الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القرآن
(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة: 251)
التفسير:
{251} قوله تعالى: {فهزموهم} أي غلبوهم {بإذن الله} أي بتقديره؛ فالإذن هنا كوني.
قوله تعالى: {وقتل داود جالوت} ؛ داود كان من جنود طالوت؛ لكنه عليه الصلاة والسلام كان قوياً شجاعاً؛ يقال: إن جالوت طلب البراز؛ لأن جالوت قائد جبار عنيد قوي؛ فخرج إليه داود، فقتله؛ وقد ذكروا في كيفية قتله ما لا حاجة إلى ذكره، ولا سند صحيح في إثباته؛ وليس لنا في كيفية قتله كبير فائدة؛ ولذا لم يصف الله تعالى لنا القتل؛ فالمقصود قتله، وقد حصل؛ وإذا قُتل - وهو القائد - انهزم الجنود.
قوله تعالى: {وآتاه الله} ضمير المفعول به يعود إلى {داود} ؛ أي أعطاه الله {الملك} فصار ملكاً؛ وآتاه {الحكمة} فصار رسولاً؛ واجتمع له ما به صلاح الدين، والدنيا: الشرع، والإمارة.
قوله تعالى: {وعلمه مما يشاء} أي من الذي يشاؤه؛ ومن ذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم} [الأنبياء: 80].
قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ؛ {دفع} بفتح الدال، وإسكان الفاء؛ وفي قراءة:«دفاع» بكسر الدال، وفتح الفاء، وألف بعدها؛ وهما سبعيتان؛ و {دفع}
مصدر مضاف إلى فاعله؛ و {الناس} مفعول به؛ و {بعضهم} بدل منه؛ و {ببعض} متعلق بـ {دفع} ؛ وخبر المبتدأ محذوف تقديره: موجود؛ يعني: لولا أن دفع الله الناس بعضهم ببعض موجود لفسدت الأرض.
وقوله تعالى: {لفسدت الأرض} جواب «لولا» ؛ و «الفساد» ضد «الصلاح» ؛ ومن أنواعه ما ذكره الله تعالى بقوله: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً} [الحج: 40].
قوله تعالى: {ولكن الله ذو فضل على العالمين} أي صاحب فضل؛ و «الفضل» هو العطاء الزائد الواسع الكثير؛ {على العالمين} أي جميع الخلق؛ وسموا عالماً؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن مَنْ صَدَق اللجوء إلى الله، وأحسن الظن به أجاب الله دعاءه.
2 -
ومنها: أنه يجب على المرء إذا اشتدت به الأمور أن يرجع إلى الله عز وجل.
3 -
ومنها: إضافة الحوادث إلى الله عز وجل وإن كان من فعل الإنسان؛ لقوله تعالى: {فهزموهم} : هذا فعلهم - لكن {بإذن الله} ؛ فالله هو الذي أذن بانتصار هؤلاء، وخذلان هؤلاء.
4 -
ومنها: شجاعة داود عليه الصلاة والسلام، حيث قتل جالوت حين برز لهم؛ والشجاعة عند المبارزة لها أهمية عظيمة؛ لأنه إذا قُتِل المبارِز أمام جنده فلا شك أنه سيجعل في قلوبهم الوهن، والرعب؛ ويجوز في هذه الحال أن يخدع الإنسان من
بارزه؛ لأن المقام مقام حرب؛ وكل منهما يريد أن يقتل صاحبه؛ فلا حرج أن يخدعه؛ ويُذكر أن عمرو بن ودّ لما خرج لمبارزة علي بن أبي طالب صاح به عليّ، وقال:«ما خرجت لأبارز رجلين» ؛ فظن عمرو أن أحداً قد لحقه، فالتفت، فضربه علي
(1)
؛ هذه خدعة؛ ولكنها جائزة؛ لأن المقام مقام حرب؛ هو يريد أن يقتله بكل وسيلة.
5 -
ومن فوائد الآية: أن داود عليه الصلاة والسلام أوتي الملك، والنبوة؛ لقوله تعالى:{وآتاه الله الملك والحكمة} .
6 -
ومنها: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله؛ لقوله تعالى: {وعلمه مما يشاء} ؛ فالنبي نفسه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الشرع إلا ما آتاه الله سبحانه وتعالى؛ ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً} [النساء: 113].
7 -
ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: {وعلمه مما
(1)
لم أقف على هذا السياق، وإنما وقفت على قول علي رضي الله عنه لعمرو بن عبد ود: "يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال: فإني أدعوك إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال علي: فإني أدعوك إلى النزال، فقال: لم يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك، قال علي: لكني والله أحب أن أقتلك،
…
" فتنازلا، وتجاولا، فقتله علي رضي الله عنه، والواقعة وقعت في غزوة الخندق؛ راجع: سيرة ابن هشام 3/ 134 - 135؛ والسيرة النبوية لابن كثير - مقتبسة من البداية والنهاية - 3/ 202 - 203؛ وسير أعلام النبلاء، السيرة النبوية 1/ 492 - 493.
يشاء}؛ ولكن اعلم أن مشيئة الله تابعة لحكمته، كما قال الله تعالى:{فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً * وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 29، 30].
8 -
ومنها: أن الله عز وجل يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض، ومن عليها؛ لقوله تعالى:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ؛ وفساد الأرض يكون بالمعاصي، وترك الواجبات؛ لقوله تعالى:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 40]، وقوله تعالى:{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30].
9 -
ومنها: إثبات حكمة الله، حيث جعل الناس يدفع بعضهم بعضاً ليقوم دين الله، فدفعَ الكافرين بجهاد المؤمنين؛ لأنه لو جعل السلطة لقوم معينين لأفسدوا الأرض؛ لأنه لا معارض لهم؛ ولكن الله عز وجل يعارض هذا بهذا.
10 -
ومنها: أن من الفساد في الأرض هدم بيوت العبادة؛ لقوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً} [الحج: 40]؛ وهذا تفسير لقوله تعالى هنا: {لفسدت الأرض} ؛ أو هو ذكر لنوع من الفساد.
11 -
ومنها: إثبات فضل الله تعالى على جميع الخلق؛ لقوله تعالى: {ولكن الله ذو فضل على العالمين} حتى الكفار؛ لكن فضل الله على الكفار فضل في الدنيا فقط بإعطائهم ما به قوام أبدانهم؛ أما في الآخرة فيعاملهم بعدله بعذابهم في النار أبد
الآبدين؛ وأما بالنسبة للمؤمنين فإن الله يعاملهم بالفضل في الدنيا، والآخرة.
القرآن
(تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)(البقرة: 252)
التفسير:
{252} قوله تعالى: {تلك} الإشارة إلى ما سبق ذكره؛ أو إلى القرآن كله؛ {آيات الله} جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمدلولها؛ {نتلوها عليك} : نقرؤها عليك؛ والمراد تلاوة جبريل، كما قال تعالى:{نزل به الروح الأمين* على قلبك} [الشعراء: 193، 194]؛ و {بالحق} : الحق في الأخبار: هو الصدق؛ وفي الأحكام: هو العدل؛ والباء إما للمصاحبة؛ أو لبيان ما جاءت به هذه الآيات؛ والمعنى أن هذه الآيات حق؛ وما جاءت به حق.
قوله تعالى: {وإنك لمن المرسلين} : الجملة مؤكدة بـ {إن} ، واللام؛ لتحقيق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: إثبات آيات الله سبحانه وتعالى الشرعية؛ لأن المراد بـ «الآيات» هنا: الشرعية - وهي القرآن -.
2 -
ومنها: أن الله تعالى يتلو على نبيه ما أوحاه إليه؛ لقوله عز وجل: {نتلوها عليك بالحق} ؛ ولكن هل الذي يتلو ذلك هو الله، أو جبريل؟ اقرأ في آية القيامة:{لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}
[القيامة: 16 - 18]؛ يعني إذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه؛ فجبريل يتلوه على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تلقاه من الله سبحانه وتعالى.
3 -
ومنها: أن القرآن كله حق من الله، ونازل بالحق؛ لأن الباء في قوله تعالى:{بالحق} للمصاحبة، والملابسة أيضاً؛ فهو نازل من عند الله حقاً؛ وهو كذلك مشتمل على الحق؛ وليس فيه كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه؛ بل أحكامه كلها عدل؛ وأخباره كلها صدق.
4 -
ومنها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {وإنك لمن المرسلين} .
5 -
ومنها: أن هناك رسلاً آخرين غير الرسول؛ لقوله تعالى: {لمن المرسلين} ؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم كان خاتم النبيين؛ إذ لا نبي بعده.
القرآن
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)(البقرة: 253)
التفسير:
{253} قوله تعالى: {تلك} التاء هنا اسم إشارة؛ وأشار إلى «الرسل» بإشارة المؤنث؛ لأنه جمع تكسير؛ وجمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في تأنيث فعله، والإشارة إليه، كما قال
تعالى: {قالت الأعراب آمنا} [الحجرات: 14]؛ و «الأعراب» مذكر، لكن لما جُمع جَمع تكسير صح تأنيثه؛ وتأنيثه لفظي؛ لأنه مؤول بالجماعة؛ والمشار إليه هم المرسل الذين دلّ عليهم قوله تعالى:{وإنك لمن المرسلين} [البقرة: 252].
قوله تعالى: {فضلنا بعضهم على بعض} ؛ يعني جعلنا بعضهم أفضل من بعض في الوحي؛ وفي الأتباع؛ وفي الدرجات؛ والمراتب عند الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: {منهم} أي من الرسل {من كلم الله} أي من كلمه الله عز وجل؛ فالعائد محذوف، وذلك مثل موسى، ومحمد صلى الله عليهما وسلم؛ وهذه الجملة استئنافية لبيان وجه من أوجه التفضيل.
قوله تعالى: {ورفع بعضهم درجات} معطوف على {فضلنا} ، لكن فيه التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب.
وقوله: {ورفع بعضهم درجات} أي على بعض؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم له الوسيلة؛ وهي أعلى درجة في الجنة، ولا تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:«وأرجو أن أكون أنا هو»
(1)
؛ وفي المعراج وجد النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم في السماء السابعة؛ وموسى في السادسة؛ وهارون في الخامسة؛ وإدريس في الرابعة
(2)
؛ وهكذا؛ وهذا من رفع الدرجات.
(1)
أخرجه مسلم ص 738، كتاب الصلاة، باب 7: استحباب القول مثل قول المؤذن
…
، حديث رقم 849 [11]384.
(2)
راجع البخاري ص 260، كتاب بدء الخلق، باب 6: ذكر الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم، حديث رقم 3207؛ ومسلماً ص 705، كتاب الإيمان، باب 74: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات، حديث رقم 411 [259]162.
قوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي الآيات البينات الدالة على رسالته، ويراد بها الإنجيل، وما جرى على يديه من إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله، ونحو ذلك.
قوله تعالى: {وأيدناه بروح القدس} أي قويناه؛ وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: {بروح القدس} ما المراد بها؟ فقيل: المراد بها: ما معه من العلم المطهر الآتي من عند الله؛ والعلم، أو الوحي يسمى روحاً، كما قال تعالى:{وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى: 52]؛ وقيل: المراد بـ «روح القدس» جبريل، كما قال تعالى:{قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل: 102]؛ فـ «روح القدس» هو جبريل؛ أيد الله عيسى به، حيث كان يقويه في مهام أموره عندما يحتاج إلى تقوية؛ والآية صالحة للأمرين، فتفسر بهما كما قررناه غير مرة.
قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات} ؛ «لو» شرطية؛ فعل الشرط فيها {شاء الله} ؛ وجوابه {ما اقتتل الذين
…
}؛ ومفعول {شاء} محذوف دلّ عليه جواب الشرط؛ والتقدير: ولو شاء الله أن لا يقتتل الذين من بعدهم ما اقتتلوا؛ إما لاتفاقهم على الإيمان؛ وإما لاتفاقهم على المهادنة، وإن كفر بعضهم.
وقوله تعالى: {من بعدهم} أي من بعد الرسل؛ {من بعدما جاءتهم البينات} أي هذا القتال حصل بعدما زال اللبس، واتضح الأمر، ووجدت البينات الدالة على صدق الرسل؛ ومع ذلك فإن
الكفار استمروا على كفرهم، ورخصت عليهم رقابهم، ونفوسهم في نصرة الطاغوت؛ وقاتلوا المؤمنين أولياء الله عز وجل؛ كل ذلك من أجل العناد، والاستكبار؛ و {البينات} أي الآيات البينات؛ وهو الوحي الذي جاءت به الرسل، وغيره من الآيات الدالة على رسالتهم.
قوله تعالى: {ولكن اختلفوا} أي الذين جاءتهم البينات؛ ثم بيّن كيفية اختلافهم فقال تعالى: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} وقوله تعالى: {ولكن اختلفوا} معطوف على قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين
…
}.
قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} هذه الجملة توكيد لما سبق؛ يعني لو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا؛ وعلى هذا فالمفعول هنا كما سبق.
قوله تعالى: {ولكن الله يفعل ما يريد} ؛ هذا استدراك على قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} ليبين أن ما وقع من الاختلاف والاقتتال كان بإرادته؛ والإرادة في قوله تعالى: {ما يريد} كونية.
تنبيه:
قوله تعالى: {ولكن اختلفوا} بعد قوله عز وجل: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} بيان لسبب الاقتتال الواقع منهم؛ وقوله تعالى في الجملة الثانية: {ولكن الله يفعل ما يريد} بيان لكونه بإرادته كقوله تعالى: {ولكن الله يفعل ما يشاء} .
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن الرسل عليهم السلام يتفاضلون؛ لقوله تعالى: {فضلنا بعضهم على بعض} .
2 -
ومنها: أن فضل الله يؤتيه من يشاء؛ حتى خواص عباده يفضل بعضهم على بعض؛ لأن الرسل هم أعلى أصناف بني آدم، ومع ذلك يقع التفاضل بينهم بتفضيل الله.
ويتفرع عليها فائدة أخرى: أن الله يفضل أتباع الرسل بعضهم على بعض، كما قال تعالى:{كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«خير الناس قرني»
(1)
؛ كما أن من كان من الأمم أخلص لله، وأتبع لرسله فهو أفضل ممن دونه من أمته؛ لأن الرسل إذا كانوا يتفاضلون فأتباعهم كذلك يتفاضلون؛ فإن قلت: كيف نجمع بين هذه الآية المثبتة للتفاضل بين الرسل؛ وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروني على موسى»
(2)
، ونهيه صلى الله عليه وسلم أن يفاضل بين الأنبياء؟
فالجواب: أن يقال: في هذا عدة أوجه من الجمع؛ أحسنها أن النهي فيما إذا كان على سبيل الافتخار والتعلِّي: بأن يفتخر أتباع محمد صلى الله عليه وسلم على غيرهم، فيقولوا:«محمد أفضل من موسى» مثلاً؛ أفضل من عيسى؛ وما أشبه ذلك؛ فهذا منهي عنه؛ أما إذا كان على سبيل الخبر فهذا لا بأس به؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»
(3)
.
3 -
ومن فوائد الآية: إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله
(1)
سبق تخريجه 3/ 35.
(2)
أخرجه البخاري ص 189، كتاب الخصومات، باب 1: ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي، حديث رقم 2411، وأخرجه مسلم ص 1095، كتاب الفضائل، باب 42: من فضائل موسى، حديث رقم 6153 [160]2373.
(3)
سبق تخريجه 1/ 118.
تعالى: {منهم من كلم الله} ؛ وكلام الله عز وجل عند أهل السنة، والجماعة من صفاته الذاتية الفعلية؛ فباعتبار أصله من الصفات الذاتية؛ لأنه صفة كمال؛ والله عز وجل موصوف بالكمال أزلاً، وأبداً؛ أما باعتبار آحاده - أنه يتكلم إذا شاء - فهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته. قال الله تعالى:{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82]، وقال تعالى:{ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف: 143]؛ حصل الكلام بعد مجيئه لميقات الله؛ ولهذا حصل بينهما مناجاة: {قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} [الأعراف: 143]؛ فقال تعالى: {لن تراني} بعد أن قال موسى: {رب أرني أنظر إليك} ؛ هذا هو الحق في هذه المسألة؛ وزعمت الأشاعرة أن كلام الله عز وجل هو المعنى النفسي - أي المعنى القائم بنفسه -؛ وأما ما يسمعه المخاطب به فهو أصوات مخلوقة خلقها الله عز وجل لتعبر عما في نفسه؛ وقد أبطل شيخ الإسلام هذا القول من تسعين وجهاً في كتاب يسمى بـ «التسعينية» .
4 -
ومن فوائد الآية: أن كلام الله للإنسان يعتبر رفعة له؛ لأن الله تعالى ساق قوله: {منهم من كلم الله} على سبيل الثناء، والمدح.
ومنه يؤخذ علوّ مقام المصلي؛ لأنه يخاطب الله عز وجل، ويناجيه كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا قال المصلي: {الحمد لله رب العالمين} ، قال الله:«حمدني عبدي» ؛ وإذا قال المصلي: {الرحمن الرحيم} قال الله: «أثنى عليّ عبدي»
(1)
إلى آخر
(1)
سبق تخريجه 1/ 7.
الحديث؛ فالله تعالى يناجي المصلي، وإن كان المصلي لا يسمعه؛ لكن أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
6 -
ومن فوائد الآية: أن الفضائل مراتب، ودرجات؛ لقوله تعالى:{ورفع بعضهم درجات} ؛ وهذا يشمل الدرجات الحسية، والدرجات المعنوية؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم له الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:«وأرجو أن أكون أنا هو»
(1)
؛ كذلك مراتب أهل الجنة درجات: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة يتراءون أصحاب الغرف من فوقهم - يعني العالية - كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين»
(2)
.
7 -
ومن فوائد الآية: إثبات أن عيسى نبي من أنبياء الله؛ لقوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} ؛ والله عز وجل أعطاه آيات ليؤمن الناس به؛ ومن الآيات الحسية لعيسى ابن مريم إحياء الموتى بإذن الله؛ وإخراجهم من القبور؛ وإبراء الأكمه، والأبرص؛ وأن يخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً يطير بالفعل بإذن الله؛ وهناك آيات شرعية مستفادة من قوله تعالى:{وأيدناه بروح القدس} على أحد التفسيرين السابقين.
(1)
سبق تخريجه 3/ 236.
(2)
أخرجه البخاري ص 263، كتاب بدء الخلق، باب 8: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم 56 32، وأخرجه مسلم ص 1170، كتاب صفة الجنة، باب 3: ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء، حديث رقم 7144 [11]2831.
8 -
ومنها: أن البشر مهما كانوا فهم في حاجة إلى من يؤيدهم، ويقويهم؛ لقوله تعالى:{وأيدناه بروح القدس} .
9 -
ومنها: الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى إله؛ لقوله تعالى: {وأيدناه بروح القدس} ؛ أي قويناه؛ ولازم ذلك أنه يحتاج إلى تقوية؛ والذي يحتاج إلى تقوية لا يصلح أن يكون ربًّا، وإلهاً.
10 -
ومنها: الثناء على جبريل عليه السلام حيث وصف بأنه روح القدس؛ ومن وجه آخر: حيث كان مؤيِّداً للرسل بإذن الله؛ لقوله تعالى: {وأيدناه بروح القدس} .
11 -
ومنها: إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} .
12 -
ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل} ؛ لأن القدرية يقولون: إن فعل العبد ليس بمشيئة الله؛ وإنما العبد مستقل بعمله؛ وهذه الآية صريحة في أن أفعال الإنسان بمشيئة الله.
13 -
ومنها: أن قتال الكفار للمؤمنين كان عن عناد، واستكبار؛ لا عن جهل؛ لقوله تعالى:{من بعد ما جاءتهم البينات} .
14 -
ومنها: لطف الله بالعباد، حيث كان لا يبعث رسولاً إلا ببينة تشهد بأنه رسول؛ وشهادة الله عز وجل لأنبيائه بالرسالة تكون بالقول، وبالفعل؛ مثالها بالقول: قوله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً} [النساء: 166]؛ ومثالها بالفعل: تأييد الله للرسول، ونصره إياه، وتمكينه من قتل أعدائه.
15 -
ومنها: بيان حكمة الله عز وجل في انقسام الناس إلى مؤمن، وكافر؛ لقوله تعالى:{ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} ؛ ولولا هذا ما استقام الجهاد، ولا حصل الامتحان.
16 -
ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: {آمن} ، و {كفر} ، حيث أضاف الفعل إلى العبد؛ وهم يرون أن الإنسان مجبر على عمله، ولا ينسب إليه الفعل إلا على سبيل المجاز كما يقال: أحرقت النار الخشب؛ وهذه الآية ترد عليهم.
17 -
ومنها: إثبات أن الله سبحانه وتعالى هو خالق أفعال العباد؛ لقوله تعالى: {يفعل ما يريد} ؛ مع أن الفعل فعل العبد: فالاقتتال فعل العبد؛ والاختلاف فعل العبد؛ لكن لما كان صادراً بمشيئة الله عز وجل وبخلقه، أضافه الله عز وجل إلى نفسه.
18 -
ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: {ولكن الله يفعل ما يريد} ؛ والإرادة التي اتصف الله بها نوعان: كونية، وشرعية؛ والفرق بينهما من حيث المعنى؛ ومن حيث المتعلق؛ ومن حيث الأثر؛ من حيث المعنى:«الإرادة الشرعية» بمعنى المحبة؛ و «الإرادة الكونية» بمعنى المشيئة؛ ومن حيث المتعلق: «الإرادة الكونية» تتعلق فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه؛ فإذا قيل: هل أراد الله الكفر؟ نقول: بالإرادة الكونية: نعم؛ وبالشرعية: لا؛ لأن «الإرادة الكونية» تشمل ما يحبه الله، وما لا يحبه؛ و «الإرادة الشرعية» لا تتعلق إلا فيما يحبه الله؛ ومن حيث الأثر:«الإرادة الكونية» لا بد فيها من وقوع المراد؛ و «الإرادة الشرعية» قد يقع المراد، وقد لا يقع؛ فمثلاً:{والله يريد أن يتوب عليكم}
[النساء: 27]: الإرادة هنا شرعية؛ لو كانت كونية لكان الله يتوب على كل الناس؛ لكن الإرادة شرعية: يحب أن يتوب علينا بأن نفعل أسباب التوبة.
فإن قيل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؛ هل هو مراد بالإرادة الشرعية، أو بالإرادة الكونية؟ قلنا: مراد بالإرادتين كلتيهما؛ وما تقولون في إيمان أبي طالب؟ قلنا: مراد شرعاً؛ غير مراد كوناً؛ ولذلك لم يقع؛ وما تقولون في فسق الفاسق؟
قلنا: مراد كوناً لا شرعاً؛ إذاً نقول: قد تجتمع الإرادتان، كإيمان أبي بكر؛ وقد تنتفيان، مثل كفر المسلم؛ وقد توجد الإرادة الكونية دون الشرعية، مثل كفر الكافر؛ وقد توجد الشرعية دون الكونية، كإيمان الكافر.
القرآن
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة: 254)
التفسير:
تقدم مراراً، وتكراراً أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهمية المطلوب؛ لأن النداء يقتضي التنبيه؛ ولا يكون التنبيه إلا في الأمور الهامة.
وتوجيه النداء للمؤمنين يدل على أن التزام ما ذكر من مقتضيات الإيمان سواء كان أمراً، أو نهياً؛ وعلى أن عدم امتثاله نقص في الإيمان؛ وعلى الحث، والإغراء، كأنه قال: يا أيها
الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا، مثل ما تقول للحث، والإغراء: يا رجل افعل كذا، وكذا؛ أي لأن ذلك من مقتضى الرجولة.
{254} قوله تعالى: {أنفقوا مما رزقناكم} الإنفاق بمعنى البذل؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله؛ و {مما رزقناكم} أي مما أعطيناكم؛ «من» يحتمل أن تكون بيانية؛ أو تبعيضية؛ والفرق بينهما أن البيانية لا تمنع من إنفاق جميع المال؛ لأنها بيان لموضع الإنفاق؛ والتبعيضية تمنع من إنفاق جميع المال؛ وبناءً على ذلك لا يمكن أن يتوارد المعنيان على شيء واحد لتناقض الحكمين.
قوله تعالى: {من قبل أن يأتي يوم} المراد به يوم القيامة؛ {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} ؛ ثلاثة أشياء منتفية؛ وهي «البيع» ؛ وهو تبادل الأشياء؛ و «الخلة» ؛ وهي أعلى المحبة؛ و «الشفاعة» ؛ وهي الوساطة لدفع الضرر، أو جلب المنفعة؛ وفي الآية قراءتان؛ إحداهما ما في المصحف: بالضم، والتنوين:{لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} ؛ و {لا} على هذه القراءة ملغاة إعراباً؛ لأنها متكررة؛ والقراءة الثانية البناء على الفتح؛ وعلى هذه القراءة تكون {لا} عاملة عمل «إنّ» ؛ لكن بالبناء على الفتح؛ لا بالتنوين.
وإنما قال سبحانه وتعالى: {لا بيع} ؛ لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع، والشراء؛ فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره؛ لكن يوم القيامة ليس فيه بيع.
وقوله تعالى: {ولا خلة} ؛ هذا من جهة أخرى: قد ينتفع
الإنسان بالشيء بواسطة الصداقة؛ و «الخُلة» بالضم: أعلى المحبة؛ وهي مشتقة من قول الشاعر:
(قد تخللتِ مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلاً)
يعني أن حبها دخل إلى مسالك الروح، فامتزج بروحه، فصار له كالحياة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر»
(1)
؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم اتخذه حبيباً. قيل له: من أحب النساء إليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «عائشة» ؛ قيل: ومن الرجال؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أبوها»
(2)
؛ فأثبت المحبة؛ وكان أسامة بن زيد يسمى «حِب رسول الله» أي حبيبه؛ إذاً الخلة أعلى من المحبة.
فانتفت المعاوضة في هذا اليوم؛ وانتفت المحاباة بواسطة الصداقة؛ وانتفى شيء آخر: الشفاعة؛ وهي الإحسان المحض من الشافع للمشفوع له - وإن لم يكن بينهما صداقة -؛ فقال تعالى: {ولا شفاعة} ؛ فنفى الله سبحانه وتعالى كل الوسائل التي يمكن أن ينتفع بها في هذا اليوم.
قوله تعالى: {والكافرون هم الظالمون} ؛ أي أن الكافرين بالله هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، وحصر الظلم فيهم لعظم ظلمهم، كما قال تعالى:{إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]؛
(1)
أخرجه البخاري ص 39، كتاب الصلاة، باب 80: الخوخة والممر في المسجد، حديث رقم 466؛ وأخرجه مسلم ص 1097، كتاب فضائل الصحابة، باب 1: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حديث رقم 6170 [2]2382.
(2)
أخرجه البخاري ص 298، كتاب المناقب، باب، حديث رقم 3662؛ أخرجه مسلم ص 1098، كتاب فضائل الصحابة، باب 1 من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حديث رقم 6177 [8]2384.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن أعظم الظلم أن تجعل لله نداً وهو خلقك
(1)
.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ، حيث صدرها بالنداء.
2 -
ومنها: أن الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأن البخل نقص في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلاً؛ المؤمن جواد بعلمه؛ جواد بجاهه؛ جواد بماله؛ جواد ببدنه.
3 -
ومنها: بيان منة الله علينا في الرزق؛ لقوله تعالى: {مما رزقناكم} ؛ ثم للأمر بالإنفاق في سبيله، والإثابة عليه؛ لقوله تعالى:{أنفقوا مما رزقناكم} .
4 -
ومنها: التنبيه على أن الإنسان لا يحصل الرزق بمجرد كسبه؛ الكسب سبب؛ لكن المسبِّب هو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {مما رزقناكم} ؛ فلا ينبغي أن يعجب الإنسان بنفسه حتى يجعل ما اكتسبه من رزق من كسبه، وعمله، كما في قول القائل: إنما أوتيته على علم عندي.
5 -
ومنها: الإشارة إلى أنه لا منة للعبد على الله مما أنفقه في سبيله؛ لأن ما أنفقه من رزق الله له.
6 -
ومنها: أن الميت إذا مات فكأنما قامت القيامة في حقه؛ لقوله تعالى: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه
…
} إلخ.
(1)
أخرجه البخاري ص 367، كتاب تفسير القرآن، 2 سورة البقرة، باب 3: قوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون)، حديث رقم 4477، وأخرجه مسلم ص 693، كتاب الإيمان، باب 37: بيان كون الشرك أقبح الذنوب
…
، حديث رقم 257 [141]86.
7 -
ومنها: أن ذلك اليوم ليس فيه إمكان أن يصل إلى مطلوبه بأي سبب من أسباب الوصول إلى المطلوب في الدنيا، كالبيع، والصداقة، والشفاعة؛ وإنما يصل إلى مطلوبه بطاعة الله.
8 -
ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأنه تعالى أعقب قوله: {ولا شفاعة} بقوله تعالى: {والكافرون هم الظالمون} ؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48].
9 -
ومنها: أن الكفر أعظم الظلم؛ ووجه الدلالة منه: حصر الظلم في الكافرين؛ وطريق الحصر هنا ضمير الفصل: {هم} .
10 -
ومنها: أن الإنسان لا ينتفع بماله بعد موته؛ لقوله تعالى: {أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم} ؛ لكن هذا مقيد بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به؛ أو ولد صالح يدعو له»
(1)
.
11 -
ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: {أنفقوا} ، حيث أضاف الفعل إلى المنفقين؛ والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يفعل باختياره؛ وهذا القول يرد عليه السمع، والعقل - كما هو مقرر في كتب العقيدة -.
12 -
ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: {مما رزقناكم} ؛ لأننا نعلم أن رزق الله يأتي بالكسب؛ ويأتي بسبب لا كسب للإنسان فيه؛ فإذا أمطرت السماء وأنت عطشان، وشربت
(1)
أخرجه مسلم ص 963، كتاب الوصية، باب 3: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث رقم 4223 [15]1631.
فهذا رزق لا كسب لك فيه، ولا اختيار، لكن إذا بعت، واشتريت، واكتسبت المال فهذا لك فيه كسب؛ والله عز وجل هو الذي أعطاك إياه؛ لو شاء الله لسلبك القدرة؛ ولو شاء لسلبك الإرادة؛ ولو شاء ما جلب لك الرزق.
13 -
ومنها: أن إنفاق جميع المال لا بأس به؛ وهذا على تقدير {من} بيانية؛ بشرط أن يكون الإنسان واثقاً من نفسه بالتكسب، وصِدق التوكل على الله.
مسألة:
ظاهر الآية الكريمة أن الإنفاق مطلق في أي وجه من وجوه الخير؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد في آيات أُخر، مثل قوله تعالى:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261]، ومثل قوله تعالى:{وأنفقوا في سبيل الله} [البقرة: 195]؛ وعلى هذا فيكون إطلاق الآية هنا مقيداً بالآيات الأُخر التي تدل على أن الإنفاق المأمور به ما كان في سبيل الله - أي في شرعه -.
مسألة ثانية:
ظاهر الآية نفي الشفاعة مطلقاً؛ وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذه الآية وبين النصوص الأخرى الدالة على إثبات الشفاعة في ذلك اليوم؛ فيقال: الجمع أن يحمل مطلق هذه الآية على المقيد بالنصوص الأخرى، ويقال؛ إن النصوص الأخرى دلت على أن هناك شفاعة؛ لكن لها ثلاثة شروط: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ وإذنه في الشفاعة.
القرآن
(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(البقرة: 255)
التفسير:
هذه الآية أعظم آية في كتاب الله كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبيّ بن كعب، وقال:«أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي؛ فضرب على صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر»
(1)
؛ ولهذا من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ وهي مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جداً.
{255} قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو} : الاسم الكريم مبتدأ؛ وجملة: {لا إله إلا هو} خبر؛ وما بعده: إما أخبار ثانية؛ وإما معطوفة؛ و {إله} بمعنى مألوه؛ و «المألوه» بمعنى المعبود حباً، وتعظيماً؛ ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا الله سبحانه وتعالى؛ والآلهة المعبودة في الأرض، أو المعبودة وهي في السماء - كالملائكة - كلها لا تستحق العبادة؛ وهي تسمى آلهة؛ لكنها لا تستحق ذلك؛ الذي يستحقه رب العالمين، كما قال تعالى:{يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21]،
(1)
أخرجه مسلم ص 805، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب 44: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، حديث رقم 1885 [258]810.
وقال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62].
و {إله} اسم لا؛ و {لا} هنا نافية للجنس؛ ولا النافية للجنس تدل على النفي المطلق العام لجميع أفراده؛ وهي نص في العموم؛ فـ {لا إله} نفي عام محض شامل لجميع أفراده؛ وقوله تعالى: {إلا هو} بدل من خبر {لا} المحذوف؛ لأن التقدير: لا إله حق إلا هو؛ والبدل في الحقيقة هو المقصود بالحكم، كما قال ابن مالك:
(التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلاً) وهذه الجملة العظيمة تدل على نفي الألوهية الحق نفياً عاماً قاطعاً إلا لله تعالى وحده.
وقوله تعالى: {الحي القيوم} هذان اسمان من أسمائه تعالى؛ وهما جامعان لكمال الأوصاف، والأفعال؛ فكمال الأوصاف في {الحي}؛ وكمال الأفعال في {القيوم}؛ لأن معنى {الحي} ذو الحياة الكاملة؛ ويدل على ذلك «أل» المفيدة للاستغراق؛ وكمال حياته تعالى: من حيث الوجود، والعدم؛ ومن حيث الكمال، والنقص؛ فحياته من حيث الوجود، والعدم؛ أزلية أبدية - لم يزل، ولا يزال حياً؛ ومن حيث الكمال، والنقص: كاملة من جميع أوصاف الكمال - فعلمه كامل؛ وقدرته كاملة؛ وسمعه، وبصره، وسائر صفاته كاملة؛ و {القيوم}: أصلها من القيام؛ ووزن «قيوم» فيعول؛ وهي صيغة مبالغة؛ فهو القائم على نفسه فلا يحتاج إلى أحد من خلقه؛ والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.
قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} أي لا يعتريه نعاس، ولا نوم؛ فالنوم معروف؛ والنعاس مقدمته.
قوله تعالى في الجملة الثالثة: {له ما في السموات وما في الأرض} أي له وحده؛ ففي الجملة حصر لتقديم الخبر على المبتدأ؛ و {السموات} جمعت؛ و {الأرض} أفردت؛ لكنها بمعنى الجمع؛ لأن المراد بها الجنس.
قوله تعالى في الجملة الرابعة: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ؛ {من} اسم استفهام مبتدأ؛ و {ذا} ملغاة إعراباً؛ ويأتي بها العرب في مثل هذا لتحسين اللفظ؛ و {الذي} اسم موصول خبر {من} ؛ والمراد بالاستفهام هنا النفي بدليل الإثبات بعده، حيث قال تعالى:{إلا بإذنه} .
و «الشفاعة» في اللغة: جعل الوتر شفعاً؛ وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم بعدما يلحقهم من الهمّ، والغمّ ما لا يطيقون
(1)
: شفاعة لدفع مضرة؛ وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة
(2)
: شفاعة في جلب منفعة.
وقوله تعالى: {إلا بإذنه} أي الكوني؛ يعني: إلا إذا أذن في هذه الشفاعة - حتى أعظم الناس جاهاً عند الله لا يشفع إلا بإذن الله؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة - وهو أعظم الناس جاهاً عند الله؛ ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله لكمال سلطانه جلّ وعلا، وهيبته؛ وكلما كمل السلطان صار أهيب للملِك، وأعظم؛ حتى إن الناس
(1)
سبق تخريجه 3/ 236.
(2)
سبق تخريجه 3/ 236.
لا يتكلمون في مجلسه إلا إذا تكلم؛ وانظر وصف رسولِ قريشٍ النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حيث وصفهم بأنه إذا تكلم سكتوا؛ كل ذلك من باب التعظيم.
قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} ؛ هذه هي الجملة السادسة؛ و «العلم» عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك؛ والإدراك على وجه جازم غير مطابق: جهل مركب؛ فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «لا أدري» فهذا جهل؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «إما في الثانية؛ أو في الثالثة» فهذا شك؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «في السنة الخامسة» فهذا جهل مركب؛ والله عز وجل يعلم الأشياء علماً تاماً شاملاً لها جملة، وتفصيلاً؛ وعلمه ليس كعلم العباد؛ ولذلك قال تعالى:{يعلم ما بين أيديهم} أي المستقبل؛ {وما خلفهم} أي الماضي؛ وقد قيل بعكس هذا القول؛ ولكنه بعيد؛ فاللفظ لا يساعد عليه؛ و {ما} من صيغ العموم؛ فهي شاملة لكل شيء سواء كان دقيقاً أم جليلاً؛ وسواء كان من أفعال الله أم من أفعال العباد.
قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} لها معنيان؛ المعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي لا يعلمون عن الله سبحانه وتعالى من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه؛ المعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء من معلومه - أي مما يعلمه في السموات، والأرض - إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه؛ وقوله تعالى:{إلا بما شاء} استثناء بدل من قوله تعالى: {شيء} ؛ لكنه بإعادة العامل؛ وهي
الباء؛ و «ما» يحتمل أن تكون مصدرية؛ أي: إلا بمشيئته؛ ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: إلا بالذي شاء؛ وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفاً؛ والتقدير: إلا بما شاءه.
قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} ؛ أي شمل، وأحاط، كما يقول القائل: وسعني المكان؛ أي شملني، وأحاط بي؛ و «الكرسي» هو موضع قدمي الله عز وجل؛ وهو بين يدي العرش كالمقدمة له؛ وقد صح ذلك عن ابن عباس موقوفاً
(1)
، ومثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه؛ وما قيل من أن ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ عن بني إسرائيل فلا صحة له؛ بل الذي صح عنه في البخاري
(2)
أنه كان ينهى عن الأخذ عن بني إسرائيل؛ فأهل السنّة والجماعة عامتهم على أن الكرسي موضع قدمي الله عز وجل؛ وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وأئمة التحقيق؛ وقد قيل: إن «الكرسي» هو العرش؛ ولكن ليس بصحيح؛ فإن «العرش» أعظم، وأوسع، وأبلغ إحاطة من الكرسي؛ وروي عن ابن عباس أن {كرسيه}: علمه؛ ولكن هذه الرواية أظنها لا تصح عن ابن عباس
(3)
؛ لأنه لا يعرف هذا
(1)
راجع المعجم الكبير للطبراني 12/ 93، حديث رقم 12404؛ وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد 6/ 326)؛ وراجع مستدرك الحاكم 2/ 282، كتاب التفسير، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(2)
راجع البخاري ص 612 - 613، كتاب الاعتصام بالسنة، باب 25: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء"، حديث رقم 7363 ..
(3)
راجع تفسير الطبري 5/ 397 - 398، القول في تأويل قوله تعالى:(وسع كرسيه السموات والأرض)، حديث رقم 5787 - 5788؛ ذكر ابن أبي العز أن المحفوظ عن ابن عباس أن الكرسي هو موضع القدمين (شرح العقيدة الطحاوية ص 371) وذكر شعيب الأرناؤوط: أن أثر ابن عباس في تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين أصح إسناداً (شرح العقيدة الطحاوية ص 371، حاشية رقم 1)، وذكر محمود شاكر أنه إذا كان أثر ابن عباس في تفسير الكرسي بالعلم صحيح الإسناد فإن الخبر الآخر صحيح على شرط الشيخين (تفسير الطبري 5/ 401، حاشية رقم 1).
المعنى لهذه الكلمة في اللغة العربية، ولا في الحقيقة الشرعية؛ فهو بعيد جداً من أن يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ فالكرسي موضع القدمين؛ وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة»
(1)
؛
وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا من عالم الغيب؛ ولهذا يقول الله عز وجل: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها} [ق~: 6]؛ ولم يقل: أفلم ينظروا إلى الكرسي؛ أو إلى العرش؛ لأن ذلك
(1)
أخرجه ابن حبان في صحيحه 1/ 287، باب ذكر الاستحباب للمرء أن يكون له من كل خير حظ
…
،. حديث رقم 362؛ وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال أبو حاتم وأبو زرعة: كذاب، وقال علي بن الجنيد: صدق أبو حاتم ينبغي أن لا يحدث عنه (ميزان الاعتدال 1/ 73)؛ وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره 5/ 399، تحقيق أحمد شاكر وفي سنده ابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي: قال البخاري: ضعفه عليّ جداً، وقال النسائي وأحمد ويحيى: ضعيف (ميزان الاعتدال 2/ 564؛ وقال شعيب في تخريج شرح العقيدة الطحاوية ص 370، 371) ضعيف.
ليس مرئياً لنا؛ ولولا أن الله أخبرنا به ما علمنا به.
قوله تعالى: {ولا يؤوده} ؛ أي لا يثقله، ويشق عليه {حفظهما} ؛ أي حفظ السموات، والأرض؛ وهذه الصفة صفة منفية.
قوله تعالى: {وهو العلي العظيم} : مثل هذه الجملة التي طرفاها معرفتان تفيد الحصر؛ فهو وحده العلي؛ أي ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شيء؛ و {العظيم} أي ذو العظمة في ذاته، وسلطانه، وصفاته.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: إثبات هذه الأسماء الخمسة؛ وهي {الله} ؛ {الحي} ؛ {القيوم} ؛ {العلي} ؛ {العظيم} ؛ وما تضمنته من الصفات.
2 -
ومنها: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: {لا إله إلا هو} .
3 -
ومنها: إبطال طريق المشركين الذين أشركوا بالله، وجعلوا معه آلهة.
4 -
ومنها: إثبات صفة الحياة لله عز وجل؛ وهي حياة كاملة: لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، كما قال تعالى:{هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3]، وقال تعالى:{وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان: 58]، وقال تعالى:{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27].
5 -
ومنها: إثبات القيومية لله عز وجل؛ لقوله تعالى:
{القيوم} ؛ وهذا الوصف لا يكون لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره: فنحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى النساء، والنساء محتاجة إلينا؛ ونحن محتاجون إلى الأولاد، والأولاد يحتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى المال، والمال محتاج إلينا من جهة حفظه، وتنميته؛ والكل محتاج إلى الله عز وجل؛ لقوله تعالى:{يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15]؛ وما من أحد يكون قائماً على غيره في جميع الأحوال؛ بل في دائرة ضيقة؛ ولهذا قال الله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33]؛ يعني الله؛ فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت.
6 -
ومن فوائد الآية: أن الله تعالى غني عما سواه؛ وأن كل شيء مفتقر إليه تعالى؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7]، وقوله تعالى:{ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40]؛ فأثبت أنه يُنصر؟
فالجواب: أن المراد بنصره تعالى نصر دينه.
7 -
ومنها: تضمن الآية لاسم الله الأعظم الثابت في قوله تعالى: {الحي القيوم} ؛ وقد ذكر هذان الاسمان الكريمان في ثلاثة مواضع من القرآن: في «البقرة» ؛ و «آل عمران» ؛ و «طه» ؛ في «البقرة» : {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255]؛ وفي «آل عمران» : {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ؛ وفي «طه» : {وعنت الوجوه للحي القيوم} [طه: 111]؛ قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع
الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في {الحي} ؛ وصفة الإحسان، والسلطان في {القيوم} .
8 -
ومن فوائد الآية: امتناع السِّنَة والنوم لله عز وجل؛ وذلك لكمال حياته، وقيوميته، بحيث لا يعتريهما أدنى نقص؛ لقوله تعالى:{لا تأخذه سنة ولا نوم} ؛ وهذه من الصفات المنفية؛ والإيمان بالصفات المنفية يتضمن شيئين؛ أحدهما: الإيمان بانتفاء الصفة المذكورة؛ والثاني: إثبات كمال ضدها؛ لأن الكمال قد يطلق باعتبار الأغلب الأكثر، وإن كان يرد عليه النقص من بعض الوجوه؛ لكن إذا نفي النقص فمعناه أن الكمال كمال مطلق لا يرد عليه نقصٌ أبداً بوجه من الوجوه؛ مثال ذلك: إذا قيل: «فلان كريم» فقد يراد به أنه كريم في الأغلب الأكثر؛ فإذا قيل: «فلان كريم لا يبخل» عُلم أن المراد كمال كرمه، بحيث لا يحصل منه بخل؛ وهنا النفي حصل بقوله تعالى:{لا تأخذه سنة ولا نوم} ؛ فدل على كمال حياته، وقيوميته.
9 -
ومن فوائد الآية: إثبات الصفات المنفية؛ لقوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} ، وقوله تعالى:{ولا يؤوده حفظهما} ؛ و «الصفات المنفية» ما نفاه الله عن نفسه؛ وهي متضمنة لثبوت كمال ضدها.
10 -
ومنها: عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض} .
ويتفرع على كون الملك لله ألا نتصرف في ملكه إلا بما يرضاه.
11 -
ومنها: أن الحكم الشرعي بين الناس، والفصل بينهم يجب أن يكون مستنداً على حكم الله؛ وأن اعتماد الإنسان على حكم المخلوقين، والقوانين الوضعية نوع من الإشراك بالله عز وجل؛ لأن الملك لله عز وجل.
