المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سُورَةُ يُونُسَ بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌ (1) - {الر تِلْكَ آيَاتُ - تفسير ابن كمال باشا - جـ ٥

[ابن كمال باشا]

فهرس الكتاب

‌سُورَةُ يُونُسَ

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) - {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} .

{الر} : قرِئ بفتح الراءِ على التفخيمِ، وبكسرِها على الإمالةِ

(1)

، وقرئ بينَ الفتحِ والكسرِ

(2)

، والأصلُ تركُ الإمالةِ؛ لأنَّ ألِفَها ليسَتْ مُنقلِبةً من الياءِ، ومَن أمالَهُ

(3)

قصَدَ التنبيهَ على أنها اسمٌ لا حرفٌ.

{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} {تِلْكَ} إشارةٌ إلى ما تضمَّنهُ السورة أو القرآنُ، والمراد من {الْكِتَابِ} أحدُهما، والأول أبلغُ من حيثُ إن البعض إذا استقلَّ بوصفِ الكمالِ فالكلُّ أولى.

والحكيمُ: ذو الحكمةِ؛ وصِفَ به لاشتماله عليها، ويجوزُ أن يكونَ من قَبيل

(4)

توصيفِ الكلامِ بصفة المتكلمِ؛ كـ (شعرٌ شاعِرٌ) للمبالغةِ؛ كأنهُ في نفسهِ حكيمٌ لكثرة حِكَمهِ، وأن يكونَ على تشبيه الكتابِ بالحكيمِ الناطق بحكمتِه، فيكون استعارةً مَكْنيةً، وإثباتُ الحكمةِ قرينةٌ.

(1)

قرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة، والباقون بالفتح مع التفخيم، انظر:"التيسير"(ص: 120).

(2)

هي قراءة ورش، انظر:"التيسير"(ص: 120).

(3)

في (ك): "أمال".

(4)

"قبيل" سقط من (ك).

ص: 7

(2) - {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} .

{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} : الهمزةُ لإنكار تعجُّبِ الكفارِ من الإيحاءِ، ولتعجُّب السامعين من تعجُّبهم لكونهِ في غير المحلِّ.

و {عَجَبًا} خبرُ (كان) قدِّمَ على اسمِه، وهو:{أَنْ أَوْحَيْنَا} لكونِ الإنكارِ والتعجُّبِ

(1)

راجعَين إليه.

وقرئ: (عجبٌ)

(2)

فجعِلَ اسمًا مع كونهِ نكرةً لتخصُّصهِ بتقدمِ {لِلنَّاسِ} عليهِ؛ لأنَّه في المعنى صفةٌ له انقلبَت حالًا بالتقدمِ، والاستفهامُ - خصوصًا الإنكاريُّ - في حكمِ النفيِ، و {أَنْ أَوْحَيْنَا} خبرًا، على عكسِ ما تقدم لا على القلبِ، لا لأنَّه خلافُ الأصلِ؛ لأنَّه لا يخِلُّ بالبلاغةِ، بل لأن القلبَ المقبولَ هو المشتمِلُ على لطيفةٍ، أو اعتبرَ {كَانَ} تامةً، و (عجبٌ) فاعلٌ لها، والمعنى: أحدَثَ للناس عجبٌ لأن أوحينا.

وأما ما قيل: {أَنْ أَوْحَيْنَا} بدلٌ من (عجبٌ)

(3)

، فلا يساعده سدادُ المعنى.

اللام في {لِلنَّاسِ} متعلقةٌ بـ {عَجَبًا} على طريق البيانِ؛ بمعنى: أن هذا العجبَ لهم كما في: {هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23] بمعنى: هذا الخطابُ لكَ؛ أي: أنهم جعلُوه أعجوبةً يتعجَّبون مِنها، ونصبوه لهم علمًا في إنكارِهم واستهزائهم بهِ، ولو قيلَ:(عند الناس) لم يُفد هذا المعنى.

(1)

في (ك): "والتعجيب".

(2)

نسبت لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "الكشاف"(2/ 224).

(3)

في النسخ: (عجب)، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(2/ 327)، و"تفسير البيضاوي" على هامش حاشية الشهاب (3/ 5). وهذا رد عليهما في القول بالبدلية على قراءة ابن مسعود.

ص: 8

والتعبيرُ عنهم باسمِ الجنس للتحقيرِ كما في قولهم: ومن الناس مَن يقولُ كذا؛ فكأنهُ قصدَ مقابلَتهم فيما قصدُوه بقولهم:

{إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} تعجَّبوا من أن يُوحَى إلى رجلٍ من أفناءِ رجالهم، دون عظيمٍ من عظمائهم، فقد كانوا يقولونَ: العجبُ أن اللّه لم يجد رسولًا يرسلُه إلى الناسِ إلا يتيمَ أبي طالبٍ؛ وذلك من فَرْطِ حماقتِهم وقصورِ نظرِهم عن معرفةِ الأوصاف التي بها اختارَه اللّهُ تعالى للرسالةِ، فإنَّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم لم يكُن ليقصر من عظمائهم في النسبِ والحسبِ والشرفِ وكلِّ ما يُعتبَرُ في الرياسةِ من أكرم

(1)

الخصالِ، إلا المالِ، وخفَّةُ الحال أعوَنُ شيءٍ في هذا الباب، ولذلك كان أكثرُ الأنبياءِ عليهم السلام قبلَهُ كذلكَ.

وقيل: تعجَّبوا من أنه تعالى بعثَ بشرًا رسولًا كما سبقَ ذكرُه في سورة الأنعامِ، فمَن خلطَ بينَ الوجهَين لم يصِبْ كما لا يخفَى على ذوي الأفهامِ

(2)

.

{أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} {أَنْ} هي المفسِّرةُ؛ لأن في الإيحاءِ معنى القول، وجُوِّزَ أن تكونَ مخفَّفةً من الثقيلةِ على أن الأصلَ: أنه أنذِر، والمعنى: أنَّ الشأنَ قولُنا: أنذرِ الناسَ، وموقعه النصبُ بـ {أَوْحَيْنَا} .

وفيهِ حذفُ الاسمِ والخبرِ، وفي الأول خلافُ الكوفيينَ، فالأَولى أن تكون مصدريةً تقديره: بإنذار الناس

(3)

.

وذُكرَ اسم الجنسِ للتعميمِ للفريقين، كأنهُ قالَ: أن أنذرِ الناسَ مؤمنًا كان أو كافرًا.

(1)

في (ك): "كرم".

(2)

في هامش (م): "رد لصاحب الكشاف".

(3)

"تقديره بإنذار الناس" من (م).

ص: 9

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} : خاصةً؛ لأن المبشَّرَ به مشروطٌ بالإيمانِ، فالبشارةُ به تنقلِبُ إنذارًا في حقِّ الكفارِ، لا للاستغراقِ؛ كما ذهبَ إليه مَن قال: عمَّم الإنذارَ إذ قلَّما مِن أحدٍ ليس فيه ما ينبغِي أن يُنذَر منهُ

(1)

؛ لأنَّ تبليغَ الإنذارِ ولو بإرسالِ الخبرِ إلى كلِّ مَن في عصرِه ليسَ في وسعِه عليه السلام

(2)

.

وإطلاقُ المؤمنين للتعميمِ لمن آمَن من الثقلَين، وبذلكَ يَنجبرُ

(3)

القصورُ السابقُ إلى الوهمِ من تخصيص الإنذارِ بأحدهما لأصالَتهِ في أمرِ البعثةِ؛ لأن المفهومَ إنما يُعتَبرُ إذا لم يعارِضهُ المنطوقُ، وهذا الشرطُ مفقودٌ هاهنا؛ لأن العبارةَ وإن كانت ساكتةً عن العمومِ لكن الدلالةَ ناطقةٌ بهِ بقرينَةِ ما في قرينهِ من التعميمِ، وإنما قدَّمَ الإنذارَ على التبشيرِ لأنَّه أهمّ، ولأن التحليةَ بعد التخليةِ أتمّ.

{أَنَّ لَهُمْ} في محلِّ النصبِ بـ (بشِّر) على حذف الباءِ.

{قَدَمَ صِدْقٍ} سمِّيتِ السابقةُ والمسعاةُ الجميلةُ قدمًا لأنَّ السعيَ والسبق إنما يكونُ بالقدَمِ؛ كما سمِّيَتِ النعمةُ يدًا لأنها تُعطَى باليد، وإضافتُها إلى الصدقِ للدلالة على زيادة فضلٍ، وأنها متحقِّقةٌ، لو أنَّ صاحبَها قد نالها بصدقِ القول والنية.

(1)

قائل هذا هو البيضاوي، وزاد:(وخصَّص البشارة بالمؤمنين إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة). انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 104). وقوله: (عمم الإنذار .. الخ)؛ أي: حيث قال: {النَّاسَ} دون: المؤمنين والكافرين. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(4/ 5).

(2)

وتعقبه الشهاب بقوله: (ولا مانع من الاستغراق العرفي؛ أي: كل أحد ممن يقدر على تبليغه؛ إذ تبليغ جميع أهل عصره غير ممكن له، وإليه يشير قول المصنف رحمه الله: إذ قلما من أحد .. الخ، فلا وجه للاعتراض بأنَ الاستغراق المفهوم من كلامه غير صحيح لأنّ تبليغ الإنذار إلى كل من في عصره

). انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(4/ 5).

(3)

في (م) و (ف): "ينحصر".

ص: 10

ويجوزُ أن يُرادَ به المنزلةُ الرفيعة معنويةً أو صوريةً، فيكونَ كقوله:{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 55] وَيعضدُه قولُه:

{عِنْدَ رَبِّهِمْ} ، ومَن قالَ: أي: سابقةً وفضلًا ومنزلةً ورفعةً، لم يُصِب في الجمعِ بين وجهَي المجازِ، بل بينَ وجوهِه

(1)

.

{قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا} : فيه دلالة على أنهم يقولونَه عند حضرته عليه السلام.

{لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} : وقرئ: {لَسَاحِرٌ}

(2)

، والإشارةُ إلى القرآنِ وسائرِ ما أتى به من الخوارقِ للعاداتِ، وكيف ما كان ففيهِ اعترافٌ بعجزِهم عن المعارضةِ، وتسليمٌ لإعجازهِ معنًى، وإن كانوا يطلِقون عليه لفظَ السحرِ عنادًا ومكابرةً؛ لأن التعجُّبَ أولًا ثم التكلمَ بما هو معلومُ الانتفاءِ قطعًا حتى عندَ نفسِ المعارِضِ دأبُ العاجزِ.

* * *

(3) - {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : دلَّ بهِ على عظمةِ شأنِه وكمالِ سُلطانِه بالقدرة على خلق أصولِ الممكنات كلِّها معَ سعتها وبسطِها في وقتٍ يسيرٍ، وعلى عِظمِ ملكِه بالاستواءِ على العرش، ثم قرَّرها وأكَّدَها بقولِه:

(1)

في هامش (م): "رد لصاحب الكشاف ومن حذا حذوه".

(2)

وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر ونافع، انظر:"التيسير"(ص: 120).

ص: 11

{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} لأنَّ تدبيرَ أمر الخلائق كلِّها بتهيئةِ أسبابها وترتيبِها على النظامِ الحكمي مما يبينُ أمرَ العظمةِ ويقرِّرُه.

والتدبيرُ: النظرُ

(1)

في أدبارِ الأمورِ لتقعَ على ما ينبَغِي من الوجهِ الأتمِّ الأصوبِ.

ثم زادَ في تقريرِ معنى العظمةِ والكبرياءِ والعزةِ والجلالِ بقولِه:

{مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} كقولهِ: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [النبأ: 38] وفيهِ إثباتُ الشفاعة لمن أَذِنَ له، وأما الردُّ على مَن زعمَ أن آلهتهم تشفَعُ لهم عندَ اللّه تعالى فلا يتمُّ؛ لأنهم يدَّعونَ أن اللّهَ تعالى يأذَنُ لهم في الشفاعةِ، ولا دلالةَ في الآية على عدمِ الإذن لهم

(2)

.

{ذَلِكُمُ اللَّهُ} إشارةٌ إلى المعلومِ الموصوف بتلكَ العظمةِ والكبرياءِ الموجبةِ لاستحقاقِ العبادةِ؛ أي: ذلكُم الموصوفُ بما وُصِفَ هو:

{رَبُّكُمُ} لا غيرُ؛ إذ لا يشاركُه أحدٌ في شيءٍ من ذلكَ.

{فَاعْبُدُوهُ} وحدَهُ ولا تشركُوا به شيئًا من أشرفِ الموجوداتِ فضلًا عن الجمادِ.

(1)

"النظر"من (ك).

(2)

في هامش (م): "قوله: وأما الرد إلى قوله: فلا يتم

إلخ لأن دعواهم هذه لا دليل عليها، بل قام الدليل على عدمها لأنَّه جمادات لا شعور لها بشيء حتى يصح منها الشفاعة، بل على فرْض شعورها فهي ممنوعة من الشفاعة لأنها ليست أهلًا للشفاعة لقصور رتبها عن رتبة الشفعاء، وعلى فرض أهليتها لكنه لم يؤذن لها في الشفاعة إذ لا يؤذن في الشفاعة إلا في حق من تصح فيه الشفاعة وتنفعه، وهي لا تنفع الكافر لتحتُّم خلوده في النار، فكيف يصح أن يؤذن في الشفاعة فيه؛ فعلى كل حال فهو رد عليهم فيما ادعوه وقام الدليل على بطلانه. تأمل".

ص: 12

{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} : أبَعْدَ النظرِ في تفرُّدِه تعالى في هذهِ الأوصافِ، الموجِبِ لتخصيصِهِ بالعبادةِ، لا تتذكَّرونَ فتتنَبَّهون بأدنى تفكُرٍ على خطأ ما أنتُم فيهِ؟!

* * *

(4) - {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} .

{إِلَيْهِ} لا إلى غيرِه {مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} بالبعثِ من القبورِ يوم النشورِ، ظاهرُهُ إخبارٌ عن المالِ، وباطنُهُ إنذارٌ بما فيه من سوءِ الحالِ، وأمرٌ على وجهِ الإرشادِ بالاستعدادِ ليوم التنادِ.

{وَعْدَ اللَّهِ} مصدَرٌ مؤكِّدٌ لنفسِهِ؛ لأن قوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} وعدٌ من اللّه تعالى.

{حَقًّا} مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لغيرِه، وهو ما دلَّ عليهِ {وَعْدَ اللَّهِ} .

{إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} : بعدَ بدئه وإهلاكِه، استئنافٌ كالدليلِ لِمَا تقدَّم؛ وذلكَ أنه تعالى لمَّا أخبَر عن وقوع الحشرِ والنشرِ ذكرَ بعده ما يدلُّ على كونِه ممكنَ الوقوعِ في نفسِه بقولِه:{إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} ؛ لأن إمكانَ الوجود أولًا يدُلُّ على إمكانِه ثانيًا، ثم ذكَرَ ما يدلُّ على وقوعِهِ بقولِهِ:{ثُمَّ يُعِيدُهُ} .

وقيلَ: هو كالتعليلِ لقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} لأنهُ لمَّا كان المقصودُ من الإبداِء والإعادة مجازاةَ اللّه المكلَّفين على أعمالهم، وجَبَ أن يكون مرجِعُ الجميعِ إليه، ويؤيدُه قراءةُ {إِنَّهُ} بالفتح

(1)

؛ أي: لأنَّه، وبعدَ حذف اللامِ يكون منصوبًا بالظرفِ أعني {إِلَيْهِ} .

(1)

وهي قراءة أبي جعفر، انظر:"النشر"(2/ 282).

ص: 13

ويجوزُ أن يكون من غيرِ اعتبارِ اللامِ منصوبًا بـ (وَعَدَ) المحذوفِ

(1)

، مفعولًا به باعتبارِ المعطوفِ؛ أعني: ثم يعيدُه؛ لأن الموعودَ هو الإعادةُ لا البدءُ، أو مرفوعًا بـ[ما نَصَب]{حَقًّا} المحذوفِ

(2)

.

وقد

(3)

قرئ: (وعَدَ اللّهُ) على لفظ الفعل

(4)

، و:(حقٌّ أنهُ يبدأ الخلقَ)

(5)

؛ كقولك: حقٌّ أن زيدًا منطلِقٌ

(6)

، وقرئ:(يُبدئ الخلق) من الإبداء

(7)

.

{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} متعلِّق بـ (يجزي)؛ أي: بعدلِه، أو: بعدالتهم، أو: بما عدَلوا بإيمانهم وعملِهم، ولم يظلِموا بالشركِ؛ لأنَّ الشرك ظلمٌ عظيمٌ، وهو الأوجَهُ لمقابلتِهِ قولَهُ:{بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} .

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} : من ماءٍ حارٍّ مغليٍّ قد انتهى حرُّه، وهو في جهنَّمَ.

(1)

أي: المقدر ناصبًا لقوله: {وَعْدَ اللَّهِ} ؛ أي: وَعَدَ اللهُ وَعْدًا بَدْءَ الخلق ثم إعادته. أنظر: "الكشاف"(2/ 329).

(2)

أي: بالفعل المقدر ناصبًا لقوله: {حَقًّا} ؛ فهو فاعل له على هذا الوجه؛ أي: حقَّ حقًّا بدءُ الخلق. انظر: "الكشاف"(2/ 329)، وما بين معكوفتين منه.

(3)

"قد" سقط من (ك).

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 56)، و"الكشاف"(2/ 329).

(5)

انظر: "الكشاف"(2/ 329) والكلام منه، و"المحرر الوجيز"(3/ 105)، و"البحر"(12/ 18)، وعزاها ابن عطية لابن أبي عبلة. ووقع في النسخ:"حقا أنه يبدأ الخلق كقولك: حقا .. " بالنصب في الموضعين، والمثبت من المصادر. والوجه في الإعراب عند أبي حيان أن يكون (حقٌّ) خبرًا مقدمًا على المبتدأ الذي هو (أنه يبدأ).

(6)

في (ف): "منطلقًا".

(7)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 56).

ص: 14

{وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} ؛ أي: عذابٌ

(1)

يخلصُ وجعُه إلى قلوبهم.

{بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} : غيَّرَ النظمَ، ولم يقُلْ: ويجزي الذين كفروا بشرابٍ من حميمٍ وعذابٍ أليمٍ بسبب كُفرِهم كما قالَ: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} ؛ للمبالغةِ في استحقاقِهم للعقابِ ولصوقِ

(2)

العذابِ بهم.

وجعَلَ ثوابَ الإيمان والعملِ الصالحِ غرَضًا دونَ عقابِ الكُفر للتنبيهِ على أن المقصودَ بالذاتِ من الإبداءِ والإعادةِ هو الإثابةُ، وأن اللّه تعالى هو الذي يتولَّى إثابة المؤمنين بما يَليق بلطفِه وكرمِه ولذلك لم يعيِّنهُ، وأما العقابُ فإنه واقع بالعَرَضِ كأنه داءٌ ساقَهُ إلى الكفرةِ سوءُ اعتقادِهم وشؤمُ أعمالِهم.

* * *

(5) - {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً} إن كان {جَعَلَ} بمعنى: (صيَّرَ) يكونُ {ضِيَاءً} مفعولًا ثانيًا، وإن كانَ بمعنى (خَلَق) يكونُ حالًا، والضياء مصدر، أو جمعُ ضوءٍ كسياطٍ وسَوط، والياءُ فيهِ

(3)

منقلبةٌ عن الواوِ.

وقرئ بهمزَتين

(4)

على القلبِ بتقديم اللامِ على العينِ.

(1)

في (ك): "عذابه".

(2)

في (ك): "ولصدق".

(3)

"فيه" سقط من (ك).

(4)

وهي رواية قنبل عن ابن كثير، انظر:"التيسير"(ص: 120).

ص: 15

{وَالْقَمَرَ نُورًا} : جعلَ نفس الشمس ضياءً وعينَ القمرِ نورًا للمبالغة

(1)

.

ولما كانت الشمسُ أعظَمَ جِرمًا خُصَّت بالضياءِ؛ لأنَّه هو الذي لهُ سطوعٌ ولمعانٌ وهو أقوى من النورِ.

وقيلَ: ما هو بالذات ضوءٌ؛ وما هو بالعرَضِ نورٌ؛ فكأنهُ قصَدَ بما ذكر التنبيهَ على أن نور الشمسِ ذاتيٌّ، ونور القمرِ عرضيٌّ مستفادٌ منها.

{وَقَدَّرَهُ} : قدَّرَ القمرَ.

{مَنَازِلَ} ؛ أي: مسيرةَ منازِلَ، أو: قدَّره ذا منازلَ كقولهِ: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39] والمرادُ بالمنازلِ: البروجُ؛ إذ بها وبقطعِها عددُ الشهورِ والسنينَ، وخصَّصَ القمر بها لأن المعتبرَ في الشرع السنةُ القمريةُ والشهر الهلاليُّ، وبهما يتعلق أحكامُ الشرعِ، ولذلك علَّلهُ بقولِه:

{لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} ؛ أي: حسابَ الأوقاتِ من الأشهُرِ والأيام والليالي في معاملاتكم وعباداتكم.

{مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ {إِلَّا بِالْحَقِّ} حالٌ مستثناةٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: ما خلقَهُ بحالٍ إلا مُلْتبِسًا بالحق مراعيًا فيهِ مقتضى الحكمةِ البالغة إلى الصوابِ.

{يُفَصِّلُ الْآيَاتِ} : نبيِّنُ العلامات التي يُستدلُّ بها على الحقِّ.

{لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} خصَّهم بالذكر

(2)

بذلك لأنهم هم

(3)

المنتفعُون بها.

* * *

(1)

"للمبالغة" من (م).

(2)

"بالذكر" من (م).

(3)

"هم" سقط من (ك).

ص: 16

(6) - {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} .

{إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} اختلافُهما: تعاقُبهما

(1)

وكونُ أحدِهما يخلُفُ الآخرَ، وتفاوتُهما وكونُ أحدِهما يزيدُ بنقصان الآخرِ.

{وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} من أنواعِ الكائنات.

{لَآيَاتٍ} على وجود الصانعِ ووحدَتِه، وكمالِ علمِه وقُدرته.

{لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} خصَّهم بذلك لأن الباعثَ على النظرِ والتدبرِ لا يكون إلا تقوى اللّه والحذرَ عن العاقبةِ، فهم الذين يعلمونها آياتٍ، وينتَفِعون بها دون غيرِهم.

* * *

(7) - {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} : لا يخافُونه، لا لإنكارِهم البعثَ؛ لأنهُ لا ينتظِمُ مع تعليلِ قرينهِ، بل لاعتمادِهم على شفعائهم.

واستعمالُ الرجاء في معنى الخوفِ شائعٌ؛ كما في قولِهِ تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] وقالَ الهُذَلي:

إذا لسعَتهُ نحلةٌ لم يرجُ لَسْعَها

(2)

(1)

"تعاقبهما"من (م).

(2)

صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في "ديوان الهذليين"(1/ 143)، و"معاني الفرآن" للفراء (1/ 286)، و"مجاز القرآن "(2/ 73)، و"تفسير الطبري"(7/ 456)، و"حاشية الشهاب" (6/ 413). وفي المصادر: إذا لسعته النحل، وعجزه:

وخالَفها في بيتِ نُوبٍ عواسِلِ

ص: 17

والمرادُ من لقاءِ اللّه تعالى: سوءُ الحساب عندَهُ تعالى، وما يترتَّبُ عليه من إصابةِ المكروهِ، وهذا صريحٌ في عدمِ تأثير التحذيرِ والترهيبِ فيهم.

{وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} من الآخرةِ؛ لغفلَتِهم عنها، ولا تمشيةَ لهذا التعليل في حق المنكرينَ لها؛ ضرورةَ أن الإنكارَ لأمرٍ لا يجامِعُ الغفلة عنهُ.

ووصفُهم هذا كنايةٌ عن أن الترغيبَ لا يجدِي نفعًا في حقِّهم.

ولما احتُملَ أن يُقالَ: لمَ لا يجوزُ أن يُزالَ غفلَتُهم بالتنبيهِ والاستدلالِ، دفعَهُ بقولِه:

{وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} ؛ أي: سكَنوا فيها سكونَ مَن لا يُزعَجُ عنها، فانظُر إلى حسن انتظامِ هذا المقالِ، فمَن قالَ في تفسيرِ الوصفِ الأولِ: لا يتوقَّعونَه لإنكارِهم البعثَ وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءَها. فكما أخطأ في التعليلِ لم يصِب في المعلَّل؛ لأنَّه أخلَّ بشقِّ الترهيبِ.

ثم إن قولَه: وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءها، إنما يناسِبُ تفسيرَ الرجاء بالأملِ على ما هو حقيقَتُه، وحملُ اللقاءِ على نيل الثوابِ على أن عبارةَ الذهولِ لاقتضائه سبق العلم

(1)

لا يُناسِبُ المقامَ.

{وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} لا يتفكَّرون فيها لانهماكِهم فيما يضادُّها

(2)

.

والواو بين الموصولينِ للجمعِ بين الوصفَين المتغايرينِ، والتنبيهِ على أن الوعيدَ لهُ، أو الذاتَين وهما

(3)

الفرقةُ الفارغةُ عن أحوال الآخرةِ وأهوالِها الراضيةُ بالحياة الدنيا، والتي ألهاهم حبُّ العاجلِ عن التأمُّلِ في الآجلِ والإعدادِ له.

(1)

"سبق العلم" من (م).

(2)

في (ك): "يضارهم". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(3/ 106).

(3)

"هم" سقط من (ك).

ص: 18

(8) - {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .

{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} بما واظَبُوا عليهِ وتمرَّنوا به من المعاصي.

* * *

(9) - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} .

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} : بسببِ إيمانهم، إلى سلوكِ السبيل المؤدِّي إلى الجنةِ؛ ولذلكَ جعَلَ:{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} بيانًا وتفسيرًا له، أو: يهدِيهم في الآخرَةِ بسببِ نورِ إيمانهم إلى الجنةِ؛ كقوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [الحديد: 12]، أو لِمَا يريدونَهُ في الجنةِ، وعلى هذا يكونُ {تَجْرِي} خبرًا ثانيًا لـ {إِنَّ} ، أو حالًا من الضميرِ المنصوبِ في {يَهْدِيهِمْ} ، وجعَلَ التمسكَ بسببِ السعادةِ نفسَ الوصولِ إليها، كأنَّ هدايتَهم إلى الطريقِ هدايتُهم إلى المقصِدِ بسرعَةِ الأداءِ إليه.

{فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} متعلقٌ بـ {تَجْرِي} ، أو بـ {يَهْدِي} ، أو خبر، أو حالٌ آخرُ من الضميرِ المذكورِ، أو من الأنهارِ.

ولا يخفَى على مَن أنصَف، وبالتجنُّبِ عن التعسُّفِ اتَّصف، أن الجمعَ بين الإيمانِ والعمل الصالحِ ظاهرٌ في أنه السببُ، لا سيما في مقامِ الترغيبِ في اكتسابِ أسبابِ حسنِ اللقاءِ، واجتناب أسبابِ سوءِ الجزاءِ.

ثم التصريحُ بسببيةِ الإيمان المضافِ إلى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} كالتنصيصِ على أنهُ ذلكَ الإيمانُ المقرونُ بالعملِ الصالحِ، لا

ص: 19

مُطلَقُ الإيمانِ، غايةُ الأمرِ أنه ذُكرَ لأصالَتِهِ وزيادةِ شرفِهِ، فلا يكونُ ذكرُه مستدركًا ولا دالًّا على استقلالِ الإيمانِ.

وبهذا التفصيل اندفَعَ ما قيلَ: ومفهومُ الترتيبِ وإن دلَّ على أن سبَبَ الهدايةِ هو الإيمانُ والعملُ الصالح، لكنْ دل منطوق قوله تعالى:{بِإِيمَانِهِمْ} على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمةِ والرديفِ

(1)

.

قيلَ: ولا مخالِفَ لما ذُكرَ من أهل السنةِ والجماعةِ؛ لأن العصاةَ غيرُ مَهديين، وأما أنَّ كلَّ مَن لم يكن مهتديًا فهو خالدٌ في النار فهو ممنوعٌ، ودعوى ذلك غايةُ المكابرةِ

(2)

.

ولا وجهَ له؛ لأن الكلامَ في الهدايةِ بسبب الإيمانِ إلى سلوك السبيلِ المؤدِّي إلى الجنةِ، وعصاةُ المؤمنين مهديُّون

(3)

بهذه الهدايةِ، ولا خلافَ في أنَّ مَن لا يكونُ مهتديًا بهذه الهدايةِ لا يدخُلُ الجنةَ.

فالصوابُ في الجوابِ عن تمسُّكِ المخالفِ بهذه الآية: أنها مُعارَضةٌ بمثل قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21] فإنَّ فيه دلالةً على أن الإيمان وحدَه كافٍ في استحقاقِ ما أُعِدَّ لهُ.

والأصلُ في النصوصِ التوقيفُ، وهو هاهنا بحملِ النعيمِ على ما هو اسمٌ خاصٌّ لإحدى الجنانِ السبعِ على ما مرَّ تفصيلُه في تفسيرِ سورةِ البقرةِ، والمرادُ من الجناتِ المضافةِ إليهِ: ما فيه من البساتينِ، ونظيرُه قولُه تعالى: {فَلَهُمْ جَنَّاتُ

(1)

القائل لهذا هو البيضاوي في "تفسيره"(3/ 106).

(2)

القائل لهذا هو القزويني في "الكشف على الكشاف" كما في "روح المعاني"(11/ 41).

(3)

في (ف): "مهتدين".

ص: 20

الْمَأْوَى} [السجدة: 19] فيجوزُ أن تكونَ الهدايةُ إلى جنةِ النعيم مشروطةً بالعمل الصالحِ لكون

(1)

الإيمانِ وحدَه كافيًا في الهدايةِ إلى مُطلَقِ الجنةِ.

* * *

(10) - {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

{دَعْوَاهُمْ فِيهَا} أي: دعاؤهم: {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} أي: اللهُمَّ إنَّا نسبِّحك تسبيحًا.

{وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا} أي: تحيةُ بعضِهم لبعضٍ، أو: تحيةُ الملائكة إياهم.

{سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} خاتمةُ دعائهم: {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: أنْ يقولوا ذلكَ، و (أنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ؛ أصلُهُ: أنَّه الحمدُ للّهِ، والضميرُ للشأنِ.

وقرئ: (أنَّ الحمْدَ للّهِ) بالتشديدِ ونصب (الحمد)

(2)

، يعني: أن أهلَ الجنة مستغنون عن طلب النوالِ؛ لحضورِ كلِّ ما يشهِّيهم في الحالِ، آمنونَ عن احتمال الانقطاعِ والزوالِ، فلا جرَمَ دعاؤهم أولًا وآخرًا مقصورٌ على التمجيدِ والتحميدِ.

* * *

(11) - {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .

(1)

في (م): "فيكون"، وذكر في الهامش أن في نسخة:"لأن".

(2)

حكاها ابن خالويه عن بلال بن أبي بردة الأشعري، وابن محيصن، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 56).

ص: 21

{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} أصلُهُ: ولو يعجِّلُ اللّهُ للناس الشرَّ تعجِيلَه لهم الخير حين

(1)

استعجلُوهُ بالخيرِ، فوضَع {اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} موضعَ: تعجيله الخيرَ، وحذف ما حذف منه لدلالة الباقي عليهِ إيجازًا، وذلك الوضعُ للإشعار بسرعةِ إجابته تعالى لهم في الخيرِ، حتى كان استعجالُهم به نفسَ تعجيله له، وبأنَّ المراد بالشرِّ: الشرُّ الذي استعجلُوه كقولهم: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} [الأنفال: 32].

{لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} ؛ أي: ولو يعجِّلُ اللّهُ لأهل مكة الشرَّ الذي دعَوا به واستعجلُوه كما يعجِّلُ لهم الخيرَ، ويجيبُهم إليهِ لَمَا قاموا لعذابنا، بل أهلِكُوا

(2)

وأُميتوا؛ لأن تركيبهم

(3)

في الدنيا لا يحتمِلُ ذلكَ.

وقرئ: {لَقُضِيَ} على البناء للفاعلِ

(4)

وهو اللّه تعالى، ويؤيده قراءةُ:(لقَضَينا)

(5)

.

وهذه الآيةُ متصلةٌ بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} دلالةً على استحقاقِهم العذابَ، واللّهُ تعالى إنما يمهلُهم استدراجًا، وجيءَ بـ (الناسِ) بدل ضميرِهم تفظيعًا للأمرِ، ثم قيلَ:{فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} مصرَّحًا باسمهم، وذكرُ

(1)

في (ف) و (م): "حتى".

(2)

في (ك): (هلكوا).

(3)

في (ف): (تركهم).

(4)

وهي قراءة ابن عامر.

انظر: "التيسير"(ص: 121).

(5)

نسبت لعبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه، انظر:"الكشاف"(2/ 227).

ص: 22

المؤمنين إنما وقعَ في البينِ تتميمًا ومقابلةً فليس بأجنبيٍّ، ومن هنا ظهرَ أنه لا حاجةَ إلى أن يجعَلَ {فَنَذَرُ} جوابَ شرطٍ محذوفٍ.

* * *

(12) - {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا} لإزالتِه في جميع أحوالِه لا يَفتُرُ عنه في حالٍ من أحوالِه.

{لِجَنْبِهِ} : مُلْقًى لجنبِهِ

(1)

، في موضع الحالِ لعطفِ الحالين عليهِ، أي: دعانا مضطجعًا {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} فالترديدُ للتعميمِ لجميع أحوال أصنافِ - أو لجميع أصناف أحوال

(2)

- الضررِ مُلْقًى لجنبِه عاجزًا عن القعودِ، أو قاعدًا لا يقدِرُ على القيامِ، أو قائمًا لا يقدِرُ على النقلةِ، أي: لا يستغني عن الدعاءِ في نوعٍ من أنواعِه.

{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ} : مضى على طريقهِ الأولى في الذهولِ والغفلةِ عنَّا ونسي الجهدَ، أو: مرَّ عن موقفِ الدعاءِ لا يرجِعُ إليه.

{كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا} أصلُه: كأنَّهُ لم يدعُنا، فخفَّف وحذفَ ضمير الشأنِ كما في قوله:

ونَحْرٍ مُشْرِقُ اللَّونِ كأنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ

(3)

(1)

في النسخ: "ملقيا" وهو خطأ؛ لأنَّه اسم مفعول من لقيَ، وليس المعنى عليه، بل هو من الإلقاء، واسم المفعول منه هو المثبت. انظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 107)، و"روح المعاني"(11/ 52).

(2)

"أو لجميع أصناف أحوال " من (م).

(3)

لا يعرف قائله، وهو في "كتاب سيبويه"(1/ 281)، و"أمالي ابن الشجري"(1/ 237).

ص: 23

{إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} ؛ أي: كشفِ ضرٍّ.

{كَذَلِكَ} مثلَ ذلك التزيين {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} عملُهم من الإعراضِ عن الذكرِ والدعاءِ، والانهماك في الشهواتِ.

* * *

(13) - {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)} .

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الخطابُ لأهل مكةَ {لَمَّا ظَلَمُوا} : حينَ ظلَموا بالتكذيبِ {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} الواو للحالِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ (قد) لأنها لم تدخُل على:{وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} وحدَهُ، بل على جملَةِ ذلك القولِ والتي تليها، كأنهُ قيلَ: لما ظلَموا وقصَّتُهم هذِه، وقد مرَّ نظيرُ هذا في أوائلِ سورة البقرة في تفسير قوله تعالى {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} الآية

(1)

.

أو عطفٌ على {ظَلَمُوا} ؛ لأن معناهُ: إحداثُ التكذيبِ، وهذا معنى الإصرارِ عليه بحيثُ لا فائدة في إمهالِهم.

{وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} : وما استقامَ لهم أن يؤمنوا لفسادِ استعدادِهم، واللامُ لتأكيد النفيِ، وأما علمُه تعالى بأنهم يموتونَ على الكفرِ فلا تأثيرَ له في عدمِ إيمانهم؛ لأنَّ العلمَ تابعٌ للمعلُومِ فلا يؤثِّرُ فيهِ.

ويجوزُ أن يكونَ عطفًا على {ظَلَمُوا} ، ويكونُ {ظَلَمُوا} مؤخَرًا عن

(1)

"في تفسير قوله تعالى {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} الآية" من (م).

ص: 24

{وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} معنًى، وإن قدِّمَ عليهِ لفظًا للاهتمامِ كما قدِّمَ:{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} على {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] لذلكَ، والمعنى: أنَّ السبب في إهلاكِهم تكذيبُهم الرسلَ، وعدمُ الفائدةِ في إمهالهم بعدَ أن أُلزِموا الحجةَ ببعثِهِ الرسلَ.

ويجوزُ أن يكونَ {وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} اعتراضًا لتقريرِ ما تخلَّلَ هو بينَهُ.

{كَذَلِكَ} : مثلَ ذلكَ الجزاءِ بالإهلاك على وجهِ الاستئصالِ {نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} أرادَ المجرمينَ بالجُرم المعهودِ، وهو تكذيب الرسلِ والإصرارُ عليه.

وإنما قال: {نَجْزِي الْقَوْمَ} لأن الكلامَ في عذاب الاستئصالِ، ولم يتنبَّه له مَن قالَ في تفسيره: نجزي كلَّ مجرمٍ، والمقصودُ وعيدٌ لأهل مكةَ، وتهديدٌ لهم، ومبناهُ على اندراجِهم فيه اندراجًا أوليًا، وهذا أبلَغُ من الخطابِ لهم، ومَن لم يتنبَّه له جوَّزَ أن يكونَ المعنى: نجزيكم، على وضعِ المُظهَرِ موضِعَ المُضمَرِ.

* * *

(14) - {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)} .

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} : من بعد القرونِ التي أهلكناهم، جَعْلَ مختبِرٍ.

{لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أتعملونَ

(1)

خيرًا أم شرًا؟ فيعامِلَكم على حسبِ أعمالكُم، استُعيرَ {ثُمَّ} للتراخي في الرتبةِ فلا يُغني عنهُ قولُهُ:{مِنْ بَعْدِهِمْ} .

و {كَيْفَ} في محلِّ النصبِ بـ {تَعْمَلُونَ} مستعارًا لمعنى: أيَّ شيءٌ؟

(1)

"أتعملون" من (ك).

ص: 25

فيكونُ نصبُه على المفعوليةِ، ويجوزُ أن يكون نصبُه على الحاليةِ؛ أي: لننظُرَ على أيِّ حالٍ تعمَلون: على حالِ الخير أم على

(1)

حالِ الشرِّ، ولا يجوزُ انتصابُه بـ {لِنَنْظُرَ} لأنَّ الاستفهام لا يتقدمُ عليهِ عاملُهُ، وفائدتُهُ: التنبيهُ على أن المعتبرَ في الجزاءِ ماهياتُ

(2)

الأفعالِ وكيفيَّاتها، لا هِيَ من حيثُ ذاتُها، ولهذا يحسُنُ الفعلُ تارةً ويقبُحُ أُخرى.

والنظرُ على حقيقتِهِ لأن الكلامَ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيليَّةِ؛ كقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا} [الفرقان: 23] على ما نبَّهتُ عليه آنفًا.

ومَن لم يتنبَّه لذلك قالَ: هوَ مستعارٌ للعلم المحقَّقِ الذي هو العلمُ بالشيء موجودًا.

ويلزَمهُ الالتزامُ بأن يكون علمُه تعالى بالحوادثِ حادثًا، ولا صحةَ له؛ لأنَّه صفةُ كمالٍ، لا يجوزُ خلوُّهُ تعالى عنهُ، ومنشؤه الغفولُ عن أنَّ مَن ليسَ بزمانيٍّ لا يتوقَّفُ عِلمُه بالحوادثِ على مرور الزمانِ، وحصولِ تلكَ الحوادثِ في أوقاتها، كما هو شأنُ علمٍ هو زمانيٌّ.

* * *

(15) - {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .

(1)

"على"ليس في (ك).

(2)

في (ف): "جهات".

ص: 26

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ} لا يخافون {لِقَاءَنَا} يعني: المستهزئين من المشرِكينَ؛ ذكرَه ابن عباسٍ رضي الله عنهما

(1)

.

{ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا} : بكتابٍ آخرَ ليس فيه ما يَغيظُنا من ذمِّ آلهتِنا والوعيدِ على عبادَتِها نتَّبِعْكَ.

{أَوْ بَدِّلْهُ} : بأنْ تجعلَ مكانَ آيةٍ تفيد ذلك آيةً أُخرى، وإنما اقترَحوا ذلك مكرًا وطمَعًا في إجابته إليهِ، فيُلزِموه ويستهزئوا منهُ.

ولمَّا كانَ الإتيان بقرآنٍ غيرِ هذا ليس مقدورًا للإنسانِ، لم يَحتَجْ إلى نفيِه، ونَفَى ما هو مقدورٌ له وإن كان غيرَ جائزٍ في حقه

(2)

عليه السلام، فقيل لهُ:{قُلْ مَا يَكُونُ لِي} : ما يصحُّ

(3)

لي {أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} مصدرٌ استُعمِلَ ظرفًا.

هذا بحسب جليل النظر، والذي هو بحسب دقيقِه: أن نفي الثاني نفيٌ للأولِ دلالةً، فلا اقتصارَ في النفي ولا اكتفاءَ ببعضِ الجوابِ، واللّهُ تعالى أعلَمُ بالصوابِ.

{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} تعليلٌ لقوله: {مَا يَكُونُ لِي} ؛ لأنَّ المتَّبِعَ لغيره في أمرٍ سيَّما الوحي لا يستبِقُ بالتصرفِ فيه بوجهٍ، وجوابٌ للنقصِ بنسخِه بقرآنٍ آخرَ، ورَدٌّ لِمَا عرَّضوا به في هذا السؤالِ من أنَّ القرآنَ كلامُه عليه السلام ومفتراهُ، ولذلكَ قيَّدَ التبديلَ في الجوابِ بقوله:{مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} وسماهُ عصيانًا بقولِه:

(1)

ذكره ابن الجوزي من طريق أبي صالح عن ابن عباس، والواحدي عن الكلبي، فيرجح أن رواية ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه. انظر:"أسباب النزول "(ص: 264)، و"زاد المسير"(2/ 320).

(2)

في (ك) و (م): "نفسه".

(3)

في (ف): "صح".

ص: 27

{إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} ؛ أي: بالتبديلِ {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} : فيهِ إيماءٌ بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الإخراج.

* * *

(16) - {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ} غيرَ ذلكَ.

{مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ} : ولا أَعلَمَكم به على لساني؛ أي: إن تلاوتَهُ ليسَت إلا بمشيئةِ اللهِ تعالى لا بمشيئتي حتَّى أجعلَهُ على نحو ما تشتهونَهُ.

وقرئ: {أَدْرَاكُمْ} بلام التأكيدِ

(1)

، أي: لو شاءَ اللهُ ما تلوتُه عليكُم، ولأعلمكم اللهُ به على لسانِ غيري، والمعنى: إنهُ الحقُّ الذي لا محيصَ عنهُ، لو لم أُرسَل به لأُرسِلَ به غيري.

وقرى: (ولا أدراتُكم)

(2)

على لغةِ مَن يقولُ: أعطاته وأرضاته

(3)

، في: أعطيتُه وأرضيتُه، ويعضدُه قراءةُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما:(ولا أنذرتكم)

(4)

.

(1)

هي قراءة قنبل ورواية أبي ربيعة - وهو محمد بن إسحاق بن وهب الربعي المكي أنبل أصحاب البزي في وقته - عن البزي عن ابن كثير، انظر:"التيسير"(ص: 121)، و"معرفة القراء الكبار" للذهبي (1/ 454).

(2)

نسبت للحسن. انظر: "تفسير الثعلبي"(5/ 124)، و"الكشاف"(2/ 335).

(3)

في (ف): " أعطيته وأرضيته "، وفي (ك):" أعطته وأرضته "، وفي (م):" أعطئته وأرضئته ". والمثبت من المصدرين السابقين.

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 54)، و"الكشاف"(2/ 335)، و"البحر"(12/ 39).

ص: 28

وقرئ: (ولا أَدْرَأكم به)، [(ولا أَدْرَاعْيهم)] بالهمزةِ

(1)

على لغةِ مَن يقلب الألفَ المبدلةَ من الياءِ همزةً لأنهما من وادٍ واحدٍ، أو على أنهُ من دَرَأْتُه: إذا دفعتَهُ، وأَدْرَأْتُه: جعلتُه داريًا؛ أي: ولا جعلتكم بتلاوته خُصماءَ تدرؤونني بالجدالِ وتكذِّبونني.

{فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا} طويلًا مقدارَ أربعين سنةً.

{مِنْ قَبْلِهِ} من قبلِ هذا القرآنِ؛ أي

(2)

: لا أتلوهُ ولا أعلَمُ شيئًا، وهو تقريرٌ

(3)

لكونه مِن إعلام اللهِ تعالى وبمشيئته، فإنَّ مَن نشأ بهم وعاش فيهم هذه المدَّةَ لم يتعلَّم شيئًا، ولم يجالس قطُّ عالمًا، ولم يمارِس علمًا، ولم ينشِئ خطبةً ولا قريضاً، ثم أتى بكلامٍ بذَّت فصاحتُه فصاحةَ كلِّ بليغٍ، وعلا نظمُهُ كلَّ منظومٍ ومنثورٍ، خارقًا للعادةِ، أعجزَ عن معارضتِهِ البلغاءَ عن آخرِهم، محتوٍ على فنون العلومِ والحِكَمِ، ناطقٍ بغيوبٍ لا يعلَمُها إلا اللهُ، مشتمِلٍ على أصولِ الأحكامِ وفروعِها، معربٍ عن أقاصيصِ الأولينَ وأحاديثِ الآخرينَ على ما هي عليهِ، عُلِمَ أنه معلَّمٌ به

(4)

من عندِ الله تعالى.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : أفلا تستعملون عُقولكم بالتأمُّلِ فيهِ فتعلَمون أنهُ ليسَ إلا من اللهِ تعالى لا من مِثلي، فلا تتَّهموني بالافتراءِ على الله تعالى.

(1)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 108)، والكلام وما بين معكوفتين منه، والأولى ذكرها أيضًا العكبري في "إملاء ما من به الرحمن" (ص: 669)، والثانية نسبت لابن عباس وابن سيرين والحسن وغيرهم. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 56)، و"المحتسب"(1/ 309)، و"الكشاف"(2/ 335)، و"البحر"(12/ 38).

(2)

"أي" ليست في (ك)، وتحرفت في (م) إلى "أو".

(3)

في (ك): "تقريب".

(4)

"به "من (ف).

ص: 29

(17) - {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} .

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} : كنايةٌ منه عليه السلام ومنهم؛ أي: أظلَمُ مني إن افتريتُ على اللهِ كذبًا بتبديلِ ما أنزَلَ اللهُ تعالى عليَّ، ومنكم بتكذيبِكم بآياتِ الله تعالى، وقد سبقَ في تفسير سورة البقرة وجهُ هذه الطريقةِ الاستفهاميةِ في مقام المبالغةِ.

وأما ما قيلَ: تظليمٌ للمشركين بافترائهم على اللهِ تعالى في قولهم: إنهُ ذو شريكٍ، وذو ولدٍ. فيأباهُ التصديرُ بالفاء الدالَّةِ على ترتيبِ الكلامِ على ما سبقَ.

وإنما زاد قولَهُ: {كَذَّبَ} مع أنَّ الافتراءَ لا يكونُ إلا كذلكَ؛ إظهارًا لِمَا فيه من جِهَتي القبحِ.

{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} لا يظفرونَ بمطلوبٍ، ولا يَصِلُون إلى مأمولٍ، ولا يأمنون من محذورٍ.

* * *

(18) - {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} ؛ أي: الأوثانَ؛ لأنها جماداتٌ لا تضرُّهم إن تركوا عبادَتها، ولا تنفَعُهم إن عبدُوها، ومن خواصِّ المعبودِ أن يكونَ قادرًا على النفعِ والضرِّ، مُثيبًا على الطاعةِ، معاقبًا على المعصيةِ.

ص: 30

{وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ} الأوثانُ {شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} تشفَعُ لنا في الآخرةِ، وعن النضر بنِ الحارث: إذا كان يومُ القيامةِ شفعَت لي اللاتُ والعزَّى.

ومَن زادَ على هذا قولَه: إنْ نكن نُبعَثُ، وكأنهُم كانوا شاكِّين فيهِ - فقد أتى بشيءٍ عُجاب، كما لا يخفى على ذوي الألباب

(1)

.

{قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ} : أتخبرونَهُ

(2)

{بِمَا لَا يَعْلَمُ} ؛ أي: بما لا وجودَ له أصلًا، وهو أن لَهُ شريكًا.

إنباؤهم للهِ تعالى تهكُّمٌ بهم وتقريعٌ لهم بإخبارِهم علَّامَ الغيوبِ بما ادَّعَوه من المحالِ الذي هو وجودُ الشركاءِ، وشفاعتُهم عند الله تعالى، وإعلامٌ ببطلانِه واستحالتِه بأنَّ ما لا يتعلَّقُ علمه بهِ لم يكُن شيئًا أصلًا؛ لأن علمَهُ تعالى محيطٌ بجميع الأشياءِ

(3)

، ولا حاجةَ في تمشيةِ هذا الكلامِ إلى تفسيرِ الشيء بما يُعلَمُ ويخبر عنه.

{فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} : حالٌ من العائدِ المحذوفِ مؤكِّدةٌ للنفيِ، لا لأن ما لم يوجد فيهِما فهو منتفٍ لعدمِ صحَّتهِ، بل لِمَا جرى بهِ العُرفُ من أنه يقالُ عندَ تأكيد النفيِ: ليس هذا

(4)

في السماءِ ولا في الأرضِ؛ لاعتقادِ العامَّةِ أن كلَّ ما يوجد فهو إما في السماءِ وإما في الأرضِ؛ فلا حاجةَ إلى التزامِ أن يكون الكلامُ إلزاميًا، ودعوى أن الأمرَ كذلك في اعتقاد

(5)

دعوى المخاطَبين.

(1)

في هامش (ف) و (م): "رد لصاحب "الكشاف"، ويفهم منه عدم تمام ما في تفسير القاضي من التنبيه. منه".

(2)

في (ك): "تخبرونه".

(3)

"بجميع الأشياء" من (م).

(4)

"هذا" سقط من (ك).

(5)

"اعتقاد" ليس في (ك).

ص: 31

{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} : عن إشراكِهم، أو: عن الشركاءِ الذين يشركونهم به

(1)

.

* * *

(19) - {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .

{وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً} : موحِّدينَ على الفطرةِ من غير اختلافٍ بينَهم، وذلكَ في عهد آدمَ عليه السلام، إلى أن قتَلَ قابيلُ هابيلَ.

وقيل: بعد طوفان نوح

(2)

حينَ لم يذَر من الكافرين ديَّارا. ومَبْنَى هذا على عمومِ آفَةِ الطوفانِ، وتمامُه موقوفٌ على أن يكونَ نوحٌ عليه السلام مبعوثًا لكافة الأنام، حتى يلزَم الكفرُ لمن لم يتَّبعهُ، ولا يخفَى ما فيه من الكلام.

{فَاخْتَلَفُوا} باتِّباعِ الهوى، فبعثَ الله تعالى النبيين مبشِّرينَ ومنذِرين، على ما مرَّ في سورة البقرةِ، فمن وهَم أن اختلافهم ببعثةِ الرسلِ فما فهِم أنه مخالفٌ لنصِّ القرآن.

{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} : قضاءٌ جرى في الأزلِ بتأخيرِ الفصلِ والحُكمِ بينَهم إلى يومِ القيامةِ لمجال الردى

(3)

والعملِ في دارِ التكلِيفِ.

{لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} عاجلًا {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بتمييزِ الحقِّ عن الباطلِ بإبقاء المحقِّ وإهلاك المبطِلِ.

(1)

"به "ليس في (ك).

(2)

في (ك): "بعد الطوفان". وقوله "نوح" ليس في (م).

(3)

"لمجال الردى" كذا في (ف) و (ك)، وفي (م):"لمحال الردي"، ومعناها غير ظاهر على كليهما.

ص: 32

(20) - {وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} .

{وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ}

(1)

أرادوا بهِ آيةً من الآياتِ التي كانوا يقترحونها

(2)

، غيرَ مكترِثين بما نزل عليه عليه السلام من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل مثلُها على أحد من الأنبياء عليهم السلام قبله، خصوصًا القرآنُ المعجز الباقي على وجه الدهر، وغيرَ مقتدين

(3)

به عنادًا ومكابرة، بل جعلوا نزوله كلَا نزولٍ، وكأنه لم ينزل عليه آية قط، حتى قالوا:{لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} بتنكير {آيَةٌ} للتحقير؛ أي: آيةٌ ما واحدةٌ وشيءٌ من جنس الآية، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرد، وانهماكهم في الغَيّ.

{فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ} ؛ أي: إني لا أعلم المانعَ من إنزالها؛ فإنها غيبٌ ولا يعلَمُ الغيبَ إلا اللهُ.

وما قيلَ: فلعله يعلَمُ في إنزالها من مفاسدَ تَصرِفُ عنهُ

(4)

. لا ينتَظِمُ مع قولِه:

{فَانْتَظِرُوا} : نزولَ ما اقترحتُموه {إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} : ما يَفعلُ اللهُ بكم من العذابِ بجحودِكم الآياتِ العظامَ، واقتراحِكم غيرَها تعنُّتًا.

* * *

(1)

في هامش (ف) و (م): "عدل عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع حكاية للحال الماضية، وقصدًا إلى الاستمرار. منه".

(2)

في (ف): "يفترونها".

(3)

في (ك): "مقيدين".

(4)

أي: عن إنزالها، كما صرحت به عبارة البيضاوي صاحب هذا القيل. انظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 109).

ص: 33

(21) - {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} .

{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} : كخصبٍ وأمنٍ وصحة {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ} : من القحطِ والشدةِ والمرض {مَسَّتْهُمْ} : خالطتهم حتى أحسُّوا بسوء أثرِها.

{إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} قد سبق في تفسيرِ سورةِ الأعرافِ بيانُ معنى

(1)

المكرِ، وما بهِ يفارقُ الكيدَ، و {إِذَا} الأولى شرطيةٌ، والثانيةُ للمفاجأةِ وقعَت جوابًا للشرطِ.

قيلَ: سلَّطَ اللهُ تعالى القحطَ على أهل مكةَ سبعَ سنينَ حتى كادوا يهلِكُون، ثم رحمِهم بالحيا، فطفِقوا يقدَحون في آياتِ الله تعالى، ويمكُرون برسوله

(2)

عليه السلام.

{قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} إنما قالَ: {أَسْرَعُ مَكْرًا} يعني: منكُم؛ لأنَّ معنى المفاجأةِ قد دلَّ على السرعةِ ففضّل عليها

(3)

؛ أي: فاجَؤوا في وقتِ إذاقةِ الرحمة المكرَ، وسارعوا إليهِ قبلَ أن ينفضُوا من رؤوسهم غبارَ الضرَّاءِ، ومعناه: قد دبَّرَ عذابكم وهو مُوقِعه بكم قبلَ أن تدبِّروا كيدكَم في إطفاءِ نور الإسلامِ.

والمكر من الله تعالى: جزاءُ مكرِهم، وأخذُهم

(4)

بغتةً بعد الاستدراجِ.

{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} إعلامٌ بأنَّ ما دبَّروا في إخفائه من مقدماتِ

(1)

في (ك): "لمعنى".

(2)

في (ك): "رسوله".

(3)

يعني: استعمل أفعل التفضيل في مقابلة مفاجأتهم الدال عليها (إذا) الفجائية.

(4)

في (ف): "وأخذه".

ص: 34

المكرِ لم يَخْفَ على الحفظةِ فضلًا عن أن يخفى على اللهِ تعالى، وإيعادًا بالانتقامِ وتحقيقٌ لهُ، وقرئ:{يمكرون}

(1)

ليوافقَ ما قبله.

* * *

(22) - {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} .

{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ} يمكنكم من السيرِ فيه بأن جعلَ لكُم الأرضَ ذَلولًا تمشُون في مناكبها، وقرئ:{ويَنْشُرُكم}

(2)

من النشرِ.

{وَالْبَحْرِ} ولمَّا كان السيرُ فيه أغرَبَ، وإلى ظهورِ آثار القدرةِ والرحمةِ أقربَ، خصَّهُ بالتفصيلِ فقالَ:

{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} في السفنِ، و {حَتَّى} على القراءةِ الثانية لبيانِ أن غاية السيرِ مضمونُ الجملةِ الشرطيةِ

(3)

، والالتفاتُ في:

{وَجَرَيْنَ بِهِمْ} ؛ أي: بمن فيها؛ [وهو التفاتٌ]

(4)

للمبالغةِ في جريِ الفلكِ بمرادهم، كأن ركوبها ووقوعَهم في الغيبة مع لسرعةِ الجري، وفي تقبيحِ حالهم

(1)

هي رواية روح عن يعقوب. انظر: "النشر"(2/ 282)، ونسبت للحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 56)، و"البحر"(12/ 49).

(2)

وهي قراءة ابن عامر، انظر:"التيسير"(ص: 121).

(3)

في هامش (ف) و (م): "أما على القراءة الأولى فلا حاجة إلى التأويل لأن الكون في السفن يصلح غاية للتسيير بمعنى التمكين من السير. منه".

(4)

زيادة يقتضيها السياق، وانظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 109)، و"حاشية الشهاب"(5/ 18).

ص: 35

بمنزلةِ ما إذا أعرَضَ المتكلِّمُ عن المخاطبِ، وحكَى لغيرِه سوءَ صنيعِه وقلةَ حيائهِ، كأنهُ يذكِّرُ بغيرِهم حالَهم ليُقبِّحَهم منها، ويستدعي منهم الإنكارَ والتقبيحَ.

ولك أن تقولَ في وجهِ الالتفاتِ: إن قولَهُ: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر} خطابٌ فيهِ امتنانٌ، وإظهارُ نعمةٍ للمخاطَبين، والسائرونَ في البر والبحر مؤمنون وكفارٌ، والخطابُ شاملٌ؛ فحسُنَ خطابهم بذلكَ ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعل الطالحَ يتذكَّرُ هذه النعمةَ فيرجِعَ، فلما ذكرَتْ حالَهُ اَلَ الأمرُ في آخرِها إلى أن الملتبِسَ بها هو باغٍ

(1)

في الأرضِ بغيرِ الحقِّ عدَلَ عن الخطابِ إلى الغيبةِ، حتى لا يكونَ المؤمنون يخاطَبون بصدورِ مثل هذه الحالةِ.

{بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} ليِّنةِ الهبوبِ {وَفَرِحُوا بِهَا} بتلكَ الريحِ.

{جَاءَتْهَا} جوابُ: {إِذَا} والضميرُ للريحِ الطيبةِ بمعنى: تلقَّتْها {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} : ذاتُ عصفٍ، شديدةُ الهبوبِ.

وجوِّزَ أن يكونَ الضميرُ للفلكِ، ولا يلائمه قولُه:{وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ} لِمَا فيهِ من تخصيصِ مجيء الريحِ بالسفينة، ومجيءِ الموجِ بمن فيها بلا نكتةٍ تقتضِيها، بل معنى مجيء الموجِ من جهاتٍ متقابلةٍ يستدعي أن يكون الضميرُ للريح الطيبةِ حتى يفيدَ معنى التقابلِ والتدافعِ بين الريحين فتحصلَ المبالغةُ في اللجاجِ

(2)

البحرِ واضطرابِ أمواجِها المقصودةِ من قولِه:

{مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} فإنَّ عبارةَ {كُلِّ} في مثل هذا المقامِ للمبالغةِ والتفخيمِ، لا للإحاطة والتعميمِ، ومن غفلَ عنه قيَّدَ المكانَ بقوله: يجيءُ الموجُ منهُ.

(1)

في (ف): "ساع".

(2)

في (ف): "عجاج".

ص: 36

{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} سُدَّت عليهم مسالكُ الخلاصِ، كمن أحاط به العدوَّ، مَثَلٌ في الهلاكِ فاستُعملَ مكانَهُ.

{دَعَوُا اللَّهَ} بدلٌ مِن {مُخْلِصِينَ} بدلَ الاشتمالِ؛ لأن دعاءَهم من لوازمِ ظنَهم.

{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} : موحِّدين بلا إشراكٍ، لصفاءِ الفطرةِ بزوال المانعِ من شدة الخوفِ.

{لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} مفعولُ {دَعَوُا} لأنهُ من جملةِ القولِ فلا حاجةَ إلى تقديرِه، واللامُ في {لَئِنْ} موطِّئةٌ للقسمِ.

* * *

(23) - {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ} إجابةً لدعائهم.

{إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ} : فاجؤوا الفسادَ فيها وسارَعوا إلى ما كانوا عليه.

{بِغَيْرِ الْحَقِّ} : احترازٌ من البغي بالحقِّ؛ كتخريبِ المسلمين ديارَ الكفارِ، وقلعِ أشجارِهم، وإحراقِ زروعِهم، فإنه إفسادٌ بحقٍّ.

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ} : تلوينٌ للخطاب في أثناء الكلامِ، والتفاتٌ آخَرُ لشدةِ الاعتناءِ بترك البغيِ، والمبالغةِ في النهيِ، والتنفيرِ عنهُ.

{إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} : {بَغْيُكُمْ} مبتدأٌ {عَلَى أَنْفُسِكُمْ} صلته

(1)

{مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} خبره؛ أي: بغيُكم على مَن هو من جنسكم ومثلُكم، يعني: بغيُ

(1)

في (ف) و (م): "صلة".

ص: 37

بعضِكم على بعضٍ منفعةُ الحياة الدنيا لا تبقَى ويبقى عقابُها.

أو {عَلَى أَنْفُسِكُمْ} خبرٌ، أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسِكُم، و {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو متاعُ الحياة الدنيا.

وقرئ {مَتَاعَ} بالنصب

(1)

على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ، و {عَلَى أَنْفُسِكُمْ} خبرٌ؛ أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسكُم تتمتَّعون متاعَ الحياة الدنيا.

{ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ} في القيامةِ {فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وقد

(2)

سبق تفسيرُه في سورةِ التوبةِ.

* * *

(24) - {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .

{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : حالُها العجيبةُ في سرعةِ تقضِّيها وذهابِ نعيمِها

(3)

بعدَ إقبالها واغترارِ الناس بها.

{كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} : فاشتبَك بسببِه حتى خالطَ بعضُه بعضًا لتكاثُفه.

{مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ} : من الزروعِ والبقولِ والحشيش.

(1)

هي قراءة عاصم برواية حفص، وباقي السبعة بالرفع، انظر:"التيسير"(ص: 121).

(2)

في (ك): "قد".

(3)

في (ف): "بغيتها".

ص: 38

{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا} : استعيرَ لتلكَ البهجةِ

(1)

والنضارةِ والألوان المختلفةِ لفظةُ الزخرفِ وهو الذهبُ

(2)

، لمَّا كان من الأشياءِ البهيَّةِ المنظرِ السار للنفوسِ.

{وَازَّيَّنَتْ} : بأصنافِ النباتِ وأشكالها وألوانِها المختلفة، و (ازَّينت) أصلُهُ:(تزينَت) فأُدغِم، وقد قرئ على الأصلِ

(3)

، و:(أَزينَتْ) على أفعلَت

(4)

من غير إعلالٍ

(5)

- كأَغْيَلت - أي: صارَت ذات زينةٍ، و:(ازيانَّتْ) كابياضَّتْ

(6)

.

{وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} : متمكِّنون من حصدِها وتحصيلِ ريعِها والانتفاع بها.

{أَتَاهَا أَمْرُنَا} : بإتلاف زرعِها وإفساده ببعض العاهاتِ بعدَ أمنهم من آفاتها.

{لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا} ؛ أي: فجعلنا زرعَها، على تقديرِ حذف المضافِ للمبالغة.

{حَصِيدًا} : مقطوعًا مُستأصلًا شبيهًا بالحصيدِ.

{كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} ؛ أي: كأن لم ينبُت ذلك الزرعُ، ولا حاجةَ هنا إلى تقديرِ

(1)

في (ك): "الهيجة".

(2)

في (ف): "الزينة". والمثبت من (ك) و (م)، واللفظ يحتملهما، قال ابن عطية:(الزخرف: التزين بالألوان، وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه. انظر: "المحرر الوجيز" (3/ 114).

(3)

نسبت لأبي وابن مسعود والأعمش. انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 114)، و"البحر"(12/ 60).

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 56)، و"المحتسب"(2/ 311).

(5)

في (ك) و (م): "إدغام ". والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي"، قال الشهاب: كان قياسه أن يعل فتقلب ياؤه ألفًا فيقالَ: أَزَانَتْ؛ لأنَّه المطَرد في باب الإفعال المعتل العين، لكنه ورد على خلافه كـ: أغيلت المرأة بالغين المعجمة: إذا سقت ولدها الغيل، وهو لبن الحامل، ويقال أغالت على القياس. انظر:"حاشية الشهاب على البيضاوي"(5/ 20).

(6)

نسبت لعوف بن أبي جميلة، انظر:"المحرر الوجيز"(3/ 114).

ص: 39

المضافِ، وقرئ بالياء على الأصل

(1)

، يُقالُ: غَنِيَ بالمكانِ غَنًى - مثل: عَمِيَ عَمًى - وتغنَّى: إذا أقامَ.

وقرئ: (لم تَتَغنَّ)

(2)

.

{بِالْأَمْسِ} : فيما قُبيلَهُ

(3)

، مَثَلٌ في الوقت القريب الماضي، كأنه قيلَ: كأنْ لم تَغْنَ آنفًا" لمَّا قَرَّرَ أن البغي متاعُ الحياِة الدنيا عقَّبه بتمثيلِ الحياة الدنيا في سرعةِ تقضِّيها وانقراضِ نعيمها مع بهجته وزينتِهِ، بحالِ نبات الأرض النابتِ بماء المطرِ في سرعةِ جفافِهِ وذهابِهِ حطامًا بعد اخضرارِهِ وغضاضَتِهِ قبلَ انتفاعِ الناسِ بهِ، لتنفيرِ العقلاء عنهُ.

والممثَّلُ بهِ مضمون الحكايةِ لا الماء

(4)

وإن وليَه حرفُ التشبيهِ؛ لأنَّه من التشبيه المركَّبِ، وقولُه تعالى:{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} مبالغةٌ في تزيينِ الأرض وبهجَتِها في أثناءِ التمثيلِ بتشبِيهها في جعلِها اَخذةً زخرُفها بالعروسِ إذا أخذت الثيابَ الفاخرةَ من كل لونٍ فاكتسَتْها وتزيَّنَتْ بأنواعِ الزينة والحليِّ على طريق الاستعارةِ بالكنايةِ.

(1)

نسبت للحسن البصري، انظر:"الكشاف"(2/ 231).

(2)

في (ف): "تغن"، وفي (م):"يغن"، وكلاهما تكرار لا لزوم له، ووقعت في (ك) بالرسم نفسه لكن دون تنقيط، والصواب المثبت، وهي قراءة نسبت لمروان بن الحكم. انظر:"المحتسب"(1/ 312)، و"الكشاف"(2/ 341)، و"المحرر الوجيز"(3/ 115)، و"البحر"(12/ 62).

(3)

بالتصغير، وفي نسخة من "تفسير البيضاوي":(قبله) بالتكبير، أي: فيما قبل - أو: قبيل - أمرنا. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(5/ 21).

(4)

في النسخ: "مضمون الحكاية للماء" وهو خطأ. والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 110).

ص: 40

{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} : نبيِّنها

(1)

ونميِّزُ بعضها عن بعضٍ.

{لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} : إنما خصَّها بهم لأنهم المنتفِعون بها.

* * *

(25) - {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} : الجنةُ، أضافَها إلى اسمِه تعالى تعظِيمًا لها، أو: دارِ السلامةِ من النقصِ والآفةِ، لسلامةِ أهلِها من كلِّ مكررهٍ.

وقيلَ: دارُ السلام لفشوِّ

(2)

السلامِ بينهُم، أو تسليمِ الملائكة عليهم.

{وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} : هدايتَه بالتوفيق {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} : طريقِها؛ وهو الإسلامُ والتقوى.

ولمَّا كانَ الدعاءُ عامًا لم يقيَّد بالمشيئةِ، بخلافِ الهداية فإنها خاصَّة فتقيَّدَت بها، وفيه إيذانٌ بأن الأمر غيرُ الإرادة، وأن المقَرَّ على الضلالة لم يُرِدِ الله تعالى أن يرشده

(3)

.

* * *

(26) - {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

(1)

"نبينها" ليست في (ف).

(2)

في (ف): (لنشر)، وفي (م) غير واضحة، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(3/ 341).

(3)

"وفيه إيذان بأن الأمر غير الإرادة وأن المقر على الضلالة لم يرد الله تعالى أن يرشده" من (م).

ص: 41

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} : المثوبةُ الحسنى {وَزِيَادَةٌ} عليها؛ وهي تفضلٌ لقولِه تعالى: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 173].

وقيلَ: {الْحُسْنَى} مثل حسناتهم، والزيادةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ وأكثرَ.

وقيلَ: الزيادةُ الرضوانُ.

وقيلَ: {وَزِيَادَةٌ} : الجنةُ، والزيادةُ هو اللقاءُ.

ومن غلاةِ

(1)

أصحابِ الضلالِ مَن قال: زعمَت المشبِّهةُ والمجبِرةُ أن الزيادةَ النظرُ إلى وجه اللهِ تعالى، وجاءت بحديثٍ مرقوع

(2)

: "إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نودوا: أن يا أهلَ الجنةِ! فيُكشفُ الحجابُ فينظُرون إليهِ، فواللّه ما أعطاهم اللهُ شيئًا هو أحبَّ إليهم منهُ ".

قوله: مرقوعٌ، صحَّ بالقاف عندَهُ، ومعناهُ: مرقوع مُفترًى، وأما عند أهل الحقِّ فقد صحَّ بالفاءِ، رواهُ أبو بكر الصديقُ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ، وابن عباسٍ، وعكرمةُ، وقتادَةُ والضحَّاكُ، وابن أبي ليلى، ومقاتل

(3)

.

(1)

في (ك): "علامات".

(2)

قائل هذا هو الزمخشري في "الكشاف"(3/ 342). وقوله: (المشبهة والمجبرة) يريد أهل السنة القائلين بجواز رفلته تعالى ووقوعها في الآخرة، خلاف المعتزلة القائلين بامتناع ذلك. وقال الآلوسي:(وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: (إن الحديث مرقوع) بالقاف؛ أي: مفترى، لا يصدر إلا عن رقيع، فإنه متفق على صحته، وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال. نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحًا). انظر:"روح المعاني"(11/ 103).

(3)

انظر ما روي عن الصحابة والأئمة المذكورين في "تفسير الطبري"(12/ 156 - 161)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(6/ 1945)، و"شرح أصول الاعتقاد"(3/ 504 - 513).

ص: 42

أورده مسلمٌ في "صحيحه" عن صهيبٍ رضي الله عنه عنِ النبي صلى الله عليه وسلم، وأوردَه البخاري في "صحيحه" بلا إسنادٍ، وصححهُ أحمد بن حنبلٍ، والترمذِيُّ، وابن ماجَه

(1)

.

فالحديثُ متفق على صحتِهِ، وذلك المتعصِّبُ طعن في الحديثِ الصحيحِ، والخبرِ الحقِّ الصريح ترويجًا لاعتقادِه الفاسد، وتصحيحًا لمذهبه الباطلِ، وصحَّفَ المرفوعَ فجعله مرقوعًا ليرقِّعَ به مذهبَهُ المخروقَ، هيهاتِ اتَّسع الخرقُ على الراقع، والحقُّ الواقعُ {مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} [الطور: 8].

{وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ} : ولا يغشاها {قَتَرٌ} : غبرةٌ فيها سوادٌ {وَلَا ذِلَّةٌ} : هوانٌ، يعني: لا يرهَقُهم ما يرهقُ أهل النارِ، أو: لا يلحَقُهم ما يوجِبُ ذلك؛ من حزنٍ، وسوءِ حالٍ، وكسوف بالٍ.

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : دائمون لا زوالَ فيها ولا انقطاعَ لنعيمِها، بخلافِ الدنيا وزخارِفها.

* * *

(27) - {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)} .

{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} : عطفٌ على {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} ، كقولهم: في الدار زيدٌ، والحجرةِ عمرٌو، وجازَ العطفُ على عاملين مختلِفَين لتقدُّمِ المجرورِ.

(1)

رواه مسلم (181)، والترمذي (2552)، والإمام أحمد في "المسند"(18935)، من حديث صهيب رضي الله عنه.

ص: 43

أو مبتدأٌ خبرُه: {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} على تقديرِ: وجزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازى سيئةً بسيئةٍ واحدةٍ مثلِها.

وفيه دليل على أن الزيادةَ هي

(1)

الفضلُ؛ لأن جزاءَ السيئة بمثلِها هو العدلُ.

{وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} إذكارٌ لهم بما يتقدم

(2)

منهُ برحمتِه.

{مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} ؛ أي: من سخطِ الله تعالى وعقابِه، أو: من جهةِ اللهِ ومن عندِه كما يكون للمؤمنين.

{كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} : حالٌ من {اللَّيْلِ} ، ولفرطِ سوادِها وظلمَتِها، والعاملُ فيها {أُغْشِيَتْ} لأنهُ العاملُ في {قِطَعًا} ، و {مِنَ اللَّيْلِ} صفةٌ لهُ، والعاملُ في الموصوفِ عاملٌ في الصفةِ، أو معنى الفعلِ في {مِنَ اللَّيْلِ} .

وقرئ {قِطَعًا} بالسكون

(3)

، من قوله:{بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 81] فيكونُ {مُظْلِمًا} صفةً لـ {قِطَعًا} ، أو حالًا منهُ لاختصاصِه بالوصفِ، ويعضدُه قراءةُ:(كأنما يَغْشَى وجوهَهم قِطَعٌ من الليل مُظْلِمٌ)

(4)

.

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : ولا متمسَّكَ فيهِ للوعيدِ به؛ لأن سياقَ الكلامِ في الكفارِ؛ لقولِه تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42} [عبس: 45 - 42]، وقوله تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106].

(1)

في (ك): "هو".

(2)

في (ك): "ينفذهم".

(3)

قراءة ابن كثير والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 121).

(4)

نسبت لأبي بن كعب رضي الله عنه، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 57)، و"الكشاف"(2/ 343).

ص: 44

وأما التعليل

(1)

باشتمالِ {السَّيِّئَاتِ} على الشركِ والكفرِ ففيهِ تخصيصُ الحكمِ المذكورِ بالمشركينَ، ولا وجهَ له، والتعليلُ بتناول (الذين أحسَنُوا) أصحابَ الكبيرةِ من المؤمنين فلا يتناولهم قسيمُهُ؛ فليسَ بقويٍّ؛ لأن كونَهم من المحسنينَ على الإطلاقِ غيرُ ظاهرٍ.

* * *

(28) - {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} .

{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} يعني: الفريقين جميعًا.

{ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ} ؛ أي: الْزَموا مكانكُم حتى تنظروا ما يُفعَل بكم.

{أَنْتُمْ} : تأكيدٌ للضمير المرفوعِ المنتقلِ إلى {مَكَانَكُمْ} من عاملِه لسدِّ مسَدِّ: الزمُوا.

(1)

في هامش "ف ": "قوله: وأما التعليل .. إلخ يشير به إلى الرد على القاضي البيضاوي؛ لأنَّه ذكر العلتين، وظاهره: أن كلا منهما كاف في العلية، مع أن العلة الأولى مستلزمة أن الخلود لا يكون إلا للمشرك، وهذا لا وجه له إذ الخلود يعم كل كافر ولو غيرَ مشرك، والعلة الثانية تفتضي إطلاق المحسن على الآتي بالكبيرة عند الإطلاق، وهو غير سديد إذ إنه إذا أطلق ذلك فلا ينصرف إلا للمطيع المحسن في غالب أحواله، والجواب عن الأول: أن القاضي إنما جاء به مصحِّحًا لما ادعاه من كون الثاني في حق الكفار ولا ينافيه قوله: {كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} الظاهر في إرادة العصاة؛ لأن ذلك يشمل الكفر والشرك كما يشمل المعصية دونهما وكل واحد منهما كاف في الخلود لا بقيد الشرك، وأما ادعاء أن المحسن على الإطلاق لا ينصرف إلا للطائع فغير مسلَّم؛ لما علم من الأحاديث الشريفة من إطلاقه على المؤمن مطلقًا، وعليه جرى أهل السنة والجماعة".

ص: 45

{وَشُرَكَاؤُكُمْ} عطفٌ عليهِ، وقرئ:(شركاءكم)

(1)

بالنصبِ على المفعولِ معه.

{فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} : ففرَّقنا بينَهم، وقطَعنا الوُصَلَ التي كانت بينهم في الدنيا

(2)

.

قيلَ: فباعَدنا بينهُم بعد الجمعِ في المحشرِ، وتبرُّؤِ شركائهم منهُم ومن عبادَتِهم؛ لقوله:{ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا} [غافر: 73 - 74] ويأباه ترتيب

(3)

قوله:

{وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} بالفاء الواصلةِ بلا تراخٍ على ما تقدَّمَ، و {مَا} مجازٌ عن براءةِ ما عبدُوه

(4)

من عبادَتهم، فإنهم إنما عبَدُوا

(5)

في الحقيقةِ أهواءهم؛ لأنها الآمرة بالإشراك

(6)

لا ما أشركوا بهِ.

والمرادُ من الشركاء: الملائكةُ، وعُزَيرٌ، والمسيحُ، ومَن عبدُوهم مِن أولي العقلِ.

وقيلَ: الأصنامُ يُنطِقُها اللهُ تعالى فتكلِّمُهم بذلكَ مكانَ الشفاعةِ التي يتوقعون منها.

وقيلَ: الشيطانُ والشياطينُ، ويردُّه:

* * *

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 343).

(2)

"في الدنيا" في (م).

(3)

في (ف): "ترتيبه قبل".

(4)

في (ك): "عهدوه".

(5)

في (ك): "عهدوا".

(6)

في (ف): "الآمرة بالإشراكي".

ص: 46

(29) - {فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} .

{فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} : العالمِ بكنهِ الحالِ.

{إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} : لأن عبادتهم كانت بإغوائهم، (إنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ، واللام هي الفارقةُ.

* * *

(30) - {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} .

{هُنَالِكَ} في ذلك المكانِ.

{تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} : تختبرُ ما قدَّمت من العملِ؛ أي: تُعاين

(1)

ضرَّهُ ونفعَهُ.

وقرئ: {تتلوا} منَ التلاوةِ

(2)

، أي: تقرأ في صحيفَتِها ما قدَّمت من الخيرِ والشرِّ، أو من التُّلُوِّ، أي: تتبَعُ؛ لأن عملَها هو الذي يقودُها إلى الجنة أو النارِ.

وقرئ: (نبلو) بالنونِ، ونصبِ (كلَّ)

(3)

، أي: نُصيبُ كلَّ نفسٍ بالبلاءِ وهو العذابُ بسببِ ما قدَّمت من الشرِّ، فيكونُ (ما) ناصبًا

(4)

بانتزاعِ الخافضِ، أو: نختبرها باختبارِ ما أسلفَت، أي: نفعَلُ بعملِها فعلَ المختبرِ بحالها المتعرِّف لسعادَتها وشقاوتها بمعرفة عمِلها في الصلاحِ والفسادِ، والقَبول والردِّ، فيكون (ما) بدلًا من (كلَّ نفس) بدلَ الاشتمالِ.

(1)

في (ف): "تعارف".

(2)

قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 121).

(3)

قرأ بها عاصم في رواية وهي خلاف المشهور عنه، انظر:"الكشاف"(2/ 344).

(4)

كذا في النسخ، والصواب:"منصوبًا".

ص: 47

{وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ} : إلى جزائه

(1)

إيَّاهم بما أسلَفُوا.

{مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} : ربِّهم، أو المتولي أمورِهم الحقِّ، لا الباطلِ الذي اتخذُوه مولى، أو مولاهُم على الحقيقةِ، لا الذي ليس لولايتِه حقيقةٌ، أو العدلِ الذي لا يظلِمُ أحدًا.

وقرئ: (الحق)

(2)

بالنصبِ على المدحِ، كقولكَ: الحمدُ لله أهلَ الحمدِ، أو على المصدرِ المؤكِّدِ، كقولكَ: الحمدُ للهِ هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ.

{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} : مِن أنهم آلهتُهم تشفَعُ لهم، أو: ما كانوا يَدَّعون [أنها]

(3)

آلهة.

* * *

(31) - {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} .

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} : منها جميعًا، فإنَّ الأرزاق إنما تحصُلُ من الأسبابِ

(4)

سماويةً وأرضيةً مع، أو من كلِّ واحدةٍ توسعةً عليكم.

وقيلَ: {مِّنَ} لبيان {مَنْ} على حذفِ المضافِ؛ أي: مِن أهل السماءِ والأرض.

{أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} ، أي: مَن يستطيعُ خلقَهما وتصويرَهما، أو حفظَهما

(1)

في (ك): "جزاء له".

(2)

انظر: "الكشاف"(2/ 344).

(3)

من "تفسير البيضاوي"(3/ 111).

(4)

في (ك): "أسباب".

ص: 48

وكَلاءتهما

(1)

من الآفاتِ مع كثرتِهما وسرعةِ تأذِّيهما وبطلانِهما من أدنى شيءٍ.

ولما كان الوصولُ إلى الرزق بواسطَتِهما كان خلقُهما وحفظُهما من تمامِ الترزيقِ؛ ولهذا قالَ: {أَمَّنْ} ولم يقل: (ومَن)، كما قالَ:

{الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} ؛ أي: ينشئُ الحيوان

(2)

من النطفةِ، والنطفةَ منه

(3)

.

{وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} : ومَن يلي تدبيرَ أمر العالمِ؟ تعميمٌ بعد التخصيصِ تنبيهًا على أنَّ تفاصيل المننِ والنعمِ والأسبابِ؛ الإيجادِ والربوبيةِ أكثرُ من أن تُحصى؛ كأنهُ قالَ: وبالجملةِ مَن يدبِّرُ أمر العالم كلَّهُ.

{فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} : إذ لا يقدرونَ نسبةَ

(4)

ذلكَ إلى غيرهِ مكابرةً؛ لفرطِ وضوحِه.

فالسينُ للتأكيدِ، والفاءُ جزائيةٌ للترتيبِ على شرط محذوفٍ تقديرُه: إن سألتَهم عن ذلكَ {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} البتة.

{فَقُلْ} : تفريعٌ على الشرطية المذكورةِ.

{أَفَلَا تَتَّقُونَ} اللهَ في إشراككم بهِ ما لا يشارِكُه في شيءٍ من ذلكَ؟! الهمزةُ للاستفهامِ الإنكاريِّ، والفاءُ لترتيب الإنكار على الاعترافِ المذكورِ، فهي مُقدَّمةٌ معنًى وإن أُخِّرت لفظًا؛ حفظًا لصدارةِ الهمزةِ.

(1)

في (ف): "وكلاءهما".

(2)

في النسخ: "الحياة"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 111).

(3)

في (م): "عنه". وسقطت "والنطفة" من (ك) و (م). والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.

(4)

في (ك): "بنسبة".

ص: 49

(32) - {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} .

{فَذَلِكُمُ اللَّهُ} إشارةٌ إلى أنَّ مَن هذه أفعالهُ وقُدرته {رَبُّكُمُ الْحَقُّ} الثابتُ ربوبيتُه، الواجب وجودُه؛ لأنَّه الذي أنشأكم وأحياكم، ورزقكم ودبَّرَ أموركم.

{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} استفهام إنكارٍ؛ أي: ليسَ بعد الحقِّ الذي هو التوحيدُ وتخصيصُ العبادة به تعالى إلا الضلالُ.

{فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} من الحقِّ إلى الضلالِ، ومن التوحيدِ إلى الشركِ.

* * *

(33) - {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .

{كَذَلِكَ} مثلَ ذلك الحقِّ؛ أي: كما حقَّتِ الربوبية للهِ تعالى، أو كما حقَّ وثبتَ أن الحقَّ بعده الضلالُ، أو أنهم مصروفون عن الحقِّ {حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ}: حكمُه {عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا} : وتمردوا في الكفرِ، وخرجوا عن حدِّ الاستصلاح.

{أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} : مفعولُ {كَلِمَتُ} لأنها في معنى الحكمِ؛ أي: حكمهم

(1)

بأنهم لا يؤمنون، أو بدلٌ منها؛ أي: حقَّ وثبت أنهم لا يؤمنون، أو تعليلٌ على أن الكلمةَ كلمةُ العذابِ وعِدَتُه، أي: لأنهم لا يؤمنون.

* * *

(34) - {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} .

{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} : ألزمَهم بإبداء الخلقِ وإعادَتهِ وإن

(1)

"أي حكمهم" سقط من (ف).

ص: 50

لم يكونوا معترِفين بها، تنبِيهًا على وضوحِ برهانها، ودلالةً على أن مَن أنكرها كان مكابرًا رادًّا للظاهرِ البيِّنِ الذي اعترفَ بصحته العقلاءُ، وكان عندَهم من المسلَّماتِ.

وقد أُومئ إلى لجاجِهم وعنادِهم وشدةِ مكابرتهم، بأمرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن ينوب عنهُم في الجواب في قولِه:

{قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ؛ أي: لا تدَعُهم لجاجتُهم أن ينطِقوا بكلمة الحقِّ فكلِّمْ عنهم.

{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} : تُصرَفون عن قصد السبيلِ.

* * *

(35) - {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} .

{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} : بنصبِ الحُججِ، وإرسال الرسلِ، والتمكينِ، والإقرار على النظرِ، والتوفيق للتفكُّرِ والتدبُّرِ، وإلهام الحقِّ والصوابِ.

و (هَدَى) كما يُعدَّى بـ (إلى) لتضمُّنه معنى الانتهاءِ، يُعدَّى باللام للدلالةِ على أن المنتهى غايةُ الهدايةِ، وأنها لم تتوجَّه نحوه على سبيل الاتِّفاقِ

(1)

، ولذلك عُدِّيَ بها ما أُسنِدَ إلى اللهِ تعالى في قوله:

{قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} ، أي: اللهُ تعالى وحدَه هو الذي يهدِي للحقِّ دون غيرِه.

{أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي} أفمَن يهدي هذه الهدايةَ

(1)

"على سبيل الاتفاق"؛ أي: من غير قصد وإرادة، بل تتوجه نحوه على سبيل القصد والإرادة. انظر:"حاشية القونوي على البيضاوي"(9/ 457).

ص: 51

أحقُّ بالاتِّباع أم الذي لا يهتدي بنفسِه إلا أن يهدِيَه الله تعالى؟ وهذا حال أشرفِ شركائهم كالملائكةِ، والمسيحِ وعزيرٍ عليهما السلام.

وقيل: مَن لا يَهتدي

(1)

من الأوثانِ إلى مكانٍ

(2)

فينتَقِلَ إليهِ {إِلَّا أَنْ يُهْدَى} : إلا أن ينقِلَ

(3)

.

وقرئ: {لَا يَهِدِّي} بفتح الياءِ وكسرها وتشديد الدالِ

(4)

، والأصلُ: يَهتَدِي؛ فأُدغِمَ.

وقرئ: (إلا أن يُهَدَّى)

(5)

من هدَّاه للمبالغةِ، ومنهُ جاءَ: تَهَدَّى، بمطاوعَتِها

(6)

كقولهم: قطَّعتُه فتقَطَّعَ.

{فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بالباطلِ؛ إذ تزعمون أنهم أندادُ اللهِ تعالى.

* * *

(36) - {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} .

(1)

في (م) و (ف): "يهدي".

(2)

"إلى مكان" من (م).

(3)

في النسخ: "ينتقل"، والمثبت من "الكشاف"(2/ 346).

(4)

كذا ذكر حركة الياء والدال، ولم يذكر حركة الهاء، فوجب التفصيل، فقد قرأ ابن كثير وورش وابن عامر بِفَتْح الياء والهاء وتَشديد الدَّال، وقالون وأبو عَمْرو كذلك إلا أنهما يخفيان حركة الهاء، والنَّصُّ عن قالون بالإسكان، وقال اليزيدي عن أبي عَمْرو: كانَ يُشمُّ الهاء شيئا من الفتح، وأبو بكر بكسر الياء والهاء، وحَفْص بفتح الياء وكسر الهاء، وحمزة والكسائِيّ بفتح الياء وإسكان الهاء وَتَخْفِيف الدَّال. انظر:"التيسير"(ص: 122).

(5)

انظر: "الكشاف"(2/ 346).

(6)

في (ك): "بمطاوعته".

ص: 52

{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ} : في معتقداتهم {إِلَّا ظَنًّا} غيرَ مستندٍ إلى برهانٍ، بل مستندٌ إلى خيالاتٍ وأقيسةٍ فاسدةٍ؛ كقياسِ الغائبِ على الشاهدِ، والخالقِ على المخلوقِ بأدنى مشاركةٍ موهومة، والمرادُ بالأكثر: مَن ينتمي منهُم إلى تمييزٍ ونظرٍ، ولا يرضَى بالتقليدِ الصرفِ.

{إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ} : في معرفةِ الله تعالى من الحقِّ إلى العلم والاعتقادِ.

{شَيْئًا} مفعولٌ به و {مِنَ الْحَقِّ} حالٌ منهُ، أو نصبٌ على المصدرِ؛ أي: لا يغني بدلَ الحقِّ شيئًا من الإغناء.

وقيلَ: وما يتَّبعُ أكثرهم في اتخاذِ الأصنامِ آلهةً وأنها شفعاء إلا ظنًا.

وفيه

(1)

دليل على أن تحصيلَ العلم في الأصولِ واجبٌ، والتقليدَ والاستغناءَ

(2)

بالظنِّ غير جائزٍ.

{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} : وعيدٌ لهم على ما يفعلونَ من اتباع الظنِّ، وتقليد الآباء دونَ البرهان.

* * *

(37) - {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} : وما صحَّ أن يكونَ مثلُ هذا القرآن في الإعجازِ افتراءً من الخلقِ.

(1)

في (م): "وقيل".

(2)

في (ف): "والاكتفاء".

ص: 53

{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} : ولكن كانَ تصديقَ ما تقدَّمه من الكتبِ المنزلةِ الصادقةِ، وتصديقُ الصادقِ صادقٌ، وهو لكونِه معجزًا دليل على صدقِها، وشاهدٌ لصحَّتها.

{تَصْدِيقَ} خبرُ (كان) المقدَّرِ، أو علةٌ لفعل محذوفٍ تقديرُه: لكن أنزلَ اللهُ تصديقَ الذي، وقرِئ بالرفع

(1)

على تقديرِ: ولكن هو تصديقُ الذي.

{وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ} : وتبيينَ ما كُتبَ وما فُرضَ من الأحكام والشرائعِ؛ من قوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24].

وقرئ: (وتفصيلُ)

(2)

بالرفع عطفًا على (تصديقُ) على قراءة الرفعِ.

{لَا رَيْبَ فِيهِ} : خبرٌ ثالثٌ داخلٌ في حكم الاستدراكِ؛ أي: منفيًّا عنهُ الريبُ كائنًا: {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

ويجوزُ أن يكونَ {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} متعلِّقا بـ {تَصْدِيقَ} و {وَتَفْصِيلَ} ، ويكون {لَا رَيْبَ فِيهِ} اعتراضًا؛ كقولكَ: زيدٌ لا شك فيهِ كريمٌ، أو بالفعلِ المعلَّلِ بهما، أو حالًا من الكتابِ، أو الضميرِ في {فِيهِ}

(3)

لأنهُ مفعولٌ في المعنى، وسياقُ الآيةِ بعد المنعِ عن اتباع الظنِّ لبيانِ ما يجبُ اتِّباعُه، والبرهانِ على كونِه من عند الله.

* * *

(38) - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

(1)

نسبت لعيسى بن عمر، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 57).

(2)

عزاها أبو حيان إلى عيسى بن عمر، انظر:"البحر المحيط"(12/ 94).

(3)

في (ك): "أو ضمير فيه".

ص: 54

{أَمْ يَقُولُونَ} : بل أيقولون: {افْتَرَاهُ} محمدٌ، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لقولهم، واستبعادٌ لدعوى الافتراءِ، مع كونه حجةً عليهم بالإعجاز.

{قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} ؛ أي: إن كان افتراءً كما زعمتُم فأتوا أنتم بسورةٍ مفتراةٍ مِثْلِه في البلاغةِ وحسن النظمِ، فأنتم مثلي في البلاغةِ والفصاحةِ، بل أشدُّ تمرنًا بها مني.

{وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ} : ومع ذلكَ فاستعينوا بمن أَمكنكُم أن تستعينوا

(1)

به.

{مِنْ دُونِ اللَّهِ} : من خلقِه؛ أي: لا تدعوا اللهَ فإنه وحدَهُ قادرٌ على ذلك، وادعوا غيرَهُ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أنه افتراهُ.

* * *

(39) - {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} .

{بَلْ كَذَّبُوا} : بل سارعوا إلى التكذيبِ بالقرآن {بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} : بالقرآن في أولِ وهلةِ سماعه

(2)

قبل أن يفهموه، ويعلمُوا معانيَهِ، أو: بما جهِلُوه ولم يحيطوا به علمًا من ذكرِ البعثِ والجزاءِ، وما يخالفُ دينَهم؛ لفَرْطِ

(3)

أُنسِهم بما ألِفُوه وتعوَّدوه

(4)

من دينهم، ونفورِهم عما يخالِفُه.

{وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} : ولم يقفوا بعدُ على تأويلِه، ولم يبلُغ أذهانَهم معانيهِ، أو: لم

(1)

"بمن أمكنكم أن تستعينوا" من (ك).

(2)

في (ف): "إسماعه".

(3)

وقع في (ك) مكانها كلمة غير واضحة.

(4)

في (ف): "وتعودوا به".

ص: 55

يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبارِ بالغيوبِ حتى يتبيَّنَ لهم أنهُ صدقٌ أم كذبٌ، يعني: إن القرآن معجزٌ من جهة

(1)

اللفظِ والمعنى، ثم إنهم فاجَؤوا تكذيبَه قبل أن يتدبَّروا نظمَهُ، ويتفحَّصوا معناه.

ومعنى التوقُّعِ في المَّا) أنه قد ظهرَ لهم بالآخرةِ إعجازُه لما كرَّرَ عليهم التحدِّي، فرازوا

(2)

قواهم في معارضَتهِ فتضاءلتْ دونَها، أو لما شاهَدُوا وقوعَ ما أَخبر

(3)

به طِبقًا لإخبارِه مرارًا فلَم يُقلعوا

(4)

عن التكذيبِ تمرُّدًا وعِنادًا.

{كَذَلِكَ} : مثلَ ذلك التكذيبِ {كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أنبياءَهُم قبلَ النظرِ في معجزاتهم تقليدًا، وبعدَه عنادًا أو حسدًا.

{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} : وعيدٌ لهم بمثلِ ما عوقِبَ به مَن قبلَهم.

* * *

(40) - {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} .

{وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} : يصدِّق به نفسه ولكِن يعانِدُ {وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ} : مَن يشُكُّ فيهِ ولا يصدِّقُ، أو: منهُم مَن سيؤمِنُ، ومنهم مَن سيصِرُّ ولا يؤمنُ به.

{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} : بالمعاندِين والمصرِّين.

* * *

(1)

في (ف): "حيث".

(2)

" فرازوا"؛ أي: جربوا وامتحنوا. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي"(5/ 31).

(3)

في (م): "أخبروا".

(4)

في (ك) و (م): "يغفلوا"، وفي (ف):"يفعلوا"، والتصويب من "تفسير البيضاوي"(3/ 113).

ص: 56

(41) - {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} .

{وَإِنْ كَذَّبُوكَ} ؛ أي: أصرُّوا وواظبُوا على تكذِيبكَ بعد إلزامِ الحجة.

{فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} : فتبرَّأ مِنهم وخلِّهِم فقَد أَعْذَرتَ، وقُل: لي جزاءُ عملِي، ولكُم جزاءُ عملِكُم؛ حقًّا كانَ أو باطلًا.

{أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} : لا تؤاخَذُونَ بعملِي، ولا أواخَذ بعملِكم.

قيلَ: ولمَا فيهِ من إيهامِ الإعراضِ عنهُم، وتخليةِ سبيلِهم، قيلَ: إنه منسوخٌ بآيةِ السيفِ.

ولا وجهَ له؛ لأن النسخَ إنما يُصارُ إليهِ عندَ قيامِ التعارضِ قطعًا، والإيهام بمعزلٍ عنه.

* * *

(42) - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} .

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} إذا قرأتَ القرآنَ، وعلَّمتَ الشرائعَ، ولكِن لا يقبَلُون ولا يُصغونَ؛ كالأصمِّ الذي لا يسمَعُ أصلًا.

{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} : أبعدَ التبليغِ تقدِرُ على إسماعِ الصمِّ.

{وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} : ولو انضَمَّ إلى صمَمِهم عدَمُ تعقُّلِهم.

* * *

(43) - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} .

ص: 57

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} ويعايِنُ دلائلَ صدقِكَ ونبوَّتِك، ولكن لا يصدِّقُ.

{أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ} : أ أنت بعدَ إظهارِ المعجزاتِ ودلائل النبوَّةِ تقدِرُ على هدايتِهم {وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} : ولو انضمَّ على عماهُم عدَمُ بصيرَتِهم.

{أَفَأَنْتَ} إنكارُ أن يكونَ هو الذي يقدِرُ على إسماعِ الأصمِّ الذي لا يعقِلُ، وهدايةِ الأعمى الذي لا بصيرةَ لهُ.

وفيهِ تنبيهٌ على أن حقيقَةَ الاستماعِ هو فهمُ المعنى، وحقيقةَ الإبصارِ هو الاستبصارُ والاعتبارُ، وهما إنما يكونانِ بالعقلِ والبصيرةِ، لا بالحاسَّتين، ولذلك لا يُوصَفُ بالأولِ البهائمُ، ويحدُسُ الأعمى المستبصِرُ، ويتفطَّنُ بما لا يدرِكُه البصيرُ الأحمَقُ، وأنَّه لا يقدِرُ على موهبةِ العقلِ والبصيرَةِ والتوفيقِ للفهمِ والاستبصارِ إلا اللهُ تعالى وحدَهُ، فإذا لم يهَبْ ولم يوفِّقْ فمحالٌ أن يقدرَ على ذلك.

وفي تشبيهِهم بالصمِّ والعمي: أن فائدةَ السمعِ والبصرِ الفهمُ والاستبصارُ، فإذا لم يحصُلا فكأنَّهما لم يكونا.

وفي ضمِّ سلبِ العقلِ والبصيرةِ إلى الصمم والعمَى أنهم على اليأسِ من أن يفهَمُوا أو يستبصِروا.

وأما سلبُ العقلِ في

(1)

الأولِ، وسلبُ البصرِ في الثاني؛ فلأنَّ بالبصرِ بدونِ العقلِ يوصِلُ إلى اهتداءِ الطرُقِ والسلوكِ فيها، ألا ترى أن البهائمَ تبصِرُ الطرقَ وتسلُكُ فيها، وتتَّقي بها المهالِكَ ولا عقلَ لها؛ بخلاف السمعِ فإنهُ لا يُنتفَعُ بها بدونِ

(1)

في (ف): "من".

ص: 58

العقلِ، فبظاهر

(1)

البصرِ بدون العقلِ تُبصَرُ الأشياءُ، وبظاهر

(2)

السمعِ بدون العقلِ لا تُعرَفُ الأشياءُ، والآيةُ كالتعليلِ للأمر بالتبرُّؤ والإعراضِ عنهُم.

* * *

(44) - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} : بإخلال شيءٍ من الأسبابِ: كمالِهم، ووسائِل اهتدائهم، كنقصِ حواسِّهم، وسلبِ عقولهِم وبصائرِهم، وإهمالهم سُدًى بلا تنبيهٍ ببعثة الرسل وإنزال الكتبِ.

{وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : بترك استعمالِ مشاعِرهم، وعدمِ التفكّرِ والتفهُّمِ بعقولِهم، والنظرِ والاعتبار ببصائرِهم، والذهولِ عن الوحيِ والإنذارِ بالانهماك في شهَواتهم.

أو: لا يظلِمُهم بالتعذيبِ بكبرِهم وعنادِهم يوم القيامةِ فإنه عدلٌ، ولكنَّ الناس أنفُسَهم يظلِمون باقترافِ أسبابِه واستيجابِه.

فعلَى هذا الوجه هو وعيدٌ لهم، وعلى الأولِ تنبيهٌ على أن كونهم بمنزلَةِ الصمِّ والعُمي مِن عدمِ استعمالهم لآياتِ الاهتداءِ فيما خُلِقت له، لا لأن أسبابَ الهداية مفقودةٌ، وعلى الوجهَين تذييلٌ لسابقِه.

* * *

(45) - {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} .

(1)

في (ف): "فنظائر".

(2)

في (ف): "ونظائر".

ص: 59

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً} : استقصارٌ منهم لمدةِ لُبثِهم في الدنيا، أو في البرزَخِ؛ لهول ما يرونَ، وفي بيانها بقولِه:

{مِنَ النَّهَارِ} : تأكيد للاستقصارِ؛ لأنَّ النهارَ لكونِه زمانَ الاشتغالِ بالأشغالِ لا يُدرَكُ طولُ ساعاتِه، بخلافِ الليلِ.

والجملةُ التشبيهيَّةُ في موقع الحالِ، أي: نحشُرُهم مشبَّهين بمن لم يلبَث إلا ساعةً، أو صفةٌ لـ (يوم)، والعائد محذوفٌ، أي: يومًا كأنْ لم يلبثُوا قبلَهُ، أو المصدَرِ محذوفٌ، أي: حشرًا كأن لم يلبثُوا قبلَهُ.

{يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} : يعرِفُ بعضُهم بعضًا كأنْ لم يتعارَفُوا إلا قليلًا، وذلك أولَ ما حُشِروا، ثم ينقطِعُ التعارفُ بينهُم لشدةِ الأمرِ عليهم، فهو بيانٌ لقولِه:{كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا} لأنَّ طول مدةِ اللَّبثِ يوجِبُ التناكُرَ، والتعارُفُ إنما يبقى مع قلَّتها.

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} : استئنافٌ للشهادةِ من اللهِ تعالى بخُسرانهم في تجارَتهم وبيعِهم الإيمانَ بالكفرِ.

{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ؛ أي: إلى طريقِ التجارةِ

(1)

، وفيهِ معنى التعجُّبِ؛ كأنهُ قيلَ: ما أخسَرهُم، ووضعَ {الَّذِينَ كَذَّبُوا} موضعَ ضميرِهم إشعارًا بأنَّ سببَ الخسرانِ إنما هو تكذيبُهم لقاءَ الله تعالى، وعدمُ اهتدائهم لاستعمالِ ما أوتوا منَ المشاعر والعقولِ والبصائرِ في تحصيل المعارفِ، واكتسابهم بها عقائدَ فاسدةً، وجها لاتٍ تؤدّيهم إلى الحسابِ والهلاكِ والعذاب.

* * *

(1)

"التجارة" سقط من (ك). وانظر: "روح المعاني"(11/ 160)، وفيه:{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ؛ أي: لطرق التجارة عارفين بأحوالها، أو: ما كانوا مهتدين إلى طريق النجاة).

ص: 60

(46) - {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} .

{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} : نبصِّرنك {بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذابِ في حياتكَ، كما أراه يومَ بدرٍ {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أن نُريكَ.

{فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} : فنريكَهُ في الآخرَةِ، قيلَ: فهو جوابُ {نَتَوَفَّيَنَّكَ} ، وجوابُ {نُرِيَنَّكَ} محذوفٌ، مثل: فذاكَ.

ولا حاجةَ إلى تقديرِ الجوابِ المذكورِ؛ لأنَّ قولَه: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} صالحٌ أن يكونَ جوابًا للشرطِ وما عطِفَ عليهِ، وعلى هذا يكونُ المعنى: فعلَى كِلَا التقديريَنِ نُعذِّبُهم في الآخرةِ، والذي نُريكَهُ في الدنيا لا يكونُ سببًا لتخفيفِ عذابِهم

(1)

في الآخرةِ، وهذا هو المناِسبُ للمقامِ، فلا وجه للعدولِ عنه بها، لارتكابِ المحذوف في الكلامِ.

{ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} ، أي: بعدَ رجوعِهم إلينا اللهُ معاقِبُهم على أفعالهم.

أو الله مؤدٍّ شهادتَهُ على أفعالهم حينَ تنطِقُ جلودُهم وألسنَتُهم وأيديهِم وأرجلُهم شاهدةً عليهم، والمرادُ من الشهادةِ: مقتضاها ونتيجَتُها؛ أي: العقابُ؛ لأن شهادةَ الذي أحاطَ علمُه بجميعِ أفعالهم السيئةِ الخفيَّةِ والظاهرةِ توجِبُ العقابَ الشديدَ لأنهُ مُحصٍ كلَّ ما نسُوهُ.

والالتفاتُ من التكلُّم إلى الغيبةِ، وإظهارُ اسم الله تعالى، وإيقاعُ {ثُمَّ} ، وإيرادُ الجملة الاسميةِ: للتنبيهِ على أن المعاقب

(2)

هو اللهُ تعالى الذي لا يخفَى عليهِ ما فيهِ، وتربيةِ المهابةِ، والتهديدِ والتهويلِ بأن مضمونَ الوعيد في غايةِ

(1)

في (ف) و (ك): "للتخفيف".

(2)

في (ف) و (ك): "على أنه".

ص: 61

البعد من تصوُّرِهم عند الرجوعِ ودوامِ العقابِ، وفيهِ أنواعٌ من المبالغاتِ في تشديد الوعيدِ وتأكيدِه.

وقرئ: (ثَمّ) بالفتحِ

(1)

؛ أي: هناك.

* * *

(47) - {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} : من الأممِ الماضيةِ {رَسُولٌ} : بعِثَ إليهم ليدعُوَهم إلى الحقِّ.

{فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ} بالبيِّناتِ فكذَّبوه {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} : بالعدلِ، فأُنجي الرسولُ ومَن اَمنَ بهِ، وأُهلك المكذِّبون

(2)

، وذلكَ لإلزام الحجةِ؛ كقولهِ:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].

{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : بالعقابِ في الآخرةِ بعد العذابِ في الدنيا لأنهُ جزاءُ سيئاتهم، والتعذيبُ في الدنيا لا يكُون مكفِّرًا في حقِّ الكافرِ، وعلى هذا هو تأسيسٌ لا تأكيدٌ لِمَا قبلَهُ؛ فالعاطفُ أصابَ المحزَّ.

بخلافِ ما قيلَ: معناه: لكلِّ أمةٍ يوم القيامةِ رسولٌ تنسَبُ إليهِ، فإذا جاءَ رسولهم الموقفَ ليشهَدَ عليهم بالكفرِ والإيمانِ قُضي بينهُم بإنجاء المؤمنِ وعقابِ الكافرِ؛ كقوله

(3)

: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الزمر: 69]- فإنهُ حينئذٍ يتعينُ التأكيدُ، فالعاطفُ يكون واقعًا بينَ الشجرِ ولحائه.

* * *

(1)

نسبت لابن أبي عبلة، انظر:"الكشاف"(2/ 350)، و"البحر المحيط"(12/ 109).

(2)

في (ف) و (م): "المكذبين".

(3)

في (ك): "لقوله".

ص: 62

(48) - {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} : استعجالٌ من المكذِّبين لِمَا وُعِدوا من العذابِ استبعادًا وإنكارًا واستهزاء.

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : خطابٌ للرسولِ عليه السلام والمؤمنينَ به.

* * *

(49) - {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} .

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} : فكيف أملِكُ لكم فأعجِّلَ لكم العذابَ؛ وتقديمُ الضرِّ لأن ما فيه الكلامُ من جنسِهِ.

{إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} : استثناءٌ متصلٌ؛ أي: إلا ما شاءَ اللهُ أن أملكَهُ، أو منقطعٌ؛ أي: ولكنْ ما شاءَ الله من ذلكَ كائنٌ.

{لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} : مضروبٌ لهلاكِهم عند اللهِ تعالى، وحدٌّ محدودٌ من الزمانِ.

{إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} : إذا جاء وقتُهُ، وقد سبقَ ما يتعلَّقُ به في تفسيرِ سورة الأعرافِ.

* * *

(50) - {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} .

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} الذي تستعجلون به {بَيَاتًا} : نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ بياتِكم وغفلَتِكم بالنومِ {أَوْ نَهَارًا} ؛ أي: وقتَ اشتغالكُم بطلب المعاشِ والكسبِ، أو اللهوِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ؛ أي: ندمتُم على الاستعجالِ، أو عرفتُم الخطأ فيهِ، وقولُه:

ص: 63

{مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} متعلق بـ {أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني ماذا يستعجِلُون منهُ؟ والشرطيةُ اعتراضٌ، والأَولى أن يكونَ {مَاذَا} جوابَ الشرطِ كقولِكَ: إن أتيتُكَ ماذا تطعِمُني؟ والشرطيةُ متعلقة بـ {أَرَأَيْتُمْ} ، وفحواها: أن العذابَ كلَّهُ مكروهٌ مُوجِبٌ للنفارِ، يجبُ أن يُستعاذَ منه لا أن يُستعجلَ، فأيَّ شيءٍ تستعجلونَ منهُ؟ على أن الضميرَ في {مِنْهُ} للعذابِ، وقيلَ: للهِ تعالى.

ويجوزُ أن يكونَ معنى الاستفهامِ في {مَاذَا} هو التعجُّبُ من العذابِ مع الإنكارِ، أي: أيُّ شيءٍ هائلٍ شديدٍ يستعجلُون منهُ؟ و (مِن) في هذا الوجهِ يجوزُ أن يكونَ للبيانِ، وضِعَ المجرمون موضِعَ ضميرِ المخاطبِينَ على طريقة الالتفاتِ تقويةً لِمَا في الاستفهامِ من معنى الإنكارِ والتعجُّبِ، ودلالةً على موجبِ ترك الاستعجالِ الذي هو الإجرامِ، فإن المجرِمَ مَن حقُّهُ أن يخاف التعذيبَ، ويستعيذَ منهُ - وإن أبطأ - فضلًا عن أن يستعجِلَهُ.

* * *

(51) - {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} .

ويجوزُ أن يكون: {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} جوابَ الشرطِ، {مَاذَا يَسْتَعْجِلُ} اعتراضًا، أي: أخبروني إن أتاكُم عذابُه آمنتُم به بعد وقوعِه حين لا ينفَعُكم الإيمانُ.

ودخولُ الهمزةِ على (ثم) لإنكارِ تأخير الإيمانِ إلى وقتٍ لا ينفعُ، وهو وقت العذابِ، وإدخالُها على المعطوفِ لأنَّه مَصبُّ

(1)

الإنكار والاستبعادِ.

وإنما جيءَ بحرف التراخي بدلَ الواو دلالةً على الاستبعادِ، ثم زِيدَ أداةُ الشرطِ دلالةً على استقلالِه بالاستبعادِ، وعلى أن الأولَ كالتمهيدِ لهُ، وجيءَ بـ {إِذَا} مركَّبًا

(1)

في (ف): "نصب".

ص: 64

بـ {مَا} ترشِيحًا لمعنى الوقوعِ والتحقيقِ وزيادةِ التجهيل، وأنهم لم يؤمنوا إلا بعدَ أن لم ينفَعهُم البتة.

{آلْآنَ} على إراد القولِ؛ أي: قيلَ لهم إذا آمنوا بعدَ وقوع العذابِ: الآن آمنتُم به؟

{وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} تكذيبًا وإنكارًا.

* * *

(52) - {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} .

{ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} عطفٌ على (قيل) المقدَّرِ قبلَ الآن: {ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ} المؤلمِ على الدوامِ.

{هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} من الكفرِ والمعاصي.

* * *

(53) - {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} .

{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} : ويستخبِرُونك {أَحَقٌّ هُوَ} الضمير للعذابِ الموعودِ، {أَحَقٌّ} خبر والضميرُ مبتدأٌ، أو المبتدأ والضميرُ مرتفِعٌ بهِ سادٌّ مسدَّ الخبرِ؛ كقولهم: أقائمٌ زيدٌ، والجملةُ في محلِّ النصبِ بـ (يستنبئونك)

(1)

، والهمزةُ للاستفهامِ على سبيل الإنكارِ والاستهزاءِ.

وقرئ: (آلحَقُّ هو)

(2)

على أن اللامَ للجنسِ؛ كأنه قيلَ: أهو الحقُّ لا الباطلُ،

(1)

في (ك): "ليستنبئونك".

(2)

انظر: "المحتسب"(1/ 312)، و"الكشاف"(2/ 352).

