ قولُه:{زَوْجًا} ، والحكمةُ في هذا الحُكم الردع عن التسرع إلى الطلاق.

{فَإِنْ طَلَّقَهَا} ؛ أي: الزوج الثاني وانقضت العِدَّة، وهذا القيدُ معلوم من موضعٍ آخر، ولهذا لم يذكر، والفاءُ لتفريع صحة المراجعة بعد تطليقه إياها على ما تقدَّم من ثبوت التحليل بالتزويج به.

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} ؛ أي: يرجعَ كلٌّ من الزوجِ الأول والمرأةِ إلى صاحبه بالمزاوجة.

{إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} حقوقَ المعاشرة وما يجب عليهما من حُسن المصاحَبة.

ومَن فسَّر الظن بالعلم فقد وَهِمَ من جهة اللفظ والمعنى؛ لأنَّه لا يقال: علمت أن يقوم زيد؛ لأنَّ (أنْ) الناصبةَ للتوقُّع، وهو ينافي العلمَ، وأنَّ المستقبل غيبٌ فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا الظن ليس بشرط في صحة النكاح، بل في إباحته ورفعِ الإثم؛ لأن العقد صحيحٌ وإنْ ظنَّا أنْ لا يُقيما حدود الله.

{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} ؛ أي: الأحكامُ المذكورة.

{يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} : يفهمون ويعملون بموجَب العلم.

* * *

(231) - {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

ص: 120

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أريدَ بالأجل آخرُ المدة، وبالبلوغ مشارفتُه والقربُ منه على الاتِّساع؛ لقوله:

{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} إذ لا إمساك

(1)

بعد البلوغ حقيقةً.

{أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} لمَّا أُعيد ذكرُ الرَّجعة علِّق التسريح بالمعروف تنبيهًا على أنه إن لم تُراعُوا في تسريحها الإحسانَ فراعُوا فيه المعروف، كما قال بعض الناس لسلطان: إن لم تُحْسِنْ فعدلًا.

وهذه الآية ظاهرُها إعادةُ حكم ما تقدَّم، إلا أن الأُولى لبيان جواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين وهذه لبيان جوازها ما دامتْ في العِدَّة.

وإنما خَصَّ المشارفة بالذكر لأنهم كانوا يطلِّقون المرأة فيتركونها حتى تُشارف انقضاءَ العِدَّة ثم يراجعونها إضرارًا بها، فنهوا عنه بقوله:

{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} بعد الأمر بضدِّه مبالغةً، ونُصب {ضِرَارًا} على أنه مفعولٌ له، أي: للمُضارَّة، أو حالٌ؛ أي: مُضارِّين.

{لِتَعْتَدُوا} : لتظلموهنَّ بتطويل العِدَّة، أو إلجائها إلى الافتداء، واللام متعلِّقة بالضِّرار؛ إذ المرادُ تقييده.

{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بتعريضها لعقاب الله تعالى.

{وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} بالإعراض عنها والتهاوُنِ في العمل بما فيها، من قولهم لمن لم يَجِدَّ في الأمر: إنما أنت هازئٌ، كُني بالنهي عن الهزء عن الأمر بالجدِّ.

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "الإمساك"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر:"الكشاف"(1/ 277) وفيه: لأنَّه قد علم أنّ الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له، و"تفسير البيضاوي" (1/ 143) وفيه: إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل.

ص: 121

قيل: كان الرجل يطلِّق ويُعتق ويتزوَّج، ويقول: كنتُ لاعبًا، فنزلت

(1)

. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزْلُهنَّ جِدٌّ: الطلاقُ والنكاحُ والرَّجعة"

(2)

.

{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} التي من جملتها الهدايةُ إلى الإسلام، وبعثةُ محمد عليه السلام، والمراد من ذكرها: مقابَلتُها بالشكر والقيام بحقَّها، وفي الكناية بالذكر عن الشكر تنبيا على أنها نعمة جليلة بحيث تذكيرُها كافٍ في إيجاب شكرها والقيامِ بحقها، والمانعُ عنه ليس إلا الغفلةَ عنها.

{وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ} النزول على النبي عليه السلام، إلا أنه لمَّا كان لمصلحتهم نُزِّل منزلةَ النازل عليهم.

{مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} : الكتابُ والسنَّةُ، وقد مروجه مناسَبة الحكمة بالسُّنة، وإنما أفردهما بالذِّكر لشرفهما.

{يَعِظُكُمْ بِهِ} : بما أنزل عليكم.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} ؛ أي: لا تُخالفوا أمرَه ونهيه.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وعدٌ ووعيدٌ، وتأكيدٌ

(3)

وتهديا، والعُدول

(4)

عن الضمير إلى الاسم الظاهر للتفخيم.

* * *

(1)

رواه ابن أبي عمر في "مسنده" كما في "المطالب العالية"(3529) من طريق الحسن عن رجل عن أبي الدرداء.

(2)

رواه أبو داود (2194)، والترمذي (1184)، وابن ماجه (2039)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وضعف إسناده الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: 20).

(3)

في النسخ عدا (م): "تأكيد"، والمثبت من (م).

(4)

في (م): "والظاهر العدول ".

ص: 122

(232) - {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} ، أي: انقضت عدَّتُهن، لقوله:

{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} العَضْل: المنع مع تضييقٍ؛ يقال: عَضَّلتِ الدَّجاجةُ ببيضِها والمرأةُ بولدها.

والخطاب لا يجوز أن يكون للأزواج بدلالةِ ما رَوَى البخاري والترمذي وأبو داود: أن الآية نزلت في مَعقِلِ بن يسارٍ، وكانت أخته تحت ابنِ عمٍّ له فطلَّقها طلقةً، فلقَا انقضت عدَّتها خطبها وهي تريد أن ترجع إليه، فقال معقلٌ: لا أُزوِّجُكها أبدًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فتلاها عليه، فقال: سمعًا لربِّي وطاعة

(1)

، والحكمُ الوارد في سببٍ لا يصحُّ أن يكون السببُ خارجًا عنه وإنْ أريد معه غيرُه

(2)

.

ولا أن يكون للأولياء؛ لِمَا فيه من تنافُر الخطاب من الأزواج قبل تمام الكلام إلى الأولياء، فإن خطاب (إذا طلَّقتم) لا يصلُح للأولياء قطعًا.

فالوجه أن يكون للناس، ليتناول عَضْلَ الأزواج والأولياء جميعًا، مع السلامة عن المحذور المذكور، والمعنى: لا يوجدْ بينكم

(3)

عضل أيها الناس، ولا يخفى ما

(1)

رواه البخاري (5130)، والترمذي (2981)، وأبو داود (2087)، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه.

(2)

في (ك): (معه معين)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب"(1/ 479)، وعنه نقل المؤلف.

(3)

في (ف) و (م): "منكم".

ص: 123

فيه من تهويلِ أمر العضل بأنَّ من حقِّ الأولياء أنْ لا يَحوموا حوله، وحقِّ الناس كافةً أن ينصروا المظلومَ إذ ذاك.

ولا متمسَّك للشافعي في الآية على أنَّ النكاح لا ينعقد بعبارة النساء؛ إذ لا يلزم من قدرة الأولياء على منعهن أن يكون النكاح بعبارتهم، وقوله:{أَنْ يَنْكِحْنَ} صريحٌ في أنه ينعقد بعبارتهن

(1)

.

{إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ} : إذا تراضى الخطَّاب والنساء، وهو ظرفٌ لـ (أنْ يَنكِحْنَ) أو لـ (لا تعضُلوهنَّ).

{بِالْمَعْرُوفِ} : بالوجه الجميل في الدين والمروءة، حالٌ عن الضمير المرفوع، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: تراضيًا كائنًا بالمعروف.

{ذَلِكَ} الإشارةُ إلى ما مضى ذكرُه، والخِطاب لكلِّ أحدٍ، أو للرسول؛ للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمرٌ لا يكاد يتصوَّره كلُّ أحد.

ويجوز أن تكون الكاف لمجرَّد الخطاب والفرقِ بين الحاضر والمنقضي، دون تعيين المخاطَبين.

{يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} لأنَّه المتَّعظ والمنتفع.

{ذَلِكُمْ} أي: العملُ بمقتضَى ما ذكر.

{أَزْكَى} : أنفع.

{لَكُمْ وَأَطْهَرُ} من دَنَس الآثام.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ما فيه من النفع والفلَاح.

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "إذ يجوز أن يكون الانعقاد بعبارتهن مشروطًا بإذنهم. منه".

ص: 124

{وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} لقصور عِلمكم.

* * *

(233) - {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} إخبارٌ في معنى الأمر، للمبالغة في الحثِّ على الإرضاع، فإن الأمر لمَّا كان للاستحباب دون الإيجاب - على ما دلَّ عليه التعليق بالإرادة - احتيج إلى المبالغة فيه، والحملُ على الوجوب والتخصيص بما إذا لم يرتضع الصبيُّ إلا من أمه، أو لم يوجد له ظئرٌ أو عجز الوالد عن الاستئجار، يأباه تعيين المدة والتعليقُ المذكور.

{حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} صفةٌ مؤكِّدة لـ {حَوْلَيْنِ} كما في قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] لأنَّه مما يُتسامح فيه، كما في قوله {الْحَجُّ أَشْهُرٌ} [البقرة: 197].

{لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ، أي: ذلك لمن أراد إتمام

(1)

الرضاعة، قيل: متعلِّق بـ {يُرْضِعْنَ} فإن الأب يجب عليه الإرضاعُ كالنفقة، والأمُّ ترضع له، وفيه ما مر من أن التعليق بالإرادة لا يناسب الوجوب

(2)

، وقد نبَّه على هذا مَن قال: ودلَّ هذا على

(1)

في (ك): (تمام).

(2)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "التعليق بالإرادة ينافي الوجوب ذكره صاحب الهداية في كتاب الأضحية. منه". وفوقها في (ح): "تيسير".

ص: 125

أنَّ النقصان عن ذلك والزيادةَ عليه عند وقوعِ الكفاية بما دونها والحاجةِ إلى الزيادة جائزان، حيث علِّق ذلك بالإرادة.

{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} ، أي: الذي حُكم له الولد شرعًا بموجب قوله عليه السلام: "الولد للفراش"

(1)

وإن لم يكن والدَه حقيقةً

(2)

، و {لَهُ} في محل الرفع على الفاعلية؛ نحو {عَلَيْهِمْ} في:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، ومن الفرق

(3)

بين المولود والولد باختصاص الأول بالصغير - على ما ذكره المطرِّزي

(4)

- تَبيَّن لطفُ موقعه.

ثم إن في العبارة المذكورة إشارةً إلى علة بناء الحكم، كما في قوله:{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} [يوسف: 23]؛ لأن الذي وُلد له وجَب عليه الرزقُ والكسوة إذا أرضعت ولده كالظئر، بناء على ما تقرر من أن الغُنم بالغُرم، وعلى هذا تكون مُؤنتها على المولى إذا وُلد الولد من جاريته التي تحت نكاح الغير؛ لأنَّه المولودُ له حقيقةً في هذه الصورة، ومن هنا اتَّضح أن المولود له أعمُّ من الوالد، لانتظامه ما لا يكون والدًا من صاحب الفراش والمولى.

{رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} أراد بالرزق: المأكولَ والمشروب، ولهذا ذكر الكسوة بعده.

{بِالْمَعْرُوفِ} ، أي: من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ نظرًا إلى الجانبين.

(1)

رواه البخاري (7182) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2)

في هامش (د): "فإن قلت: لم قيل: {الْمَوْلُودِ لَهُ} دون: الوالد؟ قلت: ليعلن أن الوالدات إنما ولدنه لهم؛ لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبوه إليهم لا إلى الأمهات. الكشاف. منه".

(3)

في (ح) و (ف): "والفرق".

(4)

انظر: "المغرب" للمطرزي (ص: 495)(مادة: ولد). وجاء في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "قال الإمام المطرزي في "المغرب": يقال للصغير مولود وإن كان الكبير مولودًا أيضًا، لقرب عهده من الولادة، كما يقال: لبنٌ حليبٌ ورُطَبٌ جَنيٌّ، للطريِّ منهما. منه ".

ص: 126

{لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} الوسع: ما احتَملته

(1)

الطاقة؛ أي: لا يُحمَّلُ أحدٌ إلا ما يطيقه، فلا يكلَّف المولودُ له ما لا يُطيق من الأجر، ولا الوالدة ما لا تستطيع من العمل، ولا الرضا بما لا يكفيها من الأجر، وهذه الآية كالتي في سورة الطلاق:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ} إلى قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 6 - 7].

{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} تفصيلٌ لِمَا تقدم وتقريرٌ له؛ أي: لا يضارَّ واحدٌ منهما الآخرَ بسبب الولد، وإضافة الولد إليها تارةً وإليه أخرى استعطافٌ لهما عليه، وتنبيهٌ على أنه حقيقٌ بأنْ يتَّفقا على استصلاحه والإشفاقِ عليه، فلا ينبغي أن يَضُرَّا به

(2)

أو يَتضارَّا بسببه.

وقُرئ: {لا تضارَّ} بالرفع على الإخبار

(3)

. وَيحتمِل

(4)

البناءَ للفاعل والمفعول، على أن الأصل: تضارِر بكسر الراء وتضارَر بفتحها

(5)

.

وقرئ: {لَا تُضَارَّ} بالفتح على النهي

(6)

.

(1)

في (د): "احتملت ".

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "يضرانه".

(3)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بفتح الراء المشددة. انظر:"التيسير"(ص: 81).

(4)

أي: يحتمل ذلك على القراءتين: ضم الراء المشددة، وفتحها، كما ذكر البيضاوي في "تفسيره"(1/ 144)، والمؤلف نقل عبارة الزمخشري في "الكشاف"(1/ 279 - 280)، وهي توهم أن الاحتمال المذكور مقصور على القراءة بالضم فقط.

(5)

في هامش (د): "وقرأ الحسن بالكسر على النهي، وهو محتمل للبناءين أيضًا، ويبين ذلك أنه قرئ: (لا تضارَرْ) و: (لا تضارِرْ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها، وقرأ أبو جعفر: (لا تضارّ) بالسكون مع التشديد على نية الوقف، وعن الأعرج: (لا تضارْ) بالسكون والتخفيف، وهو من ضاره يَضيره، ونوى الوقف كما نوى أبو جعفر أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونًا. الكشاف. منه ".

(6)

هي قراءة باقي السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 81).

ص: 127

وعلى الوجه الأول

(1)

يجوز أن يكون بمعنى: تضرَّ

(2)

، والباء من صِلَته، أي: لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا

(3)

في تعهُّده ويقصِّرا

(4)

فيما ينبغي له.

وقرئ: (لا تُضارّ) بالسكون مع التشديد على نيَّة الوقف، وبه مع التخفيف على أنه من ضارَه يَضيره

(5)

.

{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} عطفٌ على قوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} وما بينهما معترِضٌ، والمراد بالوارث: وارثُ المولود له على العموم أو الصبيُّ نفسه، أو وارثُ الصبيِّ على العموم، أو بقيدِ أن يكون ذا رَحِمٍ محرَمٍ من الصبيِّ بحيث لا يجوز بينهما النكاحُ على تقديرِ أن يكون أحدهما ذكرًا والآخرُ أنثى، أو بقيدِ أن يكون أحدَ أصوله من الآباء والأمهات والأجداد والجدات، أو بقيدِ أن يكون من عصّبته.

وأمَّا جعلُ {الْوَارِثِ} بمعنى: الباقي، وإن كان صحيحًا لغةً فقلقٌ في هذا المقام؛ إذ ليس لقولنا: فالنفقة على الأبِ وعلى مَن بقي مَن الأبِ والأمِّ، معنًى يُعتدُّ به.

و {ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما وجب على المولود له من الرزق والكسوة.

(1)

أي: على وجه الكسر في الراء على البناء للفاعل. انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 144).

(2)

بفتح حرف المضارعة من الثلاثي وضمه من الإفعال. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي"(2/ 319).

(3)

في (ك) و (م): "فيفرطان ".

(4)

في (م): "ويقصر"، وفي (ف):"ويقتصرا ".

(5)

في النسخ: "يضره "، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(1/ 280)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 144)، و"البحر"(4/ 298)، و"روح المعاني"(3/ 320). والقراءتان تنسبان لأبي جعفر أحد القراء العشرة كما في "المحرر الوجيز"(1/ 312)، و"البحر"(4/ 298)، والثانية منهما ذكرها عنه ابن الجزري في "النشر"(2/ 227 - 228).

ص: 128

{فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا} تفريعٌ على ما تقدَّم من تعليق إتمامِ الحولين على الإرادة، وتصريح بالتوسعة بعد التحديد

(1)

.

والفصال: الفطام، سُمي به لأنَّه فصَل بين الغداء والصبيِّ.

{عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} ؛ أي: صادرًا عنهما، والتراضي: اجتماعهما على الرضاء، والتشاوُرُ: اجتماعهما في المشورة، وهي استخراجُ صواب الرأي بإشارةِ المستشار، مِن شَوْر العسل وهو اجتِناؤُه، وإنما أَطلقه ليَنتظِم تشاوُرَ أحدهما الآخر وتشاوُرَهما الثالثَ ممَّن له خبرةٌ في تربية الأطفال وتدبيرهم، وإنما اعتَبرهما لأن العظام قبل تمام الحولين مَظِنّة لُحوق الضرر، فلا بد من اتِّفاقهما: أمَّا المولود له فلأنه حقُّه، وأمَّا الأمُّ فلأنها أعلمُ بحاله وتربيته.

والدليل على أن المراد الفطامُ قبل التمام قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} إذ لا يُتصوَّرُ الجُناح بعد تمام مدة الرضاع.

{وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا} ؛ أي: المراضعَ {أَوْلَادَكُمْ} يقال: أرضعتِ المرأة الطفلَ واسترضعتُها إياه؛ كقولك: أَنجَحَ الله حاجتي واستَنْجحتُه إياها، فحُذف المفعول الأول استغناءً عنه؛ لعدم القصد إلى خصوص المرضعة.

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فيه، وفيه دلالةٌ على أن للأبِ أن يسترضِعَ الولد ويمنعَ الأم عن الإرضاع.

(1)

في هامش (د) و (ف) و (م): "التوسعة إنما هو في جانب النقصان؛ لما ذكر من قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}، وقد فهم ذلك التزامًا من قوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فما ذكر هنا تصريح بالتوسعة لا التوسع كما زعمه صاحب الكشاف. منه ".

ص: 129

{إِذَا سَلَّمْتُمْ} إلى المراضع {مَا آتَيْتُمْ} : ما التَزمْتُم

(1)

إيتاءَه.

وقرئ: {ما آتيتم}

(2)

مِن أَتَى إليه إحسانًا: إذا فعَله.

وقرئ: (ما أُوتيتم)

(3)

؛ أي: ما آتاكم الله وأَقْدَرَكم عليه بالمعروف.

متعلِّق بـ {سَلَّمْتُمْ} ؛ أي: سلَّمتم على الوجه الجميل بالطلاقة والبشاشة، من أطيبِ ما يكون من أموالكم، على أحسن ما يكون من وجوه الإعطاء؛ لتكون طيِّبةَ النفس مشفقةً على الرضيع.

وجواب الشرط محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، وليس التسليم شرطًا لجوازِ الاستئجار، بل هو مندوبٌ إليه لتطييب نفس المرضِعة، ولهذا قيِّد بالمعروف.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} مبالغةٌ في المحافظة على ما شَرَع في الاسترضاع.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} حثٌّ وتهديد.

* * *

(234) - {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} .

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} ؛ أي: يُقبض أرواحهم بالموت، وأصل التَّوفِّي: إتمامُ القبض، وقرئ:(يَتوفَّوْن) بفتح الياء

(4)

أي: يَستوفُون أعمارَهم، وهو كناية عن الموت

(5)

.

(1)

في (د): "ألزمتم ".

(2)

هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 81).

(3)

رويت عن عاصم، وهي خلاف المشهور عنه. انظر:"المختصر في شواذ القراءات "(ص: 15).

(4)

رويت عن علي رضي الله عنه، وعن عاصم، وهي خلاف المشهور عنه. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 15).

(5)

في هامش (د) و (ف): "ذكره أبو حيان. منه ".

ص: 130

{وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} ؛ أي: يتركون زوجاتٍ، وَيذَرُ مستقبلٌ أُميتَ ماضيهِ ومصدرُه، وكذلك: يَدَع

(1)

.

{يَتَرَبَّصْنَ} : ينتظِرْنَ بأنفسهنَّ، تقديره؛ يتربَّصْن لوفاتهم

(2)

، دل عليه {يُتَوَفَّوْنَ} وبه يحصل الربطُ بين المبتدأ والخبر.

{أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ؛ أي: يعتدِدْن هذه المدَّة، ولا حاجة إلى التأويل في (عشرًا)؛ لِمَا نُقل عن أئمة النحو: أنه إذا كان المعدود مذكَّرًا وحذفْتَه فلك فيه وجهان:

أحدهما وهو الأصل: أن يبقى العدد على ما كان عليه لو لم تَحذف المعدود، فتقول

(3)

: صُمت خمسةً، تريد: خمسةَ أيام.

والثاني: أن تحذف منه كلمة التأنيث.

فقوله: (عشرًا) على أحد الجائزَين، وحسَّنه هنا أنه مقطعُ

(4)

كلامٍ شُبِّه بالفواصل

(5)

.

وإطلاقُ اللفظ يقتضي عدمَ الفرق بين المسلمة والكتابية، والحرة والأَمَة، والحامل وغيرها، إلا أن القياس اقتضى تنصيف المدة للأَمَة، والإجماعَ خصَّ

(1)

فيه نظر، ففي "المغرب" للمطرزي (مادة: ودع): وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال "لَيَنتهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ

"؛ أي: عن تَرْكِهم إيَّاها، قال شِمْر: زَعَمَت النَّحويَّةُ أنَّ العربَ أَماتُوا مصدرَ يَدَعُ، والنَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أفصحُ العربِ، وقد رُوِيتْ عنه هذه الكلمةُ.

(2)

في (ف): "وفاتهم"، وفي (ح):"وفاتهن".

(3)

في (ف): "تقول".

(4)

في (د): (منقطع).

(5)

انظر: "البحر"(4/ 321 - 322)، وفيه:(شبيه بالفواصل).

ص: 131

الحامل عنه؛ لقوله

(1)

تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} ؛ أي: انقضت عِدَّتُهن، تفريعٌ على التحديد المذكور.

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الأئمة وجماعةُ المسلمين.

{فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} من التعرُّض

(2)

للخطَّاب.

{بِالْمَعْرُوفِ} : بالوجه الذي لا يُنكَر شرعًا، ودلَّ بالفحوى على أنهنَّ لو فعلنَ ما يُنكرُه الشرعُ كان عليهم أن يكفوهنَّ، وإن فرَّطوا كان عليهم الجناح.

{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وعيذ لهن في ارتكاب المنكَر، وللأئمَّة في التقصير عن المنع.

* * *

(235) - {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} .

{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ} التعريضُ: إيهامُ المقصود بما لم يوضع له حقيقةً ولا مجازًا، وكانه إمالةُ الكلام إلى عُرْضٍ

(3)

يدلُّ على الغَرَض.

(1)

في (م): "بقوله".

(2)

في النسخ: "التعرض". والمثبت من "الكشاف"(1/ 282)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 145).

(3)

في النسخ: "غرض"، والمثبت من "الكشاف"(1/ 283)، وللتأكد منه رجعت إلى نسخة نفيسة مضبوطة من "الكشاف" فوجدته كما أثبته رسمًا وضبطًا، والحُرْض بالضم له معان منها: الجانب والناحية. انظر: "القاموس"(مادة: عرض).

ص: 132

{مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} الخطبة بالضم والكسر: اسم الحالة، غير أن المضمومة خُصَّت بالموعظة والمكسورةَ بطلب المرأة.

والمراد بالنساء: المعتدَّات، وتعريضُ خُطبتها أن يقال لها: إنك جميلة، أو نافقة، ومن غرضي أن أتزوج، ونحوُ ذلك.

{أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} أو أضمرتُم في قلوبكم فلم تذكروه صريحًا ولا تعريضًا.

{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} ؛ أي: ستُظهِرون رغبتكم فيهنَّ لقلَّة صبركم عن النطق به، وفيه طرفٌ من التوبيخ على التَّحرُّز ابتداءً عمَّا أبيح لحكمة

(1)

.

{وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} مستدرَكٌ عن محذوفٍ دلَّ {سَتَذْكُرُونَهُنَّ} عليه؛ أي: فاذكروهنَّ ولكن لا

(2)

تواعدوهنَّ سرًا، والسرُّ كنايةٌ عن النكاح بمعنى الوطء؛ لأنَّه مما يُسَرُّ، ثم عبِّر به عن النكاح بمعنى العقد لأنَّه سببٌ فيه.

{إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} استثناء مفرَّغ، و {أَنْ تَقُولُوا} نصبٌ على المصدر؛ أي: لا تواعدوهنَّ مواعدةً مّا إلا مواعدةً معروفةً وهي بالتعريض؛ أو

(3)

: لا تواعدوهنَّ بوجهٍ إلا بأنْ تقولوا قولًا معروفًا غيرَ منكَرٍ في الشرع، ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعًا لفساد المعنى، وهو: واعدوهنَّ التعريضَ، وليس المراد مُواعَدةَ التعريض، بل مواعدةُ النكاح بالتعريض.

(1)

في (د): "الحكمة".

(2)

في (ح) و (ف) و (ك): "فاذكروهن ولا ".

(3)

في (ف): "أي"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، وكذا تحرفت (أو) في مطبوع "الكشاف" (1/ 284) إلى:(أي)، وجاء على الصواب في النسخة الخطية لـ"الكشاف"، وكذا في "البحر"(4/ 331) نقلًا عن الزمخشري، ومثله في "تفسير البيضاوي"(1/ 146).

ص: 133

وقيل: لا تواعدوهن في السرِّ؛ لأن مُسارَّتهن في الغالب إنما هي بما يُستحيىَ من المجاهرة به لاستهجانه، إلا وقتَ أن تقولوا قولاً جميلاً غيرَ منكر في الشرع، فعلى هذا {أَن تَقُولُوا} في محل النصب بالظرف، ويكون المفعول محذوفاً؛ أي: لا تواعدوهنَّ النكاح في السر.

{وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} ؛ أي: لا تقصدوا عَقدَ عُقدةِ النكاح قصداً جازماً لا تردُّدَ معه، نُهي عن العزم ليكون أبلغ في منع الفعل، وتقديرُ المضاف لأن العزم إنما يكون على الفعل كالعقد، لا على نفس العقد

(1)

.

وقيل: العزم: القطع، والمعنى: لا تقطعوا عَقْدها؛ أي: لا تُبْرِموه ولا تَلْزَموه، ولا تُقدِموا عليه، فيكون النهيُ عن نفس الفعل لا عن قصده.

{حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} : حتى ينتهيَ ما كُتب من العدة.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} من العزم على ما لا يَحلُّ شرعاً.

{فَاحْذَرُوهُ} ؛ أي: فاحذروا مؤاخَذتَه بالمَناهي الصادر عن العزيمة

(2)

.

ولمَّا كان السابقُ إلى الفهم مما تقدم المؤاخذةَ بالعزائم على المناهي، دفعَه بقوله:

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لمن عزم ولم يفعل خشيةً من اللّه تعالى.

{حَلِيمٌ} لا يعاجلُ بالعقوبة، فلا تغترُّوا بعدم المؤاخذة بالعذاب عاجلاً.

* * *

(1)

في (د): "العقدة".

(2)

في (د): "عزيمة".

ص: 134

(236) - {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} .

{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لا تَبِعةَ عليكم من إيجاب مهرٍ ولُزومه.

{إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} المسُّ كناية عن الوطء؛ لأن حقيقة المسِّ لا تُوجب المهر إذا لم توجَدْ خلوةٌ صحيحة.

{أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} إمَّا جزمٌ عطفٌ على {تَمَسُّوهُنَّ} ؛ أي: أو لم تَفْرِضوا لهنَّ فريضةً، أو نصب

(1)

بمعنى: إلا أنْ - أو: إلى أنْ - تفرضوا.

وفرضُ الفريضة: تعيين المهر، وهي بمعنى: المفروضة

(2)

و {فَرِيضَةً} نصبٌ على المفعول به، فَعيلة بمعنى مفعول، والتاءُ للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وَيحتمل المصدر

(3)

، وإنما اعتُبر القيدان المذكوران لأنَّه يجب مهرُ المثل في المسِّ وإن لم يُفرض لها شيء، ويجب نصف المسمَّى إذا طلَّقها وإن لم يمسَّها.

{وَمَتِّعُوهُنَّ} عطف على مقدَّر، أي: فطلِّقوهن ومتِّعوهن؛ أي: ملِّكوهن ما يتمتَّعن به، ويُسمَّى

(4)

ذلك متعةً، وأصلُ المتعة والمتاع: ما يُنتفَع به انتفاعاً قليلاً غيرَ باقٍ بل ينقضي عن قريبٍ، وضميرُ النصب عائدٌ على المطلِّقات قبل المسيسِ وقبل الفَرْض.

والحكمةُ في أمر المتعة: جبرُ إيحاش الطلاق، وتقديرها مفوَّض إلى رأي الحاكم، ويؤيِّده قوله:

(1)

بعدها في (ك): "على المفعول".

(2)

في (ف): "المفروض".

(3)

في (د): (المصدور).

(4)

في (د): (وسمي).

ص: 135

{عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} يقال: أوسع الرجلُ: اتَّسع حالُه فصار ذا سَعةٍ وغنًى، والمقترُ: المُقِلُّ، مِن أَقْترَ: إذا افْتَقَر.

وقرئ: (قَدرُه) بفتح الدال وبتسكينِها

(1)

، وهما المقدار؛ أي: على كلٍّ مِن الذي له سعة ومن الفقير الضيِّق الحال قَدرَ يساره وإعساره؛ أي: ما يُطيقه وَيليق به؛ لأن الحد الذي يُطيقه هو الذي يختصُّ به، ويدلُّ عليه قوله عليه السلام لأنصاريٍّ طلَّق امرأته المفوّضة

(2)

قبل أن يمسَّها: "متِّعها ولو بقَلَنْسوِتكَ، أمَا إنَّها لا تساوي شيئاً، ولكن أحببتُ

(3)

أن أُحييَ السُّنة

(4)

.

{مَتَاعًا} : تمتيعاً.

{بِالْمَعْرُوفِ} : بالوجه الذي يَستحسِنُه الشرع والمروءة.

{حَقًّا} صفةٌ لـ {مَتَاعًا} أي: تمتيعاً واجباً، أو مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: حَقَّ ذلك حقًا.

(1)

قرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بالفتح والباقون بالسكون. انظر: "التيسير"(ص: 81).

(2)

المفوضة بفتح الواو وكسرها، فالكسر على نسبة التفويض للمرأة والكسر على نسبته لوليها. وهي المدخول بها التي لم يسم لها مهر. انظر:"البحر المحيط"(4/ 340) مع حواشيه.

(3)

في (ك) و (م): "أحب"، و في (ف):(أجبت).

(4)

ذكره بهذا اللفظ مقاتل بن سليمان في "تفسيره"(1/ 200) على أنه سبب نزول الآية ولم يذكر له سنداً. وكذا فعل أكثر المفسرين كالثعلبي والواحدي والبغوي والزمخشري وابن الجوزي والقرطبي وغيرهم، ووقفوا فيه عند قوله:"بقلنسوتك". وقال ولي الدين العراقي كما في "نواهد الأبكار"(2/ 437): لم أقف عليه. وكذا قال الحافظ في "الكاف الشاف"(ص: 21): لم أجده. لكنه عزاه في "العجاب"(1/ 596) لمجاهد نقلاً عن ابن ظفر. وابن ظفر هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن ظفر المكي الصقلي النحوي المالكي، له:"ينبوع الحياة" في التفسير، توفي سنة (565 هـ). انظر:"طبقات المفسرين" للداودي (2/ 167).

ص: 136

{عَلَى الْمُحْسِنِينَ} ؛ أي: على الموصوفين

(1)

بالإحسان من أصحاب المروءات، أو الذين يُحسِنون إلى المطلَّقات بالتمتيع، وسماهم محسِنين للمشارَفة ترغيباً وتحريضاً.

ولمَّا أتى بعبارةٍ ظاهرةٍ في الوجوب تأكيداً في الحثِّ، واهتماماً في الترغيب، دَفَعَ ذهابَ الوهمِ إلى معنى الإيجاب حقيقةً بعبارةِ {الْمُحْسِنِينَ} بما فيها من الإشارة إلى أنه بطريقِ الإحسان لا بطريقِ الإلزام، ومبنَى هذه الإشارةِ على ما في قوله تعالى:{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] من التنصيص على عدم الإيجابِ فيما يكون إحساناً.

* * *

(237) - {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} لمَّا ذكر حكمَ المفوّضة أتبعه حكمَ قَسيمها.

{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} فيه دلالة على أن الجُناح المنفيَّ ثمةَ

(2)

تَبِعةُ المهر، وأنْ لا متعة مع التشطير لأنَّه قَسيمها.

{إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} الاستثناء مفرَّغٌ و {أَنْ يَعْفُونَ} نصبٌ على الظرف، أي: فعليكم - أو: فالواجب - نصف ما فرضتُم، لا يحلُّ لكم منعُه أبداً إلا وقتَ أن يَعْفونَ،

(1)

في (ك): "الموصوف".

(2)

"ثمة": ليست في (م).

ص: 137

والنونُ ضمير المطلَّقات في {طَلَّقْتُمُوهُنَّ} محلُّها الرفعُ بالفاعلية، والواو لامُ الفعل، وقد يَشتبِه

(1)

في اللفظ بفعل جماعة الذكور، يقال: الرجال يَعْفُونَ، والفرق: أن الواو حينئذ ضمير الرجال، والنونَ علامةُ الرفع، والفعلُ على

(2)

الأول مبنيُّ، ولذلك لم يؤثر فيه {أَن} ، ونُصب المعطوف عليه.

{أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وهو الزوجُ؛ لأن الطلاق بيده، فكان إبقاء العقد بيده، والمراد أن يعطيَها المهر كلَّه، وإطلاقُ العفو عليه بطريقِ المشاكلة.

وقيل: هو ولي الصغيرة والبكر، والعفو على حقيقته، وهذا لا يصح؛ لأنَّه لا يملك التبرُّع بحقَ الصغيرة ولا بحق الكبيرة بغير رضاها.

{وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} خطابٌ للأزواج، وكذا قوله تعالى:

{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} ؛ أي: فضلَ الرجال على النساء، نَدَبَ الزوجَ إلى إكمال المهر؛ إظهاراً للمروءة واعتباراً بالفتوَّة.

{إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ؛ أي: لا يُضيع تفضُّلكم وإحسانكم.

* * *

(238) - {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} .

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} بالأداء لوقتها والمداوَمةِ عليها. والأمرُ بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يُلهيهم الاشتغالُ بشأنهم عنها.

وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}، أي: المتوسِّطةِ بين الصلوات الخمس: ثنتان يوميتان،

(1)

في (د): "يشبَّه".

(2)

"على" ليست في (ف).

ص: 138

وثنتان

(1)

ليليتان، وهي صلاةُ العصر؛ لمَا روي أنه عليه السلام قال يوم الأحزاب:"شَغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ اللّه بيوتَهم ناراً"

(2)

، وإنما أُفردت وعُطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل؛ لكونها أشقَّ لاشتغال الناس في وقتها بتجاراتهم.

قيل: معنى {الْوُسْطَى} : الفُضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط.

وقرئ: (والصلاةَ الوسطى) بالنصبِ

(3)

على المدح والاختصاص.

{وَقُومُوا لِلَّهِ} في الصلاة.

{قَانِتِينَ} : ذاكرين له تعالى في قيامكم، والقنوتُ: الذكر في القيام، وقال زيد بن أَرْقَمَ: كنَّا على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم يكلِّم أحدُنا صاحبَه في الصلاة بحاجته، حتى نزل قوله تعالى:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}

(4)

؟ أي: ساكتين

(5)

.

* * *

(239) - {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} .

{فَإِنْ خِفْتُمْ} من عدوِّ أو غيره.

{فَرِجَالًا} أي: فحافِظوا عليها في حال الخوف أيضاً ولا تؤخِّروها، وصلُّوا

(1)

في (ف) و (م): "اثنتان".

(2)

رواه مسلم (627/ 205) من حديث علي رضي الله عنه.

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 15) عن أبي جعفر الرؤاسي.

(4)

رواه البخاري (1200)، ومسلم (539).

(5)

في (ح) و (ف): "ساكنين".

ص: 139

رجالأ، وهي جمع راجلٍ وهو القائمُ على الرِّجل، أو رَجُل أو رَجِلٍ بمعناه، ويجوزُ لهم أداؤها بالجماعة.

{أَوْ رُكْبَانًا} هي جمع راكب، ولهم أن يصلوا وحداناً بالإيماء وَيسقط عنهم التوجُّهُ إلى القِبلة، ولا يجوز أن يصلُّوا بجماعةٍ عندنا، ولا في حال المشي والمسابقةِ ما لم يُمكنِ الوقوف، وعند الشافعيِّ يصلُّون في كلِّ حال أَخْذاً بما في هذه الآية من الإطلاق.

{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} ؛ أي: زال خوفُكم.

{فَاذْكُرُوا اللَّهَ} : فصلُّوا صلاةَ الأمنِ.

والذِّكرُ اسمٌ للصلاة.

{كَمَا عَلَّمَكُمْ} ؛ أي: صلُّوا طائفةً واحدة من غيرِ انصرافٍ، وفي حالة الخوف يصلُّون طائفتين وتنصرفُ كلُّ طائفة إلى العدو عند تمام الركعة، على ما يأتي بيانه في سورة النساء بإذن اللّه تعالى.

{مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} مفعول {عَلَّمَكُمْ} .

* * *

(240) - {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قد مرَّ تفسيره.

{وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} قرئ: {وَصِيَّةً} بالنصب

(1)

على تقديرِ: حقُّ الذين

(1)

هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة وحفص، وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر:"التيسير"(ص: 81).

ص: 140

يتوفَّون عن أزواجهم أن يُوصوا، أو: كَتب اللّه عليهم وصيةً

(1)

، ويؤيِّده قراءة: (كتب عليكم الوصية لأزواجكم

) إلخ

(2)

.

وقُرئ بالرفع على تقدير: وصيةُ الذين يتوفَّون - أو حكم الذين يتوفَّون - وصيةٌ، أو: والذين يتوفَّون منكم أهلُ وصيةٍ، أو: كُتب عليهم وصيةٌ، [أو: عليهم وصيةٌ]

(3)

.

{مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} نصبٌ بـ (يوصون) إنْ أَضمرتَ، وإلا فبالوصية، وب (متاعٌ) على قراءةِ مَن قرأ:(متاعٌ لأزواجهم)

(4)

؛ لأنَّه بمعنى التمتيع.

{غَيْرَ إِخْرَاجٍ} مصدرٌ مؤكِّد؛ كقولك: هذا القولُ غيرَ ما تقول

(5)

، أو بدلٌ من {مَتَاعًا} ، أو حالٌ من الأزواج؛ أي: غيرَ مخرَجاتٍ، والمعنى: يجب على الذين يُتوفَّون عن أزواج أن يُوصوا قبل أن يُحتضَروا لأزواجهم بأنْ يمتَّعن بعدهم حولاً كاملاً؛ أي: ينفَقَ عليهنَّ من تركتهم ولا يُخرجن من مساكنهنَّ.

وكان ذلك

(6)

في أول الإسلام، ثم نُسخت المدة بقوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

(1)

وهي على الأول منصوبة على المصدر، وعلى الثاني مفعول به. انظر:"روح المعاني"(3/ 345).

(2)

تنسب لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 15)، و"الكشاف"(1/ 289).

(3)

انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 148)، وما بين معكوفتين منه.

(4)

أي: (متاع لأزواجهم متاعاً إلى الحول) وتنسب لأبي رضي الله عنه، وعنه أيضاً أنه قرأ:(فمتاع). انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 15)، و"البحر"(4/ 379).

(5)

بنصب (غير)، والمعنى: هذا القول حقًّا غيرَ ما تقول. انظر: "الكتاب"(1/ 378)، و"شرح المفصل"(1/ 116). وانظر كذلك "الكشاف"(1/ 289)، والكلام منه.

(6)

"ذلك" من (د).

ص: 141

وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، ونُسخت النفقة بالإرث الذي هو الربعُ والثمنُ

(1)

، والناسخة وإن كانت مقدَّمةً في التلاوة لكنها متأخِّرةٌ في النزول، والسكنى لها بعدُ ثابتة عند الشافعي خلافاً للحنفية.

{فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا} من البيت من غير إخراجِ الورثة، أو من العِدَّة بانقضاء الحول.

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الأئمة.

{فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} من التزيُّن لطلب الزوج على وَفْق الشرع.

وهذه الآيةُ متقدَّمةٌ في النزول وإن كانت متأخِّرةً في الترتيب، ولهذا جاء المعروف منكَّراً هنا ومعرَّفاً فيما سبق، وفيها دلالة على أنها لا تجبُ عليها ملازَمةُ مسكن الزوج والحدادِ عليه، بل هي مخيَّرة بينها وأخذِ النفقة، وبين الخروج وتركِها، وهذا من تمام ما كان في بدء الإسلام.

{وَاللَّهُ عَزِيزٌ} ؛ أي: منتقمٌ ممن عصاه.

{حَكِيمٌ} مصيبٌ فيما حكم.

* * *

(241) - {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} .

{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} عمَّ المطلَّقات باستحباب المتعة لهنَّ بعدما خصَّ واحدةً منهن به وهي غيرُ مدخول بها.

* * *

(1)

في (م): "أو الثمن".

ص: 142

(242) - {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .

{كَذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما سبق من أحكام الطلاق والعِدَّة.

{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} وعد بأنه تعالى يبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه معاشاً ومَعاداً من الأحكام ودلائلها.

{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} : لتعقلوا، أي: لتستعمِلوا عقولكم في قبولها والتفكُّرِ فيها لاستنباطِ غيرِ المنصوص من المنصوص.

* * *

(243) - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} .

{أَلَمْ تَرَ} كلمةٌ تجري مَجرى المثلِ في التعجيب يخاطَبُ بها مَن لم يَرَ ولم يسمع ما بعدها، وهي تقريرٌ لمن سمع بالقصة من أهل الكتاب وأخبارِ الأولين، وتعجيبٌ من شأنهم، والخطابُ لكلِّ أحد.

{إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} رُوي: أن أهل داوَرْدانَ -قريةٍ قِبَلَ واسطَ- وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم اللّه ثم أحياهم ليعتبِروا وَيعلموا أنْ لا مفر مِن حكم اللّه تعالى وقضائه

(1)

.

وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكُهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت، فأماتهم اللّه ثمانيةَ أيام ثم أحياهم، وهم ألوفٌ كثيرة

(2)

، واختُلف في عددها بما لا يُجدي.

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(4/ 416 - 417) مطولاً عن السدي.

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 290)، وعزاه بنحوه ابن عطية في "المحرر الوجيز"(1/ 327) للضحاك.

ص: 143

وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرُّض للشهادة، بأن الموت إذا لم يندفع بشيءٍ ولم يكن منه بدٌّ فأولى أن يكون في سبيل اللّه، والدليلُ عليه الأمرُ بالقتال بعده.

{وَهُمْ أُلُوفٌ} الواو للحال.

{حَذَرَ الْمَوْتِ} مفعولٌ له.

{فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} ، أي: أماتهم اللّه تعالى بالأمر التكويني دفعةً واحدةً على خلاف العادة.

{ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} ؛ أي: أماتهم موتَ عقوبةٍ أو تنبيهٍ، لا موتَ انقضاءِ آجالٍ، ثم أعادهم أحياءً ليَستَوفوا بقيةَ أعمارهم.

{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} حيث يبصِّرهم ما يعتبِرون به ويستبصِرون من اقتصاص خبرهم كما بصَّر أولئك بالإماتة والأحياء، أو: حيث أحياهم ليعتبِروا بحالهم ويتيقَّنوا بالبعث.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} ، أي: لا يشكرونه كما ينبغي، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبارُ والاستبصار، وكان مقتضى الظاهر الإضمارُ، وإنما أُعيد اسم الظاهر لِمَا فيه من الإيماء إلى سبب الغفلة عن النعمة.

* * *

(244) - {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} عطفٌ في المعنى على {أَلَمْ تَر} ؛ لأنَّه في معنى: انظروا وتفكروا.

ص: 144

قيل: لما بيَّن أن الفِرار عن الموت غيرُ نافع، وأن المقدَّر لا محالةَ واقع، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلُهم ففي سبيل اللّه، وإلا فالنصر والثواب.

وَيرِدُ عليهْ أنه تعالى نهى عن إلقاء النَّفس بالمَهلكة، ولو لم يكن في الاحتراز نفع لَمَا نُهي عنه.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} يسمع ما يقوله المتخلِّفون والسابقون.

{عَلِيمٌ} بما يُضْمرونه فيجازيهم بحسَبه.

* * *

(245) - {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ {مَنْ} هو استفهامية مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء، و {ذَا} هو خبرُه، و {الَّذِي} صفةُ {ذَا} أو بدلُه.

وإقراضُ اللّه تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل الذي يُطلب به ثوابه.

{قَرْضًا حَسَنًا} : إقراضاً حسناً، بخلوصِ النية وطِيبِ النفس، بلا مَنٍّ ولا أذًى، أو: مقروضاً حسناً بكونه حلالاً طيِّباً.

وقيل: المراد من القرض

(1)

: الإنفاقُ في سبيل الله تعالى، ويؤيده أنها نزلت في أبي الدَّحداح حين تصدَّق بحديقةٍ له.

{فَيُضَاعِفَهُ} فيضاعِفُ جزاءَه {لَهُ} أُخرج على صورة المغالَبة للمبالغة.

وقُرئ بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى، فإنَّ {مَنْ ذَا الَّذِي

(1)

في (م): "قرض".

ص: 145

يُقْرِضُ اللَّهَ} في معنى: أيُقْرِضُ اللّهَ أحدٌ، وقرئ:(فيُضَعِّفَه) بالرفع والنصب

(1)

.

{أَضْعَافًا} : جمعُ ضِعفٍ، ونصبُه على الحال من الضمير المنصوب، أو المفعولِ الثاني على تضمين (يضاعِف) معنى يُصيِّر، أو المصدر على أن الضعف اسم المصدر وجمعُه للتنويع.

{كَثِيرَةً} كثرةً

(2)

لا يَقْدُرها إلا اللّه.

{وَاللَّهُ يَقْبِضُ} لشخصٍ {وَيَبْسُطُ} لآخَرَ، ويقبض

(3)

في حالٍ ويبسط في أخرى

(4)

، حَسْبَما اقتضَتْه حكمتُه، يَقبضُ إذا قَبَضَ حتى لا طاقة، وَيبسطُ إذا بَسَطَ حتى لا فاقة أي

(5)

: لا تخافوا الإقلالَ بالإنفاق، ولا تظنُّوا بقاء السَّعة بالإمساك، فإن اللّه تعالى هو الموسِّعُ والمضيِّق لا الإمساك والإنفاق، يسهِّل بهذا عليهم الإقراض.

{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على ما قدَّمتم، وفيه تنبيهٌ على أن الغنيَّ يفارق مالَه بالموت فليبادِرِ الفَوْت.

* * *

(246) - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا

(1)

قرأ عاصم: {فَيُضَاعِفَهُ} بالنصب، وقرأ ابن عامر:(فيضعِّفَه) بالنصب، وقرأ ابن كثير مثله لكن بالرفع، وقرأ باقي السبعة مثل عاصم لكن بالرفع. انظر:"التيسير"(ص: 81).

(2)

"كثرة" من (د).

(3)

في (ك): "أو يقبض".

(4)

في (ت) و (ك) و (م): "آخر".

(5)

في (د): "أو".

ص: 146

أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الملأ: الجماعة الأشراف يجتمعون للتشاور.

قيل: هو من الملأة التي هي القدرة، فهم قوم لا حاجة إلى الزيادة عليهم فيما اجتمعوا له لقدرتهم عليه، لا واحد له كالقوم. و {مِنْ} للتبعيض.

{مِنْ بَعْدِ مُوسَى} ، أي: بعدَ وفاته، و {مِنْ} للابتداء.

{إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ} اختلفوا فيه، والأشهر الأظهر أنه أشمويل من نسل هارون عليه السلام.

{ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا} أَنهِضْ لنا أميراً.

{نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ {نُقَاتِلْ} بالنون والجزم جوابُ الأمر، وقُرئ بالرفع حالاً؛ أي: ابعثْ لنا مقدِّرين القتال، أو استئنافاً كأنه قيل: كيف تصنعون بالمَلِك؟ فقالوا: {نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، وقرئ بالياء والجزم جواباً، وبالرفع صفةَ (ملك)

(1)

.

{قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} معنى الاستفهام في {هَلْ} : التقريرُ وتثبيتِ أنَّ المتوقَّع

(2)

كائن وأنَّه مصيبٌ في ظنه وتوقّعه؛ كما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} [الإنسان: 1].

وخبر {عَسَيْتُمْ} : {أَلَّا تُقَاتِلُوا} ، والشرطُ اعتراض بينهما، وجوابه محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله:{عَسَيْتُمْ} ؛ أي: إنْ كُتب عليكم القتال خِفْتُ أن تَجبُنوا ولا

(1)

في (د): "لملك". وانظر: "الكشاف"(1/ 291)، وعنه نفل المؤلف هذه القراءات مع توجيهها.

(2)

في النسخ: "للتوقع"، والمثبت من "الكشاف"(1/ 291)، والكلام منه.

ص: 147

تقاتلوا، أراد أن يقول: عسيتم ألا تقاتلوا؛ أي: أتوقعُ منكم الجبن عن القتال، فأدخل {هَلْ} للتقرير السابق ذكرُه.

{قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا} ؛ أيُّ داعٍ لنا إلى ترك القتال وقد عَرَض لنا ما يُوجبه من الإخراج عن الديار.

{وَأَبْنَائِنَا} ؛ أي: منفردِين عنهم، على تضمين الإخراج معنى الانفراد

(1)

.

والديار أبلغ من الأوطان؛ لمَا في الإخراج منها

(2)

من الدلالة على استيلاء العدو على أملاكهم، وأمَّا ذكرُ الأبناء دون الأولاد المنتظِمة للبنات فلِعَدم استئناس العرب بهنَّ فلا يَشُقُّ الانفراد عنهن، بل هم يأنفون عن انتسابهنَّ إليهم فلا يرضَون لإظهار التعلُّق بهن.

ومَن لم يتنبَّه لِمَا ذكر أَورد في تفسيره الأوطانَ بدل الديار، والأولادَ بدل الأبناء ولم

(3)

يَدْرِ ما فيه من سوء الأدب، حيث

(4)

أَوهَم فضلَ البدل على المبدَل: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)} [النساء: 122] وليس لكلام -

(5)

المعجز بديلٌ

(6)

.

بقي هاهنا شيءٌ آخرُ لا بد من التنبيه له أيضاً، وهو: أنهم علَّلوا القتال بما يرجع إلى حظوظهم فخُذلوا، ولو قالوا: كيف لا نقاتل وقد عصَوا اللّه وخرَّبوا بلاده وقهروا عباده؟ لوفِّقوا.

(1)

في (د): (الإفراد).

(2)

في (م): "عنها"، وفي (ح) و (ف) و (ك):"هاهنا".

(3)

في (د): "ومن لم".

(4)

"حيث" ليست في (د).

(5)

في (ك) و (م): "الكلام".

(6)

في (د)(ك) و (م): "بديل".

ص: 148

رُوي أن جالوت ومَن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل البحر بحرِ الروم بين مصر وفلسطين، وظهروا على بني إسرائيل، فأخذوا ديارهم وسبَوا أولادهم.

{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} لمَّا قالوا ذلك دعا نبيُّهم اللّه تعالى، وسأل لهم ملكًا، فأجابه اللّه تعالى إلى ذلك، ونَصَب لهم طالوتَ ملكاً، وفَرض عليهم القتال، وكان فيهم طاغية هو الذي دعاهم إلى ذلك فتابَعوه، وكانوا يرجُون أن يُملَّكَ عليهم، فلمَّا ملَّك اللّه تعالى غيره نكصوا على أعقابهم وكرهوا، فالفاء في قوله:{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} فصيحةٌ، والقولُ الآتي ذكرُه مقدَّمٌ وقوعاً وإن كان مؤخَّراً ذِكراً.

{إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} ثلاث مئة وثلاثةَ عَشَرَ بعددِ أهل بدر.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} وعيدٌ لهم، وتسجيلٌ عليهم بالظلم في القعود عن القتال، ولذلك وُضع الظاهرُ موضعَ المضمَر.

* * *

(247) - {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ} صرَّح بنسبة البعثِ إلى اللّه تعالى تعظيماً لشأن المبعوث، ودفعًا لذهاب الوهم إلى أن يكون تعيينُه عن ميلٍ ونسبةٍ

(1)

إليه.

(1)

في (م) و (ف): (ونسبته).

ص: 149

{طَالُوتَ} عَلَم أعجميٌّ كجالوت، فامْتَنعَ عن الصَّرف للعَلَمية والعُجمة.

وقيل: إنه من الطُّول؛ لِمَا وُصف به من البَسطة في الجسم، وامتناعُه عن

(1)

الصرف يأبى عن ذلك، إلا أن يقال: اسم عبرانيٌّ وافق عربيًّا كما وافق حنطاً: حِنطةً، وبِشما لاها رَحْماناً رَحِيماً

(2)

: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فهو على هذا فَعَلوتٌ من الطُول أصله: طَوَلوت، كما لو كان عربيًّا.

{مَلِكًا} رُوي أن نبيهم دعا اللّه تعالى حين طلبوا منه ملكاً، فأتى بعصا يقاس بها من يتملك عليهم، فلم يساوِها إلا طالوت

(3)

.

{قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} بمعنى: كيف، كما في قوله {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75]، استَبْعَدوا تملُّكَه عليهم.

والواو في {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} واو الحال، وفي {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} عاطفةٌ، فانتظمت

(4)

الجملتان في حكم الحال؟ أي: والحال أنَّا أحقّ بالملك منه وراثةً ومكنةً، وأنَّه فقير لا مالَ له حتى يتشرَّف به إذ فاته

(5)

نسب الملوك، وإنما قالوا ذلك لأن الملك كان في أولاد يهوذا، وكان فيهم من سبطه خلقٌ كثيرٌ أغنياء، وطالوتُ كان فقيراً من سبط بنيامينَ، ولم يكن فيهم الملك ولا النبوةُ، فإنها كانت في أولاد لاوَى.

(1)

في (ف): "من".

(2)

اضطربت أكثر النسخ في: "بشما لاها"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما "الكشاف"(1/ 292)، والكلام منه، وفيه:(رخمانا رخيما) بالخاء فيهما.

(3)

رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(2/ 466) عن السدي.

(4)

في (ك) و (م): "فانتظمته".

(5)

في (ك) و (م): "إذا فاته"، وفي (ح) و (ف):"فإنه"

ص: 150

ذكروا لبعده عن استحقاقِ الملك عليهم وجهين: أحدهما في الخارج، والآخر في نفسه، وقدَّموا ما في الخارج أخذاً لطريقة الترقي.

{قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ} اختاره {عَلَيْكُمْ} .

أصل الاصطفاء: أخذُ صَفوة الشيء وإلقاءُ ما سواه، أي: إنْ لم يكن له نَسَبٌ ولا نَشَبٌ فله فضيلة ذاتيةٌ، على ما نبَّه عليه بقوله:

{وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ} قدَّمه لكونه أَقدَمَ في الاعتبار {وَالْجِسْمِ} طولاً وعرضاً.

لمَّا أنكروا تملُّكه عليهم أجابهم بالجملة التأكيدية المصدَّرة بـ (إنَّ)، وقدَّم المسنَد إليه - وهو اللّه - على الفعل للتخصيصِ، وتأكيدِ النسبة إلى أن اللّه تعالى هو الذي اصطفاه عليكم دون غيره، وهو أعلم بمصالحكم

(1)

منكم، ولا اعتراض على حُكمه.

ثم ذكر خصلتين كالبرهان وبيانِ حكمةٍ في اختياره، هما أقوى في باب الملك وأولى بإيجابه من النسب والمال، وهما العلم والجَسامة: ليتمكَّن من معرفة السياسة، ويكونَ أعظم خطراً في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، أطلق

(2)

العلم ووصفه بالبسطة فيه وفي الجسم؛ ليندرج تحته العلمُ الذي طلبوه لأجْله وهو المعرفةُ بأمر الحرب.

{وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} قدِّم المسندُ إليه لإفادة الاختصاص؛ أي: الملك له خاصةً غير منازَعٍ فيه، فهو يؤتي ملكَه مَن يشاء دون غيره بسببِ استصلاحه لذلك.

(1)

في (ك): "بصالحكم".

(2)

في (م): "وأطلق".

ص: 151

{وَاللَّهُ وَاسِعٌ} أي: واسعُ الفضل والعطاء، يوسِّع على مَن ليس له سعةٌ في المال ويُغنيه من الفقر.

{عَلِيمٌ} بمن يصطفيه للمُلك وإن لم يكن من نسل الملوك، فقوله:{وَاسِعٌ} ردٌّ لقولهم: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} كما أن قوله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ} ردٌّ لقولهم: {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} يعني أنه اصطُفي

(1)

مثلَ مَن تُنسبون إليه، وليس المالكُ كالمستعير.

وقوله: {عَلِيمٌ} تكميلٌ حسنٌ يدلُّ على أن اصطفاءه وإيتاءه عن علمٍ وحكمة، لا عن جهلٍ وسفه.

* * *

(248) - {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} لمَّا طلبوا منه حجةً على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملَّكه عليهم:

{إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ {التَّابُوتُ} : صندوقُ التوراة، فَعَلُوتٌ من التَّوب بمعنى الرجوعِ؛ لأنَّه ظَرفٌ يوضع فيه الأشياء فلا يَزال يُرجَع إليه ما يُخرَج منه، وليس بفاعولٍ لقلَّةِ نحوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ولأنه تركيبٌ غير معروفٍ، فلا يُترك المعروف إليه، ومَن قرأه بالهاء فلعلَّه أبدلَه منه

(2)

كما

(1)

في (د): "مصطفى".

(2)

أي: جعل هاءه بدلاً من التاء. انظر: "الكشاف"(1/ 293)، والقراءة بالهاء ذكرها أيضاً ابن خالويه =

ص: 152

أُبدل من تاء التأنيث، لاشتراكهما في الهمس والزيادة.

{فِيهِ سَكِينَةٌ} ما به تسكنون إليه {مِنْ رَبِّكُمْ} أي: من فضله، والضميرُ للتابوت لا للإتيان؛ لقوله:

{وَبَقِيَّةٌ} فإنها تأبى عنه، والبقيةُ مثل في الجودة والفضل، يقال: فلان من بقيَّة القوم؛ أي: من خيارهم، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وذلك لأن الرجل يَستبقِي مما يخرجُه أجودَه وأفضلَه.

{مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} رُضاضُ

(1)

الألواح، وعصا موسى وثيابُه، وعِمامةُ هارون. والآلُ مقحَم لتفخيم شأنهما؛ كما في قوله عليه السلام:"يا أبا موسى، لقد أُوتيتَ مِزماراً مِن مَزاميرِ آلِ داود"

(2)

.

{تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} حالٌ من {التَّابُوتُ} .

قيل: رفَعه اللّه تعالى بعد موسى عليه السلام، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه

(3)

.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ} ، أي: في إتيان التابوت والملائكةُ تحمله {لَآيَةً} عظيمةً.

{لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} من تمام كلام النبيِّ عليه السلام؛ لأن المقام لا يتحمَّل الخطاب من اللّه تعالى.

* * *

= في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 15).

(1)

الرُّضاض: ما يتفتت ويتقطع من الشيء. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 329).

(2)

رواه البخاري (5048)، ومسلم (793)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

(3)

"إليه" من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 293).

ص: 153

(249) - {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} قيل: هنا جمل محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ، والباءُ في {بِالْجُنُودِ} للملابَسة؛ أي: مُلْتبِساً بالجنود، سواءٌ كان {فَصَلَ} لازماً بمعنى: انفصل عن بلده، أو متعدِّياً بمعنى: فصل نفسه عنه، فإنَّ الفصل في المتعدِّيَ والفصولَ في اللازم لغتان؛ مثل: وَقَفَه وَقْفاً ووَقَفَ وُقوفاً.

و (الجنود): جمع الكثرة للجُند، والأجناد: جمع القِلَّة له، والجُنْدُ: الجيش الأشدَّاء، مأخوذٌ من الجَنَد، وهو الأرضُ الغليظة الشديدة

(1)

.

رُوي: أنَّهم لمَّا فارَقوا بلدهم سلكوا مفازةً، وكان الوقتُ قيظاً، فسألوا أن يجري اللّه تعالى لهم

نَهَراً قال طالوت:

{إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} : مُعاملُكم معاملةَ مختبِرٍ

(2)

بما اقترحتُموه، وكان في جند طالوتَ المخلِصُ والمنافقُ، فميِّز بينهما بالماء، كالذهب والفضة فيهما الخَبَثُ فيميَّز الخالصُ من غيره بالنار.

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "الغليظ الشديد".

(2)

في (د): "مخبر"، وفي (ح) و (ف) و (م):"مخبرة" والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 151).

ص: 154

والنَّهر بفتحِ الهاء وتسكينِها: المَجْرى الواسعُ للماء، وكلُّ ثلاثيٍّ حَشْوُه حرفُ حلقٍ فتسكينُه وفتحُه لغةٌ؛ كالشَّعر والنَّحر والدَّأب.

{فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} ؛ أي

(1)

: فليس بمتَّصلٍ بي ولا متَّحدٍ معي، من قولهم: فلان منِّي، كأنه

(2)

بعضه لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعي.

{وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} الطُّعْم: الذَّوق، ويقع على الأكل والشرب.

{إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} الغَرْف: أخذُ الماء بآلةٍ كالكفِّ، والغَرفة بالفتح: المَرَّة من هذا الفعل، والغُرفة بالضم: قَدْرُ ما يُغرف بالكفِّ من الماء، وأصلُ الغَرف: القطعُ، ومنه الغُرفة التي هي العِلِّيَّةُ قطعة من البناء.

استَثْنَى من الشرب الممنوعِ هذا النوعَ، وإنما قُدمت عليه الجملة الثانية لأن مدلولها مفهومٌ منه بطريق الدلالة، وإنما ذكرت تتميماً للجملة الأولى بما فيها من الترغيب إلى الانتهاء بالنهي المذكور، فحقُّها أن تُذكر عَقيبها قبل الاستثناء المزبور

(3)

، وطالوت إن كان نبياً فله أن يعرف ذلك بالوحي، وإلا فبالإلهام أو بإخبار من النبي

(4)

.

{فَشَرِبُوا مِنْهُ} ، أي: فكَرَعوا فيه؛ إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بواسطةٍ، وتعميمُ الأول ليتَّصل الاستثناء.

(1)

في (م) زيادة: "أي".

(2)

في (ك): "كأني"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 294).

(3)

في (م) و (ف): (المذكور). وجاء هنا في هامش (د) و (ف) و (م): "ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة زعم أن تقديمها لمجرد العناية. منه ".

(4)

وفي هامش (د) و (ف): (ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة زعم أن تقديمها لمجرد العناية). منه.

ص: 155

وقرئ: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ}

(1)

بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على أنه تابعٌ للمرفوع قبله

(2)

؛ لأن الكلام إذا كان موجَباً جاز فيما بعدَ (إلا) النصبُ وهو الأفصح، والإتْباع لمَا قبله إنْ رفعاً فرفعٌ أو نصباً فنصبٌ أو جرًّا فجرٌّ، وليس هذا من مواضع الميل إلى المعنى، والإعراضِ عن اللفظ جانباً

(3)

.

والقليل على ما قيل: كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً.

{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ} ، أي: قطع طالوتُ النهر.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} ؛ أي: القليلُ الذين

(4)

لم يخالفوه، وفي التعبير عنهم بما ذُكر دلالةٌ على أن المخالِفينَ لم يكونوا مُخلِصين في دعوى الإيمان، وإنما زاد قوله:{مَعَهُ} لإفادة معنى المتابَعة إياه والموافقة له، ولمَّا افترقوا فرقتين قال كلُّ فرقة ما يليق بشأنه، وعدمُ العطف بين القولين لعدم جمعهما مقامٍ واحد، ومساقِ كلامٍ واحد.

{قَالُوا} ؛ أي: الذين انخذلوا، على ما نص عليه ابن عباس رضي الله عنهما، كأنهم قالوا ما قالوا اعتذاراً في التخلف، وتخذيلاً للمُقْدِمين على القتال.

(1)

وقع هنا في جميع النسخ: {إِلَّا قَلِيلًا} دون {مِنْهُمْ} ، لكن وقع التنبيه عليها في هامش (م)، حيث كتب فيه بخط ملون:"هنا نقص لفظ {مِنْهُمْ} مع أنه ثابت تلاوة".

(2)

القراءة بالنصب قراءة الجمهور، والقراءة بالرفع من الشاذ، وتنسب لأبي والأعمش. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 15)، و"الكشاف"(1/ 295).

(3)

في هامش (د) و (م): "قال أبو حيان: هي مسألة بيّن وجه الإعراب فيها، يعني: على ما ذكر هنا في علم النحو. منه ". وفي هامش (ف): "قال أبو حيان: هي مسلمة بيّن وجه الإعراب فيها، يعني: ما ذكره هنا على ما ذكره في علم النحو. منه".

(4)

في (ح) و (د) و (ف): "الذي".

ص: 156

{لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ} ؛ أي: بقتال جالوت.

{وَجُنُودِهِ} لكثرتهم وقوَّتهم

(1)

، وفي عبارة الجنود دلالةٌ على هذا، على ما بينَّاه فيما سبق.

{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} الظنُّ على حقيقته، ومعنى {مُلَاقُو اللَّهِ}: أنهم يُستشهَدون في ذلك اليوم، لعزمهم على صدقِ القتال، وصدقهم في عزمه. أو بمعنى الإيقان؛ أي: يوقنون بالبعث على أنَّ

(2)

معنى {مُلَاقُو اللَّهِ} : أنهم راجعون إليه في القيامة ومجزيون بأعمالهم يومئذ، وعلى هذا المعنى من الملاقاة يجوز أن يكون الظنُّ على أصله، ويكونُ القصد إلى أنه يكفي في هذا العمل

(3)

فكيف باليقين.

{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} {كَمْ} كلمةُ تكثير، و {مِنْ} مبيِّنة أو مَزِيدةٌ للتأكيد، والفئة: الفرقة من الناس، من فأَوْتُ رأسه، أي: شَقَقْتُه، أو مِن فاء: إذا رجع.

{غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} ، {كَمْ} مبتدأ خبرُه {غَلَبَتْ} .

{بِإِذْنِ اللَّهِ} بتيسيره، وهذا تحريضٌ على القتال واستشعارٌ بالنصر.

{وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} بالنصر والإثابة، تحريضٌ على الصبر في القتال.

* * *

(250) - {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} .

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "وقدرتهم".

(2)

كلمة: "أنَّ" ليست في (ح) و (ف) و (ك) و (م).

(3)

في (د): "للعمل".

ص: 157

{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} المبارزةُ في الحرب: أن يَظهر المحارب لقَرينه بحيث يراه.

{قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} الإفراغ: صبُّ السيَّال، استُعير للإكمال والإكثار.

{وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ؛ أي: في المعركة كيلا نَزِلَّ ولا نَزُولَ.

{وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ؛ أي: أَعِنَّا عليهم، وامنَعْهم منا.

الْتَجَؤوا إلى اللّه بالدعاء، وفيه ترتيبٌ بليغ، إذ سألوا أولاً إفراغَ الصبر في قلوبهم الذي هو مِلاكُ الأمر، ثم ثباتَ القدم في مَداحض الحرب المسبَّبَ منه

(1)

، ثم النصرَ على العدو المرتَّبَ عليهما غالباً، ثم أشاروا بتوصيف {الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} إلى أنهم يطلبون النصر لا للانتقام منهم بفعلهم بهم، بل لأنهم كفار وأعداءٌ لربهم.

* * *

(251) - {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} .

{فَهَزَمُوهُمْ} الفاء فصيحةٌ، وقبله مضمَرٌ، أي: فاستجاب اللّه دعاءهم ونصرهم، فالهزيمة دفع الشيء بقوةٍ حتى يدخل بعضُه في بعضٍ، والمِهْزام: خشبة يحرَّك بها الجمر ويُدفع بعضُه على بعض.

{بِإِذْنِ اللَّهِ} بعونه وتيسيره.

(1)

أي: من الصبر المفرَغ.

ص: 158

{وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} لم يبيِّن اللّه تعالى كيفيةَ القتل، إلا أنه أشار في سياقه إلى أنه كان بسهولة.

{وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} ؛ أي: مُلكَ بني إسرائيل، ولم يجتمعوا قبل داود عليه السلام على مَلِكٍ.

{وَالْحِكْمَةَ} : النبوَّةَ؟ إذ بها وَضْعُ الأمور مواضِعَها.

فاَتاه اللّه مُلكَ طالوت ونبوَّة نبيِّهم، وجمع له كليهما، وكان قبله المُلك في سِبْطٍ والنبوَّةُ في سِبْطٍ.

{وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} : من صنعة الدروع، وكلامِ الطير والدوابِّ، وغير ذلك.

{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} : ولولا أنَّ اللّه تعالى يَدفع بعضَ الناس ببعضٍ وَيمنع فسادهم بذلك.

{لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} : لعمَّ فسادُهم الأرض.

{وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} : ولكنَّ الله يَبسط الفضلَ على العالمين بنصر المصلِحين على المفسِدين.

* * *

(252) - {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} .

{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ} إشارةٌ إلى ما قُصَّ من حديث الألوف، وتمليكِ طالوتَ، وإتيانِ التابوتِ، وانهزامِ الجبابرة، وقتلِ داودَ عليه السلام جالوتَ.

{نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} بالصِّدق واليقين الذي لا ريبَ فيه لأهل الكتاب؛ إذ هي في كتبهم كذلك.

ص: 159

{وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} حيث تُخبر بها من غيرِ قراءةِ كتابٍ ولا سماعِ أخبارٍ.

* * *

(253) - {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} .

{تِلْكَ الرُّسُلُ} أي: المذكورةُ في السورة كلِّها، أو المعلومةُ لك

(1)

بالوحي.

{فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} بحسَبِ درجاتهم في الزُّلفى، وتفاوُتِ مراتبهم في الاصطفاء.

{مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} تفصيلٌ للتفضيل؛ أي: خاطبه اللّهُ تعالى بكلامه الأزليِّ بلا واسطةٍ، وهو موسى عليه السلام؛ لقوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164].

{وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} بأنْ فضَّله على غيره من وجوهٍ متعدِّدة بمراتبَ

(2)

متباعدةٍ، وهو محمدُ عليه السلام المفضَّل عليهم، حيث أُوتي ما لم يُؤتَ أحدٌ منهم

(3)

، والإبهامُ لتفخيم شأنه؛ كأنه العَلَم المتعيِّن

(4)

لهذا الوصف، المستغني عن التعيين، وتنكيرُ {دَرَجَاتٍ} يعضُده في تعظيم شأنه.

(1)

"لك" من (د).

(2)

في (ك) و (م): "وبمراتب".

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "أحدهم".

(4)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "المعين "، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 153).

ص: 160

{وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} خصَّه بالتعيين لإفراط

(1)

اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجَعْلُ معجزاته سببَ تفضيله لأنها آيات ظاهرةٌ وبيناتٌ باهرةٌ لم يَستجمِعها غيرُه.

{وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} قد مرَّ تفسيره.

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} أن لا يقتتلوا

(2)

.

{مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} ؛ أي: من بعد هؤلاء الرسل.

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ، أي: المعجزاتُ الواضحاتُ، لاختلافهم في الدين وتشعُّبِ

(3)

مذاهبهم، ولتضليل

(4)

بعضِهم بعضاً.

{وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا} ، أي: ما شاء مما

(5)

اقتضاه حكمتُه.

{فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ} ؛ لالتزامه دِينَ الأنبياء عليهم السلام بتوفيقه {وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر} ، لإعراضه عنه لخذلانه.

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} كرِّر للتأكيد

(6)

لكون الأمور بمشيئة اللّه تعالى.

(1)

في (ك): (لإفراد).

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "أن يقتتلوا"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر:"تفسير الطبري"(4/ 523)، و"تأويلات أهل السنة" للماتريدي (2/ 233)، و"تفسير الراكب"(1/ 518)، وغيرها من التفاسير.

(3)

في (ف): "وتشعث".

(4)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): (ولتفضيل)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 153).

(5)

في (د) و (م): "أي ما شاء فما"، وفي (ح) و (ف):"لما"، وسقط منهما:"أي ما شاء"، والمثبت من (ك).

(6)

في (د): "التأكيد".

ص: 161

{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} من تخصيص بعضِهم بالسعادة والإيمان، وبعضِهم بالشقاوة والكفر.

فإنْ قلتَ: الاستدراك بعد استعمال كلمة (لو) على قاعدة العربية أنْ يُذكر انتفاءُ الشرط ليُثبَتَ انتفاءُ الجزاء، أي: لكنْ لم يشأ عدم الاقتتال فاقتتلوا، وعلى قاعدة الاستدلال أنْ يُذكر انتفاءُ الجزاء ليُعلم انتفاءُ الشرط؛ أي: لكنهم اقتتلوا فعُلم أنه لم يشأ عدم الاقتتال، فما وجهُ قوله:{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ؟

قلتُ: معناه: لكنه لم يشأ عدمَ الاقتتال، بل ثبوتَه فثبت؛ لأنَّه يُثْبِتُ ما يريده اصلا مّا كان؛ قيل: يوفِّق مَن يشاء فضلاً ويخذل مَن يشاء عدلاً.

وَيرِدُ عليه: أنه حينئذ يكون الخذلان عن باعثٍ، فتتقيَّد إرادتُه المتعلِّقةُ به، ويأباه التعميم المستفاد مما ذكر.

والآيةُ دليل على أن الأنبياء عليهم السلام ولو كانوا أُولي العزم من المرسلين متفاوتةُ الأقدام

(1)

، وأمَّا أنه يجوز تفضيلُ بعضهم على بعضٍ على التعيين، فلا دلالة عليه في الآية، نعم يجوز ذلك إذا وُجد دليل قاطع؛ لأنَّه مما يتعلق بالاعتقاد دون العمل حتى يُكتفى فيه بالظن، وأنَّ ما تَعلَّق به إرادةُ اللّه تعالى؛ فعلًا كان أو تركاً، خيراً كان أو شراً، يقع، وأمَّا أن كلَّ ما يقع إنما يقع بإرادة اللّه تعالى فلا دلالة عليه فيها، إنما عُلم ذلك من موضع آخر.

* * *

(254) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

(1)

في (د): "الأقدار"، ومثله في "روح المعاني"(3/ 382)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 153).

ص: 162

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} أراد به الواجبَ من الزكاة، لظاهر الأمر واتِّصالِ الوعيد به.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ} : لا كسب {فِيهِ} لأنَّه يوم جزاءٍ لا يوم عمل، وعبِّر عن كلِّ

(1)

المكاسب بجُلِّها.

{وَلَا خُلَّةٌ} ؛ لأن الأخلَّاء بعضُهم عدوٌّ لبعضٍ يومئذٍ.

فإنْ قلتَ: أليس زمرةُ المتقين مستثناةٌ منهم؟

قلت: بلى، ولكن الوعيد في حقِّ مَن ترك الإنفاقَ الواجب، فالاستثناءُ المذكورُ لا يجديه

(2)

.

{وَلَا شَفَاعَةٌ} يعني: أنَّ تدارُكَ ما فاتكم من الإنفاق إمَّا بالأداء بعد الحصول بطريقِ المعاملة والمجاملة، وإمَّا بالإبراء، ولا سبيل إلى شيءٍ من ذلك إذ لا كسبَ ولا خلَّةَ ولا شفاعةَ، خصوصاً في إسقاطِ حقوق العباد، وأمَّا أنَّ الشفاعة لا تكون إلا في زيادة الفضل فطريقةُ الاعتزال موضع بيانه ومأخذُ عنانه علمُ الكلام.

وإنما رُفعت ثلاثتُها مع قصدِ التعميم لأنها في التقدير جوابُ: هل فيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ؟ وقد فتَحَها مَن فتَحَها على الأصل

(3)

.

{وَالْكَافِرُونَ} ؛ أي: التارِكون للزكاة، وإنما عبِّر عنهم بالكافرين تغليظاً عليهم وزجراً لهم؛ كما في آخِر آيةِ الحج، حيث شبِّه فعلُهم الذي هو ترك الزكاة بالكفر،

(1)

في (ك): "جل".

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "لا يجد به".

(3)

فتحها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 82).

ص: 163

أو جُعل مشارفةً على الكفر، أو تعبيراً باللازم عن الملزوم

(1)

حيث جُعل ترك الزكاة في موضع آخر من صفات الكفار ولوازمهم، فهو على الأول استعارةٌ تَبَعيَّةٌ أو مَجازُ مُشارَفةٍ، وعلى الثاني كنايةٌ أو مجازُ لُزومٍ.

{هُمُ الظَّالِمُونَ} هم الذين ظلموا أنفسهم بترك الإنفاق الواجبِ، وصرفِ المال على غير وجهه، ووضعه في غيرِ موضعه.

* * *

(255) - {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} .

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} مبتدأ وخبرٌ، والمعنى: أنه المستحِقُّ للعبادة لا غير.

وقيل: خبرُه {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} و {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} معترِضٌ بينهما.

والمراد من الحياة في حقِّه تعالى: البقاءُ الذي لا سبيل إليه للفناء مجازاً، وذلك أن الحياة بحسَب اللغة عبارةٌ عن قوَّة مزاجيةٍ تقتضي الحسَّ والحركة، ولا صحة لها في حقّه تعالى، فلا بدَّ من المصيرِ إلى المعنى المجازيِّ المناسِبِ له، وهو البقاء، وإنما وصَفْناه بما ذُكر لأنَّه مستنِدٌ إلى ذاته تعالى، فلا يمكنُ زوالُه.