12 -
ومنها: تسلية الإنسان على المصائب، ورضاه بقضاء الله عز وجل، وقدره؛ لأنه متى علم أن الملك لله وحده رضي بقضائه، وسلّم؛ ولهذا كان في تعزية النبي صلى الله عليه وسلم لابنته أنه قال:«إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى»
(1)
.
13 -
ومنها: عدم إعجاب الإنسان بما حصل بفعله؛ لأن هذا من الله؛ والملك له.
14 -
ومنها: اختصاص الله تعالى بهذا الملك؛ يؤخذ من تقديم الخبر: {له ما في السموات} ؛ لأن الخبر حقه التأخير؛ فإذا قُدِّم أفاد الحصر.
15 -
ومنها: إثبات أن السموات عدد؛ لقوله تعالى: {السموات} ؛ وأما كونها سبعاً، أو أقل، أو أكثر، فمن دليل آخر.
16 -
ومنها: كمال سلطان الله لقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ؛ وهذا غير عموم الملك؛ لكن إذا انضمت
(1)
أخرجه البخاري ص 100، كتاب الجنائز، باب 32: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" إذا كان النوح من سنته، حديث رقم 1284، وأخرجه مسلم ص 822، كتاب الجنائز، باب 6: البكاء على الميت، حديث رقم 2135 [11]923.
قوة السلطان إلى عموم الملك صار ذلك أكمل، وأعلى.
17 -
ومنها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله تعالى: {إلا بإذنه} ؛ وإلا لما صح الاستثناء.
18 -
ومنها: إثبات الإذن - وهو الأمر -؛ لقوله تعالى: {إلا بإذنه} ؛ وشروط إذن الله في الشفاعة: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ لقوله تعالى: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26]، وقوله تعالى:{ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28].
19 -
ومنها: إثبات علم الله، وأنه عام في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لقوله تعالى:{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} .
20 -
ومنها: الرد على القدرية الغلاة؛ لقوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} ؛ فإثبات عموم العلم يرد عليهم؛ لأن القدرية الغلاة أنكروا علم الله بأفعال خلقه إلا إذا وقعت.
21 -
ومنها: الرد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج، والمعتزلة ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأن مذهبهما أن فاعل الكبيرة مخلد في النار لا تنفع فيه الشفاعة.
22 -
ومنها: أن الله عز وجل لا يحاط به علماً كما لا يحاط به سمعاً، ولا بصراً؛ قال تعالى:{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103]، وقال تعالى:{ولا يحيطون به علماً} [طه: 110].
23 -
ومنها: أننا لا نعلم شيئاً عن معلوماته إلا ما أعلمنا به؛ لقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} على أحد الوجهين في تفسيرها.
24 -
ومنها: تحريم تكييف صفات الله؛ لأن الله ما أعلمنا بكيفية صفاته؛ فإذا ادعينا علمه فقد قلنا على الله بلا علم.
25 -
ومنها: الرد على الممثلة؛ لأن ذلك قول على الله بلا علم؛ بل بما يعلم خلافه؛ لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11].
26 -
ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: {إلا بما شاء} .
27 -
ومنها: عظم الكرسي؛ لقوله تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض} .
28 -
ومنها: عظمة خالق الكرسي؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظمة الخالق.
29 -
ومنها: كفر من أنكر السموات، والأرض؛ لأنه يستلزم تكذيب خبر الله؛ أما الأرض فلا أظن أحداً ينكرها؛ لكن السماء أنكرها من أنكرها، وقالوا: ما فوقنا فضاء لا نهاية له، ولا حدود؛ وإنما هي سدوم، ونجوم، وما أشبه ذلك؛ وهذا لا شك أنه كفر بالله العظيم سواء اعتقده الإنسان بنفسه، ووهمه؛ أو صدَّق من قال به ممن يعظمهم إذا كان عالماً بما دل عليه الكتاب والسنّة.
30 -
ومنها: إثبات قوة الله؛ لقوله تعالى: {ولا يؤوده حفظهما} .
31 -
ومنها: أنه سبحانه وتعالى لا يثقل عليه حفظ
السموات، والأرض؛ لقوله تعالى:{ولا يؤوده حفظهما} ؛ وهذه من الصفات المنفية؛ فهي كقوله تعالى: {وما مسنا من لغوب} [ق~: 38].
32 -
ومنها: إثبات ما تتضمنه هذه الجملة: {ولا يؤوده حفظهما} ؛ وهي العلم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحكمة، والقوة.
33 -
ومنها: أن السموات، والأرض تحتاج إلى حفظ؛ لقوله تعالى:{ولا يؤوده حفظهما} ؛ ولولا حفظ الله لفسدتا؛ لقوله تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً} [فاطر: 41].
34 -
ومنها: إثبات علو الله سبحانه وتعالى أزلاً، وأبداً؛ لقوله تعالى:{وهو العلي} ؛ و {العلي} صفة مشبهة تدل على الثبوت، والاستمرار؛ وعلوّ الله عند أهل السنة، والجماعة ينقسم إلى قسمين؛ الأول: علو الذات؛ بمعنى أنه سبحانه نفسه فوق كل شيء؛ وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ وتفصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ وخالفهم في ذلك طائفتان؛ الأولى: من قالوا: إنه نفسه في كل مكان في السماء، والأرض؛ وهؤلاء حلولية الجهمية، ومن وافقهم؛ وقولهم باطل بالكتاب، والسنّة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ الطائفة الثانية: قالوا: إنه لا يوصف بعلوّ، ولا غيره؛ فهو ليس فوق العالم، ولا تحته، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا متصل، ولا منفصل؛ وهذا قول يكفي تصوره في رده؛ لأنه يَؤول إلى القول بالعدم المحض؛ إذ ما من موجود إلا وهو فوق،
أو تحت، أو عن يمين، أو شمال، أو متصل، أو منفصل؛ فالحمد لله الذي هدانا للحق؛ ونسأل الله أن يثبتنا عليه؛ والقسم الثاني: علو الصفة: وهو أنه كامل الصفات من كل وجه لا يساميه أحد في ذلك؛ وهذا متفق عليه بين فرق الأمة، وإن اختلفوا في تفسير الكمال.
35 -
ومن فوائد الآية: الرد على الحلولية، وعلى المعطلة النفاة؛ فالحلولية قالوا: إنه ليس بعالٍ؛ بل هو في كل مكان؛ والمعطلة النفاة قالوا: لا يوصف بعلو، ولا سفل، ولا يمين، ولا شمال، ولا اتصال، ولا انفصال.
36 -
ومنها: التحذير من الطغيان على الغير؛ لقوله تعالى: {وهو العلي العظيم} ؛ ولهذا قال الله في سورة النساء: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً} [النساء: 34]؛ فإذا كنت متعالياً في نفسك فاذكر علو الله عز وجل؛ وإذا كنت عظيماً في نفسك فاذكر عظمة الله؛ وإذا كنت كبيراً في نفسك فاذكر كبرياء الله.
37 -
ومنها: إثبات العظمة لله؛ لقوله تعالى: {العظيم} .
38 -
ومنها: إثبات صفة كمال حصلت باجتماع الوصفين؛ وهما العلوّ، والعظمة.
القرآن
(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 256)
التفسير:
{256} قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ؛ هذه الجملة نفي؛ لكن هل هي بمعنى النهي؛ أي لا تكرهوا أحداً على الدين؛ أو بمعنى النفي؛ أي أنه لن يدخل أحد دين الإسلام مكرَهاً؛ بل عن اختيار؛ لقوله تعالى بعد ذلك: {قد تبين الرشد من الغي} ؟ الجواب: تحتمل وجهين؛ و «الإكراه» الإرغام على الشيء.
وقوله تعالى: {في الدين} ؛ «الدين» يطلق على العمل؛ ويطلق على الجزاء؛ أما إطلاقه على العمل ففي مثل قوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 3]، وقوله تعالى:{إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19]؛ وأمّا إطلاقه على الجزاء فمثل قوله تعالى: {وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين} [الانفطار: 17، 18] أي يوم الجزاء؛ وقد قيل: «كما تدين تدان» ؛ أي كما تعمل تجازى؛ والمراد بـ «الدين» هنا العمل؛ والمراد به دين الإسلام بلا شك؛ فـ «أل» هنا للعهد الذهني؛ يعني الدين المفهوم عندكم أيها المؤمنون؛ وهو دين الإسلام.
قوله تعالى: {قد تبين الرشد من الغي} ؛ {تبين} هنا ضمنت معنى «تميَّز» ؛ وكلما جاءت «مِن» بعد «تبين» فإنها مضمنة معنى التميز؛ أي تميز هذا من هذا.
وقوله تعالى: {الرشد من الغي} : هناك رشد، وغيّ؛ وهدى، وضلال؛ فـ؛ «الرشد» معناه حسن المسلك، وحسن التصرف: بأن يتصرف الإنسان تصرفاً يحمد عليه؛ وذلك بأن يسلك الطريق الذي به النجاة؛ ويقابل بـ «الغي» كما هنا؛ والمراد
بـ {الرشد} هنا الإسلام؛ وأما «الغي» فهو سوء المسلك: بأن يسلك الإنسان ما لا يحمد عليه لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ والمراد به هنا الكفر.
وتَبَيُّن الرشد من الغي بعدة طرق:
أولاً: بالكتاب؛ فإن الله سبحانه وتعالى فرَّق في هذا الكتاب العظيم بين الحق، والباطل؛ والصلاح، والفساد؛ والرشد، والغي، كما قال تعالى:{ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} [النحل: 89]؛ فهذا من أقوى طرق البيان.
ثانياً: بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنها بينت القرآن، ووضحته؛ ففسرت ألفاظه التي تشكل، ولا تعرف إلا بنص؛ وكذلك وضحت مجملاته، ومبهماته؛ وكذلك بينت ما فيه من تكميلات يكون القرآن أشار إليها، وتكملها السنة، كما قال تعالى:{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44]. الطريق الثالث: هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وسلوكه في عبادته، ومعاملته، ودعوته؛ فإنه بهذه الطريقة العظيمة تبين للكفار، وغير الكفار حسن الإسلام؛ وتبين الرشد من الغيّ.
الطريق الرابع: سلوك الخلفاء الراشدين؛ وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ؛ فإن بطريقتهم بان الإسلام، واتضح؛ وكذلك من كان في عصرهم من الصحابة على سبيل الجملة لا التفصيل؛ فإنه قد تبين بسلوكهم الرشد من الغي.
هذه الطرق الأربع تبين فيها الرشد من الغي؛ فمن دخل في
الدين في ذلك الوقت فقد دخل من هذا الباب؛ ولم يصب من قال: إن الدين انتشر بالسيف، والرمح.
قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} ؛ «الكفر» في اللغة مأخوذ من الستر؛ ومنه سمي «الكُفُرَّى» لوعاء طلع النخل؛ لأن الإنسان الكافر ستر نعمة الله عليه، وستر ما تقتضيه الفطرة من توحيد الله عز وجل؛ {فمن يكفر بالطاغوت} أي من ينكره، ويتبرأ منه؛ و «الطاغوت» فسره ابن القيم بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع؛ مشتق من «الطغيان»؛ وهو تجاوز الحد: قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11]؛ لأن الماء الذي أغرق الله به الكفار بنوح تجاوز الحد حتى وصل إلى ما فوق قمم الجبال؛ فالمعبود كالأصنام طاغوت؛ لأن الإنسان تجاوز بها حده في العبادة؛ والمتبوع كالأحبار، والرهبان الضالين طاغوت؛ لأن الإنسان تجاوز بهم الحد في تحليل ما حرم الله عز وجل، أو تحريم ما أحل الله عز وجل؛ والمطاع كالأمراء ذوي الجور والضلال الذين يأمرون بسلطتهم التنفيذية - لا التشريعية - طاغوت؛ إذاً {فمن يكفر بالطاغوت} من كفر بالأصنام؛ ومن كفر بأحبار، ورهبان السوء؛ ومن كفر بأمراء السوء الذين يأمرون بمعصية الله، ويلزمون بخلاف شرع الله عز وجل.
ولا يكفي الكفر بالطاغوت؛ لأن الكفر تخلٍّ، وعدم؛ ولا بد من إيجاد؛ الإيجاد: قوله تعالى: {ويؤمن بالله} بالجزم عطفاً على {يكفر} ؛ والإيمان بالله متضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته
إيماناً يستلزم القبول، والإذعان - القبول للخبر، والإذعان للطلب سواء كان أمراً، أو نهياً؛ فصار الإيمان بالله مركباً من أربعة أمور مستلزمة لأمرين؛ ثم اعلم أن معنى قولنا: الإيمان بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته المراد الإيمان بانفراده بهذه الأشياء: بالألوهية؛ والربوبية؛ والأسماء، والصفات؛ وبالوجود الواجب - فهو سبحانه وتعالى منفرد بهذا بأنه واجب الوجود.
قوله تعالى: {فقد استمسك بالعروة الوثقى} جواب {من} الشرطية؛ {استمسك} أي تمسك تمسكاً بالغاً {بالعروة الوثقى} أي المقبض القوي الذي ينجو به؛ والمراد به هنا الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لأن به النجاة من النار.
قوله تعالى: {لا انفصام لها} أي لا انقطاع، ولا انفكاك لها؛ لأنها محكمة قوية.
قوله تعالى: {والله سميع عليم} : سبق الكلام عليها مفصلاً.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أنه لا يكره أحد على الدين لوضوح الرشد من الغي؛ لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ؛ هذا على القول بأنها خبرية؛ أما على القول بأنها إنشائية فإنه يستفاد منها أنه لا يجوز أن يكره أحد على الدين؛ وبينت السنة كيف نعامل الكفار؛ وذلك بأن ندعوهم إلى الإسلام؛ فإن أبوا فإلى بذل الجزية؛ فإن أبوا قاتلناهم.
2 -
ومنها: أنه ليس هناك إلا رشد، أو غي؛ لأنه لو كان هناك ثالث لذُكر؛ لأن المقام مقام حصر؛ ويدل لهذا قوله تعالى:{فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32]، وقوله تعالى:{وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24].
3 -
ومنها: أنه لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك؛ لقوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله} ؛ فمن آمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت فليس بمؤمن.
4 -
ومنها: أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت؛ لقوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله} ؛ وجه هذا أنه سبحانه وتعالى جعل الكفر بالطاغوت قسيماً للإيمان بالله؛ وقسيم الشيء غير الشيء؛ بل هو منفصل عنه.
5 -
ومنها: أنه لا نجاة إلا بالكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لقوله تعالى:{فقد استمسك بالعروة الوثقى} .
6 -
ومنها: أن الأعمال تتفاضل؛ يؤخذ ذلك من اسم التفضيل: {الوثقى} ؛ لأن التفضيل يقتضي مفضلاً، ومفضلاً عليه؛ ولا شك أن الأعمال تتفاضل بنص القرآن، والسنة؛ قال تعالى:{ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} ؛ [الملك: 2] و {أحسن} اسم تفضيل؛ وهذا دليل على أن الأعمال تتفاضل بالحُسن؛ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي العمل أحب إلى الله قال: الصلاة على وقتها»
(1)
وقال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»
(2)
؛ ويلزم من تفاضل الأعمال تفاضل العامل: كلما كان العمل أفضل كان العامل أفضل؛
(1)
أخرجه البخاري ص 44، كتاب مواقيت الصلاة، باب 5: فضل الصلاة لوقتها، حديث رقم 527، وأخرجه مسلم ص 693، كتاب الإيمان، باب 36: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، حديث رقم 253 [138]85.
(2)
أخرجه البخاري ص 545 - 546، كتاب الرقاق، باب 38: التواضع، حديث رقم 6502.
وتفاضل الأعمال يكون بعدة أمور: بحسب العامل؛ بحسب العمل جنسه، أو نوعه؛ بحسب الزمان؛ بحسب المكان؛ بحسب الكيفية، والمتابعة؛ بحسب الإخلاص لله؛ بحسب الحال.
مثاله بحسب العامل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه»
(1)
.
ومثاله بحسب العمل: جنسه، ونوعه؛ فالصلاة مثلاً أفضل من الزكاة؛ والزكاة أفضل من الصيام؛ هذا باعتبار الجنس؛ ومثاله باعتبار النوع: الفريضة من كل جنس أفضل من النافلة؛ فصلاة الفجر مثلاً أفضل من راتبة الفجر.
ومثاله بحسب الزمان: قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»
(2)
، وقوله صلى الله عليه وسلم:«من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً»
(3)
.
ومثاله بحسب المكان قوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير
(1)
أخرجه البخاري ص 299، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب، حديث رقم 3673، وأخرجه مسلم ص 1123، كتاب فضائل الصحابة، باب 54، تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم، حديث رقم 6487 [221]2540.
(2)
أخرجه البخاري ص 969، كتاب العيدين، باب 11، فضل العمل في أيام التشريق، حديث رقم 969؛ وأخرجه الترمذي ص 1722، كتاب الصوم، باب 52: ما جاء في العمل في أيام العشر، حديث رقم 757؛ واللفظ له.
(3)
أخرجه البخاري ص 229، كتاب الجهاد، باب 36: فضل الصوم في سبيل الله، حديث رقم 2840، وأخرجه مسلم ص 862، كتاب الصيام، باب 31: فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه
…
، حديث رقم 2713 [168]1153.
من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»
(1)
.
ومثاله بحسب الكيفية؛ بمعنى أن كيفية العبادة تكون أفضل من كيفية أخرى، كالخشوع في الصلاة قال تعالى:{قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1، 2].
مثاله بحسب المتابعة: قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31]؛ فكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل؛ لأن القاعدة أن الحكم المعلَّق بوصف يقوى بحسب ذلك الوصف.
ومثاله بحسب الإخلاص أنه كلما كان العامل أشد إخلاصاً لله كان أكمل ممن خالط عمله شيء من الشرك؛ ومثاله بحسب الحال: العبادة بين أهل الغفلة، والإعراض أفضل من العبادة بين أهل الطاعة، والإقبال؛ ولهذا كان العامل في أيام الصبر له أجر خمسين من الصحابة لكثرة الإعراض عن الله عز وجل، وعن دينه؛ فلا يجد أحداً يساعده، ويعينه؛ بل ربما لا يجد إلا من يتهكم به، ويسخر به؛ ومن تفاضلها باعتبار الحال أن العفة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ؛ لأن شهوة الشاب أقوى من شهوة الشيخ؛ فالداعي إلى عدم العفة في حقه أقوى من الداعي بالنسبة للشيخ؛ ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني أشد من عقوبة الشاب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعة
(1)
أخرجه البخاري ص 92، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة، باب 1: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم 1190، وأخرجه مسلم ص 908، كتاب الحج، باب 94: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، حديث رقم 3374 [505]1394.
لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه»
(1)
.
7 -
ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله - هما «السميع العليم» ، وما تضمناه من صفة.
القرآن
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة: 257)
التفسير:
{257} قوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا} أي متوليهم؛ والمراد بذلك الولاية الخاصة؛ ومن ثمراتها قوله تعالى: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} ؛ وأفرد {النور} ؛ لأنه طريق واحد؛ وجمع {الظلمات} باعتبار أنواعها؛ لأنها إما ظلمة جهل؛ وإما ظلمة كفر؛ وإما ظلمة فسق؛ أما ظلمة الجهل فظاهرة: فإن الجاهل بمنزلة الأعمى حيران لا يدري أين يذهب كما قال تعالى: {أَوَمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} [الأنعام: 122] وهذا صاحب العلم؛ {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122]: وهذا صاحب الجهل؛ وأما ظلمة الكفر فلأن الإيمان نور يهتدي به الإنسان، ويستنير به قلبه، ووجهه؛ فيكون ضده - وهو
(1)
أخرجه الطبراني في المعجم الصغير 2/ 21؛ وقال المنذري في الترغيب والترهيب رواته محتج بهم في الصحيح 2/ 587، ترغيب التجار في الصدق وترهيبهم من الكذب والحلف وإن كانوا صادقين، حديث رقم 9.
الكفر - على العكس من ذلك؛ أما ظلمة الفسق فهي ظلمة جزئية تكبر، وتصغر بحسب ما معه من المعاصي؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء
(1)
- والسواد ظلمة، وتزول هذه النكتة بالتوبة، وتزيد بالإصرار على الذنب؛ فالظلمات ثلاث: ظلمة الجهل، والكفر، والمعاصي؛ يقابلها نور العلم، ونور الإيمان، ونور الاستقامة.
قوله تعالى: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} ؛ إذا تأملت هذه الجملة، والتي قبلها تجد فرقاً بين التعبيرين في الترتيب: ففي الجملة الأولى قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا} لأمور ثلاثة؛ أحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولاً استبشر به؛ ثانياً: التبرك بتقديم ذكر اسم الله عز وجل؛ ثالثاً: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله هو الذي امتن عليهم أولاً، فأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ أما الجملة الثانية:{والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} ؛ ولو كانت الجملة على سياق الأولى لقال: «والطاغوت أولياء الذين كفروا» ؛ ومن الحكمة في ذلك: أولاً: ألّا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله؛ ثانياً: أن الطاغوت أهون، وأحقر من أن يُبدأ به، ويُقدّم؛ ثالثاً: أن البداءة بقوله تعالى: {الذين كفروا} أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره.
وقوله تعالى: {والذين كفروا} أي كفروا بكل ما يجب الإيمان به سواءً كان كفرهم بالله، أو برسوله، أو بملائكته، أو باليوم الآخر، أو بالقدر، أو غيرها مما يجب الإيمان به.
(1)
أخرجه مسلم ص 702، كتاب الإيمان، باب 64: رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب
…
، حديث رقم 369 [231]144.
وقوله تعالى: {أولياؤهم} جمع «وليّ» ؛ وجمعت لكثرة أنواع الشرك، والكفر؛ بخلاف سبيل الحق؛ فإنها واحدة؛ وهذه كقوله تعالى:{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153].
قوله تعالى: {يخرجونهم} : أتى بضمير الجمع؛ لأن المراد بالطاغوت اسم الجنس؛ فيعم جميع أنواعه.
وقوله تعالى: {يخرجونهم من النور إلى الظلمات} : استُشكل؛ لأن ظاهره: الذين آمنوا أولاً، فدخلوا في النور، ثم كفروا، فخرجوا منه؛ مع أنه يشمل الكافر الأصلي؛ فالجواب: إما أن يراد بهذا من كانوا على الإيمان أولاً، ثم أُخرجوا كما هو ظاهر اللفظ؛ أو يقال: هذا باعتبار الفطرة؛ فإن كل مولود يولد على الفطرة؛ فكانوا على الفطرة السليمة، والإيمان، ثم أخرجوهم، كقوله صلى الله عليه وسلم:«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه»
(1)
؛ و {من النور إلى الظلمات} سبق الكلام عليها
(2)
.
قوله تعالى: {أولئك أصحاب النار هم فيها} ؛ المشار إليه الذين كفروا، ودعاتهم؛ و {أصحاب} جمع صحب؛ و «الصاحب» هو الملازم لغيره؛ فلا يسمى صاحباً إلا الملازم إلا صاحباً واحداً - وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم تطلق على من اجتمع به - ولو لحظة، ومات على ذلك؛ وهذا من خصائص
(1)
أخرجه البخاري ص 108، كتاب الجنائز، باب 92: ما قيل في أولاد المشركين، حديث رقم 1385، وأخرجه مسلم ص 1141، كتاب القدر، باب 6: معنى كل مولود يولد على الفطرة
…
، حديث رقم 6755 [22]2658.
(2)
انظر 3/ 271.
النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأصحاب النار هم أهلها الملازمون لها؛ وقُدم الجار والمجرور لإفادة الحصر، ولمراعاة الفواصل.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه تحصل به ولاية الله عز وجل؛ لقوله تعالى:{الله ولي الذين آمنوا} .
2 -
ومنها: إثبات الولاية لله عز وجل؛ أي أنه سبحانه وتعالى يتولى عباده؛ وولايته نوعان؛ الأول: الولاية العامة؛ بمعنى أن يتولى شؤون عباده؛ وهذه لا تختص بالمؤمنين، كما قال تعالى:{وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون} [يونس: 30] يعني الكافرين؛ والنوع الثاني: ولاية خاصة بالمؤمنين، كقوله تعالى:{ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11]، وكما في قوله تعالى:{الله ولي الذين آمنوا} ؛ ومقتضى النوع الأول أن لله تعالى كمال السلطان، والتدبير في جميع خلقه؛ ومقتضى النوع الثاني: الرأفة، والرحمة، والتوفيق.
3 -
ومن فوائد الآية: أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن؛ لقوله تعالى: {يخرجهم من الظلمات إلى النور} .
4 -
ومنها: أن الكافرين أولياؤهم الطواغيت سواء كانوا متبوعين، أو معبودين، أو مطاعين.
5 -
ومنها: براءة الله عز وجل من الذين كفروا؛ يؤخذ من المنطوق، والمفهوم؛ فالمفهوم في قوله تعالى:{الله ولي الذين آمنوا} فمفهومه: لا الذين كفروا؛ المنطوق من قوله تعالى: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} ؛ وهذا مقابل لقوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا} .
6 -
ومنها: سوء ثمرات الكفر، وأنه يهدي إلى الضلال - والعياذ بالله؛ لقوله تعالى:{يخرجونهم من النور إلى الظلمات} ؛ وهذا الإخراج يشمل ما كان إخراجاً بعد الوقوع في الظلمات، وما كان صدًّا عن النور؛ وعلى الثاني يكون المراد بإخراجهم من الظلمات: استمرارهم على الظلمات.
7 -
ومنها: أن الكفر مقابل الإيمان؛ لقوله تعالى: {ولي الذين آمنوا والذين كفروا
…
} إلخ؛ ولكن هل معنى ذلك أنه لا يجتمع معه؟ الجواب أنه قد يجتمع معه على القول الراجح الذي هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»
(1)
؛ وهذا الكفر لا يرفع الإيمان لقول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
…
} [الحجرات: 9] إلى قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10]؛ فأثبت الأخوة الإيمانية مع الاقتتال الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إنه كفر؛ وانظر إلى الإنسان يكون فيه كذب - وهو من خصال المنافقين؛ ويكون فيه حسد - وهو من خصال اليهود؛ ويكون فيه صدق - وهو من خصال المؤمنين؛ ويكون فيه إيثار - وهو من صفات المؤمنين أيضاً؛ لكن الكفر المطلق - وهو الذي يخرج من الإسلام - لا يمكن أن يجامع الإيمان.
(1)
أخرجه البخاري ص 6، كتاب الإيمان، باب 36: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، حديث رقم 48، وأخرجه مسلم ص 691، كتاب الإيمان، باب 28: بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، حديث رقم 221 [116]64.
8 -
ومن فوائد الآية: إثبات النار؛ لقوله تعالى: {أولئك أصحاب النار} ؛ والنار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131]؛ فقال تعالى: {أعدت} بلفظ الماضي؛ والإعداد هو التهيئة؛ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث أنه رآها: ففي صلاة الكسوف عرضت عليه النار، ورأى فيها عمرو بن لُحيّ يجر قصبه في النار
(1)
؛ ورأى المرأة التي تعذب في هرة؛ ورأى صاحب المحجن يعذب
(2)
؛ المهم أن النار موجودة أبدية؛ وليست أزلية؛ لأنها مخلوقة بعد أن لم تكن؛ ولكنها أبدية لا تفنى: قال تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور} [فاطر: 36]؛ وذكر تأبيد أهلها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ وبهذا يعرف بطلان قول من يقول: «إنها تفنى» ؛ وأنه قول باطل مخالف للأدلة الشرعية.
9 -
ومنها: أن الكافرين مخلدون في النار؛ لقوله تعالى: {أولئك أصحاب النار} ؛ والصاحب للشيء: الملازم له.
10 -
ومنها: أن الخلود خاص بالكافرين؛ وأن من يدخل النار من المؤمنين لا يخلّد؛ لقوله تعالى: {هم فيها خالدون} ؛ يعني: دون غيرهم.
(1)
راجع البخاري ص 287، كتاب المناقب، باب 9: قصة خزاعة، حديث رقم 3521؛ ومسلماً ص 1173، كتاب الجنة، باب 13: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، حديث رقم 7192 [50]3856.
(2)
راجع مسلماً ص 820، كتاب الكسوف، باب 3: ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث رقم 2102 [10]904.
القرآن
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(البقرة: 258)
التفسير:
{258} قوله تعالى: {ألم تر} الهمزة للاستفهام؛ والمراد به هنا التقرير، والتعجيب؛ «التقرير» يعني تقرير هذا الأمر، وأنه حاصل؛ و «التعجيب» معناه: دعوة المخاطَب إلى التعجب من هذا الأمر العجيب الغريب الذي فيه المحاجة لله عز وجل؛ {تر} أي تنظر نظر قلب؛ لأنه لم يدرك زمنه حتى يراه بعينه؛ والخطاب في قوله تعالى: {ألم تر} إما للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وإما لكل من يتأتى خطابه ممن نزل عليهم القرآن؛ وهذا أعم؛ وقد ذكرنا قبل ذلك أن ما جاء بلفظ الخطاب في القرآن فله ثلاث حالات؛ إما أن يدل الدليل على أنه للرسول صلى الله عليه وسلم، وللأمة؛ أو يدل الدليل على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ أو لا يكون هذا، ولا هذا: والحكم فيه أنه عام للرسول صلى الله عليه وسلم، ولغيره؛ ولكن هل هذا الخطاب المعين يراد به الأمة، وخوطب إمامها لأنهم تبع له؛ أو يراد به النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره يفعله على سبيل الأسوة؟ قولان لأهل العلم؛ ومؤداهما واحد؛ فمن أمثلة ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:{ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك} [الشرح: 1، 2]؛ ومن الأمثلة التي دل الدليل على أنه للرسول، ولغيره قوله تعالى:{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق:]؛ فوجه الخطاب إلى
النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى:{إذا طلقتم} وهو عام؛ فدل على أن المراد به العموم؛ ومما يحتمل، مثل قوله تعالى:{ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65]؛ فهذا يحتمل أنه للرسول صلى الله عليه وسلم وحده؛ ولكن أمته تبع له؛ وهو ظاهر اللفظ - وإن كان هذا الشرك لا يقع منه؛ لأن «إنْ» قد يراد بها فرض الشيء دون وقوعه - وهنا {ألم تر} يحتمل الأمرين؛ يعني: ألم تنظر يا محمد، أو: ألم تنظر
أيها المخاطب.
قوله تعالى: {إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} ؛ ذكر «إبراهيم» في الآية ثلاث مرات؛ وفيها قراءتان: {إبراهيم} ، و {إبراهام}؛ وهما سبعيتان؛ و {حاج}: هذه صيغة مفاعلة؛ وصيغة المفاعلة لا تكون غالباً إلا بين اثنين، كـ «قاتل» ، و «ناظر» ، و «دافع» - أقول: غالباً؛ لئلا يرد علينا مثل: «سافر» ؛ فإنها من واحد؛ ومعنى «حاجه» أي ناظره، وأدلى كل واحد بحجته؛ و «الحجة» هي الدليل، والبرهان؛ و {في ربه} أي في وجوده، وفي ألوهيته؛ فإبراهيم يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ وهذا ينكر الله رأساً - كما أنكره من بعده فرعون - وقال: أين الدليل على وجود ربك؟
قوله تعالى: {أن آتاه الله الملك} : {أن} مصدرية دخلت على الفعل الماضي؛ وإذا دخلت على الفعل الماضي لا تنصبه؛ لكنها لا تمنع أن يسبك بمصدر؛ والتقدير هنا: أنه حاج إبراهيم لكونه أُعطي مُلكاً؛ و «أل» في قوله تعالى: {الملك} الظاهر أنها لاستغراق الكمال - أي ملكاً تاماً لا ينازعه أحد في مملكته؛ لأن الله لم يعطه ملك السموات، والأرض؛ بل ولا ملك جميع الأرض؛ وبهذا نعرف أن فيما ذُكر عن بعض التابعين من أنه ملك
الأرض أربعة - اثنان مؤمنان؛ واثنان كافران - نظراً؛ ولم يُمَلِّك الله جميع الأرض لأيّ واحد من البشر؛ ولكن يُمَلِّك بعضاً لبعض؛ والله عز وجل يقول: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251]؛ أما أن يَملِك واحد من البشر جميع الأرض فهذا مستحيل في سنة الله عز وجل فيما نعلم.
فهذا رجل ملك - ولا يعنينا أن نعرف اسمه: أهو «نُمروذ بن كنعان» ، أم غيره؛ المهم هو القصة - لما آتاه الله ملكاً دام مدة طويلة، وملك أراضي واسعة ملكاً تاماً لا ينازعه أحد - وكما قال تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام
…
} [يونس: 24] الآية - استطال والعياذ بالله، واستكبر، وعلا، وأنكر وجود العلي الأعلى، فكان يحاج إبراهيم لطغيانه بأن آتاه الله الملك؛ وقد قال الله سبحانه وتعالى:{كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7]؛ إذا رأى الإنسان نفسه استغنى فقد يطغى، ويزيد عتوه، وعناده.
قوله تعالى: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت} : هذا بيان المحاجة؛ وهذه لا شك - كما يُعلم من سياق اللفظ - أنها جواب لسؤال؛ كأنه قال: ما ربك؟ أو: من هو؟ أو: ما شأنه؟ أو: ما فعله؟ فقال: {ربي الذي يحيي ويميت} كما قال فرعون لموسى: {وما رب العالمين * قال رب السموات والأرض
…
} [الشعراء: 23، 24]، ومعنى «الرب» الخالق المالك المدبر؛ وهذه الأوصاف لا تثبت على الكمال، والشمول إلا لله عز وجل؛ و {يحيي ويميت} أي يجعل الجماد حياً؛ ويميت ما كان حياً، فبينما نرى الإنسان ليس شيئاً مذكوراً إذا به يكون شيئاً
مذكوراً، كما قال تعالى:{هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً} [الإنسان: 1]؛ ثم يبقى في الأرض؛ ثم يُعدَم ويَفنى، فإذا هو خبر من الأخبار:
(كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامرُ - بينا يرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار) قال إبراهيم هذا الكلام؛ كأنه يقول له: هو الذي يوجِد، ويعدِم؛ ثم أتى بمثال - وهو الإحياء والإماتة التي لا يقدر عليها أحد؛ لكن هذا المعاند المكابر قال:{أنا أحيي وأميت} ؛ قالها إما تلبيساً؛ وإما مكابرة؛ إما تلبيساً كما قاله أكثر المفسرين؛ وقالوا: إنه أتى باثنين، فقتل أحدهما، وأبقى الآخر، فقال:«أمتّ الأول، وأحييت الثاني» ؛ هذا هو المشهور عند كثير من المفسرين؛ وعلى هذا فيكون قوله: {أنا أحيي وأميت} تلبيساً؛ والحقيقة أنه ما أحيا، ولا أمات هنا؛ وإنما فعل ما يكون به الموت في دعوى الإماتة؛ واستبقى ما كان حياً في دعواه الإحياء؛ فلم يوجِد حياة من عنده؛ وقال بعضهم: بل قال ذلك مكابرة؛ يعني: هو يعلم أنه لا يحيي، ولا يميت؛ كأنه يقول لإبراهيم: إذا كان ربك يحيي ويميت فأنا أحيي، وأميت؛ ثم إن إبراهيم عليه السلام انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال:{إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} .
قوله تعالى؛ {فبهت الذي كفر} أي تحير، واندهش، ولم يحرِ جواباً؛ فغلب إبراهيم الذي كفر؛ لأن وقوف الخصم في المناظرة عجز.
قوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يوفقهم للهداية.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: بلاغة القرآن الكريم في عرض الأمور العجيبة معرض التقرير، والاستفهام؛ لأن «التقرير» يحمل المخاطَب على الإقرار؛ و «الاستفهام» يثير اهتمام الإنسان؛ فجمع بين الاستفهام، والتقرير.
2 -
ومنها: بيان كيف تصل الحال بالإنسان إلى هذا المبلغ الذي بلغه هذا الطاغية؛ وهو إنكار الحق لمن هو مختص به، وادعاؤه المشاركة؛ لقوله:{أنا أحيي وأميت} .
3 -
ومنها: أن المحاجة لإبطال الباطل، ولإحقاق الحق من مقامات الرسل؛ لقوله تعالى:{ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} .
4 -
ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة، والمحاجة؛ لأنها سُلَّم، ووسيلة لإحقاق الحق، وإبطال الباطل؛ ومن طالع كتب شيخ الإسلام ونحوها تعلَّم المناظرة - ولو لم يدرسها فناً.
5 -
ومنها: أن النعم قد تكون سبباً للطغيان؛ لأن هذا الرجل ما طغى وأنكر الخالق إلا لأن الله آتاه الملك؛ ولهذا أحياناً تكون الأمراض نعمة من الله على العبد؛ والفقر والمصائب تكون نعمة على العبد؛ لأن الإنسان إذا دام في نعمة، وفي رغد، وفي عيش هنيء فإنه ربما يطغى، وينسى الله عز وجل.
6 -
ومنها: صحة إضافة الملكية لغير الله؛ لقوله تعالى: {أن آتاه الله الملك} .
7 -
ومنها: أن ملك الإنسان ليس ملكاً ذاتياً من عند نفسه؛ ولكنه معطى إياه؛ لقوله تعالى: {أن آتاه الله الملك} ؛ وهذه الآية كقوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} [آل عمران: 26].
8 -
ومنها: فضيلة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، حيث قال مفتخراً، ومعتزاً أمام هذا الطاغية:{ربي} ؛ فأضافه إلى نفسه، كأنه يفتخر بأن الله سبحانه وتعالى ربه.
9 -
ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يحيي ويميت} ؛ وهذه المسألة أنكرها كثير من علماء الكلام؛ وعللوا ذلك بعلل عليلة؛ بل ميتة لا أصل لها؛ لأنهم قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ وإن الحوادث إن كانت كمالاً كان فقدها نقصاً؛ وإن كانت نقصاً فكيف يتصف الله بها! إذاً هي ممتنعة؛ لأنها نقص على كل تقدير؛ وحينئذٍ يجب أن ننزه الله عنها، وأن تكون ممتنعة عليه؛ والجواب عن ذلك أن قولكم:«الحوادث لا تقوم إلا بحادث» مجرد دعوى؛ ونحن نعلم أن الحوادث تحدث منا، ولكنها ليست سابقة بسبقنا؛ ولا يعد ذلك فينا نقصاً؛ فالحوادث تحدث بعد مَن أحدثها؛ ولا مانع من ذلك؛ فمن الممكن أن يكون المتصف بها قديماً وهي حادثة؛ وأما قولكم:«إنها إن كانت كمالاً كان فقدها نقصاً؛ وإن كانت نقصاً فكيف يوصف بها» ؟ فنقول: هي كمال حال وجودها؛ فإذا اقتضت الحكمة وجودها كان وجودها هو الكمال؛ وإذا اقتضت الحكمة عدمها كان عدمها هو الكمال.
10 -
ومن فوائد الآية: أن الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يحيي ويميت} ؛ إذاً فاعتمد على الله عز وجل، ولا تخف، ولا تقدر أسباباً وهمية؛ مثلاً دعيت إلى أيّ عمل صالح فقلت: أخشى إن عملت هذا العمل أن أموت؛ نقول: هذا إذا كان مجرد وهم فإن هذه الخشية لا ينبغي أن يبني عليها حكماً، بحيث تمنعه من أمر فيه مصلحته، وخيره.
11 -
ومنها: أن الإنسان المجادل قد يكابر فيدعي ما يعلم يقيناً أنه لا يملكه؛ لقول الرجل الطاغية: {أنا أحيي وأميت} ؛ ومعلوم أن هذا إنما قاله في مضايقة المحاجة؛ والإنسان في مضايقة المحاجة ربما يلتزم أشياء هو نفسه لو رجع إلى نفسه لعلم أنها غير صحيحة؛ لكن ضيق المناظرة أوجب له أن يقول هذا إنكاراً، أو إثباتاً.
12 -
ومنها: حكمة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وجودته في المناظرة سواء قلنا: إن هذا من باب الانتقال من حجة إلى أوضح منها، أو قلنا: إنه من باب تفريع حجة على حجة.
13 -
ومنها: الرد على علماء الهيئة الذين يقولون: إن إتيان الشمس ليس إتياناً لها بذاتها؛ ولكن الأرض تدور حتى تأتي هي على الشمس؛ ووجه الرد أن إبراهيم قال: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق} ؛ إذاً الله أتى بها من المشرق؛ وهم يقولون: إن الله لم يأت بها من المشرق؛ ولكن الأرض بدورتها اطلعت عليها؛ ونحن نقول: إن الله لم يقل: إن الله يدير الأرض حتى تُرى الشمس من المشرق؛ فأدرها حتى تُرى من المغرب! ويجب علينا أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد
مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ هذا من جهة؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق: قال الله تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14]؛ فإذا كان يقول في كلامه إن الشمس: «تأتي» ، و «تطلع» ، و «تغرب» ، و «تزول» ، و «تتوارى» ؛ كل هذه الأفعال يضيفها إلى الشمس؛ لماذا نحن نجعلها على العكس من ذلك، ونضيفها إلى الأرض!!! ويوم القيامة سيقول الله لنا:{ماذا أجبتم المرسلين} [القصص: 65]؛ لا يقول: ماذا أجبتم العالم الفلكي الفلاني؛ على أن علماء الفلك قديماً، وحديثاً مختلفون في هذا؛ لم يتفقوا على أن الأرض هي التي بدورانها يكون الليل، والنهار؛ وما دام الأمر موضع خلاف بين الفلكيين أنفسهم؛ فإننا نقول كما نقول لعلماء الشرع إذا اختلفوا:«إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» ؛ بل نقول: لو جاء علماء الفلك بأجمعهم ما عدلنا عن ظاهر القرآن حتى يتبين لنا أمر محسوس؛ وحينئذ نقول لربنا إذا لاقيناه: إنك قلت - وقولك الحق: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ، وقلت:
{اتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]؛ ونحن ما وسعنا إلا أن نقول: إن قولك: {وترى الشمس إذا طلعت} [الكهف: 17] أي إذا طلعت رأي العين؛ لا في حقيقة الواقع؛ لأننا علمنا بحسنا، وبصرنا بأن الذي يكون به تعاقب الليل، والنهار هو دوران الأرض؛ أما والحس لم يدل على هذا؛ ولكنه مجرد أقيسة ونظريات، فإنني أرى أنه لا يجوز لأحد أن يعدل عن كلام ربه الذي خلق، والذي أنزل القرآن تبياناً لكل شيء لمجرد قول هؤلاء.
14 -
ومن فوائد الآية: أن الحق لا تمكن المجادلة فيه؛ لقوله تعالى: {فبهت الذي كفر} .
15 -
ومنها: إثبات أن من جحد الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: {فبهت الذي كفر} ؛ وهذه هي النكتة في الإظهار مقام الإضمار؛ لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر.
16 -
ومنها: الإشارة إلى أن محاجة هذا الرجل محاجة بباطل؛ لقوله تعالى: {الذي كفر} ؛ لأن الذين كفروا هم الذين يحاجون حجة باطلة؛ قال الله تعالى: {ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق} [الكهف: 5].
17 -
ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان حرّ: يهتدي بنفسه، ويضل بنفسه؛ وهذه الآية واضحة في أن الهداية بيد الله.
18 -
ومنها: التحذير من الظلم؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ؛ ومن الظلم أن يتبين لك الحق فتجادل لنصرة قولك؛ لأن العدل أن تنصاع للحق، وألا تكابر عند وضوحه؛ ولهذا ضل من ضل من أهل الكلام؛ لأنه تبين لهم الحق؛ ولكن جادلوا؛ فبقوا على ما هم عليه من ضلال.
19 -
ومنها: أن الله لا يمنع فضله عن أحد إلا إذا كان هذا الممنوع هو السبب؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ؛ فلظلمهم لم يهدهم الله؛ وهذا كقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5].
20 -
ومنها: أنه كلما كان الإنسان أظلم كان عن الهداية
أبعد؛ لأن الله علق نفي الهداية بالظلم؛ وتعليق الحكم بالظلم يدل على عليته؛ وكلما قويت العلة قوي الحكم المعلق عليه.
21 -
ومنها: أن من أخذ بالعدل كان حرياً بالهداية؛ لمفهوم المخالفة في قوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ؛ فإذا كان الظالم لا يهديه الله، فصاحب العدل حري بأن يهديه الله عز وجل؛ فإن الإنسان الذي يريد الحق ويتبع الحق - والحق هو العدل - غالباً يُهدى، ويوفّق للهداية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية عبارة من أحسن العبارات؛ قال:«من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق» ؛ وهذه كلمة مأخوذة من القرآن منطوقاً، ومفهوماً.
القرآن
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(البقرة: 259)
التفسير:
{259} قوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية} ؛ {أو} : حرف عطف؛ والكاف: قيل إنها زائدة للتوكيد؛ وقيل: إنها اسم بمعنى «مثل» ؛ وعلى كلا القولين فهي معطوفة على {الذي} في
قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258]؛ يعني: أو ألم تر إلى مثل الذي مر - إذا جعلنا الكاف بمعنى «مثل» ؛ فإن جعلنا الكاف زائدة، فالتقدير: أو ألم تر إلى الذي مر على قرية
…
إلخ.
