الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة البقرة [2: 142]
سبب النّزول: روى البخاري عن البراء قال: لما قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فصلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجَّه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ} [البقرة: 144]، فقال السّفهاء من النّاس وهم اليهود:{مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا} ، قال الله تعالى:{قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} الآية.
{سَيَقُولُ} : السّين للاستقبال القريب.
{السُّفَهَاءُ} : أل: التّعريف؛ أي: نعرف من هم السّفهاء، السّفهاء: جمع سفيه: من السّفه، وهو الخفة، وضعف الرّأي، والسّفهاء: هم الجُهلاء.
{مِنَ النَّاسِ} : من: ابتدائية، النّاس: من المشركين (أهل مكة)، والمنافقين، ومن اليهود، ولماذا اقترنت كلمة النّاس بالسّفهاء؛ لأنّ السّفهاء تعني حتماً من النّاس للدلالة على أنّ السّفه هو سمتُهم، وقد بلغوا أعلى درجات السّفه.
{مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا} : ما: استفهامية، ولاهم: أي: ما صرفهم (أي: النّبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين) وحولَهم.
{عَنْ قِبْلَتِهِمُ} : أي: قبلة بيت المقدس، والقبلة: اسم للجهة الّتي يتوجه إليها الإنسان في صلاته، أو الوجهة الّتي يتوجه إليها بوجهه.
{الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا} : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون كانوا يصلون باتجاه بيت المقدس (باتجاه الشمال) بعد الهجرة إلى المدينة، كما روى البخاري في حديث البراء الّذي سبق ذكره في سبب النّزول، وكان استقباله إلى بيت المقدس بأمر من الله ووحيه، كما قال ابن عبّاس.
{قُلْ} : يا محمّد لهؤلاء السّفهاء.
{لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} : مُلكاً، وخلقاً، وشمالاً، وجنوباً، فالكون له وحده، وله الخلق والأمر. لله: اللام لام الاختصاص تدل على الحصر؛ أي: لله حصراً.
{يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ} : من يشاء إلى صراط مستقيم، لم يُبين لنا ما هو الصّراط المستقيم، ولكن بينه في سورة الحمد آية (6-7)، وقال:{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ؛ أي: الإسلام. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (6) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 143]
{وَكَذَلِكَ} : الواو: عاطفة، الكاف: للتثبت، ذلك: اسم إشارة للبعد، يفيد بُعد منزلتهم.
كذلك: تعني: مثل، أو كما هديناكم إلى القبلة جعلناكم أمة وسطاً.
{جَعَلْنَاكُمْ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته.
والأمة هي الجماعة الّتي تجمعها عقيدة واحدة بغض النّظر عن الكم البشري، والحيز الجغرافي.
{أُمَّةً وَسَطًا} : الوسط في الأصل: هو المنتصف، ووسط الشّيء، وله طرفان متساويان القدر. وقيل: الوسط: العدل (قال ابن عباس) والخيار.
{أُمَّةً وَسَطًا} : أي: جعلناكم الخيار العدول؛ أي: لا غلو، ولا تقصير في العقيدة والعبادات.
{لِتَكُونُوا} : اللام: لام التّعليل.
{شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} : قيل: هؤلاء الشّهداء هم أولو العلم من أمة محمّد صلى الله عليه وسلم، فقط الّذين يسألون أن يشهدوا يوم القيامة، أو يدعون إلى الشّهادة للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم بعد أن تكذبهم أممهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير؛ فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته؛ فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فذلك قوله جل ذكره:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ، والسّؤال هنا ما دلالة تقديم الشّهداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ شهادتهم على الأمم والأنبياء هو الهدف العام الأول، وكون الرّسول شهيداً عليهم هو الهدف الخاص بهم، وكيف يشهدون على غيرهم من الأمم وعلى الرسل وهم لم يدركوهم؟ يقولون بما معناه: ربنا قرأنا كتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب: صدق نوح (أو الرسل) وصدقت أمة محمد.
وهذه ميزة لأمة محمّد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم الأخرى. ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى النّاس. وارجع إلى سورة الحج آية (78) لمزيد في معنى شهداء على الناس.
{وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} : يكون على أمته شهيداً في الآخرة على أنّه قد بلغهم (الرّسالة)؛ أي: شرعُ الله، أو يشهد على أعمالكم، ولم يقل لكم شهيداً، أو شهيداً لكم أي: يشهد لمصلحتكم، وإنما قال عليكم؛ أي: على أعمالكم؛ لأنّ على تفيد الاستعلاء؛ لأنّ حياة ومصير المشهود عليه رهن بشهادة الشّهيد، وليس الشّهيد بمنزلة المشهود له؛ أي: المتهم، أو شهيداً على صدقكم فيما شهدتهم به للرسل.
{وَمَا} : النّافية.
{جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} : هذا بيان للحكمة في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة: إنّه اختبار إيماني لهم، فالله سبحانه يعلم علم اليقين ماذا سيحدث، وما فعل ذلك إلَّا ليكون الإنسان شهيداً على نفسه يوم القيامة، ويعلم درجة إيمانه، ومن يتبع الرّسول فيما أوحى اللهُ إليه ممن سينقلب على عقبيه، والعقب هو مؤخَّر القدَم؛ ويعني: الرّجوع إلى الوراء، والمراد به الارتداد عن الإسلام، والعودة إلى اليهودية، أو الشّرك، وينقلب على عقبيه استعارة تمثيلية للمرتد عن دينه.
{وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} : وإن المخففة تفيد التّوكيد، لكبيرة: اللام للتوكيد، إلا: للحصر.
وإن كانت هذه العملية تحويل القبلة لكبيرة؛ أي: أمر ثقيل، أو عملية شاقة إلَّا على الّذين هداهم الله، والصّادقين في إيمانهم في اتباع الرّسول صلى الله عليه وسلم.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} : ما: النّافية، ليضيع: اللام للتوكيد.
ثباتكم على الإيمان والاستقامة. وقيل: نزلت فيمن صلَّى إلى بيت المقدس، ومات قبل تحويل القبلة فصلاته غير ضائعة وله أجره.
{إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ} : انتبه إلى إن حرف توكيد، واللام في رؤوف حرف تأكيد ثان، بالناس: الباء للإلصاق. النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان. رؤوف: من الرّأفة أشد من الرّحمة، والرّحمة أعم من الرّأفة.
{رَحِيمٌ} : لا يضيع أجر، عمل عاملٍ منكم مهما كان.
والصّلاة إلى بيت المقدس في البداية كان لها حِكم كثيرة لا يعلمها إلَّا الله إضافة إلى الاختبار الإيماني، قد يكون من بينها دلالاتها على وحدة الرّسالات السّماوية، ولتهدئة الصّراع النفسي لهؤلاء الّذين خرجوا من مكة، ولنعلم أنّ الكعبة كانت في ذلك الزّمان محاطة بالأصنام، ولم يتم تطهير الكعبة من رجس الوثنية بعد، والعبادة ليس وقفاً على جهة معينة، والتّسليم لما أمر الله هو أساس الطّاعة.
سورة البقرة [2: 144]
{قَدْ} : حرف تحقيق توكيد، ويفيد الكثرة.
{نَرَى} : تدل على مرات كثيرة، ولم يقل قد رأينا؛ لأنّ رأينا تدل على مرة واحدة.
{تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ} : تردُّد وجهك بالنّظر إلى السماء المرة تلو المرة طالباً قبلة غير الّتي أنت عليها (قبلة بيت المقدس).
{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} : الفاء: للتأكيد، والنّون في نولينك: للتأكيد.
لنولينك: من التّولية، وتولية الوجه المكان؛ أي: اجعله أمامك، أو استقبله بوجهك، فلنولينك؛ تعني: لنوجهنك.
{قِبْلَةً} : أي: الجهة الّتي يستقبلها الإنسان في الصّلاة.
{تَرْضَاهَا} : الرّضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع، والرّضا: هو المحبة النّاتجة عن التّعقل، والتّفكير؛ أي: محبة ممزوجة بالفكر والعقل؛ لأنّ الحب من دون فكر، وعقل قد لا يدوم، أو لا تحمد عقباه.
{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : أي: استقبل بوجهك في الصّلاة المسجد الحرام، والمراد بالوجه (الذّات؛ أي: جملة البدن) من قبيل المجاز؛ أي: إطلاق الجزء، وإرادة الكل.
شطر المسجد الحرام، وقال المسجد الحرام لم يقل الكعبة تحديداً؛ لإزالة الحرج على المسلمين؛ لأنّ المسجد الحرام يضم الكعبة حجر إسماعيل، ومقام إبراهيم، وكل ما حوله إلى حدوده.
الشّطر: الناحية الجهة؛ أي: جهته وناحيته، ونحوه وتلقاءه، والشّطر: هو النّصف، فإذا وقفت في وسط دائرة فيكون نصفها أمامك، ونصفها خلفك.
أي: اجعل وجهك جهة المسجد الحرام؛ أي: نحوه، وتلقاءَه، وبهذا الأمر الإلهي تحوَّلت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.
روى البخاري عن البراء قال: لما قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصلِّي في مكة نحو بيت المقدس، وكان يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فكأنه يستقبل القبلتين معاً.
وبعد الهجرة لم يعد يمكنه ذلك، فصار صلى الله عليه وسلم يكثر تقلب وجهه في السّماء، ويدعو الله أن يوجهه نحو المسجد الحرام، وهكذا حتّى نزلت هذه الآية.
وروي عنه أنّه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي الظّهر في مسجد بني سلمة المعروف الآن بمسجد القبلتين، فنزل الوحي (جبريل) بهذه الآية فصلَّى ركعتين إلى بيت المقدس، ثم صلَّى ركعتين إلى المسجد الحرام، وصلَّى وراءَه المسلمون.
وقد جاء في صحيح البخاري: أنّ الصّلاة الّتي وقع فيها التّحويل (تحويل القبلة) كانت صلاة الظّهر في المسجد النّبوي فصلَّى ركعتين متَّجهاً إلى المسجد الأقصى، وركعتين إلى المسجد الحرام.
وخلاصة أقوال المفسرين: أنّ صلاة الظّهر صلاها صلى الله عليه وسلم كانت في بني سلمة صلَّى فيها ركعتين (من أصل 4 ركعات) نحو المسجد الأقصى، وصلَّى الركعتين الباقيتين من صلاة الظّهر نحو المسجد الحرام، وصلَّى صلاة العصر في المسجد النّبوي كاملة نحو المسجد الحرام.
{وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} : وحتى لا يعتقد أحد أن تحويل القبلة خاصاً بأهل المدينة؛ لذلك قال -جل وعلا- : وحيث ما كنتم: في أي بلد، أو مدينة، أو قرية، أو فلاة، أو كهف فولوا وجوهكم شطره.
وحيث: للمكان والزّمان والحال، وحيث: اسم مكان مبهم يفسِّره ما يضاف إليه، وإضافة ما (المطلقة) إلى حيث تزيدها إبهاماً وغموضاً.
{وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ} : في أي مكان على وجه الأرض، وأي ناحية من النواحي معروفة أو غير معروفة (مبهمة، غامضة).
{فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} : اتجهوا بوجوهكم نحو المسجد الحرام، وقد يتساءل سائل لماذا لم يستعمل وأينما كنتم بدلاً من حيثما كنتم؛ لأنّ أينما أشد غموضاً، وإبهاماً، وأوسع شمولاً وعموماً من حيثما، واستعمل حيثما بدلاً من أينما؛ لأنّ هناك أمكنة لا تصح الصّلاة فيها كالمقبرة، وسطح الكعبة مثلاً، وأزمنة: والأزمنة المكروه فيها الصّلاة.
{وَإِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : أي: اليهود والنصارى (أي: علماء اليهود، والنّصارى الّذين يعلمون التّوراة والإنجيل).
{لَيَعْلَمُونَ} : اللام للتوكيد، أنّه الحق من ربهم؛ لأنّه مكتوب عندهم: أنّ النّبي الجديد سوف يحول القبلة إلى البيت الحرام، أو لأنّهم يعلمون أنّ المسجد الحرام قبلة إبراهيم، أو في كتابهم الأمر بالتوجه إلى الكعبة، أو أنّ محمّداً (النّبي المنتظر) الذي لا يأمر إلَّا بالحق.
{أَنَّهُ} : إن للتوكيد.
{الْحَقُّ} : بأل التّعريف: أن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام هو الحق، والحق هو ما كان من عند الله، والحق هو الأمر الثّابت الذي لا يتغير.
{مِنْ رَّبِّهِمْ} : الرّب الخالق، والحاكم، والمالك.
واستعمل الّذين أوتوا الكتاب، ولم يقل أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لأنّ استعمال كلمة أهل الكتاب فيها تكريم لهم وأوتوا الكتاب يستعملها في سياق الذّم، أو التّقصير ويناديهم بالّذين أوتوا جزءاً من الكتاب؛ لأنّهم نسوا جزءاً منه وحرَّفوا كتابهم.
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} : ارجع إلى الآية (74) من نفس السورة، لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 145]
{وَلَئِنْ} : الواو: عاطفة، لئن: اللام للتوكيد، إن: شرطية.
{أَتَيْتَ} : من أتى؛ أي: ولئن جئت.
وأتى فيها سهولة أكثر من جئت (المجيء فيه معنى المشقة والصّعوبة)، والإيتاء في القرآن غالباً ما يستعمل في الكتب السّماوية، والرّحمة، والمال، والزّكاة، والأمور الخطيرة، والمعنوية، ويختلف عن العطاء بأنّ الإيتاء ليس فيه تملك. ارجع إلى الآية (136) من سورة البقرة.
{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : ارجع إلى الآية السّابقة (144).
{بِكُلِّ آيَةٍ} : الباء: للإلصاق، آية برهان ودليل، أو حجة على أنّ الحق هو تحويل القبلة من ربهم أملاً في اتباع قبلتك.
{مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} : ما: النّافية للحال والاستقبال، تبعوا قبلتك: إلى المسجد الحرام عناداً وتكبراً.
{وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} : وما أنت بتابع قبلتهم بعد اليوم إلى بيت المقدس، ولا فائدة ترجى من فعل ذلك، ما: النّافية، أنت: ضمير فصل للتوكيد والحصر.
{بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} : الباء: للتوكيد (الإلصاق)، قبلة اليهود نحو بيت المقدس، وقبلة النّصارى نحو المشرق مطلع الشّمس.
{وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} : وما: للنفي والاستبعاد؛ أي: فلن تترك اليهود قبلتها، وتتجه إلى المشرق (مطلع الشّمس)، ولا النّصارى ستترك قبلتها نحو المشرق (مطلع الشّمس)، وتتَّجه إلى بيت المقدس مهما جاءتهم من الآيات.
{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} : ثم جاء التّهديد من الله لنبيِّه، ويقصد به أمته، ومن خطر مخالفة أوامر الله، ونواهيه، واتباع الأهواء.
{وَلَئِنِ} : الواو: عاطفة، لئن: اللام للتأكيد، إن شرطية.
{اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} : فصلَّيت إلى قبلتهم حرصاً على أن يتبعوك، ويؤمنوا لك ويصدِّقوك بعدما جاءك من الحق إنك إذن لمن الظّالمين.
{أَهْوَاءَهُم} : جمع هوى: والهوى ما يدور في العقل، وما تريده النّفس، وتميل إليه باطلاً، أو بما لا ينبغي، ولا دليل عليه، والهوى يغلب عليه صفة الذَّم، والهوى بالأداء والاعتقادات، والشّهوة تختص بنيل الملذات.
{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} : من: لابتداء الغاية؛ أي: تعني: مباشرة من بعد ما: لغير العاقل (تحويل القبلة) جاءك به الوحي، من العلم: علم اليقين من عند الله بأنّ الكعبة هي القبلة، وليس بيت المقدس إلى يوم القيامة. ارجع إلى الآية السابقة (120) للمقارنة ومعرفة معنى {بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} ، وقوله تعالى:{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} ؛ الذي: تعني: القرآن والإسلام؛ ما: تعني: تحويل القبلة.
{إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} : إنك: إن للتوكيد، إذن: حرف جواب، لمن: اللام للتوكيد.
{الظَّالِمِينَ} : أنفسهم، وهذا في الحقيقة خطاب للمسلمين، بلا أدنى شك، بأن يتبعوا أوامر الله، ويتجنَّبوا أهواء الظالمين، وظلم النفس من جراء الخروج عن منهج الله وأوامره سبحانه.
الظالمين: جملة اسمية تفيد الثّبوت صفة الظّلم عندهم ثابتة لا تتغير ارجع إلى الآية (154) لمزيد من البيان من سورة البقرة. وإذا قارنا هذه الآية (145) مع الآية (120) نجد الاختلاف بين قوله تعالى: {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]، {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ} : أشد وأبلغ في التحذير من {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .
سورة البقرة [2: 146]
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} : أي: أولوا العلم من أهل الكتاب، وليس الأميون منهم؛ لأنّ الأميين منهم لا يعرفون الكتاب إلَّا أماني.
{يَعْرِفُونَهُ} : تعود على النّبي صلى الله عليه وسلم.
{كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} : الكاف: للتشبيه. {يَعْرِفُونَ} : معرفة واضحة كما يعرفون أبناءَهم.
{يَعْرِفُونَ} : من عرف، والمعرفة تعني العلم بالذوات. وأما العلم: يتعلق بالصفات؛ أي: يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأوصافه وصفاته المذكورة في كتبهم، وما شاهدوه يفعل ويقول أمامهم قبل بعثته صلى الله عليه وسلم.
{وَإِنَّ} : الواو: عاطفة، {إِنَّ}: للتوكيد، {فَرِيقًا مِّنْهُمْ}: أي: علماؤهم، ومن درسوا التّوراة والإنجيل، عاندوا وكتموا الحق.
{لَيَكْتُمُونَ} : اللام: لام التّوكيد، {يَكْتُمُونَ}: من كتم الشيء؛ أي: سكت عن ذكره، والكتمان يختص بالمعاني، الأسرار والأخبار، أما الإخفاء فيكون للأشياء المادية، (أو الحسية)، فيقول: أخفيت الدراهم، ولا يقول كتمت الدراهم، والإخفاء أعم من الكتم.
{لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} : الحق هو الأمر الثابت، الذي لا يتغير، وهو ما جاء في ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصافه، وأنه النّبي المنتظر.
وما أمر الله به في القرآن، وأمرُ القبلة، وأنّ عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : أنه حق، ويعلمون عاقبة الكتمان، وهم ليس بجاهلين، أو أميين، ويعلمون أنّ الحق غالب على أمره، وسيظهر في النهاية، ويعلمون أنّ عليهم أن يؤمنوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم ويصدِّقوه.
سورة البقرة [2: 147]
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} :
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} : أي: هذا الذي يكتمون هو الحق من ربك (أمر محمّد صلى الله عليه وسلم، وصفاته، ونبوته، ورسالته، والقبلة، واتِّباعه وتصديقه)، وما دام أنه الحق من ربك؛ فلن يستطيع أحد أن يبدِّله.
والحق بطبيعته لا بد أن يظهر ويبرز وينتشر؛ لأنّ المعركة بين الحق والباطل لا بد أن تنتهي بهزيمة الباطل.
{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} : فلا: الفاء: للتوكيد؛ تكونن: ولم يقل تكن؛ الزيادة التوكيد (بالنون الثقيلة)؛ الممترين: جمع ممترٍ، وممترٍ اسم فاعل من امترى.
المراء: هو الجدال بالباطل بعد ظهور الحق.
إذن الممتري هو من يبقى يجادل بالباطل، بعد أن تبيَّن له الحق، أو أُخبر به.
والمراء: مأخوذة من مرئ الناقة أي: مسح ضرعها؛ أي: حلب الناقة وبقي يستحلب الناقة بعد أن أفرغت حليبها ظانّاً بأنه لا يزال في ضرعها حليب.
{الْمُمْتَرِينَ} : تعني: الشاكين (من الشك)، أو المتحيرين المتردِّدين.
حاشا لله أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم من الممترين، والخطاب؛ وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو موجَّه إلى أمته عامَّة، ولذلك يجب على المؤمنين أن لا يدخلوا في جدال عقيم مع أهل الكتاب بعد ظهور الحق.
لنقارن هذه الآيات المتشابهة:
سورة البقرة، آية (147):{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
سورة الأنعام، آية (114):{أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
سورة يونس، آية (94):{لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
سورة آل عمران، آية (60):{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
في آيات سورة البقرة والأنعام ويونس: أكد بالنون، ففي آية البقرة أكد؛ لأنّ السياق في تحويل القبلة، وما صاحَب ذلك من إرجاف وأقاويل، وحرب نفسية على المسلمين؛ حتّى ارتدَّ بعض ضعاف الإيمان.
كما قال تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143].
وفي آية الأنعام؛ أكد؛ لأنّ السياق في تكذيب الرّسول صلى الله عليه وسلم وعدم الإيمان به؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111].
وفي آية يونس؛ أكد؛ لأنّ السياق في الشك مما أنزلنا إليك، فلإزالة الشك نحتاج إلى التّوكيد، فجاء بالنون. واللام في {لَقَدْ} ، وقد للتوكيد.