وأما الذي ذكره المتكلِّمون بقولهم: (الحي: الذي يصحُّ أن يَعْلَم وَيقْدِر) فمعناه

(1)

قوله: "وعبر باللازم عن الملزوم" كذا في النسخ، والصواب:(بالملزوم عن اللازم)، كما في "حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 332)، و"روح المعاني"(3/ 386)، قال الشهاب:(فإن ترك الزكاة لازم للكفر فذكر الكفر وأريد ترك الزكاة). وهي عينها عبارة المؤلف الآتية، لكن مع زيادة وضوح في بيان المراد.

ص: 164

الاصطلاحيُّ الحادثُ، فلا مَساغَ لحمل ما في الكلام القديم عليه، حيث لا يَعرفه أهل اللسان وقتَ نزول القرآن.

وقد ردَّ صاحب "الكشاف" مثلَ هذا في تفسير قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [البقرة: 19]، وجوَّزه هنا

(1)

.

والقيوم: القائم بذاته، المقوِّم لغيره.

وقيل: الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظه، فَيْعولٌ مِن قام بالأمر: إذا حفظه.

{لَا تَأْخُذُهُ} الأخذ: التناول ومنه أَخْذُ الشاربِ: قَصُّه وقَطْعُ شيء من شره.

{سِنَةٌ} السنة: ثقلةٌ من النُّعاس وفتورٌ يعتري المزاجَ قبل النوم، وليست بداخلةٍ في حدّ النوم على ما دلَّ عليه قولُ عَدِي بنِ الرِّقَاع:

وَسْنانُ أَقْصَدَه النُّعاسُ فرَنَّقَتْ

في عينهِ سِنَةٌ وليس بنائمِ

(2)

ولا دلالةَ فيه على أنَّ السِّنَةَ هي النُّعاس كما تُوُهِّمَ.

{وَلَا نَوْمٌ} النوم: حالةٌ تَعرِضُ للحيوان من استرخاءِ أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواسُّ الظاهرة عن الإحساس رأساً؛ أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقين من الغفلة والملال والفتور في حفظ ما هو قائم بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارضُ التعب المحوِجة إلى الاستراحة، فيستريحُ بالنوم والسِّنَة.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 200).

(2)

انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (1/ 78)، و"الوحشيات" لأبي تمام (ص: 194)، و"تفسير الطبري"(4/ 530)، و"الكشاف"(1/ 300)، و"البحر"(4/ 448)، و"اللسان" (مادة: رنق)، وفيه: رنق النوم في عينه: خالطها.

ص: 165

فالجملة بيان لـ {الْقَيُّومُ} بأنه مهيمنٌ على مَن يقوِّمه غيرُ غافل عنه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا فإن مَن أخذه سنةٌ أو نومٌ كان مؤوفَ الحياة

(1)

، ولذلك تُرك العاطف فيه.

وتقديم السِّنَة على النوم على قياس المبالغة والترقِّي، فإنَّ سلب السِّنَة وإن كان أبلغَ من سَلب النوم لكنَّ سلبَ أَخْذِها ليس بأبلغَ من سلبِ أَخْذِه؛ لِمَا فيه من القوة، فمَن يقدر على دفعها قد لا يقدر على دفعه، فمَن وَهَم أنَّ قياس المبالغةِ عكسُه فقد وَهِم

(2)

، حيث لم يفرِّق بين سلبهما وسلب أخذِهما.

وأيضاً السِّنةُ من طلائع

(3)

النوم ومقتضياتِ سببه السابقةِ عليه، فنفيُ النوم بعد نفيها باعتبارِ أنه يستلزِم نفيَ سببه يكون أبلغَ، وأما نفيُ التشبيه فقد حصل بالحيِّ القيُّوم على المعنى المراد منهما.

{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريراً لقيوميته

(4)

- كما قيل - لاتَّحد مع ما قبلَه في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ.

(1)

المؤوف: الذي أصابته الآفة، وهو اسم مفعول من الآفة بمعنى العاهة. انظر:"القاموس"(مادة: أوف)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي"(1/ 282).

(2)

وَهَمَ كوَعَدَ: ذهب وهمه إليه، ووَهِمَ كوَجِلَ: غَلِطَ. انظر: "القاموس"(مادة: وهم). فيكون معنى العبارة: فمن ذَهَبَ وهمُه إلى أن قياس المبالغة عكسه فقد غلط.

(3)

في (م): "دلائل".

(4)

في النسخ عدا (ك): "لقيومية"، والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 154)، و"وروح المعاني" (3/ 395). والكلام رد على ما قاله البيضاوي وتابعه فيه الآلوسي:{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية.

ص: 166

والمراد بما فيهما: ما وُجد فيهما داخلاً في حقيقتهما، أو خارجاً عنهما متمكِّناً

(1)

فيهما، فهو أبلغ من قوله: له

(2)

السماواتُ والأرض وما فيهنَّ.

ولمَّا ذكر مالكيَّته للكلِّ بيَّن ذلك بقوله:

{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ؛ أي: بلغ من مالكيَّته وكبريائه أنْ لا يتمالكَ أحدٌ أن يتكلم يوم القيامة إلا

(3)

مَن أذن له؛ لقوله: {لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [النبأ: 38]، ثم بين ذلك بقوله:

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: ما كان قبلَهم وما يكون

(4)

بعدَهم، فكيف بحالهم؟ ومَن أحاط علمُه بأحوال الخلق كلِّها يعلمُ المستوجِبَ للشفاعة وغيرَه، والضميرُ لـ (ما في السماوات والأرض)؛ لأن فيهم العقلاءَ، أو لِمَا دل عليه {مَنْ ذَا} من الأنبياء والملائكة

(5)

عليهم السلام.

{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} ؛ أي: معلومِه، فإنَّ اسم المصدر يقع على المفعول، يقال في الدعاء: اللهم اغفرْ علمَك فينا؛ أي: معلومَك، وعطفُه على ما قبلَه لأنَّ مجموعهما يدلُّ على تفرُّده بعِلم مَن يَستحِقُ الشفاعة وغيرِه، وإنما فُصل المعطوف عليه عمَّا قبله لمَا أَشَرْنا إليه من أنه مُبيِّن لِمَا قبله، وأما على ما قيل: إن

(6)

مجموعَهما يدل على تفرُّده بالعلم الذاتيِّ التامِّ الدالِّ على

(1)

في (د): "متركناً"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 154).

(2)

في (م): "له ملك".

(3)

في (د): "إلا إذا".

(4)

في (ف): "كان".

(5)

"والملائكة" من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 301)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 154).

(6)

"إن" من (د).

ص: 167

وحدانيته

(1)

، فلا يظهر وجهُ الفصل المذكور كما لا يخفى.

{إِلَّا بِمَا شَاءَ} أن يُعْلِمهم به من المعلومات.

{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} بيان لشمول علمه وإحاطتهِ وسعتهِ وبَسطته، وأنَّه لم يَضِقْ عن السماوات والأرض، على سبيل التمثيل والتخييل، وتصويرِ الأمر

(2)

المعنويِّ بالصورة الحسِّيَّة، ولا كرسيَّ ثمةَ ولا قعودَ ولا قاعدَ؛ كقوله:{وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] من غيرِ تصوُّر قبضةٍ وطيٍّ ويمينٍ

(3)

.

قيل: تصويرٌ لعظمته وتمثيلٌ، وعلى هذا لا يَظهر وجه الفصل عمَّا قبله، وعلى

(1)

انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 154)، و"وروح المعاني" (3/ 395). والكلام رد على ما قاله البيضاوي وتابعه فيه الآلوسي: (وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته سبحانه وتعالى.

(2)

في (د): "أهل"، وفي (ك) و (م):"أمر".

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 301)، و"تفسير البيضاوي" (1/ 154). قلت: كذا نقل المؤلف هذا القول عن الزمخشري، وظاهر السياق اختياره، وكذا يظهر من صنيع البيضاوي حيث قدمه، وساق ما بعده بصيغة:(قيل)، على عادته في تضعيف الأقوال حيث يؤخرها ويقدم لهاب (قيل). وعلى هذا القول أكثر الخلف كما ذكر الآلوسي في "روح المعاني"(3/ 397 - 398)، حيث قال: وهذا الذي اختاره الجمُّ الغفير من الخلف فراراً من توهم التجسيم، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك، لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم

وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية، فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة، وتوهم التجسيم لا يعبأ به وإلا للزم نفي الكثير من الصفات، وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له، وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علما وفوضوا علمه إلى اللّه تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه.

ص: 168

ما ذكرنا قد ترتَّبت الجمل الخمسُ متآخيةً متعانقةً، كلٌّ منها تبيِّن

(1)

ما ترتَّبتْ عليها مقرِّرةً لمعناها، فلا سبيل للعاطف بينهما؛ لكمال الاتِّصال بين معانيها.

وعن الحسن: الكرسيُّ هو العرش

(2)

.

وقيل: إنه تعالى خلق كرسيًّا بين يدي عرشه دونه السماواتُ والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء، وعرشُ الخلق للجلوس عليه، والكرسيُّ لوضع القدمين عليه، وتعالى اللّه عن ذلك علوًّا كبيراً، كما أن بيت الخلق للسُّكنى فيه، واللّهُ تعالى جعل الكعبة بيتَه، وتعالى عن

(3)

أن يسكنها، إنما المراد بيانُ أن ما في السماوات والأرض لا يغيبُ عنه كما لا يغيب عمَّن جلس على السرير ما تحت قدميه.

وأصل الكرسي في اللغة هو: المتراكِبُ، والكُرَّاسةُ سميت بها

(4)

لتراكُبِ بعضِ أوراقها على بعضٍ، والكِرْسُ: البعرُ والبول إذا تلبَّدَ بعضُه على بعضٍ.

{وَلَا يَئُودُهُ} : ولا يُثقِله ولا يَشُقُّ عليه {حِفْظُهُمَا} : حفظُ السماوات والأرض، وإنما ثنَّى مع أن السماوات جمع ردًّا إلى الجنس.

والأَوْد: الاعوجاج الذي يَعْرِض من الاعتمادِ عليه بالثقل.

{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} اسمان جامعان لكمال التوحيد، فالعليُّ هو المتعالي عن الصفات التي لا تَليق به، والعظيم هو الموصوف بكلِّ الصفات التي تليق به.

قيل: تَذَاكَرَ الصحابةُ رضي الله عنهم أفضلَ ما في القرآن، فقال لهم عليّ رضي اللّه

(1)

في (ك): "بين".

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(4/ 537).

(3)

"عن" من (د).

(4)

"بها" ليست في (د).

ص: 169

عنه: أين أنتم عن آية الكرسي؟ ثم قال: قال لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "يا علي، سيدُ البشر آدم، وسيدُ العرب محمدٌ ولا فخرَ، وسيدُ الفُرس سلمانُ، وسيدُ الروم صُهيبٌ، وسيدُ الحبشة بلالٌ، وسيدُ الجبال الطُّور، وسيدُ الأيام يومُ الجمعة، وسيدُ الكلام القرآن، وسيدُ القرآن البقرةُ، وسيدُ البقرة آية الكرسيِّ"

(1)

.

وفيه نظرٌ؛ لأن قوله: (سيد البشر آدم وسيد العرب محمد) يُفصِح

(2)

عن تفضيل آدمَ على محمد عليهما السلام، وهو خلافُ ما انعقد عليه الإجماعُ، وما ورد في الحديث الصحيح من قوله عليه السلام:"أنا أكرمُ الأوَّلين والآخرين على اللّه ولا فخر"

(3)

.

ويمكن أن يقال: إن آدم سيدُ البشر في الدنيا، ومحمدٌ عليه السلام سيدُ البشر في الآخرة، على ما أفصحَ عنه بقوله:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذٍ آدمَ فمَن سِواه إلا تحت لِوائي"، أخرجه صاحب "المصابيح" عن أبي سعيد الخدري

(4)

.

ولا خفاءَ في أن السيادة في الآخرة راجحةٌ على السيادة في الدنيا، فالفضل لنبيِّنا عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاةُ والسلام.

وإنما فَضَلتْ آية الكرسيِّ لاشتمالها على توحيدِ اللّه تعالى وصفاتهِ؛ كما فَضَلت

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 303). وقال الحافظ في "الكاف الشاف"(ص: 22): لم أجده، وذكره صاحب "الفردوس" ولم يخرجه ابنه.

(2)

في (ك): "يسفر".

(3)

قطعة من حديث رواه الترمذي (3616) وقال: حديث غريب. وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} : "ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها".

(4)

انظر: "مصابيح السنة"(4481)، رواه الترمذي (3615) وقال: حديث حسن.

ص: 170

سورة الإخلاص لإفصاحها عن التوحيد الذاتيِّ، وإنَّ شرف العلم بشرفِ المعلوم والموضوع

(1)

، ولا معلوم أجلُّ وأعلى من اللّه تعالى، ولا مذكورَ أعظمُ ولا أكملُ منه

(2)

، فلا ذكرَ أشرفُ ولا أفضلُ منه.

* * *

(256) - {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ؛ أي: لا إلزامَ على الدين الحق وهو الإسلام بما يَضطَرُّه إلى قبوله؛ إذ الإكراه في الحقيقة إنما يكون بحمل الغير على ما لا يَرى فيه خيراً؛ فعلاً كان أو تركاً.

{قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} استئنافٌ تعليليٌّ - فلا وجه لتقدير: ولكنْ

(3)

-؛ أي: تميَّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلَّت الدلائل على أن الإيمان رشدٌ يُوصل إلى السعادة الأبدية، والكفرَ غَيٌّ يؤدِّي إلى الشقاوة السَّرمديَّة، والعاقل متى تبيَّن له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاةِ، ولم يَحتَجْ إلى الإكراه والإلجاء.

وقيل: هو إخبار في معنى النهي؛ أي: لا تُكرهوا في الدِّين، وهو إمَّا عامٌّ منسوخٌ بقوله تعالى:{جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]، أو خاصٌّ بأهل الكتاب لأنهم حصَّنوا

(4)

أنفسهم وأموالهم بأداء الجزية.

(1)

في (ح) و (د) و (ف): " والموضع".

(2)

"منه": ليست في (م).

(3)

فيه رد على البيضاوي في قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} الِإكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلًا لا يرى فيه خيراً يحمله عليه، ولكن {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} .... ).

(4)

في (ك): (حقنوا)، و في (م) و (ف):"خصوا".

ص: 171

ورُوي أنه كان لأنصاريٍّ ابنان، فتنصَّرا قبل أن يُبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينةَ فلزمهما أبوهما وقال: واللّه لا أدعكما حتى تُسلما، فاصَليَا، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأنصاري: أيدخل بعضي النار وأنا أنظرُ إليه، فنزلتْ فخلَّاهما

(1)

.

والغيُّ ضدُّ الرشد، تقول: غَوَى يَغْوِي غَيا وغَوَايَةً: إذا سلك خلافَ طريق الرشد.

{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} : بكلِّ معبودٍ سوى اللّه، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة عليهم السلام؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98].

وبهذا التفصيل اتَضح فسادُ ما قيل: والطاغوتُ كلُّ ما عُبد من دون اللّه مما هو مذمومٌ في نفسه، ولا يَرِدُ عليه عيسى عليه السلام؛ لأنَّا قيَّدْناه بالذمِّ = لعدم الحاجةِ حينئذ

(2)

إلى زيادةِ القيد المذكور، بل لا وجه له كما لا يخفى.

وتَبيَّن

(3)

الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون اللّه، أو صدَّ عن عبادة اللّه

(4)

.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 303). ورواه الواحدي في "أسباب النزول"(ص: 84) من قول مسروق، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" (4/ 547) من رواية محمد بن أبي محمد الحرشي عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلمًا، فقال: يا رسول الله، ألا أستكرههما فأنزل اللّهَّ تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} الآية. وانظر: "الكاف الشاف"(ص: 22).

(2)

"حينئذ"من (د).

(3)

عطف على "تبين".

(4)

رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: "الكشاف"(1/ 304)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 155). =

ص: 172

والطاغوت من الطغيان، وهو مجاوزةُ الحدِّ في الشرِّ، وأصله: طَوَغوتٌ، وهو مقلوبُ طَغَووت

(1)

على وزن فَعَلُوت قُلبتْ ثم جُعلت الواوُ ألِفاً لفتحةِ ما قَبْلَها.

{وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} عدِّي فعلُ الإيمان بالباء - والمقصودُ التصديقُ وهو متعدٍّ بنفسه - لأنَّه نقيضُ الكفر المتعدِّي بالباء، ومن دأبهم حمل النقيض على النقيض.

{فَقَدِ اسْتَمْسَكَ} ؛ أي: تمسَّك عن قصدٍ وطلبٍ، والفعل الاختياريُّ إذا كان مسبوقاً بذلك يكون حصولُه على أوكدِ وجه، ولهذا تؤثِّر هذه الصيغةُ في مقام المبالغة، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال في تفسيره: طلب الإمساك من نفسه.

{بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} : بما هو أوثقُ، من

(2)

المتمسَكاتِ المحكمة المأمونِ

(3)

انقطاعُها، والظاهر أن الاستمساك بالعروة الوثقى كالاعتصام بالحبل المتين مَثَلٌ في كلِّ اعتقاد مطابقٍ لا يحتمِلُ النقيضَ، فهو تشبيهٌ للمعقول المعلوم بالبرهان بالمحسوس المشاهَد. ولا مجازَ ولا استعارةَ في مفرداتها، والقول بالاستعارة في (العروة) تنزيل للكلام عن الدرجة العليا إلى الدرجة العالية، كما لا يخفى على مَن له كعبٌ عالٍ في صنعة

(4)

البلاغة.

= قال الزمخشري: (فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام)، وعبارة البيضاوي هي عينها عبارة المؤلف.

(1)

في (م): "وأصله طوغوت مقلوب من طغووت".

(2)

قوله: "من

"، متعلق بحال من فاعل "أوثق"، لا بـ "أوثق"، ولذا وضعنا قبلها الفاصلة لئلا توهم التعلق بالفعل فيختل المعنى.

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): (المأمونة)، والمثبت من (د)، وهو الأرجح؛ لأنها صفة سببية، فهي تتبع مرفوعها في التذكير والتأنيث، ومرفوعها هنا مذكر.

(4)

في (ك) و (م): "صناعة".

ص: 173

{لَا انْفِصَامَ لَهَا} الفَصْمُ بالفاء: القطع بلا إبانةٍ، والقَصْمُ بالقاف: القطع مع الإبانة، ونفي الأول أبلغُ من نفي الثاني، كما أن إثباتَ الثاني أبلغُ من إثبات الأول، فتأمَّل.

{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} بالأقوال.

{عَلِيمٌ} بالعزائم والعقائد، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ في عامة الناس، ويندرجُ تحته التهديدُ في حقِّ المنافق.

* * *

(257) - {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} ناصرُهم ومتولِّى أمورِهم.

{يُخْرِجُهُمْ} بالتوفيق والتأييد.

{مِنَ الظُّلُمَاتِ} : من ظلمات الشُّبَه والشكِّ والضلالة

(1)

.

{إِلَى النُّورِ} : إلى نور اليقين والمعرفة والهداية.

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} : الشياطين.

{يُخْرِجُونَهُمْ} بالإغواء والوسوسة.

{مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} : من نور البيِّنات إلى ظلمات الشكِّ والشُّبَه.

أو: وليُّ الذين أرادوا الإيمان يخرجهم بالهداية والتوفيق من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والذين أرادوا الكفر يخلِّيهم مع شياطينهم الذين يُوالونهم يخرجونهم من نور البينات والدلائل الواضحة إلى ظلمات الكفر والشُّبه.

جمع الظلماتِ ووحَّد النورَ لأن الباطل متعدِّدٌ والحقَّ واحدٌ.

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "والضلال".

ص: 174

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وعيدٌ وتحذيرٌ، وفيه دلالة على ما في مقابِله من الوعد والتبشير، ولهذا اكتَفى به عنه، وإنما لم يَعكس محافظةً على الفاصلة.

* * *

(258) - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ} تعجيبٌ من محاجَّة نمرود.

{فِي رَبِّهِ} يجوز أن يعود الضمير على {إِبْرَاهِيمَ} عليه السلام، إلا أن الراجح أن يعود على الذي حاجَّ لأن مساق الكلام فيه على وجه التعجيب عن حاله يقتضي ذلك.

{أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} مفعولٌ له؛ أي: لِأنْ أتاه اللّه الملك، يعني: أَبطرتْه النعمةُ، وحمله الملك على العتوِّ والكفر، فحاجَّ لذلك، أو وضَع المحاجَّةَ مكان ما وَجب عليه من الشكر فعَكس الأمر، والتعجيب على هذا الوجه أقوى، أو ظرفٌ؛ أي: وقتَ أنْ آتاه الله الملك.

وهو حجَّةٌ على مَن

(1)

منع إيتاءَ اللّهِ الملكَ الكافر من المعتزلة.

والجواب بأن المراد إيتاءُ الأسباب لا يَشْفي كما لا يَخْفَى على ذوي الألباب، وكذا ما قيل: ملَّكه امتحاناً إذ ما من قبيحٍ إلا ويمكن أن يكون فيه غرضٌ صحيح مثل الامتحان

(2)

.

(1)

"من "من (د).

(2)

قوله: "والجواب بأن

" تعريض بالزمخشري حيث ذكر في "الكشاف" (1/ 305) هذين الجوابين=

ص: 175

{إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} نصبٌ على الظرف بـ (حاجَّ) على الأول، وبدلٌ من [أنْ] آتاه اللّه) على الثاني

(1)

.

{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، أي: يحيى الأموات ويميت الأحياء.

{قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} أي: أُعفي عن القتل وأَقتل، فأعرض إبراهيم عليه السلام عنه وإن كان يتيسر

(2)

عليه أن يقول: ليس هذا بإحياء ولا إماتة، لكن كان هذا عند ملأ من الناس، وفيهم الضَّعَفة، فأراد إبراهيم عليه السلام أن يفضحه فضيحةً ظاهرةً لا تخفى على أحدٍ، فجاء بما لا يمكنُه المعارضةُ بالتلبيس.

وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: ما كان ينبغي

(3)

للنبيِّ أن ينتقل، بل كان عليه إزاحةُ الشبهة دفعاً لوهم الإقحام.

وأجيبَ: بأن ذلك إنما يكون إذا كانت للشبهة قوةٌ والتباسٌ

(4)

على السامعين، وأمَّا في الشبهة الواهية فيَحْسُن الإعراض عنها وعدمُ الالتفاتِ، سيما مع المجادل الأحمق، على أنه عليه السلام ما أعرض عن الاعتراض إعراضاً كلياً، بل تَعرَّض له إجمالاً:

{قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} حيث أتى بالفاء

= في صرف الآية عن ظاهرها دفاعًا عن مذهبه في الاعتزال القائم على وجوب رعاية الأصلح.

(1)

قوله: "على الوجه الثاني"، يعني إذا جعل (أن آتاه) بمعنى الوقت. انظر:"الكشاف "(1/ 305). وانظر كذلك: "تفسير البيضاوي"(1/ 155)، و"البحر"(4/ 494)، وما بين معكوفتين منهما. وضعف هذا الوجه أبو حيان.

(2)

في (د): "تيسر".

(3)

"ينبغي "ليست (ف).

(4)

في (ف) و (ك) و (م): " والتبس ".

ص: 176

الفصيحة عن كلام مقدَّر يناسب المقام؛ كأنه قال: لا يجديك هذا التلبيس في المادة المذكورة، فإن اللّه تعالى متفرِّد بفعلٍ لا مجال للتلبيس في معارضته فيه، ولا مجال له لأن يقول: إنه ليس من فعل ربك أيضاً كما أنه ليس من فعلي؛ لأنَّه ليس من الدهرية بل معترف بالحاجة في العالَم إلى الرب، ولهذا يدِّعي الربوبية.

{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} يقال: بَهَتَه؛ أي: حيَّره، والبهتان على إنسان هو الافتراءُ الذي يحيِّره.

أي: انقطَع في هذا الإلزام الظاهر متحيِّراً، قيل: كان انقطاعُه

(1)

في الإلزامين جميعاً: في الأول عند العقلاء، وفي الثاني عند الكل.

فإن قيل: هلَّا

(2)

قال نمرودُ لإبراهيم عليه السلام: فليأت بها ربُّك من المغرب؟

قلنا: لأنَّه خاف

(3)

أنه لو سأل ذلك فَعَل اللّهُ لمَّا رأى منه بعضَ الخوارق، فإن هذه المحاجَّةَ كانت بعد خلاصه عليه السلام من النار، فعلم الملعونُ أن مَن قَدَر على ذلك قَدَر عليه.

قال الحسن: قال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لآتينَّ بها من المغرب تصديقاً لقولِ خليلي

(4)

.

{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} : الذين ظلموا أنفسَهم بالامتناع عن قبول الهداية.

وقيل: لا يَهديهم محجَّة الاحتجاج.

(1)

في (ح) و (ت) و (ك) و (م): "متحيرا قبل انقطاعه".

(2)

في (م): "فهل لا". وفي (ك): (فلا).

(3)

في (د): "يخاف".

(4)

ذكره القرطبي في "تفسيره"(4/ 289) فقال: ورُوِيَ في الخبرِ أنَّ اللهَ تعالى قال: وعِزَّتِي وجلَالِي لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى آتِي بالشَّمسِ مِن المَغْرِبِ لِيُعْلَمَ أَنِّي أَنَا القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ.

ص: 177

وفيه: أنه يُوهم أن يكون لنمرود طريقاً إلى المعارضة في الثاني إلا أنه تعالى لم يهده إليه؛ كما زعمه مَن قال: إن اللّه تعالى أنساه ذلك نصرةً

(1)

لنبيِّه.

* * *

(259){أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} أصله

(2)

: أو أرأيتَ مِثْلَ الذي مرَّ، فحُذف لدلالة {أَلَمْ تَر} عليه؛ لأن كلتيهما كلمةُ تعجيب.

ويجوز أن يكون من الكلام المحمول على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت الذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية، وإنما زيد هنا حرف التشبيه لأنَّه سلك طريقة الترقِّي في التعجيب، ولا يخفَى أن قولك: هل رأيت مثل هذا؟ أبلغ من قولك: هل رأيت هذا؟ ومَن لم يتنبَّه لهذا التزم زيادة الكاف، وأمَّا قصدُ التكثير بها فلا يناسبُ المقام، إنما المناسب له ما ذكرناه

(3)

.

والقرية: هي مجتمَع الناس، من قولك: قَرَيتُ الماء في الحوض؛ أي: جمعتُه، والمراد هنا: إيلياء بلدةُ بيت المقدس، وكان بُخْتنصَّرُ البابليُّ خرَّبها.

(1)

في (د): "حسرة".

(2)

"أصله" ليست في (ح) و (ف) و (ك).

(3)

في (ف) و (ك): "ذكرنا".

ص: 178

{وَهِيَ خَاوِيَةٌ} : ساقطة، يقال: خَوِيَ البيت - بكسر الواو - يَخْوَى خَوًى مقصوراً: إذا سقط، وخَوَى البيت بالفتح خَوَاءً ممدوداً: إذا خلا، فلا يجوز الجمع بينهما، والأول متعيِّنٌ للإرادة؛ لقوله:

{عَلَى عُرُوشِهَا} : سقوفها، واحدها: عَرْش، أي: سقطت السُّقوف ثم وقعت الحيطان عليها؛ كما هو الغالب في خراب

(1)

البيوت.

{قَالَ} قيل: ظاهر الكلام أنَّ المارَّ القائل كان كافراً بالبعث؛ لانتظامه مع نمرود في سلكٍ واحد، ولكلمة الاستبعاد.

وانتظامُه مع إبراهيم عليه السلام في مثلِ حاله - وهي طلبُ معرفة إحياء الموتى - ترجِّح أنه كان مؤمناً، وقولُه:

{أَنَّى يُحْيِي} على هذا استعظامٌ لقدرة المُحْيي، واعترافٌ بالعجز عن معرفةِ طريق الإحياء، ولهذا اشتَهر أنه كان عُزيراً، وقيل: الخضر، أراد أن يُعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرةً؛ كما أراد إبراهيم عليه السلام.

ويؤيد هذا: ذكر اللّه وإضافةُ الإحياء إليه في قوله:

{هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} فإنه لو كان الغرضُ إنكارَ البعث لكان حقَّه أن يقول: أنى تَحْيَى هذه بعد موتها.

{أَنَّى} في محل النصب على الظرف بمعنى: متى، أو على الحال بمعنى: كيف. والإشارةُ إلى أهل القرية.

قال القائل هذا القول ثم ربط حماره ونام، فنزع اللّه تعالى الروح منه مئة سنةٍ، فالفاء

(1)

في (ف): "إخراب".

ص: 179

في قوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ} سببيةٌ لا تعقيبية، وحمارُه وعصيرُه وتبنُه عنده، وأعمى اللّه تعالى العيون عن رؤيته {مِائَةَ عَامٍ} أي: فأَلْبثه ميتاً

(1)

مئة عام، أو: فلبث ميتاً مئة عام.

{ثُمَّ بَعَثَهُ} بالإحياء.

{قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} روي أنه ناداه منادٍ من السماء.

وقيل: القائل هو الله تعالى. ويأباه الفصل؛ فإن حقَّ النظم حينئذ الوصلُ بالفاء أو (ثم).

{قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} إنما تردَّد لأن نومه كان أولَ النهار، وبعثَه قبل الغروب، ولم يَدْرِ أنه ذلك اليومُ أو ما بعده، وحملُ {أَو} على الإضراب تكلُّفٌ مستغنى عنه.

{قَالَ} المنادي: {بَلْ لَبِثْتَ} مكثتَ {مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ} لمَّا كان الأمر بالنظر للتنبيه على خارق

(2)

العادة، وكان ذلك مبنيًّا على ما تقدَّم، صدِّر بأداة الترتيب والتفريع.

{إِلَى طَعَامِكَ} كان طعامه عنباً أو تيناً.

{وَشَرَابِكَ} يعني العصيرَ.

{لَمْ يَتَسَنَّهْ} لم يثنِّه - مع أنه في صَدَد الإخبار عن الشيئين - ردًّا للضمير إلى أقربهما ذكراً؛ لأنَّه أسرعُ تغيراً

(3)

، فاكتفَى بذكر حاله عن ذكر حال قرينه، والمعنى: لم يتغيَّر بمرور الزمان.

(1)

"ميتا" ليست في (ك).

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "خرق".

(3)

في (ف) و (ك) و (م): "تغييراً".

ص: 180

واشتقاقه من السَّنَة، والهاء أصليةٌ إنْ قدِّر لامُ السَّنة هاءً، وهاءُ السكت إن قدِّرت واواً.

{وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} الأمر بالنظر إلى الحمار ظاهرٌ في أنه

(1)

بمرأًى منه على هيئةِ الحمار غير متغيِّر كالطعام والشراب، ولما كان بقاؤه حيًّا بلا ماءٍ ولا علي أبعدَ وأغربَ أعاد فيه الأمر بالنظر وأخَّره على طريقة الترقي.

وقيل: والأدلُّ

(2)

على الحال، والأوفق لما بعده أن يكون المعنى: كيف تفرَّقت عظامه؟

وَيرِدُ عليه أنه لا دلالة فيه على اللبث مئة سنة، فأنَّى الزيادةُ في الدلالة؟ وما بعده ذو الوجهين فلا ترجيح من تلك الجهة.

وفي نظم الأمر بالنظر إلى الحمار مع الأمر بالنظر إلى الطعام والشراب دون الأمر بالنظر إلى العظام، حيث فرق بينهما بقوله:{وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} أي: فعلنا ذلك ليتبيَّن

(3)

لك الحال ولنجعلك عبرةً للناس ودلالةً لهم على البعث= إشارةٌ ظاهرة إلى أن الحمار من جملة الباقين كما كان، لم يمت مع صاحبه على ما نُقل عن السدِّيِّ

(4)

، وبه أخذ كثير من المفسرين.

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "بأنه".

(2)

في (د) و (ح) و (ف) و (ك): "والأول"، والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر:"روح المعاني"(3/ 432).

(3)

في (ف) و (ك) و (م): "ليتبين".

(4)

رواه عنه الطبري في "تفسيره"(4/ 607) في خبر طويل وفِيه: ( .. وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، وانظر إلى عظامه كيف نُنشِزُها ثم نكسوها لحمًا، فبعث اللّه ريحًا، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع، فاجتمعت، فركّب بعضها في بعض وهو ينظر .. ).

ص: 181

وإنما قلنا: إن الواو للعطف على المقدر؛ لأن المقام مقام الفصل؛ للتباين بين الجملتين إنشاءً وإخبارًا، ومَن لم يتنبه له قال: أي: وفعلنا ذلك لنجعلك آية

(1)

.

فإن قلتَ: لا بد للحذف

(2)

من قرينةٍ.

قلتُ: نعم، وكفى قولُه:{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} قرينةً له.

روي: أنه أتى قومه على حماره وقال: أنا عزير، فكذَّبوه، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك وقالوا: هو ابن الله.

وقيل: لما رجع إلى منزله كان شابًّا وأولادُه شيوخ، فإذا حدثهم بحديث قالوا: حديثُ مئة سنة.

{وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ} يعني: عظامَ الموتى الذين

(3)

تعجبت من إحيائهم.

{كَيْفَ نُنْشِزُهَا} بالزاي؛ أي: المعجمة؛ أي: نرفعُها من الأرض، ونردُّها إلى أماكنها من الجسد، ونركِّب بعضها على بعضٍ، وقُرئ بغير المعجمة من الإنشار

(4)

وهو الإحياءُ، وإحياءُ العظم: جَعْلُها عماد الأحياء، ولما كان اللحم فضلةً لا يتوقَّف

(5)

عليه بِنيةُ الحياة نبَّه عليه بكلمة التراخي في قوله

(6)

:

{ثُمَّ نَكْسُوهَا} : نُلبسها {لَحْمًا} وهو مجازٌ عن سترها به، وإنما وحِّد اللحمُ مع جمع العظام لأن العظام متفرِّقة متعدِّدة صورةً، واللحمَ متصلٌ متَّحدٌ مشاهَدةً.

(1)

في (م) زيادة: "للناس".

(2)

في (ف): "للمحذوف".

(3)

في (ف): "الذي".

(4)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون بالزاي. انظر:"التيسير"(ص: 82).

(5)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "يوقف".

(6)

في (م): "بقوله".

ص: 182

و {كَيْفَ} منصوب بـ {نُنْشِزُهَا} ، والجملة حالٌ من العظام، أي: انظر إليها مُحْياةً.

كذا قيل، والأوجَهُ أن يكون في موقع البدل من {الْعِظَامِ} ، والتقدير: وانظر إلى العظام كيفيةِ إنشازِها، على نمط قول الشاعر:

إلى اللّه أشكو بالمدينةِ حاجةً

وبالشام أُخرى كيف يلتقيانِ

(1)

أي: أشكو هاتين الحاجتين كيفيةَ التقائهما.

{فَلَمَّا تَبَيَّنَ} ؛ أي: الحال، على ما دل عليه سياق المقال.

{لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من إحياء الموتى وغيرِه، وعُلِمَ من قوله:{أَعْلَمُ} دون: علمت، أنه متعجِّب

(2)

دون منكِرٍ. وقرئ: {أَعْلَمُ} على الأمر

(3)

، والآمرُ مخاطبُه.

* * *

(260) - {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ} استعطافٌ بين يدي السؤال.

{أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} كان موقناً به إيقانَ غيبٍ، فأَحَبَّ أن يُوقِنَ به إيقانَ عِيَانٍ.

(1)

البيت للفرزدق كما في "خزانة الأدب" للبغدادي (5/ 205).

(2)

في (ك): "مستعجب".

(3)

هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 82).

ص: 183

{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} الواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أتقولُ ذلك ولم تؤمن بأنِّي قادر على إحياء الموتى بإعادة التركيب والحياة.

{قَالَ بَلَى} آمنت {وَلَكِنْ} سألتُ {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ليزيد سكوناً بتظاهُرِ الأدلَّة، ومُضَامَّةِ علمِ الضرورة علمَ الاستدلال، فإنه لا مجالَ للتشكيك في الضرورَّيات بخلافِ الاستدلالِ.

والطمأنينة: السكون، والمطمئنُّ من

(1)

الأرض: ما انخَفض منها.

وحكمةُ خطاب الله تعالى إياه قطعُ أوهام الجهَّال بجوابه؛ كيلا يَظنُّوا به عليه السلام شكًّا فيه.

ولقد أجاد فيما أفاد مَن قال: الظاهرُ أنه عليه السلام سأل عن كيفيَّة الإحياء لا عن آنيَّته، وهي غيرُ معلومةٍ لا استدلالاً ولا ضرورةً، نعم العلمُ الإجماليُّ بأنْ لا بد له من كيفيةٍ حاصل

(2)

، وقوله تعالى:{أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} إشارةٌ إلى أن العلم الإجماليَّ كافٍ فيما يجب أن يُعتقد ويُؤمَن به في هذا الباب، وقولُه عليه السلام في الجواب:{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} إشارةٌ إلى أن العلم التفصيليَّ أقوى، وفيه حظوةٌ خاصةٌ للعارف، وأن العِيَان وراء ما يدلُّ عليه البرهان، ومن هذا التقرير يَلُوح تفاوتُ ما بين كلمتي الخليل وعزيرٍ عليهما السلام.

{قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} قال في "المُغْرِب": الطير اسمُ جمع مؤنَّث، وقد يقال للواحد؛ عن قطربٍ، وكذا حكاه ثعلبٌ عن أبي عبيدةَ، وجمعه: طيور، وعليه قول محمد في المحرِم يذبح الطير المسرْوَلَ

(3)

.

(1)

في (ح) و (ك): "في".

(2)

في (ك) و (م): "حاصلة".

(3)

انظر: " المغرب " للمطرزي (مادة: طير). قوله: (المسرول) هو الذي في رجليه رش كأنه سراويل. =

ص: 184

وإنما خُصَّ الطيرُ من بين سائر الحيوانات؛ لأن للطائر ما للسائر، وله زيادةُ الطيران، ولأنه هوائيٌّ ومائيٌّ وأرضيٌّ، فكانت الأعجوبةُ في أحيائه أكثرَ، ولهذا قال عيسى عليه السلام:{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران: 49].

{فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} ؛ أي: أَمِلْهُنَّ واضمُمْهنَّ إليك لتتأمَّلها وتعرفَ شأنَها؛ لئلَّا تَلتبسَ عليك

(1)

بعد الإحياء، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما:(فصُرَّهن) بضمِّ الصاد وكسرِها وتشديدِ الراء

(2)

، من صَرَّه: إذا جمعَه.

{ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} ؛ أي: ثم جزِّئهنَّ وفرِّق أجزاءهنَّ على الجبال، وعبارةُ (كلّ) في مثل هذا للمبالغة؛ كما في قوله تعالى:{وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، فلا حاجةَ إلى تقييد الجبال بـ: التي بحَضْرتك

(3)

.

{ثُمَّ ادْعُهُنَّ} قل لهنَّ: تعالَيْنَ لإذنِ اللّه.

{يَأْتِينَكَ سَعْيًا} : سِراعاً

(4)

في مشيهنَّ على أرجلهنَّ، أو في طيرانهنَّ، والتجوُّز {سَعْيًا} عقليٌّ للمبالغة؛ كما في: عدل، في:(رجلٌ عدلٌ).

روي: أنه عليه السلام أُمر بأنْ يذبحَها وَينتفَ ريشَها ويقطِّعَها، فيمسكَ رؤوسها

=المصدر نفسه (مادة: سرول).

(1)

في النسخ: "إليك"، والتصويب من "الكشاف"(1/ 310)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 157) والكلام منه.

(2)

في (ف) و (م): "وبتشديد الراء". والقراءتان في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 16)، و"المحتسب"(1/ 136)، و"الكشاف"(1/ 310).

(3)

رد على الزمخشري والبيضاوي في تقييدهما بذلك. انظر: "الكشاف"(1/ 310)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 157).

(4)

في النسخ عدا (ك): "إسراعاً"، والمثبت من (ك).

ص: 185

ويخلطَ سائر أجزائها ويوزعَها على الجبال ثم يناديَهنَّ، ففعل كذلك، فجُعل كلُّ جزء إلى الآخر حتى صارت جُثثاً ثم أقبلن فانضَمَمْن إلى رؤوسهن.

وفيه دلالة على يُمْنِ الضراعة في الدعاء، وحُسنِ الأدب في السؤال، وعلى فضل إبراهيم عليه السلام على عزيرٍ عليه السلام، حيث أَراه في الحال ما أراد أن يراه على أيسر

(1)

الوجوه، وأَراه عزيراً عليه السلام بعد أن أماته مئة عام.

{وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} لا يَعجز عن شيء بل يتصرَّف في كلِّ شيء بالقدرة الغالبة.

{حَكِيمٌ} : ذو حكمةٍ بالغةٍ في أفعاله، فلا يَصدُر عنه خوارقُ العادات إلا قَدْرَ ما تقتضيه الحكمة البالغة.

* * *

(261) - {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: على وجهٍ يُتوسَّل به إلى رضائه تعالى.

{كَمَثَلِ حَبَّةٍ} ؛ أي: مَثَلُ نفقة الذين .. كمَثَلِ حبَّة، أو: مَثَلُ الذين .. كمَثَل باذِرِ حبةٍ، واعتبارُ حذف المضاف وتقديرِه في جانب المشبَّهِ أو المشبَّه به لتَحصل ملائمةُ المثَل للمثَل، وإن كان التشبيه من المركَّب الذي لا عبرةَ فيه بتشبيه المفردات.

{أَنْبَتَتْ} الإنباتُ فعل اللّه تعالى، وإنما أُسند إلى الحبة مجازاً لكونها من الأسباب.

(1)

في (ح) و (ف): "أسر"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 157).

ص: 186

{سَبْعَ سَنَابِلَ} إيراد جمع الكثرة في موضع تمييز السبع مكانَ جمع القلَّة وهو سنبلات قد مر توجيهه في {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].

{فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} : يَخرج منها ساقٌ يتشعَّب منها سبعُ شُعبٍ لكلٍّ منها سنبلةٌ فيها مئةُ حبة، وهو تمثيل لا يقتضي وقوعَه، على أنه قد يكون في الذرة والدُّخْن

(1)

وغيرهما في الأراضي المُغِلَّة.

{وَاللَّهُ يُضَاعِفُ} تلك المضاعفةَ.

{لِمَنْ يَشَاءُ} من المنفِقين، لا لكلِّ منفقٍ؛ لتفاوُتِ أحوالهم ونيَّاتهم في أعمالهم، ومن أجل ذلك تفاوتت

(2)

الأعمال في مقادير الثواب.

{وَاللَّهُ وَاسِعٌ} لا يَضيق عليه ما يتفضَّل به من الزيادة.

{عَلِيمٌ} بنيَّةِ المنفِقِ وقَدْرِ المنفَق.

* * *

(262) - {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} نزلت في عثمانَ رضي الله عنه، فإنه جهَّز جيش العُسرة بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وعبدِ الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه فإنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف درهمٍ صدقةً

(3)

.

(1)

الدخن: حب الجاوَرْس، أو حبٌّ أصغر منه، أملس جدًا، بارد يابس. انظر:"القاموس"(مادة: دخن).

(2)

في (ك): "تتفاوت".

(3)

ذكره الواحدي في "أسباب النزول"(ص: 87) عن الكلبي، وقال الشهاب في "الحاشية على=

ص: 187

{ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى} المنُّ: أن يعتدَّ بإحسانه على مَن أَحسن إليه، والأذى: أن يتطاول عليه بسببِ ما أَنعم عليه، والتنكيرُ في الموضعين للتقليل.

و {ثُمَّ} للتراخي في المعطوف باعتبار الانتهاء، وفائدتُه: الدلالةُ على لزوم الاستمرار على عدم إتباعهم ما أنفقوا

(1)

بالمنِّ والأذى في استحقاق الأجر المذكور، ومَن لم يتنبَّه لهذه الدقيقة الأنيقة قال: إنها للتفاوت بين المعطوفين

(2)

.

{لَهُمْ أَجْرُهُمْ} قيل: لعله لم يُدخل الفاءَ فيه - وقد تضمَّن ما أُسند إليه معنى الشرط - إيهاماً

(3)

بأنهم أهل لذلك وإنْ لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا؟ ومبناه الغفلةُ

(4)

عن الفرق بين مطلَق الثواب والذي يعطي أجراً، فإن الثاني لا يُتصور بدون العمل.

{عِنْدَ رَبِّهِمْ} ؛ أي: مهيَّأٌ

(5)

محفوظٌ لا يَحتمل الضَّياع، ولا أَلمَ الانتظار لتحصيله وقتَ الحاجة.

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من العذاب، والتنكيرُ للتقليل.

{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} لنقصانٍ في الثواب.

* * *

= البيضاوي" (2/ 341): قيل: إنه لا أصل له في كتب الحديث.

(1)

في (م): "أنفق".

(2)

رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: "الكشاف"(1/ 311)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 158).

(3)

في (ح) و (م) و (ف): "إلهاماً"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(1/ 158).

(4)

رد على البيضاوي صاحب القيل المذكور. انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 158).

(5)

"أي مهيأ" ليس في (د).

ص: 188

(263) - {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} .

{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} ؛ أي: كلامٌ جميلٌ في ردِّ مَن التمَس منك صدقة.

{وَمَغْفِرَةٌ} ؛ أي: تجاوُزٌ عنه إذا أساء السؤالَ، أو سترٌ عليه حالَه فلا تعيِّره بفقره ولا تَهتكُ سترَه

(1)

عند الناس، سأل أعرابي قوماً بكلام فصيحٍ، فقال له قائل: ممن الرجلُ؟ فقال: اللهم غَفْراً سؤالاً لاكتسابٍ

(2)

يمنع من الانتساب.

{خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} خبرٌ عن مجموع القول الموصوف والمغفرة، والتوصيفُ مما يصحِّح

(3)

الابتداء بالنكرة، والعطفُ على المخصِّص مخصِّصٌ

(4)

.

{وَاللَّهُ غَنِيٌّ} عن كلِّ شيءٍ من صدقةٍ وغيرها، وإنما دعاكم إليها لينفعَكم بها.

{حَلِيمٌ} لا يعاجلُكم بالعقوبة على سوء صَنيعكم في معاملتكم مع الغير، خصوصاً مع الفقراء السائلين.

وعيدٌ شديدٌ وسخطٌ بليغٌ؛ لِمَا ورد في الحديث القديم: نعوذُ باللّه من غضب الحليم

(5)

.

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "سره".

(2)

"سؤالاً لاكتساب" كذا في جميع النسخ، والذي في المصادر:(سوء الاكتساب). انظر: "المحرر الوجيز"(1/ 357)، و"مجمع الأمثال"(1/ 343)، و"المستقصى في أمثال العرب"(2/ 123)، و"تفسير القرطبي" (4/ 328). ورواه الدينوري في "المجالسة" (1386) عن الأصمعي قال: (رأيت أعرابيا بمنى

)، فذكر القصة مع زيادات، وقال الأعرابي في آخرها:(إن ذل الاكتساب يمنع من عز الانتساب)، واللّه أعلم بالصواب.

(3)

في (ف) و (ك) و (م): "يصح".

(4)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "رد لما في تفسير القاضي من التخصيص بلا طائل مما فيه من إيهام باطل. منه".

(5)

قال العجلوني في "كشف الخفاء"(1/ 166): ليس بحديث كما زعم البعض.

ص: 189

(264) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ} : لا تُحبطوا أجرها، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين لعدم الاحتمال للإبطال في صدقات غيرهم؛ لأنَّه

(1)

فرعُ الاستحقاق للأجر، وهو مقصود

(2)

فيها.

{بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} ؛ أي: لا بذاك ولا بهذا

(3)

.

{كَالَّذِي} ؛ أي: مماثلِين الذي {يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} تشبيهٌ من جهة المعنى، فإن ما تقدَّم في معنى: لا تضيِّعوا أموالكم بصدقاتٍ بالمنِّ مشوبة وبالأذى مصحوبة، وهذا في معنى: كالذي ضيَّع ماله بالإنفاق رياءً، والمشبَّهُ به أقوى لأنَّه ضيَّع ماله ابتداءً، فمَن وَهَم أن فيه إبطالاً فقد وَهِم.

والرياء: مصدر راءى من الرؤية، وهو أن يُريَ الناس ما يفعله من جنس البِرِّ حتى يُثنوا عليه ويعظِّموه، ويظنوا أنه من أهل الخير وممن ينفِق لوجه اللّه تعالى.

وانتصب {رِئَاءَ} على أنه مفعولٌ له، أو الحالِ بمعنى: مرائيًا، أو مصدر؛ أي

(4)

: إنفاقاً رياء.

{وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} ؛ أي: لا يعتقدُ لا بالمبدأ ولا بالمعاد، فلا حاجة في

(1)

في (ف): "لأن".

(2)

في (د): "معقود".

(3)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "قال القاضي: بكل واحد منهما، صوابه: بواحد منهما".

(4)

في (ك): "أو مصدراً".

ص: 190

زعمه إلى الزاد، وإنما قيَّده به مع تمام الغرض من التشبيه بما تقدَّم - فإنه لا ثواب للإنفاق رئاءً وإن كان المنفِق مؤمناً - تغليظاً في الزجر للمنفِق المؤذِي المنَّان، وإيماءً إلى أن تلك الحالَ لا تليق بمَن يَعتقد بالمَعاد والاحتياجِ إلى الزاد.

وأمَّا تخصيصُ المراد من المشبَّه به بالمنافق فلا يقتضيه المقام، ولا قرينةَ له في الكلام.

{فَمَثَلُهُ} أي: لمَّا كان حالُ المنفِق

(1)

رئاءً كذلك فمَثَلُه.

{كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} : حجرٍ أملسَ.

{عَلَيْهِ تُرَابٌ} تقديم الجارِّ والمجرور لأن بيانَ مدلوله

(2)

أهم.

{فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} ، أي: مطرٌ شديدُ الوقع كبيرُ القَطْر.

{فَتَرَكَهُ صَلْدًا} : أملسَ نقيًّا من التراب.

{لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} استئنافٌ، كأنه قيل: ما بال المنفقين رئاءً مُثِّلوا بالصَّفوان المذكور؟ فقيل: {لَا يَقْدِرُونَ} أي: لا ينتفعون بشيء منه، وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل بأنَّ (الذي ينفق) في معنى الجمع، أو بأن (مَن) و (الذي) يتعاقبان، إنما الحاجةُ إليه على تقدير أن يكون {لَا يَقْدِرُونَ} حالاً مِن (الذي ينفق).

{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} ، أي: لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون

(3)

، فالهدايةُ في حقِّهم في حكم المعدوم، وعلى هذا قولُه تعالى:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وإلا

(1)

في (م): "لما كان المنفق ماله".

(2)

في (م): "تقديم الظرف على المبتدأ لأن مدلوله".

(3)

قوله: "لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون"، كذا في النسخ.

ص: 191

فالهدايةُ إلى الخير والرشاد تعمُّ الفريقين؛ لقوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] وقولهِ تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].

وفيه تعريضٌ بأن الرياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من أخلاق أهل الكفر والنفاق، فلا بد للمؤمن أنه يَتجنب عنها.

* * *

(265) - {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} ؛ أي: لطلبِ رضاه.

{وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} كلمة {مِنْ} إما للتبعيض كما في قولهم: هز مِن عِطفه؛ أي: ليُثبِّتوا بعضَ أنفسهم، فإن

(1)

مَن بذل ماله لوجه الله تعالى فقد تبَّت بعضَ نفسه؛ لأن المال شقيق الروح، ومن بذل ماله وروحَه معاً فقد ثبَّت كلَّها.

وإمَّا لابتداء الغاية كما في قوله تعالى: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]، أي: تثبيتاً للإيمان صادراً من أنفسهم؛ لأن الإنفاق أمارةُ أن الإيمان من أصلِ النفس.

وَيحتمِل أن يكون المعنى: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلِصة فيه، ويعضُده قراءة مجاهد:(وتبييناً من أنفسهم)

(2)

، وهذا يتمشَّى على التبعيض والابتداء، وفيه تنبيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق تزكيةُ

(3)

المنفِق نفسَه عن البخل وحبِّ المال، فإنه رأسُ كل خطيئة.

(1)

في (ح) و (ف) سقط: " فإن"، وفي (ك):"لأن".

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 313).

(3)

في (ف) و (م): "لتزكية".

ص: 192

{كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} بموضعٍ مرتفعٍ من الأرض، والرَّبْو: الزيادة، ومنه: الرِّبا، وأصابه رَبْوٌ: إذا زاد نَفَسُه في جوفه على عادته.

أي: ومَثَل نفقة هؤلاء في الزكاة كمَثَلِ بستانٍ بموضعٍ مرتفعٍ، فإن شجره يكون أحسنَ منظراً وأزكى ثمراً. وقد قرئ:{كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} بالحركات الثلاث

(1)

.

{أَصَابَهَا وَابِلٌ} قد مر تفسيره.

{فَآتَتْ} ؛ أي: أعطت، وحُذف المفعول لأن المقصود ذكر ما يُثمر لا لمَن يُثمر

(2)

.

{أُكُلَهَا} الاكُل بالضم: الطعام الذي يؤكل، والمراد: الثمرة.

{ضِعْفَيْنِ} : مِثْلَي

(3)

ما كانت تُثمر بسببِ الوابل، وانتصابُه على الحال؟ أي: مضاعَفاً، والضعفُ يراد به الواحدُ كما يرادُ بالزوج؛ قال اللّه تعالى:{مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: 40]، وقيل: أربعة أمثال، ونسبةُ الإيتاء إليها مجازَّيةٌ والفاءُ سببيَّة.

{فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي: فمطرٌ صغيرُ القطر يكفيها، لكَرَمِ مَنْبِتها ولطافةِ هوائها.

والمعنى: أن نفقات هؤلاء زاكيةٌ عند اللّه تعالى لا تَضيع بحالٍ، وإن كانت تتفاوَتُ باعتبارِ ما ينضمُّ إليها من أحواله.

أو مُثِّلَ حالُهم عند اللّه بالجنة على الربوةِ، ونفقتُهم الكثيرة والقليلة بالوابل

(1)

الفتح والضم في الراء قراءتان سبعيتان. انظر: "التيسير"(ص: 83). والقراءة بالكسر تنسب لابن عباس رضي الله عنهما. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 16).

(2)

في (د): "ذكر ما ثمر لا لمن ثمر".

(3)

في (م) و (ف): "مثل".

ص: 193

والطلِّ، وكما أن كلَّ واحد من المطرين يُضعِفُ أُكُلَ الجنة، فكذلك نفقتُهم كثيرةً كانت أو قليلةً بعد أن يُطلب بها وجهُ اللّه تعالى، ويُبذَلَ فيه الوسعُ، زاكيةٌ عند اللّه، زائدةٌ في زُلْفاهم

(1)

وحُسنِ حالهم.

{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ترهيبٌ عن الربا، وترغيبٌ في الإخلاص، وإنما قال:{بَصِيرٌ} دون: خبير؛ تنزيلاً لسرائرهم منزلةَ الظواهر لعدم التفاوُت بالنظر إلى اللّه تعالى.

* * *

(266) - {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} .

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} الهمزة فيه للإنكار.

{أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} النخيل: جمع نخل

(2)

كالعبيد جمع عبد، والنَّخْل يكون واحداً فيذكَّر قال اللّه تعالى:{أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20]، ويكون جمعاً لنخلةٍ - كالنَّمل جمعِ نملةٍ - فيؤنَّث قال اللّه تعالى {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]. والأعنابُ: جمع عِنَب.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} ، أي: من تحت تلك الأشجار.

{الْأَنْهَارُ} الجاري في الحقيقة مياؤها

(3)

، فلا بد من التجوُّز في المسنَد أو

(1)

في (ح) و (د) و (م): "زلفائهم".

(2)

في (م) زيادة: "كالبعير جمع بعر".

(3)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:(مياهها).

ص: 194

في الإسناد، وبالماء

(1)

نماؤها وبهاؤها.

{لَهُ فِيهَا} أي: في تلك الأشجار {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} كلمة {كُلِّ} للمبالغة في التكثير

(2)

لا للتحديد، والمرادُ من الثمراتِ: المنافعُ.

وقيل: ضمير {فِيهَا} للجنة، جعَلها من النخيل والأعناب مع ما فيها من سائر الأشجار تغليباً لهما؛ لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أنَّ فيها من

(3)

كلِّ الثمرات ليَدلَّ على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، وعلى هذا يكون {لَهُ فِيهَا} صفةً أخرى للجنة من قَبيل الصفة الأولى، ولا يناسبه الفصل بينهما بقوله:{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} ؛ أمَّا إذا كان الضمير للأشجار فظاهرٌ، وأما إذا كان للجنة فلأنه صفةٌ من جنسٍ آخَرَ.

{وَأَصَابَهُ الْكِبَر} ؛ أي: كِبَر السنِّ، وإصابتُه كنايةٌ عن العجز عن الكسب، فإنَّ الفاقةَ والعالةَ في زمانِ العجز عن الكسب أشدُّ

(4)

. والواوُ للحال، أو للعطفِ حملاً على المعنى، فكأنه قيل: أيَوَدُّ أحدُكم لو كانت له جنةٌ وأصابه الكبر.

{وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} : صغارٌ لا قدرة لهم على الكسب.

{فَأَصَابَهَا إِعْصَار} عطفٌ على (أصابه)، أو على {تَكُونَ} على اعتبارِ المعنى.

والإعصار: ريحٌ عاصفةٌ تنعكس من الأرض إلى السماء ملتفَّةً في الهواء، حاملةً للتراب، مستديرةً كالعمود.

(1)

في (ف) و (م): "والماء".

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "التنكير".

(3)

كلمة: "من" من (ك).

(4)

في (د): "أشر".

ص: 195

{فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} ؛ أي: الجنةُ بالنار، فصارت نعمها إلى الذهاب، وأصلُها إلى الخراب، فكما

(1)

يَبْقى هو وذريتُه في الحسرات لتقطُّع الأسباب، فكذا الكافرُ والمنافقُ والمرائي والمنَّانُ والمؤذي يتحسرون على صدقاتهم يوم يقوم الحساب، حين فاتهم الثواب، وحَقَّ عليهم العذاب.

{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} بضربِ الأمثال؛ لأنَّه أوضح بياناً وأفصحُ تبياناً؛ لِمَا فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس المشاهَدِ عِيَاناً.

{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} ؛ أي: تتفكرون فيها، والتفكُّر فيها كنايةٌ عن الاعتبار بها.

* * *

(267) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} الطيِّبُ وراءَ الحلال؛ لأن الحِلَّ يُجامع الكراهة، والطَّيبُ ما لا حظر

(2)

فيه لا بسببِ الحُرمة ولا بسبب الكراهة.

و {مَا كَسَبْتُمْ} يَنتظِم أنواع ما يُملك بأسباب الكسب؛ من التجارة والزراعة وغيرهما.

{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} يعني: بلا مُؤنةِ كسبٍ منكم، دل على ذلك إضافةُ الإخراج إلى نفسه تعالى دون المنفقين، وقد أضاف قرينَه السابقَ إليهم، والمراد منه:

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "وكما".

(2)

في (ح) و (ف): "خطر".

ص: 196

المباحاتُ التي ملكوها بالإحراز، ولا حاجة فيه إلى قيدِ الطيِّب لعدم الحظر فيه بوجهٍ من الوجوه، ولهذا قال اللّه تعالى:{وَمِمَّا} عطفاً له على الطيبات، دون:(وما) عطفاً له على مدخولها، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمر والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره

(1)

. ولم يَدْرِ أنه حينئذٍ حقُّه عدمُ زيادةِ (مِن) كيلا يحتاجَ إلى التقدير، ولا يخفَى أنه من قبيل التطويل المخِلِّ للبلاغة

(2)

، لا من قبيل الأطناب المفيد.

{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} أي: ولا تقصِدوه، وهو أبلغ من: ولا تنفقوا الخبيث، ومعناه: الرديء، وخَبَثُ الفضة والحديد: ما نفاه الكير لأنَّه ينفي الرَّديء، وهو ينتظَم الحرام والمكروه.

{مِنْهُ تُنْفِقُونَ} في محل النصب على الحال، والضمير البارز لـ {الْخَبِيثَ} ، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص؛ أي: تخصُّون بعضاً منه بالإنفاق؛ لأن شُحَّ النفس وحبَّ المال يقتضي تخصيصَ شيء من الرديء وما يَشتبِهُ حالُه بالإنفاق، وهو منافٍ لفضيلة البِرِّ، قال اللّه تعالى:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وفيه توبيخٌ وتعيير وتعريض بما كانوا يفعلونه

(3)

.

ويجوز أن يكون الضمير المذكور لمجموع

(4)

المكسوب والمُخرَج؛ كما في قوله:

(1)

قائل هذا هو البيضاوي، متابعًا للزمخشري في قوله:(معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم، إلا أنه حذف لذكر الطيبات). انظر: "الكشاف"(1/ 314)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 159).

(2)

في (ك): "بالبلاغة".

(3)

في (م): "يفعلون".

(4)

في (ك): "لجميع".

ص: 197

كأنه في الجلدِ توليعُ البَهَقْ

(1)

و {تُنْفِقُونَ} حالٌ مقدَّرة من فاعل {تَيَمَّمُوا} .

{وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} الأخذ كنايةٌ عن الاختيار، ضرورةَ أنه مأخوذٌ حقيقةً؛ لِمَا عرفتَ أنه مكسوبٌ أو محرَزٌ؛ أي: وحالُكم أنكم لا تختارونه لأنفسكم لرداءته.

{إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} في محلِّ النصب على الظرف؛ أي: إلا وقتَ أن تُغمضوا

(2)

؛ أي: أن تتسامحوا في أَخْذه، مجازٌ من أَغْمَضَ بصرَه: إذا غَضَّه.

وقرئ: (تُغْمَضوا)

(3)

؛ أي: تُحْمَلوا على الإغماض، أو توجَدوا

(4)

مُغمِضين.

رُوي أنهم كانوا يتصدَّقون بحَشَف التمر وشراره

(5)

فنُهوا عنه.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لإنفاعكم.

{حَمِيدٌ} مستحِقٌّ للحمد على الأمر بذلك مع استغنائه عنه؛ لينفعَكم ذلك في الدارين.

* * *

(268) - {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

(1)

الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه (ص: 104). والبهق: بياض يعتري الجلد يخالف لونه، وليس من البرص، والبيت في وصف مفازة.

(2)

في (ك) و (م) زيادة: "فيه".

(3)

تنسب لقتادة. انظر: "الكشاف"(1/ 315).

(4)

في النسخ: "وتوجدوا"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(1/ 160)، و"روح المعاني"(3/ 456).

(5)

في (ح) و (د): "وشراب"، وفي (ف):"وشرابه". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 315)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 160).

ص: 198

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} في الإنفاق، والوعدُ على الإطلاق يُستعمل في الخير كالوعيد في الشر، ويُستعمل في الشر أيضاً إذا قيِّد بما به.

{وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} يُغريكم على البخل ومنعِ الصدقات إغراءَ الآمر للمأمور، والفاحشُ عند العرب: البخيل.

{وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ} في الإنفاق {مَغْفِرَةً} لذنوبكم، والضمير في {مِنْهُ} للّه تعالى.

{وَفَضْلًا} وأنْ يُخلف عليكم أفضلَ مما أَنفقتم في الدنيا، أو ثواباً في الآخرة.

{وَاللَّهُ وَاسِعٌ} أي: واسع الفضل لمن أنفق {عَلِيمٌ} بإنفاقه.

* * *

(269) - {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} .

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} يوفِّق العلمَ والعملَ به.

{مَنْ يَشَاءُ} مفعولٌ أوَّلُ أُخِّر للاهتمام بالثاني.

{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} بناه للمفعول لأنَّه المقصودُ، وقرئ بالكسر

(1)

؛ أي: ومَن يؤتِهِ اللّه تعالى.

{فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} التنكيرُ للتعظيم؛ كأنه قال: فقد أُوتي

(2)

أيَّ خيرٍ كثير.

{وَمَا يَذَّكَّر} ؛ أي: وما يتَّعِظ بما ذُكر من الآيات.

(1)

هي قراءة يعقوب من العشرة، ويثبت الياء في الوقف. انظر:"النشر"(2/ 235).

(2)

في (ح) و (ف) و (ك): "أتي"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 316).

ص: 199

{إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} : ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركونِ إلى الهوى، والمراد به الحثُّ على العمل بما تضمَّنت به الآيُ في معنى الإنفاق.

* * *

(270) - {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ} قليلةٍ أو كثيرةٍ، سرًّا أو علانيةً في حقٍّ، رياءً أو لوجه اللّه تعالى أو باطلِ.

{أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر} بشرطٍ أو بغيرِ شرطٍ، في طاعةٍ أو معصيةٍ.

{فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} وعدٌ ووعيدٌ على أبلغ وجهٍ؛ لأن العلم في مثلِ هذا المقام كناية عن العمل بمُوجَبه، يقال: فلان لا يعلم الإحسان؛ أي: لا يعمل بمقتضاه

(1)

.

{وَمَا لِلظَّالِمِينَ} الذين يَمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالَهم رياءً، أو مع المنِّ والأذى، أو لا لوجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته، أو يخصون الإنفاق بالخبيث الرديء، أو ينفقون في المعاصي، أو لا يَفُون بالنذور، أو يَنذرون في المعاصي، فإن الظلم - وهو في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه المستحقِّ له - عبارةٌ جامعة لهذه الأحوال كلها.

{مِنْ أَنْصَارٍ} ينصرُهم مِن اللّه تعالى ويمنعُهم من عقابه.

والعدولُ عن نفي المفرَد - وهو أبلغُ من نفي الجمع بحسب جليلِ النظر - رعايةٌ لمقابلةِ الجمع بالجمع والتوزيع؛ أي: لا ناصر لظالمٍ قط، وهذا أبلغُ بحسب دقيق النظر.

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "ومن قال: فيجازيكم عليه، لم يتنبه للكناية المذكورة. منه ".

قلت: والمراد بهذا الرد البيضاوي. انظر "تفسيره"(1/ 160).

ص: 200

(271) - {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} (ما) نكرةٌ غيرُ موصولةٍ ولا موصوفةٍ؛ أي: فنِعْمَ شيئاً إبداؤها، فوُضع {هِيَ} موضعَ إبداؤها؛ أي: الصدقات المُبْداة.

{وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ} اعتَبر هذا القيدَ هنا ولم يَعتبره فيما سبق؛ إذ لا تأثير له ثمةَ، فإن الصدقة نعمَّا هي سواءٌ كانت للفقير أو للغني، إنما تأثيره في كون إخفائها خيراً من إبدائها، وذلك عند كونها للفقير، لِمَا فيه من ستر حاله وصَونها عن شَوْب الرياء، فإنه لا بد منه إذا كانت لوجهِ اللّه تعالى، وذلك إذا كانت للفقير، وأمَّا إذا كانت للغنيِّ فلا يكون لوجه اللّه تعالى، فلا حاجة إلى الصَّون المذكور، ولا إلى السَّتر المزبور.

{فَهُو} ؛ أي: فالإخفاء مع إصابةِ موضع الاستحقاق {خَيْرٌ لَكُمْ} هذا في المندوبات.

وأما في الواجبات فالإظهارُ أفضل؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: صدقات السرِّ في التطوُّع تفضُل علانِيَتَها بسبعين ضعفاً، وصدقةُ الفريضة علانيتُها أفضل من سرِّها بخمسةٍ وعشرين ضعفاً

(1)

.

وإنما كان إظهارُ الفرائض أفضلَ؛ لنفي التُّهمة، حتى إذا كان المزكِّي ممن لا يُعرف باليسار كان إخفاؤها أفضلَ، والمتطوِّع إن أراد أن يُقتدَى به كان إظهارُه أفضلَ، والأعمالُ بالنيَّات.

{وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ} قرئ بالنون مرفوعاً عطفاً على ما بعد الفاء، فيكونُ جملةً فعليَّة

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(5/ 15).

ص: 201

في حكم الجزاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: ونحن نكفِّرُ، أو على أنه جملة فعلية مبتدأةٌ.

ومجزوماً عطفاً على محلِّ الفاء وما بعدَه؛ لأنَّه جواب الشرط.

وقرئ: {وَيُكَفِّرُ} بالياء مرفوعاً والفعلُ للّه تعالى أو للإخفاء

(1)

.

و: (تكفِّر) بالتاء مرفوعاً ومجزوماً، والفعل للصدقات.

وقُرئ بالياء والنصب بإضمار (أنْ)، ومعناه: وإنْ تُخفوها يكنْ خيراً لكم وأنْ يُكفِّرَ عنكم

(2)

.

{مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} ، {مِنْ} للتبعيض؛ أي: يكفِّر بعضَ سيئاتكم، وذلك لأنَّ ما هو من حقوق العباد لا يتعلَّق به المغفرة بدون إرضاءِ الخصم.

قال الإمام المطرِّزيُّ في "المُغرب": الكفر في الأصل: السَّتر، يقال: كَفَره وكَفَّره، إذا ستره، ومنه الحديث في ذكر الجهاد: هل ذلك مكفِّرٌ عنه خطاياه؟ يعني: هل يكفِّر القتل في سبيل اللّه تعالى ذنوبه؟ فقال: "نَعَمْ، إلا الدَّين"؛ أي: إلا ذنبَ الدَّين فإنه لا بدَّ من قضائه

(3)

.

{بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فلا يتفاوت الإظهارُ والإسرارُ، وفيه ترغيبٌ في الإسرار.

* * *

(272) - {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} .

(1)

وهذه القراءات الثلاث سبعية. انظر: "التيسير"(ص: 84).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 316)، وعنه نقل المؤلف كل ما سبق.

(3)

انظر: "المغرب"(مادة: كفر).

ص: 202

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} ؛ أي: لا يجب عليك أن تجعلهم مَهْديِّين إلى امتثالِ ما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه مِن المن، والأذى، والرياء، والإنفاقِ من الخبيث، وغيرِ ذلك مما مرَّ، وما عليك إلا أن تبلِّغهم فحَسْب.

{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} استدراك عما يقتضيه الكلام السابق وَينتظِمُ به من تعليله؛ كأنه قيل: لأنك لا تَقدر عليه ولكنَّ اللّه قادرٌ على الهداية المنجيَة عن الضلال فيخصُّ بها مَن يشاء.

وفيه دلالةٌ على أن الهداية الموصِلةَ إلى البُغية من الله تعالى وبمشيئته، وأمَّا أنها مخصوصة بقومٍ دون قومٍ فهو أظهر من أن يخفى، والحاجةُ إلى الدلالة فيما يَشتَبِهُ فيه الحال.

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} ؛ أي: فأنتم تنتفعون به، وإنما قال:{مِنْ خَيْرٍ} دون: من مالٍ؛ لأنَّه إذا لم يكن طيِّباً لا يَنتفع به المنفق بل يتضرَّر، فالعبارةُ المذكورةُ ضمنَها الإشارةُ إلى النهي عن إنفاق المال الخبيث، وعن المنِّ على الغير والأذى له، على أبلغِ وجهٍ، وأمَّا أنه لا ينتفِع به غيرُكم فلا يقتضيهِ المقام، ولا هو المناسب لأنْ يُقصد بالكلام المذكور

(1)

.

{وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} حالٌ؛ كأنه قال: وما تنفقوا

(2)

من خيرٍ فلأنفسكم غيرَ منفقينَ إلا لابتغاءِ وجهِ اللّه تعالى وطلبِ ثوابه.

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ثوابُه أضعافاً مضاعَفةً، فلا تتركوه وأنفقوا

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "لأنَّه يحتاج إلى تخصيص الانتفاع بالأخروي بلا حاجة إليه في إفادته. منه".

(2)

فبعها في (ك): "هو".

ص: 203

مِن أحسن الأموال على أحسن الوجوه، فهو تأكيد للشرطيَّة السابقة. أو: ما يُخلَفُ المنفِق استجابةً لدعوة الملَك القائل: "اللهمَّ اجْعَلْ لمنفقٍ خَلَفاً ولممسِكٍ تَلَفاً"

(1)

.

روي: أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهارٌ ورَضاعٌ في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لمَّا أسلموا أن يُنفقوهم فنزلت

(2)

.

واختُلف في الواجب، فجوَّز أبو حنيفة صرفَ صدقة الفطر إلى أهل الذمَّة وأباه غيرُه.

{وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} جملةٌ حاليةٌ؛ أي لا تُنقَصون شيئاً مما وعد من الثواب جزاءً لأعمالكم، فإن نقص الأجر الموعود ظلمٌ وإن لم يكن نقصُ الثواب مطلَقاً ظلماً.

* * *

(273) - {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} .

{لِلْفُقَرَاءِ} الجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: اعْمِدوا للفقراء، أو: اجعلوا نفقتكم للفقراء؛ كقوله: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل: 12]؛ أي: اذهب في تسع آيات، أو خبرُ مبتدأ

(3)

؛ أي: صدقاتُكم للفقراء.

{الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَحْصَرهم الجهاد، والإحصارُ: منعُ النفس عن التصرُّف.

(1)

رواه البخاري (1442)، ومسلم (1010)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

قوله: "ينفقوهم" كذا في النسخ الخطية، ومثله في مطبوع "الكشاف"(1/ 317)، لكن جاء في "تفسير البيضاوي" (1/ 161):"ينفعوهم"، ومثله في نسخة جيدة من "الكشاف"، وهو الأولى.

(3)

في (ك): "لمبتدأ".

ص: 204

{لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} : ذهاباً فيها للكسبِ، تقول: ضربتُ في الأرض ضرباً، إذا سرتَ فيها؛ أي: يكرهون المسير لأجله؛ لئلا يفوتهم صحبةُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والخروجُ في سريةٍ، وهذا كقوله تعالى:{لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: 101]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع، ولا يخفى أن هذا المعنى أبلغ في وصفهم مما قيل: لا يستطيعون لاشتغالهم بالجهاد.

وقيل: هم أهل الصُّفَّة، وكانوا نحواً من أربع مئةٍ من فقراء المهاجرين يسكنون صُفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلُّم والعبادة، وأقواتُهم من فضل الأغنياء، وكانوا يخرجون في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.

{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ} بحالهم {أَغْنِيَاءَ} .

وإنما قال: {مِنَ التَّعَفُّفِ} - أي: من أجْل تعفُّفهم عن السؤال - دفعاً لاحتمالِ أن يكون حسبانُه من الأغنياء لكونه من الأغنياء.

وفي إطلاق اسم الجاهل عليه على الإطلاق ما لا يخفى من الذمِّ، وذلك الاستحقاقُ لأن الغافل عن حالهم لا يكون من أهل الصحبة والوفاق.

والتعفُّف: تفعُّلٌ من العِفَّة، يقال: عف عن الشيء، إذا أمسك عنه وتَنزَّه عن طلبه.

{تَعْرِفُهُمْ} الخطاب لمن يستحقُّ التوصيف بعرفانهم من الأصحاب، ومَن حذا حَذْوَهم في سلوك طريق الصَّواب

(1)

.

{بِسِيمَاهُمْ} : بعلامتهم من صُفرة الوجه ورثاثةِ الحال، لا خفاءَ في أن لسان

(1)

في النسخ عدا (م): "في سلوك الصواب "، والمثبت من (م). وجاء في هامش (ح) و (د) و (ف):"رد لمن قال: الخطاب لكل أحد. منه".

ص: 205

الحال أنطقُ من لسان المقال، وبيانَ الدلالة أصدقُ من بيان العبارة، فالعارفُ يُحدس من رثاثة الحال، والجاهل يستدل بعدم

(1)

السؤال.

ومعنى {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} نفيُ السؤال والإلحاف جميعًا، كقولهم:

ولا تَرَى الضَّبَّ بها ينجَحِرْ

(2)

أي: لا ضبَّ ولا انجِحارَ، ولا يخفى أن هذا المعنى أَدخَلُ في التعفُّف وفي أن يُحسَبوا أغنياء، فيكونُ أنسبَ للمقام، وأجلبَ لمزيدِ حُسْنٍ في الكلام، كيف وفي هذا النوع من التركيب دقيقةٌ أنيقة

(3)

؟ وهي أنه لمَّا جعل نفي الأول تمهيداً لنفي الثاني جعل الأول مسلَّماً لا نزاع فيه، إذ من حق الدليل أن يكون أوضح من المدلول، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره: لا يَسألون الناس إلحافاً ولا غيرَ إلحافٍ

(4)

.

وقيل: تُرك غيرُ الإلحاف ذكراً للإيماء إلى إطلاق السؤال عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن فعله مُضطرًّا

(5)

.

والإلحاف: لزوم السؤال، من اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به.

(1)

في (د): "بعد".

(2)

عجز بيت لعمرو بن أحمر، كما في "خزانة الأدب" للبغدادي (10/ 210)، وصدره:

لا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها

(3)

في هامش (د) و (ف): "تفصيل في تفسير سورة المؤمن من الكشاف. منه".

(4)

انظر: "تفسير أبي الليث"(1/ 181).

(5)

في هامش (د) و (ف): "أي: لأن المعنى ما ذكرنا. منه".

ص: 206

والجمل الأربع بعد الصلة مترتِّبة عليها بمنزلةِ البيان لها، فلا سبيل للعاطف بينهما

(1)

لشدة اتصال كلٍّ منها

(2)

بالأخرى.

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} ترغيبٌ في الإنفاق؛ لأن علمَ اللّه تعالى به كنايةٌ عن أنه لا يَضيع، ولهذا زاد قوله:{مِنْ خَيْر} فإنه إذا أُريد علمه تعالى به على حقيقته تكون تلك الزيادة خلواً عن الإفادة

(3)

.

* * *

(274) - {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} ؛ أي: يعمُّون الأحوالَ والأوقات بالصدقة لحرصهم عليها، فكلما نزلت بهم حاجةُ محتاجٍ عجَّلوا قضاءها ولم يؤخِّروها، ولم يتعلَّلوا بوقتٍ ولا حالٍ.

نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه

(4)

.

وقيل: في علي كرم اللّه وجهه

(5)

.

وقيل: نزلت في علف الخيل ورباطها في سبيل اللّه تعالى

(6)

.

(1)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:"بينها".

(2)

في (ح) و (ف) و (م): "منهما".

(3)

في (ف): "الفائدة".

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 319). وقال السيوطي لم أقف عليه. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 346)، و "روح المعاني"(3/ 474).

(5)

رواه عبد الرزاق في "تفسيره"(1/ 108)، وفي إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك كما في "التقريب".

(6)

رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(2/ 543) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 207

{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ؛ أي: يُؤمَن عن الضياع، خبر {الَّذِينَ} ، وإذا أريدَ كون الصلة سبباً لحصول الخبر للموصول ضمِّنت معنى الشرط وأُدخل الفاءُ في الجزاء، وإن لم يقصد ذلك فلا، كقوله تعالى:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 262].