وفي قوله تعالى: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} تقديم المفعول على الفاعل؛ لأن {هذه} مفعول مقدم؛ ولفظ الجلالة فاعل مؤخر.
قوله تعالى: {مائة} منصوبة على أنها نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه؛ والظرف هي كلمة {عام} ؛ وهي متعلقة بـ {أماته} ؛ وقيل: متعلقة بفعل محذوف؛ والتقدير: فأبقاه مائة عام؛ قالوا: لأن الموت لا يتأجل؛ الموت موت؛ ولكن الذي تأجل هو بقاؤه ميتاً مائة عام.
قوله تعالى: {كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم قال بل لبثتَ} : اختلفت الحركة في التاء باعتبار من ترجع إليه؛ و {كم} مفعول مقدم لـ {لبثت} ؛ يعني: كم مدة لبثت.
قوله تعالى: {لم يتسنه} فيها قراءتان: {لم يتسنَّه} بالهاء الساكنة؛ و {لم يتسنَّ} بحذفها عند الوصل؛ فالقراءتان تختلفان في حال الوصل؛ لا في حال الوقف؛ في حال الوقف: بالهاء الساكنة على القراءتين: {لم يتسنَّه} ؛ وفي حال الوصل: بحذف الهاء في قراءة سبعية: {لم يتسنَّ وانظر} .
قوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} ؛ الواو حرف عطف؛ والمعطوف عليه محذوف دل عليه السياق؛ والتقدير؛ لتعلم قدرة الله، ولنجعلك آية للناس.
قوله تعالى: {أعلم} بفتح الهمزة على أنه فعل مضارع؛ فالجملة خبرية؛ والقراءة الثانية «اعْلمْ» بهمزة الوصل على أنه فعل أمر؛ وعلى هاتين القراءتين يختلف عود الضمير في {قال} ؛ فعلى القراءة الأولى مرجعه {الذي مر على قرية} ؛ وعلى الثانية يرجع إلى الله.
وقد اختلف المفسرون في تعيين القرية، والذي مر بها؛ وهو اختلاف لا طائل تحته؛ إذ لم يثبت فيه شيء عن معصوم؛ والمقصود العبرة بما في هذه القصة - لا تعيين الرجل، ولا القرية - ومثل هذا الذي يأتي مبهماً، ولم يعين عن معصوم، طريقنا فيه أن نبهمه كما أبهمه الله عز وجل.
قوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية} : «القرية» مأخوذة من القَرْي؛ وهي الجمع؛ وتطلق على الناس المجتمعين في البلد؛ وتطلق على البلد نفسها - حسب السياق - فمثلاً في قوله تعالى: {قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية} [العنكبوت: 31] المراد بـ «القرية» هنا المساكن؛ لأنه تعالى قال: {أهل هذه القرية} ؛ وأما في قوله تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة} فالمراد بـ «القرية» هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: {أهلكناها} ، وقوله تعالى:{وهي ظالمة} : وهذا لا يوصف به البلد.
فتبين أن القرية يراد بها أحياناً البلد التي هي محل مجتمع الناس؛ ويراد بها القوم المجتمعون - على حسب السياق؛ وكما قال أولاد يعقوب لأبيهم: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} [يوسف: 82]: فالمراد بـ «القرية» هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: {واسأل القرية} ؛ لأن السؤال لا يمكن أن يوجه إلى
القرية التي هي البناء؛ وإذا كانت «القرية» تطلق على أهل القرية بنص القرآن فلا حاجة إلى أن نقول: هذا مجاز أصله: واسأل أهل القرية؛ لأنا رأينا في القرآن الكريم أن «القرية» يراد بها الساكنون.
قوله تعالى: {وهي خاوية على عروشها} جملة حالية في محل نصب؛ ومعناها أنه ساقط بعضها على بعض ليس فيها ساكن.
قوله تعالى: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} ؛ {أنى} اسم استفهام للاستبعاد؛ وسياق الآية يرجحه؛ أي أنه استبعد حسب تصوره أن الله سبحانه وتعالى يعيد إلى هذه القرية ما كان سابقاً، وقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها؛ وقال بعضهم: إنه للاستعجال، والتمني؛ كأنه يقول: متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها وقد كانت بالأمس قرية مزدهرة بالسكان، والتجارة، وغير ذلك؛ فمتى يعود عليها ما كان قبل.
قوله تعالى: {فأماته الله} أي قبض روحه.
قوله تعالى: {مائة} فيها ألف بين الميم، والهمزة؛ والميم مكسورة، والألف عليها دائرة إشارة إلى أن الألف هذه تكتب، ولا ينطق بها؛ وبهذا نعرف خطأ من ينطقون بها:«مَائة» بميم مفتوحة؛ ومن قرأ بها في القرآن فقد لحن لحناً يجب عليه أن يعدله؛ وبعض الكتاب المعاصرين يكتبها بدون ألف كـ «فِئة» يعني: ميم، وهمزة، وتاء؛ وهذا أحسن إلا في رسم المصحف؛ فيتبع الرسم العثماني؛ وإلا إذا أضيف إليها عدد كـ «ثلاثمائة» و «أربعمائة» ؛ فتكتب الألف، ولا ينطق بها.
قوله تعالى: {عام} مشتقة من العوم؛ وهو السباحة؛ لأن الشمس تسبح فيه على الفصول الأربعة؛ وهي الربيع؛ الصيف؛ الخريف؛ الشتاء؛ كل واحد من هذه الفصول له ثلاثة من البروج المذكورة في قوله:
(حملٌ فثور فجوزاء فسرطان فأسد سنبلة ميزان فعقرب قوس فجدي فكذا دلو وذي آخرها الحيتان) هذه اثنا عشر برجاً للفصول الأربعة؛ كل واحد من الفصول له ثلاثة؛ وقيل: إن كلمة {عام} غير مشتقة؛ فهي مثل كلمة «باب» و «ساج» و «سنة» ؛ وما أشبه ذلك من الكلمات التي ليس لها اشتقاق؛ وأياً كان فالمعنى معروف.
قوله تعالى: {ثم بعثه} أي أحياه؛ ولعل قائلاً يقول: إن المتوقع أن يقول: «ثم أحياه» ليقابل {أماته} ؛ لكن «البعث» أبلغ؛ لأن «البعث» فيه سرعة؛ ولهذا نقول: انبعث الغبار بالريح، وما أشبه ذلك من الكلمات الدالة على أن الشيء يأتي بسرعة، واندفاع؛ فهذا الرجل بعثه الله بكلمة واحدة؛ قال مثلاً:«كن حياً» ، فكان حياً.
قوله تعالى: {قال كم لبثت} ؛ القائل هو الله عز وجل؛ يعني كم لبثت من مدة؛ والمدة مائة عام.
قوله تعالى: {قال لبثت يوماً أو بعض يوم} ؛ {أو} للشك؛ قال العلماء: وإنما قال ذلك؛ لأن الله أماته في أول النهار، وأحياه في آخر النهار؛ فقال: لبثت يوماً إن كان هذا هو اليوم الثاني من موته؛ أو بعض يوم إن كان هو اليوم الذي مات فيه.
قوله تعالى: {بل لبثت مائة عام} ؛ {بل} هذه للإضراب
الإبطالي؛ يعني لم تلبث يوماً، أو بعض يوم؛ بل لبثت مائة عام.
قوله تعالى: {فانظر} أي بعينك {إلى طعامك} : أبهمه الله عز وجل فلم يبين من أي نوع هو؛ و «الطعام» كل ما له طعم من مأكول، ومشروب؛ لكنه إذا قرن بالشراب صار المراد به المأكول.
قوله تعالى: {وشرابك} : لم يبين نوع الشراب؛ {لم يتسنه} أي لم يتغير.
قوله تعالى: {وانظر إلى حمارك} أي انظر إليه بعينك؛ فنظر إلى حماره تلوح عظامه ليس فيه لحم، ولا عصب، ولا جلد.
قوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} أي لنصيِّرك علامة للناس على قدرتنا.
قوله تعالى: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} ؛ وفي قراءة: «ننشرها» بالراء؛ {ننشزها} بالزاي يعني: نركب بعضها على بعض؛ من النشَز؛ وهو الارتفاع، كقوله تعالى:{وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} [النساء: 128]؛ فـ {ننشزها} يعني: نعلي بعضها على بعض؛ فنظر إلى العظام يأتي العظم، ويركب على العظم الثاني في مكانه حتى صار الحمار عظاماً؛ كل عظم منها راكب على الآخر في مكانه، ثم بعد ذلك كسا الله العظام لحماً بعد أن أنشز بعضها ببعض بالعصب؛ أما قراءة «ننشرها» بالراء فمعناها: نحييها؛ لأن العظام قد يبست، وصارت كالرميم ليس فيها أيّ مادة للحياة، ثم أحييت بحيث صارت قابلة لأن يركب بعضها على بعض.
قوله تعالى: {ثم نكسوها لحماً} أي نسترها باللحم؛ فشاهد ذلك بعينه، فاجتمع عنده آيتان من آيات الله؛ إبقاء ما يتغير على حاله - وهو طعامه، وشرابه؛ وإحياء ما كان ميتاً - وهو حماره.
قوله تعالى: {فلما تبين له} أي تبين لهذا الرجل - الذي مر على القرية، واستبعد أن يحييها الله بعد موتها؛ أو استبطأ أن الله سبحانه وتعالى يحييها بعد موتها، وحصل ما حصل من آيات الله عز وجل بالنسبة له، ولحماره، ولطعامه، وشرابه - تبين له الأمر الذي تحقق به قدرة الله عز وجل.
قوله تعالى: {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} ؛ وفي قراءة: {اعلم أن الله على كل شيء قدير} ؛ والفائدة من القراءتين: كأنه أُمر أن يعلم، فعلم، وأقر؛ و «العلم» - كما سبق - هو إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً لما هو عليه؛ وعدم الإدراك هو الجهل البسيط؛ وإدراك الشيء على غير ما هو عليه: هو الجهل المركب؛ وعدم الجزم: شك؛ أو ظن؛ أو وهم؛ فإن تساوى الأمران فهو شك؛ وإن ترجح أحدهما فالراجح ظن؛ والمرجوح وهم.
و «القدرة» صفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز؛ لقوله تعالى: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً} [فاطر: 44]: لما نفى أن يعجزه شيء قال تعالى: {إنه كان عليماً قديراً} فلما نفى العجز، ذكر القدرة، والعلم مقابلها.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث ينوع الأدلة،
والبراهين على الأمور العظيمة؛ لقوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية} ؛ فهذه الآية وما قبلها، وما بعدها كلها في سياق قدرة الله عز وجل على إحياء الموتى.
2 -
ومنها: الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يهتم الإنسان بأعيان أصحاب القصة؛ إذ لو كان هذا من الأمور المهمة لكان الله يبين ذلك: يقول: فلان؛ ويبين القرية.
3 -
ومنها: أن العبرة بالمعاني والمقاصد دون الأشخاص.
4 -
ومنها: إطلاق القرية على المساكن؛ لقوله تعالى: {وهي خاوية على عروشها} مع أنه يحتمل أن يراد بهذه الآية المساكن، والساكن؛ لأن كونها خاوية على عروشها يدل على أن أهلها أيضاً مفقودون، وأنهم هالكون.
5 -
ومنها: قصور نظر الإنسان، وأنه ينظر إلى الأمور بمعيار المشاهَد المنظور لديه؛ لقول هذا الرجل:{أنى يحيي هذه الله بعد موتها} ؛ فكونك ترى أشياء متغيرة لا تستبعد أن الله عز وجل يزيل هذا التغيير؛ وكم من أشياء قدَّر الناس فيها أنها لن تزول، ثم تزول؛ كم من أناس أمَّلوا دوام الغنى، ودوام الأمن، ودوام السرور، ثم أعقبه ضد ذلك؛ وكم من أناس كانوا على شدة من العيش، والخوف، والهموم، والغموم، ثم أبدلهم الله سبحانه وتعالى بضد ذلك.
6 -
ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا استبعد وقوع الشيء - ولكنه لم يشك في قدرة الله - لا يكفر بهذا.
7 -
ومنها: بيان قدرة الله عز وجل في إماتة هذا الرجل
لمدة معينة، ثم إحيائه؛ لقوله تعالى:{فأماته الله مائة عام ثم بعثه} .
8 -
ومنها: إثبات الكلام لله عز وجل، والقول، وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لقوله تعالى:{قال كم لبثت} ؛ والأولى الأخذ بظاهر القرآن، وأن القائل هو الله عز وجل.
9 -
ومنها: جواز امتحان العبد في معلوماته؛ لقوله تعالى: {كم لبثت} .
10 -
ومنها: الرد على الأشاعرة الذين قالوا: «إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الأصوات التي سمعها موسى، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - وغيرهما ممن كلمه الله هي أصوات خلقها الله عز وجل لتعبر عما في نفسه» ؛ وأن هذا القول مقتضاه إنكار القول من الله عز وجل.
11 -
ومنها: بيان حكمة الله، حيث أمات هذا الرجل، ثم بعثه ليتبين له قدرة الله عز وجل.
12 -
ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه، وأنه إذا خالف الواقع لا يعد مخطئاً؛ لقوله تعالى:{قال لبثت يوماً أو بعض يوم} مع أنه لبث مائة عام.
13 -
ومنها: أن الله قد يمنّ على عبده بأن يريه من آياته ما يزداد به يقينه؛ لقوله تعالى: {فانظر إلى طعامك
…
} إلخ.
14 -
ومنها: أن قدرة الله فوق ما هو معتاد من طبيعة الأمور، حيث بقي هذا الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير.
15 -
ومنها: الرد على أهل الطبيعة الذين يقولون: إن السنن الكونية لا تتغير؛ لقوله تعالى: {لم يتسنه} : لكون هذا الطعام،
والشراب لم يتغير لمدة مائة سنة، والرياح تمر به، والشمس، والحر.
16 -
ومنها: جواز الانتفاع بالحُمُرِ؛ لقوله تعالى: {وانظر إلى حمارك} .
17 -
ومنها: ثبوت الملكية فيها: لأن الله أضاف الحمار إلى صاحبه؛ فقال تعالى: {حمارك} ؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه»
(1)
؛ وإثبات الملكية يقتضي حل الثمن؟
فالجواب: أنها إذا بيعت للأكل فهو حرام؛ لأنه هو المحرم؛ وأما إذا بيعت للانتفاع فهذا حلال؛ لأن الانتفاع بها حلال؛ إذاً فهذا لا يعارض الحديث؛ فإذا اشترى الحمار للأكل فالثمن حرام؛ وإن اشتراه للمنفعة فالمنفعة حلال، وثمنها حلال.
18 -
ومن فوائد الآية: أن الله يحدث للعبد ما يكون عبرة لغيره؛ لقوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} ؛ ومثل ذلك قوله تعالى في عيسى بن مريم، وأمه:{والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين} [الأنبياء: 91].
19 -
ومنها: أنه ينبغي التفكر فيما خلقه الله عز وجل، وأحدثه في الكون؛ لأن ذلك يزيد الإيمان، حيث إن هذا الشيء آية من آيات الله.
(1)
أخرجه أحمد 1/ 295، حديث رقم 2678، واللفظ له، وأخرجه أبو داود ص 1483، كتاب البيوع، باب 64: في ثمن الخمر والميتة، حديث رقم 3488، وقال الألباني في صحيح أبي داود 2/ 370: صحيح.
20 -
ومنها: أنه ينبغي النظر إلى الآيات على وجه الإجمال، والتفصيل؛ لقوله تعالى:{وانظر إلى حمارك} : مطلق؛ ثم قال تعالى: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها
…
} إلخ؛ فيقتضي أن نتأمل أولاً في الكون من حيث العموم، ثم من حيث التفصيل؛ فإن ذلك أيضاً يزيدنا في الإيمان.
21 -
ومنها: أن الله عز وجل جعل اللحم على العظام كالكسوة؛ بل هو كسوة في الواقع؛ لقوله تعالى: {ثم نكسوها لحماً} ، وقال تعالى:{فكسونا العظام لحماً} [المؤمنون: 14]؛ ولهذا تجد اللحم يقي العظام من الكسر والضرر؛ لأن الضرر في العظام أشد من الضرر في اللحم.
22 -
ومنها: أن الإنسان بالتدبر، والتأمل، والنظر يتبين له من آيات الله ما لا يتبين لو غفل؛ لقوله تعالى: {فلما تبين له
…
} إلخ.
23 -
ومنها: بيان عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {على كل شيء قدير} .
24 -
ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: {على كل شيء قدير} ؛ لأن من الأشياء فعل العبد؛ والله سبحانه وتعالى قادر على فعل العبد؛ وعند القدرية المعتزلة أن الله ليس بقادر على أفعال العبد؛ لأن العبد عندهم مستقل خالق لفعله، وأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أفعاله.
25 -
ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل؛ لقوله تعالى: {فأماته الله
…
ثم بعثه}؛ وهذه أفعال متعلقة بمشيئته، واختياره: متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل؛
متى شاء خلق، ومتى شاء أمات؛ ومتى شاء أذل، متى شاء أعز.
26 -
ومنها: أن كلام الله عز وجل بحروف، وأصوات مسموعة؛ لقوله تعالى:{كم لبثت} ، وقوله تعالى:{بل لبثت مائة عام} ؛ فإن مقول القول حروف بصوت سمعه المخاطَب، وأجاب عليه بقوله:{لبثت يوماً أو بعض يوم} ؛ ولكن الصوت المسموع من كلام الله عز وجل ليس كصوت المخلوقين؛ الحروف هي الحروف التي يعبر بها الناس؛ لكن الصوت: لا؛ لأن الصوت صفة الرب عز وجل؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11].
27 -
ومنها: أنه يلزم من النظر في الآيات العلم، واليقين؛ لقوله تعالى:{فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} .
28 -
ومنها: أنه يمكن الرد على الجبرية على قراءة: «اعلم» ؛ لأنه لو كان الإنسان مجبوراً لكان توجه الخطاب إليه بالأمر والتكليف، لغواً وعبثاً.
29 -
ومنها: ثبوت كرامات الأولياء؛ وهي كل أمر خارق للعادة يجريه الله عز وجل على يد أحد أوليائه تكريماً له، وشهادةً بصدق الشريعة التي كان عليها؛ ولهذا قيل: كل كرامة لوليّ فهي آية للنبي الذي اتبعه؛ و «الولي» كل مؤمن تقي؛ لقوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 62، 63].
30 -
ومنها: وجوب العلم بأن الله على كل شيء قدير.
القرآن
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(البقرة: 260)
التفسير:
في {إبراهيم} قراءتان؛ {إبراهيم} بكسر الهاء، وياء بعدها؛ و {إبراهام} بفتح الهاء، وألف بعدها؛ وكذلك في {أرني} قراءتان:{أرِني} بكسر الراء؛ و {أرْني} بسكونها؛ وفي {فصرهن} قراءتان أيضاً: {فصُرهن} بضم الصاد؛ و {فصِرهن} بكسرها؛ وفي {جزءاً} قراءتان أيضاً: {جزْءاً} بسكون الزاي؛ و {جزُءاً} بضمها؛ وكل هذه القراءات سبعية.
{260} قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرني} {إذ} : مفعول فعل محذوف؛ والتقدير: اذكر إذ قال؛ و {أرني} : الرؤية هنا بصرية، فتنصب مفعولاً واحد؛ لكن لما دخلت عليها همزة التعدية صارت تنصب مفعولين؛ الأول: الياء؛ والثاني: جملة: {كيف تحيي الموتى} .
قوله تعالى: {أو لم تؤمن} فيها إعرابان مشهوران؛ أحدهما: أن الهمزة دخلت على مقدر عُطف عليها قوله تعالى: {ولم تؤمن} ؛ وهذا المقدر يكون بحسب السياق؛ وعلى هذا فالهمزة في محلها؛ الثاني: أن الواو حرف عطف على ما سبق؛ والهمزة للاستفهام؛ وأصل محلها بعد الواو؛ والتقدير: «وألم تؤمن» ؛ والثاني أسهل، وأسلم؛ لأن الإنسان ربما يقدر فعلاً ليس
هو المراد؛ وأسهل؛ لئلا يُتعب الإنسان نفسه في طلب فعل يكون مناسباً.
قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم} ؛ إبراهيم صلى الله عليه وسلم هو الأب الثالث للأنبياء؛ فالأول: آدم؛ والثاني: نوح؛ والثالث: إبراهيم، كما قال الله سبحانه وتعالى:{ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78]، وقال تعالى في نوح:{وجعلنا ذريته هم الباقين} [الصافات: 77]؛ وآدم معلوم أنه أبو البشر: قال الله تعالى: {يا بني آدم} [الأعراف: 26].
قوله تعالى: {رب} : منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة؛ وحرف النداء محذوف للعلم به.
قوله تعالى: {أرني كيف تحيي الموتى} أي اجعلني أنظر، وأرى بعيني؛ والسؤال هنا عن الكيفية لا عن الإمكان؛ لأن إبراهيم لم يشك في القدرة؛ ولا عن معنى الإحياء؛ لأن معنى الإحياء عنده معلوم؛ لكن أراد أن يعلم الكيفية: كيف يحيي الله الموتى بعد أن أماتهم، وصاروا تراباً وعظاماً.
وقوله تعالى: {الموتى} : هل مراد إبراهيم صلى الله عليه وسلم أيّ موتى يكونون؛ أو أن المراد به الموتى من بني آدم، فضرب الله له مثلاً بالطيور الأربعة؟ إذا نظرنا إلى لفظ {الموتى} وجدناه عاماً؛ يعني أيّ شيء يحييه الله أمامه فقد أراه؛ فيترجح الاحتمال الأول.
قوله تعالى: {قال أو لم تؤمن} : هذا الاستفهام للتقرير؛ وليس للإنكار، ولا للنفي؛ فهو كقوله تعالى:{ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1]؛ يعني: قد شرحنا لك؛ فمعنى {أو لم
تؤمن}: ألست قد آمنت؛ لتقرير إيمان إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
وقد فسر كثير من الناس الإيمان في اللغة بـ «التصديق» ؛ وهذا التفسير ليس بدقيق؛ لكنه تفسير بما يقارب؛ كتفسيرهم «الريب» بالشك؛ وتفسيرهم «الرهن» بالحبس؛ وتفسير قوله تعالى: {أن تبسل نفس} [الأنعام: 70] أي تحبس؛ وما أشبه ذلك مما يفسرونه بالمعنى المقارِب الذي يَقرُب للفهم؛ وإلا فإن بين الإيمان، والتصديق فرقاً؛ وقد سبق بيان ذلك.
قوله تعالى: {بلى} حرف يجاب بها النفي المقرون بالاستفهام لإثباته؛ فإذا قلت: ألست حاضراً معنا في الدرس؟ فالجواب: «بلى» - إن كنت حاضراً؛ و «نعم» - إن لم تكن حاضراً.
قوله تعالى: {ولكن ليطمئن قلبي} أي ليزداد طمأنينة؛ وإلا فقد كان مطمئناً؛ و «الطمأنينة» هي الاستقرار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اركع حتى تطمئن راكعاً
…
اسجد حتى تطمئن ساجداً»
(1)
، أي تستقر؛ فأراه الله سبحانه وتعالى الآية: قال تعالى: {فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً} .
قوله تعالى: {فخذ أربعة من الطير} : لم يعينها الله عز وجل؛ ولهذا تعتبر محاولة تعيينهن لا فائدة منها؛ لأنه لا يهمنا أكانت هذه الطيور إوَزًّا، أم حماماً، أم غرباناً، أم أيَّ نوع من
(1)
أخرجه البخاري ص 60، كتاب الأداب، باب 95: وجوب القراءة للإمام والمأموم
…
، حديث رقم 757؛ وأخرجه مسلم ص 740، كتاب الصلاة، باب 11: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة
…
، حديث رقم 885 [45]397.
أنواع الطيور؛ لأن الله لم يبينها لنا؛ ولو كان في تبيينها فائدة لبيَّنها الله عز وجل.
قوله تعالى: {فصرهن إليك} بكسر الصاد من صار يصير؛ وبضمها من صار يصور؛ أي أملهن إليك؛ و «الصُّور» الميل؛ ومنه الرجل الأصور - التي مالت عينه إلى جانب من جفنه؛ ويسمى «الأحول» ؛ فمعنى {صرهن} أي أملهن، واضممهن إليك.
قوله تعالى: {ثم اجعل على كل جبل} ، أي من الجبال التي حولك {منهن جزءاً} أي من مجموعهن؛ والله أعلم بالحكمة من تعيين العدد، والجبال.
قوله تعالى: {ثم ادعهن} ؛ ففعل عليه الصلاة والسلام فجمع الأربعة، وذبحهن، وقطعهن أجزاءً، وجعل على كل جبل جزءاً؛ ثم دعاهن فأقبلن.
قوله تعالى: {يأتينك سعياً} قيل: إنها جواب لفعل الأمر في قوله تعالى: {ادعهن} ؛ وقيل: إنها جواب لفعل شرط مقدر؛ والتقدير: «إن تدعهن يأتينك» ؛ فعلى القول الأول يكون جواباً لقوله: {ادعهن} ؛ لأن من لازم أمر الله إياه بدعائهن أن يدعوَهن؛ فكأن الشرط معلوم من الأمر؛ وعلى القول الثاني لا إشكال إذا جعلت {يأتينك} جواباً لفعل شرط محذوف - يعني: إن تدعهن يأتينك؛ و {يأتينك} مبنية على السكون في محل جزم؛ وإنما بنيت على السكون لاتصالها بنون النسوة.
وقوله تعالى: {سعياً} مصدر؛ لكن هل هو مصدر عامله محذوف، والتقدير: يسعَين سعياً؛ أو هو مصدر في موضع الحال، فيكون بمعنى: ساعيات؟ يحتمل هذا، وهذا؛ والثاني
أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ والقاعدة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام محذوفاً منه، أو غير محذوف فهو غير محذوف منه.
وقوله تعالى: {سعياً} ؛ هل نفسر السعي في كل موضع بحسبه؛ أو نقول: سعياً على الأرجل؟ في هذا قولان للمفسرين؛ أحدهما أن السعي هنا بمعنى الطيران؛ فالمعنى: يأتينك طيراناً لا نقص فيهن؛ لأن سعي كل شيء بحسبه؛ وسعي الطيور هو الطيران؛ الثاني: أن المراد بالسعي المشي بسرعة على الأرجل؛ ولكن الأولى - فيما يظهر لنا - هو الطيران؛ لأن كونهن يمشين على الأرجل لا يدل على كمالهن؛ إذ إن الطائر إذا كُسر جناحه صار يمشي؛ لكن كونهن يطرن أبلغ؛ لأنه كأنهن أتين على أكمل الحياة، والوجوه.
قوله تعالى: {واعلم أن الله عزيز حكيم} : الخطاب لإبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ فإذا علمت ذلك علمت كمالَ قدرته عز وجل لكمال عزته، وكمالَ حكمته؛ لأنه حكيم؛ والله سبحانه وتعالى يقرن كثيراً بين هذين الاسمين:«العزيز» و «الحكيم» ؛ لأن العزيز من المخلوقين قد تفوته الحكمة لعزته: يرى نفسه عزيزاً غالباً، فيتهور في تصرفاته، ويتصرف بدون حكمة؛ والحكيم من المخلوقين قد لا يكون عزيزاً؛ فإذا اقترنت حكمته بعزة صار له سلطان وقوة، ولم تفته الأمور؛ فجمع الله لنفسه بين العزة، والحكمة؛ وسبق الكلام عليهما مفصلاً.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن التوسل إلى الله بربوبيته من آداب
الدعاء التي يتوسل بها الرسل؛ لقوله تعالى: {رب} ؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية؛ إذ إنه فعل؛ وكل ما يتعلق بأفعال الرب فهو من مقتضيات الربوبية؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يطيل السفر يمد يديه إلى السماء: «يقول: يا رب! يا رب!»
(1)
؛ ولو تأملت أكثر أدعية القرآن لوجدتها مصدرة بـ «الرب» ؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية.
2 -
ومنها: أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه، لقوله تعالى:{أرني كيف تحيي الموتى} ؛ لأنه إذا رأى بعينه ازداد يقينه.
3 -
ومنها: أن عين اليقين أقوى من خبر اليقين؛ لقوله تعالى: {أرني كيف تحيي الموتى} ؛ لأن إبراهيم عليه السلام عنده خبر اليقين بأن الله قادر؛ لكن يريد عين اليقين؛ ولهذا جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة»
(2)
؛ وقد ذكر العلماء أن اليقين ثلاث درجات: علم؛ وعين؛ وحق؛ كلها موجودة في القرآن؛ مثال «علم اليقين» قوله تعالى: {كلا لو تعلمون علم
(1)
أخرجه مسلم ص 838، كتاب الزكاة، باب 19: قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث رقم 2346 [65]1015.
(2)
أخرجه أحمد 1/ 251، حديث رقم 1843، وفيه هشيم بن بشير، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، وقد عنعن في هذا الحديث، وقال الترمذي: (سمعت إسحاق بن منصور يقول: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع هشيم حديث أبي بشر: ليس الخبر كالمعاينة، وأخرج ابن حبان له شاهداً 8/ 33، باب، ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به هشيم، حديث رقم 6181، وأخرج الحاكم الشاهد له، 2/ 380، كتاب التفسير، سورة الأنبياء، وقال صحيح على شرط الشيخين، واقره الذهبي وقال: سمعه من أبي بشر ثقتان.
اليقين} [التكاثر: 5]؛ ومثال «عين اليقين» قوله تعالى: {ثم لترونها عين اليقين} [التكاثر: 7]؛ ومثال «حق اليقين» قوله تعالى: {إن هذا لهو حق اليقين} [الواقعة: 56]؛ نضرب مثالاً يوضح الأمر: قلت: إن معي تفاحة حلوة - وأنا عندك ثقة؛ فهذا علم اليقين: فإنك علمت الآن أن معي تفاحة حلوة؛ فأخرجتُها من جيبي، وقلت: هذه التفاحة؛ فهذا عين اليقين؛ ثم أعطيتك إياها، وأكلتَها وإذا هي حلوة؛ هذا حق اليقين.
4 -
ومن فوائد الآية: إثبات أفعال الله الاختيارية؛ بمعنى أن الله سبحانه وتعالى له أفعال تتعلق بمشيئته؛ لقوله تعالى: {تحيي الموتى} .
5 -
ومنها: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بإحياء الموتى؛ وقد قرر الله ذلك في آيات كثيرة.
6 -
ومنها: إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {قال أو لم تؤمن} ، وقوله تعالى:{قال فخذ أربعة} ؛ والله سبحانه وتعالى؛ يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء؛ بما شاء: من القول؛ متى شاء: في الزمن؛ كيف شاء: في الكيفية.
7 -
ومنها: أن كلام الله سبحانه وتعالى بحروف، وأصوات مسموعة؛ لوقوع التحاور بين الله عز وجل، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم.
8 -
ومنها: إثبات أن إبراهيم مؤمن بقدرة الله عز وجل على إحياء الموتى؛ لقوله تعالى: {قال أو لم تؤمن قال بلى} ؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«نحن أحق بالشك من إبراهيم»
(1)
؛ فأثبت شكاً
(1)
أخرجه البخاري ص 274، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 11، قوله تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم
…
)
…
، حديث رقم 3372، وأخرجه مسلم ص 703، كتاب الإيمان، باب 69: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، حديث رقم 382 [238]151.
فينا، وفي إبراهيم، وأننا أحق بالشك من إبراهيم؟ فالجواب أن الحديث لا يراد به هذا المعنى؛ لأن هذا معنًى يخالف الواقع؛ فليس عند الرسول صلى الله عليه وسلم شك في إحياء الموتى؛ وإنما المعنى أن إبراهيم لم يشك؛ فلو قدر أنه يشك فنحن أحق بالشك منه؛ وما دام الشك منتفياً في حقنا فهو في حقه أشد انتفاءً؛ فإذا عُلم أننا الآن نؤمن بأنه تعالى هو القادر، فإبراهيم أولى منا بالإيمان بذلك؛ هذا هو معنى الحديث، ولا يحتمل غيره؛ فإن قلت: لا زال هنا إشكال؛ وهو: هل إبراهيم أكمل إيماناً من محمد صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: لا؛ ولكن قاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع؛ ولهذا قرن بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي»
(1)
؛
فيوسف بقي في السجن بضع سنين، وجاءه رسول الملك يدعوه؛ فقال له: لا أخرج، {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} [يوسف: 50]؛ مع أن غيره لو حبس سبع سنين، وقالوا له:«اخرج» ، فإنه يخرج؛ هذا مقتضى الطبيعة؛ لكن يوسف عليه الصلاة والسلام كان حليماً حازماً؛ قال: لا أخرج حتى تظهر براءتي كاملة؛ فتبين من هذا أنه لا يلزم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا أن يكون إبراهيم أقوى إيماناً.
9 -
ومن فوائد الآية: إثبات زيادة الإيمان في القلب؛ لقوله تعالى: {بلى ولكن ليطمئن قلبي} ؛ ففيه رد على من قال: إن
(1)
التخريج السابق ..
الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ولا ريب أن هذا القول ضعيف؛ لأن الواقع يكذبه؛ والنصوص تكذبه أيضاً: ففي القرآن قال الله تعالى: {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} [الفتح: 4]، وقال تعالى:{فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون} [التوبة: 124]؛ وفي السنة: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»
(1)
؛ فالإيمان يزيد كمية، وكيفية؛ فمثال زيادة الكمية: أن الذي يسبح عشراً أزيد إيماناً من الذي يسبح خمساً؛ والذي يصلي عشر ركعات أزيد إيماناً من الذي يصلي ستاً؛ وأما زيادة الكيفية فمثالها: رجل صلى ركعتين بطمأنينة، وخشوع، وتأمل فإيمانه أزيد ممن صلاهما بسرعة؛ كذلك يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب: كلما كثرت الآيات لدى الإنسان فلا شك أن إيمانه يزداد قوة، ورسوخاً؛ اقرأ قوله تعالى:{ومن الناس من يعبد الله على حرف} [الحج: 11] أي على طرَف {فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} [الحج: 11]: هذا إيمانه ضعيف مهزوز: إن لم تأته فتنة فهو مستقر؛ وإن أتته فتنة - شبهة، أو شهوة - انقلب على وجهه؛ فمثلاً نحن الآن في المملكة العربية السعودية ليس عندنا - ولله الحمد - أحد يعارضنا في العقيدة؛ فليس عندنا معتزلة، ولا جهمية، ولا جبرية
…
،
فنحن ثابتون على الفطرة؛ ولكن لو يبتلى الإنسان، فيأتيه واحد من عفاريت الإنس جيد في المجادلة، والمحاجة من المعتزلة لأوشك أن يؤثر عليه، وينقله إذا لم يكن لديه رسوخ في العلم، والإيمان؛ كذلك لو أن إنساناً عنده إيمان لكن تعرضت له امرأة ذات منصب، وجمال، وأغرته حتى وقع في الفاحشة؛ وإنسان آخر تعرضت له
(1)
سبق تخريجه 2/ 420.
هذه المرأة فقال: «إني أخاف الله» تجد الفرق بينهما؛ فالمهم أن القول الراجح الذي لا شك فيه، والذي تدل عليه الأدلة السمعية، والواقعية أن الإيمان يزيد، وينقص.
10 -
ومن فوائد الآية: جواز الاقتصار في الجواب على الحرف الدال عليه؛ لقوله تعالى: {بلى} ؛ وعليه فلو قيل للرجل: ألم تطلق زوجتك؟ فقال: «بلى» : طلقت؛ ولو قيل للرجل عند عقد النكاح: أقبلت النكاح، وقال:«نعم» انعقد النكاح؛ لأن حرف الجواب يغني عن ذكر الجملة.
11 -
ومنها: امتنان الله على العبد بما يزداد به إيمانه، لقوله تعالى: {فخذ أربعة من الطير
…
} إلى قوله تعالى: {يأتينك سعياً} .
12 -
ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «العزيز» و «الحكيم» ؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي العزة، والحكمة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا عكس؛ يعني: ليس كل صفة يؤخذ منها اسم؛ لكن كل اسم يؤخذ منه صفة؛ لأن أسماء الله عز وجل أعلام، وأوصاف؛ فكل اسم من أسمائه متضمن للصفة التي دل عليها اشتقاقه، أو لوازمها.
القرآن
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 261)
التفسير:
{261} قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة} ؛ يطلق المثل على الشبه؛ ويطلق على الصفة؛ فإن ذكر مماثل، فالمراد به الشبه؛ وإلا فالمراد به الصفة؛ ففي قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن
…
} [محمد: 15] المراد بالمثل الصفة؛ لأنه لم يذكر المماثل؛ أما إذا قيل: «مثَل هذا كمثَل هذا» فهذا يعني الشبه، كقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً
…
} [البقرة: 17]، وكما في هذه الآية:{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة} فهذا المراد به الشبه؛ يعني شبه هؤلاء كشبه هذا الشيء؛ والذي يظهر من الآية أنه لا يوجد فيها مطابقة بين الممثل، والممثل به؛ لأن «الممثل» هو العامل؛ و «الممثل به» هو العمل؛ فالحبة ليست بإزاء المنفِق؛ لكنها بإزاء المنفَق؛ والذي يكون بإزاء المنفِق زارعَ الحبة؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الآية فيها تقدير: إما في المبتدأ؛ وإما في الخبر: فإما أن يقدر: مثل عمل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة؛ أو يقدر: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل زارع حبة أنبتت سبع سنابل؛ والحكمة من هذا الطيّ أن يكون المثل صالحاً للتمثيل بالعامل، والتمثيل بالعمل؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ و «الإنفاق» معناه البذل؛ و «أموال» جمع مال؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من أعيان، أو منافع؛ الأعيان كالدراهم، والدنانير، والسيارات، والدور، وما أشبه ذلك؛ والمنافع كمنافع العين المستأجرة؛ فإن المستأجر مالك للمنفعة.
وقوله تعالى: {في سبيل الله} ؛ «سبيل» بمعنى طريق؛ وسبيل الله سبحانه وتعالى هو شرعه؛ لأنه يهدي إليه، ويوصل
إليه؛ قال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]؛ وأضيف إلى الله لسببين؛ السبب الأول: أنه هو الذي وضعه لعباده، وشرعه لهم؛ والسبب الثاني: أنه موصل إليه؛ ويضاف «السبيل» أحياناً إلى سالك السبيل؛ فيقال: سبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى:{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115]؛ ولا تناقض بينهما؛ لأنه يضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم هم الذين سلكوه؛ وإلى الله باعتبار أنه الذي شرعه، وأنه موصل إليه.
قوله تعالى: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} ؛ حبة بذرها إنسان، فأنبتت سبع سنابل {في كل سنبلة مائة حبة} ؛ فتكون الجميع سبعمائة؛ فالحسنة إذاً في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبعمائة؛ وهذا ليس حدّاً.
قوله تعالى: {والله يضاعف لمن يشاء} أي يزيد ثواباً لمن يشاء حسب ما تقتضيه حكمته.
قوله تعالى: {والله واسع} أي ذو سعة في جميع صفاته؛ فهو واسع العلم، والقدرة، والرحمة، والمغفرة، وغير ذلك من صفاته؛ فإنها صفات واسعة عظيمة عليا؛ و {عليم} أي ذو علم - وهو واسع فيه - وعلمه شامل لكل شيء جملة، وتفصيلاً؛ حاضراً، ومستقبلاً، وماضياً.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: ضرب الأمثال؛ وهو تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم.
2 -
ومنها: أن القرآن على غاية ما يكون من البلاغة، والفصاحة، لأن الفصاحة هي الإفصاح بالمعنى، وبيانه؛ وضرب الأمثال من أشد ما يكون إفصاحاً، وبياناً: قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43].
3 -
ومنها: فضيلة الإنفاق في سبيل الله؛ لأنه ينمو للمنفق حتى تكون الحبة سبعمائة حبة.
4 -
ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل؛ لقوله تعالى: {في سبيل الله} بأن يقصدوا بذلك وجه الله عز وجل.
5 -
ومنها: الإشارة إلى موافقة الشرع؛ لقوله تعالى: {في سبيل الله} ؛ لأن {في} للظرفية؛ والسبيل بمعنى الطريق؛ وطريق الله: شرعه؛ والمعنى: أن هذا الإنفاق لا يخرج عن شريعة الله؛ والإنفاق الذي يكون موافقاً للشرع هو ما ذكره بقوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان: 67].
ومعنى إنفاقهم في شرع الله أن يكون ذلك إخلاصاً لله، واتباعاً لشرعه؛ فمن نوى بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله؛ مثل «المرائي»: رجل أنفق في الجهاد، أو أنفق في الصدقة على المساكين؛ لكنه أنفق ليقال: إن فلاناً جواد؛ أو أنه كريم؛ هذا ليس في سبيل الله، لأنه مراء؛ لم يقصد وجه الله عز وجل؛ إذاً لم يرد السبيل الذي يوصل إلى الله؛ ولا يهمه أن يقبل الله منه، أو لا يقبل؛ المهم عنده أنه يقال عند الناس: إنه رجل كريم، أو جواد.
وأما أن يكون على حسب شريعة الله: فإن أنفق في وجه
لا يرضى به الله فليس في سبيل الله - وإن أخلص لله - كرجل ينفق على البدع يريد بذلك وجه الله - وهذا كثير: كبناء الربط للصوفية المنحرفة، وبناء البيوت للأعياد الميلادية، وبناء القصور للمآتم، وطبع الكتب المشتملة على بدع؛ هذا قد يريد الإنسان بذلك وجه الله لكنه خلاف شريعة الله؛ فلا يكون في سبيل الله.
6 -
ومن فوائد الآية: إثبات الملكية للإنسان؛ لقوله تعالى: {أموالهم} ؛ فإن الإضافة هنا تفيد الملكية.
7 -
ومنها: وجه الشبه في قوله تعالى: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} ؛ فإن هذه الحبة أنبتت سبع سنابل؛ وشبهها الله بذلك؛ لأن السنابل غذاء للجسم، والبدن؛ كذلك الإنفاق في سبيل الله غذاء للقلب، والروح.
8 -
ومنها: أن ثواب الله، وفضله أكثر من عمل العامل؛ لأنه لو عومل العامل بالعدل لكانت الحسنة بمثلها؛ لكن الله يعامله بالفضل، والزيادة؛ فتكون الحبة الواحدة سبعمائة حبة؛ بل أزيد؛ لقوله تعالى:{والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} .
9 -
ومنها: إثبات الصفات الفعلية - التي تتعلق بمشيئة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يضاعف} ؛ و «المضاعفة» فعل.
10 -
ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: {لمن يشاء} ؛ ولكن هل هذه المشيئة مشيئة مجردة؛ أي أن الترجيح يكون فيها بدون سبب؛ أو هي مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة؟ الجواب أنها مشيئة مقيدة بما تقتضيه المصلحة، والحكمة؛ وعليه
فخذ هذا مقياساً: كل شيء علقه الله على المشيئة فإنه مقيد بالحكمة؛ ودليله قوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30].
11 -
ومنها: أن الله له السلطان المطلق في خلقه؛ ولا أحد يعترض عليه؛ لقوله تعالى: {يضاعف لمن يشاء} ؛ ولهذا لما تناظر رجل من المعتزلة، وآخر من أهل السنة قال له المعتزلي: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى علي بالردى أحسن إلي، أم أساء؟ - يريد أن يبين أن أفعال العباد لا تدخل في إرادة الله؛ لأنه إذا دخلت في إرادة الله فإن هذا الذي قضى عليه بالشقاء، ومنع الهدى يكون إساءة من الله إليه، فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء؛ وإن منعك فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فغُلب المعتزلي؛ لأنه ليس لك حق على الله واجب؛ والله سبحانه وتعالى يؤتي فضله من يشاء.
12 -
ومن فوائد الآية: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: «الواسع» ، و «العليم»؛ لقوله تعالى:{واسع عليم} ؛ وإثبات ما تضمناه من صفة؛ وهما السعة، والعلم.
13 -
ومنها: الحث، والترغيب في الإنفاق في سبيل الله؛ يؤخذ هذا من ذكر فضيلة الإنفاق في سبيل الله، فإن الله لم يذكر هذا إلا من أجل هذا الثواب؛ فلا بد أن يعمل له.
القرآن
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة: 262)
التفسير:
{262} قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} ذكره مرة أخرى ليبني عليها ما بعدها؛ وهي قوله تعالى: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى} .
قوله تعالى: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} أي لا يحصل منهم بعد الصدقة مَنٌّ بأن يظهر المنفِق مظهر المترفع على المنفَق عليه؛ {ولا أذى} أي أذى المنفَق عليه بأن يقول المنفِق: «لقد أنفقت على فلان كذا، وكذا» أمام الناس؛ فإن هذا يؤذي المنفق عليه.
قوله تعالى: {لهم أجرهم} ؛ «الأجر» ما يعطاه العامل في مقابلة عمله؛ ومنه أجرة الأجير؛ وسمى الله سبحانه وتعالى الثواب أجراً؛ لأنه عز وجل تكفل للعامل بأن يجزيه على هذا العمل؛ فصار كأجر الأجير.