ص: 65

أو: أهو

(1)

الذي سميتُموه الحقَّ، وهو أقوى في الاستهزاءِ لتضمُّنه معنى التعريضِ بأنه باطلٌ.

{قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} : إنَّ

(2)

العذابُ لكائنٌ، و (إي) من حروفِ الإيجابِ بمعنى: نعم، وتختصُّ بالقسم كما أن (هل) بمعنى (قد) تختصُّ بالاستفهامِ، فيقولون: إي والله، ولا ينطِقُون به وحدَهُ.

{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} : فائتين العذابَ؛ أي: هو لاحقٌ بكم لا محالةَ.

* * *

(54) - {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .

{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} بفعلِ ما يُستحَقُّ به العذابُ.

{مَا فِي الْأَرْضِ} ، أي: ما في الدنيا اليومَ مِن خزائنها وأموالِها وجميعِ منافعِها.

{لَافْتَدَتْ بِهِ} : بجعلتهُ فديةً لها من العذابِ؛ من قولهم: افتداهُ، بمعنى: فداهُ، ولفظةُ (كل) لتعميمِ الحكمِ لكلِّ واحدة من النفوسِ الظالمة.

{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} : حينَ رؤيتهم العذابَ؛ لأنهم بُهِتُوا بما عايَنوه مما لم يخطر ببالهم، ولم يحتسِبوه

(3)

، وسلَبَت شدَّتُه وفظاعتُه قِواهُم،

(1)

"أو أهو" وقع في النسخ: "وهو"، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(2/ 352)، و"تفسير أبي السعود"(4/ 154)، و"روح المعاني"(11/ 175).

(2)

في (ف): "أي".

(3)

في (ف): "يحسبوا" وفي (ك): "يحسوا"، وفي (م):"ولم يحسنوا يحتسبوه". والمثبت موافق لما في "تفسير البيضاوي"(3/ 116)، وجاءت العبارة فيه:(لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه).

ص: 66

فلم يطيقُوا إظهارَ الجزعِ والبكاءِ للدهَشِ والحيرةِ

(1)

، لا للتجلُّدِ إذ ليسَ هناكَ، فامتلأتْ قلوبهم ندَمًا.

وقيلَ: أسرَّ رؤساهم الندامةَ من أَتْباعهم الذينَ أضلُّوهم حياءً منهم، وخوفًا من توبيخِهم.

وقيلَ: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} : أخلَصُوها وجعَلُوها سرَّهم، أي: ملؤوا

(2)

بطونهم بحيثُ لم يكن فيها شيءٌ آخرُ، من قولهم: سِرُّ الشيءِ، لخاصَّتهِ

(3)

؛ لأنها تُخفَى ويُضَنُّ بها، وعلى هذا يكونُ فيه تهكُّمٌ بهم.

وقيلَ: أظهروها، من قولهم: أسرَّ الشيءَ: إذا أظهرَهُ، وهو من الأضدادِ.

{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} ؛ أي: بين الظالمينَ والمظلومين؛ لدلالةِ ذكر الظلم.

{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : ليس تكريرًا؛ لأن الأوَّلَ قضاءُ حكومة، والثاني مجازاتُهم على الشركِ وسائر المعاصي.

* * *

(55) - {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .

{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : تقرير لقدرته تعالى على الإثابةِ والعقابِ.

{أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} : ما وعدَهُ من الثوابِ والعقابِ كائنٌ

(4)

لا خُلفَ فيه.

(1)

في (ف): "والحسرة".

(2)

في (ك): (ملء).

(3)

في "تفسير البيضاوي"(3/ 116): (لخالصته)، قال الشهاب: قوله: لخالصته، الخالصة: ما خلص من كل شيء. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 39).

(4)

في (ف): "وكائن".

ص: 67

أتى بكلِمَتي التنبيهِ والتحقيقِ، وجمعَ بينهُما في جملتَي الاختصاِص بالملكِ وإنجازِ الوعدِ؛ تقريرًا لِمَا وُعِدُوه، وتنبيهًا على أن ما ذكرَه

(1)

حقّ واجبُ الوقوع لا محالة.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ؛ لانهماكِهم في الغفلةِ.

* * *

(56) - {هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

{هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ} في الدنيا، فهو يقدِرُ عليهما في العُقبى أيضًا؛ لأن القادرَ لذاتِه لا تزولُ قدرَتُه، والمادةُ القابلَةُ بالذات للحياةِ والموتِ قابلةٌ لهما أيضًا.

{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بالبعثِ بعد الموتِ، تحذيرٌ وترهيبٌ، وإطماعٌ وترغيبٌ

(2)

؛ ليُخافَ ويُرجى.

* * *

(57) - {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} .

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: كتابٌ جامع لهذه الفوائدِ من الحِكَمِ

(3)

العمليَّةِ المبيِّنةِ لمحاسنِ الأعمالِ وقبائحها، والتحريضِ على الأُولى، والتحذير عن الثانيةِ، والحكمةِ النظريةِ من المعارفِ والحقائقِ التي هي شفاءٌ لما في الصدورِ من الأمراضِ

(1)

في (ك): "ذكر".

(2)

"وإطماع وترغيب" سقط من (ك).

(3)

في (ف): "الحكمة".

ص: 68

القلبيةِ كالجهلِ والشكِّ والنفاقِ والشركِ، والهدايةِ إلى الحقِّ والتوحيدِ، والرحمةِ لمن آمنَ بهِ من إنزالهِ عليهِم ما يُنجِيهم من ظلمات الضلال والكُفرِ إلى نور الهدى والإيمانِ، ومن دَرَكاتِ النيران إلى درجات الجنانِ، وتنكيرُ {مَوْعِظَةٌ} و وما عُطِفَ عليها للتعظيمِ.

* * *

(58) - {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .

{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} : متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسرُه ما بعدَه، تقديرُه: بفضلِ اللهِ وبرحمتِه - يعني: بإنزالِ القرآن والهدايةِ إلى الإيمان - فليفرَحوا {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} ، يعني: نوعَهُ وما يناسبُه؛ نحو: بفضلِ اللهِ وبرحمَتِه فلْيَعْتنوا، فحذفَ الأولَ لدلالةِ الثاني عليه.

و (ذلكَ) إشارةٌ إلى الفضلِ والرحمةِ بتأويل ما ذُكرَ، وتقديمُه للتأكيدِ والبيانِ بعد الإبهامِ، وإيجابِ اختصاصِ الفضلِ والرحمةِ بالفرحِ دونَ ما عداهما من فوائد الدنيا، وكذا تكريرُ الفاءِ للتأكيدِ؛ وهو جوابُ شرطٍ مقدَّر

(1)

، تقديره: إن كانوا يفرحُون بشيءٍ فليخصُّوهما بالفرح، فإنه لا مفروحَ به أحقُّ منهما.

ويجوزُ أن تكونَ الفاء للربطِ بما قبلها، والدلالةِ على أنَّ مجيء الكتابِ الجامعِ بين هذه الصفاتِ موجبٌ للفرحِ.

ويجوز أن يتعلَّقَ {بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} بقوله: {قَدْ جَاءَتْكُمْ} ؛ أي: قد جاءتكُم موعظةٌ بفضل الله وبرحمتِه، و (ذلك) إشارةٌ إلى مصدرِ: جاءَ، فبمجيئها فليفرحُوا.

(1)

"مقدر" من (م).

ص: 69

وقرئ بالتاء: {فَلْيَفْرَحُوا}

(1)

على الأصل المرفوض، وهو القياسُ، وروِيَ عن رسول اللهِ مرفوعًا

(2)

، وإنما

(3)

آثرهُ عليه السلام لأنَّه أدلُّ على الأمرِ بالفرحِ، وأشد تصريحًا به.

{هُوَ} راجعٌ إلى (ذلكَ){خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} : من حطامِ الدنيا السريعِ الزوال، وقرئ:{وتجمعون} بالتاء

(4)

على الخطابِ.

ومَن لم يذُق حُسنَ هذا الاستئناف في مقام التعليلِ، ولم يَدْرِ أنه أقوى الوصلَين، قالَ: على معنى: فبذلك فليفرحِ المؤمنون فهو خيرٌ مما يجمعون. فأوهمَ أن حقَ المقام الوصلُ بالفاءِ التعليليةِ، ولا يخفَى ما فيه من سوءِ الأدب.

* * *

(59) - {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ 59)} .

(1)

رواية رويس عن يعقوب، انظر:"النشر"(2/ 285).

(2)

الصواب موقوف كما سيأتي، فقد رواه سعيد بن منصور في "سننه"(1062 - تفسير) عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أنْ أَقرأَ عليكَ القرآنَ"، قال: قُلْتُ: سَمَّاني لك ربِّي؟ قال: "نَعَمْ "، فتَلَا:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} . والصواب أن المرفوع من هذا الحديث ينتهي عند قوله: "نعم"، أما الآية فقد جاء في كثير من الروايات أن الذي قرأها هو أبي رضي الله عنه، وأنَّه قرأ فيها:{فلتفرحوا} بالتاء، انظر:"مصنف ابن أبي شيبة"(30937) تحقيق محمد عوامة، و"مسند أحمد"(21237)، و"خلق أفعال العباد"(534)، و"سنن أبي داود"(3979)، و"شرح معاني الآثار"(5587). ويشهد لذلك أن الحديث رواه البخاري (3809)، ومسلم (799)، عن أنس رضي الله عنه، وينتهي عند قوله:"نعم".

(3)

"إنما" سقط من (ك).

(4)

قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير"(ص: 122).

ص: 70

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ} : جعلَ الرزق مُنزَلًا؛ لأنَّه مقدَّرٌ في السماء مسبَّبٌ بأسباب منها: من

(1)

المطرِ والشمسِ والقمرِ، في الإنباتِ والإنضاجِ والتلوينِ.

و {مَا} في محلِّ النصب بـ {أَنْزَلَ} ، أو بـ {أَرَأَيْتُمْ}؛ لأنهُ بمعنى: أخبِروني.

و {لَكُمْ} دلَّ على أن المرادَ بالرزقِ ما حلَّ

(2)

، ولذلك وبخَهم على التبعيضِ بقولِه:

{فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} : من البَحيرةِ والسائبةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وما جعَلُوا للهِ من الحرثِ والأنعامِ.

وإنما قدَّم {حَرَامًا} لأنَّه مصبُّ الإنكارِ، وفي

(3)

إسنادِ التحريمِ والتحليل إليهم إشارةٌ إلى أنهُم هم المبعِّضونَ توبيخًا وتمهِيدًا لإثباتِ القِسم الثاني من المنفصِلةِ في قوله:

{قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} ؛ أي: أخبِروني اَللهُ أذِنَ لكم في لتحريم والتحليلِ، فتفعلونَ ذلك بإذنِهِ، أم تكذِبون على اللهِ في نسبتِهِ إليه؟

على أنَّ {أَمْ} متصلةٌ، وتكريرُ {قُلْ} بينَ {أَرَأَيْتُمْ} وما يتعلَّقُ به للتأكيدِ، والاستفهامُ للتبكيتِ، والإشارةِ إلى أن نسبةَ ذلكَ إلى الله تعالى تقليدٌ، وقولٌ بلا حجةٍ، فلزمَ الافتراق

(4)

.

(1)

"من "ليست في (ف).

(2)

في (ك): "قل" والمثبت موافق لما في "البيضاوي".

(3)

في (ف): "في".

(4)

في (ف): "الافتراء".

ص: 71

وكان الأصلُ: اَللهُ أذنَ أم غيرُهُ؟ فعدَلَ إلى المنزَلِ دلالةً على أن الثابتَ هو الشقُّ الثاني، وهم

(1)

نسبوه إلى اللهِ تعالى، فهم مفترونَ عليه لا على غيرِه، وفيه زجز وتهديدٌ عظيم.

وإنْ جُعلَت {أَمْ} منقطعةً بمعنى (بل) و (الهمزة) فالاستفهامُ للإنكارِ، ومعنى (بل) إضراب عن أن يكونَ ذلك

(2)

بإذنِ الله تعالى، ومعنى الهمزة تقريرُ الافتراءِ، وتوبيخٌ عليهِ، وتقديمُه على اللهِ تقبيحٌ لتخصيصِهِ تعالى بالافتراء عليه؛ فإنه نهايةٌ في قبح الكذبِ، وفي العدولِ عن الضميرِ إلى الاسم المُظهَرِ تفخيمًا زيادةُ إظهارٍ لقبح الافتراء.

(60) - {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} .

{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} : في إبهامِ متعلَّقِ الظنِّ بحذفِهِ والسؤالِ عنهُ وعيد

(3)

بليغٌ، وتهديدٌ عظيمٌ؛ أي: أيُّ شيءٍ ظنُّهم {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وهو يوم الجزاءِ، يحسبونَ أنهم لا يجازَون على الافتراءِ.

وقرئ: (ظَنَّ) على لفظ الفعل، على جعل المحقَقِ الوقوع واقعًا، ونصبِ (م) على المصدر

(4)

؛ أي: أيَّ

(5)

ظنٍّ ظنوا فيه.

(1)

في (ف): "وهو".

(2)

"ذلك": ليست في (ك) و (م).

(3)

"وعيد"من (م).

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 57)، و"الكشاف"(2/ 354).

(5)

في (م): "أي شيء"، والمثبت باقي النسخ و"الكشاف".

ص: 72

{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} : على كلِّهم بما أنعَمَ عليهم من العقلِ والحواسِّ، وساقَ إليهم الرزقَ، وهداهُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسلِ، وإنزال الكتبِ، وأخَّرَ عنهم العذابَ من غير سابقةِ صُنعٍ منهُم يستوجِبون به ذلك.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} هذه النعمَ العظيمة بجهلهِم

(1)

بمواقعها.

(61) - {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} .

{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} الشأنُ: الأمرُ، وأصلُه: القصدُ، وعينُه الهمزة، مِن شأنتُ شأنهُ: إذا قصدتَ فخفّفت، والضميرُ في قولِه:

{وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ} : راجعٌ إلى الشأنِ؛ لأن تلاوةَ القرآنِ شأنٌ معظَّمٌ من شؤونِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو لأن القراءة تكونُ بشأنٍ، فيكونُ التقديرُ: من أجلِه، ومفعولُ {تَتْلُواْ}:{مِنْ قُرْآنٍ} على أن {مِن} تبعيضيةٌ، أو مزيدةٌ لتأكيدِ النفيِ.

أو للقرآنِ

(2)

، وإضمارُه قبلَ الذكرِ ثم بيانُه تفخيمٌ له، أو للهِ.

{وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} : {مِن} لتأكيدِ النفيِ؛ أي: أيِّ عملٍ كانَ، و (لا تعملون) تعميمٌ للخطابِ بعد تخصيصِهِ بمَن هو رأسُهم ومقدَّمهم، وحيثُ خصَّ ذَكَرَ ما

(1)

في (م): "لجهلهم".

(2)

"للقرآن"، متعلق بـ "راجع "؛ أي: الضمير في {مِنْهُ} راجع إلى الشأن أو للقرآن

، وسيأتي عطف قوله:"لله" عليه أيضا.

ص: 73

فيه فخامةٌ، وحيثُ عمَّ ذكر

(1)

ما يتناولُ الخطيرَ والحقيرَ للمناسبةِ.

{إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} : رقباءَ مطَّلعين

(2)

عليهِ، استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ على تقديرِ: قد كنا، أو أعمِّ الأوقاتِ؛ أي: وقتَ كُنَّا.

{إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} : وقتَ اندفاعِكُم فيهِ، ظرفٌ لـ {شُهُودًا} ، وعلى الثاني جازَ كونُه بدلاً من الوقت المقدَّرِ.

{وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ} : قرِئ: {يَعْزُبُ} بكسر الزاي وضمِّها

(3)

، والعزوبُ معناه: البعدُ والغيبةُ، يقالُ: عزبَ، إذا انفردَ عن أهلِهِ.

{مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} : مُوازِنِ نملةٍ

(4)

صغيرةٍ، أو هباءٍ.

{فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} : عبَّرَ بقُطرَي العالمِ عن كلِّهِ، والمرادُ: إحاطةُ علمِه بجميعِ ما في الوجودِ، فعبَرَ عنه بما ذُكرَ على معتقد العامةِ، فإن التنزيلَ واردٌ على لسانهم، وهم ينكِرُونَ وجودَ ممكنٍ ليس بخيرٍ.

وقدَّمَ الأرضَ على السماء هاهُنا بخلافِ ما في سورة سبأ؛ لأنَّ الكلامَ هنا

(5)

في شأنِ أهل الأرضِ، وشهادَتهُ عليها رعايةٌ للملاءمةِ، وإلا فالواو في الجمعِ بينَهُما كالتثنيةِ.

{وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} : جملةٌ برأسِها، و (لا) لنفي الجنسِ،

(1)

في النسخ: "ذلك"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 117).

(2)

في (ف) و (ك): "مطلعة".

(3)

قرأ بالكسر الكسائي وباقي السبعة بالضم. انظر: "التيسير"(ص: 122).

(4)

في (ك): (غلة).

(5)

"هنا" سقط من (ك).

ص: 74

و {أَصْغَر} مبني على الفتحِ اسمُها، و {فِي كِتَابٍ} خبرُها، و {وَلَا أَكْبَر} عطفٌ عليهِ بالنصبِ، و {وَلَا} مزيدةٌ للتأكيدِ، أو مفتوحٌ مثلُهُ.

وقرئا مرفوعين

(1)

على أن الأولَ مبتدأٌ خبرُهُ {فِي كِتَابٍ} ، والثاني عطفٌ عليهِ

(2)

. ومَن جعَلَ رفعَهما عطفًا على محلِّ {مِنْ مِثْقَالِ} وفتحَهما على لفظِ {مِثْقَالِ} لكونهما غيرَ منصرِفَين مفتوحَين في موضعِ الجرِّ، جعَلَ {إِلَّا فِي كِتَابٍ} استثناءً منقطعًا بمعنى: لكنْ في كتابٍ مبين.

والمرادُ من الكتابِ: اللوحُ المحفوظُ، فيصيرُ مؤكَدًا لقولِه:{وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ} كأنهُ قيلَ: كيفَ يعزُبُ وهو في كتابٍ مبينٍ؟

على أنَّ الاتصال لهُ أيضًا وجهٌ، لا سيَّما إذا فسِّرَ الكتابُ المبينُ بعلمِ الله تعالى كما مرَّ في سورة الأنعامِ، ويكونُ المعنى: لا يغيبُ عنه إلا في عِلمِه، ومعلومٌ أنَّ غيبةَ الشيءِ في العلمِ عينُ كشفِهِ فهو من باب {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22]، وإن فسِّرَ باللوحِ فلا بأسَ به أيضًا؛ لأنهُ محلُّ صورِ معلوماته تعالى.

وكانَ مقتضى البلاغةِ بحسب جليلِ النظرِ تقديمُ الأكبر على الأصغرِ ليكون الكلامُ على طريقة الترقِّي، وإنما عكَسَ الترتيب سوقًا له على مُقتضَى ما بحسبِ دقيق النظرِ؛ ليكونَ في كلِّ واحدٍ من جزئي الكلامِ نوعٌ من الاهتمامِ، وذلك أنه حينئذٍ يكون في الجزءِ الأول منهُ اهتمامُ التقديمِ، وفي الثاني اهتمامُ التصريحِ بعد العلم بالالتزام.

(1)

قرأ بها حمزة. انظر: "التيسير"(ص: 123).

(2)

"بالنصب ولا مزيدة للتأكيد أو مفتوح مثله وقرئ مرفوعين على أن الأول مبتدأ خبره في كتاب والثاني عطف عليه" من (ك).

ص: 75

(62) - {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ} : الذين يتولَّونهُ بالطاعة ويتو لَّاهم بالكرامةِ.

{لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} : في الحالِ من لحوق محذورٍ.

{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : من وقوعِ مكروهٍ من فوات نافعٍ وحصول ضارٍّ.

(63) - {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .

{الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} : نصبٌ أو رفعٌ على المدحِ، أو على وصف الأولياءِ فيكونُ بيانًا لتولِّيهم ربهم، أو رفعٌ على الابتداء والخبرُ:

(64) - {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .

{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} : بيانٌ لتوليه تعالى إيَّاهُم، والبشرى في الدنيا ما بشَّرَ اللهُ تعالى به المؤمنين المتقين في غير موضعٍ من كتابِه، وعلى لسان نبيِّهِ عليه السلام، وما يُريهم في الرؤيا الصادقةِ، وما يسنَحُ لهم بالمكاشفةِ وبشرى الملائكةِ عند النزعِ، وأما البُشرى في الآخرةِ فتلقِّي الملائكةِ إياهم مسلِّمين مبشِّرين بالفوز والكرامة.

{لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} : لا تغييرَ لأقوالِه وأحكامِه، ولا إخلافَ لمواعيدِه.

{ذَلِكَ} : إشارة إلى تخصيص البشارةِ بهم في الدارين.

{هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} : لأنَّه نيلُ جميعِ ما يُرجَى، والأمنُ من كل ما يُخشَى.

هذه الجملة والتي قبلَها اعتراضٌ لتحقيقِ المبشَّرِ به وتعظيمِ شأنه، وليسَ من شرطه أن يقَعَ بعدَهُ كلامٌ متَّصلٌ بما قبلَهُ.

ص: 76

(65) - {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} : تكذيبُهم وتهديدُهم وتشاورُهم في تدبيرِ هلاكك، وقرئ:{وَلَا يَحْزُنْكَ}

(1)

من أَحْزَنَه.

{إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} : استئنافٌ للتعليلِ؛ كأنه قيلَ: ما لي لا أحزَنُ؟ فقيل: إنَّ العزةَ للهِ .. إلخ؛ أي: الغلبةَ والقدرةَ كلَّها لله تعالى، ولا

(2)

يملِكُ أحدٌ غيرُه شيئًا منها، فهو يغلِبُهم وينصُرك عليهِم.

وقرئ: (أن العزةَ) بالفتح

(3)

؛ أي: لأن العزة، تصريحًا بالتعليلِ، وفيه إخبارٌ عن أهل العزةِ تسليةً لأهل العزة.

{هُوَ السَّمِيعُ} لأقوالهم {الْعَلِيمُ} بعزماتهم فيكافئُهم عليها.

(66) - {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} .

{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} : تمهيدٌ لِمَا بعدَه من امتناعِ أن يكونَ الجمادُ له نذًا؛ لأنَّه تخصيصٌ للعقلاءِ بملكيته بتقديمِ {لِلَّهِ} ، وإيرادِ {مَن} دون (ما) مع التأكيدِ بتصديرِ الجملةِ بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ، فالعقلاءُ من الملائكة والثقلَين إذا كانوا تحتَ يدِه عبيدًا مملوكينَ مع كونهم

(1)

قراءة نافع. انظر: "التيسير"(ص: 91).

(2)

في (ك): "لا".

(3)

قرأ بها أبو حيوة، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 27).

ص: 77

أشرفَ المخلوقات، ولا يصحُّ كونُهم شركاءَ، فكيف يصحُّ أن يكونَ الجمادُ له ندًا؟ فهو كالدليلِ على بطلان اعتقادِ المشركين.

{وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ} : {وَمَا} نافيةٌ، و {شُرَكَاءَ} مفعولُ {يَتَّبِعُ} ، ومفعولُ {يَدْعُونَ} محذوفٌ؛ أي: ما يتَّبعُ الذين يدعونَ من دون اللهِ شركاءَ شركاءَ حقيقةً

(1)

وإن سمَّوها شركاء

(2)

، فحذِفَ أحدُهما لدلالةِ الباقي

(3)

عليهِ.

ويجوزُ أن يكونَ {شُرَكَاءَ} مفعولَ يدعون ومفعولُ {يَتَّبِعُ} محذوفًا دلَّ عليهِ:

{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} ؛ أي: ما يتَّبعون {إِلَّا الظَّنَّ} يقينًا، وإنما يتَّبعونَ ظنَّهُم أنهم شركاءُ.

وإن جُعلَت (ما) استفهاميةً فهي مفعولُ {يَتَّبِعُ} ، و {شُرَكَاءَ} مفعولُ {يَدْعُونَ} ، وإن جُعِلت موصولةً فمنصوبةُ المحلِّ عطفًا على {وَمَن} .

وقرئ: (تَدعُون) بالتاء

(4)

، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يتَّبعُ الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكةِ والنبيينَ؟ أي: إنهم لا يتَّبِعون إلا اللهَ، ولا يعبُدون غيرَه، فما لكُم لا تتَّبِعونهم فيهِ؟ كقولِه:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57] فيكونُ إلزامًا بعدَ برهانٍ، وما بعدَهُ مصروف

(5)

عن خطابهم لبيانِ سندِهم ومنشأ رأيهم.

(1)

في (م): "مشركًا حقيقة".

(2)

"وإن سموها شركاء" من (ف).

(3)

في (م): "الثاني".

(4)

قراءة السلمي، ورويت عن علي رضي الله عنه. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 57).

(5)

في (ت) و (ك): "معروف"، وهو تحريف. انظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 118) والكلام منه، و"تفسير أبي السعود" (4/ 162) ولفظه: (ثم صُرف الكلامُ عن الخطاب إلى الغَيبة فقيل: إنْ=

ص: 78

{وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} ؛ أي: يكذِبون فيما ينسبون إلى اللهِ تعالى، أو يحزِرون ويقدِّرون أنها شركاءُ تقديرًا باطلًا.

(67) - {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} .

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} : تنبيهٌ على أنه تعالى هو المنفرِدُ بكمالِ قدرتِهِ وعظيمِ نعمتِهِ التي لا يمكِنُهم أن يعيشوا بدُونها؛ ليدُلَّهم على أنه المتوحِّدُ باستحقاق العبادةِ فيخصُّوهُ بها، و {جَعَلَ} متعدٍّ إلى مفعول واحد بمعنى: خلق، و {مُبْصِرًا} حال، ويجوزُ أن يكونَ متعدِّيًا إلى مفعولين، والثاني {لَكُمُ} أو {لِتَسْكُنُوا}؛ أي: جعلَهُ محلًّا لسكونكِم، وقيلَ: مظلِمًا، {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا}

(1)

عطفٌ على المفعولَينِ.

ذكَرَ علَّةَ خلق الليل لتسكُنوا فيه وتسترِيحوا من تعب التردُّدِ في طلب المعاش، وما يكدَحون منه في النهارِ، وحذَفها من النهار، وذكَرَ وصفَ النهارِ وحذفَهُ من الليلٌّ، وكلٌّ من المحذوفَين يدلُّ عليه المذكورُ في مقابِله، والتقديرُ: جعلَ لكم الليلَ مظلمًا لتسكُنوا فيهِ والنهارَ مُبصرًا لتتحركوا

(2)

فيه في مكاسبِكم، وتهتَدُوا إلى مآربكم.

وإسنادُ الإبصار إلى النهارِ مجازيٌّ على طريقَةِ: ليلُهُ قائمٌ ونهارُه صائمٌ، وإنما

= يتَّبع هؤلاء المشركون إلا الظنَّ ولا يتبعون ما يتبعه الملائكةُ والنبيون من الحق).

(1)

في (ف): "مستبصرًا".

(2)

في (ف) و (م): "لتحركوا".

ص: 79

عدَلَ عن قولِهِ: لتُبصروا فيهِ، مناسبًا لـ (تسكُنوا فيهِ) لدلالته

(1)

على أنه مع كويهِ ظرفًا للإبصارِ سببٌ له بخلافِ سائر الظروفِ.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} : سماعَ اعتبارٍ وادِّكارٍ

(2)

.

(68) - {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

{قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ؛ أي: تبنَّاه {سُبْحَانَهُ} : تنزيهٌ له تعالى عنِ التبنِّي، وتعجِيبٌ مِن كلماتِهم الحمقاء

(3)

.

{هُوَ الْغَنِيُّ} علةٌ لتنزُّههِ عنهُ؛ فإنه مسبَّبٌ عن الحاجةِ.

{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} تقريرٌ لغِناه.

{إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} نفيٌ لمعارِض البرهانِ الذي أقامَهُ تحقيقًا لبطلانِ قولهِم، ومبالغةً في تجهيلِهم؛ أي: ما عندَكُم من حجةٍ بهذا القول

(4)

، مع أن الحجةَ دالةٌ على خلافِه، والباءُ في {بِهَذَا} متعلقٌ بـ {سُلْطَانٍ} ، أو بقولِه:{إِنْ عِنْدَكُمْ} بمعنى الظرفيةِ؛ أي: ما عندَكُم في القول حجةٌ؛ كقولكَ: ما عندَكُم بأرضِكم موزٌ.

{أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} : لما نفَى البرهان عنهُم جعلَهم جاهلينَ،

(1)

في (ف): "للدلالة".

(2)

في (ف): "وإذكار".

(3)

في (ك): "كلمتهم الحمقى".

(4)

"القول" سقط من (ك).

ص: 80

وفيهِ دليل على أن كلَّ قولٍ لا دليلَ عليه فهو جهلٌ، وأن العقائدَ لا بد أن تكونَ بُرهانيَّةً لا تقليديَّةً، والهمزةُ للتوبيخِ والتقريعِ لهم على اختلافِهم وجهلِهم.

(69) - {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} .

{قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} : بنسبةِ الولدِ والشريكِ إليه تعالى.

{لَا يُفْلِحُونَ} : لا ينجُونَ من النار

(1)

، ولا يفوزون بالجنةِ.

(70) - {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} .

{مَتَاعٌ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والتنكيرُ للتقليل تقديرُهُ: افتراؤهم متاعٌ {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} ؛ أي: متعةٌ

(2)

يسيرةٌ {فِي الدُّنْيَا} ؛ أي: يقيمونَ به في الدنيا رئاستَهم في الكفرِ.

أو: حياتُهم وتقلُّبَهم فيها متاعٌ، أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ؛ أي: لهم تمتُّعٌ في الدنيا.

{ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} : بالبعثِ بعد الموتِ فيلقَون الشقاء المؤبَّدَ.

{ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ} في جهنَّم {بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} : بسببِ استمرارِهم على الكفرِ.

(1)

في (ك): "العذاب".

(2)

في (م): "أي منفعة".

ص: 81

(71) - {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} .

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} : خبرَهُ مع قومِه.

{إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ} : شقَّ وثقُلَ، ومنهُ قولُه تعالى:{وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45].

{مَقَامِي} : مكاني؛ أي: كوني ووجودِي، ومنهُ: فعلتُ كذا لمكان

(1)

فلانٍ.

أو: إقامتي ومُكثي بين أظهُركم مدةً طويلةً.

أو: قيامِي على الدعوةِ، لا على

(2)

التذكيرِ؛ لأن قولَه: {وَتَذْكِيرِي} يُغني عنهُ، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيدِ.

{بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} ، أي: خصَصتُ الله تعالى بالتوكُّلِ عليهِ والوثوقِ به، فإنه جوابُ الشرطِ، أي: فلا أبالي.

وقيلَ

(3)

: جوابُ الشرطِ {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} وما تقدَّمَ اعتراضٌ بين الشرطِ وجوابِه، كما تقولُ: إن كنتَ أنكرتَ عليَّ شيئًا فإنَّ الله حسبي فاعمَل ما تريدُ.

و (أَجْمِعوا) قرئ بالوصل من الجمع

(4)

، وبالقطع من الإجماع

(5)

، وهو العزم،

(1)

في (ف) و (ك): "بمكان"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصادر. "الكشاف"(2/ 359)، و "تفسير البيضاوي"(3/ 119)، و"البحر"(12/ 42).

(2)

"على الدعوة لا على" من (م).

(3)

في (ك): "وقيل هذا"، بزيادة "هذا" وهو خطأ كما سيتضح من الكلام الآتي.

(4)

هي قراءة رويس عن يعقوب. انظر: "النشر"(2/ 285).

(5)

هي قراءة العشرة عدا رويس. انظر المصدر السابق.

ص: 82

وفي

(1)

إسناد الجمع والإجماع على الشركاء تهكُّم بهم وبشركائهم؛ كما في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ} [الأعراف: 195].

{وشُرَكَاءَكُمْ} : معطوفٌ على {أَمْرَكُمْ} على حذفِ مضافٍ تقديرُه: وأمرَ شركائكُم، أو منصوبٌ بفعلِ محذوفٍ تقديرُه: وادعوا شركاءكم

(2)

، وقدْ قُرِئ به

(3)

.

وقيلَ: (اجمَعُوا) بمعنى: أَعِدُّوا، فيقَعُ على المعطوفَين جميعًا.

وقال الزجَّاجُ: هو مفعولٌ معَهُ، والواو بمعنى معَ؛ أي: مع شركائكم

(4)

.

ولا يساعِدُه قراءةُ الوصلِ، كما قال الحريريُّ في "درة الغوَّاصِ": لا يُقال: اجتمعَ فلانٌ مع فلان، وإنما يُقال: اجتمَعَ فلانٌ وفلان

(5)

.

وقرئ بالرفعِ

(6)

عطفًا على الضمير المتصل، وجاز بلا تأكيد للفصل

(7)

.

{ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ} في قصدِي {عَلَيْكُمْ غُمَّةً} : مستورًا عليكم، وليكُن مكشُوفًا مجاهرًا بهِ، مِن غمَّهُ: إذا سترَهُ.

(1)

في النسخ: "في" والصواب المثبت.

(2)

في النسخ: "شهداءكم"، والصواب المثبت. انظر المصادر الآتية.

(3)

نسبت لمصحف أُبي رضي الله عنه، انظر:"المحتسب"(1/ 314)، "الكشاف"(2/ 359)، و"المحرر الوجيز"(3/ 132).

(4)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (3/ 28).

(5)

انظر: "درة الغواص"(ص: 33).

(6)

قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر"(2/ 285).

(7)

"للفصل "من (م).

ص: 83

أو: لا يكُن أمرُكم - أي: ما تكونونَ فيه من شدَّةِ الحالِ والكراهةِ

(1)

، وثقلِ مُقامي فيكُم ومشقَّتِه عليكُم - غمًّا وكربًا عليكم.

الغمُّ والغُمَّةُ كالكَربِ والكُربةِ معنًى وصِيغةً، أي: لا تتوقَّفوا في إهلاكي وتدبِيره لئلا يكون عيشُكم بسببِ مصاحبَتي وحالكُم معي غُمةً عليكُم.

{ثُمَّ اقْضُوا} : أدُّوا {إلَىَّ} ذلك الأمرَ الذي تريدون بي؛ يعني: أدُّوا قطعَه وتصحيحَهُ إليَّ، كقوله:{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْر} [الحجر: 66]، أو: أدوا إليَّ ما هو حقٌّ عليكم من وجوبِ إهلاكي، كما يقضي الرجلُ غريمَه.

وقرئ: (ثم أفضوا) بالفاء

(2)

؛ أي: ثم انتهُوا إلي بشرِّكم.

وقيل: هو مِن أفضَى الرجلُ: إذا خرجَ إلى الفضاءِ؛ أي: اصحَروا بهِ إليَّ وابرُزوا بهِ لي.

{وَلَا تُنْظِرُونِ} : ولا تمهِلون.

(72) - {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .

{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} ؛ أي: أعرضتُم عن تذكِيري {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} يوجبُ إعراضَكم عني لثقَلِه عليكم، واتهامكُم إياي لأجلِه من طمعٍ في أموالكم.

{إِنْ أَجْرِيَ} في نصيحتِكم ووعظكم {إِلَّا عَلَى اللَّهِ} هو الذي يثيبُني عليه؛ أي: ما نصحتُكم إلا لوجه الله تعالى، لا لغرض من أغراضِ الدُّنيا.

(1)

في (ف) و (م): "أو الكراهة".

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 57).

ص: 84

{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} : المنقادِينَ لأمر اللهِ، وقضيةُ الإسلامِ أن لا يُطلَبَ على تعليم الدِّينِ شيءٌ

(1)

، ولا يُبتغى بالدعوةِ والموعظةِ إلا وجهُ اللهُ تعالى، رضيَ الله عن أبي حنِيفةَ ما أمعَن النظَرَ إذ لم يرَ الإجازة في الإجارةِ على الطاعاتِ.

والمرادُ: إلزام

(2)

الحجةِ لهم، وتبرئةُ ساحتِه عما يوجبُ الإعراض.

(73) - {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} .

{فَكَذَّبُوهُ} : فأصرُّوا على تكذيبِه تمرُّدًا وعنادًا

(3)

بعد طولِ مدةِ الدعوةِ وإلزامِ الحُجَّةِ.

{فَنَجَّيْنَاهُ} يعني: من الغرَقِ؛ دلَّ عليهِ قوله: {وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} : من الإنسان والحيوانِ، وإنما قال:{وَمَنْ} دونَ (ما) تغلِيبًا للعقلاءِ على غيرِهم؛ للتنبيهِ على أن نجاةَ غيرِهم كان تبَعًا لهم.

{وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ} من الهالكين {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} : بالطوفانِ، والجعلُ مؤخَّرٌ عن الإغراقِ، وإن قُدِّمَ لفظًا للاهتمام به.

{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} : تعظيمٌ لما نزَلَ بهم من العذابِ، وتهديدٌ لمن كذَّبَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتسليةٌ لهُ

(4)

.

(1)

في (ف): "تطلب .... شيئًا".

(2)

"إلزام" من (ك).

(3)

في (ك) زيادة: "به".

(4)

"وتسلية له" سقط من (ك).

ص: 85

والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى {الْمُنْذَرِينَ} للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ

(1)

نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ.

(74) - {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} .

{ثُمَّ بَعَثْنَا} : البعثُ أعمُّ من الإرسال؛ فإن كل شيءٍ أرسلتَه فقد بعثتَه، ومنهُ قولُه تعالى:{مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52]، والذي أُمِرَ بتبليغ الرسالةِ إلى قوم وهو فيهم إنما يناسبُه عبارةُ البعث دونَ الإرسال.

{مِنْ بَعْدِهِ} : من بعدِ نوحٍ عليه السلام {رُسُلًا} التنكيرُ للتكثيرِ {إِلَى قَوْمِهِمْ} : إلى أقوامِهم كلُّ رسولٍ إلى قومه، وإنما لم يُجمَع لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ.

{فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} : بالحججِ الواضحة المثبِتةِ لدعواهم.

{فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} : عبارةُ (كان) الدالَّة على الاستمرار مقدَّمةٌ على أداة النفي في الاعتبارِ؛ أي: لم يؤمنوا بهم

(2)

وأصرُّوا على الإنكار، وفي زيادةِ لامِ الجحود تأكيدٌ لهذا المعنى، ودلالةٌ على أن إيمانهم في حيِّزِ الامتناع.

{بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} : بسبب تعوُّدِهم بتكذيبِ الحقِّ وتمرُّنهم عليه من قبل بعثة الرسلِ؛ أي: ما تفاوت في حالهم قبلَ البعثة وبعدَه؛ لاعتيادِهم بالعنادِ وإنكار الحقِّ.

(1)

في (ك): "سيوجب".

(2)

"بهم" من (م).

ص: 86

{كَذَلِكَ} : مثلَ ذلك الطبعِ المحكَمِ {نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} ؛ لأنَّ الاعتداء والإفراطَ في التجافي عن الحقِّ يوجِبُ الخذلانَ حتى يصيرَ رَينًا وطبعًا؛ فالكلامُ على الحقيقةِ دون الكنايةِ.

(75) - {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} .

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} : من بعدِ

(1)

هؤلاء الرسلِ {مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} : خصَّ أشرافَهم بالذكرِ اكتفاءً بذكرِ الجزء عن الكُلِّ.

{بِآيَاتِنَا} : بالآياتِ التسع، أضافَها إلى نفسِه تنبيهًا على خروجِها عن حيِّزِ استطاعة العبدِ، وتعلُّقِ كسبِه بها، وكونها من خوارق العاداتِ.

{فَاسْتَكْبَرُوا} : عن قَبول الحقِّ، واتِّباعِ مَن أُرسِلَ إليهم.

والاستكبارُ: طلبُ الكِبرِ من غيرِ استحقاقٍ، وأعظَمُ الكِبر: استهانةُ العبدِ برسالةِ ربِّهِ بعدَ تنبيهِه بالبيِّناتِ.

{وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} : معتادِين بالآثامِ العظامِ، فلذلكَ استكبَرُوا عنها، واجترؤوا على ردِّها، أما توصيفُ الآثامِ بالعظامِ فلأن الجُرمَ يؤذِنُ عن ذنبٍ له عِظَمٌ، ثم إنَّ سبيلَ الكلامِ سبيلُ الاعتراض التذييلي، ويدلُّ على تمرُّنِهم واعتيادِهم له، فجمَعَهُ لذلكَ.

على أن الكافرَ إذا وصِفَ بالجُرمِ والفسقِ دل على أَشَدِّه، وأما السببية

(2)

فمن نفسِ الاعتراضِ، والحملُ على العطف الساذجِ لا يلائمُ بلاغة القرآنِ.

(1)

"من بعد"من (م).

(2)

في (ك): "سببه".

ص: 87

(76) - {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} .

{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} : فلما عرفوا أنه الحقُّ، وأنَّه من عندِ اللهِ تعالى لا من قِبَلِ موسى وهارونَ عليهما السلام {قَالُوا} من فرطِ تمرُّدِهم:{إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} ظاهرٌ، أو: فائقٌ في فنِّهِ واضحٌ من بين فنونِهِ.

والدليلُ على العرفانَينِ المذكورَين من النظمِ: إيقاعُ {الْحَقُّ} موضعَ ضميرِ الآياتِ، وإسنادُ المجيء إليهِ، وقولهم:{إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} كما مرَّ في صدر السورة من دلالَتهِ على الاعتراف وتناهي العجز.

(77) - {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} .

{قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ} : أتَعِيبُونه وتطعنونَ

(1)

فيهِ؟ من قولهم: فلان يخافُ القالةَ

(2)

، كقوله:{سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [الأنبياء: 60] فيستغني عن المفعولِ.

وقيلَ: حُذِفَ مقولُ القول لدلالةِ ما قبلَه عليهِ، وهو: إنه لسحرٌ، والهمزةُ للتوبيخِ أو التقرير، ولا يجوزُ أن يكونَ:{أَسِحْرٌ هَذَا} ؛ لأنهم بتُّوا القولَ، بل هو استئنافٌ بإنكارِ ما قالوه، إلا أن يكونَ الاستفهامُ فيه للتقرير، والمحكيُّ مفهومُ قولِهم، وهذا على الوجه الأولِ إشارة إلى وضوحِ حقيقتِهِ، وكونِه ممتازًا في الحسِّ من

(3)

الباطلِ، معلومُ الحقيقةِ بحيث لا يُشكُّ فيهِ مشارًا إليه في ذلكَ، وعلى الثاني تحقيرٌ واستبعادٌ لكونهِ موجِبًا للفلاح.

(1)

في (م) و (ف): "وتطغون".

(2)

في (ك): "المقالة".

(3)

في (ف): "عن".

ص: 88

{وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} : من تمامِ كلام موسى عليه السلام؛ للدلالةِ على أنه ليسَ بسحرٍ، فإنهُ لو كان سحرًا لاضمحلَّ، ولم يُبطِل سحرَ السحرةِ، ولأن العالِم بأنهُ لا يفلِحُ الساحرُ لا يُسحَرُ.

أو من تمام قولهم إن جعِلَ: {أَسِحْرٌ هَذَا} محكِيًّا؛ كأنهم قالوا: أجئتَنا بالسحرِ تطلُبُ به الفلاحَ ولا يفلِحُ الساحرون؟ ويأباه قولُه: {ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} لأنهُ مظِنَّةُ طلبِ الفوزِ بهم، وصيغةُ الجمعِ للدلالة على أن اجتماعَهم لا يُجدي نفعًا في طلبِ الفوزِ.

(78) - {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} .

{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا} : لتصرِفنا، واللفتُ والفتلُ أَخَوان.

{عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} من عبادةِ الأصنامِ.

{وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} : الملكُ فيها، فإن الملوكَ يوصفون بالكبرِ، ويجوزُ أن يُقصدَ به ذمُّهما بأنهُما

(1)

يريدانِ أن يتكبَّرا أو يتجبَّرا في أرِض مصرَ باستتباعِ الناسِ.

{وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} : بمصدِّقين ما جئتما به.

(79) - {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} .

(1)

"بأنهما"من (م).

ص: 89

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} وقرئ: {بِكُلِّ سَاحِرٍ}

(1)

، {عَلِيمٍ}: حاذقٍ فيه.

(80) - {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} .

{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا} استطالةً عليهم، وعدمَ مبالاةٍ بهم، وفي إبهامِ:{مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} تحقيرٌ لهم وتعليلٌ، وإعلامٌ بأنه لا شيءَ يُلتفتُ إليهِ.

(81 - 83) - {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} .

{فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} : {مَا} موصولةٌ مبتدأٌ خبرُهُ: {السِّحْرُ} ؛ أي: الذي جئتم بهِ هو السحرُ، لا الذي جئنا به من آياتِ اللهِ تعالى.

وقرئ: {آلسِّحْرُ} على الاستفهام

(2)

؛ أي: على أن {ومَا} استفهاميةٌ

(3)

مبتدأةٌ، تقديرُه: أيُّ شيءٍ، و {جِئْتُمْ بِهِ} الخبرُ، و {السِّحْرُ} بدلٌ من {مَا} ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: أهو السحرُ، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ تقديرُه: السحرُ

(1)

قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 112).

(2)

قراءة أبي عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 123).

(3)

"أي على أن ما استفهامية" زيادة في (م).

ص: 90

هوَ، ويجوزُ أن ينتصِبَ {مَا} بفعلٍ يفسِّرُه ما بعده تقديرُه: أيُّ شيءٍ أتيتم، السحرُ إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقَةَ له.

{إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} : ويثبِّتُه {بِكَلِمَاتِهِ} : بأوامرِه.

{وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى} في أوَّلِ أمرِه {إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} : إلا طائفةٌ من ذرارِي قومه؛ أي: أولادٌ من بني إسرائيل دعا أباءهم فلم يجيبوهُ خوفًا من فرعونَ وقومه، وأجابَهُ

(1)

طائفة من أبنائهم وبناتهم.

وقيلَ: الضميرُ في {قَوْمِهِ} لفرعونَ، والذريةُ: طائفةٌ من شبان قومِهِ، أو من آل فرعونَ، وآسيةُ امرأتُهُ، وخازنُهُ، وامرأةُ الخازِنِ، وما شطَتُهُ.

ولا يناسبُه قولُه: {عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ} : فإن حقَّ الكلام حينئذٍ إظهارُ اسم فرعونَ ثمَّةَ، وإضمارُه هاهنا.

{وَمَلَئِهِمْ} : الضميرُ يرجع إلى فرعونَ؛ بمعنى: آلِ فرعونَ؛ كما يقالُ: مُضَرُ ورَبِيعَةُ، أو لأنَّه ذو أصحابٍ يأتمِرون لهُ، فعلى هذا يكونُ من باب قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1].

ولا يجوزُ أن يكون جمعُهُ على ما هو المعتادُ في ضمير العظماءِ؛ لأنَّه يكونُ عند قصدِ التعظيمِ، ولا يساعدُهُ المقامُ

(2)

.

أو إلى الذريةِ، أو {قَوْمِهِ} أي: على خوفٍ من فرعونَ، ومن أشرافِ بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا يمنَعون أعقابهم خوفًا من فرعون عليهِم وعلى أنفسهم، بدليلِ

(1)

في (ك): "وأجابته".

(2)

في هامش (ف): "فإن فرعون لا يستحق التعظيم من جانبه تعالى. منه".

ص: 91

قوله تعالى: {أَنْ يَفْتِنَهُمْ} : أن يعذِّبهم فرعونُ، وهو بدلٌ منهُ، أو مفعولُ:{خَوْفٍ} ، وعلى الوجهِ الأولِ إفرادُه بالضمير يحتاجُ إلى التأويلِ بأن يُقالَ: الخوف من الملأ كان بسببه.

وإنما قالَ: {عَلَى خَوْفٍ} للدلالةِ على شدَّةِ خوفِهم، ولا يفيدُ (مع) ما أفاده (على)؛ لأن المصحوبَ ليس كالمركوب.

{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ} : لغالبٌ قاهر فيها، استئنافٌ لبيان السببِ في كون أولئك المؤمنين خائفينَ، فالمناسبُ أن يكون المرادُ من الإسرافِ في قوله:

{وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} : تجاوزُه عن الحدِّ المعتادِ في التعذيب والقتل لمن يخالفُه في أمرٍ من الأمور

(1)

.

(84) - {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} .

{وَقَالَ مُوسَى} لمَّا رأى تخوُّفَ المؤمنين منه: {يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ} : صدَّقتم به تعالى وبآياتِه، وفي إيراد {إِن} إيماءٌ إلى أن حالهم ليسَت حالَ المصدِّقِ باللهِ، الصادقِ في الإيمان، الواثقِ به تعالى.

{فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا} : فخصِّصوه بالتفويضِ إليه، أو: ثقوا به

(2)

في العصمةِ من فرعونَ، ثم شرَطَ في حصولِ التوكُّل وصحته

(3)

الإسلامَ بقوله:

{إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} : كما شَرطَ في وجوبه الإيمانَ؛ لأن من قضية الإيمانِ

(1)

في هامش (ف): "ومن حمله على الإسراف في الكفر فقد أبعد، منه".

(2)

"أو ثقوا به"، وقع في (ك) بدلا منه:"والتوبة".

(3)

في (ك) و (م): "وصحة"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.

ص: 92

وجوبُ التوكُّلِ على الله تعالى، ولا يصِحُّ التوكل إلا مع تسليمِ نفوسِهم له تعالى خالصةً سالمةً، ليس لغيرِه فيها حظٌّ ولا تخليطٌ فيه، فهو

(1)

كقولكَ: إن أتاكَ زيدٌ فأحسِنْ إليه إن قدَرت.

(85) - {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .

{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} ؛ لأنهم كانوا مخلِصين، ولذلك قبِلَ توكُّلَهم، وأجاب دعاءَهم، ونجَّاهم، وأهلك مَن كانوا لا

(2)

يخافون عذابَه وبلاءَه، وجعلَهم خلفاء في أرضِه.

{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : موضعَ فتنةٍ لهم؛ أي: عذابٍ يعذِّبوننا بهِ، أو يفتِنوننا عن دينِنا، أو فتنةً لهم يُفتنون عنا يقولونَ: لو كان هؤلاءِ على الحقِّ لمَا أُصيبوا.

(86) - {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} .

{وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : من مجاهدةِ استعبادِهم

(3)

وسوء مشاهدَتهم، وإنما قدَّموا التوكلَ على الدعاءِ لأن الداعي ينبَغي أن يَتوكَّلَ أولًا لتُجاب دعوتُه

(4)

.

(1)

"فهو" في (م).

(2)

في (ف): "كان" و"لا" ساقطة.

(3)

في (ف): (استبعادهم).

(4)

في النسخ: "تجاب دعوتهم"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 122).

ص: 93

(87) - {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ} : أن اتَّخِذا مباءةً؛ أي: مرجِعًا يرجَعُ إليه.

{لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} : تسكُنون فيها وترجِعون

(1)

إليها للعبادة.

{وَاجْعَلُوا} أنتُما وقومُكما {بُيُوتَكُمْ} : تلك البيوتَ {قِبْلَةً} : مُصلًّى.

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} : فيها؛ قالَ ابن عباسٍ رضي الله عنهما: إن فرعونَ لما أتاه موسى عليه السلام بالرسالة أمرَ لمساجدِ بني إسرائيلَ فكسِّرت كلُّها، وكانت مساجِدُهم ظاهرةً فأمرهما

(2)

الله تعالى أن يجعلا لقومِهما مساجدَ في جوفِ البيوت ولا يظهِرُوها

(3)

.

{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} : بالنصرة في الدنيا والجنةِ في العُقبى.

وإنما ثنَى الضميرَ أولًا لأن التبوُّء للقومِ، واتخاذَ المقابرِ مما يتعاطاه رؤوس القومِ بتشاورٍ، ثم جمعَ لأن جعلَ البيوتِ مساجدَ والصلاةَ مما ينبغي أن يفعلَهُ كلُّ أحدٍ، ثم وحَّدَ لأن البشارةَ في الأصل وظيفةُ صاحب الشرعِ.

(88) - {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} .

(1)

في هامش (ف): "عبارة القاضي: أو، والمناسب ما يأتي من الرواية إنما هو الواو، منه".

(2)

في (ف): (فأمرهم).

(3)

انظر: "تفسير الثعلبي"(5/ 144)، و"تفسير القرطبي" (11/ 34). وفيهما:(فخربت) مكان (فكسرت).

ص: 94

{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً} : ما يُتزيَّنُ به من لباسٍ وحليٍّ وفرشٍ وغير ذلك.

{وَأَمْوَالًا} : صنوفًا من الأموالِ.

{فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: كانت لهم من أرضِ مصرَ فسطاطٌ إلى أرضِ الحبشةِ جبالٌ فيها معادِنُ ذهبٍ وفضةٍ وزبرجَدٍ وياقوتٍ

(1)

.

{رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} دعاءٌ عليهم بما هم فيهِ بلفظ الأمرِ

(2)

؛ للإياسِ عن قَبولهم الدعوةَ والهدايةَ، وتحقُّقِ

(3)

إصرارِهم على الكفرِ؛ كقولك: لعنَ اللهُ إبليسَ.

وقيلَ: إنَّ اللام للعاقبة، وهي متعلِّقةٌ بـ {آتَيْتَ} .

وَيحتمِلُ أن تكونَ للعلةِ؛ لأن إيتاءَ النعمِ على الكفر استدراجٌ وتثبيتٌ على الضلالِ، ولأنهم لما جعلُوها سببًا للضلالِ فكأنهم أوتوها للضلالِ، فيكُون تكرارًا

(4)

للأول

(5)

، وتنبيهًا على أن المقصودَ من عرضِ الآياتِ ضلالُهم وكفرانُهم تقدمةً لقولِه:

{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} : أهلِكْها

(6)

، والطمسُ: المَحْقُ، قالَ ابن عباسٍ

(1)

انظر: "الوسيط" للواحدي (3/ 557)، و"تفسير القرطبي"(11/ 38).

(2)

قاله الزمخشري، وجعله ابن المنير من اعتزاله الخفي الذي هو - كما قال - أدق من دبيب النمل، يكاد الاطلاع عليه أن يكون كشفًا

، راجع كلامه في "حاشية الكشاف"(2/ 365).

(3)

في (م): "وتحقيق".

(4)

في (ك) و (م): "تكريرا".

(5)

في (ف): "للأولى".

(6)

"أهلكها" سقط من (ك).

ص: 95

رضي الله عنهما: بلغَنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارةً منقوشة كهيئة الدراهم والدنانير

(1)

.

{وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} : الشدُّ على القلوبِ: الاستيثاقُ منها، وقبضُها حتى لا يدخُلَها الإيمانُ؛ أي: واطبَع عليها حتى لا تنشَرِح لقَبول الحقِّ.

{فَلَا يُؤْمِنُوا} : جوابُ الدعاءِ

(2)

الذي هو {وَاشْدُدْ}

(3)

، أو دعاءٌ بلفظ النهيِ.

وقيلَ: إن جعلتَ اللامَ في {لِيُضِلُّوا} للعاقبةِ أو التعليلِ فهو عطفٌ عليهِ، وقولُهُ:{رَبَّنَا اطْمِسْ} {وَاشْدُدْ} دعاءٌ معترِضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ.

واعترِضَ عليه بأن الاعتراضَ بالدعاءِ لا يكونُ له حسنُ موقعٍ، ولهذا عِيبَ على النابغةِ

(4)

في قولِه:

لعَلَّ زِبادًا لا أبا لكَ غافِلُ

(5)

{حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} ؛ أي: يروا ذلكَ، ويحتمِلُ الغايةَ؛ أي: إلى أن يروا العذابَ الأليمَ، وكان ذلك فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرقِ.

(89) - {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .

(1)

رواه الطبري بنحوه عن ابن عباس وعن قتادة وسفيان، انظر:"تفسير الطبري"(12/ 265 - 270).

(2)

في (ك) و (م): "لدعائه".

(3)

في (ك): "الشد".

(4)

في (ف): "على المبالغة".

(5)

عجز بيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه (ص: 96)، وصدره:

يقُولُ أُناسٌ يُنكِرونَ خَلِيقَتي

ص: 96

{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} يعني: موسى وهارونَ عليهما السلام لأنَّه كانَ يُؤمِّنُ.

{فَاسْتَقِيمَا} : فاثبُتا على ما أنتُما عليه من الدعوةِ وإلزام الحجةِ، ولا تستعجِلا؛ فإنَّ ما طلبتُما كائنٌ في وقتهِ، روي: أنهُ مكَثَ بعد الدعاء أربعين سنةً

(1)

.

{وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} : طريقَ الجهلة في الاستعجالِ؛ فإن الأمورَ مقدَّرةٌ معلَّقةٌ بأوقاتها، أو عدمِ الوثوق بعهد الله تعالى.

قال الزجَّاج: قولُه: {وَلَا تَتَّبِعَانِّ} موضعُه

(2)

جزمٌ؛ والتقديرُ: ولا تتَّبعا، إلا أن النونَ المشدَّدةَ دخلَت على النهي مؤكِّدةً، وكسرَت لسكونها وسكونِ النون التي قبلَها؛ فاختيرَ لها الكسرَةُ؛ لأنها بعد الألفِ تشبه نون التثنيةِ.

واستضعفه ابن الحاجبِ، وحملَ على أنه نفيٌ بمعنى النهيِ؛ فجازَ العطفُ، أو الواو للحالِ، وفعل المضارعِ المنفيّ لا يمنعُ من دخول الواو عليهِ؛ أي: استقيما غير متبِعَين، وهذا أشدُّ ملاءمةً.

وقرئ: {ولا تتَّبعانِ} بتخفيف النون

(3)

، (ولا تَتْبعانِ) من تَبعَ

(4)

.

(1)

نسبه الزمخشري إلى ابن جريج، انظر:"الكشاف"(2/ 366).

(2)

"موضعه" سقط من (ك).

(3)

وهي قراءة ابن عامر، ورواية ابن ذكوان عن نافع، انظر:"التيسير"(ص: 123)، و"النشر"(2/ 286).

(4)

هي رواية الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر. انظر: "الحجة" للفارسي (4/ 293)، و"النشر"(2/ 287).

ص: 97

(90) - {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} حتى بلغوا الشطَّ حافظين لهم، وقرئ:{جَوَّزْنا}

(1)

وهو مِن فعَّلَ المرادفِ لفاعَلَ؛ كضعَّفَ وضاعَفَ.

{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} ؛ أي: طلبُوا لحاقَهم، فقربوا منهم، وأمَّا الإدراكُ فلم يحصُل.

{بَغْيًا وَعَدْوًا} : باغين وعادِين، أو: للبغي والعَدْوِ.

{حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} : الغَرَقُ بالفتحِ: القُرب من الهلاكِ بغمرةِ الماء، والغَرْق بتسكِينها: الهلاكُ فيها.

{قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ} : قرئ بالفتح على حذف الباءِ التي هي صلةُ الإيمانِ، وبالكسر على الاستئنافِ

(2)

بدلًا مِن {آمَنَتْ} وتفسيرًا

(3)

له.

{لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} : على الأول تكريرٌ للمعنى الواحدِ بعبارَتين مختلفتَين، وعلى الثاني بثلاث عباراتٍ شغفًا على القبولِ، لكنْ لمَّا لم يبقَ وقتُ التكليفِ لم يُقبَلْ، ولو بقِي وقته لكفَت مرةٌ واحدةٌ، وكان مؤمنًا ضرورةَ حصولِ التصديقِ القلبيِّ، ولم يكن مسلمًا؛ لأن الإسلامَ تسليمُ النفسِ إلى الله تعالى، فإذا آمَن في وقتٍ خرجَت نفسُه من يدِه لم يصِر مسلِّمًا نفسَهُ إليه

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات": (ص: 58).

(2)

قرأ حمزة والكسائي {إنَّه} بالكسر، والباقون بالفتح. انظر:" التيسير"(ص: 123).

(3)

في (ك): "وتعبيرا"، وفي (م):"وتغييرًا".

ص: 98

تعالى؛ إذ ليس نفسُهُ في يده حينئذٍ فيسلِّمَها

(1)

؛ لذلك وبخه بالعصيانِ المقابل للإذعانِ، دون الكفر المقابلِ للتصديقِ حيث قالَ:

(91) - {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} .

{آلْآنَ} ؛ أي: أتؤمنُ الآن وقد أيِست مِن نفسِكَ، ولم يبقَ لك اختيارٌ.

{وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} : قبلَ ذلك مدَّةَ عمركَ.

{وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} : الضالِّين المضلِّين عن الإيمانِ.

روى الترمذيُّ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لما أغرَقَ اللهُ فرعونَ قال: {آمَنْتُ} إلى قوله {بَنُو إِسْرَائِيل} قال جبريلُ: فلو رأيتَني يا محمدُ! وأنا آخذُ من حال البحرِ فأدسُّه في فيهِ مخافةَ أن تدرِكَه الرحمةُ"

(2)

.

أراد إدراكَ الرحمةِ في الدنيا كما أدرك قومَ يونُسَ فنجَوا من العذابِ؛ فليسَ فيه ما يدلُّ على كراهةِ إيمان الكافرِ والرضا بكُفرِه؛ فإن الرضا بالشيء لا يستلزِمُ الرضا بسببِه؛ ألا يرى أن المريضَ يشربُ الدواء للشفاءِ

(3)

كارهًا إياهُ راضيًا بما

(4)

يترتَّبُ عليهِ من منفعةِ الشِّفاءِ، فمَن وهَم أن في قوله:"مخافَة أن تدركَه الرحمةُ" جهالتين: إحداهما أن الإيمان يصحُّ بالقلبِ كإيمانِ الأخرسِ فحالُ البحرِ لا يمنعُهُ، والأُخرى أن مَن كرِهَ إيمانَ الكافرِ وأحبَّ بقاءه على الكفرِ فهو كافرٌ؛ لأن الرضا بالكفرِ كفرٌ. وزَعَمَ بناءً على ذلكَ أنه من زياداتِ الباهتِين للهِ تعالى وملائكتِه فقد وهِمَ، ثم إنهُ على تقديرِ زيادته لا بهتَ فيه لله تعالى.

(1)

في (ف): "فيسلم أو".

(2)

رواه الترمذي (3107) وقال: هذا حديث حسن، وابن حبان في "صحيحه"(6215) بلفظ مقارب.

(3)

في (ك): "الشفي".

(4)

في (ف) و (م): "لما".

ص: 99

(92) - {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} .

{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ} نبعدُك مما وقعَ فيه قومُكَ من قعر البحرِ ونجعلُك ناجيًا، أو: نلقيكَ على نجوةٍ من الأرضِ ليراك بنو إسرائيلَ.

{بِبَدَنِكَ} في موقعِ الحال؛ أي: بدرعِكَ، وكانت له درعٌ من ذهبٍ يعرَفُ بها.

وقرئ: (بأبدانك)

(1)

؛ أي: بدروعكَ، كأنه كانَ مُظاهِرًا بينها.

وخروجُه من الماءِ أو ظهورُه على وجهِه مع ما عليهِ من جسمٍ ثقيلٍ آيةٌ أُخرى.

وقيلَ: أي: ببدنك عاريًا عن الروح، أو كاملًا سويًّا، أو عريانًا من غير لباسٍ. يأباه الباءُ؛ لأنها تقتضي وجود شيء آخرَ غير البدن، ولم ينجُ غير جسدِه، على أنه فرْقٌ بين البدن والجسدِ؛ فإن الأطرافَ خارجٌ عن الأولِ داخلٌ في الثاني؛ فحق المقام حينئذٍ أن يُذكرَ الجسد بدل البدنِ.

{لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} : لمن بقي بعدَك من السِّبْطي والقِبْطي علامةً؛ إذ كان في نفوسهِم من عظمته ما خَيَّلَ إليهم أنه لا يموتُ، حتى رويَ أن بني إسرائيل لم يصدِّقوا موسى عليه السلام في إخباره بغرقِهِ حتى عاينوه مطروحًا على ممرِّهم من الساحلِ.

أو: لمن يأتي بعدَكَ من القرونِ إذا سمعوا [مآلَ أمرِكَ] ممن شاهدكَ عبرةً

(2)

(1)

تنسب لأبي حنيفة، انظر:"الكشاف"(2/ 369)، و"البحر المحيط"(12/ 167).

(2)

تحرفت في النسخ إلى: "غيره"، والتصويب من، "تفسير البيضاوي"(3/ 123)، وما بين معكوفتين منه.

ص: 100

ونكالًا من الطغيانِ، أو حجةً تدلُّهم على أن الإنسانَ على ما كان عليهِ من عظم الشأنِ وكبرياءِ الملكِ والسلطانِ مملوكٌ مقهورٌ

(1)

بعيدٌ عن مكانِ الربوبيةِ.

وقرئ {نُنْجِّيكَ}

(2)

من أَنْجَى.

وقرئ: (نُنَحِّيكَ) بالحاء من التنحيَة

(3)

، وهي

(4)

التبعيدُ (بيديكَ) على أنه تثنيةُ اليدِ

(5)

. (لمَن خَلقَكَ) بالقافِ

(6)

؛ أي: نبعدُك عن الرحمةِ بما كسبت يداكَ من الجفوةِ، لتكون من خالقِكَ آيةً لخلقِهِ، فإن إفرادَهُ إياك بالإلقاءِ إلى الساحل دليل على أنه قصَدَ كشفَ

(7)

تزويركَ وإماطةَ الشبهةِ عن أمركَ، [وذلك]

(8)

دالٌّ على كمالِ قدرتهِ وعلمِهِ وإرادتِهِ، وهذا الوجه محتمل على المشهورةِ أيضًا.

ومن قالَ في تفسيرِه على القراءة الأخيرةِ: أي: نلقيك بناحية الساحلِ، فقد غفل عن أنَّ مَن قرأه بالحاءِ قرأ (بيديك) باليائين فوقعَ فيما وقعَ.

{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبِرون

(9)

بها.

(1)

في (م): "ومقهور".

(2)

قراءة يعقوب، انظر:"النشر"(2/ 259).

(3)

نسبت إلى أبي وابن السميفع ويزيد البربري وأبي السمال، انظر:"المحتسب"(1/ 316)، و"البحر المحيط"(12/ 172).

(4)

في (ك): "وهو".

(5)

لم أقف عليها.

(6)

نسبت لعلي رضي الله عنه، انظر:"تفسير الثعلبي"(3/ 301)، و"البحر المحيط"(12/ 173).

(7)

في (ف): "لكشف"، وفي (م):"بكشف".

(8)

ما بين معكوفتين من "تفسير البيضاوي"(3/ 123).

(9)

في (ك): "يعتنون".

ص: 101

(93) - {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .

{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا} : نزَّلنا {بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} : منزلًا صالحًا مرضيًّا وهو مصرُ والشامُ.

{وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} : من أسبابِ المعيشة المستطابةِ.

{فَمَا اخْتَلَفُوا} ؛ أي: كانوا على ملةٍ واحدةٍ وطريقةٍ مع موسى عليه السلام في أول حالِه {حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} بنزولِ التوراةِ فاختلفُوا، وهذا ذمٌّ لهم من جهةِ أن العلمَ سببُ الاتفاقِ فصارَ عندَهم سببَ الاختلافِ، حتى تشعَّبوا شُعَبًا بعدما قرؤوا التوراةَ.

وفي ترتيبِ ذلك الاختلافِ الذي لا يخلو عن نوعِ كفرانٍ على إنعامِهِ تعالى عليهم المنازلَ البهيَّةَ، والمطاعمَ الشهيَّةَ، والعلمَ بالأحكام، تأكيدٌ للذمِّ لتنزيلِهم الكفرَ منزلة الشكرِ.

وقيلَ: المرادُ من اختلافِهم: الاختلافُ في أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم بعدَ

(1)

ما علمُوا صدقَه بنعوتِهِ وظاهرِ معجزاته.

{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} : فيميزُ المحقَّ من المبطِلِ، ويجزي كلًّا منهم على استحقاقهِ، وينزِّله منزلةَ استيجابِه على حكمِ وعدِه ووعيدِه.

(1)

في (م): "من بعد".

ص: 102

(94 - 95) - {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} كلامٌ مبنيٌّ على الفَرْضِ والتقديرِ مؤكَّدٌ بما هو واردٌ على سبيلِ التهييجِ وزيادة التثبيتِ، فلا يستلزمُ وجود الريبِ والافتراءِ والتكذيبِ، ولا إمكانَها؛ إذ كلُّ ذلك

(1)

من بابِ فرضِ المحالِ وبقاءِ الكلام عليهِ؛ أي: مَن هو [أقوى]

(2)

الناسِ يقينًا وأشرفُهم رتبةً

(3)

وأعزُّ خلقِ الله تعالى عليه مِثْلَك لو كان موصوفًا بهذه الصفاتِ الخبيثة التي وُصِفوا بها لوقعَ في الخسرانِ المطلقِ، وكما دلَّ على زيادةِ التثبيتِ والعصمةِ له دلَّ على سوءِ حالِ الشاكِّين فيه مِن بني إسرائيلَ.

{فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} : من بني إسرائيلَ الذين آتيناهم الكتابَ من قبلِكَ؛ فإنه محقَقٌ عندَهم ثابتٌ في كتبِهم على نحو ما أنزلنا

(4)

إليكَ.

والمرادُ: إثباتُ نبوتِهِ عليه السلام بشهادةِ الأحبار، وذلكَ أنه لمَّا ذكَرَ بني إسرائيل ووصفَهم بالعلمِ، أراد أن يقررَ عليهم صحة نبوَّتِه عليه السلام وصدقَ القرآن بشهادةِ علمائهم وكِتَابِهم، أو وصفُ الأحبارِ بالرسوخِ في العلم بصحةِ

(1)

"ذلك" ليست في (ك).

(2)

زيادة يقتضيها السياق، وقد وقع التنبيه عليه في هامش (م)، وفيه:"لعل هنا لفظ أقوى أو ما شابه ذلك".

(3)

"رتبة" ليست في (ك).

(4)

في (ك): "أنزل".

ص: 103

نبوتهِ عليه السلام وما أنزلَ اللهُ تعالى إليهِ، لا إثباتُ الشكِّ وإمكانه لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولذلكَ قال عليه السلام:"لا أشكُّ ولا أسألُ، أشهدُ أنه الحقُّ"

(1)

.

وبهذا التقريرِ تبيَّنَ وجه تصديرِ الكلامِ بأداة الترتيبِ على ما قبلَهُ.

وقيلَ: الخطابُ لكلِّ مَن يسمَعُ؛ أي: إن كنتَ في شكِّ أيها السامعُ مما أنزلنا على لسانِ نبيِّنا إليكَ، وفيهِ تنبيهٌ على أن كلَّ من خالطتْهُ

(2)

شبهةٌ فعليهِ بمراجعة العلماءِ.

{لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} ؛ أي: ثبتَ عندك بالبراهين القاطعةِ، والمعجزاتِ الواضحةِ أن الذي جاءك هو الحقُّ الذي لا تدخُلُ الشبهة فيه.

{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} : فاثبُت على ما أنتَ عليه من الجزمِ

(3)

واليقينِ، وانتفاءِ المرية والتكذيب، وقد مرَّ أنهُ من باب التهييجِ والإلهابِ؛ كقولهِ:{فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص: 86].

(96) - {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ} : ثبتَتْ عليهم {كَلِمَتُ رَبِّكَ} حكمُه

(4)

بأنهم يموتون على الكفرِ، ويخلُدون في العذابِ {لَا يُؤْمِنُونَ}: إذ لا يُكذَّبُ كلامُه، ولا يُنقَضُ قضاؤه.

(1)

رواه الطبري في "التفسير"(12/ 288) عن قتادة مرسلًا.

(2)

في (ف): "خاطبه". وفي (م): "من خالطه".

(3)

في (ك): "الحزم".

(4)

في (ك) و (م): "حكمه".

ص: 104

(97) - {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} .

{وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} : لانتفاءِ تعلُّقِ إرادته تعالى بإيمانهم، فإنهُ لا بدَّ منه في وجودِ كلِّ ممكنٍ.

{حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} : وحينئذٍ لا ينفعُهم كما لم ينفع لفرعونَ.

(98) - {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} .

{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} : فهلَّا كانت قريةٌ واحدةٌ من القرى التي أهلكناها آمنَت قبلَ معاينةِ العذاب وضيق الخناقِ، ولم تُؤخِّر إليه كما أَخَّرَ فرعون.

{فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} : بأنْ يقبَلَها الله تعالى منها لوقوعِه في وقت الاختيارِ، ويكشفَ عنها العذاب.

{إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} : استثناءٌ من القرى لأنَّ المرادَ أهاليها

(1)

، وهو متَّصلٌ، والجملةُ في معنى النفي لتضمُّنِ [حرف] التحضيض

(2)

معناهُ؛ كأنه قيلَ: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكةِ فنفعَها إيمانُها إلا قوم يونسَ، وانتصابُه على الاستثناءِ، والدليلُ عليه قراءته بالرفعِ على البدلِ

(3)

.

أو منقطعٌ، أي: لكنَّ قومَ يونُسَ عليه السلام:

(1)

في (ك): "أهالوها".

(2)

تحرفت في النسخ إلى: "التخصيص"، والتصويب من "تفسير البيضاوي"(3/ 123)، وما بين معكوفتين منه.

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 58).

ص: 105

{لَمَّا آمَنُوا} : أوَّلَ ما رأوا أماراتِ العذابِ، ولم يؤخِّروه إلى حلولِه آمنُوا.

{كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} والخزيُ: الهوانُ الذي يَفضَحُ صاحبَهُ.

{وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} : إلى وقتِ انقضاء آجالهم.

(99) - {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} .

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ} : حتى لا يشذَّ منهم أحدٌ.

{جَمِيعًا} : مجتمِعينَ على الإيمانِ لا يختلفُون فيهِ، وفيه دلالةٌ على أن مَن شاء اللهُ إيمانَهُ يؤمن لا محالةَ.

{أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ} على ما لم يشأ اللهِ منهم؛ يعني: إنما يقدِرُ على إكراهِهم واضطرارِهم إلى الإيمانِ هو لا أنتَ، وإيلاءُ الاسم حرفَ الاستفهام للإعلامِ بأن الإكراه ممكنٌ مقدورٌ عليهِ، وإنما الشأنُ في المكرِه مَن هو؟ وما هو إلا الله وحدَهُ لا يشاركُه فيهِ

(1)

أحدٌ؛ لأنهُ هو القادرُ على أن يفعلَ في قلوبهم ما يُضْطَرُّون عنده إلى الإيمانِ، وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشرِ، وبهذا المساقِ تمسَّكَ مَن حملَ المشيئة المذكورةَ على المشيئةِ الملجئةِ.

{حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} : ترتيبُ الإكراه على المشيئةِ بالفاءِ، وإيلاؤها حرفَ الاستفهامِ للإنكارِ؛ للدلالة على أن خلافَ المشيئةِ مستحيلٌ؛ يعني: إذا

(2)

لم يشأ الله تعالى إيمانَهم لم تقدر عليه أنت ولا غيرُكَ بالإكراهِ فضلًا عن مجرد الحثِّ والتحريضِ.

(1)

"فيه" سقط من (ك).

(2)

في (ف): "إذ".

ص: 106

روي أنه عليه السلام كان شديد الحرص على إيمان قومه فنزلت

(1)

، ولذلك قرَّره بقولِه:

(100) - {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} .

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} ؛ أي: بإرادَته وتوفيقِه وتيسيرِه، فلا تُجهِدْ نفسَك في هُداها فإنهُ إلى اللهِ.

{وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ} : العذابَ، وقرئ:(الرِّجْزَ) بالزاي

(2)

.

{عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} : لا يستعملون عقولهم بالنظرِ في الحججِ والبيِّناتِ فيؤمنوا، وَرَدَ

(3)

في مقابلةِ الإيمان عدمُ العقلِ، وفي مقابلةِ الإذنِ الرجسُ؛ لأن الإيمانَ إنما يكونُ بصحةِ العقلِ، والنظرِ في الدلائلِ العقلية والسمعيةِ، والإصرارُ على الكفرِ المقابلِ للإيمانِ مسبَّبٌ عن عدمِهِ كقوله:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 171].

فأومئ

(4)

إلى أن العاقلَ هو المؤمنُ، ومَن لم يوفِّقه اللهُ تعالى للإيمانِ لعدمِ عقلِه لزمَ كفرُه الموجبُ للعذابِ، فرتَّبَ لازم الكفرِ الذي هو الرجسُ على ملزومه الذي هو عدمُ العقلِ للجمعِ بين التهديد والتوبيخِ.

(1)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 124).

(2)

قراءة الأعمش، انظر:"المحرر الوجيز"(3/ 145)، و"البحر المحيط"(12/ 182).

(3)

في (ك): "أورد".

(4)

في (ك): "وهي".

ص: 107

(101) - {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} .

{قُلِ انْظُرُوا} : تفكَّروا {مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} من عجائب الصانعِ الدالَّةِ على توحيدِه وكمالِ قدرته وحكمَتهِ

(1)

، و {مَاذَا} استفهامٌ علَّقَ فعلَ النظرِ عن العملِ.

و (ما) في: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ} نافيةٌ أو استفهاميةٌ في محل النصبِ بـ {تُغْنِى} .

{وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} في علمِ اللهِ وحُكمه.

(102) - {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} .

{فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} : مثلَ وقائعِهم، ونزول بأس الله تعالى بهم؛ إذ لا يستحِقُّون غيرَهُ؛ من قولهم: أيامُ العرب، لوقائعها.

{قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} لذلكَ، أو: فانتظروا الإهلاكَ إني معكم من المنتظرينَ لهلاككُم

(2)

.

(103) - {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} .

{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا} عطفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه {إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا} كأنهُ قيلَ: فهلكَ الأممُ، ثم ننجِّي رسُلَنا.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا} معهم على حكايةِ الحال الماضيةِ.

(1)

في (ف) و (ك): "وكمال حكمته".

(2)

في (م): "بهلاككم".

ص: 108

{كَذَلِك} : مِثْلَ ذلك الإنجاءِ {حَقًّا عَلَيْنَا} : اعتراضٌ؛ أي: حقَ ذلكَ حقًا علينا، أو بدلٌ من {كَذَلِك} .

{نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} منكم، ونهلِكُ المشركين.

(104) - {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ} خطابٌ لأهل مكةَ: {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} وصحَّته.

{فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} فهذا ديني اعتقادًا وعملًا فاعرِضوه على العقلِ الصحيحِ، وانظروا فيه بعين الإنصافِ؛ لتعلَموا صحَّتَها، وهو أني

(1)

لا أعبدُ ما تخلقُونه وتعبدُونه، ولكن أعبُدُ خالِقَكم الذي يوجِدُكم ثم يتوفَّاكم.

وإنما خصَّ التوفيَ بالذكرِ للتهديدِ، وأنَّه حقيقٌ بأن يُخافَ ويُتَّقى فيُعبدَ، لا الجماد الذي لا يقدِرُ على شيءٍ.

{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} : بما دلَّ عليه العقلُ، ونطق به الوحيُ، وحذفُ الجارِّ من {أَنْ} اجتمعَ فيهِ الوجهان: القياسُ وهو أن حذفَهُ مع (أنْ) و (أنَّ) يطَّرِدَ في سائر الأفعالِ، والسماعُ وهو حذفُه بعد فعلِ الأمرِ.

(105 - 106) - {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} .

(1)

في (ك): "أن".

ص: 109

{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} : استقِم عليهِ، ولا تلتفِت إلى غيره، عطفٌ على {أَنْ أَكوُنَ} وجازَ مع كون الفعلِ إنشاءً لأن حقَّ (أنْ) هذه أن تكونَ معَ الفعل في تأويل المصدرِ، والأمرُ والخبرُ في تضمُّنِ المصدر سواءٌ.

{حَنِيفًا} حالٌ من الدِّينِ أو الوجهِ.

{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} ؛ أي: لا يقدِرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ.

{فَإِنْ فَعَلْتَ} ؛ أي: فإن دعوتَ من دونِ الله ما لا ينفعُك ولا يضرُّكَ، فكُنِّي عنه بالفعلِ مجازًا

(1)

.

{فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} لأنَّ الشركَ من أعظم الظلمِ؛ لقولِه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

(107) - {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} لمَّا أشارَ إلى علةِ النهي بإيرادِ (ما)

(2)

التي لغيرِ العقلاء، وسلبِ النفع والضرِّ عن أصنامهم، وإثباتِ الظلم لمن عبدَها، أتبعَهُ بإيراد العلةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادة باللهِ تعالى؛ وهي أنه هو الضارُّ النافعُ الذي إن أصابَك بضرٍّ لم يقدِر على كشفِه إلا هو وحدَه دونَ كلِّ قادرٍ غيرِه فضلًا عن الجمادِ الذي لا حياةَ لهُ، وإن أرادك بخيرٍ لم

(1)

في (ك): "إيجازًا".

(2)

"ما" من (ك).

ص: 110

يَرُدَّ أحدٌ ما أرادَهُ بك من فضلِه وإحسانِه، فكيفَ بالأوثان؟ ليدلَّ على أنه هو الحقيقُ بالعبادةِ دون ما عداهُ.

وفي ذكرِ المسِّ مع الضرِّ والإرادةِ مع الخيرِ مع تلازُمِها إيماءٌ إلى أن المرادَ بالذاتِ هو الخيرُ، ولهذا لا يخلو أحدٌ منهُ، وأن الضرَّ إنما مسَّهم لا بالقصدِ الأولِ.

وفي وضع الفضلِ موضِعَ الضميرِ دلالةٌ على أنه من بابِ الامتنانِ والتفضُّلِ، لا باستحقاقٍ منا

(1)

واستيجابٍ كالشرِّ، وأكَّدَ ذلك بقولِه:

{يُصِيبُ بِهِ} بالخيرِ {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وتقديمُ الضميرِ للتهديدِ، والإيماءِ إلى أن عبادةَ الغير توجِبُ المسَّ بالضر، وتعَّرضُ للعقابِ لكونه ظلمًا.

ورَجَحَ

(2)

جانبُ الترغيب فيه على جانب الترهيبِ؛ لأن المقصودَ الحثُّ على لجاء

(3)

اللهِ تعالى وحدَهُ، والاعتصامِ به.

ولا شكَّ أن داعيَ اللطفِ أيسرُ، والنفوسَ الكريمة إليه أميَلُ، فأوثرَ في الأول لفظُ المسِّ الدالِّ على ملاصقةِ الظاهرِ دون نفوذٍ، ثم في عدمِ التصريحِ بالإرادة زيادةُ لطفٍ، وكذلكَ في قولِه:{فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} وكافيه من أنهُ يكشِفُه لا محالةَ إن لُذتَ بهِ

(4)

.

وفي الثاني لفظُ الإرادةِ، فجعَلَ المخاطَبَ مرادًا، والخيرَ تابعًا لهُ، وفيه أبلَغُ اللطف.

(1)

"منا" ليست في (ك).

(2)

في (ف) و (ك): "راجح".

(3)

في (ف) و (ك): "الجاء".

(4)

"إن لذت به" سقط من (ك)، و"لذت به" سقط من (ف)، و"لذت" تحرف في (م) إلى:"لند"، والمثبت جرى التنبيه عليه في هامش (م) بلفظ:"لعلها لذت"، وهو المناسب لسياق الكلام.

ص: 111

ثم في

(1)

إطلاقِ الإرادة وما فيهِ من شمولِ الظاهرِ والباطن زيادةُ تقويةٍ لهُ، ثم إنه طيَّبَ مسامعَهُ أولًا بكونه خيرًا مؤثرًا، وثانيًا بكونِه فضلًا، ولهذا لم يكدِّرِ الرجاءَ بالتعقيب بالاستثناءِ، وصفَّى موردَه عن شوائب الأهواءِ

(2)

.

وما قيلَ: ولم يستثنِ - يعني: في الثانيةِ

(3)

- لأنَّ مرادَ الله تعالى لا يمكنُ ردُّهُ. إنما يصلُحُ وجهًا لعدمِ الاستثناء فيه على طريقةِ ما في قرينه، وطريقُه غير منحصرٍ في ذلك الوجهِ.

ومن لم يتنبَّه لكون كلِّ واحدٍ من لفظي المسِّ والإرادةِ أمسَّ بمقامِه من الآخرِ قالَ: كأنه أراد أن يذكُر الأمرين جميعًا؛ الإرادةَ والإصابةَ في كلِّ واحدٍ من الضرِّ والخيرِ، وأنَّه لا رادَّ لما يريدُ منهُما، ولا مرسل لما يصيبُ به منهُما، فأوجزَ الكلام بأنْ ذكر المسَّ وهو الإصابةُ

(4)

في أحدِهما والإرادةَ في الآخرِ ليدلَّ بما ذكرَ على ما تركَ.

ثم إنه لم يُصب في عدمِ الفرق بين المسِّ والإصابةِ. وقد أوضحنا الفرق بينهما في تفسيرِ سورة البقرة.

{وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} تحريض وحثٌّ

(5)

على التوبة من الشركِ؛ أي: لا تيأسوا من غفرانِه وتوبوا إليه

(6)

من عصيانِه، وتعرَّضوا لرحمتِه بتوحيدِه وتخصيصِه بالعبادةِ.

(1)

"في" ليست في (ك).

(2)

في (ف) و (م): "شوب الأهواء".

(3)

في (ك): "الثاني".

(4)

"وهو الإصابة" من (م).

(5)

في (ك) و (م): "وبعث".

(6)

في (ف) و (ك): "وتواليه".

ص: 112

(108) - {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} .

{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ} ؛ أي: الرسولُ بالدِّين المتينِ، والقرآنِ المبين.

{مِنْ رَبِّكُمْ} فلم يبقَ لكم عذرٌ، ولا على اللهِ تعالى الحجةُ.

{اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} : فمن اختارَ الهدى واتِّباعَ الحقِّ فما ينفع إلا نفسَه.

{وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} : ومَن آثرَ الضلالَ فما وبالُ ذلك إلا عليها، وفيه حثٌّ على إيثارِ الهدى والإعراض عن الضلالِ.

{وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} : بحفيظٍ موكولٍ إليَّ أمركم، وإنما أنا بشيرٌ ونذيرٌ.

(109) - {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} .

{وَاتَّبِعْ} : ودُم على ما أنتَ عليه من اتِّباع {يُوحَى إِلَيْكَ} بالامتثالِ والتبليغِ.

{وَاصْبِرْ} : على مشقَّةِ دعوتهم واحتمالِ أذاهُم.

{حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} لك بالنصرةِ عليهم والغلبةِ.

{وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} : إذ لا يمكن الخطأ في حُكمهِ لاطَّلاعهِ على السرائر اطلاعَهُ على الظواهرِ.

ص: 113

‌سُورَةُ هودٍ

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) - {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} .

{الر كِتَابٌ} : خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو خبر {الر}

(1)

.

{أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} صفةٌ له؛ أي: أُحكِمَت من جهة اللفظِ والمعنى والنظمِ عن تطرُّقِ الخللِ، فصارَت في غاية الإحكامِ {ثُمَّ فُصِّلَتْ}؛ أي: مُيِّزَت بعضُها عن بعضٍ في النزولِ

(2)

؛ كيلا يختل أمرُ الاستدلالِ على الأحكامِ، فالتراخي على الحقيقةِ.

وقيلَ: المرادُ: آياتُ السورِ

(3)

؛ إذ ليسَ فيها منسوخٌ، فمعنى إحكامها: منعُها من النسخِ.

أو: أُحكِمت بالحججِ والدلائلِ.

أو: جعلَتْ حكيمةً، منقولةٌ من: حَكُمَ، إذا صارَ حكيمًا؛ لأنها مشتملةٌ على أُمهاتِ الحِكَمِ النظريةِ والعمليةِ.

(1)

"أو خبر آلر" من (م).

(2)

في هامش (ف): "ومن قال: أو بالإنزال، ثم قال: و {ثُمّ} للتفاوت في الحكم، أو للتراخي في الإخبار، لم يصب كما لا يخفى، منه".

(3)

"وقيل المراد آيات السور" من (م).

ص: 117

ومعنى {فُصِّلَتْ} : أنها فُصِّلَت بالفوائدِ، كما تُفصَّلُ القلائدُ بالفرائدِ؛ من العقائدِ والأحكام والمواعظ والأخبار، أو جعِلَت فصولًا فصولًا، آيةً آيةً، أو فصِّلَ فيها

(1)

ما يحتاجُ العبادُ، أي: بُيِّن ولخِّص، فالتراخي رُتْبيٌّ.

وقرئ: (فَصَلَتْ) من الثلاثي المجرَّدِ

(2)

؛ أي: فرَّقت بين الحق والباطلِ.

وقرئ: (أَحْكَمْتُ آياتهِ ثمَّ فصَّلْتُ) على البناء للمتكلِّمِ

(3)

.

{مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} في تعلُّقه بـ (أحكمت ثم فصلت) طباق حسنٌ؛ لأن معناه: أحكَمها حكيمٌ، وفصَّلها وبيَّنها

(4)

خبيرٌ بالأشياءِ وأحوالِها، فصارَ على أكمل ما ينبغي باعتبارِ ما ظهرَ أمرُه وما خفِي.

(2) - {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير} .

{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} مفعولٌ له؛ أي: لأنْ لا تعبدوا، أو نهيٌ و {أَنْ} مفسِّرة؛ لأنَّ في تفصيل الآياِت معنى القولِ، أو أمرٌ لأن فيه معنى الأمرِ؛ أي: أُمِرتم أن لا تعبدوا إلا اللهَ.

ويجوزُ أن يكون كلامًا مبتدأً منقطِعًا عما قبلُ على لسانِ النبيِّ عليه السلام بتقديرِ: قل؛ إغراءً منهُ على تخصيصِ الله تعالى بالعبادةِ، أو أمرًا بهِ، ويدلُّ عليه

(1)

في (ف) و (م): "منها"، والمثبت من (ك) و"الكشاف"(2/ 377).

(2)

نسبت لعكرمة والضحاك والجحدري وزيد بن علي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59)، و"الكشاف"(2/ 377)، و"البحر المحيط"(12/ 196).

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 377).

(4)

"وبينها" في (م).

ص: 118

قوله

(1)

: {إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ} : مِن جهتِه {نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} ؛ أي: هلَّا تعبدوا إلا اللهَ، أو: التزموا تركَ عبادةِ غير الله تعالى، على أنَّ (أنْ) مصدريةٌ، و (لا) نافيةٌ.

وإنما قدّمَ {نَذِير} على {بَشِيرٌ}

(2)

لأن الإنذارَ أعمُّ وأهمُّ.

(3) - {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} .

{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} عطفٌ على {أَلَّا تَعْبُدُوا}

(3)

.

{ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} ؛ أي: استغفِروا من الكفرِ والمعصيةِ، ثم توبوا إلى اللهِ تعالى بالطاعةِ، فالتراخي على الحقيقةِ، ويجوزُ أن يرادَ التراخي في الرتبةِ؛ لأنَّ التخليةَ أفضلُ من التحليةِ

(4)

.

والاستغفارُ ينتظِمُ الندمَ على ما سلَفَ، وإحسانَ العملِ في المؤتنَف، حتى يكونَ راجعًا بعملِه إلى ربهِ، ولهذا قدَّمَ ذِكر الاستغفارِ على التوبةِ؛ أي: اطلُبوا مغفرةَ ربِّكُم بالإسلام، والندمِ على سالفِ الإجرام، والثباتِ على الطاعةِ في باقي الأيام، وارجعوا إلى اللهِ تعالى بالإخلاصِ والاستسلام، على الثباتِ والدوام.

(1)

بعدها في (ك): " {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} عطف على أن لا تعبدوا"، وموضعها ليس هنا بل فيما بعد كما سيأتي، والمثبت من (ف) و (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(2/ 377).

(2)

من قوله: "أي: هلا تعبدوا .. " إلى هنا سقط من (ك).

(3)

"عطف على أن لا تعبدوا" سقط من (ك).

(4)

في (ك): "التحلية أفضل من التخلية".

ص: 119

{يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} : في خفضِ عيشٍ وسعة، وأمنٍ ودَعَة.

{إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} : معيَّنٍ

(1)

عند اللهِ تعالى، فهو آخرُ أعماركم المقدَّرةِ؟ إذ لا يهلِكُكم بعذاب الاستئصالِ.

{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} في العمل والطاعةِ {فَضْلَهُ} : جزاءَ فضلِه في الآخرةِ.

أو: كلَّ ذي فضلٍ في الدينِ فضلَه في الثوابِ والدرجاتِ

(2)

، فإن الدرجاتِ تتفاضلُ في الجنة بحسبِ تفاضُلِ الأعمالِ.

{وَإِنْ تَوَلَّوْا} : وإن تتولَّوا، وقرئ:(تُوَلُّوا) من ولَّى

(3)

.

{فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} ؛ أي: يومَ القيامةِ، وصِفَ بالكبرِ كما وصفَ بالعظمِ والثقلِ.

(4) - {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} .

{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} جميعًا

(4)

: رجُوعُكم في ذلك اليومِ.

{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} : بيانٌ لوجهِ كبرِ ذلك اليومِ بأنَّ مرجِعَهم إلى مَن هو قادرٌ على كلِّ شيءٍ لا إلى غيرِه، فهو قادرٌ على أشد ما يريدُه من العذابِ، ولا يمكنُهم التَّفَصِّي عنه.

(1)

في (ك): "يعني".

(2)

"والدرجات": ليست في (م).

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59).

(4)

قوله: "جميعًا" جعلت في (ف) و (ك) من ضمن الآية، والصواب هنا أنها ليست منها.

ص: 120

(5) - {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .

{أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} : يزوَرُّون عن الحقِّ، وينحرفون عنهُ؛ لأن مَن ازورَّ عن الشيء ثنى عنهُ صدرَهُ، وطَوَى عنهُ كشحَهُ، كما أن مَن توجَّه إليه استقبلَه بصدرِه، أو يعطفُون صدورَهم على الكفرِ وعداوةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ أي: يضمرونهما

(1)

.

وقرئ: (تَثْنَوْني صدورُهم) بالتاءِ والياءِ

(2)

، من اثنَوْنَى: افعَوْعَل من الثَّنْيِ، كاحْلَوْلى من الحلاوة، وهي مبالغةٌ.

وقرئ: (تَثْنَوِنُّ) بالتاء والياءِ، وأصلُه: تَثْنَوْنِنُ، تَفْعَوْعِلُ من الثِّنِّ، وهو ما هشَّ وضَعُفَ من الكلأ أي: تُطاوعُ صدورهم للثَّني كما ينثني الهشُّ من النباتِ، أو تَضعفُ قلوبهم وإيمانهم.

و: (تَثْنَئِنُّ) من اثْنَأنَّ: افْعَالَّ منهُ ثم هُمِزَ، كابيأضَّ في ابيَاضَّ.

و: (تَثْنَوِي) بوزنِ تَرْعَوِي

(3)

.

{لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} ؛ أي: يريدون ليستخفُوا من اللّهِ تعالى فلا يُطْلِعَ رسولَه والمؤمنين على ازْوِرارهم؛ لأن ثَنْيَ الصدورِ بمعنى الإعراضِ إظهارٌ للنفاقِ، فلا

(1)

في (ك): "أي يصيرونهما". وفي (م): "أي يضمرونها".

(2)

هما قراءتان نسبت كل منهما لجمع من الأئمة منهم ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59)، و"الكشاف"(2/ 379)، و"البحر"(12/ 202).

(3)

انظر هذه القراءات في "الكشاف"(2/ 379) وعنه نقل المؤلف، و"البحر"(12/ 202)، وقد وقع في النسخ هنا تحريف كثير، صححناه من المصدرين المذكورين، وجميع هذه القراءت مع زيادة عليها ومَن قرأ بكل منها مذكورة في "البحر"، وقد عُنينا بها عناية فائقة وضبطناها كاملة في تحقيقنا للكتاب المذكور والحمد لله.

ص: 121

يصحُّ تعليلُهُ بالاستخفاءِ، ونظيرُ إضمارِ (يريدون) لقَوْدِ

(1)

المعنى إلى إضمارِه [الإضمارُ] في قولِه تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73]؛ أي: فضرَبوه فحَيِيَ كذلك يُحيي اللهُ الموتى.

فالمعنى: يظهِرون النفاقَ، ويريدون مع ذلك أن يستخفُوه، هذا على الوجه الأولِ من التفسيرِ، وأما على الثاني فلا حاجةَ إلى الإضمارِ.

{أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} : يتغطَّونها يريدونَ الاستخفاءَ أيضًا كراهةً لاستماعِ كلام اللهِ تعالى؛ كقولِ نوحٍ عليه السلام: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} [نوح: 7]، أي: ألا حينَ يَزيدون في إظهارِ نفاقِهم، ويفعلون ما هو أدلُّ عليه من ثَنْي الصدورِ.

قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: إنها نزلت في أخنسِ بن شريقٍ، وكان يُظهِرُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المحبَّةَ، وله منطِقٌ حلو وحسنُ سياقٍ للحديثِ بحيثُ كان يتعجبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجالسَتِه ومحادثَتِه، وهو

(2)

يضمِرُ خلافَ ما يظهِرُ

(3)

.

وقيلَ: نزلَت في المنافقين جميعًا

(4)

، وكونُ النفاقِ في المدينةِ غيرُ مسلَّمٍ، بل ظهورُهُ والامتيازُ بثلاثِ طوائفَ كان فيها.

{يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} في قلوبهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} بأفواهِهم، أرادَ التسويةَ بينهما،

(1)

في (ف) و (ك): "لفقد"، وفي (م):"ليفد"، والمثبت من "الكشاف"(2/ 379)، والكلام وما بين معكوفتين منه.

(2)

"هو" من (ك).

(3)

ذكره الزمخشري دون عزو لابن عباس رضي الله عنهما، انظر:"الكشاف"(2/ 379).

(4)

رواه الطبري في "تفسيره"(12/ 319) عن الحسن وقتادة وأبي رزين وابن عباس رضي الله عنهما.

ص: 122

ولهذا عدَلَ عن أسلوبِ الترقِّي الظاهرِ في خلافِهِ؛ أي: يستوي في علمِه سرُّهم وعلنُهم، فكيفَ يخفَى عليه ما يُظهرُونه

(1)

.

{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} : بسرائرِها وضمائرِها، تعليل على سبيلِ الاستئنافِ للتلويحِ المذكورِ في قولِه:{يَعْلَمُ} إلخ، و (ألَا) و (إنَّ) للتنبيهِ على جهلِهم، وفسادِ اعتقادِهم، والاستغشاءِ

(2)

، وثني الصدورِ.

* * *

(6) - {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} .

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} : أسبابُ معاشِها، لتكفُّله إياهُ تفضلًا ورحمةً، وإنما أتى بلفظِ الوجوبِ تحقيقًا لوصولِه، وحملًا

(3)

على التوكُّلِ فيه.

{وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} : أماكنَها في الحياةِ والمماتِ، أو الأصلابِ والأرحامِ.

أو: مساكِنَها في الأرضِ حينَ وُجِدَت بالفعلِ، ومودَعَها من الموادِّ والمقارِّ

(4)

حين كانَتْ بعدُ بالقوةِ.

(1)

في (ف) و (م): "يضمرونه "، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(3/ 128)، ولفظه:(ما عسى يظهرونه).

(2)

في النسخ: "والاستثناء"، والمثبت من نسخة أشير إليها في هامش (م).

(3)

في (ك) و (م): "وحثا"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(3/ 128).

(4)

في النسخ: "المبدأ والمعاد"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (3/ 128). وكذا جاء في حواشيه وعليها شرح بعضهم. انظر:"حاشية الشهاب"(73/ 5)، و"حاشية شيخ زاده"(4/ 620)، و"حاشية القونوي"(10/ 21)، ومثله في "روح المعاني"(11/ 345).

ص: 123

{كُلٌّ} : كلُّ واحدٍ من الدوابِّ وأحوالها {فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} : مُثْبَتٍ في اللوح المحفوظِ.

بيان وتقريرٌ لكونِه تعالى عالمًا بجميعِ المعلوماتِ، والآيةُ التي بعدها بيان لكونه قادرًا على كل شيءٍ، وتقرير لِمَا سبقَ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ.

* * *

(7) - {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} .

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} مرَّ تفسيرُه في سورةِ الأعرافِ، ووجهُ الجمعِ في الأولى والإفرادِ في الثانيةِ مرَّ في سورة الأنعام.

{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} عرشُه عبارةٌ عن قيُّوميَّتهِ تعالى، والماءُ إشارةٌ إلى حقيقة

(1)

الحياةِ؛ إذ من الماءِ كلُّ شيءٍ حيٍّ، وفي {عَلَى} بناءُ الأولى

(2)

على الثانيةِ، أي: وكان حيًّا قيُّومًا، فلا دلالة فيه على إمكانِ الخلاءِ، ولا على أن الماء أولُ حادثٍ بعد العرش من أجرامِ هذا العالم، وليتَ شعري من أينَ الدلالة على تأخُّرِ خلق الماءِ من خلق العرشِ؟

{لِيَبْلُوَكُمْ} : علةٌ للخلقِ؛ أي: خلقَ ذلك ليعاملَكم

(3)

معاملةَ المبتلي لأحوالكُم كيفَ تعملُونَ، فإنَّ جملَة ذلك أسبابٌ وموادُّ لوجودكُم ومعاشِكم،

(1)

في (ف) و (م): "صفة".

(2)

في (م): "وفي على بناء بيان الأولى"، وفي (ك):"وقع على بناء الأولى"، والمثبت من (ف).

(3)

في (ك): "يعاملكم".

ص: 124

وما تحتاجُ إليهِ أعمالُكم، ودلائلُ وأماراتٌ تستدلُّونَ بها، وتستنبِطون منها

(1)

.

ولما كان الابتلاءُ - أي: الاختبارُ - أحدَ طرفي العلمِ وأشهرَها وأعملَها استُعيرَ للعلمِ لأنهُ مُلابِسٌ له؛ كالنظرِ في قولهِ

(2)

: {فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28].

وإنما قالَ: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلً} وهم المتَّقون

(3)

- وفي المخاطَبِين مَن عملُهُ قبيحٌ وأقبحُ - لأمرين:

أحدُهما: أن المقصودَ من الخلقِ بالقصد الأولِ وبالذاتِ هو الإيمانُ والعملُ الصالحُ، ونظرُه تعالى إلى ما هو

(4)

أحسنُ من ذلكَ، لا إلى القبيحِ والأقبحِ.

والثاني: التحريضُ والحثُّ على حسن العملِ والترغيب فيهِ، وهو أعمُّ من الأعمالِ البدنية كالطاعاتِ والخيراتِ، والقلبيةِ كالاعتقاداتِ والنيَّاتِ، فكأنُه قالَ: ليظهَر مَن هو أكملُ علمًا وعملًا، ويتميّزَ ممن هو على خلافِه، ولهذا قالَ النبي عليه السلام:"ليبلوكم أيُّكم أحسن عقلًا، وأورعُ عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله"

(5)

وفيه تعظيمٌ للمحبِّينَ المتَّقينَ وتشريفٌ

(6)

لهم، وإشارةٌ إلى أنهم من اللهِ تعالى بمكان.

(1)

في (ف): (فيها).

(2)

"ولما كان الابتلاء

" غلى هنا من (ك).

(3)

"وهم المتقون" سقط من (ك).

(4)

في (ك): "والعمل الصالح وهل إلى ما".

(5)

رواه داود بن المحبر في كتاب "العقل"، ومن طريقه الحارث في "مسنده"(831)، والطبري في "تفسيره"(12/ 335)، عن عبد الواحد بن زياد عن كليب بن وائل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وداود ساقط. ورواه ابن مردويه من طريق آخر عن كليب كذلك، وإسناده أسقط من الأول. انظر:"الكافي الشاف"(ص: 86).

(6)

في (ف): "أو تشريف".

ص: 125

{وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ} للجزاءِ على ما انكشَف منكم بالابتلاء.

{لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} إشارةٌ إلى القول بالبعثِ؛ أي: إنه باطل كالسحرِ الظاهرِ البطلانِ في الخديعة

(1)

، أو إلى القرآنِ لأنهُ ناطق بالبعثِ، فإذا جعلوه ظاهرَ البطلان كالسحرِ لزمَ بطلانُ ما فيه من البعثِ، وغيرِه من الوعدِ والوعيدِ.

وقرئ {إِلَّا سِحْرٌ}

(2)

إشارةً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي: كاذب مبطِل كالساحرِ.

وقرئ: (أنكم) بفتحِ الهمزةِ

(3)

على تضمينِ {قُلْتَ} معنى: ذكرتَ، أو على أنَّ (أنَّ) بمعنى: لعل؛ أي: ولئن قلتَ: لعلَّكُم مبعوثون، بمعنى: توقعوا بعثَكُم، ولا تجزموا بإنكاره يَعُدُّوهُ من قبيل ما لا حقيقةَ له مبالغةً في إنكارِه.

واللامُ في {وَلَئِنْ} موطئةٌ للقسمِ في الآيات الأربعِ، والجوابُ له سادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ.

* * *

(8) - {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .

(1)

في (م): "الحذيقة".

(2)

قرأ بها حمزة والكسائي، انظر:"التيسير"(ص: 102).

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59).

ص: 126

{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ} الموعودَ {إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} : إلى

(1)

جملةٍ من الأوقاتِ قليلةٍ.

{لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} : ما يمنعُه من الوقوعِ.

{أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} كيوم بدرٍ {لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} : ليسَ العذاب مدفوعًا عنهم، و {يَوْمَ} منصوبٌ بخبرِ {لَيْسَ} مقدمٌ عليهِ، قيلَ: هو دليل على جوازِ تقدُّمِ خبرِها عليها؛ إذ المعمولُ لا يقعُ إلا حيث يقعُ العاملُ.

وابنُ الحاجبِ يمنعُ دلالةَ جواز تقدُّمِ المعمولِ على جوازِ تقدُّمِ العاملِ، وأيضاً الظرفُ والمجرورُ يُتوسَّعُ فيهما ما لا يُتوسَّعُ في غيرهما، ويقعان حيثُ لا يقعُ العامل فيهِ.

وكان ما ذُكرَ استعجالًا منهم للتعذُّرِ على وجهِ التكذيب والاستهزاءِ، ولذلك قال:

{وَحَاقَ بِهِمْ} ؛ أي: أحاطَ بهم {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} و واضعًا {يَسْتَهْزِئُونَ}

(2)

موضعَ: يستعجلون، كأنه محضُ الاستهزاءِ، ولكون عذابهم محقَّقَ الوقوعِ عما قريبٍ أوردَ {وَحَاقَ} موضعَ يحيقُ - على عادةِ كلام الله تعالى - كأنه قد وقعَ مبالغةً في التهديدِ.

* * *

(9) - {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} .

(1)

"إلى" سقط من (ك).

(2)

"واضعًا يستهزؤون" زيادة من (م).

ص: 127

{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} : نعمةً من صحةٍ وأمنٍ، وخصبٍ وجِدةٍ، بحيثُ يجِدُ ذوقها ولذَّتها.

{ثُمَّ نَزَعْنَاهَا} : سلبناها {مِنْهُ} وفي عبارة النزعِ إشارةٌ إلى ما في السلبِ المذكور من شدة الألمِ.

{إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} : شديد الياسِ من عَودِ مثلِها إليه، قاطعٌ رجاءَه من فضلِ الله تعالى وسعةِ رحمتِه، غيرُ صابرٍ ولا مسترجِعٍ، ولا مسلِّمٍ لقضائه.

{كَفُورٌ} : عظيمُ الكفرانِ بما سلفَ له من

(1)

النعمةِ.

* * *

(10) - {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} .

{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} : كصحةٍ بعد سَقَمٍ، وغنًى بعد عَدَمٍ، وفي ذكر الإذاقةِ مع النعماءِ والمسِّ بعد الضراءِ إشارةٌ إلى أن النعمةَ أدومُ حتى يجد الإنسانُ ذوقَها ويتلذَّذُ بها، بخلاف الضرِّ، فإن المسَّ مبدأُ الوصول، ففيهِ دلالةٌ على قلةِ صبرِهم كأنهم بمجرَّدِ أثره جزعوا وكفروا النعمةَ الطويلة الزمانِ.

{لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} ؛ أي: البلياتُ التي ساءتني.

{إِنَّهُ لَفَرِحٌ} : أشرٌ بطرٌ {فَخُورٌ} على الناسِ بما أذاقَه اللهُ تعالى من نعمائه، قد شغَلَه الفخرُ والفرح عن الشكر.

* * *

(1)

في (ك): "من كفران".

ص: 128

(11) - {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} .

{إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} على الضراءِ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} شكرًا لآلائه سابقِها ولاحقِها، فإن في قوله:{صَبَرُوا} دلالةً على

(1)

هذا؛ لأن الإيمانَ نصفانِ: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ، أي: المؤمنين الذين عادتهم الصبرُ عند زوالِ النعمةِ ووقوع الضرَّاءِ، والشكرُ عند النعماءِ.

استثناءٌ من {الْإِنْسَانَ} ، واللامُ لاستغراق الجنسِ؛ كما في قولِه:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] ومن خصَّ الإنسانَ بالكافرِ بسبق ذكرِهم جعلَ الاستثناء منقطعًا.

{أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} : ثوابٌ عظيمُ.

* * *

(12) - {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} .

{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} هذا على النهيِ؛ أي: لا تترُك بعضَ ما يوحى إليك - وهوَ ما يخالِفُ رأي المشركينَ - مخافةَ ردِّهم واستهزائهم

(2)

، وهو كما يقولُ الرجلُ لآخرَ: لعلَّك تريدُ أن تفعلَ كذا، وهو ينهاه

(3)

عنهُ، ولما كان مبنَى هذا النهيِ على الصبرِ على أذى المشركِينَ واستهزائهم صحَّ ترتيبُه على كلامٍ تضمَّنَ الحثَّ والتحريضَ على الصبرِ، ومن وهَم أن (لعلَّ) للتوقُّعِ فقد وَهِم.

(1)

في (ك): "على أن".

(2)

في (م) زيادة: "به". وفي هامش (ف): "نقله صاحب التيسير عن الإمام أبي منصور، منه".

(3)

في (ف): "نهاه".

ص: 129

{وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} : وعارضٌ لك أحيانًا ضِيقُ صدرِك، وإنما اختار {وَضَائِقٌ} على ضيِّقٌ لأن نهيَهُ أبلغُ، وهو يناسب لفظَ {تَارِكٌ} .

{أَنْ يَقُولُوا} : بأن يقولوا.

وقيلَ: الضميرُ في {بِهِ} مبهَم، و {أَنْ يَقُولُوا} تفسيرُه؛ أي: يضيقُ صدرُكَ بسبب قولهم هذا.

{لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ} : ينفعُه في استتباعِ الناس كالملوك {أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يصدَقه.

{إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} : ما عليكَ إلا الإنذارُ، وما عليك أن يقبلُوه ولا يردُّوهُ، فلا يضيقُ صدرُكَ بردِّهم وتهاونِهم به.

{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} : فكِلْ إليه أمرَكَ فإنهُ حافظٌ عليهم ما يقولونَ ويفعلونَ، وفاعلٌ بهم ما يجبُ أن يُفعَلَ من جزائهم.

* * *

(13) - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} : {أَمْ} منقطعةٌ والضميرُ في {افْتَرَاهُ} لـ {مَا يُوحَى} .

{قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} : في البلاغةِ، نزَلَ أولًا قوله تعالى:{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} [الطور: 34] وهو كُلُّ القرآن في ذلك الوقتِ، فلما ظهرَ عجزُهم عنه تحدَّاهم بعشرِ سور مثلِه

(1)

، فلما عجَزوا عنه أيضًا سهَّلَ عليهم وتحدَّاهم بسورةٍ واحدةٍ؛ كما هو عادةُ المعارِضين.

(1)

في (م): "منه".

ص: 130

وتوحيدُ المثل لأنَّ المرادَ المماثلةُ من جهةِ البلاغةِ، ولا اختلافَ بين السورِ فيها، فما هو مِثْل لإحداها

(1)

مِثْلٌ لسائرها، ففيهِ تنبيهٌ على أن المرادَ المماثلةُ في حسنِ البيان لا في بدائعِ المعاني.

{مُفْتَرَيَاتٍ} : من بابِ

(2)

المساهلةِ، وإرخاء العنانِ، لمَّا قالوا: افتراهُ من عندِه، أُمِرَ بأن يعاودهم

(3)

على دعواهم ويقولَ: هَبُوا أني افتريتُه، فأتوا أنتم بكلامٍ مثله في حُسن النظمِ والبيانِ مفترً ى من عندِكم، فإنكم فصحاءُ مثلي.

{وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} إلى المعاونةِ على المعارضةِ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في أنه مُفترًى.

* * *

(14) - {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .

{فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} ، أي: لك وللمؤمنين بإتيانِ مثلِه، فإنهم أيضًا كانوا يتحدَّونهم، وكان أمرُ الرسولِ عليه السلام مُتناولًا لهم من حيثُ إنه يجبُ عليهم اتباعُه في كل أمرٍ إلا ما خصَّهُ الدليلُ، وللتنبيهِ على أن التحدي مما يوجِبُ رسوخَ إيمانهم وقوةَ تيقُّنِهم فلا يغفلون عنهُ، ولذلك رتَّبَ عليه الأمرَ الآتي ذكرُ.