وقيل: للعطف والخبرُ محذوف، أي: ومنهم الذين، ولهذا جوِّز الوقف على قوله:{وَعَلَانِيَةً} .

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مرَّ تفسيره.

* * *

(275) - {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} ؛ أي: يتمتَّعون به، فإن التعبير بالأكل عن مطلَق التمتُّع على طريقة العبارة

(1)

عن كلِّ وجوه الشيء بجلِّها شائع في الألسنة كلِّها.

كتب {الرِّبَا} بالواو على لغةِ مَن يفخِّم كما كُتب الصلاة والزكاة، وزيدت الألفُ بعدها تشبيهاً لها بواو الجمع لزيادة التفخيم، ومعناه لغةً: الزيادة المطلَقة، وشرعاً: الزيادة في القَدْر أو في الأجَلِ على الوجه المذكور في كتب الفقه.

{لَا يَقُومُونَ} يوم القيام.

{إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ} : إلا قياماً كقيام الذي يتخبَّطه المفسِدُ من الجنِّ، والخَبْط: الضربُ باليد كيف يقع، والرَّمْحُ بالرِّجل، والزَّبنُ بالرُّكبة، والتخبُّط: تكلُّف الخبط، والمراد: الزيادة فيه.

(1)

في (ف): "الكناية".

ص: 208

{مِنَ الْمَسِّ} يتعلق بـ {يَقُومُ} ، أو {يَتَخَبَّطُهُ} ، والمسُّ: الجنون، يقال: مُسَّ - على ما لم يُسمَّ فاعلُه - فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُن فهو مجنون.

والجنون قد يكون بضربِ الشياطين من الجن، ولذلك يُسمَّى

(1)

مجنوناً، وهو بتسليط اللّه تعالى إياهم على الناس كما يسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسباع، وله أن يفعل في مُلكه ما يشاء.

أي: لا يقوم آكل الربا عن قبره في يوم القيامة إلا كالذي ضربه الجنُّ فخبله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويسقط ليس كسائر الناس؛ لأنهم يخرجون من الأجداث سراعا، وهذه عقوبة لهم بها يُعرفون يومئذ، وقد أثقل

(2)

بطونهم ما

(3)

أكلوه من الربا.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ؛ أي: ذلك العقاب بسببِ أنهم نظَموا الربا والبيعَ في سلكٍ واحد، وقاسوا أحدهما على الآخر، يعني: أن البيع يكون مثلَ الربا في اشتماله الفضلَ، ولو كان ذلك سبباً للحرمة لحرُم البيع، لكنه حلال فثبت أنه ليس بسبب للحرمة، فالربا ليس بحرام وشبهتُهم

(4)

أن بيع السَّلَم وغيره قد يكون المشترَى فيه بدرهم يساوي درهمين، فيكون أزكى من الربا.

ومَن لم يتنبَّه لِمَا قرَّرناه زعم أنهم بالغوا في وصف اعتقادهم حلَّ الربا حتى جعلوه أصلاً في القياس، وشبَّهوا البيع به - مع أن الكلام في الربا، والبيعُ أصل في الحل - على طريقة قول الشاعر:

(1)

في (د): "سمي".

(2)

في النسخ عدا (م): "ثقل"، والمثبت من (م).

(3)

في (ف): "بما".

(4)

في (ك): "أو شبهتهم".

ص: 209

وبلدةٍ مغبرَّةٍ أرجاؤها

كأنَّ لون أرضها سماؤها

(1)

بالَغَ في وصف السماء بالاغْبِرار حتى شبَّه الأرض بها، وفي التعبير عن اعتقادهم هذا بالقول ما لا يخفى من المبالغة في أنه لا حقيقة له أصلاً.

ثم أنكر تسويتَهم بينهما

(2)

بقوله:

{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وفيه دلالة على أنَّ القياس يهدمُه النصُّ، حيث نقل قياسهم وأبطله بمجرَّد القول المذكور من غير تعرُّضٍ لفساد القياس من حيث إن الفضل في الربا محقَّق وفي البيع متوهَّم.

وأما ما قيل: هو إبطال للقياس لمعارضته النصَّ، فيَرِدُ عليه أنهم قاسوا قبل ورود النصِّ الفارق بينهما، فلا معارضةَ وقتئذٍ.

{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} فمَن بلَغه وعظٌ من اللّه تعالى وزجرٌ بالنهي عن الربا، وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة.

{فَانْتَهَى} فاتَّعَظ به وتَبعَ النَّهي.

{فَلَهُ مَا سَلَفَ} ؛ أي: فلا يؤاخَذُ بما مضى منه، وله ما أَخَذ لأنَّه قَبْل نزولِ التحريم

(3)

.

(1)

الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه (ص: 3)، و"مغني اللبيب" (ص: 912)، و"الإيضاح في علوم البلاغة" (ص: 78)، و"روح المعاني" (3/ 478). ورواية الديوان:(وبلد عامية أعماؤه)، وفي باقي المصادر:

ومهمهٍ مغبرَّة أرجاؤه

كأن لون أرضه سماؤه

(2)

"بينهما"من (م).

(3)

في هامش (د) و (ف): "من هنا ظهر أنه لا وهن في قياسهم قبل ورود النص من جهة المعارضة له. منه".

ص: 210

و {مَا} في موضع الرفع بالظَّرف

(1)

إن جُعل (مَن) موصولةً، وبالابتداء إنْ جُعلت شرطيَّةً على رأي سيبويه؛ إذ الظرفُ غيرُ معتمِدٍ على ما قبله.

وإنما ذكِّر فعلُ الموعظة لأن تأنيثها غيرُ حقيقيٍّ مع أن فيه فاصلاً، فلا حاجة إلى التأويل بأنها في معنى الوعظ.

{وَأَمْرُهُ} في ذلك.

{إِلَى اللَّهِ} يحكم في شأنه بما شاء يوم القيامة لا إليكم، فلا تطالبوه بشيء.

{وَمَنْ عَادَ} إلى الربا بعد النهي عنه.

{فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّا} لإصرارهم عليه.

{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إذا اعتقدوا حلَّه لأنَّه كفرٌ، والكفر يوجِب الخلود في النار.

* * *

(276) - {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} .

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} المحقُ: نقصان الشيء حالاً بعد حالٍ حتى يذهبَ كلُّه؛ كما في محاقِ الشهر، وهو حالُ أكلِ الربا، فإن اللّه تعالى يُذهب بركته، ويُهلك المال الذي يدخل فيه.

{وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} أي: يُنمي

(2)

ويزيدُها، بأن يضاعفَ عليها الثواب، ويزيدَ المال الذي أُخرجت منه، ويباركَ فيه، وفي الحديث:"ما نقصَتْ زكاةٌ من مالٍ قطُّ"

(3)

.

(1)

يعني الجار والمجرور في قوله: {فَلَهُ} .

(2)

في (ك): "ينميها".

(3)

رواه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلا عزًّا .. ".

ص: 211

لا يقال: الكلام في إرباء ما يُتصدَّق به وهذا ليس منه.

لأنَّا نقول: وقوع زيادة المال والبركة فيه بسببه

(1)

فضيلةٌ تزيد وإرباءٌ له، لتضاعُف

(2)

الثواب بسببه.

{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ} عدمُ المحبة كنايةٌ شائعةٌ عن البغض

(3)

.

{كُلَّ كَفَّار} باستحلالِ الربا.

{أَثِيم} بأكله بدونِ المبالاة، يُحمل على التعميم بعد السَّلب حتى تكون سالبةً كليَّةً، دون العكس؛ إذ حينئذ يكون رفع الإيجاب الكليِّ وهو لا يناسب المقام، ولا بُعْدَ فيما ذكَرْنا؛ لأن القيد المقدَّم ذكراً قد

(4)

يعتبر مؤخراً معنًى.

وفي صيغة

(5)

المبالغة تغليظٌ بليغٌ في شأن المستحِلِّ للربا، لِمَا فيه من الإيذان بتجدُّد كفره في كلِّ آنٍ.

* * *

(277) - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} باللّه ورسله، والإيمانُ بالرسول لا يَتمُّ إلا بالإيمان بجميع ما جاء به منه تعالى.

(1)

في (ك): "بسبب".

(2)

في (د): "كتضاعف".

(3)

في هامش (د) و (ف) و (م): "من غفل عن هذا قال في تفسيره: لا يرتضيه، ولا يرتضيه من له فهم سليم. منه".

(4)

لفظ: "قد" سقط من (ف) و (ك).

(5)

في (ف): "صورة ".

ص: 212

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} من الفرائض والواجبات والمندوبات.

{وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} عطَفهما على ما يعمُّهما لفضلهما على سائر الأعمال الصالحة؛ لكونهما أمَّي

(1)

العبادات البدنية والمالية.

{لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قد مر تفسيره.

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} مِن آت {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فات.

* * *

(278) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا} واتركوا {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} بقايا ما شَرَطْتُم على الناس منه.

وقرأ الحسن: (ما بَقَا) بقلبِ الياء ألفاً على لغةِ طيِّئٍ، وعنه:(ما بَقِيْ) بياءٍ ساكنة

(2)

.

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بقلوبكم، فإن دليله امتثالُ ما أُمرتم به، وفي إطلاق {مُؤْمِنِينَ} في

(3)

الذِّكر عن القيد المذكور دلالةٌ على أنَّ المؤمن حقيقةً مَن آمَنَ بقلبه، رُوي أنه كان لثقيفٍ ثروةٌ

(4)

، وكان لهم على قوم من قريش مالٌ، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت

(5)

.

(1)

في (ح) و (ك): "لكونهما من".

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 322)، وعزاهما ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: 17) لأبيِّ رضي الله عنه.

(3)

في (د): "عن ".

(4)

"ثروة" من (ح) و (ف).

(5)

انظر: "الكشاف"(1/ 322)، ورواه مطولاً الطبري في "تفسيره"(5/ 50) عن ابن جريج، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(2/ 548 - 549).

ص: 213

(279) - {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} .

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} لم يُرَدْ مطلَقُ الترك، بل أُريد التركُ في ضمن الإبراء، فلهذا قيل:{لَمْ تَفْعَلُوا} ، دون: لم تتركوا.

{فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ} فاعلَموا بها، من أَذِن بالشيء: إذا علم به.

وقُرئ: {فَأْذَنُوا}

(1)

؛ أي: فأَعْلِموا غيرَكم، من الأَذَن وهو الاستماعُ؛ لأنَّه من طُرُق العلم.

وقُرئ: (فأيقِنوا)

(2)

، وهو دليل

(3)

لقراءةِ العامة، والتنكيرُ في (حرب) للتعظيم.

{مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الحرب يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم بأمرٍ من اللّه تعالى، فذِكْرُه تعالى للتمهيد، و (حرب منه) أبلغُ من: حربه؛ لِمَا في التنكير من التهويل؛ أي: بنوعٍ من الحرب لا يَقبل التعريف لعِظم شأنه، وذلك يقتضي أن يقاتَل المُرْبي بعد الاستتابة حتى يَفيءَ إلى أمر اللّه؛ كالباغي، ولا يقتضي كفرَه.

رُوي: أنها لمَّا نزلت قالت ثقيفٌ: لا يَدَيْ لنا بحرب الله ورسوله

(4)

.

{وَإِنْ تُبْتُمْ} من الارْتِباء، ومَن زاد على هذا قولَه: واعتقادِ حلِّه، فكأنه غَفَل عن قوله

(5)

بأن سياق الكلام لا يقتضي كفرَه.

(1)

هي قراءة شعبة وأبي بكر. انظر: "التيسير"(ص: 84).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 322).

(3)

كلمة "دليل" من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 322).

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 322).

(5)

"قوله" ليس في (ف).

ص: 214

فإن قلتَ: أليس يُفهم من قوله: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} أصولُها، وأما الأرباحُ فطواري عليها {لَا تَظْلِمُونَ} بأخذ الزيادة {وَلَا تُظْلَمُونَ} بالنقصان والمَطْل، أنهم إن لم يتوبوا فليس لهم رؤوس أموالهم؟

قلتُ: ذلك وهمٌ سبق إلى فهمِ مَن قال: إنه حينئذ يكون مالُهم فَيئاً للمسلمين، وتبعَه القائل، وهو سديدٌ على ما قلناه، إذ المصرُّ على التحليل مرتدٌّ، والحقُّ أن الظاهر منه بطريق المفهوم هو أنه إن لم يتوبوا لا تصلُ أيديهم إلى رؤوس أموالهم، وذلك لأنهم يُقتلون حينئذ كما يُقتل الباغي.

* * *

(280) - {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

{وَإِنْ كَانَ} ؛ أي: وُجد غريم.

{ذُو عُسْرَةٍ} ، وقرئ:(ذا عسرة)

(1)

؛ أي: وإن كان الغريمُ ذا عسرةٍ.

{فَنَظِرَةٌ} فالحكمُ نظرةٌ؛ أو: فليكُنْ نظرةٌ، أو: فعليكم نظرة

(2)

، وهي الإنظار.

وقرئ: (فناظرُه) على الخبر؛ أي: فصاحبُ الحق ناظره، بمعنى: منتظرُه، أو صاحب نَظِرته

(3)

على طريق النَّسب.

و: [(فناظِرْه)] على الأمر؛ أي: فسامحْه بالنَّظِر [ة]

(4)

.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 17).

(2)

يعني أن (نظرة) إما خبر كما في المثال الأول، أو فاعل كما في الثاني، أو مبتدأ كما في الثالث.

(3)

في النسخ: "نظرة"، والمثبت من "الكشاف"(1/ 323)، و"تفسير البيضاوي"(1/ 163).

(4)

انظر المصدرين السابقين، وما بين معكوفتين منهما.

ص: 215

{إِلَى مَيْسَرَةٍ} قُرئ بضم السين وفتحِها

(1)

، وهما لغتان بمعنى يسارٍ.

وقُرئ بهما مضافَين بحذف التاء عند الإضافة

(2)

.

{وَأَنْ تَصَدَّقُوا} بالإبراء {خَيْرٌ لَكُمْ} : أكثرُ ثواباً من الإنظار، أو: خير مما تأخذون، لمضاعَفة ثوابه ودوامه.

وقيل: المراد بالتصدُّق الإنظارُ، لقوله عليه السلام:"لا يَحِلُّ دَينُ رجلٍ مسلمِ فيؤخِّرَه إلا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ"

(3)

.

بعثٌ لهم على التصدُّق بالدَّين كلِّه أو بعضِه على مَن أَعسر من غُرمائهم، أو على الإمهال إلى وقت اليسار.

{إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} كُني بالعلم عن العمل لأنَّه إذا كان نافعاً قلَّما يتخلَّف عن علمه، فهذه الكنايةُ باعتبار مبناها تأكيدٌ لِمَا تقدم من الخيريةِ على أبلغ وجهٍ.

ومَن لم يَتنبَّهْ

(4)

لهذا قال في تفسيره: ما فيه من الذكر الجميل والأجرِ الجزيل.

ثم إنه لم يَدْرِ أن الذكر الجميل لا يَصْلُح وجهاً للحثِّ على الصدقة إذا كان الحثُّ من اللّه تعالى؛ لأن الصدقة المَرْضيَّة عنده تعالى ما لا يشوبُها غرضٌ دنيويٌّ.

* * *

(1)

قرأ نافع بضم السين وباقي السبعة بفتحها. انظر: "التيسير"(ص: 85).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 17).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 323)، ورواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند"(23046) بإسناد صحيح من حديث بريدة رضي الله عنه.

(4)

هو البيضاوي. انظر "تفسيره"(1/ 163).

ص: 216

(281) - {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .

{وَاتَّقُوا يَوْمًا} يومَ القيامة، والتنكير للتعظيم، وللإشارة إلى لأنَّه لا يَقبل التعريف.

{تُرْجَعُونَ} من الرَّجع

(1)

، وقرئ بفتح التاء وكسرِ الجيم من الرُّجوع

(2)

، وقرئ بالياء على الالتفات

(3)

.

{فِيهِ إِلَى اللَّه} للحساب والجزاء.

والأمرُ بالاتِّقاء كناية عن الأمر بموجَبه وهو التأهُّبُ للمصير إليه.

{ثُمَّ تُوَفَّى} التوفية والإيفاء: الإكمال.

{كُلُّ نَفْسٍ} كاسبةٍ {مَا كَسَبَتْ} ؛ أي: أَحْرزتْ من جزاء الأعمال الموعود، فإن الكناية بالكسب عن الإحراز شائعٌ في الألسنة كلِّها.

وإنما وصفنا الجزاء بالموعود لأن الظلم بنقصِ الثوابِ إنما يكون بذلك الاعتبار

(4)

.

{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} لا بنقص ثواب ولا بزيادة

(5)

عذاب.

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها آخر آية نزل بها جبريل وقال: ضعها في رأس المئتين والثمانين من البقرة

(6)

.

(1)

في (د): "الرجوع"، وهو خطأ.

(2)

قرأ أبو عمرو بفتح التاء وباقي السبعة بضمها. انظر: "التيسير"(ص: 85).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 323).

(4)

في هامش (د) و (ف) و (م): "فمن لم يذكره [في (ف): يتنبه]، فقد ذهب مذهب الاعتزال. منه".

(5)

في هامش (د) و (ف) و (م): "عبارة القاضي: بتضعيف، والمناسب ما ذكر. منه".

(6)

رواه الفراء في "معاني القرآن"(1/ 183) من طريق الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح ولم يسمع من ابن عباس، عن ابن عباس.

ص: 217

وعاش رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقيل أقلُّ، وقيل أكثرُ

(1)

.

* * *

(282) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ} إذا دايَنَ بعضُكم بعضاً، يقال: دايَنْتُ الرجل، إذا عامَلْتَه بدَينٍ معطياً أو آخذاً، كما تقول: بايعتُه، إذا بعتَه أو باعك، وأمَّا كونها نسيئةً فغيرُ معتبَرٍ في المُدايَنة، وإرادتُها في المقام لذكرِ الأَجَل.

وإنما قال: {بِدَيْنٍ} مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دينٍ كان قليلاً أو كثيراً، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ.

وأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله:

{إِلَى أَجَلٍ} ومرجعُ الضمير في {فَاكْتُبُوهُ} لا يلزمُ أن يكون مذكوراً، بل يكفي أن يكون مفهوماً في ضمن الكلام السابق.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 323).

ص: 218

هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة

(1)

.

{مُسَمًّى} معلومٍ موقَّتٍ بالسَّنة والشهور والأيام المعيَّنة، لا بالحصاد والدِّيَاس وقدوم الحاجِّ ونحوِ ذلك مما لا يتعيَّن.

{فَاكْتُبُوهُ} نبَّه على انقسام الدَّين إلى حالِّ ومؤجَّلٍ، وأمر بكتابة المؤجَّل على سبيل الندب والإرشاد؛ لأنَّه أوثق وآمَنُ من النسيان، وأبعدُ من الجحود.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد به السَّلَمُ، وقال: لمَّا حرَّم اللّه الرِّبا أباح السَّلَم. وسيأتي ما يتعلَّق بهذا المقام من الكلام.

{وَلْيَكْتُبْ} قيَّده بقوله: {بَيْنَكُمْ} ليكون أبعدَ عن الاشتباه والتهمةِ.

والتنكيرُ في {كَاتِبٌ} للتنبيه على أن المعتبَر كونُ الكتابة على الوجه

(2)

المعهود، لا كونُ الكاتب معهوداً، ولهذا قيَّدها بقوله:{بِالْعَدْلِ} .

وأطلق الكاتب، أي: وليَكْتب بالتَّسوية والاحتياط لا يَزيد على ما يجب ولا يَنقُص عنه، وهذا يدل اقتضاءً على أن الكاتب يجب أن يكون فقيهاً عالماً بالشروط حتى يكون مكتوبه معدَّلاً بالشرع، فيحصل ما هو المقصود من الكلام على تقديرِ تعلُّق القيدِ المذكور بالكاتب، وأمَّا الذي ذكرناه فيَفوت حينئذ، فالراجح تعلُّقه بالفعل.

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "مشروع".

(2)

في (ك) و (م): "وجه ".

ص: 219

والأمر في الحقيقة للمتداينينِ باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّنٍ حتى يجيءَ مكتوبه موثوقاً

(1)

به معدَّلًا بالشرع.

{وَلَا يَأْبَ} ؛ أي

(2)

: ولا يمتنعْ {كَاتِبٌ} : أحد من الكتَّاب

(3)

{أَنْ يَكْتُبَ} ، فإن تنكير {كَاتِبٌ} بعد النهي يُفيد العموم.

{كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} مثلَ ما علَّمه اللّه من كتبةِ الوثائق، أو: لا يأبَ أن يَنفع الناسَ بكتابته كما نفَعَه اللّه تعالى بتعليمه؛ كما قال اللّه تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77].

{فَلْيَكْتُبْ} تلك الكتابةَ المعلَّمة، أَمر بها - بعد النهي عن الإباء عنها - تأكيداً، وهذا لأن الفاء تدلُّ على أن

(4)

الترتيب على السابق، ولأن ورود الأمر عَقيب ذلك النهي تأييداً له يُشعر

(5)

بذلك كلَّ الإشعار.

ويجوز أن تتعلَّق الكاف بالأمر، فيكون النهي عن الامتناع منها مطلَقةً ثم الأمرُ بها مقيَّدةً، وهذا الوجه أحسنُ مِن جَعْل الأول تمهيداً له؛ لِمَا فيه من تدرُّجٍ وتفخيمٍ لشأن الكتابة على النهج المذكور، وفي تقديم {كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} مبالغةٌ حسنةٌ، والأولُ أظهرُ وأقرب تناوُلاً.

{وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} الإملالُ والإملاءُ: الإلقاءُ على الكاتب للكتابة،

(1)

في (م): "موثقاً".

(2)

كلمة "أي" من (م).

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "الكتابة".

(4)

"أن" ليست في (د).

(5)

في (د): "فيشعر".

ص: 220

و {الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} هو الذي عليه الدَّين، وإنما كان الإملاءُ إليه لأنَّه المقِرُّ المشهودُ عليه.

{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} ؛ أي: الكاتبُ لا المُمْلي

(1)

على ما ستقف عليه، جُمع بين اسم الذات والوصفِ تذكيراً لكونه مربِّياً له مُصلحاً لحاله.

{وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} ؛ أي: ولا يَنقُصْ مما أُمْليَ عليه قليلاً.

ولمَّا كان الأمرُ بالاتِّقاء تمهيداً للنهي عن النقص المذكور لم يُؤت بينهما بأداة الترتيب.

{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} دلَّ هذا على توجُّه الأمر والنهي إلى الكاتب، فإنهما لو توجَّهَا إلى المُمْلي لكان حقُّ الكلام في هذا المقام الاكتفاءَ بالضمير.

وتصديرُه بالفاء لترتُّبه على ما تقدَّم.

{سَفِيهًا} محجوراً عليه؛ لجهله بالتصرُّف، أو التبذيرِ.

{أَوْ ضَعِيفًا} لصِغَره أو لكِبَره

(2)

، والمراد: ضعفُ القوى لا ضعفُ النُّهي؛ لأنَّه من أسباب الحَجْر، فيندرِج تحت السَّفَهِ.

{أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} : أو غيرَ مستطيعٍ بنفسه لعيٍّ أو خرَسٍ.

{فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} ؛ أي: الذي يلي أمره؛ وصيًّا كان أو وليًّا، أو وكيلاً أو ترجماناً.

{بِالْعَدْلِ} فيه دلالةٌ على جواز النيابة في الإقرار بالدَّين.

{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} ؛ أي: واطلبوا أن يَشهد لكم شهيدان.

(1)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "الكاتب والمملي"، والمثبت من (د) وهو الصواب على ما يأتي.

(2)

في (ك) و (ف): "كبره".

ص: 221

{مِنْ رِجَالِكُمْ} ؛ أي: من المؤمنين البالغين، أمَّا البلوغ فلا بدَّ منه قطعاً، وأمَّا الإسلام فلا بد منه أيضاً إن كان المديون مسلماً، وإن كان كافراً فاعتبارُه احتياطاً لأنَّه يَحتمِل أن يُسلم، فلا دلالة في الآية على أنه لا تُسمع شهادة الكفار بعضِهم على بعض.

ثم إنَّ المقصود بيانُ النصاب لا بيانُ الشرائط، فلهذا لم يتعرَّض لقيدِ الحرية والعقل.

{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} : فإن لم يكن الشهيدان رجلين.

{فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} فليَشهد رجل وامرأتان.

مَن قال: هذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، فكأنه ذَهَلَ عن أن الكلام في الإشهاد على الدَّين.

فإن قلتَ: أليس كلٌّ منهما نصابُ الشهادة بلا تفاوتٍ بينهما ولا توقُّفٍ لصحة الثاني على عدم الأول؟

قلتُ: نعم، لا توقُّف لصحة الثاني

(1)

على عدم الأول، ولهذا لم يقل: فإن لم يوجَدا فرجل وامرأتان، وأمَّا عدم التفاوت بينهما فممنوعٌ، فإن الأصل هو الأول، وهو الراجح، ولهذا صدَّر الشرطية المذكورة بأداة الترتيب.

{مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} أي: من العُدول المَرْضيِّين

(2)

من الشهود.

{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} علَّةٌ لإقامة شهادة امرأتين مقامَ

(1)

في (ك) و (م): "لصحته".

(2)

في (ف): "المؤمنين".

ص: 222

شهادة رجلٍ واحد، والضلال بمعنى النسيان مَجازاً لأنَّه سببُه؛ كما في قوله تعالى:{فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20].

فإن قيل: كيف قال: {أَنْ تَضِلَّ} وإنما الإقامة المذكورة للإذكار لا للضلال؟

قلنا: أجاب عنه سيبويه: بأنَّ الضلال سبب الإذكار، فتقدم

(1)

عليه لأنَّه سبب العلة لا لأنَّه العلة؛ كما يقال: أعددتُ هذا للحائط أن يميل فأدعمَه، وإنما أعدَدْتَه للدعم لا للميل، لكن قدِّم عليه الميل لأنَّه سببُه

(2)

.

والعدول عن الظاهر للاعتناء بشأن التذكير، فإنَّ إفضاء الفعل إليه وكونَه مقصوداً من الفعل بلَغ مبلَغًا صار المهروب عنه مطلوباً لأجله، ومن حيث كونُه مُفْضياً إليه.

وأجاب عنه الفرَّاء: أنه بمعنى الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلا أنه لمَّا قدِّم (أنْ) اتَّصل بما قبله من العامل فانفتح

(3)

. ويؤيدُه قراءة: {أَنْ تَضِلَّ} بكسر الألف على الشرط {فَتُذَكِّرَ} بالرفع

(4)

.

وقرئ: (أنْ تُضَلَّ) على البناء للمفعول

(5)

؛ أي: أن تُوجد ضلالة، من الإضلال الذي همزتُه للوجدان؛ نحوَ: أَحْمَدْتُه، بمعنى: وجدْتُه محموداً، ولا يخفَى ما في التعليل المذكورِ من الدلالة على ضعفِ حِفْظهنَّ وقلَّةِ ضبطِهن، وليس ذلك إلا لنقصان عقلهنَّ.

(1)

في (د): "فقدم".

(2)

انظر: "الكتاب"(3/ 53).

(3)

انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 184).

(4)

هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 85).

(5)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 18).

ص: 223

{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ؛ أي: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، وكأنَّ تسميتَهم شهداء قبل التحمُّل تنزيلاً للمُشارف منزلةَ الكائن، أو: لا يمتنعِ المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والنهيُ عن الأول تنزيهاً، وعن الثاني تحريماً.

{وَلَا تَسْأَمُوا} نهيٌ عن الضجر والملل من كثرة المُداينات.

{أَنْ تَكْتُبُوهُ} ؛ أي: لا تَملُّوا أن تكتبوا الدَّينَ، أو الحقَّ، أو الكتابَ، كذا قالوا.

وَيرِدُ عليه: أن الضجر والملل إنما يكون بعد الشروع فيه، والإكثارِ منه، والمراد هنا النهيُ عن السآمة من أنْ يُكتب ابتداء، فالوجهُ أن تكون السآمة كنايةً عن الكسل، والمصيرُ إلى الكناية لا لأنَّه من صفة المنافق، إذ حينئذ لا يُجدي تغيير التعبير، بل لأن تلك العبارة كانت دائرةً على ألسنة المنافقين فصارت من شعارهم، ولذلك قال عليه السلام:"لا يقولُ المؤمن: كَسِلتُ"

(1)

.

{صَغِيرًا} قدِّم اهتماماً به

(2)

، وانتقالاً من الأدنى إلى الأعلى {أَوْ كَبِيرًا} حالان منه، أي: لا تسأموا كتابةَ الحقِّ أو الدِّينِ على أيِّ حالٍ كان من صغرٍ أو كبرٍ

(3)

، أو: لا تسأموا أن تكتبوه مختصراً أو مُشْبَعاً، على أن الضمير للكتاب.

{إِلَى أَجَلِهِ} : إلى

(4)

وقتِه الذي عيَّنه المتداينان.

{ذَلِكُمْ} إشارة إلى {أَنْ تَكْتُبُوهُ} لأنَّه في معنى المصدر.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 3263)، ولم أجده مسنداً.

(2)

"به "ليست في (د).

(3)

في (ف): "صغير أو كبير".

(4)

في (د): "أي".

ص: 224

{أَقْسَطُ} : أكثرُ قسطاً.

{عِنْدَ اللَّهِ} ؛ أي: في حُكمه.

{وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} : وأثبتُ لها، وأعونُ على إقامتها.

و {أَقْسَطُ} مبنيّ من قاسطٍ بمعنى النسب؛ أي: ذي قِسْطٍ، و (أَقْوم) من قويمٍ، ويجوز عند سيبويه أن يُبنى أفعلُ التفضيل من غير الثلاثيِّ، فيكونان مبنيَّين من أَقْسَطَ وأَقامَ

(1)

.

{وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} : وأقربَ لانتفاءِ الرِّيبة في جنس الدَّين وقَدْره وأَجَله والشهودِ ونحوِ ذلك، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وحَسَّنَ حذفَه وقوعُ أَفْعَلَ خبراً للمبتدأ

(2)

.

{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} استثناء مفرَّغ؛ أي: لا تتركوا كتابته وقتاً مّا، أو لعلةٍ ما، إلا وقتَ كونها تجارةً ناجزة

(3)

تتعاطونها بينكم يداً بيد، أو: لأنْ

(4)

تكون تجارةً ناجزة. على أن ما بعد {إِلَّا} نصب على الظرف أو على المفعول له.

وقرئ: {تِجَارَةً حَاضِرَةً} بالرفع على أنَّ (كان) التامةُ، أو الناقصةُ واسمها {تِجَارَةً} وخبرها {تُدِيرُونَهَا} ، وبالنصب على: "لا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً

(5)

.

(1)

انظر: "الكتاب"(1/ 73)، وانظر لزاماً كلام أبي حيان في شرح هذه المسألة في "البحر"(5/ 107).

(2)

في (ف) و (ك) سقط: "للمبتدأ".

(3)

في (ح) و (ف): "حاضرة".

(4)

في (م): "أو لا"، وهو خطأ.

(5)

قرأ بالنصب عاصم، وباقي السبعة بالرفع. انظر:"التيسير"(ص: 85).

ص: 225

والتجارةُ الحاضرةُ تعمُّ المبايعة بدَينٍ أو عين، والمفهومُ من تفريع نفي الجناح - وهو الإثم - على الشرط المذكور في المستثنَى ثبوتُ الإثم في عدم الكتابة على تقديرِ فَقْدِ ذلك الشرط، وموجَبُه أن يكون الأمر بالكتابة فيما تقدَّم للوجوب، فالقائلون بحُجِّية المفهوم لا بد لهم من القول بوجوب الكتابة ثمة.

{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} في العاجل والآجل جميعاً، والأمر للندب.

{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} يَحتمِل البناءَ للفاعل والمفعول جميعاً، والدليل عليه قراءة عمر رضي الله عنه:(ولا يُضارِرْ) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس رضي الله عنهما:(ولا يضارَرْ) بالإظهار والفتح

(1)

.

والمراد: نهيُ الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يُطلب منهما، وعن التغيير بالزيادة والنقصان، أو نهيُ المستكتِب والمستشهِد عن الضرر بهما، بأن يُعجَّلا عن مُهمٍّ، أو لا يُعطَى الكاتب

(2)

حقَّه من الجُعْل، أو يكلَّفَ الشهيد مُؤنةَ النقل من مسافة بعيدة، وأمثالِ

(3)

ذلك.

وقرأ الحسن: (ولا يضارِّ) بالكسر

(4)

.

{وَإِنْ تَفْعَلُوا} أي: وإنْ تضارُّوا، أو: إن تفعلوا شيئاً مما نُهيتم عنه.

{فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} خروجٌ عن الطاعة لاحقٌ بكم.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} في مخالفة أمره ونهيه.

(1)

القراءتان في "الكشاف"(1/ 327).

(2)

في (د): "المكاتب".

(3)

في (د): "أو مثال".

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 327).

ص: 226

{وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} أحكامه المتضمِّنةَ لمصالحكم.

{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} كرَّر لفظة (اللّه) ثلاثَ مراتٍ متوالياتٍ، وكان الثاني والثالث موضعَ كناية، ولهذا الباب قانونٌ يعرف به المستحسَن من المستقبَح، وهو: أن كلَّ تكرير على طريق تعظيم الأمر أو تحقيره في جملٍ متوالياتٍ كلُّ جملة منها مستقلةٌ بنفسها، فذلك غيرُ مستقبَحٍ، وإذا كان ذلك في جملةٍ واحدة، أو في جملٍ في معنًى واحد، ولم

(1)

يكن فيه التعظيم أو التحقير، فذلك مستقبَح.

وهذا ظاهر في الآية، فإن الجملة الأولى منها حثٌّ على التقوى، والثانيةَ تذكيرٌ بنعمته، والثالثةَ تعظيم له متضمِّن لوعدٍ ووعيدٍ شديد، وقُصد تعظيم كلِّ واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظةُ (اللّه) فيها.

* * *

(283) - {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} .

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ} لم يقل: مسافرين؛ لِمَا بينهما من الفرق الظاهر، فإنَّ مَن دخل مدينةً ولم ينوِ الإقامة مسافرٌ، ولكنه ليس على سفرٍ، والمناسبُ لأنْ لُذكر تمهيداً لقوله:{وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} هو الثاني دون الأول.

{فَرِهَانٌ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: فالذي يُستوثَق به رهانٌ وهو جمع رهنٍ،

(1)

في (ح) و (د) و (ف): "أو لم"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق للمصادر. انظر:"فتوح الغيب" للطيبي (3/ 563)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 351)، و"وروح المعاني"(3/ 500).

ص: 227

وهو العين المقبوض بالدَّين توثيقاً له، وقرئ:{فَرِهَانٌ}

(1)

وهو جمعُ جمعٍ.

قال الجوهري: كأنه يُجمع رَهْنٌ على رِهَانٍ، ثم يُجمعُ على رُهُنٍ، مثل: فِرَاشٍ وفُرُشٍ، ولا يجمع فَعْلٌ على فُعُلٍ إلا قليلاً شاذاً

(2)

.

و {مَقْبُوضَةٌ} نعتٌ للرهان، ودلَّ ذلك على أن حكمه دوامُ الحبس؛ فإنه لا يصير رَهناً إلا بابتداء القبض، فذِكرُ الرَّهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام القبض فيها، وليس الغرضُ تخصيصَ الرَّهن بالسفر شرطاً في جوازه، لكنْ لمَّا كان السفر مَظِنَّةَ إعْوازِ الكاتب والشهيد أُرشد المسافر إلى حفظ المال بأنْ يقيم التوثُّقَ بالارتهان مقامَ التوثُّقِ بالكَتْب والإشهاد.

وعن مجاهد والضحاك: أنهما لم يجوِّزاه إلا في حال السفر أخذاً بظاهر الآية، وليس بشيء؛ لأن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رهن درعه في حضَرٍ

(3)

، وأمَّا القبض فلا بد من اعتباره على ما نبَّهت عليه

(4)

آنفاً، وعليه الجمهور.

وقال مالك: يصحُّ الرهن بمجرَّد الإيجاب والقبول بدون القبض.

{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} : فإنْ أَمِنَ بعضُ المتدايِنينَ بعضَ المديونين لحُسن ظنه به.

{فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ؛ أي: فليَجِبْ على المديون أداءُ أمانته التي ائتَمَنه

(1)

قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 85).

(2)

انظر: "الصحاح"(مادة: رهن).

(3)

رواه البخاري (2916) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(4)

"عليه" ليست في (د).

ص: 228

عليها بأنْ لم يَرتهن منه شيئاً؛ حثاً له على أن

(1)

يكون عند ظنه به، وفي تسمية الدَّين أمانةً أيضاً حثّ للمديون على أدائه، وإن كان مضموناً بخلافِ الأمانة.

وقرئ: (فإن أومن)؛ أي: آمَنَه الناس بأنْ وصفوه بالأمانة والدِّيانة والاستغناء عن الارتهان من مثله

(2)

.

{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} نهيٌ عن الخيانة وإنكار الحق على أبلغ وجه، وقد مرَّ وجه الجمع بين اسم الذات والوصف.

{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} خطاب للشهود.

{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ، {آثِمٌ} خبر (إنَّ)، و {قَلْبُهُ} فاعل {آثِمٌ}؛ أي: فإنه يأثم قلبُه. أو {قَلْبُهُ} مبتدأ و {آثِمٌ} خبره، والجملة خبر (إنَّ).

وقرئ: (قلبَه) بالنصب كقوله: {سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130]

(3)

.

وقرئ: (أثَم قلبَه)؛ أي: جعَله آثماً

(4)

.

أُسند الإثم إلى القلب لكونه أبلغَ من وجوه:

أحدها: أن يُعلم أنه الذي أَضمرها، ولم يؤدِّ إلى اللسان ليُظهرها، فالقلب هو المقترِف، فيكون صاحبه قاصداً للذنب لا اللسان، فيكون كالبوادر.

والثاني: أن الفعل إذا أُسند إلى الجارحة التي عُمل بها كان أبلغ وآكَدَ؛ كما إذا أردتَ التأكيد قلتَ: هذا مما أبصره عيني، وسمعه أذني، وعرفه قلبي.

(1)

في (ك) و (م): "أنه".

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 329)، وعزا الزمخشري القراءة لأبيٍّ رضي الله عنه.

(3)

تنسب لابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 18).

(4)

انظر: "الكشاف"(1/ 330) وعزاها الزمخشري لابن أبي عبلة أيضاً.

ص: 229

والثالث: أن القلب هو الرئيس، والأصل في البِنْية، فإسناده إليه أفاد أنه تمكَّن في أصل نفسه ومَلَك أشرف محل فيه، ورسخ في ذاته.

الرابع: أن الآثام المتعلقة بالأعضاء الظاهرة أسهلُ وأخفُّ وأسرع زوالاً ما دام القلب سليماً، وأما القلبيات فتكون أشدَّ وأغلظ وأبعدَ عن العفو

(5)

.

الخامس: الإيذان بأن الكتمان من الكبائر المتعلقة بالعقائد كالكفر والنفاق والشرك وأمثالها، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: أكبر الكبائر الإشراك باللّه؛ لقوله تعالى: {فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة.

السادس: القلب هو الأصل الذي يتقوَّم به سائر الأعضاء، فأفعاله هي الأصول التي يتشعَّب منها

(6)

أفعال الجوارح، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، فهو الذي إذا صلح صلح الكلُّ، وإذا فسد فسد الكلُّ، فإذا تأثَّم القلب تأثَّم الكل.

{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وعيدٌ وتهديد

(7)

.

* * *

(284) - {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} .

{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ناسَبَ ختمُ ما في هذه السورة من الكلام المشتمِل للأحكام العديدة، والتكاليف الشديدة، بذكر أنه تعالى له ما في

(5)

في (ك): "الغفر".

(6)

في (ك) و (م): "عنها".

(7)

في (ك) و (ف): "وعيد تهديد".

ص: 230

عالَمَي الملك والملكوت، فهو يكلِّف مَن يشاء بما يشاء، ولمَّا كانت التكاليف محلُّ اعتقادها الأنفسُ قال:

{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} من السوء.

{أَوْ تُخْفُوهُ} ولا يدخل فيه الوساوس وحديثُ النفس، إذ ليس في وسعه الخلوُّ منه، ولا يكلِّف اللّه نفساً إلا وسعها، ولكنْ ما اعتقده أو عزم عليه.

{يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} قال الحسن: ليس يعاقبُ اللّه تعالى عبداً يوم القيامة أسرَّ عملاً أو أعلنه من حركةِ جوارحه، أو همَّ في قلبه، دون أن يعرِّفه إياه يوم القيامة حتى يقرِّره

(1)

، ثم يغفر ما يشاء لمن يشاء، ويعذب مَن يشاء بما يشاء

(2)

.

{فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} من أهل المغفرة.

{وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} من أهل العقوبة، وهذا صريحٌ في نفي وجوب التعذيب، وفي الآية دلالة على وقوع الحساب، فيكون حجةً على مَن أنكره من المعتزلة والروافض.

قرئ: (فيغفر

ويعذب) مجزومَين على جواب الشرط، ومرفوعَين على الاستئناف

(3)

، وتقديره: فهو يغفرُ ويعذِّب.

وقرئ: (يَغفرْ) بغير فاءٍ مجزوماً

(4)

على البدل من {يُحَاسِبْكُمْ} بدلَ البعض من الكلِّ، وبدل

(5)

الاشتمال، ومعنى الإبدال: تفصيل للإجمال الذي في الحساب؛ لأن

(1)

في (ح) و (ك) و (ف): "يقرر".

(2)

ذكره بنحوه البغوي في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية.

(3)

قرأ عاصم وابن عامر بالرفع وباقي السبعة بالجزم. انظر: "التيسير"(ص: 85).

(4)

وكذا: (ويعذبْ) بالجزم أيضاً على هذه القراءة. انظر: "المحتسب"(1/ 149).

(5)

في (م): "أو بدل".

ص: 231

التفصيل أبينُ وأوضح، فكل ما يحتاج إلى البيان يجري فيه هذا البدل اسماً كان أو فعلًا، إذ الفعل قد يُحتاج إليه احتياج الاسم.

والقراءة إظهار الراء في الجزم، وإدغام الباء، ومَن روى إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو فهو مخطئ مرتين: حيث أَلْحن لحناً فاحشاً، إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها، ثم نسبه

(1)

إلى أعلم الناس بالعربية، والسبب عدمُ ضبط الرِّواية لعدم الدِّراية.

كذا قيل

(2)

، وفيه بحث يُطلب من تفسير أبي حيان

(3)

.

{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فلا يَعجز عن الإحياء والمحاسَبة وما يَعقُبها من المغفرة والتعذيب.

* * *

(285) - {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} .

{آمَنَ الرَّسُولُ} تنصيصٌ من اللّه تعالى على صحة إيمانه عليه السلام والاعتداد به.

{بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن جبريل عليه السلام أنزل على محمد جميع القرآن إلا هذه الآيات الثلاث، فإن اللّه تعا لي أوحاها إليه عليه السلام ليلة المعراج. وبه قال الحسن ومجاهد وابن سيرين

(4)

.

(1)

في (ف): "ينسبه ".

(2)

القائل الزمخشري. انظر: " الكشاف "(1/ 330).

(3)

وقدم تعقب أبو حيان الزمخشري ورد عليه بالرواية والدراية. انظر: "البحر"(5/ 133).

(4)

انظر: "تفسير القرطبي"(4/ 491). وروى مسلم (173) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه حديثا فيه أنه صلى الله عليه وسلم أعطي في الإسراء خواتيم سورة البقرة.

ص: 232

{مِنْ رَبِّهِ} في عبارة الربِّ إشارة إلى أن في الإنزال المذكور تربيةً له عليه السلام، ولهذا كان تدريجاً.

{وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} إن عُطف {وَالْمُؤْمِنُونَ} على {الرَّسُولُ} كان التنوين في {كُلٌّ} عوضاً عن الضمير الراجع إلى {الرسولُ

والمؤمنون}؛ أي: كلُّهم آمن، ووخَد ضمير {كُلٌّ} في {آمَنَ} ليتناول كلَّ واحد فيكونَ أبلغ من الجمع.

وإنْ جُعل مبتدأً كان الضمير للمؤمنين دون الرسول، وباعتباره يصحُّ وقوع {كُلٌّ} بخبره خبرَ مبتدأ، فيكون إفراد الرسول عليه السلام بالحكم إمَّا لتعظيمه، أو لأن إيمانه عن مشاهَدةٍ وعِيَانٍ، وإيمانَهم عن نظر وبرهان، فكأنهما جنسان.

{وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} ذُكر الكتبُ بين الملائكة والرسل باعتبارِ أنها تصل منهم إليهم.

وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: {وَكُتُبِهِ}

(1)

يريد القرآنَ أو الجنس، وعثه: الكتابُ أكثرُ من الكتب

(2)

. لِمَا ذُكر من تناوُله وحدانَ الجنس، بخلاف الكتب فإنَ تناوله وحدان الجمع

(3)

.

(1)

انظر: "تفسير الطبري"(5/ 149)، و"الكشاف"(1/ 331)، والكلام منه. وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر:"التيسير"(ص: 85).

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(5/ 149)، و"الكشاف"(1/ 331).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 331)، وفيه:(فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنَّه إذا أريد بالواحد الجنس - والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها - لم يخرج منه شيء، فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع). وتعقبه أبو حيان في "البحر"(5/ 139) بقوله: (وليس كما ذكر .. )، ثم ساق بحثاً في الرد عليه، أما الآلوسي فقال في "روح المعاني" (3/ 513): (وهذا =

ص: 233

{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} ؛ أي: يقولون: لا نفرق.

وقرئ: {يُفرِّقُ} بالياء

(1)

على أن الفعل لـ {كُلٌّ} .

وقرئ: (لا يفرِّقون)

(2)

حملًا على معناه؛ كقوله تعالى: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87].

و (أَحَد) في الأصل بمعنى: وَحَدٍ، وهو الواحد، ثم وُضع في النفي العام مستويًا فيه المذكَّر والمؤنَّث والواحد و

(3)

ما وراءه

(4)

، وهذا العموم غير العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، يدل عليه أنه لا يستقيم: لا نفرق بين رسولٍ من الرسل، إلا بتقدير عطفٍ؛ أي: رسولٍ ورسولٍ.

والمراد: الفرق بالتصديق لا الفرق مطلقًا، فإن الفرق بالتفضيل والبعثة بالشريعة غير منهيٍّ عنه.

{وَقَالُوا سَمِعْنَا} أي: فهمنا؛ كما في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21]؛ أي: كان إطاعتنا عن إذعانٍ وقبول، لا عن تقليدٍ على العمياء، أو طمعًا في متاع الدنيا.

وقيل: أي: أجبنا.

= المبحث من معضلات علم المعاني، وقد فرغ من تحقيقه هناك).

(1)

هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر"(2/ 237)، وعزاها الزمخشري في "الكشاف"(1/ 331) لأبي عمرو، وهي خلاف المشهور عنه.

(2)

تنسب لابن مسعود. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 18)، و"الكشاف"(1/ 331).

(3)

الواو من (ك) و (م).

(4)

في هامش (ح) و (د) و (ف) و (م): "ذكره صاحب الكشاف في تفسير سورة الأحزاب. منه ".

ص: 234

وفيه: أن قوله: {وَأَطَعْنَا} يغني عنه، والإفادةُ خيرٌ من الإعادة، ويجوز أن يكون المراد: سمعنا قولك فيما كلَّفْتَنا وأطَعْنا أمرك في ذلك.

{غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك؛ أي: نستغفرك ولا نَكفرُك؛ أي: من التقصير في حقِّك وفي عبادتك التي لا نُوفي حقَّها.

* * *

(286) - {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} .

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} : إلا ما يسع

(1)

فيه طوقُها ويتيسَّر عليها، دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبارٌ من عدله ورأفته؛ كقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185]؛ لأنَّه كان في طاقته أن يصلِّي أكثر من الخمس، ويصومَ أكثر من الشهر، ويحجَّ أكثر من حجة، وفيه دلالة على عدم وقوع التكليف بالمحال، وأمَّا أنه ممتنعٌ فلا دلالة عليه، بل الظاهر من الإخبار عن عدم وقوعه إمكانُه.

{لَهَا مَا كَسَبَتْ} من {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} من شرٍّ، وتقديم (لها) و (عليها) على الكسب والاكتساب للتخصيص؛ أي: لا يثابُ بخيرها ولا يؤاخَذ بشرها غيرُها، بل يختصَّان بها.

(1)

في (د): "يتسع".

ص: 235

وتخصيص الكسب بالخير والاكتسابِ بالشر؛ لأنَّ الاكتساب فيه اعتمالٌ، والشرَّ تشتهيه النفس وتنجذبُ إليه، فكان أجدَّ في تحصيله وأعملَ، بخلافِ الخير.

وفيه التنبيهُ على زيادة اللطف، وكمال الفضل، حيث يُثيب على الخير كيفما وقع، ولا يُعاقبُ على الشر إلا بعد الاعتمال فيه وقوةِ التصرُّف.

{رَبَّنَا} ؛ أي: يقولون: ربنا، كما تقدَّم، وما بينهما إخبارٌ من الله تعالى، والاعتراضُ قبل

(1)

تمام الكلام كثيرٌ في القرآن.

{لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} النسيان والخطأ مَجازان من باب إطلاق اسم السبب على المسبب؛ أي: لا تؤاخذنا إنْ فرَط منا ذنبٌ بسبب النسيان أو الخطأ.

أو من بابِ إطلاق اسم المسبَّب على السبب؛ أي: لا تؤاخذنا بما أدَّى بنا إلى النسيان والخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاةٍ.

ويجوز أن يكون على حقيقتهما؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلًا، لكنه تعالى وغد التجاوز عنهما رحمةً وفضلًا، فيجوز أن يدعو الإنسان فيه استدامةً واعتدادًا بالنعمة فيه.

وقولُه عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"

(2)

يَحتمِل المعنيين

(1)

في (د): "من قبل".

(2)

رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 95)، وابن حبان في "صحيحه"(7219)، والحاكم في "المستدرك"(2851)، وابن حزم في "الإحكام "(5/ 149)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "إن الله تجاوز عن أمتي

" وصححه الحاكم وابن حزم، وقد أعله أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (1/ 431) لكن بعلة غير قادحة كما قال الحافظ في "الفتح" (5/ 161). ورواه ابن ماجه (2545) بلفظ: "إن الله وضع عن أمتي

"، لكن في إسناده انقطاع كما استظهر البوصيري في "الزوائد".

ص: 236

أيضًا؛ لأن المرفوع أثرهما لا نفسُهما، وعلى هذا يصحُّ أن يراد المعنى الأول.

{رَبَّنَا} تكرير للمنادى فلا يُخلُّ بعطف قوله: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا} على قوله: {لَا تُؤَاخِذْنَا} .

{إِصْرًا} الإصر: العبءُ الذي يَأصِرُ حاملَه؛ أي: يحبسُه في مكانه لا يستقلُّ به لثِقله، والمراد به: التكاليفُ الشاقة.

وقرئ: (ولا تحمِّل) بالتشديد

(1)

؛ للمبالغة في الطلب لا في المطلوب انتفاؤه.

{كَمَا حَمَلْتَهُ} حملًا مثلَ حملِكَ إياه {عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} من الأمم، أو: مثلَ الذي حملتَه عليهم، فيكونُ صفةً لـ {إِصْرًا} .

والمراد به ما كلِّف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطعِ موضع النجاسة، وخمسين صلاةً في اليوم والليلة، وصرفِ ربع المال للزكاة.

{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من العقوبات النازلة بالأمم السالفة، طلبوا الإعفاء عن التكاليف الشاقَّة التي كُلِّفها مَن قبلَهم، ثم عمَّا نزل بهم من العقوبات لتفريطهم في المحافظة عليها.

وقيل: هو تأكيد للأول بالتكرير.

أو المراد به: الشاقُّ الذي لا يكاد يُستطاع من التكاليف، وهذا دليل على جواز التكليف بما لا يطاق، ولم يتعيَّن هذا المعنى مرادًا من الآية حتى تتمَّ الدلالةُ فيها على جوازه.

والتشديد هنا لتعديَةِ الفعل إلى المفعول الثاني.

(1)

تنسب لأبيٍّ. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 18)، و"الكشاف"(1/ 333).

ص: 237

{وَاعْفُ عَنَّا} قال الأزهريُّ: كلُّ مَن استحَقَّ عقوبةً فتركتَها فقد عفوتَ عنه، لفظُ اللازم والمتعدِّي سواءٌ، يقال: عفا اللهُ عن العبد عفوًا، وعفَتِ الرياحُ الأثرَ عفاءً، فعَفَا الأثرُ عُفُوًّا

(1)

.

{وَاغْفِرْ لَنَا} : واستر ذنوبنا، ولا تفضحنا بكشف عيوبنا

(2)

، والعفوُ لا يستلزمُ الستر، فلا تكرار.

{وَارْحَمْنَا} : وتعطَّفْ بنا وتفضَّلْ علينا.

{أَنْتَ مَوْلَانَا} : سيدنا ونحن عبيدك، أو: ناصرُنا ومتولِّي أمورنا.

{فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} فإنَّ مِن حقِّ المولَى أن ينصُر مواليَه على الأعداء، فإن

(3)

ذلك من أمورنا التي تولاها

(4)

.

خُتمت السورة الكريمة بمثل ما بُدئت به من إثبات توحيده، وصفاتِ جلاله، والنبوَّات، والمعاد، والقضاء والقدر، في ضمن ذكر المؤمنين السامعين المطيعين، وهم المتقون الذي جُعل الكتاب هدًى لهم، وبيَّن شمول لطفه في شأن هذا النوع، وخصوصًا هذه الأمة، وجعل ختام ذلك كلِّه ما يدل على أن كمال حال المؤمن المطيع أن لا يزال مستمِدًّا من بحر جُوده بألسنة الاستعداد والحال والمقال، فبذلك ارتقاؤه في مدارج الكمال، ومعارج الجلال والجمال

(5)

.

* * *

(1)

انظر: "تهذيب اللغة"(3/ 141).

(2)

في هامش (د) و (م): "قال القاضي: بالمؤاخذة، ولا وجه له لأن الأول مغني عنه. منه ".

(3)

في (ك) و (م): "أو فإن".

(4)

في (د) و (ك) و (م): (توليها).

(5)

في (م) بدل "والجمال": "والحمد لله على التمام والصلاة على نبيه سيد الأنام وعلى آله وصحبه الكرام ما تعاقب الليالي والأيام ".

ص: 238

‌سورة آل عمران

مدنية مكيةٌ في قول عكرمةَ والحسن البصري، ومدنيةٌ في قول عامةِ أهل التفسير

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

(1 - 2) - {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} .

{الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} الأفصح أن يُوقَفَ على (ميم) كما وقِفَ على (ألف) و (الام) كما هوَ قراءةُ أبي بكرٍ في روايةٍ عن عاصمٍ

(1)

.

وأطبق سائر القراءِ على فتح الميمِ بطرحِ الهمزةِ للتخفيفِ، وإلقاءِ حركتها علَيها، وهي في حكم الوقف، والهمزةُ في حكم الثابتِ.

ومَن قال: إن الحركةَ لالتقاء الساكنينِ، لم يُردْ بالساكنينِ الياءَ والميمَ مِن (ألف لام ميم) في الوقف، بل أراد بهما الميم ولام التعريفِ، فنظيرهما النون واللام في: مَن الرجل؟ فلا يَرِدُ عليه أنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يُحرَّك في (لام)؛ لِمَا عرفت أنه اعتُبِرَ التقاءُ الساكنين من كلمتين، فما ذُكرَ ليس بنظيرٍ له؛ لأنَّه في كلمةٍ واحدةٍ، والفرقُ واضحٌ.

(1)

انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: 200)، ونسبها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: 19) لعاصم وغيره، لكن قراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجماعة، وهي بفتح الميم وإسقاط الهمزة حالة الوصل.

ص: 241

وأما قراءةُ الكسر فمما جوَّزها الأخفش، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ من السبعة

(1)

.

{الْحَيُّ الْقَيُّومُ} اسم اللهِ الأعظمُ بدلالة ما رويَ أنه عليه السلام قال: "إنَّ اسم الله الأعظم في ثلاثِ سورٍ" في البقرة: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وفي آل عمران: {الم (1)

(2)

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1 - 2]، وفي طه:{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111]

(3)

.

* * *

(3) - {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} .

{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} : القرآنَ منجمًا.

{بِالْحَقِّ} بالعدلِ، أو: بالصدق في أخباره ومواعيده، أو: بالبيِّناتِ المحقَقةِ أنه من عندِ اللهِ تعالى، وهو في موضعِ الحالِ.

(1)

انظر: "معاني القرآن" للأخفش (1/ 172)، ونسب ابن خالويه هذه القراءة إلى عمرو بن عبيد، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 19).

(2)

"الم": ليست في (ك) و (م).

(3)

رواه ابن ماجه (3856)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(177) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وتعيين الآيات في السور الثلاث لم يرد عند ابن ماجه، وليس من المرفوع، لكنه من أحد الرواة كما صرحت به رواية الطحاوي، وإن كان الطحاوي قد خالفه فيه. وروى أبو داود (1496)، والترمذي (3478) من طريق عُبيدُ الله بن أبي زياد، عن شَهر بن حوشَبٍ عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "اسمُ الله الأعْظَمُ في هاتين الآيتين (1) {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] وفاتحة سورة آل عمران {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وهو في "مسند أحمد" (27611)، لكن جاء في روايته أن الآية الأولى هي:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. وإسناده ضعيف لضعف عبيد الله بن أبي زياد، وشهر بن حوشب. ومع ذلك قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح!

ص: 242

{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الإلهية المُنزَّلةِ على الأنبياء السالفةِ عليهم السلام، الحاضرةِ عندَ نزولهِ.

{وَأَنْزَلَ} جملةً.

{التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} اسمان عبرانيان فلا يدخلُهما اشتقاقٌ عربيٌّ بنصِّ النحاة

(1)

.

ثم تكلموا فيهما على تقدير كونهما عربيين

(2)

، فالتوراةُ فَوْعَلَةٌ، أو تَفْعِلَةٌ بكسر العين، أو تَفْعَلَةٌ بفتحها، من الورى

(3)

، والإنجيل إفعيلٌ من النَّجْل

(4)

.

* * *

(4) - {مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} .

{مِنْ قَبْلُ} تنزيل القرآن.

{هُدًى لِلنَّاسِ} على العموم، واختصاصُ الكتابين المذكورين ببني إسرائيل من جهة التكليف لا ينافي عمومَهما لجنس

(5)

الإنس من جهة الهداية، فإن مَن تعبَّد بهما

(1)

في هامش (د) و (ف): "صرح بهذا أبو حيان فلا تعسف في الكلام المتعلق باشتقاقهما ووزنهما، واندفع ما وهمه الفاضل التفتازاني أن الاشتقاق المنقول عن الفريقين ينفي صحة القول بكونهما اسمان عجميان. منه ".

(2)

في (النسخ) عدا (ك): "عربيان" والمثبت من (ك).

(3)

فيها على هذا قولان: أحدهما: أنها من ورى الزندُيَرِي: إذا قدح وظهر منه النار، فكأن التوراة ضياء من الضلال، وهذا الاشتقاق قول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أنها مشتقة من ورَّى: إذا عرَّض؛ كما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورَّى بغيره؛ لأن أكثر التوراة تلويح. انظر: "البحر"(5/ 156).

(4)

وهو الماء الذي ينز من الأرض. انظر: "البحر"(5/ 156).

(5)

في (ف) و (ك) و (م): "الجنس".

ص: 243

قبل الانتساخ فقد اهتدى

(1)

وإن لم يكن من بني إسرائيل

(2)

، على أن كونهما هدايةً إلى أصول الدين لا يختص ولا يَقبل النسخ، ولهذا قال الله تعالى:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

{وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} رابع الكتب الأربعة وهو الزبور؛ لأن الظاهرَ من العطف خصوصًا مع إعادة لفظِ (أَنزل) التغايرُ بالذات.

وإنما خُصَّ بعبارة الفرقان جبراً للنقصان المتوهَّم من جهة تأخير

(3)

ذكره عن قوله: {هُدًى لِلنَّاسِ} ، فكأنه قيل: في الكتبِ الثلاثةِ شرائعُ هي هدايةٌ للناس، وفي هذا الكتاب حِكَمٌ يفرَّقُ بها بين الحق والباطل.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} من كتبه المنزَلةِ وغيرِها من المعجزات.

{لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} بنوع لا يُعرَفُ كُنْهُه من العذاب الشديد.

{وَاللَّهُ عَزِيزٌ} غالب لا يمتنع

(4)

من التعذيب.

{ذُو انْتِقَامٍ} تنكيرُهُ دل على قوته كمًّا، وقد اقترن بصفةِ العزَّةِ فدل على قوته كيفاً حيث لم يُتصور اندفاعه، ففُهم من الجملة معنى قوله: لا يقدر له انتقام لا يُقْدَر قَدْرُه من الشدة، ولا يَقْدِر على مثله مُنتقِمٌ

(5)

.

(1)

في (ك): "استهدى".

(2)

في هامش (د) و (ف): "من غفل عن هذا قال: على العموم إن فلنا: إنا متعبدون بشرع من قبلنا، وإلا فالمراد به قومهما. منه".

(3)

في (ح) و (د): "تأخيره".

(4)

في (ج) و (د) و (ك): "يمنع".

(5)

قوله: "لا يقدر له انتقام

" كذا في النسخ كلها، وعبارة الزمخشري في "الكشاف" (1/ 336): ({ذُو انْتِقَامٍ} له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم).

ص: 244

والنِّقمةُ: مطلقُ العقوبةِ

(1)

، لا عقوبةُ المجرِم خاصة، وعيدٌ جيءَ بهِ بعد تقريرِ التوحيد، والإشارةِ إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيمًا للأمر، وزجراً عن الإعراض عنه.

* * *

(5) - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} .

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} عبَّرَ عن العالم بقطريهِ، وتقديمُ الأرضِ؛ لأن المقصودَ بالذكرِ ما اقترِفَ

(2)

فيها؛ كأنه قيل: يعذبهم اللهُ الذي له كمالُ القدرةِ والغلَبةِ والعلمِ بأحوالِ العبادِ.

* * *

(6) - {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

و

(3)

{هُوَ} على الانفراد والتعيين.

{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} من الصور المختلفة، فهو

(4)

في موضع الظرف؛ أي: في أيِّ صورةٍ وعلى أيِّ هيئةٍ يشاءُ يصوركم، وقرئ:(تَصَوَّرَكم)

(5)

؛ أي: صوَّركم

(6)

لنفسه وعبادته.

(1)

في هامش (د): "نص عليه الجوهري. منه".

(2)

في (ف) و (م): "اقترن".

(3)

الواو من (ح) و (د).

(4)

في (م): "هو". وسقط من (ك).

(5)

على صيغة الماضي، وقرأ بها طاوس، "الكشاف" 1/ 336، و"المختصر في شواذ القراءات" ص 19.

(6)

في (ف) و (م): "يصوركم"، و في (د):"صورتكم".

ص: 245

{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ؛ إذ لا يعلَمُ غيرُهُ جملَةَ ما يعلَمُهُ، ولا يقدِرُ على مثل ما يفعلُهُ.

{الْعَزِيزُ} : المنيعُ في ملكه وحكمهِ.

{الْحَكِيمُ} في قولِهِ وفعلِهِ.

قيل: هذا حجاجٌ على مَن

(1)

زعم أن عيسى عليه السلام كان ربًّا، فإن وفد نجران لما حاجُّوا فيه رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نزلت السورةُ من أولها إلى نيِّفٍ وثمانينَ آية تقريرًا لِمَا احتَجَّ به عليهم، وأجابَ عن شُبهتهم

(2)

.

* * *

(7) - {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} .

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ} في موضع النصبِ بالحالِ من {الْكِتَابَ} ، أو كلامٌ مستأنفٌ موضِّحٌ لحالِهِ.

{الْكِتَابَ} أُحكِمت بظهورِ دلالتها على المعنى المراد.

{هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} ؛ أي: أصله الذي تحمَلُ المتشابهاتُ عليهِ، وترَدُّ إليهِ

(3)

، وإنما أفرد

(4)

الأم تجريدًا للكلامِ؛ للدلالةِ على ما يساق له.

(1)

في (ح) و (د): "حجاج من" والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(2/ 6).

(2)

انظر الخبر في "تفسير الطبري"(5/ 171)، و"سيرة ابن هشام"(1/ 537).

(3)

في (م): "عليه ".

(4)

في (ح): "انفرد".

ص: 246

{وَأُخَرُ} : جمعُ أُخرى. وإنما لم ينصرف لأنَّه وصفٌ معدولٌ عن الآخِرِ، وإلا يلزمُ منهُ معرفتُهُ؛ لأن القياسَ أن يعرَّفَ ولم يعرَّفْ، لا أنه في معنى المعرَّفِ، أو عن (آخَر مِن)

(1)

.

{مُتَشَابِهَاتٌ} : محتملاتٌ لأكثرَ من معنًى واحد، أو غيرُ ظاهر الدلالة

(2)

، وفائدته: بعثُ النفوس على النظر والتفكُّرِ، وتحريضُ القلوبِ على التأملِ والتدبرِ؛ لتتمرنَ

(3)

في الاستدلالِ واستخراجِ الدقائقِ، وإبرازِ مكنونات الحقائق، ويزدادَ حرصهم على تحصيلِ العلوم المتوقِّفِ عليها استنباطُ المرادِ من المتشابهاتِ، والتوفيقُ بينها وبينَ المحكمات، فإن الإنسان بذلكَ ينالُ من الثوابِ والدرجاتِ ما لا يُنال بالتقلُّبِ في العباداتِ، والمواظبةِ على سائرِ القُربات.

ومَن وهَمَ أنه لو كان كلهُ محكمًا لتعطل الطريقُ الذي لا يُتوصَّلُ إلى معرفةِ اللهِ تعالى إلا به فقَدْ وهِمَ؛ إذ لا يلزم من تركِ التأمُّل في معرفةِ معاني الألفاظِ تركُهُ في ترتُّبِ

(4)

البعضِ على البعض، واستنباطِ ما فيها من العللِ والنكاتِ والفروعِ، وغيرِ ذلك.

وأما المرادُ من المحكم في قوله: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1]: المحفوظُ مِن فسادِ المعنى، وركاكةِ اللفظِ، ومن المتشابهِ في قوله:{كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]: المشْبِهُ بعضه بعضًا في صحة المعنى، وجزالةِ اللفظِ.

(1)

ووجهه: أنّ أصل باب التفضيل أن يستعمل بـ (مِن)، ويستغنَى به عن جمعه، فلما خالفه جعل معدولاً عنه. انظر:"حاشية الشهاب على البيضاوي"(2/ 6).

(2)

في هامش (د) و (ت): "وعدم ظهورها قد يكون للإجمال وقد يكون لأمر آخر، فمن اقتصر على ذكر الأول فقد قصر. منه".

(3)

في (ك) و (م): "ليتميزن".

(4)

في (ف) و (ك) و (م): "ترتيب".

ص: 247

{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : ميلٌ عن الصواب وتعرُّفِ الحقِّ. تفريعٌ على ما فُهمَ مما تقدمَ من أن في المتشابهاتِ مجالَ الصرفِ عن الحق، كما أن فيهِ مجالَ الردِّ إليه، وإما لتفصيلِ حالِ الفريقين السالكَين مسلكَي الصرفِ عنه والصرف إليه، وإنما اقتصر على ذكرِ الأول منهما لظهورِ حالِ الثاني.

{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} : فيتعلقون بالمتشابه المحتَمِلِ لمَا يطابقُ أهواءَهم

(1)

، ولا يلتفتون إلى المحكَماتِ، وكان حقَّهم أن يتَّبعوها.

{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} : طلبَ أن يَفتنوا الناسَ، ويُضلُّوهم عن الحقِّ.

{وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} بما يطابقُ عقيدتَهُم. قدَّمَ الأولَ لأنَّه الغرضُ، وهذا وسيلةٌ إليه.

{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} الذي يجبُ أن يُحمَلَ عليهِ

(2)

.

{إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ} : والذين رسخوا؛ أي: ثبتوا وتحقَّقُوا {فِي الْعِلْمِ} وتمكَّنوا منه.

ومَن وقفَ على {إِلَّا اللَّهُ} فسَّرَ المتشابه بما استأثر

(3)

الله تعالى بعلمه، وبمعرفةِ الحكم فيه من آياته، ولم يُطْلعْ عليه أحدًا.

لا يقال: لو لم يكن للراسخين حظٌّ من علم المتشابه إلا أن يقولوا: {آمَنَّا بِهِ

(4)

كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} لم يكن لهم فضلٌ على الجهَّالِ؛ لأنهم أيضًا يقولون ذلك.

(1)

في (ف): "بالمتشابه المطابق لما يحتمل أهواءهم".

(2)

في هامش (د) و (ف) و (م): "من قال: أي: لا يهتدي إلى تأويله، فقد ضل؛ لأن الاهتداء لا يجوز إسناده إليه تعالى. منه ". وفيه رد بل تشنيع على الزمخشري القائل للعبارة المذكورة.

(3)

في (ح) و (د) و (م): "استأثره ".

(4)

في النسخ: "آمنا بالله "، والمثبت هو الموافق للآية.

ص: 248

لأنَّا نقول: ليس الكلام في إثبات الفضيلة لهم، بل في بيانِ اختصاصِ علم المتشابهات بالله تعالى.

فالمعنى؛ أن الراسخين مع ما فيهم من المزيَّة والفضل يقفون عند التصديق الإجمالي، ولا يتجاوزون عنه إلى حد التفصيل بالتفسير أو التأويل، فكيف مَن دونَهم

(1)

؟.

{يَقُولُونَ آمَنَّا} : كلامٌ مستأنَفٌ موضِّحٌ لحال الراسخين، أو حالٌ منهم، وخبرٌ إن جُعلَ {وَالرَّاسِخُونَ}: مبتدأً.

{بِهِ} : بالمتشابهِ، أو بالكتابِ.

{كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، أي: كلٌّ من المحكم والمتشابه منزَّلٌ من اللوح المحفوظِ عندَهُ تعالى.

{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} : مسرودٌ على سبيلِ المدحِ للراسخِين المحقِّقين في العلم، وإيماءٌ إلى أنهم جرَّدُوا عقولهم من قشر الأوهام والخيالات، وشَوبِ الأهواء والعادات، فهُمْ أهل اللبِّ الخالصِ، لا يحومُ غيرُهم حول التذكُّرِ والتفكُّرِ.

* * *

(8) - {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} .

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} مِن مقال الراسخينَ، وما بينَهُما اعتراضٌ، ويحتَمِلُ الاستئنافَ على إضمارِ: قولوا، والمعنى: لا تُمِلْ قلوبَنا عن نهج الحق إلى اتِّباعِ المتشابهِ بتأويلٍ باطلٍ.

(1)

في هامش (د) و (ف) و (م): "وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم. منه".

ص: 249

قال عليه السلام: "قلبُ ابنِ آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أزاغه عنه"

(1)

.

وقيل: لا تبتلِ ببلايا تُزيغُ فيها قلوبنا.

{بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} وإلى الحق، ويندرِجُ فيه الإيمانُ بالقسمين اندراجًا أوليًّا، و {بَعْدَ} نصبٌ على الظرفِ، و {إِذْ} في موضعِ الجر بإضافتهِ إليهِ، وقيلَ: إنهُ بمعنَى (أنْ).

{هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} وترشِدُنا بها إلى كل خيرٍ وصلاحٍ، وتعصِمُنا بها عن كلِّ شرٍّ وفسادٍ.

{إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} : كثيرُ الهبةِ، وهي ما ليسَ على الفاعل فعلُهُ، ولا دلالة فيه على ما هو الحقُّ في الخلافيةِ المشهورةِ؛ لأنَّ المعتزلة لا ينكرونَ الإفضالَ بعدَ أداء الواجبِ.

* * *

(9) - {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .

{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ} والمراد منَ اليومِ: واقعةُ القيامةِ، والتنكيرُ للتهويلِ.

{لَا رَيْبَ فِيهِ} : في وقوعه.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ؛ أي: للداعين بالإجابةِ، وللمُطيعينَ بالإثابةِ، أو إقامةِ القيامةِ.

(1)

انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 7). ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف"(30407) من حديث عائشة رضي الله عنها، والطبراني في "الكبير"(865) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

ص: 250

و

(1)

كما وضِعَ {أُولُو الْأَلْبَابِ} موضعَ: أولئكَ؛ للمدحِ، أو

(2)

التسجيلِ باللبِّ على طريقة الالتفات من الخطابِ إلى الغَيبةِ، وضِعَ:{إِنَّ اللَّهَ} موضَعَ: إنك؛ للتعظيم

(3)

.

وأما إفادةُ معنى التنافي بين الألوهية وخُلفِ الميعادِ فمدارُه على التعبيرِ بالاسمِ المذكورِ، لا على الالتفاتِ، غايتُهُ وجِدَ التعبيرُ المذكورُ هنا

(4)

في ضمنِهِ.

* * *

(10) - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار} .

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني: برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

{لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} من جهةِ رحمتِهِ وطاعتهِ، كأنه قالَ: لا تقومُ بدل رحمته أو طاعتِهِ فتغنيَ عنهم إغناءَهما

(5)

.

{وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} حطبُها، وقرئ بالضم؛ بمعنى أهلُ وقودها

(6)

.

(1)

الواو ساقطة من (ف) و (ك) و (م).

(2)

في (ك) و (م): "و".

(3)

في هامش (د) و (ف): "يدل على ذلك أنه لو قيل: إنه لا يخلف الميعاد يوجد الالتفات ولا توجد تلك الفائدة، ولو كان سياق الكلام: إنه جامع الناس ليوم لا ريب فيه، لكانت الفائدة المذكورة موجودة ولا التفات. منه".

(4)

كلمة: هنا سقط من (ف).

(5)

في هامش (د): "وأما النقل فلم يثبت، وعبارة التحويل الواقعة في قول الفراء - على ما نقله الجوهري عنه - ليست بنص فيه؛ لأنَّه يوجد بغلبة المجاز على الحقيقة. منه ".

(6)

تنسب للحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 19)،=

ص: 251

(11) - {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} متصلٌ بما قبله؛ أي: لن تغنيَ عنهم كما لم تغنِ عن أولئك، أو

(1)

: توقد بهمْ كما توقَدُ بأولئك.

أو استئنافٌ مرفوعُ المحلِّ تقديره: دأبُ هؤلاء كدأبهم في الكفرِ والعذابِ، وهو مصدَرُ دأَبَ في العملِ: إذا كدَحَ فيه، ثم غلَبَ استعماله في معنى الشأنِ.

{وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : عطفٌ على {آلِ فِرْعَوْنَ} ، أو استئنافٌ.

{كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} : حالٌ بإضمار (قد)، أو استئنافٌ بتفسير حالهم، وخبرٌ على تقديرِ الابتداء بـ (الذين).

{وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} تهويلٌ للمؤاخذةِ، وزيادةُ تخويفٍ للكفرةِ

(2)

.

* * *

(12) - {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} .

{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ أي: لمشركي مكةَ، وقيل: لليهودِ.

{سَتُغْلَبُونَ} يوم بدر، أو بقتل قريظةَ، وإجلاءِ بني النضيرِ، وفتحِ خيبرَ، وضربِ الجزية على مَن عَدَاهم {وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} وقرئ بالياء فيهما على الغيبة

(3)

: الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الخطاب بلفظه.

= و"تفسير القرطبي"(4/ 34).

(1)

في (ف): "أي ".

(2)

في (م): "للكفر".

(3)

وهي قراءة حمزة والكسائي، والباقون بالتاء. انظر:"السبعة"(ص: 201)، و"التيسير" (ص: 86).

ص: 252

{وَبِئْسَ الْمِهَادُ} : تمامُ ما يقال لهم، أو استئناف؛ أي: بئسَ المهادُ جهنَّمُ، أو ما مهَدُوا لأنفسهم، وفي عبار المهادِ تهكُّمٌ بهم.

* * *

(13) - {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} .

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} : الخطابُ لقريشٍ أو لليهود

(1)

، وقيلَ: للمؤمنين.

{فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} يومَ بدرٍ.

{فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} : صحَّ الابتداءُ بالنكرةِ؛ لأنهُ في موضعِ تفصيلٍ، وثمةَ صفةٌ محذوفةٌ تقديرُها: فئةٌ مؤمنةٌ تقاتلُ في سبيلِ اللهِ، {وَأُخْرَى} معطوفةٌ على {فِئَةٌ} تقديرُهُ: وأخرى كافرةٌ تقاتِلُ في سبيلِ الطاغوتِ

(2)

. حذِفَ عن الجملة الأولى ما أُثبِتَ مُقابلَهُ في الجملةِ الثانيةِ، وعن

(3)

الثانية ما أثبت مقابله

(4)

في الأُولى، وهذا من الاختصاراتِ البليغةِ.

{يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ} ؛ أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثلَي عددهِمْ، وكانوا ثلاث مئةً وبضعةَ عشَرَ، أو مثلي المشركين؛ وكانوا قريبَ ألف.

وهذا لا يُنافي قولَهُ تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا

(1)

في (م): " اليهود".

(2)

في (م) زيادة: "كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} ".

(3)

في (ك) و (م): "ومن".

(4)

في (د): "مقامه".

ص: 253

وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44] لأنَّه يجوزُ أن يكونَ التقليلُ من جهة العُدَدِ فلا

(1)

ينافي التكثيرَ من جهة العَددِ، ويكونانِ في حالةٍ واحدةٍ كيلا يجبُنوا كلَّ الجبنِ فيُحجموا

(2)

عن القتالِ، ولا يجترئوا كلَّ الجرأةِ، فيشتدَّ الأمرُ. وهذا أولى منَ التوفيقِ بينهما بأن التقليلَ كان في أولِ الملاقاةِ والتكثيرَ بعدَ ذلكَ.

أو يَرى المؤمنون المشركين مثلَي المؤمنين، وكانوا ثلاثةَ أمثالهم، ليَثبُتوا لهم، ويتيقَّنوا بالنصرِ الموعودِ في قولهِ تعالى:{فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66]، والقراءة بالتاء الفوقانية

(3)

تؤيد هذا إن كان الخطاب للمؤمنين

(4)

، وتؤيد المعنى الأول إن كان الخطاب لقريش.

وقرئ بهما

(5)

على البناء للمفعول؛ أي: يريهم الله أو يريكم ذلك بقدرته

(6)

.