أما آية سورة آل عمران؛ جاءت في سياق خلق عيسى عليه السلام ، وأنّ الله خلقه، كما خلق آدم، وليس في ذلك خلاف وإرجاف، كما في الآيات الأخرى، لذلك لم يؤكِّد بالنون، وقال:{فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
سورة البقرة [2: 148]
الواو: استئنافية، ولكل: اللام لام التّوكيد؛ أي: لكل أمة، أو لكل أهل ملَّة، الإسلام، واليهودية، والنصرانية، في صلاتهم وجهة؛ أي: قبلة، ووجهة، هي: اسم للمكان المتوجَّه إليه كالكعبة، أو بيت المقدس.
{هُوَ مُوَلِّيهَا} : {هُوَ} : إما ترجع إلى الله؛ أي: اللهُ موليها لهم، وإما ترجع إلى المتولي، والمعنى يكون هو موليها نفسه؛ أي: متجه إليها في صلاته، فيكون المعنى أنّ الله مولٍّ كل ذي وجهة، وجهتهُ.
{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} : الفاء: للتأكيد، فاء السببية؛ لربط السبب بالمسبب.
{فَاسْتَبِقُوا} : من فعل سبق، ولم يقل: فسارعوا في الخيرات، من فعل سارع.
فما هو الفرق بين: سابقوا وسارعوا؟
{سَابِقُوا} : السباق يحتاج إلى أكثر من واحد للمسابقة، أما المسارعة؛ فتحتاج إلى واحد فقط، فإن أردت أن تسرع يمكن تسرع لوحدك، وإذا أردت أن تسابق تحتاج إلى آخر، أو أكثر، والسباق يحتاج إلى سرعة كذلك.
{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} : ومنها استقبال القبلة، والفاء: للتأكيد، فاستبقوا من فعل سبق، واسبقوا غيركم من الأمم؛ أي: ليسبق كل منكم الآخر في فعل الخيرات: والطاعات، ويسرع في أدائها، والنوافل، وأعمال الخير، والبر، والإحسان، ولنسلم أنّ الخير مطلق، حتّى ولو وقع عن سهو.
{أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} : {أَيْنَ} : ظرف مكان مبهم، وإضافة {مَا}: تزيدها إبهاماً وشمولاً.
للمقارنة بين {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ} ، {أَيْنَ مَا تَكُونُوا} ؛ ارجع إلى الآية (144).
{أَيْنَ مَا تَكُونُوا} : أي: في أي مكان في السماء والأرض.
{يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} : يأت من أتى، وأتى تعني: بسهولة، ويسر يوم القيامة؛ للجزاء، والحساب.
{جَمِيعًا} : للتوكيد.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : {إِنَّ} : للتوكيد، لا تعجزونه، لا يعجزه؛ أي: شيء مهما كان في السموات ولا في الأرض.
{قَدِيرٌ} : صيغة مبالغة لقادر. ارجع إلى الآية (20) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 149]
{وَمِنْ} : الواو عاطفة، من استغراقية؛ حيث: ظرف للمكان.
{خَرَجْتَ} : إلى أي جهة خرجت، ودخل وقت الصلاة.
{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : أي: اتّجه بوجهك في صلاتك شطر المسجد الحرام، ارجع إلى الآية (144)، نحو المسجد الحرام.
{وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} : وإنه: الواو حالية للتوكيد، إن: للتوكيد (لزيادة التّوكيد).
{لَلْحَقُّ} : اللام: لام التّوكيد، {لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}:{لَلْحَقُّ} : أي: الوحي الأمر الثابت، الذي لا يتغيَّر من عند ربك المتولي، والقائم بتدبير أمورك.
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} : ارجع إلى الآية (74) من نفس السورة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 150]
هذه هي المرة الثالثة الّتي يكرِّر سبحانه ذكر هذه الآية؛ فما تعليل ذلك؟
في هذه الآية يُبيِّن -جل وعلا- أن تحويل القبلة سيثير بعض الشبهات والأباطيل الّتي تراود عقول الضعاف والمنافقين والمشركين، وبعض أهل الكتاب والّذين ظلموا، سواء وجهت وجهك شطر المسجد الحرام، أم عكفت في التوجه إلى بيت المقدس، ومن هذه الادعاءات الباطلة، أو الحجج؛ لو استمر صلى الله عليه وسلم يصلِّي تجاه بيت المقدس؛ لقالوا:
1 -
كيف يدَّعي محمّد صلى الله عليه وسلم أنه من ولد إسماعيل، وإبراهيم، وهم الّذين بنوا الكعبة، وقبلتُهم الكعبة، ويصلِّي تجاه بيت المقدس، ويطعنون في نبوته.
2 -
أو ظنوا إذا اتَّجه بصلاته إلى الكعبة، فغداً سيرجع إلى قبلة أبيه، وسيرجع إلى دينهم، ويترك ما جاء به (أي: الإسلام).
وغيرها من الحجج الواهية.
{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} : اللام: للتعليل. إن: حرف مصدري.
{لِلنَّاسِ} : اللام: للاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} :
{إِلَّا} : هنا تعني: أي: والّذين ظلموا منهم.
فتصبح: لئلا يكون للناس عليكم حُجة والّذين ظلموا منهم، ولا تعني الاستثناء.
{فَلَا} : لا: الناهية. {تَخْشَوْهُمْ} : من الخشية، وهي الخوف، والرهبة، والتعظيم المقرون بالعلم.
أي: لا تخافوا جدالهم في التولي إلى الكعبة، ولا ترهبوهم.
{وَاخْشَوْنِى} : أي: بامتثال أمري، والخشية كما ذكرنا: الخوف المقرون بالعلم والتعظيم، واخشوني جاءت بإثبات ياء المتكلم في هذه الآية مقارنة بالآية (3) في سورة المائدة وهي قوله فلا تخشوهم واخشون بحذف الياء؛ ارجع إلى سورة المائدة آية (3) للمقارنة والبيان.
{وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ} : بالهداية إلى معالم دينكم في الدّنيا وفي الآخرة بالثواب.
{وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} : الواو: عاطفة، {وَلَعَلَّكُمْ}: للتعليل تهتدون إلى الحق والصراط المستقيم، الذي يوصلكم إلى الغاية. وإذا نظرنا إلى كلمة {وَاخْشَوْنِى}: في هذه الآية، وإلى الآية (3) من سورة المائدة {وَاخْشَوْنِ} من دون ياء، ونظرنا في سياق الآيتين نجد أنّ آية سورة البقرة قد جاءت في سياق تحويل القبلة، الذي أدَّى إلى هزة عنيفة في نفوس كثير من النّاس، وإلى قيام معركة بين الحق والباطل، ولذلك جاء التحذير أشد وظهرت الياء.
أما في آية المائدة؛ فقد جاءت في سياق الأطعمة المحرمة، وما ذبح على النصب فالتحذير فيها أقل، ولذلك جاء (واخشون) من دون ياء.
أما تكرار الآية: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} : ثلاث مرات، يمكن تفسيره بعدة احتمالات:
الاحتمال الأول: قيل: التكرار يفيد التّوكيد، ربما أنّ تحويل القبلة إلى المسجد الحرام بدلاً من المسجد الأقصى كان حدثاً مهمّاً وخطيراً في المعركة بين الحق والباطل، فلا بد أن يُذكر هذا الأمر عدَّة مرات ليستقر في أذهان وقلوب النّاس، ويسمعوا الأمر بالتحويل عدَّة مرات حتّى يكون الأمر حاسماً، ولا يبقى شك في نفوس المؤمنين، وليعلم أهل الكتاب أنّ المسلمين لن يرجعوا عن قبلتهم.
الاحتمال الثّاني: الآية الأولى؛ وهي الآية رقم (144): {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} : جاءت استجابة لتقلُّب وتردُّد وجهه صلى الله عليه وسلم في السماء، حيث قال سبحانه في مطلع الآية (144):{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ؛ أي: لنسخ القبلة عن المسجد الأقصى.
وأما ذكر الآية في المرة الثانية وهي الآية رقم (149): جاءت لتبين أنّ تحويل القبلة هو الحق من ربك، وأضاف حرف (إنّ)، واللام في قوله:{وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} : للتأكيد، فليطمئن المؤمنون، فهذا الأمر ثابت، ولن يتغير إلى يوم القيامة؛ أي: لتبيان السبب.
وأما ذكر الآية للمرة الثالثة، وهي الآية (150)؛ وجاءت:{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} : لتبيِّن أنّ التحويل هو من النعم، الّتي أنعمها الله على هذه الأمة؛ أي: لتبيان العلة.
الاحتمال الثالث: أنّ التكرار في المرة الأولى يشير إلى هؤلاء، الّذين هم داخل المسجد الحرام أن يصلوا تجاه الكعبة لمن يرى الكعبة ولمن لم يرها، وفي المرة الثانية جاءت لتشير إلى هؤلاء، الّذين هم خارج المسجد الحرام في مكة، وما حولها والمدينة بالاتجاه إلى المسجد الحرام، وفي المرة الثالثة جاءت لتشير بالتوجه إلى المسجد الحرام لمن هو موجود في أي بقعة من بقاع الأرض.
سورة البقرة [2: 151]
{كَمَا} : الكاف للتشبيه، وما المصدرية، هذه الآية قيل: متعلقة بقوله: {فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ} ؛ أي: اذكروني لأجل إرسالي فيكم رسولاً منكم، أو كما ذكَّرتم بإرسال الرّسول فاذكروني.
{أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ} : الإرسال يكون برسالة أو من دون رسالة، وليس فيه مشقة، وتهييج وإثارة، كما لو قال:{بَعَثْنَا} . ارجع للآية (119) من سورة البقرة للبيان.
{أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} : ولم يقل: وأرسلنا إليكم. {فِيكُمْ} : أي: هو فيكم من قبل الرسالة، وليس غريباً عنكم من بلد آخر.
{رَسُولًا مِّنكُمْ} : من العرب والأميين، ومن أسلم أو لم يسلم، ولو قال: من أنفسكم كما سنرى في آيات أخرى، تعني: الخصوص؛ أي: من أهل مكة من قريش، أو من بني عبد المطلب، من نفس القوم.
{يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} : أي: آيات القرآن، وقوله:{آيَاتِنَا} : فيها معنى التشريف والتعظيم أكثر مما لو قال: آياته، أو الآيات، والتلاوة القراءة. التلاوة اتباع الشيء الشيء، ويعني القرآن.
والتلاوة أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، وفي هذه الآية تعني القراءة.
{وَيُزَكِّيكُمْ} : والتزكية: التطهير من عبادة الأصنام، والشرك، والمعاصي؛ ومنه: وأد البنات، والخمر، والميسر، والزنى.
{وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} : القرآن الكريم.
{وَالْحِكْمَةَ} : السنَّة والفقه في الدِّين، ومعرفة الأحكام والشرائع.
{وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} : مثل: بعض الأمور الغيبية، وسير الأنبياء، وقصص الأقوام الغابرة، وكذلك العلوم الدنيوية، من طبٍّ، وفلك
…
وغيرها.
سورة البقرة [2: 152]
{فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ} :
{فَاذْكُرُونِى} : الفاء: تعليلية، أو تفيد للتوكيد. اذكروني: بالطاعة، والعمل الصالح، والفرائض، والنوافل، والذكر من أعظم العبادات القلبية، مثل: الحمد، والتسبيح، والاستغفار، وقول: لا إله إلَّا الله، والتفكير بآيات الله، وقراءة القرآن، وتدبر آياته، اذكروني بالسر والعلن.
{أَذْكُرْكُمْ} : بالمغفرة والثواب.
وفي الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه» رواه البخاري.
{وَاشْكُرُوا لِى} : اشكروا المنعم على إنعامه عليكم شكراً يتعدَّى لذاته.
أما: {وَاشْكُرُوا لَهُ} ؛ يعني: واشكروا له نعمه. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (2) لبيان معنى الحمد والشكر، والفرق بين الحمد والشكر.
والشكر لله؛ كما قال ابن القيم الجوزية: هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعةً.
وأركان الشكر: الاعتراف بنعم الله تعالى، والتحدُّث بها، والاستعانة بها على طاعة الله المنعم سبحانه وتعالى ، وكما قال:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]. ارجع إلى سورة الأعراف آية (10) لمزيد من البيان.
{وَلَا تَكْفُرُونِ} : الواو: عاطفة. لا: الناهية.
{تَكْفُرُونِ} : بالله أو بنعمه، النون (نون الوقاية)؛ تفيد التّوكيد. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة.
سورة البقرة [2: 153]
نداء إلى {الَّذِينَ آمَنُوا} : بياء النداء، والهاء: للتنبيه، بالاستعانة بالصبر، والصلاة، وفي الآية السابقة (152) حضهم على الذكر والشكر؛ لأنه هداهم إلى معالم دينهم وقبلتهم، وهنا يسألهم بالصبر والصلاة، على أذى المشركين، وافتراءاتهم، وحسدهم، ولأنّ معركة الحق والباطل مستمرة، فقال تعالى:{اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} ؛ لأنّ الله -جل وعلا- ، سيفرض عليكم صيام رمضان، وأنّ معركة بدر على الأبواب.
ففي شهر واحد تحولت القبلة شطر المسجد الحرام، وجاء الأمر الإلهي بفرض الصّيام، وكان ذلك في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهراً من الهجرة، وقيل في تاريخها أقوال أخرى.
فكان صرف القبلة أولاً، ثم فرض صيام رمضان، ثم جاءت غزوة بدر الكبرى.
وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء بتكليف جديد بالاستعانة بالصبر والصلاة.
ولماذا قدَّم الصبر على الصلاة؟ ارجع إلى الآية (45) من سورة البقرة للبيان. {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} : فكلمة الصبر ومشتقاتها، وردت في القرآن في حوالي (90) آية.
والصبر كما عرَّفه ابن قيم الجوزية: حبس النفس عن الجزع، والسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية. وقدم الصبر على الصلاة؛ لأن الصلاة عبادة تحتاج إلى صبر، وكل العبادات تحتاج إلى الصبر، وهذا الصبر يعتبر من أشد أنواع الصبر.
والصبر درجات: صابر، مستصبر، متصبر، صبار، صبور، وهي أعلاها.
والصبر أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على الشدائد والنوازل.
واعلم: أنّ الله مع الصابرين، وأنّ الله يحب الصابرين، وهناك الصبر الجميل. انظر: سورة يوسف، آية 18.
والصلاة أعظم العبادات، وأفضل القربات، وخير الطاعات، مقرونة بالتوحيد والخشوع، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَه أمرٌ (أي: جاءه أمر شاقٌّ أو مكروه)، قام إلى الصلاة، رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود.
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} : إن للتوكيد. {مَعَ الصَّابِرِينَ} : بالعون والنصرة. ارجع إلى سورة النحل، آية (127) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 154]
المناسبة: نزلت هذه الآية في شهداء بدر من المسلمين، حيث استشهد (14) رجلاً من المسلمين، وكان النّاس يقولون: مات فلان، فنزلت هذه الآية، ولا: الواو عاطفة، لا: الناهية.
{تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : {لِمَنْ} : اللام: لام الاختصاص، والتوكيد. {مِنْ}: للجمع والمثنى والمفرد.
{لِمَنْ يُقْتَلُ} : بدلاً: لمن قتل؛ لاستحضار القتل في نفس السامع، وتصوره أمام عينيه، كأن يحدث الآن.
{أَمْوَاتٌ} : جمع ميت.
{بَلْ أَحْيَاءٌ} : حرف إضراب إبطالي؛ أي: ليسوا أمواتاً، بل هم أحياء، وهم عند ربهم يرزقون، {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}: كما بيَّن ذلك في سورة آل عمران الآيات (169-171).
{وَلَكِنْ} : حرف استدراك يفيد التّوكيد.
{لَا} : النّافية لكل الأزمنة.
{لَا تَشْعُرُونَ} : لا تدركون، ولا تحسون أنهم أحياء؛ أي: لا تعلمون العلم الكامل الخفي أنهم أحياء؛ لأننا إذا فتحنا قبر الشّهيد نجده رفاتاً وعظاماً، فهو في عالم الآخرة، أو عالم البرزخ في عالم الغيب، ونحن في عالم الدّنيا.
ولتقريب ذلك إلى الأذهان: لو نظرت إلى إنسان، وهو نائم نوماً عميقاً، وهو يسبح في أحلامه ورؤياه، وأنت تكلمه وهو لا يكلمك، ولا ينظر إليك وأنت واقف بجانبه، فهو في عالم الوفاة، وأنت في عالم اليقظة (الدّنيا).
سورة البقرة [2: 155]
{وَلَنَبْلُوَنَّكُم} : الواو: استئنافية. لنبلونكم: اللام: للتأكيد، وكذلك النون في (نبلونكم): لزيادة التّوكيد.
(نبلونكم): من الابتلاء، ارجع إلى الآية (49) لبيان معنى الابتلاء، وقد يكون بالخير أو بالشر، والابتلاء أشد من الاختبار، والفتنة أشد من الابتلاء، وقمة الابتلاءات الاستشهاد في سبيل الله عز وجل .
{بِشَىْءٍ} : الباء: للإلصاق. {بِشَىْءٍ} : نكرة، والتنكير هنا؛ يفيد التقليل، وتعريف الشيء هو أقل القليل، ثم بين هذا الشيء بخمسة أنواع، وهي: الخوف، والجوع، ونقصٍ من الأموال، والأنفس، والثمرات.
{مِنَ الْخَوْفِ} : (الابتلاء الأول): من الابتداء ابتداء الخوف، ويمكن أن يقال: التبعيض بعض الخوف
{الْخَوْفِ} : هو اضطراب نفسي، وعدم الشعور بالأمن من توقع شيء ضارٍّ مقبلٍ، لا قدر له على دفعه، والخوف أحياناً خور لا ضرورة له، فإذا أراد الإنسان أن يؤمن نفسه من أمر يخيفه، فما عليه إلَّا أن يأخذ بالأسباب لمحاربة هذا الخوف، والخوف له أسباب متعددة.
وبشيء من {وَالْجُوعِ} : (الابتلاء الثّاني): بشيء قليل من الجوع، والجوع: هو خلو المعدة من الطعام؛ أي: الصبر على عدم الطعام، وقدَّم الخوف على الجوع؛ لأنّ هذه الآيات جاءت في سياق الاستعداد لمعركة بدر الكبرى، وغيرها من المعارك، وخلال القتال قلما يفكِّر الإنسان بالجوع، وإنما بالخوف، وأما في حالات السلم؛ فإن الخوف أكثر شيوعاً من الجوع، والجوع إذا اشتد في المجتمع قد يؤدي إلى السرقة، ثم إلى القتل، وبالتالي السرقة تؤدي إلى الخوف.
{وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} (الابتلاء الثالث): بالهلاك، والضياع، وتعطل حركة التجارة، والإيراد والتصدير، والبيع والشراء.
{وَالْأَنفُسِ} (الابتلاء الرابع): ونقص من الأنفس، بالقتل، والمرض، والكوارث الطبيعية، والزلازل، والفيضانات، والموت الطبيعي، وموت الأولاد، والأقارب.
{وَالثَّمَرَاتِ} (الابتلاء الخامس): ونقص من الثمرات: بفساد الثمار، أو إتلافها بالحشرات، والحرائق، أو إمساك المطر، أو البرد، وغيرها.
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه الصبر، وهو محتسب لوجه الله، وراضٍ بقضاء الله وقدره، وبشر الصابرين في كل هذه الابتلاءات.
{الَّذِينَ} : وصفهم الله بأنهم إذا أصابتهم مصيبة: {قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .
سورة البقرة [2: 156]
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} :
{الَّذِينَ} : اسم موصول، يفيد المدح والثناء عليه.
{إِذَا} : شرطية تفيد حتمية الحدوث وكثرته.
{أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} : مصيبة نكرة؛ أي: مصيبة: والمصيبة كل ما يؤذي الإنسان في نفسه، أو ماله، أو عياله، ومن أعظم المصائب، أو الفتن: المصيبة في الدِّين.
{قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} : {إِنَّا} : أي: نحن.
{لِلَّهِ} : اللام لام الاختصاص الملكية؛ أي: نحن مُلك لله وعبيده، نتقبل ما يحدث لنا، وكل ما يحدث لنا، أو يُصيبنا، يحدث بإذنه، وبحكمة، وصلاح فهو أحكم الحاكمين، وإنا إليه راجعون، وتكرار {إِنَّا}: للتوكيد، وفصل كلاً من الملكية عن الرجوع، أو كلاهما معاً.
{إِلَيْهِ} : تقديم إليه يفيد الحصر؛ أي: إليه حصراً راجعون، بعد الموت، أو بعد البعث.
{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} : أي: نقرُّ بعبوديتنا وملكنا، لله وحده، نؤمن بقضائه وقدره، ونؤمن بالبعث والحساب، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الإصابة بمصيبة أن نقول:{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .
كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم، عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها إلَّا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها» .
سورة البقرة [2: 157]
{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد، يشير إلى الصابرين، ذوي المنزلة، والدرجة العالية. {عَلَيْهِمْ}: على تفيد الاستعلاء.
{صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ} : صلوات: جمع صلاة، والصّلاة في اللغة: هي الدعاء، والصّلاة من الله على عبده تعني المغفرة، والذكر الحسن، كما في قوله تعالى:{فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، والصّلاة من الملائكة تعني الاستغفار.
{وَرَحْمَةٌ} : يغفر لهم، ولا يعذبهم، ويدخلهم الجنة.
{وَأُولَئِكَ} : تكرار (أولئك): يفيد التّوكيد، ويفيد المدح.
