الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المؤمنون [23: 1]
سورة المؤمنون
ترتيبها في القرآن السّورة (23)، وترتيبها في النّزول السّورة (74).
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} :
قبل البدء في تفسير سورة المؤمنون لا بد من النظر إلى الترابط الوثيق بين نهاية سورة الحج {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]؛ ففيه تكليف وطلب من المؤمنين، وحث لهم، ونداء بالقول: يا أيها الذين آمنوا..... لعلكم تفلحون، ثم ابتدأ هذه السورة بوصفهم بالمؤمنين؛ أي: صفة الإيمان عندهم ثابتة (جملة اسمية)، والذين آمنوا جملة فعلية تدل على التجدد، وكأنه سبحانه طلب منهم الإيمان، وفعل الخير في نهاية سورة الحج؛ فهم قد استجابوا لربهم؛ فهم يقومون بالصلاة والزكاة، والابتعاد عن اللغو، وحفظ الفرج، وتأدية الأمانة، والمحافظة على الصلاة؛ فأصبحوا من المفلحين. انظر إلى قوله تعالى: لعلكم تفلحون في نهاية سورة الحج، وبداية سورة المؤمنون بالقول: قد أفلح المؤمنون، وختم سورة المؤمنون بالقول: إنه لا يفلح الكافرون؛ فإذا كانوا يرجون الفلاح في آية الحج فقد أكد لهم الفلاح في سورة المؤمنون بالقول: قد؛ أي: تحقق لهم الفلاح، وحصل لهم ما كانوا يرجوه، ثم انظر إلى نهاية سورة المؤمنون حيث قال تعالى:{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117].
{قَدْ} : حرف تحقيق أي: التّوكيد لفلاح المؤمنين.
{أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} : المؤمنون الذين آمنوا الإيمان الخالص لله والذي ينطوي على توحيد الإلوهية والربوبية والأسماء والصفات؛ أي: لا فلاح من دون الإيمان. الفلاح: النّجاة من النّار والفوز بالجنة والبقاء السّرمدي في النّعيم، والفلاح يعني: إدراك البغية أو المطلوب، أفلح: بصيغة الماضي يفيد الثّبوت والتّحقق، المؤمنون: جمع مؤمن: هو المصدق بالله وبما أنزل الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يقل: الّذين آمنوا، المؤمنون جملة اسمية؛ أي: الّذين أصبح الإيمان صفة ثابتة لهم بينما الّذين آمنوا: جملة فعلية تدل على تجدُّد وتكرار إيمانهم، ارجع إلى سورة البقرة آية (5) لبيان معنى الفلاح، ثمّ يذكر سبع صفات لهم ـ وهذا ما يسمَّى تفصيل بعد إجمال ـ وجاءت هذه الصّفات كصفات ثابتة لا تتغيَّر عندهم كقوله: خاشعون، فاعلون، حافظون....
سورة المؤمنون [23: 2]
{الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} :
{الَّذِينَ} : اسم موصول: يفيد المدح والتعظيم.
{هُمْ} : للتوكيد.
{فِى صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} : بدأ بالخشوع في الصلاة التي هي عماد الدين، وأهم ركن من أركان الإسلام، فهي تجمع في معناها وقيامها كل أركان الإسلام. في: ظرفية زمانية ومكانية تعني: الزمن ومكان صلاتهم، خاشعون: الخشوع هو التّذلل والتّواضع والخوف والسّكون وترك العبث، والخشوع يكون في القلب (تفرُّغ القلب) والجوارح مثل: البصر والسّمع وبقية الحواس وسكون الجسم، وخاشعون جمع خاشع وتعني: جملة اسمية تفيد أنّ الخشوع عندهم صفة ثابتة ولم يقل: يخشعون. وقدم الصلاة على الخشوع للاهتمام؛ لأن الصلاة بدون خشوع يقلل من أجرها؛ أي: ثوابها.
وفي آيات أخرى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} سورة المعارج الآية (23)، {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} سورة المعارج الآية (34)؛ أي: يحافظون على مواقيتها وعلى وضوئها وأركانها وسننها وآدابها. على: تعني: الإقبال عليها بجد ونشاط (على: تفيد الاستعلاء والجهد).
سورة المؤمنون [23: 3]
{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} :
{وَالَّذِينَ هُمْ} : تكرار والّذين هم في كثير من الآيات يفيد التّعظيم والمدح لما يقومون به من الأعمال الصّالحة.
{عَنِ اللَّغْوِ} : اللّغو: هو كل باطل من كلام أو فعل أو ما لا خير فيه ولا فائدة من الكلام، وقيل: اللّغو قد يعني الشّرك أو الباطل (كما قال ابن عبّاس) والكذب والشتم وقيل: اللعب واللهو الّذي يُشغل عن واجب.
{مُعْرِضُونَ} : من الإعراض وهو تجنب الشّيء، أيْ: يتجنبون اللّغو وتجنب اللّغو أصبح صفة ثابتة لهم؛ لأن معرضون جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: الترك التام، وتقديم اللغو عن الأعراض بدلاً من القول والذين هم معرضون عن القول تدل على الاهتمام.
سورة المؤمنون [23: 4]
{وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} :
{وَالَّذِينَ هُمْ} : العطف بالواو في صفة من هذه الصفات المذكورة في الآيات الخمسة للدلالة على الاهتمام بكل صفة من الصفات. ارجع إلى الآية السّابقة.
{لِلزَّكَاةِ} : اللام: للاختصاص؛ الزكاة تعني: زكاة المال وتطهير المال يكون بالصّدقة، وتعني: زكاة النّفس، أيْ: تطهيرها من الشّرك والدنس والمعاصي لقوله سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشّمس: 9-10]. وتقديم الزكاة على فاعلون للقصر؛ أي: لا يفعلون إلا الأعمال الصالحة والزكاة أولها.
{فَاعِلُونَ} : مؤدون. وفاعلون جملة اسمية تدل على الثّبوت والاستمرار. وفاعلون: أشمل وأعم من مؤدون؛ لتشمل كلا المعنيين أداء الزكاة والتزكية (تطهير النفس من الشرك). ارجع إلى سورة البقرة آية (43) لمزيد من البيان.
سورة المؤمنون [23: 5]
{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} :
{وَالَّذِينَ هُمْ} : ارجع إلى الآية (3) و (4) من نفس السورة.
{لِفُرُوجِهِمْ} : اللام لام الاختصاص، الفرج: هو سوءَة الرّجل والمرأة.
{حَافِظُونَ} :، أيْ: حفظ الفرج من الزّنى وما حرمه الله تعالى؛ أي: حافظون لها بالعفاف والتحصن قاصرون (الزواج) من الفاحشة. حافظون: جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستمرار. واختار كلمة حافظون فيه بلاغة وبراعة في البيان فهي تشير إلى العفاف، وتشير إلى أنهم يحفظون أنفسهم من الآفات والأمراض الوخيمة الناتجة عن الزنى مثل الأمراض الزهرية والالتهابات الداخلية والعدوى والسرطانات.
سورة المؤمنون [23: 6]
{إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} :
{إِلَّا} : أداة استثناء.
{عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} : غير ممسكين من قوله تعالى: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37]؛ لأنّ الله سبحانه أحل لهم ذلك بعقد الزّواج.
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} : وهذا لم يعد موجوداً الآن وهو حكم قائم، وإنما ليس له تطبيق الآن في زمننا، ولا يمكن لأحد أن يلغي أو يعطل حكم من أحكام الله.
{فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} : من اتبع سبل الحلال وما أمر الله تعالى ورسوله، ولم يعتدي على أعراض الناس، فلا لوم عليه ولا حرج. ملومين من الناس، أو من نفسه، واللوم هو خطاب يُعبر فيه عن عدم الرضا عن عمل لم يكن متوقعاً من الملوم من قول أو فعل.
سورة المؤمنون [23: 7]
{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} :
{فَمَنِ ابْتَغَى} : فمن شرطية، ابتغى: طلب.
{وَرَاءَ ذَلِكَ} : ذلك اسم إشارة يشير إلى الزّواج، أو ما ملكت اليمين.
{فَأُولَئِكَ} : اسم إشارة واللام للبعد.
{هُمُ} : للتوكيد.
{الْعَادُونَ} : المتجاوزون لحدود الله ما أحل الله لهم، أو ما حرم الله؛ أي: المتعدون. وقوله هم العادون؛ أي: المتناهون في العداوة، أو في طليعة المعتدون للدلالة على المبالغة في الاعتداء فهم يعتدون على أنفسهم وعلى أزواجهم وعلى أعراض الناس، ويسببون انتقال الأمراض المعدية مثل الإيدز والزهري والايبولا
…
وغيرها. والعادون: تعني هناك معتدي ومعتدى عليه، فهذه الأفعال ضررها ليس مقصور على فرد وإنما يعم الأسرة وأعراض الناس والمجتمع، وفي الآية تحذير من تعدِّي ما أحل الله تعالى، أو الاقتراب مما نهى الله عنه.
سورة المؤمنون [23: 8]
{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} :
وكما أن عليه يصون ويحفظ فرجه عليه أن يحفظ الأمانة والعهد، فالأمانات والعهود والفروج مسؤول عنها.
{لِأَمَانَاتِهِمْ} : اللام لام الاختصاص، الأمانات: جمع أمانة: أمانة للخلق وهي ما يكون لغيرك عندك من مال أو متاع أو حق أو وديعة وأمانة الخالق، وهي امتثال، أيْ: طاعة أوامر الله وتجنب نواهيه، أيْ: تأدية التّكاليف الشّرعية، والأموال المودعة والنذور والعقود والأيمان وغيرها، والأمانة أعم وأشمل من العهد.
{وَعَهْدِهِمْ} : العهد يضم الوعود والعقود والمواثيق والأيمان والنّذور. ارجع إلى سورة البقرة آية (27). وقدم العام (الأمانة) على الخاص وهو العهد؛ لأن كل عهد أمانة.
{رَاعُونَ} : من الرّعي:، أي: الحفظ والتّنفيذ، أيْ: تأدية الأمانات إلى أهلها ويوفون بالعهد، وراعون هي صفة ثابتة لهم. وراعون: مشتقة من رعى (أي: الرعي)، أو الرعية؛ أي: تولى الأمر وتفقد رعيته أو غنمه بالحفظ والرزق والطعام والشراب.
سورة المؤمنون [23: 9]
{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} :
والصلاة هي أمانة، بل أعظم الأمانات.
{وَالَّذِينَ هُمْ} : ارجع إلى الآية (3). في الآية (2) قال تعالى: خاشعون وفي هذه الآية يحافظون، وهذا ليس تكراراً؛ لأنّ الخشوع غير المحافظة على الصّلاة.
{عَلَى صَلَوَاتِهِمْ} : الصلاة: اسم مصدر من فعل صلى، وفي سورة المعارج آية (34) قال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} فما هو الفرق؟ الصلوات أعم من الصلاة، الصلوات الخمس مقارنة بالصلاة، وكلا الآيتين تتم الأخرى، فالواجب المحافظة على الصلاة سواء كانت واحدة أو خمس صلوات.
{يُحَافِظُونَ} :، أيْ: يؤدونها في أوقاتها ويحافظون تشمل الصّلوات الخمس والسّنن الرّاتبة وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة وصلاة الوتر والتّهجد والضّحى، وتعني: عدم تأخير الصّلوات لآخر أوقاتها، بل المبادرة إليها في أوّل أوقاتها. وانظر كيف بدأ بالصلاة بالخشوع فيها، وختم بالصلاة والمحافظة عليها.
سورة المؤمنون [23: 10]
{أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ويشير إلى هؤلاء الّذين جمعوا الصّفات السّبع السّابقة.
{هُمُ} : ضمير للتوكيد والقصر. الوارثون حقاً للفردوس، أو هم الوارثون الحقيقيون وليس غيرهم.
{الْوَارِثُونَ} : جمع وارث، وفي قوله الوارثون دلالة أنهم يستحقون الجنة كما أن للورثة حق مؤكد في الميراث، وماذا سيكون ميراثهم الجنة يرثونها برحمة من الله فضل ووصفهم بالوارثين؛ لأنّ الإرث هبة والجنة هبة ورحمة من الله تعالى وليس بعملهم.
سورة المؤمنون [23: 11]
{الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :
{يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} : الفردوس: أعلى الجنات درجة، فوقها عرش الرّحمن ومنها تنبع أنهار الجنة. ارجع إلى سورة الكهف آية (107) للبيان.
{هُمْ} : للتوكيد.
{خَالِدُونَ} : الخلود: هو استمرار البقاء من وقت يبدأ حين دخولهم الجنة، باقون على حالتهم من دون تحول أو تغيُّر، خالدون من دون موت وخالدون في النّعيم.
سورة المؤمنون [23: 12]
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} :
{وَلَقَدْ} : اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
{خَلَقْنَا الْإِنسَانَ} : الخلق: الإيجاد والتّقدير، الإنسان: اسم جنس والإنسان كلمة مشتقة من الإنس: الألفة والمحبة، ومن كونه يُرى، أيْ: ظاهر غير مختفٍ بخلاف الجن.
{مِنْ} ابتدائية.
{سُلَالَةٍ} : السلالة: قيل: هي أجود ما في الشّيء، أو ما استل من الطّين ومن المعادن وهي (16) عنصراً وغيرها.
{مِنْ طِينٍ} : من لبيان الجنس، طين: تراب + ماء، من سلالة من طين:، أيْ: من أجود عناصر التّربة والماء، وقد ثبت علمياً أنّ العناصر المكونة للإنسان هي قسم من العناصر المكونة للتربة هي (16) عنصراً من أصل (113) عنصراً من العناصر أو المعادن الّتي تشكل التّربة واكتشفها العلم، منها: الصّوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والحديد والنّحاس والماغنزيوم، وكما قال تعالى:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ} سورة فاطر الآية (11) إذن الأصل هو التّراب الّذي أضيف إليه الماء فأصبح طيناً، والآية تشير إلى أنّ الجنين أو الإنسان يستمد طعامه من التّربة فالجنين يستمد طعامه من دم الأم المتشكل من غذائها، وغذاؤها مستمد من النباتات والحيوانات (اللحوم والألبان) الّتي تستمد غذاءَها من التّربة أيضاً. وقد تعني الآية كذلك خلق آدم من تراب.
سورة المؤمنون [23: 13]
{ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ} :
{ثُمَّ} : لتباين الصّفات أو للترتيب الذّكري (العددي).
{جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} : هاء الضمير تعود على الجنين، والنّطفة مني الرّجل (الحيوان المنوي) ومني المرأة (البويضة). والجعل يكون بعد الخلق، أيْ: مرحلة بعد الخلق.
{فِى قَرَارٍ مَكِينٍ} : في ظرفية، قرار مكين:، أي: الرّحم، مكين: حصين أمين أو منيع بعظام الحوض وجدار البطن وجدار الرّحم المكون من الأغشية الثّلاث والعضلات المحيطة.
سورة المؤمنون [23: 14]
{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} : ثم: للترتيب العددي؛ أي: أولاً ثانياً ثالثاً، وهكذا بعد مرحلة النّطفة، والّتي تستغرق أسبوعاً تتحول النّطفة إلى علقة تعلق في جدار الرّحم، وتستغرق في تشكلها الأسبوعين الثّاني والثّالث، وتتحول إلى مضغة.
{فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} : الفاء تدل على المباشرة والتّرتيب، المضغة: تتبع العلقة، وهي تنقسم إلى مضغة مخلَّقة تستمر لتشكل الجنين وغير مخلَّقة تشكل الخلايا الجذعية المتوزعة في جسم الإنسان، تبدأ مرحلة المضغة في الأسبوع الرّابع، وتستمر إلى (40) يوماً، تبدأ بعدها مرحلة العظام، وسُمِّيت بالمضغة؛ لأنّ شكلها يشبه قطعة اللحم الممضوغة بالأسنان.
{فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} :، أي: العظام تبدأ بالتّشكل في بداية الأسبوع السّابع.
{فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} : أيْ: تتشكل العضلات الّتي تغطي العظام.
{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} :، أيْ: بعد نفخ الرّوح فيه والإنشاء: إيجاد الشّيء وفيه معنى النّمو والتّطور، وعلى غير مثال سابق بحيث يتشكل ويأخذ شكل الجنين، ويتطور تدريجياً إلى أن يتم نموه في حوالي الشّهر السّادس، ويصبح قابلاً للحياة. ارجع إلى سورة الحج آية (5) لمزيد من البيان.
{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} : يجب الانتباه إلى معنى خالقين: من الخلق وهو التّقدير، فالله سبحانه يقدِّر ويخلق من العدم وعلى غير مثال سابق وهو سبحانه الخالق الحقيقي، كما قال تعالى:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62].
في هذه الآية أعطى سبحانه بعض عباده من العلماء صفة الخلق فإنّهم يخلقون من مواد أو أشياء أوجدها الله لهم ولكونهم قادرون على التّقدير والتّسوية والحساب أشركهم في الوصف، كما أشركهم في الرّزق فقال:{خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المائدة: 114] وفي الحكم فقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التّين: 8]، والوارثين {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89].
والاستنساخ ليس خلقاً، وإنما هو اكتشاف لبعض أسرار الخلق.
سورة المؤمنون [23: 15]
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} :
{ثُمَّ} : للترتيب والتّراخي في الزّمن.
{إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ} : إنكم: للتوكيد، توكيد (الموت)، بعد ذلك: بعد تمام الخلق أو النّشأة الأولى أو بعد انتهاء آجالكم.
{لَمَيِّتُونَ} : اللام للتوكيد، ميتون: لأنّ النّاس لا ينكرون الموت ولكن يغفلون عنه. وقد اكتشف العلم أنّ إحدى المورثات أو الجينات في الإنسان تحمل أجل الإنسان، وأكد على الموت بإن واللام رغم أنكم خلقتم على أحسن هيئة وتقويم في الخلق والنشأة.
سورة المؤمنون [23: 16]
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} :
{ثُمَّ} : للترتيب والتّراخي في الزّمن.
{إِنَّكُمْ} : للتوكيد.
{يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} : ولم يقل: لتبعثون، لم يؤكد على البعث كما أكد على الموت مع أنّ البعث هو الّذي ينكره النّاس وليس الموت؛ لأن الموت يغفل عنه كثير من النّاس أكَّده، أمّا البعث فله أدلته. أمّا كيف يتم البعث؟ فارجع إلى سورة الروم الآية (19). وفي سورة الزمر آية (30-31) قال تعالى:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} ؛ أي: البعث (تبعثون) أولاً كما في سورة المؤمنون ثم (تختصمون) عند ربكم ثانياً فآية الزمر تتمة لآية المؤمنون.
سورة المؤمنون [23: 17]
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} :
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا} : ارجع إلى الآية (12).
{فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} : سبع طرائق: كثير من المفسرين يفسر سبع طرائق بسبع سموات بعضها فوق بعض والتّفسير العلمي يفسر لنا الطّرائق: الفواصل بين كلّ سماء وسماء، أو ممرات ما بين كلّ سماء وسماء، وسبع طرائق تختلف عن سبع سموات طباقاً، كما في سورة الملك آية (3) وسورة نوح الآية (15).
{وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} : ما: النّافية، غافلين عن رعايتهم، وتوفير لهم سبل العيش، وعن حفظهم من الأشعة الضّارة مثل الأشعة فوق البنفسجية بطبقة الأوزون أو نحفظهم من حرارة الشّمس وغيرها بنطق الحماية. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (22)، أو سقوط النّيازك على كوكب الأرض، غافلين، أيْ: ناسينهم بغير رزق (بإنزال المطر) أو مهملين. ارجع إلى سورة البقرة آية (74) لمزيد من البيان في الغفلة.
سورة المؤمنون [23: 18]
{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ} : أنزلنا بصيغة الجمع للتعظيم، من السّماء: من السّحب الركامية ماءً: ماء المطر، والسّماء لغة تعريفها: كلّ ما علاك فالسّحب يمكن أن تسمَّى سماء، والآية تتحدث عن دورة الماء حول الأرض، وليس عن منشأ الماء.
{مَاءً بِقَدَرٍ} : بحساب دقيق بحيث تكون كمية الماء المتبخرة من البحار والمحيطات واليابسة تقارب كمية المطر المنزل من السّحب، فقد قدر العلماء أنّ كمية الماء الّتي أخرجها الله من الأرض كانت حوالي (1، 400 مليون كم3) يتبخَّر منها كلّ سنة حوالي (600، 000 كم3) منها (500، 000 كم3) من البحار والمحيطات و (100، 000 كم3) من اليابسة، ثمّ يعيد منها على اليابسة (165، 000كم3) بزيادة (65، 000كم3) تؤخذ من مياه البحار والمحيطات ويعيد على البحار والمحيطات (435، 000كم3) تلعب دوراً مهماً على سطح اليابسة كعوامل التعرية وتكوين التّربة وتركيز المعادن وتلطيف الجو المناخ وتغذية التّربة بكميات معلومة مقدرة الكمية يعلمها الله سبحانه، وأين تنزل على سطح الأرض بقدر قد يكون ضئيل قد يسبب القحط أو معتدل أو كبير يسبب الفيضانات وهلاك الحرث والنّسل وماء المطر يتشكل من البخار الصّاعد من الأرض فتحمله الرّياح حيث يشاء الله.
وهذه السحب المشكَّلة من بخار الماء غير قادرة على إنزال المطر، فلا بُدَّ من رياح أخرى تلقحها وهي رياح تحمل هباءات الغبار الّتي تلقح ذرات البخار، فتصبح عالية الكثافة فينزل المطر.
{فَأَسْكَنَّاهُ فِى الْأَرْضِ} : أيْ: حفظناه في الأرض واستقر في صخور الأرض ذات المسام والنفوذية، فهذه المسام والنفوذية بين ذرات الصخر هي القادرة على خزن هذا الماء، وهناك الكثير من الصخور غير المسامية أو النفوذية غير قادرة على خزن أيِّ ماء، وهذا الماء قد يخزن لمئات السنين أو آلاف السنين في الأرض الخالية من البحار والمحيطات والبحيرات.
وقد تختلف كمية هطوله في أرض أكثر من أرض أخرى، ولكن النسبة والكمية نفسها إذا جمعنا ما ينزل من المطر هنا وهناك.
{وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} : لقادرون اللام للتوكيد، أيْ: قادرون على أن نجعله يغور في أعماق الأرض أو قادرون على عدم إعادته إلى الأرض بعدم تلقيح سحب بخار الماء، أو بتجفيف الماء برفع درجة الحرارة أو بهزة أرضية أو ثورة بركان أو بتغير التفاعلات الكيماوية للأرض، وفي هذا تنبيه لشكر الله على هذه النّعمة.
سورة المؤمنون [23: 19]
{فَأَنشَأْنَا} : الفاء: للتوكيد، أنشأنا لكم: الإنشاء هو إيجاد الشّيء بعد أن لم يكن، والإنشاء فيه معنى النّمو والتّطور.
{لَكُمْ} : اللام لام الاختصاص لكم خاصة.
{بِهِ} : الهاء تعود على ماء المطر.
{جَنَّاتٍ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} : بساتين من أشجار النّخيل وأعناب.
الفرق بين النّخل والنّخيل: النّخل: اسم جنس ويشمل النّخيل بأنواعه المختلفة، وخص هذين النّوعين النّخيل والأعناب لكثرة منافعهما وهما أكثر فواكه انتشاراً في أرض الحجاز ويمثلان بقية الفواكه.
{لَّكُمْ فِيهَا} : لكم خاصة، فيها، أيْ: في تلك الجنات.
{فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} : جمع فاكهة وفاكهة اسم جنس، وفاكهة تشمل فواكه، وفاكهة: أعم من فواكه وأوسع معنى وأكثر.
{وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} : فهي ليست محددة للأكل فقط إضافة الواو لتدل على أنّهم يأكلون من هذه الفواكه، ويصنعون منها الحلويات والشّرابات والعصير، وهذه الآية جاءت في سياق الحياة الدّنيا، أمّا في سياق الآخرة وفي الجنة فيستعمل كلمة فاكهة، كما في قوله تعالى:{لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف: 73]، وهي أعم وأشمل وتشمل كلّ الفواكه، وقال منها تأكلون: من دون إضافة الواو؛ لأنّ فاكهة الجنة فقط للأكل، وليس هناك حاجة لعمل الحلويات أو الشراب من الفاكهة، كما نفعل في الدنيا؛ لأنّها تأتي جاهزة لا نحتاج إلى صنعها وتحويلها من نوع إلى نوع آخر، كما هو الحال في الدّنيا.
سورة المؤمنون [23: 20]
{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ} :
{وَشَجَرَةً} : الواو عاطفة وشجرة معطوفة على جنات، عطف الخاص على العام لإظهار الأهمية والتّوكيد، وتقدير الكلام فأنشأنا لكم به (الماء) جنات من نخيل وأعناب وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء وهي شجرة الزّيتون، وهي شجرة مباركة.
{تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ} : سيناء: اسم المكان الّذي فيه (الطّور)، والطّور أصغر من الجبل، حيث كلم الله سبحانه موسى عليه السلام .
{تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} : الدّهن: زيت الزيتون، والباء للإلصاق والمصاحبة تنبت بالدّهن: تنبت بثمر الزّيتون والذي يتحول إلى زيت الزّيتون (الدهن).
{وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ} : الصّبغ هو زيت الزّيتون سمي صبغ؛ لأنّه لونه أخضر وزيت الزّيتون الّذي يؤكل مع كثير من الأطعمة.
سورة المؤمنون [23: 21]
{وَإِنَّ لَكُمْ} : إنّ للتوكيد، لكم اللام لام الاختصاص.
{فِى الْأَنْعَامِ} : الأنعام ثمانية أزواج الإبل والبقر والغنم والماعز.
{لَعِبْرَةً} : آية أو دلالة تستدلون من خلالها إلى قدرة الله سبحانه وعظمته، وتعبرون بها من الجهل إلى العلم، ومن الشك إلى اليقين على عظمة الخالق، وكما قال تعالى:{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17]، {نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النّحل: 66]. ارجع إلى سورة النحل آية (66) لمزيد من البيان في معنى عبرة.
{نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهَا} : بطون الإناث إناث الأنعام، نسقيكم الحليب. ارجع إلى سورة النّحل آية (66) للمقارنة والبيان، وبين مما في بطونها والقول مما في بطونه.
{وَلَكُمْ} : تكرار لكم للتوكيد.
{فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} : مثل حمل أثقالكم {إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ} [النّحل: 7]، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النّحل: 80].
{وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} : الواو تفيد الجمع إنّكم منها تأكلون لحماً ولبناً خالصاً، وتأكلون من أشياء أخرى من غير الأنعام.
سورة المؤمنون [23: 22]
{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} :
{وَعَلَيْهَا} : على: تفيد الاستعلاء والركوب على الأنعام وليس كلّ الأنعام تركبون، ويراد بالأنعام هنا الإبل.
{وَعَلَى الْفُلْكِ} : تطلق على المفرد أو الجمع، وتعني السفن.
{تُحْمَلُونَ} : تركبون وتحمل أثقالكم.
سورة المؤمنون [23: 23]
{وَلَقَدْ} : اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
{أَرْسَلْنَا نُوحًا} : الإرسال ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة للبيان والفرق بين الإرسال والبعث. نوحاً: من سلالة إدريس، وإدريس من سلالة شيث بن آدم، ولد نوح بعد وفاة آدم بـ (126) سنة كما ذكر ابن جرير وغيره.
{نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} : {فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} : دعاء إلى وحدانية الخالق كما دعا غيره الرسل وتجنب الشرك. ارجع إلى سورة نوح، وارجع إلى سورة الأعراف الآية (59).
{يَاقَوْمِ} : نداء فيه تودد وعطف.
{أَفَلَا} : الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ على عدم التّقوى والتّعجب من تركها، ألا: أداة تنبيه وحضٍّ وتحمل معنى الأمر على التّقوى.
{تَتَّقُونَ} : أيْ: تطيعوا أوامر ربكم وتتجنَّبوا نواهيه أو تخافون ربكم القهار الجبار وتتَّقونه، وهذه الكلمة قالها كلّ الرّسل لأقوامهم.
سورة المؤمنون [23: 24]
{فَقَالَ الْمَلَؤُا} : الفاء: للتعقيب والمباشرة، الملأ: سادة وأشراف القوم مشتقة من كونهم يملؤون العيون أو العيون تنظر إليهم وتراهم؛ لأنّهم يمثلون قبائلهم أو عشائرهم. ولو نظرنا إلى كيف كتبت الملؤا في هذه الآية (24)، وإلى كيف كتبت الملأ في الآية (33) من نفس السورة لوجدنا هناك اختلافاً، ولو نظرنا في القرآن لوجدنا أن الملؤا كتبت بهذا الشكل في سورة النمل في ثلاث آيات، وسورة المؤمنون في آية واحد هي (24)، وأما باقي الآيات في القرآن كتبت الملأ بهذا الشكل، والسؤال ما هو الفرق بينهما؟ إذا نظرنا إلى سياق الآيات نستنتج أن الملؤا المكتوبة بالواو: جاءت في سياق بطانة الملك، أو حاشيته، أو النبي وخاصته، أما الملأ بالألف: جاءت في سياق رؤساء العشائر، أو ممثلي الشعب مثل مجلس الشعب، أو البرلمان كما نسميه الآن.
{الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} : يعني: كان بينهم بعض المؤمنين حين قالوا هذا القول، مقارنة بقوله تعالى: قال الملأ من قومه الّذين كفروا: يعني: سادة القوم لم يكن بينهم أيُّ مؤمن حين قالوا هذا القول.
{مَا هَذَا} : ما: النّافية، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب.
{إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} : إلا: أداة حصر، بشر مثلكم: أيْ: كونه بشراً فهم يريدون رسولاً ملكاً من الملائكة أو من غير جنسهم.
{يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} : يطلب أو يبغي لنفسه الفضل والشّرف والسّيادة ليكون له أتباع، أن: للتعليل والتّوكيد.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} : لو شرطية.
{لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} : اللام للتوكيد، أنزل ملائكة من السّماء بدلاً منه.
{مَا} : النّافية.
{سَمِعْنَا بِهَذَا} : لم يخبرنا أحد من آبائنا أو أجدادنا، بهذا: الباء للإلصاق والاستمرار، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى الّذي يدعو إليه نوح وهو التّوحيد وعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، هذه أمور لم نسمعها من قبل.
{فِى آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} : في ظرفية، آبائنا الأولين: أيْ: هم مقلدون آباءَهم ومقتدون بهم، ولم يسمعوا بالتّوحيد.
سورة المؤمنون [23: 25]
{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} :
{إِنْ} : نافية، أيْ: ما.
{هُوَ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.
{إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} : إلا: حصر، رجل به جنة: جنة: مصدر من جنَّ، أيْ: به جنون لا يعلم ما يقول أصيب بخبل عقلي.
{فَتَرَبَّصُوا بِهِ} : التّربص: الانتظار الطويل والحذر.
{حَتَّى حِينٍ} : حتّى حرف نهاية الغاية، أي: انتظروه حتّى يشفى أو يُفيق من جنونه أو انتظروا أجله حتّى يموت.
سورة المؤمنون [23: 26]
{قَالَ رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ} :
{قَالَ رَبِّ} : قال نوح: رب، أيْ: دعا ولم يقل: يا رب لا يحتاج إلى ياء نداء الّتي تدل على البعد، ولم يقل: يا الله: لأنّ الرّب هو المتولي الأمور ومدبِّرها وليس السّياق في شأن العبادة.
{انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ} : الباء: للإلصاق، أو السّببية وما مصدرية، أي: انصرني:، أيْ: أهلكهم، بما كذبون: بسبب تكذيبهم لي، وعدم إيمانهم.
وحذف الياء (ياء المتكلم) من كذبون؛ لأن هناك من أمن له وصدقه، ولو كذبه كل قومه لقال كذبوني.
سورة المؤمنون [23: 27]
{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} : الفاء: للترتيب والتّعقيب، أوحينا: الوحي هو الإعلام بخفاء، وله طرق مختلفة ارجع إلى سورة النّساء الآية (163) إليه: إلى نوح عليه السلام .
{أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} : أن تعليلية تفسيرية، اصنع الفلك: ابنِ الفلك: السّفينة.
{بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} : الباء: للإلصاق، والاستمرار، بأعيننا: بمراقبتنا، ووحينا: بما نوحيه إليه من التّعاليم كيف تصنعها، ولمعرفة معنى الوحي ارجع إلى سورة النّساء آية (163).
{فَإِذَا} : الفاء للتأكيد، إذا ظرفية زمانية للمستقبل وفيها معنى الشّرط.
{جَاءَ أَمْرُنَا} : بإنزال العذاب (الطّوفان) والمجيء فيه معنى الصّعوبة والمشقة.
{وَفَارَ التَّنُّورُ} : قيل: التنور بيت النّار الّذي يوضع فيه الخبز العجين ليصبح خبزاً ناضجاً، فحين ترى ذلك التنور يفور بالماء فهذه علامة على بدء الطوفان، فاسلك فيها من كلّ زوجين اثنين، هذا هو تفسير المفسرين القدامى والله سبحانه قادر على ذلك، ولكن تفسير فار التنور حسب معطيات العلم الحديث يشير إلى ثورة بركان يصاحبه هزة أرضية عنيفة حدث معها ما يشبه السونامي حيث ترتفع المياه إلى عشرات الأمتار؛ مما يؤدِّي إلى الطوفان ورفع السّفينة الّتي أصبحت تجري في موج كالجبال.
{فَاسْلُكْ فِيهَا} : أدخل فيها أو احمل فيها في الفلك، واستعمل كلمة اسلك الّتي تحمل معنى السّهولة؛ لأنّ الأمر لم يحدث بعد، تعاليم للمستقبل أو توصيات، وقد رأيناه استعمل {احْمِلْ فِيهَا} في سورة الأعراف الآية (40) حين حدث الطّوفان.
{مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} : من: ابتدائية كلّ زوجين؛ الزوج: هو واحد يطلق على الذكر والأنثى، والاثنان زوجان؛ أي: الرجل زوج، والمرأة زوج، وكلاهما اثنان؛ أيْ: ذكر وأنثى من كلّ صنف سواء أكان إنسان أم حيوان أم نبات يمكن حمله والاستفادة منه، ولا تعني كلّ أصناف الحيوانات والنباتات، فقد كان طول السّفينة حوالي (150متر) وعرضها (30متر)، وكلمة اثنين توكيد.
{وَأَهْلَكَ} : الزّوجة والأولاد (الثّلاثة نوح وسام وحام وزوجاتهم)، وأهلك يمكن أن تعني أهل الإيمان وليست أهلية نسب ودم، أيْ: أتباعك.
{إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ} : إلا أداة استثناء، سبق عليه القول: الهلاك والعذاب مثل ابنه كنعان وامرأة نوح.
{وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} : لا النّاهية، تخاطبني: تطلب مني إنجاء الّذين ظلموا أو تكلمني بشأن الظّالمين الّذين حق عليهم القول أو تشفع لهم أو تأخذك بهم رأفة إنّهم مغرقون.
سورة المؤمنون [23: 28]
{فَإِذَا} : الفاء عاطفة، إذا ظرف زماني للمستقبل متضمن معنى الشّرط، وتدل على حتمية الحدوث.
{اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} : استويت من استوى أيْ: علا واستقر أيْ: حين تعلو وتستقر على ظهر الفلك، وعلى تعني العلو والتّمكن والقدرة على قيادة الفلك، ولم يقل: أنت والّذين معك في الفلك وإنما قال: ومن معك: من ابتدائية، ومن معك تدل على القلة مقارنة بقوله: والّذين معك الّتي تدل على الكثرة.
{وَمَنْ مَعَكَ} : قيل: كان عددهم (70-80)، وقيل:(20-30)، والله أعلم.
{فَقُلِ الْحَمْدُ} : الفاء للتعقيب والمباشرة، قل الحمد لله: أيْ: إياك أن تنسى المنعم وتغترَّ بالفلك، أو بنجاتك. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (2) في معنى الحمد لله.
والسّؤال هنا: لِمَ لَمْ يخاطب الله سبحانه نوح ومن معه بالقول: فإذا استويتم بدلاً من استويت أنت ومن معك فقل، بدلاً من فقولوا الحمد لله؛ لأنّ المخاطب هو رب العالمين، والمقام مقام كبرياء وجلال والمخاطبة لا يترقى إليها إلا نبي أو رسول، ولذلك خاطب نوح وحده، فهو نبيهم، وفيه إشعار لنوح بفضل النّبوة، وعلى نوح أن يبلغهم الدعاء بالحمد.
{الَّذِى نَجَّانَا} : الّذي اسم موصول فيه معنى التوحيد؛ لأنه (يختص بالمفرد المذكر). نجانا: للتّعظيم. نجانا: ولم يقل أنجانا؛ لأنّ نجانا فيها معنى الزّمن الطويل أيْ: نجانا بعد زمن طويل وانتظار دام أكثر من (950 سنة).
{مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : المشركين، الظّلم هنا هو الشّرك، والمكذبين بما أنزل الله تعالى على نوح عليه السلام . ارجع إلى سورة البقرة آية (35) لبيان معنى الظالمين.
سورة المؤمنون [23: 29]
{وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} :
{وَقُلْ رَبِّ} : ولّم يقل: وقل: يا رب: حذف ياء النداء للبعد؛ لأنّه يعلم أنّ الله سبحانه سميع قريب.
{أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا} : مُنزلاً: بضم الميم وفتح الزّاي مصدر لفعل أنزل أيْ: أنزلني إنزالاً مباركاً سواء عند النّزول في السّفينة (الفلك) أو عند النّزول منها بعد الوصول إلى اليابسة في كلا الحالين قل: أنزلني إنزالاً مباركاً، ويجوز أن يكون مُنزلاً اسم مكان أي: أنزلني في منزل فيه الخيرات والبركة والأمن والراحة فهو يحمل كلا المعنيين، أيْ: أنزلني إنزالاً مباركاً وفي منزل مبارك.
{وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} : أنت للتوكيد، خير المنزلين: أيْ: إن كان هناك من البشر من يكرم ضيفه، وينزله مُنزلاً مُريحاً طيباً يبقى الله سبحانه هو خير (أحسن) المنزلين على الإطلاق في الدّنيا والآخرة.
سورة المؤمنون [23: 30]
{إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} :
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} : إنّ للتوكيد، في ذلك: أيْ: ما تقدَّم من الآيات بخصوص نوح.
{لَآيَاتٍ} : اللام للتوكيد، آيات: كثيرة وعبر ودلائل وحجج واضحة على صدق دعوة الأنبياء ونوح وعلى قدرة وعظمة الله تعالى ووحدانيته، وتدل على أنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد ويطاع.
{وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} : إن: للتوكيد، اللام في لمبتلين للتوكيد، مبتلين: من الابتلاء بالخير والشّر فتنة لقوم نوح أو غيرهم لنقيم عليه الحُجَّة.
والابتلاء قد يصيب الكل: الكفرة والمشركين وأهل الصلاح والإيمان، والظلمة وغيرهم.
ونتيجة الابتلاء إمّا أن تكون الانتقام من الكفرة أو التكفير عن سيئات المبتلين أو رفع درجاتهم وثوابهم.
سورة المؤمنون [23: 31]
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} :
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} : ثمّ للترتيب والتّراخي، أنشأنا من بعدهم: من بعد قوم نوح عليه السلام .
{قَرْنًا آخَرِينَ} : هم قوم عاد، القرن: قوم أو جماعة أو أمة مجتمعة في زمن واحد والقرن (100 عام)، والإنشاء: هو إيجاد الشّيء بسبب أو بغير سبب، وفيه معنى التطوير والنمو.
سورة المؤمنون [23: 32]
{فَأَرْسَلْنَا} : ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة للبيان.
{فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ} : ولم يقل: رسولاً إليهم: أي: كان الرّسول هو هود، منهم أيْ: من القوم وأخوهم ونشأ فيهم ولم يكن من غيرهم وهاجر إليهم.
{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} : أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً. ارجع إلى سورة النّحل آية (73)، والأنبياء آية (106)؛ لبيان معنى العبادة.
{مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} : ما النّافية، لكم: اللام لام الاختصاص، من إله: من استغراقية تستغرق كلّ إله.
{أَفَلَا تَتَّقُونَ} : ارجع إلى الآية (23) من نفس السّورة للبيان.
سورة المؤمنون [23: 33]
{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ} : أشراف قومه، أو ممثلي القوم، سادة القوم، ولم يكن بينهم مؤمن آنذاك، ولو كان فيهم مؤمن لتغيرت الآية إلى: وقال الملأ الذين كفروا من قومه، وهم الّذين اتصفوا بثلاث صفات:
1 -
كفروا بالله وجحدوا بوحدانيته.
2 -
وكذبوا بيوم القيامة والبعث والجزاء. انظر كيف شبه الآخرة بشخص سوف يلاقى ويشاهد لإدخال الهلع والروع في قلوب الذين كفروا وكذبوا بالله واليوم الآخر.
3 -
أترفناهم في الحياة الدّنيا حتّى بطروا وجحدوا بنعم الله ولم يشكروا المنعم.
{وَأَتْرَفْنَاهُمْ} : وسَّعنا عليهم نعم الدّنيا حتّى بطروا وفسدوا، هؤلاء الملأ أسوأ وأقبح من الملأ من قوم نوح. ارجع إلى سورة الزخرف آية (23) لبيان معنى الترف، والمترف.
{مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} : ما النّافية، هذا اسم إشارة يفيد القرب وتشير إلى هود عليه السلام ، والهاء للتنبيه واللام للبعد، إلا: أداة حصر، أيْ: هو حصراً، بشر مثلكم.
{يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} : فكيف ترضون برجل منكم ليس له أي سمة أو فضل أو جاه، حتّى يأمركم وينهاكم ويعدكم بالخروج من القبور والبعث ويطلب منكم طاعته.
سورة المؤمنون [23: 34]
{وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} :
{وَلَئِنْ} : الواو: عاطفة، واللام للتوكيد، وإن شرطية تفيد الشّك والاحتمال، أطعتم: من الطاعة، وهي الانقياد واتباع الداعي إلى ما يدعوا إليه.
{بَشَرًا مِّثْلَكُمْ} : أيْ: هم ينفون عن نبيهم النّبوة، أي: الوحي.
{إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} : إنّكم: إنّ: للتوكيد، إذاً: حرف جواب يفيد التّوكيد، لخاسرون: اللام للتوكيد، ثلاثة توكيدات على أنّهم خاسرون إذا أطعتم ذلك البشر، خاسرون: مكانتكم وسعة العيش والشّرف والنّعيم الّذي أنتم فيه.
سورة المؤمنون [23: 35]
{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} :
{أَيَعِدُكُمْ} : الهمزة استفهام وتعجب، وفيه انتقال من التكذيب بهود عليه السلام إلى التكذيب بما أرسل أيضاً. أيعدكم: من الوعد، والوعد هنا بالبعث فهو وعد مقيد.
{أَنَّكُمْ} : للتوكيد.
{إِذَا} : ظرف زماني للمستقبل.
{مِتُّمْ} : بكسر الميم تدل على الموت العادي، وأما مُتم بضم الميم تعني قتلتم في سبيل الله أو متم في سبيل الله كما في قوله تعالى:{وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: 158]، من خصائص القرآن يستعمل الكسرة وهي أخف الحركات للموت العادي ويستعمل الضّمة وهي أثقل الحركات لحالات الموت الثّقيلة مثل الموت في سبيل الله وهو الأعلى درجة.
{وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا} : وكنتم: في قبوركم تراباً وعظاماً، و (تراباً) تسبق عظاماً؛ لأنّ الإنسان بعد موته يتحول إلى تراب أولاً، ثمّ إلى عظام وحين تتكسر العظام تصبح رفاتاً (عظاماً مكسرة).
{أَنَّكُمْ} : تكرار أنّكم: لتوكيد استبعاد الخروج من الأجداث والبعث.
{مُّخْرَجُونَ} : أيْ: هم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن صاروا تراباً وعظاماً. ومُخرجون: قسراً رغم عنكم وبغير إرادتكم.
سورة المؤمنون [23: 36]
{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} :
{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} : أيْ: بَعُدَ بَعُدَ هذا الأمر؛ أي: صحة ما توعدون به من الخروج من القبور، وهيهات الثّانية تأكيد للأولى، ولا تقال: هيهات لوحدها وإنما دائماً مكررة، أيْ: هيهات هيهات إخراجكم.
هيهات: اسم يدل على معنى فعل بَعُدَ، ومنهم من قال: هيهات: اسم فعل ماض بمعنى بَعُدَ. وهيهات هيهات: لم تذكر في القرآن إلا في هذه الآية.
{لِمَا} : اللام للتوكيد، ما حرف مصدري أو اسم موصول.
{تُوعَدُونَ} : من الإخراج من القبور والنشر والبعث والحساب.
سورة المؤمنون [23: 37]
{إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} :
{إِنْ هِىَ} : إن حرف نفي بمعنى ما وإن أقوى في النّفي من ما، هي: للتوكيد.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} : السّؤال هنا كيف نفهم قولهم نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين؛ لأنّ قولهم: نحيا، قد يُفهِم أنّهم يؤمنون بالبعث، ولكن قولهم بعدها: وما نحن بمبعوثين هو ينفي ذلك، وإنما المقصود بذلك عندما نحن نموت ونحيا يعني: يموت البعض ويخلق (يولد) غيرهم في نفس الوقت.
ولنقارن هذه الآية {إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} مع الآية (29) من سورة الأنعام {وَقَالُوا إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} .
الآية (37) من سورة المؤمنون: جاءت في سياق الحياة الدّنيا، أيْ: ينكرون البعث وهم على قيد الحياة، أي: الآية جاءت في سياق الحياة الدّنيا.
أما الآية (29) من سورة الأنعام: جاءت في سياق الآخرة (لذلك حذفوا نموت ونحيا)؛ لأنّ هذا لم يعد له وجود.
والدّليل على ذلك أنّه سبقها قوله: ولو ترى إذا وقفوا على النّار، فهم في الآخرة.
أمّا الفرق بين: إن هي إلا حياتنا الدّنيا، وما هي إلا حياتنا الدّنيا: النّفي في قوله: إن هي أشد من النّفي من قوله: ما هي، أي: التّكذيب وإنكار البعث أشد وأقوى حين يقولون: (إن هي) مقارنة بقولهم: (ما هي)؛ لأنّ هناك من النّاس من ينكر أو يكذب بشدة وتوكيد، وهناك من ينكر أو يكذب من دون توكيد أو مبالغة.
سورة المؤمنون [23: 38]
{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} :
{إِنْ هُوَ} : إن نافية، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} : رجل: أي: هود، افترى على الله كذباً الافتراء هو الكذب المتعمَّد المختلق، كذباً: نكرة، أيْ: كلّ أنواع الكذب مثل ما لكم من إله غيره وإنكم مبعوثون من بعد الموت، والتنكير في اللغة يفيد الشمول والعموم.
{وَمَا نَحْنُ} : نحن للتوكيد.
{لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} : الباء للإلصاق والمصاحبة، مؤمنين: مصدقين، وقدَّم له الجار والمجرور ليفيد له حصراً، وقد نؤمن لغيره؛ أي: نصدق غيره.
سورة المؤمنون [23: 39]
{قَالَ رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ} :
ارجع إلى الآية (26) للبيان، هكذا تأتي النّهاية واحدة لكلّ الرّسل رب انصرني بما كذبون.
سورة المؤمنون [23: 40]
{قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} :
{قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ} : قال الحق: عما قليل: عما مركبة من (عن + ما)، عن تعني البعد ما للتوكيد، أيْ: عن قريب أو بعد زمن قريب.
{لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} : اللام لام التّوكيد والنّون في يصبحن لزيادة التّوكيد، يصبحن: قد تعني وقت الصّباح سيحل بهم العذاب ويأخذهم على حين غفلة وعدم استعداد على خلاف إذا جاءهم العذاب أثناء النّهار، نادمين: على كفرهم وعدم إيمانهم بالبعث، أو تعني: قريباً يصيرون نادمين في أي وقت؛ أيْ: يشعرون بالنّدم على كفرهم وتكذيبهم.
سورة المؤمنون [23: 41]
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} :
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} : الفاء للترتيب والتّعقيب، الصّيحة: هي تردُّدات صوتية تفوق قدرة الأذن على تحمُّلها وتتجاوز (70-100) ديسبل بالثانية، وما إن تصل إلى (120-140) تؤثر في الجهاز العصبي والأذن الداخلية والقلب وتؤدِّي إلى صعق الإنسان، تلك الصيحة الّتي تركتهم كأعجاز النّخل المنقعر كقوله تعالى:{تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: 20].
{بِالْحَقِّ} : الباء للتوكيد، الحق: اسم الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل.
{فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} : بعد هلاكهم، شبههم بغثاء السّيل وهو ما يجمعه النّهر أو الوادي من فروع الأشجار اليابسة والجافة والورق، أيْ: زبد السّيل.
{فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : هلاكاً وبعداً من رحمتنا للقوم الظّالمين، اللام لام الاختصاص، الظّالمين: المشركين، وهم قوم هود.
سورة المؤمنون [23: 42]
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ} :
{ثُمَّ} : للترتيب والتّراخي في الزّمن.
{أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} : ارجع إلى الآية (31)، من بعدهم: من بعد قوم هود.
{قُرُونًا آخَرِينَ} : بصيغة الجمع أمم أو أقوام متعدِّدة مثل قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.
سورة المؤمنون [23: 43]
{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـئْخِرُونَ} :
{مَا} : النّافية.
{تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} : الأجل هو الوقت المضروب لانقضاء الشّيء، والأجل لا يتغير، ولا يتبدَّل لا يتقدَّم ولا يتأخَّر إلا إذا شاء الله تعالى كما حدث لقوم يونس كما قال تعالى:{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98]. من استغراقية، أيْ: تشمل كلّ الأمم.
{أَجَلَهَا} : الّذي ضرب لها، أيْ: لا تنقرض أو تزول أو تهلك قبل أن ينتهي أجلها أو يحلَّ أجلها.
{وَمَا يَسْتَـئْخِرُونَ} : ولا يؤخَّر أجلها. ارجع إلى سورة يونس آية (49) لمزيد من البيان.
سورة المؤمنون [23: 44]
{ثُمَّ} : للترتيب والتّراخي.
{أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} : من الإرسال، ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة، ولم يقل: ثمّ بعثنا، ولا يرسل الرّسل عادة إلا بعد أن يعم الفساد والباطل والشّرك والمعاصي.
{تَتْرَا} : أصلها: وَتْرَى؛ تعني: تعاقب + انقطاع في الزمن؛ من الوتر: وهو الفرد، والمواترة: وهي التتابع مع التراخي في الزمن؛ متتابعين واحداً إثرَ الآخر مع انقطاع في الزمن أي دهراً.
{كُلَّ مَا} : كل: لفظ يدل على التوكيد على العموم؛ أي: يفيد الاستغراق والإحاطة بجميع الرسل (أو الأفراد)، وما: المصدرية الظّرفية أداة شرط تفيد التّكرار. وفصل بين: كل وما، ولم يجمع بينهما بالقول، كلما إشارة إلى الفاصل الزمني بين كل رسول ومن يأتي بعده.
{جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ} : جاء أمة رسولها ليخرجها من الظّلمات إلى النّور، وليبيِّن لهم ما أُنزل إليهم من ربهم، كذبوه: لم يصدِّقوه، واستمروا على حالهم في الضلال والعناد والتحدِّي. والأمة: تطلق على مجموعة من الناس بغض النظر عن العدد والحيز الجغرافي.
{فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا} : الفاء للترتيب والتّعقيب، أتبعنا بعضهم بعضاً، أيْ: أهلكنا الواحد تلوَ الآخر.
{وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} : أحاديث جمع حديث، وأحاديث إذا أطلقت لا تقال إلا في سياق الشّر إلا إذا كان مقيداً، وأحاديث جمع أحدوثة، وهو ما يتحدَّث به النّاس ويكثرون الكلام عنه للتعجب، أو اللهو، أو العبرة، أو المثل، أيْ: أهلكناهم ولم يبق بين النّاس إلا أخبارهم يتلهون بها ويتحدثون عنها يقصُّونها على الغير، أيْ: لم يبق لهم أثر إلا قصصهم.
{فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} : بُعداً لهم عن رحمة الله تعالى أو هلاكاً لهم لعدم إيمانهم، وبُعداً: لها معنيان أولاً: هناك بُعداً بعده لقاء. ثانياً: هناك بُعداً ليس بعده لقاء؛ أي: بلا عودة. لقوم: اللام لام الاختصاص، قومٍ: هنا نكرة؛ لأنّه سبقها قوله: قروناً آخرين، ولم يحدِّد من هؤلاء، بينما حينما قال في الآية (41){فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} القوم هنا معرفة محدَّدة بأل التّعريف وهم قوم هود، وقيل: قوم صالح، وفي هذه الآية تعني هلاكاً لأي قوم لا يؤمنون بالله تعالى.
سورة المؤمنون [23: 45]
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} :
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا} : ثمّ للترتيب والتّراخي، أرسلنا: ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة للبيان.
{مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} : التّسع: العصا واليد والطّوفان والجراد والقمل والضّفادع والدّم والسّنين، ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات.
{وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} : السّلطان: هو الحُجَّة القوية الّتي لا تُدحض، مثل العصا واليد.
{مُبِينٍ} : بيِّن واضح لكلّ فرد أنّها معجزة إلهية لا تحتاج إلى برهان ودليل. وقيل: السّلطان المبين غالباً هي العصا؛ لأنّها كانت أقوى الأدلة من حيث تحولها إلى حية تلقف ما يأفكون، وقد يراد بالسّلطان كلُّ الآيات معاً.
سورة المؤمنون [23: 46]
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} :
{فِرْعَوْنَ} : لقب لكلِّ من كان يحكم مصر مثل كسرى لقب لمن كان يحكم الفرس وقيصر لمن كان يحكم الرّوم، ويجب الانتباه إلى أن فرعون الذي ربى موسى هو رمسيس الثاني (وهو الفرعون الثالث)، وفرعون الخروج الذي أغرق هو ابن رمسيس الثاني، وقيل: اسمه (منفتاح)، وهو المقصود في هذه الآية. ارجع إلى سورة الأعراف آية (103) للبيان.
{وَمَلَإِيهِ} : وخص فرعون وملئه ولم يذكر قوم فرعون (القبط)؛ لأن دعوة موسى وهارون كانت خاصة لفرعون وملئه وهم أشراف القوم أو من يمثلون القوم ونسمِّيهم اليوم النّواب أو مجلس الشّعب أو رؤساء العشائر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (75، 88) لمزيد من البيان.
{فَاسْتَكْبَرُوا} : الفاء للترتيب والتّعقيب، استكبروا؛ أي: أفرطوا في الكبرياء، وأظهروا تكبرهم وعظم شأنهم فوق ما يستحقون، وأبوا الطّاعة والاستجابة لموسى وهارون، ولم يسمعوا لموسى وهارون. والكبر هو إظهار عظم الشأن ورفع النفس فوق ما تستحق؛ أي: استكبروا كبرياءً شديداً.
{وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} : عالي: جمع عال؛ اسم فاعل من علا يعلو، أصله العالي؛ عالين على الخلق (بني إسرائيل) بالقدرة عليهم بالظّلم والبغي والاستبداد والقهر.
سورة المؤمنون [23: 47]
{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} :
{فَقَالُوا} : أيْ: فرعون وملئه، الفاء: تدل على المباشرة، فقالوا لبعضهم بعضاً.
{أَنُؤْمِنُ} : الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجبي: أنصدق أو نتبع.
{لِبَشَرَيْنِ} : اللام لام الاختصاص، بشرين: موسى وهارون.
{وَقَوْمُهُمَا} : أيْ: بني إسرائيل.
{لَنَا عَابِدُونَ} : اللام لام الاختصاص، عابدون: خاضعون ومطيعون (لنا خدم وعبيد) أو كون بعضهم عبدوا فرعون قهراً ومن دون إرادتهم.
سورة المؤمنون [23: 48]
{فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} :
{فَكَذَّبُوهُمَا} : الفاء للمباشرة، كذبوهما: أيْ: موسى وهارون أيْ: لم يؤمنوا بالآيات كلها، وبما جاء به موسى وهارون.
{فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} : الفاء للمباشرة والتّعقيب، المهلكين بالموت بالغرق.
سورة المؤمنون [23: 49]
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} :
{وَلَقَدْ} : اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
{آتَيْنَا} : من الإيتاء ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة للبيان.
{مُوسَى الْكِتَابَ} : أي: التّوراة، ولم يذكر هارون هنا؛ لأنّ هارون كان وزيراً لموسى.
{لَعَلَّهُمْ} : لعل للتعليل، والخطاب لبني إسرائيل يهتدون، أيْ: من أجل هدايتهم إلى الغاية، وهي امتثال أوامر الله تعالى وتجنب نواهيه وتطبيق ما جاء من الشرائع والأحكام في التّوراة.
سورة المؤمنون [23: 50]
{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} :
{ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} : جمعهما في آية واحدة والآية هي البيِّنة والدّلالة أو المعجزة على عظمة وقدرة الخلق سبحانه أن يخلق ولداً من دون أب، فقد خلق سبحانه آدم من تراب من غير أب ولا أم، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق النّاس من ذكر وأنثى. وأخَّر كلمة آية، وقدَّم ابن مريم وأمه، أيْ: جعلناهم آية من الآيات الكثيرة الأخرى. ارجع إلى سورة مريم آية (21) للمقارنة.
{وَآوَيْنَاهُمَا} : من الإيواء: وجعلنا مأواهما أو منزلهما.
{إِلَى رَبْوَةٍ} : الرّبوة: المكان المرتفع من الأرض. قيل: هي بيت المقدس، كما قال ابن عبّاس أو قيل: مصر أو أرض فلسطين (الرملة) والإيواء كان حين فرَّت مريم بعيسى خوفاً عليه من القتل، وكان الفرار لمدة (12 سنة) ثمّ رجعت بعد ذلك إلى أهلها.
{ذَاتِ قَرَارٍ} : فيها الكثير من الثّمار والزّروع لا يحتاج صاحبها للرحيل لطلب العيش.
{وَمَعِينٍ} : أيْ: ظاهر مدرك بالعين ماء جار ظاهر على وجه الأرض.
معين: اسم مفعول من عان فهو معيون (ظاهر للعين) أو مشتق من معن بمعنى جرى وأسرع.
فيكون المعنى: ماء ظاهر مدرك بالعين يجري سريعاً.
سورة المؤمنون [23: 51]
{يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} : الطّيبات: جمع الطّيب، وهو كلّ حلال طاهر، والطّيبات كلّ ما طاب من المأكل. ارجع إلى سورة الأنفال آية (69) لمزيد من البيان.
والنّداء إلى جميع الرّسل، أي: الأنبياء والرّسل، فكلّ من الرّسل خوطب في زمانه بنفس النّداء بالأكل من الحلال والطيب.
{وَاعْمَلُوا صَالِحًا} : والعمل الصّالح: ويشمل كلّ ما شرع الله من الفرائض والنّوافل والذّكر والطاعات إلى درجة إماطة الأذى عن الطّريق، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه.
{إِنِّى} : للتوكيد.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما مصدرية أو اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي.
{تَعْمَلُونَ} : العمل يضم الأقوال والأفعال.
{عَلِيمٌ} : صيغة مبالغة لعالم عليم وعلامة أحاط علمه بكلّ من في السّموات والأرض وما فيهن، وكل زمان ومكان لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السّماء.
سورة المؤمنون [23: 52]
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} :
{وَإِنَّ هَذِهِ} : إنّ للتوكيد، هذه: اسم إشارة، والهاء للتنبيه.
{أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} : الأمة معناها هنا الملة والدِّين، ولها معان أخرى منها الجماعة والحين والزمان والرجل الجامع للخير الّذي يُقتدى به، مثل إبراهيم عليه السلام ، أيْ: ملتكم أو شريعتكم ملة واحدة، واحدة (ملة الإسلام أو الحنيفية السّمحة)، وإن اختلفت في المنهج، كما قال تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].
{وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} : بامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه، وارتقوا إلى أعلى درجات التّقوى، ولم يقل لهم: وأنا ربكم فاعبدون؛ لأنّ الإيمان والعبادة أمر بديهي للرسل، ولكن فاتقون: أي: ارتقوا إلى أعلى درجات التّقوى؛ لأنّكم الأسوة لغيركم من النّاس، وحين يخاطب سائر النّاس يقول: وأنا ربكم فاعبدون، وأنا ربكم: دليل على الوحدانية، كما في قوله تعالى:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].
فما هو الفرق بين التّقوى والعبادة؟
العبادة: فعل يحصل به التّقوى، والعبادة فعل ما أمر به الشارع واجباً كان أم مستحباً. ارجع إلى سورة النحل آية (73)، والأنبياء آية (106) لبيان معنى العبادة.
التّقوى: هي الغاية من العبادة. فالتقوى = العبادة + كف النّفس عن كلّ حرام ومكروه، وإذا قيل: إنّ العبادة هي التّقوى فما ذلك إلا من قبيل المجاز، والغاية من التّقوى هي لقاء الله تعالى والقرب منه.
سورة المؤمنون [23: 53]
{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} :
{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم} : الفاء للتوكيد، تقطعوا أمرهم: دينهم، تقطعوا: انقسموا وتفرقوا إلى فرق، وأحزاب وطوائف.
{بَيْنَهُمْ} : أيْ: كلّ أمة تفرَّقت إلى فرق وطوائف مختلفة.
{زُبُرًا} : جمع زُبْرَه؛ أي: قِطعاً، قطعوا دينهم قِطعاً وزبراً جعلوا دينهم شرائع وتعاليم مختلفة (جمع زبور) أيْ: كالكتب المتعدِّدة.
{كُلُّ حِزْبٍ} : كلُّ فرق والحزب جماعة من النّاس تجمعهم آراءٌ أو مبادئُ أو عقائدُ واحدة.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما بمعنى الّذي.
{لَدَيْهِمْ} : من الاعتقادات الباطلة، أو الاعتقادات أنّهم على حقٍّ وغيرهم ليس على حقٍّ.
{فَرِحُونَ} : أيْ: كل حزب يفرح بمبادئه وتصوراته إنه على الحق أو أفضل من غيرها، أو أكثر عدداً، وغيرها من الأسباب الوهمية وغير الحقيقية، وفرحون جملة اسمية تدل على الثّبوت، أيْ: سوف يستمرون على فرحهم، ولن يرجعوا إلى صوابهم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (170) لبيان معنى الفرح ونوعه.
سورة المؤمنون [23: 54]
{فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} :
{فَذَرْهُمْ} : الفاء للتوكيد، والخطاب للنبي وغيره من المؤمنين، ذرهم: اتركهم ودعهم وشأنهم؛ أي: كفار مكة وغيرهم من الذين فرقوا دينهم.
{فِى غَمْرَتِهِمْ} : من الغمرة: مشتق من الماء الّذي يغمر قامة الرّجل حتّى يمنع عنه التّنفس، فلا يبقى له أمل في الحياة، وتعني ذرهم في جهلهم وكفرهم وضلالهم وغيهم وفسادهم ومعاصيهم.
{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية.
{حِينٍ} : الحين مدَّة قد تطول أو تقصر غير محدَّدة، حتّى حين يأتيهم العذاب أو يموتون بانقضاء آجالهم.
سورة المؤمنون [23: 55]
{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِينَ} :
{أَيَحْسَبُونَ} : الهمزة همزة استفهام إنكاري، الجواب محذوف، يحسبون: من الحساب وهو ظنُّهم الرّاجح المبني على الحساب والتّجربة والنّظر.
{أَنَّمَا} : للقصر.
{نُمِدُّهُمْ بِهِ} : من المدِّ، ويكون بطريق الزيادة. وقيل: المد يكون في الشر، وأما الإمداد يكون في الخير أو القوة.
{مِنْ} : ابتدائية بعضية.
{مَّالٍ وَبَنِينَ} : بزيادة المال والبنين.
سورة المؤمنون [23: 56]
{نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} :
{نُسَارِعُ لَهُمْ} : نعجل لهم، اللام لام الاختصاص.
{فِى الْخَيْرَاتِ} : في ظرفية، الخيرات: الخير هو الشّيء الحلال الحسن النّافع ويشمل المال والصّحة والطّعام والشّراب والأمن والأولاد.
{بَلْ} : حرف إضراب إبطالي تبطل ما قبلها وتثبت ما بعدها.
{لَا يَشْعُرُونَ} : لا النّافية، لا يشعرون أنّه استدراج لعذابهم والانتقام منهم، وتقدير الكلام: أيحسبون أنما عندهم من مال وبنين، ونسارع لهم في الخيرات هو خيراً لهم، بل هو شرٌّ لهم ليزدادوا إثماً.
سورة المؤمنون [23: 57]
{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} :
بعد أن ذكر الّذين فرقوا دينهم وأصبحوا كلّ حزب بما لديهم فرحون، يذكر بالمقابل الّذين يخشون ربهم ولا يشركون به، ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجِلَة أولئك الّذين يسارعون في الخيرات حقاً لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ} : إنّ: للتوكيد، الّذين اسم موصول يفيد المدح، هم: للتوكيد مرة أخرى.
{مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ} : من ابتدائية، خشية ربهم: الخشية تعني: الخوف المملوء بالمهابة والتّوقير والعلم بالله (صفاته وأسمائه).
{مُّشْفِقُونَ} : من الإشفاق: هو العناية المشوبة بالخوف والشّعور بالتّقصير بحقِّ الله، مقصرون بحقِّ الله، أو الظّن بأنّهم لم يؤدُّوا حق الله، أو خائفون أنّ الله لن يقبل منهم عملهم الصّالح.
سورة المؤمنون [23: 58]
{وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} :
{وَالَّذِينَ هُمْ} : ارجع إلى الآية السّابقة، وتكرار والذين هم: للتوكيد والتعظيم.
{بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} : الباء للإلصاق والمصاحبة، آيات ربهم القرآنية والكونية والمعجزات والأدلة والبراهين يصدِّقون بها، وتكرار إنّ الّذين هم ثلاث مرات يفيد التّوكيد، ولكلّ آية معناها الخاص.
سورة المؤمنون [23: 59]
{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} :
{وَالَّذِينَ هُمْ} : ارجع إلى الآية السابقة.
انتبه: لماذا لم يأتِ الله سبحانه بهذه الآية أولاً محذِّراً من الشّرك قبل الإيمان، وجاءت بعد آية الإشفاق والخشية وآية الإيمان بآيات الله تعالى؟
الجواب: لأنّه سبحانه لا يتحدَّث عن الشّرك الجلي والشّريك والولد والندِّ في هذه الآية إنما يتحدَّث عن الشّرك الخفي وهو الرّياء الّذي لا يكاد يخلو منه مؤمنٌ، ولذلك جاءت متأخرة.
{وَالَّذِينَ هُمْ} : تفيد التّوكيد والمدح.
{بِرَبِّهِمْ} : الباء للإلصاق والمصاحبة.
{لَا يُشْرِكُونَ} : لا النّافية، يشركون: شركاً خفياً، أيْ: لا يراؤون، ناهيك عن الشّرك الجلي، فهذا غير وارد في حقِّهم، أو لا يتصور أن يكون من صفاتهم بعد الخشية والإشفاق والإيمان، وهذا تحذير شديد فربما يكون هناك من يفعل ذلك، فيا حسرة عليهم.
سورة المؤمنون [23: 60]
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} :
{وَالَّذِينَ} : اسم موصول يفيد المدح. ارجع إلى الآية (59، 58، 57).
{يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} : ما أتوا: ما: مبهمة لتشمل كل أنواع العطاء والإيتاء والصدقات وغيرها ولا تحدد المقدار، وتشمل المال والطعام والعلم والنصيحة، والحقوق والأمانات والمساعدات يؤتون غيرهم، وجاءت بصيغة المضارع الدالة على التجدد والتكرار.
{وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} : الوجل هو الخوف والقلق وعدم الاطمئنان يشارك به القلب بتسرع في ضربات القلب وقشعريرة في الجلد، قلوبهم وجلة ألا يقبل منهم عملهم الصّالح من صدقة أو صلاة أو صيام أو غيرها.
{أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} : أنّهم للتوكيد، إلى ربهم: تقديم إلى للحصر؛ أيْ: فقط إلى ربهم راجعون أيْ: موقنون بالرّجوع إلى ربهم والوقوف بين يديه للحساب.
سورة المؤمنون [23: 61]
{أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة واللام للبعد. يشير إلى الّذين ذكروا في الآيات الأربع السّابقة (57، 58، 59، 60).
{يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ} : ولم يقل: يسرعون، يسارعون مشتقة من يسارع يعني: يرى غيره يسرع فيحاول اللحاق به والتّفوق عليه، أيْ: فيها مبالغة لفعل يسرع، أمّا يسرعون من أسرع يُسرع بذاته من دون منافسة.
يسارعون في الخيرات: ولم يقل إلى الخيرات، في ظرفية تعني كانوا سابقاً في سراع أو يسرعون في فعل الخيرات، والآن هم أشد سرعة أو ازداد فعلهم للخيرات من الزّمن السّابق.
{وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} : هم للتوكيد، لها: اللام لام الاختصاص، أي: السّباق لأجل فعل الخيرات، أيْ: في نيتهم أو قصدهم أن يسبقوا النّاس، سابقون؛ أي: هم أهل لهذا السباق والمشاركة فيه، والنّتيجة هم السّابقون لا غيرهم، أو إذا كان هناك متسابقون فهم في طليعة الفائزون.