وقرئ: (فئةٍ) بالجر

(7)

على البدل من {فِئَتَيْنِ} ، والنصبِ على المدحِ (وأخرى كافرةً) على الذم، أو الحالِ من فاعل {الْتَقَتَا}

(8)

.

(1)

في (د): "ولا".

(2)

في (د): "فيجبنوا".

(3)

قرأ نافع: (ترونهم) بالتاء، والباقون بالياء. انظر:"التيسير"(ص: 86).

(4)

في هامش (د) و (ف): "لا على الاختصار لأنَّه لا يكون نكرة ولا مبهمًا. منه ".

(5)

أي: بالياء والتاء.

(6)

قرأ ابن عباس وطلحة: (تُرَونَهم) بتاء مضمومة للخطاب، وقرأ السلمي:(يُرَونهم) بياء الغيبة. انظر: "البحر المحيط"(5/ 216). وعكسهما في "المحرر الوجيز"(1/ 406).

(7)

تنسب لمجاهد والحسن والزهري وحميد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 19)، و"البحر المحيط"(5/ 216).

(8)

انظر: "الكشاف"(1/ 340)، "البحر المحيط"(5/ 216).

ص: 254

{رَأْيَ الْعَيْنِ} : لا بد من صرفه عن ظاهره؛ لأن الرؤية بمعنى الإبصارِ لا يتعدى إلى المفعولين، و {مِثْلَيْهِمْ} مفعولٌ ثانٍ لا حالٌ؛ لعدمِ ثبوتِ تلكَ الحال في الواقعِ لواحدةٍ

(1)

من الفئتين، فالمرادُ: معناه المجازيُّ؛ وهو العلمُ الحاصلُ بسببِ رؤيةِ العينِ.

{وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} نَصرَه كما إيَّدَ أهلَ بدرٍ.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ} ، أي: فيما ذُكرَ مِن غلبةِ المسلمين - على قلَّتِهم وضعفِهم - الكافرينَ - على كثرتهم وشوكتهم - بالكيفيةِ المذكورةِ. {لَعِبْرَةً} : لعظةً.

{لِأُولِي الْأَبْصَارِ} : لذوي البصائرِ، أو لمن أبصرهم

(2)

.

* * *

(14) - {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} .

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} ؛ أي: المشتهَياتِ، سمَّاها شهواتٍ مبالغةً وإيماءً إلى أنهم انهمكُوا في محبَّتها حتى أحبُّوا شهوتَها، وهيَ

(3)

تَوَقانُ النفسِ إلى الشيءِ.

والمزيِّنُ في الحقيقةِ هوَ الشيطان؛ لأن التزيينَ صفة تقومُ بهِ، فمَن قالَ: المزيِّنُ هو الله تعالى لأنَّه الخالقُ للأفعال والدواعي؛ فقدْ أخطأ في المدَّعَى، وما أصابَ في الدليلِ، على ما سبق تفصيله في تفسيرِ سور البقرة.

(1)

في (ك) و (م): "لواحد".

(2)

في (ف): "بصرهم".

(3)

في (ف): "وهو".

ص: 255

وإنما سلَّطهُ اللهُ تَعَالى على تزيينِ ما ذُكرَ لأنَّه من أسبابِ التعيُّشِ وبقاءِ النوعِ.

{مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ} القناطيرُ: جمعُ القنطارِ، وهو المال الكثير، و {الْمُقَنْطَرَةِ} مأخوذةٌ منهُ للمبالغةِ؛ أي: مِن شأن العرب أن يشتقُّوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغةَ في وصفِهِ ما يُتبِعونه به تأكيدًا وتنبيهًا

(1)

على تناهيهِ، مِن ذلكَ: ظلٌّ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياءُ، وبَدْرةٌ مبدَّرةٌ

(2)

.

ويحتمِلُ أن يكونَ مِن قنطرتُ الشيء: إذا رفعتَهُ، ومنهُ القنطرة؛ لأنهُ بناءٌ مشيَّدٌ

(3)

.

{مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} : والخيلُ: الأفراسُ، سميت خيلًا لاختيالها في مشيها

(4)

، والمسوَّمةُ: المعلَّمةُ؛ منَ السُّومة

(5)

وهي العلامةُ، أو المرعيَّةُ؛ مِن أسام الدابَّةَ وسوَّمها، أو المطهَّمةُ؛ أي: تامةُ الخلقِ

(6)

، من السَّومة؛ لأنها كأنها علَمٌ في الحسن، أو من السَّومِ في البيع لأنها تُسام كثيرًا.

{وَالْأَنْعَامِ} : الإبل والبقر والغنم.

{وَالْحَرْثِ} هو إلقاءُ البذرِ وتهيئةُ الأرضِ، والزرعُ: مُراعاتُهُ وإنباتُهُ، ولهذا

(1)

في (د): "أو".

(2)

البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، ومبدَّرة: كاملة. انظر: "القاموس"(مادة: بدر)، و"نواهد الأبكار"(2/ 498).

(3)

في (د): "شيد".

(4)

في (ف) و (م): "مشيتها".

(5)

في (ف) و (ك) و (م): "الوسمة"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر. انظر:"الكشاف"(1/ 543)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 8)، و"البحر"(5/ 227).

(6)

في (ف): "الخلقة".

ص: 256

قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63] فأثبتَ لهم الحرثَ، ونفَى عنهم الزرعَ

(1)

.

{ذَلِكَ} : إشارةٌ إلى ما ذكِرَ.

{مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} المتاعُ: ما يُستنفَعُ به مدةً ثم يفنى.

{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} : المرجعُ، وفي الإشارةِ بـ {ذَلِكَ} إشارةٌ إلى بُعدِ تلكَ المشتهيات من الله تعالى، وتقديمُ اسمِ الله تعالى على ما عنده تقرير لذلكَ البعدِ بتخصيصِ غيرِهِ بهِ.

وذِكرُ الحُسنِ وتقديمُ الظرفِ عليه إشارة إلى أن الحُسنَ يختَصُّ بالعنديةِ، وإيماءٌ إلى قبحِ

(2)

الشهواتِ البعيدة، والمقصودُ التحريضُ على إثبات ما عندَهُ هن اللذَّاتِ الحقيقيَّة الأبديةِ على الشهواتِ الناقصةِ الفانيةِ.

* * *

(15) - {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} .

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} : تقرير لخيريةِ ما عند اللهِ تعالى هن مستلذات الدنيا.

(1)

في هامش (د): "أقول: المراد هنا من الحرث: الزرع؛ لأن حب الشهوات فيه لا في إلفاء البذر وتهيئة الأرض، وقال ذلك المولى في قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} الحرث هو الزرع، ومن هذه الآية يفهم أن الحرث هو الزرع المناسب للهلاك كما لا يخفى". وفي هامش (ح) و (د) و (ف): "هو الفرق بين الحرث والزرع ذكره الراغب، ومن لم يفرق بينهما كالجوهري ومن حذا حذوه لم يصب. منه".

(2)

في (ف): "قبيح".

ص: 257

{لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} : استئنافٌ لبيانِ ما هو خيرٌ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ اللامُ بـ (خيرٍ)، وترتفِعُ {جَنَّاتٌ} على: هوَ جنَّاتٌ، ويؤيدُهُ قراءةُ مَن جرَّها بدلًا مِن (خير)

(1)

.

{وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} : قد سبقَ تفسيرُهُ في سورةِ البقرةِ.

{وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} : جمعٌ بينَ التكثيرِ المستفادِ من التنكيرِ، والتشريفِ المستفادِ مِن قولهِ:{مِنَ اللَّهِ} ، فهوَ أبلَغُ مِن: رضوانُ اللهِ.

{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} ؛ أي: يثيبُ ويعاقبُ على استحقاقهم، أو: بصيرٌ بالذينِ اتقَوا وبأحوالهِم، فلذلكَ أعدَّ لهم الجناتِ على حسبِ درجاتهم.

* * *

(16) - {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .

{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} : نصبٌ على المدحِ، أو رفعٌ عليهِ، أو جرّ صفةً للمتَّقين أو العبادِ.

{فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : في ترتيبِ السؤالِ على مجردِ الإيمان دلالة على أنه وسيلةٌ كافيةٌ في طلبِ المغفرةِ.

* * *

(17) - {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} .

{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} : حصرٌ لمقاماتِ السالكِ على أحسن ترتيبٍ، فإن معاملته مع اللهِ تعالى إما توسُّلٌ وإما طلبٌ.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 19)، و"البحر المحيط"(5/ 231).

ص: 258

والتوسلُ إما بالنفسِ وهوَ منعُها الرذائلَ، وحبسُها على الفضائلِ، والصبرُ يشملُهما، وإما بالبدنِ، وهو إما قوليٌّ وهو الصدقُ، وإما فعليٌّ وهو القنوتُ الذي هو ملازَمةُ الطاعةِ، وإما بالمالِ وهو الإنفاقُ في سبيل اللهِ

(1)

.

وأما الطلبُ فهوَ الاستغفارُ؛ لأنَّ المغفرةَ أعظمُ المطالب، بل الجامعُ لها، وتوسيطُ الو أو بينها للدلالةِ على أنهم جامعون لها، وأما دلالتُهُ على استقلالِ كل منَ المعطوفَين فغير مسلَّمةٍ؛ فإن دلالتها على الانضمامِ على ما يأتي في تفسيرِ سور التوبةِ

(2)

.

وتخصيصُ الاستغفارِ بالأسحار؛ لأنها أصفى أوقات العبادة

(3)

، فإنهم كانوا يتهجَّدُون قوَّامين بالليل يتقربون إلى الله تعالى، فيكونُ طلب الحاجة بعدَهُ أحسنَ وأقربَ إلى الإجابة

(4)

؛ لتعاضد الأمرينِ: صفاءِ الوقتِ، والتقربِ إلى الله

(5)

بالطاعةِ {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].

* * *

(18) - {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : بيَّنَ وحدانيته بنصبِ الدلائلِ الدالةِ عليها، وإنزالِ الآياتِ الناطقةِ بها.

(1)

في (ك) و (م): "الخير".

(2)

في هامش (د) و (ف): "ذهب القاضي فيه هنا إلى أن دلالته على الاستقلال، وصرح في تفسير سورة التوبة بخلافه. منه".

(3)

في (ح) و (د): "العباد".

(4)

في (د) و (ف): "الحاجة".

(5)

"إلى الله" من (م).

ص: 259

{وَالْمَلَائِكَةُ} بالإقرارِ.

{وَأُولُو الْعِلْمِ} منَ الثقلَين بالاحتجاج عليها، شُبِّه ذلك في البيانِ والكشفِ بشهادةُ الشاهدِ. والدلالةُ والإقرارُ والاحتجاجُ من أفراد

(1)

معنىً مجازي هوَ الأمرُ المشبَّهُ بالشهادةِ، لا معانٍ

(2)

مجازية ليمتنع الجمعُ بينها في الإرادة.

وإنما لم يعتبَرْ تقديرُ فعلٍ آخرَ ليكونَ الأولُ مجازًا والثاني حقيقةً؛ لأنَّه خلافُ الظاهرِ، معَ الغُنيةِ عنهُ بالمجازِ المستفيضِ.

{قَائِمًا بِالْقِسْطِ} : بالعدلِ في قسمةِ الأرزاقِ والآجالِ والعقابِ، وتعيين الشرائع والأحكام بين العباد.

وانتصابُهُ على الحال مِن {هُوَ} ، والعاملُ معنى الجملةِ، أي: تفرَّدَ قائمًا، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأنهُ أقربُ وأدلُّ على المقصودِ؛ أعني: دخول التعديل تحت الشهادة كالتوحيد، وأوفقُ بما عليه غالب الاستعمال من كون

(3)

الحالِ المؤكِّدةِ عَقيبَ الجملةِ الاسميةِ.

وأما انتصابه على المدحِ نكرةً، والمنتصِبُ عنه معرفةٌ، فيمنعُهُ القياسُ، ولم يَرِدْ به الاستعمالُ.

وقرئ: (القائمُ بالقسط)

(4)

على البدلِ مِن (هو)، أو الخبرِ لمحذوفٍ

(5)

.

(1)

في (ح) و (د): "إقرار".

(2)

في (م): "معاني".

(3)

قوله: "التعديل تحت الشهادة كالتوحيد وأوفق بما عليه غالب الاستعمال من كون" من (م).

(4)

تنسب لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر: "تفسير القرطبي"(5/ 67)، و"البحر"(5/ 249).

(5)

في (ح) و (ف): "المحذوف"، وفي (د):"محذوف".

ص: 260

{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} كرَّرهُ ليؤكِّدَ المشهودية على ما هو عليه في نفس الأمرِ، ويقرِّرَ أنَّ الأصل في الدين هو التوحيدُ، والعدلُ لازمٌ له لزومَ الظل للذات، ولهذا أكَّدهما بقوله:

{الْعَزِيزُ} ؛ أي: الغالبُ بوحدتِهِ على كل شيءٍ، لا يغالبُه شيءٌ فيكونَ إلهًا.

{الْحَكِيمُ} : الذي يؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ولا يعدل عن العدلِ في إفضالِهِ.

فهما صفتان مقررِّتان لهما، ورفعُهما على البدلِ من الضميرِ، أو الصفةِ لفاعلِ {شَهِدَ} .

* * *

(19) - {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} كلامٌ مستأنَفٌ؛ لأنهُ لما قرَّرَ أصلَ الدين وأساسَهُ باطنًا وظاهرًا وهوَ التوحيدُ والعدلُ، اتَّجهَ أن يقال: فما الدينُ الذي يجبُ أن يُتديَّنَ به بعدَ هذا الاعتقاد؟

فأُجيبَ: بأن الذي يستأهلُ أن يُسمَّى دينًا ويعتَدَّ به عندَ اللهِ، ويُقبلَ هوَ الشرعُ الذي جاء به محمدٌ عليه السلام

(1)

.

وقرئ بالفتحِ

(2)

على أنهُ بدلٌ مِن {أَنَّهُ} بدلَ اشتمالٍ

(3)

.

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "فالترتيب بحسب التقرير ومن لم يتنبه له تكلف في توجيهها. منه".

(2)

وهي قراءة الكسائي، وقرأ باقي السبعة بكسر الهمزة. انظر:"التيسير"(ص: 87).

(3)

في (د): "الاشتمال".

ص: 261

وقرئ: (إنه) بالكسر و (أنَّ) بالفتح

(1)

على وقوعِ الفعلِ على الثاني، واعتراضِ ما بينَهُما، أو إجراءِ {شَهِدَ} مُجرى قال تارًة، وعلِمَ أُخرى لتضمُّنهِ معناهما.

{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} مِن اليهودِ والنصارى.

{إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} : من بعدِ ما تمكَّنوا من العلمِ بحقيقة الأمر بالآياتِ البيناتِ، لا خَفاءَ في أن المراد اختلافُهم فيما بينهم على ما دلَّ عليه قولُهُ:

{بَغْيًا بَيْنَهُمْ} حسدًا وطلبًا للرئاسةِ. انقسمتِ اليهودُ إلى قرائيِّ وربانيٍّ وسمرة

(2)

، وانقسمت النصارى إلى ملكِيٍّ ويعقُوبِّي ونسطُوريٍّ، وكلُّ طائفةٍ تكفِّرُ مَن خالفها بعد أن كانت اليهودُ أمةً واحدةً، والنصارى كذلك، وقد تمكَّنُوا من العلم بحقيقةِ الأمر بالكتبِ المنزلةِ عليهِم من التوراةِ والزبورِ والإنجيلِ.

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ} : يرشدُكَ هذا إلى أنَّ المراد مِن مجيءِ العلمِ مجيءُ ما يفيد

(3)

من الآياتِ.

{فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ؛ أي: لا يهمِلُ في جزائهِ ولا يمهلُ، فإن الحسناتِ كنايةٌ عن عدمِ الإهمالِ في الجزاء، وسرعتُهُ كناية عن عدم الإمهال

(4)

في الإيصالِ، وهذا آيةُ وعيدٍ شديدٍ في الغاية.

* * *

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 345).

(2)

"وسمرة" سقط من (ك) و (م). ولعل المراد به السامرة، وهي قبيلة من اليهود تخالفهم في بعض دينهم. انظر:"اللسان"(مادة: سمر).

(3)

في (د) و (ك) و (م): "يفيده".

(4)

في (ف) و (ك) و (م): "الإهمال".

ص: 262

(20) - {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} .

{فَإِنْ حَاجُّوكَ} فإن جادلوك

(1)

، ولم يقل في ماذا؛ للتنبيهِ

(2)

من الجوابِ أنه في الدينِ.

{فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} : أخلصت نفسي وجملَتي لهُ لا أشركُ فيها غيره.

فالوجهُ مجازٌ عن نفسِ الشيءِ وذاتِهِ كما في قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، أو عن جملةِ الشخص تعبيرًا عن الكلِّ بأشرف الأجزاءِ، والمقصودُ المبالغة بجعل كلِّ البدن محلًّا للإخلاصِ.

والفاءُ للترتيب على ما فُهمَ مما تقدَّمَ من أن اختلافهُمْ في الدين لغرضٍ دنيويٍّ لا لإظهار الحقِّ وإزالة الشبهةِ، فلا تجدي المجادلَةُ معهم والاحتجاجُ عليهم، ولهذا أمرَهُ عليه السلام بالجوابِ المفصِح عن الإعراضِ عن محاجتهم.

{وَمَنِ اتَّبَعَنِ} : في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ لدلالة ما قبلَهُ عليه، تقديره: أسلَمَ وجهه للهِ، ولا يجوز عطفُهُ على الضميرِ في {أَسْلَمْتُ} ؛ لاستلزامهِ المشاركة في المفعولِ، ولا صحةَ لها، وحملُ الواوِ على معنى (مع) لا يفضي إلى ذلك، إلا أن

(3)

حق (مع) أن تدخُلَ المتبوعَ

(4)

.

{وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} الذينَ لا كتاب فيهم كمُشركي العربِ.

(1)

"فإن جادلوك ": ليست في (ك) و (م).

(2)

في (ك) و (م): "ليبينه".

(3)

قوله: "إلا أن" كذا في النسخ، ولعل الصواب:(لأن).

(4)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "لأن مدلول مع مجرد المصاحبة، دل عليه قول عائشة رضي الله عنه كنا نختص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث مذكور في صحيح البخاري. منه ".

ص: 263

{أَأَسْلَمْتُمْ} : استفهامٌ فيهِ استقصارٌ وتعبيرٌ بالمعاندةِ، أي: قد جاءكُم من البيناتِ ما يوجب الإسلامَ، ولم يبقَ معه شبهةٌ، فهل أسلمتُم أم أنتم بعدُ على كفركم وعنادِكم؟

{فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} : فقد نفعُوا أنفسهم بإخراجِها من ظلمة الضلال إلى نور الهدى.

{وَإِنْ تَوَلَّوْا} فلم يضرُّوكَ.

{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} : فإن الرسولَ ما عليه إلا البلاغ، وقد أبلغتَ، وبالغتَ في الحجةِ.

{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} : وعدٌ للرسول، ووعيدٌ لهم.

* * *

(21) - {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} .

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} في

(1)

سورة البقرةِ {بِغَيْرِ حَقٍّ} ، أي: بغيرِ الحق الذي حدَّهُ الله تعالى وأذِنَ فيهِ، والنكرةُ هاهنا على معنى أنَّ القتل يكونُ بوجوهٍ من الحقِّ، فمعناهُ: يقتُلون بغير حقٍّ

(2)

من تلك الحقوقِ.

{وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} قرأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثمَّ قالَ: "يا أبا عبيدةَ! قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلًا من عبَّاد بني إسرائيل فأمروا مَن قتلهم بالمعروف

(1)

في (م): "قد مر في".

(2)

في (م): "الحق".

ص: 264

ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذكره الله تعالى"

(1)

.

وفائدة البيان بقوله: {مِنَ النَّاسِ} للتنبيهِ على أنهم قُتِلوا لأمرهم بالقسطِ، لا لخصوصيةٍ فيهم.

ووجهُ المضارعِ الدالِّ على الاستقبال أو الحال مع أن قتلَ الأنبياء إنما كان فيما مضى: أنَّ أوائلَ أهل الكتابِ قتلوا

(2)

الأنبياءَ وأتباعهم الآمرينَ بالقسطِ، والمعاصرين

(3)

راضون بذلكَ، وقاصدون قتلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنينَ، وذلك في حكم القتلِ، فكانوا مستمرين على قتل الأنبياء وأتباعهم، فصحَّ المضارع الدالُّ على الاستمرارِ، ويكون الحكمُ بالقتل على المعاصرين بقرينةِ قوله:

{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} لا على المجموعِ ليَلزم الجمعُ بينَ الحقيقة والمجاز على أن الماضين قد انقرضوا، والمعاصرين لم يباشروا، فالاستمرارُ على القتل في الكلِّ أيضًا مجاز فلا جمعَ.

* * *

(22) - {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} .

وقد منعَ سيبويهِ إدخالَ الفاء في خبر (إنَّ) كـ (ليتَ) والعلَّ)، ولهذا قيلَ: الخبر

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(5/ 291) من حديث أبي عبيدة رضي الله عنه. قال ابن حجر في "الكاف الشاف"(ص: 25): فيه أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول.

(2)

في (د): "قتل".

(3)

في (ك): "والمعاصرون".

ص: 265

{أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} كقولك: زيدٌ فافهَم رجلٌ صالح، والفرقُ أن (إنَّ) لا تغتر معنى الابتداءِ، بخلافِ (ليت) و (لعل).

{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} ؛ أي: لا ينالون بها نفعًا لا في الدنيا، ولا في الآخرة.

{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} يدفعُ عنهم العذابَ، واعتبرَ مقابلةُ الجمعِ بالجمعِ، وإلا فنفيُ المفردِ أبلغُ.

* * *

(23) - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} .

{أَلَمْ تَرَ} : تعجيبٌ من جميعِهم، وتنبيهٌ على سوءِ صنيعِهم.

{إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} : يريدُ أحبارَ اليهود، فإنهم حصَّلُوا نصيبًا وافرًا من التوراةِ، لإفادةِ التنكيرِ التكثيرَ، واللامُ للعهدِ والمعهودُ التوراة، و {مِنَ} إما للتبعيضِ؛ لأن ما فهموه معَ وفوره ليسَ إلا البعضَ منها؛ لتعذُّرِ إحاطة البشرِ بكُنْه كلام الله تعالى، وإما للبيانِ؛ بمعنى: أن النصيبَ الوافرَ الذي أوتوه هو التوراةُ.

وعلى هذا فالأنسبُ أن يفسَّرَ الإيتاءُ بالإنزالِ عليهم وإطلاعِهم عليها، لا بالتحصيل.

ويجوزُ أن تكونَ اللام للجنسِ و {مِنَ} للابتداء أو للتبعيض، وأن تكون للعهدِ، والمعهودُ اللوحُ، و {مِنَ} للابتداءِ، والنصيب التوراة، ووصفُها بالعظَمِ أنسبُ من وصفها بالكثرةِ.

{يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} : حالٌ أو استئنافٌ، وكتابُ اللهِ هو التوراة، وذلك

ص: 266

أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دخلَ مدارسهُمْ؛ فقالَ له نُعَيمُ بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دينٍ أنت؟ فقالَ عليه السلام: "على دين إبراهيم" فقالا له: إنَّ إبراهيم كان يهوديًّا، فقال:"هلمُّوا التوراةَ، فإنها بينَنا وبينكُم"، فأَبَيا، فنزلَتْ

(1)

.

وقيل: نزلت في الرجم

(2)

، وقد اختلفوا فيه.

وعنِ الحسنِ وقتادةَ: كتابُ اللهِ القرآنُ؛ لأنهم قد علِموا أنه كتابُ اللهِ لم يشكُّوا فيهِ.

{ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ} : استبعادٌ لتوليهم بعدَ علمهِم أن الرجوعَ إلى كتابِ الله واجبٌ.

{وَهُمْ مُعْرِضُونَ} : وهم قومٌ عادتهم الإعراضُ، اعتراضٌ لا حالٌ؛ لقلةِ فائدةِ تقييد التولِّي به، وإن استقامَ أن تكون حالًا مؤكِّدةً.

وقرئ: {لِيَحْكُمَ} على البناء للمفعول

(3)

.

والوجهُ أن يرادَ ما وقعَ من الاختلافِ والتعادي بين مَن أسلم من أحبارِهم وبينَ من لم يسلم، وأنهم دُعوا إلى كتاب اللهِ الذي لا اختلافَ بينهم في صحتهِ - وهو التوراةُ - ليحكُمَ بين المحقِّ والمبطل منهم، ثم يتولى فريقٌ منهم وهمُ الذين لم يسلموا، وذلكَ أن قوله:{لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} يقتضي أن يكونَ اختلافًا واقعًا بينهُم، لا فيما بينهم وبين رسول الله " صلى الله عليه وسلم

(4)

.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 348)، ورواه الطبري في "تفسيره"(5/ 293) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول كما في "التقريب ".

(2)

ذكره الراغب، انظر:"تفسيره"(2/ 481)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 10).

(3)

وهي قراءة أبي جعفر من العشرة، انظر:"النشر"(2/ 227).

(4)

في هامش (د) و (ف): "لا ما سبق من الاختلاف بين اليهود والرسول عليه السلام في ملة=

ص: 267

(24) - {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} .

و

(1)

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى التولِّي والإعراضِ.

{بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} : بسببِ تسهيلهم أمرَ العقابِ على أنفسهم لهذا الاعتقادِ الزائغ، والطمعِ الفارغ، والسببُ في الحقيقة زعمُهم إياهُ، إلا أنهُ عبّر عنه بالقول تنزيلًا لمعتقدهم الفاسدِ عن منزلةِ العقائد الفاسدةِ إلى منزلة الأقوالِ الباطلة التي لا طائلَ تحتها.

{وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من أن آباءهم الأولياءَ يشفعون لهم، والغرورُ: الإطماعُ فيما لا يصح؛ أي: غرَّ الضعفاءَ قولُ الكبراء، وإنما سماه افتراءً وهو اختلاق الكذبِ على الغيرِ؛ لأنهم أضافوا القولَ إلى التوراةِ.

* * *

(25) - {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .

{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} : استعظامٌ لما أُعدَّ لهم من العقابِ

(2)

، وتهويلٌ لهم؛ أي: فكيفَ يصنعونَ -أو: كيفَ يكون حالهم- إذا وقعوا فيما لا حيلَة لهم في دفعِهِ؟

{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} : جزاءَ ما كسبَتْ.

= إبراهيم عليه السلام في الرجم. منه".

(1)

الواو من (ف) و (ك).

(2)

في هامش (د) و (ف): "قد سبق تفسيره في هذه السورة. منه ".

ص: 268

قيلَ: فيه دلالة على أن العبادة لا تحبطُ، وأن المؤمن لا يخلدُ في النار؛ لأن توفيةَ إيمانه وعمله لا تكون في النار، ولا قبل دخولها، فإذاً هي بعد الخلاصِ.

وَيرِدُ عليه: أنا لا نسلِّمُ ذلك؛ فإنه يجوزُ أن يكونَ فيها بتخفيف العذابِ، وقبلَها بدفع بعض الأهوال عندَ موقفِ الحساب، والمرور على الصراطِ.

{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} بنقصِ ما وُعدَ من أجورهم، والضميرُ لكل نفسٍ على المعنى؛ لأنَّه في معنى: كلّ إنسانٍ.

* * *

(26) - {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{قُلِ اللَّهُمَّ} الميمُ عوضٌ من (يا)؛ ولهذا لا يجتمعان، وذلكَ بعض

(1)

خواصِّ هذا الاسم؛ كدخولِ تاء القسمِ، و (يا) مع حرفِ التعريفِ، وقطع همزتهِ.

{مَالِكَ الْمُلْكِ} : اللامُ للاستغراقِ تفيدُ العمومَ، وهذا

(2)

نداء ثانٍ عند سيبويهِ؛ لأن الميم عندَه تمنعُ الوصفية

(3)

.

{تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} اللامُ هنا وفي قوله: {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} للماهيةِ التي تحصُلُ بوجود فردٍ منه

(4)

فهما خاصَّان؛ أي: تؤتي مَن تشاءُ النصيبَ الذي

(1)

في (م): "بعض من".

(2)

في (د): "وهو".

(3)

وأجاز المبرد والزجاج الوصفية، أعني: وصف (اللهم)، فا لمسألة خلافية. انظر:"الكتاب"(2/ 196)، و"المقتضب"(4/ 239)، و"معاني القرآن" للزجاج (1/ 394)، و"البحر"(5/ 276)، و"ارتشاف الضرب"(4/ 2192).

(4)

في (ف): "منها".

ص: 269

قسَمتَ له منهُ، وتنزعُ ممن تشاء النصيبَ الذي أعطيتَهُ منه.

{وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} في الدنيا بالنصرِ والإدبارِ، وفي الآخرةِ بالتوفيقِ والخذلانِ.

{بِيَدِكَ الْخَيْرُ} : إنما خصَّ الخيرَ بالذكر لعدم نسبة الشرِّ إليه تعالى

(1)

، على ما وقع التصريحُ بهِ في الحديث النبوي حيثُ قال:"والخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليكَ"

(2)

.

ولما احتمَل أن يُظَنَّ أن الشرَّ خارجٌ عن حيِّزِ قدرته دفعَ بقولهِ:

(27) - {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

{إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} : لما ذكَرَ قدرتهُ في إيتاء الملكِ والنزعِ، والإعزازِ والإذلال بحسبِ المشيئة، عدَّدَ آياتِ القدرة الباهرة بذكرِ الليل والنهار، وزيادةِ كلٍّ منهما بنقصِ الآخر، وذكرِ الحي والميت وإخراجِ كلٍّ منهما من الآخر، وذكرِ سعة فضله؛ دلالةً على أن مَن قدَرَ على هذه الأمور العظام، المحيرةِ للعقول والأفهام، ثمَّ قدَرَ على أن يرزُقَ مَن يشاء مِن عباده بغير حساب، فهو قادرٌ على أن ينزِعَ الملك من العجمِ ويذلَّهمْ، ويؤتيَهُ العرب ويعزَّهم، ويرزقهم بغيرِ حسابٍ

(3)

.

(1)

في هامش (د) و (ف): "وما قيل: لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كليًا، دعوى بلا دليل. منه".

(2)

رواه البخاري (3348)، ومسلم (222)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(3)

في هامش (د) و (ف): "فيه رد لقول المنافقين يوم الخندق: يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة وأنها تفتح لكم. منه".

ص: 270

والولوجُ: الدخولُ بشيءٍ بكلفةٍ، واستُعيرَ هنا للُحوقِ قَدْرٍ من الليل بالنهارِ، وقدرٍ من النهارِ بالليلِ، بالقسر

(1)

على وجهٍ يكونُ اللاحقُ من جنسِ الملحوقِ.

والمرادُ من إخراج الحيِّ من الميتِ وعكسهِ: إنشاءُ النسمة الحيةِ من النطفة الميتةِ، والنطفة الميتةِ من النسمة الحيةِ.

وقيلَ: هو إخراجُ المؤمن من الكافر وعكسُهُ.

وفيه: أنه ليسَ من الآياتِ الباهرة التي تستحقُّ أن يستدلَّ بها على ما ذكِرَ.

وذكَرَ {مِنَ} معَ أن الرزقَ غيرُ مخصوصٍ بذوي العقولِ، للتنبيه على أن رَزق هذا الجنسِ - وهو أقلُّ أفراداً من الجنس الآخرِ - إذا كان خارجًا عن حدِّ الحدِّ، فالخروجُ عنه في الجنسِ الآخرِ في الكلِّ بطريقِ الأَولى.

* * *

(28) - {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} .

{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} : نُهوا عن موالاتهم لقرابةٍ أو صداقةٍ ونحوِهما حتى لا يكونَ حبُّهم وبغضُهمْ إلا في الله، أو عن الاستعانةِ بهم في الغزوِ وسائرِ الأمور الدينيةِ.

{مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ، أي: لا تتخذوهُم أولياء مجاوزينَ ولايةَ المؤمنين، فإنَّ لهم في موالاتهم مندوحةً عن موالاةِ الكافرين فلا تُؤْثروهم عليهم بالولايةِ.

{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} ؛ أي: اتخاذَهم أولياء.

(1)

في (ف) و (م): (بالعسر)، ووقع في (ح):"با" وبيض لباقي الكلمة.

ص: 271

{فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} : فليس

(1)

من ولايةِ اللهِ في شيءٍ يطلَقُ عليه اسمُ الولايةِ، فإن ولايةَ العدوِّ عداوةٌ وهم أعداءُ اللهِ.

{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : إلا أن تخافوا مِن جهتهِمْ أمرًا يجب اتِّقاؤهُ، في محلِّ النصبِ على الظرفِ؛ أي: إلا وقتَ أن تتقوا.

قيلَ: بمعنى: تخافُوا وتحذرُوا، فتعدَّى

(2)

بـ (من).

كأنَّ هذا القائلَ ظنَّ أن خافَ وحذرَ

(3)

لا يتعدَّى بنفسِهِ؛ ولم يصِبْ.

ويكونُ {تُقَاةً} نصبًا على المصدرِ بمعنى: متَّقًى، وقرئ:{تَقَيَّةً}

(4)

فعِيلةٌ

(5)

بمعنى مفعولٍ، أو تسميةً بالمصدرِ أيضًا.

ويجوزُ أن يكونا مصدرين إنْ جُعلَ مفعولًا بهِ، ففيهِ مبالغةٌ شديدةٌ حيث كان الرخصة معلَّقةً بشدةِ الخوفِ، حتى إن المحذورَ من غايةِ كونهِ مخوفًا كأنهُ نفسُ الحذرِ.

وفيهِ التفاتٌ، ولا يخفَى ما فيهِ من اللطفِ؛ فإنهم لما نُهوا عن فِعل ما لا يجوز جعِلَ ذلك في اسم غائبٍ، فلم يواجَهُوا بالنهيِ، ولما وقعتِ المسامحةُ والإذن في بعضِ ذلك ووجِهوا به إيذانًا بلطفِ اللهِ تعالى بهم، وتشريفًا بخطابِه إياهُم.

{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} فلا تتعرضوا لسخَطهِ بموالاةِ الأعداءِ، وعيدٌ شديدٌ

(1)

"فليس" ليست (ك) و (ف).

(2)

في (د): (فعدي).

(3)

في (ك) و (م): "وكدا حذر".

(4)

وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: "النشر"(2/ 239).

(5)

في (م): "فعلية"، وهو تحريف.

ص: 272

مشعِرٌ بتناهي المنهيِّ عنهُ في القبحِ، وذكَرَ النفسَ ليُعلمَ أن المحذَّرَ

(1)

منه عقابٌ يصدر منهُ فلا يؤبَهُ دونَهُ بما يُحذَرُ من الكفرةِ.

{وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} دونَ غيرِه، فلا تفوتونه ولا يمكنكَ الحذرُ، إيعادٌ بليغٌ عند مخالفتِهِ.

ثمَّ بيَّنَ قولَه: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} بقولِهِ:

* * *

(29) - {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ} : وهو بيانٌ من بابِ التعميمِ كإقامة البرهانِ؛ أي: إن تخفوا ما في صدوركم من ولايةِ الكفارِ

(2)

وغيره مما لا يرضى اللهُ بهِ، أو تبدوهُ، يعلمهُ اللهُ تعالى، ويستوي عندَهُ الإخفاءُ والإبداءُ.

فذكر قوله: {أَوْ تُبْدُوهُ} بعد قوله: {إِنْ تُخْفُوا} معَ أنه مغنٍ عنه؛ لتقريرِ معنى التسويةِ المذكورةِ، وهو كقولهِ:{وَكَهْلًا} في قوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [آل عمران: 46].

{وَيَعْلَمُ} ، أي: وكيفَ لا وهو يعلمُ {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فإنه مطَّلعٌ بالذات على الأشياء كلِّها سرِّها وعلنها.

{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} : فهو القادرُ على عقوبتكم.

(1)

في (ك) و (م): "المحذور"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(2/ 12).

(2)

في (م): "الكفر".

ص: 273

وفي إظهارِ ذكر الله في المواضع الثلاثةِ، وتقديمِه على {الْمَصِيرُ} ، مع أن الموقِعَ موقعُ الإضمارِ، إيعادٌ شديدٌ، وتربيةٌ للعلمِ والقدرةِ والمهابةِ بأنه هو العالمُ القادرُ دون غيره، ولا يُخَصُّ علمُه وقدرتُه ببعض المعلوماتِ والمقدوراتِ

(1)

دونَ بعضٍ، فيجبُ أن يُحذَرَ ويُتَّقى.

* * *

(30) - {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} .

{يَوْمَ تَجِدُ} : نصبٌ بمضمرٍ نحوَ: اذكر، لا بـ {تَوَدُّ} إذ حينئذ يضيعُ توصيفُ اليومِ بوجدانِ كلِّ نفس ما عملت من خيرٍ محضرًا، بل يُخلُّ؛ إذ لا يصلُحُ منشأً لتلك الودادةِ، والأصلُ في مثلِ ذلك هوَ المَنشئيَّة.

{كُلُّ نَفْسٍ} ؛ أي: كلُّ نفسٍ عاملةٍ للخيرِ وهي النفسُ المؤمنةُ؛ لعدمِ الخيرِ للكافرِ، وحذِفَ الوصفُ لدلالةِ قولهِ:

{مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} عليه، وفيهِ إشارةُ بشارةٍ للمؤمنِ؛ لأنهُ ذكرَ أنهُ يجدُ الخيرَ محضَرًا ولم يذكُر في حقِّهِ إحضارَ الشرِّ؛ لأن

(2)

منه ما يُغفَر فلا

(3)

يُحضَرُ، قال الله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ} [الأحقاف: 16].

والظاهر حضورُ العملِ بنفسه من الخيرِ والشرِّ على ما نطقَ به الخبرُ عن خيرِ البشرِ، فلا يجوزُ الصرفُ عنه بلا صارفٍ.

(1)

في (ف) سقط: " والمقدورات ".

(2)

في (ف) و (م): "لأنَّه".

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "ولا".

ص: 274

{وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} مبتدأٌ خبرُهُ

(1)

:

{تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ} أي: تحبُّ متمنيًا أنَّ بينها وبينَ ذلك اليومِ وهولِه

(2)

.

ولا يجوزُ أن يكونَ: {تَوَدُّ} حالًا من الضميرِ في {عَمِلَتْ} لأنَّ عمَلها ليسَ في حالِ الودادةِ المذكورةِ.

وعلى قراءة: (ودَّت)

(3)

يجوز أن تكون {مَّا} شرطيةً، وكذا على قراءة العامةِ عندَ التحقيقِ، ولا يأباهُ رفعُ {تَوَدُّ} ؛ لأنَّ الشرطَ إذا كان ماضيًا والجزاء مضارعًا جازَ فيه الرفعُ والجزمُ، لكنَّ الحملَ على الجملةِ الاسميةِ أوقعُ في المعنى؛ لأنَّه حكايةُ الكائنِ في ذلك اليومِ.

{أَمَدًا بَعِيدًا} والأمدُ: المسافةُ أو الزمانُ.

{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} : ذكرَهُ فيما سبقَ للمنعِ عن موالاةِ الكافرين، وذكره هنا للحثِّ على عملِ الخيرِ، والمنعِ عن عمل السوءِ، فلا تكرارَ.

{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} يعني: أن المبالغةَ في تحذيرِهم واستيقاظِهم عن الغفلةِ، وتذكيرِهم كمالَ علمِهِ وقدريهِ وإحاطتِهِ بهم، منَ الرأفةِ العظيمةِ بالعبادِ؛ لأنهم إذا تنبَّهوا وعر فوه حقَّ معرفته حذروا سخَطهُ، وطلبوا رضاه، فنجَوا.

ويجوزُ أن يريدَ أنه مع كوبه محذورًا لإحاطةِ علمِهِ، وكمالِ قدرتهِ، وقوة

(1)

في (م): "وخبره ".

(2)

في (م): "سهولة"، وسقطت من باقي النسخ، والمثبت من "الكشاف"(1/ 352)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 12).

(3)

تنسب لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 207)، و"الكشاف"(1/ 352).

ص: 275

قهرهِ، مرجوٌّ

(1)

لسعةِ رحمتِهِ ورأفتِهِ ولطفِهِ؛ كقوله

(2)

: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43].

* * *

(31) - {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} : المحبةُ أمرٌ وجدانيٌّ لا يمكن تعريفُه بحسب الحقيقَةِ كما قيلَ:

حَقِيقةُ الحبِّ لا تُحكَى لفاقدِها

والواجِدُ استبشَعَ التعريفَ بالقيلِ

لا يعرِفُ الشمسَ إلا مَن يُشاهِدُها

للكُمهِ في تعريِفها عينُ تضليلِ

وأثرها الحادثُ في القلبِ: ميلٌ إلى المحبوبِ لكمالٍ أُدركَ فيهِ بحيثُ يحملها

(3)

على ما يقرِّبه إليهِ، فمحبةُ اللهِ تعالى تقتضِي إرادةَ طاعتهِ، والرغبةَ فيما يقرِّبهُ إليهِ، فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادةِ الطاعةِ، وجُعلتْ مستلزمةً لاتِّباعِ الرسولِ في عبادتِهِ والحرصِ على طاعتهِ.

{يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} : جوابٌ للأمر

(4)

؛ أي: يرضى عنكُم، ويقرِّبُكم مِن جنابِ عزِّهِ، ويبوِّئكم في جوارِ قُدسِهِ، عبَّرَ عن ذلك بالمحبةِ على طريقِ الاستعارةِ والمشاكلةِ

(5)

.

(1)

في (د): "مرجو"، والصواب المثبت.

(2)

في (ك) و (ف): "لقوله ".

(3)

قوله: "يحملها"، كذا في النسخ بتأنيث الضمير مع أنه لم يتقدمه مؤنث حتى يعود عليه، لكنه يستقيم على عبارة البيضاوي في "تفسيره" (2/ 13):(المحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها .. ).

(4)

في (ك) و (م): "الأمر".

(5)

في (د): "أو المشاكلة".

ص: 276

{وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ما سلفَ من ذنوبكم.

{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : لمن تحبَّبَ

(1)

إليه بطاعتهِ، ومتابعةِ نبيِّهِ.

* * *

(32) - {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} .

{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} : ذُكرَ اللهُ توطئةً لذكرِ الرسولِ؛ تخصيصًا لهُ باللهِ تعالى، وتعظيمًا لكون الطاعةِ مكانَ المتابعةِ، كأنهُ قالَ: فإن لم تتَّبِعوني فأطيعوني، ونوَّه بذكرِ الرسولِ والالتفاتِ، وأكَّدَ تعظيمَهُ:

{فَإِنْ تَوَلَّوْا} : يحتمِلُ أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بمعنى: فإن تتولُّوا.

{فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} : قد سبق آنفًا بيانُ معنى حبِّ اللهِ.

أثبتَ الكفرَ لتاركي طاعةِ اللهِ والرسولِ بوضع الظاهرِ موضعَ المضمرِ تسجيلًا عليهم بالكفرِ، وحصرًا للكفرِ فيهم بإفادة أنهم جنسُ الكفَّارِ، ليلزَم أن تاركَ المتابعةِ ليسَ بكافرٍ ما دام مطيعًا؛ لأنها لا تتيسَّرُ لكلِّ واحدٍ من آحاد المسلمين، موميًا إلى أن الذي لم يتيسَّرْ له المتابعةُ في سلوكِ طريقه فعليه بالطاعةِ كما أُمرَ، وإلا كان كافرًا

(2)

.

* * *

(33) - {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} .

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} بالرسالةِ والخصائصِ

(3)

الروحانيةِ والجسمانيةِ،

(1)

في (ف): "يجيب".

(2)

في هامش (ح) و (د): "من غفل عن هذا زعم أن العدول عن الضمير للتعميم. منه".

(3)

في النسخ عدا (د): "أو الخصائص"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" (2/ 13). وجاء في هامش (ح):"في نسخة: والخصائص ".

ص: 277

ولذلك قَوُوا على ما لم يقوَ عليه غيرُهم، لمَّا أوجبَ طاعةَ الرسلِ

(1)

، وبيَّنَ أنها الجالبةُ لمحبةِ الله تعالى، عقَّبَ ذلك ببيان

(2)

مناقِبهم تحريضًا عليها.

{وَآلَ إِبْرَاهِيمَ} : إسماعيلَ وإسحاقَ عليهما السلام وأولادَهما، وقد دخلَ فيهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم.

{وَآلَ عِمْرَانَ} : موسى وهارون عليهما السلام، والمرادُ: عِمران بن يَصْهُرْ، وقيل: عمرانُ بن ماثانَ، وآلُه: عِيسى ومريمُ بنتُ عمرانَ المذكورِ.

* * *

(34) - {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} : حالٌ أو بدلٌ من الآلَينِ، أو مِنهما ومن نوحٍ وآدمَ؛ أي: إنهم ذريةٌ واحدة منشعِبةٌ

(3)

بعضُها من بعضٍ، والذرَّيةُ لمَّا كانت مشتقَّةً من الذَّرءِ وهو الخَلقُ شملَت الكلَّ؛ لأن الأبَ خلِقَ منهُ الولدُ، والولدُ خِلقَ منَ الأب.

وقيل: بعضُها من بعضٍ في الدينِ.

* * *

(3335) - {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

(1)

في (ك) و (م): "الرسول".

(2)

في (د): "بيان".

(3)

في (ك): "متشعبة".

ص: 278

{وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} بأقوالِ الناسِ وأعمالهِمْ، فيصطفِي مَن كانَ مستقيم القولِ والعملِ، أو: سميعٌ بقولِ امرأةِ عمرانَ عليمٌ بنيَّتها {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} : فتنصبَ

(1)

{إِذْ} بـ {سَمِيعٌ} ، ومنعُ تو صيفِهِ عن العملِ غيرُ مسلَّمٍ.

وقيلَ: نصبُهُ بإضمارِ: اذكُر.

{مُحَرَّرًا} : نصبُهُ

(2)

على الحالِ؛ أي: مُعتَقًا لخدمتِهِ مُخلَصًا للعبادةِ، لا أَشغلُهُ بشيءٍ.

قيلَ: كانَ بنو إسرائيلَ لم يكن

(3)

لهم غنائمُ أعدائهم، فلم يكُن لهم مماليكُ يعتِقونَهُ، وكانوا يحرِّرونَ أولادَهُم تقرُّبًا إلى الله تعالى، ويقطعُونَ منافعهم عَن أنفسهِم، ويفرغُونهم لخدمة بيتِ اللهِ.

{فَتَقَبَّلْ مِنِّي} ما نذرتُهُ، والتقبُّلُ: أخذُ الشيءِ على الرضا بهِ.

{إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} قولي {الْعَلِيمُ} بنيَّتي.

* * *

(36) - {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .

{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} : الضمير لما في بطنِها، وتأنيثُه لأنهُ كان

(1)

في (ح) و (ف): "فنصب".

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "نصب".

(3)

في النسخ عدا (ك): "يمكن" والمثبت من (ك).

ص: 279

أنثَى حتى يكونَ كقولكَ: وضعت أنثى أنثى بل نظرًا

(1)

إلى الحالِ، أو على تأويلِ النفسِ، أو النسمةِ

(2)

.

و {أُنْثَى} حالٌ مِن {وَضَعْتُهَا} وطوبِقَ ضميرُ {مَا فِي بَطْنِي} للحالِ؛ لأن الحال وذا الحالِ كشيءٍ وأحدٍ.

وإنما قالتْهُ تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها؛ لأنها كانَتْ ترجو أن تلِدَ ذكرًا، ولذلك نذرَتهُ محرَّرًا للسدانَةِ.

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} أي: بالشيءِ الذي وضعتْهُ، وهوَ استئنافٌ منَ اللهِ تعالى تعظيمًا لموضوعِها وتجهيلًا لها بشأنها.

وقرئ: {وَضَعَتْ}

(3)

على أنه مِن كلامها تسليةً لنفسِها؛ أي: ولعلَّ لله تعالى فيها سرًّا، والأُنثى كانَ خيرًا. وقرئ:(وضعتِ)

(4)

على خطابِ الله تعالى لها.

{وَلَيْسَ الذَّكَرُ} : الذي طلبَتْ.

{كَالْأُنْثَى} التي وُهِبت لها، بيانٌ لقولِهِ:{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} ، والتعريفُ فيهما للعهدِ.

(1)

في (ح) و (ف): "وضعت أنثى نظرا".

(2)

في هامش (د) و (ف): "أنث الضمير العائد إلى {مَا} نظرًا إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو، فكأنه قيل: وضعت ما في بطني أنثى. منه ".

(3)

وهي قراءة أبي بكر، وابن عامر. انظر:"التيسير"(ص: 87).

(4)

تنسب لابن عباس رضي الله عنهما. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 20)، و"الجامع لأحكام القرآن"(5/ 102).

ص: 280

قيلَ: ويجوزُ أن يكونَ مِن قولها، بمعنى: وليس الذكرُ والأُنثى

(1)

سيَّانِ فيما نذرتُ؛ فيكونُ التعريفُ للجنسِ.

وفيهِ: أنَّ مقصودَها تنقيصُ الأُنثى بالنسبةِ إلى الذكرِ، والمشهورُ في مثلهِ أن يُنْفَى عن الناقصِ شبهُهُ بالكاملِ، لا العكس.

{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} : عطفٌ على ما قبلَها مِن مقالها، وما بينَهُما اعتراضٌ. أرادَتْ بذلك التقربَ إلى اللهِ والعصمةَ لها؛ لأن مريمَ في لغتهم بمعنى: العابدةِ، فلعلَّ اللّهَ يصدِّقُ فيها ظنَّها، ويجعلُها طبقًا لاسمِها، فتقومَ مقام ما نذرتْهُ، ألا تراها كيفَ أتبعتهُ بقولها:

{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ} : أجيرُها بحفظِكَ.

{وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} : المطرودِ، وأصلُ الرجمِ: الرميُ بالحجارة، وعنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يمسُّهُ حينَ يولدُ فيستهِلُّ مِن مسِّهِ، إلا مريمَ وابنَها".

والحديثُ مذكورٌ في الصحيحينِ

(2)

. ولا صارفَ عن ظاهرِهِ، فمَن تردَّدَ في صحتِهِ ثم أوَّلهُ فقد ضلَّ وأضلَّ

(3)

.

* * *

(1)

في (م): "وأليس الذكر كالأنثى".

(2)

رواه البخاري (4548)، ومسلم (2366)، بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

تعريض بالزمخشري الذي تردد في صحته قائلا: (الله أعلم بصحته)، ثم قال في تأويله ما قال، مما هو جار على طريقة أهل الاعتزال - كما قال أبو حيان - متهمًا أهل السنة بأنهم أهل الحشو. انظر:"الكشاف"(1/ 357)، و"البحر"(5/ 327).

ص: 281

(37) - {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} : فرضي بها في النذرِ مكانَ الذكَرِ.

{بِقَبُولٍ حَسَنٍ} : بوجهٍ حسنٍ يقبلُ بهِ النذائرَ، وهو إقامتها مقامَ الذكرِ، أو تسلُّمها عقيبَ ولادتها قبلَ أن تكبرَ وتصلُحَ للسدانةِ.

ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا على تقديرِ مضافٍ؛ أي: بذِي قَبولٍ حسنٍ، وأن يكونَ تقبَّلَ بمعنَى استقبَلَ كتقضَّى وتعجَّلَ؛ أي: فأخذها في أوَّلِ أمرِها حينَ ولدَت بقَبولٍ حسنٍ.

{وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} ؛ أي: أنشأها وربَّاها على أحسنِ وجهٍ خَلْقًا وخُلُقًا.

{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} وقرئَ بتشديد الفاء

(1)

؛ أي: جعلَ اللهُ زكريا كافلًا لها، وضامِنًا مصالِحَها.

{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} : قال الأصمعيُّ: المحرابُ: الغرفة؛ أي: الغرفةَ التي بنى لها.

وقالَ الزجَّاجُ: المحرابُ: أشرفُ المجالسِ ومُقدَّمها، وقيل: المساجِدُ عندهم تسمَّى المحاريبَ

(2)

، وهو مِفعالٌ من الحربِ؛ لأنهُ يحارَبُ فيهِ الشيطانُ؛ كأنها وُضِعت في أشرفِ موضعٍ من بيتِ المقدسِ

(3)

.

(1)

قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء، والباقون بتخفيفها، انظر:"التيسير"(ص: 87).

(2)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (1/ 403).

(3)

انظر: "تفسير القرطبي"(5/ 108)، و"مفردات ألفاظ القرآن" (مادة: حرب).

ص: 282

{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} : جوابُ {كُلَّمَا} وناصبُهُ، وتنكيرُ {رِزْقًا} للتنويعِ؛ أي: نوعًا غريبًا من الرزقِ.

رويَ: أنه كان لا يدخلُ عليها غيرُهُ، وإذا خرجَ أغلقَ عليها سبعةَ أبوابٍ، فكانَ يجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ، وبالعكسِ

(1)

.

{قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} : مِن أين لكِ هذا الرزق الذي لا يشبِهُ أرزاقَ الدُّنيا

(2)

، وهو آتٍ في غيرِ حينِهِ، والأبوابُ مغلَّقةِ عليكِ؛ استُفيدَ الأوصافُ من اسم الإشارةِ المستعملِ لكمالِ العنايةِ بالتمييزِ

(3)

لمَا لهُ من الأوصافِ العجيبةِ الشأن.

{قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} : فلا تستبعِدْ.

قيلَ: كانَ رزقُها ينزلُ عليها من الجنةِ، ولم تَرضَع ثديًا قطُّ.

{إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} : بغيرِ تقديرٍ لكثرتهِ، أو تفضُّلًا بغيرِ محاسبةٍ ومجازاةٍ على عملٍ، مِن جملةِ كلامِها، أو مِن كلامِ اللهِ تعالى.

* * *

(38) - {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} .

{هُنَالِكَ} : في ذلكَ المكانِ.

{دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} لمَّا كان المحرابُ مكانَ عبادةٍ وكرامةٍ لمريمَ دعا فيهِ أن يهَبَ اللهُ تعالى له ذريةً طيبةً.

{قَالَ} تفسيرٌ للدعاءِ:

(1)

انظر ما روي من ذلك في "تفسير الطبري"(5/ 354)، و"تفسير القرطبي"(5/ 108).

(2)

في هامش (د): "أسقط القاضي لعدم تفطنه الوجه المذكور. منه ".

(3)

في (م): "بالتميز".

ص: 283

{رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} ؛ أي: تفضَّل عليَّ بإعطاءِ ولدٍ وإبقائهِ كما وهبتَ لامرأةِ عمرانَ وهي عجوزٌ عاقرٌ، يفهَم هذا من قولهِ:{مِنْ لَدُنْكَ} فإنَّ فيهِ إشارةً إلى أنَّ تلك الهبةَ على خلاف العادةِ.

وقيلَ: لما رأى الفواكهَ في غيرِ أوانها انتبه على جوازِ ولادةِ العاقرِ من الشيخِ فسألَ.

وأولى منهُ أن يُقالَ: لما شاهدَ وقوعَ هذا الخارقِ كرامةً لمريمَ امتدَّ أملُهُ إلى خارقٍ يناسبه كرامةً له

(1)

، والذريةُ: الولدُ، يقعُ على الذكرِ والأُنثى، والواحدِ والجمعِ.

وتأنيثُ الطيِّبةِ للَفظِ الذريةِ، والطيبُ: هوَ الذي يُستطابُ، فلا يكونُ فيهِ أمرٌ يُستخبَثُ ويُعابُ.

{إِنَّكَ سَمِيعُ} : مجيبُه.

* * *

(39){فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} .

{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} : كان النداءُ مِن جبريلَ عليه السلام وحدَهُ، وإنما ذكرَهُ جمعًا، لأنهُ إذا نزلَ لأمرٍ

(2)

خارقٍ كان معهُ

(3)

جماعةٌ من الملائكةِ تعظيمًا لذلكَ الأمرِ، وهذا كما يقالُ: حضرَ زيدًا خواصُّ السلطانِ يدعونَهُ إليهِ، وإن كانَ الذي يخاطِبهُ بالدعوةِ واحدًا منهم.

(1)

"له" من (د).

(2)

في (ك): (أمر).

(3)

في (ح): "معتمد"، وفي (ف) و (ك) و (م):"يعتمد".

ص: 284

{وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} أي: قائمًا في الصلاةِ، و {يُصَلِّي} صفةُ {قَائِمٌ} ، أو خبرٌ، أو حالٌ عنِ الضميرِ في {قَائِمٌ} دل على أنَّ المراداتِ تُطلَبُ بالصلواتِ

(1)

، وفيها إجابةُ الدعواتِ، وقضاءُ الحاجاتِ.

{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} : قرئَ بالفتحِ، لوقوعِ فعلِ النداء عليهِ

(2)

، وجعِلَ النداءُ في معنى الإعلامِ، وبالكسرِ على أنَّ في النداء معنى القولِ

(3)

.

وقرئ: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} بالتشديدِ منَ التبشيرِ، وبالتخفيفِ من البشارة

(4)

، وقد سبقَ تفسيرُها في سورة البقرةِ.

{بِيَحْيَى} : اسمٌ أعجميٌّ، وإن جُعلَ عربيًّا فمنعُ صرفِهِ للعلميةِ

(5)

، ووزنِ الفعلِ.

{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} أي: بعيسى عليه السلام مؤمنًا بهِ، سمِّي بذلكَ لأنهُ وجِدَ بأمرِ الله تعالى بلا أبٍ، فشابهَ البدعياتِ التي هيَ عالمُ الأمرِ، أو بكتابِ اللهِ تعالى، سمِّيَ

(6)

كلمةً كما قيلَ: كلمةُ الحويدرةِ

(7)

، لقصيدتهِ.

{وَسَيِّدًا} : يسودُ قومَهُ ويفوقُهم، وكانَ فائقًا على الناسِ كلهم في أنهُ ما همَّ بمعصيةٍ.

(1)

في (د): "في الصلوات".

(2)

في (م) زيادة: "من جبرائيل عليه السلام وحده".

(3)

قرأ أكثر السبعة بالفتح، وقرأ بالكسر حمزة وابن عامر، انظر:"التيسير"(ص: 87).

(4)

قرأ بالتخفيف حمزة والكسائي، والباقون بالتشديد. انظر:"التيسير"(ص: 87).

(5)

في (ك): "للتعريف".

(6)

في (م): "يسمى".

(7)

في (ف): "حويدرة".

ص: 285

{وَحَصُورًا} : ممتنعًا عن

(1)

النساءِ مع القدرةِ عليهنَّ، والحصَرُ: الحبسُ والمنعُ، وهو فعولٌ بمعنى الفاعلِ.

وقيلَ: هو المتبتِّلُ الذي حصَرَ نفسه عن كل لذةٍ في الدنيا، رويَ: أنه مرَّ في صباهُ بصبيانٍ فدعَوه إلى اللعبِ؛ فقالَ: ما للَّعبِ خُلِقتُ

(2)

.

{وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} : ناشئًا منهم؛ لأنَّه كانَ من أصلابِ الأنبياءِ عليهم السلام، أو: كائنًا من الصالحينَ. وفي توصيفِهِ بالصلاحِ بعدَ توصيفِهِ بالنبوة ما لا يخفى من التعظيمِ للصلاحِ.

* * *

(40) - {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} .

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} : استعظامًا وتعجبًا، وفي عبار الغلامِ دونَ الولدِ تقويةٌ لهُ، وذكرُ الغلامِ كانَ في البشارةِ على ما ذُكرَ في سورة مريم، وتُركَ هاهنا اختصارًا.

والاستبعادُ بحسبِ العادةِ لا يناسبُ الحالَ وسياقَ المقالِ، إلا على قولِ مَن قال: كانَ دعاؤه عليه السلام قبلَ بشارته بأربعين سنةً؛ فلذلكَ نسيَ ما سأل ربهُ حتى قالَ ما قالَ. على أنَّ الاستعظامَ ينتظِمهُ إذا اقتضاهُ المقامُ، وأما الاستفهامُ عن كيفيةِ حدوثهُ فلا يناسبُه تمامُ الكلام، ولا ينتظِمهُ الجوابُ حقَّ الانتظام.

(1)

في (ك) و (م): "من".

(2)

انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 15). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره"(1/ 120) عن معمر. وابن عساكر في "تاريخه"(64/ 183) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعًا.

ص: 286

{وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} : أدركني كِبرُ السنِّ وأثَّر فيَّ، وكانَ له تسع وتسعونَ سنةً، ولامرأتهِ ثمانية وتسعونَ

(1)

، ولهذا قالَ:

{وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} : لا تلدُ؟ منَ العُقرِ وهوَ: القطعُ؛ لأنها ذاتُ عُقرٍ من الأولاد.

{قَالَ كَذَلِكَ} : تعظيمٌ، أي: مثلَ ذلكَ الفعلِ العظيم العجيب الشأنِ، البعيدِ عن العقلِ والعادةِ يفعل الله ما يشاءُ من الأفاعيل العجيبةِ؛ وهو خلقُ الولدِ من الشيخ الفاني والعجوزِ العاقرِ.

{كَذَلِكَ} نصب على المصدرِ، أو خبرُ مبتدأ.

{اللَّهُ} أي: على مثلِ هذه الصفةِ {اللَّهُ} ، وقولُهُ:

{يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} : بيانٌ لهُ؛ أي: يفعلُ ما يريدُ من الأفاعيل الخارقةِ للعادة

(2)

.

* * *

(41) - {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} .

{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} : علامةً أعرفُ بها الهبة لأستقبلَهُ بالبشاشةِ والشُّكرِ، وتزيح مشقَّةَ الانتظارِ.

{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} : أن لا تقدِرَ على تكليم الناسِ من غير خرسٍ ولا آفةٍ أُخرى، لقولهِ في موضع آخرَ {سَوِيًّا} [مريم: 10] أي: سليمَ الأعضاءِ.

وإنما حُبِسَ لسانُهُ عن مكالمتهم خاصَّةً لتخلُصَ المدةُ لذكرِ اللهِ تعالى وشكرِهِ

(1)

في (ك) و (م): "ثمان وتسعون سنة".

(2)

في (د): "للعادات".

ص: 287

قضاءً لحقِّ النعمةِ، لمَّا أطلَعَ اللّهَ تعالى على أنهُ طلبَ الآية لأداء الشكرِ، جعلَ الآيةَ نفسَ الشكرِ؛ فإن إخلاص المدةِ لذكره دونَ شَغل لسانه بغيرِهِ من أحسن أنواع الشكرِ، وأحسَنُ الجوابِ ما كان منتزَعًا منَ السؤالِ؛ كأنه قالَ: آيتُكَ أن لا تقدِرَ إلا على شكري.

{ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} : ذكَرَ الأيام هنا والليالي هناكَ، ولا تنافَي بينهُما؛ لأن ذكرَ إحداهما جمعًا يقتضِي دخولَ الأُخرى فيها لغةً وعرفًا.

{إِلَّا رَمْزًا} الرمزُ: الإيماءُ بالشفتَين، وقد يستعمَلُ في الإيماءِ بالحاجبِ والعينِ، واليدِ والرأسِ، والأولُ أغلَبُ، وأصله التحركُ، ومنهُ الراموزُ للبحرِ، والكلامُ ينتظِمُ الرمزَ؛ لأن المرادَ منهُ ما دلَّ على الضميرِ، قالَ: جؤيَّةُ بنُ عائذٍ:

كأنَّ تَكَلُّمَ الأبطالِ رمزًا

وغَمْغَمَةً لهُمْ مثلُ الهدِيرِ

(1)

فالاستثناءُ متصلٌ.

وقرئ: (رَمَزًا) كخَدَمٍ: جمعُ رامزٍ، و (رُمُزًا) كرسُلٍ: جمعُ رَموزٍ

(2)

، على أنهُ حالٌ منهُ عليه الصلاة والسلام ومنَ {النَّاسَ} بمعنى: إلا مترامِزِين.

{وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا} في أيامِ الحبسةِ، وهو مؤكِّدٌ لمَا قبلَهُ مبيِّنٌ للغرضِ منهُ، والكثرةُ قيدُ المأمورِ به لا قيدُ الأمرِ، فعلَى تقديرِ دلالةِ الأمرِ على التكرارِ فائدَتهُ تكرارُ الذكر الكثير

(3)

.

(1)

انظر: "تفسير الطبري"(5/ 388)، و"المحرر الوجيز"(1/ 432).

(2)

انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 20).

(3)

في هامش (د) و (ف): "فلا يغني الأول عن الثاني فمن وهم أن تقييده بها يدل على أنه لا يفيد التكرار فقد وهم".

ص: 288

{وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} في طرفي النهارِ، خصَّهما بالذكرِ لأنهما

(1)

مجتمَعُ ملائكةِ الملَوين.

وقرئ: (والأبكار) بفتحِ الهمزةِ جمعُ بَكَرٍ

(2)

؛ كسَحَرٍ وأسحارٍ، يقالُ: أتيته بكَرًا، بفتحتين؛ أي: بكرةً.

* * *

(42) - {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} .

{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ} لما فرَغَ من قصة زكريا عليه السلام، وكانَ قد استطرَدَ من قصة مريم إليها رجع إلى قصتها، والمقصودُ تنزيهُها عما رمتها به اليهودُ.

وفي نداءِ الملائكةِ لها باسمها تأنيسٌ لها، وتوطئةٌ لما تلقيه

(3)

إليها، ودفعٌ لاحتمالِ أن يكونَ ذلكَ بطريقِ الإلهامِ، لا على وجهِ المشافهةِ بالكلام.

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} أولًا بأنواعِ

(4)

الكرامةِ، واختصَّكِ بتقبُّلكِ من أمكِ، وتربيتك برزق الجنةِ، وفيضِ القدرةِ.

{وَطَهَّرَكِ} مما يُستقذَرُ ويجتنَبُ من الأفعالِ، ويدخُلُ فيه ما قذفها به

(5)

اليهودُ دخولًا أوليًا.

(1)

في (د): "خصها بالذكر لأنها".

(2)

انظر: "البحر"(5/ 361).

(3)

في (ح) و (ف): "يلقيهم"، وفي (د):"يلقهم"، و في (ك):"يؤلفهم"، و في (م):"يألفهم"، والمثبت من "البحر"(5/ 367).

(4)

في (م): "بإنعام".

(5)

(به) سقط من (ك) و (ف) و (م).

ص: 289

{وَاصْطَفَاكِ} آخرًا

(1)

.

{عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} بأن وهبَ لكِ عيسى عليه السلام مِن غير أبٍ.

كانت

(2)

تلك المخاطبة كرامةً لها؛ للإجماعِ

(3)

على أنهُ تعالى لم يستنبئ امرأةً.

وأمَّا قولهُ تعالى: {أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} [يوسف: 109]، فلا دلالةَ فيه على المطلوبِ؛ لأنَّ الرسولَ أخصُّ من النبيِّ، ولا يلزم من انتفاءِ الخاصِ انتفاءُ العامِ.

* * *

(43) - {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} .

{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي} : أخلِصي، أو: أديمي الطاعةَ.

{لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي} ؛ أي: صلي النافلةَ وحدَكِ.

{وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ؛ أي: صلي الفرضَ مع المصلِّينَ في بيت المقدس جماعةً.

وإنما خصَّ السجودَ من بينِ أركان الصلاةِ بالذكرِ في مقام التعبيرِ عن الكلِّ بالجزءِ؛ لأنَّ تمام الصلاةِ بهِ، ولهذا يَحنَثُ من حلفَ لا يصلي إذا أتم سجودَهُ

(4)

ولا يَحنَثُ قبلَهُ.

وخصَّ الركوع بالذكرِ في مقامِ التعبيرِ عن الصلاةِ بالجماعةِ؛ لأن شرطَ صحة الاقتداءِ إدراكُ الإمامِ في الركوعِ

(5)

.

(1)

في (م): "أخيرًا".

(2)

في النسخ عدا (م): "كان" والمثبت من (م).

(3)

في (م): "للاجتماع".

(4)

في (ف): "بسجوده".

(5)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "ومن لم يتنبه لسر هذا المقال قال ما قال، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ومن بِدَع الكلام ما سبق إلى بعض الأوهام: وهو أن يكون تقديم السجود على الركوع للتنبيه على أن =

ص: 290

(44) - {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} .

{ذَلِكَ} : إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من نبأ زكريا ويحيى ومريمَ وعيسَى عليهم السلام.

{مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} : مما يوحى إليكَ من الغيوبِ.

{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ} الضميرُ عائدٌ على ما دلَّ عليه المعنى؛ أي: وما كنتَ لدى المتنازعِينَ.

{إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} قِداحهم للاقتراعِ.

وقيلَ: اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبرُّكًا بها.

والمرادُ: تقريرُ كونهِ وحيًا على سبيل التهكُّمِ بمنكريهِ، كأنه قيل: إنه عليه السلام يخبركم بما لا سبيلَ إليه لنظر العقلِ، وأنتم تنكرونَ الوحيَ وتعترفون بعدمِ السماعِ، فلم يبقَ لنا بمقتضَى عقولكم ما يحتاجُ إلى النفي سوى المشاهدةِ التي هي أظهَرُ الأمورِ انتفاءً.

{أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} متعلقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليهِ {يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} ؛ أي: يلقُونها ليَعلمُوا إلُهم يكفُل مريمَ.

{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تنافسًا في كفالتِها.

* * *

= الواو لا توجب الترتيب، ولم يدر أنه مسألة نحوية تؤخذ من العرب ولا يأخذها العرب من الشرع، ولو قال: للتنبيه على أن الترتيب في الذكر لا يجب أن يكون على حسب الترتيب في الوجود، لكان له وجه لأنَّه مسألة أصولية، وأما ما قيل في تعليله: لتقترن اركعي بالراكعين للإيذان، فلم يدر أنه يحصل بأن يقال: واركعي واسجدي مع الساجدين. منه".

ص: 291

(45) - {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}

{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} بدلٌ مِن {إِذْ قَالَتِ} الأولى وما بينهُما اعتراضٌ، أو مِن {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} على أن وقوعَ الاختصامِ والبشارة في زمانٍ متسعٍ؛ كقولهِ: لقيتُه سنةَ كذا.

{يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} قد سبقَ تفسيرُها.

{اسْمُهُ} : الضمير للكلمة، وإنما ذُكِّرَ باعتبارِ المعنى.

{الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} (المسيحُ) لقبُهُ؛ أصلُه بالعبرية: مَشِيحا؛ ومعناهُ: المبارَك، فهو من الألقابِ المشرِّفةِ

(1)

كالصِّدِّيقِ، و (عيسى) معرَّبُ أيشوع.

وإنما قال: {عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} والخطابُ لها؛ للتنبيه بنسبته إلى الأمِّ أنه يولَدُ من غير أبٍ؛ لأن النسبةَ إليها إنما تكونُ عند فَقْد الأبِ، وقد كان في قولهم:{بِكَلِمَةٍ مِنْهُ}

(2)

تمهيدٌ لهذا التنبيه.

ولما كان الاسمُ علامةً يعرَفُ به المسمَّى ويتميَّزُ من

(3)

غيرهِ قيلَ: اسمه - أي: ما يُعرَفُ به ويتميَّزُ - مجموعُ هذه الثلاثةِ؛ تعظيمًا لهُ، وتنويهًا بذكرِ اللقبِ والصفةِ مع الاسمِ.

{وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا} حال مقدَّرةٌ من (كلمةٍ)، وهي وإن كانت نكرةً لكنها موصوفة.

(1)

بكسر الراء المشددة؛ أي: المفيدة للمدح، ويجوز فتحها. انظر:"حاشية الشهاب على البيضاوي"(3/ 26).

(2)

"منه": ليست في (م).

(3)

في (ف): "في".

ص: 292

والوجاهةُ في الدنيا: النبوةُ والتقدمُ على الناس بالمعجزاتِ، وفي الآخرةِ: علوُّ الدرجةِ والشفاعةُ.

{وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} من الله تعالى، حالٌ آخرُ، وقيلَ: إشارة إلى رفعهِ إلى السماءِ، وصحبة الملائكةِ.

* * *

(46) - {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} .

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ} حالٌ آخرُ، والعدولُ إلى الفعل لأنَّه صفةٌ متجددةٌ بخلافِ السابق واللاحقِ، وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلم المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة.

{فِي الْمَهْدِ} حالٌ من (يكلِّمُ){وَكَهْلًا} عطفٌ عليه؛ أي: طفلًا وكهلًا، وإنما عدلَ عنه إلى المنزَل تصويرًا لحالِ صغَرهِ المنافي للقدر على التكلُّم كما ينبغي، والمعنى: يكلِّمُهم في الطفولةِ والكهولةِ على سواءٍ.

وفيه بشارةٌ

(1)

لأمهِ بعيشهِ وبقائهِ إلى الكهولةِ؛ وهي

(2)

ما بين الشبابِ والشّيبِ. واستُدِلَ به على نزوله من السماءِ؛ لأن رفعه إليها كانَ قبل أن يصيرَ كهلاً.

والمهد: ما يمهَدُ للصبيِّ من مضجعه تسميةً بالمصدرِ.

{وَمِنَ الصَّالِحِينَ} : حالٌ رابع من (كلمةٍ) أو ضميرِها الذي في (يكلم).

* * *

(1)

في (م): "إشارة".

(2)

في (ك) و (م): "وهو".

ص: 293

(47) - {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .

{قَالَتْ} لمَّا فهمَت من نسبتِه لها أنهُ لا والد له:

{رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} : تعجُّبٌ ناشٍ من استبعادٍ عاديٍّ، لا استفهامٌ

(1)

عن أن يكون بتزوجٍ أو غيرهِ؛ لأن قولَهُ:

{وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} ظاهرٌ في أن الطريقَ عندَه منحصِرٌ في التزوُّجِ.

{قَالَ} جبريلُ عليه السلام بأمرِ الله تعالى:

{كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} قد سبقَ تفسيره.

{إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} بيانٌ لقولهِ: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} ، وإشارةٌ إلى أنهُ تعالى كما يقدِرُ أن يخلُقَ الأشياء مدرجًا بأسبابٍ وموادَّ، يقدِرُ أن يخلُقها دفعةً من غير ذلكَ.

* * *

(48) - {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} .

{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} : كلامٌ مبتدأٌ ذكِرَ تطييبًا لقلبِها، وإزاحةً لمَا همَّها

(2)

خوفِ اللومِ لمَّا علمَتْ يقينًا أنها تلد من

(3)

غيرِ زواجٍ.

والكتابُ: الكَتبةُ

(4)

.

(1)

في (م): "عادي لاستفهام".

(2)

في (ف): "دهمها".

(3)

في (ف): "في".

(4)

في (م): "الكتب". وفي (ف): (كتبه). والصواب المثبت، والكتبة: بالفتح؛ أي: بالمعنى المصدريّ. =

ص: 294

وقرئ: {ونُعلِّمه}

(1)

بالنونِ على الالتفاتِ منَ الغيبةِ إلى الخطابِ؛ لشدة الاعتناء

(2)

بأمره عليه السلام.

ويجوزُ أن يراد بالكتابِ جنسُ الكتبِ المنزلةِ، وخُصَّ الكتابان

(3)

في قولهِ:

{وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} لفضلِهما.

* * *

(49) - {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} منصوبٌ بمضمرٍ؛ أي: ويجعلُهُ رسولًا. {وَرَسُولًا} يتضمَّنُ معنى النطق

(4)

، كأنه قال: ورسولًا ناطقًا بأني قد جئتكم بآيةٍ.

وجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولًا)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ.

والعطفُ على الأحوالِ المتقدِّمةِ يأباهُ الفصل بقولِهِ: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ}

=انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(3/ 28).

(1)

هي قراءة أكثر السبعة، وقرأ نافع وعاصم بالياء. انظر:"التيسير"(ص: 88).

(2)

في (د): "الاعتبار".

(3)

في (ف) و (ك) و (م): "كتابان".

(4)

"النطق" من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 364).

ص: 295

إلخ، فإنه حينئذٍ ينبغي أن يؤخَّرَ هذا القولُ عن ذكرِ الأحوال والأوصاف

(1)

، والاهتمامُ بلا علَّةٍ لا يصلُحُ باعثُا لتقديمِ ما حقُّهُ التأخيرُ، فإنه لا يكونُ سلامة الأمير

(2)

.

وتخصيصُ بني إسرائيلَ لخصوصِ بعثتهِ عليه الصلاة والسلام، أو للردِّ على مَن زعم أنه مبعوثٌ إلى غيرهم.

{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ} في محلِّ النصبِ بدلٌ من {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ} ، أو الجرِّ بدلًا من (آيةٍ)، أو الرفعِ على: هي أني.

وقرئ: {إني}

(3)

بالكسر على الاستئناف.

{كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} أي: أقدِّرُ لكم وأصوِّرُ شيئًا مثلَ صورة الطيرِ، أصلُ الكلامِ: كالطير في الهيئةِ، وإنما عدلَ عنهُ إلى المنزل إشارةً إلى أنهُ لم يكن منهُ عليه الصلاة والسلام تصرفٌ إلا في الهيئةِ، فلا مماثلةَ بينهُما في المادةِ، وإنما المماثلةُ في الصورة فقط.

{فَأَنْفُخُ فِيهِ} : الضميرُ للكافِ؛ أي: في ذلك المماثلِ

(4)

.

{فَيَكُونُ طَيْرًا} أي: يصيرُ حيًّا طائرًا.

{بِإِذْنِ اللَّهِ} : بيَّنَ به أن إحياءه كانَ من الله تعالى لا منه، وفي عبارةِ الإذنِ دون الأمرِ إشارةٌ إلى تهوين أمرِ كونه طيرًا

(5)

.

(1)

في (ك) و (م): "الأوصاف والأحوال".

(2)

في (م): "بسلامة الأمير". وفي (ك): (سلامة الأجر). وفي (ح) و (ف): (سلامة الأمر).

(3)

وهي قراءة نافع، انظر:"التيسير"(ص: 88).

(4)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "المماثلة".

(5)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "رد لمن فسر الإذن بالأمر".

ص: 296

قيلَ

(1)

: تواطَأَ النقلُ عن المفسرين أن الطائرَ الذي خلقَهُ عليه السلام كانَ يطيرُ ما دام الناس ينظرون إليهِ، فإذا غاب عن أعينهم سقَطَ ميتًا؛ ليتميّزَ فعلُ المخلوق من فعل الخالقِ، ومن هنا ظهر وجه زيادة {لَكُمْ} في قولهِ:{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ} ، ووجهُ التهوينِ الذي أُشيرَ إليهِ بعبارة الإذنِ

(2)

.

{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} الأكمَهُ: الذي ولدَ أعمى، وقيلَ: الممسوح العينِ.

{وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} : ذكره فيما لا يدخُلُ تحت قدرةِ العبادِ، وقيلَ في وجهه: إنه علِمَ أنه يُعبَدُ ويتَّخَذُ إلهًا، فنفَى عن نفسهِ الألوهيةَ قطعًا لحججهم

(3)

عندَ الله تعالى.

{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} بالمغيَّباتِ من أحوالكُم التي لا تشكُّونَ فيها.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإشارةُ إلى مجموع ما ذكِرَ.

{لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} : موقنين للإيمان؛ فإن غيرهم لا ينتفِعُ بالمعجزاتِ، أو: مصدِّقينَ للحقِّ غير مُعاندين.

* * *

(50) - {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} .

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "قائله أبو حيان". قلت: وهو في الأصل قول وهب بن منبه. انظر: "البحر"(5/ 396)، وذكره عن وهب الطبري في "تفسيره"(5/ 424).

(2)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "والإحياء الآتي ذكره أيضًا ليس من قبيل الإحياء المعتاد فالإشارة المذكورة أصابت محزها ثمة أيضًا. منه".

(3)

في (ح) و (ف): "بحججهم".

ص: 297

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} : عطفٌ على {وَرَسُولًا} أو على {بِآيَةٍ} تقديره: قد جئتكُمْ بآيةٍ، وجئتكُم مصدِّقًا.

{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ} ولأبيِّنَ الحلَّ وأعلِّمَه، معطوفٌ على محذوفٍ تقديرُهُ: لأخفِّفَ عنكُمْ ولأحلَّ لكم، أو معطوفٌ على معنى:(مصدقًا) كقولهم: أجئتك،

(1)

معتذرًا ولأطيِّبَ قلبكَ، أو مردود على قوله:(جئتكم بآية)، أي: منتظِمٌ معه معطوفٌ عليهِ ظاهرًا، لكنه في التحقيقِ مِن عطفِ الجمَلِ، أي: وجئتكم بآيةٍ لأحِلَّ؛ إذ

(2)

لا وجهَ لعطف المفعول له على المفعول به، ولك أن تجعل الكلَّ في معنى الحال فيستقيمَ العطفُ؛ أي: جئتكم ملتبسًا بآيةٍ، ومصدقًا لما بين يديَّ، وكائنًا لأحل لكم

(3)

.

{بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: في شريعة موسى عليه السلام؛ كالشحومِ، والشروبِ، والسمكِ، ولحومِ الإبلِ، والعملِ في السبتِ، وذلك لا يُنافي كونَه مصدِّقًا للتوراةِ؛ لأن النسخَ في الحقيقةِ بيانٌ لانتهاء حكمِ المنسوخ.

{وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: جئتكم بآيةٍ بعد أُخرى مما ذكرتُ لكم ومما لم أذكُر؛ من ولادَتي بغير أبٍ، ومن كلامي في المهدِ، وغيرِ ذلكَ.

وقرئ: (بآيات من ربكم)

(4)

.

{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} لما جئتكم بهِ من الآياتِ.

{وَأَطِيعُونِ} فيما أدعوكمِ إليه

(5)

، ثم ابتدأَ فقال:

(1)

من "تفسير البيضاوي"(2/ 18).

(2)

في (د): "إذا".

(3)

"لكم" من (ح) و (ك) و (ف).

(4)

تنسب لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 21 - 22).

(5)

في النسخ عدا (م): "أدعوكم به"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 365)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 18).

ص: 298

(51) - {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} .

{إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} أي: تلك الآياتُ، واسمعوا هذه فإنها أعظَمُها وهو التوحيدُ الذي تطابق عليهِ الرسلُ كلهم، وهو

(1)

مبنَى دينِ الكلِّ وأسُّهُ.

{فَاعْبُدُوهُ} : فخصِّصُوه

(2)

بالعبادةِ.

وقرئ: (أن الله) بالفتح

(3)

، ومعناهُ: لأنَّ اللهَ ربي وربكم فاعبدُوه؛ كقولِهِ تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ

فَلْيَعْبُدُوا}.

ويجوزُ أن يكونَ المعنى: وجئتكم بآيةٍ عظيمةٍ ما أعظَمها دالةٍ على أن الله تعالى ربِّي وربُّكم، وما بينَهما اعتراضٌ للتأكيدِ.

{هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} : أشارَ بقولهِ: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} إلى باستكمالِ القوةِ النظريةِ بالاعتقادِ الحقِّ الذي غايتُهُ التوحيد، وبقولهِ:{فَاعْبُدُوهُ} إلى استكمالِ القوة العمليَّةِ، فإنه بملازمة

(4)

الطاعةِ التي هي الإتيانُ بالأوامرِ والانتهاءُ عن المناهي

(5)

، ثم قرَّرَ ذلك بأنْ بيَّن أن الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له

(6)

بالاستقامةِ.

* * *

(1)

في (ف) سقط: "هو".

(2)

في (ك): "فخصوه".

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 20 - 21).

(4)

في (ف): "بمنزلة".

(5)

في (ك): "النواهي".

(6)

"له" ليست في (ف) و (ك).

ص: 299

(52) - {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .

{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} نزَّلَ الكفرَ منزلةَ آثاره المحسوسةِ من سبِّهِ وطلبِهِ للقتلِ مبالغةً في قوة تأثيره وشدِّةِ ظهوره، ثم كنى بإحساسهِ عن التأثرِ به، والخوفِ منهم، ولذلكَ طلب الأنصارَ، ومَن وهَمَ أن الإحساسَ مستعارٌ للعلمِ اليقينيِّ الذي لا شبهةَ فيه فقد وهِمَ؛ لأنَّ فيه تشبيهَ القويِّ بالضعيفِ، فإن الإحساسَ كثيرًا ما يقعُ فيه الغلطُ.

نعم؛ لو قيلَ: شبَّه الكفرَ المعقولَ بالمحسوسِ في قوةِ الظهورِ، فأضافَ إليه الإحساسَ على طريقةِ الاستعارةِ بالكنايةِ، لكانَ له وجهٌ، والفاءُ فصيحةٌ ترتيبُها على محذوفٍ يُفهَمُ من سياق الكلام وسباقه.

{قَالَ مَنْ أَنْصَارِي} : جمعُ النصيرِ؛ كالأشرافِ: جمع الشريفِ، أو جمعُ ناصرٍ؛ كالأصحاب: جمع صاحب.

{إِلَى اللَّهِ} : في محلِّ النصبِ متعلقٌ بحالٍ محذوفٍ؛ أي: سائرًا إلى اللهِ، أو: ملتجئًا، أو صلةٌ لـ {أَنْصَارِي} مضمَّنًا

(1)

معنى فعلٍ متعدٍّ

(2)

بـ (إلى)؛ أي: مَن الذين يُضيفون

(3)

أنفسهُمْ إلى الله تعالى ينصرونني كما ينصرني الله.

{قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} : حواريُّ الرجلِ: صفوته وخالصتُهُ، من الحَوَرِ؛ وهو

(1)

في (د): "متضمنًا".

(2)

في (ح) و (ف) و (ك): "المتعدي"، وفي (م):"متعدي".

(3)

في (ح) و (د) و (ت): "يضيقون".

ص: 300

البياضُ الخالص؛ سمِّيَ به أصحابهُ عليه الصلاة والسلام

(1)

لخلوصِ نيتهِم، ونقاءِ

(2)

سريرتهم.

{نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} أي: أنصار دينه.

{آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} تأكيدٌ لإسلامهم؛ لأن الرسُلَ يشهدون يوم القيامةِ لقومهم وعليهم.

* * *

(53) - {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} .

{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} : مع الأنبياءِ الذين يشهدونَ لأممهم، أو: مع أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم شهداءُ على الناسِ، أو: مع الشاهدين بالوحدانية.

* * *

(54) - {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .

{وَمَكَرُوا} ؛ أي: الذينَ أحسَّ عيسى عليه الصلاة والسلام منهم الكفرَ، ومكرُهم أنهم وكَلوا به مَن يقتلُهُ غيلةً

(3)

.

{وَمَكَرَ اللَّهُ} بأنْ رفعَهُ عليه الصلاة والسلام، وألقَى شبهَهُ على مَن قصَدَ اغتياله حتى قُتلَ.

(1)

في (ك) و (م): "سمي به عليه السلام أصحابه".

(2)

في (ف): "ونقاوة".

(3)

في (ك) و (م): "غيلة فجأة".

ص: 301

وحقيقةُ المكرِ: إظهار أمرٍ يعتقدُ فيه الناظر إليه الجاهلُ حقيقتَهُ بضدِّ ما هو، وكذلك الاحتيال والخديعةُ

(1)

والسخريةُ.

ومَن قصدَ بشيءٍ مِن فعل

(2)

ذلكَ أمرًا قبيحًا يكونُ ذميماً، وإن قصدَ به فعلًا جميلًا يكونُ بذلك حميدًا، كذا قالَ الراغبُ

(3)

، فلا شيءَ في إسنادهِ إلى الله تعالى، كما لا شيءَ في إسناد الكيدِ إليه.

ومن وهَمَ أنه لا يسنَدُ إليه تعالى إلا على سبيلِ المقابلةِ والازدواجِ فقد وهِمَ، وكأنه غافلٌ عن قوله تعالى:{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]

(4)

.

{وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} أقواهم مكرًا، وأنفذُهم

(5)

كيدًا، وأقدرُهم على إيصالِ الضررِ من حيث لا يُحتسَبُ.

* * *

(55) - {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} .

(1)

في النسخ عدا (ك): "والحذيقة"، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير الراغب"(1/ 409).

(2)

"فعل" ليست في (ف) ولم ترد في مطبوع "تفسير الراغب".

(3)

انظر: "تفسير الراغب"(1/ 409).

(4)

في هامش "د": "في تفسير قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} من سورة البقرة، وعن قوله: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} والفرق بينهما تحكم. منه".

(5)

في (د): "وأقدرهم".

ص: 302

{إِذْ قَالَ اللَّهُ} : ظرفٌ لـ {مَكَرَ اللَّهُ} لا لـ {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ؛ لأن تقييدَ

(1)

كونه تعالى خيرَ الماكرين بالظرفِ ليس بسديدٍ.

{يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} ؛ أي: مستوفي أجلِكَ، ومؤخِّرُك إلى أجلك المسمَّى، عاصمًا إياك من قتلِهم.

أو: قابضُكَ من الأرضِ؛ من توفَّيتُ مالي.

أو: متوفيكَ نائمًا؛ إذ رويَ أنهُ رُفِعَ نائمًا.

وقيلَ: أماتهُ اللهُ ورفعه إلى السماءِ ثم أحياهُ؛ وإليه ذهبَ النصارى

(2)

.

{وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} : إلى محلِّ كرامتي، ومقرِّ ملائكتي.

{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : من خُبث صحبتهم، وسوءِ جوارهم، أو قصدِ جَورهم.

{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : يَعْلونهم بالحجةِ، وفي أكثر الأحوالِ بها وبالسيفِ، ومتَّبعوهُ هم المسلمون؛ لأنهم متَبعوه في أصلِ الإسلام وإن اختلفتِ الشرائعُ، دونَ الذين كذَّبوه وكذَبوا عليه من اليهودِ والنصارى.

{إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} : إلى الآنَ لم يُسمَعْ غلبةُ اليهود عليهم

(3)

، ولم يتَّفق لهم دولةٌ وملكٌ.

{ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} : الضميرُ لعيسى عليه السلام ومَن تبعَهُ ومَن كفرَ به،

(1)

في (د): "تقيد".

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 367)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 19).

(3)

"عليهم" ليست في (ك).

ص: 303

وغلَّبَ المخاطَبين على الغائبين بعدما التفتَ من الغيبةِ إلى الخطاب؛ ليكون الإخبارُ أبلغَ في التهديدِ، وأشدَّ زجرًا.

{فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} : من أمرِ الدينِ، والتفتَ من الغيبةِ إلى التكلُّمِ مسنِدًا للحكمِ إلى نفسهِ ليُعلمَ أن الحاكمَ هنا مَن لا يخفى عليه خافيةٌ.

* * *

(56 - 57) - {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} .

{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} : تفسيرٌ للحكمِ، وتفصيلٌ لهُ.

وبدأ بذكرِ الكفارِ لأنَّ ما تقدَّمَ من المجمل إنما ذُكِرَ على سبيل التهديدِ والوعيدِ لهم، والإخبارِ بجزائهم.

وقولُهُ: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لم يُذكَرْ على أنه قيدٌ احترازيٌّ، بل ذُكرَ للتنبيهِ على أن الإيمان الصحيحَ يتبعُهُ العملُ الصالحُ إن لم يمنعه

(1)

مانعٌ.

{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: يبغضُهم، فإنهُ من الكناياتِ الملحقةِ بالحقيقةِ في جميع الألسنةِ.

* * *

(58) - {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} .

(1)

في (ف): "يمنع".

ص: 304

{ذَلِكَ} : إشارةٌ إلى ما سبقَ من نبأِ عيسى عليه السلام وغيرِهِ، وهوَ مبتدأ خبرُهُ:

{نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} ، وقولُهُ:

{مِنَ الْآيَاتِ} : حالٌ من الهاءِ، أو خبر بعد خبرٍ، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.

ويجوزُ أن يكونَ: {مِنَ الْآيَاتِ} خبرًا، و {نَتْلُوهُ} حالًا، على أنَّ العامل معنى الإشارةِ.

وأن ينتصِبَ {ذَلِكَ} بمضمرٍ يفسِّرُهُ {نَتْلُوهُ} ، وأن يكونَ بمعنى: الذي، و {نَتْلُوهُ} صلته، والخبرُ {مِنَ الْآيَاتِ} .

{وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} : هو القرآنُ وصفٌ

(1)

بصفةِ من هوَ له على طريقةِ قولهِمْ: شعرَ شاعرًا، أو لكثرةِ

(2)

حكمِهِ كأنه حكيمٌ ناطق بالحكمةِ، أو المحكَمُ الممنوعُ عن تطرُّقِ الخللِ إليه.

* * *

(59) - {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ} ؛ أي: شأنَهُ الغريبَ في ولادته من غيرِ نطفةٍ.

{كَمَثَلِ آدَمَ} : كشأنهِ الغريبِ في خلقِهِ كذلكَ، ولخفاءِ هذه الحال على الخلقِ قالَ:{عِنْدَ اللَّهِ} وهما في ذلكَ - أي: في أن وُجِدا وجودًا خارجًا عن العادةِ بأن خُلِقا من غيرِ نطفةٍ - نظيرانِ لا مزيةَ لأحدِهما في نفس ذلك المعنى، فصحَّ التشبيهُ بلا اشتباهٍ.

(1)

في (ك) و (م): "وصفه".

(2)

في (م): "ولكثرة".

ص: 305

وأمَّا كونُ عيسى عليه السلام مخلوقًا من غيرِ أبٍ، وآدمَ عليه السلام مخلوقًا مِن غير أبٍ وأمٍّ، فخارجٌ عن مدلولِ الكلامِ وإن كان مقصورًا في تمشيةِ ما سيقَ لهُ ذلكَ، ملحوظًا من

(1)

غرضه بمعونةِ المقامِ؛ فإن الغرضَ دفعُ استغرابهم خلقَ عيسى عليه السلام من غير أبٍ، فبملاحظةِ مَن خُلقَ من غير أبٍ وأمٍّ يتمُّ ذلك الغرضُ على وجهٍ أقوى، ولهذا تعرَّضَ لبيانِ حاله بقوله:

{خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} : جملة مفسِّرةٌ للتمثيل مبيِّنة لِمَا له الشبهُ؛ أي

(2)

: خلقِ جسدِهِ، فإنه من عالَمِ الخَلقِ، وهو عالمُ المُلكِ وعالم الشهادةِ، ثم أوجَدَ روحه بأمر:(كن) وهو عالَمُ الأمرِ، وهو عالمُ الملكوتِ وعالم الغيبِ، على ما أفصحَ عنه بقوله:

{ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} وفيهِ دلالة على أن الإنسانَ كائن مرةً بعد أُخرى على ما صرَّحَ بهِ في قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14]، وكلمةُ {ثُمَّ} للتراخي حقيقةً.

{فَيَكُونُ} : حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا لتلكَ الحال

(3)

العجيبةِ، وبيانًا

(4)

لسرعة حصولِ المرادِ؛ فإن الفاءَ للدلالةِ على عدم التراخي.

* * *

(60) - {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .

{الْحَقُّ} : خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو الحقُّ.

{مِنْ رَبِّكَ} أي: ثابتًا منه، على أنهُ حالٌ مؤكِّدةٌ.

(1)

في (د): "عن".

(2)

في (ح) و (ف): "إلى".

(3)

في (د): "الحالة".

(4)

في (ح) و (ف) و (م): "وبيان".

ص: 306

وقيلَ: {الْحَقُّ} مبتدأٌ، و {مِنْ رَبِّكَ} خبرُهُ؛ أي: الحقُّ المذكورُ من الله تعالى.

وتعريفُ الحقِّ للعهدِ الذهني؛ أي: إيجادُ عيسى عليه السلام من غيرِ أبٍ هوَ الحقُّ الذي تعرفُهُ.

{فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} : الخطابُ للنبيِّ عليه السلام، وفائدةُ النهي عنِ الامتراءِ هو التثبيتُ عَلى اليقينِ والطمأنينةِ، والإيماءُ إلى أن الممتري هو الذي لا يعرفُ الحقَّ؛ أي: قدرةَ اللهِ تعالى على الإيجادِ من غير أبٍ، وإلا فرسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أجلُّ مِن أن يمتريَ حتى يُنهَى عنه.

* * *

(61) - {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} .

{فَمَنْ حَاجَّكَ} من النصارى.

{فِيهِ} : في عيسى عليه السلام.

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أي: البيِّناتِ الموجبة للعلمِ.

{فَقُلْ تَعَالَوْا} : هلُمُّوا.

{نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} ؛ أي: يَدْعُ كلٌّ منا ومنكُمْ نفسه وأعِزَّةَ أهلهِ وألصقَهمْ بقلبه إلى المباهلَةِ، ويحمِلْ عليها.

وإنَّما قدَّمهم على النفسِ تنبيهًا على لطف مكانِهم، وقربِ منزلتهم، وأنهم مُقدَّمون على الأنفسِ، كيفَ

(1)

والرجلُ يخاطر بنفسهِ لهم، ويحاربُ دونهم.

(1)

"كيف" ليست في (ح) و (ف) و (ك).

ص: 307

{ثُمَّ نَبْتَهِلْ} : منَ البَهلةِ بفتحِ الباء وضمِّها؛ وهي: اللعنةُ، وأصلُ الابتهالِ: الالتعانُ، ثمَّ استُعمِلَ في كل دعاءٍ يجتهدُ الإنسان عليه وإن لم يكُن التعانًا.

والمباهلةُ: الملاعنةُ؛ أي: نتباهل بأن نقولَ: بَهلةُ اللهِ على الكاذب

(1)

منا ومنكُمْ.

{فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} عطفٌ فيهِ بيانٌ.

قد طوَّلَ المفسرونَ في قصةِ المباهلةِ، وحاصلُها: أنه عليه السلام لمَّا دعاهم إليها، وخرجَ بالحسَنِ والحسينِ وفاطمةَ وعليٍّ رضي الله عنهم إلى الميعادِ، كَفُّوا عن ذلكَ

(2)

.

* * *

(62) - {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

{إِنَّ هَذَا} : ما قصَّ

(3)

من نبأ عيسى عليه السلام ومريمَ.

{لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} : بجملَتِها خبرُ {إِنَّ} ، أو (هو) فصلٌ يفيدُ أن ما ذكره في شأنهما حقٌّ دونَ ما ذكروه، وما بعدَهُ خبرٌ، وحقُّ اللام أن تدخل المبتدأَ، فلما دخلَ (إنَّ) أزيلَت عنهُ إلى الخبرِ أو الواسطةِ لمزيدِ التأكيدِ، وإذا جازَ تأخيرها إلى الخبرِ فلَأَنْ يجوزَ إلى الواسطةِ التي هيَ أقربُ إلى المبتدأ أولى.

{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} : زيادةٌ {مِنْ} هنا في إفادةِ معنى الاستغراقِ، والتأكيدِ في النفيِ، كالبناءِ على الفتحِ في:(لا إله إلا الله)، والمرادُ الردُّ على النصارى في تثليثهم.

(1)

في النسخ عدا (د): "الكافرين"، والمثبت من (د).

(2)

رواه بنحوه البخاري (4380) من حديث حذيفة رضي الله عنه، وليس فيه ذكر إحضار الحسنين وأبويهما، وهذا ورد في حديث جابر عند الحاكم (4157).

(3)

في (ك): "قضى".

ص: 308

{وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} : دخولُ (إنَّ)، وإظهارُ اسمِ الله، وتوسيطُ (هو) للفصلِ، وإدخالُ اللامِ عليه، وتعريفُ {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، مبالغات وتأكيداتٌ في التوحيدِ ونفيِ الشركِ، وأن العزة -أي: الغلبةَ والقهرَ- مخصوصةٌ باللهِ تعالى ليسَ لغيره فيها نصيبٌ، وأنَّ قهرَهُ إنما يكونُ بالحكمةِ فلا يقهَرُ إلا الكافرَ. ثمَّ بالغَ في الإيعادِ بقولهِ:

* * *

(63) - {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} .

{فَإِنْ تَوَلَّوْا} : عن التوحيدِ.

{فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} وإدخالُ الفاءِ في (إن الله) إشارةٌ إلى أن الوعيدَ مسبَّبٌ عن الإعراضِ، ووضعُ (المفسدين) موضِعَ ضميرِهم تسجيل عليهم، وتنبيهٌ على أن حقيقةَ الفسادِ هو التولي عن التوحيدِ، وأن الوعيدَ المذكورَ في قولهِ:{زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] مخصوصٌ بهم.

(64) - {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} يعمُّ أهلَ الكتابينِ، وقيلَ: يريدُ وفدَ نجرانَ

(1)

، وقيل: يهودَ المدينة.

(1)

في (د) و (ك) و (م): "بني نجران".

ص: 309

{تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} إذ

(1)

لا يختلِفُ فيها الكتبُ والرسلُ

(2)

، ويفسِّرُها ما بعدَها:

{أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} أي: نوحدَه بالعبادة.

{وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} : لم يُرِد به الشركَ في العبادةِ؛ لأنَّ الوصل يأباهُ، بل أرادَ به ما ذكر بقولِهِ:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} [الأنعام: 136]

(3)

.

{وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي: لا يتخِذَ الأتباع

(4)

الرؤوسَ أربابًا من دون اللهِ فيطيعونَهم كطاعةِ اللهِ تعالى.

نهى عن إطاعتهم الأحبارَ فيما أحدثوا منَ التحليلِ والتحريمِ من غيرِ الرجوعِ إلى ما شرعَ إليهِ، لا عن قولهم:{عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] و {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] لأنَّ مرجعهُ إلى ما تقدَّمَ من توحيده تعالى بالعبادةِ.

{فَإِنْ تَوَلَّوْا} عنِ التوحيد الذي هو أصلُ دينِ الكلِّ، فقد لزمتهم الحجةُ بأنهم ليسوا على دينهِم.

{فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} دونكُم؛ لأنكم خالفتُم كتابكُم ونبيَّكم. ويجوزُ أن يكونَ مِن بابِ التعريض؛ أي: اشهدُوا واعترفوا بأنكُم كافرونَ بما نطقَت به الكتبُ، وتطابقَت عليه الرسلُ.

(1)

في (ك): "أي".

(2)

في (م): "الرسل والكتب".

(3)

في هامش (د) و (ف): "إذ حينئذ يكون بين المعطوفين كمال الاتحاد".

(4)

في (م): "يتخذوا الاتباع".

ص: 310

ولا يخفَى ما في نظمِ هذه القصةِ من المبالغةِ في الإرشادِ، ولطفِ التدرُّجِ في الحِجاجِ، وحسنِ المقطعِ عند ظهورِ اللَّجاجِ.

* * *

(65) - {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} : تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيمَ عليه السلام، وزعمَ كلُّ فريقٍ أنه منهُمْ، فترافعوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فنزَلتْ

(1)

.

يعني: إنكم معترفونَ بحدوثِ اليهودية والنصرانيةِ بنزولِ التوراةِ والإنجيلِ، ونزولُهما بعدَهُ عليه السلام، فكيفَ يكون يهوديًا أو نصرانيًا؟!

ولا يَرِدُ الإلزام علينا في قولنا: إنه عليه السلام كان على دين الإسلام؛ لأنَّا ما نقول بحدوث دين الإسلام بنزول القرآن

(2)

.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} حتى لا تجادلُوا مثلَ هذا الجدالِ المحالِ.

* * *

(66) - {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

(1)

انظر: "تفسير الطبري"(5/ 481).

(2)

في هامش (د) و (ف): "وأما الجواب الذي ذكره الإمام بأن القرآن أخبر أنه كان حنيفًا مسلمًا، وليس في التوراة والإنجيل أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا، فظهر الفرق، فخارج عن سنن الصواب كما لا يخفى على ذوي الألباب. منه".

ص: 311

{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} {ها} حرفُ التنبيهِ، و (أنتم} مبتدأٌ، و {هَؤُلَاءِ} خبرُهُ، و {حَاجَجْتُمْ} جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ للأُولى؛ أي: تنبَّهوا أيها الغافلونَ، أنتم هؤلاءِ الحمقَى على هذه الصفةِ التي أنتُم عليها مما لا يمكِنُ ذمُّكُم بما هو أبلَغُ منهُ، فأنتم الأشخاصُ المتعيِّنةُ المشارُ إليهم في الحماقةِ.

وفي

(1)

حرفِ التنبيهِ مبالغةٌ في غفلتهم، وفي {هَؤُلَاءِ} الذمُّ بالجهلِ، و {حَاجَجْتُمْ} كشف لجهلهم

(2)

وسخافةِ عقولهم

(3)

؛ أي: إن حماقتكُم أنكم جادلتُم فيما لكم به علمٌ من التوراة والإنجيل من حالِ محمدٍ عليه السلام، فلمَ تحاجُّونَ فيما لا ذكرَ له في كتابكم ولا علمَ لكم به من حالِ إبراهيمَ عليه السلام

(4)

.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ما حاججتُم فيهِ فيعلِمُنا.

{وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : وأنتم جاهلون به.

* * *

(67) - {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} تصريحٌ بمقتضى ما قرَّره من البرهانِ.

{وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا} : مائلاً عن العقائدِ الزائغة

(5)

.

(1)

في (د): "وهو".

(2)

في (د): "بجهلهم".

(3)

في (ح) و (ف): "لعقولهم".

(4)

في هامش (د) و (ف): "من قال: ولا ذكر في كتابكم من دين إبراهيم، لم يصب لأن قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} إلى قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ} يدل على أن في التوراة ذكر من دين إبراهيم عليه السلام. منه".

(5)

في (ف): "الزائفة".

ص: 312

{مُسْلِمًا} : ثابتًا على ملةِ الإسلامِ، وما سبق إلى بعض الأوهامِ من الاشتراك في الإلزام

(1)

فقدِ اندفعَ بما قدَّمناه من الكلامِ.

{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} : تعريضٌ بأنهم مشركونَ؛ لإشراكهم به تعالى عزيزًا والمسيحَ، وردٌّ لادعاءِ المشركين أنهم على ملةِ إبراهيمَ عليه السلام.

* * *

(68) - {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} .

{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} : إن

(2)

أقربَ الناس منه وأخصَّهم به؛ من الوَلْيِ وهو القُربِ.

{لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} في زمانهِ وبعدَه.

{وَهَذَا النَّبِيُّ} خصوصًا.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا} مِن أمته؛ لموافقَتهم له في أكثرِ ما شرع له أصالةً.

وقرئَ: (و [هذا] النبيَّ) بالنصبِ عطفًا على الهاءِ في {اتَّبَعُوهُ} ، وبالجر عطف على إبراهيم

(3)

. و (الذينَ آمنوا) على قراءةِ النصبِ عطفٌ على (الذين اتبعوه)، وعلى قراءة الجرِّ يحتمِلُ العطف على (النبيِّ)، وعلى (الذين اتبعوه)، وهذا أوجَهُ.

{وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} : ينصرُهم ويجازيهِم الحسنى

(4)

لإيمانهم.

(1)

في (ك) و (م): "من الإشراك في الإلزام". ووقع في (ف): "الإكرام" مكان "الإلزام".

(2)

في (م): "أي".

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 21)، و"الكشاف"(1/ 271). وما بين معكوفتين منهما.

(4)

في (م): "الحسن".

ص: 313

(69) - {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} .

{وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} : نزلَتْ في اليهودِ لما دَعوا حذيفةَ وعمارًا ومعاذًا إلى اليهوديةِ

(1)

، و {لَوْ} بمعنى: أنْ.

{وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} أي: وما يقدِرون على إضلال المسلمينَ وإنما يضلُّون أمثالهم من أشياعِهم، أو: ما يعودُ وبالُ إضلالهم إلا عليهِم، فإنَّ الوبال يُضافُ عليه بضلالهم وإضلالهم.

{وَمَا يَشْعُرُونَ} ذلكَ.

* * *

(70) - {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} .

{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} بما في التوراةِ والإنجيلِ من الآياتِ الناطقةِ بنبوةِ محمدٍ عليه السلام.

{وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أنها آياتُ اللهِ تعالى، أو: بالقرآنِ وأنتم تشهدون نعتَهُ في الكتابين، أو تعلَمون بالمعجزاتِ أنه حقٌّ.

* * *

(71) - {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} بالتحريفِ وإبرازِ

(2)

الباطل في صورةِ الحقِّ.

(1)

انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: 109)، و"الكشاف"(1/ 371).

(2)

في (ك): "وإيراد".

ص: 314

وقرئ: (تَلبَسون) بفتح الباء

(1)

، أي: تكتسونَ

(2)

الحقَّ معَ الباطلِ، كقولهِ عليه السلام:"كلابسِ ثوبي زُورٍ"

(3)

.

{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} : نبوَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم نعتَهُ.

{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} : عالمينَ بما تكتُمونه.

* * *

(72) - {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .

{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} المرادُ بالطائفةِ كعبُ بن الأشرَفِ، ومالِكُ بن الصيفِ، وكعبُ بن أسيدٍ، قالوا لأصحابهم لمَّا حوِّلَتِ القبلةُ:

{آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} : كانَ حقُّهُ أن يقولَ: بالذي أنزِلَ على محمدٍ، وإنما عدَلَ عنه إلى المنزَلِ لعدم المساعدةِ من باطنه على التكلم به.

{وَجْهَ النَّهَارِ} أوَّلهُ، قالَ:

مَن كانَ مَسرُورًا بمقتَلِ مالكٍ

فليَأتِ نسوتَنا بوَجهِ نهارِ

(4)

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 371)، ونسبها في "البحر المحيط"(5/ 460) إلى يحيى بن وثاب.

(2)

في (د): "تكتبون"، و في (ك):"تلبسون".

(3)

رواه البخاري (5219)، ومسلم (2130)، من حديث أسماء رضي الله عنها، ورواه مسلم (2129) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(4)

البيت للربيع بن زياد العبسي، انظر:"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (1/ 97)، و"تفسير الطبري"(5/ 498)، و"معاني القرآن" للزجاج (1/ 429)، و"شرح الحماسة" للمرزوقي (2/ 995) وفيه:(ساحتنا) بدل: (نسوتنا). ومالك هو ابن زهير بن جذيمة العبسي، وكانوا قد أخذوا بثأره.

وجاء في هامش (د) و (ف): "لا بد من المحافظة على لفظ الشاعر لمن كان في صدد الاستشهاد بعبارته، فمن تعجب من جار الله فيه لم يدر أن فيما وراءه من تعجب منه. منه".

ص: 315

أي: أظهِروا الإيمان بما نزِّلَ عليهم من الصلاةِ إلى الكعبةِ، وصلُّوا إليها أوَّلَ النهارِ {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ}: وصلُّوا إلى الصخرةِ.

{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} : ظانِّينَ بأنكُم رجعتُم لخلَلٍ ظهرَ لكم.

وقيلَ: اثنا عشرَ رجلًا

(1)

من أحبارِ خيبرَ تقاولوا بأن يدخُلوا في الإسلامِ أوَّلَ النهارِ، ويقولوا آخرَهُ: نظَرنا في كتابنا وشاورنا علماءَنا فلَم نجِد محمدًا

(2)

بالنعتِ الذي ورد في كتابنا، لعلَّ أصحابَه يشكُّونَ فيه فيرجِعونَ.

* * *

(73) - {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

{وَلَا تُؤْمِنُوا} : ولا تقِرُّوا عن تصديقِ قلبٍ.

{إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} : إلا لأهل دينِكم؛ أي

(3)

: لا تظهِروا إيمانكم وجهَ النهارِ إلا لمن كانَ على دينكِم، فإنَّ رجوعَهم أرجَى وأهمُّ.

{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} يهدِي مَن يشاءُ إلى

(4)

الإيمانِ، أو يثبِّته عليه.

و {الْهُدَى}

(5)

اسمُ {إِنَّ} ، و {هُدَى اللَّهِ} بدلٌ منهُ {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} خبرُهُ، واللامُ في {الْهُدَى} للماهيةِ.

(1)

"رجلًا" من (ف).

(2)

في (ف): "يجز لمحمد".

(3)

في (د): "أو".

(4)

في (د) و (ك) و (م): "من".

(5)

في النسخ عدا (م): "الهدى" والمثبت من (م).

ص: 316

وفائدةُ الإبدالِ: تعظيمُ الهُدى بنسبَتهِ إلى اللهِ تعالى؛ أي: إن حقيقةَ الهدى وماهيةَ الهدى الإلهيِّ الذي ليسَ وراءه هدًى، بل لا هُدى إلا هو؛ لأن ما عداه من هُدى الخلقِ ليسَ بهُدًى، وعلى هذا {أَوْ} في قوله:{يُحَاجُّوكُمْ} بمعنى: حتى؛ لأن المحاجَّةَ نفسها لا تصلُحُ لذلك إلا مرتبطةً بالإيتاءِ مرتَّبةً

(1)

عليهِ.

أو: {هُدَى اللَّهِ} خبرُ {إِنَّ} ، و {أَنْ يُؤْتَى} علةُ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ما قبلَه من إظهار إيمانهم ورجوعِهم لتقرير مَن أسلَم من أصحابهم؛ أي: لِأنْ

(2)

يُؤتى أحدٌ كتابًا موافقًا لكتابكم مصدِّقًا له مُنزَّلًا من عند اللهِ، أو لمحاجَّة أهله إياكم

(3)

عندَ ربكُمْ، دبَّرتم ما دبَّرتم، وقُلتم ذلكَ لأصحابِكم.

وإنما أتى بـ (أو) تنبيهًا على أن كلَّ واحدٍ منهما مستقلٌّ في إغاظتِهم وحمْلِهم على الحسدِ حتى دبَّروا ما دبَّروا، ولو أتى بالواوِ لَمَا وقَعَ هذا الموقِعَ؛ للعلمِ بأن الثاني يلزَمُ الأولَ، فلم يكُن فيه فائدةٌ زائدةٌ، وأما إذا أتى بـ (أو) فقد أشعَرَ بأن كُلًّا مستقِلّ في الباعثيَّةِ على الحسدِ والاحتشادِ في التدبير، والحملُ على معنى (حتى) ليسَ له موقعٌ يروعُ السامعَ، وإن كانَ وجهًا ظاهريًّا

(4)

.

ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ: {أَنْ يُؤْتَى} بهمزة الاستفهام

(5)

؛ أي: أَلِأَنْ يُؤتَى أحدٌ أو لأن يحاجُّوكُم فعلتُم ذلكَ.

(1)

في (ح) و (ف): "مترتبة".

(2)

في النسخ عدا (د): "لا"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر:"الكشاف"(1/ 374)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 23).

(3)

في (ح) و (ف): "لمحاجته إياكم"، وفي (د):"لمحاجة إياكم".

(4)

في (م): "ظاهرًا".

(5)

وهي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: "التيسير"(ص: 89).

ص: 317

ويجوزُ أن يتعلَّق {أَنْ يُؤْتَى} بـ {لا تؤمنوا} ؛ أي: ولا تظهِروا إيمانكَم بأن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتُم إلا لأشياعكُم، ولا تفشُوه إلى المسلمينَ لئلا يزيدُوا ثباتهم، ولا إلى المشركينَ لئلا يدعُوهم إلى الإسلامِ، وقوله:{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} اعتراضٌ يدلُّ على أن كيدَهم لا يُجدي

(1)

بطائلٍ.

وقرئَ: (إن يؤتى) بكسرِ الهمزة على أنها نافيةٌ

(2)

، فيكونُ من كلام الطائفةِ؛ أي: ولا تؤمِنوا إلا لمن تبعَ دينكم، وقولوا لهم: ما يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم.

{أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} : عطفٌ على {أَنْ يُؤْتَى} والضميرُ فيهِ لـ {أَحَدٌ} ، على أن المرادَ بهِ المنزَّلُ عليهِ وأُمَّتهُ.

{قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ؛ أي: لا بأيديكُم ويدِ غيركم، فمَن يؤتَهُ ويوفِّقهُ له لم يُمكِنْ لأحدٍ دفعُهُ، وهوَ الإسلامُ، فيكُونُ تأكيدًا لقولهِ:{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} .

ويجوزُ أن يكونَ اعتراضٌ آخرُ لتقريرِ أمرِ الإيتاءِ في قولهِ: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ} أي: النبوَّةُ والوحيُ الذي هو الفضلُ كلُّ الفضلِ بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَن يشاءَ لا يمكنكُمْ دفعُهُ، ولا ينفعكُم الحسدُ ولا يضرُّهُ.

{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} : واسمع الرحمةِ عليمٌ بالمصلحةِ، فمَن صلَحَ لذلكَ مِن غيركم فهوَ يؤتيهِ مُفضّلًا عليهِ

(3)

.

* * *

(1)

في (م): "يجد".

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 21).

(3)

في (ف): "عنه".

ص: 318

(74) - {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .

{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} تأكيدٌ وتأييدٌ لقولهِ: {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} .

{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فيهِ دفعُ وهمِ القصورِ في أفضالهِ، المتبادِرِ إلى الفهمِ من اختصاصِ مَن يشاءُ برحمَتهِ.

* * *

(75) - {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} كعبدِ الله بنِ سلَامٍ؛ استودَعهُ قرشِيٌّ ألفًا ومئتي أوقيةٍ ذهبًا فأدَّاهُ إليهِ

(1)

.

{وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} كفنحاص بن عازوراء، استودَعهُ قرشيٌّ آخرُ دينارًا فجحدَهُ

(2)

.

{إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} : في محلِّ النصبِ على الظرفِ، أي: إلا وقتَ دوامِكَ عليه قائمًا على رأسهِ بالمطالبةِ والتقاضي والتعنيفِ، أو بالبيِّنةِ عليه عندَ المرافعةِ إلى الحاكمِ.

{ذَلِكَ} : إشارةٌ إلى عدمِ الأداء الذي دلَّ عليهِ: {لَا يُؤَدِّهِ} أي: تركُهم

(3)

أداءَ الحقوقِ.

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 374)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 23).

(2)

انظر المصدرين السابقين.

(3)

في (ك) و (م): "بتركهم".

ص: 319

{بِأَنَّهُمْ قَالُوا} : بسبب قولهم:

{لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} ؛ أي: لا يتطرَّقُ علينا ذمّ ولا عتابٌ في شأن الأمِّيينَ؛ أي: الذين ليسوا من أهلِ الكتابِ.

{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} بادِّعائهم أنَّ ذلكَ في كتابهم.

{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبونَ، وذلك لأنهم استحلُّوا ظُلمَ مَن خالفهم، وقالوا: لم

(1)

نجعل لهم في التوراةِ حُرمةً.

* * *

(76) - {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} .

{بَلَى} : إثباتٌ لِمَا نفوه؛ أي: بلَى علَيهم فيهم سبيلٌ.

{مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} : جملةٌ مستأنَفةٌ مقرِّرةٌ للجملةِ التي سدَّت {بَلَى} مسدَّها، والضميرُ في {بِعَهْدِهِ} راجع إلى {مَنْ} ، أو إلى اللهِ تعالى، ويقوِّيهِ:{بِعَهْدِ اللَّهِ} بعدَهُ، والضميرُ الراجعُ منَ الجملة الجزائيةِ إلى {مَنْ} يقومُ مقامه {الْمُتَّقِينَ} لعمومهِ فيشملُه؛ أي: كلُّ مَن أوفى بما عاهد عليهِ واتَّقى الخيانةَ

(2)

والغدرَ فإنَّ الله يحبُّهُ، ويستلزِمُ أن يبغضَ الخائنَ الغادِرَ، فللذمِّ والعقابِ عليهم سبيلٌ في الأميينَ وفي غيرِهم.

ووُضعَ {الْمُتَّقِينَ} موضعَ الضميرِ للدلالةِ على أن التقوى توجِبُ غلبةَ محبةِ اللهِ تعالى لصاحبِها، وأنَّ الموفي بالعهد هو المتَّقي، فالغادِرُ هو الفاجر بدلالةِ الفحوَى.

(1)

في (ك): "لن".

(2)

في (ف): "الجناية".

ص: 320

وتعميمُ الحكمِ لعمومِ {مَنْ} و {الْمُتَّقِينَ} يفيدُ أنهم لو وفَوا بعهودِهم واتقَوا الخيانةَ لوفوا بالعهدِ الأعظم؛ وهو ما أَخذ اللهُ عليهم في كتابهِم من الإيمانِ برسولٍ مصدِّقٍ لِمَا معهم، واتقَوا الكذِبَ على اللهِ وتحريفَ كلمِهِ، فكانوا مسلمينَ محبوبين بمتابعةِ حبيبِ اللهِ لقوله:{فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].

* * *

(77) - {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

ثم صرَّحَ بما عرَّضَ بهِ مِن تطرقِ الذمِّ والعقابِ إلى الخائنِ بقولهِ:

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} : يستبدلون.

{بِعَهْدِ اللَّهِ} : بما عاهدُوا عليهِ من الإيمانِ بالرسولِ، والوفاءِ بالأماناتِ.

{وَأَيْمَانِهِمْ} : وبما حلَفوا بهِ من قولهم: والله لنؤمنَّنَ بهِ ولننصُرنَّهُ.

{ثَمَنًا قَلِيلًا} : متاعَ الدنيا.

{أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} قد سبقَ في تفسير سورةِ البقرةِ ما يتعلَّقُ بهِ.

{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} أصلًا، وإنَّ الملائكةَ يسألونهُم يومَ القيامةِ، أو لا ينتفِعون بكلماتِ الله تعالى، في الظاهرِ أنهُ كنايةٌ عَن سخَطهِ وشدَّةِ غضبِهِ تعالى عليهِم، أو مجازٌ؛ لأن الغاضِبَ لا يكلِّمُ المغضوبَ عليهِ.

{وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : كنايةٌ عنِ الاستهانةِ بهم وإذلالهم، أو مجازٌ عَن تركِ إحسانهِ إليهم.

{وَلَا يُزَكِّيهِمْ} : ولا يُثْني عليهم، هذا غيرُ مقيَّدٍ بيومِ القيامةِ فيفيدُ فائدةً زائدةً.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} على ما فعلُوه.

ص: 321

قيلَ: إنها نزلَتْ في أحبارٍ حرَّفوا التوراةَ وبدَّلوا نعتَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحُكمَ الأمانات وغيرَهما، وأخذوا على ذلكَ رِشوةً.

* * *

(78) - {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

{وَإِنَّ مِنْهُمْ} من المحرِّفينَ.

{لَفَرِيقًا} : هُم كعبُ بن الأشرفِ، ومالكُ بن الصيفِ، وحُيَيُّ بنُ أخطب، وغيرُهم.

{يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} : يفتِلُونها بقراءته فيميلُونها عن المنزَّلِ إلى المحرَّفِ، أو: يعطِفونها شبهَ الكتابِ، فعلى هذا الباءُ صلةٌ؛ كما تقول: لوى لسانهُ بالشعرِ؛ إذا قالَهُ معَ تَعمُّلٍ، وفيهِ إضمارٌ، أو سمي

(1)

كتابًا تهكُّمًا، أو علَى زعمِهم.

{لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} : الضميرُ راجع إلى شبهِ

(2)

الكتابِ، والعُدولُ في قولهِ:{مِنَ الْكِتَابِ} عنِ الضميرِ إلى المُظهَرِ لتفخيمِهِ، فإن المقامَ مقامُ تعظيمِ جريمةِ التحريفِ، وذلكَ بتفخيمِهِ، وقرئ:(ليحسبوه)

(3)

بالياء والضميرُ أيضًا للمسلمين.

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "تجعل".

(2)

أي: المشابه له وهو المحرف المدلول عليه بقوله: {يَلْوُونَ} .

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 21).

ص: 322

{وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: ليسَ هو نازلًا من عنده

(1)

. وفيهِ دفعٌ لاحتمالِ أن لا يكونَ منَ الكتابِ ومعَ ذلك يكونُ من عندِ اللهِ؛ كالأحاديثِ القدسيةِ، فهوَ تأسيسٌ لا تأكيدٌ لقولهِ:{وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ، وتشنيعٌ عليهم باجترائهم على اللهِ تعالى.

والعدولُ عن الضميرِ إلى المُظهرِ في قولهِ: {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} لتعظيمِ هذا الأمر، وبيانِ أنهم لفرطِ رعانتهم

(2)

يصرحون بذلكَ ولا يورُّونَ.

{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على اللهِ تعالى والتعمُّدِ فيهِ.

* * *

(79) - {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} .

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ} : ما صحَّ له وما استقامَ.

{أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} : ذكَرَ أولًا الكتابَ وهو جنسٌ، وترقَّى منه إلى الحُكمِ، وهوَ الفصلُ بين الناسِ بالكتابِ، ثم إلى النبوةِ وهو الرُّتبةُ العليا، فالترتيبُ في غايه الفصاحة.

{ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ} : أتى بـ (ثم) - وهيَ للمُهلةِ - تعظيمًا لهذا القول، وإذا انتفَى هذا القولُ بعدَ المهلةِ كانَ انتفاؤه بدونِها أَولى وأَحرى؛ أي: إنَّ هذا الإيتاء لا يجامعُ هذا القولَ، وإن كانَ بعدَ مهلةٍ.

(1)

تحرفت في النسخ إلى: "غيره". والصواب المثبت. انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 25).

(2)

تحرفت في أكثر النسخ لألفاظ لا علاقة لها بالكلام، والمثبت من (ك).

ص: 323

{كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} تكذيبٌ وردّ على عبَدةِ عيسى عليه السلام.

وقيلَ: إنَّ أبا رافعٍ القُرظيَّ والسيِّد النجرانيَّ قالا: يا محمَّدُ! أتريدُ أن نعبُدَك ونتخِذك ربًا؟ فقالَ: "معاذَ الله أن آمرَ بعبادةِ غيرِ الله

(1)

، فما بذلك بعثني، ولا بذلكَ أمرَني"، فنزلَتْ

(2)

.

ويأباهُ قوله تعالى: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80].

وقيلَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! نسلِّمُ عليكَ كما يسلِّمُ بعضُنا على بعضٍ، أفلا نسجُدُ لكَ؟ قالَ:"لا ينبغِي أن يُسجَدَ لأحدٍ غيرِ اللهِ، ولكن أكرِموا نبيكُم واعرفُوا الحقَّ لأهلِهِ"

(3)

. ويناسب هذا قوله:

{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} : ولكن يقولُ: كونوا ربانيين، والربانيُّ منسوب إلى الربِّ، وزيادةُ الألفِ والنونِ للمبالغةِ؛ كما في اللِّحْيانيِّ والرَّقَبانيِّ

(4)

وهو الكاملُ في العلمِ والعملِ.

{بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} : بسببِ كونكُم معلِّمينَ الكتابَ، وبسببِ كونكم دارسينَ لهُ، فالباءُ متعلقٌ: بـ {كُونُوا} ، فالمطلوبُ هوَ الربانيةُ المسبَّبةُ عن العلمِ، وهذا إنما يدلُّ على أنَّ الربانيَّةَ والتمسُّكَ بطاعةٍ إذا لم تكُنْ مسبَّبةً عن العلمِ

(1)

في هامش "د": "هكذا رواية محيي السنة في "معالم التنزيل"، وفي "الكشاف": أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله، ولا يخفى ما فيه من الحاجة التى التأويل ولهذا كثر فيه القال والقيل. منه".

(2)

رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (1/ 554)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره"(5/ 524)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(3)

انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 25)، ورواه عبد بن حميد عن الحسن كما في "الدر المنثور"(2/ 250)، و"العجاب في بيان الأسباب"(2/ 705).

(4)

اللحياني: عظيم اللحية، والرقباني: غليظ الرقبة. انظر: "روح المعاني"(5/ 293).

ص: 324

لا يكونُ معتدًّا بها واقعة على وفقِ المأمور بهِ، لا على

(1)

العكسِ

(2)

، وإن

(3)

كانَ الأمرُ كذلكَ في نفسِ الأمرِ.

و قرئ: {تعلَمون}

(4)

بمعنى: عالِمِين، وقرئ:(تدرِّسون) من التدريس

(5)

.

و (تَدرُسُونَ) مِن أَدْرَس بمعنَى: درَّس

(6)

؛ كأكرَمَ وكرَّمَ، ويجوزُ أن تكونَ القراءةُ المشهورةُ أيضًا بهذا المعنى على تقديرِ: وبما تدرِّسونه

(7)

على الناسِ.

{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} : قرئ بالنصب

(8)

عطفًا على

(9)

{يَقُولَ}

(10)

، وتكونُ (لا) مزيدة لتأكيدِ معنى النفيِ في قوله:{مَا كَانَ لِبَشَرٍ} ؛ لبُعدِ العهدِ، وتخلُّلِ الاستدراكِ، أو غيرَ مزيدةٍ على معنى أنهُ ليسَ لنبيٍّ أن يدعوَ العبادَ إلى عبادتهِ، وينهاهُم عَن عبادةِ الملائكةِ والنبيينَ

(11)

.

(1)

في (ح) و (ف): "المأمورية على".

(2)

في هامش (د) و (ف) و (م): "كما زعم صاحب "الكشاف" وتبعه من تبعه. منه".

(3)

في (م): "وإنما".

(4)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 89).

(5)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 21) ونسبها لسعيد بن جبير، و"المحرر الوجيز"(1/ 463) ونسبها للحسن.

(6)

انظر: "المحتسب"(1/ 163).

(7)

في (م): "تدرسون".

(8)

وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، والباقون بالرفع. انظر:"التيسير"(ص: 89).

(9)

في (م): "على معنى".

(10)

(في هامش (د) و (ف): "لا على {ثُمَّ يَقُولَ} كما زعمه صاحب "الكشاف" والقاضي؛ إذ لا وجه لتخصيص ما قصد بـ (ثم) في المعطوف عليه، واستثقال الجمع بين حرفي العطف إنما هو عند التلفظ لا عند الاعتبار معنى، ولهذا جاز في قوله: {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}. منه".

(11)

(في (م): "وبالنبيين".

ص: 325

وبالرفع على الاستئنافِ؛ وهو أظهَرُ، ويؤيدُه قراءةُ:(ولن يأمركم)

(1)

.

{أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ} : إنكارٌ، والضميرُ فيه للبشرِ، وقيل: للهِ.

{بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} : دليل على أن الخطابَ للمسلمينَ، وهم المستأذنونَ لأنْ يسجُدوا له عليه السلام

(2)

.

* * *

(81) - {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} : قيلَ: هذا على ظاهرِهِ، وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ عليهم السلام كانَ الأممُ به أَولى.

وقيلَ: معناهُ: أنهُ تعالى أخذَ الميثاق من النبيين وأممهم، واستَغنى بذكرِهم عن ذكرِ الأممِ.

وقيل: إضافةُ الميثاق إلى النبيينَ إضافةٌ إلى الفاعلِ، والمعنى: وإذ أخذ اللهُ الميثاقَ الذي وثَّقهُ الأنبياءُ على أممهم.

(1)

في النسخ: "وإن يأمركم"، والتصويب من المصادر. انظر:"معاني القرآن" للفراء (2/ 224)، و"تفسير الطبري"(5/ 533)، و"الكشاف"(1/ 378)، وغيرها.

(2)

كذا قال، والخبر الوارد بهذا من مرسل الحسن كما تقدم، فهو ضعيف ولا يصح الجزم بتفسير الآية عليه، وإن صح فهو قول رجل منهم فلا يصح نسبة ذلك إلى جميعهم، كما أن ذلك القائل - على فرض صحة الخبر - قد يكون حديث عهد بالإسلام، فكيف يقرن به علماء الصحابة ومن أحاطوا بأصول العقيدة علمًا وفهمًا؟

ص: 326

وقيلَ: المرادُ: أولاد النبيينَ على حذفِ المضافِ؛ وهم بنو إسرائيل، أو سمَّاهم بنبيينَ تهكُّمًا؛ لأنهم كانوا يقولونَ: نحنُ أولى بالنبوةِ من محمدٍ؛ لأنَّا أهلُ الكتابِ، والنبيُّونَ كانوا منا.

واللام في {لَمَا} موطِّئةٌ للقسَمِ؛ لأن أخذَ الميثاقِ بمعنى الاستخلاف، و (ما) شرطيةٌ مفعولةٌ بـ {آتَيْتُكُمْ}

(1)

، و {مِنْ كِتَابٍ} بيانٌ لـ (ما)، وحملُهُ على التبعيضِ يُفضي إلى اعتبارِ قيدٍ لا يقتضيهِ المقامُ، ومثلُهُ عندَ البلغاءِ يُعَدُّ هُجنةً

(2)

في الكلامِ، وجوابُ القسمِ

(3)

: {لَتُؤْمِنُنَّ} وما بعدَهُ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ جوابِ القسم عليهِ. وقدَّمَ الإيمانَ لأنَّه الأصلُ، ثم النصرَ لأنهُ من ثمرتِهِ.

ويجوزُ أن تكونَ (ما) خبريةً.

وقرئ: {لِمَا} بكسر اللام

(4)

للتعليلِ على أنَّ (ما) مصدريةٌ؛ أي: لأجْلِ إيتائي إياكم الكتابَ والحكمةَ، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لما معكُم، أو موصولةٌ؛ لأنَّ (ما معكُم) بمعنى: ما آتيتكم

(5)

فيجوزُ عطفُ {جَاءَكُمْ} على الصلةِ لوجودِ الراجعِ إليها؛ أي: لأجلِ الذي آتيتُكُموه منَ الكتابِ والحكمةِ، ثمَّ لمجيءِ رسولٍ مصدِّقٍ لهُ.

(1)

في (م): "شرطية مفعول آتيتكم".

(2)

في (ف) و (ك) و (م): (سحبه)، وفي (ح) و (د):"بعد هجنه".

(3)

في (ف) زيادة: "عليه".

(4)

وهي قراءة حمزة، انظر:"التيسير"(ص:89).

(5)

في (ك) و (ف): "أتيتكم".

ص: 327

وقرئ: (لمَّا) بالتشديد

(1)

، بمعنى: حينَ أتيتكم الكتابَ والحكمةَ، ثمَّ جاءكم رسولٌ مصدِّقٌ وجَبَ عليكم الإيمانُ ونصرتُهُ.

وقيلَ: أصلُهُ: (لَمِن ما) فاستُثقِلَ ثلاثُ ميماتٍ؛ لأن النونَ ما لم تُقلَب ميمًا لم تُدغَم في الميمِ، فحُذِفَت إحداهُما فصارَت (لمَّا)؛ أي: لمن أجلِ ما أتيتكم لتؤمنُنَّ بهِ.

{قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} ؛ أي: عهدي، سُمِّيَ بهِ لأنَّه يُأصَرُ، أي: يُشَدُّ ويُعقَدُ، وقرئ:(أُصري) بالضمِّ

(2)

، وهو إما لغة فيهِ، كعِبْرٍ وعُبْرٍ، وإما جمعُ إصارٍ.

{قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا} : فليشهَدْ بعضُكم على بعضٍ بالإقرارِ.

{وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} : وأنا أيضًا على إقراركم وتَشاهُدِكم

(3)

شاهدُ استيثاقٍ

(4)

، معناه التوكيد والتحذير، وقيل: الخطاب للملائكة.

* * *

(82) - {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .

{فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} : بعدَ الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرارِ والشهادةِ.

{فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، أي: المتمرِّدونَ من الكفارِ.

* * *

(1)

انظر: "الدر المنثور"(2/ 48)، ونسبها ابن جني في "المحتسب" (1/ 164) للأعرج بلفظ:(لمَّا آتيناكم).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 21).

(3)

في (د): "ونشاهدكم"، وفي (ح) و (ك) و (م):"وشاهدكم"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر:"الكشاف"(1/ 380)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 26)، و"روح المعاني"(5/ 303).

(4)

في النسخ عدا (ك): "استئناف"، والمثبت من (ك).

ص: 328

(83) - {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} .

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} : الفاءُ عاطفةُ الجملةِ على الجملة؛ أي: فأولئكَ هم الفاسقونَ فغير

(1)

دين الله يبغون، ثم توسَّطتِ الهمزةُ بينهُما للإنكارِ.

ويجوزُ أن يُعطفَ على محذوفٍ تقديرُهُ: أيتولَّونَ فغيرَ دينِ اللهِ يبغون؟

وتقديمُ المفعولِ لتوجيهِ الإنكارِ إلى كونِ دينِ غيرِ الله مطلوبًا، فالمقصوُد الأهمُّ بالإنكارِ هو المفعولُ، ويجوزُ أن يكونَ التقديم للتخصيصِ، لا بمعنى أن التخصيصَ منكَرٌ فيلزَمَ جوازُ طلبِ دِينٍ باطلٍ مع طلبِ دين الله تعالى، بل للمبالغةِ في الإنكارِ مع التشنيع والتوبيخ حيثُ لا يرضونَ بطلبِ دينٍ باطل إلى دينِ اللهِ، بل يخضُونَ الدينَ الباطل بالطلَبِ.

وقرئ: {تبغون} بالتاء على تقدير: وقل لهم، وقرئ هو بالياء و {ترجعون} بالتاء

(2)

؛ لأنَّ الباغينَ هم المتوَلُّونَ، والراجَعونَ جميعُ الناسِ.

{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا} بالأدلةِ

(3)

.

{وَكَرْهًا} : بالسيفِ، أو بمعاينة ما يُلجِئ إلى الإسلامِ؛ كنَتْقِ الجبلِ فوقَ بني إسرائيلَ.

وانتصابُهما على المصدرَّيةِ، أو على الحالِ.

(1)

في (م): "أفغير"، وسقطت الجملة من (ك).

(2)

قرأ ابن عمرو، وعاصم في رواية حفص:{يَبْغُونَ} بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالتاء. وقرأ حفص عن عاصم:{يُرْجَعُونَ} بالياء والباقون بالتاء. انظر: "التيسير"(ص: 89).

(3)

في (د): "لأدلة".

ص: 329

ومَن قالَ: أو مختارينَ كالملائكةِ والمؤمنينَ، ومسخَّرينَ كالكفرةِ فإنهم لا يقدِرونَ على أن يمتَنِعوا عمَّا قضى عليهم، فكأنهُ ذهبَ إلى مذهبِ الجبريةِ.

{وإليه ترجعون} : وقرئ بالياءِ

(1)

على أن الضميرَ لمن.

* * *

(84) - {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .

{قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} : الخطابُ لهُ عليه السلام لفظًا، وله ولأُمتِهِ معنًى، ولهذا قالَ في موضعٍ آخرَ:{وَقَالُوا آمَنَّا} [سبأ: 52]، إذ

(2)

جاءَ الكلامُ في {آمَنَّا} و {عَلَيْنَا} بلفظِ الجمعِ.

أُمِرَ الرسولُ عليه السلام بأن يخبِرَ عن نفسِهِ ومتابعيهِ بالإيمان والقرآن، وإنْ كان منزَّلًا عليهِ خاصةً، لكنَّ نزولَهُ عليهِ لمَّا كان لتبليغِهِ إليهم صحَّ نسبته

(3)

إليهم أيضًا، وأيضًا المنسوبُ إلى واحدٍ منَ الجمعِ قد ينسَبُ إليهم.

ويجوزُ أن يكونَ مأمورًا بأن يتكلَّم على طريقةِ التواضعِ إرشادًا لهُ عليه السلام إلى أدبِ المحاورَةِ.

{وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} : قدَّمَ المنزَّلَ عليهِ عليه السلام على المنزَلِ على سائرِ الرسلِ عليهم السلام؛ لأنهُ المعرِّفُ له

(1)

هي رواية حفص عن عاصم وقد تقدمت الإشارة إليها قريبًا.

(2)

في (د): "أو".

(3)

في (د): "نسبه".

ص: 330

والعيارُ عليهِ، والنزولُ باعتبارِ أنهُ من فوقٍ يُعدَّى بـ (على)، وباعتبارِ أنهُ ينتِهي إلى المرسَلِ إليهِ يُعدَّى بـ (إلى)، ولهذا قال في موضعٍ آخرَ:{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 136].

ووجهُ التخصيصِ: أن الخطابَ هنا للرسولِ عليه السلام، والنزولَ من السماءِ كان عليه، والخطابُ ثمةَ للمسلمينَ، ولا نزولَ عليهم حقيقةً، بلِ انتهى التبليغُ إليهم.

ولا تتجِهُ المناقشةُ

(1)

بقولهِ: {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة: 4] و {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} [النساء: 105]{وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [العنكبوت: 46]

(2)

؛ لأنَّ النكتةَ الزائدةَ على أصلِ البلاغةِ، الحاصلَةَ بمطابقةِ الكلام لمقتضَى المقامِ، لا يلزمُها الاطِّرادُ، ولهذا تتفاوتُ المكرَّراتُ في القرآن بحيثُ يكونُ بعضُها أفصَح من بعضٍ.

{وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} : التوراةَ والإنجيلَ؛ أفرَدَهما بالذكرِ بحكمٍ أبلغَ؛ لأنَّ أمرَهما بالإضافةِ إليهما

(3)

مغايرٌ لمَا سبق، والنزاعُ وقعَ فيهما.

{وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} وفي موضعٍ آخرَ: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ} [البقرة: 136]، لمَّا تقدَّمَ هنا قولُهُ:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ} إلخ اكتفَى به عَن إعادةِ: {وَمَا أُوتِيَ} ، ولم يتقدَّم ثمةَ مثلُ هذا، فلم يكُن فيهِ ما يُغني عن التوكيدِ بإعادَتهِ.

{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} : بالتصديقِ والتكذيبِ.

(1)

في (ح) و (د): "يتجه المناقش".

(2)

في جميع النسخ كُتبت الآية خطأً هكذا: (وقولوا آمنا بالذي أنزل على الذين آمنوا). ولعل مُراد المؤلف الذي أثبتّه.

(3)

"إليهما" سقط من (ك) و (م)، وفي (ف):"إليها".

ص: 331

{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} : منقادون، أو: مخلصون

(1)

في عبادَتهِ.

* * *

(85) - {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ} : غيرَ إسلامِ الوجهِ للهِ؛ أي: التوحيدِ.

{دِينًا} : نكَرهُ تحقِيرًا.

{فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} في الدنيا.

{وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} : الواقعين في الخُسرانِ مُطلقًا من غيرِ تقييدٍ للشياعِ، ولا دلالةَ فيه على أن الإيمانَ ليسَ غيرَ الإسلامِ، إنما دلالَتهُ على أنهُ ليسَ دِينًا غيرَ الإسلامِ.

* * *

(86) -) {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : همُ اليهودُ؛ آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وةَ إيمانهم من البيناتِ، وتحقَّقوا منها ومِن كتابهم أنهُ حقٌّ، ثمَّ كفروا بهِ.

وقيلَ: نزلَت في رهطٍ كانوا أسلَموا

(2)

ثمَّ رجعوا عن الإسلامِ، ولحقوا بمكَّةَ.

{كَيْفَ} استبعاد لأنْ يهدِيَهم اللهُ تعالى، فإنَ الجائر

(3)

عن الحقِّ بعدما وضحَ له منهمِكٌ في الضلالِ بعيدٌ عن الرشادِ.

(1)

في (د): "مخلصونه".

(2)

في (م): "مسلمين"، وقال في الهامش:"أسلموا".

(3)

في (م): "الحائد".

ص: 332

وقيلَ: نفي وإنكارٌ له لِمَا علِمَ من عنادِهم ومكابرتهم، وامتناعِ قَبولهم إياه؛ نعيًا عليهم، وتوبيخًا لهم، فلا دلالةَ فيه على عدمِ قبولِ توبة المرتَدِّ.

{وَشَهِدُوا} عطفٌ على ما في {إِيمَانِهِمْ} من معنى الفعلِ، {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ} [المنافقون: 10]، أو حالٌ بإضمارِ (قد) من {كَفَرُوا} .

والمرادُ من إيمانِهم: تصديقُهم باللهِ تعالى، وعلى تقديرِ أن يُرادَ منهُ التصديقُ بهِ وبالرسول عليه السلام وإن كانَ يأباه عطفُ:{وَشَهِدُوا} عليهِ - لا دلالةَ في الآيةِ أيضًا على أنَّ الإقرار باللسان خارجٌ عن حقيقةِ الإيمان المصطَلحِ عليه عند أهلِ الشرعِ، إنما دلالتها على أنه خارجٌ عن الإيمانِ بمعنى التصديقِ بالله وبرسوله، وليسَ هذا مما يَقبل النزاعَ.

{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} : الذين ظلموا أنفسهُم بالإخلالِ بالنظرِ

(1)

، ووضعِ الكفرِ موضعَ الإيمانِ، فكيفَ مَن جاءهُ الحقُّ وعرفَهُ ثم أعرَضَ عنهُ؟

* * *

(87) - {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} : استقرَّ عليهم لعنةُ اللهِ، ومِن يُعتَدُّ بلعنتهِ مِن خلقهِ، ودلالةُ مفهومهِ على عدمِ استقرارِ اللعنِ على غيرِهم، لا على عدَمِ جوازه في حقِّ غيرِهم، فالمرادُ منَ الناسِ المؤمنونَ، ويجوزُ أن يُرادَ العمومُ؛ لأنَّ الكافرَ أيضًا يلعنُ منكِرَ الحق ولكن لا يعرِفُه

(2)

بعينِهِ.

* * *

(1)

في (ك): "والنظر".

(2)

في (د): "ولكن لا يعرف الحق".

ص: 333

(88) - {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} .

{خَالِدِينَ فِيهَا} : في اللعنةِ، أو في النارِ، وإضمارُها قبلَ الذكرِ تفخِيمَّا لَشأنها وتهويلًا.

{لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} ؛ أي: لا يمهَلُون ليعتذِروا، أو: لا ينظُرُ إليهم نظرَ رحمةٍ.

* * *

(89) - {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} ؛ أي: رجعُوا عن الارتدادِ.

{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الإشارةُ إلى الكفرِ لتعظيمهِ وشدَّتهِ، وغايةِ بعدِه عن الصوابِ والعقلِ.

{وَأَصْلَحُوا} : ما أفسدوا، أو دخلوا في الصلاحِ

(1)

.

{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} : يقبَلُ التوبةَ.

{رَحِيمٌ} : يتفضَّلُ عليهِ.

* * *

(90) - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} كاليهودِ كفرُوا بعيسى عليه السلام والإنجيلِ، بعدَ الإيمانِ بموسى عليه السلام والتوراةِ {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} بكفرِهم بمحمدٍ عليه السلام والقرآنِ.

(1)

في (م): "الإصلاح".

ص: 334

أو كفروا بهِ عليه السلام بعدَ إيمانهم قبلَ مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بالإصرارِ والعنادِ والطَّعنِ فيهِ، والصدِّ عن الإيمانِ، ونقضِ الميثاقِ والسخريةِ بكل ما نزلَ من الآياتِ.

أو كقومٍ ارتدُّوا ولحِقوا

(1)

بمكَّةَ ثم ازدادوا كفرًا بقولهم: نتربَّصُ بمحمدٍ ريبَ المنونِ، أو نرجعُ إليهِ وننافِقُهُ بإظهاره.

{لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} قد عرفت أن التعريفَ في {الَّذِينَ كَفَرُوا} للعهدِ، والإشارةُ إلى قومٍ مخصوصينَ، وإلا فكلُّ كافرٍ إذا تابَ قُبِلَتْ توبته

(2)

، وإنِ ازداد كفرًا إلى كفرٍ

(3)

، فإنْ أُريدَ بهم المرتدُّونَ فالواو في:

{وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} للحالِ؛ أي: لن

(4)

تُقبَلَ توبتُهم في حالِ كونهم الباقينَ على ضلالهم الذي ثابتونَ عليهِ؛ لكونِ توبتهم نِفاقًا، وإنْ أُريدَ بهم اليهودُ فكذلك.

وفيهِ وجهانِ آخَران:

أحدُهما: أن يكونَ إخبارًا بالغيبِ عَلى طريقةِ قولهم:

ولا ترى الضَّبَّ بها يَنحَجِر

(5)

أي: لن يتوبُوا، فلا توبةَ ولا قبولَ، {وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} اعتراضٌ؛ أي:

(1)

في (د): "أو كقوم ارتدوا أو لحقوا"، وفي باقي النسخ:"أو قوم ارتدوا ولحقوا". والمثبت هو الصواب. انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 27).

(2)

في (ح) و (د) و (ف): "قبلت بقرينة".

(3)

في (ح) و (د): "وإن ازداد كفرا أي كفر" وفي (ف): "وإن ازدادوا كفرا إلى كفرهم".

(4)

"لن" من (د)، وسقطت من باقي النسخ.

(5)

عجز بيت تقدم عند تفسير قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، وصدره:

لا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها

ص: 335

والموصوفون

(1)

بما ذكِرَ أولئك هم الثابتونَ على الضلال المطلَقِ.

والثاني: أن يكونَ كنايةً عن موتهم على الكفرِ؛ أي: يموتونَ وهم كافرونَ، على ما صرَّحَ بعدَه، والفائدةُ فيها: التغليظُ في شأنهم، وإبرازُ حالهم في صورة

(2)

حالِ الآيسينَ من الرحمةِ التي

(3)

[هي] أغلظُ الأحوالِ وأشدُّها.

* * *

(91) - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)} .

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} لفظ {الَّذِينَ} هنا عامٌّ فيمَن كفَرَ، وماتَ على الكفرِ، فلذلكَ دخلَتِ الفاءُ في قولهِ:

{فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ} تضمِينًا للموصولِ معنى الشرط، على أنَّ الموتَ على الكفرِ سببٌ لامتناعِ قَبولِ الفدية، وإنَّما تُرِكَ الفاءُ في الكلامِ السابقِ لفقدِ التسبُّبِ ثمَّةَ

(4)

، وإيرادُ المسندِ إليه موصولًا لتحقيقِ الخبرِ.

{مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} ملءُ الشيء: ما يملأه، و {ذَهَبًا} نصبٌ على التمييزِ،

(1)

في (ح) و (ف): "والموصوف".

(2)

"صورة" سقط من (ف).

(3)

في (ك) و (م): "إلى"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 383)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.

(4)

في هامش (د) و (ف): "لفقد الدليل عليه كما زعمه صاحب الكشاف. منه"، وانظر شرح هذه المسألة في "روح المعاني"(5/ 317) مع ما ذكرناه في حواشيه من زيادة في الشرح.

ص: 336

وقرئ بالرفع على البدلِ مِن {مِلْءُ}

(1)

، أو خبرٌ لمحذوفٍ، وفيهِ

(2)

: أنه لا بدَّ مِن تقديرِ وصفٍ ليَحسنَ البدلُ، ولا دلالةَ عليهِ، والثاني

(3)

إنما يحسن إذا جُعلَتِ الجملةُ صفةً أو حالًا، ولا يخلُو عن ضعفٍ.

{وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} اعتراضٌ؛ أي: ولو فُرِضَ أنه افتدى بهِ، على أن الافتداءَ ثمة محالٌ، وتقديرُ الكلامِ

(4)

: إنَّ الذينَ ماتوا على الكفرِ فلو افتدَى أحدُهم بملءِ الأرض ذهبًا لم يُقبَل منهُ.

فلما كانَ الجزاءُ أهمَّ للإقناطِ

(5)

والبعثِ على الرجوعِ عنِ الكفرِ إلى الإيمانِ قبلَ الموتِ قدِّمَ، وجعِلَ جزاءَ الشرطِ الأول

(6)

، وأُوردَ {لَنْ} للتأكيدِ وأُخِّرَ الشرطَ، فلزمَ (الواوُ) للربطِ.

وقيلَ: محمولٌ على المعنى؛ كأنَّهُ قيلَ: فلن يُقبلَ مِن أحدِهم فديةٌ ولو افتدَى بملءِ الأرضِ ذهبًا.

{أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تتميمٌ لمعنى الإقناطِ؛ لأن مَن لا يُقبَلُ

(7)

منهِ الفداءُ ربما يُعفى عنهُ تكرُّمًا.

(1)

تنسب للأعمش، انظر:"الكشاف"(2/ 382).

(2)

يعني: في وجه البدلية.

(3)

يعني: جعله خبرا لمحذوف.

(4)

في (م): "وتقدير حق الكلام".

(5)

في (ح) و (م): "الجزاء أهم الإقناط"، وفي (د):"الجزاء هم للإقناط"، وفي (ك):"الجزاء لهم الإقناط"، وفي (ك):"الجزاء أهم من الإقناط". والمثبت هو الصواب والله أعلم.

(6)

يعني: الموصول الذي ضمن معنى الشرط، كما تقدم.

(7)

في (د): "لأن ما يقبل".

ص: 337

{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} في دفعِ العذابِ و {مِنْ} مزيدةٌ للاستغراقِ.

* * *

(92){لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} .

{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} : لن تبلُغوا حقيقةَ البرِّ؛ وهو ما يُتقرَّبُ به إلى اللّهِ تعالى من أعمالِ الخيرِ، وقيلَ: لن تنالوا برَّ اللّهِ؛ أي: ثوابَهُ.

{حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} : من أموالكم التي تحبُّونها، أو ما يعمُّهُ وغيرَهُ؛ كبذلِ الجاهِ في معاونةِ الناسِ، والبدنِ في طاعةِ اللّه تعالى، والمُهجةِ في سبيله.

و (مِن) هنا للتبعيضِ؛ يدلُّ عليهِ قراءةُ: (حتى تنفقوا بعضَ ما تحبون)

(1)

. وفي قوله:

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ} لتبيين ما تنفقون

(2)

؛ أي: من أيِّ شيء طيبٍ

(3)

تحبُّونهُ أو خبيثٍ تكرهونَهُ.

{فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فيجازيكُم بحسبِهِ.

* * *

(93) - {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 445)، وقال السمين في "الدر المصون" (3/ 310): وهذه عندي ليست قراءة، بل تفسير معنى.

(2)

في (د) و (ك) و (م): "تنفقوا".

(3)

"طيب" زيادة في (م).

ص: 338

{كُلُّ الطَّعَامِ} : هو ما يُطعَمُ مأكولًا كانَ أو مشروبًا، والمرادُ تناوُلُها

(1)

.

{كَانَ حِلًّا} على شريعةِ إبراهيمَ عليه السلام.

{لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} : حلالًا لهم

(2)

، وهو مصدَرُ نُعِتَ بهِ، ولذلك يستوي فيهِ الواحدُ والجمعُ، والمذكَّرُ والمؤنَّثُ، قالَ تعالى:{لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} [الممتحنة: 10].

{إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} : يعقوبُ عليه السلام؛ كلحومِ الإبلِ وألبانها، وكانَ تحريمُهُ ذلكَ بالنذرِ، ولذلكَ قيلَ:

{عَلَى نَفْسِهِ} ثم إنه تعالى حرَّمهُ على أولادِهِ على ما دلَّ عليه الاستثناءُ المذكورُ، فلا متمَسَّكَ فيه لمن جوَّزَ للنبيِّ أن يجتهِدَ.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} : متعلَّقٌ للمستثنى منهُ، وفائدَتهُ: بيانُ حلِّ ما عدا لحومَ الإبلِ وألبانَها في شريعة إبراهيمَ عليه السلام حتى يثبُتَ تحريمُ بعضِ ما كان حلالًا لبني إسرائيلَ بنزولِ التوراةِ.

وبه يحصلُ الإلزام لليهودِ، ويتمُّ الرد عليهم في دعوى البراءةِ عما نُعِيَ عليهم في قولهِ تعالى:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} [النساء: 160] إلى آخرهِ، وقولِهِ:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] بأنْ قالوا: لسنا أولَ مَن

(3)

حرِّمَت عليهِ، وإنما كانت محرمة على نوحٍ وإبراهيمَ عليهما السلام، ومَن بعدَهُ حتى انتهى الأمرُ إلينا، فحرِّمَت علينا كما حرِّمَت على مَن قبلَنا

(4)

.

(1)

في هامش (د) و (ف): "من قال: أكلها، فقد غفل عن تناول المستثنى للمشروب. منه".

(2)

في (ح) و (ف): "حلًّا لهم".

(3)

في (ح) و (ف) و (م): "م"، وسقطت من (د)، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(2/ 28).

(4)

في (ح) و (ف): "وعلى من قبلنا"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر السابق.

ص: 339

وفي منعِ

(1)

النسخِ، والطعنِ في دعوى الرسولِ عليه السلام موافقةَ إبراهيمَ عليه. السلامُ بتحليلِهِ

(2)

لحومَ الإبلِ وألبانَها.

لا للمُستثنى

(3)

بيانًا

(4)

لكونِ التحريمِ المذكورِ قبلَهُ، إذ لا فائدةَ فيهِ أصلًا

(5)

.

{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في زعمِكم أن تحريمَها قديمٌ.

أمرٌ لمحاجَّتهم

(6)

بكتابهم، وتبكِيتهم بما فيهِ؛ من أنَّ تحريمَ ما حرّمَ عليهم تحريم حادثٌ بسببِ ظلمِهم وبغيِهم، لا تحريمٌ قديمٌ كما زعموا، رويَ أنهم لم يَجرؤوا

(7)

على إخراجِ التوراة وبهِتوا

(8)

. وفي ذلكَ برهانٌ قاطعٌ على صدقِ النبيِّ عليه السلام، وحجةٌ بينةٌ على جوازِ النسخِ.

* * *

(94) -) {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} : ابتدَعهُ على اللهِ تعالى بادِّعاء أن ذلك كانَ محرمًا على بني إسرائيلَ قبلَ إنزال التوراةِ.

(1)

عطف على ما تقدم من قوله: (في دعوى البراءة)؛ أي: (يتم الرد على اليهود في دعوى البراءة

وفي منع).

(2)

في (ح) و (ف): "بتحليل".

(3)

عطف على قوله: (متعلق للمستثنى منه).