ويجوزُ أن يكون الجمعُ في الخطاب لتعظيمِ الرسولِ عليه السلام.

ويجوزُ أن يكون الخطابُ للمشركينَ، والضميرُ في (لم يستجيبوا) لـ {مَنْ}

(1)

في (ك): "لأحد منها".

(2)

في (ك): "على" بدل: "من باب".

(3)

في (ك) و (م): "يغادرهم".

ص: 131

في {مَنِ اسْتَطَعْتُمْ} ؛ أي: فإن لم يستجِب لكم من تدعُونه من دونِ الله إلى المظاهرةِ عن معارضَتِه لعلمِهم أنهم عاجزونَ عن ذلك.

{فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ} مُلْتبسًا

(1)

{بِعِلْمِ اللَّهِ} ؛ أي: بما لا يعلمُه إلا اللهُ من نظمٍ معجزٍ للخلق.

{وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : واعلمُوا عند عجز الكلِّ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ القادرُ على ما لا يقدِرُ عليه أحدٌ، وأن الشركَ به ظلمٌ، وأن ما تعبدُونه ليس من الألوهيةِ في شيءٍ.

{فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} بعد هذه الحجةِ القاطعةِ.

ويجوزُ أن يكون الخطابُ للمسلمينَ، ومعناه: واثبُتوا على العلم بالتوحيدِ، وزيدوا يقينًا؛ فهل أنتم دائمون على الإسلامِ، مخلصون للهِ تعالى بازديادِ اليقين وثباتِ القدم والطمأنينةِ؟

وفي تفسيرِ مقتضى الاستفهامِ بـ (هل)، والعدولِ عن الفعل إلى الجملَةِ، وسبكِ المسلمون من: يُسلمونَ، إيذانٌ بطلبِ دوام الإسلامِ، وقوةِ الثباتِ في الدين، وأنهم مُطالبون بذلك لزوالِ العُذر ووضوحِ الدليلِ وقوَّتِه.

وعلى خطابِ المشركينَ فإشارةٌ إلى أنَّ قوةَ الصارفِ عن الشركِ وقيامَ مُوجِبِ التوحيدِ يقتَضي استحالةَ الشركِ، والمواظبة على الإسلامِ، فما أبعدَ حالَكُم عن ذلكَ! وفيه تهديد بليغٌ، وإقناط من أن يجيرَهم من بأس اللهِ تعالى شركاؤهم؛ لأن دليلَ التوحيدِ دالّ على نفي القدر والألوهيةِ عن الغيرِ، ووجوب الإذعانِ له.

* * *

(1)

في (ك): "بينًا".

ص: 132

(15) - {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} .

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} : بإحسانه وبرِّه، وزيادةُ (كان) للدلالةِ على استمرارِ تلك الحالِ، ولا بد منه في ترتُّبِ ما يأتي ذكرُه.

{وَزِينَتَهَا} : الزينةُ تختصُّ الشيء وغيرَهُ من لبسِهِ وحِليَته

(1)

وغير ذلكَ.

{نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} : وقرئ: (يُوَفِّ) بالياءِ

(2)

، أي: يوفِّ اللهُ تعالى، و (تُوَفَّ) للبناءِ على المفعولِ

(3)

، و (نُوْفِي) بالتخفيفِ

(4)

لأن الشرطَ ماضٍ إليهم.

{أَعْمَالَهُمْ} : جزاءَ أعمالهم

(5)

، من الصحةِ، والأمنِ، وسعةِ الرزق، وكثرة ا أولادِ، والرياسةِ، والتوفيةُ: تأديةُ الحقِّ على تمامٍ.

{فِيهَا} : في الحياة الدنيا.

{وَهُمْ فِيهَا} : أي: في حقِّ الأعمالِ، ولا يجوزُ عودُ الضميرِ إلى {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ؛ لما فيهِ من الإعادةِ دون الإفادةِ.

{لَا يُبْخَسُونَ} البخسُ: نقصانُ الحقِّ ظلمًا؛ يعني: لا ظلمَ في إيفاء جزاءِ أعمالهم في هذه الدارِ دون إبقائه إلى دارِ القرارِ، فما ذكره

(6)

تأسيسٌ لا تأكيدٌ، والآيةُ عامةٌ في الكفرة وبرِّهم.

(1)

في (ك): "لبس وحلية".

(2)

نسبت لطلحة بن مصرف وميمون بن مهران، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59)، و"الكشاف"(2/ 384)، و"المحرر الوجيز"(3/ 156).

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 384).

(4)

نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59)، و"الكشاف"(2/ 384).

(5)

"جزاء أعمالهم" سقط من (ك).

(6)

في (ف): "ذكرناه".

ص: 133

(16) - {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} ؛ أي: لو حط فما لهم ما بهِ يقابل، لعلهم يكونُ الكلامُ على طريقةِ: بشِّر قاتِلَ الزبيرِ بالنارِ

(1)

.

{إِلَّا النَّارُ} : وما فيها من أنواع العذابِ، والاقتصارُ على ذكر النارِ من قَبيلِ الاكتفاءِ عن الشيءِ بذكرِ منبَعِه، وذلك لأنهم استوفوا ما يقتَضِيه صورُ أعمالهم الحسنةِ، وبقيَت عليهِم أوزارُ العزائمِ السيئةِ.

{وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا} : في مصلحةِ الآخرةِ من وجوه البرِّ بنوع من التكليفِ؛ لأنَّه خلافُ مقتضى الطبعِ وهوى النفسِ، ولهذا عبَّرَ عنه بالصنعِ.

وإنما قال فيه: {وَحَبِطَ} لأنَّه ليسَ باطلًا في حدِّ نفسِه لقرينه الآتي ذكرُه، إلا أنه لا يجدِي في الآخرةِ؛ لأنَّه لم يقارِن شرطَ القَبول وهو الإيمانُ.

{وَبَاطِلٌ} في نفسِه {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : ما اعتادوا عملَه في مصالحِ الحياة الدنيا وأسبابِ زينتِها، وللدلالةِ على الاستمرارِ التجدُّدِي جمعَ بين (كان) وصيغةِ المضارعِ؛ كما في قولِهِ:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ومجموعُ الجملَتين علةٌ لِمَا قبلَها.

(1)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(681)، والطبراني في "الأوسط"(7072)، والحاكم في "المستدرك"(5580)، عن علي رضي الله عنه من كلامه. ولفظ "المسند" و"المستدرك":"بشر قاتل ابن صفية بالنار".

ص: 134

وقرئ: (بَطَلَ) على الفعلِ

(1)

، و:(باطلًا)

(2)

على أنه مفعولُ {يَعْمَلُونَ} ، و (ما) إبهاميةٌ، أو في معنى المصدرِ كقوله:

ولا خارِجًا مِن فيَّ زُورُ كلامِ

(3)

* * *

(17) - {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} .

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} برهانٌ من اللهِ تعالى على أن دينَ الإسلام حقٌّ وهو القرآنُ، (مَن) مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه: أفمَن كان على بينةٍ من ربِه كمَن كان يريدُ الحياةَ الدنيا في المنزلةِ والرتبةِ؛ يعني: أن بين هؤلاءِ الكاملينَ المحقِّقينَ وبين أولئك الناقصينَ المقصِّرين بونًا بعيدًا وتفاوتًا عظيمًا، فالهمزةُ لإنكارِ المماثلة بينَهُما، والفاء لتفريعِ هذا الإنكارِ وترتيبِه على ما تقدَّمَ من بيانِ مساواةِ حالِ تلك الناقصِينَ، فهي متقدِّمةٌ معنًى، وإن أُخِّرَت عن الهمزةِ لفظًا لاقتضائها الصدارةَ في الكلامِ.

(1)

نسبت ليحيى بن يعمر، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59).

(2)

نسبت لأبي وابن مسعود رضي الله عنهما، وإلى عاصم في غير المشهور عنه، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59)، و"المحتسب"(1/ 320).

(3)

عجز بيت للفرزدق تقدم عند تفسير قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79]، وصدره:

على حلفة لا أشتم الدهر مسلمًا

ص: 135

ومَن ذهبَ إلى أن الفاءَ عاطفةٌ للتعقيبِ

(1)

، مستدعيةٌ سبقَ ما يعطَفُ عليهِ؛ فالتقديرُ: أمَن كان يريدُ الحياة الدنيا، فمَن كان على بينةٍ من ربهِ. والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الفاءِ عليه؛ أي: يَعقبونهم ويَقْربُونهم

(2)

، والاستفهامُ لإنكارِ هذا التعقيبِ، فقد تكلَّفَ.

وأما مَن اختارَ التقديرَ الأول

(3)

، وزعمَ أن الهمزة لإنكارِ التعقيبِ، فلم يكُن على بصيرةٍ؛ حيثُ خلَّطَ بين الوجهَين فخبَّطَ.

{وَيَتْلُوهُ} ؛ أي: يَتْبعُ ذلك البرهانَ الذي يتضمَّنُ الدليل العقلي لكونه معجزًا.

{شَاهِدٌ} : هو عيسى عليه السلام؛ حيثُ بشَّرَ ببعثةِ نبيِّنا عليه السلام، وهذه البشارةُ منه شهادةٌ بحقيَّةِ

(4)

دين الإسلامِ، والتنكيرُ للتعظيمِ، وكذا قولُه:

{مِنْهُ} ؛ أي: من اللهِ تعالى.

{وَمِنْ قَبْلِهِ} ؛ أي: من قبلِ ذلك الشاهدِ {كِتَابُ مُوسَى} يعني: التوراةَ، فإنه أيضًا يتلوهُ في التصديقِ، وقرئ:(كتابَ) بالنصب

(5)

عطفًا على الضمير في {وَيَتْلُوهُ} ، والضميرُ في {قَبْلِهِ} للقرآن الذي عبَّرَ عنه بالبيِّنةِ، فالمعنى أن الشاهدَ المذكورَ يتبعُ الكتابينِ القرآنَ والتوراةَ.

(1)

في هامش (ف): "رد لصاحب الكشاف". وانظر التعقيب الآتي.

(2)

انظر: "الكشاف"(2/ 384)، ولفظه:(أمَن كان يريد الحياة الدنيا فمن كان على بينة، أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنَّ بين الفريقين تفاوتًا بعيدًا وتباينًا بينًا).

(3)

في هامش (ف): "القاضي ".

(4)

فى (ف): "بحقيقة".

(5)

تنسب لمحمد بن السائب الكلبي، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59).

ص: 136

{إِمَامًا} : كتابًا يؤمُّ بهِ في الدين قدوةً

(1)

منه.

{وَرَحْمَةً} : تامَّةً عظيمةً على المنزَلِ إليهم؛ لأنَّه الوصلةُ إلى الفوزِ بخير الدارَين.

{أُولَئِكَ} : إشارةٌ إلى مَن كان على بيِّنةٍ {يُؤْمِنُونَ بِهِ} ؛ أي: بالقرآنِ.

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ} من أصنافِ الكُفَّارِ مشركاً كان أو كتابيًّا {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} يَرِدُها لا محالةَ؛ لأنهُ تعالى لا يُخلِفُ وعدَه.

{فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} : من القرآنِ، وقيلَ: من الوعدِ، وقولُه:{إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} ظاهرٌ في الأولِ، وقرئ:(مُريَةٍ) بضم الميم وهما لغتان

(2)

، وقد مر في أولِ سورةِ البقرة الفرقُ بينها وبينَ الريب والشكِّ.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} بكونِه من عند اللهِ تعالى؛ لقلةِ نظرِهم، وقصورِ تدبيرِهم.

* * *

(18) - {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} .

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بأن أسندَ إليهِ ما لم يُنزِل

(3)

، أو نفى عنهُ ما أنزَلَ، وقد مرَّ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة الأنعامِ.

(1)

في (ك): "عدوه".

(2)

نسبت لأبي رجاء وأبي الخطاب السدوسي والحسن وغيرهم، وهي لغة أسد وتميم، والكسر لغة أهل الحجاز. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59)، و"البحر"(12/ 226).

(3)

في (ك): "ينزله".

ص: 137

{أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ} : يُحبَسون في الموقفِ، وتُعرَض أعمالُهم.

{وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ} من الملائكةِ والنبيينَ: جمعُ شاهدٍ أو شهيدٍ، كأصحابٍ وأشرافٍ، وما وَصَفَهم بذلك لأنهم يختصُّون بهذا العَرْضِ؛ لأن العَرْضَ عامٌّ في كل العبادِ؛ كما قال:{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} [الكهف: 48] بل أرادَ أنهم يُعرَضون فيفتَضِحون بقولِ الأشهاد عند عرضِهم:

{هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} بنسبةِ الولدِ والشريك إليهِ، ونفي ما أنزلَ عنه.

{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} من قولِ الأشهادِ، أو قول اللهِ تعالى، أي: طُرِدوا ولُعِنوا بسببِ ظلمِهم بالكذبِ على الله تعالى، وفيه تهويلٌ عظيمٌ مما يَحيق بهم.

* * *

(19) - {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} .

{الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : عن دينِه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} : يصفونَها بالاعوجاج، أو يبغُون أهلَها أن يعوجُّوا بالارتدادِ، والعِوَجُ: الانحرافُ والميلُ المؤدِّي إلى الفسادِ. تقول: بغيتُكَ خيرًا أو شرًا، أي: طلبتُ لكَ.

{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} : والحالُ أنهم كافرون بالآخرةِ، وتكريرُ {هُمْ} لتأكيدِ كفرِهم واختصاصِهم به.

* * *

(20) - {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} .

ص: 138

{أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ} ؛ أي: ما كانوا معجِزين اللهَ تعالى في الدنيا أن يعاقِبَهم، ومعنى {مُعْجِزِينَ}: مُفْلَتين لا يُقدَر عليهِم، وإنما قالَ:

{فِي الْأَرْضِ} لأن تصرُّفَ ابن آدمَ وتمتُّعَه إنما هو فيها وهي قُصاراهُ لا يستطيعُ التجاوزَ منها.

{وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أُثبتَ ذكرُ الله هنا، وأُسقط فيما سبق، وكان مقتضى الظاهرِ إثباتُه ثمَّةَ، والاكتفاءُ بالضميرِ هنا، وإنما عدلَ إلى ما وقع احترازًا عن إضافةِ العجزِ إليه تعالى صريحًا.

{مِنْ أَوْلِيَاءَ} : يمنعونهم من العقابِ، ولكن أخَّرهم إلى هذا اليومِ ليتضاعفَ عذابُهم، فقولُه:

{يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ} استئنافٌ في مقام التدارُكِ بالجواب للسؤالِ عن وجهِ تأخيرِ العقابِ، والله أعلم بالصوابِ.

{مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} لفرطِ تصامِّهم كراهةَ استماع الحقِّ؛ كأنهم لا يقدرُون على استماعِهِ.

{وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} لفرطِ تعامِيهم كراهةَ إبصاره، وكأنهُ العلَّةُ لمضاعفةِ العذاب.

* * *

(21) - {أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} .

{أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} باشتراءِ عبادة الأوثان بعبادة الله تعالى.

{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من الآلهةِ وشفاعَتِها.

أو: خسروا بما بذلُوا وضاعَ عنهم ما حصَّلُوا، فلم يبقَ معهم سوى الندامةِ.

ص: 139

(22) - {جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} .

{لَا جَرَمَ} مذهبُ الخليلِ وسيبويهِ أنهُ رُكِّبَ من (لا) و (جرم) وبُنيَ، والمعنى: حقَّ، وما بعدَه رفع على الفاعليَّةِ

(1)

.

وقال الكسائيُّ: معناهُ: لا صدَّ ولا منعَ، فيكونُ (جرم) اسمَ (لا) وهو مبنيٌّ على الفتحِ

(2)

.

{أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} لما كانَ خُسرانُ النفسِ أعظمَ الخُسرانِ حكمَ عليهم بأنهم الزائدونَ في الخسرانِ على كلِّ خاسرٍ مِن سواهم.

* * *

(23) - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} : اطمأنوا إليهِ بالخشوعِ، من الخبتِ: وهو الأرضُ المطمئنَّةُ.

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : دائمونَ.

* * *

(24) - {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .

{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ} : الكافرِ والمؤمنِ، وقدِّمَ الكافرُ اعتبارًا للسياق.

(1)

انظر: "الكتاب"(3/ 138).

(2)

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (2/ 278).

ص: 140

{كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} شبَّهَ فريق الكافرين في عدمِ انتفاعهم بالمشاعرِ بالأعمى والأصمِّ، وفريق المؤمنينَ بالسميعِ والبصيرِ، والتشبيهُ بحسبِ جليل النظرِ من قبيلِ المفرد، وبحسب دقيقِه من قَبيلِ المركَّبِ؛ لأنَّه أبلغُ، والتعييرُ بالمثل أنسَبُ، وذلك أن المقامَ يتحملُ تشبيه الفريقين بالجامعِ بين العمى والصمَمِ، والجامعِ بين السمع والبصرِ.

على أن (الواوَ) في {وَالْأَصَمِّ} {وَالْبَصِيرِ} للجمعِ بين الصفتَينِ، كما في قوله: الصالح

(1)

والغانم والآيب، وتشبيهِ أحدِهما بكلِّ واحدٍ من الأعمى والأصمِّ، والآخرِ بكلِّ واحدٍ من السميع والبصيرِ، فيكون لكلٍّ منهُما تشبيهان كما في قولِه:

كأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطبًا ويابِسًا

لدى وكْرِها العنابُ والحشَفُ البالي

(2)

وهو من بابِ اللفِّ والطِّباقِ، والوجه هو الأولُ؛ لأن

(3)

تقسيم الكفارِ إلى مشبَّهٍ بالأولِ ومشبَّهٍ بالثاني وكذلك المؤمنون غيرُ مقصودٍ في الآية؛ بخلافِ البيت المذكورِ.

بل المرادُ تشبيهُ حالِ هؤلاء الكفرةِ الغاوينَ الموصوفين بالتصامِّ عن آياتِ اللهِ بحالِ من خُلِقَ أعمى وأصمَّ لا تنفعُه إشارةٌ ولا عبارةٌ.

وحالِ هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فانتفعوا بأسماعِهم وأبصارِهم

(1)

في (ك): "الصابح".

(2)

البيت لامرئ القيس، وهو في "ديوانه" (ص: 38). العناب: ثمر، والحشف: اليابس الفاسد من التمر.

(3)

في (م): "لأنَّه".

ص: 141

اهتداءً إلى الجنة، وانكفاءً

(1)

عما كانوا خابطِين فيه من ضلالِ الكفر والدُّجُنةِ

(2)

بحالِ مَن هو بصيرٌ سميعٌ يستضيءُ بالأنوارِ في الظلامِ، ويستفيء بمغانمَ

(3)

الإنذارِ والإبشارِ فوزًا بالمرام.

{هَلْ يَسْتَوِيَانِ} ؛ أي

(4)

: الفريقان، لاستفهامُ إنكاريٌّ.

{مَثَلًا} : صفةً أو تشبيهًا.

{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} بالتأمل فيما ضربناهُ من المثلِ، فالفاءُ لترتيبِ الاستفهام التقريريِّ على ما تقدَّمَ، وتأخُّرُها لفظًا لرعايةِ ما للاستفهام من حقِّ الصدارة في الكلامِ.

* * *

(25) - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} .

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ} : قرئ: {إِنِّي} بالكسرِ على إرادة القولِ، أو قائلًا: إني، وبالفتحِ

(5)

، فتقديرُه: بأني؛ أي: أرسلناه ملتبِسًا بهذا الكلامِ، فلما اتصلَ به الباء فُتح - والمعنى على الكسرِ - كما فُتحَ (إنَّ) في قولكَ: إنَّ زيداً كالأسدِ، إذا اتصلَ به الكافُ؛ فقيل: كأنَّ زيدًا الأسدُ، والمعنى بحاله.

{مُبِينٌ} : أبيِّنُ لكم مُوجِباتِ العذاب ووجهَ الخلاص عنه.

* * *

(1)

في النسخ: "والكفار"، والمثبت من "روح المعاني"(11/ 409)، وبه يستقيم السياق.

(2)

تحرفت في النسخ إلى: "والرحبة"، والمثبت من المصدر السابق. والدُّجُنَة: الظلمة.

(3)

في (ف) و (م): "ويستضيء مغانم "، وفي (ك):"ويستضيء معالم".

(4)

"أي" سقط من (ك).

(5)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، انظر:"التيسير"(ص: 124).

ص: 142

(26) - {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} .

{أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} بدلٌ من {إِنِّي لَكُمْ} على قراءة الفتحِ، وعلى قراءة الكسرِ (أنْ) مفسِّرةٌ متعلقةٌ بـ {نَذِيرٌ} أو بـ {أَرْسَلْنَا} .

ويجوزُ أن يكون المعنى: بأنْ لا تعبُدوا إلا الله

(1)

، على أن الباءَ صلةُ:{أَرْسَلْنَا} ؛ كأنه قيلَ: أرسلناهُ ينهاهُم عن الإشراكِ قائلًا: إني نذيرٌ.

{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} وصفُ اليومِ بأليم من الإسنادِ المجازي لوقوعِ الألم فيهِ؛ كقولِه: نهارُه صائمٌ.

* * *

(27) - {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} .

{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} أرادوا بهِ نفي رسالتِه بطريقِ البرهانِ، على زعمِهم أن الرسولَ يجبُ أن يكون ملَكاً

(2)

، فقوله:{مِثْلَنَا} لتحقيقِ البشريةِ، وقولُه:

{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} : استدلالٌ بأنهم ضعفاءُ العقولِ لا تمييز

(3)

لهم، فجوَّزوا أن لا يكونَ الرسولُ بشرًا، والأراذل: جمع الأَرْذلِ

(4)

،

(1)

"إلا الله" ليست في (ك).

(2)

قوله: "أن الرسول يجب أن يكون ملكا" من (م)، ووقع فيها بعدها: "وأما ما قيل: أي: لا نرى لك علينا تفضل بالنبوة ووجوب الطاعات فمعنى قوله: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} ، ولعل مكانها ليس هنا.

(3)

في (م): "تميز".

(4)

"الأرذل" يحتمل هنا أن يكون بفتح الذال فيكون مفردًا مثل أساود: جمع الأسوَد من الحيات،=

ص: 143

وهو

(1)

بمعنى الأخسِّ؛ فإنه بالغلبةِ صار كالاسمِ؛ كالأكبرِ، والأَرْذُل: جمعُ رَذْلٍ.

{بَادِيَ الرَّأْيِ} : قرئ بالهمزةِ من بدأ يبدأ بَدْءًا: إذا ابتدأ؛ أي: أولَ الرأيِ، وبغير الهمز

(2)

من بدا يبدو: إذا ظهر؛ أي: ظاهرَ الرأي.

نصبٌ على الظرفِ، والعاملُ:{اتَّبَعَكَ} ؛ أي: اتَّبعوك وقت حدوثِ أولِ رأيهِم، أو وقتَ حدوث ظاهرِ رأيهم، فحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مُقامهُ.

وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرِهم؛ فإنهم لمَّا لم يعلموا إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا كان الأحظُّ بها أشرفَ، والمحرومُ منها

(3)

أرذلَ.

{وَمَا نَرَى لَكُمْ} ؛ أي: لك ولمتَّبِعيك، فغلَّب المخاطب على الغائبينَ.

{عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} التنكيرُ للتقليلِ، فهذا القولُ منهم تسجيلٌ بأن دعوى النبوة باطلةٌ لإدخالِه عليه السلام والأرذلَ

(4)

في سلكٍ على أسلوبٍ يدلُّ على أنهم أنقصُ البشرِ فضلًا عن الارتقاء

(5)

إلى درجةِ التفضيلِ.

{بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} : إياكَ في دعوى النبوةِ، وإياهم في دعوى العلمِ بصدقكَ، وكأنهم أظهروا الاحترازَ عن الجُزاف

(6)

، والاقتصارَ على قَدْرِ

= ويحتمل أن يكون بضمها فيكون جمعًا مفرده: رَذْلٌ، فيكون مثل: كَلْب وأَكلُب وأَكالب. انظر: "تفسير القرطبي"(11/ 98).

(1)

"وهو"سقط من (ك).

(2)

قرأ أبو عمرو بالهمز وباقي السبعة بغير همز. انظر: "التيسير"(ص: 127).

(3)

في (ف): "فيها".

(4)

في (ك) و (م): "الأرذل" دون واو.

(5)

في (ف) و (ك): "الإيقاع".

(6)

في (ف) و (ك): "الحراز"، وفي (م):"الخراف"، والصواب المثبت. انظر:"تفسير أبي السعود"(4/ 201)، ولفظه:(واقتصارُهم على الظنّ احترازٌ منهم عن نسبتهم إلى المجازفة).

ص: 144

الحاجةِ، ولهذا عدَلوا عن دعوى اليقينِ إلى دعوى الظنِّ الكافي في إيجاب العاقلِ لموجَبِه.

* * *

(28) - {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} .

{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ} : أخبروني {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} أي: حجةٍ شاهدةٍ بصحةِ دعواي {وَآتَانِي رَحْمَةً} هي النبوةُ.

{فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} : فخَفِيَتْ

(1)

عليكم البيِّنةُ؛ لأن خفاءَها يوجبُ خفاء النبوةِ؛ إذ النبوَّةُ بعد ظهورِ البيِّنةِ، أو كلُّ واحدةٍ منهما، أو قدِّر {فَعُمِّيَتْ} بعد البينةِ فحذفَ للاختصارِ والاكتفاءِ بذكره مرةً كقولِه:

بينَ ذراعَي وجبهَةِ الأسدِ

(2)

ويجوزُ أن يُرادَ بالبينةِ الرحمةُ مع النبوةِ.

وقرئ: {فَعُمِّيَتْ} بالتشديد

(3)

؛ أي: أُخفِيَت.

وقرئ: (فعَمَّاها)

(4)

على أن الفعل للهِ تعالى.

(1)

في (ك): "خفيت".

(2)

هذا عجز بيت للفرزدق، كما في "خزانة الأدب"(2/ 319)، وصدره:

يا من رأى عارضًا أُسَرُّ به

(3)

قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص بضم العين وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح العين وتخفيف الميم، انظر:"التيسير"(ص: 124)، و"النشر"(2/ 288).

(4)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 59).

ص: 145

{أَنُلْزِمُكُمُوهَا} : أنُكْرِهُكم على الاهتداءِ بها؟ جوابُ {أَرَأَيْتُمْ} سادٌّ مسدَّ جوابِ

(1)

الشرطِ، وإذا اجتمعَ ضميران وليسَ أحدُهما مرفوعًا، وقدِّمَ الأعرفُ، جازَ في الثاني الاتصالُ كما وقع هاهنا، والانفصالُ كما لو قيلَ: أنلزِمُكم إياها.

{وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} : لا تختارونها ولا تتأمَّلُون فيها.

* * *

(29) - {وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} .

{وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} : الضميرُ راجعٌ إلى قوله لهم: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [هود: 25 - 26]، وهذا -أي: الرجوعُ إلى القول- أولى من الرجوعِ إلى المدلول؛ لأن الأجرَ في مقابلة الشغلِ، فالقولُ المشتمِلُ على الإنذار هو المقابَلُ بالأجرِ.

{مَالًا} : جُعلًا حتى تتفاوتَ الحالُ بسببِ كون المستجيبِ فقيرًا أو غنيًا؛ ففيهِ الجوابُ عن قولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} .

{إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} : بالتزامِه تفضُّلًا لا بالإيجابِ شرعًا أو عقلًا.

{وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا} : جوابٌ لهم حين سألوه طردَهم ليؤمِنوا بهِ آنفةً من أن يكونوا معهم، ولما لوَّحَ إليهم ما شكَّكهم في أمرِهم وتردَّدوا في علَّتِه قال:

{إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} ؛ أي: فائزونَ بلقاءِ ربهم وقُربهِ، فكيفَ أطرُدُهم؟

ويجوزُ أن يكون جوابًا عن قولهم: اتَّبعوك بادي الرأي، أي: فعَليَّ العملِ

(1)

في (ك) زيادة: "أرأيتم".

ص: 146

بظاهر ما أرى، فاكتفى بظاهرِ إيمانهم، ووكَل

(1)

باطنهم إلى اللهِ تعالى فإنهم ملاقوه فيجازِيهم على سرائرِهم.

{وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} : استدراكٌ عما تقدَّمَ من قولهم: {مَا نَرَاكَ

{وَمَا نَرَاكَ} ؛ أي: لا حقيقَة لما رأيتُم، فكأنَّكُم ما رأيتُم فينا شيئًا، ولكني أراكم قومًا تجهَلُون ما لا ينبَغي أن يخفَى على الرجالِ من أن الناسَ لا يتفاضلون بالأحسابِ والأنسابِ والأموالِ، بل بأسبابِ الكمال من الأعمالِ والأحوالِ، وبما قرَّرناه

(2)

تبيَّن وجهُ إدراجِ قولِه: {قَوْمًا} في الكلامِ، وإدماجُ دقيقةٍ أنيقةٍ في أثناءِ تقرير

(3)

المرامِ.

* * *

(30) - {وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .

{وَيَاقَوْمِ} : تلطَّفَ نوحٌ عليه السلام بندائه إيَّاهُم بقولِه: (يا قوم

يا قوم)

(4)

استدراجًا لهم في قَبولِ كلامِه، كما تلطَّفَ مؤمنُ آل فرعونَ بقولِه: (يا قوم

يا قوم).

{مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ} بدفعِ انتقامِه {إِنْ طَرَدْتُهُمْ} وهُم بتلك المثابةِ من القربِ والكرامةِ عندَ اللهِ تعالى.

{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} لتعرفوا أن توقيفَ الإيمان على طردِهم ليس بصوابٍ.

* * *

(1)

في (ك) و (م): "وأحال".

(2)

في (ك): "قررنا".

(3)

في (ك) و (م): "تقريب".

(4)

"يا قوم" الثانية من (ك)، وكذا في الموضع الآتي.

ص: 147

(31) - {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .

{وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} : خزائنُ رزقِه ونعَمِه؛ أي: كما لا أسألُكم مالًا فكذلك لا أدَّعي أني أملِكُ مالًا

(1)

أدفعُه لأتْباعي، فلا غرضَ لي في المالِ لا أخذًا ولا دفعًا.

{وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} حتى أصلَ إلى ما أريدُه لنفسي ولأتباعي

(2)

، عطفٌ على إلا أقول) لا على {عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} ، وإنما لم يأتِ فيه بنفي القولِ للفرقِ الدقيقِ بينَهُ وبينَ ما أتى فيهِ لنفسِهِ، وقد مرَّ بيانُه في تفسير سورة الأنعامِ

(3)

، وأما فائدةُ تكرارِ (لا) أنكَ إذا أكَّدتَ بهِ لإزالَة

(4)

احتمالِ المعيةِ في النفيِ فقد آذنتَ أنك في الكلامِ محق بانٍ

(5)

على اليقينِ بعيدٌ عن السهوِ والتجوُّزِ.

{وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} بعبارَته جوابٌ عن قولِهم: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [الشعراء: 154]، وبإشارته جوابٌ عن طعنِهم فيهِ عليه السلام لمخالطَتِه للفقراءِ؛ أي: لا أتعاظَمُ بذلكَ عليكُم، بل طريقي الخضوعُ والتواضعُ، ومَن كانَ شأنه وطريقُه

(6)

كذلك لا يستنكِفُ عن مخالطَةِ الفقراءِ والمساكين، ولا يطلُبُ مجالسة الأغنياءِ والسلاطين، فلمَّا كانت طريقَتي توجِبُ مخالطةَ الفقراءِ لي فكيفَ جعلتُم ذلك عيبًا عليَّ؟ ثم أكَّدَ هذا بقولِه:

(1)

في (ك): "لا أدعو إلى ملك لا".

(2)

في (ف): "وتباعي".

(3)

عند تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} الآية [الأنعام: 50].

(4)

في (ك) و (م): "لأزال".

(5)

في (م): "باق".

(6)

في (ف) و (ك): "ومن كان طريقه".

ص: 148

{وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} ؛ أي: في شأنِ مَن استرذلتُموهم

(1)

لفقرِهم.

الازدراءُ: افتعالٌ من زرَى عليهِ: إذا عاب، وأزرى به قصَّرَ بهِ

(2)

، وازدريتُه؛ أي: احتقرتُه، وإسناد الازدراءِ إلى الأعينِ مجازٌ للمبالغةِ والتنبيهِ على أنهم استخسُّوهم بادِئ الرؤيةِ من غير رويَّةٍ، بل بما عاينوا من رثاثةِ حالهم وقلةِ منالِهم، من غير تأمُّلٍ في معتقداتهم وكمالاتهم.

{لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} عسى أن يكون ما أعدَّ اللهُ لهم في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، خيرًا مما آتاكم من الغِنى.

{اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} من الإيقان وعدَمِه.

{إِنِّي إِذًا} : إن فعلتُ أو قلتُ شيئًا من ذلك {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أنفُسَهم بطردِ من أُمرتُ بقَبولِه.

* * *

(32) - {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

{قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} ؛ أي: خاصَمْتَنا؛ يقالُ: جادلَه: إذا خاصَمه ليُرِجعه عما عليهِ، وأصله الجدْلُ، وهو الفتلُ.

{فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} : فأطلتَهُ، أو: أتيتَ بأنواعه.

{فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من العذابِ المعجَّلِ {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في الوعيد، فإن مناظرَتكَ لا تؤثِّرُ فينا ولا تفيدُ.

(1)

في (ف): "استرذلتموه".

(2)

في (ف): "فعير به"، وفي (م):"قصد به"، وغير واضحة في (ك). والمثبت من "الكشاف"(2/ 390).

ص: 149

(33) - {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} .

{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ} ؛ أي: ليسَ الإتيانُ به إليَّ إنْ هو إلا إلى الذي عصيتُموه وكفرتُم بهِ، فيفعلُه

(1)

إن شاءَ كما شاءَ عاجلًا أو آجلًا.

{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} : بدفعِ العذابِ، أو الهربِ عنه

(2)

.

* * *

(34) - {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

{وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي} النصحُ: إمحاضُ إرادة الخيرِ في الدلالةِ، ونقيضُه الغشُّ.

وقيلَ: هو إعلامُ موضعِ الغَيِّ

(3)

ليُتَّقى، والرُّشدِ ليُبتغَى.

{إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ} : شرطٌ ودليلٌ وجوابٌ له، والجملةُ دليلُ جوابِ قوله:

{إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} وتقديرُ الكلامِ: إن كانَ الله يريدُ أن يُغويكم إن أردتُ

(4)

أن أنصَحَ لكُم لا ينفعُكم نصحِي، وهو جوابٌ لما أَوهَموا من أنَّ جِداله كلامٌ بلا طائلٍ.

وإنما قالَ: {إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ} مع وقوعِ النصح استظهارًا في الحجةِ؛ لأنهم ذهبوا إلى أنه ليسَ بنصحٍ فقال: لو كان نصحًا ما نفعَ مَن لا يقبلُهُ.

(1)

في (ك): "فيفعل".

(2)

"عنه" سقط من (ك).

(3)

في (ف) و (ك): "البغي". والمثبت موافق لما في "تفسير النسفي"(2/ 56)، و"نظم الدرر" للبقاعي (9/ 279).

(4)

في هامش (ف): "عبارة القاضي: فإن أردت، وفيها ما فيها، منه".

ص: 150

وفيهِ دلالة على أن إرادةَ اللهِ تعالى يصحُّ تعلُّقها بالإغواءِ، وأنَّ خلافَ مراده تعالى غيرُ واقعٍ

(1)

.

{هُوَ رَبُّكُمْ} : خالقُكم ومبقِيكم في الدنيا إلى وقتِ إهلاككُم.

{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكُم على أعمالكُم.

* * *

(35) - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} .

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} قال مقاتلٌ: هذا الكلامُ في شأنِ محمد صلى الله عليه وسلم، اعترضَ في قصة نوحٍ عليه السلام

(2)

. وهذا أظهرُ وأنسبُ بالسياق؛ لأنَّه كالتقريرِ لقولِه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} دلالةً على كمالِ العنادِ، وأن مثلَهُ بعد الإتيانِ بالقصةِ على هذا الأسلوبِ المعجزِ لا ينبغي أن يُنسَب إلى افترائهِ، فجاءَ زيادةَ إنكارٍ على إنكارٍ، كأنه قيلَ: بل أمَعَ هذا البيان أيضًا يقولون: افتراهُ؟! وهو نظيرُ اعتراضِ قولِهِ: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} [العنكبوت: 18] بيَّنَ قصةَ إبراهيمَ عليه السلام على أحد الوجهَين.

{قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} ؛ أي: إن ثبتَ افترائي فعليَّ عقوبةُ إجرامي، وكان حقِّي حينئذٍ أن تُعرِضوا عني وتعادُوني.

{وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} ؛ أي: ولم يثبُت ذلك، بل هو فرضُ محالٍ، وأنا بريءٌ من افترائكم؛ أي: نسبتِكم إيايَ إلى الافتراءِ.

(1)

في هامش (ف): "عبارة القاضي: محال، ولا دلالة في الكلام المذكور على الاستحالة، منه ". قلت: وعبارة القاضي: ( .. وأن خلاف مراده محال).

(2)

انظر قول مقاتل في "تفسير أبي الليث"(2/ 148)، و"تفسير الثعلبي"(5/ 166).

ص: 151

وإنما عدَلَ إلى المنزَلِ على طريقة المشاكلةِ إدماجًا لكونهم مجرِمين، وأن المسألة معكوسةٌ.

* * *

(36) - {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} .

{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ} هذا الاستثناءُ على طريقةِ {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] على ما قيلَ: إنه استثناءٌ من اللفظِ للمبالغةِ في التحريمِ.

{فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} أقنطَهُ الله تعالى في إيمانِهم على وجهٍ أبلغَ، ثم نهاهُ أن يغتمَّ بما استمرُّوا عليه من تجديدِ التكذيبِ والاستهزاءِ.

والابتئاسُ: حزنٌ في استكانة.

* * *

(37) - {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} .

{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} : ملتبِسًا بأعيننا، ولما كان العينُ هي الجارحةَ التي بها يُحفَظُ الشيءُ عبَر بكثرَتها عن المبالغةِ في الحفظِ والرعايةِ عن الاختلالِ والزيغِ عن صنعَتهِ، وعن مُزاحمة العدوِّ له وكيدِه في المنعِ ومن عملِه، على طريقة التمثيلِ.

{وَوَحْيِنَا} إليكَ كيف تصنَعُها.

{وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} نهى عن التكلُّمِ فيهم مبالغةً في النهي عن الدعاءِ في استدفاعِ العذاب عنهُم.

ص: 152

{إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} محكومٌ عليهم بالإغراقِ، فلا سبيلَ إلى كفِّهِ.

* * *

(38) - {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} .

{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} حكايةُ حالٍ ماضيةٍ.

{وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} من عملِ السفينةِ، وكان يعمَلُها في بريَّةٍ بعيدةٍ من الماءِ أوانَ عزَّته، فكانوا يتضاحكُون منهُ ويقولون: يا نوحُ! صرتَ نجاراً بعد ما كنتَ نبيًّا؟! والسخريةُ

(1)

: الاستجهالُ مع الاستهزاءِ، ومصدَرُه: سُخرِيٌّ بضمِّ السينِ، والمصدرُ من السُّخرةِ سِخريٌّ بكسرِها.

{قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا} فيهِ تنزيلُ المحقَّقِ منزلةَ المشكوكِ تمهيدًا لما قصدُوه من تجهيلِهم فيما فعلُوه.

{فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} المرادُ من سخريَتِه عليه السلام مجرَّدُ الاستجهالِ، وإطلاقُ السخريةِ عليه

(2)

بطريقِ المشاكلَةِ، أي: إنا نستجهلُكم

(3)

في استجهالكم

(4)

إيانا بناءً على ظاهر الحالِ جهلًا بحقيقةِ الأمرِ كما هو عادةُ الجهَّالِ، والسخرية بهذا المعنى منهُ عليه السلام في الحالِ.

ومَن قالَ: إذا أخذكم الغرقُ في الدُّنيا، والحرقُ في الآخرةِ، فقد حملَها على الحقيقةِ، وكأنه لم يدرِ أن الاستهزاءَ لا يناسِبُه عليه السلام.

(1)

في (ف): "والسخر".

(2)

"عليه" سقط من (ك).

(3)

"إنا نستجهلكم" من (م).

(4)

في (ك): "لاستجهلكم".

ص: 153

(39) - {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} .

{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} : تهديدٌ بليغٌ.

{مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يعني بـ {مَنْ يَأْتِيهِ} : إياهم، وبـ {عَذَابٌ يُخْزِيهِ}: الغرقُ في الدنيا.

{وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} حلولَ الدَّينِ اللازم الذي لا انفكاكَ له عنه في الآخِرةِ.

{عَذَابٌ مُقِيمٌ} دائمٌ هو عذابُ النارِ.

* * *

(40) - {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} .

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا} غايةٌ لقولِه: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} وما ينهما حالٌ من الضميرِ فيهِ، أو (حتى) هي التي يُبتدأ بعدها الكلامُ.

{وَفَارَ التَّنُّورُ} كما يفورُ القِدرُ بالغليانِ؛ أي: نبعَ الماءُ وارتفعَ من الأرض لشدَّةِ الاندفاعِ، والتنورُ: تنور الخبز، ابتدأ منه ينبوعٌ على خرقِ العادة.

{قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا} : الضميرُ للسفينةِ وكانت ذاتَ بطونٍ، والمحمولون كانوا في بطونها على طبقاتِهم، ولهذا قالَ:{فِيهَا} دونَ: عليها.

{مِنْ كُلٍّ} : من كلِّ نوعٍ لابدَّ منهُ.

{زَوْجَيْنِ} : الزوجُ واحدٌ له شكلٌ، فالذكر زوج والأنثى زوجٌ، وقد يُطلَقُ الزوج على مجموعِهما ولدفعِ هذا الاحتمال قالَ:{اثْنَيْنِ} .

وإنما لم يقُل: من كلِّ نوعٍ اثنينِ، إخراجًا لمِثْلِ البغلِ عن حيِّزِ الأمر بالحملِ؛ لعدم الحاجةِ إليه.

ص: 154

وقرئ: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ}

(1)

بالإضافة على معنى: احمل اثنين من كلِّ زوجَين.

{وَأَهْلَكَ} عطفٌ على {زَوْجَيْنِ} أو {اثْنَيْنِ} ، والمرادُ: امرأتُه وبنوهُ ونساؤهم.

{إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} بأنه من المغرَقين، ولما كان القولُ السابق ضارًّا لهم قالَ:{عَلَيْهِ} دونَ: فيه، استثناءً من المعنى اللازم للأمرِ، وكأنهُ قيلَ: إنهم لا يغرقون إلا مَن سبقَ عليهِ القولُ؛ يعني: ابنَه كنعانَ وامرأتَه واعلةَ فإنهما كانا كافِرَين.

فاندفعَ السؤالُ بأنه: لا يخلو من أن يكونَ المستثنى

(2)

معلومًا لنوحٍ عليه السلام، فلا حاجةَ لقولِه:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: 45] أو لا، فيلزَمُ استثناء المجهولِ من الذين أمرَ عليه السلام بحملِهم على السفينةِ، ولا وجه له.

{وَمَنْ آمَنَ} ؛ أي: والذين آمنوا مِن غيرِهم، وأفردهم بالذكرِ مع أنهم من الذين آمنوا لمصلحةِ الاستثناءِ المذكور المتضمِّنِ للإشارة إلى أن الانتسابَ إليه عليه السلام لا يُجدِي نفعًا في دفعِ العذابِ المذكورِ، إنما المنجِّي عنه هو الاتِّباعُ له عليه السلام.

{وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه، وكلمةُ (مع) هنا كالتي في قولِه:{وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: 44].

* * *

(1)

قراءة السبعة عدا حفص، انظر:"التيسير"(ص: 124).

(2)

"المستثنى" من (م).

ص: 155

(41) - {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{وَقَالَ} ؛ أي: قال نوحٌ عليه السلام لمن آمَنَ معه: {ارْكَبُوا فِيهَا} والركوب: العلوُّ على ظهر الشيءِ، وهو يتعدَّى بنفسِه فيُقالُ: ركبتُ السفينةَ، وزيادةُ (في) لأنَّه عليه السلام أمرَهم أن يكونوا في جوفِها لا على فوقِها.

{بِسْمِ اللَّهِ} متعلقٌ بـ {ارْكَبُوا} حالٌ من ضميرِ الفاعلِ؛ أي: اركبوا مسمِّينَ الله تعالى، أو قائلينَ: بسم الله.

{مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} : نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ إرسائها وإجرائها؛ لأنهما اسما زمانٍ، أو مصدرانِ كالإجراء والإرساءِ بحذفِ الوقتِ؛ كقولهم:[آتيكَ]

(1)

خفوقَ النجمِ، ويجوزُ أن يكونا اسمي مكانٍ، وانتصابُهما بما في {بِسْمِ اللَّهِ} من معنى الفعل، أو إرادةِ القولِ.

ويجوزُ أن تكون {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} جملةً من مبتدأ وخبرٍ في موضعِ الحالِ من ضميرِ الفلكِ؛ أي: اركبوا فيه مُجراهُ ومُرساه بسم الله، بمعنى التقديرِ؛ كقولِهِ:{فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} .

أو جملةً مقتضبةً

(2)

على أن نوحًا عليه السلام أمرَهم بالركوبِ فيها ثم أخبرَهم بأن إجراءها وإرساءها باسمِ اللهِ تعالى؛ فيكونان كلامَين لهُ عليه السلام.

(1)

من "تفسير البيضاوي"(3/ 135).

(2)

في (ف) و (م): "مقتضية"، والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر:"الكشاف"(2/ 395)، و"تفسير أبي السعود"(4/ 209)، و"روح المعاني" (11/ 455). ومعنى مقتضبة: أنها لا تعلق لها بالجملة الأولى من حيث الإعراب؛ أي: منقطعة عما قبلها لاختلافهما خبرًا وطلبًا، كما يفيد اللاحق من كلام المؤلف، وهو قوله:"على أن نوحا أمرهم .. ". وانظر: "البحر"(12/ 260)، و"روح المعاني"(11/ 455).

ص: 156

يروى: أنه إذا أراد أن تجري قالَ: (بسم الله) فجرَتْ، وإن

(1)

أرادَ أن ترسوَ قال: (بسم اللهِ) فرست

(2)

.

ويجوزُ أن يكونَ الاسمُ مُقحمًا كقولِهِ:

ثمَّ اسمُ السَّلامِ عَلَيكُما

(3)

ويرادُ: بالله إجراؤها وإرساؤها؛ أي: بقد رَتهِ وأمرِهِ.

وقرئ: {مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} بفتحِ الميم

(4)

، من جرى ورسى مصدرَين، أو زمانَين، أو مكانَين.

وقرئ: (مُجرِيها ومُرسِيها) بلفظِ اسم الفاعلِ مجرورَي المحلِّ صفتَين لله تعالى

(5)

.

{إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} : لو لا مغفرَته لفرَطاتكم ورحمتُه إياكم لمَا نجَّاكم.

* * *

(1)

في (ك): "وإذا".

(2)

رواه الطبري في "التفسير"(12/ 416) عن الضحاك.

(3)

هو جزء من بيت للبيد بن ربيعة بن مالك الشاعر المشهور، وتمامه:

إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما

ومَن يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعتذرْ

انظر: "شرح ديوان لبيد"(ص: 213 - 214)، و"حاشية الشهاب"(5/ 97).

(4)

تنسب لابن مسعود وعيسى الثقفي والأعمش وغيرهم. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (2/ 283)، و"المحرر الوجيز"(3/ 172)، و"البحر"(12/ 260). أما المتواتر فقد اتفق العشرة على ضم الميم في {وَمُرْسَاهَا} ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف:{مَجْرَاهَا} بفتح الميم، وباقي العشرة بالضم. انظر:"التيسير"(ص: 124)، و"النشر"(2/ 288).

(5)

قراءة مجاهد، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60)، و"البحر"(12/ 260).

ص: 157

(42) - {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} .

{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ} : متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليهِ: {ارْكَبُوا} ؛ أي: فركِبُوا مسمِّين وهي تجري بهم، والباء في {بِهِمْ} كالتي في قولِكَ: دخلت عليه بثيابِ السفرِ، والجريُ: مرٌّ سريعٌ، والعدولُ إلى صيغةِ المضارع لاستحضارِ تلك الحالة العجيبةِ.

{فِي مَوْجٍ} : جمعُ موجةٍ، وهي قطعةٌ عظيمةٌ ترتفِعُ عن جملة الماءِ الكثيرِ عند اضطرابِه.

{كَالْجِبَالِ} : شبَّهَ كلَّ موجةٍ بجبل في تراكُمِها وارتفاعِها، وفي قوله:{فِي مَوْجٍ} ردٌّ لما قيلَ: إن الماء طبَّقَ ما بين السماءِ والأرضِ، وكانت السفينةُ تجري في جوفِه، إذ حينئذٍ لا مجال للموجِ، والحملُ على أنه في ابتداءِ الحال يأباهُ المقامُ؛ لأنَّه مقامُ المبالغةِ في بيانِ تلك الأهوالِ، فلا حاجَةَ للاكتفاءِ بذكر أوائلِها.

{وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} كنعانَ، وقرئ:(ابنها)، و (ابنهَ)

(1)

بفتحِ الهاءِ اكتفاءً بالفتحة عن الألفِ، والضميرُ لامرأته على أنه كانَ ربيبَهُ.

وقرئ: (ابنَاهُ) على الندبةِ

(2)

، ولكونها حكايةً سوِّغَ حذفُ الحرفِ.

{وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} المعزلُ موضع منقطعٌ عن غيرِه، وكان كنعانُ في ناحيةٍ منفصلةٍ عن موضعه عليه السلام.

(1)

قرأ علي رضي الله عنه: (ابنها) بالنسبة إلى امرأته، وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير:(ابنهَ) بالفتح، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60).

(2)

قراءة السدي، بألف وهاء السكت، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60).

ص: 158

{يَابُنَيَّ} : قرئ بكسرِ الياء

(1)

اقتصارًا عليه من ياء الإضافةِ، وبالفتحِ اقتصارًا عليهِ بالألف المبدلةِ من ياء الإضافةِ في قولكَ:[يا بنيَّا]

(2)

، أو سقطَتِ

(3)

الألفُ والياءُ لالتقاء الساكنين؛ لأن الراءَ بعدَهما ساكنةٌ.

{ارْكَبْ} ؛ أي: اركبِ السفينة {مَعَنَا} فنَجُوزَ، وقرئ بإدغامِ الباء في الميمِ لتقارُبهما

(4)

.

{وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} فتهلِكَ.

وحالُه كانت ملتبسةً عليهِ عليه السلام لأنَّه كان يُنافقُه، ولهذا سعى في خلاصِهِ بعد العلمِ بأن الكفارَ كلَّهم مُغرقونَ، وأما السؤالُ بأنه: كيف ساغَ له الأمرُ بركوبِه في السفينة بعد العلمِ بأنهُ من جملةِ المستثنى من أهلِهِ المأمورِ بحملِهم؛ فقد مرَّ وجهُ اندفاعِه.

* * *

(43) - {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} .

{قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ} عظيمٍ {يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} يعني: بارتفاعِه.

(1)

هي قراءة جمهور القراء عدا عاصمًا، فإنه قرأ بفتح {يَابُنَيَّ}. انظر:"التيسير"(ص: 124).

(2)

من "الكشاف"(2/ 397)، والكلام منقول منه.

(3)

"بالألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك أو سقطت" ليست في (ك).

(4)

قرأ بالإظهار قالون والبزي وخلاد بخلف عنهم، وقرأه بالإظهار بلا خلاف ورش وابن عامر، وخلف عن حمزة، وفي اختياره، وأبو جعفر، والباقون بالإدغام قولًا واحدًا، وهم: قنبل ويعقوب وأبو عمرو والكسائي وعاصم، انظر:"النشر"(2/ 11)، و"البدور الزاهرة" (ص: 156).

ص: 159

{قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} إنما قالَ: {الْيَوْمَ} لأنَّ في سائر الأيامِ يوجدُ عاصمٌ من أمرِ الله على ما نطَقَ بهِ قولُه تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] والمرادُ من {أَمْرِ اللَّهِ} : الآفاتُ الواقعةُ على خلاف العادةِ.

{إِلَّا مَنْ رَحِمَ} أي: إلا الله

(1)

الذي قد رحمَنا بما آمننا من الغرقِ، وفي العدولِ من الضميرِ إلى الموصولِ زيادةُ تفخيمٍ وتحقيقٍ لرحمته، وأن رحمته هي المُعتَصمُ لا الجبلُ.

وقيلَ: {لَا عَاصِمَ} بمعنى: لا ذا عصمةٍ إلا مَن رحمَ اللهُ

(2)

.

{وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ} : بينَ نوحٍ عليه السلام وابنِه، لا بينَ ابنه والجبلِ؛ لمكان التفريعِ في قولِه:{فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} إذ لا دخلَ للحيلولةِ بينَهُ وبينَ الجبلِ في صيرورَته من المهلكينَ بالماءِ، لما مرَّ أنه ليسَ بعاصمٍ.

* * *

(44) - {وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .

{وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي} : البلعُ: الازدرادُ، والمرادُ بهِ: نشفُ الماءِ على طريقةِ الاستعارة، لا غورُ الماء في الأرضِ؛ لأن فعلَ الأرض هو النشفُ دون الغَورِ، فإنه فعلُ الماء بطبعِهِ.

(1)

في (ف): "إلا الله أي آلاء الله".

(2)

في (ك): "رحمه الله"، وفي هامش (ف):"رد لصاحب المفتاح".

ص: 160

والإقلاع: إذهابُ الشيءِ من أصلِه حتى لا يبقى له أثرٌ، يقالُ: أقلعتِ السماءُ، إذا ذهبَ مطرُها حتى لا يبقى شيءٌ منها.

شُبِّهت السماءُ والأرضُ في سرعةِ انقيادِهما لأمرِ ربِّهما وانفعاِلهما بفعلِه فيهما بلا توقُّفٍ، وقبولِ ما يريدُ منهما مع تعلُّقِ الإرادةِ بهِ

(1)

من غير امتناعٍ، بالمأمورِ المطيع للآمرِ المطاع القادرِ على ما شاءَ، الذي إذا أُمِرَ سارعَ إلى الامتثال من غير ريبٍ، وبادرَ إلى الطاعة بلا لَبثٍ؛ خشيةً وهيبةً من عظمتِهِ وجلالِهِ، فنوديتا بما يُنادى به العاقلُ المميَز المطلوبُ إقبالُه، وأُمِرتا بما يؤمَرُ به المدرِكُ المتفطِّنُ لما أُمِرَ به، تنبيهًا على كمالِ قُدرته، ونفاذِ أمرِه ومشيئته في الكلِّ.

{وَغِيضَ الْمَاءُ} مِن غاضَهُ: إذا نقصَهُ.

{وَقُضِيَ الْأَمْرُ} : وأنجِزَ ما وُعِدَ من إهلاك الكافرين وإنجاءِ المؤمنين.

{وَاسْتَوَتْ} استقرَّت السفينَةُ {عَلَى الْجُودِيِّ} جبلٌ بالموصلِ.

{وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} هلاكًا لهم، يقالُ: بَعُدَ بعدًا: إذا صارَ بعيدًا بحيثُ لا يُرجَى عودُه، ثم استُعيرَ للهلاكِ، وخُصَّ بدعاءِ السوء.

وإيرادُ الإخبارِ على الفعل المبنيِّ للمفعولِ للدلالةِ على عظمةِ الفاعلِ، وجلالَةِ قدرِه، وعلوِّ شأنِهِ

(2)

، وأنَّه لا يمكنُ أن تكون تلكَ الأفعالُ والآثارُ إلا لله الواحدِ القهَّار، القادرِ على ما يشاءُ ويختار، وأنَّه متعيِّنٌ عند العقلِ بدليلٍ أبينَ من اللفظِ، إذ يستحيل أن يشارِكَهُ

(3)

فيها غيرُه، ولا يذهب الوهمُ إلى أن يقولَ غيرُه: {يَاأَرْضُ ابْلَعِي

(1)

"به "سقط من (ك).

(2)

في هامش (ف) و (م): "بخلاف الإخبار عن النداء لأن فيه خصوصية زائدة على مطلق الخطاب المستفاد من قال، منه".

(3)

في (ك): "يشارك".

ص: 161

مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي}، ولا أن يقضِيَ ذلك الأمرَ العظيم الهائلَ سواهُ، ولا أن تستقِرَّ السفينة بعد اضطرابها إلا بأمرِه وتقديرِه، ولا أن يهلكَ الظلمةُ ذلك الهلاكَ الفظيعَ إلا بقهرِه وتدميرِه.

وقد جمعتِ الآية من فخامةِ المعنى، وجزالةِ اللفظِ، وحسنِ النظمِ، ورصافةِ التركيبِ، ووضوحِ الدلالةِ على كُنْهِ الحال، معَ الإيجاز الخالي من الإخلال

(1)

، ما تاهتِ الأفهامُ في مجازيه

(2)

، واستقلَّتِ الألبابُ من كثرةِ النكاتِ ولطائفِ المعاني التي تحويه، بدائعُ الطباقِ والجناسِ التي فيه؛ لأنها وإن كانت تحسِّنُ ظاهرَ الكلام، وتزيِّنُ ديباجةَ النظام، لكنها بالنسبةِ إلى اللطائفِ المعنوية كالقشرِ من اللُّباب، وكالدُّرْدِيِّ من صَفْو الشرابِ.

* * *

(45) - {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} .

{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ} أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله:

{فَقَالَ} على تقديرِ الإرادةِ، فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خِلْوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها.

{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} الذي وعدتَني أنجاءَهم بالركوبِ في السفينةِ، هذا الوعدُ غيرُ مذكورٍ في القرآن صريحًا، بل يُفهَمُ من الأمرِ بحملِهم في السفينةِ.

{وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} : وإن كلَّ وعدٌ تعِدُه لا يَتطرَّقُ إليه الخُلفُ.

(1)

في (ف) و (م): "الضلال".

(2)

في (ك) و (م): "مجاريه".

ص: 162

{وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} لأنك أعلمُهم وأعدلُهم، فلا يشوبُ حكمَكَ ذلك دَخَلٌ

(1)

فترجعَ، وهذا ابني قد حُرِمَ عن الركوبِ في السفينةِ، وعرِّفني السبب فيه حتى أكونَ على علمٍ فيسكُنَ قلبي، ومبنى هذا على زعمِهِ

(2)

أن ابنَهُ ليس بكافرٍ؛ لِمَا أنه كانَ يُنافِقُه على ما تقدَّمَ بيانُه.

وهذا النداءُ منهُ عليه السلام وإن كانَ بعد مكالمتِه مع ابنِه، لكنَّ قولَه: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ

} إلخ لا يدلُّ على كفرِه؛ لجوازِ أن يكونَ قد ظن أن الصعودَ على الجبل الشامخِ يجري مجرى ركوبِ السفينةِ، وأنَّه يصونُه عن الغرَقِ، وبعد إخبارِ أبيهِ أنه لا عاصِمَ اليوم من أمرِ اللهِ حالَ الموجُ بينه وبين ابنه فلم يبقَ له مجالُ الركوبِ.

وإنما قلنا: إنه بعد المكالمةِ؛ لأنَّه لو كان قبلَه لمَا ساغَ له عليه السلام أن يقولَ: {يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} إذ حينئذٍ يكون معلومًا له عليه السلام أنه من الذينَ نهِيَ عن حملِهم في السفينةِ.

* * *

(1)

في (ف) و (م): "حكمك ذلك ولا خلل".

(2)

قوله: "على زعمه"، فيه نظر، فلا يليق إطلاق الزعم في حق الأنبياء، فإن فيه شبهة الذم، حيث لم يرد في القرآن إلا بهذا المعنى، حتى إن المؤلف نفسه قد جعله كالعلَم في الباطل عند تفسير قوله تعالى:{ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الاْنعام: 22]، وإن كان في غير القرآن قد يأتي بمعنى القول، لكنه ليس مبررا لإطلاقه في حق الأنبياء عليهم السلام. وانظر كلامنا على هذه المسألة عند تفسير الآية المذكورة. ولو قال: حسب ظنه، أو نحوه لكان أولى. هذا إن كان هذا الظن موجودًا أصلا، فإن حال ابنه أو غيره لا يمكن أن يخفى عليه عليه السلام، وهو النبي المتصف بكمال الفطنة والمؤيد بالوحي، وخصوصًا مع طول المدة التي لبثها في قومه.

ص: 163

(46){قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} .

{قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} لانقطاعِ الولاية بين المؤمنينَ والكافرينَ، وأشارَ إليه بقولِه:

{إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} فإنه تعليلٌ لنفي كونِه من أهلِه.

وأبدلَ (فاسدٌ) بـ {غَيْرُ صَالِحٍ} تصريحًا بالمنافاةِ بين وصفَيهِما، الموجبةِ لانتفاءِ القرابةِ بينَهُما، ونفيًا لِمَا أوجبَ النجاة لمن نجا من أهلِه، وإيماءً إلى أن مَن نجا من أهلِه إنما نجا بالصلاحِ لا بقرابتِه.

وجَعَل ذاتَه نفسَ العمل للمبالغة في ذمه، وأصله: ذو عملٍ فاسدٍ، فحذف (ذو)

(1)

.

وقرئ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}

(2)

أيْ عمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ.

{فَلَا تَسْأَلْنِ} قرئ بكسر النون من غير ياءٍ

(3)

، وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء

(4)

.

{مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ؛ أي: لا تطلُب مني ما لا تعلَمُ أصواب هو أم ليسَ بصوابٍ حتى يتبيَّن لك وجهُ كونه صوابًا.

(1)

قوله: "وجعل ذاته .. " إلى هنا من (م)، لكنه وقع فيها قبل قوله:{فَلَا تَسْأَلْنِ} وحقه الكون هنا.

(2)

قراءة الكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 125).

(3)

في النسخ: "قرئ بتشديد النون .. "، والمثبت من "الكشاف"(2/ 399)، والكلام منه، وهو الصواب؛ لأن الذي في النسخ فيه إشكال التكرار مع الجملة الآتية. وانظر التعليق الآتي.

(4)

قرأ نافع وابن عامر بفتح اللَّام وكسر النُّون وتشديدها، وابن كثير كذلك إلا أنه بفتح النون، والباقونَ بإسكان اللَّام وكسر النُّون وتخفيفها، وكلها بغير ياء. انظر:"التيسير"(ص: 125). أما القراءة بإثبات الياء بعد النون المشددة المكسورة فنسبت لأبي جعفر وشيبة وزيد بن علي. انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 177)، و"البحر المحيط"(12/ 274).

ص: 164

وإنما نهاه عن ذلكَ ليضمنَ كلامَهُ بتذكيرِ الوعد بنجاةِ أهله استجارةً في حقِّ ولدِه، وهذا لأنَّه عليه السلام لم يكُن حينئذٍ عالمًا بهلاك ابنِه، ولا دلالةَ على هلاكِه في حيلولةِ الموج بينهُما، وأما ظاهرُ كلامِه عليه السلام، وهو سؤال استفسارٍ عن المانعِ لكونه محمولاً في السفينةِ معَ كونه من أهلِه الذين وردَ البِشارةُ في حقِّهم بذلكَ، فلا يُناسبُه النهيُ عنه خصوصًا معَ التقييدِ بقولِه:{مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} فإنه باعثٌ للاستفسارِ دون الانتهاءِ عنه.

{إِنِّي أَعِظُكَ} الوعظُ: الزجرُ عن القبيحِ بما يدعو إلى

(1)

الجهلِ على وجهِ الترغيب والترهيب.

{أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} إنما سمَّاهُ جهلًا ونهاه عنه؛ لأنَّه لمَّا استثنى عندَ الموعد بقولِه: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} فقد نبَّهه أنَّ من أهلِكَ مَن يهلِكُ، فكان الواجبُ عليه أن يوطِّنَ نفسه على أن مِن أهلِه من يستوجِبُ العذابَ، وقد دلَّ ظاهرُ حال ابنِه أنه منهم؛ فلا رخصَة في حقِّه بسؤالِ الاستنجاز لتبيُّنَ

(2)

حاله، فعوتبَ على ذلك.

وأما سؤالُ الاستفسار وإن كان ينتظِمه أيضًا هذا القول

(3)

، لكن القيدَ المقدَّمَ ذكرُه لا يتحمَّله على ما نبهتُ عليهِ آنفًا.

وأما ما قيلَ: إنَّ استثناءَ مَن

(4)

سبقَ عليه القولُ من أهله قد دلَّه على الحالِ، واستغناه عن السؤالِ، لكنْ شغلَهُ حبُّ الولدِ عنه حتى اشتبَه عليه

(1)

في (ك): "لما يزال" بدل: "بما يدعو إلى".

(2)

في (م): "قبل أن تبين".

(3)

"القول" من (م).

(4)

في (ك): "الاستثناء ممن".

ص: 165

الأمرُ، فمبناهُ على أن يكونَ الاستثناءُ المذكورُ من لفظِ أهله، وقد عرفتَ ما فيه من الإشكالِ؛ فإنه بعدَ علمِه عليه السلام أن ابنَه مستثنًى من الذينَ أُمِرَ بحملِهم في السفينة يكون قولُه:{يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} عصيانًا، والاعتذارُ بما ذُكر لا يجدي نفعًا.

* * *

(47) - {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} العياذُ: الاعتصامُ بما يمنَعُ من الشرِّ.

{أَنْ أَسْأَلَكَ} ؛ أي: أطلُبَ منك {مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} : بحالِه

(1)

؛ لاحتمال الخطأ، وهذا توبةٌ منه عليه السلام عن أن يعودَ إلى مثلِه في المستقبلِ تأدُّبًا بتأديبِ اللهِ تعالى.

{وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي} ما فرَطَ مني {وَتَرْحَمْنِي} بالتفضُّلِ عليَّ بقَبول توبتي {أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أعمالًا.

طلبُ المغفرة والرحمة بهذهِ الطريقة الكنائية أبلَغُ وآكدُ من قولِه: اللهمَّ اغفِر لي وارحمني؛ لما فيه من قطعِ الرجاء مِن غيره تعالى، وإخبارِ أنهُ لا يملِكُ أحدٌ ذلكَ غيرُه، بخلافِ ما صرَّحَ فيهِ بالطلبِ.

* * *

(48) - {قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

(1)

في هامش (ف): "من قال: لا علم لي بصحته، لم يحسن؛ لأنَّه ينتظِم ما له علم بفساده، منه ".

ص: 166

{قِيلَ يَانُوحُ} ؛ أي: انزِل من الجبَلِ إلى قرارِ الأرضِ، فالهبوطُ نزولٌ من أعلى مكانٍ إلى ما

(1)

دونَهُ.

{بِسَلَامٍ مِنَّا} ؛ أي: تحيةٍ؛ كما قالَ: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات: 79].

وقيلَ: أي: سلامةٍ من الآفاتِ.

{وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} جمعُ بركةٍ وهو ثبوتُ الخيرِ بتمامِه؛ وهي في حقِّهِ عليه السلام بتكثيرِ ذُرِّيته وأتباعِه وسائرِ المنافعِ.

لما كانَ الطوفانُ عامًّا، فعندَما خرجَ نوحٌ عليه السلام من السفينةِ علِمَ أنه ليسَ في الأرض ما يُنتفَعُ به من النباتِ والحيوانِ، فكان كالخائفِ في أنهُ كيفَ يعيشُ، وكيفَ يدفَعُ جميعَ الحاجاتِ عن نفسِه من المأكولِ والمشروبِ، فأزالَ اللهُ تعالى ذلك الخوفَ عنهُ بالبشارةِ بحصولِ السلامةِ عن العاهاتِ

(2)

، وسعةِ الرزقِ والمهماتِ.

{وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} (من) لابتداءِ الغاية؛ أي: أممٍ ناشئةٍ ممن معكَ في السفينةِ إلى آخر الدهرِ، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ، ويُرادَ الأممُ الذين كانوا معَهُ في السفينةِ؛ لأنهم كانوا جماعاتٍ، أو

(3)

لأن الأممَ تتشعَّبُ منه.

{وَأُمَمٌ} مبتدأ {سَنُمَتِّعُهُمْ} صفةٌ لهُ، والخبر المحذوفُ دلَّ عليهِ {مِمَّنْ مَعَكَ}؛ أي: وممَّن معكَ أممٌ سنمتِّعُهم، ولما خصَّ أممًا ناشئةً ممن معهُ بالسلامِ

(1)

"ما": ليست في (م).

(2)

في (ك): "البلاغة عن الآفات".

(3)

في (ك): "و".

ص: 167

والبركاتِ وهم المؤمنونَ، أشارَ إلى أنَّ مِنهم أممًا ممتَّعين

(1)

في الدُّنيا، معذَّبين في الآخرةِ، وهم الكافرونَ.

وقيلَ: هم قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشُعيبٍ عليهم السلام، والعذابُ المذكور في قوله:

{ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ما نزلَ بهم.

* * *

(49) - {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} .

{تِلْكَ} إشارةٌ إلى قصةِ نوحٍ عليه السلام، ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ وخبرُه:{مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} ؛ أي: بعضُها.

{نُوحِيهَا إِلَيْكَ} خبرٌ ثانٍ، والضميرُ لها؛ أي: موحاةٌ إليك

(2)

، أو حالٌ من الأنباءِ، أو هو الخبرُ، و {مِنْ أَنْبَاءِ} متعلق بهِ، أو حالٌ من الهاء.

{مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ} خبر آخرُ؛ أي: مجهولة عندَك وعندَ قومِكَ {مِنْ قَبْلِ هَذَا} : مِن قبل إيحائنا إليكَ، أو حالٌ من الهاءِ في {نُوحِيهَا} ، أو الكافِ في {إِلَيْكَ}؛ أي: جاهلًا أنتَ وقومُكَ بها.

والفائدة في قوله: {وَلَا قَوْمُكَ} : أن قومَك مع كثرتهم ليسوا عن علم القصصِ والأخبارِ، وأنت أحدُهم فلم يمكِن تعلُّمك منهُم، ولم تخالِط غيرَهم فما علمتَ إلا بالوحي.

(1)

في (م): "متمتعين".

(2)

"إليك" ليست في (ك).

ص: 168

{فَاصْبِرْ} على أداءِ الرسالة وأذى قومِكَ كما صبرَ نوحٌ عليه السلام، وتوقَّع في العاقبةِ لك ولمَن تبعِكَ ما قيّضَ له ولقومِه.

{إِنَّ الْعَاقِبَةَ} بالظفَرِ في الدُّنيا والفوزِ في الآخرةِ {لِلْمُتَّقِينَ} عن الكُفرِ والمعاصي.

* * *

(50) - {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} .

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ} : واحدًا منهم، عطفٌ على {نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} .

{هُودًا} عطفُ بيانٍ.

{قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} ؛ أي: لا تعبدُوا غيرَهُ، دلَّ عليهِ تعقيبُهُ بقولِه:

{مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وذلك يدلُّ على أن المقصودَ من هذا منعُهم عن عبادة الأصنامِ، و {غَيْرُهُ} صفةٌ لـ {إِلَهٍ} ، قرئَ بالرفع حملًا على محلِّهِ وبالجرِّ على لفظِه

(1)

.

{إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} على اللهِ تعالى في قولِكُم: إنه أمرَ بعبادة الأصنامِ.

وأما ما قيلَ: باتخاذ الأوثانِ شركاءَ وجعلِها شفعاءَ، فمبناه عدمُ الفرقِ بين الكذب والافتراءِ.

* * *

(51) - {يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

(1)

قراءة الجر للكسائي، وقرأ الباقون بالرفع، انظر:"التيسير"(ص: 110).

ص: 169

{يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} : ما

(1)

من رسولٍ إلا خاطَبَ قومَه بهذا القولِ، إزاحةً

(2)

للتهمةِ، وتمحِيضًا للنصيحةِ" فإنها ما دامَت مشوبةً بالمطامعِ لا تنجَعُ.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} فتميِّزون بين الحقِّ والباطلِ، وتعلمونَ أن مَن لا غرَضَ له في النصيحةِ لا تُردُّ نصيحَتُه.

* * *

(52) - {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} .

{وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} إنما قدَّمَ الاستغفار على التوبةِ لأنَّه طلبُ

(3)

المغفرةِ التي هي

(4)

الغرضُ، ثم بيَّنَ ما به يُتوصَّلُ إليها من التوبةِ، فعبارةُ {ثُمَّ} هاهنا كالتي في قوله:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6].

{يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} المدرارُ: كثيرُ الدَّرِّ

(5)

والمرادُ من السماءِ المطرُ.

{وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} : ويضاعِف قوَّتَكم، وإنما رغَّبَهم بذلك لأنهم

(1)

في (ف) و (م): "فما".

(2)

في (ف): "إزالة".

(3)

في (ك): "لأنَّه من".

(4)

في (ك) و (م): "هو".

(5)

في (م): "الدرور".

ص: 170

كانوا أصحابَ زروعٍ وعماراتٍ، قيلَ: حُبِسَ عنهم القطرُ وعقمَت نساؤهم ثلاثَ سنين، فالمرادُ بالقوةِ كثرة الأولادِ.

{وَلَا تَتَوَلَّوْا} ولا تعرِضُوا عما أدعوكم إليه {مُجْرِمِينَ} مصرِّين على إجرامِكُم.

* * *

(53) - {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} .

{قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} : بحجةٍ تدلُّ على صحةِ دعواكَ، قالوا ذلك عِنادًا وجحودًا

(1)

معَ كثرةِ مُعجزاتهِ؛ كقولِ قريشٍ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [يونس: 20] معَ فوتِ آياتهِ الحصر.

{وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} حال من الضميرِ في (تاركي)؛ أي: صادرين عن قولك. الجملةُ الاسمية، وسبكُ اسمِ الفاعلِ من (ترك)، وزيادةُ الباء في الخبرِ في قولهم:{وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: ما يصحُّ من أمثالنا مع وفورِ العقل والكياسةِ أن يُصدِّقوا مثلكَ= إقناطٌ له عليه السلام من الإجابةِ والتصديقِ على وجه المبالغةِ والتأكيدِ.

* * *

(54) - {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} .

{إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ} {اعْتَرَاكَ} مقولُ القولِ، و {إِلَّا} لغو؛ لأن الاستثناء

(1)

في (ف) و (م): "أو جحودًا".

ص: 171

مفرغٌ، أي: ما نقولُ إلا قولَنا: اعتراك، هو من اعتراهُ؛ أي: قصدَ عُراه، وهو الفضاءُ والساحة، والمراد الإصابةُ بطريق الكناية.

{بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} : بجنونٍ، بسبِّك إياها وصدِّكَ عنها، ومن ذلك تهذي وتتكلم بالخرافاتِ، والقومُ كانوا جفاةً ثابتين

(1)

.

{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (ما) مصدريةٌ أو موصولةٌ، وإشهاده تعالى كلامٌ جارٍ على أصله جيءَ ليؤكِّدَ به ما ذكرَه من البراءة عن شركِهم وشركائهم، وأما إشهاده إياهُم على البراءةِ فلا؛ إذ لا يقولُ أحدٌ لمن يعاديه: أشهِدُك أني منك بريءٌ، إلا وهو يريدُ عدم المبالاةِ والاستهانةَ بعداوته، وإذا كان كذلك لزِمَ التخالف بين الصيغتين

(2)

: خبرًا ثانيًا

(3)

إبانةً، وطلبًا جازمًا استهانةً.

* * *

(55) - {مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} .

{مِنْ دُونِهِ} أي: أنتم تجعلونها شركاءَ، ولم يجعلها هو شركاءه، ولم ينزِّل بذلك سلطانًا.

لمَّا واجهوه بكلمتهم الحمقاء، وبَهَتوه بتخييلِ الآلهة، وسمَّوا التوحيدَ الذي دعاهم إليهِ والإرشادَ الذي نصحَهم به خبتاً وخبطاً، ولم يعتدُّوا ببيناتٍ، وخوَّفُوه من آلهتهم، وآيسوه من الإيمان بما جاء بهِ - أجابَهم بالبراءة عن آلهتهم، وقابلَهم بعدم المبالاة بهمِ وآلهَتِهم ثقةً باللهِ، وأكَّدَ البراءة ووثَّقها بشهادة اللهِ، وبشهادة العبادِ

(1)

في (ك): "كانوا صائين". وعبارة "الكشاف"(2/ 403): (كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد).

(2)

في (ف): "الصفتين"، وفي (م):"الصنفين".

(3)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:"ثابتًا".

ص: 172

على مجرى العادةِ، وبالغ في ذلكَ أن قالَ:{إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ} ، وخالف بين إشهادِ الله وإشهادِهم بأن بتَّ في الأولِ، وأكَّدَ إخباره تثبيتاً

(1)

للتوحيدِ، وإحكاماً لمعاقدِه، وعدلَ عن الخبر إلى الأمرِ في الثاني قلَّةَ مبالاةٍ بهم وبدينِهم وآلهتهم، واستهانةً بما زعموا واعتقدوا من عقوبتِهم؛ ثقة باللهِ، وقوةَ اعتمادٍ عليهِ وصحةَ توكُّلٍ، وزاد على ذلك أن أمرَهم بالاجتماعِ على الكيد في إهلاكِه والاجتهاد

(2)

فيهِ، وعدم الإنظار والتوقُّف بقولِه:

{فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} كقول نوحٍ عليه السلام: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] وذلك من أعظمِ المعجزاتِ، فإنه كان رجلاً واحداً بين الجمِّ الغفيرِ، والعدوِّ الوتير

(3)

من الأقوياءِ الغلاظ الشدادِ، وخاطبهم بما يخاطِبُ، وحقَّرهم وآلهتَهم بما حقَّرَ، وشجعهم على نفسِه، فلم يقدروا على إضرِاره، ولم يَجسُروا على بطشه، وما ذاك إلا بعصمةِ الله تعالى إيَّاهُ وحُسنِ كلاءَته، ولذلك عقَّبه بقولِه:

(56) - {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} تقريراً له؛ أي: إنكم إن اجتمعتُم وتعاونتُم أنتم وآلهتكم عليَّ، وبذلتم وسعَكم في قصدي بالسوءِ، لم تضرُّوني، ولم تقدروا على إهلاكي، فإني توكَّلت على اللهِ مالكِي ومالكِكم، لم يمكِنكُم إصابتي بما لم يُرِدهُ، ثم برهَن على ذلكَ بقولِه:

(1)

في (م): "تثبتا".

(2)

في (ف) و (م): "والإحساد".

(3)

في (ف): "الوقير".

ص: 173

{مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} ؛ أي: إلا هو مالكُها ومصرِّفُها على مُقتضَى مشيئتِه، وهي في قبضتِه ومِلْكته

(1)

وتحتَ قهره وسلطنتِه، والأخذُ بالنواصي تمثيلٌ لذلك، حتى صار الأخذُ بالناصية عُرفاً في القدرة على التصرفِ، وكانت العرب تجزُّ ناصيةَ الأسير الممنونِ عليه علامةَ أنه قد قُدِرَ عليه، وقُبضَ على

(2)

ناصيَته.

{إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} على طريق الحقِّ والعدلِ في ربوبيته، لا يسلِّطُ على مَن توكل عليهِ ظالماً، ولا يَضيعُ عندَه معتصِمٌ بهِ، ولا يَغلبُ أحدٌ أحداً إلا بإذنه.

وفي قولِه: {إِنَّ رَبِّي} من غيرِ إعادة (ربكم) - كما في الأول - نكتةٌ سَرِيةٌ بعد الاختصارِ المُغْني عن الحشوِ فيه، ما يدلُّ على زيادة اختصاصهِ به

(3)

، وأنَّه ربُّ الكلِّ استحقاقاً، وربُّه دونَهم تشريفاً.

* * *

(57) - {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} .

{فَإِنْ تَوَلَّوْا} ؛ أي: فإن تتولَّوا، وجوابُ الشرطِ ماضٍ صريحٌ، فلذلكَ جاءَ بالفاءِ و (قد).

{فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} ؛ أي: فإن تُعرِضوا والحجةُ عليكُم لم أعاتَب، فإني ما فرَّطتُ في الإبلاغِ، وأداءِ ما أُرسِلت به إليكُم، وأنتم ما أردتُم إلا تكذيبَ الرسالةِ، ومكافأةَ الرسولِ بالعداوةِ.

(1)

في (ك) و (م): "وملكيته".

(2)

"على" من (ك).

(3)

"به" من (م).

ص: 174

{وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} كلامٌ مستأنفٌ بالوعيدِ لهم، أي: ويهلِكُكم ويأتي بقومٍ آخرينَ يخلفُكم في ديارِكم وأموالِكم.

{تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} من الضررِ بتولِّيكم؛ لاستحالةِ ذلك عليهِ.

وقرئ: (ويَسْتخلِفْ) بالجزم

(1)

، وكذلكِ:(ولا تَضرُّوه) بحذف النون

(2)

عطفاً على محلِّ: {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ} ؛ أي: إنْ تتولوا يَعْذَرْني ويستخلفْ قوماً غيرَكم ولا تضرُّوا إلا أنفُسَكم.

{إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} : رقيبٌ مهيمنٌ يحفَظُ أعمالكُم ويؤاخِذُكم بها، أو: حافظ على الأشياء كلِّها، والكل محتاجٌ إلى حفظه من الضررِ، ومَن كان كذلكَ لا يمكنُ أن يضرَّهُ شيءٌ.

* * *

(58) - {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} .

{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} في التعبيرِ بمجيء الأمرِ عن نزول عذابِ الاستئصال على عادٍ ما لا يخفى من الدلالة على العظمةِ والجلال في جانب الأمرِ، وسرعةِ الامتثالِ في جانبِ المأمور.

{نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} قيل: كانوا أربعةَ آلافٍ.

{بِرَحْمَةٍ مِنَّا} : من شؤمِ معاصي العاصينَ، فإنه

(3)

لو لم تدرِكهم الرحمةُ من

(1)

نسبت لحفص من رواية هبيرة، انظر:"المحرر الوجيز"(3/ 182).

(2)

نسبت لابن مسعود، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60).

(3)

"فإنه" سقط من (ك).

ص: 175

الرحمنِ لَمَا نجَوا من العذابِ النازلِ، على ما دلَّ عليهِ قوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25].

{وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} الغلظُ كنايةٌ عن الشدةِ.

والتنكيرُ في {عَذَابٍ} و (رحمةٍ) للتعظيمِ، أخبرَ أولاً بأن الإيمان الذي وفِّقوا له صارَ سببَ إنجائهم، ثم أخبرَ بأن ذلك الإنجاءَ كان من عذابٍ أيِّ عذابٍ؛ دلالةً على كمال الامتنانِ، وتحريضاً على الإيمانِ.

أو هما متغايران: فالأولُ إنجاء الدُّنيا، والثاني إنجاءُ الآخرةِ.

والأولُ أوفقُ لمقتضى المقامِ، وعلى الوجهِ الأول أيضاً لا تكريرَ، ومَن غفَلَ عن هذا قالَ: تكرير لبيانِ ما نجَّاهم عنهُ.

* * *

(59) - {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} .

{وَتِلْكَ عَادٌ} الإشارةُ إلى مصارعِهم وآثارهم؛ حثًّا على الاعتبارِ بهم، وإحضاراً لهم كأنهم مشاهَدُون بما يعايَن من الآثارِ، وفي الإتيان باسم الإشارةِ وبما يدل على البعدِ تهويلٌ وتفخيمٌ لما نزلَ بهم، لا تعظيمٌ لشأنهم أو تحقيرٌ.

{جَحَدُوا بِآيَاتِ} استئنافٌ لبيان الوصفِ الذي استوجَبوا به العذابَ، وإنما قال:

{وَعَصَوْا رُسُلَهُ} ولم يرسِل إليهم غيرَ هودٍ عليه السلام؛ لأن الأنبياءَ كلَّهم دعوا إلى التوحيدِ والإسلام متوافقين، وصدَّقَ بعضهم بعضاً، فإذا عصوا واحداً منهم فقد عصَوا كلَّهم.

ص: 176

{وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} ؛ أي: رؤسائهم وكبرائهم الطاغينَ، و {عَنِيدٍ} من عَنَدَ عَنداً وعُنوداً: إذا طغى، واتِّباعُ أمرِهم: طاعتُهم؛ أي: عصَوا مَن دعاهم إلى الإيمانِ وما ينجِيهم، وأطاعوا مَن دعاهم إلى الكُفر وما يُرديهم.

* * *

(60) - {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} .

{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} : لما اتَّبعُوا الجبابرة الطغاةَ جُعِلت اللعنةُ تابعةً لهم في الدارينِ تَكبُّهم

(1)

على وجوههم في عذاب اللهِ.

{أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ} : جحدوه، أو: كفروا نعمهُ، أو: كفروا به، وإنما عدِّي بالذات حملاً لهُ على نقيضِه

(2)

.

{أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ} : دعاءٌ عليهِم بالهلاك، والمراد به الدلالةُ على أنهم كانوا مستَوجِبين لِمَا نزلَ عليهِم بسبب ما حكَى عنهم، وتكريرُ حرف التنبيهِ مع اسمِهم في الموضعَين، وإيرادُ حرف التحقيقِ معَ وصفِهم الموجِب للهلاكِ والعذاب، تهويلٌ وتفظيع لأمرِهم، وحثٌّ على الحذر من مثلِ حالهِم، والاعتبارِ بهم، وإيماءٌ إلى أنهم في اليقينِ والاستحقاق لِمَا نزل بهم بسببِ كفرِهم كالعلَم حتى صاروا مَثلاً مشهوراً.

{قَوْمِ هُودٍ} عطفُ بيانٍ لـ (عادٍ)، وفائدَتُه: التمييزُ بينهُم وبين عاب الثانيةِ، وإيماءٌ إلى أن استئصالهم بغايةِ البعد بالهلاكِ بسبب ما جرى بينَهم وبين هودٍ عليه السلام.

(1)

في (ف) و (م): "بكبهم".

(2)

أي: عدي بنفسه دون حرف الجر حملاً على نقيضه الذي هو الشكر المتعدي بنفسه.

ص: 177

(61) - {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} .

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} قد مرَّ تفسيرُه.

{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} ؛ أي: لم ينشِئكم منها إلا هو، وذلك الإنشاءُ بخلق آدمَ عليه السلام، أو بخلقِ موادِّ النُّطَفِ التي خُلِقوا منها من التراب.

{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} : وعمَّركم فيها واستبقاكم من العمرِ، أو: أقدَركم على عِمارتها

(1)

وأمركَم بها، وقيلَ: هو من العُمرى بمعنى: أعمرَكم فيها، ويرِثُها منكم بعد انصرامِ أعماركم.

أو: جعلكُم معمِّرين دياركم تسكنُونها مدةَ عُمرِكم، ثم تتركُونها لغيركم.

{فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} قد مرَّ تفسيره، فالفاءُ فصيحةٌ عاطفةٌ على مقدَّرٍ معناه: وقابلتُم العصيان بالإحسان.

{إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ} ؛ أي: إلى الرحمةِ {مُجِيبٌ} لداعيهِ؛ استئنافٌ للترغيبِ في الامتثال بما أمرَ بهِ.

* * *

(62) - {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} .

{قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا} : فيما بيننا {مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} ؛ أي: كنا نشاهِدُ منك مخائل الرشدِ، وأماراتِ الصلاحِ، فرجونا أن تكون فينا سيداً ومُستشاراً،

(1)

في هامش (ف): "العمارة".

ص: 178

ومُرشِداً

(1)

ومُسترشَداً في التدابيرِ، أو مقدَّماً في ديننا، فلما تكلَّمت بهذا القول انقطعَ رجاؤنا عنك.

{أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} حكايةُ حالٍ ماضية.

{وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} من التوحيدِ والتبرُّؤ من الأوثانِ.

{مُرِيبٍ} : اسم فاعلٍ من متعدٍّ، يقالُ: أرابَهُ: إذا أوقعَهُ في ريبةٍ وهي قلقُ النفسِ وانتفاءُ الطمأنينةِ، أو من لازمٍ؛ يقالُ: أراب الرجلُ: إذا كان ذا ريبةٍ، والإسناد إلى الشكِّ مجازيٌّ على كلا الوجهَين

(2)

.

* * *

(63) - {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} .

{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ} : أتى بحرف الشكِّ باعتبارِ المخاطَبين الجاحدين؛ أي: قدِّروا أني على برهانٍ {مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} : نبوةً {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ} : فمن يمنعُني من عذاب اللهِ، والعدولُ من الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للتفخيمِ.

{إِنْ عَصَيْتُهُ} : في تبليغِ الرسالة والمنعِ من الإشراك بهِ على هذا التقديرِ.

{فَمَا تَزِيدُونَنِي} إذاً باستتباعِكُم إيايَ {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} : غيرَ أن تخسِّروني

(3)

(1)

"ومرشداً" سقط من (ك).

(2)

في هامش (ف): "نص على ذلك الكشاف في تفسير سورة سبأ، والظاهر من كلام القاضي خلافه، منه".

(3)

في النسخ: "تخسرون"، والصواب المثبت، ومعناه: تجعلوني خاسراً. انظر: "روح المعاني"(11/ 527).

ص: 179

بإبطالِ أعمالي، والتعرُّض لعذابِه، أو: فما تزيدُونني بما تقولون لي غيرَ أن أُخسِّركم فأَنسُبكم إلى الخُسرانِ.

* * *

(64) - {وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} .

{وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ} الإضافة للتعظيم.

{لَكُمْ آيَةً} حالٌ، والعاملُ فيها ما في اسمِ الإشارة من معنى الفعلِ، {لَكُمْ} حالٌ من {آيَةً} لتقدُّمها عليها، ولو تأخَّرت عنها كانت صفةً لها.

{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} : تَرْعَ نباتها، وتشرَبْ ماءها، وإنما أضافَ الأرضَ إليه تعالى إظهاراً لوجهِ التفريعِ، يعني: أن الأرض أرضُ اللهِ والناقةَ ناقتُه، فذروها تأكُل في أرض صاحبِها.

{وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} : عاجلٌ لا يتراخى عن مسِّكم لها بالسوءِ إلا يسيراً وهو ثلاثةُ أيامٍ.

* * *

(65) - {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} .

{فَعَقَرُوهَا} العقرُ: قطع العضوِ الذي له تأثيرٌ في النفسِ.

{فَقَالَ تَمَتَّعُوا} ؛ أي: تلذَّذوا بما تريدونَ من أسباب العيشِ.

{فِي دَارِكُمْ} : في بلدِكم، تقولُ العربُ الذين

(1)

حوالي مكةَ: نحنُ من عربِ الدارِ؛ أي: من عربِ البلدِ، وقيل: في دُنياكم.

(1)

في (م): "الذين في".

ص: 180

{ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} قيلَ: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت.

{ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} ؛ أي: غيرُ مكذوبٍ فيهِ، واتُّسع في الظرف بحذفِ حرف الجرِّ وإجرائه مجرى المفعول بهِ؛ كقولِه: يومٌ مشهودٌ. أو: وعدٌ غيرُ كذبٍ، على أن المكذوبَ مصدرٌ كالمجلودِ والمعقولِ، و

(1)

كالمصدوقِ بمعنى: الصدقِ.

ويجوزُ أن يكون من بابِ الإسناد المجازيِّ، كأنهُ قيلَ للوعدِ: يوفَى بك، فإذا أُوفي بهِ فقد صُدِقَ ولم يُكْذَب.

* * *

(66) - {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} .

{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} قد مر تفسيره.

{وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} (مِن) متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: ونجيناهم من خزي، على وفق ما تقدَّمَ في قصةِ هودٍ عليه السلام، والمراد من الخزي: هلاكُهم بالذلِّ والفضيحةِ.

وقرئ: (ومن خِزيٍ) بالتنوينِ، وبنصبِ (يومَئذٍ) على الظرفِ معمولاً بـ {خِزْيِ}

(2)

.

وقرئ بالإضافة وفتح الميم

(3)

.

والتنوينُ في (إذٍ) عوضٌ من الجملةِ المحذوفة المتقدمةِ الذكرِ؛ أي: ومن فضيحةِ يومِ إذ جاءَ الأمرُ وحلَّ بهم.

(1)

"الواو" زيادة من (ك).

(2)

قرأ بها طلحة وأبان بن تغلب، انظر:"البحر المحيط"(12/ 301).

(3)

هي قراءة نافع والكسائي، وباقي السبعة بالإضافة وكسر الميم. انظر:"التيسير"(ص: 125).

ص: 181

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} : القادرُ على كل شيءٍ، الغالبُ عليهِ.

* * *

(67) - {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} .

{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} قد سبقَ تفسيرُه في سورةِ الأعراف.

* * *

(68) - {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} .

{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} ؛ أي: كأنهم لم يوجَدوا، والمَغْنَى: المقام

(1)

الذي يقيمُ به الحيُّ.

{أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ} قرئ: {ثَمُودَا} بفتح الدالِ من غير تنوينٍ، وقرئ بالتنوينِ وبخفضِ الدالِ في قوله:{أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ}

(2)

؛ أي: نسباً إلى الحيِّ، أو للأبِ الأكبر.

* * *

(69) - {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} .

{وَلَقَدْ جَاءَتْ} اللامُ لتأكيد الخبرِ، و (قد) للتوقُّعِ؛ لأن السامعَ بقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقَّعُ قصةً بعد قصةٍ.

(1)

في (ف) و (ك): "القائم".

(2)

{أَلَا إِنَّ ثَمُودَا} مَنَعَ حمزةُ وحفصٌ صَرْفَه، وصرَفه الباقون، {لِثَمُودَ} صرَفه الكسائِيُّ ومنَعه باقي السَّبعة. انظر:"التيسير"(ص: 125).

ص: 182

{رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ} ؛ أي: الملائكةُ {بِالْبُشْرَى} ؛ أي: بالبشارة بالولدِ.

وقيلَ: بهلاك قوم لوطٍ. ويأباهُ ما في الذاريات من قولِه: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] ثم بعدَه: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} [الذاريات: 31].

{قَالُوا سَلَامًا} : سلَّمنا عليك سلاماً، ويجوزُ نصبُه بما في {قَالُوا} من معنى: ذَكروا.

{قَالُوا سَلَامًا} ؛ أي: عليكم سلامٌ، أو: سلامٌ عليكم، حيَّاهُم بأحسَن من تحيَّتِهم، والتنكيرُ لدلالَتهِ على التعظيم أبلغُ من التنوينِ.

وقرئ: {سِلْمٌ}

(1)

بمعنى السلامِ؛ كحِرْمٍ وحرامٍ، وقيلَ: المرادُ به الصلحُ.

{فَمَا لَبِثَ} : فما مكثَ؛ إذ كان عندَهُ طعامٌ معدٌّ للأضيافِ كلَّ يومٍ، والفاءُ للتفريعِ على ما ظهرَ من المسالمةِ أنهم جاؤوا بالخيرِ دون الشرِّ.

{أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ} : (ما) في محلِّ الجرِّ على تقديرِ: فما لبثَ في المجيء به، أو: فما تأخَّرَ عن المجيءِ به، أو النصبِ على حذف حرف الجرِّ، أو الرفعِ على الفاعليةِ؛ أي: فما لبث مجيئُه.

والعجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل

(2)

أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه:{فَمَا لَبِثَ} من معنى العجلةِ.

{حَنِيذٍ} : والحنيذُ هو الذي يَقطُر دسمه، مِن حَنَذْتُ الفرسَ، إذا ألقيتُ عليه الجلَّ حتى يقطُرَ عَرَقاً، ويدل عليه قولُه تعالى في موضعٍ آخرَ:{بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذاريات: 26].

(1)

قراءة حمزة والكسائي، انظر:"التيسير"(ص: 125).

(2)

في (ك): "لتعجل".

ص: 183

وقيلَ: المشويُّ بالرَّضْفِ

(1)

في أخدودٍ.

وفيهِ: أن اعتبارَ قيدٍ لا يهمُّ إظهاره في المقام مما يعَدُّ هُجنةً في الكلام.

* * *

(70) - {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} .

{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ} روي أنهم كانوا يَنْكُتون بأعوادٍ

(2)

كانت في أيديهِم في اللحمِ ولا تصِلُ أيديهم إليهِ

(3)

، وعلى هذا يظهرُ وجهُ الإتيان بالفاء الفصيحةِ، والعدولِ عن: لا يمدون إليه

(4)

أيديهم.

ومن وَهَم أن المذكورَ كنايةٌ عن المتروكِ فقد وَهِمَ.

{نَكِرَهُمْ} : هذا صريحٌ في أن إنكارَه عليه السلام إياهُم كان بعدَما رأى أنهم لم يمدُّوا أيديَهم إلى الطعامِ، والظاهرُ من قولِه:{قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذاريات: 25] أنهُ كان قبلَ ذلكَ في سورة الحجر

(5)

.

(1)

حجارة تحمى ويلقى عليها اللحم لتشوى. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 114).

(2)

في (ك): "بعواج". والذي في المصادر - وستأتي -: (بقداح).

(3)

انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 188)، و"تفسير القرطبي"(11/ 161)، و"البحر"(12/ 305)، و"روح المعاني" (12/ 9). قال الآلوسي: وليس بشيء، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء، إذ هذا النَّكت أشبه شيء بالبعث، والملائكة عليهم السلام يجلون عن مثله.

(4)

"إليه" سقط من (ك).

(5)

الذي في الحجر: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الآية: 52]. ووقع في (ك): "صوره الحر".

ص: 184

والتوفيقُ: أنه نكرَهم بعينِه حينَ رآهُم، ونكرَهم بقلبِه بعدما رأى منهم أمارةَ الخلافِ، قالَ أبو العاليةِ: يُقالُ: نكرَهُ بقلبِه وأنكرَهُ بعينِه.

{وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} الإيجاسُ: الإحساسُ، وذلك لأنهم كانوا إذا نزَلَ بهم ضيفٌ ولم يأكُل من طعامِهم ظنُّوا أنه لم يجِئ بخيرٍ.

قيلَ: (أوجسَ) بمعنى: أضمَرَ

(1)

. ويردُّه قولُه تعالى في سورة الحجر: {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: 52].

وكذا يردُّ

(2)

ما قيلَ: وإنما قالوا: {لَا تَخَفْ} لأنهم رأوا أثرَ الخوفِ والتغييرِ في وجهه، أو عرَفوه بتعريفِ اللهِ، أو علِموا لأنَّ علمَه بأنهم ملائكةٌ موجبٌ للخوفِ؛ لأنهم كانوا لا ينزِلون إلا بعذابٍ، فإن مبنى هذا أيضاً الغفولُ عن أنه عليه السلام أفصَحَ عن خوفِه بأوضحِ عبارةٍ.

{قَالُوا} له عليه السلام: {لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} يعني: بالعذابِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ بقولِه:{لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} [الذاريات: 33].

قيلَ: وإنما يُقالُ هذا لمَن عرفَهم، ولم يعرِفهم فيمَ أُرسِلُوا. مبناهُ أيضاً الغفولُ عن التفصيلِ الواقعِ في سورة الحجرِ، فإن هذا القولَ منهم بعدَ البشارةِ له عليه السلام بالغلامِ، واستفسارِه بقولِه:{فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)} [الذاريات: 31].

وكذا مبنى ما قيلَ هنا: إنَّا ملائكة مرسلةٌ إليهم بالعذابِ، وإنما لم نمدَّ إليه أيدينا لأنَّا لا نأكُلُ، مبناهُ الغفولُ عما ذكر.

(1)

في هامش (ف) و (م): "عبارة "الكشاف": {فَأَوْجَسَ}: فأضمر، ولا يخفى ما فيها. منه".

(2)

في النسخ جميعاً: "يرده"، والصواب المثبت، يعني ما في سورة الحجر:{قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} يرد ما سيأتي من القيل، كما هو واضح من السياق.

ص: 185

(71) - {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} .

{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ} يعني: في الخدمةِ، وكانت بمسمَعٍ منهم لا على رؤوسِهم كما قيلَ؛ لأنَّه مردودٌ بقولِه في موضع آخرَ:{فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} [الذاريات: 29].

{فَضَحِكَتْ} سروراً بالأمنِ وبهلاك أهلِ الفسادِ.

وقيلَ: بإصابةِ رأيها؛ فإنها كانَتْ تقولُ لإبراهيمَ: اضمم إليك لوطاً؛ فإني أعلَمُ أن العذابَ نزلَ بهذا القومِ.

ويردُ عليه: أنه حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكونَ المعنى: فضحِكَت من إصابة رأيها - يخرجُ الكلام مخرج الألغازِ.

وأما ما قيلَ: إنَّ (ضحِكَت) بمعنى: حاضَت. رُدَّ بأن التعجُّبَ بعدَه يبعِدُه، إذ لا يعجَبُ من الولادةِ في زمن الحيضِ، وإدخالُه في سياقِ التعجُّبِ يأباه اللفظُ.

{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} : هذِه البشارةُ أيضاً على لسانِ الملائكة، والفاءُ للتعقيبِ؛ أي: بشَّرناها بالولدِ وبولد الولدِ عقِيبَ ما أوجبَ سرورَها، والاسمان يحتَملُ وقوعُهما في البشارةِ كيحيى، ويحتَملُ وقوعُهما في الحكايةِ

(1)

.

{وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} رفعٌ بالابتداءِ خبرُه الظرفُ؛ أي: من وراءِ إسحاقَ يعقوبُ مولودٌ، قرئ بالنصبِ

(2)

بفعلٍ دلَّ عليهِ (بشرناها)؛ أي: ووهبنا له من وراءِ إسحاق يعقوبَ.

(1)

يعني: اسم إسحاق ويعقوب يُحتمَل وقوعهما في البشارة كما في قوله تعالى: {نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم: 7] وهو الأظهر، ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية ثم سُميا بعد الولادة. انظر:"حاشية الشهاب"(5/ 116)، و"روح المعاني"(12/ 21).

(2)

قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، والباقون بالرفع. انظر:"التيسير"(ص: 125).

ص: 186

(72 - 73) - {قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} .

{قَالَتْ يَاوَيْلَتَى} : يا عجباً، وأصلُه في الشرِّ، ثم أطلِقَ في كلِّ أمرٍ فظيعٍ، والألفُ فيها مبدلَةٌ من ياء الإضافةِ، وقرئ بالياء على الأصلِ

(1)

.

{أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} ؛ أي: مسنَّةٌ، قيلَ: كانَت في تسعٍ وتسعينَ، ولم تدخُلها الهاءُ لأنها وضِعت للأنثى خاصةً.

{وَهَذَا بَعْلِي} زوجي، وأصلُه: القائم بالأمرِ.

{شَيْخًا} حالٌ، والعاملُ فيهِ معنى الإشارةِ في {وَهَذَا} ، وقرئ:(شيخٌ)

(2)

على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هذا بعلي هو شيخٌ، أو خبرُ مبتدأ لـ (هذا)، و {بَعْلِي} بدلٌ منهُ، أو خبر بعدَ خبرٍ.

{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} يعني الولَدُ من هرِمَين، وهو استبعادٌ من حيث العادةُ، وإنما أنكرَتِ الملائكةُ تعجِيبَها بقولهم:{قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} لأنها كانَت في بيتِ الآياتِ والمعجزاتِ، وخوارق العاداتِ، فكانَ حقَّها أنْ لا تنبو

(3)

بل تستقرَّ وتشكُرَ نعمةَ اللهِ تعالى وتحمدَهُ وتمجِّدَه، ولا تتعجَّب منه لاعتيادِها بأمثالها، ولهذا قالت الملائكةُ:

{رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} كلامٌ مستأنَفٌ علِّلَ به إنكارُ التعجُّبِ، كأنَّه

(1)

نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60).

(2)

نسبت للحسن والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60).

(3)

"تنبو" غير واضحة في النسخ، وجاء عند أبي السعود والآلوسي:(فكان حقها أن تتوقر). انظر: "تفسير أبي السعود"(4/ 226)، و"روح المعاني"(12/ 23).

ص: 187

قيلَ: ليسَ هذا بمكان التعجُّبِ، فإن الله خصَّكم من بين الناسِ بأمثال هذه الكراماتِ، وأكرمَكُم بها أهلَ بيت النبوةِ، ونصبُه على المدحِ أو على النداءِ لقصدِ التخصيصِ.

وقيلَ: الرحمةُ: النبوةُ، والبركاتُ: الأسباطُ من بني إسرائيلَ؛ لأن الأنبياءَ كانوا فيه كثيراً.

{إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} : فاعلٌ ما يستوجِبُ به الحمدَ.

{مَجِيدٌ} : كريمٌ يستحقُّ التمجُّدَ والثناءَ بكثرةِ الإحسان والإنعام على عبادِه.

* * *

(74) - {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} .

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} : الإفزاعُ بما أوجسَ من الخيفةِ، واطمأنَّ قلبُه بعرفانهم وعرفانِ سبب مجيئهم، والفاءُ لترتيبِ بعض ما يتعلَّقُ بإبراهيمَ عليه السلام من الكلامِ على بعضٍ، وقد تخلَّلَ بينهما ما يتعلَّقُ بامرأته، وله أيضاً مدخلٌ في ذهابِ روعِه عليه السلام.

{وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} بدلَ الروعِ.

{يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} : يجادِلُ رسلَنا في شأنهم، ومجادلتُه إيَّاهُم قولُه:{إِنَّ فِيهَا لُوطًا} وجوابُ: (لما) محذوفٌ، و {يُجَادِلُنَا} كلامٌ مستأنَفٌ، وقيلَ: دالٌّ عليهِ تقديرُه: اجترأ على خطابنا، أو: فرغ لمجادلتنا، ونحو ذلكَ.

وقيلَ: الجوابُ {يُجَادِلُنَا} على حكاية الحالِ الماضيةِ.

وقيلَ: (لمَّا) يردُّ المضارعَ إلى معنى الماضي، كما يردُّ الماضي إلى المستقبلِ معنًى.

وقيلَ: معناه: أخذَ يجادِلُنا، أو: أقبل يجادلنا، أو ما في معناهما.

ص: 188

(75) - {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} .

{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ} : متحمِّلٌ جهلَ السفهاءِ، غيرُ عجولٍ على الانتقامِ ممَّن أساء إليهِ.

{أَوَّاهٌ} : كثيرُ التأوُّه من الذنوبِ، والتأسُّفِ على الناسِ.

{مُنِيبٌ} : رجاعٌ إلى اللهِ تعالى بما يحِبُّ ويرضى.

والمقصود من ذلك: بيانُ الحاملِ لهُ على المجادلةِ، وهو الرأفةُ والرحمةُ والرقَّةُ على أبناء الجنسِ.

* * *

(76) - {يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} .

{يَاإِبْرَاهِيمُ} على إرادةِ القول؛ أي: قالت الملائكةُ له: يا إبراهِيمُ {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} الجدالِ، وإن كانتِ الرحمةُ دعتكَ إليهِم فربُّهم أعلَمُ بهم وبما يستوجِبونَه.

{إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} ؛ أي: قضاؤه وحُكمه {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} مصروفٍ بجدالٍ ولا دعاءٍ ولا غيرِ ذلكَ؛ لإبرامه عندَ اللهِ تعالى، فلا فائدةَ في جدالِكَ.

* * *

(77) - {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} .

{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} : أسِفَ واغتمَّ لمجيئهم؛ لأنهم جاؤوا في صورةِ غلمانٍ حسانٍ فحسِبَهم إنساً، فخافَ عليهم خُبثَ قومِه وعجزَه عن مدافعتهم

(1)

.

(1)

في النسخ: "موافقتهم"، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(2/ 413).

ص: 189

{وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} كنايةٌ عن شدةِ الانقباضِ عن موافقةِ المكروه، كأنه ضاقَ بمكانهم صدرُه.

{وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} : شديدٌ؛ من قولكَ: عصَبه: إذا شدَّهُ.

* * *

(78) - {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} .

{وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ} : يسرِعون {إِلَيْهِ} كأنهم يُدفَعون دفعاً لطلبِ الفاحشةِ من أضيافه.

{وَمِنْ قَبْلُ} : ومن قبلِ ذلك الوقتِ {كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} : الفواحشَ فتمرَّنُوا عليها، ولم يَسْتَحْيوا منها؛ فلذلكَ جاؤوا يُهرَعون إليه مجاهِرين.

{قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي} فتزوجُّوهنَّ، فدَى بهنَّ أضيافَهُ كرماً وفتوَّةً وحمِيَّةً، وكان إذ ذاك تزويجُ المسلماتِ من الكفارِ جائزاً.

ومَن زاد على هذا قولَه: يطلبونهن قبَل ذلك ولا يجيبُهم إليهِنَّ لخبثِهم وعدمِ كفايَتِهم، فكأنَّهُ لم يتأمَّل في قولهم:{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} فإنه ظاهرٌ في عدمِ رغبَتِهم فيهنَّ.

وقيلَ: المراد بالبناتِ نساؤهم، فإنَّ كل نبيٍّ أبو أمَّتِه من حيثُ الشفقةُ والتربيةُ، وفي مصحف ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه:(وأزواجُه أمهاتُهم وهو أبٌ لهم)

(1)

. فيأباه قولُه: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} .

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 119).

ص: 190

وأما ما قيلَ: قالَهُ عليه السلام مبالغةً في تناهي خُبثِ ما يُريدونه حتى إن ذاك أهوَنُ منه، أو إظهاراً لشدَّةِ استقباحِه

(1)

، فلا يلائمه قولُه:

{هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} أراد المبالغةَ في الطهارةِ، لا تفضيلَهُنَّ فيها على مَن ما راموا بهِ، كقولِه عليه السلام:"اللهُ أعلى وأجلُّ"

(2)

في مقابلةِ قول أبي سفيانَ: اعلُ هبَل.

وقرئ: (أطهَرَ) بالنصبِ

(3)

على تقديرِ: خذوا هؤلاء أطهرَ لكم، وقولُه:{بَنَاتِي هُنَّ} جملةٌ معترِضةٌ تعليلاً للأمرِ وكونهنَّ أولى قدِّمت للإسماعِ، كأنهُ قيلَ: خذوا هؤلاء العفائفَ أطهرَ لكم إن بناتي هن وأنتُم تعلمون طهارَتي وطهارَةِ بناتي.

ويجوزُ أن يكون {هَؤُلَاءِ} مبتدأً و {بَنَاتِي} خبراً، و {هُنَّ} تأكيدٌ للمستكنِّ في {بَنَاتِي} لأنهُ وصفٌ مشتَقٌّ، و (أطهرَ) حالٌ.

{فَاتَّقُوا اللَّهَ} في ركوبِ الفاحشةِ.

{وَلَا تُخْزُونِ} من الخزيِ وهو الهوانُ، أو من الخزايَةِ وهو الخجالةُ.

{فِي ضَيْفِي} : بسبَبِهم، فإن التعدِّيَ لضيفِ الرجلِ إخزاءٌ له، وترتَّبَ على المحذوفِ لا على المذكورِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ، حيثُ قالَ:{إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ} [الحجر: 68، 69]، وقد عُلمَ منه أن المرادَ من الخزي معنًى آخرُ غيرُ الفضاحَةِ.

(1)

في هامش (م): "فإن عرض البنات على الوجه المذكور لا يليق بأهل الأرض فكيف بالنبي، منه".

(2)

قطعة من حديث طويل رواه البخاري (3039)، وابن حبان في "صحيحه"(4738)، عن البراء بن عازب رضي الله عنه في خبر غزوة أحد.

(3)

نسبت للحسن وعيسى بن عمر، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60).

ص: 191

{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} يهتدي إلى الحقِّ ويرعوي عن القبيحِ، فيرشِدُ أصحابَه إليه ويمنَعُهم عنه، والمراد هذا، ولذلك قالَ:{مِنْكُمْ} دونَ: فيكم؛ لعمومِه الأجنبيَّ، وكلامه لا يؤثِّرُ تأثيرَ كلامِ الذي منهُم.

* * *

(79) - {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} .

{قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} : من حاجةٍ، بالغوا في المنفيِّ بتنكيرِ {حَقٍّ} وزيادةِ {مِنْ} كما بالغُوا في النفي بإثبات علمِه له على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه.

{وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} من إتيانِ الذُّكرانِ.

* * *

(80 - 81) - {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} .

{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} لما كان فيه معنى الفعل عطف عليه قوله: {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} ؛ أي: لو قويتُ عليكم بنفسي، أو آويتُ إلى قويٍّ أستنِدُ إليه وأتمنَّعِ به فيحمي

(1)

منكُم.

شبَّهَ القويَّ العزيزَ الذي يجيء مَن يأوي إليهِ ويحميه بالركنِ من الجبلِ في شدَّته ومنعتِه، وجوابُ {لَوْ} محذوفٌ تقديرُه: لدفعتكم.

(1)

في (ف): "فيحمني".