{هُمُ الْمُهْتَدُونَ} : هم: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد؛ أي: إذا كان هناك مهتدون، فأولئك هم الأوائل، الّذين ساروا على درب الهداية للوصول إلى الغاية، واستقاموا عليها. فمن صبر عند الصدمة الأولى ورضي بقضاء الله تبارك وتعالى، وقدَّره، واحتسب ذلك عند الله، ولم يبدر منه سوء، عوضه الله خيراً من صبره؛ صلوات من ربِّه ورحمة، وزاده هدى وصلاحاً، وسعادة في الدارين.
سورة البقرة [2: 158]
سبب نزول الآية: أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أنه سُئل عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} .
{إِنَّ} : حرف مشبه بالفعل، يفيد التّوكيد.
{الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} : من شعائر دين الله، جبلان (في مكة)، داخل المسجد الحرام الآن، كانت هاجر زوج إبراهيم عليه السلام ، تسعى بينهما؛ للبحث عن الماء لولدها إسماعيل، وظلت تتردد بينهما سبع أشواط، ثم وجدت الماء ينبع تحت قدَمي إسماعيل عليه السلام .
{شَعَائِرِ اللَّهِ} : جمع شعيرة: وهي العلامة؛ أي: النُسك؛ أي: أعمال الحج والعمرة والمشاعر: جمع مَشْعر وشعائر الحج، هي معالمة الظاهرة للحواس، ومواضع العبادة، يطلق عليها المشاعر؛ أي: المعالم المكانية، مثل: الصفا والمروة. ومقام إبراهيم والحجر الأسود.
{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} : الفاء استئنافية من شرطية.
{حَجَّ الْبَيْتَ} : الحج لغة: القصد.
شرعاً: قصد البيت الحرام؛ لأداء مناسك الحج المعروفة، ومنها: لباس ثياب الإحرام، والخروج إلى منى، والوقوف بعرفات، والنزول إلى مزدلفة، ورمي الجمرات، والطواف، والسعي، والحلق.
{أَوِ اعْتَمَرَ} : أدَّى مناسك العمرة، فلا جناح عليه؛ أي: لا إثم عليه من جنح؛ أي: مال عن القصد؛ أي: الإثم: للميل عن الحق، فاعتبر ذلك إثماً، ولم يقل حرجاً أي: ضيقاً، أو مشقة.
ولم يقل: ليس عليه جناح، والفرق بينهما: لا جناح عليه: جملة اسمية، والجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية؛ لأنها تدل على الثبوت، ومؤكدة، وأما الجملة الفعلية فتدل على التجدُّد، ولذلك نجد القرآن، يستعمل {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} في العبادات، والحقوق، والواجبات الزوجية، وتنظيم الأسرة، بينما يستعمل:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} : في الأمور العادية؛ كالطعام والشراب والبيع والشراء، ولذلك النفي في {لَا جُنَاحَ}: أقوى من النفي في قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} .
أن: حرف مصدري؛ للتعليل، والتوكيد:{يَطَّوَّفَ بِهِمَا} : أصلها يتطوف، أدغمت التاء في الطاء؛ لقرب مخارج الحروف، وقال يطَّوف بالتشديد، ولم يقل: يطوف بهما؛ لأن يطَّوف بالتشديد فيها معنى الحث والإكثار من السعي والطواف، وتكرار ذلك، بينما يطوف، من دون تشديد؛ يعني: السعي بين الصفا والمروة سبع أشواط، وتبدأ بالصفا.
السّؤال هنا: لم قال تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} مع أنّ الصفا والمروة من شعائر الله؟
كما روي عنه الطبري: أنّ وثناً كان في الجاهلية على الصفا، يسمى إسافاً، ووثناً على المروة يسمى نائلةً، وكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت، مسحوا بالوثنين، فلما جاء الإسلام، وكسرت الأوثان، قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر، قال: فأنزل الله أنهما من الشعائر؛ أي: فلا حرج على المسلمين في السعي بينهما؛ لأنهما من شعائر الله.
وبما إنا لا ندور حول الصفا والمروة، كما نعمل بالبيت الحرام، فلماذا سماها طواف؟!
سماه (طواف): لأنّ السعي تبدأ من نقطة بداية، وهي الصفا، ثم الذهاب إلى المروة، ثم العودة إلى الصفا، فذهابه، وعودته يشبه الطواف الذي يبدأ بالحجر الأسود، ثم يعود إليه.
{وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} : {وَمَنْ} : شرطية. {تَطَوَّعَ} : فَعلَ الطاعة، طوعاً لا كرهاً، والزيادة على الواجب؛ أي: أدَّى الحج والعمرة عدَّة مرات، فالحج والعمرة لأول مرة، يعتبر فرضاً، وبعد ذلك تعتبر تطوعاً، والتطوع يعني: الإكثار من النوافل، ويعني: طوعاً بحب، وليس كرهاً.
{فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} : الفاء وإن: للتوكيد، {شَاكِرٌ}: أي: مثيب العبد على طاعته، يقبل العمل القليل، ويعطي الثواب الجزيل عليه.
{عَلِيمٌ} : صيغة مبالغة من عالم، محيط علمه بأعمال عباده، من فرض ونفل، وظاهر وباطن، وسر وعلن، وخير وشر.
لنقارن بين هذه الآية والآية: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184].
هنا التطوع في هذه الآية، آية الصّيام، هو أن يزيد في الفدية، فيطعم أكثر من مسكين، أو يزيد في المبلغ المصروف له.
بينما في آية الحج والعمرة: آية (158): التطوع في حج آخر أو عمرة، والدليل على ذلك زيادة الواو في قوله:{وَمَنْ تَطَوَّعَ} ؛ فلذلك في آية الحج، أتبعها بقوله:{فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} ؛ أي: يثيبه الله ويجازيه على إحسانه، والشكر يعني الثواب، والثواب يكون بقدر الطاعة، والحج والعمرة أشق من الفدية بالطعام.
سورة البقرة [2: 159]
{إِنَّ} : حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد.
{الَّذِينَ} : اسم موصول يشير إلى دنو منزلة.
{الَّذِينَ} : يشمل كل من يكتم سواء أكانوا من أهل الكتاب، أو الأحبار، أو العلماء، أو الرؤساء، أو علماء المسلمين، أو أي إنسان يكتم آية أو حديثاً.
{يَكْتُمُونَ} : من الكتم. وكتم الشيء: سكت عن ذكره.
والكتمان: ترك إظهار الشيء مع الحاجة إلى الإظهار، وقيل: الكتمان يختص بالمعاني، والأسرار، والأخبار، والإخفاء يختص بالأشياء المادية الحسية. قال:{يَكْتُمُونَ} ، ولم يقل: كتموا، يكتمون: تدل على تجدد، وتكرار كتمانهم، فهم لا يزالون يكتمون، ولم يكفوا عن ذلك.
{مَا} : اسم موصول، لغير العاقل، والعاقل.
{أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} : جمع بينة، وهي ما يثبت به الشيء المراد إثباته، والمراد هنا ما يثبت نبوة محمّد صلى الله عليه وسلم من نعوت وصفات، جاءت في التّوراة والإنجيل، وكل ما أنزله الله على الأنبياء من الكتب، والوحي، والبينات، والآيات، والأحكام، والحلال، والحرام، والحدود، والفرائض، والأحاديث النبوية الصحيحة.
{وَالْهُدَى} : القرآن، واتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدِّين الحق (الإسلام).
{مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ} : {الْكِتَابِ} : اسم جنس شامل لكل الكتب السماوية، والكتاب هنا يعني: التّوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، والصحف؛ أي: لم ندع موضع شك، أو اشتباه على أحد إلَّا بيناه لهم فيها، ومع ذلك هم عمدوا إلى ذلك الأمر المبين فكتموه ولبسوا على النّاس، وحرفوه، أو بدلوه.
{لِلنَّاسِ} : اللام: لام الاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} : أولئك: اسم إشارة يفيد التحقير، ودنو منزلتهم يشير إلى الّذين يكتمون ما أنزل الله تعالى من الوحي على الأنبياء والرسل أياً كانت ملتهم.
{يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} : اللعنة الطرد والإبعاد من رحمة الله، والمنع من الخير.
{وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} : تكرار يلعنهم يفيد التّوكيد، واللاعنون: هم الملائكة، والمؤمنون من الثقلين: الجن والإنس، وقيل: كل من يتأتى منه اللعن، ويشمل الحيوان والنبات.
واللعن: يكون بالدعاء عليهم باللعنة.
وقوله: {يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} : جاء بالفعل المضارع (يلعن): ليدل على التجدد، والتكرار، ولم يقل: لعنهم وانتهى الأمر.
فالله يلعنهم، ويلعنهم اللاعنون ما داموا يكتمون ما أنزل الله، وما داموا أحياء، وإذا انتهوا، وأصلحوا، أو بينوا للناس ما كتموه، وتابوا فإن الله يتوب عليهم، كما بينه الله تعالى في الآية (160)، وفي الحديث الصحيح عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال:«من سُئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» . ارجع إلى الآية (161) في نفس السورة لمقارنة آيات اللعن في القرآن.
سورة البقرة [2: 160]
{إِلَّا} : أداة استثناء.
{الَّذِينَ تَابُوا} : على ما فعلوا من بعد الكتمان، واعترفوا بذنبهم، وندموا على ما فعلوا، ولن يعودوا لمثله، وأكثروا من فعل الصالحات.
{وَأَصْلَحُوا} : بمقدار ما أفسدوا أصلحوا ما أفسدوه بكتمانهم.
{وَبَيَّنُوا} : ما كتموه. وما أنزل الله من البينات. وانظر كيف حذف (من بعد ذلك) كما في الآية (89) في سورة آل عمران وهي قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} ؛ لأنه لو جاء بذلك في آية البقرة لكان المعنى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا من بعد أن يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتأكيد، أولئك: اسم إشارة يفيد المدح.
{أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: أقبل توبتهم.
{وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} : ارجع إلى الآية (37) من سورة البقرة.
سورة البقرة [2: 161]
{إِنَّ} : يفيد التّوكيد.
{الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} : أي: أصروا على عدم التوبة، وماتوا، وهم في حالة الكفر. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد.
{عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ} : عليهم خاصة، أو عليهم حصراً؛ لأنه قدَّم الجار والمجرور على لعنة الله، ولم يقل أولئك لعنة الله عليهم، ولعنة الملائكة، والناس أجمعين، تعني بالدعاء عليهم باللعن.
{أَجْمَعِينَ} : للتوكيد، وهذا اللعن، أو الدعاء عليهم باللعن يكون يوم القيامة حيث يلعن الله الكافر، ثم تلعنه الملائكة، ثم النّاس أجمعين.
وإذا قارنا الآية (159) من سورة البقرة، مع الآية (161) نجد الآية (159) من سورة البقرة:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} : تعني: اللعن عليهم يتم في الحياة الدّنيا؛ أي: هم ما زالوا أحياء.
وأما الآية (161) من سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} : تعني: اللعن عليهم يتم يوم القيامة، أو في الآخرة من قبل الله سبحانه، والملائكة، والناس أجمعين.
وقوله: {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} : وبما أنّ الكافر هو من جملة النّاس فهو إذن سيلعن نفسه، أو هو يلعن الظالمين والكافرين، ومن يلعن الظالمين والكافرين، وهو منهم، فقد لعن نفسه، كما قال تعالى:{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا} [العنكبوت: 25].
ولمعرفة معنى النّاس، ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة.
سورة البقرة [2: 162]
{خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} :
{خَالِدِينَ فِيهَا} : في النار (جهنم) خالدين من الخلود، وهو استمرار البقاء منذ زمن دخولهم إياها، والخلود: البقاء من دون تغيير، أو استحالة.
{لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} : لا: النّافية.
{لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ} : من شدة العذاب، أو من زمنه، ولو يوماً واحداً، أو ساعة واحدة، كما قال سبحانه في سورة النّساء، آية (56):{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} .
{وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} : ولا: النّافية، هم: ضمير منفصل يفيد التّوكيد في عدم الإنظار.
والإنظار: هو الإمهال؛ أي: لا يؤخرون عن عذابها، أو يمهلون؛ لينظر في حالتهم، بل يبدأ العذاب مباشرة، ولا ينظر إليهم نظرة رحمة، ولا رأفة.
لنقارن آيات اللعن في القرآن، وأنواعه:
1 -
البقرة (159): {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} : {يَلْعَنُهُمُ} : جاء بالفعل المضارع؛ مما يدل على أنّ لعنهم مستمر. ومتجدد، ولا ينقطع لهؤلاء الّذين يكتمون ما أنزل الله من البينات، والهدى من بعد ما بينه الله للناس.
2 -
البقرة (161): {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} :
{لَعْنَةُ اللَّهِ} : جاء بالاسم (اللعنة): ليدل على ثبوت اللعنة عليهم، فلا يتغير الحكم لهؤلاء الّذين كفروا وماتوا وهم كفار.
3 -
آل عمران (87): {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} :
نفس الحكم ثبوت اللعنة على هؤلاء الّذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أنّ الرّسول حق، وجاءهم البينات، ثم ماتوا، ولم يتوبوا.
4 -
الرعد (25): {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} : لهم خاصة؛ أي: لهؤلاء الّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض.
5 -
النّساء (52): {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} :
{لَعَنَهُمُ اللَّهُ} : جاء بالفعل الماضي، شيء انتهى ومضى لهؤلاء الّذين أوتوا نصيباً من الكتاب وآمنوا بالجبت والطاغوت.
6 -
ص (78): {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} :
{لَعْنَتِى} : أي: اختصه الله وحده، بلعنته مع أنّ هناك لعنة الملائكة والناس، ولم يقل: لعنة الله، وإنما قال: لعنتي.
(هذا هو أعظم اللعن) عندما ينسب إلى الله سبحانه وتعالى .
الخلاصة: عندما يقول سبحانه: لعنتي، فهي أشد وأعظم أنواع اللعن، ثم يأتي أقل منها شدة قوله: لعنة الله، ثم أقل منها شدة قوله: يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون، وأقل من ذلك شدة قوله: لعنهم الله.
إذن من الأشد إلى الأدنى: لعنتي، لعنة الله، يلعنهم الله، لعنهم الله.
سورة البقرة [2: 163]
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} :
الإله هو الله -جل وعلا- ، ولم يرد في القرآن لفظ الإله، وإنما وردت كلمة إله.
في الآية السابقة تحدثت على وجوب بيان ما أنزل الله من البيان والهدى، وعدم كتمانه، وفي هذه الآية يبين أول وأهم هذه الأمور الّتي يجب تبيانها للناس هو أمر التوحيد، توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء، والصفات، فيقول تعالى:
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} : الواو: استئنافية.
{وَإِلَهُكُمْ} : تدل على الألوهية، والعبودية.
{إِلَهٌ وَاحِدٌ} : لا يتجزأ ولا يصبح اثنين، أو ثلاثة؛ أي: ليس مركب من أجزاء لم يلد ولم يولد، فليس له ولد.
وأما أحد: يعني ليس له شبيه، ولا مثيل في ذاته وصفاته؛ أي: ليس كمثله شيء. ارجع إلى سورة الصافات آية (4) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : أي: لا معبود إلَّا هو، وفي هذه الآية نجد النفي والإثبات في نفس الوقت.
{لَا} : النّافية. {إِلَهَ} : معبود، {إِلَّا}: حصر، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، ويعود على الله.
فكلمة: {لَا إِلَهَ} : تفيد النفي، نفى سبحانه عن نفسه وجود الشريك، والند، والمثيل، {إِلَّا هُوَ}: هو: تفيد الإثبات، وأنت واحد في الألوهية، والربوبية، والأسماء، والصفات.
{الرَّحْمَنُ} : مشتق من الرّحمة على وزن فعلان: تفيد التجدد، والتكرار.
رحمن الدّنيا: لأنّ رحمة تشمل المؤمن والكافر معاً.
طط {الرَّحِيمُ} : مشتق من الرّحمة على وزن فعيل؛ تفيد الثبوت.
رحيم الآخرة: لأنّ رحمة خاصة بالمؤمنين في الآخرة.
فكلمة {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} : تعني: رحمته متجددة، ومتكررة، ومستمرة، وثابتة للمؤمن والكافر في الدّنيا، وللمؤمن فقط في الآخرة، ولو اكتفى بكونه الرحمن فقط، ولم يقل: الرحيم، فربما يظن ظانٌّ أنّ رحمته قد تزول، ثم تعود، وتتجدَّد، ولذلك جاء بالرحيم؛ لتدل على ثبوت رحمته، وإن تجدَّدت وتكرَّرت. ارجع إلى سورة الفاتحة، الآية (1).
سورة البقرة [2: 164]
سبب نزول هذه الآية: أنه لما نزلت: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} : تعجب المشركون، وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقاً فليأتِ بآية، فأنزل الله:{إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
{إِنَّ} : حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد.
{فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : خلق السموات والأرض مرَّ بالمراحل التالية:
المرحلة الأولى: مرحلة الرتق؛ حيث كانت السماء والأرض عبارة عن جرم صغير، مليء بالطاقة والمادة، ثم مرحلة الفتق الانفجار، ثم مرحلة الدخان، ثم تمايزت الأرض إلى سبع أرضين بإنزال الحديد، وتمايزت السماء إلى سبع سموات، ثم مرحلة الإتيان، ثم مرحلة الدحو؛ حيث أخرج الله سبحانه من الأرض غلافها المائي، والغازي، ثم تشكلت الجبال، ثم مرحلة تقدير الأقوات، ومرحلة الدحو: تعني: مرحلة المد، والبسط، فقد بدأت الأرض من جزيرة بركانية، فلم يكن هناك يابسة، وغُمرت الأرض بالماء.
ثم فجَّر الله سبحانه قاع المحيطات بثورة بركانية، وبدأت البراكين تلقي بحممها فوق قاع المحيط، فتكونت سلسلة جبلية في قاع المحيط، ارتفعت تدريجياً، وظهرت فوق سطح الماء، وتشكلت الحياة وسط المحيط، وكانت أرض مكة هي أول جزيرة بركانية.
ثم توالت ثورة البراكين، وكوَّنت القارة الأم الّتي فتتها ربُّنا بشبكة من الصدوع إلى قارات سبع، وبدأت هذه القارات تتباعد حتّى وصلت إلى مكانها الحالية، وبقيت مكة وسط اليابسة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (22، 29)، وسورة الأنبياء، آية (30) لمزيد من البيان.
واختلاف الليل والنهار، الدالُّ على كروية الأرض، هذا الاختلاف الناتج عن دوران الأرض حول محورها، وحول الشمس، هذا الاختلاف الضروري لاستقامة الحياة على هذه الأرض.
{وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} .
الفلك: السفن، والفلك: تستعمل للواحد والجمع. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (32) للبيان.
{بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} : أي: السفر، والنقل، وما تحمله من أمتعة، وبضائع، وطائرات، وصواريخ في السلم، والحرب تذهل العقول. ولمعرفة معنى النّاس، ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة.
{مِنْ مَاءٍ} : ماء المطر، تشير إلى دورة المياه حول الأرض. ارجع إلى سورة النازعات، آية (31)، وسورة الحج (5)، وسورة فصلت، آية (39) لمزيد من البيان.
كقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [الروم: 48].
{وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} :
{فِيهَا} : في الأرض.
{وَبَثَّ} : نشر، وفرق فيها بالتوالد.
{مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} : من: استغراقية.
{كُلِّ دَابَّةٍ} : كل ما يدب على الأرض من حيوان، وإنس، وجنٍّ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، والدابة في العُرف الخاص، تعني كل ما يدب على الأرض من حيوان. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (60) لمزيد من البيان في معنى دابة، وهل تشمل الإنسان أم لا.
{وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} :
التصريف: لغةً: التغيير؛ أي: تغييرها تارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تؤلف بين السحاب، وتارة تفرق السحاب، وتارة تهب من الغرب، وتارة تهب من الشرق.
{الرِّيَاحِ} : كلمة الرياح في القرآن تستعمل في سياق الرّحمة. وأما كلمة الريح فتأتي في سياق العذاب، كما سنرى في الآيات الأخرى.
{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} : [الحجر: 22].
{وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ} [فاطر: 9].
{وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5].
{هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد: 12].
{حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} [الأعراف: 57].
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} [النور: 43].
{اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ} [الروم: 48].
لها أوصاف عدَّة عقيماً، أو صراً، أو لينة، أو عاصفة، أو مصفرة، وتصريفها شمالاً، وجنوباً، وشرقاً، وغرباً.
{لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} : اللام: للتوكيد. وآيات: وردت نكرة؛ للتعظيم، والتضخيم؛ أي: آيات عظيمة دالة على القدرة الإلهية.
{لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} : اللام في كلمة لقوم: تفيد الاختصاص؛ أي: هذه الآيات تحتاج إلى قوم ينظرون في هذه الآيات، ويتأملونها ويقومون بالاستقراء، والتجربة، والاستنتاج؛ حتّى يصلوا إلى فهم الحقائق العلمية والّتي هي أدلة واضحة على عظمة الخالق، وقدرته، وعلى وحدانيته، ورحمته، وانه هو الخالق البارئ المصور، وأنه هو الإله الحق، ولا إله إلَّا هو.
سورة البقرة [2: 165]
{وَمِنَ} : الواو: عاطفة. من: ابتدائية (بعض) النّاس. ارجع إلى الآية (21) من سورة البقرة للبيان.
وكلمة النّاس: لا تدل على عدد معين، وليست محدودة، وقد تشمل كل النّاس، وكلمة النّاس فيها معنى النوس؛ أي: الحركة، والحركة يتصف بها الجن والإنس.
