المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ سورة الكهف [18: 75] {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ - تفسير القرآن الثري الجامع - جـ ١٦

[محمد الهلال]

فهرس الكتاب

سورة الكهف [18: 75]

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا} :

هذه الآية تشبه الآية السّابقة (72)، وإنما أضاف كلمة لك؛ لأنّ الإنكار من قبل العبد الصّالح أشد، أو اشتد لعدم صبر موسى عليه السلام ؛ فهو قد نقض العهد مرتين.

ص: 1

سورة الكهف [18: 76]

{قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَّدُنِّى عُذْرًا} :

{قَالَ إِنْ} : قال موسى للعبد الصّالح، وهو يعتذر إليه: هذه هي المرة الأخيرة أفعلها.

{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال، والشّك.

{سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا} : شيء: نكرة. سألتك عن أي شيء مهما كان بعد هذه المرة.

{فَلَا تُصَاحِبْنِى} : فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.

{تُصَاحِبْنِى} : في سفرك؛ أي: فارقني، وتخلى عني.

{قَدْ} : للتوكيد، والتّحقيق.

{بَلَغْتَ مِنْ لَّدُنِّى عُذْرًا} : أي: ليس لي عُذر بعد هذه المرة الثّالثة؛ فقد أعذرتني الكفاية.

{لَّدُنِّى} : أصلها لَدْني: بفتح اللام، وتسكين الدّال. هذا هو الأصل. لَّدُنَّي: أشد توكيداً؛ لإضافة النّون تشمل كلا الطّرفين القائل والمخاطب، وكأن موسى يقول للعبد الصّالح: لقد صبرت علي كفاية، وألححت عليك في السّؤال، أو قد وصلت إلى العذر الذي يبيح قطع الصحبة وشبه العذر بمكان يُقصد وهو النهاية.

ص: 2

سورة الكهف [18: 77]

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} :

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا} : ارجع إلى الآية (71).

{إِذَا} : ظرفية زمانية.

{أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} : قدما إلى قرية لم يُبين اسم هذه القرية، والقرية تعني: إحدى ضواحي المدينة، وهي عبارة عن تجمع سكاني، وإذا اتسعت القرية تسمى مدينة. ارجع إلى الآية (82) من نفس السورة لمزيد من البيان.

{اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} : الألف، والسّين تعني الطّلب؛ أي: طلبا الطّعام من أهل القرية، ويبدو أنّهما كانا جائعين، وعليك أن تتصور هذا المشهد العظيم أقرب عبدين إلى الله تعالى في ذلك الزّمان فقيرين جائعين موسى، والعبد الصّالح يقفان على كلّ باب يسألان الطّعام دون أن يجدا أحداً يقدم لهما رغيف خبز، أو شربة ماء.

{فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} : رفض أهل القرية اللئام:

{أَنْ} : للتوكيد.

{يُضَيِّفُوهُمَا} : مشتقة من كلمة أضاف؛ أي: أنزله ضيفاً؛ أي: لم يمتنعوا فقط عن تقديم الطّعام لهما؛ كذلك رفضوا إيوائهما، ومعاملتهما معاملة حسنة، ولك أن تتصور أليس الله سبحانه بقادر على أن يجعل أهل القرية يضيفوهما، أو هو سبحانه قادر على أن ينزل عليهم مائدة من السّماء، ولكن لم يفعل حتّى يُشعرنا بشدة الابتلاء الّذي جرى لهما، وهما من أقرب النّاس إليه سبحانه.

{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} : أي: قارب على الانهيار، رأى العبد الصّالح فيه علامات التّصدع، والميلان، وقوله تعالى: يريد أن ينقض؛ كأن للجدار عقلاً، أو شبه الجدار بالإنسان، ولا غرابة في هذا التّشبيه؛ لأنّ الله سبحانه أخبرنا بأنّ كلّ شيء يسبح بحمده، ويعبد الله تعالى، ولكننا لا نفقه صلاتهم، ولا تسبيحهم.

{فَأَقَامَهُ} : أي: أصلحه، وأعاد بناءه، وكأنّ العبد الصّالح بناءً، أو مهندساً في البناء، وكما سنعلم في الآيات القادمة أقامه بحيث ينقض مرة أخرى بعد عدة سنوات حين يبلغ اليتيمان سن الرّشد؛ فيعثران على الكنز الّذي تحت الجدار، ولم يقيم الجدار لسنوات طويلة؛ فلا ينقض، وعندها لا يستطيعان استخراج كنزهما، وهذا عمل خارق للعادة؛ حيث بناه بحيث ينقض بعد أن يبلغا سن الرشد.

{قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} : قال موسى للعبد الصّالح:

{لَوْ} : شرطية.

{شِئْتَ} : أردت، أو طلبت أجراً على إقامته؛ لأنّ أهل القرية لا يستحقون هذا المعروف؛ لكونهم رفضوا إطعامهم، وإيوائهم. قال لاتخذت عليه أجراً، ولم يقل لأخذت عليه أجراً؛ أي: لو حاولت وكلفت نفسك، وأجهدت نفسك بطلب الأجر لحصلت عليه، وموسى عليه السلام لا يعلم الحكمة من إقامة الجدار عندئذٍ.

ص: 3

سورة الكهف [18: 78]

{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} :

{قَالَ} : العبد الصّالح:

{هَذَا} : الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يدل على القرب، ويشير إلى عدم صبر موسى عند إقامة الجدار، وتكرار عدم الوفاء بعهده أن يبقى صامتاً حتّى يخبره بما وراء ذلك، وقول موسى سابقاً: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني مما دفع العبد الصالح أن يقول لموسى:

{هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ} : حان وقت الفراق، وأن يترك كلٌّ منا الآخر؛ أي: انتهت صحبتنا.

{سَأُنَبِّئُكَ} : أي: سأخبرك الآن بحقيقة هذه الأفعال الّتي لم تستطع عليها صبراً، والسّين: للاستقبال القريب؛ أي: الآن، والنّبأ: يعني: الخبر العظيم.

{بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ} : التّأويل: هو نقل ظاهر اللفظ أو الفعل إلى دلالة أخرى، أو معنى آخر، وقيل: هو تفسير، أو الحكمة من وراء ما فعلت، ولم تستطع عليه صبراً، أو أخبرك عن حقيقة الأمر، أو ما جرى من أفعال.

{مَا} : اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية.

{لَمْ} : للنفي.

{تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} : بينما في الآية (82): ما لم تسطع عليه صبراً.

تستطع: (زيادة التّاء)؛ مقارنة بكلمة: تسطع (حذف التّاء).

زيادة التّاء، أو حذف التّاء؛ ليتناسب مع الحدث، أو المقام؛ لأنّ الحذف من الكلمة قد يكون أحياناً دلالة على حدث، أو أمر أقل أهمية، أو معنىً مقارنة بعدم الحذف، أو الزّيادة.

والزّيادة في حروف الكلمة كما هي الحال هنا زيادة التّاء يدل على مقام الشّرح، والتّفصيل، والتّوسع، وحذف التّاء يدل على أنّ المقام مقام مفارقة، وانتهاء الصّحبة، وضيق الوقت.

ص: 4

سورة الكهف [18: 79]

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} :

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} : أما: حرف تفصيل، وتوكيد.

{السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} : لمساكين: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق؛ لمساكين: جمع مسكين: وهو من يملك ما لا يكفيه، والفقير: من لا يملك شيئاً.

{يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ} : أي: مجال عملهم في البحر مثل الصّيد، أو نقل الرّكاب، والبضائع.

{فَأَرَدْتُ} : المتكلم هو العبد الصّالح.

{أَنْ} : للتوكيد.

{أَعِيبَهَا} : ولم يقل أردت عيبها، وإنما أعيبها بخرقها؛ فهو ينسب العيب إلى نفسه، ولم ينسبه إلى الله تأدباً مع الله رغم أنّ ما قام به هو بأمر من الله تعالى؛ لقوله ما فعلته عن أمري، ولم يقل أردت عيبها؛ أي: طلبت من أحد عيبها.

وبين السّبب، أو الحكمة من خرقها، وإحداث العيب فيها؛ لكي لا يستولي عليها الملك غصباً: ظلماً وقهراً إذا كانت صالحة للاستعمال، أو تبدو جيدة؛ فإحداث العيب فيها بخرقها تصبح غير مرغوب في الاستيلاء عليها، وتبقى في ملك هؤلاء المساكين الّذين هم ينتفعون بها، وقيل: أن الماء لم يدخلها، ولم يغرق أهلها.

{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَّلِكٌ} : أي: أمامهم، وأمامهم قد تعني أمام، أو خلف، أو بعد.

{يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} : أي: يستولي ظلماً، وعدواناً على كلّ سفينة صالحة.

ص: 5

سورة الكهف [18: 80]

{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} :

{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا} : وأما: حرف تفصيل، وتوكيد.

{الْغُلَامُ} : الولد الّذي لم يبلغ الحلم، أو سن التّكليف.

{فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا} : فخشينا: الفاء: للتوكيد؛ خشينا: من الخشية: الخشية خوف ممزوج بالشّعور بالرّهبة، والعلم بمصدر الخوف.

{أَنْ يُرْهِقَهُمَا} : أن: للتوكيد.

{يُرْهِقَهُمَا} : يرهق يغشى.

{طُغْيَانًا وَكُفْرًا} : أي: يحملهما على الكفر، والضّلال مما يؤدي في النّهاية إلى هلاكهما لو بقي الغلام حياً؛ فالله سبحانه اطلع العبد الصّالح على سر ذلك الغلام، وما سيحدث بأبويه في المستقبل لو بقي الغلام حياً، الأمر الّذي يؤدي إلى هلاك الأبوين، والابن معاً، ولذلك أمر الله سبحانه العبد الصّالح بقتل الغلام قبل سن البلوغ الأمر الّذي يؤدي إلى نجاته من النّار، وبالتالي نجاة أبويه من النّار؛ فالكلّ ينجو؛ فكل من يموت، أو يقتل قبل سن البلوغ مصيره الجنّة، فقتل الغلام كان الهدف منه إدخاله الجنّة، ولو قتله في ظاهر الأمر كان أمراً مروعاً، وغير مقبولاً بأي عرف من الأعراف.

انظر حين خرق السّفينة نسب الفعل إلى نفسه، وكذلك حين قتل الغلام قال فقتله؛ لأنّ فعل القتل تم على يدي العبد الصّالح، ولما أقام الجدار كذلك قال فأقامه، ولكنه لما ذكر الإرادة؛ فقد نسبها في خرق السّفينة إلى نفسه قال: فأردت أن أعيبها، ولما ذكر قتل الغلام قال: فأردنا أن يبدلهما، ولما ذكر إقامة الجدار قال: فأراد ربك.

وذلك لأنّ إبدال الغلام بخير منه لا يمكن أن يتم إلا بالله؛ لأنّها عملية تتطلب خلق (إبدال)، والعبد الصّالح كان وسيلة فقط في القتل؛ فالقتل يتم على يد العبد الصّالح؛ أي: لم ينسب الشر إلى الله تأدباً مع الله سبحانه ونسبه إلى نفسه، والإبدال بخير منه زكاة وأقرب رحما يتم من الله سبحانه، ولذلك قال فأردنا. أمّا في قوله: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما: فهذا أمر يختص به الله وحده سبحانه، وهو كلّه خير نسبة إلى الله تعالى، وأمّا في قوله: فأردت أن أعيبها هذا أمرٌ أمرَ به الله العبد الصّالح، ولكن العبد الصّالح قال: فأردت أن أعيبها؛ لكي لا ينسب العيب إلى الله سبحانه تأدباً مع الله تعالى نسبه إلى نفسه.

ص: 6

سورة الكهف [18: 81]

{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} :

{فَأَرَدْنَا} : الفاء: للترتيب والتعقيب؛ أردنا: نسب الإرادة إلى الله تعالى فهو الآمر والناهي، ونسب الإرادة إليه؛ لأنه قام بالقتل بأمر من الله تعالى. ارجع إلى الآية السّابقة.

{أَنْ} : أن: تفيد التّعليل.

{يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} : الإبدال: هو رفع الشّيء، ووضع شيئاً آخر مكانه، وهنا تعني: إبدال الغلام بغلام آخر خيراً منه؛ أي: يرزقهما الله ولداً صالحاً خيراً منه ديناً.

{خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً} : أي: أطهر، وأصلح، وأتقى.

{وَأَقْرَبَ رُحْمًا} : أوصل للرحم، وأبر للوالدين بالعطف، والحنان، وعدم دفعهما إلى الطّغيان، والكفر.

ص: 7

سورة الكهف [18: 82]

{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} :

{وَأَمَّا} : الواو: عاطفة؛ أما: للتفصيل، والتّوكيد.

{لِغُلَامَيْنِ} : اللام: لام الاختصاص، والملكية، أو الاستحقاق.

{يَتِيمَيْنِ} : واليتيم من فقد أباه قبل سن البلوغ، ويبدو أنّهما توأمين؛ لأنّ السّياق يشير إلى ذلك.

{فِى الْمَدِينَةِ} : وفي الآية (77) قال قرية حتّى إذا أتيا أهل قرية وفي هذه الآية في المدينة، القرية إذا اتسعت تسمّى مدينة، ولا تعارض بين الآية (77) والآية (82)؛ فقد يكون الغلامين يعيشان في المدينة، والكنز الّذي لهما في قرية؟ والله أعلم.

{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} : أي: تحت الجدار الّذي يريد أن ينقض كنز لهما؛ أي: مال (كالذهب، والفضة

وغيرها).

{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} : أي: كرامة لكونه صالحاً (ولم يذكر شيئاً عن صلاح اليتيمين فهما لا يزالان صغيرين).

{فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} : فأراد: الإرادة هنا تعود على الله سبحانه وحده، والعمل هنا كلّه خير ونسبه إلى الله؛ أي: الخير خالص لله.

{يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} : ومعنى الأشد: قيل: هو أن يصبح المرء قادراً على إنجاب مثله، أو سن الرُّشد؛ فالرُّشد: حسن التّصرف في الأمور، أمّا الأشد: القوة الجسمية.

{وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} : يستخرجا كنزهما بما لديهما من قوة، وفتوة بأنفسهما.

{رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} : حماية لكنزهما، وحِفظ حقهما.

{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} : وما: النّافية. اعتراف من العبد الصّالح أن كلّ ما فعله من أفعال كان بأمر من الله تعالى، وليس له أي: تدخل، أو رأي.

{ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} : ذلك: اسم إشارة يشير إلى تفسير، وتأويل للخرق، والقتل، وإقامة الجدار؛ الأمور الّتي لم تستطع أن تصبر حتّى أخبرك بها، وكلها من علوم الغيب لا يعلمها إلّا الله وحده.

ص: 8

سورة الكهف [18: 83]

{وَيَسْـئَلُونَكَ عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا} :

{وَيَسْـئَلُونَكَ} : الواو: هنا تدل على أن كفار مكة سألوا رسول الله عدة أسئلة وهي عن أصحاب الكهف، والساعة، وذي القرنين، ولو سألوه عن أمر واحد فقط لقال تعالى: يسألونك بدون واو. ارجع إلى الآية (215) من سورة البقرة؛ للبيان، أو سورة الإسراء، آية (85).

{عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ} : من هو ذي القرنين؟ غير معروف، وحسب أفضل الرّوايات كان ملكاً صالحاً عابداً لله، ولما سئل ابن عباس عن ذي القرنين قال: هو من حمير، وهو الصعب بن مراثد، وسمي ذي القرنين؛ أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فالمشرق قرن والمغرب قرن؛ أي: كناية عن ملكه الواسع؛ أي: المالك للمشرق والمغرب.

{قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا} : قل لهم يا محمّد: سأتلو: السّين للاستقبال القريب؛ أتلوا: من التّلاوة، وهي القراءة من كتاب الله (القرآن، أو الكتب المنزلة)، التّلاوة لا تكون إلا من الكتب المنزلة، والقراءة تكون من أي صفحة، أو كتاب ولها أجر.

{مِّنْهُ} : من هنا بعضية؛ أي: بعض أخباره، أو شأنه، وهم لا يسألون عن ذاته كشخص.

وجاء بصيغة المضارع؛ لاستحضار الصّورة الماضية إلى الحاضر؛ فيشاهدوا غرابة ما حدث، وهذا ما نسميه (حكاية الحال).

ص: 9

سورة الكهف [18: 84]

{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا} :

{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ} : إنا: جاءت بصيغة التّعظيم، وترجع إلى الله سبحانه.

{مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ} : هيأنا له أسباب التّمكين؛ لإقامة، وإظهار دين الله تعالى؛ فهذه هي غاية التّمكين، ومن أسباب التّمكين القدرة، والعلم، والملك، والحكم.

{وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا} : الإيتاء: هو العطاء بدون تملك؛ أي: يمكن استرداد ما أُعطي. ارجع إلى سورة البقرة آية (119).

{مِنْ} : من كلّ شيء يصلح به أمره أو يحتاجه، ولا تعني من الاستغراقية، بل تعني: أتيناه الكثير من الأشياء.

{كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا} : ما يحتاج من القوة، والعلم، والجنود، والوسائل، أو كلّ شيء يحتاج إليه للوصول إلى ما يريده من التّمكين (القدرة، والطّاقة، والعلم، والإرادة).

{شَىْءٍ} : نكرة تشمل كلّ شيء، والسّبب: أصله الحبل الّذي يستعمل للوصول إلى شيء ما، ويعني: الوسيلة الّتي توصله إلى ما يريده، أو الهدف، أو السّبب يحتاج إليه في حدوث المسبب.

وسمّي الحبل سبباً؛ لأنّه يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وأما عند أهل الأصول: هو الّذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، والسبب في القرآن له معان عدة منها:

1) العلم والقوة والوسيلة التي يحتاج إليها للوصول إلى الغاية كما في الآية (84).

2) الطريق أو المنزل والمسلك كما في الآية (85).

3) الأسباب جمع سبب، وتعني: الأبواب؛ أي: أبواب السموات كما في سورة ص آية (10).

4) والسبب قد يعني: الحبل، كما في قوله تعالى:{مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ} [الحج: 15].

5) وقد تعني الأسباب: الأرحام والقرابة وصلات الوصال والمودة والروابط التي كانت تجمعهم في الدنيا، كما في قلوه تعالى:{وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166].

ص: 10

سورة الكهف [18: 85]

{فَأَتْبَعَ سَبَبًا} :

{فَأَتْبَعَ} : وقرئت فتبع سبباً؛ الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة؛ أي: اتبع سبباً بعد سبب؛ سلك طريقاً باتجاه الغرب.

وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (89) والآية (92): {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} : ثمّ تفيد التّرتيب، والتّراخي في الزّمن؛ أي: بعد مدة أطول؛ لأنّ بين كلّ حملة، وحملة (حملة إلى المغرب، وحملة إلى المشرق تحتاج إلى زمن طويل)، ولذلك استعمل ثمّ حين توجه إلى مطلع الشّمس، وإلى ذهابه إلى بين السّدين.

ص: 11

سورة الكهف [18: 86]

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} :

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} : حتّى: حرف يشير على نهاية الغاية.

{إِذَا} : ظرفية زمانية.

{بَلَغَ} : وصل.

{مَغْرِبَ الشَّمْسِ} : سلك طريقاً باتجاه الغرب، وسار إلى أن انتهت به الأرض اليابسة المعمورة من حافة بحر، أو محيط، ورأى الشّمس تغرب: تغيب.

{فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} : أي: تغيب عند ساحل البحر، أو المحيط، وقيل: الأطلسي في المغرب، وكان يسمى بحر الظّلمات، وقيل غيره من الأمكنة، وكأنّها تختفي في عين حمئة، أو كأنها تنطفئ عندها، والعين الحمئة: العين الدافئة، والمليئة بالطين؛ طين أسود يشكل ساحل البحر، أو المحيط، وحمئة: مؤنث حمئ، وهذه رؤية بحسب الظّاهر، ولا بحسب الحقيقة العلمية؛ فقد كان هذا مبلغ علمهم آنذاك؛ فالشّمس لا تغيب أبداً، وإنما تستمر في الدّوران على ناحية الكرة الأرضية المقابلة حيث تغرب على أرض، أو قوم، وتشرق على أرض، أو قوم آخرين، ويتعذر تحديد هذا المكان، وليس مهم ذلك.

{وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} : وجد عند ذلك المكان الّذي ظن أنّ الشّمس تغيب فيه.

{قَوْمًا} : جماعة من النّاس، ويبدو أنّهم كانوا قوماً كافرين.

{قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ} : يبدو أنّه فكر، وسأل، أو دعا ربه ماذا أفعل بهم.

{قُلْنَا} : أي: ألهمناه (بالإلهام) بدعوتهم إلى الإيمان بالله.

{إِمَّا} : تفصيل وتخيير.

{أَنْ} : للتعليل، والتّوكيد.

{تُعَذِّبَ} : أي: تدعوهم إلى الإيمان، والإسلام؛ فمن رفض تعذبه بالأسر أو السجن.

{وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} : وإما: حرف تفصيل، أو تخيير.

{حُسْنًا} : قيل: بالإحسان إليهم بالعفو.

وفي الآية: إيماء إلى ترجيح اتخاذ الأحسن معهم؛ أي: الحلم بهم، والصبر، وقدم التّعذيب؛ لأنّهم يبدو أنّهم تمادوا في غيهم، وظلمهم، أو لكثرة عدد الظّالمين.

ص: 12

سورة الكهف [18: 87]

{قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا} :

{قَالَ} : ذو القرنين.

{أَمَّا} : حرف تفضيل.

{مَنْ} : اسم موصول بمعنى: الّذي.

{ظَلَمَ} : أشرك، أو كفر، وأصر على الشّرك، والكفر، والفساد، ولم يتب.

{فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} : بالأسر، أو السجن وغيره من أنواع العذاب، واستعمال سوف يفيد الاستقبال البعيد، والتّراخي في الزّمن؛ أي: نعطيه مهلة زمنية؛ لكي يتوب ويؤمن.

{ثُمَّ} : للترتيب، والتّراخي أيضاً في الزّمن؛ أي: يوم القيامة.

{يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ} : بعد البعث.

{فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا} : أي: بالنّار. ووصفه بنُّكْرا؛ لأنه في عقل الكافر وميزانه عندما يسمع به عذاباً شديداً تنكره العقول، ولكن في الحقيقة هو عدل، وما يستحقه الكافر في ميزان الله.

{نُّكْرًا} : عذاباً فظيعاً، ونكراً: هو العذاب الّذي ينكره الإنسان؛ أي: يبهته، ولا يظن أنّه سيقع، أو يجهل شدته، ويُنكر حدوثه.

ص: 13

سورة الكهف [18: 88]

{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} :

{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} : وأمّا: حرف تفصيل، وتخيير؛ من: ابتدائية استغراقية.

{فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} : الحسنى قيل: الجنة جزاءً على إيمانه، وصالح أعماله، والحُسنى: قد تكون في الدّنيا أيضاً، والحسنى: مؤنث الأحسن.

{وَسَنَقُولُ} : السّين: للاستقبال القريب.

{لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} : نعامله باليُسر، والقول الطّيب، ولم يقل: سنجازيه، أو أجزيه؛ لأنّ الجزاء بيد الله سبحانه وحده.

ص: 14

سورة الكهف [18: 89]

{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} :

{ثُمَّ} : للتراخي في الزّمن.

{أَتْبَعَ سَبَبًا} : ثمّ سلك طريقاً آخر باتجاه المشرق حتّى وصل إلى مكان شروق الشّمس، كما ظن أنّه وصل إلى مغرب الشّمس في الآية (84)، والحقيقة: أنّ الشّمس تدور حول الأرض تشرق في مكان، وتغرب في مكان آخر، وليس كما كان يتصور ذو القرنين.

ص: 15

سورة الكهف [18: 90]

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} :

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ} : ارجع إلى الآية (86).

{مَطْلِعَ الشَّمْسِ} : أي: بقي سائر باتجاه الشّرق حتّى وصل إلى مكان رأى الشّمس تشرق منه؛ فظن ليس وراء هذا المكان شيئاً آخر؛ حيث لا يعلم أنّ الأرض كروية الشّكل، وقيل: كان هذا المكان في قارة أفريقيا (وتحديد هذا المكان متعذر).

{وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} : السّتر: هو الحاجز، أو المانع.

{لَّمْ نَجْعَل لَهُمْ} : من دونها؛ أي: من الشّمس؛ أي: قوم عراة ليس عندهم ما يسترهم من الشّمس مثل البيوت، أو الثّياب.

ص: 16

سورة الكهف [18: 91]

{كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} :

{كَذَلِكَ} : تعني: إما كما بلغ مغرب الشّمس بلغ مطلعها على حسب ظنه، أو تعني: كما وجد عند مغرب الشّمس قوماً وجد عند مطلع الشّمس قوماً، وطبق عليهم نفس الدّعوة، والحكم، كما فعل بالقوم السّابقين الّذي وجدهم عند مغرب الشّمس.

{وَقَدْ} : حرف تحقيق، وتوكيد.

{أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} : علمنا بما لديه من قوة، وأسباب مادية، وجنود، وما لاقاه من المشاق، علمنا بخفاياه، وظواهره (نواياه، وأفعاله) على مر الزّمن.

ص: 17

سورة الكهف [18: 92]

{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} :

ثمّ بعد فترة من الزّمن سلك طريقاً آخر متجهاً إلى الشّمال، أو ما بين السّدين.

ص: 18

سورة الكهف [18: 93]

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} :

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ} : ارجع إلى الآية (86)؛ أي: وصل إلى الأرض ما بين الجبلين.

{بَيْنَ السَّدَّيْنِ} : السّد: الجبل، أو الحاجز؛ أي: بين الجبلين فتحة كالوادي بين جبلين، وقيل: الكثير عن موقع بين السدين من كونه السّد بين الجبلين موجود في جمهورية جورجيا السّوفيتية ما يسمى: فتحة داريال بجبال القوقاز، وهناك من ينكرون ذلك، والمهم ليس المكان بحد ذاته.

{وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا} : أي: وجد أمام السّدين.

{قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} : أي: لا يفهمون لغة ذي القرنين، أو ما يقال لهم، وقوله تعالى: لا يكادون: تعني: لا يفهمون ما يقال لهم إلا بجهد، وبطء، وصعوبة.

ص: 19

سورة الكهف [18: 94]

{قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} :

{قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ} : أي: القوم الّذين كانوا بين السّدين لا يكادون يفقهون قولاً (قالوا) بواسطة مترجم، أو أكثر كانوا مع ذي القرنين.

{إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} : إنّ: للتوكيد.

{يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} : هما قبيلتان من ملة يافث من ذرية نوح عليه السلام كانوا يسكنون خلف السّد، وقيل: يأجوج من التتر، ومأجوج من المغول.

{مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ} : بالقتل، والتّخريب، والإفساد.

{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ} : هل: استفهام يفيد العرض.

{خَرْجًا} : أجراً من المال، أو جُعلاً من المال، والخراج: ما لزم أداءه.

{عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} : أي: حاجزاً يمنعهم من الوصول إلينا؛ فقد كانوا يخرجون من الفتحة بين السّدين (الجبلين)، وكان مسكنهم وراء هذين السّدين (الجبلين).

ص: 20

سورة الكهف [18: 95]

{قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} :

{قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ} : قال ذو القرنين: ما مكني فيه ربي؛ أي: ما أعطاني ربي من المال، والملك، والعلم، وما أنا فيه من نعمة خير من الخراج الّذي ستجمعونه لي لبناء السّد، أو خير من خراجكم.

{فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ} : فأعينوني: الفاء: للمباشرة؛ أي: ما أحتاج إليه حقيقة هو القوة البشرية الّتي تساعدني على إقامة السّد (الردم).

{أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} : هم طلبوا منه أن يبني لهم سداً، وهو اقترح أن يبني لهم ردماً؛ لأنّ الرّدم أفضل من السّد، والرّدم: هو سداً له جدارين من الأمام، والخلف، وبينهما طبقات من الحديد، وهو أقوى مقاومة من السّد للهزات الأرضية، وعوامل البيئة حيث تمتص طبقات السّد: الصّدمات الأرضية.

ص: 21

سورة الكهف [18: 96]

{آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} :

{آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ} : أحضروا إلي زبر الحديد: قطع الحديد الضّخمة.

{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية.

{إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} : إذا: شرطية. الصّدف: الجانب؛ أي: جانبي الجبل ساوى: تساوياً في العلو، أو الارتفاع مع زبر الحديد المطبق بعضها فوق بعض.

{قَالَ انفُخُوا} : أوقدوا النّار بشدة؛ حتّى تذاب صحائف الحديد، وبعد ذلك قال:

{حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} : حتى إذا أصبحت قطع الحديد حمراء كالنار قال أعطوني أو جيئوني بالقطر. قيل: هو النّحاس المذاب، أو الرّصاص حتى أصبه عليه؛ أي: الحديد المجمر.

ص: 22

سورة الكهف [18: 97]

{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} :

{فَمَا} : الفاء: للتوكيد؛ ما: النّافية.

{اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} : أي: التّسلق، والصّعود عليه؛ لأنّه أملس ناعم، والعبور إلى الجهة الأخرى.

{وَمَا اسْتَطَاعُوا} : ما: النّافية؛ تكرار ما: لزيادة النّفي، وفصل نفي النّقب عن نفي التّسلق عليه، أو كلاهما معاً، وأضاف تاء الافتعال في عملية النّقب؛ أي: كلّ من حاول التّسلق عليه، أو نقبه فشل أمثال قبيلة يأجوج ومأجوج.

{لَهُ نَقْبًا} : أي: وما استطاعوا خرقه، أو إحداث نقب فيه من صلابته، وسماكته؛ لكونه مصنوع من زبر الحديد والقطر (النحاس).

وإذا تأملنا هذه الآية: نجده استعمل كلمة اسطاعوا، واستطاعوا: حذف التّاء في الأولى، ثمّ جاء بها في الثّانية، وتعليل حذف التّاء، ثمّ الإتيان بها؛ ليتناسب مع الفعل؛ فهو قد استعمل اسطاعوا بحذف التّاء؛ ليتناسب مع فعل عدم القدرة على التّسلق، أو الصّعود على السّد، وهو الفعل الأخف، أو الأقل مشقة من النّقب، وجاء بالتاء في استطاعوا؛ ليتناسب مع الفعل الأقوى، أو الأثقل: وهو النّقب مقارنة بالصّعود عليه.

زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ الصعود على السّد أهون من النقب؛ فاستعمل الفعل الأقل أحرفاً (اسطاعوا): للصّعود، ومع النّقب استعمل:(استطاعوا): الأكثر أحرفاً؛ لأنّه أصعب، وأشق.

ص: 23

سورة الكهف [18: 98]

{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَّبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا} :

{قَالَ هَذَا} : قال ذو القرنين لمن طلب منه بناء السّد.

{هَذَا} : الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يشير إلى السّد، وتمكنه من بناء السّد.

{رَحْمَةٌ مِنْ رَّبِّى} : أي: أثر من آثار رحمة ربي عليكم أنّه سبحانه منع قوم يأجوج ومأجوج من الخروج من وراء السّد؛ فهو أسند النّعمة إلى المنعم، ولم يسندها إلى نفسه.

{فَإِذَا} : الفاء: للتوكيد؛ إذا: ظرفية للزمن المستقبل.

{جَاءَ وَعْدُ رَبِّى} : وهو يوم القيامة؛ أي: اقترب يوم القيامة، أو زمن خروج يأجوج ومأجوج قبل يوم القيامة؛ كعلامة من علامات السّاعة الكبرى.

{جَعَلَهُ دَكَّاءَ} : جعل السّد الّذي بُنيَ بالحديد والقِطر دكاء: أرض مستوية؛ أي: سيتهدم ويتفتت، ويصبح مساوياً الأرض. قيل: دكاء مشتقة من ناقة دكاء، النّاقة الّتي لا سنام لها.

{وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا} : أي: كلّ ما وعد به ربي حقاً واقعاً ثابتاً لا محالة؛ أي: السّاعة والقيامة، والثّواب والعقاب، والجنة والنّار.

ص: 24

سورة الكهف [18: 99]

{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} :

{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ} : بعضهم: قد تعود إلى يأجوج ومأجوج، أو تعني: جميع الخلائق.

{يَوْمَئِذٍ} : قد تعني أولاً: يوم تم بنائه يموج بعضهم في بعض وراء السّد لكثرتهم.

أو تعني ثانياً: يوم يخرجون (يأجوج ومأجوج) من السّد قرب قيام السّاعة، ويجعل الله السد دكاء يموج بعضهم في بعض قبل الساعة (خروج يأجوج ومأجوج من أمارات الساعة الكبرى).

أو تعني ثالثاً: بعضهم يومئذ يموج في بعض؛ أي: جميع الخلائق يومئذٍ تعني: يوم القيامة.

{يَمُوجُ فِى بَعْضٍ} : شبههم من كثرتهم وتداخلهم فيما بينهم بأمواج البحر المتلاطمة أو المسابقة.

{وَنُفِخَ فِى الصُّورِ} : أي: النّفخة الثّانية نفخة البعث.

{فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} : فجمعناهم: الفاء: للترتيب، والمباشرة، والتّوكيد؛ جمعناهم: أي: الخلائق في مكان واحد، أو على صعيد واحد: وهي أرض المحشر؛ جمعنا أوّلهم وآخرهم، وإنسهم وجنهم.

{جَمْعًا} : للتوكيد.

ص: 25

سورة الكهف [18: 100]

{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا} :

{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ} : أحضرنا أو أظهرنا لهم جهنم ليروها بأعينهم.

{يَوْمَئِذٍ} : يوم القيامة؛ رؤية حسرة، وندامة، وفزع، ورعب، وخوف.

العرض: يكون للكل من عرض؛ أي: أظهر الشّيء، وأبرزه ليراه المشتري كقوله تعالى:{وَجِااءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} [الفجر: 23]، {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} [الشعراء: 91].

{لِّلْكَافِرِينَ} : اللام: لام الاختصاص.

{عَرْضًا} : للتوكيد، وبعد العرض والحساب: يتبعه الدّخول، والاستقرار فيها، وليس مجرد عرض ورؤية فقط، وهذا يكون للكافرين.

النّار تعرض عليهم؛ كقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46].

وهم يعرضون على النّار؛ كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} [الأحقاف: 20].

أي: هم يعرضون كالسّلعة الّتي تعرض، وجهنم المشتري، أو جهنم السّلعة: وهم المشترون. وهذا العرض ليزدادوا حسرة ويدعوا ثبوراً ويدعوا بالويل والهلاك.

ص: 26

سورة الكهف [18: 101]

{الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِى وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} :

{الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِى} : الّذين: اسم موصول يعود على الكافرين الّذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري.

{كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} : في الدّنيا.

{فِى غِطَاءٍ} : أي: مصابون بعمى البصيرة، أو في غشاوة لا يبصرون، ولا يرون ما حولهم من الآيات الدّالة على وجود الإله الحق.

{عَنْ ذِكْرِى} : عن القرآن، وعن آياتي، ووصف القرآن بالذّكر، وأضاف إليه ياء المتكلم لتشريفه، وكونه منزل من عنده سبحانه.

{وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} : كأنّ في آذانهم وقراً، أو صمم؛ لأنّهم كانوا لا يريدون سماع آيات الله تعالى تتلى عليهم، وإذا سمعوها لا ينتفعون بسماعها؛ كقوله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26].

ص: 27

سورة الكهف [18: 102]

{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِى مِنْ دُونِى أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} :

{أَفَحَسِبَ} : الهمزة: همزة استفهام، وتوبيخ، وحسب: من الحسبان: وهو التّقدير، والحساب؛ أي: اعتقدوا اعتقاداً خاطئاً، أو باطلاً.

{أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِى} : مثل: الملائكة، أو عيسى بن مريم، أو الأنبياء.

{مِنْ دُونِى أَوْلِيَاءَ} : من غيري أولياء يطلبون منهم العون، والنّصرة، والمحبة.

{إِنَّا أَعْتَدْنَا} : هيأنا، واستعمال صيغة التّعظيم تدل على شدة الإنذار.

{جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} : للكافرين: اللام: للاختصاص، والنّزل: ما يُعد لإكرام الضّيف من الطّعام، والشّراب، والإقامة، وهذا من قبيل التّهكم، والسّخرية.

ص: 28

سورة الكهف [18: 103]

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} :

{قُلْ هَلْ} : قل لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم:

{هَلْ} : استفهام فيها معنى التّعليم، والإرشاد، والجواب جاء في الآية (104).

{نُنَبِّئُكُمْ} : من النّبأ: وهو الخبر العظيم؛ أي: نخبركم بخبر عظيم، وهام.

{بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} : بالأخسرين: الباء: باء السّببية؛ أي: من هم أخسر النّاس؛ أي: أكثرهم خسارة يوم القيامة، والأخسرين: جمع أخسر؛ اسم تفضيل من خاسر، ويعني: أكثر خسارة لأعمالهم الّتي عملوها (من قول وفعل) في الدّنيا. ارجع إلى سورة النساء آية (119) لمزيد من البيان.

ص: 29

سورة الكهف [18: 104]

{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} :

{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : ضل يعني: بطل، وذهب هباء؛ حبط سعيهم يعني: حبطت أعمالهم الّتي عملوها، وسعوا إليها في الدّنيا.

{وَهُمْ يَحْسَبُونَ} : هم: ضمير منفصل يفيد التّوكيد.

{يَحْسَبُونَ} : يعتقدون أنّهم يحسنون صنعاً: يُجيدون العمل، ويعملون الأعمال الصّالحة، ولا يدرون أنّ أعمالهم ستحبط وتذهب هباء منثوراً؛ لأنّهم أشركوا بالله، وكفروا بآياته، ورسله، واتخذوا من دونه أولياء، وأبطلوا ثواب أعمالهم؛ فأصبحت {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْـئَانُ مَاءً} [النور: 39].

ص: 30

سورة الكهف [18: 105]

{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} :

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، ويفيد الذم.

{الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} : الآيات؛ سواء أكانت القرآنية، أم الكونية، أم المعجزات.

{وَلِقَائِهِ} : أي: لم يؤمنوا، ويصدقوا بالبعث، والحساب، والعرض على ربهم. واللقاء؛ يعني: الاجتماع مع الاتصال.

{فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} : بطلت، وذهب ثوابها هباء منثوراً بسبب كفرهم، أو شركهم بالله تعالى يوم القيامة، ولكنهم يثابون عليها في دنياهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (217)؛ لبيان معنى: الحبط.

{فَلَا} : الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.

{نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} : لهم: اللام: لام الاختصاص؛ أي: لا نقيم لهم أي أهمية، أو قدراً، أو حظاً في الآخرة. روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» .

ص: 31

سورة الكهف [18: 106]

{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَرُسُلِى هُزُوًا} :

{ذَلِكَ} : اسم إشارة يشير إلى إحباط أعمالهم، ولا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.

{جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ} : وهنا نحن أمام احتمالين: الأوّل: جزاؤهم جهنم، والاحتمال الثّاني: حذف واو الحالية، وتقديرها: وجزاؤهم جهنم.

{بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَرُسُلِى هُزُوًا} : بما: الباء: باء السّببية؛ أي: بسبب كفرهم؛ ما: اسم موصول بمعنى: الذي، أو مصدرية، وبسبب استهزاءهم بآيات الله ورسله. ارجع إلى سورة الزمر آية (48) لبيان معنى الاستهزاء.

وفي الآية (56) من سورة الكهف قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} ؛ أي: ما أنذروا به من العذاب، والنّار، وإذا قارنا بين الآيتين: الآية (56)، والآية (102): نجد أنّهم استهزأوا بالآيات في كلا الآيتين، واستهزأوا بالإنذار (بالعذاب أو النّار) في الآية (56)، واستهزأوا بالرّسل (الأنبياء والرّسل) في الآية (102)؛ فالأكثرية استهزأوا بالآيات، وقسم استهزأ بما أنذروا به، وقسم استهزأ بالرّسل والأنبياء.

ص: 32

سورة الكهف [18: 107]

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} :

{إِنَّ} : إن: للتوكيد.

{آمَنُوا} : بالله، ولم يشركوا بالله شيئاً، وآمنوا بكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر، وعملوا صالحاً.

{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : الفرائض والنوافل والعبادات القلبية كالذكر وتدبر القرآن وغيرها من الأعمال الصالحة.

{كَانَتْ لَهُمْ} : لهم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.

{جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ} : وهي أعلى الجنان درجةً، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث عن عبادة بن الصامت:«الجنة مئة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض الفردوس أعلاها ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس» رواه البخاري وغيره.

{نُزُلًا} : النُّزل ما يُهيئ للضيف من الطّعام، والشّراب، والإقامة مكرمة له، وكل ما يُعد لإكرام الضّيف.

