المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ سورة الفاتحة [1: 1] سورة الفاتحة ترتيبها في القرآن (1) وترتيبها في - تفسير القرآن الثري الجامع - جـ ١

[محمد الهلال]

فهرس الكتاب

سورة الفاتحة [1: 1]

سورة الفاتحة

ترتيبها في القرآن (1) وترتيبها في النزول (5).

لها عدَّة أسماء منها الفاتحة؛ لأنّها فاتحة القرآن وتفتح بها الصّلوات، وأمّ الكتاب أو القرآن والسّبع المثاني «سبع آيات» تُثنَّى في كل ركعة؛ أي: تعاد قراءتها، وسورة الحمد، ولها أسماء أخرى، ترتيبها في القرآن «1» ، وترتيبها في النّزول الخامسة.

قيل: نزل بها الوحي مرتين الأولى في مكة عندما فرضت الصّلاة، والثّانية في المدينة عندما حولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ارجع إلى سورة النحل آية (98) للبيان، والآية (36) من سورة البقرة.

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} :

{بِسْمِ اللَّهِ} : الباء للإلصاق أو الملازمة.

والاسم: نوعان: جامد ومشتق، والجامد: الذي يدل على اسم ذات، أو اسم معنى.

والمشتق: ما أُخذ من غيره مثل عالم من علم، والأسماء المشتقة مثل: اسم الفاعل، واسم المفعول

وغيرها.

بسم الله: تكتب بغير ألف كما في هذه الآية، وقد تكتب بألف كما في قوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ} [العلق: 1]، فلماذا تكتب بألف أو بدون ألف ذلك ليدلنا على أن رسم القرآن رسم توقيفي كما أنزله الله سبحانه لم يتغير ولن يتغير إلى قيام الساعة.

{اللَّهِ} : اسم العلم الدال على الذات الإلهية وهو الاسم الأعظم الذي تفرد به الإله المعبود، واجب الوجود، وكامل الصفات والنعوت، ليس كمثله شيء، والاسم الجامع لكل صفات الكمال الإلهية، وقد ذكر اسم الله -جل وعلا- في ألفين وستمئة وتسع وتسعين مرة في القرآن الكريم، كما ورد في المعجم المفهرس (2699).

ومن معاني بسم الله: أي: أقرأ مستعيناً بالله.

وأبدأ بالذي سخَّر لي هذا.

وأقبلت يا رب على قراءتي لا بقوتي ولا باقتداري، ولكن بقوَّتك وقدرتك.

وحين تقول: بسم الله، كأنك تدعوه باسمه الذي يشمل (99) صفة منها العليم الحكيم القوي الخبير العزيز الرحيم العلي الكبير القدير

وقد تكرَّرت هذه الآية (113) مرة في القرآن في بداية كل سورة، إلَّا سورة التوبة. وذكرت في سورة النمل آية (30).

{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . يأتي تفسيرها في الآية (3) من سورة الفاتحة.

والسؤال هنا: هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، وحكم قراءة البسملة في الصلاة.

ص: 1

سورة الفاتحة [1: 2]

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} :

{الْحَمْدُ لِلَّهِ} : الحمد هو الثناء الكامل المطلق باللسان أو بالقلب لله سبحانه على إحسانه وفضله وكرمه وعطائه؛ حمد إجلال وتكبير على صفاته الذاتية.

والحمد لا يكون إلَّا لله تعالى وحده، ويتضمن الشكر، والحمد لله تعالى يشمل حمد الألوهية وحمد الربوبية.

فحمد الألوهية: لكونه -جل وعلا- الإله الحق الذي يستوجب الحمد.

فالله سبحانه يستحق الحمد لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه؛ ولأنّه لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذّل، حمداً لوجوده وعدله وحكمه وقضائه وعلمه وحكمته.

وأمّا حمد الرّبوبية: فلأنّه هو المتكفل بخلق المخلوقات والموجودات وإنشائها القائم على هدايتها وإصلاحها، وكذلك هو الرّزاق والمربي والحفيظ والولي والنّاصر، نحمده على نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ونعمة التّبليغ والتّكليف ونعمة التسخير ونعمه الأخرى، والّتي لا تعد ولا تحصى.

أليس هو الّذي سخَّر لنا ما في السّموات وما في الأرض وأسبغ علينا نعمهُ ظاهرة وباطنة وأنعم علينا بنعمة الإيمان والإسلام وبنعمة القرآن، وأرسل إلينا خاتم رسله صلى الله عليه وسلم.

أليس ذلك يستوجب الحمد؟ نحمده حمداً طيباً مباركاً يليق بعظمته وجلاله، والحمد للعطاء وللمنع فالمنع في حد ذاته عطاء فالحمد لله في السّراء والضّراء وإذا أعطى أو إذا منع.

الحمد لله، قيل: أصله أحمد الله حمداً أو حمدت الله حمداً، ثم أولاً: حذف الفعل أحمد أو حمدت اكتفاء بدلالة مصدره عليه وهو الحمد، وثانياً: عدل إلى الرّفع لقصد الدّلالة على الثّبوت والدّوام حمدٌ لله؛ أي: حمدٌ ثابت مستمر منذ الأزل إلى الأبد فهو المحمود قبل حمد الحامدين وهو الغني عن حمد الحامدين الأولين والآخرين.

وثالثاً: جاء بأل التّعريف لتدل على كمال الحمد المصحوب بالعبودية له وحده والإخلاص والحب والتّعظيم والحمد لله مطلقة لا تختص بفاعل معين أو زمن معين، كما لو قال: أحمد الله أو حمداً لله، فهذه تدل على فاعل وزمن معين.

والحمدُ لله جملة اسمية تدل على الثّبات، واستمرار الحمد، بحيث لا ينقطع ليلاً ونهاراً، كما لو قال: الحمدَ لله جملة فعلية تدل على التّجدد والتّكرار، والجملة الاسمية أقوى وآكد من الفعلية والحمد أعم من الشّكر فالحمد لا يكون إلَّا لله وحده، وأمّا الشّكر فقد يقال لمن أسدى إليك معروفاً. ويكون باللسان والجوارح (بالطاعة).

{لِلَّهِ} : اللام في لفظ الجلالة لام الاختصاص والاستحقاق، الله: هو الاسم الأعظم الّذي خص الله به بنفسه وقدَّمه على كل أسمائه الأخرى فهو علم على ذاته العلية، وعلى أنّه الإله الحق واجب الوجود والإله المعبود. وهو الاسم الجامع لكل الصفات الإلهية واسم الجلالة لا يشاركه فيه غيره لا يُثنى ولا يجمع.

{رَبِّ} : نعت للفظ الجلالة (الله) أو بدل، اسم الله الدال على كونه الخلاق الرّزاق والمربي لعباده والمالك والسيد والمدبر والمحي والمميت والقيوم على شؤون خلقه تدبيراً وتصريفاً.

{الْعَالَمِينَ} : جمع عالم، العالم اسم جنس تشمل كل العوالم عالم الجن والإنس والملائكة والحيوان والنّبات والجماد والذّر وغيرها، وغلب العقلاء على غيرهم فقال العالمين، وهناك من يطلق على المخلوقات غير العاقلة عوالم.

الحمد لله؛ لأنّه رب العالمين يعطي الكل المؤمن والكافر والمطيع والعاصي من عطاء الرّبوبية يعطي كل مخلوق هدايته وحاجته ومعاشه وما يصلحه.

ص: 2

سورة الفاتحة [1: 3]

{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} :

قابل سبحانه الحمد والثّناء له؛ لأنّه الرّحمن الرّحيم.

{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} : اسمان من أسمائه مشتقان من الرّحمة ويجريان مجرى الصفة.

فالرحمن: صيغة مبالغة من الرّحمة كثرة الرّحمة على وزن فعلان الّتي تدل على التّجدد والتّكرار والرّحمن هو من عمَّت رحمته جميع المخلوقات في الدّنيا المؤمن والكافر والمطيع والعاصي فهو رحمن الدّنيا.

هذه الرّحمة الّتي تتضمن الإيجاد والرزق والهداية والإنعام والإحسان.

الرّحيم: صيغة مبالغة من الرّحمة على وزن فعيل الّتي تدل على الثّبوت أي: دائم ثابت الرّحمة الرّحيم بعباده المؤمنين في الدّنيا والآخرة رحمة خاصة فالرّحمن صفة عامة تشمل كل مخلوق والرّحيم صفة خاصة للمؤمنين.

فكون الرّحمن الرّحيم فهو جمع الصّفتين معاً؛ أي: رحمة ثابتة دائمة لا تنقطع، وكذلك تتجدد وتتكرر لعباده لمن هو في حاجة إليها ويطلبها منه، وقدم الرحمن على الرحيم قدم العام (الرحمن) على الخاص (الرحيم).

ص: 3

سورة الفاتحة [1: 4]

{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} :

لها قراءتان مالك يوم الدّين، وملك يوم الدّين، والقراءتان صحيحتان.

{مَالِكِ} : أو ملك: أي الحاكم وحده يوم الدّين؛ أي: يوم الحساب والجزاء فيكافئ ويجازي كلّاً على عمله، وملك أي: صاحب الملك من التّملك فهو مالك وملِك السّموات والأرض وما فيهن ومالك وملك كل الأشياء والأوقات والزّمان والأيام بما فيها يوم الدّين.

{يَوْمِ الدِّينِ} : أي: يوم الحساب والجزاء والدِّين له معان كثيرة أيضاً منها الطّاعة والشّريعة والخضوع والقهر. والدِّين في اللغة: الجزاء: أي: يوم الجزاء والثواب.

فيوم الدِّين: أعمُّ وأشمل من يوم القيامة ومن يملك يوم الدّين، يعني: يملك ما يجري فيه من الأحداث ويملك الزّمان، وبما أنّه يوم الجزاء والجزاء لا ينتهي، ويمتد إلى الآخرة ليشمل الخلود في الجنة أو في النّار.

ص: 4

سورة الفاتحة [1: 5]

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} :

{إِيَّاكَ} : ضمير فصل وتقديم إياك على نعبد يفيد الحصر والاختصاص أي: لا نعبد إلَّا أنت.

{نَعْبُدُ} : العبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر أو نهى والعبادة لا تكون إلَّا للخالق وتعني الخضوع ولها جزاء، ولا تكون إلَّا مع المعرفة بالمعبود. ارجع إلى سورة النحل الآية (73) لمزيد من البيان في معنى العبادة.

{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} : أي: لا نستعين إلَّا بك وحدك، نستعين نطلب العون للوصول إلى الغاية، نستعين بك في كل حركة وقول وفعل كل أمر وكل شيء في العبادة والطّاعة والرّزق والهم والغم والعجز والكسل، وفي كل أمر من أمور الدّنيا والآخرة.

وتكرار إياك للتوكيد وفصل كلاً من العبادة عن الاستعانة فقد نعبد الله، ولا نطلب منه الاستعانة أو نستعينه ولا نعبده، ولذلك لم يقل: إياك نعبد ونستعين كيلا تصبح العبادة مشروطة بالاستعانة أو الاستعانة مشروطة بالعبادة، وإياك نعبد تدل على حق الرّب، وإياك نستعين تدل على حق العبد.

وقوله: نعبد: لم يحدد نوع العبادة، بل أطلقها لتشمل كل أنواع العبادات.

وقوله: نستعين: لم يحدِّد نوع الاستعانة وأطلقها لتشمل كل أنواع الاستعانة المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، وقرن العبادة بالاستعانة؛ لأن العبد يحتاج إلى الاستعانة بالله لكي يقوم بالعبادة، ولولا عون الله تعالى ما استطاع العبد أن يعمل شيئاً.

ولم يقل: إياك أعبد وإياك أستعين بصيغة الإفراد، وإنما جاءت بصيغة الجمع إشارة إلى أفضلية الدّعاء بصيغة الجمع بدلاً من الدّعاء أو الاستعانة بصيغة الإفراد أو صلاة الفرد، وقدَّم العبادة على الاستعانة؛ لأنّ العبادة فرض وحق الله تعالى على العبد، والاستعانة ليست فرض وإنما طلب وحق للعبد فقدَّم حق الله على حق العبد والعبادة هي الغاية الأولى لخلق الإنس والجن والاستعانة وسيلة، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وملاحظة أخرى: مطلع الآيات في الفاتحة جاءت بصيغة الغائب، ثم تحولت إلى صيغة المخاطب بدءاً من قوله: إياك نعبد وإياك نستعين والسّر في ذلك أنّ الثّناء في حالة الغيبة أولى وأفضل والدّعاء في حالة الحضور «المخاطب» أولى وأفضل.

إياك نعبد تدل على الخضوع والتّواضع فهي دواء للكبر، وإياك نستعين دواء للضعف والعجز، واهدنا الصّراط المستقيم دواء للجهل.

ص: 5

سورة الفاتحة [1: 6]

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} :

{اهْدِنَا} : دعاء يتكرر سبع عشرة مرة في اليوم في صلاة الفرض فقط فما بالك أيضاً بصلاة السنة وغيرها من الصلوات؛ الهداية: تعني الدلالة والإرشاد والتوفيق والإلهام وتعني أيضاً: وفقنا للاستقامة على الصراط المستقيم، وأقمنا على ذلك، وتكرار هذا الدعاء يدل على أهمية المطلوب، ويدل على أن الإنسان بحاجة إلى هداية ربه مهما بلغ من العلم والإيمان؛ لأنه ليس معصوم من الزلل.

واهدنا: بصيغة المخاطب أو الخطاب المباشر من العبد إلى ربه، والدعاء بصيغة الخطاب أولى وأقوى من الدعاء بصيغة الغائب، واهدنا بصيغة الجمع مقارنة بالقول اهدني الصراط المستقيم، والدعاء بصيغة الجمع أفضل من الدعاء بصيغة الإفراد حيث ندعو للمؤمنين كما ندعو لأنفسنا.

{الصِّرَاطَ} : هو الطّريق الواسع، أوسع الطرق أو السبل، المستقيم: الذي لا عوج فيه وبذلك يكون الأقصر والأسهل وأسلم الطّرق الموصلة إلى الغاية وهي رضوان الله تعالى والجنة، فالصراط ليس هو الغاية وإنما هو الوسيلة الموصلة للغاية.

والصراط: أفضل من السبيل أو الطريق، والصراط: في هذه الآية جاءت معرفة بأل التعريف التي تدل على الكمال، وتعني: البين الواضح وفي الآية (7) في نفس السورة قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} جاءت كلمة صراط مضافة ومعرفة بصراط الذين أنعمت عليهم، والصراط المستقيم: هو نفسه صراط الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين.

{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} : أي: دين الإسلام الدّين الحق الدّين القيم الموصل إلى الغاية بأقصر السّبل وأيسرها وأسلمها.

قال سبحانه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ولم يقل: اهدنا إلى الصّراط المستقيم أو اهدنا للصراط المستقيم.

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} : أي: هم على الصّراط المستقيم الآن ويسألونه الهداية للسير فيه وتعريفهم عليه والثّبات والاستقامة والاستمرار للوصول إلى النّهاية والغاية.

أما اهدنا إلى الصّراط المستقيم: تعني هم خارج الصّراط الآن أو بعدين عنه، ولا يعرفونه ويسألونه لدلالة والمعرفة لكي يسلكوا الصّراط المستقيم.

وأما اهدنا للصراط المستقيم: تعني هم وصلوا إلى النّهاية والغاية أو أتموا السّير على الصّراط كالأنبياء والصّديقين والشّهداء والصّالحين الّذين سبقونا.

ص: 6

سورة الفاتحة [1: 7]

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} :

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} : أي: اهدنا صراط الذين عرفوا الحق وعملوا به من النّبيين والصّديقين والشّهداء والصّالحين الذّين أنعمت عليهم بالهداية والإيمان والاستقامة على الصّراط المستقيم حتّى وصلوا إلى الغاية والنّهاية، وهي رضوان الله عليهم {رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، وأنعمت عليهم تشمل: الأولين والذين جاءوا من بعدهم؛ أي: صراط الذين أنعمت عليهم من الأولين والأخرين وأنعمت تحمل معنى كثرة: الذين أنعمت عليهم بمرور الزمن.

{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} : غير تفيد المغايرة ذاتاً وصفة. المغضوب عليهم: أهل المعصية من اليهود والمنافقين والمشركين والكافرين (كما قال الفخر الرازي).

ولم يقل: غير صراط المغضوب عليهم لكفرهم وإفسادهم في الأرض وصدهم عن سبيل الله كثيراً ومنهم اليهود وغيرهم.

والمغضوب عليهم: جاء باسم المفعول بدلاً من اسم الفاعل غاضب؛ أي: (الغاضب عليهم)، ليجعل الجملة اسمية تدل على ثبوت كفرهم ودوامه والواقع عليهم من غضب الله من كل الجهات من الله ومن الملائكة ومن النّاس أجمعين.

وغضب الله يعني: الطّرد والبعد عن رحمة الله ورضوانه.

{وَلَا الضَّالِّينَ} : الواو عاطفة، لا: لتوكيد النّفي وفصل كلاً من المغضوب عليهم عن الضّالين أهل الجهل وكالنّصارى وغيرهم الّذين زعموا أنّ المسيح ابن الله أو ثالث ثلاثة، والضّالين: جمع ضال وتعني عن طريق الهدى والصراط المستقيم والضّالين تشمل كل ضال في العقيدة والمنهج نتيجة فساد العلم والضّالين جملة اسمية تدل على الثّبوت واستمرار ضلالهم. ارجع إلى الآية (198) من نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الضالين.

وقدَّم المغضوب عليهم على الضّالين لأن المغضوب عليهم جاءوا قبل الضالين ولكونهم أشد ضلالاً وجرماً وعقوبة؛ لأنّهم عرفوا الحق وعدلوا عنه، وأما الضالين جهلوا الحق ولم يعرفوه.

ص: 7

سورة البقرة [2: 1]

سورة البقرة

ترتيبها في القرآن السورة الثانية، وترتيبها في النّزول (87)

{الم} :

بالنسبة للحروف المقطعة، في أوائل السور، يجب أنّ نعلم الحقائق التالية:

هناك (29) سورة في القرآن، بدأت بهذه الحروف المقطعة، وسمِّيت مقطعة؛ لأنَّ كل حرف ينطق بمفرده، مثل: ألف، لام، ميم، والحروف المقطعة عددها (14) حرفاً، من حروف الهجاء الـ (29).

هي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون.

إذا نظرت إلى هذه الأربعة عشر حرفاً، وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، يعني ذلك، فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون.

ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف، ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون، ومن المطبقة؛ نصفها: الصاد، والطاء، ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون.

ومن المستعلية نصفها: القاف، والصاد، والطاء، ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون، ومن حروف القلقلة نصفها: القاف، والطاء.

بعض هذه الحروف؛ وردت كآية، مثل:{الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} : [البقرة: 1]. وبعضها، ورد كجزء من آية، مثل {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1].

تجمع هذه الحروف الأربعة عشر جملة: نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ له سر، أو نصٌّ حكيم له سرٌّ قاطع. وهذه السور الـ (29)، بدأت إما بحرف، مثل: ن، ص، ق، وإما بحرفين: مثل: حم، يس، طس؛ وإما بثلاثة أحرف كما في سورة يونس وهود ويوسف وإبراهيم.

ومثل الم، (سورة البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، السجدة، لقمان).

وإما بأربعة أحرف: المص (سورة الأعراف)، والمر (سورة الرعد).

وإما بخمسة أحرف: كهيعص (سورة مريم)، حم، عسق (سورة الشورى).

وتقرأ هذه الحروف بالوقف، فلا تقول: ألم، كما في {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ، بل نقول: ألف لام ميم.

عجز المفسرون والعلماء في معرفة معناها، ولم يتطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا الصّحابة الكرام إلى السّؤال عن معناها، ولا يعلمها إلَّا الله وحده سبحانه.

ونلاحظ أنه إذا بدأت بحرف أو حرفين، مثل: ق أو ص، جاء بعدها ذكر القرآن؛ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} ، {ص وَالْقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ} ، وبحرفين مثل يس، طه:{يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} ، {طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} ، {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} (كما في سورة الزخرف والدخان).

وإذا بدأت بثلاثة أحرف أو أكثر، يأتي بعدها ذكر الكتاب؛ أمثلة:

{الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} .

{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} .

المر (أربعة أحرف)، تلك آيات الكتاب، والذي أنزل إليك، ونلاحظ سبع سور، بدأت حم تلاها ذكر الكتاب، وأما سورة الشورى؛ حم عسق، لم يذكر بعدها الكتاب، ونلاحظ ذكرت كلمة (الكتاب) في (20) سورة من (29) سورة، الّتي ذكرت فيها الأحرف المقطعة. بينما ذكرت كلمة القرآن في (6) سور، وفي سورتين ذكر (القرآن والكتاب) معاً في سورتي الحجر، والنمل.

أما ما قيل بخصوص هذه الأحرف المتقطعة:

1 -

إنها نزلت لإثبات عربية القرآن، وإن القرآن نزل بلغة العرب.

فالحروف: الم، ق، ص، وغيرها؛ هي حروف عربية، فهي نزلت لإثبات عربية القرآن.

2 -

قيل: هذه الحروف المقطعة؛ نزلت لتحدي العرب؛ فالقرآن يتألف من هذه الأحرف، الّتي تتعلمون بها، فائتوا بمثل هذا القرآن أو الآيات.

3 -

قيل: هذه الحروف، تثبت أنّ القرآن منزل من عند الله سبحانه، وليس من عند الرسول؛ فلو كانت من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، لفسَّرها لنا؛ إذ لا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصّحابة، سألوا عن معناها.

4 -

هذه الحروف نزلت، ليتعبد الله سبحانه بها وحده، فهو أنزلها، ثم نقرؤها: ألف لام ميم، فنثاب 30 حسنة، فنعبد الله سبحانه بها، وإن كنا لا ندري ما معناها، ولا الحكمة منها، فإننا نقول: سمعنا وأطعنا، ونؤمن بها، ونقول:{كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، ولا نقول:{نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} .

5 -

حروف استأثر الله سبحانه بعلمها، فهي من المتشابه، الذي لا يعلمه إلَّا الله -جل وعلا- .

6 -

قيل هي حروف، لها دلالة على أسماء الله الحسنى، وصفاته.

7 -

حروف، أقسم الله تبارك وتعالى بها.

8 -

قد يكون لها علاقة بسمات التعبير في السور.

ص: 8

سورة البقرة [2: 2]

{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} :

{ذَلِكَ} : ذا؛ اسم إشارة، واللام؛ للبعد، والكاف؛ للخطاب.

اسم إشارة؛ يُشير إلى بعد منزلة الكتاب، وعلو شأنه.

{ذَلِكَ الْكِتَابُ} : أي: القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ، والكتاب هو جزء من المكتوب في اللوح المحفوظ، ويسمى الكتاب؛ لكونه مكتوباً في السطور، وفي اللوح المحفوظ، والكتاب؛ يسمى القرآن؛ لكونه مقروءاً، ومن القراءة، ولكي يقرأ، يجب أن يكون قريباً، ولذلك نجد أنه يستعمل مع كلمة القرآن اسم الإشارة هذا؛ الذي يدل على القرب، في 15 آية في القرآن.

كقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].

{وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ} [الأنعام: 19].

{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى} [يونس: 37].

{ذَلِكَ الْكِتَابُ} : جاء بأل التعريف؛ للدلالة على الكمال؛ أي: الكتاب الكامل، التام. وقد تعني كلمة الكتاب: أحياناً التّوراة، والإنجيل، والزبور؛ أي: الكتب السماوية الأخرى، كقوله سبحانه:{وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [النّساء: 136].

وكلمة الكتاب؛ لها معان أخرى، سنراها في آيات أخرى، وله أسماء كثيرة؛ منها: الفرقان، الروح، الذكر، النور، البرهان، موعظة وشفاء، بصائر.

{لَا رَيْبَ فِيهِ} : لا: النّافية للجنس، تنفي كل الأزمنة؛ الماضي والحاضر، والمستقبل، تنفي عن القرآن الريب، في الماضي، والحاضر، والمستقبل.

والريب: مصدر راب، يريب، وجاءت نكرة، (ولم يقل الريب) لتشمل نفي كل أنواع الريب، والقليل، والكثير.

وتعريف الريب؛ هو الشك، مع التهمة، والشك؛ تعريفه هو تساوي طرفي النفي، والإثبات، والريب أعم من الشك، فالكفار، والمشركون، كانوا يشكون في القرآن، أنه منزل من عند الله.

وكانوا يتَّهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنه افتراه، أو أنه إفك، وأساطير الأولين، اكتتبها، فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً.

وانتبه إلى تقديم كلمة الريب على كلمة فيه، للدلالة على التّوكيد، توكيد النفي، نفي الريب عن القرآن، وكذلك نفي الريب، عن سائر الكتب السماوية الأخرى، كونها منزلة من عند الله -جل وعلا- .

{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} : أي: مصدر هداية، أو هو الهدى، والهادي للحق، والهادي إلى الصّراط المستقيم، والغاية، وهي السعادة، والكمال في الدارين.

{لِّلْمُتَّقِينَ} : اللام في المتقين، لام الاختصاص، والمتقين؛ جمع متق، والمتقي اسم فاعل، من اتقى. والتقوى: هي طاعة أوامر الله وتجنب نواهيه الّتي تقي من النار. ومن سخطه وغضبه.

وكما هو هدى للمتقين، هو هدى للناس، وللمسلمين، وللمؤمنين، وللمحسنين، فهو هدى للجميع، والكل بحاجة إلى هذا، كما قال تعالى في سورة البقرة آية 185:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} ، وفي سورة النحل آية 102:{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} .

وفي سورة النمل الآية (2): {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} .

وفي سورة لقمان الآية (3): {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} .

وهل المتقون بحاجة إلى هداية؟

الجواب: نعم. كي يرتقوا لدرجة الإحسان، ومن بعدها لدرجة إسلام الوجه، كقوله سبحانه:{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النّساء: 125]، {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76].

{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} : أي: ما جاء به، من أحكام، وتعاليم، وأوامر، ونواهٍ، وقصص، ومواعظ وأمثلة، ووعد، ووعيد، وحلال، وحرام كلها هدى للمتقين، ولهؤلاء المتقين ست صفات:

ص: 9

سورة البقرة [2: 3]

{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} :

الصفة الأولى؛ الإيمان بالغيب.

{الَّذِينَ} : اسم موصول.

{يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} : يصدقون {بِالْغَيْبِ} ، والباء للإلصاق، والمصاحبة، والتصديق يكون بالقلب، واللسان، والجوارح.

{يُؤْمِنُونَ} : جاء بصيغة المضارع؛ ليدل على التجدد، والتكرار، والاستمرار في إيمانهم.

وقمة الإيمان بالغيب؛ الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وقدره؛ خيره، وشره.

{بِالْغَيْبِ} : الغيب؛ تعريفه: ما غاب عن العباد، واستتر؛ أي: ما غاب عن العيون، مثل الجنة، والنار، والملائكة، واليوم الآخر، وحياة البرزخ وعذاب القبر والبعث والحشر والحساب والموازين والصراط، وكل ما أخبر الله تعالى به رسله من علم الغيب.

وجمعه غيوب. والغيب نوعان: المطلق، وهو ما غاب عن كل العباد، والذي ينفرد به الله سبحانه، والغيب النسبي: هو الذي أطلع الله تعالى رسله عليه، والاكتشافات العلمية، لا يطلق عليها غيب.

{وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} : هذه؛ هي الصفة الثانية.

{وَيُقِيمُونَ} : الواو؛ عاطفة، {الصَّلَاةَ}؛ أي: الصلوات الخمس، {وَيُقِيمُونَ} من أقام العود، إذا قومه، إذا أزال عوجه؛ أي: إتمام فعلها على الوجه المأمور به في القرآن والسنة.

والمحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وأركانها، وسننها، وآدابها، وخشوعها، والدوام عليها، كما قال تعالى:{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23].

{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9].

والصلاة؛ اسم جنس لفعل (صلَّى) الرباعي، والألف في الصلاة، منقلبة عن واو (صلوة)، وجمع صلاة صلوات.

وجيء بصيغة الفعل المضارع {وَيُقِيمُونَ} ؛ للدلالة على التجدد، والاستمرار؛ خمس مرات في اليوم.

{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} : هذه هي الصفة الثالثة {يُنْفِقُونَ} ، من أنفق على وزن أفعل، والنفقة هي إخراج المال من المُلك.

{وَمِمَّا} : من ابتدائيه ومن البعضية، وما اسم موصول، بمعنى الذي، (وما) أوسع شمولاً من الذي {يُنْفِقُونَ} ، من بعض أموالهم، ولم يبين في هذه الآية المقدار، أو أوجه الإنفاق.

{يُنْفِقُونَ} : تشمل: الصدقات، والزكاة، وسائر النفقات، الواجبة شرعاً، وجاء بصيغة المضارع؛ لتجدد، وتكرر الإنفاق، وفي آية أخرى، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [التوبة: 71]، والفرق بين هاتين الآيتين:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} : أوسع وأعم من آية الزكاة، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} ، فالزكاة تنطوي تحت مما رزقناهم ينفقون.

الرزق: هو كل ما ينتفع به، وليس حراماً ولا يكون الرزق إلّا حلالاً، وقدَّم {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} على {يُنْفِقُونَ} ، تقديم المفعول على الفاعل للاهتمام والتوكيد على أنه من رزق الله والرزق لا يقتصر على المال، كما يظن البعض، بل يشمل العلم، والصحة، والأولاد، والطعام. وغيرها.

ص: 10

سورة البقرة [2: 4]

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} :

{وَالَّذِينَ} : الواو عاطفة، الذين: اسم موصول، وتكرار الّذين للتوكيد وفصل كل صفة عن الأخرى.

{يُؤْمِنُونَ} : يصدقون، و {يُؤْمِنُونَ} من الإيمان؛ وهو التصديق الجازم، في القلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وما أقره الشرع.

{بِمَا} : الباء للإلصاق، للاهتمام، والتعظيم؛ ما: اسم موصول، بمعنى الذي أنزل إليك؛ أي: القرآن الكريم. أو الوحي.

وآمن به؛ تصديق عقدي، إيمان عقيدة، مثل: الإيمان بالله، وبالملائكة، والكتب، والرسل، وأمن له: أي: صدقه سواء أكان قولاً أم عملاً. وتأتي في سياق التصديق بالرسل

الفرق بين أنزل ونزل:

1 -

أنزل تعني: جملة واحدة، أو مرة واحدة. من اللوح المحفوظ إلى السماء الدّنيا، ونزل تعني: منجماً على دفعات خلال 23 سنة.

2 -

أنزل إليك أو عليك منسوبة إلى الله عز وجل . بينما نزل إليك أو عليك قد تنسب إلى جبريل عليه السلام أيضاً.

3 -

أنزل أقل قوةً وتأكيداً من نزل. أي: نزل تستخدم في مواطن الاهتمام والتوكيد والشدة، وأنزل تستخدم في سياق الأمور الأقل توكيداً وشدة واهتماماً.

4 -

وأنزل تأتي في سياق العام، ونزل فيما هو خاص.

أما الفرق بين إليك وعليك: إليك تفيد معنى النهاية والغاية، وتأتي في سياق التبليغ أي: أنزل إليك لينتهي إلى النّاس أي: يصل أو لتبلغه للناس.

عليك تفيد العلوية والمشقة وفي الشؤون الخاصة بالرسول أو العامة.

{وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} : وما اسم موصول، بمعنى الذي أنزل من قبلك، من الكتب السماوية، كالتوراة والإنجيل، والزبور.

وتكرار ما أنزل لفصل الإيمان بالقرآن عن الإيمان بالكتب السماوية الأخرى، فهناك من يؤمن بالقرآن، ولا يؤمن بالكتب الأخرى، أو يؤمن بالكتب الأخرى، ولا يؤمن بالقرآن، أو لا يؤمن بكلا النوعين: فمن صفات المتقين: الإيمان بالقرآن، والإيمان بالكتب الأخرى، مثل التّوراة، والإنجيل، والزبور، فلا يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض.

{وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} : الباء للإلصاق، (والمصاحبة)، {وَبِالْآخِرَةِ}: سمِّيت بالآخرة؛ لأنّ الدّنيا تسبقها، وتسمى بالأولى. أو العاجلة.

{هُمْ} ضمير منفصل، يفيد التّوكيد؛ أي: هم أهل اليقين حقاً وغيرهم أدنى درجة منهم.

{يُوقِنُونَ} : من اليقين؛ واليقين في اللغة يعني: التحقيق والثبات والطمأنينة، وفي الشرع يعني: العلم بالحق، الذي لا يتغير ولا يتبدل والمزيل للشك والرياء مصدق به في عالم الواقع ومصدق به بالقلب بحيث لا يحتاج إلى التفكير به من جديد ليناقش أو يدرس، وله مراحل المرحلة الأولى علم اليقين والثانية عين اليقين والثالثة حق اليقين، ويوقنون جاءت بصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار، وقد ترد بصيغة اسم الفاعل الموقنون أو يرد بلفظ اليقين.

وفي هذه الآية؛ نرى تقديم الآخرة على هم، بدلاً من: وهم بالآخرة يوقنون؛ لأنّ الإيمان بالآخرة؛ من أصعب الأمور، والتقديم للاهتمام، وللتوكيد، حتّى يدرك الّذين آمنوا أنّ إيمانهم غير مقبول، حتّى يؤمنوا بالآخرة، واليوم الآخر.

وفي سورة لقمان آية 4: {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} ؛ ولمعرفة الفرق، ارجع إلى سورة لقمان.

ص: 11

سورة البقرة [2: 5]

{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} :

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام للبعد، يشير إلى المتقين.

{عَلَى هُدًى مِنْ رَّبِّهِمْ} : على تفيد الاستعلاء، والدلالة على ثباتهم، على الهدى، وتمكنهم منه.

{هُدًى} : نكرة؛ تشمل كل أنواع الهدى؛ أي: كأنهم ركبوا على مركب الهدى، واستقروا على ظهره، وثبتوا عليه، وهو يجري بهم ليبلغوا غايتهم. ففي سياق الهدى يستعمل على، وفي سياق الضّلال تستعمل كلمة في ضلال مبين؛ لأنّ الضال هو ساقط في الضلالة، والمهتدي هو ثابت ومستعلٍ على طريق الهدى.

{أُولَئِكَ} : تكرار اسم الإشارة {أُولَئِكَ} ؛ يفيد التعظيم، ويشير إلى علو منزلتهم. والتوكيد.

{هُمُ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد. أي: هم في أوائل المفلحين أو كأنهم هم وحدهم المفلحون حقاً.

{الْمُفْلِحُونَ} : جمع مفلح، ومفلح اسم فاعل، من الفعل (أفلح).

والفلاح؛ هو نيل الخير، والنفع الباقي أثره، وأصل الفلاح البقاء، والفوز، والظفر، وإدراك ما يتمناه العبد، وهو الفوز بالجنة، والنجاة من النار، ومشتقة من الفلْح؛ بسكون اللام، وهو الشق والقطع، ومنها: فلاحة الأرض؛ أي: حرثها، وبذرها، كي تأتي بالخير الوافر. وقيل: الفلاح هو السلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب فالمفلحون؛ هم: الفائزون بالجنة، والناجون من النار.

والمفلحون: جملة اسمية تفيد الثبوت أي: صفة الفلاح أصبحت صفة ثابتة عندهم.

ص: 12

سورة البقرة [2: 6]

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :

بعد ذكر المتقين، وذكر بعض صفاتهم باختصار، يأتي على ذكر الذين، كفروا، وبعض صفاتهم، وجزائهم في الآخرة.

{إِنَّ} : للتوكيد.

{الَّذِينَ كَفَرُوا} : أي: السائرون على درب الكفر.

والكفر في اللغة: هو الستر، وكفر ستر: أي ستر وجود الله، وستر نعم الله تعالى؛ أي: أنكر وجوده؛ أي: الجحود، ويعني: عدم التصديق بالله، وما أنزل.

الكفر في الشرع: هو إنكار شيء، جاء به القرآن، أو النّبي صلى الله عليه وسلم، بطريق يقيني، قاطع.

أنواع الكفر:

1 -

الكفر الجحودي: ومن أسبابه؛ الاستكبار، مثل: كفر فرعون، وإبليس، وغيرها.

2 -

الكفر الجهلي: ومن أسبابه الغفلة، والجهل.

3 -

الكفر الحكمي: كالكفر بوحدانية الألوهية، أو الربوبية، أو الصفات، والأسماء. وبأركان الإيمان كالإيمان بالملائكة والرسل والكتب والنبيين واليوم الآخر، أو تكذيب بالغيب، كالجنة، والنار، والصراط، والميزان، أو الاستهزاء بالله، وآياته، ورسله، والدِّين.

والمكفرات ترجع إلى: مكفرات اعتقادية: كإنكار الخالق سبحانه، أو وحدانيته، وربوبيته، وصفاته، كاتخاذ الزوجة، والولد أو عجزه، أو عدم عدله، أو إنكار صفة له من صفاته، وإنكار الأنبياء، والرسل، ويوم القيامة، أو الكتب السماوية، أو القرآن، ولو آية فيه، والبعث، والحساب، والجنة والنار.

إنكار فرض من فروض الإسلام؛ صلاة، زكاة، صيام، حج، جهاد.

مكفرات قولية؛ كالاستهزاء بالدِّين، والعقائد، والأحكام، وسب الرسل عليهم السلام.

والشرك الأكبر؛ أن يُعبد مع الله إلهٌ آخر؛ ويعتبر ذلك من الكفر.

{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} : أي: استوى عندهم الإنذار، أو عدمه؛ أي: لم يعد هناك فائدة من إنذارهم، أو عدم إنذارهم، فهم لن يؤمنوا. ولمقارنة سواء عليهم وقوله تعالى وسواء عليهم بزيادة الواو؛ ارجع إلى سورة ياسين آية (10) للبيان.

{ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} : الإنذار؛ هو الإعلام، المصحوب بالتحذير، والتخويف.

{ءَأَنذَرْتَهُمْ} : الهمزة همزة تسوية. أي: استوى أو تساوى عندهم الإنذار أو عدمه.

{أَمْ} : المتصلة للإضراب الانتقالي، وتفيد الاستفهام، المصحوب بالإنكار، والتوبيخ.

{لَمْ تُنذِرْهُمْ} : لم؛ حرف نفي، يفيد استمرار النفي؛ أي: سيستمرون على كفرهم.

{لَا} : النّافية؛ تنفي كل الأزمنة، نفي الإطلاق، والعموم، تنفي الماضي، والحاضر، والمستقبل.

{لَا يُؤْمِنُونَ} : لا يصدقون بالله، وبما أنزل، ويتكرر، ويتجدد عدم إيمانهم، ويستمرون عليه.

ص: 13

سورة البقرة [2: 7]

{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} :

{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} : الختم؛ يعني: السد، والإغلاق، والخاتم هو ما سُدَّ به، وأغلق به، والختم على القلب؛ يعني: بأن لا يدخله أي إيمان، ولا يخرج منه أي كفر.

وشبه القلب، هنا؛ بالوعاء، يمكن سده وإغلاقه، فلا يدخله نور الإيمان، ولا يخرج منها كفر، فقلوبهم كالأوعية، الّتي أبت عن الحق، واستمرت على ذلك، فختم عليها.

وأسند الختم إلى ذاته تعالى على قلوب هؤلاء الكفرة بعد أن تمادوا في كفرهم وبلغوا أقصى غاياته وابتعدوا عن الحق، فلم يعد ينفعهم الإنذار أو عدمه.

فهم الّذين ختموا على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم بأنفسهم، وهم الّذين اختاروا ذلك على الإيمان، فتركهم الله سبحانه؛ لما اختاروا، وتخلى عنهم.

والطبع أشد من الختم، وأقوى، وأشمل، ولا يفك أبداً، والذي يطبع على قلبه، يُفقد الأمل منه في غالب الأحوال، إلَّا من رحم الله، وأما الذي يختم على قلبه، فقد يختم على قلبه، ولا يختم على سمعه، وبصره، فقد يكون هناك بريق أمل في عودته إلى الإيمان.

وقدَّم القلوب على السمع؛ لأنّ السياق في الآيات، يتحدث عن القلوب المريضة {فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} .

{وَعَلَى سَمْعِهِمْ} : الختم على السمع؛ يعني: تعطلت عندهم حاسة السمع، عن سماع الحق، وما ينفعهم لآخرتهم، فهم لا يستمعون لأي آية، ولا لأي موعظة، أو إنذار، رغم أنهم يسمعون الكلام العادي، وآذانهم ليس بها مرض عضوي، هم الذين اختاروا أن يسدُّوا آذانهم، وختموا عليها، فأذن الله تعالى لهم ذلك.

{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} : الغشاوة؛ هي الغطاء، والستر، وأبصارهم جمع بصر، والبصر؛ يشمل العين، والبصيرة.

والبصيرة: منطقة بالدماغ، هي الّتي تدرك، وتفكر، وتقوم بالرؤية القلبية، {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} ؛ جملة اسمية، تفيد الدوام، والثبات؛ أي: على أبصارهم غشاوة منذ البداية؛ فهم لم يسبق أنّ أبصروا (من البصيرة).

بينما قوله تبارك وتعالى: {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]، جملة فعلية، تدل على التجدد، والتكرار، فهذا كان مبصراً قبل تردي حالته.

وإذا قارنا آيات سورة البقرة: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ؛ بآيات سورة الجاثية (23)، {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} .

نجد أنّ آيات البقرة؛ جاءت في سياق من هم أشد كفراً وضلالاً؛ من الكفار المذكورين في آيات سورة الجاثية.

وقدَّم القلوب في آية البقرة؛ لأنّ السياق في الحديث عن القلوب المريضة، والختم على القلب؛ أهم من الختم على السمع والبصر.

وأما في الجاثية؛ فالسياق في السمع لقوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ} .

{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} : تمنع وصول الضوء؛ أي: نور الإيمان، والنظر في آيات الله تعالى، وما أنزل، نظرة تبصر، واتعاظ.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : ولهم: اللام لام الاستحقاق، والاختصاص العذاب العظيم، هو أشد أنواع العذاب على الإطلاق، مقارنة بكل أنواع العذاب، فهو يشمل الأليم، والمبين والشديد، والمقيم.

وتكرار كلمة {عَلَى} ثلاث مرات: {عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، و {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} ، و {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} ، يفيد التّوكيد، وكذلك لفصل واستقلال كل أداة عن الأخرى، فالختم قد يحدث لواحدة منها، أو أكثر، وهنا الختم أصاب الكل؛ القلب، والسمع، والأبصار.

وقوله تعالى: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} : أفرد السمع، وجمع البصر، ولم يقل: ختم على أسماعهم، إنما قال: سمعهم.

لأنّ السمع؛ مصدر جنسي، لا يجمع، ولكن الأذن، تجمع بآذان، آلة السمع.

ولأنّ أسماعهم تسمع نفس الآيات، والأنباء، وما يخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذي يسمعونه، هو نفس الكلام، والذي يختلف هو أبصارهم، وقلوبهم، فكل فرد يرى، ويبصر، ويفكر، بطريقته الخاصة. ولمعرفة سبب تقديم السمع على البصر، ولمزيد من البيان، راجع سورة هود آية (20)، وسورة الملك (تبارك) آية (23).

ص: 14

سورة البقرة [2: 8]

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} :

وهؤلاء هم الصنف الثالث من النّاس، وهم المنافقون، وصف الله حالهم في ثلاث عشرة آية:

{وَمِنَ} : الواو عاطفة.

{مَنْ} : اسم موصول تستعمل للعقلاء، وتشمل المفرد والمثنى والجمع.

{النَّاسِ} : وكلمة النّاس تعني بني آدم، ولمعرفة كيف اشتقت كلمة النّاس ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة.

{مَنْ يَقُولُ} : من: كالسابقة؛ يقول: مضارع يدل على التجدد والاستمرار، الباء: للإلصاق والتوكيد.

{آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} : أي: من الذين {قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] أو {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11].

آمنا أي: صدقنا بالله رباً وباليوم الآخر، ويتظاهر بالإيمان ويبطن الكفر. فالإيمان بالله تعالى يعني اليقين بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه الإله الحق الذي يستحق وحده العبادة.

الإيمان الذي يتضمن توحيد الربوبية والإلوهية، وتوحيد الصفات والأسماء.

والإيمان باليوم الآخر: أي يوم القيامة، وسمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، وله أسماء أخرى كثيرة: يوم الدين، يوم الحساب

ويعني الآخرة، أو الدار الآخرة، والجنة والنار.

وإذا قارنا هذه الآيات:

1 -

آية التوبة رقم (99): {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . فهذه جاءت في سياق المؤمن.

2 -

وآية البقرة رقم (264): {كَالَّذِى يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . جاءت في سياق الكافر.

3 -

وآية البقرة رقم (8): {مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} جاءت في سياق المنافق، وبزيادة الباء (وباليوم الآخر) التي تفيد في توكيد نفي تهم النفاق عن نفسه.

نرى أنّ الكافر المعلن كفره أو شركه، كما في الآية (264) من سورة البقرة، فرغم كونه كافراً ملحداً، لكنه أصدق من المنافق الذي يدَّعي الإيمان، كما في الآية (8) من سورة البقرة.

{وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} : الواو حالية. وما النّافية تنفي الحال وأقوى في النفي من ليس.

{هُمْ} : ضمير منفصل يفيد التّوكيد.

{بِمُؤْمِنِينَ} : الباء تفيد توكيد نفي الإيمان عنهم بكونهم غير مؤمنين.