{مَنْ} : اسم موصول، يتخذ: من أفعال التحويل والتصيير، اتخذ وتَخِذَ بمعنى واحد، أو أصل واحد، ويختلف معناهما عند أخذ اتخذ على وزن افتعل. فيها معنى التكلف، والجهة والمشقة، كما نرى في أفعال الشر تنفذ بمشقة وصعوبة وجهد، مقارنة بأفعال الخير تنفذ بسهولة، واتخذ فيها معنى الاختيار، والاصطفاء، وليس فيها معنى القهر، والجبر، وكذلك فيها معنى الاستمرار.
{مِنْ دُونِ اللَّهِ} : بمعنى من غير، أو سوى، وأصلها ظرف مكان بمعنى تحت.
{أَندَادًا} : جمع ند، والتناد تعني: التنافر، والتضاد، وقد تعني: المثل (كل من هو مثل)، فكل ند هو مثل، وليس كل مثل ند، وتعني: الشركاء، مثل الأوثان، والأصنام، والطاغوت، والرؤساء. ارجع إلى الآية (22) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
{يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} : الحب من الأعمال القلبية؛ أي: تعلق القلب أو الميل إلى الخير أو الشر، والحب له أنواع، منها حب عبادة، أو حب شهوة، وغريزة، أو حب مصلحة ومنفعة، حب عطف ورحمة.
يحبونهم؛ أي: يحبون آلهتهم، كما يحبون الله؛ أي: يحبون كِلا الأمرين يحبون الله، وفي نفس الوقت يحبون آلهتهم، والكاف للتشبيه، وتعني: يسوون بين الأنداد، وبين الله في المحبة، فيعظمون أندادهم، ويتوسلون إليهم، ويتقربون إليهم بالصدقات، والقرابين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، أو يقربونا إلى الله زلفى.
وجاء بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد الحب والاستمرار عليه.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} : من حب هؤلاء لأندادهم.
{وَلَوْ} : شرطية. وجواب الشرط محذوف ليترك لكل ذي عقل أن يتصوره، ويتخيل شدته، وهوله؛ أي: لما أو حين اتخذوا من دون أنداداً، أو لا يعلمون أنّ القوة لله جميعاً.
{يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} : يرى من الرؤية، والرؤية في اللغة على ثلاثة أوجه:
1 -
الرؤية بمعنى العلم، يرى يعلم، كقوله: ونراه قريباً؛ أي: نعلمه قريباً.
2 -
الرؤية بمعنى الظن إنهم يرونه بعيداً؛ أي: يظنون بعيداً.
3 -
الرؤية بالعين رؤية بصرية.
{الَّذِينَ ظَلَمُوا} : أي: الّذين أشركوا (الظلم هنا الشرك) أن الحب لله: هو حب عبادة، ويجب أن يكون لله وحده، وإلا فهو شرك.
{إِذْ يَرَوْنَ} : إذ: ظرف زمان لما يستقبل من الزمان، (وقد يكون للماضي أحياناً)، وتسمى أحياناً إذ الفجائية؛ أي: يفاجَؤون بالعذاب؛ إذ يرون بعين اليقين يرون حالتهم عند رؤيتهم العذاب يوم القيامة، وقد سبق أن أنذروا به، وهم بالحياة الدّنيا؛ فلم يصدقوا ذلك.
{أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} : أن: للتوكيد، توكيد القوة لله، وجميعاً لزيادة التّوكيد: أنّ القوة لله جميعاً، وليس لآلهتهم وشركائهم أي قوة، وأنها عاجزة عن دفع العذاب عنهم.
{الْقُوَّةَ} : القدرة، والمنعة.
{وَأَنَّ اللَّهَ} : أن: للتوكيد شديد العذاب.
سورة البقرة [2: 166]
{إِذْ} : الفجائية.
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} : حالة رؤيتهم العذاب {مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} .
التبرأ: البعد، والخلاص، تخلوا عنهم.
{الَّذِينَ اتَّبَعُوا} : هم القادة والرؤساء المضلين، وأئمة الكفر.
{مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} : الأتباع.
{وَرَأَوُا الْعَذَابَ} : الواو: واو الحال؛ للتأكيد.
{وَرَأَوُا الْعَذَابَ} : بعين اليقين.
{وَرَأَوُا} : تعود على المعبودين والعابدين (الرؤساء والقادة والأتباع).
{وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} : جاء بالفعل الماضي؛ كأنّ الأمر حدث وانتهى، رغم أنه لم يحدث بعد، وسيحدث يوم القيامة.
{الْأَسْبَابُ} : جمع سبب، والسبب في اللغة: الحبل، ثم استعمل في كل ما يربط بين شيئين، وكل ما يتوصل به إلى مقصد أو غرض، والحبل أحد طرفيه بيد المتبوع، والآخر بيد التابع.
{الْأَسْبَابُ} : القرابات، والصدقات، والصلات، والعلاقات الّتي كانت بينهم في الدّنيا، وتنحل كل الروابط الاجتماعية يوم القيامة من نسب وصدقات
…
ولا تبقى إلَّا رابطة الإيمان.
سورة البقرة [2: 167]
{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} : أي: الأتباع.
{لَوْ} : حرف تمنٍّ وشرط.
{أَنَّ} : للتوكيد.
{كَرَّةً} : رجعة، وعودة إلى الحياة الدّنيا.
{فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} : والفاء للتوكيد؛ أي: نتخلَّى عنهم، ونبتعد.
{كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} : {كَذَلِكَ} : أي: كما أراهم الله العذاب فرأوه بعين اليقين، يريهم الله أعمالهم القبيحة «مثل الشّرك والظلم» ، فتكون عليهم حسرات، ويريهم أعمالهم الصالحة الّتي أوجبها عليهم فتركوها، ولم يفعلوها أيضاً.
{حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} : والحسرة: هي أشد النّدم، أو الندم الشّديد الّذي يكاد يحسر صاحبه فيقعده عن الحركة والعمل.
{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} : أي: لن يجدي ندمهم في إخراجهم من النّار؛ أي: فهم فيها خالدون.
سورة البقرة [2: 168]
نزلت هذه الآية في ثقيف، وخزاعة، وغيرهما من القبائل الّتي حرمت ما لم يحرمه الله، مثل البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام، بعدم ذبحها، أو ركوبها، أو الاستفادة منها. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ} : نداء للناس، ارجع إلى الآية (21)؛ لمعرفة معنى النّاس. والهاء في أيها: للتنبيه، والإصغاء، والاستماع لهذا الأمر المهم.
{كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ} : مما: من + ما، من: ابتدائية للتبعيض؛ لأنّ كلّ ما في الأرض ليس بمأكول.
{حَلَالًا} : الحلال: ما نص الشّارع على حله، «والّذي لا يتعلَّق به حق الغير» ، أما المباح: فهو ما لم ينص الشّارع على تحريمه في حكم عام، أو خاص.
{طَيِّبًا} : الطّاهر غير النجس، وفيه شيء من اللذة أو تقبله النفس.
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} : ارجع إلى الآية (36) من سورة البقرة؛ لمعرفة معنى الشّيطان.
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النّاهية.
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ} : جمع خطوة، وهي المسافة بين قدَمي الماشي.
{خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} : سبل الشّيطان، وساوس الشّيطان، وهمزاته، ونزغاته، وتزينه.
{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} : إن: للتوكيد، {لَكُمْ}: اللام: لام الاختصاص، لكم: خاصة.
{عَدُوٌّ مُبِينٌ} : ظاهر العداوة، عداوته لا تخفى على أي إنسان، وهو لا يُخفي عداوته، وعداوته ظاهرة وبيِّنة، لا تحتاج إلى مَنْ يظهرها.
سورة البقرة [2: 169]
{إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} :
{إِنَّمَا} : كافة مكفوفة تفيد الحصر.
{يَأْمُرُكُم} : شبه وساوسه وتزينه وإغوائه ونزعه وإضلاله بمنزلة الأمر على سبيل الاستعارة، مثال:{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النّساء، آية 119].
وهو ليس له سلطان؛ كقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99-100].
{بِالسُّوءِ} : الباء: للإلصاق، والاستمرار، والسوء: سمي سوءاً؛ لأنه تسوء عواقبه، أو سمي سوءاً يسوء إظهاره، ويسوء إلى النّفس مثل الغيبة والنّميمة.
{وَالْفَحْشَاءِ} : ما يوجب الحد فيه مثل الزّنى، واللواطة، وشرب الخمر.
{وَأَنْ} : أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
{تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} : أي: ويوسوس لكم الشّيطان أن تقولوا على الله ما لا تعلمون: أنّ الله حرم البحيرة والسّائبة والوصية والحام مثلاً، وهو لم يحرم، وأنعام، وحرث لا يطعمها إلَّا من نشاء بزعمهم، وأنعام حُرمت ظهورها، وما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكرنا، ومُحرم على أزوجنا، أو حرم هذا، وهو لم يحرِّمه، أو أحلَّه وهو حرمه. وهكذا
…
سورة البقرة [2: 170]
{وَإِذَا} : ظرفية زمانية للمستقبل.
{قِيلَ} : مبني للمجهول؛ أي: لا يهم من هو القائل، وإنما المهم المقولة هنا.
{لَهُمُ} : أي: للناس، ومنهم كفار العرب، واليهود.
{اتَّبِعُوا} : ما أنزل الله لكم في كتابه من رزق هذا حلال، وهذا حرام، ولا تشركوا به شيئاً.
{قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} : بل حرف إضراب انتقالي، ما اسم موصول، أو مصدرية.
{أَلْفَيْنَا} : بمعنى وجدنا، وهناك اختلاف بين ألفينا ووجدنا في القرآن الحكيم:
أما ألفينا: تستعمل للأمور المشاهدة؛ أي: المحسوسة، أو المادية، وتستعمل في سياق الذّم، والأمور غير المستحبة.
وأما وجدنا: تستعمل لأفعال القلوب وللأفعال غير المحسوسة، والأمور المحسوسة والمشاهدة، فوجدنا: أعم وأشمل، ولا تستعمل للذَّم الشديد.
{عَلَيْهِ آبَاءَنَا} : الآباء: تأتي في سياق التربية والرعاية، والوالدان: تستعمل في سياق الإحسان لهما والمعروف والإنفاق والوصية؛ فهم اختاروا الاستمرار على تقليد آبائهم، والتّقليد هو قبول الحكم بلا دليل من القرآن أو السّنة؛ أي: سنن آبائهم.
{أَوَلَوْ} : الهمزة: للتعجب، والإنكار، الواو: للحال.
{كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـئًا} : لا: النّافية المطلقة، يعقلون شيئاً: نفى عنهم العقل؛ أي: الفهم والإدراك.
{وَلَا يَهْتَدُونَ} : تكرار (لا) تفيد توكيد النّفي، وفصل كل من العقل والهداية على حده، أو كلاهما معاً، ولا يهتدون إلى الحق، أو الفهم الصحيح.
انتبه إلى استعمال: ألفينا هنا جاءت في سياق الذّم، ولذلك جاء معها {لَا يَعْقِلُونَ شَيْـئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} .
وقوله: {لَا يَعْقِلُونَ شَيْـئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} : فيها ذم أكبر، أو أكثر من قوله:{لَا يَعْلَمُونَ شَيْـئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} ؛ لأنّ نفي العقل أشد من نفي العلم.
مثال على ذلك: في هذه الآية (170) من سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} .
وفي سورة المائدة، آية (104):{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} .
فآية سورة البقرة جاءت في سياق الّذين اتخذوا الأنداد والأصنام (في سياق الشرك) وعبادتها، فهؤلاء أشركوا بالله، وحرَّموا ما أحلَّ الله، واتَّبعوا خطوات الشّيطان، ولذلك وصفهم بأنّهم:{لَا يَعْقِلُونَ شَيْـئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} .
بينما آية المائدة (104): جاءت في سياق الّذين اتخذوا البحيرة، والوصيلة، والسّائبة، والحام، فهؤلاء شرعوا من الأنعام من دون علم، وقلَّدوا آباءَهم، ولذلك وصفهم بأنّهم:{لَا يَعْلَمُونَ شَيْـئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} ، فكلا الفريقين ضلَّ، ولكن ضلال الفريق الأوّل أسوأ من الفريق الثّاني.
ولذلك وصف الفريق الأوّل بـ: {لَا يَعْقِلُونَ} «نفى عنهم العقل» .
والفريق الثّاني: {لَا يَعْلَمُونَ} «نفى عنهم العلم» .
ونفي العقل أسوأ وأشد من نفي العلم، كما سبق، والاعتماد على العقل، أو العلم وحدهما لا يكفي، فلا بد من هداية الرّب، فكم من عالم مُلحد ضال، وكم من حكيم يدعي الحكمة والعقل، وهو ضال أيضاً.
سورة البقرة [2: 171]
{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ} : أي: حالهم يشبه الّذي ينعق، وهو الرّاعي الّذي يصيح بالماشية الّتي يرعاها ليزجرها، أو يوجهها إلى طريقها.
{الَّذِينَ كَفَرُوا} : ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{بِمَا لَا} : الباء: للإلصاق، ما: لغير العاقل «الماشية» ، لا: النّافية.
{لَا يَسْمَعُ} : أي: لا تفهم من الرّاعي.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{دُعَاءً وَنِدَاءً} : وهناك فرق بين الدعاء والنداء:
فالدعاء: يكون بخفض الصوت، ويكون عادة للقريب.
أما النداء: فيكون برفع الصوت، ويكون عادة للبعيد.
{دُعَاءً وَنِدَاءً} : بصيغة النكرة؛ أي: مهما كان صيغته وسياقه لا يهم؛ لأنه مجرد دعاء ونداء غير مفهوم للماشية.
فالماشية تسمع الدعاء، والنّداء، ولكن لا تفهم ما يقوله الرّاعي، فهو يمشي أمامها، أو خلفها، وحين تخالف أمره يصيح بها، ومع مرور الزّمن تدرك الماشية أنّ رفع الصّوت لزجرها، ومنعها، ولذلك تغير مسيرها هنا، أو هناك، ومع الزّمن والتّكرار «بالتّقليد» تعرف أمكنتها مكان المبيت والرّعي والشّرب.
فالرّسول صلى الله عليه وسلم هو الرّاعي «أي: الدّاعي» ، يدعو الّذين كفروا إلى الإيمان «وهم كالماشية والغنم» ، فهم لا يسمعون ما أُنزل إليهم من ربهم إلَّا مجرد سماع لا طاعة معه «كما أنّ الماشية تسمع الرّاعي ولا تعقل ما يقوله، كأنّ في آذانهم صمم أو وقر» ، وهم بكم لا ينطقون بالشّهادة، ويصدقون الرّسول كما أنّ الماشية تنطق بكلمات لا يعقلها الراعي، أو من يسمعها.
وهم عميٌ لا يبصرون آيات الله الكونية، ويؤمنون بالله «كما أنّ الماشية تبصر وترى طريقها، ولكن لا تعلم أنّها تساق أحياناً إلى أماكن ذبحها» ، وهكذا حال الّذين كفروا صمٌّ بكمٌ عميٌ معاً؛ أي: كلّ من هؤلاء الكفرة صمٌّ بكمٌ عميٌ في نفس الوقت.
{فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} : الفاء: للتوكيد، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد أيضاً، {لَا يَعْقِلُونَ}: لماذا خلقوا وما هو مصيرهم الأبدي.
وفي سورة الأنعام، الآية (39): قال سبحانه: {صُمٌّ وَبُكْمٌ} .
وفي سورة الإسراء، الآية (67):{وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} .
ففي هاتين الآيتين إضافة الواو تجعل هؤلاء فئات مختلفة فئة صم وفئة بكم وفئة عمي، أما في آية سورة البقرة فهم فئة واحدة لها ثلاث صفات في نفس الوقت صمٌّ بكمٌ عميٌ.
سورة البقرة [2: 172]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد للذين هم على درب الإيمان؛ إما بتكليف جديد، أو فعل شيء، أو الكف عن شيء، أو أمر، أو بيان حكم، أو تحذير، أو تخيير، وهكذا، والهاء: للتنبيه، والياء: للبعد، والأمر هنا هو.
{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} : {مِنْ} : ابتدائية، وتعني بعض.
{طَيِّبَاتِ} : الطّيبات جمع طيب، والطّيب هو الحلال الطّاهر.
{مَا رَزَقْنَاكُمْ} : ما: اسم موصول، ما هنا لغير العاقل.
{وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} : واشكروا المنعم على نعمه الّتي فيها أكل الطّيبات، واشكروا لله فيه انتقال من ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب للفت الانتباه.
{لِلَّهِ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
{إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} : {إِنْ} : شرطية تفيد القلة؛ أي: قليلاً ما تشكرون، ولم يقل: إن كنتم إياه تشكرون، بل قال:{إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} : فهذا يدل على أنّ الشّكر عبادة، والعبادة أعم من الشكر، وقدَّم إياه للاختصاص والحصر، وأنّ الشّكر لله وحده المنعم.
سورة البقرة [2: 173]
{إِنَّمَا} : كافة ومكفوفة تفيد الحصر والتّوكيد.
{حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} : وتعريف المحرَّم: هو ما طلب الشّارع الكف عن فعله طلباً؛ كقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} ، أو نهياً؛ كقوله:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى} ، أو الأمر باجتنابه:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} فاجتنبوه، أو أن يترتَّب على الفعل عقوبة مثل الّذين يرمون المحصنات.
{الْمَيْتَةَ} : أي: ذهبت منها الحياة، وانتهت؛ أي: خرجت روحها، وانتبه إلى كلمة الميت كيف تشكل مَيْت، بسكون الياء، وهذه تعني: مات بالفعل، أما كلمة مَيّت بتشديد الياء هذه فمعناها لم تمت بعد لا زالت حية، وستموت فيما بعد.
{وَالدَّمَ} : الدّم المسفوح السّائل محرم شربه، أو طبخه، أو استعماله كغذاء بأي شكل، ويستثنى من ذلك الدّم المختلط باللحم، أو العروق.
{وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} : المعروف لدى النّاس.
{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} : ما ذُبح ولم يذكر اسم الله عليه، فقدم به على اسم الجلالة (الله)؛ لأن السياق في المأكول (الحلال والحرام)، وقد قيل: نزلت هذه الآية في المدينة على المؤمنين لبيان ما حل لهم وحرم عليهم فقدم به (المأكول).
أما قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} كما ورد في سورة المائدة آية (3)، والأنعام آية (145)، والنّحل آية (115)، تعني: ما ذبح تقرباً للأصنام، والآلهة، والأولياء، وقدم اسم الجلالة؛ لأن هذه الآيات جاءت في سياق الأمر بطاعة الله وتقواه وتعظيم شعائره، وقيل: نزلت آية النحل والأنعام في مكة، فقدم ذكر الله على ذكر الأصنام على ذبائحهم.
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} : {فَمَنِ} : الفاء: استئنافية، مَنْ: شرطية، {اضْطُرَّ}: أي: أُلجِئَ، أو أُكرِه بحكم الضّرورة، أو الضّرر؛ كأن خاف على نفسه الهلاك بعد أن استنفد الأسباب فيحلُّ عندها الأكل من الميتة، أو الدَّم، أو لحم الخنزير، أو ما أهل به لغير الله على شرطين:
الشّرط الأوّل: {غَيْرَ بَاغٍ} : أي: لا يأكل فوق حاجته، أو فوق ما يسد رمقه.
الشّرط الثّاني: {وَلَا عَادٍ} : أي: لا يأكل من هذه المحرمات، وعنده أطعمة أخرى تسد رمقه.
{فَلَا} : الفاء: للتوكيد، لا: النّافية للجنس.
{إِثْمَ عَلَيْهِ} : فلا ذنب عليه، ولا معصية، ولا حرج. ارجع إلى سورة الأعراف آية (33) للبيان.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : {إِنَّ} : للتوكيد، {غَفُورٌ}: كثير المغفرة يغفر الذّنوب مهما عظمت، أو كثرت، ولو كانت مثل زبد البحر، والغفر هو الستر، وبالتالي العفو. وإذا قارنا آية البقرة (173) مع آية المائدة (3)، وآية الأنعام (145)، وآية النحل (115): نجد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وفي آية الأنعام فقط:{فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ؛ لأن آية الأنعام بدأت بكلمة {قُلْ لَا أَجِدُ} فقال: {فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وبقية الآيات خطاب من الله تعالى فقال:{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
{رَحِيمٌ} : لا يعجل العقوبة، أو العذاب لعباده، فهو دائم الرّحمة، رحيم صيغة مبالغة يمحو السّيئات، ويثيب على الحسنات، وللضرورة والحاجة ضوابط شرعية، والّذي يقرر الضّرورة والحاجة في الأمور المستجدة هم علماء الأمة الموثوق بدينهم، وعلمهم مع أهل الخبرة والاختصاص. ارجع إلى الآية (115) من سورة النحل للبيان المفصل.
سورة البقرة [2: 174]
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} : ارجع إلى الآية (159) من سورة البقرة، والّذين: تعود على أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وتشمل كلّ من يكتم ما أنزل الله في التّوراة، والإنجيل، والقرآن.
{مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} : في أوصاف وصفات النّبي صلى الله عليه وسلم، وضرورة الإيمان به واتِّباعه؛ حيث كتموا اسم النّبي صلى الله عليه وسلم، وغيَّروا صفاته، أو غيَّروا، أو حرَّفوا في كتبهم.
{مِنَ الْكِتَابِ} : أي: التّوراة والإنجيل.
{وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} : يشترون بما كتموا، وما حرَّفوا في اسمه وصفاته صلى الله عليه وسلم ثمناً قليلاً. ارجع إلى الآية (79) من سورة البقرة، والآية (77) من سورة آل عمران.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد.
{مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} : أي: ما يأخذونه من رشوة، أو منفعة من جراء تغيُّر شرع الله، أو كتم أحكامه، سوف يتحوَّل يوم القيامة إلى ماء حميم يقطع أمعاءهم، ويصهر به ما في بطونهم، والجلود.
{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : بسبب ما أنكروه وحرَّفوه، أو افترائهم الكذب على الله، واشترائهم به ثمناً قليلاً، وهذا يعتبر بحد ذاته من أشد أنواع الحرمان.
{وَلَا يُزَكِّيهِمْ} : ولا يطهرهم من الذّنوب، ويعفو عنهم.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : اللام في لهم: للاستحقاق، {عَذَابٌ أَلِيمٌ}: شديد الإيلام، لا يُطيقُه أحد.
فإذا قارنَّاها بالآية (77) من سورة آل عمران: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
نجد في آية البقرة العقوبات الأربع، وهي:
1 -
ما يأكلون في بطونهم إلا النار.
2 -
لا يكلمهم.
3 -
لا يزكيهم.
4 -
ولهم عذاب أليم أشد وأبلغ وأسوء من العقوبات في آية آل عمران؛ لأن ذنب أو إثم الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمناً قليلاً أعظم من ذنب الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً؛ لأن ضرر الكتمان لا يقتصر على أنفسهم وإنما يتعدى لغيرهم مقارنة بالذين يشترون؛ ارجع إلى الآية (77) من سورة آل عمران لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 175]
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة يشير إلى الّذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ويشترون به ثمناً قليلاً، ويشير إلى سوء عملهم؛ لأنّهم اشتروا «استبدلوا أو اختاروا» ، اشتروا في الدّنيا الضلالة بدلاً من الهداية، والعذاب بدلاً من المغفرة؛ أي: فضلوا الضّلالة على الهدى.
{الضَّلَالَةَ} : تعني: أنهم ابتعدوا عن دينهم، وضلوا الصّراط، والغاية، وتركوا الهدى والصّراط (الدّين) وساروا في طرق الغي والضّلال والعصيان، والعذاب على المغفرة: أي: أخذوا أو اختاروا العذاب في نار جهنم على المغفرة، ورضوان الله.
{فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} : {فَمَا} : الفاء: استئنافية، ما: استفهامية، تحمل معنى التعجب، {أَصْبَرَهُمْ}: من أصبر على وزنه أفعل، وهي إحدى صفتي التّعجب، والتّقدير: أي شيء أصبرهم على النّار، أو ما أشد صبرهم على النّار؛ لأنّ ذلك من أعجب الأمور، وهذا إعلام وإنذار لكلّ من يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، ويفتري على الله الكذب، أو يبدِّل دين الله، ويحلل، ويحرم من دون علم، ولا دراية.
سورة البقرة [2: 176]
{ذَلِكَ} : اسم إشارة إلى ما تقدَّم من الوعيد بالعذاب الّذي ينتظرهم، وهو غاية العدل.
{بِأَنَّ} : الباء: للإلصاق، أن: للتوكيد.
{اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} : أي: «التّوراة، أو الإنجيل، أو القرآن» .
{بِالْحَقِّ} : الباء: للإلصاق، هو الحق الثّابت الّذي لا يتبدل، ولا يتغير، ولا يغالب، ولا يحاد عنه.
{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِى الْكِتَابِ} : في التّوراة، وهم اليهود، والنّصارى، اختلفوا في صفة عيسى المذكورة في التّوراة، أو صفة محمّد صلى الله عليه وسلم في التّوراة، والإنجيل، وهكذا
…
أو آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وفي القرآن قالوا: إنه شعر، أو سحر، أو افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، أو أنه أساطير الأولين.
{لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} : {لَفِى} : اللام: للتوكيد، شقاق: خلاف مع بعضهم البعض، {بَعِيدٍ}: بعيد عن الحق ولم يصفه بالكبير أو العظيم، بعيد صفة للشقاق؛ أي: لن يستطيعوا أن يرجعوا عنه؛ أي: يصلحوا فيما بينهم؛ ارجع إلى الآية (137) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 177]
المناسبة: أدَّى تحويل القبلة إلى المسجد الحرام إلى فتنة كبرى، وخلاف، وبلبلة بين أتباع كلّ ملَّة، وأخرى، وكلّ ملَّة دعت إلى اتباع قبلتها، سواء كانت المسجد الحرام، أو بيت المقدس، أو المشرق، أو المغرب.
حتّى نزلت هذه الآية فأبان الله -جل وعلا- للناس كافة: أنّ مجرد التّوجه إلى أي قبلة ليس في ذاته هو البر الحقيقي المقصود، ثمّ أبان البر الحقيقي فقال:
{لَّيْسَ} : أداة نفي.
{الْبِرَّ} : قيل: هو الشّيء الحسن النّافع، والبر: اسم جامع لكلّ خير ولكلّ طاعة، وعمل صالح، يؤدي إلى خلق حميد وقربى إلى الله.
{أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} : أي: ليس البر هو مجرد تولية الوجه في الصّلاة نحو المسجد الحرام، أو بيت المقدس، أو المشرق، أو المغرب.
{وَلَكِنَّ الْبِرَّ} : لكن: حرف استدراك وتوكيد.
{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} : الإيمان الّذي يتضمن توحيده في ألوهيته، وربوبيته، وفي أسمائه وصفاته من دون تشبيه، أو التحريف، أو تعطيل، أو تكييف، وعبادته، وطاعته بإخلاص ومحبة.
{وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : أي: الإيمان بكلّ ما أخبر به الله سبحانه وتعالى في كتابه، أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم، الإيمان بأحداثه المروعة، وأهواله، ويشمل البعث، والحشر، والحساب، والعرض، والموازين، وتطاير الصّحف، والصّراط، والجنة، والنّار.
{وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّنَ} : {وَالْمَلَائِكَةِ} : بأنّ لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولهم وظائف، ولهم صفات وأعمال نؤمن بها من دون زيادة، ولا نقصان، ولا تحريف.
{وَالْكِتَابِ} : أي: الكتب الّتي أنزلها الله على أنبيائه، ورسله، ومنها: القرآن، والتّوراة، والإنجيل، والزّبور، والصّحف الّتي أنزلها على إبراهيم، وموسى، والكتب الّتي أنزلها على سائر الرّسل، ولم يخبرنا بها.
{وَالنَّبِيِّنَ} : ومنهم الرّسل فكلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسول، وقد ورد ذكر أسماء بعضهم في القرآن، والبعض الآخر لم يذكر، فالإيمان بهم يأمرنا أنّ نؤمن بهم جميعاً، ولا ننكر نبوَّة أحد منهم، ولا رسالته، ونؤمن أنّ كلّاً منهم أدَّى أمانته، وبلَّغ رسالته
…
وأنّ الله أمدَّهم بالمعجزات، فقد قال سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7]، ثم ينتقل وصف البر من الأمور العقدية إلى الأمور المادية، ومنها:
{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى} : {وَآتَى} : معناها أعطى المال على حبه، والهاء تعود إلى حب المال، أو تعود إلى حب الإيتاء، فيصبح معناها: أعطى المال، وهو يحب المال، أو يحب أن يتصدق به، أو كلاهما معاً، والإيتاء غير العطاء.
وآتى المال، ولم يقل يعطي المال؛ لأن العطاء: دليل التّملك، دون الإيتاء، وأنت حين تؤتي المال، ولا تقول تعطي؛ لأنك إذا قلت: تعطي؛ أي: يصبح المعطى له مالكاً له، وفي الحقيقة هو لا يملك المال، وإن أعطيته؛ لأنّ المال هو مال الله، والملكية هي ملكية غير حقيقية؛ لأنّك سوف تموت، وتتركه لغيرك، أو تدفعه زكاة، أو صدقة، فكلمة تؤتي أحق وأفضل من استعمال تعطي، ثم إن هناك أمراً آخر قال سبحانه:{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} : ولم يقل: آتى المال وهو يحبه؛ لأنّ استعمال على أفادت على تمكُّن حب المال في قلبه وشدة التّعلق به.
إذن فعلاً هو يحب المال؛ كقوله سبحانه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وقد تأتي بالمعنى الآخر آتى المال على حبه؛ أي: أعطى المال كصدقة، وهو يحب الصّدقات؛ لأنّ حب ما عند الله من ثواب أعلى وأفضل من حبه لفطرة المال وجمعه، والرّأي الأوّل أقوى.
{ذَوِى الْقُرْبَى} : أوّل من تؤتي المال ذوي القربى، الأقارب جميعاً الأقرب فالأقرب؛ لأنه كما جاء في حديث سلمان بن عامر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان؛ لأنّها صدقة وصلة رحم» أخرجه النّسائي، والتّرمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وأحمد.
{وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ} : {وَالْيَتَامَى} : جمع يتيم، وهو من فقد أباه، ولم يبلغ مبلغ الرجال؛ أي: الحلم.
{وَالْمَسَاكِينَ} : جمع مسكين، وهو المحتاج الّذي له مال لا يكفيه.
{وَابْنَ السَّبِيلِ} : السّبيل: هو الطّريق، وابن السّبيل: هو ابن الطّريق؛ أي: ليس لديه مكان يأوي إليه؛ إلَّا الطّريق؛ أي: رجل منقطع في سفره، وقد يكون ابن السّبيل ذا مال في بلده، إلَّا أنّ سفره قطعه عن ماله، وباعد بينه وبين أهله، وقد يشمل هؤلاء الّذين يعيشون في الطرقات، والله أعلم.
{وَفِى الرِّقَابِ} : جمع رقبة، وتعني فك رقبة: فك الأسير، أو العبد؛ لأنّ العبد يشبه من تملكه من رقبته عتق رقبة، أو فك رقبة: تحرير رقبة. ارجع إلى سورة البلد آية (13) للبيان.
{وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} : ارجع إلى الآية (3) من سورة البقرة.
{وَآتَى الزَّكَاةَ} : ارجع إلى الآية (3) من سورة البقرة.
{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} : العهد: وعد مقرون بشرط، والعهد يقتضي الوفاء، وقد يكون بين العبد وربه، أو يعاهده ربه على لسان رسوله، وأسند الله العهد إلى نفسه في القرآن كله، والعهد قد ينفرد به الفرد، والعهد يتمثل بقوله تعالى: وصينا، أمرنا، أوحينا، أو عهدنا.
{إِذَا} : شرطية تفيد حتمية الحدوث. والميثاق: هو عهد موثق مؤكد «موثق بأدلة وشهود، أو وثيقة» .
{وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} : ومن البر الصّبر. ارجع إلى الآية (44) من سورة البقرة.
{وَالصَّابِرِينَ} : عطف منصوب على مرفوع «الموفون» للاهتمام، والتّعظيم إظهاراً لفضل الصّبر في جميع الأحوال، والشّدائد، والطّاعات.
{فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} : البأساء: من البؤس، وهو الفقر، والشّدة، والبطالة.
{وَالضَّرَّاءِ} : الضّر، والمرض، والألم، والعواصف، والبراكين، والأمراض، وسواء كانت المصيبة فردية، أو جماعية.
{وَحِينَ الْبَأْسِ} : البأس هنا يعني: الحرب، أو الشّدة في الحرب «الشّجاعة». وحين: زمن سواء كان سنة، أو شهوراً، أو أياماً، أو ساعات، زمن غير محدد.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} : {أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد، يدل على بعد مكانتهم، وارتفاع درجاتهم. {الَّذِينَ}: آمنوا بالله، واليوم الآخر، وملائكته، والكتاب، والنبيين، وآتى المال على حبه، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة، والمؤمنون والصّابرون بشرط أن يفعلوا ما يقولون، ولا يكونوا من الّذين يقولون ما لا يفعلون.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} : وأولئك هم المتقون: جمع متَّقٍ، وهو من اتَّقى غضب الله وسخطه، واتَّقى النّار.
جمع لهم صفتين من أعظم الصّفات: الصّدق، والتّقوى، وأعاد ذكر أولئك لزيادة التّوكيد، وجاء بضمير الفصل هم؛ أي: إذا وجد متقون فهم حقّاً المتقون للمبالغة، والمتقون جملة اسمية تدل على الثّبوت؛ أي: أصبحت التّقوى صفة ثابتة لهم.
سورة البقرة [2: 178]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد إلى الّذين آمنوا بتكليف جديد «لفعل أمر، أو نهي، أو بيان حكم، أو تحذير، أو تخيير» .
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} : كتب عليكم: فرض عليكم، وثبت ولزم، وكتب فيها توكيد أشد من فرض.
لماذا جاء (كُتِبَ) بصيغة المجهول؛ لأن المشرع هو الله، ومعلوم من الّذي كتب، فلا داعي لذكر ذلك؛ لأنّ كل مؤمن يعلم ذلك، ويعلم مَنْ المنادي حين ينادي: يا أيها الّذين آمنوا.
وهناك من قال: بنيت للمجهول؛ لأنّ الأمر التكليفي فيه مشقة، ويحتاج إلى صبر، والأمور التّكليفية الصّعبة، أو فيها مشقة يبينها الله للمجهول كقاعدة عامة.
{عَلَيْكُمُ} : جاء بعلى: للاستعلاء فيها، معنى المشقة، والإلزام، وعليكم تعني: تشريع للجميع، وليس لفرد واحد، وحين نستعمل اللام بدلاً من (على) كقوله: كتب لنا تعني لمصلحتنا، لام الاختصاص والاستحقاق.
{الْقِصَاصُ} : من قصَّ، وقصى أثره؛ أي: تتبعه، والقصُّ: هو القطع؛ كالّذي يقص الثّوب بالمقص، والقصاص: هي المساواة، والمماثلة «مقابلة الفعل بمثله» .
{فِى الْقَتْلَى} : جمع قتيل؛ بمعنى: مقتول.
{الْحُرُّ بِالْحُرِّ} : الحر: هو غير المملوك، الحر مقابله العبد؛ أي:«لا نقص للحر بعبد، أو بالعكس» ؛ أي: يقتل الحر بالحر، ولا يقتل مسلم بذمي، أو يُقتل مسلم بكافر.
{وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} : إذا قُتل عبدٌ نقتص له بعبد.
{وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى} : إذا قُتلت أنثى نقتص لها بأنثى، وليس بذكر.
{فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} : الفاء: استئنافية، مَنْ: شرطية، فمن تنازل له أخوه، ولي المقتول بالعفو والدّية، فعليه أن يقبل، أو قد لا يتنازل، وعندها يطبق عليه حكم القتل، «وهنا يعني القتل العمد» .
أما إذا عفا عنه، وصفح؛ انتهى الأمر، أما إذا طلب منه الدّية فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، فعلى ولي المقتول أن لا يطالب بأكثر من حقه، وأن يستعمل الرّفق والأدب، وعلى القاتل أن لا يماطل، أو ينقص من الدّية.
{ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} : ذلك؛ أي: العفو، أو الدّية تخفيف؛ أي: تسهيل من ربكم ورحمة «حيث وسع عليكم ولم يفرض عليكم حكماً واحداً، وهو القتل فقط» .
{فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : أي: إذا عفا عن القاتل، أو أخذ منه الدّية انتهى الأمر، أما إذا عاد ولي المقتول وانتقم من القاتل بأي شكل، أو ظلم، فله عذاب أليم، «لمن أخذ الدّية، ثم عاد وقتل الجاني» .
سورة البقرة [2: 179]
{وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} :
{وَلَكُمْ} : خاصة أيها المسلمون في الإسلام ثلاث شرائع: العفو، أو القصاص، أو الدّية، فالدّية: غير مشروعة عند اليهود، فعندهم النّفس بالنّفس، والدّية هي المشروعة عند النّصارى فقط، أما في الإسلام: فله إحدى الاختيارات.
{الْقِصَاصِ} : كما قلنا: أن يُفعل بالقاتل «أو الجاني» مثل ما فُعل بالمقتول «أو المجني عليه» ، فالعقوبة في القصاص تكون من جنس الجريمة، أو أن يُعفى عن القاتل، أو أن يدفع الدّية، فالقصاص تعتبر عقوبة مقررة لأجل صون حق الآدمي، أو البشر. فالقصاص شُرِعَ للحفاظ على حياة الفرد والمجتمع معاً.
وأما الحدود: فهي تعتبر عقوبة مقررة لأجل صون حق الله بسبب عصيان أمر شرعي، والحدود: هي حد السّرقة، والزّنى، والقذف، والرّدة، وشرب الخمر، والحرابة، والعقوبة في الحدود لا تكون من نفس الجريمة، فالحدود «ليس لولي الأمر أو لولي القاتل تدخل فيها» .
وعقوبة الحدود: هي إقامة الحد، مثل: الجلد، أو الرّجم، أو التعزير، أو قطع اليد، فحين يعلم القاتل «الجاني» أنّه سوف يُقتل إذا قام بفعل القتل؛ فقد تمنعه هذه العقوبة «والّتي نسميها القصاص» ، من أن يقتل غيره، وعندها بهذا الرّدع يكون قد صان حياتين حياته، وحياة الّذي يريد قتله.
وجاء بكلمة حياة نكرة، ولها معانٍ كثيرة، نذكر منها:
أولاً: حياة للمجتمع بتوافر الأمن، والسّلام، وعدم فقدان أفراده بالقتل.
ثانياً: حياة في الآخرة للقاتل إذا استسلم لحكم الله، واقتص منه بقتله في الدّنيا؛ أي: سلامته من القصاص في الآخرة.
ثالثاً: حياة؛ أي: القصاص سبب حياة نفسين القاتل والمقتول؛ لأنّه لم تتم عملية القتل بسبب الرّدع بالخوف من القصاص.
رابعاً: حياة سبب دفع الدّية لولي القاتل، توفر له معيشة أفضل، وأفضل ما قيل في معنى هذه:(القتل أنفى للقتل)، {وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]، كلام في غاية البلاغة والإيجاز.
{يَاأُولِى الْأَلْبَابِ} : جمع لب، قيل: هو باطن العقل، أو صفوة العقل، أو ما زكى من العقل، فكل صاحب لب له عقل، وليس كل صاحب عقل له لب، والألباب: من اللب، وليس القشرة؛ أي: لب الأشياء وليس ظواهر الأشياء.
فكلمة أولي الألباب تعني: الصّفوة من المؤمنين ذوي العقول النّيرة، الحكماء، والعلماء؛ الّذين هم أبعد نظراً، وأعمق فكراً في الأمور والآيات، فيجدوا الحكمة والفائدة فيما شرع الله، فيزدادوا هدى وإيماناً وقرباً من الله. ارجع إلى الآية (197) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} : لها معاني كثيرة منها: لعلكم: لعل للتعليل؛ أي: تتقون الله؛ أي: عذاب الله وانتقامه، تتقون النّار: بتجنبكم المعاصي، والقتل، تصلون إلى منزلة التّقوى، أو تعملون عمل أهل التّقوى، تتقون الدّماء، وقتل الأرواح البريئة.
سورة البقرة [2: 180]
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ} : ارجع إلى الآية (178).
{إِذَا} : ظرفية زمانية متضمنة معنى الشّرط، وفيها معنى الحتمية «حتمية الحدوث أو كثرته» ؛ لأنّها جاءت في سياق الموت، والموت أمر حتمي لكل إنسان؛ لذلك استعمل إذا.
{حَضَرَ} : فيها معنى شدة القرب، قرب الموت يحضر فجأة، وفيها معنى المجيء مع المكث، والبقاء، ولو فترة قبل أن تخرج الرّوح «مرحلة الاحتضار» .
{أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} : قدَّم أحدكم «أي: المفعول» على الفاعل «وهو الموت» ليراعي شعور الإنسان بكراهية الموت «ولذلك أخَّر الموت» ، ولتجنب عنصر المفاجأة، والمكروه للنفس وهو الموت.
{إِنْ} : شرطية: تستعمل للأمور النّادرة، أو المحتملة الحدوث، فقد يترك الإنسان ثروة بعد موته، وقد لا يترك.
{تَرَكَ خَيْرًا} : أي: مالاً بعد موته، أو غير المال.
{الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} : الوصية على شرط ألا تتجاوز الثّلث، للوالدين والأقربين «اللام لام الاستحقاق» ، ومن العلماء من قال: نزلت هذه الآية قبل آية تشريع الميراث الّتي حدد فيها نصيب الوالدين بالثّلث، أو السّدس، فقد كان النّاس يعطون كل ميراثهم لأولادهم، ويحرمون الوالدين، والأقربين، ولذلك جاءت هذه الآية لتمنعهم من الحرمان، وكذلك فيما لو كان الوالدين من الكفار يحق له يوصي بشيء من المال لهما، وحدود الوصية كما قلنا الثّلث، والباقي للورثة، مع العلم بأنّه لا وصية لوارث، وقال ابن عبّاس: المنسوخ هو وجوب الوصية للوارثين منهم «الآباء أو الأقربين» ، وبقي الوجوب في حق من لا يرث منهم.
{بِالْمَعْرُوفِ} : يعني: بالعدل، وأن لا تتجاوز الوصية الثّلث، ولا يوصي لغني، ويترك الفقير من أقاربه.
{حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} : من باب الفرض، أو الواجب.