ص: 33

سورة الكهف [18: 108]

{خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} :

{خَالِدِينَ فِيهَا} : في جنات الفردوس؛ الخلود: استمرار البقاء إلى ما لا نهاية، ويبدأ من زمن دخولهم إياها.

{لَا يَبْغُونَ} : لا: النّافية.

{يَبْغُونَ} : لا يطلبون، أو يلتمسون، أو لا يريدون عنها حولاً.

{حِوَلًا} : الحِول: اسم مصدر من تحول؛ أي: لا يطلبون تحولاً عنها إلى غيرها لما فيها من النّعيم، والسّعادة.

ص: 34

سورة الكهف [18: 109]

{قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} :

{قُلْ} : لهم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى} : لو: شرطية. البحر: اسم جنس يشمل كل بحر أو محيط من البحار والمحيطات.

{مِدَادًا} : حبراً؛ أي: لو كان ماء البحر حبراً؛ لتكتب به كلمات ربي.

{لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى} : لنفد: اللام: للتوكيد؛ نفد: فنى، وذهب؛ أي: جف البحر، ولم تنتهي كتابة كلمات ربي، واللام في لنفد: للتوكيد.

{وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} : أي: لو جئنا بمثل البحر أبحر أخرى؛ لنفد أيضاً.

{مَدَدًا} : زيادة، ولم يحددها بعدد. والمدد: كل شيء زاد في شيء.

وفي الآية (27) من سورة لقمان قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} .

إذن: لا البحر، ولا البحران، ولا سبعة أبحر تكفي لكتابة كلمات ربي.

انتبه: إلى كلمة مِدَاداً في أوّل الآية، وكلمة مَدَداً في نهاية الآية، هل هناك فرق بينهما؟

مِداداً: في أوّل الآية تعني: الحبر.

مَدداً: في نهاية الآية تعني: الزّيادة؛ كلّ شيء زاد في شيء يسمى: مَدداً.

ص: 35

سورة الكهف [18: 110]

{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} :

{قُلْ} : قل لهم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{إِنَّمَا} : كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد، والحصر.

{أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} : أنا ليس مَلك من الملائكة، وإنما بشر من جنسكم.

{يُوحَى إِلَىَّ} : الوحي: هو الإعلام بالخفاء؛ أي: يُوحي إلي ربي عن طريق جبريل عليه السلام . ارجع إلى سورة النّساء، آية (163)؛ لبيان معنى: يوحى إلي.

{أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} : أنما: للحصر، والتّوكيد.

{إِلَهُكُمْ} : معبودكم.

{إِلَهٌ وَاحِدٌ} : واحد: توكيد، واحد: لا يتجزأ لم يلد، ولم يولد، ليس له ولد. ارجع إلى سورة الصافات آية (4) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.

{فَمَنْ كَانَ} : فمن: الفاء: للتوكيد؛ من: شرطية استغراقية.

{يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} : ارجع إلى الآية (105) من نفس السورة؛ أي: يرجو: يأمل ثواب ربه؛ أي: جنته، أو يرجو لقاء ربه يوم القيامة، وهو راض عنه.

{فَلْيَعْمَلْ} : الفاء: للتوكيد، والمباشرة، واللام: للتوكيد، وقيل: لام الأمر، أو التّعليل.

{عَمَلًا صَالِحًا} : يعمل أي: عمل صالحاً بإخلاص؛ موافقاً لكتاب الله وسنته.

{وَلَا يُشْرِكْ} : اللام: لام النّاهية.

{يُشْرِكْ} : لا يجعل مع الله شريكاً، أو ولداً، أو ولياً، أو يشرك شركاً ظاهراً، أو خفياً؛ لأن الشرك محبط للعمل الصالح.

{بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} : بعبادة: الباء: للإلصاق؛ مهما كان ملك، أو نبي، أو ولي. ولتعريف معنى العبادة: ارجع إلى سورة النّحل، آية (73)، وسورة البقرة، آية (21)، وسورة الأنبياء، آية (106).

{أَحَدًا} : للتوكيد.

ص: 36

سورة مريم [19: 1]

سورة مريم

ترتيبها في القرآن (19)، وترتيبها في النّزول (44).

{كهيعص} :

ارجع إلى الآية (1) من سورة البقرة.

ص: 37

سورة مريم [19: 2]

{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} :

{ذِكْرُ} : أي: هذا الّذي نذكره لك بعضٌ من رحمة ربك لعبده زكريا.

{رَحْمَتِ رَبِّكَ} : بالتّاء المفتوحة، ولم تأتِ بالتّاء المربوطة (رحمة)؛ لأنّها رحمة خاصة بزكريا، بأن وهب له يحيى، وكانت امرأته عاقراً، وقد بلغ من الكبر عتياً. أمّا رحمة: بالتّاء المربوطة: فهي رحمة عامة لكلّ البشر، وهذا من خصائص القرآن.

رحمت ربك: الخطاب موجه إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم.

{عَبْدَهُ} : هاء: الضّمير تعود إلى الله سبحانه، وهذا تشريف لزكريا بكونه عبداً لله سبحانه.

{زَكَرِيَّا} : من ولد سليمان من داوود عليه السلام ، وزكريا كان زوجاً لخالة مريم.

ص: 38

سورة مريم [19: 3]

{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} :

{إِذْ} : ظرف للزمن الماضي؛ تعني: واذكر إذ نادى ربه.

{نَادَى رَبَّهُ} : النّداء: هو الدّعاء برفع الصوت؛ دعا ربه. وهناك فرق بين النداء والدعاء، والنداء: يكون برفع الصوت، وأما الدعاء: فيكون برفع الصوت أو خفضه.

{نِدَاءً خَفِيًّا} : نادى ربه رافعاً صوته وبشكل خفي؛ أي: لم يسمعه أحد من الناس.

ص: 39

سورة مريم [19: 4]

{قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} :

{قَالَ} : زكريا.

{رَبِّ} : حذف ياء النّداء، ولم يقل: يا رب؛ لأنّه يعلم أنّ ربه سبحانه قريب منه، ويسمعه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد قرب معنوي، وياء النّداء تستعمل للبعد والتنبيه، وقال: رب، ولم يقل: يا الله؛ لأنّ ما سيطلبه أو يدعو الله ويتمناه هو عطاء من عطاء الرّبوبية (أن يرزقه الولد)، وأمّا (يا الله) فهي تستعمل في أمور العبادة والطّاعة.

{وَهَنَ الْعَظْمُ} : وهن العظم؛ أي: رق وضعف عظمه بسبب كبر سنه، وتقدمه في العمر، وهذا ما نسميه ترقق العظام، أو هشاشة العظم بسبب نقص الكالسيوم، وفيتامين (د)، وغيره من العوامل مثل نقص البروتينات الّتي تصيب النساء خاصة، والشيوخ، والكهول بشكل عام، وقد يكون المعنى: ضعفت حركته، وقلت بسبب عجزه.

{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} : شبه انتشار الشّيب في رأسه كاشتعال النّار في الحطب، وهذا دليل آخر على كبره، وتقدمه في السّن. واشتعل: أي: انتشر الشيب في رأسه.

{وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} : لم: حرف نفي؛ لنفي الحال عادة، واستعمل: لم أكن، ولم يقل: ولم أك؛ لأنّه غير متيقن، ولا يعلم أنّ الله سيستجيب لدعائه، أم لا؛ فهو في أمل كبير، ولو قال: لم أك بدعائك؛ تدل على اليقين بالاستجابة لدعائه.

{شَقِيًّا} : وهذا يدل على أنّ الله سبحانه أكرمه سابقاً واستجاب له دعاءه، ولذلك قال: لم أكن بدعائك شقياً؛ لأنّ له سابقة استجابة، ويقال: شقي فلان: إذا لم ينل مراده، وتعب بالدّعاء، ولم يستجب له، عندها يعتبر نفسه شقياً، والباء: للإلصاق، والاستمرار.

ص: 40

سورة مريم [19: 5]

{وَإِنِّى خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِنْ وَرَاءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} :

{وَإِنِّى} : للتوكيد.

{خِفْتُ} : من الخوف، والخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ الخوف: ناشئ عن كون مواليه غير كفءٍ لحمل رسالته، ووراثة علمه، ونشر الدّين.

{الْمَوَالِىَ} : الأقارب، وعادة تطلق على بني العم، والعصبة.

{مِنْ وَرَاءِى} : من بعدي (بعد موته).

{وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا} : أي: كانت في الماضي عاقراً؛ {وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا} : كان هذا القول عندما دعا زكريا ربه، أمّا قوله:{وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ} : أي: هي عاقر الآن، كان هذا القول عند البشارة بيحيى، كما ورد في سورة آل عمران، الآية (40)، والواو في وامرتي: واو الحال. إذن: امرأة زكريا كانت، ولا زالت عاقراً؛ أي: لا تلد، وغير صالحة للإنجاب منذ شبابها إلى حين الدّعاء، ومرض العقر غير العقم، وكلاهما يحدث فيهما الإخفاق في الحمل، أو عدم الحمل. إذن قال زكريا:{وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا} عند الدعاء، وامرأتي عاقراً عند البشارة؛ أي: في زمنين مختلفين.

ولكن هناك فرق بينهما.

المرأة العاقر: يعني: كانت قادرة على الإنجاب، ولكن أصابها الكبر والتّقدم في السّن؛ فأصبحت عاقراً، أو أصابها مرض عضوي أدى إلى العقر، وقد يكون قابلاً للعلاج، وهو أمر نسبي.

أمّا كونها عقيم: فيدل على كونها لم تكن قادرة على الإنجاب منذ بلوغها؛ لإصابتها بمرض، أو تشوه خلقي؛ فيستحيل معه القدرة على الإنجاب، أو العلاج، وهذا ما رأيناه في حالة امرأة إبراهيم عليه السلام الّتي قالت عن نفسها:{عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 29].

{فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} : فهب: الفاء: للتوكيد؛ هب لي: الهبة عطاء بدون مقابل، وغير مقيد بالأسباب. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (8)؛ لمزيد من البيان.

{مِنْ لَدُنْكَ} : ولم يقل: من عندك؛ من لدنك: تستعمل في الشّيء، أو الأمر الخاص، وليس العام، وهو أن يهب له ولداً وهو في سن الشّيخوخة وامرأته عاقر.

{وَلِيًّا} : أي: ولداً؛ أي: أن تلد امرأة، وهي بهذه الحالة كمعجزة، ولو قال: من عندك: قد تعني أن يتزوج امرأة أخرى، أو يقدم الأسباب كالعلاج. ارجع إلى سورة الكهف، آية (65)؛ لبيان معنى: من لدنك.

ص: 41

سورة مريم [19: 6]

{يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} :

{يَرِثُنِى} : الميراث هنا يعني: ميراث النّبوة، والعلم، وليس ميراث المال، فالأنبياء لا يورثون، وما يتركونه من مال هو صدقة.

{وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} : إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، و"يرث": التّكرار للتوكيد؛ يرث من آل يعقوب النّبوة، والعلم، والملك أيضاً.

{وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} : وارض عنه قولاً وفعلاً، واجعله عبداً صالحاً؛ أي: وفِّقه لإقامة دينك، والعمل لما يرضيك.

ص: 42

سورة مريم [19: 7]

{يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} :

وفي سورة آل عمران، الآية (39):{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} ويحيى غلام.

إذن {يَازَكَرِيَّا} : يا: النّداء والتنبيه؛ أي: فنادته الملائكة، ومتى كان النّداء؟ وهو قائم يصلي في المحراب، كما بينته الآية (39) من سورة آل عمران:{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ} .

{إِنَّا} : بصيغة الجمع والتعظيم لله سبحانه.

{نُبَشِّرُكَ} : والبشارة: تكون عادة لأمرٍ سار، ولأوّل مرة وكان بغلام، ولم يقل: ولد؛ لأن الولد قد يكون ذكراً أو أنثى؛ اسمه يحيى. سماه الله يحيى، ولم يترك لزكريا تسميته.

{يَحْيَى} : يعني: لا يموت، وقد قتل يحيى وذبح على يد ملك الرّومان، فكيف سمي يحيى، وهو لم يعش طويلاً؟

قالوا: بما أنّ يحيى قتل صار شهيداً، والشّهيد لا يأتيه الموت أبداً، بل بمجرد قتله يدخل الجنة، كما قال تعالى:{أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، تبارك الله ومن أصدق من الله حديثاً.

{لَمْ نَجْعَل لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} : لم: حرف نفي؛ أي: لم يُسمَّ أحدٌ من قبل بهذا الاسم، كما روي عن ابن عباس، أو لم نجعل له من قبل مثلاً، وشبهاً من حيث لم يعص الله تعالى، ولم يَهُم بمعصية، أو لم تلد امرأة عاقر مثله ولداً. والأرجح هو لم يسم باسمه أحد قبل ذلك.

{سَمِيًّا} : مشتقة من الاسم، أو التسمية، أو مشتقة من سَميّ؛ أي: الشبيه، أو المثيل.

ص: 43

سورة مريم [19: 8]

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} :

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ} : قال رب: ارجع إلى الآية (4) من نفس السورة. قال زكريا: رب أنَّى: تحمل معنى الاستفهام؛ أي: كيف، ومن أين، وفيها تعجب؛ فهو يستفهم، ويتعجب من الغلام الّذي تبشره به الملائكة؛ فكيف يكون له غلام!

{غُلَامٌ} : هو من شارف على البلوغ، سواء أبلغ سن البلوغ، أم لم يبلغ، وهو في مرحلة يكون شديد الشهوة، وتقدر بين (14 سنة، و17 سنة).

{وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا} : أي: في الماضي، والحاضر، وهو لا يشك أبداً بقدرة الله تعالى، ولكن يستفهم، ويتعجب.

{وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} : قد: للتحقيق، والتّوكيد.

{بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} : ويعيد، ويكرر على كون امرأته عاقراً، وأنّه بلغ من الكبر عتياً، ورغم أنّه قال سابقاً: وهن العظم مني واشتعل الرّأس شيباً، فلماذا يكرر السّؤال مرتين، أو لِمَ يذكر ذلك؟ أليس الله يعلم حاله، وحال امرأته؟

الجواب: نعم، ولكن من شدة فرحته، وكأنّه لا يصدق بشارة الملائكة، أو يحاول التّذكير بحاله، وحالة زوجته، والتّأكد ليطمئن قلبه.

{عِتِيًّا} : من عتى كَبِر وَوَلى؛ يعني: أصبحت عظامي، ومفاصلي؛ كالعود اليابس، أو التّصلب، أو بلغت مراحل الهرم الّذي لا يقوى على منعه، أو إيقافه أيُّ دواء، أو وسيلة حتّى ينتهي بالموت.

لنقارن هذه الآية (8) من سورة مريم مع الآية (40) من سورة آل عمران: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ} .

ففي آية آل عمران قال: وقد بلغني الكبر، ولم يُبين درجة الكبر، وفي آية مريم قال: وقد بلغت من الكبر عتياً، بيَّن درجة الكبر، ووصف الكبر بالعتي.

وفي آية آل عمران قال: وامرأتي عاقر؛ يعني: الآن، وفي آية مريم قال: وكانت امرأتي عاقراً؛ أي: منذ شبابها؛ أي: عقرها مرض قديم، ولا زال إلى الآن؛ فكلا الآيتين تعطي معلومة جديدة، وليس تكرار.

ص: 44

سورة مريم [19: 9]

{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـئًا} :

{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ} : كذلك: تفيد التشبيه؛ أي: مثل ذلك؛ أي: كذلك أمرَ ربك وقضى. وفي سورة آل عمران آية (40): {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ، وإذا قارنا قوله تعالى:{يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} في سياق زكريا ويحيى مع {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} في مريم وعيسى: نجد أن الفعل هو أهون من الخلق؛ أي: أن خلق عيسى أصعب من خلق يحيى؛ لأن خلق يحيى كان من أب وأم، أما عيسى فكان من أم فقط؛ هذا بالنسبة للتقدير البشري، أما بالنسبة لله سبحانه فالكل عليه هين سبحانه؛ لأنه لا يعجزه شيء.

{هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ} : وفي آية أخرى (27) من سورة الرّوم: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، فهناك شيء هين، وشيء أهون من الهين (يقابله شيء شاق، وشيء أشق).

ولنعلم: أنّ الأمر بالنّسبة لله تعالى ليس عنده شيء هين، وشيء أهون، الكلّ سواسية؛ فكلّ الأشياء هينة عنده سبحانه لا يصعب عليه شيء، وإنما يقصد بهذه الألفاظ: تقريب المعنى إلى أذهان البشر؛ لفهم المعنى، ونحن نعلم: إنما أمره إذا أراد شيئاً أنّ يقول له: كن فيكون، أو أقرب من ذلك.

{وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـئًا} : قد: للتحقيق، والتّوكيد.

{شَيْـئًا} : نكرة لم تكن أيَّ شيء مهما كان صغيراً، أو كبيراً، أو يستحق الذّكر، كقوله تعالى في الآية (67) من سورة مريم:{أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـئًا} ، سواء أنطفة في الأصلاب، أم كونه من تراب، وكقوله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْـئًا مَّذْكُورًا} [الإنسان: 1]. وقوله: {لَمْ يَكُنْ شَيْـئًا مَّذْكُورًا} : أي: كان شيئاً ولم يكن؛ مذكوراً: أي: خلقه من عدم، فقوله تعالى:{خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـئًا} أبلغ أو أصعب من خلقتك من شيء لم يكن مذكوراً بالتقدير البشري.

ص: 45

سورة مريم [19: 10]

{قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّى آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} :

{قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّى آيَةً} : قال زكريا: رب اجعل لي أنا خاصة؛ اللام: لام الاختصاص؛ آية: علامة على أنّ امرأتي حامل؛ (لأنّها لا تحيض لكونها عاقراً)، ولا بد من علامة أخرى رغم أنَّ البشارة كانت تكفي، وكأنّه لا يصدق أن تحمل امرأته، أو لا يريد الانتظار طويلاً، ويريد توكيداً آخر؛ ليطمئن قلبه.

{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا} : ألا: مركبة من: أن، ولا؛ أن: مصدرية؛ لا: النّاهية.

{تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} : سوياً؛ أي: وأنت تستطيع الكلام مع الآخرين ثلاث ليال وأنت معافى، وسليم الجوارح، وليس بك مرض، أو عيب ولكنك غير قادر على الكلام تلك المدة من الزّمن (أي: لجم الله لسانه عن الكلام)، وفي الآية (41) من سورة آل عمران قال:{ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} انظر إلى الآية (41) من سورة آل عمران؛ للمقارنة، ومعرفة الفرق بين ثلاث ليال، وثلاثة أيام.

ص: 46

سورة مريم [19: 11]

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} :

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ} : فخرج زكريا في صبيحة الليلة الّتي حملت فيها امرأته من المحراب.

{مِنَ الْمِحْرَابِ} : والمحراب: مكان صلاة الإمام، وسمي المحراب؛ لأنّه يحارب فيه الشّيطان، وتحارب به وسوسته أكثر من أي مكان آخر.

{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} : أشار إليهم: إلى الحاضرين في المصلى أن سبحوا بكرة: أوّل النّهار، وعشياً آخره، قال لهم بطريقة الإشارة؛ لأنّه لا يتكلم.

سبحوا: كأنّ الأمر (صادر من الله سبحانه) له ولغيره من المصلين بالتّسبيح بكرة وعشياً، أو يسبحوا معه، ولماذا شمل الأمر بالتّسبيح لغير زكريا مع أنّ الأمر خاص به؟ لأنّ يحيى الّذي سيولد سيكون نبياً لهم، ويتعلم التّوراة، ويتعلم الحكم، وهو صبي، ويحمل الرّسالة الّتي سينتفع بها الصّغير، والكبير، أو كلّ القوم.

ولنقارن قوله تعالى في هذه الآية (11) من سورة مريم: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} ، وقوله تعالى في الآية (41) من سورة آل عمران:{وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ} .

أوّلاً: التّعريف بأل، بالعشي والإبكار في آية آل عمران؛ يفيد العموم؛ أي: على الدّوام التسبيح الدائم.

وفي آل عمران الّذي يدعو هو الله سبحانه يدعو زكريا، وفي آية مريم زكريا الّذي يدعو قومه بالتّسبيح والذّكر فقال: بكرة وعشياً؛ أي: في هذين الوقتين، وليس على الدوام بصيغة التّنكير؛ فناسب التّعريف في حق الله تعالى، وناسب التّنكير في حق زكريا؛ لأنّ هناك فرقاً بين الرّب والعبد. ارجع إلى الآية (41) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان.

ثانياً: في سورة مريم قال تعالى: بكرة وعشياً، قدم (بكرة) على (عشياً)؛ في سورة آل عمران قال تعالى: بالعشي والإبكار، قدم (العشي) على (الإبكار).

البكرة: وقتها من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس (وقت الإبكار)، وعشياً: من وقت صلاة الظّهر إلى صلاة المغرب.

ففي سورة مريم قال تعالى: ثلاث ليال سوياً، ثمّ أتبعها بقوله: بكرة وعشياً؛ لأن يتبع الليل البكرة.

وفي سورة آل عمران قال: ثلاثة أيام إلا رمزاً، ثمّ أتبعها بقوله: بالعشي، والإبكار؛ لأنّه ذكر اليوم يعني: النّهار، ويتبع النّهار العشي، واليوم في القرآن يعني: النّهار؛ أي: فقط (اثنتا عشرة ساعة). ارجع إلى سورة غافر، الآية (55)؛ لمزيد من البيان عن العشي، والإبكار، وبكرة وعشياً. وترتيب ساعات النّهار، قيل: هي الشّروق، والبكور، والغدوة، ثمّ الضحى، ثمّ الهاجرة، ثمّ الظهيرة، ثمّ الرواح، ثمّ العصر، ثمّ الأصيل، ثمّ العشي، ثمّ الغروب.

ص: 47

سورة مريم [19: 12]

{يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} :

{يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} : أي: التّوراة.

{بِقُوَّةٍ} : بجد واهتمام وحرص، وحفظ، وتمسك به بإخلاص، والعمل بالأوامر، والنّواهي.

{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} : الفقه في الدّين، ومعرفة الأحكام، وفهم التّوراة، والعلم في سن مبكرة. قيل: كان ابن سبع سنين، ولا عجب؛ لأنّ هناك من يحفظ القرآن وهو صبي، وابن سبع سنين؛ لأنّ المسألة عطاء من الله لا تخضع للقوانين البشرية، وكان يحيى عليه السلام ، وعيسى عليه السلام ممن أُتوا النّبوة قبل سن الأربعين سنة.

ص: 48

سورة مريم [19: 13]

{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا} :

{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} : بما أنّ الله سبحانه وهب لزكريا يحيى، وكانت امرأته عاقراً، وقد بلغ من الكبر عتياً، فكانت ولادة يحيى معجزة أوّلاً، ثمّ سبحانه سماه يحيى، ولم يجعل له من قبل سمياً، وها هو سبحانه يرعاه، ويحن عليه من لدنه؛ لأنّ طاقة الحنان عند والديه ربما تكون قد نضبت لكونهما قد كبرا، وتقدما في السّن؛ فهي غير كافية، والطّفل بحاجة إلى عطف، وحنان، ولذلك قال سبحانه: سنعوض لك ذلك.

{مِنْ لَدُنَّا} : ولم يقل: منا؛ لأنّ هذا الحنان خاص به وحده؛ لأنّ كلمة منا تأتي في سياق الحنان العام؛ أي: للكلّ.

{وَزَكَاةً} : طهارة من الذّنوب (مطهراً من الذّنوب) نتيجة التّربية الإلهية، والزّكاة تعني: البركة (مباركاً)، والزّيادة في الخير، والعمل الصّالح، وقيل: في معنى وزكاة؛ أي: أنّ الله تصدق على زكريا بأن رزقه يحيى؛ فكان كصدقة على أبويه من الله تعالى.

{وَكَانَ تَقِيًّا} : كان: تشمل كلّ الأزمنة، ولا تعني الماضي فقط، وبدلاً من القول: وسيكون تقياً، جاء بصيغة الماضي؛ كأنّ الأمر انتهى، وحُسم.

{تَقِيًّا} : أي: مطيعاً لأوامر الله تعالى، ومتجنباً لنواهيه.

ص: 49

سورة مريم [19: 14]

{وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} :

{وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ} : أي: جعلناه براً بوالديه؛ أي: محسناً لهما رؤوفاً بهما.

{وَلَمْ يَكُنْ} : لم: للنفي.

{يَكُنْ} : في الحال، والمستقبل.

{جَبَّارًا} : تحمل عدة معانٍ: قاسياً متكبراً متعالياً، وتعني: الّذي يجبر النّاس على فعل ما لا يحبون مستخدماً وسيلة الظّلم، والعتو والقهر، أو الذي يتعاظم بالقهر والتسلط والقتل، والجبار أبلغ من المتكبر.

{عَصِيًّا} : لا يعصي ربه، ولا يعصي والديه، وعصياً أبلغ من عاصي. قيل: لم يعص ربه، ولا مرة عصياً، أو ينوي المعصية.

ولمقارنة هذه الآية (14) من سورة مريم: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} ، مع الآية (32) من سورة مريم:{وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا} .

الآية (14): {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} : هذا كلام الله سبحانه في حق يحيى؛ فالله سبحانه يعلم الغيب، ويعلم من سيكون جباراً، ومن سيكون عصياً؛ فنفى عن يحيى عليه السلام كلا الصفتين.

والآية (32): {وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا} : هذا كلام عيسى عليه السلام في حق ذاته، أو عن نفسه؛ أي: لأنّ الله سبحانه أعطاني حرية الاختيار، فلن أختار أنّ أكون جباراً شقياً.

وكلمة جباراً: ذكرت في كلا الآيتين، وذكر عصياً في الآية (14)، وشقياً في الآية (32).

أوّلاً: النّبي، أو الرّسول لا يصح أنّ يكون لا جباراً، ولا عصياً.

وعصياً: من العصيان، والعصيان من عمل العبد.

أمّا شقياً: من الشّقاوة، والشّقاوة: سببها عصيان الله، والله سبحانه لا يجعل أي إنسان لا جباراً، ولا شقياً، ولا عصياً، بل ترك له حرية الاختيار.

ص: 50

سورة مريم [19: 15]

{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} :

{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ} : أي: سلامٌ من الله على يحيى عليه السلام ، وسلام جاء بصيغة النّكرة؛ ليشمل كلّ أنواع السّلام:

1 -

سلام يعني: التّحية؛ أي: تحية من الله على يحيى.

2 -

والسّلام يعني: السلامة من كلّ أذى، أو مكروه.

3 -

ويعني: الأمن والطّمأنينة.

{يَوْمَ وُلِدَ} : سلام عليه يوم ولد.

{وَيَوْمَ يَمُوتُ} : ولم يقل يوم مات، وجاء بصيغة المضارع لحكاية الحال بدل الماضي إلى مضارع؛ ليجعل موته كأنه يحدث أمام أعيننا؛ لأنه مات شهيداً.

{وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} : أي: يوم البعث والقيامة.

ثلاثة أيّام، أو أزمنة يكون فيها العبد في أمس الحاجة إلى سلام من الله سبحانه الخالق. ولمقارنة هذه الآية:{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} ، مع الآية (33) من سورة مريم:{وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} . ارجع إلى الآية (33) من السّورة نفسها.

ص: 51

سورة مريم [19: 16]

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} :

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ} : واذكر يا محمّد صلى الله عليه وسلم.

{فِى الْكِتَابِ} : في القرآن الحكيم.

{مَرْيَمَ} : قصة مريم، وما حدث لها.

{إِذِ} : ظرف زماني؛ بمعنى: حين.

{انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} : النّبذ: هو طرح الشّيء؛ أي: إلقاء الشّيء استهانة به؛ أي: كأنّها ألقت بنفسها بعيداً عن أهلها، وعن النّاس؛ أي: اعتزلت وانفردت بنفسها مكاناً شرقياً.

{مَكَانًا شَرْقِيًّا} : شرقياً: قيل: شرقي بيت المقدس، وكان هذا الانتباذ للعبادة، والخلوة، وقيل: للطهارة من الحيض؛ حتّى تغتسل، ثمّ تعود إلى بيت المقدس. والانتباذ الثّاني الّذي سنراه سيكون سببه الحمل بعيسى عليه السلام ، ولماذا شرقياً؟ ولم يقل: غربياً، ولا شمالاً، ولا جنوباً؛ لأنّ جهة الشّرق شروق الشّمس هي قبلة النّصارى، وهم يتفاءلون، ويعظمون جهة الشّرق.

ص: 52

سورة مريم [19: 17]

{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} :

{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ} : فاتخذت: الفاء: للمباشرة؛ اتخذت من دونهم؛ أي: أهلها، والنّاس.

{حِجَابًا} : ساتراً يحجبها عن أهلها، وعن النّاس، والحجاب: هو السّاتر الّذي يحجب الإنسان عن غيره، ويحجب غيره عنه، وفي الآية السّابقة قال تعالى:{انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} ؛ أي: ابتعدت، وانفردت أوّلاً بعيداً عن أهلها، ثمّ اتخذت أو لجأت إلى مكان يسترها حتّى لا يراها أحد، أو يطلع عليها؛ لأنّها قد تبتعد عن أهلها، وعن النّاس، ثمّ تلجأ إلى مكان مكشوف، أو غير مكين؛ فيمر أحد عليها فيراها؛ فهي حرصت على الابتعاد (الانتباذ)، واتخاذ الحجاب.

حجاب ساتر فقط، أو قد يكون حجاباً مستوراً؛ أي: حجاب مركب من طبقتين، أو أكثر.

{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} : روحنا؛ أي: جبريل عليه السلام ، ويسمى: روح القدس، وقوله تعالى: روحنا فيه تشريف لجبريل عليه السلام . والقرآن الكريم أيضاً سماه الله روحاً كما قال تعالى في سورة الشورى آية (52): {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} .

{فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} : أي: أخذ، أو تشكل بصورة بشر سويّ في صورة الإنسان التام الخلقة، وكلمة "بشر" مشتقة من حسن الهيئة، والبشرة الّتي يختص بها البشر دون غيرهم.

{سَوِيًّا} : في أكمل صورة، وأتمها، وأحسنها، وليس له أجنحة، ولا مرعب، أو مخيف.

ص: 53

سورة مريم [19: 18]

{قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} :

{قَالَتْ إِنِّى} : قالت: مريم عليها السلام: إنّي: للتوكيد.

{أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ} : قالت مريم لجبريل عليه السلام : إنّي أعوذ بالرّحمن منك؛ أي: إنّي ألجأ وأعتصم بالرّحمن، واختارت اسم الرّحمن من الرّحمة الّتي هي السّمة العامة لذاته سبحانه الّتي تمثل باقي صفاته تعالى، ولأن الرّحمة من الرّحمن، وهي في موقف تحتاج فيه إلى الرّحمة؛ فهو القادر على حمايتها.

{مِنْكَ} : أنّ تؤذيني، أو تقترب مني، أو تسيء إلي.

{إِنْ كُنْتَ} : إن: شرطية تفيد الاحتمال.

{تَقِيًّا} : لأنّ المؤمن التّقي يخاف الله، ويطيع أوامر الله الّتي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويتجنب نواهيه، وتعني: إن كنت تقياً: لا تقترب مني، والابتعاد هنا رحمة بها؛ لأنّها ضعيفة.

ص: 54

سورة مريم [19: 19]

{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} :

{قَالَ} : جبريل عليه السلام .

{إِنَّمَا} : كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر، والتّوكيد.

{أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} : أي: أنا رسول ربك، ولم يقل رسول الله؛ لأنّ الموقف يتعلق بالرّعاية، والحراسة، والتّربية، والأخلاق، والرّب: هو المربي، والمتولي بأمور لخلقه، ولأن الأمر لا يتعلق بعبادة، أو ألوهية، وإنما يتعلق بولادة عيسى.

{لِأَهَبَ} : اللام: لام التّوكيد؛ أهب: من الهبة: وهي عطاء، وتفضل من ربك، وفيه تملك. ارجع إلى الآية (5) من نفس السورة.

{لَكِ} : اللام: لام الاختصاص، لك خاصة، وليس لأحد غيرك.

{غُلَامًا زَكِيًّا} : غلاماً: يعني: ذكراً وليس أنثى، والغلام: هو الشاب الذي أوشك على البلوغ؛ زكياً: مطهراً من الذنوب، أو غير عاص، فيه الخير والصلاح، ويجب الانتباه هنا: أنّ جبريل عليه السلام قال: لأهب لك غلاماً؛ فهو الّذي أخبرها بنوع الحمل غلام، ولذلك قالت مريم: أنى يكون لي غلامٌ، (كما قال جبريل)، ولم تقل: ولداً (ذكر، أو أنثى). كما قالت في السابق عندما بشرتها الملائكة بالولد كما ورد في قوله تعالى في سورة آل عمران آية (47): {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ} .

ص: 55

سورة مريم [19: 20]

{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} :

{قَالَتْ} : قالت مريم عليها السلام لجبريل عليه السلام .

{أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ} : أنى: تعني: كيف، ومن أين، وفيها استفهام عن كيفية الحمل، وتعجب.

وفي الآية (47) من سورة آل عمران: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} عندما بشرتها الملائكة لأول مرة قبل الحمل بعيسى عليه السلام ، وذلك عندما قالت لها الملائكة:{يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45]؛ فهي آنذاك لم تدرِ ما نوع البشارة، ولذلك قالت: ولد (أي: ذكر، أو أنثى).

{وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} : لم: للنفي.

{يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} : كناية عن النّكاح؛ أي: لم أتزوج؛ أي: تنفي عنها المس: النّكاح الحلال. والمس: هو اللمس الخفيف.

{وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} : تكرار لم: يفيد توكيد النّفي؛ تنفي المس بأي وسيلة محرمة مثل: الزّنى، أو الغصب، وهذا يمثل نفي الخاص بعد العام، لم يمسسني بشر: للتوكيد على عدم الزّنى.

{بَغِيًّا} : فاجرة تبغي الرّجال؛ أي: زانية، أو يبغيها الرّجال للفجور، ولم يقل باغية، وقالت: بغياً: صيغة مبالغة تعني: ما قامت بالزّنى والفجور أبداً.

وأما باغية: تقوم بأشياء محرمة، ولم تبلغ درجة الزّنى؛ فهي قد نفت عن نفسها كلّ صور التقاء الذّكر بالأنثى.

وقولها: لم أكُ، ولم تقل أكن، أكُ: حذف النّون؛ لتدل على أنّها لم تكن في لحظة من لحظات تفكير بالبغاء، ولو بأيّ صوره، أو أشكاله.

أك: أشد وأبعد نفياً من أكن، وأكن أشد نفياً من أكونن، وحذف النّون قد يكون للإسراع، وإنهاء الكلام مع جبريل؛ فهي لا تعرفه، والموقف موقف حياء، وخلوة، وخوف، والأفضل قصر الكلام.

ص: 56

سورة مريم [19: 21]

{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} :

{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ} : ارجع إلى الآية (9) من السّورة نفسها.

{وَلِنَجْعَلَهُ} : الواو: للتوكيد؛ لنجعله: اللام: للتعليل.

{آيَةً لِلنَّاسِ} : معجزة خارقة للعادة، وبرهان، ودليل، وبيان على قدرة الله سبحانه على الخلق، والإبداع، وإذا أراد الله سبحانه شيئاً؛ فإنما يقول: كن فيكون؛ فكلّ شيء خاضع لإرادته، ومشيئته سبحانه، وقدرته ليست منوطة بالأسباب، وعيسى، ومريم، آية واحدة، وليسا آيتين. وقدم كلمة آية على كلمة النّاس، ولم يقل لنجعله للناس آية؛ لأنّه كان هو الآية الوحيدة لكونه خلق من أم بدون أب، وللعبرة، والموعظة.

{وَرَحْمَةً مِنَّا} : رحمة عامة منا لكلّ البشر.

{وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} : مقضياً: اسم مفعول من: قضى؛ أي: ولادة عيسى عليه السلام بدون أب كان أمراً مقضياً مقدراً مسطوراً لا بد من تحققه، أو نافذاً مفعولاً.

ص: 57

سورة مريم [19: 22]

{فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} :

{فَحَمَلَتْهُ} : الفاء: للترتيب والمباشرة ولم يحدث تأخر؛ فحملته: أصبحت امرأة حامل، وذلك بعد أنّ نفخ جبريل عليه السلام في جيبها، وقوله تعالى:{فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91]، حملت مريم بعيسى.

{فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} : فانتبذت: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ انتبذت: ابتعدت، واعتزلت النّاس، ولما أحست بالحمل، وخشيت من قذف النّاس لها، والفضيحة، وهذا هو الانتباذ الثّاني، ذهبت إلى مكان قصيّ بعيد عن النّاس. أقصى: أبعد الأمكنة.

ص: 58

سورة مريم [19: 23]

{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا} :

{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} : فأجاءها: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أي: أجاها المخاض في وقته بدون تأخير؛ أي: ألجأها، وحملها: أرغمها المخاض، والطّلق إلى اللجوء إلى جذع النّخلة دون إرادتها؛ فكأن هناك قوة خارجية دفعتها للذهاب إلى جذع النّخلة، ولم يقل: وجاءها المخاض؛ أي: هي باختيارها، ورضاها ذهبت إلى جذع النّخلة؛ يقال: جاء فلان؛ أي: جاء باختياره ورضاه، أمّا أجاءه فلان؛ أي: جاء بفلان رغماً عنه، وبدون إرادته ورضاه؛ فأجاءها المخاض؛ أي: جاء بمريم رغماً عنها إلى جذع النّخلة؛ لأنّها تحتاج إلى من يسندها.

{إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} : وهنا أل التّعريف تعني: النّخلة المعروفة، أو الوحيدة، وجذع النّخلة: ساق النّخلة؛ حتّى تتمسك بجذع النّخلة حين يحدث الطلق، ويكون مساعداً لها في عملية الولادة، ودفع الجنين حيث لم يحضر ولادتها أحد؛ لكي يساعدها.

{قَالَتْ يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا} : قالت مريم آنذاك: يا ليتني: ليت: أداة تمني تستعمل في الأمور المستحيلة الحدوث، أو الصّعبة، أو غير متوقع حدوثها.

{مِتُّ} : بكسر الميم، وكسر الميم يدل على الموت العادي، وأمّا مُت: تستعمل للموت بسبب الجهاد، أو القتال في سبيل الله، أو موت غير عادي. ارجع إلى سورة آل عمران آية (157-158) للبيان.

{قَبْلَ هَذَا} : هذا: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة تشير إلى المخاض، والولادة. قبل هذا: قبل هذا الزّمن، أو مجيء الولد (أي: الولادة).

{وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا} : تمنت الموت حياءً من النّاس، وكيف تلد، ولم يمسسها بشر، وهل سيصدق النّاس قولها؟!

{وَكُنْتُ نَسْيًا} : شيئاً لا يُذكر، ولا معروفاً، أو شيئاً لا قيمة له مما يؤدي إلى نسيانه.

{مَّنسِيًّا} : توكيد للنسي؛ أي: شيئاً لا يخطر ببال أحد، أو لا يذكرني، ولا يعرفني أحد. تدل هذه الكلمات على الآلام النفسية المسيطرة عليها، ومشاعر الخوف التي تعتريها، وكيف ستقابل قومها قريباً.

ص: 59

سورة مريم [19: 24]

{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} :

{فَنَادَاهَا} : قيل جبريل عليه السلام ، وقيل: عيسى عليه السلام ، وقال مِن، ولم يقل: مَن؛ بكسر الميم، وليس بفتح الميم.

{مِنْ تَحْتِهَا} : من تحَتها: أي: بفتح الحاء، أو تحِتها: بكسر الحاء، أما من تحَتها بفتح الحاء؛ أي: عيسى الذي تحتها، أو من تحِتها بكسر الحاء تعني المكان؛ إذن من تحت مريم، أو من تحت النّخلة، أو تحت الرّبوة؛ فإذا كان جبريل المنادي فقد ناداها من تحت الرّبوة، أو المكان الذي فيه النّخلة.

وإذا كان عيسى هو المنادي فقد نادى بعد أن ولدته أمّه، نادى أمّه مِنْ تَحتها، وهناك من يرجح هذا القول، وليس مهماً معرفة من نادى، أو القائل، والمهم هو المقولة.

{أَلَّا تَحْزَنِى} : ألا: أصلها: "أن" و "لا"؛ أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد؛ لا: النّاهية، وألا: تفيد الحض، والحث على عدم الحزن.

{تَحْزَنِى} : فسرت بعدة تفسيرات:

ألا تحزني لما جرى لك من الولادة من غير زوج.

ألا تحزني: لعدم وجود من يساعدك، ويساندك في عملية المخاض والولادة.

ألا تحزني: ألا تخافي لانقطاع المكان، والطّعام، والشّراب، والفراش، أو السّرير.

لا تخافي: من أي: سوء، أو ضرر لك، أو لابنك.

ألا تحزني: من أي شيء مهما كان أمره ما دام ربك سبحانه وتعالى هو المدبر، والولي، والرّقيب، والحفيظ.