(4)

في (ك) و (م): "بيان"، وسقطت الجملة من باقي النسخ.

(5)

في هامش (د) و (ف) مع بعض الفروقات: "لا فائدة الخبر ولا لازمها ومن غفل عن هذا فسر القَبل بالقبيل. منه".

(6)

في (م): "بمحاجتهم".

(7)

في (ف) و (ك): "يجترئوا"، و في (م):"يجرئوا".

(8)

انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 28).

ص: 340

{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : مِن بعدِ ما ألزمهُم بالبرهانِ القاطعِ.

{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} : المكابِرونَ الذين لا يُنصفونَ مِن أنفسهم، ولا يلتفتُونَ إلى البيِّناتِ.

* * *

(95) - {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} : تعريضٌ بكذِبهم؛ أي: ثبتَ أنَّ الله صادقٌ فيما أنزَلَ، وأنتم الكاذبونَ.

لما عرَّضَ بكذِبهم لزِمَهم اتِّباعُ محمدٍ عليه السلام والإيمانُ بالقرآنِ، فعبَّرَ عن ذلك بقولهِ:

{فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ؛ أي: ملَّةَ الإسلامِ التي هي في الأصلِ ملةُ إبراهيم، ولمَّا نسَبَ دينَه وملَّتَهُ

(1)

إلى إبراهيمَ عليه السلام كانَ أكسَرَ لنخوتهِم، وأقرَبَ إلى قَبولهم؛ كأنهُ قالَ: فإذا ظهرَ بالحجةِ البيِّنةِ كذبُكم فيما زعمتُم، وثبتَ صدقُ كتابِ اللّه، وظهرَ بطلانُ دينكِم الذي اضطرّكم إلى تحريفِ كتابِ اللّهِ والافتراءِ على اللهِ لتسويةِ أغراضكم، فاتَبعوا الحقَّ الذي هو ملةُ إبراهيم، وهو

(2)

ما عليهِ محمدٌ ومَن معهُ

(3)

.

وانتصَبَ {حَنِيفًا} على الحالِ، وقد سبقَ تفسير في سورة البقرةِ.

{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أرادَ استمرارَ النفيِ لا نفيَ الاستمرارِ، فمدلولُ {كَانَ} مقدَّمٌ في الاعتبارِ.

(1)

"وملته" من (م).

(2)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "وهي".

(3)

في (ك): "ومن تبعه".

ص: 341

وفيهِ تعريضٌ بشرك اليهود، وإشارةٌ إلى أن اتِّباعهُ واجبٌ في التوحيدِ الصِّرفِ والاستقامة في الدينِ.

* * *

(96) - {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} .

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} ؛ أي: جعلَهُ اللّه تعالى متعبَّدًا لهم.

{لَلَّذِي بِبَكَّةَ} : لَلْبيتُ الذي ببكَّةَ؛ وهي لغةٌ في مكَّةَ؛ كالنبيطِ والنميطِ، وقيل: هي موضعُ المسجدِ، ومكةُ البلدُ.

من بكَّه: إذا زحمَهُ أو دقَّهُ، فإنها تدقُّ أعناقَ الجبابرة.

{مُبَارَكًا} : كثيرَ الخيرِ والنفعِ لمن حجَّهُ واعتمرهُ

(1)

، واعتكفَ دونهُ، وطافَ حولَهُ، حالٌ من المستكنِّ في الظرف

(2)

.

{وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} : سببُ هدايةٍ

(3)

؛ لأنهُ من قِبلتهم

(4)

.

* * *

(97)

- {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} .

{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} حالٌ أُخرى.

(1)

في (ك): "أو اعتمره".

(2)

في هامش (د) و (ف): "ومن وجد فيه التعدد فقد فوت هذا الاعتبار اللطيف. منه".

(3)

في (ك): "هدايته".

(4)

في (د): "لأنَّه قبلتهم".

ص: 342

{مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} : عطفُ بيانٍ لقوله: {آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} وحَّدَهُ لقيامِه مقامَ آياتٍ كثيرة، يدلُّ على هذا قراءةُ:(آية بينة)

(1)

.

ولا يخفى ما فيه منَ التفخيمِ لشأنهِ، كأنهُ لظهورِ إعجازه وقوةِ دلالتِهِ على قدرة اللّه تعالى، ونبوةِ إبراهيمَ عليه السلام، بمنزلة آياتٍ عظامٍ كثيرة، ويؤيدُ ذلك التعظيمَ البالغَ تنكيرُ {آيَاتٌ} ووصفها بالبيِّناتِ، ونحوُه في التعظيمِ قولهُ تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120].

{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} جملة ابتدائيةٌ.

كان الحرمُ آمنًا في الجاهليةِ، ومفزَعَ كلِّ خائفٍ وملجأ كلِّ جانٍ، وقالَ ابن عمر: لو وجَدنا قاتلَ أبينا في الحرمِ لم نقتله

(2)

.

وقيلَ: المراد الأمنُ

(3)

من العذاب يومَ القيامة.

وفيه: أن مدارَ هذا الأمنِ على الدفنِ

(4)

فيهِ، على ما أفصَحَ عنه قولُه عليه السلام:"مَن ماتَ في أحدِ الحرمينِ بُعِثَ يومَ القيامةِ آمنًا"

(5)

لا على دخوله.

(1)

تنسب لمجاهد وأبي، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22).

(2)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(6992) بلفظ: (لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته)، ومثله الطبري في "تفسيره" (5/ 603) وفيه:(ما هجته).

(3)

في النسخ: "حرم والأمن"، وضرب على الواو في (ك)، والصواب المثبت. انظر:"روح المعاني"(5/ 339).

(4)

في (د): "دفن".

(5)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(3855) من طريق رجل من آل حاطب عن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن حاطب. ورواه الطبراني في "الصغير" (827) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 128 - 129) من حديث سلمان وجابر وقال: هذان حديثان لا يصحان. لكن قال السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" =

ص: 343

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} آكدُ ما يكونُ منَ الألفاظ الدالة على الإلزام كلمةُ {عَلَى} فإنها علَمٌ فيهِ.

والحجُّ كأخواته من المنقولاتِ الشرعيةِ، وله فرائضُ وواجباتٌ وسنن وشرائطُ بعضُها للوجوبِ وبعضُها للأداءِ، ومعناهُ اللغويُّ: القصدُ على جهة التعظيمِ، والمرادُ معناهُ الشرعيُّ، فإضافته إلى البيتِ للملابَسةِ، فإنَّ طوافَهُ

(1)

أحدُ ركنَيهِ، أو أحدُ أركانهِ، على الاختلافِ في الإحرامِ، فإنهُ ركنٌ عندَ الشافعيِّ، وشرطٌ عندَ أبي حنيفةَ.

ومن قالَ في "تفسيره": قصْدُهُ

(2)

للزيارةِ على الوجهِ المخصوصِ، فقد زادَ على معناه اللغويِّ، وقصَّرَ عَن معناهُ الشرعيِّ.

وقرئ: {حِجُّ} بالكسرِ

(3)

؛ وهو لغةُ نجدٍ.

{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} : بدلٌ منَ {النَّاسِ} مخصِّصٌ لهُ، وفيهِ إيرادُ المرادِ في صورتين مختلفتين

(4)

على وجهٍ فيه تشويقٌ، ووجدانٌ بعدَ شغفٍ

(5)

وطلبٍ،

= (2/ 109): أفرط المُؤلف [يعني: ابن الجوزي] في إِيراد هذين الحديثين في الموضوعات، وقد أخرجهما البيهقيّ فِي "شعب الإيمان" واقتصر على تَضْعِيف إسنادهما، وقال: إِن إِسْنَاد حدِيث جابِر أحسن من إِسْنَاد حَدِيث سلمَان، والَّذي أستخير الله فِيه الحكم لمتن الحدِيث بالحسَن لِكَثْرَة شواهده.

(1)

في (د): "فأطوافه"، وفي (ح) و (ف):"فالطواف".

(2)

في (ك): "قصد".

(3)

وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، وقرأ الباقون بالفتح، انظر:"التيسير"(ص:90).

(4)

في (د): "الصورتين مختلفتين"، وفي (ح) و (م):"صورتين مختلفين".

(5)

في (م): "تشغف".

ص: 344

وتنكير {سَبِيلًا} ، وتقديمُ {إِلَيْهِ} عليهِ؛ أي: سبيلًا مّا أيَّ سبيلٍ

(1)

يتيسَّرُ على أيِّ وجهٍ يكونُ قريبٍ وبعيدٍ، بشرطِ اختصاصِ انتهائه إليهِ لا إلى غيره، وكلُّ مأتيٍّ إلى الشيءِ فهو سبيلُهُ.

وقد فسَّرَ رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الاستطاعةَ بالزادِ والراحلةِ

(2)

، وما فسَّرهُ عليه السلام استطاعةُ السبيلِ إلى البيتِ المذكورِ في القرآنِ، لا استطاعةُ الحجِّ؛ فإنها لا بدَّ فيها من صحَّةِ البدنِ أيضًا، فلا دلالة فيه على أحدِ القولينِ المذكورَين في المسألة الخلافيةِ المشهورةِ.

{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وضعَ {كَفَرَ} موضعَ: لم يحُجَّ؛ تأكيدًا لوجوبهِ، وتغليظًا على تاركِ الحجِّ، وتشديدًا عليهِ، ولذلك قالَ عليه السلام:"مَن ماتَ ولم يحجَّ فليمُتْ إن شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا"

(3)

.

وقد أكَّدَ أمرَ الحجِّ في هذه الآيةِ من وجوهِ الدلالةِ على وجوبهِ بصيغةِ الخبرِ،

(1)

في (ف): "سبيلًا".

(2)

رواه الترمذي (2998)، وابن ماجه (2896)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. اهـ. وقصة الزاد والراحلة قد رويت عن جماعة من الصحابة لا يثبت منها شيء كما قال غير واحد من أهل العلم. انظر:"الوهم والإيهام" لابن القطان (3/ 448)، و"نصب الراية" للزيلعي (3/ 10)، و"التلخيص الحبير" لابن حجر (2/ 221).

(3)

رواه "الدارمي" في "سننه"(1826)، والبيهقي في "الشعب"(3693)، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بلفظ:"مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَض حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنَّ شَاءَ نَصْرَانِيًّا". وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وروى نحوه الترمذي (812) من حديث علي رضي الله عنه وقال: في إسناده مقال. وروي عن عمر رضي الله عنه موقوفًا، وصحح إسناده ابن كثير في "مسند الفاروق"(1/ 292).

ص: 345

وإبرازِهِ في صورةِ الاسميةِ، وإيرادِه على وجهٍ يفيدُ أنهُ حقٌّ واجبٌ للّهِ تعالى في رقابِ الناسِ، وتعميمِ الحُكمِ أولًا وتخصِيصِه ثانيًا؛ فإنهُ كالإيضاحِ بعدَ إبهامٍ، وتثنيةٌ

(1)

وتكريرٌ للمرادِ، وتسميةِ تركِ الحج كفرًا مِن حيثُ إنه فعلُ الكفرة، وذكرِ الاستغناءِ فإنه في مثلِ هذا الموضعِ مما يدلُّ على المقتِ والخُذلانِ.

وقوله: {عَنِ الْعَالَمِينَ} بدلٌ عنه لِمَا فيهِ من مبالغةِ التعميم، والدلالةِ على الاستغناءِ عنه بالبرهان، والإشعارِ بعظم السخطِ؛ لأنهُ تكليفٌ شاقٌّ

(2)

جامع بينَ كسرِ النفس، وإتعابِ البدن، وصرفِ المال، والتجردِ عن الشهواتِ، والإقبالِ على اللّه تعالى.

بقي هاهنا دقيقةٌ أنيقةٌ؛ وهي أن اللامَ في قوله: {وَلِلَّهِ} مظِنَّةُ أن يكون في الحجِّ نفعٌ له تعالى، دفعَه

(3)

ببيانِ غَنائه عن العالمين.

رويَ: أنه لما نزل صدرُ الآيةِ جمعَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أرباب الملل فخطبهم وقال: "إنَّ اللّه تعالى كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا" فآمنت به ملةٌ واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل:{وَمَنْ كَفَرَ} الآية

(4)

.

* * *

(98) - {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} .

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : تخصيصُ أهلِ الكتابِ بالخطاب؛ لأن كفرَهم أقبحُ، وَأما

(1)

في (ح) و (ف): "وتنبيه".

(2)

في (د): "مشاق".

(3)

في (د): "دفع".

(4)

رواه الطبري في "تفسيره"(5/ 621) من طريق جويبر عن الضحاك وجويبر متروك، والخبر مرسل.

ص: 346

الدلالةُ على أنهم وإن زعموا

(1)

أنهم مؤمنونَ بالتوراةِ والإنجيلِ فهم كافرون بهما، فلا تأثيرَ فيها للتخصيص المذكور

(2)

.

{لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} ؛ أي: بآياته السمعيةِ والعقليةِ الدالَّةِ على صدقِ محمدٍ عليه السلام فيما أُتي

(3)

به من الأوامرِ والنواهي، ومعنى الاستفهامِ في {لِمَ} إنكارٌ لكفرِهم، وتعجُّبٌ منهُ مع وجود المانعِ، وهو كونُ الحقِّ شهيدًا على أعمالهم.

{وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} ؛ أي: والحال أن اللّه شهيدٌ؛ أي: مطَّلعٌ على أعمالكم فمجازيكم عليها لا ينفعكُم التحريفُ والإسرار

(4)

، وهذهِ الحالُ توجبُ الإيمانَ فما جسَّركم

(5)

على الكفرِ بآياتهِ؟!

وإظهارُ اسم الله تعالى والمقامُ مقامُ الإضمارِ؛ للتخويفِ، والتربيةِ للمهابةِ.

* * *

(99) - {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : أُعيدَ الخطابُ لأن الأول في الضالينَ، وهذا في المضلِّينَ، فلا تكرار، وكونُ كل واحدٍ من الأمرين مُستقبَحًا في نفسهِ مُستقلًّا في استجلابِ العذابِ مما لا حاجة إلى الإشعارِ به لعدم الخفاءِ فيه.

(1)

في (ف): "أنهم وزعموا".

(2)

في هامش (د) و (ف): "فإنها حاصلة في صورة التعميم أيضًا كما لا يخفى. منه".

(3)

في (د): "أوتى".

(4)

في (د): "والإسراء". وفي (ك): "والسر". وفي (ح) و (ف): "والامتراء"، والمثبت من (م).

(5)

في (د): "جركم" و في (م): "صبركم".

ص: 347

{لِمَ تَصُدُّونَ} . معنى الاستفهامِ إنكارٌ لقصدِ الصدِّ، وطلبِ العوجِ في الطريقِ المستقيم، مع كونهم علماءَ شهداءَ بأنْ ليسَ فيه عوجٌ، وأن الصادَّ عنها ضالٌّ مضلٌّ، والتوبيخُ هنا أشدُّ لمعنى المكابرةِ فيهِ.

{عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : دينهِ الحقَ المأمورِ بسلوكهِ وهو الإسلامُ، قدِّمَ للاهتمامِ على المفعولِ الأولِ وهو قولُهُ:

{مَنْ آمَنَ} : كانوا يفتِنون المؤمنِينَ، ويحرِّشون

(1)

بينهم، حتى أتوا الأوسَ والخزرجَ فذكَّرُوهم ما بينَهم في الجاهليةِ من التعادي والتحارُبِ ليعودوا لمثله، ويحتالون لصدِّهم عنه

(2)

، ويمنعُون مَن أراد الدخولَ فيه بجهدهم، فعلى الأولِ يكون التجوُّزُ في الصدِّ، وعلى الثاني في {آمَنَ} .

{تَبْغُونَهَا} في محل النصبِ بالحال.

{عِوَجًا} مفعول (تبغون)، والضميرُ منصوبٌ بنزع الخافض، وتعديةِ الفعلِ؛ أي: فيها.

والعِوجُ - بكسر العين - الميلُ والانحراف في المعاني، وبفَتحها في الخبثِ؛ أي: تطلُبون اعوجاجًا وميلًا عنِ الاستقامة بأن تلبِّسوا على الناسِ حتى توهمُوهم أن فيها عوجًا بقولكم: إن شريعة موسى عليه السلام لا تُنسخُ، وبتغييرِ صفةِ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ونحوهما.

{وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} قائلون

(3)

: إنها سبيلُ اللّهِ لا يَصدُّ عنها إلا ظالمٌ كافرٌ، أو

(1)

في (د): "ويحدثون" وفوق الدال شدة.

(2)

"عنه" ليست في (د).

(3)

في (د): "عاملون".

ص: 348

عدولٌ

(1)

بين أهلِ دينكم، يتمسَّكون بأقوالكم، ويستشهدُونكم في عظائمِ أمورهم لكونكم أحبارًا.

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} : وعيدٌ بالغٌ، والختمُ بهذا يناسب المقام؛ لأنَّ الكلام في صدِّهمُ المؤمنينَ عن الإسلام وكانوا يخفونَهُ ويحتالون فيه، وفيما

(2)

تقدَّمَ في كفرِهم وهم يجهَرُون بهِ، فكان المناسبُ له الختمَ بقولهِ:{وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98].

* * *

(100) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : خاطبهم اللّهُ بنفسهِ بعدَ توسيطِ الرسول عليه السلام في مخاطبةِ أهلِ الكتابِ؛ إظهارًا لجلال

(3)

قدرِهم، وإشعارًا بأن لهم منزلةً عندَ اللّه تعالى دونَ أهل الكتاب

(4)

.

{إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : نزلَت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسًا يتحدَّثون؛ فمر بهم شاس بن قيس اليهوديُّ فغاظَه تآلفُهم واجتماعهم، فأمرَ شابًّا من اليهود أن يجلسَ إليهم ويذكِّرَهم

(5)

يوم بُعاثٍ، وينشدَهم

(6)

بعض ما قيلَ فيه،

(1)

في (ك) و (م): "عدل".

(2)

في (د): "وما".

(3)

في (د): "لجلالة".

(4)

في هامش (د) و (ف): "من قال إشعارًا بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم اللّه ويكلمهم لم يصب في قوله: ويكلمهم، كما لا يخفى. منه".

(5)

في (ك): "ويذكر".

(6)

في (م): "وينشد".

ص: 349

وكان الظَّفَرُ في ذلك اليومِ للأوسِ؛ ففعلَ فتنازَعَ القومُ وتفاخَروا وتغاضَبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ. واجتمَع من القبيلتين خلقٌ عظيمٌ، فتوجَّهَ إليهم رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابُه رضي الله عنهم وقالَ: "أتدْعُونَ الجاهليَّةَ وأنا بينَ أظهُركم بعدَ إذ أكرمكُم اللّه بالإسلامِ، وقطعَ بهِ عنكم أمر

(1)

الجاهليةِ، وألَّف بينكُمْ؟! " فعلِموا أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوِّهم، فألقوا السلاحَ واستغفروا، وعانقَ بعضُهم بعضًا، وانصرفوا معَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم

(2)

.

والتعبيرُ عن شاسٍ ومَن أعانه فيهِ بالفريقِ يناسبُ قصدَهم إيقاعَ التفرقة بين جمعِ المؤمنين.

{يَرُدُّوكُمْ} ؛ أي: عن الهدى إلى الضلالِ

(3)

على ما دلَّ عليه قولُه:

{بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} : ردَّ يتعدَّى إلى مفعولَين، قالَ الشاعر:

فردَّ شُعورَهن السودَ بيضًا

وردَّ وجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا

(4)

* * *

(101) - {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

(1)

"أمر" من (م).

(2)

رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام"(1/ 555)، والطبري في "تفسيره"(5/ 627)، عن زيد بن أسلم، وهو في "أسباب النزول" للواحدي (ص: 116).

(3)

في (م): "الضلالة".

(4)

البيت لعبد الله بن الزبير الأسدي، كما في "شرح الحماسة" للمرزوقي (2/ 941)، و"الحلل" للبطليوسي (ص: 70)، ولفضالة بن شريك كما في "عيون الأخبار"(3/ 76)، وقال البطليوسي: ويقال: إنه للكميت بن معروف الأسدي.

ص: 350

{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} معنى الاستفهامِ: الإنكارُ والتعجيبُ من تطرُّقِ الكُفر إليهم في حالِ اجتمعَ إليهم الأسبابُ الداعيةُ إلى الإيمانِ، الصارفةُ عن الكُفر.

وإنما أخَّرَ قولَهُ: {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} - مع أن حقَّهُ التقديمُ؛ لأن التلاوة المذكورةَ بواسطته - إخراجًا لهُ عن حيِّزِ الوساطة إلى منزلةِ الاستقلال في السببية، كأنهُ قيلَ: والحالُ أن آياتِ اللّهِ تُتلى عليكُم مُعجزةً رادعةً

(1)

عن الكفرِ، وفيكم الرسولُ واعظًا زاجرًا لكُم ناهيًا عنهُ.

{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ} : ومَن يتمسَّك بدينِه، أو يلتجِئْ إليه في مجامعِ أموره.

{فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} : إنما يورَد {فَقَدْ} في جوابِ الشرطِ عندَ مُضيِّهِ معنى، والقصدُ هنا إلى تحقُّقِ

(2)

الوقوعِ بمعنى: فقد حصلَ لهُ الهدى، كأنهُ قد حصل

(3)

فهو يخبرُ عنه حاصِلًا، ومعنى التوقعِ في {فَقَدْ}: أنَّ المعتصِم باللّهِ متوقِّعٌ للهُدى.

* * *

(102) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : واجبَ تقواه وما يحقُّ مِنها، وهو القيامُ بالواجبِ، واجتنابُ المحارمِ، ويدخُلُ فيهِ الاحتراز

(4)

عن طاعةِ أهل الكتابِ دخولًا أوليًا.

(1)

في (د): "وزاعة"، وفي (م):"وازعة".

(2)

في (م): "تحقيق".

(3)

في (م) زيادة: "له الهدى".

(4)

في (د): "الاحتراض".

ص: 351

{وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ؛ أي: ولا تكونُنَّ على حالٍ سوى الإسلامِ حينَ الموتِ، فالمنهيُّ كونهم على حالٍ غير الإسلام عندَ موتهم، لا موتُهم.

هذا ما عندَهم، والذي عندِي هو أنَّ النهيَ المذكورَ للتحذيرِ عن الموت على حالٍ سوى الإسلامِ، والحذرُ عنه إنما يكونُ بالاحترازِ عما يُفضي إليهِ

(1)

، فهو حثٌّ على الثباتِ على الإسلام في جميعِ الأزمانِ على أبلغ وجهٍ، وعلى هذا لا عدولَ عن الظاهرِ. بخلافِ ما قالوهُ

(2)

.

* * *

(103) - {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} : يحتملُ التمثيلَ، بأن يمثَّل صورة حالهم في اعتضادِهم واستظهارِهم ووثوقِهم باللّهِ تعالى وحمايتهِ واتكالهم عليهِ بصورةِ حالِ المتدلِّي مِن مكانٍ مُرتفعٍ متمسِّكًا بحبلٍ وثيقٍ يأمَن انقطاعَهُ، والاستعارةُ بأن يستعيرَ الحبلَ لعهدِه أو كتابه، ويجعلَ الاعتصامَ ترشيحًا لها بما يناسِبُ الحبلَ.

{جَمِيعًا} أي: اجتمِعوا على استعانتكم باللّهِ ووثوقكُم بهِ، أو: اجتمِعوا على التمسُّكِ بعهده إليكُم أن تؤمنوا بهِ، ولا تعبُدوا إلا إياه، أو بكتابهِ، لقولهِ عليه السلام:"القرآنُ حبل اللّه المتينُ"

(3)

.

(1)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "كالنهي عن السقوط في البئر فإن مرجعه إلى احتراز عن الدنو منه. منه".

(2)

في هامش (ح) و (د) و (ف): "فهم مطالبون بالباعث للعدول عن الظاهر. منه".

(3)

قطعة من حديث طويل رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(30007)، والدارمي في "سننه" =

ص: 352

{وَلَا تَفَرَّقُوا} : ولا تتفرَّقوا كما كنتم متفرِّقين في الجاهليةِ يُعادي بعضُكم بعضًا ويحارِبُه، أو: لا

(1)

تفعلوا ما يوجبُ التفرُّقَ ويزيل الألفةَ من القول والعمل، وأما التفرُّقُ بالاختلافِ في الدينِ كاليهودِ والنصارى فهو مضمونُ قولهِ تعالى:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} [آل عمران: 105].

{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} أرادَ: نعمةَ الهداية والتوفيق للإسلامِ، المؤدِّي إلى التآلفِ وزوالِ الغِلِّ.

{إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} في الجاهلية متقاتلِينَ {فَأَلَّفَ} : أوقعَ الأُلفةَ {بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالإسلامِ.

{فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ} : بسببِ تلكَ النعمة.

{إِخْوَانًا} : متحابِّين مجتمِعين على الإخوةِ في اللّه، و (أصبح) أصلُه: دخلَ في الصباحِ، ثمَّ أُطلِقَ على الصيرورة أيَّ وقتٍ كان، ففيه باعتبارِ أصلهِ دلالة على خروجهم مِن ظلماتِ الضلالة إلى نور الهداية.

= (3374)، والترمذي (2906)، والبيهقي في "الشعب"(1788)، عن علي رضي الله عنه، ومداره على الحارث الأعور. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.

وروي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، رواه عبد الرزاق في "المصنف"(6017)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(30630)، وابن حبان في "المجروحين"(1/ 100)، ترجمة إبراهيم بن مسلم الهجري أحد رواته، وابن الجوزي في "العلل "(145)، وقال: لا يصح عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود، قال ابن معين: إبراهيم الهجري ليس حديثه بشيء.

(1)

في النسخ عدا (م): "ولا" والمثبت من (م).

ص: 353

قيل

(1)

: كانَ الأوس والخزرجُ أخوين من الأبوين

(2)

فوقع بين أولادهما العداوةُ، وتطاولَتِ الحروبُ مئةً وعشرين سنةً، حتى أطفأها اللهُ تعالى بالإسلام، وألَّفَ بينهُم

(3)

برسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم.

{وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} : مشرِفينَ عليها بكُفركم

(4)

، إذ لو أدرككم الموتُ على تلك الحالة لصادفتمُ القبر حفرةً من النار، وإنما قال:

{فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} وإن لم تكونوا فيها؛ لأنهم كانوا بمنزلةِ مَن هو فيها مِن حيث كانوا مستحقِّين لدخولها.

ويجوزُ أن يكون الضمير للشَّفا وتأنيثُه لأنَّه بمعنى الشفةِ، فإن شَفَا البئرِ وشفتَها طرفُها، وأصلهُ: شَفَوٌ، فقلِبَت الواوُ في المذكَّرِ، وحُذِفت في المؤنَّث.

{كَذَلِكَ} : مثلَ ذلك التبيينِ {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} : دلائله.

{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} : إرادةَ أن تَثبُتوا على الهدى، أو تزدادُوا هدىً.

* * *

(104) - {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} (مِن) للتبيين، بمعنى: وكونوا أمةً؛ كقولهِ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [آل عمران: 110]؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن

(1)

في (م): "وقيل".

(2)

في (د) و (ك) و (م): "لأبوين".

(3)

"بالإسلام، وألف بينهم" ليست في (د).

(4)

في (ك) و (م): "لكفركم".

ص: 354

المنكر مِن فروضِ الكفاياتِ، فهوَ واجبٌ على كلِّ الأمةِ بدليل أنه

(1)

لو تُرِكَ أَثمَ الجميعُ، وإن سقطَ بفعل البعضِ لحصولِ المقصودِ، فلا بدَّ من توجيه الخطاب إلى الكلّ، فمَن قالَ:(مِن) للتبعيضِ، ثم علل بما ذكرناه آنفًا فقد اختارَ المذهب المردودَ؛ وهو أن يكونَ الوجوب على البعضِ من غير تعيين.

وأما الاستدلالُ على أنه لا يجبُ على الكلِّ بعدم الوجوبِ على الجاهل فمردودٌ؛ لأنَّه إذا تُرِكَ بالكليةِ فذلك الجاهلُ أيضًا آثمٌ، ولولا الوجوبُ عليهِ لما أثمَ؛ كمَن وجب عليه الصلاةُ وهو محدِثٌ فإنَّ عليهِ تحصيلَ الشرطِ ثم الفعلَ.

وأمَّا مَن

(2)

اختارَ أن تكونَ (مِن) للتبعيض معلِّلًا بما تقدم، ثمَّ قالَ: خاطب الجميع وطلب فعلَ بعضِهم ليدُلَّ على أنه واجب على الكلِّ = فقد خبَطَ حيثَ خلطَ بين المذهبَينِ، ثم إنه لم يَدْرِأن الوجوبَ على الكلِّ مبناهُ الطلبُ من الكلِّ، لا الخطابُ للكلِّ، فإنَّ الخطابَ بدون الطلبِ بمعزلٍ عن الدلالة على الوجوب.

{يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} : يعمُّ الدعاء إلى ما فيهِ صلاحٌ دينيٌّ أو في نيويٌّ، فينتظِمُ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر.

فقولُه: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} : مِن قبيلِ عطف الخاصِّ على العام للإيذان بفضلِهِ.

{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} : المخصوصونَ بكمال الفلاحِ.

والأمرُ بالمعروفِ يكونُ واجبًا ومندُوبًا على حسبِ ما يؤمَرُ به، وكذا النهي عن

(1)

في (د): "أن".

(2)

في (ح) و (ف): "ومن".

ص: 355

المنكرِ فإنهُ يكون واجبًا إن كانَ المنهيُّ عنه محرَّمًا أو مكرُوهًا كراهةَ تحريمٍ، ويكونُ مندوبًا إن كان المنهيُّ عنه مكروهًا كراهةَ تنزيهٍ.

فمَن وهَم أن جميعَ ما أنكرَهُ الشرعُ حرامٌ فقد وهِمَ، والعاصي يجبُ أن يُنهَى عما يرتكبُه؛ لأنَّه كما يجبُ عليه تركُه يجبُ عليه إنكارُه ونهيُ الغيرِ عنه، إلا أنَّ الثاني على طريقِ الكفايةِ، والإنكارُ في قولهِ تعالى {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 44] مرجعهُ إلى القيدِ.

* * *

(105) - {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} ؛ أي: بالعداوةِ.

{وَاخْتَلَفُوا} ؛ أي: في الديانةِ

(1)

، وهم اليهودُ والنصارى، وإنما قال:

{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ؛ أي: الآياتُ والحججُ المبيِّنةُ للحقِّ الموجبةُ للاتفاقِ {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} عليهِ؛ لأنَّ الاختلاف في موضعِ الاجتهادِ ليس بمنكرٍ، كيفَ وقد قالَ عليه السلام:"اختلافُ أمَّتي رحمةٌ"

(2)

.

(1)

في هامش (د) و (ف) مع بعض الفروقات: "فلا تكرار ولو كان المراد من التفرق أيضًا ما في الديانة كما سبق إلى بعض الأوهام لكان حق النظم تقديم الاختلاف على التفرق. منه".

(2)

لم أجده مسندًا بهذا اللفظ، وقال السيوطي في "الجامع الصغير" (288):(ولعله خرِّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا). وروى البيهقي في "المَدْخَل" مِنْ طريق جُوَيْبِرٍ عن الضحَّاكِ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: "وَاخْتِلافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ"، وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب "الحجة" لنصر المقدسي مرفوعًا من غير بيان لسنده، ولا صحابيه، وكذا عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب "العلم =

ص: 356

ولا اختصاصَ لواحدٍ من الاختلافينِ بالأصول والفروعِ، فإنَّ في الأصولِ أيضًا موضعَ الاجتهادِ كما أنَّ في الفروعِ ما لا مساغَ فيه لهُ

(1)

.

{وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : وعيدٌ للذينَ تفرَّقُوا، وتهديدٌ على التشبُّهِ بهم.

* * *

(106) - {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} .

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} : نصبٌ بما في {لَهُمْ} مِن معنى الفعل، وبياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتانِ عن ظهورِ بهجة السرورِ وكآبةِ الخوف فيهِ، ويجوزُ أن يرادَ بالبياضِ والسوادِ حقيقَتُهما.

{فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} : ابتدأ بهم

(2)

في مقامِ التفصيلِ للاهتمام بالتحذيرِ من حالهم، ولمجاورة قوله:{وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ، وليكونَ الابتداءُ للمؤمنينَ، والاختتامُ بحكمِهم

(3)

.

{أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} على إرادة القولِ؛ أي: فيقالُ لهم: أكفرتم؟ والهمزةُ للتوبيخِ والتعجيبِ مِن حالهم، والظاهرُ أنهم أهلَ الكتابِ، كفروا وكذَّبوا برسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ إيمانهم بهِ قبل مجيئه وهم المرتدُّونَ.

= والحكم" بدون بيان بلفظ: اختلاف أصحابي رحمة لأمتي، قال: وهو مرسل ضعيف. انظر: "المقاصد الحسنة" (ص: 69).

(1)

في (ك) و (م): "له فيه".

(2)

في (د): "ابتدائهم".

(3)

في هامش (د) و (ف) مع بعض الفروقات: "والأصل في اللف والنشر رعاية الترتيب كما في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا} الآية فلا يعدل عنه إلا لنكتة كالذي نحن فيه. منه".

ص: 357

وقيل: هم جميعُ أهل الكتابِ

(1)

؛ لإعراضِهم عما أوجبهُ الإقرارُ، أو كفرِهم بعدَما أقرُّوا به حينَ أشهدهم على أنفسِهم، على ما أفصحَ عنه قولُه:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172].

{فَذُوقُوا الْعَذَابَ} : أمر إهانةٍ، والفاءُ للسببية عن الكفرِ المقدَّرِ، والباء تأكيدٌ له.

{بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} : بسببِ كفركم، والجمعُ بين الصيغةِ الدالَّةِ على التجدُّدِ وزيادةِ الكونِ الدالةِ على الاستمرارِ؛ للمطابقةِ بين العملِ والجزاء المذكورِ مفصَّلًا في قولهِ:{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56] واللّه أعلم بالصواب.

* * *

(107) - {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} : ففي نعمَتهِ من الثوابِ المخلَّدِ.

جمعَ للفريقِ الأولِ بين التعنيفِ بالقول والعذاب، وهنا جعلَهم مستقرِّين في الرحمةِ، فهيَ ظرف لهم، وأشارَ بها إلى سابقِ عنايته بهم، وأنَّ العبدَ وإن كثرت طاعتُهُ لا يدخُلُ دار

(2)

الثوابِ إلا برحمةِ اللّه تعالى، وأضافَها

(3)

إلى نفسِهِ دون العذابِ تفخِيمًا لجانب الثوابِ.

{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : أخرجَهُ مخرجَ الاستئنافِ لبيانِ أنَّ ذلكَ الاستقرارَ هو على سبيلِ الخلودِ لا زوالَ منهُ ولا انتقالَ، و {هُمْ} تأكيد لقوله:{الَّذِينَ} ، و {فِيهَا} تأكيد لقوله

(4)

: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} .

(1)

في (ح) و (د) و (ف): "أهل الكفار".

(2)

"دار" ليست في (د).

(3)

في (ح) و (ف): "لإضافتها".

(4)

" {الَّذِينَ} وفيها تأكيد لقوله": ليست في (م).

ص: 358

ولم يذكر الخلودَ للكافرِ اكتفاءً بذكرِهِ في قرينه، ولم يعكِس، إذ لا يُفهَمُ مِن دوامِ القولِ دوامُ الفعلِ

(1)

بخلافِ العكسِ.

ثم إنه لمَّا ذكَرَ العذابَ علَّلهُ بفعلِهم، ولم يذكُر هنا سببَ كونِهم في الرحمةِ، إشعارًا بأن رحمتَهُ تعالى لا تحتاجُ إلى السببِ.

* * *

(108) - {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} .

{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ} : الواردةُ في الوعد والوعيدِ.

{نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} : ملْتبِسةً بالحقِّ لا شُبهة فيها.

{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} فيأخذَ أحدًا بغيرِ جُرمٍ، أو

(2)

يزيدَ في عقابِ مسيءٍ على ما يستحقُّهُ، أو يَنقصَ من الثوابِ الموعود للمُحسنِ.

وتقديم {وَمَا اللَّهُ} على فعلِ الإرادة بعدَ النفي يفيدُ أنَّ الذي يظلِمُ ويريدُ الظلمَ غيرُه لا هو؛ أي: هم الظالمونَ على أنفسِهم لا غيرُهم.

ونفيُ إرادةِ الظلمِ تأكيدٌ بليغٌ في نفي الظلمِ؛ أي: انتفى إرادةُ الظلمِ عنهُ تعالى فضلًا عن الظلمِ.

وتنكيرُ {ظُلْمًا} وتعميمُ {لِلْعَالَمِينَ} معناهُ: لا يريدُ شيئًا من الظلمِ أحقرَ ما يكونُ لأحدٍ من العالمين كائنًا مَن كان

(3)

.

(1)

في (ح) و (ف): "الفصل"، وفي (د):"الفضل"، والمثبت من (ك) و (م). وجاء في هامش (م):"في نسخة: من دوام العدل دوام الفضل".

(2)

في (م): "جرم أي". وفي (ف): "حرام أو".

(3)

في هامش (د) و (ف): "وهذا بناء على أن الحكم المعلق بالجمع المعرف باللام متعلق بكل فرد من =

ص: 359

ومَن قال في تعليلِ ما ذُكرَ: إذ يستحيلُ الظلمُ منه؛ لأنهُ لا يحقُّ عليهِ شيءٌ فيَظلِمَ بنقصِه، ولا يُمنَعُ عن شيءٍ فيَظلِمَ بفعلِهِ؛ لأنهُ المالك على الإطلاق = لم يدرِ أَنَّهُ حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكون الظلمُ منهُ مستحيلًا - لا يناسبُ نفيَ إرادته فضلًا عنِ المبالغة فيهِ، إذ ليسَ مِن شأنها التعلقُ بما ليس بمقدورٍ لهُ، بل الظاهرُ منه

(1)

أنه مقدورٌ لهُ إلا أنه لا يريدُهُ؛ لأنَّهُ لا يليقُ بشأنهِ.

والتعليلُ المذكورُ قاصرٌ؛ لأنا نعلمُ

(2)

قطعًا أنَّ النقصَ عن الثواب الموعودِ لبعض الأعمال من قَبيلِ الظلمِ كنقص حقِّ الأجيرِ، وهو من جملةِ المحتملاتِ، واللّهُ تعالى قادرٌ له إلا أَنَّهُ لا يفعلُهُ.

* * *

(109) - {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} .

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} : استئنافٌ في معرِض التعليلِ لما تقدَّمَ؛ كأنه يقولُ: إرادةُ الظلم أمارةُ الحاجةِ والرغبةِ إلى ما ينقصه بالظلمِ، واللّهُ تعالى منزَّهٌ عنها؛ لأنهُ مالِكُ ملكِ السماواتِ والأرضِ.

{وَإِلَى اللَّهِ} خاصةً.

{تُرْجَعُ الْأُمُورُ} فالملكُ في دار الآخرةِ أيضًا له تعالى.

والعدولُ عن الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للإشعار بأن ما ذُكرَ

(3)

مِن شأن الألوهيَّةِ ولوازمِها، وإنما قال:{تُرْجَعُ} لأنها قد زالَت بهلاكِ ما سواه.

= الآحاد لا بالمجموع ولا بكل خصوصًا إذا اقتضاه المقام. منه".

(1)

في (م): "منه هو".

(2)

في (د): "لأنا فعل".

(3)

في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "ذكره".

ص: 360

(110) - {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} .

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} : دل على خيريَّتهم

(1)

، ولم يدلَّ على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا، أو انقطعَ

(2)

ذلك عنهم

(3)

؛ لأنَّ (كان) الناقصةَ لا دلالة فيها على عدمٍ سابقٍ، ولا على عدمِ الدوامِ، فلذلك تُستعمَلُ فيما هو حادثٌ مثل: كان زيد راكبًا، وفيما هو دائمٌ مثل:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96].

ومَن قال: كأنه قيل: وجِدتم خيرَ أمةٍ

(4)

، فكأنهُ زعمَ أتها تامَّةٌ، وأن {خَيْرَ أُمَّةٍ} حالٌ، ويردُّهُ عدُّهُ مِن قبيلِ:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96].

{أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} : أُظهِرَت لهم.

{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} استئنافٌ بيَّنَ بهِ كونَهم خير أمة.

{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} يتضمَّنُ الإيمان بكلِّ ما يجب أن يؤمَنَ به؛ لأن الإيمانَ به تعالى إنما يحقُّ ويُعتدُّ بهِ إذا حصلَ الإيمانُ بكلِّ ما أمرَ أن يؤمَن بهِ، وإنما أخَّرَه وحقُّه أن يقدَّمَ؛ لأنهُ قصدَ بذكرِه الدلالةَ على أنهم أَمرُوا بالمعروفِ، ونَهَوا عن المنكر إيمانًا باللّه وتصديقًا به وإظهارًا لدينه.

(1)

في (د): "خيرتهم".

(2)

في (د) و (ك): "وانقطع"، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر:"نواهد الأبكار" للسيوطي (2/ 577)، وكلاهما - المؤلف والسيوطي - ناقل عن سعد الدين التفتازاني كما صرّح السيوطي.

(3)

في النسخ عدا (م): "عليهم" والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.

(4)

في (ف): "وجدتم خيرًا".

ص: 361

والتعريفُ في الموضعينِ للعهدِ، والمعهودُ

(1)

: المعروفُ الشرعيُّ، والمنكر الشرعيُّ، ومَن وهَم أَنَّهُ للاستغراقِ فقَد وهِمَ، واستدلالُه به على حجيَّةِ الإجماعِ ليس بتامّ؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

{وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ} إيمانًا كما ينبغي {لَكَانَ} الإيمانُ {خَيْرًا لَهُمْ} : مما هُم عليهِ.

{مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ} كعبدِ اللَّه بن سلامٍ وأصحابِه.

{وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} أراد: الكافرينَ، والتعبيرُ عنهم بالفاسقينَ للتنبيهِ على أن المؤمنينَ المذكورينَ عادلونَ لا حظَّ لهم من الفسق.

وهذه الجملةُ والتي بعدَها واردتانِ على سبيلِ الاستطراد، ولذلك جاءَ من غيرِ عاطفٍ

(2)

.

* * *

(111) - {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} .

{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} : ضررًا يسيرًا بطعنٍ

(3)

وتهديدٍ.

{وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} : ينهزِمُوا، ولا يضرُّوكم بقتل وأسرٍ.

{ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} : لا

(4)

يكونُ لهم نصرٌ من أحدٍ

(5)

، نفى إضرارَهم سوى ما

(1)

في (ك): "والعهد".

(2)

في (د) و (ك) و (م): "عاطفه".

(3)

في (ح) و (د) و (ف)"لطعن"، وفي (م):"كطعن".

(4)

في (م): "ثم لا".

(5)

في (ف): "واحد".

ص: 362

يكونُ بقولٍ، وقرَّرَ ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتالِ كانت الدَّبرَةُ

(1)

عليهم، ثم أخبرَ بأنه يكونُ عاقبتُهم العجزُ والخذلانُ، وإنما عدلَ به عن حكمِ الجزاءِ والعطفِ عليه إلى الإخبار؛ لئلا يكونَ انتفاءُ النصرِ مشروطًا بالشرطِ مقيدًا بالمقاتلةِ كتوليةِ الأدبارِ بل مطلقًا؛ أي: ثم أُخبركم أنهم لا يُنصَرُون بوجهٍ مّا، قاتلوا أو لم يقاتلوا، ويبقون في الخذلانِ والذلِّ والعجزِ لا ينهَضون بجناح، ولا يرجِعُ إليهم قوةٌ ونجاح، كما كان من حالِ بني قريظَةَ والنضيرِ وبني قينقاعَ ويهودِ خيبرَ.

و {ثُمَّ} استعارةٌ للتراخي في الرتبةِ، فإنَّ الإخبارَ بالخذلان المطلَقِ وانتفاءِ النصر بالكليةِ أعظمُ من الإخبارِ بالانهزام عندَ المقاتلة.

* * *

(112) - {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} .

{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} قد سبق تفسيره في سورة البقرة.

{أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} : وُجِدوا.

{إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} في محلِّ النصب على الحالِ؛ أي: إلا متمسِّكين أو معتصِمين بذمةِ اللهِ وذمة المسلمينَ.

والظاهرُ من تكرارِ الحبلِ تعدُّدُ الذمَّتين معنًى، فالمناسبُ أن تحمَلَ الأولى على الذميِّ

(2)

نصَّ اللّهُ تعالى عليه في قولهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} ، والثانيةُ على الذي يراهُ

(1)

في (م): "الدائرة".

(2)

في (ح) و (د) و (ف): "على الذي".

ص: 363

الإمامُ من إعطاء الأمانِ في مقابلةِ أخذ مالٍ، أو لمصلحةٍ أُخرى، والاستثناءُ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا عزَّ لهم إلا هذا العزُّ، وهوَ على طريقةِ:

ولا عَيبَ فيهم غَيرَ أنَّ سُيوفَهمْ

(1)

لأنَّ التمسُّكَ بإحدى الذمَّتين غاية الذلِّ.

ومَن فسَّرَ إحدى الذمتين بدين الإسلامِ، والأُخرى بسبيلِ المؤمنين إجراءً للاستثناءِ على ظاهره فيَرِدُ

(2)

عليهِ أنَّ سبيل المؤمنينَ هو دين الإسلامِ بعينِه، فلا يناسبُه تكريرُ ذكر الحبلِ.

{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} : ورجعوا مستوجِبين له

(3)

.

{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} لم يقُل: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61] كما قالَ في سورة البقرة؛ لأنهُ أراد تفصيلَ حالِ ذلَّتِهم

(4)

بالمبالغةِ فيها بخلافِ حالِ مسكنتِهم فإنها باختيارِهم في الغالب، فإن الأغنياءَ كثيرٌ في اليهودِ إلا أنهم لا يُظهِرُون غناهُم.

{ذَلِكَ} : إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من ضربِ الذلةِ، والبَوءِ بالغضبِ، وضرب المسكنةِ.

(1)

صدر بيت للنابغة الذبياني، ويستشهد به البلاغيون على تأكيد المدح بما يثبه الذم، انظر:"خزانة الأدب"(3/ 327)، و"شرح أبيات المغني" " 3/ 16 ". وعجزه:

بهن فلول من قراع الكتائب

(2)

في (ف): "فيرده".

(3)

(له) زيادة من (ف) و (ك) و (م).

(4)

في (ك) و (م): "ذلهم".

ص: 364

{بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} قد تقدَّم تفسيرُه في سورة البقرة.

{ذَلِكَ} ؛ أي: الكفرُ والقتلُ.

{بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} : بسببِ عصيانهم واعتدائهم حدودَ اللهِ على الاستمرار، فإنَّ الإصرارَ على الصغائرِ يُفضي إلى الكبائر، والاستمرارَ عليها يؤدِّي إلى الكفر.

وقيلَ: كرَّرَ الإشارةَ والمشارُ إليه واحدٌ إشارةً إلى أن كل واحدٍ من الأمرين مستقل لإيجابِ الأمورِ المذكور من الذلّ والمسكنةِ، والبوءِ بغضبٍ عظيمٍ من اللَّه لو لم يكن الآخرُ، فكيفَ والأمران متعاضدانِ؟

وأريد بالأمرين: الكفرُ، ويندرجُ فيه قتلُ الأنبياء، والاستمرارُ على عدم الامتثالِ بالتكاليفِ، ومبنى هذا على أنهم مخاطبون بالفروعِ أيضًا.

* * *

(113) - {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} .

{لَيْسُوا سَوَاءً} في المساوِئ، والضميرُ لأهل الكتابِ.

{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ} كلام مستأنَفٌ لبيانِ قولهِ: {لَيْسُوا سَوَاءً} كقولهِ: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} لبيانِ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} .

{قَائِمَةٌ} : مستقيمةٌ عادلةٌ، مِن قولهم: أقمتُ العود فقامَ؛ أي: استقامَ، وهم الذين أسلَموا منهم.

ص: 365

{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} صفةٌ لـ {أُمَّةٌ} ، وكذا {يُؤْمِنُونَ} .

{آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} : يتلونَ القرآن في تهجُّدِهم، عبَّرَ عنه بالتلاوةِ في ساعات الليلِ مع السجودِ؛ ليكون أبينَ وأبلَغَ في المدح.

ويجوزُ أن تكون {قَائِمَةٌ} أحد تفاصيلِهِ؛ أي: قائمة في حال تلاوةِ الآيات بالليل.

وقيلَ: المرادُ صلاة العشاءِ؛ لأن أهل الكتابِ لا يصلونها على ما وردَ في حديث ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه

(1)

.

* * *

(114) - {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} .

وقولُهُ: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} في عدادِ خصائصِ المؤمنينَ تعريضٌ آخرُ بأن إيمانَ اليهود بالأمرين ليسَ بشيءٍ؛ لإشراكهم بالله عزيرًا، ووصفِهم اليومَ الآخَر بخلافِ صفتهِ، وكذا:

{وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} تعريضٌ بأنهم مداهنون.

(1)

في هامش (د) و (ف) مع بعض التغيير: "قال رضي الله عنه: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: "أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم" وقرأ هذه الآية. منه".

قلت: وهكذا رواه الإمام أحمد في "المسند"(3760)، والنسائي في "الكبرى"(11007)، وفيه بدلٌ (وقرأ هذه الآية): وأُنْزِلَتْ هذه الآيةُ {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [آل عمران: 113] حتَّى بَلَغَ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115].

ص: 366

{وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} تعريضٌ بأنهم متباطئون عنها لقلَّةِ رغبتهم فيها، إذ كل مَن رغِب في شيءٍ يسارعُ في تولِّيهِ

(1)

والقيام بهِ.

والمسارعةُ: المبادرةُ، والخيراتُ عامةٌ تشمل هذه الأوصافَ السابقة، وإتيانُها على صيغةِ المضارعِ للدلالة على التجدُّدِ والتكرُّرِ.

{وَأُولَئِكَ} : إشارةٌ إلى مَن اتصفَ بهذه الأوصافِ.

{مِنَ الصَّالِحِينَ} حقيقةُ الصلاحِ هي

(2)

انتفاء الفسادِ عنه

(3)

بالكليةِ، وهو نهاية كمالِ الوصف بالمحاسنِ، وهو مما مدحَ اللّهُ به أنبياءه عليهم السلام، لمَّا عدد الخصائصَ التي

(4)

يُستَحقُّ بها الثوابُ، بالغَ في تعظيم جزائها للترغيبِ فعدَّمَها بقولِه:

* * *

(115) - {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} .

{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} : حيث أتى بالتنكيرِ للتقليلِ

(5)

؛ أي: وإن كانَ قليلًا، وجعلَها نعمًا فاستعمَلَ في مقابلتها انتفاءَ الكُفران؛ ليكونَ من الاستعارةِ بالكناية، ويستلزمُ كونَ اللَّه تعالى شاكرًا.

{فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} : فلن يُضيَّعَ ولا يُنقصَ ثوابهُ البتة.

(1)

في (ف) و (م): "توليته".

(2)

في النسخ عدا (م): "من" والمثبت من (م).

(3)

"عنه" ليست في (د).

(4)

في النسخ عدا (ك): "الذي" والمثبت من (ك).

(5)

في النسخ عدا (م): "للتعليل" والمثبت من (م).

ص: 367

ضمِّنَ الكُفران معنى الحرمانِ فعُدِّي

(1)

إلى مفعولينِ، وفي هذا التضمينِ زيادةُ تنزيهٍ أن يُنسبَ إلى اللَّه تعالى معنى الكفران؛ لأنَّ تقديرَهُ: لن تحرمُوه مكفورِينَ.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} : وعدٌ وبشارةٌ

(2)

لهم بالفوزِ والثوابِ الجزيل، وإشعارٌ بأن التقوى مبدأ الخيرِ وحسنِ العملِ.

* * *

(116) - {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} من العذاب، أو من الغَناءِ فيكونُ مصدرًا.

{وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} : مُلازموها.

{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} دون فُسَّاقِ المؤمنين.

* * *

(117) - {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .

{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ} : ما ينفِقُ الكفرةُ قربةً، أو

(3)

مفاخرةً وسمعةً، أو المنافقونَ رياءً وخوفًا.

{فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} : بردٌ شديدٌ، والشائع إطلاقهُ للريح

(1)

في (ف): "معدى".

(2)

في النسخ عدا (م): "وإشارة" والمثبت من (م).

(3)

في (ف) و (ك): "و".

ص: 368

الباردِ كالصرصرِ، فهو

(1)

في الأصلِ مصدرٌ نعِتَ بهِ، أو نعتٌ وصِفَ بهِ البردُ للمبالغةِ؛ كما في قولك: بردٌ بارِدٌ.

{أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بارتكابِ المعاصي.

{فَأَهْلَكَتْهُ} عقوبةً لهم؛ لأنَّ الإهلاك عن سخطٍ أشدُّ، أرادَ تشبيهَ ما أنفقوا في ضَياعِه بحرثِ مَن يستحقُّ العقوبةَ ضربته صرٌّ فاستأصلَتهُ ولم يبقَ لهم فيهِ منفعة ما، وهو من التشبيهِ المركَّبِ، ولا يلزم منه

(2)

أن يكونَ ما يلي الأداةَ هو المشبهَ بهِ، إلا أن تشبيهُ المثلِ بالمثلِ يستَدعي أن يُراعى فيما أُضيفَ إليه المثلُ في الجانبينِ المناسبةُ، على

(3)

ما قُرِّرَ في: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [البقرة: 171] ولهذا قيل: تقدير

(4)

الكلامِ: كمثلِ مهلكِ ريحٍ وهو الحرثُ.

{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} بعدَم قبول نفقاتهم {وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بخبثِ نياتهم.

أو: ما ظلمَهم اللّهُ بإهلاك حرثِهم، ولكن ظلموا أنفسَهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبةَ.

وقرئ: (ولكنَّ) بالتشديد

(5)

؛ أي: ولكِنَّ أنفسَهم يظلمونها، ولا يجوزُ إعمالها في ضميرِ الشأن المحذوفِ على تقديرِ: ولكنهُ أنفسَهم يظلمونَ؛ لأن ذلك لا يجوزُ إلا في الشعرِ

(6)

.

(1)

"فهو" من (م).

(2)

في (م): "فيه".

(3)

"على" ليست في (د).

(4)

في (د): "تقرير".

(5)

تنسب للأعرج وعيسى. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22)، و"المحرر الوجيز"(1/ 459).

(6)

يعني: على قراءة التشديد يكون {أَنْفُسَهُمْ} اسمها، وجملة {يَظْلِمُونَ} خبرها، والعائد محذوف، =

ص: 369

(118) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً} : وليجةً، وهوَ الذي يطلِعُهُ على باطنِه وسرِّه ثقةً بهِ، شُبِّهَ ببطانة الثوبِ، كما شُبهَ بالشعارِ في قولهِ عليه السلام:"الأنصارُ شعارِي والناسُ دثاري"

(1)

.

{مِنْ دُونِكُمْ} : من دونِ المسلمين، وهو متعلِّقٌ بـ {لَا تَتَّخِذُوا} ، أو بمحذوفٍ وهوَ صفةُ {بِطَانَةً}؛ أي: بطانةً كائنةً من دونكم.

{لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} : الخَبالُ: الفسادُ، والأَلْو: التقصيرُ، وأصلُهُ

(2)

أن يُعدَّى باللام، ثمَّ عُدِّي إلى مفعولَين كقولهم: لا آلوكَ نُصحًا، على تضمِين معنى المنعِ والنقصِ.

{وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} : تمنَّوا عنتكم وهو شدَّةُ الضررِ والمشقةِ، و (ما) مصدريةٌ.

{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} ؛ لأنهم لامتلائهم بالبغضِ لا يتمالكُون أن يُخفوا ولا ينفَلتَ مِن أفواههم ما يَظهَرُ به بغضُهم وعداوتُهم مع ضبطِهم أنفسَهم وتحامُلِهم عليه

(3)

وسعيِهم في الإخفاء.

= والتَّقديرُ: يظلمونها، ولا يجوز أن يعتقد أن اسم (لكنَّ) هو ضمير الشأن و {أَنْفُسَهُمْ} مفعول مقدم كما في قراءة التخفيف؛ لأن ضمير الشأن لا يحذف إلا في الشعر، كقول المتنبي:

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه

ولكن من يبصر جفونك يعشق

انظر تفسير الآية "الكشاف" و"تفسير البيضاوي" و"البحر" و"روح المعاني".

(1)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(9434)، والنسائي في "الكبرى"(8265)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

في (ك) و (م): "والأصل".

(3)

في (ح) و (ف): "عليهم"، وسقطت من (د) و (م)، والمثبت من (ك).

ص: 370

وذَكرَ الأفواهَ دون الألسنةِ إشعارًا بأن ما يلفِظونَ بهِ يملأُ أفواههم؛ كما يُقالُ: قال

(1)

كلمةً تملأُ الفمَ. إذا تشدَّقَ بها.

{وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} مما بدا، وفي نسبةِ البُدوِّ إلى البغضاءِ والإخفاءِ إلى صدورِهم إشعارٌ بأنهم مطبُوعونَ على النفاقِ، فما بدا إنما بدا

(2)

بلا إبداءٍ، لا بالطبعِ ولا بالاختيارِ.

{قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ} : الدالةَ على وجوب الإخلاصِ، وموالاةِ المؤمنين، ومعاداةِ الكافرين.

{إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} : ما نبيِّنُ لكم.

والجملُ الأربعُ مستأنفاتٌ على التعليلِ، ويجوزُ أن يكونَ الثلاث الأُوَلُ صفاتٍ لـ {بِطَانَةً} .

* * *

(119) - {هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .

{هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} : {ها} تنبيهٌ على خطئهم، و {أُولَاءِ} تحقيرٌ لهم وتعييرٌ؛ أي: أنتم أولاءِ الخاطئونَ في موالاةِ مُنافقي أهلِ الكتابِ.

وقوله: {تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} بيانٌ لخطئهم في موالاةِ مَن

(3)

يبغضُهم، وهو خبرٌ ثانٍ أو خبرُ {أُولَاءِ} ، والجملةُ خبرُ {أنتم} أو صلَتهُ، أو حالٌ والعاملُ فيها معنى

(1)

"قال" ليست في (ك) و (م)، وهي في هامش (م) في نسخة.

(2)

في (د): "يرا".

(3)

في (د): "موالاة منافقي".

ص: 371

الإشارةِ، ويجوزُ أن ينتصِبَ {أُولَاءِ} بفعلٍ يفسِّرُه ما بعدَه، وتكونَ الجملةُ خبرًا.

والواو في: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} واوُ الحالِ؛ تقديرُه: وأنتُم تؤمنونَ، والعامل (لا يحبونكم)؛ أي: لا يحبُّونكم والحالُ أنكم تؤمنونَ بكتابهم كلِّهِ، أو بجميعِ الكتبِ، وفيهِ توبيخٌ شديدٌ؛ أي: لا يحبُّونكم مع

(1)

كونكُم تؤمنون بكتابهم وهم لا يؤمنونَ بشيءٍ من كتابكُم، فهُم في باطلِهم أصلَبُ منكم في حقِّكُم.

{وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} نفاقًا وتغريرًا.

{وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} : من أجله؛ تأسفًا وتحسرًا حيث لم يجدوا إلى التشفِّي سبيلًا.

{قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} : دعاءٌ عليهم بدوامِ الغيظِ وزيادَتهِ، والمرادُ به زيادةُ ما يغيظُهم من قوةِ الإسلام وعزِّ أهلهِ المستلزمِ لذلهم وتبارِهم، فهوَ من الكناية

(2)

بالواسطةِ؛ عبرَّ بدُعاء موتهم بالغيظِ عن ملزومه الذي هوَ دعاءُ ازديادِ غيظِهم إلى حدِّ الهلاكِ، وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلامِ وعزُّ أهله، وذلكَ لأن مجرد الموتِ بالغيظِ وازدياده ليس مما يحسُنُ أن يُطلَب ويُدَّعى.

ويجوزُ أن لا يكونَ ثمة قولٌ، وأن يكون معنى الأمرِ بالقول: طلب نفسكَ وكن مستبشرًا بان الله تعالى يعِزُّ الإسلامِ ويذِلُّ الكفرَ، بحيثُ يزداد غيظ الكفار إلى حدِّ الهلاك، على ما سبَقَ من طريق الكنايةِ

(3)

، وأصلُ الكلامِ استعارةٌ

(1)

في (د): زيادة: "والحال مع".

(2)

في (ك) و (م): "كناية".

(3)

في هامش (د): "ومن وهم أنه كناية الكفاية فقد وهم؛ لأن المكني عنه لكونه مقصودًا أصالة لا يصلح كناية عن أمر آخر فتنبه. منه. سعد الدين"، وفي هامش (ف):"ومن وهم أنه كناية الكنايات لأن المكني عنه لكونه مقصودًا أصالة لا يصلح كناية عن أمر آخر فتدبر. منه".

ص: 372

تمثيليةٌ؛ شبَّه طيبَ النفسِ واستبشارَهُ بذلكَ بتحديثهِ نفسَهُ، وإعلامَها بذلك.

{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} : الأسرارِ التي لا تنكشِف أصلًا.

كُنِّيَ باللزومِ للصدورِ عن عدمِ الظهور البتة، والظاهرُ أَنَّهُ تذييلٌ لمجموع ما سبق من قوله:{هَاأَنْتُمْ} إلى قولهِ: {بِغَيْظِكُمْ} ، فهو وعيدٌ على إضمارِ مودَّتهم بعدَ النهيِ، وتقريرٌ لاطِّلاعِ الله تعالى على بواطنِهم، وإطلاعِهِ رسولَهُ عليه السلام عليها، وتحذيرٌ لهم أيضًا كي يرجعوا عن نفاقهم.

* * *

(120) - {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .

{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} : التنكيرُ في الحسنةِ للتحقيرِ، وفي السيئةِ للتعظيمِ، والمسُّ مُنبئ عن أدنى مراتبِ الإصابةِ، فالمعنى: أن الحسنةَ أيَّ قدرٍ كانَ ولو مِساسًا يسوءهم، وأما الفرحُ

(1)

بالسوءِ فلا يكون إلا بالوصولِ التامِّ بحيث يُعتدُّ بهِ؛ لأنَّ مقامَ مبالغةِ الحسد والغيظِ يقتضِي ذلك، فمن وهَم أنَّ المسَّ مستعارٌ للإصابة فكانَ المعنى واحدًا فقد وهِمَ.

{وَإِنْ تَصْبِرُوا} على عداوَتهم

(2)

.

{وَتَتَّقُوا} مُوالاتَهم.

{لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} بفضلِ اللّهِ وحفظه.

(1)

في (ك): "والمطلوب الفرح".

(2)

في هامش (د) و (ف): "قيل: على مشاق التكاليف، ولا يحسن انتظامه مع قوله: {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ}. منه".

ص: 373

{إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ}

(1)

منَ الصبرِ والتقوى وغيرِهما.

{مُحِيطٌ} ؛ أي: محيطٌ علمُه فيجازيكُم بما أنتُم أهلُهُ.

وقرئ بالياءِ

(2)

؛ أي: بما يعملونَ في عداوتكُم فيعاقبُهم عليهِ.

* * *

(121) - {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

{وَإِذْ غَدَوْتَ} ؛ أي: اذكُر إذ غدوتَ.

{مِنْ أَهْلِكَ} ؛ إذ

(3)

خرجتَ غدوةً من وطنِكَ منزلِ عائشةَ إلى أُحدٍ.

{تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} : تسوِّي لهم وتهيِّئُ، يرشِدُ إليهِ القراءةُ باللامِ

(4)

.

{مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} : مواقفَ وأماكِنَ لهُ.

{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوالكُم {عَلِيمٌ} بنيَّاتكُم، وفيهِ وعيدٌ للمنافقينَ.

* * *

(1)

القراءة بالتاء تنسب للحسن بن أبي الحسن، وهي قراءة شاذة. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22). أما المتواتر فهو القراءة بالياء وستأتي، وكان الأولى بالمؤلف رحمه الله تقديم القراءة المتواترة، لكنه تابع الزمخشري والبيضاوي في التصدير بقراءة الحسن، على عكس أبي حيان والآلوسي اللذين سلكا الجادة في تقديم المتواتر ثم الإشارة إلى الشاذ.

(2)

وهي قراءة الجماعة، وقرأ بالتاء الحسن بن أبي الحسن. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22).

(3)

في (ف): "أي"، وغير واضحة في (ح).

(4)

تنسب لابن مسعود رضي الله عنه، انظر:"المحرر الوجيز"(1/ 501)، و"روح المعاني"(5/ 413).

ص: 374

(122) - {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .

{إِذْ هَمَّتْ} بدلٌ من {وَإِذْ غَدَوْتَ} .

{طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ} بنو سَلِمةَ من الخزرجِ، وبنو حارثةَ من الأوس، وكانا جناحَي العسكر.

{أَنْ تَفْشَلَا} ؛ أي: قصدَتْ أن تفعلا فعلَ مَن فشِلَ، وهوَ الانصرافُ وتركُ القتالِ، وهو للخطرةِ هنا لا للعزمَةِ؛ لقولهِ:

{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ؛ أي: عاصِمُهما من اتِّباع تلك الخطرَةِ، وكان ذلكَ عند انخزالِ ابن أبيٍّ في ثلاث مئةٍ من قومِهِ.

{اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} تقديمُ (على اللّهِ) للتخصيصِ؛ أي: فلا يتوكلِ المؤمنونَ إلا على اللّهِ؛ لينصُرَهم كما نصرهم يوم بدرٍ.

وإنما جمعَ بين الحرفينِ في عطفِ الجملةِ على الجملةِ لتقدُّمِ العلةِ للاختصاصِ؛ فالواوُ للعطفِ، والفاء لإفادةِ التسبُّبِ، فإنَّ كونَهُ تعالى وليَّهُم سببٌ للتوكلِ عليهِ خاصةً، والعدولُ عن الضميرِ إلى الاسمِ الظاهر للتفخيمِ المناسب لمقام الأمرِ بتخصيصِ التوكُّلِ عليه.

* * *

(123) - {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ} : تذكيرٌ ببعضِ ما أفادَهم التوكُّلُ على اللّهِ تعالى، وبدرٌ: ماءٌ بينَ مكةَ والمدينةِ كانَ لرجلٍ يُسمَّى بدرًا فسُمِّي بهِ.

{وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} : حالٌ من الضميرِ، وإنما أورد {أَذِلَّةٌ} على صيغةِ جمعِ قلةٍ ليدلَّ

ص: 375

على أنهم معَ ذلَّتِهم كانوا قليلًا، وذلتُهم: ما كان بهم مِن ضعف الحالِ لقلَّةِ المركوبِ والسلاحِ والمالِ.

{فَاتَّقُوا اللَّهَ} بالثباتِ مع رسولهِ

(1)

.

{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : بتقواكُم ما أنعَمَ به عليكُم من نصرته، أو: لعلَّكُم ينعم اللّهُ عليكم نعمةً أخرى تشكُرونها، فوضَع الشكرَ موضعَ الإنعام كونه سببًا لهُ.

* * *

(124) - {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} .

{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} : ظرفٌ لـ {نَصَرَكُمُ} ، أو بدلٌ ثانٍ من {وَإِذْ غَدَوْتَ} ، على أنَّ قولَهُ: لهم يوم أحدٍ، وكانَ مع اشتراطِ الصبرِ والتقوى عنِ

(2)

المخالفةِ، فلما لم يصبروا عن الغنائمِ وخالفُوا أمرَ الرسولِ عليه السلام لم تنزِل الملائكةُ.

{أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} : إنكارُ أن لا يكفيَهم الإمدادُ ثلاثة آلافٍ من الملائكةِ، وتأكيد النفي بـ (لن) إشعارٌ بأنهم كانوا لقلَّتِهم وضعفِهم، وكثرةِ عدوِّهم وشوكَتِه، كالآيسينَ من النصرِ.

قيلَ: أمدهم اللّهُ تعالى يوم بدرٍ أولًا بألفٍ، ثم صاروا ثلاثةً، ثم صاروا خمسةً.

وقرئ: {مُنزَّلين} بالتشديدِ

(3)

للتكثيرِ أو للتدريجِ، وقرئ:(منزِّلِينَ) بكسر الزاي

(4)

؛ أي: منزلين النصر.

(1)

في (ف): "رسول الله".

(2)

في (ف): "من".

(3)

وهي قراءة ابن عامر: انظر: "التيسير"(ص: 90).

(4)

يعني كسرها بالصيغتين: التخفيف والتشديد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22).

ص: 376

(125) - {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} .

{بَلَى} : إيجابٌ لما بعدَ (لن)؛ أي: بلى يكفيكُم، ثم وعدَ لهم الزيادةَ على الصبرِ والتقوى حثًّا عليهِما، وتقويةً لقلوبهم؛ فقالَ:

{إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ} ؛ أي: المشركون.

{مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} : من ساعتهم

(1)

هذهِ، وهوَ في الأصلِ مصدرُ: فارَتِ القِدْرُ؛ إذا غَلَتْ، فاستُعيرَت للسرعةِ في العرفِ فغُلِّبت

(2)

، ثمَّ سميت بهِ الحالُ التي لا لَبْثَ فيها ولا تعريجَ لصاحبِها على شيءٍ.

والمعنى: إن يأتوكُم في الحالِ {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} : في حالِ إتيانهم بلا تراخٍ وتأخيرٍ.

{مُسَوِّمِينَ} : معلَّمينَ، من التسويمِ الذي هوَ إظهارُ سِيْما الشيءِ؛ لقولهِ عليه السلام لأصحابهِ رضي الله عنهم:"تسوَّموا فإنَّ الملائكةَ قد تسوَّمت"

(3)

، أو: مرسَلين، منَ التسويمِ بمعنى الإسامةِ.

وقرئَ: {مُسَوِّمِينَ} بكسرِ الواوِ

(4)

.

* * *

(1)

في (ف): "وساعتهم".

(2)

في (ح) و (د) و (ف): "فغلبت".

(3)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(32722)، والطبري في "التفسير"(6/ 34) عن عمير بن إسحاق مرسلًا.

(4)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: {مُسَوِّمِينَ} بكسر الواو، وبالفتح قرأ الباقون. انظر:"التيسير"(ص: 90).

ص: 377

(126) - {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .

{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ} : وما جعلَ الوعدَ والإمدادَ، ومَن قال: وما جعلَ الإمدادَ؛ فكأنهُ غفِلَ عن أن البشارةَ قد حصلَ بالوعدِ بالإمدادِ

(1)

.

{إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ} : إلا بشارةً لكُم بالنصرِ، هذا غايةٌ للوعدِ.

وقولُهُ: {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} : ولتسكُن

(2)

إليه من الخوفِ، غايةٌ للإمدادِ

(3)

.

وللتنبيهِ على أنهما غايتانِ لأمرَين مختلفَينِ غيَّرَ الأسلوبَ، وفصَل بينَهُما بحرفِ التعليلِ.

هذا ما بحسبِ البلاغةِ، والذي بحسبِ النحوِ هو أنه لما

(4)

وُجدَتْ شروطُ المفعولِ مِن أحدٍ

(5)

من اتحادِ الزمان والفاعلِ في الأول دونَ الثاني، دخلَ عليه اللامُ، ولم يدخُل على الأولِ.

{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} لا منَ المَددِ والعُددِ، وفيه تنبيهٌ على أنه لا حاجةَ في نصرِهم

(6)

إلى مددِهم

(7)

، إلا أن عادتَهُ تعالى جرَت بأن ينصُرَ بإعدادِ الأسبابِ، وإمدادِ الأصحابِ، ولو بتكثيرِ السوادِ على ما أشارَ إليها بقوله:

(1)

في (م): "والإمداد".

(2)

في النسخ عدا (ك): "ولتسكنن"، والمثبت من (ك).

(3)

في النسخ عدا (د): "الإمداد"، والمثبت من (د).

(4)

في (م): "ولما".

(5)

في (ح) و (د): "أجد".

(6)

في (م): "نصره".

(7)

في (ك) و (م): "عددهم".

ص: 378

{الْعَزِيزِ} : الذي لا يُغالَبُ في أقضِيتهِ.

{الْحَكِيمِ} : الذي يفعلُ على مقتضَى الحكمةِ بإمدادٍ وإعدادٍ، وفي التنبيه المذكور أدمجَ الإشارةَ إلى أن الملائكةَ ما نزلوا للقتالِ، بل لمجردِ تكثير السواد، ولذلك احتيجَ إلى الكثرةِ، وإلا فملَكٌ واحدٌ كافٍ في إهلاك الكلِّ.

* * *

(127) - {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} .

{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} متَعَلِّقٌ بقوله: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ؛ أي: ليُهلِكَ طائفةً منهم، ويذِلَّ بالقتل والأسرِ، وهو ما كان يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعينَ من صناديدِ قريشٍ ورؤسائهم.

{أَوْ يَكْبِتَهُمْ} : يخزِيَهم، وَيغيظَهم بالهزيمةِ.

{فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} : غيرَ ظافرين بمطلوبهم.

* * *

(128) - {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} .

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} : اعتراضٌ.

{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} : عطفٌ على قولِهِ: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} ، والمعنى: إن اللّهَ تعالى مالكُ أمرِهم؛ فإما أن يهلِكَهم، أو يكبِتَهم، أو يتوبَ عليهم إن أسلَموا، أو يعذِّبهم إن أصرُّوا، وليسَ لك مِن أمرهم شيءٌ، وإنما أنتَ عبدٌ مأمور بإنذارِهم وجهادِهم.

ويحتمِلُ أن يكونَ معطوفًا على {الْأَمْرِ} بإضمارِ (أن)؛ أي: ليس لك من أمرهم أو منَ التوبةِ عليهم أو مِن تعذيبِهم شيءٌ، أو على {شَيْءٌ}؛ أي: ليسَ لك من أمرِهم شيءٌ أو التوبةُ عليهِم أو تعذيبُهم.

ص: 379

روي أن عُتبة بن أبي وقَّاصٍ شجَّهُ عليه السلام يومَ أحدٍ، وكسَرَ رَباعيَتهُ، فجعلَ يمسحُ الدمَ عن وجهِهِ، ويقولُ:"كيفَ يُفلِحُ قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهِم بالدمِ؟! " فنزلَتْ

(1)

.

{فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} : قد استحقُّوا التعذيبَ بظُلمهم، تعليلٌ للتعذيبِ.

* * *

(129) - {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} : خَلقًا ومُلكًا فَله الأمرُ كلُّهُ.

{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} : صريحٌ في نفيِ وجوبِ شيءٍ من المغفرةِ والتعذيبِ، والتقييدُ بالتوبةِ وعدَمِها كالمنافي لهُ، وتقديمُ المغفرةِ للإشارةِ إلى سَبق الرحمةِ على الغصبِ.

{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لعبادِه، فلا تبادِرْ إلى الدعاءِ عليهم، قيل: همَّ عليه السلام أن يدعوَ عليهم يومَ أحدٍ، فنهاهُ اللّهُ تعالى لعلمِه بان فيهم مَن يؤمِن، فنزلَت

(2)

.

* * *

(130) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} : لا تزيدوا زياداتٍ مكرَّرةً، والتخصيصُ بحسب الواقع، ولا بدَّ له من نكتةٍ، ولعلها تمشِيةُ ما قُصدَ

(1)

رواه مسلم (1791)، والإمام أحمد في "المسند"(12831)، من حديث أنس رضي الله عنه، وانظر:"أسباب النزول" للواحدي (ص: 112).

(2)

انظر: "الكشاف"(1/ 413).

ص: 380

بتخصيصِ الخطابِ بالمؤمنينَ معَ عدمَ اختصاصِ النهي بهم منَ التنبيهِ على أن المؤمنَ بارتكابِ الكبيرة لا يخرُجُ عن الإيمانِ

(1)

.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} فيما نُهيتُم عنهُ.

{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : راجِينَ الفلاحَ.

* * *

(131) - {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} .

{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} تخصيصٌ بعد التعميمِ؛ فإن اتقاءَ الله تعالى ينتظِمُ اتقاءَ سخطِهِ في الدارين.

ولا يخفَى على الفَطِنِ ما فيه من المبالغةِ في التهديد على الربا؛ حيثُ أتى بـ (لعل) في فلاحِ مَن اتقاهُ واجتنبَهُ؛ لأنَّ تعليق إمكانِ الفلاح ورجائهِ بالاجتناب

(2)

منه يستلزمُ امتناعَ الفلاح لهم إذا لم يجتنِبُوه ويتَّقوهُ مع إيمانهم، ثمَّ أوعدَ عليهم بالنارِ التي أُعدَّت للكافرينَ معَ كونهِم مؤمنينَ.

فما أعظَمها من معصيةٍ تُوجِبُ عقاب الكفارِ للمؤمنينَ، وما أشدَّهُ من تغليط عليه!

ثم أمدَّ التغليظ بالأمرِ بطاعةِ الله تعالى ورسولِهِ عليه السلام تعريضًا بأنَّ آكلَ الربا منهمِكٌ في المعصيةِ لا طاعة لهُ، ثمَّ علَّقَ رجاءَ المؤمنين لرحمَتهِ

(3)

بطاعةِ اللّهِ ورسولِهِ

(1)

في هامش (د) و (ف) و (م): "وذلك لأن الخطاب إذا كان للذين اعتادوا بالربا يدلُّ على ما ذكر دلالة ظاهرة، وأما إذا كان للمؤمنين مطلقًا فيحتمل أن يكون النهي عنه من قبيل نهي الصائم عن الأكل فافهم. منه".

(2)

في (د): "باجتناب".

(3)

في (د): "له حمته".

ص: 381

إشعارًا بأنهُ لا رجاءَ للرحمةِ مع هذا النوعِ من العصيانِ، فانظر كيفَ درَّجَ

(1)

التغليظَ في التهديدِ حتَّى ألحقَهُ بالكفارِ في الجزاءِ والعقابِ.

وأما ما قيلَ: فيهِ تنبيهٌ على أن النارَ بالذاتِ معدَّةٌ للكفارِ، وبالعَرَض للعصاةِ، فمبناهُ على أن يكونَ المرادُ نار جهنمَ مطلقًا، وذلك غيرُ مسلَّمٍ، وقد نبَّهتُ فيما تقدَّمَ على أن المناسبَ للمقام حملُها على نارٍ مخصوصة بالكفارِ

(2)

.

* * *

(132) - {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ} : في نهيهِ على الربا مجمَلًا.

{وَالرَّسُولَ} في بيانِ ذلك المجمَلِ.