ص: 15

سورة البقرة [2: 9]

{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} :

{يُخَادِعُونَ اللَّهَ} : ولم يقل: يخدعون، بل يخادعون؛ أي: بقصد، ونية، وتكرار، وجهد.

والمخادعة: مفاعلة، لابدَّ من طرفين، يخدع أحدهما الآخر.

والخداع؛ هو أن يظهر الطرف الأول للثاني خلاف ما هي الحقيقة، أو يستر عنه وجه الصواب، كي يجلب لنفسه منفعة، أو يدفع عنها مضرة، والخداع نوع من الحيلة والمكر، ويعتمد على الذكاء فقد يفشل أحياناً، وسمِّيت خديعة؛ لأنها تدبير في الخفاء، واشتقت من خدع الضب؛ أي: توارى في جحره.

{يُخَادِعُونَ} : جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد، وتكرار خداعهم، ولم يتوقف، ومستمر.

{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} : كيف يخادعون الله تعالى، وهو خالقهم؟! نقول: هم في الحقيقة، يخادعون الرسول صلى الله عليه وسلم، والّذين آمنوا، فنسب خداع المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم، كأنه خداع لله سبحانه للتنبيه؛ أولاً، على علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يخادع النّبي صلى الله عليه وسلم، كأنه يخادع الله سبحانه، إضافة إلى كونهم يخادعون الّذين آمنوا.

{وَمَا يَخْدَعُونَ} : وما؛ الواو حالية، تفيد التّوكيد، ما: النّافية للحال.

{إِلَّا أَنفُسَهُمْ} : إلَّا أداة حصر؛ أي: ذواتهم.

{وَمَا} وما: ما النّافية للحال.

{وَمَا يَشْعُرُونَ} : يشعرون: من الشعور وهو العلم الكامل الخفي أنّ عاقبة، أو وبال خداعهم عائد عليهم، وأنهم لن يحققوا لأنفسهم إلَّا الخسران المبين.

ص: 16

سورة البقرة [2: 10]

{فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} :

{فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} : مرضٌ نكرة، والمرض عام قد يصيب البدن، أو يصيب النفس، وفي هذه الآية قيل: هو مرض الشك، والنفاق، والتكذيب، والجحود، والريبة، وقيل: هو الحسد، والحقد، وغيره من الأمراض النفسية، وقد يكون كل ذلك.

{فِى} : الظرفية، منتشر داخل قلوبهم، من الصعب استئصاله.

{فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} : الفاء؛ للتوكيد.

{فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} : زادهم الله شكاً، ونفاقاً، وكذباً، وريبةً، وجحوداً، أو كل أنواع المرض.

{وَلَهُمْ} : الواو عاطفة، واللام للاختصاص، والاستحقاق.

{عَذَابٌ أَلِيمٌ} : أي: شديد الإيلام، لا يستطيع على مقاومته أحد، أليم في الكمية والنوعية.

{بِمَا} : الباء للتعليل، أو باء العوض، أو السببية.

{كَانُوا يَكْذِبُونَ} : الكذب: عدم الصدق، وله أنواع: الإفك والبهتان والافتراء

وغيرها، ولم يقل: بما كذبوا؛ بل {بما كانوا يكذبون} : بصيغة المضارع؛ لتدل على حكاية الحال أي: استعمل صيغة المضارع للدلالة على بشاعة كذبهم، وكأنه يحدث الآن بدلاً من الماضي.

ص: 17

سورة البقرة [2: 11]

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} :

{وَإِذَا} : ظرفية زمانية؛ للمستقبل. وتتضمن معنى الشرط.

{قِيلَ لَهُمْ} للمنافقين؛ {قِيلَ لَهُمْ} ؛ مبني للمجهول؛ لأنّ القائل هنا؛ لا يهم، وإنما المقولة هي المهم.

{لَا} : الناهية. {لَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ} : الفساد ضد الإصلاح، وهو الخروج عن حد الاعتدال والاستقامة، وأفسد الشيء غيره إلى أسوأ.

واصطلاحاً: هو انفلات الفرد، أو المجتمع عن ضوابط الشرع؛ أي: عن منهج الله تعالى، بإهلاك الحرث، والنّسل، والسرقة، وقطع الطريق، ونشر الكفر، والشرك، والبدع، والفتن، والشبهات؛ ارجع إلى الآية (251) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{قَالُوا إِنَّمَا} : للحصر.

{نَحْنُ مُصْلِحُونَ} : أي: ادعوا لأنفسهم الصلاح، أو أنّ وظيفة الإصلاح، لا يقوم بها إلَّا هم، أو يظنون، ما يقومون به على الأرض، من الفساد، هو الإصلاح بعينه.

ص: 18

سورة البقرة [2: 12]

{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} :

{أَلَا} : للتنبيه.

{إِنَّهُمْ} : إن للتوكيد.

{هُمُ} : ضمير منفصل، يدل على المبالغة؛ أي: قصر الفساد عليهم مبالغة؛ أي: هم أولى يطلق عليهم هذا الاسم من غيرهم.

{الْمُفْسِدُونَ} : جملة اسمية، تفيد الثبوت، ثبوت صفة الفساد لهم، في الأرض.

{وَلَكِنْ} : حرف إدراك، وتوكيد.

{لَا} : لا: النّافية.

{لَا يَشْعُرُونَ} : يشعرون: ارجع إلى الآية (9) من نفس السورة؛ نفى عنهم الشعور، والإحساس بالفساد؛ لأنّ حواسهم معطلة.

ص: 19

سورة البقرة [2: 13]

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} :

{وَإِذَا} : ظرفية زمانية، للمستقبل.

{قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} : قيل لهم: القائل هذا؛ مبني للمجهول، ولا يهم من هو! المهم هنا، هي المقولة.

{آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} : أي: إذا دعوا إلى الإيمان، أو دعا بعضهم بعضاً إلى الإيمان، أنكروا دعوة الداعي، طاعنين في إيمان أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم. النّاس. راجع الآية (21) من نفس السورة لبيان معنى النّاس.

{قَالُوا أَنُؤْمِنُ} : الهمزة استفهام إنكاري.

{كَمَا آمَنَ} : الكاف للتشبيه.

{السُّفَهَاءُ} : كان المنافقون يصفون أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم بالسفهاء؛ لكونهم فقراء، ولا يملكون شيئاً.

والسفه: يعني: الاضطراب، والخفة في العقل، وضعف الرأي.

{أَلَا} : للتنبيه.

{إِنَّهُمْ} : إن: للتوكيد.

{هُمُ} : ضمير منفصل، يدل على المبالغة؛ أي: إذا كان هناك سفهاء، فهم السفهاء حقاً، وضعاف العقل، أو الجهّال الخرقى.

{وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} : بأنهم هم السفهاء.

ما هو الفرق بين: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} ، {وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} ؟

الآية (12){وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} ؛ وردت في سياق الفساد في الأرض، والفساد أمر ظاهر، وليس خفياً، وكان المفروض أن يشعروا بعنادهم وفسادهم، ولكنهم لم يشعروا، فقال تعالى:{وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} .

الآية (13){وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} : وردت في سياق الإيمان، وهو عمل قلبي، ومن الأمور الباطنة؛ يحتاج إلى علم، وليس إلى شعور علم بما يجري في قلوبهم ولا يقدر على ذلك إلَّا العليم الخبير.

ص: 20

سورة البقرة [2: 14]

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} :

{وَإِذَا} : ظرفية زمانية، للمستقبل، {لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا}: لقوا، واللقاء، والملاقاة؛ المواجهة وجهاً لوجه؛ أي: التقى المنافقون بالمؤمنين، وجهاً لوجه.

{قَالُوا آمَنَّا} : ولم يقولوا: إنا مؤمنون؛ أي: أعلنوا ثبات إيمانهم، وإنما تظاهروا بالإيمان.

{قَالُوا آمَنَّا} : جملة فعلية، تدل على التجدد، والتكرار، وليس الثبات، كما هو الحال في، {إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان: 12].

{وَإِذَا خَلَوْا} : انصرفوا أو انفردوا، وخلا؛ بمعنى مضى، وذهب، وخلا به، وإليه، أو معه: سأله أن يجتمع به في خلوة.

{إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} : أي: إلى رؤسائهم، وإخوانهم وكبرائهم، في الكفر والفساد.

وشياطين؛ جمع شيطان: من شطن، إذا بَعُدَ عن الحق، والشاطن؛ الخبيث.

وتعريف الشيطان: هو كل عات، متمرد، من الجن والإنس.

كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112].

{قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} : على دينكم، أو معكم، على النصرة، والولاية، و {إِنَّا مَعَكُمْ}: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت، والدوام، على كونهم إخوان الشياطين.

{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} : إنما: كافة مكفوفة، تفيد التّوكيد.

{نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} : جمع مستهزئ: والاستهزاء عام، يكون في الأشخاص، وغير الأشخاص.

والاستهزاء: الاستخفاف، والخفة، وتصغير قدر الشخص، أو الشيء كما أنّ الاستهزاء؛ غير السخرية. ارجع إلى سورة الزمر آية (48) للبيان.

ص: 21

سورة البقرة [2: 15]

{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} :

{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} : هذا؛ من علم الغيب.

وقد يكون المراد به؛ يجازيهم على استهزائهم، فقوبل اللفظ بمثله لفظاً، وإن خالفه في المعنى.

{وَيَمُدُّهُمْ} : من المد، وأكثر ما يستعمل المد في المكروه، والإمداد في المحبوب.

والمد بمعنى الإمهال، يقال: مدَّه في غيه أمهله.

ويقال: مدَّ الجيش، وأمده؛ أي: زوده بالعدد والعُدَّة ما يقويه.

إذن، يمدهم؛ له معان عدَّة:

1 -

يمهلهم؛ ليزدادوا إثماً، أو يُملي لهم.

2 -

يزيدهم في طغيانهم بأن يفتح لهم أبواب كل شيء.

{فِى طُغْيَانِهِمْ} : الطغيان؛ مجاوزة الحد في ضلالهم، وكفرهم، وظلمهم، وفسادهم، وكبرهم، وعصيانهم، من طغا الماء؛ أي: ارتفع.

فهو لا يكتفي بكفره، بل يتجاوز الحد، ويطلب ممن آمن أن يرتد عن إيمانه، أو يمنع غيره، من الدخول، في الإسلام، أو يحاربون الدِّين، واستعمال (في) الظرفية؛ تدل على كونهم منغمسين، في ضلالهم، وكفرهم، من قبل، ومع ذلك؛ يزداد الانغماس.

{يَعْمَهُونَ} : يتحيرون، ويترددون، يعمون عن الرَّشد أو الحق، ممّا يؤدي بهم، إلى الخطأ في الرأي يتحيرون، ويترددون، بين إظهار الكفر، وإخفاء الكفر، أو بين ترك الكفر، أو البقاء عليه.

{يَعْمَهُونَ} : من عَمِهَ: إذا تردَّد، وتحير، والعمه؛ يكون في البصيرة، والعمى يكون في البصر، أو العين، فهم الذين، اختاروا العمه، عمى البصيرة، والحيرة، والتردُّد.

ص: 22

سورة البقرة [2: 16]

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} :

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة يشير إلى البُعد ويشير إلى المفسدين، السفهاء، الّذين لا يشعرون، ولا يعلمون، وكذلك إلى المستهزئين.

{الَّذِينَ} : اسم موصول، يفيد الذَّم.

{اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} : اشتروا الضلالة؛ اسم مرة ضلالة واحدة، والضلال اسم جنس يشمل الضلالات كلها، ويعني: عدم تبين الحق والهدى والإيمان؛ أي: بدلاً من أن يشتروا الهداية، أو الهدى الضلالة، وإذا قارنا هذه الآية بالآية (207) من نفس السورة وهي قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} نجد أن شرى تعني يبيع، واشترى بمعنى الشراء، وهو دفع الثمن مقابل السلعة.

اشتروا الضلالة: قد تكون الكفر، أو النفاق والشك، أو الجهل؛ اشتروا الضلالة فكيف دفعوا ثمنها؟ دفعوا ثمنها، بما عندهم، من الفطرة الإيمانية، فكل ما عندهم، من فطرة إيمانية، أو إيمان، اشتروا به ضلالة واحدة، فهذا يدل على أن إيمانهم ضعيف جداً.

وماذا كانت النتيجة:

{فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} : أي: هم لم يربحوا أي شيء، بل خسروا رأس المال أيضاً.

{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} : ما النّافية. {كَانُوا مُهْتَدِينَ} : أي: لا يعرفون كيف يتاجرون، لكسب الآخرة والنجاة من النار فليس عندهم علم، أو هدى، أو خبرة بالتجارة؛ لذلك فهم، قد خسروا كل شيء.

ص: 23

سورة البقرة [2: 17]

{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} :

{مَثَلُهُمْ} : بعد أن ذكر صفاتهم، أعقبها بضرب مثلهم لنا، زيادة في البيان.

المثل هو النظير، والشبيه، الذي يقرب، ويسهل لنا فهم المعنى، ويعطينا الحكمة، و {مَثَلُهُمْ} ، تعود على {الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ، وهم المنافقون.

مثلهم: {كَمَثَلِ} : الكاف للتشبيه.

{الَّذِى} ؛ اسم موصول.

{اسْتَوْقَدَ نَارًا} : ولم يقل: أوقد ناراً؛ أي: بنفسه، وإنما استوقد، أي طلب؛ الألف، والسين، والتاء؛ تعني الطلب من غيره، أن يوقد له ناراً، أو حاول أن يوقد ناراً.

استوقد أبلغ من أوقد، وقد تعود على المنافق، أو تعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{نَارًا} : تنكير النار هنا للتهويل، وكان العرب قديماً، يوقدون النار في الصحراء؛ لأمرين: لهداية الضال، ودعوة الأضياف.

أو يوقدها حتّى يبصر ما حوله، ويستدفئ بها، ويشعر بالأمن، من الحيوانات الضارية، ومن اللصوص.

{فَلَمَّا} : الفاء؛ للتوكيد، لما: ظرف زماني، بمعنى حين.

{أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} : الإضاءة أو الضوء: كل إضاءة صادرة عن مصدر مشتعل بحد ذاته أي: مضيء كالشمس والنجوم والنار المشتعلة، وهذا الضوء إذا وقع على جسم معتم كالقمر أو العين انعكس وسمي نوراً، فالضوء يمتاز بنور+ حرارة (دفء).

والضوء: هو فرط الإنارة، والضوء حالة من حالات النور، والنور أعم من الضوء، وأشمل، وأوسع، والضياء أقوى من النور، أضاءت ما حوله، من المكان، أو انتفع بها، وأبصر بها، أي: بالنار، وإذا ذهب النور ذهب الضياء أيضاً، وأما إذا ذهب الضياء فلا يعني ذهاب النور كاملاً.

{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} : نور المنافقين؛ أي: حين اُطفئت النار، وأصبح في ظلام دامس، هو ومن حوله، لا يبصرون، وكذلك حال المنافقين، ولم يقل: ذهب بضوئهم؛ فذلك يعني لا يزال هناك نور للمنافقين، ينتفعون به، فلكي ينفي عنهم كل أنواع الهداية قال تعالى:{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} ؛ أي: لم يبق لهم أمل بالعودة، إلى دين الله، وإذا كان الذي استوقد، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمثل؛ يعني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بالإسلام، وشع نور الإسلام، ورفض هؤلاء المنافقون، الانتفاع بالنور الذي جاء به رسول الله وعادوا إلى ظلمات الكفر والفسق.

{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} ولم يقل: أذهب عنهم النور، ذهب؛ تعني: عدم العودة؛ ذهاب من دون رجعة، أما أذهب؛ فقد تعني: زوال، أو غير زوال، وتحتمل عودة النور.

{وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ} : جمع ظلمة، ظلمات عديدة، متراكمة، ظلمات الكفر، والجهل، والشرك، والمعاصي، والنفاق. ارجع إلى الآية (257) من نفس السورة لمزيد من البيان في معنى النور والظلمات، ولماذا أفرد النور وجمع الظلمات.

{لَا} : النّافية؛ لكل الأزمنة.

{يُبْصِرُونَ} : الإبصار: درك الشيء بالعين، أو رؤية الشيء بالعين؛ أي: نور، أو ضوء، يمكن أن يخرجهم من الظلمات إلى الإيمان بالله، ووحدانيته. مرة أخرى، ويختلف النظر؛ النظر: هو مجرد توجه العين أو الالتفات إلى الشيء بدون رؤيته، وإذا رأته يعني تحول إلى بصر.

ص: 24

سورة البقرة [2: 18]

{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} :

{صُمٌّ} : أي: لا يستطيعون السمع، وبكم؛ لا يستطيعون النطق والكلام، عُمي لا يبصرون، أو يفهمون، عُمي البصيرة.

{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} : في آن واحد؛ أي: يتصفون بهذه الصفات الثلاث معاً؛ أي: تعطلت عندهم هذه الحواس؛ لأنهم في ظلمات، لا يبصرون؛ أي: هم كالصم، البكم، العمي، تشبيه بليغ، فآذانهم صم، فهي لا تستمع إلى آية، أو موعظة، أو إنذار، أو وعيد، وألسنتهم لا تنطق بالحق، وهم عمي الأبصار، لا يبصرون طريق الهدى.

وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (97) من سورة الإسراء: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} ، أو الآية (39) في سورة الأنعام وهي قوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظُّلُمَاتِ} .

نجد أنه أضاف الواو في أية سورة الإسراء؛ الذي يدل على أنّ هذه الآية، تتحدث عن 3 فئات مختلفة، من النّاس: فئة تحشر عمياً، وفئة تحشر بكماً، وفئة تحشر صماً.

أما آية سورة البقرة؛ فتتحدث عن فئة واحدة، اتصفت بثلاث صفات معاً، وفي آن واحد.

{فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} : الفاء؛ تدل على التّوكيد، هم: تفيد زيادة التّوكيد، لا: النّافية؛ لكل الأزمنة.

{لَا يَرْجِعُونَ} : عن ضلالتهم، أو عن كفرهم، إلى الإيمان.

وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (171) من سورة البقرة، ومثل الّذين كفروا، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع، إلَّا دعاءً ونداءً، صمٌّ، بكمٌ، عمي، فهم لا يعقلون، نجد أنّ الآية (18)، جاءت في سياق الهداية، والضّلال، فهم لا يرجعون عن ضلالتهم، أو كفرهم، إلى الإيمان.

أما الآية (171)، فقد جاءت في سياق التقليد، تقليد الآباء، الّذين وصفهم بأنهم لا يعقلون، في الآية (170)، والّذين قلدوهم من أبنائهم، أو غيرهم، هم كذلك؛ صمٌّ بكمٌ عميٌ، فهم لا يعقلون، لا يفكرون ويعقلون من عقل الشيء أي: عرفه بدليله وفهمه حتّى يصل إلى حكم أو نتيجة أنّ الله هو الإله الحق.

ص: 25

سورة البقرة [2: 19]

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} :

{أَوْ} : لها معانٍ عدَّة؛ منها:

1 -

للتخيير بين المثل الأول، كالذي استوقد ناراً، أو المثل الثّاني، كصيِّب من السماء.

2 -

للتقسيم: أي: بعضهم يشبه الذي استوقد ناراً، وبعضهم يشبه أصحاب الصيب، أو مثلهم كأحد هذين المثلين.

3 -

أو تعني بل؛ أي: بل مثلهم، كمثل صيب من السماء.

{كَصَيِّبٍ} : الكاف للتشبيه، صيِّب: هو المطر الغزير، من صاب، يصوب، إذا نزل وانحدر بشدة.

{مِنَ السَّمَاءِ} : من ابتدائية. {السَّمَاءِ} : النازل من السحب الركامية وسمِّيت سماء؛ لأنّ تعريف السماء هو كل ما علاك يسمى سماءً.

{فِيهِ ظُلُمَاتٌ} : جمع ظلمة، ناتجة عن تكاثف السحب، وحجبها لضوء الشمس.

{وَرَعْدٌ} : هو صوت لانفجار ناتج عن تمدد الغلاف الغازي في منطقة التفريغ الكهربائي بين السحب المختلفة الشحنات الكهربائية، فتحدث أصوات مُدوية رهيبة نتيجة تغيرات في الضغط الجوي والتمدد ودرجات الحرارة.

{وَبَرْقٌ} : الذي ينشأ عن اصطدام السحب، الركامية، المشحونة بالطاقة الكهربائية، فعندما تقترب من بعضها، يحدث التفريغ الكهربائي بينها؛ مما يؤدي إلى البرق، وتختلف شدة هذه الشحن الكهربائية، بحسب أحجام تلك السحب الركامية، وقد تتلاحق هذه التفريغات، حتّى تصل إلى 40 تفريغاً بالدقيقة؛ ما يؤدي بالناظر إليها بالعمى المؤقت، وهذا تفسير {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43].

{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} : أي: أصحاب الصيب، أو من ينزل عليهم هذا الصيب، المطر، المنهمر، يضعون أصابعهم في آذانهم؛ أي: جميع أصابعهم، أو عدَّة أصابع في آذانهم، وهل يستطيع الإنسان أن يدخل أصابعه، ولا حتّى إصبع واحد، أو حتّى أنملة واحدة، نتيجة شدة الرعد والبرق، وهذا كناية عن كرههم لسماع آيات الله، وخوفهم، وفزعهم من تسرب، ولو كلمة واحدة إلى آذانهم.

{مِنَ الصَّوَاعِقِ} : أي: من شدة صوت الرعد، أو الزلزلة، أو النار المحرقة.

{حَذَرَ الْمَوْتِ} : خوفاً من الموت.

{وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} : محيطاً بعلمه، وقدرته بالكافرين، فلا يفوته أحد، ولا يخفى عليه ما يفعلون. وقيل: إن الصيب هو القرآن أو دين الإسلام، الذي تحيا به القلوب، كما تحيا الأرض بالمطر، الذي ينزل كالغيث أما المنافقون؛ حين نزل عليهم هذا القرآن، والدِّين، فقد جعلوا أصابعهم في آذانهم، من خوفهم، وفزعهم، وظنوا أنّ الإسلام فيه ظلمات، ورعد، وبرق، سيخطف أبصارهم ويهلكهم.

وكان المنافقون؛ إذا حضروا مجلس النّبي صلى الله عليه وسلم، أعرضوا، وخافوا أن ينزل فيهم شيء من القرآن، ينبئهم بما في قلوبهم، فيقتلوا أو يكشف الله أمرهم.

ص: 26

سورة البقرة [2: 20]

{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} :

سبب النّزول:

عن ابن عبّاس وابن مسعود رضي الله عنهما، وغيرهما، في نزول هذه الآية؛ قالوا: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة، هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر، الذي ذكر الله، فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فكان كلما أضاءت لهما الصواعق، جعلا أصابعهما في آذانهما من الفَرَق (الخوف)، أن تدخل الصواعق في مسامعهما، فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشوا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، وقاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً، فنضع أيدينا في يده، فأصبحنا، فأتياه، فأسلما ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما.

{يَكَادُ} : من أفعال المقارنة.

{الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} : أي: يكاد نور القرآن، أو ما نزل عليهم من ربهم، يخطف أبصارهم، من شدة نوره، كما أنّ البرق يخطف بصر الناظر إليه.

{كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ} : كلّما؛ ظرفية، زمانية، متضمنة معنى الشرط؛ أي: إذا كان القرآن، أو الدِّين موافقاً لهواهم، ولا يذكرهم بسوء، ويعطيهم، من الغنائم، ولم يفتنوا، ويعصهم من القتل، مشوا فيه، استمروا على إسلامهم.

{وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} : وإذا لم يوافق هواهم، وطلب منهم الإنفاق في سبيل الله، والجهاد، أو أصابهم مرض، أو فقر، أو مخمصة في سبيل الله، وقفوا، وضعف إيمانهم، وقالوا: هذا كله بسبب دين محمّد، كالذي يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير، اطمأنّ به، وإن أصابته فتنة، انقلب على وجهه، فخسر الدّنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} : لو؛ حرف امتناع لامتناع.

{لَذَهَبَ} : اللام؛ لام التأكيد.

{لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} : أي: أزالها بلا عودة، بالرعد والبرق، والصواعق، أو أزالها، أو طمسها من دون سبب، أو عطلها، أو محاها، أو بدلها، أو شوهها، والباء؛ {بِسَمْعِهِمْ}: للإلصاق، ولكنه سبحانه لم يشأ، وأبقى لهم ذلك، لتكون عليهم حجة، وتشهد عليهم يوم القيامة، بما كانوا يعملون، أو لعلهم يتوبون، ويعودون على رشدهم.

{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : إن للتوكيد.

{اللَّهَ} : اسم الله الأعظم، الذي تفرد به، واختصه لنفسه. راجع الآية (255) من هذه السورة للبيان.

{عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : قدير؛ صيغة مبالغة لقادر. وقادر: أي: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، والقدير: أي: الفعال، لكل ما يشاء.

{شَىْءٍ} : نكرة؛ مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه، ومكانه، ولونه، وصفته، وعظمته.

{قَدِيرٌ} : أي؛ القوي، القادر، والقدير؛ العظيم الشأن، فيما يقدر عليه، قادر على خلق الشيء، وجعله؛ أي: تصريفه كما يشاء، والقدرة عليه، والعلم به وقدرته، على مقدار قوته، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء سبحانه، وفي هذه الآية؛ قدير على الذهاب بسمعهم، وأبصارهم.

ص: 27

سورة البقرة [2: 21]

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} :

بعد أن ذكر الله -جل وعلا- ، أصناف النّاس، الثلاث: المتقين، والكفار، والمنافقين، ينادي على النّاس جميعاً في كل زمان ومكان منذ نزول القرآن إلى قيام الساعة.

{يَاأَيُّهَا} : يا: أداة نداء للبعيد، والهاء: في أيها؛ للتنبيه؛ أي: تنبيه الغافل، والساهي.

{النَّاسُ} : بشكل عام اسم للجمع من بني آدم واحده إنسان من غير لفظه، وهي من ألفاظ الجموع ليس لها مفرد، وأصلها أناس حذفت الهمزة للتخفيف، وأناس من الإنس، وهو الألفة؛ أي: يأنس بعضهم ببعض، والناس؛ مشتقة من النوس، وهو الحركة، من ناس ينوس؛ أي: تحرك، وكلمة النّاس؛ لا تدل على عدد معين.

{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} : العبادة في الأصل، هي الخضوع لله والتذلل له بالطاعة، طاعة العابد للمعبود، فيما أمر به، وفيما نهى عنه، والعبادة لها منهج؛ افعل ولا تفعل، ولها جزاء، ولا تكون إلّا للخالق وحده، ولا تكون إلّا مع المعرفة بالمعبود، وطاعة الرسول؛ من طاعة الله. والعبادة مأخوذة من كلمة التعبيد أي: التذليل، ومنه القول: طريق معبد أي: مذلل للسالكين. ارجع إلى سورة النحل آية (73) للبيان المفصل لمعنى العبادة.

{رَبَّكُمُ} : الرب؛ المتولي أمور الربوبية، فهو الخالق، والهادي، والرازق، والمدير لشؤونكم، وقوله:{رَبَّكُمُ} ؛ ولم يقل: اعبدوا الرب، فيه تشريف، وتكريم للناس، الّذين يعبدون ربهم.

{الَّذِى} : اسم موصول، يفيد التعظيم.

{خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} : الخلق، هو الإيجاد، ابتداءً، بتقدير، وتسوية، وحساب، واصل الخلق، التقدير: خلق الثوب؛ أي: قدر أبعاده، والخلق؛ يكون من العدم (لا شيء) أو من شيء، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْـئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، والّذين قبلكم، من النّاس، وفائدة ذكر، {مِنْ قَبْلِكُمْ} ، أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأقوم في الحجة.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} : لعل للتعليل؛ أي: اعبدوا ربكم، راجين أن تكونوا من المتقين، إذا عبدتم ربكم، وقدَّمتم الأسباب الأخرى للتقوى، وسألتم الله العون والقبول، فعسى أن تكونوا عندها، من المتقين.

ص: 28

سورة البقرة [2: 22]

{الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} :

{الَّذِى} اسم موصول تعود على ربكم، الذي جعل لكم الأرض فراشاً.

{جَعَلَ} : صير، وهيأ، والجعل يأتي بعد الخلق. قال:{جَعَلَ} ؛ ولم يقل: جعلنا؛ للدلالة على وحدانيته جل جلاله. ولو قال: جعلنا؛ لكانت دلالة على التعظيم، وكمال قدرته -جل وعلا- .

{لَكُمُ الْأَرْضَ} : خاصة لكم، أيها النّاس خلق الله تعالى الأرض على مراحل متعددة:

1 -

مرحلة الجرم: كانت الأرض والسماء كجرم متناهٍ في المادة والطاقة.

2 -

فجر الله ذلك الجرم فتحول إلى سحابة من الدخان خلق منها أرضاً واحدة وسماء واحدة تسمى الأرض الابتدائية.

3 -

ميز الله تعالى الأرض الابتدائية التي كانت عبارة عن كومة من الرماد بإنزال الحديد (ارجع إلى سورة الحديد) إلى سبع أرضين

4 -

ثم شكل قشرة الأرض.

{فِرَاشًا} يقصد بالأرض هنا قشرة الأرض، فقد بدأت هذه القشرة بتضاريس معقدة بدأت بالحمم البركانية الّتي خرجت على ظهر الماء الذي كان يغمر كتلة الأرض بعد تمايزها بالحديد إلى سبع أرضين. فشكلت هذه البراكين ما يسمى بالحافة في وسط المحيط الذي تطور إلى سبع محيطات ثم امتدت هذه الجزر البركانية فشكلت القارة الأم الّتي تصدعت بشبكة من الصدوع إلى ما يسمى القارات، ثم تباعدت وشكلت لنا القارات السبع الآن، ولا تزال تتحرك، ولكن حركتها بطيئة مقارنة بسرعتها القديمة، وأخرج منها ماءها ومرعاها وألقى فيها الرواسي، وتشكلت الأنهار بعد تشكل الجبال.

وسخَّر الله تعالى عوامل التعرية من الرياح والمياه الجارية واختلاف الحرارة وتباين الليل والنهار وشكَّل قشرتها الممهدة في بعض أجزائها، فقد كانت الأرض كتلة ملتهبة من الحمى، وظلت تبرد تدريجياً، بفعل فقدها بخار الماء المندفع من بين شقوها، وفوهات البراكين، وبعد فترة طويلة قدرت بمليار عام، أصبحت حرارتها مناسبة، وتصلبت قشرتها، أمسكت بمائها في بحيرات صغيرة وكبيرة، وغدت الأرض كوكباً، من محيط مائي ذاب من معادنها، ما ذاب، وظهرت عناصر الحياة عليها، الّتي تسمى اليوم بالطحالب الزرقاء، ثم ظهرت النباتات العشبية، ثم السرخسيات، ثم ظهرت النباتات المزهرة، والثمار، وهكذا.

وبفضل قانون الجاذبية استقر الإنسان على ظهرها ومع كونها تدور حول نفسها بسرعة (26كم/ بالدقيقة)، وتدور حول الشمس في مدار طوله (950مليون كم بسرعة 30كم/ بالثانية)، فالإنسان لا يشعر بهذا الدوران؛ لأنه يدور مع دوران الأرض، وهذا التفسير جزء من الحقيقة العلمية.

وفي آية أخرى قال سبحانه: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} [الزخرف: 10]: {مَهْدًا} : صالحة للحياة.

{وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} : تعريف السماء لغة: هي كل ما علاك، فأظلك، وتعني: السموات السبع الطباقَ؛ أي: السبع كرات الّتي تحيط كل واحدة بالأخرى.

{بِنَاءً} : أي: مبنية، بناء محكماً، مترابطاً، وليس فراغاً، كما كان يظن النّاس، يملؤه غازات مختلفة، وتحكمه قوى الجاذبية، بين مليارات المجرات، والكواكب، والنجوم التي تزيد على (200 مليار نجم) في المجرة الأرضية وحدها، فكل كتلة تجذب أختها، وتجعلها مستقرة {كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 33]؛ حسب نظام إلهي، عجيب، بناء كالسقف {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا} [الأنبياء: 32]، كما سنرى في سورة الأنبياء.

{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} :

{وَأَنْزَلَ} : للدلالة على التوحيد، مقام توحيد، ولم يقل:(وأنزلنا)؛ للدلالة على التعظيم، وأنزل سبحانه {مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}: أي: من السحب ماء؛ أي: ماء المطر. ويقصد بهذه الآية دورة الماء حول الأرض.

{فَأَخْرَجَ بِهِ} : الفاء السببية، {فَأَخْرَجَ بِهِ}: بهذه الماء، {مِنَ الثَّمَرَاتِ} ، من: ابتدائية، وتفيد التبعيض؛ أي: من بعض الثمرات، ليكون رزقاً لكم، لم يجعل الرزق كله من الثمرات.

{رِزْقًا لَّكُمْ} : والرزق؛ هو كل ما ينتفع به، وليس حراماً؛ أي: لا يكون الرزق إلَّا حلالاً.

{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} :

{فَلَا} : الفاء؛ للتوكيد، لا: الناهية.

{أَندَادًا} : جمع ند، والند هو النظير، أو الشبيه المثيل، أو الضد، أو الشريك، وناددت الرجل: خالفته، ونافرته، وأصله: من ند البعير؛ أي: نفر، وذهب على وجهه شارداً، إذن، فيها معنى التشابه، والتضاد، والتنافر، والمراد هنا؛ الشريك لله، في عبادته، فلا تجعلوا لله أمثالاً، ونظراء تعبدونها، وتسمونها آلهة، وتجعلون لها ما لله من حقوق.

{وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} : أنّ الله وحده المستحق للعبادة، وأنّ هذه الأنداد لا تجلب لكم نفعاً ولا ضراً.

ص: 29

سورة البقرة [2: 23]

{وَإِنْ كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} :

{وَإِنْ} : شرطية، تستعمل في حالات الشك، والندرة، الوقوع، بعكس إذا المستعملة في الأمور الواقعة، لا محالة، أو الكثيرة الحدوث.

{كُنتُمْ فِى رَيْبٍ} : الرَّيب؛ هو الشك مع التهمة، تشكون إن القرآن ليس منزل من عند الله، وتتهمون الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه افتراه، أو أنه أساطير الأولين اكتتبها فأتوا بسورة من مثله.

{مِمَّا} : من؛ ابتدائية، ما؛ للتوكيد.

{نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} : من القرآن، على عبدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، و {نَزَّلْنَا} تعني: منجَّماً على دفعات، وليس جملة واحدة.

{فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ} : لها عدة معان:

1 -

ليس له مثيل، ولا وجود لمثله، فأتوا بسورة مثله، وبما أنه لا مثيل له، ولا يفترض وجود مثيل له، إذن هو غير مفترى، ولا يكون مفترى إلَّا إذا كان له مثيل.

2 -

{مِنْ} : ابتدائية، استغراقية، تعني: فأتوا بمثل أي سورة، من سور القرآن كلها (114 سورة)، فالتحدي في هذه الآية واقع على جميع سور القرآن من الفاتحة إلى سورة النّاس أياً كانت، أو تعني: التحدي على الآيتان بشيء يماثل القرآن؛ أي: أقل مرتبة ممن المماثلة التامة، وبما أن سورة البقرة كانت آخر سور التحدي فهو تحداهم ليس بمثله وإنما من مثله على احتمال أن هناك ما يماثله، ولو نظرنا إلى سورة يونس آية (38) وهي قوله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} : نجده حذف (من)؛ لأن التحدي كان على سورة مثله، فالتحدي الأول: كان في سورة الإسراء بالإتيان بمثل هذا القرآن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، التحدي الثاني: كان تحدي على الإتيان بسورة مثل سور القرآن، ثم تحداهم التحدي الثالث: بعشر سور كما ورد في سورة هود آية (13) فقال تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} ، ثم تحداهم التحدي الرابع: بالإتيان من مثله فهم عجزوا عن الإتيان في كل المراحل.

3 -

{مِنْ مِّثْلِهِ} : هناك من قال: إنه تعني: من مثل محمّد صلى الله عليه وسلم، الأمي، الذي لا يكتب.

{وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} : {شُهَدَاءَكُمْ} : جمع شهيد، بمعنى حاضر، أو يقوم بالشهادة؛ أي: يشهد لكم، أنكم أتيتم بسورة، {مِنْ مِّثْلِهِ}؛ أي: من القرآن، ولم يقل:{وَادْعُوا} الشهداء، وإنما قال:{شُهَدَاءَكُمْ} ؛ أي: ولو كانوا متحيزين لكم، ومن أنصاركم.

{مِنْ دُونِ اللَّهِ} : من غير الله، أو سواه.

{إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} : إن شرطية، تفيد الاحتمال، أو القلة، أو الندرة؛ أي: لستم بصادقين، {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} ؛ أنّ هذا القرآن منزل، من عند غير الله، أو أنّ محمداً افتراه، وإذا قارنا هذه الآية، {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} ؛ إن كنتم صادقين، مع الآية (38)، من سورة يونس:{وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ} : أي: ادعوا أياً من كان، من الإنس، أو الجن، أو الآلهة، و {مَنِ} استغراقية؛ فالتحدي في سورة يونس أشد، وأقوى من سورة البقرة، ادعوا أي رجل، أو فئة، أو طائفة، بينما في سورة البقرة؛ ادعوا من دون الله فئة معينة، خاصة {شُهَدَاءَكُمْ} .

ص: 30

سورة البقرة [2: 24]

{فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} :

{فَإِنْ} : الفاء؛ للترتيب، والتعقيب، إن؛ شرطية، تفيد الاحتمال، أو القلة.

{لَّمْ تَفْعَلُوا} : لم؛ حرف نفي، لم تفعلوا في الحاضر، على الإتيان بمثل هذا القرآن أو الإتيان بالشهداء.

{وَلَنْ تَفْعَلُوا} : لن؛ حرف نفي، أقوى من لا، تنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد، إذن لم تفعلوا في الحاضر ولن تفعلوا في المستقبل، وقوله تعالى:{وَلَنْ تَفْعَلُوا} ؛ جملة اعتراضية، تعطينا النتيجة مباشرة، ولا داعي للانتظار للإتيان، ولا تضيعوا وقتكم، وجهدكم؛ لأنكم لن تقدروا.

{فَاتَّقُوا النَّارَ} : أي: قوا أنفسكم النار؛ أي: اجعلوا بينكم وبينها ستراً واقياً، بامتثال أوامر الله جلال جلاله، واجتناب نواهيه.

{الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} : {النَّاسُ} ؛ أي: الكفرة، الّذين ماتوا وهم كفار، {وَالْحِجَارَةُ}؛ أي: الأصنام، والآلة الّتي عبدوها. ارجع إلى الآية (22) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} : هيئت، واللام في الكافرين، لام الاختصاص؛ أي:{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} الإعداد لا يقتصر على أمر واحد، وإنما يعني العذاب بأنواعه المختلفة والطعام والشراب والمثوى والسلاسل والأغلال والدركات

وغيرها؛ ارجع إلى الآية (6) في نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الكافرين.

ص: 31

سورة البقرة [2: 25]

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :

{وَبَشِّرِ} : من البشارة، وهي الإخبار بشيء سار، قادم لم يأت بعد.

وسميت بشارة؛ لما يظهر على الوجه، والبشرة، من آثار السرور، بسبب الخبر، السار، المفرح.

{الَّذِينَ آمَنُوا} : أي: صدقوا بالله، وما أنزل إليهم. وأخلصوا دينهم لله وحده، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : أي: صدقوا بإيمانهم بأعمالهم الصالحة، والصالحات جمع صالحة، والصالحة: كل عمل يصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة، وعلى رأسها الفرائض والنوافل.

{أَنَّ} : للتوكيد.

{لَهُمْ} : اللام؛ لام الاختصاص.

{جَنَّاتٍ} : جمع جنة، والجنة؛ هي كل بستان، ذي شجر كثيف، يُظلل ما تحته، ويستره. فكلمة الجنة والجن والجنون والجنين مأخوذة من فعل جنَّ: بمعنى ستر؛ منها: جنات الفردوس، وعدن، وجنات النعيم، ودار السلام

وغيرها.

ومنها: جنات الفردوس، وعدن، والنعيم، ودار السلام، وجنة المأوى.

{تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : أي: تنبع من تحتها الأنهار.

{كُلَّمَا} : أداة شرط، تفيد التكرار، مركبة من كل وما.

{رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ} :

{رُزِقُوا} : أطعموا من الجنات، من أي طعام، أو شراب، أو فاكهة، أو ثمرة، من أي: ثمرة من ثمراتها، كالتفاح، أو الرمان، أو العنب، {رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}؛ أي: في الدّنيا.

{وَأُتُوا بِهِ} : تعود على المرزوق، في الدّنيا والآخرة جميعاً، به تعود على {رِّزْقًا} ، {وَأُتُوا بِهِ}؛ أي: جاءت به الملائكة، أو أحضرته الملائكة.

{مُتَشَابِهًا} : يعني: التشابه بوجه واحد سواء أكان باللون أم بالطعم أم بالحجم وغيره، ويختلف في كثير من الوجوه، ولو قال: مشتبهاً كما ورد في سورة الأنعام آية (99): {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} فهذا يعني: التشابه في كثير من الوجوه، أما متشابهاً يعني: في الألوان، مختلف في الطعم.

أو {مُتَشَابِهًا} : في الاسم، مختلف في الطعم.

أو {مُتَشَابِهًا} : في الشكل، مختلف في الطعم واللون؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (99) لمزيد من البيان.

{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :

{وَلَهُمْ} : اللام؛ لام الاختصاص، والضمير يعود على الّذين آمنوا، وعملوا الصالحات، {فِيهَا} في الجنات.

{أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} : أزواج؛ جمع زوج، ويطلق على الذكر والأنثى، مطهرة في الخلق والخُلق. وأزواج تعني: المماثلة والمجانسة في الأخلاق والعادات.

{مُّطَهَّرَةٌ} ؛ من الحيض، والأقذار؛ كالبول، والغائط، مطهرة من الحقد، والكراهية، والحسد، والعيوب، والسوء

وغيرها؛ أي: الطهارة بنوعيها الحسية والمعنوية كطهارة الملائكة؛ ارجع إلى سورة التوبة آية (108) لمزيد من البيان.

{وَهُمْ} : ضمير منفصل، للتأكيد. {فِيهَا}: في الجنات، ظرف مكاني. {خَالِدُونَ}: من الخلد؛ وهو البقاء، الدائم، الذي لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن معين محدد، وهو زمن دخولهم الجنة إلى ما لا نهاية.

ص: 32

سورة البقرة [2: 26]

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} :

سبب النّزول: نزلت هذه الآية؛ بعد أن تكلم بعض المشركين واليهود، وطعنوا في الأمثال الّتي ضربها الله للناس في القرآن، وأنكروها، وقالوا: ما هذه الأمثال، الّتي يذكرها الله، عن الذباب، والعنكبوت، وغيرها، وبعضهم قال: الله أجل وأعلى أن يضرب مثل هذه الأمثال، كقوله:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73].

{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا} [العنكبوت: 41].

فنزلت هذه الآية؛ رداً على أقوالهم وافتراءاتهم.

{إِنَّ اللَّهَ} : إن؛ للتوكيد.

{لَا يَسْتَحْىِ} : لا؛ النّافية. {يَسْتَحْىِ} ، من الحياء؛ وهو ما يعتري الإنسان، من تغير، وخجل، وحرج، حين يُعاب على أمر ما، أو يُذم به؛ أي: إن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً، أياً كان ذلك المثل.

وليس الحياء بمانع لله تعالى، من ضرب الأمثال، بهذه المخلوقات الصغيرة؛ كالبعوضة، {فَمَا فَوْقَهَا}: فوق؛ في اللغة، تجمع أمرين، {فَمَا فَوْقَهَا}؛ في الحجم؛ أي: أكبر منها حجماً، أو زيادة في الوصف، زيادة؛ أي: في صفاتها التكوينية والقدرات.

وضرب الأمثال؛ عادةً لتوضيح الأحكام، أو تبيان قدرة الله العظيمة، وعجائب خلقه، {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]؛ أي: لا يتدبرها إلَّا الراسخون في العلم.

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ} :

أما: للتفصيل؛ أياً كان ذلك المثل؛ بعوضة أو غيرها، فالمؤمنون يصدقون به، سواء أدركوا الحكمة، من كبرها، أو صغرها، وصفاته أم لا؛ لأنّ ذلك هو الحق من ربهم. ارجع إلى الآية (119) في نفس السورة لبيان معنى الحق.

{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} :

فهم يستهزئون بتلك الأمثال، ويقولون متعجبين: ماذا أراد الله بضرب أمثال هذه الأشياء؛ بعوضة، عنكبوت، ذبابة، فهم في حيرة من أمرهم، لكونهم لم يدرسوا، ويعرفوا دقائق خلقها، وعجائب صنعها بعد، ولو درسوا ذلك لعرفوا الحق، ولما سألوا ذلك.

فالبعوضة تبين من الدراسات العلمية أنّ لها (3) قلوب وعينين، كل عين مزودة بأكثر من (100) عدسة، وأسنان تقدَّر بـ (47) سنّاً

وغيرها.

{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا} : ثم يرد الله على هؤلاء المتسائلين، بأنّ ضرب هذه الأمثال، قد يكون سبباً في زيادة ضلال كثير من الكافرين، أو زيادة هداية الكثير من النّاس.