ص: 192

وقرئ: (أو آوِيَ) بالنصب

(1)

بإضمارِ (أنْ)، كأنهُ قالَ: لو أن لي بكم قوةً أو أُوِيًّا.

فلمَّا رأى

(2)

الملائكةُ ما يملأ لوطاً عليه السلام من الكربِ {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} فلن يصلوا إلينا.

ولمَّا احتمَل أن يضرُّوه عليه السلام لعدَمِ حصولِ بغيَتِهم دفعَه بقولِه: {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} فهو استئنافٌ في غاية الجزالة، ومن لم يتنبَّه له قالَ: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارِنا، ثم إنه لم يَدْرِ أن حق الكلامِ حينئذٍ الوصلُ بالفاء دون الفصلِ.

{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} بالقَطعِ من الإسراء، وقرئ بالوصلِ من السُّرَى

(3)

، ترتُّبُه على المحذوفِ المذكورِ في موضعٍ آخرَ بقوله:{وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الحجر: 64].

{بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} : بطائفةٍ منهُ.

{وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} ولا يتخلَّف، أو لا ينظُر إلى ورائهِ، والنهيُ عامٌّ له عليه السلام ولأهلِه، والمخصوصُ به إنما هو تبليغُه إليهم.

ومَن وهَم أنه في اللفظِ لـ {أَحَدٌ} وفي المعنى للوطٍ عليه السلام فقد وهِمَ.

{إِلَّا امْرَأَتَكَ} بالنصبِ، استثناءٌ من قوله:{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ويدلُّ عليه قراءة: (فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ)

(4)

.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 60).

(2)

في (ف) و (م): "رأوا".

(3)

قرأ بالوصل من السبعة نافع وابن كثير، وقرأ الباقون بقطعها، انظر:"التيسير"(ص: 125).

(4)

نسبت لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "تفسير الطبري"(12/ 524)، و"الكشاف"(2/ 416) و"البحر"(12/ 325).

ص: 193

قيل: وذلك إنما يصحُّ على تأويل الالتفاتِ بالتخلفِ لا بالنظرِ إلى الخلفِ؛ لئلا يناقضَ قراءة من قرأ بالرفع

(1)

بدلاً من {أَحَدٌ} وإلا لزمَ على القراءَتين أن يكونَ امرأته مُسْرًى بها وغيرَ مُسْرًى بها.

وفيه نظرٌ؛ لأن الاستثناءَ من الأهلِ يقتضِي أن لا يكون لوطٌ عليه السلام مأموراً بالإسراءِ، ولا يمنَع أنها سرَت بنفسِها، ويكفي لصحةِ الاستثناءِ من هذا المقدارِ، كيف ولم يُنهَ عن إخراجِها، ولكنه أُمرَ بإخراجِ غيرِها.

وبهذا اندفع

(2)

أيضاً ما قيلَ: إنه إما أن أُسري بها، فالاستثناءُ من قولِه:{أَحَدٌ} متعينٌ، أو لا، فيتعيَّن من قولِه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ، والقصةُ واحدةٌ فأحدُ التأويلين باطلٌ قطعاً، والقراءتان الثابتتان قطعاً لا يجِبُ حملُهما على ما يوجِبُ بطلانَ مقتضى أحدِهما.

وأما ما قيلَ: وفي إخراجها معَ أهلهِ روايتان: روي أنه أخرَجها معهُم وأمرَ أن لا يلتفِتَ منهم أحدٌ إلا هي، فلما سمعَت هدَّة

(3)

العذابَ التفتَت له وقالَت: يا قوماه! فأدرَكها حجرٌ فقتلَها، وروي أنه أُمِرَ بأن يخلِّفَها مع قومِها فإن هواها إليهم، فلم يَسْرِ بها

(4)

. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

(1)

قراءة أبي عمرو وابن كثير، انظر:"التيسير"(ص: 125).

(2)

في (ك): "يدفع".

(3)

في (ك) و (م): "هذا"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "الكشاف" و"القرطبي" و"تفسير أبي السعود"، و"روح المعاني".

(4)

انظر المصادر السابق، وروى الأثرين الطبري في "التفسير"(12/ 518 - 519) عن قتادة والسدي.

ص: 194

فاعترِضَ عليه: بأنه لا يجوزُ؛ لأن القواطِع [لا يجوز]

(1)

حملُها على المعاني المتناقضةِ.

وأُجيبَ بأن معناه: اختلافُ القراءتينِ

(2)

جالبٌ وسببٌ لاختلافِ الروايتَين، كما تقولُ: السلاحُ للغزوِ

(3)

؛ أي: أداةٌ وصالحٌ له. ولم يُرِدْ أن اختلافَ القراءتين لأجلِ اختلاف الروايتين قد حصَلَ.

وَيرِدُ عليهِ: أنه حينئذٍ تنقلِبُ الروايةُ درايةً لاتِّخاذِها

(4)

من ظاهر القراءةِ، وأيضاً فيه التزامٌ باستلزامِ اختلافِ القراءتين أمراً محذوراً وهو الجمعُ بين المتنافِيين.

والأولى جعلُ الاستثناءِ في القراءَتين من قولِه: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ} كما في قوله: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [النساء: 66] و: {إِلَّا قَلِيلًا}

(5)

، ولا بُعدَ أن يكونَ أكثرُ القراء على غير الأفصحِ، فإن النصب أخفُّ، وإن كان البدلُ أفصَحَ.

{إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} استئنافٌ علِّلَ بهِ استثناؤها من أهلِه، ولا يلزَم من ذلك أمرُها بالالتفاتِ، بل عدَمُ نهيها عنه استصلاحاً، ولا يَحسُن جعل الاستثناءِ منقطعاً على قراءة الرفعِ.

{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} كأنهُ علةُ الأمرِ بالإسراء.

(1)

ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وانظر:"روح المعاني"(12/ 45)، وفيه:(والقراءتان الثابتتان قطعا لا يجوز حملهما على ما يوجب بطلان أحدهما).

(2)

قوله: "فاعترض عليه .. " إلى هنا ساقط من (ف) و (ك).

(3)

في (ك): "للعدو".

(4)

في (ف) و (ك): "ولاتخاذها".

(5)

هي قراءة ابن عامر وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: "التيسير"(ص: 96)، وقد تقدمت في سورة النساء.

ص: 195

{أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} جوابٌ لاستعجال لوطٍ عليه السلام واستبطائه العذابَ، وإنما جعِلَ الصبحُ ميقاتاً لهلاكِهم؛ لأن النفوسَ فيهِ أودَعُ، والراحةَ فيه أجمَعُ، فيكون العذابُ فيه أفظعَ.

* * *

(82) - {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} .

{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} : وقتُ أمرِنا، وأما الأمر نفسُه فقد وردَ قبلَ هذا، وأما المأمورُ به فنفسُ ما ذكِرَ في قولِه:

{جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} جوابُ (لمَّا)، وإنما عدلَ عن الظاهرِ وهو: جعلوا؛ أي: الملائكة المأمورون به

(1)

وأَسندَ إلى نفسِه من حيثُ إنه المسبِّبُ تعظيماً للأمرِ.

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا} : على المدنِ {حِجَارَةً} ، رويَ أن جبريلَ عليه السلام أدخَلَ جناحه تحت مدائنهم ورفعَها إلى السماءِ، ثمَّ قلبَها عليهم، وأُتبِعوا الحجارة من فوقِهم

(2)

.

والتنكيرُ في {حِجَارَةً} للتعظيمِ.

{مِنْ سِجِّيلٍ} : من طينٍ متحجِّرٍ؛ لقولِه: {حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} [الذاريات: 33] كلمةٌ معربةٌ من سَنْك كَلْ.

(1)

"به" ليس (ك).

(2)

رواه الطبري في "التفسير"(12/ 515 - 516) عن سعيد بن جبير، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره"(6/ 2066) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

ص: 196

وقيلَ: هو من أسجَله إذا أرسلَه؛ لأنها تُرسَلُ على الظالمين؛ لقوله: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً} [الذاريات: 33].

وقيلَ: مما كتبَ الله أن يعذِّب فيه من السِّجلِّ، وسجل لفلان.

{مَنْضُودٍ} في الإرسالِ يرسلُ بعضُها إثرَ بعضٍ كقطارِ الأمطارِ، أو نُضدَ بعضُه على بعضٍ وألصِق بهِ، أو نُضدَ معدًّا لعذابِهم.

* * *

(83) - {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} .

{مُسَوَّمَةً} : معلَّمةً للعذابِ، أو بسِيْما تتميَّزُ به منْ حجارةِ الأرض، أو باسمِ مَن يُرمى به.

{عِنْدَ رَبِّكَ} : في خزائنه التي لا يتصرَّفُ فيها إلا هوَ.

{وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} لاستحقاقِهم لذلكَ، وفيه وعيدٌ لأهلِ مكَّةَ، وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه سألَ جبريلَ عليه السلام عن هذا، فقالَ: يعني مِن ظالمي أُمَّتك

(1)

.

وقيل: الضميرُ للقرى؛ أي: هي قريبةٌ من ظالمي أُمتكَ يمرُّون بها في سيرِهم.

قوله: {بِبَعِيدٍ} : بشيءٍ بعيدٍ، أو: بمكان بعيدٍ، كذا قيلَ، ولا حاجة إلى التأويلِ؛ لأنَّه على زنةِ المصدرِ كالزفيرِ

(2)

والصهيلِ، والمصادرُ يستوي في الوصفِ بها المؤنَّثُ والمذكَّرُ.

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 416). وقال ابن حجر في "الكافي الشاف"(ص: 87): (ذكره الثعلبي عن أنس دون إسناد). وقال العراقي كما في "روح المعاني"(12/ 53): (لم أقف له على إسناد).

(2)

في (ك): "كالزئير".

ص: 197

(84) - {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} .

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} قد مرَّ نظائره، ومديَنُ مدينةٌ بناها مدينُ بن إبراهيمَ عليه السلام فسمِّيَت باسمِه، والمرادُ: أهلُها وأولاده.

{قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} قد سبقَ تفسيرُه.

{وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} أمرَهم بالتوحيدِ أولاً لأنَّه ملاكُ الأمرِ، ثم نهاهُم عما اعتادُوه من البَخْسِ المنافي للعدلِ المخلِّ بحكمةِ التعاوُضِ.

{إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} : بسعةٍ وثروةٍ تغنيكُم عن التطفيفِ، أو: بنعمةٍ حقُّها أن تُقابلَ

(1)

بالشكرِ، لا بما تفعلون، أو: بخيرٍ فلا تزيلوه عنكم بما تفعلونَ، وهو على كلِّ الوجوهِ علَّةٌ للنهيِ.

{وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} : لا يشذُّ منه أحدٌ، أو: مهلك، من قولِه:{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42].

والمرادُ: عذابُ يوم القيامةِ، أو عذابُ الاستئصالِ، وتوصيفُ اليوم بالإحاطةِ من باب الإسنادِ المجازيِّ، وهو أبلغ من وصفِ العذابِ بها؛ لأنَّه مشتمِلٌ على حوادثَ مع اشتمالِه على العذابِ، فإذا كان مهلِكاً فما اشتملَ عليه الحوادثُ كان مجتمعاً على المعذَّبِ في إهلاكِه.

* * *

(1)

في (ك): "تقابل".

ص: 198

(85) - {وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} .

{وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} أمرَ بالإيفاء بعد النهيِ عن ضدِّه قصداً إلى تقبيحِ المنهيِّ وتعييبِه؛ لأن التصريحَ بالمنهيِّ عنهُ توبيخٌ للمنهيِّ وتعييرٌ لهُ يبتكر ويرجوا إلى القبولِ، فإذا وردَ الأمرُ بعدَه مصرَّحاً به كان أوقَع في نفسِه، وأسرعَ إلى القَبول والامتثالِ؛ لأنَّه ترغيبٌ وحثٌّ بعد ترهيبٍ وزجرٍ عن ضدِّه فكانَ أبلغَ.

{بِالْقِسْطِ} : بالعدلِ والتسويةِ من غير زيادةٍ ونقصانٍ، وإنما قيَّدَهما به قصراً على ما هو الواجبُ، وتنبِيهاً على أن المطلوبَ من الإيفاءِ القسطُ، ولهذا قد يكونُ الفضلُ محرَّماً كما في الربوياتِ.

{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} تعميمٌ بعد تخصيصٍ؛ لأنَّ نقصَ الحقوقِ مُطلقاً أعمُّ من النقصِ في الكيلِ والوزنِ.

وكذا: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ} لأنَّه التمادي في أنواعِ الفسادِ، ودرجهم في النهي مما غلبَ عليهم إلى سائرِ القبائحِ.

ويجوزُ أن يرادَ بالعثي: البخسُ؛ مبالغةً وتعريضاً بأنه شرُّ أنواع الفسادِ.

وإنما قالَ: {مُفْسِدِينَ} إخراجاً لمَا يقصَدُ به الإصلاحُ كما فعله الخضِرُ.

* * *

(86) - {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} .

{بَقِيَّتُ اللَّهِ} : ما يبقي عليكُم من الحلال بعدَ التنزُّه عما حرَّمَ عليكم {خَيْرٌ لَكُمْ} مما تجمعُونَ بالتطفيفِ ونقصِ الحقوقِ.

ص: 199

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} : بشرطِ أن تؤمنوا، وإنما قيَّدَ به لظهورِ فائدتها معهُ، وإن كان معَ الكفرِ نجاةٌ عن تبِعَتها، وذلك لأن حصولَ الثواب بها مشروطٌ بالإيمانِ، ولا يظهَرُ على الكافر أثرُ النجاةِ من تبعة البخسِ لانغماسه

(1)

في غمراتِ الكفرِ، وفي ذلك تعظيمٌ للإيمان وتنبيهٌ على جلالة قدرِه، وإيماءٌ إلى أنْ لا فائدةَ للحسنات بدونِه.

أو: إن كنتم مصدِّقين لي في نصحي إيَّاكُم.

وقيلَ: البقيةُ الطاعةُ؛ أي: ما يبقَى لكم عند اللهِ تعالى من الطاعاتِ خيرٌ مما يَفْنَى

(2)

؛ كقولِه: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} [الكهف: 46] وإضافتُها إلى اللهِ تعالى تعظيمٌ لها وتشريفٌ بنسبتِها

(3)

إليهِ.

وقرئ: (تَقيَّة) الله بالتاءِ

(4)

، وهي تَقْواه التي تَكُفُّ عن المعاصي والقبائحِ.

{وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} تقديمُ الظرفِ وإيلاؤه حرفَ النفي وعيدٌ بليغٌ؛ أي: اللهُ حفيظٌ عليكم ومجازيكم بها لا أنا، إنما أنا نذيرٌ مبلِّغٌ، وقد أنذرتُ وبلَّغت ونصحتُ وأعذرتُ.

* * *

(87) - {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} .

(1)

في (ك) و (م): "لانغماره".

(2)

تحرفت في (ف) و (ك) إلى: "بقي".

(3)

في (م): "نسبتها"، وسقطت من (ك).

(4)

نسبت للحسن. انظر: "البحر المحيط"(12/ 337).

ص: 200

{قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الأصنامِ، أجابوا بهِ بعد أمرِهم بعبادةِ الله تعالى وترك عبادة الأوثانِ، وبإيفاء الحقوقِ، على طريق السخريةِ والاستهزاءِ حيث أسندوا الأمرَ إلى الصلاةِ إشعاراً بأن المأمورَ مما لا يُؤمَرُ به العقلاءُ؛ لأنَّه أمر وسوسةٍ وجنونٍ، لا أمر فطنةٍ أو

(1)

عقلٍ.

وأما تخصيصُهم الصلاة بالإسنادِ إليها لأنَّه عليه السلام كان يصلي، وكانوا يقولون لهُ: ما تستفيدُ بهذا؟ فيقولُ: إنها تأمرُ بالمحاسنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّفه اللهُ تعالى عبادَه بقول

(2)

: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]، فقالوا له على وجه التهكُّمِ به: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ

} الخ ففيه استهزاءٌ من وجهٍ آخرَ.

وأما جمعُها فلأنه عليه السلام كان كثيرَ الصلاةِ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزُون ويضحَكُون استبعاداً منهم أن يفعَلَ مثلَ ذلك الأفعالِ؛ ففي إتيانها

(3)

على صيغةِ الجمع إشارةٌ إلى نوعٍ آخرَ من الاستهزاء له.

ثم إنهم جعلُوه عليه السلام مأموراً بفعل الغيرِ دلالةً على إفراطِه في ذلك كأنَّ نفسها مأمورٌ بهِ، وذلك أن في الأمرِ بنهي الغيرِ يكفي الإبلاغ مرةً أو مرتين، وهو عليه السلام قد واظَبَ على ذلك فنزَّلُوه منزلة المأمورِ بإتيان التركِ الواجبِ على الغيرِ، وهذا أيضاً نوع من الاستهزاءِ منهم مبناه على اعتبارٍ دقيقٍ، ولهذا غفلَ عنه الناظرون في هذا المقامِ، حتى ذهبوا إلى تقديرِ المضافِ؛ أي: تأمرُكَ بتكليفِ أن نتركَ، فأذهَبوا حُسنَ الكلام، ولطف الاعتبارِ المناسب للمقام.

(1)

في (ك): "و".

(2)

في (ف): "كما عرف الله تعالى عباده"، وكلمة "بقول" ليست في (ف) و (ك).

(3)

في (ف) و (ك): "إثباتها".

ص: 201

{أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} عطفٌ على {مَا} ؛ أي: أو أن نترُكَ فعلنا ما نشاءُ في أموالنا، والعطفُ بـ {أَوْ} دون الواوِ للإشعار بأن الأمرَ بواحدٍ منهما على سبيل البدَلِ يكفي في التسفيهِ والنسبةِ إلى الضلالِ، فكيفَ إذا أمرَ بهما معاً؟ ولا يخفى ما فيه من الدلالةِ على أنهم كانوا آيةً في الجهالةِ، قد بلغوا غايةَ الضلالةِ.

وقرى بالتاء في (تفعل) و (تشاء)

(1)

على أنَّ العطفَ على {أَنْ نَتْرُكَ}

(2)

.

{إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} تهكم به

(3)

وبفعلِه؛ لأنهم أرادوا وصفَه بغايةِ السفهِ والغَيِّ على ما يقتضيه السباقُ والسياقُ، فعكسُوا تهكُّماً، كقولِ خزنَةِ جهنَّمَ:{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49].

وأما ما قيلَ: علَّلوا إنكارَ ما سمعوا منه واستبعادَه بأنه موسومٌ بالحلمِ والرشدِ

(4)

المانعَين عن المبادرةِ إلى أمثال ذلكَ، فيأباه ما في سياقِ الكلام من الإقدامِ على السخريةِ والاستهزاءِ من وجوهٍ شتَّى.

* * *

(88) - {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

(1)

قراءة السلمي والضحاك بن قيس، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 61).

(2)

في هامش (ف): "هذا على ما ذكرناه، وأما على ما ذكروا من تقدير المضاف فالعطف على ذلك المقدر فتدبر، منه". قلت: والمراد بتقدير المضاف ما تقدم من أن المراد: (أصلاتك تأمرك بتكليف أن نترك)، وهذا التقدير للبيضاوي في "تفسيره"(3/ 145).

(3)

في (ك): "تهكم به بهم".

(4)

في (ك): "بالحلم بالرشد".

ص: 202

{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} إشارةٌ إلى ما آتاهُ من العلمِ والنبوَّةِ.

{وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} إشارةٌ إلى ما آتاه من المالِ الحلالِ، والتقييدُ بـ {حَسَنًا} للاحترازِ عن الرزقِ القبيحِ، وفيهِ إشارةٌ إلى أن الحرامَ رزقٌ.

وجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه: فهل يسعُ لي مع هذا الإنعامِ الجامعِ للسعادات الروحانيةِ والجسمانية أن أخون في وحيِه، وأخالفَهُ عن أمرِه ونهيِه، وهو اعتذارٌ عما أنكروا عليهِ من الإقدامِ على تغيرِ المألوفِ، والنهيِ عن دين الآباءِ، ولا يخفى ما فيهِ من حُسن

(1)

المراجعةِ، وحسن الاستنزالِ، ورفق الاستدعاءِ، ولذلك قالَ فيهِ عليه السلام:"ذلكَ خطيبُ الأنبياءِ"

(2)

.

والضميرُ في {مِنْهُ} للهِ تعالى؛ أي: من عندِه وبإعانته بلا كدٍّ مني في تحصيلِه، فقد أدمجَ فيهِ الجوابَ عن قولهِم:(أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء) على القراءةِ بالتاء فيهما.

{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} : وما أُريدُ أن أقصِدَ إلى ما أنهاكم عنهُ من المعاصي والملاذِّ لأستبدَّ بها دونَكُم، فلو كان صواباً لآثرتُه ولم أُعرِض عنهُ فضلاً عن أن أَنهى عنهُ، يُقالُ: خالفَني إلى كذا: إذا قصدَهُ وأنتَ مُولٍّ عنهُ، وخالفَني عنهُ: إذا ولَّى عنهُ وأنتَ قاصِدُه.

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} : ما أريدُ إلا أن أصلِحَكم بموعظَتي ونصيحَتي ما أمكنَني، فلو وجدتُ الصلاحَ فيما أنتم عليهِ لمَا نهيتكم عنهُ.

(1)

في هامش (ف): "لطف".

(2)

رواه الطبري في "تاريخه"(1/ 198) من طريق ابن إسحاق عن يعقوب بن أبي سلمة، والحاكم في "المستدرك"(4071) عن محمد بن إسحاق، وكلاهما مرسل. وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"(1/ 429) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده إسحاق بن بشر وهو متروك.

ص: 203

ولهذه الأجوبةِ الثلاثةِ على هذا النسقِ شأنٌ، وهو التنبيهُ على أن العاقلَ يجبُ عليه أن يراعيَ فيما يباشِرُه أحدَ ثلاثةِ حقوقٍ: أوَّلُها وأعلاها حقُّ اللهِ تعالى، وثانيها حقُّ نفسِه، وثالثها حقُ الناسِ، وكلُّ ذلك يقتضي أن آمرَكُم بما أمرتُكم بهِ، وأنهاكم عما نهيتُكم عنهُ

(1)

.

و {مَا} مصدريةٌ واقعٌ موقعَ الظرفِ؛ أي: مدَّةَ استطاعتي، أو خبريةٌ بدلٌ من {الْإِصْلَاحَ}؛ أي: إلا المقدار الذي استطعت منهُ، أو على تقديرِ حذف المضافِ؛ أي: إلا الإصلاحَ إصلاحَ ما استطعتُ.

أو مفعولٌ؛ أي: إلا أن أُصلحَ ما استطعتُ إصلاحه من فاسدِكم. وفيه: أن إعمالَ المصدرِ المعرَّفِ قليلٌ.

{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} ؛ أي: وما توفيقي لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما آتي وما أذرُ إلا بتأييدِ الله تعالى ومعونَتِه.

{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} لا على غيرِه، فإنه القادرُ على ما يشاءُ دون غيرِهِ، فإنَّ مَن عدَاه عاجزٌ ساقطٌ عن درجة الاعتبارِ في الوجود فضلاً عن القدرَةِ.

{وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} لا إلى غيرِه.

وفي الآيةِ طلبُ التوفيقِ من الله تعالى لإصابة الحقِّ فيما هو بصددِه على أبلغ وجهٍ، وحسمٌ لإطماعِهم، وعدمُ المبالاة بهم، ومعاداتُهم بتوكُّلِه على الله تعالى، وتهديدُ الكفارِ بإتيانهم إليه تعالى للجزاءِ.

* * *

(1)

في (ك): "يقتضي أن آمركم به وأنهاكم عنه".

ص: 204

(89) - {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} .

{وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ} : لا يُكسبنَّكُم {شِقَاقِي} معاداتي {أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} من الغرقِ {أَوْ قَوْمَ هُودٍ} من الريحِ {أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} من الرجفَةِ.

و {أَنْ} بصلَتِها ثاني مفعولي (جرَم)، فإنه مثلُ كسبَ في معناه وتعدِيتهِ إلى مفعولٍ واحدٍ وإلى مفعولينِ.

وقرئ: (لا يُجْرِمَنَّكمْ) بضم الياءِ

(1)

، من أَجْرمتُه: إذا جعلتَه جارِماً

(2)

، وهو منقولٌ من (جرم) المتعدي إلى مفعولٍ واحدٍ، كما نقل: أكسَبهُ المالَ، من: كسبَ [المال]، والأول أفصَحُ، فإن أجرمَ أقلُّ دوراناً على ألسنة الفصحاءِ.

وقرئ: (مثلَ) بالفتحِ

(3)

لإضافته إلى المبنيِّ.

{وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} زماناً أو مكاناً، فإنهم أقرَبُ الهالكين منهُم، أو: ليسوا ببعيدٍ منكُم في الكفر والمعاصي، وما يُستَحقُّ بهِ العقابُ، فحالكُم حالهُم، وإفراد البعيدِ قد مرَّ وجهُه

(4)

، فتذكَّر.

* * *

(90) - {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} .

(1)

نسبت ليحيى بن وثاب، انظر:"المحتسب"(1/ 327).

(2)

أي: من أجرمته ذنباً، إذا جعلته جارماً له، أي: كاسباً. انظر: "الكشاف"(2/ 421)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.

(3)

نسبت لمجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق، انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 61).

(4)

في هامش (ف): "في تفسير قوله: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} في هذه السورة. منه".

ص: 205

{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} قد سبقَ ما يتعلَّقُ بهِ أيضاً.

{إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ} : عظيمُ الرحمةِ للتائبينَ {وَدُودٌ} بعبادِه يفعَلُ بهم من اللطفِ والإحسان ما يفعلُ البليغُ المودَّةِ بمن يودُّه، وهو

(1)

وعد على التوبةِ بعدَ الوعيدِ على الإصرارِ؛ لشمولِ الدعوةِ وأخذِ الحبلِ بطرفَيهِ.

* * *

(91) - {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} .

{قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ} الفقهُ

(2)

: فهمُ الكلام على ما تضمَّنَ من المعنى، وفي نفيه دونَ نفي الفهم دلالةٌ على أنهم لم يريدوا قصورَه في أداء الكلامِ، كما سبق إلى بعضِ الأوهام حيث قال في

(3)

وجهِ ما ذكِرَ: إنه عليه السلام كان ألثغَ.

وإنما قالوا ذلكَ استهانةً بكلامِه حيث كنَوا بعدم فقهِهم ما قاله عن عدمِ دلالته على معنًى صحيحٍ، فنزَّلوه منزلة الهذيانِ والتخليطِ

(4)

.

وفي التقييدِ بقوله: {كَثِيرًا} إظهارُ التنزُّهِ عن المكابرةِ، وهذا أبلَغُ في المبالغةِ عن الكلام الخالي من ذلكَ القيدِ، ومن هذا القبيل قولُهم في وصف سيف الشجاعِ: يقطُر دماً، دون: يسيلُ.

(1)

"وهو" سقط من (ك).

(2)

"الفقه" من (ك).

(3)

"في" سقط من (ك).

(4)

في هامش (ف): "لا استهانةً به عليه السلام كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول - لأنَّه لا يناسبه التقييد بـ {كَثِيرًا} كما لا يخفى. منه".

ص: 206

قيلَ: كانوا يفهمُونه ولكنَّهم لم يقبلُوه فكأنهم لم يفقَهوهُ، فلا يذهَبْ عليك أن هذا التنزيلَ إنما يناسِبُ اعتباره أن لو كان في الحكايةِ دون المحكيِّ.

{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} لا قوةَ لك ولا عزَّةَ فيما بيننا، وفي قولهِ:{فِينَا} نوعُ تقويةٍ لما أرادوه من إثباتِ العجزِ له عن المدافعةِ، كأنهم يقولونَ: إنك لستَ بخارجٍ عنا حتى لا تَصِلَ إليك أيدينا، ولا قوةَ في نفسكَ، فلا مانِعَ ولا دافِعَ لا من جهةِ شأنكَ، ولا من جهةِ مكانِكَ، ولذلك قلَّلوا قومَه حيثُ جعلوهم رهطاً، والرهط من الثلاثةِ إلى العشرةِ، وقيل: إلى السبعةِ.

وإنما قالوا: {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} احتراماً لهم لكونهم على ملَّتِهم، لا خوفاً منهم، ولدفع

(1)

هذا الوهم عبروا عنه بالرهطِ دون العشيرةِ والقبيلَةِ ونحو ذلكَ.

والرجم: الرمي بالحجارةِ، والمرادُ قتلُهُ به، يعني: قتلناك شرَّ قتلةٍ بأصعبِ وجهٍ، وهذا ديدنُ السفيه المحجوجِ يقابلُ الحججَ والآياتِ بالسبِّ والتهديدِ.

{وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} ؛ أي: لستَ علينا بممتنِعٍ فلا نقدِرَ على رجمِك، وهذا هو المناسبُ لسياق الكلامِ، وعلى هذا لا مفهومَ فيهِ، ومن فهِمَ منه المفهوم قائلاً:(كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيز بل رهطُكَ هم الأعزةُ علينا)، فقد حمَلَ العزة على الكرامةِ على ما صرَّحَ بهِ حيث قالَ:(أي: لا تعزُّ علينا ولا تكرَمُ حتى نكرِمَك عن الرجمِ)، فقد غفِلَ عن أن المناسِبَ حينئذٍ أن يقولوا: عندَنا، بدلَ:{عَلَيْنَا} .

ومنطوقُ قولهم: {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أغنى عن اعتبارِ المفهومِ المذكورِ، لِمَا عرفت أن معناها: ولولا حرمَةُ رهطِكَ وعزتُهم عندنا لرجمناكَ، فاعتبارُه بعد هذا كالاستضاءَةِ بالمصباح بعدَ طلوعِ الصباحِ.

(1)

في (ك): "ولرفع".

ص: 207

وإيلاءُ الضمير حرفَ النفي لتقويةِ الحكم وتأكيدِه، كما في قولِه تعالى:{وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وتقديمُ:{عَلَيْنَا} لمحافظةِ الفاصلةِ، وزيادةُ الباء في {بِعَزِيزٍ} لتأكيد النفيِ، وتنكيرُه للتقليلِ أي: ليسَ لك علينا شيءٌ من جنس العزةِ

(1)

.

وأما ما قيلَ: وقد دلَّ إيلاء الضميرِ حرفَ النفي على أن الكلامَ واقعٌ في الفاعلِ لا في الفعلِ، كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيزٍ بل رهطُكَ هم الأعزَّةُ علينا، ولذلكَ قال في جوابهم:{أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} ، ولو قيلَ: وما عزَزتَ علينا لم يصحَّ هذا الجوابُ.

فيرِدُ عليه أنه لا دلالةَ له في مفهومِ قوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} على أنَّ رهطَهُ هم الأعزةُ، إنما دلالتُه على أنهم هم العزيزونَ؛ لأن المفهوم تابعٌ للمنطوقِ، والمنفيُّ عنه بطريقِ المنطوقِ إنما هو أصلُ العزةِ لا زيادَتُها.

ثم إن قولَهُ: (ولو قيلَ: وما عززت .. الخ) فقد مرَّ ما به يظهرُ أنه ليس بصوابٍ.

* * *

(92) - {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .

{قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} لما كان نبيًّا مبعوثاً من عندِ الله تعالى كانتِ الاستهانة به استهانةً باللهِ؛ لقولِهِ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] فجعَلَ كونَ رهطِه أعزَّ عليهم منه كونَهم أعزَّ من الله؛ لأنَّ أمرَهُ أمرُ اللهِ.

(1)

في هامش (ف): "ومن وهم أنه للتعظيم فقد وهم لأنَّه لا يناسب المقام فإنهم في صدد الاستهانة به عليه السلام. منه".

ص: 208

ويحتمِلُ الإنكارَ التوبيخيَّ، على أن المعنى: أرهطي أعزُّ عليكم من اللهِ في نظرِكم واعتبارِكم؟

والإنكارَ للإبطال

(1)

، على أن المعنى: أنهم أعزُّ عليكُم منه تعالى في الواقعِ.

وعلى الأول يدخُلُ قولُه: {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أيضاً في حيِّزِ الاستشهادِ.

والاتخاذُ: أخذ الشيءِ لأمرٍ يستمرُ في المستأنَفِ؛ كاتخاذِ البيتِ، واتخاذ المركوبِ، فدلالتُه على المعنى المقصودِ أولى من دلالةِ الجعلِ عليهِ

(2)

.

والظِّهريُّ منسوب إلى الظَّهرِ، كالإمسيِّ منسوبٌ إلى الأمسِ، والكسرةُ في مثل هذا من تغييراتِ النَّسبِ، والكنايةُ عن التركِ وعدم الاعتدادِ به قد

(3)

تمَّت بقولِه: {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ} الإنذار

(4)

، وفيه بنسبتِه إلى الظهرِ إتمامٌ

(5)

لحقِّ المبالغةِ، وإفادةٌ لمعنى الإعراض عنه بالكليَّةِ.

{إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} : قد أحاط بأعمالِكُم علماً، فلا يخفى منها شيءٌ، فهو يجازِيكُم عليها.

* * *

(93) - {وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} .

(1)

في (ك) و (م): "الإبطال".

(2)

في هامش (ف) و (م): "ومن فسره به فقد نزل الكلام عن منزلته كما لا يخفى، منه".

(3)

في (ك) و (م): "فقد".

(4)

في (ف): "الأنذارا"، وفي (ك) و (م):"إلا إنذارا". ولعل المثبت هو الصواب.

(5)

في (م): "إيماء ما"، وتحرفت في (ك) إلى:"إنما هما".

ص: 209

{وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} سبقَ مثلُه في سورة الأنعامِ والفاءُ في {فَسَوْفَ} [الأنعام: 135] ثمةَ للتصريحِ بأن الإصرارَ والتمكُّن فيما هُم عليهِ سببٌ لذلكَ، وحذِفَ هاهنا للاستئنافِ؛ كأنه قيل: فماذا يكون إذا عمِلنا على مكانتنا وعملتَ أنتَ؟ فقال: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وهو أبلَغُ من الوصل بالفاءِ.

{مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} قياسُ الكلامِ: ومَن هو صادقٌ، بدل قولِه:{وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} ليكونا قسمَين ينصرِفُ الأولُ إليهِم، والثاني إليهِ، لكنهم لما كانوا يدَّعُونه كاذباً أجرى الكلامَ على مقتضى زعمِهم فقالَ:{وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} ؛ أي: على زعمِكُم ودعواكم، وأراد

(1)

: سوفَ تعلمونَ مَن المعذَّبُ ومَن الكاذِبُ مني ومنكم؛ لأنهم كذَّبوه وأوعَدُوه.

{وَارْتَقِبُوا} : وانتظروا ما أقولُ {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} : منتظرٌ، فعيلٌ بمعنى الفاعلِ كالصريحِ، أو المراقبِ كالعشيرِ، أو المرتقِب

(2)

كالرفيعِ.

* * *

(94) - {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} .

{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} إنما

(3)

ذَكرَ ساقَتي

(4)

(1)

في (م): "أو أراد".

(2)

في (ك) و (م): "المتراقب"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق للمصادر. انظر:"الكشاف"(2/ 424)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 147)، و"تفسير أبي السعود"(4/ 237).

(3)

في (ك): "فيما"، وفي (ف):"فما". والمثبت من (م) وهو الصواب.

(4)

في (ف) و (ك): "ساق"، وفي (م):"ساقي"، والمثبت من "الكشاف"(2/ 425)، والمراد: الخاتمتين.

ص: 210

قصةِ عادٍ وقصة مدينَ بالواو، وساقَتي

(1)

قصةِ ثمودَ ولوطٍ بالفاءِ؛ لأنَّه لم يسبِق فيهما وعدٌ يقتضي التسبيبَ فحقُّهما أن يُعطَفا بحرف الجمعِ عطفَ قصةٍ على قصةٍ، وأما في قصةِ ثمودَ ولوطٍ فقد سبقَ وعدٌ يقتضِي التسبيبَ وهو قولُه في الأولى:{ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} وفي الثانية: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} فجيءَ بهما، كما تقولُ: وعدتُه فلما جاء الميعادُ كان كيتَ وكيتَ.

{وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} صاحَ بهم جبريلُ عليه السلام صيحةً.

{فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} فهلكُوا بحيث لم يبرَحْ.

* * *

(95) - {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} .

{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} كأن لم يقيموا في ديارِهم متردِّدين في تصرفاتهم.

{أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} إنما شبَّهَهم بثمود في هلاكِهم لأنهم أيضاً أهلكوا بالصيحةِ، إلا أن صيحَتهم كانت من تحتِهم، وصيحة مدينَ كانت من فوقِهم.

وقرئ: (بَعُدَتْ) بالضمِّ على الأصلِ

(2)

، فإن الكسرَ تغييرٌ لتخصيصِ معنى البعدِ بما يكونُ بسببِ الهلاكِ، والبُعْدُ مصدرٌ لهما

(3)

، والبَعَد مصدرُ المكسورِ.

* * *

(1)

في (ف) و (ك): "وساق".

(2)

نسبت للسلمي وأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 61)، و"المحتسب"(1/ 327)، و"البحر"(12/ 349).

(3)

في (ك): "مصدرهما".

ص: 211

(96 - 97) - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} .

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} له على صدقِ نبوَّتهِ.

يجوزُ أن يكون المرادُ بالآياتِ: المعجزاتُ، و (سلطان مبين) هو العصا، وإفرادُها

(1)

بالذكرِ لأنها أبهرُها.

ويجوزُ أن يُرادَ بهما واحدٌ؛ أي: ولقد أرسلناه بالجامعِ بين كونها آياتٍ، وكونها سلطاناً له على صحَّةِ دعواهُ.

والفرقُ بينهما: أنَّ الآياتِ تعمُّ الأماراتِ والدلائلَ القاطعةَ، والسلطانُ يختصُّ بالقاطع

(2)

، والمبينُ: ما فيه جلاءٌ.

ومَن وهَم أن المرادَ من الآيات التوراةُ فقد وَهِم، وما فَهِم أنَّ قولَه:{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} يأباهُ؛ لأنَّ التوراة نزولُها إنما كان بعدَ هلاك فرعونَ وملئهِ.

{فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} بالكفرِ بموسى، أو: فما اتَّبعوا موسى الهادي إلى الحقِّ المؤيَّدِ بالمعجزات الباهرةِ، واتبعوا طريقةَ فرعونَ البيِّنِ الضلالِ والطغيانِ لفرطِ جهلِهم وغَباوتهم، فإنه ادَّعى ما لا يخفَى على مَن له أدنى تمييزٍ وفطنةٍ إحالتُه

(3)

، وهو الإلهيةُ مع كونه بشراً حادثاً مثلَهم.

{وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} : بمرشِدٍ، أو: بذي رَشَدٍ، إنما هو على صريح ضلالٍ لا رشدَ فيهِ.

(1)

في (ك): "وأفردها".

(2)

في (ف): "القاطع".

(3)

في (م): "أصالته".

ص: 212

(98) - {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} .

{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : يتقدَّمُهم إلى النارِ كما كان تقدَّمهم

(1)

في الدنيا إلى الضلالِ؛ يقالُ: قَدَمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ، ومنهُ قادِمةُ الرحلِ، كما يُقالُ: قَدَّمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ

(2)

، ومنهُ مقدِّمةُ الجيشِ.

تفسيرٌ وبيانٌ لعدمِ كونِ أمر فرعونَ

(3)

بصوابٍ حميدِ العاقبةِ، وعُدلَ إلى الماضي فيما عُطفَ عليهِ فقيل:{فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} مبالغةًّ فَي تحقُّقِ وقوعِه، وشبِّه في جرِّهم إلى النارِ بالفارطِ الذي يتقدَّمُ الواردة، وأتباعُه بالواردةِ الحِراص على الماءِ.

ونزَّلَ

(4)

النارَ لهم منزلةَ الماء فسمَّى إتيانها مورداً، ثم قالَ:{وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} ؛ أي: بئسَ المورودُ الذي وردُوه، فإنهُ يرادُ لتبريدِ الاكبادِ وتسكِين العطشِ والنارِ بالضدِّ

(5)

.

* * *

(99) - {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} .

{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ} ؛ أي: في هذه الدُّنيا {لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ أي: يُلعنونَ في الدنيا والآخرةِ.

{بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: رِفدُهم، والرفدُ

(1)

في (ك): "يقدمهم".

(2)

"بمعنى تقدمه" زيادة من (ك).

(3)

بعها في (م): "برشيد".

(4)

في (م): "ونزول".

(5)

في (ك): "بالعكس".

ص: 213

هو العطيةُ، وأصلُه: الذي يعينُ بهِ على المطلوبِ، قال قتادةُ: تزايدَتْ عليهم لعنتانِ من الله تعالى: لعنةٌ في الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ

(1)

. وكلُّ شيء جعلتَه عوناً لشيءٍ فقد رفدتَه به.

* * *

(100) - {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} .

{ذَلِكَ} مبتدأ {مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى} خبرُه؛ أي: ذلك النبأُ بعض أنباءِ القرى المهلَكة.

{نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} خبرٌ بعد خبرٍ؛ أي: مقصوصٌ عليك

(2)

.

{مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها؛ أي: بعضُها باقٍ على أمكنَتِها كالزرعِ القائمِ على ساقٍ، وبعضها باقي الأثرِ كالزرعِ الحصيدِ.

* * *

(101) - {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} .

{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بإهلاكِنا إياهُم {وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بارتكابِ الشركِ والمعاصي التي أُهلِكوا بها.

{فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ} : فما قدرَت أن تدفعَ عنهم بأسَ الله تعالى آلهتُهم {الَّتِي يَدْعُونَ} حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ أي: التي كانوا يعبُدونها {مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ أي: أصنامُهم التي اعتقدُوها آلهةً معبودةً.

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(12/ 566).

(2)

"عليك" سقط من (ك).

ص: 214

{مِنْ شَيْءٍ} : غناءً قليلاً.

{لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} : حين جاءَ عذاُبه ونِقمتُه {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} تخسيرٍ.

* * *

(102) - {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} .

{وَكَذَلِكَ} : ومثلَ ذلكَ الأخذِ {أَخْذُ رَبِّكَ} وقرئ: (أخَذَ ربُّكَ) بالفعلِ

(1)

ويكونُ محلُّ الكافِ النصبَ على المصدرِ.

{إِذَا أَخَذَ الْقُرَى} ؛ أي: أهلَها، وقرئ:(إذ)

(2)

لأن المعنى على الماضي.

{وَهِيَ ظَالِمَةٌ} حالٌ من القُرى، وهي في الحقيقةِ لأهلِها، لكنها لما أقيمت مُقامها أُجريَت عليها، وفائدتها الإشعارُ بأنهم أُخِذوا بظلمِهم، وإنذارُ كلِّ ظالمٍ ظلمَ نفسَهُ أو غيرَه من وخامةِ العاقبةِ.

{إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} من بابِ الإسنادِ المجازيِّ؛ لأنَّ الأخذ مؤلمٌ؛ كقولِه: ضربٌ وجيعٌ، ومعناهُ: صعبٌ على المأخوذِ حتى كان الآخذ تألَّمَ

(3)

مِن صعوبَتِه، ولا يخفى ما فيهِ من المبالغةِ في التهديدِ والتحذيرِ.

* * *

(103) - {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} .

(1)

نسبت للجحدري وأبي رجاء العطاردي، انظر:"تفسير الطبري"(12/ 572)، و"المحرر الوجيز"(3/ 206).

(2)

نسبت للجحدري، انظر:"تفسير الطبري"(12/ 572).

(3)

في (ك): "أليم".

ص: 215

{إِنَّ فِي ذَلِكَ} ؛ أي: فيما نزلَ بالأممِ الهالكةِ، أو فيما قصَّهُ اللهُ تعالى {لَآيَةً} لعبرةً {لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} لأنهُ ينظُرُ إلى ما نزَلَ بهم بسببِ ذنوبِهم فيعتَبرُ بهِ حالَ الآخرة، ويَعلم من شدَّتهِ شدةَ العذابِ الموعودِ وعظَمهِ فينزَجرُ، وأما الذي ينكِرُ الآخرةَ، أو لا يخطُرُ بباله أهوالها، فلا حظَّ لهُ من ذلك الاعتبارِ.

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى يوم القيامةِ لدلالة عذابِ الآخرةِ عليهِ.

{يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} للحسابِ والجزاءِ، و {النَّاسُ} فاعلٌ مجموعٌ؛ كأنهُ قيلَ: يومٌ يجمَعُ له الناسُ، والعدولُ من لفظ الفعلِ إلى لفظِ اسمِ

(1)

المفعولِ للدلالة على ثباتِ معنى الجمعِ لليومِ، وأنهُ موصوفٌ به صفةً لازمةً لا محالةَ، وأنَّه أثبتُ لإسناد الجمعِ إلى الناسِ؛ لأنَّه يفيدُ أنهم لا ينفكُّون عن الموصوفِ الذي هو ظرفٌ لهم، فهو أبلَغُ من قولِه:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} [التغابن: 9].

{وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} ؛ أي: مشهودٌ فيه، فاتُّسعَ في الظرفِ بإجرائه مجرى المفعولِ بهِ؛ أي: تَشهَدُ فيه الخلائقُ الموقفَ، لا يغيبُ عنه أحدٌ، والمرادُ بالمشهودِ: الذي كثُرَ شاهدوه، كما يقالُ: لفلانٍ مجلسٌ مشهودٌ، وطعامٌ محضورٌ، يريدون الكثرةَ.

ولو جعِلَ اليومُ مشهوداً في نفسِهِ لفاتَ الغرَضُ: وهو التعظيمُ لليومِ وتميُّزُه فإن سائرَ الأيام كذلكَ، والتهويلُ الحاصلُ من عدَمِ ذكر المشهودِ.

* * *

(104) - {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} .

(1)

"اسم" سقط من (ك).

ص: 216

{وَمَا نُؤَخِّرُهُ} ؛ أي: اليومَ {إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} : إلا لانتهاءِ مدةٍ معهودةٍ

(1)

قليلةٍ، على حذفِ المضافِ، وإرادةِ مدَّة التأجيلِ كلِّها بالأجَلٍ، لا منتهاها فإنه غيرُ معدودٍ.

* * *

(105) - {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} .

{يَوْمَ يَأْتي} وقرئ بكسرِ التاءِ والاكتفاءِ بالكسرة عن الياءِ

(2)

، والفاعلُ هو الله تعالى؛ كقوله:{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158]، ويؤيده قراءةُ:(وما يؤخِّره) بالياءِ

(3)

وقولُهُ: {بِإِذْنِهِ} ، أو اليوم كقولِه:{أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ}

(4)

[يوسف: 107]، والمرادُ من إتيانِ اليومِ: إتيانُ أهوالِه

(5)

وشدائدِه، فلا يلزَمُ أن يكونَ الزمانُ ظرفاً لنفسِه.

والعاملُ في الظرفِ: {لَا تَكَلَّمُ} أو الانتهاء المحذوف؛ أي: ينتهي الأجلُ يومَ تأتي، فلا حاجةِ إلى تقديرِ: اذكُر.

{لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ} : لا تتكلمُ بما ينفَعُ وينجي من جوابٍ أو شفاعةٍ.

{إِلَّا بِإِذْنِهِ} : إلا بإذنِ الله تعالى؛ كقوله: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [النبأ: 38] وهذا في موقفٍ، وقولُه:{هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35، 36] في

(1)

في (ك): "معدودة".

(2)

قرأ عاصِم وابن عامر وحمزة: {يَأتِ} بِغَيْر ياء، وأثبتها في الحالين ابن كثير، وأثبتها في الوصل نافع وأبو عَمرو والكسائيّ. انظر:"التيسير"(ص: 127).

(3)

نسبت للأعمش. انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 206)، و"البحر"(12/ 359).

(4)

في النسخ: "إلا أن تأتيهم الساعة"، وليس هناك آية بهذا اللفظ.

(5)

في (ك): "هوله".

ص: 217

موقفٍ آخرَ، وقولُه:{تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا}

(1)

في موقفٍ آخرَ، وقوله:{نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ} [يس: 65] في موقفٍ آخرَ.

ولما كان القولُ بتعدُّدِ المواقفِ مما لا بدَّ منه توفيقاً بين الآيات المذكورةِ فلا حاجةَ إلى تخصيصِ الممنوعِ عنه بالأعذارِ الباطلةِ، والمأذونِ فيه بالجواباتِ الحقة، بل لا وجه لهُ؛ لأن الشفاعةَ أيضاً مأذونٌ فيها، وليسَت من جنس الجوابِ.

{فَمِنْهُمْ} الضميرُ للناسِ المذكورِ، أو لأهلِ الموقفِ المدلولِ بقولِه:{لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ} .

{شَقِيٌّ} وجبَت له النارُ بمقتضَى الوعيدِ؛ تفصيلٌ لما فهِمَ من قوله: {لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} انقسامُهم إلى قسمين إجمالاً، وتقديمُ الشقيِّ على السعيدِ لأنَّه المفهومُ أولاً في مرتبة الإجمالِ.

{وَسَعِيدٌ} : وجبَت له الجنةُ بمقتضَى الوعدِ، والأصلُ: ومنهم سعيدٌ، فحذِفَ (منهم) اختصاراً، والتنكيرُ فيها للنوعيةِ.

* * *

(106) - {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} .

{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ} شروع في تفصيلِ أحوالِ الصنفَينِ المذكورَين بعدَ تفصيلِهما.

{لَهُمْ فِيهَا} تقديم الظرفَين

(2)

للتخصيصِ {زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} الزفيرُ: إخراج النفَسِ،

(1)

في النسخ: "يجادلون عن أنفسهم"، وليس هناك آية بهذا اللفظ.

(2)

في (ك): "الظرف".

ص: 218

والشهيقُ: ردُّهُ، واستعمالهما في أولِ الشهيقِ وآخرِه، وهما من أصواتِ المكروبين، ففيهِ تشبيهُ حالهم بحالِ مَن استولتِ الحرارةُ على قلبهِ، وانحصَر فيهِ روحُه؛ للدلالةِ على شدَّةِ كربهم وغمِّهم.

* * *

(107) - {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} .

{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} انتصابُ {خَالِدِينَ} على أنها حالٌ مقدَّرةٌ، و {مَا} مصدريَّةٌ ظرفيةٌ؛ أي: مدةَ دوام السماواتِ والأرضِ.

والمراد بهذا التوقيتِ التأبيدُ، على طريقةِ العربِ في قولهم: ما أقام ثبيرٌ، وما لاح كوكَبٌ، وغير ذلكَ مما يذكرُونَه في مقام المبالغةِ في نفي الانقطاعِ، ولا يسبِقُ إلى الفهمِ منها إلا التأبيدُ، لا تعليقُ مدَّتها بمدةِ بقائها.

ويجوزُ أن يرادَ التعليقُ، على أن المرادَ من السماوات والأرضِ: سماواتُ الآخرةِ وأرضُها، فإنه لا بدَّ لأهلِها من مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، ولا يلزَمُ في

(1)

التعليق بهما علمُنا بكيفياتهِما، بل يكفي تعقُّلُ أبديَّتِهم بين مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، وهو معلومٌ من النصوصِ، كقوله تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] وقولِه تعالى: {وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} [الزمر: 74] وليسَ فيه تشبيهُ ما يُعرَفُ بما لا يعرفُ كما توهِّمَ.

{إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} استثناءٌ من الخلودِ في عذاب النارِ؛ لأن الكفارَ يُنقلونَ من حرِّ النار إلى بردِ الزمهريرِ، والردُّ بأن النارَ عبارةٌ عن دارِ العقابِ غيرُ واردٍ؛

(1)

في (ك): "من".

ص: 219

لأنَّا لا ننكِرُ استعمال النارِ فيها تغليباً، أما دَعوى الغلبةِ حتى يُهجَر الأصلُ فكلَّا، ألا يُرى إلى قولِه تعالى:{نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14]{نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] وكم كم

(1)

؟

وأمَّا ما قيلَ: لأن بعضَهم وهو فسَّاقُ الموحِّدين يخرُجون منها، وذلك كافٍ لصحَّةِ الاستثناء؛ لأنَّ زوالَ الحكمِ عن الكلِّ يكفيهِ زوالُه عن البعضِ، وهم المرادُ بالاستثناءِ الثاني فإنهم مفارِقون عن الجنَّةِ أيامَ عذابِهم، فإن التأبيدَ من مبدأ معيَّنٍ ينتقِضُ باعتبارِ الابتداء كما ينتقِضُ باعتبارِ الانتهاء.

ففيه: أنَّ موجِبَ ذلك اندراجُ الفسَّاقِ في القسمَينِ فيفوتُ ما قُصِدَ بالتنكيرِ من التنويعِ والتميزِ بينهُما بحيث لا يندرِجُ أحدُهما في حكمِ الآخرِ، والتقابلُ المتعارَفُ بينهُما المفهومُ

(2)

من قولهِ عليه الصلاة والسلام: "السعيدُ سعيدٌ في بطنِ أمِّهِ، والشقيُّ شقيٌّ في بطنِ أُمِّه"

(3)

يأبى عن الجمعِ بينهُما بالاعتبارَينِ.

ثم إن الزفيرَ والشهيقَ من خواصِّ الكفارِ، وعلى ما ذكِرَ يلزَمُ تشريكُ الفساقِ معهم فيها

(4)

.

وأما ما ذكرَهُ ثانياً ففيهِ: أنه لا دلالةَ في اللفظِ على المبدأ المعيَّنِ، ولو سلِّمَ فالاستثناءُ يقتضي إخراجاً عن حكمِ الخلودِ، وهو لا محالةَ بعد الدخولِ، ولا يجوزُ

(1)

نقله الآلوسي في "روح المعاني"(12/ 115 - 116) بحرفه عن "الكشف" للقزويني.

(2)

"المفهوم" ليست في (ك).

(3)

رواه البزار في "مسنده"(2150) من حديث أبي هريرة، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 193)، وطرفه الأول رواه مسلم (2645) عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً، ورفعه ابن ماجه (46) بإسناد ضعيف كما قال البوصيري في "الزوائد".

(4)

"فيها" سقط من (ك).

ص: 220

أن يكون الاستثناءُ من قولِه: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} لأنَّ حق النظمِ حينئذٍ أن يقدَّمَ قولُه: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} على قولِهِ: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} .

{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} فلا يتَّجهُ الاعتراضُ عليهِ في تخصيصِه بعضَ أوقات الشقاءِ بأحدِ نوعَي العذابِ، وبعضَها بنوعِه الآخَرِ.

* * *

(108) - {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} .

{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} وقرئ: {سُعِدُواْ} على البناء للمفعول

(1)

من: سَعَده اللهُ، بمعنى: أسعدَهُ.

{إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} قال الزجَّاجُ: هذا من باب: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] و {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: 56]

(2)

.

وقيل: أهل الجنةُ ينعَّمونَ بما هو أعلى من الجنةِ؛ كالاتِّصالِ بجناب القدسِ، والفوزِ برضوان اللهِ تعالى ولقائه. ورُدَّ بأن ما ذُكرَ يحصُلُ وهم في الجنةِ، فيأبى الاستثناء.

{عَطَاءً} نصبٌ على المصدرِ المؤكِّدِ؛ أي: أُعطوا عطاءً، أو الحالِ من الجنةِ.

{غَيْرَ مَجْذُوذٍ} : غير مقطوعٍ، وهو تصريحٌ بأن الثوابَ لا ينقطِعُ، وتنبيهٌ على أن المرادَ من الاستثناءِ هاهنا ليس الانقطاعَ، وقولُه في الأشقياءِ: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا

(1)

قراءة حفص وحمزة والكسائي، والباقون على البناء للمعلوم. انظر:"التيسير"(ص: 126).

(2)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (3/ 79)، و"فتوح الغيب" للطيبي (8/ 203)، و"روح المعاني"(12/ 118).

ص: 221

يُرِيدُ} في مقابلةِ هذا القولِ في السعداءِ يرجِّحُ نقل الأشقياءِ إلى ما هو أغلَظُ من عذاب النارِ من عقوباتٍ يقتَضِيها سخَطُ اللهِ تعالى، وما يعلمها إلا هو.

* * *

(109) - {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} .

{فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ} المريةُ: التردُّدُ الحاصِلُ مع الشكِّ، لما قصَّ عليه السلام قصصَ عبدةِ الأوثانِ وما حلَّ بهم من أنواعِ العذابِ والنقَمِ أقبلَ عليه مسلِّياً

(1)

بقولِه هذا؛ أي: لا تكُن في تردُّدٍ بعدما أُنزِلَ إليكَ من

(2)

سوءِ عاقبة قومِكَ، ووبالِ عبادتهم الأوثانَ.

{مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} : من عبادةِ هؤلاء المشركينَ في أنها ضلالٌ مؤدٍّ إلى مثل ما حلَّ بمن قبلَهم ممن قصَصْتُ عليكَ سوءَ عاقبةِ عبادَتِهم، أو من حالِ ما يعبدون في أنه يضرُّ ولا ينفَعُ.

{مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} استئنافٌ لتعليل النهي من المريةِ؛ أي: إن حالهم في الشركِ مثلُ حالِ آبائهم من غيرِ تفاوتٍ، وقد بينَّا لك ما نزلَ بآبائهم بسببِه، فينزِل

(3)

عليهم مثلُه؛ لأن التماثُلَ في الأسبابِ يقتضي التماثلَ في المسبَّباتِ.

ومعنى {كَمَا يَعْبُدُ} : كما كان يعبد، فحذِفَ لدلالةِ {قَبْلُ} عليهِ.

(1)

في (ف): "متلبساً"، وفي (م):"متسلياً".

(2)

في (ك) و (م): "في".

(3)

في (ك) و (م): "فينزلن".

ص: 222

{وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} : حظَّهم من العذابِ كما وفَّينا آباءهم أنصباءَهم، أو من الرزق فيكونُ عذرًا لتأخيرِ العذابِ عنهم

(1)

مع قيامِ مُوجِبِه.

{غَيْرَ مَنْقُوصٍ} نصب حالًا عن النصيبِ تقييدًا له؛ لدفعِ احتمالِ أن يكونَ منقوصًا في حدِّ نفسِه عما يستحقُّونَه، وتَوفِّيه لا يدفَعُ هذا الاحتمالَ، ومَن لم يتنبَّه لهذا قالَ: إنهُ لتقييدِ التوفيةِ؛ فإنك تقولُ: وفيتُه حقَّهُ، وتريدُ به وفاءَ بعضِه ولو مجازًا.

وأمَّا مَن قالَ

(2)

: يجوزُ أن يوفَّى وهو ناقصٌ، ويوفَّى وهو كاملُ، ألا تراكَ تقولُ: وفيتُه شطرَ حقِّهِ، وثلُثَ حقِّه، وحقَّهُ كاملًا وناقصًا= فلم يُصِب في التنويرِ؛ لأن أوَّلهُ بمعزِلٍ عما فيه الكلامُ، وآخرَه ليس بتمام؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

* * *

(110) - {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} .

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ} فآمَن به قومٌ، وكفر به قومٌ، كما اختلَف هؤلاء في القرآن.

{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} ؛ أي: قضاءٌ سبقَ بتأخيرِهم إلى يوم القيامةِ.

{لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} : بينَ قوم موسى عليه السلام، أو: بينَ قومِكَ، وميّزَ بين المحقِّ والمبطِل.

{وَإِنَّهُمْ} : وإن كفَّارَ قومِكَ {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} : من القرآنِ {مُرِيبٍ} : موقعٍ في الريبةِ والقلَقِ، وهذه الآيةُ من جملة التسليةِ له عليه السلام.

(1)

"عنهم" سقط من (ك).

(2)

هو الزمخشري. انظر: "الكشاف"(2/ 432).

ص: 223

(111) - {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

{وَإِنَّ كُلًّا} : التنوينُ عوَضٌ عن المضاف إليهِ؛ أي: جميعُ المختلفينَ فيهِ المؤمنينَ والكافرينَ، وقرئ بالتخفيف

(1)

على إعمالِ المخفَّفةِ اعتبارًا للأصلِ.

{لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} : اللام الأُولى موطِّئةٌ للقسَمِ والثانية للتأكيدِ، أو بالعكس، و (ما) مزيدةٌ بينَهُما للفصلِ.

وقرئ: {لَمَّا} بالتشديد

(2)

على أن أصلَهُ: (لَمِن ما) فقلبَتِ النونُ ميمًا للإدغامِ، فاجتمعَتْ ثلاثُ ميماتٍ، فحذفَت أولاهن، والمعنى: لَمِن الذين يوفينَّهم ربُّكَ جزاءَ أعمالهم.

وقرئ: {لَمَّا} بالتنوين

(3)

؛ أي: جمعًا، وقرئ:(وإنْ كلٌّ لمَّا) على أنَّ (إنْ) نافية و (لمَّا) بمعنى: إلا

(4)

، وقد قُرئ به

(5)

.

{إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فلا يفوتُ شيءٌ منهُ وإن خَفِي.

* * *

(112) - {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} لمَّا بيَّنَ أمرَ المختلِفِين في التوحيدِ والنبوةِ، وبالغَ في الوعد والوعيدِ، أمر نبيَّهُ عليه السلام بالاستقامةِ كما أُمرَ به في العقائدِ والأعمالِ من

(1)

قراءة نافع وابن كثير وأبي بكر، والباقون:{وَإِنَّ} بالتشديد. انظر: "التيسير"(ص: 126).

(2)

قراءة عاصم وحمزة وابن عامر، وخففها الباقون. انظر:"التيسير"(ص: 126).

(3)

نسبت للزهري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 61).

(4)

نسبت لأبي. انظر: "الكشاف"(2/ 432).

(5)

نسبت لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "الكشاف"(2/ 432).

ص: 224

وظائفِ العباداتِ، والتبليغِ كما أُنزِلَ إليهِ، وبيانِ الشرائعِ جامعًا بين التنزيهِ والتشبيهِ في التوحيد

(1)

، محترِزًا عن الإفراطِ والتفريط في الأعمالِ، محتاطًا في التبليغِ والتشريعِ، والفاءُ للسببيةِ؛ أي: إذا كان جزاءُ الكلِّ عليهِ لا عليكَ، فاستقِم أنت فيما أُمِرت بهِ، والكافُ في محلِّ النصبِ صفةٌ للمصدرِ؛ أي: استقامةً مثل الاستقامةِ التي أُمِرت بها.

{وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} : عطفٌ على المستترِ في {فَاسْتَقِمْ} وحسُنَ من غيرِ تأكيدٍ للفصلِ؛ أي: فليستقِم مَن تاب معكَ من الكفرِ، وآمَن في اتِّباعه في العقائدِ والأعمالِ سالكًا سبيلَ الأمرَينِ دونَ ما هوَ مخصوصٌ بهِ عليه السلام.

ولِمَا في هذه الضَّميمَةِ من تبليغِ ذلكَ الأمرِ العسير إلى غايةِ العسرِ

(2)

قالَ النبيُّ عليه السلام: "شيَّبتْني سورةُ هودٍ"

(3)

؛ أي: خصَّ هذه السورةَ بالذكرِ، وإلا فالأمرُ بالاستقامة واردٌ في سورة الشعراءِ.

{وَلَا تَطْغَوْا} : ولا تخرجُوا عما حدَّ لكم فتعتَدوا.

{إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فهو مجازِيكم به، وهو في معنى التعليلِ للأمرِ والنهيِ.

(1)

"في التوحيد" من (م). ولعل المراد من العبارة: (جامعًا بين التنزيه والتأويل)، على مذهب الخلف، أما البيضاوي فعبارته:(كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونًا من الطرفين) وقال الشهاب: (والتوسط بين التشبيه والتعطيل - أي: للصفات - هو مذهب أهل الحق). انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 142).

(2)

في (ك): "العسر غاية العسر"، وفي (ف):"العسر" وسقط الباقي.

(3)

رواه الترمذي (3297) وحسنه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه:"شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت".

ص: 225

وفي الآيةِ دليل على وجوب اتباعِ النصوصِ من غيرِ تصرُّفٍ وانحرافٍ بمجرَّدِ الرأي، وأما التصرُّفُ بمقتضى الاجتهادِ فيما يُحتاج إليهِ فليسَ بمنهيٍّ عنهُ، بل مأمورٌ به على ما وردَ به النصوصُ، والتصرُّفُ بالقياسِ والاستحسانِ من المجتهدينَ من هذا القبيلِ.

* * *

(113) - {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} .

{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} الركونُ: الميل اليسيرُ؛ أي: ولا تميلوا ميلًا مّا إلى مَن وجِدَ منه ظلمٌ، ولم يقل: إلى الظالمينَ للمبالغةِ في النهيِ، كأنه قيلَ: لا يوجد منكُم أدنى ميلةٍ إلى مَن صدرَ منهُ وقتًا مّا ظلم مّا فضلًا عن الميلِ الكثيرِ إلى الذين عادتُهم الظلمُ، فكيفَ بالظلمِ؟

ويتناوَلُ مصاحبَتهم، ومداهنتَهم في أعمالِهم، والانحطاطَ إلى هواهُم، والتزيِّيَ بزيِّهم، ومدَّ العين إلى زمرتِهم، وتعظيمَهم

(1)

، وإنما قالَ:{إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} دون: إلى الذي ظلَمَ؛ لأن كونَهم جماعةً مظِنَّةُ الرخصةِ في مداهَنتِهم، فالنهيُ عن ركونِهم أبلَغُ، والآيةُ أبلغُ ما يتصوَّرُ في النهي عن الظلم والتهديدِ عليهِ.

{فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} بالركونِ إليهم، وخطابُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم للتثبيتِ على الاستقامةِ التي هي العدلُ، وإيعادُهم بالنار مع سلبِ الولاية والنصرة عنهُم عند أدنى انحرافٍ منهم عن جادَّةِ العدلِ إلى مَن وجِدَ منهُ ضدُّهُ، مع كونِه عليه السلام أحبَّ الخلائق

(1)

في (ف) و (م): "وتعظمهم".

ص: 226

إليهِ، زيادةُ تأكيدٍ في المبالغةِ، فإن الميل إلى أحدُ طرفي الإفراطِ والتفريطِ ظلمٌ في نفسِه سواءٌ كان على نفسِ الظالم أو غيره.

{وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} : من أنصارٍ يمنعونَكُم مِن عذابهِ، حالٌ من قولِه:{فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} ، وإنما أتى بصيغَةِ الجمعِ لمكان {لَكُمْ} وإلا فنفيُ المفرَدِ أبلغُ.

{ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} هو أيضًا إذا سبقَ حكمُهُ بتعذيبِكُم فلا يبقى عليكُم، ومعنى {ثُمَّ} استبعادُ نصرَتِه لهم بعدَ الحُكمِ باستيجابِهم العذابَ.

* * *

(114) - {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} .

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} : غدوةً وعشيةً، وانتصابُه على الظرفيةِ لإضافتِه إلى الوقتِ.

{وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} : وساعاتٍ منه قريبةٍ من النهارِ، فإنه مِن أزلفَه إذا قرَّبهُ، وهو جمع زلفةٍ، عطفٌ على طرفي النهارِ، وإن فسر بـ: قُرَب

(1)

، فالوجهُ أن يعطفَ على {الصَّلَاةَ}

(2)

؛ أي: وأقم صلواتٍ تتقرَّبُ بها إلى اللهِ تعالى في بعض الليلِ، وصلاةُ الغدوة: الفجرُ، وصلاة العشية: الظهرُ والعصرُ؛ لأن ما بعد الزوالِ عشيٌّ، وصلاة الزُّلَفِ: المغربُ والعشاءُ.

(1)

في النسخ: "بقربى"، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(2/ 435)، وفيه:{وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} : وقُرَبًا من الليل

). وضبطها من نسخة خطية ضبطها جيد لـ "الكشاف".

(2)

أي: أقم الصلاة طرفي النهار وأقم زلفًا من الليل. انظر المصدر السابق.

ص: 227

وقرئ: (زُلْفَى) بمعنى: زُلفَة

(1)

؛ كقُربى وقُربةٍ.

{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} : يكفِّرنها، وفي الحديثِ:"إن الصلاةَ إلى الصلاةِ كفارةٌ لما بينهُما ما اجتنبتِ الكبائرُ"

(2)

، أو ينفينَ السيِّئاتِ بمعنى: يُزِلن استعدادَ ارتكابِها كقولِه: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى قولهِ: {فَاسْتَقِمْ} وما بعدَه {ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} : عظةٌ للمتَّقينَ.

* * *

(115) - {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} .

{وَاصْبِرْ} كرَّرَ التذكيرَ بالصبرِ بعد ما جاءَ بما هو خاتمةٌ للتذكيرِ؛ للدلالةِ على فضيلة الصبرِ وزينتِه

(3)

، والتنبيهِ على علوِّ شأنِه ومكانتِه، كأنهُ قالَ: وعليكَ بما هو أهمُّ بما ذكِّرت بهِ، وأخَصُّ بالتوصيةِ في بابه، وهو الصبرُ على امتثالِ ما أُمِرتَ بهِ، والانتهاءِ عما نهيتَ عنهُ، فلا يتمُّ شيءٌ إلا به.

{فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} : تعميمٌ كالتعليلِ بالبرهانِ للأوامرِ والنواهي المذكورةِ من قولِهِ: {فَاسْتَقِمْ} إلى قوله: {فَاصْبِرْ} ، وإنما عدلَ عن الضميرِ إيماءً إلى أن الصلاةَ والصبرَ إحسانٌ إلا أنه لا يُعتدُّ بهما دونَ الإخلاصِ به.

* * *

(1)

نسبت لمجاهد وابن محيصن. انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 212).

(2)

رواه مسلم (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

في (ك): "ومرتبته".

ص: 228

(116) - {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} .

{فَلَوْلَا كَانَ} (لولا) هنا للتحضيضِ، ضمَّنَها معنى التوجُّعِ والتأسُّفِ الذي ينبغِي أن يقعَ من البشرِ على هذه الأممِ الذي لم تهتَدِ.

{مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} : أولو فضلٍ وصبرٍ، وإنما سمِّي بقيةً لأن الرجل يستبقِي مما يخرجِهُ

(1)

أجودَه وأفضلَهُ، فصارَ مثلًا في الجودة والفضلِ، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجالِ بقايا، وقوله عليه السلام في العباس رضي الله عنه:"هذا بقيَّةُ آبائي"

(2)

.

ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا كالتقيَّة

(3)

؛ أي: ذوو إبقاءٍ على أنفُسِهم وصيانةٍ لها من العذابِ، ويؤيدهُ أن قرئ:(بَقْيَةٍ)

(4)

، وهي المرةُ مصدرُ بَقَاه يَبْقِيهِ: إذا راقبه.

{يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} ؛ أي: ولكنَّ قليلًا ممن أنجينا من القرونِ نهوا عن الفساد وأكثرُهم تاركون للنهيِ، على أن (مِن) للبيانِ لا

(1)

في (ف): "مما يحترمه".

(2)

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(32212) عن مجاهد مرفوعًا مرسلًا، والطبراني في "الكبير"(11107) من حديث ابن عباس، وفي "الأوسط"(4209) من حديث الحسن بن علي، رضي الله عنهم، وفي إسناديهما ضعف.

(3)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 151). وعند غير البيضاوي فيه تفصيل، ولفظه:(ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى). انظر: "الكشاف"(2/ 437)، و"تفسير أبي السعود"(4/ 246)، و"روح المعاني"(12/ 155).

(4)

ذكرها الزمخشري دون نسبة، انظر:"الكشاف"(2/ 437).

ص: 229

للتبعيضِ؛ لأن النجاةَ إنما هي للناهينَ وحدَهم؛ لقولِه: {أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} [الأعراف: 165].

ولا يجوزُ أن يكون الاستثناءُ متَّصلًا على الظاهر؛ لفسادِ المعنى؛ لأنَّه يكونُ تحضيضًا لأولي البقية على النهيِ عن الفسادِ إلا للقليلَ من الناجينَ منهم

(1)

، ولكن إن استثني من النفي اللازمِ للتحضيض جازَ كونُه متصلًا؛ كأنه قيلَ: ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ ينهَون عن الفسادِ إلا قليلًا، وإن كان الأفصَحُ أن يُرفَعَ على البدلِ.

{وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} : تركوا النهيَ عن المنكراتِ {مَا أُتْرِفُوا} ما أُنعِموا {فِيهِ} منَ الشهواتِ، واهتمُّوا بتحصيلِ أسبابها، وأعرَضُوا عما وراء ذلكَ.

{وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} كافرينَ، كأنه أرادَ أن يبينَ ما كان السببَ لاستئصالِ الأممِ السالفةِ، وهو فشوُّ الظلمِ فيهم

(2)

، واتِّباعُهم للهوى مع الكفرِ.

و {وَاتَّبَعَ} عطفٌ على مضمرٍ دلَّ عليه الكلامُ، إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفسادِ واتبعَ الذين ظلَموا

{وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} عطفٌ على {أُتْرِفُوا} ؛ أي: اتَّبعوا ما أترِفوا فيهِ وعادتُهم التمادي في الإجرامِ، أو على {اتَّبِعْ} ، أو اعتراضٌ

(3)

.

(1)

كما تقوله: (هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضَّضين على قراءة القرآن). انظر: "الكشاف"(2/ 437).

(2)

في (م): "منهم".

(3)

في (م): "واعتراض"، وسقطت الجملة من (ف) و (ك)، والصواب المثبت. انظر:"الكشاف"(2/ 438)، و"روح المعاني" (12/ 159). قال الزمخشري:(ويجوز أن يكون اعتراضًا وحكمًا عليهم بأنهم قوم مجرمون). وقال الآلوسي: (وأن تكون الجملة اعتراضًا بناء على أنه قد يكون في آخر الكلام عند أهل المعاني).

ص: 230

وقرئ: (وأُتبعَ)

(1)

؛ أي: وأتبِعوا جزاءَ ما أُترِفوا، فيكونُ الواو للحالِ، ويجوز أن يفسَّرَ به المشهورةُ، ويعضدُه تقدُّمُ الإنجاء.

* * *

(117) - {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} .

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى} اللامُ لتأكيدِ النفي {بِظُلْمٍ} حالٌ من الفاعلِ، والتنكيُر للتعظيمِ، والإشارةِ إلى أن إهلاكَ المصلِحينَ ظلمٌ عظيمٌ، ولذلكَ أكدَ النفيَ باللامِ، وكذا إن فسِّرَ الظلمُ بالشركِ، والباء للسببيةِ؛ أي: لا يهلِكُكم بسببِ ظلمٍ أعظمَ منهُ.

{وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} : حالَ كونِهم مصلِحين ما بينَهم بالعدالةِ؛ لكمالِ رأفَتِه ورحمَتِه بالعبادِ ومساهلَتِه في حقِّهِ، ومن ثمةَ قدَّمَ الفقهاءُ عند تزاحُمِ الحقوقِ حقوقَ العبادِ؛ أي: وما صحَّ أن يهلِكَ ربُّكَ القرى ظالمًا لها تنزيهًا لذاتِه من الظلمِ، أو بسببِ شركِ أهلِها ما لم يضمُّوا إلى الشركِ إفسادًا فيما بينهُم، ولذلك قيلَ: المُلك يبقَى مع الكفرِ، ولا يبقَى مع الظلمِ.

* * *

(118) - {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} .

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} على ملةِ الإسلام كُلِّهم، وهو دليل على أن الأمرَ لا يستلزِمُ الإرادةَ، وأنَّه تعالى قادرٌ على إيقاعِ ما أرادَهُ في الخصوصِ المذكورِ، وأمَّا أنَّ كلَّ ما أرادَهُ يجِبُ وقوعُه فلا دلالةَ فيما ذُكِر عليهِ.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 61)، و"المحتسب"(1/ 331).

ص: 231

{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} : بعضُهم على الحقِّ، وبعضُهم على الباطلِ كما ترى

(1)

.

* * *

(119) - {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .

{إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} : إلا قومًا هداهم الله تعالى مِن فضله فاتَّفقوا على دين الحقِّ وملةِ التوحيدِ.

{وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} الضميرُ للقومِ، والإشارةُ إلى الاختلافِ، واللامُ للعاقبةِ؛ أي: ولِمَا هم عليه من الاختلافِ خلقَهم؛ ليتميَّز المحِقُّ من المبطِل، ويترتَّبَ الثوابُ والعقابُ على العقائدِ والأعمال.

{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} : وعيدُه، أو قولُه للملائكةِ:

{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} ؛ أي: مِن عصاتِهما {أَجْمَعِينَ} : لا مِن أحدهما؛ ففيه دفعُ

(2)

احتمالِ أن يكونَ الإملاءُ من أحدِهما، ويضافَ إليهما؛ كما في قوله تعالى:{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] والمرادُ استيعابُ الصِّنفَين لا استيعابُ أفرادِهما.

* * *

(120)

- {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} .

(1)

"كما ترى" ليست في (ك).

(2)

في (م): "رفع".

ص: 232

{وَكُلًّا} مفعولُ {نَقُصُّ} في: {نَقُصُّ عَلَيْكَ} والتنوينُ بدلٌ من المضافِ إليهِ؛ أي: نبأ.

وقولُهُ: {مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ} بيانُ {وَكُلًّا}

(1)

؛ أي: نخبرُك به {مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} بدل منهُ

(2)

.

أو {وَكُلًّا} مصدرٌ، أي: وكلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، على معنى: وكلَّ نوعٍ وأسلوبٍ من أنواع القَصصِ وأساليبِه نقصُّ عليكَ، و {مَا نُثَبِّتُ بِهِ} مفعولُ {نَقُصُّ} .

ومعنى تثبيت فؤادِه عليه السلام: طمأنينةُ قلبهِ، وزيادةُ يقينهِ، والتأسِّي بهم في الثباتِ والصبرِ على تبليغ الرسالةِ وتحمُّلِ الأذى؛ كقولِه:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]، وذلكَ لأنَّ المشاركة في الأمورِ الصعبةِ تهوِّنُ ما يلقى الإنسان من الأذى، والإعلامُ بما جرى على المكذِّبين من العقوباتِ المستأصِلةِ بأنواعِ العذابِ مِن غرقٍ وريحٍ ورجفةٍ وخسفٍ

(3)

فيهِ طمأنينة النفسِ

(4)

وتثبيتٌ.

{وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ} السورةِ، أو: الأنباءِ المقتصَّةِ عليكَ {الْحَقُّ} : ما هو الحقُّ {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى} إشارةٌ إلى سائرِ فوائده العامَّةِ، وإنما قالَ:{لِلْمُؤْمِنِينَ} إذ لا ينتَفِعُ بها إلا المؤمن.

* * *

(1)

قوله: "بيان كلا"، منعه الآلوسي، وجعله بيان المحذوف المضاف إلى (كل)، فقال: وقوله تعالى: {مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ} صفة لذلك المحذوف لا لـ {وَكُلًّا} ؛ لأنها لا توصف في الفصيح كما في "إيضاح المفصل". انظر: "روح المعاني"(12/ 168).

(2)

في النسخ: "بدلًا منه"، والصواب المثبت. انظر:"روح المعاني"(12/ 168).

(3)

"وخسف" سقط من (ك).

(4)

"النفس" سقط من (ك).

ص: 233

(121) - {وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} .

{وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعامِ.

* * *

(122) - {وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} .

{وَانْتَظِرُوا} بنا الدوائرِ {إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} أن ينزِلَ بكُم ما نزَلَ على أمثالِكُم.

* * *

(123) - {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .

{وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} خاصةً دونَ غيرِه، ولا يخفى عليه خافيةٌ فيهِما فلا يخفى عليهِ أعمالُكم.

{وَإِلَيْهِ} خاصَّةً لا إلى غيرِه {يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} فلا بدَّ أن يرجِعَ إليه أمرُكَ وأمرُهم، فينتقِم لك منهم.

{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} فإنه كافيكَ، وتقديمُ العبادةِ على التوكلِ للتنبيه على أن التوكلَ إنما لا

(1)

يصحُّ إلا بعد تخصيصِه بالعبادةِ، والانسلاخِ عن أفعال النفسِ إلى المأمورِ به.

{وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أنتَ وهم، فيجازيكَ بما تستحقُّ من الثوابِ، ويجازيهم بما يستحقُّون من العقابِ، والله أعلَمُ بالصوابِ.

* * *

(1)

"لا" سقطت من (م). والأولى في العبارة حذف "إنما" وإثبات "لا".

ص: 234

‌سُورَةُ يُوسُفَ

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) - {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} .

{الر تِلْكَ} إشارةٌ إلى السورة {آيَاتُ الْكِتَابِ} : القرآن.

{الْمُبِينِ} : الظاهرِ، مِن أبانَ بمعنى: بان، والمراد: ظهور إعجازه، وهو ها هنا بمنزلة قوله:{لَا رَيْبَ فِيهِ} في قوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2].

ويجوز أن يكون من أبان بمعنى بيَّن؛ أي: المبينِ لِمَا سأله اليهود عن سبب انتقال آل يعقوب عليهم السلام من الشام إلى مصر، وعلى هذا تكون {تِلْكَ} إشارةً إلى آيات السورة، وهو المراد بالكتاب.

* * *

(2) - {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} أراد تعظيم الكتاب المذكور بإسناد إنزاله إلى نفسه.

{قُرْآنًا} أي: حالَ كونه مقروءًا، وليس فيه إطلاق اسم

(1)

الكلِّ على الجزء؛ لأن مبناه على كون القرآن عَلَمًا بالغلَبة وذلك بعد النزول فلا وجه لاعتباره عنده.

(1)

"اسم" من (م).

ص: 237

{عَرَبِيًّا} ؛ أي: كسوناه للقَرَأة

(1)

كسوةَ العربية، وهو كالتعليل لكونه مبنيًّا على المعنى الأول.

{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} : إرادةَ أن تفهموا حقائق معانيه ودقائقَ مبانيه، وما في عبارته من الأسرار والإشارات؛ إذ هي لغتكم كما أَنزل التوراةَ على أهلها بلغة العبريِّ، والإنجيل بلغة السُّريانيِّ لذلك.

وفيه إشارة إلى أن حقيقة كلام الله تعالى منزَّهة في كلاميتها عن كسوة الحروف واللغات، ولكنَّ الخلق محتاجون في تعقُّل معانيها إليه.

* * *

(3) - {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} .

{نَحْنُ} زيادةُ تأكيد لـ (إنَّ).

{نَقُصُّ} دالٌّ على معنى الجمع.

{عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} ؛ أي: قَصَصًا أحسنَ القَصَص، وهو مصدر بمعنى الاقتصاص، ويجوز أن يراد به المفعول

(2)

، أو مفعول لـ {نَقُصُّ} .

وهو في الأصل: تتبُّع الشيء، ومنه:{وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص: 11]؛ أي: تتَبَّعي أثره، والقاصُّ يتتبَّع الآثار فيُخبر بها.

(1)

في (م): "القراءة".

(2)

أي: مصدر بمعنى المفعول كالسَّلَب بمعنى المسلوب، والتقدير: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث. انظر: "الكشاف"(2/ 441)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 154).

ص: 238

والحُسن عائد إلى القصَص، يقال: فلان حَسَنُ الاقتصاص للحديث؛ أي: السِّيَاقة له، أو إلى القصة فإنها أتمُّ القِصص المذكورة في القرآن وأشملُها لأنواع العبر وأصنافِ الحِكَم.

ويجوز أن يكون المعنى: لعلكم تعقلون أنه منزلٌ من عند

(1)

الله تعالى، وذلك أن الدليل عليه إعجازه؛ لغاية بلاغته ونهاية فصاحته، وبلوغُه إليها لكونه على لسان العرب لأنَّه أفصح الألسنة وأبلغها، وعلى هذا يكون تمهيدًا لِمَا ذكر بقوله:

{بِمَا أَوْحَيْنَا} أي: بإيحائنا {إِلَيْكَ} بواسطة جبريل عليه السلام، وإنما أسقط الواسطة تشريفًا للموحَى والموحَى إليه.

{هَذَا} يجوز أن يكون مفعولَ {نَقُصُّ} على أن {أَحْسَنَ} نصبٌ على المصدر، والإشارة المتضمِّنة للتقريب بذكر المقصود المذكور.

{الْقُرْآنَ} نعتٌ لـ {هَذَا} ، أو بدل منه أو عطفُ بيان، وأجاز الزجَّاج الرفع على إضمار مبتدأ، كأن سائلًا سأل عما أُوحي فقيل: هو هذا القرآن

(2)

.

وأجاز الفرَّاء الخفض على التكرير

(3)

. وهو عند البصريين على البدل من (ما).

وعلى هذين التقديرين يجوز أن تكون (ما) موصولةً والعائدُ محذوف والباء بمعنى (في)، وعلى هذا يجوز أن يكون نصبُ {هَذَا الْقُرْآنَ} على الاختصاص أو بيانًا للمحذوف، والمراد بالقرآن: السورة.

(1)

"عند" من (ك).

(2)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (3/ 88). وأجاز الزجاج أيضًا الجر على البدل من قوله: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ، فيكون المعنى: نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن.

(3)

انظر: "معاني القرآن" للفراء (2/ 32). ويعني بالتكرير البدل كما سيأتي، وهو القول الذي ذكرناه عن الزجاج من كونه بدلًا من قوله:{بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} .

ص: 239

{وَإِنْ كُنْتَ} (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة.

{مِنْ قَبْلِهِ} الضمير راجع إلى (ما أوحينا)، والمعنى: وإن الشأن كنتَ من قبل

(1)

إيحائنا إليك {لَمِنَ الْغَافِلِينَ} عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، وهو تعليل لكونه موحًى، كنى بالغفلة عن عدم العلم بالكلية إجلالًا لشأنه عليه السلام، فإن في التصريح بكونه من الجاهلين ما لا يخفى، ومن الغافلين عمَّا في هذا الكلام من الاحترام مَن قال في تفسيره: أي: من الجاهلين.

* * *

(4) - {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} .

{إِذْ قَالَ} بدلٌ من {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} بدلَ الاشتمال على أنه مفعول، أو نصبٌ بإضمار اذكر.

{يُوسُفُ} اسم عبراني؛ إذ لو كان عربيًّا لصُرف؛ لخلوِّه عن سببٍ آخر سوى التعريف.

وقرئ بفتح السين وكسرها

(2)

على التلعُّب

(3)

به، لا على أنه مضارعٌ بُني للمفعول أو الفاعل من أَسِفَ؛ لأن القراءة المشهورة شهدت بعَجميته

(4)

.

(1)

في (م): "قبيل".

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 62)، و"الكشاف"(2/ 441).

(3)

في (ف): "التقلب"، وفي (ك) و (م):"التلقب"، وكلاهما تصحيف. والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 154)، و"تفسير أبي السعود" (4/ 251). قال الشهاب في "الحاشية" (5/ 153):(التلعب: كثرة التغيير فيه، شبِّه بالكرة ونحوها مما يُلعب به فتتداوله الأيدي، ولذا قالوا: أعجمي فالعب به ما شئتا).

(4)

في (ك): "بعجمته".

ص: 240

{لِأَبِيهِ} يعقوبَ عليه السلام: {يَاأَبَتِ} أصله: يا أبي، عوِّض تاءُ التأنيث عن الياء لتَناسُبهما في الزيادة، ولذلك قُلبت في الوقف هاءً

(1)

، وقرئ بالفتح

(2)

لأنها حركةُ أصلِها

(3)

، ولم تسكَّن كأصلها لأنها حرفٌ صحيح نزِّل منزلة الاسم فوجب تحريكها ككاف الخطاب، أو لأنَّه كان: يا أبتا، فحذفت الألف

(4)

واكتُفي بالفتحة. وإنما جاز: يا أبتا، ولم يجُز: يا أبتي؛ لأنَّه جمعٌ بين العِوَض والمعوَّض عنه.

وقرئ بالضم

(5)

إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنَّثة بالتاء من غير اعتبارِ التعويض، كقولك: يا ثُبة

(6)

.

{إِنِّي رَأَيْتُ} من الرؤيا لا من الرؤية، لا لأنَّه لو كانت في اليقظة لكانت آيةً عظيمةً ليعقوب عليه السلام، ولَمَا

(7)

خَفِيَت عليه وعلى الناس؛ لأنَّه يجوز أن يكون إرهاصًا ليوسف، والكرامةُ لا يلزمها أن يطَّلع عليها صاحبها، وأما اطِّلاع الناس عليه فإنما يَلزم أنْ لو كان سجودهنَّ مجتمعينَ في الأرض، ولا دلالة عليه فيما ذُكر= بل لأن قوله:{لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} وقولَه: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ} صريحان فيه.

(1)

قلبها في الوقف هاء ابن كثير وابن عامر. انظر: "التيسير"(ص: 60 و 127).

(2)

قراءة ابن عامر. انظر: "التيسير"(ص: 127).

(3)

أي: لأنّ أصلها - وهو الياء - إذا حرّك حرك بالفتح، وإن اختلف في أصلها: هل هو البناء على السكون لأنَّه الأصل في كل مبني، أو الفتح لأنَّه أصل ما كان على حرف واحد. انظر:"حاشية الشهاب"(5/ 153).

(4)

"فحذفت الألف" من (م).

(5)

انظر: "الكشاف"(2/ 442).

(6)

في (ك) و (م): "يا أبة"، والمثبت من (ف) وهو الصواب. قال الطيبي في "فتوح الغيب" (8/ 247): الثُّبَة: الجماعة، وأصلها: ثُبْيٌ، والجمع: ثُبَات وثبونَ وأثابي.

(7)

في (ف) و (ك): "ربما"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في "الكشاف"(2/ 443).

ص: 241

{أَحَدَ عَشَرَ} وقرئ بسكون الشين لاجتماع ستِّ فتحات

(1)

، وروي بسكون العين

(2)

لطول الاسم وكثرة الحركات.

{كَوْكَبًا} نصبٌ على التمييز.

{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} إنما أخرجهما عن الكواكب ليَعطفهما عليها؛ بيانًا لفضلهما واستبدادهما بالمزيَّة على سائر الطوالع.

{رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} استئنافٌ ببيان حالهم التي رآهم

(3)

عليها، وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، ويجوز أن يكون الأول لبيان مشاهدتهم في المنام على وجه التفصيل والثاني لبيان مشاهدتهم جملةً مجتمعِينَ في السجود له، فالإعادةُ للإفادة، وتقديمُ الظرف للاهتمام والعنايةِ لما هو الأهمُّ وفي ضِمْنِه رعايةُ الفاصلة.

* * *

(5) - {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .

{قَالَ يَابُنَيَّ} تصغيرُ ابن للشفقة، أو لصِغَر السن.

{لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} الرؤيا في المنام، والرؤيةُ في العين، والرأي في القلب، والرؤيا كالرؤية غيرَ أن إحداهما مختصةٌ بما يكون في النوم والأخرى بما يكون في اليقظة، وفرِّق بينهما بحرفي التأنيث كالقُرْبَى والقُرْبةِ.

(1)

لم أجدها.

(2)

هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: "النشر"(2/ 279).

(3)

في النسخ: "رآها"، والمثبت من "تفسير البيضاوي" (3/ 155). وقوله:"ببيان" من (ك)، وفي (ف) و (م):"بيان"، وعند البيضاوي:"لبيان".

ص: 242

{عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ} منصوبٌ بإضمارِ (أنْ) جوابًا للنهي، والمعنى: إن قصَصْتَها عليهم كادُوكَ لأنهم يعلمون تأويلها فيحتالون في هلاكك، والكيد: الأخذ على خفاءٍ، وإنما أتى باللام، ولم يقل: فيكيدوك، كما قيل:{فَكِيدُونِي} [هود: 55]؛ لأنَّه ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو احتال

(1)

، ليفيد معنى الفعلين مبالغةً وتأكيدًا في التحذير، ولذلك أكده بالمصدر

(2)

.

{كَيْدًا} منكورًا بعيدًا عن فهمك، وهو معنى تنكيرها وإبهامها، والمقصود زيادة مبالغة في التخويف، ولذلك استأنف قوله:

{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} على تقدير سؤال، كأن يوسف استبعد وقوع الكيد في حقه من إخوته، فأزال استبعاده ببيان مَنشئه، يعني: إن الشيطان ظاهرُ العداوة للإنسان كما فعل بآدم وحواء، فهو يحمل على الكيد والمكر وكلِّ شرٍّ ليورِّط مَن يحمل، فلا يؤمَنُ أن يحملهم على مثله.

* * *

(6) - {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} .

{وَكَذَلِكَ} محله النصب على المصدر؛ أي: ومِثْلَ ذلك الاجتباءِ الذي اجتباك للرؤيا {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} : يصطفيك من سائر المخلوقات فضلًا عن أقربائك

(3)

لِمَا هو أعظم منها.

(1)

في (ك): "حتيال".

(2)

وقع في النسخ هنا تقديم وتأخير وتداخل في الكلام اختل معه المعنى، والمثبت بالاستعانة بما في "الكشاف"(2/ 444).

(3)

في (ف): "أقرنائك".

ص: 243

وأصل الاجتباء: الجمع على طريق الاصطفاء، ثم استأنف بقوله:

{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ} لئلا يكون داخلًا في حكم التشبيه؛ أي: وهو يعلمك {مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} ؛ أي: تعبير الرؤيا؛ لأنها أحاديث الملَك إن كانت صادقةً، وأحاديثُ النفس والشيطان إن كانت كاذبةً، وإنما سمَّى التعبير تأويلًا لأنَّه يُؤوِّل ما رآه

(1)

إلى ما ذكره، وكان يوسف عليه السلام أعبرَ الناس للرؤيا وأصحَّهم عبارةً لها.

ويجوز أن يراد بـ {تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} : تبيينُ معاني كتب الله تعالى وسُنَنِ الأنبياء عليهم السلام، وما غمُض واشتَبَه على الناس من أغراضها ومقاصدها، وسميت أحاديثَ لأنها يحدَّث بها عن الله تعالى ورسله عليهم السلام، وأحاديث

(2)

مبنيٌّ على واحده المستعمَل وهو الحديث، كأنهم جمعوا حديثًا على أَحْدِثةٍ، ثم جمعوا الجمعَ على أحاديثَ، كقطيعٍ وأقطعةٍ وأقاطيعَ.

والقول بأنه اسم جمع للحديث مردودٌ بأنه لم يأت اسمُ جمع على هذا الوزن، وأما أباطيل فجمعٌ لا واحد له كعباديدَ وشماطيطَ.

{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بالنبوَّة أو بوصلِ نعمة الدنيا بنعمة الآخرة.

{وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} : سائرِ بَنيه، قيل: استَدل على شرفهم ونبوَّتهم بضوء الكواكب. أو: نسلِه

(3)

.

{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} تذكيرٌ لكونه من حَفَدة الأنبياء الكرام

(1)

في (ك): "رأى".

(2)

"وأحاديث" من (م).

(3)

في (ك): "بنسله".

ص: 244

عليهم السلام، وتلويحٌ إلى معنى: الولدُ سرُّ أبيه؛ ليطمئن قلبه بما أخبر به، ومن ها هنا ظهر وجهُ رجحان إضافة الأبوين إليه دون يعقوب عليهما السلام.

وأيضًا: في إضافتهما إلى يعقوب عليه السلام تغليب إسحاق على إبراهيم عليهما السلام، بخلافِ ما إذا أضيفا إلى يوسف عليه السلام.

والمراد بالأبوين: الجدُّ وأبُ الجدِّ؛ لأنهما في الأصالة في حكم الأب، ومن ثَمةَ يقولون: ابن فلان، لمن بينه وبين فلان عدَّة آباءٍ.

وإتمام النعمة في حقِّهما: بالنبوة ورفع الدرجات في الآخرة، وقيل: على إبراهيم عليه السلام بالخلَّة والإنجاء من النار، وعلى إسحاق عليه السلام بالإنجاء من الذبح والفداءِ بذبح عظيم

(1)

.

{إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} : يَعلم مَن يستحقُّ الاجتباء.

{حَكِيمٌ} : يفعل الأشياء على ما ينبغي، فلا يُتمُّ نعمتَه إلا على مَن يستحقُّه.

* * *

(7) - {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} .

{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} ؛ أي: في قصتهم {آيَاتٌ} : دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته {لِلسَّائِلِينَ} : للطالبين لها.

أو: دلائل على نبوته عليه السلام للذين سألوا من اليهود عنهم فأخبرهم

(1)

يعني: على رواية أنه الذبيح، والصحيح المقطوع به عند العلماء أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام.

ص: 245

بالصحة من غير سماعٍ من أحد ولا قراءةِ كتاب، وإنما جمع لتعدُّد جهة الإعجاز لفظًا ومعنًى.

والمراد بأخوته: بنو عَلَّاته

(1)

العشرة.

* * *

(8) - {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ} بنيامينُ، وتخصيصه بالإضافة بالأخوَّة من الطرفين، وأشاروا بهذه الإضافة إلى أن سبب فضيلته عند أبيهم اختصاصُه بيوسف عليه السلام، فذكرُهم زيادةَ محبة أبيه له ليس حسدًا منهم عليه بل حسدًا على يوسف عليه السلام؛ لأنَّه حينئذ يرجع إلى زيادة محبته

(2)

له، ولهذا خصُّوا التعرُّض

(3)

له.

وفائدة لام الابتداء في (يوسف) تحقيقُ مضمون الجملة وتأكيدُه؛ أي

(4)

: أن زيادة محبته لهما أمر محقَّق لا شبهة فيه.

{أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} إنما وحَّد {أَحَبُّ} مع كونهما اثنين؛ لأن (أفعلَ من كذا) لا يغيَّر عن صيغة الواحد المذكَّر؛ لأن تمامه بـ (مِن)، ولا يثنَّى الاسم ولا يُجمع ولا يؤنث قبل تمامه، ولا بد في المعرف باللام من المطابقة، وفي المضاف جاز الأمران.

(1)

هم الإخوة لأب.

(2)

في (م): "محبة".

(3)

في (ف) و (ك): "ولهذا تعرض".

(4)

في النسخ: "إلى"، والصواب المثبت.

ص: 246

{وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} ؛ أي: يفضِّلهما في المحبة علينا والحالُ أنا جماعةٌ أَكفاءُ أقوياءُ نقوم بمصالحه ومنافعه وهما صغيران لا كفاية ولا منفعة، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما، والعُصبة

(1)

: العشرة فصاعدًا، سُمُّوا بذلك لأنهم جماعةٌ تُعْصَب بهم الأمور وتُسْتَكْفَى النوائب.

{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} : لفي ذهابٍ عن وجه الصواب في رأيه هذا بإيثارِ اثنين من الضعفاء على عشرةٍ من الأقوياء مع استوائهم في الأنساب

(2)

، بالَغوا في الإسناد بزيادة حرفي التأكيد، وفي المسندِ بوصف الضلال بالظهور، وجَعْلِه ظرفًا له عليه السلام، وذلك لزيادة تأثُّرهم عن التفضيل المذكور.

روي أنه كان عليه السلام أحبَّ إلى أبيه لِمَا يرى فيه من المحامد، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا تضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ

(3)

حسدُهم حتى

(4)

حملهم على التعرُّض له.

* * *

(9) - {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} .

{اقْتُلُوا يُوسُفَ} من جملة المحكيِّ بعد قوله

(5)

: {إِذْ قَالُوا} ، كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر، إلا مَن قال:{لَا تَقْتُلُوا} .

(1)

في (م): "والعصابة"، والمعنى واحد. انظر:"روح المعاني"(12/ 218).

(2)

في (م): "في الانتساب".

(3)

في (م): "فبالغ".

(4)

في (ك): "من".

(5)

في النسخ: "بعد القول"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 156).

ص: 247

{اطْرَحُوهُ أَرْضًا} منكورةً مجهولةً بعيدةً عن العمران، وهو معنى تنكيرها، ولإبهامها

(1)

نُصبتْ نَصْبَ الظروف المبهَمة، والمعتبَرُ فيها أن لا يكون محدودًا بالحدود ومحصورًا بالأقطار، ولا ينافيه التقييدُ بنوع من القيود.

{يَخْلُ} جزمٌ لأنَّه جواب الأمر، ومعناه: يَخْلُصْ وَيصْفو.

{لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} فيُقبلْ عليكم بكلِّيَّته، لا يلتفتْ عنكم إلى غيركم، وذِكْرُ الوجه لتصوير إقباله عليهم؛ لأن مَن أقبل على الشيء يكون وجهه في جانبه.

ويجوز أن يكون المراد بالوجه: الذاتُ، كما في قوله:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]؛ لأنَّه إذا صفَتْ محبتُه لهم يكون لهم وحده غيرَ مشترَكٍ فيه.

{وَتَكُونُوا} جزمٌ عطفًا على {يَخْلُ} ، أو نصبٌ بإضمار (إنْ)، والواو بمعنى: مع.

{مِنْ بَعْدِهِ} : مِن بعدِ يوسف، أو: مِن بعدِ قتلهِ أو طرحهِ أو الفراغِ من أمره.

{قَوْمًا صَالِحِينَ} : تائبين إلى الله تعالى عما جنَيتم عليه، أو: ذي صلاحٍ في أمر دنياكم؛ لانتظامه بخلوِّ وجه أبيكم لكم، أو بصلاحِ ما بينكم وبينَ أبيكم بعذرٍ تمهدونه له.

* * *

(10) - {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} .

(1)

في "تفسير البيضاوي"(3/ 156): (وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك)، والمعنى عند التأمل واحد.

ص: 248

{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} أبهمه سترًا على القائلين بقتله عليه السلام؛ حذرًا عن سوء الظنِّ من السامعين بخصوصهم، وهم أنبياء عليهم السلام، ومَن لم يَنتبِه لهذا قال: يعني: يهوذا، كان هذا القائلُ أحسنهم رأيًا، حيث أنكر كلًّا من الأمرين اللذَين عزموا على أن يفعلوا واحدًا منهما، لمَّا رأى في أحدهما إفراطًا وفي الآخر تفريطًا نظرًا إلى غرضهم؛ لعدم قدرتهم في يوم واحد على تبعيد يوسف عليه السلام عن ديارهم.

{لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ} فإن القتل عظيمٌ والغرضُ يحصل بدونه. ولم يصرِّح بالنهي عن المنكر الآخر إحالةً له على دلالةِ ما اختاره عليه، كأنه قال: مقدوركم الذي يتم به غرضكم هو هذا.

{وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} الغيابة: ما غاب عن عين الناظر وأظلم.

الجب: البئر الذي لم يُطْوَ، إنما سمي جبًّا لأنَّه ليس فيه غيرُ جَبِّ الأرض؛ أي: قطعها، وغَيَابَتُه أسفلُه الذي يَغيب ما وقع فيه وقعرُه.

وقرئ: {غَيَابَتِ} على الجمع

(1)

، كأنه لتلك الجبِّ غياباتٌ.

{يَلْتَقِطْهُ} الالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يُحتسَبُ، لا الأخذُ مطلقًا، ولهذا حَسُنَ موقعه هاهنا وفي قولهِ تعالى:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} [القصص: 8].

{بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أي: بعض المسافرين، فيذهبُ به إلى ناحية بعيدة فتستريحوا منه.

والسيارة: جمع سائرة، وهو كثيرُ السير في الأرض، وإنما اختار صيغةَ المبالغة لأنها المناسبُ لِمَا قصده من الإذهاب إلى ديارٍ بعيدة، وفيما ذُكر قرينةٌ على أنه أِشار بقوله:{فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} أي: بئرٍ عرَفوها في ديارهم، ولذلك عرَّفها.

(1)

قراءة نافع. انظر: "التيسير"(ص: 127).

ص: 249

وقرئ: {تلتقطه} بالتاء الفوقانية

(1)

على المعنى؛ لأن بعض السيارة سائرة.

{إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} ما يفرِّق بينه وبين أبيه فهذا هو الرأي؛ لأن هذا القَدْر يكفي فيه، ولمَّا كان أول كلام هذا القائل على نظر الشفقة أتى في آخره ما يناسبه حيث قال:{إِنْ كُنْتُمْ} .

* * *

(11) - {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} .

{قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} : لمَ تخافُنا عليه؟

{وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} : ونحن له ناصحون

(2)

، ونحن نشفقُ عليه ونريد له الخير، وما وُجد منا في حقه إلا النصح والمحبةُ، أرادوا استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لمَّا أحسَّ بالحسد

(3)

.

* * *

(12) - {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

{أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا} في الصحراء، وفي لفظة {أَرْسِلْهُ} دليل على أن يعقوب عليه السلام كان يمسك يوسف عليه السلام ويصحبُه دائمًا.

{يَرْتَعْ} الرَّتْع: الاتساع في الملاذِّ بالذهاب في جهاتٍ من اليمين والشمال.

وقيل: أصل الرتع: التصرُّفُ في الشهوات، يقال: رتع فلان في ماله: إذا أنفقه في شهواته.

(1)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 62).

(2)

"ونحن له ناصحون" من (ك).

(3)

في (ك): "الحسد".

ص: 250

{وَيَلْعَبْ} المراد من اللعب ها هنا هو الاستباق والانتضال، ويتدربون

(1)

بذلك لقتال العدو، وإنما سمَّوه لعبًا لأنَّه بصورة اللعب، ولم

(2)

يريدوا به اللهو بدليل قولهم: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} ولو كان مرادهم اللهو لمَا أقرهم عليه يعقوب عليه السلام.

وقرئ: {نَرْتَعِ} بالنون وكسر

(3)

العين من ارتَعى يرتعي

(4)

.

وقرئ بالكسر، والياء فيه وفي {يلعبْ}

(5)

.

وقرئ: {وَيَلْعَبْ} بالياء والسكون

(6)

على إسناد الفعل إلى يوسف عليه السلام لصغره، وما يعبَّر عنه باللعب يناسب إسنادُه إلى الصغير

(7)

.

خاف يعقوب على يوسف عليهما السلام الضيعةَ من جهة الجوع، فأمَّنوه عن ذلك بقولهم {نرتع} أي: نتسع في أكل الفواكه ونحوها، وخاف عليه أن يكلفوه أمرًا يَشُقُّ عليه ويشد، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم:{وَيَلْعَبْ} ؛ لأنَّه

(1)

"ويتدربون" من (م)، ووقع مكانها في (ف) بياض.

(2)

في (م): "ولم يكن".

(3)

في النسخ: "وسكون"، وهو خطأ. انظر التعليق الآتي.

(4)

هي قراءة ابن كثير بالنون، وكسر البزي عنه العين من غير ياء، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالنون والجمع في الفعلين. انظر:"التيسير"(ص: 128)، و"النشر" (2/ 293 و 297). وانظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 157)، والكلام منه.

(5)

هي قراءة نافع. انظر: "التيسير"(ص: 128).

(6)

هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} بالياء فيهما والجزم. انظر: "التيسير"(ص: 128).

(7)

"إلى الصغير" من (م).

ص: 251

ليس في اللعب مشقة ولا شدة، وخاف عليه الضيعة بتركهم حفظه، فأمنوه عن ذلك أيضًا بقولهم:

{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} : أن يناله مكروه.

* * *

(13) - {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} .

{قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} : ذهابُكم به؛ لقلة صبري عليه

(1)

وشدة مفارقته عليَّ.

{وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} : وأخاف عليه عَدْوَةَ الذئب، وكانت الأرض مذأبةً.

الحزن: ألمُ القلب لفوت المحبوب، والخوف: انزعاج النفس عند نزول المكروه، كأنه يقول: لا أصبر عن رؤيته، ولا طاقة لي بفُرقته

(2)

، هذا إذا كانت الحالُ حالَ

(3)

السلامة، فكيف ومع هذا المخاف أن يأكله الذئب؟

وقيل: رأى في المنام أن الذئب قد شدَّ على يوسف عليه السلام، فكان يَحْذَره [عليه]

(4)

، فقال ذلك وقد لقَّنهم العلة

(5)

.

(1)

"عليه" من (م).

(2)

في (ف) و (ك): "ولا طاقة إلى مفارقته".

(3)

في (ك): "الحالة حالة"، وفي (م):"الحالة حال".

(4)

من "تفسير البيضاوي"(3/ 157)، وكلامه ينتهي هنا.

(5)

في (ف) و (ك): "فقال ذلك وحّد العلة"، ووقع قبل "العلة" في (ف) بياض بمقدار كلمة.

ص: 252

وقرئ: {الذِّئْبُ} بالهمزة على الأصل

(1)

، وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح: إذا هبت من كلِّ جهة؛ لأنَّه يحيط

(2)

به في مشيه ويضطرب.

وقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذئب؛ لأن الذئب يفعله في عَدْوه، وهذا أظهر لفظًا ومعنًى.

{وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} لاشتغالكم بالرتع واللعب وقلةِ اهتمامكم بحفظه.

* * *

(14) - {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} .

{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ} اعتذر لهم يعقوب عليه السلام بشيئين:

أحدهما عاجل في الحال: وهو ما يلحقه من الحزن بمفارقته وكان لا يصبر عليه.

والثاني: خوفه عليه السلام من الذئب أن يغفلوا عنه برَتْعهم ولَعِبهم.

وعدَل إخوة يوسف عن الأول لقِصَر مدة الحزن وإيهامهم أنهم يرجعون به إليه من قريب، وأجابوا عن الثاني لأنَّه السبب القوي في منعه عن الذهاب بهم

(3)

، واللام موطِّئة للقسم، والقسمُ محذوف تقديره: والله لئن أكله الذئب.

والواو في: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} - أي: فرقةٌ مجتمعة

(4)

مقتدِرةٌ على الدفع - للحال.

(1)

قرئ في السبع بالهمز، وبإبداله ياء. انظر:"التيسير"(ص: 128).

(2)

في (ك): "يخبط".

(3)

لعل الصواب: (في منعهم عن الذهاب به).

(4)

في (م): "مجتمعين".

ص: 253

{إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} جوابٌ للقسم مجزئٌ عن جزاء الشرط: مغبونون

(1)

ضعفاءُ لا غَناءَ بهم

(2)

. أو: مستحِقُّون أن يُدْعَى عليهم بالخسار والدمار ويقالَ: خسَّرهم الله حين أَكل بعضَهم الذئبُ وهم حاضرون.

وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها.

* * *

(15) - {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .

{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} متَّصل بمحذوف تقديرُه: فأذن له وأرسله معهم، فالفاء فصيحة.

{وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ} أي: عزموا عليه، ولا يقال: أجمع، إلا إذا قَرُبتِ الدواعي إلى الفعل من غير صارفٍ، ومنه الإجماع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ولمَّا لم يكن مرادهم من إلقائه في البئر إهلاكَه كان التعبير عنه بالجعل أفصحَ.

{فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} قيل: هو بئر على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب عليه السلام، ولا يخالفه القول بأنها أرضُ الأردنِّ؛ لأن كنعان ناحيةٌ من نواحي الأردنِّ، ومنزلُه عليه السلام كان فيها، وكذا القول بأنها كانت

(3)

بين مصر ومدين؛ لأن مدين أيضًا كان من أرض الأردن في جوار كنعان.

(1)

في (ك): "مفيد يومًا".

(2)

في (ف): "أعنابهم"، وفي (م):"لأعنابهم"، وكلاهما تصحيف.

(3)

"كانت" ليست في (ك).

ص: 254

وأما القول بأنها بئر بيت المقدس فلا صحة له؛ لأنهم جاؤوا إلى منزلهم عشاءً ذلك اليوم، وبينه وبين بيت المقدس مراحلُ.

وقرئ: {غَيَابَتِ}

(1)

، وهي لا توجد في التي تُطوَى، ومنه ظهر وجهُ إيثارِ الجبِّ على البئر.

وجوابُ (لمَّا) محذوف للمبالغة مع الإيجاز؛ أي: فعلوا به من الأذى والإهانة ما لا يمكن وصفه أو لا يُحتمل سماعه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.

{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} يعني: في البئر، فهو معطوف على محذوفٍ تقديره: وأَلقَوه في غيابةِ الجبِّ، فالواو فصيحةٌ.

قيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى عيسى ويحيى عليهم السلام.

وقيل: كان إذ ذاك مُدرِكًا.

{لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا} بالتوبيخ

(2)

، وذلك قوله عليه السلام لهم:{هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ} [يوسف: 89] وفيه تبشير بحُسن حاله في المآل، وبما يَؤُول إليه من علوِّ شأنٍ ورفعةِ مكانٍ؛ إيناسًا له وتطييبًا لتسلِّيه

(3)

.

{وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أنك يوسف؛ لطول العهد المغيِّر للهيئات والأشكال، وبُعْدِ الحال عن أوهامهم على ما دل عليه قوله:{فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}

(1)

قراءة نافع. انظر: "التيسير"(ص: 127).

(2)

في (ف): "بابيخ".

(3)

كذا في النسخ، والذي في "تفسير البيضاوي" (3/ 158):(لقلبه)، وهو الأنسب.

ص: 255

[يوسف: 58]، ومَن وَهَم أنه إشارة إلى هذا القول فقد وَهِمَ

(1)

، وما فهم ما فيه من التوبيخ، فالقول ما قالته حَذَامِ، وهو المناسب للمقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، ويؤيده الإشارة إلى الأمر المذكور بـ {هَذَا} لتضمُّنها الدلالة على ما فيه من الدلالة الفاحشة.