سورة المؤمنون [23: 62]
بعد ذكر يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون يبين الله في هذه الآية القانون الرّباني وهو:
{وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} : الوسع: لغة يساوي القدرة + المخزون الاحتياطي، فالوسع، أي: القيام بكل الأوامر التّكليفية مع عمل النوافل كاملة، وفي حالات الضّيق والشّدة عندها يلتزم بالرّخص الشّرعية، فالله سبحانه يقبل عذر من بذل ما في وسعه في المسارعة في فعل الخيرات.
{وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} : لا النّافية، نكلف من التّكاليف الشّرعية من العبادات، إلا: أداة حصر، وسعها قدرتها + الاحتياطي، والوسع الحقيقي لا يقدره أو لا يعلمه إلا الله، مع العلم أن لكل إنسان وسع وطاقة تختلف عن الآخر.
{وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} : أيْ: سجل أعمال العبد، الّذي كتبته الملائكة الحافظون الكرام الكاتبون، ولم يقل: وعندنا، لدينا: تستعمل للمؤمنين فهم من المقربين، وقيل: لدينا كتاب قد يشمل القرآن أيضاً.
{يَنْطِقُ بِالْحَقِّ} : الباء للإلصاق، والمصاحبة، الحق الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر، أيْ: ينطق يوم القيامة دون زيادة أو نقصان على أعمالهم كقوله تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ} [الإسراء: 14].
{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : هم تفيد التّوكيد، لا يظلمون: بزيادة سيئة أو نقص حسنة، ولا يظلمون فتيلاً أو نقيراً أو مثقال حبة من خردل.
سورة المؤمنون [23: 63]
{بَلْ} : للإضراب الانتقالي.
{قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا} : قلوبهم تعود على الكفار: الّذين تقطعوا أمرهم بينهم كلّ حزب بما لديهم فرحون.
قلوبهم في غمرة في غفلة وجهالة، أو عدم يقظة. ارجع إلى الآية (54) من نفس السّورة لمزيد من البيان. وقوله: قلوبهم في غمرة، ولم يقل: هم في غمرة، بل قلوبهم؛ لأن القلب هو يعمى، وهو مستودع الإيمان واليقين والعقاب، وهو الذي يسيطر على الجوارح كقوله تعالى:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]، {لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج: 46].
{مِّنْ هَذَا} : من ابتدائية، هذا اسم إشارة للتقريب تعني من كتاب الحفظة أو كتاب أعمالهم، أو تعني القرآن الكريم في غمرة تمنعهم من الوصول إلى فهم القرآن وتدبُّر معانيه أو الاستعداد ليوم الحساب.
كما قال تعالى: {لَّقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].
{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} : ولهم: اللام لام الاختصاص، أعمال من دون ذلك: أعمال غير الأعمال الّتي كتبها الحفظة لا بُدَّ أن يعملوها في المستقبل، سبق علمه سبحانه بها منذ الأزل.
أو الأعمال دون ذلك: أيْ: لهم أعمال غير تلك الأعمال الّتي عملوها يمهلهم الله لكي يعملوها من الأعمال السّيئة، فإذا عملوها جاء أمر ربك بالعذاب أو أعمال دون الشّرك والكفر من المعاصي والآثام، لا بُدَّ أن يعملوها قريباً.
سورة المؤمنون [23: 64]
{حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـئَرُونَ} :
{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية.
{إِذَا} : ظرفية زمانية فيها معنى الشّرط.
{أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ} : الأخذ يعني: القتل والانتقام بقوة وشدة بحيث لا يستطيع أحدهم أن يفلت من القتل والخزي والعذاب. مترفيهم جمع مترف بالعذاب: أولي النّعمة والتّرف والتبذير، التّرف: هو الغنى والتنعم المذموم الّذي تجاوز التّبذير والإسراف. والسؤال: هل العذاب أخذهم وحدهم بدون أن يعم الناس عامة؟ طبعاً العذاب عم الكل، ولكن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنجاة والنصر كما قال تعالى في سورة غافر آية (51):{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، وقوله تعالى في سورة الروم آية (47):{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
{إِذَا هُمْ} : إذا ظرف زماني يفيد الفجأة، هم للتوكيد.
{يَجْـئَرُونَ} : يصرخون: يصيحون يطلبون الخلاص أو الاستغاثة.
ويجأر: يصرخ بصوت عال يسمعه كلّ من حوله طالباً من أحد أن ينقذه أو يدفع عنه المحنة.
سورة المؤمنون [23: 65]
{لَا تَجْـئَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ} :
{لَا} : النّاهية.
{تَجْـئَرُوا الْيَوْمَ} : أيْ: لا تستغيثوا اليوم بنا من العذاب. اليوم: يوم القيامة.
{إِنَّكُمْ} : إن للتوكيد.
{مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ} : تعليل للنهي عن الجئر؛ لأنّه لن ينفعكم، منا هنا تدل على أنّه إذا وجد أحد ينصركم فهو نحن حصراً، وهذا لن يحدث.
والأسباب لعدم نصركم والاستجابة لكم كثيرة منها:
سورة المؤمنون [23: 66]
{قَدْ كَانَتْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} :
{قَدْ} : للتحقيق والتّوكيد.
{كَانَتْ آيَاتِى} : آيات القرآن وسماها آياتي لزيادتها تكريماً وتشريفاً.
{تُتْلَى عَلَيْكُمْ} : أيْ: تقرأ عليكم. والتلاوة: تكون من القرآن، أو الكتب المنزلة، وهي أخص من القراءة ولها أجر، والتلاوة: لا تكون إلا لكلمتين أو أكثر، أو تعني: اتباع الشيء بالشيء، والقراءة: قد تكون من القرآن، أو غيره، وتكون من كلمة واحدة.
{فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} : العقب هو مؤخر القدم، أيْ: كنتم حين يُتلى عليكم القرآن تتولَّون مدبرين لا تريدون الاستماع إليه، ولا الانتفاع به كالّذي يرجع القهقرى إلى الخلف ويغمض عينيه ولا يريد الهداية.
سورة المؤمنون [23: 67]
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} :
{مُسْتَكْبِرِينَ} : مظهرين تكبرهم وعظم شأنهم فوق ما يستحقون؛ لأنّ مؤهلات الكبر كالمال والجاه والسّلطان كلها من الله فهم لا يملكون تلك المؤهلات.
{بِهِ} : تعود للبيت الحرام، أي: العتيق، مستكبرين بسببه، أو تعود إلى القرآن الكريم، أو الرّسول صلى الله عليه وسلم.
مستكبرين بالقرآن: أيْ: مكذبين له، كقوله تعالى:{لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26].
{سَامِرًا} : بمعنى: متسامرين أو حديث السّمر: حديث اللّيل حيث كانوا يجتمعون ليلاً من فعل سَمُر فلان يَسْمُر إذا تحدث ليلاً، والسّمر قيل: هو ضوء القمر، ثمّ أطلق على اللّيل، أيْ: يتحدثون حول الكعبة في ضوء القمر، وجعلوا البيت الحرام أو القرآن أو الرّسول صلى الله عليه وسلم مادةَ سمرهم ويتسامرون بالحرم، بذكر الحرم وأنهم أهله، وولاته، فلا يخافون النّاس، ويستكبرون على سائر الأمم الأخرى به، كما قال تعالى:{وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34].
أو يتسامرون بالقرآن أنّه شعر أو سحر أو أساطير الأولين أو يتسامرون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: إنّه افترى القرآن أو يعلِّمه بشر.
{تَهْجُرُونَ} : من هجر يهجر فهو هاجر: أيْ: هذى من الهذيان وتكلم بكلام غير صحيح، أيْ: هو لغو وهذيان أو تهجرون الطواف بالبيت بسبب حديث السمر، وقد تشمل تهجرون ذكر الله وكتابه أيضاً بانشغالكم باللغو وحديث السمر.
سورة المؤمنون [23: 68]
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} :
{أَفَلَمْ} : الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وسبب توبيخهم لأنّهم:
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} : القول: القرآن، أو آية أو عدة آيات، والقول يشمل القرآن وغيره من القول، وسمي القول يعني: المقول بعينه، أو لأنهم خوطبوا به. يدبروا: أصلها يتدبروا: أبدلت التاء دالاً: لقرب المخرج وأدغمت مع الدّال الثّانية لما لم يتدبروا ويفهموا ما جاءهم في القرآن الكريم، وهو القول، ولو تدبَّروه وفهموا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به واهتدوا، والتّدبر: فهم المعنى والعمل به وتطبيقه. والفرق بين يتدبروا ويدبروا: يتدبروا تحتاج إلى تدبر؛ أي: زمن طويل وطول تأمل وتفكر تدبر عقلي وفكري مثلاً، أما يدبروا: تحتاج زمن قصير وتأمل قليل. ارجع إلى سورة محمد آية (24) لمزيد من البيان.
{أَمْ} : المنقطعة بمعنى أم للإضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام، وقد تعني: بل جاءهم.
{جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} : كقوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} [يس: 6] أيْ: لِمَ كان مجيء محمّد صلى الله عليه وسلم غريباً عليهم أو لا يصدقونه فقد جاء لكلّ أمة رسولها.
سورة المؤمنون [23: 69]
{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} :
{أَمْ} : الهمزة استفهام وتوبيخ، ام: للإضراب الانتقالي.
{لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ} : الّذي عاش بينهم طوال حياته ولم يعرفوا سيرته ونسبه ومسكنه قبل أن يبعث وسمَّوه الصّادق الأمين.
{فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} : أم هم يعرفونه حقاً، ولكنهم يزعمون أو ينكرون أنّهم لا يعرفونه، وهذا توبيخ لهم. منكرون: جمع منكِر، والإنكار: هو أعم من الجحد، ويكون مع العلم، أو غير العلم بالشيء، أو النعمة، أو الرسول.
وقال: رسولهم، ولم يقل: أم لم يعرفوا الرّسول، نسب الرّسول إليهم؛ لأنّهم لا يمكن لهم إنكار ذلك.
سورة المؤمنون [23: 70]
{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} :
{أَمْ} : للإضراب الانتقالي.
{يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} : جنة: مصدر من جنَّ على وزن فعلة، أم يقولون: به جنون كما قالوا: {يَاأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6]. ارجع إلى الآية (25) من نفس السّورة لمزيد من البيان في جِنَّةٍ.
وكلمة يقولون بصيغة المضارع تدل على استمرار وتجدُّد قولهم: به جِنَّة.
{بَلْ} : حرف للإضراب الإبطالي، أيْ: يبطل معنى ما سبق، أيْ: ليس صلى الله عليه وسلم به جنة، بل جاءهم بالحق.
{جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} : بالقرآن، وبالوحي والباء للإلصاق والمصاحبة.
{وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} : كارهون: جمع كاره، أيْ: لا يريدون الحق؛ لأنّه يخالف شهواتهم وأهواءَهم، وكراهيتهم للحق هو أحد الأسباب الباطنة الّتي لا يعترفون بها، ولم يقل: الكل للحق كارهون، ولكن قال: أكثرهم، فهناك القليل الّذين يعلمون أنّه الحق وهم غير كارهين له.
وكارهون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، كرههم للحق مستمر وثابت، لن يتغيَّر.
سورة المؤمنون [23: 71]
{وَلَوِ} : لو الشّرطية.
{اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} : لو نزل القرآن الكريم كما يتمنَّون ويحبون، كما قالوا:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31].
أو كما قالوا: اتخذ ولداً، أو له شريك في الملك أو استجاب لمطالبهم كما يحبون أو يريدون.
{أَهْوَاءَهُمْ} : جمع هوى، والهوى: ما يدور في العقل، وما تريده النفس، وتميل إليه باطلاً، أو بما ينبغي، ولا دليل عليه، والهوى: يغلب عليه صفة الذّم، والهوى: يكون إما بالأداء، أو الاعتقادات.
{لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} : خرجت عن نظامها الثّابت؛ لأنّ كلّ إله يريد أن يدبِّر ويُسير السّموات والأرض كما يشاء، أو يحكم كما يشاء. لما استقامت الحياة على الأرض وحدث الهلاك والدّمار.
{وَمَنْ فِيهِنَّ} : الملائكة والجن والإنس، والحيوان والنّبات والجماد، كلٌّ حسب هواه وشهواته.
{بَلْ} : للإضراب الإبطالي.
{أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ} : بالقرآن الّذي هو ذكرهم، والذْكر: هو الشرف والفخر، والذكر هو البيان يبين لكم التّكاليف والأحكام الّتي تحتاجون لها، والذكر: يعني يذكركم بالخالق.
{فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} : فهم للتوكيد، عن ذكرهم معرضون: فهم عن كتابهم مبتعدون ومهملون، كما قال تعالى:{إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30].
معرضون: جملة اسمية تدل على الثّبوت والاستمرار في الإعراض.
سورة المؤمنون [23: 72]
{أَمْ تَسْـئَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} :
{أَمْ} : للإضراب الانتقالي.
{تَسْـئَلُهُمْ خَرْجًا} : تطلب منهم أجراً ومالاً على تبليغ رسالتك والدّعوة إلى الله، والخراج هو العطاء، وسُمِّي الخراج؛ لأنّه هو الّذي يخرج منك رغماً عنك أمّا الخرج ما يخرج منك طواعية.
{فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} : أيْ: ما يعطيك ربك ويرزقك في الدّنيا وما يعطيك في الآخرة خيرٌ؛ أي: أفضل وأعظم أجراً ما يعطيك النّاس.
{وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} : وهو ضمير فصل يفيد التّوكيد، خير الرازقين: خير وأفضل الرازقين.
هذا من فضل الله وكرمه أنّه أعطى بعض عباده صفة الرّزق رغم أنّه سبحانه هو وحده الرّزاق الحقيقي، ويرزق من يشاء بغير حساب، والرّزق لا يقتصر على المال والمتاع، وإنّما على العلم والصّحة أي: العافية والذّرية الصّالحة والأخلاق وغيرها.
وكونهم رازقين هي صفة زائلة عنهم تنتهي عند موتهم، ويبقى الله الحيُّ القيوم هو الرّزاق الدائم.
سورة المؤمنون [23: 73]
{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} :
{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ} : إنّك للتوكيد، واللام في لتدعوهم لزيادة التّوكيد، أي: النّاس أجمعين، تدعوهم: تدلهم وتبيِّن لهم الصّراط المستقيم، دين الإسلام.
والصّراط المستقيم هو السّبيل الّذي يوصلك إلى غايتك وهي الجنة ورضوان الله بأقصر زمن، ومن دون عائق وأقل جهد.
سورة المؤمنون [23: 74]
{وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} :
{وَإِنَّ} : للتوكيد، الّذين: اسم موصول يفيد الذم، لا: النّافية.
{لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} : لا يصدِّقون بالآخرة والبعث والحساب (باء الإلصاق).
{عَنِ الصِّرَاطِ} : الطّريق القويم طريق الحق والهداية، أو الدين القيم.
{لَنَاكِبُونَ} : اللام لام التّوكيد، ناكبون جمع ناكب: اسم فاعل من نكب، أيْ: حاد أو عدل أو مال، ومشتقة من المنكب وهو جانب الكتف وتعني معرضون منحرفون؛ أيْ: معرضون عن السّير على الصراط؛ أيْ: تقبُّله والعمل به.
ناكبون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أي: الاستمرار على الإعراض عن السير على الصراط المستقيم.
سورة المؤمنون [23: 75]
{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} :
{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ} : قيل: معطوفة على حتّى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب.
وسبب نزول هذه الآية: كما قال ابن عبّاس: الضّر وهو الجوع والفقر الّذي نزل بأهل مكة حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم أعني على قريش بسنين كسني يوسف. رواه الواحدي في أسباب النّزول (179) وأصله في الصّحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابهم ذلك، فشكوا إليه الضّر، وأنّهم قد أكلوا القد والعظام، فنزلت هذه الآية والّتي بعدها، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب.
ولو رحمناهم: لو شرطية، رحمناهم: أيْ: أهل مكة وغيرهم، والرحمة تعريفها: جلب ما يَسرُّ ودفع ما يَضرُّ.
{وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ} : كشفنا: رفعنا عنهم البلاء، من ضُرٍّ: والضُّر: اسم جامع لكل ما يسوء الإنسان في نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله. من: ابتدائية، ضُرٍّ: نكرة تشمل الجوع والفقر والخوف، والمرض، وما أصابهم نتيجة القحط والجدب. ارجع إلى سورة يونس آية (12) لمزيد من البيان.
{لَلَجُّوا} : اللام للتعليل، للجوا: من اللجاج وهو التّمادي في فعل المزجور عنه، مشتقة من لُجَّة البحر، أيْ: تردُّد أمواجه وعودتها إلى الاصطدام بالشاطئ أو بالصخر المرة بعد الأخرى بلا انقطاع، ولجَّ في الأمر: واظبه ولازمه.
{فِى طُغْيَانِهِمْ} : في مجاوزتهم الحد في الكفر والشّرك أو الضّلال.
{يَعْمَهُونَ} : من العمى وهو عمى البصيرة المؤدِّي إلى التّردُّد في الأمر والحيرة وعدم الاهتداء إلى الرّشد والصّواب والاستمرار في ذلك.
سورة المؤمنون [23: 76]
{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} :
{وَلَقَدْ} : الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
{أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ} : أصبناهم وأنزلنا بهم العذاب بشدة، فلم ينجُ منهم أحد إلا أصابه الفقر والقحط، الباء للإلصاق والمصاحبة والاستمرار، العذاب: جاء بأل التّعريف، أي: العذاب الدّنيوي مثل سني القحط والفقر والجوع، أو قيل: القتل والأسر والهزائم، كما حصل في معركة بدر الكبرى.
{فَمَا} : الفاء: للترتيب والتّعقيب، ما: النّافية.
{اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ} : استكان: بمعنى خضع، والاستكانة: مشتقة من السكون؛ أي: الخضوع من استكان، أي: انتقل من كَوْن إلى كوْن واستعمل كثيراً في الانتقال من كون الكبر إلى كون الخضوع.
أيْ: فما خضعوا وانقادوا وأطاعوا ربهم بعد ما أصابهم العذاب ليكشف عنهم العذاب.
{لِرَبِّهِمْ} : اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
{وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} : تكرار (ما): لتوكيد النّفي، فما استكانوا وما يتضرعون وفصل كلّ منهما عن الآخر، أيْ: لم يتضرعوا ولم يستكينوا، لم يفعلوا أحدهما أو كلاهما معاً، يتضرعون: وهي الدّعاء والاستغاثة والذّلة أو ما تذلَّلوا لربهم بالدّعاء، ولم يقل: وما يضرعون، الفرق بينهما:
يضرعون: بالإدغام (التّاء في الطّاء) صيغة مبالغة وتعني الإكثار في الدّعاء والتّضرع والخبرة في كيفية التضرع.
يتضرعون: أطول في البناء وتدل على طول الزّمن الّذي أعطي لهم ولم يتضرعوا ولو مرة واحدة، ويتضرعون جاءت بصيغة المضارع، ولم يقل: وما تضرعوا، كما قال: وما استكانوا؛ ليدل على دوامهم واستمرارهم في عدم التّضرع، أيْ: ليس من عادتهم التّضرع، وقوله: يجأرون، لا تعني: يتضرعون. ارجع إلى الآية (64) من نفس السّورة لمعرفة الفرق.
سورة المؤمنون [23: 77]
{حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} :
{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية.
{إِذَا} : ظرف زماني.
{فَتَحْنَا عَلَيْهِم} : على قريش أو مشركي مكة، وتقديم عليهم (الجار والمجرور) أيْ: خاص بهم وليس على غيرهم. وعلى: تدل على المشقة والصعوبة والاستعلاء، وتأتي في سياق العذاب أو الشر.
{بَابًا} : مثلَ معركة بدر أو غيرها من الغزوات وأصابهم القتل والأسر، أو بابَ الجوع والقحط والضر، أو باباً من عذاب جهنم في الآخرة.
{ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} : نعت أو صفة للباب، عذاباً شديداً: يشمل القتل والأسر والقحط والفقر والجوع، ويشمل في الآخرة كلّ أنواع العذاب مثل الأليم والمقيم والمهين.
{إِذَا} : ظرف زماني يفيد الفجأة.
{هُمْ} : للتوكيد.
{فِيهِ} : ظرفية.
{مُبْلِسُونَ} : جمع مبلس والإبلاس: شدة اليأس من النّجاة، أيْ: آيسون من النّجاة ومن كلّ خير، وساكتون من شدة الحيرة والعمى.
وقيل: الإبلاس والمبلس:
1 -
المبلس: الآيس من رحمة الله.
2 -
المبلس: الآيس من كلّ خير.
3 -
المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه.
4 -
المبلس: الّذي يسكت عند انقطاع حُجَّته، أي: السّاكت، والمتحيِّر ماذا يفعل أو يقول.
5 -
وقيل: المبلس: المجهود المكروب، الحزين النّادم وقد يجمع الكل.
وأما الإبلاس قيل: الاكتئاب والحزن وشدة الحسرة.
وقيل: الإبلاس: الفضيحة.
سورة المؤمنون [23: 78]
{وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْـئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} :
المناسبة: بعد أن بيَّن الله سبحانه إعراض المشركين عن تدبُّر القرآن والأدلة على وحدانيته أعقب ببيان بعض النّعم الّتي تدل على قدرته سبحانه فقال:
{أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْـئِدَةَ} : أنشأ: أوجد، وطور أدوات الحس هذه لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة؛ لتتفكروا بها وتستدلوا على ربكم خالقكم وتستفيدوا منها في دنياكم، وتعينكم على تحقيق غاياتكم الدّنيوية والأخروية.
وقدَّم السّمع على الأبصار؛ لأنّ السّمع يفوق البصر في الأهمية، ولأن السّمع ينشأ أو يُخلق قبل البصر، ولأنّ مدى السّمع أقل من مدى البصر.
وتقديم السّمع على البصر يكون في سياق الدّنيا، أمّا في سياق الآخرة فهو يقدِّم البصر على السّمع، كما في آيتي الكهف آية (26)، والسّجدة آية (12)، أمّا لماذا جمع البصر وإفراد السّمع فارجع إلى سورة البقرة آية (7).
{قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} : أيْ: قليلٌ منكم من يشكرون على نعمة السمع والبصر وغيرها من النعم؛ (أيْ: عدد الشّاكرين منكم قليل) أو الشّكر على نعمه الكثيرة كميته قليلة جداً، أو لا تشكرونه إلا نادراً. ارجع إلى سورة الأعراف آية (10) لمزيد من البيان في معنى الشّكر.
{قَلِيلًا} : التّنكير يفيد التّقليل، (ما) لتأكيد قلة الشّكر.
سورة المؤمنون [23: 79]
{وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} :
{وَهُوَ الَّذِى} : تكرار وهو الّذي، الّذي يفيد التّوكيد والحصر والتّعظيم.
{ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ} : من ذرأ: أيْ: بثَّ أو فرَّق أو نشركم في الأرض: بالتّناسل والتّكاثر لعمارتها ووزَّعكم في أقطارها.
{وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} : إليه: تقديم الجار والمجرور تفيد الحصر، أيْ: فقط إليه تحشرون.
الحشر هو السّوق من الأجداث والجمع يوم القيامة في أرض المحشر للحساب، وكذلك من مظاهر قدرته الإلهية الإحياء والإماتة واختلاف الليل والنّهار، فهذه كلها موجبة لعبادته وتوحيده والإيمان به.
سورة المؤمنون [23: 80]
{وَهُوَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} :
{وَهُوَ الَّذِى} : تكرار وهو الّذي يفيد التّوكيد والحصر.
{يُحْىِ وَيُمِيتُ} : يُحيي: بنفخ الرّوح في الجنين بعد بدء تشكله، ويبقي من يشاء حياً حتّى يبلغ أجله، ويميت: من بلغ أجله.
{وَلَهُ اخْتِلَافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} : له: لام الاختصاص له وحده يرجع تدبير دوران الأرض حول نفسها وحول الشّمس؛ مما ينتج عنه تبادل الليل والنّهار بالطول والقصر، الدال على عظمة الخالق وقدرته، وهذا الدوران الدقيق يحث على التفكُّر والوصول إلى الحقيقة وإعمال العقل.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : الهمزة همزة استفهام إنكاري على عدم التّعقل والتّعجُّب من ترك التّفكير، والفاء للتوكيد، ألا: أداة حضٍّ وتنبيه، وتحمل معنى الأمر.
{تَعْقِلُونَ} : من عقل الشّيء أيْ: عرفه بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه ووصل إلى الحقيقة وهي الإيمان به أنّه هو الإله الحق واجب الوجود المستحق للعبادة وحده وأنّه على كلّ شيء قدير.
سورة المؤمنون [23: 81]
{بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ} :
أيْ: لم يتعظ ويعقل مشركو وكفار قريش وغيرهم.
{بَلْ قَالُوا} : للإضراب الانتقالي.
{مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ} : ما مصدرية أو اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي. ما قال الأولون: وماذا قال الأولون جاء في الآية القادمة (82) والانتقال من قوله: أفلا تعقلون بصيغة المخاطب إلى قوله: بل قالوا بصيغة الغائب لقلة الاهتمام بهم وبما قالوا.
سورة المؤمنون [23: 82]
{قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} :
{قَالُوا أَإِذَا} : الهمزة هنا همزتين همزة استفهام إنكاري واستبعاد وهمزة إذ الشّرطية. قالوا: وهم في الدنيا.
{مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} : مِتنا بكسر الميم، أيْ: موت عادي على فراش الموت، بينما مُتنا بضم الميم تدل على الموت في الجهاد في سبيل الله. ارجع إلى سورة آل عمران (157-158) لبيان الفرق بين مِتم ومُتم.
{وَكُنَّا تُرَابًا} : التّراب فوق العظام أو تستحيل النّسج والعضلات إلى تراب والعظام تتحول إلى عظام نخرة، ثمّ إلى رفاتٍ بعد الموت بزمن طويل.
{أَإِنَّا} : الهمزة للاستفهام الإنكاري والاستبعاد.
{لَمَبْعُوثُونَ} : اللام للتوكيد والاستبعاد والنّفي نفي البعث، من بعد الموت والخروج من القبور والحشر والحساب.
جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستمرار في إنكار البعث.
سورة المؤمنون [23: 83]
{لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} :
{لَقَدْ} : اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
{وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا} : الموعود، أي: البعث بعد الموت، وآباؤنا: أيْ: أجدادنا.
{مِنْ قَبْلُ} : من قبل مجيء محمّد صلى الله عليه وسلم، أو من الأنبياء السّابقين.
{إِنْ هَذَا} : إن للتوكيد، هذا اسم إشارة والهاء للتنبيه ذا: للتقريب، أي: البعث.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : جمع أسطورة أو أكذوبة من الأباطيل والأكاذيب الّتي جاء بها الأولون.
لنقارن الآية (82-83) من سورة المؤمنون وهما: {قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .
مع الآية (67-68) من سورة النّمل وهما: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .
في آية (المؤمنون) قدَّم (نحن وآباؤنا) على كلمة (هذا) أي: (البعث) فهو قدَّم المؤكد نحن وعطف عليه الآباء، ثمّ أخَّر الموعود الّذي ليس مؤكداً وهو البعث، آباؤهم في هذه الآية معروفون.
في آية النّمل قدَّم هذا (البعث) لأنّه أهم من آبائهم غير المعروفين مَنْ هم، أو قدَّم هذا؛ لأنّه يشير إلى البعث بعد كونهم تراباً الّذي هو أدعى إلى العجب والبُعد من كونهم تراباً وعظاماً.
ثم طلب الله سبحانه وتعالى من نبيه أن يسأل منكري البعث ثلاثة أسئلة؛ ليقيم عليهم الحُجَّة، وأن يأتي الجواب منهم.
سورة المؤمنون [23: 84]
{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} :
السؤال الأول: {قُلْ لِمَنِ} : لمن اللام لام الاختصاص والملكية، قل، يا محمّد صلى الله عليه وسلم أو اسأل أهل مكة المكذبين بالبعث والحساب والجزاء.
{الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا} : من مالك الأرض ومن فيها من خالقها، وخالق ما فيها (من نباتات وثمرات ومعادن وخيرات وكنوز وحيوانات وأشجار وبحار وجبال).
{إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} : إن شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك، إن كنتم: أهل علم ولستم من الجاهلين.
سورة المؤمنون [23: 85]
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} :
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} : السّين: للتوكيد، وللقرب سيقولون: لله، اللام لام الملكية والاختصاص، وبما أنّهم قالوا: لله، فهم لا ينكرون ذلك.
{قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} : أفلا الهمزة للاستفهام الإنكاري والتعجُّب، ألا: أداة تنبيه وحضٍّ وتحمل معنى الأمر، تذكرون: ما دامت الأرض ومن فيها لله، فلماذا لا تذكرون ذلك، وتؤمنون به وتؤمنون بيوم البعث والحساب.
وحين يسأل: قل لمن الأرض ومن فيها؟ الجواب: أن تقول: لله؛ لأنّ الخطاب لكلّ من يسمع السّؤال، ولكنّه قال: سيقولون: لأنّه أراد الجواب من أهل مكة المكذِّبين بالبعث والحساب والجزاء بإقرارهم على أنفسهم ولتكون الحُجَّة عليهم؛ لأنه لا يسأل الذين يؤمنون بالله تعالى وبالبعث فهؤلاء جوابهم معلوم، وكان هذا السؤال الأول، ويكفيه التذكر أو النظر لإدراك الجواب، والسؤال الثاني ورد في الآية (86) أصعب أو أعقد من الأول وفيه تحذير وتهديد، وجاء الجواب أفلا تتقون، وجاء السؤال الثالث في الآية (87) فيه تحذير وتهديد أشد وأشد فكان الجواب فأنى تسحرون.
سورة المؤمنون [23: 86]
{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} :
{قُلْ} : لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم.
{مَنْ} : استفهام تقريري.
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} : أيْ: خالق السّموات السّبع وخالق العرش العظيم، وأعظم ما خلق سبحانه هو العرش، ثمّ السّموات السّبع والأرض، ثمّ خلق الإنسان، وكما قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38]. ارجع إلى سورة التوبة آية (129) لمزيد من البيان عن رب العرش العظيم، وسورة طه آية (5)، وسورة هود آية (7).
سورة المؤمنون [23: 87]
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} :
السّؤال في هذه الآية قل من رب السّموات السّبع؟ الجواب عادة: سيقولون الله، ولكنهم عدلوا عن ذلك وقالوا: لله؟ وهذا جائز في اللغة فحين تسأل من صاحب هذه الدار؟ تعني: لمن هي.
{أَفَلَا تَتَّقُونَ} : أي: تطيعون أوامر الله تعالى وتجتنبون نواهيه وتجعلون بينكم وبين سخطه وغضبه أو ناره حاجزاً.
سورة المؤمنون [23: 88]
{مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} : تضم ملكوت السّموات والأرض، والملكوت هو المَلِك الّذي لا تراه وتحسه وتشاهده من ملك الله تعالى. ارجع إلى سورة الأنعام آية (75) لمزيد من البيان.
فالله سبحانه بيده: أيْ: في قبضته ملكوت كلّ شيء؛ مما يدل على القدرة والتّمكن والتّصرف فيها كيف يشاء، فهو سبحانه مالك المُلْك فيها معنى المِلْك، أي: الملكية والمُلْك، أي: الحكم فهو سبحانه له السّموات السّبع والأرض، وما في السّموات، وما في الأرض، وما بينهما.
وله المُلك: أيْ: هو الحاكم لهنَّ وما فيهنَّ والمدبر ومالك لهنَّ وما فيهنَّ.
وكلمة شيء نكرة تعني: كلّ شيء مهما كان نوعه وحجمه وشكله وجنسه.
{وَهُوَ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.
{يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} : أيْ: يتكفل بحماية من يلجأ إليه ويطلب منه العون والغوث، ولا يحتاج سبحانه إلى حماية أحد أو الغوث والمساعدة والنّصرة من أحد مهما كان؛ لأنّه سبحانه هو القوي العزيز، ولا يستطيع أحد أن يحميك أو يجيرك من الله تعالى ومن عذابه وعقابه.
سورة المؤمنون [23: 89]
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} :
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} : ارجع إلى الآية (85) من نفس السورة للبيان.
{قُلْ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم لهم.
{فَأَنَّى} : استفهام بمعنى: كيف ومن أين وتحمل معنى التّعجُّب.
{تُسْحَرُونَ} : أيْ: إذا كان جوابكم لهذه الأسئلة الثّلاثة هو الله كما تقولون، فما الّذي سحركم أو كيف سُحرتم، أو من أين جاء لكم السّحر حتّى تشركوا بالله تعالى ولا تؤمنوا بالبعث والآخرة والحساب أو تخدعون بالباطل ويُذهب بعقولكم كما يُفعل بالمسحور الّذي أصيب بالسحر والجنون.
سورة المؤمنون [23: 90]
{بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} :
{بَلْ} : حرف إضراب إبطالي لإبطال كونهم مسحورين.
{أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ} : بالوحي بالصّدق والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير، وبالحق قد يعني القرآن، وبأنّه ليس له شريك ولا ولد، أيْ: بالتّوحيد.
{وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} : إن واللام في لكاذبون للتوكيد، لكاذبون حين يزعمون أنّ له ولداً أو معه شريك.
سورة المؤمنون [23: 91]
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} : ما النّافية، ينفي سبحانه عن ذاته الولد، لأنّهم قالوا:{اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116]، وما تنفي كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، من: استغراقية أيِّ ولد ذكر أو أنثى، سواء كان عيسى أو عزيراً أو الملائكة (بنات الله) وفي الماضي والحاضر، فاتخاذ الولد بحق الله لا ينبغي؛ لأنّه سبحانه لا يحتاج إلى عونٍ أو وليٍّ أو نصيرٍ أو ولدٍ؛ لأنّه سبحانه عزيز حكيم. والفرق بين ما اتخذ الله من ولد، وقوله لم يتخذ ولداً: ما اتخذ الله: تأتي في سياق الرد على سؤال أو قول بالنفي؛ لم يتخذ ولداً: تأتي في سياق الإخبار أو التعليم.
{وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} : و (ما): النّافية وتكرارها يفيد التّوكيد وفصل كلّ من اتخاذ الولد واتخاذ الشّريك أو كلاهما معاً، وتنفي كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، من: استغراقية، أيْ: ما كان معه من إلهٍ مهما كان نوعه يشارك في الألوهية، اللام لام التّعليل.
{لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} : لانفرد واستقل كلّ إله بخلقه وبملكه، ولفسدت السّموات والأرض؛ لأنّها ستكون خاضعة لأوامر كلّ إله، وليس لنظام واحد ومدبِّر واحد.
{وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} : وفي آية أخرى {لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42].