{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} : جمع فاسق، الفاسقون؛ أي: الخارجون عن طاعة الله، والفسق؛ لغةً: هو الخروج عن طاعة الله، أو الدِّين. يقال: فسقت الرطبة عن قشرتها، إذا خرجت؛ أي: أصبحت الثمرة غير ملتصقة بالقشرة، والفاسق هو الخارج عن فطرته، والفسوق؛ هو الخروج عن طاعة الله ورسوله إلى المعصية، فالكافر يعد فاسقاً، والمشرك يعد فاسقاً، والتارك لدينه تعالى يعدُّ فاسقاً، وفسق؛ يعني خرج عن أمر ربه؛ أي: منهج الدِّين، ولا يعني الخروج من الملَّة، والفسوق؛ عام، يشمل الكثير من الأمور، مثل:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ} [البقرة: 197].

{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} [البقرة: 283].

{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3].

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121].

ثم ذكر ثلاث صفات للفاسقين:

ص: 33

سورة البقرة [2: 27]

{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} :

{الَّذِينَ} : اسم موصول تفيد الذم؛ ذم هؤلاء الذين ينقضون العهد؛ العهد: هو عبارة عن تكليف، أو وصية، أو أمر، والعهد التزام يلتزم به الإنسان مع الله، أو مع إنسان آخر، أو مع نفسه، والعهد يضم العقود، والوعود، والمعاهدات، والميثاق هو عهد، ويضم الميثاق العادي فالميثاق الغليظ هو عهد مؤكد بيمين، ونقضه؛ أي: فسخه وإبطاله، أو الإعراض عن القيام به، أو حل العهد مشتق من نقض الحبل في اللغة؛ يعني: حل ما كنت أبرمته، ونقض العهد يعتبر نوع من الفساد في الأرض، ويعتبر النقض من بعد توكيده (أي: الميثاق) أعظم وأبلغ من القطع.

{مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} : من بعد: تفيد الزمان؛ ميثاقه: تفيد التوكيد.

ولا ننسى العهد الفطري، الذي أخذه الله على عباده، وهو أن يؤمنوا به، ويشهدوا أنه ربهم، ولا يشركوا به، ولا يتخذوا من دونه آلهة، أو أولياء، كما ورد في سورة الأعراف الآية (172).

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} .

وكذلك عهد الله؛ هو ما أوجبه الله على النّاس، في القرآن، على لسان الرسل، وبما يُلزم المؤمن نفسه، بما ليس في الشرع، كالنذر، فهم نقضوا عهدهم مع الله، ومع الآخرين، ومع أنفسهم، ولم يلتزموا بعقودهم ومعاهداتهم. وجاء بصيغة المضارع ينقضون بدلاً من نقضوا بصيغة الماضي؛ للدلالة على تجدد، وتكرار نقضهم.

ثانياً: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} :

و {مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} : هو صلة الرحم، صلة الجار، وموالاة المؤمنين.

ثالثاً: {وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ} : بالسرقة، وقطع الطريق، والقتل، والحرابة، إهلاك الحرث والنّسل.

الفساد؛ تعريفه: هو الخروج عن الاعتدال، الاستقامة، ويضاده الصلاح، وأفسد الشيء غيره إلى أسوأ.

وأوجه الفساد في الأرض؛ عديدة؛ نذكر منها: الكفر، والشرك، والنفاق، والفتن، وإثارة الشبهات، والبدع، والمعاصي. ارجع إلى الآية (251) في نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الفساد.

{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} :

اسم إشارة للبعد تشير إلى الّذين ينقضون، ويقطعون، ويفسدون.

خسروا أنفسهم؛ لأنهم باعوا حياة الآخرة، بدنياهم.

{هُمُ} : توكيد؛ أي: إذا كان هناك خاسرون، فهم الخاسرون حقاً، لا غيرهم، وجملة (خاسرون): جملة اسمية، تدل على الثبوت، ثبوت الخسران، فهو خسران أبدي، وليس خسراناً مؤقتاً.

وإذا قارنا {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، مع آية (22) في سورة هود، يقول الله -جل وعلا- :{لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} ، فالأخسرون؛ أشد خسراناً من الخاسرون. ارجع إلى سورة النّساء آية (119) لمزيد من البيان.

وجاءت هذه؛ في سياق الّذين صدوا عن سبيل الله، وصدوا غيرهم، ضلوا، وأضلوا غيرهم.

ص: 34

سورة البقرة [2: 28]

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} :

{كَيْفَ} : استفهام؛ فيه تعجب؛ أي: ما أعجب كفركم بالله!، ألا ترون كيف كنتم أمواتاً، وما هي حالكم الآن، وما سيحدث لكم بعد ذلك. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمعرفة معنى تكفرون.

{وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا} : أموات: جمع مَيْت: بسكون الياء؛ أي: مات وانقضى أجله، وأما مَيِّت: بكسر الياء وتشديدها لمن لم يمت بعد ولم تفارقه روحه بعد، كما نرى في مرحلة الوفاة التي تسبق الموت، أو مرحلة الاحتضار، وكنتم أموتاً: قد تعني: نطفاً في أصلاب الآباء والأمهات، أو تراباً، لأنكم من آدم، وآدم من تراب.

{فَأَحْيَاكُمْ} : بنفخ الروح فيكم، وأنتم في أرحام أمهاتكم.

{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} : ثم؛ تفيد الترتيب، والتراخي الزمني، عند انتهاء آجالكم.

{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} : عند البعث، والنفخ في الصور مرة ثانية.

{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} : أي: بعد البعث، ترجعون إليه، للحساب، والجزاء.

وقدَّم {إِلَيْهِ} : للحصر؛ أي: إليه وحده ترجعون، ولم يقل: ثم تُرجعون إليه؛ أي: إليه، وإلى غيره ترجعون.

ولو قال: تَرجعون بفتح التاء؛ أي: ترجعون إليه بالرضا ومن دون قهر، وجبر. أما تُرجَعون: بضم التاء فتعني: قهراً وليس بإرادتكم ورضاكم.

ص: 35

سورة البقرة [2: 29]

{هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} :

وكيف تكفرون بالله، الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً.

{هُوَ} : ضمير منفصل، يفيد الحصر، والتوكيد، الذي: اسم موصول، يفيد التعظيم.

{خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ} : {خَلَقَ لَكُمْ} : اللام للاختصاص.

{جَمِيعًا} : للتوكيد، الآية تشير إلى الكون بدأ كجرم صغير متناهي في الصغر؛ أي: الحجم، ومتناهي في عظم الطاقة والمادة، ثم فجر الله سبحانه هذا الجرم فتحول إلى سحابة من الدخان، خلق الله سبحانه من هذا الدخان أرضاً واحدة، وسماء واحدة في زمن واحد، لحظة واحدة، ثم شاء الله أن يمايز الأرض إلى سبع أرضين بإنزال الحديد من السماء، فتشكلت الأرضين السبع، ثم للترتيب والتراخي بعد أن تمايزت الأرض استوى إلى السماء الّتي كانت سماء واحدة ليميزها إلى سبع سموات، إذن ميز السماء بعد أن ميز الأرض فسواهن سبع سموات.

{ثُمَّ} : قد تعني: الترتيب، والتراخي في الزمن، أو قد تعني: ترتيب الأخبار فقط.

{اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} بمعنى عمد، أو قصد إليها، بإرادته ومشيئته، التسوية: غير الخلق. الخلق: بالنسبة إلى الله الخلق هو الإيجاد من العدم على غير مثال سابق.

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} : أي: السماء كانت موجودة عبارة عن دخان، والتسوية تعني إعادة تشكيل، أو التسوية: مرحلة تالية للخلق، فسواهن سبع سموات؛ أي: ميزهن، صيرهن، أو قسمهن، أو جعل السماء الواحدة الّتي كانت دخان إلى سبع سموات طباقاً، سبع كرات، يغلف كل منها الآخر، وجعل سبحانه مركز الأرض مركزاً لهذه السموات السبع، فبذلك شكل سبع سموات تحيط بسبع أرضين، فالكون يتشكل من (14) كرة، سبع كرات تمثل السموات السبع، فهو ميز السماء إلى سبع سموات بعد أن ميز الأرض إلى سبع أرضين ونحن نعلم كيف ميز الأرض إلى سبع أرضين؛ بإنزال الحديد. ارجع إلى الآية (22) السابقة.

لكن كيف ميَّز الله السماء إلى سبع سموات؟ لا يدري العلماء، وكل هذا من أنباء الغيب لم يطلع الله عباده عليها، ونحن كبشر لا نعلم إلَّا الشيء، أو الجزء الضئيل جداً عن السماء الدّنيا، الّتي زينها الله بالنجوم، والكواكب، وباقي السموات غيب لا يعلمه إلَّا الله سبحانه. ارجع إلى بقية آيات خلق السموات والأرض في القرآن سورة فصلت آية (9)، وسورة الأعراف آية (54) لمزيد من البيان.

التسوية؛ تعني خلق، وبناء، وتزيين.

{وَهُوَ} : الواو؛ للتأكيد، هو: ضمير منفصل، يفيد الحصر، {بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}: عليم؛ صيغة مبالغة لعالم، على وزن فعيل، كثير العلم.

{عَلِيمٌ} : بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، لهذه السموات، والأرض، عليم بما خلق؛ أي: أحاط علمه -جل وعلا- ، بجميع خلقه، بما فيها السموات والأرض، وما فيهن، وما خلق من دابة.

ص: 36

سورة البقرة [2: 30]

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} :

{وَإِذْ} : الواو استئنافية.

إذ: ظرف للزمن الماضي، تعني: واذكر؛ فالمعنى: واذكر حين قال ربك للملائكة.

{قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : أبلغهم ذلك، قبل خلق آدم وذريته.

{لِلْمَلَائِكَةِ} : كل الملائكة، أم قسم من الملائكة، المرجح؛ والله أعلم: أنهم قسم من الملائكة، وهم الموكلون ببني آدم.

{جَاعِلٌ} : بالتنوين، الذي يدل على الحال، والاستقبال، أما (جَاعِلُ) بالضم: فيدل على الماضي؛ أي: ما جعله حدث في الماضي.

{فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : في: ظرفية مكانية أو زمانية.

خليفة: أي يخلف غيره ويقوم مقامه، يخلفه زماناً أو يخلفه مكاناً، وقيل: خليفته أصلها خليف، ودخلت الهاء للمبالغة؛ أي: يخلف بعضه بعضاً لكي يعمروا الأرض ويقوموا بما وكل إليهم؛ لأن كل خليقة (كل إنسان) سيموت ويخلفه غيره، وهذه الخلافة قد تكون محدودة أو مقيدة أو مطلقة، وهي خلافة متفاوتة مختلفة بالتفاضل وهذا أيضاً ابتلاء من الله تعالى، وفي نفس الوقت هي خلافة تكامل كلٌّ يكمل الآخر؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (165) لمزيد من البيان.

وقول الله سبحانه للملائكة: {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً} : فقط للإعلام، وليس قول استشارة، يستشير فيها الملائكة.

{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} :

{أَتَجْعَلُ} : الهمزة، همزة استفهام، وتعجب، وليست همزة استفهام إنكاري، أو اعتراضاً على حكم الله سبحانه، وليس استفهاماً عن الجعل نفسه، أو الاستخلاف، وإياك أن تظن أنّ الملائكة، يعترضون على أمر الله، وقد يكون سؤالهم لمعرفة الحكمة، من وراء خلق هذا الخليفة، وما شأنه، ووظيفته.

{فِيهَا} : في الأرض، {مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}: من ابتدائية.

{يُفْسِدُ فِيهَا} : من الفساد، وتعريف الفساد: ارجع إلى الآية (11) من سورة البقرة.

{وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} : السفك؛ هو الصب، والإهراق، الدماء، وسفك الدماء؛ من الإفساد في الأرض، والقتل الجماعي، والمجازر.

{وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} : بدلاً من يقتل، للدلالة على بشاعة الفعل.

قد يسأل سائل: كيف علمت الملائكة، بأنه سيفسد في الأرض، ويسفك الدماء، وآدم لم يخلق بعد، ولا ذريته؟

للعلماء أكثر من قول، في الرد على هذا السّؤال:

1 -

كونهم اطّلعوا على ما كتب في اللوح المحفوظ، من أفعال الخلق (البشر)، ولا يعني أنهم يعلمون الغيب.

2 -

رأوا ما يفعله الجن في الأرض، من فساد، وتخريب، فظنوا أنّ الإنس ستفعل مثل ما فعله الجن؛ أي: قاسوا أحد الثقلين على الآخر.

3 -

عرفوه بإخبار الله -جل وعلا- لهم.

4 -

ظنوا أنهم وحدهم، هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا معصومين.

{نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} :

{نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} : التسبيح؛ هو تنزيه الله، عما لا يليق به، التنزيه الكامل؛ ذاتاً، وصفاتٍ، وأفعالاً، تنزيه من الند، والشبيه، والولد، والصاحب، والشريك، والعجز، والنقص، ومن الأغيار، تسبيحاً، مصاحباً، للحمد؛ أي: نسبحك، ونحمدك، على نعمك علينا.

{وَنُقَدِّسُ لَكَ} : من التقديس، وهو التطهير، مأخوذ من القدس، وهو الدلو، المستعمل لإخراج الماء، الذي كانوا يتطهرون به، وتعني نعظمك ونكبرك.

والقدوس: أي: الطاهر، من كل الأحداث والأغيار.

{لَكَ} : أي: وحدك، ولا نقدس غيرك، وهناك فرق بين التسبيح والتقديس، فالتقديس أعم من التسبيح.

{قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} : رداً على الملائكة، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، أعلم أنّ سيكون من ذلك الخليفة أنبياء، ورسل، وصدّيقين، وشهداء، وصالحين، ومن سيسبح، ويقدس، ويحمد بإرادتهم، ومشيئتهم، وأني أعلم غيب السموات والأرض، وأعلم ما لا تعلمون.

{إِنِّى} : للتوكيد، أعلم ما لا تعلمون من الغيب، وما يُصلح الأرض، وما يفسدها، ثم خلق الله سبحانه آدم، بعد ذلك وعلمه الأسماء.

ص: 37

سورة البقرة [2: 31]

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِـئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} :

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} : وهل علمه كل الأسماء، منذ تلك الساعة إلى قيام الساعة.

{كُلَّهَا} : تفيد التّوكيد.

وما هذه الأسماء، التي علمها الله تعالى لآدم، وبأي لغة تعلم آدم.

وكيفية التعليم، أو آلية التعليم، وكيف استغرق الزمن

الله أعلم.

{ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} : ثم لتباين الدرجة بين التعليم والعرض

{عَرَضَهُمْ} : أي: عرض مسميات الأسماء على الملائكة.

ولم يقل: عرضها؛ لأنها؛ أي: الأسماء تحوي العاقل، وغير العاقل، والتغليب، يبدو هنا للعاقل، أو التغليب، يكون للعاقل عند الإطلاق، فقال عرضهم.

{فَقَالَ} : الفاء؛ للتعقيب، والمباشرة.

{أَنبِـئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} : {أَنبِـئُونِى} : أخبروني. {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} : هؤلاء؛ أصلها أولاء، ودخلت عليها هاء التنبيه، فأصبحت هؤلاء، وتشمل العاقل، وغير العاقل، {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ}: تعني: مسميات الأسماء.

{إِنْ} : إن شرطية، تفيد الاحتمال، جوابها محذوف؛ للتعظيم.

{كُنتُمْ صَادِقِينَ} : كيف يقول للملائكة: {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} ، وهل تكذب الملائكة، اعلم أنّ في مقابل كل صدق هناك كذب، وحاشا لله الملائكة أن تكذب، لكن هناك صدق يقابله خطأ، فهم لم يكذبوا، ولكن أخطؤوا في قولهم:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، أو حين قالوا؛ كما روى ابن عبّاس رضي الله عنهما : لن يخلق الله خلقاً، أكرم عليه منا، فنحن أحق بالخلافة في الأرض، كما ورد في تفسير ابن كثير (1/ 17)، والطبري (1/ 177).

ص: 38

سورة البقرة [2: 32]

{قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} :

بعد أن عجزت الملائكة عن معرفة تلك الأسماء، اعترفوا بقصورهم، وسارعوا إلى تنزيه الله تعالى، عن كل نقص، وعيب، اعترفوا بقصورهم، بقولهم:{سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا} ، نفوا عنهم العلم.

{إِلَّا} : أداة حصر؛ أي: لا نعلم {إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} .

{إِنَّكَ أَنْتَ} : ضمير منفصل، تفيد التّوكيد.

{الْعَلِيمُ} : صفة مشتقة مبالغة من علم على وزن فعيل أي كثير العلم؛ أي: أنت، الذي أحاط علمك بكل شيء، بظواهر الأمور، وبواطنها، وأعمال عبادك، خيرها وشرها، ولا يخفى عليك شيء في الأرض، ولا في السماء.

{الْحَكِيمُ} : بمعنى الحاكم، وبمعنى الحكيم ذي الحكمة، في خلقك، وشرعك، وكونك، لا تخلق شيئاً عبثاً، حكيم من الحكمة المقرونة بالعلم، والقدرة، فأنت أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (129) من نفس السورة لمزيد من البيان. وفي هذه الآية قدم العليم على الحكيم؛ لأن السياق في العلم حيث ذكر ما يلي:(أعلم، ما لا تعلمون، وعلم آدم، لا علم لنا، إلا ما علمتنا).

ص: 39

سورة البقرة [2: 33]

{قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} :

نادى الله -جل وعلا- آدم عليه السلام : يا آدم، {أَنبِئْهُم} ؛ مشتقة من نبأ، على وزن فعل، تحتاج إلى وقت أطول من أنبأهم، على وزن أفعل، التي فيها اختصار للزمن؛ أي: أنبأهم بسرعة، ووردت {أَنبِئْهُم} ، ومشتاقاتها في (46) آية. وأنبئهم: النبأ: أعظم من الخبر، والخبر عام، والنبأ خاص.

{فَلَمَّا} : الفاء؛ للتعقيب، والترتيب.

{أَنْبَأَهُمْ} : أي: بسرعة، اختصار للزمن، ووردت في القرآن، في (4) آيات. ارجع إلى سورة التحريم آية (3) لمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين أنبأك ونبئك.

{بِأَسْمَائِهِمْ} بأسماء المسميات، ورغم كون هذه المسميات للعاقل، وغير العاقل، فهو قد غلب العاقل على غير العاقل، وقال: بأسمائهم.

قال تعالى: {أَلَمْ} : الهمزة: استفهام تقريري.

{أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى} : إني: للتوكيد.

{أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أي: أعلم ما غاب، واستتر في السموات، والأرض. ارجع إلى الآية (3) من نفس السورة.

{وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} ؛ وأعلم على وزن أفعل، صيغة مبالغة، لفعل علم.

{تُبْدُونَ} : الإبداء: الإظهار؛ تقولون علناً، كقولكم:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} .

{وَمَا} : تكرار ما، يفيد التّوكيد، وكذلك استقلال كلا الأمرين؛ الإبداء، والإخفاء؛ من القول.

{وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} : الكتمان: السكوت عن ذكر خبر أو أمر ما، والكتمان يختص بالأسرار والأخبار، وهو حالة من حالات الإخفاء الذي هو أعم من الكتمان، والإخفاء يكون بالأشياء الحسية المادية أو المعنوية حين قالت الملائكة: لن يخلق الله خلقاً، أكرم على الله، ولا أعلم منا، فجاء الرد الإلهي على قولهم بأمرين: الأول: لما قالوا: لا أكرم على الله منا، قال: اسجدوا لآدم، بذلك تبين لهم، أنهم ليسوا أكرم عند الله من آدم.

والأمر الثّاني: لما قالوا: لا أعلم منا، قال تعالى:{أَنبِـئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} ، إذن كانوا خاطئين، في كلا القولين.

وجاء بصيغة المضارع {تَكْتُمُونَ} ؛ بدلاً من كتمتم؛ لاستحضار فعل الكتمان، كأنه يحدث الآن، لعظم ما قالوا (وهذا ما يسمى حكاية الحال).

ص: 40

سورة البقرة [2: 34]

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} :

الواو؛ استئنافية، إذ ظرفية للزمن الماضي، وتعني: واذكر إذ، أو اذكر حين.

{قُلْنَا} : بصيغة التعظيم، صيغة الجمع، إذ أسند القول سبحانه، لنفسه، ويدل ذلك على تكريم آدم عليه السلام .

{لِلْمَلَائِكَةِ} : اللام لام الاختصاص، {لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا}: هذا الأمر، جاء ليشمل الملائكة، الموكلين بآدم، وذريته، ولم يشمل حملة العرش، وغيرهم، من الملائكة غير الموكلين بآدم وذريته، وأطلق عليهم القرآن العالين، كما جاء في قوله -جل وعلا- في سورة ص آية (75):{قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} .

{اسْجُدُوا لِآدَمَ} : آدم: يمثل أبو البشر. قيل: اسجدوا سجود تكريم، وطاعة، وتعظيم، وليس سجود عبادة، مثل: سجود إخوة يوسف وأبويه له، سجود تحية، {اسْجُدُوا لِآدَمَ} ، جاء هذا الأمر، قبل أن يعصي آدم ربه، ويأكل من الشجرة، وأمروا بالسجود لآدم فقط، وليس لذريته، ولتعلم أنّ السجود كان معروفاً قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، فلا سجود إلَّا لله تعالى.

{فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} : {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]؛ فسجد الملائكة الموكلون بآدم وذرية آدم، {إِلَّا}: أداة استثناء، {إِبْلِيسَ}: اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس من رحمة الله. والمبلس: الساكت الذي لا حُجة له، وهو اسم أعجمي، لا اشتقاق له.

{أَبَى} : الإباء: شدة الامتناع؛ امتنع عن السجود.

{وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} : جمعت هذه الآية الإباء، والاستكبار، والكفر معاً، وإبليس هو أبو الجن، وكما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : كان ذا منزلة عالية، بين الملائكة، ومطيعاً لله، وكان جليس الملائكة، يجلس معهم، وإبليس كان من الجن، وكان مع الملائكة، حين صدر الأمر الإلهي، بالسجود لآدم، وشمله الأمر، والدليل على شمول الأمر، هو قوله تعالى:{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ، [سورة الأعراف، الآية 12]. ارجع إلى تتمة قصة إبليس في السور الأخرى، وانتبه إلى قوله:{وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ، كان؛ هنا، لا تعني الزمن الماضي، وإنما الحاضر، والمستقبل؛ لأنه حتّى تلك اللحظة، كان ذا منزلة عالية، وأصبح من الكافرين، بعد أن أبى أن يسجد، واستكبر، ولم يتب، وجمعت آية البقرة هذه الصفات الثلاث لإبليس، وما جاء بعد سورة البقرة من سور، ذكرت واحدة أو اثنتين من هذه الصفات؛ أي: جاء الإجمال، في سورة البقرة، والتفصيل في السور الأخرى. فقال في سورة ص آية (74){إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ، وفي سورة طه آية (116):{فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} .

ص: 41

سورة البقرة [2: 35]

{وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} :

{وَقُلْنَا يَاآدَمُ} : وقلنا قولاً، فيه تكريم، وتعظيم لآدم، لإسناد القول إليه -جل وعلا- .

{اسْكُنْ} : من السكينة، والسكن في اللغة؛ البيت، الذي يكون فيه زوجان، فالزوجة سكن لزوجها، وزوجها سكن لها، وفيها معنى الإقامة والاستقرار.

{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} : بما أنه خاطب آدم وحده، فالسكن مطلب، وواجب على الرجل، وكلمة زوجك؛ تطلق على الرجل، أو المرأة، ففي اللغة؛ يقال: المرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والزوجة تعني: المثيل للزوج؛ أي: المماثلة لزوجها، وإذا كانت مخالفة تسمى امرأة؛ ارجع إلى سورة التحريم آية (10) للبيان، والفرق بين الزوجة والمرأة.

{الْجَنَّةَ} : تعريفها: كل بستان ذي شجر كثيف، وفيها من الثمرات، والخيرات الوفيرة. ارجع إلى الآية (25) للبيان.

واختلف المفسرون في هذه الجنة، هل هي جنة في الأرض، أم جنة في السماء، ولو نظرنا في القرآن، لوجدنا ذكر الجنة، قد ورد في سياق سورة الكهف، والقلم، وسبأ، وكلها تشير إلى أنّ الجنة، هي على الأرض، وليس جنة الآخرة، ففي سورة الكهف آية (32):{جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} ، وفي سورة القلم، الآية (17):{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} ، وفي سورة سبأ، الآية (15):{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ} ، ويميل أكثر المفسرين، أنها جنة في الأرض، جنة أرضية، وليس جنة الخلد، أو جنة الآخرة.

{وَكُلَا} : كل واحد يأكل، وهنا ثنى الفعل، ولم يقل: فكلا بالفاء؛ لأنّ الفاء، تعني: أن يأكل مباشرة، عقب الدخول، والواو أرحب زمناً من الفاء. {رَغَدًا}: الرغد هو الرزق، الواسع، الكثير، {رَغَدًا}: أكلاً، هنيئاً، لا عناء فيه، ولا حجر عليه.

{حَيْثُ شِئْتُمَا} : ظرف للسكن، والأكل؛ أي: اسكنا {حَيْثُ شِئْتُمَا} ، وكلا {حَيْثُ شِئْتُمَا} .

{وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} : لا بالدنو منها، ولا بالأكل من ثمارها، وأما ما نوع هذه الشجرة، فلا يهم، فقد أبهم القرآن تعينها، والنهي بالقرب منها؛ للمبالغة في النهي عن الأكل منها؛ أي: لم يقل سبحانه: ولا تقربا هذه الشجرة، ولا تأكلا منها، وإنما اقتصر على الاقتراب؛ لأنّ الأكل سيحصل بعد الاقتراب، بسبب الشهوة، ولو نهى عن الأكل فقط منها، ولم ينهَ عن الاقتراب، عندها لن يقاوم شهوته.

{فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} : الظلم؛ هو الجور، والتعدي، والإنسان، قد يظلم نفسه، مثلاً؛ بفعل المعاصي، والذنوب، أو الخروج عن طاعة الله، أو المنهج، أو قد يظلم غيره، بالتعدي على حقوقه، ولا يعطيه حقه مثلاً، وهو الظلم الاجتماعي يضم ظلم الأموال، وظلم الأعراض، وهناك الظلم العقدي؛ أي: الشرك والكفر والنفاق، وقد ورد الظلم ومشتقاته في القرآن في حوالي (289 موضعاً).

وهنا {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: من الّذين ظلموا أنفسهم، بمعصية الله، بالأكل من تلك الشجرة.

ص: 42

سورة البقرة [2: 36]

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} :

{الشَّيْطَانُ} : كلمة الشيطان، اشتقت من شطن؛ أي: بعُد عن الحق، والخير، وتمادى في الشر، أو شاط: احترق، ومنه؛ شاط الطعام؛ أي: احترق، أو الشاطن؛ أي: الخبيث.

والرجيم: يعني: المرجوم، بالشهب، والمرجوم؛ الملعون، والرجيم؛ المطرود، أو المبعد، عن رحمة الله تعالى.

{فَأَزَلَّهُمَا} : الفاء؛ تدل على المباشرة، والسرعة، يقال: أزلت الشيء عن مكانه، إزالة؛ أي: نحيته، وأذهبته عنها، {فَأَزَلَّهُمَا}؛ أي: أبعدهما عن الجنة، أو نحاهما عن الجنة، {فَأَزَلَّهُمَا} ؛ قد تعني أوقعهما في الخطيئة، أو الزلة، والزلة ليست بالضرورة، تكون إلى محل أدنى، بل يمكن أن تكون في المكان نفسه، بعكس التدلية كما في قوله:{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} ، لا تكون إلَّا من أعلى إلى أسفل.

{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} : من الجنة، والنعيم، والكرامة، ونسب الإخراج إلى إبليس، الذي تولى إغواء آدم، من أكل من الشجرة، بعد أن تغلبت عليه وساوس الشيطان.

{وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} :

{وَقُلْنَا اهْبِطُوا} : لم يقل: منها، ولا إلى أين، فهذا يشير إلى هبوط مكانة، وليس هبوطاً من مكان، إلى مكان؛ أي: نزول.

{اهْبِطُوا} : يشمل هبوط آدم، وزوجته، والشيطان. وقيل: آدم وذريته، وإبليس وذريته، أما قوله تعالى:{اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه: 123] تعني: آدم وإبليس، وآدم تعني: آدم وزوجته؛ ارجع إلى سورة طه آية (123) للبيان.

{بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} : أي: شياطين البشر للبشر عدو، شياطين الجن للبشر عدو، وأولياء الله عدو لأولياء الشيطان، ولم يقل: كلكم، وإنما قال {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} .

{وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} : في: ظرفية مكان، استقرار، وإقامة.

{وَمَتَاعٌ} : كل ما ينتفع به، وما يُمتع به القليل، أو الكثير من الطعام، والشراب، واللباس، والسلعة، والأداة، والمال.

{إِلَى حِينٍ} : إلى: حرف يستعمل لكل الغايات (البداية، أو النهاية، أو المنتصف

)، بينما حتّى حرف يستعمل لنهاية الغاية. إلى حين موتكم، أو انقضاء أجلكم، إلى حين، ولم يقل: حتّى حين، وحين تعني: فترة زمنية غير محددة، قد تطول، أو تقصر، سنين، أو شهوراً، أو أياماً، أو ساعاتٍ.

حتّى: تعني: الوصول إلى نهاية الغاية، نهاية الغاية هي الموت، وهو القيامة الصغرى، سواء أكان الموت العادي، أم الموت بأسباب أخرى

ص: 43

سورة البقرة [2: 37]

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} :

{فَتَلَقَّى} : الفاء: تدل على التعقيب، والمباشرة.

{كَلِمَاتٍ} ؛ قيل: هي كلمات التوبة، والاستغفار، والمأثور أنها:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

{فَتَلَقَّى آدَمُ} ؛ لأنّ آدم، لم يكن يعرف كيف يتوب، حتّى علمه الله -جل وعلا- ، كيف يتوب، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} ؛ فهو النبي، الذي يتلقى، وليس زوجه، فالتبليغ؛ أصلاً كان لآدم عليه السلام .

{فَتَابَ عَلَيْهِ} ؛ أي: تقبل منه توبته، مباشرة، فالفاء؛ تدل على التعقيب، والسرعة، فتاب عليه؛ لا تعني تاب عليه وحده، وإنما عليه، وعلى زوجه، وأصل التوبة؛ الرجوع عن المعصية، وعدم العودة إليها. ارجع إلى سورة النّساء آية (17-18) للبيان.

{إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} : إن: للتوكيد. {هُوَ} : للحصر.

{التَّوَّابُ} : صيغة مبالغة؛ أي: كثير قبول التوبة، من عباده، مهما كثرت، أو تكررت، ومهما تنوعت من صغائر وكبائر، ويقبل توبة عباده التائبين، مهما كان عددهم، وعدد توباتهم.

{الرَّحِيمُ} : لا يرد توبة التائبين، ولا يعجل لهم بالعقوبة، كي يتوبوا، ويغفر لهم.

ص: 44

سورة البقرة [2: 38]

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} :

{قُلْنَا} : اللفظ، بلفظ التعظيم، {قُلْنَا}: لهم، بعد التوبة، وقبولها:{اهْبِطُوا مِنْهَا} ؛ هذا هو الهبوط الثّاني، وهو هبوط من مكان عال إلى مكان أسفل، والذي يدل على أنه هبوط من مكان عال إلى مكان أسفل، هو استعمال منها، بينما في هبوط المنزلة، لم يستعمل منها، وهذا الهبوط كان بعد التوبة، وهو أخف شدة من الهبوط الأول، الذي حدث بعد المعصية، فالهبوط الأول الذي ذكر في الآية (36)، كان هبوط منزلة، ودرجة، وحدث بعد المعصية، وهو أشد، جاءت الواو للأهمية، مصاحبة لقوله: وقلنا، بينما في هذه الآية جاءت قلنا، من دون واو.

ومن المفسرين؛ من يقول: إن الهبوط الثّاني، هو نفسه الهبوط الأول، وأعيدت كلمة {اهْبِطُوا} ؛ للتوكيد.

{اهْبِطُوا مِنْهَا} ؛ من الجنة، {جَمِيعًا}: الخطاب لآدم، وزوجته، وإبليس.

{جَمِيعًا} : للتوكيد.

{فَإِمَّا} : للتفصيل، والتوكيد، أصلها: فإن زائد ما والفاء في فإن؛ تفيد التّوكيد، إن: شرطية، وما: للتوكيد، وأدغمت النون في ما، فأصبحت؛ {فَإِمَّا} .

{يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى} : رسول أبعثه إليكم، أو كتاب أنزله عليكم.

{فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ} : الفاء: للتوكيد.

من: شرطية، {تَبِعَ} أوامري، وتجنب نواهيَّ، ولم يتبع هواه، وخطوات الشيطان.

{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} :

{فَلَا} : الفاء: للتوكيد، لا: النّافية.

{خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} : الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ الحزن: أشد الهم؛ الحَزَن: يكون لأمر مضى؛ أي: فاتك شيء، تحبه وتتمناه، ولم تحصل عليه.

{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} : هم يخافون الله سبحانه في الدنيا ويوم القيامة؛ لأن الكل يخاف الله يوم القيامة، ولا يصح أن يقال لا يخافون؛ فقد قال تعالى:{يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37]، وكذلك قوله تعالى:{إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 10] فهم يخافون، ولكن الله وعدهم الأمن يوم القيامة بعد أن تبشرهم الملائكة تطمئن قلوبهم، ويذهب عنهم الخوف، وأما غيرهم فلم ينفي عنهم الخوف.

{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : وقدَّم {هُمْ} على {يَحْزَنُونَ} : لنفي الحزن عنهم خاصة، ولأنّ غيرهم من الكفرة، سوف يحزنون، وهناك فرق بين الحَزن: بفتح الحاء، والحُزن بضم الحاء. ارجع إلى سورة فاطر آية (34) للبيان، أو سورة الأنعام آية (33)، ولا هم يحزنون أما غيرهم من الأبناء والأقارب قد يحزن عليهم بعد موتهم، وجاء بصيغة المضارع يحزنون لنفي الحزن المتجدد عليهم.

قدَّم الخوف على الحزن، وقال:{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ؛ لأن الخوف أعم وأهم من الحزن.

وتكرار لا، تفيد التّوكيد، وفصل الخوف عن الحزن؛ أي: لا هذا، ولا ذاك، ولا كلاهما معاً.

وإذا قارنا هذه الآية: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وقوله في سورة طه الآية (123): {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} :

ففي آية سورة البقرة {تَبِعَ} ، فيها تخفيف، {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، وجاءت في سياق الآخرة.

أما في آية سورة طه {اتَّبَعَ} ، فيها تشديد، {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} ، جاءت في سياق الدّنيا والآخرة، فيها مبالغة، بالاتباع؛ لأنّ الضّلال؛ لا يحصل إلَّا في الدّنيا، والشقاء؛ يحصل في الدّنيا والآخرة.

ولذلك شدد في آية سورة طه؛ لأنّ الآية تتضمن أمرين: مجاهدة الضّلال، والفوز بالآخرة، ولذلك شدد على اتباع هدي الله أكثر في آية سورة طه.

ص: 45

سورة البقرة [2: 39]

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :

كأنّ هذه الآية تتمة للآية السابقة، {فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} .

{وَالَّذِينَ} : الواو عاطفة، الذين: اسم موصول، يفيد الذم.

{كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} : الكفر؛ هو الستر، إنكار وجود الله سبحانه، واجب الوجود، أو الكفر بآيات الله؛ أي: عدم التصديق بها، وإنكارها، والكفر أعم من التكذيب. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الّذين كفروا.

التكذيب: هو حالة جزئية، من الكفر بآياتنا؛ أي: الكونية، أو آيات القرآن، والمعجزات الدالة على النبوة، والكفر أعم من التكذيب، والتكذيب هو عدم التصديق.

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة يفيد البعد، يشير إلى الّذين كفروا وكذبوا بآياتنا.

{أَصْحَابُ النَّارِ} : سماهم أصحاباً لصحبتهم الدائمة للنار، وكأنهم أصبحوا أصحابها؛ أي: مالكوها؛ كما نقول: صاحب الدار.

{هُمْ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد، {فِيهَا}: في النار.

{خَالِدُونَ} : من الخلد، وهو البقاء الدائم، الذي لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن دخولهم النار؛ أي: له زمن بدء، وليس له زمن نهاية.

ص: 46

سورة البقرة [2: 40]

{يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ} :

{يَابَنِى} : نداء إلى بني إسرائيل، بياء النداء للبعد.

{إِسْرَاءِيلَ} : إسرائيل؛ هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام ، وأبناؤه، وأحفاده، ينادون ببني إسرائيل؛ في زمن يعقوب، وبعد وفاته.

وفي زمن موسى كانوا يسمَّون ببني إسرائيل، وهكذا حتّى توفِّي موسى، وسُمُّوا باليهود بعد مجيء يهوذا، ولم يكن في منزلة يعقوب عليه السلام ، وأطلق عليهم لقب اليهود عندما عصوا ونقضوا عهودهم. وسُمُّوا بالّذين هادوا؛ أي: الّذين تهودوا، دخلوا في اليهودية. وأفضل الألقاب لقب بني إسرائيل، وذكر (40) مرة في القرآن.

ويطلق عليهم وعلى أتباع عيسى عليه السلام بأهل الكتاب، أو بالّذين أوتوا الكتاب، أو نصيباً من الكتاب. ارجع إلى هذه الآيات للبيان.

{اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ، اذكروا من الذكر، وهو الحفظ من النسيان؛ أي: اذكروا، ولا تنسوا نِعَمِي الكثيرة عليكم.

{نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} : منها: إنزال التّوراة، وإنزال المن، والسلوى، فلق البحر، أنجاؤكم من فرعون، وغيرها من النعم، وحين يخاطب -جل وعلا- بني إسرائيل؛ يقول:{اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ، ولكن حين يخاطب المسلمين؛ يقول:{اذْكُرُوا اللَّهَ} ؛ لأنّ بني إسرائيل؛ معروف عنهم حبهم للمال، وللدنيا.

{وَأَوْفُوا بِعَهْدِى} : لتعريف العهد؛ ارجع إلى الآية (27) من سورة البقرة.

أي: امتثلوا لأوامري، وفرائضي، وخذوا بالتوراة، بقوة، وتمسكوا بها، ولا تكتموها، وأوفوا بما عاهدتموني عليه، من الإيمان والطاعة.

{أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} : بما عاهدتكم عليه، من حسن الثواب، والجنة، وتكفير السيئات.

{وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ} : وإياي: تفيد الحصر؛ أي: الرهبة لله وحده؛ الرهبة: هي الخوف، والحذر معاً؛ أي: خافوني، واحذروني؛ فارهبون فيها حذف لياء المتكلم، قد يكون ذلك لأن المخاطب فئة أو جماعة من الناس.

ص: 47

سورة البقرة [2: 41]

{وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِـئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ} :

{وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ} : يعني: القرآن، {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}: من التّوراة الحقيقية، الّتي لا ريب فيها، وفيها صفة النّبي صلى الله عليه وسلم.

{وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} : لا: الناهية، ولا تكونوا أول كافر به بمحمد، أو بالقرآن؛ لأنّ قريشاً، قد كفرت بمحمد، قبل أهل الكتاب، كقوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لبيان معنى الكفر.

{وَلَا تَشْتَرُوا بِـئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا} : تكرار لا؛ تفيد التّوكيد، {وَلَا تَشْتَرُوا بِـئَايَاتِى}: أي: تبيعوا آياتي بأن تبدلوها، أو تحرفوها، أو تحذفوها، أو بالزيادة أو النقص، وتأخذوا ثمنها، مهما كبُر الثمن وعظُم فهو ثمن قليل؛ لأنّ ثمنها أكبر وأعظم عند الله من ذلك بكثير، ولا يقدر ثمنها إلَّا الله سبحانه.

{وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ} : وإياي: تفيد الحصر؛ حصر التقوى لله وحده، ولا تخافوا أحداً إلَّا أياي {فَاتَّقُونِ}: أي: امتثلوا أوامري، وتجنبوا نواهيَّ؛ لكي تنجوا من النار، ومن سخطي وغضبي. واتقون: حذفت فيها ياء المتكلم قد يكون ذلك لأن المخاطب فئة من الناس أو جماعة هم بني إسرائيل وليس الكل وقد تعني التقوى ما استطعتم.

ص: 48

سورة البقرة [2: 42]

{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} :

تلبسوا الحق؛ تخلطوا الحق بالباطل من: لبس عليه الأمر: خلطه، واللبس؛ هو التغطية أو التعمية، والحق في هذه الآية، هو ما جاء في أمر النّبي صلى الله عليه وسلم، ونعته، أو تحرِّفوا التّوراة، والإنجيل ولمزيد من البيان في معنى الحق ارجع إلى الآية (119) في نفس السورة، وتكتموا البشارة بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقمة الإلباس هو عدم الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم تعلمون أنه النّبي المرسل المنتظر.

ص: 49

سورة البقرة [2: 43]

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} :

{وَأَقِيمُوا} : ارجع إلى آية (3) من سورة البقرة.

{وَآتُوا الزَّكَاةَ} : أدوا الزكاة؛ والزكاة: شرعاً: نصيب مقدر في مال معين، يصرف لطائفة مخصوصة، والزكاة؛ لغةً: مشتقة من الزكاء، وهو النمو، والزيادة، فالزكاة تعني: الزّيادة، والنماء، وزكا الزّرع: نما، وكثر، وقيل: تزكى؛ أي: تطهر، فالزكاة، تحمل معنيين: تطهير للمال، وتنمية له.

ولنعلم أنّ الزكاة فرضت في مكة، وأما تقدير نصابها كان في المدينة.

{وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} : الركوع: يعني: الصلاة، ذكر الجزء وأراد الكل، كما يُعبر عن الصّلاة بالسجود؛ أي: صلوا مع المصلين؛ أي: صلوا مع محمّد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه؛ صلاة الجماعة، وذكر الركوع؛ لأنّ صلاة اليهود، ليس فيها ركوع، {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ؛ ليست خاصة باليهود، وإنما هي لكافة المسلمين، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب. {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}: فيها حث على صلاة الجماعة.

ص: 50

سورة البقرة [2: 44]

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} :

{أَتَأْمُرُونَ} : الهمزة: همزة استفهام، توبيخ، وتحذير، وتعجب.

{النَّاسَ بِالْبِرِّ} : هو الخير، الواصل إلى الغير، مع القصد والنية، إلى ذلك، وضده العقوق؛ ويشمل: العمل الصالح، والطاعة، وكل ما يتقرب به إلى الله من أخلاق ومعاملات واعتقادات. وقيل: نزلت هذه الآية في بعض اليهود، الّذين كانوا يقولون لبعض أقاربهم من المسلمين في السر: اثبتوا على ما أنتم عليه، فإنه حق، وهم لا يقومون بذلك.

وقيل: البر؛ هنا، يعني: التمسك بالتوراة، فمنهم من كان يأمر أتباعه باتباع التّوراة، وهم أنفسهم لا يقومون بذلك. وقيل: هو الصدقة؛ كانوا يأمرون بها غيرهم، وهم لا يتصدقون.

النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمعرفة معنى النّاس.

{بِالْبِرِّ} : الباء؛ للإلصاق.

{وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} : تنسون على وزن تفعون فيها مبالغة في النسيان.

تأمرون غيركم بالبر، ولا تأمرون أنفسكم، بالطاعة وتقديم الأعمال الصالحة، فهذا ليس منهج الدعاة، والقدوة الصالحة.

{وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} : أي: التّوراة، {تَتْلُونَ} ؛ فعل مضارع، يدل على تجدد وتكرار تلاوة التّوراة الّتي فيها نعت محمّد صلى الله عليه وسلم، والأحكام الربانية.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : الهمزة؛ استفهام إنكاري، توبيخ على النسيان، ألا؛ أداة تنبيه، وحضٍّ، وتحمل معنى الأمر، والفاء للتوكيد.

{تَعْقِلُونَ} : تتفكرون، وتعودوا إلى الصواب، والحق، وفيها؛ توبيخ شديد، لكونه ينفي العقل عنهم، والفهم عندما يأمرون النّاس بالبر، وينسون أنفسهم، والقيام به. تعقلون من عقل الشيء؛ أي: عرفه بدليله، ووصل إلى الحقيقة بعد الموازنة والاستنباط.

ص: 51

سورة البقرة [2: 45]

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} :

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} : الاستعانة؛ الألف، والسين، والتاء، تعني الطلب؛ اطلبوا العون، بالصبر، والصلاة.

{بِالصَّبْرِ} : الباء؛ للإلصاق؛ أي: المداومة على الصبر، والأصل في الصبر، الحبس، فالصابر حابس نفسه عن الجزع، {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} ، على أداء الفرائض، وترك المعاصي، وأنواع البلاء.

{وَالصَّلَاةِ} : استعينوا كذلك بالصلاة، فقد كان عليه السلام إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة؛ أي: نزل به هم أو غم، كما ورد في الحديث الذي أخرجه الطبري، وأبو داود، وأحمد.

وقدَّم الصبر على الصلاة؛ لأنّ الصّلاة تحتاج إلى صبر، وكل عبادة تحتاج إلى صبر، فذكر أحدهما يكفي، أو متضمن الآخر.

{إِلَّا} : أداة استثناء.

{الْخَاشِعِينَ} : جمع خاشع، والخشوع هو الخضوع مع التعظيم والخوف لله وحده، والخشوع في اللغة معناه: الذل، والسكون، والخضوع. قيل: هو اللين، والانقياد.

والخشوع يظهر على الجوارح، أو يخص الجوارح، مثل البصر، {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} [القلم: 43]، والصوت؛ {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ} [طه: 102]. والخضوع يخص البدن.