قوله تعالى: {عند ربهم} : أصل العندية تكون في المكان؛ وقد يراد بها ما يعم المكان، والالتزام، كما تقول: عندي لفلان كذا، وكذا؛ أي في عهدي، وفي ذمتي له كذا، وكذا - حتى وإن لم يكن ذلك عنده في مكانه - فالعندية قد يراد بها المكان؛ وقد يراد بها ما يلتزم به الإنسان في ذمته، وعهده؛ وهنا {عند ربهم} يحتمل المعنيين؛ يحتمل أنه عند الله سبحانه وتعالى ملتزم به، ولا بد أن يوفيه؛ ويحتمل معنى آخر - وكلاهما صحيح - أن الثواب هذا يكون في الجنة التي سقفها عرش الرحمن؛ وهذه عندية مكان - ولا ينافي ما سبق من عندية العهد، والالتزام بالوفاء؛ فتكون الآية شاملة للمعنيين.
قوله تعالى: {ولا خوف عليهم} أي مما يستقبل {ولا هم
يحزنون} أي على ما مضى - لكمال نعيمهم - لأن المنعَّم لو أصابه الحزن، أو الخوف لتنغص نعيمه.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: الحث على الإنفاق في سبيل الله؛ لقوله تعالى: {لهم أجرهم عند ربهم} .
2 -
ومنها: الإشارة إلى الإخلاص لله، ومتابعة الشرع؛ لقوله تعالى:{في سبيل الله} .
3 -
ومنها: أن من أتبع نفقته منًّا، أو أذى، فإنه لا أجر له؛ لقوله تعالى:{ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم} ؛ فإذا أتبع منًّا، أو أذًى بطل أجره، كما هو صريح قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264].
4 -
ومنها: أن المن والأذى يبطل الصدقة؛ وعليه فيكون لقبول الصدقة شروط سابقة، ومبطلات لاحقة؛ أما الشروط السابقة فالإخلاص لله، والمتابعة؛ وأما المبطلات اللاحقة فالمن، والأذى.
مسألة:
هل مجرد إخبار المنفِق بأنه أعطى فلاناً دون منّ منه بذلك يعتبر من الأذى؟ الجواب: نعم؛ لأن المعطى تنزل قيمته عند من علم به؛ لكن لو أراد بالخبر أن يقتدي الناس به فيعطوه فليس في هذا أذًى؛ بل هو لمصلحة المعطى؛ أما إن ذكر أنه أعطى، ولم يعيِّن المعطى فهذا ليس فيه أذى؛ ولكن يخشى عليه الإعجاب، أو المراءاة.
مسألة أخرى:
هل المنفق عليه إذا أحس بأن المنفق منّ عليه، أو ربما أذاه هل الأفضل أن يبقى قابلاً للإنفاق أو يرده؟ الجواب الأفضل أن يرده لئلا يكون لأحد عليه منة؛ ولكن إذا رده بعد القبض فهل يلزم المنفِق قبوله؟ الجواب: لا يلزمه قبوله؛ لأنه خرج عن ملكه إلى ملك المنفق عليه؛ فيكون رده إياه ابتداء عطية.
5 -
ومن فوائد الآية: إثبات العندية لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {عند ربهم} ؛ والعندية تفيد القرب؛ فيكون الله عز وجل في مكان، وبعض الأشياء عنده، وبعض الأشياء بعيدة عنه؛ ولكن كلها قد أحاط الله بها؛ كلها بالنسبة إليه - إلى علمه، وقدرته، وسلطانه، وربوبيته - كلها سواء - لكن لا شك أن من كان حول العرش ليس كمن حول الفرش؛ ولكن يجب أن نعلم أن المكان ليس محيطاً به، كما قال تعالى:{وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} [الزمر: 67]؛ لأنه سبحانه وتعالى فوق كل شيء؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته.
6 -
ومن فوائد الآية: أن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ويَسْلَمون من المحبطات لا ينالهم خوف في المستقبل، ولا حزن على الماضي؛ لقوله تعالى:{ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .
القرآن
(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)(البقرة: 263)
التفسير:
{263} قوله تعالى: {قول} مبتدأ؛ و {خير} خبره؛ وساغ الابتداء به هنا وهو نكرة؛ لأنه وصف؛ وإن شئت فقل: لأنه أفاد؛ وطريق إفادته الوصف؛ وإذا عللت بأنه أفاد صار أحسن؛ لأنه أعم.
قوله تعالى: {قول معروف} أي ما نطق به اللسان معروفاً في الشرع، ومعروفاً في العرف.
قوله تعالى: {ومغفرة} أي: مغفرة الإنسان لمن أساء إليه؛ قال تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 43]؛ القول المعروف إحسان؛ والمغفرة إحسان؛ ولكن الفرق بينهما أن «القول المعروف» إسداء المعروف القولي إلى الغير؛ و «المغفرة» تسامح الإنسان عن حقه في جانب غيره.
قوله تعالى: {خير من صدقة يتبعها أذى} ؛ «الصدقة» بذل الإحسان المالي؛ الإنسان قد ينتفع بالمال أكثر مما ينتفع بالكلمة؛ وقد ينتفع بالكلمة أكثر مما ينتفع بالمال؛ لكن لا شك أن القول المعروف خير من الصدقة التي يتبعها أذى - وإن نفعت؛ لأنك لو تعطي هذا الرجل ما تعطيه من المال صدقة لله عز وجل، ثم تتبعها الأذى؛ فإن هذا الإحسان صار في الحقيقة إساءة - وإن كان هذا قد ينتفع به في حاجاته - لكن هو في الحقيقة إساءة له.
قوله تعالى: {والله غني} أي عن غيره؛ فهو سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أحد؛ وكل من في السموات والأرض فإنه محتاج إلى الله تعالى؛ هو غني بذاته عن جميع مخلوقاته؛ فله الغنى المطلق من جميع الوجوه.
قوله تعالى: {حليم} ؛ «الحلم» تأخير العقوبة عن مستحقها؛ قال ابن القيم في النونية:
(وهو الحليم فلا يعاجل عبده بعقوبة ليتوب من عصيان) وجمع الله في هذه الآية بين «الغِنى» و «الحِلم» ؛ لأن الآية في سياق الصدقة، فبين عز وجل أن الصدقات لا تنفع الله؛ وإنما تنفع من يتصدق؛ والآية أيضاً في سياق من أتبع الصدقة أذى ومِنّة؛ وهذا حري بأن يعاجَل بالعقوبة، حيث آذى هذا الرجل الذي أعطاه المال لله؛ ولكن الله حليم يحلم على عبده لعله يتوب من المعصية.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: فضيلة القول المعروف؛ لقوله تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة
…
}؛ و «القول المعروف» كل ما عرفه الشرع، والعادة؛ مثال ذلك: أن يأتي رجل يسأل مالاً بحاله، أو قاله؛ فكلمه المسؤول، وقال: ليس عندي شيء، وسيرزق الله، وإذا جاء شيء فإننا نجعلك على البال، وما أشبه ذلك؛ فهذا قول معروف ليِّن، وهيِّن.
2 -
ومنها: الحث على المغفرة لمن أساء إليك؛ لكن هذا الحث مقيد بما إذا كانت المغفرة إصلاحاً؛ لقوله تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40]؛ أما إذا لم تكن المغفرة إصلاحاً، مثل أن أغفر لهذا الجاني، ثم يذهب، ويسيء إلى الآخرين، أو يكرر الإساءة إليَّ، فإن الغفر هنا غير مطلوب.
3 -
ومنها: أن الأعمال الصالحة تتفاضل، ويلزم من
تفاضلها تفاضل العامل، وزيادة الإيمان، أو نقصانه.
4 -
ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغني» و «الحليم» ؛ وإثبات ما دلا عليه من الصفات.
5 -
ومنها: المناسبة في ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين؛ لأن في الآية إنفاقاً؛ وإذا كان الله عز وجل هو الذي يخلِف هذا الإنفاق فإنه لكمال غناه؛ كذلك المغفرة عمن أساء إليك: فإن المغفرة تتضمن الحلم، وزيادة؛ فختم الله الآية بالحلم؛ وقد يقال: إن فيه مناسبة أخرى؛ وهي أن المن بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ والله سبحانه وتعالى حليم على أهل الكبائر؛ إذ لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، والله أعلم.
القرآن
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(البقرة: 264)
التفسير:
{264} قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} : تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يحصل به تنبيه المخاطب؛ فيدل على العناية بموضوع الخطاب؛ ولهذا قال ابن مسعود: «إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا}
فأرعها سمعك: فإنه خير تأمر به؛ أو شر ينهى عنه»
(1)
؛ وصدق رضي الله عنه.
ثم في توجيه النداء للمؤمنين بوصف الإيمان فيه فوائد؛ الفائدة الأولى: الحث على قبول ما يلقى إليهم، وامتثاله؛ وجه ذلك: أنه إذا علق الحكم بوصف كان ذلك الوصف علة للتأثر به؛ كأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا؛ أو لا تفعلوا كذا؛ الفائدة الثانية: أن ما ذكر يكون من مكملات الإيمان، ومقتضياته؛ الفائدة الثالثة: أن مخالفة ما ذكر نقص في الإيمان.
قوله تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم} : الإبطال للشيء يكون بعد وجوده؛ فالبطلان لا يكون غالباً إلا فيما تم؛ و «الصدقات» جمع صدقة؛ وهي ما يبذله الإنسان تقرباً إلى الله.
قوله تعالى: {بالمن والأذى} ؛ الباء للسببية؛ و «المن» إظهار أنك مانّ عليه، وأنك فوقه بإعطائك إياه؛ و «الأذى» أن تذكر ما تصدقت به عند الناس فيتأذى به.
قوله تعالى: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} ؛ الكاف هنا للتشبيه؛ وهي خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: مثلكم كالذي ينفق ماله رئاء الناس؛ و {رئاء} مفعول لأجله؛ وهي مصدر راءى يرائي رئاءً ومراءاة، كقاتل يقاتل قتالاً ومقاتلة؛ وجاهد يجاهد جهاداً ومجاهدة؛ و «الرياء» فِعل العبادة ليراه الناس، فيمدحوه عليها.
قوله تعالى: {ولا يؤمن بالله وباليوم الآخر} معطوف على
(1)
سبق تخريجه 1/ 337.
قوله تعالى: {ينفق} ؛ وسبق معنى الإيمان بالله، واليوم الآخر؛ وهذا الوصف ينطبق على المنافق؛ فالمنافق - والعياذ بالله - لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر؛ ولا ينفق إلا مراءاةً للناس؛ ومع ذلك لا ينفق إلا وهو كاره، كما قال تعالى:{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} [النساء: 142]، وقال في سورة «التوبة»:{ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة: 54]؛ هؤلاء لا ينفقون إلا وهم كارهون؛ لأنهم لا يرجون من هذا الإنفاق ثواباً؛ إذ إنه لا إيمان عندهم، و {اليوم الآخر} هو يوم القيامة؛ وسمي «اليوم الآخر»؛ لأنه لا يوم بعده؛ كل يذهب إلى مستقره: أهل الجنة إلى مستقرهم؛ وأهل نار إلى مستقرهم؛ فهو يوم آخر لا يوم بعده؛ ولذلك فهو مؤبد: إما في جنة؛ وإما في نار.
قوله تعالى {كمثل صفوان} أي كشِبْه صفوان؛ وهو الحجر الأملس {عليه تراب} ؛ والتراب معروف؛ {فأصابه وابل} أي مطر شديد الوقع سريع التتابع؛ فإذا أصاب المطر تراباً على صفوان فسوف يزول التراب؛ ولهذا يقول تعالى: {فتركه صلداً} أي ترك الوابلُ هذا الصفوانَ أملس ليس عليه تراب؛ وجه الشبه بين المرائي والصفوان الذي عليه تراب، أن من رأى المنافق في ظاهر حاله ظن أن عمله نافع له؛ وكذلك من رأى الصفوان الذي عليه تراب ظنه أرضاً خصبة طينية تنبت العشب؛ فإذا أصابها الوابل الذي ينبت العشب سحق التراب الذي عليه، فزال الأمل في نبات العشب عليه من الوابل؛ ولهذا قال تعالى:{لا يقدرون على شيء مما كسبوا} ؛ وصح عود واو الجماعة في {يقدرون} على {الذي} في قوله تعالى: {كالذي ينفق ماله} ؛ لأن {الذي} اسم موصول يفيد العموم؛ فهو بصيغته اللفظية مفرد، وبدلالته
المعنوية جمع؛ لأنه عام؛ وسمى الله عز وجل ما أنفقوا كسباً باعتبار ظنهم أنهم سينتفعون به.
قوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الكافرين} أي لا يهدي سبحانه الكافرين هداية توفيق؛ أما هداية الدلالة فإنه سبحانه لم يَدَع أمة إلا بعث فيها نبياً؛ لكن الكافر لا يوفقه الله لقبول الحق؛ و {الكافرين} أي الذين حقت عليهم كلمة الله، كما قال تعالى:{إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97].
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: تحريم المن، والأذى في الصدقة؛ لقوله تعالى:{لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} .
2 -
ومنها: بلاغة القرآن، حيث جاء النهي عن المنّ، والأذى بالصدقة بهذه الصيغة التي توجب النفور؛ وهي:{لا تبطلوا صدقاتكم} ؛ فإنها أشد وقعاً من «لا تَمُنّوا، ولا تؤذوا بالصدقة» .
3 -
ومنها: أن المن والأذى بالصدقة يبطل ثوابها؛ لقوله تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} .
4 -
ومنها: أن المن والأذى بالصدقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ وجه ذلك: ترتيب العقوبة على الذنب يجعله من كبائر الذنوب؛ وقد قال شيخ الإسلام في حد الكبيرة: «كل ذنب رُتب عليه عقوبة خاصة، كالبراءة منه، ونفي الإيمان، واللعنة، والغضب، والحد، وما أشبه ذلك» ؛ وهذا فيه عقوبة خاصة؛ وهي إبطال العمل؛ ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث
أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»
(1)
.
5 -
ومنها: أن المنّ والأذى بالصدقة مناف لكمال الإيمان؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} ؛ كأنه يقول: «إن مقتضى إيمانكم ألا تفعلوا ذلك؛ وإذا فعلتموه صار منافياً لهذا الوصف، ومنافياً لكماله» .
6 -
ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس ليقربه إلى الذهن؛ لقوله تعالى: {فمثله كمثل صفوان
…
} إلخ.
7 -
ومنها: تحريم مراءاة الناس بالعمل الصالح؛ لقوله تعالى: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس} ؛ والتسميع كالمراءاة؛ والفرق بينهما أن المراءاة فيما يُرى - كالأفعال - والتسميع بما يقال.
8 -
ومنها: أن من راءى الناس بإنفاقه ففي إيمانه بالله، وباليوم الآخر نقص؛ لقوله تعالى:{ولا يؤمن بالله وباليوم الآخر} ؛ لأن الذي يرائي لو كان مؤمناً بالله حق الإيمان لجعل عمله لله خالصاً لله؛ ولو كان يؤمن باليوم الآخر حق الإيمان لم يجعل عمل الآخرة للدنيا؛ لأن مراءاة الناس قد يكسب بها الإنسان جاهاً في الدنيا فقط؛ مع أنه لا بد أن يتبين أمره؛ وإذا تبين أنه مراءٍ نزلت قيمته في أعين الناس؛ يقول الشاعر:
(ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عاري)
(1)
أخرجه مسلم ص 696، كتاب الإيمان، باب 46: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية
…
، حديث رقم 293 [171]106.
أنت لا تظن أنك إذا راءيت الناس أنك ستبقى مخادعاً لهم؛ بل إن الله سبحانه وتعالى سيظهر ذلك؛ ما أسر إنسان سريرة إلا أظهرها الله سبحانه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
9 -
ومن فوائد الآية: إثبات اليوم الآخر؛ وهو يوم القيامة.
10 -
ومنها: بلاغة القرآن في التشبيه؛ لأنك إذا طابقت بين المشبه، والمشبه به، وجدت بينهما مطابقة تامة.
11 -
ومنها: إثبات كون القياس دليلاً صحيحاً؛ وجه ذلك: التمثيل، والتشبيه؛ فكل تمثيل في القرآن فإنه دليل على القياس؛ لأن المقصود به نقل حكم هذا المشبه به إلى المشبه.
12 -
ومنها: أن الرياء مبطل للعمل؛ وهو نوع من الشرك؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»
(1)
؛ فإن قصد بعمله إذا رآه الناس أن يتأسى الناس به، ويسارعوا فيه فهي نية حسنة لا تنافي الإخلاص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المنبر، وقال:«إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي»
(2)
؛ وفي الحج كان صلى الله عليه وسلم يقول: «لتأخذوا مناسككم»
(3)
؛ وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»
(4)
.
(1)
سبق تخريجه 1/ 90.
(2)
سبق تخريجه 2/ 127.
(3)
أخرجه مسلم ص 893، كتاب الحج، باب 51: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً حديث رقم 3137 [310]1297.
(4)
سبق تخريجه 2/ 42.
13 -
ومن فوائد الآية: الإشارة إلى تحسر هؤلاء عند احتياجهم إلى العمل، وعجزهم عنه؛ لقوله تعالى:{لا يقدرون على شيء مما كسبوا} ؛ وعجز الإنسان عن الشيء بعد محاولة القدرة عليه أشد حسرة من عدمه بالكلية؛ ألم تر إلى قوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاماً} [الواقعة: 63 - 65]؛ وكونه حطاماً ينظرون إليه أشد حسرة من كونه لم ينبت أصلاً؛ وقوله تعالى: {أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجاً} [الواقعة: 68 - 70]؛ وكونه بين أيديهم أجاجاً لا يستسيغون شربه أشد مما لو لم يوجد أصلاً؛ والإنسان العاقل يجعل العمل لله: لله؛ والعمل للناس: للناس؛ أنا قد أحب أن أخرج للناس في ثوب جميل: لا بأس أن أتجمل ليراني الناس على هذه الحال؛ لكن أصلي ليراني الناس أصلي: لا يصح؛ لأن العمل لله يجب أن يكون لله لا يشاركه فيه أحد.
14 -
ومن فوائد الآية: أن من قضى الله عليه بالكفر لا تمكن هدايته؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الكافرين} ؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين الواقع من أن الله سبحانه وتعالى هدى قوماً كافرين كثيرين؟ فالجواب أن من هدى الله لم تكن حقت عليهم كلمة الله؛ فأما من حقت عليه كلمة الله فلن يُهْدى، كما قال تعالى:{إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97].
15 -
ومنها: أن المنافق كافر؛ لقوله تعالى: {والله لا يهدي القوم الكافرين} بعد أن ذكر ما يتعلق بصفة المنافق؛ وهو الذي
ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله، واليوم الآخر؛ وهذا ينطبق تماماً على المنافقين؛ ولا ريب أن المنافقين كفار - وإن تظاهروا بالإسلام - ولكن هل نعاملهم معاملة الكفار؟ الجواب: لا نعاملهم معاملة الكفار؛ لأن أحكام الدنيا تجري على الظاهر؛ وأحكام الآخرة تجري على الباطن والسرائر، كما قال تعالى:{أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصِّل ما في الصدور} [العاديات: 9، 10]، وقال تعالى:{يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9]؛ ولأنه لو عومل الناس في الدنيا على السرائر لكان في ذلك تكليف ما لا يطاق من وجه؛ وكان في ذلك الفوضى التي لا نهاية لها من وجه آخر؛ أما تكليف ما لا يطاق فلأننا لا نعلم ما في صدور الناس؛ فلا يمكن أن نحكم عليه؛ وأما الفوضى فلأنه يستطيع كل ظالم له ولاية أن يعاقب هذا الرجل، أو يعدم هذا الرجل بحجة أنه مبطن للكفر؛ ولما استؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل المنافقين قال:«لا أقتلهم؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»
(1)
.
القرآن
(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(البقرة: 265)
(1)
أخرجه البخاري ص 420، كتاب التفسير، باب 5: قوله تعالى: (سواء عليهم استغفرت لهم) الآية، حديث رقم 4905، وأخرجه مسلم ص 1130، كتاب البر والصلة، باب 16: نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، حديث رقم 6583 [63]2584.
التفسير:
{265} قوله تعالى: {مثل} : مبتدأ؛ وخبره قوله تعالى: {كمثل جنة} ؛ وقوله تعالى: {ينفقون} أي يبذلون؛ وقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله} أي طلب رضوان الله.
قوله تعالى: {وتثبيتاً} معطوفة على {ابتغاء} ؛ وقوله تعالى: {من أنفسهم} ؛ {من} ابتدائية؛ يعني: تثبيتاً كائناً في أنفسهم لم يحملهم عليه أحد؛ ومعنى يثبتونها: يجعلونها تثبت، وتطمئن؛ أي لا تتردد في الإنفاق، ولا تشك في الثواب؛ وهذا يدل على أنهم ينفقون طيبة نفوسهم بالنفقة.
قوله تعالى: {كمثل جنة بربوة} ؛ «الجنة» البستان الكثير الأشجار؛ وسميت بذلك؛ لأنها تجن من فيها، وفي قوله تعالى:{بربوة} بفتح الراء قراءة أخرى بضم الراء؛ و «الربوة» المكان المرتفع؛ من ربا الشيء إذا زاد، وارتفع، كما في قوله تعالى:{فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [الحج: 5].
قوله تعالى: {أصابها وابل} أي نزل عليها وابل؛ و «الوابل» المطر الشديد.
هذه جنة بربوة مرتفعة للهواء بائنة ظاهرة للشمس؛ أصابها وابل؛ ماذا تكون هذه الجنة! ستثمر ثمراً عظيماً؛ ولهذا قال تعالى: {فآتت أكلها ضعفين} ؛ «الأكل» بمعنى الثمر الذي يؤكل: قال الله تعالى: {أكلها دائم وظلها} [الرعد: 35] يعني ثمرها الذي يؤكل؛ و {ضعفين} أي مضاعفاً، وزائداً.
قوله تعالى: {فإن لم يصبها وابل فطل} : الجملة شرطية؛ الشرط: «إن» ؛ وفعل الشرط: {لم يصبها} ؛ و {طل} أي فهو
طل - والجملة جواب الشرط؛ والمعنى: فإن لم يصبها المطر الشديد أصابها طل - وهو المطر الخفيف، ويكفيها عن المطر الكثير؛ لأنها في أرض خصبة مرتفعة بينة للشمس، والهواء؛ والمثل منطبق: فقد شبه هذا الذي ينفق ماله ابتغاء مرضات الله، وتثبيتاً من نفسه بهذه الجنة.
وهل المشبه نفس الرجل أو النفقة؟ الجواب: المشبه هو النفقة؛ ولهذا قال بعضهم: إن التقدير: «مَثَل إنفاق الذين ينفقون أموالهم كمثل جنة» ؛ ويحتمل أن التقدير: «كمثل صاحب جنة» ؛ فيكون المشبه «المنفِق» لا «الإنفاق» ؛ وقال بعضهم: لا حاجة إلى التقدير للعلم به من السياق، وأن هذا من بلاغة القرآن، حيث طوى ذكر الشيء لدلالة السياق عليه.
قوله تعالى: {والله بما تعملون بصير} : قدم الجار والمجرور - وهو متعلق بـ {بصير} - لإفادة الحصر، ومراعاة الفواصل؛ والحصر هنا إضافي للتهديد؛ لأن الله بصير بما نعمل، وبغيره.
وهل {بصير} هنا من البصر بالعين؛ أو من العلم؟ الجواب: كونه من العلم أحسن ليشمل ما نعمله من الأقوال؛ فإن الأقوال تسمع، ولا تُرى؛ وليشمل ما في قلوبنا؛ فإن ما في قلوبنا لا يُسمع، ولا يُرى؛ وإنما يعلم عند الله عز وجل، كما قال تعالى:{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} [ق~: 16].
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أنه لا إنفاق نافع إلا ما كان مملوكاً للإنسان؛ لقوله تعالى: {أموالهم} ؛ فلو أنفق مال غيره لم يقبل منه إلا أن يكون بإذن من الشارع، أو المالك.
فإن قال قائل: عندي مال محرم لكسبه، وأريد أن أتصدق به فهل ينفعني ذلك؟
فالجواب: إن أنفقه للتقرب إلى الله به: لم ينفعه، ولم يسلم من وزر الكسب الخبيث؛ والدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»
(1)
؛ وإن أراد بالصدقة به التخلص منه، والبراءة من إثمه: نفعه بالسلامة من إثمه، وصار له أجر التوبة منه - لا أجر الصدقة.
ولو قال قائل: عندي مال اكتسبته من ربا فهل يصح أن أبني به مسجداً، وتصح الصلاة فيه؟
فالجواب: بالنسبة لصحة الصلاة في هذا المسجد هي صحيحة بكل حال؛ وبالنسبة لثواب بناء المسجد: إن قصد التقرب إلى الله بذلك لم يقبل منه، ولم يسلم من إثمه؛ وإن قصد التخلص سلم من الإثم، وأثيب - لا ثواب باني المسجد - ولكن ثواب التائب.
2 -
ومن فوائد الآية: بيان ما للنية من تأثير في قبول الأعمال؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله} .
3 -
ومنها: اشتراط الإخلاص لقبول الأعمال؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله} .
4 -
ومنها: أن الإنفاق لا يفيد إلا إذا كان على وفق الشريعة؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله} ؛ وجه ذلك أن من ابتغى شيئاً فإنه لا بد أن يسلك الطريق الموصل إليه؛ ولا طريق يوصل إلى مرضات الله إلا ما كان على وفق شريعته في الكم، والنوع، والصفة؛ كما قال تعالى في الكم: {والذين إذا أنفقوا
(1)
سبق تخريجه 2/ 247.
لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان: 67]؛ وقال تعالى في النوع: {ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 34]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يقبل الله إلا الطيب»
(1)
؛ وفي الصفة قال الله تعالى: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر
…
} إلخ [البقرة: 264].
5 -
ومن فوائد الآية: إثبات رضا الله؛ لقوله تعالى: {مرضات الله} ؛ وهو من الصفات الفعلية.
6 -
ومنها: بيان أن تثبيت الإنسان لعمله، واطمئنانه به من أسباب قبوله؛ لقوله تعالى:{وتثبيتاً من أنفسهم} ؛ لأن الإنسان الذي لا يعمل إلا كارهاً فيه خصلة من خصال المنافقين؛ كما قال تعالى: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة: 54].
7 -
ومنها: فضل الإنفاق على وجه التثبيت من النفس؛ لأنه يندفع بدافع نفسي؛ لا بتوصية من غيره، أو نصيحة.
8 -
ومنها: إثبات القياس؛ لقوله تعالى: {مثل
…
كمثل
…
}؛ وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق أن كل مثال في القرآن سواء كان تمثيلياً، أو إفرادياً، فهو دليل على ثبوت القياس.
9 -
ومنها: أنه يحسن في التعليم أن يبين المعقول بالمحسوس؛ لقوله تعالى: {كمثل جنة بربوة} ؛ وهذا من البلاغة؛ لأنه يقرب المعقول إلى أذهان الناس.
10 -
ومنها: اختيار المكان الأنفع لمن أراد أن ينشئ بستاناً؛ لقوله تعالى: {كمثل جنة بربوة} .
(1)
سبق تخريجه 2/ 247.
11 -
ومنها: بركة آثار المطر؛ لقوله تعالى: {فآتت أكلها ضعفين} ؛ ولهذا وصف الله المطر بأنه مبارك في قوله تعالى: {ونزلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} [ق~: 9] الآيتين.
12 -
ومنها: أنه إذا كان مكان البستان طيباً فإنه يكفي فيه الماء القليل؛ لقوله تعالى: {فإن لم يصبها وابل فطل} .
13 -
ومنها: إثبات علم الله، وعمومه؛ لقوله تعالى:{بما تعملون بصير} .
14 -
ومنها: التحذير من مخالفة الله عز وجل؛ لكونه عالماً بما نعمل.
القرآن
(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)(البقرة: 266)
التفسير:
{266} قوله تعالى: {أيود أحدكم} الاستفهام هنا بمعنى النفي، كما سيتبين من آخر الآية؛ و «يود» أي يحب؛ و «الود» خالص المحبة.
قوله تعالى: {أن تكون له جنة} أي بستان {من نخيل وأعناب} ؛ وهذه من أفضل المأكولات؛ فالتمر حلوى، وقوت،
وفاكهة؛ والعنب كذلك: حلوى، وقوت، وفاكهة؛ وظاهر كلمة «أنهار» أن الماء عذب؛ وجمع {الأنهار} باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذاً يعتبر هذا البستان كاملاً من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضاً جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك - هذا هو المشهد الأول من الآية.
والمشهد الثاني قوله تعالى: {وأصابه الكبر} أي أصاب صاحب الجنة الكِبَر، فعجز عن تصريفها، والقيام عليها؛ {وله ذرية ضعفاء} يعني صغاراً، أو عاجزين؛ فالأب كبير؛ والذرية ضعفاء - إما لصغرهم، أو عجزهم.
قوله تعالى: {فأصابها} أي أصاب هذه الجنة {إعصار} أي ريح شديدة؛ وقيل: ريح منطوية التي ينطوي بعضها على بعض؛ وهذا الإعصار {فيه نار} أي حرارة شديدة؛ مر الإعصار على هذه الجنة {فاحترقت} حتى تساقطت أوراقها، وثمراتها، ويبست أغصانها، وعروقها؛ فماذا يكون حال هذا الرجل؟! يكون في غاية ما يكون من البؤس؛ لأنه فقد هذه الجنة في حال الكبر، والذرية الضعفاء؛ فهو في نفسه لا يكتسب، وذريته لا يكتسبون له ولا لأنفسهم؛ فتكون عليه الدنيا أضيق ما يكون، ويتحسر على هذه الجنة أشد ما يكون من التحسر.
هذا الأمر الذي بينه الله هنا ضربه الله مثلاً للمنفق المانّ بنفقته؛ انظر كيف يبدئ الله ويعيد في القرآن العظيم للتنفير من المن بالصدقة؛ والذي يشبه الإعصار نفس المنّ؛ فهذا الرجل
تصدق بألف درهم، فهذه الصدقة تنمو له: الألف يكون بسبعمائة ألف إلى أضعاف كثيرة؛ لكنه - والعياذ بالله - منّ بهذه الصدقة، فصار هذا المنّ بمنزلة الإعصار الذي أصاب تلك الجنة الفيحاء؛ ولا يمكن أن تنزل هذه الصورة على المرائي؛ لأن المرائي لم يغرس شيئاً أصلاً.
قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات} أي مِثل ذلك البيان؛ وهذا التعبير يرد كثيراً في القرآن، وتقديره كما سبق؛ وإذا كان هذا التقدير فإننا نقول: الكاف اسم بمعنى مثل؛ وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق؛ وعاملها {يبين} ؛ و {الآيات} يشمل الآيات الكونية، والشرعية - يبينها الله، ويوضحها.
قوله تعالى: {لعلكم تتفكرون} : «لعل» هنا للتعليل؛ و «التفكر» إعمال الفكر فيما يراد.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: بيان تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة؛ لأنه أقرب إلى الفهم؛ وجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى ضرب مثلاً للمانّ بالصدقة بصاحب هذه الجنة؛ ووجه الشبه سبقت الإشارة إليه.
2 -
ومنها: جواز ضرب المثل بالقول؛ فهل يجوز ضرب المثل بالفعل - وهو ما يسمى بالتمثيل؟
الجواب: نعم، يجوز لكن بشرط ألا يشتمل على شيء محرم؛ ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل:
أولاً: أن يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء،
والمتشبهات من النساء بالرجال
(1)
.
ثانياً: أن يتضمن ازدراء ذوي الفضل من الصحابة، وأئمة المسلمين؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم؛ والقيام بتمثيلهم يحط من قدرهم - لا سيما إذا عُلم من حال الممثِّل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا كان فاسقاً وقد تقمص شخصية هذا الرجل التَّقي الذي له قدره، وفضله في الأمة، فإن هذا قد يحط من قدره بهذا الذي قام بدور في التمثيلية.
ثالثاً: أن يكون فيه تقليد لأصوات الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب، أو الحمار؛ لأن الله لم يذكر التشبيه بالحيوانات إلا في مقام الذم، كقوله تعالى:{مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار} [الجمعة: 5]، وقوله: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث
…
} [الأعراف: 175، 176] الآيتين؛ وكذلك السنة لم تأت بالتشبيه بالحيوان إلا في مقام الذم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الذي يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة كمثل الحمار يحمل أسفاراً»
(2)
، وقوله: «العائد
(1)
أخرجه البخاري ص 501، كتاب اللباس، باب 61: المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال، حديث رقم 5886.
(2)
أخرجه أحمد 1/ 230، حديث رقم 2033، قال الحافظ في البلوغ:[رواه أحمد بإسناد لا بأس؛ وهو يفسر حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعاً: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت"]، وقال الهيثمي:(رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير؛ وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الناس ووثقه النسائي في رواية)(مجمع الزوائد 2/ 187)، وقال أحمد شاكر، في تخريج المسند 3/ 326: إسناده حسن.
في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه»
(1)
.
رابعاً: أن يتضمن تمثيل دَور الكافر، أو الفاسق؛ بمعنى أن يكون أحد القائمين بأدوار هذه التمثيلية يمثل دَور الكافر، أو دَور الفاسق؛ لأنه يخشى أن يؤثر ذلك على قلبه: أن يتذكر يوماً من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه، ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية؛ لكن لو فعل هل يكون كافراً؟
الجواب: لا يكون كافراً؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر إلى نفسه؛ بل صور نفسه صورة من ينسبه إلى نفسه، كمن قام بتمثيل رجل طلق زوجته؛ فإن زوجة الممثل لا تطلق؛ لأنه لم ينسب الطلاق إلى نفسه؛ بل إلى غيره.
وقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه يكفر، ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن، وكلام أهل العلم؛ أما القرآن فاستدل بقوله تعالى:{ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 65، 66]: وهؤلاء القوم يدعون أنهم يخوضون، ويلعبون؛ يعني: على سبيل التسلية ليقطعوا بها عناء الطريق؛ ويقول أهل العلم: إن من أتى بكلمة الكفر - ولو مازحاً - فإنه يكفر؛ قالوا:
(1)
أخرجه البخاري ص 204، كتاب الهبة، باب 14: هبة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها، حديث رقم 2589، وأخرجه مسلم ص 960، كتاب الهبات، باب 2: تحريم الرجوع في الصدقة بعد القبض
…
، حديث رقم 4170 [5]1622.
وهذا الرجل مازح ليس جادّاً؛ فالجواب أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة»
(1)
:
فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق يمزح عليها فإنها تطلق؛ فهل تقولون: إذا قام الممثل بدور رجل طلق امرأته فإنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا؛ وكلنا يقول: لا؛ والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلى نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره؛ ولهذا لا تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق؛ ولا يكفر لو قام بدوره تمثيل الكافر؛ لكن أرى أنه لا يجوز من ناحية أخرى؛ وهي أنه لعله يتأثر قلبه في المستقبل، حيث يتذكر أنه كان يوماً من الدهر يمثل دور الكافر؛ ثم إنه ربما يعَيَّر به فيقال مثلاً: أين أبو جهل؟! إذا قام بدوره.
ويمكن أن نأتي بدليل على جواز التمثيل؛ وذلك في قصة الثلاثة من بني إسرائيل: الأقرع، والأعمى، والأبرص؛ فالملك أتى الأبرص، والأقرع، والأعمى، وسألهم ماذا يريدون؛ كل ذكر أمنيته؛ فأعطاه الله سبحانه وتعالى أمنيته؛ ثم عاد إليهم المَلَك مرة
(1)
أخرجه أبو داود ص 1384، كتاب الطلاق، باب 9: في الطلاق على الهزل، حديث رقم 2194؛ وأخرجه الترمذي ص 1769، كتاب الطلاق واللعان، باب 9: ما جاء في الجد والهزل في الطلاق، حديث رقم 1184، وأخرجه ابن ماجة ص 2599، كتاب الطلاق، باب 13: من طلق أو نكح أو راجع لاعباً، = =حديث رقم 2039، وأخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 198، كتاب الطلاق، وقال:[حديث صحيح الإسناد وعبد الرحمن بن حبيب هذا هو ابن أردك من ثقات المدنيين]، وعقب الذهبي:[قلت: فيه لين]: وقال الحافظ: [مختلف فيه، قال النسائي: منكر الحديث ووثقه غيره فهو على هذا أحسن ا. هـ التلخيص الحبير 3/ 236)، وقال الألباني: حسن (صحيح أبي داود 2/ 9) ..
أخرى؛ عاد إلى الأبرص بصورته، وهيئته - يعني أبرص فقيراً - وقال له:«إني رجل فقير، وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك»
(1)
؛ فالملَك يمثل دور رجل فقير - وهو ليس بفقير - وأبرص - وليس بأبرص - وكذلك بالنسبة للأقرع، والأعمى؛ فبعض العلماء استدل بهذا الحديث على جواز التمثيل.
فعليه نقول إذا كان التمثيل لا يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي ذكرناها، أو غيرها، فإنه لا بأس به، وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان الأمر إلى نفسه، فيأتي إليك يقرع الباب؛ تقول: مَن؟ يقول: أنا زيد - وليس هو بزيد؛ فهذا كاذب؛ لكن يأتي إنسان يقول: أنا أمثل دور فلان، ويعرف الناس أنه ليس فلاناً؛ فليس بكذب؛ لكنه إذا نسب القول إلى شخص معيَّن فهذا يحتاج إلى ثبوت هذا القول عن هذا الشخص المعين؛ أما إذا حكى قصة رجل بوصفه - لا بعينه - فليس بكذب.
3 -
ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى يبين لعباده الآيات الشرعية، والكونية؛ كلها مبينة في كتابه سبحانه وتعالى أتم بيان.
4 -
ومنها: الحث على التفكر، وأنه غاية مقصودة؛ لقوله تعالى:{لعلكم تتفكرون} ؛ فالإنسان مأمور بالتفكر في الآيات الكونية، والشرعية؛ لأن التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة؛ لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكر فيه؛ أما ما لا يمكن الوصول إليه
(1)
سبق تخريجه 2/ 427 حاشية (2).
بالتفكر فيه فإن التفكر فيه ضياع وقت، وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله عز وجل: هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة؛ ولهذا جاء في الأثر: «تفكروا في آيات الله ولا تفكروا في ذات الله»
(1)
؛ لأن هذا أمر لا يمكن الوصول إليه؛ وغاية لا تمكن الإحاطة بها، كما قال تعالى:{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103]؛ فلا يجوز لأحد أن يتفكر في كيفية استواء الله عز وجل على العرش؛ بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف، أو التمثيل، أو التعطيل - ولا بد؛ وأما التفكر في معاني أسماء الله فمطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سئل:{الرحمن على العرش استوى} [طه: 5]: كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
القرآن
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(البقرة: 267)
(1)
أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر 6/ 250 حديث رقم 6319؛ وفي سنده الوازع بن نافع عن سالم عن ابن عمر، وقال: لم يروه عن سالم إلا الوازع بن نافع. أهـ. وقال العراقي في الوازع بن نافع: متروك [تخريج إحياء علوم الدين 4/ 424، حاشية (1)]، وقال: أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عباس في الحلية بالمرفوع منه بإسناد ضعيف، ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من وجه آخر أصح منه. أهـ. المرجع السابق.
التفسير:
{267} قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} : سبق مراراً وتكراراً أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ والتنبيه على الشيء دليل على الاهتمام به، وأن تصديره بـ {يا أيها الذين آمنوا} يفيد عدة فوائد:
أولاً: الإغراء؛ و «الإغراء» معناه الحث على قبول ما تخاطَب به؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه»
(1)
؛ ولهذا لو ناديتك بوصفك، وقلت: يا رجل، يا ذكي، يا كريم. معناه: يا من توصف بهذا اجعل آثار هذا الشيء بادياً عليك.
ثانياً: أن امتثال ما جاء في هذا الخطاب من مقتضيات الإيمان؛ كأنه تعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا} إن إيمانكم يدعوكم إلى كذا وكذا.
ثالثاً: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأنه لو حقق هذا الوصف لامتثل ما جاء في الخطاب.
قوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} : بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى فيما سبق فضيلة الإنفاق ابتغاء وجهه، وسوء العاقبة لمن منَّ بصدقته، أو أنفق رياءً، حثَّ على الإنفاق؛ لكن الفرق بين ما هنا، وما سبق: أن ما هنا بيان للذي ينفَق منه؛ وهناك بيان للذي ينَفق عليه.
وقوله تعالى: {من طيبات ما كسبتم} أي مما كسبتموه
(1)
سبق تخريجه 1/ 337.
بطريق حلال؛ و {كسبتم} أي ما حصلتموه بالكسب، كالذي يحصل بالبيع والشراء، والتأجير، وغيرها؛ وكل شيء حصل بعمل منك فهو من كسبك.
قوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} : قال بعضهم: إنه معطوف على {ما} في قوله تعالى: {ما كسبتم} ؛ يعني: «ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض» ؛ ولكن الصحيح الذي يظهر أنه معطوف على قوله تعالى: {طيبات} ؛ يعني: «أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من الأرض» ؛ لأن ما أخرج الله لنا من الأرض كله طيب ملك لنا، كما قال تعالى:{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29].
وقوله: {مما} : لو قلنا: إن «مِن» للتبعيض يكون المعنى: أنفقوا بعض طيبات ما كسبتم، وبعض ما أخرجنا لكم من الأرض؛ وهناك احتمال أن «مِن» لبيان الجنس؛ فيشمل ما لو أنفق الإنسان كل ماله؛ وهذا عندي أحسن؛ لأن التي للجنس تعم القليل والكثير.
قوله تعالى: {أخرجنا لكم من الأرض} يشمل ما أخرج من ثمرات النخيل، والأعناب، والزروع، والفاكهة، والمعادن، وغير ذلك مما يجب أن ننفق منه.
قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أي لا تقصدوا الخبيث منه فتنفقونه؛ لأن «التيمم» في اللغة: القصد؛ ومنه قوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6]؛ والمراد بـ {الخبيث} هنا الرديء؛ يعني: لا تقصدوا الرديء تخرجونه، وتبقون لأنفسكم الطيب؛ فإن
هذا ليس من العدل؛ ولهذا قال تعالى: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} .
وقوله تعالى: {منه تنفقون} يحتمل في {منه} وجهان؛ أحدهما: أنها متعلقة بـ {الخبيث} على أنها حال؛ أي الخبيث حال كونه مما أخرجنا لكم من الأرض؛ وعلى هذا يكون في {تنفقون} ضمير محذوف؛ والتقدير: تنفقونه؛ الوجه الثاني: أنها متعلقة بقوله تعالى: {تنفقون} ؛ يعني: ولا تقصدوا الخبيث تنفقون منه؛ وقدمت على عاملها للحصر؛ والوجهان من حيث المعنى لا يختلفان؛ فإن معناها أن الله ينهانا أن نقصد الخبيث - وهو الرديء - لننفق منه.
قوله تعالى: {ولستم بآخذيه} : أي لستم بآخذي الرديء عن الجيد لو كان الحق لكم {إلا أن تغمضوا فيه} أي تأخذوه عن إغماض؛ و «الإغماض» أخذ الشيء على كراهيته - كأنه أغمض عينيه كراهية أن يراه.
قوله تعالى: {واعلموا أن الله غني حميد} ؛ فهو لم يطلب منكم الإنفاق لفقره واحتياجه؛ {حميد} : يحتمل أن تكون بمعنى حامد؛ وبمعنى محمود؛ وكلاهما صحيح؛ لأن «فعيلاً» تأتي بمعنى فاعل؛ وبمعنى مفعول؛ إتيانها بمعنى فاعل مثل: «رحيم» بمعنى راحم؛ و «سميع» بمعنى سامع؛ وإتيانها بمعنى مفعول مثل: «قتيل» ، و «جريح» ، و «ذبيح» ، وما أشبه ذلك؛ وهنا {حميد} تصح أن تكون بمعنى حامد، وبمعنى محمود؛ أما كون الله محموداً فظاهر؛ وأما كونه حامداً فلأنه سبحانه وتعالى يَحمَد من يستحق الحمد من عباده؛ ولهذا أثنى على أنبيائه، ورسله،
والصالحين من عباده؛ وهذا يدل على أنه عز وجل حامد لمن يستحق الحمد.
ووجه المناسبة في ذكر «الحميد» بعد «الغني» أن غناه عز وجل غِنًى يحمد عليه؛ بخلاف غنى المخلوق؛ فقد يحمد عليه، وقد لا يحمد؛ فلا يحمد المخلوق على غناه إذا كان بخيلاً؛ وإنما يحمد إذا بذله؛ والله عز وجل غني حميد؛ فهو لم يسألكم هذا لحاجته إليه؛ ولكن لمصلحتكم أنتم.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: فضيلة الإيمان؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ؛ فإن هذا وصف يقتضي امتثال أمر الله؛ وهذا يدل على فضيلة الإيمان.
2 -
ومنها: أن من مقتضى الإيمان امتثال أمر الله، واجتناب نهيه؛ ووجهه أن الله تعالى قال:{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا} ؛ فلولا أن للإيمان تأثيراً لكان تصدير الأمر بهذا الوصف لغواً لا فائدة منه.