وقرئ

(2)

(لننبِّئهم) بالنون على أنه وعيد لهم

(3)

، تقول العرب لمن تتوعده

(4)

لمجازاة سوءِ فعله: لأنبِّئنك ولأعرِّفنَّك، يعني: لأجازِيَنَّك، وهذا شائع في سائر الألسنة أيضًا. {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} على هذه القراءة متعلِّق بـ (أوحينا)؛ أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.

* * *

(16) - {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} .

{وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً} وقرئ: (عُشَيًّا) وهو تصغيرُ {عِشَاءً}

(5)

.

و: (عُشًى) بالضم والقصر: جمع أَعْشى

(6)

؛ أي: عَشُوا من البكاء، وفيه ضعف؛ لأن قَدْرَ ما يكون في ذلك اليوم لا يَعْشُو منه الإنسان.

(1)

يريد البيضاوي حيث قال في "تفسيره"(3/ 157): (وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}).

(2)

في (ف) و (ك): "وهو".

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 62)، و"الكشاف"(2/ 450).

(4)

في (ف) و (ك): "لمن هو عدو".

(5)

انظر: "الكشاف"(2/ 450).

(6)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 62)، و"المحتسب"(1/ 335)، و"الكشاف"(2/ 450).

ص: 256

والعِشاء: آخر النهار إلى نصف الليل، ومنه اشتُقَّ الأعشى لأنَّه يَستضيءُ ببصرٍ ضعيف؛ أي: جاؤوا ليلًا، وذلك ليكونوا أقدَر على الاعتذار في الظُّلمة، ولهذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين، ولا تَعتذر بالنهار من ذنبٍ فتتلَجْلجَ في الاعتذار.

{يَبْكُونَ} حال معناه: متباكينَ، دون: باكينَ؛ لأن البكاء جريانُ الدمع من العين عند حال الحزن، ولا حزن بهم، إلا أنهم أظهروا صورةَ البكاء ليُوهِموا أنهم صادقون.

روي أنه عليه السلام لمَّا سمع صوت تباكيهم فزع وقال: ما لكم يا بَنيَّ وأين يوسف؟

* * *

(17) - {قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} .

{قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي: نتسابق في العَدْوِ والرمي، والافتِعال والتفاعُل يشتركان كالانْتِضال والتناضُل، والارتماء والتَّرامِي

(1)

.

{وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} ؛ أي: تركناه عند الرحل ليحفظَه.

{فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} الفاء للتعقيب بلا تراخٍ، ولا بد من اعتباره في الاعتذار عند عدم التدارُك.

{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} قد مرَّ أن الإيمان إذا كان بمعنى التسليم يتعدَّى باللام،

(1)

"الارتماء والترامي" من (م).

ص: 257

وإذا كان بمعنى التصديق يتعدَّى بالذات أو الباء، وتقديمُ {أَنْتَ} وإيلاؤه حرف النفي لادِّعائهم أن غيرَك مصدِّق لنا لأنَّا مشتهِرون بالصدق موثوقٌ بقولنا عند الكلِّ، وأمَّا أنت فلسوء ظنك بنا وفَرْط محبَّتَك ليوسف فلا تسلِّم لنا، ولذلك أكَّدوه بزيادة الباء، والتقييدِ بقوله:

{وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} ؛ أي: ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، فكيف وأنت سيِّئُ الظن بنا، غيرُ واثقٍ بقولنا؟

وإنما حُذف الظرف لأن ذكره مقدَّمًا يُفسِد المعنى؛ لإفادته الاختصاص الذي لا يناسب المقام، وذكرَه مؤخَّرًا يُفسِد اللفظ؛ لأنَّه حينئذ تفوتُ محافظةُ رؤوس الآي، وتضيع رعايةُ الفواصل، وهي من شرائط حُسْنِ نظام الكلام وفصل

(1)

الفصل.

* * *

(18) - {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} .

{وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ} {عَلَى قَمِيصِهِ} في محل النصب من (الدم)، ومُنع تقدُّمُها على صاحبها المجرور في غير الظرف

(2)

.

وجُوِّز نصبه بمعنى: فوق

(3)

. وأُورِدَ عليه: بأن العامل فيه حينئذ (جاؤوا)، وليس (فوقَ القميص) ظرفًا لهم، بخلافِ (فوقَ الجِمال) في قولك: جاء على

(1)

في (م): "وفضل".

(2)

وأجازه ابن مالك مطلقًا على ضعف فيه. انظر: "التسهيل"(ص: 110).

(3)

هو قول الزمخشري. انظر: "الكشاف"(2/ 451).

ص: 258

جماله بأحمال، ومبناه على

(1)

أن تكون الباءُ للمصاحَبة كما في: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17]، وأما إذا كانت للتعدية كما في:{وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] فلا يلزم المحذورُ المذكور، ولا وجه للحمل على الأول لسَبْق الإخبار عن مجيئهم.

{كَذِبٍ} وصفٌ بالمصدر مبالغةً، أو مصدرٌ أريد به المفعولُ؛ أي: مكذوبٍ فيه، كالثقة يراد بها: الموثوقُ به

(2)

، وتقدير (ذي) في مثل هذا المقام يُنزل الكلامَ عن منزلة البلاغة.

وقرئ بالنصب على الحال من الواو؛ أي: جاؤوا كاذبين

(3)

.

و: (كَدِبٍ) بالدال الغير المعجمة

(4)

؛ أي: كَدِرٍ، أو طريٍّ.

روي أنه عليه السلام لمَّا رأى قميصه غيرَ ممزَّق قال: ما رأيت ذئبًا أحلمَ من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه! ولذلك {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ} .

كذا قالوا، والذي عندي: أن أمارة الكذب قلةُ الدم المفهومةُ من التنكير، ومن التعبير بكونه على القميص، ولو كانت الأمارة عدمَ تمزُّق القميص لكان هو بالتعرُّض أحقَّ، بل إضرابٌ عن مقدَّرٍ يقتضيه المقام، وَيدل عليه سياق الكلام، وبه

(5)

تمامُ الانتظام، فهو كالفاء الفصيحة.

(1)

"على" ليست في (ك).

(2)

"به" سقط من (ك).

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 451).

(4)

نسبت لعائشة رضي الله عنها. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 62 - 63)، و"المحتسب"(1/ 335)، و"الكشاف"(2/ 451).

(5)

في (م): "فيه" بدل: "وبه".

ص: 259

والتسويل: تحسين الشيء وتزيينُه، وتحبيبُه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله.

{أَمْرًا} ؛ أي: أمرًا منكَرًا لا يحتمِل التعريفَ والتوصيف.

{فَصَبْرٌ} ؛ أي: فحقِّي صبرٌ؛ كقوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]؛ أي: فعليه.

{جَمِيلٌ} في الحديث المرفوع: "الصبرُ الجميلُ: الذي لا شكوَى فيه"

(1)

، ولا حاجة إلى تخصيص الشكوى بالتي تكون إلى غير الله تعالى؛ إذ ليس في كلامه عليه السلام وعدٌ بالصبر الجميل.

{وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ؛ أي: المطلوبُ منه العونُ على كشفِ ما الْتبَس من أمركم، هذا هو المناسب لقوله:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} لا ما قيل: على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف عليه السلام، كما لا يخفى.

وهذه الجريمة قبل استنبائهم إن صح.

* * *

(19) - {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .

{وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} : رفقةٌ يسيرون، وفي صيغة المبالغة دلالة على أنهم جاءوا من بعيد، والمراد مجيئُهم إلى قرب البئر

(2)

بدلالة السِّباق واللَّحاق، والظاهر من

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(13/ 41)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(7/ 2112)، عن حبان بن أبي جبلة مرسلًا.

(2)

في النسخ: "بئر"، والصواب المثبت.

ص: 260

قولهم: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أنها كانت قريبةً من الطريق العام، قيل: كان ذلك بعد ثلاثٍ من إلقائه فيها.

{فَأَرْسَلُوا} أي: إلى البئر {وَارِدَهُمْ} : هو الذي يسير إلى الماء ليستقي منه.

{فَأَدْلَى دَلْوَهُ} تقول: أدليت الدلو، إذا أرسلتَها لتملأ دلوها، فتدلى بها يوسف، فلما خرج فإذا هو غلامٌ أحسنُ ما يكون.

{قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ} بشَّر أصحابه بأنه وجد عبدًا، ومعنى النداء: التنبيه؛ أي: انتبهوا لفرحي وسروري، قيل: نادى رجلًا اسمه بشرى، ويردُّه قراءة:{بُشْراىَ}

(1)

؛ فإنه لو كان اسمًا لم يكن مضافًا إلى ضمير المتكلم.

{وَأَسَرُّوهُ} ؛ أي: الواردُ وأصحابه عن سائر الرفقة.

{بِضَاعَةً} نصب على الحال؛ أي: أخفَوْه متاعًا للتجارة، والبضاعةُ: ما بُضِع من المال؛ أي: قُطِعَ منه للتجارة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الضمير لأخوة يوسف عليه السلام، وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلامنا أَبَق منَّا، فاشترَوْه منهم، وسكت يوسف عليه السلام مخافةَ أن يقتلوه.

ولا يخفى ما فيه من الاختلال لحُسن نظم المقال، والإشكالِ من جهة أن التعبير المذكورَ لا يناسب الحال.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} وعيدٌ لهم حيث استَغصَبوا ما ليس لهم.

* * *

(1)

قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر، وباقي السبعة:{بُشْرَى} . انظر: "التيسير"(ص: 128).

ص: 261

(20) - {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} .

{وَشَرَوْهُ} : باعوه {بِثَمَنٍ} التنكير للتقليل {بَخْسٍ} : زيفٍ ناقصِ العِيَار.

{دَرَاهِمَ} بدلٌ من (ثمن){مَعْدُودَةٍ} : قليلة، فإنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقية ويَعُدُّون ما دونها، وفيه تصريح بما قُصد بالتنكير، وتنبيه على أنه لم يُقصد به المبالغة.

{وَكَانُوا فِيهِ} : في يوسف عليه السلام {مِنَ الزَّاهِدِينَ} الزهد: خلافُ الرغبة، يقال: زَهِدَ في الشيء وعن الشيء، وذلك لأنهم كانوا التقَطوه، والملتقِطُ للشيء متهاوِنٌ به خائفٌ، عن انتزاعه من يده، مستعجِل في بيعه.

و {فِيهِ} متعلق بمحذوف يبيِّنه {الزَّاهِدِينَ} ؛ لأن متعلَّق الصلة لا يتقدَّم على الموصول، وأنَّ ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله

(1)

، وكأنه قيل: وكانوا زهدوا فيه، فحذف لدلالة {مِنَ الزَّاهِدِينَ} عليه.

* * *

(21) - {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

(1)

وقال ابن الحاجب: في "أماليه": إنه متعلق بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهة، وإنما فروا منه لِمَا فهموا من أنّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقا، وبين صلة (أل) وغيرها فرْق، فإنّ هذه على صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها. انظر:"أمالي ابن الحاجب"(1/ 283)، و"حاشية الشهاب"(5/ 265)، و"روح المعاني"(12/ 254).

ص: 262

{وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ} منهم، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي

(1)

، وقد آمن بيوسف عليه السلام ومات في حياته.

روي: أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبعة عشر سنةً، ولبث في منزله ثلاث عشرةَ سنةً، واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنةً، وآتاه الله الحُكم والعِلم وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، ومبناه الغفلةُ عن لَبثه في السجن بضعَ سنين، وكونُ السجن في منزل العزيز يأباه قوله تعالى:{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف: 36].

وإنما قال: {مِنْ مِصْرَ} وتنبيهًا على أنه غير المشتري الأول.

{لِامْرَأَتِهِ} راعيل أو زليخا، واللام متعلقة بـ (قال) لا بـ {اشْتَرَاهُ} .

{أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي: اجعلي مكان إقامته حسنًا يرضاه، والإكرام: الإحسان على جهة الإعظام، ويلزمه

(2)

الإرضاء، وإنما أضاف إلى {مَثْوَاهُ} دون نفسه مبالغةً في إحسان تعهُّده؛ لأن مَن أَكرم غيره لأجله كان أعظمَ منزلةً ممن يُكرَم في نفسه.

{عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} نفعَ مملوكٍ مُقبِلٍ لمالكه.

{أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} فينتفعَ بنا، قد تفرَّسَ فيه الرشدَ فقال ذلك، ولا دلالة فيه على أنه كان عقيمًا لا يولد له.

{وَكَذَلِكَ} أي: مثلَ ذلك التمكين من قلبِ العزيز حين عطف عليه وأمر امرأته بإكرام مثواه {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} : مكنا له في أرض مصر؛ أي: جعلنا له منزلةً فيها، كناية عن حكومته فيها.

(1)

في (م): "العملقي".

(2)

في (م): "ولا يلزمه"، ولم أجد نصًا يرجح أحد الوجهين، لكن قوله:"يرضاه" يرجح المثبت.

ص: 263

{وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: مكنَّا له في الأرض ليتصرَّف فيها بالعدل والحكمةِ ولنعلِّمه بعضَ تأويل الأحاديث، وهو تأويل الرؤيا فيَعْبُرها، ويعرف الحوادث قبل وقوعها فيُنبئُ بتدبير الأمور عليها كما دبر الأمر لبني مصر.

أو علةٌ معلَّلُها محذوف؛ أي: ولنعلِّمه فعلنا ذلك.

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} لا يمنعه مانعٌ، ولا ينازعُه مُنازع فيما يقضي ويريد، هذا على عمومه، ويدخل فيه أمر يوسف عليه السلام دخولًا أوَّليًّا، فإن أخوته أرادوا ما أرادوا ولم يكن إلا ما أراده تعالى.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أن الأمر كلَّه بيديه، أو: حُسن كلائه وعصمته، وخفايا لطفه وعنايته.

* * *

(22) - {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} .

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} الأشُدُّ: منتهى اشتدادِ الجسم والقوة وكمالِ البنية، وهو سنُّ الوقوف

(1)

ما بين الثلاثين إلى الأربعين، يؤيِّده قوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [القصص: 14] وبلغ أربعين سنة.

{آتَيْنَاهُ حُكْمًا} : حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل {وَعِلْمًا} بتأويل الأحاديث، أو: حُكمًا بين الناس وفقهًا.

{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} تنبيهٌ على أن الله تعالى آتاه الحكم والعلم لاستحقاقه إياه بإحسانه في العمل واتِّقائه في عنفوان الأمر.

(1)

أي: الوقوف عن النمو، انظر:"حاشية الشهاب"(5/ 166).

ص: 264

(23) - {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} .

{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} المراودةُ: المطالبة، من رادَ يَرُودُ: إذا ذهب وجاء لطلب الشيء، ومنه: الرائد.

ويجوز أن يكون من الرُّوَيد وهو التمحُّل والرفق، فالمراودة: هي المطالبة على الرفق والتمحُّل، وهي مفاعَلة من راده يَرُوده، نحو: راديتُ

(1)

المريض، وتَعدِيَتُه بـ {عَنْ} لتضمين معنى المخادعة؛ أي: فعلتْ ما يفعلُ المخادِع بصاحبه من الاحتيال في إخراج ما في يده، وهو يحفظه ويكره إخراجه، فـ {عَنْ} للمجاوزة؛ أي: راودته أن يجاوز خداعَها نفْسُه، لا أن يقف عندها بأنْ لا يطاوعَها.

وإنما قال: {الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} ولم يصرح باسمها ولا بامرأة العزيز سترًا على الحُرم، والعرب تضيف البيوت إلى النساء فتقول:

ربَّة البيت، قال: يا ربَّةَ البيت قُومي غيرَ صاغرةٍ

(2)

وفي ذكرها بالموصول توصُّلٌ إلى زيادة تقريرِ معنى الخبر ليفيد براءةَ يوسف عليه السلام، فإن كونها في بيته يقرِّر معنى المراودة.

{وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} قيل: كانت سبعةً، والتغليق: الإطباق بما يَعْسُر فتحه،

(1)

في (ك): "داريت".

(2)

صدر بيت لمرة بن محكان السعدي، كما في "معجم الشعراء" للمرزباني (ص: 295)، و"المستقصى" للزمخشري (1/ 22)، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (4/ 1562)، وعجزه:

ضمِّي إليك رحال القوم والقُرُبا

ص: 265

والتشديد للتعدية؛ لأن: غَلَقْتُ البابَ غَلْقًا، لغةٌ رديَّةٌ متروكة، ذكره الجوهري

(1)

، فمَن وَهَم أنه للتكثير أو للمبالغة في الاشتقاق فقد وَهِم.

{وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} اسم فعل معناه: بادِرْ وأَقْبِلْ، واللام للبيان؛ أي: لك أقول هذا.

وقرئ: {هَيْتَ لَكَ}

(2)

على لفظ الفعل بمعنى تهيَّأْتُ، وعلى هذا فاللام صلة.

{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} مصدر؛ أي: أعوذ بالله معاذًا.

{إِنَّهُ رَبِّي} ؛ أي: الشأن سيدي ومالكي {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} حين أمركِ بالإحسان إليَّ، فكيف أخونُه في أهله، نوعٌ من الإيجاز البليغ حيث اكتفَى بذكر المقتضي، والتقديرُ في مثل هذا أو الذهاب إلى نوعٍ من المجاز من ضيق العَطَن

(3)

، كما لا يخفى على أرباب الفِطَن.

{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ويدخل فيهم الذي يجازي الحسَنَ بالسَّيئ دخولًا أوليًّا. وإيثار صيغة الجمع لبيان أنَّ جمعهم لا يُغْني.

* * *

(24) - {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} .

{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} ؛ أي: بمخالطته؛ لأن الهمَّ لا يتعلق بالأعيان {وَهَمَّ بِهَا} ؛ أي: بمخالطتِها، ولو قيل: ولقد همَّا بالمخالطة لكان أخصَرَ وكان إنباؤه عن الجواب

(1)

انظر: "الصحاح"(مادة: غلق).

(2)

هي أحد وجهين عن هشام، والوجه الآخر عنه:(هِئتَ) بفتح التاء. انظر: "التيسير"(ص: 128).

(3)

في (ف) و (ك): "نوع من حسن الفطن".

ص: 266

المقدَّر أظهرَ، إلا أنه فصَل بين

(1)

الهمَّين بذكر كلٍّ على حِيَاله دلالةً على افتراقهما حكمًا ثم مدحًا وذمًّا، فالجمع بينهما إبطال لِمَا هو المقصود من الكلام، وهو التنبيه على أنهما وإنْ كانا مشترِكين في الميل المخصوص، إلا أن أحدهما ميلٌ عن شهوةٍ تبعها العقل فازدادت

(2)

تسلُّطًا وصارت عزيمةً قاهرة، والثاني ميل عن شهوة قاصرة ردَعها العقل فاضمحلَّت في الآخرة، وإذا كانا كذلك فاللفُّ بينهما عن طباقِ المقام بمراحل.

ولا خلاف في أنَّ همَّها كانت معصيةً لأنها كانت مُصرَّة، وأما همُّه فمن قَبيل ما يَخطر في النفس ولا يَثبت في الصدر، وهو الذي رفع الله تعالى فيه المؤاخَذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه فلا زلَّةَ فيه، مع أن الزلةَ للأنبياء عليهم السلام حُكمًا زيادةُ الوَجَل، وشدةُ الحياء بالخجل، والتخلِّي عن عُجب العمل، والتلذُّذُ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونُهم أئمةٌ في الرجاء لأهل الزَّلل.

{لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} {أَنْ رَأَى} في موضع رفع، والجواب محذوف لعلم السامع به؛ أي لولا رؤيةُ برهان ربه لأمضَى ما همَّ به، ولا يجوز أن يجعل {وَهَمَّ بِهَا} جوابَ {لَوْلَا} ، فإنها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدم عليها جوابها.

وظاهره يدل على أنه شاهد أمرًا صرفه عما قصده، حتى قيل: إنه رأى جبريل عليه السلام، وقيل: تمثَّل له يعقوب عليه السلام عاضًّا على أنامله، وقيل نحوُ ذلك، وهذا الذي ذكروه غيرُ صحيح؛ لأن ذلك يقتضي الإلجاءَ وزوال التكليف، ولو كان ذلك لمَا استَحق يوسف عليه السلام مدحًا وثوابًا

(1)

في (ف) و (ك): "إلا أنه بيَّن".

(2)

في (ك): "فازدادته".

ص: 267

على امتناعه عما همَّ به، وقد مدحه بقوله:{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} فالوجه أن تكون الرؤيةُ بمعنى العلم، والبرهانُ: ما دلَّ الله ليوسف عليه السلام على تحريم ما همَّ به.

{كَذَلِكَ} ؛ أي: مثلَ ذلك التثبيت ثبَّتناه، أو: الأمرُ مثلُ ذلك.

{لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} : خيانةَ السيد {وَالْفَحْشَاءَ} : الزنا.

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} : الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وقرئ بالكسر

(1)

؛ أي: الذين أخلَصوا دينهم لله تعالى.

* * *

(25) - {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} ؛ أي: تسابَقَا إليه، هو للخروج والهرب منها وهي لمنعه منه، وأصل (استَبَق) أن يتعدَّى بـ (إلى)، فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعل، ولقد حسُن موقعه حيث كان في التعبير عن

(2)

المراد أيضًا سابقةٌ إلى المقصود، وإنما وحَّد الباب ها هنا لأن بيان تعدُّده فَضلةٌ في هذا المقام بخلاف ما سبق، والاستباق إلى الباب ينتظِم الاستباقَ إلى الكلِّ.

وقيل: تعديتُه بالذات باعتبار تضمين التسابُق معنى تبادُر الباب طالبَينِ السبقَ، فسبقها يوسف عليه السلام على ما دل عليه قوله:

(1)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. انظر: "التيسير"(ص: 128).

(2)

في (ف) و (ك): "كان في تغيير".

ص: 268

{وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} عطفٌ على محذوفٍ مقدَّر؛ أي

(1)

: فأدركته وقدَّت، والقدُّ: الشقُّ طويلًا، قيل: أدركته قبل أن يخرج، فقبضته في أعلى قميصه فتخرَّق القميص عند لحوقه ونزل التخريق إلى أسفل القميص، ففي قوله:(قدَّت) دون: خرقت، بيانُ أنها جذبته من أعلى القميصِ دون أسفله، ولولا ذلك لكان المتبادِر إلى الفهم خلافَ ما هو الواقع، وهو الجذب من الذيل، فالقيد المعتبَر

(2)

في القَدِّ أصاب المحز.

{وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا} أي: صادفا بعلها، تقول المرأة لبعلها: سيدي.

{لَدَى الْبَابِ} (لدى) مخصوصٌ بالحضور، ولا يتضمن معنى الاستحفاظ، بخلافِ (عند) فإنه قد يتضمنه ويستعمل في الغَيبة، ولهذا ذكر (عند) في قوله:{عِنْدَ مَتَاعِنَا} [يوسف: 17] دون (لدى)، فكلٌّ منهما صادف محزَّه

(3)

.

{قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {مَا} نافية؛ أي: ليس جزاؤه إلا السَّجْنَ أو التعذيب، أو استفهاميةٌ؛ أي: أيُّ شيء جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ كقولك: مَن في الدار إلا زيدٌ.

ما عيَّنتْ يوسفَ عليه السلام بل عمَّت حيث قالت: {مَنْ أَرَادَ} ؛ أي: كلُّ مَن أراد بأهلك سوءًا فما جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ ليكون أبلغَ فيما هو مرادُها من تخويف يوسف عليه السلام، وإنما كان أبلغ لأنَّه كالدليل على استيجابه للعقاب.

(1)

في (م): "على محذوف تقديره".

(2)

في (ك): "المقيد".

(3)

في هامش (م): "قال ابن هشام في "مغني اللبيب": إنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبًا، ولا تقول: لدي مال، إلا إذا كان حاضرًا. منه".

ص: 269

قالت لبعلها لمَّا رآها على تلك الهيئة المُريبة إيهامًا أنها فرَّت منه؛ تبرئةً لساحتها وإغراءً له بيوسف عليه السلام، وهي مغتاظة عليه إذ لم يوافقها

(1)

، فأرادت تخويفه عسى أن يقضي

(2)

وطرها خوفًا من مكرها حين لم يقضِ حاجتها حبًّا لها، كقولها:{وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ} [يوسف: 32]، فجمعت بين كيدين.

وقيل: العذاب الأليم: الضربُ بالسياط، والترديدُ

(3)

بينه وبين السجن يدل على عظم موقع السجن من ذوي الإعزاز

(4)

حيث قرنته بالعذاب الأليم.

(26) - {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} .

ولمَّا أغْرت بيوسف عليه السلام وأظهرت تُهمته، احتاج إلى إزالة التهمة عن نفسه ولذلك:{قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} : طالبتني بالمواتاة، أتى بضمير الغيبة إذ كان غلب عليه الحياء أن يشير إليها ويعيِّنَها بالإشارة؛ لأن في المواجهة بالقبيح ما ليس في الغيبة.

ولمَّا تعارَضَ قولاهما

(5)

عند العزيز، وكان رجلًا فيه أناةٌ ونَصَفةٌ، طلب الشاهد، فالواو في قوله:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} عاطفةٌ على مقدَّر.

(1)

في (ف) و (م): "يرابها".

(2)

في (ك): "تخويفه حتى تقضي".

(3)

في (م): "والتهديد".

(4)

في (ك): "الإعراض"، وفي (م):"الإقرار".

(5)

في (ف): "قولهما".

ص: 270

قيل: كان ابنَ عم أو خالٍ لها صبيًّا في المهد، وما قيل: إنه كان رجلًا حكيمًا، يردُّه ما روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه:"تكلَّم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى" رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط الشيخين

(1)

.

وإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها ليكون ألزمَ للحجة عليها.

{إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} من قَبيل المسامحة في أحد شقَّي الكلام لتعيُّن الآخر عند القائل بتنزيلِ المحتمل منزلةَ الظاهر

(2)

، لأن الشَّقَّ بالجذب في هذا الشقِّ أيضًا محتمَل، ومَن غفل عن هذا قال: لأنَّه يدل على أنه قصَدها فدفعت عن نفسها فقدَّت قميصه، أو أنه أسرع خلفها فتعثَّر بذيله فانقدَّ من قدَّامه

(3)

.

* * *

(27) - {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} لأنَّه يدل على أنها تبعته

(1)

رواه الحاكم في "المستدرك"(4161).

(2)

في هامش (م): "وذلك أنه إذا لم يتعين الآخر عند القائل لم يتم الشهادة ولم تصح، فتأمل هداية الله. منه".

(3)

القائل لهذا هو البيضاوي. انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 161)، وقد نقل الآلوسي رحمه الله في "روح المعاني" (12/ 291) كلام المؤلف فقال: (وإلى كون الشرطية الأولى غير مقصودة بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرضا بغفلة القاضي البيضاوي حيث قال

) فذكر كلامه بحرفه، ثم أتبعه ببيان له عن بعض مشايخه، وله فيه بحث حسن فليراجع ثمة.

ص: 271

فاجتذبت قميصه فقدَّته، حُكيت الشرطية بعد فعل الشهادة لأنها نوعٌ من القول، فلا حاجة إلى إرادة القول من الخارج.

قيل: استعارة الشهادة للشرطية المذكورة لأدائها مؤدَّى الشهادة في إثبات قول يوسف عليه السلام وإبطالِ قولها.

ومبناه الغفولُ عن أن القول المذكور معطوفٌ على مقدَّر به ينتظِم الكلام، وهو أمر الشهادة على الحقيقة.

وجواب الشرط: {فَصَدَقَتْ} {فَكَذَبَتْ} ، وهو على إضمار (قد).

والجمع بين الاستقبال والماضي المحقَّق في الشرط والجزاء على تأويل: إنْ يُعلم أنه كان قميصه قدَّ، كقولك لمن منَّ عليك بإحسانه: إنْ أحسنتَ إليَّ فقد أحسنت إليك من قبل؛ أي: إن تمنُن عليَّ بإحسانك أمنُنْ عليك بإحساني السابق.

وقرئ: (من قُبُلُ) و (من دُبُرُ)

(1)

لأنهما قُطعا عن الإضافة كقَبْلُ وبَعْدُ، وبالفتحة كأنهما جُعلا علَمين للجهتين فمُنعا الصرف

(2)

، وبسكون العين

(3)

.

* * *

(1)

نسبت ليحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق والجارود بن أبي سبرة وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 63)، و"المحتسب"(1/ 338)، و"الكشاف"(2/ 460 - 461)، و"البحر"(12/ 451).

(2)

نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: "الكشاف"(2/ 461)، و"البحر"(12/ 451).

(3)

يعني: بسكون الباء فيهما مع البناء على الضم، نسبت ليحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق والجارود في رواية عنهم. انظر:"الكشاف"(2/ 461)، و"البحر"(12/ 451).

ص: 272

(28) - {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} .

{فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} وعَلِم صدقَه وكذبَها {قَالَ إِنَّهُ} ؛ أي: إنَّ قولَكِ: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف: 25] أو: إن هذا الأمر {مِنْ كَيْدِكُنَّ} : من حيلتكُنَّ أيتها

(1)

النسوان، فالخطاب لها ولجواريها، أو لها ولسائر النساء فإنهن قد اشتهَرن بشدة الحيَل.

{إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} لأن كيد النساء ألطف وأعلقُ بالقلب، وأشدُّ تأثيرًا في النفس، وعن بعض العلماء: إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، وهذا لأنهن يواجهن الرجال، والشيطانُ يوسوس به مسارَقةً.

* * *

(29) - {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} .

{يُوسُفُ} حذف حرف النداء لقربه وكمال فطنته، وسرعة فهمه للحديث لذكائه.

وقيل: فيه تقريب له وتلطيف لمحلِّه.

وفيه نظر؛ لأن الاسم الظاهر على ما بيِّن في كتب المعاني طريقُ الغيبة.

{أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} ؛ أي: عن هذا الأمر، أراد بالإعراض عنه كتمَه وعدمَ التحدث به.

ثم أقبلَ عليها فقال: {وَاسْتَغْفِرِي} أنت، ثم ذكر سبب الاستغفار بقوله:

{لِذَنْبِكِ} ثم أكَّد ذلك بقوله: {إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} : من جملة القوم

(1)

في (ف) و (ك): "أيها".

ص: 273

المتعمِّدين للذنب، يقال: خَطِئَ: إذا أذنب متعمِّدًا، والتذكير تغليبًا لتأكيد التعمُّد

(1)

فإن النسيان في النسوان غالب.

* * *

(30) - {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .

{وَقَالَ نِسْوَةٌ} النسوة: اسمٌ مفردٌ لجمع المرأة، وتأنيثُه غيرُ حقيقي كتأنيث اللُّمَّة

(2)

، ولذلك لم يلحق فعلَه

(3)

تاءُ التأنيث، وضمُّ النون لغةٌ فيه.

{فِي الْمَدِينَةِ} ظرفٌ لـ (قال)؛ أي: أشَعْنَ الحكاية في مصر، ويفهم منه كونُهن فيها، بخلاف ما إذا كان صفةً لـ {نِسْوَةٌ} فإنه لا يفهم منه معنى الإشاعة فيها، والوجهُ كونُه ظرفًا دون صفة.

{امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} تطلبُ مواقعةَ غلامِها إياها، والعزيز بلسان العرب: الملك، والفتى: الغلام، وعُرفُه في المملوك، وفي الحديث: "لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، وليقل

(4)

: فتاتي وفتاي"

(5)

، وأصله: فَتَي؛ لقولهم: فَتَيَانِ، والفُتوَّة شاذَّةٌ.

(1)

قوله: "والتذكير تغليبًا

" كذا وقعت العبارة في النسخ، ولعل في الكلام سقطًا، وعبارة الزمخشري هكذا: (وإنما قال: {مِنَ الْخَاطِئِينَ} بلفظ التذكير تغليبًا للذكور على الإناث). انظر: "الكشاف" (2/ 461).

(2)

قوله: "كتأنيث اللمة": هي اسم لجماعة النساء، وفي الحديث: أن فاطمة خرجت في لُمَّة من نسائها؛ أي: في جماعة. انظر: "الكشاف"(2/ 461)، و"فتوح الغيب"(8/ 312).

(3)

"فعله" من (م).

(4)

في (ك): "لا تقل عبدي

ولتقل".

(5)

رواه البخاري (2552)، ومسلم (2249)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 274

بمعنى: أنهن أشَعْن هذا الأمرَ مِن حبِّ راعيل ليوسف عليه السلام، وصرَّحن بإضافتها إلى العزيز مبالغةً في التشنيع؛ لأن النفوس أميلُ لسماع أخبار ذوي الأخطار وما يجري لهم.

واخترن صيغة المضارع لدلالتها على أنه صار ذلك سجيَّةً لها تخادعُه دائمًا عن نفسه.

ثم نبَّهوا على علة ديمومة المراودة - وهي كونها والهةً في حبه - بقولهن:

{قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} ؛ أي: خرق حبُّه الشَّغَافَ - وهو حجاب القلب - حتَّى وصل الفؤاد، وانتصب {حُبًّا} على التَّمييز المنقول من الفاعل.

وفيه مبالغةٌ بليغة

(1)

في التعشُّق بذكر الشَّغاف والإبهامِ والتبيينِ، كأنه من استيلاء حبه على قلبها قد شقَّ شَغَاف قلبها وتمكَّن في حبَّة

(2)

قلبها وسُويدائه.

وقرئ: (شَعَفَها) من شَعَف البعيرَ

(3)

: إذا هنَأه فأحرقه بالقَطِران.

ثم نقَمْن ذلك عليها فقلن: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ} عن الرُّشد وبُعدٍ عن الصواب {مُبِينٍ} : واضحٍ للناس.

* * *

(1)

"بليغة" من (م).

(2)

في (م): "وتمكن حبه في".

(3)

في (ف): "شقفها من شقف البعير"، وفي (ك) و (م):"شفقها من شفق البعير". وكلاهما تحريف. انظر: "المحتسب"(1/ 339)، و"المحرر الوجيز"(3/ 237)، و"الكشاف"(2/ 463)، وعنه نقل المؤلف، ونسبت لعلي رضي الله عنه وجمع من التابعين والأئمة جمعهم أبو حيان في "البحر"(12/ 460).

ص: 275

(31) - {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} .

{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} باغتيابهن، وإنما سماه مكرًا لا لأنهن أخفينه كما يُخفي الماكر مكرَه؛ لِمَا عرفتَ أن سياق الكلام يُفصح عن الإشاعة

(1)

، بل لأنهن قلن ذلك ليَرَيْن يوسف عليه السلام.

{أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} تدعوهن {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} ؛ أي: سوَّت وهيَّات لهن ما يتَّكئن عليه من النَّمارق والوسائد.

وقيل: {مُتَّكَأً} : مجلسَ طعام وشراب؛ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب كعادة المترفِّهين، ولذلك نُهي أن يأكل الرجل متَّكئًا.

والأول يناسب المقام؛ لِمَا فيه من مقابَلة المكر بالمكر، كأنها قصدت بقعودهن متَّكئات والسكاكينُ

(2)

في أيديهن أن تقع أيديهن على أيديهن فيقطِّعْنها إذا لَهِيْن وشُغِلْن عن أنفسهن من الدَّهَش والحيرة عند رؤيته؛ لأن المتَّكئ إذا دُهش مال عن متَّكأه فوقعت يده على يده.

وقرئ: (مَتْكأً) مَفْعَلًا مِن تَكِئَ يَتْكأُ: إذا اتَّكا

(3)

.

و: (مُتْكًا) وهو الأترجُّ

(4)

، أو ما يُقطع، من مَتَكَ الشيءَ بمعنى بَتكه: إذا قطَعه.

(1)

"لما عرفت أن سياق الكلام يفصح عن الإشاعة" من (م).

(2)

في (ف): "والسكين".

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 63)، و"الكشاف"(2/ 463)، "البحر"(12/ 462).

(4)

نسبت لابن عباس وابن عمر وجمع من التابعين. انظر: "المحتسب"(1/ 339)، و"الكشاف"(2/ 463)، "البحر"(12/ 463).

ص: 276

{وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا} ؛ أي: وأعطت سكِّينًا يعالَجُ به

(1)

ما يُحتاج إلى قطعه مما قدِّم من اللحوم والفواكه.

{وَقَالَتِ} ليوسف: {اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} وذلك في حالِ ما كنَّ يعالجن بالسكِّين.

{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ} عطفٌ على محذوف تقديره: فخرج فلمَّا رَأَيْنهُ، وحذفُه هاهنا كحذفِ: فضرب، في قوله تعالى:{اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} [البقرة: 60] وفيه دلالة على سرعة امتثاله لأمرها إذا كان بالمعروف.

{أَكْبَرْنَهُ} : أعظَمْنه وأُعجبن من ذاك الجمال الباهر للعقول، المدهش للقلوب، وعن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"رأيت يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلةَ البدر"

(2)

.

وقيل: كان يُرى تَلألؤُ وجهه على الجدران كما يُرى نور الشمس من الماء عليها.

وقيل: معنى (أَكبرن): حِضْنَ، يقال: أَكبرَتِ المرأة: إذا حاضت، وأصله: دخلتْ في الكِبَر؛ لأنها بالحيض تخرج من حدِّ الصِّغَر إلى حدِّ الكِبَر، والهاءُ هاء السَّكْت، أو ضمير المصدر، أو ضمير يوسف عليه السلام على حذف اللَّام وإيصالِ الفعل؛ أي: حِضْنَ له من شدة الشَّبَق، ومنه قول أبي الطيِّب:

خَفِ اللّهَ واستُرْذا الجمالَ ببُرقُعٍ

فإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخدور العواتق

(3)

(1)

في (ف): "بصالح"، وفي (ك):"لصالح". وكلاهما تحريف.

(2)

رواه الحاكم في "المستدرك"(4087) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي إسناده أبو هارون العبدي عمارة بن جُوين، وهو متروك كما في "التقريب".

(3)

انظر: "ديوان المتنبي"(3/ 89)، و"الكشاف"(2/ 465).

ورواية الديوان: (ذابت) مكان: (حاضت).

ص: 277

{وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ؛ أي: جرَّحْنها بالسكاكين لفَرْطِ الدَّهَش، والتضعيفُ للتكثير؛ كأن الجرح وقع مرارًا في اليد الواحدة وصاحبتُها لا تشعر به، لمَّا ذهلت

(1)

بما راعَها من جمال يوسف عليه السلام، فكأنها غابت عن حسها.

أثَّرت رؤيته عليه السلام فيهن ولم تؤثَّر في امرأة العزيز لطول الصحبة والاعتياد، والتغييرُ صفة أهل البداية.

{وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} تنزيهًا له تعالى من صفات العجز، وتعجُّبًا من قدرته على خلقِ مثلِه.

و {حَشَ} أصله: حاشا، فخفِّفت بحذف الألف، وهي كلمة تفيد معنى التبرئةِ والتنزيه، ومَن زاد على هذا قولَه: في باب الاستثناء، فقد خَبط؛ لِمَا عرفتَ أنه يفيد المعنى المذكورَ في غير مقام الاستثناء، وأنَّه في ذلك الباب لا يفيد إلا معنى الاستثناء؛ إذ لا فرقٌ بين قولك: قام القوم إلا زيدًا، وقولِك: قام القوم حاشا زيدًا.

ثم إنه مثَّل بقوله: أساء القوم حاشا زيدٍ

(2)

، ولم يدرِ أن معنى التنزيهِ إنما استفيد لدلالة الكلام على براءة زيدٍ من الإساءة؛ لأن (حاشا) في مقام الاستثناء يقتضي ذلك قطعًا، ألا يرى أنه لو ذكر بدلٌ أساء فعلًا آخر لا يفيد المعنى المذكور؟

واللام للبيان كما في قولك: سَقْيًا لك.

(1)

في (ك): "دهيت".

(2)

"ثم إنه مثل بقوله أساء القوم حاشا زيد" من (م). والمراد الزمخشري في "الكشاف"(2/ 465)، وانظر رد أبي حيان عليه في "البحر"(12/ 457)، وقد ذكرنا في تحقيقنا له مناقشة حسنة في المسألة فلتراجع.

ص: 278

وقرئ: (حاشا اللّهِ) بغير لام بمعنى: براءةُ اللَّه، و:(حاشًا للّه) بالتنوين على تنزيله منزلةَ المصدر

(1)

.

وقيل: (حاشا) فاعَلَ من الحَشَا الذي هو الناحية، وفاعلُه ضمير يوسف عليه السلام؛ أي: صار في ناحيةِ اللَّه مما يتوهَّم [فيه]

(2)

.

{مَا هَذَا بَشَرًا} لأن مثل هذا الجمال غير معهود للبشر، وإعمال (ما) بمعنى ليس لغةُ أهل الحجاز؛ لمشاركتها في نفي الحال.

وقرئ: (بَشَرٌ) على لغةِ تميم

(3)

.

وأما قراءة: (بِشِرى)

(4)

؛ أي: بعبدٍ مشترًى

(5)

حاصلٍ بِشِرى، فلا يطابق قوله:{إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}

(6)

لأن هذه الشارة الرائقة

(7)

بالحسن والهيئة في

(1)

القراءتان في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 63)، و"الكشاف"(2/ 465)، "البحر"(12/ 465 - 466).

(2)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 162)، وما بين معكوفتين منه.

والمراد: بعدُه عما اتهم به وتنزيهه عنه لما رؤي فيه من آثار العصمة وأبهة النبوة. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 174).

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 466).

(4)

نسبت للحسن وأبي الحويرث الحنفي. انظر: "المحتسب"(1/ 342)، و"الكشاف"(2/ 466)، و"المحرر الوجيز"(3/ 240)، و"البحر" (12/ 468). ونسب ابن عطية لمن قرأ بهذه القراءة أنه قرأ أيضًا:(إن هذا إلا مَلِكٌ كريم) بكسر اللَّام واحد الملوك، وبهذا يجاب عن عدم المطابقة التي سيذكرها المؤلف.

(5)

في (م): "بعبد بشري بمعنى مشتر مشترى".

(6)

يعني أن المطابق للملَك - بفتح اللَّام - هو القراءة المشهورة: {بَشَرًا} ، ويجاب عنه بما ذكرنا من قراءة:(ملِك) بكسر اللَّام.

(7)

في (ف): "الرائعة".

ص: 279

الجمال لا تكون إلا للمَلَك، وقد رُكز في الطباع أنْ لا أحسن من الملَك ولا أقبح من الشيطان، وشبِّه كلُّ متناهٍ

(1)

في الحسن والقبح بهما، أو لأن الجمع بين الجمال الرائع والعصمة البالغة لا تكون إلا للملائكة.

* * *

(32) - {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} .

{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} ؛ أي: به، واللوم: الوصف بالقبيح على وجه التَّوبيخ والتشنيع، و (ذا) اسم إشارة، واللام لبُعد المشار إليه، و (كُنَّ) خطاب لتلك النسوة، والمعنى: إنَّ هذا الذي صَدَر

(2)

منكنَّ الإكبارُ وتقطيعُ الأيدي فيه، ونفيُ البشرية عنه وإثباتُ الملَكية له، ذلك العبدُ الكنعانيُّ [الذي]

(3)

لمتنَّني بسبب الافتتان به قبل أن تتصوَّرْنه حقَّ تصوُّره، ولو تصوَّرْتُنَّه بما عايَنْتُنَّ لعَذَرْتُنَّني.

أو: فهذا

(4)

الذي لمتنَّني به، وإنما قيل (ذلك) وهو حاضر تعظيمًا

(5)

له، ورفعًا لمنزلته في الحُسن، واستبعادًا لمحله، والغرض أن تُثبت له استحقاقَ أن يُحب ويُفتَنن به.

(1)

في (ك): "مشابه"، وفي (م):"شاء"، وغير واضحة في (ف)، والمثبت من "الكشاف"(2/ 466).

(2)

في (ك): "صدع".

(3)

زيادة من "تفسير البيضاوي"(3/ 162).

(4)

أي: وضع (ذلك) في الآية موضع (هذا) للعلة التي ستأتي. "تفسير البيضاوي"(3/ 162).

(5)

في (ف) و (ك): "تفظيعا".

ص: 280

{وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ} الإخبارُ عن المراودة المذكورة مؤكَّدًا بـ (قد) واللام يدلُّ على أنه لم يُخبر عنها قبل هذا، فما قيل في تفسير {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ}: إنما سماه مكرًا لأنها استكتَمَتْهنَّ سرَّها فأفشَيْنَه عليها، ليس بذاك.

{فَاسْتَعْصَمَ} : فامتنع طالبًا للعصمة، أَقرَّت لهن حين عرفتْ أنهن عذَرْنها كي يعاوِنَّها على إلانةِ عريكته.

الاستعصام؛ بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الامتناع البليغ والتحفُّظ الشديد، كأنه في عصمته وهو يجتهد في الاستزادة منها، ونحوُه: استَجْمَع الرأيُ واستَفْحَل

(1)

الخطبَ.

وهذا بيانٌ لِمَا كان من يوسف عليه السلام لا مزيدَ عليه، وبرهانٌ لا شيء أنورُ منه، على غاية عصمته ونهايةِ طهارته.

وفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه

(2)

ما صدر عن يوسفَ عليه السلام بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه عليه السلام مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردودٌ بنصِّ الكتاب، فافهم، واللّه الهادي إلى الصواب.

{وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ} ؛ أي: ما آمر به، فحُذف الجار

(3)

كما في قولك: أمرتكَ الخيرَ، أوة أمري إياه، ومعناه: موجَبُ أمري ومقتضاه، فيكون الضمير له عليه السلام.

(1)

في (م): "واستعجل"، والمثبت موافق لما في "الكشاف"(2/ 467).

(2)

في (ك) و (م): "أن"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.

(3)

"فحذف الجار" من (م).

ص: 281

واللام في (لئن) موطِّئة لقسم محذوف وجوابه: {لَيُسْجَنَنَّ} وجاءت النون المشدَّدة لأنها آكَدُ من المخفَّفة

(1)

، ثم عُطف عليها

(2)

:

{وَلَيَكُونًا} بالنون المخففة؛ لأن الصَّغار أخف من السجن، وقرئ بالنون المشددة

(3)

، والأول أولى: معنًى لِمَا تقدم، ولفظًا لأن النون كُتبت في المصحف ألفًا على حكم الْوَقْف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.

{مِنَ الصَّاغِرِينَ} : من الأذلَّاء، من صَغِرَ - بكسر الغين - يَصغَر صَغارًا وصَغَرًا، وأما الصغير فمن صَغُر بالضم يَصْغُر صِغَرًا.

* * *

(33) - {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} .

{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ} وقرئ بالفتح على المصدر

(4)

.

{أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} من ركوب المعصية، وهي محبة الاختيار والإيثار لا محبة النفس، فإنها تهوى ما تدعون

(5)

إليه، دليله قولُه:{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} .

ودلت الآية على أن النسوة راوَدْنه عن نفسه، ولذلك قال:{إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 51] ويجوز أن يكون إسناد الدعوة والمراوَدة إليهن

(1)

في (ك) و (م): "الخفيفة".

(2)

في (ك): "عليه".

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 467).

(4)

هي قراءة يعقوب. انظر: "النشر"(2/ 295).

(5)

في (ك): "تدعوني".

ص: 282

لأنهن ينصحْنَ له، وزَّينَّ له مطاوَعتَها، وقلن له: إياك وإلقاءَ نفسك في السِّجن والصَّغار.

وقيل: إنما ابتُلي يوسف عليه السلام بالسجن لأنَّهُ تجلَّد على اللَّه تعالى وتصبَّر بقوله: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} ، وكان حقَّه أن يَسأل العافية، ولذلك ردَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على مَن كان يسأل الصبر

(1)

.

{وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي} : وإن لم تصرف عني {كَيْدَهُنَّ} في تحبيب ذلك إليَّ وتحسينه عندي بالتثبيت

(2)

على العصمة.

{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} : أَمِلْ إلى إجابتهن، أو إلى أنفُسهن بطبعي ومقتضَى شهوتي والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنها: الصَّبا؛ لأن النفوس تصبو إليها لطِيب نسيمِها ورَوْحها.

وقرئ: (أَصَبُّ) من الصَّبابة

(3)

.

{وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} : من الذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأن مَن لا جدوى لعلمِه فهو ومَن لا يعلم سواءٌ، أو: من السفهاء؛ لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

* * *

(34) - {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

{فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} فأجاب اللَّه تعالى دعاءه الذي تضمَّنه قوله: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي} فإن فيه معنى طلبِ الصرف والدعاءِ باللطف.

(1)

رواه الترمذي (3527) من حديث معاذ رضي الله عنه وقال: حديث حسن.

(2)

في (ك) و (م): "بالتثبت".

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"الكشاف"(2/ 467).

ص: 283

{فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} تثبيتًا

(1)

على العصمة، تفسيرٌ

(2)

للاستجابة.

{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} لدعوات الملتجِئين إليه {الْعَلِيمُ} بأحوالهم وما يصلحُهم

(3)

.

* * *

(35) - {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} .

{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} : ظهر للعزيز وأهله {مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ} هي الشواهد على براءته؛ كشهادة الصبيِّ، وقدِّ القميص، وأما قطعُ النساء أيديَهن فليس منها كما لا يخفى.

وفاعل {بَدَا} مضمَر لدلالة ما يفسِّره عليه، وهو:{لَيَسْجُنُنَّهُ} .

والمعنى: بدا لهم بداءٌ؛ أي: ظهر لهم رأي هو ليسجننَّه، وهو جواب قسمٍ محذوفٍ، والقسم وجوابه معمولٌ لقولٍ محذوف تقديرُه: قائلين.

وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفَتْلِها منه في الذِّروة والغارب

(4)

، وكان مِطْواعًا لها حتَّى أنساه ذلك بعدُ ما عاين من الآيات، وعمِل برأيها في سَجنه وإلحاق الصَّغار به كما أوعدته

(5)

به، وذلك لما أَيِست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يُذلله

(6)

السِّجن ويسخِّرَه لها.

(1)

في (م): "بتثبيته".

(2)

في (ك): "تفسيرًا".

(3)

"وما يصلحهم" من (م).

(4)

قوله: (وفتلها منه في الذروة والغارب)، مثلٌ في الخداع؛ لأن رائض الصعبة إذا أراد رياضتها مسح سنامها وذروتها. انظر:"فتوح الغيب"(8/ 330).

(5)

في (ك): "أوعدت".

(6)

في (م): "يذله".

ص: 284

وقرئ: (لتَسْجُننَّه) بالتاء على الخطاب

(1)

، خاطَب به بعضُهم العزيز ومَن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.

{حَتَّى حِينٍ} : إلى زمانٍ، كأنها اقترحت أن يُسجَنَ زمانًا حتَّى تُبصرَ ما يكون منه

(2)

، أو يحسبَ الناس أنه المجرم فلبث في السجن بضع سنين

(3)

. وقرئ: (عتى) بلغة هُذيل

(4)

.

* * *

(36) - {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .

{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} ؛ أي: عبدان للملك، قال الزجَّاج: كانوا يسمُّون المملوك فتًى شيخًا كان أو شابًّا

(5)

.

والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أَمْضَوا

(6)

رأيهم في سَجنه فسجنوه {وَدَخَلَ مَعَهُ} ؛ أي: في صحبته

(7)

{السِّجْنَ} فإن (مع) حقيقةٌ فيها، فلا تُصرف عنها إلى المجاز إلا لصارف، كما في قوله:{وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: 44].

(1)

نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 63)، و"الكشاف"(2/ 468).

(2)

"منه" من (م).

(3)

في (م) زيادة: "فلبث في السجن بضع سنين".

(4)

نسبت لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 63)، و"المحتسب"(1/ 343)، و"الكشاف"(2/ 468)، و"البحر"(12/ 474).

(5)

انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج (3/ 109).

(6)

في (ك): "أصر".

(7)

في (ف) و (ك): "صحبة".

ص: 285

والمعنى: أنه عليه السلام دخل السجن واتَّفق أن دخل حينئذ آخران من عبيد الملك: شَرَابيَّه وخبَّازه؛ للاتهام بأنهما قصَدا أن يَسُمَّاه.

{قَالَ أَحَدُهُمَا} وهو الشرابيُّ: {إِنِّي أَرَانِي} ؛ أي: أرى في المنام، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا للصورة عند السامع؛ إظهارًا للاهتمام بتأويلها.

{أَعْصِرُ خَمْرًا} وفي قراءة ابن مسعود: (عنبًا)

(1)

، وإطلاق الخمر على العنب مجازٌ من باب تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، ونكتة المجاز بيانُ أنَّ عصره كان

(2)

للتخمير لا لأمرٍ آخر على وجه الإيجاز.

{وَقَالَ الْآخَرُ} وهو الخباز: {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ} : تنهشُ {مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} شبَّه الإخبار بما

(3)

سيقع من الأمور المغيَّبة بتفسير المشكل والإفصاح عن معناه لإبهامه، فسماه التأويلَ، والضمير لِمَا قصَّا عليه جاريًا مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.

{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} : الذين يُحْسنون تأويلَ الرؤيا، قالا ذلك لأنهما رأياه يعبر رؤيا بعض أهل السجن، أو: من المحسنين إلى أهل السجن فأَحْسِنْ إلينا بتأويل ما رأينا إنْ كنت تعرفه.

* * *

(1)

انظر: "المحتسب"(1/ 343)، و"البحر"(12/ 476)، عن ابن مسعود وأبيٍّ. قال أبو حيان: وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير؛ لمخالفته لسواد المصحف، والثابت عنهما بالتواتر قراءتُهما:{أَعْصِرُ خَمْرًا} .

(2)

"كان" من (م).

(3)

في (ف) و (ك): "شبه لما".

ص: 286

(37) - {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} .

{قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} لمَّا استعبراه أراد أن يجعل ذلك ذريعةً إلى دعوتهما إلى التوحيد، فقدَّم لذلك مقدِّمةً باعثةً إياهما على القبول، وهي الإخبار عن المغيَّبات، كما هو طريقةُ الأنبياء عليهم السلام في انتهاض الفرصة في الدعوة إلى الحق تعالى، فقال: لا يأتيكما من عند أهلكما أو أصدقائكما أو من غيرهم ما تحتاجان إليه من الطعام في السجن {إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} ؛ أي: بيان ماهيته وكيفيته {قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} .

فجعل ينبِّئهما كلَّ يوم بما يُحمل إليهما من الطعام قبل أن يأتيَهما، ويقول: اليوم يأتيكما كذا وكذا من الطعام من صفةِ كيتَ وكيتَ، فيكون كما أَخبر.

ويجوز أن يكون الضمير في {نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} راجعًا إلى ما استَعْبَراه عنه؛ أي: سأنبئكما بتأويل ما قصَصْتُما عليَّ قبل أن يأتيكما وظيفةُ الطعام الذي تُرزقانه.

فكأنهما قالا له عليه السلام: كيف تعلم ذلك فهو غيب؟ فقال: {ذَلِكمُا} إشارة إلى التأويل أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيَّبات {مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} بالإلهام والوحي.

{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} تعليلٌ لِمَا قبله، وتشويقٌ لهما إلى الإيمان؛ أي: لأني تركتُ ملة قوم أنتما على دينهم وهم أهلُ مصر وكانوا مشركين، وليس هو تركًا بعد الكون فيها بل هو الامتناعُ عنها أصلًا.

{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} لمَّا أراد أن يحبِّب إليهما الإيمان، وبكرِّهَ إليهما الكفر والفسق، فقال: هذه الكرامة لأني امتنعت عن ملة قومٍ ليسوا من الإيمان باللّه

ص: 287

في شيء، ولا من الإيمان بالآخرة، وعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسمية، وكرَّر {وَهُمْ} ، وقدَّم الآخرة، للدلالة على أنهم قوم عادتهم الكفر، فهو لهم كالطبيعة لا أمرٌ عارضٌ، وأنهم خصوصًا كافرون بالآخرة، وأن غيرهم مؤمنون وهم الذين على ملة إبراهيم عليه السلام، ولتخصيص كفرهم بالآخرة والجزاء فإن علمي التوحيد والمعاد هما أساس الدِّين، وللتعريض بأن ما هم عليه من الظلم والكبائر لا يرتكبه إلا مَن هو كافر بدار الجزاء.

* * *

(38) - {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} .

{وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي} فيه إطلاق الأب على الجد، وقد مر وجهه.

{إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} ؛ أي: اتبعت

(1)

ملة آبائي الأنبياء عليهم السلام.

ويجوز أن يكون - أعني قوله: {إِنِّي تَرَكْتُ} إلخ - ابتداءَ الكلام بتمهيدِ الدعوة، بعد إظهار المعجزة وإثباتِ أنه من بيت النبوة والشرف والكمال والكرامة؛ لتقوَى رغبتُهما في قبول كلامه واتِّباعِه ووثوقُهما به، ولهذا يجوز للعالم

(2)

الخامل أن يصف نفسَه ليُعرف فيُقتبَس منه ويُهتدَى بهداه.

{مَا كَانَ} ؛ أي: ما صح {لَنَا} معاشر الأنبياء {أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أيِّ شيء كان.

(1)

في (م): "وأتبعت".

(2)

في (م): "للعامل"، وفي هامش (م):"لعله العالم".

ص: 288

وتعميم مفعول {نُّشُرِكَ} ، وتأكيدُ النفي بزيادة {مِن} ليكون كالبرهان على امتناع إشراك الأصنام به تعالى على أبلغ الوجوه، وأنَّه إذا لم يجز الإشراك بشيءٍ ما به ولو كان أشرفَ الأشياء، فكيف بأخسِّها وهي الجمادات.

{ذَلِكَ} التوحيد {مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا} بالوحي والاختصاص بالنبوة.

{وَعَلَى النَّاسِ} بإرسالنا إليهم لنهديَهم إليه ونعلمَهم ونزكيَهم.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} المرسلِ إليهم {لَا يَشْكُرُونَ} فضلَ اللَّه تعالى عليهم، ولا يعرفون نعمةَ الهداية، فكيف يشكرونها؟

أو: من فضل اللَّه تعالى علينا وعليهم بنصبِ الأدلة وإنزالِ الآيات، ولكن أكثرهم لا ينظرون في الأدلة اتِّباعًا لأهوائهم، ولا يستدلون بها ولا ينتبهون لذلك الفضل، فلا يشكرون تلك النعمة السَّنيَّة.

* * *

(39 - 40) - {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

{يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ} ناداهما باسم الصحبة في مكان المشاقِّ الذي تُخْلَص فيه المودةُ وتُمحَضُ فيه النصيحةُ، والمعنى: يا صاحبيَّ فيه، فأضافهما إليه على الاتِّساع كما في قوله: يا سارق الليلةِ أهلَ الدار.

ثم أورد الدليل على بطلان ملة قومهما بقوله: {أَأَرْبَابٌ} متكاثرون في العدد {مُتَفَرِّقُونَ} بتفريق الغير، المقهورون تحت قدرته.

ص: 289

{خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} : الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومُه غيرُه، مَثَلٌ ضربه لعبادة الله تعالى وحده وعبادةِ الأصنام.

وبما قدَّمناه تبيَّن

(1)

وجهُ إصابة التوصيف بالقهَّار محزَّه، وكان الظاهر مقابلةَ اللَّه بالآلهة، وإنما عدل عنه

(2)

للتنبيه على أن التعدُّد ينافي الألوهية.

ثم استطرد بعد هذا الاستفهامِ إلى الإخبار عن حقيقة ما يعبدون فقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ} ؛ أي: ما تعبدون شيئًا من دون

(3)

اللَّه تعالى، والخطاب لهما ولمن على دينهما.

{إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا} : إلا أسماء بلا مسمَّياتٍ أحدثتُموها {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} ، أي: سميتم أشياء ليس فيها معنى الألوهية آلهةً، فعبدتُموها باعتبار تلك الأسماء، فكأنكم تعبدون تلك الأسماء الخالية عن

(4)

المسميات.

{مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا} : بتسميتها {مِنْ سُلْطَانٍ} : من حجة

(5)

تدل على ما يحقِّق

(6)

مسمَّياتها.

{إِنِ الْحُكْمُ} في أمر العبادة والدين {إِلَّا لِلَّهِ} لأنَّهُ المستحق للعبادة بالذات من حيث إنه الواجب لذاتِهِ الموجدُ للكل والمالك للأمر.

(1)

في (ك): "ظهر".

(2)

"عنه" من (م).

(3)

"شيئًا من دون" سقطت من (ف)، و"شيئًا" سقطت من (ك).

(4)

في (ك): "من".

(5)

في (ك) و (م): "من صحة".

(6)

في (م): "على تحقق".

ص: 290

ثم بين ما حكم به فقال: {أَمَرَ} ؛ أي: على لسان أنبيائه

(1)

عليهم السلام.

{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} الذي دلت عليه الحجج.

{ذَلِكَ} ؛ أي: تخضيصُه تعالى بالعبادة هو {الدِّينُ الْقَيِّمُ} : الثابت الذي دلت عليه البراهين عقلًا ونقلًا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} فيخبطون في جهالتهم.

تدرَّج في الدعوة، فبدأ بتقبيح ملتهم في أعينهم وإبطالها أولًا، ثم بتحسين ملةِ التوحيد وتزيينها

(2)

عليهم، وبيانِ أنه من فضل اللَّه تعالى تنفيرًا وترغيبًا، ثم بين رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة بالتمثيل على طريق الخطابة، ثم أبطل الشرك بأنه لا حجة عليه أصلًا لا عقلًا ولا نقلًا، وأنَّه عبادة العدم البحتِ، ثم صرَّح بأن الحق هو التوحيد، وذلك هو الدِّين الثابت بالبرهان العقلي والسلطان النقليِّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه، ومَن لا يعرف ذلك فهو الجاهل مطلقًا.

* * *

(41) - {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} .

{يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ} لمَّا ألقى إليهما ما كان أهمَّ وهو أمرُ الدين رجاءً في إيمانهما ناداهما ثانيًا لتجتمِع أنفُسهما لسماع الجواب.

(1)

في (ف): "أنبياء"، و في (م):"أنبيائهم".

(2)

في (ف): "وتزينها"، وفي (ك):"وترتبها".

ص: 291

{أَمَّا أَحَدُكُمَا} يريد الشرابيَّ، إنما لم يعيِّنه صريحًا إبهامًا لأمر الآخَر مهما أَمْكَنَ، واحترازًا عن المخاطبة بالقبح، والتصديرُ بـ {أَمَّا} للشروع في تفصيل ما قصَده من الجواب عما استفتياه.

{فَيَسْقِي رَبَّهُ} : سيدَه، وقرئ:(رِيَّه)؛ أي: يسقي ما يرويه به

(1)

.

{خَمْرًا} كما كان يسقي قبله؛ أي: يعود إلى ما كان عليه.

قيل: سَقَى وأَسْقَى لغتان بمعنًى واحد.

والذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه

(2)

: ناوله فشرب، أو صبَّ الماء في حلقه، ومعنى أسقاه: جعل له سُقْيَا، قال تعالى:{وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27].

{وَأَمَّا الْآخَرُ} يريد الخباز {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} ؛ أي: تمَّ ما تستفتيان فيه مما يَؤُول إليه أمركما، وهو ما اتُّهما فيه وسُجنا لأجله وفُرغ

(3)

عنه، وهما ظنا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فاستفتياه فيه: ما عاقبته

(4)

؟.

وقيل: جحَدا وقالا: كذَبنا ما رأينا شيئًا وتحالمنا لنجرِّبك، فقال: إن ذلك كائنٌ سواءٌ كان منكما حُلُمًا أو تحالُمًا.

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 421)، و"البحر"(12/ 482)، و"تفسير أبي السعود"(4/ 279)، و"روح المعاني"(12/ 343)، وقوله:(فيُسقى) في هذه القراءة مبني للمفعول كما قيدوه في المصادر المذكورة، ولفظهم:(وقرأ عكرمة: فيُسقى ريه؛ أي: يُسقى ما يُروى به على البناء للمفعول).

(2)

في (ك): "سقى".

(3)

في (ف) و (ك): "وفرع".

(4)

"ما عاقبته" من (م).

ص: 292

والاستفتاء: طلبُ الفتيا، والفتيا: جوابٌ لحكم المعنى

(1)

، وهو غير الجواب عليه، وزمانُ الاستفتاء لا ينقضي ما لم يقضِ المفتي

(2)

الوطرَ في الفتيا، ولهذا قال:{تَسْتَفْتِيَانِ} دون: استفتيتُما.

* * *

(42) - {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} .

{وَقَالَ} يوسف عليه السلام {لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا} الظانُّ أيضًا هو عليه السلام إن كان تأويله عن اجتهادٍ، والشرابيُّ إن كان عن وحي، إلا أن يكون الظن بمعنى اليقين كما في قوله:{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20].

والنَّجاء: الخلاص من

(3)

الورطة بسلامة.

{اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} : اذكر حالي عند الملك عسى أن يخلِّصني.

{فَأَنْسَاهُ} الضمير للشرابي {الشَّيْطَانُ} الإنساءُ حقيقةً من اللَّه تعالى، وإنما نُسب إلى الشيطان لأنَّهُ

(4)

كان يوسوسه إليه من الأشغال المانعةِ عن التذكُّر، والفاء للسببيَّة فإن توصيته

(5)

عليه السلام به المتضمنةَ للاستعانة من غير اللَّه تعالى كانت سببًا للإنساء الذي ترتَّب عليه مكثُه في السجن مدةً مديدة.

(1)

في (ف): "طلب الفتيا جوابًا لحكم المعنى"، وفي (ك):"طلب الفتيا جواب لحكم المعنى"، والمثبت من (م)، ولعل الصواب:(لحكم المفتى).

(2)

في (ف): "يقض المعنى"، وفي (ك):"يقص المعنى".

(3)

في (ك): "عن".

(4)

قوله: "لأنَّهُ" كذا في النسخ، ولعل الصواب:(لِمَا).

(5)

في (ف): "توصيه".

ص: 293

{ذِكْرَ رَبِّهِ} ؛ أي: ذِكْرَ يوسف عليه السلام للملك، والإضافةُ لأدنى ملابسةٍ

(1)

، ومَن جوَّز أن يكون المعنى: أنسى يوسفَ عليه السلام ذكرَ اللَّه تعالى حتَّى استعان بغيره، لم يَدْرِ أن حق الفاء حينئذ أن تدخل على (قال)، ويذكر

(2)

جملته بعد أختها، ولا تأييدَ لما ذكره في قوله عليه السلام:"رحم اللَّه أخي يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك، لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس"

(3)

إنما تأييدُه لِمَا ذكرناه.

{فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} البضع: ما بين الثلاث إلى التسع، من البَضْع وهو القَطْع، وأكثر الأقاويل على أنه عليه السلام لبث فيه سبع سنين.

* * *

(43) - {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} .

{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى} حكايةُ حال فلذلك جاء بلفظ المضارع.

{سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} لما دنا فَرَجُه عليه السلام رأى ملكُ مصر في المنام سبع بقرات سِمان خرجن من نهرٍ يابس، وسبع بقرات مهازيلَ، فابتلعت المهازيل السِّمان.

{وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ} قد انعقد حبها {وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} : وسبعًا أُخَرَ يابسات

(1)

في (ف) و (ك) وهامش (م): "مناسبة"، والمثبت من متن (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(2/ 472).

(2)

في (ف) و (ك): "وتدخل".

(3)

ذكره البيضاوي في "تفسيره"(3/ 165)، ولم أجده مسندًا.

ص: 294

قد أَدركت، فالْتَوَتِ اليابسات على الخضر حتَّى غلَبن عليها، وإنما استغنى عن بيان حالها بما قَصَّ عن حال البقرات.

وسمان: جمع سمينٍ وسمينةٍ ككرام صفة أجريت على المميِّز دون المميَّز للقصد إلى التَّمييز بنوعٍ من الجنس.

والعَجَف: غايةُ الهزال، والعِجَاف: جمع عَجفاءَ، وقياسه: عُجْفًا؛ لأن فَعلاءَ وأفعلَ جُمع على

(1)

: فُعْلٍ، لكنه حُمل على {سِمَانٍ} ، ومن عادة العرب حملُ النقيض على النقيض كحملِ النظير على النظير.

وإنما أُجريت {عِجَافٌ} وعلى {وَسَبْعَ} للاستغناء عن التَّمييز بالمميِّز الأول

(2)

الذي هو الجنس، والتمييز إنما يكون بالجنس، فلو جُعل {عِجَافٌ} مميِّزًا بدون ذكر الجنس لم يجز، كما لا يجوز: ثلاثةُ غِلاظٍ، وأربعةُ ضِخَامٍ، لعدم دلالتها على الجنس، فإذا أجريت على السبع بالوصف بالنوع بعد تمييزه بالجنس تقديرًا فرجع إلى الأول

(3)

.

{وَأُخَرَ} عطفٌ على {سَبْعَ} ، {يَابِسَاتٍ} منصوب المحل صفتُه، على قياس {عِجَافٌ} في الأول.

{يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ} خطاب للأعيان والأشراف من العلماء والحكماء.

{أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} عبِّروها {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا} أراد الجنس، فلذلك عدَل عن الضمير، واللام للبيان، أو لتقوية العامل لأن الفعل إذا تأخر عن معموله ضعُف

(1)

"على" سقطت من (ف) و (ك).

(2)

"الأول" من (م).

(3)

في (م): "الأولى".

ص: 295

تأثيره فقُوِّي باللام كاسم الفاعل، ويجوز أن يكون {لِلرُّؤْيَا} خبرَ (كان) كما تقول: فلان لهذا الأمر، إذا كان مستقلًّا به متمكِّنًا فيه.

و {تَعْبُرُونَ} حالٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ، وإن تضمَّن {تَعْبُرُونَ} معنى فعلٍ تعدَّى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدِبون لعبارة الرؤيا.

والعبارة: المجاوَزة، وعَبَرْتُ الرؤيا: جاوَزْتها؛ أي: جاوزتُ صورتَها المخيَّلة المرئيَّة إلى الصورة الكائنة في نفس الأمر التي انتقلت المتخيَّلة منها إلى المرئية، وكذا أوَّلْتُها؛ أي: ذكرتُ مآلها وما ترجع هي إليه من الصورة الواقعة في نفس الأمر.

وعَبَرْتُ أثبتُ عند أهل اللغة، وعبَّرت بالتشديد للمبالغة كقطَعْتُ وقطَّعْتُ.

* * *

(44) - {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} .

{قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} : هذه أضغاثُ أحلام، أو: أمثالُ هذه أضغاث أحلام؛ أي: تخاليطها، جمعُ ضِغْثٍ وهو ما جُعل من أخلاط النبات وحُزم، شُبِّه بها ما تَجمعه المتخيّلة من أحاديث النفس ووساوس الشيطان، فاستُعير للرؤيا الكاذبة.

والأحلام: جمع حُلُم بالضم، وهو رؤيا كاذبةٌ لا حقيقةَ لها، وفي الخبر:"الرؤيا من اللَّه والحلُمُ من الشيطان"

(1)

أخرجه عن جنس الرؤيا لعدم ترتُّب أثره عليه.

والإضافة بمعنى (مِن)؛ أي: أضغاثٌ من أحلام، وإنما جمع ولم يكن إلا حُلمًا واحدًا لتضمُّنه أشياءَ مختلفةً، وقيل: للمبالغة في الوصف بالبطلان؛ كقولهم: فلان

(1)

رواه البخاري (5747)، ومسلم (2261)، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

ص: 296

يركب الخيل ويلبس عمائم الخزِّ، لمن لا يركب إلا فرسًا واحدة وماله إلا عمامةٌ واحدة، تزيُّدًا

(1)

في الوصف.

وعلى تقدير: أمثال، يكون الجمع على ظاهره.

{وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ} بتأويل المنامات الباطلة {بِعَالِمِينَ} لمَّا أجابوا بقولهم: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} عن سؤال التعبير، وأسقطوا احتمال السؤال بطلب التأويل لأنَّهُ أوسع دائرة من التعبير، فتداركوه بإظهار العجز عن تأويل الأباطيل، وفيه دليل على أنهم نزَّلوا ما رآه لتضمُّنه الأشياء منزلةَ الأحلام، وإلا لكان حقَّهم أن يقولوا: وما نحن بتأويل الحلم بعالمين.

* * *

(45 - 46) - {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} : من صاحبي السجن وهو الشرابي.

{وَادَّكَرَ} جملة حالية، و (ادكر) بالدال المهملة

(2)

وهو الفصيح، وعن الحسن:(واذَّكر) بالذال المعجمة

(3)

؛ أي: تذكَّر.

{بَعْدَ أُمَّةٍ} : بعد جماعة من الزمان طويلةٍ، حين استفتَى الملك في رؤياه،

(1)

في النسخ: "تزيد"، والمثبت من المصادر. انظر:"الكشاف"(2/ 475)، و"الدر المصون"(6/ 507)، و"حاشية الشهاب"(5/ 182).

(2)

"المهملة" من (م).

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"الكشاف"(2/ 475).

ص: 297

وأَعضَل

(1)

على الملأ تأويلُها، وقرئ:(إمَّة) بكسر الهمزة

(2)

وهي النعمة؛ أي: بعدما أُنعم عليه بالنجاة من القتل.

وقرئ: (بعد أَمَهٍ) بالهاء؛ أي: بعد نسيان

(3)

.

{أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} عمن عنده علمه {فَأَرْسِلُونِ} إليه لأسأله عنه، والمعنى: فأرسَلوه إلى {يُوسُفُ} عليه السلام، فأتاه فقال:{يُوسُفُ} فحُذف - إيجازا.

{أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} ناداه بالصِّديق - وهو المبالِغ في الصدق - لأنَّهُ عرَف صدقَه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، واختبر حاله في السجن.

{أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} ؛ أي: في رؤيا ذلك.

{لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ} : إلى الملك ومَن عنده، وإنما بني الكلام على الظن لأنَّهُ تأدَّب بصحبة يوسف عليه السلام فلم يجزمْ في الرجوع إليهم، فربما اختُرم دونه، ولا في علمهم فربما لم يعلموا، وقيل: لم يكن السجن في المدينة.

{لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} فضلك ومنزلتك، فيخلِّصونك من محنتك.

* * *

(47) - {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} .

(1)

في (ف) و (ك): "وأغفل".

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"المحتسب"(1/ 344)، و"الكشاف"(2/ 475).

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 476)، ورواها الطبري في "تفسيره"(13/ 184 - 186) عن ابن عباس وجمع.

ص: 298

{قَالَ تَزْرَعُونَ} خبرٌ في معنى الأمر؛ كقوله: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا} [التوبة: 44] وفائدة إخراج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمور به، وللاعتناء

(1)

بشأنه، فجُعل كأنه قد يوجد فيخبَر عنه، والدليل على أنه في معنى الأمر قوله:{فَذَرُوُه} .

{سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} بسكون الهمزة وتحريكها، مصدر دَأَب في العمل: إذا واظَبَ؛ أي: على عادتكم المستمرةِ، وانتصابه على الحال بمعنى: دائبين، أو المصدر بإضمار فعله؛ أي: تَدْأبون دأَبًا، وتكون الجملة حالًا.

{فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} لئلا يتسوَّسَ {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} في تلك السنين، نصيحةٌ خارجةٌ عن التعبير، وإشارةٌ برأيٍ نافعٍ بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين إلا بحيلةِ إبقائها في السنبل.

* * *

(48) - {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} .

{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ} ؛ أي: سبعُ سنين شدادٌ، فحذف المميَّز لدلالة قوله:{سَبْعَ سِنِينَ} عليه.

{يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أسند الأكل إليهنَّ على سبيل المجاز من حيث إنه يؤكل فيها؛ كما قال: {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] تطبيقًا بين المعبَّر والمعبَّر به.

{إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} تُحرِزون لبذور الزراعة.

* * *

(1)

في (ك): "والاعتناء".

ص: 299

(49) - {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} .

{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ} لم يقل: سنةٌ؛ لغلبتها في عام القحط.

{فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ} : يمطرون فيه، من الغيث، أو: يغاثون من القحط، من الغوث، والغيث: المطر الذي يجيء في وقت الحاجة، وباعتبار هذا القيد فيه حَسُن موقعه في قولهم: الغيث لا يخلو عن الغيث

(1)

، ففي الأول مبنيٌّ من ثلاثي وفي الثاني من رباعي، تقول: غاثنا الله، من الغيث، و: أغاثنا، من الغوث، والغوث: النفع

(2)

الذي يأتي على شدة حاجته بنفي

(3)

المضرة.

{وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} ما يُعصر كالعنب والقصب والزيتون والسمسم؛ لكثرة ما يعصرون من الفواكه وغيرها، وقيل: يحلبون الضروع.

وقرئ: {تعصرون} بالتاء

(4)

على تغليب المستفتي.

وقرئ على بناء المفعول

(5)

، من عَصَره: إذا أنجاه، ويحتمل أن يكون المبنيُّ للفاعل أيضًا منه؛ أي: يغيثهم الله، أو يغيث بعضُهم بعضًا، أو من

(1)

من قوله: "والغيث: المطر الذي يجيء .. " إلى هنا من (م).

(2)

"النفع" من (م).

(3)

في (ف) و (ك): "على شدة خاصية تنفي".

(4)

قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 129).

(5)

قرئ على بناء المفعول بالياء والتاء، فالياء تنسب لجعفر بن محمد والأعرج وعيسى البصرة. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"المحتسب"(1/ 344)، و"الكشاف"(2/ 477)، و"البحر" (12/ 493). والتاء نسبت لعيسى البصرة. انظر:"تفسير القرطبي"(11/ 370)، و"البحر"(12/ 493).

ص: 300

أَعْصَرت السحابة

(1)

عليهم، فعدِّي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر.

وهذه بشارةٌ بشَّرهم بها بعد أن أَوَّلَ البقرات السِّمانَ والسنبلات الخضرَ بسنينَ مُخْصِبةٍ والعجافَ واليابساتِ بسنينَ مُجْدِبةٍ، وإتباعَ العجافِ السمانَ بأكلِ ما جُمع في السنين المخصِبة في السنين المجدبة، نصحهم وهداهم إلى التدبير فيها، ثم بشَّرهم بأن العام الثامن يجيءُ خصبًا، وذلك إمَّا بالوحي وإمَّا بالعلم بأن انتهاء الجَدْب إلى الخِصْب، وأن السنَّة الإلهية جاريةٌ بالتوسيع على العباد بعد التضييق عليهم.

* * *

(50) - {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} .

{وَقَالَ الْمَلِكُ} بعد ما جاءه بالتعبير: {ائْتُونِي} ؛ أي: بالمعبِّر، ففي الكلام حذف.

{فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ} يوسفَ عليه السلام ليخرجه من السجن {قَالَ} يوسف عليه السلام: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} إنما تأنَّى وتثبَّت

(2)

في إجابة الملك، وقدَّم سؤال النسوة لتَظهر براءة ساحته عما قُرف

(3)

به، وفيه دليل على أن السعي في دفع التُّهم واجب وجوبَ اتِّقاءِ الوقوف في مواقعها، وعن النَّبِيّ

(1)

في (ف) و (ك): "السماء"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في "الكشاف"(2/ 477)، و"البحر"(12/ 493)، ولفظ البحر:(أعصرت السحابة ماءها عليهم).

(2)

في (ف): "وثبت"، وسقطت من (ك).

(3)

في (ك): "قذف".

ص: 301

عليه السلام: "لو كنت مكانه أو لبثتُ في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة"

(1)

.

ومن زاد على ما ذكر قوله: ويُعلَم أنه سُجن ظلمًا فلا يقدر الحاسد أن يتوسَّل إلى تقبيح أمره، لم يُصب؛ لأن التعجيل أعونُ على دفع الوهم المذكور، فإن في التأخير مخافةَ الآفَة، وحالُ السؤال لا يَختلف بكونه في داخل السجن وخارجَه، ولذلك قال عليه السلام:(لأسرعتُ الإجابة) وفي بعض الروايات: "ما أُخبرهم" يعني: عن تعبير الرؤيا "حتَّى أشترطَ أن يخرجوني"

(2)

.

وإنما قال: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ولم يقل: فاسأله أن يفتِّش عن حالهن، تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال؛ لأن الإنسان إذا سئل عن شيء جد

(3)

فيه واجتهد في تحقيقه، بخلاف ما إذا التُمس منه شيء.

وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز صريحًا وقصدًا مع ما صنعت به كرمًا ومراعاةً للأدب، وإنما قلنا: صريحًا وقصدًا؛ لأن التعرض للمقطِّعات أيديهنَّ يستلزم التعرُّض بها، والسؤال عن بالهن يؤدي إلى السؤال عن بالها.

{إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} حين قلنَ لي: أطع مولاتك، تعظيم لكيدهن بأنه كيد

(1)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(8554) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "لو كنتُ أنا لأسرعتُ الإجابةَ، وما ابتغيْتُ العذرَ". ورواه البخاري (4694)، ومسلم (151) بلفظ:"ولو لَبِثْتُ في السجنِ طُولَ ما لبثَ يوسفُ، لأجبتُ الدَّاعيَ".

(2)

رواه عبد الرزاق في "تفسيره"(1/ 323) عن عكرمة عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وروي متصلًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد ضعيف جدًا كما قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية، رواه ابن أبي الدنيا في "العقوبات"(160)، والطبري في "تفسيره"(13/ 173).

(3)

في (ك): "أجد".

ص: 302

بعيد الغور لا يَعلم كُنْهَه إلا اللَّه تعالى، واستشهاد بعلم اللَّه عليه وعلى أنه بريء مما اتُّهم به، وإيعاد لهن بأن اللَّه عليم بكيدهنَّ فيجازيهنَّ عليه.

* * *

(51) - {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} .

{قَالَ} ؛ أي: الملك مخاطبًا لهن بعد إحضارهن، ففي الكلام حذف.

{مَا خَطْبُكُنَّ} : ما شأنكن، والخطب: أمر يحقُّ أن يخاطب فيه صاحبه لعظمه.

{إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} : هل وجدتن منه ميلًا إلى ما دعوتُموهنَّ إليه.

{قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} تعجُّبًا من عفته وذهابه بنفسه

(1)

عن شيء من الريبة، ومن نزاهته عنها.

{مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} بالَغْنَ في نفي جنس المكروه عنه عليه السلام بالتنكير وزيادةِ {مِن} ، وإنما قلن:{عَلَيْهِ} لأن مرادهن نفيُ ما يسوءُه لا ما يسوءُ الغير.

{قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ} فصَله عما قبله ولم يقل: وقالت؛ لأن مبنى الوصل على دخولها في الخطاب بقوله: {مَا خَطبُكُنَّ} وليست بداخلةٍ فيه.

{الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} : ثبت واستقر، من حصحص البعير: إذا ألقى مباركه ليُناخ، أو: ظهر، من حصحص شعرَه: إذا استأصله بحيث ظهر بشرةُ رأسه.

لما سمعت مقالتَهن في براءة يوسف أقرَّت بأعظمَ مما أَقررن به، إذ كانت هي أقوى سببًا فيما جرى من المراودة ومن سَجنه، ولا بيِّنةَ أجلى من

(1)

"وذهابه بنفسه" من (م).

ص: 303

اعترافهن على أنفُسهن، وشهادتهنَّ له بالبراءة والنزاهة وهن خصومُه، والفضل ما شهدت به الأعداء.

{أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} في قوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي} عن نفسي.

* * *

(52) - {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} .

{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ} من كلام يوسف عليه السلام لما جاء الرسول وأخبره بكلامهن فحذف ما حذف لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى:{قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [الأعراف: 109، 110] ثم قال: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110] وهو من كلام فرعون يستشيرهم بذلك مخاطبًا إياهم.

أي: ذلك التثبيت لِيَعْلَمَ العزيز {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} بظهر الغيب في حرمه، وهو حال من الفاعل أو المفعول؛ أي: لم أخنه وأنا غائب عنه، أو هو غائب عني، أو ظرفٌ؛ أي: بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة.

{وَأَنَّ اللَّهَ} ؛ أي: وليَعلم أن اللَّه {لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} ؛ أي: لا يهدي الخائنين في كيدهم؛ كقوله: {وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]؛ أي: لا تتبع المفسدين في سبيلهم، وقوله:{يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 30]؛ أي: يضاهون الذين كفروا في قولهم؛ وهذه طريقة دقيقة لا يسلكها إلا مَن له السليقة.

وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانةَ زوجها، وتوكيد لأمانته، ولذلك عقَّبه بقوله:

(53) - {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

ص: 304

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} لتزكيةَ نفسه، وهضمًا لها، واحترازًا عن إعجابها بأمانتها وعصمتها، وإقرارًا بأن ذلك بتوفيق اللَّه تعالى ورحمته وتسديده وعصمته لا منه، أي: وما أبرِّئُ نَفْسي من الزلل، ولا أزكِّيها، ولا أشهد لها بالبراءة، وهي

(1)

- أعني: نفيَ التبرئة والتنزيه - إما مختصَّة بهذه الواقعة وإرادة الهمِّ المذكور الذي هو ميل النفس لا القصدُ الاختياري، وإما عامة في جميع الأحوال.

{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} تعليل وتأكيد بعد التلويح، والمراد بالنفس: الجنس؛ أي: هذا الجنس كلُّه دائم الأمر بالسوء، حاملٌ عليه بما فيه من الشهوات، باعث للقُوى والجوارح عليه.

{إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} : إلا ما عصمه اللَّه برحمته، نصب على الظرف من أعمِّ الأوقات؛ أي: إلا وقتَ رحمة ربي وعصمته، أو على الاستثناء المتصل؛ أي: إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعصمة، واللام في {النَّفْسَ} للاستغراق حتَّى يصح الاستثناء.

ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا؛ أي: ولكن رحمةُ ربي هي التي تصرف السوء؛ كقوله: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً} [يس: 43، 44].

وقيل: هو من كلام امرأة العزيز؛ أي: ذلك الذي قلتُ ليَعلم يوسف أني لم أخنه؛ أي: لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قذفتُه وقلتُ:{مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} ، فهو اعتذار منها عما سلف، إنَّ كل نفس لأمَّارة بالسوء إلا نفسًا رحمها اللَّه تعالى بالعصمة كنفس يوسف، وفيه تكلُّفُ صرف الخيانة عن معناها إلى معنى الكذب.

(1)

في (ف) و (ك): "وهو".

ص: 305

{إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر همَّ النفوس ويرحم ما

(1)

يشاء بالعصمة، أو: يغفر للمستغفر لذنبه المعترِف على نفسه ويرحمه.

* * *

(54) - {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} .

{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} لمَّا أَخبر النساءُ بما أَخبرن قال ملك مصر: جيئوني به {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} : أجعله خالصًا لنفسي، لِمَا ظهر عنده من علمه وصلاحه.

{فَلَمَّا كَلَّمَهُ} معطوفٌ على محذوفٍ تقديره: فأتوا به فاستنطقه؛ أي: الملك، فالفاعل لـ (كلَّم) ضمير يوسف عليه السلام؛ أي فلما كلم يوسف الملك ورأى حسن منطقه لما صدق به الخبر، قيل: كان الملك يعرف سبعين لسانًا، فكلَّمه بها فأجابه بجميعها فتعجَّب منه

(2)

.

{قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ} ؛ أي: ذو مكان ومنزلة.

{أَمِينٌ} : مؤتمن على كل شيء، قيل: توفي العزيز في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوَّج منه زوجته، فوجدها عذراء وولد له منها أفرايم وميشا.

* * *

(55) - {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} .

(1)

في (ك) و (م): "من".

(2)

مبالغات اعتاد بعض المفسرين حشو كتبهم بها، ولا سند لها ولا صحة.

ص: 306

{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} ؛ أي: مكنِّي

(1)

أمرَها، والأرضُ أرض مصر، لمَّا وصفه الملك بالتمكن عنده والأمانة طلب من الأعمال ما يناسب هذين الوصفين.

{إِنِّي حَفِيظٌ} لها أحفظ ما استُحْفِظْتُه {عَلِيمٌ} بوجوه التصرف.

وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبةُ الملوك ممن يولُّونه، وإنما قال ذلك ليَتوصَّل به إلى إمضاء أحكام اللَّه، وإقامةِ الحق، وبسطِ العدل، والتمكُّنِ مما لأجله يُبعث الأنبياء عليهم السلام، ولعلمه أن أحدًا لا يضيع بذلك ولا يقوم مقامه فيه، فطلب التولية ابتغاء وجه اللَّه تعالى لا لحب الملك والدنيا.

وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهارِ أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق إلا بالاستظهار به، وعن مجاهد أنه قد أسلم على يده عليه السلام.

* * *

(56) - {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} .

{وَكَذَلِكَ} ومثلَ ذلك التمكين الظاهر {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} أرضَ مصر.

{يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} : ينزل من بلادها حيث يهوى؛ لدخول جملتها تحت ملكه

(2)

وسلطانه.

{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا} : بعطائنا {مَنْ نَشَاءُ} في الدنيا والآخرة.

(1)

في (ك) و (م): "كلني".

(2)

في (ك) و (م): "مملكته".

ص: 307

{وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} بل نوفِّي أجور إحسانهم عاجلًا وآجلًا، ولا نَنْقُص من أجورهم في الآخرة بسبب ما أعطيناهم من الملك والغنى شيئًا، ولهذا قال:

(57) - {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .

{وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} لأنَّهُ الدائم الذي لا يَفْنَى {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} ؛ أي: داوموا على التقوى، من باب وضع الظاهر موضعَ الضمير؛ تنويهًا بذكر الإيمان والتقوى، وتبيينًا لماهية الإحسان وأصلِه بأنه هو الإيمانُ والتقوى؛ أي: العلم والعمل، وإيماءً إلى أن أجر الآخرة إنما يُستحق بهما وأن غيرَ المؤمن التقيِّ - أعني عن الشرك - لا نصيب له في الآخرة.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله

(1)

: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجَّل له الخير في الدنيا ومالَه في الآخرة من خلاق، وتلا هذه الآيةَ.

وفيها

(2)

شهادة من اللَّه تعالى ليوسف بالإحسان، وإشارةٌ إلى أن حاله في الآخرة خير من حالته العظيمة في الدنيا، وإيذانٌ بأن الإحسان هو الذي لا يُضيع الله تعالى أجره.

* * *

(58) - {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} .

{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} ؛ أي: من كنعان من أرض الفلسطين من نواحي الشام إلى مصر ليمتاروا منها، فتوصَّلوا إلى يوسف للميرة، روي أنه أصاب بلاد الشام

(1)

في (ف): "رح"، وفي (م):"رحمة"، وليست في (ك).

(2)

في (م): "وفيه".

ص: 308

وأرض كنعان نحوَ ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب عليه السلام بنيه ليمتاروا واحتَبس بنيامين عنده.

{فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ} لأنَّهُ فارقهم وهم رجال ملتحُون، ورأى زَّيهم قريبًا مما كان من قبلُ.

{وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} لأنهم فارقوه في سن الحداثة غيرَ ملتحٍ، ولحسبانهم أنه هلك، ولبُعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها، وتبدُّلِ زِّيه وأُبَّهته، إلى ما بهم ولِمَا نابهم من التهييب والاستعظام مما ينكَر له المعروف.

* * *

(59) - {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} .

{وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} : أصلحهم بعدتهم وأَوْقَر ركابهم

(1)

بما جاؤوا له من الميرة.

وقرئ: (بجِهازهم) بالكسر

(2)

، والجهاز بالفتح والكسر: عُدة المسافر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون، وقيل: هو فاخرُ المتاع الذي يحمله؛ أي: من

(3)

بلدٍ إلى بلدٍ أخرى، ومنه جهاز العروس.

{قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} لا بد من مقدمة تقتضي هذا الأمر، روي: أنهم لما

(1)

في (ك): "ركائبهم".

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"الكشاف"(2/ 484).

(3)

في (م): "الذي يحمل من".

ص: 309

دخلوا عليه قال: مَن أنتم؟ وما أمركم؟ لعلكم عيون! قالوا: معاذ اللَّه نحن بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخ صِدِّيق نبيٌّ من أنبياء اللَّه تعالى اسمه يعقوب، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك، قال: فكم أنتم هاهنا؛ قالوا: عشرة، قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: عند أبينا يَتسلَّى به من الهالك، قال: فمَن يشهد لكم؟ قالوا: لا يعرفنا هاهنا مَن يَشهد لنا، قال: فدعوا بعضَكم عندي رهينةً وائتوني بأخيكم من أبيكم حتَّى أصدِّقكم، فاقترعوا فأصابت شمعون

(1)

.

وقيل: كان يوسف عليه السلام يعطي لكلِّ نفر حملًا، فسألوا حملًا زائدًا لأخٍ لهم من أبيهم، فأعطاهم وشَرَط عليهم أن يأتوه به ليَعلم صدقهم، ثم ذَكر ما يحرِّضهم على الإتيان بأخيهم:

{أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ} : أُتِمُّه {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} للضيف؛ أي: المضيفين، يعني: في قطره وفي زمانهم

(2)

، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتَهم يؤنِسُهم بذلك ويستميلهم، ثم يُوْعدهم

(3)

إن لم يأتوا إليه به بحرمانهم من الميرة في المستقبل بقوله:

(60) - {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ} .

{فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ} : فلا طعام.

{لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ} يحتمل أن يكون نهيًا، وأن يكون نفيًا مستقبَلًا معناه النهيُ وحُذفت النون وهو مرفوعٌ كما حذفت في قوله:{فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: 54]

(1)

انظر "تفسير الطبري"(13/ 223 - 224)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2162 - 2164)، و"الكشاف"(2/ 484).

(2)

في (ك): "أزمانهم".

(3)

قوله: "يوعدهم" كذا في النسخ، ولعل الأحسن:(توعَّدهم).

ص: 310

وأن يكون نفيًا داخلًا في الجزاء

(1)

معطوفًا على محل فلا كيل لكم عندي فيكون مجزومًا، تلطف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب.

* * *

(61) - {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} .

{قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} : سنخادعه عنه ونحتال حتَّى ننزِعَه من يده، ثم أكَّدوا ذلك الوعد بقولهم:{وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} ذلك لا محالة، لا نتوانى فيه ولا نقصِّر، أو: لقادرون على ذلك.

* * *

(62) - {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .

{وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} : لغلمانه الكيالين، جمع فتًى، وقرئ:{لِفِتْيَانِهِ}

(2)

على جمع الكثرة ليوافق قوله:

{اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} فإنه وكَّل بكلِّ رَحْلِ واحدًا

(3)

يعبِّئ فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام، وكانت نعالًا وأدمًا

(4)

، وإنما فعل ذلك توسيعًا وتفضُّلًا عليهم، وترفُّعًا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفًا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به، والرحل: آلة السفر من وعاء ومركب.

(1)

في (ف): "الخبر".

(2)

قراءة عاصم وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 129).

(3)

في (ك) و (م): "واحد".

(4)

بضم الهمزة وفتحها: جمع أَدَم، وهو الجلد المدبوغ. انظر:"حاشية الشهاب"(5/ 189).

ص: 311

{لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا} : لعلهم يعرفون حقَّ ردِّها، أو: لكي يعرفوها

(1)

.

{إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ} وفتحوا أوعيتهم.

{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} : لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع.

* * *

(63) - {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

{فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} : حُكِمَ بمنعه بعد هذا إنْ لم يذهب بنيامين {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ} ما نحتاج إليه من الطعام؛ لوجود الشَّرط ورفع

(2)

المانع.

وقرئ: {يَكْتَلْ} بالياء

(3)

؛ أي: يَكتلْ أخونا فينضمَّ اكتيالُه إلى اكتيالنا، ويجوز أن يكون المعنى: يكنْ سببًا للاكتيال، على الإسناد المجازي؛ لأن امتناعه بسبب

(4)

عدم ذهابهم به، فإذا أُرسل معهم كان هو سببًا لاكتيالهم، فكأنه هو المكتال

(5)

.

{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} عن أن يناله مكروه.

* * *

(1)

في (ف) و (ك): "يعرفونها".

(2)

في (ف): "ودفع".

(3)

قراءة حمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 129).

(4)

في (ف) و (ك): "سبب".

(5)

في (م): "المكيال".

ص: 312

(64) - {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .

{قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} استفهامٌ بمعنى النفي، وهذا تقريرٌ وتوقيفٌ وتألُّم من فراقه بنيامين، ولم يصرِّح بمنعه من إرساله

(1)

لِمَا رأى في ذلك من المصلحة، وشبَّه هذا الائتمانَ في ابنه هذا بائتمانه إياهم في حقِّ يوسف عليه السلام، كأنه يقول: قد قلتم فيه: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كما قلتم في هذا، فأخاف أن تَكيدوا له كما كِدْتم لذلك، لكنه لم يَخَفْ عليه كما خاف على يوسف عليه السلام واستسلم للّه تعالى

(2)

.

{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} عليه وأعتمدُ على حفظه وكلاءته دونهم، ورضي بدفعه إليهم.

وقرئ: {حِفْظًا}

(3)

، وانتصابه وكذا انتصابُ {حَافِظًا} على التَّمييز، وكون {حَافِظًا} حالًا ليس بجيدٍ؛ لأن فيه تقييدَ {خَيْرٌ} بهذه الحالة

(4)

.

{وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} : فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمعَ عليَّ مصيبتين.

* * *

(65) - {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} .

(1)

في (ف) و (ك): "ولم يمنعه من إرساله". وفي "المحرر الوجيز"(3/ 259): (ولم يصرح بمنعهم من حمله).

(2)

في (م) زيادة: "فقال".

(3)

قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو ونافع. انظر: "التيسير"(ص: 129).

(4)

في (ف): "الحال".

ص: 313

{وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} ؛ أي: وُضعت في رحالهم، وقرئ:(رِدَّت) بكسر الراء

(1)

على أن كسرة الدَّال المدغمةِ نُقلت إلى الراء، كما قيل: قيل وبيع.

{قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي} {مَا} هذه استفهاميةٌ منصوبةُ المحل؛ أي: أيَّ شيء نطلبُ وراء هذا، هل من مزيد على ذلك؟ أكرمَنا وأحسنَ مثوانا، وردَّ علينا متاعنا.

أو نافية؛ أي: ما نبغي في القول وما نزيد فيما وصفنا لك

(2)

من إحسانِ الملِكِ.

ورُوي: (ما تبغي) بالتاء على الخطاب

(3)

؛ أي: أيَّ شيء تَطلبُ وراء هذا من الإحسانِ، أو الشاهد على صدقنا.

{هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} جملةٌ استئنافية وقعت بيانًا لقوله: {مَا نَبْغِي} .

{وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} عطفٌ على محذوف؛ أي: هذه بضاعتنا ردت إلينا فنستظهِر بها ونمير أهلنا، إذا فُسر البغي بالطلب، وإذا فسر بالكذب والترديد

(4)

في القول، جاز أن يعطف {نَمِيرُ} على {مَا نَبْغِي} ، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدَأً؛ أي: ونبغي أن نمير أهلنا، كقولك: سعيت في حاجة فلان ويجب عليَّ أن أسعى له.

{وَنَحْفَظُ أَخَانَا} عن المخاوف في الذهاب والإياب.

(1)

نسبت للأعمش ويحيى بن وثاب وعلقمة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"المحتسب"(1/ 345)، و"المحرر الوجيز"(2/ 360)، و"البحر"(12/ 509).

(2)

"لك" من (ك).

(3)

نسبت لابن مسعود وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"الكشاف"(2/ 486)، و"المحرر الوجيز"(2/ 360)، و"البحر"(12/ 510).

(4)

في (ك): "والتزيد".

ص: 314

{وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} ؛ أي

(1)

: وَسقَ بعيرٍ باستصحابِ أخينا، لزيادة وسعةٍ على أوساقِ أباعرنا، فما نبغي وراء هذه المساعي.

{ذَلِكَ} ؛ أي: الذي جئنا به {كَيْلٌ} : مكيلٌ {يَسِيرٌ} لا يكفينا، فلا بد أن نرجع إليه ونضاعفه، أو: ذلك الزائد لأخينا مكيلٌ قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظَمه، أو: ذلك الذي نمير ويكال لنا شيء يسير يزاد عليه ما يكال لأخينا.

وقيل: هو من كلام يعقوب عليه السلام؛ أي: ذلك المزادُ - وهو حملُ بعيرٍ واحدٍ - شيءٌ يسير لا يخاطَر بمثله بالولد؛ كقوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ} [يوسف: 52].

ويأباه تأخير {قَالَ} عنه، فإن حقَّه حينئذ أن يقدَّم عليه.

* * *

(66) - {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} .

{قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ} البتة بعدما رأيت منكم ما رأيت {حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} : ما أتوثَّق به من عند الله، يعني: الحَلِفَ باللّه.

وإنما جعله مَوْثِقًا مِن اللّه تعالى؛ لأن الحَلِفَ باللّه مما يؤكَّد به العهود، وقد أذن اللَّه تعالى فيه فهو إذنٌ منه تعالى.

{لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} جواب القسم؛ لأن معنى: {حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا} [يوسف: 66]: حتَّى تحلِفوا لي.

{إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} : إلا أن تَهْلِكوا، أو: إلا أن تُغلبوا فلن تُطيقوا الإتيان به،

(1)

"أي" من (م).

ص: 315

مفعول له

(1)

، وقوله:{لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} في تأويل النفي؛ أي: لا تتركوه لعلةٍ مّا إلا لعلةِ الإحاطة بكم؛ لأنَّهُ استثناءٌ مفرَّغ من أعمِّ العلل، فلا يكون إلا في النفي؛ كقولك: أقسمت باللّه إلا فعَلْتَ؛ أي: ما أطلب منك إلا فعلَك.

أو ظرفٌ مستثنًى من أعمِّ الظروف؛ أي: لا تمتنعون من الإتيان به وقتًا مّا إلا وقتَ الإحاطة بكم.

{فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} عهدَهم {قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ} من طلب الموثق وإتيانه {وَكِيلٌ} ؛ أي: مطَّلع رقيب.

* * *

(67) - {وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} .

{وَقَالَ} حين أنفذَ أخاهم معهم: {يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} وصَّاهم بالحذر عن إصابة العين؛ لأنهم كانوا جماعة

(2)

ذوي أبَّهةٍ وشارةٍ حسنةٍ، مشتهِرين بين أهل مصر بالقُربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا

(3)

كوكبةً واحدة فيُعَانُوا لجلالتهم في الصدور

(4)

وقد عُرف كونُهم إخوةً، والعين تتسارع تأثيرًا إلى مثلهم، ولذلك لم يوصهم بذلك في الكَرَّة الأولى لأنهم كانوا حينئذٍ مجهولين مغمورين بين الناس.

(1)

في (ك): "مفعوله".، وهو خطأ. انظر:"الكشاف"(2/ 487).

(2)

"جماعة" ليست في (ك).

(3)

"أن يدخلوا" من (م).

(4)

في (ف): "صدور"، وفي (ك):"صدور الناس".

ص: 316

أو كان الداعي له إلى التوصية خوفَه على بنيامين.

وتأثيرُ العين مما لا يُنكر، وقد ورد في الخبر عن خير البشر:"العينُ حقٌّ"

(1)

، وفي خبر آخر: "إن العين لتدخل

(2)

الرجل القبر والجمل القدر"

(3)

، وأنَّه عليه السلام كان يعوِّذ الحسنين رضي الله عنهما فقال:"أعيذُكما بكلمات اللَّه التامَّة، من كلِّ هامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة"

(4)

.

وشهدت به التجربةُ، ولا ينافي ذلك أنه

(5)

لا مؤثِّر إلا اللَّه تعالى؛ لأن حقيقة التأثير وأصلَه ليس إلا منه تعالى، وإنْ ظهر على مظاهر الأشياء بحسَب جَرْي العادة، وليس هذا بمحلِّ الامتحان والابتلاء لأنَّهُ ليس من خوارق العادات.

{وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} مما قضَى عليكم مما أشرْتُ به إليكم؛ أي: لا أنفعُ ولا أرفعُ إن أراد اللَّه بكم شيئًا

(6)

، ولم يُرِدْ به اتِّقاء

(7)

الحذر عن إلقاء النفس إلى محلِّ الخطر، ببيانِ عدم التأثير للتدبير في تغيير ما في التَّقديرُ؛ لأنَّهُ لا يناسب شأن النَّبِيّ عليه السلام أن يوصي بشيء على وجه الاهتمام ببنيه الكرام ثم يبطلَه

(1)

رواه البخاري (5740)، ومسلم (2187)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

في (ك): "لدخل".

(3)

رواه أبو نعيم في "الحلية"(7/ 90)، والقضاعي في "مسند الشهاب"(1057)، والخطيب في "تاريخ بغداد"(9/ 244)، من حديث أبي جابر رضي الله عنه.

(4)

رواه البخاري (3371)، وأبو داود (4737) واللفظ له، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وما بين معكوفتين منهما.

(5)

في (م): "أن".

(6)

في (ك): "سيئًا"، وفي (م) زيادة:"شيئًا سببًا".

(7)

في (م): "إيماء".

ص: 317

ويُظهِرَ أنه من خطَرات الأوهام، بل أراد دفع ما يخطر بالبال عند سماع مثل هذا المقال من معارضة التَّقديرُ بالتدبير بحسَب الظاهر المتبادِر إلى الأفهام، بما مَرْجِعُه إلى أن الحذر لا يُغني من القدَر، ومع هذا لا بد للعاقل من الحذر عن

(1)

مَظانِّ الضرر، ولذلك أُمرنا به في قوله تعالى:{خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] ونُهينا عن خلافه في قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ؛ أي: ليس الفصل بين الأمور على ما تقتضيه الحكمة إلا للّه تعالى.

ولما كان في توصيتهم مَظِنَّةُ التوسُّل بالأسباب العاديَّة، تداركه بقوله:

{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} ؛ أي: فوَّضْتُ أمري إلى اللَّه تعالى يدبِّره كيف يشاء، وتقديم الصلة لتخصيص التوكُّل به تعالى.

{وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} جمع بين حرفي العطف مع تقديم الصلة، وأراد بالواو العطفَ على فعله

(2)

من تخصيص التوكُّل باللّه تعالى في حفظهم، وبالفاء التسبيبَ؛ لأن

(3)

فعل الأنبياء عليهم السلام سببٌ لأنْ يُقتدى به؛ أي: وعليه خاصةً إذ خصَصْتُه بالتوكُّل عليه فليتوكَّل المتوكِّلون في جميع أمورهم، أو: وعليه إنْ توكَّل متوكِّل فليتوكَّل كما عليه توكلت.

* * *

(1)

في (ف): "من".

(2)

أي: (أراد أن يفيد بالواو عطفَ فعل غيره من تخصيص التوكل بالله تعالى على فعل نفسه .. ). انظر: "تفسير أبي السعود"(4/ 292).

(3)

في (ف): "أن".

ص: 318

(68) - {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

{وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ} ؛ أي: من الأبواب المتفرِّقة

(1)

في البلد.

{مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} ؛ أي: ما كان دخولهم في البلد متفرِّقين على رأي يعقوب عليه السلام مغنيًا عنهم من قضاء اللَّه في حقِّهم شيئًا.

{إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} ؛ أي: لكن كان اضطرابًا في قلبه ودغدغةً في خاطره أزال ذلك عن نفسه بوصيته

(2)

.

وأما ما قيل: فسُرِّقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصُّواع في رحله، وتضاعفت المصيبة على يعقوب عليه السلام

(3)

= فلا يناسب المقام؛ لأن مساق الكلام في عدم تأثير تدبيره فيما وصَّاهم به، وهو الاحتراز عن مَظِنَّة الضرر من جهةِ إصابة العين بهم لا من جهةٍ أخرى.

{وَإِنَّهُ} ؛ أي: وإن يعقوب عليه السلام {لَذُو عِلْمٍ} هو عظيم، وفي التنكير للتعظيم توطئةٌ لما في قوله:{لِمَا عَلَّمْنَاهُ} من كمال التفخيم الحاصل من إضافة التعليم

(4)

إلى نفسه تعالى.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} سرَّ إيجاب الحذر مع أنه لا يُغني شيئًا من القدَر.

(1)

في (ك) و (م): "أبواب متفرقة".

(2)

"بوصيته" من (م).

(3)

القائل هو البيضاوي في "تفسيره"(3/ 170). و"سُرِّقوا" مبني للمجهول مشدد الراء معناه: نسبوا إلى السرقة. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 193).

(4)

في (م): "التعظيم".

ص: 319

(69) - {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

{وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} : ضمَّ إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل.

الإيواء: الضمُّ والتصيير إلى موضع الراحة، ومنه المأوى: وهو المنزل الذي يصير إليه صاحبه للراحة فيه.

روي أنه أضافهم فأجلسهم مثنَى مثنَى، فبقي

(1)

بنيامين وحيدًا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزلْ

(2)

كلُّ اثنين منكم بيتًا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالك؟ قال: مَن يجد أخًا مثلَك؟ ولكنْ لم يَلِدْك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه فعانقه:

{قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ} يوسفُ {فَلَا تَبْتَئِسْ} : فلا تحزن، افتعالٌ من البؤس.

{بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : بما استمر به عادتُهم من الجفاء في حقِّنا، وذكرِك بغير الجميل عندك مغايظةً لك، وكأنه قصد الإشارة إلى ما هم بصددِ أن يعملوا في حقِّهم من إسناد السرقة بقولهم:{إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} ، ولذلك أتى بصيغة المضارع، وكان ذلك معلومًا له بطريق الوحي.

* * *

(1)

في (ف): "فبصر".

(2)

في (ك): (ينزل).

ص: 320

(70) - {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} .

{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} الفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوفٍ تقديره ظاهرٌ، وقد مر تفسير الجَهاز.

{جَعَلَ السِّقَايَةَ} ؛ المشرَبة {فِي رَحْلِ أَخِيهِ} قد مر تفسير الرحل، قيل: كانت مشرَبةً جُعلت صاعًا يكال بها، وقيل: كانت يسقى بها الدوابُّ ويكالُ فيها، وكانت من فضة، وقيل: من ذهب.

وقرئ: (وجَعَل)

(1)

على حذف جواب (لمَّا) تقديره: أمهَلَهم حتَّى انطلقوا.

{ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} : نادى منادٍ. الأذان: الإعلام بقول يُسمع بالآذان، يقال: آذنه: أعلمه، وأذَّن: أكثرَ الإعلام، ومنه: المؤذِّن؛ لكثرة ذلك منه.

{أَيَّتُهَا الْعِيرُ} العير: القافلة، ومنه المثل: لا في العير ولا في النفير، وهو في الأصل: اسم ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال؛ لأنها تَعِيرُ؛ أي: تتردد

(2)

، والقول بتخصيصه بالإبل باطلٌ، نص عليه الأزهريُّ

(3)

. ثم قيل لأصحابها؛ كالخيل في قوله عليه السلام: "يا خيل اللَّه اركبي"

(4)

.

(1)

نسبت لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "الكشاف"(2/ 490)، و"المحرر الوجيز"(3/ 263).

(2)

"تعير أي تتردد" سقط من (ف) و (ك)، وتحرف في (م) إلى:"تعر إلى تردد"، والتصويب من "تفسير البيضاوي" (3/ 171). وعبارة "الكشاف" (2/ 490):(لأنها تعير؛ أي: تذهب وتجيء).

(3)

انظر: "تهذيب اللغة"(3/ 107).

(4)

رواه الكلاباذي في "بحر الفوائد"(1/ 101)، والبيهقي في "الشعب"(10106)، وهناد في "الزهد"(25)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ورواه أيضًا ابن المبارك في "الجهاد"(161)، والحاكم في "المستدرك"(3386) من حديث أسير بن جابر.

ص: 321

{إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} من قَبيل نسبة الفعل إلى جماعةٍ كلمتُهم واحدةٌ لصدوره عن واحد منهم.

والسرقة: أخذ الشيء من حِرْزٍ في خُفيةٍ بغيرِ حقٍّ.

قيل: لم يأمرهم يوسف عليه السلام بذلك ولا علمه، وإنما كان أَمَر بعض خواصِّه بجعل السقاية في رحل أخيه على ما أَمَره اللَّه تعالى به، فلمَّا فقدها الموكَّلون بها اتَّهموهم بسرقتها.

* * *

(71) - {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ} .

{قَالُوا} ؛ أي: إخوة يوسف عليه السلام {وَأَقْبَلُوا} جملة حالية؛ أي: وقد أقبلوا {عَلَيْهِمْ} ؛ أي: على طالبي السقاية، وفيه تنبيه على ما في قوله:{ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} من إيجاز الحذف.

والإقبال: مجيء الشيء إلى جهة المقابلة بوجهه، وضدُّه الإدبار.

{مَاذَا تَفْقِدُونَ} يحتمل أن يكون {مَاذَا} استفهامًا في موضع نصبٍ بـ {تَفْقِدُونَ} ، ويحتمل أن تكون (ما) وحدها استفهاميةً مبتدأً، و (ذا) موصولة بمعنى: الذي، خبرٌ عن (ما) و {تَفْقِدُونَ} صلةٌ لـ (ذا) والعائد محذوف؛ أي: تفقدونه.