ص: 52

سورة البقرة [2: 46]

{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} :

{الَّذِينَ يَظُنُّونَ} ؛ أي: يوقنون؛ لأنّ الظن هنا؛ جاء بمعنى اليقين.

{أَنَّهُمْ} أنّ للتوكيد، وأنّ في القرآن؛ إذا قرن الظن بها، أفادت اليقين؛ أي: يتبدل الظن إلى علم، ويقين.

اليقين: العلم التام، الذي ليس هناك غيره، وهو العلم بالحق الثابت الذي لا يتغير.

وأما الشك؛ عندما يتساوى طرفا النفي والإثبات.

والظن؛ عندما يكون طرف الإثبات، أو الإدراك يفوق طرف النفي.

{مُلَاقُو رَبِّهِمْ} : أي: بالبعث؛ أي: يوقنون بالبعث، والعرض على ربهم يوم الحساب.

{وَأَنَّهُمْ} : للتوكيد، {إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}: إليه وحده لا إلى غيره، راجعون إليه في الآخرة؛ لنيل الثواب والأجر.

ص: 53

سورة البقرة [2: 47]

{يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} :

{يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ} : نداء جديد آخر إلى بني إسرائيل. ارجع إلى الآية (40).

{اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} : لم يبين في هذه الآية النعمة، الّتي أنعمها عليهم، والنعمة الواحدة تمثل النعم التي لا تعد ولا تحصى، ولكن سبحانه بينها في آيات أخر، فقال:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة: 49].

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57].

وإنزال التّوراة، وجعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكاً، وأتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين، وغيرها من النعم الكثيرة.

{نِعْمَتِىَ} : أضاف الله سبحانه النعمة إليه، فقال:{نِعْمَتِىَ} ؛ للتشريف، وبيان عظمها، وكما قال:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ، وشكر النعمة يكون بذكر النعمة، يكون بذكر المنعم، وطاعته، والحديث عنها، وشكره عليها.

{الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} : خاصة بكم، لم أنعمها، على غيركم.

{وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} : عالمي زمانهم ذاك، ولا يعني تفضيلاً إلى الأبد، والدليل على ذلك؛ قوله تعالى:{وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} .

فضلهم على عالمين، ذلك الزمان، فكلمة عالمين كلمة لا تشمل كل العالمين في كل زمان، وإنما الموجودون فقط، في زمن واحد معين، ففي لحظة اختيارهم في ذلك الزمن، كانوا هم أفضل النّاس، على غيرهم، مقارنة بغيرهم، وليس الآن، وهذا ما يظنه خطأ بعض اليهود أنفسهم أنهم شعب الله المختار، أنهم أفضل النّاس.

ص: 54

سورة البقرة [2: 48]

{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَّفْسٍ شَيْـئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} :

{وَاتَّقُوا يَوْمًا} : الواو عاطفة، {وَاتَّقُوا يَوْمًا}: عذاب يوم، والتنكير هنا؛ للتهويل، تهويل العذاب، وتهويل اليوم، وهو يوم القيامة، ولم يقل: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً؛ لأنّ الجزاء والحساب ليس منحصراً في ذلك اليوم، وهو قد يستمر سنين طويلة؛ كقوله:{كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} .

كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} ؛ لأنّ الرجوع محصور في ذلك اليوم.

{لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَّفْسٍ شَيْـئًا} : لا: النّافية، لا ينفع الإنسان فيه إلَّا عمله، أو لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنّ ليس للإنسان إلَّا ما سعى.

فالآية هذه؛ تتحدث عن نفسين: النفس الأولى، الّتي تقدِّم الشفاعة لنفس الثانية (المشفوع لها) فلا يُقبل منها شفاعة؛ أي: من النفس الأولى الشافعة، وعندها تحاول النفس الأولى، الشافعة، أن تدفع مال، (عدل)، يساوي الفدية، يساوي ما يعادل الذنب والجرم، لتفدي النفس المشفوع لها، أو الآثمة، فلا يؤخذ منها.

ولو قارنا هذه الآية بالآية (123): {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} .

فالآية (123): تتحدث عن النفس المشفوع لها، تحاول أن تدفع لتفدي نفسها بنفسها، فلا يقبل منها عدل، ثم حين لا يقبل العدل، تحاول أن تأتي بالشفيع، أو تبحث عن شفيع، فلا تجد، أو لا تنفعها شفاعة. {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}: لا: النّافية.

{هُمْ} : ضمير منفصل، للتوكيد.

{يُنْصَرُونَ} : أي: لا يستطيع أحد، أن ينصرهم، أو يوقف عنهم العذاب، أو يخففه.

ويمكن تيسُّر فهم الآية (48) والآية (123) بالقول أنّ هناك نفساً أولى شافعة، ونفس ثانية مشفوع لها.

ففي الآية (48) تحاول النفس الأولى الشافعة أن تشفع للنفس الثانية، فلا يسمح لها أن تشفع، بعدها تلجأ إلى دفع فدية (أو عدل)، فلا يسمح لها أيضاً.

وأما في الآية (123): تحاول النفس المشفوع لها أن تدفع فدية، أو عدل بذاتها، فلا يسمح لها بعدها تحاول أن تجد من يشفع لها فلا تجد أحداً.

ص: 55

سورة البقرة [2: 49]

{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} :

{وَإِذْ} : ظرف للزمن الماضي؛ أي: واذكر إذ، أو اذكر حين نجيناكم من آل فرعون.

الفرق بين نجيناكم وأنجيناكم.

{نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} : نجيناكم، تعني النجاة، تمت ببطء بعد زمن طويل؛ أي: بقوا في العذاب زمناً طويلاً، ثم نجوا بسهولة.

بينما أنجيناكم؛ تعني النجاة تمت بسرعة، وزمن قصير، وقوة عظيمة؛ أي: جهد أكبر، وصعوبة أشد، كما حدث؛ حين أنجاهم من الغرق.

{مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} : أصل الآل؛ أهل الرجل، وأعوانه، وأتباعه.

{فِرْعَوْنَ} : ارجع إلى سورة الأعراف آية (103) لمعرفة من هو فرعون، أهو رمسيس الثاني، أم ابنه منفتاح؛ أي: فرعون المربي، أم فرعون الخروج؟ وآل فرعون يعني: آل فرعون الأب، وفرعون الابن.

{يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} : يسومونكم من السؤم، وسام السلعة؛ أي: طلبها وابتغاها.

إذن، يسومونكم، يبغونكم.

وقيل: سام خصمه؛ أي: أذله، وأعنته، وأرهقه، وسام الماشية: تركها ترعى، فكلمة يسومونكم، جمعت كل تلك المعاني معاً، ففرعون ابتغى لهم العذاب، وأذلهم، وأعنتهم، وتركهم فيه زمناً طويلاً.

{سُوءَ الْعَذَابِ} : والسوء؛ هو كل ما يغم الإنسان، من أمر دنيوي، أو أخروي، أو يسوء إلى النفس.

{سُوءَ الْعَذَابِ} : أشده، وأفظعه، وأقبحه، وما نوع سوء العذاب؟؟ فقد بينه، ووضح ذلك في قوله:{يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} ، ولو اكتفى بقوله:{سُوءَ الْعَذَابِ} ، لربما يظن ظان، أنه ضرب، أو شتم، أو غيره، لا يصل إلى درجة الذبح، أو الاستحياء، والذبح؛ نوع واحد من أنواع القتل، والأبناء؛ تطلق على الذكور فقط، أما أولادكم؛ فتشمل: الذكور، والإناث، وكان الذبح يصيب الأبناء؛ أي: الذكور فقط، ولا يصيب البنات، وفي سورة إبراهيم آية (6) قال تعالى:{وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} بإضافة الواو، بينما في هذه الآية حذف الواو. حذف الواو دل على أن التذبيح هو سوء العذاب، وإضافة الواو دل على أن التذبيح غير سوء العذاب، وهذا من كلام موسى الذي كان يعدد على بني إسرائيل المحن، أما آية البقرة (بحذف الواو): هو كلام الله سبحانه، وليس في تعديد المحن، بل كان يعدد لهم النعم. ارجع إلى سورة القصص آية (4) للبيان المفصل.

يذبحون، جاءت بصيغة المضارع؛ لاستحضار الفعل؛ ليدل على بشاعته.

{وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} : من استحيا؛ أي: أبقاه على قيد الحياة، أو طلب له البقاء حياً؛ أي: يتركون نساءكم أحياء، للخدمة، وللمتعة، وللذل، ولم يقل: يستحيون بناتكم؛ لأنّ النّساء أقوم للخدمة، والمتعة، والتنكيل. ارجع إلى سورة الأعراف آية (114) وسورة القصص آية (4)، وسورة إبراهيم آية (6) للمقارنة ومزيد من البيان.

{وَفِى ذَلِكُمْ} : في؛ ظرفية، ذلكم: اسم إشارة للبعد، ويشير إلى {سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} ، ولم يقل: وفي ذلك لأنّ ذلكم؛ تفيد التّوكيد، والتعدد، والذبح، والاستحياء، وسوء العذاب إلى أهمية هذه الأمور.

{بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ} : البلاء؛ قيل: هو الاختبار، والفتنة، والابتلاء، يكون في الخير، والشر، وفيه؛ معنى تحمل المشاق والمكاره.

فقد قال تعالى: {بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، والابتلاء غايته إظهار طاعة الله تعالى، أو معصية، أو الاختبار يجري لمعرفة العلم بكنه الشيء المختبر، والابتلاء أصله الاختبار؛ تختبره بالضر، لكي ترى ما عنده من الصبر، أو بالنعمة، لكي ترى إن كان شاكراً، أو جاحداً، والبلاء لبني إسرائيل، كان بنوعيه الشر، {سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} ، وبالخير {نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ، ومن الغرق في البحر.

{عَظِيمٌ} : لعظم ما فيه، من الآلام، والعذاب، كماً، وكيفاً.

ص: 56

سورة البقرة [2: 50]

{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ} .

{وَإِذْ} : الواو حرف عطف، إذ، تقدَّم شرحها في الآية السابقة، واذكروا إذ.

{فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} : {فَرَقْنَا} : بفتح الراء، وليس بسكونها، كما في فرقنا، والفرق؛ هو الفصل، والتمييز بين شيئين، أو أكثر.

فرْق: بسكون الراء تستعمل لتفريق الأشياء المخلوطة غير المتجانسة، مثل: تفاح، وبرتقال، وعنب؛ أي: فصل بين كل شيء على حدة.

فَرَق: بفتح الراء، تستعمل للأشياء المتداخلة، أو الشيء الواحد، مثل تفريق عصير التفاح، والبرتقال، والعنب، الممزوجة معاً، كلاً على حدة، وهذا صعب، ومستحيل، أحياناً.

وفَرَق: تستعمل للماء ـ أو الدِّين، مثال:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} .

{فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} : {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]؛ أي: فصلنا البحر، وأصبح كل جزء منه، كالجبل، والبحر، قيل: هو البحر الأحمر.

{فَأَنجَيْنَاكُمْ} : من الغرق، ومن فرعون، وجنوده، {فَأَنجَيْنَاكُمْ} ، تعني: بسرعة، وزمن قليل، وقوة شديدة.

{وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ} : تشاهدونهم، يغرقون جميعاً، حتّى لا يدخل الشك في قلوبكم بعد ذلك، أنّ بعضهم نجى. فرعون هذا هو الابن المسمَّى منفتاح (فرعون الخروج) وليس الأب رمسيس الثاني مربي موسى عليه السلام . ارجع إلى سورة الأعراف آية (103) للبيان.

ص: 57

سورة البقرة [2: 51]

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} :

{وَإِذْ} : أي: واذكر، إذ: ظرفية زمانية، للماضي؛ أي: واذكر إذ واعدنا موسى، أو وذكر حين واعدنا، على وزن فاعلنا، وتشير إلى مشاركة (مفاعلة)، من طرفين؛ أي: الله سبحانه، وعد موسى، وموسى قبل الوعد.

{مُوسَى} : اسم أعجمي، أصله بالعبرانية موشا.

مو: هو الماء، وشا: هو الشجر، وسمي بذلك؛ لأنّ موسى عليه السلام ، التقط في مكان، فيه ماء، وشجر (اليم وقصر فرعون).

هو موسى بن عمران، من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام .

{وَاعَدْنَا مُوسَى} : بعد نجاة موسى، وقومه من آل فرعون، ومن الغرق، ووصلوا سيناء.

{وَاعَدْنَا} : جاءت بصيغة التعظيم، {وَاعَدْنَا مُوسَى}: لاستلام التّوراة، والألواح، وضرب له ميقاتاً مكاناً جانب الطور الأيمن.

وزمناً {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} : كان الوعد ثلاثين ليلة، ثم أتمها الحق سبحانه بعشر أخرى، كما قال تعالى في سورة الأعراف الآية (142):{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ففي آية البقرة إجمال للزمن، وفي آية الأعراف تفصيل للزمن، وتفصيل لكثير من الأحداث التي لمت ببني إسرائيل.

قال سبحانه: أربعين ليلة، ولم يقل نهاراً؛ لأنّ القمر، هو المعتمد عليه في تحديد الشهور.

{لَيْلَةً} : مؤنث ليل، من مغرب الشمس، إلى طلوع الفجر.

واليوم في القرآن؛ يعني: النهار، وزمنه؛ من طلوع الفجر، إلى مغرب الشمس؛ أي: ما يعادل (12 ساعة)، وليس (24 ساعة).

{أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ؛ في قول أكثر المفسرين: كانت ثلاثين ليلة، من ذي القعدة، وعشر من ذي الحجة.

{ثُمَّ} : لمجرد الترتيب، في الذكر.

{اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ} : {اتَّخَذْتُمُ} : صيرتم، أو حولتم العجل إلى إلهٍ؛ أي: العجل الذي صنعه لهم السامري، واتخذ من الأفعال الّتي تأخذ مفعولين؛ أي: اتخذتم العجل إلهاً، فالعجل؛ هو المفعول الأول، وأما المفعول الثّاني إلهاً، محذوف في جميع القرآن، وذلك تحقيراً وتوبيخاً؛ لما فعلوه من قمة الفساد، فلا يستحق الذكر.

{مِنْ بَعْدِهِ} : من بعد ما جاء موسى لميقاتنا.

{وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} : أنتم: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.

{ظَالِمُونَ} : من الظلم، وهو الشرك، {وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ}: بإشراككم، باتخاذكم العجل، {ظَالِمُونَ}: جملة اسمية، تدل على الثبوت، بثبوت صفة الظلم لهم، انظر إلى التفاصيل في سورتي الأعراف، آية (148)، وطه، آية (87-88).

ص: 58

سورة البقرة [2: 52]

{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} :

{ثُمَّ} : لمجرد الترتيب في الذكر.

{عَفَوْنَا عَنْكُمْ} : حين تبتم.

{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : من: ابتدائية، بعد ظرف زماني.

{ذَلِكَ} : اسم إشارة، اللام للبعد، ويشير إلى اتخاذهم العجل.

{لَعَلَّكُمْ} : لعل: للترجي، أو التعليل، وهنا تفيد التعليل.

{تَشْكُرُونَ} : تشكرون النعمة؛ الشكر يكون دائماً على النعمة الحاصلة لكم، والنعمة هنا: هي العفو عنكم بعد التوبة؛ انظر الآية (54) من نفس السورة، وارجع إلى سورة الأعراف، آية (10) لمزيد من البيان في معنى الشكر.

ص: 59

سورة البقرة [2: 53]

{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} :

{وَإِذْ} : أي: واذكروا حين {آتَيْنَا} : من الإيتاء، وهو العطاء، ولكن الإيتاء ليس فيه تملك، كما في العطاء، فيمكن استرداد الشيء المعطي، والإيتاء أعم من العطاء، يشمل: الأشياء الحسية، والمعنوية، والعطاء لا يكون إلَّا للأمور المادية الحسية.

{مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} : التّوراة، والفرقان: إما نعت للتوراة، أو عطف على الكتاب.

فالكتاب: هو التّوراة، والذي يُبين المنهج، والفرقان: الذي يفرق بين الحق والباطل.

{وَالْفُرْقَانَ} : تطلق على التّوراة، وعلى غيره من الكتب المنزلة كالقرآن، والإنجيل، فالتوراة؛ يجمع بين كونه كتاباً منزلاً، وفرقاناً، يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام.

وقيل: هذا من قبيل عطف الخاص على العام، الخاص هو الفرقان، والعام هو التّوراة.

{لَعَلَّكُمْ} : لعل: للتعليل، تهتدون إلى الحق.

ص: 60

سورة البقرة [2: 54]

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} :

{وَإِذْ} : الواو عاطفة؛ إذ: ظرف للزمن الماضي، وتعني: واذكروا إذ، أو وذكروا حين قال موسى لقومه.

{يَاقَوْمِ} : نداء به شعور الحنان، والعطف على قومه.

{يَاقَوْمِ} : القوم: جماعة كثيرة، وقيل: هم الرجال فقط، أو الرجال، والنّساء معاً.

{إِنَّكُمْ} : إن: للتوكيد، والكاف: للخطاب.

{ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} : من معاني ظلم النفس؛ أي: نقصان حقها من التزكية، بدلاً من تزكيتها، يظلمها، ويدسيها كما قال تعالى:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 10]، فيوردها موارد التهلكة والعذاب، ويحرمها من النعيم الأبدي، بالظلم الذي من معانيه الشرك والصد عن سبيل الله، وظلم الآخرين، وجحد نعم الله.

{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} : الفاء؛ للتوكيد، {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}: التوبة؛ تعني: الندم على الذنب، والإقلاع عنه، وعدم العودة إليه، والإكثار من العمل الصالح.

{بَارِئِكُمْ} : البارئ؛ اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، ذكر مرتين في القرآن في هذه الآية، وفي سورة الحشر، آية (24).

البارئ: اشتق من برأ الخلق؛ أي: خلق الخلق، متميزاً، بعضه عن بعض، بالأشكال المختلفة، والصور المتباينة، فأعطى لكل مخلوق صورة مختلفة عن الآخر، وقد تعني يبرئ المخلوق من الآفات، والأمراض؛ أي: الشافي.

{فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} : الفاء: للتوكيد والتعقيب، والتشريع الإلهي كان بقتل كل من اتخذ العجل إلهاً كفارة لذنبه، وهو أقسى أنواع الكفارة، وذلك بأن يقتل الّذين اتخذوا العجل بعضهم بعضاً، أو أن يقتل الّذين لم يتخذوا العجل الّذين اتخذوا العجل، أو أن يقتل من اتخذ العجل نفسه بنفسه.

{ذَلِكُمْ} : اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب، و {ذَلِكُمْ}: تشير إلى أهمية، وعظم التوبة، والقتل معاً، ولم يستعمل ذلك، بدلاً من ذلكم؛ لهذا السبب.

{خَيْرٌ لَّكُمْ} : لكم خاصة، وليس لغيركم، وهذه التوبة؛ هي أصدق أنواع التوبة، وهي خير لكم؛ لأنها تنجيكم من عذاب الآخرة.

{عِنْدَ بَارِئِكُمْ} : ارجع إلى مطلع الآية للبيان.

{فَتَابَ عَلَيْكُمْ} : الفاء؛ للتوكيد، تاب: بصيغة الماضي؛ أي: هداهم كيف يتوبون، فتابوا، فتقبل منهم توبتهم مباشرة، من دون تأخير.

{إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} : إنه: للتوكيد، هو: للحصر.

{التَّوَّابُ} : أي: يقبل توبة عباده التائبين، مهما كان عددهم، وعدد توباتهم، ومهما كانت ذنوبهم كبيرة، أو صغيرة.

{الرَّحِيمُ} : لأنه لا يرد توبة تائب. ارجع إلى الآية (37)، من نفس السورة لمزيد من البيان.

ص: 61

سورة البقرة [2: 55]

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ} :

{وَإِذْ} : أي: واذكروا إذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك.

القائلون: {لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ} : هم السبعون رجلاً، الّذين اختارهم موسى عليه السلام {لِّمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155]، ممن لم يتخذوا العجل، ذهب بهم موسى إلى جبل الطور، ليعتذروا إلى ربهم -جل وعلا- ، من اتخاذ إخوانهم العجل، فلما وصلوا الطور قالوا لموسى:{لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ} ؛ أي: لن نصدقك، ولن: حرف نفي للمستقبل القريب، أو البعيد.

{حَتَّى} : حرف غاية، نهاية الغاية.

{نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} : علانية أو عياناً، وجهرة من الجهر، واصل الجهر الظهور؛ أي: رؤية واضحة بالبصر.

{فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} : الفاء؛ تدل على الترتيب، والتعقيب؛ أي: بسرعة أخذتهم الصاعقة، وهي الرجفة، الّتي ذكرها الله سبحانه، في سورة الأعراف آية (155)، {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} ، والصاعقة: قد تكون ناتجة عن الشرر الكهربائية كالبرق الّتي تحمل في طياتها آلاف الكيلوواتات، فأهلكتهم واحداً تلو الآخر، وهم ينظرون. ارجع إلى سورة فصلت، آية (13) لمزيد من البيان.

عندها قال موسى: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: 155].

{وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ} : أنتم: للتوكيد، {تَنْظُرُونَ}: ما يحل بكم، من العذاب، ومن الصعق، وقد تعني: يرى كل منهم الآخر ما يحدث له، من الاختلاجات، وأعراض الصعق.

ص: 62

سورة البقرة [2: 56]

{ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} :

{ثُمَّ} : للترتيب في الذكر، أو الأحداث.

{بَعَثْنَاكُم} : من البعث؛ أي: الأحياء؛ أي: أحييناكم.

{مِنْ بَعْدِ} : من تعني مباشرة، من دون فاصل زمني، طويل.

{مَوْتِكُمْ} : أي: موت حقيقي، وليس إغماءً فقط، كما يظن البعض. ارجع إلى سورة الأعراف آية (155).

{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : لعل: للتعليل.

{تَشْكُرُونَ} : اللهَ على بعثكم أحياء من بعد موتكم، وعلى نعمه الأخرى الّتي لا تعد ولا تحصى. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (10) لمزيد من البيان عن الشكر.

ص: 63

سورة البقرة [2: 57]

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} :

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ} : في التيه، الغمام؛ سمي غماماً؛ لأنه يغم السماء؛ أي: يسترها، وكان يوصف الغمام بأنه سحاب، رقيق، أبيض، للوقاية من حر الشمس المحرقة.

{وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} : في التيه، والمن؛ هو شيء كالصمغ، أو عصارة سكرية تخرج من سيقان جذوع بعض الأشجار، ثم تجف وهي حلوة كالعسل، وتمثل الكربوهيدرات، وكانت تخرج من طلوع الفجر إلى بزوع الشمس، وكانت تشاهد على جذوع الشجر، وأوراق الشجر، لها طعم الحلوى المغذية، سهلة الهضم.

{وَالسَّلْوَى} : طير؛ يقال: إنه السمان، أو يشبه السماني، أو الحجل كان يأتيهم في جماعات كبيرة، ومن الطيور المهاجرة، ويبقى على وجه الأرض، حتّى يمسكوا به، ويذبحوه، ويأكلوه، ويمثل البروتينات. فالمن والسلوى غذاء كامل للإنسان.

{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} : أي: قلنا لهم: {كُلُوا مِنْ} : من ابتدائية، وللتبعيض.

{طَيِّبَاتِ} : جمع طيب، وهو الحلال الطاهر، فكل حلال طيب، وليس كل طيب حلالاً، مثل: المن، والسلوى.

{مَا} : اسم موصول؛ بمعنى: الذي رزقناكم.

{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : الواو: عاطفة، ما: النّافية.

{وَمَا ظَلَمُونَا} : حين كفروا بتلك النعم، ولم يشكروا المنعم، والله سبحانه وتتعالى أعز أن يظلِم، ولا يستطيع أحدٌ أن يظلم الله سبحانه، ولو كفر أهل الأرض جميعاً، {وَلَكِنْ}: حرف استدراك، وتوكيد.

{وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ} : حين جحدوا نعم الله تعالى، وظلم النفس؛ يعني: نقصان حقها، فبدلاً من تزكيتها، ظلمها وأنقصها حقها، فأوردها موارد التهلكة، والعذاب، وحرموا أنفسهم من النعيم الأبدي بالظلم.

وقول {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : بدلاً من قوله: ويظلمون أنفسهم؛ إذ قدَّم المفعول به على الفاعل؛ للتأكيد على ظلمهم أنفسهم، بما ارتكبوه.

ولا بد من مقارنة قوله تعالى: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]، وقوله تعالى:{وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117].

فقوله: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : جاءت في سياق الحديث عن الأقوام، الماضية، البائدة، واستعمل كلمة {كَانُوا} الدالة على الزمن الماضي.

أما قوله تعالى: {وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : جاءت في سياق الحديث عن الزمن الحاضر، أو الحال؛ أي: في الأقوام الّذين لا زالوا على قيد الحياة، وليس في الأقوام الماضية.

ص: 64

سورة البقرة [2: 58]

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} :

قبل البدء بتفسير هذه الآية لنعلم أن هذه الآية جاءت في سياق تعداد النعم على بني إسرائيل لقوله تعالى لما افتتح ذكر بني إسرائيل قال تعالى: {يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 47].

{وَإِذْ} : أي: واذكروا؛ إذ قلنا.

{وَإِذْ قُلْنَا} : أسند القول إليه سبحانه؛ اهتماماً بهم؛ الخطاب المباشر من اله سبحانه لبني إسرائيل. وفي سورة الأعراف آية (161) قال تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ} ارجع إلى سورة الأعراف: آية (161) لبيان الاختلاف.

{ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} : قيل: هي بيت المقدس، أو أريحا، أو غيرها، أمروا بدخولها، بعد التيه. وفي سورة الأعراف آية (161) قال تعالى:{اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} ارجع إلى سورة الأعراف آية (161) لبيان الاختلاف.

{فَكُلُوا مِنْهَا} : الفاء؛ هنا، للتعقيب، والسرعة؛ أي: كلوا؛ بمجرد دخولكم، وكأنّ الطعام مهيئ لهم، كما نفعل في حالة إقراء الضيف.

{حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} : هذه الآية؛ تدل على أنّ هناك أصناف كثيرة من الطعام، {رَغَدًا}: كلوا هنيئاً، لا عناء فيه، وتأخير كلمة {رَغَدًا} ؛ في هذه الآية بدلاً فكلوا منها رغداً حيث شئتم؛ لكونها في سياق الدّنيا، بينما في الحديث، عن الجنة، وآدم، قدَّم {رَغَدًا}؛ فقال:{وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]. وفي سورة الأعراف آية (161) حذف رغداً وقال تعالى: (وكلوا حيث شئتم)؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (161) لبيان الاختلاف.

وهذا التأخير، والتقديم في الرغد؛ لكون الجنة والدنيا، لا تتساويان في لذة العيش، فرغد الجنة مقدَّم على رغد الدّنيا.

{وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} : وادخلوا الباب؛ باب القرية، الّتي ذكرت في مطلع الآية. وفي سورة الأعراف آية (161) قدم (حطة) وقال تعالى:{وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (161) لبيان الاختلاف.

{سُجَّدًا} : ولم يقل سجوداً؛ سجداً: تدل على المبالغة في السجود؛ أي: في منتهى الخضوع، والتواضع، واسجدوا عند الانتهاء، إلى الباب؛ شكراً لله، وتواضعاً، سجود الشكر، وقدَّم السجود على القول، {وَقُولُوا حِطَّةٌ} ؛ لأنّ السجود أعظم، وأشرف من الدعاء، (القول)، وأقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد.

{وَقُولُوا حِطَّةٌ} : حطة؛ من الحط، بمعنى: الوضع، والإنزال، وأصله إنزال الشيء، من علو، واستحطه؛ أي: سأله أن يحطه عنه؛ أي: حط، عنا ذنوبنا يا ربنا، واغفر لنا، (ويمثل الاستغفار).

{نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} : الغفر، هو الستر، والمغفرة؛ هي ستر الذنب، وأما العفو؛ فهو ترك العقوبة.

{لَكُمْ} : أي: نغفر لهؤلاء، الّذين قاموا، بما أُمروا به.

{خَطَايَاكُمْ} : جمع خطيئة جمع كثرة، مقارنة بخطيئاتكم في الأعراف آية (161)(جمع قلة)، والخطايا تشمل كل الذنوب.

{نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} : مهما كثرت، أو تنوعت، سواء أكانت في العبادات، أو غيرها، ولم يقل من خطاياكم؛ من: البعضية؛ أي: بعض خطاياكم.

{وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} : الواو؛ هنا، تدل على الاهتمام والتأكيد. وفي سورة الأعراف آية (161) قال تعالى:{سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} بدون الواو؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (161) لبيان الاختلاف.

وماذا بعد الغفران؛ قيل لهم: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} ، ولمعرفة معنى الإحسان، ارجع إلى الآية (82) من سورة البقرة، وارجع إلى سورة الأعراف آية (161) للمقارنة والمزيد من البيان.

ص: 65

سورة البقرة [2: 59]

{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} :

{فَبَدَّلَ} : أي: الّذين ظلموا أوامر الله، ولم يتبعوها، فقد أمروا بالاستغفار، والتوبة، والسجود، فخالفوا ذلك، ولم يفعلوها، وقالوا {قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ} ، وقيل: إنهم بدلوا قول الحطة، بالحنطة، ولم يدخلوا ساجدين، ولم يتمثلوا أوامر الله تبارك وتعالى.

وفي آية سورة الأعراف (162): {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} ، تدل على التخصيص؛ أي: هناك من ظلم نفسه، وهناك من لم يظلم، واتبع أوامر الله، ارجع إلى الآية (162) من سورة الأعراف، وفي آية سورة البقرة:{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} ؛ ولم يقل: منهم؛ كأنه لا يريد أن يصرح من هم الظالمون، ولكنه أعاد ذكرهم في آخر الآية؛ فقال:{فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، وفي هذا تقبيح، وتهويل لظلمهم.

{فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} :

الرجز: بكسر الراء يعني: العذاب كما روي عن ابن عباس وغيره؛ وأصل الرجز هو الاضطراب، ومنه ناقة رجزاء، إذا تقارب خطوُها، واضطرب؛ لضعف فيها، وسمي العذاب رجزاً؛ لما فيه، من الفزع والاضطراب.

وأما قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]؛ تعني: الأصنام كما قال ابن عباس، أو المعصية كما قال آخرون، وأما قوله تعالى:{وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} [الأنفال: 11]؛ تعني: وسوسته وشك الشيطان.

فالرجز: تعني العذاب، أو الأصنام، أو وسوسة الشيطان وكيده، ووردت الرجز في عشر مواضع بهذه المعاني الثلاثة، وأما الرَّجْزَ: بفتح الراء والتشديد تعني: الذنب أو العذاب وعبادة الأوثان؛ أي: الشرك.

وأما الرجس: فهي أوسع معنى من الرجز؛ تعني: الشيء أو الأمر المستقبح القذر النجس، وتعني العذاب؛ فالرجس أعم من الرجز؛ أي: الرجس تشمل العذاب وغيره من القبيح والقذر من عبادة الأوثان والشرك.

{فَأَنزَلْنَا} : الفاء؛ تدل على المباشرة، والتعقيب.

الإنزال؛ يعني: مرة، أو عدَّة مرات، أما الإرسال؛ فيعني: التواصل، والاستمرار، والشدة في الإنزال كما قال تعالى في الآية (162) في سورة الأعراف:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} .

أمثلة على آيات الإرسال: في سورة الحجر الآية (22): {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} ؛ وتلقيح الأزهار، والثمار، يكون بشكل مستمر.

في سورة طه: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} ؛ لأنه؛ أراد لهم الغرق، والطوفان يحتاج إلى استمرار هطول المطر، وكذلك قوله على لسان هود في سورة هود الآية (52):{يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} ، من هذه الآيات؛ نلاحظ الإنزال، يكون مرة أو مرتين، والإرسال يكون بشكل متواصل، مسترسل.

{فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا} : عذاباً، {مِنَ السَّمَاءِ}؛ قيل: هو الطاعون، أو غيره؛ من أنواع العذاب.

{بِمَا} : الباء: للإلصاق السببية، أو المقابلة.

{كَانُوا يَفْسُقُونَ} : لتعريف الفسق؛ ارجع إلى الآية (59) من سورة البقرة، وفي الآية (162) في سورة الأعراف قال تعالى:{بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} .

ويجب معرفة أنّ هناك فرقاً بين كلمة {يَظْلِمُونَ} و {يَفْسُقُونَ} .

فالظلم: أشد من الفسق، والفسق: يسبق الظلم، وكل ظالم فاسق، وليس كل فاسق ظالم، وانظر في آية البقرة كيف جاءت كلمة (يفسقون) مع كلمة (الإنزال)، وفي آية الأعراف كيف جاءت كلمة (يظلمون) مع كلمة (الإرسال)، والإرسال أشد من الإنزال، والظلم أشد من الفسق.

ص: 66

سورة البقرة [2: 60]

{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} :

{وَإِذِ} : أي: واذكر إذ أوحينا.

{اسْتَسْقَى مُوسَى} : طلب السقيا؛ أي: المطر، وكان ذلك في التيه؛ بعد أن قل الماء وعطشوا عندها طلب موسى السقيا لقومه.

وقوله: {لِقَوْمِهِ} : فالله سبحانه يقي أنبياءه، وعباده الصالحين، من الشكوى، أو التذمر في حالة الشدة، بل يصبرون، وكأنّ موسى عليه السلام ، هنا؛ لم يكن ظمآن، أو كان صابراً، واستسقى لقومه فقط، ولم يدعُ موسى لنفسه.

{فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} ؛ والحق -جل وعلا- كان قادراً على أن ينزل عليهم مطراً من السماء مباشرة، وينتهي الأمر، ولكن الله -جل وعلا- ؛ أراد أن يُريهم معجزة أخرى، بأن يضرب موسى بعصاه الحجر، وكلمة الحجر فيها: ألف ولام التعريف، إذن هو حجر مُعين، وليس أيَّ حجر، وإلَّا فجاء، بصيغة النكرة.

{فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} :

أي: فضرب {فَانفَجَرَتْ مِنْهُ} : الانفجار، هو خروج الماء، بشدة، وغزارة، وصوت، بعكس الانبجاس، الذي يدل على سيلان الماء، بقلة، وببطء، كما ورد في سورة الأعراف، آية (160)، وقيل: الماء قل، بسبب ازدياد، وكثرة معاصيهم، وقيل: إن الانفجار حدث أولاً، ثم بعد ذلك الانبجاس ثانياً، وهو السيلان؛ فأصبح الماء يسري كالعيون، كل سبط له مجرى.

{اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} : بعدد الأسباط؛ فلكل سبط عينٌ؛ حتّى لا تقع بينهم البغضاء والشحناء.

{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} ؛ {قَدْ} : للتحقيق؛ أي: ثبت، ووقع.

كلُّ أناس؛ أي: كل سبط، {مَّشْرَبَهُمْ}: عينهم الّتي يشربون منها.

والمشرب: موضع الشرب. وفي الآية (160) من سورة الأعراف قال تعالى: {إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} ؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (160) لمزيد من البيان.

{كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ} : كلوا من المن، والسلوى، وغيرها، واشربوا من هذا الماء، فهذا كله من رزق الله، يأتيكم بلا تعب، ولا مشقة.

{وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} : والعثو: هو أشد الفساد، أو كثرة الفساد.

وانتهوا عن نشر الفساد في الأرض، ولا تتمادوا فيه؛ كي لا يصبح الفساد، من صفاتكم الثابتة. ارجع إلى الآية (251) من نفس السورة لمزيد من البيان.

ص: 67

سورة البقرة [2: 61]

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} :

{لَنْ} : حرف؛ لنفي المستقبل، القريب، والبعيد.

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} : نلاحظ في هذه الآية أنّ الطعام، وصف بأنه طعام واحد، رغم أنه ذكر سابقاً، أنه صنفان: المن والسلوى، ويبدو أنهم قد سئموا، وضجروا من أكل المن، والسلوى في التيه طعام واحد: أرادوا بالواحد ما لا يختلف، ولا يتبدل، ويتكرر كل يوم.

وقيل: إنهم كانوا يأكلون المن بالسلوى.

{فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} : لم يقولوا: (ربنا)، ربما لكون موسى أقرب إلى الله منهم. {فَادْعُ}: هو الطلب من الأدنى إلى الأعلى، ويسمى دعاء، وإذا كان الطلب من الأعلى إلى الأدنى؛ يسمى أمراً، ومن مساوٍ إلى مساوٍ قيل: طلب.

وقوله تعالى: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} : يفيد أنّ الدعاء مطلوب منهم ضروري، بخلاف قوله: أن تدع لنا ربك؛ فإنه لا يدل على أنّ الدعاء مطلوب منهم؛ أي: غير ضروري.

{مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} :

يخرج لنا مما تنبت الأرض، {مِنْ بَقْلِهَا} ، والبقل؛ هو كل نبات لا ساق له، مثل الخس، والفجل، والكراث، والجرجير، {وَقِثَّائِهَا}: صنف من الخيار، {وَفُومِهَا}: والفوم هو القمح، أو الثوم، والحبوب، {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}: والعدس، والبصل؛ معروفان.

{قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ} : الباء؛ تدخل عادة على المتروك؛ أي: إنهم يريدون استبدال الذي هو خير، وهو المن والسلوى، الذي هو رزق مباشر، من الله بالذي هو أدنى، ولا يقصد هنا الدناءة، فالرزق؛ مهما كان، لا يمكن أن يوصف بذلك، وبالذي هو أدنى هنا قيمة، أو أردأ؛ بالذي هو أفضل وأشرف.

{اهْبِطُوا مِصْرًا} : عندما أصروا على الطلب، قيل لهم:{اهْبِطُوا مِصْرًا} ؛ أي: انزلوا مصراً، ولم يقل مصرَ، بل مصراً بالتنوين؛ تعني: مصراً من الأمصار؛ أي: بلداً من البلدان.

ومصرُ: بغير تنوين؛ تعني: مصر الحقيقية، (جمهورية مصر العربية)، وقد وردت مصر، بالتنوين في آية واحدة، هي هذه الآية، ومصر بغير تنوين، وردت في (4) آيات في القرآن.

{فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} : فإن؛ الفاء للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد.

{سَأَلْتُمْ} : من تلك النباتات: البقل، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل.

{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} : ضربت، أحاطت بهم، لازمتهم الذلة، أو طبعت عليهم.

{الذِّلَّةُ} : هي المشقة، الّتي تؤدي إلى الانكسار، والذلة، والذل بمعنى واحد، وتعني كذلك: الهوان، والخضوع. وقيل: ضربت عليهم الذلة زمن موسى، وفي زمن محمّد عليهم السلام.

{وَالْمَسْكَنَةُ} : قيل: الفقر، والفاقة، أو انكسار في الهيئة، وسمي الفقير مسكيناً؛ لأنّ الفقر أسكنه، وأقعده، وهناك فرق بين الفقير والمسكين، سنراه في سورة الكهف.

والذلة: تبدو على الإنسان من مظهره الخارجي، وأما المسكنة: فشعور داخلي للإنسان يظهر في سلوكه.

وقيل: إن بني إسرائيل؛ كانوا يرتدون الثياب القديمة، الرثة، ويتظاهرون بالمسكنة، والفقر، حتّى تخفف عنهم الجزية.

لنقارن الآية (61) من سورة البقرة: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} .

وآية (112) من سورة آل عمران: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} .

والاختلاف بين الآيتين؛ يرجع إلى:

1 -

آية سورة البقرة؛ جاءت في سياق زمن موسى عليه السلام ، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}؛ مثل: الهزائم في الحروب دائماً، مع العماليق مثلاً.

وآية سورة آل عمران؛ جاءت في سياق زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ضربت عليهم الذلة، بسبب حروب خيبر، وبني قريظة وقينقاع؛ كما جاء في سورة الحشر؛ بينهم وبين المسلمين.

2 -

في آية سورة البقرة؛ الذلة، والمسكنة، ضربت عليهم في آن واحد، في زمن واحد.

بينما في آية سورة آل عمران، ضربت عليهم الذلة في زمن، والمسكنة في زمن آخر؛ أي: في زمنين مختلفين، ارجع إلى آية سورة آل عمران لمزيد من البيان.

{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} : رجعوا مستحقين لغضب الله، بسبب عصيانهم.

{ذَلِكَ} ؛ أي: الغضب والذلة والمسكنة، {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}؛ أي: بالقرآن، والإنجيل مثلاً، وبصفة محمّد صلى الله عليه وسلم، وآية الرحم، وينكرون نعم الله عليهم. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} : ويقتلون: جاء بالفعل المضارع هنا، بدلاً من: قتلوا النبيين بغير الحق؛ ليدل على بشاعة، وعظم هذا الذنب، وهذا يسمى حكاية الحال، وكأنه يحدث الآن، رغم كونه حدث في القديم: وقتل النبيين أو الأنبياء دائماً، هو بغير حق، فلماذا جاء في هذه الآية بغير الحق، فنحن نعلم أنّ القتل العادي، لأي فرد يكون بالحق، أو بغير الحق.

بالحق إذا ارتكب جريمة ما، توجب القصاص؛ كالقاتل يُقتل، وبغير الحق إذا قتل بريئاً.

فالأنبياء أو النّبيون؛ لم يرتكبوا أي جريمة، لكي يقتلوا بحق، أو بغير حق.

{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ؛ أعاد ذكر {ذَلِكَ} : للتوكيد، على ما استحقوه من الغضب، والذل، والمسكنة، {بِمَا عَصَوْا}؛ الباء السببية للإلصاق؛ أي: ارتكابهم المعاصي، ومخالفة أوامر الله.

{وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} : حدود الله بظلم الغير، وظلم أنفسهم، إضافة إلى كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين، والأنبياء، بغير حق، وعصيانهم المتكرر المتجدد.

لنقارن الآيات المتشابهة:

في سورة البقرة، الآية (61):{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} .

في سورة آل عمران، الآية (21):{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ حَقٍّ} .

في سورة آل عمران، الآية (112):{وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} .

في سورة النّساء، الآية (155):{وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} .

يقتلون؛ جاءت بصيغة المضارع، وهي صورة أبشع وأسوأ من قتلهم؛ بصيغة الماضي؛ الّتي تدل على القتل مرة واحدة، بينما يقتلون؛ تدل على التجدد والتكرار.

الأنبياء؛ أكثر عدداً؛ (جمع كثرة)، من النبيين؛ أقل عدداً، جمع قلة؛ لأنّ {الْأَنبِيَاءَ}: جمع تكسير، و {النَّبِيِّنَ}: جمع مذكر سالم.

بغير حق: نكرة، أبشع وأسوأ من القول بغير الحق.

الحق يعني: الذي شرعه الله في القصاص؛ القاتل يُقتل.

ومعنى الآيات: أنهم، إذا وجدوا القليل من النبيين، قتلوهم، وإذا وجدوا الكثير من الأنبياء، قتلوهم، فلم ينجوا منهم، فهم يقتلون النبيين، والأنبياء، بغير حق أصلاً، فليس هناك مبرر، مهما كان يدعو إلى قتل أي نبي بحق، أو بغير حق، أو حتّى إلى إيذاء نبي؛ لأنهم عليهم السلام لم يرتكبوا أي جريمة بالحق، أو بغير الحق.

قتل النبيين بغير حق؛ أبشع، وأشد عقوبة، من قتل النبيين بغير الحق؛ لأنّ حق؛ نكرة، والحق؛ معرفة، فالسبب أشد وأسوأ.

وقتل الأنبياء بغير حق؛ أبشع وأشد عقوبة من قتل النبيين بغير حق؛ لأنّ العدد أكثر.

ص: 68

سورة البقرة [2: 62]

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} :

{إِنَّ} : للتوكيد.

{الَّذِينَ آمَنُوا} : من أمة محمّد صلى الله عليه وسلم.

{وَالَّذِينَ هَادُوا} : ولم يقل: وبني إسرائيل، أو اليهود، بل قال:{وَالَّذِينَ هَادُوا} : دخلوا في اليهودية، ولم يكونوا من سبط يهوذا، أو بني إسرائيل، أو الذين قالوا:{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] من أتباع موسى عليه السلام .

{وَالنَّصَارَى} : أتباع عيسى عليه السلام ، وسُمُّوا بالنصارى؛ نسبة لقرية الناصرة، نزل فيها المسيح عليه السلام ، أو سُمُّوا نصارى؛ لأنهم نصروا المسيح عليه السلام ؛ حين قال:{مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52].

{وَالصَّابِئِينَ} : جمع صابئ، من صبأ؛ أي: خرج من ملَّة إلى ملَّة. قيل: هم قوم خرجوا من ملَّة اليهودية، والنصرانية، وعبدوا الملائكة، ولهم بقايا في العراق، أو هم قوم، كانوا يعبدون الكواكب، ويزعمون أنهم على ملَّة ابن شيث بن آدم، وقيل: هم قوم، يعبدون النجوم، والكواكب، أو يتبعون النّبي يحيى عليه السلام .

{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : آمن بالله: هو الاعتقاد الجازم بوجوده، وأنه الإله الحق، وبوحدانيته سبحانه وتعالى وربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته بدون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف. من أمة محمّد عليه السلام ، ولم يشرك بالله سبحانه وتعالى ، ومن كان على دين موسى عليه السلام ، ولم يبدلوا ويحرفوا، ويشركوا بالله عز وجل ، ومن كان على دين عيسى عليه السلام ، ولم يشرك بالله.

والصابئون زمن استقامتهم.