3 -
ومنها: وجوب الإنفاق من طيبات ما كسبنا؛ لقوله تعالى: {أنفقوا} ؛ والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل صارف عن الوجوب.
4 -
ومنها: وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لقوله تعالى: {ما كسبتم} ؛ ولا شك أن عروض التجارة كسب؛ فإنها كسب بالمعاملة.
5 -
ومنها: أن المال الحرام لا يؤمر بالإنفاق منه؛ لأنه خبيث؛ والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.
فإذا قال قائل: ماذا أصنع به إذا تبت؟
فالجواب أنه يرده على صاحبه إن أخذه بغير اختياره؛ فإن كان قد مات رده على ورثته؛ فإن لم يكن له ورثة فعلى بيت المال؛ فإن تعذر ذلك تصدق به عمن هو له؛ أما إذا أخذه باختيار صاحبه كالربا، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، فإنه لا يرده عليه؛ ولكن يتصدق به
(1)
؛ هذا إذا كان حين اكتسابه إياه عالماً بالتحريم؛ أما إن كان جاهلاً فإنه لا يجب عليه أن يتصدق به؛ لقوله تعالى: {فله ما سلف وأمره إلى الله} [البقرة: 275].
6 -
ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} ؛ ووجه الدلالة: أنه لو كان الإنسان مجبراً على عمله لم يصح أن يوجه إليه الأمر بالإنفاق؛ لأنه لا يقدر على زعم هؤلاء الجبرية؛ ولأن الله أضاف الكسب إلى المخاطَب في قوله تعالى: {ما كسبتم} ؛ ولو كان مجبراً عليه لم يصح أن يكون من كسبه؛ وليعلم أن مثل هذا الدليل في الرد على الجبرية كثير في القرآن، وإنما نذكره عند كل آية لينتفع بذلك من يريد إحصاء الأدلة على هؤلاء؛ وإلا فالدليل الواحد كافٍ لمن أراد الحق.
7 -
ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض؛ لقوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} ؛ وظاهر الآية وجوب الزكاة في الخارج من الأرض مطلقاً سواء كان قليلاً، أم كثيراً؛ وسواء كان مما يوسَّق، ويكال، أم لا؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وهو أن الزكاة تجب في الخارج من الأرض مطلقاً لعموم الآية؛ ولكن الصواب ما دلت عليه السنة من أن الزكاة لا
(1)
انظر 3/ 328.
تجب إلا في شيء معين جنساً، وقدراً؛ فلا تجب الزكاة في القليل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»
(1)
؛ و «الوسق» هو الحِمل؛ ومقدار خمسة أوسق: ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي.
ولا تجب الزكاة إلا فيما يكال؛ وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق» ؛ و «الوسق» كما ذكرت هو الحمل؛ وهو ستون صاعاً؛ وعليه فلا تجب الزكاة في الخضراوات مثل: التفاح، والبرتقال، والأترج، وشبهها، لأن السنة بينت أنه لا بد من أن يكون ذلك الشيء مما يوسق.
تنبيه:
لم يبين في الآية مقدار الواجب إنفاقه من الكسب، والخارج من الأرض؛ ولكن السنة بينت أن مقدار الواجب فيما حصل من الكسب ربع العشر؛ ومقدار الواجب في الخارج من الأرض العشر فيما يسقى بلا مؤونة؛ ونصفه فيما يسقى بمؤونة.
8 -
ومن فوائد الآية: ما يتبين من اختلاف التعبير في قوله تعالى: {من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} ؛ فلماذا عبر في الأول تعبيراً يدل على أن ذلك من فعل العبد؛ وفي الثاني عبر تعبيراً يدل على أنه ليس من فعل العبد؟ الأمر في ذلك واضح؛ لأن نمو التجارة بالكسب، وغالبه من فعل العبد: يبيع، ويشتري، ويكسب؛ أما ما خرج من الأرض فليس من فعل العبد
(1)
أخرجه البخاري ص 114، كتاب الزكاة، باب 32، زكاة الورق، حديث رقم 1447؛ وأخرجه مسلم ص 831، كتاب الزكاة، باب 1: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، حديث رقم 2263 [1]979.
في الواقع، كما قال تعالى:{أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 63، 64].
9 -
من فوائد الآية: وجوب الزكاة في المعادن؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} لكن العلماء يقولون: إن كان المعدن ذهباً أو فضة وجبت فيه الزكاة بكل حال؛ وإن كان غير ذهب، ولا فضة، كالنحاس، والرصاص، وما أشبههما ففيه الزكاة إن أعده للتجارة؛ لأن هذه المعادن لا تجب الزكاة فيها بعينها؛ إنما تجب الزكاة فيها إذا نواها للتجارة.
وهل يستفاد من الآية وجوب الزكاة في الركاز - والركاز هو ما وجد من دفن الجاهلية - أي مدفون الجاهلية؛ يعني ما وجد من النقود القديمة، أو غيرها التي تنسب إلى زمن بعيد بحيث يغلب على الظن أنه ليس لها أهل وقتَ وجودها؟ لا يستفاد؛ لكن السنة دلت على أن الواجب فيه الخمس
(1)
؛ ثم اختلف العلماء ما المراد بالخمس: هل هو الجزء المشاع - وهو واحد من خمسة؛ أو هو الخمس الذي مصرفه الفيء؟ على قولين؛ وبسط ذلك مذكور في كتب الفقه.
10 -
ومن فوائد الآية: تحريم قصد الرديء في إخراج الزكاة؛ لقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} .
11 -
ومنها: إذا ضمت هذه الآية إلى حديث ابن عباس حين بعث النبي معاذاً إلى اليمن، وقال:«إياك وكرائم أموالهم»
(2)
،
(1)
راجع البخاري ص 118، كتاب الزكاة، باب 66: في الركاز الخمس، حديث رقم 1499؛ ومسلماً ص 981، كتاب الحدود، باب 11: جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، حديث رقم 4465 [45]1710.
(2)
راجع 1/ 148.
تبين لك العدل في الشريعة الإسلامية؛ لأن العامل على الزكاة لو قصد الكرائم من الأموال صار في هذا إجحاف على أهل الأموال؛ ولو قصد الرديء صار فيه إجحاف على أهل الزكاة؛ فصار الواجب وسطاً؛ لا نلزم صاحب المال بإخراج الأجود؛ ولا نمكنه من إخراج الأردأ؛ بل يخرج الوسط.
12 -
ومنها: الإشارة إلى قاعدة إيمانية عامة؛ وهي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»
(1)
؛ ووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى قال: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} ؛ فالإنسان لا يرضى بهذا لنفسه فلماذا يرضاه لغيره؟!! فإذا كنت أنت لو أُعطيت الرديء من مال مشترك بينك وبين غيرك ما أخذته إلا على إغماض، وإغضاء عن بعض الشيء؛ فلماذا تختاره لغيرك، ولا تختاره لنفسك؟!! وهذا ينبغي للإنسان أن يتخذه قاعدة فيما يعامل به غيره؛ وهو أن يعامله بما يحب أن يعامله به؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح:«من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر؛ وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه»
(2)
، هذه قاعدة في المعاملة مع الناس؛ ومع الأسف الشديد أن كثيراً من الناس اليوم لا يتعاملون فيما بينهم على هذا الوجه؛ كثير من الناس يرى أن المكر غنيمة، وأن الكذب غنيمة.
13 -
ومن فوائد الآية: إثبات القياس؛ وذلك لقوله تعالى:
(1)
أخرجه البخاري ص 3، كتاب الإيمان، باب 7: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم 13.
(2)
أخرجه مسلم ص 1009، كتاب الإمارة، باب 10: وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول، حديث رقم 4773 [44]1842.
{ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} ؛ يعني إذا كنت لا ترضاه لنفسك فلا ترضاه لغيرك؛ أي قس هذا بهذا.
14 -
ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله، وما تضمناه من صفة؛ وهما «غني» و «حميد» .
القرآن
(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 268)
التفسير:
{268} قوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} ؛ {الشيطان} مبتدأ؛ وخبره جملة: {يعدكم} ؛ و {يأمركم} فيها قراءتان: الضم، والسكون؛ فأما الضم فواضح؛ لأنه فعل مضارع لم يدخل عليه ناصب، ولا جازم؛ وأما السكون فللتخفيف سماعاً لا قياساً.
قوله تعالى: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً} : هذه الجملة مقابلة لما سبقها: الفضل ضد الفقر؛ والمغفرة ضد الفحشاء؛ لأن الفحشاء تُكسب الذنوب؛ والمغفرة تمحو الذنوب؛ ففرق بين هذا، وهذا؛ والجملة مكونة من مبتدأ، وخبر؛ المبتدأ: لفظ الجلالة: {الله} ؛ والخبر: جملة: {يعدكم} .
قوله تعالى: {والله واسع عليم} جملة خبرية مكونة من مبتدأ، وخبر؛ المبتدأ: لفظ الجلالة: {الله} ؛ والخبر: {واسع} ؛ و {عليم} خبر ثانٍ.
قوله تعالى: {الشيطان} اسم من أسماء إبليس؛ قيل: إنه مشتق من «شطن» إذا بعُد - وعلى هذا فالنون أصلية؛ وقيل: إنه مشتق من «شاط» إذا تغيظ، وغضب؛ لأن صفته هو التغيظ، والغضب، والحمق، والجهل؛ ولكن الأول أقرب: أنه من «شطن» إذا بعد؛ بدليل أنه مصروف؛ و «أل» فيه للجنس؛ فليس خاصاً بشيطان واحد.
قوله تعالى: {يعدكم الفقر} أي يهددكم الفقر إذا تصدقتم؛ وقوله تعالى: {بالفحشاء} أي البخل؛ وإنما فُسِّر بالبخل؛ لأن فحش كل شيء بحسب القرينة، والسياق؛ فقد يراد به الزنى، كقوله تعالى:{ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة} [الإسراء: 32]؛ وقد يراد به اللواط، كما في قوله تعالى عن لوط إذا قال لقومه:{أتأتون الفاحشة} [الأعراف: 80]؛ وقد يراد به ما يستفحش من الذنوب عموماً، كقوله تعالى:{الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} [الشورى: 37].
قوله تعالى: {والله يعدكم مغفرة} أي لذنوبكم إن تصدقتم؛ {وفضلًا} أي زيادة؛ فالصدقة تزيد المال؛ لقوله تعالى: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39]، وقوله صلى الله عليه وسلم:«ما نقصت صدقة من مال»
(1)
.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: إثبات إغواء الشياطين لبني آدم؛ لقوله تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} .
(1)
سبق تخريجه 2/ 278.
2 -
ومنها: أن للشيطان تأثيراً على بني آدم إقداماً، أو إحجاماً؛ أما الإقدام: فيأمره بالزنى مثلاً، ويزين له حتى يُقْدم عليه؛ وأما الإحجام: فيأمره بالبخل، ويعده الفقر لو أنفق؛ وحينئذٍ يحجم عن الإنفاق.
3 -
ومنها: أن أبواب التشاؤم لا يفتحها إلا الشياطين؛ لقوله تعالى: {يعدكم الفقر} ؛ فالشيطان هو الذي يفتح لك باب التشاؤم يقول: «إذا أنفقت اليوم أصبحت غداً فقيراً؛ لا تنفق» ؛ والإنسان بشر: ربما لا ينفق؛ ربما ينسى قول الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 39]، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم:«ما نقصت صدقة من مال» .
4 -
ومنها: بيان عداوة الشيطان للإنسان؛ لأنه في الواقع عدو له في الخبر، وعدو له في الطلب؛ في الخبر: يعده الفقر؛ في الطلب: يأمره بالفحشاء؛ فهو عدو مخبراً، وطالباً - والعياذ بالله.
5 -
ومنها: أن البخل من الفواحش؛ لأن المقام مقام إنفاق؛ فيكون المراد بالفاحشة: البخل، وعدم الإنفاق.
6 -
ومنها: أن من أمر شخصاً بالإمساك عن الإنفاق المشروع؛ فهو شبيه بالشيطان؛ وكذلك من أمر غيره بالإسراف فالظاهر أنه شيطان؛ لقوله تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً} [الإسراء: 27].
7 -
ومنها: البشرى لمن أنفق بالمغفرة، والزيادة؛ لقوله تعالى:{والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا} ؛ شتان ما بين الوعدين: {الشيطان يعدكم الفقر} ؛ {والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا} ؛ فالله
يعدنا بشيئين: المغفرة، والفضل؛ المغفرة للذنوب؛ والفضل لزيادة المال في بركته، ونمائه.
فإن قال قائل: كيف يزيد الله تعالى المنفِق فضلاً ونحن نشاهد أن الإنفاق ينقص المال حساً؛ فإذا أنفق الإنسان من العشرة درهماً صارت تسعة؛ فما وجه الزيادة؟
فالجواب: أما بالنسبة لزيادة الأجر في الآخرة فالأمر ظاهر؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ ومن تصدق بما يعادل تمرة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يربيها له حتى تكون مثل الجبل؛ وأما بالنسبة للزيادة الحسية في الدنيا فمن عدة أوجه:
الوجه الأول: أن الله قد يفتح للإنسان باب رزق لم يخطر له على بال؛ فيزداد ماله.
الوجه الثاني: أن هذا المال ربما يقيه الله سبحانه وتعالى آفات لولا الصدقة لوقعت فيه؛ وهذا مشاهد؛ فالإنفاق يقي المال الآفات.
الوجه الثالث: البركة في الإنفاق بحيث ينفق القليل، وتكون ثمرته أكثر من الكثير؛ وإذا نُزعت البركة من الإنفاق فقد ينفق الإنسان شيئاً كثيراً في أمور لا تنفعه؛ أو تضره؛ وهذا شيء مشاهد.
8 -
ومنها: أن هذه المغفرة التي يعدنا الله بها مغفرة عظيمة؛ لقوله تعالى: {منه} ؛ لأن عظم العطاء من عظم المعطي؛ ولهذا جاء في الحديث الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني»
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري ص 834، كتاب الأذان، باب 149: الدعاء قبل السلام، حديث رقم 834؛ وأخرجه مسلم 1148، كتاب الذكر والدعاء، باب 14: الدعوات والتعوذ، حديث رقم 6869 [48]2705.
9 -
ومنها: أنه ينبغي للمنفق أن يتفاءل بما وعد الله؛ لقوله تعالى: {والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا} ؛ فإذا أنفق الإنسان وهو يحسن الظن بالله عز وجل أن الله يغفر له الذنوب، ويزيده من فضله كان هذا من خير ما تنطوي عليه السريرة.
10 -
ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: {واسع} ، و {عليم} ؛ وما تضمناه من صفة؛ ويستفاد من الاسمين، والصفتين إثبات صفة ثالثة باجتماعهما؛ لأن الاسم من أسماء الله إذا قرن بغيره تضمن معنًى زائداً على ما إذا كان منفرداً مثل قوله تعالى:{فإن الله كان عفواً قديراً} [النساء: 149]؛ فالجمع بين العفْوِ والقدرة لها ميزة: أن عفوه غير مشوب بعجز إطلاقاً؛ لأن بعض الناس قد يعفو لعجز؛ فقوله تعالى: {واسع عليم} : فالصفة الثالثة التي تحصل باجتماعهما: أن علمه واسع.
وكل صفاته واسعة؛ وهذا مأخوذ من اسمه «الواسع» ؛ فعلمه، وسمعه، وبصره، وقدرته، وكل صفاته واسعة.
القرآن
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُولُو الْأَلْبَابِ)(البقرة: 269)
التفسير:
{269} قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} ؛ {يؤتي}
بمعنى يعطي؛ وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ، والخبر؛ فالمفعول الأول هنا:{الحكمة} ؛ والمفعول الثاني: {مَن} في قوله تعالى: {من يشاء} ؛ والمعنى: أن الله يعطي الحكمة من يشاء؛ و {الحكمة} مِن أحكم بمعنى أتقن؛ وهي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، وتستلزم علماً، ورشداً، فالجاهل لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة؛ والسفيه لا تأتي منه الحكمة إلا مصادفة.
قوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} ، أي من يعطه الله سبحانه وتعالى الحكمة فقد أعطاه خيراً كثيراً.
فإن قال قائل: ما وجه اختلاف التعبير بين قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} ، وقوله تعالى:{ومن يؤت الحكمة} ؟
فالجواب: - والله أعلم - أن الحكمة قد تكون غريزة؛ وقد تكون مكتسبة؛ بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلاً عن الناس؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعم كل طرق الحكمة التي تأتي - سواء أوتي الحكمة من قبل الله عز وجل، أو من قِبل الممارسة والتجارب؛ على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب فهو من الله عز وجل؛ هو الذي قيض لك من يفتح لك أبواب الحكمة، وأبواب الخير.
قوله تعالى: {وما يذكر إلا أولو الألباب} ، أي ما يتعظ بآيات الله إلا أصحاب العقول الذين يتصرفون تصرفاً رشيداً.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: إثبات أفعال الله المتعلقة بمشيئته؛ لقوله تعالى: {يؤتي الحكمة} ؛ وهذه من الصفات الفعلية.
2 -
ومنها: أن ما في الإنسان من العلم والرشد فهو فضل من الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} ؛ فإذا منّ الله سبحانه وتعالى على العبد بعلم، ورشد، وقوة، وقدرة، وسمع، وبصر فلا يترفع؛ لأن هذه الصفات من الله عز وجل؛ ولو شاء الله لحرمه إياها، أو لسلبه إياها بعد أن أعطاه إياها؛ فقد يسلب الله العلم من الإنسان بعد أن أعطاه إياه؛ وربما يسلب منه الحكمة؛ فتكون كل تصرفاته طيشاً، وضلالاً، وهدراً.
3 -
ومنها: إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: {من يشاء} ؛ واعلم أن كل شيء علقه الله سبحانه وتعالى بمشيئته فإنه تابع لحكمته البالغة؛ وليس لمجرد المشيئة؛ لكن قد نعلم الحكمة؛ وقد لا نعلمها؛ قال الله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30].
4 -
ومنها: إثبات الحكمة لله عز وجل؛ لأن الحكمة كمال؛ ومعطي الكمال أولى به؛ فنأخذ من الآية إثبات الحكمة لله بهذا الطريق.
5 -
ومنها: الفخر العظيم لمن آتاه الله الحكمة؛ لقوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} .
6 -
ومنها: وجوب الشكر على من آتاه الله الحكمة؛ لأن هذا الخير الكثير يستوجب الشكر.
7 -
ومنها: أن بلوغ الحكمة متعدد الطرق؛ فقد يكون غريزياً جبل الله العبد عليه؛ وقد يكون كسبياً يحصل بالمران، ومصاحبة الحكماء.
8 -
ومنها: منّة الله سبحانه وتعالى على من يشاء من عباده بإيتائه الحكمة؛ لقوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} .
9 -
ومنها: فضيلة العقل؛ لقوله تعالى: {وما يذكر إلا أولو الألباب} ؛ لأن التذكر بلا شك يحمد عليه الإنسان؛ فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل دل ذلك على فضيلة العقل؛ والعقل ليس هو الذكاء لأن العقل نتيجته حسن التصرف - وإن لم يكن الإنسان ذكياً؛ والذكاء؛ قوة الفطنة - وإن لم يكن الإنسان عاقلاً؛ ولهذا نقول: ليس كل ذكي عاقلاً، ولا كل عاقل ذكياً؛ لكن قد يجتمعان؛ وقد يرتفعان؛ وهناك عقل يسمى عقل إدراك؛ وهو الذي يتعلق به التكليف، وهذا لا يلحقه مدح، ولا ذم؛ لأنه ليس من كسب الإنسان.
10 -
ومن فوائد الآية: أن عدم التذكر نقص في العقل - أي عقل الرشد؛ لقوله تعالى: {وما يذَّكر إلا أولو الألباب} ؛ فإن الحكم إذا علق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف، ونقص بنقص ذلك الوصف.
11 -
ومنها: أنه لا يتعظ بالمواعظ الكونية أو الشرعية إلا أصحاب العقول الذين يتدبرون ما حصل من الآيات سابقاً، ولاحقاً؛ فيعتبرون بها؛ وأما الغافل فلا تنفعه.
القرآن
(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(البقرة: 270)
التفسير:
{270} قوله تعالى: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر} ؛ {ما} هنا شرطية؛ والدليل على أنها شرطية أنها مركبة من شرط، وجواب؛ والشرط هو:{أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر} ؛ والجواب: {فإن الله يعلمه} ؛ و {مِن} زائدة زائدة؛ أي زائدة إعراباً زائدة معنًى؛ لأنها تفيد النص على العموم؛ وهي حرف جر زائد من حيث الإعراب؛ ولهذا نعرب: {نفقةٍ} على أنها مفعول به - أي: ما أنفقتم نفقةً أو نذرتم نذراً فإن الله يعلمه؛ ويجوز أن تكون بياناً لاسم الشرط {ما} في قوله تعالى: {ما أنفقتم} ؛ لأن «ما» الشرطية مبهمة؛ والمبهم يحتاج إلى بيان.
قوله تعالى: {فإن الله يعلمه} هذه جملة جواب الشرط؛ والفاء هنا واقعة في جواب الشرط وجوباً؛ لأنه جملة اسمية؛ وإذا وقع جواب الشرط جملة اسمية وجب اقترانه بالفاء؛ وفي ذلك يقول الناظم فيما يجب اقترانه بالفاء:
(اسمية طلبية وبجامدٍ وبما وقد وبلن وبالتنفيس) قوله تعالى: {وما للظالمين من أنصار} جملة منفية؛ والمبتدأ فيها قوله تعالى: {من أنصار} ؛ و {من} فيها زائدة إعراباً زائدة معنًى؛ يعنى تزيد المعنى - وهو النص على العموم - وإن كانت في الإعراب زائدة؛ ولهذا نعرب {أنصار} على أنها مبتدأ مؤخر مرفوع بالابتداء؛ وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره
منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وقوله تعالى: {وما أنفقتم من نفقة} ، أي أيّ شيء تنفقونه من قليل أو كثير فإن الله يعلمه.
وقوله تعالى: {أو نذرتم من نذر} ، أي أوجبتم على أنفسكم من طاعة، مثل أن يقول القائل:«لله عليّ نذر أن أتصدق بكذا» ؛ أو «أن أصوم كذا» ؛ {فإن الله يعلمه} ؛ وذِكر العلم يستلزم أن الله يجازيهم، فلا يضيع عند الله عز وجل.
قوله تعالى: {وما للظالمين} أي للمانعين ما يجب إنفاقه، أو الوفاء به من النذور {من أنصار} أي مانعين للعذاب عنهم.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء؛ وذلك لقوله تعالى: {وما أنفقتم من نفقة} ، وكلمة {نفقة} نكرة في سياق الشرط؛ فهي تعم؛ وعلى ذلك تشمل القليل، والكثير؛ لكن الثواب عليها مشروط بأمرين: الإخلاص لله؛ وأن تكون على وفق الشرع.
2 -
ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله؛ لقوله تعالى: {فإن الله يعلمه} ؛ لأنك إذا أنفقت وأنت تشعر أن الله يعلم هذا الإنفاق فسوف تحتسب الأجر على الله.
3 -
ومنها: أن ما نذره الإنسان من طاعة فهو معلوم عند الله.
4 -
هل تدل الآية على جواز النذر؟
الجواب: الآية لا تدل على الجواز، كما لو قال قائل مثلاً:«إن سرَقتَ فإن الله يعلم سرقتك» ؛ فإن هذا لا يعني أن السرقة
جائزة؛ وعلى هذا فالآية لا تعارض نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر
(1)
؛ لأن النهي عن النذر يعني إنشاءه ابتداءً؛ فأما الوفاء به فواجب إذا كان طاعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»
(2)
.
5 -
ومنها: عموم علم الله بكل ما ينفقه الإنسان، أو ينذره من قليل، أو كثير.
6 -
ومنها: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه تدخل إطلاقاً؛ وجه ذلك: أنه إذا كان الله يعلمه فلا بد أن يقع على حسب علمه؛ وإلا لزم أن يكون الله غير عالم؛ ولهذا قال بعض السلف: جادلوهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصِموا؛ وإن أنكروه كفروا.
7 -
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى لا ينصر الظالم؛ لقوله تعالى: {وما للظالمين من أنصار} ؛ ولا يرد على هذا ما وقع في أُحد من انتصار الكافرين لوجهين:
الوجه الأول: أنه نوع عقوبة، حيث حصل من بعض المسلمين عصيانهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:{حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} [آل عمران: 152].
الوجه الثاني: أن هذا الانتصار من أجل أن يمحق الله الكافرين؛ لأن انتصارهم يغريهم بمقاتلة المسلمين؛ حتى تكون
(1)
راجع البخاري ص 553، كتاب القدر، باب 6: إلقاء العبد النذر إلى القدر، حديث رقم 6608؛ ومسلماً ص 964، كتاب النذر، باب 2: النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئاً، رقم 4237 [2]1639.
(2)
أخرجه البخاري ص 559، كتاب الأيمان والنذور، باب 28: النذر في الطاعة (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر)، حديث رقم 6696.
العاقبة للمسلمين، كما قال تعالى:{وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} [آل عمران: 141].
8 -
ومن فوائد الآية: أن من دعا على أخيه وهو ظالم له فإن الله لا يجيب دعاءه؛ لأنه لو أجيب لكان نصراً له؛ وقد قال تعالى: {إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21].
9 -
ومنها: الثواب على القليل، والكثير؛ وفي القرآن ما يشهد لذلك، مثل قوله تعالى:{ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121]، وقوله تعالى في آخر سورة الزلزلة:{فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} [الزلزلة: 7، 8].
القرآن
(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(البقرة: 271)
التفسير:
{271} قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات} أي تظهروها {فنعمَّا هي} : جملة إنشائية للمدح؛ وقُرنت بالفاء وهي جواب الشرط لكونها فعلاً جامداً {وإن تخفوها} أي تصدَّقوا سراً {وتؤتوها الفقراء} أي تعطوها المعدمين؛ وذكر {الفقراء} هنا على سبيل المثال؛ {فهو خير لكم} أي من إظهارها؛ والجملة: جواب الشرط؛ وقرنت بالفاء لكونها اسمية.
قوله تعالى: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} الجملة استئنافية؛
ولذلك كان الفعل مرفوعاً؛ و «التكفير» بمعنى السَّتر؛ {سيئاتكم} جمع سيئة؛ وهي ما يسوء المرء عمله، أو ثوابه.
قوله تعالى: {والله بما تعملون خبير} ، أي عليم ببواطن الأمور كظواهرها.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: الحث على الصدقة، والترغيب فيها سواء أبداها، أو أخفاها.
2 -
ومنها: أن إخفاء الصدقة أفضل من إبدائها؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص؛ وأستر للمتصدق عليه؛ لكن إذا كان في إبدائها مصلحة ترجح على إخفائها - مثل أن يكون إبداؤها سبباً لاقتداء الناس بعضهم ببعض، أو يكون في إبدائها دفع ملامة عن المتصدق، أو غير ذلك من المصالح - فإبداؤها أفضل.
3 -
ومنها: أن الصدقة لا تعتبر حتى يوصلها إلى الفقير؛ لقوله تعالى: {وتؤتوها الفقراء} .
ويتفرع على هذا فرعان:
أحدهما: أن مؤونة إيصالها على المتصدق.
الثاني: أنه لو نوى أن يتصدق بماله، ثم بدا له ألا يتصدق فله ذلك؛ لأنه لم يصل إلى الفقير.
4 -
ومنها: تفاضل الأعمال - أي أن بعض الأعمال أفضل من بعض؛ لقوله تعالى: {فهو خير لكم} ؛ وتفاضل الأعمال يكون بأسباب:
أ - منها التفاضل في الجنس، كالصلاة - مثلاً - أفضل من الزكاة، وما دونها.
ب - ومنها التفاضل في النوع؛ فالواجب من الجنس أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»
(1)
.
ج - ومنها التفاضل باعتبار العامل لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»
(2)
.
د - ومنها التفاضل باعتبار الزمان، كقوله صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من ذي الحجة:«ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»
(3)
، وكقوله تعالى:{ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3].
هـ - ومنها التفاضل بحسب المكان، كفضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره.
وومنها التفاضل بحسب جودة العمل وإتقانه، كقوله صلى الله عليه وسلم:«الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة؛ والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران»
(4)
.
ز - ومنها التفاضل بحسب الكيفية، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله
…
»، وذكر منهم: «ورجل
(1)
سبق تخريجه 3/ 268، حاشية (2).
(2)
سبق تخريجه 3/ 269، حاشية (1).
(3)
سبق تخريجه 3/ 269، حاشية (2).
(4)
أخرجه البخاري ص 425، كتاب تفسير القرآن، باب 80: سورة عبس، حديث رقم 4937؛ وأخرجه مسلم ص 803، كتاب صلاة المسافرين، باب 38، فضل الماهر بالقرآن
…
، حديث رقم 1862 [244] 798 واللفظ له.
تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»
(1)
.
وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ لأن الإنسان يشرف، ويفضل بعمله؛ وتفاضل الأعمال يستلزم زيادة الإيمان؛ لأن الإيمان قول، وعمل؛ فإذا تفاضلت الأعمال تفاضل الإيمان - أعني زيادة الإيمان، ونقصانه - وهو مذهب أهل السنة، والجماعة.
5 -
ومن فوائد الآية: أن الصدقة سبب لتكفير السيئات؛ لقوله تعالى: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} ؛ ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل» ، ثم تلا صلى الله عليه وسلم: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع
…
}
(2)
[السجدة: 16].
6 -
ومنها: إثبات أفعال الله الاختيارية - كما هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ لقوله تعالى: {ويكفر عنكم
(1)
أخرجه البخاري ص 53، كتاب الأذان، باب 36: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
…
، حديث رقم 660؛ وأخرجه مسلم ص 840، كتاب الزكاة، باب 30: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم 2380 [91]1031.
(2)
أخرجه أحمد 5/ 231، حديث رقم 22366، وأخرجه الترمذي ص 1915، كتاب الإيمان، باب 8: ما جاء في حرمة الصلاة، حديث رقم 2616، وأخرجه ابن ماجة ص 2715، كتاب الفتن، باب 12، كف اللسان في الفتنة، حديث رقم 3973، وفيه عاصم بن أبي النجود قال الذهبي فيه في الحديث دون الثبت صدوق يهم (ميزان الاعتدال 2/ 357)، لكن أخرج الحاكم من طويق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتبة عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ
…
مثله (2/ 412 - 413) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وقال الألباني في صحيح ابن ماجة 2/ 359: صحيح، وقال شعيب في تخريج جامع العلوم والحكم 2/ 134 حاشية (1): حديث صحيح بطرقه.
من سيئاتكم}؛ فإن تكفير السيئات حاصل بعد العمل الذي يحصل به التكفير.
7 -
ومنها: بيان آثار الذنوب، وأنها تسوء العبد؛ لقوله تعالى:{من سيئاتكم} .
8 -
ومنها: إثبات اسم الله عز وجل «الخبير» ؛ وإثبات ما دل عليه من صفة.
9 -
ومنها: تحذير العبد من المخالفة؛ لقوله تعالى: {والله بما تعملون خبير} ؛ فإن إخباره إيانا بذلك يستلزم أن نخشى من خبرته عز وجل فلا يفقدنا حيث أمرنا، ولا يرانا حيث نهانا.
القرآن
(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ)(البقرة: 272)
التفسير:
{272} قوله تعالى: {ليس عليك هداهم} ؛ الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم؛ و {هداهم} : الضمير يعود على بني آدم؛ والهدى المنفي هنا هدى التوفيق؛ وأما هدى البيان فهو على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]؛ ولقوله تعالى: {إن عليك إلا البلاغ} [الشورى: 48]، وقوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم
بمسيطر} [الغاشية: 21، 22]، وقوله تعالى:{فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40]
…
إلى آيات كثيرة تدل أن على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهدي الناس هداية الدلالة، والإرشاد؛ أما هداية التوفيق فليست على الرسول، ولا إلى الرسول؛ لا يجب عليه أن يهديهم؛ وليس بقدرته ولا استطاعته أن يهديهم؛ ولو كان بقدرته أن يهديهم لهدى عمه أبا طالب؛ ولكنه لا يستطيع ذلك؛ لأن هذا إلى الله سبحانه وتعالى وحده.
قوله تعالى: {ولكن الله يهدي من يشاء} ؛ وهذا كالاستدراك لما سبق؛ أي لمّا نفى كون هدايتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن ذلك إلى الله عز وجل وحده؛ فيهدي من يشاء ممن اقتضت حكمته هدايته.
قوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} أي: وليس لله عز وجل؛ فالله سبحانه وتعالى لا ينتفع به؛ بل لأنفسكم تقدمونه؛ وما لا تنفقونه فقد حرمتم أنفسكم؛ و {ما} هذه شرطية بدليل اقتران الجواب بالفاء في قوله تعالى: {فلأنفسكم} ؛ وقوله تعالى: {من خير} بيان لـ {ما} الشرطية؛ لأن {ما} الشرطية مبهمة تحتاج إلى بيان؛ يعني: أيَّ خير تنفقونه فلأنفسكم؛ والمراد بـ «الخير» كل ما بذل لوجه الله عز وجل من عين، أو منفعة؛ وأغلب ما يكون في الأعيان.
وقوله تعالى: {فلأنفسكم} : الفاء رابطة للجواب؛ والجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: فهو لأنفسكم؛ يعني: وليس لغيركم.
قوله تعالى: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} يعني: لا
تنفقون إنفاقاً ينفعكم إلا ما ابتغيتم به وجه الله؛ فأما ما ابتغي به سوى الله فلا ينفع صاحبه؛ بل هو خسارة عليه.
وقوله تعالى: {إلا ابتغاء} أي إلا طلب؛ و {وجه الله} : المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن من دخل الجنة نظر إلى وجه الله.
قوله تعالى: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} ؛ {ما} هذه أيضاً شرطية بدليل جزم الجواب: {يوف} ؛ فإنه مجزوم بحذف حرف العلة؛ وهو الألف؛ يعني: أيَّ خير تنفقونه من الأعيان، والمنافع قليلاً كان أو كثيراً يوف إليكم؛ أي: تعطَونه وافياً من غير نقص؛ بل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
قوله تعالى: {وأنتم لا تظلمون} ، أي: لا تنقصون شيئاً منه.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن هداية الخلق لا تلزم الرسل؛ ونعنى بذلك هداية التوفيق؛ أما هداية الدلالة فهي لازمة عليهم؛ لقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67].
2 -
ومنها: أن الإنسان إذا بلغ شريعة الله برئت ذمته؛ لقوله تعالى: {ليس عليك هداهم} ؛ ولو كانت ذمته لا تبرأ لكان ملزماً بأن يهتدوا.
3 -
ومنها: إثبات أن جميع الأمور دقيقها، وجليلها بيد الله؛ لقوله تعالى:{ولكن الله يهدي من يشاء} .
4 -
ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: {ولكن الله يهدي من يشاء} ؛ لأنهم يقولون: «إن العبد مستقل بعمله، ولا تعلق لمشيئة الله سبحانه وتعالى فيه» .
5 -
ومنها: إثبات المشيئة لله تعالى؛ لقوله تعالى: {من يشاء} .
6 -
ومنها: أن هداية الخلق بمشيئة الله؛ ولكن هذه المشيئة تابعة للحكمة؛ فمن كان أهلاً لها هداه الله؛ لقوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]؛ ومن لم يكن أهلاً للهداية لم يهده؛ لقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5]، ولقوله تعالى:{إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97].
7 -
ومنها: أن أعمال الإنسان لا تنصرف إلى غيره؛ لقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} ؛ وليس في الآية دليل على منع أن يتصدق الإنسان بعمله على غيره؛ ولكنها تبين أن ما عمله الإنسان فهو حق له؛ ولهذا جاءت السنة صريحة بجواز الصدقة عن الميت، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي قال:«يا رسول الله، إن أمي أفتلتت نفسها وأُراها لو تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم تصدق عنها»
(1)
؛ وكذلك حديث سعد بن عبادة حين تصدق ببستانه لأمه
(2)
؛ إذاً فالآية لا تدل على منع الصدقة عن الغير؛ وإنما تدل على أن ما عمله الإنسان لا يصرف إلى غيره.
(1)
أخرجه البخاري ص 222، كتاب الوصايا، باب 19: ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه، حديث رقم 2760؛ وأخرجه مسلم ص 836، كتاب الزكاة، باب 15: وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، حديث رقم 2326 [51] 1004؛ واللفظ للبخاري.
(2)
أخرجه البخاري ص 221، كتاب الوصايا، باب 16: إذا قال: أرضي وبستاني صدقة الله، حديث رقم 2756.
8 -
ومن فوائد الآية: أن الإنفاق الذي لا يُبتغى به وجه الله لا ينفع العبد؛ لقوله تعالى: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} .
9 -
ومنها: التنبيه على الإخلاص: أن يكون الإنسان مخلصاً لله عز وجل في كل عمله؛ حتى في الإنفاق وبذل المال ينبغي له أن يكون مخلصاً فيه؛ لقوله تعالى: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} ؛ فالإنفاق قد يحمل عليه محبة الظهور، ومحبة الثناء، وأن يقال: فلان كريم، وأن تتجه الأنظار إليه؛ ولكن كل هذا لا ينفع؛ إنما ينفع ما ابتغي به وجه الله.
10 -
ومنها: إثبات وجه الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {إلا ابتغاء وجه الله} ؛ وأهل السنة والجماعة يقولون: إن لله سبحانه وتعالى وجهاً حقيقياً موصوفاً بالجلال والإكرام لا يماثل أوجه المخلوقين؛ وأنه من الصفات الذاتية الخبرية؛ و «الصفات الذاتية الخبرية» هي التي لم يزل، ولا يزال متصفاً بها، ونظير مسماها أبعاض وأجزاء لنا.
وأهل التعطيل ينكرون أن يكون لله وجه حقيقي، ويقولون: المراد بـ «الوجه» الثواب، أو الجهة، أو نحو ذلك؛ وهذا تحريف مخالف لظاهر اللفظ، ولإجماع السلف؛ ولأن الثواب لا يوصف بالجلال والإكرام؛ والله سبحانه وتعالى وصف وجهه بالجلال والإكرام، فقال تعالى:{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27].
11 -
ومنها: الإشارة إلى نظر وجه الله؛ لقوله تعالى: {إلا ابتغاء وجه الله} ؛ وهذا - أعني النظر إلى وجه الله - ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف؛ لقوله تعالى: {وجوه يومئذ
ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23]، وقوله تعالى:{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]؛ فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم «الزيادة» بأنها النظر إلى وجه الله
(1)
…
إلى آيات أخرى؛ وأما السنة فقد تواترت بذلك؛ ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»
(2)
؛ وأما إجماع السلف فقد نقله غير واحد من أهل العلم.
12 -
ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يُنْقص من عمله شيئاً؛ لقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم} .
13 -
ومنها: الإشارة إلى أن الإنفاق من الحرام لا يقبل؛ وذلك لقوله تعالى: {من خير} ؛ ووجهه: أن الحرام ليس بخير؛ بل هو شر.
14 -
ومنها: نفي الظلم في جزاء الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وأنتم لا تظلمون} ؛ وهذا يستلزم كمال عدله؛ فإن الله عز وجل كلما نفى عن نفسه شيئاً من الصفات فإنه مستلزم لكمال ضده.
القرآن
(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)(البقرة: 273)
(1)
راجع مسلماً ص 709، كتاب الإيمان، باب 80: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، حديث رقم 449 [297] 181، 450 [298]181.
(2)
سبق تخريجه 2/ 316.
التفسير:
{273} في هذه الآية بيان لمصرف الإنفاق؛ كأن سائلاً يسأل: إلى أين نصرف هذا الخير؟ فقال تعالى: {للفقراء
…
}؛ وعلى هذا فتكون {للفقراء} إما متعلقة بقوله تعالى: {تنفقوا} ؛ أو بمحذوف تقديره: الإنفاق، أو الصدقات للفقراء؛ و {الفقراء} جمع فقير؛ و «الفقير» هو المعدم؛ لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من «الفقر» الموافق لـ «القفر» في الاشتقاق الأكبر - الذي يتماثل فيه الحروف دون الترتيب؛ و «القفر» الأرض الخالية، كما قال الشاعر:
(وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفر وليس قربَ قبرِ حرب قبر) فـ «الفقير» معناه الخالي ذات اليد؛ ويقرن بـ «المسكين» أحياناً؛ فإذا قرن بـ «المسكين» صار لكل منهما معنى؛ وصار «الفقير» من كان خالي ذات اليد؛ أو من لا يجد من النفقة إلا أقل من النصف؛ والمسكين أحسن حالاً منه، لكن لا يجد جميع الكفاية؛ أما إذا انفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحداً؛ فهو من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت.
قوله تعالى: {الذين أحصروا في سبيل الله} أي منعوا من الخروج من ديارهم {في سبيل الله} أي في شريعته {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} أي لا يقدرون على السفر لقلة ذات اليد؛ أو لعجزهم عن السفر لما أصابهم من الجراح، أو الكسور، أو نحو ذلك.
قوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء} أي يظنهم الجاهل بأحوالهم أغنياء؛ وفي {يحسبهم} قراءتان: فتح السين،
وكسرها؛ و {من التعفف} أي بسبب تعففهم عن السؤال، وإظهار المسكنة؛ لأنك إذا رأيتهم ظننتهم أغنياء مع أنهم فقراء، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة، واللقمتان والتمرة، والتمرتان؛ ولكن المسكين الذي لا يجد غِنًى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس»
(1)
.
قوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم} أي تعرف أحوالهم بعلامتهم؛ والعلامة التي فيهم هي أن الإنسان إذا رآهم ظنهم أغنياء؛ وإذا دقق في حالهم تبين له أنهم فقراء؛ لكنهم متعففون؛ وكم من إنسان يأتيك بمظهر الفقير المدقع: ثياب ممزقة، وشعر منفوش، ووجه كالح، وأنين، وطنين؛ وإذا أمعنت النظر فيه عرفت أنه غني؛ وكم إنسان يأتيك بزي الغني، وبهيئة الإنسان المنتصر على نفسه الذي لا يحتاج إلى أحد؛ لكن إذا دققت في حاله علمت أنه فقير؛ وهذا يعرفه من منّ الله عليه بالفراسة؛ وكثير من الناس يعطيهم الله سبحانه وتعالى علماً بالفراسة يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه، ونظراته، وكذلك بعض عباراته، كما قال الله عز وجل:{ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30].
قوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافاً} ؛ هل النفي للقيد؛ أو للقيد والمقيد؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد؛ أي أنهم لا يلحون في المسألة؛ ولكن يسألون؛ وإن نظرنا إلى مقتضى
(1)
أخرجه البخاري ص 117، كتاب الزكاة، باب 53: قول الله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافاً) وكم الغنى
…
، حديث رقم 1479؛ وأخرجه مسلم ص 841، كتاب الزكاة، باب 34: المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه
…
، حديث رقم 2393 [101]1039.
السياق ترجح أنهم لا يسألون الناس مطلقاً؛ فيكون النفي نفياً للقيد - وهو الإلحاف، والمقيد - وهو السؤال؛ والمعنى أنهم لا يسألون مطلقاً؛ ولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء؛ بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم؛ ولكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذموم - وهو الإلحاح؛ ولهذا تجد الإنسان إذا ألح - وإن كان فقيراً - يثقل عليك، وتمل مسألته؛ حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه؛ فتحرمه، أو تنهره مع علمك باستحقاقه؛ وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف ترق له، وتعطيه أكثر مما تعطي السائل.
إذاً في قول الله تعالى: {الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً} خمس صفات؛ والسادسة أنهم فقراء؛ فهؤلاء هم المستحقون حقاً للصدقة، والإنفاق؛ وإذا تخلفت صفة من الصفات فالاستحقاق باقٍ؛ لكن ليست كما إذا تمت هذه الصفات الست.
قوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} : هذه الجملة شرطية ذيلت بها الآية المبينة لأهل الاستحقاق حثاً على الإنفاق؛ لأنه إذا كان الله عليماً بأيّ خير ننفقه فسيجازينا عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أنه لا يجوز أن نعطي من يستطيع التكسب؛ لقوله تعالى: {لا يستطيعون ضرباً في الأرض} ؛ لأنه عُلم منه أنهم لو كانوا يستطيعون ضرباً في الأرض، والتكسب
فإنهم لا يعطون؛ ولهذا لما جاء رجلان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسألانه الصدقة صعَّد فيهما النظر وصوَّبه، ثم قال:«إن شئتما أعطيتكما؛ ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب»
(1)
؛ فإذا كان الإنسان يستطيع الضرب في الأرض والتجارة والتكسب، فإنه لا يعطى؛ لأنه وإن كان فقيراً بماله؛ لكنه ليس فقيراً بعمله.
2 -
ومن فوائد الآية: فضيلة التعفف؛ لقوله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} .
3 -
ومنها: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطناً ذا حزم، ودقة نظر؛ لأن الله وصف هذا الذي لا يعلم عن حال هؤلاء بأنه جاهل؛ فقال تعالى:{يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} ؛ فينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة، وحزم، ونظر في الأمور.
4 -
ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: {من التعفف} ؛ فإن {من} هنا سببية؛ أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء.