{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أَتبع

(3)

الوعيدَ بالوعدِ ترهيبًا عن المخالفةِ، وترغيبًا في الطاعةِ، و (لعلَّ) و (عسى) في أمثالِ ذلك دليلُ عزةِ التوصلِ إلى ما جُعِلَ خبرًا

(4)

له.

* * *

(133) - {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} .

{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} : بادروا وأقبِلُوا.

(1)

في (ك): "أدرج".

(2)

في هامش (ح)(د) و (ف): "سيأتي في سورة الأعراف أن لها طبقات كل طبقة منها معدة لطائفة. منه".

(3)

في (ف): "تبع".

(4)

في (ح) و (ف) و (م): "خيرًا"، وهو تحريف.

ص: 382

{مِنْ رَبِّكُمْ} : إلى ما تُستَحقُّ به المغفرةُ من الإسلامِ والتوبةِ والإخلاصِ، تُركَ الملزومُ وأُقيمَ اللازمُ مقامهُ للتشويقِ والتحريضِ على ما يوجبُهُ، ولتكونَ سرعةُ الإقبالِ عليه بالنشاطِ مع خفتِهِ على النفس.

{وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} : أي: عرضُها كعرض السماواتِ والأرضِ، كما قال في موضعٍ آخرَ:{عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21].

قالَ ابن عباسٍ والحسنُ: إن السماواتِ والأرضَ إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ فعرضُ الجنةِ مثلُها

(1)

، فأما الطولُ فأكبرُ من ذلك؛ لأن طول كل شيءٍ يزيدُ على عرضه.

وقيلَ: العرضُ هو السعةُ، قال الشاعرُ:

كأنَّ بلادَ اللّهِ وهيَ عريضةٌ

على الخائفِ المطلُوبِ كُفَّةُ حابلِ

(2)

أي: واسعةٌ.

{أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} : هيِّئت لهم صفةٌ أخرى للجنة

(3)

، وفيهِ دليل على أن الجنةَ مخلوقةٌ، وأما أنها خارجةٌ عن هذا العالمِ فلا دلالة عليهِ فيهِ؛ إذ يجوزُ أن تكون فوق السماوات دونَ العرشِ، وقد جاءَ في الحديثِ:"سقفُ الجنةِ عرشُ الرحمنِ"

(4)

.

* * *

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(6/ 53) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2)

البيت للبيد كما في ملحق ديوانه (ص: 365)، ونسبه في "الحماسة البصرية"(1/ 29) لعبيد بن أيوب العنبري. وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء (1/ 477).

(3)

"صفة أخرى للجنة" من (م).

(4)

رواه الترمذي (2530) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، والإمام أحمد في "المسند"(8419) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 383

(134) - {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} .

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ} : صفةٌ مادحةٌ للمتقينَ، أو مدحٌ منصوبٌ أو مرفوعٌ.

{فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} ؛ أي: في حالِ الرخاءِ واليسرِ، وحالِ الضيقِ والعسر، لا يهملونَ إنفاقَ ما تيسَّرَ لهم، أو في الأحوال كلِّها؛ إذ الإنسان لا يخلو عن مسرَّةٍ ومَضَرةٍ؛ أي: لا يخلو في حالٍ ما من إنفاقِ ما قدروا عليهِ من القليل والكثيرِ.

وقدَّمَ الإنفاقَ على سائر خصالِ المتقينَ لكونهِ أشقَّ على النفسِ، وأدلَّ على الإخلاصِ والتوكُّلِ، ولأنه كان أعظمَ أعمال البرِّ في ذلك الوقتِ للحاجةِ إليه في مجاهدةِ العدوِّ، ومواساة فقراءِ المسلمينَ.

{وَالْكَاظِمِينَ} : المتجرِّعينَ، يقالُ: كظَم البعيرُ جِرَّتهُ: إذا ردَّها إلى جوفِهِ.

{الْغَيْظَ} : وهو توقُّدُ حرارةِ القلبِ من الغضبِ، يقالُ: تغيَّظتِ الهاجرةُ؛ إذا اشتدَّ حميُها، ويجوزُ أن يكون مِن كظَمتُ القِربةَ: إذا شددتَها على ملئها

(1)

، والأول أبلغُ.

ومَن قالَ

(2)

في تفسيره: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدر عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ عليه السلام:"مَن كظَم غيظًا وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ اللَّه قلبَهُ أمنًا وإيمانًا"

(3)

.

(1)

في (م): "مثلها"، وفي (ح): بياض.

(2)

هو البيضاوي في "تفسيره"(2/ 38).

(3)

رواه أبو داود (4778)، وعبد الرزاق في "تفسيره"(1/ 132)، والطبري في "تفسيره"(6/ 59)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أبو داود (4777)، والترمذي - وحسنه - (2493)، من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه بلفظ: "من كظمَ غيظًا، وهو قادِرٌ على أن يُنفِذَهُ، دعاهُ الله =

ص: 384

{وَالْعَافِينَ} ؛ أي: المتجاوِزينَ.

{عَنِ النَّاسِ} ؛ أي: عن الجاني

(1)

كائنًا مَن كان.

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} : يحتمِلُ الجنسَ فيدخلُ المذكورون تحتَهُ، والعهدَ فتكونُ الإشارةُ إليهم، فيكون تسجيلًا عليهم بالإحسانِ، وبشارةً لهم بكرامةِ محبةِ اللّهِ تعالى إيَّاهُم.

* * *

(135) - {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} : فعلةً بالغةً في القبحِ؛ كالزنا.

{أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} : بأن أذنبوا أيَّ ذنبٍ كانَ.

وقد قيلَ: الفاحشةُ: الكبيرةُ، وظلمُ النفسِ: الصغيرةُ.

وقيلَ: الفاحشةُ ما يتعدَّى، وظلمُ النفسِ ما لا يتعدَّى.

{ذَكَرُوا اللَّهَ} : تذكَّروا حقَّهُ الموجبَ للخشيةِ والحياء منهُ، أو: تذكَّروا عقابَهُ، أو وعيدَهُ، أو نهيَهُ.

{فَاسْتَغْفَرُوا} اللَّه

(2)

{لِذُنُوبِهِمْ} فتابوا عنها نادِمين.

{وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} اعتراضٌ بينَ المعطوفَينِ؛ تصويبًا للتائبينَ المستغفرينَ، وتطييبًا لقلوبهم، وبشارةً لهم بوصفِ ذاتهِ تعالى بسعةِ المغفرةِ

= عز وجل على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ، حتَّى يُخيِّره مِنْ أيِّ الحُورِ شَاءَ".

(1)

"أي: عن الجاني" من (م).

(2)

لفظ الجلالة من (ح) و (ف).

ص: 385

والرحمةِ

(1)

، وتحريضًا لهم على التوبةِ

(2)

، وبعثًا على الرجاءِ، وردعًا عن اليأس.

ومعنى الاستفهامِ: تقريرُ أنه تعالى وحدَه مخصوصٌ بموجباتِ المغفرةِ ومصحِّحاتها؛ من الفضلِ، والكرمِ، والعفوِ، والرحمة الذاتيَّةِ.

{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} : ولم يقيمُوا على أفعالهم السيئةِ غيرَ مستغفرينَ؛ أي: تداركوا بالاستغفارِ كلما عادوا إلى الذنبِ.

عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ في اليومِ سبعينَ مرةً"

(3)

.

{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : حالٌ من فعلِ الإصرارِ، وحرفُ النفي منجرٌّ لهما

(4)

معًا؛ أي: ليسوا مصرِّينَ على الذنوب وهم يعلمونَ كونها منهيًّا عنها؛ لأنهُ قد يعذَرُ من لا يعلَمُ قُبحَها وكونَها معاصي.

* * *

(136) - {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} .

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} : خبرٌ لـ (الذينَ) إن ابتدأتَ بهِ، وجملةٌ مُستأنفةٌ مبيِّنة لِمَا قبلَها إن عطفتَها على {الْمُتَّقِينَ} ، أو على {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ} .

(1)

في (م): "الرحمة والمغفرة".

(2)

في هامش (ح) و (د) و (ت): "وأما الوعد بقبول التوبة فليس بمفهوم منه. منه".

(3)

رواه أبو داود (1514)، والترمذي (3559)، من حديث أبي بكر رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حديثِ أبي نُصَيْرَةَ، وليس إسنادُه بالقويِّ.

(4)

في (ك) و (م): "ليهما".

ص: 386

ومَن أذعنَ للحقِّ وأَنصف

(1)

، وبالتجنُّبِ عن التعسفِ والتعصُّبِ اتَّصف، علِمَ أنْ ليس في هذه الآيات سوى أن الجنةَ أُعدَّت للمتقينَ والتائبينَ، أو للمتقينَ خاصةً والتائبونَ أجرُهم مغفرةٌ وجنةٌ، إما معَ سكوتٍ عن حكم المصرِّينَ، أو دلالةٍ ظنيةٍ

(2)

على أنهم ليسوا كذلكَ، ولا نزاع في أن الجنةَ ليست مُعدَّةً لهم ولا جزاءَهم، لكن مِن أين البيانُ القاطعُ أنهم لا يدخُلون البتة، وأنَّه لا يجوزُ في حقِّهم التفضُّلُ والإحسان

(3)

؟!

على أنَّ الكلام وارِدٌ لترهيبِ أكَلةِ الربا أولًا، وترغيبِهم في الإقلاعِ عنه ثانيًا، فالتقييدُ بعدم الإصرارِ ليلائمَ الغرضَ، فينتَفِي

(4)

شرطُ مفهومِ المخالفةِ وهو أن لا يظهَرَ فائدةٌ أُخرى.

وتنكُير {وَجَنَّاتٌ} على الأولِ يدُلُّ على أن ما لهم أدوَنُ مما

(5)

للمتَّقِينَ الموصوفين بتلكَ الصفاتِ المذكورةِ في الآية المتقدمةِ.

وكفاك فرقًا بينَ القبيلين

(6)

: أنه فصَلَ آيتَهم بأنْ بيَّنَ أنهم محسِنون مستوجِبونَ لمحبة اللّهِ تعالى، وذلك لأنهم حافظوا على حدودِ الشرعِ، وتخطَّوا إلى التخصيصِ بمكارمه، وفصَلَ آيةَ هؤلاءِ بقوله تعالى:

{وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} لأنَّ المتدارِكَ لتقصيرِه كالعامل لتحصيلِ بعض ما فوَّتَ

(1)

في (ح) و (ف): "وانتصف".

(2)

في (م): "لأدلة ظنية".

(3)

في هامش النسخ عدا (ك): "رد لصاحب الكشاف".

(4)

في (ك) و (م): "فينفي".

(5)

في (ف): "دون ما".

(6)

في (ح): "القبيلتين".

ص: 387

على نفسهِ، وكم بينَ المحسِن والمتدارِكِ، والمحبوبِ والأجيرِ، ولعلَّ تبديلَ لفظِ (الجزاء) بـ (الأجرِ) لهذه النكتةِ.

والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ تقديرُهُ: ونعمَ أجرُ العاملِينَ

(1)

ذلكَ، يعني: المغفرةَ والجناتِ.

* * *

(137) - {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .

رجعَ إلى وقعةِ أحدٍ وما نابَهم فيها، فقالَ:

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} : في الأممِ المكذِّبينَ من الوقائعِ، كقوله:{وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 61]{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} [الأحزاب: 38] ويجوزُ أن يكون اعتراضًا للتحريضِ على الإيمانِ والتصديق بما نصحَهم بهِ؛ أي: مضَت على هذا المنهاجِ سننٌ من الأنبياءِ السابقين.

{فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} : عاقبةُ تكذيبهم، حتَّى تعتبروا بما ترون من آثارِ عذابهم فتنزَجِروا عن التكذيب وتصدِّقوا، والفاء لتضمُّن الكلامِ

(2)

معنى الشرطِ؛ أي: إن شكَكْتم فسيروا.

* * *

(138) - {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} .

{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} إشارةٌ إلى قوله: {قَدْ خَلَتْ} ، أو مفهومِ قوله:{فَانْظُرُوا} ، أو

(3)

إيضاحٌ لسوءِ عاقبةِ ما هم عليه من التكذيبِ.

(1)

من قوله: "لأن المتدارك .. " إلى هنا سقط من (ح) و (ف).

(2)

في (م): "لتضمين الكلام".

(3)

في (د): "أي".

ص: 388

{وَهُدًى} : وزيادةُ تثبيت {وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} : للَّذين اتَّقوا من المؤمنينَ.

أو إلى ما لُخِّصَ

(1)

من أمرِ المتقين والتائبينَ والمصرِّين.

* * *

(139) - {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} : تسليةٌ للرسولِ صلى الله عليه وسلم والمؤمنينَ عما أصابهُم يومَ أحدٍ، وتقويةٌ لقلوبهم؛ أي: لا يُوْرثنَّكم ذلك وهنًا وجُبنًا عن الجهاد، وحُزنًا على من قُتِلَ منكم.

{وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} : وحالُكم أنكم أعلى منهم وأغلَبُ؛ لأنكُم أصبتم منهم يوم بدرٍ أكثرَ مما أصابوا منكم يومَ أحدٍ.

أو: أنتم الأعلَون شأنًا؛ لأن قتالكم للّهِ تعالى ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطانِ وإعلاءِ كلمة الكفر، وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار.

أو: وأنتم الأعلون في العاقبةِ، فيكُون بشارةً لهم بالعلوِّ والغلَبةِ في العاقبةِ.

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} : متعلِّقٌ بالنهي؛ أي: ولا تهِنوا إن صحَّ إيمانكم؛ فإنَّ صحةَ الإيمانِ توجِبُ الثقة باللّهِ تعالى، وقوَّةَ القلبِ، وصحَّةَ العزيمةِ والتوكُّلَ عليهِ، حذِفَ جوابه لدلالةِ النهي عليهِ؛ تقديرُهُ: إن كنتم مؤمنين فلا تهِنوا.

أو بـ {الْأَعْلَوْنَ} ؛ أي: أنتم الغالبون إن كنتُم مصدِّقينَ بما يعدكمُ اللّهُ به، ويبشِّركم به.

* * *

(1)

تحرفت في (النسخ) إلى: "يخص"، والمثبت من "الكشاف"(1/ 418)، و"تفسير البيضاوي" (2/ 39). وقوله:(إلى ما لخص .. ) معطوفٌ على ما تقدم من قوله: (إشارة إلى قوله

).

ص: 389

(140) - {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} .

{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} قرئ بالضم والفتح

(1)

، وهما لغتان كالضَّعفِ والضُّعفِ.

وقيلَ: هو بالضم الجِراحُ، وبالفتح ألمُها.

وقيل: بالفتحِ المصدَرُ، وبالضمِّ الاسمُ.

{فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} ؛ أي: إن نالوا منكم يومَ أحدٍ فقد نلتُم منهم يومَ بدرٍ، ثم لم يضعُفوا ولم يجبُنوا، فأنتُم أولى بذلكَ؛ فإنكم ترجُونَ من اللهِ تعالى ما لا يرجونَ.

وقيل: كِلَا المسَّين كان يوم أحدٍ؛ فإن المسلمينَ نالوا منهم قبلَ أن يخالفوا أمرَ الرسول عليه السلام، وقوله:{مِثْلُهُ} لا ينافي المعنى الأولَ؛ لقوله: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} ؛ لأنَّ الإصابةَ تنتظِمُ الأسرَ والمماثلَةَ في مسِّ الجرح

(2)

، وما يترتَّبُ عليهِ منَ القتلِ فقط.

{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ} (تلك) إشارةٌ إلى مبهَمٍ فسِّرَ بالأيامِ؛ وهي الوقائعُ العظام.

{نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} : نُصرِّفُها بينهم، نُدِيلها لهؤلاء تارةً، ولهؤلاء أُخرى، كقوله

(3)

:

فيومًا علينا ويومًا لنا

ويومًا نساء ويومًا نُسَر

(4)

(1)

قرأ بضم القاف أبو بكر وحمزة والكسائي وباقي السبعة بالفتح، انظر:"التيسير"(ص: 90).

(2)

في (م): "القرح".

(3)

البيت للنمر بن ثولب. انظر: "الكتاب"(1/ 86)، و"فتوح الغيب"(4/ 276) و"نواهد الأبكار"(3/ 65).

(4)

في النسخ اضطراب كبير، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي" و"الكشاف".

ص: 390

أي: فواقعة علينا، وواقعة لنا، وقت نُساءُ ووقت نُسرُّ.

والمداولَةُ كالمعاورَةِ يقالُ: داولتُ الشيءَ بينهُم فتداولُوه.

و {الْأَيَّامُ} يحتمِلُ الوصفَ والخبَرَ، و {نُدَاوِلُهَا} يحتمِلُ الخبرَ والحالَ

(1)

.

{وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} : عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: نداولها ليكُون كيتَ وكيتَ وليعلم اللَّه، فالواو عاطفةٌ للإيذانِ بأن العلةَ فيه غيرُ واحدةٍ، وإنما يصيبُ المؤمنَ فيه من المصالحِ ما لا يعلَمُه.

وفيه تسليةٌ لهم عما جرى عليهم، وتبصير

(2)

بأن العبدَ ربما يسوءه شيءٌ، ويجري عليهِ من المكارِه، ولا يدري أَنَّهُ خيرٌ له، أو الفعلُ المعلَّلُ بهِ محذوفٌ تقديرُه: وليتميَّز

(3)

الثابتونَ على الإيمان منَ الذينَ على حرفٍ فعلنا ذلكَ، والقصدُ في أمثاله ونقائضه ليسَ إلى إثباتِ علمه تعالى ونفيِه، بل إلى إثباتِ المعلومِ ونفيِه بطريق البُرهان.

{وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} : وليكرِمَ قومًا منكم بالشهادةِ؛ يريدُ شهداءَ أحدٍ، أو: يتَّخِذَ منكم شهودًا معدَّلينَ بما صودِفَ منهم من الثباتِ والصبرِ على الشدائدِ.

{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} : الذين يضمِرون خلافَ ما يظهرون. اعتراضٌ بين التعليلاتِ للتسجيل على مَن هو ليسَ من هؤلاءِ الثابتين على الإيمان المجاهدينَ

(4)

(1)

"ونداولها يحتمل الخبر والحال" سقط من (ف).

(2)

في (ح) و (د) و (م): "وتبصر". و في (ف): "وتبشير".

(3)

في (ف): "ولتمييز".

(4)

في (م): "والمجاهدين".

ص: 391

في سبيلِ اللّهِ الممحَّصين

(1)

من الذنوبِ بالظلم

(2)

، والتنبيهِ على أنَّ ظُلمَهم أوجبَ أن يبغضَهم اللّهُ تعالى، والتعريضِ بأنه يحبُّهم لأجل تلك الصفاتِ

(3)

.

* * *

(141) - {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} .

{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} : المحْصُ لغةً: التطهيرُ والتصفيةُ والتخليصُ، وصيغَةُ التفعيلِ للمبالغة؛ أي: وليطهِّرهم من الذنوبِ إن كانت الدَّولَةُ عليهم.

{وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} : ويهلِكَهم إن كانَت عليهم.

والمحْقُ: إفناءُ الشيء حالًا بعد حالٍ كمَحقِ الهلالِ.

* * *

(142) - {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} .

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} : بل أحسِبتم، ومعناه الإنكارُ.

{وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ}

(4)

: الواوُ للحال بتقديرِ المبتدأ، و (لما) كلمةٌ في نفي الماضي، إلا أنَّ فيه معنى التوقُّعِ في المستقبلِ، فدلَّ على نفي الجهادِ في

(1)

في (د): "المخصصين".

(2)

"بالظلم" متَعَلِّقٌ بقوله: "للتسجيل". وجاء في هامش (د) و (ف): "وأما التنبيه الذي ذكره القاضي فوجهه غير ظاهر. منه".

(3)

في هامش (د) و (ف): "وفيه تنبيه على أن عدم المحبة عبارة عن البغض وقد سبق بيان ذلك. منه".

(4)

في هامش (ح) و (ف): "الآية خطاب للذين انهزموا يوم أحد فقيل لهم: أحسبتم أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وبذلوا مهجهم وتثبتوا على ألم الجراح والضرر من غير أن تسلكوا طريقتهم وتصبروا صبرهم. منه".

ص: 392

الماضي مع توقُّعهِ في المستقبلِ؛ لأنَّ معنى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} : ولما يجاهدوا؛ لأنَّ وقوعَ الشيء يستلزِمُ كونه معلومًا للّه تعالى، ونفيُ اللازم يستلزمُ نفيَ الملزومِ، فنزِّلَ نفيُ العلم منزلةَ نفي الجهادِ للتأكيد والمبالغةِ؛ لأن انتفاءَ اللازمِ برهانٌ على انتفاءِ الملزومِ، وفيهِ إشعارٌ بأن علمَه تعالى بالأشياءِ على ما هيَ عليهِ ضروريٌّ.

وقرئ: (ولمَّا يعلمَ اللَّه) بفتح الميم على إرادة التأكيد بالنون الخفيفة

(1)

؛ أي: ولمَّا يعلمنْ، فحذفت

(2)

.

{وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} : نصبٌ بإضمارِ (أنْ)، على أنَّ (الواو) بمعنى الجمعِ؛ كقولك: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ أي: لما

(3)

تجمعوا بين الجهادِ والصبر، يريد وجوبَ الجمع بينهُما.

وقرئ بالجزمِ على العطفِ، وقرئ:(يعلَمُ) بالرفع

(4)

على أن الواوَ للحالِ؛ كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.

* * *

(143) - {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} .

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} ؛ أي: لقاءَ العدوِّ فإنهُ من أسبابِ الموتِ، أو: الموتَ بالشهادة.

(1)

تنسب لابن وثاب والنخعي. انظر: "المحرر الوجيز"(1/ 515)، و"البحر المحيط"(6/ 168).

(2)

في (ف): "لحذفت".

(3)

في النسخ عدا (د): "لا"، والمثبت من (د).

(4)

انظر القراءتين في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22)، و"إعراب القرآن" للنحاس (1/ 409)، و"تفسير القرطبي"(5/ 339).

ص: 393

والخطابُ للذين لم يشهدوا بدرًا، وتمنَّوا أن يشهدوا معَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مشهدًا ليكونَ لهم يومٌ كيومِ بدرٍ، أو تمنَّوا الشهادة فيهِ لينالوا ما نال شهداءُ بدرٍ من الكرامةِ فألحُّوا يومَ أحد على الخروجِ

(1)

.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} ؛ أي: العدوَّ؛ فإنه ملحوظٌ وإن لم يكُن ملفوظًا

(2)

.

{فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} حين قُتلَ دونَكم مَن قُتلَ من إخوانكم.

{وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} : معايِنين له مشاهِدينَ؛ أي: لا على غفلةٍ واشتغالِ أمرٍ سواهُ؛ ففيه تأكيدٌ، وهو توبيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ، وإلحاحِهم على رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم في الخروجِ، ثم قلةِ مصابرتهم عليهِ، وعدم ثباتهم له، وانهزامِهم عنه عندَ

(3)

مشاهدَتهِ، أو على تمنِّيهم الشهادةَ ثم تولِّيهم مُدبرين.

ومَن وهَم أن في تمنِّي الشهادةِ تمتِّي غلبةِ الكفار فقد وهِمَ؛ فإنهُ يقصِدُ إلى نيلِ كرامة الشهادةِ، ولا يخطُرُ بباله غلبةُ الكفارِ.

* * *

(144) - {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} .

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} : قصرُ الموصوف على الصفةِ يستلزمُ نفيَ سائر الصفاتِ التي فوقَ الرسالة عنه

(4)

؛ أي: ليسَ بمُخلَّدٍ ولا إلهٍ حتَّى لا يمكنَ موتُه وقتلُه. ومعنى:

(1)

في هامش (د) و (ف): "هنا قصور في كلام القاضي. منه".

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "ملحوظًا".

(3)

"عند" ليس في (ف).

(4)

في هامش (د) و (ف): "فلا يستلزمها الرسالة وأما التي يجامعها بل يلازمها فلا مساغ لنفيها. منه".

ص: 394

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} : أنه

(1)

لا ينافي الرسالةَ المضيُّ لسبيلهِ، فسيمضي كما مضَتِ الرسلُ من قبله، وما كانَ مضيُّهم سببًا لانقلابِ أتباعِهم عما كانوا عليه، فسبيلُكم أن تتمسَّكُوا بدينِه وطريقتِه في الجهادِ وغيرِه كما تمسَّكَ أتباع الرسلِ بعدَهم بما كانوا عليهِ، فإنَّ المقصودَ من الرسالةِ التبليغُ لا البقاءُ بين الأمةِ، وقد بلَّغَ.

ثم عنَّفهم ووبَّخهم على ما كانَ منهم بقوله: {أَفَإِنْ مَاتَ} أتى بكلمة: (إنْ) وقد علِمَ أنه يكونُ تنزيلًا للسامع منزلةَ المتردِّدِ لاستعظامِه، وذكرَ القتل بقولِه:

{أَوْ قُتِلَ} لكونِه مجوَّزًا عند المخاطبين، وقولُه:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]- على تقديرِ نزوله قبلَ يوم أحدٍ - لا يأباهُ؛ إذ ليسَ كل آيةٍ يسمَعُها كل أحدٍ، ولا كلُّ سامع يستحضِرها في كلِّ مقامٍ؛ سيما مثل

(2)

ذلك المقامِ الهائلِ.

{انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} فحوى الكلامِ تفريعُ الإنكار على ما تقدم؛ أي: قد علمتُم مضيَّ الرسلِ، وتمسُّكَ أممهم بعدَهم بأديانهم، فكيفَ صحَّ انقلابُكم على أعقابكُم بمضيِّهِ بالموتِ أو القتلِ

(3)

، إلا أنه قدَّمَ ما حقُّهُ التأخيرُ لاقتضاءِ أداة الاستفهامِ الصدارةَ في الكلامِ، لا إنكارُ التفريع على ما تقدَّمَ؛ لأن ذلك التفريعَ بمعزلٍ عن مذهبِ الأوهام، فردُّه لا يناسب المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

{وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} قد سبقَ بيانه في سورة البقرة.

{فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} بارتدادِه بل يضُرُّ نفسَه.

(1)

"أنه" من (د).

(2)

"مثل": ليست في (ك) و (م).

(3)

في (ف) و (ك): "والقتل" والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي".

ص: 395

{وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} على نعمةِ الإسلام بالثباتِ عليهِ؛ كأنسٍ وأضرابِه رضي الله عنهم.

* * *

(145) - {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} .

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ} ؛ أي: وما صحَّ لها.

{أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} لملَكِ الموت في قبض روحِه.

لما كان السابقُ إلى الوهمِ والمتبادرُ إلى الفهمِ من إسنادِ الموتِ إلى الميتِ في قوله: {أَفَإِنْ مَاتَ} هو أن يكونَ الموتَ الواقعَ بلا سببٍ ظاهريّ من المرض والقتل بمقتضَى طبيعة الميتِ، دفعَهُ ببيان أن الموت مطلقًا لا يكونُ إلا بقبض الروحِ؛ وهو بإذن اللّهِ تعالى

(1)

.

وليسَ فيه تحريضٌ وتشجيعٌ على القتال بناءً على أن الأجل المقدَّرَ لا يتأخَّرُ بالحذر، كيف وهو خلاف

(2)

المأمورِ بهِ في قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وأما الوعدُ للرسولِ عليه السلام بالحفظِ وتأخيرِ الأجَلِ فلا يُفهَمُ منه أصلًا.

{كِتَابًا} : مصدرٌ مؤكّدٌ؛ إذ المعنى: كتبَ الموتَ كتابًا.

{مُؤَجَّلًا} : صفةٌ لهُ؛ أي: مؤقَّتًا له أجلٌ معيَّن.

{وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} : تعريضٌ بالذينَ شغلَتهم الغنائمُ يومَ أحدٍ.

(1)

في هامش (د) و (ف): "فالكلام حقيقة لا على طريق التمثيل كما توهم. منه".

(2)

"خلاف" من (م).

ص: 396

{وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} ؛ أي: من ثوابها.

{وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} : الذين شكروا نعمةَ اللهِ فلم يَشغلهم شيءٌ عن الجهاد.

وحذِفَ المفعولُ الثاني في الموضعين لإبهامِ الجزاء تعظيمًا؛ أي: جزاءً لا يوصَفُ كنهه.

* * *

(146) - {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} .

{وَكَأَيِّنْ} أصله: (أيٌّ) دخلَت الكافُ عليها وصارَت بمعنى (كم)، والنونُ تنوينٌ أثبِتَ في الخط على غيرِ قياسٍ، وقرئ:{وكائن} ككاعن

(1)

، ووجهُه: أنهُ قلِبَ قَلبُ الكلمةِ الواحدةِ فصارَ (كيَّئن)

(2)

ثم حذِفَ الياءُ الثانيةُ للتخفيفِ، ثمَّ أُبدلَتِ الياءُ الأُخرى ألفًا كما أُبدِلَت ياءُ (طائي)

(3)

.

{مِنْ نَبِيٍّ} {مِنْ} بيانُ له.

{قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الربِّيونَ: الربَّانيونَ، وقرِئَ بالحركاتِ الثلاثِ

(4)

، فالفتحُ على القياسِ، والكسرُ والضمُّ مِن تغييراتِ النَّسبِ.

(1)

هي قراءة ابن كثير. انظر: "التيسير"(ص: 90).

(2)

بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ثم نون. انظر: "روح المعاني"(5/ 42).

(3)

وأصله: (طيّئيّ) بياءين مشددتين بينهما همزة، فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى ألفًا. المصدر السابق.

(4)

(الرِّبيون) بكسر الراء قراءة الجمهور. والباقي في الشواذ، وقد نسب لعلي رضي الله عنه القراءة بضمها، ولابن عباس بفتحها. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22)، و"المحتسب"(1/ 173)، و"تفسير القرطبي"(5/ 352).

ص: 397

وقرئ: {قُتِلَ}

(1)

والفاعلُ {رِبِّيُّونَ} ، أو ضَميرُ النبيِّ و {مَعَهُ رِبِّيُّونَ} حالٌ عنه؛ أي: قُتل

(2)

كائنًا معه ربيونَ، ويؤيد الأولَ أنهُ قرئ بالتشديدِ

(3)

.

{فَمَا وَهَنُوا} : فما فتروا، ولم ينكسِر جِدُّهم

(4)

.

{لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : من الشدةِ وغلبة العدوِّ، وقتلِ الإخوانِ، أو قتلِ النبيِّ.

{وَمَا ضَعُفُوا} : عن الجهادِ بعدَه

(5)

لقوة

(6)

اليقينِ، والثباتِ في الدينِ.

{وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا} : وما خضعوا للعدوِّ.

قيل

(7)

: استكانَ: افتعَلَ من سكَنَ، والألفُ للإشباع؛ لأن معناهُ: خضَعَ وتذلَّلَ، والخاضعُ يسكن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه.

وقيلَ: استفعَلَ من (كان) التامةِ؛ كأنَّ الخاضع يطلبُ من نفسِه أن يكون ويثبُتَ على ما يريدُ به صاحبُه.

والأول أقوى من حيثُ المعنى، ولكن لا يُساعِدُه وجوه الاشتقاق والتصريف، والثاني أصحُّ لفظًا وأضعَفُ من حيثما المعنى.

وهذا تعريضٌ بما أصابهم عندَ الإرجاف بقتله عليه السلام من الوهنِ والضعفِ

(1)

قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 90).

(2)

في النسخ: "قاتل"، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(1/ 424).

(3)

انظر: "الكشاف"(1/ 424)، ونسبت لقتادة كما في "المحتسب"(1/ 173).

(4)

في (د): "ولم ينكسروا هم".

(5)

في (ف): "بعد".

(6)

في النسخ: "لفوت "، والصواب المثبت.

(7)

في (ك) و (م): "وقيل".

ص: 398

عن الجهادِ، والاستكانةِ للمُشركين، حتى هموا أن يعتضدوا بالمنافق عبدِ اللّه بن أبيٍّ في طلب الأمان من أبي سفيانَ

(1)

.

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} فينصُرهم وُيعظِمُ قدرَهم.

* * *

(147) - {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} .

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} : قراءةُ العامةِ {قَوْلَهُمْ} بالنصب. وإنما جعلوه خبرًا لأن {أَنْ قَالُوا} أعرَفُ لدلالتهِ على جهةِ النسبةِ وزمانِ الحدثِ.

{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ، وذكرَهُ بعد ذكر الذنوبِ للمبالغة في الاعترافِ بالذنبِ، وسوء الظنِّ بأنفسهم.

{وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} على حاجة الجهادِ.

{وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : وهو مدحٌ لهم أنهُم مع حسنِ العمل استغفَروا من الذنوبِ

(2)

والخللِ؛ أي: وما كانَ قولَهم إلا هذا القولُ؛ أي: الاستغفارُ عن الذنوبِ والإسرافِ، وإضافتُهما

(3)

إلى أنفُسِهم، وطلبُ تثبيتِ الأقدام في مواطنِ الحربِ والنصرةِ على العدوِّ، معتقدينَ أن الخُذلانَ وتزلزلَ القدمِ إنما يكونُ لذنوبهم، مقدِّمينَ عليهِ الاستغفارَ منهما هضمًا لأنفسهم واستقصارًا، مع كونهم ربيِّينَ، ليكونَ الدعاءُ مع الخضوعِ وزكاءِ النفس فيُقرَنَ بالإجابةِ، كما جاءَ بعده:

(1)

ذكره الزمخشري بلا إسناد. انظر: "الكشاف"(1/ 424)، و"البحر المحيط"(6/ 188).

(2)

في (د): " الزلل".

(3)

في (ك) و (م): "وإضافتها".

ص: 399

(148) - {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .

{فَآتَاهُمُ اللَّهُ} بسببِ الاستغفارِ واللَّجاءِ إلى اللّهِ تعالى.

{ثَوَابَ الدُّنْيَا} : من النصرةِ، والغنيمةِ، والعزِّ، وطِيبِ الذكر.

{وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} : من الجنةِ وما فيها من النعيمِ، وخصَّ ثوابَها بالحُسن إشعارًا بفضلِه، وأنهُ المعتدُّ بهِ عندَه تعالى.

{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ؛ أي: هم محسنون واللّهُ يحبُّهم، ويحسِن

(1)

ثوابَهم.

* * *

(149) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} : نزلَت في قول المنافقِين عند الإرجافِ: ارجعوا إلى دينِكم وإخوانِكم، ولو كان محمدٌ نبيًّا لَمَا قتِلَ.

وقيل: إن تستكِينوا لأبي سفيان وأشياعِه وتستأمنُوهم يردُّوكم إلى دينِهم.

وقيلَ: عامٌّ في مطاوعةِ الكفرةِ والنزولِ على حُكمِهم، فإنه يستجِرُّ

(2)

إلى موافقَتِهم.

* * *

(150) - {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} .

(1)

في (د): "وقد يحسن".

(2)

في (م): "يستجري". وفي (ف): (يستجبر) والمثبت موافق لما في "الكشاف"(1/ 425)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 42) وعنه نقل المؤلف.

ص: 400

{بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ} : ناصرُكم دون غيرِه، فلا تميلون

(1)

إلى ولايةِ غيره ونُصرَته.

وقرئ بالنصبِ

(2)

على تقديرِ: بل أطيعوا اللّهَ مولاكُم.

{وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} فهو أحقُّ أن يُستعان بهِ.

* * *

(151) - {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} .

{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} هو بيانُ قوله: {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} .

والرعبُ: الخوفُ الذي يملأُ القلبَ، يقولُ: وإن نالكم للحالِ بعضُ الشدةِ بعصيانكم سنُلقي في قلوبهم الرعبَ، فتكونُ العاقبةُ لكم بإيمانكم.

وقد

(3)

حقَّقَ هذا الوعدَ فألقى في قلوبِ أبي سفيانَ وأصحابهِ الرعبَ، فلم يجيئوا في بدرٍ الصغرى بعد أن وعَدوا ذلك.

وقيلَ: يريدُ به ما قذفَ في قلوبهم من الخوفِ يومَ أُحدٍ حتى تركوا القتالَ وانهزموا إلى مكةَ من غيرِ سببٍ ولهم القوةُ والغلبةُ. ولا يساعدُ الخوفَ عبارةُ: {سَنُلْقِي} .

{بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ} : بسببِ إشراكِهم به

(4)

.

(1)

في (ك): "تميلوا".

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 22).

(3)

في (د): "وهو".

(4)

في (ح) و (د) زيادة: "عبارة عن آلهتهم".

ص: 401

{مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ} : بإشراكِهم {سُلْطَانًا} : حجةً نيِّرةً، على معنى نفيِ الحجةِ والإنزالِ جميعًا كقولِه:

ولا ترى الضَّبَّ بها ينجَحر

(1)

وذكرَ الإنزالَ لأن من شأنِ الحجةِ الإلهية أن تنزِلَ من السماءِ، ففيه تهكُّمٌ بآلهتِهم.

وأصلُ السَّلطنةِ: القوةُ، ومنهُ: السَّليطُ

(2)

؛ لقوة اشتعالهِ، والسلاطةُ: لحدَّةِ اللسانِ.

{وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} ؛ أي: مرجِعُهم جهنمُ في الآخرةِ.

{وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} ؛ أي

(3)

: مثواهُم، فوضعَ الظاهرَ موضعَ الضميرِ

(4)

للتغليظِ والتعليلِ.

* * *

(152) - {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} .

(1)

عجز بيت تمَدم عند تفسير قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ، ومعناه: لا ضب ولا انجحار، وصدره:

لا تفزعُ الأرنبَ أهوالها

(2)

السليط: ما يضاء به السراج من دهن السمسم. انظر: "البحر"(6/ 165).

(3)

(أي) ليس في (د).

(4)

في (ك) و (م): "المضمر".

ص: 402

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} ؛ أي: وعده

(1)

إياهم بالنصرِ بشرطِ الصبر والتقوى كما مرَّ في قوله: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} إلخ، وكانَ كذلك حتى خالفَ الرماةُ.

{إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} : تقتُلونهم؛ مِن أحَسَّهُ: إذا أبطلَ حِسَّهُ.

{بِإِذْنِهِ} : بتيسيره.

{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} : الخطابُ للكلِّ والمرادُ بعضُهم

(2)

، على طريقة العربِ في نسبة ما يقَعُ من البعضِ إلى الجميعِ على سبيل التجوُّزِ.

والفشلُ: الجبنُ والضعفُ، و (حتى) حرفُ جرٍّ بمعنى:(إلى) داخلٌ على اسمٍ هو (إذا)، وقد عرفتَ أن معنى صدقِ الوعدِ النصرُ والإظفارُ، فلا يرِدُ أنه لا يصلُحُ غايةً؛ لأن وعدَهُ تعالى لا ينقلِبُ كذبًا.

وإنما قدم ذكره وهو مؤخَّرٌ وجودًا عنِ التنازع

(3)

والعصيانِ للدلالةِ على أن الموعودَ لم ينتَهِ بتنازُعِهم وعصيانهم ما لم يجبُنوا، فالغايةُ في الحقيقةِ جُبنهم، وهذا يرجِّحُ الوجهَ المذكور على ما قيلَ: إن (إذا) لم يجرَّد عن معنى الشرطِ، وجوابُه محذوفٌ دلَّ عليهِ:{ثُمَّ صَرَفَكُمْ} أي؛ منعَكُم نصرَهُ.

{وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} يعني اختلافَ الرماةِ حين انهزمَ المشركونَ في أول الوهلةِ؛ فقالَ بعضُهم: فما موقفنا هاهُنا؟ الغنيمةَ الغنيمة، وقالَ آخرون: لا تخالِفُوا

(1)

في (ف): "وعد".

(2)

في (ف): "البعض".

(3)

في (م): "النزاع".

ص: 403

أمرَ الرسولِ، فثبَتَ مكانَهُ أميرهم في نفرٍ دونَ العشرةِ، ونفرَ الباقونَ للنهبِ

(1)

، وهو المعنيُّ بقوله:

{وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} من الغنيمةِ، وفيه تنبيهٌ على باعثِ عصيانهم وتشنيعٌ لهم حيث آثروا الغنيمةَ على الجهادِ، ومن زادَ على ما ذُكرَ الظفرَ وانهزاَم العدوِّ فقد فوَّتَ النكتةَ.

{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} : وهم التاركون المركزَ للغنيمةِ.

{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} : وهم الثابتونَ محافظةً على أمرِ الرسولِ عليه السلام.

{ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} : ثم كفَّكُم عنهم حتى حالتِ الحالُ.

{لِيَبْتَلِيَكُمْ} : على المصائبِ، ويمتَحِن ثباتَكُم على الإيمانِ عندها.

{وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} تفضُّلًا ما فرَطَ منكُم من عصيان أمرِ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لِمَا عَلِمَ من ندمكم عليه.

{وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} في جميعِ الأحوالِ؛ فتارةً يتفضَّلُ عليهم بالنصرِ والإدالةِ على عدوِّهم لتقويةِ أمر

(2)

الدِّينِ، وتارةً يتفضَّلُ بالابتلاءِ وإدالة العدوِّ

(3)

عليهم لظهورِ الصفات الكماليةِ الكامنة فيهم، ونيلِ درجاتِ الشهادةِ، وتارة يتفضَّلُ بالعفوِ وتمحيصِهم من الذنوبِ، وكلُّها رحمةٌ منهُ عليهم وفضلٌ بحسبِ اقتضاءِ أحوالهم ذلك.

(1)

الحديث بطوله في "صحيح البخاري"(4043) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

(2)

"أمر" من (م).

(3)

في (ك) و (م): "والإدالة للعدو".

ص: 404

(153) - {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .

{إِذْ تُصْعِدُونَ} متعلِّق بـ {صَرَفَكُمْ} ، أو {لِيَبْتَلِيَكُمْ} ، أو بمقدَّرٍ كما ذكِرَ.

والإصعادُ: الإبعادُ في الضرب في الأرض، وقال صاحب "الديوان": الإصعادُ في الأرضِ والتصعيدُ في الجبلِ، والصعودُ في السُّلَّمِ.

وقرئ: (تَصعَدُونَ) بفتحِ التاء من الصُّعودِ

(1)

، وقرئ:(إذ تُصعِدُون في الوادي)

(2)

، ويحتمِلُ أنهم ذهبوا في الوادي، ثمَّ صعِدَ بعضُهم إلى الجبلِ ملتجئًا به.

{وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} : ولا تلتفتون على أحدٍ من الآحادِ؛ مِن قولك: لوى جيدَهُ إليهِ؛ إذا التفتَ إليهِ، وهو إخبار عن غايةِ خوفِهم من العدوِّ.

{وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} : و كان يقولُ: "إليَّ عبادَ اللّه إليَّ عباد اللّه

(3)

أنا رسولُ اللّهِ، مَن يَكرُّ فلهُ الجنةُ"

(4)

.

(1)

قرأ بها أبو رجاء العطاردي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة. انظر:"الكشاف"(1/ 471)، و"المحرر الوجيز"(1/ 526)، و"تفسير القرطبي"(5/ 365).

(2)

تنسب لأبي رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص:23)، و"الكشاف"(1/ 427). ومثل هذه القراءات محمولة على التفسير.

(3)

"إلي عباد اللّه" الثانية من (د)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(1/ 427)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 42).

(4)

أورده بهذا اللفظ الزمخشري في "الكشاف"(1/ 427)، والبيضاوي في "التفسير"(2/ 42)، ورواه الطبري في "التفسير" (6/ 146 - 148) عن ابن عباس وقتادة والربيع: دون قوله: "أنا =

ص: 405

{فِي أُخْرَاكُمْ} : في ساقتِكُم وجماعتِكُم الأُخرى.

{فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} : عطفٌ على {صَرَفَكُمْ} ؛ أي: فجازاكم اللّه على فشلِكُم وعصيانكُم غفًا متصلًا بغمٍّ؛ من الاغتمامِ بالقتلِ والجَرحِ، وغلَبةِ المشركينَ، والإرجاف بقتلِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم. أو: فجازاكم غمًّا بسبب غمٍّ أذقتموه رسول اللّه بعصيانكم

(1)

.

والثواب: الجزاء كيف ما كانَ، والإثابةُ: إعطاؤه، قال

(2)

عليه السلام: "الواهبُ أحقُّ بعطائه ما لم يُثب منها"

(3)

.

إلا أن الثوابَ إذا أُطلِقَ يُراد به الجزاءُ في الخير

(4)

، وعلى هذا يكونُ:{فَأَثَابَكُمْ} كقولِهِ: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]

(5)

.

= رسولُ اللهِ، مَن يَكر فلهُ الجنةُ".

(1)

"أو فجازاكم غمًا بسبب غم أذقتموه رسول اللّه بعصيانكم" من (ك) و (م).

(2)

في (م): "وقال".

(3)

في (م): "ما لم يثب عنه". والحديث رواه بنحوه ابن ماجه (2387)، والدارقطني في "سننه"(2971)، والبيهقي في "الكبرى"(6/ 181)، من طريق إسماعيل بن مجمع، عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، ولفظ ابن ماجه:"الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا". وهو ضعيف مرفوعًا، إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف، وعمرو بن دينار لم يسمع من أبي هريرة كما قال البيهقي، والصحيح أنه من قول عمر كما قال البخاري في "التاريخ الكبير"(1/ 271)، ورواه عنه البيهقي عقب المرفوع.

(4)

"في الخير"من (م).

(5)

من قوله: "والجزاء الثواب .. " إلى قوله: "فبشرهم بعذاب أليم" سقط من (ك). وجاء في (ح) و (ف) بعد قوله: "فبشرهم بعذاب أليم": "أو فجازاكم غمًّا بسببِ غمِّ أذقتموهم رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعصيانكُم له".

ص: 406

{لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} : لتتمرَّنوا على تجزُعِ الغمومِ، وتعتادوا بالصبرِ واحتمالِ الشدائد، فلا تحزَنوا فيما بعدُ على ما فاتَكم من الفوائدِ، ولا ما أصابَكم من المكارِه.

وقيل: الضمير في للرسولِ؛ أي: فآساكم

(1)

في الاغتمامِ، فاغتمَّ بما نزَلَ عليكم كما اغتممتُم بما نزَلَ عليهِ، ولم يثرِّبكُم على عصيانكم تسليةً لكم {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من النصرِ {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} من الهزيمةِ.

{وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} : عليمٌ بأعمالكم، وبما قصدتم بها، وهذا ترغيبٌ في الطاعةِ وترهيبٌ عن

(2)

المعصيةِ.

* * *

(154) - {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً} : نصبٌ على المفعولِ

(3)

و {نَعُاسًا} بدلٌ

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "فأثابكم".

(2)

في (ف) و (ك): "من".

(3)

في (ف): "المفعولية".

ص: 407

منها، أو هو المفعولُ و {أَمَنَةً} حالٌ منهُ، أو مفعول له، أو حال من المخاطبين بمعنى: ذوي أمنةٍ، أو على أنهُ جمعُ آمِنٍ؛ كبَارٍّ وبررَةٍ.

وقرِئ: (أَمْنَةً) بسكون الميم

(1)

كأنها المرَّةُ من الأمنِ؛ أي: أنزَلَ اللّهُ عليكم الأمنَ، وأزال الغمَّ والخوفَ حتى نعستم.

{يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} ؛ أي: النعاسُ. عَن أبي طلحةَ: غشِيَنا النعاسُ ونحن في مصافِّنا، فكان السيفُ يسقُطُ من يد أحدِنا فيأخذُه، ثمَّ يسقُطُ فيأخذُه

(2)

.

وقرئ: {تغشى}

(3)

بالتاء ردًا على الأمَنةِ.

والطائفةُ: المؤمنونَ حقًّا {وَطَائِفَةٌ} منهم وهُم المنافقون {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} : أوقعَتهم

(4)

أنفسُهم في الهمِّ والحزن لعدمِ اليقينِ، أو ما يُهِمُّهم إلا همُّ أنفسِهم وطلبُ خلاصها، لا همُّ الدِّينِ، ولا همُّ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم. والحصرُ مستفادٌ منَ المقامِ.

{يَظُنُّونَ بِاللَّهِ} صفةٌ أُخرى لـ (طائفةٌ)، أو حالٌ، أو استئنافٌ على وجهِ البيانِ لِمَا قبلَهُ.

و

(5)

{غَيْرَ الْحَقِّ} نصبٌ على المصدَرِ؛ أي: يظنون باللّهِ غيرَ الحق الذي يجوزُ أن يُظَنَّ به.

(1)

قراءة ابن محيصن، انظر:"المحتسب"(1/ 174)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: 23).

(2)

رواه البخاري عن أنس عن أبي طلحة (4562).

(3)

هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة، والباقون بالياء. انظر:"التيسير"(ص: 91).

(4)

في (د): (أوقصتهم).

(5)

"و": ليست في (م) و (ك).

ص: 408

و {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} : بدلُه

(1)

، وهو الظنُّ المختصُّ بالملةِ الجاهلية وأهلِها، وفي الإبدالِ مبالغة في كشفِ خطأ الظنِّ، وإشعارٌ بأن ظنَّ الجاهليةِ علَمٌ في البطلانِ.

{يَقُولُونَ} ؛ أي: لرسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم، وهو بدلٌ من {يَظُنُّونَ} .

{هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} : هل لنا مما أمرَ اللّهُ تعالى ووعَدَ من النصرِ والظفَرِ نصيبٌ قط؟

{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}

(2)

اعتراضٌ؛ أي: الغلبةُ الحقيقةُ لأولياءِ اللّه تعالى، فإن حزبَ اللّهِ هم الغالبونَ، فلا معنى لنفيِ (الأمر) بمعنى النصرِ والإظهارِ

(3)

عنهُم.

وقرئ: {كُلُّهُ} بالرفعِ على الابتداءِ

(4)

.

{يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} حالٌ مِن ضميرِ {يَقُولُونَ} ، أو هو بدلٌ من {يُخْفُونَ} ، أو استئنافٌ على وجه البيانِ له وهو أجودُ؛ أي: يظهِرون: {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} سؤالَ المؤمنينَ المسترشِدينَ، ويقولُون في أنفُسِهم، أو بعضُهم لبعضٍ مبطِنين

(5)

.

{لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} منكرينَ لقولك: {إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} نفاقًا؛ أي: لو كان الأمرُ كما قال محمد: إن الأمرَ كلَّهُ للّهِ ولأوليائهِ، وإنهم هم

(1)

في (د): "بدل".

(2)

في هامش (ح) و (د): "وكون الأمر للّه تعالى كناية عن كونه لخواصه لكونهم بمكان من اللّه تعالى".

(3)

في (ك): (والإظفار).

(4)

وهي قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 91).

(5)

من قوله: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} إلى هنا، فيه تخليط في الإعراب بين قوله تعالى:{يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} وقوله: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} . انظر لتوضيح ذلك "الكشاف"(1/ 428)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 44).

ص: 409

الغالبونَ، ما غُلِبنا قط، وما قُتلَ من قُتلَ من المسلمين في هذِهِ المعركةِ.

{قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} : قضائهم

(1)

؛ أي: لخرج

(2)

الذين قدَّرَ اللّه عليهم القتلَ وكتبَ في اللوح المحفوظِ إلى مصارِعهم، ولم ينفَع الإقامةُ بالمدينةِ، ولم ينجُ منه أحدٌ منهم، لا

(3)

لأن العلمَ الأزليَّ ملجئهم إليهِ ويلزمُهم ذلكَ؛ لأن العلمَ تابعٌ للمعلومِ فلا تأثيرَ لهُ فيهِ، بل لأنَّ اللهَ تعالى قدَّرَ الأمورَ ودبَّرَها في سابقِ قضائهِ {لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41]

(4)

.

{وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} : وليَمتحِن ما في صُدورِكم ويُظهرَ سرائرَها من الإخلاصِ والنفاقِ، وهو علةٌ محذوفٍ؛ أي: وفَعَل ذلكَ ليبتلي

(5)

، أو عطفٌ على محذوفٍ؛ أي: ليبرز لمصالح

(6)

جمةٍ وللابتلاءِ.

{وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} من وساوس الشيطان.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} : من الظنونِ والعزائمِ، وفيهِ وعدٌ ووعيدٌ، وتنبيهٌ على أنه تعالى غنيٌّ عن الامتحانِ، وإنما فعلَ ذلك ليَميزَ المؤمنين، ويُظهِرَ حالَ المنافقين.

* * *

(1)

"قضائهم "من (ف) و (م).

(2)

في (ك) و (م): "يخرج".

(3)

في (ف): "لا".

(4)

في هامش (د) و (ف): "وأما نفاد القضاء فلا يصلح علة للكائن وإلا يلزم الجبر. منه".

(5)

في (د): "يبتلي".

(6)

في (ف) و (م): "ليبرز بمصالح".

ص: 410

(155) - {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} .

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} يعني: إنَّ الذين انهزمُوا يوم أحدٍ كان السببُ في تولِّيهم أن الشيطانَ طلَبَ منهم الزللَ فأطاعُوه فاقترفوا ذنوبًا؛ فلذلكَ منعهم اللّهُ التأييد بالنصرِ وتقويةِ القلوب حتى تولَّوا.

وقيلَ: استزلالُ الشيطان إياهُم هو التولِّي، وإنما دعاهُم إليه بذنوبٍ قد تقدَّمت لهم؛ لأن الذنبَ يجرُّ إلى الذنبِ كما أن الطاعة تجرُّ إلى الطاعةِ.

وقيلَ: بعضُ ما كسبوا هو تركُهم المركزَ الذي أمرَهُم رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم بالثباتِ فيه، فجرَّهم ذلك إلى الهزيمةِ.

وقيل: ذكَّرَهم

(1)

تلك الخطايا فكَرِهوا لقاءَ اللّهِ تعالى معها، فأخَّروا الجهادَ حتى يُصلِحوا أمرَهم، ويجاهِدوا على حالٍ مرضيَّةٍ.

{وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} لتوبتِهم واعتذارِهم.

{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} للذنوبِ {حَلِيمٌ} لا يُعاجِلُ بعقوبةِ الذنبِ كي يتوبَ.

* * *

(156) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا} يعني: المنافقين.

(1)

أي: الشيطان.

ص: 411

{وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} لأجلِهم، والمرادُ بالأخوَّةِ: الصداقةُ، أو الاتفاقُ في النسبِ أو المذهبِ.

{إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: سافروا فيها، وأَبعدوا للتجارةِ وسائر المهامِ، و {إِذَا} بعد {وَقَالُواْ} لمجرَّدِ الظرفيَّةِ على حكايةِ الحال الماضيةِ.

{أَوْ كَانُوا غُزًّى} : أو نهضوا للغزاء

(1)

. غُزَّى جمعُ غازٍ، كعُفًّى جمعُ عافٍ.

{لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} : مفعول (قالوا)؛ أي: لو لم يخاطِروا لعاشوا، وهو يدلُّ على أن إخوانهم قد فأتوا بعدَ أن غابُوا عنهُم

(2)

.

{لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} ؛ أي: قالوا ذلك معتقِدين ليكونَ حسرةً في قلوبهم، على أن اللامَ للعاقبةِ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ بالنهيِ؛ أي: لا تكونوا مثلَ الكُفَّارِ في النطقِ بذلك القولِ واعتقابٍ ليجعلَهُ اللّهُ تعالى حسرةً في قلوبهم خاصةً، ويَصون قلوبكُم منها.

ويجوزُ أن يكون {ذَلِكَ} إشارةً إلى ما دل عليه النهيُ؛ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعَلَ اللّهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم؛ لأن مخالفتكُم إياهم في قولهم واعتقادِهم مما يَغيظُهم ويُغِمُّهم.

{وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} ردٌّ لقولهم

(3)

، وتخطئةٌ لعقيدتهم؛ أي: الأمرُ بيدِه، قد يُحيي المسافرَ والغازي، ويميتُ المقيمَ والقاعدَ، وبالعكس، كما يشاء.

(1)

في (م): "للقراء". وفي (ف): "القراء".

(2)

في هامش (د) و (ف): "عبارة القاضي: لم يكونوا مخاطبين به، ولا وجه له لأنَّه ظاهر لا حاجة إلى الدليل. منه".

(3)

في هامش (ح) و (ف): "عدل في الجواب إلى الجملة الاسمية للدوام والتخليد. منه".

ص: 412

{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} : تهديدٌ لهم على أن يماثِلُوهم، وعلى القراءةِ بالياءِ

(1)

وعيدٌ للكفار.

صدَّرَ الجملتين بالقسمِ للتأكيدِ والتحقيق.

* * *

(157) - {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .

{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} متعلِّق بالمعطوفين، كما قيلَ في قوله تعالى:{لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]، فلا حاجةَ إلى تقديره بعدَ قوله:{أَوْ مُتُّمْ} .

وقرئ بكسرِ الميمِ

(2)

من مات يمات، وتقديمُ القتلِ لأنَّه الغالبُ في الجهادِ بخلاف غيره، ولهذا أُخِّرَ فيما يأتي، ثم إن المقتولَ أحقُّ بالمغفرةِ وأجدَرُ، والميتُ في الحشر أكثرُ

(3)

، فتدبَّرْ.

{لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} : جوابُ القسمِ، وسادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ، وعدَلَ في الجواب إلى الجملة الاسميةِ للدوامِ والتخليدِ. وتنكيرُ (مغفرةٌ) للتعظيمِ، وكذا تنكيرُ {وَرَحْمَةٌ} .

كذَّبَ الكافرين أولًا في زعمِهم، وخطَّأهُم في اعتقادهم، ونهى المسلمين عن ذلك لكونه اعتقادًا باطلًا موجِبًا للتقاعدِ عن الجهادِ، ثم قالَ: ولئن وقعَ ما تحذَرُونه

(1)

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي من السبعة بالياء، والباقون بالتاء، انظر:"التيسير"(ص: 91).

(2)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بضم الميم، والباقون بكسر الميم، انظر:"التيسير"(ص:91).

(3)

يشير إلى ما سيأتي من قوله تعالى: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} .

ص: 413

فإن ما تنالُونه من المغفرةِ والرحمةِ والثوابِ العظيم خيرٌ مما تجمعون مِن منافعِ الدنيا لو لم تموتوا

(1)

.

* * *

(158) - {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} .

{وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} : على أيِّ وجهٍ اتَّفقَ هلاكُكم.

{لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} : لإلى معبودكُم الذي توجَّهتُم إليه وبذلتُم مهجتكم لأجلِه لا إلى غيرِه لا محالةَ تُحشَرون، فيُوفِّي جزاءَكم، ويُعظِمُ ثوابَكم، ولوقوعِ اسم اللّه هذا الموقعَ مع تقديمهِ شأنٌ لا يخفى، ولذلكَ عدل عن

(2)

الضميرِ إليه

(3)

.

* * *

(159) - {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} .

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} : (ما) مزيدةٌ للتوكيدِ، وتقديم الظرفِ للدلالة على أنَّ لينَهُ لهم ما كان إلا برحمةٍ من اللّهِ تعالى.

وتنكيرُ {رَحْمَةٍ} للتعظيمِ؛ أي: بحظٍّ وافرٍ لك من رحمةِ اللّه تعالى لنتَ لهم

(1)

في هامش (د) و (ف): "وأما أن السفر والغزاء مما يجلب الموت ويقدم الأجل فليس من معنى هذا الكلام، بل هو مما يشير إليه بقوله: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} على ما نبهت عليه فيما تقدم. منه".

(2)

في (ف): "من".

(3)

في هامش (د) و (ف): "أراد إن اللّه لما كان اسم الذات المشتمل على جميع أسماء الصفات كان في معرض الوعد دالًّا على جميع - الأسماء المشتملة - على الرحمة واللطف كما أن في معرض الوعيد بالعكس، وليكن هذا الأصل ملحوظًا في جميع مواقع هذا الاسم الكريم. منه".

ص: 414

وتلطَّفتَ، وما عيَّرتهم على مخالفةِ أمركَ، وتركِهم إياك بينَ الكفارِ، بل واسيتَهم بالغمِّ واغتمَمتَ لأجلِهم.

والفاءُ للترتيبِ على ما دلَّ عليه سياقُ الكلام مِن أنهم كانوا مستحقِّين للعتابِ البليغِ، وأن المرجوَّ منهُ عليه السلام على ما هو مُقتضى الطبعِ البشري أن يعنِّفَ عليهم، ويُغلِظَ في مخاطبَتهم.

{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} الفظُّ: الجافي الخشِنُ الخلُقِ {غَلِيظَ الْقَلْبِ} : قاسيَهُ {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} : لتفرَّقوا عنك، ولم يسكُنوا إليكَ.

ولما بيَّنَ فائدةَ حسنِ الخُلقِ واَفةَ القلبِ رتَّبَ عليهِ الأمرَ بقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} فيما يختصُّ بحقِّكَ {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} فيما يختصُّ بحقِّ اللّه إتمامًا للرأفة بهم.

{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ؛ أي: في أمرِ الحرب وغيرِه مما لم ينزِل عليك فيهِ وحيٌ؛ لِمَا في مشاورَتهم من الرفعِ في أقدارهم، وتطييبِ قلوبهم، والاستظهارِ برأيهم.

وعن الحسنِ: قد علمَ اللّهُ تعالى أنه

(1)

ما به إليهم حاجةٌ، ولكنه أراد أن يَستنَّ به مَن بعده

(2)

.

{فَإِذَا عَزَمْتَ} : فإذا قطعتَ الرأيَ على شيءٍ بعدَ الشورى. والفاء التعقيبيةُ للدلالةِ

(3)

على أنَّ حقَّ المشاورة أن ينتهي إلى العزمِ على أحد الأمرَين، ولا يبقى في التردُّدِ بينَهما.

(1)

في النسخ عدا (م): "أن" والمثبت من (م).

(2)

كذا أورده الزمخشري في "الكشاف"(1/ 422) عن الحسن، وفي "تفسير الطبري"(6/ 190) ما يدل على أن هذا من كلام الطبري لا من كلام الحسن، قاله الطبري بعد أن روى عن الحسن قوله: مَا شاوَرَ قومٌ قَطُّ إِلَّا هُدُوا لأَرْشَدِ أمورهم.

(3)

في (د): "للتعقيبية وللدلالة" وفي (ف): "للتعقيبية والدلالة".

ص: 415

{فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} : في إمضاءِ أمرِكَ على ما هو الأرشدُ الأصلحُ؛ فإنهُ لا يعلمُه سواه.

وقرئ: (فإذا عَزَمْتُ)

(1)

على التكلُّمِ؛ أي: فإذا عزمتُ لك على شيءٍ وعيَّنتُه لكَ فتوكَّل عليَّ

(2)

ولا تشاوِر فيه أحدًا.

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ؛ أي: يرضَى عملَهم ويهدِيهم إلى الأصلَحِ وينصُرُهم

(3)

.

* * *

(160) - {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .

{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ} كما نصرَكُم يومَ بدر.

{فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} : فلا يغلِبُكم أحدٌ.

{وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ} ؛ أي: إن يتركْ

(4)

نُصرتَكُم كما تركها يوم أحدٍ.

{فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} ؛ أي: مِن بعد خُذلانِه، أو: من بعدِ اللّه، بمعنى:

(1)

تنسب لجعفر الصادق وغيره. انظر: "المحتسب"(1/ 176)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: 23).

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "على الله".

(3)

في هامش (ف): "هذا مندرج [مقدر] في المعنى المراد من محبته تعالى للمتوكلين، فلا حاجة أوجه، للفاء الواقع في كلام القاضي. منه". ومثله في (د) باختلاف يسير وضعناه بين معكوفتين. وفي "تفسير البيضاوي"(2/ 45): {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح). فلعل المراد الفاء التي في قول القاضي: (فينصرهم).

(4)

في (د): "ترك".

ص: 416

إذا جاوَزْتُموه

(1)

تعالى، مِن قولهم: ليسَ لكَ من يُحسن إليكَ مِن بعد فلانٍ، وهو تنبيهٌ على المقتضِي للتوكلِ عليه تعالى، وتحريضٌ على ما يُستحَقُّ به النصرُ، وتحذيرٌ عما يَستجلِبُ خذلانَه.

{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: لما علِموا أن لا ناصرَ لهم سواهُ

(2)

فليخصُّوهُ بالتوكُّلِ عليهِ والتفويضِ إليهِ.

وفي عبارةِ {الْمُؤْمِنُونَ} إشارةٌ إلى وجهٍ يؤيِّدُ التخصيصَ المذكورَ، وهو أن الإيمان الحقيقيَّ يقتضي رؤيةَ فناءِ القِوى والقُدَرِ كُلِّها في قوَّتهِ تعالى وقُدرَته، فلا ناصِر سواهُ.

* * *

(161) - {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .

{وَمَا كَانَ} : وما صحَّ {لِنَبِيٍّ} منَ الأنبياءِ عليهم السلام، فكيفَ لمن هو أفضلُ الرسلِ؟

{أَنْ يَغُلَّ} الغُلولُ: أخذُ المال من الغنيمةِ في خفاءٍ.

فقِدَت قَطيفةٌ حمراءُ من الغنائمِ يوم بدرٍ؛ فقالَ بعضُ مَن كانَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم: لعلَّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أخَذَها، فنزَلَتْ

(3)

.

(1)

في النسخ: "جاوزته"، والمثبت من"تفسير البيضاوي"(2/ 45).

(2)

في هامش (د) و (ف): "وأما قول القاضي: [لما علموا أن لا ناصر لهم سواه، وآمنوا به، فلا مساس له للمقام. منه". وما بين معكوفتين زدناه من كلام القاضي للتوضِيح.

(3)

رواه أبو داود (3971)، والترمذي (3009)، والطبري في "التفسير" (6/ 194) من طريق خصيف عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي: حسن غريب .. وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم ولم يذكر فيه: عن ابن عباس.

ص: 417

وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا

(1)

، برَّأهُ اللّهُ تعالى من ذلك، ونزَّههُ ونبَّهَ على عصمته عليه السلام بأنَّ النبوةَ والغُلولَ متنافيان، لئلا يَظنَّ ظانٌّ في حقهِ شيئًا منه، ولا يستريبَ أحدٌ.

وقرئ: {أَنْ يَغُلَّ} على البناءِ للمفعولِ

(2)

؛ والمعنى: وما صحَّ له أن يُوجَد غالًّا، أو أن يُنسبَ إلى الغلولِ.

{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يأتِ بالشيء الذي غلَّهُ بعينه فيُفتضَح به على رؤوس الخلائق

(3)

، وهذا ما يقتضيه مساق الكلام، وأمَّا حملُه على عنقه

(4)

كما وردَ في بعضِ الأحاديثِ، فغيرُ منظورٍ إليه في هذا المقامِ

(5)

.

ثم إنهُ مخصوصٌ بما لَهُ ثقلٌ على ما يُفهَمُ من قوله عليه السلام لأبي هريرةَ رضي الله عنه: "لا تخبَئنَّ من أميركَ

(6)

شيئًا من الغنائم، إذًا تخرج يوم

(1)

هذا رد على الزمخشري ومتابعيه - كالبيضاوي والآلوسي - في جعل القائل منافقًا. انظر: "الكشاف"(1/ 434)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 46)، و"روح المعاني"(5/ 100).

(2)

هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 91).

(3)

في هامش (د) و (ف): "والصرف عن ظاهره قائلًا: إن المراد وباله وتبعته، يرده نصوص الأحاديث. منه".

(4)

قوله: "فيفتضح به على رؤوس الخلائق وهذا ما يقتضيه مساق الكلام وأما حمله على عنقه" من (م).

(5)

لعله يريد حديث أبي هريرة الطويل في البخاري (3073)، ومسلم (1831)، وأوله: قام فينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، ثم قال:"لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك" الحديثَ. ولا أدري لم هو غير منظور إليه مع التصريح فيه بأمر الغلول.

(6)

في (ف) و (م): "أمرك".

ص: 418

القيامة وهو متعلق

(1)

بثيابك ولو كانت إبرةً"

(2)

.

فلا اتِّجاه لما نُقِلَ عن بعضِ حفاةِ الأعرابِ: أنه سرق نافجةَ مسكٍ، فتُلِيت عليهِ الآيةُ فقالَ: إذًا أحملُها طيِّبةَ الريح خفيفةَ المحمَلِ

(3)

.

{ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} : تُعطى جزاءَ ما كسبَت وافيًا.

كانَ الظاهرُ

(4)

أن يقالَ: ثم يوفَّى ما كسبَ؛ ليتَّصِلَ بقوله: {يَأْتِ بِمَا غَلَّ} لفظًا، وإنما عدَلَ عنهُ وعمَّمَ ليدخلَ تحته دخولًا أوليًّا، فيكونَ أبلَغَ وأثبَتَ بالبرهانِ؛ لأنَّه

(5)

لمَّا عَلم الغال أن كلَّ نفسٍ يُوفَّى

(6)

جزاءَ مكسوبهِ خيرًا كانَ أو شرًا، علِمَ أنهُ غيرُ متخلِّصٍ من بينِهم مع عِظَمِ ما كسبَ، فاتصَل به معنىً.

{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} فلا ينقُصُ ثوابُ مطيعِهم ولا يُزادُ في عقابِ عاصيهم.

ولما عمَّمَ كل كاسبِ خيرٍ وشرٍّ، وكِلَا المتنافيَين من النبيِّ والغالِّ، فقالَ مُنكِرًا:

* * *

(1)

في (ك) و (م): "معلق".

(2)

لم أجده بهذا اللفظ، وانظر حديث أبي هريرة السابق، وفي "تفسير الطبري " (6/ 207): قال قَتادةُ: كانَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إِذَا غَنِمَ مَغْنَمًا بَعَثَ مُنَادِيًّا: "أَلَا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ مِخْيَطًا فما دُونَهُ، أَلا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ بَعِيرًا فيأتي به على ظَهْرِه يومَ القيامةِ له رُغَاءٌ، أَلا لا يَغُلَّنَ رجلٌ فَرَسًا فيأتي به على ظَهْرِهِ يومَ القيامةِ له حَمْحَمَة".

(3)

ذكره الزمخشري في "الكشاف"(1/ 434). وجاء في هامش (د) و (ف): "أما عدم اتجاهه على الآية فظاهر، وأما عدم اتجاهه على الحديث فلما نبهت عليه من أن الحمل مخصوص بما له ثقل. منه".

(4)

في هامش (د) و (ف): "عبارة القاضي: وكان اللائق، ولا يخفى أنها ليست لائقة لمقامها. منه".

(5)

"لأنَّه" ليست في (د).

(6)

في (د): "موفى".

ص: 419

(162) - {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ} بهمزةِ الاستفهامِ، مُبالغًا بإيرادها على الفاءِ العاطفةِ ما بعدها على مقدَّرٍ دلَّ عليهِ ما قبلَها، مؤكِّدًا بها المنافاةَ بينَ النبيِّ والغالِّ، كأنهُ قالَ: أيغلُّ النبيُّ؟ فمَن اتبعَ رضوانَ اللّهِ بالطاعةِ؛ يعني النبيَّ ومَن تابعَهُ

(1)

{كَمَنْ بَاءَ} : رجعَ {بِسَخَطٍ} عظيم {مِنَ اللَّهِ} بالعصيانِ؛ كالغالِّ ومَن دان بدينِه.

{وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} : الفرقُ بينَهُ وبين المرجعِ: أن المرجِعَ هو انقلابُ الشيء إلى حالٍ كانَ عليها، والمصيرُ انقلابُه إلى خلافِ الحالِ التي كان عليها

(2)

.

* * *

(163) - {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .

{هُمْ دَرَجَاتٌ} تشبيهٌ بليغٌ؛ أي: هم متفاوتون كما تتفاوتُ الدرجاتُ.

وقيلَ: على حذفِ المضافِ؛ أي: هم ذوو درجاتٍ.

وإنما قالَ: {عِنْدَ اللَّهِ} : تعظيمًا للتفاوتِ.

{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} : عالمٌ بأعمالهم، فيجازِيهم على حسَبِها.

* * *

(164) - {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

(1)

في هامش (د) و (ف): "بهذا التفصيل تبين ما في الكشاف وتفسير القاضي من القصور. منه".

(2)

في هامش (د) و (ف): "فالقاضي لم يصب في قوله: ولا كذلك المرجع؛ لأن المفهوم منه عموم المرجع وخصوص المصير. منه". وفيه أيضًا: "وأما مرجع العباد إلى اللّه تعالى فلأنهم يتقبون إلى حال لا يملكون لأنفسهم شيئًا كما كانوا قبل ما يكونوا. منه".

ص: 420

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، خصَّهم بالذكرِ لأنهم هم المنتفِعونَ بمبعثهِ عليه السلام، والمنةُ هنا الإنعامُ.

وقرئ: (لَمِنْ مَنِّ اللّهِ)

(1)

على أنه خبرُ محذوفٍ، مثلَ: مَنُّه، أو: بعثتُه.

و [لا]

(2)

يجوزُ أن يكون {إِذْ} في قوله: {إِذْ بَعَثَ} في محلِّ الرفعِ بأنه مبتدأٌ؛ أي: وقتُ بعثتهِ لمِن منِّ اللهِ؛ لأنَّ العربَ لم تستعمِل (إذ) متصرِّفةً.

قالَ أبو علي الفارسيُّ

(3)

: لم تَرِدْ (إذ) و (إذا) في كلامِ العربِ إلا ظرفَين، ولا يكونان فاعلَين ولا مفعولَين ولا مُبتدأين.

وإنما قالَ: {فِيهِمْ} لأنهم كانوا عرفوا مولِدَه ومنشأهُ، وصدقَهُ وأمانَتهُ، وطهارةَ أخلافِ، فاندفَعَ بذلكَ كثيرٌ من الخواطر

(4)

.

{رَسُولًا} التنكيرُ للتعظيم {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} : مِن جنسهم عربيًّا مثلَهم، يسهُلُ عليهم أخذُ ما يجب أخذُه عنه لاتفاقهم في اللسانِ

(5)

.

وقيلَ: مِن نَسبِهم؛ يعني: مِن ولَدِ إسماعيلَ عليه السلام كما أنهم مِن ولد، وكلما كانت الجنسيةُ أكثرَ كان المنُّ أوفرَ؛ لمناسبَتهم إياهُ وسهولةِ قَبولهم منهُ، وعلى

(1)

نسبت لعيسى بن سليمان. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص:23)، و"الكشاف"(1/ 477)، و"البحر المحيط"(6/ 262).

(2)

زيادة يفتضيها السياق. انظر: "البحر المحيط"(6/ 262) وانظر التعليق الآتي.

(3)

نقله أبو حيان في "البحر المحيط"(6/ 262) في معرض الاستدلال على فساد ما ذهب إليه الزمخشري في شرح قراءة عيسى بن سليمان من القول بكون {إِذْ} مبتدأ.

(4)

في (ك): "الخطر".

(5)

في هامش (د) و (ف): "ومن وهم أنه فائدة قوله: {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فقد وهم لأنَّه عليه السلام لو كان مولده ومنشؤه في بلد آخر لم تحصل تلك الفائدة. منه".

ص: 421

هذا يكون المرادُ: مَن آمن من قومِه عليه السلام، وتخصيصُهم بالمنِّ لزيادة انتفاعِهم ببعثِه عليه السلام.

وعلى كلا الوجهَين لا اختصاصٍ لمَن آمَن معه عليه السلام.

والوجه عندي هو الأول

(1)

، لقولِه تعالى في موضعٍ آخرَ:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2]، والقراَنُ يفسِّرُ بعضُه بعضًا

(2)

.

وقرئ: (مِن أنْفَسِهِمْ)

(3)

؛ أي:

(4)

من أشرَفِهم؛ لأنهُ عليه السلام كانَ مِن أشرفِ شعوبِ العرب وأفخاذِهم

(5)

.

{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} : من الوحي المتلوِّ

(6)

بعد ما كانوا أهل

(7)

جاهليةٍ لم يطرُق أسماعَهم شيءٌ من الوحي.

{وَيُزَكِّيهِمْ} مِن دنَس الكفرِ والخبائثِ، وغواشي الطبيعةِ والرذائلِ.

{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} أي: القرآن والسنَّة الشاملة لأقسام الحكمة.

(1)

في هامش (ف): "لا كما توهم القاضي. منه".

(2)

من قوله: "والوجه عندي .. إلى .. بعضه بعضا": ليست في (ك) و (م).

(3)

قال ابن خالويه: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن فاطمة رضي الله عنها. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص:23)، و"الكشاف"(1/ 476).

(4)

(أي) ليست في (د).

(5)

في هامش (د) و (ف): "أول العشيرة الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، كذا قال الجوهري، فذكرُ الشعوب والأفخاذ أولى من ذكر القبائل والبطون كما لا يخفى. منه".

(6)

في هامش (د) و (ف): "هذا أعم من القرآن لانتظامه منسوخ التلاوة. منه ".

(7)

"أهل" سقط من (ف) و (ك).

ص: 422

و (إنْ) في قوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} وهي المخفَّفةُ منَ الثقيلةِ، و {مِنْ قَبْلُ} مبنيٌّ على الغايةِ، واللام هي الفارقةُ؛ أي: وإن الشأن كانوا مِن قبل بعثته في ضلالٍ ظاهرٍ لا شُبهةَ فيهِ، وهو بيان لشدةِ احتياجِهم إلى نبيٍّ يرشِدُهم

(1)

، وإزاحةٌ لمَا يُتوهَّمُ أنه عليه السلام تعلَّمَ ذلك من معلِّمٍ.

* * *

(165) - {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} : ما أصابهم يومَ أحدٍ من قتلِ سبعين منهم.

{قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} : يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعين، والهمزةُ لتقريرِ القولِ والتقريع.

و (لمَّا) نصبٌ بـ {قُلْتُمْ} في قولِه: {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} ، و {أَصَبْتُمْ} في محلِّ الجرِّ بإضافةِ (لمَّا) إليهِ، وتقديرُه: وقلتم

(2)

حينَ أصابتكُم. و {أَنَّى هَذَا} نصبٌ

(3)

على أنهُ مقولُ: {قُلْتُمْ} .

والواو عاطفةٌ للجملةِ على قصةِ أحدٍ من قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} أو على محذوفٍ؛ أي: أفعلتُم وقلتُم حينئذٍ أنى هذا؛ أي: مِن أين هذا؟!

{قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ؛ أي: استوجَبْتم لِمَا أصابكُم بسببٍ ناشئ من عند أنفسكم، فأنزلَ اللّه بكم ذلكَ، فلا ينافي كونَه من

(4)

عندِ اللّهِ؛ أي: السببُ العاديُّ

(1)

في (ف): "يرشد".

(2)

كذا في النسخ، والذي في "الكشاف"(1/ 436)، و"تفسير البيضاوي" (2/ 47):"أقلتم".

(3)

في (م): "تغييب"، وسقطت من باقي النسخ، والتصويب من "الكشاف"(1/ 436).

(4)

"من" سقط من (ف) و (م).