ولعلا بعضهم على بعض بالقوة، وحاول كلّ منهما التّغلب على الآخر بشتى الوسائل.
{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} : أيْ: أنزه الله تنزيهاً في ذاته وصفاته وأسمائه تنزيهاً كاملاً من كلّ عيب ونقص. ارجع إلى سورة الإسراء آية (1) لمزيد من البيان، وسورة الحديد آية (1).
{عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} : عن وما عن: تفيد المغايرة، ما المصدرية، سبحانه عن إشراكهم أو اسم موصول بمعنى الّذي، يصفونه به بما يقولون من الشّرك (الولد أو النّد أو الولي) والصاحبة والشريك.
سورة المؤمنون [23: 92]
{عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} :
{عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} : عالم صيغة مبالغة من علم كثير العلم يحيط علمه بكل شيء، فهو يعلم ما غاب عن الخلق من الأشياء ويعلم ما يشاهدونه ويبصرونه فهو عالم الغيب والشّهادة (أي: المرئيات) والغيبيات. ارجع إلى سورة الأنعام آية (73) لمزيد من البيان.
{فَتَعَالَى} : تقدَّس وتعالى الله عما يقوله الظّالمون والكافرون والمجرمون، وتعالى على كلّ شيء بقدرته والمتنزه عن نعوت المخلوقات وعن كلّ شيء لا يليق بذاته وصفاته وأفعاله.
{عَمَّا يُشْرِكُونَ} : عما: مركبة من عن + ما عن تفيد المجاوزة والمباعدة، ما اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي يشركون أو مصدرية، أيْ: سبحانه عمَّا يشركون به من الأصنام أو الآلهة أو النّد والولد والصاحبة.
سورة المؤمنون [23: 93]
{قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ} :
{قُلْ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم رب حذف، ياء النّداء الّتي تفيد البعد.
{إِمَّا} : أصلها إن، الشّرطية الّتي تفيد النّدرة والاحتمال، أيْ: تستعمل للأمر المحتمل أو النّادر الحدوث، ما: للتوكيد.
{تُرِيَنِّى} : النّون الثّقيلة لزيادة التّوكيد، أيْ: إن كان لا بُدَّ أن ترين، أيْ: تطلعني على عذابهم.
{مَا يُوعَدُونَ} : ما: اسم موصول بمعنى الذي وأوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية ما يوعدون من العذاب أو القتل في الدّنيا رب فلا تجعلني في القوم الظّالمين.
سورة المؤمنون [23: 94]
{رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} :
أيْ: إن أريتني عذابهم رب فلا تجعلني فيهم أو من بينهم حين يحل بهم العذاب.
{رَبِّ} : حذف ياء النّداء للقرب، وتكرار ربِّ تدل على زيادة التّضرع أو التّوكيد في الدّعاء.
{فَلَا} : الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.
{تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : ولم يقل: تجعلني مع القوم الظّالمين، تعني: أصبح من جملتهم، أي: المختلط فيهم حين يحل بهم العذاب، أيْ: ليس فيهم ولا معهم، أيْ: مصاحب للظّالمين والمشركين بأي حال من الأحوال.
سورة المؤمنون [23: 95]
{وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} :
يبيِّن الله سبحانه أنّه قادر على أن يعذبهم ويُري رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عذابهم وأنّه سبحانه قادر على ذلك.
{وَإِنَّا} : للتعظيم.
{عَلَى أَنْ} : للتوكيد.
{نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} : من العذاب والخزي أو القتل والهزيمة، ما مصدرية، أو اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي.
{لَقَادِرُونَ} : اللام للتوكيد، ولا ننسى قول الله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33].
وقوله تعالى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ} [الزخرف: 41-42].
سورة المؤمنون [23: 96]
{ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} :
{ادْفَعْ} : الدّفع الرّد بقوة، وأما الدرء فهو الدفع أو الرّد بسرعة، الخطاب موجَّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أيضاً.
{بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} : بالّتي هي أحسن على وزن أفعل، أي: ادفع بالأفضل، أيْ: رد الإساءة أو الأذى أو السّيئة الّتي تصدر عنهم نحوك بالصّفح والعفو. ومقابلتها بما يمكن من الإحسان؛ أي: ليس فقط الصّفح، بل الصّفح+ الإحسان يعني: حسنة مضاعفة إزاء سيئة واحدة.
{نَحْنُ أَعْلَمُ} : نحن ضمير للتعظيم، أعلم صيغة مبالغة ولم يقل: نحن نعلم.
{بِمَا يَصِفُونَ} : بما يقولون: الباء للإلصاق، وما: بمعنى الذي يصفون الله تعالى بأن له شريكاً أو ولداً، أو صاحبةً أو ولياً، و (ما) مبهمة تشمل كلّ ما يصفون، ويصفونك بالسّاحر والشّاعر والمفتري والمجنون، أو لا بعثَ ولا حسابَ ولا آخرةَ.
سورة المؤمنون [23: 97]
{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} :
{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ} : أي: ألتجأ إليك أو أستجير بك، وأتحصن بك حتّى لا يفتنوني في ديني، وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كذلك لأمته الّتي هي أحوج منه إليه.
{هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} : جمع همزة والهمزة في اللغة النخس والدّفع، أيْ: دفعهم إلى فعل المعاصي وحثهم عليها وإثارة الغضب حتّى لا يملك الإنسان نفسه.
سورة المؤمنون [23: 98]
{وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} :
{وَأَعُوذُ بِكَ} : أيْ: ألتجأ إليك وأستجير وأتحصَّن بك، وتكرار أعوذ بك: للتوكيد على أهمية الاستعاذة من الشيطان في كل الأمور.
{أَنْ يَحْضُرُونِ} : في أيِّ أمر من أموري، أو حتّى مجرد الحضور وإن لم يهمزوا أيْ: لا أريدهم بالقرب مني فحذف الياء يدل على الاستمرار؛ أي: التعوذ الدائم من أي وقت وعدم حضورهم ولو أدنى الحضور.
سورة المؤمنون [23: 99]
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} :
هذه الآية تتمة لقوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} .
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} :
{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية.
{إِذَا} : شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث، أيْ: تستعمل للشيء المحقق حدوثه وبكثرة وهو مجيء الموت.
{جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} : أيْ: هو في حالة الاحتضار أو مرحلة الوفاة الّتي تسبق قبض الروح، وجاء فيها معنى الصعوبة والمشقة والشدة، ولم يقل: حضر أحدهم الموت.
حضر فيها معنى السهولة، وتستعمل عادة في الأحكام أو آيات الموت أو الإنذار، أو الوصايا والتوبة، والتحذير والموعظة، بينما جاء تعني المريض على فراش الموت وفي حالة الاحتضار، ويعاني من سكرات الموت ويوقن أنّه ميت، عندها يتمنى الكافر والمشرك أن يرجع إلى الدّنيا.
{قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} : جاءت ارجعون بصيغة الجمع، بينما جاء أحدهم الموت بصيغة الإفراد.
وتفسير ذلك كأنّه استغاث ربه واستغاث الملائكة، فقال: ارجعون ولم يقل: رب ارجعني؛ لأنه كرَّر ذلك الطّلب فقال: ارجعون، أو قال: ارجعون ولو لمدة قصيرة، أو زمن قليل، وأما ارجعوني تعني: مدة طويلة، أو قال: ارجعون لضيق الوقت قبل الموت، أو بصيغة الجمع تعظيماً لله تعالى.
{ارْجِعُونِ} : أي: إلى الحياة الدّنيا والرّجوع يكون عادة إلى المكان الّذي انطلق منه، ولماذا يطلب الرّجعة إلى الدّنيا؟ تفسرها الآية القادمة لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركت.
سورة المؤمنون [23: 100]
{لَعَلِّى} : قد تكون للترجي، أو للتعليل، وهو الأرجح، ولعلي تعني هو غير جازم أو متأكِّد بعد، ولم يقل: سأعمل صالحاً، وقد جاء جواب ذلك:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28].
{أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} : من الأعمال الصّالحة أو فيما ضيعت من عمري من صلاة وزكاة وحج، وغيرها من ذكر وتلاوة القرآن.
{كَلَّا} : كلمة ردع وزجر عن حصول ما يطلب، أيْ: لا رجوع ولا عودة وإنكار واستبعاد حدوث ذلك.
{إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} : أيْ: كلمة قائلها لا فائدة منها وهي ارجعون، ولا قيمة لها، مجرد لغو. والكلمة تقسم في القواعد إلى اسم، وفعل، وحرف، وتطلق على العبارة مؤلفة من عدة كلمات، أو على الموضوع المؤلف من عدة جمل أو عبارات.
{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ} : البرزخ: لغة هو الحاجز أو الحجاب بين شيئين أو الحائل؛ أي: لا رجعة إلى الدّنيا إنما فقط إلى الآخرة ومن ورائهم؛ أي: من أمامهم برزخ كما قال تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]، حياة البرزخ الفاصلة بين الحياة الدّنيا وحياة الآخرة، وتستمر إلى يوم يبعثون يوم القيامة، أيْ: لا رجوع إلى الدّنيا وليس أمامهم إلا البرزخ إلى (حرف يستعمل لكلّ الغايات). إلى يوم يبعثون، وكلمة كلا فيها إبلاس شديد من الرّجوع إلى الحياة الدّنيا.
سورة المؤمنون [23: 101]
{فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} :
{فَإِذَا} : ظرف زماني متضمِّنة معنى الشّرط.
{نُفِخَ فِى الصُّورِ} : النّفخة الثّانية (نفخة البعث أو القيام)، والصور: في لغة العرب القرن والذي عليه أهل السّنة والجماعة أنّ الصّور: بوق ينفخ فيه.
{فَلَا} : الفاء رابطة لجواب الشّرط تفيد التّوكيد، لا النّافية للجنس (أنساب).
{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} : أيْ: تنقطع بينهم ولا تنفعهم أنسابهم شيئاً، أيْ: صلة الرّحم والقرابات يوم القيامة، والكل يقول: نفسي نفسي.
كيف ينفي الأنساب في هذه الآية، وفي آيات أخرى يقول:{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} [عبس: 33-36].
{لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37].
نفي الأنساب هنا يعني عدم فائدتها، ولا تفاخر في ذلك اليوم بالأنساب.
{وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} : من أيِّ قبيلة أنت، أو أيِّ نسب، ولا يسأل بعضهم بعضاً عن ذلك، ولا يسألهم ربهم أو الملائكة، وتعني: لا يسأل بعضهم بعضاً عن شأنه ولا يبحث عنهم لانشغال كلّ واحد بنفسه.
سورة المؤمنون [23: 102]
{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} :
{فَمَنْ} : الفاء عاطفة للتفريع من شرطية.
{ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} : رجحت حسناته على سيئاته، أفلح وفاز ونجا من النّار وأدخل الجنة. ارجع إلى سورة القارعة آية (6) لبيان معنى موازينه.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء للتوكيد، أولئك اسم إشارة يدل على البعد بعد منزلتهم ومكانتهم.
{هُمُ} : للتوكيد.
{الْمُفْلِحُونَ} : الناجون من النّار والفائزون بالجنة. ارجع إلى الآية (5) من سورة البقرة للبيان.
سورة المؤمنون [23: 103]
{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} :
{وَمَنْ} : شرطية.
{خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} : ومن رجحت سيئاته على حسناته فقد خسر وأبعد عن الجنة وأدخل النّار. ارجع إلى سورة القارعة آية (6) لمزيد من البيان.
{فَأُولَئِكَ} : اسم إشارة واللام للبعد.
{خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} : خسروا أنفسهم في الهاوية في جهنم خالدون، مقيمون فيها إقامة أبدية تبدأ من زمن دخولهم إياها.
سورة المؤمنون [23: 104]
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} :
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} : أيْ: تحرقها إحراقاً شديداً، كقوله سبحانه في سورة الأحزاب الآية (66){يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ} ، {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ} [النّحل: 90]، وكقوله:{حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ} [الأنبياء: 39].
{وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} : الكالح الّذي تقلصت شفتاه حتّى بدت أسنانه حيث حرقت شفاههم النّار، فبدا كأنه مخيف الهيئة أو منفِّر.
سورة المؤمنون [23: 105]
{أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} :
{أَلَمْ} : استفهام إنكاري تقريري.
{تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ} : (آياتي، أيْ: آيات القرآن)، تتلى عليكم: أيْ: تقرأ عليكم، وإضافة الآيات إليه عز وجل يفيد عظمتها وقدَّرها، ولم يقل: ألم تكن الآيات تتلى عليكم.
{فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} : لا تصدِّقون بها، بأقوالكم وأعمالكم، بها جار ومجرور وتقديمه يفيد الاختصاص، أيْ: بآياتي خاصة تكذبون هذا التّذكير والاستفهام وهم في جهنم مما يزيدهم حسرةً ويأساً.
سورة المؤمنون [23: 106]
{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} :
هذا ردهم على السّؤال السّابق: ألم تكن آياتي تتلى عليكم؟ قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين، فهم يحاولون الاعتذار بأيِّ شيء ويعترفون بذنبهم.
{قَالُوا رَبَّنَا} : ولم يقولوا: يا ربنا حذفوا ياء النّداء للبعد.
{غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} : مصدر لبيان الهيئة من شقي، الشقاوة هي البعد عن منهج الله والدين، أو الإيمان والانغماس في الكفر والضلال والمعاصي وانتهاك حرمات الله ونسيان الآخرة، والبعد عن الحق، والشقاوة مكتسبة بالإرادة والاختيار، وتؤدي إلى خسارة الدنيا والآخرة.
{وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} : تائهين عن الصّراط منحرفين ضائعين في ظلمات الجهل والضّلال. وإضافة (قوماً) تفيد المبالغة في الضّلال والتّوكيد.
سورة المؤمنون [23: 107]
{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} :
{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} : أيْ: من النّار، وأرجعنا إلى الدّنيا لنؤمن ونعمل صالحاً أو نعمل غير الّذي كنا نعمل.
{فَإِنْ عُدْنَا} : الفاء للتوكيد، إن شرطية تستعمل في الأمر المحتمل أو النّادر، (أيْ: عودتهم لن تتحقق)، فإن عدنا إلى الكفر والشّرك والمعاصي أو الشّقاوة والضّلال فإنا ظالمون.
فإن عدنا ولم يقولوا: فإن رجعنا، رجعنا تعني إلى ما كانوا عليه من الكفر والضّلال والشّقاوة، وعدنا تعني الرّجوع، ولكن ليس إلى ما كانوا عليه وإنما لشيء آخر هو الإيمان.
{فَإِنَّا ظَالِمُونَ} : الفاء للتوكيد، إنا ظالمون: لأنفسنا آنذاك، والظالم: هو التارك لدين الله. ارجع إلى سورة البقرة آية (35) لبيان معنى الظلم. فردَّ الله تعالى على سؤالهم بالقول: {اخْسَـئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} .
سورة المؤمنون [23: 108]
{قَالَ اخْسَـئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} :
{قَالَ اخْسَـئُوا فِيهَا} : الخسوء هو الطّرد والإبعاد، يقال: خسأت الكلب، أيْ: طردته أو زجرته ليبتعد عنك؛ أي: ابتعدوا، وتعني: اسكتوا بذلة وهوان.
{وَلَا تُكَلِّمُونِ} : اخرسوا ولا تطلبون أو تسألون ولا تدعون، لا النّاهية، تكلمون: بصيغة المضارع، أيْ: لا تعيدوا الدّعاء والسّؤال.
فعن ابن عبّاس: إنّ لهم ستَّ دعوات إذا دخلوا النّار:
1 -
فكان الجواب: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السّجدة: 13].
2 -
الجواب: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12].
3 -
{وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزّخرف: 77].
4 -
5 -
{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَـئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 106-108].
6 -
سورة المؤمنون [23: 109]
{إِنَّهُ} : إنّ: تعليلية.
{كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى} : قيل: هم المهاجرون أو الصّحابة أو أهل الصّفة أو ضعاف المؤمنين أو فريق من المؤمنين بشكل عام.
{يَقُولُونَ} : بصيغة المضارع لتدل على الاستمرار، وتكرُّر وتجدُّد قولهم، ولم يقولوا ذلك مرة واحدة، بل مرات: ربنا آمنا بك وبما أنزلت.
{فَاغْفِرْ لَنَا} : ذنوبنا وسيئاتنا.
{وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} : أفضل الراحمين؛ لأنّ رحمتك لا تنقطع ولا تزول، كما تزول رحمة عبادك بعد موتهم وفنائهم.
لنقارن هذه الآية: وأنت خير الرّاحمين مع الآية (155) من سورة الأعراف: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} .
{وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} : هذا دعاء موسى لقومه؛ لأنّه سبق ذلك ذنب حين اتخذوا العجل إلهاً، وقالوا: أرنا الله جهرة فالذّنب يحتاج إلى مغفرة، أيْ: إسقاط العقاب واستحقاق الثواب.
{وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} : هذا دعاء الفريق من المؤمنين.
الرّحمة: الإنعام على السائل والرّحمة هي جلب كلّ ما يَسُرُّ ودفع كلِّ ما يَضُرُّ.
سورة المؤمنون [23: 110]
{فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} :
{فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ} : الفاء: للتوكيد تعود على الّذين خفت موازينهم أمثال رؤساء مشركي قريش، مثل أبي جهل وعقبة والوليد بن المغيرة، اتخذوا الفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمار وبلال وخباب وصهيب سخرياً: مصدر سخر والسّخرية: هي استنقاص حقِّ من يسخر به. ارجع إلى سورة التّوبة آية (79)، والزمر آية (56) لمزيد من البيان، ولمقارنة سِخرياً بكسر السين وسُخرياً بضم السين؛ ارجع إلى سورة الزخرف آية (32).
{أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى} : أيْ: شغلكم الاستهزاء والسّخرية بهؤلاء الضّعاف من المؤمنين عن الإيمان والتّوبة، أو ذكر الله.
{وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} : إنه لم يتوقف الأمر على السّخرية من هؤلاء الضعاف، بل تعدَّاه إلى الضحك منهم، كما قال تعالى:{وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين: 31].
سورة المؤمنون [23: 111]
{إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} :
{إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ} : إنّي للتوكيد، جزيتهم اليوم: يوم القيامة، وتعود على الّذين قالوا ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
{بِمَا صَبَرُوا} : الباء باء السّببية بسبب صبرهم، أو بدل من صبرهم على أذى المشركين والكفار، وعلى الّذين سخروا منهم وصبروا على الاستقامة على طاعة الله.
{أَنَّهُمْ} : أنّ: للتوكيد، هم للتوكيد.
{الْفَائِزُونَ} : أيْ: الفوز بالجنة والنّجاة من النّار.
سورة المؤمنون [23: 112]
{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} :
سؤال إلى الكفار منكري البعث الّذين خفت موازينهم وأدخلوا النّار وهم فيها كالحون، وقالوا: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا فإنا ظالمون، وغيرهم.
{كَمْ} : استفهامية فيها معنى التّوبيخ والتّقريع.
{لَبِثْتُمْ فِى الْأَرْضِ} : اللبث: الإقامة في الدّنيا أو في الأرض أحياء (اللبث: الإقامة المقترنة بزمن محدَّد)، وقد تعني أيضاً: أمواتاً في البرزخ (في قبوركم) لقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 25-26].
{عَدَدَ سِنِينَ} : سنين جمع سنة، سنة تحمل في معناها الشّر، والعام يستخدم في سياق الخير من خصوصيات القرآن، أيْ: كم سنة لبثتم في الأرض.
سورة المؤمنون [23: 113]
{قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـئَلِ الْعَادِّينَ} :
{قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} : فهم نسوا أو استقصروا مدَّة لبثهم في الدّنيا أو في الدّنيا وعالم البرزخ لعظم وهول ما عاينوه من العذاب أو أنساهم العذاب من شدته مدة لبثهم، أو لأنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، فإذا عاشوا (100) عام على سبيل الافتراض، فذلك يعاد (1/ 10) اليوم، أيْ: ما يعادل ساعتين ونصف، ونوح عليه السلام أو قومه عاشوا حوالي (1000) سنة، أيْ: ما يعادل اليوم أو بعض اليوم، وفي آيات أخرى كقوله تعالى:{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الرّوم: 55]، وقوله تعالى:{كَأَنْ لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45]، ويبدو أنّهم غير واثقين من الإجابة لذلك قالوا:
{فَسْـئَلِ الْعَادِّينَ} : أي: الملائكة أو غيرهم. جمع عاد: الّذين يعدُّون ويُحصون.
سورة المؤمنون [23: 114]
{قَالَ إِنْ لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} :
{قَالَ إِنْ} : إن النّافية بمعنى ما، والنّفي بإن أقوى وأشد من النّفي بما.
{لَّبِثْتُمْ} : أقمتم. اللبث: مقترن بزمن محدد بينما المكث: غير محدد بزمن.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{قَلِيلًا} : من الزّمن، وقليلاً نكرة تفيد أيضاً التّقليل، وإذا قارنا عمر الآخرة بعمر الإنسان فهو قليل جداً لا يقدر.
{لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} : لو شرطية، كنتم تعلمون: هذه الحقيقة أو هذه المدة القصيرة لآمنتم وأطعتم الله تعالى استعداداً للقائه.
سورة المؤمنون [23: 115]
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} :
{أَفَحَسِبْتُمْ} : الهمزة استفهام توبيخي وإنكار، حسبتم من حسب: اعتقد أو ظن ظناً راجحاً (قام بحساب قلبي قائم على النّظر والتّجربة والحساب) أي: اعتقدتم.
{أَنَّمَا} : كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
{خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} : العبث هو الفعل الّذي لا غاية له ولا فائدة، خلقناكم بلا هدف أو غاية {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
{وَأَنَّكُمْ} : أنّ للتوكيد.
{إِلَيْنَا} : تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.
{لَا تُرْجَعُونَ} : لا النّافية، ترجعون: أيْ: من دون إرادتكم، مكرهين أو لا خيار لكم، ترجعون للحساب والجزاء إمّا الجنة وإما النّار.
سورة المؤمنون [23: 116]
{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} :
{فَتَعَالَى} : الفاء للتوكيد، تعالى: تقدَّس وتنزَّه الملك الحق في ذاته وصفاته وأفعاله أن يخلق عبثاً.
{اللَّهُ} : اسم العلم الدّال على واجب الوجود المعبود.
{الْمَلِكُ الْحَقُّ} : مالك الملك الحي القيوم، وأما غيره من ملوك الدّنيا فزائلون وهالكون، فهم ليسوا ملوكاً بحق والملك الحق: الّذي له الخلق والأمر حقاً لا من جعلوا معه من الشركاء. والحق هو الثّابت الّذي لا يتغيَّر ولا يزول هو الله سبحانه وحده.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : ارجع إلى الآية (255) من سورة البقرة للبيان.
{رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} : الكريم: لأنّ الخير والبركة والرّحمة تنزل منه، فالكريم تعود على الله سبحانه، وقد تعود على العرش، وصف العرش بالكريم؛ لأنّ الّذي استوى عليه هو أكرم الأكرمين. ارجع إلى سورة التّوبة آية (129) لمزيد من البيان، وسورة هود آية (7)، وسورة طه آية (5) لبيان معنى العرش.
سورة المؤمنون [23: 117]
{وَمَنْ} : الواو استئنافية، من استغراقية شرطية.
{يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} : يعبد أو يدعو مع الله إلهاً آخر، أيْ: يشرك بالله.
{لَا بُرْهَانَ لَهُ} : البرهان هو أعلى درجات الإثبات أو لا حُجَّة له، ولا دليل له على جواز عبادته وشركه، به: للتوكيد على وحدانية الله عز وجل.
{فَإِنَّمَا} : الفاء: للتوكيد، إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
{حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} : حسابه: جزاؤه عند ربه: عند ظرفية زمانية أو مكانية، وفي الآية تهديد ووعيد.
{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} : إن للتوكيد، لا يفلح: ارجع إلى الآية الأولى، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} من نفس السّورة، وانظر إلى كيف بدأت السّورة قد أفلح المؤمنون وانتهت إنّه لا يفلح الكافرون. هذا الترابط المحكم بين بداية السورة ونهايتها، وهذا ما نراه في كل سورة، وكأن السورة كلها آية واحدة، وكأن القرآن المحكم كله آية واحدة.
سورة المؤمنون [23: 118]
{وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} :
{وَقُلْ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم ولتقتدِ بك أمتك، وبالدّعاء والقول: رب اغفر وارحم وأنت خير الرّاحمين.
{رَبِّ اغْفِرْ} : أي: استر لنا ذنوبنا، اغفر: لم يحدِّد، وأطلق المغفرة لتشمل كلّ ذنب.
{وَارْحَمْ} : أيْ: وارحمنا أن نقع في الذّنوب، أيْ: أبعدنا عن المعاصي، وفيها معنى الوقاية، وكذلك أطلق الرّحمة ولم يقيِّدها لتشمل كلّ شيء.
{وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} : أيْ: أفضل الرّاحمين. ارجع إلى الآية (109) من نفس السّورة للبيان.
سورة النور [24: 1]
سورة النور
سورة النّور [الآيات 1 - 10]
ترتيبها في القرآن (24)، وترتيبها في النّزول (102).
{سُورَةٌ} : كلمة مأخوذة من: سور البيت المرتفع أو سور البلد، السَّورة في اللغة تعني: المنزلة العالية والرّفيعة، واصطلاحاً: مجموعة من الآيات لا تقل عن ثلاث، لها بداية ولها نهاية.
سورة: كلمة جاءت بصيغة التّنكير للتفخيم تتحدث عن عدد من الآداب الاجتماعية مثل: حفظ الفرج، غض البصر، والاستئذان وما يتعلق بالأسرة، وغيرها من الكثير من الآداب الاجتماعية، وسميت بسورة النّور؛ لقوله تعالى:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35].
{أَنزَلْنَاهَا} : كاملة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا. والإنزال يكون من أعلى إلى أسفل؛ أي: من عند الله تعالى. أنزلناها عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام .
{وَفَرَضْنَاهَا} : مشتقة من الفرض؛ أي: فرضنا أحكامها؛ أي: من الواجب العمل بها، أو ألزمناكم العمل بها. وأصل الفرض: القطع للمبالغة، ولتأكيد الإيجاب لكثرة ما فيها من الأحكام.
{وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} : تكرار (وأنزلنا) يفيد التّوكيد، وقوله تعالى:(وأنزلناها)، ثمّ قوله:(وأنزلنا فيها آيات بينات) يعني ذكر الخاص بعد العام، الّذي يفيد الاهتمام والتّوكيد، آيات بينات: واضحات لكلّ فرد سواء كانت الآيات القرآنية أو الآيات الكونية مثل: البرق والسّحاب وتقلب الليل والنّهار، وتسبيح من في السّموات والأرض والطير، وظلمات البحار، وخلق كل دابة من ماء
…
وغيرها.
{لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} : (لعلكم) أداة تعليل؛ أي: لعلكم لا تنسوا ما ورد فيها من أحكام تفيدكم في حياتكم الدّنيا وتذكرونها مباشرة وبسرعة في شؤون حياتكم اليومية، ولم يقل لعلكم تتذكرون، التّذكير الّذي يحتاج إلى زمن طويل. ومعنى التذكر أن يعاد إلى الذاكرة الشيء الذي غاب عنها.
سورة النور [24: 2]
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} : من الزّنى، والزّنى في اللغة: هو الوطء المحرم، والزّنى في الشّرع: وطء الرَّجل المرأة في الفرج بدون عقد نكاح، ويسمى كذلك: الفاحشة كما قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، والزّنى من المرأة: تمكينها الرّجل أن يزني بها، وقدّم الزّانية على الزّاني؛ لأنّ الزّنى تبدأ مقدماته من قِبل المرأة بتبرّجها وزينتها وخضوعها بالقول، ومفسدة الزّنى تظهر آثارها على المرأة أكثر من الرّجل.
{فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} : الفاء للتوكيد، اجلدوا: بالضَّرب بالسّياط (100) جلدة، وهو حدّ البكر غير المحصن سواء كان الرّجل أو المرأة، كلّ واحد منهما: للتوكيد حتّى لا يجلد الرّجل وتترك المرأة أو بالعكس، الجلدة: تعني الإيلام؛ أي: يصل إلى درجة الإيلام وليس مجرد الضّرب أو العدد.
{وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ} : رأفة: شفقة أو رحمة في حدود الله، فلستم أرحم وأشفق من الخالق في خلقه؛ أي: لا يجوز إسقاط الحد (كما قال مجاهد)، أو تخفيف الحد (قول سعيد بن المسيب والحسن البصري)، ومما يدل على تحريم الشفاعة في الحدود ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها في حديث المرأة المخزومية التي سرقت والذي قال فيه صلى الله عليه وسلم:«وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
{فِى دِينِ اللَّهِ} : في شرع الله وأحكامه، بالتّقليل في العدد أو الإعفاء.
{إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : إن: شرطية.
{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} تصدقونه وتؤمنون به عقيدة وعملاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (177) للبيان.
{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} : اللام لام التّوكيد، {عَذَابَهُمَا}: بالجلد (100) جلدة.
{طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} جماعة أقلها (4) أفراد، وهناك من قال واحد (قاله مجاهد)، اثنين أو أكثر (قاله عكرمة وعطاء والمالكية)، أربعة (قاله ابن عباس)، ومشاهدة الجلد ردعٌ وزجرٌ للمشاهد، وأمّا للزاني والزّانية؛ لكي لا يرتكبها مرة أخرى ويحرمها، وهو أشد تبليغاً وخزياً حين يكون علناً بدلاً من كونه سراً أو ستراً.
سورة النور [24: 3]
{الزَّانِى لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} : النّكاح هنا يعني: الوطء، إلا أداة حصر، أو مشركة: لأنّ الشّرك أسوأ إثماً من الزّنى، وقرن الزنى بالشرك؛ ليشير إلى خطورة الزنى؛ لأن الشرك والزنى من أعظم الآفات الاجتماعية.
فالزّاني لا يجوز له أن ينكح؛ أي: يتزوج مؤمنة عفيفة، إنما ينكح مثله أو أسوأ أو أخس منه؛ وهي المشركة، وكذلك الزّانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشركٌ.
{وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} : التّحريم يراد به المنع، والجمهور أجاز النكاح بغير العفيفة من النساء بعد التوبة، والآية محمولة: أن الزاني الخبيث لا يرغب في نكاح المؤمنة الصالحة، وإنما يرغب في التي مثله في الخبث والشرك، والخبيثة لا يرغب في نكاحها المؤمن الصالح، وإنما يرغب في التي مثله. ذلك: اسم إشارة قد يعود إلى حرمة نكاح الزّانيات أو المشركات على المؤمنين. و (ذلك) تعود إلى الزّنى؛ أي: حرم الزّنى على المؤمنين.
سورة النور [24: 4]
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} : يرمون: يقذفون بالزنى، يتهمون المحصنات. وأصل الرّمي: القذف بالحجارة أو بشيء صلب الّذي هو شيء حسي، واستعير ليعبر عن شيء معنوي وهو القذف باللسان.
{الْمُحْصَنَاتِ} : جمع محصنة؛ أي: الّتي أحصنت فرجها: أي عفّت، وأصل الإحصان: المنع والحصن، والمرأة العفيفة الحرة تسمى: مُحصَنة، ومُحصِنة بالفتح والكسر.. والإحصان له أنواع: يكون بالإسلام، والعفاف، والحرية، والتّزوج.
{يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} : يقذفون: يتهمون المحصنات المؤمنات بالزّنى. خص النساء؛ لأن قذف النساء أبشع، وقيل: لا فرق بين الذكر والأنثى.
{ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} : والشّهداء جمع: شهيد، يشهدون عليهن بوقوع الزّنى، والمراد بالشّهداء الرّجال، وإن ذكرت الآية العدد بصيغة المؤنث فقال: أربعة، وليس أربع شهداء؛ لأن الأعداد من (3-10) تضاد المعدود، تذكّر مع المؤنث وتؤنث مع المذكر؛ كأن نقول: أربع نسوة، أربعة رجال.
والجدير بالذّكر: لا تقبل شهادة النّساء في حد القذف كما لا تقبل في حد الزّنى، ولا يقبل قذف المجنون، أو الصبي، أو المكره، وشروط القاذف: العقل، والبلوغ، والاختيار.
{ثُمَّ} : للترتيب الذكري.
{لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} : أي يحضروا أربعة شهداء، كما قال تعالى:{فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ} [النساء: 15]، يشهدوا بأم أعينهم برؤية فرجه في فرجها؛ فقد يكون في فراش واحد بدون حدوث جريمة الزنى. أربعة شهداء ذكوراً، ولا تقبل شهادة النساء في هذا الباب. والسؤال: لماذا أوصى بأربعة شهداء غير القاذف، وفي الأحوال الأخرى أوجب وجود شاهدين؟؟ لكي لا يكون إقامة الحد فيه ريب، والحفاظ على الأعراض، والتأكد من الأخبار الكاذبة والإشاعات التي تهدم المجتمعات.
{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} : أي كلَّ واحدٍ من القاذفين ثمانين جلدة.
ولا تعتبر شهادة زوج المقذوفة عند الشّافعية، بينما تعتبر مقبولة عند أبي حنيفة. ارجع إلى كتب الفقه لمزيد من البيان.
{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} : وتسقط بعد ذلك عدالتهم فلا تقبل لهم شهادة.
{أَبَدًا} يعني: إلى آخر عمره وإن تاب وأصبح من الصّالحين؛ أي: مطلقاً، وقيل: تعني حتّى يتوبَ. وقد اختلف العلماء في هذه..، فارجع إلى أقوالهم.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} : أولئك: اسم إشارة للبعد.
هم: ضمير منفصل تفيد التّوكيد؛ أي: هم خاصة، {الْفَاسِقُونَ}: جمع فاسق؛ وهو الخارج عن طاعة الله، وفي هذه الحالة قد ارتكب كبيرة من الكبائر.
فالآية تفيد أنّ على القاذف ثلاثة أحكام إذا لم يأت بالبينة، وهي: إقامة الحدّ عليه وهو:
1 -
الجلد ثمانين جلدة.
2 -
لا تقبل له شهادة.
3 -
وصفه بالفاسق.
سورة النور [24: 5]
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
{إِلَّا} : أداة استثناء.
{الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} : (بعد القذف) وتطبيق الحد عليه (80 جلدة)، هذا الاستثناء اختلف فيه العلماء هل: بعود إلى رفع صفة الفسق عنه فقط إذا تاب ويستمر عدم قبول شهادته، ولو أصبح أصلح من الصّالحين، أو إذا تاب قُبلت شهادته ورفع عنه وصفه بالفاسق؟
اختلف الفقهاء في هذا، ولكلّ فريق أدلته الخاصة فقد ذهب الجمهور (مالك وأحمد والشافعي): تقبل شهادته، وترفع عنه صفة الفسق قاله ابن جرير، وقال آخرون أمثال جبير والحسن البصري والنخعي: إن تاب ترفع عنه صفة الفسق، ولكن لا تقبل له شهادة أبداً.