5 -
ومنها: الإشارة إلى الفراسة، والفطنة؛ لقوله تعالى:{تعرفهم بسيماهم} ؛ فإن السيما هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذوو الفراسة؛ وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة،
(1)
أخرجه أحمد 4/ 224، حديث رقم 18135، أخرجه أبو داود ص 1344، كتاب الزكاة، باب 24: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، حديث رقم 1633؛ وأخرجه النسائي ص 2256، كتاب الزكاة، باب 91: مسالة القوي المكتسب، حديث رقم 2599، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح 2/ 228، والإرواء 3/ 381، حديث رقم 876.
ولا بُعد نظر يخدع بأدنى سبب؛ وكم من إنسان عنده قوة فراسة، وحزم، ونظر في العواقب يحميه الله سبحانه وتعالى بفراسته عن أشياء كثيرة.
6 -
ومنها: الثناء على من لا يسأل الناس؛ لقوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافاً} ؛ وقد كان من جملة ما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: ألا يسألوا الناس شيئاً؛ حتى إن الرجل ليسقط سوطه من على بعيره، فينزل، فيأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني إياه
(1)
؛ كل هذا بعداً عن سؤال الناس.
والسؤال - أي سؤال المال - لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويُسَر؛ فإنه لا بأس به؛ بل قد يكون السائل مثاباً مأجوراً لإدخاله السرور على أخيه؛ كما لو سأل إنسان صديقاً له يعرف أنه يكون ممتناً بهذا السؤال؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي على البرمة: «هو على بريرة صدقة؛ ولنا هدية»
(2)
.
7 -
ومن فوائد الآية: بيان عموم علم الله؛ لقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} ؛ فأيّ خير يفعله العبد فإن الله به عليم.
(1)
راجع صحيح مسلم ص 842، كتاب الزكاة، باب 35: كراهة المسألة، حديث رقم 2403 [108]1043.
(2)
أخرجه البخاري ص 118، كتاب الزكاة، باب 61: الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 1493، وأخرجه مسلم ص 849، كتاب الزكاة، باب 52، إباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم ولبني هاشم وبني المطلب
…
، حديث رقم 2485 [170]1074.
القرآن
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة: 274)
التفسير:
{274} قوله تعالى: {الذين} مبتدأ؛ وجملة: {فلهم أجرهم} خبر المبتدأ؛ واقترنت بالفاء لمشابهة المبتدأ بالشرط في العموم؛ لأن المبتدأ هنا اسم موصول؛ واسم الموصول يشبه الشرط في العموم.
قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم} يحتمل أن يراد بـ «الأموال» هنا كل الأموال؛ ويحتمل أن يراد الجنس فيشمل الكل، والبعض.
قوله تعالى: {بالليل والنهار} ؛ الباء هنا للظرفية، وفيه عموم الزمن؛ وقوله تعالى:{سراً وعلانية} فيه عموم الأحوال؛ أي على كل حال، وفي كل زمان؛ و {سراً} أي خفاءً؛ وهو مفعول مطلق لـ {ينفقون} ؛ يعني إنفاقاً سراً، و {علانية} أي جهراً.
قوله تعالى: {فلهم أجرهم عند ربهم} أي ثوابهم عند الله؛ وسمي أجراً؛ لأنه يشبه عقد الإجارة التي يعوَّض فيه العامل على عمله؛ وهذا الأجر قد بُين فيما سبق بأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261].
قوله تعالى: {ولا خوف عليهم} أي فيما يستقبل؛ {ولا هم يحزنون} أي فيما مضى؛ فهم لا يحزنون على ما سبق؛ ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله عز وجل؛ ولا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم أنفقوه عن طيب نفس.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: الثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سواء كان ليلاً، أو نهاراً، أو سراً، أو جهاراً.
2 -
ومنها: كثرة ثوابهم؛ لأنه سبحانه وتعالى أضاف أجرهم إلى نفسه، فقال تعالى:{فلهم أجرهم عند ربهم} ؛ والثواب عند العظيم يكون عظيماً.
3 -
ومنها: أن الإنفاق يكون سبباً لشرح الصدر، وطرد الهم، والغم؛ لقوله تعالى:{لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ؛ وهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه؛ وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن ذلك من أسباب انشراح الصدر.
4 -
ومنها: كرم الله عز وجل حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه، أجراً لفاعله؛ كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم.
5 -
ومنها: كمال الأمن لمن أنفق في سبيل الله؛ وذلك لانتفاء الخوف، والحزن عنهم.
القرآن
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة: 275)
التفسير:
{275} قوله تعالى: {الذين} مبتدأ؛ و {لا يقومون} خبره؛ و {الذين يأكلون الربا} أي الذين يأخذون الربا فينتفعون به بأكل، أو شرب، أو لباس، أو سكن، أو غير ذلك؛ لكنه ذكر الأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع، وأكثرها إلحاحاً؛ و {الربا} في اللغة: الزيادة؛ ومنه قوله تعالى: {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [الحج: 5] أي زادت؛ وفي الشرع: زيادة في شيئين منع الشارع من التفاضل بينهما.
قوله تعالى: {لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} ؛ اختلف المفسرون في هذا القيام، ومتى يكون؛ فقال بعضهم - وهم الأكثر: إنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ يعني: كالمصروع الذي يتخبطه الشيطان؛ و «التخبط» هو الضرب العشوائي؛ فالشيطان يتسلّط على ابن آدم تسلطاً عشوائياً، فيصرعه؛ فيقوم هؤلاء من قبورهم يوم القيامة كقيام المصروعين - والعياذ بالله - يشهدهم الناس كلهم؛ وهذا القول هو قول جمهور المفسرين؛ وهو مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
القول الثاني: إنهم لا يقومون عند التعامل بالربا إلا كما يقوم المصروع؛ لأنهم - والعياذ بالله - لشدة شغفهم بالربا كأنما يتصرفون تصرف المتخبط الذي لا يشعر؛ لأنهم سكارى بمحبة الربا، وسكارى بما يربحونه - وهم الخاسرون؛ فيكون القيام هنا في الدنيا؛ شبَّه تصرفاتهم العشوائية الجنونية المبنية على الربا العظيم - الذي يتضخم المال من أجل الربا - بالإنسان المصروع
الذي لا يعرف كيف يتصرف؛ وهذا قول كثير من المتأخرين؛ وقالوا: إن يوم القيامة هنا ليس له ذكر؛ ولكن الله شبَّه حالهم حين طلبهم الربا بحال المصروع من سوء التصرف؛ وكلما كان الإنسان أشد فقراً كانوا له أشد ظلماً؛ فيكثرون عليه الظلم لفقره؛ بينما حاله تقتضي الرأفة، والتخفيف؛ لكن هؤلاء ظلمة ليس همهم إلا أكل أموال الناس.
فاختلف المفسرون في معنى «القيام» ، ومتى يكون؛ لكنهم لم يختلفوا في قوله تعالى:{يتخبطه الشيطان من المس} ؛ يعني متفقين على أن الشيطان يتخبط الإنسان؛ و {من المس} أي بالمس بالجنون؛ وهذا أمر مشاهد: أن الشيطان يصرع بني آدم؛ وربما يقتله - نسأل الله العافية -؛ يصرعه، ويبدأ يتخبط، ويتكلم، والإنسان نفسه لا يتكلم - يتكلم الشيطان الذي صرعه.
قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} : المشار إليه قيامهم كقيام المصروع؛ {بأنهم قالوا
…
} إلخ: الباء للسببية؛ يعني أنهم عُمّي عليهم الفرق بين البيع، والربا؛ أو أنهم كابروا فألحقوا الربا بالبيع؛ ولذلك عكسوا التشبيه، فقالوا: إنما البيع مثل الربا، ولم يقولوا:«إنما الربا مثل البيع» ، كما هو مقتضى الحال.
قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} أي أباح البيع، ومنع الربا؛ وهذا رد لقولهم:{إنما البيع مثل الربا} ؛ فأبطل الله هذه الشبهة بما ذكر.
قوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه} أي من بلغه حكم الربا بعد أن تعامل به {فانتهى} أي كف عن الربا بالتوبة منه
{فله ما سلف} ، أي ما أخذه من الربا قبل العلم بالحكم.
قوله تعالى: {وأمره إلى الله} أي شأنه إلى الله تبارك وتعالى في الآخرة؛ {ومن عاد} أي ومن رجع إلى الربا بعد أن أتته الموعظة {فأولئك} : أتى باسم الإشارة الدال على البعد؛ وذلك لسفوله - أي هوى بعيداً؛ {أصحاب النار} أي أهلها الملازمون لها؛ وأكد ذلك بقوله تعالى: {هم فيها خالدون} .
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: التحذير من الربا، حيث شبه آكله بمن يتخبطه الشيطان من المس.
2 -
ومنها: أن من تعامل بالربا فإنه يصاب بالنهمة العظيمة في طلبه.
3 -
ومنها: أن الشيطان يتخبط بني آدم فيصرعه؛ ولا عبرة بقول من أنكر ذلك من المعتزلة، وغيرهم؛ وقد جاءت السنة بإثبات ذلك؛ والواقع شاهد به؛ وقد قسم ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد الصرع إلى قسمين: صرع بتشنج الأعصاب؛ وهذا يدركه الأطباء، ويقرونه، ويعالجونه بما عندهم من الأدوية، والثاني: صرع من الشيطان؛ وذلك لا علم للأطباء به؛ ولا يعالج إلا بالأدوية الشرعية كقراءة القرآن، والأدعية النبوية الواردة في ذلك.
4 -
ومن فوائد الآية: بيان علة قيام المرابين كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ وهي: {أنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} يعني: فإذا كان مثله فلا حرج علينا في طلبه.
5 -
ومنها: مبالغة أهل الباطل في ترويج باطلهم؛ لأنهم
جعلوا المقيس هو المقيس عليه؛ لقولهم: {إنما البيع مثل الربا} ؛ وكان مقتضى الحال أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع.
6 -
ومنها: أن الحكم لله تبارك وتعالى وحده؛ فما أحله فهو حلال؛ وما حرمه فهو حرام سواء علمنا الحكمة في ذلك، أم لم نعلم؛ لأنه تعالى رد قولهم:{إنما البيع مثل الربا} بقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ؛ فكأنه قال: ليس الأمر إليكم؛ وإنما هو إلى الله.
7 -
ومنها: أن بين الربا والبيع فرقاً أوجب اختلافهما في الحكم؛ فإنا نعلم أن الله تعالى لا يفرق بين شيئين في الحكم إلا وبينهما فرق في العلة، والسبب المقتضي لاختلافهما؛ لقوله تعالى:{أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين: 8]، وقوله تعالى:{ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [المائدة: 50].
8 -
ومنها: أن ما أخذه الإنسان من الربا قبل العلم فهو حلال له بشرط أن يتوب، وينتهي؛ لقوله تعالى:{فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} .
9 -
ومنها: أنه لو تاب من الربا قبل أن يقبضه فإنه يجب إسقاطه؛ لقوله تعالى: {فانتهى} ؛ ومن أخذه بعد العلم فإنه لم ينته؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع؛ وأول رباً أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»
(1)
؛ فبين صلى الله عليه وسلم أن ما لم يؤخذ من الربا فإنه موضوع.
(1)
أخرجه مسلم ص 880 - 881، كتاب الحج، باب 19: حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 2950 [147]1218.
10 -
ومنها: رأفة الله تعالى بمن شاء من عباده؛ لقوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى} ؛ وهذه ربوبية خاصة تستلزم توفيق العبد للتوبة حتى ينتهي عما حرم الله عليه.
11 -
ومنها: التحذير من الرجوع إلى الربا بعد الموعظة؛ لقوله تعالى: {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} .
12 -
ومنها: التخويف من التفاؤل البعيد لمن تاب من الربا؛ لأنه تعالى قال: {فله ما سلف وأمره إلى الله} ؛ يعني أن الإنسان يتفاءل، ويؤمل؛ لأن الأمر قد لا يكون على حسب تفاؤله.
13 -
ومنها: بيان عظم الربا؛ لقوله تعالى: {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} .
القرآن
(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)(البقرة: 276)
التفسير:
{276} قوله تعالى: {يمحق الله الربا} ؛ «المحق» بمعنى الإزالة؛ أي يزيل الربا؛ والإزالة يحتمل أن تكون إزالة حسية، أو إزالة معنوية، فالإزالة الحسية: أن يسلط الله على مال المرابي ما يتلفه؛ والمعنوية: أن يَنزع منه البركة.
قوله تعالى: {ويربي الصدقات} أي يزيدها: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
قوله تعالى: {والله لا يحب كل كفار أثيم} ؛ إذا نفى الله
تعالى المحبة فالمراد إثبات ضدها - وهي الكراهة؛ و «الكَفّار» كثير الكفر، أو عظيم الكفر؛ و «الأثيم» بمعنى الآثم، كالسميع بمعنى السامع، والبصير بمعنى الباصر، وما أشبه ذلك.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: محق الربا: إما حساً، وإما معنًى، كما سبق.
2 -
ومنها: التحذير من الربا، وسد أبواب الطمع أمام المرابين.
3 -
ومنها: أن الله يرْبي الصدقات - أي يزيدها؛ والزيادة إما أن تكون حسية؛ وإما أن تكون معنوية؛ فإن كانت حسية فبالكمية، مثل أن ينفق عشرة، فيخلف الله عليه عشرين؛ وأما المعنوية فأن يُنْزل الله البركة في ماله.
4 -
ومنها: مقابلة الضد بالضد؛ فكما أن الربا يُمحَق، ويزال؛ فالصدقة تزيد المال، وتنميه؛ لأن الربا ظلم، والصدقة إحسان.
5 -
ومنها: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {والله لا يحب كل كفار أثيم} ؛ ووجه الدلالة أن نفي المحبة عن الموصوف بالكفر، والإثم يدل على إثباتها لمن لم يتصف بذلك - أي لمن كان مؤمناً مطيعاً؛ ولولا ذلك لكان نفي المحبة عن «الكفار الأثيم» لغواً من القول لا فائدة منه؛ ولهذا استدل الشافعي رحمه الله بقوله تعالى:{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] على أن الأبرار يرون الله عز وجل؛ لأنه لما حجب الفجار عن رؤيته في حال الغضب دل على ثبوتها
للأبرار في حال الرضا؛ وهذا استدلال خفي جيد؛ والمحبة الثابتة لله عز وجل هي محبة حقيقية تليق بجلاله، وعظمته؛ وليست - كما قال أهل التعطيل - إرادة الثواب، أو الثواب؛ لأن إرادة الثواب ناشئة عن المحبة؛ وليست هي المحبة؛ وهذه القاعدة - أعني إجراء النصوص على ظاهرها في باب صفات الله - اتفق عليها علماء السلف، وأهل السنة والجماعة؛ لأن ما يتحدث الله به عن نفسه أمور غيبية يجب علينا الاقتصار فيها على ما ورد.
القرآن
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة: 277)
التفسير:
{277} قوله تعالى: {إن الذين آمنوا} أي آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به؛ {وعملوا الصالحات} أي عملوا الأعمال الصالحات؛ وهي المبنية على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ {وأقاموا الصلاة} أي أتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وعطْفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام؛ لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونُص عليها لأهميتها؛ {وآتوا الزكاة} أي أعطوا الزكاة مستحقها؛ وعلى هذا فتكون {الزكاة} مفعولاً أولاً بـ {آتوا} ؛ والمفعول الثاني محذوف - أي آتوا الزكاة مستحقها؛ و «الزكاة» هي النصيب الذي أوجبه الله عز وجل في الأموال الزكوية؛ وهو معروف في كتب الفقه.
قوله تعالى: {لهم أجرهم عند ربهم} أي لهم ثوابهم عند الله؛ والجملة هذه خبر {إن} في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا
…
}.
قوله تعالى: {ولا خوف عليهم} أي فيما يستقبل من أمرهم؛ {ولا هم يحزنون} أي فيما مضى من أمرهم.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: الحث على الإيمان، والعمل الصالح؛ لأن ذكر الثواب يستلزم التشجيع، والحث، والإغراء.
2 -
ومنها: أنه لابد مع الإيمان من العمل الصالح؛ فمجرد الإيمان لا ينفع العبد حتى يقوم بواجبه - أي واجب الإيمان: وهو العمل الصالح.
3 -
ومنها: أن العمل لا يفيد حتى يكون صالحاً؛ والصلاح أن ينبني العمل على أمرين: الإخلاص لله عز وجل وضده الشرك؛ والمتابعة - وضدها البدعة؛ فمن أخلص لله في شيء، ولكنه أتى بعمل مبتدع لم يقبل منه؛ ومن أتى بعمل مشروع لكن خلطه بالشرك لم يقبل منه؛ وأدلة هذا معروفة.
4 -
ومنها: بيان أهمية إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
5 -
ومنها: أن هذين الركنين - أعني إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة - أعلى أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ للنص عليهما من بين سائر الأعمال الصالحة.
6 -
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى ضمن الأجر لمن آمن، وعمل صالحاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ لقوله تعالى:{لهم أجرهم عند ربهم} .
7 -
ومنها: الإشارة إلى عظمة هذا الثواب؛ لأنه أضافه إلى نفسه تبارك وتعالى والمضاف إلى العظيم يكون عظيماً.
8 -
ومنها: أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع - الإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة - ليس عليهم خوف من مستقبل أمرهم؛ ولا حزن فيما مضى من أمرهم؛ لأنهم فعلوا ما به الأمن التام، كما قال الله تعالى:{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82].
القرآن
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(البقرة: 278)
التفسير:
{278} قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} : الجملة ندائية؛ فائدتها: تنبيه المخاطب.
قوله تعالى: {اتقوا الله} أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
قوله تعالى: {وذروا ما بقي من الربا} أي اتركوا ما بقي من الربا.
قوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} : هذا من باب الإغراء، والحث على الامتثال؛ يعني: إن كنتم مؤمنين حقاً فدعوا ما بقي من
الربا؛ وهذه الجملة يقصد بها الإغراء، والإثارة - أعني إثارة الهمة.
فإن قلت: كيف يوجِّه الخطاب للمؤمنين، ويقول:{إن كنتم مؤمنين} ؛ أفلا يكون في هذا تناقض؟ فالجواب: ليس هنا تناقض؛ لأن معنى الثانية التحدي؛ أي إن كنتم صادقين في إيمانكم فاتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: بلوغ القرآن أكمل البلاغة؛ لأن الكلام في القرآن يأتي دائماً مطابقاً لمقتضى الحال؛ فإذا كان الشيء مهماً أحاطه بالكلمات التي تجعل النفوس قابلة له؛ وهذا أكمل ما يكون من البلاغة.
2 -
ومنها: أنه إذا كان الشيء هاماً فإنه ينبغي أن يصَدَّر بما يفيد التنبيه من نداء، أو غيره.
3 -
ومنها: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى:{اتقوا الله} ؛ و «التقوى» وصية الله لعباده الأولين، والآخرين؛ قال الله تعالى:{ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131].
4 -
ومنها: وجوب ترك الربا - وإن كان قد تم العقد عليه؛ لقوله تعالى: {وذروا ما بقي من الربا} ؛ وهذا في عقد استوفي بعضه، وبقي بعضه.
5 -
ومنها: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام - وإن عقدت في حال الشرك؛ لعموم قوله تعالى: {وذروا ما بقي من الربا} ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في عرفة عام حجة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع؛ وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن
عبد المطلب فإنه موضوع كله»
(1)
؛ ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت في الكفر على وجه باطل، وزال سبب البطلان قبل الإسلام فإنها تبقى على ما كانت عليه؛ مثال ذلك: لو تبايع رجلان حال كفرهما بيعاً محرماً في الإسلام، ثم أسلما فالعقد يبقى بحاله؛ ومثال آخر: لو تزوج الكافر امرأة في عدتها، ثم أسلما بعد انقضاء عدتها فالنكاح باق؛ ولهذا أمثلة كثيرة.
6 -
ومن فوائد الآية: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك؛ لقوله تعالى: {وذروا ما بقي من الربا} ؛ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تؤخذ لئلا يستعين بها على الربا؛ وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر؛ فنقول: أأنتم أعلم أم الله!!! وقد قال الله تعالى: {ذروا ما بقي من الربا} ؛ والاستحسان في مقابلة النص باطل.
فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكاً غير إسلامي، ولو تركناه لهم صرفوه إلى الكنائس، وإلى السلاح الذي يقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم، ونما به رباهم؛ فنقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خوطبنا به؛ والنتائج ليست إلينا؛ ثم إننا نقول: هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل هي قد دخلت في أموالنا حتى نقول: إننا أخرجنا من أموالنا ما يستعين به أعداؤنا على كفرهم، أو قتالنا؟
والجواب: أن الأمر ليس كذلك؛ فإن هذه الزيادة التي يسمونها فائدة ليست نماءَ أموالنا؛ فلم تدخل في ملكنا؛ ثم إننا نقول له: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة؛ في
(1)
سبق تخريجه 3/ 377.
إصلاح طرق؛ في بناء مساجد تخلصاً منه، أو تقرباً به؛ نقول له: إن فعلت ذلك تقرباً لم يقبل منك، ولم تسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك؛ وإذا صرفته على أنه ملكك لم يقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث؛ ومن اكتسب مالاً خبيثاً فتصدق به لم يقبل منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»
(1)
؛ وإن أخرجته تخلصاً منه فأي فائدة من أن تلطخ مالك بالخبيث، ثم تحاول التخلص منه؛ ثم نقول أيضاً: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يخرج هذا تخلصاً منه؟! فربما إذا رأى الزيادة الكبيرة تغلبه نفسه، ولا يخرجها؛ أيضاً إذا أخذت الربا، وقال الناس: إن فلاناً أخذ هذه الأموال التي يسمونها الفائدة؛ أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؟! لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تخرج هذا المال، وتتخلص منه.
ولهذا أرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مطلقاً؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} ؛ ولم يوجه العباد إلى شيء آخر.
8 -
ومن فوائد الآية: أن ممارسة الربا تنافي الإيمان؛ لقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} ؛ ولكن هل يُخرج الإنسانَ من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج أنه يخرجه من الإيمان إلى الكفر؛ فهو عند الخوارج كافر، كفرعون، وهامان، وقارون؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان؛ لكنه يُخشى عليه من الكفر لا سيما آكل الربا؛ لأنه غذي بحرام؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يطيل السفر
(1)
سبق تخريجه 2/ 247.
أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام:«فأنى يستجاب لذلك»
(1)
- نسأل الله العافية.
9 -
ومن فوائد الآية: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرم عليهم ما يتضمن الظلم؛ وأكد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم؛ لقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا} ، وقوله تعالى:{اتقوا الله} ، وقوله تعالى:{إن كنتم مؤمنين} ؛ والحكم: {ذروا ما بقي من الربا} .
القرآن
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)(البقرة: 279)
التفسير:
{279} قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا} يعني: فإن لم تتركوا ما بقي من ربا؛ {فأذنوا} بالقصر وفتح الذال، بمعنى أعلنوا؛ وفي قراءة {فآذنوا} بالمد، وكسر الذال؛ والمعنى: أن من لم ينته عن الربا فقد أعلن الحرب على الله ورسوله.
قوله تعالى: {وإن تبتم} أي رجعتم إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته؛ وذلك هنا بترك الربا؛ والتوبة من الربا، كالتوبة من غيره - لابد فيها من توافر الشروط الخمسة المعروفة.
(1)
أخرجه مسلم ص 838، كتاب الزكاة، باب 19: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم 2346 [65]1015.
قوله تعالى: {فلكم رؤوس أموالكم} ؛ {رؤوس} جمع رأس؛ و «الرأس» هنا بمعنى الأصل؛ أي لكم أصول الأموال؛ وأما الربا فليس لكم، ثم علل الله عز وجل هذا الحكم بقوله تعالى:{لا تظلمون} ؛ لأنكم لم تأخذوا الزيادة؛ {ولا تُظلمون} ؛ لأنها لم تنقص رؤوس أموالكم.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا} ؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل، ولا الترك؛ لأنه مجبر؛ وحقيقة قولهم تعطيل الأمر والنهي؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما أمر به، ولا ترك ما نهي عنه.
2 -
ومنها: أن المصِرّ على الربا معلن الحرب على الله ورسوله؛ لقوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} .
ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان معلناً الحرب على الله، ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله، ورسوله - وهم المؤمنون؛ وذلك بدلالة الالتزام؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله، ورسوله؛ فالمؤمنون هم حزب الله عز وجل ورسوله.
3 -
ومن فوائد الآية: عظم الربا لعظم عقوبته؛ وإنما كان بهذه المثابة ردعاً لمتعاطيه عن الاستمرار فيه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأت على ذنب دون الشرك؛ ولهذا جاء في الحديث الذي طرقه متعددة: «إن الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه»
(1)
؛ وهذا كلٌّ
(1)
أخرجه ابن ماجة بلفظ: (الربا ثلاثة وسبعون بابا) بدون (أيسرها
…
) ص 2613، كتاب التجارات، باب 58: التغليظ في الربا، حديث رقم 2275؛ وقال الألباني في صحيح ابن ماجة:(صحيح) 2/ 27 - 28، وأخرجه الحاكم بتمامه 2/ 37، كتاب البيوع، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
يستبشعه؛ فالربا ليس بالأمر الهين؛ والمؤمن ترتعد فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية.
4 -
ومنها: أنه يجب على كل من تاب إلى الله عز وجل من الربا ألا يأخذ شيئاً مما استفاده من الربا؛ لقوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} .
5 -
ومنها: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال من الربا لأيّ غرض كان؛ سواء أخذه ليتصدق به، أو ليصرفه في وجوه البر تخلصاً منه، أو لغير ذلك؛ لأن الله أمر بتركه؛ ولو كان هنا طريق يمكن صرفه فيه لبينه الله عز وجل.
6 -
ومنها: الإشارة إلى الحكمة من تحريم الربا - وهي الظلم؛ لقوله تعالى: {لا تظلمون ولا تظلمون} .
فإن قال قائل: إن بعض صور الربا ليس فيه ظلم، مثل أن يشتري صاعاً من البر الجيد بصاعين من الرديء يساويانه في القيمة؛ فإنه لا ظلم في هذه الصورة؛ قلنا: إن العلة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها فإن الحكم لا ينتقض بفقدها؛ ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي إليه بتمر جيد فسأل: «من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديّ فبعت منه صاعين بصاع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوَّه أوَّه! عين الربا عين الربا لا تفعل»
(1)
؛ ثم أرشدهم إلى أن
(1)
أخرجه البخاري ص 181، كتاب الوكالة، باب 11: إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً فبيعه مردود، حديث رقم 2312، وأخرجه مسلم ص 954، كتاب المساقاة، باب 18: بيع الطعام مثلاً بمثل، حديث رقم 4083 [96]1594.
يبيعوا التمر الرديء بالدراهم؛ ويشتروا بالدراهم تمراً جيداً؛ فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض صور الربا لا يخرجه عن الحكم العام للربا؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها؛ ولهذا أمثلة كثيرة؛ ودائماً نجد في كلام أهل العلم أن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعم، ولا ينظر للعلة.
7 -
ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {ورسوله} .
8 -
ومنها: رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد، حيث أرسل إليهم الرسل؛ لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها، ويضرها على وجه التفصيل لقصورها؛ إنما تعرفه على سبيل الجملة؛ لقوله تعالى:{وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء: 85]؛ فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل؛ فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق.
9 -
ومنها: مراعاة العدل في معاملة الناس بعضهم مع بعض؛ لقوله تعالى: {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} .
القرآن
(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(البقرة: 280)
التفسير:
{280} قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة} {كان} تامة تكتفي بمرفوعها؛ و {ذو} فاعل رفعت بالواو؛ لأنها من الأسماء الستة؛ والجملة شرطية؛ والجواب: جملة: {فنظرة إلى ميسرة} .
قوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} جملة شرطية نقول في إعرابها ما سبق في قوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} .
أما القراءات في هذه الآية: قوله تعالى: {ميسرة} فيها قراءتان: {ميسَرة} بفتح السين؛ و {ميسُرة} بضمها؛ و {تصدقوا} فيها قراءتان: {تصَدَّقوا} بتخفيف الصاد؛ و {تَصَّدَّقوا} بتشديدها؛ أي تتصدقوا؛ لكن أدغمت التاء في الصاد.
قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة} أي إن وجِد ذو عسرة؛ أي صاحب إعسار لا يستطيع الوفاء؛ والجملة شرطية؛ وجواب الشرط قوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة} ؛ ويجوز في «نظرة» في إعرابها وجهان؛ أحدهما: أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير: فعليكم نظرة؛ أو فله نظرة؛ وأما أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب عليه نظرة؛ أي إنظار إلى ميسرة؛ أي: إيسار.
قوله تعالى: {وأن تصدقوا خير لكم} أي تُبرءوا المعسر في دينه؛ و {أن} وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ خبره قوله تعالى: {خير لكم} أي من إنظاره.
قوله تعالى: {إن كنتم تعلمون} هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث على العلم؛ «مستقلة» أي أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنًى فاسداً: أوهم أن التصدق
خير لنا إن كنا نعلم؛ فإن لم نكن نعلم فليس خيراً لنا؛ ولا شك أن هذا معنًى فاسد لا يراد بالآية؛ لكن المعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا - أي تصدقوا.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: ثبوت رحمة الله عز وجل؛ وجه ذلك أنه أوجب على الدائن إنظار المدين؛ وهذا رحمة بالمعسر.
2 -
ومنها: حكمة الله عز وجل بانقسام الناس إلى موسر، ومعسر؛ الموسر في الآية: الدائن؛ والمعسر: المدين؛ وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها، ولذلك بدأ الشيوعيون - الذين يريدون أن يساووا بين الناس - يتراجعون الآن؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الخلاف؛ قال عز وجل:{أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} [الزخرف: 32]؛ ولولا هذا الاختلاف لم يمكن أن يسخر لنا أحد ليعمل ما نريد؛ لأن كل واحد ندّ للآخر؛ فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وشرعه من التفاوت بينهم: فهذا موسر؛ وهذا فقير؛ حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل، وتقوم أحوال العباد.
3 -
ومن فوائد الآية: وجوب إنظار المعسر - أي إمهاله حتى يوسر؛ لقوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة} ؛ فلا تجوز مطالبته بالدَّين؛ ولا طلب الدَّين منه.
4 -
ومنها: أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً؛ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمراً إلى
أن تزول العلة - وهي العسرة - حتى تجوز مطالبته.
ولو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل؛ لكن نجد الغني يماطل: يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي؛ فيقول: غداً؛ ويأتيه غداً فيقول: بعد غد؛ وهكذا؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مطل الغني ظلم»
(1)
؛ ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا يُنظرون المعسر، ولا يرحمونه؛ يقول له: أعطني؛ وإلا فالحبس؛ ويحبس فعلاً - وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، ولا مطالبته، ولا طلب الدين؛ بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر؛ لأن طلبه مع الإعسار معصية؛ والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حدّ فيها، ولا كفارة.
5 -
ومن فوائد الآية: فضيلة الإبراء من الدَّين، وأنه صدقة؛ لقوله تعالى:{وأن تصدقوا خير لكم} ؛ والإبراء سنة؛ والإنظار واجب؛ وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن؛ لقوله تعالى: {وأن تصدقوا خير لكم} ؛ ووجه ذلك أن الواجب ينتظم في السنة؛ لأن إبراء المعسر من الدَّين إنظار، وزيادة؛ وعلى هذا فيبطل إلغاز من ألغز بهذه المسألة، وقال:«لنا سنة أفضل من الواجب» ، ومثل ذلك قول بعضهم في الوضوء ثلاثاً:«إنه أفضل من الوضوء واحدة مع أن الواحدة واجب، والثلاث سنة» ؛ فيُلغِز
(1)
أخرجه البخاري ص 178، كتاب الحوالات، باب 1: الحوالة وهل يرجع في الحوالة، حديث رقم 2287؛ وأخرجه مسلم ص 950، كتاب المساقاة، باب 7: تحريم مطل الغني وصحة الحوالة
…
، حديث رقم 4002 [33]1564.
بذلك، ويقول:«هنا سنة أفضل من واجب» ؛ فيقال له: هذا إلغاز باطل؛ لأن هذه السنة مشتملة على الواجب؛ فهي واجب، وزيادة؛ وصدق الله، حيث قال في الحديث القدسي:«ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه»
(1)
؛ وهذا الحديث يبطل مثل هذه الألغاز التافهة.
6 -
ومن فوائد الآية: تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: {وأن تصدقوا خير لكم} ؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض؛ وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية أن العمال يختلفون، كما قال تعالى:{لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} [النساء: 95]، وكما قال تعالى:{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10].
ويتفرع على تفاضل العمال بتفاضل الأعمال: تفاضل الإيمان، لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة، والجماعة؛ فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
7 -
ومن فوائد الآية: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله تعالى:{إن كنتم تعلمون} .
8 -
وهل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئ من الزكاة: فلو أن إنساناً أبرأ فقيراً، ثم قال: أبرأته عن زكاتي؛
(1)
3/ 268 حاشية (2).
لأن الله سمى الزكاة صدقة؛ فقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين
…
}؟
فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ؛ لأن الله عز وجل قال: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} [البقرة: 267]؛ وجعْل الدَّين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب؛ والمراد بالخبيث هنا الرديء - وليس الحرام؛ لأن العين مُلك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء؛ والدَّين الذي على معسر مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار؛ وحينئذٍ يكون هذا الدَّين بمنزلة المال التالف؛ فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن إبراء الغريم المعسر لا يجزئ من الزكاة بلا نزاع؛ ولو قلنا: يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأتكم ونويتها من الزكاة؛ فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة؛ وهذا لا يجوز؛ ولهذا لو خيرت شخصاً، وقلت له: أنا أعطيك عشرة ريالات نقداً، أو أحولك على إنسان فقير معسر عنده العشرة فإنه يختار العشرة نقداً؛ ولا يتردد؛ بل لو خيرته بين عشرة نقداً، وعشرين في ذمة معسر لاختار العشرة؛ فصارت العشرة المنقودة بالنسبة للدَّين من باب الطيب؛ وذاك من باب الرديء؛ وبهذا يتبين أنه لا يجزئ إبراء المدين المعسر عن زكاة مال بيد مالكه؛ لأنه من باب تيمم الخبيث؛ إذاً نقول: لا يجوز إبراء الفقير، واحتساب ذلك من الزكاة؛ نعم لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن الدَّين الذي في ذمة
المعسر - إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدَّين - لكان ذلك مجزئاً؛ لأن هذا صار من جنس المال الذي أديت الزكاة عنه.
الخلاصة:
تبين مما ذكر من الآيتين أن المعاملة بالدَّين ثلاثة أقسام:
الأول: أن يأخذ به رباً؛ وهذا محرم؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278].
الثاني: أن يكون المدين معسراً؛ فلا تجوز مطالبته، ولا طلب الدّين منه حتى يوسر؛ لقوله تعالى:{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} .
الثالث: أن يبرئ المعسر من دينه؛ وهذا أعلى الأقسام؛ لقوله تعالى: {وأن تصدقوا خير لكم} .
تتمة:
في هذه الآية وجوب الإنظار إلى ميسرة؛ ومن المعلوم أن حصول الميسرة مجهول؛ وهذا لا يضر؛ لأنه ليس من باب المعاوضة؛ ولكن لو اشترى فقير من شخص، وجعل الوفاء مقيداً بالميسرة فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان؛ فأكثر العلماء على عدم الجواز لأن الأجل مجهول؛ فيكون من باب الغرر المنهي عنه؛ والقول الثاني: أن ذلك جائز لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «قدم لفلان اليهودي بزّ من الشأم لو أرسلت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة؛ فأرسل إليه فامتنع»
(1)
؛ ولأن هذا
(1)
أخرجه أحمد 6/ 147 حديث رقم 25656، وأخرجه الترمذي ص 1772، كتاب البيوع، باب 7: ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، حديث رقم 1213، وأخرجه النسائي ص 2386، كتاب البيوع، باب 70: البيع إلى الأجل المعلوم، حديث رقم 4632؛ وأخرجه الحاكم 2/ 23 - 24، كتاب البيوع، وقال: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي 2/ 4 - 5: صحيح.
مقتضى العقد إذا علم البائع بإعسار المشتري؛ إذ لا يحلّ له حينئذٍ أن يطلب منه الثمن حتى يوسر؛ وهذا القول هو الراجح.
القرآن
(وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(البقرة: 281)
التفسير:
{281} قوله تعالى: {واتقوا يوماً} أي اتقوا عذاب يوم؛ أي احذروه؛ والمراد به يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {ترجعون فيه إلى الله} ؛ وعلى هذا تكون {يوماً} منصوبة على المفعولية؛ لأن الفعل وقع عليها - لا فيها.
قوله تعالى: {ترجعون} صفة لـ {يوماً} ؛ لأنه نكرة؛ والجمل بعد النكرات صفات؛ وهي بضم التاء، وفتح الجيم على أنه مبني لما لم يسم فاعله؛ وفي قراءة بفتح التاء، وكسر الجيم على أنه مبني للفاعل.
قوله تعالى: {ثم توفى كل نفس} أي تعطى؛ والتوفية بمعنى الاستيفاء؛ وهو أخذ الحق ممن هو عليه؛ فـ {توفى كل
نفس} أي تعطى ثوابها، وأجرها المكتوب لها - إن كان عملها صالحاً؛ أو تعطى العقاب على عملها - إن كان عملها سيئاً.
قوله تعالى: {ما كسبت} أي ما حصلت عليه من ثواب الحسنات، وعقوبة السيئات.
قوله تعالى: {وهم لا يظلمون} جملة استئنافية؛ ويحتمل أن تكون جملة حالية؛ لكن الأول أظهر؛ والمعنى: لا ينقصون شيئاً من ثواب الحسنات، ولا يزاد عليهم شيئاً من عقوبة السيئات.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: وجوب اتقاء هذا اليوم الذي هو يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} ؛ واتقاؤه يكون بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه.
2 -
ومنها: أن التقوى قد تضاف لغير الله - لكن إذا لم تكن على وجه العبادة؛ فيقال: اتق فلاناً، أو: اتق كذا؛ وهذا في القرآن والسنة كثير؛ قال الله سبحانه وتعالى: {واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 130، 131]؛ لكن فرق بين التقويين؛ التقوى الأولى تقوى عبادة، وتذلل، وخضوع؛ والثانية تقوى وقاية فقط: يأخذ ما يتقي به عذاب هذا اليوم، أو عذاب النار؛ وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:«اتق دعوة المظلوم»
(1)
؛ فأضاف «التقوى» هنا إلى «دعوة المظلوم» ؛ واشتهر بين الناس: اتق شر من أحسنت إليه؛ لكن هذه التقوى المضافة إلى المخلوق ليست تقوى العبادة الخاصة بالله عز وجل؛ بل هي بمعنى الحذر.
(1)
سبق تخريجه 1/ 148.
3 -
ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: {ترجعون فيه إلى الله} .
4 -
ومنها: أن مرجع الخلائق كلها إلى الله حكماً، وتقديراً، وجزاءً؛ فالمرجع كله إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:{وأن إلى ربك المنتهى} [النجم: 42]، وقال تعالى:{إن إلى ربك الرجعى} [العلق: 8]، أي في كل شيء.
5 -
ومنها: إثبات قدرة الله عز وجل؛ وذلك بالبعث؛ فإن الله سبحانه وتعالى يبعث الخلائق بعد أن كانوا رميماً، وتراباً.
6 -
ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: {واتقوا يوماً} ؛ لأن توجيه الأمر إلى العبد إذا كان مجبراً من تكليف ما لا يطاق.
7 -
ومنها: أن الإنسان لا يوفى يوم القيامة إلا عمله؛ لقوله تعالى: {ثم توفى كل نفس ما كسبت} ؛ واستدل بعض العلماء على أنه لا يجوز إهداء القرب من الإنسان إلى غيره؛ أي أنك لو عملت عملاً صالحاً لشخص معين؛ فإن ذلك لا ينفعه، ولا يستفيد منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال:{توفى كل نفس ما كسبت} ؛ لا ما كسب غيرها؛ فما كسبه غيره فهو له؛ واستثني من ذلك ما دلت السنة على الانتفاع به من الغير كالصوم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»
(1)
؛ والحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي استفتته أن تحج عن أبيها وكان شيخاً كبيراً
(1)
أخرجه البخاري ص 152، كتاب الصوم، باب 42: من مات وعليه صوم، حديث رقم 1952؛ وأخرجه مسلم ص 861، كتاب الصيام، باب 27: قضاء الصوم عن الميت حديث رقم 2692 [153]1147.
لا يثبت على الراحلة قالت: أفأحج عنه قال: «نعم»
(1)
؛ وكذلك المرأة التي استفتته أن تحج عن أمها التي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت قالت: أفأحج عنها قال صلى الله عليه وسلم: «نعم»
(2)
؛ وكذلك الصدقة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن استفتاه أن يتصدق عن أمه: «نعم»
(3)
؛ وأذن لسعد بن عبادة أن يتصدق بمخرافه عن أمه
(4)
؛
وأما الدعاء للغير إذا كان المدعو له مسلماً فإنه ينتفع به بالنص، والإجماع؛ أما النص ففي الكتاب، والسنة؛ أما الكتاب ففي قوله تعالى:{والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10]؛ وأما السنة ففي قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه»
(5)
، وكان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال:«استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل»
(6)
؛ وأما الإجماع: فإن المسلمين كلهم
(1)
أخرجه البخاري ص 120، كتاب الحج، باب 1، وجوب الحج وفضله
…
، حديث رقم 1513؛ وأخرجه مسلم ص 900، كتاب الحج، باب 71: الحج عن العاجز لزمانه وهرم
…
، حديث رقم 3251 [407]1334.
(2)
أخرجه البخاري ص 145، كتاب الحج، باب 22: الحج والنذور عن الميت، حديث رقم 1852.
(3)
سبق تخريجه 3/ 364 حاشية (1).
(4)
أخرجه البخاري ص 221، كتاب الوصايا، باب 16: إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله، حديث رقم 2756 ..
(5)
أخرجه مسلم 827، كتاب الجنائز، باب 19: من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، حديث رقم 2199 [59]948.
(6)
أخرجه أبو داود ص 1465، كتاب الجنائز، باب: 67 الاستفغار عند القبر للميت، حديث رقم 3221، وأخرجه الحاكم 1/ 370، كتاب الجنائز، وقال: صحيح، وقال الذهبي: صحيح (المرجع السابق 1/ 371) وقال: عبد الله بن بحير ليس بالعمدة، ومنهم من يقويه، وهانئ روى عنه جماعة، وليس له ذكر في الكتب الستة (المرجع السابق)، وقال النسائي: ليس به بأس (ت التهذيب 9/ 23)، أخرج له أبو داود هذا الحديث، وأخرج الترمذي وابن ماجة حديثاً آخر: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى
…
)، وقال الألباني في صحيح أبي داود 2/ 305: صحيح؛ وقال عبد القادر في تخريج جامع الأصول 11/ 149، حديث رقم 8658 حاشية (1): 'إسناده حسن.
يصلون على الأموات، ويقولون في الصلاة:«اللهم اغفر له، وارحمه» ؛ فهم مجمعون على أنه ينتفع بذلك.
والخلاف في انتفاع الميت بالعمل الصالح من غيره فيما عدا ما جاءت به السنة معروف؛ وقد ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن أيّ قربة فعلها، وجعل ثوابها لميت مسلم قريب، أو بعيد نفعه ذلك؛ ومع هذا فالدعاء للميت أفضل من إهداء القرب إليه؛ لأنه الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»
(1)
؛ ولم يذكر العمل مع أن الحديث في سياق العمل.
وأما ما استدل به المانعون من إهداء القرب من مثل قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 3] فإنه لا يدل على المنع؛ بل على أن سعي الإنسان ثابت له؛ وليس له من سعي غيره شيء إلا أن يجعل ذلك له؛ ونظير هذا أن تقول: «ليس لك إلا مالك» ، فإنه لا يمنع أن يقبل ما تبرع به غيره من المال.
(1)
سبق تخريجه 3/ 248.
وأما الاقتصار على ما ورد فيقال: إن ما وردت قضايا أعيان؛ لو كانت أقوالاً من الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا: نعم، نتقيد بها؛ لكنها قضايا أعيان: جاءوا يسألون قالوا: فعلت كذا، قال: نعم، يجزئ؛ وهذا مما يدل على أن العمل الصالح من الغير يصل إلى من أُهدي له؛ لأننا لا ندري لو جاء رجل وقال: يا رسول الله، صليت ركعتين لأمي، أو لأبي، أو لأخي أفيجزئ ذلك عنه، أو يصل إليه ثوابه لا ندري ماذا يكون الجواب؛ ونتوقع أن يكون الجواب:«نعم» ؛ أما لو كانت هذه أقوال بأن قال: «من تصدق لأمه أو لأبيه فإنه ينفعه» ، أو ما أشبه ذلك لقلنا: إن هذا قول، ونقتصر عليه.
8 -
ومن فوائد الآية: أن الصغير يكتب له الثواب؛ وذلك لعموم قوله تعالى: {ثم توفى كل نفس} .