ص: 423

أنتُم؛ لتَخْلِيَيكُم المركز وميلِكم إلى الغنيمةِ، فإِنَّ وعدَ النصرِ كان مشروطًا بالثباتِ والمطاوعةِ.

وأما اختيارُ الخروجِ من المدينة فبعيدٌ؛ لأنَّ اللّه تعالى وعدَهم النصرَ بعد ذلكَ بشرطِ الثباتِ، واختيارُ الفداءِ يوم بدرٍ أبعَدُ منه.

{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} : فهو قادرٌ على النصرِ، وعلى منعهِ، وعلى أن يصيبَ بكم

(1)

تارةً، ومنكُم أُخرى، ولا تأثيرَ للأسباب العاديةِ؛ ففيهِ دفعُ وهمِ العجزِ عن نصرِهم عند عدمِ شرطِ الثباتِ.

* * *

(166 - 167) - {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} .

{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} : جمعِ المسلمين وجمعِ المشركين يومَ أحدٍ.

{فَبِإِذْنِ اللَّهِ} : فهو كائنٌ بتخليةِ الكفارَ، سماها إذنًا لأنها من لوازِمه.

{وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} عطفٌ على (بإذن اللّه)، والباءُ واللامُ كلاهما للسببِ {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا}؛ أي: وليتميِّزَ المؤمنونَ والمنافقونَ، فيظهرَ إيمانُ هؤلاء وكفرُ هؤلاء

(2)

.

{وَقِيلَ لَهُمْ} عطفٌ على {نَافَقُوا} داخلٌ في الصلةِ.

{تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} قسَمَ الأمرَ عليهم بينَ أن يقاتلُوا كما يقاتلُ

(1)

في (ف): "منهم" والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي"(2/ 47).

(2)

في هامش (د) و (ف): "وقد مر في تفسير هذه السورة وجه التعبير عن التمييز بالعلم. منه".

ص: 424

المؤمنون، وبينَ أن يقاتلوا دفعًا عن

(1)

أنفسِهم وأهلِهم وأموالِهم إن لم يكُن لهم همٌّ في اللهِ وفي الآخرةِ.

{قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} أبوا القتلَ

(2)

، وجحدُوا القدرةَ عليه رأسًا لنفاقِهم، على ما رويَ: أنَّ عبدَ اللّه بن أبيٍّ انخزَلَ مع حلفائه، فقيلَ لهُ فقالَ ذلك

(3)

.

ويجوزُ أن يكونَ المعنى: لو نعلم ما يصِحُّ أن يُسمَّى قتالًا لاتَّبعناكم فيهِ، لكن ما أنتم عليه ليس بقتالٍ، بل إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكةِ، يريدُ تخطئةَ رأيهم؛ لأنَّ رأيَهُ كان في الإقامة بالمدينةِ.

أو ادفعوا العدوَّ بتكثيركم سوادَ المجاهدين وإن لم تقاتلُوا؛ لأن كثرةَ السوادِ مما يردع العدوَّ ويكسِرُ قلبَه.

بقي هاهنا شيءٌ؛ وهو أنَّ مُقتضى تركيبِ الكلام على الوجهِ الأولِ أن يُعطَفَ: {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا} على {نَافَقُوا} بالفاء، وإنما أُخرِجَ مخرجَ الاستئناف على أنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ

(4)

اقتضاه دعاءُ المؤمنين إياهُم إلى القتالِ، فأخَّرَه عن الدعاءِ؛ كأنه قيلَ: فماذا قالوا؟ فقيلَ: قالوا: لو نعلَمُ، لينبِّهَ على ظهورِ أمارة النفاقِ منهم لتثبُّطِهم وتعلُّلِهم بعد الدعاءِ الذي كان يجِبُ عليهم إجابته.

ويجوزُ أن يقتصِرَ الصلةُ على {نَافَقُوا} ، ويكونَ {وَقِيلَ لَهُمْ} كلامًا مبتدأَ عطفًا على جملةِ:(وما أصابكم فبإذن اللّه).

(1)

في (ف) و (ك): "من".

(2)

قوله: "القتل" كذا في النسخ، ولعل الصواب:(القتال) بدلالة التنزيل والسياق وكلام المفسرين كالزمخشري والبيضاوي.

(3)

رواه الطبري في "التفسير"(6/ 222) من طريق ابن إسحاقَ عن جمع من مشايخه منهم الزهري.

(4)

"مقدر" من (ف).

ص: 425

{هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} لانخزالهم وقولهم هذا، فإنهما أوَّلُ أماراتٍ ظهرَت منهم مؤذِنةً بكفرِهم.

والظروفُ كلُّها متعلقةٌ بـ {أَقْرَبُ} لِمَا فيها من الاتساعِ، لكنَّ تعلقَ الكفر

(1)

باعتبارِ الزيادةِ، وتعلُّقَ الإيمان

(2)

من حيثُ المفعوليةُ؛ كأنه قيلَ: قربُهم من الكفرِ يزيدُ على قربهم من الإيمانِ.

وصلة القرب تكون (من) أو (إلى)، وتقولُ العربُ: يقرُبُ منهُ وإليهِ، ولا تقولُ: لهُ. فاللامُ بمعنى إلى.

وقيلَ: هُم لأهل الكفرِ أقرَبُ نصرةً منهم لأهلِ الإيمانِ إذ كان انخزالهم

(3)

تقويةً للمشركينَ وتخذيلًا للمؤمنين.

{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} : يُظهِرون خلاف ما يضمِرون لا يواطئ قلوبُهم ألسنَتهم بالإيمانِ.

والعربُ تستعمِلُ القولَ في غير الكلامِ فتقولُ: قال بيدِهِ؛ أي: أهوى بها، وقالَ برأسِه؛ أي: أشارَ

(4)

، فقولُه:{بِأَفْوَاهِهِمْ} لتخصيصِ القول بالكلامِ، وإيثارُ الأفواهِ على الألسنةِ لأنها أوسعُ دائرةً، فإن من الحروفِ ما لا دخلَ في تلفُّظِه للِّسانِ.

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} : من النفاقِ، وتجهيلِ المؤمنين، وتخطئةِ رأيهم، وذمِّهم فيما بينَهم، والشماتةِ بهم، وغير ذلك.

(1)

في (د): "للكفر".

(2)

في (د): "للإيمان".

(3)

في هامش (د) و (ف): "في كلام القاضي: [انخزالهم] ومقالهم، ولا وجه له. منه". وما بين معكوفتين زدناه من كلام القاضي للتوضيح.

(4)

في هامش (د) و (ف): "مذكور في الأساس. منه".

ص: 426

وإنما قالَ: {أَعْلَمُ} لأنهم يعلَمون بعضَ ذلك عِلمًا مجملًا بأماراتٍ، واللّهُ تعالى يعلَمُ كلَّه علمَ إحاطةٍ بتفاصيله وكيفياته.

* * *

(168) - {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{الَّذِينَ قَالُوا} ؛ بدل من ضميرِ {يَكْتُمُونَ} رفِعَ المحلُّ

(1)

، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليهِ أي: هم الذين قالوا، أو نصبٌ بدلٌ من {الَّذِينَ نَافَقُوا} ، أو جرٌّ بدلٌ من الضميرِ في (أفواهِهم) أو {قُلُوبِهِمْ} .

{لِإِخْوَانِهِمْ} ؛ أي: لأجلِهم، يريدُ مَن قتِلَ يومَ أحدٍ من أقاربهم، أو من جنسهم.

{وَقَعَدُوا} حالٌ؛ أي: قالوا وقد قعدوا عن القتالِ: {لَوْ أَطَاعُونَا} في القعود {مَا قُتِلُوا} كما لم نُقتَل.

{قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ يدلُّ عليهِ:

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أنكم تقدِرون دفعَ القتلِ عمن كُتبَ عليه، فادفعُوا عن أنفسكم الموتَ فإنهُ أحرى بكم، يعني: إنَّ القعودَ غيرُ مغنٍ فإنَّ أسبابه شتى، والقتالُ قد يكونُ سببًا للنجاةِ، والقعودُ سببًا للهلاك.

* * *

(169) - {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} .

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} نزلت في شهداء أحد

(2)

، والأبلغُ أن

(1)

قوله: "رفع المحل"، كذا في النسخ، ولعل الأولى:"مرفوع المحل".

(2)

رواه أبو داود (2520) عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "لما أُصيب إخوانُكم =

ص: 427

يُجعَلَ الخطابُ لكلِّ أحدٍ؛ لأنهُ أمرٌ خطيرٌ يجِبُ أن يبشَّرَ به كل أحدٍ؛ لتتوفَّرَ دواعيهم إلى الجهادِ، وليتيقَّنوا بحسن الجزاء.

وقرئ با لياء

(1)

؛ أي: حاسبٌ، وقرئ: بالتشديدِ لكثرة المقتولين

(2)

.

{بَلْ أَحْيَاءٌ} ؛ أي: بل هم أحياء، وقرئ بالنصبِ على: بل احسبْهم أحياءً

(3)

.

{عِنْدَ رَبِّهِمْ} {عِنْدَ} هُنا بمعنى القربِ شرفًا ورتبة.

{يُرْزَقُونَ} يعني: في الجنةِ، وهو تأكيدٌ لكونهم أحياء.

* * *

(170) - {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{فَرِحِينَ} حال من {يُرْزَقُونَ} .

{بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وهو شرفُ الشهادةِ والفوزِ بالحياة الأبدية، والقربِ من اللّهِ تعالى، والتمتعِ بنعيمٍ معجَّلٍ

(4)

.

= بأحُدٍ جعلَ اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيرٍ خُضْر تَرِدُ أنهارَ الجَنةِ: تأكلُ من ثمارِها، وتَأوي إلى قَناديلَ من ذهبٍ مُعلَّقةٌ في ظلّ العرشِ، فلما وجَدُوا طِيْبَ مأكَلِهم ومَشربِهم ومَقِيلِهم، قالوا: من يُبلِّغُ إخوانَنا عنّا أنا أحياءٌ في الجنةِ نُرزقُ، لئلا يَزهَدُوا في الجهاد ولا يَنكُلوا عند الحرب؟ فقال الله تعالى: أَنا أُبلغهم عنكُم"، قال: "فأنزلَ اللّهُ عز وجل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} . وهو في "أسباب النزول" للواحدي (ص: 128).

(1)

أي: (يَحسبَنَّ)، وهي قراءة هشام بخلف عنه. انظر:"التيسير"(ص: 92).

(2)

أي: (قُتِّلوا)، وهي قراءة ابن عامر، انظر:"التيسير"(ص: 92).

(3)

نسبها أبو حيان لابن أبي عبلة، وذكرها الزمخشري دون نسبة، انظر:"البحر المحيط"(6/ 283)، و"الكشاف"(1/ 479).

(4)

في (د) و (م) زيادة: "الجنة" بعد: "بنعيم"، وفي (ح):"معجلًا".

ص: 428

{وَيَسْتَبْشِرُونَ} : يسرُّون بالبشارةِ {بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ} ؛ أي: بإخوانهم المؤمنين الذين لم يُقتلُوا فيلحقُوا بهم {مِنْ خَلْفِهِمْ} ؛ أي: الذين مِن خلفِهم زمانًا أو رتبةً.

{أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} بدلٌ من {الَّذِينَ} .

والمعنى: أنهم يستبشِرون بما تبيَّنَ لهم مِن حالِ مَن تركوا خلفَهم، وهو أنهم سيلحَقون بهم في أمنٍ وفرحٍ، ورَغَدِ عيشٍ، وفيهِ تحريضٌ لمن بعدَهم على الطاعةِ والجهادِ، والرغبةِ في نيل درجةِ الشهادةِ، وبشارةٌ للمؤمنين بالفوزِ وحسنِ المآبِ، وإحمادٌ لمن يرى نفسَهُ بخيرٍ فيتمنَّى مثلَهُ لإخوانِهِ، ويستبشرُ بهِ لهم.

والآيةُ تدلُّ على أنَّ روحَ الإنسان جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخرابِ البدنِ

(1)

، ولا يتوقَّفُ عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه، ويؤيدُ ذلك قولُه تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} [غافر: 46] وما روى ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنهُ عليه السلام قال: "أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تَرِدُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ في ظل العرش"

(2)

.

* * *

(1)

في هامش (د) و (ف): "عبارة القاضي: على أن الإنسان غير الهيكل

إلخ، وفيها إخراج البدن عن الإنسان. منه". وزاد في (د):"ولا وجه ". قلت: وعبارة القاضي في "تفسيره"(2/ 48): (الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن

) إلى آخر ما ذكره المؤلف.

(2)

انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 48). ورواه أبو داود (2520) بلفظ: "لما أُصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعلَ اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيرٍ

". وقد تقدم قريبًا. وله شاهد من حديث ابن مسعود عند مسلم (1887).

وجاء في هامش (د) و (ف): "ومن أنكر ذلك وأول النصوص بما أول فقد ضل وأضل. منه".

ص: 429

(171) - {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} .

{يَسْتَبْشِرُونَ} : كرَّرهُ للتأكيدِ، وليعلِّقَ بهِ ما هو بيانٌ لقولهِ:{أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .. إلخ مِن ذكر النعمةِ والفضلِ، وهو ينفي الحزنَ، وعدمُ ضياع أجرِهم ينفي الخوفَ؛ لأنَّ الأولَ على الواقعِ، والثاني على المتوقَّعِ، ويجوزُ أن يكونَ الأولُ بحال إخوانهم، وهذا بحالِ أنفُسِهم.

وفي تقديمِ الاستبشارِ بحال إخوانهم إرشادٌ إلى مُوجَبِ الصدقِ في الأخوَّةِ الدينيةِ، وهو أن يكونَ صلاحُ حال أخيهِ أهمَّ عندَهُ من صلاح نفسه.

{بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} ثوابًا لأعمالهم {وَفَضْلٍ} : زيادةٍ؛ كقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]، وتنكيرُهما

(1)

للتعظيمِ.

{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}

(2)

قرئ: {وَأَنَّ اللَّهَ} بالفتحِ عطفًا على {وَفَضْلٍ} فيكونُ من جملةِ المستبشَرِ بهِ، وقرئ بالكسرِ

(3)

على أنَّ الجملةَ ابتدائيةٌ على سبيلِ الاعتراضِ للإشعارِ بأن ذلكَ أجرٌ لهم على إيمانهم، وأنَّ مَن لا إيمانَ له أعمالُهُ محبطَةٌ

(4)

لا أجرَ لها، ويعضدُه قراءةُ:(واللّه لا يضيع أجر المؤمنين)

(5)

.

* * *

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "وتنكيرها".

(2)

في هامش (د) و (ف): "عبارة القاضي: وأجورهم مضيعة، وفيها أنه لا أجر له فأنى التضييع. منه".

(3)

وهي قراءة الكسائي، والفتح قراءة باقي السبعة. انظر:"التيسير"(ص: 91).

(4)

في (د): "محتبطة".

(5)

تنسب لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "الكشاف"(1/ 480)، و"المحرر الوجيز"(1/ 541).

ص: 430

(172 - 173) - {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} : أجابوا رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم، وذكرُ اللّهِ تمهيدٌ لبيانِ أن دعوتَهُ عليه السلام دعوةُ اللّه تعالى، فكأنَّ إجابتَهُ إجابةُ اللّه.

{مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} أي: الجرحُ في غزوة أحدٍ وبهم أثرُ ذلك.

ويجوزُ أن يكون {الَّذِينَ} مخصوصًا

(1)

نعتًا لـ {الْمُؤْمِنِينَ} ، وأن يكونَ منصوبًا على المدحِ، وأن يكُون مرفوعًا بالابتداءِ، وخبرُهُ:

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} بجملَتِهِ. و (من) للبيانِ، والمقصودُ من ذِكرِ الوصفَين المدحُ والتعليلُ لا التقييدُ؛ لأن المستجيبين كلَّهُم محسنون مُتقونَ.

قيلَ: لمَّا كان اليوم

(2)

الثاني من غزوة أحدٍ، قالَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم:"رحمَ اللّهُ مَن انتدَبَ لطلب العدوِّ حتى يعلموا أَنَّا لم نُستأصَلْ، وأن فينا بقيَّةً" وقال: "لا يخرُج معنا إلا من شاهدَنا بالأمسِ" فانتدبوا وبهم الجراحُ، حتى بلغُوا حمراء الأسدِ؛ وهي على ثمانيةِ أميالٍ من المدينةِ، وقامَ بها ثلاثة أيامٍ، ثم انصرفوا وقد فاتهمُ العدوُّ فنزلَتْ:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ}

(3)

يعني: الركبَ الذين استقبلَهم من عبدِ قيسٍ، أو نُعَيمَ بنَ مسعودٍ الأشجعيَّ، وأَطلقَ عليه {الناس} لأنهُ من جنسِهِ؛ كما يقالُ: فلانٌ يركَبُ الخيلَ، وما لَهُ إلا فرسٌ واحدٌ. أو لأنهُ انضمَّ إليه الناسُ مِن أهل المدينةِ، وأذاعوا كلامَهُ.

(1)

في (د) و (ك): "محفوظًا".

(2)

في (د): "يوم".

(3)

روى نحوه الواحدي في "أسباب النزول"(ص: 132) عن قتادةَ.

ص: 431

{إِنَّ النَّاسَ} يعني: أبا سفيانَ وأصحابَهُ، فالمعرفةُ وإن أعيدَتْ معرفةً فليسَ الثاني عينَ الأولِ، ولا اللامُ العهديةُ

(1)

إشارةٌ إلى ما ذكِرَ صريحًا، بل إلى ما يعرِفُه المخاطبونَ.

{قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} روي أن أبا سفيان نادى عندَ انصرافِه من أحدٍ: يا. محمَّدُ! موعِدنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئتَ. فقال عليه السلام: "إن شاءَ اللّهُ" فلما كانَ القابلُ خرَجَ في أهل مكَّةَ حتى نزلَ مرَّ الظهرانِ فأنزَلَ اللهُ الرعبَ في قلبِهِ، وبدا له أن يرجِعَ، فمرَّ به ركبٌ من عبدِ قيسٍ يريدونَ المدينةَ للميرةِ، فشرطَ لهم حملَ بعيرٍ من زبيبٍ إن ثبَّطوا المسلمينَ.

وقيلَ: لقيَ نُعَيمًا وقد قدِمَ معتمرًا فسألَهُ ذلك والتزمَ له عشرًا من الإبلِ، فخرجَ نُعَيمُ فوجدَ المسلمينَ يتجهَّزونَ، فقالَ لهم: أتوكُم في ديارِكم فلم يفلِت أحدٌ منكُم إلا شريدٌ، أفتريدون أن تخرُجوا وقد جمعُوا لكُم؟ ففتَروا، فقالَ عليه السلام:"والذي نفسِي بيدِه لأخرُجنَّ ولو لم يخرُج معي أحدٌ"، فخرَجَ في سبعين راكبًا وهُم يقولونَ: حسبُنا اللّهُ ونعمَ الوكيلُ

(2)

.

{فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} : الضميرُ المستكنُّ للمقولِ؛ أي: فزادَهم ذلك الكلامُ، أو

(1)

في (ك): "للعهدية".

(2)

انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (2/ 101)، و"تفسير الطبري"(6/ 246) وما بعدها، و"تفسير الثعلبي"(3/ 208)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (3/ 314)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 49)، وعنه نقل المؤلف. وذكر نعيم بن مسعود في هذه القصة لم يثبت، وإنما انحصرت تسميته نعيمًا في مقاتل وهو متروك. انظر:"موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية"(4/ 214)، و"حاشية الشهاب على البيضاوي"(3/ 82)، و"روح المعاني"(5/ 138).

ص: 432

للمصدرِ؛ أي: فزادَهُم قولُهم، والبارزُ للمقتدين

(1)

مع الرسولِ صلى الله عليه وسلم لا

(2)

للمقول بهم لِمَا عرفتَ أن أكثرَهم كرِهوا الخروجَ معهُ عليه السلام.

والمعنى: أنهم لم يلتفِتوا إليه ولم يضعُفوا، بل ثبت به يقينُهم باللّهِ، وازداد إيمانهم

(3)

، وأظهرُوا حميةَ الإسلامِ، وأخلصُوا النيةَ عنده.

وهو دليلٌ على أن الإيمانَ بمعنى التصديقِ يزيدُ وينقصُ، ومَن أنكره قال

(4)

: ذلك بحسبِ المتعلَّقِ، أعني: ما يؤمَن بهِ، وأمَّا الإيمانُ الشرعيُّ فدائرة الخلافِ فيهِ واسعةٌ؛ لأن من المخالفينَ مَن قالَ بدخولِ الطاعاتِ فيه، ومنهُم مَن أنكَره

(5)

.

{وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} : مُحسبنا اللّهُ وكافينا؛ مِن أَحْسَبَهُ: إذا كفاه، والدليل على أنهُ بمعنى المحسِبِ قولُهم:(هذا رجلٌ حسبُكَ) على أنهُ صفةٌ للنكرةِ؛ لكونِ الإضافةِ غيرَ حقيقيةٍ، وهي إضافةُ اسم الفاعل إلى معموله.

{وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} : ونعم الموكولُ إليه هوَ.

* * *

(174) - {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} .

{فَانْقَلَبُوا} : فرجعوا من بدرٍ الصُّغرى سالمين غانمين وهو ما ذكرَهُ بقولِه:

(1)

"للمقتدين" من (م)، ولم تجود في باقي النسخ، ورسمها قريب من:"للمتبنين".

(2)

"لا" من (م) وسقطت من باقي النسخ، وهذا رد على البيضاوي في قوله: والبارز للمقول لهم.

(3)

في (ف) و (م): "وازدادوا إيمانًا". والمثبت من (ح) و (ك).

(4)

في (د): (فإن).

(5)

في هامش (د) و (ت): "فيه رد لمن لم يفرق بين الإيمانين فخلط الكلام. منه). وفي هامش (ف): "وأما الثبات على الإيمان والزيادة فيه فقد كان حاصلًا قبله. منه".

ص: 433

{بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : بنعمةٍ عظيمةٍ؛ وهيَ السلامةُ، وهرب العدوِّ منهم

(1)

.

{وَفَضْلٍ} : وهو الربح في التجارةِ، فإنهم لما أتوا بدراً وافوا بها سوقاً فاتَّجروا وربحوا

(2)

.

{لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} : ما يسوؤهم من الضررِ؛ بَدنيًّا كانَ أو ماليًّا، والتنكيرُ للتقليل والتحقير

(3)

.

{وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} : الذي هو مناطُ الفوزِ بخير الدارينِ، بجرأتهم وخروجِهم.

{وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} : بتوفيقِهم لما فعلوا، والتفضُّلِ عليهم بسعادةِ الدنيا والآخرة من الربحِ والرِّضوان، وفيهِ تحسيرٌ للمتخلفِ، وتخطئةُ رأيهِ حيث حرَمَ نفسَهُ ما فازوا به.

(175) - {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} مبتدأٌ خبرُه {الشَّيْطَانُ} ؛ أي: إنما ذلكُم المثبِّط

(4)

هو الشيطان، وما بعدَهُ بيانٌ لشيطنتِه

(5)

، أو صفتُه

(6)

وما بعدَهُ خبرُه، وبجوزُ أن تكون

(1)

في هامش (ف): "وأما الثبات على الإيمان والزيادة فيه فقد كان حاصلًا قبله. منه ". وفيه رد على البيضاوي.

(2)

رواه الطبري في "التفسير"(6/ 250) عن مُجَاهِدٍ وابن جريج.

(3)

في (ك) و (م): "والتنكير للتحقير".

(4)

في النسخ عدا (ك): (المشيط) والمثبت من (ك).

(5)

في (ف): "لبيان شيطنته ".

(6)

في النسخ: "وصفته "، والصواب المثبت؛ أي: أو صفة {ذَلِكُمُ} . انظر: "الكشاف"(1/ 443)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 49).

ص: 434

الإشارةُ إلى قوله على تقديرِ مُضافٍ؛ أي: إنما ذلكُم قول الشيطانِ، يعني: إبليسَ.

{يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} القاعدين عنِ الخروجِ مع الرسولِ صلى الله عليه وسلم، أو: يخوفكم أولياءَه الذين هم أبو سفيان وأصحابُه.

{فَلَا تَخَافُوهُمْ} الضميرُ للناسِ الثاني على الأول، وللأولياء على الثاني.

{وَخَافُونِ} : من مخالفة أمرِي، فجاهِدوا مع رسولي.

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فإنَّ الإيمانَ يرجِّحُ خوفَ اللهِ تعالى على كلِّ خوفٍ.

* * *

(176) - {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} : يقعونَ فيه سريعاً، ويرغَبون فيهِ أشدَّ رغبةٍ، وهم المنافقونَ وقومٌ من اليهودِ؛ لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41]

(1)

.

والمعنى: لا يحزُنك خوفُ أن يضروك ويُعينوا عليك؛ لقولِه:

{إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} ؛ أي: لن يضرُّوا أولياءَ اللهِ بتلك المسارعةِ، وإنما يضرُّون بها أنفُسَهم، وإنما أضاف الضررَ إلى نفسِه تشريفاً لأوليائه.

و {شَيْئًا} يحتمِلُ المفعولَ والمصدرَ، وتنكيرُه للتحقيرِ.

{يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا} : نصيباً في الثوابِ.

(1)

من قوله: "لقوله تعالى .. " إلى هنا ليس في (ك) و (م).

ص: 435

{فِي الْآخِرَةِ} : وهو يدلُّ على تمادي طغيانهم وموتِهم على الكفرِ.

وفي ذكرِ الإرادة إشعار بأن كفرَهم بلغ الغايةَ حتى أرادَ أرحمُ الراحمينَ أن لا يكونَ لهم حظٌّ من رحمتِهِ، أو بأن مسارعتَهم إلى الكفرِ لأنهُ تعالى لم يُرِد لهم أن يكونَ لهم حظٌّ في الآخرةِ.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} مكانَ الثوابِ.

* * *

(177) - {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : تعميم للكفرةِ بعد تخصيصِ المنافقينَ وقومٍ من اليهودِ، فيتناولُهم ويكونُ كالبرهانِ على أن وبالَ كفرهم وضررَهُ لا يعود إلا إليهم، وأن لهم عذاباً مؤلماً مع عِظَمه.

* * *

(178) - {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} .

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} {الَّذِينَ كَفَرُوا} نصبٌ على المفعوليةِ على قراءة: {لَا تَحْسَبَنَّ} بالتاءِ

(1)

. والخطابُ لكل مَن يحسَبُ، وقد نبَّهتُ فيما سبق على أن هذا أبلَغُ من تخصيص الخطابِ بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقولُه:

{أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ} : بدلٌ منه على الاشتمالِ

(2)

، و (ما) مصدريةٌ،

(1)

قرأ ابن عامر وعاصم {وَلَا يَحْسَبَنَّ} بالياء وفتح السين، وقرأ حمزة بالتاء وفتح السين، والباقون بالياء وكسر السين. انظر:"السبعة"(ص: 220)، و"التيسير" (ص: 81).

(2)

يعني على القراءة بالتاء، أما على القراءة بالياء ف {الَّذِينَ كَفَرُوا} فاعل {يَحْسَبَنَّ} ، و (أن) وما عملت=

ص: 436

وحقُّها أن تُكتبَ منفصلةً، ولكنها وقعَت في خطِّ الإمامِ متصلةً فاتُّبعَ سُنتُه.

وإنما اقتصَرَ على أحد المفعولَينِ مع امتناعِ ذلك في أفعال القلوبِ؛ لأن الاعتمادَ على البدلِ، والمبدَلُ منه في حكم المنحَّى ليس بمقصود، فالبدلُ وهو (أنَّ) معَ اسمِه وخبرِه ينوبُ عنِ المفعولين، ويجوزُ أن يقدَّرَ مضافٌ، أي: ولا تحسبنَّ حالَ الذين كفروا

(1)

.

وعلى قراءته بالتاءِ ف {الَّذِينَ كَفَرُوا} رفعٌ على الفاعليةِ.

والإملاء: الإمهالُ وإطالةُ العمرِ، وقيلَ: تخليَتُهم وشأنَهم، مِن: أملى لفرسِه، إذا أرخى لهُ الطِّوَلَ ليرعى كيف شاءَ.

{إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} : جملة استئنافية لتعليل الحكم السابقِ، و (ما) كافةٌ، واللامُ للتعليلِ، فإن القائلينَ بأن الخيرَ والشرَّ بإرادةِ الله تعالى يجوِّزون التعليلَ بمثل هذا، إما لأنَّه غرضٌ والغرضُ لا يلزَمُ أن يكونَ مطلوباً، بل يكفي جعلُه غايةً للفعل، وإما لأنهُ مرادٌ مع الفعل تشبيهاً بالعلةِ، وهم الذين لا يجعلون فعلَ الله تعالى معلَّلاً بالغرض.

وقرئ: (أنما) بالفتح وبكسر الأولى (ولا يحسبن) بالياء

(2)

، على معنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثمِ بل للتوبة والدخولِ في الإيمان، و (إنَّ ما نملي لهم خيرٌ) اعتراضٌ معناه: إن إملاءنا لهم خيرٌ إن انتبَهوا وتداركوا فيهِ ما فرَطَ منهم.

= فيه ساد مسد المفعولين. انظر: "روح المعاني"(5/ 155 - 156).

(1)

وهذا على تجويز أن يكون {إِنَّمَا نُمْلِي} مفعولاً ثانياً، إلا أنه لكونه في تأويل المصدر لا يصح حمله على الذوات، فلا بد من تقدير: إما في الأول؛ أي: لا تحسبن حال الذين كفروا وشأنهم، وإما في الثاني؛ أي: لا تحسبن الذين كفروا أصحابَ أنَّما نُمْلِي لَهُمْ. انظر: "روح المعاني "(5/ 156).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 23).

ص: 437

{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} على هذا

(1)

يجوزُ أن يكون حالاً من الواو؛ أي: ليزدادوا إثماً معدًّا لهم عذابٌ مهينٌ،

* * *

(179) - {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .

{مَا كَانَ اللَّهُ} أراد استمرارَ النفي، لا نفيَ الاستمرارِ، فمعنى {كَانَ} مقدَّمٌ في الاعتبار واللامُ في:{لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} لتأكيدِ النفي.

{عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} من اختلاطِ المؤمنين المخلِصين بالمنافقين حتى يَميزَ بينَهُم، والخطابُ للمؤمنين المخلصين؛ لأنهم الممنونُ عليهم، والموصوفون بالطيبِ، ولقوله:{لِيُطْلِعَكُمْ} .

{حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} تسجيل على المنافقين بالخبثِ، وعلى المؤمنين بالطيبِ؛ أي: حتى يُعزَلَ المنافق عن المخلصِ لئلا يتعدَّى خبثُهُ إليهِ.

والالتفاتُ إلى الخطاب تقريبٌ للمؤمنين وتخصيصٌ، والمعنى: لا يترككم مختلطين لا يُعرَفُ مخلِصكم من منافقكم حتى يميزَ المنافقَ من المخلصِ، بالوحيِ إلى نبيِّهِ بأحوالكم، أو بالتكاليفِ الشاقة التي لا يَصَرُ عليها ولا يُذعِنُ لها إلا الخلَّصُ المخلِصون منكُم؛ كبذل الأموالِ والأنفسِ في سبيل الله؛ ليختبِرَ بواطِنكم، ويستدلَّ به على عقائدكم.

(1)

أي: على القراءة الأخيرة. انظر: "روح المعاني"(5/ 157).

ص: 438

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} : من مضمرات

(1)

القلوبِ وغيرِها، فإنَّ ذلك مما

(2)

استأثرَ اللّهُ تعالى به.

{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} : فيعلَم بعضَ المغيَّباتِ بالوحيِ أو بطريقٍ آخرَ، وليسَ هذا مِن قبيلِ الاطلاع، ولذلك قطعَ الاستثناءَ.

{فَآمِنُوا بِاللَّهِ} بأن تعرِفوه حقَّ معرفتِهِ، وتعلَموه وحدَهُ مطَّلعاً على الغيبِ.

{وَرُسُلِهِ} بأن تعلَمُوهم عباداً مجتبَين، لا يعلمُون إلا ما علَّمَهم اللهُ تعالى، ولا يخبِرُون إلا بما أخبرَهم اللهُ تعالى من الغيوبِ بالوحي، وليسوا

(3)

من علمِ الغيب في شيءٍ قليلٍ.

قال الكافرون: إن كانَ محمدٌ صادقاً فليخبرنا بمن يؤمنُ منا ومَن يكفُرُ، فنزلَتْ

(4)

.

وقيلَ: إنه عليه السلام قالَ: "عُرِضَت عليَّ أمتي، وأُعلِمت مَن يؤمن بي ومَن يكفُرُ" فقالَ المنافقون: إنه يزعمُ [أنه يعرف] مَن يؤمن بهِ ومَن يكفُرُ، ونحنُ معه ولا يعرِفُنا، فنزلَت

(5)

.

{وَإِنْ تُؤْمِنُوا} حقَّ الإيمانِ {وَتَتَّقُوا} النفاقَ {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا يقادَرُ قَدْرُه.

* * *

(1)

في (ح): " نصرات "، وفي (ك):" خطرات ".

(2)

في (ف) و (م): (ما).

(3)

في (د): "وليس ".

(4)

انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 50).

(5)

عزاه الواحدي والبيضاوي إلى السدي، انظر:"أسباب النزول"(ص: 132)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 50)، والكلام وما بين معكوفتين منه.

ص: 439

(180) - {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} القراءات فيه ما سبقَ، ومَن قرأ بالتاءِ قدَّرَ مضافاً ليتطابقَ مفعولاهُ؛ أي: ولا تحسبنَّ بخلَ الذين يبخلُون هو خيراً لهم. وكذا مَن قرأ بالياءِ وجَعلَ فاعلَهُ ضميرَ الرسول، أو: حاسبٌ، ومَن جعلَ فاعلَهُ {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} جعَل مفعولَهُ الأولَ ما دلَّ عليهِ {يَبْخَلُونَ}؛ أي: بخلَهم، وسوَّغَ حذفه لذلك

(1)

، {هُوَ} فصل، وقرئ بغير (هو)

(2)

.

{بَلْ هُوَ} ؛ أي: البخل {شَرٌّ لَهُمْ} لاستجلابِ العقاب عليهم.

{سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} تفسيرٌ لقولهِ: {هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} ، والتطويق يستفاد للإلزام تشبيهاً لما لا ينفَكُّ عن الرجلِ بالطَّوقِ؛ أي: يستلزمون وبالَ ما بخلوا بهِ إلزامَ الطوقِ.

وقيل: يُجعَلُ ما بخِلوا من الزكاة حيةً يُطوَّقُها في عنقِه يوم القيامةِ تنهشُهُ مِن قرنه إلى قدمِهِ، وتنقُرُ رأسَهُ وتقولُ: أنا مالُكَ

(3)

.

{وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : ما يتوارثُهُ أهلُها من مالٍ وغيرِهِ، فما لهم يبخلُونَ عليهِ بماله

(4)

من ملكِه، ولا ينفقُونَهُ في سبيلِه.

(1)

في (د): "ذلك ".

(2)

تنسب للأعمش. انظر: "الكشاف"(1/ 446).

(3)

روي نحوه في البخاري (1403) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

في (ح) و (د): "بمالي ".

ص: 440

{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من المنعِ والإعطاءِ {خَبِيرٌ} فيجازيكُم، وقرئ:{تَعْمَلُونَ} بالتاء على الالتفات

(1)

، وهو أبلغ في الوعيد

(2)

.

* * *

(181) - {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} .

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} قالتهُ اليهودُ لمَّا سمعوا: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا} [البقرة: 245]، وعيدٌ بليغٌ، وقد أكَّدَهُ بالقسَمِ في {لَقَدْ}؛ أي: ولم يخفَ عليهِ، وأنهُ أعدَّ لهم العقابَ عليهِ.

وكذلكَ: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} كما يقولُ المهدِّدُ لمرتكب الجرائمِ إذا وقفَ منه على جريمةٍ جديدةٍ: لقد سمِعتُها، وسأكتُبها مع صواحبِها، يريدُ ما نسيتُ

(3)

جرائمك أجمعها، وأُلحقُ إحداها بالأُخرى محفوظةً مكتوبةً عندي حتى أواخذك

(4)

بالكلِّ.

فالكلامُ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيلية، ومفرداتُه على حقائقها، والسينُ لتأكيدِ الإثباتِ، كما أنَّ (لن) لتأكيدِ النفي، أتى بها ليكونَ الوعيدُ على طريقِ التأكيدِ، كما في الإخبارِ بوجود السماعِ لأنَّ الجريمة عظيمةٌ، إذ هو كفرٌ بالله تعالى، واستهزاءٌ بالقرآن.

(1)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو {يَعْمَلُونَ} على الغيبة، وقرأ الباقون {تَعْمَلُونَ} على الالتفات، انظر:"السبعة"(ص: 220)، و"التيسير" (ص: 92).

(2)

في هامش (د) و (ف): "رد لسعد الدين فيما زعمه أن في الكيفية استعارة. منه ".

(3)

في (ك): "ما السبب"، وفي (م):"ما سبب"، وفي (ف):"ما ينسبه به "، وفي (ح) قريب منه، وفي (د):"ما ينسب "، والصواب المثبت.

(4)

في (ك): "آخذك".

ص: 441

{وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} : هذا العطفُ تذكيرٌ لهم بما يستحقُونَ بهِ أشدَّ العذابْ إظهاراً لشدةِ الغضبِ، وتوبيخٌ شديدٌ؛ أي: هذه عظيمةٌ مثلُها، ولهم سوابقُ في ذلكَ، ومَن ارتكبَ قتلَ الأنبياءِ لم يُستبعَد منهُ الاجتراءُ على مثل هذا القولِ.

ولا احتمالَ لأنْ يكونَ قتلُ الأنبياء بحقٍّ فقولِه: {بِغَيْرِ حَقٍّ} : بيانٌ للواقع زيادةً في التفضيحِ.

{وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} تتمةٌ للوعيدِ معَ تهكّمٍ بالغٍ، ننتقم منهم بهذا القولِ، وذُقْ كلمةٌ يقولُها المنتقِمُ للمنتقَمِ منهُ؛ أي: ذوقوا كما أذقتُم المسلمينَ الغُصصَ.

* * *

(182) - {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما مرَّ من عذابِ الحريقِ تهويلاً وتعظيماً.

والذوقُ: إدراكُ الطعمِ، وعلى الاتِّساعِ يُستعمَلُ لإدراك سائرِ المحسوساتِ والحالاتِ، والتهكُّمُ بهِ لأن سببَ العذابِ قولُهم الناشئُ عن البخلِ والتهالكِ على المالِ، وغالبُ الحاجةِ إليهِ لتحصيلِ المطاعم، ومعظَمُ بخلِه للخوفِ من فقدانِه، ولذلكَ كثُرَ ذكرُ الاكلِ مع المالِ.

{ذَلِكَ} : إشارة إلى العذابِ.

{بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} مِن قتلكم الأنبياءَ، وقولهم هذا، وسائرِ معاصيهم

(1)

.

ولما كانَ أكثرُ الأعمالِ تُزاول بالأيدي، جعَلَ كل عملٍ وإن كان بالقلبِ أو اللسانِ

(1)

في (د): "لمعاصيهم ".

ص: 442

وسائرِ الجوارح عملاً بالأيدي، على سبيلِ التغليبِ، ولأن اليدَ مظهَرُ القدر

(1)

وآلةُ المباشَرةِ نسبوا الكسبَ إليها، كأنهم أرادوا كسبَ النفسِ وحدَها بلا مشاركةِ أحدٍ فيهِ.

{وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} : عطف على {بِمَا قَدَّمَتْ} ؛ أي: ذلك بسببِ كسبكُم بأنفسكُم، وبأن الله عادلٌ لا يجازيكُم إلا بما كسبتُم.

وقضيةُ العدلِ: عقابُ المسيء وثوابُ المحسن، وصيغةُ المبالغة للتنبيهُ على أن شأنَهُ تعالى البلوغُ إلى الغايةِ في كلِّ وصف يتَّصفُ به، فعلى تقدير اتصافهِ بالظلمِ يلزَمُ أن يكون ظلَّاماً.

* * *

(183) - {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{الَّذِينَ قَالُوا} : هم كعبُ بن الأشرفِ وأضرابه

(2)

.

{إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} يعني: أمرَنا في التوراة وأوصانا.

{أَلَّا نُؤْمِنَ} : بأن لا نؤمن.

{لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} : بهذه المعجزةِ الخاصة التي كانت لبني إسرائيلَ، وهو أن يقرِّبَ بقربانٍ، فيقوم النبيُّ فيدعُوَ، فتنزلَ نار سماويةٌ فتأكله؛ أي: تُحيله إلى طبعها بالإحراقِ.

(1)

في (م): "مظهرة للقدر". وفي (ك): "مظهرة لليد"، وفي (ف):" مظهر القوة".

(2)

في (م) و (ف): " وأحزابه ". وفي "تفسير البيضاوي"(2/ 52): هم كعب بن الأشرف، وما لك وحيي وفنحاص ووهب بن يهوذا.

ص: 443

{قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ} ؛ أي: جاءَ أسلافَكم الذي أنتُم على ملَّتِهم وراضون بفعلهم.

{رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : إلزامٌ لهم بأنَّ رسلاً جاؤوهم قبلَه كزكريَّا ويحيى عليهما السلام بمعجزاتٍ موجبةٍ للتصديقِ، وبهذه الآيةِ التي اقترحوها، فلمَ قتلُوهم إن كانوا صادقين

(1)

أن الإيمان يَلزمهم بإتيانها.

وأما ما قيلَ: أن هذه الآيةَ ما أوجبت التصديقَ والايمان

(2)

إلا بكونها آيةً ومعجزةً، فهي إذاً وسائرُ الآيات سواءٌ في ذلكَ، فلا يُجدي نفعاً في دفعِ ما قالُوا؛ لأنهم

(3)

ادعوا العهدَ من الله تعالى فيهِ ذلكَ.

قال السديُّ: إن الله أمر بني إسرائيلَ في التوراةِ: مَن جاءكم يزعمُ أنه رسولٌ مني فلا تصدِّقُوه حتى يأتيَكُم بالقربان تأكلُه النارُ من السماءِ، حتى يأتيكُم المسيحُ ومحمدٌ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغيرِ قربانٍ

(4)

، فما ذكروه ليسَ مِن مُفترياتهم بل مِن محرَّفاتهم.

* * *

(1)

في (ح) و (د) و (ف): "فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين "، وفي (م):"فلم قتلتموهم إن كانوا صادقين ".

(2)

في (ف): "الإيماء"، وقوله:(إلا بكونها معجزة .. ) إلى: (سواء) سقطت من (د) والمثبت من (ك) و (م).

(3)

في (م): "إلا أنهم ".

(4)

في هامش (م): "مذكور في "التيسير": قال القرطبي بعد ذلك: وقيل: كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى عليه السلام. منه ". ونحوه في هامش (ف) مع بعض تحريف وسقط.

ص: 444

(184) - {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} .

{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ} : تسلية للرسولِ صلى الله عليه وسلم مِن تكذيبِ قومِه وتكذيبِ اليهودِ.

{وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} الزبر: جمعُ زبورٍ، وهو المكتوبُ، يقالُ: زبرَهُ؛ أي: كتَبهُ، والجمعُ يدلُّ على الكثرةِ، فالمراد

(1)

منهُ الصحفُ، ومن الكتاب المنيرِ: التوراةُ، والزبورُ، والإنجيلُ.

وقرئ: {وَبالزُّبُرِ وَبالْكِتَابِ} بإعادةِ الجارِّ فيهما

(2)

، للدلالةِ على أنها مغايرةٌ للبيناتِ بالذاتِ، وأنَّ الكتابَ مغايرٌ لها.

* * *

(185) - {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّقِ والمكذِّبِ، وهو من تمام التسليةِ؛ إذ بذكرِ الموتِ والفكرة

(3)

يهونُ ما يصدُرُ من الكفار من التكذيب وغيره، وفيه دلالةٌ على أن النفسَ غيرُ البدنِ، وأنها لا تموتُ بموتهِ.

وقرئ: (ذائقَةٌ الموتَ) بالنصبِ مع التنوين على الأصلِ وعدمِه لالتقاء الساكنين

(4)

.

(1)

في (ف) و (ك) و (م): " والمراد ".

(2)

هي قراءة ابن عامر الشامي برواية هشام عنه، أما رواية ابن ذكوان عنه فبزيادة الباء في {الزُّبُرِ} وحده، وقرأ الباقون بغير باء فيهما، انظر:"السبعة"(ص: 221)، و"التيسير" (ص: 92).

(3)

في (ف): " والكفرة".

(4)

نسبها ابن خالويه، والزمخشري لليزيدي، ونسبها ابن عطية للأعمش، انظر: "المختصر في شواذ=

ص: 445

{وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} : تعطَون ثوابَ أعمالكم تامًّا وافياً.

ومَن قالَ: جزاءَ أعمالكم خيراً كان أو شراً، فكأنه لم يفرّق بين الأجرِ والجزاءِ.

{يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : يعني: في

(1)

دار الآخرةِ. ولفظُ التوفيةِ إن لم يشعِر بأنه قد يكونُ في هذه الدارِ بعضُ الأجورِ فلا يدلُّ على عدمه، فلا ينافي عليهِ ما يدلُّ على وقوعِهِ من الأخبارِ، كقوله

(2)

عليه السلام: "الصدقةُ والصلاةُ تَعْمُر أن الدِّيارَ وتَزيدان في الأعمار"

(3)

.

وأما ما يُعطى في القبرِ فمما يؤتى

(4)

في الدارِ الآخرةِ؛ لأنَّ الموتَ بابُها، والقبرَ أولُ المنزلِ.

{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} ؛ أي: بُعِّد عنها، وقد سبق في سورة البقرة.

{وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} بالنجاةِ ونيل المرادِ، والفوزِ الظفرِ بالبغيةِ.

{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} ؛ أي: لذَّاتُها وزخارِفُها {إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} : شبَّهها بالمتاع الذي يُدلَّسُ به على المستامِ ويُغرُّ حتى يشتريَهُ، ثم يتبيَّنُ له فسادُهُ ورداءته، والمدلِّسُ هو الشيطانُ.

= القراءات" (ص:23)، و"المحرر الوجيز" (1/ 550)، و"الكشاف" (1/ 485).

(1)

"في "ليست في (د).

(2)

في (م) و (ف): "لقوله".

(3)

ذكره الزمخشري في "الكشاف"(3/ 604) بلفظ: "إن الصدقة والصلة تعمران

". ورواه الإمام أحمد في "المسند" (25259) بإسناد صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً بلفظ: " .. وَصِلَةُ الزَحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ

".

(4)

في (ح) و (ف): "يوفى".

ص: 446

وإنما هذا التشبيهُ تنفيرٌ وتحذيرٌ لمن اشتراها بالآخرةِ، ويؤْثرُها عليها، وأما بالنسبةِ إلى مَن باعَها بالآخرةِ وعلمَ سرعةَ نفادِها

(1)

، واتخذ منها زادَهُ، وتركَها واختار الباقيةَ فهي متاعُ

(2)

العبورِ لا الغرورِ، والغرورُ مصدرٌ، والإضافةُ للملابسةِ.

* * *

(186) - {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} .

{لَتُبْلَوُنَّ} ؛ أي: والله لتُختَبرُنَّ {فِي أَمْوَالِكُمْ} بتكليفِ الإنفاق وما يصيبُهُ من الآفات {وَأَنْفُسِكُمْ} بالجهاد والقتلِ، والأسرِ والجَرحِ، وما يَردُ عليها من المخاوفِ والأمراضِ والمتاعب.

{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} : من هجاءِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، والطعنِ في الدين، وإغراءِ الكفرةِ على المسلمينَ.

أخبرَهم بذلك قبلَ وقوعِها ليوطِّنوا أنفسَهم على الصبرِ والاحتمالِ، ويستعدُّوا للقائها حتى لا يرهقَهم نزولها فيفوتَهم الصبرُ والأجرُ والكرامةُ.

{وَإِنْ تَصْبِرُوا} على ذلك {وَتَتَّقُوا} مخالفةَ أمرِ الله {فَإِنَّ ذَلِكَ} يعني: الصبرَ والتقوى {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} : من معزومات الأمورِ؛ أي: مما يجبُ العزمُ عليه من الأمورِ، أو مما عزم الله أن يكونَ منكم، وقطعَه عليكُم، وبالغَ فيه.

(1)

في (ف) و (ك) و (م): "نفاذها".

(2)

في (م) زيادة: "الغرور" ولعله من خطأ الناسخ.

ص: 447

(1)

في (د): "لا".

(2)

أورده بهذا اللفظ الزمخشري في "الكشاف"(1/ 284)، ولم نقف عليه بلفظ:"يعزم "، وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (1/ 150):(ولفظة يعزم لم أجدها). قلت: لكن الترمذي ترجم به لحديث حفصة.

فقد رواه أبو داود (2454)، والترمذي (730)، والنسائي (2335)، وابن خزيمة في " صحيحه "(1933)، والدارقطني في "سننه"(2216)، من حديث حفصة رضي الله عنها بلفظ:"من لم يُجْمِعْ الصِّيَامَ قبل الْفَجْرِ فلا صِيَامَ له "، ورواه النَّسَائِيّ (2331) و (2332) بلفظ: "من لم يبيت

" وهو عند ابن ماجه (1700) بلفظ: "لا صيامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِن اللَّيْل". قال الترمذي: حدِيثُ حفصةَ حديثٌ لَا نَعْرِفُهُ مرفوعاً إلا من هذا الوَجْهِ، وقد رُوِيَ عن نَافِع عن ابن عُمَرَ قَوْلهُ، وهو أَصَحُّ.

قلت: روى موقوف ابن عمر النَّسَائِيّ (2342) و (2343).

وهذا الحديث قد اختلف في رفعه ووقفه، ورفعُه غير ثابت فيما قاله البخاري في "التاريخ الأوسط"(1/ 134)، وأبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "العلل"(3/ 9)، وصَوَّب وقفه النَّسَائِيّ في "السُّنن الكبرى" بإثر الحديث (2661)، لكن مال الخطابي في "معالم السُّنن"(2/ 134)، وعبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى"(2/ 214)، وكذلك ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام"(2626) إلى تصحيح الرفع.

ص: 448

{لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} : حكايةٌ لمخاطبتهم

(1)

، وقرئ بالياءِ

(2)

لأنهم غُيَّبٌ. واللامُ جوابُ القسمِ الذي نابَ عنه قولُه: {أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ} والضميرُ للكتابِ.

{فَنَبَذُوهُ} ، أي: الميثاقَ وما عُهِدَ إليهم.

{وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} شنَّعَ على أهل الكتابِ، وبالغَ في توبيخِهم بأنهم إذ اخذَ الله ميثاقَهم وعهِدَ إليهم، وأكَّدَهُ بالقسمِ أن يُظهِروا الكتاب، وأوجبَ عليهم بالتأكيدِ بيانَ ما فيه واجتنابَ كتمانِه، فقابلوا مبالغته في ذلكَ بالمبالغةِ في اطِّراحه وتركِه، فإن النبذَ وراء الظهرِ مثلٌ في

(3)

الطرحِ بالكليَّةِ وتركِ الاعتدادِ بالشيءِ.

النبذُ: الرميُ والإبعادُ، وفي الحديثِ: أنه مرَّ بقبر منتبذ عن القبور

(4)

، أي: منفردٍ بعيدٍ عنها

(5)

.

والوراءُ كما يطلَقُ على الخلفِ يطلَقُ على الأمامِ، فإضافتُه إلى الظهرِ لتعيين معنى الخلفِ.

{وَاشْتَرَوْا بِهِ} : وأخذوا بدله

(6)

.

{ثَمَنًا قَلِيلًا} مِن حطام الدنيا وأعراضِها.

(1)

في (م): "بحال مخاطبتهم ".

(2)

قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية شعبة، وقرأ باقي السبعة بالتاء للخطاب، انظر:"التيسير"(ص:93).

(3)

"في "من (د).

(4)

رواه النَّسَائِيّ (2024) عن الشَّعبيِّ، قال: أَخْبَرَني مَن رَأَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: مَرَّ بِقَبْرٍ مُنتبِذٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفَّ أَصْحَابَهُ خَلْفَهُ، قيل: مَن حَدَّثَكَ؟ قال: ابنُ عبَّاسٍ.

(5)

في هامش (د) و (ف): "ذكره ابن الأثير في النهاية. منه".

(6)

في (د): "به".

ص: 449

{فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} : يختارون لأنفُسِهم، وقد سبقَ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة البقرةِ.

وكفى به دليلاً على أنه مأخوذٌ على العلماءِ أن يُبيِّنوا الحقَّ للناسِ، وأن لا يكتموا مما علِموه شيئاً لغرضٍ فاسدٍ؛ مِن تسهيلٍ على الظَّلمةِ، وتطييبٍ لنفوسِهم، واستجلابٍ لمسارِّهم

(1)

، أو لجر منفعةٍ، أو لتقيَّةٍ مما لا دليلَ عليهِ ولا أمانةَ، أو لبخلٍ

(2)

بالعلم أو غيره أن يُنسَب إليه غيرُهم.

وعنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "مَن كتمَ علماً عَن أهلِه أُلجِمَ بلجامٍ من نارٍ"

(3)

.

* * *

(188) - {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَن ضمَّ الباءَ جعل الخطابَ له وللمؤمنينَ. وأحد المفعولَين {الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} ، والثاني {بِمَفَازَةٍ} ، وقولُه:{فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} تأكيدٌ، والفاءُ للإشعار بأن أفعالهم المذكورةَ علةٌ لنفي الحسبانِ والنهي عنهُ، والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحُون بما فعلوا من التدليسِ وكتمان الحقِّ، {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا

(1)

في (د): "لمساوئهم".

(2)

في (ف) و (ك) و (م): "البخل ".

(3)

رواه أبو داود (3658)، والترمذي (2649)، وابن ماجه (266)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ يعلمه فكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ".

قال الترمذي: حديث حسن.

ورواه الطبراني في "الكبير"(10845) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 450

لَمْ يَفْعَلُوا} منَ الوفاءِ بالميثاقِ، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصدقِ {بِمَفَازَةٍ} منجاةٍ {مِنَ الْعَذَابِ} ؛ أي

(1)

: فائزينَ بالنجاة منهُ.

وقرئ بالياء وفتح الباء في الأول وضمِّها في الثاني

(2)

، على أن {الَّذِينَ} فاعلٌ ومفعولا {يَحْسَبَنَّ} محذوفانِ يدلُّ عليهِما مفعولا مؤكِّدِه، وكأنه قيلَ: ولا يَحْسِبنَّ الذين يفرحون بما أتوا فلا يَحْسِبُنَّ أنفسهم بمفازةٍ.

وقيلَ: المفعولُ الأولُ محذوفٌ، وقوله:{فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} تأكيدٌ للفعلِ وفاعلِه ومفعولِه الأول

(3)

.

وفيه: أن التأكيد للفعلِ والفاعلِ فقط إذ ليسَ المذكورُ سابقاً إلا الفعلُ والفاعلُ

(4)

، فالضميرُ المنصوب المتصلُ بالتأكيدِ هو المفعولُ الأول ولا حذفَ

(5)

.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بكفرهم وتدليسهم، روي أنه عليه السلام سألَ اليهود عن شيء في التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيهِ، وأروهُ أنهم قد صدَقوه وفرحوا بما فعلوا، فنزلت

(6)

، وقيلَ غيرُ ذلكَ.

(1)

"أي" زيادة من (م).

(2)

يعني والثاني بالياء مع ضم الباء، والسين فيهما مكسورة، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر:"التيسير"(ص: 92 - 93).

(3)

والتقدير: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون أنفسَهم بمفازة فلا يَحْسِبُنَّهم، والفاء زائدة. انظر:"روح المعاني"(5/ 193).

(4)

"إذ ليس المذكور سابقاً إلا الفعل والفاعل" سقط من (د).

(5)

فيه بحث ينظر في "حاشية الشهاب على البيضاوي"(3/ 88).

(6)

رواه البخاري (4568)، ومسلم (2778) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وانظر:"أسباب النزول"(ص:127)، و"تفسير الطبري"(6/ 301).

ص: 451

والحقُّ أنه شاملٌ لكلِّ مَن أتى بحسنةٍ ففرحَ بها فرحَ إعجابٍ، وأحبَّ أن يحمدَهُ الناس بما ليسَ فيه من الفضيلةِ، وبما لم يفعل من أنواع البرِّ، وأَوْهَم ولبَّسَ، وإن كان السببُ خاصًّا.

* * *

(189) - {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فهو يملك أمرَهم {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدرُ على عقابهم.

* * *

(190) - {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} .

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} لدلالاتٍ واضحةً على وجود الصانعِ ووحدَتهِ، وكمالِ علمِه وقُدرَته لذوي العقولِ الخالصة عن قشورِ الأوهامِ، والعاداتِ الصافيةِ عن مشوبِ الهوى، والخيالاتِ المدركةِ للحقائقِ بنظرِ الاعتبار، المتدبرةِ للمعاني بصوابِ الأفكارِ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها"

(1)

.

والاقتصارُ على الثلاثةِ المذكور لأن مناطَ الاستدلالِ هو التغييرُ وأنواعُه الثلاثةُ يوجَدُ فيها؛ لأنَّه إما أن يكون في الأحوال الخارجةِ عن الشيءِ كتغير الأفلاكِ، أو في جزئه كتغيرِ العناصرِ بتبدُّلِ صورها، أو في ذاته كتغيرِ الليل والنهارِ، ووجهُ الترتيب ظاهرٌ.

(1)

رواه ابن حبان في "صحيحه"(620) من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

ص: 452

(191) - {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .

{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} محلُّهُ النصبُ على الحال عطفاً على إخوتهِ؛ أي: قائمين وقاعدين ومضطجعين، يعني: يذكرونَ اللهَ تعالى ذكراً دائماً على أيِّ حالٍ كانوا من قيامٍ وقعودٍ واضطجاع.

{وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أي: في خلقِ العالم استدلالاً واعتباراً، وهو أفضلُ العباداتِ كما قالَ عليه السلام:"لا عبادة كالتفكُّر"

(1)

لأنَّه عملُ القلبِ. والمقصود من الخلق

(2)

، وفيهِ إشعارٌ بأن ذوي الألبابِ بيانَهم وتفسيَرهم الذين يذكُرون اللهَ دائماً على أيِّ حالٍ كانوا، المتفكِّرُون في خلقِه.

{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} : مقولُ قولٍ مقدَّرٍ؛ أي: يقولونَ، وهو في موضعِ الحالِ بمعنى: يتفكَّرون قائلينَ، و {بَاطِلًا} صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: ما خلقتَهُ خَلْقاً باطلاً بغيرِ حكمةٍ، أو حالٌ من {هَذَا} ، وهو إشارة إلى ما عبَر عنه بقُطريهِ، وهو عالَمُ الملكِ، وفيه ضربٌ من التعجيبِ، وظهورِ أمره في العظمةِ.

وكما أنَّ (ذلك) يُستعمَلُ في التعظيمِ. لبعدِ المرتبةِ وعلوِّ القدرِ، فكذلك (هذا)

(1)

انظر: "الكشاف"(1/ 454). ورواه ابن حبان في "المجروحين"(2/ 307)، والبيهقي في " الشعب "(4647)، عن علي رضي الله عنه أنه قال لابنه الحسن: يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا مال أعوز من العقل، ولا فقر أشد من الجهل، ولا عقل كالتدبير، ولا ورع كحسن الخلق، ولا عبادة كالتفكر

" الحديث بطوله، تفرد به أبو رجاء محمد بن عبد اللهَّ الحبطي، وليس بالقوي كما قال البيهقي. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات.

(2)

في (د): " الخلوة ".

ص: 453

يستعمَلُ لظهورِ أمره في ذلكَ المعنى، وتعيُّنهِ وانفرادِه بذلكَ

(1)

؛ أي: ما خلقتَ هذا العالمَ العجيبَ الشأنِ، النتز البرهانِ، المتفردَ

(2)

بالعظمةِ وغرابةِ الإبداعِ، باطلاً.

وفي السكوتِ على هذا القدْرِ من البيان دلالةٌ على قصور العبارةِ عن بيانِ فوائده ومنافعِه ولو إجمالاً.

{سُبْحَانَكَ} : تنزيهاً لكَ من فعل العبثِ، وخلقِ الباطلِ، وهو اعتراضٌ.

{فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} للإخلال بالنظرِ فيهِ، والقيامِ بما يقتضيهِ، ولكونِ الدلالة على وجوبِ الاعتبار به واجتنابِ الغفلةِ عنهُ مأخوذةً في:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} حَسُنَ تعقِيبهُ بهذا الكلام.

والفاءُ للسببيةِ، أي

(3)

: إذا ذكَرناك وأقرَرنا بك فقِنا.

* * *

(192) - {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .

{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} غايةَ الإخزاءِ، وهذا مستفادٌ من جعل الجزاءِ أمراً ظاهر اللزوم للشرطِ بحيثُ لا فائدةَ في ذكرِه ما دامَ محمولاً على إطلاقِه، فيُحمَلُ على أخصِّ الخصوص ليفيدَ، والمرادُ به تهويلُ المستفادِ منه.

قالَ ابن السكِّيتِ: خَزِيَ يخزَى خزياً؛ إذا وقعَ في بليةٍ؛ فلا إشعارَ فيه بأن العذابَ الروحاني أفظَعُ.

(1)

في هامش (د) و (ف): "ومن لم يتنبه له قال في صدد تفسيره وبيان المراد منه: بل خلقته لحكمة عظيمة. منه ".

(2)

في (م) و (ف): "المنفرد".

(3)

"أي" من (م).

ص: 454

وقد تمسَّكَ بهذه الآيةِ أصحابُ الوعيدِ وقالوا: مَن دخلَ النار ينبغي أن لا يكونَ مؤمناً؛ لقولِه: {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فإنَّ الله تعالى يقول: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم:8].

والجوابُ: أن المرادَ من الذينَ آمنوا معهُ الأصحابُ رضي الله عنهم، لا الذينَ آمنوا مطلقاً

(1)

.

{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} اللام للعهدِ، والإشارةِ إلى مَن يدخلُ النارَ، والإعلامِ بأن مَن يدخُلُ النارَ فلا ناصرَ لهُ، ووُضع المظهَرُ موضعَ المضمرِ للدلالة على أن ظلمَهم سببٌ لإدخالهم النارَ وانقطاعِ النصرة عنهم في الخلاصِ منها، ولا يلزَمُ من نفي النصرةِ نفيُ الشفاعة؛ لأن النصرةَ دفعٌ بقهرٍ.

* * *

(193) - {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} .

{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} إذا أُريدَ

(2)

تخصيصُ سماع القول بمن سُمعَ منهُ، وأُوقعَ

(3)

الفعلُ على مَن سُمعَ منهُ، وحُذِفَ المسموعُ، ووُصف المتكلمُ الموقَعُ عليهِ الفعل بما سُمِعَ منه، أو جُعِلَ حالاً منهُ، فيسُدُّ الحالُ أو

(1)

في هامش (د) و (ف): "لا يقال: العرف لا يساعد القيد المذكور؛ لأنَّه يكفي مساعدة اللغة وعليه التنزيل. منه ".

(2)

بعدها في النسخ: "به"، والصواب المثبت. انظر:"حاشية الشهاب على البيضاوي"(6/ 260).

(3)

في (ح) و (د) و (ف): "أو وقع "، وفي (م):"أوقع "، وسقطت الجملة من (ك). والصواب المثبت. انظر: المصدر السابق.

ص: 455

الوصفُ مسدَّهُ

(1)

، تقول: سمعت رجلاً يقولُ، وسمعت زيداً يتكلم.

وذكَرَ النداء مطلقاً ثمَّ قيدَهُ بالإيمان تعظيماً للمنادي وهوَ الرسولُ، وتفخيماً لشأنهِ، والنداءُ والدعاءُ ونحوُهما يُعدَّى بـ (إلى) واللام لتضمُّنِها معنى الانتهاءِ والاختصاصِ.

{أَنْ آمِنُوا} : أي آمِنوا، أو: بأنْ آمِنوا {بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} : فامتثلنا، والفاء للعطفِ على {سَمِعْنَا} ، أو مسبَّبةٌ عن {آمِنُوا}؛ أي: تسبَّبَ عنه إيماننا.

{رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا} : الفاء للسببية؛ أي: إذا آمنا فاغفِرْ لنا: {ذُنُوبَنَا} كبائرنا فإنها ذاتُ تبعةٍ.

{وَكَفِّرْ} تجاوز {عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} : صغائرنا فما نها مستقبَحةٌ.

في تخصيصِ كلٍّ من التعديتين بمقامهِ نوعُ إشارةٍ إلى أن المرادَ من الذنوبِ الكبائرُ كما يناسِبُها معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ

(2)

واختصاصه به تعالى، ومن السيئات الصغائرُ كما يناسبها أيضا معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ

(3)

وجوازِ استعماله في غيرِه تعالى.

{وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} : مخصوصينَ بصُحبتهم، معدودين في زمرَتهم، ولا دلالةَ فيه على طلب التوفِّي حتى يكون فيهِ تنبيهٌ على أنهم يحبُّونَ لقاءَ الله تعالى.

والأبرارُ: جمعُ بَرٍّ، أو بارٍّ؛ كأربابٍ وأصحابٍ.

(1)

أي: مسد المسموع، فتقول: سمعت رجلا يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، وأن يقال: سمعت كلام فلان أو قوله. انظر: "الكشاف"(1/ 455).

(2)

في (م): "معناها".

(3)

في (م): "معناها".

ص: 456

(194) - {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .

{رَبَّنَا وَآتِنَا} : عطفٌ على الدعواتِ السابقة، وتكرارُ {رَبَّنَا} للاستلذاذِ بذكره، والخضوعِ بالمربوبية، وكذا جميع التكرارات في الآية.

{مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} أي: على تصديق رسلكَ من الثوابِ.

قيل: لمَّا ظهرَ امتثاله لِمَا أُمرَ بهِ سألَ ما وُعِدَ عليهِ، لا خوفاً من إخلافِ الوعدِ، بل مخافة أن لا يكونَ من الموعودينَ لسوءِ عاقبته، أو قصورٍ في الامتثالِ

(1)

.

وَيرِدُ عليهِ: أنه على تقديرِ وقوعِ ما خافَهُ لا يكونُ السؤال المذكورُ مناسباً لحاله، وعلى تقديرِ عدمِهِ لا حاجةَ إلى السؤالِ، فالوجه أن يُقالَ: إنه تعبدٌ واستكانةٌ، ويجوز أن يكونَ التقديرُ: منزلاً على رُسلك، أو على

(2)

ألسنةِ رسلك.

{وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} بأن تعصِمَنا عما يقتضيه.

{إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} : بإثابةِ المؤمن

(3)

وإجابة الداعي.

* * *

(195) - {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} .

(1)

في (م): "امتثاله".

(2)

في (ف) و (م): "على رسلك وعلى".

(3)

في (د): " المؤمنين ".

ص: 457

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} ؛ أي: طلبهم

(1)

، وهو أخصُّ مِن (أجاب)، ويُعدَّى بنفسه وباللام.

وفي الآثار: مَن حَزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله تعالى مما يخاف

(2)

.

{أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} ؛ أي: بأني لا أضيعُ، وقرئ بالكسر على إرادة القولِ

(3)

.

{مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} بيانُ {عَامِلٍ} .

{بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} لأن الذكرَ من الأُنثى والأنثى من الذكرِ، أو لفرط الاتصالِ والاتحادِ لأنهما من أصلٍ واحدٍ. أو للاجتماع والاتفاقِ في الدينِ، وهي جملة معترضة بيَّنَ بها شركةَ النساءِ مع الرجالِ فيما وَعد للعمالِ.

رُوي أن أم سلمةَ رضي الله عنها قالتَ: يا رسولَ اللهِ! إني أسمع اللّهَ يذكرُ الرجال في الهجرةِ ولا يذكُر النساءَ. فنزلت

(4)

.

{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا} إلخ، تفصيل لأعمال العمالِ وما أُعِدَّ لهم من الثوابِ على سبيل المدحِ والتعظيمِ، والمعنى: فالذين هاجروا الأوطانَ والعشائرَ {وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي} بسببِ إيمانهم باللهِ، ومن أجله.

بدأ أولاً بالخاص، وهي الهجرةُ، وهي أشقُّ شيءٍ على النفسِ، وثنَّى بما هو أعمُّ منها، فإن الخروجَ من الديار لا يستلزِمُ الهجرة إلى المدينةِ؛ كخروجِ مَن خرجَ

(1)

في (ك): "طلبتهم ".

(2)

أورده الزمخشري في "الكشاف"(1/ 457) عن جعفر الصادق رضي الله عنه.

(3)

قرأ بها عيسى بن عمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 24).

(4)

رواه الترمذي (3023)، والحا كم في "المستدرك"(3174) وصححه.

ص: 458

إلى الحبشةِ وإلى جندل، وأتى ثالثاً بذكرِ الإذاية

(1)

وهو أعمُّ من أن يكونَ بإخراجٍ من الديارِ وبغيرهِ، وارتقى بعد هذه الأوصافِ السَّنِيةِ إلى رتبةِ الجهاد فقالَ:

{وَقَاتَلُوا} الكفارَ {وَقُتِلُوا} في سبيل الله، وقرئ بالعكس

(2)

ولا منافاةَ؛ لأنَّ الواو لا توجب الترتيب، والثاني أفضلُ لإشعاره بأنه قُتلَ بعضُهم وقاتل الباقونَ ولم يضعُفوا.

وقرئ: {قُتِلُوا} بالتشديدِ للتكثيرِ

(3)

.

{لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} (كفَّرَ) إذا عُدِّي بـ (عن) يفيدُ معنى: تجاوَزَ

(4)

.

{وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ؛ أي: يثيبُهم

(5)

بذلك إثابةً من عند الله تفضُّلاً منه، فهو مصدر مؤكِّدٌ.

{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} على الطاعاتِ، قادر عليهِ.

بالَغَ في جزائهم بالتأكيدِ القسَمي، وإيرادُ المصدرِ المؤكِّدِ، وتقييدُه بالعنديةِ بعد الإطلاقِ، والالتفاتُ في {عِنْدِ اللَّهِ} ، وإظهارُ اسمِه في الجملةِ بعدَهُ، وجعلُ الجملة الظرفية خبراً= غايةٌ في البلاغةِ.

* * *

(196) - {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} .

(1)

في (م): "الأذى ".

(2)

وهي قرة الأعمش وحمزة والكسائي من السبعة، انظر:"التيسير"(ص:93).

(3)

وهي قرة ابن كثير وابن عامر، انظر:"التيسير"(ص:93).

(4)

في (د): "تجاوزه".

(5)

في (د): "أثيبنهم".

ص: 459

{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} : ظاهرُ النهي للتقلُّب وحقيقتُهُ للمخاطَبِ - وهوَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتاً

(1)

له على ما كان عليهِ كما في قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} [القلم: 8]- أو لكلِّ أحدٍ؛ ليفيد

(2)

نفيَ السببِ، وهو من بابِ تنزيلِ السببِ منزلة المسبَّبِ؛ لأن التقلُّبَ لو غرَّهُ لاغترَّ بهِ، فمنعُ السببِ - أي: التغريرِ - يستلزِمُ امتناع المسبَّبِ الذي هو الاغترارُ مبالغةً، والمعنى: لا تنظر إلى ما الكفرةُ عليه من السعةِ والحظ، ولا تغترَّ بظاهرِ ما ترى من تبسُّطهم في مكاسبِهم ومتاجِرهم ومزارعِهم.

روي أن بعض المؤمنين كانوا يرونَ المشركين في رخاء ولين عيشٍ فيقولون: إن أعداء اللهِ فيما يُرَى من الخيرِ وقد هلكنا من الجوعِ والجَهدِ؛ فنزلت

(3)

.

* * *

(197) - {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} .

{مَتَاعٌ قَلِيلٌ} : خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك التقلبُ متاعٌ قليلٌ، وصِفَ بالقلةِ بالنسبة إلى ما فاتهم من نعمِ الآخرةِ، أو بالنسبةِ إلى ثواب المؤمنين، وأراد

(4)

قلَّتهُ في نفسه ودنوَّ قدره لسرعةِ انقضائه

(5)

وزوالِه.

{ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} : عطفٌ على محذوفٍ؛ كأنهُ قيلَ: يؤاخَذون بتبعَتِه يوم القيامةِ، ثم مأواهُم جهنمُ

(6)

، و (ثم) للتراخي في الرتبةِ.

(1)

في النسخ عدا (م): "مثبتاً".

(2)

قوله: "ليفيد" تعليل لإسناد النهي إلى التقلب. وجاء في (ح) و (ف): "يفيد".

(3)

انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: 139)، و"تفسير البيضاوي"(2/ 56).

(4)

في (م): "أو أراد".

(5)

في (ك) و (م): "انفصاله ".

(6)

"عطف على محذوف كأنه قيل يؤاخذون بتبعته يوم القيامة ثم مأواهم جهنم" سقط من (ف).

ص: 460

{وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ؛ أي: ما مَهَدوا لأنفسِهم، فالمخصوصُ بالذم محذوفٌ.

* * *

(198) - {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} .

{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} ؛ أي: خافوه، ولم يخالفوا أمرَهُ ولا نهيَهُ.

{لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} : قابلَ جهنم بالجناتِ، وقلةَ متاعِهم بالخلودِ في النعيمِ، فوقعت (لكنْ) أحسَن مواقعها؛ لأنَّه آلَ معنى الجملتين إلى تعذيبِ الكفارِ وإلى تنعيمِ المتقين، فهي واقعةٌ بين الضدين.

{نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} النُّزلُ بسكون الزاي وضمِّها: ما يقامُ للنازل عند نزولهِ من القِرى، وفيهِ تنبيهٌ على أن وراء ذلكَ ما هو أعظَمُ منهُ كرامةً، وانتصابُه إما على الحالِ من {جَنَّاتٌ} لتخصيصِها بالوصفِ، والعامل الظرفُ؛ أي: حاصلةً لهم الجناتُ نزلاً، أو على أنه في معنى مصدرٍ مؤكِّدٍ كقوله:{ثُوَاباً} ، كأنهُ قيلَ: رزقاً أو عطاءً من عندِ الله.

{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ} لكثرتِه ودوامِه {خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} مما يتقلَّبُ فيه الفجَّارُ؛ لقلته وسرعةِ زوالهِ.

أو خبر

(1)

في بيانِ حال

(2)

الذين كفروا بحذفِ المبتدأ والمخصوص بالذمِ واقتصار الكلام للتحقيرِ والازدراءِ وعدم الاعتدادِ بهم وبمتاعِهم، وأطنَبَ في وصف المتقينَ إظهاراً للعنايةِ بهم وبشأنِهم ومآلهم، أولاً بقوله:{لَكِنِ} ليستدرك مآلَهم المخالفَ

(1)

قوله: "أو خبر" كذا في النسخ، ولعل الصواب:"وأخبر".

(2)

في (ح) و (ف): " مآل "، و في (د):" ما ".

ص: 461

بمآلهم المباينِ بما لا يوصَفُ بَونه، ثم بقوله:{رَبَّهُمْ} وتنكيرِ {جَنَّاتٌ} للتعظيمِ، ووصفها للإبهامِ والتوضيحِ، وتقويةِ الإسناد إليهم بتكريرِ النسبةِ في {لَهُمْ} ، والجملةِ الظرفيةِ، والتقييد بالحالِ، والتأكيد بقولِه:{نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، والجملةِ الاعتراضيةِ

(1)

أي: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ} .

* * *

(199) - {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} : نزلت في ابن سلامٍ وأصحابه

(2)

، وقيل غيرُ ذلكَ

(3)

، وإنما دخلَت اللامُ على الاسمِ للفصلِ بينَه وبينَ (إنَّ) بالظرفِ.

{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} من الكتابِ.

{خَاشِعِينَ} خائفين خاضعين {لِلَّهِ} حالٌ من فاعل {يُؤْمِنُ} وجمَعَه هاهنا وفي {إِلَيْهِمْ} باعتبارِ المعنى بعدَ ما أفرَدهُ باعتبارِ اللفظِ.

{لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} كما يفعلُ مَن يُسلمُ مِن أحبارهم.

{أُولَئِكَ} الموصوفون بما ذُكرَ {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} الذي يختصُّ بهم، وهو ما وُعِدوه في قوله:{أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص: 54].

(1)

في (م): "اعتراضية".

(2)

انظر: "تفسير البيضاوي"(2/ 56). وذكره الطبري في "التفسير"(6/ 329) دون إسناد.

(3)

قيل: نصارى نجران، وقيل: النجاشي، كما ذكر الطبري عن ابن جريج وقتادة، انظر:"تفسير الطبري"(6/ 328).

ص: 462

{إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} لأنَّ علمهُ يحيطُ بكل شيءٍ، ولا يشغلُهُ شأنٌ عن شأنٍ، والمرادُ: أن الأجر سريعُ الوصول، فإن سرعةَ الحسابِ تستدعي سرعةَ الجزاءِ.

* * *

(200) - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا} على مشاقِّ الطاعاتِ وما يُصيبُكم من الشدائدِ.

{وَصَابِرُوا} أعداءَ اللهِ في الجهاد؛ أي: غالبُوهم في الصبرِ على شدائدِ الحربِ، ولا تكونوا أقلَّ صبراً منهم، وتخصيصُه بعد الأمر بالصبرِ مطلقاً لشدَّته وصُعوبته.

{وَرَابِطُوا} : أقيموا في الثغورِ رابطين خيلَكُم فيها مترصِّدين مستعدين للغزوِ.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} ؛ في مخالفةِ أمره ونهيه.

{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : لكي تفلِحُوا، والفلاحُ: الأمنُ مما يخافُ، والو صولُ إلى ما يرام.

والحمدُ لله على التمامِ، والصلاة

(1)

على نبيهِ سيد الأنام، وعلى آلهِ وصحبهِ الكرام، ما تعاقبَ الليالي والأيام

(2)

.

(1)

في (ف): " والسلام ".

(2)

هنا تنتهي النسخة الخطية المرموز لها بـ (د)، وقد جاء في آخرها:(تمت الكتاب بعون الله وحسن التوفيق، قد وقع الفراغ من تحرير هذه النسخة الشريفة المباركة على يد العبد الضعيف الفقير الحقير المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى قليل الخير والإحسان كثير الذنب والعصيان أحمد بن حاجي الأكوز غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه في أواسط ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وتسع مئة ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات). وفوق: (غفر الله له) كتب كلمة غير واضحة ثم كلمة: (قسطنطينية).

ص: 463