{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} : قد: للتحقيق، والتّوكيد.

{سَرِيًّا} : قيل: نهر صغير، أو جدول صغير من الماء العذب.

ص: 60

سورة مريم [19: 25]

{وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} :

{وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} : بجذع: الباء: للتوكيد؛ أصلها هزي إليك جذع النّخلة؛ هزي إليك بجذع النّخلة: هذا الهز يحتاج إلى جهد كبير، والوقت غير مناسب، وهي في حالة ولادة، وجذع النّخلة يحتاج إلى قوة، وهي تنزف، وفي ألم شديد، والهز هنا هو فقط امتثال لأمر الله؛ فقد يكون في ظاهره الصّعوبة، والمشقة، ولكن قد يكفي المحاولة الخفيفة، لا كما يتصوره النّاس؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب، والتّوكل على الله سبحانه، ولو كان العبد في مثل تلك الحالة فعليه الأخذ بالأسباب، وإن كان الله -جل وعلا- قادراً على أن يطعم مريم، وهي في هذه الحالة الحرجة، والمخاض، والولادة، كما أطعمها قبل ذلك حين كان يدخل عليها زكريا ويجد عندها رزقاً، ويقول: أنى لك هذا؟ وتقول مريم: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].

{تُسَاقِطْ عَلَيْكِ} : تُساقط: تعني: تتابع السقوط والاستمرار؛ أي: الرطب من النّخلة عليك؛ فقط الرّطب الّتي استوت، والنّاضجة. أمّا غير النّاضجة لا تسقط، وتُساقط فيها عدة قراءات: تسَّاقط السّين مشددة؛ تُسقط، تُساقط.

{رُطَبًا جَنِيًّا} : الرّطب التّمر، أو البلح الطّازج.

{جَنِيًّا} : الصّالح للقطف، والأكل، والجَنيّ ما صلح لأن يُجنى: يقطف ويؤكل.

ص: 61

سورة مريم [19: 26]

{فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} :

{فَكُلِى وَاشْرَبِى} : فكلي: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ كُلي: من الرّطب.

{وَاشْرَبِى} : من السّري (النّهر). وتقديم الأكل على الشرب نجده في كل القرآن حيثما اجتمع الأكل والشرب يقدم الأكل.

{وَقَرِّى عَيْنًا} : اطمئني، ولا تحزني. ارجع إلى سورة الفرقان، آية (74)؛ للبيان.

{فَإِمَّا} : الفاء: للترتيب، والمباشرة. أمّا أصلها:"إن" و "ما"؛ فأدغمت ما في إن؛ إن: الشّرطية، وتفيد الاحتمال، والشّك؛ ما: للتوكيد.

{تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} : إذا رأيت أحداً من البشر فسألك عن ابنك، وشأنه. والنون في ترينَّ: للتوكيد.

{فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} : أخبريه بالإشارة أنك نذرت للرحمن صوماً عن الكلام؛ أي: صمتاً؛ أي: لا أكلم في شأنه أحداً.

{نَذَرْتُ} : من النذر. شرعاً: أن يلزم العبد نفسه بشيء لم يلزمه الله عليه من جنس ما شرع الله زيادة على الفريضة، والنذر هنا هو الصوم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (270).

{فَلَنْ} : الفاء: للتوكيد؛ لن: لنفي المستقبل القريب، والبعيد.

{أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} : لن أتكلم مع أحدٍ من النّاس بشأن عيسى.

{إِنسِيًّا} : اسم مشتق من الإنس؛ اسم جنس؛ أي: النّاس.

ص: 62

سورة مريم [19: 27]

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـئًا فَرِيًّا} :

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} : فأتت: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أتت به؛ أي: جاءت مريم بعيسى إلى قومها، وبما أنّ المجيء كان بسهولة استعمل: أتت به، عادت به إلى قومها، ويبدو أنّها لم تواجه مشقة، أو صعوبة بعد أنّ اطمئنت إلى ما ستقوله إذا سئلت عن عيسى، ورأت الكثير من آيات ربها، وكان يكفي القول: فأتت به، ولكنه أضاف: تحمله؛ أي: كسائر الأطفال يحتاج إلى من يحمله رغم كونه قادراً على أن يكلم النّاس، ولكنه ما زال وليداً غير قادر على المشي؛ فهذه آية من آيات الله سبحانه؛ فهو أحد الأطفال الّذين تكلموا في المهد.

{قَالُوا يَامَرْيَمُ} : فلما رآها قومها تحمل ابنها، قالوا: يا مريم بنت عمران.

{يا} : النّداء: للبعد.

{لَقَدْ جِئْتِ شَيْـئًا فَرِيًّا} : لقد: اللام: تفيد التّوكيد، وقد: للتحقيق.

{جِئْتِ} : قمت بشيء. فرياً: من افترى. جئت: من جاء، والمجيء فيه مشقة وصعوبة مقارنة بالإتيان (من أتى).

{فَرِيًّا} : مختلقاً؛ أي: كذباً لا نصدقه؛ عظيماً، أو عجباً. قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، أو خارقاً للعادة؛ شيئاً يكذبه العقل؛ حيث ولدت بولد من غير أب، وفرياً: مختلقاً، مشتق من: افترى الكذب؛ أي: اختلقه، أو اصطنعه.

ص: 63

سورة مريم [19: 28]

{يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} :

لما رأى قومها الولد أنكروا ذلك وقالوا:

{يَاأُخْتَ هَارُونَ} : مخاطبتها بأخت هارون فيه توبيخ لها وتعريض؛ الأخت: إما أنّ تكون أختاً حقيقية، أو أختاً في المشابهة؛ كقوله تعالى:{وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزّخرف: 48].

أخت حقيقية. قيل: كان لمريم أخ حقيقي اسمه هارون من أمّها، وأبيها، وكان من أفضل، وأشراف بني إسرائيل؛ فيكون المعنى كيف يكون لأخت رجل مثله أن تفعل فعلتك هذه.

أو: أخت في المشابهة بالإيمان؛ أي: يا مشابهة هارون في الصّلاح، والتّقوى، والورع.

الاحتمال الثّاني: هارون أخو موسى عليه السلام ، وأخوَّة الدّين أقوى من أخوَّة الدّم.

الاحتمال الثالث: قيل: كان في زمنها رجل صالح يسمى هارون من بني إسرائيل؛ فنسبت إليه في التّقوى، والورع.

يا أخت هارون في التّقوى، والورع، كيف تأتين بمثل هذا الفعل؟! والغاية من عدم قولهم يا مريم {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ}؛ أي: عدلوا عن التصريح إلى التعريض بقولهم يا أخت هارون؛ لأن في إضافتها إلى اسمه توبيخ لها أي: ما كان لأخت رجل صالح مثل هارون أن تفعل هذه الفاحشة.

{مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} : أي: ما كان أبوك فاجراً وزانياً، ورجل السّوء: هو الّذي إن صاحبته أصابك منه سوء؛ أي: أذى، أو مكروه.

{وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} : زانية، أو باغية. ارجع إلى الآية (20) من السّورة نفسها؛ للبيان.

ما كان أبوك، وما كانت أمّك: تكرار النّفي (ما) يفيد التّوكيد.

ص: 64

سورة مريم [19: 29]

{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا} :

حين قال القوم: يا مريم، لقد جئت شيئاً فرياً، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغياً.

{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} : فأشارت: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أشارت إليه مباشرة: إلى ابنها عيسى؛ أي: كلموه، واسألوه، وهي واثقة أنّه سيتكلم.

{قَالُوا كَيْفَ} : كيف: استفهام فيه تعجب، واستبعاد أنّ يتكلم.

{نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا} : من: بمعنى: الّذي.

{كَانَ} : تشمل كلّ الأزمنة، وتعني: الحال.

{فِى الْمَهْدِ} : من كان في السرير (سرير الطفل)، والمهد: المكان الممهد المعد، أو المهيئ لنوم الطّفل.

{صَبِيًّا} : للتوكيد. ولو قالوا كيف نكلم صبياً لكان يكفي ذلك، ولكن قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟ هذه الإضافة تدل على التأكيد على استغرابهم والمبالغة في الإنكار والتعجب أن يكلمهم هذا الصبي أولاً، والتعجب الذي صدر منهم.

ص: 65

سورة مريم [19: 30]

{قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا} :

{قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ} : أوّل كلمة نطق بها عيسى عليه السلام ، وهو وليد في المهد: إنّي عبد الله؛ حتّى لا يظن أحد كما زعموا أنّه ابن الله، أو إله، أو شريك؛ فكان ذلك أوّل تصريح هو إعلان عبوديته لله تعالى، وعبوديته هي تشريف للعبد أن يكون عبداً لله تعالى.

{آتَانِىَ الْكِتَابَ} : الكتاب: الإنجيل؛ آتاني: فعل ماض، ولم يقل سيأتيني في المستقبل؛ ليدل على أنَّ الأمر حاصل لا محالة، وكأنّه حصل وهو ما زال وليداً في المهد.

{وَجَعَلَنِى نَبِيًّا} : وهو ما زال وليداً، وبصيغة الماضي؛ ليدل على تحقق النّبوة له.

{نَبِيًّا} : إلى بني إسرائيل.

إنّ عيسى عليه السلام ولد كامل العقل، كما خلق آدم كامل العقل؛ فكان قادراً على قول ذلك.

ص: 66

سورة مريم [19: 31]

{وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} :

{وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا} : ينتفع منه النّاس؛ مثلاً: يبرئ الأكمه، والأبرص، ويُحيي الموتى، وبسببه يكثر الخير، وتنزل البركات.

{أَيْنَ مَا كُنْتُ} : ولم يقل حيثما كنت؛ لأنّ (أينما كنت) أكثر غموضاً، وإبهاماً، وأوسع شمولاً من (حيثما كنت).

{وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} : أي: أمرني بالصّلاة، والزّكاة.

{مَا} : مصدرية، ظرفية، زمانية؛ أي: مدة بقائي حياً.

ص: 67

سورة مريم [19: 32]

{وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا} :

{وَبَرًّا بِوَالِدَتِى} : ولم يقل بوالدي؛ لأنّه عليه السلام علم أنّه ليس له أب، وهو ما زال وليداً، وعلم الّذين اتهموا مريم أنّه ولد من غير أب، وبراً بوالدتي؛ أي: أمرني ببر والدتي، والإحسان إليها، وطاعتها.

{وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا} : ارجع إلى الآية (14)؛ للمقارنة، والبيان.

{شَقِيًّا} : صيغة مبالغة من شقي: كثير الشّقاوة، وسبب الشّقاوة: البعد عن دين الله والإيمان، والسير في طريق الكفر والشرك والضلال. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (106) للبيان.

ص: 68

سورة مريم [19: 33]

{وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} :

{وَالسَّلَامُ عَلَىَّ} : عيسى عليه السلام يسلم على نفسه؛ أي: علَّمه ربه بالوحي، أو أنطقه أنّ يسلم على نفسه، كما علَّمه أن يقول: إني عبد الله آتاني الكتاب، وجعلني نبياً.

وكلمة (يوم) هنا؛ تعني: حين؛ لأنّ (يوم) تعني: النّهار، وهو قد يكون ولد ليلاً، أو يموت ليلاً، أو يبعث ليلاً، واختار هذه الأزمنة: زمن ولادته وموته وبعثه؛ لأنّها أزمنة صعبة يحتاج فيها الإنسان للسلامة من الأذى، والمكروه، وكذلك الأمن، والطّمأنينة. ارجع إلى الآية (15) من السّورة نفسها؛ للبيان.

ص: 69

سورة مريم [19: 34]

{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ} :

{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} : ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والتّعظيم، ويشير إلى عيسى عليه السلام . واسم عيسى يأتي في سياق النداء والتكليف، وفي سياق تعداد الرسل أو بشكل عام، بينما يأتي اللقب المسيح في سياق الثناء والعقيدة.

{قَوْلَ الْحَقِّ} : قول الحق؛ أي: ما قاله الله سبحانه بشأن عيسى ابن مريم هو الحق من كون عيسى كلمة الله ألقاها إلى مريم، وكونه خلق، كما خلق آدم، وبكلمة كن فيكون.

{الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ} : يمترون من المراء: وهو الجدال، والقول الباطل بعد ظهور الحق؛ أي: عيسى ليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة.

ص: 70

سورة مريم [19: 35]

{مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} :

{مَا كَانَ لِلَّهِ} : ما: النّافية.

{كَانَ} : تشمل الأزمنة كلّها: الماضي، والماضي المستمر، والحاضر، والمستقبل.

{مَا كَانَ لِلَّهِ} : في أيِّ زمن من الأزمنة.

{لِلَّهِ} : اللام: لام الاختصاص.

{أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} : أن: للتوكيد.

{مِنْ} : استغراقية تستغرق أيَّ ولد مهما كان ذكراً، أو أنثى، والاتخاذ؛ أي: الجعل، والتّصيير؛ لأنّه سبحانه ليس بحاجة إلى معين، أو ناصر، وليس بحاجة إلى شريك، وولد؛ لاستدامة الخلق.

{سُبْحَانَهُ} : تنزيهاً مطلقاً لله في ذاته، وصفاته، وأفعاله من أيِّ نقص، أو عيب، أو صاحبة، أو ولد، وتنزيهاً له عما لا يليق بكماله، وجلاله.

{إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : إذا شرطية تفيد حتمية الحدوث، والكثرة.

{قَضَى أَمْرًا} : أنّ يخلق خلقاً، أو يأمر شيئاً، أو أراد شيئاً.

{فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : ارجع إلى سورة النّحل، آية (40)؛ للبيان.

ص: 71

سورة مريم [19: 36]

{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} :

{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ} : إن: حرف مشبه بالفعل للتوكيد، وإنّ الله ربي وربكم؛ أي: وقل لبني إسرائيل: إنّ الله ربي وربكم.

{فَاعْبُدُوهُ} : الفاء: فاء السّببية؛ أي: اعبدوه بسبب كونه ربكم: خالقكم، ومدبر أموركم، ومصرّفها، ورازقكم، ومربيكم؛ فاعبدوه، من: العبادة، وتعني: إطاعة المعبود في كلّ ما أمر، ونهى عنه. ارجع إلى سورة النّحل، آية (73).

{هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} : عبادة الله تعالى وحده، وطاعته، وامتثال أوامره، وتجنب نواهيه هو الصّراط المستقيم، أو الدّين، أو السّبيل المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر زمن، وأقل جهد.

لنقارن هذه الآية (36) من سورة مريم: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} ، وكذلك وردت في سورة آل عمران، آية (51)، مع الآية (64) من سورة الزّخرف:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} .

إضافة كلمة "هو" في آية الزّخرف توكيداً لإثبات الرّبوبية لله سبحانه، ونفي الولد؛ لأنّ آية الزّخرف سبقها كثير من الآيات الّتي تتحدث عن الشّرك، واتخاذ الولد، والملائكة إناثاً الآيات (15، 16، 19).

فجاء بكلمة "هو" للتوكيد، والحصر، مقارنة بآية مريم، وآل عمران الّتي سبقها آيات كثيرة تتحدث عن عبودية عيسى لله تعالى، فلم يؤكد بكلمة هو.

ص: 72

سورة مريم [19: 37]

{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} :

{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ} : الفاء: تدل على التّعقيب، والمباشرة؛ اختلف الأحزاب: جمع حزب: جماعة من النّاس يجمعهم رأي، أو آراء، أو مبادئ واحدة، أو طائفة؛ فقد تحزبوا ثلاث فرق في شأن عيسى: حزب قالوا: هو إله، وحزب قالوا: هو ابن الله، وحزب قالوا: ثالث ثلاثة.

{مِنْ بَيْنِهِمْ} : من: ابتدائية للتوكيد.

{بَيْنِهِمْ} : الكاثوليك، أو الملكانية، واليعقوبية (الأرثدوكس)، والاعتراضية البروتستانت؛ أي: أتباع عيسى أنفسهم اختلفوا في شأنه.

{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} : فويل: الفاء: للتوكيد؛ ويل للذين كفروا: هذا وعيد للذين كفروا.

{لِلَّذِينَ} : اللام: للتوكيد.

{كَفَرُوا} : من اليهود، والنّصارى باتخاذ عيسى إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، أو كفر بآيات الله ورسله، والويل: تعني: العذاب، وقيل: الويل: واد في جهنم.

{مِنْ مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} : من: ابتدائية.

{مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} : أي: مشهد؛ أي: مرأى يوم القيامة يشهده الأوّلون والآخرون.

{مَّشْهَدِ} : اسم زمان، أو اسم مكان، وهو مصدر ميمي من فعل: شهد بمعنى: حضر، وشهد.

ص: 73

سورة مريم [19: 38]

{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ} :

{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} ؛ أي: لو رأيتهم في ذلك اليوم يوم القيامة، لعجبت من شدة حدة سمعهم، وإبصارهم بعد أنّ كانت في الدّنيا معطلة عن سماع الحق، وآيات الله تعالى.

{لَكِنِ} : حرف استدراك وتوكيد.

{الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ} : المشركون.

{الْيَوْمَ} : تعني: الحين؛ أي: في الدّنيا في ضلال مبين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (54)؛ لبيان الظلم.

{ضَلَالٍ مُبِينٍ} : في بُعد عن الحق وضياع وتخبط وحيرة.

{مُبِينٍ} : ظاهر لكلّ إنسان، ومظهر لنفسه لا يحتاج إلى برهان، أو دليل للناس ليكشفه.

ص: 74

سورة مريم [19: 39]

{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :

{وَأَنذِرْهُمْ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم أنذر قومك، والإنذار: هو الإعلام المقرون بالتّحذير، والوعيد.

{يَوْمَ الْحَسْرَةِ} : يوم القيامة، ويوم القيامة له أسماء كثيرة؛ مثل: اليوم الآخر، يوم البعث، يوم الفصل، يوم الدّين، يوم الوعيد، يوم الجمع وغيرها، ووصف بيوم الحسرة لشدة الحسرات في ذلك اليوم، وكأنه يوم مختص بالحسرة ولا شيء آخر فيه سوى الحسرة للظالمين والكافرين والمشركين وحتى المؤمنين والحسرة: هي أشد النّدم، والأسف على شيء مضى، أو فات، ولم يُتدارك، أو على ما فرَّط في دنياه، والكلّ يتحسر، والمؤمنون يتحسرون على عدم الإكثار من أعمال البر، والتّقوى، وأشد النّاس حسرة هم الكافرون.

{إِذْ} : ظرف زماني بمعنى: حين.

{قُضِىَ الْأَمْرُ} : فرغ من الحساب، وحكم الله سبحانه: فريق إلى الجنة، وفريق إلى السّعير.

{وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ} : هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، وهم: تعود على الإنس، والجن. والغفلة: تعني: ترك باختيار الغافل وأما النسيان؛ فهو ترك بغير اختيار الإنسان، عدم حضور الشّيء في البال؛ أي: عدم الانتباه، وانمحاء صورة الشّيء في الذّاكرة لتركه إياه وعدم الاهتمام به، وقلة التحفظ أو التيقظ، والغفلة: أعم من النسيان فكل نسيان غفلة، وليس كل غفلة نسيان.

{فِى} : ظرفية زمانية؛ تعني: في الدّنيا.

{غَفْلَةٍ} : عنه، عن الاستعداد ليوم الحسرة، أو يوم القيامة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (74)؛ لمزيد من البيان في معنى: الغفلة.

{وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} : تكرار (وهم): يفيد التّوكيد، وفصل الغفلة عن الإيمان، أو كلاهما معاً.

{لَا} : النّافية.

{لَا يُؤْمِنُونَ} : بالله تعالى، وكتبه، ورسله، والملائكة، واليوم الآخر، أو لا يؤمنون بالآخرة، والحساب، والجزاء؛ يؤمنون: بصيغة المضارع؛ تفيد تجدد، وتكرار عدم إيمانهم.

ص: 75

سورة مريم [19: 40]

{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} :

{إِنَّا} : نون التّعظيم؛ أي: سبحانه وحده هو الوارث الّذي يرث الأرض ومن عليها؛ فهو المالك الحقيقي، والخلق إنما هم مستخلفون فقط.

{نَحْنُ} : للتوكيد.

{نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} : كقوله تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]؛ أي: إذا جاءت نفخة الصّعق، أو الموت (النفخة الأولى) الكلّ سيموت، ويترك وراءه كلّ شيء من مال وديار وأرض.

والوارث: تعني الباقي بعد فناء الخلق، هو الله سبحانه؛ فهو الأوّل والآخر، له ما في السّموات والأرض وما فيهنَّ منذ الأزل.

{وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} : إلينا: تقديم إلينا للحصر، والتّوكيد.

{يُرْجَعُونَ} : قسراً للحساب.

ص: 76

سورة مريم [19: 41]

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} :

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ} : هذه هي المرة الثّالثة الّتي يعيد فيها كلمة "واذكر"؛ فقد قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} ، {وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ} ، {وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} ، والذّكر: ضرب من العلم، ويعني: ذكَّرهم بشيء نسوه، أو سهوا عنه، ذكّرهم بإبراهيم.

{فِى الْكِتَابِ} : القرآن. وسمي الكتاب؛ لأنه مكتوب في السطور؛ أي: محفوظ من التحريف والتبديل بكل كلماته وحروفه.

{إِبْرَاهِيمَ} : عليه السلام أبو الأنبياء، وما جرى بينه وبين آزر وقومه من حوار حول ترك عبادة الأصنام، ودعوته للعودة إلى وحدانية الله تعالى.

{إِنَّهُ} : إنّ: للتوكيد.

{كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} : صديقاً: صيغة مبالغة في الصدق، وتصديق الحق، وكلّ ما جاء به الله سبحانه، فالصّدّيق: هو الّذي بلغ أعلى درجة في تصديق الوحي، وما جاء به الرّسل، وهو الّذي يصدَّق في كلّ كلامه، وما يخبر به؛ أمثال: أبي بكر الصّديق، ومريم كقوله تعالى:{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75].

{نَبِيًّا} : فالصّديق قد لا يكون نبياً، كما رأينا في أمثال أبي بكر، ومريم، والنّبوة درجة أخرى أعلى من درجة الصّديقين، فهي عطاء من الله تعالى، ونحن نعلم أنّ كلّ رسول هو نبي، وليس كلّ نبي رسولاً؛ فإبراهيم عليه السلام كان رسولاً نبياً، وهو من أولي العزم من الرّسل. ارجع إلى سورة النّساء، آية (164) لمعرفة الفرق بين الرّسول والنّبي.

ص: 77

سورة مريم [19: 42]

{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْـئًا} :

{إِذْ} : أي: واذكر، أو حين قال لأبيه.

{قَالَ لِأَبِيهِ} : أي: عمّه آزر، كلمة العم تطلق على الأب والعم والجد ولا تعني أباه الحقيقي، كما يذكر كثير من المفسرين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (74) لمزيد من البيان.

{يَاأَبَتِ} : ياء النّداء: للبعد.

{يَاأَبَتِ} : ولم يقل: يا أبي، أو يا عمي، أو يا آزر، كلمة أبت: فيها معنى الحنان، والعاطفة، والرّأفة، وقيل: إضافة التّاء: تاء التأنيث تشير إلى حنان الأم؛ إذن كلمة يا أبت: تضم حنان الأبوين معاً، وحين تموت الأم يبقى الأب؛ فيقوم بوظيفة الأب والأم معاً، ويعوض الأب حنان الأم المفقودة؛ فينادى: يا أبت.

وقوله: يا أبت، ولم يقل: يا أبتي: حذف ياء المتكلم؛ لأنّ إبراهيم فقد أباه وأمه، ولم يكن له إلا عمّه؛ فناداه كالأب.

وقوله: يا أبت: فيها معنى التّوسل، والاستعطاف؛ للكف عن عبادة الأصنام.

{لِمَ} : لمَ: استفهام إنكاري، وحذفت الألف في لما؛ لدخول حرف الجر (اللام) عليها.

{تَعْبُدُ} : تطيع، وتدعو، أو تتقرب إلى هذه الأصنام. ولمعرفة معنى العبادة ارجع إلى سورة النحل آية (73)، والأنبياء آية (106).

{مَا لَا} : ما: لغير العاقل، ولا: النّافية.

{يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} : لأنّها أصنام، أو حجارة؛ فهي حقيقة لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني شيئاً.

{وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْـئًا} : أي: لا فائدة منها، وليس لك فيها حاجة؛ فهي لا تدفع ضراً، ولا تجلب نفعاً؛ لا تفيدك إن عبدتها، ولا تضرك إن لم تعبدها.

{شَيْـئًا} : جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ شيء صغيراً، أو كبيراً، من نفع، أو ضر، وتكرار "لا" ثلاث مرات: يفيد التّوكيد، ويفيد فصل كلّ صفة عن الأخرى: السّمع، والبصر، والفائدة.

ص: 78

سورة مريم [19: 43]

{يَاأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} :

{يَاأَبَتِ} : تكرار هذا النّداء لجلب انتباه عمّه، وإظهار مدى اهتمامه به لدعوته إلى عبودية الله وحده، وكأنّه باخع نفسه لهداية عمّه آزر.

{إِنِّى} : للتوكيد.

{قَدْ} : لزيادة التّوكيد، والتّحقيق.

{جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ} : من: ابتدائية بعضية؛ أي: بعض العلم من ربي، كما في سورة الأعلى الآية (19):{صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ} ، وسورة الأنعام، الآية (75):{وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} من العلم بالله واليقين، والمعرفة بالدين.

{مَا لَمْ يَأْتِكَ} : ما: موصول بمعنى: الّذي، وهي أوسع شمولاً من الذي.

{لَمْ} : للنفي، وفيها معنى الاعتذار. ما لم يأتك: أي: يُنزل عليك، أو تخبر به عن طريق الإيحاء، وغيره من العلم.

{فَاتَّبِعْنِى} : اتبعني: فيها توكيد ومبالغة في الاتباع؛ أي: أسعى، وأجتهد في اتباعي؛ اتبعني في دعوتي، وعبادتي.

{أَهْدِكَ} : أدُلك، أو أُرشدك.

{صِرَاطًا سَوِيًّا} : الصّراط: هو السّبيل الموصل إلى الغاية بأقصر زمن، ومسافة، وبدون عقبات. السّويّ: المستقيم؛ أي: الصّراط المستقيم: وهو دين الله وشرعه. الصّراط المستقيم الموصل إلى الغاية، وهي رضوان الله، والجنة، والسّعادة في الدّارين، والنجاة من النّار.

ص: 79

سورة مريم [19: 44]

{يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} :

{يَاأَبَتِ} : ارجع إلى الآية السّابقة (43).

{لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} : لا: النّاهية.

{لَا تَعْبُدِ} : المراد بعبادة الشيطان هو عبادة الأصنام، وعبر عنها بعبادة الشيطان تبغيض لعبادتها لكون الشيطان عدو مبين؛ أي: لا تطع، ولا تدعُ، ولا تتبع الشّيطان ووساوسه، ونزغه، وتزيينه وإضلاله في عبادة الأصنام.

{الشَّيْطَانَ} : ارجع إلى الآية (36) من سورة البقرة؛ للبيان.

{إِنَّ} : للتوكيد.

{الشَّيْطَانَ} : التكرار يفيد التوكيد وأبلغ من القول: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} .

{كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} : عصياً: من: عصى يعصي على وزن: فعيل صيغة مبالغة؛ أي: كثير العصيان لذلك احذروه، وكان: تشمل كلّ الأزمنة، ولا تقتصر على الماضي فقط.

ص: 80

سورة مريم [19: 45]

{يَاأَبَتِ إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} :

{يَاأَبَتِ} : ارجع إلى الآية (43).

{إِنِّى} : للتوكيد.

{أَخَافُ أَنْ} : أن: تفيد التّعليل. وأخاف من الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه.

{يَمَسَّكَ عَذَابٌ} : يمسسك: المس: هو أخف، أو أدنى درجات اللمس، ومجرد التقاء شيء بشيء، ولو لأقل من ثانية من الزّمان؛ أي: أقل درجات الإصابة الخفيفة جداً، ولم يقل: يصيبك، أو يحل عليك، وهذا يدل على منتهى شفقة إبراهيم على عمّه، والحرص على نجاته من العذاب.

{مِنَ الرَّحْمَنِ} : اختار اسم الرّحمن مع كلمة العذاب بدلاً من الجبار، أو القهار؛ لأنّ الرّحمن من الرّحمة، والرّحمن على وزن: فعلان؛ تفيد التّجدد، والتّكرار، والرّحمن للمؤمن والعاصي؛ لعل ذكر الرّحمن مع العذاب يخفف من درجة العذاب، كما لو كان العذاب من العزيز الجبار، أو لا تغتر بكونه الرحمن فهو الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، كما قال تعالى:{نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49-50].

فهو اختار المس، واختار الرّحمن؛ ليدل ذلك على منتهى الشّفقة على عمّه، وحرصه على نجاته من العذاب، ولعله يرجع عن شركه، وقوله: أن يمسسك عذاب من الرّحمن في الدّنيا، أو في الآخرة.

{فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} : ولياً: من ولي: وهو القريب، أو الّذي يليك؛ أي: معيناً أو ظهيراً.

فهذه النّداءات الأربعة تمثل جانباً أو نموذجاً من نماذج كيفية الدّعوة إلى الله بالموعظة الحسنة، والبيان، وتجنب القسوة، والجدال.

ص: 81

سورة مريم [19: 46]

{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِى يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا} :

{قَالَ} : آزر عم إبراهيم لإبراهيم.

{أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِى يَاإِبْرَاهِيمُ} : أراغب: الهمزة: تفيد الاستفهام، والإنكار، والتّعجب.

{أَنْتَ} : تفيد التّوكيد؛ هناك فرق بين: أراغب عن، و: أراغب في؛ يقال: رغب في كذا؛ أي: أحبه، ورغب عن كذا؛ أي: كرهه، واعتزله؛ أي: أكاره أنت لإلهتي يا إبراهيم، وتعيب عليها.

{لَئِنْ} : اللام: لام التّوكيد؛ إن: شرطية تفيد الشّك، أو النّدرة.

{لَّمْ} : النّافية.

{تَنْتَهِ} : عن إثارة العيب على آلهتي، وتكفّ عن محاربتها، والتّعرض لها.

{لَأَرْجُمَنَّكَ} : اللام: للتوكيد، وكذلك النّون: لزيادة التّوكيد على الرّجم لإبراهيم، والرّجم يكون بالحجارة، أو التّعذيب، أو بالقول، والشّتم، والسّب.

{وَاهْجُرْنِى} : ابتعد عني، وفارقني، أو ارحل عني إلى بلد آخر.

{مَلِيًّا} : دهراً طويلاً، أو اهجرني إلى أبد الدّهر بلا عودة. ملياً: مشتقة من الإملاء: الوقت الطّويل.

ص: 82

سورة مريم [19: 47]

{قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا} :

{قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ} : قال إبراهيم عليه السلام لآزر: سلام عليك، سلام مفارقة، ووداع.

{سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى} : قال ذلك إبراهيم لآزر سيستغفر له ربه قبل أنّ يتبين له أنّه عدوٌّ لله؛ فلما تبين لإبراهيم أنّ عمّه آزر عدوٌّ لله تبرأ منه؛ إذن وعد إبراهيم لم يتم وينفذ.

{سَأَسْتَغْفِرُ} : السين: للاستقبال القريب، ولم يستغفر لعمه، وورد ذلك في قوله تعالى:{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114].

{إِنَّهُ} : تفيد التّوكيد.

{كَانَ} : كان: تستغرق كلّ الأزمنة: الماضي، والحاضر.

{بِى} : خاصة.

{حَفِيًّا} : من الحفاوة؛ أي: الكرم. إنّه سبحانه كريمٌ بي يجيب دعائي.

ص: 83

سورة مريم [19: 48]

{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّى عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّى شَقِيًّا} :

{وَأَعْتَزِلُكُمْ} : أي: أبتعد عنكم، وأهجركم.

{وَمَا تَدْعُونَ} : ما: لغير العاقل.

{تَدْعُونَ} : وما تعبدون؛ فالعبادة: هي دعاء، والدّعاء جزء من العبادة.

{مِنْ دُونِ اللَّهِ} : من غير الله.

{وَأَدْعُوا رَبِّى} : أعبد ربي، ولا أشرك به.

{عَسَى} : أداة رجاء للأمور الّتي يتم تحققها عادة، عسى ربي؛ أي: راجياً من الله.

{أَلَّا} : أصلها: (أن) و (لا)؛ أن: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد؛ لا: النّافية.

{أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّى شَقِيًّا} : راجياً أن لا أكون شقياً؛ أي: غير مستجاب الدّعاء، أو تحبط طاعتي، وأعمالي الصّالحة، ويبطل ثوابها، وتصبح مصدر شقائي، كما شقيتم بعبادة الأصنام؛ لأنّها لا تنفعكم، ولا تضركم، ولا تستجيب لدعائكم أصلاً.

ص: 84

سورة مريم [19: 49]

{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} :

{فَلَمَّا} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.

{اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} : بالهجرة إلى الشّام، وبعدها إلى الأرض المقدسة، وتركهم، وأصنامهم في ضلالهم، وطغيانهم؛ يعبدونها من غير الله.

{وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} : وهبنا: من: وهب. ارجع إلى الآية (8) من سورة آل عمران؛ للبيان.

{إِسْحَاقَ} : ابنه من سارة، ومن قبل وهب له ابنه إسماعيل من هاجر.

{وَيَعْقُوبَ} : ابن إسحاق؛ أي: ولد الولد؛ فكان يعقوب نافلة زيادة على طلبه.

{وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} : كلاهما وهبناه النّبوة، وزيادة الواو في كلمة وكلاً تدل على أن الله وهب لهما ولغيرهما النبوة.

ص: 85

سورة مريم [19: 50]

{وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} :

{وَوَهَبْنَا لَهُمْ} : ووهبنا: الهبة: هي عطاء تفضُّل من الله، وفيها تعظيم بإضافة نون الجمع لهم؛ أي: الثّلاثة: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وهبنا. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (8)؛ للبيان.

{مِنْ رَّحْمَتِنَا} : من: ابتدائية. الرّحمة: هي النّبوة؛ أي: جعلناهم أنبياء، أو (وهبنا لهم) قد تعني أيضاً: المال، والولد، والعلم، والذكر، والثناء الحسن.

{وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} : وجعلنا لهم الثّناء الحسن.

والذّكر الجميل في جميع الأمم الّتي جاءت من بعدهم، فالكل يثنون على إبراهيم عليه السلام .

{لِسَانَ} : يعني: القول؛ لأنّ القول يكون باللسان؛ فوضع اللسان مكان القول، ومثال على ذلك ما نقوله في الصّلوات: اللهم صل على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم.

ص: 86

سورة مريم [19: 51]

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} :

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى} : ارجع إلى الآية (41)؛ للبيان. موسى عليه السلام .

{إِنَّهُ} : للتوكيد.

{كَانَ مُخْلَصًا} : المخلَص: بفتح اللام: الّذي أخلَصه الله سبحانه، ووفقه لطاعته، واختاره على النّاس؛ أي: اصطفاه على الناس كما قال تعالى: {اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِى} [الأعراف: 144]، وبلغ أعلى المقامات. أمّا المخلِص: بكسر اللام: الّذي أخلص عبادته لله وحده؛ فكل مخلَص هو مخلِص، وليس كلّ مخلِص هو مخلَص، وموسى عليه السلام كان مُخلَصاً ومخلِصاً (كلاهما).

{وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} : وكان: للزمن الماضي.

{رَسُولًا} : ذا رسالة. كلّ رسول هو نبي، وليس كلّ نبي رسولاً. ارجع إلى سورة النّساء، آية (164)؛ لمعرفة الفرق بين: الرّسول، والنّبي.

ص: 87

سورة مريم [19: 52]

{وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} :

{وَنَادَيْنَاهُ} : أي: موسى عليه السلام ، وذلك بعد أن رجع من مدين، وسار بأهله متجهاً إلى مصر {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص: 29]. ناديناه؛ أي: ناداه ربه جلا جلاله، وجاءت بصيغة الجمع؛ للتعظيم

{مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} : أي: جبل الطّور، والطّور: جبل في سيناء، والطّور: يعني: أقل ارتفاعاً وحجماً من الجبل العادي، والجبل: لا يمين له، ولا شمال، ولكن له جوانب، والأيمن هنا بالنسبة إلى أيمن موسى؛ أي: من جهة يمين موسى (يده اليمنى)، وهو متجه إلى الطور:{نُودِىَ يَامُوسَى إِنِّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} ارجع إلى سورة طه للتفاصيل، الآية (12-24).

{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} : النّجيّ: المناجى، والتّقريب؛ يعني: قرَّبه سبحانه حتّى يسمعه كلامه ويناجيه، وأنّه سبحانه اختاره لرسالته، وإلى الذّهاب إلى فرعون، وبما أنّ الله سبحانه كلم موسى وحده، ولم يسمع كلام الله إلا موسى؛ فكان كالسر، وسمّاه نجوى، أو مناجاة (وهي المُسارَّة بالكلام). ارجع إلى سورة المجادلة، آية (7)؛ لمزيد من البيان.

ص: 88

سورة مريم [19: 53]

{وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} :

{وَوَهَبْنَا لَهُ} : ارجع إلى الآية (49) من السّورة نفسها، والآية (8) من سورة آل عمران.

بعد أن سأل موسى ربه، وقال:{وَاجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى هَارُونَ أَخِى اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى} [طه: 29-32]، وكذلك قوله:{وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِى} [القصص: 34]، والرّدء: هو المعين، ووهبنا له: اللام: لام الاختصاص؛ له: وحده؛ لأنّ ذلك لم يحدث مع نبي آخر.

{مِنْ رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} : من: ابتدائية بعضية؛ فكون هارون نبياً هي هبة من الله؛ أي: تفضل (عطاء) لموسى عليه السلام ، ولهارون، وتقديم الجار والمجرور هنا يفيد الحصر، والنّبوة تعتبر رحمة، وهبة من الله، وشيئاً خاصاً لا تعطى لمن يطلبها عادة، ولا يتوصل إليها بالاجتهاد في العبادة والطّاعة، ولنعلم أنّ هارون عليه السلام كان نبياً، وليس رسولاً نبياً.

ص: 89

سورة مريم [19: 54]

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} :

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ} : ارجع إلى الآية (41) من السّورة نفسها.

{إِسْمَاعِيلَ} : ابن إبراهيم عليه السلام جد النّبي صلى الله عليه وسلم.

{إِنَّهُ} : للتوكيد.

{كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} : كان: تشمل، أو تستغرق كلّ الأزمنة أنّه صادق الوعد، قيل: لم يخلف وعداً قط، ومن أقوى الأدلة على ذلك وعده لأبيه بالصّبر على ذبحه، وكيف أسلم نفسه للذبح، ولم يخلف وعده بعد أن قال له أبوه إبراهيم: إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك قال: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].

ولقد خص الله سبحانه إسماعيل بصفة الصّدق، مع العلم أنّ كلّ الرّسل والأنبياء كانوا صادقي الوعد، والصّدق صفة في كلّ رسول ونبي؛ لأنّ إسماعيل عليه السلام أوفى بوعده وسلَّم نفسه ليذبح، ولم يُبتلَ غيره من الرّسل بهذا البلاء العظيم، وقد وصفه الله تعالى بالحليم؛ فقال تعالى:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101]، وأغلب المفسرين يقولون: إنّه إسماعيل، وليس إسحاق.

{وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} : إلى قبيلة جرهم والعرب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (164)؛ لمزيد من البيان.

ص: 90

سورة مريم [19: 55]

{وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} :

{وَكَانَ} : إسماعيل عليه السلام .

{يَأْمُرُ أَهْلَهُ} : الأهل: العائلة؛ الزّوجة والأوّلاد، وقيل: الأهل قد تشمل عشيرته، أو قبيلته.

{بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} : الباء: للتوكيد على أهمية الصّلاة الّتي هي عماد الدّين، وذكرَ الصّلاة والزّكاة من بين باقي العبادات؛ للدلالة على أهميتها، وفي هذه الآية إشارة إلى أهمية البدء بإصلاح الخلية الأوّلى من مكونات الأمة؛ وهي الأسرة.

{وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} : مرضياً؛ أي: رضي الله تعالى عنه، ومرضياً: اسم مفعول من: رضي، ومصدر رضي: الرّضوان. ويدل على ثبوت رضا الله عنه.

ص: 91

سورة مريم [19: 56]

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} :

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ} : ارجع إلى الآية (41).

{إِدْرِيسَ} : قيل: هو أوّل نبي بعد آدم، وشيث، وشيث وإدريس جد نوح، وقيل: هو أوّل من خطَّ بالقلم، وخاط الثّياب (لبس المخيط)، وأنزلت عليه ثلاثون صحيفة.

{إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} : إنّه: للتوكيد.

{كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} : اتصف بصفتين: النّبوة، وكونه من الصّدِّيقين، كما وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام . ارجع إلى الآية (41) من السّورة نفسها.

ص: 92

سورة مريم [19: 57]

{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} :

المكان العليّ فسر بالنّبوة، والمنزلة الرّفيعة العالية؛ أي: الدّرجة العالية عند ربه سواء بالقرب من الله، أو في درجات الجنة، وفسر المكان العليّ بالسّماء الرّابعة، فقد روي في الصّحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ به في ليلة الإسراء والمعراج وهو في السّماء الرّابعة.

ص: 93

سورة مريم [19: 58]

{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَاءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} :

{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد تشير إلى بُعد منزلتهم، وعلوّها.

{الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم} : بالنّبوة وغيرها من النّعم الدينية (من الدّين)، والدّنيوية.

{مِنَ النَّبِيِّنَ} : من جنس النّبيين، أو من: بعضية؛ بعض النّبيين أنعم الله عليهم؛ لأنّ جميع الأنبياء أنعم الله عليهم، وشرفهم في الدّنيا والآخرة.

{مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ} : مثل: شيث، وإدريس، ونوح.

{وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} : من: ابتدائية، بعضية. "وممن حملنا مع نوح"؛ أي: الّذين آمنوا معه وذريته.

{وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَاءِيلَ} : إسرائيل: وهو يعقوب عليه السلام ، ومن ذريته: يوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى ابن مريم.

{وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} : من: البعضية؛ بعض الّذين هديناهم: أرشدناهم إلى عبادتنا، وإلى ديننا.

{وَاجْتَبَيْنَا} : أي: اصطفيناهم للنبوة، وحمل الرّسالة، والتّبليغ.

{إِذَا} : ظرفية زمانية، وبمعنى حين، وشرطية.

{تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ} : تتلى: تقرأ عليهم من الكتب المنزلة، أو الصّحف.

{آيَاتُ الرَّحْمَنِ} : أو يسمعوا آيات الرّحمن تتلى عليهم.

{خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} : خروا: اشتقت من: خرير الماء الّذي يشير إلى هبوطه، ونزوله بسرعة؛ أي: يهوون على الأرض خارّين لله سبحانه ساجدين بسرعة.

{سُجَّدًا} : جمع: ساجد. وسجداً: تدل على السجود الظاهر، وأما السجود: فهو يتناول السجود الظاهر والباطن؛ (أي: الخشوع)، أو طهارة الباطن.

{وَبُكِيًّا} : باكين من خشية الله، أو مما حصل منهم من تقصير في جنب الله؛ بكياً: جمع باك: اسم فاعل من: بكى. ارجع إلى سورة الإسراء، الآية (109)؛ لمزيد من البيان.

ص: 94

سورة مريم [19: 59]

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} :

{فَخَلَفَ} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة.

{مِنْ بَعْدِهِمْ} : بعد ذرية إبراهيم، وإسرائيل، وممن هدينا واجتبينا.

خَلْفٌ: بسكون اللام؛ تعني: قوم أشرار. أمّا لو قال: خَلَف، بفتح اللام؛ تعني: قوم أخيار. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (169)؛ لمزيد من البيان.

خَلْف: جمع خالف، أو خَلْف مصدر يشمل المفرد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.

{أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} : تركوا الصّلاة، ونسوها، وسهوا عنها قصداً.

{وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} : جمع شهوة: توقان النفس إلى ما يلذ ويسر بدون إرادة العبد، وتعني: الشهوات المحرمة واللذات.

{فَسَوْفَ} : الفاء: للتوكيد، وسوف: تفيد المستقبل البعيد.

{يَلْقَوْنَ غَيًّا} : الغيّ: الخيبة والقبيح، وقيل العذاب، والهلاك، والخسران، وكلمة الغيّ تطلق على كلّ ذلك، وجاءت فسوف يلقون بصيغة المضارع للدلالة على تجدد لقاءهم الغي، وفي هذا تهديد ووعيد.

ص: 95

سورة مريم [19: 60]

{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـئًا} :

{إِلَّا} : أداة استثناء.

{مَنْ تَابَ} : من التّوبة، وتعني: الكفّ عن ارتكاب المعصية، أو المعاصي، والنّدم على ما فعله، والإكثار من الأعمال الصّالحة، والنّوافل، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

{وَآمَنَ} : بالله، وما أنزل الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ووحدانية الألوهية، والرّبوبية، والأسماء، والصّفات.

{وَعَمِلَ صَالِحًا} : أدى الفرائض، وترك المحارم، وقام بالنّوافل، وأخلص عمله لوجه الله.

{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، يشير إلى علو منزلتهم.

{يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} : بعد أن يتوب الله سبحانه عليهم، ويغفر لهم ذنوبهم، أو يعاقبهم عليها في النّار، وبعدها يخرجون منها، ويدخلون الجنة، ودخول الجنة يكون برحمة من الله وفضله.

{وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـئًا} : أصل الظلم نقصان الحق والجور؛ فهم لن يظلموا بنقص حسنة، أو زيادة سيئة، ويعاملون بالعدل.

{شَيْـئًا} : نكرة تشمل كلّ شيء، والشّيء هو أقل القليل.

ص: 96

سورة مريم [19: 61]

{جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} :

{جَنَّاتِ عَدْنٍ} : وعدن: تعني: الإقامة الدّائمة الأبدية؛ أي: بعكس جنات الدّنيا الزّائلة الفانية.

{الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} : وعد الرّحمن: الوعد المطلق في القرآن يحمل معنى الخير والشّيء السّار، وقال: وعد الرّحمن، بدلاً من وعد الله؛ ليخبرهم أنّ دخولهم الجنة هي من رحمته بهم؛ فهو الرّحمن الرّحيم.

{عِبَادَهُ} : المؤمنين.

{بِالْغَيْبِ} : وعدهم إياها وهم لم يروها.

{إِنَّهُ} : للتوكيد.

{كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} : واقعاً لا شك فيه، ولا محالة، والوعد: هو جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بها بالغيب، وعد فيه التكريم والتشريف؛ لأنه من الغني الكريم.

{مَأْتِيًّا} : أي: آتياً، ومأتياً: اسم مفعول من فعل: أتى، ورغم أنّه سيأتي في المستقبل، جاء بصيغة الماضي الّتي تدل كأنه حدث، وكلّ الأزمنة عند الله سواء كانت في الماضي، والحاضر، أو المستقبل تمثّل زمناً واحداً، ومأتيّاً: مشتقة من: أتى، وأتى تحمل معنى السّهولة في المجيء؛ أي: آتٍ بسهولة، والمأتي يعني كذلك: الذي يأتيه الناس فهو شبه الوعد بمكان يأتيه الطائعون كي يحصلوا عليه.

ص: 97

سورة مريم [19: 62]

{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} :

{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا} : لا: النّافية.

{يَسْمَعُونَ فِيهَا} : في الجنة، أو في جنات عدن.

{لَغْوًا} : كلاماً باطلاً، أو قبيحاً، أو فحشاً، أو تافهاً، أو لا نفع فيه.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{سَلَامًا} : تحية من عند ربهم، أو من الملائكة، أو من أهل الجنة، كقوله تعالى:{تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} ، وسلام: جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل معنى التّحية، ومعنى السّلامة من الآفات، والعيوب، وكذلك تحمل معنى الأمن والطّمأنينة.

{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا} : لهم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.

{رِزْقُهُمْ فِيهَا} : رزقهم: يضم الطّعام، والشّراب، والملبس، وكلّ ما يحتاجونه، وما يشتهونه.

{بُكْرَةً وَعَشِيًّا} : وهل في الجنة ليل ونهار؟

الجواب: كلا؛ فـ: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35]، وهم في نور دائم، ونعيم دائم لا ينفد، ولا ينقطع، ولا يرتبط بوقت، فبكرة وعشياً تعني: على الدّوام، ولا يقصد بها هذين الوقتين فقط، واستعمل: بكرة وعشياً؛ لأنّه سبحانه يخاطب عباده بما ألفوه في الدّنيا من غداء، وعشاء، ويعرفون زمن البكرة، والعشية من تغير أنوار الجنة، أو إغلاق الأبواب، وإرخاء الحجب، أو السّتائر، ويعرفون النّهار برفع الحجب، وفتح الأبواب، والله أعلم.

ص: 98

سورة مريم [19: 63]

{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} :

{تِلْكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد.

{الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} : نورث: نعطي، وقيل: لكلّ متَّقٍ منزل في الجنة، ومنزل في النّار، ولكلّ فاجر منزل في الجنة، ومنزل في النّار؛ فإذا ذهب المتقي إلى منزله في الجنة، ترك منزله في النّار خالياً؛ فيرثه الفاجر، وإذا ذهب الفاجر إلى النّار، ترك منزله في الجنة خالياً؛ فيرثه المتقي؛ نورثها: لا تعني نهبها من عبادنا؛ لأن الهبة عطاء بلا عمل، وبلا سبب، أما الإرث فهو شيء مستحق بسبب القرابة لترث مال القريب، والقرابة (لتكون قريباً من الله تعالى لا بد من السعي والعمل الصالح والإيمان)؛ أي: يرثها بسبب وحق وليس وهبة.

{مَنْ كَانَ تَقِيًّا} : من: ابتدائية؛ في الدّنيا كان مطيعاً لأوامر الله، ومتجنباً نواهيه.

ص: 99

سورة مريم [19: 64]

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} :

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} : وما: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية.

{نَتَنَزَّلُ} : تعود على جبريل عليه السلام ، وجاءت بصيغة التّعظيم.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{بِأَمْرِ رَبِّكَ} : بإذنه، ومشيئته.

قيل في سبب نزول هذه الآية كما ورد في أسباب النزول للواحدي، وقاله عكرمة وقتادة والضحاك، وروى البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام : «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» فنزلت هذه الآية: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ نزول الوحي (جبريل عليه السلام ) بعد أن سأله كفار مكة عن أهل الكهف، وذي القرنين، والرّوح، وأصبح في حرج؛ لعدم نزول جبريل بالجواب على تلك الأسئلة، وتأخر ـ كما قيل ـ خمسة عشر يوماً، فلما نزل عليه جبريل سأله عليه السلام : لقد أبطأت عنا يا جبريل. قال جبريل: وأنا أشوق إليك، وما نتنزل إلا بأمر ربك.

{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : أي: يعلم كلّ ما هو قادم؛ أي: ما بقي من أمر الدّنيا والآخرة، أو: إليه يرجع كلّ أمر للقضاء، أو الإذن فيه، سواء أكان في الحاضر، أو الماضي، أو ما تقدم، وما تأخر، أو ما في الماضي، والمستقبل، وما بين ذلك؛ أي: الحاضر، والحال.

{وَمَا خَلْفَنَا} : أي: ويعلم كلّ ما مضى من أمر الدّنيا، وقبل أن نُخلق.

{وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} : من حياة البرزخ، وما بين النّفختين، يعلم كلّ سؤال ودعاء، وهو بكلّ شيء عليم. أو ما سأله أهل مكة عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والرّوح، والحاضر، والمستقبل، والحال.

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} : أي: ما: النّافية لكلّ الأزمان. كان ناسياً أن يُنزل عليك الوحي مباشرة، أو نسياً: هاجرك، وتاركك، وحاشا لله أنّ ينسى كما ينسى خلقه، أو يغفل، أو تأخذه سنة، أو نوم، وتأخر نزول الوحي عليك ليس سببه النّسيان، أو التّرك، والهجر، وإنما لحكمة يعلمها سبحانه وحده، وقد تكون كما بيناها في الآيتين (23-24) من سورة الكهف.

ص: 100

سورة مريم [19: 65]

{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} :

{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} : أي: كيف ينسى، وهو رب السّموات والأرض، وما بينهما؟! أو: ما كان ربك نسياً؛ لأنّه رب السّموات، والأرض وما بينهما.

{فَاعْبُدْهُ} : الفاء: للتوكيد؛ فاعبده وحده بأداء الفرائض، والسّنن، والعبادات من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج (عبادات الجوارح)، والعبادات القلبية، والعبادة لا تكون إلا مع المعرفة بالمعبود، ويجب أن تكون خالصة بدون شرك، أو رياء، والخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتّالي إلى أمته.

{وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} : اصطبر؛ أي: داوم على الصّبر (على أمره ونهيه)؛ أي: مبالغة في الصبر؛ لأن النفس تغلبها الشهوة، وتتقاعس أحياناً عن داوم على عبادته. ارجع إلى سورة آل عمران آية (200)، والبقرة آية (153) لمزيد من البيان في الصبر وأنواعه.

{لِعِبَادَتِهِ} : اللام: لام الاختصاص، ويعني: الثّبات على عبادته. ارجع إلى سورة النّحل، آية (73)؛ لمزيد من البيان في معنى العبادة.

{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} : هل: استفهام فيه معنى النّفي، والاستبعاد، والإنكار.

{سَمِيًّا} : نظيراً مثيلاً في أسمائه، أو: هل تعلم من هو أهلٌ للعبادة سواه؟ "هل" الّتي هي أقوى وأشد في الاستفهام من الهمزة، كما لو قال: أتعلم له سمياً؟

ص: 101

سورة مريم [19: 66]

{وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} :

{وَيَقُولُ الْإِنسَانُ} : ولم يقل: وقال الإنسان بصيغة الماضي، وانتهى الأمر، "يقول" جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار، وأنّه لا يزال يقول ذلك.

{الْإِنسَانُ} : يمثل الجنس، والإنسان هنا هو المنكر للبعث، أو الخروج من القبر حياً مرة أخرى، أو الّذي لا يؤمن بالآخرة، والحساب، والجزاء.

{أَإِذَا مَا أَإِذَا مِتُّ مَا} : أإذا: الهمزة همزة استفهام إنكاري، واستبعاد.

{مَا} : للتوكيد.

{مِتُّ} : مِت: بكسر الميم؛ أي: موت طبيعي عادي، ولو ضم الميم لكان يعني موت الشّهادة في سبيل الله. ارجع إلى سورة آل عمران آية (157-158) للبيان.

{لَسَوْفَ} : اللام: للتوكيد؛ توكيد النّفي؛ سوف: للبعد، والتراخي الزّمني، واستبعاد حدوث الخروج؛ أي: البعث.

{أُخْرَجُ حَيًّا} : أخرج من القبر؛ أي: أبعث حياً بعد الموت، والفناء.

ص: 102

سورة مريم [19: 67]

{أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـئًا} :

{أَوَلَا} : الهمزة: همزة استفهام، وتعجب.

{يَذْكُرُ الْإِنسَانُ} : لماذا لا يذكر هذا الإنسان المنكر للبعث؟

{أَنَّا} : للتعظيم.

{خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ} : لا يذكر النّشأة الأوّلى، فتلك أعجب وأبلغ على قدرة الخالق؛ لأنّ إعادة الخلق أهون عادة من بدء الخلق، وذلك إذا استعمل موازينه العقلية؛ أمّا في ميزان الله سبحانه فليس عنده شيء هين، وشيء صعب؛ فالكلّ متساوٍ، ولمجرد أن يشاء يكون الخلق قد وجد، وقبل أن يقول: كن فيكون.

{وَلَمْ يَكُ شَيْـئًا} : الشّيء: هو أقل القليل، وشيئاً: نكرة تعني: لم يكن إلا العدم.

{يَكُ} : تدل على العدم، أو من تراب، أو نطفة. لم يك شيئاً: ذا أهمية حتّى يُذكر، وصغر الكلمة تدل على صغر الشّيء، ولم يقل: يكن.

ولنقارن هذه الآية (67) من سورة مريم مع الآية (1) من سورة الإنسان: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْـئًا مَّذْكُورًا} .

في سورة مريم قال تعالى: {وَلَمْ يَكُ شَيْـئًا} ، وفي سورة الإنسان:{لَمْ يَكُنْ شَيْـئًا} مذكوراً أضاف النّون، وبناءً على القاعدة اللغوية: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ أي: زيادة في التّوكيد.

ففي سورة الإنسان: الآية جاءت بصيغة الاستفهام التّقريري بدلاً من الإخبار بالنّشأة الأولى؛ أي: خلق الإنسان، وفي سورة مريم: الآية جاءت في سياق الرّد على منكري البعث، وإعادة الخلق، وهم لا ينكرون الخلق الأوّل، أو النّشأة الأولى، فجاء الرّد بـ:(يك) بدلاً من (يكن) أقل توكيداً.

ص: 103

سورة مريم [19: 68]

{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} :

{فَوَرَبِّكَ} : الفاء: للتوكيد توكيد الخبر وهو لنحشرنهم، وربك: الواو: واو القسم؛ يقسم الرّب تبارك وتعالى باسمه مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المخاطب تعظيماً لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{لَنَحْشُرَنَّهُمْ} : اللام: للتوكيد، وكذلك النّون لزيادة التّوكيد؛ نحشرنهم: الفاعل نحن للتعظيم، نحشرنهم؛ أي: هؤلاء الكفرة، أو المكذبين للبعث يوم القيامة في أرض المحشر، والحشر: هو السوق والجمع.

{وَالشَّيَاطِينَ} : أي: هم والشّياطين، والواو: تعني مع شياطينهم الّذين أضلوهم، وكانوا أولياءهم.

{ثُمَّ} : لمجرد التّرتيب العددي؛ أي: أوّلاً ثانياً ثالثاً

وهكذا.

أو تباين بين مقام الحشر الّذي لا يقارن بمقام الجثيِّ حول جهنم.

{لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} : لنحضرنهم: اللام، والنّون: للتوكيد، ثمّ يساقون من أرض المحشر ويجيء بهم ويؤمرون بالجثيِّ على الرّكب حول جهنم قبل دخولها.

{جِثِيًّا} : جمع جاث، اسم فاعل من: جثا يجثو؛ أي: قعد على رُكبتيه؛ دلالة على المهانة، والتّنكيل، ثمّ يلي ذلك مشهد النّزع لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً.

ص: 104

سورة مريم [19: 69]

{ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} :

{ثُمَّ} : للترتيب العددي الأوّل، ثمّ الثّاني، ثمّ الثّالث.

{لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} : لننزعن: اللام، والنّون: للتوكيد؛ ننزعن: من النّزع: وهو خلع الشّيء بشدة، ولا يقال: نزع إلا إذا كان المنزوع متماسكاً مع المنزوع منه؛ أي: نخرج من كلّ شيعة أشر القوم.

{شِيعَةٍ} : طائفة تشايعت على الكفر، أو اجتمعوا على مذهب واحد، أو عقيدة واحدة.

{أَيُّهُمْ} : قد تكون اسم موصول، أو اسم استفهام.

{أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} : عتياً: من يعتو؛ أي: أشدهم كفراً وطغياناً وفساداً في الأرض، واختار اسم الرحمن ولم يصرح بلفظ الجلالة الله أو العزيز أو الجبار، واختار الرحمن فقال:{أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} ليحذرهم بأن لا يغرهم وصفه بالرحمن، وكذلك للمبالغة وتفظيع عتوهم فهم يعتون الرحمن (شديد الرحمة بالخلق والإحسان إليهم). ارجع إلى سورة الفرقان آية (26) لمزيد من البيان في معنى الرحمن.

ص: 105

سورة مريم [19: 70]

{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} :

{ثُمَّ} : للتدرج في المعرفة، أو الترتيب الذكري.

{لَنَحْنُ} : اللام للتوكيد، نحن للتعظيم.

{أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ} : هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أعلم: أدرى بذواتهم؛ بالذين: الباء: للإلصاق؛ الذين: اسم موصول يفيد الذم.

{أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} : أولى، أحق (الذي هو الأشد كفراً)؛ للدخول فيها والاحتراق بنارها.

{صِلِيًّا} : مصدر من فعل صلى، اللحم: شواه وألقاه في النّار وقاسى حرها، وأصلاه النّار: أدخله فيها.

ص: 106

سورة مريم [19: 71]

{وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} :

{وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} : وإن: حرف النّفي؛ أي: وما منكم إلا واردها.

{إِلَّا} : أداة حصر؛ أي: كلّ واحد منكم، خطاب لجميع الخلق الإنس والجن، الورود يشمل الكلّ المؤمنين، والكفرة، والأتقياء، والأشقياء. الكلّ واردها: مشتقة من أن تذهب إلى منبع الماء، أو مصدر السّقيا، وبعد ذلك سواء شربت منه، أم لم تشرب؛ أي: الوصول إلى جهنم ورؤيتها، ولا يعني: بالضّرورة الدّخول فيها؛ فالمؤمنون: ورودهم إياها يعني مرورهم على الصّراط المضروب على متن جهنم، ورؤيتهم لها. وأمّا الكفار: ورودهم يعني الدّخول فيها.

{كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} : كان على ربك: وعداً على ربك.

{حَتْمًا} : الحتم: هو الشّيء الواقع لا محالة، والحتم يكون بيد من له الأمر والحكم، وهو الله وحده.

{مَّقْضِيًّا} : أي: حكم لا رجعة فيه، ولا تبديل، ولا تحويل، ولا أحد يستطيع أنّ يعترضه، أو يعدله.

ص: 107

سورة مريم [19: 72]

{ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} :

{ثُمَّ} : للترتيب العددي. ارجع إلى الآية (69) من نفس السورة.

{نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْا} : بعد ورودهم إياها؛ أي: مرورهم على الصّراط المضروب على متن جهنم؛ ننجي الّذين اتقوا: أطاعوا أوامر الله وتجنبوا معاصيه، وأخلصوا دينهم لله.

{وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ} : المشركين الكفار.

{فِيهَا جِثِيًّا} : في جهنم جثياً؛ لأنّه حين قال: وإن منكم إلا واردها، فالورود بالنّسبة للكفرة والظّالمين. قيل: الدّخول في جهنم، وبعد دخولهم نتركهم فيها لا يخرجون منها، ويؤمرون بالجثيِّ على ركبهم.

ص: 108

سورة مريم [19: 73]

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} :

{وَإِذَا} : ظرف زماني للماضي؛ بمعنى: حين، وتعني: حتمية الحدوث.

{تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} : التّلاوة: القراءة من القرآن. تتلى عليهم؛ أي: على الّذين كفروا آيات الوعيد، أو الإنذار.

{آيَاتُنَا} : آيات القرآن الحكيم.

{بَيِّنَاتٍ} : واضحات المعاني لا تحتاج إلى بيان.

{قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا} : أي: الفقراء المؤمنين في الحياة الدّنيا.

{أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} : أي: استفهام فيه معنى التّعجب.

{الْفَرِيقَيْنِ} : (المؤمنين والكافرين)؛ أي: حين يسمعون آيات الوعيد لا يجدون ملجأ، أو حُجة؛ إلا الافتخار بما هم فيه من نعيم الدّنيا، ورفاهية العيش، ويسألون فقراء المؤمنين: أيُّنا

{خَيْرٌ مَّقَامًا} : أفضل مقاماً بفتح الميم مع التّشديد؛ يعني: منازلاً، وأثاثاً ومتاعاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (125) لبيان معنى المقام.

{وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} : أي: مجلساً؛ مثل: دار النّدوة، والنّادي: المكان الّذي يجتمع به عظماء القوم للحديث، والتّشاور، والافتخار، وقولهم ذلك لفتنة الّذين آمنوا، وظنهم أنّهم أحسن حظاً في الدّنيا؛ فهم كذلك أحسن حظاً، ونصيباً في الآخرة.

ص: 109

سورة مريم [19: 74]

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِءْيًا} :

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا} : الواو: استئنافية؛ كم: الخبرية، وتدل على الكثرة؛ أي: وأهلكنا قبلهم القرون الكثيرة.

{قَبْلَهُم} : ولم يقل من قبلهم؛ أي: تشمل الزّمن القريب، أو البعيد الغير محدد.

{مِنْ قَرْنٍ} : من: ابتدائية، والقرن: هم الجماعة يعيشون في زمن معين، والقرن يقدر بمائة عام.

{هُمْ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.

{أَحْسَنُ أَثَاثًا} : الأثاث: المتاع؛ من فُرش، وستائر، ومقاعد للجلوس، وأدوات.

{وَرِءْيًا} : مشتقة من الرّؤية؛ أي: منظراً، وهيئة، وزينة، أو مشتقة من الرّي: الّذي هو النّعمة والتّرف؛ أي: لا ينبغي أنّ يغرهم ما هم فيه من الأثاث، والمتاع الزّائل.

ص: 110

سورة مريم [19: 75]

{قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا} :

{قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلَالَةِ} : من: شرطية. قل لهم يا محمّد: هذا النّعيم الّذي أنتم فيه، والأثاث والرؤيا قد يكون استدراجاً لكم؛ لتزدادوا إثماً، وهذه سنة الله في عباده، وهي أنّ من كان في ضلالة الشّرك، والمعاصي؛ فإنّ الله يمد له مداً؛ أي: يمهله، ويملي له، ويتركه في ضلالة، ويدعه في طغيانه؛ ليزداد إثماً حتّى ينقضي أجله.

{فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} : فليمدد: الفاء: رابطة لجواب الشّرط، واللام: للتوكيد.

{حَتَّى} : حرف لنهاية الغاية.

{إِذَا} : ظرف زماني للمستقبل.

{رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ} : أي: يمدد له الرّحمن مداً؛ حتّى إذا انتهى هذا الإمداد علم، أو رأى أنّ "ما" بمعنى: الذي، وعد به الله هو الحق، وعلى خلاف ما كان يظن.

{إِمَّا الْعَذَابَ} : حرف جواب، وتفصيل؛ في الدّنيا بالقتل، والأسر، والفقر، والضّيق، والجوع، وعدم الأمن.

{وَإِمَّا السَّاعَةَ} : أي: لحظة تهدُّم النّظام الكوني الحالي، أو ساعة الاحتضار، أو القيامة الصغرى.

{فَسَيَعْلَمُونَ} : الفاء: للتوكيد؛ سيعلمون: السّين: للاستقبال القريب؛ أي: ليسوا هم بعيدين عما يوعدون به من العذاب، أو السّاعة، أو القيامة الصغرى.

{مَنْ هُوَ} : من: قيل: هي استفهامية، وقيل: اسم موصول؛ بمعنى: الذي؛ أيُّ الفريقين.

{هُوَ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.

{شَرٌّ مَّكَانًا} : شرٌّ: منزلةً الجنة، أم جهنم.

{وَأَضْعَفُ جُندًا} : أقل أنصاراً، أو أعواناً للكفرة وهم وجندهم، وشياطينهم، وفي هذا تهديد ووعيد لهم، وأما المؤمنون وجندهم الملائكة. جنداً: الجند: اسم جنس جمع جندي، فالجندي واحد، وجمعه: جُند، وجمعه: أجناد، أو جنود، وهناك فرق بين الجند والجنود؛ الجند: من جنس واحد، وتجمعهم أهداف واحدة، أما الجنود: فهم من أجناس مختلفة، وأهدافهم مختلفة؛ كقوله تعالى:{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفتح: 4]، وقوله تعالى:{وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173].

ص: 111

سورة مريم [19: 76]

{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} :

ارجع إلى سورة الكهف، الآية (46).

{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} : ويزيد معطوف على: فليمدد؛ أي: من كان في الضّلالة؛ فليمدد له الرّحمن مداً؛ أي: يزيده في ضلاله، ومن كان يسير في طريق الهداية، والإيمان يزيده الله إيماناً وتوفيقاً، كما مد لمن كان في الضّلالة مداً؛ فهذه مقابلة بين الفريقين.

{هُدًى} : جاءت نكرة تعني: كلّ أنواع الهداية.

{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} : سميت الباقيات؛ لأنّ ثوابها باق، وغير زائل مقارنة بالحياة الدّنيا، ومتاعها، وزينتها، والباقيات قيل: هي الصّلوات الخمس، والصّيام، والصّدقات، والزّكاة، والحج، والجهاد، وذكر الله، والصّبر. وقيل: هي ذكر الله (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وتشمل الصدقة الجارية، والولد الصالح، والسنة الحسنة.

{خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} : من المال، والبنين، ومتاع الحياة الدّنيا خير جزاء.

{وَخَيْرٌ مَرَدًّا} : مرداً: عاقبة؛ أي: مرجعاً، أو منفعة من أعمال الكفار الّتي تذهب هباءً منبثاً، خيرٌ مرداً؛ أي: مردوداً على صاحبها من التّكريم، والجنة، والثواب، وتكرار "خيرٌ" للتوكيد.

ص: 112

سورة مريم [19: 77]

{أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} :

سبب النّزول: كما جاء في صحيح البخاري ومسلم، نزلت في العاص بن وائل فقد قال الخباب بن الأرت: كان لي دينٌ على العاص بن وائل، فذهبت لأقبضه؛ فقال العاص: لن أعطيك دينك حتّى تكفر بمحمّد. قلت: لا والله لا أكفر بمحمّد حياً، ولا ميتاً، ولا حين تبعث، فقال العاص مستهزأ بما قاله الخباب: أسأبعث؟ قلت: نعم، قال: إذن حين أبعث سيكون لي مال وولد فأعطيك دينك. والعبرة بعموم اللفظ وليس خصوص السّبب.

{أَفَرَءَيْتَ} : الهمزة همزة استفهام إنكاري والتعجب، والفاء: للتوكيد. أرأيت: رؤية قلبية وليست بصرية، وتعني: أخبرني، أو ألم تر أو علمت بقصة الّذي كذب بآياتنا؟

{الَّذِى} : اسم موصول، ولم يذكر اسمه؛ لعدم أهمية ذكره «وهو العاص ابن وائل» .

{كَفَرَ بِآيَاتِنَا} : جحد، وكذب بآيات القرآن «آيات البعث» ، وقال: كما ذكرنا سابقاً للخباب بن الأرت.

{وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} : لأوتين: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد؛ أي: لأُعطين المال والولد إذا كان هناك بعث بعد الموت، وأسدد لك دَيْنك.

ص: 113

سورة مريم [19: 78]

{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} :

{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} : الهمزة: همزة استفهام وإنكار؛ أطلع: تدل على المبالغة في الاطلاع والرؤية؛ أي: كيف يدعي هذا الكافر، ويؤكد أنّه سيُعطى المال والولد؟ أطَّلع الغيب؛ أي: أخبر بالغيب وأُطلع عليه. قال ابن عباس: أَنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟

{أَمِ} : للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ.

{اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} : أي: أعطاه الرّحمن عهداً «وعداً موثقاً» بأن يدخل الجنة، أو ينال ما يريد. اتخذ: على وزن افتعل: فيها معنى الجهد، والتّكلف؛ أي: طلب وأجهد نفسه بالحصول على عهد من الرّحمن بنيل ما يريد.

ص: 114

سورة مريم [19: 79]

{كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} :

{كَلَّا} : كلمة ردع وزجر وإنكار لما قاله الوائل بن العاص، أو هو مخطئ لما قاله، أو كلمة نفي وإبطال لما قبلها، لن يشم رائحة المال، أو رائحة الولد.

{سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} : لأوتين مالاً وولداً، وسنجازيه على ما قاله، والسّين للاستقبال القريب.

{وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} : أصل المد، أو المدد هو: الزّيادة؛ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، أو نطيل له مدة العذاب، مداً للتوكيد، والمد في القرآن يأتي عادة في سياق العذاب، والمدد يأتي في سياق الخير.

ص: 115

سورة مريم [19: 80]

{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} :

{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} : نرث منه المال والولد ويأتينا فرداً، أو نرثه عاقبة قوله والتّألِّي على الله تعالى، نرثه تبِعة قوله.

{وَيَأْتِينَا فَرْدًا} : كما ولدته أمّه، لا نصير، ولا معين، ولا شفيع، ولا مال، ولا ولد.

ص: 116

سورة مريم [19: 81]

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} :

بعد الحديث عن منكري البعث والّذي كفر بآياتنا يأتي الحديث عن مشركي مكة عُبَّاد الأصنام، والأوثان الّذين ظنوا أنّها ستكون لهم عزاً.

{وَاتَّخَذُوا} : أي: وجعلوا، أو صيروا.

{مِنْ دُونِ اللَّهِ} : من غير الله سبحانه.

{آلِهَةً} : يعبدونها مثل اللات، والعزى، ومناة الثّالثة الأخرى.

{لِّيَكُونُوا} : اللام: لام التّعليل.

{لَهُمْ عِزًّا} : من العزة، وهي: القوة، والغلبة، والامتناع؛ أي: ليكونوا لهم منعة، وقوة يوم القيامة، تشفع لهم، أو تقربهم إلى الله زلفى، أو تمنعهم من العذاب.

ص: 117

سورة مريم [19: 82]

{كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} :

{كَلَّا} : كلمة ردع وزجر، وإنكار؛ لما اتخذوا، وأنّهم خاطئون، أو جائز أن تكون نافية بمعنى: لا، وقد تكون بمعنى: حقاً سيكفرون بعبادتهم.

{سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} : سيكفرون: السّين: للاستقبال القريب؛ أي: قريباً سيكفرون بعبادتهم؛ أي: ستنكر هذه الأصنام عبادة الكفار لها، أو تنكر أقوالهم، فالله سبحانه قادر على أنّ ينطقها.

{وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} : أي: أعداءً لهم.

{ضِدًّا} : ستكون الأصنام لهم عكس ما تمنوه من العزة، والقوة، والمنعة؛ أي: ستكون عليهم وبالاً، وتشهد بكفرهم وضلالهم.

ص: 118

سورة مريم [19: 83]

{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} :

{أَلَمْ} : الهمزة: همزة استفهام، وتعجب.

{أَلَمْ تَرَ} : ألم تعلم، أو ألم ينته علمك؟

{أَنَّا} : النّون: للتعظيم.

{أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} : أرسلناهم لمهمة الابتلاء والاختبار والفتنة؛ كقوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2].

{عَلَى} : للاستعلاء، والمشقة.

{تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} : أزَّه: حثَّه، أو هيَّجه؛ أي: تهيجهم على المعاصي، وتغريهم بالوساوس حتّى يقعوا فيها، أزّت القِدر تؤزه أزاً: حتّى يشتد غليانه.

أزّاً: للتوكيد.

ص: 119

سورة مريم [19: 84]

{فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} :

{فَلَا} : الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.

{تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} : أي: لا تطلب العجلة بهلاكهم، أو تعذيبهم، أو تعجل بالدّعاء عليهم؛ لأنّ الله سبحانه يريد أنّ تطول أعمارهم، وتسوء أعمالهم، وتكثر ذنوبهم.

{إِنَّمَا} : كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

{نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} : أي: نعد أيامهم، وأنفاسهم، وذنوبهم، فما هي إلا أيامٌ معدودة، وكل ما يُعد ينتهي، وتنتهي أعمارهم، ونأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وفي الآية تهديد ووعيد.

ص: 120

سورة مريم [19: 85]

{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} :

{يَوْمَ} : أي: يوم القيامة.

{نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ} : الحشر: السَّوق والجمع، ويستعمل الحشر في الخير والشر؛ أي: نجمع المتقين ويفدون؛ أي: يؤتى بهم وفداً وفداً إلى الرّحمن.

{إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} : قال جمهور العلماء: وفداً؛ أي: ركباناً جماعة جماعة.

ص: 121

سورة مريم [19: 86]

{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} :

{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ} : الكافرين والطّاغين والمشركين، والسَّوق فيه معنى الإهانة والمذلة، ويعني: السير أمام الملائكة كما تسير الأنعام أمام رعاتها للزجر والخوف. ارجع إلى سورة الأنعام آية (55)، وسورة الجاثية آية (31) لبيان معنى المجرمين.

{إِلَى جَهَنَّمَ} : ارجع إلى الرعد، آية (18)؛ للبيان.

{وِرْدًا} : عطاشاً. ورداً: جمع وارد.

ص: 122

سورة مريم [19: 87]

{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} :

{لَا} : النّافية.

{يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ} : أي: هم لا يشفعون لأحد، ولا أحد يشفع لهم، ولا يشفع بعضهم لبعض.

{الشَّفَاعَةَ} : ارجع إلى سورة النّساء، آية (85)؛ لبيان معنى الشّفاعة.

{إِلَّا} : أداة استثناء منقطع، والمنقطع: هو استثناء الشيء من غير جنسه؛ لأن الذين اتخذوا عند الله عهداً هم الصالحون، والذين لا يملكون الشفاعة هم الكافرون.

{مَنِ} : ابتدائية للعاقل، اسم موصول؛ بمعنى: الّذي اتخذ عند الرّحمن عهداً: يمكن أن يشفع له، ولكن بشرط أن يؤذن له، ويرضى له قولاً.

"له قولاً"؛ أي: لا إله إلا الله، كما ورد في سورة طه الآية (109).

{اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} : أي: الملائكة والأنبياء والشهداء وغيرهم من الصالحين، والعهد قيل: هو لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما قال ابن عباس، والإيمان بها، والقيام بحقها، أو العهد: الإيمان بالله وحده، وما أنزل؛ أي: كتبه، ورسله، والملائكة؛ الإيمان المرفق بالعمل الصّالح بالقول والفعل.

وما ورد في سورة طه (109) قوله تعالى: {لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا} .

ص: 123

سورة مريم [19: 88]

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} :

{وَقَالُوا} : أي: النّصارى قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله.

{اتَّخَذَ} : جعل، أو صير.

{الرَّحْمَنُ وَلَدًا} : الولد يطلق على الذكر أو الأنثى.

ص: 124

سورة مريم [19: 89]

{لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـئًا إِدًّا} :

{لَّقَدْ} : اللام: للتوكيد؛ قد: حرف تحقيق.

{جِئْتُمْ} : قلتم، أو فعلتم، بصيغة المخاطب، ولم يقل: جاؤوا شيئاً إدّاً، كما قال في الآية السّابقة:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} بصيغة الغائب، و"جئتم" بصيغة المخاطب، والانتقال من الغائب إلى المخاطب للفت الانتباه إلى بشاعة وخطورة ما يقولون.

{شَيْـئًا إِدًّا} : شيئاً منكراً عظيماً فظيعاً.

الإدّة: الشّدّة، أو الإدّ: النّكر، أو المنكر العظيم، كما قال ابن عباس.

ص: 125

سورة مريم [19: 90]

{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} :

{تَكَادُ} : من أفعال المقاربة. قد تدخل على جملة مثبتة كما في هذه الآية فتدل على عدم وقوعها، وأما إذا دخلت على جملة منفية دلت على وقوعها.

{السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} : التّفطر: التّشقق؛ أي: تقارب السّموات أن يتشققن منه؛ الهاء: تعود على القول؛ أي: يتشققن من عظم قولهم: اتخذ الرّحمن ولداً!

{وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ} : تتصدع وتخسف.

{وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} : تسقط، وتهوي، وتنهدم، وتتفتت الجبال؛ إجلالاً للرّب الّذي خلقهن.

ص: 126

سورة مريم [19: 91]

{أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} :

{أَنْ} : مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.

{دَعَوْا} : قالوا باطلاً، أو نسبوا الولد إلى الرّحمن.

ص: 127

سورة مريم [19: 92]

{وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} :

{وَمَا} : استئنافية، ما: النّافية؛ بغى: طلب.

{وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ} : وما يليق، أو يصح لجلاله، وكماله الولد؛ لأنّه من المحال؛ لأنّه لم يلد، ولم يولد، فهو سبحانه ينفي عنه انبغاء الولد، فكيف يفترون على الله الكذب، ويقولون: اتخذ الرّحمن ولداً، وهو سبحانه قادر على ذلك إذا شاء، و {لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} سورة الزّمر، آية (4)، ولكنّه لا ينبغي؛ لأنّه رب كلّ شيء، وليس بحاجة إلى ولد.

ص: 128

سورة مريم [19: 93]

{إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا} :

{إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ} : إن: حرف نفي، كلّ: تفيد توكيد النّفي؛ أي: ما من مخلوق في السّموات والأرض إلا أتي: عائد، أو راجع إلى الرّحمن بما فيهم الملائكة، والنّاس (الإنس والجن).

{مَنْ} : استغراقية؛ تعني: العاقل.

{فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : في: ظرفية.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا} : آتي: قد تعني: في الدّنيا، أو يوم القيامة؛ فإذا كانت في الدّنيا فهي تشير إلى خضوع كلّ عبد إلى ربه طوعاً، أو كرهاً، إلى مشيئة الله، وإرادته، أو قضائه، وقدره، فلا مفر من ذلك. أمّا في يوم القيامة فهذا بيِّن وواضح.

{عَبْدًا} : خاضعاً ذليلاً منقاداً.

ص: 129

سورة مريم [19: 94]

{لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} :

{لَّقَدْ} : اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق.

{أَحْصَاهُمْ} : الإحصاء: هو العد، والكتابة، والجمع، والطّرح، والنّسبة، والحفظ. أحصاهم: الضّمير يعود إلى كلّ من في السّموات والأرض.

{وَعَدَّهُمْ عَدًّا} : العد: هو أن تعد الأرقام: 1، 2، 10، 100، مائة، ألف، مليون، عداً: للتوكيد، فلا يفوته أحد، أو يخفى عليه أحد.