وفَقْدُ الشيء: طلبُه عند غَيبته عن الحسِّ بحيث لا يدري أين هو، قال الجوهري: فَقَدْتُ الشيءَ أَفْقِدُه فَقْدًا، وتَفَقَدْتُه؛ أي: طلبتُه عند غَيبته

(1)

.

(1)

انظر: "الصحاح"(مادة: فقد). ومن قوله: "عن الحس .. " إلى هنا من (م).

ص: 322

ولمَا فيه من معنى الطلب قالوا: {تَفْقِدُونَ} ولو كان معناه الغيبةَ المجرَّدة عن الطلب لكان حقَّهم أن يقولوا: ماذا فقدْتُم؟

وقرئ: (تُفْقِدون)

(1)

من أَفقَدْتُه: إذا وجَدْتَه فقيدًا.

* * *

(72) - {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} .

{قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} المكيالُ، وهو السقاية المذكورةُ، سماه أوَّلًا بإحدى معنييه وأخرى بالثانية. وقرئ:(صاع) و (صُوْع) بالضم والفتح والعين والغين، (صُوَاغ) من الصياغة

(2)

.

{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} ؛ أي: وَسْقُ بعيرٍ من طعام جُعلًا لمن حصَّله، وتمامُ الكلام في هذا المقام توعيدٌ للمسيء ووعدٌ للمُحسن من رئيس تلك الجماعة، إلا أنه اختُصر واكتُفي بجزئه الثاني مصدَّرًا بالواو الفصيحة الدالةِ على مخذوفٍ وهو جزؤه الأول، وحينئذ ينتظِم الإفراديُّ:{وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} ؛ أي: كفيلٌ أؤديهِ إلى مَن ردَّه، مع الجميع

(3)

في قوله: {قَالُوا نَفْقِدُ} .

قيل: فيه دليل على جواز الجَعالة وضمان الجُعل قبل تمام العمل.

(1)

نسبت لأبي عبد الرحمن السلمي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"الكشاف"(2/ 498)، و" المحرر الوجيز"(3/ 264).

(2)

انظر هذه القراءات في "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 64)، و"المحتسب"(1/ 364)، و"الكشاف"(2/ 490)، و"المحرر الوجيز"(3/ 264). وتلخص مما ذكره المؤلف ثماني قراءات يضاف إليها (صِواع) بكسر الصاد، لكن واحدة فقط في المتواتر وهي:{صُوَاعَ} ، وانظر بيان هذه القراءات ومن قرأ بكل منها مع تخريجنا لها مفصلة في "البحر"(12/ 522 - 523).

(3)

في (ف): "الجمع ".

ص: 323

ويَرِدُ عليه: أنه لا دلالة فيه على لزوم الضمان، وصحةُ الالتزام بدون اللزوم مما لا حاجة إلى الدليل عليه.

* * *

(73) - {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} .

{قَالُوا تَاللَّهِ} قسمٌ فيه معنى التعجُّب مما أضيف إليهم، والتاء بدلٌ من الواو في قول أكثر النحويين، وقال السهيليُّ: إنها أصلٌ بنفسها، وقد حُكي عن العرب دخولها على الربِّ والرحمنِ وحياتِكَ، قالوا: ترَبِّ الكعبة، وتَالرَّحمنِ، وتحياتك

(1)

.

{لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} أي: في أرضكم، وإنما استَشهَدوا

(2)

بعلمهم لاشتهارهم بينهم بالأمانة والدِّيانة، واختبارِهم حالَهم في كرَّتيِ المجيء، ومداخلتهم [للملك]

(3)

، ولأنهم دخلوا مصر وأفواهُ رواحلهم معكومةٌ

(4)

لئلا يتناول زرعًا أو طعامًا لأحد، ولأنهم ردُّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.

{وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} مرادُهم نفي السرقة عن أنفسهم، فكان حقَّهم أن يقولوا: وما سرقنا، إلا أنهم أرادوا أن يضمِّنوا عبارتَهم الدلالةَ على أن الإقدام على مثل هذه السرقة إنما يتيسَّر ممن هو معتاد بها.

* * *

(1)

انظر: "شرح التسهيل" لابن مالك (3/ 12 - 13)، و"ارتشاف الضرب" (ص: 1717)، و"البحر"(12/ 524) وعنه نقل المؤلف.

(2)

في (ك): "استشهد".

(3)

من "تفسير البيضاوي"(3/ 171).

(4)

أي: مشدودة بالعِكْم، وهو الحبل الذي يُعْكَم به.

ص: 324

(74) - {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} .

{قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ} الضمير للصُّواع؛ أي: فما جزاء سرقته على حذف المضاف.

{إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ} في ادعاء البراءة.

* * *

(75) - {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} .

{قَالُوا جَزَاؤُهُ} ؛ أي: جزاءُ سرقته {مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ} ؛ أي: أخذُه واسترقاقُه، هكذا كان شرعُ يعقوب عليه السلام.

{فَهُوَ جَزَاؤُهُ} جملةٌ أخرى لتقرير الحكم وإلزامه، أو خبر {مَنْ} ، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرط، أو جوابٌ لها على أنها شرطيةٌ، والجملة كما هي

(1)

خبر {جَزَاؤُهُ} على إقامة الظاهر مقام الضمير تفخيمًا لشأن الجزاء؛ كأنه قيل: جزاؤه مَن وجد في رحله فهو هو.

{كَذَلِكَ} : مثلَ ذلك الجزاءِ وهوْ الاسترقاقُ {نَجْزِي الظَّالِمِينَ} بالسرقة، وهذا كلامُ مَن لم يشكَّ أنهم برآءُ مما رُموا به، ولاعتقادهم البراءة علَّقوا الحكم على وجدان الصاع لا على سرقته.

* * *

(76) - {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} .

(1)

في (ف) و (م): "هو"، وسقطت "كما"من (ف).

ص: 325

{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ} ، أي: فبدأ مَن قال: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} ، وقد تقدم أنه مقدَّم المتفقِّدين بتفتيش أوعيتهم، وقيل: يوسف عليه السلام؛ لأنهم ردُّوا إلى مصر.

{قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} بنيامين نفيًا للتهمة.

{ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا} أي: السقاية، وتذكير الضمير فيما سبق لأن الخدَمة عبَّروا عنها بالصُّواع، فما دام الكلام منقولًا عن لسانهم ذكّر الضمير عائدًا

(1)

إليه.

{مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} وقرئ بضم الواو، وبقلبها همزة

(2)

.

{كَذَلِكَ} ، أي: مثلَ ذلك الكيد العظيم {كِدْنَا لِيُوسُفَ} ، أي: علَّمناه إياه، وأوحيناه إليه.

{مَا كَانَ} ما صح {لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} بالسرقة {فِي دِينِ الْمَلِكِ} : ملكِ مصر؛ لأن دينه الضربَ وتغريمَ ضعفِ ما أُخذ دون الاسترقاق، وهو تفسيرٌ للكيد وبيان له.

{إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} نصبٌ على الظرف أو المفعولِ له، أي: ما كان ليأخذه وقتًا من الأوقات إلا وقتَ مشيئة الله تعالى وإذنِه فيه، أو: لعلةٍ ما إلا بمشيئة الله تعالى، أو إلا بسبب مشيئة الله تعالى.

{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} في العلم كما رفعنا درجته عليه السلام فيه، وقرئ:{يَرْفَعُ} بالياء

(3)

، و:{دَرَجَاتٍ} بالتنوين

(4)

.

(1)

في (ك) و (م): "عائد".

(2)

قرأ الحسن: (وُعاء) بضم الواو، وسعيد بن جبير:(إعاء) بإبدال الواو المكسورة همزة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 65)، و"المحتسب"(1/ 348).

(3)

قراءة يعقوب، وكذا قرأ:{نَشَاءُ} بالياء. انظر: "النشر"(2/ 296).

(4)

قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالإضافة. انظر:"التيسير"(ص: 104).

ص: 326

{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} أرفعَ درجةً منه في العلم، أراد المبالغةَ في عدم انتهاء مراتب العلم في المخلوق ودرجاته لعدم انتهاء المعلومات، وعلمُ الله تعالى ليس بوصفٍ زائدٍ على ذاته، فلا يقال له تعالى: ذو علم، وبما قرَّرناه ظهر وجه العدول عن: العالِم، إلى:{ذِي عِلْمٍ} .

* * *

(77) - {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} .

{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ} يعنُون بنيامين {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} يعنُون يوسفَ عليه السلام.

قيل: ورثت عمتُه من أبيها مِنْطَقةَ

(1)

إبراهيم عليه السلام، وكانت تحضُن يوسف عليه السلام وتحبُّه، فلما شبَّ أراد يعقوب عليه السلام انتزاعَه منها، فشدتِ المنطقةَ على وسطه ثم أظهرت ضياعَها، فتفحِّص عنها فوُجدت محزومةً عليه، فصارت أحقَّ به في حكمهم، وبقي عندها حتى ماتت

(2)

.

{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ} الضميرُ لِمَا يُفهم من سياق الكلام؛ أي: أَكَنَّ كراهةَ ذلك القول في نفسه، والفاءُ للعطف على محذوفٍ تقديره: وسمع يوسفُ كلامهم فأسرَّها.

وقوله: {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} تأكيدٌ للسابق، وبيانٌ للمراد من اللاحق، فإنه علم عنه أنه

(1)

بكسر الميم: ما يشد به الوسط. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 197).

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(13/ 274)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(7/ 2178)، عن مجاهد.

ص: 327

عليه السلام {قَالَ} في نفسه: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} ، أي: شرٌّ منزلةً في سرقتكم أخاكم من أبيكم.

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} ؛ أي: يعلم أن الأمر ليس كما تصفونه من نسبةِ السرقة إلينا، وصيغة أَفْعَلَ للمبالغة لا للتفضيل، على معنى: والله أعلم منكم بما تصفون؛ إذ لا علم لهم به، فإن ما قالوا ناشئٌ عن الحيلة

(1)

غيرُ مطابق للواقع.

* * *

(78) - {قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .

{قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} ذكروا له حال أبيهم في كونه شيخًا كبيرَ القَدْر استعطافًا له عليه، وكانوا قد أخبروه بأنه كان له ولد قد

(2)

هلك وهذا شقيقه يستأنس به وهو أحبُّ إليه منهم.

{فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} : بدله على وجه الاستعباد والاسترقاق.

{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} إلينا، وما الإنعام إلا بالتمام فأتمِم إحسانك، أو: من المتعوِّدين بالإحسان فلا تغيِّر عادتك.

* * *

(79) - {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} .

{قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} مصدر يقوم مقام الفعل؛ أي: نعوذُ بالله معاذًا {أَنْ نَأْخُذَ} : من أن نأخذ، فأضيف إلى المفعول به وحُذف (مِن).

(1)

في هامش (م): "الجهل".

(2)

في (ف): "وقد".

ص: 328

{إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} ؛ أي: أنْ نَظلِم، فإنَّ أخذَ السارق على فتواكم واجبٌ، فلئن أخذنا غيره {إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} في مذهبكم ودينكم، فلمَ تطلبون منا ما هو ظلمٌ عندكم؟

كلام ذو وجهين: ظاهره ما مر، وباطنه: إني مأمور من عند الله تعالى بأخذ بنيامين، فإن خالفتُه كنت ظالمًا مرتكبًا خلافَ الوحي عاصيًا.

وإنما قال: {إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} إجراءً للكلام على مُجرى ما قالوه عند بيان الجزاء، واحترازًا عن التصريح بإسناد السرقة إلى أخيه، وإلا فالأخصَرُ لفظًا والأظهرُ معنًى أن يقول: إلا مَن سرق.

* * *

(80) - {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} .

{فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} : يئسوا من يوسف عليه السلام؛ أي: من إجابته إياهم، وزيادةُ السين والتاء للمبالغة كما ذُكر

(1)

في: استعصم.

{خَلَصُوا} : انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطُهم غيرهم.

{نَجِيًّا} : ذوي نجوى، أو: فوجًا نَجِيًّا، حال أو مفعول له؛ أي: مناجيًا، أو ليناجيَ بعضهم بعضا، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم.

والنجي قد يجيء بمعنى المناجي كالعشير بمعنى المعاشر، ومنه قوله تعالى:

(1)

"ذكر" من (م).

ص: 329

{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52]، وقد يكون بمعنى المصدر بمعنى التناجي كالنجوى، ومنه قيل: قوم نجوى، كما قيل:{وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47] تنزيلًا للمصدر منزلة الوصف، ويقال: هم نَجِيٌّ، كما يقال: هم صَدِيق؛ لأنَّه على زِنة المصادر.

{قَالَ كَبِيرُهُمْ} في السن وهو روبيل، أو رئيسهم وهو شمعون، أو كبيرهم في الرأي والعقل وهو يهوذا:

{أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} : عهدًا وثيقًا، وإنما جعل حَلِفهم بالله تعالى مَوْثقًا منه لأنَّه بإذنٍ منه وتأكيدٍ من جهته، وإنما قال:{عَلَيْكُمْ} لِمَا في أخْذه من التكليف والإيجاب.

{وَمِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل هذا

(1)

{مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ} قصَّرتم في شأنه، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه، و {مَا} مَزيدة أو مصدرية، ومحل المصدر النصبُ بالعطف على مفعول {تَعْلَمُوا}؛ كأنه قيل: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم موثقًا وتفريطَكم من قبلُ في يوسف، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف.

وأما الرفعُ على الابتداء وخبرُه الظرف وهو {من قبلُ} ؛ أي: وقع من قبلُ تفريطُكم في يوسف، فمردودٌ بأنَّ (قبل) إذا كان خبرًا أو صلةً لا يُقطع عن الإضافة حتى لا ينقص.

أو موصولة؛ أي: ومِن قبلِ هذا ما فرَّطْتُموه في حقِّ يوسف؛ أي: ما قدَّمْتُموه من الخيانة

(2)

العظيمة، ومحلُّه النصبُ أو الرفعُ على الوجهين.

{فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ} : فلن أفارق أرض مصر {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} في الرجوع

(1)

"أي من قبل هذا" من (م).

(2)

في (ك): "الجناية".

ص: 330

إليه

(1)

{يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} بالتَّوفِّي، أو بالخروج منها، أو بتخليص أخي من يد مَن أخَذه بسببٍ من الأسباب ولو بالمقاتَلة معهم.

{وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} لأنَّه لا يحكم إلا بالحق.

* * *

(81) - {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} .

{ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} على ما شهدنا

(2)

من ظاهر الأمر، وقرئ:(سُرِّق)

(3)

؛ أي نُسب إلى السرقة.

{وَمَا شَهِدْنَا} عليه {إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} بأنْ رأَينا أنَّ الصُّواع استُخرج من وعائه.

{وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ} : لباطن الحال {حَافِظِينَ} اعتذار من مواعدتهم أباهم بحفظه؛ أي: ليس من شأننا حفظُه لأمرٍ غائب

(4)

عنا، فإنَّا كنَّا ضمِنَّا لك حفظَه مما يمْكننا الحفظُ عنه من الآفَات في الطريق، فأمَّا السرقة فممَّا لم يكن لنا إلى حفظه منها سبيلٌ، هذا هو الظاهر من الكلام، المتبادِرُ إلى الأفهام، المطابق لِمَا يقتضيه المقام، فلا حاجة إلى صرف الحفظ عن معناه إلى معنى العلم كما سبق إلى بعض الأوهام.

(1)

"إليه " من (م).

(2)

في (م): "ما شاهدنا".

(3)

نسبت لابن عباس وغيره. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (2/ 341)، و"المحرر الوجيز"(3/ 270).

(4)

في (ف) و (ك): "إلا الغائب".

ص: 331

(82 - 83) - {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} .

{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} هي مصر؛ أي: أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كُنْه القصة.

{وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} قد مر أن العير يُطلق على القافلة، وهم كانوا من كنعان جيرانِ يعقوب، وقيل: من صنعاء.

{وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} تأكيدٌ في محل القسم، وفي الكلام إضمارٌ معناه: فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال أخوهم {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ} ؛ أي: زيَّنت وسهَّلت {لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} أَردْتُموه، وإلا فما أدرَى الملك أن السارق يُؤخذ

(1)

بسرقته لو لا فتواكم.

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} قد مر تفسيره {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} بيوسفَ وأخيه والكبير المتوقِّف هناك.

{إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} بحالي وحالهم {الْحَكِيمُ} في تدبيره، ولا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة.

* * *

(84) - {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} .

{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} : وأعرض عنهم كراهيةً لما أخبروه به.

(1)

في (م): "يؤاخذ".

ص: 332

{وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ؛ أي: يا أسفًا تعالَ فهذا أوانُكَ، والأسف: أشدُّ الحزن على الغائب، وهو أشد الغضب أيضًا، ويجوز أن يكون اجتمع له المعنيان: الحزنُ على فَقْد يوسف، والغضبُ على إخوته أو على نفسه ببعثه معهم، ويناسبه ما في لحاق الكلام من التعرُّض لهما.

وإنما تأسَّف على يوسفَ والحادثُ مصيبةُ أخويه؛ لأن الرُّزْء به

(1)

أشدُّ المصائب وأنكاها، وهو الآخذ بمجامع قلبه لا ينساه، ولأنه كان واثقًا بحياتهما دون حياته، وفي الحديث:"لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد"

(2)

، ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال:{يَاأَسَفَى} منادى مضافٌ إلى ياءِ المتكلِّم أُبدلت الياء ألفًا.

{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} : لكثرة بكائه

(3)

من الحزن، فإن العَبرة إذا كثرت محقَتْ سواد العين وغيَّرته إلى بياضٍ كدِرٍ، وعلَّل الابيضاض بالحزن وإنما هو من البكاء المتوالي؛ لأنَّه ثمرة الحزن فعلِّل بالأصل الذي نشأ منه البكاء.

والحزن: الهم الغليظ على النفس، من الأرض الحَزَن بفتح الحاء؛ أي: الغليظة.

والظاهر أنه عليه السلام كان عَمِي

(4)

؛ لقوله تعالى: {فَارْتَدَّ بَصِيرًا} .

(1)

في (ف) و (م): "الرزية".

(2)

رواه البيهقي في "الشعب"(9691) من قول سعيد بن جبير، وقال:(رفعه بعض الضعفاء إلى ابن عباس ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم). قلت: رواه الطبراني في "الكبير"(12411) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه محمد بن خالد الطحان، وهو ضعيف كما في "مجمع الزوائد" (2/ 330). وانظر:"الكشاف"(2/ 497)، والكلام منه.

(3)

بعدها في (ك): "لا".

(4)

في (م): "أعمى".

ص: 333

وقرئ: (من الحَزَن)

(1)

.

وفيه دليل على جواز التأسُّف والبكاء عند التفجُّع، ومثلُ ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ مَن يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله عليه السلام على ولده إبراهيم وقال:"القلبُ يحزن، والعينُ تدمع، ولا نقول ما يُسخط الربَّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون"

(2)

.

{فَهُوَ كَظِيمٌ} : مملوءٌ من الغيظ على أولاده، ممسِكٌ له

(3)

في قلبه ولا يظهره، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ؛ كقوله:{وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]، من كَظَم السِّقَاء: إذا شدَّه على هيئته، أو بمعنى فاعل؛ كقوله:{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134] من كَظَم الغيظ

(4)

: إذا اجْتَرعه، وأصله من كَظَم البعيرُ جِرَّتَه: إذا ردَّها في جوفه، والكظَم بفتح الظاء: مجرى النفَس.

* * *

(85) - {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} .

{قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ} جوابُ القسم: {تَفْتَأُ} حُذفت منه (لا)، وحذفُها جائز لأنها لا تَلتبِس بالإثبات، إذ لو كان إثباتًا بعد القسم لقيل: لتَفْتأنَّ؛ إذ لا بد في الإثبات

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 497).

(2)

رواه البخاري (2303)، ومسلم (2315)، من حديث أنس رضي الله عنه. وفيهما:" .. ولا نقولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنا .. ".

(3)

في (م): "به".

(4)

في (م): "الغيظ".

ص: 334

من اللام والنون، فقرينةُ النفي خلوُّه عن علامة الإثبات، والمعنى: لا تزال، واسمها ضمير الخطاب، و {تَذْكُرُ} خبرُ {تَفْتَأُ}؛ أي: لا تزال تذكر تفجُّعًا عليه.

{تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} : مريضًا مشرِفًا على الهلاك، وقيل: الحرَض: الذي أذابه همٌّ أو مرضٌ، وهو في الأصل مصدرٌ، ولذلك يستوي

(1)

فيه الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنث، والنعت بالكسر كدَنِفٍ ودَنِقٍ، وقد قرئ بضمتين كجنب

(2)

.

{أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} الهلاك: ذهاب الشيء بحيث لا يَدري

(3)

الطالب له أين هو؟ فالميت هالكٌ لهذا

(4)

المعنى، ويطلق على الواله

(5)

لشيء وهو المراد هاهنا، ولهذا أخِّر، فإنه لو أريد المعنى الأولُ لكان حقّه التقديم.

* * *

(86) - {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي} البث: أصعب الهم الذي لا يقدر صاحبه أن يكتمه فيبثُّه، أي: ينشره.

{وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} ، أي: لا أشكو إلى أحد منكم ولا من غيركم، إنما أشكو إلى الله تعالى ملتجئًا إليه، فخلُّوني وشكايتي، وهو معنى تولِّيه عنهم إلى الله تعالى.

(1)

في (ف): "سوي".

(2)

نسبت للحسن البصري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 65)، و"الكشاف"(2/ 499).

(3)

في (ف): "يرى".

(4)

في (ك): (بهذا).

(5)

تحرف في (ف) و (ك) إلى: "الدالة".

ص: 335

{وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ} ؛ أي: أعلم من لطفه ورحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، أو: أعلم من جهة الله تعالى بالوحي.

{مَا لَا تَعْلَمُونَ} من حياة يوسف عليه السلام.

قيل: إنه رأى ملك الموت في منامه، فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله، هو حيٌّ فاطلبه

(1)

.

وقيل: علم من منامِ يوسف أنه لا يموتُ حتى يسجدَ له أبوه وإخوتُه

(2)

.

* * *

(87) - {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .

{يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} : فتعرَّفوا

(3)

منهما، وتفحَّصوا عن حالهما.

والتحسُّس: الاستقصاء، وهو الطلب بالحواسِّ، وقرئ بالجيم من الجَسِّ

(4)

وهو الطلب، ومنه: الجاسوس. أمَرهم بطلب يوسف بالبصَر لعلهم يَرَوْنه وبالأُذن لعلهم يسمعون ذكرَه.

(1)

"فاطلبه "سقط من (ك).

(2)

وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، ولا يحتاج إلى أخبار لا تعرف لإثباته، فإنه واضح من آية المنام وضوح الشمس.

(3)

تحرفت في (ف) و (م) إلى: "فتفرقوا". والمثبت من (ك)، وهو المو افق لما في "الكشاف"(2/ 500).

(4)

نسبت للنخعي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 65)، و"الكشاف"(2/ 500).

ص: 336

{وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} : ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه، وقرئ:(من رُوح الله)

(1)

؛ أي: من رحمته التي يُحيي بها العباد.

{إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} بالله تعالى وصفاته، فإن العارف لا يقنط من رحمة الله في شيء من الأحوال.

* * *

(88) - {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} .

{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ} ، أي: على يوسف عليه السلام بعد ما رجعوا إلى مصر رجعةً ثانية.

{قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} : الهزال من شدة الجوع.

{وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} : مدفوعةٍ، يدفعُها كلُّ تاجر رغبةً عنها واحتقارًا لها، من أَزْجَيْتُه: إذا دفعْتَه وطردْتَه، والريح تُزْجي السحاب، قيل: كانت بضاعتهم دراهم زُيوفًا لا تُؤخذ إلا بوضيعةٍ، وقيل غيرُ ذلك.

{فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} التمَسوا منه إيفاءَ الكيل بعد ما قدَّموا باعث الشفقة ومُوجِبَ المرحمة، ولذلك صدَّره بأداة التفريع.

{وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} أي: بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو: زدنا على حقنا، فسمَّوا ما هو فضلٌ وزيادةٌ لا تلزمه صدقةً تمسكُنًا

(2)

وتواضعًا له، فلا دلالة فيه على عدم اختصاص حرمة الصدقة لنبينا عليه السلام.

(1)

نسبت للحسن وقتادة. انظر: "المحتسب"(1/ 348)، و"الكشاف"(2/ 500).

(2)

في النسخ: "تمكنا"، والمثبت من هامش (م) وعليه علامة التصحيح.

ص: 337

نزَّلوا أنفسهم

(1)

أَوضع منزلٍ، كأنهم قالوا: إن لم نَستوجِب معاملة البيع والشراء، فقد استَوجَبنا بذل العطاء، وعلى الله المكافأة والجزاء {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} أحسن الجزاء.

والتصدُّق: التفضُّل مطلَقًا، ومنه قوله عليه السلام في القصر:"هذه صدقة تصدَّق الله عليكم فاقبَلوا صدقته"

(2)

، لكنه اختصَّ عُرفًا بما يُبتغى به ثوابٌ من الله تعالى.

* * *

(89) - {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} .

{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} سؤالٌ عن الملزوم وإرادة اللازم، أي: هل تبتم عن ذلك ورجعتم إلى الله تعالى؟ فهو شفقةٌ عليهم وتنصُّحٌ لهم في الدِّين كما هو عادة الأنبياء عليهم السلام، لا معاتبةٌ.

والتثريب: إيثار الحق لله تعالى على حق نفسه، ولذلك قال:{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92]، فلا يناسب تقديرَ القبح على أن يكون المعنى: هل علمتم قبحَ ما فعلتم؛ لأنَّه لا يخلو عن نوعِ توبيخ وتثريبٍ.

والمراد من فعلهم بأخيه: إفرادهم

(3)

إياه عنه، وإذلاله حتى كان لا يستطيع أن يكلِّمهم إلا بعجزٍ وذلة.

{إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} عاقبتَه، فلذلك أقدَمْتُم عليه، وإنما قال ذلك اعتذارًا

(1)

"أنفسهم "من (ك).

(2)

رواه مسلم (686) من حديث عمر رضي الله عنه.

(3)

في (ف) و (ك): "إفرازهم".

ص: 338

من جانبهم، وإظهارًا للشفقة في حقِّهم، حتى يؤثر تنصيحُه لهم وتحريضُه إياهم على التوبة.

وقيل: أعطَوه كتاب يعقوب عليه السلام في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فَقْد يوسفَ وأخيه، فقال لهم ذلك.

وإنما جهَّلهم لا لأنهم حينئذ كانوا صبيانًا؛ لأنَّه لا يطابق الواقع وينافي ما تقدم من قولهم: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} ، بل لأنَّ فعلَهم فِعْلُ الجهَّال

(1)

.

* * *

(90) - {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} .

{قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} استفهامُ تقرير، ولذلك حقِّق بـ (إنَّ) واللام، ويدل عليه قراءة:{إِنَّكَ}

(2)

على الإيجاب، وهذا كلامُ متعجِّبٍ مستغرِبٍ لِمَا سمع فهو يكرر الاستثبات

(3)

.

قيل: عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم.

وقيل: تبسم وعرفوه بثناياه.

وقيل: رفع التاج عن رأسه فرأوا علامةً بقرنه شِبْهَ الشامة البيضاء، وكانت لسارة ويعقوب عليه السلام مثلُها.

(1)

في هامش (ف): "ولو فيل: لأنهم كانوا حينئذ في عنفوان الثباب، لم يكن بعيدًا عن الصواب؛ لأن الشباب مظنته الجهل والسفه. منه ".

(2)

قراءة ابن كثير، وباقي السبعة:{أَإِنَّكَ} . انظر: "التيسير"(ص: 130).

(3)

في (ف): "الاستئناف"، وفي (م):"الاستعتاب".

ص: 339

{قَالَ أَنَا يُوسُفُ} إنما قال: {وَهَذَا أَخِي} حين سألوه عن نفسه بيانًا لِمَا سألوه عنه؛ أي: هذا أخي من أبي وأمي، وتفخيمًا له، وإدخالًا في قوله:

{قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} ؛ أي: بالسلامة والكرامة، والاجتماعِ بعد التفرقة، والأُنس بعد الوحشة.

ثم ذكر أن السبب من الله هو التقوى والصبرُ، فقال على طريقة الاستئناف التعليلي:

{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ} الله في أموره {وَيَصْبِرْ} على بلاياه، أو على الطاعات وعن المعاصي.

{فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} وضع {الْمُحْسِنِينَ} موضع (هم) للتنبيه على أن المتَّقيَ الصابر هو المحسِنُ، والتسجيلِ عليهم بالإحسان.

* * *

(91) - {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} .

{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} : فضَّلك علينا بالتقوى والصبر وسيرةِ أهل الإحسان.

{وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} : والحالُ أنَّ شأننا أنْ كنَّا متعمِّدين الإثم، فلذلك أعزَّك بالملك وأذلَّنا بالتَّمسْكُن بين يديك.

* * *

(92) - {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .

{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} تفعيلٌ من الثَّرْب: وهو الشحم

(1)

الذي هو غاشيةُ

(1)

في (ك): "السح"، وقريب من هذا الرسم في (ف)، والمثبت من (م).

ص: 340

الكَرِش، ومعناه: إزالة الثَّرْب؛ كما أن التجليد إزالةُ الجِلد، فضُرب مثلًا للتقريع الذي يمزِّق العِرْض ويَذهب بماء الوجه.

و {تَثْرِيبَ} اسم {لَا} ، و {عَلَيْكُمُ} الخبر، و {الْيَوْمَ} منصوبٌ بالعامل في الخبر؛ أي: لا تثريبَ مستقرٌّ عليكم اليوم، ولا يجوز تعلُّقه بالتثريب؛ لأنَّه مصدر وقد فُصِل بينه وبين معموله، ولا يجوز ذلك لأن معمول المصدر من تمامه، والمعنى: لا أثرِّبُكم اليومَ الذي هو مَظِنَّتُه، فما ظنُّكم بسائر الأيام؟ ثم دعا لهم بالمغفرة بقوله:{يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} .

ويجوز تعليق الظرف

(1)

بـ {يَغْفِرُ} ، أي: أبشِّركم بغفران الله تعالى عاجلًا لِمَا تجدَّد اليوم من توبتكم وندمكم على خطيئتكم.

ولما دعا لهم بالمغفرة أخبر عن الله بالصفة التي هي سبب الغفران بقوله:

{وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} لأنَّه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب فيُرجى منه قبول دعائه لهم بالمغفرة.

ويروى أن أخوته لمَّا عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشيِّ إلى الطعام، ونحن نستحي منك لِمَا فرَط منا فيك، فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان الله مَن بلَّغ عبدًا بيع بعشرين درهمًا ما بلَغ، ولقد شَرفْتُ بكم وعظُمْتُ في عيونهم حيث علموا أنكم إخوتي، وأني

(2)

من حَفَدة إبراهيم.

* * *

(1)

في (ف): "ويجوز تعلقه".

(2)

"وأني" من (م).

ص: 341

(93) - {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} .

{اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا} القميص الذي كان عليه.

وقيل: هو القميص المتوارَث، أمره جبريل عليه السلام أنْ أرسِلْه إليه فإنَّ فيه

(1)

ريح الجنة لا يقع على مبتلًى ولا سقيمٍ إلا عُوفي.

{فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} ، أي: يَصِرْ بصيرًا، كقولك: جاء البناءُ محكَمًا؛ أي: صار محكَمًا، ودليله:{فَارْتَدَّ بَصِيرًا} ، أو: يأتي إليَّ وهو بصير، وينصره:

{وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} ؛ أي: بأبي وآله جميعًا، ولا حاجة إلى التغليب على أن يكون المعنى: وأتوني أبي وأنتم؛ لأن أباهم لمَّا كان شيخًا كبيرًا عاجزًا عن الكسب كان داخلًا في أهلهم.

* * *

(94) - {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} .

{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} يقال: فصَل من البلد يَفصِل فصولًا: إذا انفصل منه وجاوز حيطانه، وهو لازم، و: فصَل الشيءَ فصلًا: فَرَّقه، وهو متعدٍّ.

والمعنى: انفصلت {الْعِيرُ} من عريش مصر، ومن غفَل عن التفصيل المذكور قال: أصله: فصَل نفسَه عنه، ولمَّا كثر حذفُ مفعولِه صار كاللازم.

{قَالَ أَبُوهُمْ} لمن حضره: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} أوجده الله ما عَبِق بقميصه من ريح يوسف عليه السلام حين أقبل به يهوذا من ثمانين فرسخًا.

(1)

في (ك): "فإن فيح ".

ص: 342

{لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} التفنيد: النسبة إلى الفَنَد، وهو نقصان عقلٍ كامل يحدث من الهرم، يقال: شيخٌ مفنَّد؛ أي: قد فسَد رأيه، ولا يقال: عجوز مفنَّدةٌ؛ لأن المرأة لم يكن لها قط رأي أصيل فيدخلَه التفنيد.

وجواب {لَوْلَا} محذوف؛ أي: لولا نسبتُكم إياي إلى الخرف لصدَّقتموني.

* * *

(95) - {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} .

{قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} : لفي ذهابك عن الصواب قُدُمًا بالإفراط في يوسف وإكثارِ ذكره والتوقُّعِ للقائه.

* * *

(96) - {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

{فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} وهو يهوذا، روي أنه قال: كما أحزَنْتُه بحمل قميصه الملطَّخ بالدم أُفرحه

(1)

بحمل هذا إليه.

{أَلْقَاهُ} : طرح البشير القميص {عَلَى وَجْهِهِ} : على وجه يعقوب عليه السلام، أو: طرح يعقوبٌ عليه السلام نفسه.

{فَارْتَدَّ بَصِيرًا} : عاد بصيرًا لِمَا انتعش فيه من القوة.

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من حياة يوسف عليه السلام وإنزال الفرج.

(1)

في (ك): "أفرحته".

ص: 343

وقيل: {إِنِّي أَعْلَمُ} كلام مبتدأ، والمقول:{وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أو: {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} .

* * *

(97) - {قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} .

{قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} ومن حق المعترِف بذنبه أن يُصفح عنه ويُسأل له المغفرة.

* * *

(98) - {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .

{قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} أخَره إلى أن يستحلَّ لهم من يوسف عليه السلام، أو يعلمَ أنه عفا عنهم؛ لأن عفو المظلوم شرطُ المغفرة، ويؤيده ما روي: أنه استقبل القبلة قائمًا يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمِّن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين، حتى نزل جبريل عليه السلام وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعد ذلك على النبوة.

وهو إنْ صح فدليلٌ على نبوتهم، وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم.

وأما ما قيل: أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريًا لوقت الإجابة، فيأباه:{سَوْفَ} لأنها أبلغُ في التنفيس من السين، وعلى ما ذكر حقُّ العِدَة أن يكون بالسين.

ولمَّا وعدهم بالاستغفار رجَّاهم

(1)

بحصول الغفران بقوله: {نَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} يغفر المعاصيَ {الرَّحِيمُ} يرحم العاصيَ إذا تاب واستغفر.

(1)

في (ف) و (ك): "جاءهم".

ص: 344

(99) - {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} .

{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} قيل: وجَّه يوسفُ إلى أبيه أموالًا ليتجهز إليه بمن معه، واستقبله يوسف عليه السلام والملِك وأهلُ مصر بأجمعهم، وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلًا وامرأة

(1)

.

{آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما

(2)

، نزلها منزلة الأم كتنزيل العم منزلة الأب في قوله:{وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: 133] أو لأن يعقوب عليه السلام تزوجها بعد أمه، والرابَّة

(3)

تدعى أمًا.

وقال الحسن وابن إسحاق: كانت أمه بالحياة

(4)

. وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل.

{وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ} والدخول الأول كان في موضعٍ خارج البلد، كأنه ضُرب لهم مضربٌ أو بيت حين استقبلهم في الطريق فدخلوا فيه.

{إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلقة بالدخول المكيَّف بالأمن؛ لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم.

* * *

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 505).

(2)

"واعتنقهما" من (م).

(3)

الرابَّة: امرأة الأب، كما أن ولد زوجها يسمى بالنسبة إليها ربيبًا. انظر:"حاشية الشهاب"(5/ 207).

(4)

انظر: "تفسير الطبري"(13/ 352)، و"النكت والعيون"(3/ 82)، و"زاد المسير"(4/ 288).

ص: 345

(100) - {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} .

{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} ؛ أي: رفعهما على السرير، وخصَّهما بذلك تكرمةً لهما دون إخوته.

{وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} تحيةً وتكرمةً له، فإن السجود كان عندهم يجري مجراها، والواو لأبويه ولأخوته، والرفع مؤخَّر عن الخرور وإن قدِّم لفظًا للاهتمام بتعظيمه لهما، والواو لا تفيد الترتيب.

وقيل: معناه: خروا لأجله سجدًا لله. وقيل: الضمير لله. ويأباهما قوله:

{وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} رأيتُها أيام الصبا {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} صدقًا؛ إذ لا مطابقة حينئذ بين الرؤيا والواقع.

{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} حمَله على (لَطَف) حَمْلَ النظير على النظير فعدَّاه بالباء، وإلا فـ (أَحْسَنَ) أصله أن يتعدى بـ (إلى) أو باللام، وأما التضمين فلا يناسب المقام؛ لأن أحدهما يُغني عن الآخر فلا فائدة في الجمع بينهما.

{إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} لم يذكر الجبَّ اكتفاءً بدلالة النزغ الآتي ذكرُه عليه، لا صفحًا عن ذكرِ ما تعلَّق بفعل إخوته لئلا يكون تثريبًا عليهم؛ لأنَّه على تقدير أن يكون خطابه عليه السلام لأبيه بمسمَعٍ منهم، ولا دلالة في الكلام عليه.

{وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} : من البادية؛ لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهلَ

ص: 346

عَمَدٍ، عَدَّ نقلهم من البدو نعمةً أخرى، وفي الحديث عن رسول الله عليه السلام:" مَن يُردِ الله به خيرًا ينقله من البادية إلى الحاضرة"

(1)

، أي: أصلح حالكم.

{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} ؛ أي: أفسد بيننا وأغوى.

نزغ بمعنى: نَخَس، من نَخَس الرائض الدابَّة، وحمله على الجري. وإنما ذكر هذا القَدْر من أمر إخوته لأن النعمة إذا جاءت إثر بلاءٍ وشدةٍ كانت أحسنَ موقعًا.

وليت شعري مَن قال: عدم ذكر الجب للاحتراز عن التثريب عليهم، ما يقول

(2)

في ذكر الفساد الواقع بينه وبينهم؟! والعجَبُ أنه قال في تفسير قوله: {مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ} قُبْحَ ما فعلتم به، والتثريب فيه أظهر منه في ذكر الجب.

{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} ؛ أي: لطيف التدبير لِمَا يشاء من الأمور، ما من صعب إلا وتَنْفُذ فيه مشيئتُه ويتسهَّل بلطف تدبيره.

{إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} بوجوه المصالح والتدابير {الْحَكِيمُ} الذي يفعل كلَّ شيء على وجه تقتضيه الحكمة.

* * *

(101) - {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} .

{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} بعضَ الملك، وهو ملك مصر، ومَن قال: أو بعض

(1)

انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (12/ 569)، ولم أجده مسندًا.

(2)

في (ك): "يفعل ".

ص: 347

ملك مصر

(1)

، فكأنه غفل عن قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} [يوسف: 56].

{وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} بعضَ تأويلها؛ لأنَّه عليه السلام لم يؤتَ تأويل جميع الكتب والرؤيا.

{فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : مبدعَهما، وانتصابُه على الصفة أو على النداء.

{أَنْتَ وَلِيِّي} ناصري، أو متولي أمري {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} أو الذي تتولاني بالنعمة فيهما.

{تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} لمَّا عدَّد نعَم الله تعالى تشوَّق إلى لقاء ربه ولحاقِه بصالحي سلفه، ورأى أن الدنيا كلَّها

(2)

فانية فتمنى الموت.

وقيل: لما رأى أمره إلى

(3)

الكمال، علم أنه على الزوال، فسأل سعادة الانتقال، وليس فيه سؤالُ التوفِّي للحال، بل سؤالُ الختم على الإسلام متى كان، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا.

ولقد توارثت الفراعنة بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه عليهم السلام إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه السلام.

{وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} من آبائي، أو على العموم، وفيه إشكال وهو: أن الصلاح أول درجات المؤمنين، ويوسفُ عليه السلام من أكابر الأنبياء، فكيف يليق به أن يطلب البداية؟

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 507)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 283).

(2)

"كلها" ليست في (ك).

(3)

في (ف) و (ك): "على".

ص: 348

وحلُّه: أن النفوس المفارِقة إذا أشرقت بالأنوار الإلهية وكانت متناسبةً، انعكس النور من كل واحدة منها إلى الأخرى؛ كالمرايا الصقيلة إذا اجتمعت انعكست الصورة من كل واحدة إلى الأخرى، وحينئذ يقوى الضوء وتكمل السعادة، ومَن لم يتنبه لهذا قال: في الرتبة والكرامة

(1)

.

قيل: المراد منها عند ذكرها على الإطلاق الأنبياءُ عليهم السلام، لكمال حالهم واستجماع خصال كمال

(2)

الخير فيهم.

* * *

(102) - {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} .

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من نبأ يوسف عليه السلام، والخطاب فيه للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} خبران، وإن جعلتَ اسم الإشارة بمعنى الموصول فـ {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} صلتُه، والخبر {نُوحِيهِ}؛ أي: الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك.

{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ} كالدليل عليهما، والمعنى: إن هذا النبأ غيبٌ لم تعرفه إلا بالوحي؛ لأنك لم تحضر إخوةَ يوسف حين عزموا على مأ همُّوا به من أن يجعلوه في غيابة الجب.

{وَهُمْ يَمْكُرُونَ} به، ويبغون به الغوائل، وبأبيه ليرسله معهم، جملة حالية.

(1)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 283).

(2)

في (ف): "واستجماع كمال"، وفي (ك):"واستكمال خلال".

ص: 349

وتفصيل ذلك: أن إخباره عليه السلام عن هذه القصة لا يكون إلا عن مشاهدةٍ أو نقل أو وحي، ولم يَخْفَ على أحد من المكذِّبين أنه عليه السلام لم يكن من حَمَلة هذا الخبر ولا أمثالِه عن قومه، فاستغني عن ذكره لظهوره، فكان الشك في انتفاء المشاهدة أوقعَ من الشك في أنه لم يسمعها من أحد، ولذكره في غير هذه القصة كقوله:{مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ} [هود: 49] فإذا انتفت المشاهدة لم يبق إلا الوحي، ونحوه:{) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} [القصص: 44].

* * *

(103) - {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} .

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل مكة.

{وَلَوْ حَرَصْتَ} وتهالَكْتَ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات عليهم.

{بِمُؤْمِنِينَ} لعنادهم وتصميمهم على الكفر.

* * *

(104) - {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} .

{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْه} ؛ أي: على ما تحدِّثهم به {مِنْ أَجْر} من جُعلِ كما يفعله حملة الأخبار ونقلة الآثار.

{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ} : عِظَةٌ من الله تعالى {لِلْعَالَمِينَ} عامة.

* * *

(105) - {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} .

ص: 350

{وَكَأَيِّنْ} أيّ عدد

(1)

{مِنْ آيَةٍ} دالةٍ على وجود الصانع وتوحيده، وكمال قدرته وحكمته.

{فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} : على الآيات ويشاهدونها، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة، وغير ذلك من العبر والدلائل.

{وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبرون بها، فلا غَرْوَ أن يُعْرِضوا عن الآيات التي تأتيهم بها.

وقرئ: (والأرضُ) بالرفع

(2)

على أنه مبتدأ خبره {يَمُرُّونَ} ، فيكون لها الضمير في {عَلَيْهَا} .

وبالنصب

(3)

على: ويطؤون الأرض.

وقرئ: (والأرض يمشون عليها)

(4)

، أي: يتردَّدون فيرون مشاهد الهالكين وآثارها من المالكين أقطارها.

* * *

(106) - {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون} .

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ} في إقرارهم بوجوده وخالقيَّته للكل {إِلَّا وَهُمْ

(1)

"أي عدد" من (م). وعبارة البيضاوي: (وكأي عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع

). انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 283).

(2)

نسبت لعكرمة وعمرو بن فائد. انظر: "المحتسب"(1/ 349)، و"الكشاف"(2/ 508).

(3)

نسبت للسدي. انظر: "المحتسب"(1/ 349)، و"الكشاف"(2/ 508).

(4)

نسبت لابن مسعود رضي الله عنه. انظر: "المحتسب"(1/ 350)، و"الكشاف"(2/ 508).

ص: 351

مُشْرِكُونَ} بعبادة غيره من الأوثان، أو باتخاذ الأحبار أربابًا، أو القول

(1)

باتخاذه للولد، أو القول بالنور والظلمة، وأمثالِ ذلك. جملة حالية؛ أي: إيمانهم ملتبِسٌ بالشرك.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم الذين يشبِّهون الله بخلقه

(2)

.

* * *

(107) - {أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .

{أَفَأَمِنُوا} استفهامُ إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد، والفاء للترتيب على ما تقدم، وهو مقدَّمٌ في الاعتبار.

{أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ} : عقوبةٌ تَغْشاهم وتشمَلُهم {أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ} ؛ أي: يومُ القيامة {بَغْتَةً} : فجأةً من غير سابقةِ علامةٍ {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} بإتيانها، غيرَ مستعدِّين لها، تأكيد لقوله:{بَغْتَةً} .

* * *

(108) - {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} ؛ أي: هذه السبيلُ التي هي الدعوةُ إلى الإيمان والتوحيدِ سبيلي.

{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} ؛ أي: أدعوا إلى دينه في حالة كوني على حُجةٍ

(1)

في (ك): "والقول".

(2)

انظر: "الكشاف"(2/ 508).

ص: 352

واضحة غيرِ عمياء، حالٌ من الياء في {سَبِيلِي} والعاملُ معنى الإشارة في {هَذِهِ} ، أو بيان وتفسير لسبيله.

و {عَلَى بَصِيرَةٍ} حالٌ من المستكنِّ في {أَدْعُو} و.

و {أَنَا} تأكيد له {وَمَنِ اتَّبَعَنِي} عطف عليه؛ أي: أدعوا إلى الله أنا ويدعو إليه مَن اتبعني، أو مرفوعٌ بما في الظرف من معنى الفعل على الفاعلية؛ أي: كائنًا أو ثابتًا على بصيرة أنا ومَن اتبعني، أو مبتدأ خبره {عَلَى بَصِيرَةٍ} والجملة ابتداءُ إخبار بأنه ومَن تبعه على حجةٍ وبرهان لا على هوًى كغيرهم.

{وَسُبْحَانَ اللَّهِ} : وأنزِّهه تنزيهًا من الشركاء {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فيه تعريف بأنهم هم المشركون.

* * *

(109) - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} ردٌّ لقولهم: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نفيُ استنباء النساء

(1)

.

{نُوحِي إِلَيْهِمْ} مما أُوحي إليك، وتميَّزوا بذلك عن غيرهم، وقرئ:{نُوحِي} بالنون

(2)

.

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 509).

(2)

قراءة حفص. انظر: "التيسير"(ص: 130).

ص: 353

{مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} لأنهم أعلمُ وأحلمُ من أهل البدو، فإن فيهم الجهلَ والجفاءَ والقسوةَ، ولا دلالة في قوله:{وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} على أن يعقوب عليه السلام من أهل البدو، وإنما دلالته على أنه عليه السلام كان في البدو ساكنًا لمصلحة مواشيه.

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من المكذِّبين بالرسل والآيات، فيَحْذَروا تكذيبَك، أو: من المشغوفين بالدنيا المتهالِكِين عليها فينقلبوا عن حبها.

{وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} ؛ أي: دارُ الساعة أو الحياة أو الحالة الآخرة {خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} الشركَ والمعاصيَ، حضٌّ على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : يستعملون عقولهم ليعلموا أنها خير، وقرئ بالتاء

(1)

حملًا على قوله: {هَذِهِ سَبِيلِي} ، أي: قل لهم: أفلا تعقلون.

* * *

(110) - {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} .

{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} غايةٌ لمحذوفٍ دل عليه الكلام، أي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا مثلَكَ يبلِّغون الرسالة ويوضِّحون الدلالة، فتراخى نصرُهم حتى إذا استيأسوا عن النصر وعن إيمان قومهم {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} أي: كذَبتهم أنفسُهم حين حدَّثتهم بأنهم ينصرون، أو كذَبهم قومهم بوعد الإيمان؛

(1)

قراءة عاصم وابن عامر ونافع. انظر: "التيسير"(ص: 130).

ص: 354

أي: لا يغرَّنَّ قريشًا تمادي أيامهم، فإن الرسل قبلك قد تطاول عليهم مدةُ التكذيب وعداوةُ الكفار وانتظارُ النصر، حتى استشعروا القنوط، وتوهَّموا أن لا نصرة لهم في الدنيا.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: وظنوا حين ضعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم من النصر، وقال: كانوا بشراً، وتلا قوله تعالى:{وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214]، وقد رواه البخاري في "صحيحه"

(1)

.

فقيل في تصحيحه: أراد بالظن ما يَهْجس في القلب على سبيل الوسوسة وحديثِ النفس بحكم البشرية، لا الظنَّ بمعنى الاعتقاد الراجح فإنه غيرُ جائز على آحاد المسلمين فكيف بالرسل؟

ويجوز أن يراد به المبالغةُ في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل.

وقيل: فظن المرسَلُ إليهم أن الرسل قد كذِبوا؛ أي: أُخلفوا.

وقيل: الضميران للمرسل إليهم؛ أي: ظنَّ المرسل إليهم أنهم قد كُذبوا من جهة الرسل؛ أي: كذَبهم الرسلُ

(2)

في أنهم يُنصرون عليهم.

وقرئ بالتشديد

(3)

؛ أي: وظنَّ الرسل أنهم قد كذَّبهم قومهم فيما أَوعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.

(1)

رواه البخاري (4524)، والطبري في "تفسيره" (13/ 393). وانظر:"الكشاف"(2/ 510)، وعنه نقل المؤلف.

(2)

"أي كذبهم الرسل" من (م).

(3)

قراءة عاصم وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 130).

ص: 355

وقرئ: (كَذَبوا) بالتخفيف على البناء للفاعل

(1)

؛ أي: وظن الرسل أنهم قد كذَبوا فيما أَوعدوا به قومهم من النصرة عليهم، إما على تأويل ابن عباس رضي الله عنهما، وإما على أنهم كذَبوا عند قومهم؛ لأنهم إذا لم يروا لوعدهم أثراً قالوا: إن الرسل قد كذَبوا، فيكونون كاذبين عند قومهم؛ أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذَبوا.

{جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} بغتةً {فَنُجِّيَ} على لفظ الماضي المبنيٍّ للمفعول، وقرئ:{فنُجي} بالتخفيف

(2)

والتشديد

(3)

، من أنجاه ونجَّاه، وقرئ:(فنجا)

(4)

.

{مَنْ نَشَاءُ} : الرسل والمؤمنين، وإنما أبهم تعظيمًا لهم، وتنبيهًا على أنهم هم الذين يستأهلون أن يشاء الله نجاتهم ولا يشاركهم فيه غيرهم، ثم بين ذلك بقوله:

{وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} إيذانًا بأن العذاب مخصوصٌ بالمجرمين لازمٌ لهم فيلزم نجاة أضدادهم من الرسل وأتباعهم.

ومفعول {نَشَاءُ} محذوف تقديره: نشاء تنجيتَه.

* * *

(1)

نسبت لابن عباس رضي الله عنهما وغيره. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 65)، و"المحتسب"(1/ 350)، و"الكشاف"(2/ 510).

(2)

بالتخفيف قراءة الكسائي وحمزة وابن كثير وأبي عمرو ونافع. انظر: "التيسير"(ص: 130).

(3)

(فنُنَجِّي) بالتشديد، نسبت للكسائي في غير المشهور عنه، وللحسن. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 66)، و"البحر"(12/ 584).

(4)

نسبت لجمع منهم مجاهد والحسن. انظر: "تفسير الطبري"(13/ 400)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: 65)، و"البحر"(12/ 584).

ص: 356

(111) - {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ} : في قصص الأنبياء عليهم السلام وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته.

{عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} لذوي العقول المبرَّأة عن شوائب

(1)

الإلف والركونِ إلى الحس.

{مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} الضميران للقرآن؛ لقوله:

{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الإلهية، وانتصب {تَصْدِيقَ} على أنه خبر (كان) المحذوفة، وإنما جعله نفسَ التصديق مبالغةً في كونه مصدِّقًا لِمَا بين يديه.

{وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} عبارةُ {كُلِّ} للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قو له تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، وقوله:{فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44]، ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه فقال: إذ ما من أمر دينى إلا وله سندٌ من القرآن بوسطٍ أو بغير وسطٍ، ولم يدر أن عبارة التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويل.

{وَهُدًى} من الضلال {وَرَحْمَةً} يُنال بها خير الدارين.

(1)

في (ف): "تشويب".

ص: 357

وقرئ: (تصديقُ .. وتفصيلُ .. وهدًى ورحمةٌ) كلُّها بالرفع

(1)

؛ أي: ولكنْ هو تصديقُ، ولكن على هذه القراءة مختلف فيها لعطف الجملة.

{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يصدِّقونه، خصهم بذلك لأنهم هم الذين ينتفعون به كما قال:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]

(2)

.

* * *

(1)

نسبت لعيسى الثقفي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 66)، و"المحتسب"(1/ 350)، و"المحرر الوجيز"(3/ 289)، وعزاها في "البحر"(12/ 586) لجمع منهم المذكور.

(2)

جاء بعدها في (م): "تم الجزء الأول من تفسير المرحوم العلامة ابن كمال باشا تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح جناته لمحمد وآله آمين".

وبعده في جانب الصحيفة: "تحريرًا في أواخر محرم الحرام افتتاح سنة تسع وثلاثين وألف، تمت بالخبر".

وفي الجانب الآخر: "علق ذلك بنفسه ليده العبد الضعيف عبد ربه الباري علي بن عبد الله بن سليم ابن عبد الخالق بن أحمد البشاري الحنفي، عامله الله بلطفه الخفي، وغفر له ولوالديه ومشايخه والمسلمين آمين ".

ص: 358

‌سُورَةُ الرَّعْدِ

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) - {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} .

{المر} قد مر

(1)

في تفسيرها أقاويل، وقيل: معناه: أنا الله أعلمُ وأَرى.

{تِلْكَ} إشارة إلى آيات السورة، وفيها تعظيمٌ لها.

{آيَاتُ الْكِتَابِ} اللام للماهية

(2)

، والمراد به السورة؛ أي: تلك الآياتُ العظام آياتُ السورة الكاملةِ العجيبة في بابها.

{وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} يعني: القرآنَ كلَّه، ومحلُّه الرفع على الابتداء، وخبره هو:{الْحَقُّ} ؛ أي: هو الحق الذي لا مزيدَ عليه، لا هذه السورة وحدها، وفي إيقاع الموصول مسندًا إليه تفخيم المنزل

(3)

.

وفي توسيط (هو)

(4)

وتعريفِ {الْحَقُّ} أنه هو الذي إذا تحقَّقْتَ الحقَّ وماهيتَه

(1)

"قد مر"من (م).

(2)

في (م): "للمهية".

(3)

في هامش (ف) و (م): "هذا هو الذي يقتضيه جزالة الكلام وحسن انطباقه على مقتضى المقام، وهو تعميم المنزل المستفاد من إيقاع الموصول مسندًا إليه، فلذلك لم يلتفت إلى احتمال أن يكون محله الجر بالعطف على الكتاب، والله أعلم بالصواب ".

(4)

قوله: "وفي توسيط هو" كذا قال، وهو وهم أو سبق قلم، فليس في الآية هنا ضمير الفصل:(هو).

ص: 361

فهو هو لا غير، والمراد الإخبار عنه بكمال حقَيَّته

(1)

حيث ثبت على مرِّ الدهور ولم يتطرَّق له

(2)

التحريف والتغيير، أو ثبت تلاوته وحكمُه بخلاف سائر الكتب الإلهية، فلا دلالة فيه على أن غير المنزل إليه ليس بحق أصلًا، فلا حاجة إلى تعميمه للمنزل ضمناً، بل لا وجه له بعد التصريح بأن المراد منه القرآن كلُّه، على أنه لا يجدي نفعًا في دفع النقض بحقيَّة

(3)

ما نزل إلى سائر الأنبياء عليهم السلام.

وفي دَرْجِه في الذي أنزل إليه عليه السلام ضمنًا باعتبار أنه نطق بحسن اتّباعه ما لا يخفى من التعسُّف

(4)

، وهو بعد اللُّتيَّا والتي يؤدي إلى أن يكون ترك قوله:{إِلَيْكَ} خيرًا من ذكره.

والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى، وطريقتُها طريقة الأنمارية في الكَمَلة من بني العَبْسي

(5)

: هم كالحَلْقة المفْرغةِ لا يُدرَى أين طرفاها؛ أي: كما أنها نفت التفاضُل آخِرًا بإثبات الكمال لكل واحد دلالةً على أن كمالَ كلِّ لا يحيط به الوصف وهو إجمال بعد التفصيل لهذا الغرض، كذلك لمَّا أثبت لهذه السورة

(1)

في (ف): "حقيقته".

(2)

في (ك): "إليه".

(3)

في (ف): "بحقيقة".

(4)

فيه رد على قول البيضاوي: (وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكونه حقًا فهو أعم من المنزل صريحًا أو ضمنًا، كالمثبت بالقياس وغيره مما نطق المنزل بحسن اتباعه). انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 180).

(5)

في (ف) و (م): "في الكلمة من بني عيسى". وفي (ك): "في الكلمة من بني عبس ". والأنمارية هي فاطمة بنت الخرشب، ولدت لزياد العبسي: ربيعًا الكامل، وعمارة الوهاب، وقيسًا الحفاظ، وأنس الفوارس، قيل لها: أيهم أفضل؛ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلْتُهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة. انظر:"فتوح الغيب"(8/ 455).

ص: 362

خصوصًا

(1)

الكمال، استدرك بأن كلَّ المنزَل كذلك، لا يختصُّ به سورةٌ دون أخرى للدلالة المذكورة.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} ؛ أي: لا يصدّقون بأنه منزل من الله تعالى؛ لإعراضهم وعن النظر فيه، أو إخلالهم بحق التأمُّل في وجوه إعجازه.

* * *

(2) - {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} .

{اللَّهُ الَّذِي} مبتدأ وخبره

(2)

، ويجوز أن يكون الموصول صفةً

(3)

والخبر {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} ، والأول أولى؛ لأن قوله:{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} عطفٌ عليه على سبيل التقابُل بين العُلْويات والسُّفْليات، وفي المقابل تعيين الخبريَّة فكذلك فيه

(4)

ليتوافَقَا، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم، لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه

(5)

كما هو مقتضَى الوجه الآخر.

{رَفَعَ السَّمَاوَاتِ} ؛ أي: خلَقها مرفوعةً، لا أن تكون موضوعةً فرفعها.

(1)

في (م): "خصوص".

(2)

في (م) و (ك). "وخبر".

(3)

في (م): "صفة الموصول"، وسقطت "الموصول" من (ف) و (ك)، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 180).

(4)

قوله: "وفي المقابل" يعني به: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} ، وقوله:"تعيين الخبرية"، يعني أن خبرية الموصول متعينة في هذا المقابل، وقوله:"فكذلك فيه" يعني أن خبرية {الَّذِي} هي الوجه في: {اللَّهُ الَّذِي} .

(5)

"وتعظيمه" من (م).

ص: 363

{بِغَيْرِ عَمَدٍ} : جمع عماد، كإهابٍ وأَهَبٍ، أو محمود كأَديمٍ وأَدَمٍ، وقرئ:(عُمُدٍ) كرُسُلٍ

(1)

.

والعمود: السارية، وأصله: منع الميل، ومنه: الاعتماد، والأسطون غيرُ مرادف له

(2)

.

{تَرَوْنَهَا} استئنافٌ للاستشهاد برؤيتهم السماوات كذلك.

وقيل: هي صفةٌ لـ {عَمَدٍ} . وفيه إيهامُ أن يكون لها عمدٌ غيرُ مرئية، ومقتضى المقام نفيُ العماد أصلًا، وذكره بصيغة الجمع للتعدُّد في السماء.

وقرئ: (ترونه)

(3)

، أي: ترون رفعها بغير محمد.

قيل: وهو دليل على وجود الصانع الحكيم، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرمية

(4)

، واختصاصَها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصِّصٍ ليس بجسم ولا جسمانيٍّ يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته، وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات.

ولا يخفى أن مبنى تلك الدلالة على ثبوت المساواة المذكورة، ولا دليل عليه لا من جهة العقل ولا من جهة النقل.

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 512).

(2)

فيه رد على قول البيضاوي: {بِغَيْرِ عَمَدٍ} : أساطين) وأساطين جمع أسطوانة، وهي معرب أستون. انظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 180) و"حاشية الشهاب"(5/ 217). فقول المؤلف: "أسطون"، لعله بلفظه قبل التعريب.

(3)

نسبت لأبي رضي الله عنه. انظر: "الكشاف"(2/ 512).

(4)

في (ف) و (ك): "الجسمية". والمثبت من (م) و"تفسير البيضاوي"(3/ 180)، والمعنى متقارب.

ص: 364

{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} بالحفظ والتدبير، ولفظة {ثُمَّ} مستعارةٌ للتراخي في الرتبة.

{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر} ، أي: ذلَّلهما وجعلهما طائعَين له غيرَ ممتنعَينِ عليه، وقصَرهما على سَنَنٍ واحد لمنافع عباده ومصالح بلاده؛ لما يوجد بهما من الآثار في الحبوب والثمار.

{كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} ، أي: كلٌّ منهما يجري لمدةٍ معيَّنة يتم فيها دورُه، فالقمرُ

(1)

يقطَع الفُلْك في شهرٍ، والشمس في سنةٍ، لا يختلف جَرْيُ واحد منهما كما قال:{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 38]، وقال:{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5]، أي: بحسابٍ

(2)

معلوم لا يختلف.

وهذا أيضًا من جملة التدبيرات لمنافع العباد ومصالح البلاد، بخلاف ما قيل: يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيرُه، وهي:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} فلا يناسب الفصلَ به بين التسخير والتدبير، ثم إن غايتهما المذكورةَ متحدةٌ، والتعبير بـ {كُلٌّ يَجْرِي} صريح في التعدُّد، وما للغاية (إلى) دون اللام.

{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} : يدبر أمر ملكوته وربوبيَّته في الإيجاد والتصريف نحو المراد.

{يُفَصِّلُ الْآيَاتِ} ؛ أي: يأتي بالآيات الدالة على القدرة والتدبير فصلًا فصلًا للتمكُن من تدبُّر كل آيةٍ على حِدَةٍ.

(1)

في (ف) و (ك): "كالقمر".

(2)

في (ك): "بحسبان ".

ص: 365

{لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} فإنَّ مَن تدبَّر هذه الآيات وتفكَّر فيها أيقن أنَّ مَن قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء، فلا بد من الرجوع إليه بمقتضَى وعده.

والجملتان إما حالان من الضمير في قولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وقولُه: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} من تتمته؛ لأنَّه تقريرٌ لمعنى الاستواء وتبيينٌ له، وإما مفسِّرتان له.

وفي تعقيب الأوائل بهما

(1)

للإيقان، والثواني بقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

(2)

من فضل السوابق لإفادتها اليقين

(3)

، واللواحقُ ذرائع إلى حصوله، لأن الفكر آلتُه، والإشارة إلى تقدم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبةً، وكلُّ ذلك فائت على تقدير جعل الموصول وصفًا.

لمَّا قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال:

(3) - {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .

{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} ؛ أي: بسطها طولًا وعرضًا ليُثبِّت فيها الأقدام، ويتقلَّبَ عليها الحيوان، ولمَّا كان مَظِنّةَ أن يقال: لولا ما فيها من الجبال لكان الثبات فيها أيسرَ، ومواضعُ التقلُّب فيها

(4)

أكثر، دفعه ببيان الفائدة في خَلْقها بقوله:

(1)

أي: بقوله: {يُدَبِّرُ} {يُفَصِّلُ} . انظر: "روح المعاني"(13/ 18)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي. وهو "الكشف على الكشاف" للقزويني.

(2)

في النسخ: "إن في ذلك لآيات لمن يتفكر"، والمثبت من المصدر السابق.

(3)

في (ك): "التعين "، وفي (ف) و (م):"التعيين"، والمثبت من المصدر السابق.

(4)

"فيها": ليست في (م).

ص: 366

{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} من الرُّسُوِّ، وهو ثبات الجسم الثقيل وقرارُه، ومنه: أرسى السفينة، والمرسى.

كانت الأرض مضطربةً فثقَّلها الله تعالى بالجبال في أحيازها فزال اضطرابها، كذا قيل.

ولمَّا غلب على الجبال وصفُها بالرواسي صارت الصفةُ تُغني عن الموصوف، فجُمع جَمعَ الاسم؛ كحائطٍ وحوائطَ، وكاهلٍ وكواهلَ.

والتحقيق: أنَّ (فاعل) يجمع على فواعِلَ إذا كان لغير الآدميين؛ نصَّ عليه الجوهري حيث قال: إنَّ فواعلَ جمع فاعلةٍ نحو: ضاربة وضوارب، أو جمع فاعل إذا كان صفةً للمؤنث مثلَ: حائض وحوائض، أو ما إذا كان لغير الآدميين مثل: جملٍ بازلٍ وجمالٍ بوازلَ، وحائطٍ وحوائطَ، فأما مذكَّر ما يعقل فلم يجمع عليه إلا فوارسُ وهوالكُ ونواكسُ

(1)

.

وبهذا التفصيل تبيَّن فساد ما قيل: رواسي جمع راسية، والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبُلٍ أو للمبالغة

(2)

.

{وَأَنْهَارًا} الأنهار: المجاري الواسعة، والمراد: ما يجري فيها من المياه، وفي ضمِّها إلى الجبال وتعليقِ الفعل الواحد بهما إيماءٌ إلى أن الجبال أسبابٌ لتولُّدها ولهذا كثُر قِرَان ذكرها بذكرها في القرآن.

(1)

انظر: "الصحاح"(مادة: فرس).

(2)

من قوله: "والتحقيق .. " إلى هنا من (م)، ووقع في هامش (ف). وبعده في (م):"إلى هاهنا". وانظر تفصيل الكلام فيه في "روح المعاني"(13/ 23).

ص: 367

{وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} متعلق بـ {جَعَلَ} في قوله: {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} ؛ الزوج

(1)

قد يكون اسمًا للشفع، وقد يكون اسمًا

(2)

للفرد المقارب لشبهه، فأتبعه {اثْنَيْنِ} ليُعلم أنه لم يُرد به الشفع؛ أي: جعل من أنواع الثمرات فيها صنفين متقابلين؛ كا لأبيض والأسود، والحلو والحامض، والكبير والصغير.

وأما ما قيل: خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدَّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوَّعت، ففيه أنه دعوى بلا دليلٍ، مع أن الظاهر خلافُه، فإن النوع الناطق المحتاجَ إلى الزوجين خُلق ذَكَرُه أولًا، فكيف في الثمرات وتكوُّنُ واحدٍ من كلٍّ أولًا كافٍ في التولُّد؟

وعبارة {كُلِّ} للتكثير، لا للإحاطة حتى يلزم أن يوجد في الأرض صنفين من أنواع الثمرات التي في حيِّز الإمكان.

{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} استعارةٌ تَبَعية؛ فإنه شبَّه إخفاء نور الجو وسترَه بالظلمة التي بالتغشية

(3)

، أي: يغطِّي الليلُ النهارَ فيُذهب ضوءَه، ويغشَى النهارُ الليلَ فيُذهب ظلمتَه، فهو مختصر في الذكر مراد في المعنى بدلالة نظائره.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيها، فإن تكوينها وتخصيصَها بوجه دون وجهٍ

(4)

دليل على وجود قادر مختار.

* * *

(1)

في (ف): "أي الزوجين"، وفي (م):"إذ الزوج".

(2)

"اسمًا"من (م).

(3)

أي: استعارةٌ تبعيةٌ تمثيليةٌ مبنيَّةٌ على تشبيه إزالةِ نورِ الجو بالظلمة بتغطية الأشياءِ الظاهرةِ بالأغطية. انظر: "تفسير أبي السعود"(5/ 4)، وعبارة النسخ فيها بعض الغموض، لعل سببه سقط أو تحريف.

(4)

"دون وجه" من (م).

ص: 368

(4) - {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

{وَفِي الْأَرْضِ} عدَل عن الضمير إلى الظاهر لأن المتبادِر منه الظرفيةُ كما في قوله: {جَعَلَ فِيهَا} والمراد أن يكون في نفسها كون الجزء في الكل.

{قِطَعٌ} و وفي بعض المصاحف: (قطعًا [متجاوراتٍ])

(1)

على

(2)

: وجعل، وحينئذ يكون الاحتياج إلى وجه العدول أظهر.

{مُتَجَاوِرَاتٌ} : بقاع مختلفةٌ مع كونها متجاورةً متلاصقةً: طيبةً إلى سبخةٍ، وكريمةً إلى زهيدةٍ، ورخوةً إلى صلبةٍ، بعضها يصلح للزرع والضَّرع دون الشجر والثمار، وبعضها بالعكس، وذلك من الدلائل الناطقة بأنه القادر على ما يشاء من تخصيص كلِّ واحدة بخاصيَّةٍ تضادُّ ما للأخرى، مع اتحادها في الطبيعة الأرضية وما يلزمُها وَيعْرِض لها بتوسُّط ما يحدث من الأسباب السماوية من حيث إنها متضامَّة متشاركة في النسب

(3)

والأوضاع.

وكذا الكرومُ والزروع والنخيل النابتة في قطعة واحدة من تلك القطاع مختلفةُ الأجناس والأنواع، متفاوتةُ الثمرات في ألوانها وأشكالها وطعومها وروائحها، متفاضلة فيها، وهي تسقى بماء واحدٍ

(4)

في أرضٍ واحدة.

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 513) وما بين معكوفتين منه.

(2)

في (م): "عطفًا على"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "الكشاف"(2/ 513)، والمراد:(على تقدير).

(3)

في (ف): "السبب"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في "تفسير البيضاوي"(3/ 181).

(4)

"واحد" من (م).

ص: 369

{وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} : وبساتينُ فيها أنواع الأشجار والزروع، وتوحيد الزرع لأنَّه مصدر في أصله، والفصل به بين نوعِ جنس واحد وهو من جنسٍ آخر، لِمَا فيه من الفضل حيث كان به قِوام المعاش.

وقرئ: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} بالرفع

(1)

عطفًا على {وَجَنَّاتٌ} .

وقرئ: (جناتٍ)

(2)

بالنصب عطفًا على {زَوْجَيْنِ} ، أو بالجر

(3)

عطفًا على {كُلِّ الثَّمَرَاتِ} .

{صِنْوَانٌ} : جمع صِنْوٍ، وهي نخلة ذات ساقين تفرَّعا من أصل واحد {وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}: ومتفرِّقاتٌ

(4)

مختلفةُ الأصول. وقرئ: بالضم

(5)

، كقنوانٍ في جمع قنو.

{يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} وقرئ: {يُسْقَى} بالياء

(6)

على تأويل ما ذُكر إجراءً للضمير مجرى اسم الإشارة.

{وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} قرئ بضم الكاف وسكونها، وقرئ:

(1)

قراءة حفص وابن كثير وأبي عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 131).

(2)

نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 66)، و"الكشاف"(2/ 513) والكلام منه.

(3)

في النسخ: "وبالجر"، والمثبت من "الكشاف"(2/ 513) وهو الصواب؛ لأن المراد أن هذه القراءة تحتمل النصب والجر عطفا على ما ذكر في كل واحد من الاحتمالين، لا أنه قرئ بالنصب وبالجر.

(4)

في (م): "وغير متفرقات ".

(5)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 66)، و"الكشاف"(2/ 513) والكلام منه.

(6)

قراءة عاصم وابن عامر. انظر: "التيسير"(ص: 131).

ص: 370

(نفضّل) بالنون والياء على بنائين

(1)

، والبناءُ للفاعل ليطابق {يُدَبِّرُ}

(2)

.

وإنما خصَّ التفضيل

(3)

في الأُكل بالذكر مع وجود

(4)

التفاضُل في غيره لأنَّه غالبُ وجوه الانتفاع من الثمرات.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} : يستعملون عقولهم للتفكُّر، وفيه إشعارٌ بأن العاقل إذا لم يستعمل عقله لِمَا خلق له فكأنه لا يعقل.

* * *

(5) - {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

{وَإِنْ تَعْجَبْ} يا محمد -أو: يا أيها السامع الموحِّد- من قولهم

(5)

في إنكارهم للبعث {فَعَجَبٌ} : فحقيقٌ بأنْ يُتعجَّب منه {قَوْلُهُمْ} وتقديم الخبر للتخصيص؛ أي: ما قولهم إلا عجب لا أعجبَ منه؛ لأن مَن قدر على إنشاء ما

(1)

ذكر جميع هذه القراءات الزمخشري في "الكشاف"(2/ 513)، و {الْأُكُلِ} بضم الكاف قراءة العشرة، و {وَنُفَضِّلُ} بالنون والبناء للفاعل، و {يُفضِّل} بالياء والبناء للفاعل، قراءتان سبعيتان، قرأ بالياء حمزة والكسائي وبالنون الباقون. انظر:"التيسير"(ص: 131)، و"النشر"(2/ 297).

(2)

في النسخ: "يطابق ليدبر"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 181)، والمراد قراءة حمزة والكسائي {ويفضل} بالياء.

(3)

في (م) و (ك): "التفضل ".

(4)

في (ف): "وجود جودة".

(5)

"من قولهم" من (م).

ص: 371

عدِّد من الفِطَر العجيبة كان على الإعادة أقدَر؛ إذ الإعادةُ أهونُ من الإبداء

(1)

وأيسر، فإنكارهم أعجوبةٌ من أعجب الأعاجيب.

{أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا} في محل الرفع بدلًا من {قَوْلُهُمْ} ، أو في محل النصب بالقول، و (إذا) نصب بما دل عليه قوله:{أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ؛ أي: لفي صَدد ذلك بعد ما كنا ترابًا، وهذا أبلغ في الإنكار.

{أُولَئِكَ} المنكرون {الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} : المتمادون في الكفر بربِّهم؛ لأنهم كفروا بقدرته على البعث.

{وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} ؛ أي: المصرُّون الذين لا يمكنهم النظر والاستبصار ورفع الرُّؤوس إلى ما دُعوا إليه، وغلُّ الأعناق تمثيلٌ كقوله:{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} [يس: 8]، ويجوز أن يكون وعيداً كما بعده.

{وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} في تكرير (أولئك) تعظيم لإنكارهم، وتأكيد في تقبيحه، وبيان لاستيجابهم العذابَ الأبديَّ لذلك؛ أي: إنهم إذا أنكروا ما ثبت بهذه الدلائل الدالة على قدرة المبدئ على الإعادة دلالتَها على الإبداء بل أقوى، فما أقبح إنكارَهم وأشد إصرارهم، وما أحقَّهم بالخلود في النار!

{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : لا ينفكُّون عنها، وتوسيط الفصل لتخصيصِ الخلود بالكفار، فإن عبارته وإن كانت مخصوصةً بصنفٍ منهم، وهم المنكِرون للبعث لكنَّ دلالته تعمُّ سائر الأصناف.

* * *

(1)

في (ف): "الابتداء".

ص: 372

(6) - {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} .

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} : بالعقوبة قبل العافية، وذلك أنهم استعجَلوا ما

(1)

هدَّدهم به من عذابِ الدنيا استهزاءً وإنكارًا.

{وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} : عقوباتُ أمثالهم من المكذِّبين، فما لهم لم يعتبِروا بها ولم يحترِزوا حلولَ مثلِها بهم، والمثُلة بوزن السَّمُرة: العقوبةُ؛ لأنها مثلُ المعاقَبِ عليه.

وقرئ: (المَثَلات) على أنها جمع مُثلةٍ؛ كرُكْبةٍ ورَكَبات

(2)

، وهي العقوبةُ المستأصِلةُ؛ كقَطْع الأنف والأُذُن ونحوهما.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ} اللامُ للعهد، والمعهود هم المستعجِلون المذكورون، والمراد من المغفرة: السَّتر والإمهال.

{عَلَى ظُلْمِهِمْ} في محل النصب على الحال، والعامل فيه المغفرة؛ أي: ظالمين أنفسَهم أيَّ ظالمين، فإن {عَلَى} أبلغ من: مع.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} للظالمين، فلا يُهْمل وإن كان يمهِل، فلا دلالة في الآية على جواز العفو قبل التوبة؛ لأن مبناها على حمل المغفرة على التوبة، وهو غير مسلَّم عند المخالف.

* * *

(1)

في (م) و (ك): "بما".

(2)

انظر: "الكشاف"(2/ 514).

ص: 373

(7) - {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} .

{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} لعنادهم وعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ومكابرتهم

(1)

مقترحِين مثل آيات موسى وعيسى عليهم السلام.

{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} : مرسَل للإنذار والتخويف من سوء العاقبة كغيرك من الرسل، لا للإتيان بما اقتَرحوا عليك، وما عليك

(2)

إلا إتيانُ ما تصحُّ به نبوتك من الآيات، والآياتُ كلها سواءٌ في ذلك.

{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} : نبيٌّ مخصوص بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالبُ عليهم، يهديهم إلى الحق بوجهٍ من الهداية التي تخصُّهم، أو: قادرٌ على هدايتهم وهو الله تعالى؛ أي: ما عليك إلا الإنذار، فلا يهمَّنَّك

(3)

عنادُهم وإنكارهم للآيات المنزلة عليك، فليس إليك هدايتُهم، ولست بقادر عليها، إنما القادر على ذلك هو الله تعالى، لكنه لا يهدي إلا مَن يشاء من عباده بما يشاء من آياته.

ثم عقَّبه بما دل على كمال علمه وتقديره للأشياء على مقتضَى حكمته؛ تنبيهًا على أنه عالم بأحوال الأنبياء عليهم السلام والأممِ، قادر على إنزال مقترحاتهم، ولكنَّ الأمر مقدَّر عنده على ما يجب أن يكون عليه من حكمته من تخصيص كلِّ نبي بما خُص به من الآيات.

وأما ما قيل: أو عالم بهم قادرٌ على هدايتهم لكنه لم يهدهم لسبق قضائه عليهم بالكفر، فمرجعُه إلى تصحيح مبنى مذهب الجبرية.

(1)

في (م): "ومكارتهم".

(2)

"وما عليك" من (م).

(3)

في (م) و (ك): "يهمك".

ص: 374

(8) - {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} .

{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} إما استئنافٌ لبيان سبب الامتناع من إنزال ما اقترحوا، وإما جملتان: الأولى تفسير لـ {هَادٍ} ، أي: هو الله، والثانية ابتداءُ كلام لبيان كون الكل بعلمه وتقديره.

ويجوز أن يكون جملة قوله: {اللَّهُ يَعْلَمُ} مقدَّرةً، ويكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمَر؛ كأنه قيل: هو يعلم - أي: ذلك الهادي - ما تحمله كل أنثى أو حملها على أيِّ حال [هو] من الأحوال الحاضرة والمترقَّبة

(1)

.

{وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} : ما تنقصه وما تزداده في الجثة والمدة والعدد.

وقيل: المراد نقصانُ دم الحيض وازديادُه.

(غاض) جاء متعديًا ولازمًا، وكذا (ازداد)؛ قال تعالى:{وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25]، فإن جُعلا لازمين تعيَّن

(2)

(ما) أن تكون مصدريةً، وإسنادهما إلى {الْأَرْحَامُ} على المجاز فإنهما لله تعالى أو لِمَا فيها.

{وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} بقَدَرٍ واحد من جهة الكمِّ والكيف والزمان، لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والمراد من العندية الحضورُ العلمي، أي: هو عالم بكمية كلِّ شيء وكيفيته ووقت حدوثه، فيهيِّئ له أسبابًا مَسوقةً إليه تقتضي ذلك، وهذه الجملة مقرِّرة لِمَا تقدَّم، وليس في الاتصال كالتي بعدها، ولذلك وصل هذه له وفصَل هي عما قبلها.

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 515)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 182)، وما بين معكوفتين منهما.

(2)

في (م): "يتعين".

ص: 375

(9) - {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} .

{عَالِمُ الْغَيْبِ} : الغائبِ عن الحس {وَالشَّهَادَةِ} : الحاضرِ له {الْكَبِير} : العظيم في شأنه وسلطانه {الْمُتَعَالِ} : المستعلي على كلِّ شيء بقدرته، فلا يخرج شيءٌ عن حكمه كما لا يَعزب عن علمه.

* * *

(10) - {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} .

{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ} ؛ أي: أخفاه في نفسه {وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} : أظهره لغيره.

{وَمَنْ هُوَ} ، أي: وسواءٌ مَن هو {مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ} : طالبٌ للخفاء في مختبَئ من الليل {وَسَارِبٌ} : بارزٌ {بِالنَّهَار} يراه كلُّ راءٍ، من سَرَب سُروبًا: إذا برز، عطفٌ على (مَن).

أو على {مُسْتَخْفٍ} و (مَن) في معنى الاثنين كما في قول الفرزدق:

نكُنْ مِثْلَ مَن يا ذئبُ يصطحِبان

(1)

كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار.

والنكتة في زيادة {هُوَ} في الأول: أنه الدالُّ على كمال العلم فناسَبَ زيادةَ تحقيق، وهو النكتةُ أيضًا في تقديم {أَسَرّ} وإعماله في صريح القول على {جَهَرَ} وإعماله في ضميره، وفي حذف الموصوف من (سارب) على الوجه الأول.

* * *

(1)

انظر: "الديوان"(2/ 329)، و"الكتاب"(2/ 416)، و"الكشاف"(2/ 516)، وصدره:

تعشَ فإن عاهدتني لا تخونني

ص: 376

(11) - {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} .

{لَهُ} : لمن أسرَّ أو جهر، واستخفى أو سَرَب {مُعَقِّبَاتٌ}: ملائكةٌ تَعْتَقِبه في حفظه: جمعُ معقِّبةٍ، من عقَّبه مبالغةُ عَقَبه: إذا جاء على عَقِبه؛ لأن بعضهم يَعْقُب بعضًا على الدوام، أو لأنهم يُعَقِّبون ما يفعل ويتكلم به فيكتبونه، والتاءُ للمبالغة، أو لأنها جماعات.

ومَن وَهَم أن أصله: معتقِباتٌ، أدغمت

(1)

التاء في القاف كقوله: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ} [التوبة: 90]؛ أي: المعتذرون

(2)

، فقد وَهِم؛ لِمَا نص عليه التصريفيون من أنَّ التاء لا تُدغم في القاف، ولا القاف في التاء، لا من كلمتين ولا من كلمة، ثم إن {الْمُعَذِّرُونَ} لا يَتعين أن يكون أصله: المعتذرون.

وقرئ: (مَعَاقيبُ) جمعُ معقِّبٍ أو معقِّبةٍ، والياءُ عوضٌ من حذف إحدى القافين في التكسير

(3)

.

{مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} : من جوانبه.

{يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} ؛ أي: من الآفَات التي لا يمكن دفعُها بأسبابٍ عادية، والإنسان ليس في وسعه التحرُّزُ عنها، فالله تعالى بلطفه عيَّن له حفظةً يحفظونه من هذا النوع من الآفَات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وكِّل بالمؤمن مئة وستُّون

(1)

في (ف) و (ك): "أدخلت".

(2)

قائله الزمخشري وتابعه البيضاوي كما قال الشهاب، قال: وقد اتفقوا على رده. انظر: "الكشاف"(2/ 517)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 183)، و"حاشية الشهاب"(5/ 225).

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 66)، و"المحتسب"(1/ 355)، و"الكشاف"(2/ 517).

ص: 377

ملَكًا يَذُبُّون عنه كما يُذَبُّ عن قصعة العسل الذبابُ، ولو وُكِل العبد إلى نفسه طرفةَ عين لاختطفته الشياطين"

(1)

.

وإنما خُصَّ هذا النوع من الآفَات بالإضافة إلى أمر الله، وإن كان كلُّها بأمره تعالى؛ لعدم ظهور أسبابها العادية.

هذا ما عندي، والذي ذكره القوم: أنه صفةٌ لـ {مُعَقِّبَاتٌ} كـ {يَحْفَظُونَهُ} ؛ أي: له معقِّبات ثابتةٌ من أمر الله يحفظونه، أو متعلق بـ {يَحْفَظُونَهُ}؛ أي: يحفظونه من أجْل أمر الله تعالى، يعني: من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، ولا يدل عليه قراءةُ:(بأمر الله)

(2)

؛ لجواز تعلُّقه بالسابق؛ أي: معقِّبات بأمر اللّه.

أو: يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بالاستغفار، أو الاستمهال عسى أن يتوب.

وقيل: المراد من المعقبات: الحرس والجَلَاوِزة حول السلطان يحفظونه في توهُّمه من قضاء الله أوعلى التهكُّم به.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ} من العافية والنعمة إلى البلاء والنقمة.

{حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من الصلاح والطاعة إلى الفساد والمعصية.

{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} : فلا رادَّ له، والعامل في (إذا) ما دل عليه الجواب.

{وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} : ممن يلي أمرهم فيدفعُ عنهم السوءَ، أو يدفعه

(1)

رواه الطبراني في "الكبير"(7704) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 209): (فيه عفير بن معدان وهو ضعيف).

(2)

نسبت لجمع منهم علي وابن عباس رضي الله عنهم. انظر: "المحتسب"(1/ 355)، و"الكشاف"(2/ 517)، و"البحر"(13/ 45).

ص: 378

بالعنف أو باللطف؛ أي: لا رافع ولا دافع ولا شافع ولا نافع أصلًا.

وأما الدلالة على أن خلاف مراد الله تعالى محالٌ فالآيةُ ساكتة عنها.

* * *

(12) - {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} .

{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا} من ضرره {وَطَمَعًا} في نفعه، إذا لمع البرق يُخاف الصواعق ويُطمع في الغيث، كما قال أبو الطبيب:

فتًى كالسحاب الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجى

يُرَجَّى الحَيَا منها ويُخْشَى الصَّواعقُ

(1)

أو: يَخاف عنده

(2)

المطرَ مَن له فيه ضرر، فإنَّ الغيث لا يخلو عن العيث، ويَطمع فيه من له نفع فيه.

وانتصابهما على الحالية من المخاطَبين؛ أي: يريكم خائفين طامعين، أو من البرق كأنه في نفسه من شدة ما يُخاف ويُطمع فيه عينُ الخوف والطمع، أو ذا خوفٍ وذا طمعِ.

أو مفعولٌ لهما على أن المخاطَبين رائين؛ لأن إراءهم متضمِّن لرؤيتهم، والخوف والطمع من أفعالهم حيث إنهم فاعلو الفعلِ المعلَّل الذي هو الرؤية، فيرجع المعنى إلى معنى: قعدتُ عن الحرب جُبنًا

(3)

، فيكونان مفعولًا لهما. أو على تقدير حذف المضاف؛ أي: إرادةَ خوفٍ وطمع، بمعنى: إخافةً وإطماعًا.

(1)

انظر: "ديوان المتنبي"(3/ 86)، الجُون: جمع الجَون وهو الَأسوَد، والحيا: المطر.

(2)

في (ف): "عند".

(3)

في (ك): "جبنًا".

ص: 379

{وَيُنْشِئُ السَّحَابَ} : الغيم المنسحِب في الهواء {الثِّقَالَ} : جمع ثقيلة، وإنما وصفت به لأن اسم الجنس في معنى الجمع.

* * *

(13) - {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} .

{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ} عن ابن عباس رضي الله عنهما: سئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الرعد فقال: "ملك موكَّلٌ بالسحاب معه مخاريقُ من نار يسوقُ بها السحاب"

(1)

.

{بِحَمْدِهِ} : مُلْتبسًا به.

ويجوز أن يكون إسناد التسبيح والحمد إلى الرعد مجازيًّا من باب الإسناد إلى فاعلية الفاعل؛ أي: يسبح سامعو

(2)

الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين لله يصيحون: سبحان اللّه والحمد للّه، ولما كان الرعد باعثًا لتسبيحهم وتحميدهم، فكأنه سبَّح وحمد.

وهذا الوجه أولى؛ لأن الرعد في المتعارف يقع على الصوت المخصوص، وهو الذي يُقرن بالذكر مع البرق والسحاب، والكلام في إراءة الآيات الدالة على القدرة الباهرة وإيجادِها

(3)

، وتسبيحُ ملَك الرعد لا يلائم ذلك، أمَّا حمل الصوت المخصوصِ للسامعين على التسبيح والحمد فشديد الملائمة، وإذا حمل على

(1)

رواه الترمذي (3117) وقال: حسن غريب.

(2)

في (ف): "سامع".

(3)

في (م): "الباهرة في إيجادها"، والمثبت من باقي النسخ و"روح المعاني"(13/ 79)، والكلام منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي.

ص: 380

الإسناد حقيقةً فالوجه أن يكون اعتراضًا؛ دلالةً على اعتراف الملَك الموكَّل بالسحاب وسائرِ الملائكة بكمال قدرته تعالى وجحود الإنسان ذلك.

{وَالْمَلَائِكَةُ} ؛ أي: ويسبِّح الملائكة {مِنْ خِيفَتِهِ} ؛ أي: من خوف الله تعالى وإجلاله.

وقيل: الضمير للرعد.

{وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} إصابتَه فيهلكُه.

{وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ} ؛ أي: والذين كفروا وكذَّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلون

(1)

فيما وصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرُّدِ بالألوهية، والإعادة

(2)

والجزاء - بعد مشاهدتهم الآيات المذكورة - بقولهم: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]، واتخاذِهم الأندادَ، ونسبتهم الولدَ إليه، فالواو لعطف الجملة على الجملة، والمعطوف عليه قولُه:{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الرعد: 7] المعطوفِ على {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} [الرعد: 6]، والعدول من الفعلية إلى الاسمية، وطرحُ رعاية التناسب؛ للدلالة على أنهم ما ازدادوا بعد الآيات إلا عنادًا، فزادتهم رجسًا إلى رجسهم.

ويجوز أن يعطف على قوله: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ} على معنى: هو الذي يريكم هذه الآيات الكواملَ الدالةَ على القدرة والرحمة، وأنتم تجادلون فيه. وهذا أقرب مأخذًا، والأول إملأُ فائدةً.

(1)

في (م): "يجادلونه".

(2)

"والإعادة" من (م).

ص: 381

وقيل: للحال؛ أي: فيصيب بها مَن يشاء في حال جدالهم، وهو التشدُّد

(1)

في الخصومة، من الجَدْل وهو الفتل، ووجهُ هذا: هو أن أربد أخا لبيدٍ العامريِّ وفد على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع عامر بن الطفيل قاصدَينِ لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: اللهمَّ اكفنِيْهِما بما شئتَ، فأرسل الله تعالى على أربد بالصاعقة فقتله، ورُمي عامر بغدَّةٍ فمات في بيت سَلُوليَّةٍ وهو يقول: غُدَّةٌ كغُدَّة البعير وموتٌ في بيتِ سَلُوليَّة، فنزلت

(2)

.

اعلم

(3)

أن في الكلام التفاتًا؛ لأن قوله: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ} {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ} فيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وإن شئتَ فتأمل قوله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} إلى قوله: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} ثم التَفتَ من الخطاب إلى الغيبة، وحسن مواقعهما:

أما الأول: فما فيه من تخصيص الوعيد المدمَج في {سَوَاءٌ مِنْكُمْ} ولهذا ذيَّله بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ} إلى قوله: {مِنْ وَالٍ} ، وفيه من التهديد ما لا يخفى على ذي بصيرة، ومن الحث على طلب النجاة وزيادة التقريع في قوله:{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ} ، ومجيءِ

(4)

: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ} {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ} بعد قوله: {اللَّهُ يَعْلَمُ} هكذا من دون حرف النسق؛ لأن الأول مقرر لقوله: {اللَّهُ يَعْلَمُ}

(1)

في (م) و (ك): "التشدد".

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(13/ 467 - 470) عن ابن زيد مطولًا، و (13/ 481 - 482) عن ابن جريج. وكلاهما مرسل. ورواه الثعلبي في "تفسيره"(5/ 276) من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح (وتسمى سلسلة الكذب) عن ابن عباس.

(3)

الكلام من هنا منقول من "الكشف" كما صرح الآلوسي "روح المعاني"(13/ 85).

(4)

في المصدر السابق: (وفي مجيء).

ص: 382

مع زيادة الإدماج المذكور تحقيقًا للعلم، والثاني مقرِّر لما ضمِّن من الدلالة على القدرة في قوله:{وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} مع رعاية نمط التعديد على أسلوب: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} مما يبهر الألباب، ويُظهر للمتأمل في وجه الإعجاز التنزيلي

(1)

العجَب العُجاب.

وأما الثاني: فما فيه من الدلالة على أنهم مع وضوح الآيات وتلاوتها عليهم، والتنبيهِ البالغ ترغيبًا وترهيبًا، لم ينالوا بها نالة

(2)

، فكأنه يشكو جنايتهم إلى مَن يستحق الخطاب، أو كمَن يدمدم في نفسه: إني

(3)

أصنع بهم وأفعل كيت وكيت جزاء ما ارتكبوه؛ ليُريَ

(4)

ما يريد أن يوقعه بهم.

{وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} : قويُّ المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يحتسبون.

المُحال: المماحَلة، وهي شدة المماكَرة والمكايَدة، ومنه تمحَّل لكذا: إذا تكلَّف له استعمالَ الحيلة واجتهد فيه.

وقرئ بفتح الميم

(5)

على أنه مَفْعَلٌ

(6)

مِن حال يَحُول مَحالًا: إذا احتال، ومنه: أَحْوَلُ من ذئب؛ أي: أشد حيلة منه، وجاز أن يكون (شديد المَحال) على هذه القراءة

(1)

في (م) و (ك): "التنزيل"، والمثبت من (ف) و"روح المعاني".

(2)

كذا في النسخ، والذي في "روح المعاني":(لم يبالوا بها بالة).

(3)

تحرفت في النسخ إلى: "أي"، والتصويب من "روح المعاني".

(4)

في (ف): "سوى"، وفي (ك):"لسوى"، وفي (م):"يسوي". والمثبت من "روح المعاني".

(5)

نسبت للأعرج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 66)، و"المحتسب"(1/ 356)، و"الكشاف"(2/ 520).

(6)

تحرفت في النسخ إلى: "مفعول"، والتصويب من "الكشاف"(2/ 520)، و"روح المعاني"(13/ 88).

ص: 383

مثَلًا في القوة والقدرة؛ كما جاء: "فساعِدُ اللهِ أشدُّ ومُوساهُ أَحَدُّ"

(1)

؛ لأن المَحال جمع المَحَالةٍ وهي الفَقَارة، فيكون معناه: شديد الفَقَار، والحيوان إذا اشتد فَقَاره كان منعوتًا بشدة القوة.

* * *

(14) - {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} .

{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} : الدعاءُ الحق؛ فإنه الذي يَحقُّ أن يُعبد ويُدْعى إلى عبادته دون غيره، أو: له الدعوة المجابة فإن مَن دعاه أجاب، ويؤيده ما بعده. والحق على الوجهين: ما يقابل الباطل، وإضافةُ الدعوة إليه للملابَسة بينهما، أو على تأويل: دعوة المدعوِّ الحق.

وقيل: الحق هو الله تعالى، وكلُّ دعاء إليه دعوة الحق.

والجملتان على الوجه الأول وعيدٌ للكفرة على مجادلتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم، وتهديدٌ لهم بإجابة دعوته عليه السلام، أو ببيان أن دعوته عليه السلام إلى التوحيد حقٌّ.

وعلى قصة أربد ونزولِ الآية فيها فمعناهما: أن إصابته بالصاعقة وإصابةَ صاحبه بالغدَّة مِحالٌ من الله تعالى ومكرٌ بهما من حيث لا يشعرا، وأن دعوة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقوله:"اللهم اكفنيهما بما شئت" دعوة الحق، أو أن دعوتهم لآلهتهم ضلالٌ باطل؛ لتخصيص دعوة الحق به.

(1)

انظر: "الكشاف"(2/ 520). وهذه قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند"(17228)، والنسائي في "الكبرى"(11090)، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

ص: 384

{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} أي: والآلهة الذين يدعونهم من دون الله {لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} من طلباتهم.

{إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ} إلا استجابةً كاستجابة باسط كفيه {إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ} أي: كاستجابةِ مَن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يُبلغه فاه {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} لأنَّه جماد لا يشعر بدعائه ولا بعطشه، ولا يقدر على إجابته، فكذلك آلهتهم لأنها جماداتٌ كالماء.

وقيل: شبِّهوا في عدم جدوى دعائهم لآلهتهم بمن بسط كفَّيه ناشرًا أصابعه إلى الماء ليغرفه إلى فيه، فلم يمسك كفَّاه شيئًا منه، ولم يبلغ حاجته من شربه؛ لأن الماء يحصل بالقبض عليه لا بالبسط إليه.

فهو على الأول من تشبيه المركَّب بالمركَّب التمثيلي في الأصل، أُبرز في معرض التهكُّم حيث أثبت أنهما استجابتان زيادة في التحيير والتحسير

(1)

.

وعلى الثاني من تشبيه المفرد المقيد بمثله؛ كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء: هو كالراقم على الماء، فإن المشبَّه هو الساعي مقيَّدًا بكون سعيه كذلك، والمشبَّه به هو الراقم مقيَّدًا بكونه على الماء، وكذلك فيما نحن فيه.

{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} : إلا في ضياع لا فائدة له: أما ضياع دعائهم لآلهتهم فظاهر، وأما ضياع دعائهم لله تعالى فلأنه لا يجيبهم لكفرهم وبُعدهم عن حيِّز الإجابة.

* * *

(1)

في (ف): "في النخير والتخسير". وانظر: "روح المعاني"(13/ 92) وفيه: (التخسير والتحسير).

ص: 385

(15) - {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} .

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} الظاهر أن السجود على حقَيقته، ولهذا خص بالذكر {مَنْ} المخصوص بالعقلاء، ويشهد له قوله:

{طَوْعًا وَكَرْهًا} الساجدون له طوعًا هم الملائكة والمؤمنون من الثَّقلين، والساجدون كرهًا مَن ضمَّه السيف إلى الإسلام

(1)

، وانتصابهما على الحال.

{وَظِلَالُهُمْ} ؛ أي: ويسجد ظلالهم، والسجود هاهنا بمعنى الانقياد لأمره تعالى، ولهذا أخره عن قوله:{طَوْعًا وَكَرْهًا} ، وانقيادها لتصريفه تعالى من جانب آخر على ما أفصح عنه في قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48].

قال الفرَّاء

(2)

: الظلُّ مصدر، يعني: في الأصل، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجِرم عند مسامَتته للشمس.

{بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} ظرف لـ {يَسْجُدُ} المقدر، أو حال من الظلال، وقد مر تفسيرهما في سورة الأعراف، والمراد بهما: تمام النهار.

* * *

(16) - {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} .

(1)

يعني أسلم نفاقًا بعد أن وقعت عليه الغلبة، لا أنه أدخل إلى الإسلام بالسيف؛ لأنَّه لا إكراه في الدين.

(2)

كما في "البحر"(13/ 60).

ص: 386

{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، أي: خالقُهما ومتولي أمرهما.

{قُلِ اللَّهُ} حكاية لاعترافهم وتأكيدٌ عليهم؛ أي: لم يكن لهم بد من أن يقولوا: اللّه، فهم والخصم في الجواب سواءٌ؛ لكونه من البيِّن الذين لا مِراء فيه؛ لقوله تعالى:{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 86، 87]، فهو كقول المُناظر لصاحبه: أهكذا قولُك؟ فإذا اعترف به حكاه تقريرًا له واستيثاقًا منه، ثم يقول له: فيلزمك كذا وكذا، فيبكِّته بالحجة.

أو تلقين؛ أي: إن تلعثموا في الجواب لعلمهم

(1)

بما يلزمهم من الحجة بناءً على إقرارهم، فلقِّنهم فإنهم يتلقونه ولا يقدرون أن ينكروه.

{قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} إلزام وتقرير وتوبيخ؛ أي: أبَعْدَ أن علِمْتُموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما هو سببُ التوحيد من علمكم وإقراركم سببَ الشرك، فالفاء عاطفة للتسبيب والتفريع، دخلت الهمزة عليه لأن المنكَر الاتخاذُ بعد العلم لا العلمُ.

{يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} ؛ أي: لا يقدرون أن يجلبوا إليها نفعًا أو يدفعوا عنها ضرًّا فكيف يستطيعون إنفاع الغير وإدفاع الضر عنه؟ وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاءَ أن يشفعوا لهم.

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} تمثيل للمشرك الجاهل الذي لا يهتدي والموحِّد العالم المهديِّ الهادي.

{أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} تمثيل للشرك والضلالة والتوحيد والهداية.

(1)

في النسخ: "بعلمهم"، والصواب المثبت.

ص: 387

{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} : بل أجعلوا، والهمزة للإنكار، وقوله تعالى:{خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} صفةٌ لـ {شُرَكَاءَ} داخلة في حكم الإنكار، ومعنى الإضراب: أن تعكيسهم ذلك لمَّا لم يكن عن شُبهة فضلًا عن حجةٍ كان حكايةُ ذلك أدخلَ في ذمهم، وفيه طرفٌ من التهكُّم.

{فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} خلقُ الله وخلقُهم؛ أي: إنهم ما اتخذوا لله تعالى شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا: هؤلاء خَلقوا كما خَلق الله تعالى فاستحقُّوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عما يقدر عليه الخالق، نبَّه على مكان الشبهة نافيًا ناعيًا عليهم ومتهكِّمًا بهم، وليس من إرخاء العنان والتدريج في شيء.

{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ولا خالق غيره فيشاركَه في العبادة، جعل الخلق مُوجِبَ العبادة ولازم

(1)

استحقاقها، ثم نفاه عمَّن سواه ليدل على قوله:{وَهُوَ الْوَاحِدُ} : المتوحِّد بالألوهية والربوبية {الْقَهَّار} لكل شيء، فما سواه مغلوب مقهور له فكيف يستقيم أن يكون له شريك؟

* * *

(17) - {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} .

{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} : من جهتها {مَاءً} التنكير للتكثير، وباعتباره صحَّ التفريع في قوله:{فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} : جمع وادٍ، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرةٍ،

(1)

في (ف): "لازم".

ص: 388

فاتُّسع فيه واستعمل للماء الجاري، وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوُب بين البقاع فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلًا بل بعضٌ منها دون بعض.

{بِقَدَرِهَا} : بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر.

{فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا} (احتمل) بمعنى: حمل، جاء فيه افتَعَل

(1)

بمعنى المجرَّد كاقتدر وقَدَر، وعرِّف السيل لأنَّه عُني به ما فُهم من الفعل

(2)

، والزَّبَد: كدَرُ الجوهر السيَّال وخبَثُه المميَّز منه بالحركة والخضخضة والغليان.

{رَابِيًا} : منتفخًا

(3)

مرتفعًا على وجه الماء.

{وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ} عبارةٌ جامعة لأنواع الفلزِّ على وجه التهاون به، حيث لم يذكر الأنواع بأسمائها بل أَجمل بذكر وصفها في أحسن الأحوال، وإهانتها بالإيقاد كما هو عادة الملوك إظهارًا لكبريائه.

{زَبَدٌ} مرفوع بالابتداء، وخبره:(ومما توقدون)، وقرئ:{يُوقِدُونَ} بالياء

(4)

؛ أي: الناس، وإضماره للعلم به، وانتَصب {ابْتِغَاءَ} على أنه مفعولٌ له.

والحلية: ما يُعمل للنساء مما يَتزيَّنَّ به من الذهب والفضة، والمتاع: ما يُتخذ من الحديد والنحاس وما أشبههما من الآلات التي هي قِوام العيش؛ كالأواني

(1)

"افتعل" من (م).

(2)

"من الفعل" من (م).

(3)

"منتفخًا" من (م).

(4)

قراءة حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالتاء. انظر:"التيسير"(ص: 33).

ص: 389

والمساحي وآلات الحرث والحرب

(1)

وغير ذلك، والمقصود منه بيان منافعها.

و (مِن) لابتداء الغاية أو للتبعيض؛ أي: منه زبدٌ، أو بعضُه زبد.

{مِثْلُهُ} : مثلُ زبد الماء، والمماثلة في كونهما يتولَّدان من الأكدار والأوساخ.

{كَذَلِكَ} مثلَ ذلك الضرب {يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}

(2)

فذلكةٌ وتبيينٌ و {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} تأكيد له وتعميم.

{فَأَمَّا الزَّبَدُ} من السيل والفلز المذاب {فَيَذْهَبُ جُفَاءً} : مجفوًّا؛ أي: مرميًّا به، يقال: جفأَت القِدْر بزبَدها، وجفأه السيل: رمى به، وأَجفأ السيل وأجفل، وقرئ:(جُفالًا)

(3)

والمعنى واحد، وانتصابه على الحال.

{وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ} من الماء وصلاحية الفلز {فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} مدةً طويلة يَنتفع بها أهلها.

{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} لإيضاح المشتبِهات.

قد مر ما في تكثير الأمثال في الكتب الإلهية وكلمات الحكماء من الفوائد.

ولمَّا ضرب الظلمات والأعمى مثلًا للباطل وأهله، والنورَ والبصير مثلًا

(4)

للحق وأهله، أكَّد التمثيل الأخير - وهو قوله:{أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} - بهذا المثل؛ لأن الغرض إثباتُ الحق وإبطال الباطل، فمثَّل الحقَّ من العلم النازل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالماء الذي ينزل من السماء، والقلوبَ الصافية والفهوم الصائبة

(1)

"والحرب" من (م).

(2)

بعدها في (م): "مثل الحق والباطل".

(3)

نسبت لرؤبة بن العجاج. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 66)، و"الكشاف"(2/ 523).

(4)

"مثلا" ليس في (ك).

ص: 390

بالأودية، وقبولَها له بقَدْر استعدادها بسيلانها بقَدْر سعتها

(1)

، والباطلَ من الجهالات والشكوك والشُّبَه التي ينفيها العلم بالزَّبد الذي يرمي به السيل، وكذا شبَّه الحقَّ من العمل الصالح الصحيح بالفلزِّ الذي ينتفع به الناس باتخاذ الحليِّ والأواني والأمتعة منه، والعملَ الفاسد الباطل في اضمحلاله وسرعة زواله بزبده، وانتفاءَ الشكوك والشُّبه والأعمال الفاسدة وكونَها هباءً في الآخرة، وبقاءَ الحق من العلم والعمل وحصولِ سعادة الدارين بهما والثوابِ الأبديِّ والنعيمِ السرمدي، بانتفاء الزبدين في اضمحلالهما سريعًا، وبقاءَ ما ينفع الناس من الماء بالسقي والحرث والزرع وسريانه في عروق

(2)

الأرض إلى منابعه وتنوُّع العيون والقُنيِّ منه ومن الفلز، بصَيغ

(3)

الحلي واتخاذِ الأمتعة وآلات الحرث والحرب منه.

* * *

(18) - {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} .

{لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} كلام مستأنف بعد ضرب الأمثال وتمام الكلام فيه، و {الْحُسْنَى} مبتدأ خبره {وَالَّذِينَ}؛ أي: للَّذين استجابوا المثوبةُ الحسنى.

{وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} مبتدأ خبره {لَوْ} مع ما في حيِّزه؛ أي: الجملة الشرطية، والواو عاطفة الجملة على الجملة.

وقيل: اللام في {لِلَّذِينَ} متعلقة بـ {يَضْرِبُ} ، و {الْحُسْنَى} صفةٌ لمصدر

(1)

في (ف): "لسيلانها يعد سفها"، وفي (ك):"بسيلانها يعد سفها".

(2)

في (م) و (ك): "عرق".

(3)

في (م): "بصيوغ"، وفي (ك):"يتخذ".

ص: 391

{اسْتَجَابُوا} أي: الاستجابةَ الحسنى، و (الذين لم يستجيبوا) عطف على (الذين استجابوا).

وقوله: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} كلام مبتدأ في ذكر ما أعدَّ لغير المستجيبين، والمعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين؛ أي: هما مثلا الفريقين، يعني: مثل

(1)

سبيلهما ودينهما.

{أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} : المناقشةِ فيه، وعن النخعي: أنْ يحاسَب المذنب بذنبه كلِّه لا يغفر منه شيء.

{وَمَأْوَاهُمْ} : مرجعهم بعد الحساب {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} : المستقَرُّ، والمخصوص بالذم محذوفٌ، وفي {الْمِهَادُ} تهكُّم بهم على ما تقدَّم بيانه في تفسير سورة الأعراف.

* * *

(19) - {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} .

{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} فيستجيبَ

(2)

{كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} القلب لا يستبصِر فيستجيبَ.

لمَّا ذكر تعالى مثلَ المؤمن والكافر، وذكر ما للمؤمن والكافر من الثواب والعقاب، ذكر استبعاد مَن يجعلهما سواءً، وأنكر ذلك متفرِّعًا على ما تقدم، فالفاء للعطف على وجه التفريع، وإنما قدِّمت همزة الاستفهام وهي مؤخَّرةٌ معنًى لأن له صدرَ الكلام.

(1)

في (ك): "مثلي".

(2)

في (م): "فيستجيب به".

ص: 392

{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} : ذوو العقول المبرَّأة عن شوائب

(1)

الإلْف ومعارضة الوهم.

* * *

(20) - {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} .

{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} مبتدأ خبرُه: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} ، أو صفةٌ لـ {أُولُو الْأَلْبَابِ} ، وحينئذٍ يكون:{أُولَئِكَ لَهُمْ} إلخ استئنافًا بصفاتِ مَن استُؤنف عنهم؛ أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات، دلالةً على أنَّ استيجابهم لعقبى الدارِ إنما كان بسبب

(2)

تلك الصفات.

والأول أوجهُ؛ لأن عطف الجملة الثانية وهي قوله: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ .. أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} يشهد بذلك.

وعهدُ الله: ما عقَدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: {بَلَى} [الأعراف: 172]، وما عَهِد اللّه تعالى عليهم في كتبه.

{وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} : ما وثَّقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وما بينهم وبين العباد، وهو تعميم بعد تخصيص.

* * *

(21) - {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} .

{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} من الأرحام والقرابات، ومُوالاةِ قرابة

(1)

في (م) و (ك): "شائبة".

(2)

في (م) و (ك): "سبب".

ص: 393

رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ومواصلةِ المؤمنين كلّهم بالأخوَّة الإيمانية، ومراعاةِ حقوقهم بالإحسان والشفقة والنصيحة.

{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} فلا يعصُونه هيبةً وحياءً ورهبةً ولا يخالفونه في شيء عمومًا {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} خصوصًا، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسَبوا.

* * *

(22) - {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} .

{وَالَّذِينَ صَبَرُوا} عما تحبه النفس بالهوى وعلى ما تكرهه.

{ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} : طلبًا لرضاه

(1)

خاصةً، لا نظرًا إلى الخلق رياءً وسمعةً، أو إلى النفس زينةً وعُجبًا، جاء الصلةُ هنا بلفظ الماضي، وفي الموصولين قبله وما عُطف عليهما بلفظ المضارع؛ لأنَّه قُصد بهما الاستصحابُ والالتباس دائمًا، وهذه الصلة قصد بها تقدُّمها على تينك الصلتين وما عُطف عليهما؛ لأن حصولها

(2)

مترتِّب على حصول الصبر، وتقدُّمه عليها، ولكونه مما لا بد منه في حصول التكاليف لم يأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي.

{وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} المفروضةَ {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} بعضَه الذي وجب عليهم إنفاقُه {سِرًّا} لمن تمنعُه المروءة أن يأخذه {وَعَلَانِيَةً} لمن لا تمنعه.

قيل: {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} يتناول النوافلَ لأنها في السر أفضل،

(1)

في (ف) و (ك): "طلب الرضا".

(2)

أي: (لأن حصول تلك الصلات)، كما هي عبارة "البحر"(13/ 76)، والكلام منه.

ص: 394

والفرائضَ لأنها بالجهر أفضل نفيًا للتهمة. ويأباه التخصيص المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور في الخبر.

{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} : يدفعونها بها؛ أي: يجاوزون الإساءة بالإحسان، أو: يُتبعون السيئةَ بالحسنة فتمحوها.

{أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} : عاقبة الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآلُ أهلها، وما يَصلح

(1)

أن يكون عاقبةً وهي الجنة.

* * *

(23) - {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} .

{جَنَّاتُ عَدْنٍ} بدلٌ من {عُقْبَى الدَّارِ} ، والعدْنُ في الأصل: الإقامة، ثم صار علَمًا لجنة من الجنان السبع على ما مر تفصيله في تفسير سورة البقرة.

{يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ} عطفٌ على الضمير المرفوع في {يَدْخُلُونَهَا} من غير تأكيدٍ للفصل بالضمير المنصوب، أو مفعول معه.

{مِنْ آبَائِهِمْ} : جمع أبوَيْ

(2)

كلِّ واحد منهم، فيتناول آباءهم وأمهاتهم.

{وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} إنما جُمعوا فيها مع قراباتهم ليتم لهم النعمة بزيادة الأُنس والجمعيَّة بهم، وقيِّدوا بالصلاح دلالةً على أن مجرَّد النسب والقرابة لا يكفي في الجمع بينهم، بل لا بد من شرط الصلاح، ولا دلالة فيه أنه يلحق بهم مَن صلح من

(1)

في (ف): "يصح".

(2)

في (م) و (ك): "أبوين".

ص: 395

أهلهم وإنْ لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، حتى يُستدل به على أن الدرجة تعلو بالشفاعة خصوصًا إذا كان {وَمَنْ صَلَحَ} مفعولًا معه.

{وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} من أبواب المنازل، أو: من أبواب الفتوح والتُّحف

(1)

.

* * *

(24) - {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} .

{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} في محل الحال؛ أي: قائلين: سلام عليكم بشارةً بدوام السلامة.

{بِمَا صَبَرْتُمْ} متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للسببية أو البدلية؛ أي: هذا الثواب بسبب صبركم أو بدلَ ما احتملتم من الصبر ومتاعبه هذه الملاذُّ

(2)

المآلف والنعم، ويجوز أن يتعلق بالظرف؛ أي: سلام عليكم بسبب صبركم، ولا يجوز أن يتعلق بـ {سَلَامٌ} لأن الخبر فاصل.

{فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} المخصوصُ بالمدح محذوف؛ أي: فنعم عقبى الدارِ الجنةُ، وقرئ:{فَنِعْمَ} بفتح النون، والأصل: نَعِمَ، فمَن وكسر النون فينقلُ وكسرة العين إليها، ومَن فتحها فيسكِّن العين تخفيفًا بلا نقل

(3)

.

* * *

(1)

الفتوح: جمع فتح، وهو الرزق الذي يفتح الله به عليهم مما لم يكن على بال من الأرزاق، وليس التحف عطف تفسير له. انظر:"حاشية الشهاب"(5/ 236).

(2)

"الملاذ" من (م).

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 527).

ص: 396

(25) - {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} .

{وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} يعني: مقابل الأوَّلين {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} : من بعدِ ما أَوثَقوه من الاعتراف والقبول.

{وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بالظلم وتهييج الفتن.

{أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} : الإبعاد من رحمة الله تعالى {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} عذابُ النار وسوءُ عاقبة الدنيا؛ لأنها في مقابلةِ {عُقْبَى الدَّارِ} ، وإنما لم يقل: سوءُ عاقبة الدار، تفاديًا أن يجعلها عاقبةً حيث جعل العاقبة المطلَقة هي الجنة.

* * *

(26) - {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} .

{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} لمَّا كان كثير من الأشقياء فُتحت عليهم أبوابُ نِعَم الدنيا ولذَّاتها، أخبر تعالى أنه هو الذي يوسِّع الرزق لمن يشاء ويضيِّقه، والكفرُ والإيمان لا تعلق لهما بالرزق، قد يَقْدِر على المؤمن ليَعْظُم أجره ويَبْسط للكافر إملاءً لازدياد

(1)

آثامه.

{وَفَرِحُوا} ؛ أي: أهلُ مكة {بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بما بُسط لهم، فرَحَ بطرٍ لا فرحَ سرور بفضل الله تعالى عليهم، واغتروا به، ولم يشكروا ما أنعم الله تعالى عليهم، ولم يَصرِفوه فيما يستوجبون به نعيمَ الآخرة.

(1)

في (ف): "لزيادة".

ص: 397

{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ} : في جنبِ ما أُعدَّ لأهلها فيها {إِلَّا مَتَاعٌ} : إلا شيء نَزْر حقيرٌ يُتمتع به ولا يدوم، كعجالة الراكب وزاد الراعي.

* * *

(27) - {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} .

{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} مقتضَى الظاهر إظهارُ فاعل {وَفَرِحُوا} إذ لم يَجْرِ لكفار مكة ذكرٌ، وإضمارُ فاعل {وَيَقُولُ} يجري ذكره حينئذٍ، فأُخرج على خلاف الظاهر لإرادة التمكين

(1)

في ذهن السامع بالإبهام والتوضيح، أو للظهور والتعيُّن

(2)

في الأول، والذمِّ والتسجيل بالكفر في الثاني.

{لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} عنادٌ وجحودٌ للآيات المنزَلة عليه عليه السلام؛ لعدم اعتدادهم بها واعتبارهم لها، ولهذا أمر في الجواب بقوله:

{قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} : قَبِل

(3)

الحقَّ ورجع عن العناد، وحقيقتُه: دخل في نوبة الخير، وهو كلام جارٍ مجرى التعجُّب من قولهم، كأنه قيل: قل لهم: ما أعظم عنادكم! حيث لم تقتدوا بهذه الآيات الباهرة التي لم يؤت نبيٌّ مثلَها، وكفى بالقرآن وحده آيةً أنَّ الله يُضل من يشاء ممن كان على صفتكم من الجحود والتصميم على الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائه وإن أُتي بكل آية، ويهدي من يشاء ممن كان على خلاف صفتكم من التصميم

(1)

في (ف): "التمكن".

(2)

في (ف) و (ك): "والتعيين".

(3)

في (م): "أقبل".

ص: 398

على الكفر

(1)

، وفي تنزيله {إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} منزلةَ {مَنْ يَشَاءُ} تنبيهٌ على أن مشيئة الهداية مخصوصةٌ بغير المعاند.

* * *

(28) - {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}

{الَّذِينَ آمَنُوا} بدلٌ من {مَنْ} {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} أُنسًا به، أو بالقرآن، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته.

{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} : تسكن إليه، جملة اعتراضية تفيد: كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره؟

* * *

(29) - {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} .

{الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بدل من {الْقُلُوبُ} على تقدير المضافٍ؛ أي: قلوب الذين آمنوا، أو مبتدأ خبره.

{طُوبَى لَهُمْ} وهو فُعْلَى من الطِّيب كبُشرى وزُلفى، قُلبت ياؤه واوًا لضمةِ ما قبلها كموقِنٍ وموسِرٍ، وقرئ:(طِيْبَى) بكسر الطاء

(2)

.

وهي من المصادر المنصوبة أو المعدولة إلى الرفع؛ أي: طيبًا لهم، وطيبٌ لهم، كقولك: سلامًا لك، وسلام لك، والقراءة في قوله:{وَحُسْنُ مَآبٍ} بالرفع والنصب

(3)

تدل على محليهما.

(1)

"على الكفر" من (ك).

(2)

نسبت لمكوزة الأعرابي. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 67)، و"الكشاف"(2/ 528).

(3)

نسبت لابن محيصن ويحيى بن يعمر وابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"=

ص: 399

واللام في {لَهُمْ} للبيان، مثلَها في: سَقْيًا لك، وتكون الجملة الدُّعائية خبرًا على التأويل.

* * *

(30) - {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} .

{كَذَلِكَ} ؛ أي: مثلَ ذلك الإرسال العظيمِ الشأن الذي له فضلٌ ومزيَّةٌ على سائر الإرسالات، أو: مثلَ إرسال الرسل قبلك.

{أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا} : قد تقدَّمهم {أُمَمٌ} أرسلوا إليهم، فليس ببِدعٍ إرسالُك إليها.

{لِتَتْلُوَ} : لتقرأ {عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من الكتاب العظيم.

{وَهُمْ يَكْفُرُونَ} : وحال هؤلاء أنهم يكفرون {بِالرَّحْمَنِ} الشامل الرحمةِ، الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، فكفروا نعمه خصوصًا ما أنعم به عليهم بإرسال مثلك إليهم، وإنزالِ هذا القرآن المعجز المصدِّق لسائر الكتب، الذي هو مناط المنافع الدينية والدنياوية.

وقيل: نزلت في مشركي مكة حين قيل لهم: {اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} .

{قُلْ هُوَ رَبِّي} ؛ أي: الرحمن خالقي ومتولِّي أمري.

{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} لا مستحِقَّ للعبادة سواه.

{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في نصرتي عليكم {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} : مرجعي ومرجعكم فيحكم بيننا:

= (ص: 67)، و"المحرر الوجيز"(3/ 312)، و"الكشاف"(2/ 528).

ص: 400

(31) - {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .

قوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} دال على أن اسم الإشارة والموصولَ فيما تقدم لتعظيم القرآن وتفخيم شأنه.

{أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} جواب (لو) محذوفٌ، أي: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال عن مقارِّها وزُعزعت، أو قطِّعت به الأرض حتى تنصدع قطعًا قطعًا من خشية الله تعالى، أو كلِّم به الموتى فتسمعَ وتجيبَ، لكان هذا القرآنَ؛ لكونه غايةً في التذكير والإعجاز، ونهايةً في التخويف والإنذار؛ كقوله:{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21].

وقيل: أراد به المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم؛ أي: ولو أن قرآنًا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لَمَا آمنوا به؛ كقوله: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} الآية [الأنعام: 111].

قيل: إن قريشًا قالوا: يا محمد إن كان

(1)

تريد أن نتَّبعك، فسيِّر بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتَّسع لنا فنتَّخذ فيها بساتينَ وقطائع، أو سخِّر لنا به الريح لنركبها ونتَّجر إلى الشام، أو ابعث من كنانةَ قصيَّ بن كلاب وغيرَه من آبائنا ليكلمونا فيك، فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الجبال قطعها بالسير.

وقيل: الجواب مقدَّم، وهو قوله:{وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} وما بينهما اعتراض.

(1)

"كان" من (ك).

ص: 401

وتذكير {كُلِّمَ} خاصةً لاشتمال {الْمَوْتَى} على المذكَّر الحقيقي.

{بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} إضراب عما تضمَّنه (لو) من معنى النفي؛ أي: بل لله القدرة على كلِّ شيء، فله القدرة على الإتيان بما اقترحوا من الآيات، إلا أنه لم تتعلق إرادته بذلك؛ لعلمه أنهم لا يؤمنون ويزدادون العناد والجحود، ويؤيده قوله:

{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ أي: عن إيمانهم مع ما رأوا من مكابرتهم وإنكارهم

(1)

.

والأكثر على أن معنى {أَفَلَمْ يَيْأَسِ} : أفلم يعلم؛ لِمَا روي: أن عليًّا وابن عباس رضي الله عنهم وجماعةً من الصحابة والتابعين قرؤوا: (أفلم يتبين)

(2)

وهو تفسير {أَفَلَمْ يَيْأَسِ} ، فيكون بمعنى: أفلم يعلم، وإنما استُعمل اليأس بمعنى العلم لأنَّه مسبَّب عن العلم بأن المأيوس لا يكون، وقيل: هو لغة قوم من النخع.

ولذلك علقه بقوله: {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} لأن معناه نفيُ هداية بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وتعلُّقه على الأول بـ {آمَنُوا} أي: ولم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرةِ الذين آمنوا بأنْ لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا، أو بمحذوف تقديره: أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علمًا منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا.

{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا} من الكفر وسوء الأعمال {قَارِعَةٌ} : داهية تَقرعهم وتُقلِقهم.

(1)

"وإنكارهم" من (م).

(2)

نسبت لابن محيصن ويحيى بن يعمر وابن أبي عبلة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 67)، و، "المحرر الوجيز"(3/ 313)، و"الكشاف"(2/ 530).

ص: 402

{أَوْ تَحُلُّ} ؛ أي: القارعة {قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} فيفزعون منها وَيضطربون ويتطايرُ إليهم شرارها {حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} ؛ أي: الموت أو القيامة.

وقيل: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعةٌ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتُغير حول مكة وتصيب من مواشيهم، أو تحلُّ أنت يا محمد قريبًا من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية، حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} لا لعدم القدرة عليه؛ لأن ما تعلق به الوعد كان ممكنًا وبتعلقه لم ينقلب ممتنعًا لاستحالة الانقلاب، وكلُّ ممكنٍ داخلٌ تحت قدرته تعالى، بل لأن الخُلف لا يليق بشأنه تعالى.

* * *

(32) - {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} .

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعيدٌ للمستهزئين والمقترحين عليه

(1)

.

{فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} الإملاء: أن يُترك ملاوةً

(2)

من الزمان في دَعَةٍ وأمن.

{ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} ؛ أي: كان عقابي إياهم، استفهامُ معناه التعجُّب مما حل بهم والتقريرُ، وفي ضمنه وعيدُ مَن في عصره عليه السلام من الكفار.

(1)

"عليه" ليست في (ف).

(2)

ملاوة وملوة بتثليث الميم فيهما بمعنى حينٍ وبرهة من الزمن ومنه الملوان. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 241 - 242).

ص: 403

(33) - {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} .

{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ} أفالله الذي هو قائم رقيبٌ على كل نفس {بِمَا كَسَبَتْ} من خير وشر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم، والخبر محذوف تقديره: كمن هو ليس كذلك، دخلت الهمزة على الفاء لإنكار أن يسوُّوا مَن هو مطَّلع على سرِّهم وعلنهم قادرٌ على مجازاتهم بمن هو على خلافه بعد علمهم بما حل بالمنكِرين من الأخذ المفاجئ والبطش الشديد.

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} استئناف، أو عطف على مقدَّر؛ أي: لم يوحِّدوه وجعلوا، وفيه إظهار في موضع الإضمار للتهويل والتوبيخ والتفضيح في معرض الاحتجاج والتبكيت، ويؤيده ما بعده، أسلوبٌ بديع ضمِّن فيه

(1)

الترقي في الإنكار أولًا، يعني: لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، إنما العجب كلُّ العجب جعلُهم القادرَ على إنزالها، المُجازي لهم على إعراضهم عن تدبُّر معانيها وأمثالها بقوارعَ تَتْرى واحدةً غبَّ

(2)

أخرى فيشاهدونها رأيَ عين تترامى بهم إلى دار البوار وأهوالها، كمَن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن اتخذه ربًّا يرجو منه جلبًا أو دفعًا! مدمجٌ فيه التسلِّي ثانيًا.

(1)

"فيه" ليست (ك).

(2)

تحرفت في النسخ إلى: "تحت"، والتصويب من "روح المعاني"(13/ 162)، والكلام من "الكشف" كما صرح الآلوسي.

ص: 404

وفي العدول عن صريح الاسم إلى قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} تفخيمًا

(1)

بواسطة الإبهام المضمَّن في إيراده موصولًا، مع تحقيقِ أن القيام كائن وهم محقِّقون، ما يداهش

(2)

له الألباب، ويقضي من بديع إيراده العجبَ العجاب، وفي قوله:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ} بوضعه مقامَ المضمر الراجع إلى (مَن) دلالةٌ على أن

(3)

المتوحِّد ذاتًا واسمًا جعلوا له

(4)

شركاءَ لا شريكًا كذلك، ولا يَهْلِك على الله إلا هالك، وفي حذف الخبر تعظيمًا للقالة وتحقيرًا لمن هو

(5)

بتلك الحالة ما لا يخفى من الجزالة.

{قُلْ سَمُّوهُمْ} كان قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} كافيًا في هدم قاعدة الإشراك؛ للتفرع السابق، والتحقيقِ بالوصف اللاحق، وهو إبطالٌ من طرف الحق، فذيَّله بإبطاله من طرف النقيض على أبلغ وجه؛ أي: ألزمْهم بذلك، فإنهم إنْ سمَّوهم قالوا: حجر أو خشب أو نحاس أو نحو ذلك، فافتَضَحوا بإشراكهم بمن لا يستحق العبادة إلا هو وحده، رُوعي فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلًا عن المسمَّى على الكناية الإيمائية، ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها لظهور فساده

(6)

، وسلك فيه مسلك الكناية التلويحية من نفي العلم على نفي المعلوم، ثم منه على عدم الاستئهال.

{أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} : بل أتنبئونه {بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ} : بشركاء لا يعلمهم في

(1)

في (ف): "تفخيم".

(2)

في (ك): "يدهش".

(3)

في (ك): "أنه".

(4)

في (ك): "لله".

(5)

في (ف) و (م): "أن".

(6)

"فساده" كذا في النسخ، وفي "حاشية الشهاب"(5/ 243)، و"روح المعاني" (13/ 166):(فسادها)، والكلام من "الكشف" كما صرح الآلوسي.

ص: 405

الأرض، يعني: بما ليس بشيء؛ لأن ما لا يعلمه عالم الغيب والشهادة لا وجود له؛ كقوله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 18]، والهمزة المضمَّنة فيها تدل على التوبيخ، وتقريرِ أنهم يريدون أن ينبِّئوا عالم السر والخفيَّات بما لا يَعلم، وهذا محالٌ على محالٍ، ثم أضرب عن ذلك، وقال: قد بين

(1)

الشمس لذي عينين، وما تلك التسميةُ إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحته طائل، وما هو إلا مجردُ صوت فارغ.

{أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} ، أي: بل أتسمُّونهم شركاء بمجرد ظاهر القول، وإطلاقِ لفظة الشركاء أو الآلهة من غير أن يكون لذلك معنًى وحقيقةٌ من الألوهية والمشارَكة؛ كقوله:{مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [يوسف: 40].

وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسانٍ طَلْقٍ ذَلِقٍ أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأَنصف من نفسه، ومَن زاد على هذا قولَه:{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] فقد أتى بكلمة حقٍّ أريد بها باطل يدندن بها مَن هو عن حلية

(2)

الإنصاف عاطل

(3)

.

(1)

في (ف): "تبين".

(2)

في (م): "حيلة".

(3)

يعرض بالزمخشري في قوله: وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك اللّه أحسن الخالقين. وتعقبه ابن المنير بقوله: هذه الخاتمة كلمة حق أراد بها باطلًا؛ لأنَّه يعرض فيها بخلق القرآن فتنبه لها، وما أسرع المطالع لهذا الفصل أن يمر على لسانه وقلبه ويستحسنه وهو غافل عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ، والله أعلم. انظر:"الكشاف"(2/ 532).

ص: 406

{بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} : تمويهُهم، فتخيَّلوا أباطيل ثم قالوها، أو اختداعُهم للضعفة.

{وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} : سبيل الحق، وقرئ:{وَصُدُّوا} بالفتح

(1)

؛ أي: وصَدُّوا الناس عن الإيمان، و:(صدٌّ) بالتنوين عطفًا على {مَكْرُهُمْ}

(2)

.

{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} بالخذلان {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} : فما له من أحد يقدر على هداية

(3)

بوجهٍ من الوجوه.

* * *

(34) - {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} .

{لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصيبات.

{وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ} لدوامه وشدةِ إيلامه.

{وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ} : من عذاب اللّه تعالى في الدارين، قيل: أو من رحمته، ولا يساعده المساق، ولا يوافقه عبارة {وَاقٍ} .

{مِنْ وَاقٍ} : من ساترٍ

(4)

يحفظهم عن العذاب ويحميهم، فـ {مِنْ} الأولى صلة {وَاقٍ} قدِّمت عليه، والثانيةُ مزيدة للتأكيد.

ولمَّا ذَكر ما أعدَّ للكفار في دار القرار ذكر ما أعدَّ للمؤمنين فيها فقال:

(1)

قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 133).

(2)

نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 67)، و"الكشاف"(2/ 532).

(3)

في (م): "هدايته".

(4)

في (ف): "ساتر ما".

ص: 407

(35) - {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} .

{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} : صفتُها التي في غرابة المثل، تقول: مثلتُ الشيءَ: إذا وصفتَه وقرَّبته للفهم، وارتفع {مَثَلُ} على الابتداء في مذهب سيبويه والخبرُ محذوف؛ أي: فيما قصَصْنا عليهم مثلُ الجنة

(1)

.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} تفسير لذلك المثَل؛ أي: في غاية النزهة، وذلك أن العرب كانوا في عوز من الماء، فكانوا يَعدُّون هذا أعظم نزهةٍ، أو حالٌ من العائد المحذوف من الصلة.

وقيل: هي

(2)

خبره على طريقة قولك: صفةُ زيدٍ أسمرُ. أو على حذف موصوف؛ أي: مَثَلُ الجنة جنةٌ تجري، فعلى هذا لفظُ المثَل على حقيقته قُصد به تمثيل الغائب في الشاهد لم يُسْتَعرْ

(3)

من القول السائر للصفة الغريبة.

{أُكُلُهَا دَائِمٌ} لا ينقطع، والأُكُل: ما يؤكل فيها.

{تِلْكَ} ؛ أي: وظلُّها كذلك لا يُنسخ كما يُنسخ في الدنيا بالشمس.

{تِلْكَ} ؛ أي: الجنة الموصوفة {عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} عن الكفر: مآلهم ومنتهى أمرهم.

{وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} لا غير.

وفي ترتيب النَّظمَين إطماع للمتقين وإقناط للكفار.

(1)

انظر: "الكتاب"(1/ 143).

(2)

في (م) و (ك): "هو".

(3)

في (م): "الغائب بما في الشاهد ثم استعير".

ص: 408

(36) - {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} .

{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} ؛ أي: مَن أسلم من اليهود كعبد اللّه بن سلام وأضرابه، ومن النصارى وهم ثمانون رجلًا: أربعون بنجران، وثمانيةٌ باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة.

{يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أو عامتُهم

(1)

فإنهم كانوا يفرحون بما نزل موافقًا لمَا في كتبهم.

{وَمِنَ الْأَحْزَابِ} ؛ أي: كفارهم الذين تحزَّبوا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالعداوة؛ نحو كعب بن الأشرف، والعاقبِ والسيد أُسقفي نجران، وأشياعِهما.

{مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} وهو ما يخالف شرائعهم وما حرَّفوه منها، دون الأقاصيص وما يوافقها.

{قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ} شيئًا، جواب للمنكرين؛ أي: قل لهم: إنما أمرت فيما أُنزل إليَّ بأن أعبد اللّه ولا أشركَ به، وهو العمدة في الإسلام، ولا سبيل لكم إلى إنكاره لأنكم قائلون بوجوب عبادته وتوحيده، وأما ما يخالف بعض شرائعكم من جزئيات الأحكام، فليس الاختلاف ببدع في الكتب الإلهية.

وقرئ: (ولا أشركُ) بالرفع على الاستئناف

(2)

.

(1)

تحرفت في (م) إلى: "ادعاء منهم". وقوله: (أو عامتهم) معطوف على (من أسلم)، أي: من أسلم من أهل الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، أو عامة أهل الكتاب يفرحون بما يوافق كتبهم منه، فالمراد في الثاني بـ {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}: بعضه الذي يوافق كتبهم لا كله. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 245).

(2)

نسبت لنافع في غير المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 67)، و"الكشاف"(2/ 533).

ص: 409

{إِلَيْهِ أَدْعُو} لا إلى غيره {وَإِلَيْهِ مَآبِ} : مرجعي للجزاء لا إلى غيره، فلا معنى لإنكاركم؛ لأن هذا هو القَدْرُ المتفق عليه بين الأنبياء كلِّهم، فأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكاركم المخالَفة فيه.

* * *

(37) - {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} .

{وَكَذَلِكَ} ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزال المشتمِل على أصول الديانات المجمَع عليها {أَنْزَلْنَاهُ} أصل الكلام: أنزلناه هذا الإنزالَ الذي تشاهدونه مشتمِلًا على التوحيد والدعوة إليه، فأُوثر ذلك تفخيمًا، وجيء بالمثل زيادةً له، ولأمر ما أكثر في كتابه الكريم

(1)

من إيراد هذا الأسلوب.

{حُكْمًا} يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة.

{عَرَبِيًّا} مترجَمًا بلسان العرب ليسهُل لهم فهمه وحفظه، وانتصابه على الحال.

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} التي يدعونك إليها من الأمور الموافِقة لدينهم وخصوصًا الصلاةُ إلى قِبلتهم بعد ما حوِّلْتَ عنها.

{بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} بنسخ ذلك.

{مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} يَنصرك ويمنع العقاب عنك، وهو حسم لأطماعهم، وتهييجٌ للمؤمنين على الثبات في الدِّين، واللام في (لئن) موطِّئةٌ للقسَم، و {مَا لَكَ} جوابُه

(2)

سدَّ مسدَّ جواب الشرط.

(1)

"الكريم" من (م).

(2)

في (م) و (ك): "جواب".

ص: 410

(38) - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} .

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ} : بشرًا مثلَك، والتنكير للتكثير.

{وَجَعَلْنَا لَهُمْ} فيه تغليبٌ للأكثر على الأقل، وإلا فمنهم مَن لا زوج له ولا ذرية كعيسى عليه السلام.

{أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} : نساءً وأولادًا كما هو

(1)

لك، كانوا يَعيبونه عليه السلام بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون:{مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} [الفرقان: 7]، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ، فقيل: كان الرسل قبله كذلك ذوي أزواج وذريات.

{وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ} : ما صحَّ، ولم يكن في وسعه {أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ} مما اقتَرح عليه قومه، ولا مما اقتضاه رأيه {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} فإنه القادر على ذلك، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة.

{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} ؛ أي: ولكل

(2)

وقتٍ ومدةٍ حكمٌ يُكتب على العباد بحسَب ما يقتضيه استصلاحُهم

(3)

، فإن الشرائع مصالح الأحوال والعباد، والاستعدادات

(4)

تختلف في الأوقات والأزمان فتختلف الشرائع بحسب ذلك.

* * *

(1)

في (ف): "هن".

(2)

في (م): "لكل".

(3)

في (ك): "إصلاحهم".

(4)

في النسخ: "والاستبدادات"، والصواب المثبت.

ص: 411

(39) - {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} .

{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ} : ينسخ ما يكون الصلاح في نسخه.

{وَيُثْبِتُ} بدَله ما هو صالحٌ أو أصلحُ في وقته

(1)

لعباده، أو يتركه غيرَ منسوخ.

وقيل: يمحو سيئات التائب ويثبت بدلَها الحسنات.

وقيل: يمحو من كتاب الحفَظة ما لا يتعلق به الجزاء، ويترك ما يتعلق به مثبَتًا.

وقيل: يمحو قَرْنًا ويثبت آخر

(2)

.

وقيل: يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات.

{وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} ؛ أي: أصل كلِّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ، إذ لا كائن إلا وهو مكتوب فيه.

* * *

(40) - {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} .

{وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} ؛ أي: وكيف ما دارت الأحوال: أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب النازل بهم أو توفَّيناك قبله {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} : فما عليك إلا تبليغ الوعيد بالعقوبة لا تعجيلُها.

{وَعَلَيْنَا} لا عليك {الْحِسَابُ} : حسابهم؛ أي: مراعاةُ أجَلها المعلوم، والإيقاعُ بهم عند الوقت المحتوم.

ولمَّا نهاه عليه السلام عن الاهتمام بغير التبليغ، والتضجُّرِ لتأخُّر النصر، عقَّبه بالتسلية، وطيَّب نفسَه ونفَّس عنها بذكر طلائع ما وَعد بقوله:

(1)

في (م): "وقت".

(2)

في (م): "آخرين".

ص: 412

(41) - {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ} : أرضَ الكفرة {نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} بما نفتحه على المسلمين منها [فننقُص من دار الحرب ونزيد في دار الإسلام.

{وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} اعتراضٌ لا محل لها، أو حالٌ كأنه قيل: نافذًا حكمُه؛ كما تقول: جاءني زيد لا عمامةَ على رأسه؛ أي: حاسرًا.

والمعقِّب: الذي يَكِرُّ على الشيء ويُبطله، وحقيقتُه: الذي يُعقِّبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقِّب؛ لأنَّه يقفِّي غريمَه بالتقاضي والطلب.

والمعنى: لا رادَّ لحكمه ولا مُبطِلَ، وقد حكم للإسلام بالظهور والإقبال، وعلى الكفر بالتراجع والإدبار، وذلك كائن لا يمكن لأحد تغييرُه، وهذا من تباشيره.

{وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فعمَّا قليل يحاسبهم في الآخرة، ويجازيهم بأشد العذاب بعد عذاب الدنيا بالقتل والإجلاء.

* * *

(42) - {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} .

{وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} بأنبيائهم والمؤمنين منهم.

{فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} جملةٌ تعليليَّة أُقيمت مقام المحذوف، وهو المعطوف على ما ذكر قبلها، تقديره: ولا عبرةَ بمكرهم فلله المكر جميعًا، وصفَهم بالمكر ثم جعل

ص: 413

مكرَهم بالنسبة إلى مكره كَلَا مكرٍ عند مكره تعالى؛ لأنَّه

(1)

القادر على إيقاع المراد من المكر بهم دونهم فلا مكر إلا مكرَه تعالى.

{يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} فيُعدُّ

(2)

جزاءه لاضمحلال كلِّ مكر عند مكره تعالى؛ لأنَّه إذا علم كلَّ ما كسبوا، وأعدَّ لهم جزاءه، فيأتيهم به بغتةً من حيث لا يعلمون، كأنَّ المكر كلَّ المكر له تعالى.

{وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ} : وحينئذ يُعلمهم {لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} : لمن حسنُ العاقبة من الفريقين، والسينُ لوجوب وقوع ذلك، وعلمِهم به حالَ وقوعه، واللام في {لِمَنْ} دلت على أن المراد بالعقبى المضافِ إلى الدار: العاقبةُ المحمودة.

وقرئ: (سيَعْلَم الكفرُ)

(3)

؛ أي: أهلُه، و:(سيُعْلَم) من أَعْلَمَ: إذا أخبره

(4)

.

* * *

(43) - {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} .

{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا} قيل: المراد بهم رؤساء اليهود.

{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} حيث أظهر من الدلائل الواضحة والحجج البيِّنة على رسالتي

(5)

ما يُغني عن شاهدٍ يَشهد عليها.

(1)

في (ف): "لأن".

(2)

في (ك): (فيعد).

(3)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 67)، و"الكشاف"(2/ 535).

(4)

نسبت لجناح بن حبيش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68)، و"الكشاف"(2/ 535).

(5)

في (م) و (ك): "رسالته".

ص: 414

{وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} : والذي عنده علمُ القرآن - وما ألِّف عليه من النَّظم المعجِز الفائت لقوى البشر - والتوراةِ والإنجيل من علماء الكتاب الذين أسلموا كعبد اللّه بن سلام وأضرابه؛ لأنهم يشهدون بنعته عليه السلام في كتبهم.

وقيل: هو اللّه عز وجل، والكتاب: اللوح المحفوظ، والمعنى: كفى بالذي يَستحق العبادة، وبالذي لا يَعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدًا بيني وبينكم.

ويؤيِّده قراءةُ مَن قرأ: (ومن عندِه) بالكسر

(1)

، و {عِلْمُ الْكِتَابِ} على الأول يرتفع

(2)

بالظرف لأنَّه معتمد على الموصول، أو مبتدأٌ خبره الظرف، وهو متعين على الثاني.

وقرئ: (ومن عندِه عُلِمَ) على الحرف وبناءِ الفعل للمفعول ورفع (الكتابُ)

(3)

، واللّه أعلم بالصواب.

* * *

(1)

نسبت لعلي وابن عباس رضي الله عنهم وعكرمة والضحاك وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 67)، و"المحتسب"(1/ 358)، و"الكشاف"(2/ 536)، و"المحرر الوجيز"(3/ 320)، و"البحر"(13/ 121).

(2)

في (ك): "مرتفع".

(3)

انظر المصادر السابقة.

ص: 415

‌سُورَةُ إبرَاهِيمَ

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) - {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} .

{الر كِتَابٌ} ؛ أي: هو كتاب {أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} حجَّةً على رسالتك بإعجازه.

{لِتُخْرِجَ النَّاسَ} كافَّةً بدعائك إيَّاهم إلى الدِّين الحقِّ.

{مِنَ الظُّلُمَاتِ} : من أنواع الضَّلال {إِلَى النُّورِ} : إلى الهدى.

{بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} : بتوفيقه وتسهيله، مستعارٌ من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب

(1)

، متعلِّق بـ (تُخرج)، أو حالٌ من فاعله أو مفعوله.

{إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} بدل من قوله: {إِلَى النُّورِ} بتكرير العامل، أو استئناف كأنَّه قيل: إلى أيِّ نور؟ قيل

(2)

: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} .

وأضاف الصراط إلى الله لأنَّه مَقْصِده

(3)

، أو المبيِّن له، وتخصيص الاسمين بالذِّكر يدلُّ على أنه يُعِزُّ سالكه، ويجعله حميدًا بكماله.

* * *

(1)

أي: رفع المانع. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 249).

(2)

في (م): "فقيل".

(3)

أي: محل قصده. انظر: "حاشية الشهاب"(5/ 250).

ص: 419

(2) - {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} .

{اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} عطف بيان لـ {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} ؛ لأنَّه يجري مجرى أسماء الأعلام؛ لغلبته واختصاصه بالمعبود بالحقِّ.

وقرئ بالرَّفع على: هو اللّه

(1)

.

{وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِين} وعيدٌ لمن كفر بالويل، وهو نقيض النَّجاة، وأصله النَّصب لأنَّه مصدر، فعدل إلى الرَّفع لإفادة معنى الثَّبات، كما في: سلام عليك.

واتصال قوله: {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} له بالمعنى المذكور ظاهر، فلا حاجة إلى صرفه للتَّلفُّظ بكلمة التَلهُّف من شدَّة العذاب.

* * *

(3) - {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} .

{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} ؛ أي: على الحياة الآخرة.

والاستحبابُ: استفعال من المحبَّة؛ لأنَّ المختار للشيء على غيره كأنَّه يطلب من نفسه أن يكون أحبَّ إليها من الآخر، وتعديته بـ {عَلَى} لتضمُّنه معنى الإيثار والاختيار.

{وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} بتعويق النَّاس عن الإيمان.

(1)

وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: "التيسير"(ص: 134).

ص: 420

وقرئ: (ويُصِدُّون) من أصدَّه

(1)

، وهو منقول من صَدَّ صُدودًا: إذا تنكَّب

(2)

، وليس بفصيح؛ كأَوْقفه؛ لأن في صدَّه ووَقَفه مندوحةً عن تكلُّف التَّعدية بالهمزة.

{وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أصله: يبغون لها، فحذف الجارُّ، وأُوصل الفعل؛ أي: يطلبون لها زيغًا

(3)

واعوجاجًا بأن يقولوا لمن يصدونه عنها: إنها سبيلٌ ناكبة عن الحقِّ غير مستقيمة.

والموصول بصلته يحتمِل النَّصب على الذَّمِّ والرَّفع عليه، ولا يحتمِل الجرَّ صفةً لـ (الكافرين)؛ لأنَّ فيه الفصلَ بين الصفة والموصوف بأجنبيٍّ منهما، وهو قوله:{مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} ؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ اتِّصاله بالويل، وعلى الرفع يجوز أن يكون مبتدأً خبره:

{أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} عن طريق الحقِّ؛ أي: ضلالٍ فيه بُعْدٌ؛ لأنَّ الضَّالَّ قد يضِلُّ عن الطَّريق مكانًا قريبًا، وقد يضِلُّ مكانًا بعيدًا.

والأفصحُ أنَّ وصفَ الضَّلال بالبُعْدِ من باب الإسناد المجازيِّ؛ لأنَّ البعد في الحقيقة للضَّالِّ المتباعد عن الطَّريق، فوُصف به فعله، كقولهم: جَدَّ جَدُّه؛ للمبالغة.

وتنكيره للتَّكثير، وفي جعله ظرفًا لهم دلالةٌ على تمكُّنهم فيه تمكُّنَ المظُّروف في الظَّرف، وتصويرٌ لاشتمال الضَّلال عليهم اشتمالَ المحيط على المُحَاط، فيكون كنايةً بالغة في إثبات الوصف المذكور لهم على الوجه الأبلغ.

* * *

(1)

نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68).

(2)

في (م) و (ك): "إذا انتكب"، وفي (ف):"تكسب". والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 192).

(3)

في (ك): "زيفا".

ص: 421

(4) - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} : بلغةِ قومه الذين

(1)

بُعِثَ فيهم كأنبياء بني إسرائيل، أو أُرسل إليهم كلوط ويونسَ عليهما السلام.

فمَن قال: الذين

(2)

هو منهم وبُعِث فيهم، لم يصب.

وقرئ: (بلِسْنِ)

(3)

، وهو لغة فيه كريشٍ ورِياش، و:(لُسُن) بضمَّتين

(4)

، وضمةٍ وسكون على الجمع كعُمُدٍ وعُمْدٍ

(5)

.

{لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} ما يدعوهم إليه، فيَفقهوه بسهولة، ثم ينقلوه ويُترجموه لغيرهم، فإنَّهم أحقُّ برعاية حالهم

(6)

، سواءٌ كان مبعوثًا فيهم أو مرسَلًا إليهم.

ومَن قال: أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجَّةٌ على اللّه

(7)

، ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به. فكأنه غفل عن أنَّ المحذور المذكور يندفع بترجمته لهم.

(1)

في (م): "الذي".

(2)

في (م) و (ك): "الذي".

(3)

نسبت لأبي السمَّال والأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68).

(4)

نسبت لجناح بن حبيش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68).

(5)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 193)، و"البحر المحيط"(13/ 129)، ومثل له أبو حيان بـ: رسل ورسل.

(6)

في (ف): "حالتهم".

(7)

"أي ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجة على الله" من (م).

ص: 422

وأيضًا لغير العرب من الأمم

(1)

أن يحتجَّ بما ذكره على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، ولا جواب عنه إلا بما قلنا، ولا دلالة في قوله تعالى:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 44] على أنَّه

(2)

يكون لهم مجال الاحتجاج بالوجه المذكور على تقدير نزوله بلغة أخرى.

وأما ما قيل: ولو نزل على مَن بعث إلى أمم مختلفة كتبٌ على ألسنتهم استقلَّ ذلك بنوع من الإعجاز، ولكن أدَّى إلى اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلُّم الألفاظ ومعانيها والعلوم المتشعِّبة منها، وما في إتعاب القرائح وكدِّ النَّفس مِنَ القُرَبِ المقتضية لجزيل الثَّواب= فمبناه الغفول عن أنَّ ما ذكر من الفوائد فوائتُ على تقدير التَّرجمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عرفْتَ أنَّ مدار الكلام وتمام المرام عليها على تقدير عموم الرسالة وخصوص النُّزول.

{فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} بالخذلان {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} بالتَّوفيق.

وفيه دفع ما سبق إلى الوهم من البيان البالغ في تسهيل الفهم أن يكون ذلك كافيًا في تمام أمر

(3)

الهداية، فينسدُّ باب الضَّلالة والغواية

(4)

.

وفي التَّرتيب بأداة التَّسبيب إشارة إلى أن ما ذكر من الإرسال مع كونه على وجه الكمال كان في حقِّ قومٍ سببًا للضَّلال.

{وَهُوَ الْعَزِيز} فلا يُغلَب على مشيئته {الْحَكِيمُ} فلا يَهدي ولا يُضلُّ إلا لحكمة.

(1)

"الأمم" من (م).

(2)

في (ك): "أن".

(3)

"أمر" ليست في (ف).

(4)

في (م) و (ك): "والهداية".

ص: 423

(5) - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} .

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا} ؛ يعني: اليدَ والعصا وسائرَ معجزاته.

{أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} {أَنْ} مفسِّرة معناها: أي؛ لأنَّ في الإرسال

(1)

معنى القول؛ أي: أرسلناه وقلنا له: أَخْرِج. أو مصدرَّية؛ أي: أرسلناه بأنْ أخرج؛ لأن صيغ الأفعال في الدلالة على المصدر سواءٌ، فيصح وصلها بالأمر كوصلها بالخبر، وأن يُوصل بها (أنْ) النَّاصبة.

{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} : بنعمائه وبلائه. ذكره ابن عباس رضي الله عنهما

(2)

، وهو الموافق لقو له تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} والقرآن بعضُه يفسِّر البعض.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} على بلاء الله {شَكُورٍ} على نعمائه، فإنَّه إذا سمع بما أنزل الله تعالى على الأمم من البلاء، وأفاض عليهم من النِّعم، اعتبر وتنبَّه على ما يجب عليه من الصَّبر والشُّكر.

وقيل: لكل مؤمن؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر.

وإنَّما قدَّم الصَّبر على الشُّكر لأنّه أشقُّ منه، فهو بالاهتمام أحقُّ. والعدول عن الصَّبور مع مناسبته للشَّكور؛ لأنَّه في مقام الحثِّ والتَّحريض بأبلغ صيغتي المبالغة أليقُ.

* * *

(1)

في (م) و (ك): "الرسالة".

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(12/ 107).

ص: 424

(6) - {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} .

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ} ؛ أي: اذكروا نعمته وقت إنجائه إيَّاكم، ويجوز أن ينتصب بـ {عَلَيْكُمْ} إنْ جُعلت مستقرة غيرَ صلة للنِّعمة، وذلك إذا أريد بها العطيَّة دون الإنعام، ويجوز أن يكون بدلًا من {نِعْمَةَ} بدل الاشتمال.

{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} أحوال من {آلِ فِرْعَوْنَ} ، أو من ضمير المخاطبين، وعطفُ قوله:{يُذَبِّحُونَ}

(1)

على {يَسُومُونَكُمْ}

(2)

يفيد فائدةً زائدةً على جعله تفسيرًا له كما سبق

(3)

في سورة البقرة، وهو أنَّ العذاب جنس يتناول التَّذبيح

(4)

والاستحياء والاستعمالَ بالأعمال الشَّاقة، فجعل التَّذبيح كأنه جنس آخرُ برأسه أوفى على جنس العذاب، وزاد عليه بزيادةٍ ظاهرة.

{وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ} : ابتلاء {مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} وإنما كان فعل آل فرعون بلاءً من ربهم؛ لأن الله تعالى ابتلاهم بتمكينهم وإقرارهم عليهم وإمهالهم فيه.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء؛ لأنَّ البلاء كما يكون بالنِّعمة يكون

(1)

في (م) و (ك): "ويذبحون".

(2)

في النسخ: "ويسومونكم".

(3)

"سبق" من (م).

(4)

في (م) زيادة: "والاستقياد".

ص: 425

بالنِّقمة، قال الله تعالى:{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} [الأعراف: 168]، وهذا أنسب لقوله:{مِنْ رَبِّكُمْ} ، وعلى الأول تكون عبارة الرَّبِّ للإشارة إلى أن بلاء المؤمن تربيةٌ

(1)

له.

* * *

(7) - {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} .

{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} من جملة ما قال موسى عليه السلام لقومه، منصوبُ المحلِّ بالعطف على {نِعْمَةَ اللَّهِ} ، كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذَّن ربكم.

{لَئِنْ شَكَرْتُمْ} لا على إرادة القول على معنى: تأذَّن ربكم فقال؛ لعدم الحاجة إلى التقدير، بل على إجراء {تَأَذَّنَ} مجرى: قال؛ لأنّه ضرب من القول.

وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: {وإذ قال ربُّكم لئن شكرتم}

(2)

.

و {تَأَذَّنَ} بمعنى: آذَنَ، كتوعَّد وأَوْعَد، غير أنَّه أبلغ؛ لِمَا في التَّفعُّل من معنى التَّكلف والمبالغة.

{لَئِنْ شَكَرْتُمْ} يا بني إسرائيل ما خوَّلتكم من نعمة الإنجاء وغيرها بالإيمان والعمل الصالح.

{لَأَزِيدَنَّكُمْ} نعمةً إلى نعمةٍ.

(1)

في (م): "تربيته".

(2)

رواها عنه الطبري في "تفسيره"(13/ 601)، وانظر:"الكشاف"(2/ 541).

ص: 426

{وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ} غَمطْتُم

(1)

ما أنعمْتُ به عليكم. قد صرح الوعد على الشكر بقوله: {لَأَزِيدَنَّكُمْ} ، وعرَّض بالوعيد على الكفران حيث قال:

{إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} ؛ أي: عسى عذابي أن ينالكم بالكفران، ومِن عادة مَن هو أكرم الأكرمين التَّصريحُ بالوعد والتَّعريضُ بالوعيد.

* * *

(8) - {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} .

{وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ} يا بني إسرائيل {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} عن شكركم وشكرِ كلِّ شاكر، وما ضررتم بكفرانكم إلا أنفسَكم حيثما حرَمتموها مزيد الإنعام، وعرَّضتُموها للعذاب الشديد.

{حَمِيدٌ} : مستوجِبٌ للحمد في ذاته، محمودٌ يحمده مَنْ في السماوات من الملائكة، بل كلُّ ذرةٍ من ذرَّات المخلوقات النَّاطقة بنعمه

(2)

وحمده.

* * *

(9) - {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} .

{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} من جملة كلام موسى عليه السلام، أو ابتداءُ كلام من الله تعالى، والهمزة في {أَلَمْ}

(3)

للتَّقرير والتَّوبيخ.

(1)

في (ف) و (ك): "عظم".

(2)

في (ف): "بنعمته".

(3)

"والهمزة في ألم" من (م).

ص: 427

{وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} عطف على {قَوْمِ نُوحٍ} ، وقوله:{لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} اعتراض، أو مبتدأ خبره {لَا يَعْلَمُهُمْ} والجملة اعتراض، والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يُعلم عددهم

(1)

، كأنه يقول: دع التَّفصيل فإنه لا مطمَع في الحصر.

قيل: ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأها

(2)

قال: كذَب النَّسَّابون

(3)

. أي: في دعوى علم الأنساب؛ لأن الله تعالى قد نفى علمها عن العباد.

وفيه نظر؛ لعدم دلالةٍ فيه على نفي علم الأنساب مطلقًا

(4)

، إنما دلالتُه على نفي علم جميع الأنساب، ولم

(5)

يدَّعه أحدٌ من النَّسَّابين.

{جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} : أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} على زعمكم

(6)

، أي: هذا جوابنا لا غير؛ إقناطًا لهم من التصديق.

قيل: عضُّوها غيظًا وحنقًا

(7)

مما جاءت به الرُّسل؛ كقوله: {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119].

(1)

في (ف): "عدهم".

(2)

في (ف): "أقرأها".

(3)

رواه الطبري في "تفسيره"(12/ 604). وانظر: "الكشاف"(2/ 542).

(4)

"مطلقًا"من (م).

(5)

في (ف): "ولم يعد".

(6)

أي: أشاروا إلى جوابهم هذا، كأنهم قالوا: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، فضمير {أَيْدِيهِمْ} و {أَفْوَاهِهِمْ} إلى الكفار، والأيدي على حقيقتها، والرد مجاز عن الإشارة. انظر:"روح المعاني"(13/ 230).

(7)

في (م): "وتجنبًا"، وفي (ف):"وضعًا". وفي "الكشاف"(2/ 542): "وضجرًا".

ص: 428

أو وضعوها على أفواههم ضحكًا واستهزاءً كمن غلب عليه الضَّحك فوضع يده على فيه، أو إسكاتًا للأنبياء عليهم السلام وإشارةً عليهم بالسُّكوت، أو ردُّوها في أفواه الأنبياء عليهم السلام لذلك

(1)

، أو وضعوها على أفواههم أيسكتونهم، ولا يذرونهم يتكلَّمون.

أو الأيدي جميع يد، بمعنى النِّعمة؛ أي: ردوا أياديهم من التَّوحيد والمعارف والشَّرائع والنَّصائح - التي هي أجَلُّ النِّعَم - في أفواههم؛ لأنهم إذا لم يَقبلوها وكذَّبوها فكأنَّهم ردُّوها إلى حيث جاءت منها على طريق التَّمثيل.

ولا يذهب عليك أن الأَوَّلَين

(2)

لا يطابقان المقام؛ فإنَّه

(3)

يَحكي أوَّل ما جاءهم بالبيِّنات إلى آخر ما ينتهي إليه حالهم، وذانك بعد التَكرار، وأيضًا الرَّدُّ ينبئ عن التَّكرار، وليس، وحاصل

(4)

الرَّابع والخامس ما ذكر ثالثًا، لكنَّ الرَّدَّ لا يلائم الثَّالث والخامس، والمعتاد في الإسكات ما في الثَّالث لا ما في الخامس، والسَّادس غير ظاهر الدِّلالة لما فيه من نوع تعقيدٍ، والأيدي بهذا المعنى قليلة الاستعمال، وذِكْرُ الرَّد والأفواه يلائم الجارحة.

{وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} التَّأكيد في {إنَّا} {وَإِنَّا} للإقناط، والمبالغة في الرَّدِّ والتَّكذيب، والمراد مما

(5)

أرسلتم به: الكتبُ والشَّرائع، ومما تدعوننا إليه: التَّوحيد، فتردُّدهم في الثاني لا ينافي قطعهم في الأول.

(1)

أي: يشيرون لهم بالسكوت. انظر: "الكشاف"(2/ 542)، والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.

(2)

في (م): "الأولان".

(3)

أي: المقام.

(4)

في (ف): "حاصل".

(5)

في (م): "بما".

ص: 429

{مُرِيبٍ} : مُوقِعٍ في الريبة، أو

(1)

: ذي ريبة، من أرابَ الرَّجل: إذا صار ذا ريبة، وهي قلقُ النَّفس، وأن لا يطمئِنَّ إلى شيء، وعلى الثاني يكون وصف الشكِّ به من باب الإسناد المجازي.

* * *

(10) - {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} .

{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ} : أفي وحدانيته {شَكٌّ} وفي حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه تنبيهٌ على أنَّ الله تعالى لا يكون إلَّا واحدًا، فالشَّكُّ في وحدانيته شكٌّ في ذاته.

و {شَكٌّ} مرتفع بالظَّرف، وأُدخلت همزة الإنكار عليه مع تقديمه لأنَّ الكلامَ في المشكوك فيه لا في الشكِّ؛ أي: إنما ندعوكم إلى الإيمان بالله ووحدانيته، وهو لا يحتمل الشكَّ لظهور الأدلَّة، وشهادةِ وجود السماوات والأرض عليه.

ثمَّ نبَّههم على الوصف الذي يقتضي أن لا يقع فيه شكٌّ البتَّة بقوله:

{فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وهو صفة، ولا

(2)

يضرُّه الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ

(3)

، أو بدل.

(1)

في (م): "أي".

(2)

في (ف): "لا".

(3)

"بمثل هذا المبتدأ"؛ أي: قوله: {شَكٌّ} ، وفي إعرابه وجهان: الرفع على الفاعلية بالظرف المعتمِد على الاستفهام، وهو الوجه الذي تقدم ورجحه الآلوسي، والآخر هو الرفع بالابتداء الذي ذكره هنا، وإليه ذهب أبو حيان. انظر:"البحر"(13/ 140)، و"روح المعاني"(13/ 234 - 235).

ص: 430

{يَدْعُوكُمْ} إلى الإيمان ببعثه إيَّانا ليغفر لكم، وفيه دلالة على أن الكافر مُؤَاخَذٌ بكفره قبل البعثة - وإن لم يكن مؤاخَذًا بغيره - لكفاية العقل الصحيح.

{لِيَغْفِرَ لَكُمْ} لمصلحتكم لا لمصلحة نفسه.

{مِنْ ذُنُوبِكُمْ} : بعض ذنوبكم، وهو الكفر؛ لِمَا عرفْتَ أنهم لا يؤخذون قبل البعثة، ففي قوله:{يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ} توطئةٌ لهذا التَّبعيض على تقدير تقريرنا معناه، وعلى تقدير أن يكون المعنى: يدعوكم إلى المغفرة، على إقامة المفعول له مقام المفعول به، كما في قولك: دعوتك لتنصرني= تفوت هذه التَّوطئة وتلك الدلالة.

وقيل في وجه التَّبعيض: إن المغفور قطعًا ما فعلوه حالة الكفر، وأما ما يفعلونه بعد الإسلام فهو بحاله.

ومأخذ هذين الوجهين يُظهِر السِّرَّ في زيادة (من) في خطاب الكفرة دون المؤمنين في مواضع من القرآن.

وفي الأخير فائدة أخرى، وهو إبقاء البعض على الاحتمال؛ لئلا يتَّكلوا

(1)

على الإيمان وحده، وهذا معنًى حسن.

وأما ما قيل: إنه أريد به أنه

(2)

يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى - لأنَّ الإسلام يجبُّه - دون المظالم، فلا يصلح وجهاً للتَّخصيص؛ لاشتراك الفريقين فيه.

والتَّوجيه بأنَّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتَّبة على الإيمان،

(1)

في النسخ: "يتكلموا"، والصواب المثبت. انظر:"حاشية الشهاب"(5/ 256)، و"روح المعاني"(13/ 238). والكلام من "الكشف" كما صرحا بذلك.

(2)

"أريد به أنه" من (م).

ص: 431

وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطَّاعة والتَّجنب عن المعاصي ونحو ذلك، فتناوُلُ الخروج عن المظالم منظور فيه؛ لأنَّ تمام التقريب به على تقدير أن يكون معنى قوله:(مرتبة على الإيمان): مرتَّبةً عليه وحده، وحينئذ يتَّجه النَّقض بقوله تعالى:{قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 2 - 4].

ثمَّ إنَّ منشأَه ومنشأَ ما قدَّمه في دعوى الاطِّراد في زيادة (من) في خطاب الكفرة: الغفولُ

(1)

عن قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38].

ومَن قال في تفسير سورة الأنفال: إن الحربي إذا أسلم لم يبقَ عليه تَبعةٌ قطُّ، ثمَّ جوَّز هاهنا أن يكون

(2)

التَّبعيض لإخراج المظالم عن حيِّز الإرادة، فقد غفل عمَّا قدَّمه.

{وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} قد سمَّاه الله تعالى وبيَّنَ مقداره، وقضى أن يبلِّغكم إليه إن آمنتم، وإلَّا عاجلكم بالإهلاك قبل ذلك الوقت.

{قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} لا فضلَ لكم علينا، فَلِمَ تُخَصُّون بالنُّبوَّة دوننا، ولو شاء الله تعالى أن يبعث إلى

(3)

البشر لبعثَ من جنسٍ أفضل.

{تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} بهذه الدَّعوى.

(1)

في هامش (ف): "إتيانه هذا الفول بصيغة التمريض يدل على أنه لا يرتضيه، فليس ذلك للغفول".

(2)

في (م): "أن يكون هاهنا".

(3)

"إلى" سقط من (ت).

ص: 432

{فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} يدلُّ على فضلكم واستحقاقكم لهذه

(1)

المزيَّة، أو على صحَّة دعواكم، وقد جاءت رسلهم بالبيِّنات والحُجَج فلم يعتدُّوا بها مكابرةً وعنادًا، واقترحوا عليهم غيرها تعنُّتًا ولجاجًا.

* * *

(11) - {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .

{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} تسليمٌ للمماثلة في البشريَّة.

{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} إثبات للمزيَّة بمحضِ الامتنان والعناية، لا لفضلٍ لهم يقتضي ذلك؛ تواضعًا منهم وهضمًا لأنفسهم، فلا دلالة فيه على عدم التفاوت بين أفراد البشر في الاستعداد والاستحقاق

(2)

للرِّسالة، وقد دلَّ قولُه تعالى:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] على التَّفاوت فيه، ولا إيجاب بحسَبه حتى ينافيَ الاختيار.

{وَمَا كَانَ} : وما

(3)

صحَّ {لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} : إلَّا بتيسيره؛ أي: ليس إلينا الإتيان بما اقترحتُموه، إنما هو أمرٌ متعلِّقٌ بمشيئة الله تعالى، فيَخص كلَّ نبيٍّ بنوعٍ من الآيات.

{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} تعميمٌ قصدوا به تخصيص أنفسهم على

(1)

في (ف) و (م): "بهذه".

(2)

في (ف) و (ك): "أفراد البشر في الاستحقاق".

(3)

في (م) و (ك): "ما".

ص: 433

وجه الأوَّلويَّة والأوليَّة

(1)

، وإشعارٌ بأنَّ قضية الإيمان وجوب التَّوكُّل على الله تعالى، فأمروا المؤمنين كلَّهم به، والمراد أمرهم أنفسهم.

وفيه نزولٌ عن حقِّهم وتواضع وهضمٌ لأنفسهم، حيث نزلوا إلى مراتب آحاد المؤمنين، ومبالغةٌ في وجوبه عليهم، كأنّهم قالوا: ومنْ حقِّنا أن نتوكَّل على الله في الصَّبر على معاندتكم ومعاداتكم، فإنَّ ذلك حقُّ كلِّ مؤمن، فكيف بالأنبياء؟!

* * *

(12) - {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} .

ألا ترى إلى قولهم: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ} ؛ أي: وأيُّ عذرٍ لنا في أنْ لا نتوكَّل عليه.

{وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} وقد فعل بنا ما يوجب توكُّلَنا عليه، وهو التَّوفيق لهداية كلٍّ منا سبيلَه الذي يجب عليه سلوكُه في الدِّين حتى عرَفه وعلم أنَّ الأمر كلَّه بيده.

{وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا} جواب قسم محذوف أكَّدوا به توكُّلهم على الله تعالى فيما يجري عليهم من إيذاء الكفار، وعدمَ مبالاتهم على سبيل الاعتراض.

{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} تكرير الأمر بالتَّوكُل؛ للتَّأكيد، ووجوبِ الثَّبات عليه بعد استحداثه، والفاء للسَّببية

(2)

في الموضعَيْن لأنّه مسبَّب عن الإيمان.

* * *

(1)

"والأولية" ليست في (ف).

(2)

في (ف) و (م): "السببية".

ص: 434

(13) - {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} .

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} .

حلفوا ليكونَنَّ أحدُ الأمرين: إما إخراجكم من دياركم، وإما عودكم في ملتهم، وقد مرَّ في تفسير سورة الأعراف ما تعلَّق بـ (عاد)

(1)

.

{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} أي: إلى

(2)

الرُّسل عليهم السلام.

{لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} أُجري الإيحاءُ مُجرى القول لأنَّه ضربٌ منه، فلا حاجة إلى إضمار القول، وقرئ: {لَيُهْلِكَنَّ الظالمين وليُسْكِننَّكم الأرض) بالياء

(3)

اعتبارًا لـ {فَأَوْحَى} ، كقوله: أَقْسم زيد ليَخْرجنَّ.

* * *

(14) - {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} .

{وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ} أي: أرضَهم وديارَهم.

{مِنْ بَعْدِهِمْ} : من بعد إهلاكهم، كقوله:{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف: 137]، وعن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"من آذى جارَه ورَّثَهُ اللهُ دارَه"

(4)

.

(1)

عند تفسير قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} .

(2)

"إلى"سقط من (ف).

(3)

نسبت لأبي حيوة. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68).

(4)

انظر: "الكشاف"(2/ 545)، وقال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: 92): لم أجده.

ص: 435

{ذَلِكَ} إشارةٌ إلى الموحى به، وهو إهلاك الظَّالمين وإسكان المؤمنين ديارَهم؛ أي: ذلك الأمر حقٌّ {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} ، أي: موقفي الذي يُوقَف فيه العباد للحساب يوم القيامة؛ لأنّه موقف الله تعالى، أو: قيامي عليه وحفظي لأعماله، أو على إقحام المقام

(1)

.

{وَخَافَ وَعِيدِ} أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابه الموعود للكفَّار.

* * *

(15) - {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} .

{وَاسْتَفْتَحُوا} : وطلبوا الفتح، واستنصروا الله على أعدائهم، أو سألوا القضاء بينهم، من الفتاحة وهو الحكومة، كقوله:{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 89]، وهو معطوف على (أوحى إليهم ربهم).

وقرئ: (واسْتَفْتِحُوا) على لفظ الأمر

(2)

، عطفًا على {لَنُهْلِكَنَّ} أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم: استفتِحوا، والضمير للأنبياء عليهم السلام، وقيل: للكفرة، وقيل: للفريقَيْن؛ فإنَّ كلَّهم سألوه أن ينصر المحِقَّ ويُهلك المبطِل.

{وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} منهم، أي: من المستفتِحين، معطوف على محذوفٍ تقديره: ففتح لهم فأفلح المؤمنون وخاب كلُّ جبَّار عنيدٍ متكبِّر على الله تعالى معاندٍ للحقِّ فلم يفلح.

والخيبةُ: إخلافُ ما قدَّرْتَه من المنفعة، ومقابلُه النَّجاح: وهو إدراك الطَّلِبة.

(1)

أي: لمن خافني. انظر: "البحر المحيط"(13/ 145).

(2)

نسبت لابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وابن محيصن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68).

ص: 436

والعنيد: هو المعاند، إلَّا أنَّ فيه مبالغة، والعناد: الامتناع من الحقِّ مع العلم.

ومعنى

(1)

الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلتين كان أَوْقَعَ.

* * *

(16) - {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} .

{مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} أي: من بين يديه وهو واقف عليها؛ قال الزَّجَّاج: الوراء: ما توارى عنك

(2)

. ولهذا قد يطلق على الخَلف كما في قولهم: قال الجدار للوَتَد: لِمَ تشقُّني؟! قال: سَلْ مَنْ يدقُّني، فإن ما ورائي مَن لا يتركني ورائي

(3)

.

وقد يطلق على القُدَّام كما في قوله:

أَيَرْجُو بنو مَروانَ سَمْعِي وطَاعَتِي

وقوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ ورائِيا

(4)

(5)

وليس من الأضداد.

{وَيُسْقَى} معطوف على محذوفٍ، تقديره: يدخلها ويُسقى.

(1)

في (ف): "ومنه معنى".

(2)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (3/ 156).

(3)

"من لا يتركني ورائي" سقط من (ف). وعبارة الزمخشري في "الكشاف"(4/ 189) تفسير فصلت: ( .. اسأل من يدقني فلم يتركني، وراءِ الحجر الذي ورائي)، أي: وانظر الحجر الذي يدقني من خلفي.

(4)

في مصادر التخريج: "ورائيا".

(5)

نسب البيت لسوار بن المضرَّب في "الكامل" للمبرد (2/ 268)، و"الأضداد" للأصمعي (ص: 20)، ونسب لمساور بن حمئان من بني ربيعة في "مجاز القرآن"(2/ 280).

ص: 437

{مِنْ مَاءٍ} التَّنكير للتَّنويع، أي: نوع من الماء غير معهود سقيه. قال مجاهد وغيره: هو ما يسيل من أجساد أهل النَّار

(1)

.

{صَدِيدٍ} : هو قيح؛ أي: دم مختلط بمِدَّةٍ

(2)

يسيل من الجرح، عطفُ بيان لـ {مَاءٍ} ، فأبهمه إبهامًا، ثم بيَّنه بـ {صَدِيدٍ} ، وخصَّه مِن بين أنواع العذاب بالذِّكر إيذانًا بأنَّه أشدُّ عذابها

(3)

، ولشدَّته قال:

(17) - {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} .

{يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} للمبالغة، أي: يتكلَّف جرعه ولا يقارب أن يُسيغه، فكيف بالإساغة؟ بل يغصُّ به فيطول عذابه.

والسَّوغ: جواز الشَّراب على الحلق بسهولة وقَبولِ نَفْسٍ.

والتَّجرع: تناوله جرعةً جرعةً على الاستمرار، ويلزمه التَّكلُّف فيه، وما جاء في الحديث بأنه يشربه محمولٌ على ذلك

(4)

.

وقوله: {يَتَجَرَّعُهُ} صفةُ الماء، أو حال من الضَّمير في {وَيُسْقَى} .

(1)

رواه الطبري في "تفسيره"(13/ 119) عن مجاهد وقتادة والضحاك.

(2)

"بمدة" من (م).

(3)

في (ف): "عذابا".

(4)

يريد ما رواه الترمذي (2583) عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:{وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ} قال: "يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أُدني منه شَوَى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطَع أمعاءه حتى تخرج من دُبره، يقول الله: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15] ويقول: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} [الكهف: 29] ". قال: حديث غريب.

ص: 438

{وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ} ؛ أي: أسبابُه مع الشدائد.

{مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} فيحيط به جميع الجهات، ففيه إطلاق المكان على الجهة تنصيصًا على أنَّ المراد أسباب العذاب الجسماني لا أسباب

(1)

العذاب الرُّوحاني، وذلك لأنَّ الجهة قد تُوُسِّعَ فيها توسعًا شائعًا بخلاف المكان.

وقيل

(2)

: من كلِّ مكانٍ من جسده، حتى من أصول شعره وإبهام رجله.

{وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} ؛ أي: ليس ممَّنْ فقدَ

(3)

الحسَّ والشُّعور حتى لا يتألَّمُ، والتَّجوُّز عنه بالميت سائغ شائع في كلام الفصحاء، وقد حسُن هاهنا موقعه؛ لِمَا في ظاهره من الإبهام إلى أنَّ موجب ما ذكر من مجيء أسباب الموت من جميع الجهات هو أن يكون ميتًا.

ومَن حمل الميت على حقيقته فقد نزَّل الكلام عن منزلته، والمناسب لإرادة

(4)

الحقيقة إيراده بصيغة المضارع، كما ورد في قوله تعالى:{لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [الأعلى: 13].

{وَمِنْ وَرَائِهِ} : من بين يديه {عَذَابٌ غَلِيظٌ} في كلِّ وقت يستقبله؛ أي: يتلقَّى عذابًا أغلظ ممَّا كان قبله، ففيه دفع ما يسبق

(5)

إلى الوهم من أن يخفَّف عذابهم بالاعتياد، كما هو المعهود من عذاب أهل الدُّنيا.

* * *

(1)

في (ك): "أسماء".

(2)

"وقيل" من (م).

(3)

في (م): "فاته" وفي (ك): "ليس له".

(4)

في (ف) و (ك): "لإيراد".

(5)

في (ف): "سبق".

ص: 439

(18) - {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} .

{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} مبتدأٌ خبره محذوف؛ أي: فيما يُتلَى عليكم، والمثَلُ مستعارٌ للصفَّة التي فيها غرابة.

{أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} جملة مستأنفة لبيان مَثَلهم.

وقيل: {أَعْمَالُهُمْ} بدل من المثل، على تقدير: مَثَلُ أعمالهم، والخبر {كَرَمَادٍ} ، ويجوز أن يكون الخبر هذه الجملة، كما ذُكر في قوله:{مَثَلُ الْجَنَّةِ} [الرعد: 35]؛ أي: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك: صفةُ زيد عِرضُه مصون وماله مبذول؛ أي: هذا الكلام.

{اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} ؛ أي: حملته وأسرعَتْ في الذَّهاب به

(1)

.

الاشتدادُ: الإسراعُ بالحركة على عظم الحقوة

(2)

، ومنه اشتدَّ به الوجع لأنَّه

(3)

أسرع إليه على قوَّةِ ألمٍ.

{فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} العصفُ: شدَّةُ الرِّيح، وصف به زمانه للمبالغة، كقوله: نهارُه صائمٌ وليلُه قائم.

شبَّه مكارمهم؛ من صلة الأرحام، وعتق الرِّقاب، وفداء الأسارى، وإكرام الضِّيفان، وإغاثة الملهوفين، والإجارة، وأمثالِها، في حبوطها وكونِها هباءً منثورًا -

(1)

"به" من (م).

(2)

لم أجد من ذكره.

(3)

في (ف): "أنه".

ص: 440

لعدم ابتنائها على اعتقادٍ صحيحٍ من المعرفة والتَّوحيد والإيمان بالله تعالى وبرسوله عليه السلام وباليوم الآخر - برمادٍ يَسفيه

(1)

الرِّيح العاصف.

{لَا يَقْدِرُونَ} يوم القيامة {مِمَّا كَسَبُوا} بأعمالهم.

{عَلَى شَيْءٍ} التَّنكير للتَّقليل، والتعبير بالشَّيء للتَّحقير؛ أي: لا يترتَّب عليه أثر من الثَّواب وتخفيف العذاب؛ لحبوطه، وهو فذلكةُ التَّمثيل.

{ذَلِكَ} إشارة إلى ضلالهم، وهو ابتناءُ أعمالهم على الشَّرك والتَّفاخر والرِّياء.

{هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} عن طريق الحقِّ والصَّوابِ، أو عن الثَّواب والخلاص عن العقاب.

* * *

(19) - {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} .

{أَلَمْ تَرَ} خطاب لكلِّ واحدٍ من الكفرة على التلوين لقوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} ، أو لكلِّ مخاطب على العموم، وفيه تعجيب.

{أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} : بالحكمة، وما يجب ويحقُّ أن يكون الأمرُ عليه.

{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} ؛ أي: مَنْ هو قادر على خلق السَّماوات والأرض، فهو قادر على أن يُعْدمكم ويخلقَ مكانكم خلقًا آخر، ولم يتوقف إلَّا

(1)

في (ف): "يسفها"، وفي (م):"نسفها".

ص: 441

على مشيئته، فإنَّ

(1)

القدرةَ على خلق الأصول وما يتوقَّف عليه خلقُهم، ثم تغيير

(2)

الطبائع وتكوينهم منها وتصويرهم، دليل قاطعٌ على أنَّ إعدامهم وإنشاءَ خلق آخر غيرُ ممتنعٍ عليه، ولذلك عقَّبه بقوله:

(20) - {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} .

{وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} : بمتعذِّر أو متعسِّر، بل هو هيِّن عليه يسير؛ لأنّه قادر لذاته، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومَن هذا شأنه كان حقيقًا بأن يُتَّقَى ويُخاف ويُرْجَى ولا يُعْبَد إلَّا هو وحدَه.

* * *

(21) - {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} .

{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} ؛ أي: يَبرزون له تعالى يوم القيامة من قبورهم لحساب الله تعالى وحُكمه، أو: يظهرون لله تعالى بأعمالهم وما كسبوا على خلاف ما حَسِبوا؛ لأنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ظنًّا منهم أن ذلك خافٍ على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشف غطاؤهم، وعلموا أن لا يخفى على الله تعالى منهم شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يتوارى عنه متوارٍ حتى ذرَّات الهباء، فذلك بروزهم عند أنفسهم بعد ما اعتقدوا خلافه، كقوله:{فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]، لا أنهم كانوا خافِين عليه فبرزوا في ذلك اليوم؛ إذ لا يخفى عليه

(1)

في (م): "وأن".

(2)

في (ف) و (م): "تفسير".

ص: 442

خافيةٌ وقتًا مّا، وإنما أُبرز يَبرزون في صيغة {وَبَرَزُوا} ، لتحقق وقوعه، كأَنّه قد وقع وأُخبر عنه.

{فَقَالَ الضُّعَفَاءُ} : الأتباع

(1)

والعوامُّ، جمع ضعيف.

قيل: يريد به ضِعاف الرأي. ولا دلالة عليه في الكلام، ولا هو مما يقتضيه المقام.

وإنما كتبت بالواو على لفظِ مَن يفخِّم الألف قبل الهمزة فيُميلها إلى الواو.

{لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} : لرؤسائهم الذين استتبعُوهم

(2)

واستغَوْوهم.

{إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} في تكذيب الرُّسل، والإعراضِ عن نصائِحهم، وهو جمع تابعٍ، كخدم وخادم، أو مصدرٌ نُعت به للمبالغة، وإضمارُ المضاف في مثل هذا لا يناسب البلاغة.

والظاهر أن هذه المحاورة كمحاورة آل فرعون المذكورة في قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} إلخ [غافر: 47]، في النار لا في المحشر، فترتُّب قوله:{فَقَالَ} على المحذوف، لا على المذكور.

{فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا} استفهام معناه توبيخهم إيَّاهم وتقريعُهم، وقد علموا أنهم لن يغنوا شيئًا.

{مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} {مِنْ} الأولى للبيان واقعة موقع الحال، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول به؛ أي: بعضَ شيء هو عذاب الله؛ أي: كائنًا عذاب الله

(3)

.

(1)

في (ف) و (م): "والأتباع".

(2)

تحرفت في (ف) إلى: "استعتبوهم".

(3)

"أي كائنًا عذاب الله" من (م).

ص: 443

أو كلاهما للتَّبعيض؛ أي: بعضَ شيء هو بعض عذاب، وتقديره: بعضَ شيء كائنًا بعضَ عذاب الله، فيكون الإعراب بحاله.

أو الأولى مفعول والثانية مصدر؛ أي: بعضَ العذاب بعضَ الإغناء

(1)

.

{قَالُوا} ؛ أي: المستكبرون لمَّا بكَّتهم أتباعُهم بما ذكر، وعلموا أنَّهم لا يقدرون على شيء من الإغناء، أجابوهم معتذرين إليهم عمَّا كان منهم:

{لَوْ هَدَانَا اللَّهُ} للإيمان، وفَّقنا له {لَهَدَيْنَاكُمْ} ولكنْ ضللنا فأَضللنا؛ أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، أو: لو هدانا الله طريق النَّجاة من العذاب لهديناكم وأغنينا عنكم كما عرَّضناكم له، ولكن سُدَّ دوننا

(2)

سبيلُ الخلاص.

{سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} مستويان عندنا الجزَع والصَّبر، الهمزة و {أَمْ} لتأكيد التَّسوية، كما في قوله:{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6].

ولمَّا كان عتاب الأتباع جزعًا عمَّا هم فيه قالوا لهم: ما هذا

(3)

الجزع؟ إنَّا مشتركون في العذاب كما كنَّا مشتركين في الضَّلالة، ولا ينفعا الجزع كما لا ينفعنا الصبر

(4)

.

والجزعُ: إزعاجُ النَّفس بورود ما يغمُّ، ونقيضه الصَّبر، قال الشاعر:

فإنْ تَصْبرا فالصَّبرُ خيرُ مغبَّة

(5)

وإنْ تَجْزعا فالأمرُ ما ترَيان

(6)

(1)

في (م): "الغناء".

(2)

في (ف) و (ك): "سددونا"، وفي (م):" ددنا"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 197).

(3)

في (م): "هذه".

(4)

"كما لا ينفعنا الصبر" من (م).

(5)

في (ك): "بغية".

(6)

. . . و"محاضرات الأدباء"(2/ 525). [تعليق الشاملة: سقط أول الهامش من المطبوع]

ص: 444

{مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} : مَنْجًى ومهربٍ من العذاب، من الحَيْص: وهو العدول على جهة الفِرار؛ إمَّا اسم مكان كالمبيت والمصِيف، أو مصدر كالمغيث والمشيب.

* * *

(22) - {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

{وَقَالَ الشَّيْطَانُ} خطيبًا في الأشقياء من الثَّقلَيْن {لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} : قُطع وفرغ منه، وهو الحساب، ودخل أهلُ الجنَّةِ الجنّةَ وأهلُّ النَّارِ النَّارَ.

{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} وعدًا حقًّا لا خُلف فيه، فوفَّى لكم وأنجزه، وهو البعث والجزاء.

{وَوَعَدْتُكُمْ} وعدَ الباطل، وهو أنْ لا بدثَ ولا حسابَ، وإنْ كانا فالأصنام تشفع لكم.

{فَأَخْلَفْتُكُمْ} جعل تبيُّنَ خلافَ ظاهر ما وعدهم إخلافًا، حُذف من الجملة الأولى ما أُثبت مقابِلُه في الجملة الثانية، ومن الثانية ما أُثبت مقابلُه

(1)

في الأولى، وهذا من لطائف الإيجاز، التي بها يرتقي الكلام إلى ذروة الإعجاز.

{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} : من تسلُّط وقسر فأُلجئكم إلى الكفر والمعاصي.

(1)

قوله: "في الجملة الثانية ومن الثانية ما أثبت مقابله" ليس في (م)

ص: 445

{إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ} : إلَّا دعائي إيَّاكم إلى الضَّلالة بوسوستي وتسويلي، وهذا الاستثناء على طريقة قوله:

تحيَّةُ بينِهم ضربٌ وَجيعٌ

(1)

لأنَّ الدُّعاء ليس من جنس السُّلطان، بل المرادُ نفي السُّلطان على آكَدِ الوجوه، كأنَّه قال: إنْ كانَ مجرَّد الدُّعاء سلطانًا كانَ لي عليكم سلطان.

{فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} : أسرعتُم إجابتي {فَلَا تَلُومُونِي} بوسوستي وإضلالي.

وقرئ: (فلا يلوموني)

(2)

، على طريقة الالتفات، كقوله:{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22].

{وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} حيث اغتررتم بمجرَّد دعائي بلا حجَّة ودليل، فأطعتموني ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم على حُجَجٍ وبيِّنات.

لم يُرِد أنَّه

(3)

لا يستحقُّ الملامَة، بل يقول: لومُكم أنفسكم أولى بكم؛ إذ أنتم أهلكتم أنفسكم بإجابتكم لي طوعًا.

ولا دلالة فيه على استقلال العبد في أفعاله؛ إذ يكفي في استحقاقه الملامةَ أن

(1)

عجز بيت لعمرو بن معدي كرب، كما في "النوادر" لأبي زيد (ص: 150). وهو كثير الدوران في التفاسير والحواشي التي تعنى بالمعاني كـ"الكشاف" و"المحرر الوجيز" و"البحر"، و"فتوح الغيب" و"نواهد الأبكار" و"حاشية الشهاب"، و"روح المعاني"، وصدره:

وخيلٍ قد دلفتُ لها بخيل

(2)

نسبت لمبشر بن عبيد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68).

(3)

في (ف): "لأنَّه".

ص: 446

يكون لقدرته الكاسبة مدخلًا فيه

(1)

، ومَن قال

(2)

: وهذا دليل على أنَّ الإنسان هو الذي يختار الشَّقاوة والسَّعادة ويحصِّلهما لنفسه، وليس من الله إلَّا التَّمكين، ولا من الشَّيطان إلَّا التَّزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبِرة

(3)

لقال: فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإنَّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه= فقد خلَّط في كلامه، وخَبط في تمشية مرامه؛ فإنَّ ما ذكره أوَّلًا يساعده

(4)

فيه أهل الحقِّ، وما ذكره ثانيًا وهو مذهب الباطل لا يساعده الشَّيطان أيضًا، وقد نبَّهْت فيما سبق على أنَّه لا دلالة في كلامه عليه، وما ذكره أخيرًا إنَّما يتَّجه على الجبريَّة، لا على أهل الحقِّ القائلين: لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين ذلكَ.

{مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} : بمغيثِكم من العذاب {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} : بمغيثيَّ منه.

وقرئ بكسر الياء

(5)

، وقد طعن ناسٌ فيه، ولا ينبغي أن يُلتَفَتْ إليه؛ لأنَّها قراءةٌ متواترة، نقلَها السَّلف واقتفى آثارَهم الخلف، وقد نصَّ قُطْربٌ

(6)

على أنَّه لغةُ بني يربوع.

(1)

أي: في فعله. انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 197)، وفيه:(واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله، وليس فيها ما يدل عليه، إذ يكفي لصحتها أن يكون لقدرة العبد مدخل ما في فعله وهو الكسب الذي يقوله أصحابنا).

(2)

هو الزمخشري في "الكشاف"(2/ 550).

(3)

يعني: أهل السنة الملقبين عند الزمخشري بالمجبرة، وهو مبني على عدم الفرق عنده بين مذهبهم وبين مسلك المجبرة في الحقيقة. انظر:"روح المعاني"(13/ 264). وسيأتي التفريق بينهما قريبًا.

(4)

في (ف): "ساعده".

(5)

قرأ بها حمزة. انظر: "التيسير"(2: 134).

(6)

انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب (1/ 404)، و"تفسير القرطبي"(12/ 130)، وحاشية الطيبي على "الكشاف" المسماة:"فتوح الغيب"(10/ 151).

ص: 447

{إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} (ما) مصدرية، و {مِنْ قَبْلُ} متعلِّق بـ {أَشْرَكْتُمُونِ}؛ أي: كفرت اليوم بإشراككم إيَّايَ بالله من قبل هذا اليوم في الدُّنيا، بمعنى: بَرِئْتُ منه واستنكرته، كقوله:{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} .

أو موصولة و {مِنْ قَبْلُ} متعلِّق بـ {كَفَرْتُ} ، و (ما) هذه كالتي في قوله: سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا؛ أي: كفرْتُ بالذي أشركتُمونيه - وهو الله تعالى - بطاعتكم فيما دعوتُكم إليه من عبادتكم الأصنام وغيرها من قبل إشراكِكم، حيث أبيتُ السُّجود لآدم.

وأشركَ: منقولٌ مِنْ شركْتُ زيدًا؛ للتَّعدية إلى مفعول ثان.

{إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تتمَّة كلامه، أو ابتداء

(1)

كلامٍ من الله تعالى، وفي حكاية قول إبليس في ذلك الوقت إيقاظ للسَّامعين، وتنبيه لهم على ما سيَؤول إليه أمرهم؛ ليحترِزوا اليومَ عن مكائده، ويتعوَّذوا الله تعالى من تسويلاته، ويُخلصوا فيتخلَّصوا

(2)

عن تسليطه.

* * *

(23) - {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} .

{وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} متعلِّق بـ {وَأُدْخِلَ} ؛ أي: أدخلتْهم الملائكة الجنّةَ بإذن الله تعالى

(1)

في (م): "أو مبتدأ".

(2)

"فيتخلصوا" سقط من (ف).

ص: 448

وأمره، أو بـ {خَالِدِينَ} ، وهذا متعيِّن على قراءة:(وأُدْخِلُ) على المتكلِّم

(1)

، وقد مَرَّ في سورة التوبة

(2)

ما يتعلَّق بـ {خَالِدِينَ} .

{تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} ؛ أي: تحيَّة بعضهم بعضًا، قال تعالى:{تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ} يعني: في الجنَّة {سَلَامٌ} [إبراهيم: 23]، وأمَّا تحيَّة الملائكة فلا يناسبها التَّقييد بقوله:{فِيهَا} ؛ لوقوعها من خَزَنة الجنَّة - وهم من الملائكة - قبل الدَّخول فيها، قال تعالى:{وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].

* * *

(24) - {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} .

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} قد تقدَّم الكلام فيه في أوائل سورة البقرة.

{كَلِمَةً طَيِّبَةً} بدلٌ من {مَثَلًا} {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} صفةٌ لها أو خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي كشجرة، أو منصوبٌ

(3)

بفعل مقدَّر؛ أي: جعل كلمةً طيِّبة كشجرة طيِّبة، والجملة مفسِّرة لقوله:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} ، أو أوَّلُ مفعولَيْ {ضَرَبَ} ، و {مَثَلًا} ثانيهما، إجراء لـ {ضَرَبَ} مُجرى: جَعَل.

وقرئ: (كلمةٌ) بالرَّفع على الابتداء

(4)

.

(1)

نسبت للحسن وعمرو بن عبيد. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 72)، و"المحتسب"(1/ 361).

(2)

"في سورة التوبة" من (م).

(3)

في (ف): "منصوبة".

(4)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 198)، و"البحر المحيط"(13/ 169).

ص: 449

{أَصْلُهَا ثَابِتٌ} في الأرضِ، ضاربٌ بعروقه فيها.

{وَفَرْعُهَا} ؛ أي: أعلاها ورأسُها، أو: فروعُها؛ أي: أفنانها، على الاكتفاء بالجنس لاكتسابه الاستغراقَ من الإضافة.

{فِي السَّمَاءِ} ؛ أي: صاعدٌ في جهة العلوِّ، حُذف من الجملة الأولى ما أُثبت مقابِلُه في الجملة الثانية، ومن الثانية ما أُثبت مقابله في الأولى

(1)

.

وعبارة {فِي} أبلغ من (إلى) إذا أريد

(2)

المبالغة في الارتفاع.

وقرئ: (ثابتٍ أصلُها)

(3)

، والأوَّل على أصله، ولذلك قيل: إنه أقوى؛ لأن المخبَر عنه بالأصالة هو الأصل لا الشجرة، وإذا أجربت الصفة على الشجرة كان القصد إلى ثبوت الشجرة بأصلها، فلم تقوَ قوتَها حين كانت جملةً واقعة صفتَها، ولكن على الثَّاني هو جارٍ على ما هو له، فهو أقوى في إثبات ما هو له، وهو ظاهر إذا كان المقصود إثباتَ الوصف على سبيل القوَّة كما نحن فيه.

* * *

(25) - {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .

{تُؤْتِي أُكُلَهَا} : تعطي ثمرتها {كُلَّ حِينٍ} : كلَّ وقتٍ.

(1)

في هامش (م): "كما مر في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ} إلخ، وقد مرَّ بيانه في هذه السورة. منه".

(2)

في (ف): "أريد به".

(3)

نسبت إلى أنس بن مالك رضي الله عنه. انظر: "المحتسب"(1/ 362)، و"الكشاف"(2/ 553).

ص: 450

قد وردَ في الخبر عن خير البشرِ أنَّ المرادَ من الشجرة هي النَّخلة

(1)

، أُكلُها الطَّلع والبُسْر والرُّطَب والتَّمر فهو دائم لا ينقطع، وكذا حال المؤمن لا يخلو وقتًا مِن الأوقات مِن خيرٍ.

ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: كلَّ وقتٍ وقَّته

(2)

اللهُ لإثمارها.

{بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} : بتيسير خالقها ومدبِّرها.

{وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ؛ لأنَّ في ضربها زيادةَ إفهامٍ

(3)

، وتصويرًا

(4)

للمعاني في صُوَرٍ مشاهدةٍ، وإدناءً للمعقولِ مِنَ المحسوس.

* * *

(26) - {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} .

{وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ} : كمَثَل شجرة {خَبِيثَةٍ} ؛ أي: صفتُها كصفتها.

{اجْتُثَّتْ} : استؤصلت. والاجتثاثُ: أخذُ الجثَّة بالكليَّة.

{مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ} لأن عروقها قريبة منه.

{مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} : استقرارٌ وثبات.

اختلفت كلماتهم في الكلمة؛ ففسِّرت الكلمة الطَّيبة بكلمة التَّوحيد ودعوةِ الإسلام والقرآن، والكلمةُ الخبيثة بالإشراك بالله تعالى والدُّعاء إلى الكفر وتكذيبِ الحق.

(1)

رواه البخاري (61)، ومسلم (2811)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(2)

في النسخ: "وقتها"، والمثبت من "الكشاف"(2/ 553)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 198).

(3)

في (ف): "إفهامها".

(4)

في (م): "وتصوير".

ص: 451

والأَولى أن يُفسَّر كلٌّ منهما بما يَعمُّ الكلَّ، فيقالُ: الكلمة الطَّيبة: ما أَعرب عن حقٍّ أو دعا إلى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك.

وقد مرَّ تفسير الشجرة الطَّيبة، وفُسِّرت الشجرة الخبيثة بالحنظلة.

* * *

(27) - {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} .

{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} الذي ثبَتَ

(1)

بالحجَّة عندهم، وتمكَّن في قلوبهم واعتقدوا اعتقادًا يمتنع

(2)

زواله.

{فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وتثبيتُهم به في الدنيا: أنهم إذا افتُتنوا

(3)

في الدِّين لم يزلُّوا؛ كزكريا ويحيى وجرجيسَ وشمعونَ والذين فتَنهم أصحاب الأخدود.

{وَفِي الْآخِرَةِ} وتثبيتُهم فيها: أنهم إذا سئلوا عن معتقَدهم في الموقف لم يَتلعثموا ولم تدهشهم أهوال القيامة.

وقيل: معناه: الثبات عند سؤال القبر، وروي

(4)

فيه الخبر المرفوع

(5)

.

{وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} : الذين ظلموا أنفسهم بالاقتصار على التَّقليد، فلا يهتدون إلى الحقِّ، ولا يَستثبتون

(6)

في مواقف الفتن.

(1)

في (ف): "تثبت".

(2)

في (ك): "يمنع".

(3)

في (ك): "فتنوا"، وفي (م):"أفتنوا".

(4)

في (ك) و (م): "ورد".

(5)

رواه البخاري (1369)، ومسلم (2871)، من حديث البراء رضي الله عنه.

(6)

في (م): "يتثبتون".

ص: 452

{وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} مِنْ تثبيتِ بعضٍ بالهداية، وإذلالِ آخرين بالإضَّلال

(1)

، من غير اعتراض عليه.

* * *

(28) - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} .

{أَلَمْ تَرَ} : ألم تنظر {إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} ؛ أي: شكرَ نعمةِ اللهِ {كُفْرًا} بأنْ وضعوه مكانه، أو: بدَّلوا نفسَ

(2)

نعمةَ الله كفرًا؛ فإنَّهم لَمَّا كفروها سُلِبَتْ

(3)

منهم، فصاروا تاركين لها، محصِّلين الكفر بدلها، كأهل مكَّة؛ خلقهم الله تعالى، وأسكنهم حرَمه، وجعلهم قوَّام بيته، ووسَّع عليهم أبواب رزقه، وشرَّفهم بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، فكفروا ذلك، فقُحِطوا سبع سنين، وأُسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا أذلَّاء مسلوبين النِّعمةَ موصوفين بالكفر.

{وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ} الذين تابعوهم في الكفر {دَارَ الْبَوَارِ} : دار الهلاك بحملهم على الكفر.

* * *

(29) - {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} .

{جَهَنَّمَ} عطف بيان لها {يَصْلَوْنَهَا} حال منها، أو من القوم؛ أي: داخلين فيها مُقاسين لحرِّها، أو مفسِّرةٌ لفعلٍ مقدَّر ناصبٍ لـ {جَهَنَّمَ} .

(1)

في (ف): "بالضلال".

(2)

"نفس" من (م).

(3)

في (ف) و (ك): "وسلبت".

ص: 453

{وَبِئْسَ الْقَرَارُ} المخصوصُ بالذَّم محذوف، تقديره: وبئس القرارُ

(1)

هيَ: أي: جهنَّم.

* * *

(30) - {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} .

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} الذي هو التَّوحيد

(2)

. وقرئ: {لِيُضِلُّوا} بفتح الياء

(3)

.

جعل الضلال أو الإضلال غرضَهم من اتِّخاذ الأنداد على سبيل التَّشبيه والتَّقريب؛ لأنَّه لازِمُه ونتيجتُه، كالإكرام الذي هو نتيجةُ المجيء في قولك: جئْتُكَ لتكرمَني، فأُدخل عليه اللام وإن لم يكن غرضًا في الحقيقة.

{قُلْ تَمَتَّعُوا} بشهواتكم، أو: بعبادة الأوثان؛ فإنها من قبيل الشَّهوات التي يُتمتَع بها.

وفيه تهديدٌ بليغٌ؛ جعلَ انهماكهم في الشَّهوات وتهالُكهم على الشِّرك واللَّذات كامتثال مأمورٍ مطيعٍ لأمرِ آمِرٍ

(4)

مُطاعٍ، لا يسعُه أن يخالفَه، ولا يملك لنفسه أمرًا دونه؛ لانغماسهم في التَّمتُع بها، وانجذابهم إليها، بحيث لا يعرفون غيره، ولا يريدون سواه، ولا يرفعون رأسًا إلى ما عدَاه، فقيل:{تَمَتَّعُوا} على لفظ الأمر.

(1)

"المخصوص بالذم محذوف تقديره وبئس القرار" سقط من (م).

(2)

"التوحيد": زيادة من (م).

(3)

قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: "التيسير"(ص: 134).

(4)

في (ف) و (ك): "لآمر آخر".

ص: 454

وفي قوله: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} إيذانٌ بأنَّ المهدَّد به

(1)

كالمطلوب لهم، حتى جُعل المتهدَّد عليه المستلزِمُ له كالمطلوب منهم لجِدِّهم فيه، كأنه

(2)

قيل: جِدُّوا ولا تقصِّروا فيه فإنَّكم إنْ داومتُم عليه فإنَّ مطلوبكم حاصلٌ، ولا يخفى ما فيه من التَّهكُّم مع شدَّة الوعيد.

* * *

(31) - {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} .

{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} تخصيصُهم بالإضافة إلى نفسه تنويهٌ لهم، وتنبيهٌ على أنهم هم القائمون بحقوق العبوديَّة، ولهذا رتَّب إقامتهم الصَّلاةَ وإنفاقَهم على الأمر جوابًا له، فقال:

{يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} إيذانًا بأن فعلهم لا ينفكُّ عن أمر الرَّسول؛ لفرط مطاوعتهم له، وتحقُّق عبوديتهم لله تعالى، وأنَّه كالسَّبب الموجِب لفعلهم.

ومفعولُ {قُلْ} محذوفٌ دلَّ عليه جوابه؛ أي: قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا، وقيل: المقول {يُقِيمُوا .. وَيُنْفِقُوا} ، بمعنى: ليُقيموا وينفقوا، وإنما جاز حذف لام الأمر لدلالة الأمر عليه.

{سِرًّا وَعَلَانِيَةً} نصبًا على الحال؛ أي: ذوي سرٍّ وعلانية، بمعنى: مسرِّين ومعلِنين، أو على الظَّرف؛ أي: وقتي سرٍّ وعلانية، أو على المصدر؛ أي: إنفاقَ سرٍّ وعلانية.

(1)

"به" سقط من (ف).

(2)

في (م): "فكأنه".

ص: 455

والأحبُّ في الإنفاق إخفاءُ المتطوَّع به والإعلان بالواجب.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} فيبتاعَ المقصِّر ما يتدارك [به] تقصيره، أو

(1)

يفتدي به نفسَه.

{وَلَا خِلَالٌ} : ولا

(2)

مخالَّة، فيشفعَ له خليل.

أو: من قبل أن يأتي يوم لا انتفاعَ فيه بمبايعةٍ ومخالَّة، وإنما يُنتفع فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى

(3)

.

وقرئ بالفتح فيهما

(4)

، على النَّفي العام.

* * *

(32) - {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} .

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} مبتدأ وخبر.

(1)

في (ف): "أي"، والمثبت هو الموافق لما في "تفسير البيضاوىِ"(3/ 199)، وما بين معكوفتين منه.

(2)

في (ف): "لا".

(3)

في هامش (م): "قال الفخر الرازي: ونظيره قوله تعالى: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254]، فإن قيل: كيف نفَى المُخالَّةَ في هاتين الآيتين مع أنه تعالى أَثبتها في قوله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]؟ قلنا: الآية الدالَّةُ على نَفْي المُخَالَّةِ محمولة على نفي المُخَالَّة بسببِ ميلِ الطبيعةِ ورغبةِ النَّفْس، والآيةُ الدالَّةُ على ثبوتِ المخالَّةِ محمولةٌ على حصولِ المخالَّةِ الحاصلةِ بِسببِ عبوديَّةِ الله تعالى ومحبَّةِ اللهِ تعالى والله أعلم".

(4)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح من غير تنوين، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين. انظر:"التيسير"(ص: 82).

ص: 456

{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ} ؛ أي: بالماء، والفاء لتسبُّب الإخراج بالإنزال

(1)

.

{مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} تعيشون به، وهو يشمل المطعوم والملبوس، مفعول لـ (أخرج)، و {مِنَ الثَّمَرَاتِ} بيانٌ له، حال منه، أو بالعكس، ويجوز أن يكون {رِزْقًا} نصبًا على المصدر من (أخرج)؛ لأنَّه في معنى: رَزَق، أو على المفعول له.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} : بمشيئته إلى حيث توجَّهْتُم.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} بجعلها معدَّةً لانتفاعكم وتصرُّفكم.

وقيل: تسخيرُ هذه الأشياء: تعليم كيفيِّة اتِّخاذها.

وقوله: {بِأَمْرِهِ} متعلِّق بالمعطوفين؛ كـ {مِنْ قَبْلُ} في قوله تعالى: {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ} [الأنعام: 158].

* * *

(33) - {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} .

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} : يَدْأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاحِ ما يصلحانه من المكوِّنات.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يتعاقبان لسُباتكم ومعاشكم.

ذكر أنواع النِّعم، وأبرز كلًّا منهما في جملة مستقلَّة؛ تنويهًا لشأنها، وتنبيهًا على عظم مكانها.

* * *

(1)

في (ف): "بإنزال".

ص: 457

(34) - {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .

{وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} : من كلِّ شيءٍ سألتُموه

(1)

بلسان الحال والاحتياج؛ ليُصلح به معاشكم ومعادكم، على أن {مِنْ} لابتداء الغاية.

ويجوز أن يكون السؤال على ظاهره، على أنَّ عبارة {كُلِّ} للتَكثير والتَّفخيم لا للإحاطة والتَّعميم، كما في قوله تعالى:{فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44].

وحملُ {مِنْ} على التَّبعيض يُفضي إلى إخلاء لفظ {كُلِّ} عن فائدةٍ زائدة؛ لأن {مَا} نصٌّ في العموم، بل يُوهم إيتاء البعض مِن كلِّ فردٍ يتعلَّق به السؤال، ولا وجهَ له

(2)

.

ومَن قال في تفسيره حينئذ: يعني: من كلِّ شيءٍ سألتُموه شيئًا، فإن الموجود من كلِّ صنفٍ بعضَ ما قدَّره

(3)

الله تعالى، فقد أتى في تعليله بما

(4)

لا يناسب المعلَّل، لأن الكلام في أنَّ المحصولَ بعضُ المسؤول

(5)

، فكونه بعضَ المقدور لا يجدي نفعًا في بيانه.

وقرئ: (مِنْ كُلٍّ) بالتنوين

(6)

، و {مَا} في محل النَّصب بالمفعوليَّة، أو نافية،

(1)

"من كل شي سألتموه" من (م).

(2)

ودفع اعتراض المؤلف بما ذكره الآلوسي في "روح المعاني"(13/ 298) فليراجع ثمة.

(3)

في (ف): "قدر".

(4)

في (ف) و (م): "ما".

(5)

في (ك): "السؤال".

(6)

نسبت لابن عباس والحسن وجعفر بن محمد وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68).

ص: 458

ومحل {مَا سَأَلْتُمُوهُ} نصبٌ على الحاليَّة

(1)

؛ أي: آتاكم من كلِّ شيء غيرَ سائليه.

{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} : لا تَستوفوا عدَّها، كما قال:"مَنْ أحصاها دخلَ الجنَّة"

(2)

، يعني: أنها غير قابلة للإحصاء لعدم تناهيها" فإنَّ نعمة النَّفع وإن كانت أفرادُها متناهيةً لدخولها تحت الوجود، وكذا نعمة الدَّفع؛ أي: دفع الضَّرر ماليًّا كان أو بدنيًّا، ولكن نعمة الدَّفع غير متناهية.

{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ} يظلم النِّعمةَ بإغفال شكرها، أو يظلم نفسَه بأن يعرِّضها للحرمان باستعمالها لا فيما ينبغي

(3)

ولا فيما يُبتغَى به وجه الله تعالى.

{كَفَّارٌ} : شديد الكفران لها.

وقيل: {لَظَلُومٌ} في الشدَّة

(4)

يشكو ويجزع، {كَفَّارٌ} في النِّعمة يَجمع ويمنع.

* * *

(35) - {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} .

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} : بلدَ مكَّة {آمِنًا} : ذا أمنٍ لمن فيها.

والفرق بينه وبين قوله: {اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} [البقرة: 126]: أنه سأل ثمَّة أن يجعله من جملة البلاد الآمن أهلُها، وهاهنا أن يزيل الخوف عنه ويصيِّره ذا أمن، وذلك لأنَّ محطَّ الفائدة هو المفعول الثَّاني الكائن بمنزلة الخبر.

(1)

في (م) و (ك): "الحال".

(2)

رواه البخاري (2736)، ومسلم (2677)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

في (ف): "فيما لا ينبغي".

(4)

في (ف): "ظلوم في شدة".

ص: 459

{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} : بعِّدني وإيَّاهم {أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} واجعلنا منها في جانب.

وقرئ: (وأَجْنِبْنِي) على لغة نجد

(1)

، وأما أهل الحجاز فيقولون: جنَبني شرَّه.

* * *

(36) - {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} فلذلك سألتُكَ أن تعصمني وبنيَّ. وإسناد الإضلال إلى الأصنام مجازيٌّ؛ لأنهنَّ السَّبب في ضلالهم، كقوله:{وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام: 70].

ولما توجَّه أن يقال: أتخصِّص طلب العصمة عن الضَّلال؟ تدارك دفع هذا السُّؤال بقوله:

{فَمَنْ تَبِعَنِي} بالسُّلوك في الصِّراط المستقيم، والتَّمسُّك بالدِّين القويم.

{فَإِنَّهُ مِنِّي} ؛ أي: بمنزلةِ بعضي، فيشمل له طلبي للعصمة، فكأنه قال: ولا أخصِّص طلب العصمة بهم، فإنَّ مَنْ تبعني فهو في حكمهم بحكم أنَّ النَّبيَّ أبو أمَّته، فالفاء التَّعليلية للعطف على محذوف يقتضيه المقام، ويستدعي تقديرَه انتظامُ الكلام.

فانظر إلى حسن نظم

(2)

هذا المقال، ولطفِ طلب الإمهال، لسائر الأشياع وعامَّة الآل، بقوله:

(1)

نسبت لعيسى الثقفي وابن يعمر والجحدري. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 68)، و"المحتسب"(1/ 363)، و"البحر"(13/ 194).

(2)

"نظم "ليست في (ف).

ص: 460

{وَمَنْ عَصَانِي} فيه طباقٌ معنويٌّ؛ لأنَّ التَّبعيَّة طاعة.

{فَإِنَّكَ غَفُورٌ} تسترُ عليه ذنبَه {رَحِيمٌ} تمهله فلا تعاجِله بالعذاب، وهذا على وَفق ما أخبر به تعالى بقوله:{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]، فلا دلالةَ فيه على أنَّ الله تعالى يغفر الشِّرك كما زعمه مَن قال في تفسيره: يقدر أن يغفر له ويرحمه ابتداءً أو بعد التَّوفيق، وفيه دليل على أنَّ كلَّ ذنب فللَّه أن يغفره حتى الشِّرك، إلَّا أنَّ الوعد فرَّق بينَه وبينَ غيره

(1)

.

ثم إنَّه لم يدرِ أنَّه بالتَّرديد المذكور قد هدمَ مبنى تلك الدّلالة.

* * *

(37) - {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} .

{رَبَّنَا} كرَّر النِّداء رغبةً في الإجابة، وإظهارًا للتَّذلُّل

(2)

، وأتى بضمير الجماعة لأنَّه تقدَّم ذِكْرُه وذِكْرُ

(3)

بنيه.

{إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي} : بعضَ أولادي، وهم إسماعيل عليه السلام وأولاده؛ فإنَّ إسكانه متضمِّن لإسكانهم.

{بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} يعني: وادي مكَّة شرَّفها الله تعالى؛ لأنها حجريَّة لا

(4)

تُنبت.

(1)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 200).

(2)

في (ك) و (م): "وإظهار التذلل".

(3)

في (ف): "تقدم ذكر بنيه".

(4)

في (ف): "ولا".

ص: 461

والوادي: سفحُ الجبل، ومن ذلك قيل للأنهار العِظام: أودية؛ لأن حافاتها كالجبال لها.

والزَّرع: كلُّ نبات يتفرَّش من غير ساقٍ.

{عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} هو الكعبة شرَّفها الله تعالى، والإضافة إليه تعالى للتَّشريف، وتوصيفه بالمحرَّم لأنّه تعالى حزَم التَّعرُّض له والتَّهاوُن به، وجعل ما حوله حرمًا لمكانه.

قوله: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} إخبارٌ عن صرف

(1)

توكُّله وصدق تفويضه، وقو له:{عِنْدَ بَيْتِكَ} بيان أنه رأى الرِّفقَ في الجوار لا في المبارِّ.

{رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} اللام بمعنى: (كي)، متعلِّقة بـ {أَسْكَنْتُ}؛ أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلَّا ليقيموا الصَّلاة عند بيتك المحرم.

وقيل: هي لام الأمر، والمراد هو الدُّعاء لهم بإقامة الصَّلاة، كأنه لَمَّا أسكنهم هناك طلبَ منهم إقامة الصَّلاة، وسأل الله تعالى أن يوفّقهم لها.

وتكريرُ

(2)

النِّداء وتوسيطُه للإشعار بأنَّها المقصود بالذَّات من إسكانهم ثمَّة، والمقصود من الدُّعاء توفيقُهم لها.

{فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً} : ذوي أفئدةٍ {مِنَ النَّاسِ} {مِنَ} للتَّبعيض، قيل: لو لم يقل: {مِنَ} لازدحموا عليها فارس والرُّوم والتُّرك والهند، أو لابتداء الغاية كقولك: القلب منِّي سقيم؛ أي: قلبي.

(1)

في (ف) و (ك): "من صدق"، وفي (م):"من صرف"، والكلام من "لطائف الإشارات"(2/ 256)، وفيه:(عن صدق).

(2)

في (م): "وتكرر".

ص: 462

وقرئ: (آفدة)

(1)

، وهي مقلوبُ أفئدة، كآدُرٍ في أدوُر

(2)

، وإمَّا اسم فاعل من أَفِدت الرِّحلة: إذا عَجِلت؛ أي: جماعةً يَعْجلون نحوهم.

وقرئ: (أَفِدةً)

(3)

؛ إمِّا تأنيث أَفِدٍ بوزن خَشِنٍ، وإمَّا تخفيف (أفئدة) بطرح الهمزة، وإن كان الوجه إخراجُها بينَ بينَ.

{تَهْوِي إِلَيْهِمْ} تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقًا، وأصل الهُوِيِّ أن يكون من عُلوٍ، ويلزمه السُّرعة.

وقرئ: (تُهْوَى) على البناء للمفعول

(4)

، من هَوَى إليه وأهواه غيرُه.

و: (تَهوَى إليهم)

(5)

من هَوِيَ يَهْوَى: إذا أحبَّ، ضمِّن معنى تَنْزع فعُدِّي تعديته.

{وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} مع سُكناهم في وادٍ لا نبات فيه.

{لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} تلك النِّعمة.

فأجاب الله تعالى دعوته، فجعله حرمًا آمنًا يحيى إليه ثمرات كلِّ شيء، وتُجلب إليه من كلِّ ناحية، حتى يجتمعُ فيه البواكير والفواكه الربيعيَّة والصيفيَّة والخريفية

(6)

في يومٍ واحدٍ.

* * *

(1)

رويت عن ابن كثير في غير المشهور عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 69).

(2)

أدور: جمع دار.

(3)

نسبت لعيسى بن عمر. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 69).

(4)

نسبت لمسلمة بن عبد الله. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 69). لكنَّه نصَّ أنَّها بالياء وفتح الواو. وانظر: "المحتسب"(1/ 346).

(5)

نسبت لجعفر بن محمد ومجاهد اليماني. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 69).

(6)

في (ف): "والفواكه الشتوية والصيفية".

ص: 463

(38) - {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} .

{رَبَّنَا} كرَّره تضرعًا والتجاءً إلى الله تعالى، وإظهارًا للافتقار إليه، واستلذاذًا وذوقًا من مناجاته.

{إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} قدَّم {مَا نُخْفِي} على {وَمَا نُعْلِنُ} تفاديًا عن أسلوب التَّرقي؛ لأنَّ مبناه على التَّفاوت في علمهما، وهو منتفٍ في حقِّ الخالق؛ أي: تعلمُ السِّرَّ كما تعلم العلَنَ، لا تفاوت بينهما في علمك، فأنت أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منَّا، فلا حاجة بنا إلى السُّؤال، ولكنَّا ندعوك إظهارًا للعبوديَّة والتَّذلُّل والتَّخشُّع لك، وامتثالًا لأمرك، وافتقارًا إليك وإلى رحمتك، واستعجالًا لنيل ما عندك.

وقيل: {مَا نُخْفِي} مِن وَجِد الفُرقة، و {وَمَا نُعْلِنُ} من البكاء والدعاء.

{وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} الظَّاهر أنَّه من كلام إبراهيم عليه السلام على طريقة الالتفات؛ تأكيدًا لقوله، وتبيينًا له بالبرهان، وتعظيمًا لله تعالى بإظهار اسمه، وتقريرًا للحكم، كأنَّه قال: وكيف لا تعلم وأنت الله، والله هو العالم بالغيب كلِّه، لا يخفى عليه خافية؟ و {مِنْ} للاستغراق.

وإنْ جُعل من كلام الله تعالى كان تصديقًا منه لإبراهيم عليه السلام على طريقة الاعتراض بين حكاية قوله، كقوله تعالى:{وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34].

{فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} عبَّر عن العالَم بقُطريه.

ص: 464

(39) - {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} .

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ} في موضع الحال؛ أي: وهبَ لي وأنا كبير، يعني: كانت الهبة في حال الشَّيخوخة، وبعدَ استمراري عليها، فللدلالة على أنَّ هبة الولد له لم تكن في ابتداء دخوله في سنِّ الشَّيخوخة، بل كانت بعد ما استمرَّ برهة من الزَّمان عليها، أتى بلفظة:{عَلَى} .

روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: أنَّه لم يُوْلَد لإبراهيم عليه السلام إلَّا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وتقييد الهبة بحال الكبر استعظام للنِّعمة، وإظهار للقدرة، وشكر لِمَا هو فيه من المنَّة، فإنَّ الظَّفر بالحاجة عند وقوع اليأس أعظم وأجلُّ

(1)

، ولأنها في ذلك كانت آيةً بينة له عليه السلام.

{إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} كان إسماعيل عليه السلام أكبر من إسحاق عليه السلام، فلهذا قدمه عليه.

{إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} : لمجيبُه، من قولك: سمع الملكُ كلامَ فلان: إذا اعتدَّ به وقَبِلَه، ومنه:"سمعَ اللهُ لمن حمدَه".

كان عليه السلام قد دعا ربَّه وسأله الولد، فقال:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100]

(2)

، فهو من تتمَّة الشُّكر حمدًا لله تعالى على موهبة الولد، ورأى المنَّة عليه في قَبول دعائه السَّابق، فموقعُ قوله:{الْحَمْدُ لِلَّهِ} وتذييلِه موقع الاعتراض؛ تأكيدًا لِمَا قدَّمَه مِنَ الطَّلب بتذكير

(3)

ما عهد من الإجابة يتوسَّل إليه تعالى سابق نعمته في شأنه.

(1)

في (ك): "وأحلى".

(2)

في هامش (م): "فكأنه غفل عن هذا التصريح من قال: فيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد. منه".

(3)

في (ف) و (ك): "يتذكر".

ص: 465

والسَّميعُ: مِنْ أبنية المبالغة، مضاف إلى مفعوله، مُعمَلًا عملَ فعله، كقولهم: هذا ضرَّابٌ أخاه، ويجوز أن يكون من إضافة الصِّفة إلى فاعلها على أن يُجعل دعاءُ الله سميعًا مجازًا عقليًّا، والمراد: سماع الله تعالى.

* * *

(40) - {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} .

{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} معدِّلًا لها، مواظبًا عليها.

{وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} عطف على المنصوب في {اجْعَلْنِي} ، أي: بعضَ ذرِّيتي، وإنَّما بعَّضَها لأنَّه عليه السلام علم بإعلام الله تعالى إيَّاه أنَّ في ذرَّيته كفَّارًا، وذلك قوله:{لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124].

{رَبَّنَا} تكرير للمنادى، فلا يمنع عطف قوله:{وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} : واستجب دعائي، أو: تقبَّل عبادتي.

* * *

(41) - {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} .

{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} : ولأبويَّ، وقد تقدَّم عذر استغفاره لهما.

وقرئ: (ولوَلَديَّ)

(1)

، يعني: إسماعيلَ وإسحاق عليهما السلام.

{وَلِلْمُؤْمِنِينَ} دعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين، وتدخل فيه هذه الأمَّة، فهو قد دعا لنا، ونحن ندعو له في الصَّلاة بأمر الله تعالى إجابةً لدعائه:{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84].

(1)

نسبت للحسن بن علي رضي الله عنه. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 69)، و"الكشاف"(2/ 562).

ص: 466

{يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} ؛ أي: يَثْبت، مستعار من قام القائم على الرِّجل، كقولهم: قامَتِ الحرب على ساقٍ، أو مسندٌ إلى الحساب إسناداً مجازِّيًا وهو لأهله، لا على حذف المضاف، فإنَّه حينئذ يكون الإسناد حقيقيًّا، والكلامُ نازلًا عن منزلته.

فمَن قال: أو يقوم إليه أهله، فحُذف المضاف وأُسند إليه قيامهم مجازًا، فقد خلَّط بين الإسنادين وخبط.

* * *

(42) - {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} .

{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد النَّهي عن لازم الحسبان المذكور بطريق الكناية؛ أي: لا تحزنْ بما عملوا، فإنَّه تعالى مطَّلع على أحوالهم وأعمالهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وإنَّ تأخير العذاب عنهم لتشديده عليهم في العُقْبى، فهو إمهال لا إهمال، ولكلِّ أحد ممَّن يستعجل عذاب الظَّالمين أو يتوهَّم إهمالهم بأنَّه يجب أن يعلمه تعالى رقيبًا عليهم، فيتسلَّى الأوَّل ولا يظلم الثَّاني، ولا يحزنُ

(1)

إن ظُلم، فإنَّه المجازي والمنتقِم المنتصِر من الظَّالم للمظلوم، ولهذا قال ابن عيينة: إنه تسليةٌ للمظلوم وتهديدٌ للظالم

(2)

.

{إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} أضاف التَّأخير إليهم، والمؤخَّرُ عذابُهم، على سبيل المجاز،

(1)

في (ف): "ولا يتحزن".