فإن قال قائل: وهل يعاقب على السيئات.
فالجواب: «لا» ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة
…
»، وذكر منها:«الصغير حتى يحتلم»
(1)
؛ ولأنه ليس له
(1)
أخرجه أحمد 6/ 100 - 101: حديث رقم 25201؛ وأخرجه أبو داود ص 1544، كتاب الحدود، باب 17: في المجنون يسرق أو يصيب حداً، حديث رقم 4398؛ وأخرجه النسائي ص 2312، كتاب الطلاق باب 21: من لا يقع طلاقه من الأزواج، حديث رقم 3462؛ وأخرجه ابن ماجة ص 2599، كتاب الطلاق، باب 15: طلاق المعتوه والصغير والنائم، حديث رقم 2041، وأخرجه الدارمي 2/ 225، كتاب الحدود، باب 1: رفع القلم عن ثلاثة، حديث رقم 2296، وأخرجه الحاكم 2/ 59، كتاب البيوع، وقال: صحيح على شرط مسلم؛ وأقره الذهبي، ومدار الحديث على حماد بن أبي سليمان: اختلفوا فيه؛ وقال الذهبي: وثقه ابن معين وغيره (الميزان 1/ 595)؛ فهو حسن الحديث (تحرير التقريب 1/ 319)، وقال الألباني في صحيح أبي داود 3/ 55: صحيح، وقال عبد القادر في تخريج جامع الأصول 3/ 611، حاشية (3): إسناده حسن.
قصد تام لعدم رشده؛ فيشبه البالغ إذا أخطأ، أو نسي.
القرآن
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة: 282)
التفسير:
هذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله؛ وهي في المعاملات بين الخلق؛ وأقصر آية في كتاب الله قوله تعالى: {ثم
نظر} [المدثر: 21]؛ لأنها خمسة أحرف؛ وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط؛ إحداهما: قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً} [آل عمران: 154] الآية؛ والثانية قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه
…
} [الفتح: 29] الآية؛ فقد اشتملت كل واحدة منهما على جميع الحروف الهجائية.
{282} قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ؛ سبق الكلام على مثل هذه العبارة.
قوله تعالى: {إذا تداينتم بدين} أي إذا داين بعضكم بعضاً؛ و «الدين» كل ما ثبت في الذمة من ثمن بيع، أو أجرة، أو صداق، أو قرض، أو غير ذلك.
قوله تعالى: {إلى أجل مسمى} أي إلى مدة محدودة {فاكتبوه} أي اكتبوا الدين المؤجل إلى أجله؛ والفاء هنا رابطة لجواب الشرط في {إذا} .
قوله تعالى: {وليكتب} أللام للأمر؛ وسكنت لوقوعها بعد الواو؛ وهي تسكن إذا وقعت بعد الواو، كما هنا؛ وبعد «ثم» . والفاء، كما في قوله تعالى:{ثم ليقطع فلينظر} [الحج: 15] بخلاف لام التعليل؛ فإنها مكسورة بكل حال؛ و {بينكم} أي في قضيتكم؛ و {كاتب} نكرة يشمل أيّ كاتب؛ {بالعدل} أي بالاستقامة - وهو ضد الجور؛ والمراد به ما طابق الشرع؛ وهو متعلق بقوله تعالى: {ليكتب} .
قوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب} ، أي لا يمتنع كاتب الكتابة إذا طلب منه ذلك.
قوله تعالى: {كما علمه الله} يحتمل أن تكون الكاف للتشبيه؛ فالمعنى حينئذ: أن يكتب كتابة حسب علمه بحيث تكون مستوفية لما ينبغي أن تكون عليه؛ ويحتمل أن تكون الكاف للتعليل؛ فالمعنى: أنه لما علمه الله فليشكر نعمته عليه، ولا يمتنع من الكتابة.
قوله تعالى: {فليكتب} ؛ الفاء للتفريع: واللام لام الأمر؛ ولكنها سكنت؛ لأنها وقعت بعد الفاء؛ وموضع: {فليكتب} مما قبلها في المعنى قال بعض العلماء: إنها من التوكيد؛ لأن النهي عن إباء الكتابة يستلزم الأمر بالكتابة؛ فهي توكيد معنوي؛ وقيل: بل هي تأسيس تفيد الأمر بالمبادرة إلى الكتابة، أو هي تأسيس توطئة لما بعدها؛ والقاعدة: أنه إذا احتمل أن يكون الكلام توكيداً، أو تأسيساً، حمل على التأسيس؛ لأنه فيه زيادة معنى؛ وبناءً على هذه القاعدة يكون القول بأنها تأسيس أرجح.
قوله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق} أي يملي؛ وهما لغتان فصيحتان؛ فـ «الإملال» و «الإملاء» بمعنًى واحد؛ فتقول: «أمليت عليه» ؛ و «أمللت عليه» لغة عربية فصحى - وهي في القرآن.
قوله تعالى: {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً} ؛ لما أمر الله عز وجل بأن الذي يملي هو الذي عليه الحق دون غيره وجه إليه أمراً، ونهياً؛ الأمر:{وليتق الله ربه} يعني يتخذ وقاية من عذاب الله، فيقول الصدق؛ والنهي:{ولا يبخس منه شيئاً} أي لا ينقص لا في كميته، ولا كيفيته، ولا نوعه.
قوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً} ، أي لا
يحسن التصرف؛ {أو ضعيفاً} ؛ الضعف هنا ضعف الجسم، وضعف العقل؛ وضعف الجسم لصغره؛ وضعف العقل لجنونه؛ كأن يكون الذي عليه الحق صغيراً لم يبلغ؛ أو كان كبيراً لكنه مجنون، أو معتوه؛ فهذا لا يملل؛ وإنما يملل وليه؛ {أو لا يستطيع أن يمل هو} أي لا يقدر أن يملي لخرس، أو غيره؛ وقوله تعالى:{أن يمل} مؤولة بمصدر على أنه مفعول به؛ والضمير: {هو} للتوكيد؛ وليست هي الفاعل؛ بل الفاعل مستتر في {يمل} .
قوله تعالى: {فليملل} : اللام هنا لام الأمر؛ وسكنت لوقوعها بعد الفاء؛ {وليه} أي الذي يتولى شؤونه من أب، أو جد، أو أخ، أو أم، أو غيرهم.
قوله تعالى: {بالعدل} متعلق بقوله تعالى: {فليملل} يعني إملاءً بالعدل بحيث لا يجور على من له الحق لمحاباة قريبه، ولا يجور على قريبه خوفاً من صاحب الحق؛ بل يجب أن يكون إملاؤه بالعدل؛ و «العدل» هنا هو الصدق المطابق للواقع؛ فلا يزيد، ولا ينقص.
قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} ، أي اطلبوا شهيدين من رجالكم.
وقوله تعالى: {من رجالكم} الخطاب للمؤمنين.
قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} ، أي إن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان؛ وهذا يدل على التخيير مع ترجيح الرجلين على الرجل والمرأتين.
وقوله تعالى: {فرجل وامرأتان} : الجملة جواب الشرط في
قوله تعالى: {فإن لم يكونا
…
}؛ والفاء هنا رابطة للجواب؛ و «رجل» خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالشاهد رجل، وامرأتان.
وقوله تعالى: {فرجل} أي فذَكَر بالغ؛ و {امرأتان} أي أنثيان بالغتان؛ لأن الرجل والمرأة إنما يطلقان على البالغ.
قوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} : الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة؛ أي رجل وامرأتان كائنون ممن ترضون من الشهداء؛ والخطاب في قوله تعالى: {ترضون} موجه للأمة؛ يعني بحيث يكون الرجل والمرأتان مرضيين عند الناس؛ لأنه قد يُرضى شخص عند شخص ولا يُرضى عند آخر؛ فلا بد أن يكون هذان الشاهدان؛ أو هؤلاء الشهود - أي الرجل والمرأتان - ممن عرف عند الناس أنهم مرضيون؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب»
(1)
؛ إذاً العبرة بالرضى عند عموم الناس؛ لا برضى المشهود له؛ لأنه قد يرضى بمن ليس بمرضي.
وقوله تعالى: {من الشهداء} : بيان لـ «مَنْ» الموصولة؛ لأن الاسم الموصول من المبهمات؛ فيحتاج إلى بيان؛ فإذا قلت: «يعجبني من كان ذكياً» فهذا مبهم؛ فإذا قلت: «يعجبني من كان ذكياً من الطلاب» صار مبيناً.
قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} فيها قراءات؛ القراءة الأولى بفتح همزة {أنْ} ؛ وعلى هذا يجوز
(1)
أخرجه البخاري ص 47، كتاب مواقيت الصلاة، باب 30: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، حديث رقم 581.
قراءتان في قوله تعالى: {فتذكر} : تخفيف الكاف: {فتذْكِرَ} ، وتشديدها:{فتذَكِّرَ} ؛ مع فتح الراء فيهما؛ والقراءة الثالثة: بكسر همزة {إن} مع ضم الراء في قوله تعالى: {فتذكِّرُ} ، وتشديد الكاف.
وقوله تعالى: {فتذكر إحداهما الأخرى} من التذكير؛ وهو تنبيه الإنسان الناسي على ما نسي؛ ومن غرائب التفسير أن بعضهم قال: {فتذكر} معناه تجعلها بمنزلة الذَّكَر - لا سيما على قراءة التخفيف؛ أي تكون المرأتان كالذَّكَر؛ وهذا غريب؛ لأنه لا يستقيم مع قوله تعالى: {أن تضل إحداهما} فالذي يقابل الضلال بمعنى النسيان: التذكير - أي تنبيه الإنسان على نسيانه.
وفي قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} من البلاغة: إظهار في موضع الإضمار؛ لأنه لم يقل: فتذكرها الآخرى؛ لأن النسيان قد يكون متفاوتاً، فتنسى هذه جملة، وتنسى الأخرى جملة؛ فهذه تذكر هذه بما نسيت؛ وهذه تذكر هذه بما نسيت؛ فلهذا قال تعالى:{فتذكر إحداهما الأخرى} : لئلا يكون المعنى قاصراً على واحدة هي الناسية، والأخرى تذكرها.
قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} أي لا يمتنع الشهداء إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، أو أدائها؛ و {ما} هذه زائدة لوقوعها بعد {إذا}؛ وفيها بيت مشهور يقول فيه:
(يا طالباً خذ فائدة ما بعد إذا زائدة) واستعمالات «ما» عشر؛ هي كما جاءت في بيت من الشعر:
(محامل «ما» عشر إذا رمت عدّها فحافظ على بيت سليم من الشعر)(ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكفّ ونفي زيد تعظيم مصدر) ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في القرآن شيء زائد بمعنى أنه لا معنى له؛ بل زائد إعراباً فقط؛ أما في المعنى فليس بزائد.
قوله تعالى: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله} ، أي لا تمَلّوا أن تكتبوا الدَّين صغيراً كان أو كبيراً إلى أجله المسمى.
قوله تعالى: {ذلكم} المشار إليه كل ما سبق من الأحكام؛ {أقسط عند الله} أي أقوم، وأعدل؛ {وأقوم للشهادة} أي أقرب إلى إقامتها؛ {وأدنى ألا ترتابوا} أي أقرب إلى انتفاء الريبة عندكم.
قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} : فيها قراءتان؛ إحداهما بنصب {تجارةً} ، و {حاضرةً}؛ والثانية برفعهما؛ على الأول اسم {تكون} مستتر؛ والتقدير: إلا أن تكون الصفقة تجارة حاضرة؛ وجملة: {تديرونها} صفة ثانية لـ {تجارة} ؛ أما على قراءة الرفع فإن {تجارة} اسم {تكون} ؛ و {حاضرة} صفة؛ وجملة: {تديرونها} خبر {تكون} .
والتجارة هي كل صفقة يراد بها الربح؛ فتشمل البيع، والشراء، وعقود الإجارات؛ ولهذا سمى الله سبحانه وتعالى الإيمان، والجهاد في سبيله تجارة، كما في قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10].
وأما قوله تعالى: {حاضرة} فهي ضد قوله تعالى: {إذا تداينتم بدين} ؛ فالحاضر ما سوى الدَّين.
وقوله تعالى: {تديرونها} أي تتعاطونها بينكم بحيث يأخذ هذا سلعته، والآخر يأخذ الثمن، وهكذا.
قوله تعالى: {فليس عليكم جناح} : الفاء عاطفة، أو للتفريع؛ يعني ففي هذه الحال ليس عليكم إثم في عدم كتابتها؛ والضمير في قوله تعالى:{تكتبوه} يعود على التجارة؛ فهذه التجارة المتداولة بين الناس ليس على الإنسان جناح إذا لم يكتبها؛ لأن الخطأ فيها، والنسيان بعيد؛ إذ إنها حاضرة تدار، ويتعاطاها الناس بخلاف المؤجلة.
قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} أي باع بعضكم على بعض.
قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} ؛ مأخوذة من: الإضرار؛ يحتمل أن تكون مبنية للفاعل؛ فيكون أصلها «يضارِر» بكسر الراء الأولى؛ أو للمفعول؛ فيكون أصلها «يضارَر» بفتحها؛ ويختلف إعراب {كاتب} ، و {شهيد} بحسب بناء الفعل؛ فإن كانت مبنية للفاعل فـ {كاتب} فاعل؛ وإن كانت للمفعول فـ {كاتب} نائب فاعل؛ وهذا من بلاغة القرآن تأتي الكلمة صالحة لوجهين لا ينافي أحدهما الآخر.
قوله تعالى: {وإن تفعلوا} أي يضار الكاتب، أو الشهيد - على الوجهين {فإنه} أي الفعل - وهو المضارة؛ {فسوق بكم} أي خروج بكم عن طاعة الله إلى معصيته؛ وأصل «الفسق» في اللغة الخروج؛ ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها.
قوله تعالى: {واتقوا الله} أي اتخذوا وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
قوله تعالى: {ويعلمكم الله} ؛ الواو هنا للاستئناف؛ ولا يصح أن تكون معطوفة على {اتقوا الله} ؛ لأن تعليم الله لنا حاصل مع التقوى، وعدمها - وإن كان العلم يزداد بتقوى الله، لكن هذا يؤخذ من أدلة أخرى.
قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} يشمل كل ما في السماء، والأرض.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها.
2 -
ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سبباً لقبوله ذلك الحكمَ.
3 -
ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: {يا أيها الذين آمنوا} لإيمانكم افعلوا كذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص؛ لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصاً كلياً، أو نقصاً جزئياً.
4 -
ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات - التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين.
5 -
ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله عز وجل، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها؛ وأما المعاملات فيجب أن تكون
خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل.
فإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال:«لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصاً - أي فاسداً -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم»
(1)
؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة» .
فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء!!! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه.
6 -
ومن فوائد الآية: جواز الدَّين؛ لقوله تعالى: {تداينتم بدين} سواء كان هذا الدَّين ثمن مبيع، أو قرضاً، أو أجرة، أو صداقاً، أو عوض خلع، أو أي دين يكون؛ المهم أن في الآية إثبات الدَّين شرعاً.
7 -
ومنها: أن الدَّين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مؤجل بأجل مسمى؛ ومؤجل بأجل مجهول؛ وغير مؤجل؛ لقوله تعالى:
(1)
أخرجه مسلم ص 1093، كتاب الفضائل، باب 38: وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي، حديث رقم 6128 [141]2363.
{بدين إلى أجل مسمى} ؛ والدَّين إلى غير أجل جائز مثل أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دَين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد؛ وأما الدَّين إلى أجل غير مسمى فلا يصح؛ وأُخذ هذا القسم من قوله تعالى:{مسمى} - مثل أن أقول لك: «اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد» - وقدومه مجهول؛ لأن فيه غرراً؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم»
(1)
؛ والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدَّين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية.
8 -
ومن فوائد الآية: جواز السلم - وهو تعجيل الثمن، وتأخير المثمن، مثل أن أشتري مائة صاع من البر إلى سنة، وأعطيك الدراهم؛ فيسمى هذا سلماً؛ لأن المشتري أسلم الثمن، وقدمه.
9 -
ومنها: وجوب كتابة الدَّين المؤجل؛ لقوله تعالى: {فاكتبوه} ؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} ؛ وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الكتابة - أعني كتابة الدين المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283]؛ وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفاً لغيره، كوليّ
(1)
أخرجه البخاري ص 174، كتاب السلم، باب 2: السلم في وزن معلوم، حديث رقم 2241، وأخرجه مسلم ص 957، كتاب المساقاة، باب 25: السلم، حديث رقم 4118 [127]1604.
اليتيم فإنه يجب عليه أن يكتب الدَّين الذي له لئلا يضيع حقه.
10 -
ومنها: حضور كل من الدائن، والمدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى:{بينكم} ؛ ولا تتحقق البينية إلا بحضورهما.
11 -
ومنها: أنه لابد أن يكون الكاتب محسناً للكتابة في أسلوبه، وحروفه؛ لقوله تعالى:{وليكتب بينكم كاتب} .
12 -
ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و «العدل» هو ما طابق الشرع؛ لقوله تعالى:{وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلًا} [الأنعام: 115].
ويتفرع على ذلك أن يكون الكاتب ذا علم بالحكم الشرعي فيما يكتب.
13 -
ومنها: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أيّ كاتب يتصف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابته ماضية نافذة؛ لقوله تعالى:{كاتب بالعدل} ؛ وهي نكرة لا تفيد التعيين.
14 -
ومنها: تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} ؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى {فليكتب} - هذا ظاهر الآية - ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها.
15 -
ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب على حسب علمه من الشريعة؛ لقوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} .
16 -
ومنها: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن مِن شُكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا؛ لقوله تعالى:{كما علمه الله} ؛ وهذا مبني على أن الكاف هنا للتعليل.
فإن قيل: «إنها للتشبيه» صار المعنى: أنه مأمور أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من إحسان الخط، وتحرير الكتابة.
17 -
ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: {كما علمه الله} ؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله عز وجل.
18 -
ومنها: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة؛ لقوله تعالى: {فليكتب} .
19 -
ومنها: أن الرجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيته؛ بل في كل ما يتعلق به إلى المدين الذي عليه الحق - لا إلى الدائن؛ لقوله تعالى:{وليملل الذي عليه الحق} ؛ لأنه لو أملل الذي له الحق فربما يزيد.
لكن إذا قال قائل: وإذا أملى الذي عليه الحق فربما ينقص؟!
فالجواب: أن الله حذره من ذلك في قوله تعالى: {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً} .
20 -
ومنها: أن من عليه الحق لا يكتب؛ وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأن الذي عليه الحق وظيفته الإملال؛ ولكن لو كتب صحت كتابته؛ إلا أن ذلك لا يؤخذ من هذه الآية؛ يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا
قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135]؛ وكتابة الإنسان على نفسه إقرار؛ وإقرار الإنسان على نفسه مقبول.
21 -
ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله عز وجل على من عليه الحق، وأن يتحرى العدل؛ لقوله تعالى:{وليتق الله ربه} .
22 -
ومنها: أنه ينبغي في مقام التحذير أن يُذْكَر كلُّ ما يكون به التحذير؛ لقوله تعالى: {وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً} ؛ ففي مقام الألوهية يتخذ التقوى عبادة؛ لأن الألوهية هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهده الربوبية؛ لأن الرب عز وجل خالق مالك مدبر.
23 -
ومنها: أنه يحرم على من عليه الدَّين أن يبخس منه شيئاً لا كمية، ولا نوعاً، ولا صفة؛ لقوله تعالى:{ولا يبخس منه شيئاً} .
24 -
ومنها: أن الوليّ يقوم مقام المولَّى عليه في الإملال؛ لقوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} .
25 -
ومنها: أن أسباب القصور ثلاثة: السفه؛ والضعف؛ وعدم الاستطاعة؛ السفه: ألا يحسن التصرف؛ والضعيف يشمل الصغير، والمجنون؛ ومن لا يستطيع يشمل من لا يقدر على الإملال لخرس، أو عييّ، أو نحو ذلك.
26 -
ومنها: قبول قول الوليّ فيما يقر به على مولّاه؛ لقوله تعالى: {فليملل وليه} .
27 -
ومنها: وجوب مراعاة العدل على الوليّ؛ لقوله
تعالى: {بالعدل} ؛ فلا يبخس من له الحق؛ ولا يبخس من عليه الحق ممن هو مولى عليه.
28 -
ومنها: طلب الإشهاد على الحق.
29 -
ومنها: أن البينة إما رجلان؛ وإما رجل، وامرأتان؛ وجاءت السنة بزيادة بينة ثالثة - وهي الرجل، ويمين المدّعي؛ وأنواع طرق الإثبات مبسوطة في كتب الفقهاء.
30 -
ومنها: أنه لابد في الشاهدين من كونهما مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه.
31 -
ومنها: قصر حفظ المرأة وإدراكها عن حفظ الرجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال.
32 -
ومنها: جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به، فذكر؛ لقوله تعالى:{أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} ؛ فإن ذُكِّر ولم يذكر لم يشهد.
33 -
ومنها: تحريم امتناع الشاهد إذا دُعي للشهادة؛ وهذا تحته أمران:
الأمر الأول: أن يُدعى لتحمل الشهادة؛ وقد قال العلماء في هذا: إنه فرض كفاية؛ وظاهر الآية الكريمة أنه فرض عين على من طلبت منه الشهادة بعينه؛ وهو الحق؛ لأنه قد لا يتسنى لطالب الشهادة أن يشهد له من تُرضى شهادته.
الأمر الثاني: أن يُدعى لأداء الشهادة؛ فيجب عليه الاستجابة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى:{ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283].
34 -
ومن فوائد الآية: النهي عن السأَم في كتابة الدَّين سواء كان صغيراً، أو كبيراً؛ والظاهر أن النهي هنا للكراهة.
35 -
ومنها: أنه إذا كان الدَّين مؤجلاً فإنه يبيَّن الأجل؛ لقوله تعالى: {إلى أجله} .
36 -
ومنها: أن ما ذُكر من التوجيهات الإلهية في هذه الآية فيه ثلاثة فوائد:
الأولى: أنه أقسط عند الله - أي أعدل عنده لما فيه من حفظ الحق لمن هو له، أو عليه.
الثانية: أنه أقوم للشهادة؛ لأنه إذا كتب لم يحصل النسيان.
الثالثة: أنه أقرب لعدم الارتياب.
37 -
ومن فوائد الآية: العمل بالكتابة، واعتمادها حجةً شرعية إذا كانت من ثقة معروف خطه؛ ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم:«ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»
(1)
.
38 -
ومنها: أن الشهادات تتفاوت؛ فمنها الأقوم؛ ومنها القيم؛ ومنها ما ليس بقيم؛ فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه شروط القبول؛ والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكمل من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: {وأقوم للشهادة} . فإذا قيل: ما مثال القيم؟ فنقول: مثل شاهد، ويمين؛ لكن أقوم منه الشاهدان؛ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد
(1)
أخرجه البخاري ص 220، كتاب الوصايا، باب 1: الوصايا، حديث رقم 2738، وأخرجه مسلم ص 962، كتاب الوصية، باب 1: وصية الرجل مكتوبة عنده، حديث رقم 4204 [1] 1627، واللفظ لمسلم.
الواحد؛ ولأن الشاهدين لا يحتاج معهما إلى يمين المدعي؛ فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة.
39 -
ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يكون له فيه ارتياب، وشك؛ لقوله تعالى:{وأدنى ألا ترتابوا} .
ويتفرع على هذه الفائدة: أن دين الإسلام يريد من معتنقيه أن يكونوا دائماً على اطمئنان، وسكون.
ويتفرع أيضاً منها: أن دين الإسلام يحارب ما يكون فيه القلق الفكري، أو النفسي؛ لأن الارتياب يوجب قلق الإنسان، واضطرابه.
ويتفرع عليه أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محلّ قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك؛ وربما يؤيد هذا الأثرُ المشهور: «رحم الله امرئ كفّ الغيبة عن نفسه»
(1)
؛ لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن يرتابوا في أمري؛ لا تقل هكذا؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فربما لا يزال يوسوس في صدور الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء.
40 -
ومن فوائد الآية: جواز الاتجار؛ لقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة} ؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد بالشروط التي دلت عليها النصوص؛ فلو اتجر الإنسان بأمر محرم فهذا لا يجوز من نصوص أخرى؛ ولو رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا حرام من نصوص أخرى؛ إذاً هذا المطلق الذي هو التجارة
(1)
ذكره العجلوني في كتاب "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" بلفظ: "رحم الله امرءاً جب الغيبة عن نفسه" 1/ 513، حديث رقم 1367، ولم يذكر أصلاً لهذا الأثر.
مقيد بالنصوص الدالة على أن التجارة لا بد فيها من شروط.
41 -
ومنها: أن التجارة نوعان: تجارة حاضرة، وتجارة غير حاضرة؛ فأما الحاضرة فهي التي تدار بين الناس بدون أجل؛ وأما غير الحاضرة فهي التي تكون بأجل، أو على مسمى موصوف غير حاضر.
42 -
ومنها: أن الأصل في التجارة الدوران؛ لقوله تعالى: {تديرونها بينكم} ؛ فأما الشيء الراكد الذي لا يدار فهل يسمى تجارة؟ يرى بعض العلماء أنه ليس تجارة؛ ولذلك يقولون: ليس فيه زكاة، وأن الزكاة إنما هي في المال الذي يدار - يعني يتداول؛ ويرى آخرون أنها تجارة؛ ولكنها تجارة راكدة؛ وهذا يقع كثيراً فيما إذا فسدت التجارة، وكسد البيع؛ فربما تبقى السلع عند أصحابها مدة طويلة لا يحركونها؛ لكن هي في حكم المدارة؛ لأن أصحابها ينتظرون أيّ إنسان يأتي، فيبيعون عليه.
43 -
ومن فوائد الآية: أنه لا يجب كتابة التجارة الحاضرة المدارة - ولو كان ثمنها غير منقود؛ بخلاف ما إذا تداين بدين إلى أجل مسمى؛ فإنه تجب كتابة الدَّين على ما سبق من الخلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: {فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} .
44 -
ومنها: الأمر بالإشهاد عند التبايع؛ وهل الأمر للوجوب؛ أو للاستحباب؛ أو للإرشاد؟ فيه خلاف؛ والراجح أنه ليس للوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى، ولم يُشهِد
(1)
؛
(1)
راجع أحمد ص 1614 - 1615، حديث رقم 22228؛ وأبا داود ص 1490 - 1491، كتاب القضاء، باب 20: إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد يجوز له أن يقضي به، حديث رقم 3607؛ والنسائي ص 2388، كتاب البيوع، باب 81: التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، حديث رقم 4651؛ ومستدرك الحاكم 2/ 17 - 18، كتاب البيوع؛ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (المرجع السابق)؛ وقال الألباني: صحيح (صحيح أبي داود 2/ 399، حديث رقم 3607).
والأصل عدم الخصوصية؛ ولأن إيجابه فيه شيء من الحرج، والمشقة؛ لكثرة تداول التجارة؛ اللهم إلا أن يكون التصرف للغير، كالوكيل، والوليّ؛ فربما يقال بوجوب الإشهاد في المبايعات الخطيرة.
45 -
ومن فوائد الآية: أن الإشهاد ينبغي أن يكون حين التبايع؛ بمعنى أنه لا يتقدم، ولا يتأخر؛ لقوله تعالى:{إذا تبايعتم} ؛ لأن العقد لم يتم إذا كان الإشهاد قبله؛ وإذا كان بعده فربما يكون المبيع قد تغير.
46 -
ومنها: تحريم مضارة الكاتب، أو الشهيد: سواء وقع الإضرار منهما، أو عليهما.
47 -
ومنها: أن المضارة سواء وقعت من الكاتب، أو الشاهد، أو عليهما، فسوق؛ والفسق يترتب عليه زوال الولايات العامة والخاصة إلا ما استثني؛ والفاسق يُهجر إما جوازاً؛ أو استحباباً، أو وجوباً - على حسب الحال - إن كان في الهجر إصلاح له.
فإن قال قائل: أفلا يشكل هذا على القاعدة المعروفة أن الفسق لا يتصف به الفاعل إلا إذا تكرر منه، أو كان كبيرة؟.
فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى حكم على المضارة بأنها فسوق؛ والقرآن يَحكم، ولا يُحكَم عليه.
48 -
ومن فوائد الآية: أن هذا الفعل فسوق لا يخرج من الإيمان؛ لأنه لم يصف الفاعل بالكفر؛ بل قال تعالى: {فإنه فسوق بكم} ؛ ومجرد الفسق لا يخرج من الإيمان؛ ولكن الفسق المطلق يخرج من الإيمان؛ لأن الخروج عن الطاعة خروجاً عاماً يخرج من الإيمان، ويوجب الخلود في النار، كما قال الله تعالى:{أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} [السجدة: 18 - 20].
49 -
ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: {واتقوا الله} .
50 -
ومنها: امتنان الله عز وجل على عباده بالتعليم، حيث قال تعالى:{ويعلمكم الله} .
51 -
ومنها: أن الدِّين الإسلامي شامل للأحكام المتعلقة بعبادة الله عز وجل، والمتعلقة بمعاملة عباد الله؛ لأنه بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى هذه التوجيهات قال تعالى:{ويعلمكم الله} ؛ فيكون في ذلك إبطال لزعم من زعم أن الدين الاسلامي في إصلاح ما بين العبد وبين ربه؛ ولا علاقة له بالمعاملة بين الناس.
52 -
ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: {ويعلمكم الله} ؛ قال الله عز وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78].
53 -
ومنها: ثبوت صفة العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ويعلمكم الله} ؛ لأن المعلم عالم.
54 -
ومنها: أن العلم من منة الله عز وجل على عباده؛ لقوله تعالى: {ويعلمكم الله} ، وكما قال تعالى:{لقد منّ الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164]؛ ولا شك أن العلم من أكبر النعم، حيث قال الله عز وجل:{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11]؛ والعلماء كذلك ورثة الأنبياء؛ فالعلم أفضل من المال - ولا مقارنة؛ وهو كالجهاد في سبيل الله؛ لأن الدِّين الإسلامي لم ينتشر إلا بالعلم، والسلاح؛ فالسلاح يذلل العدو؛ والعلم ينير له الطريق؛ ولهذا إذا ذلّ العدو للإسلام، وخضع لأحكامه، وبذل الجزية وجب الكف عنه، ولا يقاتَل؛ لكن العلم جهاد يجب أن يكون لكل أحد؛ ثم الجهاد بالسلاح لا يكون إلا للكافر المعلن كفره، ولا يكون للمنافق؛ والجهاد بالعلم يكون لهذا، ولهذا - للمنافق، وللكافر المعلن بكفره؛ والعلم أفضل بكثير من المال؛ والعلم جهاد في سبيل الله - ولا سيما في وقتنا الحاضر؛ فإن الناس قد انفتح بعضهم على بعض، واختلط بعضهم ببعض، وصاروا يأخذون الثقافات من يمين ويسار، واحتاج الناس الآن للعلم الراسخ المبني على الكتاب والسنة حتى لا يقع الناس في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لذلك تجد رجلاً يمر به حديث، أو حديثان، ثم يقال: أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا! من ينال مرتبتي! أنا الذي أفتي بعشرة مذاهب! ثم مع ذلك يندد بمن خالفه - ولو كان من كبار العلماء؛ وربما يضخم الخطأ
الذي يقع منه - ولو كان ممن يشار إليه بالفضل، والعلم، والدِّين؛ وهذه خطيرة جداً؛ لأن العامي وإن كان وثق بشخص لا يهمه هذا الكلام؛ لكن كلما كرر الضرب على الحديد لابد أن يتأثر؛ لذلك نرى أن طلب العلم من أهم الأمور خصوصاً في هذا الوقت.
55 -
ومن فوائد الآية: إثبات هذا الاسم من أسماء الله - وهو {عليم} ؛ وإثبات ما دلّ عليه من الصفة - وهي العلم.
56 -
ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} .
57 -
ومنها: الرد على القدرية سواء الغلاة منهم، أو غيرهم؛ فإن غلاتهم يقولون: إن الله لا يعلم شيئاً من أفعال العباد حتى يقع؛ يقول شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: إن هؤلاء قليل - وهذا في عهده؛ ولا ندري الآن هل زادوا، أم نقصوا؛ لكن في الآية ردّ حتى على غير الغالية منهم - وهم الذين يقولون: إن الله يعلم؛ لكنه لم يُرد أفعال الإنسان، وأن الإنسان مستقل بإرادته، وفعله؛ وجه ذلك ما قاله الشافعي رحمه الله:«ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا» ؛ وعلى هذا نقول: في هذه الآية الكريمة دليل على أن أفعال العباد مرادة لله عز وجل؛ لأنها إن لم تكن مرادة فهي إما أن تقع على وفق علمه، أو على خلافه؛ فإن كان على خلافه فهو إنكار لعلمه؛ وإن كان على وفقه فلا بد أن تكون مرادة له؛ لأنه أراد أن تقع على حسب علمه.
القرآن
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(البقرة: 283)
التفسير:
{283} قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر} أي مسافرين؛ وذلك كقوله تعالى في آية الصيام: {ومن كان مريضاً أو على سفر} [البقرة: 185]؛ وأتى بكلمة: {على} لتحقق هذا الأمر - وهو السفر؛ لأن {على} تدل على الاستعلاء؛ فكأنه متمكن من السفر، كالراكب على الراحلة؛ و «السفر» مفارقة الوطن؛ وبعضهم قال: مفارقة محل الإقامة؛ لأن الإنسان قد لا يستوطن؛ ولكن يقيم دائماً؛ والمفارقة قد تكون طويلة - ويسمى سفراً طويلاً؛ وقد تكون قصيرة - ويسمى سفراً قصيراً.
قوله تعالى: {ولم تجدوا كاتباً} أي يكتب بينكم؛ وهذا كما سبق يحتاج إليه فيما إذا تداينا بدين إلى أجل مسمى؛ فيكون المعنى: إن كنتم على سفر، وتداينتم بدَين إلى أجل مسمى ولم تجدوا كاتباً {فرهان مقبوضة} .
قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} فيها قراءاتان؛ القراءة الأولى: {فرِهان} بكسر الراء، ومدّ الهاء؛ والثانية:{فرُهُن} بضم الراء، والهاء بدون مدّ؛ ولهذا تكتب بالألف في خط المصحف لكي تصلح للقراءتين؛ ومعنى {فرهان} أي فعليكم رهن؛ أو فالوثيقة رهن - أو رهان؛ وعلى هذا فتكون إما مبتدأ خبره محذوف؛ وإما خبر مبتدأ محذوف؛ والجملة في محل
جزم على أنها جواب الشرط؛ وقرنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية؛ وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية فإنه يقترن بالفاء وجوباً؛ ولا تحذف إلا شذوذاً، أو اضطراراً؛ ومن حذفها قول الشاعر:
(من يفعل الحسنات الله يشكرها) ........ ولم يقل: فالله يشكرها؛ ولكن هذا على سبيل الضرورة، أو الندرة، والشذوذ.
و «الرهان» جمع رهْن؛ و «الرهن» في اللغة الحبس؛ ومنه قوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] أي محبوسة بما عملت؛ ولكنه في اصطلاح الفقهاء: توثقة دَين بعين يمكن استيفاؤه، أو بعضِهِ منها، أو من بعضها، مثل ذلك: زيد مدين لعمرو بعشرة آلاف ريال، فأرهنه سيارة تساوي عشرين ألف ريال؛ هنا يمكن استيفاء الدَّين من بعضه؛ لأن الرهن أكثر من الدَّين؛ مثال آخر: زيد مدين لعمرو بعشرين ألف ريال؛ فأرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال؛ فهنا يمكن استيفاء بعضه منها؛ لأن الدَّين أكثر من الرهن؛ فإذا كان الدَّين مساوياً للرهن، كما لو كان دينه عشرة آلاف ريال؛ فأرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال؛ فهنا يمكن استيفاء الدَّين كله من كل الرهن.
وقوله تعالى: {مقبوضة} أي يقبضها من يتوثق بها - وهو الطالب - من المطلوب الذي هو الراهن؛ والطالب الذي قبض الرهن يسمى مرتهناً؛ فهنا راهن، ومرتهن، ورهن، ومرهون به؛ فالرهن: العين؛ والراهن: معطي الرهن؛ والمرتهن؛ آخذ الرهن؛ والمرهون به: الدين؛ فأركان الرهن أربعة.
ولم يبين سبحانه وتعالى كيف القبض؛ فيرجع في ذلك إلى العرف؛ ومعناه: أن يكون الشيء في قبضة الإنسان، وتحت سيطرته.
قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضاً} أي اتخذه أميناً؛ بمعنى أنه وثق منه أن لا ينكر، ولا يبخس، ولا يغير؛ والجملة شرطية جوابها قوله تعالى:{فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ؛ والفاء في {فليؤد} رابطة لجواب الشرط؛ وهو قوله تعالى: {إن أمن
…
}؛ وجاءت الفاء رابطة مع أن جواب الشرط فعل مضارع؛ لأنه مقترن بلام الأمر الدالة على الطلب؛ ومتى كانت الجملة الجزائية طلبية وجب اقترانها بالفاء؛ واللام هنا جاءت ساكنة لوقوعها بعد الفاء؛ ولام الأمر تقع ساكنة إذا وقعت بعد الفاء، أو الواو، أو «ثم» ؛ بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة على كل حال؛ و {اؤتمن} فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله؛ و {أمانته} أي ما ائتمن عليه.
قوله تعالى: {وليتق الله ربه} ؛ «يتق» مجزومة بحذف حرف العلة - وهو الياء؛ والكسرة دليل عليها - وهنا أردف الاسم الأعظم: {الله} بقوله تعالى: {ربه} تحذيراً من المخالفة؛ لأن «الرب» هو الخالق المالك المدبر؛ فاخشَ هذا الرب الذي هو إلهك أن تخالف تقواه.
قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} ؛ {لا} ناهية؛ و «الكتمان» الإخفاء؛ و «الشهادة» ما شهد به الإنسان؛ أي لا تخفوا ما شهدتم به لا في أصله، ولا في وصفه؛ في أصله بأن ينكر الشهادة رأساً؛ وفي وصفه بأن يزيد فيها، أو ينقص.
قوله تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} أي من يخفيها أصلاً، أو وصفاً، فقد وقع قلبه في الإثم؛ وإنما أضاف الإثم إلى القلب؛ لأن الشهادة أمر خفيّ؛ فالإنسان قد يكتمها، ولا يُعْلَم بها؛ فالأمر هنا راجع إلى القلب؛ ولأن القلب عليه مدار الصلاح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب»
(1)
.
قوله تعالى: {والله بما تعملون عليم} ؛ «ما» هذه موصولة تفيد العموم، وتشمل كل ما يعمله الإنسان من خير أو شر في القلب، أو في الجوارح؛ وقَدّم {بما تعملون} على متعلّقها لقوة التحذير، وشدته؛ فكأنه حصر علمه فيما نعمل؛ فيكون هذا أشد في بيان إحاطته بما نعمل؛ فيتضمن قوة التحذير؛ وليس مقتضاه حصر العلم على ما نعمل فقط.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أنه إذا لم يجد كاتباً في السفر فإنه يوثق الحق بالرهن المقبوض.
2 -
ومنها: عناية الله عز وجل بحفظ أموال عباده؛ يعني أنه سبحانه وتعالى ذكر حتى هذه الصورة: أن الإنسان إذا داين غيره، ولم يجد كاتباً فإنه يرتهن رهناً حفظاً لماله، وخوفاً من النزاع، والشقاق في المستقبل.
3 -
ومنها: جواز الرهن؛ لقوله تعالى: {فرهان} ؛ ولكن
(1)
سبق تخريجه 2/ 25.
ذلك مشروط - حسبما في الآية - بالسفر سواء كان قصيراً، أو طويلا؛ وبألا نجد كاتباً؛ فهل هذا الشرط معتبر؟ الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره: فقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صاعاً من الشعير لأهله، ورهن درعه عند يهودي حتى مات
(1)
؛ وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب.
فإذا قال قائل: إذا كان الأمر هكذا فما الجواب عن الآية؟ فالجواب عن الآية أن الله عز وجل ذكر صورة إذا تعذر فيها الكاتب فإن صاحب الحق يتوثق لحقه بالرهن المقبوض؛ فذكر هذه الصورة لا على أنها شرط للحكم؛ يعني كأنه قال: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه؛ وإن كنتم في السفر، وليس عندكم كاتب فرهان مقبوضة.
4 -
ومن فوائد الآية: أن بعض العلماء استدل بهذه الآية على لزوم القبض في الرهن؛ وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن قبض الرهن شرط لصحته؛ لأن الله جعل القبض وصفاً في الرهن؛ والوصف لازم للموصوف.
والقول الثاني: أن القبض شرط للزوم الرهن - لا لصحته؛ وعلى هذا القول يكون الرهن صحيحاً - وإن لم يُقبَض - لكنه ليس بلازم؛ فللراهن أن يتصرف فيه بما شاء.
والقول الثالث: أن القبض - أعني قبض الرهن - ليس بشرط لا للصحة، ولا للزوم؛ وإنما ذكر الله القبض في هذه الحال؛ لأن التوثق التام لا يحصل إلا به لكون المتعاقدين في سفر؛
(1)
راجع البخاري ص 234، كتاب الجهاد، باب 89: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب، حديث رقم 2916.
وليس ثمة كاتب، فلا يحصل تمام التوثقة بالرهن إلا بقبضه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وعليه فالرهن لازم صحيح بمجرد عقده - وإن لم يقبض؛ لقول الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1]، وقوله تعالى:{وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً} [الإسراء: 34]؛ وعلى هذا القول عمل الناس: فترى الرجل يكون راهناً بيته وهو ساكن فيه، أو راهناً سيارته وهو يستعملها؛ ولا تستقيم حال الناس إلا بذلك.
5 -
ومن فوائد الآية: أنه إذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن، ولا إشهاد، ولا كتابة؛ لقوله تعالى:{فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ؛ ولهذ قال كثير من العلماء: إن هذه ناسخة لما سبق في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282]، وقوله تعالى:{وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282]، وقوله تعالى:{وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة} ؛ والصحيح أنها ليست ناسخة؛ بل مخصِّصة لما سبق.
6 -
ومنها: وجوب أداء الأمانة على من اؤتمن؛ لقوله تعالى: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ؛ فإذا وجب أداء الأمانة حرمت الخيانة.
7 -
ومنها: أنه لو تلفت العين بيد الأمين فإنه لا ضمان عليه ما لم يتعد، أو يفرط؛ لقوله تعالى:{فليؤد الذي اؤتمن أمانته} ؛ فسماها الله سبحانه وتعالى أمانة؛ والأمين يده غير متعدية؛ فلا يضمن إلا إذا حصل تعدٍّ، أو تفريط؛ ومن التعدي إذا أعطي الإنسانُ أمانة للحفظ تصرف فيها - كما يفعل بعض الناس - ببيع،
أو شراء، أو نحو ذلك؛ وهذا حرام لا يجوز؛ وإذا أردت أن تفعل فاستأذِن من صاحبها؛ فإن أذن لك صارت عندك قرضاً.
8 -
ومن فوائد الآية: أنه يجب على هذا الذي اؤتمن ألا يغتر بثقة الناس به، فيفرط فيما يجب عليه من أداء الأمانة؛ لقوله تعالى:{وليتق الله ربه} ؛ فأمره الله سبحانه وتعالى بأن يتقي الله: قال تعالى: {وليتق الله} ، وأردفها بقوله تعالى:{ربه} ؛ ففيه فائدة - وهي أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية؛ فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبداً لله سبحانه وتعالى، وتقرباً له؛ وبنظره إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق، والملك، والتدبير؛ فلا بد أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية، ومقام الربوبية.
9 -
ومن فوائد الآية: إثبات ما دلّ عليه هذان الاسمان؛ وهما «الله» ، و «الرب»؛ فالأول فيه إثبات الألوهية؛ والثاني فيه إثبات الربوبية؛ لأن المعبود لابد أن يكون أهلاً للعبادة؛ والرب لابد أن يكون أهلاً للربوبية؛ ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ والتوحيدان يستلزمان كمال الأسماء، والصفات؛ ولهذا قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه:{يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً} [مريم: 42].
10 -
ومن فوائد الآية تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها سواء كان كتمان أصلها، أو وصفها؛ وسواء كان الحامل لها القرابة، والغنى؛ أو البعد، والفقر؛ لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين
والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما
…
} [النساء: 135] الآية.
11 -
ومنها: أن كتْم الشهادة من الكبائر؛ لوجود العقوبة الخاصة بها - وهي قوله تعالى: {فإنه آثم قلبه} .
12 -
ومنها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب؛ وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»
(1)
؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا»
(2)
وأشار إلى صدره؛ فالتقوى في القلب، وليست في اللسان، ولا في الأفعال، ولا في الأحوال؛ فقد يكون الإنسان متقياً بفعله متقياً بقوله غير متقٍ بقلبه: تجده بفعله يتزيّ بزي المسلم الخالص - من إعفاء اللحية، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص:«أستغفر الله» ، «اللهم اغفر لي» ، ويذكر الله، ويكبر؛ هذه لا شك تقوى في الظاهر؛ والغالب أنها دليل على تقوى الباطن.