{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : الفاء: للتوكيد، إنّ: للتوكيد، وغفور: صيغة مبالغة في الغفر؛ وهو ستر الذّنوب ومحوها ولو كثر عددها أو تكررت.
{رَحِيمٌ} : لأنّه يقبل توبة التّائب يغفر له. رحيم بالمؤمنين؛ أي: دائم الرّحمة.
سورة النور [24: 6]
هذه الآية جاءت في سياق قذف الزّوج زوجته.
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} : يتهمون أزواجهم بالفاحشة؛ أي: يقذفونهن بالزّنى، ولم تقر الزوجة أو تعترف بوقوع الزنى، وهو لم يرجع عن رميه (قذفه) فعند ذلك يشرع لهما اللعان، وهل اللعان يمين، أو شهادة؟ اختلف الفقهاء في ذلك؛ فمنهم من قال شهادة، كما قال (أبو حنيفة)، ومنهم من قال يمين، كما قال (مالك والشافعي وأحمد).
{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} : أي لم يكن لديه شهود يشهدون أنّهم رأوا ذلك بأمّ أعينهم، عليه أن يشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصّادقين، واللام في (لمن) تفيد التّوكيد، وأن يشهد الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. انظر كيف أعفي الزوج في هذه الآية من إحضار أو الإتيان بأربعة شهود، وطلب منه أن يشهد أربع شهادات (أربعة أيمان) بدلاً من إحضار أربعة شهداء؛ لأنه من الصعب أو المستحيل للزوج الإتيان بأربعة شهداء ليشهدوا ما على زوجه وهي تفعل الفاحشة؛ لأنه عار وخزي، وحتى لا تشيع الفاحشة وينتشر الخبر والغيبة بين الناس وبالتالي الإثم.
سورة النور [24: 7]
{وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} :
سميت هذه الآية: آية اللعان.
{أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ} : أنّ: للتوكيد، لعنة الله عليه: اللعنة: الطّرد والإبعاد عن رحمة الله.
{إِنْ} : شرطية.
{كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} : في رمي زوجته بالزّنى، وكلّ زوج قذف زوجته وامتنع عن الشّهادة أو اللعان يطبّق عليه حد القذف، فكلّ من امتنع من الزّوجين عن الشّهادات الخمس وجب عليه الحد.
سورة النور [24: 8]
{وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ} : حد الزّنى للثيب المحصن (وهو الرّجم) والدّرء معناه: الدَّفع بسرعة، الدّرء: هو الدفع بسرعة، والدفع هو الدفع بقوة وشدة أو الرّدّ.
{أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} : أي أن تحلف بالله أربعة أيمان إنّ زوجها كاذب فيما رماها به من الفاحشة.
سورة النور [24: 9]
{وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} :
{وَالْخَامِسَةَ} : وتحلف الخامسة.
{أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا} : سخط الله وغضبه عليها إن كان صادقاً، واللعنة أشد من الغضب: والرجم أهون من غضب الله، والرجم: إذا حصل يكفي للمغفرة أو سبباً لمغفرة الذّنب.
وإن هو حلف، وهي حلفت: أصبح في المسألة تعادلٌ، عندها لم يعد كلٌّ منهما صالحاً للآخر، وعلى الشّرع أن يفرّق بينهما نهائياً ولا عودة بعدها.
سورة النور [24: 10]
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} :
{وَلَوْلَا} : الواو عاطفة، ولولا: حرف امتناع لوجود، والجواب محذوف؛ حتّى يدخل في الجواب كلّ احتمال وعاقبة مثل: ولولا فضل الله ورحمته لفضحكم أو لتفاقمت العداوة أو عاجلكم بالعقوبة، والانتقال إلى صيغة المخاطب {عَلَيْكُمْ} أتم وأكمل من صيغة الغيبة.
{فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} : والفضل: ارجع إلى الآية (268) من سورة البقرة للبيان، والرّحمة: الوقاية من الوقوع في الذّنب والإثم.
{وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} : توّاب يقبل توبة التّائب ولو كرر المعصية بدون عمد؛ أي: كثير قبول التّوبة، إذا توافرت فيها أركان التّوبة.
{تَوَّابٌ} : لأنّه ذكر قبلها الزّنى والقذف وناسب ذلك الختم بالتّوبة، فمن يرتكب تلك الفواحش لابدَّ له أن يتوب.
{حَكِيمٌ} لأنه شرع حكم اللعان والغضب بدلاً من الجلد والرجم؛ أي: شرع العقوبة المترتبة على تلك الأعمال بحيث تناسب الجرم المرتكب، وأن يكون الحكم عادلاً فذلك يتطلب الحكمة، حكيم: مشتق من: الحُكم والحكمة، من الحكم فالله أحكم الحاكمين، من: الحكمة، فهو أحكم الحكماء فيما شرع لعباده من الأحكام والحدود والفرائض.
سورة النّور [الآيات 11 - 20]
سورة النور [24: 11]
{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} : إنّ: للتوكيد، الّذين جاؤوا بالإفك حديث الإفك، والإفك: هو الكذب المتعمد. ارجع إلى حديث الإفك في صحيحي البخاري ومسلم، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ للبيان المفصل.
{عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} : العصبة: جماعة يتعصب بعضهم لبعض، وعددها بين (10-40) وكان على رأسهم عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وغيرهم، {عُصْبَةٌ مِّنكُمْ}: من المؤمنين ظاهراً. وكلمة عصبة نكرة مع العلم أن الذين أشاعوا حادثة الإفك أناس معروفون، ومع ذلك أطلق عليهم عصبة (فئة نكرة) كي لا يُعبأ بهم وتحقيرهم، وقوله: منكم؛ أي: من المسلمين، وهذا يدل على بشاعة هذا الحديث الذي جاءوا به ولو جاء به الذين كفروا لكان أقل صدى أو شدة.
{لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} : لا: النّاهية، {تَحْسَبُوهُ}: أي تعتقدوا أنّ إفكهم.
هو {شَرًّا لَكُمْ} الشر: هو ما غلب ضرره على نفعه؛ إساءة إليكم كما تعتقدوا، وقيل: الخطاب خاص إلى عائشة وصفوان بن المُعَطّل والمؤمنين.
{بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} : بل للإضراب الانتقالي، هو خير لكم، والخير: هو ما غلب نفعه على ضرره؛ تنالون بسببه الثّواب، وتأخذون منه العبرة والحذر.
{لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم} : أي: لكل ممن شارك في حديث الإفك. لكل: اللام لام الاستحقاق.
{امْرِئٍ} : تأتي في سياق المروءة وأدب النفس.
{مِّنْهُم} : من العُصبة الكاذبة.
{مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} : أي بقدر ما خاض وشارك في حديث الإفك له من الإثم والذّنب.
{وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : كِبْرَهُ: بكسر الكاف، وهناك: كُبْرَهُ بضم الكاف، وتعني: معظمه.
أي: تولى الخوض وتزعّم العصبة وقادها عبد الله بن أُبيّ: له عذاب عظيم في الدّنيا والآخرة، وصار يطلق عليه: المنافق، ومسطح أصبح مكفوف البصر، وحسان بن ثابت أصبح أعمى وشلّت يداه، مختصر القصة في غزوة بني المصطلق بعد أن تمّت الغزوة، وأثناء الاستعداد للعودة قالت السّيدة عائشة: ذهبت لأقضي حاجتي في الخلاء ثمّ رجعت إلى هودجي، فلمست صدري فلم أجد عقداً لي من الخرز اليماني فرجعت ألتمس عقدي، فلمّا عدت وجدت القوم قد ذهبوا، وكانت عائشة نحيفة (خفيفة الوزن) وحملوا هودجها دون أن يشعروا أنّها ليست بداخله، ثم بقيت عائشة في مكانها تنتظر من يأتيها، وكان من عادة القوم أن يتأخّر أحدهم بعد الرَّحيل ليتفقد المكان، وكان المعقب هو صفوان بن المعطّل، فلما رأى صفوان عائشة أناخ ناقته بجوارها ودار وجهه حتّى ركبت، وسار بها ولحق بالرّكب أخيراً، فلما رأى بعض المنافقين صفوان وعائشة معاً اتهموهما بالفاحشة.
سورة النور [24: 12]
{لَّوْلَا} : أداة حض وحث وتوبيخ في الزّمن نفسه.
{إِذْ} : ظرف للزمان الماضي بمعنى: حين.
{سَمِعْتُمُوهُ} : من أفواه الخائضين.
{ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} : رجال ونساء، والظّن هو رجحان أحد طرفي التّجويز (النّفي أو الإثبات) أو الشّك الرّاجح.
{بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} : الباء للإلصاق: ابتعدوا ونأوا بأنفسهم بعيداً عن الخوض في هذه الأكاذيب، وظنوا أنّهم أهل إيمان وهذه فتنة وظنوا خيراً. ارجع إلى الآية (11) من نفس السورة، ولم يقل ظن المؤمنون والمؤمنات برسول الله وأهله خيراً بل قال تعالى:{بِأَنفُسِهِمْ} لأنّ هذه التّهمة لا تليق بحق المؤمنين، فكيف تليق بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} : وقالوا قبل أن يُنزل الله سبحانه براءة عائشة رضي الله عنها، هذا: اسم إشارة والهاء للتنبيه، إفك مبين: كذب واضح متعمّد وليس بصحيح، مبين؛ أي: ظاهر لكلّ فرد وكذب متعمد لا يحتاج إلى دليل وبرهان ظاهر بنفسه.
سورة النور [24: 13]
{لَّوْلَا} : للتوبيخ والتنديم والحض والحث.
{جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} : أي أحضر هؤلاء العصبة الّذين يخوضون في حديث الإفك بأربعة شهداء؛ لأنّ هذه هي القاعدة الشّرعية أو الحكم الشّرعي.
{فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ} : الفاء للتوكيد، إذ: ظرف للزمن الماضي متضمن معنى الشّرط: لم يحضروا بأربعة شهداء.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة واللام للبعد.
{عِنْدَ اللَّهِ} : أي في حكمه.
{هُمُ الْكَاذِبُونَ} : هم للتوكيد والمبالغة في شناعة كذبهم وعظم إثمهم، الكاذبون: أي إذا كان هناك كاذبون فهم الكاذبون حقاً.
سورة النور [24: 14]
{وَلَوْلَا} : حرف امتناع لوجود.
{فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} : ارجع إلى الآية: (10)، لَعاجلكم بالعقاب أو حلَّ بكم سخطه وغضبه.
{لَمَسَّكُمْ} : اللام لام التّعليل تفيد التّوكيد.
{فِى مَا} : في ظرفية، ما اسم موصول بمعنى الّذي، أو مصدرية.
{أَفَضْتُمْ فِيهِ} : اندفعتم بسرعة وشدة في الخوض فيه بدون بصيرة، أفضتم: مشتقة من: صب الماء في الإناء والإكثار حتى يفيض من جوانبه؛ فهم شُبهوا في حديثهم عن الإفك والإسراف في الحديث عنه وإشاعته كالفيض السائل.
{عَذَابٌ عَظِيمٌ} : العذاب العظيم، هو أشد أنواع العذاب شدةً وزمناً وألماً وإهانة.
سورة النور [24: 15]
{إِذْ} : ظرف للزمن الماضي وتعني: اذكروا إذ، أو اذكروا جيداً.
{تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} : تلقّي الخبر يكون عادة بالأذن (بالسّمع) وليس باللسان، ولماذا اختار اللسان بدلاً من الأذن أو السّمع؟ لأنّهم مجرد ما سمعوا حديث الإفك أذاعوا به، ولم يصبروا لحظة، فكأنّهم بُهتوا بما سمعوا، وكل ما يبغون هو بث وإذاعة الخبر وحبهم لإشاعة الفاحشة في الّذين آمنوا فلم يبق بيت ولا فرد إلا سمع بالخبر وتكلم به دون تفكير ولا مراعاة حرمة، ولا التّأكد من تلقِّي الخبر، فكأن الخبر كان يتطاير من لسان إلى لسان.
{وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} : القول أو الأقوال تكون بالألسُن، وليس بالأفواه، واستعمل الأفواه للمبالغة؛ أي: كأنّهم يستعملون كلّ عضو وعضلة في ألسنتهم وأفواههم لنقل الخبر، ما: اسم موصول بمعنى (الّذي) أو نكرة بمعنى (شيء) ليس لكم به علم، ليس: للنفي، لكم: اللام لام الاختصاص، به علم: أي علم في حديث الإفك.
{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} تحسبونه من حسب: أي اعتقد وظن ظناً راجحاً هيناً: أي شيئاً أو أمراً يسيراً ليس عليه حساب أو ذنب.
{وَهُوَ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.
{عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} أي في حكم الله تعالى هو ذنب عظيم وله عاقبة هي حد القذف والجَلد، أو من الكبائر.
سورة النور [24: 16]
{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أداة حض وحث وتوبيخ في الزّمن نفسه.
{قُلْتُم مَا يَكُونُ لَنَا} : ما النّافية، يكون لنا: لا يجوز أو يحق أو ينبغي لنا، لنا: اللام لام الاختصاص، نحن خاصة: المؤمنين.
{أَنْ نَتَكَلَّمَ} : أن: للتعليل والتّوكيد.
{بِهَذَا} : الباء للإلصاق، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة تشير إلى حديث الإفك.
{سُبْحَانَكَ} : تنزيهاً لك يا رب من كلّ عيب أو نقص، وسبحانك تقال عند التّعجب، كأن تقول: سبحان الله كيف نتكلم بهذا! وسبحانك: جملة اعتراضية تعني: نتوب إليك، أو نتوجه إليك بالتوبة مما قلنا، أو شاركنا في حديث الإفك.
{هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} : هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب وتشير إلى البهتان، والبهتان: هو الكذب المتعمد الّذي يبهت سامعه ويدهشه لفظاعة وشناعة كذبه، عظيم: لا يسمع به أحد إلا يبهته، أي: لا يطاق فهو أشنع الكذب.
سورة النور [24: 17]
{يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} :
{يَعِظُكُمُ اللَّهُ} : من الوعظ؛ أي: النّصح والتّحذير، والنّهي والإرشاد والتّذكير بالعواقب، ويكون بالقول والفعل
…
{أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ} : أن: للتعليل والتّوكيد، لمثله: من الخوض بحديث مثل حديث الإفك هذا.
{أَبَدًا} : ظرف زماني؛ أي: ما دمتم أحياء أو في أيّ زمان ومكان.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال والشّك.
{كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} إن كنتم تدَّعون أو تزعمون فيها تهيجاً وتخويفاً على ضياع إيمانهم بسبب ذلك.
سورة النور [24: 18]
{وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} :
{وَيُبَيِّنُ} : يوضح الله لكم الآيات المجملة؛ أي: يشرحها لكم.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ} : بكلّ ما تسرّون وتعلنون من أقوال وأفعال وما تبدون وما تكتمون، وهو عليم بذات الصّدور.
{حَكِيمٌ} : مشتقة من الحكم والحكمة، فهو أحكم الحاكمين أو أحكم الحكماء، حكيم في شرعه وخلقه وكونه، حكيم فيما يأمر به وينهى عنه، لا يحكم عبثاً ثمّ ينذر ويهدّد الّذين يحبون أن تشيع الفاحشة فيقول:
سورة النور [24: 19]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ آمَنُوا} : يعني هؤلاء الّذين جاؤوا بالإفك، أو العصبة الّذين ذكرهم الله في الآية (11) أو غيرهم من الّذين يقومون بالقذف، يحبون: الحب عمل قلبي والقول أو القذف عمل لساني ولا ننسى أنّ الكلام هو ترجمة لما في القلب، فهم يحبون: ولو لم يتكلموا به، فالمرحلة الأولى مرحلة الحب، ثمّ المرحلة الثّانية: التّحدث، وإشاعة الفاحشة (الزّنى وغيرها..)، أن تشيع: أن: للتعليل والتّوكيد، تشيع: تنتشر وتعمّ في المجتمع، ويفرحون لذلك مهما كانت النّتيجة البراءة أو الفضيحة.
{لَهُمْ} : اللام لام الاستحقاق.
{عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا} : بالجلد أو العقوبة كالإصابة بالبأساء والضّراء.
{وَالْآخِرَةِ} : بالعذاب بالنّار.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : والله يعلم ما تخفي الصّدور من نوايا، ويعلم ما تسرون وما تعلنون من قول أو عمل ولا تخفى عليه خافية في السّماء ولا في الأرض، وفي الآية تحذير وترهيب.
سورة النور [24: 20]
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} :
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} : تكرار لبيان فضل الله ورحمته على بعض الصّحابة الّذين شاركوا في الخوض في حديث الإفك مثل: مسطح وحسان بن ثابت؛ أي: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأهلككم أو لعذّبكم عذاباً عظيماً وعجّل لكم العقوبة.
{وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} : أنّ: للتوكيد، رؤوف: من الرّأفة وهي: أخصّ من الرّحمة، أو أشدّ من الرّحمة، والرأفة خاصّة بالمؤمنين وتعني: الشفقة.
رحيم: لأنّه لم يعذّبكم أو يعجّل لكم العذاب، ويقبل توبتكم. ورحيم: كثير الرّحمة، والرّحمة تكون للمؤمن والكافر؛ أي: هي عامة.
وإذا قارنا هذه الآية بالآية (10) من نفس السورة: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} نجد الآية (10) انتهت بتواب حكيم، جاءت في سياق الزّنى (الزّانية والزّاني) والجلد وقذف المحصنات وأزواجهم، فناسب ختمها بالتّوّاب، وقوله: حكيم؛ لأنّه سبحانه يقبل توبة الزّاني والزّانية، وحكيم؛ لأنّ حد عقوبة الزّنى بما يناسب وذلك من الحكمة والحكم.
وأما الآية رقم (20) ليست تكراراً إنما جاءت في سياق الّذين جاؤوا بالإفك عصبة، فإذا تابوا ولم يعودوا لمثله أبداً فإن الله رؤوف رحيم.
سورة النّور [الآيات 21 - 27]
سورة النور [24: 21]
المناسبة: يأتي ذكر هذه الآية هنا؛ لأنّ الخوض في حديث الإفك ما هو إلا نوع من اتّباع خطوات الشّيطان فقال محذراً:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد بتكليف جديد إلى الّذين آمنوا.
{لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} : لا النّاهية، تتبعوا خطوات الشّيطان: وساوسه ونزعاته وهمزاته وتزيينه، وإشاعة الفاحشة والقذف، ولمعرفة معنى الشّيطان ارجع إلى الآية (36) من سورة البقرة.
{وَمَنْ يَتَّبِعْ} : من شرطية، يتّبع: يطيع.
{خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} : الزّنى والقذف وارتكاب المعاصي وما قبح من الذّنوب.
{وَالْمُنكَرِ} : ما ينكره الشّرع، وكل فعل تحكم العقول بقبحه. ارجع إلى سورة التوبة آية (67)، وآل عمران آية (104) لمزيد من البيان.
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : ارجع إلى الآية (10) والآية (20).
{وَلَوْلَا} : حرف امتناع لوجود؛ أي: لولا فضل الله عليكم ما زكى منكم من أحد.
{مَا زَكَى} : ما طهر من الإثم أو الذّنب منكم من أحد.
{مِنْكُمْ} : تقديم (منكم) للاختصاص؛ أي: خاصة منكم.
{مِّنْ أَحَدٍ} : من استغراقية تستغرق كلّ واحد.
{أَبَدًا} : ظرف زماني؛ أي: في أيِّ زمان.
{وَلَكِنَّ} : حرف استدراك.
{اللَّهَ يُزَكِّى مَنْ يَشَاءُ} : يطهر من يشاء من الذّنب والإثم بالتّوبة والمغفرة.
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} : لأقوالكم ونجواكم وإسراركم.
{عَلِيمٌ} : بما في نفوسهم، وعليم بأعمالكم الباطنة والظّاهرة.
سورة النور [24: 22]
سبب النّزول: كما روى البخاريّ ومسلم نزلت هذه الآية في أبي بكر الصّديق رضي الله عنه ومسطح بن أثاثة، وكان مسطح ابن بنت خالة أبي بكر وكان من المهاجرين ومن الّذين شهدوا معركة بدر ومن المساكين، وكان أبو بكر ينفق عليه، فلما كان مسطح من الّذين جاؤوا بالإفك عصبة حلف أبو بكر: لن ينفق عليه بعد ذلك، فنزلت هذه الآية.
{وَلَا يَأْتَلِ} : الواو استئنافية، لا النّاهية، يأتل: يحلف، من: الألية؛ أي: الحلف أو القسَم واليمين.
{أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ} : أولو الفضل: ذوو الفضل أهل؛ يعني: أبا بكر الصّديق رضي الله عنه، وجاء بصيغة الجمع؛ لتكريمه وتعظيم ما له فضل، أولو: أهل البر والصلاة والفضل: في الدّين والمنزلة في الإسلام والصّلاح. وكذلك تشمل غيره من أولي الفضل؛ أي: الزيادة.
{وَالسَّعَةِ} الغنى السّعة في الرّزق والمال، ومن الّذين وسّع الله عليهم وأغناهم.
{أَنْ يُؤْتُوا أُولِى الْقُرْبَى} : أن: تعليلية، يؤتوا: يعطوا أو ينفقوا على أولي القربى مثل مسطح، أولي: ذوي القربى؛ أي: الأقارب الفقراء.
{وَالْمَسَاكِينَ} : جمع مسكين: وهو من يملك ما لا يكفيه، والفقير: من لا يملك شيئاً، وكان مسطح من المساكين.
{وَالْمُهَاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : من مكة إلى المدينة.
{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} : اللام في كل الكلمتين للتوكيد، توكيد العفو والصّفح، والعفو: ترك العقوبة، والصّفح: العفو مضافاً إلى ترك اللوم (عدم اللوم). وليعفوا وليصفحوا: للندب والإرشاد، وليس فرضاً أو واجباً.
{أَلَا} : للاستفهام والحث والحض على المغفرة بالعفو والصّفح والتسامح لكي يضمن مغفرة الله تعالى.
{تُحِبُّونَ} : الخطاب بصيغة الجمع والمراد به: أبو بكر؛ لتعظيم مكانته، أو الخطاب إلى المؤمنين عامة.
{أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} : أن: للتعليل، يغفر الله لكم: المغفرة: ستر الذّنب وترك العقوبة، والإثابة على الأعمال الصّالحة والمغفرة.
فلما سمع أبو بكر هذه الآية قال: بلى والله أحب أن يغفر الله لي. وعندها عفا وصفح عن مسطح وردّ على مسطح ما أمسكه عليه من النفقة، والعبرة عموم اللفظ وليس بخصوص السّبب.
{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : صيغة مبالغة من: غفر: كثير الغفران لمن تاب وآمن.
{رَحِيمٌ} : والرّحمة والمغفرة، فكلاهما من صفاته الثّابتة رحيم بالمؤمنين؛ أي: دائم الرّحمة في الدّنيا والآخرة.
سورة النور [24: 23]
بعد أن نزلت براءة عائشة من السّماء، جاء في هذه الآية ليؤكد حكماً عاماً.
{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} : لما نزلت هذه الآية قال ابن عباس: هذه في عائشة وأزواج النبي (أمهات المؤمنين) في هذه الآية قيد المحصنات بأوصاف منها الغافلات المؤمنات بينما في الآية (4) من نفس السورة أطلق ولم يقيد.
إنّ: للتوكيد، الّذين: اسم موصول، يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات: يتهمون أو يقذفون المحصنات الغافلات المؤمنات بالزّنى أو الفواحش، والمحصنات: العفيفات، الغافلات: البعيدات: عن الفواحش والمعاصي، ولا تعلم لماذا رُميت، سليمة الصّدر، البعيدات من مواطن الرّيب. المؤمنات بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} : طُردوا من رحمة الله تعالى في الدّنيا والآخرة. وقد تعني: عُذّبوا بالجَلد في الدّنيا ولا تُقبل لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون، ولم يجعل لمن قذف أمهات المؤمنين ومنهن عائشة توبة مقارنة بالآية (4) فقد جعل لمن قذف توبة.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : في الآخرة في نار جهنم.
ولهم: اللام لام الاختصاص، عذاب عظيم: عذاب السعير الشّديد المقيم، والخزي.
ارجع إلى الآية (11) من السّورة نفسها للبيان.
سورة النور [24: 24]
{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :
{يَوْمَ} : القيامة يوم يقوم النّاس لرب العالمين للحساب والجزاء، يوم: نكرة؛ للتهويل والتّعظيم.
{تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم} : تشهد عليهم: تنطق عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم؛ أي: ضدهم، ولم يقل لهم:(لهم) أي: تشهد لهم لصالحهم بعد أن يطلب منها أن تشهد، واختار الألسُن والأيدي والأرجل وهي من الجوارح ولم يذكر الجلود والسّمع والأبصار والأفئدة كما ورد في الآية (20) من سورة فصلت:{حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ لأن هذه الأعضاء الألسن التي تحدثوا بها بالزور والبهتان، وبأرجلهم التي مشوا بها إلى مجالس الإفك، وكذلك الأيدي التي أشاروا بها؛ فالكل يشهد {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول أو مصدريّة، بما كانوا: في الدّنيا، يعملون: العمل يضم القول والفعل.
سورة النور [24: 25]
{يَوْمَئِذٍ} : يوم الدّين والجزاء يوم القيامة. أصلها: يوم؛ إذ: (ظرف زماني أضيف إلى ظرف آخر).
{يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} : الحق: (صفة للدين؛ أي: حسابهم العدل)، وقد تكون صفة لله؛ أي: يوفيهم الله الحق دينهم. يوفيهم الله: يُتمّ الله لهم جزاءهم كاملاً بعد الحساب؛ أي: يستوفون جزاءهم الّذي يستحقونه، الدّين: الجزاء، دينهم: جزاءهم الواجب لهم، الحق: الثّابت. بدون زيادة سيئة أو إنقاص حسنة.
{وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ} : أنّ للتوكيد، الله هو الحق:(هو) ضمير فصل يفيد التّوكيد.
{الْحَقُّ} : وصف الله سبحانه ذاته بالحق، والحق: هو مصدر، والمصدر يدل على ثبات صفة الحق، والحق: هو واجب الوجود، هو الحق الّذي لا يتغير في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا أسمائه ـ الحي القيوم ـ وكل ما أنزله في كتابه وما وعد عباده حقٌّ.
{الْمُبِينُ} : أي هو الحق الظّاهر لكلّ عبد وفرد من خلال آثاره ورحمته وآياته، ولا يحتاج إلى برهان أو دليل ليدل على صدقه وعظمته وقدرته.
سورة النور [24: 26]
{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} : الخبيثات لها معان مختلفة: منها:
1 -
النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا مع النفوس الخبيثة، والنفوس الطيبة لا تلتئم إلا مع النفوس المؤمنة.
2 -
الكلمات الخبيثة: لا يتكلم بها أو يتفوّه بها إلا الخبيثون أو الخبيثات.
3 -
الأفعال الخبيثة: لا يعلمها أو يفعلها إلا الخبيثون أو الخبيثات.
4 -
النساء الخبيثات للخبيثين؛ أي: (لا ينكحن) أو بالعكس، أو الزانيات للرجال الزناة.
{وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} : الكلمات والأعمال أو الأفعال الطّيبة لا يتكلم بها إلا الطّيبون والطّيبات من النّاس، والأعمال والأفعال الطّيبة لا يفعلها إلا الطّيبون، والطّيبات من النّساء للطيبين من الرّجال وبالعكس.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام للبعد والمدح.
{مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} : جمع مبرّأ: اسم مفعول من: برأ؛ أي: عائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطّل مبرّؤون مما قالت عصبة الإفك عنهم.
{لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} : مغفرة: ستر لذنوبهم ومحوها والثواب على أعمالهم الحسنة، ورزق كريم: في الجنات، رزق دائم لا ينقطع مما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين.
سورة النور [24: 27]
سبب النّزول: كما ذكر الواحدي في (أسباب النّزول): جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليَّ، وإنّه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد بتكليف جديد للذين آمنوا.
{لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى} : لا تدخلوا: لا النّاهية.
بيوتاً: جمع بيت، والبيت من: بات، يبيت؛ أي: يقضي الليل فيه نام أم لم ينم، ويمكن أن يكون غرفة أو خيمة أو مسكناً، وكل بيت مسكن.
ارجع إلى سورة القصص آية (58) لمزيد من البيان.
{تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} : الاستئناس: يسبق الاستئذان ويدل على طلب الأُنس، والسِّين والتّاء تدلان على الطّلب؛ أي: اطلبوا الاستئناس أوّلاً، والإذن ثانياً، والمقصود بالاستئناس أن يُعلم أو يخبر أصحاب الدّار أنّه سيزورهم مثلاً، وفي أيّ زمن، وهل ذلك الزّمن مناسب لهم وغير محرج أو مزعج لهم وليس فيه تطفّلٌ عليهم، أو مفاجأة لهم أو حرج.
الاستئذان: لا يدخل بيتاً آخر حتّى يستأذن أهل البيت فيؤذن له، وتسلّموا على أهلها: يسلّم على أصحاب الدّار أو البيت بالسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
{ذَلِكُمْ} : ولم يقل ذلك: (ذلكم) تشير عدة أمور: إلى الاستئناس والسلام، و) ذلك) تشير إلى أمر واحد، و) ذلكم) فيها توكيد.
{خَيْرٌ لَّكُمْ} : أفضل من الدّخول فجأة وبدون استئناس واستئذان.
{لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} : لعل للتعليل، تذكرون هذه الآداب: آداب دخول بيوت الغير ـ بسرعة وعدم نسيانها ـ.
ولم يقل لعلكم تتذكرون؛ أي: لا تحتاجون إلى زمن طويل.
سورة النّور [الآيات 28 - 31]
سورة النور [24: 28]
{فَإِنْ} : إن شرطية تستعمل في الأمور المحتملة.
{لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا} : يأذن لكم، ولم يقل: فإن لم يكن أحد؛ لأن صاحب البيت قد يكون فيها ولم يأذن للزائر.
{فَلَا تَدْخُلُوهَا} : لا النّاهية، والفاء للتوكيد.
{حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} : حتّى حرف نهاية الغاية؛ أي: لا تدخلوها إلا بعد أن يؤذَن لكم.
{وَإِنْ} : إن شرطية تفيد الاحتمال.
{قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} : قيل لكم من أفراد الأسرة: إنّ صاحب المنزل غير موجود، فارجعوا.
{هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} : أي الرّجوع أطهر وأصلح لكم من الدّخول، وانتظار صاحب المنزل حتّى يعود.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} : والله بما تعملون: تقولون أو تفعلون عليم، عليم بنواياكم وبدخولكم بإذن أو غير إذن، أو رجوعكم، بما: الباء للإلصاق والمصاحبة، ما: اسم موصول بمعنى (الّذي: أو مصدرية؛ أي: عليم بأعمالكم.
سورة النور [24: 29]
{لَّيْسَ عَلَيْكُمْ} : للنفي غير المقيَّد؛ أي: في أيّ زمن.
{جُنَاحٌ} إثم، وجناح من: جنح؛ أي: مال عن القصد، والإثم: هو الميل عن الحق، ولم يقل حرج: الحرج هو الضّيق لا مخرج منه مشتق من: الحرجة الشّجر الملتفّ لا يمكن الدّخول فيه ولا الخروج منه.
وما هو الفرق بين قوله: ليس عليكم جناح، و: لا جناح عليكم؟
ليس عليكم جناح: جملة فعلية.
ولا جناح عليكم: جملة اسمية، والجملة الاسمية أقوى من الفعلية في النّفي، إذن لا جناح أقوى وآكد من: ليس عليكم جناح، وعادة يستعمل ليس عليكم حرج أو جناح في الأمور العادية الحياتية مثل دخول البيوت والطّعام، والتّجارة والسّير في الأرض، ويستعمل لا جناح عليكم الأقوى والأبلغ وأكثر توكيداً في العبادات والجهاد، وأحكام الأسرة والأمور الهامة.
{أَنْ} : أن: للتعليل والتّوكيد.
{تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} : أن تدخلوا الأبنية المسكونة مثل: الفنادق أو أماكن خزن الأمتعة، أو أماكن الاستيداع.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} : ما تظهرون وما تعلنون من الأقوال والأفعال.
{وَمَا تَكْتُمُونَ} : ما: اسم موصول بمعنى الّذي، وأوسع شمولاً من الذي، تكتمون: الكتمان يختص بالمعاني كالأسرار والأخبار، والإخفاء أعمُّ من الكتمان، ويستعمل في الأمور الحسية وتكرار (ما) للتوكيد وفصل كلٍّ منهما عن الآخر أو كلاهما معاً.
سورة النور [24: 30]
{قُلْ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم.
{لِّلْمُؤْمِنِينَ} : اللام لام الاختصاص؛ أي: للمؤمنين خاصة، والمؤمنين: جملة اسمية تعني: الّذين أصبح الإيمان صفة ثابتة ملازمة لهم.
{يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} : الغضُّ يعني: كفَّ البصر، والغض: إطباق الجفن على الجفن بحيث تمتنع الرّؤيا والنّظر إلى الأرض وعدم الاستمرار في النّظر، من: تعني التّبعيض أو التّوكيد أو الجنس، أبصارهم: جمع بصر؛ أي: نظراتهم، يغضّوا من أبصارهم، ولم يذكر من ماذا؟ لأنّه واضح المعنى؛ أي: عمّا حرم الله أو ما لا يحل. يغضوا: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد، والتكرار؛ يعني: لا تغضوا، أو تحفظوا فروجكم مرة واحدة، وإنما كلما احتاج الأمر.
{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} : أي يصونوا فروجهم (الفرج: القُبل والدُّبر) بالسّتر؛ أي: يستروا عوراتهم ويصونوها من فاحشة الزّنى واللواطة وما شابه ذلك مما حرم الله ومن اللمس. والعورة في الرّجل من السّرة إلى الرّكبة، وأمّا عورة المرأة فاختلف في تحديدها الفقهاء، ارجع إلى آراء الفقهاء.
وقدم غضَّ البصر على حفظ الفرج؛ لأنّ النّظر يسبق أو من الأمور الّتي تتقدم الوقوع في الفاحشة، وأبيح كشف العورة للضرورة العلاجية.
{ذَلِكَ} اسم إشارة، يشير إلى الغضّ والحفظ، واللام: للبعد؛ لعلو شأن هذه الأحكام.
{أَزْكَى لَهُمْ} : أطهر وأسلم لقلوبهم من السوء والرّيبة.
أزكى: مأخوذة من: الزّكاة بمعنى الطّهارة أو الطهر، والنّمو والبركة وزكاة النفس كقوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]. لهم: اللام لام الاختصاص، للمؤمنين خاصة.