{وَعَمِلَ صَالِحًا} : وأطاع أوامر الله تعالى، وتجنب ما نهى عنه؛ أي: أقام فرائض الله، وتجنب نواهيه. وإذا قارنا قوله تعالى:{وَعَمِلَ صَالِحًا} مع قوله تعالى: {وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} كما في سورة الفرقان آية (70) نجد مع آيات الإيمان يأتي ذكر عمل صالحاً، وفي سياق آيات الأعمال يأتي ذكر عمل عملاً صالحاً.

{فَلَهُمْ} : الفاء؛ للتوكيد، لهم: اللام؛ لام الاختصاص.

{أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} : الأجر، مقابل العمل؛ أي: يسبق الأجر عمل وجهد وبذل، ولا يأتي الأجر في القرآن إلا في سياق الخير، والأجر قد يكون في الدنيا أو في الآخرة، والأجر هو من الله تعالى، أو قد يكون من غيره.

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : ارجع إلى الآية (38) من سورة البقرة، وبعض المفسرين؛ قال: هذه الآية تعني: المؤمنين حقاً من كل أمة.

وبعض المفسرين قال: هذه الآية تعني: من انحرف عن دين الله من الّذين آمنوا؛ أي: (المنافقين)، والّذين هادوا، انحرفوا، وبدلوا التّوراة، والنصارى الّذين أشركوا بالله، وقالوا: المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة، والصابئين الّذين عبدوا الكواكب، من آمن من هؤلاء بالله، واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

في هذه الآية من سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} : نلاحظ أنه نصب {وَالصَّابِئِينَ} : وأخّرهم عن النصارى، وعن كل الملل، وقدَّم النصارى وغيرهم على الصابئين؛ لأنّ النصارى وغيرهم هم أهل كتاب، فالتقديم هنا مبني على التفضيل بالمنزلة، فالكل أفضل من الصابئين.

أما في سورة المائدة، الآية (69):{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} .

نلاحظ أنه رفع الصابئين، وقال:{وَالصَّابِئُونَ} ، وقدَّمهم على النصارى.

عطف بالرفع {وَالصَّابِئُونَ} ؛ بدلاً من العطف بالنصب، {وَالصَّابِئِينَ} الذي هو القاعدة الّتي كانت يجب اتباعها.

والعطف بالرفع أقل توكيداً كما هو العطف بالنصب، فهو مؤكد.

عطفهم بالرفع؛ لأنهم أشد المذكورين ضلالاً، وقدَّمهم على النصارى؛ لأنّ الآيات جاءت في سياق ذم عقيدة النصارى، القائمة على التثليث، وأنّ عيسى ابن الله؛ فإذا كانت هذه هي الحال؛ فعقيدة الصابئين أفضل من عقيدة النصارى، القائمة على الشرك، والتثليث.

وأما في سورة الحج، الآية (17):{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} .

في هذه الآية؛ نلاحظ أنه نصب كلمة {وَالصَّابِئِينَ} ؛ وقدَّمهم على النصارى، والنصب هو القاعدة.

فلماذا قدَّمهم؟

التقديم هنا بالزمن، فـ (الصابئين) أقدم من النصارى من حيث زمن وجودهم.

وقيل: إنّ الصابئين لم يكونوا على عقيدة واحدة، أو منزلة واحدة، فإذا فرضنا أنّ بعضهم كان ضالاً، والبعض الآخر أشد ضلالاً، رغم أنهم من نفس الملَّة.

فالصابئين: الضالين.

والصابئون: من هم أشد ضلالاً. والله أعلم.

ص: 69

سورة البقرة [2: 63]

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} :

{وَإِذْ} : أي: واذكروا إذ، أو: واذكروا حين، إذ: ظرف للزمن الماضي.

واذكروا حين {أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} ، والميثاق؛ العهد الموثق، أو المؤكد، على العمل بالتوراة، وتطبيق أحكامها، وامتثال أوامر الله، وتجنب ما نهى عنه، ثم تقاعستم، وأعرضتم عن الأخذ بها، بجد، واهتمام، وتطبيقها ممّا أدَّى بنا إلى رفع الطور فوقكم.

{وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} : الطور؛ هو الجبل، ولكنه أقل حجماً، وشدة في التكوين، ارجع إلى الآية (171) في سورة الأعراف للبيان، والمقارنة وهي قوله تعالى:{وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} ، ونلاحظ في آية سورة البقرة، أنه استعمل كلمات: الطور، والرفع، وقدَّم كلمة {فَوْقَكُمُ} ، وفي آية سورة الأعراف، أنه استعمل كلمات: الجبل، والنتق، وآخر كلمة {فَوْقَكُمُ} ، كلمات تشير إلى الشدة، والقوة، والعنف، والسبب في ذلك قد يعود إلى أنّ السياق في سورة البقرة في تعداد النِّعم، والتذكير بها، والمخاطبون أكثر إيماناً من المخاطبين في سورة الأعراف، والسياق في سورة الأعراف، جاء بالتهديد والوعيد؛ لبني إسرائيل؛ بسبب كثرة معاصيهم، ولذلك استعمل الكلمات، الأكثر شدة، وعنفاً لتناسب الموقف.

{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} : أي: خذوا تكاليف التّوراة، واعملوا بها بجد واجتهاد، وقوة، ومن دون تخاذل، وإن لم تفعلوا ذلك أسقط عليكم الطور، والباء تفيد الإلصاق.

{وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} : احفظوا، وادرسوا ما فيه من الأحكام، ولا تنسوْها، وتضيِّعوها، واعملوا بها.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} : لعلّ: للتعليل، {تَتَّقُونَ}: إسقاط الطور فوقكم، والهلاك، أو تتقون سخط الله، وغضبه، وعذاب الآخرة.

ص: 70

سورة البقرة [2: 64]

{ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} :

{ثُمَّ} : للترتيب، في الذكر، والأحداث.

{تَوَلَّيْتُم} : تولى: ابتعد، ولم يطع، ولم يستمع؛ أي: لم تطيعوا، وتعملوا بالتوراة.

{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : من بعد رفع الطور فوقكم، أو من بعد ميثاقكم، للعمل بجد واجتهاد، في طاعة أوامر الله تعالى.

{فَلَوْلَا} : الفاء؛ للتأكيد، لولا: حرف امتناع لوجود، امتناع خسارتكم؛ لوجود رحمة الله.

{فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : الفضل؛ هو ما يتفضل به من غير سبب يوجبه، والفضل هو الزّيادة على ما يستحق، وفضل الله عليكم بالإمهال، وتأخير العذاب عنكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة.

{وَرَحْمَتُهُ} : بأنْ أرسل إليكم رسله، ومنهم: عيسى عليه السلام ، ورسول الله محمّد صلى الله عليه وسلم، ورحمته، بأنْ فتح لكم أبواب التوبة.

{لَكُنْتُمْ} : اللام؛ لام الاختصاص، أو الاستحقاق.

{لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} : في الدّنيا والآخرة. ارجع إلى سورة النّساء، آية (119) للبيان.

ص: 71

سورة البقرة [2: 65]

{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} :

{وَلَقَدْ} : اللام للتأكيد، قد: لزيادة التّوكيد.

{عَلِمْتُمُ الَّذِينَ} : علمتم؛ من العلم، من الآباء، والأجداد، نبأ الّذين اعتدوا في السبت، ولقد علمتم، لا تعني: ولقد عرفتم، هناك فرق كبير، بين علم وعرف، علم؛ تستعمل للصفات، وعرف؛ تستعمل للذوات، ولو قال: عرفتم؛ لكان خطأ؛ لأنهم لا يعرفونهم بذواتهم؛ لأنّ بينهم قروناً طويلة.

{اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ} : تجاوزوا حدود الله، حين حرم عليهم الصيد يوم السبت، فاصطادوا، وتحايلوا على الله تبارك وتعالى.

ارجع إلى قصة هؤلاء، في سورة الأعراف، الآيات (163-166).

{فَقُلْنَا لَهُمْ} : بكلمة؛ كن فيكون؛ أي: بمجرد أنّ قال لهم: {كُونُوا قِرَدَةً} ؛ كانوا؛ أي: تحولوا إلى قردة وتمت عملية المسخ وكم عاشوا وكيف انقرضوا وما حل بهم الله أعلم بذلك.

{خَاسِئِينَ} : جمع خاسئ، والخاسئ هو المبعد، أو المطرود؛ من رحمة الله تعالى.

{خَاسِئِينَ} : جملة اسمية، تدل على ثبوت صفة الخسء.

ص: 72

سورة البقرة [2: 66]

{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} :

{فَجَعَلْنَاهَا} : الفاء؛ للترتيب، والمباشرة، جعلناها: من الجعل، التصيير، جعل: صير؛ أي: مسخهم إلى قردة.

{نَكَالًا} : من النكال، وهو القيد؛ يستعمل للعقوبة، وجمعه: أنكال، ونكل به تنكيلاً؛ صنع به صنيعاً، يُحذر به غيره.

وتعني: عقاباً شديداً، فالعقوبة؛ أي: المسخ قردة، سميت نكالاً؛ لأنها تحذر الآخرين، من الاعتداء، وتجاوز حدود الله، وإلّا حل بهم كما حل بأصحاب السبت، أو أصبح عبرة للآخرين، أو منعاً لهم للإقدام على فعل ذلك.

{لِمَا} : ظرفية.

{بَيْنَ يَدَيْهَا} : لمن عاصرها، أو من الأجيال القادمة.

{وَمَا خَلْفَهَا} : أي: ما بعدها من الأجيال القادمة، أو ما خلفها، للأجيال الماضية، الّتي خلت؛ منذ تلك الحادثة. ما: لغير العاقل، وكذلك صفات العاقل.

{وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} : موعظة؛ هنا تعني: تحذير، وتخويف، فلا يقوم بها، أو يُقدِم عليها أحد من المتقين. ارجع إلى سورة الشعراء آية (136) لبيان معنى الوعظ.

{لِّلْمُتَّقِينَ} : اللام؛ لام الاختصاص. المتقين: الّذين يطيعون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه.

ص: 73

سورة البقرة [2: 67]

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} :

{وَإِذْ} : أي: واذكر إذ قال موسى لقومه، أو: حين قال موسى لقومه، وإذ؛ ظرف للزمان الماضي.

{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ} : للتوكيد، والقوم: تعني الرجال دون النّساء، أو كليهما معاً.

{لِقَوْمِهِ} : لام الاختصاص، وفيها؛ معنى الحنان، والعطف.

{يَأْمُرُكُمْ أَنْ} : أن؛ مصدرية للتعليل، والتوكيد.

{تَذْبَحُوا بَقَرَةً} : الأمر؛ جاء بذبح بقرة، لماذا؟ لم يُبين السبب هنا، في مطلع القصة، ولكن بيّنه في النهاية؛ كما سنرى.

فكأنه -جل وعلا- ، يقول: قم، أو نفذ الأمر الإلهي، سواء عرفت العلة، أو السبب، أو الحكمة، أم لم تعرفه، و {بَقَرَةً} ؛ جاءت بصيغة النكرة، تعني: أي: بقرة، من البقر.

{قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} : أي: قومه قالوا: {أَتَتَّخِذُنَا} ، الهمزة؛ همزة استفهام، إنكاري؛ أي: أتهزأ بنا؛ فنحن نسألك، من قتل القتيل، فتأمرنا أنّ نذبح بقرة.

{هُزُوًا} : من الاستهزاء؛ وهو تحقير المستهزأ به، وتصغير قدره، وفيه؛ معنى العبث.

{قَالَ} : موسى.

{أَعُوذُ بِاللَّهِ} : ألتجأ إلى الله، وأعتصم به، {بِاللَّهِ} ؛ الباء، باء الإلصاق.

{أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} : أن؛ تفسيرية للتوكيد.

{أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} : جمع جاهل؛ لأنّ الهزل، في حادثة كهذه، حادثة قتل، يدل على السفه، وعدم العلم بما يقوم به، وكيف أهزأ بكم، وأنا أبلِّغكم ما أمرت به، من ربي.

{أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ؛ ولم يقل: من المستهزئين.

{الْجَاهِلِينَ} : تضم المستهزئين، وغيرهم. ارجع إلى سورة الزمر آية (64)، وسورة الفرقان آية (63) لمزيد من البيان في الجاهلين.

ص: 74

سورة البقرة [2: 68]

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} :

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} : ادع: اسأل لنا ربك، ولم يقولوا: ربنا، فهذا يدل على نقص إيمانهم، وأنّ موسى عليه السلام ـ طبعاً ـ أقرب إلى الرب، وأنهم ليسوا أهل دعاء.

{يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ} : يوضح لنا، ما أوصاف هذه البقرة، وكان يكفي أن يذبحوا أي بقرة، وينتهي الأمر.

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ} : إنَّه للتوكيد.

{لَا فَارِضٌ} : لا مسنة؛ أي: كبيرة في السن، وفرضت سنها؛ أي: قطعت سنها.

{وَلَا بِكْرٌ} : الصغيرة؛ الّتي لم تلد، أو الفتية.

{عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} : العوان؛ الوسط؛ أي: لا مسنة، ولا فتية.

{فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} : أي: يكفي أسئلة، ونفذوا الأمر؛ بالذبح.

ص: 75

سورة البقرة [2: 69]

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} :

واستمروا في أسئلتهم لموسى عليه السلام ، عن أوصاف تلك البقرة، فهم يسألون عن اللون، بعد أن سألوا عن سنها.

{بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} : أي: بقرة لونها شديد الصفرة، يعني: لا يكفي أن يكون لونها أصفر، بل لا بدَّ أن يكون لونها فاقعاً، ولون الصفرة؛ نادر في البقر، والفقوع؛ يعني شديد الصفرة، وأنصعه؛ من أنصع؛ لأنّ اللون الأصفر، له درجات في الصفار.

{تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} : أي: كل من ينظر إليها، يُسر بحسنها أو تعجبه.

ص: 76

سورة البقرة [2: 70]

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} :

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ} : ما هذه البقرة؟ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} : أي: اختلط، والتبس علينا، لكثرته؛ أي: جنس البقر.

التشابه: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} : التشابه: يكون في وجه من الوجوه مثل الصورة الخارجية، أو الشكل أو النوع، وأما لو قال: مشتبهاً فذلك يعني: في أكثر من وجه من الوجوه، أو يعني عدة أمور أشكال، ويصعب معه التفريق بين الأشياء المتشابهة.

كقوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} . ارجع إلى سورة الأنعام، آية (99).

{وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} : يدل هذا على أنهم قد بدؤوا يشعرون بالخوف، من عدم العثور على مثل هذه البقرة، وهم الآن يدعون الله ويطلبون منه الهداية. اللام في {لَمُهْتَدُونَ}: لام الاختصاص والتوكيد.

ص: 77

سورة البقرة [2: 71]

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْـئَانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} :

{إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ} : {تُثِيرُ الْأَرْضَ} : أي: لم تستخدم في حراثة الأرض، أو فلاحتها.

{وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ} : أي: لم تستخدم في إدارة السواقي؛ لسقي الزّرع، إدارة النواعير؛ لإخراج الماء، والحرث هو الأرض المهيأة للزراعة، أو الزّرع؛ إلقاء البذور في الأرض المقلوبة.

{مُسَلَّمَةٌ} : أي: خالية من العيوب، والأمراض، مثلاً: لا عرجاء.

{لَا شِيَةَ فِيهَا} : وهي في الأصل مصدر وشى وشياً؛ أي: إذا خلط لون بلون آخر، يخالف لون سائر جلدها؛ أي: يخالف لونها الأصفر الفاقع، فهي صفراء كلها، لا توجد فيها، بقع ألوان أخرى، وقيل: لا شية فيها؛ أي: لامعة من لون آخر، بياض، أو سواد، وغيرهما.

{قَالُوا الْـئَانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} ؛ أي: الآن جئت بالبيان، والوصف التام، والذي لا إشكال فيه، وأوضحت لنا الحقيقة.

والباء: للإلصاق، والحق؛ هو الأمر الثابت الذي لا يتغير.

{فَذَبَحُوهَا} : قيل: لم يجد بنو إسرائيل إلّا بقرة واحدة؛ تنطبق عليها كل المواصفات، فاشتروها، فذبحوها، ونفذوا أمر الله.

الفاء؛ تدل على الترتيب، والمباشرة.

{وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} : وما كادوا يجدونها، أو ما كادوا يشترونها، لثمنها الباهظ، أو ما كادوا يذبحونها؛ لكونهم كانوا يخافون انكشاف فضيحة من هو القاتل.

كاد: من أفعال المقاربة؛ أي: ذبحوها، قيل: كانت هذه البقرة لرجل صالح من بني إسرائيل، ومات، وترك زوجة، وابناً، وبقرة فتية أصبحت بقرة بتلك الأوصاف، وكان الابن باراً بوالدته، ولما أمرهم الله بذبح بقرة، بتلك الأوصاف، وجدوا تلك البقرة فقط، عند هذا الابن، الذي ورثها عن أبيه، وباعها بملء جلدها ذهباً.

ص: 78

سورة البقرة [2: 72]

{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَائْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} :

الملاحظ تقديم الأمر بذبح البقرة، وتأخير ذكر السبب لذبحها في هذه الآية وذلك لإثارة التشويق لمعرفة السبب.

{وَإِذْ} : أي: واذكر إذ، أو: اذكر حين، إذ: ظرف للزمن الماضي.

{قَتَلْتُمْ نَفْسًا} : القاتل؛ كان فرداً، وليس جماعة، فلماذا جاء بصيغة الجمع؛ لأنّ القبيلة، أو العائلة، أو الجماعة مسؤولة عن أفرادها.

{فَادَّارَائْتُمْ فِيهَا} : أصلها؛ تدارأتم، والدرء هو الدفع بسرعة، {فَادَّارَائْتُمْ فِيهَا}؛ تدافعتم بسرعة؛ أي: كل واحد يدفع عن نفسه التهمة، ويلصقها بالآخر، أو يلقي كل منكم تهمة القتل على الآخر.

{وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} : أي: مظهر ما كنتم تكتمون بينكم، من أمر القاتل، ستراً عليه، ودفعاً للفضيحة. ارجع إلى الآية (33) لبيان معنى تكتمون.

{مَا} : اسم موصول، أو مصدرية، ولم يقل تخفون؛ لأنّ الإخفاء يكون للشيء الحسي المادي، والكتمان يكون للشيء المعنوي، مثل: كتمان الخبر، أو السر، أو كتمان المعاني.

ص: 79

سورة البقرة [2: 73]

{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} :

{فَقُلْنَا} : للتعظيم.

{اضْرِبُوهُ} : أي: اضربوا القتيل (الميت) ببعضها؛ أي: بعض أجزاء البقرة، ولم يحدد الجزء، فيحيا القتيل، ويخبركم من قتله.

{كَذَلِكَ} : أي: كما يُحيي الله القتيل الميت، كذلك يُحيي الله الموتى بالبعث.

{وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} : معجزاته؛ الدالة على كمال قدرته، كيف تضربون ميتاً بأجزاء ميت آخر، فيحيا، ويكلمكم مَنْ قتله، فهذا من عجائب قدرة الله -جل وعلا- ، وتصلون إلى الحقيقة، وهي أنّ الله سبحانه قادر على البعث والإحياء.

{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} : تعقلون: من عقل الشيء أي: عرفه بدليله. لعل: للتعليل.

كيف اتخذتم العجل إلهاً، وها أنا آمركم بأن تذبحوا بقرة، وآمركم أن تضربوا المقتول ببعض أجزائها، فيرجع حياً، وهل هناك أعظم من هذه الآيات، الّتي تهديكم للحق، والإيمان بالبعث والحساب.

وما هو الفرق بين آياته، ويبين لكم الآيات، وآياتي:

الآيات؛ تعني الآيات العامة؛ الشمس، والقمر، والليل، والنهار.

آياته: إضافة هنا الضمير العائد إليه سبحانه تشريف لها، فهي آيات خاصة.

آياتي: أعلى الآيات درجة، وأقربها، أو أحبها إلى الله تعالى، وهي أهم، وأشرف، وأكبر من آياته، وآياته أهم، وأكبر من الآيات.

ص: 80

سورة البقرة [2: 74]

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} :

{ثُمَّ} : للترتيب، والتراخي الزمني.

{قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} : بعد أن أراكم آياته، وكيف يُحيي الموتى.

واختار القلب؛ لأنه منبع اليقين، ومصب الإيمان؛ لأنّ الإيمان محله القلب.

{قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} : خلت من الطاعة، والخشوع، والإنابة، ولم تعد تتأثر بالآيات، والنذر، والوعد، والوعيد.

ومن أهم الأسباب الداعية، أو المسببة لقسوة القلب، نسيان ذكر الله، واقتراف المعاصي، والظلم، والطغيان، ونقص المواثيق.

{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : من بعد كل تلك الآيات، والأدلة على قدرة الله على الإحياء، والبعث، وإنزال التّوراة عليكم.

{فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ} : الكاف؛ كاف التشبيه، والحجارة: هي الشيء القاسي، الذي تدركه حواسنا والمألوف لدينا، {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}: من الحجارة، ولم يشبهها بالحديد؛ لأنّ الحديد يلين بالنار.

وقوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} : أو تعني: بل هي أشد قسوة من الحجارة.

{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} :

{وَإِنَّ} : للتوكيد.

{مِنَ} : ابتدائية، بعضية. {الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ}: كما حدث، حين ضرب موسى عليه السلام بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً.

{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} : والتشقق؛ يعني: تدفق الماء تدريجياً.

{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} : كما حدث؛ حين تجلى الرب للجبل، فجعله دكاً، وخر موسى صعقاً، وتكرار {وَإِنَّ مِنْهَا} ؛ يفيد التّوكيد.

{يَهْبِطُ} : يخر؛ ويسقط من أعلى إلى أسفل؛ من خشية الله. وتعريف الخشية: هي خوف حقيقي مقرون بالعلم والتعظيم والمهابة من الخالق. وليس فقط الخوف كما يظن البعض.

فالحجارة؛ وغيرها من الجمادات، والنباتات؛ تسبح بحمد ربِّها؛ كما قال سبحانه:{وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، وتنقاد لأمر ربها.

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} : وما؛ النّافية، {بِغَافِلٍ}: الباء؛ للإلصاق، غافل: لا يعلم. والغافل: هو الساهي عن الأمر؛ لعدم اليقظة، أو الانتباه، أو عدم التفطن للشيء، أو عدم حضور الشيء في البال، وأما النسيان فهو عبارة عن الغفلة عن الشيء، وانمحاء صورته كاملاً في الذاكرة. ومنهم من قال: الغفلة هي ترك الشيء سهواً، وربما كان عن عمد، وغفل فلان عن الشيء تركه ساهياً، أو أغفلته إذا تركته على ذكر منك له؛ أي: تركه للشيء باختيار الغافل وأما النسيان فقيل ترك بغير اختيار الإنسان، والغفلة أعم من النسيان فكل نسيان غفلة وليس كل غفلة نسيان.

والغفلة كما عرفها الراغب الأصبهاني: هي سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، والغفلة وردت في القرآن بمعنى الجهل كقوله تعالى:{لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6]، وردت بمعنى النسيان والترك لأمر الله تعالى كقوله:{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف: 28].

والغافلون: هم المعطلون أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم عن التدبر والتأمل بآيات الله.

والغفلة أنواع: الغفلة عن الله تعالى، وهي أعظمها إثماً، والغفلة عن سنن الله في الكون، والغفلة عن الآخرة والحساب والجزاء والعقاب.

{عَمَّا} : عن تفيد المجاوزة، والابتعاد، ما: اسم موصول، بمعنى: الذي، أو مصدرية بمعنى: عملتم.

{تَعْمَلُونَ} : تشمل الأقوال، والأفعال، ولم يقل عما يعملون؛ لأن تعملون فيها تحذير وترهيب أقوى مما يعملون.

ص: 81

سورة البقرة [2: 75]

{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} :

{أَفَتَطْمَعُونَ} : الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري، واستبعاد، والخطاب، لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، والفاء للتوكيد، والطمع؛ هو رغبة النفس الشديدة في شيء غير حقها لهذا ذم الطمع، ولها الحق أن تطمع في حقها.

{أَفَتَطْمَعُونَ} ؛ وتعني: أن يصدقوكم، ويؤمنوا لكم؛ أي: اليهود، ويؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

{أَنْ} : حرف مصدري، يفيد التعليل، والتوكيد.

{يُؤْمِنُوا لَكُمْ} : ولم يقل: يؤمنوا بكم، بل {يُؤْمِنُوا لَكُمْ}؛ أي: يصدقونكم، والإيمان الذي يتعدى بالباء؛ مثل آمنوا بالله؛ يعني: إيمان العقيدة.

{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} : من اليهود؛ وفريق: اسم جمع، بمعنى: طائفة، أو جماعة، وليس كل اليهود يسمعون كلام الله؛ أي: التّوراة.

{يَسْمَعُونَ} : فعل مضارع، يدل على التجدد، والتكرار، ولحكاية الحال.

{ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} : ثم: للترتيب والتراخي في الزمن.

{يُحَرِّفُونَهُ} : فعل مضارع؛ يدل على التجدد والتكرار، وعلى التحريف، وإن تحريفهم مستمر.

والتحريف: يعني: زيادة في الألفاظ، أو النقص، أو تبديل كلمة بكلمة، أو آية، أو تغير معنى الكلمة، كانوا يقولون: السأم عليكم، بدلاً من السلام عليكم، فهم قد بدلوا صفة النّبي صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم.

{مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ؛ أي: سمعوه، وفهموا معناه.

{وَهُمْ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.

{يَعْلَمُونَ} : أنّ الذي فعلوه تحريف، مخالف لأمر الله عز وجل ، ويعلمون أنهم كاذبون مفترون.

ص: 82

سورة البقرة [2: 76]

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} :

{وَإِذَا} : ظرفية زمانية للمستقبل، شرطية؛ تفيد حتمية الحدوث، وتفيد الكثرة.

{لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} :

{لَقُوا} : الضمير؛ يعود على نفر من اليهود، أو منافقي اليهود، إذا لقوا الّذين آمنوا من المسلمين، قالوا: آمنا؛ فهم من الّذين قالوا: آمنا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم.

{وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} : إذا خلا بعضهم إلى بعض: أي: انفرد، أو رجع إليه، أو مضى إليه، وتعني: خلا الّذين لم ينافقوا بالمنافقين.

{قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ} : الهمزة للاستفهام، والتوبيخ: أتخبروهم.

{بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} : الفتح؛ يعني: الحكم والقضاء. ويعني: الكشف، ويعني التوفيق والتيسير.

أي: أتخبروهم بما حكم الله عليكم، أو قضى الله لكم، أو علمكم الله في التّوراة أنّ محمداً حق

وأنه يجب الإيمان به ونصرته، أو تخبروا المؤمنين من المسلمين بما بيَّن الله لكم في التّوراة وفتح عليكم؛ (أي: أعلمكم)، أو أنزل عليكم في التّوراة في صفة محمّد.

{لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} : اللام لام التعليل والتوكيد.

والمحاجة: تعني: إظهار الحجة أو الدليل.

أي: لا تخبروهم بأسراركم، وبما أخبر الله في التّوراة في صفة محمّد فتكون عليكم حُجة يوم القيامة عند ربكم.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : ارجع إلى الآية (44) لمزيد من البيان.

أفلا تفهمون، وتتفكرون، وتتدبرون: أنّ حديثكم مع المؤمنين سيكون عليكم حُجةً ودماراً.

ص: 83

سورة البقرة [2: 77]

{أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} :

{أَوَلَا يَعْلَمُونَ} : الهمزة: استفهام؛ للتقرير، والتوبيخ.

{أَنَّ} : للتوكيد.

{اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} : ما؛ اسم موصول، بمعنى: الذي، {يُسِرُّونَ}: من السر، وهو ما تسره في نفسك، ولا يطلع عليه أحد، ولا تخبر به أحداً.

{وَمَا يُعْلِنُونَ} : ما: تفيد التّوكيد، وفصل كلاً من الإسرار، والإعلان، أو كليهما معاً.

{يُعْلِنُونَ} : من العلن، وهو ما تجهر به لغيرك، فإذا علمه اثنان أو أكثر؛ فهو العلن.

ص: 84

سورة البقرة [2: 78]

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} :

{وَمِنْهُمْ} : تعود على قسم من اليهود، غير قادرين على قراءة التّوراة، والاطِّلاع على ما فيها.

{أُمِّيُّونَ} : جمع أمي، والأمي هو الذي لا يعرف الكتابة، وبعض المفسرين يُعرّف الأمي: بالذي لا يقرأ، ولا يكتب، وكلمة أُمّي مشتقة من كلمة الأم، والأُمّي سمّي بذلك؛ لأنه يبقى على حالته، كما ولدته أمه، لا يكتسب شيئاً من العلم، ولا يتغيَّر.

{لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِىَّ} : لا النّافية.

{يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} : التّوراة؛ أي: ما فيها، من أحكام، وشرائع، أو لا يفهمون ما يقرؤون.

{إِلَّا} : أداة حصر. {أَمَانِىَّ} : أكاذيب مختلفة، سمعوها من أحبارهم؛ أي: هم لا يعرفون إلَّا ما قاله لهم أحبارهم، وهي أماني، مستحيلة الحدوث؛ أي: أماني يتمنى الإنسان أن تحدث له، ولكن حدوثها مستحيل؛ أي: أماني كاذبة، ولو كانوا يعلمون التّوراة حقيقةً لعلموا صفات النّبي محمّد صلى الله عليه وسلم؛ ولآمنوا به.

{وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} : إن النّافية.

{هُمْ} : للتوكيد.

{إِلَّا} : للحصر. {يَظُنُّونَ} : لا يعرفون شيئاً عن التّوراة إلّا ظناً، فهم يظنون أنهم أبناء الله وأحباؤه، ويظنون لن تمسهم النار إلّا أياماً معدودات، وأنهم سيغفر لهم، ويرحمهم الله تعالى.

والظن: هو الشك؛ الذي ترجَّح فيه كفة الإثبات، على كفة النفي.

ص: 85

سورة البقرة [2: 79]

{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} :

نزلت هذه الآية؛ كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : في الّذين حرفوا التّوراة، وغيَّروا صفة النّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فالله سبحانه وتعالى يتوعدهم بالويل.

{فَوَيْلٌ} : الفاء للتأكيد. والويل: هو العذاب، والهلاك، وقد تستعمل كلمة الويل؛ للحسرة، والغفلة، والفضيحة.

{يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ} : أي: يحرفونه؛ بالتغيير، والتبديل، والإضافة والحذف، وتغيير المعنى، فيكتبونه من جديد.

{بِأَيْدِيهِمْ} : الباء: جاءت للتوكيد؛ لأنّ من المعلوم أنّ الكتابة؛ تتم باليد.

{ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} : {ثُمَّ} : لتباين الصفات، بين كونه من عند الله، أو مكتوباً بأيديهم، أو أنّ ما يقولونه؛ هو من عند الله؛ أعظم، وأشد، من الكتابة بأيديهم.

{لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} : اللام في ليشتروا؛ للتوكيد.

أي: هم يحرفونه؛ ليأخذوا ثمناً، على تحريفهم، ومهما أخذوا مالاً؛ كثمن لتحريفهم، ومهما بلغ هذا الثمن العظيم، فهو قليل مقابل ما خسروا في آخرتهم من الجنة والنعيم.

ارجع إلى الآية (77) من سورة آل عمران للبيان.

{فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} : تكرار كلمة الويل، ثلاث مرات للتوبيخ، والتقريع، على جريمة التحريف.

{لَهُمْ} : اللام؛ لام الاختصاص؛ لهم خاصة.

{مِمَّا} : مركبة من + ما، من البعضية، وما اسم موصول، بمعنى الذي.

وتكرار كلمة الكتابة؛ تدل على التّوكيد، وعلى وقوع الكتابة، والتحريف، بأيديهم.

{وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} : من مال ورشوة، وسحت، وحرام، ولم يقل: وويل لهم مما يكتسبون؛ لأنّ الكسب يستعمل في الأمر الحلال، واكتسب على وزن افتعل. في الأمر الحرام، فلماذا استعمل يكسبون بدلاً من يكتسبون؟ لأنّ كسبهم للمال الحرام أصبح أمراً عادياً لا حرج فيه، واعتادوا عليه، فأصبح أخذه سهلاً، كما يأخذوا المال الحلال.

فبدلاً من كلمة يكتسبون استعمل يكسبون.

ارجع إلى الآية (286) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

ص: 86

سورة البقرة [2: 80]

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} :

{وَقَالُوا} : الواو عاطفة، قالوا؛ أي: اليهود.

{لَنْ} : حرف نفي، تنفي المستقبل القريب، والبعيد.

أي: لن تمسنا النار في القريب، أو البعيد، {تَمَسَّنَا}: مشتقة من المس؛ وهو: اللمس الخفيف.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} : معدودة؛ بصيغة التذكير، ولم يقل: أياماً معدودات، بصيغة التأنيث، والعدد أحد عشر؛ يعتبر الميزان، فما زاد على إحدى عشر (11)، يعتبر كثرة، وما نقص عن أحد عشر، يعتبر قلة.

{مَّعْدُودَةً} : بصيغة التذكير؛ للدلالة على الكثرة، وهي كما زعموا (40) يوماً تعادل مدة عبادتهم العجل.

أما {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} : كما سيرد في سورة آل عمران، الآية (24)، للدلالة على القلة؛ وتعني:(7 أيام) لاعتقادهم أن عمر الدنيا (7 آلاف سنة)، وأنهم سوف يعذبون مقابل كل (100 سنة) يوماً واحداً.

و {مَّعْدُودَةً} : هنا تعادل (40) يوماً؛ قال ذلك ابن عبّاس؛ أي: مدَّة اتخاذهم العجل، وهذا كل مبني على أوهام، ولذلك قال -جل وعلا- لرسوله محمّد صلى الله عليه وسلم.

{قُلْ أَتَّخَذْتُمْ} : قل لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم.

{أَتَّخَذْتُمْ} : الهمزة همزة استفهام إنكاري.

{عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} ؛ أي: أعَهِدَ (العهد وعد موثق. ارجع إلى الآية (27) من سورة البقرة)، اللهُ إليكم في التّوراة، أو على لسان أحد، أو أوحى إليكم أنه لن يعذبكم، إلّا كما زعمتم.

فإذا عهد إليكم ذلك، {فَلَنْ}: الفاء (الفاء للتوكيد)، ولن لنفي المستقبل القريب، والبعيد، يخلف الله عهده، للإضراب الانتقالي، وتعني: حقاً، أو بل، والهمزة في أم: للاستفهام الإنكاري.

{أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} : أم: أتفترون على الله الكذب.

ص: 87

سورة البقرة [2: 81]

{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :

{بَلَى} : رداً على قولهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} ؛ {بَلَى} : حرف جواب؛ لنفي ما قبله، وما قبله:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} ؛ أي: بلى تمسسكم النار، وليس صحيحاً ما تقولونه، أو أنكم اتخذتم عند الله عهداً.

{مَنْ} : شرطية.

{كَسَبَ سَيِّئَةً} : السيئة: الفعلة القبيحة بين الإنسان وبين العباد، وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما : السيئة هنا تعني: الشرك، أو كبيرة من الكبائر.

قال: {كَسَبَ} ؛ ولم يقل: اكتسب؛ لأنّ الشرك أصبح أمراً سهلاً، وحرفته يمارسها بلا جهد، أو حرج، ارجع إلى الآية (286) من سورة البقرة للبيان والفرق بين كسب واكتسب.

{وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} : الخطيئة: قيل: هي صغائر الذنوب، وقد تكون من غير تعمد، وأما الخطء: فهو الذنب العظيم، والخطيئة من الخطأ مثل: نسيان حكم من أحكام الصلاة، أو الصيام بدون تعمد، وهي ما كان بين الإنسان وربه.

والإحاطة؛ تعني: من كل الجهات، استولت عليه من كل جانب، ومات مشركاً.

أو تحيط سيئاته بحسناته، فتحبطها، أو أنّ المحيط أكثر من المحاط، أو معنى أحاطت به: أهلكته.

{فَأُولَئِكَ} : الفاء جواب الشرط.

أولئك: اسم إشارة؛ للبعد.

{أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : فهم قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} ، والله سبحانه يرد عليهم بأنّ النار سوف تمسهم، ليس أياماً معدودة فقط ـ كما زعموا ـ بل سيصبحون هم أصحاب النار، وهم فيها خالدون.

{أَصْحَابُ} : أي: كأنهم أصحاب النار، المالكون لها؛ كما نقول: صاحب الدار، أو الملازمون لها.

{هُمْ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.

{فِيهَا} : في النار.

{خَالِدُونَ} : من الخلد، وهو البقاء الدائم، الذي لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن دخولهم إياها؛ أي: بعد بعثهم يوم القيامة، وحسابهم.

ص: 88

سورة البقرة [2: 82]

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :

بعد أن ذكر الله تعالى أصحاب النار، يذكر ما يقابل ذلك، وهم الّذين آمنوا.

{وَالَّذِينَ} : اسم موصول، يفيد المدح.

{آمَنُوا} : بالله؛ وما أنزل إليهم من ربهم.

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : الفرائض، والنوافل، وما أمرهم الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو حثهم عليه؛ أي: قرنوا العمل الصالح بالإيمان.

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعيد، ويفيد المدح، والعلو، والشرف.

{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} : الملازمون للجنة، لا يفارقونها، وكأنهم مالكون لها، كما يملك صاحب الدار داره.

{هُمْ} : تفيد التّوكيد.

{فِيهَا خَالِدُونَ} : فيها في الجنة خالدون، من الخلود، وهو البقاء المستمر، لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن دخولهم إياها؛ أي: له بداية، وليس لها نهاية.

ص: 89

سورة البقرة [2: 83]

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} :

{وَإِذْ} : الواو.

أي: واذكروا {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} : أو اذكروا حين أخذنا.

الميثاق: هو العهد الموثق، المؤكد بأدلة، أو شهود، أو بأيمان أو قسم مأخوذ عليهم في التّوراة.

{مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} : بنو إسرائيل هم الأجداد والآباء، أخذنا الميثاق من الأجداد، والآباء الأولين؛ أي: السلف.

وهذا الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، جاء على ألسنة أنبيائهم، ورسلهم، يتضمن ثمانية تكاليف.

1 -

{لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} : لا: الناهية.

{تَعْبُدُونَ} : من العبادة، وهي طاعة المعبود فيما أمر، ونهى عنه، ولا تكون إلَّا للخالق، ولها أجر. وله منهج.

{إِلَّا} : أداة حصر إلَّا الله وحده، وهذا قمة الإيمان؛ أي: لا تشركوا به شيئاً.

2 -

{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} : ارجع إلى سورة النّساء، آية (36)، وسورة الإسراء آية (23)، وسورة الأحقاف لمزيد من البيان، والباء: للإلصاق.

3 -

{وَذِى الْقُرْبَى} : والإحسان إلى ذي القربى؛ أي: أن تصلوا أرحامكم، وباقي القرابات، ولو قال: بذي القربى كما في سورة النساء آية (36)، لكان ذلك؛ يعني: أولادكم، وأبناء أولادكم، وأبناء بناتكم؛ أي: أقرب الأقرباء، وتعني: التوكيد.

4 -

{وَالْيَتَامَى} : والإحسان إلى اليتامى، واليتيم هو الذي فقد والده وهو طفل قبل سن البلوغ.

5 -

{وَالْمَسَاكِينِ} : والإحسان إلى المساكين، وتعريف المسكين: الذي لا يملك ما يكفيه لحاجاته.

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} :

{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} : {حُسْنًا} : من الحسن، و {حُسْنًا}: مصدر حسن، وهو ما حسنه الشرع؛ أي: كلاماً طيباً، ليناً. {لِلنَّاسِ}: اللام: لام الاختصاص، النّاس. ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} : ارجع إلى الآية (43) من سورة البقرة.

{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} : ثم: تشير إلى الترتيب، والتراخي في الزمن، حيث هناك زمن طويل، بين الآباء؛ الّذين أخذنا منهم الميثاق، وبين الأبناء.

{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} : أي: الكل تولى، أو توليتم، كما تولى آباؤكم، ولم يذكر الآباء؛ لأنّ ذكرهم متضمن في قوله:{تَوَلَّيْتُمْ} ، والتولي يعني عن الوفاء بالميثاق، ولم تعملوا به، بقصد ونية.

{إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ} : إلّا أداة استثناء؛ أمثال: عبد الله بن سلام وأصحابه.

{وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} : معرضون عن الوفاء بالميثاق، والالتزام بما وصَّاكم الله به، كما أعرض آباؤكم وأنتم معرضون، تدل على أنهم متعمِّدون الإعراض عن العمل بالميثاق، كما فعل آباؤهم.

ص: 90

سورة البقرة [2: 84]

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} :

الخطاب لا يزال موجَّهاً إلى بني إسرائيل.

{وَإِذْ} : للزمن الماضي؛ بمعنى: واذكر إذ أخذنا ميثاقكم، وفي الآية السابقة، {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} .

أي: الميثاق؛ يتضمن جزأين: الجزء الأول؛ الذي ذكر في الآية السابقة: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} .

والجزء الثّاني؛ المذكور في هذه الآية: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} : أو هو ميثاق آخر أخذه الله عليهم.

{لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} : لا: الناهية. {تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} : السفك: هو الصب؛ أي: سيل الدماء، أو إهراق الدماء، والقتل الجماعي؛ أي: لا يسفك كل واحد دم أخيه، ولا يسفك بعضكم دم بعض، والخطاب هنا للجماعة، وليس للفرد، وذلك؛ لأنّ الحكم هو عائد للجماعة الإيمانية؛ الّتي تمثل الفرد، والفرد يمثل الجماعة؛ لأنّ المؤمنين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

فحين يقتلون إخوانهم كأنهم يقتلون أنفسهم، وهذا معنى {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} .

{وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} : أي: لا تخرجون إخوانكم من ديارهم، بالجلاء، والحرب، فإذا فعلتم ذلك كأنكم أخرجتم أنفسكم من دياركم}.

{ثُمَّ} : للتعقيب، والتراخي الزمني؛ أي: أقررتم بالميثاق، الذي أقرَّه آباؤكم وأجدادكم.

{أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} : وأنتم اليوم، تشهدون على ذلك الميثاق، بعدم القتل، وبعدم الإخراج.

فالإقرار على الميثاق، كان من السلف، ثم تم الإقرار، والشهادة، من الخلَف، على الميثاق نفسه.

ص: 91

سورة البقرة [2: 85]

{ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} :

{ثُمَّ} : للترتيب، والتراخي الزمني.

فالخطاب موجَّه إلى اليهود في المدينة، الّذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{أَنتُمْ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.

{هَؤُلَاءِ} : الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة، يفيد معنى التعجب، من حالهم، والإنكار عليهم.

{تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} : إذا قتل غيره، ومن دون حق، فكأنما قتل نفسه (بالحروب).

{وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} : بالجلاء والطرد، ومظاهرة الآخرين، والمظاهرة؛ هي المعاونة، والتظاهر هو التعاون، وأصله؛ الظهر؛ أي: أن يجعل كل واحد من القوم، أو الرجلين الآخر ظهراً له، يتقوى به، ويستند إليه، أو يساعده على الحمل، أو يحمل عنه.

{تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} : الإثم: في اللغة: التقصير، وأَثِمَ: أي: قصَّر، والإثم المعصية؛ كشهادة الزور، وشرب الخمر.

والإثم: الذنب القبيح الذي يستحق فاعله العقاب، ويشمل الصغائر والكبائر.

والعدوان: هو الظلم، والاعتداء على الآخرين.

فقد كان بنو قريظة، وهم من اليهود، حلفاء للأوس.

وكان بنو قينقاع وبنو النظير وهم من اليهود أيضاً حلفاء للخزرج.

وكل قبيلة أو طائفة تقاتل مع حليفها، فكان اليهودي من هذ القبيلة يقاتل مع حليفه، ضد اليهودي من القبيلة الأخرى، فيقتله أو يخرجه من بيته، وربما وقع أسيراً في يد الفريق الآخر، وإذا أُسر أحدهم، حاولوا دفع الفدية؛ ليفكوه من الأسر، طاعة لله تعالى، فوبخهم الله سبحانه، فقال سبحانه وتعالى :{وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} ؛ وإن: للتوكيد.

{وَإِنْ} : للتوكيد {يَأْتُوكُمْ أُسَارَى} : جمع أسير، أو مأسور، وهو من يؤخذ بالغلبة، فيُشد بالإسار، وهو القيد، وأصل الأسر: الشد بالقيد، وأسير؛ تجمع على أسرى، وأسرى تجمع على أسارى (جمع الجمع).

{أُسَارَى} : جمع أسير. والذين هم في وثاق، أو الذين ليسوا في أيدي الأعداء.

وأُسارى: جمع أسرى، إذن أُسارى: جمع الجمع، كقوله -جل وعلا- :{مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ} . والأسرى: الذين هم في يد الأعداء.

{تُفَادُوهُمْ} : المفاداة: إعطاء شيء، وأخذ شيء مكانه؛ أي: تنقذوهم من الأسر بالفداء، بالمال، أو إبدال الأسرى.

{وَهُوَ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.

{مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} : بالأصل؛ أي: محرم عليكم إخراجهم، أو إجلاؤهم من بيوتهم، ومحاربتهم؛ لكي لا يقعوا أسرى في يد عدوهم.

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} :

{أَفَتُؤْمِنُونَ} : الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري؛ للتوبيخ، وفيه فضيحة لهم.

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ} : وهو فكاك الأسرى.

{وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} : وهو القتل والإخراج، وقال مجاهد: تفديه من يد غيرك، وتقتله أنت بيدك؟!

{فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

{فَمَا} : الفاء للترتيب، والمباشرة. ما: استفهامية.

{مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ} : من شرطية.

{ذَلِكَ} : اسم إشارة للبعيد، تعود على القتل والإخراج.

{مِنكُمْ} : خاصة؛ لأنكم أعطيتم العهد على الطاعة.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{خِزْىٌ} : نكرة؛ للتهويل، والتعظيم، وتشمل: الذل، والفضيحة.

{خِزْىٌ} : ذل مع فضيحة، يقال: الرجل يخزي خزياً؛ إذا وقع في بلية؛ فذلّ، وأخزاه الله؛ أي: فضحه. وقيل: الخزي هو الشيء القبيح، الذي تكره أن يراك عليه النّاس.

{فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : أصابهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، فخزي بني قريظة، كان بالقتل والسبي.

وخزي بني النظير وقينقاع كان بالجلاء، والنفي، من منازلهم، وديارهم.

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} : الواو: استئنافية. وسمي يوم القيامة؛ لقيام أمور ثلاثة: فيه:

1 -

قيام النّاس من قبورهم لرب العالمين؛ كما قال تعالى: {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 5-6].

2 -

قيام الأشهاد؛ الّذين يشهدون للرسل، وعلى الأمم.

3 -

قيام العدل.

{يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} : أي: عذاب النار، وجهنم، ويعني: العذاب الأليم الدائم.

أي: ما أصابهم في الدّنيا من خزي، لم يكن لهم كحدٍّ؛ أي: لم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم، ولو كان حدّاً؛ لما ردُّوا يوم القيامة أشد العذاب.

{يُرَدُّونَ} : من الرد، هو الرجوع بكراهة؛ أي: وأنت مكره مجبر.

وأصل الردّ: الذهاب من مكان، وعدم النية في العودة إليه، ثم تجبر على العودة إلى المكان نفسه، فهذا يسمى ردّاً، وليس رجوعاً. الرجوع يكون بنية؛ أي: قصد، وإرادة، وإلى نفس المكان الذي خرج منه.

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} :

{وَمَا} : الواو: عاطفة. ما: النّافية؛ أشد نفياً من ليس.

{بِغَافِلٍ} : الباء للإلصاق، والتوكيد. غافل: غير منتبه، أو مطلع على ما تعملون. ارجع إلى الآية (74) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{عَمَّا} : عن + ما. عن: تفيد المجاوزة والمباعدة، وما: اسم موصول؛ بمعنى الذي، أو مصدرية؛ أي: ما عملتم.

{تَعْمَلُونَ} : تعني: الأفعال والأقوال، فالعمل يشمل (القول والفعل).

ص: 92

سورة البقرة [2: 86]

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} :

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعيد.

{الَّذِينَ} : اسم موصول، يفيد الذم.

{اشْتَرَوُا} : استبدلوا؛ أي: اشتروا الحياة الدّنيا، وباعوا آخرتهم؛ أي: دفعوا ثمن الحياة الدّنيا الّتي اشتروها بالآخرة.

{فَلَا} : الفاء السببية، أو الرابطة. لا: النّافية، تنفي كل الزمنة.

{يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} : لا مقداراً، ولا زمناً، ولا كمَّاً، ولا نوعاً.

{وَلَا هُمْ} : الواو عاطفة.

تكرر لا؛ يفيد التّوكيد والنفي، ويفيد فصل، واستقلال تخفيف العذاب عن نصرتهم.

{هُمْ} : ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.

{يُنْصَرُونَ} : بيوم القيامة، لا يجدون من يدفع العذاب عنهم، ولا يجدون من ينصرهم بالشفاعة، أو دفع الفدية عنهم، أو تحمل العذاب عنهم، أو ردّه عنهم، أو تخفيفه.

ص: 93

سورة البقرة [2: 87]

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} :

{وَلَقَدْ} : الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: ثبت وتحقق.

{آتَيْنَا مُوسَى} : الإيتاء: هو العطاء الذي لا يعني التملك؛ أي: يمكن نزع الشيء المعطى؛ كقوله: {تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} .

والإيتاء أوسع من العطاء، ويشمل: الأمور المادية والمعنوية.

أما العطاء؛ ففيه تملك، وليس فيه نزع، كقوله:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ارجع إلى الآية (251) لمزيد من البيان.

{الْكِتَابَ} ؛ أي: التّوراة آتاه إياها جملة واحدة.

{آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} : أي: أعطيناه التّوراة، وقد ننزع التّوراة منه.

{وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} : ولكي نفهم معنى {وَقَفَّيْنَا} ؛ لا بدَّ من معرفة معنى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ} .

{وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} : أي: أتبعنا بعضهم بعضاً، مشتقة من قفا، وتقول: قفوت فلاناً؛ أي: سرت خلفه، والقفا؛ قد تعني مؤخر العنق؛ أي: وقفينا من بعده؛ (بعد موسى) بالرسل، أتبعنا بعضهم بعضاً؛ أي: أرسلنا من بعد موسى يوشع، وأشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعيباً، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وعيسى ابن مريم عليهم السلام، وهناك رسل أو أنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل، لا نعرفهم، كما قال -جل وعلا- في سورة النّساء الآية (164):{وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ} .

وهناك فرق بين قفينا، {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ} .

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ} : تعني: أنّ الزمن بين إنسان، يمشي في الصحراء، وإنسان آخر يمشي خلفه قصير جداً؛ إذ إن آثار قدَمي الماشي أولاً، لا يزال يُرى آثارهما في الرمل، وذلك يعني أنّ الزمن بين الرسولين قصير جدّاً.

وحين يقول: {وَقَفَّيْنَا} : من دون على آثارهم؛ يعني: أنّ الزمن بين الرسولين أطول.

{وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} :

{وَآتَيْنَا} : ارجع إلى مطلع الآية لمعرفة معنى {وَآتَيْنَا} .

{عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} : عيسى رسول الله أُرسل إلى بني إسرائيل، ابن مريم ابنة عمران، الّتي أحصنت فرجها عليها السلام.

{الْبَيِّنَاتِ} : هي المعجزات، الواضحة، الدالة على صدق نبوته، مثل: إحياء الموتى؛ بإذن الله، وإبراء الأكمه، والأبرص؛ بإذن الله، وخلقه من الطين؛ كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً، وإخبار عيسى النّاس بما يأكلون، وما يدَّخرون في بيوتهم، وغير ذلك من المعجزات.

{وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} : أيَّدناه؛ قويناه، والأيد تعني: القوة.

أيدناه؛ مأخوذة من اليد، واليد هي آلة القوة، والدفاع عن النفس، أو الآخرين.

{بِرُوحِ الْقُدُسِ} : الباء؛ للإلصاق، وتعني: الملازمة، روح القدس هو جبريل عليه السلام ، والقدس: المطهر.

أي: أيّدناه بالروح المطهرة المقدسة من كل شائبة؛ أي: جبريل عليه السلام .

والروح: في الأصل اسم؛ لما به حياة النفوس، وسمي روحاً.

و {بِرُوحِ الْقُدُسِ} : هو جبريل عليه السلام ، وإضافة القدس للروح؛ للتشريف، لا غير.

ويطلق عليه الروح الأمين، الأمين على وحي الله تعالى ورسالاته.

وصَفه الله -جل وعلا- : {مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 21]؛ مطاع في السموات والأرض؛ تطيعه الملائكة.

{ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 20]؛ أي: ذو مكانة رفيعة، ومنزلة عظيمة عند الله تعالى، ولمزيد من البيان عن جبريل عليه السلام ؛ ارجع إلى الآية (97) من سورة البقرة.

وقد ذكر عيسى عليه السلام ، في كثير من الآيات، بأنه مؤيد بروح القدس؛ أي: جبريل عليه السلام ، ولم يذكر غيره بهذه الصفة، مع العلم أنّ باقي الرسل والأنبياء كان جبريل عليه السلام ينزل عليهم.

وقد يكون السبب ـ والله أعلم ـ أنّ جبريل عليه السلام كان لا يفارق عيسى عليه السلام كثيراً، في تلك الفترة الّتي عاشها عيسى على الأرض، قبل رفعه إلى السموات.

{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} :

{أَفَكُلَّمَا} : الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري توبيخي، وللتعجب، الفاء؛ للتوكيد. كلما: ظرفية، حينية، (ظرف زمان)، يفيد التكرار، ويقتضي الجواب، وجوابه هنا:{اسْتَكْبَرْتُمْ} .

{جَاءَكُمْ رَسُولٌ} : {جَاءَكُمْ} : فيها؛ معنى المشقة، والصعوبة، (أي: المجيء كان بمشقة وصعوبة)، بينما قوله: أتى؛ تحمل معنى السهولة، واليسر، والمجيء يكون بالحق، ولذلك يكون أصعب، والخطاب موجَّه إلى بني إسرائيل.

{بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ} : أي: بما يخالف أهوائكم، مثل مجيء عيسى عليه السلام ، أو محمّد صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من الرسل عليهم السلام.

{بِمَا} : الباء للإلصاق، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.

{تَهْوَى} : تحب، وتشتهي أنفسكم، ويجب الانتباه إلى كلمة هَوَى؛ بالفتحة على الواو، بمعنى سقط إلى أسفل، وهوِي بالكسرة على الواو؛ بمعنى أحب واشتهى، وجمع هوى أهواء، والهوى غالباً ما يكون مذموماً؛ أي: ما تريده النفس، وغالباً ما يكون بعيداً عن الحق.

ولا بد أن نفرِّق بين الهوى، وهو يختص بالأداء؛ أي: بالأفعال، والاعتقادات، وأما الشهوة، فتختص بنيل المستلذات، وهوِي بالكسرة (وهو حب الشهوات) قد يهوي بصاحبه إلى الأسفل، والانحدار أي النار.

{اسْتَكْبَرْتُمْ} : عن الإيمان بذلك الرسول، أو النبي، أو بما جاء به من الحق، وأردتم أن تكونوا أنتم المشرعين، من دون الله سبحانه.

{اسْتَكْبَرْتُمْ} : أي: أعطيتم لأنفسكم كبراً لستم أهلاً له، والكبر هو الشعور بالعظمة. ورفع النفس فوق ما تستحق، أو إظهار عظم الشأن، والكبر أو التكبر أنواع منها:

أولاً: الكبر على الله سبحانه، أو آياته، وهو أعظم وأبشع أنواع الكفر.

ثانياً: الكبر على الرسل والأنبياء كقول قوم ثمود لنبيهم صالح: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} [القمر: 25]، أو قول فرعون وملئه:{أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47].

ثالثاً: الكبر على الناس، والكبر أو التبكر صفة ذميمة، والمتكبر مذموم في الأرض والسماء، ومعظم الآيات جاءت بصيغة استكبروا، استكبر، استكبرتم، تستكبرون، يستكبرون، استكباراً، والقليل بصيغة يتكبرون، متكبرين، متكبر.

والفرق بين المستكبر، والمتكبر: الألف والسين والثاء: تفيد الطلب؛ أي: المستكبر لا يملك وليس عنده مؤهلات الكبر مثل السلطان، والغني، والجاه، والعلم، والقوة، والحكم؛ أي: هو يظهر من نفسه ما ليس فيه بأن يرفض عبادة الله وطاعته، أو لا يقبل الحق من أحد مثلاً، والاستكبار والتكبر غالباً يكون بغير الحق، وقليلاً ما يكون بالحق مثل التكبر على العدو، أو لنصرة المظلوم، وأما المتكبر: فهو من حاز على بعض الصفات مثل الغنى، والسلطان، والحكم، والجاه؛ فهو في حال الكبر مثل فرعون وقارون، أو غيرهم الذين طغوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد وظلموا وبطشوا وتجبروا.

{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} : مثل عيسى عليه السلام ، ومحمد صلى الله عليه وسلم.

{وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} : أمثال زكريا ويحيى عليهما السلام، وغيرهم.

{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} : في هذا الجزء من الآية، يجب الانتباه إلى ثلاثة أمور في البلاغة:

الأول: تقديم المفعول على الفعل، فريقاً وهو المفعول على الفعل كذبتم للاهتمام، والتشويق، تشويق السامع، بما بعده.

الثّاني: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} : فلم يقل: فريقاً كذبتم وفريقاً قتلتم، وإنما جاء بفعل {تَقْتُلُونَ}: بصيغة المضارع؛ لاستحضار فعل القتل في نفوس السامعين، وتصويره أمام أعينهم بصورته البشعة، وهذا ما يسمى حكاية الحالة، وهي أن يعبَّر عن الحدث في الماضي بفعل مضارع، أو أن ينقل المخاطب إلى الماضي، فيجعله كأنه يعاصر الحدث، ولأنّ القتل أعظم من التكذيب جاء بصيغة الماضي لفعل التكذيب، وبصيغة الفعل المضارع للقتل.

ثالثاً: وتكرار فريقاً مرتين؛ للتوكيد، وفصل كلاً من الفعلين، عن بعضهما؛ أي: فعلتم كلا الأمرين: القتل، والتكذيب، كلاً على حدة، أو التكذيب والقتل معاً، فالتكذيب أمر مهم، ولكن القتل أعظم وأشد.

ص: 94

سورة البقرة [2: 88]

{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} :

{وَقَالُوا} : الواو استئنافية.

{قُلُوبُنَا غُلْفٌ} : مأخوذة من الغلاف، والتغليف، وغُلف؛ بسكون اللام، كما يقرؤها الجمهور، أو غُلُف؛ كما يقرؤها بعض العلماء.

{غُلْفٌ} ؛ لها معان عدَّة؛ معاً:

1 -

غُلُف: بضم اللام؛ أي: جمع غلاف، أو مغلفة بأغشية، أو أغطية، تمنع وصول الموعظة، والنور إليها، والإيمان والهداية، لا يدخلها شعاع من النور، والهداية، ولا يخرج منها شعاع من الكفر؛ أي: قلوبٌ مطبوع عليها.

2 -

عُلف: أي: مغلفة، وفيها من العلم، ما يكفيها، ويزيد، وكأنهم يقولون: قلوبنا لا تسع شيئاً آخر، فلسنا بحاجة إلى كلام الرسل، أو الهداية.

3 -

خلقت غلفاً: لا تتدبر، ولا تعتبر، ولا تعي، ولا تفقه، ما يقال لها؛ أي: مخلوقة على الكفر.

فرد الله -جل وعلا- على افتراءاتهم، أن تكون قلوبهم مخلوقة على الكفر، وامتناع قبول الحق.

{بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} : بل؛ للإضراب الإبطالي.

{لَعَنَهُمُ اللَّهُ} : أي: طردهم الله تعالى، وأبعدهم عن رحمته.

{بِكُفْرِهِمْ} : الباء؛ للإلصاق، باء السببية، أو المقابلة؛ أي: بسبب زعمهم أنّ قلوبهم غلف، وكفرهم.

{فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} : الفاء؛ للتوكيد، وما؛ للتوكيد أيضاً؛ أي: فقليل من يؤمن منهم؛ أي: عدد المؤمنين منهم قليل، والأكثرية لم يؤمنوا، أو أنّ إيمانهم قليل جداً؛ أي: سطحياً، وبألسنتهم فقط، وليس في قلوبهم.

أو تعني: لا يؤمنون قليلاً، ولا كثيراً، لا هذا وذاك.

ص: 95

سورة البقرة [2: 89]

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} :

هذه صورة أخرى من صور كفرهم.

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ} : الواو عاطفة، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين جاءهم؛ أي: اليهود، والمجيء فيه معنى المشقة؛ أي: لم يكن سهلاً مجيء الكتاب.

{كِتَابٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} : أي: القرآن الكريم الذي أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم.

{مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} : موافق ولا يخالف ومؤكد لما معهم وهو التّوراة.

{مُصَدِّقٌ} : نعت أو صفة للكتاب والكتاب مرفوع فالصفة تتبع الموصوف؛ أي: مرفوعة.

{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ} : أي: مجيء القرآن وبعثة محمّد صلى الله عليه وسلم.

{يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} : يستفتحون أي: يطلبون الفتح، الألف والسين والتاء للطلب.

والفتح؛ هو الغلبة، والنصر من دون قتال، أو حرب؛ أي: يطلبون من الله أن ينصرهم على المشركين، بالنّبي المبعوث؛ آخر الزمان؛ أي: يقولون: اللهم انصرنا بالنبي؛ المبعوث على الّذين كفروا، وهم الأوس والخزرج؛ قبل ظهور الإسلام. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.

وينتظرون مجيء النّبي الأمي، المكتوب عندهم، في التّوراة والإنجيل.

{فَلَمَّا جَاءَهُمْ} : {فَلَمَّا} : الفاء للتوكيد. لما: ظرفية زمانية، بمعنى حين.

{جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} : عرف: بمعنى علم، وهناك فرق بينهما أن المعرفة تستعمل في المعرفة بالذوات، والعلم يستعمل فيما يتعلق بالصفات؛ أي: الحق، أو محمّد صلى الله عليه وسلم، {مَا عَرَفُوا}: ما: اسم موصول، بمعنى: الذي عرفوا صفته، ونعته، كما في التّوراة.

{كَفَرُوا بِهِ} : أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: جحدوا به، وبما أنزل عليه من القرآن، ولم يؤمنوا به، ولم يُبين سبب كفرهم به، وبيّنه في آيات أخر، [سورة البقرة، آية 109].

{فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} : الفاء للتوكيد، لعنة الله: الطرد من رحمة الله تعالى. ارجع إلى الآية (162) من نفس السورة لمزيد من البيان.

ص: 96

سورة البقرة [2: 90]

{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} :

{بِئْسَمَا} : بئس من أفعال الذم. ما: نكرة؛ أي: بئس الشيء، الذي اشتروا به أنفسهم، وبئس الذي اشتروا به أنفسهم؛ أي: باعوا أنفسهم، واشتروا الكفر، بعد أن رفض اليهود الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وطردهم الله من رحمته. يُقبح الله عز وجل سلوكهم؛ إذ باعوا أنفسهم رخيصة، باعوها بالكفر، فلم يؤمنوا بالقرآن ونبيه صلى الله عليه وسلم.

{بَغْيًا} : والبغي: هو أخذ حق الغير بقوة، وقهر، وتعسف يعني: التعدي والظلم المؤدي إلى الفساد، والحسد: هو تمني زوال النعمة عن المحسود؛ فهذا ظلم للمحسود وبغياً عليه، والمحسود هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تنزل عليه الرسالة من بينهم؛ إذ كانوا يظنون أنهم أحق بها؛ لأنهم ورثوا كل الرسالات السابقة. وقد فوجئوا بأنه ليس منهم؛ فملأ الحسد قلوبهم، وأعلنوا مقاومتهم وعصيانهم.

{أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} : أي: الوحي، وبالتالي النبوة، والكتاب، فاختيار الرسل فضل من الله سبحانه.

{عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} ؛ أمثال: محمّد صلى الله عليه وسلم، أو الأنبياء، والرسل من قبله، حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه.

{فَبَاءُوا بِغَضَبٍ} .

{فَبَاءُوا} : الفاء؛ للتوكيد. باؤوا: استحقوا، ورجعوا. {بِغَضَبٍ}: الباء: للإلصاق، بمعنى: لزمهم الغضب، ولحق بهم، وهو أشد اللعن، ولم يفارقهم.

واستعمال الغضب، في صفات الله؛ مجاز، وحقيقته إيجاب العقاب على المغضوب عليه.

{بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} : والتنكير؛ للتعظيم.

فالغضب الأول: هو لأنهم لم ينفِّذوا ما جاء في التّوراة، ولأنهم حرَّفوها. وقيل: لعبادتهم العجل. وقيل: بسبب كفرهم بعيسى والإنجيل.

والغضب الثّاني: بسبب كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، رغم أنه مذكور عندهم في التّوراة، ومطلوب منهم أن يؤمنوا به.

{وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} : وللكافرين؛ اللام لام الاختصاص، والاستحقاق. (الكافرين)؛ الّذين أصبح الكفر صفة ثابتة عندهم، واستمروا عليه.

{عَذَابٌ مُّهِينٌ} : شديد الألم؛ مرفوق بالإهانة، والذل؛ لكونه أمام النّاس، أو أمام أتباعهم.

ص: 97

سورة البقرة [2: 91]

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} :

{وَإِذَا} : ظرفية شرطية؛ تدل على حتمية الحدوث، وكثرته.

{قِيلَ لَهُمْ} : لا يهم هنا؛ من القائل، وإنما المقولة.

{قِيلَ لَهُمْ} : أي: اليهود.

{آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} : أي: آمنوا بالقرآن، وصدقوا به، وبآياته.

{قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} : أي: نؤمن، ونصدق فقط بالتوراة، الذي أنزل علينا.

{وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} : أي: بما نزل بعده، الواو واو الحال للتأكيد. {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}: وهو القرآن الكريم، وهو الحق، أو الإنجيل.

{مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} : أي: التّوراة، وهم لا يدرون، أنّ من يكفر بالقرآن، يكفر بالتوراة، فهو يكفر بهما معاً؛ لأنّ القرآن يصدق ما جاء في التّوراة، والكفر هو الستر، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يأت ليهدم ما آمنوا به، ولكنه جاء بالحق {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} .

{قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} :

{قُلْ} : لهم يا محمّد: إذا كنتم تؤمنون بالتوراة، الذي أُنزل إليكم، هل في التّوراة آية تُحل لكم قتل أنبياء الله؟!

{فَلِمَ} : الفاء للتوكيد.

ما: استفهامية؛ تفيد التعجب، والتوبيخ.

{تَقْتُلُونَ} : بصيغة المضارع؛ لاستحضار الفعل الماضي إلى الحاضر (حكاية الحال). ارجع إلى الآية (87)، (ولم يقل: قتلهم أنبياء الله).

{أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} : مجيء محمّد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {مِنْ قَبْلُ} ؛ فيها طمأنينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أنّ قتلهم الأنبياء انتهى، وما جرى للأنبياء السابقين، من بني إسرائيل، لن يجري على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} : إن: شرطية، وتفيد الشك، أو الاحتمال {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} .

ص: 98

سورة البقرة [2: 92]

{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} :

{وَلَقَدْ} : الواو عاطفة، واللام؛ للتوكيد، قد، تفيد الإثبات والتحقق.

{جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} : جمع بينة، والبينة؛ هنا، تعني: المعجزة، مثل: العصا، واليد، والنجاة من فرعون، وجنوده ومن الغرق، وفلق البحر.

{ثُمَّ} : للترتيب والتراخي.

{اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} : عبدتم العجل.

{مِنْ بَعْدِهِ} : من بعد ذهاب موسى عليه السلام إلى الطور، {مِنْ}: تعني: مباشرة، حين واعدناه أربعين ليلة.

فلو كنتم تؤمنون بما أُنزل عليكم، كما زعمتم؛ ما اتخذتم العجل من بعده، وأنتم ظالمون.

{وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} : وأنتم ظالمون؛ بشرككم، وظالمون لأنفسكم، وظالمون: جملة اسمية، تدل على صفة ثبوت الظلم فيهم.

ص: 99

سورة البقرة [2: 93]

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} :

مطلع هذه الآية يشبه الآية (63) من سورة البقرة، فارجع إليها.

ويبدأ الاختلاف بقوله تعالى: {وَاسْمَعُوا} : سمع طاعة، واستجابة، وقبولاً؛ لا مجرد سماع بالأذن.

{قَالُوا سَمِعْنَا} : بأفواههم، أو ألسنتهم.

{وَعَصَيْنَا} : بأفعالهم؛ أي: لم يتمثلوا أوامر الله، ويطبقوا أحكامه.

أو {قَالُوا سَمِعْنَا} قولك: {وَعَصَيْنَا} : أمرك، أو {قَالُوا سَمِعْنَا} ، ولكن لا سمع طاعة، وبدلاً من ندمهم على اتخاذهم العجل، تداخلهم حبه، حتّى أصبح يسري حبه في دمهم ولحمهم، كما يسري الماء بعد شربه إلى الأوعية الدموية؛ وذلك كله، بسبب كفرهم.

{قُلْ} : لهم: يا محمّد صلى الله عليه وسلم.

{بِئْسَمَا} : من أفعال الذم؛ أي: بئس هذا الإيمان، الذي تدَّعوه بالتوراة، الذي يأمركم، أو يدعوكم، لمثل هذا الحب.

{إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} : إن شرطية، وتدل على الشك في إيمانهم.

وإضافة حب العجل إلى إيمانهم هو تهكُّم بهم، واستنكار لفعلهم.

ص: 100

سورة البقرة [2: 94]

{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} :

{قُلْ} : لهم، يا محمّد صلى الله عليه وسلم.

{إِنْ} : شرطية؛ تفيد الشك.

{كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} : أي: الجنة.

وقدَّم {لَكُمُ} ، لكم وحدكم؛ خاصة، اللام لام الاختصاص، والاستحقاق.

كما تزعمون؛ فقد قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} : [سورة البقرة، الآية 111].

{خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ} : أي: خاصة بهم، ولا يشاركهم فيها أحد. {النَّاسِ}: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمعرفة معنى النّاس.

{فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} : أي: اطلبوا الموت، الذي يوصلكم إليها.

الفاء؛ في {فَتَمَنَّوُا} : الفاء للتوكيد.

{فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} : لأنّ تمني الموت، من شأنّ المقربين الأبرار، و {إِنْ}: شرطية، وتفيد الشك؛ أي: الشك بأنهم {صَادِقِينَ} : في أنّ الجنة هي خالصة لهم، وأنّ ادعاءهم باطل وزيف، وقوله:{فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} : فيها تعجيز لهم، وتحدي؛ لأنّ ليس من سماتهم تمني الموت، بل بالعكس حب الحياة.

ص: 101

سورة البقرة [2: 95]

{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} :

{وَلَنْ} : الواو: استئنافية، لن: حرف نفي، يفيد نفي المستقبل القريب، والبعيد.

{يَتَمَنَّوْهُ} : من التمني، والأمنية، والتمني: هو طلب شيء محبوب، إلَّا أنه مستحيل الحدوث، أو غير ممكن، أو لا يمكن أن يقع، أما الرجاء فهو طلب شيء محبوب، ممكن الحدوث.

{أَبَدًا} : أي: في جميع الأزمنة الحاضرة، أو المستقبلية، إلى غير نهاية.

{بِمَا} : الباء: للإلصاق، باء السببية، أو المقابلة، بسبب أو مقابل ما عملته أيديهم، من قتل الأنبياء، وتحريفهم التّوراة، وتكذيبهم للرسل، وغيرها من المعاصي، ولماذا اختار الأيدي على سائر الأعضاء؛ لأنّ أعظم الذنوب، الّتي ارتكبوها؛ مثل: قتل الأنبياء، وتحريف التّوراة، وأخذ الربا، وقد نهوا عنه، كانت بفعل أيديهم، فاليد؛ هي الآلة الّتي قامت بذلك.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} : عليم، صيغة مبالغة.

{عَلِيمٌ} : من هم، وعددهم، وما يعمله كل واحد منهم، من صغيرة أو كبيرة. ارجع إلى الآية (54) من نفس السورة لمعرفة معنى الظلم.

ولا بدَّ من مقارنة هذه الآية، من سورة البقرة مع الآية (6-7) من سورة الجمعة.

في سورة البقرة، آية (94-95):{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} .

{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .

في سورة الجمعة، آية (6-7):{قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} .

{وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .

الاختلاف في {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ} في سورة البقرة {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ} ؛ في سورة الجمعة.

أولاً: لن: تفيد نفي المستقبل القريب، والبعيد، وأكد، وأقوى في النفي من لا، الّتي تفيد الإطلاق، والعموم، (عموم الأزمنة).

فاستعمل لن الأقوى في النفي، في سياق زعمهم، أنّ لهم الدار الآخرة؛ أي: الجنة (خالصة لهم عند الله)، فهذا الزعم الباطل أشد، وأقوى من زعمهم أنهم أولياء الله. الذي استعمل معه لا. فالنفي في آية البقرة أشد من النفي في آية الجمعة.

ثانياً: في آية البقرة يستعمل يتمنوه وتشير إلى قلة العدد، عدد الّذين يزعمون أنّ الجنة خالصة لهم يوم القيامة، بينما في آية الجمعة يتمنونه، وتشير إلى كثرة العدد الّذين يزعمون أنهم أولياء لله.

زيادة المبنى (الحروف) تدل على زيادة المعنى، أو العدد.

شرح آخر للآيتين:

في آية البقرة: السياق في زعمهم أنّ الجنة لهم خالصة من دون النّاس؛ إذا كان هذا الزعم صحيحاً؛ فتمنوا الموت، لتحققوا هذه الأمنية.

الجواب: لن يتمنوه أبداً، لن أقوى حروف نفي، ونفيها مؤكد.

فمن يتمنى الموت؟ لا أحد، ولذلك استعمل (لن)، وإذا وجد من يتمنى الموت، فعددهم قليل، ولذلك استعمل {يَتَمَنَّوْهُ} ؛ الأقل حروفاً من {يَتَمَنَّوْنَهُ} .

أما في آية الجمعة: السياق في زعمهم أنهم أولياء لله من دون النّاس.

إذا كان هذا الزعم صحيحاً، فتمنوا الموت؛ لتحققوا هذه الأمنية.

الجواب: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} .

لا: أقل نفياً من (لن)، وأقل توكيداً.

ومن يتمنى أن يكون ولياً لله؟ الكثير؛ ولذلك استعمل (لا)، وبما أنّ عددهم كثير، استعمل {يَتَمَنَّوْنَهُ} ؛ الكثيرة الحروف.

زيادة الحروف؛ تدل على زيادة العدد؛ لأنّ زيادة المبنى؛ تدل على زيادة المعنى.

ص: 102

سورة البقرة [2: 96]

{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .

{وَلَتَجِدَنَّهُمْ} : الواو عاطفة، لتجدنهم: اللام؛ لام التّوكيد، والنون في تجدنهم، (بدلاً من تجدهم)، تدل على زيادة التّوكيد.

{أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} : النّاس. ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة للبيان.

{أَحْرَصَ النَّاسِ} : الحرص؛ هو شدة الطمع، والحرص؛ طلب الشيء بجشع.

{عَلَى حَيَاةٍ} : حياة؛ جاءت نكرة، وغرض التنكير؛ التحقير، والذم.

فهم يحرصون على أي نوع من أنواع الحياة، ولو كانت دنيئة، أو رخيصة، أو حياة ذلٍّ وعبودية، المهم حياة، ويحرصون أن تكون حياة طويلة، ليست قصيرة؛ أي: عمراً طويلاً.

{وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} : أي: أنّ حرصهم على حياة، مهما كان نوعها، يفوق حرص الّذين أشركوا، قيل: هم مشركو العرب، أو المجوس.

{يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} : يود: من الود: وهو ميل القلب والتمني؛ أي: يتمنى أحدهم، تعود على اليهود، والّذين أشركوا، يتمنى أحدهم.

{لَوْ} : للتمني، والتمني في هذه الحالة مستحيل أن يحصل.

{يُعَمَّرُ} : يعيش؛ أي: يبقى في الدّنيا، {يُعَمَّرُ}: بفتح العين، وتشديد الميم، وتدل على المبني للمجهول؛ لأنّ العمر ليس ملكاً للإنسان، والعمر كلمة مشتقة من العمار؛ لأنّ الجسد تعمره الحياة.

والعمر كما نعلم هو السن، الذي يقطعه الإنسان بين ميلاده، ووفاته.

{أَلْفَ سَنَةٍ} : أي: يعيش ألف سنة، والعرب كانت تضرب الألف؛ للمبالغة في العدد.

{وَمَا} : الواو، ما؛ النّافية. {هُوَ}: للتوكيد.

{بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} : أي: ليس تعميره في هذه الدّنيا؛ أي: بقاؤه في الحياة الدّنيا، وإن طال وبلغ ألف سنة، أو أكثر، فسوف يزحزحه؛ أي: يبعده، ويخلصه من نيل العقاب، أو العذاب، الذي يستحقه.

ولماذا كانوا يتمنون أن يعمروا ألف سنة أو أكثر؟

إما لأنهم يخافون من عذاب الآخرة؛ الذي ينتظرهم لسوء أعمالهم، فلا يرون في الآخرة خيراً، وإما لأنهم لا يؤمنون بالبعث والحساب، ويرون أنّ الموت هو النهاية، فهم يطلبون أن يعيشوا أطول مدَّة.

{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} : أي: الله سبحانه محيط، ومطلع على أقوالهم، وأفعالهم الظاهرة، والباطنة، ولا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، وقدَّم كلمة {بَصِيرٌ} على {يَعْمَلُونَ}: لأنّ السياق في الأعمال الباطنة.

{بِمَا} : الباء؛ للإلصاق، وما اسم موصول بمعنى الذي، أو مصدرية؛ (أي: عملوا).

{يَعْمَلُونَ} : تضم الأقوال، والأفعال.

ص: 103

سورة البقرة [2: 97]

{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} :

اليهود؛ إضافة إلى كفرهم، وعصيانهم، وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم للتوراة، كذلك؛ كانوا يعادون جبريل عليه السلام ، أقرب الملائكة إلى الله سبحانه.

وسبب نزول هذه الآية؛ كما روى الترمذي، أنّ اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ليس هناك من نبي من الأنبياء إلَّا ويأتيه ملك من الملائكة، من عند ربه، بالرسالة، وبالوحي، فمن صاحبك حتّى نتبعك، ونصدقك؟ قال صلى الله عليه وسلم: جبريل. قالوا: ذلك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذلك عدونا، لو قلت: ميكائيل، الذي نزل بالقطر، والرحمة، لاتبعناك، فنزلت هذه الآية.

{قُلْ} : لهم، يا محمّد صلى الله عليه وسلم، لليهود.

{مَنْ} : ابتدائية استغراقية، تستغرق كلَّ من هو عدوٌّ لجبريل.

{كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} : واسم جبريل، له عدَّة ألفاظ: جبرائيل، جبريل، جبرين، وروح القدس.

{فَإِنَّهُ} : الفاء للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد؛ أي: جبريل عليه السلام .

{نَزَّلَهُ} : أي: القرآن الكريم، نزله: تعني هنا، بالتدرج، منجماً، ولم يقل:(أنزله): الّتي تعني دفعة واحدة.

{عَلَى قَلْبِكَ} : ولم يقل: عليك، وإنما قال:{عَلَى قَلْبِكَ} : لأنّ القلب هو الأصل، فلولا القلب؛ لما عمل العقل والدماغ.

لأنّ منطقة الوعي، والإدراك والذاكرة، هي في الدماغ، وتسمى جهاز أولمبيك، ولولا القلب، وضخه للدم والأوكسجين، لتعطلت تلك المنطقة، ولما استطاع أن يذكر كلمة واحدة، إذن القلب هو القابل الحقيقي للوحي، ومحل الفهم، والحفظ، مجازاً عن الدماغ. ارجع إلى سورة الحج، آية (46) لمزيد من البيان.

{بِإِذْنِ اللَّهِ} : بإرادة الله، وأمره، ومشيئته. ويستعمل بإذن الله للعمل الذي ليس لنا دخل، بل هو تدبير خارج عن إرادتنا.

{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} : أي: القرآن الكريم {مُصَدِّقًا} : لما تقدَّمه، من الكتب السماوية؛ كالتوراة، والإنجيل.

{وَهُدًى} : ارجع إلى الآية (2) من سورة البقرة.

{وَبُشْرَى} : من البشارة، وهي الخبر السار، الذي يصل إليك لأول مرة، أو الخبر السار، والسابق لكل خبر سواه، الخبر السار، الذي يؤدي إلى السرور والفرحة، الّتي تبدو على بشرة الإنسان، وعلى وجهه، وتسمى البشارة والبشر.

{لِلْمُؤْمِنِينَ} : اللام؛ لام الاختصاص. المؤمنين: جمع مؤمن؛ أي: مؤمن بالله، وبما أنزل، فالقرآن هدى، وبشرى لهم خاصة؛ لأنهم هم الذين، ينتفعون، ويعملون به.

ص: 104

سورة البقرة [2: 98]

{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} :

{مَنْ} : شرطية.

{كَانَ} : تشمل جميع الأزمنة؛ الماضي، والحاضر، والمستقبل.

{عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ} : عدواً؛ من العداوة، وأصلها: الميل، والبعد، عمن تعادي، وإرادة الضر له، ومحاربته، وقهره، والعمل ضده.

{لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ} : {لِلَّهِ} : اللام لام الاختصاص، ولم يقل: لملائكته، ولرسله، وعطف الملائكة والرسل على الله، فمن يعادي أحداً من الملائكة، أو من الرسل، فكأنما عادى الله، وعادى كل الملائكة، وكل الرسل؛ فالله، وملائكته، ورسله، بما فيهم جبريل، وميكال، وحدة واحدة؛ لا تتجزأ.

{وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} : أليس جبريل وميكال من الملائكة؟ نعم، وإعادة ذكرهما؛ للتشريف، وعلو منزلتهما، وتعظيماً لهما، وهذا ما نسميه، عطف الخاص على العام.

{فَإِنَّ} : الفاء للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد.

{اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} : ولم يقل: فإن الله عدوٌّ له، أو عدوٌّ لهم، وإنما قال:{عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} : حكم عليهم بالكفر؛ بسبب عداوتهم للملائكة، أو الرسل، وأثبت لهم صفة الكفر، (الكافرين): جملة اسمية تفيد الثبوت. ومن عادى واحداً من الملائكة، أو الرسل، كأنه عادى الله سبحانه وتعالى ، ودخل في الكفر.

ص: 105

سورة البقرة [2: 99]

{وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} :

{وَلَقَدْ} : الواو: استئنافية.

لقد: اللام: للتوكيد، قد: أي: تحقق، وثبت الإنزال.

{أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} : الإنزال: يعني دفعة واحدة، و {إِلَيْكَ}: ولم يقل: عليك، تعني: آيات للتبليغ، ولتنتهي إلى النّاس كافة، ومن اتبعك خاصة.

{بَيِّنَاتٍ} : آيات واضحة في الأحكام، والحدود، والحلال، والحرام.

{وَمَا يَكْفُرُ} : ما: النّافية. {يَكْفُرُ بِهَا} : أي: يجحد بها، ولا يؤمن بها، أو لا يصدقها، ويكذب بها. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{الْفَاسِقُونَ} : جمع فاسق، وهو الخارج عن طاعة الله ورسوله، أو الخروج عن الدِّين، أو الملَّة. ارجع إلى الآية (26) من سورة البقرة لمزيد من البيان عن الفسق.

ص: 106

سورة البقرة [2: 100]

{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :

{أَوَكُلَّمَا} : الهمزة للاستفهام الإنكاري، والتوبيخ؛ أي: لم يكتفوا بالكفر بالآيات البينات، وأيضاً كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم.

{أَوَكُلَّمَا} : مركبة من: كل وما المصدرية الظرفية، فهي أداة شرط، تفيد التكرار.

{عَاهَدُوا عَهْدًا} : تعريف العهد، ارجع إلى الآية (27) من سورة البقرة.

{عَهْدًا} : نكرة، يعني: أي: عهد، مهما كان صغيراً أو كبيراً، وفي أي مسألة، أو أمر من الأمور كانوا ينقضونه، ولم يُوفوا به، إشارة إلى العهود، الّتي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود، على عدم نصرة المشركين ضد رسول الله، تلك العهود أبرمت مع بني قريظة وبني النضير.

نقضوها: كقوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ} [الأنفال: 56].

{نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} : النبذ؛ هو طرح الشيء، والاستهانة به، أو الاستغناء عنه، واستعمل كلمة النبذ أو الطرح؛ لأنّ العهود كانت تكتب في صفائح، وعندما كانوا يريدون أن ينقضوها، يطرحون أو يلقون تلك الصفائح أرضاً؛ إشارة إلى تخليهم عنها.

{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} : بل: للإضراب الانتقالي. {أَكْثَرُهُمْ} : تعود على اليهود؛ أي: الغالبية، ولم يقل: الكل.

{لَا} : النّافية للجنس. {لَا يُؤْمِنُونَ} : بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا بالقرآن، ولا بالتوراة، ولا بالعهود المبرمة.

ص: 107

سورة البقرة [2: 101]

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} :

{وَلَمَّا} : ظرفية زمانية، بمعنى حين.

{جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} : {رَسُولٌ} : نكرة، وإضافة من عند الله، حوله إلى معرفة، ولم يكتف بذلك، بل زاده تشريفاً وتكريماً، بقوله {مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، وهو محمّد صلى الله عليه وسلم.

{مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} : موافقٌ ومؤيدٌ؛ لما معهم؛ أي: التّوراة، من حيث التوحيد، والبعث، والإيمان بالله، وطاعته، وغيرها من الأحكام.

ومصدقٌ لما في التّوراة، من أوصاف النبي، المبعوث في آخر الزمان.

{نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : {نَبَذَ} : ارجع إلى الآية السابقة؛ لمعرفة معنى النبذ.

{فَرِيقٌ} : جماعة من الّذين أوتوا الكتاب، ولم يقل: أهل الكتاب؛ قوله: أهل الكتاب، فيها معنى التكريم، والتفضيل، والمدح، أما قوله:{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : فيدل على الّذين هم أقل درجة، وفضل من اليهود والنصارى.

وقوله: {فَرِيقٌ} : فهناك جماعات أخرى، وفرق أخرى، لم تنبذه، وقبلت به.

{كِتَابَ اللَّهِ} : قيل: التّوراة، ومنهم من قال: القرآن.

{وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} : عادة النبذ، يكون أمام الشخص، أو عن يمينه، أو يساره، أما كونهم نبذوه وراء ظهورهم، فكأنهم لا يريدون الالتفات، أو الاستماع إليه، وتذكره، أو كأنهم أعرضوا عنه، كاملاً، وكأنهم يريدون نسيانه.

{كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : الكاف: للتشبيه، أنهم: للتوكيد، لا: النّافية.

{يَعْلَمُونَ} : ببشارة محمّد صلى الله عليه وسلم، وصفاته، وزمن قدومه، أو كأنهم لا يعلمون ما جاء في التّوراة، أنه مطلوب منهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتصديقه.

ص: 108

سورة البقرة [2: 102]

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} :

هذه الآية تتمة للآية السابقة.

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} :

بعد أن نبذ فريق من الّذين أوتوا الكتاب (أي: فريق من اليهود) كتاب الله (أي: التّوراة)، وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون.

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا} : بدلاً من اتباع كتاب الله، اتبعوا {مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} جاء بالفعل المضارع، الذي يدل على التجدد، والتكرار؛ لأنهم استمروا على قيامهم، بالسحر، وتصديقه، ولم يقل ما تلت الشياطين، وانتهى الأمر. ما تتلوا: التلاوة؛ أي: القراءة المتتابعة من كتب السحر والشعوذة.

{عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} : أي: اتبعوا كتب السحر والشعوذة في زمن سليمان وأراد اليهود أن يضلوا النّاس ويزعموا أنّ منهج سليمان مبني على السحر، ومصدره الشياطين.

{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} : فسليمان لم يتعلم السحر، ولم يعلم السحر لأحد، ولم يكفر، ومنهجه؛ منهج رباني، وليس من منهج الشياطين، الّذين يعملون له بإذن ربهم.

وحين اتَّهمه اليهود بأنه يعلم السحر، أخذ سليمان كل كتب السحر، ودفنها تحت عرشه، وبعد موت سليمان عثرت الشياطين على مخبأ الكتب، فأخرجتها، وأذاعتها بين النّاس، وانتشر بين النّاس، أنّ سليمان كان يسيطر على الإنس والجن بسحره، وأنه ليس نبياً، وأنّ منهجه مبنيٌّ على السحر، وما تتلوه الشياطين.

{وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} : ولكن حرف استدراك، وتوكيد، كفروا؛ لأنهم كانوا يعلمون النّاس السحر، واستمروا على ذلك حتّى أنّ أهل المدينة المنورة، كانوا يخافون من سحر اليهود.

{وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} :

أما هاروت وماروت؛ اسمان أعجميان، لملكين من الملائكة، أنزلهما الله إلى الأرض؛ ليتعلم النّاس منهما علم السحر، والسحر: هو التمويه، وتخيل الشيء، بخلاف حقيقته، فالسحر لا يقلب حقيقة الشيء، بل يظل الشيء على حقيقته، ولكن السحر يقع للرائي، فيرى الأشياء على غير حقيقتها، فهو شيء مؤثر في النفوس، ومن خلال ذلك يستطيع المرء أن يفرق بين السحر والخوارق والمعجزات، الّتي تؤيد نبوة الرسل، وإزالة الشك من عقول النّاس، والتفريق بين السحر الباطل من الخوارق والمعجزات، الّتي قد تبدو كالسحر، وما هي من السحر، وكان لهما منهج واضح؛ كما يلي:

{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} :

{وَمَا} : النّافية.

{يُعَلِّمَانِ مِنْ} : ابتدائية، استغراقية.

{أَحَدٍ حَتَّى} : حتّى؛ حرف غاية نهاية الغاية.

{يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} : {إِنَّمَا} : أداة حصر، {نَحْنُ فِتْنَةٌ}: قد تؤدي إلى الكفر، فلا تكفر.

{فَيَتَعَلَّمُونَ} : أي: السحرة، والشياطين، يتعلمون من الملكين هاروت، وماروت.

{مَا} : اسم موصول بمعنى الذي.

{يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} : أي: بالبغضاء، أو الكره، الذي يؤدي إلى الطلاق، والتفريق بين المرء وزوجه.

{وَمَا هُمْ} : وما السحرة والشياطين بضاربين به بالسحر.