سورة البقرة [2: 181]
كانت الوصية في البداية لا تكتب، بل بالسّماع، فإذا سمع الوصية أحد من الشّهود، ثمّ غير، أو بدل في الوصية؛ فالإثم والذّنب يقع عليه، والموصي لا ذنب عليه، وكذلك لا ذنب على الموصى له، والتّبديل الّذي فيه إثم هو تبديل الهوى، والباطل الّذي ليس فيه دليل.
{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} : {إِنَّ} : للتوكيد، لقول الموصين ولقول المبدلين لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السّماء.
{عَلِيمٌ} : يعلم بما تكن صدورهم، وما يعلنون إنه عليم بذات الصّدور، وعليم بما يعملون، من أقوال وأفعال، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، وعليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم.
سورة البقرة [2: 182]
{فَمَنْ} : الفاء: عاطفة، من: شرطية.
{خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا} : {خَافَ} : من الخوف، وهو توقع الضّرر، خاف: علم، أو توقَّع من صاحب الوصية {جَنَفًا}: ميلاً عن الحق والعدل خطأ من دون تعمد، أو {إِثْمًا}: ميلاً عن الحق، والعدل تعمداً بأن زاد عن الثّلث، أو أوصى بأمواله إلى أحد أفراد عائلته؛ الّذين يرثون، أو أعطى من لا يستحق، وقالوا: الجور محصور في مخالفة النّص الشّرعي، والجنف: الظّلم النّاتج عن شهوة، أو حب، والحيف إذا مال الحاكم إلى أحد الطّرفين.
{فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} : أي: قام بتعديل الوصية الّتي كانت مخالفة للشرع، أو بدل الباطل بالحق.
{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} : الفاء للتأكيد، لا: النّافية للجنس، {إِثْمَ عَلَيْهِ}: لا ذنب عليه، ولا حرج. ارجع إلى سورة الأعراف آية (33) للبيان.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : {إِنَّ} : للتوكيد، {غَفُورٌ رَحِيمٌ}: لمن بدل الوصية للإصلاح. ارجع إلى الآية (173) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 183]
نداء جديد من الله للذين آمنوا «والهاء لزيادة التّنبه» بأمر تكليفي جديد وهو الصّيام.
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ} : فرض، وكتب فيها توكيد أشد من فرض، وكان فرضه في السّنة الثّانية من الهجرة، كتب عليكم؛ أي: شرع لكم أيها الّذين آمنوا، فهو لم يشرعه إلَّا لمن آمن، ولم يكتبه على الكافر، ولم يكتب على الكافر؛ أي: تكاليف؛ لأنّ التّكليف الإيمان لا يكلفه الله إلَّا لمن آمن، ولذلك قال: كُتب عليكم بالبناء للمجهول، ولم يقل: كتبت عليكم، وعليكم تفيد العلو والمشقة. ارجع إلى الآية (178) من نفس السورة للبيان.
{الصِّيَامُ} : لغة: من صام يصوم؛ أي: أمسك؛ كقوله تعالى: {إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} .
شرعاً: هو التعبد لله سبحانه بالإمساك عن الأكل والشّرب والفرج من الفجر حتّى الغروب.
{الصِّيَامُ} : ولم يقل الصّوم؛ لأنّ الصّوم في القرآن؛ يعني: الصّوم عن الكلام «أي: الصّمت» كقوله: {إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} «وهذا من خصائص دقائق لغة القرآن» .
{كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} : كما: الكاف للتشبيه؛ أي: كما كتبنا عليكم حكم الصيام في وصفته لا في كيفيته وعدده، كتبنا على الّذين من قبلكم: إما من لدن آدم؛ أي: على الأمم السّابقة، وإما من قبلكم، تعني اليهود والنصارى.
وقوله: {مِنْ قَبْلِكُمْ} : لها معان كثيرة: أي: لكونها عبادة عظيمة فرضت على كلّ الأمم، أو فيها معنى التّرغيب، فالّذين من قبلكم صاموا، فأنتم أحق بالصّيام منهم، ونيل الثّواب، والأجر، وكذلك فيها معنى التّطمين؛ أي: لا تقولوا لن نقدر، أو نستطيع الصّيام، فمن جاء قبلكم فعلوا ذلك واستطاعوا.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} : {لَعَلَّكُمْ} : لعل للتعليل، لعلكم إن صمتم تصبحوا من بين المتقين الّذين يطيعون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه، فبذلك تتقوا الله سبحانه «تتقوا غضبه وعقابه» ، وتتقوا النّار.
سورة البقرة [2: 184]
{أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} : {أَيَّامًا} : جمع يوم، واليوم في القرآن يعني: من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، ولا يعني:(24) ساعة.
{مَّعْدُودَاتٍ} : جمع قلة، مقارنة بمعدودة جمع كثرة، والمعدودات في اللغة عشرة أو أقل، وأما أياماً معدودة تدل على أكثر من عشرة.
و {مَّعْدُودَاتٍ} : هي صفة «في الإعراب» لـ (أياماً)، واتباعاً لهذه القاعدة كان من المفروض القول أياماً معدودة؛ لأنها تعادل (29-30) يوماً، وجاء بصيغة القلة: هذا ضرب من البلاغة كي يهون على الصّائم، ولا يظن أنّها شاقة، وكثيرة، بل هي قليلة ويسيرة ويجوز تنزيل القلة منزلة الكثرة، أو بالعكس للبلاغة.
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} : {فَمَنْ} : الفاء: عاطفة، {مَنْ}: شرطية؛ أي: فمن كان منكم مريضاً فأفطر، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر.
{كَانَ مِنْكُمْ} : خاصة مريضاً، واختلف في المرض المبيح للإفطار منهم من قال: كل مرض، ومنهم من قال: المرض الّذي فيه مشقة، ويتضرر المريض، أو على سفر يشق معه الصّيام، فيباح له الإفطار.
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : {وَعَلَى} : تعني: العلو والمشقة.
{الَّذِينَ} : تعني: الكبير الهرم، والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه.
{يُطِيقُونَهُ} : اختلف العلماء في تفسيرها على ما يلي:
منهم من قال: يطيقونه تعني: يتحمَّلونه من دون مشقة، أو ضرر هم مخيرين بين الصيام، أو الإفطار مع دفع الفدية، وهي طعام مسكين إذا أفطروا.
ومنهم من قال: يطيقونه يطيق الصّيام بمشقة، وضرر، أو كلفة؛ كالشّيخ الكبير، والمريض مرضاً مزمناً، فله حق الإفطار مع دفع الفدية، وهي طعام مسكين.
{يُطِيقُونَهُ} : مشتقة من الطّاقة؛ لأنّ الطّاقة تعني: تحمل الشّيء بمشقة، وشدة، وعليه يكون المعنى يتحمَّلونه بجهد شديد، والأرجح: هو القول الثّاني.
{فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : الفدية هي إطعام مسكين عن كلّ يوم أفطر فيه من أوسط ما يطعم أهله «أكلة واحدة» .
{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} : {فَمَنْ} : الفاء: عاطفة، من: شرطية.
{تَطَوَّعَ خَيْرًا} : التطوع الزّيادة على القدر المذكور في الفدية «الزّيادة على ما هو مفروض» ؛ أي: بدلاً من إطعام مسكين واحد أطعم اثنين، أو أكثر، وهكذا له زيادة في الثّواب.
{فَهُوَ} : الفاء للتوكيد، هو: ضمير منفصل يفيد التّوكيد، وأن: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
{تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} : أفضل، فيه تأكيد على فوائد الصّيام الكثيرة.
{إِنْ} : شرطية تفيد القلة، أو النّدرة.
{كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} : أنّ الصّيام خير لكم، وليس فيه ضرر، أو مشقة فصوموا تلك الأيام.
سورة البقرة [2: 185]
قبل البدء في تفسير هذه الآية يجب الانتباه: أنّ هناك من المفسرين من يعتقد أنّ تشريع الصّيام جاء على مرحلتين:
المرحلة الأولى: المرحلة المكية الّتي تمتد إلى السّنة الثّانية للهجرة «أو المرحلة المكية + بداية الهجرة» ، والّتي تتمثل في الآية (184)، ويعتقدون أنّ تفسير (أياماً معدودات) هي الأيام الثّلاثة من كلّ شهر (13-14-15)، ويوم عاشوراء، وأنّ الصّيام في تلك المرحلة كان باختيار؛ أي: يحق للمسلم أن يصوم، أو أن يفطر، ويفدي بإطعام مسكين؛ حتّى اعتاد المسلمون على الصّيام فجاء قوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، كما سنرى.
المرحلة الثّانية: كانت بعد فرض الصّيام من السّنة الثّانية للهجرة حتّى يومنا هذا، وتتمثل هذه المرحلة في الآية (185)، وهذا يفسر لماذا تكرر قوله تعالى:{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} في كلا الآيتين.
{شَهْرُ رَمَضَانَ} : كلمة رمضان مشتقة من رمض، ورمض الإنسان؛ أي: حر جوفه من شدة العطش، والرّمض: هي الحجارة المحماة، والرّمض: الاحتراق.
{الَّذِى} : اسم موصول فيه معنى المدح والتّعظيم.
{أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} : أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، وفي ليلة القدر لقوله تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، ثم نزل منجَّماً «مفرَّقاً» على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مدى (23) عاماً.
الفرق بين أنزل ونزل: أنزل: تعني: دفعة واحدة، أمّا نزل فتعني: منجَّماً على دفعات كثيرة، وأنزل فيه: فيه تعود على الشّهر كلّه رغم أنّه أنزل في ليلة القدر، قال فيه تعظيماً لكامل الشّهر، وأنزل فيه: قد تعني: أنّ القرآن ابتُدئ بنزوله، فيه ظرفية تعود على رمضان.
{هُدًى لِلنَّاسِ} : {هُدًى} : مصدر هداية هادياً للغاية، وهي سعادة الدّارين.
{هُدًى} : جاءت بصيغة النّكرة؛ للتهويل، والتّعظيم لكلّ أنواع الهداية الّتي يتصورها الإنسان.
{لِلنَّاسِ} : اللام: لام الاختصاص، النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة للبيان.
{وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى} : بينات: جمع بينة من بان، وبان الشّيء أظهره، واتضح، وقيل: البينة: إظهار المعنى للنفس؛ أي: جملة من البينات؛ أي: الأحكام، فالقرآن نفسه هدى مصدر هداية للناس كافة، ويتضمن بينات آيات، وأحكام لهداية النّاس، وفيها عطف الخاص على العام؛ للتوكيد على أهمية الأحكام الّتي جاءت في القرآن.
{وَالْفُرْقَانِ} : ما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والهدى والضّلال، وإذا كان القرآن هو الهدى، فالفرقان صفة للقرآن.
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} : {فَمَنْ} : الفاء: عاطفة، من: شرطية.
{شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} : كان شاهداً؛ «أي: حاضراً مقيماً غير مسافر» ، فليصم فيه، ولا يفطر، وكان غير مريض، وكان غير مسافر، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر.
{مِنْكُمُ} : أي: منكم خاصة؛ أي: من المسلمين، ولو لم يأت بكلمة منكم؛ لكان الخطاب موجه إلى كلّ إنسان، ويجب عليه الصّيام.
{الشَّهْرَ} : رمضان. {فَلْيَصُمْهُ} : الفاء: للمباشرة والتّعقيب.
{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} : انتبه: لم يقل منكم كما في الآية السابقة؛ لأنه سبق وقال: فمن شهد منكم الشهر، فلم يكررها لعدم الحاجة؛ أي: من كان مريضاً، أو على سفر؛ فأفطر بعذر شرعي مقبول فعليه قضاء العدَّة بعد العودة إلى بلاده، أو الشّفاء من ذلك المرض، انتبه إلى حذف منكم بعد قوله: ومن كان مريضاً، أو على سفر، ولم يقل منكم مرة ثانية
…
حيث قال: فمن شهد منكم الشّهر فليصمه، فاكتفى بذلك.
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} : اليُسر: السّهولة، وعدم التّشديد، العسر: المشقة، والضّيق.
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ} : الباء: للإلصاق. {الْيُسْرَ} : من يُبيح لكم الإفطار في المرض، والسّفر، وتكرار كلمة يُريد مرتين يدل على التّوكيد، توكيد الإرادة باليسر، ولنفي الإرادة بالعسر.
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} : الواو: عاطفة، واللام في لتكملوا: لام التّعليل، والتّوكيد؛ كأنّه يقول: يُريد الله بكم اليسر، ويريد بكم أن تكملوا العدَّة عدَّة الشّهر (29-30) يوماً، ولتكملوا العدَّة: بقضاء ما أفطرتم في مرضكم، أو سفركم.
{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} : واللام لتكبروا؛ للتعليل، والتّوكيد، وتكبروا؛ أي: تقولوا: الله أكبر، الله أكبر، وتبدأ عند إتمام صيام رمضان؛ أي: تبدأ من رؤية هلال العيد إلى القيام إلى صلاة العيد.
{عَلَى مَا هَدَاكُمْ} : ما: اسم موصول؛ أي: الّذي هداكم، أو مصدرية على هدايته لكم.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : {وَلَعَلَّكُمْ} : لعل للتعليل لعلكم تشكرونه على التّيسير، وإباحة الإفطار في المرض، والسّفر، أو تشكرونه على مساعدتكم لإتمام صيام شهر رمضان، ونيل ثواب الصّيام، أو تشكرونه أن هداكم لصيام شهر رمضان، وإنزال القرآن. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (10) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 186]
المناسبة: انتبه إلى أهمية وقوع هذه الآية في منتصف آيات الصّيام:
جاء ليذكر المؤمن بأهمية الدّعاء في رمضان، وأثناء الصّيام، وبعد الصّلوات، وفي صلاة الوتر، وعند الإفطار، ووقت السّحر، وعند إكمال العدَّة، ولأنّ دعوة الصّائم لا ترد.
{وَإِذَا} : الواو: عاطفة، إذا: ظرفية شرطية تدل على حتمية حدوث الأمر الّتي جاءت في سياقه كثرة حدوثه، وهو الدّعاء، ولم يقل: وإن سألك عبادي، إنْ: تدل على الاحتمال والندرة.
{سَأَلَكَ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم أي: سؤال في شأني، أو حاجة، روي أنّ أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:«أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه» أخرجه الطّبري، والدّارقطني.
{عِبَادِى} : النّاس ثلاثة أقسام: عبيد، وعبادي، وعباد، كلّهم عبيد لله في الدّنيا، ومن هؤلاء العبيد من يصبح مؤمناً مطيعاً لله ورسوله، فيرتقي بذلك من درجة العبيد إلى عبادي، ومن هؤلاء العدد الكبير «عبادي» ، من يرتقي إلى درجة أعلى من عبادي إلى درجة عباد، وهم قلة وصفوة النّاس، أمثلة:{وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182]، {قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53]، {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 179].
فكلمة عبيد: تشمل الكافر، والمؤمن. وكلمة عبادي: أفضل وأعلى درجة من عبيد؛ أي: الذين اختاروا أن يكونوا عباداً لله تعالى، وكلمة عباد: أفضل وأعلى درجة من عبادي هم الصفوة.
أما في الآخرة: فالكلّ يصبح عباد؛ لأنه ليس هناك تكليف، أو عبادة، فالكل مطيع، ولا يعصي.
{عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ} : الفاء في فإني تفيد المباشرة، والتّعقيب؛ أي: بمجرد رفع صوتهم فإني أسمعهم، فالقرب هنا ليس قرب مكان، ولكن قريب بعلمه، فهذا يدل على سمعه، وكرمه، واستجابته، فهو يعلم أحوالنا، ويسمع أقوالنا، ويرى أعمالنا، فهو قريب، بل أقرب من حبل الوريد، ولم يقل: فقل لهم إني قريب؛ أي: من دون قل، أو: فقل لهم؛ لأنها تبعد، أو تفصل القرب من الرّب، فلذلك حذفها؛ لتكون وسيلة الاتصال مباشرة بين العبد وربه، ومن دون تدخل الرّسول صلى الله عليه وسلم.
{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} : أجيب، وقيل: بمعنى اسمع دعوة الدّاع، أو دعاء الدّاع، إذا دعان، أجيب: أعطي السّائل سؤله، وإذا كان الدّعاء؛ يعني: العبادة؛ أي: أقبل عبادة من عبدني، وقدَّم الإجابة على الشّرط بدلاً من أن يقول: إذا دعان الدّاع أجيبه، أو أستجيب له للاهتمام، والإجابة من الله تعني: القبول، والإجابة من العبد تعني: الطّاعة، والعبادة، والإيمان.
{إِذَا} : شرطية، تستعمل للأمور الواقعة لا محالة، والكثيرة الحدوث.
{دَعَانِ} : ولم يقل: دعاني «بالياء» ، وحذف الياء؛ ليقصر الكلمة؛ لتدل على مجرد ما يبدأ بالدّعاء أجيبه، أو تبدأ الاستجابة، فليس هناك فاصل زمني، وقد تعني دعان بدعاء واحد لأمر واحد، أو أمور متعددة أدعية مختلفة، أو دعان لثوان فقط، دعاء قصير جداً، أو أطال الدّعاء «ذو دعاء عريض» ، أجيب دعوة الدّاع إذا دعان إذا كانت الإجابة خيراً له، وأجيبه إن لم يسأل مُحالاً، وما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، وما لم يستعجل بالإجابة، وما لم يتغذَّ بالحرام، وفي الآية حثٌّ وحضٌّ على الدّعاء، خاصة في شهر رمضان الفضيل.
{فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى} : الفاء: في فليستجيبوا لي: تدل على المباشرة والتّعقيب؛ أي: ليستجيبوا لي بسرعة، ومن دون تردد مباشرة، واللام: لام التّعليل، والأمر فليستجيبوا لي بالطّاعة، والإيمان، والدّعاء، والعبادة.
{لِى} : لي لوحدي بإخلاص، {وَلْيُؤْمِنُوا بِى}: اللام: لام الأمر، والتّعليل؛ أي: يداوموا على الإيمان بي، ويستمروا على ذلك.
{لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} : لعل: للتعليل؛ يرشدون: من الرَّشد: بفتح الراء، ويعني: الصلاح في أمور الدين؛ أي: ليرشدوا؛ أي: يهتدوا إلى الصّراط المستقيم، والحق والاستعداد للآخرة.، ويَرْشُدون تعني: الاستقامة على الدّين أيضاً، والبعد عن طريق الغي والضّلال، وأما الرُّشد: بضم الراء يعني: الصلاح في الأمور الدنيوية والأخروية، والرُّشد: أعم من الرَّشد. ارجع إلى سورة النّساء، آية (6).
سورة البقرة [2: 187]
سبب نزول هذه الآية: في بداية الإسلام كان الصّيام يمتد من وقت العشاء إلى غروب الشّمس، من الليلة القادمة، وكان يباح للمسلمين الأكل والشّرب والجماع من المغرب إلى وقت العشاء؛ أي: أقل من ساعتين، وكانوا يجدون مشقة كبيرة، وحرج في قصر مدَّة الإباحة، فكان النّاس يشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى نزلت هذه الآية، فأصبحت فترة الإباحة للطعام والشّراب والجماع من وقت المغرب إلى وقت الفجر.
{الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} : الرفث في الأصل: الفُحش من القول، أو الكلام عن الجماع، واستعمل الرفث كناية عن الجماع من دخول وقت المغرب إلى وقت الفجر.
واستعملت كلمة الرّفث في موطني عبادة فقط الصّيام والحج، هذه الآية، والآية (197) من سورة البقرة:{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ} .
{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} : فيها تشبيه كلّ واحد من الزوجين باللباس، فالزّوج لباس لزوجه، والزّوجة لباس لزوجها، فالزّوج يستر عورة زوجته، والزّوجة تستر عورة زوجها، فكلّ واحد ساتر للآخر عن الحرام، والزّنى، وهذا التّشبيه مأخوذ من حالة اجتماعهما تحت غطاء واحد، واللباس: هو الثّوب الدّاخلي الذي يستر السّوءة.
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} : {تَخْتَانُونَ} : من الخيانة؛ أي: عدم أداء الأمانة: تخونون أنفسكم بارتكاب ما حرم الله عليكم من الجماع وقت الصّيام، والخيانة سببها قصر وقت الإفطار، تختانون أنفسكم، ولم يقل: تختانون نفوسكم: أنفسكم؛ أي: بعض الأنفس قامت بالخيانة، ونفوسكم تعني كلّ النفوس.
{فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} : {فَتَابَ} : الفاء: للتعقيب، والتّرتيب، تاب عليكم: شرع لكم التّوبة أوّلاً، فتوبوا ثانياً، ثمّ يقبل منكم توبتكم التّوبة ثالثاً، {وَعَفَا عَنكُمْ}: العفو هو ترك العقوبة عن الذّنب؛ أي: لا يعاقبكم على هذه الخيانة.
{فَالْـئَانَ بَاشِرُوهُنَّ} : المباشرة تعني: الجماع.
{وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} : الآن بعد نزول هذه الآية التمسوا ما كتب لكم: مما يقع دون الجماع بين الزّوجين، أو ما كتب الله لكم من الولد، أو ليلة القدر؛ أي: لا يشغلكم الرّفث عن ابتغاء ما كتب الله لكم من ليلة القدر والاعتكاف، أو أعمال البر، والتّقوى، وقراءة القرآن والتراويح، وما كتب لكم: أي: فرض لكم من الإباحة.