{إِنَّ اللَّهَ} : إنّ: للتوكيد.
{خَبِيرٌ} : عليم ببواطن الأمور بأحوالهم وأفعالهم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور. يعلم ما غضى وما لطف وما تجلى أو ظهر.
{بِمَا يَصْنَعُونَ} : الباء للإلصاق والمصاحبة، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، ولم يقل بما يعملون أو يفعلون، اختار كلمة (يصنعون) لأنّ هذه الأفعال المحرمة إذا تكررت ترسخ وتصبح تشبه الصناعة. الصناعة التي تحتاج إلى مهارة وتدريب وجرأة وخبرة حتّى تتم، أو كأنها تشبه الصّناعة. والصناعة: أبلغ وأحسن من العمل، وفي الآية وعيد لمن يطلق بصره ولا يحفظ فرجه.
سورة النور [24: 31]
{وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ} : وقل يا محمّد صلى الله عليه وسلم للمؤمنات: اللام لام الاختصاص، المؤمنات: اللاتي أصبح الإيمان لهن صفة ثابتة.
وفي الآية السّابقة قال سبحانه: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ} وكلمة (المؤمنين) تشمل المؤمنين والمؤمنات معاً، فلماذا عاد ووصى المؤمنات وقال:(قل للمؤمنات) هذا يطلق عليه: ذكر الخاص بعد ذكر العام للتّوكيد؛ لأنّ المرأة هي الّتي تفتح أو تبدأ بالمقدمات الّتي تجر إلى الوقوع في الفاحشة، والخطاب موجّه إلى المؤمنات وليس إلى النّساء عامّة؛ لأنّ المؤمنات هنّ القدوة الصّالحة للمسلمات وغيرهن، أو أفردهن بالخطاب؛ لأن هذه الأحكام خاصة بهن.
{يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} : ارجع إلى الآية السّابقة للبيان.
{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} : ولا: النّاهية، يبدين: الإبداء الإظهار والكشف، الزّينة قد تكون خَلقية: جمال الوجه والعيون، أو مكتسبة خارجة عن أصل الخلقة، وظاهرة: مثل الثّياب وما تلبس المرأة من خمار أو غيره ويراها الغير، وباطنة: لا يراها إلا الزّوج.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{مَا ظَهَرَ مِنْهَا} : اختلف الفقهاء في هذه، منهم من قال: الوجه والكفَّان، أو من غير قصد، وقيل: الجلباب والثّياب، ارجع إلى مصادر الفقه.
{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} واختار كلمة الضرب بدلاً من الإلقاء أو الدنو (يدنين)، أو الوضع: للمبالغة في الستر. الآية تشير إلى كيفية إخفاء بعض مواضع الزّينة بعد النّهي عن إبدائها، وليضربن: اللام لام التّوكيد، والنّون في كلمة (يضربن) لزيادة التّوكيد، والضّرب: هو الإلقاء بإحكام، بخُمُرهنّ: الباء للإلصاق والمصاحبة والمبالغة في الضرب، أو الضرب يعني: أن تمد الخمار ليستر عنقها وصدرها، خُمُرهنّ: جمع خمار، والخمار في اللغة: هو غطاء الرأس، ومن الناحية الفقهية: هو ما تُغطي به المرأة رأسها وفتحة الصّدر: الجيب، وأصله من: الخمر؛ أي) السّتر، الّذي يستر العقل.
{عَلَى جُيُوبِهِنَّ} : الجيوب فتحة الصّدر، جمع جيب: الفتحة في أعلى القميص أو مدخل العنق، وهذا يعني ضرب الخمار على الشّعر والعنق والصّدر والنّحر. وأما الإدناء: هو الإرخاء والإسدال، وجاء الإدناء في سياق لبس الجلباب وهو ما يستر الجسم كله من الملابس فوق الثوب.
{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} : أي: الظاهرة إلا عن (12 صورة)، واختلف الفقهاء في موضوع الزينة كل عالم يفسرها حسب ما يراه من الأدلة، وكذلك نرى أنه سبحانه لم يذكر مواضع الزينة.
{إِلَّا} : أداة استثناء.
{لِبُعُولَتِهِنَّ} : الأزواج. أصل الزينة للزوج. ارجع إلى سورة هود آية (72) لمزيد من البيان في بعلي.
{أَوْ آبَائِهِنَّ} .
{أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} : آباء أزواجهن.
{أَوْ أَبْنَائِهِنَّ} .
{أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} : أبناء أزواجهن.
{أَوْ إِخْوَانِهِنَّ} : الإخوة سواء كانوا لأب أو لأم.
{أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ} : ما هو الفرق بين بني وأبناء؟ بني: تدل على الكثرة، وأبناء: تدل على القلة.
{أَوْ بَنِى أَخَوَاتِهِنَّ} : ولم يذكر العم والخال؛ لقلة الزيارة.
{أَوْ نِسَائِهِنَّ} : تضاربت الآراء حول نسائهن؛ قيل: المؤمنات، وقيل: المختصات بالخدمة والصحبة، سواء مسلمات أو غير مسلمات (الأجنبيات)، وقيل: جميع النساء.
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} : أي: الإماء من النساء دون الرجال.
{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} : أي غير ذوي الإربة؛ أي: الحاجة إلى النّساء أي: من غير ذوي الميل والشّهوة، مثل كبيري السّن الشّيوخ والعجزة، أو صغار السّن كالأطفال أو المجانين أو المصابين ببعض الأمراض العقلية. وقيل: غير أولي الأربة صفة للتابعين، وقيل: مستثنى منهم، وعندها يصبح التابعون هم من لا حاجة لهم في النساء كالمصابين بأمراض يفقدون معها الحاجة إلى النساء، فهؤلاء بيح لهم النظر، وأولي الأربة: أصحاب الحاجة إلى النساء.
{أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} : أفرد كلمة (الطّفل) وجاء بكلمة (الّذين) ولم يقل الّذي؛ لأنّ الأطفال كلّهم كالطّفل من حيث إدراكهم وشعورهم وتصرفهم في مرحلة الطّفولة كلّهم موقفهم واحد، فإذا بلغوا الحلم فيصبح لكلّ واحد منهم نظريته الخاصة، لم يظهروا على عورات النّساء: لم يطّلعوا على عورات النّساء. لم يبلغوا سنَّ البلوغ. وقيل: قبل سن التميز (تميز العورات)، واختلف الفقهاء في هذا السن الذي يمنع فيه الطفل إلى النظر إلى زينة المرأة.
{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} : أي: لا النّاهية، لا يضربن الأرض بأرجلهنّ حتّى لا يسمع صوت الخلخال أو غيره مما يؤدّي إلى إثارة الشّهوة والفتنة، ولفت الأنظار وإساءة الظّن، وليعلم: اللام لام التّوكيد، يعلم ما: يخفين من زينتهن الباطنة، سواءٌ أكان هذا الضرب مقصوداً، أم غير مقصود كالحركة العفوية.
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : أسرعوا بالتوبة بالرّجوع إلى ربكم إذا أخطأتم أو أذنبتم، ولا تعودوا إلى فعل ذلك واشعروا بالنّدم وأكثروا من أعمالكم الصّالحة، لعلكم: لعل للتعليل وتفيد التحقيق؛ أي: الثواب والفلاح، تفلحون: تنجون من النّار وتفوزون بالجنة وتنالون أمانيكم. وانظر إلى كلمة (آية) كيف كتبت بدون ألف (أيها) لتشير قصر الزمن للشروع في التوبة؛ أي: ليكن فورياً بدون تأخير لذلك خفف كلمة (آية).
ارجع إلى سورة البقرة آية: (5) لمزيد من البيان.
سورة النّور [الآيات 32 - 36]
سورة النور [24: 32]
{وَأَنْكِحُوا} الخطاب موجَّهٌ إلى الأولياء الآباء والأمّهات وغيرهم من المؤمنين؛ أي: لكل مخاطب كما قال بعض الفقهاء؛ لأن الرجل الكبير لا ولاية لأحد عليه. وانكحوا: أي زوّجوا. وقيل: معنى انكحوا؛ أي: ساعدوا على النكاح، وسهلوا أسبابه، ولا تقفوا عثرة.
{الْأَيَامَى} : جمع أيّم، والأيّم من الرّجال: من لا زوجة له، والأيّم من النّساء: من لا زوج لها سواء كان متزوجاً قبل ذلك أو لم يتزوج أو كانت متزوجة أو غير متزوجة، وللذكر والأنثى والبكر والثيب.
{مِنكُمْ} : تدل على الاختصاص؛ أي: ساعدوهم على الزواج أو التوسط لهم..
{وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} الصلاح هنا يعني الإيمان، و) الصالحين) يدخل فيها الصالحات. والقدرة على القيام بحقوق الزوجية
…
{وَإِمَائِكُمْ} : جمع أمة، وهذه ليس لها تطبيق في زمننا الحاضر.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال.
{يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} : وعد من الله سبحانه للفقراء الّذين يمتثلون أوامره بأن يغنيهم من فضله إن شاء. والسّؤال هنا قد يسأل البعض: إنّ كثيراً من الفقراء يتزوجون فلا يصبحون أغنياء وبالعكس قد يصبحوا فقراء فكيف نفسر ذلك؟ الغنى أو الفقر يرجع إلى حكمة الله سبحانه فهناك من العباد من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه الله لفسدت حالته، والله سبحانه يعلم ما يصلح عبده فيبسط لمن يشاء ويقدر لمن يشاء.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} واسع: مبالغة في الجود والكرم ـ واسع من الوسع: وهو القدرة ـ واسع: محيط بالأشياء علماً؛ لقوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا} [طه: 98]، أو غني ذو سعة لا تنفد ولا تنقص، عليم بحاجات خلقه وما يصلح أحوالهم وما يفسدها، ولم يقل: واسع كريم؛ لأنه يبسط الرزق، ويضيق الرزق لمن يشاء.
سورة النور [24: 33]
{وَلْيَسْتَعْفِفِ} : اللام للتوكيد، يستعفف؛ أي: يجتهد في العفَّة والحصانة، ويسعى إليها بكلّ ما في وسعه، ويتجنب الحرام والزّنى بشتى الوسائل ومنها الصّيام مثلاً وأن يشغل نفسه. والوصية موجّهةٌ إلى الأيامى الّذين لا يقدرون على أعباء الزّواج.
{الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} : أي ليس عندهم القدرة على الزّواج والنّفقة ودفع الصّداق ولا يوجد من يساعدهم.
{حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} : حتّى حرف نهاية الغاية، يوسع الله سبحانه عليهم من رزقه، فالاستعفاف من التّقوى والتّقوى من وسائل الرّزق كما قال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].
{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} : (يطلبون منكم) أن تكتبوا عقداً بينكم وبينهم، تشترطون في العقد أن يعملوا لكم كذا وكذا، وبعدها يكونوا طلقاء أو أحراراً.
{إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} : إن: شرطية؛ أي: علمتم أنّ إطلاق حريتهم وسراحهم بعد الخدمة سيؤدي إلى خير وإصلاح لهم وكسب رزقهم، أو علمتم فيهم خيراً أنّهم أصحاب صدق، ووفاء، ويخافون الله، فافعلوا ذلك.
{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى آتَاكُمْ} : خطاب للأغنياء أن يعطوا هؤلاء من أموالهم الّتي هي في الحقيقة مال الله الّذي آتاكم وما نحن إلا مستخلفين فيه، من مال الله:(من) بعضية أو اسم جنس، الّذي آتاكم: أي أعطاكم و) آتاكم) فيها معنى عدم التّمليك. ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة للبيان.
{وَلَا تُكْرِهُوا} : لا النّاهية: من الإكراه باستعمال أساليب التّهديد والقوة والانتقام والطّرد والحرمان.
{فَتَيَاتِكُمْ} : جمع فتاة، وتعني المملوكة أو الإماء، وإن كانت المملوكة ليس لها وجود الآن في مجتمعاتنا فقد استبدلت بمسميات جديدة.
{عَلَى الْبِغَاءِ} : البغاء: هو الفجور، وبغى في الأرض تجاوز حدود ما شرع الله، ويقال للمرأة بغي إذا تجاوزت حدها، ولا يقال للرجل بغي، والبغاء يطلق على الزّنى، والبغاء: هو الزّنى المتكرر، والبغاء هو مصدر من: بغت؛ أي: زنت (انظر في ملحق الآية).
{إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} : تحصناً: من التحصن، وهو التعفف أو الزواج؛ أي: ليس هناك سببٌ يدعو إلى إكراه أيِّ فتاة أو أنثى مهما كانت على البغاء، ومهما كان السّبب، في أيّ مجتمع، ولا يجوز فهم الآية: وإذا لم ترد التّحصن يجوز إكراهها، طبعاً لا. ويمكن فهم الآية على النّحو التالي: كيف لكم أن تكرهوا أيَّ فتاة أو أنثى على البغاء (الزّنى) وهي تريد أو تطلب العفة، وأنتم تريدون أن تأتي بالفاحشة لتبتغوا عرض الحياة الدّنيا!
{لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : اللام للتوكيد، تبتغوا عرض الدّنيا؛ أي: المال أو أيّ عرض دنيوي يطلبه ولي الأمر.
{وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ} : من شرطية، يكرههن: والنّون في يكرههنّ لزيادة التّوكيد على عدم الإكراه.
{فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} : فإنّ: للتوكيد.
{غَفُورٌ رَحِيمٌ} : لأنّ المكرَه لا إثم عليه فيما يقول أو يفعل. وإنما على الّذي كان السّبب..
وظاهرة البغاء أصبحت تسود في بعض المجتمعات وتأخذ صوراً شتى، وتقوم بها الفتيات أو النّساء أنفسهن بإرادتهن وبدون إكراه، أو هناك من يتولى أمرهن سواء كانت امرأة أو رجلاً، والغاية العظمى من وراء البغاء هو الحصول على المال أو لشراء المخدرات أو بعض الأدوية المحرمة، وللتخلص من الفقر بأسرع وسيلة.
ما الفرق بين البغاء والزّنى والسّفاح؟
البغاء: هو الزّنى المتكرر ـ أي الفجور، توصف به المرأة ولا يوصف به الرجل من: بغت؛ أي: فجرت، تجاوزت ما ليس لها بحق.
السِّفاح: وهو أن يقيم الزّاني والزّانية في منزل واحد بدون زواج.
الزّنى: الوطء بدون عقد شرعي ولو وقع لمرة واحدة.
سورة النور [24: 34]
{وَلَقَدْ} : الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
{أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ} : آيات القرآن (آيات الأحكام والحدود)، والآيات بشكل عام تشمل الآيات الكونية والمعجزات. إليكم: خاصة.
{مُّبَيِّنَاتٍ} : ولم يقل: آيات بينات؛ أي: واضحات، ظاهرات، ومبينات: تحتاج إلى توضيح وتفسير مثل آيات الحدود والأحكام، أو تعني: مبينات الأحكام والحدود الّتي تنظم حياتكم.
أي: تحتاج إلى توضيح وتفسير يقوم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أولو العلم والفقه في الدّين، أو علماء الفلك والفيزياء مثل قوله تعالى:{بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} [النور: 40]. وكقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: 53]، وغيرها من الآيات.
{وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} : أي أنزلنا إليكم آيات مبينات.
وأنزلنا إليكم ـ مثلاً ـ من الّذين خلوا من قبلكم، والمثل: هو تشبيه حال بحال مراد به توضيح أمر غامض؛ أي: مشبهاً من حال الّذين مضوا من قبلكم بحالكم مثلاً شبهاً بحادثة الإفك ما حدث ليوسف عليه السلام وامرأة العزيز وما حدث لمريم عليها السلام حين قالوا: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28].
{وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} تذكرة، ونصيحة وتحذيراً للمتقين، والموعظة: ما يوعظ به من قول أو فعل يُرشد إلى الخير، أو النّصح بالطّاعة بأسلوب التّرغيب والتّرهيب والعمل الصّالح والتّذكرة بالثّواب والعقاب، والتّحذير وللنهي من الغفلة والجهل.
{لِّلْمُتَّقِينَ} : اللام لام الاختصاص، المتقين: الّذي يطيعون أوامر الله ولا يعصونه ويتجنبون نواهيه.
أي: خاصة بالمتقين دون غيرهم فهم المنتفعون بها. وربما ينتفع بها غيرهم بشكل عام.
ولنقارن هذه الآية: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} و قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99].
الآيات البينات الواضحات لا تحتاج إلى بيان وتوضيح، بينما المبينات تحتاج.
سورة النور [24: 35]
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : الله نور: نور لها عدة معان:
أولاً: كلمة (نور) فيها معنى الهداية؛ أي: الله هادي من في السّموات والأرض وما فيهن، كما قال ابن عبّاس: يهدي كل مخلوق لما يقوّمه ويصلحه، ولولا هديه ونوره ما اهتدى مخلوق إلى وظيفته وغايته ومعاشه وحياته.
ثانياً: الله سبحانه هو النّور؛ أي: منه النّور؛ لأنّ العرب تسمّي من منه الشّيء باسم ذلك الشّيء. فالشّمس والقمر والنّجوم هي من خلقه.
ثالثاً: الله سبحانه منوِّر السّموات والأرض بالشّموس والأقمار والكواكب الّتي تعطي النّور الحسي.
{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} : صفة نوره العجيبة، كمشكاة فيها مصباح: المشكاة كوَّة في جدار (أي: نافذة مدورة ضيقة ولها جدار ثخين) ليكون أجمع للنّور وأضوأ مقارنة بالمكان الواسع حيث ينتشر فيه الضّوء ويتبعثر.
{فِيهَا مِصْبَاحٌ} : أي السّراج أو القنديل.
{الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ} : أي ليس مصباحاً عادياً إنّما المصباح موضوع في زجاجة، الزجاجة تنقي ضوء المصباح تمنع عنه الهواء المسبِّب للدخان وهي أداة عاكسة للنور.
{الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ} : الزّجاجة نفسها غير عادية إنّما هي (الزّجاجة كأنّها كوكب دري) شديد الإنارة، كأنّه من الدّر يضيء بنفسه، والعرب تسمي الكوكب العظيم المضيء: كوكب دري.
{يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} : أي أنّ الزّيت الّذي يوقد به المصباح ليس زيتاً عادياً، إنما زيتٌ مأخوذٌ من شجرة مباركة؛ للدلالة على قدسيتها، أو مباركة لطول عمرها، فهناك من شجر الزيتون ما يزيد عمره على ألف عام. هي الزّيتونة، لا شرقية ولا غربية؛ أي: هي شجرة مزروعة في مكان وسط مما يجعل ضوء الشمس يقع عليها طول النهار، ولو كانت شرقية لوقع عليها ضوء الشمس جزء من النهار، ولو كانت غربية لحدث ذلك أيضاً وقع عليها ضوء الشمس جزءاً من النهار، أو حتى لا يطرأ عليها نور وظلمة فهي لا شرقية ولا غربية كي لا يحجزها شيء عن ضوء الشمس مما يجعل زيتها صافياً من شدة صفائه.
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِاءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} : أي زيتها من شدة صفائه يكاد يضيء بدون أن تمسّه نار؛ أي: الإضاءة هنا غير حاصلة؛ أي: تكاد أن تحصل ولم تحصل حتى تمسسه نار.
هذا هو تفسير المفسرين السّابقين، والتّفسير العلمي: أنّ هذه الآية تشير إلى الشّمس الّتي هي الكوكب الدّري الّذي يوقد بغاز الهيدروجين والهيليوم في مشكاة، المشكاة تمثّل الكون المظلم، فيها مصباح، المصباح: هو الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض والّتي تضيء حين تقع عليها حزمة الضوء المرئي (ألوان الطّيف السّبعة) وزيت الشّمس هو غاز الهيدروجين والهيليوم الّذي يضيء ولو لم تمسسه نار..
{نُورٌ عَلَى نُورٍ} أي: ليس هو نوراً واحداً وإنّما نور مضاعف من غير تحديد الكمّ، وليس مجموع نورين فقط بل أنوار كثيرة فوق بعضها البعض منها ما هو حسي مادي مركّب من نور الشّمس والقمر والنّجوم، ونور معنويّ مركّب من نور القرآن والرّسول ونور الإيمان ونور الوضوء ونور الإسلام.
{نُورٌ عَلَى نُورٍ} فيه تنكير؛ للمبالغة والتّعظيم.
{يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} : لنوره المعنوي؛ أي: لدينه الإسلام، من يشاء: من عباده، من ابتدائية بعضية.
{وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} : ارجع إلى الآية (74) من سورة النّحل للبيان.
{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ} : شيء نكرة تشمل أيَّ شيءٍ مهما كان.
{عَلِيمٌ} : يحيط علمه بكل شيء خلَقَهُ باطنه وظاهره، حياته وعمله، وموته وفنائه، وحركته وسكونه.
سورة النور [24: 36]
{فِى بُيُوتٍ} : ابتدأت الآية بالجار والمجرور (في بيوت) فلا بدّ من متعلق وهو النّور؛ أي: النّور في بيوتٍ أذن الله أن ترفع: تقام، والبيوت هي المساجد وهي بيوت الله في الأرض، والبيت ما أُعدَّ للبيتوتة، مكان للراحة، وهناك فرق بين البيوت العادية وبيوت الله، فالبيوت العادية توفّر الرّاحة الجسدية البدنية، وبيوت الله تعالى توفّر الرّاحة المعنوية النّفسية، الّتي هي أهم من الرّاحة الجسدية؛ أي: النور المركب في بيوت أذن الله أن ترفع فيها نور الإيمان، والقرآن، وحلقات العلم، ودراسة القرآن، وخطب الجمعة كل هذه الأمور نور على نور، وتشمل البيوت كذلك الصوامع، والبيع، والصلوات. ارجع إلى سورة الحج آية (40).
{أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} : تبنى وتطهّر وتُصان. ولم يقل سبحانه أمر الله أن ترفع للعبادة.
{وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} : اسم الله سبحانه بالأذان والإقامة والصّلاة وقراءة القرآن، والدّعاء والذّكر والتّسبيح.
{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} : التّسبيح التّنزيه، تنزيه الله لذاته وصفاته وأسمائه من كل عيب ونقص وما لا يليق به، بالغدوّ: الغداة من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، والآصال: جمع أصيل ما بين العصر وغروب الشّمس، فهي لا تخلو من ذكر الله.
سورة النّور [الآيات 37 - 43]
سورة النور [24: 37]
{رِجَالٌ} : خصّ الرّجال بالذّكر في المساجد؛ لأن ليس على النّساء صلاة جماعة في المساجد ولا جمعة.
{لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} : لا النّافية. تشغلهم تجارة (التّجارة هي البيع والشّراء)، وخصّ التّجارة؛ لأنّها أكثر الأعمال الّتي تشغل النّاس عن الصّلاة وحضور المساجد.
{وَلَا بَيْعٌ} : ذكر الخاص بعد ذكر العام؛ للاهتمام والتّوكيد، لأنّ البيع هو الّذي يجلب الرّبح ويعدّ أهم قسمَي التّجارة (الشراء والبيع).
{عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} : باللسان مثل التّسبيح والتّحميد والشّكر، و) عن) تفيد المجاوزة والابتعاد.
{وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} : أداؤها لوقتها وإتمامها بالأركان والسنن والواجبات.
{وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} : ما يجب إخراجه من المال للمستحقين.
{يَخَافُونَ يَوْمًا} : يوم القيامة (ونكّر اليوم؛ للتهويل والتّعظيم).
{تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} : من شدة هوله وأحداثه العظام، تتقلب فيه: تعني في ذلك اليوم خاصة أو حصراً.
القلوب تضطرب وتتسرّع من شدة الفزع والخوف ويرتفع الضغط الشّرياني، وتبلغ القلوب الحناجر: كناية عن شدة خوفها، وشدة نبضات القلب الّتي تشعر بأنّها في مستوى الحناجر، أو كأن القلوب تركت أماكنها وأصبحت على مستوى الحناجر.
والأبصار: الشاخصة تتقلب: تترقب من أين يأتيها العذاب، أو تتقلب تنظر يمنة ويسرة من أين يؤتون كتبهم أمِنْ قِبَل اليمين أم من قِبَل الشمال.
سورة النور [24: 38]
{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ} : اللام لام التّعليل والتّوكيد.
{أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} : من الأعمال الصّالحة في دنياهم، أحسن على وزن: أفعل؛ أي: أفضل الجزاء ما عملوا، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية وأوسع شمولاً من الذي.
{وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} : بمضاعفة الحسنات والدّرجات.
{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} : أي: لا يرزق الناس في الدنيا قدر طاعتهم فالرزق ليس منوط بالإيمان أو عدمه، ولا يدل على رضى الله تعالى عن العبد أو منعه يدل على سخط الله على عبده، ولأن خزائنه لا تنفد ويرزق من يشاء من حيث لا يحتسب. ارجع إلى الآية (212) من سورة البقرة للبيان.
سورة النور [24: 39]
بعد أن بيّن الله جزاء أعمال الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات، ينتقل ليبيّن حال أعمال الّذين كفروا في الآخرة، ويشبهها بالسراب والظلام (شيآن حسيان) والكفر شيء معنوي فهو يشبه شيء معنوي بشيئين حسيين.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ} : أي: ثواب أعمالهم الصّالحة.
{كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} : أعمالهم تشبه السّراب، بقِيعَة؛ أي: ما تراه عين الإنسان قرب وقت الظّهيرة بقِيعة؛ أي: في صحراء أو أرض مستوية حين تنكسر أشعة الشّمس على الأرض، فتظهر كماءٍ يحسبه الظّمآن ماء وما هو إلا سراب. وسمّي سراباً؛ لأنّه يسرب:(يجري كالماء) ويخدع الرّائي من بعيد فيظنه ماء وليس بماء.
{حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـئًا} : حتى: حرف نهاية الغاية؛ أي: جاءه يركض ليشرب منه ويروي ظمأه لم يجد السّراب الّذي ظنه ماءً شيئاً، وكذلك الكافر الّذي يعمل الأعمال الحسنة في الدنيا من الإنفاق وصلة رحم ورعاية اليتيم وإغاثة الملهوف وبناء المدارس والمستشفيات، ولكنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأعماله هذه الّتي يظن ستنفعه يفاجأ أنّها لا فائدة منها ولا ثواب في الآخرة؛ لأنّها حبطت بسبب كفره وأصبحت تشبه السّراب الّذي ظنّه الظمآن ماء، كما أنّ الكافر ظنّ أنّ أعماله الصّالحة لها ثواب وأجر فيجدها قد حبطت أو بطلت لا ثواب لها.
{وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} : أي يفاجَأ بوجود الله يوم القيامة.
{فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} : الفاء للتوكيد، حسابه: على كفره أو شركه؛ لأنّ ثواب أعماله الحسنة وفّاها له الله وهو في الدّنيا ونال أجرها قبل موته بأن وسع الله له رزقه، أو مدحوه وأثنوا عليه الناس في الدنيا، أو سموا شارعاً باسمه وغيرها.
{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} : ارجع إلى الآية (41) من سورة الرعد للبيان.
انتبه إلى قوله تعالى:
1 -
سراب بقِيعة: لم يقل في قيعة، استعمل الباء للإلصاق؛ لأنّ السّراب ملتصق بالأرض: القيعة (المستوية) ولو قال في قيعة لدلَّ أنّ القِيعة كظرف والسّراب هو المظروف، وهو غير صحيح من حيث الحقيقة العلمية.
2 -
يحسبه الظّمآن ماء: يحسبه بصيغة المضارع يدلّ على التّجدد والتّكرار في الخدع؛ أي: الكفار في الدنيا يظنون أنَّ لأعمالهم ثواباً وجزاءً بشكل متكرر ومتجدد.
سورة النور [24: 40]
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ} : أو أعمالهم تشبه الظلمات التي نراها في {بَحْرٍ لُّجِّىٍّ} : كالمحيطات، وقد اكتشف علماء البحار أنّ البحار تتكون من بحراً عميقاً لجِّياً له أمواجه، وبحراً سطحياً وله أمواجه، ووجد أنّ هناك منطقة بين البحر العميق والبحر السّطحي وهي طبقة سمكها أمتار قليلة أو طبقة رقيقة تمثل حداً فاصلاً.
{يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} : أي: أن للبحر اللجي (العميق) موج (اسم جنس)؛ أي: أمواج داخلية، يغشاه موج من أعلاه؛ أي: من فوقه؛ أي: الأمواج السطحية التي تخص البحر السطحي، ولهذه الأمواج سحب تسمى سحب الموج الداخلي، وسحب الموج سطحي، وقيل هي (10 سحب)؛ أي: عشر ظلمات (حوائل) سبع ظلمات، ظلمات الأعماق، أو ظلمات الأمواج الداخلية، وظلمات الأمواج السطحية ثلاث.
أي: {أَعْمَالُهُمْ} : تراكمت عليها ظلمات الكفر والشّرك والضّلال والجهل، فلم يعد فيها خير، فلا ينتفعون منها بشيء.
أو أصحاب هذه الأعمال يشبه أحدهم من يغوص في البحر اللجّي الّذي يغشاه موجٌ من فوق موج من فوقه سحاب، فهم يترددون ويسبحون في ظلمات بعضها فوق بعض إذا مدَّ يده فيها ليسبح، لا يكاد يرى يده من شدة الظّلام، فهم لا ينتفعون بأعينهم وأبصارهم كما لا ينتفعون بأعمالهم.
{إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} : مبالغة في عدم القدرة أو نفي الرّؤية كاملاً فهو لا يرى يده. فقد تبين أنه كلما زاد العمق زاد الظلام ويبدأ الظلام على عمق (200 متر) وينعدم على عمق (1000 متر) حيث تختفي الأشعة ويحل الظلام الدامس.
{وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} : أي فمن أراد أن يتخبّط في ظلمات الضّلال والجهل والشّرك والكفر، ولا يريد أن يخرج منها وهو راضٍ بذلك ولا يلتمس أيَّ مخرج أو نور؛ ليخرج منها، فليعلم أنّ الله لا يهديه أو يوفقه.
وهذه أربعة آيات أُخر تعتبر أدلة وبراهين على قدرة الله وعظمته، وأنّه هو الخالق لا إله إلا هو الّذي يحب أن يطاع ويعبد وهي:
1 -
كل من في السّموات والأرض والطّير، والحيوان والنّبات والجماد يصلي ويسبِّح له.
2 -
إنزال المطر والثّلج والبرد من السّحب
3 -
تقلُّب الليل والنّهار.
4 -
وأنواع المخلوقات وأشكالها وأنواعها، وكيف تسير وتمشي.
سورة النور [24: 41]
الدّليل أو البرهان الأوّل:
{أَلَمْ} : الهمزة للاستفهام، وقد لوحظ أنّ القرآن يستعمل (ألم) للأمر الغائب غير المشاهد كما في هذه الآية، حيث لا نرى ولا نشاهد صلاة ولا تسبيح الطّير، بينما (أولم) تستعمل للأمر الحسي المشاهد والحالات الأشد إنكاراً، ومجيء الواو في كلمة (أولم) تدل على شدة الإنكار بدلاً من (ألم).
{تَرَ} : أي: ألم تعلم أو ينتهِ إليك العلم، والرّؤية هنا رؤية قلبية وليس بصرية، وحين يخبرنا الله عن شيء كما هو الحال في هذه الآية يخبرنا عن صلاة وتسبيح الطّير، فهذا الخبر من الله أوثق وأصدق مما لو رأته أعيننا.
{أَنَّ اللَّهَ} : للتعليل والتّوكيد.
{يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : ارجع إلى سورة الإسراء الآية (44) للبيان، وسورة الحديد آية (1).
يسبح: من التّسبيح وهو تنزيه الله تعالى ذاته وصفاته وأسمائه من كلّ نقص وعيب وعما لا يليق به، من: للعاقل وتعني الإنس والجن والملائكة.
{وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} أي: باسطات أجنحتها؛ لكي تظلّ معلّقة في جو السّماء لكي لا تسقط. ارجع إلى سورة الملك آية (19) لمزيد من البيان. وعطف الطير (غير العاقل) على العاقل من خصوصيات القرآن الكريم، كما رأينا في سورة الحج آية (18)، وسورة الرعد آية (15).
والطير صافات (ذكر الخاص) بعد ذكر العام وهو (ما في السموات والأرض) للاهتمام أو الأهمية، فلماذا خصها بالذكر مع أنها داخلة في (من في السموات والأرض)؛ لأن الطير آية من آيات الله تعالى الخاصة؛ فالطيور بأنواعها التي قدرها العلماء بـ (9-10) آلاف نوع، وأجنحتها المختلفة الشكل والحجم، وقدرتها على الطيران تدل على عظمة قدرة الخالق؛ فلا تسقط على الأرض رغم وزنها وخضوعها لقانون الجاذبية الأرضية.
{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} : كل طير، قد: للتحقيق والتّوكيد، علم صلاته وتسبيحه: علم كيف يصلي ويسبّح بطريقته الخاصة به؛ أي: له صلاة وتسبيح يختلف عن الآخر؛ لأنّه سبحانه الّذي خلقها هداها إلى هذا التّسبيح والصّلاة، كلٌّ: قد تعود إلى كلّ ما في الوجود بما فيه الطّير لقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} : وأنتم لا تفقهون تسبيحهم ولكن الله يعلم بكلّ ما يفعلون، يفعلون: ولم يقل يعملون؛ لأنّ العمل عادة يخص ذوي العقول والعمل يعني الفعل والقول، يفعلون: يخص ذوي العقول وغير العاقل والطّير.
سورة النور [24: 42]
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} :
{وَلِلَّهِ} : تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، فقط لله وحده لا لغيره، واللام (لله) تفيد الملكية والاختصاص.
{مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : أي له حكم السّموات والأرض بما أنه خالق السّماوات والأرض فهو مالك لهنّ وما فيهنّ فهو المالك والحاكم، وهنا ملك السّموات والأرض يعني بشكل خاص الحكم فهو الحاكم، وحينما يقول: لله ما في السّموات والأرض؛ تعني: المُلك هو المالك.
{وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} : إلى الله سبحانه النّهاية والعودة؛ أي: الوقوف بين يديه للحساب.
سورة النور [24: 43]
الدّليل والبرهان الثّاني:
{أَلَمْ تَرَ} ألم تعلم، أو ألم تَرَ رؤية قلبية وبصرية، ارجع إلى الآية السّابقة لمعرفة معنى (تَرَ).
{أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى} (يحرك ويسوق) السحاب المتشكل من بخار الماء الخارج من البحار والمحيطات والأرض.. ثم يؤلّف بينه: أي بين السّحب المبسوطة (السحاب).. حتّى تصبح سحباً ركامية، عندها ترى الودق (المطر) ينزل منها وهذا تفصيل ما يحدث من النّاحية العلمية.
{اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا} أي: يحرك برفق أو يدفع ببطء سحاباً، والسحاب عبارة عن بخار الماء المحمول بالرياح، وقد تبين أن بخار الماء أثقل من الهواء فعندما يتحرك الهواء يجد مقاومة من بخار الماء.