{بِضَارِّينَ} : للتوكيد، والباء للإلصاق، والتوكيد. {بِهِ}: بالسحر، {مِنْ أَحَدٍ}: من: للتوكيد.

{بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} : ولا يحصل الضرر إلّا بإذن الله، إلّا أداة استثناء، إلّا: بمشيئة الله، وإرادته، والسماح بذلك، وبإذن الله تستعمل للعمل الذي لا دخل لنا فيه ولا إرادة. بينما يستعمل ما شاء الله، أو شاء الله في الأعمال الّتي تقوم بها أنفسنا، أو نتدخل بها شخصياً.

{وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ} : أي: تعلم السحر يضر، ولا ينفع، ومهما افترى الساحرون، أنه مهارة، وحرفة، أو للتسلية، أو ربح المال، أو فن، كل ذلك أكاذيب.

{مَا} : اسم موصول، بمعنى الذي يضرهم.

{وَلَا يَنفَعُهُمْ} : لها نفس المعنى، لا يضرهم، وتفيد زيادة التّوكيد، بعدم النفع، وجلب الضرر. وقدم دفع الضر على النفع في هذه الآية؛ لأنه أهم وأعظم من جلب النفع؛ أي: الضر الناجم عن السحر أعظم من المنافع المادية التي قد تحصل نتيجة السحر.

{وَلَقَدْ} : الواو؛ عاطفة، لقد: اللام للتوكيد، قد: تحقق وثبت.

{عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ} : اللام: لام التّوكيد، والابتداء، من: بمعنى الذي.

{عَلِمُوا} : اليهود. {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} : أي: اختار السحر، أو تعلمه.

{مَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} : الخلاق: من الخلق؛ أي: التقدير، وتعني: النصيب فهي تفيد كلا المعنيين؛ أي: ما له في الآخرة من أي نصيب قُدِّر له، ومن: استغراقية للتوكيد؛ أي: عمله الصالح حابط، أو باطل.

{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ} : الواو عاطفة، واللام لبئس؛ للتوكيد، وبئس؛ فعل من أفعال الذم.

{مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ} : باعوا به بالسحر أنفسهم؛ أي: اشتروا السحر، وباعوا أنفسهم. ارجع إلى الآية (16) من نفس السورة لبيان الفرق بين شرى واشترى.

{لَوْ} : شرطية.

{كَانُوا يَعْلَمُونَ} : ما ينتظرهم من عقاب.

ص: 109

سورة البقرة [2: 103]

{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} :

{وَلَوْ} : حرف امتناع لامتناع.

{أَنَّهُمْ} : أي: اليهود.

{آمَنُوا وَاتَّقَوْا} : آمنوا بالتوراة، والإيمان الحق، وتركوا السحر، واتقوا الله؛ بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، لاستحقوا الثواب العظيم، أو آمنوا برسول الله، أو القرآن.

{لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} : المثوبة هي الثواب على العمل الصالح، يقابلهما العقوبة على العمل السيِّئ، ومشتقة من ثاب: أي: رجع.

وكلمة مثوبة؛ مأخوذة من نفس معنى كلمة ثوب، وجمعه ثياب، والثياب؛ قد تصنع من الصوف، فكانوا قديماً؛ يأخذون أصواف الغنم، فيعطونها لغيرهم لتغزل، وتنسج ثوباً، ثم تعود الأصواف إلى أصحابها كثوب، ولذلك؛ سمِّيت المثوبة؛ لأنّ الخير يعود على صاحبه بالنفع.

والثواب يقال في الخير والشر، وفي الخير غالباً.

ومثوبة نكرة، ولكن قوله:{مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} : تصبح أقرب إلى المعرفة.

وأصل الجملة: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، ولكن أبدل لأثيبوا بمثوبة؛ فعبَّر بالجملة الاسمية، الّتي تفيد الثبوت والاستقرار بدلاً من الفعلية لأثيبوا.

{لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} : أنّ ثواب الله خيرٌ مما تعلموا من السحر وليس عندهم أي علم حقيقي، ولأنّ ما ادعوا أنه علم (أي: السحر)، سيكون حُجة عليهم؛ لأنهم لم ينتفعوا بعلمهم، وخالفوا أمر الله وكتابه، واتبعوا أهواءهم.

ص: 110

سورة البقرة [2: 104]

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} :

{يَاأَيُّهَا} : أداة للنداء البعيد، والهاء للتنبيه.

{الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء للذين آمنوا، الّذين هم على طريق الإيمان، بأمرٍ جديد.

{لَا} : الناهية. {تَقُولُوا رَاعِنَا} : أي: راعنا سمعك؛ أي: اسمع لنا، ولا تعجل علينا، أو تأنَّ بنا، حتّى نفهم ما تقوله، ونحفظه، وتعني الرعاية؛ أي: تمهل بنا، وارفق بنا.

والسبب في نزول هذه الآية: أنّ المسلمين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! اسمع لنا، أو ترفق بنا، أو تمهل بنا.

وكلمة راعنا في اللغة العبرانية تعني: سباً قبيحاً، أو بمعنى اسمع لا سمعت، وقيل: هي من الرعونة؛ أي: الجهل والحماقة.

فلما سمع اليهود هذه الكلمة، أخذوا يخاطبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، قاصدين بها السب، والاستهزاء، يقولون: يا محمّد راعنا، ويضحكون.

فجاء الأمر من الله سبحانه، بالنهي عن استعمال كلمة (راعنا)، لكي يحمي رسوله صلى الله عليه وسلم، من أي شتم، أو استهزاء، وأبدلها بلفظ آخر، هو {انظُرْنَا} .

{وَقُولُوا انظُرْنَا} : أي: تأنَّ علينا، أو أمهلنا، أو أنظر إلينا، أو انتظرنا.

{وَاسْمَعُوا} : إلى ما يأمركم به الله ورسوله، وإلى ما ينهاكم عنه سمع طاعة.

{وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : اللام؛ لام الاستحقاق أو الاختصاص.

{وَلِلْكَافِرِينَ} ، ومنهم:{عَذَابٌ أَلِيمٌ} ؛ لمن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساء إليه، وهذا تهديد ووعيد.

ص: 111

سورة البقرة [2: 105]

{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} :

{مَا} : النّافية؛ للحال، والمستقبل.

{يَوَدُّ} : من الود، وهو ميل القلب إلى ما يحبه.

{الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : أي: الّذين كفروا من اليهود والنصارى.

{مِنْ} : استغراقية، تستغرق كل الّذين كفروا.

{وَلَا الْمُشْرِكِينَ} : لا: لتأكيد النفي.

{وَلَا الْمُشْرِكِينَ} : من قريش، أو العرب.

{أَنْ} : حرف مصدري، يفيد التأكيد.

{يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِنْ رَّبِّكُمْ} : لشدة عداوتهم، {مِّنْ خَيْرٍ}: من استغراقية، تستغرق كل شيء، يسمى خيراً، وضد الخير: الشر، وخير نكرة، مهما كان نوعه، وكمه، وشكله، من خير، معناه: في هذه الآية: الوحي، ومنهج الله، ونبوة رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم.

{مِنْ رَّبِّكُمْ} : الإضافة للتشريف، {مِنْ}: الابتدائية.

{رَّبِّكُمْ} : لأنه الرب، هو مصدر الخير، والرزق، والمربي، والخلاق، والمدبر.

وبهذا يكشف الحق سبحانه، لعباده المؤمنين، ما يكنه الّذين كفروا، من اليهود، والنصارى، والمشركين، من العداوة لهم، بعد أن رفضوا الإيمان، والاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا يريدون لكم أيَّ خير.

{وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} : أي: يعطي النبوة لمن يشاء، ويختار، من البشر حسب ما تقتضيه حكمته. {بِرَحْمَتِهِ}: والرحمة تشمل النبوة، والإسلام، والهداية، وغيرها من مظاهر الرّحمة، وهي جلب ما يسر، ودفع ما يضر.

{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} : إشعاراً بأنّ إيتاء النبوة؛ من الفضل العظيم، كقوله تعالى:{إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} [الإسراء: 87].

ص: 112

سورة البقرة [2: 106]

{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} :

{مَا} : شرطية.

{نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} : النسخ: تعريفه: رفع الحكم الشرعي؛ بدليل شرعي آخر، متأخر عنه.

النسخ لغةً: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل؛ أي: أزالته، وذهبت به.

إذن النسخ، هو إزالة حكم ما، والمجيء بحكم آخر، أو نزيل آية كانت موجودة، ونأتي بآية أخرى.

{أَوْ نُنْسِهَا} : من النسيان، تعني: أنّ الله يجعل الإنسان أو النّاس يسهون، أو يغفلون عنها، فلا يذكرونها؛ أي: يمحيها من الذاكرة.

{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} : والسؤال هنا، إذا كان هناك خيرٌ منها، فلماذا لم يأت الله بالخير من البداية؟!

الجواب: المعنى ليس كذلك، وإنما المعنى: أنّ الآية المنسوخة كانت خيراً في زمانها، وجاءت الآية الثانية، فكانت زيادة في الخير، وكلاهما خير في زمنه وبيئته.

وليس معنى ذلك: أنّ الله سبحانه قد حكم بشيء، ثم جاء واقع آخر، أثبت أنّ الحكم قاصر، فعدل الله سبحانه عن ذلك الحكم؛ هذا غير صحيح، ومرفوض.

لأنّ الله سبحانه يعلم منذ الأزل أنّ لهذا الحكم وقتاً محدداً وينتهي، ثم يحل مكانه حكم جديد، أو لا ينتهي أجله، ويبقى إلى يوم القيامة، ولا يجوز مقارنة القوانين الربانية، بالقوانين الوضعية، (الّتي يضعها البشر).

وهناك من يقول: لا نسخ في القرآن أبداً، وهناك من يقول: هناك نسخ، واختلف السلف عن الخلف في عدد الآيات المنسوخة من (200) آية إلى (7-10) آيات، واعلم أنّ النسخ في بعض الأحكام الشرعية، (وهو قليل جداً)، ولا يقع النسخ في العقيدة، ولا في الأخبار، والنسخ مخصوص بزمن الوحي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما بعد وفاته، فقد اكتمل الدِّين، وانقطع وحي السماء، فلا نسخ بعد، والحكمة من النسخ، قد تكون للتدرج في تربية الأمة، أثناء انتقالها من الجاهلية إلى الإسلام، والتخفيف على المسلمين من الأصعب إلى الأسهل.

وهو ابتلاء، واختبار لإيمان المسلمين.

والنسخ كان في آيات معدودات، وقد كان لبيان مجمل، أو تقيد مطلق، أو تخصيصاً لعموم، وخير مثال على ذلك: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، وآية المواريث، وعدة المتوفَّى عنها زوجها.

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : الهمزة في {أَلَمْ} : همزة استفهام تقريري، لإقامة الحجة على العبد، فبدلاً من أن تأتي الآية كخبر من الله تعالى، يخبر فيها عن ذاته، أنه على كل شيء قدير، جاءت بشكل استفهام إقراري، وأن يكون الخبر من المخاطب، وليس منه سبحانه.

{أَلَمْ تَعْلَمْ} : أي: اعلم علماً يقيناً أنّ الله على كل شيء قدير: المخاطب النّبي صلى الله عليه وسلم، وأمته، ولمعرفة معنى أنّ الله على كل شيء قدير، ارجع إلى الآية (20) من سورة البقرة.

ص: 113

سورة البقرة [2: 107]

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ} :

{أَلَمْ تَعْلَمْ} : ارجع إلى الآية السابقة.

{أَنَّ} : للتوكيد، {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: له قصراً، وحصراً، وليس لغيره {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أي: هو المالك، والحاكم وحده لا شريك له، {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: ومن فيهن؛ أي: السموات؛ كظرف ومظروف، والأرض؛ كظرف ومظروف.

والإنسان لا يملك حقيقةً شيئاً، إنما هو مستخلف وقدرته مقيَّدة.

{وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ} :

{وَمَا} : الواو استئنافية. ما: نافية.

{دُونِ اللَّهِ} : من غير الله.

{مِنْ} : استغراقية. {وَلِىٍّ} : الولي؛ هو من يواليك ويحبك، ويُعينك حين الحاجة، أو الخوف، وهو القريب والصديق.

{وَلَا نَصِيرٍ} : النصير: هو الذي عنده قدرة على أن ينصرك.

والله سبحانه هو الولي؛ أي: المحب، والنصير -جل وعلا- ، وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً، والولي يختلف عن النصير.

والفرق بينهما؛ أنّ الولي قد يكون ضعيفاً وغير قادر على النصرة؛ أي: ليس نصيراً، والنصير قد يكون أجنبياً؛ أي: ليس قريباً، ولا صديقاً له؛ أي: ليس ولياً.

ولذلك جاء بـ (لا النّافية)؛ لتفريق كلٍّ من الأمرين على حدة، أو كليهما معاً.

ص: 114

سورة البقرة [2: 108]

{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْـئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} :

{أَمْ} : الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري.

{أَمْ} : للإضراب الانتقالي.

نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيِّ بن كعب، ورهط من قريش؛ قالوا: يا محمّد اجعل لنا الصفا ذهباً، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيراً؛ نؤمن بك.

وقيل: إن اليهود، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، كما جاء في قوله تعالى:{يَسْـئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النّساء: 153].

فبعد أن سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من الأسئلة، كما ورد في سورة الإسراء الآيات (63-90)، وسورة الفرقان (7-8).

كأنْ لم يبق لكم إلَّا أن تسألوه، كما سُئل موسى، من قبل:{أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} .

وإذا انتبهنا إلى هذه الآية؛ لتبين لنا أنّ الله سبحانه، لم يشأ أن يشبه المسلمين باليهود، فقال: كما سُئل موسى من قبل؛ أي: بنى الفعل سُئل للمجهول، فقد كان من الممكن القول: أم تريدون أن تسألوا رسولكم، كما سأل اليهود موسى.

{وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} : {وَمَنْ} : شرطية، جوابها:{فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} .

{يَتَبَدَّلِ} : ولم يقل: يبدل، {يَتَبَدَّلِ}: تعني: كل فرد (قاعدة عامة). يبدل: تعني فرداً واحداً (قاعدة خاصة).

{يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} : يشتري الكفر بالإيمان، فالإيمان يمثل الدراهم المدفوعة، والكفر هو المادة، والسلعة المشتراة؛ (انتبه إلى أنّ الباء تدخل على المتروك دائماً). ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{فَقَدْ} : الفاء للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: ثبت، ووقع، (لزيادة التّوكيد).

{ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} :

{ضَلَّ} : أي: أخطأ الطريق، أو عدل عن الحق والهدى.

والسبيل؛ هو الطريق، السهل، القصير، والموصل إلى الغاية.

والسواء: هو الوسط.

أي: ابتعد عن الصّراط المستقيم، الموصل إلى الغاية، إذ لم يمشِ في وسط السبيل، وراح يمشي يسرةً ويمنةً، فضلَّ عن سبيله، عن الإيمان، أو الحق، والهدى؛ أي: الإسلام.

ص: 115

سورة البقرة [2: 109]

{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} :

سبب النّزول؛ كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في نفر من اليهود، بعد وقعة أحد، قالوا لبعض الصّحابة: ألم تروا إلى ما أصابكم، فلو كنتم على الحق، ما هُزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم، فأخبر الصّحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قيل لهم.

{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} :

{وَدَّ} : أحب أو تمنى، ارجع إلى الآية (105) من نفس السورة لبيان معنى الود.

{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : (اليهود)، من: ابتدائية.

{كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : يعني: هناك قلة، لا تود ذلك.

أي: يتمنى كثير من أهل الكتاب، وفي كل زمن، ومناسبة، وبلا مهلة، فوراً، وبسرعة لو يردونكم كفاراً.

{لَوْ} : مصدرية.

{يَرُدُّونَكُمْ} : ولم يقل: يردوكم، بل أضاف إليها النون؛ للتوكيد.

{مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ} : بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورسالته؛ أي: يردونكم عن دينكم، كفاراً: جمع كافر، بدل من الكافرين كفار؛ لتدل على الكثرة، ومقارنة بكافرين، وكفاراً التي تدل على مبدأ الكفر. والكافرين تدل على عمل الكفر.

{كُفَّارًا} : غير مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أُنزل إليه، كما كنتم قبل مجيئه.

{حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} : والحسد: هو تمني زوال النعمة عن المحسود، (عمن تكره)، وأن تصير للحاسد.

{مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} : من ذواتهم، من شهواتهم، فالله سبحانه لم يأمرهم بذلك، ولا التّوراة، ولا أي كتاب، والحسد: لا يكون إلَّا من عند النفس.

وقدَّم الجار والمجرور؛ من بعد إيمانكم على كفاراً، للاهتمام والحصر؛ أي: الشيء الوحيد، الذي يودونه؛ هو كفركم لا غير.

{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} : أي: من بعد ما تأكدوا في التّوراة أنّ شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، وأنه خاتم النبيين، راحوا يحسدونكم على نعمة الإيمان، ويتمنون زوال هذه النعمة عنكم؛ لأنّ التّوراة تأمرهم أن يصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولمعرفة معنى الحق ارجع إلى الآية (119) في نفس السورة.

{فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} : العفو: من عفت الريح الأثر؛ أي: مسحت الأثر، وأزالته؛ فالعفو هو ترك العقوبة، والعفو عن المذنب.

{وَاصْفَحُوا} : الصفح: أبلغ من العفو، وهو يشمل: العفو، وعدم اللوم، ولا التثريب، أو المن على من عفوت؛ لأنّ الإنسان قد يعفو عن المذنب، ولكن بعد ذلك يؤنبه، ويمن عليه بعفوه، كأن يقول له: أنت لا تستحق هذا العفو.

{حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} : بنصره، ومعونته، بالقتال، والجلاء، كما حدث لبني النظير، وبني قريظة، وقينقاع.

{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : ارجع إلى الآية (20) من سورة البقرة للبيان.

ص: 116

سورة البقرة [2: 110]

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} :

في الآية السابقة؛ قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} .

فلكي لا يردونكم كفاراً، فعليكم التمسك بالإيمان، وذلك بإقامة الصّلاة. ارجع إلى الآية (3) من سورة البقرة للبيان، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ارجع إلى الآية 43 من سورة البقرة للبيان، والقيام بالخيرات.

{وَمَا تُقَدِّمُوا} : ما: شرطية، مطلقة، لغير العاقل والعاقل.

{تُقَدِّمُوا} : أي: تفعلوا {مِّنْ خَيْرٍ} ، (في حياتكم الدّنيا)، من استغراقية، {خَيْرٍ} ؛ نكرة، تشمل كل خير، من صلاة، أو زكاة، أو صدقة، أو عمل صالح، أو معروف، أو الصلاح بين النّاس، أو حسنة.

{تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} : تجدونه عند الله مكتوباً، أو تجدون ثوابه عند الله ثابتاً، ومضاعفاً أضعافاً كثيرة.

{إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} : إن: للتوكيد، وقدَّم {بِمَا تَعْمَلُونَ} على كلمة {بَصِيرٌ} ؛ لأنّ الآية جاءت في سياق الأعمال الصالحة، ولو كان السياق في عمل قلبي، مثل: التقوى، والسياق في قدرة الله وصفاته، أو صفات الإنسان؛ لقدَّم {بَصِيرٌ} .

{بَصِيرٌ} : يراكم، ويرى أفعالكم، وحركاتكم، أحاط بصره بكل المبصرات، في الكون، فلا تخفى عليه خافية في السموات، ولا في الأرض.

ص: 117

سورة البقرة [2: 111]

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} :

{وَقَالُوا} : الواو استئنافية، وتعود لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.

{لَنْ} : حرف نفي، لنفي المستقبل القريب والبعيد.

{يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا} : أداة حصر، إلّا من كان يهودياً أو نصرانياً.

{مَنْ كَانَ هُودًا} : الهود: جمع هائد، ارجع إلى الآية (62) من سورة البقرة للبيان.

{أَوْ} : للتقسيم.

{أَوْ نَصَارَى} : أتباع عيسى عليه السلام . ارجع إلى الآية (62) من سورة البقرة.

{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} : تلك اسم إشارة للبعد.

{أَمَانِيُّهُمْ} : جمع أمنية، والتمني؛ قول القائل: ليت كان كذا، وليت لم يكن، والتمني معنى في النفس، ويقع على الماضي والمستقبل، وتلك أمانيهم الباطلة، الّتي يتمنوها.

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} : هي أمنية واحدة، فلماذا جاء بعدها؟ وقال تعالى:{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} : بالجمع؛ لأنّ هذه واحدة من أمانيهم، فأمانيهم كثيرة، مثل:{يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} : أن لا يُنزل عليكم من خير، من ربكم.

{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} : البرهان: هو الحجة القاطعة على اختصاصكم، بدخول الجنة، ولن يدخلها غيركم.

{إِنْ} : شرطية، تفيد أو تحمل معنى الشك.

{إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} : فيما تفترونه، وتقولونه على الله؛ أي: أنتم كاذبون حين قلتم لن يدخل الجنة إلَّا من كان يهودياً أو نصرانياً.

ص: 118

سورة البقرة [2: 112]

{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} :

{بَلَى} : للإضراب الإبطالي؛ إبطال ما قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} .

{بَلَى} : حرف جواب، لإثبات ما نفوه؛ لن يدخل الجنة إلّا من أسلم وجهه لله، وهو محسن.

{مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} : من شرطية.

{أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} : إسلام الوجه هو أعلى درجات الإيمان، وهي بالتدرج: الإسلام، الإيمان، التقوى، والإحسان، ثم إسلام الوجه.

وإسلام الوجه: يعني: إسلام كل الجوارح، وخصَّ بالوجه؛ لكونه أشرف الأعضاء في الإنسان، وإسلام الوجه؛ يعني: الإخلاص لله وحده، وطاعته الكاملة، وقوله:{لِلَّهِ} : وليس إلى الله، اللام؛ تعني: الوصول، والاستقامة، وإلى؛ تعني: ما زال سائراً في الدرب للوصول إلى إسلام الوجه، والإخلاص. انظر إلى المقارنة القادمة في نهاية الآية.

{وَهُوَ مُحْسِنٌ} : هو ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.

{مُحْسِنٌ} : اسم فاعل، من فعل: أحسن؛ الرباعي، والإحسان مصدر.

وتعريف الإحسان: الإحسان لغةً: هو ضد الإساءة، ويقال: أحسنت الشيء؛ أي: جمَّلته وزيَّنته (كما قال ابن منظور في لسان العرب، وابن فارس في معجم اللغة)، فالإجمال: هو الإحسان الظاهر، وقيل: أحسن أتى بفعل حسن، وأحسن إلى فلان؛ أي: نفعه؛ أي: هو النفع الحسن، ويشمل الأقوال والأفعال والأحوال، وكما قال تعالى:{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [الرعد: 22].

الإحسان اصطلاحاً وشرعاً: فلا يوجد أجمل وأروع من تعريف رسول الله صلى الله عليه وسلم للإحسان حين سأله جبريل عليه السلام فقال:

1 -

أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك؛ أي: أن تحسن في أداء الأحكام، والعبادات، والفرائض، والنيات، والمقاصد، والأحوال، والمعاملات، والتقرب إلى الله تعالى، والإحسان إلى الوالدين، وذوي القربى، والخلق أجمعين، وإلى النفس، وإلى كل شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس:«إن الله كتب الإحسان على كل شيء حتى على الحيوان والنبات والشجر والجمادات والبيئة حتى العدو» ؛ يعني: تتقن الأداء إتقاناً جيداً، وتخلص في العبادة المبنية على الحب والذل لله تعالى، والتي تشمل كل أوجه الحياة، ولا تقتصر على العبادات المعروفة، وهذا يسمى؛ إحسان الكيف.

2 -

وأن يزيد المؤمن في أداء هذه التكاليف، فوق ما فرض الله، مثل: النوافل، والصدقات، وصيام النفل، وكل شعب الإيمان، وهذا؛ يسمى: إحسان الكم.

ووجوه الإحسان كثيرة، مثل: الإنفاق في المال، وتشفع لغيرك، والإحسان بالعلم، وإعانة الضعيف، وتفريج الكرب، وغيرها، والإحسان الأفضل أن تفعله، وأنت محب له، وليس كارهاً أو مجبراً.

وحين تدخل في مقام الإحسان، فأنت تصبح من أولياء الله تعالى، وكما قال تعالى:{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .

{فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} : الفاء: للتوكيد. {أَجْرُهُ} : ارجع إلى الآية (62) في نفس السورة لبيان معنى الأجر.

{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : ارجع إلى الآية (38) من سورة البقرة للبيان.

ولنقارن هذه الآية (112) من سورة البقرة، مع الآية (22) من سورة لقمان، وهي قوله:{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} .

وآية سورة النّساء (125): {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} .

في آية لقمان، نجد فيها:{يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ} ؛ أي: لا يزال بحاجة إلى مزيد من التقوى، والإخلاص، فهو لا يزال في طريقه الموصل إلى درجة الإحسان.

في آية سورة البقرة: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} : هذا وصل إلى درجة الإحسان، وأصبح من المحسنين، {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

في آية النّساء ليس هناك أفضل منه ديناً. ارجع إلى سورة النساء آية (125)، وسورة لقمان آية (22) لمزيد من البيان والفرق بين الآيات.

ص: 119

سورة البقرة [2: 113]

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} :

قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية عندما اختصم فريق من يهود المدينة، وفريق من نصارى أهل نجران عند النّبي صلى الله عليه وسلم.

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ} : أي: ليست اليهود على شيء، من الدِّين الحق، والشيء هو أقل القليل، مع العلم أنّ كليهما من أهل الكتاب.

{وَهُمْ} : الواو هنا: واو الحالية، تفيد التّوكيد، وهم: ضمير منفصل، يفيد زيادة التّوكيد.

{يَتْلُونَ الْكِتَابَ} : أي: كلٌّ يتلو كتابه التّوراة والإنجيل، ويدَّعي أنه يؤمن بكتابه، ويصدق به، وبما أنّ التّوراة والإنجيل، يصدق كلٌّ الآخر، وليس في التّوراة ولا في الإنجيل أي شيء مما يزعمونه كلٌّ ضد الآخر، فإذا كانوا على مثل هذه الحال، فهم كالّذين لا يعلمون.

{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} : كذلك؛ تعني: حقاً مثل ما قالت اليهود، وقالت النصارى:{قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .

السّؤال من هؤلاء الّذين لا يعلمون؟ قيل: هم كفار قوم نوح، وهود، وصالح، أو مشركو العرب خاصة.

وما الذي {لَا يَعْلَمُونَ} : لا يعلمون كتاباً، ولا إلهاً، ولا ديناً، أو قالوا: لستم على شيء من الدِّين.

{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} : الفاء؛ للتوكيد، {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}: من الحكم بين الأنبياء، وأممهم، وبين الأمم المختلفة، يحكم من هو على الحق، ومن هو على الباطل.

{فِيمَا} : في ظرفية، ما: اسم موصول، بمعنى الذي، أو مصدرية.

{كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} : {فِيهِ} : من أمور الدِّين، والحق، والباطل.

ص: 120

سورة البقرة [2: 114]

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} :

{وَمَنْ} : الواو: استئنافية، من: استغراقية.

{أَظْلَمُ} : على وزن أفعل، من ظلم، والهمزة؛ للاستفهام، والإنكار، والنفي؛ أي: لا أظلم من ذلك، الذي يمنع مساجد الله، أن يذكر فيها اسمه، وهذا يطلق عليه الظلم العظيم، وقيل في أسباب نزول هذه الآية عدَّة روايات، أولها: نزلت في المشركين، حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام، عام الحديبية.

وقيل: إن النصارى كانوا يطرحون الأذى في بيت المقدس، ويمنعون النّاس أن يصلوا إليه، كما يفعل اليهود الآن تماماً.

وقيل: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : إن قريشاً منعوا النّبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام.

وقيل: عن قتادة أنّ بختنصر وأصحابه غزو اليهود، وخربوا بيت المقدس، وأعانهم على ذلك النصارى من أهل الروم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ولم يقل: مسجداً بعينه؛ ليكون الوعيد شاملاً، لكل من يخرب، أو يمنع العبادة، في أي مسجد من مساجد الله، والمساجد هي بيوت الله على الأرض، الّتي تقام فيها الصلاة؛ أي: أماكن العبادة.

{وَسَعَى فِى خَرَابِهَا} : أي: تعطيلها، أو هدمها، أو إزالتها، أو جعلها غير صالحة؛ لأداء العبادة.

{أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} : {أُولَئِكَ} : اسم إشارة، يفيد البعد، ويشير إلى من منع مساجد الله مثل الكفرة.

{مَا كَانَ} : ما لنفي الحال والمستقبل، ما كان يصح، أو يحق لهم أن يدخلوها إلَّا خائفين؛ أي: لا يدخل أحدٌ منهم مساجد الله آمناً بعد منعها إلَّا خائفاً. إلا: أداة حصر، وقيل: ما كان لهم أي في حكم الله أي شرعاً، إما بالحكم الكوني فهم يدخلوها.

{لَهُمْ} : اللام لام الاستحقاق.

{فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ} : مثل: القتل والجلاء.

وما هو الخزي: ارجع إلى الآية (85) البقرة، وقيل: الخزي: هو الشيء القبيح، الذي تكره أن يراك عليه النّاس، ويعني: الذل، والفضيحة، والذل؛ يعني: القتل، والجزية، والعذاب بكل أنواعه.

{وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} :

في نار جهنم، وعظيم، هو أعظم أنواع العذاب، يشمل: العذاب المهين، والأليم، والمقيم، والكبير، والشديد.

وتكرار لهم، تفيد التّوكيد، والاستحقاق، ولن يكفي أحدهما عن الآخر، بل عذاب الدّنيا، وعذاب الآخرة.

ص: 121

سورة البقرة [2: 115]

{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} :

هذه الآية تتمة للآية السابقة، إذا حيل بين المسلم وبين دخول مساجد الله، أو أي مسجد ليصلِّي فيه، أو يذكر اسم الله بسبب تخريبها، أو المنع؛ لأي سبب؛ كالظلم، أو العتو، فله أن يصلِّي في أي مكان آخر، كما بيَّن ذلك رسول الله في حديث رواه البخاري، ومسلم، وقال:«وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» .

{وَلِلَّهِ} : الواو؛ استئنافية، لله: اللام لام الاختصاص، والملكية، وتفيد التّوكيد، وتقديم الجار والمجرور؛ لفظ الجلالة، يفيد الحصر، والقصر.

{الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} : ملكاً، وخلقاً، وشرقاً، وغرباً، وشمالاً، وجنوباً، ولم يذكر كل الجهات؛ لأنها تتحدد بتحدد شروق الشمس وغروبها.

{فَأَيْنَمَا} : الفاء: للتوكيد.

أينما: أين: ظرف مكان مبهم، وأضيفت لها حرف ما لتزيد الإبهام؛ لتدل على وجود الله سبحانه بعلمه، في أي مكان، مهما كان في السموات أو في الأرض.

ص: 122

سورة البقرة [2: 116]

{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} :

وقالت النصارى ـ افتراءً على الله ـ المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله ـ تعالى الله علواً ـ.

{وَلَدًا} : الولد؛ يطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى والجمع.

{اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} : هذا أشنع الكفر، وأبشعه، ورغم كونهم كذبوا، وافتروا على الله، لم يرد الله عليهم، ويقول: إنكم كذبتم، فهو أعظم، وأكبر من أن يردَّ عليهم.

{سُبْحَانَهُ} : تنزيهاً مطلقاً لله في ذاته، وصفاته، وأفعاله، من أي نقص، أو عيب، وصاحبة، أو ولد، وكل ما لا يليق بكماله، وجلاله، وما كان يصح، وما يتصور في حقه -جل وعلا- . أن يقولوا ذلك.

{بَلْ} : حرف إضراب إبطالي؛ أي: يبطل ما قبله؛ أي: اتخذ الله ولداً.

{لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} :

{لَهُ} : اللام: لام الاختصاص أو الملكية.

{لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : أي: له ملك السموات، كظرف وما فيهن؛ أي: ما تحتويه، وله ملك الأرض؛ كظرف وما فيها كمظروف.

{مَا} : للعاقل وغير العاقل، وقدَّم:{لَهُ} : للحصر.

{كُلٌّ} : يفيد الاستغراق، والإحاطة بكل شيء، والتوكيد.

{قَانِتُونَ} : جمع قانت، والقنوت: هو الخضوع والانقياد، والامتثال لأوامر الله سبحانه وتعالى والاستقامة على طاعته.

و {قَانِتُونَ} : جمع مذكر سالم، مختص بالذكور العقلاء، الّذين أصبح القنوت سمة ثابتة لهم، ويشمل غير العقلاء أيضاً، وغلب العقلاء على غيرهم للتشريف.

{قَانِتُونَ} : إما بإرادتهم واختيارهم، وإما بلا إرادتهم، واختيارهم، كما يحدث حين المرض، والموت، والمصائب، والقنوت لله: إطاعة الله، والإقرار بعبوديته، وقنت في صلاته؛ خشع واطمأن، وقد تعني: دعا، وأطال الدعاء.

ص: 123

سورة البقرة [2: 117]

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} :

{بَدِيعُ} : مبدع، والإبداع هو إيجاد أو خلق الشيء من دون أو على غير مثال سابق.

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : خالق، أو منشئ السموات والأرض، على غير مثال سابق، أو منشئُها بلا اقتداء، وإذا ظرفية شرطية، تفيد الحتمية، وكثرة الحدوث.

{إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : ارجع إلى الآية (35) من سورة مريم.

ص: 124

سورة البقرة [2: 118]

{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} :

{الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} : أي: لا علم عندهم، كعبدة الأصنام من مشركي العرب وغيرهم. ارجع إلى الآية (113)، وهذا الوصف توبيخ عظيم لهم.

{لَوْلَا} : حرف امتناع لوجود، ومعناها الحض.

{يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} : كما كلم موسى عليه السلام ؛ أي: كلاماً مباشراً من الله، يقول لهم الله، ويخبرهم، أنه أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم، رسولاً إليهم، وأنزل القرآن عليهم.

{أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} : أي: معجزة، ولقد أجاب الله عن هذا السّؤال، بقوله:{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51].

{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59].

{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم} : أي: كفار أهل الكتاب، وكفار الأمم السابقة.

{مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} : أي: مثل قولهم: {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} ، تكبراً، وعتواً، وتعنتاً، ولو استجاب الله لطلبهم؛ لظلوا في طغيانهم يعمهون.

{تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} : أي: تشابهت قلوب الّذين لا يعلمون، وقلوب الكفرة، من الأمم السابقة، في التكذيب، والكفر، والعناد، والحجج، والأسئلة، والمطالب....

{قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ} : قد: للتحقيق، والتوكيد.

{بَيَّنَّا الْآيَاتِ} : أي: أوضحنا الآيات، والدلائل، والبراهين على صدق كل رسول.

{لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} : اللام: لام الاختصاص.

{يُوقِنُونَ} : أي: ينتفع بها الموقنون (الّذين عندهم علم اليقين)؛ أي: العلم الثابت، الذي لا يتغير، ولا يكون غيره، أو الإيمان الثابت المستقر في القلب. ارجع إلى الآية (4) من نفس السورة لمزيد من البيان في اليقين.

ص: 125

سورة البقرة [2: 119]

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} :

{إِنَّا} : للتعظيم، ولا بد من التفريق بين الإرسال والبعث.

{أَرْسَلْنَاكَ} : الإرسال:

1 -

يكون بإرسال شيء جديد؛ أي: برسالة جديدة، أو منهج جديد، أو تغير، أو تعديل في المنهج السابق، حسب الزمان والمكان.

2 -

الإرسال: لا يصاحبه إثارة ولا تهييج، ولا حث كما في البعث.

3 -

الإرسال: من مكان إلى مكان، أو إلى مكان جديد.

4 -

الإرسال: هو أقل شدة، وقوة، ومشقة مقارنة بالبعث.

أما البعث:

1 -

فالبعث: هو إحياء منهج كان موجوداً سابقاً، وغفل عنه النّاس، فإذا أراد الله -جل وعلا- إحياء نفس المنهج، الذي غفل عنه النّاس، بعث الله رسولاً، أو نبياً، لإحياء معالم ذلك المنهج السابق، الذي اندثر؛ أي: باختصار بعث شيء قديماً، وليس هناك من جديد.

2 -

البعث: يصاحبه إثارة، وحض، وتهييج على القيام بالعمل وحث عليه.

3 -

البعث: يكون إلى نفس المكان، أو القرية، أو المدينة.

4 -

البعث: إرسال، وفيه شدة، ومشقة، وقوة، وعمل؛ أشد من الإرسال.

{بِالْحَقِّ} : الباء: للإلصاق؛ أي: ملازماً للحق، والحقّ هو الشيء الثابت، الذي لا يتغير، ولا يتبدل، والحق لغة: هو المطابقة والموافقة، وهو الصواب والصحيح، وضده الباطل وكلمة الحق جاءت في (283) موضع في القرآن الكريم، ولها معان كثيرة نذكر منها قد تعني الله سبحانه أو القرآن الكريم والإسلام والعدل والرسول والصدق والبيان والحاجة والحظ والنصيب والتوحيد والدين وغيره من المعان

، والسياق هو الذي يحدد المعنى، وقيل:{أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} : بالقرآن، أو بالإسلام.

{بَشِيرًا} : من البشارة: هي الإخبار، بخبر سار لأول مرة، سابقاً لكل خبر سواه.

والبشارة مشتقة من البشرة، وهو طبقة ظاهرة الجلد أو الوجه الّتي تتأثر وتتغير حين سماع الخبر السار.

وإذا استعملت البشارة في خبر غير سار؛ فذلك من باب التهكُّم والاستهزاء، مثل قوله:{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، وبشير صيغة مبالغة من بشرَ. ارجع إلى الآية (25) من نفس السورة لبيان معنى البشارة.

{وَنَذِيرًا} : الإنذار، إعلام مع تخويف، وتحذير.

الإنذار؛ لا يكون إلَّا بالزجر عن أمور، منهي عنها؛ أي: سيئة، أو قبيحة، تسيء إلى الفرد أو الجماعة، وكلما كانت المخافة أشد، كان الإنذار أعظم وأشد، والإنذار إحسان من المنذِر للمنْذَر، كي يأخذ استعداده، فلا يفاجأ بالأمر المحذر منه، وكل الرسل والأنبياء كانوا مبشرين منذرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً معاً. ونذيراً: صيغة مبالغة من أنذر، وقدم بشيراً على نذيراً؛ لأن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناسب تقديم البشارة.

{وَلَا تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} : ولا: الواو عاطفة. {وَلَا} : النّافية.

أي: لست بمسؤول عن أعمال أصحاب الجحيم، أو تعني: النهي عن السّؤال عن أصحاب الجحيم، ولا تسأل عنهم، فإنهم في أمر عظيم، على وجه التعظيم.

{أَصْحَابِ} : من المصاحبة الملازمة؛ أي: كأنهم لا ينفكوا عنها وهي ملك لهم.

{أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} : مثل أصحاب الدار.

{الْجَحِيمِ} : مشتقة من جحم النار؛ أي: أوقدها، وجحمت النار: تأججت، وجحمت العينان: اشتدت حمرتُهما، والجحوم: مصدر جحم؛ أي: النار المتأججة، فلا تخمد أبداً. وقيل: الجحيم اسم من أسماء النار، أو دركة من دركاتها.

ص: 126

سورة البقرة [2: 120]

{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ} :

{وَلَنْ} : الواو عاطفة، لن: حرف نفي، ينفي المستقبل، القريب، والبعيد، ولن؛ من أقوى حروف النفي؛ أي: لن ترضى عنك اليهود، ولا النصارى، لا في المستقبل القريب، ولا في المستقبل البعيد.

{تَرْضَى عَنْكَ} : الرضا: القبول.

{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية؛ أي: لن يرضوا عنك، حتّى يبلغوا غايتهم كاملة، وهي؛ اتّباعك ملّتهم.

{تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} : الملَّة: هي جملة الشرائع (الشريعة)، ولا تضاف إلَّا إلى النبي، وتسند إليه، وسمِّيت بالملَّة؛ لأنّ الإنسان يميل إليها، وتختلف عن الدِّين، فالدِّين أعم من الملَّة.

الدِّين: جملة الشرائع إضافة إلى القرآن، والسنة.

وتكرار لا: اليهود، ولا النصارى، ولم يقل: ولن ترضى عنك، اليهود والنصارى.

تكرار النفي؛ يفيد أنّ رضا اليهود غير رضا النصارى، ودليل ذلك قوله تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ} [البقرة: 113].

ولو قال: لن ترضى عنك اليهود والنصارى، لكان ذلك يعني: أنّ رضاهم واحد، وهذا ليس صحيحاً؛ أي: حتّى ولو حضيت برضا النصارى، لن تحضى برضا اليهود، والعكس بالعكس.

{حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} : ولم يقل: ملتيهما؛ لأنّ اليهود، يريدونك أن تتبع ملتهم فقط، ولا يريدونك أن تتبع ملَّة النصارى، وكذلك النصارى نفس الشيء، ولو قال: ملتيهما؛ يعني: لن يرضى عنك الجميع حتّى تتبع ملتيهما معاً.

{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} :

قل لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم، إن: للتوكيد.

{هُدَى اللَّهِ} : أي: الإسلام.

{هُوَ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد، ويفيد الحصر.

{الْهُدَى} : الهدى، الكامل، الصحيح، لا هدايتكم، وما أنتم عليه.

(الهدى الحق الصحيح)، وليس وراءه هدى، وما تدعون إليه ليس بهدى.

{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} :

لام التّوكيد؛ إن: شرطية، تفيد الشك؛ أي: يشك أن تتبع ملتهم.

{اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} : أهواءهم؛ جمع هوى، والهوى؛ ما تميل إليه النفس، ويقتضيه الرأي من غير أن يستند إلى دليل شرعي.

والهوى: ما تريده النفس باطلاً بعيداً عن الحق.

{بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} : أي: القرآن. {الَّذِى} : اسم موصول، بالمفرد المذكر المحدد؛ أي: العلم بالقرآن، والعلم بالإسلام.

{مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ} .

{مَا لَكَ} : ما: النّافية. من: استغراقية.

{مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ} : ارجع إلى الآية (107) من سورة البقرة لبيان معنى الولي والنصير، ولم يذكر في هذه الآية (من دون الله)؛ أي: لم يقل مالك من دون الله من ولي ولا نصير؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق الآخرة، فلا داعي لذكر من دون الله؛ لأنه سبحانه هو الولي والنصير فقط في الآخرة، وأما حين يذكر من دون الله فيأتي ذلك في سياق الدنيا؛ لأن هنالك من قد يكون ولياً أو نصيراً، أو قد تعني مالك من الله من ولي ولا نصير؛ أي: لن ينصرك الله أو يكون ولياً لك، ومن دون الله؛ أي: لن ينصرك غير الله سبحانه من البشر أو يكون لك ولياً.

لنقارن هاتين الآيتين من سورة البقرة الآية (120): {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} .

والآية (145): {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} .

الآية (120): جاءت في سياق القرآن؛ لأنّ كلمة الذي تشير إلى القرآن، والذي اسم موصول، يشير إلى شيء محدد، وهو القرآن أو الدِّين.

الآية (145): جاءت في سياق تحويل القبلة، {مِنْ بَعْدِ}؛ تعني: مباشرة، ومن دون تأخير، غير اتجاهك من المسجد الأقصى إلى الكعبة.

{مَا} : اسم موصول، ومطلقة، وأشمل؛ وأعم من (الذي)، وتستعمل للأمور العامة، بينما الذي؛ تستعمل للأمور المهمة، والمحددة. (الذي)؛ أقوى وأكد من ما، ولذلك نرى (الذي)؛ استعملت للقرآن، أو الدِّين، و (ما) استعملت لتحويل القبلة، وهو أمر مهم؛ ولكن لا يقارن بأهمية القرآن.

ص: 127

سورة البقرة [2: 121]

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} :

{الَّذِينَ} : اسم موصول.

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ} : قيل: هم المؤمنون، من أهل الكتاب (اليهود والنصارى).

{الْكِتَابَ} : التّوراة والإنجيل. وقد يعني: القرآن، وقوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب، ولم يقل الذين أوتوا الكتاب، أو أوتوا نصيباً من الكتاب فيه مدح لهم أو لرفع شأنهم.

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} : هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم.

يتلونه {حَقَّ تِلَاوَتِهِ} : التلاوة: تعني قراءة آية تلو الأخرى، ولا تكون إلا من الكتاب (القرآن أو التوراة أو الإنجيل)، ولها أجر، وأما القراءة تختلف عن التلاوة ليس لها أجر، وقد تكون من كتاب أو غيره، وقد تكون كلمة أو عدة كلمات؛ يتلونه حق تلاوته؛ أي: لا يحرفونه، ولا يكتمون منه شيئاً، من صفة محمّد صلى الله عليه وسلم، أو أي آية.

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة يفيد البعد؛ أي: لهم المنزلة والدرجة العليا.

{يُؤْمِنُونَ بِهِ} : يصدقونه، ويعملون به.

{وَمَنْ يَكْفُرْ} : من شرطية، {يَكْفُرْ بِهِ}: أي: يحرفونه ويكتمون ما جاء فيه من صفات، وأوصاف النّبي صلى الله عليه وسلم، (من للمفرد والمثنى والجمع).

{فَأُولَئِكَ} : الفاء؛ للتوكيد، أولئك: اسم إشارة.

{هُمُ} : ضمير منفصل، يفيد التّوكيد، والمبالغة.