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} : لم يقتصر التّرخيص الرّباني بالسّماح بالرّفث فقط، بل شمل كذلك الأكل والشّرب حتّى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، لا يعني ذلك أن نأتي بخيط أسود، وأبيض، وننظر إليهما، ومتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود فتتوقف عن الأكل والشرب والجماع.
وإنما المقصود بالخيط الأبيض هو علامة ظهور الشفق الأحمر، أو الطيف الأحمر الذي هو أطول ألوان الطيف المرئي المتكون من سبعة ألوان، وهي: الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والبرتقالي، والنيلي، والبنفسجي، فظهور الشفق الأحمر، أو الطيف الأحمر. هذا يدل على دخول وقت الفجر، ولكن من الصعب تحرِّيه، أو إدراكه فأبدله الله -جل وعلا- بظهور النور الأبيض (الخيط الأبيض) الذي هو ناتج عن وقوع أو امتزاج ألوان الطيف السبعة بالطبقة الغازية المحيطة بالأرض (الطبقة المضيئة) مما يعطينا هذا النور الأبيض الدال على دخول الفجر؛ أي: أول ما يتبين من بياض النهار.
والخيط الأسود: ما يبقى من سواد الليل؛ كأنه خيط محدود رقيق ينتشر؛ أي: يتبين لكم بياض النّهار من سواد الليل، ثم: لا تفيد التراخي في الزمن، وإنما لتباين الفضل بين الأكل والشرب، وفضل الصّيام.
{أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} : أي: أتموا الصّيام من الفجر {إِلَى الَّيْلِ} : أي: غروب الشّمس.
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ} : {وَلَا} : لا: النّاهية.
{تُبَاشِرُوهُنَّ} : كناية عن الجماع، أو الرّفث، وتعني: التقاء البشرتين.
{وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ} : في زمن الاعتكاف من عكف على الشّيء؛ أي: لزم الشّيء، وداوم عليه، والاعتكاف: سنة، ويعني: لزوم المسجد للعبادة، وطاعة الله، وخاصة في العشر الأواخر من رمضان.
{فِى الْمَسَاجِدِ} : جمع مسجد، والمسجد المكان الّذي تقام فيه الصّلوات الخمس، وللاعتكاف أحكامه. ارجع إلى كتب السّنة، فالمعتكف لا يحل له أمر الجماع، ولا ما يتصل بالجماع، حتّى يخرج من اعتكافه، فالجماع يبطل الاعتكاف.
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} : {تِلْكَ} : اسم إشارة يفيد البعد، وتشير إلى حرمة الأكل والشّرب، والجماع وقت الصّيام.
{حُدُودُ اللَّهِ} : جمع حد، والحد هو الفاصل المانع، والحدود: تشمل المحارم، أو ما أحله الله من الأحكام، فإذا كانت الحدود تعني محارم الله يحذر عندها الله بقوله:{فَلَا تَقْرَبُوهَا} ، وإذا كانت تعني ما أحلَّه الله يحذر عندها الله سبحانه بقوله:{فَلَا تَعْتَدُوهَا} ، وقوله:{فَلَا تَقْرَبُوهَا} : لا: النّاهية، {تَقْرَبُوهَا}: أي: اجتنبوها، والنّهي عن الاقتراب أشد وأبلغ من النّهي عن التّحريم.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} : أي: كما بين آيات الصّيام مثل ذلك يبين سائر آياته الأخرى في العبادات، آياته، ولم يقل الآيات، إضافة الآيات إليه تفيد التّشريف، والتعظيم لهذه الآيات.
{لِلنَّاسِ} : اللام: لام الاختصاص؛ أي: خاصة بالناس. ارجع إلى الآية (21) للبيان.
{لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} : لعل: للتعليل، {يَتَّقُونَ}: ارجع إلى الآية (183) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 188]
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم} : الواو: استئنافية، {وَلَا}: النّاهية، {تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم}: أي: لا تأخذوها، والأكل هنا معناه الأخذ والاستيلاء عليها من دون حق، ولماذا استعمل لا تأكلوها بدلاً من لا تأخذوها؛ لأنّ عملية الأخذ عندهم أصبحت متكررة كعملية الأكل المتكررة ثلاث مرات باليوم، أو أكثر، وعدم الشّبع الّذي يقابله الجشع والطّمع.
{بَيْنَكُم} : الخطاب موجه إلى الجميع بلا استثناء.
{بِالْبَاطِلِ} : هو كلّ ما لم يُبيح الشّرع أخذه، أو أكله، وإن طابت به النّفس، والباطل هو الزّائل الّذي لا يدوم كالرّبا، والميسر، وثمن الخمر، والرّشوة، وشهادة الزّور، واليمين الكاذبة، والسّرقة، والخيانة، والغش والغصب، وأكل مال اليتيم، والباء: للإلصاق، باء السّببية؛ أي: لا يأخذ، أو يأكل بعضكم مال بعض، وفي قوله:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} : تعني أيضاً: لا تأكلوها أنتم، ولا تدخلوها في بطون من تعولون.
{وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} : تدلوا: مأخوذة من أدلى دلوه ليملأها بالماء من البئر؛ أي: أنزل الدّلو، ودلوتها تعني: إذا أخرجتها، والحبل الّذي يعلق به الدّلو يسمى الرّشاء، والرّشوة مأخوذة من الرّشاء: لترشوهم بها؛ لكي يقضوا لكم بالباطل؛ لتأكلوا أموال النّاس بالباطل. وقيل: هذه هي آية الرّشوة في القرآن.
تدلوا بها: ترجع إلى الأموال والخصومات، وما تدلون به من الحجج الباطلة في المحاكم ودور القضاء، إلى الحكام الّذين يشرعون الأحكام الوضيعة، والقوانين المادية، ويتركون شرع الله، والحكام الّذين يقبلون أخذ الرّشاوى مثل القضاء، وولاة الأمور، ومن يعملون في محاكم الدّولة، ومديرو الدوائر، تدلوا بها إلى الحكام ليقضوا لكم بالباطل، والظّلم، والحيف.
{لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} : {لِتَأْكُلُوا} : اللام: لام التّعليل، أو التّوكيد؛ أي: ليأخذوا، {فَرِيقًا}: قسماً، أو شيئاً من أموال النّاس. ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة للبيان.
{بِالْإِثْمِ} : أي: بالظّلم وشهادة الزّور، واليمين الكاذبة، والإثم: الجرم كائن ما كان، والإثم (الذّنب العظيم)، والباء: للإلصاق؛ تعني: عمداً. ارجع إلى سورة الأعراف آية (33) للبيان.
{وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} : أنكم آثمون، وهذه مبالغة في الجرأة، والمعصية على الإثم، وعلى الباطل، أو أنكم تعلمون حرمة هذه الأمر، ومع ذلك تقوموا بها، انتبه لتأكلوا الأولى بالباطل، والثّانية بالإثم، وتفيد التّوكيد في الحرمة.
سورة البقرة [2: 189]
سبب النّزول: قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في رجلين من الصّحابة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتّى يمتلئ ويستوي ويعظم، ثمّ لا يزال ينقص ويدق حتّى يعود كما كان.
{يَسْـئَلُونَكَ} : بصيغة المبني للمجهول، لا يهم من هم السّائلين هنا، المهم هو السّؤال، وجاء بصيغة المضارع كأنّهم يسألون الآن؛ لأهمية السّؤال. ارجع إلى الآية (215) من نفس السورة لمزيد من البيان عن معنى كلمة يسألونك.
{عَنِ الْأَهِلَّةِ} : جمع هلال: وهو ما يبدو دقيقاً من حجم القمر في بداية الشّهر القمري، وسمي هلالاً؛ لأنّ الإنسان ساعة يراه يهل؛ أي: يرفع صوته بالتّهليل، بالقول: لا إله إلَّا الله.
الأهلة تعني: تغيرات حجم القمر خلال الشّهر. ارجع إلى سورة ياسين آية (39) لبيان معنى الأهلة.
{قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} : قل لهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم: {هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} : جمع ميقات، مشتقة من الوقت؛ أي: الزّمن، فبالأهلة يعرف النّاس بدء الشّهر، ومنتصفه، وآخره، ورمضان، وموسم الحج، والأشهر الحرم، والهلال ميقات الشّهر، والميقات ظرف زمان، أو ظرف مكان.
{لِلنَّاسِ} : اللام: لام الاختصاص، النّاس: ارجع إلى الآية (21) لمزيد من البيان.
وبالنسبة للحج الميقات الزماني هو: الزمن الّذي يُحرم فيه الحاج للحج والعمرة «الحج أشهر معلومات تبدأ من أوّل يوم عيد الفطر، والجمهور حددها بشهرين وعشرة أيام» ، والميقات المكاني: الموقع، أو الأرض الّتي يحرم فيها الحاج للحج والعمرة، وقد حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس مواقيت، وهي مواضع الإحرام، كما في حديث الصحيحين، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، ولمن كان مقيماً بمكة ميقاته الحرم في الحج، أو الجعرانة، أو التنعيم في العمرة.
{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} : السّؤال هنا ما وجه الصّلة في هذا الشّطر من الآية وما قبلها، هم يسألون عن الأهلة، وأجابهم إلى ذلك فقال هي مواقيت للناس والحج، انتهى السّؤال والجواب، قيل: هذا من باب الاستطراد في القرآن، أراد الله سبحانه أن يسألهم بالمقابل أو بالمناسبة لما تدخلون البيوت من ظهورها أيام الإحرام للحج.
وقال المفسرون: كان النّاس في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل بستاناً، ولا بيتاً، ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل مكة نقب نقباً في ظهر بيته، منه يدخل ومنه يخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد فيه، وإن كان من أهل الخيام خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب، حتّى يحل من إحرامه، ويرون ذلك ذمّاً، إلَّا أن يكون من الحُمْس: وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النّضير بن معاوية، سمّوا حمساً لشدتهم في دينهم.
قالوا: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على إثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لِمَ دخلت من الباب وأنت محرم؟» ، فقال: رأيتك دخلت من الباب، فدخلت على إثرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إني أحمسيّ» ، قال الرّجل: إن كنت أحمسيّاً فإنّي أحمسيّ، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله هذه الآية، رواه ابن أبي حاتم، والحاكم عن جابر.
الحُمْس: جمع أحمس من الحماسة، وهي الشّدة، والصّلابة؛ لتشدُّدهم في الدّين، فهم كانوا يظنون أنّ دخول البيوت من ظهورها هو من التّقوى والطاعة والبر، وهو في الحقيقة من أعمال الجاهلية، فنزلت هذه الآية لتدلَّهم على البر الحقيقي.
فقال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} : ولكن {الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} : أي: أطاع أوامر الله، واجتنب نواهيه، وعاد وأكَّد عليهم بدخول البيوت من أبوابها، قال:{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} .
{وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : أي: أطيعوا الله بما أمر به ونهى عنه، {لَعَلَّكُمْ}: للتعليل، {تُفْلِحُونَ}: أي: لتفلحوا في دنياكم وآخرتكم، {تُفْلِحُونَ}: ارجع إلى الآية (5) من سورة البقرة.
ومما يلفت النّظر قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ} : جاءت كلمة البرُ مرفوعة وجاءت مرفوعة؛ لأنّها جاءت اسم ليس، أما في قوله:{لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} : فالبرُّ هنا خبر (ليس) المقدَّم المنصوب، وتفسير آخر ليس البرُّ: جاءت بالرّفع؛ لأنّهم يظنون أنّهم يعرفون ما هو البر، وهم لا يعرفونه، أو للفت الانتباه إلى أن ما يعملونه من دخول البيوت من ظهورها هو خطأ، واللهُ أعلم.
سورة البقرة [2: 190]
سبب نزول هذه الآية: قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} الآية قال ابن عبّاس رضي الله عنهما فيما أخرجه الواحدي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صُدَّ عن البيت هو وأصحابه، نحر الهَدْي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثمّ يأتي القابل، على أن يُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام المقبل، تجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشّهر الحرام في الحرم، فأنزل الله:{وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} : يعني قريشاً.
{وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : أي: جاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصر دينه، من المفسرين من قال: أنّ هذه الآية هي أوّل آية نزلت في القتال بالمدينة المنورة، ومنهم من قال: أنّ أوّل آية هي قوله تعالى في سورة الحج الآية (39): {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} ، ثم نزلت آية:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36].
{الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} : أي: في الأشهر الحرم، أو المسجد الحرام، أو غيرها، وأكد قتالهم بزيادة النّون في كلمة يقاتلونكم فقط، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.
{وَلَا تَعْتَدُوا} : بابتداء القتال، أو المفاجأة، أو لا تعتدوا بقتال النّساء، والشّيوخ، والصّبيان، والّذين بينكم وبينهم عهد.
{إِنَّ اللَّهَ} : إنّ للتوكيد.
{لَا يُحِبُّ} : لا: النّافية، المعتدين. ارجع إلى سورة الحج آية (39) لبيان معنى الجهاد والقتال في سبيل الله والفرق بين الجهاد والقتال.
سورة البقرة [2: 191]
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} : حيث ظرف مكان وزمان، واقتلوهم في أي مكان وزمان بشرط أن تثقفوهم: تستعمل في سياق الحرب أو القتال والمعاداة، وتثقفوهم: من ثقف الرّجل؛ أي: تمكن منه حيث وجده؛ أي: تجد العدو، وأنت متمكن على قتله، أو أسره، أو هزيمته فقد تجده وأنت غير قادر عليه، فهناك فرق بين حيث وجدتموهم «مجرد أن تجده سواء كنت قادراً عليه أم لا» ، وبين ثقفتموهم «تجده وأنت قادر على قتله وهزيمته»؛ إذن ثقفتموهم: تستعمل في حال الحرب، أو قتال العدو، أو الخصومة؛ وجدتموهم: تستعمل في غير هذه الحالات. ارجع إلى سورة الحج آية (39) لمعرفة معنى القتال والجهاد.
{وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} : أي: من مكة، وقد فعل بهم ذلك عام فتح مكة.
{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} : الفتنة: هنا تعني الشّرك أي: ارتداد المؤمن إلى الشّرك بسبب «الفتنة» ؛ أي: اضطهادهم إياه أشد عليه من أن يقتل، وبقاؤهم على الشّرك أعظم من قتلكم إياهم، والفتنة أي: الشّرك أعظم من القتل في الحرم، والفتنة: لها معان أخرى مثل التّشريد، والنّزوح من الدّيار، والاضطهاد أشد من القتل.
{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} : {وَلَا} : النّاهية، {تُقَاتِلُوهُمْ}؛ أي: المشركين عند المسجد الحرام لحرمته، {حَتَّى}: حرف غاية ونهاية، {يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ}: أي: إذا بدؤوا بقتالكم واجترؤوا عليكم، فعندها عليكم بقتالهم، {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} كذلك؛ أي: مثل هذا القتل والإخراج هو جزاء الكافرين.
سورة البقرة [2: 192]
{فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
{فَإِنِ} : الفاء: عاطفة، وتعني: التّرتيب والتعقيب والمباشرة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك «أن ينتهوا» .
{انتَهَوْا} : عن الشّرك، والكفر، والفتنة، وقتالكم، وأسلموا.
{فَإِنَّ} : الفاء، وإن: للتوكيد.
{اللَّهَ غَفُورٌ} : صيغة مبالغة يستر ذنوبهم ولا يفضحهم. ارجع إلى الآية (173) من سورة البقرة.
{رَحِيمٌ} : لأنّه يعفو عنهم ويغفر لهم. ارجع إلى الآية (173) من سورة البقرة.
سورة البقرة [2: 193]
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} : الفتنة: هنا الشّرك، كما قال ابن عبّاس وغيره، فهذه الآية تأمر المؤمنين بقتال المشركين «كفار مكة» حتّى لا يبقى في مكة من يضطهد في دينه، ويتعرض للفتنة والتّعذيب كي يرتد عن دينه، أو من يصد عن سبيل الله أي: الإسلام. ارجع إلى سورة الحج آية (39) لبيان معنى القتال والجهاد.
{وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} : فلا يُعبد غيره.
{فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} : انتهوا عن الشّرك، وأسلموا فلا عدوان؛ إلَّا على من اعتدى عليكم، وبقي على شركه وظلمه.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية وقارناها بالآية (39) من سورة الأنفال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} : ترى الاختلاف هو زيادة كلمة (كلُّهُ) في الأنفال، وحذفها في آية سورة البقرة، وهذا يعود إلى أنّ آية الأنفال تشمل قتال كلّ الكفار «ولذلك زاد كلّه» بينما آية البقرة محصورة في قتال كفار مكة فقط، وقد نزلت آية البقرة أولاً في السنة الأولى من الهجرة، وحثت على قتال كفار مكة، ونزلت آية الأنفال بعد آية البقرة بعد غزوة بدر وقتل كثير من صناديد قريش فحثت الآية على قتال الكفار جميعاً، أمّا نهاية آية البقرة، فلا عدوان إلَّا على الظّالمين ردّاً على قوله سبحانه:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} : إذن فلا عدوان إلَّا على الظّالمين، أما نهاية آية الأنفال، {فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} بعد اقتلاع الفتنة، فإن أسلموا كان خيراً، وإن لم يسلموا:{لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ} ، {اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
سورة البقرة [2: 194]
المناسبة: أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم أقبل هو وأصحابه، ومعهم الهدي معتمرين فصدهم المشركون فصالحهم الرّسول على أن يرجع عنهم، ثمّ يعودوا في العام القادم، وهو صلح الحديبية، فلما رجع رسول الله مع أصحابه افتخر المشركون؛ إذ ردُّوه يوم الحديبية، ومنعوه من دخول مكة في ذلك العام، فأقصه الله منهم، وأدخله مكة في الشّهر الّذي ردُّوه فيه من العام المقبل.
{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} : أي: إذا قاتلوكم في الشّهر الحرام «اسم جنس» يعني: الأشهر الحرم فقاتلوهم في الشّهر الحرام، أو الأشهر الحرم والباء للإلصاق.
{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} : الحرمات جمع حرمة، والحرمة ما منع الشّرع من القيام به، والقصاص بمعنى المساواة. ارجع إلى الآية (179) من سورة البقرة للبيان، فمن جرح جرح بمثل ما جرح به، ومن قتل قتل بمثل ما قتل به، وإذا صدوكم عن الدخول إلى المسجد الحرام في ذي القعدة من العام الماضي، فأنتم داخلون المسجد الحرام في ذي القعدة من العام المقبل.
{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} : فمن: الفاء: للتأكيد، من: شرطية، اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل «بمقدار وبنفس الطّريقة» الّتي اعتدى بها عليكم.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أي: أطيعوا أوامره، وتجنبوا نواهيه.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ} : للتوكيد.
{مَعَ الْمُتَّقِينَ} : بالعون والنّصر.
هذه الآية: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} : تشابه الآية: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل: 126]، وكذلك الآية:{وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشّورى: 40].
سورة البقرة [2: 195]
{وَأَنْفِقُوا} : من الإنفاق هو إخراج المال من الملك؛ فإن لم يملكه لا يُعد إنفاقاً.
{فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : أي: الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة، وإعزاز دينه يحتاج إلى الإعداد له بالمال والنّفس، فلا بد من الإنفاق في سبيل الله «لشراء السّلاح والعتاد والإنفاق على المحاربين وكلّ ما تحتاجه الحرب
…
».
{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} : الباء: للإلصاق والتّوكيد، بأيديكم أي: بأنفسكم، ذكر الجزء وإرادة الكلّ.
{إِلَى التَّهْلُكَةِ} : إلى الموت والهلاك، أو العذاب بترك ما فرضه الله عليكم من فرائض مثل ترك الإنفاق في سبيل، أو ترك الجهاد، ضد العدو؛ مما يؤدي إلى نيل العدو منكم وإهلاككم، أو اليأس من رحمة الله، وقتل أنفسكم، ولا تعني عدم الجهر والصّدع بالحق في وجه الحاكم الظّالم.
{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} : أحسنوا من الإحسان في العمل والنّفقة كماً وكيفاً. ارجع إلى الآية (112) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
{إِنَّ} : للتوكيد، {يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: الّذين أصبحت صفة الإحسان عندهم ثابتة.
سورة البقرة [2: 196]
مقدِّمة: كان الحج معروفاً منذ زمن إبراهيم عليه السلام ، وبقي في عهد كلّ الأنبياء من بعده، وكان الحج مشوباً بأعمال الشّرك والبدع، وانتبه إلى أنّ هذه الآية:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} : نزلت في السّنة السادسة من الهجرة، وفيها معنى الإتمام إذا شرع في القيام بالحج والعمرة سابقاً، ويحب الإتمام، ولكن هذا الشّروع في الحج والعمرة لم يُبين، أو تعني عليكم بأداء الحج والعمرة، والإتيان بالأركان والشروط كاملة والمناسك، كما سنرى.
ولما نزلت الآية: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} : في السّنة التّاسعة من الهجرة دلَّت على فرض الحج ووجوبه، ولم يبادر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج في السّنة التّاسعة «سنة نزول هذه الآية» ؛ لأنّ المشركين كانوا لا يزالون يحجون في ذلك العام، وكانوا يطوفون عراة، كما سنرى في سورة الأنفال الآية (35).
ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وعليّاً بالذّهاب في ذلك العام، وإنذار المشركين بأنهم لن يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي: العام التّاسع، كما جاء في قوله:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 27].
{الْحَجَّ} : في اللغة القصد، وفي الشّرع: التّعبد لله سبحانه وتعالى بأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وَالْعُمْرَةَ} : في اللغة: الزّيارة، وفي الشّرع: التّعبد لله بالطّواف بالبيت، وبالصّفا والمروة، والحلق، أو التّقصير.