وهذه السّحب تسمى السّحب المبسوطة وهي لا تمطر حتّى تتلقح برياح حاملة لهباءات الغبار، فتتحول ذرة بخار الماء إلى نوى تكثّف وحينما تصل إلى كثافة معينة تنزل مطراً.
عندما تلتقي سحابتان كل سحابة لها تركيب مختلف عن الأخرى من حيث التركيب الكيمياوي ودرجة الحرارة وكمية بخار الماء وغيرها، فحين تلتقي السّحب التي تتحرك بشكل أفقي بغيرها من السّحب؛ أي: تصطدم أو {يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} : تتحرك السّحب إلى الأعلى بشكل رأسي أو هرمي، وتكون سرعتها القصوى في المركز فتتصاعد السّحب لتشكل السّحب الرّكامية الّتي قد يبلغ طولها (10 ـ20) كم وحينما يصل بخار الماء إلى الطبقة المنخفضة الحرارة ينزل بشكل مطر.
{فَتَرَى الْوَدْقَ} : أي: المطر الغزير أو الخفيف يخرج من خلاله، وكذلك في هذه السّحب الرّكامية يتشكل الثلج والبرد. وهناك السّحب الأفقية الّتي تتشكل فوق الجبال والهضاب فإذا وصلت الأرض نسميها الضباب، وهناك السّحب المبسوطة تشكل الغيوم (السحب البيضاء).
{فَتَرَى الْوَدْقَ} : الفاء للتعقيب والمباشرة، الودق: المطر بشكليه الشّديد والخفيف.
{وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} : وينزل من السّماء من جبال (هي السّحب الرّكامية الّتي قد تبلغ (20) كم طولاً).
وعندما تصعد السّحب الرّكامية وتعلو، وعندما تصل إلى درجة الصّفر يتحول المطر النّازل إلى قطرات من البرد أو الثّلج، إذا تجمد الماء بسرعة شكّل كرات البرد، وإذا تجمّد ببطء يتبلور إلى كرات الثّلج، فيصيب به (بالبرد) من يشاء. البرد ليس هو الثّلج، البرد كتل مدورة من الجليد يختلف حجمها وقد تكون كبيرة فتسقط فتؤدي إلى ضرر وتلف في المنازل والسّيارات. من يشاء أي: الكفار والمشركين أو العاصين، ويصرفه عمّن يشاء: عن عباده المؤمنين.
{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} : سنا برقه: الضمير يعود على البرد وليس البرق.. فالذي يسبب البرق هو البرد ولا أحد يظن أن هناك علاقة بين البرد والبرق، فقد اكتشف أن الماء حين يتحول من حالة إلى حالة يطلق شحنة كهربائية تصل إلى آلاف الفولتات بالثانية، فإذا نظر الإنسان إلى وهج هذا البرق قد يؤدي ذلك إلى فقدان الرؤية لفترة قصيرة، وإذا نظر إلى فترة طويلة قد يحرق شبكية العين ويفقد بصره كاملاً، و يعود ذلك إلى تغير مادة الرودسين الّتي تعين على الرؤية، فالدراسات العلمية للسحب تؤكد ما جاء به القرآن الكريم من أكثر من (1400) سنة.
سورة النّور [الآيات 44 - 53]
سورة النور [24: 44]
{يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِى الْأَبْصَارِ} :
الدّليل أو البرهان الثّالث:
{يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} : إشارة إلى كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشّمس مما يؤدي إلى تبادل الليل والنّهار، ويشمل هذا التقلب تغير درجات الحرارة بالبرد والحر والدّفء أو الاعتدال، ففي الليل نرى درجات الحرارة تزداد أو تنخفض، وكذلك في النّهار في مطلع النّهار وآخره فلا تبقى على حالة واحدة، هذا التّغير في درجات الحرارة والبرد من تدبير الخالق وتصريفه وحكمته، ودلالة على قدرته وعظمته ووحدانيته مما يدركه أولو الأبصار.
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} : إنّ: للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: اسم إشارة يشير إلى كروية الأرض ودورانها، وهذا التّغيير في درجات الحرارة والجو والمناخ.
{لَعِبْرَةً} : من العبور من الجهل إلى العلم: من الآيات الّتي تعبر بالإنسان للوصول إلى الإله الحق والصّواب، أنّ الله سبحانه المدبر الخالق والّذي يجب أن يطاع ويعبد.
{لِّأُولِى الْأَبْصَارِ} : ذوي؛ أي: أصحاب البصيرة والبصر.
سورة النور [24: 45]
والدّليل أو البرهان الرّابع على قدرة الله وعظمته يتمثل في ظاهرتين: الماء والمشي.
{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} : تعريف الدّابة: كلّ ما يدب على الأرض بما فيها الإنسان والحيوان، حتّى النّملة وما يشبهها له دبيب.
من ماء: من ابتدائية استغراقية تشمل كلّ دابة، وتختلف نسبة الماء في تركيب هذه الدّواب فقد تصل إلى نسبة عالية (70) بالمئة أو أكثر، وقد تصل إلى نسبة ضئيلة جداً كما هو الحال في السّمك مثلاً، وكما قال الله تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ} [الأنبياء: 30]. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12]، والطين يعني: التراب+ الماء.
{فَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ} : فمنهم تعود على الدّابة، من يمشي: المشي هو الانتقال من مكان إلى مكان آخر ولو بعدّة خطوات أو سنتيمترات أو أقل من ذلك أو أكثر، وإذا امتد المشي وطال يسمى السّير، والسّير: يستعمل للسفر والتّجارة.
يمشي على بطنه: كالزّواحف والحيّات بدون أرجل.
{وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ} : الإنسان وبعض الحيوانات.
{وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى أَرْبَعٍ} : ومن يمشي على بطنه أعجب ممن يمشي على رجلين ممن يمشي على أربع بدأ بالأصعب إلى الأسهل.
انتبه في هذه الآية إلى عدة أمور:
1 -
التّدرج من المشي على البطن إلى المشي على رجلين إلى المشي على أربع، التّدرج من الأعلى تعقيداً إلى الأقل؛ فالّذي يمشي على بطنه أعجب من الّذي يمشي على رجلين، والذي يمشي على رجلين أعجب من الّذي يمشي على أربع؛ لإظهار قدرته سبحانه وعظمته على الخلق بكل أنواعه وليس هو ترتيباً مبنياً على الجنس.
2 -
استعمل من للعاقل فقال: (ومنهم من يمشي) وكرر ذلك (ومنهم من يمشي) ولم يستعمل (ما) وغلب ضمير العقلاء على البقية.
{يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} : يدخل فيها ما يمشي على أكثر من أربع أرجل أو غيره من أنواع المشي.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : إنّ للتوكيد.
قدير: صيغة مبالغة: كثير القدرة؛ فقد خلق الله أكثر من (8، 7 مليون) سلالة من الحيوانات في الأرض. ارجع إلى سورة البقرة آية (20) لمزيد من البيان.
سورة النور [24: 46]
{لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} :
بعد أن بيّن لنا الله سبحانه أربعة أدلة على عظمته وقدرته، يعود ليخبرنا بأنّه تعالى:
{لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} : ارجع إلى الآية السّابقة (34).
{وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} : والله يهدي من يشاء من عباده للنظر والتّأمل في هذه الأدلة والبراهين الّتي ذكرت في الآيات السّابقة وغيرها من الآيات المنزلة للوصول إلى الحق والرّشاد والإيمان بالله وحده والسّير على دينه؛ أي: الصّراط المستقيم.
سورة النور [24: 47]
أسباب النّزول: كما ذكر الواحدي في (أسباب النّزول): نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمّد صلى الله عليه وسلم، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإنّ محمّداً يحيف علينا، فنزلت هذه الآية.
{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} : باء الإلصاق والتّوكيد، يقولون آمنا: بأفواههم آمنا وصدقنا بالله وبمحمّد وبما أنزل الله.
{ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : أي يفعلون ما يخالف ما قالوه بأفواههم؛ أي: يقولون ما لا يفعلون ويبطنون غير ما يظهرون، أو قول بلا عمل، يتولى فريق منهم: يعرض ويمتنع فريق منهم بتطبيق ما يدل على إيمانهم الصّادق؛ أي: يقولون: آمنا بمحمّد صلى الله عليه وسلم كحال هذا المنافق ثم يريد أن يتحاكم إلى كعب بن الأشرف.
{وَمَا} : النّافية.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام للبعد.
{بِالْمُؤْمِنِينَ} : الباء للإلصاق؛ أي: هم من المنافقين، ويقولون: بصيغة المضارع لتدل على التّجدد والتّكرار.
سورة النور [24: 48]
{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} :
{وَإِذَا} : ظرفية فيها معنى الشّرط، تستعمل للأمور الحتميّة الحدوث وبكثرة.
{دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} : إلى كتاب الله؛ أي: القرآن، ورسوله: ليحكم بينهم بحكم الله؛ لأن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا عن وحي كقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى} [النجم: 4]، وتعني: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته.
{لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} : اللام لام التّعليل والتّوكيد.
{إِذَا} : الفجائية.
{فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} : معرضون عن المجيء إلى الرّسول ليحكم بينهم خوفاً من أن يحكم بالحق عليهم، أو لعلمهم أنه يحكم بالحق فلا يأتون إليه.
سورة النور [24: 49]
{وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} :
{وَإِنْ} : شرطية تستعمل للأمور المحتملة والنادرة.
{يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} : أي إذا كان الحكم لصالحهم جاؤوا إليه مذعنين مسرعين مطيعين منقادين، وتقديم (إليه) للاختصاص؛ أي: إليه وحده.
سورة النور [24: 50]
{أَفِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا} : الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وذم؛ أي: ما هو سبب إعراضهم عن التّحاكم إلى رسول الله، وقلوبهم المريضة بمرض النّفاق والحسد والرّيبة، (أم المنقطعة) ارتابوا في نبوة محمّد؟ الرّيبة: هي الشّك والتّهمة، أو ارتابوا فيما أنزل الله تعالى في القرآن. وانظر إلى جملة في قلوبهم مرض (جملة اسمية) تدل على الثبات؛ أي: المرض متأصل في قلوبهم (مرض النفاق) بينما ارتابوا أو يخافون (جملة فعلية) تدل على التجدد والتكرار؛ لأن قلوبهم مريضة.
{أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} أم: للإضراب الانتقالي (أم المنقطعة) والهمزة للاستفهام الانكاري والتّوبيخ.
الحيف: هو ميل الحاكم إلى أحد الطّرفين، أو الحيف: الظّلم النّاتج عن عدم العدل، وأصل الحيف: تحيّفت الشّيء: إذا أنقصته عن حافاته.
{بَلْ} للتقرير واليقين، للإضراب الانتقالي.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد.
{هُمُ} : للتوكيد.
{الظَّالِمُونَ} : جمع: ظالم، هو كل من يخرج عن منهج الله عز وجل.
أي: يجب ألا يخافوا أن يحيف عليهم محمّد؛ أي: يظلمهم بحكمه، وإنما هم الظّالمون حين يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم أو يظلموا النّاس ويأكلوا حقوقهم وأموالهم بالباطل، فهم الظّالمون لغيرهم ولأنفسهم معاً.
انتبه إلى قوله: (أفي قلوبهم مرض): جملة اسمية تدل على الثّبوت، أتبعها بجملة فعلية هي (أم ارتابوا) الّتي تدل على التّجدد والتّكرار.
الظّالمون: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: مستمرون في الثبات على ظلمهم للنّاس.
سورة النور [24: 51]
{إِنَّمَا} : كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
{كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} : أي كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، أو إنما كان قول المؤمنين حقاً أو صادقي الإيمان إذا دُعوا إلى الله (كتاب الله) أو دُعوا إلى الله رسوله ليحكم بينهم أن يقولوا، أن: للتعليل والتّوكيد، ولم يقل: إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكما بينهم؛ لأن حكم الرسول هو حكم الله تعالى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم منفذ لحكم الله تعالى.
{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} : سمعنا حكم الله ورسوله، وأطعنا ما أمرنا به أو نهانا عنه، وإن كان الحكم لغير صالحهم؛ أي: ضدهم.
{وَأُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد.
{هُمُ الْمُفْلِحُونَ} : هم ضمير فصل يفيد التّوكيد، المفلحون: المدركون والمحققون غاياتهم، النّاجون من النّار والفائزون بالجنة، ارجع إلى الآية (5) من سورة البقرة؛ وتعني: إذا كان هناك مفلحون فهم في طليعة المفلحين ومقدمتهم.
سورة النور [24: 52]
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} :
{وَمَنْ} : شرطية.
{يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : لأن طاعة الرسول من طاعة الله تعالى وطاعتهما واحدة، وتتمثل الطاعة بامتثال أوامر الله تعالى ورسوله؛ أي: يطع أوامرهما ويتجنب نواهيهما.
{وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ} : الخشية هي الخوف المصحوب بالشّعور بعظمة الله الخالق، والمصحوب بالعلم به: صفاته، وأسمائه، وأفعاله، والخشية بالغيب وفي العلن، والتّقوى: طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
{هُمُ} : ضمير فصل للتوكيد؛ أي: إذا كان هناك فائزون فهم في أول الفائزون أو في طليعتهم.
{الْفَائِزُونَ} : بالجنة ورضوان الله وبالبقاء السّرمدي والنّعيم الدّائم.
سورة النور [24: 53]
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ} : وأقسموا من القَسَم، والقسم: أبلغ من الحلف، ولمعرفة الفرق بين القسم والحلف ارجع إلى الآية (56) من سورة التّوبة للبيان.
بالله: باء القسم، وأقسموا بالله لرسوله.
{جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} : بالغوا بمنتهى جهدهم في القسم؛ أي: أقسموا بأغلظ الأيمان وبمنتهى جهدهم ووسعهم.
ارجع إلى سورة الإسراء آية (91) للبيان.
{لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ} : اللام لام التّوكيد، أمرتهم بالخروج إلى الجهاد.
{لَيَخْرُجُنَّ} : اللام للتوكيد، والنّون في (يخرجن) لزيادة التّوكيد.
{قُلْ لَا تُقْسِمُوا} : هذا أمر من الله لرسوله بأن يقول لهم: لا تقسموا، ليس هناك حاجة إلى القسم بالله، إنّ الله يعلم نواياكم وهل أنتم صادقون أم لا، فهو مجرد قسم باللسان!
{طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} : لا تقسموا بالله، إنّ الله يعلم ما نوع طاعتكم فهي طاعة معروفة عنده: مجرد طاعة باللسان وقول الكذب؛ أي: مجرد قول بلا فعل.
{إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} : إنَّ للتوكيد، خبير: ببواطن الأمور، بما تعملون؛ أي: تقولون وتفعلون، العمل: يشمل القول الفعل.
وقدّم (خبير) على (ما تعملون) ولم يقل إنّ الله بما تعملون خبير؛ لأنّ سياق الآيات في الحديث عن عظمة الله وقدرته، وعن أمور قلبية كالنفاق. ونوايا وإيمان وليس السّياق في عمل الإنسان.
سورة النّور [الآيات 54 - 58]
سورة النور [24: 54]
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} : قل لهم يا محمّد: أطيعوا الله فيما أمر به ونهى عنه وما أنزل لكم في الكتاب، وأطيعوا الرّسول فيما أمر به ونهى عنه وما فصّل لكم من الأحكام والشّرائع.
والطاعة تعني: الانقياد لما يطلبه الشارع (وهو الله عز وجل وكذلك الرّسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]. وقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
وفي سورة آل عمران آية (32) قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} بدلاً من {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} لمعرفة الفرق ارجع إلى سورة النّساء آية (59) وآل عمران آية (32). ولنعلم أن طاعة الله وطاعة الرسول طاعة واحدة، وأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بين لنا من الأحكام المجملة.
{فَإِنْ} : الفاء للتعليل، إن: شرطية تستعمل للأمور المحتملة الوقوع مثل التولّي.
{تَوَلَّوْا} : أعرضوا ورفضوا وابتعدوا عن طاعة الله وطاعة الرّسول.
وتولَّوا: أصلها: تتولوا، حذفت إحدى التاءين؛ أي: يجوز في الفعل تولوا أن يكون ماضياً وأن يكون مضارعاً، والفرق بين تولّوا وتتولّوا، تولّوا تستعمل للتولّي القليل، وتتولّوا للتولّي الكثير أو الشديد مثل تولّي المؤمنين يكون قليلاً يستعمل تولّوا، وفي سياق تولّي الكافرين أو المنافقين يستعمل تتولّوا.
{فَإِنَّمَا} : كافة مكفوفة، تفيد التّوكيد.
{عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} : من أعباء الدّعوة والتّبليغ، وعلى: تفيد العلو والمشقة.
{وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ} من وزر التولّي والإعراض وعدم الطاعة، ولا يضره تولّيكم.
{مَا} : اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، وأوسع شمولاً من الذي.
{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} : إن شرطية، تطيعوه: جاء بصيغة المفرد ولم يقل وإن تطيعوهما؛ لأنّ طاعتهما واحدة؛ لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النّساء: 80]، تهتدوا: إلى الحق وتهتدوا إلى الصّراط المستقيم الموصل إلى الغاية العظمى.
{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} : ما النّافية، على: تفيد العلوّ والمشقة، إلا: تفيد الحصر، البلاغ: من التّبليغ؛ أي: إيصال ما نُزّل إليه من ربكم إليكم، المبين: أي إلى كلّ فرد بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبشكل كامل دون نقص؛ أي: إبلاغكم الرّسالة كاملة.
سورة النور [24: 55]
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} : الوعد في القرآن يعني: بشارة خير إذا أُطلق، بعكس الوعيد: يحمل معنى الإنذار والشر.
{مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : منكم أنتم أيّها المسلمون خاصة، (وعملوا الصّالحات) ثلاثة أمور:
1 -
الاستخلاف في الأرض {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ} .
2 -
التمكين في الدين {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} .
3 -
ليبدلنهم من بعد خوفهم آمناً.
1 -
الاستخلاف في الأرض: الاستخلاف من خلف: وله معانٍ عدّة: مجيء شيء بعد شيء ليقوم مقامه، وقد يعني العوض عن شيء فائت، وقد يعني النيابة عن الغير أو التصرف في ملك الغير.
والاستخلاف في الأرض يعني: يخلف بعضُكُم بعضاً؛ يعني: السكن في الأرض والتصرف وحسن التدبير وإقامة العدل وإصلاحها وإعمارها وعدم الفساد، ومن حق الخالق مالك الملك أن يبدل المستخلفين إذا خالفوا العهد أو الميثاق بالتولّي أو الإعراض عن العمل الصّالح والطاعة فيما أمر به، أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أو الفساد في الأرض بدلاً من إعمارها والعبث فيها
…
والاستخلاف قرن بكلمة الأرض، فقال:(ليستخلفنهم في الأرض): وهذا يدل على أنه محدود في الأرض وأنه استخلاف مؤقت، فالإنسان زائل (ميت) والأرض نفسها سوف تزول وتبدَّل بأرض جديدة.
{كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : الكاف للتشبيه؛ أي: استخلاف جيل بعد جيل. والنون في كلمة (ليستخلفنهم) تفيد التّوكيد.
ارجع إلى سورة الأعراف آية (169) لمعرفة الفرق بين خَلْف وخَلَف.
2 -
{وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ} : ليمكنن: اللام للتوكيد وكذلك النون في (يمكنن) لزيادة التّوكيد.
لهم: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر لهم خاصة.
دينهم الّذي ارتضى لهم: أي الإسلام كما قال الله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
لهم: تعني أمة الإسلام خاصة.
والتمكين: يعني القدرة على إقامة شعائر الدين بغير خوف، والدعوة إلى الله والحرية وعدم القسر والإجبار والسلام..
3 -
{وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} : أي يصبحوا في سلام وأمن واستقرار اقتصادي واجتماعي، وزوال أسباب الخوف فلا يخافوا غيرهم.
{يَعْبُدُونَنِى} : من العبادة: ارجع إلى الآية (106) من سورة الأنبياء والآية (73) من سورة النّحل.
يعبدوني: بإخلاص ووحدانية، والمجيء: بياء المتكلم تدل على الاستمرار في العبادة بإخلاص لله تعالى ولا يتوقف ذلك.
{لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـئًا} : لا النّافية، شيئاً: نكرة، مهما صغر أو كبر أو مهما كان نوع الشّرك الجلي أو الخفي كالرياء حذف الياء يدل على عدم السماح لهم بالشرك مهما كان نوعه وقدره بما في ذلك الرياء.
{وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} : من شرطية، من كفر بعد نِعَم الاستخلاف والتّمكين والأمن وعدم الخوف. والكفر في اللغة: هو الستر، وفي الشرع: هو الخروج عن الملة. ارجع إلى سورة البقرة آية (6) لمزيد من البيان.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
{هُمُ} : تفيد التّوكيد.
{الْفَاسِقُونَ} : الخارجون عن طاعة الله ورسوله. أو الدين، أو الّذين لا يستحقون أن يكونوا مستخلفين في الأرض، وكل كافر فاسق، وليس كل فاسق كافر.
سورة النور [24: 56]
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} :
يمكن عطف هذه الآية على الآية (54) والقول: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة.
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} : إقامة الصّلاة: تعني أداءها لوقتها بأركانها وشروطها وسننها التّامة، والمحافظة على خشوعها والدّوام عليها وعلى الجماعة.
{وَآتُوا الزَّكَاةَ} : المفروضة عليكم، وهاتان العبادتان هما من أهم العبادات وتمثلان باقي العبادات.
{وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} : أي: فيما بين لكم من الأحكام، وتكرار (وأطيعوا الرّسول) للتوكيد فيما أتاكم به وما نهاكم عنه. ارجع إلى الآية (54) من نفس السورة.
{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} : لعل: للتعليل، ترحمون: من الرّحمة؛ أي: جلب ما يسر ودفع ما يضر، والّتي من معانيها الوقاية من عذاب الله تعالى. ارجع إلى سورة الإسراء آية (8).
سورة النور [24: 57]
{لَا تَحْسَبَنَّ} : لا: النّاهية، تحسبن: من حسب؛ وتعني: الظّن الرّاجح أو الاعتقاد، أو رأي مبني على حساب حسي وقلبي قائم على النّظر والتّجربة والحساب.
{الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ} : أي فائتين من عذاب، أو لا تحل بهم نقمة الله وعذابه.
{وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} : من المأوى، ارجع إلى الآية (18) من سورة الرّعد.
{وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} : اللام للتوكيد، بئس من أفعال الذّم، المصير: أي بئس النّهاية إلى النّار والمآل.
سورة النور [24: 58]
أسباب النّزول: نزلت هذه الآية كما قاله ابن عبّاس، وذكر الواحدي في (أسباب النّزول): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر رضي الله عنه غلاماً له اسمه مدلج الأنصاري وقت الظهيرة؛ ليدعوه، فدخل على عمر رضي الله عنه وكان عمر نائماً على حال كره عمر رؤيته عليها، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر: يا رسول الله، وددت لو أنّ الله أمرنا ونهانا في حالة الاستئذان، فنزلت هذه الآية.
وقال مقاتل نزلت في أسماء بنت مرثد. والمهم هو بعموم اللفظ وليس خصوص السّبب.
{لِيَسْتَـئْذِنكُمُ} : اللام: لام الأمر، أو لام التعليل، والسين والتاء: تدل على الطلب؛ أي ليطلب الإذن منكم في الدّخول عليكم أو علّموا هؤلاء المذكورين أن يستأذنوا عليكم.
{الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} : العبيد والإماء أو الخدم، الذكور والإناث، وتشمل كل إنسان.
{وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ} : الصّبيان، والحلم؛ أي: لم يبلغوا سن البلوغ ويقدر بـ (14-15) سنة: سن التّكليف، حيث يدخلون ويخرجون دون ضابط.
{ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} : أي في ثلاثة أوقات.
{مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ} : وقت مخصص للنوم.
{وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} : وقت القيلولة، وقت راحة قد يخلع الإنسان بعض ملابسه.
{وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} : وقت النّوم.
{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} : هذه أوقات ثلاثة لا ينبغي لأحد أن يدخل عليكم إلا بعد الاستئذان منكم، يقرعوا الباب أو يُمنعوا من الدّخول عليكم إلا بالسّاعات المحددة لهم، ويسمي الله تعالى هذه الأوقات بأوقات العورة.
العورة في الأصل: الخلل والنّقص، ثمّ أطلقت على ما يُكره انكشافه والنّظر إليه، هي ما بين السّرة والرّكبتين في الرّجل، وفي المرأة ما يستحي من كشفه. ارجع إلى كتب الفقه لمزيد من البيان.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} : يعني بعد هذه الأوقات الثّلاثة لا إثم عليكم ولا عليهم أن يدخلوا عليكم أو تدخلوا عليهم.
{طَوَّافُونَ عَلَيْكُم} : للخدمة أو للحاجة.
طوّافون: جمع طوّاف: اسم فاعل من: طاف يطوف؛ أي: يدخلون ويخرجون عليكم للحاجة.
{بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} : يطوف بعضكم على بعض، توكيد لما قبلها دخولاً وخروجاً.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} : أي كهذا التّبيين الّذي بيّن لكم حكم الاستئذان، يُبين الله لكم الآيات المشتملة للشرائع والأحكام الأخرى الّتي تحتاج إلى تبيان.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ} : بأعمالكم؛ أي: أقوالكم وأفعالكم وما تحفون وما تبدون، وما تسرّون وما تعلنون، وبنواياكم وما تخفي.
{حَكِيمٌ} : فيما شرع لكم وفرض عليكم، فهو أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (129) لمزيد من البيان.
ما الفرق بين الآية (58){كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} والآية (59){كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ؟
1 -
الآيات: أعمّ من آياته.
2 -
إضافة الضّمير إلى ذاته (آياته) سبحانه معناها: هي آيات أهم وآكد مقارنة بقوله: الآيات بشكل عام.
3 -
الآيات: تأتي في سياق المندوبات، أمّا (آياته) تأتي في سياق الحلال والحرام والأحكام الخاصة. ويمكن القول: حين يقول: (آياتي) هي أقرب إليه من القول (آياته)، والقول (آياته) أقرب إليه من القول (الآيات) فالتدرج من الأقرب إلى الأبعد يكون كما يلي: آياتي، آياته، آيات.
سورة النّور [الآيات 59 - 61]
سورة النور [24: 59]
{وَإِذَا} : ظرفية بمعنى: حين، وتفيد حتمية الحدوث وكثرته.
{بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ} : الحلم: البلوغ في الصبي، والاحتلام كما ورد في (القاموس المحيط): الجماع في النوم (الحُلم). وقيل: نزول المنيّ عند الاحتلام. وقيل: سنّ البلوغ؛ أي: أصبحوا قادرين على الإنجاب.
وقيل: ظهور شعر العانة أو سن (14 ـ 15) سنة، وقال:(بلغ الأطفال منكم الحُلم) ولم يقل (بلغ الطفل) كما في الآية (31) من السّورة نفسها، لأنّ الأطفال لم تعد ميولهم ورغباتهم وأفعالهم موحّدةً كالطّفل الواحد قبل سن البلوغ، وإنما تعددت شهواتهم وميولهم ونظراتهم بعد سن البلوغ للناحية الجنسية.
{فَلْيَسْتَـئْذِنُوا كَمَا اسْتَـئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : الفاء للتوكيد؛ أي: تغير حكمهم في الاستئذان فأصبحوا كالرّجال فلا يدخلون إلا بعد الاستئذان وتطبّق عليهم الأحكام الواردة في الآية (58).
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} : ارجع إلى الآية السّابقة (58) للبيان.
سورة النور [24: 60]
{وَالْقَوَاعِدُ} الواو عاطفة، والقواعد: لغةً: جمع قاعد، والقاعد: الرجل أو المرأة؛ يعني الّذي قعد عن العمل، العاجز عن الحركة لعاهة أو مرض أو كبر في السّن أو الشيخوخة.
وهنا يقصد بها النّساء، العجائز اللاتي قعدن عن الحمل والحيض لكبر أعمارهن.
{لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} : والشرط الأهم من كل ذلك: لم يعد عندها إربة؛ أي: حاجة للرجال، وانقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد وليس لهن رغبة في الزّواج أو الشّهوة الجنسية.
{فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} : أيّ إثم أو ذنب أن يظهرن بملابسهن المعتادة إذا كانت لا تثير الشّهوة.
{أَنْ} : تعليلية.
{يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} : أي ليس عليهن إثم إذا لم يلبسن العباءة من فوق الثياب، أو ما يسدل على الوجه لتغطيته، أو القناع، على شرط أن تكون غير متبرجة بزينة؛ أي: مظهرة زينة لها مثل المكياج على الوجه، أو لبس الأساور والخلاخل في الرجلين، أو الثياب ذات الألوان غير المستساغة، أو الضيقة أو القصيرة أو الشفافة.
ولمعرفة الفرق بين {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} و {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ} ارجع إلى سورة النّساء آية (101) لبيان الفرق.
{وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} : وأن: تعليلية وللتوكيد.
{يَسْتَعْفِفْنَ} : أي يحتفظن بملابسهن وثيابهن فلا يضعنها، وحتى لا تظهر كاشفة لوجهها أو لجسمها، والأفضل لها أن تكون ورعةً في ملبسها ومظهرها بشكل عام وخاصة سلوكها.
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} : لكل الأقوال ما يقال في السّر والعلن.
{عَلِيمٌ} : بأفعالكم ونواياكم وسركم وجهركم، وبخائنة الأعين وما تخفي الصّدور.
سورة النور [24: 61]
{لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} : الحرج: الضّيق، وقد يعني: الإثم، والحرج هو الضيق لا منفذ منه، مأخوذ من الحرجة: وهي الشجر الملتف الّذي لا يمكن الدخول فيه ولا الخروج منه.
أي: الضيق المتعلق بالحكم، فهذه الآية تتعلق بأصحاب الأمراض المزمنة حتّى لا يصبحوا منبوذين في مجتمعهم، فلا بدّ من مساعدتهم أو الجلوس معهم والأكل معهم، والحرج المقصود في هذه الآية:
1 -
قد يكون ناتجاً عن الأكل معهم، حيث الأعمى لا يرى حين يأكل وقد يضع يده في طبق طعام الآخرين فيؤدي إلى إزعاج الآخرين، أو مريض بمرض (ما) يظن الآخرون أنّه مرضٌ معدٍ، فلا يجالسوهم، أو الأعرج لا يعرف كيف يجلس، وبدأ بالأعمى؛ لأنه أشدهم عذراً، ثم المريض، ثم الأعرج.
2 -
أو يكون الحرج ناتجاً عن عدم القدرة على الخروج للجهاد، فإذا غزوا غيرهم أعطوا مفاتح بيوتهم لهؤلاء القاعدين وكان هؤلاء يتحرّجون في دخول تلك البيوت وأصحابها غيَّبٌ، وعدم الأكل منها رغم السّماح لهم.
أي: لا حرج؛ أي: لا إثم أو ذنب على هؤلاء المبتلين ولا عليكم أيُّها الأصحاء.
{أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} : أن: تعليلية وتفيد التّوكيد، تأكلوا من بيوتكم: هذه الآية ليس المقصود فيها بيوتكم خاصة، فمن أين نأكل إذا لم نأكل من بيوتنا؟! إنما المقصود بها بيوت أبنائكم؛ أي: أولادكم؛ لأنّه لا ذِكَر لهم في بقية الآية؛ لكونهم يأتون في مقدمة المذكورين في الآية، فعلى الأب والأم ألَّا يشعروا بحرج في الأكل من بيوت أبنائهم أو يسألوهم الإذن، ولكي تأكلوا لابدّ من الدّخول عليهم، فالآية تعني الدّخول والأكل.
{أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} .
{أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ} .
{أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ} .
{أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ} .
{أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ} .
{أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ} : المفاتح كناية عن الإباحة والأكل بالمعروف على شرط أن يقولوا لكم: أحللنا لكم الأكل منها، أو يأذنوا لكم وإذا أعطيتم مفاتيح بيوت إخوانكم في حال غيابهم، أو كنتم حرَّاساً للبيت، أو كنتم تعملون خداماً أو غيره، لا بدّ لصاحب المنزل من الإشارة إلى هؤلاء بالسّماح، فالكثيرون لا يسمحون، حيث هؤلاء يتقاضون أجرة عملهم مثلاً.
{أَوْ صَدِيقِكُمْ} : ولم يقل أصدقائكم: كلمة (صديق) تستعمل للجمع والمفرد، وبما أنّ الأصدقاء كلّهم يشبه بعضهم بعضاً وعلى قلب واحد، ولو لم يكونوا كذلك لجاء بصيغة أصدقائكم؛ لأنّ صداقة المؤمنين واحدة: صداقة في الله، ولذلك أفردها.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} : جميعاً: مجتمعين أو أشتاتاً: متفرقين كلٌّ على حِدة، حيث كان بعضهم يتحرّج أن يأكل لوحده.
{فَإِذَا} : شرطية حتمية.
{دَخَلْتُم بُيُوتًا} : (بيوتاً) نكرة؛ أي بيوتاً مسكونة أو غير مسكونة.
ارجع إلى الآية (27) من السّورة نفسها.
{فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} : الفاء للتوكيد، (سلّموا) على أهليكم أو على غيركم بالقول: السّلام عليكم؛ لأنّك حين تسلّم على غيرك كأنّك تسلّم على نفسك؛ لأنّه يردّ عليك السّلام، أو دخلتم بيوتاً ليس فيها أحد فسلّموا على أنفسكم، قولوا: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. والبيوت قد تكون بيوت الله أو بيوت الغير.
{تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} : تحية وصفها بثلاث صفات: من عند الله أوّلاً؛ أي: مشروعة من عند الله، مباركة: تحية ذات بركة فيها (30-40) حسنة، طيبة: حسنة يرجى منها زيادة الخير، يطيب بها قلب المستمع وتُدخل السّلام والأمن على قلب المؤمن وتنشر المحبة.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} : كمثل هذا التّبيين في آيات الأكل والسّلام يبين الله لكم معالم دينكم والأحكام أو الشّرائع الأخرى.
{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} : لعل: للتعليل، (تعقلون) من: عقل الشّيء: عرفه بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه، وقارنه بغيره ووصل إلى الحقيقة وهي رضوان الله وامتثال أوامره وتجنّب نواهيه.
تعقلون: أي ولعلكم تعملون بها، وهذه هي الغاية أو تدركون الحقيقة المرجوّة، وهي الإيمان بالله، وتطبيق أحكامه وشرائعه.