13 -
ومن فوائد الآية: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: {بما تعملون عليم} ؛ فإن {ما} اسم موصول؛ والاسم الموصول يفيد العموم، فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلب، وأعمال الجوارح.
إذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا - إن قيل: لمراعاة الفواصل قلنا: فالنون تأتي في الفواصل كثيراً، مثل قوله تعالى:{إنه خبير بما تفعلون} [النمل: 88]؛ وإن قيل: للحصر قلنا: لا
(1)
سبق تخريجه 2/ 25.
(2)
سبق تخريجه 1/ 335.
يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء؛ لا يختص علمه بما نعمل فقط؛ فلا وجه للحصر؛ إذاً ما الفائدة؟.
فالجواب: الفائدة شدة التحذير، والتنبيه، كأنه يقول: لو لم يعلم شيئاً - وحاشاه من ذلك - لكان عالماً بعملنا؛ فمن قوة التحذير والإنذار جاء الكلام على وجه الحصر الإضافي.
14 -
إذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن من أسماء الله «العليم» ؟ قلنا: ربما نقول ذلك؛ وقد لا نقوله؛ قد نقول: إن الاسم إذا قيد بمتعلِّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون «عليم بكذا» ليس كقوله تعالى:{وهو السميع العليم} [البقرة: 137]؛ لأن هذا قُيد: «عليم بـ
…
»، فكان وصفاً، وليس اسماً؛ أما لو قال تعالى:{وهو العليم الحكيم} [الزخرف: 84] لكان هذا اسماً بلا شك.
15 -
ومن فوائد الآية: التحذير من المخالفة بكون الله سبحانه وتعالى عالماً بما نعمل؛ وجه التحذير: تقديم المعمول.
16 -
ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم بأفعال العباد إلا إذا وقعت؛ فإن قوله تعالى: {بما تعملون عليم} يتضمن ما قد عملناه بالفعل، وما سنعمله.
القرآن
(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(البقرة: 284)
التفسير:
{284} قوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض} جملة خبرية قُدِّم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ يعني: أن كل شيء في السموات أو في الأرض فهو لله خلقاً، وملكاً، وتدبيراً؛ وليس لأحد غيره فيه ملك.
قوله تعالى: {وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه} ؛ جملة شرطية جوابها: {يحاسبكم به الله} .
وقوله تعالى: {وإن تبدوا} أي وإن تظهروا؛ {ما في أنفسكم} أي ما في قلوبكم؛ {أو تخفوه} يعني تسرُّوه، فلا يطلع عليه أحد.
قوله تعالى: {يحاسبكم به الله} أي يُطْلِعكم عليه على وجه المحاسبة؛ ولا يلزم من المحاسبة العقوبة؛ ولهذا قال تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} .
قوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} فيها قراءتان؛ قراءة بالسكون؛ وقراءة بالرفع؛ وجه قراءة السكون أنه معطوف على {يحاسبكم} الذي هو جواب الشرط؛ والمعطوف على المجزوم مجزوم؛ ووجه قراءة الرفع أنه على سبيل الاستئناف؛ فالفاء استئنافية تفيد قطع الجملة التي بعدها عما قبلها؛ و «المغفرة» ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأن مادة «غفر» مأخوذة من المغفر - وهو ما يلبسه المقاتل على رأسه ليتقي بها السهام؛ وهو جامع بين ستر الرأس، والوقاية؛ و {يعذب من يشاء} أي يعاقب.
قوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} أي يوجد المعدوم، ويعدم الموجود بدون عجز؛ لقوله تعالى: {وما كان الله
ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً} [فاطر: 44].
ولما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير} اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا! بل قولوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير؛ فلما اقترأها القوم ذَلَّت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285]؛ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال تعالى: «نعم» ؛ {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال تعالى: «نعم» ؛ {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال تعالى: «نعم» ؛ {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال تعالى: «نعم»
(1)
.
(1)
أخرجه مسلم ص 699، كتاب الإيمان، باب 57: بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس
…
، حديث رقم 329 [199]125.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: عموم ملك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض} ؛ وليس معلوماً لنا سوى السموات والأرض؛ ويدخل في السموات الكرسي، والعرش، والملائكة، وأرواح بني آدم التي تكون في السماء، كأرواح المؤمنين في الجنة؛ لأن المراد بذلك كل ما علا؛ بل ويشمل ما بين السماء والأرض من الأفلاك، والنجوم، وغير ذلك؛ لأنها داخلة في السموات؛ لأنها في جهتها؛ ويدخل في الأرض العاقل، وغير العاقل؛ فيشمل بني آدم، والجن، ويشمل الحيوانات الأخرى، ويشمل الأشجار، والبحار، والأنهار، وغير ذلك.
2 -
ومن فوائد الآية: أن الله عز وجل هو القائم على هذه السموات والأرض يدبرها كما يشاء؛ لأنها ملكه.
3 -
ومنها: أن الله لا شريك له في ذلك الملك؛ يستفاد ذلك من تقديم الخبر الذي حقه التأخير؛ وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ و «الحصر» إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه.
4 -
ومنها: وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية - ولابد؛ ولهذا قال الله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21]؛ فجعل الربوبية موجباً لعبادته؛ وفي سورة النمل قال تعالى: {أمن خلق السموات والأرض
…
} [النمل: 60] إلى آخر الآيات التي فيها تختم كل آية بقوله تعالى: {أإله مع الله} [النمل: 60] يعني:
فإذا كان هو المنفرد بما ذُكِر فإنه المنفرد بالألوهية.
5 -
ومن فوائد الآية: إثبات صفات الكمال لله عز وجل؛ لأننا إذا تأملنا في هذا الملك الواسع العظيم، وأنه يدبَّر بانتظام لا مثيل له علمنا بأن الذي يدبره كامل الصفات؛ فيؤخذ منه كل صفة كمال لله، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والعزة، والحكمة، وغير ذلك من صفاته عز وجل؛ لأنه لا يمكن أن يقوم بملك هذه الأشياء العظيمة إلا من هو متصف بصفات الكمال.
6 -
ومنها: إثبات أن السموات أكثر من واحدة؛ وهي سبع بنص القرآن، والسنة، والإجماع؛ أما القرآن فمثل قوله تعالى:{قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} [المؤمنون: 86]، وقوله تعالى:{الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن} [الطلاق: 12]؛ وأما السنة فمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين
…
»
(1)
الحديث؛ وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع: جاء ذلك في صريح السنة، وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن:{الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12]؛ لأن المماثلة في الوصف
(1)
أخرجه ابن حبان 4/ 170، ذكر ما يقول المسافر إذا رأى قرية يريد دخولها، حديث رقم 2698، وأخرجه ابن خزيمة 4/ 150، حديث رقم 2565؛ وأخرجه الحاكم 1/ 446، كتاب المناسك، وقال: حديث صحيح الإسناد؛ وأقره الذهبي.
متعذرة؛ فلم يبق إلا العدد؛ وأما في السنة فمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين»
(1)
.
7 -
ومن فوائد الآية: عموم علم الله وسعته؛ لقوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} ؛ ولا محاسبة إلا من بعد علم.
8 -
ومنها: تحذير العبد من أن يخفي في قلبه ما لا يرضاه الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله عالم بما يبدي وبما يخفي فسوف يراقب الله سبحانه وتعالى خوفاً من أن يحاسَب على ما أخفاه كما يحاسَب على ما أبداه.
9 -
ومنها: إثبات أن العبد يحاسب على ما في نفسه؛ وظاهره العموم؛ لقوله تعالى: {ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} ؛ ولكن جاءت النصوص الأخرى بالتفصيل في ذلك على النحو التالي:
الأول: أن يكون ما يطرأ على النفس وساوس لا قرار لها، ولا ركون إليها؛ فهذه لا تضر؛ بل هي دليل على كمال الإيمان؛ لأن الشيطان إذا رأى من قلب الإنسان إيماناً ويقيناً حاول أن يفسد ذلك عليه؛ ولهذا لما شكا الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدونه في أنفسهم من هذا قال صلى الله عليه وسلم:«وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم؛ قال: ذاك صريح الإيمان»
(2)
؛ وفي حديث آخر: «الحمد لله الذي
(1)
سبق تخريجه 2/ 20.
(2)
أخرجه مسلم ص 700، كتاب الإيمان، باب 60: بيان الوسوسة في الإيمان
…
، حديث رقم 340 [209]132.
رد كيده إلى الوسوسة»
(1)
.
الثاني: أن يهمّ بالشيء المحرم، أو يعزم عليه، ثم يتركه؛ وهذا أنواع:
النوع الأول: أن يتركه لله؛ فيثاب على ذلك، كما جاءت به السنة فيمن همّ بسيئة فلم يعملها أنها تكتب حسنةً كاملة؛ قال الله تعالى:«لأنه تركها من جرّائي»
(2)
، أي من أجلي.
النوع الثاني: أن يهمّ بها، ثم يتركها عزوفاً عنها؛ فهذا لا له، ولا عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى»
(3)
.
النوع الثالث: أن يتمناها، ويحرص عليها؛ ولكن لا يعمل الأسباب التي يحصِّلها بها؛ فهذا يعاقب على نيته دون العقاب الكامل، كما جاء في الحديث في فقير تمنى أن يكون له مثل مال غني كان ينفقه في غير مرضاة الله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«فهو بنيته؛ فهما في الوزر سواء»
(4)
.
(1)
أخرجه أحمد 1/ 235، حديث رقم 2097، وأخرجه أبو داود ص 1597، كتاب الأدب، باب 108، في رد الوسوسة، حديث رقم 5112، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح 3/ 256.
(2)
أخرجه مسلم ص 699 - 700، كتاب الإيمان، باب 59: إذا هم العبد بحسنة
…
، حديث رقم 336 [205]129.
(3)
أخرجه البخاري ص 1: كتاب بدء الوحي، باب 1: كيف كان بدء الوحي، حديث رقم 1، وأخرجه مسلم ص 1019، كتاب الإمارة، باب قوله: إنما الأعمال بالنية حديث رقم 4927 [155]1907.
(4)
أخرجه أحمد 4/ 230، حديث رقم 18187، وأخرجه الترمذي ص 1885 - 1886، كتاب الزهد، باب 16: ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن، حديث رقم 2325؛ وأخرجه ابن ماجة ص 2733 كتاب الزهد، باب 26: النية، حديث رقم 4228، وقال الألباني في صحيح الترمذي 2/ 270 حديث رقم 1894: صحيح.
النوع الرابع: أن يعزم على فعل المعصية، ويعمل الأسباب التي توصل إليها؛ ولكن يعجز عنها؛ فعليه إثم فاعلها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»
(1)
.
10 -
ومن فوائد الآية: إثبات محاسبة العبد؛ لقوله تعالى: {يحاسبكم به الله} ؛ ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»
(2)
؛ فينبغي للإنسان أن يكون كيساً يحاسب نفسه قبل أن يحاسَب؛ وإني لأعجب أن كثيراً من الناس إذا كان له تجارة دنيوية فإنه لا ينام حتى ينظر في الدفاتر: ما الذي خرج؟ وما الذي دخل؟ وما الذي بقي في ذمم الناس؟ وما الذي بيع؟ وما الذي اشتري؟ إما بنفسه؛ وإما بمن يجعلهم على هذا؛ ولكننا في أعمالنا الأخروية عندنا تفريط - يعني يندر يوماً من الأيام أن تقول: ماذا عملت اليوم؟ وتستغفر
(1)
أخرجه البخاري ص 4، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا
…
)، حديث رقم 31، وأخرجه مسلم ص 1178، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب 4: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، حديث رقم 7252 [14]2888.
(2)
نقله الترمذي عن عمر بن الخطاب ص 899، كتاب صفة القيامة، باب 35: حديث الكيس من دان نفسه، في سباق حديث رقم 2459، واخرجه ابن أبي شيبة 8/ 115، كتاب الزهد، كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حديث رقم 34448؛ وفيه راوٍ لم يسمه.
مما أسأت فيه، أو فرطت؛ وتحمد الله على ما قمت به من طاعته.
11 -
ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى لم يصرح بالمعاقبة؛ ولا يلزم من المحاسبة المؤاخذة؛ لقوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ؛ ويؤيده ما ثبت في الصحيح أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، ويقول:«عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر؛ فإذا رأى أنه قد هلك يقول الله عز وجل: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»
(1)
.
12 -
ومنها: سعة علم الله عز وجل، وكان من أسمائه:«الواسع» أي ذو السعة في جميع صفاته.
13 -
ومنها: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ؛ ومشيئته تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30]؛ كل شيء أضافه الله إلى مشيئته فاعلم أنه مقرون بحكمة؛ لا يشاء شيئاً إلا لحكمة - أياً كان هذا الشيء.
14 -
ومنها: أنه بعد المحاسبة إما أن يغفر للإنسان؛ وإما أن يعذبه؛ لقوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} فإن كان كافراً عذب؛ وإن كان مسلماً كان تحت المشيئة، كما قال تعالى:{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48].
15 -
ومنها: إثبات القدرة لله، وعمومها في كل شيء؛ لقوله تعالى:{والله على كل شيء قدير} ؛ فلا أحد يقدر على كل
(1)
سبق تخريجه 1/ 200.
شيء إلا الله عز وجل؛ وأما المخلوق فقدرته محدودة.
فإن قيل: لماذا ختم الآية بالقدرة من بعد قوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ؛ ولم يختمها بالرحمة، ولا بالعقوبة؟
فالجواب: أن المحاسبة تكون بعد البعث؛ والبعث يدل على القدرة؛ كما قال تعالى: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33]، وقال تعالى:{إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} [فصلت: 39].
وجه آخر: لو ختمت الآية بما يقتضي الرحمة وفيها التعذيب لم يكن هناك تناسب؛ ولو ختمت بما يقتضي التعذيب وفيها مغفرة لم يكن هناك تناسب؛ والقدرة تناسب الأمرين: تناسب المغفرة، وتناسب التعذيب؛ لأن المغفرة، والتعذيب كلٌّ لا يكون إلا بقدرة الله عز وجل.
القرآن
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(البقرة: 285)
التفسير:
{285} قوله تعالى: {آمن} ؛ سبق مراراً، وتكراراً بأنه الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان - لقبول الخبر، والإذعان للحكم، أو لما يقتضيه؛ أما مجرد التصديق، والإقرار فلا ينفع؛
ولهذا كان أبو طالب مقراً ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه على حق؛ لكن لما لم يكن منه قبول وإذعان لم ينفعه هذا الإقرار؛ فالإيمان شرعاً هو الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان.
قوله تعالى: {الرسول} ؛ «أل» هنا للعهد؛ والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم؛ {الرسول} بمعنى مرسَل؛ و «الرسول» - كما قال العلماء - هو من أوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه؛ هذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ و «النبي» هو الذي لم يؤمر بتبليغه ما لم يدل الدليل على أن المراد به الرسول؛ ففي القرآن الكريم كل من وصف بالنبوة فهو رسول؛ لقوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده
…
} [النساء: 163] إلى قوله تعالى: {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165]؛ ولقوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} [غافر: 78].
قوله تعالى: {بما أنزل إليه من ربه} أي بالذي أنزل إليه من ربه؛ والذي أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّنه الله سبحانه وتعالى في قوله: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [النساء: 113]- فهو القرآن، والسنة؛ والرسول صلى الله عليه وسلم كيف آمن بهما؟ الرسول آمن بأن القرآن من عند الله أنزله إليه ليبلغه إلى الناس، وآمن بأن ما أوحي إليه من السنة هو من الله عز وجل؛ أوحي به ليبلغه إلى الناس؛ ثم هو أيضاً آمن بما يقتضيه هذا المنزل من قبول، وإذعان؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الناس تصديقاً بما أنزل إليه، وأقواهم إيماناً بلا شك، وكان أيضاً أعظمهم تعبداً لله عز وجل حتى إنه كان يقوم في الليل حتى تتورم قدماه مع أنه قد غُفر له ما تقدم من
ذنبه، وما تأخر
(1)
؛ وقام معه ابن مسعود رضي الله عنه ذات ليلة يقول: فقام فأطال حتى هممت بأمر سوء؛ قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «هممت أن أجلس، وأدعه»
(2)
؛ لأن الرسول كان يقوم قياماً طويلاً - صلوات الله وسلامه عليه؛ إذاً فهو أقوى الناس إيماناً، وأشدهم رغبة في الخير، وأكثرهم عبادة.
وقوله تعالى: {من ربه} يراد بها الربوبية أخص الخاصة؛ لأن ربوبية الله عز وجل عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة؛ فالعامة الشاملة لكل الخلق، مثل:{رب العالمين} [الفاتحة: 1]؛ والخاصة للمؤمنين؛ وخاصة الخاصة للرسل - عليهم الصلاة والسلام -؛ فالذين يقولون: {ربنا إننا آمنا فاغفر لنا} [آل عمران: 16] هذه ربوبية خاصة لكل المؤمنين؛ ومثل: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} هذه أخص الخاصة، ومثلها:{فلا وربك لا يؤمنون} [النساء: 65]؛ يقابل ذلك «العبودية» : عبودية عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة؛ العامة مثل قوله تعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم: 93]؛ والخاصة مثل قوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً}
(1)
راجع البخاري ص 413، كتاب تفسير القرآن، باب 2: قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر
…
)، حديث رقم 4836، وأخرجه مسلم ص 1169، كتاب صفات المنافقين، باب 18: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم 7124 [79]2819.
(2)
راجع البخاري ص 88، كتاب التهجد، باب 9: طول القيام في صلاة الليل، حديث رقم 1135؛ وصحيح مسلم ص 800، كتاب صلاة المسافرين، باب 27: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، حديث رقم 1815 [204]773.
[الفرقان: 63]؛ وخاصة الخاصة مثل قوله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1]، وقوله تعالى:{وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 23]؛ ولا شك أن الربوبية الخاصة تقتضي تربية خاصة لا يماثلها تربية أحد من العالمين.
قوله تعالى: {والمؤمنون} بالرفع عطفاً على {الرسول} يعني: المؤمنون كذلك آمنوا بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الله؛ فيؤمنون بثلاثة أشياء: بالمرسِل - وهو الله عز وجل؛ والمرسَل - وهو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والمرسَل به - وهو الوحي: الكتاب، والسنة.
فإن قال قائل: كيف قال تعالى: {والمؤمنون} : فوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون؟ فنقول: هذا من باب التحقيق؛ يعني: أن المؤمنين حققوا الإيمان، وليس إيمانهم إيماناً ظاهراً فقط - كما يكون من المنافق الذي يُظهر الإيمان، ولكنه مبطن للكفر.
قوله تعالى: {كل} يعني: من الرسول، والمؤمنين؛ {آمن بالله}: أي بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته - كما تقدم ذلك مبسوطاً.
قوله تعالى: {وملائكته} معطوف على الاسم الكريم: «الله» ؛ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وأعطاهم قوة، وقدرة على تنفيذ ما يريد منهم؛ قال الله تعالى في ملائكة النار:{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6].
قوله تعالى: {وكتبه} ؛ وفي قراءة: «وكتابه» ؛ ولا منافاة؛ لأن المفرد المضاف يعم؛ والكتب المنزلة على الأنبياء الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أنها بعدد الأنبياء، كما قال تعالى:{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان}
[الحديد: 25]، وقال تعالى:{كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213]؛ ولكن مع ذلك فنحن لا نعرف على التعيين إلا عدداً قليلاً منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى - إن كانت غير التوراة؛ وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر؛ نعرف هذه الكتب، ونؤمن بها على أعيانها؛ والباقي نؤمن بها على سبيل الإجمال؛ ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن هو الإيمان بأنه كلام الله منزل على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين؛ ونصدق بكل أخباره؛ ونلتزم بكل أحكامه؛ وأما الإيمان بالكتب السابقة فهو أن نؤمن بأن الله أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وآتى داود الزبور، وأنزل صحفاً على إبراهيم، وموسى؛ وأن كل ما جاء فيها من خبر فهو حق صدق؛ وأما الأحكام فما جاءت شريعتنا بخلافه فالعمل على ما جاءت به شريعتنا؛ لأنه منسوخ؛ وأما ما لا يخالف شريعتنا فاختلف العلماء في العمل به؛ والصحيح أنه يعمل به؛ وبسط ذلك في أصول الفقه؛ وليعلم أن التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، والإنجيل الذي بأيدي النصارى لا يوثق بهما؛ لأنهم حَرَّفوا،
وبدلوا، وكتموا الحق.
قوله تعالى: {ورسله} جمع رسول.
قوله تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله} ؛ هنا التفات من الغيبة إلى التكلم؛ ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: «لا يفرقون بين أحد من رسله» ؛ ولكنه تعالى قال: {لا نفرق} ؛ وفائدة الالتفات هي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه، وربما يغيب فكره؛ وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع
الذهن يقول: انتبه! فالالتفات هنا من الغيبة إلى التكلم له فائدة زائدة على التنبيه - وهي أن يقول هؤلاء المؤمنون: {لا نفرق} بقلوبنا، وألسنتنا {بين أحد من رسله} ؛ فالكل عندنا حق؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم صادق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم صادق، وموسى صلى الله عليه وسلم صادق، وصالح صلى الله عليه وسلم صادق، ولوط صلى الله عليه وسلم صادق، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم صادق
…
وهكذا؛ لا نفرق بينهم في هذا الأمر - أي في صدق رسالتهم، والإيمان بهم؛ ولكن نفرق بينهم فيما كلفنا به: فنعمل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
قوله تعالى: {سمعنا وأطعنا} أي سمعنا ما أمرتنا به، أو نهيتنا عنه؛ وأطعنا فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور.
قوله تعالى: {غفرانك} مفعول لفعل محذوف؛ والتقدير: نسألك غفرانك؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه.
قوله تعالى: {ربنا} أي يا ربنا؛ وحذفت «يا» النداء للبداءة باسم الله.
قوله تعالى: {وإليك المصير} أي المرجع في أمور الدنيا، والآخرة؛ ومن المصير إليه: يوم القيامة؛ وقدم الخبر لإفادة الحصر.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن محمداً صلى الله عليه وسلم مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أشهد أني رسول الله»
(1)
، في قصة دين جابر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري.
(1)
أخرجه البخاري ص 469، كتاب الأطعمة، باب 41: الرطب والتمر وقول الله تعالى: (وهزي إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً)، حديث رقم 5443.
2 -
ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: {بما أنزل إليه من ربه} ؛ والمنزل هو الوحي؛ والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم؛ لا يمكن أن يقوم بنفسه؛ وعلى هذا يكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله - الوحي الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
3 -
ومنها: إثبات علوّ الله عز وجل؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى؛ لقوله تعالى: {بما أنزل إليه} .
4 -
ومنها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {الرسول} ، وقوله تعالى:{بما أنزل إليه من ربه} .
5 -
ومنها: عظم ربوبية الله، وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال تعالى:{بما أنزل إليه من ربه} .
ويتفرع على ذلك أن الله سبحانه وتعالى سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك - لا سيما وأنه سوف يبلِّغ ما أنزل إليه من ربه.
6 -
ومن فوائد الآية: أن المؤمنين تبع للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} ؛ وجه التبعية أنه ذكر ما آمن به قبل أن يذكر التابع - يعني ما قال: «آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه» ، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول صلى الله عليه وسلم لا يستقلون بشريعة دونه.
7 -
ومنها: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول صلى الله عليه وسلم كان أشد اتباعاً له؛ وجهه أنه تعالى قال: {بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} يعني: والمؤمنون آمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من ربه؛ وعليه فكل من كان أقوى إيماناً كان أشد اتباعاً.
8 -
ومنها: أن إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين شامل لكل
أصول الدين؛ لقوله تعالى: {كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} ؛ ويبقى عندنا إشكال؛ وهو أنه ليس في الآية ذكر الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر؟ والجواب من أحد وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن هذا داخل في عموم قوله تعالى: {بما أنزل إليه من ربه} .
والوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالكتب، والرسل متضمن للإيمان باليوم الآخر، والقدر.
9 -
ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.
10 -
ومنها: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق؛ لا تقول مثلاً: نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا نؤمن بعيسى لأن عيسى من بني إسرائيل؛ نحن لا نفرق بين الرسل؛ وقد سبق لنا معنى قوله تعالى:{لا نفرق} .
11 -
ومن فوائد الآية: أن من صفات المؤمنين السمع، والطاعة؛ لقوله تعالى:{وقالوا سمعنا وأطعنا} ؛ وهذا كقوله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 51، 52]، وكقوله تعالى:{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36]؛ والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من لا يسمع، ولا يطيع؛ بل هو معرض؛ لم يرفع لأمر الله، ورسوله رأساً.
القسم الثاني: من يسمع، ولا يطيع؛ بل هو مستكبر؛ اتخذ آيات الله هزواً، كقوله تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً
كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم} [لقمان: 7]، وكقوله تعالى:{وقالوا سمعنا وعصينا} [البقرة: 93]؛ وهذا أعظم جرماً من الأول.
القسم الثالث: من يسمع، ويطيع؛ وهؤلاء هم المؤمنون الذين قالوا سمعنا وأطعنا، وقال الله سبحانه وتعالى فيهم:{ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} [الأحزاب: 71].
12 -
ومن فوائد الآية: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله تعالى: {غفرانك} ؛ فكل إنسان محتاج إلى مغفرة - حتى النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إلى مغفرة؛ ولهذا لما قال صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل الجنة أحداً عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة»
(1)
؛ وقال الله سبحانه وتعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 1، 2]، وقال تعالى:{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19]؛ واعلم أن الإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاماً منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئاً للحال التي كان عليها، وماشياً على ما هو عليه معتقداً أنه كامل، وأن ليس عليه ذنوب؛ فإذا أذنب، وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه، فيزداد إيماناً، ويزداد مقاماً - يرتفع مقامه عند الله عز وجل؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم:{وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه} [طه: 121، 122]- فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية - {فتاب عليه وهدى} [طه: 122]؛
(1)
أخرجه مسلم ص 1169، كتاب صفات المنافقين، باب 17: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، حديث رقم 7122 [78]2818.
وهذا كثيراً ما يقع: إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه، وأنه محتاج إلى الله، ورجع إلى الله، وأحس بالخطيئة، وأكثر من الاستغفار، وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب.
13 -
ومن فوائد الآية: تواضع المؤمنين، حيث قالوا:{سمعنا وأطعنا} ، ثم سألوا المغفرة خشية التقصير.
14 -
ومنها: إثبات أن المصير إلى الله عز وجل في كل شيء؛ لقوله تعالى: {وإليك المصير} ؛ وقد سبق في التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة، والمصير إلى الله في الدنيا أيضاً؛ فهو الذي يحكم بين الناس في الدنيا والآخرة - كما قال تعالى:{وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10]: هذا في الدنيا؛ والآخرة: كما قال تعالى: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم} [الممتحنة: 3]، وقال تعالى:{فالله يحكم بينكم يوم القيامة} [النساء: 141].
القرآن
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)(البقرة: 286)
التفسير:
هذه الآية، والتي قبلها وردت فيها نصوص تدل على الفضل العظيم؛ منها:
1 -
أنها من كنز تحت العرش
(1)
.
2 -
أنها فتحت لها أبواب السماء عند نزولها
(2)
.
3 -
أنها لم يعطها أحد من الأنبياء قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
(3)
.
4 -
أن من قرأهما في ليلة كفتاه
(4)
.
{286} قوله تعالى: {لا يكلف الله} ؛ «التكليف» الإلزام بما فيه مشقة؛ يعني لا يلزم الله؛ {نفساً إلا وسعها} أي إلا طاقتها؛ فلا يلزمها أكثر من الطاقة.
قوله تعالى: {لها ما كسبت} أي ما عملت من خير لا
(1)
راجع أحمد ص 1571، حديث رقم 21672، وص 1590، حديث رقم 21897، من حديث أبي ذر؛ قال الهيثمي: رواه أحمد بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح (مجمع الزوائد 6/ 315)؛ وقال الساعاتي: "وهو الذي أثبته هنا"(الفتح الرباني 18/ 99 - 101)؛ وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط مسلم"(السلسلة الصحيحة 3/ 471، حديث رقم 1482)؛ ومن حديث حذيفة راجع أحمد ص 1726، حديث رقم 23640؛ والمعجم الكبير للطبراني 3/ 169، حديث رقم 3025؛ مسند أبي داود الطيالسي ص 56، حديث رقم 418؛ قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد 6/ 327، 315)؛ وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط مسلم"(السلسلة الصحيحة 3/ 471، حديث رقم 1482).
(2)
راجع مسلماً ص 804، كتاب صلاة المسافرين، باب 43: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة
…
، حديث رقم 1877 [254] 806؛ لكن فيه: "هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم
…
".
(3)
راجع حاشية رقم 1.
(4)
راجع البخاري ص 327، كتاب المغازي، باب 12: حديث رقم 4008؛ ومسلماً ص 804، كتاب صلاة المسافرين، باب 43: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة
…
، حديث رقم 1878 [255]807.
ينقص منه شيء؛ {وعليها ما اكتسبت} أي ما اقترفت من إثم لا يحمله عنها أحد؛ و «الكسب» ، و «الاكتساب» بمعنًى واحد؛ وقيل بينهما فرق؛ وهو أن «الكسب» في الخير، وطرقه أكثر؛ و «الاكتساب» في الشر، وطرقه أضيق - والله أعلم.
قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا} : هذه الجملة مقول لقول محذوف - أي «قولوا ربنا» ؛ أو: «قالوا ربنا» عوداً على {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون} - أي: و {قالوا سمعنا وأطعنا} ، وقالوا:{ربنا لا تؤاخذنا .. } ؛ و {ربنا} منادى حذفت منه «يا» النداء اختصاراً، وتيمناً بالبداءة باسم الله عز وجل؛ و {لا تؤاخذنا} أي لا تعاقبنا بما أخطأنا فيه.
قوله تعالى: {إن نسينا أو أخطأنا} : «النسيان» هو ذهول القلب عن معلوم؛ يكون الإنسان يعلم الشيء، ثم يغيب عنه؛ ويسمى هذا نسياناً، كما لو سألتك: ماذا صنعت بالأمس؟ تقول: «نسيت» ؛ فأنت فاعل؛ ولكن غاب عنك فعله؛ و «الخطأ» : المخالفة بلا قصد للمخالفة؛ فيشمل ذلك الجهل؛ فإن الجاهل إذا ارتكب ما نهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة بغير قصد للمخالفة.
قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} : أتى بالواو ليفيد أن هذه الجملة معطوفة على التي قبلها؛ وكرر النداء تبركاً بهذا الاسم الكريم، وتعطفاً على الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا من أسباب إجابة الدعاء؛ و «الإصر» هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان من التكاليف، أو العقوبات.
قوله تعالى: {كما حملته على الذين من قبلنا} أي اليهود، والنصارى، وغيرهم.
قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أي لا قدرة لنا على تحمله من الأمور الشرعية، والكونية.
قوله تعالى: {واعف عنا} أي تجاوز عما قصرنا فيه من الواجبات؛ {واغفر لنا} أي تجاوز عما اقترفناه من السيئات؛ {وارحمنا} أي تفضل علينا بالرحمة حتى لا نقع في فعل محظور، أو في تهاون في مأمور.
قوله تعالى: {أنت مولانا} : الجملة هنا خبرية مكونة من مبتدأ، وخبر كلاهما معرفة؛ وقد قال علماء البلاغة: إن الجملة المكونة من مبتدأ، وخبر كلاهما معرفة تفيد الحصر؛ والمراد: متولي أمورنا.
قوله تعالى: {فانصرنا على القوم الكافرين} الفاء هنا للتفريع؛ يعني فبولايتك الخاصة انصرنا على القوم الكافرين - أي اجعل لنا النصر عليهم؛ وهو عام في كل كافر.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه؛ ولو شاء أن يكلفهم ما لم يستطيعوا لفعل.
فإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون؟ وما الفائدة بأن يأمرهم بشيء لا يستطيعونه؟
فالجواب: أن الفائدة أنه لو كلفهم بما لا يستطيعون، وعجزوا عاقبهم على ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة؛ ولها نظائر في القرآن، وكذلك في السنة.
2 -
ومن فوائد الآية: إثبات القاعدة المشهورة عند أهل
العلم؛ وهي: لا واجب مع العجز؛ ولا محرم مع الضرورة؛ لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن لم يكن له بدل سقط؛ وإن عجز عن بدله سقط؛ مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء؛ لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضاً - مثال ذلك: شخص محبوس مكبل لا يستطيع أن يتوضأ، ولا أن يتيمم: فإنه يصلي بلا وضوء، ولا تيمم؛ مثال آخر: رجل قتل نفساً معصومة خطأً: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع سقطت الكفارة؛ مثال ثالث: رجل جامع زوجته في نهار رمضان: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين؛ فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً؛ فإن لم يجد فلا شيء عليه.
ومثال سقوط التحريم مع الضرورة: رجل اضطر إلى أكل الميتة بحيث لا يجد ما يسد رمقه سوى هذه الميتة: فإنه يحل له أكلها؛ وهل له أن يشبع؛ أو يقتصر على ما تبْقى به حياته؟
والجواب: إن كان يرجو أن يجد حلالاً عن قرب فيجب أن يقتصر على ما يسد رمقه؛ وإن كان لا يرجو ذلك فله أن يشبع، وأن يتزود منها - وأن يحمل معه منها - خشية أن لا يجد حلالاً عن قرب.
ومعنى الضرورة أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم؛ وأن ضرورته تندفع به - فإن لم تندفع فلا فائدة؛ مثال ذلك: رجل ظن أنه في ضرورة إلى التداوي بمحرم؛ فأراد أن يتناوله: فإنه لا يحل له ذلك لوجوه:
الأول: أن الله حرمه؛ ولا يمكن أن يكون ما حرمه شافياً لعباده، ولا نافعاً لهم.
الثاني: أنه ليس به ضرورة إلى هذا الدواء المحرم؛ لأنه قد يكون الشفاء في غيره، أو يشفى بلا دواء.
الثالث: أننا لا نعلم أن يحصل الشفاء في تناوله؛ فكم من دواء حلال تداوى به المريض ولم ينتفع به؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحبة السوداء: «إنها شفاء من كل داء إلا السام - يعني الموت»
(1)
؛ فهذه مع كونها شفاءً لا تمنع الموت؛ ولذلك لو اضطر إلى شرب خمر لدفع لقمة غص بها جاز له ذلك، لأن الضرورة محققة، واندفاعها بهذا الشرب محقق.
الخلاصة الآن: أخذنا من هذه الآية الكريمة: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} قاعدتين متفقاً عليهما؛ وهما:
أ - لا واجب مع العجز.
ب - ولا محرم مع الضرورة.
3 -
ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله تعالى: {وعليها ما اكتسبت} .
إذا قال قائل: ما تقولون في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»
(2)
؟
فالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولاً اقتدى الناس به؛ فكان اقتداؤهم به من آثار فعله؛ ولما كان هو
(1)
أخرجه البخاري ص 487، كتاب الطب، باب 7: الحبة السوداء، حديث رقم 5687؛ وأخرجه مسلم ص 1070، كتاب السلام، باب 29: التداوي بالحبة السوداء، حديث رقم 5766 [88]2215.
(2)
سبق تخريجه 2/ 42.
المتسبِّب، وهو الدال على هذا الفعل كان مكتسباً له.
4 -
ومنها: يسر الدين الإسلامي؛ لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسها إلا وسعها} .
ويتفرع على هذا أن يختلف الناس فيما يلزمون به؛ فالقادر على القيام في الفريضة يلزمه القيام؛ والعاجز عن القيام يصلي قاعداً؛ والعاجز عن القعود يصلي على جنب؛ وكذلك القادر على الجهاد ببدنه يلزمه الجهاد ببدنه إذا كان الجهاد فرضاً؛ والعاجز لا يلزمه؛ وكذلك القادر على الحج ببدنه وماله يلزمه أداء الحج ببدنه، والعاجز عنه ببدنه عجزاً لا يرجى زواله القادر بماله يلزمه أن ينيب من يحج عنه؛ والعاجز بماله وبدنه لا يلزمه الحج.
5 -
ومن فوائد الآية: أن للإنسان طاقة محدودة؛ لقوله تعالى: {إلا وسعها} ؛ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء: في العلم، والفهم، والحفظ، فيكلف بحسب طاقته.
6 -
ومنها: أن للإنسان ما كسب دون أن ينقص منه شيء، كما قال تعالى:{ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} [طه: 112].
7 -
ومنها: أن الأعمال الصالحة كسب؛ وأن الأعمال السيئة غُرْم؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى: {لها} ، ومن قوله تعالى:{عليها} ؛ فإن «على» ظاهرة في أنها غُرم؛ واللام ظاهرة في أنها كسب.
8 -
ومنها: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق، حيث علمهم دعاءً يدعونه به، واستجاب لهم إياه في قوله تعالى:{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} .
9 -
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، مثل الربوبية - التي بها الخلق، والتدبير؛ ولهذا كان أكثر الأدعية في القرآن مصدرة بوصف الربوبية، مثل:«ربنا» ، ومثل:«ربِّ» .
10 -
ومنها: رفع المؤاخذة بالنسيان، والجهل؛ لقوله تعالى:{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ، فقال الله تعالى:«قد فعلت»
(1)
؛ ولا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب؛ فمن ترك الواجب نسياناً، أو جهلاً، وجب عليه قضاؤه، ولم يسقط الطلب به؛ ولهذا قال النبي - صلوات الله وسلامه عليه:«من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها»
(2)
؛ ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته قال له: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ»
(3)
؛ ولم يعذره بالجهل مع أنه لا يحسن غير هذا؛ إذاً فعدم المؤاخذة بالنسيان، والجهل لا يسقط الطلب؛ وهذا في المأمورات ظاهر؛ أما المنهيات فإن من فعلها جاهلاً، أو ناسياً فلا إثم عليه، ولا كفارة؛ مثال ذلك: لو أكل وهو صائم ناسياً فلا إثم عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب، فليتم صومه»
(4)
؛ وكذلك لو
(1)
سبق تخريجه 3/ 119.
(2)
أخرجه البخاري ص 48، كتاب مواقيت الصلاة، باب 37: من نسي صلاة فليصلها
…
، حديث رقم 597، وأخرجه مسلم ص 785، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب 55: قضاء الصلاة الفائتة
…
، حديث رقم 1566 [314]684.
(3)
أخرجه البخاري ص 60، كتاب الأذان، باب 95: وجوب القراءة للإمام والمأموم
…
، حديث رقم 757؛ وأخرجه مسلم ص 740، كتاب الصلاة، باب 11؛ وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة
…
، حديث رقم 885 [45]397.
(4)
أخرجه مسلم ص 863، كتاب الصيام، باب 33: أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، حديث رقم 3716 [171]1155.
أكل وهو صائم جاهلاً فإن صومه صحيح سواء كان جاهلاً بالحكم، أو بالوقت؛ لأن أسماء بنت أبي بكر قالت:«أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ غيم، ثم طلعت الشمس»
(1)
؛
ولم يؤمروا بالقضاء؛ ولكن لو فعل المحرم عالماً بتحريمه جاهلاً بما يترتب عليه لم يسقط عنه الإثم، ولا ما يترتب على فعله؛ مثل أن يجامع الصائم في نهار رمضان وهو يجب عليه الصوم عالماً بالتحريم - لكن لا يعلم أن عليه الكفارة: فإنه آثم، وتجب عليه الكفارة؛ لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«يا رسول الله، هلكت قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم»
(2)
؛ فألزمه النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة (2)؛ لأنه كان عالماً بالحكم بدليل قوله: «هلكت» .
فإن قال قائل: «قد ذكرتم أن المأمور لا يسقط بالجهل والنسيان» ، فما الفائدة من عذره الجهل؟
فالجواب: أن الفائدة عدم المؤاخذة؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه محرم يعلم به لكان آثماً؛ لأنه كالمستهزئ بالله عز وجل وآياته، حيث يعلم أن هذا محرم، فيتقرب به إلى الله.
11 -
ومن فوائد الآية: أن فعل الإنسان واقع باختياره؛ لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ؛ فيكون فيها رد على الجبرية الذين يقولون: «إنه لا اختيار للعبد فيما فعل» ؛ وبيان
(1)
أخرجه البخاري ص 153، كتاب الصوم، باب 46: إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس، حديث رقم 1959 ..
(2)
أخرجه البخاري ص 151، كتاب الصوم، باب 30: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء
…
، حديث رقم 1936.
مذهبهم، والرد عليهم بالتفصيل مذكور في كتب العقائد.
12 -
ومنها: أن النسيان وارد على البشر؛ والخطأ وارد على البشر؛ وجهه: قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ، فقال الله تعالى:«قد فعلت»
(1)
؛ وهذا إقرار من الله سبحانه وتعالى على وقوع النسيان، والخطأ من البشر.
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يجعل البشر ينسى، ويخطئ؟
فالجواب: ليتبين للإنسان ضعفه، وقصوره: ضعفه في الإدراك، وضعفه في الإبقاء، وفي كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم، والذاكرة، وما أشبه ذلك؛ وليعرف الإنسان افتقاره إلى الله عز وجل في دعائه في رفع النسيان، والجهل عنه؛ فيلجأ إلى الله عز وجل، فيقول:«رب علمني ما جهلت، وذكرني ما نسيت» ، وما أشبه ذلك.
13 -
ومن فوائد الآية: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها مَنْ قبلنا؛ لقوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} ، فقال الله تعالى:«قد فعلت»
(2)
.
14 -
ومنها: أن من كان قبلنا مكلفون بأعظم مما كلفنا به؛ لقوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} ؛ مثال ذلك: قيل لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل: لن تقبل توبتكم حتى تقتلوا أنفسكم - أي يقتل بعضكم بعضاً؛ قيل: أنهم أمروا أن يكونوا في ظلمة، وأن يأخذ كل واحد منهم
(1)
سبق تخريجه 3/ 119.
(2)
المرجع السابق.
سكيناً، أو خنجراً، وأن يطعن من أمامه سواء كان ابنه، أو أباه، أو عمه، أو أخاه، أو غيرهم؛ وهذا لا شك تكليف عظيم، وعبء ثقيل؛ أما نحن فقيل لنا - حتى في الشرك:{والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 68 - 70].
15 -
ومن فوائد الآية: أن ينبغي للإنسان أن يسأل الله سبحانه وتعالى العافية، فلا يُحَمِّلُه ما لا طاقة له به؛ ففيه رد على الصوفية الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا؛ لأننا عبيده؛ وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه لنكسب أجراً.
16 -
ومنها: أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير في المأمورات؛ فيسأل الله العفو عن تقصيره؛ لقوله تعالى: {واعف عنا} ؛ وسؤالُ الله المغفرة من ذنوبه التي فعلها؛ لقوله تعالى: {واغفر لنا} ؛ لأن الإنسان إن لم يُغفر له تراكمت عليه الذنوب، ورانت على قلبه، وربما توبقه، وتهلكه.
17 -
ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله أن يرحمه في مستقبل أمره؛ فيعفو عما مضى، ويغفر؛ ويرحم في المستقبل؛ لقوله تعالى:{وارحمنا} ؛ وبه نعرف اختلاف هذه الكلمات الثلاث: طلب العفو عن التفريط في الطاعات؛ والاستغفار عن فعل المحرمات؛ والرحمة فيما يستقبله الإنسان من زمنه - أن الله يرحمه، ويوفقه لما فيه مصلحته.
18 -
ومنها: أن المؤمن لا وليّ له إلا ربه؛ لقوله تعالى:
{أنت مولانا} ؛ وولاية الله نوعان: خاصة، وعامة؛ فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين، كقوله تعالى:{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257]، وقوله تعالى:{والله ولي المؤمنين} ، وقوله تعالى:{إن وليّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196]؛ والعامة: ولايته لكل أحد؛ فالله سبحانه وتعالى ولي لكل أحد بمعنى أنه يتولى جميع أمور الخلق؛ مثاله قوله تعالى: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون} [يونس: 30].
19 -
ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بما يقتضي الإجابة؛ لقوله تعالى: {أنت مولانا} بعد أن ذكر الدعاء في قوله تعالى: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} .
20 -
ومنها: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله عز وجل في النصرة على القوم الكافرين؛ لقوله تعالى: {فانصرنا على القوم الكافرين} ؛ والنصر على الكافرين يكون بأمرين: بالحجة، والبيان؛ وكذلك بالسيف، والسلاح؛ وأما السيف، والسلاح فظاهر؛ وأما الحجة، والبيان فقد يجتمع كافر، ومسلم، ويتناظران في أمر من أمور العقيدة فإن لم ينصر الله المسلم خُذل، وكان في ذلك خُذلان له، وللدين الذي هو عليه؛ وهذا النوع من النصر يتعين في المنافقين؛ لأن المنافق لا يجاهَد بالسيف، والسلاح؛ لأنه يُظهر أنه معك؛ ولهذا لما استؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم في قتل المنافقين قال:«لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»
(1)
.
* * *
(1)
سبق تخريجه 3/ 325.