ص: 130

سورة مريم [19: 95]

{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} :

{وَكُلُّهُمْ} : للتوكيد.

{آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} : وحده ليس معه أهل، ولا ولد، ولا شفيع، ولا ولي، ولا ناصر؛ كقوله تعالى:{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]، واستعمل "آتيه"؛ لأننا لا زلنا في الطّريق، ولم تقم السّاعة بعد، وإذا نظرنا إلى الآية (95)؛ فهي ليست تكراراً للآية (93)، الآية (93): آتي الرّحمن عبداً ذليلاً، والآية (95): آتي الرّحمن فرداً؛ أي: وحيداً.

ص: 131

سورة مريم [19: 96]

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} :

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : إن: للتوكيد، الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات؛ آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقرنوا ذلك بالعمل الصالح الفرائض والسنن والذكر وغيرها من الأعمال الصالحة.

{سَيَجْعَلُ} : السّين: هنا تفيد التّوكيد، وزيادة التّوكيد في الدّنيا، وفي الآخرة.

{وُدًّا} : من المودة الّتي تبدأ بالمحبة، ثمّ لا تقتصر على المحبة، بل محبة يرافقها الإخلاص، والوفاء، وكل مودة محبة، وليس كل محبة تعني مودة، فالمودة أوسع وأشمل؛ لأنّ المحبة تسبق المودة.

وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن النّبي صلى الله عليه وسلم: أنّه قال: «إنّ الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل، إنّي أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثمّ ينادي في أهل السّماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السّماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض» ، وفي رواية:«يوضع له المحبة في أهل الأرض» .

ص: 132

سورة مريم [19: 97]

{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا} :

{فَإِنَّمَا} : الفاء: تعليلية، إنما: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

{يَسَّرْنَاهُ} : هاء الضّمير تعود على القرآن الكريم، يسرنا قراءته وحفظه، وفهمه وتدبره والعمل به كما قال تعالى:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17].

{بِلِسَانِكَ} : بلغتك العربية.

{لِتُبَشِّرَ} : اللام: لام التّعليل، والتّوكيد، وتبشر: من البشارة؛ أي: الإخبار بما يسر؛ أي: بشِّر يا محمّد صلى الله عليه وسلم عبادي المتقين بالفوز بالجنة، والنّجاة من النّار، ورضوان من الله أكبر، {بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47]، و {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2].

{الْمُتَّقِينَ} : بدلاً من لتبشر به المؤمنين اختار المتقين هو تكريماً وفضلاً من الله تعالى لحثهم على التقوى.

{بِهِ} : تعود على القرآن.

{وَتُنْذِرَ بِهِ} : بالقرآن بما فيه من الوعيد؛ والإنذار: هو الإعلام مع التّحذير، والتّخويف، وتكرار (به) للتوكيد، وفصل كلٍّ على حدة.

{قَوْمًا لُّدًّا} : جمع الألدّ: شديدي الخصومة، والمِراء، والجدال، وهم الكفرة، والمشركون.

انتبه لقوله: "لتبشر به"، ولم يقل: لتنذر به، وإنما قال:"تنذر به"، ولو قال ذلك لتساوت البشرى والإنذار، ولكنه سبحانه أكد على البشرى، ولم يؤكد على الإنذار؛ لعلهم ينيبون إلى ربهم ويبقى لهم باب الأمل مفتوحاً.

ص: 133

سورة مريم [19: 98]

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} :

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ} : ارجع إلى الآية (74)؛ للبيان.

{هَلْ} : استفهام فيها معنى النّفي، والإنكار، والإجابة عنها تكون بنعم، أو لا، وهي تعني هنا للتعيين أيضاً.

{تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ} : تحس من الإحساس؛ أي: إذا استعملت أدوات إحساسك، وهي: العين، والأذن، والأنف، واليد، هل ترى منهم من أحد لا يزال حياً، أو السّمع هل تسمع منهم من أحد، أو اللمس باليد، أو الشّم، هل تشم رائحة أحد، منهم: خاصة؟

{مِّنْ أَحَدٍ} : من: استغراقية تشمل كلّ واحد أهلكناه من أفراد تلك القرون الّذين اندثروا في الأرض، وأصبحوا تراباً وعظاماً.

{أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} : الرّكز الصّوت الخفي، أو الصّوت الّذي لا يُفهم أو لا تكاد تسمعه، وقيل: ما لا يفهم من صوت، أو حركة، وأصل الرّكاز: الخفاء، والرّكاز: المال المدفون في الأرض، وركز الرّمح: غرزه في الأرض؛ فبأيّ أداة من أدوات الحس إذا استعملت فلن تجد لهم أثراً على وجه الأرض. فالسؤال: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟ والجواب: لا هذا ولا ذاك.

ص: 134

سورة طه [20: 1]

سورة طه

ترتيبها في القرآن (20) نزلت بعد سورة مريم، وترتيبها في النّزول (45).

{طه} :

{طه} : ارجع إلى الآية (1) من سورة البقرة؛ للبيان.

وقيل: طه تعني: يا رجل في لغة العرب، كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما ، والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة، واختلف هؤلاء بأي لغة هي فمنهم بالنبطية، أو بلسان عك، أو السريانية أو الحبشية، أو لغة قريش وافقت هذا في المعنى.

وقيل: طَأ الأرض بقدميك؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمره الله تعالى بأن يطأ الأرض بقدميه، وتعني: لا تتعب نفسك في الصّلاة حتّى تتورم قدميك، وتعني: المراوحة بين القدمين.

ص: 135

سورة طه [20: 2]

{مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} :

{مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} : ما: النّافية، أنزلنا؛ تعني: إنزاله جملة واحدة، أو دفعة واحدة، وأنزلنا: بصيغة الجمع؛ للتّعظيم، والتّفخيم، أو لكون جبريل مشاركاً في عملية الإنزال، وهناك فرق بين أنزلنا، ونزلنا: ارجع إلى سورة البقرة، آية (4).

وهناك فرق بين عليك وإليك: ارجع إلى سورة البقرة، آية (4)، وبين القرآن والكتاب: ارجع إلى الآية (1) من سورة الحجر، وجمع بين الاسمين؛ لأن القراءة والكتابة للتعرف عليه وحفظه من التحريف والتبديل.

{لِتَشْقَى} : اللام: لام التّعليل؛ تشقى: تتعب، وأصل الشّقاء في اللغة: العناء؛ أي: التّعب الشّديد، أو الجهد فقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويراوح بين قدميه لطول القيام أو الجهد في تبليغ الرسالة؛ كقوله تعالى:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشّعراء: 3]؛ أي: مهلك، وقاتل نفسك أن يؤمنوا؛ فقد ذكر الواحدي في أسباب النزول. قال مقاتل: قال أبو جهل والنضر بن الحارث للنبي صلى الله عليه وسلم إنك لتشقى بترك ديننا وذلك لما رأياه من طول عبادته واجتهاده فأنزل الله هذه الآية.

ص: 136

سورة طه [20: 3]

{إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} :

{إِلَّا} : أداة حصر؛ أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وإنما أنزلناه تذكرة لمن يخشى.

{تَذْكِرَةً} : أي: أنزلناه تذكرة، أو مذكراً لمن يخشى؛ لأنّ الإنسان معرض للنسيان، وتذكرة مصدر لفعل: ذكر «الرّباعي» .

{لِمَنْ} : اللام: للاختصاص، ومن: ابتدائية.

{يَخْشَى} : الخشية: هي الخوف المقرون بالعلم، والمهابة من الّذي يخشاه.

وخص الخاشي؛ لأنّه هو من ينتفع به، وأمّا من لا ينتفع بالقرآن فهو الّذي لا يقرأ ويعمل به، ولا يتأثر به، كذلك هو هدى للمتقين، ونذير للعالمين، وهدى ورحمة للمحسنين، وهدى للناس أجمعين.

ص: 137

سورة طه [20: 4]

{تَنْزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} :

{تَنْزِيلًا} : أي: نُزل هذا القرآن تنزيلاً من الّذي خلق الأرض والسّموات العلى.

{مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ} : وذكر خلق الأرض والسّموات العلى؛ لأنّهما من أعظم المخلوقات، وأكبر من خلق النّاس.

{وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} : خلق الأرض والسّموات العلى في لحظة واحدة معاً، ثمّ ميز الأرض بإنزال الحديد، وميز السّموات إلى سبع سموات. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (30)، والأعراف آية (54)، وسورة فصلت، آية (10-12)، والبقرة، آية (22-29)؛ لبيان معنى الخلق.

{وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى} : السبع سموات. العلى: مؤنث أعلى، وجمع عُليا، أو سموات عُلى.

ص: 138

سورة طه [20: 5]

{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} :

استوى قيل: علا، وارتفع على العرش استواءً يليق بجلاله، وعظمته من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، والعرش شيء مخلوق ومن علم الغيب. وقد أشارت الأحاديث أن العرش أعلى المخلوقات، وهذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنة» فهو فوق السماء السابعة، وهذا ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا قضى الله أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم»

إلى نهاية الحديث. ارجع إلى سورة يونس، آية (3)، وسورة هود آية (7)؛ لمزيد من البيان.

ص: 139

سورة طه [20: 6]

{لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} :

{لَهُ} : تقديم له يفيد الحصر؛ أي: له وحده ما في السّموات وما في الأرض.

اللام في "له": لام الاختصاص، والاستحقاق له ملكاً وحكماً وتدبيراً.

{مَا فِى السَّمَاوَاتِ} : أي: السّموات نفسها، وما فيها من مخلوقات، ومجرات، وخزائن، وكواكب، ونجوم، وشموس، وأقمار.

{وَمَا فِى الْأَرْضِ} : أي: كوكب الأرض، وما فيه من خيرات، ومعادن، وثروات، وجبال، وأنهار، وبحار. وتكرار ما في: يفيد التوكيد، وفصل كل منهما عن الأخرى، أو كلاهما معاً.

{وَمَا بَيْنَهُمَا} : حيث يختلط الغلاف الغازي للأرض بمكونات السّماء، فهذا الغلاف الغازي ليس من الأرض بالكامل، وليس من السّماء بالكامل، وبقي فاصلاً بين السّماء والأرض.

{وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} : الثّرى: هو التّراب، ما تحته من كنوز، وثروات؛ مثل: البترول، والمعادن، مثل: الحديد، والذّهب، والنّحاس، والأحجار الثّمينة؛ مثل: الرّخام

وغيرها.

ص: 140

سورة طه [20: 7]

{وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} :

{وَإِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال.

{تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ} : ما يتكلم به القائل من القول سواء أكان مفرداً، أم جملة، أو يلفظ به بلسانه، ومهما كان نوع القول، أو الدعاء.

{فَإِنَّهُ} : الفاء: جواب الشّرط تفيد التّوكيد؛ إنّه: لزيادة التّوكيد.

{يَعْلَمُ السِّرَّ} : ما تسرهُ في نفسك من قول أو فعل، ولا يعلمه أحد غيرك. والأصل في السّر: تغطية الشّيء بغطاء.

{وَأَخْفَى} : من السّر؛ أي: يعلم ما توسوس به نفسك، أو ما تخفي من المعاني، والأخبار، أو تحتفظ به في نفسك، ولا يعلمه أحد، وتخاف أن يطلع عليه أحد.

ص: 141

سورة طه [20: 8]

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} :

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : ارجع إلى الآية (255) من سورة البقرة؛ للبيان.

{لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} : ارجع إلى الآية (180) من سورة الأعراف؛ للبيان.

ص: 142

سورة طه [20: 9]

{وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} :

{وَهَلْ} : الواو استئنافية؛ هل: استفهامية فيها معنى التّشويق، وتقرير وتثبيت الخبر في نفس المخاطب.

{أَتَاكَ} : بلغك، وصل إليك.

{حَدِيثُ مُوسَى} : الحديث: الخبر، أو ما يُبلغ به الإنسان من كلام سواء بالسّمع، أو بالوحي.

ص: 143

سورة طه [20: 10]

{إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّى آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} :

{إِذْ} : ظرف زماني للزمن الماضي.

{رَأَى نَارًا} : وهو عائد من مدين إلى مصر مع أهله، وكان قد أخطأ الطّريق في ليلة شاتية باردة كما قال ابن عباس.

{فَقَالَ لِأَهْلِهِ} : زوجته وولد له.

{امْكُثُوا} : أقيموا مكانكم، المكث: الانتظار الغير محدد بزمن؛ أي: ابقوا في مكانكم، وربما قال: امثكوا بعد أن سأله أهله: نأتي معك، أو نبقى هنا ننتظرك؟

{إِنِّى} : للتوكيد.

{آنَسْتُ نَارًا} : أبصرت ناراً، وبدلاً من أن يقول أبصرت قال: آنست؛ أي: أبصر ناراً شعر معها بالأُنس، وشيء من الطّمأنينة؛ أي: آنست؛ أي: أبصرت ما يؤنس به.

{لَّعَلِّى آتِيكُمْ} : لعلي من لعل + إضافة ياء المتكلم، ولعل: لترجي المتوقع حصوله عادة، وهنا تعني لمطلق التوقع سواء حدث ما يتوقعه أم لم يحدث فهي تعني: احتمال غير مؤكد فيه نوع من الخوف والرّجاء؛ أي: لعلي أذهب فأجد جذوة من النّار آتيكم بها، ولم يقل:{سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} [النمل: 7]، سآتيكم: فيه نوع من التّأكيد، والثّقة بالنّفس، والقطع، أو الجزم.

{مِّنْهَا بِقَبَسٍ} : القبس: شعلة من النّار، تقبس من النّار سواء كانت جذوة كقوله تعالى:{جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ} [القصص: 29]، أم شهاباً كقوله تعالى:{بِشِهَابٍ قَبَسٍ} [النمل: 7].

{أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} : هدى: نكرة؛ أي: أجد أي شيء يهدينا إلى الطّريق، أو هادياً يهدينا، أو يدلنا إلى الطّريق.

ص: 144

سورة طه [20: 11]

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ يَامُوسَى} :

{فَلَمَّا} : الفاء: تدل على التّرتيب والمباشرة؛ لما بمعنى: حين.

{أَتَاهَا} : من الإتيان: وهو المجيء بسهولة، ولم يصلها بعد؛ أي: في طريقه إليها، ولو قال: جاءها؛ يعني: وصل إليها وبصعوبة.

{نُودِىَ يَامُوسَى} : فوجئ بمن يناديه باسمه: يا موسى، ويمكن القول: إنّ موسى اطمئن وفرح بمن يناديه باسمه، ولكنه راح يبحث عن مصدر الصّوت فلا يجده.

ص: 145

سورة طه [20: 12]

{إِنِّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} :

{إِنِّى} : للتوكيد.

{أَنَا} : للتوكيد والدّلالة على التّوحيد.

{رَبُّكَ} : أي: الّذي يكلمك ربك: خالقك ومدبر أمرك ورازقك، ولم يقل إنّي أنا إلهك، الألوهية تدل على العبودية.

{فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ أي: اخلع نعليك الآن، نعليك: حذاءك.

{إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} : أي: المطهر، والباء في قوله بالواد: ظرفية.

{طُوًى} : اسم للوادي؛ إذن اسم الوادي هو: الوادي المقدس طوى، وهذا يسمى الإيضاح بعد الإبهام؛ فقد قال سبحانه لموسى: إنك بالواد المقدس «إبهام» ، ثمّ بين اسم الواد المقدس فقال: طوى «إيضاح» .

أمّا السّبب في خلع نعليه فقد قيل: للتواضع والخشوع، أو لكون الوادي مطهراً، ومقدساً، أو لأنّ نعليه غير طاهرين، فالله أعلم.

ص: 146

سورة طه [20: 13]

{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} :

{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} : لتكون رسولاً إلى فرعون وقومه، أو {اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِى} [الأعراف: 144].

{فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} : ولم يقل: واسمع لما يُوحى؛ استمع: تعني: بقصد وجدٍّ، واهتمام، وجنِّد كلّ حواسك وعقلك لما سيقال لك.

{لِمَا يُوحَى} : أي: للذي يوحى، أو للوحي يوحى؛ من الإيحاء لغة: هو الإعلام بالخفاء، وهناك وسائل مختلفة يتم بها الإيحاء، والإيحاء هنا: الكلام من وراء حجاب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (163)؛ لبيان معنى الوحي.

لما يوحى: لما سيذكرُ إليك، وهو:{إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى} ، وهذا يطلق عليه: الإيضاح بعد الإبهام (الوحي).

ص: 147

سورة طه [20: 14]

{إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى} :

{إِنَّنِى أَنَا} : انظر في الآية (12) قال تعالى: إنّي أنا ربك؛ أي: الخالق، والمربي، والمدبر، والرّازق لكلّ مخلوق مؤمن، أو كافر، وفي هذه الآية (14) يقول: إنني أنا الله: إنني أنا المعبود صاحب التّكاليف، والآمر والنّاهي.

إنني: بدلاً من إنّي؛ إضافة النّون للتوكيد، والمقام مقام توحيد، وتبليغ.

أنا: ضمير فصل يفيد التّوكيد، ويدل على التوحيد.

{اللَّهُ} : واجب الوجود، اسم الذات الإلهية، الجامع لكلّ صفات الكمال الإلهية، وهو الاسم الّذي تفرد به سبحانه، واختصه لذاته.

{فَاعْبُدْنِى} : الفاء: للتوكيد؛ اعبدني: أطع أوامري، وتجنب نواهيَّ، ولا تشرك بي شيئاً، والعبادة تشمل: كلّ قول وعمل صالح، ولا تكون إلا لله وحده، ولا تكون إلا مع المعرفة بالمعبود، وتعني: الخضوع، ولها أجر، ولها منهج رباني.

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى} : أقم؛ أي: أتم الصّلاة بشروطها، وأركانها، وخشوعها، وسننها، ووقتها، وخص الصّلاة من بين سائر العبادات؛ لأنّها عماد الدّين، والصّلة الدّائمة المستمرة بين العبد وربه، والصلاة تجمع أركان الإسلام الخمسة؛ أي: تمثلها.

{لِذِكْرِى} : اللام: لام التّعليل؛ أي: لتذكرني، وبإخلاص؛ أي: خالصة لي، وابتغاء مرضاتي، فقوله تعالى فاعبدني (تشمل كل العبادات)، ثم عاد وذكر وأقم الصّلاة: ذكر الخاص (الصّلاة) بعد العام (اعبدني): للاهتمام بالصلاة، والتّوكيد.

ص: 148

سورة طه [20: 15]

{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} :

{إِنَّ السَّاعَةَ} : إنّ: للتوكيد. السّاعة: ساعة، أو لحظة تهدُّم النّظام الكوني الحالي، وسمي بالسّاعة؛ لأنّها تأتي بغتة في ساعة، والسّاعة جزء من الزّمان، من قبيل إطلاق الجزء على الكلّ.

{آتِيَةٌ} : ولم يقل: لآتية، كما في سورة الحجر، الآية (85) التي جاءت في سياق مخاطبة قريش أكد بأن واللام، ولم يقل: آتية لا ريب فيها، كما في سورة الحج الآية (7) التي جاءت في سياق إنكار البعث أكد بأن ولا ريب فيها، أو: لآتية لا ريب، كما في سورة غافر الآية (59) التي جاءت في سياق منكري البعث والحساب، والذين يجادلون في آيات الله، فأكد بأن واللام ولا ريب فيها ثلاث توكيدات؛ أما في آية سورة طه: لم يؤكد لا بلام، ولا بإضافة: لا ريب فيها، أو كلاهما معاً؛ لأنّ الله سبحانه يكلم موسى، وموسى أصبح رسولاً ونبياً، فلا يحتاج إلى توكيد؛ لأنّه مؤمن بالله سبحانه وبالبعث وبالسّاعة.

وأما السياق في آية غافر: فهو في الذين يجادلون في آيات الله، وينكرون الساعة، فلذلك أكد بإن واللام في كلمة (لآتيه، ولا ريب فيها) ثلاث توكيدات.

وأما في سورة الحجر: فالسياق في خلق السموات والأرض.

وأما في سورة الحج: فالسياق في تعداد الآيات الدالة على قدرة الله تعالى.

وأما في آية الكهف: فهو لا يتحدث عن قيام الساعة؛ أي: نهاية الكون، وإنما عن ساعة قيام الفتية من نومهم؛ أي: بعثهم بعد (309سنة) لنقارن هذه الآيات معاً:

ففي سورة الحجر آية (85) قال تعالى: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ} : أكد بإن واللام.

وفي سورة طه آية (15) قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ} : أكد بإن.

وفي سورة الحج آية (71) قال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا} : أكد بأن واللام ولا ريب فيها.

وفي سورة غافر آية (59) قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا} : أكد بإن واللام ولا ريب فيها.

وفي سورة الكهف آية (20) قال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} : بدون آتية أو لآتية.

{أَكَادُ أُخْفِيهَا} : لها معنيان: الأوّل: أسترها ولا أخبر بها أحداً.

الثّاني: أي: أظهرها، أو أزيل إخفاءها؛ أي: أظهر علاماتها الصّغرى والكبرى، فلم تعد خافية إلا وقت وقوعها. أكاد: من أفعال المقاربة هنا؛ تعني: زمن وقوعها.

{لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} : لتجزى: اللام للتعليل.

{بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية.

{تَسْعَى} : أي: تعمل، أو تكسب؛ أي: تقوم به من خير، أو شر، والسّعي: الحركة والعمل بجد.

ص: 149

سورة طه [20: 16]

{فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} :

{فَلَا} : الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.

{يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا} : الصّد: هو المنع عن قصد الشّيء، والنّون في "يصدنك" للتوكيد، لا يصدنك: لا يمنعنك عن الإنذار بها، وهاء الضمير تعود على السّاعة.

والتّحذير منها، والتّبليغ عنها، والاستعداد لها، من لا يؤمن بها: من: ابتدائية، لا: النّافية، لا يؤمن بها؛ أي: لا يصدق بها، ولا بالبعث والآخرة من هؤلاء الكفرة، وإن كثر هؤلاء فلا يثبطنّك تكذيبهم بها، ولا يهمنّك إعراضهم.

{وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} : في عدم الإيمان والتّصديق بها الناجم عن اتباع الهوى بلا برهان، ولا دليل لهم، أو تقليد لآبائهم. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (119)؛ لبيان معنى الهوى.

{فَتَرْدَى} : أي: إن فعلت ذلك تهلك، تردى: من الرّدى: وهو الهلاك. والخطاب وإن كان موجهاً إلى موسى ـ وحاشا أن يفعل ذلك ـ فهو موجه إلى أمته، أو تعني: إذا صد عنها إنسان ما ولم يؤمن بالسّاعة والبعث والحساب، سيردى؛ أي: سيهلك، والفاء في كلمة "فتردى": فاء السّببية.

ص: 150

سورة طه [20: 17]

{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} :

{وَمَا} : الواو: استئنافية؛ ما: استفهامية للتقرير؛ ما: لغير العاقل.

{تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} : تلك: اسم إشارة للمؤنث، وتشير إلى العصا.

{بِيَمِينِكَ} : الباء: للإلصاق؛ أي: في يدك اليمنى، والله سبحانه يعلم ما هي، ولكن الحق سبحانه يريد أن يخفف من خوف موسى، ويهدأ روعه من هذه المفاجأة المذهلة: تكليم موسى من وراء حجاب، ولكون هذه العصا ستكون المعجزة الكبرى لموسى فيما بعد حين تنقلب إلى حية تسعى، وفي ذلك تحضير نفسي لما سيحدث بعد قليل.

ص: 151

سورة طه [20: 18]

{قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} :

{قَالَ هِىَ عَصَاىَ} : قال: موسى؛ هي: للتوكيد، وتدل على الإجابة بإخلاص.

{أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى} : أي: أضرب بها ورق الشّجر؛ ليسقط فترعاه غنمي، وعادة ما يسقط الورق اليابس، وأهش من الهشاشة، والشّيء الهش ينكسر، أو يتفتت، أو يسقط بسرعة، وهنا يعني: ورق الشّجر، ولو كان يعني بها زجر الغنم لاستعمل كلمة أهس بالسّين، وليس بالشّين، وأتوكأ عليها حين التّعب، أو الإعياء، وقد تسمى العصا منسأة كما ورد في قصة سليمان، ومنسأة؛ لأنها تستعمل في زجر الإبل وسوقها، ومنسأة من نسأ؛ أي: زجر، أو أخر؛ وتعني: أن هذه العصا (المنسأة) التي أخرت الجن من العلم بأن سليمان قد مات؛ ارجع إلى سورة سبأ آية (14) لمزيد من البيان.

{وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} : أي: لي فيها حاجات أخرى.

{مَآرِبُ} : جمع مأربة؛ أي: منفعة، ولا أرَبَ لي في كذا؛ أي: لا حاجة لي فيه؛ كقوله: {غَيْرِ أُولِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31]، والإربة؛ أي: الحاجة، ومن هذه المآرب: الدّفاع عن النّفس، أو الصّيد، وقتل هوام الأرض، أو يضع عصاه على كتفه يعلّق عليها زاده.

ص: 152

سورة طه [20: 19]

{قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى} :

قال تعالى لموسى: ألقها: ارْم بها على الأرض؛ أي: اطرحها.

ص: 153

سورة طه [20: 20]

{فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى} :

{فَأَلْقَاهَا} : الفاء: للتعقيب والمباشرة، ألقاها: طرح بها على الأرض: رمى بها على الأرض.

{فَإِذَا} : إذا الفجائية، والفاء للتوكيد.

{هِىَ} : للتوكيد.

{حَيَّةٌ تَسْعَى} : تتحرك، وتمشي بسرعة.

وفي سورة القصص الآية، (31): وصفها: {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} ، في الحركة كأنّها فرخ الحية.

وفي سورة الشّعراء، الآية (32)، وسورة الأعراف، الآية (107):{فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} في الحجم، والطّول، والعمر، فكانت عصا موسى تتحول من شكل إلى شكل حسب المقام والمشهد أمام فرعون تصبح ثعبان، وأمام موسى وحده حية تسعى، أو كأنها جان، كما سنرى في الآيات الأخرى، وهذا يدل على عظمة قدرة الله تعالى.

ص: 154

سورة طه [20: 21]

{قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} :

في هذه الآية لم يذكر الله سبحانه ما حدث لموسى من أنّه ولَّى مدبراً ولم يعقِّب، وإنما اختصر المشهد بقوله: خذها ولا تخف.

{خُذْهَا} : أي: أمسكها بيدك.

{وَلَا تَخَفْ} : لا: النّاهية، تخف: من أن تلدغك، أو تؤذيك. قال تعالى لموسى لا تخف؛ لأن موسى كان في أول اختبار مع العصا، فظهرت عليه علامات الخوف بينما في سورة الشعراء آية (32)، وفي سورة الأعراف آية (107) لم يذكر الخوف؛ لأن موسى في موقف التحدي مع السحرة وأمام الناس، وعلم أن العصا واليد من آيات الله تعالى.

{سَنُعِيدُهَا} : السّين للاستقبال القريب، أو التّوكيد.

{سِيرَتَهَا الْأُولَى} : سنعيدها إلى هيئتها الأولى الّتي كانت عليها قبل أن تتحول إلى حية؛ أي: سنعيدها عصا يابسة من خشب، فكأن ذلك كان تدريباً لموسى، وأنّها ستكون معجزته الأولى في صراعه مع فرعون وملئه.

ص: 155

سورة طه [20: 22]

{وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى} :

{وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} : أدخل يدك اليمنى تحت عضدك الأيسر (جناحك)، ثمّ أخرجها، تخرج بيضاء: بيضاء تشع بالنّور، ويد موسى كانت سمراء اللون.

{مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} : من غير مرض؛ فقد تكون بيضاء بسبب مرض مثل: البرص، أو مرض جلدي، والسوء: كل ما يسيء إلى النفس، والسوء: اسم مصدر لا يجمع، والسوء له معان كثيرة جداً؛ منها: العذاب، والشرك، والمرض، والذنب، والعقاب، والضر، والظلم، والقبيح؛ والسيئة: من السوء، وجمعها سيئات.

{آيَةً أُخْرَى} : معجزة ثانية.

ص: 156

سورة طه [20: 23]

{لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} :

{لِنُرِيَكَ} : اللام: لام التّعليل؛ نريك: من الرؤية، وهي الرؤية البصرية، وفيها معنى الرؤية القلبية والفكرية.

{مِنْ} : بعضية من بعض.

{آيَاتِنَا} : جمع آية، والآية هنا تعني: المعجزة، أو الشّيء الخارق للعادة، أو العلامة، وأضاف الآيات إليه سبحانه لعظمها وشرفها، ولم يقل لنريك من الآيات الكبرى، وتعني من الآيات التسع وغيرها من الآيات الكونية والمعجزات.

{الْكُبْرَى} : العظمى: من بعض الآيات الكبرى الدّالة على قدرتنا وعلى نبوتك.

ص: 157

سورة طه [20: 24]

{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} :

{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ} : رسولاً بهاتين الآيتين إلى فرعون، ولم يذكر قوم فرعون، أو ملئه في هذه الآية، وإنما ذكر فرعون فقط؛ لأنه رأس الفتنة، والذي ادعى (أنا ربكم الأعلى)، وفرعون يمثل أتباعه (ملئه أو قومه)، والذين وصفهم الله سبحانه في الآية (10-11) من سورة الشعراء بالقوم الظالمين فقال تعالى:{أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ} ؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (103) لمعرفة من هو فرعون الأب أم الابن.

{إِنَّهُ طَغَى} : إنّه: للتوكيد؛ طغى: تجاوز الحد في الكفر والكبر والظلم والفساد؛ فقال لقومه: أنا ربكم الأعلى. {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4].

ص: 158

سورة طه [20: 25]

{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى} :

أي: اجعل صدري واسعاً فسيحاً لتقبُّل التّكاليف؛ أي: أعطني الصّبر، والحلم، والحكمة، وعدم الخوف؛ للقيام بأعباء الرّسالة، وبما كلفه الله تعالى من الذّهاب إلى فرعون.

{اشْرَحْ لِى صَدْرِى} : اللام: لام الاختصاص.

ص: 159

سورة طه [20: 26]

{وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى} :

{وَيَسِّرْ} : سهل لي أمري: من الذّهاب إلى فرعون، وملئه، ودعوتهم إلى الإيمان، والتّوحيد، والقيام بما أمرتني.

ص: 160

سورة طه [20: 27]

{وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِّسَانِى} :

{وَاحْلُلْ} : من الحل؛ يعني: أزل العقدة من لساني حين أتحدث إلى فرعون وملئه؛ لأن موسى عليه السلام كان يضيق صدره إذا كذبه القوم أو فرعون، أو يتلعثم ولا ينطلق لسانه، ولذلك كان فرعون يُعيرُ موسى أنه:{وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52]؛ أي: لا يحسن البيان.

أي: أزل تلك العقدة من لساني؛ حتّى ينطلق لساني في تبليغ الرّسالة.

ص: 161

سورة طه [20: 28]

{يَفْقَهُوا قَوْلِى} :

أي: يفهموا ما أقوله، الفقه: يعني: الفهم.

ص: 162

سورة طه [20: 29]

{وَاجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى} :

{وَزِيرًا} : الوزير: المعين، والظّهير، وكلمة "الوزير" مشتقة من الوزر، والوزر: هو الحمل، أو الثّقل؛ لأنّ مهمة الوزير تحمُّل بعض أعباء المِلك.

ويقال: آزره: أي: قواه وأعانه؛ أي: اجعل لي معيناً أو مساعداً.

{مِّنْ أَهْلِى} : خاصة؛ ليكون أميناً مخلصاً أستطيع أن آمنه وأثق به.

ص: 163

سورة طه [20: 30]

{هَارُونَ أَخِى} :

اختار موسى أخاه هارون؛ ليكون وزيراً له، وكان هارون أكبر من موسى سناً، قيل: بأربع سنوات، وقيل: سنة واحدة، وكان فصيح اللسان، ومحبوباً من بني إسرائيل، ومهيب الهيئة. قال: اجعل لي وزيراً من أهلي، ثمّ بيّن الوزير باسمه فيما بعد؛ فهذا يسمى: الإيضاح بعد الإبهام بالقول: هارون أخي.

فأجاب الله سبحانه طلبه، فقال تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان: 35].

ص: 164

سورة طه [20: 31]

{اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى} :

{اشْدُدْ} : من شدّ الإزار؛ أي: قوي به ظهري، أضف قوته إلى قوتي، فكانت الإجابة:{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} [القصص: 35].

{أَزْرِى} : من الأزر: القوة، وآزَرَه؛ أي: عاونه.

ص: 165

سورة طه [20: 32]

{وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى} :

أي: يكون شريكاً في أداء الرّسالة والدّعوة.

{وَأَشْرِكْهُ} : أي: اجعله شريكاً لي.

فكانت الإجابة: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53].

ص: 166

سورة طه [20: 33]

{كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} :

{كَىْ} : تختص بالتّعليل الحقيقي (كي التّعليلية)، فهذه هي العلة الحقيقية، أو أهم سبب في المشاركة هي التّسبيح والذّكر.

{نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} : والتّسبيح هو تنزيه الخالق في ذاته وصفاته، وأفعاله من كلّ نقص، أو عيب، ومن الشّريك، والولد، وليس كمثله شيء، وكثيراً؛ أي: دائماً، والتّسبيح يعني كذلك: الصّلاة.

ص: 167

سورة طه [20: 34]

{وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} :

{وَنَذْكُرَكَ} : من الذكر، وهو أعم من التسبيح؛ فالذّكر يشمل الحمد، والتّكبير، والشّكر، والتّهليل، والدّعاء، والتسبيح، والصّلاة، والدّعوة، والوعظ، وغيرها مثل: حِلق العلم، ودراسة الكتب المنزلة، والآيات؛ فهو قد ذكر العام بعد الخاص (التسبيح) للتوكيد، ومن بديع اللغة.

ص: 168

سورة طه [20: 35]

{إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} :

{إِنَّكَ} : للتوكيد.

{كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} : عالماً بأحوالنا، ومطّلعاً على أعمالنا (أفعالنا وأقوالنا) رقيباً علينا.

ص: 169

سورة طه [20: 36]

{قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} :

{قَالَ} : قال سبحانه رداً على ما طلبه موسى.

{قَدْ} : للتحقيق، والتّوكيد.

{أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} : أوتيت من الإيتاء: وهو العطاء؛ أي: أُعطيت ما سألت يا موسى، والإيتاء يضمّ الأشياء المحسوسة، وغير المحسوسة، والإيتاء: ليس فيه تملّك، كما هو الحال في العطاء؛ فقد يسترد الله سبحانه ما أعطى لعبده، والإيتاء: أعم من العطاء، وأما العطاء ففيه تملّك.

{سُؤْلَكَ يَامُوسَى} : أي: جميع ما طلبت وسألت. يا موسى: نداء فيه معنى الحنان والعطف.

ص: 170

سورة طه [20: 37]

{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} :

{وَلَقَدْ} : الواو: عاطفة، لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: تفيد التحقيق.

{مَنَنَّا} : من المنة: وهي العطاء بدون مقابل، على خلاف الجزاء الّذي هو العطاء مقابل العمل.

{عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} : هذه المنة الأخرى: هي ما ذكره في الآية: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ} كي تنجو من القتل من فرعون وجنوده.

فالمنة الأولى: منة النّبوة، والمنة الأخرى: هي ما أوحينا إلى أمك؛ أي: منة النّجاة من القتل، أو الذّبح من فرعون، وجنوده.

ص: 171

سورة طه [20: 38]

{إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى} :

{إِذْ} : بمعنى: واذكر إذ أوحينا إلى أمك، أو واذكر حين أوحينا إلى أمك؛ إذ: ظرف للزمن الماضي.

{أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى} : أوحينا بطريق الإلهام، ولمعرفة معنى: أوحينا ارجع إلى سورة النساء آية (163) لمزيد من البيان.

أوحينا إليها: إذا خفتِ عليه {فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ} [القصص: 7]، فإذا خفت عليه من القتل، أو الذّبح؛ لأنّ فرعون كان يذبح، أو يقتل أبناء بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم، أوحينا إليها:{أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} [طه: 39].

{مَا يُوحَى} : ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.

ص: 172

سورة طه [20: 39]

{أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى} :

{أَنِ} : تعليلية مصدرية تفسيرية.

{اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ} : القذف: هو الإلقاء بسرعة؛ أي: ألقي موسى في التّابوت بسرعة، وبدون تردد؛ حتّى لا تأخذها عاطفة الأمومة، وتتوقف، أو تتأخر عن القيام بذلك.

{فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ} : الفاء: للمباشرة، وتكرار (اقذفيه): للتوكيد وعدم التردد؛ أي: اقذفي التّابوت وفيه موسى؛ في اليم: يعني النهر الكبير؛ أي: في نهر النّيل، والبحر أعم وأوسع وأكثر ماءً من اليم، ومن خصوصيات القرآن استعمل كلمة اليم في مقام الخوف والعقوبة، وأما البحر استعمل في مقام النجاة.

{فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} : الفاء: للمباشرة، فتجري أمواج نهر النّيل به، حتّى تلقيه بالسّاحل عند قصر فرعون، كما قدر الله سبحانه وقضى، وكأنّ أمواج نهر النّيل أُمرت بذلك، وتعلم أين تأخذ موسى، وتجري به إلى مكان يأخذه عدو لي وعدو له، وهو فرعون.

{يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَهُ} : أي: تلتقطه حاشية فرعون فيأتون به إلى فرعون الّذي هو عدو لي؛ (أي: عدو لله تعالى)؛ لأنّه كان يدعي الألوهية، وأنّه ربهم الأعلى.

{وَعَدُوٌّ لَهُ} : عدو لموسى؛ لأنّ فرعون سيحاول قتل موسى، ويقف حائلاً أمام دعوته، والتّصديق له.

{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى} : عليك: خاصة تفيد الحصر، محبة مني: أي: ألقى الله سبحانه؛ أي: زرع الله في قلوب عباده محبة لموسى، فكلّ من رأى موسى أحبه، حتّى فرعون نفسه أحب موسى، ولم يقتله، ورعاه ورباه في قصره حتّى بلغ أشده، واستوى، وكذلك امرأة فرعون قالت لفرعون:{وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [القصص: 9].

{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى} : لتصنع: تعني: تُربّى على مرأى من عيني؛ أي: برعاية، وحفظ مني، واللام في كلمة "لتصنع" للتوكيد، والتّعليل، فهو وإن كان يُربى وينشأ في قصر فرعون، فهو يُربى وينشأ تحت رعاية الله سبحانه، وتربية موسى شبهت بالصّناعة، والصّناعة تعني: الجودة في العمل، أو الصنع، وتحتاج إلى مهارة وصبر ودقة وحكمة، وكذلك يحب أن تكون تربيتنا لأطفالنا كأنّها صناعة.

وإذا قارنا قوله تعالى لموسى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى} بقوله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطّور: 48]؛ أي: أنت تحت رعايتنا، ولم يقل ولتصنع على عيني؛ لأنّ زمن الصنع فات، والرسول صلى الله عليه وسلم كان بعد سن الأربعين.

ص: 173

سورة طه [20: 40]

{إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى} :

{إِذْ} : ظرف للزمن الماضي تقديره: واذكر إذ تمشي أختك، ويمكن ربطها بالآية السّابقة:{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ} إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله، هذا أحد الأمثلة على هذه الصّناعة، وهذه الآية يمكن ربطها بالآيتين (11-12) من سورة القصص: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}، ومعنى قصّيه؛ أي: بعد أن ألقته أمه في اليم (نهر النّيل) قالت أمّ موسى لأخت موسى: قصّيه؛ أي: اتبعي أثره، أو خبره، فعلمت أنّه أمسى في بيت فرعون، وبعد ذلك علمت أنّهم يبحثون له عن مرضع حيث كان موسى يرفض الرّضاعة من المرضعات، وكما قال تعالى:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص: 12]؛ عندها تدخّلت أخته بخفاء، واقترحت للباحثين لموسى عن مرضع بقولها:

{هَلْ أَدُلُّكُمْ} : هل: حرف استفهام أقوى وآكد في الاستفهام من الهمزة فعل أأدلكم، تحمل معنى العرض، أدلكم: أخبركم: أعلمكم.

{عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} : على: تفيد العلو والمشقة. من: ابتدائية؛ أي: يكفل إرضاعه، أو: هل أدلكم على مرضع له يمكن أن يقبل ثديها، أو تتعهد إرضاعه؟

{فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} : الفاء: للترتيب والمباشرة، رجعناك: من الرّجوع؛ يعني: أن تعود إلى الحال الّتي كنت عليها قبل ترك المكان الّذي خرجت منه، وهناك فرق بين رَجَعَ وبين رجعك وأرجعك، رَجَعَ: فعل لازم؛ أي: رجع بذاته وبإرادته، أمّا فرجعناك: كما في هذه الآية، وكذلك قوله تعالى:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ} [التّوبة: 83]، فعل متعدٍّ يعني: أرجعه الله سبحانه، أو غيره، فرجعناك إلى أمك؛ أي: الله سبحانه وتعالى هو الّذي أرجعه إلى أمّه؛ كي يرضع منها، وتقر عينها، وفي سورة القصص آية (13) قال تعالى:{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ} ؛ ارجع إلى سورة القصص آية (7) لبيان معنى رادوه إليك.