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(13/ 703) عن ميمون بن مهران.

ص: 467

إيماءً على أنهم من شدَّة العذاب في ذلك اليوم يكونون بحيث يَظنُّ مَن رآهم أنهم

(1)

عذاب مجسَّم.

{لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} ؛ أي: تبقى مفتوحةً لا تنطبق؛ لعظم هولِ ذلك اليوم، ولا اختصاص لتلك الحال

(2)

بهم، ولهذا أطلق {الْأَبْصَارُ} ولم يُضفها إليهم كما أضاف إليهم في قرائنها، وهذا أبلغ في التَّهويل، فمَن وهَم أنَّ المعنى: تشخص أبصارهم، فقد وهِم، ثمَّ إنَّه لم يُصِبْ في تفسير الشُّخوص بعدم القَرار

(3)

.

قال الجوهري: شَخَصَ بصرُه فهو شاخِص: إذا فتحَ عينيه وجعل لا يَطْرُفُ

(4)

.

* * *

(43) - {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} .

{مُهْطِعِينَ} يقال: هَطَعَ الرَّجل: إذا أقبل ببصره على الشَّيء لا يُقلع عنه، وبه فسَّره ابن عباس رضي الله عنهما، حيث قال: المهطِع: الدَّائم النَّظر لا يَطرف

(5)

. وهو المناسب لسياق الكلام ولحاقه، بخلاف تفسيره بالمسرع كما لا يخفى.

{مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} إقناع الرأس: رفعُه؛ أي: رافعيها حتى لا يبصروا مواضع أقدامهم.

(1)

في (ك): "أنهم".

(2)

في (ك): "الحالة".

(3)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 202)، ولفظه: أي: تشخص فيه أبصارهم فلا تقر في أماكنها من هول ما ترى.

(4)

انظر: "الصحاح"(مادة: شخص).

(5)

روى نحوه الطبري في "تفسيره"(13/ 705).

ص: 468

{لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} ؛ أي: تبقى أعينهم ممدودة نحو الهول مفتوحةً لا تطرف؛ أي: لا تتحرك أجفانُهم، أو لا

(1)

يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، ولا يخفى أن هذا يغني عن إضافة الأبصار إليهم في وصفها بالشُّخوص، وإنما وحَّد الطَّرْف لأنَّه في الأصل مصدر.

{وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} : خلاء.

وصف القلوب بالهواء مبالغةً في الخلوِّ عن الفهم والعقل؛ لفرط الحيرة والدَّهشة، كأنَّها نفسُ الخلاء، ومنه يقال للأحمق والجبان: قلبه هواءٌ؛ أي: لا رأيَ فيه ولا قوَّة، فالتَّجوُّز فيه عقليٌّ، كما في: رجلٌ عدلٌ، لا لغويٌّ كما زعمه مَن فسَّره بالخالية، فأخلاه عن تلك المبالغة، ونزَّل الكلام عن المنزلة العالية.

وقيل: معناه: منحرفةٌ لا تعي

(2)

شيئًا للخوف والفزع الذي دخَلها، فهي كهواء الجوِّ في الانحراف وبطلان الإمساك.

* * *

(44) - {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} .

{وَأَنْذِرِ النَّاسَ} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم.

(1)

في (ف) و (ك): "ولا"، والمثبت موافق لما في "الكشاف"(2/ 563)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 202).

(2)

في النسخ: "لا تبقي"، والصواب المثبت. انظر:"معاني القرآن" للزجاج (3/ 1663)، و"الهداية" لمكي بن أبي طالب (5/ 3836). وفي "تفسير مجاهد" (ص: 413) روايةً عن مرة بن شراحيل: (مُنحَرِفةٌ لا تَعِي أو تُغْنِي شيئًا).

ص: 469

{يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ} يعني: يومَ القيامة، أو وقتَ الموت؛ فإنَّه أوَّل أوقات عذابهم، وهو مفعول ثانٍ لـ {وَأَنْذِرِ} .

{فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} بالشِّرك والتَّكذيب: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي: رُدَّنا إلى الدُّنيا وأمهِلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ، أو أخِّر آجالنا مقدارَ ما نتدارك ما فرَّطْنا فيه من إجابة دعوتك واتِّباع رسلك، فقوله:

{نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ} جواب للأمر، ونظيره:{لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10].

{أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ} على إرادة القول، وجوابُ القسم:

{مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} وإقسامُهم على انتفاء الزَّوال عن الدُّنيا، إمَّا لغاية الغفلة والانهماك في الجهل وغلبةِ البطَر والأشَر، وإمَّا بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمَّلوا بعيدًا، كأنهم أقسموا على أنَّهم خالدين فيها.

وإنَّما قيل: {مَا لَكُمْ} على المطابقة لـ {أَقْسَمْتُمْ} ، ولو حكي قول المقسِمين لقيل: ما لنا من زوال؛ أي: أقسمتم أنكم لا تُزالون عن الدُّنيا.

وقيل: معناه: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى؛ لقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} [النحل: 38]؛ أي: أقسمتم على إنكار البعث.

* * *

(45) - {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} .

{وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والمعاصي كعادٍ وثمودَ،

ص: 470

سائرين بسيرتهم

(1)

، وأصل سَكَن أن يُعدَّى بـ (في)، كقَرَّ وغنيَ وأقامَ، وقد يُستعمل بمعنى التبوُّء

(2)

والتَّوطُّن فيجري مجراه، كقوله:{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35].

والسُّكنى

(3)

: سكون خاص، فتركه على الأصل، ويجوز أن يكون بمعنى السُّكون؛ أي: لبِثْتُم فيها وأَقَمْتم.

{وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} بمشاهدة آثار ما نزلَ بهم في مساكنهم، وتواتُرِ أخبارهم، فلم تعتبِروا، ولم ترتدِعوا، ولم تحدِّثوا أنفسكم بما لَقُوا من عذاب الله.

{وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} ؛ أي: صفاتِ ما فَعلوا وفُعل بهم، التي صارت أمثالًا سائرةً بين النَّاس في غاية الغرابة مضروبةً لكلِّ ظالم، وبيَّنا أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب.

* * *

(46) - {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} .

{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ} الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل، وهو المكر المخصوص بهم، ليس لأحدٍ مكر في قوَّته.

{وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} الذي يمكرهم به، وهو العذاب الذي يأتيهم بغتةً من حيث لا يشعرون، ولا يحتسبون؛ لاستحقاقهم ذلك بمكرهم.

(1)

في (ك): "سيرتهم".

(2)

في (ك): "التبوئة"، وفي (ف):"النبوة".

(3)

في (ف) و (ك): "والسكن". والمثبت موافق لما في "الكشاف"(2/ 565).

ص: 471

{وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} زوال الجبال مَثَلٌ لتعاظم مكرهم وشدَّته؛ أي: وإن كان مكرُهم لشدَّته وعظمه مسوًّى معدًّا لزوال الجبال منه، كانوا إذا عظَّموا الشَّيء وصفوه بمثله، قال الشَّاعر:

لَمَّا أتى خبرُ الزُّبيرِ تَضَعْضَعَتْ

سُورُ المدينةِ والجِبالُ الخُشَّعُ

(1)

أي: وإن عظم مكرهم فعندَ اللهِ المكرُ الذي يبطله.

والمكرُ الأول مضاف إلى الفاعل، والثَّاني مضافٌ إلى المفعول، ويجوز أن يكون الثَّاني أيضًا مضافًا إلى الفاعل؛ أي: وعند الله مكرُهم الذي يمكرون الرُّسل به؛ يعني: مكتوب عندَه، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظمُ منه، وإن كان مكرُهم ممَّا يُضرَبُ به المثل في العِظَم.

قيل: (إنْ) في {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ} نافية، واللام لتأكيد النَّفي كقوله:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: 33] وقيل: مخففَّة من الثَّقيلة، والمعنى: أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنا من آيات الله وشرائعه.

وقرئ بالفتح والرفع على أنَّها الفارقة

(2)

، ومعناه تعظيم مكرهم.

وقرئ بالفتح والنَّصب على لغة مَنْ يفتح لام (كي)

(3)

.

وقرئ: (وإن كاد مكرهم)

(4)

.

(1)

البيت لجرير كما في "ديوانه"(2/ 913).

(2)

أي: {لِتَزُولَ} بفتح اللام ورفع الفعل، وهي قراءة الكسائي. انظر:"التيسير"(ص: 135).

(3)

انظر: "البحر"(13/ 212).

(4)

نسبت لعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم. انظر"المختصر في شواذ القراءات"(ص: 69).

ص: 472

والجمهور على أنَّها (إنْ) الشَّرطيَّة، وجواب الشَّرطِ محذوفٌ دلَّ عليه:{وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} .

* * *

(47) - {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} .

{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} مثلُ قوله: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا} [غافر: 51]، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21].

وأصله: مخلفَ رسلِه وعدَه، فقدَّم المفعول

(1)

الثانيَ إيذانًا بأنه لا يُخلف الوعد أصلًا، كقوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، وإذا لم يخلف وعده أحدًا فكيف

(2)

يُخلف رسله؟

{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} : غالبٌ لا يماكَر، قادرٌ لا يدافَع.

{ذُو انْتِقَامٍ} لأوليائه من أعدائه.

الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرادُ بالنَّهي عن الحسبان المذكور: الأمر بضده على أبلغ وجه، وهو الجزم بنصر المؤمنين وقهر أعداء الدِّين؛ أي: فكن على ثقة ويقين بالإنجاز بما

(3)

وعدناك من الإعزاز للإسلام وأهله، والإذلال للكفر والانتقام من أهله.

* * *

(48) - {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} .

(1)

"المفعول" من (م).

(2)

في (ف): "كيف".

(3)

في (ك): "لما".

ص: 473

{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} بدلٌ من {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ} ، أو ظرفٌ للانتقام، ولا يجوز أن ينتصِب بـ {مُخْلِفَ} ؛ لأنَّ ما قبل (إنَّ) لا يعمل فيما بعده

(1)

.

{وَالسَّمَاوَاتُ} عطف على {الْأَرْضُ} ، وتقديره: والسَّماواتُ غيرَ السَّماوات؛ أي: تبدَّل الأرض المعهودة أرضًا أخرى، والسَّماواتُ المشهورة سماواتٍ أخرى.

والتَّبديل: هو التَّغيير؛ إمَّا في الذَّات كقولك: بدلْتُ الدَّراهم بالدَّنانير، ومنه قوله تعالى:{بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56]، وإمَّا في الصِّفات، كقولك: بدَّلْتُ الحلْقةَ خاتمًا: إذا أذبْتَها وجعلْتَها خاتمًا بتغيير شكلِها، ومنه قوله تعالى:{فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70]، والآيةُ تحتملها.

فعن عليٍّ رضي الله عنه: تبدَّل أرضًا من فضَّة وسماواتٍ من ذهب

(2)

.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يُحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحدٌ خطيئة

(3)

.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي تلك الأرض، وإنَّما تُغيَّر صفاتها.

وأنشد:

وما الناس بالناس الذين عَهِدْتَهم

ولا الدَّارُ بالدَّار التي

(4)

كنْتَ تعلمُ

(5)

(1)

وأجازه الحوفي على اعتبار أن جملة: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} اعتراضية، فلا يبالى بها فاصلًا. انظر:"روح المعاني"(13/ 358).

(2)

روى نحوه الطبري في "تفسيره"(13/ 733).

(3)

روى نحوه الطبري في "تفسيره"(13/ 730).

(4)

في (م): "الذي".

(5)

انظر: "تفسير الثعلبي"(3/ 476)، و" الكشاف"(2/ 567)، وانظر البيت أيضًا في:"ديوان المعاني"(ص: 78)، و"جمهرة الأمثال"(1/ 96).

ص: 474

ويدلُّ عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّه عليه السلام قال: "تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرض

(1)

فتبسَطُ وتمدُّ مَدَّ الأديم العكاظي، لا ترى فيها عِوجًا ولا أمتًا"

(2)

.

واعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتَّبديل أرضًا وسماءً على الحقيقة، ولا يبعد على الثاني أن يجعل الله تعالى الأرض جهنَّم والسَّماوات الجنَّة على ما أشعرَ به قوله تعالى:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين: 7]، وقوله:{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18].

{وَبَرَزُوا} من أجداثهم {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} لما كان البروز مسوقًا للوعيد كان الوصفان المذكوران ترشيحَيْن له ببيان شدَّة الأمر في ذلك اليوم، كقوله:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]؛ لأنَّ الأمرَ والملكَ إذا كان لواحدٍ لا

(1)

"غير الأرض" من (م).

(2)

رواه الطبري في "تفسيره"(13/ 735)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(9/ 2931). وذكره ابن كثير في "تفسيره"(2/ 148 - 150) عن الطبراني في "المطولات"، ونقل عنه قوله: هذا الحديث مشهور وهو غريب جدًا ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء.

ثم قال ابن كثير: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، وقد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًّا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث. فالله أعلم.

ص: 475

يشارَك فيه، قهَّارٍ لا يُعازُّ

(1)

ولا يُغالب، فلا مُستغاث لأحد ولا مُستجار، كان الأمر في غاية الصُّعوبة.

* * *

(49) - {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} .

{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ} بعضهم مع بعضٍ؛ لاشتراكهم في العقائد والأعمال، كقوله:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7]، أو مع الشَّياطين الذين حملوهم على الإجرام، أو قُرنت أيديهم وأرجلُهم إلى رقابهم بالأغلال، ويجوز أن يكون تمثيلًا لمؤاخَذتهم بما اقترفَتْه أيديهم وأرجلُهم، فكأن أيديهم غُلَّتْ إلى أرجلهم.

{فِي الْأَصْفَادِ} متعلق بـ {مُقَرَّنِينَ} ، أو حال من ضميره.

قال الرَّاغب: الصَّفَدُ والصِّفادُ: الغلُّ، وجمعه أصفادٌ

(2)

.

وفي "الصحاح": الصِّفاد: ما يُصْفَدُ به من قيدٍ وقِدٍّ وغُلٍّ

(3)

، أي: يُوثق. وقول الشاعر:

وَزَيْدُ الخَيْلِ

(4)

قَدْ لاقَى صِفَادًا

يَعَضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمِ سَاقِ

(5)

ظاهر في أن صِفادًا واحدًا يجمعهما، فكأنه نوع من الغُل يُجمَع فيه الرِّجل واليد، ويشدَّان

(6)

على العنق.

(1)

في (م): "لا يعان"، والمثبت موافق لما في "الكشاف"(2/ 567).

(2)

انظر: "المفردات في غريب القرآن" للأصفهاني (مادة: صفد).

(3)

انظر: "الصحاح"(مادة: صفد).

(4)

"وزيد الخيل" سقط من (ف) و (م).

(5)

البيت لسلامة بن جندل. انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 348)، و"الكشاف"(2/ 567).

(6)

في (ف) و (ك): "ويشد".

ص: 476

(50) - {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} .

{سَرَابِيلُهُمْ} ؛ أي: قميصهم

(1)

، جمع سربال.

{مِنْ قَطِرَانٍ} فيه ثلاث لغات: فتح القاف مع كسر الطَّاء وسكونها، وكسرُ القاف مع سكون الطَّاء.

وهو ما يتحلَّبُ من شجرِ الإبْهِل، يُطبخ فيُهنأ به الإبل الجربى، فيُحرِق الجرب والجلد بحدَّته، وهو أسود منتنٌ، يشتعلُ فيه النَّار بسرعة، يُطلى

(2)

به جلود أهل النَّار حتى يكون طلاؤه

(3)

لهم كالقميص، فيجتمع عليهم لذغ القطران ووحشةُ لونه ونَتْنُ ريحه وسرعةُ اشتعال النَّار بهم، على أنَّ التَّفاوت بين القطرانَيْن كالتَّفاوت بين النَّارَيْن.

ويحتمل أن يكون تمثيلًا لما يحيط بأنفسهم من ظلمة الهيئات الرَّديَّة والملكات الفاسدة الموحشة، فتجلب إليها أنواعًا من الأذى والألم والعذاب.

وقرئ: (من قَطِرٍ آنٍ)

(4)

، والقَطِرُ: النُّحاس، أو الصُّفر المُذَاب، والآن: المتناهي حرُّه.

والجملة حال ثانية، أو حال من الضَّمير في {مُقَرَّنِينَ} ، وإنما جيء به

(5)

(1)

كذا في النسخ، والأنسب:(قمصهم) أو (قمصانهم). انظر: "الكشاف"(2/ 567)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 204).

(2)

في (ف): "وبطلى".

(3)

في (ك): "طلاوة".

(4)

رويت عن علي وابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وغيرهم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 70)، و" المحتسب"(1/ 366)، و"المحرر الوجيز"(3/ 348)، و"البحر"(13/ 218).

(5)

"به": ليست في (م).

ص: 477

جملةً اسمية لأن سرابيل القطران الجامعةَ بين الأنواع الأربعة المذكورةِ أفظع من الصَّفد، وأما (تغشى) فلتجريد الاستحضار المقصود في قوله:{وَتَرَى} ؛ لأنَّ الثَّاني أهول، والأوَّل في بيان حالهم في الموقف إلى أن يُكَبَّ بهم في النَّار، والأخيرَيْن

(1)

لبيان حالهم بعد دخولها، وكانَّ الأوَّل حرَّك من السامع أن يقول: وإذا كان شأنهم وهم في الموقف، فكيف بهم وهم في جهنَّم خالدون؟ فأجيب بقوله:{سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} .

وأوثر الفعل المضارع في قوله:

{وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} لاستحضار الحال، وتجدُّد

(2)

الغشيان حالًا فحالًا، وإنَّما تغشاها لأنهم لم يتوجَّهوا بها إلى الحقِّ، ولم يستعملوا مشاعرهم التي خلقت فيها في تدبُّر الحقِّ، كما تطَّلع على أفئدتهم لأنها خالية عن المعرفة مملوءة بالجهالات.

* * *

(51) - {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .

{لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ} إمِّا أنْ يتعلَّق بمحذوفٍ تقديره: يُفعل ذلك بهم ليجزي كلَّ نفسٍ مجرمة {مَا كَسَبَتْ} ، أو بقوله:{وَبَرَزُوا} ، أي: ليجزي كلَّ نفسٍ مجرمةٍ أو مطيعةٍ ما كسبت.

واكتُفي بذكر عقاب المجرمين ليُستدلَّ به على ثواب المطيعين.

{إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} لأنّه لا يشغله فيه تأمُّل وتتبُّع، ولا يمنعه حسابٌ

(1)

في (ف): "والآخرين".

(2)

في (ف): "وتجديد".

ص: 478

عن حسابٍ حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبته الآخرين فيتأخَّرَ عنهم العذاب.

وبهذا التَّفصيل تبيَّن وجه إصابة التَّذييل المذكور محزَّهُ.

* * *

(52) - {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} .

{هَذَا} إشارة إلى السُّورة، أو إلى ما وصفه من قوله:{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ} إلى قوله: {سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، أي: هذا الكلام، أو هذا

(1)

الكتاب.

{بَلَاغٌ} أي: كفاية {لِلنَّاسِ} في الموعظة والتَّذكير.

والإشارةُ إلى جميع ما في السُّورة من العِظَةِ والتَّذكير أولى؛ ليكون كالفذلكة، وخاتمةً على مِنوال الفاتحة.

{وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} عطفٌ على محذوفٍ؛ أي: ليُنصحوا ولينذروا به، فاللام متعلقة بالبلاغ، أو متعلقة بمعلَّلٍ محذوف؛ أي: ولينذروا به أنزل.

وقرئ: (وليَنْذَروا به) بفتح الياء

(2)

، من نَذِرَ به: إذا عَلِمه واستَعدَّ له.

{وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} بالنَّظر والتَّأمُّل فيما فيه من الآيات الدَّالة على التَّوحيد والمنبِّهة على ما يدلُّ عليه.

{وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} فيَرتدِعوا عما يُرديهم ويتدرَّعوا بما يحظيهم

(3)

.

(1)

"هذا"من (م).

(2)

انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 70)، و"المحتسب"(1/ 367).

(3)

في (م): "يحيطهم".

ص: 479

قيل: إنَّ الفوائد الثَّلاث التي ذكرها لهذا البلاغ هي الغايةُ والحكمة في إنزال الكتب، وهي تكميل الرُّسل للنَّاس، واستكمالهم القوَّة النَّظرية التي غايتُها في إكمال

(1)

التَّوحيد، واستصلاح القوَّة العمليَّة، الذي هو التدرُّع بلباس التَّقوى، جعلنا الله من الفائزين بها.

تمَّ الكلام والحمد لله على التَّمام.

* * *

(1)

في (ف) و (ك): "الكمال".

ص: 480

‌سُورَةُ الحِجْرِ

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) - {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} .

{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} الإشارة إلى آيات السُّورة، والكتابُ والقرآنُ: السُّورة. وهذا أبلغُ على ما قدَّمنا بيانه في تفسير (سورة يونس)

(1)

.

واللَّام في {الْكِتَابِ} للماهية، والتَّنكيرُ في (القرآن) للتَّفخيم؛ أي:{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} الكامل في كونه كتابًا {وَقُرْآنٍ} أي قرآنٍ {مُبِينٍ}

(2)

يُبينُ الرُّشدَ من الغَيِّ بيانًا عربيًّا، يعني: الجامعِ للكمال والغرابة في البيان والبلاغة.

ولَمَّا كان في التَّعريف نوعٌ من الفخامة، وفي التَّنكير نوعٌ آخرُ، وكانَ الغرضُ الجمعَ، عَرَّفَ الكتاب ونكَّر القرآن هاهنا، وعكس في (سورة النَّمل)، وقدَّم المعرَّف في الموضعَيْن لزيادة التَّنويه.

* * *

(1)

"يونس" من (ف)، ووقع مكانه في (م) و (ك) بياض، وفي البياض كتب في (ك):"كذا"، وجاء في هامش (م):"بياض بأصله". وانظر ما تقدم في أول يونس.

(2)

بعدها في (ك): "أي".

ص: 483

(2) - {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} .

{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} : منقادين لحكم هذا الكتاب، وهذا التَّمني حين يُخرجُ الله تعالى عصاة المؤمنين من النَّار. وروي فيه حديث مرفوع

(1)

.

وقيل: إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين عند البعث للحساب، أو عند

(2)

الموت إذا رأوا العذاب.

وقيل: في كلِّ الأحوال التي تُخطر بالبال ظهور بطلان ما كانوا عليه من الضَّلال. وهذا أنسب لِمَا قصد بـ {رُبَمَا} من معنى التَّكثير على وجهٍ أبلغ.

وقوله: {لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} حكايةُ ودادهم على لفظ الغيبة، كقولك: حلف بالله ليفعلَنَّ.

(1)

روي من حديث جابر وأبي سعيد وأبي موسى:

فحديث جابر رواه الطبراني في "الأوسط"(5146) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 379): (رجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة). وصحح إسناده السيوطي في "الدر المنثور"(5/ 62).

وحديث أبي سعيد رواه ابن حبان في "صحيحه"(7432).

وحديث أبي موسى رواه ابن أبي عاصم في "السنة"(844)، والطبري في "تفسيره"(14/ 8)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(7/ 2255)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 265) وصححه. ولفظ الحاكم:"إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من أهل القبلة من شاء الله قالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، قال: فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فيقول الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرجَ كما أخرجوا"، قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 1 - 2] مثقلة".

(2)

في (ت) و (ك): "وعند".

ص: 484

وحقُّ {رُبَمَا} أن تدخل الماضيَ لإنشاء تحقُّق

(1)

التَّقليل، لكن لَمَّا كان الغرضُ من الماضي تحقُّقَ وقوعه، والمترقَّبُ في إخبار الله تعالى بمنزلة

(2)

الماضي في تحقُّق وقوعه، أُجرِيَ مجراه، ومعنى التَّقليل فيه واردٌ على طريق العرب وقولِهم في موقع النُّصح وارتكاب المخاطَب ما لا يُشكُّ في استتباعه للتَّندُّم: لعلَّك ستندم

(3)

، وربَّما ندم الإنسان على ما فعل، وليس مرادهم الشكَّ والتَّقليل، بل المراد: أنَّ النَّدمَ لو كان مشكوكًا فيه أو قليلَ الوقوع عمَّا تفعل، لكان حقًّا عليك أن لا تفعل؛ لأنَّ قضية العقل التَّحرُّزُ من الغمِّ المظنون والقليل، فكيف واستتباعُ فعلِك للغمِّ والنَّدم الكثيرِ محقَّقٌ؟ أي: لو كانوا يَودُّون الإسلام مرَّةً واحدة فبالحَرِيِّ أن يُسَارعوا إليه، فكيف وهم يودُّونه في كلِّ ساعة؟

وقرئ: {رُبَمَا} بالفتح والتَّخفيف

(4)

، وبتاء التَّأنيث ودونها

(5)

.

و (ما) كافَّةٌ تكفُّه عن العمل، فيجوز دخوله على الفعل، وقيل: نكرةٌ موصوفة، كقوله: ربما تكره النُّفوس من الأمر.

* * *

(3) - {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .

{ذَرْهُمْ} : اتركهم {يَأْكُلُوا} تخصيصُه بالذِّكْر مع اندراجه في قوله:

(1)

في (ف) و (م): "محقق".

(2)

في النسخ: "منزلة"، والمثبت من "الكشاف"(2/ 569).

(3)

في (ك): "تستندم"، والمثبت موافق لما في المصدر السابق.

(4)

وهي قراءة عاصم ونافع. انظر: "التيسير"(ص: 135).

(5)

قرأ طلحة بن مصرف وزيد بن علي: (رُبَّتَما). انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 349)، و"البحر المحيط"(13/ 229).

ص: 485

{وَيَتَمَتَّعُوا} وتقديمُه عليه؛ للتَّنبيه على أنَّ حظَّهم من الحياة الدُّنيا حظُّ البهائم؛ يأكلون ويشربون.

والاقتصار على {يَأْكُلُوا} لأنَّ الأكلَ يستتبع الشُرب عادة، فذكرُه يغني عن ذِكره.

{وَيَتَمَتَّعُوا} بدنياهم، وينهمكوا في شهواتهم.

{وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} : وَيشغلهم توقُّعهم لطول الأعمار، وجريانُ أمورهم وأحوالهم على وفق هواهم عن الاستعداد للمعاد.

{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وَخامَةَ

(1)

عاقبتهم وسوءَ صنيعهم إذا عاينوا جزاءَهم.

فيه تهديدٌ ووعيدٌ وتحذيرٌ عن إيثار التَّنعيم وطول الأمل، وإلزامُ الحجَّة؛ لأنَّ الأمر بالضِّدِّ لا يكون إلَّا عند تكرُّر

(2)

الإنذار وثبوت الجحود، وكذلك ما رُتِّبَ عليه، وإقناطٌ للرَّسول صلى الله عليه وسلم عن إيمانهم، وإيذان بأنهم من أهل الخذلان لا يقبلون النُّصح ولا يجدي فيهم الإنذار.

* * *

(4) - {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} .

{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} إهلاكُها كنايةٌ عن إخلائها عن أهلها بإفنائهم، وهو أبلغ من المجاز في القرية، وأما تقدير المضاف فلا حاجة إليه، بل لا وجهَ له عند أرباب البلاغة.

(1)

في (ف) و (ك): "خاتمة".

(2)

في (م): "تكرار".

ص: 486

{إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} أجلٌ مكتوبٌ في اللَّوح معلومٌ عند الله تعالى موقَّت، ولهذا

(1)

قال:

(5) - {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} .

{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} ؛ أي: كتابها؛ أي: لا تتقدَّم أمَّةٌ، و {مِنْ} مؤكِّدة.

{وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} ؛ أي: عنه، فحذف للعلم به، ووحِّد {تَسْبِقُ} بالتَّاء لظاهر كلمة {أُمَّةٍ} ، وجُمع في قوله:{يَسْتَأْخِرُونَ} بالواو والنُّون للمعنى.

والكلام

(2)

متصل بقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ؛ أي: العذابُ نازل بهم في وقته الذي جعلناه أجلًا له، أخرناها إليه لمَّا كان في علمنا إيمانَ مَن يخرج من أصلابهم، فإذا بلغ الكتاب أجله وجب العذاب على الكافرين ولم يتأخَّر عنهم.

وجملة المستثنى واقعةٌ حالًا من {قَرْيَةٍ} لأنها في معنى العموم قريبةٌ من المعرفة؛ إذ المراد: قرية من القرى.

وهذه الواو هي التي تعطي أنَّ الحالة بعدها في اللفظ هو قبلها في المعنى، ومنه قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73]، ومَن حملها على الصفة المذكورة

(3)

لكون القرية نكرةً، ثم قال: والقياس أن لا تتوسط الواو بين

(1)

"لهذا"من (م).

(2)

"والكلام" من (م).

(3)

"المذكورة" ليست في (ف). والمراد: جعَل جملة: {وَلَهَا كِتَابٌ} صفة لـ {قَرْيَةٍ} ، والقائل لذلك الزمخشري، حيث قال:{وَلَهَا كِتَابٌ} جملة واقعة صفة لـ {قَرْيَةٍ} ، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى:{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف

) إلى آخر ما قال مما سيأتي. انظر: "الكشاف"(2/ 570) وما سيأتي بين معكوفتين منه.

ص: 487

الصِّفة والموصوف، وإنما جيء بها لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف كما في الحال، تقول: جاءني زيد عليه ثوب، [و: جاءني] وعليه ثوب= فقد تعسَّف؛ لأنَّ الواو إنَّما جيء بها لئلَّا يشتبه الحال بالصفة، لتقدُّم الحال على النَّكرة، ألا ترى إلى قولهم: جاءني رجل وعليه درع، كيف التزموا فيه الإتيان بالواو دفعًا للاشتباه المذكور؟ فكذا هاهنا

(1)

.

ثمَّ إنَّ فيما اختاره فصلًا بين الصِّفة والموصوف بـ {إِلَّا} ، وهو غير جائزٍ، نصَّ عليه الأخفش وأبو عليٍّ الفارسي

(2)

.

* * *

(6) - {وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} .

{وَقَالُوا} يعني: مشركي مكَّة على وجه الاستهزاء: {يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} نداءٌ للرَّسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التَّهكُّم، ألا ترى إلى ما نُودي، وهو قولهم:

{إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} والتعكيس في الكلام للاستهزاء، والتَّهكُّمُ طريق واسعٌ، ونظيره قول فرعون:{قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27]، يعنون: أن ادِّعاءه لنزول الذِّكر عليه قول المجانين، والمراد من الذِّكر: القرآن.

* * *

(1)

"فكذا هاهنا" من (م).

(2)

انظر كلاميهما وتفصيل المسألة في "البحر"(13/ 231).

ص: 488

(7) - {لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

{لَوْمَا تَأْتِينَا} ؛ أي: هلَّا تأتينا، رُكِّبَ (ل) مع (ما)، كما ركب مع (لا) لمعنيَيْن: امتناعِ الشَّيء لوجود غيره

(1)

، والتَّحضيض.

والفرق بينهما: أن التحضيضية لا يليها إلَّا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والامتناعية لا يليها إلَّا الأسماء لفظًا أو تقديرًا عند البصريين.

{بِالْمَلَائِكَةِ} ليصدِّقوك ويشهدوا لك ويَعضُدوك على الإنذار، كقولهم:{لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7]، أو: ليعاقبونا على تكذيبنا إيَّاك كما أتى الأمَّةَ المكذِّبة مِنْ قَبلُ.

{إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} : إن كنت صادقًا في دعواك، أو: إن كنت من جملة تلك الرُّسل الصَّادقين في دعواهم.

* * *

(8) - {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} .

{مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ} بالياء مسندًا إلى ضمير اسم الله تعالى

(2)

.

وقرئ بالنُّون

(3)

، وهو مناسب لما تقدَّم وما تأخَّر من ألفاظ التَّعظيم، وقرئ

(1)

في (ف) و (ك): "لوجوده".

(2)

كذا تابع المؤلف البيضاوي في قوله: "بالياء مسندًا

"، وأورد عليه: أنَّ قراءة الياء لم يقرأ بها أحد من العشرة، ولم توجد في الشواذ أيضًا، بينما بنى البيضاوي تفسيره عليها، وحكى قراءة السبعة بصيغة التمريض. قال الآلوسي: وهو خلاف ما سلكه في تفسيره، ولعله رحمه الله قد سها. انظر: "حاشية الشهاب على البيضاوي" (5/ 284)، و"حاشية القونوي على البيضاوي" (11/ 122)، و"روح المعاني" (13/ 403).

(3)

قرأ بها حفص وحمزة والكسائي. انظر: "التيسير"(ص: 135).

ص: 489

بالتَّاء والبناء للمفعول ورفع {الْمَلَائِكَةَ}

(1)

، وقرئ:{نُنَزِّلُ}

(2)

بمعنى: تتنزَّل.

{إِلَّا بِالْحَقِّ} متعلق بالفعل قبله

(3)

، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: ملْتبسين بالحقِّ، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلَّا تنزيلًا ملتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالحكمة والصَّواب

(4)

، ولا حكمة في أن يأتيكم بصور تشاهدونها وتشهدون بصدقه؛ فإنه لا يزيدكم إلا لبسًا، كقوله:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9]، ولا في معاجلتكم

(5)

بالعقاب؛ فإنَّ منكم ومن ذراريكم مَن سبق له حكمنا بالإيمان.

وقيل: الحقُّ: الوحيُ، وقيل: العذاب.

{وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} جوابٌ لهم وجزاءُ شرطٍ

(6)

مقدَّر؛ أي: لو

(7)

أنزلنا الملائكة ما كانوا مُنْظَرين.

* * *

(9) - {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} رَدٌّ لإنكارهم واستهزائهم، ولهذا أكَّده بـ (إنَّ) والضَّميرِ وبناءِ الفعل عليه، وقرَّره بقوله:

(1)

قرأ بها أبو بكر علام عاصم. انظر: "التيسير"(ص: 135).

(2)

قرأ بها باقي السبعة. انظر المصدر السابق.

(3)

في النسخ: "بفعل قبله"، والصواب المثبت، والمراد:{نُنَزِّلْ} . انظر: "روح المعاني"(13/ 404).

(4)

في (ف) و (م): "والثواب".

(5)

في (م): "معالجتكم".

(6)

في (ك): "لشرط".

(7)

في (ك): "ولو".

ص: 490

{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ؛ أي: من الطَّعن والتَّحريف والزِّيادة والنُّقصان، بأنْ جعلناه مباينًا لكلام البشر، لا يخفى على أهل البلاغة إعجازُه وتغييرُ نظمه لو غُيِّرَ، بخلاف الكتب المتقدِّمة؛ فإنَّه تعالى لم يتولَّ حفظَها، واستحفظها الرَّبانيُّون والأحبار، ولم يجعلْ لفظها ونظمها معجزًا لا يمكن تغييرها

(1)

، فاختلفوا فيما بينهم وحرَّفوا وغيَّروا.

وقيل: الضَّمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

* * *

(10) - {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ} .

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ} ؛ أي: أرسلنا رسلًا. و {مِنْ قَبْلِكَ} يجوز أن يتعلَّق بـ {أَرْسَلْنَا} ، وأن يتعلق بالمحذوف على أنَّه نعتٌ له.

والشِّيع: جمع شيبة، وهي الفرقة المتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِن شاعه: إذا تبعه، وأصله الشِّياعُ، وهو الحطب الصِّغار تُوقَدُ بها الحطب

(2)

الكبار.

والمعنى: نبَّأنا رجالًا فيهم وجعلناهم رُسلًا فيما بينهم.

* * *

(11) - {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .

{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} كما يفعل هؤلاء، وهو تسليةٌ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

(1)

في (ك): "تغييرهما".

(2)

في (م): "حطب".

ص: 491

قيل: {وَمَا يَأْتِيهِمْ} حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ (ما) لا يدخل على مضارع إلَّا هو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلَّا هو قريب من الحال.

ورُدَّ عليه: بأنَّ (ما) يكثر دخوله على المضارع مر اداً به الحال، ويدخل عليه مرادًا به الاستقبال، كقوله تعالى:{مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15]، وأُنشِدَ شاهدًا له قول أبي ذؤيب:

أَوْدَى بَنيَّ وأَوْدَعونيْ حَسْرةً

عندَ الرُّقادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعُ

(1)

وقول الأعشى في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

له ناحلاتٌ مانعاتٌ نَوالها

وليس عطاءُ اليومِ مانِعَهُ غَدا

(2)

وقوله: {إِلَّا كَانُوا} يجوز أن يكون حالًا من مفعول {يَأْتِيهِمْ} ، ويجوز أن يكون صفة لـ {رَسُولٍ} ، ففيه وجهان؛ الجرُّ باعتبار اللَّفظ، والرَّفعُ باعتبار المحلِّ، وإذا كانت حالًا فهي حالٌ مقدَّرة.

* * *

(12) - {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} .

{كَذَلِكَ} : مثلَ ذلك السَّلْك {نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} والسَّلْك: إدخال

(1)

انظر: "شرح التسهيل"(1/ 31)، وروايته في "ديوان الهذليين" (ص: 2):

أودى بنيَّ وأعقبوني غُصَّة

بعد الرُّقاد وعبرة لا تقلع

(2)

انظر: "البحر"(13/)، وصدره فيه:

له نافلات ما يُغِبُّ نَوَالُها

وفي "شرح التسهيل"(1/ 31): (له نائلات .. )؛ وصدره في "ديوان الأعشى"(ص: 187):

له صدقات ما تغبُّ ونائلُ

ص: 492

الشيء في الشيء كالخيط في المِخْيَط، والرُّمحِ في المطعون، والضمير لـ {الذِّكْرَ} ، أي: ندخله في قلوبهم مكذَّباً مستهزأً به غير مقبول

(1)

، كالضَّمير الأخير في قوله:

(13) - {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} .

{لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} وهو حالٌ من هذا الضَّمير، أو بيانٌ للجملة

(2)

المتضمِّنة له، أو حال من {الْمُجْرِمِينَ} ، أو منهما، ولا ينافي كونَها

(3)

مفسِّرة للمعنى الأول، بل يقوِّيه، وتعاقُبُ الضمائر وإن لم يستلزم توافقها في المرجوع إليه لكنَّه مستحسَن لا يُعدل عنه عند سداد المعنى به.

{وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} استئناف، أي: قد مضت طريقتُهم التي سنَّها الله تعالى في إهلاكهم حين كذَّبوا الرُّسل وكذَّبوا الذِّكر المنزَل إليهم، وهو وعيدٌ لأهل مكَّة على تكذيبهم، فمَوقع هذا الكلام مَوقعُ الغاية في (سورة الشعراء)؛ أعني قوله:{حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88].

* * *

(14) - {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} .

{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} : على هؤلاء المقترحين المعاندين.

{بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} ؛ أي: يسَّرنا لهم معراجًا يصعدون فيه إليها طول النَّهار ويعاينون ما هنالك، وذكر الظُّلول ليكون عروجهم بالنَّهار مستوضِحين لِمَا يعاينون طوله.

(1)

في (ف): "باستهزاء به غير معقول".

(2)

في (ف): "الجملة". والمراد بها: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} .

(3)

في النسخ: "كونه"، والصواب المثبت. انظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 208).

ص: 493

(15) - {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} .

{لَقَالُوا} من غلوِّهم في العناد وتشكيكًا في الحقِّ:

{إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} : حُيِّرَتْ

(1)

من السُّكْر، ويدل عليه قراءة:(سَكِرَتْ)

(2)

؛ أي: حارت كما يَحار السكران، أو: حُبست، من السِّكْر

(3)

، ويدل عليه قراءته بالتَّخفيف

(4)

؛ أي: حُبست ومنعت من الإبصار كما يُحبَس النَّهر من الجري.

{بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} قد سَحَرَنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بذلك، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات؛ أي: هذا أمرٌ تخييليٌّ لا حقيقةَ له قد سكر أبصارَنا، بل سحرنا به

(5)

.

ومعنى {إِنَّمَا} : أنهم يبتُّون القول بأنَّ ذلك ليس إلا تسكير الأبصار، وهذا

(6)

معنى الإضراب في {بَلْ} ، وإيرادِ الجملة الاسمية؛ أي: قد سُحرنا سحرًا ثابتًا لا إفاقة معه.

* * *

(16) - {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} .

{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} هي الاثنا عشر المعروفةُ مختلفةُ الهيئات والخواصِّ على ما دلَّ عليه الرَّصد والتَّجربة، ومن زاد على هذا قوله: مع بساطتها، فقد ادَّعى ما دون إثباته خَرْطُ القَتادِ.

(1)

في (ك): "صيرت"، و في (ف):"خيرت".

(2)

نسبت للزهري.

انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 353)، و"البحر"(13/ 238).

(3)

بكسر السين، وهو السد والحبس. انظر:"البحر"(13/ 238).

(4)

هي قراءة ابن كثير بتخفيف الكاف، وشددها الباقون. انظر:"التيسير"(ص: 136).

(5)

"بل سحرنا به" من (م).

(6)

في (ف): "وكذا".

ص: 494

{وَزَيَّنَّاهَا} بالأشكال والهيئات البهيَّة {لِلنَّاظِرِينَ} : المعتبرين المستدِلِّين بها على قدرة مبدِعها وتوحيد صانعها.

* * *

(17) - {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} .

{وَحَفِظْنَاهَا} الضَّمير للسَّماء، وكذا في {وَزَيَّنَّاهَا} ؛ إذ لا وجه لتخصيص الزِّينة بالبروج.

{مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوسَ أهلها، ويتصرَّفَ في أمرها، ويطَّلع على أحوالها.

{رَجِيمٍ} : مرجوم بالنُّجوم؛ أي: مَرْميٍّ بها.

* * *

(18) - {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} .

{إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} في محلِّ النَّصب على الاستثناء المتَّصل.

واستراق السَّمع: اختلاسُه سرًّا، شُبِّهَتِ الخطفة اليسيرة التي للشَّياطين من سكان السماوات لبعض الغيب بما بينهم من المناسبة في الجواهر - أو بالاستدلال من أوضاعها وحركاتها - بالسَّرقة في المسموعات.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان الشياطين غيرَ محجوبين عن السماوات، فلمَّا بُعِثَ عيسى عليه السلام مُنِعوا من ثلاث سماوات، فلمَّا بُعِثَ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مُنِعوا منها جميعًا بالشُّهب

(1)

.

(1)

انظر: "تفسير الثعلبي"(3/ 481)، و"زاد المسير"(4/ 389).

ص: 495

ولا يقدح فيه تكوُّنها قبل المولد؛ لجواز أن يكون لها أسبابٌ أخر.

ويجوز أن تكون {مِنْ} في محل الرَّفع بالابتداء، وخبره:

{فَأَتْبَعَهُ} ؛ أي: طلب لحوقه، وإنما دخلت الفاء لأن {مِنْ} إمَّا شرطيَّة، وإمَّا موصولة مشبَّهة

(1)

بالشرطية، والاستثناء منقطع.

وقيل: إنه بدل من {كُلِّ شَيْطَانٍ} ، فيكون محلُّه الجرَّ.

وفيه: أنَّ الكلام موجَب فيحتاج إلى تأويله بالنَّفي، ولا ضرورة هاهنا، بخلاف قوله:{فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: 249]؛ فإنَّ فيه ضرورةً على قراءة الرفع، ومَن قال: أي: فتبعه ولحقه، فكأنَّه لم يفرِّق بين (تَبِعَه) و (أَتْبَعه)، والفرق قائم، يقال: أَتْبَعه إتباعًا: إذا طلب الثَّاني اللُّحوق بالأوَّل، وتَبِعه تبعًا: إذا مرَّ به فمضى معه، وكذلك اتَّبعه اتِّباعًا بالتَّشديد.

ثمَّ إنَّ ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما بعد قوله: منعوا منها جميعًا، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلَّا رُمِيَ بشهابٍ قبسٍ، فإنْ أصابَه أحرَقَه، وإنْ أخطأه خبَله، فصار غولًا يضلُّ النَّاسَ في البوادي

(2)

= صريح في عدم اعتبار اللُّحوق في الإتباع.

{شِهَابٌ مُبِينٌ} : ظاهر للمبصِرين.

والشِّهابُ: شعلةُ نارٍ ساطعةٌ، وإطلاقه على الكوكب والسِّنان بطريق الاستعارة؛ لِمَا فيها من البريق

(3)

.

(1)

في (ك) و (م): "شبهت".

(2)

انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (12/ 566 - 567)، و"تفسير الرازي"(19/ 130).

(3)

في (ف): "البرق".

ص: 496

(19) - {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} .

{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} : بسَطناها؛ ليحصل بها الانتفاع لمن حلَّها.

وقيل: المدُّ هو البسط؛ أي: ما لا يُدرك منتهاه

(1)

.

ولما كانت هذه الجملة تقدمها جملة فعلية كان النصب على الاشتغال أرجحَ من الرَّفع على الابتداء، فلذلك نصب {وَالْأَرْضَ} .

{وَأَلْقَيْنَا} : طرَحنا، وإنما قال:{فِيهَا} دون (عليها)؛ لدفع ما يتبادر إلى الفهم من [أنَّ]

(2)

إلقاء الجبال إلقاؤها على الأرض من الخارج، وبيانِ أنَّ المراد تكوُّنها فيها على وجه يتظاهر كأنَّها ملقاةٌ عليها.

{رَوَاسِيَ} : جبالًا ثوابت، وقد مرَّ ما يتعلق به في تفسير (سورة الرعد).

{وَأَنْبَتْنَا فِيهَا} ؛ أي: في الأرض.

والإنبات في الجبال يندرج في الإنبات في الأرض بدون العكس، فلا حاجة إلى الجمع، ولا وجه لعود الضمير إلى الجبال خاصَّة

(3)

.

{مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} لفظة {كُلِّ} للتَّكثير والتَّفخيم، لا للإحاطة والتَّعميم، وقد مَرَّ نظائرها.

{مَوْزُونٍ} بميزان الحكمة مقدَّرٍ بقَدْر تقتضيه، أو: مستحسَنٍ مناسب،

(1)

في (ف): "ما لا يدرى أنى منتهاه".

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

في (ف) و (ك): "والإنبات في الجبال يندرج، ولا وجه لإرجاع الضمير إلى الجبال خاصة، فلا حاجة إلى الجمع في الإنبات في الأرض بدون العكس"، والمثبت من (م).

ص: 497

كقولهم: كلام موزون، أو: ذي

(1)

قَدْر ووَقعٍ في باب النِّعمة والمنفعة

(2)

.

* * *

(20) - {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} .

{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} قد مرَّ تفسيره في (سورة الأعراف).

{وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} نصب عطفًا على {لَكُمْ} ، لا على الضمير المجرور، وإلَّا لوجب إعادة الجارّ؛ أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومَن لستم له برازقين من العيال والخدم والمماليك والأنعام والدَّوابِّ ممن تظنُّون أنَّكم رازقوهم ظنًّا كاذبًا، والله يرزقكم وإيَّاهم.

أو على {مَعَايِشَ} ؛ أي: وجعلنا فيها مَن لستم له برازقين ممَّا ذُكِرَ؛ فإنَّها من معايشكم.

وفذلكة الآية: الاستدلال بجعل الأرض ممدودةً بمقدارٍ وشكلٍ معيَّن، مختلفةَ الأجزاء في الوضع، محدثةً فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خِلقةً وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على

(3)

كمال قدرته تعالى، وتناهي حكمته، والتَّفرُّدِ في الألوهيَّة، والامتنانِ على العباد بما أنعم الله عليهم في ذلك ليوحِّدوه ويعبدوه، ثم بالغَ في ذلك فقال:

* * *

(1)

في (ك) و (م): "أي ذو".

(2)

انظر: "تفسير البيضاوي"(3/ 2081)، وفيه بعد (كلام موزون):(أو ما يوزن ويقدر أو له وزن في أبواب النعمة والمنفعة).

(3)

"على" متعلق بقوله: "الاستدلال".

ص: 498

(21) - {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} .

{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ {مِنْ شَيْءٍ} في محلِّ الرَّفع مبتدأ، خبره

(1)

{عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} و {مِنْ} زائدة لتأكيد العموم.

الخزائن: جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن - أي: يحفظ - فيه نفائس الأموال.

شبَّه معلوماته تعالى الممكنةِ التي إذا تعلقت الإرادة بها وُجِدَتْ بقدرته بالأشياء المخزونة في الخزائن، فهي استعارة.

وقيل: ضرب ذلك مثلًا لاقتداره في كلِّ مقدور وإيجاده وتكوينه بحسَب الإرادة؛ أي: ما من شيء من الأشياء الممكِنة إلَّا ونحن قادرون على إيجاد أضعاف ما وجد منه.

{وَمَا نُنَزِّلُهُ} ؛ أي: نكوِّنه ونُوجده في العالم السُّفلي.

{إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} إلا بمقدار معيَّن، وقد عيَّنته الحكمة، واقتضته المشيئة، فإنَّ تخصيص

(2)

كلٍّ منها بصفةٍ دون أخرى، وشكلٍ ومقدارٍ ووقتٍ معيَّنٍ دون ما يخالفها، لا بُدَّ له من مخصِّصٍ حكيمٍ.

* * *

(22) - {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} .

{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ} فيه إشارة إلى أنَّ مقتضى طبع الرِّيح الهُبوب، وإنَّما يركُد بالقسر الإلهي لِمَا في هبوبه الزَّائد عن قَدْر الحاجة مفسَدةٌ عظيمةٌ.

(1)

في (ف): "خبره".

(2)

في (ف): "تخصص".

ص: 499

{لَوَاقِحَ} : حواملَ، أو: ملقِحاتٍ للشَّجر والسَّحاب، ونظيره: الطَّوائح بمعنى المَطاوح، جمع مُطيحة، كقوله:

ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيْحُ الطَّوائِحُ

(1)

أي: المطيحات، شبَّه الرِّيحَ التي جاءت بخير كإنشاء سحابٍ ماطرٍ

(2)

وإنبات زرعٍ وعشب بالحامل، كما شَبَّه ما لا يكون كذلك بالعقيم.

وقرئ: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ} على تأويل الجنس

(3)

.

{فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ} قد مرَّ تفصيله في تفسير (سورة البقرة).

{فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}

(4)

: فجعلناه لكم سُقْيا.

{وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} نفيٌ لما أثبته لنفسه في قوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} عنهم، كأنَّه قال: نحن الخازنون للماء لا أنتم؛ أي: نحن القادرون على خزنه في السَّحاب وإنزاله، وما أنتم عليه بقادرين، دلالةً باهرة على عظيم قدرته، وإظهارًا لعجزهم.

وقيل: معنى {وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} في الغدران والعيون والآبار.

* * *

(1)

اختلف في نسبته. فنسب في "الكتاب" لسيبويه (1/ 288) للحارث بن نهيك، وفي "مجاز القرآن"(1/ 349) لنهشل بن حري، وبلا نسبة في "المقتضب"(3/ 282)، و"الخصائص" (2/ 353). وصدره:

ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ

(2)

في (ك) و (م): "السحاب الماطر".

(3)

هي قراءة حمزة. انظر: "التيسير"(ص: 78).

(4)

"فجعلناه لكم سقيًا" زيادة من (ك) و (م).

ص: 500

(23) - {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} .

{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} تقديم الضَّمير للاختصاص، وتكريره وتأكيده بـ {إِنَّ} للحصر والتَّقوية؛ أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة

(1)

إلَّا لنا.

ويجوز أنْ يُرادَ بالحياةِ ما يعمُّ الحيوان والنَّبات، وبالموت ما يقابله.

{وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} : الباقون بعد فناء الخلق كلِّه، استُعير الوارث للباقي، من وارث الميت؛ لأنَّه يبقى بعد فنائه.

* * *

(24) - {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} .

{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} : مَن استَقْدَم ولادةً وموتًا، ومَنْ تأخَّرَ مِنَ الأوَّلين والآخِرين فيهما.

أو: مَنْ خرج مِنْ أصلاب الرِّجال ومَنْ لم يخرج بعدُز.

أو: مَنْ تقدَّم في الإسلام والجهاد وسبقَ إلى الطَّاعة ومَن تأخَّر، لا يخفي علينا من أحوالكم شيءٌ، فهو بيانٌ لكمال علمه تعالى بعد الاحتجاج على كمال قدرته، وقد دلَّ على علمه أيضًا ما دلَّ على قدرته.

وقيل: رَغَّبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الصَّف الأوَّل في الصَّلاة، فازدحموا عليه، فنزلت

(2)

.

(1)

"والإماتة" من (م).

(2)

روي عن الربيع بن أنس كما في "تفسير الثعلبي"(5/ 338)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: 276).

ص: 501

وقيل: إنَّ امرأة حسناء كانت في المصلِّيات خلفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقدم بعضُ القوم لئلَّا يقعَ بصره عليها، واستأخر بعضُهم ليبصرها، فنزلت

(1)

.

وما تقدَّم من الوجوه والذي يتلوه هو المطابق للسَّابق واللَّاحق.

* * *

(25) - {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} .

{وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} الحشر: جمع الحيوان من جهات شتَّى إلى مكان؛ أي: هو

(2)

وحده يقدر على حشرهم وحصرهم مع تباعد أطراف عددهم.

وتصدير الجملة بـ (إنَّ) لتحقيق الوعد، والتَّنبيهِ على أنَّ ما سبق من الدَّليل على كمال قدرته تعالى وعلمه يدلُّ على صحَّة هذا الحكم، كما صرَّح به في قوله:

{إِنَّهُ حَكِيمٌ} : باهر

(3)

الحكمة، متفنِّنٌ

(4)

في أفعالِه.

{عَلِيمٌ} ؛ أي: واسع العلم، يحيط بكلّ شيءٍ علمًا.

* * *

(26) - {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} .

(1)

رواه الترمذي (3122)، والنسائي (870)، وابن ماجه (1046) عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. ورواه الترمذي عن أبي الجوزاء دون ذكر ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب جدا وفيه نكارة شديدة.

(2)

"هو" من (م).

(3)

في (م): "أي باهر".

(4)

في (ك): "متقن".

ص: 502

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ} لَمَّا نبَّه تعالى على منتهى الخلق - وهو الحشر يوم القيامة؛ أي: ما يستقرُّون فيه - نبَّههم

(1)

على مبدأ أصلِهم.

والصَّلصالُ: الطين اليابس الذي يُصلصِل لشدَّة يبسه، وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخَّار، وقيل: إذا سمع في صوته مَدٌّ عند النَّقر فهو صليل، وإذا سمع ترجيع فهو صلصلة، وقيل: هو تضعيف (صَلَّ): إذا أنتن.

{مِنْ حَمَإٍ} صفة {صَلْصَالٍ} ؛ أي: كائنٍ من حمأ، ويجوز أن يكون بدلًا من {صَلْصَالٍ} بإعادة الجارّ.

والحمأُ: طينٌ تغيَّر واسودَّ من طولِ مجاورةِ الماءِ.

{مَسْنُونٍ} : مصبوبٍ مفرَّغٍ، من سَنَّ الماء: إذا صبَّه؛ أي: أُفرغ صورةَ إنسان كما تُفرغ الصورة والتَّماثيل من الجواهر المذابة، كأنه أَفرغ الحمأ فصوَّر منها تمثال إنسان أجوفَ، فيبس حتى إذا نُقر صلصل، ثم غيَّر ذلك طورًا بعد طورٍ حتى سوَّاه ونفخ فيه من روحه.

* * *

(27) - {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} .

{وَالْجَانَّ} : أبو الجنِّ إبليس

(2)

، كما أنَّ اَدم عليه السلام أبو الإنس، ويجوز أن يُرادَ به الجنس، كما هو الظَّاهر من {الْإِنْسَانَ} ، فإنَّ تشعُّب الجنس لما كان من شخصٍ واحدٍ خُلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقًا منها.

وانتصابه بفعل يفسِّره: {خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ} : من قبلِ خلق الإنسان.

(1)

في (م): "نبأهم".

(2)

"إبليس" سقط من (م) و (ك).

ص: 503

{مِنْ نَارِ السَّمُومِ} : من نار الحرِّ الشَّديد النافذ في المسام، وهذا باعتبار الغالب، كقوله:{خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الروم: 20]، ولا يمتنِع خلقُ الحياة في الأجرام البسيطة، كما لا يمتنِع خلقها في الجواهر المجرَّدة، فضلًا عن الأجساد المؤلفة التي الغالبُ فيها الجزء النَّاري، فإنها أقبلُ لها من الغالب فيها الجزءُ الأرضي.

ومساق الآية كما هو للدّلالة على كمال قدرة الله تعالى، وبيانِ بدء خلق الثَّقلَين، فهو للتَّنبيه على المقدِّمة الثَّانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قَبول الموادِّ للجمع والإحياء.

* * *

(28) - {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} .

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} اذكُرْ وقتَ قولِه: {لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} إنما قال هاهنا {بَشَرًا} ؛ لأنَّ المراد الجسد الخالي عن الرُّوح، والمراد فيما سبق جنس الإنس، ولم يقصد خلوَّه عن الرُّوح، فلذلك عبَّر عنه ثمَّة بـ {الْإِنْسَانَ} .

* * *

(29) - {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} .

{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} : عدَّلْتُ خِلقته وهيأتُه لنفخ الرُّوح فيه.

{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} ؛ أي: أحييته، وهو تمثيل لتحصيل ما تحيى به جثَّته فيه، وما ثمَّةَ نفخٌ ولا منفوخ، لكن لَمَّا كان ظهور الرُّوح الإنساني المخصوص بالله تعالى فيه إنما هو بفيضان القوَّة الحيوانيَّة على البخار اللَّطيف المتولِّد في القلب الساري

ص: 504

منه في الشَّرايين إلى سائر أعضاء البدن عبَّرَ عن إحيائه بنفخ الرُّوح، فإنَّ النَّفخ إنما هو إجراء الرِّيح

(1)

في تجويف جسم آخرٍ.

وإضافة الرُّوح إلى نفسه لأنّه مصدَر نه بلا واسطةٍ.

{فَقَعُوا لَهُ} : فاسقطوا له {سَاجِدِينَ} : أمرٌ من وقَعَ يَقَعُ.

* * *

(30) - {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} .

{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ} تعلُّقه لأمرٍ منجَزٍ مذكورٍ في مواضع أُخر، وقد قرَّرناه في تفسير (سورة الأعراف)، لا لأمرٍ معلَّقٍ مذكورٍ هاهنا، فالفاء فصيحة

(2)

للعطف على محذوفٍ، تقديره ظاهرٌ لمن وقف على الأمر التَّنجيزي.

{أَجْمَعُونَ} أكَّدَ بتأكيدَيْن للمبالغة في التَّعميم ومنع التَّخصيص، هذا على قول سيبويه

(3)

.

وعن المبرِّد: أكَّد بالكُلِّ للإحاطة، وبـ (أجمعين) للدَّلالة على أنَّهم سجدوا دفعة واحدة.

وردَّه الزَّجَّاج بأنَّ (أجمعين) معرفة، فلا يكون حالًا

(4)

.

(1)

في (ك): "إجزاء الروح".

(2)

في (م): "الفصيحة".

(3)

انظر: "الكتاب"(2/ 387).

(4)

انظر: "معاني القرآن" للزجاج (3/ 179). وجاء في هامش (م): "قيل: فيه إشارة إلى الرَّد على البيضاوي حيث قال بعد ما نقل عن المبرد: فيه نظر؛ إذ لو كان الأمر كذلك كان الثَّاني حالًا لا تأكيدًا. انتهى. أقول: مراد القاضي البيضاوي كان الثاني حالًا، إذ فيه تأسيس، والحال أنه لا يكون حالًا لأنَّه معرفة؛ يعني مراد الفاضل القاضي أنَّ اللَّازم نظر، والملزوم مثله. منه. =

ص: 505

{إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} .

{إِلَّا إِبْلِيسَ} استثناء متَّصل، وقد سبق وجهه في سورة البقرة والأعراف.

{أَبَى} استئناف، كأن سائلًا قال: هلَّا سجد، فقيل: أبى.

{أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} في عبارة {مَعَ} إشارةٌ إلى أنَّ إبليس كان في حيِّز التَّابعين في أمر السُّجود، ومع ذلك استكبر، ولا يخفى لطف موقع هذه الإشارة حيث كان الكلام في تقبيح حاله.

* * *

(32) - {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} .

{قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ} : أيُّ غرضٍ لك في أن لا تكون {مَعَ السَّاجِدِينَ} لآدم.

* * *

(33) - {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} .

{قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ} اللَّام لتأكيد النَّفي؛ أي: لا يصحُّ منِّي، وينافي حالي أن أسجد {لِبَشَرٍ} جسمانيٍّ كثيفٍ، وأنا روحانيٌ لطيفٌ.

= ويمكن الجواب من جانب المبرِّد أنّ وضعَ لفظ (كل) و (أجمعين) للتَّأكيد، وكل واحد منهما تأكيد للملائكة من جهة مستقلَّة، وذلك أن الإحاطة تفهم من قوله تعالى:{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ} فيكون قوله: {كُلُّهُمْ} تأكيدًا من حيث الإحاطة كما في قولهم: جاءني القوم كلهم، وأيضًا يفهم من قوله تعالى:{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ} سجدتهم مجتمعين دفعة، فيكون قوله تعالى:{أَجْمَعُونَ} تأكيدًا من حيث الدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة كما في قولهم: جاءني القوم أجمعون، فعلى هذا ليس فيه تأسيس حتى لا يكون تأكيدًا بل حالًا. هداية الله عمر من خطه".

ص: 506

{خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} ؛ أي: خلقتَه من أخسِّ الأجرامِ، وأنا مخلوق من أشرفها، استنقَص آدمَ عليه السلام باعتبار النَّوع والأصل، وقد سبق الجواب عنه.

* * *

(34) - {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} .

{قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا} : من السَّماء أو من

(1)

الجنَّة.

{فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} : مطرودٌ من رحمة الله تعالى، أي: ملعونٌ لأن الطَّرد من الرَّحمة هو اللَّعن، والرَّجم في الأصل هو الرَّمي بالحجارة

(2)

، وجُعل الرَّجم طردًا لأنَّ مَنْ يُطرَد يُرْجَم بالحجارة.

وقيل: مِن الشَّياطين المرجومين بالشُّهب، وهذا ليس جوابًا عن الشُّبهة على سبيل التَّصريح، بل هو جوابٌ على سبيل التَّنبيه، وذلك أنَّ الذي قاله

(3)

تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النَّص بالقياس كان رجيمًا ملعونًا.

* * *

(35) - {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} .

{وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} هو الإبعاد والطرد.

{إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} جعلَه منتهَى أمد

(4)

اللَّعن، لا بمعنى أنَّه ينقطع عنده، بل

(1)

"من "من (م).

(2)

"بالحجارة" من (م).

(3)

في (ك): "قاسه".

(4)

في (ك): "أمر".

ص: 507

بمعنى أن الإغواء الموجِب للَّعن على لسان المكلَّفين ينقضي بانقضاء التَكليف وقتَ الجزاء، فينقطع ذلك اللَّعن، ثمَّ يُجازَى بما يَنسى معه اللَّعن، ويستحقُّه

(1)

من أنواع العذاب، وإلَّا فاللَّعن في القيامة منصوصٌ عليه في مواضعَ من كلام الله تعالى، كقوله:{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [العنكبوت: 25]، {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: 38]، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44].

وقيل

(2)

: حُدَّ اللَّعنُ به لأنّه أبعدُ غايةٍ يضربها النَّاس في التَّأبيد، كقوله:{مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 107].

* * *

(36) - {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} .

{قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي} : فأخِّرني، والفاء متعلِّقة بمحذوفٍ دلَّ عليه سياق الكلام تقديره: فإذا جعلْتَني رجيمًا إلى يوم القيامة فأنظرني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} إنَّما سأل الإنظارَ

(3)

طلبًا للإمهال في العقوبة.

قيل: أراد أن يجد فُسْحةً في الإغواء، أو نجاةً عن الموت؛ إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأوَّل دون الثَّاني. وما ذكرنا أهمُّ، وهو مستلزِم لما ذكره أوَّلًا، وأمَّا ما ذكره ثانيًا فمبناه ضعيف على ما ستقف عليه.

* * *

(1)

في (ف) و (ك): "ويستحق".

(2)

في (ف): "قيل".

(3)

"إنما سأل الإنظار" زيادة من (م).

ص: 508

(37) - {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} .

{قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} الفاء للعطف على محذوفٍ تقديرُه: لا حاجة إلى السُّؤال؛ فإنَّك من الذين اقتضى حكمة التَّكليف إنظارَهم، فكان فيها تنبيه

(1)

على أنَّه لا إجابة له ولا كرامة من جهة الإسعاف لبعض سؤاله.

* * *

(38) - {إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} .

{إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} هذا و (يوم الدِّين) و (يوم يبعثون) واحد، إلا أنَّه خولف بين العبارات قضاءً لحقِّ البلاغة في الكلام، فعبَّر عنه أوَّلًا بيوم الجزاء لِمَا عرفْتَ، وثانيًا بيوم البعث لأنَّه المناسب لغرض اللَّعين، وثالثًا بيومِ الوقت المعلوم لوقوعه في الكلامَيْن.

وزيادة الوقت للتَّنبيه على أنَّ التَّأخير إلى ذلك اليوم لا يقتضي نجاته؛ لأنَّه زمانٌ ممتدٌّ، والبعث في بعض أوقاته، فيجوز أن يموت في أوَّله ثم يُبعَث مع سائر الخلائق في وقت البعث.

وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطةٍ لم تدلَّ على كرامته عند الله تعالى؛ لأنَّه على سبيل الإهانة والإذلال.

* * *

(39) - {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} .

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} الباء للسبب، و (ما) مصدريَّة؛ أي: بعد أن أمهلْتَني لأجتهدنَّ في إغوائهم بأيِّ طريقٍ يمكنني بسبب إغوائك إيايَّ بواسطتهم.

(1)

في (ك): "تنبيهًا".

ص: 509

وقيل: الباء للقسم، ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر:{فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82]، والقصَّةُ واحدةٌ، وهو صريحٌ في أنَّ القسم بصفة الذَّات، فمَن قال: والمعنى: أقسم بإغوائك إيَّايَّ، ثم قال: وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلافٌ = فقد أخطأ في الأوَّل، ولم يصب في الثَّاني؛ لأنَّ الخلاف للفقهاء ونزاعَهم في أنَّه يمين يترتَّب عليها أحكامها من الكفَّارة وغير ذلك، لا في اليمين المتعارف، فإنَّه لا خلاف في أنَّ

(1)

اسم الحَلِف في عُرف العرب يقع عليه، وهو متعارف عندهم، ولهذا وردَ النَّهيُ عن الحلف بالآباء، وعدَّه الأصحاب مكروهًا، فالكلام المذكور لا مساسَ له لهذا المقام.

{لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: لأزِّيننَّ لهم المعاصيَ في الدُّنيا التي هي دار الغرور، كقوله:{أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} [الأعراف: 176].

وقيل: ومعنى تقييد التَّزيين بقوله: {فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: قدرتُ على تزيين الأكل من الشَّجرة لآدم عليه السلام في السَّماء

(2)

فلَأَنْ أقدر على تزيين المعاصي لذرِّيته في الأرض أولى.

{وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} : ولأحملنَّهم على الغواية.

* * *

(40) - {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} .

{إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} ؛ أي: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وطهَّرهم عن الشَّوائب.

(1)

في (ف) و (ك): "أنه".

(2)

"في السماء" من (م).

ص: 510

وقرئ بكسر اللام

(1)

؛ أي: الذين أخلصوا نفوسهم ودينَهم لله تعالى.

وكان يكفيه أن يقوله: (إلا المخلصين منهم) فزاد قوله: {عِبَادَكَ} ؛ إشارةً إلى وجه خلاصهم عن إغوائه، وهو اختصاصهم بالله تعالى من جهة العبودية، وتوطئةً لتوصيفهم بالوصف المذكور.

* * *

(41) - {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} .

{قَالَ هَذَا} إشارة إلى ما تضمَّنه الاستثناء، وهو تخلُّص المخلَصين من إغوائه، أو إلى الإخلاص.

{صِرَاطٌ عَلَيَّ} ؛ أي: تخلُّصهم من إغوائك وانتفاءُ سلطانك عليهم حقٌّ عليَّ أن أراعيَه، أو الإخلاص طريق عليَّ، بمعنى: يؤدِّي إلى الوصول إليَّ والدُّخول عليَّ.

وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة، والشَهادةِ باستعلاءِ مَن ثبت عليه، فهو أدلُّ على التَّمكين من الوصول، فهو تمثيل؛ إذ لا استعلاء لشيءٍ عليه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.

{مُسْتَقِيمٌ} من غير اعوجاجٍ، أو هذا الصِّراطُ حقٌّ عليَّ أنْ أراعيَه، وهو أن لا يكون لك سلطانٌ على عبادي، فقوله تعالى:

(42 - 43) - {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} .

{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير للصِّراط المشار إليه بهذا على طريق الاستئناف.

(1)

قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ الباقون بفتحها. انظر:"التيسير"(ص: 128).

ص: 511

وقرئ: {عَلِيٌّ} مِن عُلُوِّ الشَّرفِ والمكانةِ

(1)

.

وفي القول المذكور ردٌّ لما أَوهمَ اللَّعين مِن أنَّه إنَّما استثنى المخلَصين رعايةً لشرف تقرُّبهم من الله تعالى.

والإضافة في {عِبَادِي} للتَّشريف؛ يعني: إنَّ المخلصين بعبادتي المشرَّفين بالانتساب إليَّ لا قدرةَ لكَ على إغوائهم، فالاستثناء في قوله:

{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} منقطعٌ؛ أي: لكن مَن اتَّبعك من الغاوين فلكَ عليهم سُلطان، والواو في قوله:{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ} ؛ أي: لموعدُ المتَّبِعين، للعطفِ على المحذوف المذكور

(2)

.

وأمَّا ما قيل: إنه تكذيبٌ له فيما أَوهم أنَّ له سلطانًا

(3)

على مَن ليس بمخلِصٍ

(4)

من عباده، فإنَّ منتهى أمره التَّحريض والتَّدليس، كما قال:{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22]، فلا يخفى بعدُه؛ لأنّه إنْ أُريْدَ بالسُّلطان: القدرة على الإغواء والضَّلال، فلا وجه للتَّكذيب له، وإنْ أُريْدَ به: ما أراده في القول المنقول عنه من القدرة القاهرة، فكلامه خلوٌ عن إيهامه، ثمَّ إنَّ مبناه على انقطاع الاستثناء مع صحَّة التَّناول في المستثنى منه للمستثنى، ولا يخفى ما فيه؛ فإنَّ حقَّ الاستثناء على تقدير العموم في المستثنى منه

(5)

الاتِّصال، كما ذهب إليه مَنْ قال: إنَّه

(1)

قرأ بها يعقوب من العشرة. انظر: "النشر"(2/ 301).

(2)

"المذكور" من (م).

(3)

في النسخ: "أوهم أنه سلطان"، والمثبت من "تفسير البيضاوي"(3/ 212).

(4)

في (ف): "بمخلصين".

(5)

"منه": سقط من (م) و (ك).

ص: 512

تصديقٌ لإبليس فيما استثناه

(1)

، ولا يذهبْ عليك أنَّ خطابه بالتَّصديق فيما قاله لا يخلو عن نوعِ إجلالٍ له، فلا يناسب مقام الإهانة والإذلال.

{أَجْمَعِينَ} تأكيد للضَّمير، أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدرًا على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسمَ مكان فإنَّه لا يعمل.

* * *

(44) - {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} .

{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} بحسب طبقاتها، استئناف، أو خبر ثانٍ، ومَن قال: يدخلون فيها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم لم يصب في واحدٍ منهما، أما في الثَّاني فظاهر؛ لأنَّ الأبواب مداخل تلك الطَّبقات لأنفسها، وأمَّا في الأوَّل فلأنَّ مبناه على أن يكون التَّعدد في المداخل

(2)

فقط، وليس كذلك، قال عليٌّ رضي الله عنه: إن الله تعالى وضع الجِنَان على العرض، ووضع دَرَكَات النِّيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنَّم، وفوقها اللَّظى، وفوقها الحُطَمة، وفوقها سَقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السَّعير، وفوقها الهاوية

(3)

.

ومَنْ وهَم عكس التَّرتيب فقد وهِم.

{لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ} : من الأتباع {جُزْءٌ مَقْسُومٌ} أُفرز له، فأعلاها للموحِّدين، والثَّانيةُ لليهود، والثالثة للنصارى - وروي أنَّ الثَّانية للنَّصارى والثالثةَ لليهود - والرَّابعة للصَّابئين، والخامسة للمجوس، والسَّادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، قال الله

(1)

في (م): "استثنا".

(2)

في (ك) و (م): "المدخل".

(3)

انظر: "تفسير الثعلبي"(5/ 342).

ص: 513

تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]

(1)

. وهذا صريحٌ في أنَّها دَرَكَاتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ.

وبما قرَّرناه ظهرَ أنَّ تخصيصَ العدد لأنَّ أهلها سبعُ فرقٍ، لانحصار مجامع المهلكات في الرُّكون إلى المحسوسات، ومتابعةِ القوَّة الشهوانيَّة والغضبيَّة.

وقرئ: {جُزْءٌ} بالتَّثقيل

(2)

، وقرئ:{جُزٌّ} على حذف الهمزة وإلقاء حركته على الزَّاي ثم الوقف عليه بالتَّشديد، ثم إجراء الوصل مجرى الوقف

(3)

.

و {مِنْهُمْ} حالٌ منه، أو من المستكنِّ في الظَّرف، لا في {مَقْسُومٌ}

(4)

؛ لأنَّ الصِّفة لا تعمل فيما تقدَّم على موصوفها.

* * *

(45) - {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} .

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ} من اتِّباعه، مَن قال: في الكفر

(5)

والفواحش فإنَّ غيرها مكفَّرة. فكأنَّه غفل عن اشتراط كفارة الصَّغائر بالاجتناب عن الكبائر.

{فِي جَنَّاتٍ} قد سبق في تفسير

(6)

سورة البقرة: أنَّ الجِنَان أيضًا سبعٌ، وفي كلِّ واحدة منها مراقب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال.

(1)

ذكره الثعلبي عن الضحاك. انظر: "تفسير الثعلبي"(5/ 342).

(2)

يعني: بضم الزاي، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. انظر:"التيسير"(ص: 82).

(3)

قرأ بها أبو جعفر المدني من العشرة. انظر: "النشر"(1/ 432).

(4)

في (ف) و (م): "المقسوم".

(5)

أي: (من اتِّباعه في الكفر

)، والقائل البيضاوي. انظر:"تفسير البيضاوي"(3/ 212).

(6)

في (ك) و (م): "سبق تفسيره في".

ص: 514

{وَعُيُونٍ} يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكورة في قوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15]، وأن تكون منابع مغايرة

(1)

لتلك الأنهار.

* * *

(46) - {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} .

{ادْخُلُوهَا} على إرادة القول، وقرئ بقطع الهمزة وكسر الخاء

(2)

، على أنه ماضي الإدخال.

{بِسَلَامٍ} : سالمين، أو: مسلَّمًا عليكم، أي: يسلِّم عليكم الملائكة.

{آمِنِينَ} من الآفات والعاهات، وأمَّا الزَّوال فالأمن عنه إنَّما يُعلَم من قوله:{وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48]، فلا وجه لدَرْجه في الأمن المراد هاهنا.

* * *

(47) - {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} .

{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} كان لبعضهم في الدُّنيا على آخر، نزعَ الله تعالى ذلك من قلوبهم بعد دخولهم الجنَّة، وطيَّب نفوسَهم.

روى أبو أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إنَّ أهلَ الجنَّةِ يدخلونَ

(1)

"مغايرة" سقط من (ك).

(2)

أي: (أُدْخِلُوها). ونسبت للحسن وليعقوب في رواية رويس، والمشهور عن يعقوب:{ادْخُلُوهَا} كقراءة الجمهور. انظر: "تفسير الثعلبي"(3/ 490)، و"النشر"(2/ 301).

ص: 515

الجنّةَ بما في صدورِهم مِنَ الشَّحناءِ والغِلِّ، فإذا ترافقوا وتقابلوا نزعَ اللهُ تعالى ذلك مِن صدورِهم، فذلك قولُه تعالى:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} الآية"

(1)

.

فمن وهَم أن ذلك النَّزعَ في الدنيا فقد وهِم.

وعن علي رضي الله عنه: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزُّبير منهم

(2)

.

والغِلُّ: الحقد الكامن في القلب، مِن انغلَّ في جوفه وتغلغل، فلا وجه لما قيل: من التَّحاسد على درجات الجنَّة ومراتب القُرْب.

{إِخْوَانًا} حال من الضمير المجرور في {صُدُورِهِمْ} ، وجاز ذلك لأنَّ المضاف جزء المضاف إليه، أو من فاعل {ادْخُلُوهَا} ، أو من الضمير في {آمِنِينَ} أو من الضمير في {جَنَّاتٍ} ، وكذا قوله:{عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} ويجوز أن يكونا صفتين لـ {إِخْوَانًا} ، أو حالين من ضميرهم لأنَّه بمعنى متصافِين، أو يكون {مُتَقَابِلِينَ} حالًا من المستتر في {عَلَى سُرُرٍ} .

* * *

(48) - {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} .

{لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} استئناف، أو حال بعد حال، أو حالٌ من الضمير في {مُتَقَابِلِينَ} .

والنَّصَبُ: الوهن الذي يَلحَق من التَّعب في العمل.

(1)

روى نحوه الطبري في "تفسيره"(14/ 75)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (12400) موقوفًا على أبي أمامة رضي الله عنه من طريق القاسم بن عبد الرحمن. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف.

(2)

رواه الصنعاني في "تفسيره"(2/ 229)، والإمام أحمد في "فضائل الصحابة"(1057).

ص: 516

{وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} نصٌّ في الخلود، وبه تتمُّ النِّعمة، ولَمَّا أتمَّ ذِكْرَ الوعد والوعيد رتَّبه بقوله:

(49 - 50) - {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} .

{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} تقريرًا لِمَا ذكر، وتمكينًا له في النُّفوس، وهو فذلكةٌ لذلك.

وفي ذكر المغفرة إيماءٌ إلى أنَّه لم يُرد بـ {الْمُتَّقِينَ} : الذين اجتنبوا الذُّنوب بأسرها كبيرها وصغيرها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: غفور لمن تاب، وعذابه لمن لم يتب

(1)

.

وفي توصيف ذاته بالغفران والرَّحمة دون التَّعذيب، والتَّأكيدِ بالضَّمير، وتعريفِ الاسمين، ترجيحٌ لجانب الوعد.

(51) - {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} .

وفي عطف: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} تحقيق لها بما يعتبرون به مما نزلَ بقوم لوطٍ عليه السلام من العذابِ، وإنجاء لوطٍ وآله.

* * *

(52) - {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} .

{إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا} ؛ أي: نسلِّم عليك، أو: سلَّمنا سلامًا، أو سَلِمْتَ سلامًا.

(1)

انظر: "تفسير الثعلبي"(5/ 343)، و"الكشاف"(2/ 580).

ص: 517

{قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} الوَجَلُ: اضطراب النَّفس لتوقُّع مكروه

(1)

، وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت، وقيل: لامتناعهم من الأكل.

* * *

(53) - {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} .

{قَالُوا لَا تَوْجَلْ} وقرئ: (لا تُوْجَلْ) بضم التَّاء

(2)

، من أَوجلَه: إذا أخافه.

وقرئ: (لا تَاجَلْ) و (لا تُواجَلْ)

(3)

من واجَله، بمعنى: أوجله.

{إِنَّا نُبَشِّرُكَ} استئناف في معنى التَّعليل للنَّهي عن الوَجَل؛ أي: إنك في محل الأمن والبِشارة، فإن المبشِّر

(4)

لا يُخاف منه.

وقرئ: {نُبَشِّرُكَ} بفتح النَّون والتَّخفيف

(5)

، من البِشر.

{بِغُلَامٍ} هو إسحاق عليه السلام، لقوله:{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} [هود: 71].

{عَلِيمٍ} بالدِّين، فأُدمج فيه الإشارةُ إلى نبوَّته كما ضمِّن قوله:{بِغُلَامٍ} البشارةَ بكون الولد ذكرًا.

* * *

(54) - {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} .

(1)

في (م): "مكروه كان".

(2)

نسبت للحسن. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 71).

(3)

نسبت الأولى لأبي معاذ، والثانية لأصحاب عبد الله. انظر:"المختصر في شواذ القراءات"(ص:71).

(4)

في (ف): "البشر".

(5)

وهي قراءة حمزة. انظر: "التيسير"(ص: 87 - 88).

ص: 518

{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ} مسُّ الكبر: كناية عن تغييره إيَّاه عن الحال التي يطمع في الولد إلى حال اليأس عنه، ومعنى الهمزة: التَّعجب والاستنكار؛ أي: البشارة بالولد مع كبر السنن أمرٌ

(1)

عجيبٌ مستنكَر في العادة، ولذلك أكده بقوله:

{فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} ؛ أي: فبأيِّ أعجوبة تبشرونني

(2)

؟! فإنَّ البِشارة بما لا يُتَصوَّر وقوعه في العادة كَلَا بشارةٍ، أو بشارة بغير شيء.

وقرئ {تُبَشِّرُونَ} بكسر النُّون والتَّشديد على إدغام نون الجمع في نون الوقاية، وبكسرها والتَّخفيف على حذف نون الجمع

(3)

، والأصل: تبشرونني.

* * *

(55) - {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} .

{قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} ؛ أي: بما هو محقَّق الوقوع، أو: باليقين الذي لا لَبْسَ فيه.

ويجوز أن يكون قوله: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} سؤالًا عن وجه البشارة وطريقته؛ أي: بأي طريقة تبشرونني بالولد، ولا طريق إلى هذه البِشارة في العادة؟ وعلى هذا يكون معنى قوله:{بِالْحَقِّ} : بطريقة هي الحقُّ، وهو قول الله تعالى ووعده.

(1)

في (م): "مع سنن الكبير أمر".

(2)

في (م): "تبشروني".

(3)

قرأ نافع: بكسر النون مخففة، وابن كثير بكسرها مشددة، والباقون بفتحها. انظر:"التيسير"(ص: 136).

ص: 519

{فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} : من الآيسين من

(1)

ذلك، فإنَّه القادر على إيجاد بشرٍ من غير أبوَيْن، فكيف من شيخ هرم وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة ولذلك:

(56) - {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} .

{قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} ؛ أي: المخطئون طريقَ المعرفة، فلا يعر فون كمال قدرته وسعة رحمته، كقوله تعالى:{إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]؛ أي: لم أستبعدْ ذلك قنوطًا من رحمته تعالى واستبعادًا من قدرته، بل استبعدته استعجابًا باعتبار العادة.

وقرئ

(2)

{يَقْنَطُ} بالحركات الثَّلاث

(3)

، وقرئ:(من القَنِطين) مِنْ قنطَ يقنَط

(4)

.

* * *

(57) - {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} .

{قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} ؛ أي: فما الأمرُ الجليل الذي بُعثتم له؟

تفريعٌ على ما عُلِمَ ممَّا تقدَّم مِنْ أنَّ كلَّ القصد من إرسالهم ليس البشارةَ لأنهم كانوا ذوي عدد، ولو لم يكن المقصود إلا البشارة لاكتُفي بالواحد كما اكتُفي به في

(1)

في (ك): "عن".

(2)

في (م): "قرئ".

(3)

قرأ النحويان والأعمش بكسر النون، وقرأ باقي السبعة بفتحها، وزيد بن علي والأشهب بضمها. انظر:"التيسير"(ص: 136)، و" المحتسب"(2/ 5).

(4)

نسبت إلى ابن وثاب وطلحة والأعمش. انظر: "المحرر الوجيز"(3/ 366)، و"البحر المحيط"(13/ 268).

ص: 520

بشارة زكريا ومريم، ولأنهم بشروه في أثناء إزالة الوجل، ولو كان المقصود هي وحدها لابتدؤوا بها، ولأنَّ نزول الملائكة يكون غالبًا للعذاب.

* * *

(58) - {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} .

{قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} أريدَ بهم معيَّنون، يدل عديه قولهم في سورة هود:{إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 70]، وإنَّما نكَّرها

(1)

هاهنا على سبيل الاستهانة بهم، كأنهم أُبهِموا أوَّلًا، ثم بُيِّنوا، فنُقل كلٌّ منهما في موضع اكتفاء بقَدْر الحاجة.

وفي الإشارة في توصيفهم بالمجرمين إلى أنَّ إرسالهم بالعذاب غنيٌّ عن العبارة عنه بقوله: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} [الذاريات: 33] الواقع في موضعٍ آخر، فكأنهم قالوا: إنا أرسلنا بالعذاب إلى قوم مجرمين.

والمجرم: المنقطِع عن الحقِّ إلى الباطل.

* * *

(59) - {إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} .

{إِلَّا آلَ لُوطٍ} استثناء مُتَّصل من الضَّمير في {مُجْرِمِينَ} أي: قومٍ أجرموا كلُّهم إلَّا آلَ لوطٍ، أو من {قَوْمٍ} على أن توصيفهم بالإجرام باعتبار الغالب، وعلى كِلَا التَّقديرَيْن: القوم والإرسال شاملان للمجرمين وآلِ لوط المؤمنين به عليه السلام، والمعنى: إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط وآله ليهلكوا قومه وينجو وأهلَه

(2)

إلا امرأته.

(1)

في (ك): "نكر".

(2)

في (ك): "أهله".

ص: 521

{إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ} ؛ أي: ممَّا يعذَّب به القوم.

{أَجْمَعِينَ} استئناف للجواب عن سؤال إبراهيم عليه السلام، وهو مذكور في موضع آخر بقوله:{قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ} [العنكبوت: 32]، وهذا القدْر من الاختلاف في أسلوب الكلام لا يضرُّ إذا كان المراد نقل خلاصة المعنى وحاصل المرام.

* * *

(60) - {إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} .

{إِلَّا امْرَأَتَهُ} استثناء من الضَّمير المجرور في {لَمُنَجُّوهُمْ} ، أو من {آلَ لُوطٍ} على أن يُجعل {لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} اعتراضًا.

{قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} {إِنَّهَا} كسرت لأجل اللَّام في خبرها، ولولاها لفتحَتْ، وهي معلِّقة لِمَا قبلها؛ لأنَّ فعل التَّقدير يعلَّق إجراءً له مجرى القَول؛ لأنَّ التَّقديرَ بمعنى القضاء قول، أو مجرى العلم إمِّا لكونه بمعناه، أو لكونه مترتِّبًا عليه، وأمَّا تضمينه معنى العلم فلا يجدي نفعًا؛ لبقاء معنى الفعلَيْن.

وأصل التَّقدير: جعلُ الشيء على مقدار غيره.

والغابر: الباقي، والمراد: البقاء في العقوبة.

وهذه الجملة من كلام الله تعالى ذكرَتْ تقريرًا للاستثناء الواقع في كلام الملائكة؛ لأنَّ قوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} صريحٌ فيه، والقصَّة واحدة، فلا مساغَ لأنْ يكون من كلام الملائكة، فالذين سَعوا في توجيه إسنادهم التقدير إلى أنفسهم بما لا يخلو عن نوعِ تعسُّفٍ لم يكن سعيهم مشكورًا.

* * *

ص: 522

(61) - {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ} .

{فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ} الفاء الفصيحة للعطف على محذوفٍ تقديرُه ظاهر بقرينة المقام وباقي الكلام.

* * *

(62) - {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} .

{قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} تُنْكِرُكُمْ نفسي، وأخاف أن تَطرقوني بِشَرٍّ.

* * *

(63) - {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} .

{قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} ؛ أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله وتخافه، بل جئناك بما يَسرُّك ويشفيك من أعدائك، وهو العذاب الذي تتوعَّدهم بنزوله، فيجادلونك فيه تكذيبًا لك، وقوله في سورة هود عليه السلام:{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} [هود: 80 - 81] لا يمكن توفيقه لهذه المقاولة إلا بحمل قوله عليه السلام هاهنا على تصوير الحال والتَّعبير عنها، وحمل ما نُقِلَ عنهم على نَقل مآل المعنى وحاصل الكلام.

* * *

(64) - {وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} .

{وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ} : باليقين من عذابهم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فيما أخبرناك به.

* * *

ص: 523

(65) - {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} .

{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} فاذهبْ بهم في اللَّيل.

قرئ: {فَأَسْرِ} بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى

(1)

، وقرئ:(فسِرْ) من السَّير

(2)

.

{بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} بطائفة منه، وقيل: من آخره، قال:

افتحي البابَ وانظري في النُّجومِ

كم علينا من قِطعِ ليلٍ بهيمِ

(3)

{وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} : وكنْ على إثرهم تذودهم؛ لئلا يتخلَّف منهم

(4)

أحد فيصيبَه العذاب؛ ولتكون مطَّلعًا عليهم وعلى أحوالهم، فلا يَشتغل قلبك بمن خلفك، ولا يصدر من أحدهم

(5)

هفوةٌ في تلك الحالة المهولة احتشامًا منك.

{وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} فيرى ما بهم من العذاب وَيرِقَّ لهم، أو يرى ما لا يطيقه من الهول فيبقى على مكانه دهشًا فيَهلِكَ، أو ينصرفَ فيصيبه العذاب.

وقيل: نهوا عن الالتفات إلى الأوطان والمألوفات تحسرًا عليها ليواطنوا نفوسهم على المهاجرة.

(1)

قرأ نافع وابن كثير بوصل الألف، والباقون بقطعها. انظر:"التيسير"(ص: 125).

(2)

انظر: "الصحاح"(مادة: قطع)، و"الكشاف"(2/ 583)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 214).

(3)

انظر: "الكشاف"(2/ 583).

(4)

في (م): "عنهم".

(5)

"من أحدهم" من (م).

ص: 524

ويجوز أن يكون النهي عن الالتفات كنايةً عن الأمر بتواتر السَّير واتِّصاله، وتركِ التَّواني والتَّوقف، فإنَّ الملتفِت لا بُدَّ له من أدنى وقفة وتوانٍ.

{وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} أي: حيث أمركم الله تعالى بالمضيِّ، وهو الشَّام أو مصر.

عدِّى {وَامْضُوا} إلى {حَيْثُ} بنفسه؛ لأنَّه ظرف مبهَم في الأمكنة، وكذا {تُؤْمَرُونَ} إلى ضميره المحذوف على الاتِّساع.

* * *

(66) - {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} .

{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ} ضمِّنَ {وَقَضَيْنَا} معنى أوصينا فعُدِّي بـ (إلى)، كأنَّه قيل: وأوصينا إليه مقضيًّا مبتوتًا

(1)

.

{ذَلِكَ الْأَمْرَ} مبهَم يفسِّره: {دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ} ومحلُّه النَّصب على البدل منه؛ أي: يُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، وفي إبهامه والإشارةِ إليه

(2)

بـ {ذَلِكَ} ثم تفسيرِه تفخيمٌ للأمر وتعظيمٌ له.

وقرئ: (إنَّ) بالكسر

(3)

على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ما ذلك الأمر؟ فقال: إن دابر

إلخ.

{مُصْبِحِينَ} : داخلين في الصُّبح، حال من {هَؤُلَاءِ} ، أو من الضمير

(1)

في (م): "مثبوتًا".

(2)

"إليه" من (م).

(3)

نسبت للأعمش. انظر: "المختصر في شواذ القراءات"(ص: 71).

ص: 525

في {مَقْطُوعٌ} ، وإنَّما جُمع حملًا على المعنى، فإنَّ {دَابِرَ هَؤُلَاءِ} في معنى: مُدْبري هؤلاء.

* * *

(67) - {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} .

{وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ} : سَدُوم {يَسْتَبْشِرُونَ} : بأضياف لوط عليه السلام؛ طمعًا فيهم.

* * *

(68) - {قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ} .

{قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي} الضَّيفُ في الأصل مصدر: ضاف يَضيف ضيفًا

(1)

: إذا أتى إنسانًا لطلبِ القِرى، وهو اسم يقع على الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، وإطلاق الضَّيف على الملائكة لكونه في صورته.

{فَلَا تَفْضَحُونِ} بفضيحة ضيفي؛ فإن مَن أُسيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحةً: إذا ظهر من أمره ما يلزمه العار.

* * *

(69) - {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ} .

{وَاتَّقُوا اللَّهَ} في ركوب الفاحشة.

{وَلَا تُخْزُونِ} : ولا تذلّونِ بسببهم، مِنَ الخِزْي وهو الهوان، أو

(2)

: لا تُخجلونِ فيهم، من الخَزَاية، وهي الخجالة.

(1)

"ضيفًا" من (ك). ووقع في النسخ: "مصدر أضاف يضيف"، والصواب المثبت.

(2)

في (ف) و (م): "و".

ص: 526

وهذا القول منه عليه السلام صريحٌ في أنَّ مجيء أهل المدينة والمقاوَلةَ معهم في شأن الأضياف قبل العلم بأنَّهم ملائكة أُرْسِلوا للنَّصر، فجاء في قوله:{وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} إخبار عن مجيئهم عقيب نزول الملائكة في بيت لوط عليه السلام قبل محاورته معهم وعلمه

(1)

بأنَّهم ملائكة، وما في قوله:{فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} إخبارٌ عن محاورته عليه السلام مع الملائكة بعد تمام مقاولته مع أهل المدينة، ولا دلالة في الواو على التَّرتيب.

* * *

(70) - {قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} .

{قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} الهمزة

(2)

للاستفهام الإنكاري، والواو للعطف على محذوفٍ تقديرُه: ألم نقل لك: لا تُجِرْ أحدًا بالإنزال في بيتك ولم ننهك عن العالمين؟! أي: عن المنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرَّضون لكلِّ واحدٍ، وكان لوط عليه السلام يمنعهم عنه بقدر وسعه.

* * *

(71) - {قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} .

{قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي} فيه وجوهٌ قد مرَّ بيانها في تفسير سورة هود عليه السلام.

{إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} شكّ في قَبولهم لقوله؛ كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم، وما أظنكُم تفعلون.

وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشَّهوة ففيما أحلَّ الله تعالى دون ما حرَّم.

(1)

في النسخ: "وعلمهم"، والصواب المثبت.

(2)

"الهمزة" ليست في (م) و (ك).

ص: 527

(72) - {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} .

{لَعَمْرُكَ} قسمٌ بحياة المخاطَب، وهو نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، وقيل: لوط عليه السلام، قالت الملائكة له ذلك.

واللام لام الابتداء، و (عَمْرُكَ) مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ، تقديره: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

والعَمْر بالفتح لغةٌ في العُمْر، يختصُّ به القسم إيثارًا للأخفِّ فيه؛ لأنَّه كثير الدَّور على ألسنتهم، ومتى

(1)

اقترن بلام الابتداء يلزمه حذف الخبر؛ لسدِّ جواب القسم مسدَّه.

{إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ} ؛ أي: غوايتهم، أو شدَّة غُلْمَتهم

(2)

التي أذهبت تمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين الصَّواب الذي يشار به إليهم.

{يَعْمَهُونَ} : يتحيَّرون، فكيف يقبلون النُّصح؟!

* * *

(73) - {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} .

{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} اللَّام للجنس، والمراد به: الفرد الكامل في معناه

(3)

، وهو صيحة جبريل عليه السلام؛ فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسمَّاه مطلقًا يستعمل لِمَا يَستجمع المعانيَ المقصودة منه، ولذلك

(4)

يُسلب عن غيره، فيقال: زيد ليس بإنسان.

(1)

في (م): "وهو متى".

(2)

الغُلْمَة: شدة الشهوة. انظر: "المصباح المنير"(مادة: غلم).

(3)

في (ف): "المعنى". وفي (ك): "معنى".

(4)

في (ف): "وكذلك".

ص: 528

والصَّيحةُ: صوت يخرج من الفم بشدَّة.

وأَخْذُهم الصيحة: قهرُها إيَّاهم وتمكُّنها منهم، ومنه: الأَخيذ، بمعنى: الأسير.

{مُشْرِقِينَ} : داخلين في الشُّروق، وهو بزوغ الشَّمس، يقال: شَرَقت الشَّمس شروقًا: إذا طلعَتْ، وأشرقَ الرَّجل: إذا دخل في شروق الشَّمس.

كان ابتداء العذاب حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا، فلا منافاة بينه وبين قوله:{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} [هود: 81].

* * *

(74) - {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} .

{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا} : عاليَ المدينة، أو عاليَ قراهم {سَافِلَهَا}: منقلبةً عليهم.

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} : من طينٍ متحجِّر عليه كتاب من السِّجيل

(1)

، لقوله {حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً} [الذاريات: 33 - 34]؛ أي: معلَّمة بكتاب.

قيل: قذفوا بالحجارة أوَّلًا ثم قُلبوا، وقيل

(2)

: التقليب كان للحاضرين، والأمطار لمن شذَّ منهم.

* * *

(75) - {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} .

(1)

قوله: "من طين متحجر

" كذا في النسخ، وعبارة البيضاوي في "تفسيره" (3/ 215): (من طين متحجر أو طين عليه كتاب من السجل). قال الشهاب في "الحاشية" (5/ 305): (وكونه من السجل - وهو الكتاب أو الصك - لأنها كتب عليها أسماؤهم، أو لأنها مما كَتب الله تعذيبهم بها).

(2)

في (ف) و (ك): "قيل".

ص: 529

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} : للمتفرِّسين، أي: النَّاظرين المتثبِّتين في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشَّيء بسِمَته، يقال: توسَّمْتُ في فلان كذا: إذا عرفْتُ وَسمةً فيه.

* * *

(76) - {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} .

{وَإِنَّهَا} : وإن المدينة أو القرى {لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} : ثابت يسلكه النَّاس ويرون آثارهم لم تندرس بعدُ، وهو تنبيهٌ لقريشٍ المارِّين به، وتهديدٌ لهم، كقوله:{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: 137 - 138].

* * *

(77) - {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} .

{إِنَّ فِي ذَلِكَ

(1)

لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} بالله ورسوله، ولام الاختصاص لأنَّ الانتفاع بها مخصوص بهم

(2)

.

* * *

(78) - {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} .

{وَإِنْ كَانَ} (إنْ) هي المخففَّة، واللَّام فارقة.

{أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} هم قومٌ ممَّا بُعِثَ إليهم شعيب عليه السلام، كانوا يسكنون الغيضة.

و {الْأَيْكَةِ} : الشجرةُ الملتفَّة، واحدةُ الأيك.

(1)

في النسخ: "لآيات".

(2)

"بهم" من (م).

ص: 530

{لَظَالِمِينَ} ؛ لأنهم كذَّبوه عليه السلام، فأُهلكوا بالظُّلَّة.

* * *

(79) - {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} .

{فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} في عبارة الانتقام دلالةٌ على أنَّهم أهلكوا

(1)

بعذابٍ شديدٍ.

{وَإِنَّهُمَا} ؛ أي: مدينةَ لوط عليه السلام أو قراها - والأيكةَ

(2)

.

وقيل: الأيكة ومدين؛ فإنَّه عليه السلام كان مبعوثًا إليهما، فدلَّ ذكر {الْأَيْكَةِ} على مدين فأتى بضميرهما.

{لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} لبطريقٍ واضحٍ.

والإمامُ: اسم لما يُؤتَمُّ به، فسمِّي به الطَّريق واللَّوح ومِطْمَر

(3)

البنَّاء؛ لأنها مما يؤتمُّ به.

* * *

(80) - {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} .

{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} ؛ يعني: ثمود كذَّبوا صالحًا عليه السلام، ومَن كذَّبَ واحدًا من الرُّسلِ فقد كذَّب الجميع؛ لأنَّ سائره

(4)

يصدِّقونه، فلا حاجة

(1)

في (ف): "هلكوا".

(2)

"والأيكة" سقط من (ك).

(3)

في (ف) و (ك): "ومنظم"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في "الكشاف"(2/ 586)، و"تفسير البيضاوي"(3/ 216)، و"تفسير أبي السعود"(5/ 87)، وغيرها. والمطمر: الزِّيج الذي يكون مع البنَائين. انظر: "فتوح الغيب"(9/ 56). والزيج: خيط البنَّاء، معرب. انظر:"معجم متن اللغة"(مادة: زيج).

(4)

الأحسن: "سائرهم".

ص: 531

إلى التَأويل بحمل {الْمُرْسَلِينَ} على صالح عليه السلام ومَن معه من المؤمنين.

والحِجْرُ: وادٍ بينَ المدينة والشَّام كانوا يسكنونها

(1)

.

(81) - {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} .

{وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} يعني: آياتِ الكتاب المنزَل على نبيهم، أو معجزاته.

* * *

(82) - {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} .

{وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} من الانهدام ونقب اللُّصوص وتخريب الأعداء؛ لوَثاقتها، أو من عذاب الله تعالى لفرط غفلتهم وحسبانهم أنَّ الجبال تحميهم منه.

* * *

(83) - {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} .

{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} : أتاهم صيحةٌ من السَّماء فأخذتهم زلزلتُها، وهو المذكور في سورة الأعراف.

* * *

(84) - {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .

{فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} من بناء البيوت المحكمة والأموال والعدد.

(1)

"كانوا يسكنونها" من (م).

ص: 532

(85) - {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} .

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} إلَّا خَلقًا ملْتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالعدل والحكمة، لا ملتبسًا بالباطل والعبَث، فيهمَلون على فسادهم وظلمهم، ولا يؤاخَذون بالعذاب؛ فإنه ينافي الحكمة والعدل.

{وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ} فيُنتقَم لك فيها ممَّن كذَّبك.

{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أي: فاصفح عنهم ولا تعجَل بالانتقام منهم، وعامِلهم بالخُلُقِ معاملةَ الصَّفوح الحليم، وقيل: هي منسوخة بآية السَّيف.

* * *

(86) - {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} .

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ} الذي خلقَكَ وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم.

{الْعَلِيمُ} بحالك وبحالهم، فلا يخفى عليه ما يجري بينك وبينهم، فهو يحكم بينكم ويجازيكم على أعمالكم، أو هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فأمرَ اليوم بالصَّفح لعلمِه بأنَّه الأصلح إلى أن يكون السَّيف أصلحَ.

* * *

(87) - {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} .

{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا} : سبعَ آياتٍ، وهي الفاتحة، على ما نصَّ عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقد بيَّناه في تفسيرها.

ص: 533

وقيل: سبعَ سور، وهي الطَّوال، وسابعُها الأنفال والتَّوبة، فإنَّهما في حكمِ سورة واحدة، ولذلك لم يُفصل بينهما بالتَّسمية.

ورُدَّ بأنَّ هذه السُّورة قد نزلَتْ وما نزل من السَّبع الطِّوال شيء، والصَّرف عن الظَّاهر يأباه مقام الامتنان.

{مِنَ الْمَثَانِي} بيانٌ للسَّبع، من التَّثنية، وهي التَّكرير، أو من الثَّناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، الواحدة مَثْناةٌ؛ أي: موضع التَّثنية أو الثَّناء

(1)

.

تنكير {سَبْعًا} للتَّعظيم، والإبهام الذي فيه والتَّوضيح بقوله:{مِنَ الْمَثَانِي} للتَّمكين في نفوس السَّامعين.

وقوله: {وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} من باب عطف الكلِّ على البعض؛ للتَّعميم وتكثير الامتنان، وتفخيم شأن البعض المعطوف عليه، كأنه المقصود بالذِّكر، والأصلُ لسائر الأبعاض، والمراد من الكلِّ: مجموع ما نزلَ وقتَ نزول هذه الآية، لا مجموع القرآن حتى يلزمَ المحذور المذكور آنفًا.

* * *

(88) - {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} .

{لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} : لا تطمحنَّ ببصرك طموحَ راغبٍ.

النَّاظر إنَّما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النَّظر إليه، وإدامة النَّظر إلى الشَّيء تدل على استحسانه والرَّغبة فيه.

(1)

في (ف): "والثناء".

ص: 534

{إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} : أصنافًا من الكفَّار، فإنَّ ما أوتيتَه من القرآن العظيم أعظمُ منها؛ لأنَّه كمال مطلوب بالذَّات، موصِل إلى دوام جوامع اللَّذات، أو ما أوتوا فهو مستحقَر بالنِّسبة إليه أقلُّ مِن لا شيء.

{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أنَّهم لم يؤمنوا فيتقوَّى بهم الإسلام، أو أنَّهم المتمتِّعون به دون المؤمنين.

{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} : لِمَنْ معكَ مِنْ فقراءِ المؤمنين وضعفائهم.

خفضُ الجناح مجازٌ مرسَل عن التَّعطف والرِّفق، مرتَّبٌ على الكناية، وأصله: أنَّ الطَّائر إذا ضمَّ الفرخَ إليه بسط جناحَه له ثمَّ قبضه على فرخِه.

* * *

(89) - {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} .

{وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} أنذركم ببيان وبرهان أنَّ عذابَ اللهِ نازلٌ بكم إن لم تؤمنوا.

وإنَّما وصفه بـ {الْمُبِينُ} ؛ لأنَّ إنذاره عليه السلام أبينُ من إنذار سائر الأنبياء عليهم السلام؛ لأنَّه عليه السلام مِن أَمارات السَّاعة، فهو منذرٌ بلسان الحال كما أنَّه منذرٌ بلسان المقال، وقد نبَّه عليه السلام على هذا المعنى حيث قال:"أنا النذير العريان"

(1)

.

(1)

رواه البخاري (6482)، ومسلم (2283)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه. (النذير العريان): أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه وأشار به إليهم إذا كان بعيدًا منهم ليخبرهم بما دهمهم وأكثر ما يفعل هذا ربيئة قومه وهو طليعتهم ورقيبهم. انظر: "شرح مسلم" للنووي (15/ 48).

ص: 535

(90) - {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} .

{كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} في محل النَّصب صفةُ مصدرٍ لـ {آتَيْنَاكَ} لأنَّه في معنى: أنزلنا عليك، كأنَّه قال: ولقد أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب المقتسمين: الذين اقتسموا القرآن إلى حقٍّ وباطل، حيث قالوا عنادًا: بعضه حقّ موافق للتَّوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالفٌ لهما، أو اقتسموه إلى شعرٍ وسحرٍ وكهانةٍ وأساطير الأوَّلين.

فيكون ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله:{وَلَا تَمُدَّنَّ} إلخ اعتراضًا ممدًّا له.

أو صفةُ مفعولٍ لـ {النَّذِيرُ} ، أُقيمَ مقامه؛ أي: أنذر قريشًا عذابًا مثل ما أنزلنا مِنَ العذاب على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكَّة؛ للتَّنفير عن الرَّسول، والصَّدِّ عن الدِّين.

* * *

(91) - {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} .

{الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} : أجزاءً، جمع عِضَةٍ بمعنى: جزء، وأصلها: عِضْوةٌ، فِعْلةٌ مِن عَضَّى الشَّاة: إذا جعلها أعضاءً، وقيل: هي فِعْلة من عَضهْتُه: إذا بهتَّه.

وعن عكرمة: العَضْهُ

(1)

بلسان قريش: السِّحر، يقولون للساحرة: العاضهة

(2)

.

(1)

في النسخ: "العضهة"، والمثبت من المصادر وستأتي.

(2)

رواه عبد الرزاق في "تفسيره"(2/ 260)، والطبري في "تفسيره"(14/ 137)، والماوردي في "النكت والعيون"(3/ 173).

ص: 536

ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة

(1)

.

ونقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاءٌ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ السَّلامة جبرًا لما حذف منه

(2)

، كقولهم: قلون وثبون.

والموصول بصلته صفة لـ {الْمُقْتَسِمِينَ} ، أو مبتدأ خبره:

* * *

(92 - 93) - {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من التَّقسيم، أو النِّسبة إلى السحر، فنجازيهم عليه، وقيل: عامٌّ، أي: عن كلِّ ما عملوا من المعاصي، فيتناولهما، وهو وعيد لهم، وقيل: يسألهم سؤالَ تقريع.

* * *

(94) - {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} .

{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} : فاجْهَر به وأظهره. وقيل: افرُقْ بينَ الحقِّ والباطل به.

والصَّدع في الأصل: شقٌّ في الأجسام الصُّلبة كالزُّجاج والحديد، ويلزمه الإبانة والتَّمييز.

(1)

رواه الحربي في "غريب الحديث"(3/ 923)، وابن عدي في "الكامل"(3/ 339) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وفيه سلمة بن وهرام، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس برواياته. وقال ابن طاهر في "ذخيرة الحفاظ"(2/ 869): رواه سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس. وسلمة قال أحمد بن حنبل: أخشى أن يكون حديثه ضعيفًا. والبخاري قال: فيه نظر.

وجاء في هامش (ف) و (م): "من هنا ظهر ما في كلام القاضي من الخلل، حيث أوهم أن يكون ما في الحديث بمعنى البهتان. منه".

(2)

"منه" زيادة من (ك).

ص: 537

و {مَا} موصولة؛ أي: بالذي تؤمر به من الشَّرائع، فحذفَ الجارَّ، كقوله:

أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ

(1)

أو مصدرية؛ أي: بأمرك، كقول أبي طالب:

فاصدعَ بأمرِكَ ما عَليْكَ غَضاضة

(2)

وهو مصدر من الفعل المبني للمفعول، قيل: فيه خلاف، والصَّحيح أنه لا يجوز، ورُدَّ بأنَّ الخلاف هو في المصدر المصرَّح به، وأمَّا الحرف المصدري فليس محلَّ النِّزاع.

{وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ؛ أي: لا تلتفت إلى ما يقولون، فالإعراض كناية عن عدم الالتفات

(3)

.

* * *

(95) - {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} .

{إِنَّا كَفَيْنَاكَ} ؛ أي: نكفيك. وذكره على صيغة الماضي للدّلالة على قربه.

{الْمُسْتَهْزِئِينَ} بإهلاكهم وتدميرهم، وهم كانوا خمسة نَفَرٍ من أشراف قريش، وقصتهم مذكورة في كتب التفاسير والسِّيرِ.

* * *

(1)

البيت في "الكتاب"(1/ 37)، و"خزانة الأدب"(1/ 331)، واختلف في نسبته، قال البغدادي: نسب لعمرو بن معدي كرب، وللعباس بن مر داس، ولزرعة بن السائب، ولخفاف بن ندبة. وعجزه:

فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ

(2)

من شواهد "خزانة الأدب" للبغدادي (3/ 278)، وعجزه:

وأبشر بذاك وقر منه عيونا

(3)

في هامش (م): "من لم يتنبه للكناية المذكورة قال: فلا تلتفت".

ص: 538

(96) - {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} .

{الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} صفة {الْمُسْتَهْزِئِينَ} .

{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ما ينزلُ بهم عاجلًا وآجلًا.

* * *

(97) - {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} .

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} ضيقُ الصَّدرِ كناية عن انقباض النَّفس، كما أنَّ انشراحَهُ كنايةٌ عن انبساطه.

{بِمَا يَقُولُونَ} من أقاويل الطَّاعنين فيك وفيما أُنزِلَ عليك، والمستهزئين فيك.

* * *

(98) - {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} .

{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} : فنزِّه ربَّك عن العجز والانتقام منهم.

وتفريعُه على ما تقدَّم باعتبار أنَّه كناية عن الوعد بإزالة ما هو السَّبب لضيق صدره عليه السلام، ومَن لم يقف على هذا فسَّره بقوله: فنزهه عمَّا يقولون حامدًا له على أنْ هداك للحقِّ.

وأمَّا ما قيل: فافزع إلى الله فيما نابك يكفيك ويكشفِ الغمَّ عنك، فلم يُصبْ محزَّه.

والفزعُ إلى الله تعالى: هو الذِّكرُ الدَّائم، وكثرةُ السُّجود؛ لأنَّ التَّوسُّل بما ذكر إنَّما هو معنى قوله:

ص: 539

{وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} ؛ أي: من المصلِّين. وعنه عليه السلام: أنَّه كان إذا حزبه أمرٌ فزعَ إلى الصَّلاة

(1)

.

* * *

(99) - {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} .

{وَاعْبُدْ رَبَّكَ} : ودُمْ على عبادة مَنْ خلقَكَ وربَّاك.

{حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ؛ أي: الموت؛ فإنَّه متيقَّن اللُّحوق لكلِّ

(2)

جسم ذي حياة؛ أي: ولا تُخلَّ بالعبادة ما دمْتَ حيًّا.

وفيه إشارة وبشارة: أمَّا الإشارة

(3)

فإلى أنَّه عليه السلام يموت كما يموت سائر الأنبياء والمرسلين، كما في قوله تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]، مَّا البِشارة فبأمنه عليه السلام عن العاهات المانعة للتَّكليف

(4)

بالعبادة إلى أن قضى نحبه.

تمَّ الكلام في هذا المقام، والحمد لله على التَّمام.

* * *

(1)

رواه أبو داود (1319) من حديث حذيفة رضي الله عنه، ولفظه:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى".

(2)

في (ك) زيادة "ذي".

(3)

في (ف): "أما الأول".

(4)

في (ف): "للتكلُّف".

ص: 540