سورة النّور [الآيات 62 - 64]
سورة النور [24: 62]
المناسبة: بعد ذكر آيات الاستئذان بالدّخول والأكل، يذكر الاستئذان بالخروج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{إِنَّمَا} : كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
{الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} : أي آمنوا بالله إيمان عقيدة، آمنوا بالله؛ يعني: به وبكتبه ورسله وملائكته والقدر خيره وشره، إيمان توحيد وطاعة وتصديق بما أنزل وطاعة للرسول، ثمّ يتطرق إلى أمر خاصّ بالرّسول والصّحابة:(وإذا كانوا معه على أمر جامع): في اجتماع ومشاورة في جهاد أو أمر يهمّ أمر المسلمين.
{لَّمْ يَذْهَبُوا} : لم النّافية، يتركوا المجلس أو يخرجوا حين انعقاد المجلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{حَتَّى يَسْتَـئْذِنُوهُ} : حتّى حرف نهاية الغاية؛ أي: حتّى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج وترك المجلس.
{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَـئْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة.
{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} : أي طلب الإذن من رسول الله لهم بالخروج دليلٌ على صدق إيمانهم بالله ورسوله وطاعة لله تعالى.
{فَإِذَا} : ظرفية شرطية.
{اسْتَـئْذَنُوكَ} : طلبوا الإذن بالخروج قبل انتهاء المجلس أو المشاورة.
{لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} : لأمر عاجل، أو حدث أمر طارئ لأهاليهم أو ممتلكاتهم.
{فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ} : بالخروج والانصراف حسب ما تراه في مصلحة المسلمين؛ لأنّ مصلحة الأمة أو الجماعة مقدمة على المصلحة الفردية، والأمر لك تقدّره حسب ما تشاء فتأذن لمن تشاء.
{وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ} : أي كل استئذان بدون سبب قاطع أو حاسم لا يحبِّذه الله تعالى ولا يسمح به، والأفضل ألا يستأذن أحدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإذن يوجب الاستغفار، فإذا حدث ووقع الاستئذان، ومهما كانت أسبابه، يقتضي الاستغفار لهم من قِبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أنفسهم كذلك يستغفرون الله تعالى.
ولماذا الاستغفار؟ لما قد يقع من الاستئذان بغير عذر شرعي يبيح الاستئذان.
{إِنَّ اللَّهَ} : إن للتوكيد.
{غَفُورٌ رَحِيمٌ} : أي كثير المغفرة، والمغفرة تعني: ستره ذنوبكم ولا يفضحكم عليها ولا يعاقبكم على خروجكم بعد الاستئذان من عند رسول الله بغير عذر.
رحيم بالمؤمنين، رحيم: صيغة مبالغة؛ لأنّه يقبل توبة واستغفار العبد ولا يعاقبه على ذنبه، ولأنه دائم الرّحمة.
سورة النور [24: 63]
هذا هو الأدب الثاني بعد أدب الاستئذان بالخروج؛ وهو: أدب النّداء أو دعاء الرّسول صلى الله عليه وسلم.
{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} : لا النّاهية، (تجعلوا دعاء الرّسول): لا تنادوا على رسول الله كنداء بعضكم بعضاً، بأن تقولوا: يا محمّد، يا ابن عبد الله، يا أبا قاسم! ولكن نادوه بتوقير واحترام وتواضع وخفض الصّوت، حتّى ولو بعد وفاته وحين تذكرون اسمه بالقول: يا أيها الرّسول، يا أيها النّبي، يا نبي الله، يا رسول الله.
{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا} : قد للتحقيق والتّوكيد، يتسللون: من التّسلل هو: الخروج في خفية كما كان يفعل المنافقون حين يخرجون من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المجلس أو الدرس أو المشاورة؛ يتسللون: من تسلل؛ أي: تكلف أو فعل جهده في الانسلال كي لا يراه أو يشعر به أحد؛ منكم: خاصة من المسلمين، لِواذاً: أي: يستتر بشيء ما مثل حائط أو غيره مخافة أن يُرى، أو يلوذ شخص بشخص آخر.
{فَلْيَحْذَرِ} : الفاء للتوكيد، (ليحذر) اللام للتوكيد، يحذر من الحذر هو توقّي الضّرر سواء كان الضّرر متيّقن الحدوث أو ظناً.
{الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} : أمره سواء كان أمر الله تعالى أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فالأمر واحد، (يخالفون) من المخالفة: تعني اتخاذ أو سلوك طريق مخالف لما أمر الله به أو رسوله، أو الإعراض أو الرّفض أو العصيان، عن: تفيد المجاوزة والابتعاد، أمره: من الأمر، بـ: افعل ولا تفعل.
{أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} : أن: للتعليل والتّوكيد، تصيبهم فتنة: زيغٌ أو ضلالة أو كفر، أو بلاء ومحنة كالجوع والفقر والمرض.
{أَوْ} : للتقسيم أو المساواة أو التّخيير.
{يُصِيبَهُمْ} : تكرار الإصابة للتوكيد.
{عَذَابٌ أَلِيمٌ} : مثل القتل أو الجوع، أو المرض أو الشّدّة وغيرها في الدّنيا، أو عذاب أليم في الآخرة، أليم لا يطاق، أو لا يستطيع أن يتحمله بشر.
سورة النور [24: 64]
{أَلَا} : أداة تنبيه لشيء مهم يجيء بعد التنبيه.
{إِنَّ لِلَّهِ} : إن: للتوكيد، لله: جار ومجرور، لفظ الجلالة، وتقديمه يدل على الحصر والقصر، فكل ما في السّموات والأرض ملكه وحده لا يشاركه فيه أحد.
{مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : ما لغير العاقل وكذلك العاقل، ما في السّموات: ملكاً وخلقاً وعبيداً، في: ظرفية ظرفاً ومظروفاً؛ أي: السّماء نفسها (السّموات السبع) وما فيها من نجوم وكواكب ومجرّات وأقمار وشموس وأفلاك.
{وَالْأَرْضِ} : ملكاً وخلقاً وعبيداً، وما فيها من خيرات وآيات كونية وأشجار وبحار وجبال وأنهار وكنوز.
{قَدْ} : حرف تحقيق يفيد التّوكيد، توكيد العلم؛ أي: يعلم ما أنتم عليه بدون شك أو ريب.
{يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} : ما اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي، أنتم عليه: من طاعة أو مخالفة لأمر الله ورسوله، ما أنتم عليه من إيمان أو نفاق أو خير أو شر، ما أنتم عليه من حال وشأن في كل زمان ومكان.
{وَيَوْمَ} أي: يوم القيامة، ونكَّره للتهويل والتّعظيم.
{يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} : يُرجعون إليه بغير إرادتهم؛ أي: قسراً رغم أنوفهم.
{فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} : فينبئهم: من النّبأ وهو: الخبر الهام العظيم، بما: الباء للإلصاق، ما: بمعنى الّذي، عملوا: في الدّنيا من خير أو شر من طاعة و معصية، من حسنات و سيئات.
الانتقال من صيغة المخاطب (يعلم ما أنتم عليه) إلى صيغة الغائب {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} للتنبيه والتّحذير من مخالفة أمر الله ورسوله.
{وَاللَّهُ} : للتوكيد.
{بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} : ارجع إلى الآية (29) من سورة البقرة للبيان.
سورة الفرقان [25: 1]
سورة الفرقان
ترتيبها في القرآن السورة (25)، وأما ترتيبها في النّزول فهي (41) بعد سورة يس.
{تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} :
{تَبَارَكَ} : ارجع إلى الآية (1) من سورة الملك للبيان.
{الَّذِى} : اسم موصول يفيد التعظيم يعود على الله سبحانه.
{نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} : ولم يقل: أنزل، نزّل: تعني منجماً على دفعات خلال (23) عاماً، بينما أنزل: تعني جملة واحدة، وكان ذلك في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا. الفرقان: القرآن وسُمِّي الفرقان؛ لأنّه فرَّق بين الحق والباطل والهدى والضّلال والحلال والحرام، والفرقان: صفة (نعت) أو اسم للقرآن على وزن فعلان، وهو في الأصل مصدر لفعل فرَّق يفرِّق، وقد يطلق على التّوراة، وعلى كلّ ما يفرِّق بين الحق والباطل كقوله تعالى:{يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41] أيْ: يوم بدر.
{عَلَى عَبْدِهِ} : على: تفيد العلو والسمو، عبده: محمّد صلى الله عليه وسلم والعبودية لله شرف وعزة. وإضافة هاء الضمير تزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً.
{لِيَكُونَ} : اللام: لام التعليل والتوكيد، وتعود على الفرقان أو العبد أو كلاهما.
{لِلْعَالَمِينَ} : اللام لام الاختصاص، العالمين: جمع عَالَم والعوالم: منها عالم الملائكة والإنس والجن والحيوان والنبات والجماد، ومعظم العوالم إلا الإنس والجن عوالم مسخرة وليست مخيَّرة، فالإنذار لا يشملها.
{نَذِيرًا} : من الإنذار وهو الإعلام المقرون بالتحذير والتخويف. نذيراً: أيْ: يكون محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين نذيراً، وقد تعود على القرآن أيْ: يكون هذا القرآن نذيراً للعالمين أو كلاهما معاً. ولم يقل: بشيراً ونذيراً: حذف بشيراً؛ لأن سياق الآيات القادمة تتحدث عن الّذين كفروا وأنكروا نزول القرآن وأنه أساطير الأولين. وتقديم للعالمين: للحصر أيْ: للإنس والجن خاصة نذيراً بدلاً من القول ليكون نذيراً للعالمين.
سورة الفرقان [25: 2]
تبارك الّذي نزل الفرقان، تبارك الّذي له ملك السّموات والأرض.
{الَّذِى} : اسم موصول يفيد العظيم.
{لَهُ} : تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.
{مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : المُلْك: الحكم، يعني: الحاكم والمالك للسموات والأرض وما فيهن من شيء مثل: خزائن السموات والأرض من الرزق والنبات والمطر والمعادن والكنوز، ولا يشاركه في ذلك أحد لا ولد ولا شريك ولا ولي، وبما أنه هو الحاكم والمالك فهو المستحق للعبودية وحده.
{وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} : ولم: حرف نفي، والنفي بحرم (لم) أوكد من النفي بحرف (ما)؛ يتخذ من اتخذ وتخذ من أفعال التحويل والتصيير على وزن افتعل فيها معنى التكلف والجهد، وتأتي في أفعال الشّر، أيْ: ولم يجعل له ولداً؛ لأنّه سبحانه لا يحتاج إلى ولد؛ لأنّه هو الحي القيوم لا يموت ولا يزول ولا يحتاج إلى ولي ولا نصير.
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ} : تكرار ولم يكن للتوكيد، ولم: حرف نفي تنفي النّفي المستمر الّذي لا ينقطع أيْ: لم يكن له شريك في الملك في الماضي والحاضر والمستقبل.
{وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} : خلق: من العدم، أو من شيء أو بعض الشّيء، والخلق في اللغة التقدير.
الشّيء: كلّ ما يعلم ويخبر عنه، سواء كان حسياً أو معنوياً والشّيء تعني أيضاً أقل القليل.
وكل شيء: شيء نكرة تشمل كلَّ شيء مهما كان نوعه وحجمه ولونه ووزنه وصفته، والخلق: يعني التّقدير والتسوية، كما في قوله تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
{فَقَدَّرَهُ} : بالمحفظة الوراثية التي تحوي أبعاده طوله وعرضه وارتفاعه وحجمه ووزنه ولونه وصفته وجنسه ونوعه ووظيفته وأعضاءَه أو أجزاءَه ومعيشته وغذاءَه وحياته وموته.
{تَقْدِيرًا} : للتوكيد.
سورة الفرقان [25: 3]
بعد أن أثنى سبحانه على ذاته، وذكر خمسة أمور هي: نزل الفرقان، وله ملك السّموات والأرض، ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وأنه خلق كلّ شيء فقدره تقديراً، جاء بـ (6) أدلة وبراهين قاطعة أو أسباب على أن ما يعبدون من دونه من آلهة لا تستحق العبادة فقال:
{وَاتَّخَذُوا} : من الاتخاذ بمعنى: التصيير والجعل، أو عبدوا. ارجع إلى الآية السّابقة (2).
{مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} : الآلهة: مثل الأصنام والأوثان آلهة يعبدونها.
الدليل الأوّل: على أنها آلهة باطلة لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل ولا تغني شيئاً {لَا يَخْلُقُونَ شَيْـئًا}: مهما كان هذا الشّيء صغيراً أو كبيراً ومهما كان نوعه حتى الذباب، كما ذكر ذلك سبحانه في سورة الحج آية (73){إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} .
الدليل الثّاني: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} : أيْ: هذه الآلهة هي نفسها مخلوقة، خلقها الخالق، فكيف تخلق؟
الدليل الثّالث: {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} : أيْ: لا تملك لأنفسها ولا لغيرها ضراً؛ أيْ: لا تضر من يعصيها أيَّ شيء ولا تنفع من يعبدها بأي شيء، وقدَّم الضر على النفع في هذه الآية؛ لأن ضرها أكثر من نفعها كقوله تعالى:{يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَّفْعِهِ} [الحج: 13]. ارجع إلى تلك الآية لمزيد من البيان.
الدليل الرّابع: {وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا} : لا تملك موتاً؛ لأن من صفات الإله الحق هو الذي يحيي ويميت.
الدليل الخامس: {وَلَا حَيَاةً} : أيْ: لا يقدرون على إحياء أيِّ شيء.
الدليل السّادس: {وَلَا نُشُورًا} : النشور: إحياء الموتى بعد الموت. وتكرار لا يفيد التوكيد. وفصل كلّ واحدة على حدة أو الكل مجتمعاً.
وهناك الكثير من الآيات القرآنية تؤكد هذه الآية كقوله:
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73].
{قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} [الرعد: 16].
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194].
{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} [الأنبياء: 21].
سورة الفرقان [25: 4]
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : أمثال النضر بن الحارث وغيره كما قال مقاتل، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب.
{إِنْ} : نافية بمعنى ما و (إنْ) أشد وأقوى نفياً من (ما).
{هَذَا} : اسم إشارة والهاء للتنبيه وذا اسم إشارة يشير إلى القرآن الكريم.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{إِفْكٌ افْتَرَاهُ} : الإفك: هو الكذب المتعمد، وهو أسوأ من الكذب، ومشتق من قلب الكلام الحق إلى الباطل، من إفكه: بمعنى قلبه. افتراه: ادعاه أو زعمه أي: القرآن الكريم ليس كلام الله، بل هو كلام محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} : ساعده على الإتيان به قوم آخرون أمثال يسار غلام عامر الحضرمي وعداس وجبر مولى لعامر، وهم من أهل الكتاب كما قال مقاتل.
{فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} : الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد، جاؤوا: هؤلاء الّذين كفروا وقالوا: هذا القرآن إفك وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا بالكذب وبالظلم.
{ظُلْمًا} : الجور: أي: الحكم بغير الحق أي: اتهموا القرآن الحق بأنه إفك مفترى بالزور هو في الأصل تحسين الباطل، والزور: هو الميل عن الصدق والانحراف عن الحق، ومنها شهادة الزور، ويعني: الكذب.
وقدَّم الظلم على الزور؛ لأن المفروض من يصدر الحكم أن يسمع إلى الشهادة أولاً، ثم يصدر الحكم ثانياً، فهم نطقوا بالحكم بغير الحق، والتمسوا له الدليل أو الشهادة.
أيْ: قد ظلموا: جاروا في الحكم حين زعموا أن القرآن مفترى وأعانه عليه قوم آخرون، وكان دليلهم أو شهادتهم هو الكذب والزور وقولهم: أساطير الأولين.
سورة الفرقان [25: 5]
{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} :
{وَقَالُوا} : أيْ: كفار مكة ومشركوها.
{أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : أيْ: هذا القرآن هو من أساطير الأولين جمع أسطورة من أكاذيب وروايات الأولين وأساطيرهم الّتي سطروها في كتبهم القديمة.
{اكْتَتَبَهَا} : أيْ: لم يكتبها بنفسه، بل أمر أو سأل غيره ليكتبها له؛ لأنّه لم يكن كاتباً عليه السلام .
{فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} : فهي: للتوكيد، تملي عليه: أيْ: تُقرأ عليه وتلقى إليه من الإملاء، ليحفظها صباحاً ومساءً، أيْ: في جميع الأوقات باستمرار وليس من عند الله.
سورة الفرقان [25: 6]
{قُلْ} : لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم.
{أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : أنزله: أي: القرآن، جملة واحدة (دفعة واحدة) من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا. ارجع إلى سورة البقرة آية (4) لمزيد من البيان للفرق بين أنزل ونزل.
الله الّذي يعلم السّر في السّموات والأرض: السر هو ما تسره أيْ: تخفيه في نفسك ولا يعلمه إلا أنت فقط، أيْ: لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى: كلّ ما يجري في السّموات والأرض من أحداث وأفعال وأقوال، ولم يقل: أنزله الّذي يعلم السّر والجهر؛ لأن من علم السّر من البديهي أن يعلم الجهر، أو هو أعلم بالجهر، ولو كان هذا القرآن مفترى أو أعانه عليه قوم آخرون لعلم الله سبحانه ذلك، وكما قال تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 45-46].
{إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} : إنّه: للتوكيد، كان وما زال وسيظل كان تشمل كلّ الأزمنة.
غفوراً: صيغة مبالغة كثير الغفر أي: السّتر ومحو الذّنب وترك العقوبة، ومهما كثرت الذنوب أو تعاظمت فهو الغفار والغفور.
رحيماً: بعباده يقبل توبتهم ولا يعجل لهم العقوبة لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الله، ويغفر الذنوب جميعاً إذا تاب الإنسان وأناب إلى ربه.
ولمقارنة هذه الآية بقوله تعالى: {قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنبياء: 4] ارجع إلى سورة الأنبياء آية (4) للبيان.
سورة الفرقان [25: 7]
هم أنكروا أن يكون الرّسول بشراً فهم يريدون أن يكون ملكاً من الملائكة، لا يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق، أو كأنهم يعترضون على نبوته بسبب الأكل والمشي حيث ضاقت بهم الأسباب حتى لا يجدوا إلا هذه الأسباب السخيفة.
{وَقَالُوا} : أيْ: رؤساء قريش لما عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك دعوته مقابل ما يشاء من الملك والمال والنساء أو الجاه فرفض.
عندها {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ} : ما: استفهام يراد به التهكم والتعجب؛ أيْ: كيف يزعم أنه رسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق (جمع سوق) يطلب العيش مثلنا، فلماذا لا يغنيه ربه، أو لا يليق بالرسول أن يمشي في الأسواق يطلب العيش.
{لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} : لولا: للحث والحض تفيد التعجيز أنزل إليه ملك: من الملائكة يصدقه أو يخبرنا بأنه نبي مرسل من الله، فيكون: الفاء للتوكيد يكون معه نذيراً.
نذيراً: يشاركه في الإنذار لربما صدقناه أو اتبعناه.
سورة الفرقان [25: 8]
{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ} : من ذهب أو فضة، من السّماء ليكف عن المشي في الأسواق.
{أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} : من نخيل وأعناب. {يَأْكُلُ مِنْهَا} .
{وَقَالَ الظَّالِمُونَ} : للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنْ} : نافية أيْ: ما، {تَتَّبِعُونَ إِلَّا}: حصراً وتوكيداً رجلاً مسحوراً، وصفهم بالظلم الثّابت المستمر لكونهم اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسّحر، وهو بريء منه وهو اتهام ظلم وإضلال.
{رَجُلًا مَّسْحُورًا} : أيْ: سحره غيره وذهب السّحر بعقله (حيث كان معروفاً عندهم أن السّحر يذهب بالعقول، فلا تسمعوا له ولا تفارقوا دين آبائكم وأجدادكم.
وفي آيات أخرى يقولون: إنه ساحر وليس مسحوراً، وهذا يدل على تخبطهم في أمرهم، وربما قال: مسحوراً؛ لأن ما جاءَهم به أثر في نفوسهم تأثيراً بليغاً شبهوه بالسحر؛ لأنّه خارق لعادتهم وعقولهم.
سورة الفرقان [25: 9]
{انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} :
{انظُرْ} : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
{كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} : اتهموك بالأمثال الكاذبة (ارجع إلى الآية (74) من سورة النّمل) للبيان، فقالوا: ساحر ومسحور وشاعر وكاهن ومجنون وكذاب.
{فَضَلُّوا} : الفاء للتوكيد، ضلوا: عن الصّواب والحق والصراط والرشد.
{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} : لأنّهم ضلوا عن طريق الحق والصواب وابتعدوا كثيراً فلا يستطيعون الرجوع إلى طريق الهدى والحق.
أو لا يستطيعون أن يصلوا إليك ويقدحوا في نبوتك.
أو لا يستطيعون أن يجدوا لهم حُجَّة أو برهاناً في ضرب تلك الأمثال، أو لا يجدوا لهم سبيلاً للخروج من ضلالهم أو لا يستطيعون صد النّاس عن هذا الدِّين.
سورة الفرقان [25: 10]
{تَبَارَكَ} : ارجع إلى الآية (1) من نفس السّورة.
{الَّذِى إِنْ شَاءَ} : إن: شرطية، أيْ: إن شاء سبحانه.
{جَعَلَ لَكَ} : وهب لك وأعطاك.
{خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} : مما اقترحوه من إلقاء كنز أو جنة من نخيل وعنب، جعل لك خيراً من الدّنيا وما فيها.
بأن يجعل لك {جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : أيْ: تنبع من تحتها الأنهار، جنات الفردوس.
{وَيَجْعَل لَكَ قُصُورًا} : قصوراً كثيرة لا قصراً واحداً، كما قال المشركون جمع قصر والقصر في اللغة كلّ بناء رفيع عال حصين.
أين جواب الشرط لكلمة (إن)؟ محذوف.
لم يُذكر لأن أيَّ مقام في الدّنيا مهما كان زخرفه وجماله وعظمته فهو زائلٌ وفانٍ ولا يستحق ذكره بينما في الآخرة فهي دار الخلد والمقام الكريم.
سورة الفرقان [25: 11]
{بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} :
{بَلْ} : للإضراب الانتقالي.
{كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} : أيْ: بقيام السّاعة، ساعة تهدم النّظام الكوني، وبالتالي يوم القيامة والبعث والحساب والجزاء.
والتّكذيب: عدم التّصديق بها بالإعراض وعدم الإيمان والاستعداد لها.
{وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} : أعتدنا: هيأنا وأعددنا، لمن: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، كذب بالسّاعة: أيْ: لم يؤمن بها.
بالسّاعة: الباء: للإلصاق والتوكيد. سعيراً: اسم للنار المستعرة شديدة الالتهاب الّتي تلتهم كلّ شيء، وقيل: سعيراً: دركة من دركات النّار.
سورة الفرقان [25: 12]
{إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} :
{إِذَا} : ظرفية زمانية تدل على حتمية الحدوث.
{رَأَتْهُم} : تعود إلى نار جهنم، رأتهم يوم القيامة، إذن هي ترى أهلها {مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ}. أهلها: أي: الكفرة والمشركون والعصاة، أيْ: أصحاب النّار، وهم يرونها {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} [التكاثر: 6].
{سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} : التغيظ: هو صوت غليان وفوران النّار، والتّغيظ في الأصل: إظهار الغيظ وهو شدة البغض الكامن في القلب، ووصفه في آية أخرى في سورة الملك آية (8):{تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} أيْ: تنفجر وتتقطَّع إلى أجزاء من شدة الغيظ. ارجع إلى سورة التّوبة آية (15) لمزيد في معنى الغيظ.
وزفيراً: هو الصوت الناشئ عن خروج الهواء من الرئتين.
شبَّه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره، وذلك لبعث الرعب والهول في قلوبهم.
سورة الفرقان [25: 13]
{وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} :
{وَإِذَا} : ظرفية بمعنى حين وشرطية تفيد حتمية الحدوث.
{أُلْقُوا مِنْهَا} : الإلقاء هو الرمي، (وهناك فرق بين الإلقاء والرمي) الذي يدل على المهانة وعدم الاهتمام.
الإلقاء: لا تعرف المسافة الّتي تلقي فيها، ويدل على الإهانة وعدم قيمتهم.
الرمي: تعرف المسافة والمكان الّذي ترمي فيه.
فهؤلاء الكفرة والمشركون لا يستحقون إلا الإلقاء، ولم يقل: ادخلوا فيها؛ لأن الدخول أفضل من الإلقاء فيه نوع من اللطف.
{مَكَانًا ضَيِّقًا} : أيْ: يلقون في مكان ضيق من النّار، وفي آية أخرى قال تعالى:{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ} [الهمزة: 8-9]. ضيقاً: والضيق مصدر يدل على الثبوت؛ أي: الضيق أمراً دائماً ثابتاً، وليس عارضاً، ويدل على أنه مستمراً ولا يزول.
أيْ: مطبقة مغلقة أبوابها لا يسمح لهم بالحركة، وهذا نوع من أنواع العذاب بنفسه.
إذن المكان ضيق ومطبق ومغلق عليهم.
{مُقَرَّنِينَ} :
1 -
بالأصفاد والأغلال، مقرنين قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال والأصفاد تستعمل للقدمين.
2 -
وقيل: مقرنين مربوطين إلى الشّياطين قرن كلّ واحد منهم مع شيطانه (قرينه).
3 -
أو مقرن كلّ كافر ومشرك إلى الآخر أيْ: بعضهم إلى بعض.
{دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} : بعد الإلقاء يدعون ثبوراً، كأن يقولوا: يا ثبوراه: أيْ: يا هلاكنا يا خسارتنا ويا ويلنا احضر وخلصنا من هذا، اقضِ علينا وموّتنا.
ثبوراً: هو الهلاك والويل والخسران. وثبوراً: مصدر لفعل ثبر بمعنى هلك حين يقولون: يا ثبوراه: يا هلاكنا احضر وخلصنا، فيقال لهم: خزياً وتبكيتاً: لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، بل ادعوا ثبوراً كثيراً.
سورة الفرقان [25: 14]
{لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} :
أي: ادعوا ثبوراً كثيراً الواحد تلو الآخر، فلن يحصل ما تتمنونه من الهلاك.
أو ادعوا على أنفسكم بالهلاك والخسران المرة تلوَ الأخرى.
سورة الفرقان [25: 15]
{قُلْ أَذَلِكَ} : قل لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم: أذلك: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتوبيخ والتقرير.
ذلك: اسم إشارة يشير إلى السعير. خير: أفضل مقاماً وأحسن.
{أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} : أم للإضراب الانتقالي. جنة الخلد: جنة الإقامة الدائمة المستمرة إلى ما لا نهاية.
{الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} : الّتي وعد الله تعالى بها عباده المتقين بامتثال أوامر الله وتجنُّب نواهيه، الّذين صفة التّقوى عندهم ثابتة.
{كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً} : ثواباً على تقواهم.
{وَمَصِيرًا} : مرجعاً ونهايةً.
سورة الفرقان [25: 16]
{لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْـئُولًا} :
{لَّهُمْ} : اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
{فِيهَا} : تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والقصر؛ أيْ: فيها وحدها لا غيرها.
{مَا يَشَاءُونَ} : من نعيم الدائم من الملبس من الحرير والمطعم والمشرب والمسكن والزينة والمتاع والرزق. ما: أوسع شمولاً من الذي.
{خَالِدِينَ} : لا انقطاع ولا موت ولا خروج منها. والخلود: استمرار البقاء إلى ما لا نهاية يبدأ من زمن دخولهم الجنات، وأصل الخلود: اللزوم المستمر.
{كَانَ عَلَى رَبِّكَ} : الدخول إلى جنة الخلد، والخلود ولهم فيها ما يشاؤون.
كل ذلك كان وعداً وعده الله عباده الصّالحين على ألسنة الرّسل.
{وَعْدًا مَّسْـئُولًا} : أيْ: وعداً من المسؤول وهو الله سبحانه، فمن هو السائل؟
السائل: هم المؤمنون: كانوا يسألونه {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 194].
أو الملائكة: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [غافر: 8].
والمسؤول: هو الله سبحانه وتعالى؛ أي: المجيب لهم. ومسؤولاً: فيها مبالغة في تحقيق الوعد وحصوله، وهذا الوعد هو تكرم من الله، وتفضل ولا يعني الإلزام.
سورة الفرقان [25: 17]
{وَيَوْمَ} : أي: القيامة ونكرة للتهويل والتعظيم.
{يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الحشر: هو السوق والجمع الكفار والمشركين وما يعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام.
من دون الله: من غير الله تعالى.
ما: لغير العاقل وتشمل العقلاء وغلب غير العاقل لكثرة الآلهة والأصنام مقارنة بالعقلاء مثل عيسى وعزير أو الملائكة.
{فَيَقُولُ} : للآلهة، أو المعبودين والأصنام ينطقها الله يوم القيامة وتتكلم كما تتكلم الأيدي والأرجل والألسن، وتشمل الملائكة وعزير وعيسى والأولياء.
{ءَأَنتُمْ} : الهمزة للاستفهام والتقرير والإنكار والتوبيخ، وهو سؤال في الآخرة يوم القيامة.
{أَضْلَلْتُمْ} : أيْ: بالوسوسة والتزيين والإغراء والنزغ. أضللتم إياهم عن الاهتداء والسير على طريق الحق والصراط المستقيم، وأوقعتموهم في الضّلال أم هم ضلوا السبيل بأنفسهم؟
{عِبَادِى} : وصفهم بذلك مع أنهم ضالون، ولم يقل: عبيدي؛ لأن الكل في الآخرة يطلق عليهم عبادي؛ لأنّه زال ما كان يميزهم في الدّنيا وهو الإيمان أو التكليف، ولا تكليف في الآخرة. ارجع إلى سورة البقرة آية (186)، وسورة الزمر آية (17) لمعرفة الفرق بين عبادي وعباد وعبيد.
{هَؤُلَاءِ} : الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة يشير إلى الضالين، وقوله: أأنتم أضللتم عبادي بدلاً من أأضلتم عبادي فيها توكيد أشد ليعلم العبد الضال أنه مسؤول عن ضلاله بنفسه وليس غيره.
{أَمْ} : الهمزة للاستفهام والتقرير. أم: للإضراب الانتقالي.
{هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} : هم: للتوكيد، ضلوا السبيل: السبيل التعريف بأل يعني: الدين القيم التام الكامل؛ أي: الإسلام.
بينما (سبيلاً) نكرة ووردت كلمة (سبيلاً) في ست آيات في هذه السورة، بينما السبيل وردت مرة واحدة.
سبيلاً: كلمة مطلقة لا تحدد نوع السبيل فقد يكون سبيل الإلحاد أو النفاق والغي والضّلال أو الخير أو الهداية أو الصلاح والرشد. وأما في الآية (67) من سورة الأحزاب: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} فهي تدل على الصريخ، وامتداد الصوت، والعويل لما يلاقوه في سعير جهنم. ارجع إلى سورة الأحزاب آية (67) لمزيد من البيان.
سورة الفرقان [25: 18]
{قَالُوا} : رداً على قوله تعالى: {ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} .
{سُبْحَانَكَ} : تنزيهاً لك أيْ: ننزهك يا ربنا عما لا يليق بك من شريك، أو ولي، أو ولد، ومن عيب، أو نقص، أو شرك.
{مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا} : ما: النافية؛ أيْ: ما يحق لنا أو يصح لنا.
{أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} : أن: للتعليل والتوكيد. نتخذ من دونك من أولياء: أيْ: ندعو النّاس إلى عبادة غيرك ونحن نعبدك وحدك.
{وَلَكِنْ} : حرف استدراك وتوكيد.
{مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ} : أيْ: أطلت لهم العمر، وأترفتهم بالنعيم ووسعت لهم الرزق والصحة والقوة هم وآباءهم.
{حَتَّى} : حرف نهاية الغاية.
{نَسُوا الذِّكْرَ} : أي: القرآن ونسوا تدبره والعمل به، ونسوا ذكرك وحمدك وشكرك وعبادتك.
{وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} : جمع بائر: أيْ: هالك اسم فاعل من بار، أيْ قوماً هالكين، وهي مشتقة من الأرض البور الّتي لا تصلح للزراعة ولا تنبت.
سورة الفرقان [25: 19]
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد.
{كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} : بأنهم آلهة أيْ: كذبكم الّذين عبدتموهم بأنهم آلهة، ولم يقولوا لكم: إنهم آلهة أو أنهم أولياء مناصرون وشركاء يقربونكم إلينا زلفاً. بما: الباء للإلصاق والاستمرار، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، وهي أوسع شمولاً من الذي.
{فَمَا} : الفاء استئنافية، ما: للنفي.
{تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا} : الصرف: هو أن تدفع بذاتك عن ذاتك أو نفسك الشر أو الضر، أو العذاب إذا وقع.
والنصر: ولن يستطيع أحد أن ينصرك أيضاً.
ولا نصراً: وتكرار (لا) يفيد التوكيد، وفصل الصرف عن النصر ولا كلاهما.
{وَمَنْ يَظْلِم مِّنكُمْ} : ومن: ابتدائية استغراقية. يظلم منكم: أيْ: يشرك بالله منكم خاصة.
{نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} : نذقه: من الذوق: وهو إدراك الطعم، وتأتي في سياق الرحمة والعذاب إذا لم يتب ويرجع إلى الله نذقه في الآخرة عذاباً كبيراً. نوع من أنواع العذاب الّتي منها العظيم والشديد والأليم والمقيم.
سورة الفرقان [25: 20]
هذه الآية جواب لسؤالهم ما لهذا الرّسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وعيّر المشركون رسولَ الله بالفقر والفاقة، وحزن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لذلك فنزلت هذه الآية.
{وَمَا} : ما: للنفي.
{أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} : ولم يقل: من قبلك. قبلك بدون (من) تعني: بزمن قصير أو طويل. ولو قال: من قبلك تعني فقط منذ زمن قصير.
{إِلَّا إِنَّهُمْ} : إلا: للحصر، إنهم: للتوكيد.
{لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} : اللام: لام التوكيد، يأكلون الطعام؛ أيْ: جميع الرّسل السابقين كانوا بشراً يأكلون الطعام، ولم يكونوا من الملائكة.
{وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ} : لقضاء حوائجهم، وهذا ليس بعيب أو محرَّم.
{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} : الغني فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، هل ينفق الغني على الفقير ويخرج زكاة أمواله، وهل يحقد ويحسد الفقير الغني وهكذا يصبح كلّ واحد فتنةً للآخر.
الفتنة تكون في الخير والشّر، وتحتاج إلى صبر وتكون في الصحة والمرض والقوة والضعف والفتنة أبلغ من الاختبار والغاية منها إقامة الحجة على العبد (ارجع إلى الآية (35) من سورة الأنبياء للبيان).
{أَتَصْبِرُونَ} : الهمزة للاستفهام بمعنى الحثِّ أو الأمر أي: اصبروا.
{وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} : كان تستغرق كلّ الأزمنة في الماضي والحاضر والمستقبل. ربك بصيراً: بمن يصبر أو يجزع. بمن يشكر ويكفر.