{كَىْ} : للتعليل الحقيقي؛ أي: السّبب الحقيقي لإرجاعه.

هو أن {تَقَرَّ عَيْنُهَا} : تُسر وتطمئن، وترتاح، وتقر؛ تعني: تثبت وتسكن، ولا تبحث عنه، وليس الإرضاع هو السّبب. ارجع إلى سورة الفرقان آية (74) لمزيد من البيان في معنى تقر عينها.

{وَلَا تَحْزَنَ} : الحَزَن: ضيق في الصّدر دائم كالهم من فقدان ولد، أو ضياع مُلك، وموت بسرطان، فلولا أن رجعناك إلى أمّك لاستمر حَزَنُها حتّى تموت، وفي سورة القصص الآية (13) قال تعالى:{كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} . ارجع إلى سورة الأنعام آية (33) لمعرفة الفرق بين الحَزَن والحُزن.

{وَقَتَلْتَ نَفْسًا} : حين دخلت المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجدت فيها رجلين يقتتلان، فاستغاثك الّذي من شيعتك على الّذي من عدوه فوكزته فقضيت عليه. ارجع إلى سورة القصص، الآية (15-19).

{فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} : الغم: الخوف الذي حصل من قتل القبطي (الّذي كان عدوه)، أو الحُزن المهلك.

{وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} : فتنّاك: من الفتنة؛ أي: عرضّناك لفتن كثيرة؛ أي: ابتلاءات كثيرة.

{فُتُونًا} : قد تكون مصدر، ويمكن أن تكون جمع: فتنة، مصدر لفعل: فتن، والفتنة أشد وأبلغ من الاختبار، وتكون في الخير والشّر، والابتلاء لا يكون إلا بتحمل المكاره والمشاق، أمّا الاختبار: قد يكون بشيء محبوب، أو مكروه؛ مثل: الذّهاب إلى مدين، والعمل عند شعيب، والجوع، والعطش، والفقر، بالعبد وفتناك الصّالح، والتّيه

وغيرها.

وأصل الفتنة: عرض الذّهب على النّار؛ ليتبين صلاحه من فساده، والتّعرف على حاله؛ فالله سبحانه يعلم منذ الأزل نتيجة هذه الفتن، وما سيقوم به العبد، وإجراء الفتنة لإقامة الحُجة على العبد، ويطلع العبد على نتيجة فتنته له.

{فَلَبِثْتَ} : اللبث: الإقامة المحددة بزمن معين.

{سِنِينَ} : سنين (8-10 سنوات) والأرجح عشر سنوات.

{فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} : أي: تعمل عند شعيب ومقيم في أهل مدين. ومدين: قيل: هو أحد أبناء إبراهيم، وأهل مدين قوم شعيب، ومدين تقع على ساحل البحر الأحمر جنوب العقبة.

{ثُمَّ} : للترتيب، والتّراخي في الزّمن؛ أي: بعد عشر سنوات (وهو الأرجح).

{جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى} : ثمّ جئت: رجعت من مدين إلى مصر (طور سيناء).

{عَلَى قَدَرٍ} : على ميعاد زمني ومكاني محدد قدّره الله تعالى؛ لتكليمك واختيارك للنبوة.

ص: 174

سورة طه [20: 41]

{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى} :

{وَاصْطَنَعْتُكَ} : مشتقة من: الصّناعة، والصّناعة كما قلنا سابقاً تعني: جودة التّربية، والرّعاية، والحفظ من كلّ شر، أو سوء، أو قتل.

فهذا يدل على أنّ صناعة موسى استمرت إلى مرحلة الشّباب، ولم يقل وصنعتك: وإنما قال: واصطنعتك: فيها معنى الاهتمام الخاص مثل التكليم، والوعد، (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة)، وتكرار الميعاد والآيات التّسع.

{لِنَفْسِى} : أي: اخترتك واصطفيتك برسالتي وبكلامي لمهمة خاصة: هي الذّهاب إلى فرعون الطّاغية الّذي ادعى الألوهية، وإلى بني إسرائيل، اللام: لام الاختصاص.

ص: 175

سورة طه [20: 42]

{اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِـئَايَاتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى} :

{اذْهَبْ} : أنت وأخوك هارون بآياتي (العصا واليد) إلى فرعون وملئه.

{أَنْتَ} : للتوكيد، كان يمكن القول فقط اذهب وأخوك بآياتي. أضاف أنت؛ لأن الآيات: العصا واليد هي تخص موسى وحده.

{وَأَخُوكَ} : هارون.

{بِـئَايَاتِى} : الباء: للإلصاق والاستعانة.

{وَلَا تَنِيَا} : لا: النّاهية، تنيا: من التّواني؛ أي: الفتور والتّقاعس، أو التّقصير.

{فِى ذِكْرِى} : في إقامة الصّلاة، وذكري من التّسبيح، والتّحميد، والتّهليل، وسائر العبادات القلبية والدّعاء.

ص: 176

سورة طه [20: 43]

{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} :

{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ} : أنت وأخوك إلى فرعون.

{إِنَّهُ} : للتوكيد.

{طَغَى} : تجاوز حدود الإسراف في الطّغيان، والفساد، والظّلم، والتّكبر، وادعى الألوهية، وأنّه هو الرّب الأعلى.

ص: 177

سورة طه [20: 44]

{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} :

{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا} : من اللين بدون عنف، أو غِلظة؛ أي: كلاماً لطيفاً سمحاً مرفقاً بالموعظة الحسنة.

{لَعَلَّهُ} : لعل: أداة تعليل.

{يَتَذَكَّرُ} : من الذّكر يتذكر ما نسي أنّ الله هو خالقه، والمنعم عليه، ويتوب وينيب إلى ربه.

{أَوْ يَخْشَى} : من الخشية: وهي الخوف المقرون بالرّهبة، والعلم؛ أي: يخاف ربه، ويخشى عذابه.

والسّؤال هنا: كيف يقول سبحانه: "لعله يتذكر أو يخشى"، والله سبحانه يعلم في علمه الأزلي أنّ فرعون لن يتذكر، أو يخشى من نصح موسى وهارون؟

قيل: لإقامة الدّليل والحجة على فرعون يوم القيامة بأنّ الله سبحانه لم يدعوه، أو يرسل إليه رسولاً

وقدم في هذه الآية "يتذكر" على الخشية؛ أي: التّذكر أولاً، وإلا الخشية والخوف ثانياً.

ص: 178

سورة طه [20: 45]

{قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} :

{قَالَا} : أي: موسى وهارون.

{رَبَّنَا} : حذف ياء النّداء الّتي تستعمل للبعد؛ لقرب المنادى من المنادي؛ لأنّهما يعلمان أنّ الله سبحانه قريب منهما بعلمه.

{إِنَّنَا} : إضافة النّون للتوكيد.

{نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} : نخاف أن يُعاجلنا بالعقوبة، ولا ينتظرنا أن نُريه آياتنا.

{أَنْ} : للتعليل والتّوكيد.

{يَفْرُطَ} : الفَرَط في اللغة: المتقدم؛ أي: يبادرنا بالعقوبة، أو يعاجلنا بها.

{أَوْ أَنْ يَطْغَى} : أو: للتفضيل، وقد تعني أو: بمعنى (و)؛ أي: يفرط ويطغى معاً. أن: للتعليل والتّوكيد، وتكرارها للتوكيد، وفصل الإفراط عن الطّغيان.

{يَطْغَى} : من الطّغيان: وهو تجاوز الحد بالظلم وفي عدم الطّاعة، ويطغى علينا: بالقتل، أو التّعذيب.

ص: 179

سورة طه [20: 46]

{قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} :

{قَالَ لَا تَخَافَا} : قال سبحانه "لا": النّاهية، "تخافا": منه.

{إِنَّنِى} : للتوكيد بدلاً من إنّي.

{مَعَكُمَا} : مع: ظرف مكاني وزماني؛ أي: معكما مكاناً وزماناً؛ أي: لن أترككما لحظة واحدة، أو اطمئنا.

{أَسْمَعُ وَأَرَى} : أسمع أقوالكم، وأرى أفعالكم، ولا يجوز تشبيه سمع ورؤية الخالق سبحانه بسمع ورؤية خلقه، وكما قلنا سابقاً فإنّه سبحانه يعلم ما سيقوله فرعون وما سيعمله منذ الأزل، وإنما ذلك لتطمين موسى وهارون بالذّهاب إليه؛ لإقامة الحجة عليه.

ص: 180

سورة طه [20: 47]

{فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} :

{فَأْتِيَاهُ} : احضرا لعنده والتقيا به، والإتيان أسهل، والمجيء وأتى يعني: في المستقبل، وجاء يعني: وصل وحضر وفيه مشقة.

{فَقُولَا} : فقولا: الفاء: للمباشرة؛ أي: مباشرة ابدأ بالقول.

{إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} : إنَّا: أي: موسى وهارون، أو أنا وأخي رسولا ربك مرسلان من ربك؛ أي: ليس أنت الرّب، وفي سورة الشعراء آية (16) قال تعالى:{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، رسولا: بالتثنية تعني: موسى وهارون، وأما قوله رسول بالإفراد؛ لأن رسالته واحدة، أو أحدهما يمثل الآخر، وكذلك الرسل تمثل رسول، والرسول يمثل الرسل؛ لأن الكل أرسل من رب العالمين ورسالتهم واحدة.

{فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ} : الفاء: للمباشرة؛ أي: أطلق سراح بني إسرائيل من مصر مباشرة، ودعهم يذهبون معنا؛ أي: موسى وهارون إلى الأرض المقدسة، وفي سورة الأعراف آية (105) قال تعالى على لسان موسى عليه السلام :{فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} .

{وَلَا تُعَذِّبْهُمْ} : لا: الناهية؛ بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، ولا تسُمْهُم سوء العذاب.

{قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ} : قد: للتحقيق؛ أي: حقاً جئناك بآية: بمعجزة، ودليل، وبرهان.

{مِنْ رَبِّكَ} : إعادة كلمة "من ربك" مرتين (إنا رسولا ربك، قد جئناك بآية من ربك): لتهتز أعصاب سمع فرعون بسماع الحق أن هناك رب حقيقي.

{وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} : السّلام جاء بصيغة المعرفة، ولم يقل سلام؛ لأنّ السّلام هنا سلام إنذار، ولا يعني سلام التّحية، أو سلام الأمن والطّمأنينة، أو سلام النّجاة من كلّ مكروه، السّلام؛ أي: سلام النّجاة والسّلامة من عذاب الله.

{عَلَى} : تفيد العلو والمشقة.

{مَنِ} : ابتدائية استغراقية.

{اتَّبَعَ الْهُدَى} : أي: اتبع ما أنزل إليه من ربه على لسان رسله، وكتبه من أوامر ونواهٍ، ولم يقولا لفرعون: سلام عليك؛ لأنّه لم يك متبعاً أيَّ هدى.

ص: 181

سورة طه [20: 48]

{إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} :

{إِنَّا قَدْ} : للتوكيد. قد: للتحقيق.

{أُوحِىَ إِلَيْنَا} : الوحي لغة: هو إعلام بخفاء؛ أي: أخبرنا بالوحي من ربنا. ارجع إلى سورة النّساء، آية (163)؛ للبيان.

{أَنَّ الْعَذَابَ} : أنّ: للتوكيد.

{الْعَذَابَ} : في الدّنيا، أو في الآخرة، والعذاب يكون بالصّواعق، أو الخسف، أو الطّوفان، أو الحرائق، أو الرّيح العقيم، أو الصّيحة، أو المرض والقحط، والجوع، والعطش، والقتل، والسّبي، والخوف، والرّعب، وعذاب القبر، وعذاب النّار

وغيرها من ألوان العذاب.

{عَلَى مَنْ كَذَّبَ} : على: تفيد العلو والمشقة.

{مَنْ} : ابتدائية.

{كَذَّبَ} : بآيات ربه، ولم يؤمن بها، أو يصدقها.

{وَتَوَلَّى} : عن آيات ربه؛ أي: ابتعد عنها، ولم يستمع إليها.

ص: 182

سورة طه [20: 49]

{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى} :

هذه الآية تدل على أنّهما أتيا فرعون وقالا: إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل، والسّلام على من اتبع الهدى، وكلّ ما سبق ذكره.

{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا} : قال فرعون لموسى وهارون: فمن ربكما: الفاء: للمباشرة والتّعقيب. من: استفهام فيه معنى الإنكار، والتّعجب، وقال: ربكما، ولم يقل: ربنا؛ لأنّه ما زال يجحد ربوبية الله.

{يَامُوسَى} : وجَّه الخطاب إلى موسى وحده؛ لأنّ فرعون ربَّى موسى، فلعل موسى يتذكر ربوبية فرعون له، أو لأنّ موسى كان المتكلم مع فرعون وهارون المستمع لكونه الوزير.

ص: 183

سورة طه [20: 50]

{قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} :

{قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ} : قال موسى رداً على سؤال فرعون: ربنا الّذي أعطى كلّ شيء: نكرة: مهما كان نوعه من إنس أو جن، ونبات، وحيوان، وجماد، أو صغير، أو كبير، وسماء، وأرض، وجبال، وشجر، ونجوم، وقمر، معلوم، وغير معلوم.

{خَلْقَهُ} : صورته؛ أي: شفرته الوراثية الّتي فيها شكله، ولونه، وفطرته، وصفاته.

{ثُمَّ هَدَى} : ثمّ: للترتيب الذّكري.

{هَدَى} : أي: هداه بالإلهام، وأرشده بالفطرة كيف يُسبح ويُصلي، ويقوم بوظيفته الّتي سخرها الله له، وكيف يأكل ويشرب، ويدافع عن نفسه، ويحافظ على نسله.

ص: 184

سورة طه [20: 51]

{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} :

{قَالَ فَمَا} : قال فرعون: فما: الفاء: للتوكيد؛ ما: اسم استفهام.

{بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} : القرون الأولى: الأمم الماضية الأولى ما بالها، ما أخبارها وأحوالها؟ فهي لم تقر بالرّب، وتؤمن به، بل عبدت الأصنام، ما مصيرها بعد أن مضت وانقرضت، أو هلكت وزالت؟

ص: 185

سورة طه [20: 52]

{قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى فِى كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنْسَى} :

{قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى} : قال موسى رداً على سؤال فرعون: علمها عند ربي؛ أي: لا يعلم حال القرون الأولى، وما كانت تعبد، وما كانت عليه من الإيمان، والكفر، والشّرك، وما حل بها إلا ربي وحده.

{فِى كِتَابٍ} : أعمالها مدونة في اللوح المحفوظ، أو أعمال كلّ أمة ـ وبالتّالي أفردها ـ مدونة: مكتوبة في كتب الملائكة {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28-29].

{لَا يَضِلُّ رَبِّى} : لا يخطئ ربي، أو لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السّماء. ضل الشّيء: خفي وغاب، وضل المسافر الطّريق: ضاع، ولم يعد يعرفه.

{وَلَا يَنْسَى} : النّسيان: هو عدم تذكر الشّيء المعلوم سابقاً، وتكرار (لا): يفيد التوكيد، وفصل يضل عن ينسى، أو كلاهما معاً.

إذن ربي منزَّه عن الخطأ والنّسيان والسهو والضياع والغياب.

ص: 186

سورة طه [20: 53]

{الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَّبَاتٍ شَتَّى} :

استمر موسى في التّعريف على ربه لفرعون؛ لعله يتذكر، أو يخشى.

{الَّذِى} : اسم موصول يفيد التّعظيم.

{جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} : جعل: صيّر. لكم الأرض: خاصة.

{مَهْدًا} : أي: مهّدها حتّى تسهل الحياة عليها للإنسان والحيوان، والعلم يؤكد لنا أن الأرض بدأت بتضاريس معقدة شديدة الالتحام؛ فسخر الله سبحانه عوامل التعرية، والرياح، واختلاف درجات الحرارة، والصيف والشتاء والمطر والسيول والجبال؛ لكي يشق لنا الفجاج والسبل.

مهداً؛ أي: سوّاها ومهّدها فجعلها صالحة للعيش، وشبّهها بمهد الطّفل:(فراش الطّفل)؛ فهي رغم دورانها (30) كيلو متراً في الثّانية، فنحن لا نشعر بحركتها، وهذا من فضل الله علينا، ولو اهتزت بمقدار ثمان درجات على ميزان ريختر، لحدث فيها زلازل عظيمة ولهدمت البيوت ومات الكثير من البشر. ومهداً رغم كونها بيضاوية؛ أي: كروية الشكل.

{وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} : سلك: بمعنى أدخل شيئاً في شيء آخر بشكل سهل؛ أي: جعل وصيّر فيها سبلاً؛ أي: طرقاً توصلكم إلى غاياتكم، وفي سورة الزخرف آية (10) قال تعالى:{جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فهو قد (جعل لكم) أولاً، ثم (سلك لكم)؛ أي: الجعل قد يسبق السلك؛ أي: صيرها سهلة بعد أن كانت وعرة.

{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} : السّماء تعني: السّحب الرّكامية، وتعريف السّماء: هي كلّ ما علاك، والسّحب في السّماء تعلو الإنسان، فأبدل كلمة السّحب بالسّماء.

{مَاءً} : أي: ماء المطر، وهذا يشير إلى دورة الماء حول الأرض. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (18).

وأنزل: جاء بصيغة المفرد؛ لأنّ المقام مقام توحيد، فهو يدعو فرعون للتوحيد، وإنزال المطر من السّحب من اختصاصه سبحانه وحده، وأحياناً يقول تعالى:{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الفرقان: 48]، وذلك في مقام التّعظيم، والتّفخيم، وتعداد النّعم، فيأتي بصيغة الجمع.

{فَأَخْرَجْنَا بِهِ} : الفاء: للتعقيب والمباشرة. أخرجنا به؛ أي: الماء، وعدل في هذه إلى صيغة الجمع للتعظيم؛ لأنّ إخراج النّبات في الحقيقة عملية تدل على عظمة الخالق وقدرته، وإخراج الأزواج يحتاج إلى حرث الأرض وبذرها وسقي الحرث وغيرها؛ فهي عملية يشارك بها الكثير من النّاس، أو: أخرجنا: للتعظيم.

{أَزْوَاجًا مِنْ نَّبَاتٍ شَتَّى} : أزواجاً؛ أي: ذكراً وأنثى؛ لأنّ تكاثر النّبات يحتاج إلى زوجين، وأزواجاً؛ أي: أصنافاً كلّ صنف منها يسمى زوجاً.

{مِنْ} : ابتدائية لبيان الجنس.

{نَّبَاتٍ شَتَّى} : أي: نباتات مختلفة كثيرة متنوعة في الشّكل والحجم والفائدة، متنوعة في الطّعم، والرّائحة، واللون، وهناك اختلافات حتّى في الصّنف الواحد.

{شَتَّى} : جمعها: شتيت؛ أي: أشياء كثيرة مختلفة متنوعة؛ فالله سبحانه خلق كلّ شيء من زوجين؛ لتبقى الوحدانية خاصة به، وحده من دون المخلوقات.

ص: 187

سورة طه [20: 54]

{كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى} :

{كُلُوا} : أنت من النّباتات الشّتى.

{وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} : وارعوا من: رعى الماشية يرعاها: إذا أطلقها في المرعى حتّى تأكل وتشرب. والأنعام ثمانية أزواج: الإبل والبقر، والغنم والماعز، ولم يقل بهيمة الأنعام؛ لأنّ بقية أصناف الأنعام ترعى لوحدها، ولا نسيطر عليها، وذكر هذه الآية هنا يفيد التّذكير بالنّعم، وأنّ الله سبحانه خلق لكم ولأنعامكم الّتي تأكلوها مقومات الطّعام والشّراب.

{إِنَّ فِى ذَلِكَ} : إنّ: للتوكيد.

{ذَلِكَ} : اسم إشارة للبعد في تسخيرها، وكونها متاعاً لنا.

{لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى} : اللام: في "لآيات": للتوكيد، واللام في "لأولي": للاختصاص.

{النُّهَى} : أي: ذوي العقول، والعقل يطلق عليه النُّهى، والنُّهى: من النهي عن الشّيء، والعقل من العقال الّذي نعقل به الدّابة حتّى لا تشرد، والعقل قادر على أن يتحكم بأعمال العبد فيبعده عن القبيح والفساد والرّذيلة، ويهديه إلى أفعال الخير، والصلاح، أو بالعكس.

وإذا قارنا أولي الألباب بأولي النُّهى، أولي الألباب: أعلى درجة من أولي النُّهى.

ص: 188

سورة طه [20: 55]

{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} :

بعد كل هذه النعم جعل لكم الأرض مهداً، وسلك لكم فيها سبلاً، وكلوا منها وارعوا أنعامكم، لا تنسوا أنكم ستبعثون منها؛ من الأرض الجديدة.

{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} : أنّا خلقناكم من الأرض؛ أي: من تراب؛ أي: تأكلون مما أخرجنا لكم من الأرض. ارجع إلى سورة الحج، آية (5)؛ للبيان.

{وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} : بعد الموت نعيدكم فيها، وتقديم "فيها" يفيد الحصر؛ أي: لا تعود إلا فيها بعد الموت، والدّفن في القبور.

{وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} : أي: مرة أخرى، أو ثانية بالبعث، تارة: بمعنى: المرة أو الحين.

وقوله: منها خلقناكم؛ أي: من الأرض؛ فالأرض كالأم الحقيقية للإنسان رغم أن هناك أماً أخرى تلده عن طريق التناسل، وبعد أن يرضع من هذه الأم؛ أي: يأكل مما تنبت الأرض من الحب والثمار، ثمّ بعد ذلك يموت فيرجع إلى أمّه الحقيقية وهي الأرض، وبهذا تكون دورته من الأرض إلى الأرض.

ص: 189

سورة طه [20: 56]

{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} :

{وَلَقَدْ} : اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.

{أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا} : أريناه؛ أي: فرعون، آياتنا التّسع: (العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضّفادع، والسّنين

)، والآيات تعني: المعجزات، والدّلائل، والبراهين الدّالة على قدرتنا ووحدانيتنا.

أريناه: أي: رغم ذلك لم يتعظ ويعد إلى رشده، وكذب بها كلها.

{كُلَّهَا} : تفيد التّوكيد.

{فَكَذَّبَ} : بها، ولم يصدقها، وزعم أنّها سحر.

{وَأَبَى} : أي: امتنع بشدة أن يؤمن بالله وحده، ويستجيب لدعوة موسى، أبى من الإباء: وهو شدة الامتناع، فكلّ إباء امتناع، وليس كلّ امتناع إباء.

ص: 190

سورة طه [20: 57]

{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى} :

{أَجِئْتَنَا} : الهمزة: همزة استفهام وإنكار وتعجب.

{لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} : اللام: لام التّعليل؛ تخرجنا من أرضنا: من مصر ليصبح لك الملك.

{بِسِحْرِكَ} : الباء: للإلصاق والاستعانة، سمى فرعون كلّ تلك الآيات وما جاء به موسى: سحراً.

{يَامُوسَى} : نداء فيه معنى السّخرية والاستهزاء، ولمعرفة معنى السّحر انظر في الآية (58) التالية.

ص: 191

سورة طه [20: 58]

{فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} :

{فَلَنَأْتِيَنَّكَ} : الفاء: للتوكيد، وكذلك النّون: لزيادة التّوكيد.

{بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} : تعريف السّحر لغةً: هو كل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره.

والسحر اصطلاحاً: هو المخادعة، والتخييل، أو عزائم ورقى وعُقد.

والسحر يقسم إلى السحر الحقيقي: الذي له تأثير حقيقي يؤدي إلى الضرر بالمسحور حتى يصل إلى درجة المرض أو التفريق بين المرء وزوجه، والهذيان والنسيان، وكما قال تعالى:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ} [الفلق: 4]، {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102].

والقسم الثاني: هو السحر التخيلي: وهو السحر المبني على التمويه، والخداع، والتخيل الذي لا حقيقة له، كما فعل سحرة فرعون:{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] رغم أن حبالهم وعصيهم لم تتغير، وهذا قد يؤدي إلى الفزع والخوف والضرر.

فالسّحر لا يقلب حقيقة الشّيء، بل يظل الشّيء على حقيقته، ويقع السّحر للرائي فيرى الأشياء على غير حقيقتها؛ أي: سحر أعينهم.

فالسّحرة حين ألقوا حبالهم بقيت الحبال حبالاً في الحقيقة، ولكن الّذي رأى الحبال ونظر إليها رآها حيات، أو ثعابين تسعى، أمّا عصا موسى فعندما ألقاها تحولت إلى حية حقيقية تسعى، وليس سحراً.

{فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة.

{بَيْنَنَا} : فرعون وملئه، وبينك يا موسى.

{مَوْعِدًا} : مصدر من: وعد، والموعد يكون زماناً ومكاناً.

{لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ} : أي: نتفق عليه معاً، ولا يُخلفُه أيٌّ منا.

{مَكَانًا سُوًى} : أي: وسطاً عدلاً يستوي طرفاه؛ يعني: مكاناً وسطاً، وسط المدينة، أو يسهل على الكل الوصول إليه، أو الحضور إليه.

وقيل: سوى: مستوياً بحيث يستطيع الجميع رؤية ما يحدث، كما نراه في الملاعب الرّياضية.

ص: 192

سورة طه [20: 59]

{قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} :

قال موسى: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} : يوم العيد (للأقباط)، ويوم الزّينة؛ لأنّ النّاس يلبسون أجمل الثّياب والزّينة، واختار موسى يوم العيد؛ لأنّه واثق بنصر الله تعالى وتأييده له، وأنّه يريد أن يكشف لأكثر جمع من النّاس قدرة الله سبحانه، وأنّه هو الإله الحقيقي بمعجزة العصا، ويتحدى السّحرة.

{وَأَنْ} : للتعليل.

{يُحْشَرَ} : الحشر: القدوم إلى المكان والاجتماع فيه.

{ضُحًى} : وقت الضّحى، وضح النّهار وشروق الشّمس.

فموسى حدّد اليوم وحدّد السّاعة وحدّد المكان.

ص: 193

سورة طه [20: 60]

{فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى} :

{فَتَوَلَّى} : الفاء: للمباشرة، والتّعقيب؛ أي: ترك فرعون موسى مباشرة؛ ليستعدّ لهذا التّحدي.

{فَجَمَعَ كَيْدَهُ} : الفاء: للترتيب، والمباشرة. جمع كيده: الكيد هو التّدبير الخفيّ للإيقاع بموسى، والكيد هنا يعني: السّحرة الذين سيكيدون موسى؛ أي: جمع السحرة وحشدهم لتحدي موسى بسرعة.

{ثُمَّ} : للترتيب والتّراخي في الزّمن والتّرتيب، ولم يقل: فجمع كيده فأتى، بل قال: ثم أتى؛ أي: تباطأ فرعون وكأنه عبر عن خوفه بعدم الرغبة بالحضور بسرعة لمواجهة موسى.

{أَتَى} : أتى فرعون الموعد مع سحرته؛ أي: المكان المحدد، وفي الزّمن المعلن بدون تأخير.

ولم يذكر في هذه السّورة بعض الأحداث الّتي حصلت خلال هذا الزّمن مثل: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 109-114].

ص: 194

سورة طه [20: 61]

{قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} :

{قَالَ لَهُمْ مُوسَى} : لهم: أي: لفرعون، والسّحرة، والملأ.

{وَيْلَكُمْ} : الويل: هو العذاب، والهلاك.

لما رأى موسى السّحرة، وما هم مقبلون عليه، راح يحذرهم، وينذرهم بالهلاك والعذاب إن افتروا على الله كذباً بما سيقومون به من السّحر.

{لَا تَفْتَرُوا} : لا: النّاهية؛ تفتروا: الافتراء: هو اختلاق الكذب المتعمد.

{عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} : كذباً: نكرة؛ أي: لا تفتروا على الله تعالى أيَّ نوع من الكذب مهما كان، والنّكرة تفيد التّهويل، وتعظيم الأمر، بأن تكذبوا وتزعموا، أو تقولوا وتدَّعوا بأنّ آياته سبحانه هي سحر، والعصا وغيرها.

{فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} : يهلككم: أو يستأصلكم بعذاب في الدّنيا قبل الآخرة؛ الفاء: للتعقيب، والمباشرة بعد افتراء الكذب، والباء: للإلصاق وباء السّببية، يقال: أسحت ماله، استأصله وأفسده، أسحت الشّعر: أي: أزاله واستأصله.

{وَقَدْ خَابَ} : قد: للتحقيق، خاب: خسر، والخائب: الّذي فقد الأمل في حدوث ما يرغب أو انقطع أمله في النجاة.

{مَنِ افْتَرَى} : من تعمد الكذب واختلقه، من: للعاقل، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع.

ص: 195

سورة طه [20: 62]

{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} :

{فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ} : أي: تشاوروا بينهم بعد أن حذرهم موسى بقوله: ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب، أو ربما أثر هذا القول في أنفسهم مما أدى إلى معرفة رأي كلّ منهمُ الآخر.

والتّنازع مشتق من: أنّ كلّ ذي رأي يريد نزع رأي صاحبه لرأيه؛ أي: يوافق على رأيه لما يراه من الصّواب، أو نزعه ليتخلّى عن رأيه، حتّى يصلوا إلى قرار واحد.

{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} : النّجوى: المسارّة في الحديث بحيث لا يسمع موسى وهارون، أو فرعون وقومه ما تشاوروا به، وقيل: النّجوى كانت قولهم الّذي جاء في الآية (63) التالية.

ص: 196

سورة طه [20: 63]

{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} :

{قَالُوا} : أي: السّحرة.

{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} : إن: بمعنى: نعم، هذا لساحران. لساحران: اللام: للتوكيد؛ أي: موسى وهارون لساحران.

{يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم} : أن: للتوكيد.

{يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم} : من مصر.

{بِسِحْرِهِمَا} : الباء: للتعليل، أو باء السّببية.

{وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} : المثلى: مؤنث: أمثل، والمثلى: يعني: الطّريقة؛ أي: الطّريقة، أو الملة الّتي سلكوها، وهي اتخاذهم إلهاً يعبدونه من دون الله؛ أي: طريقة الشرك بالله، فموسى وهارون يريدان أن يصرفاكم إلى طريقة أخرى هي عبادة الله وحده، أو تعني: يصرفان عيون النّاس عنكم؛ لتتوجه إليهما.

ويؤيد ذلك قول فرعون: {إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِى الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26].

ص: 197

سورة طه [20: 64]

{فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} :

{فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} : الفاء: للترتيب والمباشرة؛ أجمعوا كيدكم؛ أي: سحرتكم ووحّدوا أمركم، أو رأيكم، أو اتفقوا على أمر واحد مباشرة بدون تأخير وكونوا صفاً واحداً، ولا تختلفوا، هذا قول بعضهم لبعض، أو قول فرعون لهم، ونصيحة بعضهم لبعض، أو نصيحة فرعون لهم.

{ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} : ثم: للترتيب والتراخي في الزمن؛ أي: وحّدوا رأيكم وكونوا صفاً واحداً ضد موسى وهارون، واختلاف كلمتهم، وعدم وحدة رأيهم يحتاج إلى زمن لكي يوحدوا لمتهم ويجتمعوا على رأي واحد، ولذلك استعمل ثم بدل فأتوا صفاً.

{وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} : قد: للتحقيق.

{أَفْلَحَ} : فاز وانتصر، ونجى من العذاب.

{مَنِ اسْتَعْلَى} : من غلب عدوه، وأراد العلو على خصمه. من: اسم موصول بمعنى الّذي، وهي للعاقل؛ أي: قد فاز وانتصر ونجا من غلب اليوم عدوه أو خصمه.

ص: 198

سورة طه [20: 65]

{قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} :

{قَالُوا يَامُوسَى} : أي: سحرة فرعون قالوا: يا موسى، اختر أحد الخيارين.

{إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ} : إمّا: للتخيير.

{أَنْ} : للتعليل، والتّوكيد.

{تُلْقِىَ} : عصاك، والإلقاء: يعني: طرح الشّيء الّذي معك بحيث يراه الكل، وإما أن نكونَ أول من ألقى.

ص: 199

سورة طه [20: 66]

{قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} :

{قَالَ} : موسى.

{بَلْ أَلْقُوا} : بل: للإضراب الانتقالي؛ أي: اختار موسى أن يلقوا أولاً، وهذا إلهام من الله تعالى لموسى.

{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} : الفاء: للمباشرة، والتّعقيب؛ إذا: ظرفية زمانية "الفجائية".

{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} : إلى موسى، وإلى غيره من المشاهدين.

{أَنَّهَا تَسْعَى} : أي: أنها حيات تتحرك؛ لأنّهم سحروا أعين النّاس، ولتعريف السّحر. ارجع إلى الآية (58) من السّورة نفسها.

ص: 200

سورة طه [20: 67]

{فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} :

{فَأَوْجَسَ} : الفاء: للتعقيب والمباشرة. أوجس: أحس بالخوف وأضمره، الإيجاس: إحساس بشيء وإضماره؛ حتّى لا يظهر لمن حوله.

{فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} : أحس موسى في نفسه شيئاً من الخوف؛ فأضمره، ولم يظهره لمن حوله؛ أي: للسحرة، أو لفرعون، أو للمشاهدين.

وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (70) من سورة هود، وما حدث لإبراهيم قال تعالى:{فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ} في هذه الآية قدم الملائكة على الخوف.

وفي الآية (67) من هذه السّورة قدم موسى نفسه على الخوف، فإبراهيم خاف في نفسه من الملائكة؛ لأنّه لم يعرفهم، ولم يأكلوا طعامه؛ فخاف منهم خوفاً شديداً، ولم يستطع أن يخفي خوفه، ويضمره في نفسه، ولذلك ظهر على وجهه؛ فعلم الملائكة ذلك؛ فقالوا له: لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط.

أما موسى شعر بالخوف الشّديد، وأضمره وكتمه، ولم يبدِهِ لفرعون ولا للسحرة، ولا للمشاهدين، وأيده الله وأعانه على ذلك أمام عدوه، ولو ظهر عليه الخوف، لدل ذلك على ضعف ثقته بالله وإيمانه. ارجع إلى الآية (70) من سورة هود؛ لمزيد من البيان.

ص: 201

سورة طه [20: 68]

{قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} :

{قُلْنَا} : أي: ألهمنا موسى حالاً؛ قلنا: جاء بنون التّعظيم، أو العظمة؛ للدلالة على التّوكيد على عدم الخوف.

{لَا تَخَفْ} : لا: النّاهية، لا تخف بما قاموا به من السّحر، لا تخف من حبالهم، وعصيِّهم؛ كأنها حيات تسعى.

{إِنَّكَ} : إنّ: للتوكيد، والكاف للمخاطب "موسى".

{أَنْتَ} : ضمير فصل يفيد الحصر.

{الْأَعْلَى} : الغالب، والمنتصر، أو الفائز الأعلى، صيغة تفضيل.

ص: 202

سورة طه [20: 69]

{وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} :

أوحينا إلى موسى: وألق ما في يمينك، ولم يقل عصاك؛ أي: اطرح ما في يمينك (وهي عصاه)، ولكنه لم يقل عصاك؛ لأنّها ليست من جنس العصيّ المعهودة، بل هي آية خارجة عن حدود سائر العصيّ المعهودة.

{وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ} : نكرة؛ لأنّها غريبة التّصرف، وأبهم وقال: ما في يمينك؛ للتهويل، والتّعظيم؛ لأنّها عصا لا يحيط بعلمها إلا الله الّذي خلقها.

{تَلْقَفْ} : تبتلع ما صنعوا؛ أي: من السّحر، حيث سحروا أعين النّاس فأصبحوا يروا أنّ الحبال والعصيّ الّتي ألقاها السّحرة حيات تسعى، تلقفْ بالسّكون، وفي آيات أخرى تكون مضمومة؛ أي: تلقفُ {فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117]، فما الفرق بينهما؟

تلقفْ: بالسكون تدل على أنّ اللقف لم يحدث بعد، وسيحدث قريباً.

بينما تلقفُ: بالضّم: تدل على أنّ اللقف والابتلاع واقعٌ ويحدث الآن، وقيل: أصل تلقف: تتلقّف وتلقّف حذفت منها التاء؛ لتدل على قصر الزّمن الّذي تحتاجه لابتلاع الحبال، والعصيّ؛ أي: تدل على السّرعة، وتتلقّف: تحتاج إلى زمن أطول فتدل على البطء.

{إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} : إنّما: كافة مكفوفة تفيد الحصر والتّوكيد؛ أي: ما صنعوا، أو قاموا به مجرّد سحر، أو ما صنعوا، أو قاموا به كيدٌ؛ أي: تدبير خفي يقوم به السّاحر؛ ليوهم الأعين أنّ ما تراه حقٌّ، وهو باطلٌ، وتعني: فلا تبالِ بكثرة حبالهم وعصيِّهم.

{وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} : ولا: لا: النّافية.

{يُفْلِحُ السَّاحِرُ} : لا يفوز، أو لا يأمن السّاحر مهما أوتي من قدرة على السّحر، وأينما كان وحيث سار.

{حَيْثُ أَتَى} : من حيث أقبل، هناك فرق بين كلمة حيث، وكلمة أين.

حيث: تدل على المكان الخاص، وليس كلّ مكان (الإطلاق) كما هو الحال في كلمة "أين" الّتي تدل على الإبهام والإطلاق في المكان، ولم يقل من حيث جاء؛ لأنّ "أتى" أعم من "جاء"، وجاء فيها معنى المشقة، أو الصعوبة، وأتى تحمل معنى السهولة.

ص: 203

سورة طه [20: 70]

{فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} :

{فَأُلْقِىَ} : الفاء: تدل على المباشرة؛ أي: سجدوا مباشرة وبسرعة لله.

{السَّحَرَةُ سُجَّدًا} : خروا ساجدين لله تعالى بعد رؤيتهم ما حدث لعصا موسى، ولم يكُ سحراً، وإنما حقيقة، أو حق، فقد تحولت إلى حية تلقفُ ما يأفكون، ما رأوه من الحق ألقاهم على وجوههم ساجدين بسرعة، وقبل أن يعلنوا إيمانهم، وبعد أن خروا لله سجّداً، أعلنوا إيمانهم بعكس الأمر الطّبيعي، وهو أن يعلنوا إيمانهم أولاً، ثمّ يسجدوا، ولكن ما حدث هو العكس. سجداً: جمع ساجد، ويعني: السجود الظاهري التي تراه العين، وأما السجود الحقيقي يعني: الخشوع مع السجود الظاهري.

{قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} : نلاحظ هنا تقديم هارون على موسى، وهذه هي الآية الوحيدة الّتي قدمت هارون على موسى، وأما في سورة الشّعراء، آية (47-48)، وسورة الأعراف، آية (121-122){قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} ، والتقديم سببه حتّى لا يظن أحد أن رب موسى هو فرعون الّذي رباه، وترعرع في قصره، ولذلك قدم هارون وأخَّر موسى.

لتفسير ذلك يمكن القول: إنّ السّحرة الّذين كان عددهم كبيراً، وقيل:(72) ساحراً بعد أن خرّوا سجّداً، ورفعوا رؤوسهم؛ قسمٌ قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، وقسمٌ قالوا: آمنا برب هارون وموسى، ولم يوجد هناك من قال: آمنا برب موسى وهارون بدون ذكر رب العالمين. وأما تقديم هارون على موسى في هذه الآية فقد فسّر ذلك بثلاثة احتمالات، والله أعلم:

الأوّل: لأنّ ذكر هارون تكرر كثيراً في هذه السّورة مقارنة بسورة الأعراف، والشّعراء، والسّياق هو السّبب.

الثّاني: لأنّه لم يسبقها قول: رب العالمين؛ لأنّه لو قال: رب موسى وهارون، فقد يظن البعض فرعون؛ لأنّ فرعون ربّاه، ونشأ عنده؛ فهو له كربٍّ، ولذلك أخّر ذكر موسى، وجاء بهارون؛ لأنّ فرعون لا يمكن أن يدّعي أنّه رب هارون؛ لأنّه لم يربِّه، كما ربّى موسى.

الثّالث: هارون هو أكبر من موسى سناً، وأفصح لساناً ووزيرٌ له.

ص: 204

سورة طه [20: 71]

{قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} :

{قَالَ} : قال فرعون بعد أن رأى السَّحَرة يسجدون لله رب العالمين:

{آمَنتُمْ لَهُ} : أي: صدّقتم موسى.