{الْخَاسِرُونَ} : لأنفسهم يوم القيامة؛ أي: إذا كان هناك خاسرن، فهم في طليعة هؤلاء الخاسرين، وأشدهم خسارة.

ص: 128

سورة البقرة [2: 122]

{يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} :

ارجع إلى الآية (40، و47) من سورة البقرة.

والسؤال هنا؛ لماذا يكرر قوله تعالى: {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} مرتين؟

قيل: كل آية جاءت بعد معصية، تقتضي أو تحتاج إلى تنبيه جديد، وتذكير، وتحذير.

فالآية (47) جاءت بعد: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} .

وأما الآية (122)، جاءت بعد:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} .

والتكرار؛ يفيد التّوكيد، لعل إذا فاتتهم الموعظة الأولى، سيستيقظون على الموعظة الثانية.

ص: 129

سورة البقرة [2: 124]

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ} :

{وَإِذِ} : ظرف زمان للماضي، تعني: واذكر إذا ابتلى، أو اذكر حين {ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ} .

{ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ} : ابتلى: اختبره، والابتلاء: الاختبار. ارجع إلى الآية (49) للبيان.

ابتلاه ربُّه: تربيته له، وإعداده لحمل الرسالة، وليظهر استحقاقه للإمامة.

إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن راغو بن مالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح.

إبراهيم: معناه في السريانية والعبرية: الأب الرحيم، وإبراهيم في العبرية: إبراهام، وكلمة إبراهيم كلمة أعجمية الأصل، اسم إبراهيم ورد في (6) لغات: إبراهِم، إبراهَم، إبراهام، أبرهم.

وورد ذكر اسم إبراهيم (69) مرة في القرآن الكريم.

{رَبُّهُ} : أولاً: فيه تقديم المفعول على الفاعل، فيه تشريف لإبراهيم عليه السلام .

{بِكَلِمَاتٍ} : أي: بتكاليف (أوامر ونواهٍ)؛ ولأنّ التكليف من الله هو مجرد كلمة افعل أو لا تفعل، وما هي هذه التكاليف؛ اختلف العلماء فيها؛ نذكر منها:

صبره على إلقائه في النار، الهجرة إلى الشام، الهجرة إلى مصر، وبناء الكعبة، وبذبح ابنه.

وقيل: هي مناسك الحج، وقيل: هي خصال الفطرة، وهي المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وقص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء.

وربّما كان ابتلاؤه بكل هذه الأمور معاً، والله أعلم.

{فَأَتَمَّهُنَّ} : الفاء للتوكيد، أتمهن: أداهن تامات، وأخبر عن ذلك -جل وعلا- في قوله:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى} [النجم: 37].

وبعد أن أتمهن كاملات، وفاز بالابتلاء؛ قال -جل وعلا- له:{إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} :

{إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ} : اللام في (النّاس): لام الاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (21).

{إِمَامًا} : الإمام؛ اسم من يؤتمُّ به، في الدِّين.

والإمام تعني: القدوة في الدِّين، أو الرسول.

{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى} : استقبل إبراهيم البشرى؛ بجعله إماماً، بقوله:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِى} .

وقول إبراهيم: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِى} : من: ابتدائية؛ تعني: بعض ذريتي، فمن يصلح للإمامة. والذرية: هم نسل الرجل؛ أولاده، وأحفاده.

واستجاب له ربه، بقوله:{وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27].

وذرية مشتقة من: ذرأ الله الخلق؛ أي: أظهرهم بالإيجاد.

{قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ} : قال: تعود على الحق سبحانه.

{لَا} : النّافية؛ لكل الأزمنة.

{يَنَالُ} : النيل، الظفر، أو الحصول.

{عَهْدِى} : الإمامة، وقيل: النبوة بالرسالة.

{الظَّالِمِينَ} : الكفار، أو العصاة؛ أي: من كان ظالماً لن ينال عندي.

ص: 131

سورة البقرة [2: 125]

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} :

{وَإِذْ} : ظرف زمان، واذكر إذ جعلنا، أو واذكر حين جعلنا.

{جَعَلْنَا الْبَيْتَ} : البيت الحرام؛ أي: الكعبة.

{مَثَابَةً لِلنَّاسِ} : مثابة: اسم مكان؛ مآباً ومرجعاً للحجاج والعمار.

{مَثَابَةً} : من ثاب يثوب مثاباً بمعنى: رجع، وزيدت فيه التاء؛ للمبالغة في كثرة الثيب إليه، يثوبون إليه من كل حدب وصوب، ومن كل فجٍّ عميق، المرة تلو الأخرى. {لِلنَّاسِ}: اللام لام الاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة للبيان.

{وَأَمْنًا} : مأمناً، وملجأً آمناً فيه سكون وطمأنينة؛ كقوله:{حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].

{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97].

{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى} :

{وَاتَّخِذُوا} : وجعلوا. من: لابتداء الغاية.

{مَقَامِ إِبْرَاهِمَ} : الحجر؛ الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام ، أيام كان يبني الكعبة؛ حيث احتاج إبراهيم إلى حجر ليرقى عليه ليواصل البناء، فالمقام؛ مكان قيامه، أو وقوفه.

{مُصَلًّى} : مكان للصلاة، تصلون خلفه ركعتي الطواف.

{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} :

{وَعَهِدْنَا} : العهد؛ تكليف وأمر، فقد يكون من طرف واحد.

ولم يُسند العهد في القرآن إلَّا لله وحده، والعهد أقوى من الوصية، والعهد موثق.

{إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ} : إلى إبراهيم عليه السلام وإسماعيل بن إبراهيم، وإسماعيل؛ اسم أعجمي، لفظ إسماعيل وإسماعين.

{أَنْ} : حرف مصدري، يفيد التّوكيد.

{طَهِّرَا بَيْتِىَ} : من الأوثان، الرجس ومخلفات الذبح، ومخلفات الهدي؛ هذا في القديم، أما الآن؛ فلله دره في نظافته وطهارته.

{طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ} : اللام لام الاختصاص، الطائفين: جمع طائف، مأخوذة من الطواف، وهو الدوران حول الكعبة سبع مرات.

{وَالْعَاكِفِينَ} : جمع عاكف، والاعتكاف (الإقامة) في المسجد، للصلاة والعبادة مدَّة من الزمن، فالعاكفون هم الملازمون للمسجد الحرام، سواء أكانوا من أهل مكة أو من الزائرين.

{وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} : جمع راكع؛ أي: المصلون. والسجود يشمل الظاهر الذي نراه والسجود الباطن الخفي الذي يعني الخشوع والخضوع لله تعالى، وأما ركعاً سجداً كما في سورة الفتح آية (29) سجداً تعني: كثرة السجود والمداومة عليه.

ولنقارن كلمة {مَقَامِ} : الّتي وردت في هذه الآية، مع كلمة: مَقَام ومُقَام.

مَقام: بفتح الميم مع التشديد؛ تعني: مكان القيام، أو الوقوف أو العمل، وزمن البقاء فيه قصيراً، مثال {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].

وأما كلمة مُقام: بضم الميم؛ فهو مكان الإقامة والسكن، وزمن البقاء فيه طويل، مثال:{إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66].

مَقام: فتح الميم؛ المنزلة والمكانة، مثال:{وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164].

وفي هذه الآية؛ قال -جل وعلا- : {طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} .

وفي سورة الحج الآية (26): {وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ، ذكر القائمين بدلاً من العاكفين؛ لأنه سبق ذكر العاكفين.

في الآية (25) حين قال تعالى: {الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} ؛ أي: سواء العاكف: المقيم فيه، من أهل مكة، أو القادم إليه؛ كزائر، ولكونه جاء بذكر العاكفين فلم يكرر، وأبدلها بكلمة القائمين.

{وَالْقَائِمِينَ} : في الصلاة، أو قيل: المقيمون بمكة.

{وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} : ذكرهما؛ لأنهما أهم أركان الصلاة، وفيه عطف الخاص؛ أي: الركع السجود على العام (القائمين)؛ لإظهار أهمية الركوع والسجود. وقال الركع السجود، ولم يقل الركع السُّجَّد؛ لأن السجود يعني: السجود الظاهري، والسجود الباطني (الخشوع)، وأما السُّجَّد: فهو يدل على السجود الظاهر فقط، وقوله الركع السجود: تدل على التكثير؛ أي: كثرة الركوع والسجود.

ص: 132

سورة البقرة [2: 126]

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} :

{وَإِذْ} : ظرف زمان؛ تعني: واذكر إذ قال إبراهيم، أو واذكر حين قال إبراهيم.

{قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ} : {رَبِّ} : حذف ياء النداء، ولم يقل: يا رب؛ لأنّ الله سبحانه قريب مجيب، لا يحتاج إلى أداة نداء، فلو كان بعيداً لقلنا: يا رب، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد.

{اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} : {هَذَا} : الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يفيد القرب، ويشير إلى مكة، {بَلَدًا آمِنًا}: نكرة؛ حيث كان عبارة عن وادٍ غير ذي زرع، وخالياً من النّاس، وغير آمن.

وجاءت هنا نكرة؛ لأنّ دعاء إبراهيم هذا، كان قبل بناء الكعبة، عندما جاء بزوجته هاجر وإسماعيل إلى واد غير زرع، وكانت مكة بلداً قفراً، قبل أن تسكنها قبيلة جرهم.

{آمِنًا} : ذا أمن، واستقرار، وكان دعاء إبراهيم؛ هنا، دعاء عاماً قبل بناء البيت وقبل أن تكون مكة بلداً معروفاً.

وإذا رجعنا إلى الآية السابقة (125)؛ ألم يقل الله -جل وعلا- : {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} ، فما جدوى دعوى إبراهيم:{اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} ؟ أي: يا رب، داوم واستمر، على جعله آمناً، أو ردّه آمناً، وآمناً، يعني: الأمن التام، الكامل، الخالي من الخوف، وللتأكيد على أهمية الأمن، وفي الآية (35) من سورة إبراهيم قال تعالى:{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} جاء بأل التعريف؛ ارجع إلى سورة إبراهيم آية (35) للبيان ومعرفة الفرق بين الآيتين.

{وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} : من: ابتدائية بعضية؛ أي: بعض الثمرات.

من آمن: منهم، تعود على أهل هذا البلد؛ أي: ارزق فقط المؤمنين وحدهم؛ أي: من آمن بالله واليوم الآخر. من آمن: من: اسم موصول بمعنى الذي، وشرطية.

ولعل إبراهيم قال ذلك؛ عندما تذكر قول الحق: {لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ} ، فحاول أن يستثني من الرزق من كفر؛ لأنه ربما نسي أنّ الرزق هو من عطاء الربوبية، ولا علاقة له بالإيمان؛ لأنّ الله يرزق الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع؛ ولذلك خالفه الله في الدعاء {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

قال الحق سبحانه: سأرزق من آمن بالله واليوم الآخر، وسأرزق من كفر؛ لأنّ الرزق هو من عطاء الربوبية؛ فهو للمؤمن والكافر معاً.

{وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} : لأنّ متاع الدّنيا قليل، ولو كثر وعظم، فهو قليل؛ مقارنة بمتاع الآخرة، وقليلٌ لكونه محدداً بأجلٍ معينٍ لكل إنسان، سنين قليلة، ثم يموت.

والمتاع هو: كل شيء ينتفع به ويتزود به، والتمتع هو شيء يحبه الإنسان، ويتمنى تكراره ودوامه.

والمتاع يتضمن الرزق، بما فيه الطعام، والشراب، والزواج، ويتضمن الأمن.

{ثُمَّ} : للترتيب، والتراخي في الزمن.

{أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ} : الاضطرار، الإلجاء، والحمل على الشيء، أو الإكراه.

{وَبِئْسَ} : بئس؛ من أفعال الذم. {الْمَصِيرُ} : مصدر ميمي؛ لفعل صار، يصير، بمعنى: رجع؛ أي: بئس المنتهى، والمآل. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (24) في سورة لقمان، وهي قوله تعالى:{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} نجد آية لقمان جاءت بصيغة الجمع فمتعهم؛ لأنها جاءت في سياق الدعوة والتبليغ للناس كافة، وآية البقرة خاصة متعلقة بالرزق، ونجد أيضاً أن عذاب النار وبئس المصير هو أشد وأبلغ من العذاب الغليظ؛ لأن العذاب الغليظ قد لا يكون في النار.

ص: 133

سورة البقرة [2: 127]

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} :

{وَإِذْ} : ظرف للزمن الماضي، ويعني: واذكر إذ يرفع إبراهيم، أو اذكر حين رفع إبراهيم القواعد؛ أي: انقضت جدرانه، وبقيت قواعده في الأرض، وأول من بناه، كما قيل: الملائكة في زمن آدم، ويرفع جاءت بصيغة المضارع، بدلاً من رفع؛ لاستحضار صورة الرفع، وكأنه يرفع الآن، وهذا ما يسمى: حكاية الحال.

والرفع: من الارتفاع؛ فكل بناء له طول، وعرض، وارتفاع، والارتفاع هو البعد الثالث؛ فما دام الطول، والعرض، محددين من قبل؛ منذ البناء الأول؛ فإبراهيم عليه أن يحدد الارتفاع، ومكان القواعد، أو مكان البيت؛ كان مطموراً، وغطته الرمال والأتربة، فلما أُمر إبراهيم بالرفع، أطلع الله سبحانه نبيه إبراهيم عليه السلام على مكانه؛ فوجد قواعده.

{وَإِسْمَاعِيلُ} : ساعد أباه إبراهيم، في الرفع، والبناء، وكان شاباً؛ حينذاك.

{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} : يقولان إبراهيم وابنه إسماعيل حين كانا يرفعان القواعد، {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}؛ أي: يسألان الله القبول منهما، والثواب فهما لا ينسيان الدعاء، وذكر الله تعالى في زمن العمل والرفع.

{إِنَّكَ أَنْتَ} : أنت: تفيد التّوكيد. {السَّمِيعُ} : لما نقول، وندعوك، ونرجوك، ولما يقوله عبادك في السر والعلن، وما يقوله كل من في السموات والأرض، من ملك، وإنس، وجان، ودابة، وطير، وكلّ شيء.

{الْعَلِيمُ} : العليم لما نفعل، وما يفعله جميع خلقك من خير وشر، والذي أحاط علمه بكل شيء، وفي أي مكان وزمان، وفي الظاهر، والباطن، والسر، والعلن، فلا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، والعليم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن.

ص: 134

سورة البقرة [2: 128]

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} :

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ} : إسلام الوجه؛ أي: موحدين، مخلصين لك، واقمنا على دينك، وصراطك المستقيم، عابدين؛ خاضعين، وراضين لأمرك ونهيك، وامتد دعاؤهما؛ ليشمل ذريتهما، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً}: من؛ للتبعيض، ولم يقل: واجعل ذريتنا أمة مسلمة لك؛ لكان ذلك يعني الكل؛ اليهود، والنصارى، وأمة الإسلام؛ أي: أمة واحدة على ملَّة واحدة.

{وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً} : تعريف الأمة: جماعة من النّاس، تربطها عقيدة واحدة، أو مبادئ واحدة، هي عقيدة الإسلام، أمة خاصة، وفي تعريف الأمة لا يهم الكم البشري، ولا الحيز الجغرافي.

{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} : أي: بيِّن لنا شرائع ديننا، وأعمال حجِّنا.

والمناسك؛ جمع منسك؛ والأصل أنّ المنسك مكان العبادة، أو زمنها، وقد يكون بمعنى الفعل؛ أي: التعبد؛ أي: أرنا كيف نعبدك، وأين نعبدك، وشاع استعمال المناسك في معالم الحج وأعماله، مثل: الوقوف بعرفات، والإفاضة، ورمي الجمار، والطواف، والسعي، والنسك؛ كذلك تطلق على الذبيحة. ارجع إلى سورة الحج آية (34) للبيان.

{وَتُبْ عَلَيْنَا} : أي: تقبل توبتنا، سألاه التوبة، والتوبة قد تكون توبة إنابة؛ أي: تقريباً إلى الله، من دون ذنب أو توبة من ذنب، ولها شروط قبول. ارجع إلى سورة النّساء، الآيتان [17-18].

{وَتُبْ عَلَيْنَا} : لا تعني: أنّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، قد فعلا معصية ما، وأنهما يطلبان التوبة، وقد يكون طلبهما التوبة لذريتهما القادمة.

{إِنَّكَ أَنْتَ} : (للتوكيد).

{التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} : ارجع إلى الآية (37) من سورة البقرة.

ص: 135

سورة البقرة [2: 129]

{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} :

{رَبَّنَا} : ولم يقل: يا ربنا؛ لأنّ إبراهيم عليه السلام ، يعلم أنّ ربه قريب، لا يحتاج إلى (يا) النداء الّتي هي للبعد.

{وَابْعَثْ فِيهِمْ} : تعود على {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ} ، وابعث من البعث. ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة.

{رَسُولًا مِّنْهُمْ} : من العرب، من ذرية إبراهيم وإسماعيل.

{يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} : التلاوة؛ هي القراءة {آيَاتِكَ} : آيات القرآن، والتلاوة تختلف عن القراءة، والتلاوة لا تكون إلا من القرآن ولها أجر، ويعني: قراءة متتالية، والتلاوة أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، والقراءة قد تكون بكلمة.

{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} : التعليم؛ يعني: القراءة والأحكام والتبيين، ومعرفة المعنى، و {الْكِتَابَ}: القرآن الكريم؛ أي: يعلمهم فهم معاني آيات القرآن.

{وَالْحِكْمَةَ} : الفقه في الدِّين والأحكام، ومقاصد الشريعة، وإصابة الحق.

{وَيُزَكِّيهِمْ} : يطهرهم من الشرك، والمعاصي، ويهديهم إلى أحسن الأخلاق. وإذا قارنا هذه الآية بالآية (151) في نفس السورة: نجد أن التزكية في الآية (129) جاءت بعد التلاوة ويعلمهم الكتاب والحكمة، وأما في الآية (151) التزكية جاءت بعد التلاوة مباشرة وقبل التعليم والحكمة؛ لأن الآية (129) هي دعاء إبراهيم عليه السلام فأراد لهم التلاوة والتعليم والتزكية، أما الآية (151) هي قوله الله تعالى في سياق المنة عليهم فجاءت قبل التعليم.

{إِنَّكَ أَنْتَ} : للتوكيد.

{الْعَزِيزُ} : القوي، الذي لا يغلب، ولا يُقهر، ولا يمتنع عليه شيء، له العزة جميعاً، ولا يعجزه شيء، عزة القوة، والقهر، والغلبة، والامتناع، لا يحتاج إلى أحد، ولا ينفعه، أو يضره أحد.

{الْحَكِيمُ} : في خلقك، وشرعك، وكونك، وحكيم: مشتقة من الحكمة، أحكم الحكماء، واهب الحكمة، لا تخلق شيئاً عبثاً، وأنت أحكم الحاكمين، الحاكم المسيطر على السموات والأرض وما فيهن، ذو الحكمة المقرونة بالعلم والقدرة والعزة.

وحكيم؛ على وزن فعيل؛ أي: دائم الحكمة، حكيم بذاتك لا اكتساباً. وحكيم؛ مشتقة من الحكم، الحاكم على السموات والأرض، ومن فيهن.

الحاكم بين النّاس بالحق، والحاكم في كل أمر، وإليك ترجع كل الأمور.

ص: 136

سورة البقرة [2: 130]

{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} :

{وَمَنْ} : الواو؛ استئنافية. من: استفهام إنكاري، بمعنى النفي؛ أي: لا {يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} .

يرغب في الشيء؛ أي: إذا أحبه، وأراده، يرغب عن الشيء؛ أي: إذا كرهه، وتركه، يعرض عنه، ويرفضه، أو يصد عنه.

{مِلَّةِ إِبْرَاهِمَ} : شريعة إبراهيم، والملَّة؛ اسم لجملة الشرائع المتبعة في الدِّين، والشريعة الكاملة؛ تسمّى الملَّة، والملَّة لا تضاف إلَّا لنبيٍّ.

أما الدِّين: فهو أعم من الملَّة؛ إذ يشمل الشريعة كاملة، وما ورد في القرآن والسنة، وملة إبراهيم؛ هي الإسلام، الملَّة الحنيفية السمحة، والّتي ذكرها الله تعالى في قوله:{قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [الأنعام: 161]. ارجع إلى الآية (132) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{سَفِهَ نَفْسَهُ} : أصل السفه؛ الخفة في العقل، وضعف الرأي والجهل، والسفه؛ نقيض الحكمة، ويقال للجاهل: سفيه. وسفه نفسه قد تعني: استخف بنفسه، وأهان نفسه؛ لأنه رغب عن اتباع الحق، وهو اتباع ملَّة إبراهيم.

والطيش: خفة مع خطأ في العقل. وإذا رغب عمّا لا يرغب عنه عاقل، يقال: في عقله شيء، من السفه أو الجنون.

{وَلَقَدِ} : الواو استئنافية. لقد: اللام للتوكيد، قد حرف تحقيق.

{اصْطَفَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} : {اصْطَفَيْنَاهُ} : في ذلك الوقت، الذي عاش فيه. كما اصطفى آدم ونوحاً من قبله.

وهو بيان لخطأ من رغب عن ملَّة إبراهيم، الذي اصطفيناه في الدّنيا؛ أي: اخترناه من بين النّاس، ليكون إماماً، ونبياً.

وخليلاً: في الدّنيا، وهناك فرق بين الاصطفاء والاختيار في ملحق الآية، {وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ} (إن للتوكيد) في الآخرة، {لَمِنَ}: اللام للتوكيد. {الصَّالِحِينَ} : أي: إبراهيم عليه السلام من الأنبياء الصالحين.

{الصَّالِحِينَ} : جمع صالح، والصالحين لغةً: من صلح، يصلح، وصلح أمره أو حاله: صار حسناً، وزال عنه الفساد؛ عَفَّ، فَضُل، من أمن وعمل صالحاً (معجم المعاني الجامع)، والصلاح: الاستقامة والسلامة من العيب، والصالح المستقيم المؤدي لواجباته، وهو الذي قام بحق وحق العباد، والمؤهل لحمل الخلافة الإيمانية، ويمتاز بصفة الصلاح في العقيدة، والأخلاق، والسلوك، والتربية، ويقاوم الفساد الذي هو ضد الصلاح.

الاصطفاء: هو الاختيار من بين الأشياء المتشابهة، مثلاً: تختار من بين النّاس أحداً فيهم نبياً، أو رسولاً.

الاختيار: هو أن تختار من بين الأشياء غير المتشابهة، مثلاً: تختار قلماً من بين ورقة، وكتاب، وقلم، ومحبرة.

ص: 137

سورة البقرة [2: 131]

{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} :

{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} : أي: واذكر إذ قال له ربه أسلم، أو واذكر حين قال له ربه أسلم، أسلم: هنا تعني: إسلام الوجه، أو الذات وهو أعلى درجات الإيمان، وليس الإسلام العادي؛ أي:«الشهادة، والصلاة، والزكاة، والحج» ، وإنما إسلام الذّات؛ أي: الإخلاص والتوحيد والطاعة والخضوع والانقياد لله وحده حين يكون الله سبحانه سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، كما ورد في صحيح البخاري، عن أبي هريرة:{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125].

إذ قال له ربه: أسلم، ولم يقل: أسلم لي؛ لأنّ الإسلام مفهوم ومعروف فقط لله وحده، ولا حاجة لذكر لي أو له، وأجاب إبراهيم عليه السلام أسلمت لرب العالمين، والرّب تعني: الخالق، والمدبر، والمربي، والرّزاق، والحفيظ.

ص: 138

سورة البقرة [2: 132]

{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} :

{وَوَصَّى بِهَا} : من الوصية، والوصية:

ووصَّى بالتشديد أبلغ من وصَى؛ لأنّها تكون لمرات كثيرة، ولكلّ واحد من بنيه، ووصَّى تستعمل للأمور المعنوية، مثل أمور الدِّين، أما أوصى فللأمور المادية الملموسة. ارجع إلى سورة النساء آية (11)، وسورة لقمان آية (14) لمزيد من البيان في وصى، والفرق بين وصَّى وأوصى.

{بِهَا إِبْرَاهِمُ} : تقديم الجار والمجرور (بها) الّتي تعود على الوصية؛ أي: بدلاً من القول، ووصى إبراهيم بها، قال: ووصى بها إبراهيم؛ للدلالة على أهميتها، وعظمتها.

{بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} : بنيه: إسحاق وإسماعيل ويعقوب، (ابن ابنه) إسحاق.

{يَابَنِىَّ} : يا: النداء للبعد، قال: بني بدلاً من أبنائي. فيها تصغير يدل على الرّأفة والشّفقة عليهم، الوصية: هي إنّ الله اصطفى لكم الدِّين فلا تموتن إلَّا وأنتم مسلمون.

{إِنَّ اللَّهَ} : إن: للتوكيد.

{اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} : الدّين: جاء بأل التعريف؛ أي: الإسلام ديناً (دين التّوحيد

) يا بني أنّ الله: اصطفى لكم الإسلام ديناً؛ لأنّ الدّين عند الله الإسلام. والاصطفاء يكون من بين الشرائع، وليس من بين الأديان؛ لأن ليس هناك إلا دين واحد هو الإسلام. ارجع إلى سورة الأعراف آية (144) لمزيد من البيان، والفرق بين الاختيار والاصطفاء والاجتباء.

والدِّين: هو الطاعة والانقياد والشريعة والجزاء والعقيدة، والمنهج، ويسمى الصّراط المستقيم، والدِّين أعم من الملَّة، والدِّين يضاف إلى الله تعالى، وإلى الأنبياء، وإلى الأئمة، أما الملَّة فتضاف إلى الأنبياء، وإلى الأئمة، والدِّين واحد هو الإسلام، والشرائع مختلفة؛ الشريعة الإسلامية، والشريعة اليهودية، والنصرانية

{فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} : الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.

{تَمُوتُنَّ} : نون التّوكيد.

{إِلَّا} : حصراً وقصراً.

{وَأَنْتُمْ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.

{مُّسْلِمُونَ} : إسلام الوجه الّذي هو أعلى درجات الإيمان، كما بينا في الآية السّابقة (131)؛ أي: على التوحيد والإخلاص (مخلصون موحدون).

وإذا كان إبراهيم عليه السلام قد وصَّى بنيه بتلك الوصية، فالله -جل وعلا- بذاته وصَّى الّذين آمنوا بنفس الوصية، بل بأحسن منها حين قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

ص: 139

سورة البقرة [2: 133]

{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} :

أسباب النّزول: كما روى الواحدي في أسباب النزول. قيل: نزلت هذه الآية في اليهود الّذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، فرد اللهُ عليهم بقوله بهذه الآية: أكنتم شهداء؛ أي: حضوراً لما حضر يعقوب الموت، فقال:

{أَمْ} : الهمزة: همزة استفهام إنكاري بمعنى النّفي، والتّوبيخ.

{شُهَدَاءَ} : جمع شاهد، أو شهيد، واصل الشّهادة: الرّؤية والحضور، وشاهدت شيئاً؛ أي: رأيته، وكنت حاضراً، وقال بعضهم: الشّهادة في الأصل إدراك الشّيء من جهة سمع، أو رؤية الشّيء، والإحاطة به، والعلم بالمشهود.

والشّاهد: هو الّذي يرى الشّيء، أو الحادثة فيشهد بما رآه وسمعه إذا دُعي إلى ذلك، والشّاهد قد لا يعلم تفاصيل الحادثة وأسبابها وخفاياها.

أما الشّهيد: صيغة مبالغة والله سبحانه سمى نفسه شهيداً، والشّهيد أكثر علماً من الشّاهد؛ لأنّه يعلم تفاصيل الحادثة، وأسبابها، وخفاياها، ويحيط بالمسألة إحاطة كاملة.

{إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} : حضر فيها معنى القدوم، أو المجيء، مع المكث والبقاء؛ أي: حضر الموت يعقوب، وكأنّه جالس وحاضر معه، ولم يمت بعد، ولم يستعمل جاء؛ لأنّ ليس فيها معنى المكث، والبقاء، ويفارق الحياة مباشرة، وفي كلمة جاء معنى الصّعوبة؛ أي: إذا جاء الموت والمشقة.

واستعمل حضر حتّى يعطي يعقوب مدَّة، وزمن؛ لكي يوصي بنيه، وقدَّم يعقوب على الموت بدلاً من القول؛ إذ حضر الموتُ يعقوب؛ أي: قدَّم المفعول على الفاعل (والأصل أن يقدَّم الفاعل على المفعول)، وهذا التقديم له غرض بياني، فكأنّ الله سبحانه لا يريد أن يفاجئ يعقوب بالموت، فقدَّم يعقوب؛ لأن يعقوب وكلّ إنسان يكره الموت، ولذلك أخر ذكر الموت؛ لكي يخفف ويراعي حالة يعقوب النّفسية.

{إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ} : إذ: ظرف زماني بمعنى: حين قال لبنيه.

{مَا تَعْبُدُونَ} : ما: الاستفهامية، وتعني: أي شيء تعبدون من بعدي، ما تعبدون، ولم يقل من تعبدون من بعدي؛ لأنّ ما تستعمل لغير العاقل، أو صفات العاقل، إذا استعمل ما هنا بدلاً من؛ لأنّه يقصد بالسؤال عن صفة أو صفات المعبود.

{مِنْ بَعْدِى} : من بعد موتي.

{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا} : هنا عطف الشيء على مرادفه بإله آبائه هو إلهه، ولذلك قال: إلهاً واحداً؛ للتوكيد.

{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} : الواو: تفيد التّوكيد، مسلمون: مخلصون موحدون مطيعون، والجملة الاسمية تفيد الثّبوت؛ أي: صفة الإسلام ثابتة.

قال أولاد يعقوب لأبيهم يعقوب: نعبد إلهك (أي: الله)، وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق؛ أي: إله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وهو الله. وإبراهيم هو جد يعقوب، وإسماعيل هو عم يعقوب، فأطلق عليهم لقب الأب؛ لأنّ العرب كانت تسمي العم أباً، والجد أباً.

ص: 140

سورة البقرة [2: 134]

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :

{تِلْكَ} : اسم إشارة يفيد البعد.

{أُمَّةٌ} : أي: أمة إبراهيم.

{قَدْ} حرف تحقيق وتوكيد.

{خَلَتْ} : مضت وانتهى زمانها، وخلت قد تعني: انفردت، وخلا فلان بفلان؛ أي: انفرد به؛ أي: لها خصائصها وزمانها.

{لَهَا مَا كَسَبَتْ} : اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية، لها ما كسبت من الإيمان والأعمال الصّالحة، والكسب: هو الفعل العائد على فاعله بنفع أو ضر.

{وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} : من الإيمان، والأعمال الصّالحة، أو الذنوب والسيئات؛ أي: لا ينفع الأبناء كسب الآباء، أو بالعكس، (الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم ولعامة المسلمين)؛ أي: لا تسألون عن أعمالهم، كما لا يسألون عن أعمالكم؛ أي: لا تزر وازرة وزر أخرى. ارجع إلى الآية (141) في نفس السورة للمقارنة والبيان.

الفرق بين كسب واكتسب: كسب في القرآن تدل على فعل الخير، واكتسب على وزن افتعل تدل على فعل الشّر، ارجع إلى الآية (286) من سورة البقرة.

{عَمَّا} : ما: مصدرية، أو اسم موصول.

ص: 141

سورة البقرة [2: 135]

{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} :

{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} : فيه حذف؛ أي: وقالوا: يهود المدينة للمسلمين، كونوا يهوداً تهتدوا؛ لأنّ موسى هو أفضل الأنبياء، والتّوراة أفضل الكتب، ودين اليهود أفضل الشّرائع، تهتدوا إلى الطّريق الصّحيح.

وقال نصارى نجران للمسلمين: كونوا نصارى تهتدوا؛ لأنّ عيسى أفضل الأنبياء، والإنجيل أفضل الكتب، وشريعتهم أفضل الشّرائع، تهتدوا إلى الطّريق السّوي الصّحيح كما روى ابن عباس.

{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا} : جمع هائد؛ أي: تائب، {أَوْ نَصَارَى}: ارجع إلى الآية (62) من سورة البقرة للبيان.

{قُلْ} : لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم.

{بَلْ} : للإضراب الإبطالي يبطل ما قبله من الأقوال.

{مِلَّةَ إِبْرَاهِمَ حَنِيفًا} : أي: قل لهم يا محمّد: بل نتبع ملَّة إبراهيم الّذين تدعون أنكم أتباعه، {حَنِيفًا}: أي: المائل عن الأديان كلّها إلى دين الإسلام، وأصل الحنف: هو ميل وعوج في القدَم حيث تميل القدَم اليمنى إلى اليسار، واليسرى تميل إلى اليمين، إذن الحنف هو اعوجاج في القدَم، فكيف يُجعل الحنف رمزاً للصراط المستقيم؛ لأنّ الرّسل حين يبعثهم الله يكون مجتمعهم معوج، فيحاولون أن يصلحوا هذا الاعوجاج كما يتم تقويم القدَم بالاعتدال والاستقامة.

{وَمَا كَانَ} : الواو: عاطفة، ما: النّافية لكلّ الأزمنة.

{مِنَ الْمُشْرِكِينَ} : من: ابتدائية. استغراقية.

ص: 142

سورة البقرة [2: 136]

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} :

الخطاب للمؤمنين:

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} : قولوا آمنا بالله: الباء: للإلصاق؛ بالله: تعني: إيمان العقيدة بالله؛ وحده وبما أُنزل إلينا؛ أي: القرآن الكريم، ولمعرفة الفرق بين أنزل، ونزل، وإلينا، وعلينا: أنزل: تعني: جملة واحدة، أو دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا.

نزل: تعني منجماً على دفعات، وبالتّدرج على مدى (23) سنة من السّماء الدّنيا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتستعمل للأمور المهمة، والمؤكدة، والمبالغ فيها، أو الموقف أشد.

{أُنْزِلَ إِلَيْنَا} : إلينا: تستعمل في القرآن في سياق الدّعوة والتّبليغ، إلى: تفيد الانتهاء؛ أي: لينتهي إلى النّاس، أو منتهى الغاية.

أنزل عليك: تستعمل في سياق التّشريف بالأمور الخاصة برسول الله، على: تفيد العلو والاستعلاء، وتفيد المشقة والشّدة؛ أي: على: تستعمل في سياق ما هو أشق في الموقف، وعلى: أقوى وأكد من إلى، وعلى: تفيد البدائية بينما إلى تفيد النّهاية.

{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} : وإسماعيل، وإسحاق أولاد إبراهيم عليه السلام ، ويعقوب ابن إسحاق عليهما السلام، وأما الأسباط: قيل: هم أبناء يعقوب، وقيل: هم من أحفاد يعقوب، أو ذريته، أو من صلبه، وكانوا أنبياء، وهذا هو المرجح؛ لأن أبناء يعقوب إلا يوسف لم يكونوا أنبياء، وأما معنى السبط: القبيلة، أو من شجرة واحدة، أو الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، أو أحفاد الرجل، أو ابن البنت.

{وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى} : موسى (التّوراة)، وعيسى (الإنجيل).

{وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ} : والإيتاء هو العطاء، ولكن الإيتاء ليس فيه تملك بعكس العطاء فيه معنى التّملك، الإيتاء يمكن أن تسترده أمّا العطاء فلا تستطيع أن تسترده والإيتاء أعم من العطاء، والإيتاء يشمل الأمور المعنوية الحسية، بينما العطاء يكون فقط في الأمور الحسية أو المادية.

وتكرار لفظي أنزل: {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ} ، والإيتاء:{وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ} دفعاً لمن ظن، أو توهم أنّ كل الذي أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم هو نفسه الّذي أنزل على إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وكذلك ما أوتي موسى، وعيسى هو نفسه ما أوتي النّبيون من ربهم، فالأحكام، والشّرائع مختلفة.

{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} : أي: نحن نؤمن بكلّ رسل ونبي، ونصدق أنّ عقيدتهم واحدة، وهي: لا إله إلَّا الله، وإن اختلفت الأحكام، والشّرائع، باختلاف العصور، فنحن لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض.

{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} : نحن لله مطيعون، مخلصون، موحدون.

لنقارن هذه الآية (136) من سورة البقرة: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .

مع الآية (84) من سورة آل عمران: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .

في آية البقرة: {قُولُوا} : الخطاب موجه إلى المسلمين.

في آية آل عمران: {قُلْ} : الخطاب موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} : {إِلَيْنَا} : لأنّ الإنزال على رسول الله أوّلاً بأوّل، ثمّ انتهى، إلينا أي: إلى المؤمنين، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النّبيون من ربهم.

{وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} : علينا: تعني الرسول والمؤمنون، وما أنزل على إبراهيم، وإسماعيل، وما أوتي موسى وعيسى والنّبيون من ربهم.

تكرار وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النّبيون من ربهم: ما أوتي موسى وعيسى هو غير ما أوتي النّبيون من الأحكام والشّرائع، وعدم تكرار ما أوتي في آية آل عمران؛ لأنّ ما أوتي موسى وعيسى والنّبيون هو نفسه (مثلاً عقيدة لا إله إلَّا الله والتّوحيد والرّبوبية).

فالإيتاء يقسم إلى قسمين قسم مختلف ذكر في آية البقرة، وقسم نفسه ذكر في آية آل عمران، فنحن نؤمن بكلّ منهما، وفي آية آل عمران بما أنّ الخطاب موجه إلى رسول الله فالرّسول لا يحتاج إلى تكرار، وما أوتي مرتين للتوكيد.

ص: 143

سورة البقرة [2: 137]

{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} :

{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} :

{فَإِنْ} : الفاء للتأكيد. إن: شرطية.

{آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} : أي: فإن آمن أهل الكتاب، وغيرهم من الأمم، {بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ}: ما: اسم موصول بمعنى الذي آمنتم به؛ أي: أقروا بالوحدانية، وصدقوا بكلّ الأنبياء والرسل، واتبعوا ملَّة إبراهيم حنيفاً.

{فَقَدِ اهْتَدَوا} : أي: إلى الصّراط المستقيم، أو الغاية أو الحق، فقد: الفاء تفيد التّوكيد، قد: تفيد التحقيق.

{وَإِنْ تَوَلَّوْا} : إن: شرطية، تولوا: ابتعدوا عما تدعوهم إليه من أتباع الحق، والهدى، والإسلام، وفرَّقوا بين الله ورسله، وصدقوا ببعض، وكفروا ببعض.

{فَإِنَّمَا} : الفاء للتوكيد، إنما: كافة مكفوفة تفيد زيادة التّأكيد.

{هُمْ} : ضمير منفصل يفيد التّوكيد.

{فِى شِقَاقٍ} : في خلاف معكم، وخلاف مع بعضهم بعضاً، موقف العداوة والخلاف، والشّقاق مشتقة من الشّق، وهو الّذي يفصل بين الشيئين؛ أي: كل واحدٍ منهم في شق غير شق الآخر، بسبب ما بينهما من العداوة، وقيل: مشتقة من شق العصا؛ أي: أظهر العداوة، وإذا استمروا على موقفهم هذا:

{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} : شرهم، وأذاهم، ومكرهم، وينصركم عليهم، وقد حدث ذلك على سبيل المثال حين قاتل رسول الله بني قريظة، وأجلى بني النّضير، والسّين في {فَسَيَكْفِيكَهُمُ}: للمستقبل القريب.

{وَهُوَ} : ضمير يفيد التّوكيد.

{السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} : ارجع إلى الآية (127) من سورة البقرة للبيان.

ص: 144

سورة البقرة [2: 138]

{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} :

{صِبْغَةَ اللَّهِ} : أي: دين الله (الإسلام)، وشبه الدّين (الإيمان) بالصّبغة؛ لأنّ آثاره تظهر على المؤمن، كما يظهر الصّبغ في الثّوب، والصّبغة هي إدخال لون على شيء بحيث يُغير لونه، والصّبغ ينفذ في المصبوغ كالقطن، أو الصّوف فيصبغه، والصّبغة غير الطّلاء: لأنّ الصّبغة تتدخل وتتسرب مادتها في مسام القماش، أو الصّوف، بينما الطّلاء: يبقى كطبقة خارجية لا تتدخل، ولا تتسرب كثيراً في المسام، فكأنّ الإيمان بالله، والدّين صبغة إلهية تتغلل في الجسد البشري بدرجات مختلفة حسب إيمان الفرد، وأحياناً قد تصل هذه الصّبغة إلى خلايا القلب، وكأنّ إيمان غير المسلمين كالطّلاء لا ينفذ إلَّا قليلاً، وإيمان المسلمين إيمان يصل إلى أعماق النفس والقلب.

{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} : ومن أحسن، ومن: استفهام تقريري، والجواب لا يوجد من هو أحسن من الله ديناً.

{وَنَحْنُ لَهُ} : له: لام الاختصاص والاستحقاق، وتقديم له على عابدون تفيد الحصر؛ أي: فقط له عابدون؛ أي: لا نعبد إلَّا إياه وحده.

{عَابِدُونَ} : أي: مطيعون لأوامره، مجتنبون نواهيه.

ص: 145

سورة البقرة [2: 139]

{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} :

{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ} : قل يا محمّد لهم: أتحاجوننا: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتوبيخ، والمحاججة: هي الحوار بين طرفين، أو أكثر؛ لإثبات الحجة، وإظهار الحق من الباطل؛ كقوله:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَاهِمَ فِى رَبِّهِ} [البقرة: 258]، أتحاجوننا في الله: أي: من شأنّ الله واصطفائه لمحمد كنبي من العرب، وأنّكم أحق بالنّبوة، أو أنّكم أولياء الله وأحبائه.

{وَهُوَ} : ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد.

{رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} : أي: نحن وأنتم الله ربنا، فهو الّذي يفصل بيننا وبينكم بالحق، فنحن:

{وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} : ولا حاجة للمحاججة والادعاءات الباطلة.

{وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} : له: اللام لام الاختصاص، والاستحقاق، وتقديم له الجار والمجرور على مخلصون بدلاً من القول، ونحن مخلصون له تفيد الحصر؛ أي: له وحده مخلصون؛ لأنّ العمل الصالح لا يُقبل إلَّا إذا كان خالصاً لوجه الله تعالى.

ومخلصون جملة اسمية تفيد الثبات؛ أي: صفة الإخلاص عندنا ثابتة لا تتغير.

ص: 146

سورة البقرة [2: 140]

{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} :

{أَمْ} : الهمزة للاستفهام، والإنكار على قولهم: أنّ إبراهيم وأولاده كانوا هوداً ونصارى، أم للإضراب الانتقالي.

{تَقُولُونَ} : أي: تدَّعون، أو تزعمون أنّ هؤلاء الأنبياء إبراهيم وأولاده، ويعقوب وأولاده كانوا هوداً، أو نصارى، أو للتخيير.

وهم قد جاؤوا قبل موسى، وقبل عيسى، واليهودية، والنّصرانية ما حدثتا إلَّا بعد موسى، وبعد عيسى عليهما السلام.

{قُلْ} : لهم يا محمّد.

{ءَأَنتُمْ} : الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتوبيخ.

{أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} : بما كانوا عليه من الدّين وهل هم يهود أو نصارى.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} : ومن استفهامية تفيد التّعجب، والإنكار، والإقرار.

{أَظْلَمُ} : على وزن أفعل؛ أي: لا أحد أشد ظلماً من هذا الّذي يكتم شهادة.

{عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} : أي: يخفيها عن النّاس، ومن الثّانية هي استغراقية تشمل كل فرد.

والشّهادة هي علمهم بأنّ إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين، ولم يكونوا هوداً، ولا نصارى، أو قد تكون الشّهادة إنكارهم لأوصاف محمّد وصفاته صلى الله عليه وسلم، وأنه الرسول المنتظر ويجب تصديقه واتباعه.

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} : {وَمَا} : الواو استئنافية، ما: النّافية، وأقوى في النّفي من ليس.

{اللَّهُ بِغَافِلٍ} : الباء: للتوكيد، والإلصاق، غافل: من الغفلة وهي عدم حضور الشيء في البال، عدم التّفطن للشيء؛ لعدم اليقظة، أو الانتباه. ارجع إلى الآية (74) من نفس السورة، لمزيد من البيان.

{عَمَّا} : عن: تفيد المجاورة؛ أي: الابتعاد، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.

{تَعْمَلُونَ} : أي: تقولون، أو تفعلون.

ص: 147

سورة البقرة [2: 141]

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :

هذه الآية ليست تكراراً للآية السّابقة (134)، فالآية (134) الخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم، ولعامة المسلمين، أما الآية (141) فالخطاب فيها لليهود والنّصارى الّذين زعموا أنّ إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب كانوا هوداً ونصارى.

وزعموا لكونهم ينتسبون إلى هؤلاء الأنبياء؛ فإنّ ذلك سوف يشفع لهم يوم القيامة، فجاء الرّد على ذلك تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم؛ أي: أنتم لن تسألوا عما كانوا يعملون، وهم لن يسألوا عما أنتم تعلمون، {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطّور: 21]، {وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النّجم: 39]، وهناك من قال: إنّ الآيتين بخصوص بني إسرائيل والنّصارى.

فالآية (134): تعني: أنّ نسبكم إلى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق لن يشفع لكم يوم القيامة بما قدَّمتموه، وحرفتموه، وعصيتموه.

والآية (141): تعني: حجتكم بكونكم هوداً، أو نصارى بالفعل لن يشفع لكم أيضاً، أو من جاؤوا قبلكم من أهل الكتاب لهم ما كسبوا من الأجر ولكم ما كسبتم من الإثم بمخالفتهم.

ص: 148