{لَهُ} : اللام: لام الاختصاص والاتباع.

{قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} : أي: قبل أن أسمح لكم.

{إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} : إنّه: للتوكيد.

{لَكَبِيرُكُمُ} : اللام: لام الاختصاص، الّذي علمكم السّحر؛ أي: موسى الّذي علمكم السّحر.

{فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ} : الفاء: للتعقيب والمباشرة، هذا تهديد ووعيد، والنّون في "أقطعن" لزيادة التّوكيد.

{أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ} : أي: اليد اليمنى، والرّجل اليسرى، أو اليد اليسرى، والرّجل اليمنى.

{مِّنْ خِلَافٍ} : من: ابتدائية، خلاف: أي: من الجهة المعاكسة، أو الأخرى؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى عدم توازن الجسم، وأشق وأشد في العذاب.

{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ} : ولأصلبنّكم: الواو: عاطفة؛ اللام: للتوكيد. فالصلب يقع بعد تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وفي سورة الأعراف آية (124) قال تعالى على لسان فرعون {ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ} .

{فِى جُذُوعِ النَّخْلِ} : ولم يقل: على جذوع النّخل؛ للمبالغة في الصّلب؛ لأنّ القول: في جذوع النّخل؛ في: ظرفية، بحيث يدخل المصلوب في المصلوب عليه من شدة الصّلب.

{وَلَتَعْلَمُنَّ} : اللام، والنّون: تفيدان التّوكيد.

{أَيُّنَا} : أي: موسى، أم فرعون.

{أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} : جمع بين شدة العذاب، والدّوام عليه.

{وَأَبْقَى} : أدوم عذاباً؛ أي: زمناً.

ص: 205

سورة طه [20: 72]

{قَالُوا لَنْ نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} :

{قَالُوا لَنْ} : أي: السّحرة لفرعون. لن: لنفي المستقبل القريب، أو البعيد.

{نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} : أي: لن نفضّلك على "ما": اسم موصول بمعنى: الّذي جاءنا من البينات (مثل العصا، واليد، والآيات الأخرى)، والإيثار: هو تفضيل شيء على شيء في مجال متساوٍ.

{وَالَّذِى فَطَرَنَا} : أي: لن نفضّلك على آيات ربنا، أو نفضّلك على الّذي فطرنا، وهو الله تعالى، أو تعني: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، والّذي فطرنا أي: نقسم بالّذي فطرنا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، وكلا الاحتمالين وارد.

{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} : أي: افعل ما أنت فاعل، أو نفّذ ما حكمت به علينا من الصّلب، والقطع، والتّعذيب.

وانتبه إلى قوله: ما جاءنا من البينات، وهل البينات جاءتهم، أم جاءت موسى، البينات جاءت موسى، أو عامة لهم ولغيرهم، ولكنهم شعروا بأنّهم أحق النّاس باتباعها، والعمل بها فاعتبروها لهم وحرصوا على تنفيذها.

{إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} : إنما تفيد التّوكيد، والحصر (كافة مكفوفة).

{تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} : أي: كلّ ما تستطيع هو أن تسلب منا هذه الحياة الدّنيا بالصلب، أو تعذيبنا، ولا سبيل لك علينا في الآخرة؛ أي: سلطانك علينا محصورٌ بالحياة الدّنيا فقط.

انظر إلى عظم ثبات وإيمان هؤلاء السّحرة، وعدم مبالاتهم بالتّهديد، والوعيد؛ رغبة واستجابة لله تعالى، ولم يحاول أحدٌ منهم أن يعتذر، أو يغير موقفه، ويخاف من عذاب فرعون وملئه.

ص: 206

سورة طه [20: 73]

{إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} :

هذه الآية تتمة لردّ السّحرة على فرعون.

{إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ} : إنّا: للتوكيد؛ ليغفر: اللام: لام التّعليل؛ ليغفر: من المغفرة، وهي الستر، وترك العقوبة.

{آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} : خطايانا: ذنوبنا الماضية؛ كالكفر، والمعاصي، وقيل: الخطايا: الذّنوب العظيمة. والخطيئة: هي صغائر الذنوب.

{وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} : وهل أُكرهوا على السّحر، أم هم فعلوه غير مكرهين، وبإرادتهم؟

أكرهوا: حين بعث لهم فرعون جنوده: {وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} [الشّعراء: 34]؛ فهم أكرِهوا على القدوم والحضور من كلّ المدن، وبعد حضورهم وقدومهم على فرعون قالوا: إنّ لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنّكم لمن المقربين. هنا في هذه المرحلة لم يكونوا كارهين؛ فالإكراه حصل في أوّل الأمر.

{وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} : لها عدّة معانٍ:

الأوّل: الله خيرٌ من فرعون، وأبقى منه؛ لأنّه حي قيوم باقٍ لا يزول ملكه وحكمه، بخلاف فرعون أو قومه.

الثّاني: ثواب الله تعالى خير وأبقى من ثواب فرعون الزّائل.

الثّالث: أو عذاب الله أبقى وأدوم من عذاب فرعون، رداً على قول فرعون:{وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 7].

ص: 207

سورة طه [20: 74]

{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} :

{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} : إنّه: للتوكيد؛ أي: من يأتِ ربه كافراً، أو مشركاً يوم القيامة، أو مات على الكفر، والمجرم يعني: الكافر العاصي، والمشرك يأتي ربه يوم القيامة: يوم القيامة يوم البعث.

{فَإِنَّ لَهُ} : فإنّ: للتوكيد؛ له: اللام: لام الاختصاص.

{لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} : له نار جهنم لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة بدون عذاب كقوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36]. ارجع إلى سورة الرعد، آية (18)؛ لبيان معنى جهنم.

ص: 208

سورة طه [20: 75]

{وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} :

{وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا} : ومن: الواو: عاطفة، من: شرطية؛ يأتِه مؤمناً: بربه وما أنزل.

{قَدْ} : حرف تحقيق يفيد التّوكيد.

{عَمِلَ الصَّالِحَاتِ} : الفرائض، والنّوافل، وتجنب النّواهي.

{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة يفيد البعد؛ بُعد المنزلة، وهي الدرجات العُلى.

{لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} : وكما أخرج الإمام أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجنة مئة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها؛ فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس» . ارجع إلى الآية (5) من نفس السورة.

ص: 209

سورة طه [20: 76]

{جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} :

{جَنَّاتُ عَدْنٍ} : جنات عدن؛ أي: إقامة دائمة، وهناك جنات أخرى: جنات النعيم، والفردوس، والخُلد.

{تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : تنبع من تحتها الأنهار المختلفة مثل أنهار الماء، أو اللبن، أو الخمر، أو العسل المصفى.

{خَالِدِينَ فِيهَا} : خلوداً يبدأ من زمن دخولهم الجنات، وبقاءً مؤبّداً دائماً.

{وَذَلِكَ} : اسم إشارة يشير إلى الفوز بجنات عدن.

{جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} : ثواب من تزكى: من طهّر نفسه من الذّنوب، والمعاصي، ثمّ ارتقى بإيمانه؛ فالجزاء يكون من جنس العمل، ويكون بالثواب على العمل الصالح، والعقاب على العمل السيء.

ص: 210

سورة طه [20: 77]

{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} :

{وَلَقَدْ} : الواو استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق.

{أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى} : من الوحي لغةً: وهو الإعلام بخفاء عن طريق الوحي، أو تكليم من وراء حجاب، أو إرسال رسول فيوحي بإذنه ما يشاء. ارجع إلى سورة النّساء، آية (163)؛ لمعرفة معنى الوحي.

{أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى} : أن: للتعليل، والتّوكيد.

{أَسْرِ} : الإسراء السير ليلاً، وعادة في أوّل الليل، أسر ليلاً بعبادي: الباء: للإلصاق، والمصاحبة.

{بِعِبَادِى} : أي: بني إسرائيل؛ أي: اخرج بهم ليلاً من مصر، وعبادي، ولم يقل عبيدي؛ عبادي تعني: الفئة المؤمنة التي اختارت الإيمان بربها، أمّا عبيدي: تشمل المؤمن والكافر. ارجع إلى سورة البقرة آية (186) للبيان.

{فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا} : الفاء: للترتيب والتّعقيب، اضرب: بعصاك البحر، كما بينه في سورة الشّعراء، الآية (63):{أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} .

{لَهُمْ} : لام: الاستحقاق، لهم فقط خاصة لبني إسرائيل.

{طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا} : طريقاً جافاً لا طين فيه ولا ماء، وأفضل الطرق هو الصراط، ثم يليه السبيل، ثم الطريق في البحر، والطريق قد يكون سهلاً أو صعباً، وقد يكون مذموماً كقوله تعالى:{إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [النساء: 169]، أو محموداً كقوله تعالى:{يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30].

{لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} : لا: النّافية.

{تَخَافُ دَرَكًا} : أي: لا تخاف أن يدركك فرعون وجنوده، أو يلحقوا بكم.

{وَلَا تَخْشَى} : تكرار "لا": تفيد التّوكيد، وفصل دركاً عن الخشية كلاً عن الآخر، أو كلاهما معاً، والخشية هي الخوف المشبع بالرّهبة مع العلم بالشّيء المخيف.

ص: 211

سورة طه [20: 78]

{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} :

{فَأَتْبَعَهُمْ} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة، "فرعون بجنوده" أتبعهم؛ أي: لحق بهم فرعون وجنوده.

{فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} : الباء: للإلصاق والمصاحبة.

{فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} : فغشيهم: الفاء: للتّعقيب، والمباشرة؛ ما: اسم موصول لغير العاقل تفيد الإبهام؛ أي: غمرهم الماء ما غمرهم، ما لا يقدر قدره، أو يعلم كنهه إلا الله وحده. من التّغشية: التّغطية؛ غشاء: غطاء؛ فكانوا من المغرقين.

ص: 212

سورة طه [20: 79]

{وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} :

{وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} : الواو: استئنافية. أضلَّ فرعون قومه: أي: ابتعد فرعون بقومه عن طريق الحق والهدى، وأوقعهم في الهلاك إذ أغرِقوا في اليم، وماتوا وهم كفارٌ، ولم يهدهم إلى سبيل الرّشاد، كما زعم في الآية (29) من سورة غافر:{وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} .

{وَمَا هَدَى} : هي توكيد لقول: "وأضل فرعون"؛ لأنّ لهما المعنى نفسه، أو قد تعني: توكيد كذبه حيث قال: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29].

ص: 213

سورة طه [20: 80]

{يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} :

{يَابَنِى} : يا: نداء، خطاب لبني إسرائيل بعد إنجائهم من البحر، وإهلاك فرعون وجنوده في اليم.

{يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ} : بني يعقوب.

{قَدْ} : حرف تحقيق وتوكيد.

{أَنجَيْنَاكُم} : أنقذناكم من عدوكم، و"أنجيناكم" تفيد السّرعة، والقوة، والشدة في النّجاة مقارنة بنجيناكم الّتي تفيد البطء في النّجاة، والأقل شدة. أنجيناكم بأن:{فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63].

{مِّنْ عَدُوِّكُمْ} : من فرعون وجنوده.

{وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} : أي: واعدنا موسى جانب الطّور الأيمن: الأيمن عن يمين موسى القادم إلى الطّور؛ لإنزال التّوراة لهدايتكم، ويفسر ذلك قوله سبحانه:{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51].

{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} : الواو: عاطفة، نزلنا: غذاءً لكم في التّيه: المن والسّلوى. المن: نوع من الحلوى. ارجع إلى الآية (57) من سورة البقرة؛ للبيان.

السّلوى: نوع من الطّير، وقال سبحانه:"ونزلنا" لتدل على طول زمن الإنزال خلال (أربعين سنة)، وهم في التّيه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (57)؛ لمزيد من البيان.

ص: 214

سورة طه [20: 81]

{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى} :

{كُلُوا} : يا بني إسرائيل.

{مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} : من: بعضية.

{طَيِّبَاتِ} : تعني: الحلال الطاهر.

{مَا} : اسم موصول؛ بمعنى: الّذي رزقناكم، أو مصدرية.

{رَزَقْنَاكُمْ} : كلوا من الحلال الطّيب، والأكل يعني: الشّرب أحياناً. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (69)؛ لمزيد من البيان.

{وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} : لا: النّاهية.

{تَطْغَوْا} : تعود على الأكل بترك أكل الحلال، وما شرع لكم، وأكل الحرام، والإسراف والتّبذير، أو الكفر بالنّعمة (الجحود)، وعدم شكر المنعم.

{فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى} : الفاء: للمباشرة، والتّعقيب؛ يحل: من الحلول؛ أي: الوقوع، أو النّزول؛ فتنزل عليكم عقوبتي، وفي الآية إنذار ووعيد لمن طغى في الرّزق. لماذا اختار يحل عليكم غضبي، ولم يقل يأتيكم غضبي؟ لأن يحل: فيها معنى الدائم؛ أي: يحل عليكم غضب دائم مستمر لا يتغير، بينما يأتيه: قد تحمل معنى غير الدائم؛ يأتيه ثم يزول عنه.

{وَمَنْ} : الواو: استئنافية، ومن: شرطية.

{يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى} : ومن استحق، أو حلت عليه عقوبتي؛ فقد: الفاء: رابطة لجواب الشّرط؛ تفيد التّوكيد، وقد: لزيادة التّحقيق، والتّوكيد.

{هَوَى} : في النّار؛ أي: صار إلى الهاوية، هوى: استعارة، وهو السّقوط من أعلى إلى أسفل مما يؤدي إلى الهلاك والدّمار في الدّنيا أو الآخرة.

ص: 215

سورة طه [20: 82]

{وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} :

{وَإِنِّى لَغَفَّارٌ} : إنّي: للتوكيد.

{لَغَفَّارٌ} : اللام: للتوكيد، غفار: صيغة مبالغة؛ أي: كثير المغفرة للذنوب والسّيئات؛ يغفر ذنوب عباده ولو كثرت أو عظمت المرة بعد الأخرى، وكلما تكررت، ولا يفضح عباده. وأصل الغفر: السّتر؛ أي: ستّار لذنوب عباده، والسؤال هنا: ما الفرق بين غفّار، وغفور، وكلاهما من أسماء الله الحسنى؟

غفّار: تعني: يغفر الذّنوب الكثيرة المتعددة مهما كثرت؛ أي: للكمّ.

غفور: يغفر الذّنوب العظام؛ أي: للنوع، ويفيد دوام المغفرة.

{لِمَنْ} : اللام: لام الاختصاص أو الاستحقاق، من: ابتدائية.

{تَابَ} : من الشّرك، والكفر، والمعاصي، والتّوبة من المعاصي، والذّنوب والشرك؛ تعني: الإقلاع عن الذّنب، وعدم العودة إليه، والإكثار من الأعمال الصّالحة والنّوافل، وإرجاع حقوق العباد، والنّدم على ما فعل.

{وَآمَنَ} : بالله، ووحدانيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته، وكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر.

{وَعَمِلَ صَالِحًا} : وقرن الإيمان بالعمل الصّالح من الفرائض والنّوافل، والطّاعات، وأصلها: وعمل عملاً صالحاً، حذف الموصوف، وأقام الصّفة مقامه.

{ثُمَّ اهْتَدَى} : ثمّ تفيد التّباين في المرتبة؛ فمنزلة الاستقامة أعلى من منزلة التّوبة.

{اهْتَدَى} : أي: استقام على الهدى، أو دام على هدايته، واستقام على التّوبة، والإيمان، والعمل الصّالح.

ص: 216

سورة طه [20: 83]

{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى} :

المناسبة: بعد النّجاة من فرعون وجنوده، ولما جاء موسى لميعادنا لأخذ الألواح، حاول موسى أن يسبق قومه للقاء ربه، فسأله ربه:

{وَمَا أَعْجَلَكَ} : ما: استفهامية فيها معنى الإنكار.

{أَعْجَلَكَ} : حملك على العجلة، أو دفع بك إلى العجلة لتسبق قومك.

{عَنْ} : تفيد المجاوزة، والابتعاد.

{قَوْمِكَ} : أي: النّقباء الّذين اختيروا للحضور معه من بني إسرائيل، وكانوا سبعين رجلاً.

{يَامُوسَى} : نداء فيه عطف وحنان، والياء: ياء النّداء للبعد.

ص: 217

سورة طه [20: 84]

{قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} :

{قَالَ} : قال موسى ردّاً على السّؤال.

{هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِى} : هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

{أُولَاءِ} : اسم إشارة يفيد القرب، بينما أولئك: اسم إشارة يفيد البعد، ولم يقل: هؤلاء: حذف الهاء "هاء" التّنبيه، ولم يأت بها؛ لأنّ المقام لا يحتاج إلى التّنبيه؛ لأنّهم لم يحضروا أصلاً معه.

هم أولاء على أثري؛ أي: قريبون جداً لاحقون بي، وليسوا بعيدين عني.

{عَلَى أَثَرِى} : أي: هم ورائي ولن يتأخروا.

ويقال: جاء على أثره؛ أي: لحق به، ولم يتأخر عنه.

{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} : سبقتهم إليك لترضى: اللام: لام التّعليل؛ طلباً لرضاك، أو لترضى عني، أو للمزيد من رضاك.

وفي هذا اللقاء نزلت الألواح، وطلب موسى في هذا اللقاء أن يرى ربه فقال له ربُهُ:{انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} انظر في سورة الأعراف [143-145]؛ لمعرفة تفاصيل ما حدث بعد ذلك، وكان هذا هو اللقاء الأوّل، وأمّا اللقاء الثّاني كان بعد قدومه مع السبعين رجلاً للاعتذار عن عبادة قومهم العجل. ارجع إلى سورة الأعراف، الآية (155).

ص: 218

سورة طه [20: 85]

{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِىُّ} :

{قَالَ} : سبحانه لموسى.

{فَإِنَّا قَدْ} : فإنَّا: بصيغة الجمع والتّعظيم، قد: للتحقيق والتّوكيد.

{فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ} : الفتنة أشد وأبلغ من الاختبار، وتكون في الخير والشّر، وهنا كانت في الشّر. ارجع إلى الآية (40)؛ للبيان. وارجع إلى سورة العنكبوت، آية (2)؛ لبيان معنى الفتنة.

فتنّا قومك (بني إسرائيل) من بعدك؛ أي: بعد قدومك لميعادنا باتخاذ العجل إلهاً.

{وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِىُّ} : أوقعهم في الضّلال، أو كان سبباً لإضلالهم حيث اتخذ لهم من حُليهم عجلاً جسداً له خوار، وقال: هذا إلهكم وإله موسى فنسي. سورة طه الآية (88).

من هو السّامري: كان من قوم يعبدون البقر من قبيلة السّامرة، دخل في دين بني إسرائيل، وقيل: كان من القبط، أو من أشراف بني إسرائيل، خرج مع موسى وبني إسرائيل.

ص: 219

سورة طه [20: 86]

{فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى} :

{فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ} : الفاء: تدل على التّعقيب والمباشرة. رجع: والرّجوع يعني: العودة إلى المكان الّذي خرج منه، رجع بعد أن أخذ الألواح.

{غَضْبَانَ أَسِفًا} : غضبان: شديد الغضب، على وزن: فعلان.

{أَسِفًا} : صيغة مبالغة تدل على الحزن الشّديد؛ فالقول: أنا آسف: فيها أسف قليل، أمّا القول: أنا أسِفاً: فيها مبالغة؛ أي: أنا آسف أسفاً شديداً.

{قَالَ يَاقَوْمِ} : نداء فيه حنان واستعطاف.

{أَلَمْ} : الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وقد يكون استفهام تقريري.

{يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} : بإنزال التّوراة.

{أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} : الهمزة: همزة استفهام إنكاري وتقريري. طال عليكم العهد؛ أي: مدة فراقي لكم، والعهد؛ أي الزّمن، أو قيل: هو أن يطيعوا هارون في حالة غياب موسى (30) ليلة، والثبات والاستقامة على دين الله تعالى.

{أَمْ أَرَدتُّمْ} : أم: للإضراب الانتقالي.

{أَرَدتُّمْ} : شئتم، والإرادة تكون بعد المشيئة.

{أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّكُمْ} : أن: للتعليل، والتّوكيد.

{يَحِلَّ} : ينزل بكم غضب من ربكم: الغضب طرد من رحمة الله تعالى بما صنعتموه من بعدي؛ أي: بما أشركتم به بعبادتكم العجل.

{فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى} : الفاء: للمباشرة والتعقيب؛ أخلفتم: أن تطيعوا هارون، والثّبات والاستقامة على ديني، وكانوا قد عاهدوه على عبادة الله وحدهُ، والقيام بما يأمرهم به.

ص: 220

سورة طه [20: 87]

{قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ} :

{قَالُوا} : أي: بني إسرائيل لموسى.

{مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ} : ما: النّافية.

{أَخْلَفْنَا} : وعدنا لك بإرادتنا وذاتنا، ولكن بأمور خارجة عن إرادتنا، وهي أننا حُمّلنا أوزاراً من زينة القوم.

ويجب أن نفرق بين ثلاث حالات هي:

1 -

{بِمَلْكِنَا} : بفتح الميم مشتقة من: مَلْك؛ تعني: ملك الإنسان نفسه؛ أي: ذاته، وإرادته فقط، كما ورد في هذه الآية.

2 -

بمِلْكنا: بكسر الميم: مشتقة من مِلْك؛ تعني: يملك ذاته وإرادته (حر طليق) ويملك شيئاً، أو أشياء أخرى مثل: منزله، أو أرضه، أو أيّ شيء.

3 -

بمُلْكنا: بضمّ الميم: مشتقة من مُلْك؛ أي: يملك ذاته وإرادته + شيئاً أو أشياء أخرى + يملك من: مِلْك، وهذه تخص الله وحده.

{وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا} : لكن حرف استدراك وتوكيد.

{حُمِّلْنَا} : مبني للمجهول.

{أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} : الوزر: الشّيء الثّقيل، أو الحمل الثّقيل، وسمّي الذّنب والإثم وزراً؛ لأنّه ثقيل على النّفس حيث يمتد أثره؛ أي: ألمه إلى الدّار الآخرة، ويقول الحق عن ذلك الحمل:{وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 101].

الزّينة: تطلق على الذّهب عادة، وسموا الزّينة (وهي الحُلي من الذّهب والفضة) أوزاراً؛ لأنّهم استعاروها من القبط قبل خروجهم من مصر، ولم يُعيدوها إلى أصحابها بعد خروجهم؛ فكأنّهم شعروا بأنّها سرقة وشبهوها بالأوزار؛ أي الذّنوب والآثام، ويجب التخلص منها.

{مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} : القوم هم القبط؛ أي: قوم فرعون، وقيل: قسم منها كان من حُلي جنود فرعون بعد غرقهم في البحر.

{فَقَذَفْنَاهَا} : أي: لما سألهم السّامري أن يعطوها له، قذفوا بتلك الزّينة إليه، والقذف يعني: طرحوها، أو ألقوها إليه بسرعة، وبدون تردد؛ للتخلص منها، ومن آثامها حيث شعروا بالذّنب العظيم.

{فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ} : هم قذفوا بالزّينة إلى السّامري، وكذلك ألقى السّامري، ولم يقل وكذلك قذف السّامري؛ السّامري ألقى بتلك الزّينة، وقيل: ألقى مع الزّينة قبضة من أثر الرّسول (جبريل عليه السلام )، ولم يتسرع بإلقائها، ولم يشعر بالإثم الّذي شعر به قومه، وصاغ لهم السامري عجلاً جسداً له خوار.

وهناك فرق بين القذف، والإلقاء، والنبذ، والرمي:

القذف: الرمي، ويكون بشدة وبسرعة، وفيه معنى البعد، وبدون معرفة المسافة الّتي يصل إليها القذف، أو المكان.

الإلقاء: الرمي، ويكون بخفة وتمهل.

النبذ: إلقاء للشيء استهانةً به، وإظهاراً للاستغناء عنه.

الرمي: تعرف المسافة والمكان الّذي ترمي إليه.

ص: 221

سورة طه [20: 88]

{فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ} :

{فَأَخْرَجَ لَهُمْ} : الفاء: تدل على التّعقيب، أخرج لهم السّامري؛ أي: صنع لهم بالخفاء عجلاً من الحُلي أو الذّهب المنصهر في النّار، وبعد صنعه أخرجه لهم.

{لَهُمْ} : وحدهم؛ لام الاختصاص؛ أي: لبني إسرائيل.

{عِجْلًا جَسَدًا} : تمثالاً على هيئة العجل لا روح فيه، ولا حركة، والعجل: هو ذكر البقر، والجسد: يطلق على التمثال الجامد.

{لَهُ خُوَارٌ} : قدم "له" على "خوار" للحصر؛ أي: له فقط خاصية الخوار؛ أي: صوت يشبه صوت العجل، والخوار: قيل: هو صوت حقيقي، وقيل: ناتج عن القبضة التي قبضها السامري من أثر الرسول (جبريل عليه السلام ) أي: فرس جبريل. ارجع إلى الآية (96)، وقيل: هو الصّوت النّاتج عن دخول الرّيح في ممرات داخل التّمثال، كما نرى في لُعب الأطفال المصنوعة في هذه الأيام، والله أعلم.

{فَقَالُوا} : الفاء: للتعقيب، قالوا: أي: السّامري ومن كفر معه.

{هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى} : الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة للقرب يشير إلى العجل الجسد إلهكم وإله موسى.

{فَنَسِىَ} : إمّا تعود على موسى، وإمّا تعود على السّامري؛ الفاء: للتعقيب، والتّرتيب؛ أي: موسى نسي أن يذكر لكم قبل ذهابه للميعاد أن هذا هو إلههُ وإلهكم. قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : «أو موسى نسي؛ أي: ضلّ وتاه، وذهب يطلب إلهه عند الطّور وهو هنا» .

وإذا كان الضّمير يعود على السّامري؛ أي: نسي أو ترك السّامري إيمانه ودينه باتخاذ العجل، أو نسي السّامري أنّ العجل لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

ص: 222

سورة طه [20: 89]

{أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} :

{أَفَلَا} : الهمزة: للاستفهام الإنكاري، والفاء: للتوكيد. لا: النّافية.

{يَرَوْنَ} : رؤية قلبية (رؤية اعتبار وتفكر)، ورؤية بصرية أيضاً بأمّ أعينهم.

{أَلَّا} : أصلها أن للتعليل، والتّوكيد؛ و لا: النّافية.

{يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا} : العجل: الجسد الّذي له خوار لا يجيبهم إذا سألوه، أو لا يكلمهم إذا كلموه.

{وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} : لا: النّافية؛ لا يملك لهم (خاصة) ضراً لمن عصاه، ولا نفعاً لمن عبده، وأطاعه؛ أي: لا يفيد ولا يضر، وتكرار (لا) يفيد التّوكيد، وفصل كلٍّ من النّفع والضّر عن الآخر، أو كلاهما معاً، فلا يستحق أن يكون إلهاً، وفي سورة الأعراف، الآية (148) قال تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} ، وقدم الضُّرَّ على النفع؛ لأن الخوف من حدوث الضُّرِّ أكبر من الخوف من النفع، أو لأن ضرُّهُ أقرب من نفعه؛ ارجع إلى سورة الحج آية (12).

ص: 223

سورة طه [20: 90]

{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوا أَمْرِى} :

{وَلَقَدْ} : الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد؛ قد: للتحقيق.

{قَالَ لَهُمْ} : لبني إسرائيل، الّذين فتنهم السّامري، وأضلّهم باتخاذ العجل.

{هَارُونُ مِنْ قَبْلُ} : أن يرجع إليهم موسى من الطّور.

{يَاقَوْمِ} : نداء فيه حنان وعطف.

{إِنَّمَا} : كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.

{فُتِنْتُمْ بِهِ} : أي: وقعتم في الفتنة؛ أي: الشرك والكفر بسبب هذا العجل، وضللتم الطّريق، فلا تكفروا، وتضلوا. ارجع إلى الآية (40)؛ لبيان معنى الفتنة.

{وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} : وإنّ: للتوكيد.

{رَبَّكُمُ} : خالقكم ومدبر أموركم، ورازقكم هو الرّحمن.

{الرَّحْمَنُ} : ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (2)؛ للبيان.

{فَاتَّبِعُونِى} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ اتبعوني: حالاً، وأطيعوا أمري، واعبدوا ربكم الرّحمن وحده، أو فاتبعوني خيراً لكم.

{وَأَطِيعُوا أَمْرِى} : توكيد لكلمة فاتبعوني. قيل: كان عدد بني إسرائيل (300-600 ألف)، ومن اتخذ العجل (12) ألفاً، وقيل: خاف هارون أن يدخل في معركة مع قومه، ويؤدي ذلك إلى التّفريق بين بني إسرائيل، واكتفى بالوعظ، كما جاء في الآية (94) من سورة طه.

ص: 224

سورة طه [20: 91]

{قَالُوا لَنْ نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} :

{قَالُوا} : أي: الّذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل.

{لَنْ} : أداة نفي تنفي المستقبل القريب، أو البعيد.

{نَّبْرَحَ} : سنظل على هذه الحالة، نبرح: تستعمل للمكان، والزّمان؛ أي: سنظل على هذه الحال.

{عَلَيْهِ} : تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.

{عَاكِفِينَ} : مقيمين على عبادته، أو اتخاذه إلهاً. عكف على الشّيء: واظب على الشّيء، ولم يتركه؛ أي: لازمه.

{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية.

{يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} : من الطّور.

{إِلَيْنَا} : وحدنا نكلمه ويكلمنا. انتبه قالوا: حتّى يرجع إلينا موسى، ولم يقولوا حتّى يرجع موسى إلينا؛ فهم قدموا أنفسهم على موسى النّبي والرّسول؛ لجهلهم وعدم تقديرهم لمكانة موسى.

ص: 225

سورة طه [20: 92]

{قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا} :

{قَالَ يَاهَارُونُ} : قال موسى: يا هارون.

{مَا مَنَعَكَ} : ما: استفهام إنكاري، منعك: من محاربة هؤلاء الضّالين، والتّصدي لهم، أو عدم الإقامة بينهم، أو تعني: ما حملك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن.

{إِذْ} : ظرف زماني للمفاجأة؛ أي: حين.

{رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا} : حين رأيتهم يتخذون إلهاً من دون الله، وضلوا وانحرفوا عن سبيل الله.

ص: 226

سورة طه [20: 93]

{أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى} :

{أَلَّا} : أصلها: أن: المصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، ولا: قيل زائدة للتوكيد، وقيل: نافية؛ أي: ما منعك من عدم اتباعي.

{تَتَّبِعَنِ} : عندما رأيتهم ضلوا ما منعك من اتباعي؟ أكان هناك مانع أو قوة خارجية منعتك من الاتباع، و "تتبعن" لها معانٍ عديدةٌ منها:

ألا تلحق بي وتتركهم.

أو تتبعن ومن معك من المسلمين، وتترك المشركين.

أو تتبعن ما أوصيتك به، وهي: اخلفني في قومي، وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، أو محاربتهم.

وحذف ياء المتكلم بدلاً من قوله ألا تتبعني؛ للدلالة على الاتباع بسرعة، والعجلة؛ أي: ألا تتبعن بعجلة ولا تتأخر، وكذلك تتبعن في هذه الحالة الطارئة (اتخاذ العجل إلهاً)؛ فهي خروج عن التبعية حيث بقاء هارون خروج عن التبعية لموسى عليه السلام والاستمرار عليها؛ لأن موسى أوصى أخاه بالتبعية المستمرة.

{أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى} : الهمزة: للاستفهام الإنكاري، أفعصيت أمري: بالإقامة بين الّذين ضلوا، وعدم اللحاق بي، أو بعدم محاربتهم.

ص: 227

سورة طه [20: 94]

{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى} :

{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا} : قال هارون لموسى: يا بن أمَّ حذف ياء المتكلم للإيجاز والسرعة، ولم يقل يا بن أب؛ لأنّ ذكر الأمّ فيه معنى الحنان والعطف، وقوله: يا بن أمَّ؛ أي: يا بن أمّي.

{لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى} : لا: النّاهية، لا تأخذ بشعر لحيتي، ولا بشعر رأسي.

{إِنِّى خَشِيتُ} : إنّي: للتوكيد.

{خَشِيتُ} : من الخشية، وهي الخوف مع تعظيم للأمر الباعث على الخوف، والعلم المتعلق به.

{أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} : خشيت أن يحدث تفرق واختلاف بين بني إسرائيل إن لحقت بك وتركتهم أن يؤدي ذلك إلى قتال بعضهم بعضاً، وهذا يُعد فساداً، وعدم إصلاح وعندها تقول: ولم ترقب قولي وتصلح.

{وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى} : وهو: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. ولم أراعِ ما قلته لي، وأنفذ ما طلبت مني.

وفي الآية (150) من سورة الأعراف قال هارون لموسى: {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} وهذا يدل على أنّ هارون أنكر على السّامري وأتباعه اتخاذ العجل إلهاً إنكاراً شديداً قبل رجوع موسى، فعصى الضّالون من بني إسرائيل هارون وكادوا أن يقتلوه، ولذلك رأى هارون من الحكمة أن يبقى بينهم، وينتظر عودة موسى لإصلاح الأمر.

ص: 228

سورة طه [20: 95]

{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِىُّ} :

{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ} : قال موسى للسامري، فما: الفاء: للتوكيد، ما: استفهام إنكاري.

{خَطْبُكَ يَاسَامِرِىُّ} : الخطب: الأمر العظيم الجلل المهم؛ أي: ما الأمر العظيم والخطب الجلل الّذي دفعك لاتخاذ العجل؟

ص: 229

سورة طه [20: 96]

{قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى} :

كان هذا هو ردَّ السّامري على سؤال موسى.

{قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا} : بصرت من البصيرة، ولا تعني الرّؤية؛ أي: فكّرت بشيء لم يفكّر به أحدٌ، وهو عندما رأى جبريل على فرسه أن يقبض قبضة من أثر الفرس وحدث ذلك عندما كان يتقدم جبريل موسى وبني إسرائيل للعبور في البحر؛ أي: من التراب الّذي تضع حافرها عليه؛ لأنّه لاحظ أنّ فرس جبريل كلما وضعت حافرها على التّراب أصبح مخضراً، ففكّر أن يأخذ قبضة (الأخذ بجمع الكفّ) من ذلك التّراب، فقبض قبضة من أثر جبريل وألقاها في الحلي المذاب، وهذا هو المشهور عند جمهور المفسرين.

{فَنَبَذْتُهَا} : أي: مع الحلي، والنّبذ: هو طرح الشّيء استهانةً به، واستغناءً عنه.

{وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى} : زيَّنت لي نفسي أن أفعل ذلك (اتخاذ العجل) وحدث ذلك في زمن ذهاب موسى إلى الميعاد، وأما طوعت له نفسه كما قال تعالى:{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} [المائدة: 30]؛ طوعت: أشد من سولت، وهي مرحلة تالية لسولت، وتحتاج إلى جهد أكبر.

ص: 230

سورة طه [20: 97]

{قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِى الْيَمِّ نَسْفًا} :

{قَالَ} : موسى للسامري.

{فَاذْهَبْ} : الفاء: للتوكيد، اذهب: من بيننا؛ أي: اعتزلنا، ولا تقرب من أحد، أو أحدٌ يقترب منك، وأمر موسى بني إسرائيل ألا يقربوه، ولا يخالطوه، أو يكلموه عقوبةً له.

{فَإِنَّ لَكَ} : لك: اللام: لام الاختصاص.

{فِى الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ} : لا تمس أحداً، ولا يمسك أحدٌ، وهذا التحذير يكفي لإدخال الرعب في عدم الاقتراب منه، وقيل: إذا حدث المساس أصيب بالعدوى والحمى؛ أي: يجب أن تعيش وحيداً بعيداً عن النّاس؛ فهذا عقابك في الحياة الدّنيا.

{وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ} : أي: في الآخرة عذاباً آخر ينتظرك لن تخلفه: لن يتأخر عنك ولا مفرّ منه.

{لَنْ} : حرف نفي.

وكان السّامري يستحق القتل كما قال موسى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} فلماذا لم يكن السامري من بين هؤلاء؟ فهو السّبب في اتخاذ بني إسرائيل العجل إلهاً، ولو كان من بين الّذين قتلوا أنفسهم توبةً إلى بارئهم لربما قبل الله توبته، ونجا من عذاب الآخرة، ولكن الله سبحانه أوحى إلى موسى: لا تقتل السّامري واتركه حياً، وقل له: اذهب فإنّ لك في الحياة أن تقول لا مساس، وهذا عذابه في الدّنيا، وأمّا في الآخرة فإنّ لك موعداً في جهنم لن تخلفه.

{وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} : أي: هذا العجل الّذي صنعته واتخذته إلهاً.

{الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} : مقيماً على عبادته (40) ليلة ولم يقل ظللت؛ لأنّ الزّمن كان قصيراً (40) ليلة، ولم يطل، ولذلك قال: ظلت عليه عاكفاً؛ ليناسب الزّمن، ولو طال الزّمن لقال: ظللت عليه عاكفاً.

{لَنُحَرِّقَنَّهُ} : اللام: للتوكيد؛ نحرّقنه: النّون: للتوكيد، والمبالغة في الحرق، وقيل نحرقنّه: نبرده بالمبرد، وحين نبرد الشّيء يتطاير الشّرر منه، وكلما بردناه بشدة يخرج شرر أكثر وأكثر حتّى يصبح كالنّار، وهذا يعني لنحرقنّه، وبرده بالمبرد شيئاً فشيئاً يدل على عجز هذا الإله عن إنقاذ نفسه؛ أي: العجل.

{ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِى الْيَمِّ نَسْفًا} : ثمّ: لتباين الصّفات، ننسفنّه في اليم أكبر، أو أشد من نحرقنه، نسف الشّيء: هو غربلته والمنسفة هي آلة مثل المصفاة، والنّون في ننسفنّه: للتوكيد؛ أي: بعد أن نحرقنّه لننسفنّه في اليم؛ أي: لنذرّينّه في البحر لتذهب به الرّيح، أو يذوب في الماء، فلا يبقى لهذا الإله أثرٌ على الأرض ولو الرّماد؛ حتّى لا يكون مدعاة للعباد للاحتفاظ برماده، وقد قام موسى بذلك فأخذ العجل المصنوع من الحلي فبرده بالمبردة، ثمّ ذرّاه في البحر.

ص: 231

سورة طه [20: 98]

{إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا} :

{إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ} : إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد والحصر.

{إِلَهُكُمُ} : كلمة الإله: أي: المعبود، والّذي يأمر بالتّكاليف. إلهكم الله؛ أي: إنما المعبود المطاع هو الله وحده، المطاع فيما يأمر وينهى سبحانه.

{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : ارجع إلى الآية (255) من سورة البقرة؛ للبيان.

{وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا} : شيء: نكرة تشمل كلّ شيء صغيراً، أو كبيراً، ويعلم المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر؛ أي: علمه أحاط بكل شيء.

ص: 232

سورة طه [20: 99]

{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} :

{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} : أي: مثل ذلك؛ أي: كما قصصنا عليك قصة موسى وهارون وفرعون والسّامري، نقص عليك قصصاً أخرى من أنباء الغيب السابقة.

{مِنْ أَنْبَاءِ} : من: للتبعيض من بعض.

{أَنْبَاءِ} : من الأخبار الهامة للرسل السّابقة، والنّبأ: هو الخبر العظيم الهام.

{مَا} : لغير العاقل.

{قَدْ سَبَقَ} : قد: للتحقيق، والتّوكيد.

{سَبَقَ} : من الرّسل؛ أي: سبقوك من الرّسل، أو غيرهم، أو الأمم.

ويؤيد ذلك قوله في سورة النّساء الآية (164): {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} ، وقد بيّن سبحانه السّبب في قص هذه الأنباء على رسوله وعلى المؤمنين في سورة هود الآية (120)، فقال:{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} ، ومن الأسباب في قصّ هذه القصص؛ ليبين صدق نبوة رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ النّبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يمكن أن يكون قد تعلّم كلّ أخبار تلك الأمم الماضية، وتفاصيل ما حدث لها.

{وَقَدْ} : قد: حرف تحقيق وتوكيد.

{آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} : الإيتاء هو العطاء بدون تمليك، والإيتاء أوسع من العطاء يشمل الأشياء المادية والمعنوية. ارجع إلى سورة البقرة آية (251) لبيان معنى الإيتاء والعطاء.

{مِنْ لَدُنَّا} : ولم يقل عندنا، من لدنّا؛ تعني: شيئاً خاصاً لا يعطيه الله إلا لمن يحبه أو خاصته، بينما من عندنا: تعني شيئاً عاماً نعطيه للكل.

{ذِكْرًا} : الذّكر هو القرآن العظيم. ارجع إلى سورة الكهف، آية (65) لبيان معنى من لدنا، وارجع إلى سورة (ص) آية (1) لبيان معنى ذكراً.

ص: 233

سورة طه [20: 100]

{مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} :

{مَّنْ} : اسم موصول بمعنى الّذي وشرطية. وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع، وتعني: العاقل.

{أَعْرَضَ عَنْهُ} : عنه: عن الذّكر العظيم (القرآن العظيم)، أعرض عنه: لم يؤمن به ويعمل بما فيه، وأصل الإعراض من العرض، مشتقة من عرض الإنسان: المسافة بين الكتفين، وأعرض؛ يعني: أعطاه ظهره وانصرف عنه؛ أي: ذهب بعيداً عنه.

{فَإِنَّهُ} : الفاء: جواب الشّرط؛ إنّه: للتوكيد.

{يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} : يحملُ: من الحِمل بكسر الحاء: وهو ما يُحمل على الظهر كما قال تعالى: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31]؛ الوزر: أصله الحمل الثّقيل، ويعني: الذنب والإثم الذي يشبه الحمل الثقيل (الوزر) من أعرض عن الذّكر (القرآن) يأتي يوم القيامة يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً؛ أي: إثماً وذنباً ثقيلاً.

ص: 234

سورة طه [20: 101]

{خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} :

{خَالِدِينَ فِيهِ} : أي: هو حمل لا نهاية له، ولا أمل في الخلاص منه، أو فيه: تعود على الوزر؛ أي: إثم يخلد فيه صاحبه؛ أي: في عذابه.

{وَسَاءَ لَهُمْ} : ساء: من أفعال الذّم؛ أي: قُبح ذلك الحمل، أو يسبب لهم ذلك الحمل السّوء، أو المساءة غير المستحبة للنفس.

{لَهُمْ} : اللام: لام الاختصاص والاستحقاق.

{يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} : وزراً إثماً، وقدم يوم القيامة على الحمل بدلاً من القول وساء لهم حملاً يوم القيامة؛ لأنه سيكون أسوء من أي زمن آخر.

ص: 235

سورة طه [20: 102]

{يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} :

{يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ} : أي: يوم القيامة.

{يُنْفَخُ فِى الصُّورِ} : الصّور: البوق؛ أي: ينفخ فيه إسرافيل النّفخة الثّانية (نفخة البعث، أو القيام).

{وَنَحْشُرُ} : نحشر: الحشر: هو السَّوق إلى أرض المحشر، والجمع (أي: نسوقهم ونجمعهم) في الأرض الجديدة.

{الْمُجْرِمِينَ} : الكافرين، والّذين ماتوا على الكفر، أو الشّرك. ارجع إلى سورة الأنعام آية (55)، والجاثية آية (31) لمزيد من البيان.

{يَوْمَئِذٍ} : أي: في ذلك اليوم يوم القيامة.

{زُرْقًا} : من اللون الأزرق النّاتج عن صعوبة التّنفس، وقلة الأوكسجين الّذي يؤدي إلى ضيق شديد في الصّدر، وألم في الأطراف، وهذا من أشد أنواع العذاب الّذي يشعر معه صاحبه بالاختناق، و (زرقاً) جاءت نكرة؛ لتشمل كافة الأعضاء، زرق العيون والأيدي والأرجل والجلد وغيرها؛ أي: عذاب شامل يشمل كل عضو.

ص: 236

سورة طه [20: 103]

{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} :

{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} : يُسرُّ بعضهم إلى بعض القول؛ أي: لا يجرؤ أحد على رفع صوته، والجهر به، يتحسرون على دنياهم الّتي فرطوا فيها في جنب الله تعالى، وكأنهم يقولون لبعضهم: كل ما لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام؛ أي: لم نعطى الزمن الكافي للعبادة، أو الطاعة.

{إِنْ} : نافية، أقوى نفياً من ما.

{لَّبِثْتُمْ} : اللبث: الإقامة المقترنة بزمن محدد بعكس المكث.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{عَشْرًا} : قدروا إقامتهم في الدّنيا بـ (10) أيّام؛ أي: إنّها انقضت بسرعة، أو أنّهم استطالوا الآخرة، ورأوا أنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، فكأنّ إقامتهم في الدّنيا كانت (10) أيّام مقارنةً بطول الآخرة.

ص: 237

سورة طه [20: 104]

{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} :

{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} : نحن: للتعظيم، أعلم: على وزن أفعل، ولم يقل نعلم.

{بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى: الّذي يقولون، أو مصدرية: بقولهم.

{يَقُولُونَ} : أي: يتخافتون بينهم؛ إذ يقولون بالخفاء وسراً.

{إِذْ} : ظرف زماني.

{يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} : أحسنهم حكماً، أو أعدلهم رأياً وعقلاً، وعملاً.

{إِنْ لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} : إن: نافية؛ أي: ما لبثتم في الدّنيا. إلّا: أداة حصر، يوماً واحداً؛ أي: عَشْراً هو زمن طويل، والأصح هو: يوماً واحداً.

ورغم أنّ الحديث في هذه الآية يتعلق بما سيقال في يوم القيامة جاء بصيغة المضارع (الزّمن الحاضر)؛ فالله سبحانه يعلم ما يقولون، أو قالوا، أو سيقولون منذ الأزل، فالزّمن عنده واحد متساوٍ، والله سبحانه خالق الزمان والمكان يخبرنا من أخبار الغيب ببعض ما سيقوله المجرمون يوم القيامة، ففي هذه الآية قالوا: عشراً، وقال أمثلهم: يوماً، وفي آيات أخرى: ما لبثوا غير ساعة؛ كقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الرّوم: 55].

ص: 238

سورة طه [20: 105]

{وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا} :

{وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} : ماذا سيحل بها، أو كيف تصبح يوم القيامة؟ قال بعض المفسرين: أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يُسئل هذا السّؤال ولم يقع، ويعني: إن سألوك في المستقبل عن الجبال فقل كذا وكذا، ودليلهم قوله: فقل؛ لأنّ كلّ الأسئلة الّتي سألوها رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء الرّد عليها بكلمة: قل، إلا هذه الآية الوحيدة الّتي جاءت بكلمة "فقل" بدلاً من "قل". فقيل: إن الفاء هنا تدل على شرط مُقدر؛ بمعنى: إن سألوك فقل كذا وكذا.

{فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا} : أولاً: مرحلة الاقتلاع، ثم السير ثانياً كما قال تعالى:{وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 3]، ثم مرحلة الدك كما قال تعالى:{وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14]، ثم مرحلة التفتت والتحول إلى رمال:{كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل: 14]، ثم مرحلة النسف، ثمّ ينسفها ربي. النّسف: التّذرية، وتذروها الرّياح، ثمّ تتحول إلى العهن المنفوش: الصّوف المنفوش؛ أي: الملون. نسفاً: للتوكيد.

لنقارن هذه الآيات الثلاث التالية، ونرى كيف وردت كلمة قل، فقل، وبدون أيهما.

{يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 215].

{وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا} [طه: 105].

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].

إذا وقع السّؤال وسئلت قل.

وإذا لم يقع السّؤال وسئلت في المستقبل هذا السّؤال فقل.

إذا وقع السّؤال وحذف قل أو فقل، فذلك يدل على أن الله سبحانه قريب ويريد الله سبحانه الإجابة على السّؤال بدون تدخل الرّسول صلى الله عليه وسلم.

ص: 239

سورة طه [20: 106]

{فَيَذَرُهَا قَاعًا} :

يصبح مكان الجبال بعد نسفها أرضاً مستوية، أو تصبح الأرض بعد نسف الجبال وزوالها أرضاً، من صفاتها "قاعاً": أرضاً مستوية.

{صَفْصَفًا} : ليس فيها نبات، ولا شجر، وهي الأرض الجديدة الّتي سنبعث منها، وهي أكبر بكثير من أرضنا الحالية؛ لتضم بلايين بلايين البشر منذ آدم حتّى آخر من يُخلق.

ص: 240

سورة طه [20: 107]

{لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} :

{فِيهَا} : تعني الأرض.

{عِوَجًا} : يعني: الميل أو الانحناء الحسي، أو المادي؛ أي: لا ترى في الأرض عوجاً أودية (عوجاً: انخفاضات).

{وَلَا أَمْتًا} : روابي (أمتاً: الارتفاع؛ أي: رابية؛ أي: لا ترى فيها انخفاضاً، ولا ارتفاعاً لا وادي ولا رابية)، وتكرار "لا" تفيد التّوكيد، لا هذا، ولا ذاك، ولا كلاهما معاً.

ص: 241

سورة طه [20: 108]

{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ} :

{يَوْمَئِذٍ} : يوم البعث. يومئذٍ: مركبة من: "إذ" و "يوم". أضيف ظرف إلى ظرف. ارجع إلى سورة الحاقة، آية (15)؛ للبيان.

{يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ} : يتبعون الدّاعي جاءت بأل التعريف؛ أي: إسرافيل إلى أرض المحشر بالنّفخة الثّانية؛ كقوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} [القمر: 6-7].

{لَا عِوَجَ لَهُ} : لا: النّافية. لا عوج لدعائه: يصل دعاؤه (النّفخ في الصور)؛ أي: يسمع نفخه الكلّ، ولا يرفض أحدٌ اتباعه، ولا يعدل عنه أحد.

{وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} : خشعت: من الخشوع، وهو الخضوع لأوامر الله، والذل والانكسار، ويظهر في الصوت والبصر، والخضوع يظهر على البدن، لا يجرؤ أحد على الكلام بصوت مرتفع، وإذا تحدثوا تحدثوا همساً، وهذا ما يحدث أيّام الشّدائد، والأهوال، لا يجرؤ أحد على رفع صوته، فلا: الفاء للتوكيد، لا: النّافية. تسمع إلا همساً: "إلا" حصراً.

ص: 242

سورة طه [20: 109]

{يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا} :

{يَوْمَئِذٍ} : يوم القيامة. ارجع إلى الآية (108) السّابقة.

{لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ} : لا: النّافية، تنفع الشّفاعة: ارجع إلى (85) من سورة النّساء؛ لمعرفة معنى الشّفاعة.

{إِلَّا} : أداة حصر.

{مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} : من: ابتدائية، فأوّل متطلب هو الإذن من الرّحمن والمتطلب الثّاني:

{وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا} : رضي: للمشفوع فيه قولاً؛ أي: رضي ما كان يقول في الدّنيا مثل: لا إله إلا الله؛ أي: لا بد من أن يكون موحداً لله تعالى أو غيره، يؤمن بوحدانية الله تعالى.

ص: 243

سورة طه [20: 110]

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} :

في الآية السّابقة يقول سبحانه: إلا من أذن له الرّحمن ورضي له قولاً.

{وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا} : من رضي له قولاً؛ لأنّه سبحانه وتعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم.

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} : الضمير هنا يعود إلى الّذين يتبعون الدّاعي، وأهل الشّفاعة. ما بين أيديهم: من أمر الآخرة، وما خلفهم: من أمر الدّنيا؛ أي: ما فعلوه وسيفعلونه، أو بالعكس.

{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ} : بالله؛ لأنّ هناك الكثير من الأشياء الّتي لا يطلعها سبحانه على عباده، ولا يعرفها أحد منهم، فلا أحد من الخلائق يحيط علماً بذات الله سبحانه، أو صفاته وأفعاله، وتقديم به الجار والمجرور يدل على الحصر.

ص: 244

سورة طه [20: 111]

{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} :

{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ} : استسلمت النّفوس لخالقها؛ أي: ذلت وخضعت في ذلك اليوم، وعنت مشتقة من: العاني، والعاني أصلاً هو: الأسير الّذي استسلم.

{لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ} : اللام: لام الاختصاص والاستحقاق، الحي القيوم: ارجع إلى سورة البقرة، الآية (255).

{وَقَدْ} : قد: حرف تحقيق، وتوكيد.

{خَابَ} : خسر.

{مَنْ} : ابتدائية.

{حَمَلَ ظُلْمًا} : الظلم: الشرك؛ أي: قد خسر من أشرك بالله في دنياه، ومات ولم يتب، وحمل ظلمه (شركه) إلى الآخرة.

ص: 245

سورة طه [20: 112]

{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} :

{وَمَنْ} : شرطية.

{يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} : من بعضية؛ أي: بعض الصّالحات؛ لأنّ طاقة الإنسان لا تقوى على عمل كلّ الصّالحات، ومن رحمته بنا قال:"من" أي: بعض الصّالحات.

وقوله: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} : فالإيمان هو شرط لقبول العمل الصّالح، مؤمن بالله ووحدانيته، وكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر.

{فَلَا} : الفاء: للتوكيد، لا: النّافية.

{يَخَافُ ظُلْمًا} : لا يخاف أن نظلمه بزيادة سيئة من سيئاته.

{وَلَا هَضْمًا} : ولا ننقصه حسنة من حسناته، (الهضم نقصان بعض الحق)، والظلم: هو أخذ جميع حق الغير، أو بعضه.

{فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} : لا يخاف أن نمنعه حقَّه، ولا بعض حقِّه، تكرار "لا": لتوكيد النّفي، وفصل كلّ واحد عن الآخر، أو كلاهما معاً؛ أي: لا ظلماً، ولا هضماً لوحده ولا كلاهما معاً.

ص: 246

سورة طه [20: 113]

{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} :

{وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ} : سبقها قوله: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} [الآية: 99]؛ أي: كما قصصنا عليك من أنباء ما قد سبق، أنزلنا عليك قرآناً عربياً؛ أي: بلسان عربي مبين، والإنزال يعني: جملة واحدة من اللوح المحفوظ في السّماء الدّنيا؛ ليفهموا ويدّبّروا آياته، صرفنا فيه عن الوعيد؛ أي: كررنا فيه آيات الوعيد على صور، وأساليب مختلفة.

{مِنَ الْوَعِيدِ} : من ابتدائية، الوعيد: يكون في الشر خاصة، وأما الوعد يكون للخير والشر، وإذا أطلق يختص بالخير.

{لَعَلَّهُمْ} : لعل: للتعليل.

{يَتَّقُونَ} : أي: يطيعوا أوامر الله ويجتنبوا نواهيه، أو يتّقون عذاب الله.

{أَوْ} : على الأقل.

{يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} : اللام: لام الاختصاص.

{ذِكْرًا} : يذكرهم بما نسوه، أو يعظهم بطاعته، وعبادته، ويوقظهم من سباتهم، ويذكرهم بفعل الطاعات، والخيرات؛ فالقرآن هو من أوجد وأحدث لهم ذكراً لم يكن لهم من قبل؛ لأنه أُنزل عليهم من بين الآخرين، ورفع شأنهم وذكرهم وشرفهم.

ص: 247

سورة طه [20: 114]

{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا} :

{فَتَعَالَى اللَّهُ} : تنزَّه عز وجل وتقدَّس الملك الحق أن يظلم أو يهضم حق أحدٍ من عباده.

وتعالى وتقدس {الْمَلِكُ الْحَقُّ} : حصراً، وقصراً؛ لأنّه له ما في السّموات، وما في الأرض، وما بينهما، وله الحكم، وهو الحي القيوم.

{الْحَقُّ} : أي: الثّابت الّذي لا يتغير، ولا يتبدل. ارجع إلى سورة الحج، آية (6)؛ لبيان معنى الحق.

{وَلَا} : النّاهية.

{تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ} : بتلاوته بسرعة على جبريل عليه السلام .

{مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} : أي: اصبر حتّى ينتهي جبريل من تلاوته عليك، وأصغِ إليه؛ فإذا فرغ من قراءته فاقرأه بعد ذلك، ولا تخشى من النّسيان، أو أن يفوتك شيء منه؛ كقوله تعالى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 16-18]. ارجع إلى سورة القيامة آية (16-18) للبيان المفصل.

{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا} : واسأل ربك الزّيادة في علوم الدّين والآخرة، وما تحتاجه من علوم الدّنيا، علماً: نكرة؛ فهناك علوم القرآن والأحكام، والشّريعة، والفقه، والسّيرة، والتّفسير

وغيرها، وكذلك علوم الدّنيا الضرورية بما فيها علوم الفلك، والطب، والهندسة، والصيدلة

وغيرها.

ص: 248

سورة طه [20: 115]

{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} :

{وَلَقَدْ} : اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.

{عَهِدْنَا} : العهد: تكليف وأمر، وقد يكون من طرفين، أو طرف واحد، ولم يسند العهد في القرآن إلا لله وحده، والعهد أقوى من الوصية، والعهد موثق.

{إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ} : من قبل أن يكون نبياً، أو من قبل هؤلاء الّذين جاؤوا من بعده، ونقضوا العهد.

{عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ} : أي: أمرناه {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19].

{فَنَسِىَ} : الفاء: للترتيب، والتّعقيب، نسي: لها معنيان: التّرك؛ أي: ترك ما عهدنا إليه، أو أمرناه به، أو النّسيان؛ أي: لم يتذكر.

{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ} : بتكليف واحد فقط، وهو ألّا يقرب من الشّجرة، والله سبحانه أمره مباشرة بذلك وبدون واسطة جبريل وحذره من الاقتراب منها، والأكل منها.

{فَنَسِىَ} : والسّؤال هنا هل نسي عدم الاقتراب من الشّجرة، أم نسي أنّ إبليس عدو له، ولزوجه، وأنّه قادر على الوسوسة؟

{مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 20-22].

{عَزْمًا} : نكرة، ولم نجد له عزماً؛ لتضم كلّ أنواع العزم، أو للتهويل، والعزم: هو التّصميم على الشّيء، والثّبات عليه، والصّبر، ولم نجد له عزماً على عدم الاقتراب من الشّجرة، ناهيك عن الأكل منها، أو لم نجد له عزماً تصميماً: على ارتكاب الذّنب، والاقتراب من الشّجرة، ولكنّه أخطأ ونسي، وقد تعني كل ذلك.

ص: 249

سورة طه [20: 116]

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} :

هذه هي المرة السّادسة الّتي يذكر فيها سبحانه وتعالى قصة آدم في القرآن فقد ذكرها في سورة البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، وطه.

{وَإِذْ} : ظرف للزمن الماضي؛ أي: واذكر إذ، أو اذكر حين قلنا للملائكة.

{اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى} : ارجع إلى سورة البقرة، آية (34).

{أَبَى} : أي: امتنع عن السّجود متكبراً قائلاً: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، والإباء: أشد من الامتناع، أو شدة الامتناع.

ص: 250

سورة طه [20: 117]

{فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} :

{فَقُلْنَا} : الفاء: للترتيب والتّعقيب. قلنا: بصيغة التّعظيم.

{يَاآدَمُ} : للتوكيد.

{هَذَا} : الهاء للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يشير إلى إبليس.

{عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ} : لك ولزوجك، اللام: في كلاهما للتوكيد، والاختصاص.

{فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا} : الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية، يخرجنكما من الجنة: بالوسوسة، أو التّزيين، أو الإغراء، والنّون في "يخرجنكما" للتوكيد.

{فَتَشْقَى} : جاءت بصيغة المفرد بينما "يخرجنكما" بصيغة المثنى؛ أي: أسند إلى آدم فعل الشّقاء دون حواء، وأريد بالشّقاء التّعب، والكد في طلب العيش، وفسر العلماء أنّ السّعي والكدح مطلوب من الرّجل، أو الزّوج، وأما المرأة، أو الزّوجة فليست مطالبة بذلك؛ لقوله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النّساء: 34]، والقوامة من معانيها: أنّ الرّجل، أو الزّوج يقوم على الإنفاق وخدمة ورعاية أهله.

ص: 251

سورة طه [20: 118]

{إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} :

{إِنَّ لَكَ} : إنّ: للتوكيد؛ لك: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.

{أَلَّا} : أصلها أن: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد، لا: النّافية.

{تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} : الجوع قيل: خلوّ الدّاخل؛ أي: خلو المعدة من الطعام، وإذا استمر طويلاً يتحول إلى مخمصة الذي يظهر بشكل هزال شديد؛ لعدم توافر الطّعام، والعريّ: قيل: خلوّ الخارج؛ لعدم توافر اللباس، فالإنسان يحتاج إلى طعام ولباس، وقدم الطّعام أولاً؛ لأنّه الأهم، وتكرار "لا" يفيد توكيد نفي الجوع والعري، وفصل كلٍ على حدة، أو كلاهما معاً.

ص: 252

سورة طه [20: 119]

{وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى} :

{وَأَنَّكَ لَا} : تفيد التّوكيد، لا: النّافية.

{تَظْمَؤُا} : أي: تعطش.

{فِيهَا} : في الجنة.

{وَلَا تَضْحَى} : ولا يصيبك الحر؛ أي: الشّمس.

وتكرار (لا) كما في الآية السّابقة يفيد التوكيد، وقدّم الظّمأ على الضّحى؛ لأنّه الأصعب على النّفس، والأهم.

وبذلك فقد ضمن الله سبحانه لآدم وزوجته مقومات العيش الرّغيد في الجنة.

ص: 253

سورة طه [20: 120]

{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} :

{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} : الفاء: للترتيب والتّعقيب، إليه: إلى آدم وحده، بينما في سورة الأعراف آية (20) قال تعالى:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} ولم يذكر في القرآن كله أنّ الشّيطان وسوس لحواء وحدها، وهذا تعليم من الأدب الرّباني.

{قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} :

{هَلْ} : للاستفهام، والتّشويق.

{أَدُلُّكَ} : الدلالة: تعني التعريف والبيان بقصد أو بغير قصد، وإلى الخير أو إلى الشر، وتختلف عن الهداية والإرشاد للخير والصلاح والثواب.

{عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} : أي: شجرة من يأكل منها لن يموت أبداً.

{وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} : لا: النّافية؛ يعني: يبلى، أو يزول أبداً.

كقوله تعالى في سورة الأعراف، آية (20):{مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} .

ص: 254

سورة طه [20: 121]

{فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} :

{فَأَكَلَا مِنْهَا} : وفي سورة الأعراف، آية (23)، فلما ذاقا الشّجرة، بدت لهما سوآتهما. ارجع إلى الآية (22) من سورة الأعراف؛ للبيان.

{وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا} : أي: شرعا يلصقان من ورق الجنة على عورتيهما لسترها.

{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ} : بالاقتراب من الشّجرة والأكل منها، وارتكب إثماً.

{فَغَوَى} : الفاء: للتوكيد؛ غوى: ضل عن الرّشد، أو نسي، وترك ما عهدنا إليه، وأخطأ، وعصى وغوى: أفعال ماضية تدل على أنّها حدثت مرة واحدة، وانتهى الأمر؛ أي: لم تتكرر.

ص: 255

سورة طه [20: 122]

{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} :

{ثُمَّ اجْتَبَاهُ} : ثم: لتبيان الدّرجات بين عصى، واجتبى.

{اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} : اصطفاه ليكون نبياً. واختار اسم الرب على اسم الله؛ لأنّ آدم ما زال في حاجة إلى رعاية وإعداد للنبوة بعد الهبوط إلى الأرض

{فَتَابَ عَلَيْهِ} : بعد أن شرع الله سبحانه له التّوبة وعلّمه كيف يتوب، كما جاء في سورة البقرة، آية (37):{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} ؛ أي: قَبِل توبته.

{وَهَدَى} : هداه إلى الاستقامة والثّبات على الحق والتّقوى.

ص: 256

سورة طه [20: 123]

{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} :

قال سبحانه: {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} : الخطاب موجّه إلى آدم (وزوجه تابعة له)، وإبليس سبق بالهبوط قبل هبوط آدم وزوجه، ولم يذكرها من الأدب الرّباني في هذه الآية، وذكرها في الآية (38) في سورة البقرة حين قال تعالى:{اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} .

{جَمِيعًا} : توكيد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (38)؛ للبيان.

{بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} : أي: آدم وحواء وذريتهما عدو لإبليس وذريته، وإبليس وذريته عدو لآدم وحواء وذريتهما.

{فَإِمَّا} : الفاء: شرطية، إما: للتفصيل.

{يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى} : النّون في "يأتينكم": للتوكيد، منّي هدى: مثل الكتاب، أو الوحي، أو إرسال رسول، أو نبي.

{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ} : فمن: الفاء: للتوكيد، من: شرطية، اتبع هداي: ولم يقل: تبعَ هداي كما في الآية (38) في سورة البقرة؛ اتبعَ: على وزن افتعل، وفيها معنى المشقة والجهد والتجدد والاجتهاد، أما تبع: فهو اتباع عادي بدون جهد، واتبع تعني: الأوامر والنواهي، وافعل ولا تفعل، وهل هناك هدى غير هدى الله؟ قالوا: نعم، وهو هوى النّفس، والشّهوات، والشّيطان.

{فَلَا يَضِلُّ} : في هذه الدّنيا عن الحق، أو عن الدين، أو قد يعني: عن النسيان، والضياع. لا: تفيد النّفي، وتكرارها يفيد توكيد النّفي، وأداة النفي لا تنفي كلّ الأزمنة.

{وَلَا يَشْقَى} : لا يتعب، ولا يصاب بالهم والغم، والضّيق في العيش، ولا في الصدر. ارجع إلى الآية (38)، من سورة البقرة:{فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} للمقارنة مع هذه الآية، ومقارنة اتبع وتبع والسياق في الآيتين.

ص: 257

سورة طه [20: 124]

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} :

{وَمَنْ} : شرطية، ومن: للعاقل، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع.

{أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى} : عن الوحي، أو عن القرآن، أو لم يؤمن بما أنزلت ولم يطع ما أمرته به، وجحد، وكفر، وإضافة الذّكر إليه تشريفاً، والآيات جزء من الذكر، وعبادته سبحانه جزء من الذكر، وما جاء بالرسول صلى الله عليه وسلم والإعراض قد يكون عن آية أو جزئية أو إعراض عن الكل، والعقوبة تختلف قدر الإعراض.

{عَنْ} : تفيد المجاوزة، والابتعاد.

{فَإِنَّ} : فإن: الفاء: للتوكيد، وإن: لزيادة التّوكيد.

{لَهُ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.

{مَعِيشَةً ضَنكًا} : ولم يقل: حياة ضنكاً كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]؛ المعيشة: تعني الطعام والشراب والملبس

وغيرها، والحياة أعم من المعيشة؛ الضّنك: هو الضّيق في العيش والمعاناة، والخوف، وعدم الاستقرار، والشكوى، والفقر، والهم، والحزن، والحرص، ضنكى: على وزن فعلى؛ أي: عكس الحياة الطّيبة.

{وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} : أعمى البصر والبصيرة، لا حجة له.

ص: 258

سورة طه [20: 125]

{قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} :

{قَالَ} : تعود على: من أعرض عن ذكري.

{لِمَ} : ما: اسم استفهام فيه معنى الإنكار والتّعجب.

{حَشَرْتَنِى أَعْمَى} : يوم الحشر يوم الحساب، أعمى البصر، كما قال ابن عباس؛ أي: لا يرى أمامه، والبصيرة كما قال مجاهد: ليس له حجة يقدمها؛ كقوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء: 97]. والعمى في القرآن قد يعني: فقدان البصر، كما في قوله تعالى:{عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 1-2]، وقد تعني: عمى البصيرة كما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: 19]، والعمه في القرآن يعني: عمى البصيرة، والتردد في الأمر والحيرة، ويوم القيامة مواطن متعددة في موطن بصره حديد كقوله:{فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22]، ومواطن يكونوا فيه مبلسين.

{وَقَدْ} : قد: حرف تحقيق يفيد التّوكيد.

{كُنْتُ بَصِيرًا} : كنت في الدّنيا بصيراً مبصراً.

ص: 259

سورة طه [20: 126]

{قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} :

قال الله سبحانه رداً على سؤال الّذي حشر يوم القيامة أعمى: لمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً؟

كذلك؛ أي: كما أتتك آياتنا في الدّنيا، فنسيتها ولم تؤمن بها، وعميت عنها، ولم تنظر إليها، فنحن اليوم نحشرك أعمى البصر، والبصيرة، ونتركك في العذاب، وكذلك اليوم ننسى، وحاشا لله أن ينسى، والنّسيان يعني: ترك العبد في العذاب، كما قال تعالى:{الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية: 34].

ص: 260

سورة طه [20: 127]

{وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} :

{وَكَذَلِكَ} : أي: مثل هذا الجزاء، أو العقاب نجزي من أسرف في الدّنيا؛ أي: كلّ من تجاوز حدود الله في شهواته ومعاصيه، واتبع هواه، ولم يؤمن بآيات ربه.

{وَلَعَذَابُ} : اللام: للتوكيد.

{الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} : من عذاب الدّنيا وضنك العيش فيها، وأدوم؛ أي: لا يزول، أو يتغير.

ص: 261

سورة طه [20: 128]

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى} :

{أَفَلَمْ} : الهمزة: همزة استفهام وتحذير، الفاء: للتوكيد على شدة الإنذار والتّحذير.

{يَهْدِ لَهُمْ} : يتبين. لهم: اللام: لام الاختصاص للمشركين من قريش، أو للكافرين عامة، وفي سورة السجدة آية (26) قال تعالى:{أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ} الفاء: تدل على التعقيب؛ أي: ما قبل الآية يتصل بما بعدها، وأما الواو: تدل على الاستئناف.

{كَمْ} : الخبرية، وتفيد التّكثير؛ أي: الكثير.

{أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم} : ولم يقل من قبلهم، قبلهم تعني: منذ زمن بعيد، أو قريب.

{مِنَ الْقُرُونِ} : من: ابتدائية، القرون: الجماعات الّتي كانت تعيش معاً لقرنٍ من الزّمن، والقرن يقدر (100) سنة، أو عام، أمثال ثمود، وعاد، ولوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبّع

وغيرهم من القرون.

{يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ} : يمشون بصيغة المضارع الّتي تدل على التّكرار، والتّجدد؛ أي: ما زالوا يسيرون أو يمرون في ديارهم ويرون آثارهم ويزورونها.

{إِنَّ فِى ذَلِكَ} : إنّ: للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: اسم إشارة للبعد.

{لَآيَاتٍ} : اللام: للتوكيد، علامات ودلالات وبينات، وعبر، ومواعظ كافية.

{لِّأُولِى النُّهَى} : اللام: لام الاختصاص، أولي النّهى: لأصحاب العقول النّيرة. ارجع إلى الآية (54) من السّورة نفسها؛ للبيان. ولنعلم أن أولي النّهى ذكرت مرتين في القرآن وكلاهما في سورة طه.

لنقارن هذه الآية (128) من سورة طه: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى} .

مع الآية (26) من سورة السّجدة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} .

الاختلافات:

في آية طه: أفلم، في آية السّجدة: أولم، وكلمة "أفلم" أشد وآكد من كلمة "أولم".

في آية طه: قبلهم، في السّجدة: من قبلهم.

قبلهم: تعني: الزّمن القريب، أو البعيد بدون تحديد؛ أي: أهلكنا قبلهم الأمم القريبة، أو البعيدة، بينما: من قبلهم. تعني: فقط الأمم القريبة الّتي جاءت قبلهم.

والخطاب في آية طه: لأولي النّهى؛ أي: الّذين يملكون العقل والبصيرة والسّمع، أمّا في آية السّجدة للذين يملكون ميزة السّمع فقط، ولذلك التّحذير والتّهديد في آية طه أشدّ وأقوى من آية السّجدة.

ولأنّ العقوبات في سورة طه تشمل الدّنيا والآخرة، بينما في سورة السّجدة العقوبات مقصورة على الآخرة، أو جاءت في سياق الآخرة.

ص: 262

سورة طه [20: 129]

{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} :

{وَلَوْلَا} : الواو: استئنافية، لولا: حرف امتناع لوجود فيه معنى الشّرط.

{كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} : بتأخير العذاب، أو العقوبة على كفرهم وشركهم إلى دار الآخرة.

{لَكَانَ لِزَامًا} : اللام: للتوكيد. لِزاماً: أي: لولا كلمة ربك، لوجب وقوع العذاب عليهم مباشرة في الدّنيا وبدون تأخير، كما حاق وحلّ بالأمم السّابقة، ولكن رحمة منه أخر العذاب عنهم؛ لعلهم يتوبون وينيبون إلى ربهم.

{وَأَجَلٌ مُسَمًّى} : أي: التّأخير يكون لأجل مسمّى، وقيل: الأجل المسمّى هو إما زمن الموت، أو بعد البعث؛ أي: يوم القيامة.

ص: 263

سورة طه [20: 130]

{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَائِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} :

{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} : الفاء: للتوكيد، اصبر على ما يقولون: الخطاب موجَّهٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: اصبر على قولهم: إنك (ساحر، مجنون، كاهن، يعلِّمه بشر، مفترٍ)، وغيره من الأقوال الغير حق.

{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} : صبرٌ يرافقه تسبيحٌ مصحوباً بالحمد.

التّسبيح: هو تنزيه الذّات والصّفات والأسماء من كلّ نقص وعيب، وولد وشريك، ويعني: الصّلاة والدّعاء، والحمد: يعني: الثّناء لله تعالى في السّراء والضّراء، وأنّه هو المنعم. ارجع إلى سورة الحديد، آية (1)؛ لمزيد من البيان لمعنى التّسبيح، وسورة الفاتحة، آية (2)؛ لبيان معنى الحمد.

{قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} : أي: صلاة الفجر، والتّهجّد.

{وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} : قبل الغروب؛ أي: صلاة العصر.

{وَمِنْ آنَائِ الَّيْلِ} : آناء: جمع إنى، وهو الجزء من الزّمن، وآناء الليل: أجزاء الليل؛ أي: صلاة العشاء، والوتر، والتّهجّد.

{وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} : أي: صلاة الشّروق، والضّحى، والظّهر، والمغرب؛ أي: صلِّ وسبِّح واحمد ربك، وادعوه واذكره؛ أي: في سائر الأوقات في الليل والنّهار.

{لَعَلَّكَ تَرْضَى} : لعل: للتعليل، ترضى: لعلك تكون راضياً عن نفسك بما أحضرت يوم الحساب من الأعمال الصّالحة.

ولا بدّ من مقارنة هذه الآية (130) في سورة طه، مع الآيتين (39-40) من سورة ق.

آية طه: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَائِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} .

آيتا ق (39-40): {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} .

الفروق: السّياق في آيات طه: أنّها جاءت في سياق الحياة الدّنيا، وأما السّياق في آيات ق: أنّها جاءت في سياق الحياة الآخرة، وأنّها تفيد العموم.

مثلاً: ومن الليل فسبّحه، التسبيح فيه أعمّ وأطول من التّسبيح في آناء الليل (آناء الليل ساعات من الليل)، أطراف النهار: مقارنة بأدبار السّجود، أدبار السّجود: عقب الصلوات الخمس أكثر من أطراف النهار، وقبل الغروب؛ تعني: العموم، فسبِّح:(إطلاق التّسبيح)، فسبّحه:(تخصيص التّسبيح).

ص: 264

سورة طه [20: 131]

{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} :

{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} : الواو: عاطفة، لا: النّاهية، تمدّنّ عينيك: الخطاب وإن كان موجّهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما هو للمؤمنين عامة.

{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} : أي: لا تفتن أو تبهر، أو تُشغل وتحدّث نفسك بما أنعمنا، أو أعطينا أزواجاً منهم؛ أي: أصنافاً من النّاس، أو الكَفَرة.

{زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : من الزّينة، والمال، والقصور، والمراكب، والحدائق، والبساتين، والثّمار، وكل ذلك يشبه الزّهور، أو الزّهرة الّتي سرعان ما تذبل، وتيبس، وتفقد لونها، ورائحتها، ثمّ تموت وتفتّت وتزول.

{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} : اللام: لام التّوكيد؛ أي: هذا النّعيم والزّينة إنّما هي فتنة لهم وابتلاء.

{وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} : من الإيمان والتّقوى، ومن العلم والصحة، والأهل والمال في الدّنيا، وما سيعطيك في الآخرة من ثواب ورزق وجنّة أعظم بكثير مما متّعناهم به في الحياة الدّنيا، وما لهم في الآخرة من نصيب.

{وَأَبْقَى} : أدوم، ولا يفنى، ولا ينقطع.

ص: 265

سورة طه [20: 132]

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْـئَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} :

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ} : أهل بيتك: زوجتك وأولادك.

{بِالصَّلَاةِ} : الباء: للإلصاق والاستمرار، والصّلاة: عماد الدين، وأجلّ العبادات، وهي الجامعة لأركان الإسلام، والتي تصل العبد بربه على الدوام.

{وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} : أي: داوم عليها، وداوم على أمر أهلك وأولادك وحثهم بالصبر وبالمحافظة عليها، وجدَّ واجتهد في أدائها.

{لَا نَسْـئَلُكَ رِزْقًا} : لا: النّافية، نسألك أن ترزق أحداً. رزقك ورزق أهلك، ورزق كلّ مخلوق مكفول من ربك، فلا يشغلك عن طاعة الله تعالى، وعن الصّلاة، وشكره وذكره.

{وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} : العاقبة؛ أي: الجنة.

{لِلتَّقْوَى} : لأهل التّقوى، اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. العاقبة إذا جاءت بصيغة المؤنث كقوله تعالى:(كيف كانت عاقبة) في القرآن: تدل على الجنة، ولو جاءت بصيغة المذكر؛ كقوله تعالى:(كيف كان عاقبة): لَدلَّت على العذاب.

ص: 266

سورة طه [20: 133]

{وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الْأُولَى} :

{وَقَالُوا} : أي: المشركين الكفار، قالوا ذلك تعنُّتاً وعناداً.

{لَوْلَا} : أداة للحثّ والطّلب (هلّا).

{يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّهِ} : يأتينا محمّد بآيةٍ من ربه؛ أي: معجزة كعصا موسى، أو ناقة صالح، أو {تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء: 90-92].

{أَوَلَمْ} : الهمزة: للاستفهام الإنكاري.

{تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الْأُولَى} : أولم يأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى؛ أي: القرآن العظيم؛ فهو البينة الّتي تشمل لكل ما جاء في الصّحف الأولى صحف إبراهيم وموسى، وغيرها من أخبار وأنباء وأحكام وقصص؛ أي: أولم يكفهم هذا القرآن البينة والمعجزة الخالدة إلى يوم القيامة، بينما باقي البينات والمعجزات الّتي جاءتهم اندثرت وزالت!

ص: 267

سورة طه [20: 134]

{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} :

{وَلَوْ} : الواو: استئنافية، لو: شرطية.

{أَنَّا} : للتوكيد، ونحن قادرون على ذلك.

{أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ} : الباء: للإلصاق، تعليلية.

{مِنْ قَبْلِهِ} : من قبل إنزال الآيات، أو من قبل أن يأتيهم القرآن، أو من قبل مجيء محمّد صلى الله عليه وسلم كرسول لهم.

{لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} : لقالوا يوم الحساب، واتخذوا ذلك حجّةً لهم، واللام: للتوكيد.

{لَوْلَا} : أداة حصرٍ وحثٍّ.

{أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} : أي: لو جاءنا رسولاً لآمنّا به، واتّبعنا آياتك؛ أي: لأخذنا بها وعملنا بما فيها من أحكام وأوامر ونواهٍ.

رسولاً جاءت بالنّكرة، أيَّ رسول، وليس رسولاً بحدّ ذاته رغم أنّهم أتاهم بأفضل رسله صلى الله عليه وسلم.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ} : نُهان بالعذاب في جهنم.

{وَنَخْزَى} : بالخزي: وهو الفضيحة في الدّنيا، أو في الآخرة على رؤوس الأشهاد.

ص: 268

سورة طه [20: 135]

{قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِىِّ وَمَنِ اهْتَدَى} :

{قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا} : قل لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم: كلٌّ منا ومنكم متربّص: اسم فاعل لفعل "تربص" والتّربص: المراقبة والمتابعة لوقوع شيء ما بالغير؛ أي: كلٌّ منا ومنكم يتربص بالآخر؛ أي: بما سيحلّ به في الدّنيا وفي الآخرة. ارجع إلى سورة الطّور، آية (30)؛ للبيان.

{فَسَتَعْلَمُونَ} : الفاء: للتوكيد، والسّين: للاستقبال القريب والتّوكيد.

{مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِىِّ} : من: ابتدائية، أصحاب الصراط السّويّ: أي: الصراط المستقيم: الإسلام، والصّراط: هو أوسع السّبل وأسهلها، وأقصرها مسافةً وزمناً، وحذف من هو على ضلال مبين، أو من غوى.

{وَمَنِ اهْتَدَى} : تكرار "من" يفيد التّوكيد؛ اهتدى: من سار على طريق الهدى الموصل إلى الغاية العظمى، وهي رضوان الله تعالى، وسعادة الدارين، ومن غوى؛ أي: فسد رأيه وعقيدته، وملَّته، وضلَّ وانحرف عن منهج الله تعالى، وفي هذه الآية تحدي رفيع في مقام الحجاج والدعوة إلى الله كما في قوله تعالى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] مقارنة بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] جاءت هذه الآية في سياق الإنذار والتهديد والوعيد.

ص: 269