والحج فرض بالكتاب والسّنة، وإجماع المسلمين، ومنزلته في الدّين أنه أحد أركان الإسلام، واجب مرة واحدة في العمر لمن توافرت له شروط الوجوب.
والعمرة: اختلف العلماء هل هي واجبة، أو سنة، والّذي يظهر أنّها واجبة.
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} : {وَأَتِمُّوا} : اختلفوا في معنى إتمامها، فقالوا الإتمام:
ـ هو أن يتمهما بمناسكهما، وحدودهما، وسننهما هو قول ابن عبّاس رضي الله عنهما وغيره.
ـ أتموها بإخلاص دون قصد دنيوي من تجارة، أو حاجة أخرى.
ـ أتموها أي: إذا شرع في أحدهما العمرة والحج لم يفسخه حتّى يتم وإذا نسي شعيرة يأتي بها.
ـ قد يعني إتمامهما التّمتع يقوم بالعمرة ويتمها، ويتحلل، ثمّ يحرم من مكة، ويتم الحج.
{لِلَّهِ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، خالصة لله وحده.
{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ} : الإحصار: أي: عرض لكم شيء يكون سبباً لفوات الحج، أو مانعاً يمنع من الوصول إلى البيت الحرام، والإحصار بسبب أمر عارض مفاجئ غير متوقع بسبب عدو أو خطر، أو عدم الأمن، أو الإرهاب، أو انتشار مرض معدٍ أو وباء، وأما إذا كان بسبب الحبس يقال عندها حُصرتم؛ فالحصر: هو الحبس مع التضييق.
{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} : إن: شرطية تفيد الشّك في وقوع ذلك. {أُحْصِرْتُمْ} : من الأحصار؛ أي: منعتم من إتمام الحج والعمرة عندها تحلَّلوا وعليكم ما استيسر من الهدي.
{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، {الْهَدْىِ}: ما يتم ذبحه تقرباً من الله، أو كفارة عما حدث من خطأ، والهدي: قد يكون من الإبل، أو البقر، أو الغنم يذبح ويفرَّق على الفقراء.
{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ} : أي: لا يجوز حلق الرّأس، أو التّقصير حتّى ينتهي من عرفات، ومزدلفة، وينزل إلى منى يوم العيد، وأما في حالة الإحصار والمنع من الوصول إلى مكة، وإتمام مناسك الحج فعندها ينحر هديه في مكان الإحصار، وهو الرّأي الغالب.
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} : أي: من تحلل من الإحرام بسبب مرض، أو أذى من رأسه «آفة أو قمل
…
» عليه فدية وهو مخيَّر بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام (6) مساكين، أو نسك «هدي؛ أي: ذبيحة»، هذه الثّلاثة الأمور مرتبة ترتيباً تصاعدياً حسب الطّاقة، والاستطاعة.
فالصّيام لا يتعدَّى النّفع فيه إلى الغير، وأما الصّدقة فمحدودة بـ (6) مساكين، أما النّسك أو الذّبيحة فينتفع بها الجميع، أمّا الذّبح فيتم في مكة، وفي أيامنا هذه لا يقوم الحاج بالذّبح، بل يكلف الجمعية المخصصة لهذا العمل بالقيام به، وهو فقط يدفع الثّمن، وهنا حذف المعطوف، وأصل الآية فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه فحلق ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
{فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ} : فإذا: الفاء: للتوكيد، إذا: شرطية تدل على حتمية الحدوث، {أَمِنتُمْ}: من العدو، أو الإحصار «أو انتهى الإحصار» ، {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}: أي: وأتم العمرة، وتحلل بعدها «هذا يسمى التّمتع» ، ويبقى في مكة متمتعاً إلى يوم التّروية «اليوم الثّامن» بدء أعمال الحج فعليه ذبح هدي يذبحها يوم النّحر، «ويتم هذا عن طريق الدفع للجمعيات المسؤولة، كما ذكرنا» .
{فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} : {فَمَنْ} : الفاء: عاطفة، من: شرطية، لم يجد هدي «أو ثمنه» عندها يصوم ثلاثة أيام في الحج قبل يوم التّروية «أي: قبل اليوم الثّامن»، وسبعة أيام بعد العودة إلى بلاده، وقوله تعالى: تلك عشرة كاملة: إشارة إلى الثّلاثة والسّبعة، ونحن نعلم أنّ (3+7=10) للتأكيد على فعل ذلك، إذن صيام (10) أيام يعادل كمن ذبح، والأجر واحد.
{ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} : {ذَلِكَ} : اسم إشارة؛ يعني: صيام عشرة أيام (ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم)، لمن كان من غير أهل مكة «أهله حاضري المسجد الحرام؛ أي: مقيمين بمكة»، أما إن كان من أهل مكة، وتمتع بالعمرة، أو أقرن بالحج فليس عليه هدي، ولا صيام، وحدود المسجد الحرام تقدر بـ (12) ميلاً، فمن أقام داخل هذه المسافة لا يلزمه ذبح، ولا صوم؛ لأنّ المقيمين حول المسجد الحرام «أهل مكة» ، طوافهم دائم، وهذا يغنيهم عن العمرة.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} : {وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه، {وَاعْلَمُوا}: علم اليقين، {أَنَّ اللَّهَ}: للتوكيد، {شَدِيدُ الْعِقَابِ}: العقاب من التّعقيب، والعقاب هو الجزاء على الجرم، أو المعصية، أو الذّنب، والعقاب يحدث بعد الذّنب مباشرة يعاقب عليه في الدّنيا، أما العذاب فقد يؤخر إلى الآخرة، أو يحدث في الدّنيا؛ لماذا هذا التّهديد؛ لأنّ هناك من يتقاعس، أو يحاول التّعجل عن إتمام حجه، أو عمرته مستوفياً لكلّ مطلوبات المشرع في الحج والعمرة.
سورة البقرة [2: 197]
انتبه إلى النّسق والتّرتيب القرآني بعد أن تكلم عن الأهلة «مواقيت للناس إلى الحج» ، ثم الصّيام، ثمّ الحج، وذكر خلال ذلك القتال في الأشهر الحرم يتابع ذكر الحج.
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} : {الْحَجُّ} : تعريفه، ارجع إلى الآية السّابقة.
{أَشْهُرٌ} : جمع قلة وهي: شوال، وذي القعدة، وذي الحجة؛ أي: الحج أشهر ثلاثة.
{مَّعْلُومَاتٌ} : عند النّاس «ومنهم العرب» ؛ لأنّ الحج كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، والحج أشهر معلومات؛ أي: أفعال الحج لا تصلح إلَّا فيها، فلا تبديل، ولا تأخير، كما كان يفعل أهل الجاهلية، ولم يقل الحج في أشهر معلومات: لكان الحج يمكن أن يصح في كل يوم من هذه الأشهر.
{أَشْهُرٌ} : جمع شهر، وأقل الحج ثلاثة، فهي ثلاثة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
{مَّعْلُومَاتٌ} : جمع معلومة «مؤنث معلوم» ، اسم مفعول من علم يعلم؛ أي: وأشهر الحج لا تنتهي إلَّا في ثلاثين من ذي الحجة؛ أي: أن لا يخرج شهر ذو الحجة وعليه شيء من أعمال الحج.
{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ} : الفاء: عاطفة للتوكيد، من: شرطية، وجواب الشّرط {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} .
{فَرَضَ فِيهِنَّ} : نوى، ولبى، ولبس ثياب الإحرام.
{فَلَا رَفَثَ} : الجماع، وقيل: الفحش، والقول القبيح، والحديث عن الوطء. ارجع إلى الآية (187) للبيان.
{وَلَا فُسُوقَ} : الخروج عن طاعة الله، وارتكاب المعاصي «بترك واجب، أو فعل حرام» . ارجع إلى الآية (26) من نفس السورة لمزيد من البيان، وإلى سورة المائدة آية (3) لمعرفة الفرق بين الفسوق والفسق.
والفسوق: ممنوع في كل وقت، وامتناعه أشد في الحج، والبيت الحرام.
{وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ} : حوار بين طرفين تحصل فيه مشادة كلامية، وخصومة، والتعالي على الخصم، وأحياناً السباب.
وتكرار: {وَلَا} ثلاثة مرات تفيد التّوكيد توكيد النّهي عن عمل أي واحدة منهن الثّلاث، أو كلهن: الرّفث، والفسوق، والجدال.
{وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: شرطية تفيد الإطلاق، والشّمول.
{مِنْ} : استغراقية تشمل أي خير.
{خَيْرٍ} : نكرة مهما كان صغيراً، أو كبيراً، والخير: يشمل كل أنواع الطّاعات والذّكر: الصّدقة، والعفو، والصّفح، والكلام الطّيب، ومساعدة الحاج، والصّبر، والنّظافة.
{يَعْلَمْهُ اللَّهُ} : وذكر يعلمه الله للتوكيد، والحث على فعل الخير، وتجنب الدّفع والزّحام والانتظار، فالله يعلم الشّيء قبل أن يقع، ومنذ الأزل، والخير هو الشّيء الحسن النّافع، يعلمه الله؛ أي: فيجازيكم به.
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} :
سبب نزول هذه الآية: كما روى البخاري عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : كان أهل اليمن يحجون بلا زاد؛ أي: قوت، ويقولون نحن متوكلون؛ فإن قدِموا مكة سألوا النّاس الزاد، والمركب، وأصبحوا عالةً، وكَلّاً على الآخرين، فأنزل الله هذه الآية.
والعبرة هنا بعموم اللفظ، وليس بخصوص السّبب؛ أي: تزودوا: بالمال، والطّعام، ووسيلة النّقل، وكل شيء تحتاجونه في سفركم، ولا تسألوا النّاس أشياءهم، وتزودوا فيما وراء الزّاد الدّنيوي بزاد الآخرة وهو التّقوى، أو اتخذوا التّقوى زادكم، فإنّها خير زاد «تشبيه بليغ» .
{وَاتَّقُونِ} : الواو: استئنافية، اتقون: أطيعوا أوامري، واجتنبوا نواهيّ، أصله اتقوني «الياء محذوفة»؛ أي: اتقون ما استطعتم ومهما كانت لن تكون تقوى كاملة، أو تدل على قلة عدد المتقين مقارنة بعدد الكفار.
{يَاأُولِى الْأَلْبَابِ} : المخلصين الموحِّدين الّذين أنابوا إلى الله، والّذين يستمعون القول «القرآن» ، فيتبعون أحسنه «المحسنين» ، انظر في سورة الزّمر آية (17-18)؛ لتعريف أولو الألباب، {يَاأُولِى} أصحاب، اللّب باطن العقل، المؤمنين ذوي العقول النّيرة حكماء الأمة. «المخلصين الموحِّدين» ارجع إلى (179) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 198]
{لَيْسَ} : فعل ماض ناقص، نفي للحال، أو غير مقيدة بزمن للماضي، والاستمرار والاستقبال.
{عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} : أي: إثم، {جُنَاحٌ}: من جنح؛ أي: مال عن القصد، وسمي الإثم جناح للميل فيه من الحق إلى الباطل.
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التّوكيد.
{تَبْتَغُوا} : من الابتغاء هو الطلب والالتماس.
{فَضْلًا} : عطاءً ورزقاً، «بتجارة، أو بيع، أو شراء، أو إجارة، أو تقديم الخدمات، أو شراء الهدايا» .
{فَضْلًا} : جاءت نكرة؛ لتشمل كل أنواع الفضل «الزّيادة» .
{مِنْ رَّبِّكُمْ} : أي: أنّ الفضل والرّزق كله من عند الله، وإياكم أن تقولوا: إنّ تقديم الأسباب وحده كافٍ، فلا بد من التّوكل على الله وحده.
{فَإِذَا} : الفاء: للتأكيد، إذا ظرفية زمانية تتضمن معنى «حين» ، وتدل على حتمية الحدوث، أو كثرته؛ أي: الإفاضة.
{أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} : أصله أفضتم أنفسكم؛ أي: دفعتم من عرفات، فترك ذكر المفعول «أنفسكم» .
واستبدلت بأفضتم: من الإفاضة، وهي دفع بكثرة تشبيهاً بفيض الماء الكثير، وفاض الماء إذا سال منصباً، فكأنّ عرفات إناء قد امتلأ، وكأن الدّفع من عرفات سيل فتدفق، وهكذا دوماً تكون الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس من اليوم التّاسع من ذي الحجة.
{مِّنْ عَرَفَاتٍ} : بعد الوقوف بها، والّذي هو فرض، أو ركن من أركان الحج، إلى مزدلفة، وعرفات: اسم علم من ملحقات الجمع المؤنث السّالم، واسم المكان الّذي يقف فيه الحجاج يوم التّاسع من ذي الحجة؛ أي: المكان الفسيح، ولا يعني جبل الرّحمة الّذي يقف عليه بعض الحجاج فقط.
وقيل في معنى عرفات أقوال مختلفة تنسب إلى مكان لقاء آدم بحواء بعد هبوطهما من الجنة.
{فَاذْكُرُوا} : الفاء: للتعقيب، والتّرتيب.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} : {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} : أي: بالتلبية، والتّكبير، والتحميد، والصّلاة فيه المغرب والعشاء جمعاً، والفجر، والدّعاء عند المشعر الحرام في مزدلفة.
وقيل: هو جبل قزح، وقيل: ما بين جبلي المزدلفة من مضيقي عرفة ووادي محسر.
وسمي المشعر الحرام: من الشّعار وهو العلامة؛ لأنّه من معالم الحج، وصف بالحرام: لحرمته.
{وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} : كما الكاف للتشبيه، وما: المصدرية.
وبعضهم قال: للتعليل؛ أي: اذكروه لهدايته إياكم إلى معالم دينه ومناسك حجه، وكيف تحجون، وتكرار واذكروه: للمبالغة عن أهمية الذّكر في أيام الحج، وعند تلك المشاعر، وتعني: المواصلة في الذّكر.
{وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} : {وَإِنْ} : الواو: استئنافية، إن: مخففة تفيد التّوكيد، {كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ}:«ها الضّمير هنا» تعود على الهدى، وهو القرآن، أو الإسلام، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ترجع إلى كل ذلك معاً.
{لَمِنَ} : اللام: لام الاختصاص، من: ابتدائية. {الضَّالِّينَ} : جمع ضال، والضّلال هو الانحراف، والبعد عن الهدى، وسواء كان ضلال في الاعتقاد، أو ضلال في العمل، أو غيره.
والضّالين: جمع ضال، اسم فاعل من ضل، والضّالين: جملة اسمية تدل على ثبوت صفة الضّلال عندهم، والضّالين الّذين جهلوا الحق فضلوا، وقد يضلوا غيرهم.
والضّلال سببه الجهل بالحق، وأما الغي: فهو العدول عن الحق بعد معرفته، والضّلال له معان شتى: يعني الهلاك، ويعني: الضياع، والنسيان. يقال: ضل عن قومه؛ أي: ضائع لا يعرف منزله، ويعني: الغيبوبة والاضمحلال، كما في قوله:{وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ} [السجدة: 10]؛ أي: دفنوا وغابوا فيها، وضل الشّيء: خفي، وغاب، وضل المسافر؛ أي: لم يعرف طريقه. فالضلال في الدِّين هو العدول عن المنهج، والصواب، والضّلال قد يكون مقصوداً وبيِّناً؛ أي: يعرف المنهج وينحرف عنه، أو غير مقصود؛ كمن ينسى، أو يسهو، والضّلال إما يقتصر على صاحبه، أو يتعدَّى صاحبه فيضل غيره، وبذلك يكون قد أضلَّ ذاته (إضلال النفس)، كقوله:{وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ} [آل عمران: 69].
سورة البقرة [2: 199]
{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
{ثُمَّ} : ثم: لتباين المرتبة؛ أي: الأفضل الإفاضة من عرفات.
{أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} : الخطاب إلى كل حاج ومنهم أهل مكة وموجَّه إلى الحُمْس وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر، وبن صعصعة، وبنو النضير بن معاوية «سُمُّوا حمساً؛ لشدتهم في الدِّين» ، وظنهم أنّهم أولياء الحرم، ويقومون على حمايته، ولذلك لا يجب عليهم الخروج إلى عرفات، والوقوف فيها؛ فنزلت هذه الآية لتكن أيها الحُمس إفاضتكم من حيث أفاض النّاس؛ أي: من عرفات، ولا تكن من مزدلفة، ويكفي التّرفع على النّاس، والتّعالي عليهم، ولمعرفة معنى النّاس؛ ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة للبيان.
فجاءت هذه الآية لتأمر بالعدل والمساواة بين النّاس، فالكل يجب أن يقف بعرفة «والحج عرفة» ، وبعد ذلك أمرهم بالاستغفار، فقال:
{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} : لمخالفتكم في عدم الوقوف بعرفة في السّابق.
{إِنَّ} : حرف مشبه بالفعل يفدي التّوكيد، الله تعالى.
{غَفُورٌ رَحِيمٌ} : ارجع إلى الآية (173) من نفس السّورة.
سورة البقرة [2: 200]
{فَإِذَا} : الفاء: للتعقيب، إذا: ظرفية زمانية للمستقبل، شرطية تفيد حتمية الحدوث، أو كثرته.
{قَضَيْتُم} : أديتم وانتهيتم «فرغتم» .
{مَّنَاسِكَكُمْ} : أعال الحج هي: الرّمي، والذّبح، والطّواف، والسّعي، والحلق.
{فَاذْكُرُوا} الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} : في منى عند الجمرات.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ} : الذّكر يشمل الذّكر العادي من تسبيح، وتكبير، وتهليل، وتحميد، والذّكر يعني: الدّعاء، والصّلاة، وقراءة القرآن، أو الاستماع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{كَذِكْرِكُمْ} : الكاف: للتشبيه، كما تذكروا آباءكم، بل أشد ذكراً.
{أَوْ} : تعني: بل.
{أَشَدَّ ذِكْرًا} : اذكروا الله سبحانه وتعالى أكثر من ذكركم آباءكم.
فأراد الله سبحانه أن يبطل عادة الجاهلية بالتّفاخر بالآباء والأجداد في منى بعد الانتهاء من أعمال الحج، وبدأ أيام التّشريق الثّلاثة، بعمل أفضل هو ذكر الله سبحانه بدلاً من ذكر الآباء والأجداد.
{فَمِنَ النَّاسِ} : الفاء: للتفضيل، من: ابتدائية، النّاس؛ ارجع إلى الآية (21) من سورة البقرة.
{مَنْ يَقُولُ} : من: للتبعيض، يقول: أي: يدعو ربه.
{رَبَّنَا آتِنَا} : الإيتاء هو العطاء، ولكن لا تملك في الإيتاء؛ أي: يمكن استرداد ما أعطى، أما العطاء ففيه تملك، ولا يسترد، والإيتاء أعم من العطاء، ويشمل النّواحي المعنوية، والحسية «المادية» أما العطاء فيشمل النّواحي المادية فقط.
{آتِنَا فِى الدُّنْيَا} : المال، والجاه، والوالد، والزوجة، والنّصر، والغيث، وغيرها، ولا يسأل الله تعالى أي شيء من أمور الآخرة فقط يسأله، ويدعو الله في أمور الدّنيا الفانية.
{وَمَا لَهُ} : الواو: عاطفة، ما: النّافية النفي فيها أقوى من النّفي بليس.
{لَهُ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، أو الملكية، والهاء ضمير يعود على الدّاعي.
{فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} : {مِنْ} : استغراقية، {خَلَاقٍ}: حظ، أو نصيب قُدّر له؛ أي: لا شيء. ارجع إلى نفس السورة آية (102) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 201]
{وَمِنْهُم} : الواو: عاطفة، منهم: من ابتدائية؛ أي: ومن النّاس.
{مَنْ} : بعضية.
{يَقُولُ} : يدعو ربه.
{رَبَّنَا آتِنَا} : ولم يقل: يا ربنا؛ لأنّه يعلم أنّ الله قريب جداً، ولا يحتاج إلى يا النّداء الّتي تستعمل للبعد.
{آتِنَا} : ارجع إلى الآية السّابقة.
{فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً} : الحسنة لغة تعني: ما يسرُّ النفس، أو كل ما يستحسنه الإنسان: من صحة، وغنى، وعلم، ومال، وجاه، وولد، وأمن، وزوجة، وخصب، وغيث.
والحسنة شرعاً: تعني: كل ما يستحسنه الشّرع، ويورث ثواباً، وبامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه.
{وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَةً} : مثل المغفرة، والجنة، ورضوان الله تعالى.
{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : نجنا، وجنبا عذاب النّار، وقنا من الوقاية؛ أي: اجعل بيننا وبين النّار حاجزاً، وواق، وهذه هي الصّيغة الأفضل في الدّعاء الّتي تجمع خيري الدّنيا والآخرة معاً، وهذه الآية تعتبر من جوامع الدّعاء الّتي يجب الإكثار منها، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا الدّعاء، كما جاء في الصّحيحين عن أنس.
سورة البقرة [2: 202]
{أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد يدل على بُعد منزلة أولئك الدّاعون ربهم: ربنا آتنا في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة في كل الأوقات، «ولا تنسى السّعي والإيمان المقرون بالعمل الصّالح» ، والدّعاء أخيراً، وكذلك تشمل الّذين أدوا مناسك الحج.
{لَهُمْ نَصِيبٌ} : اللام: للاختصاص، والاستحقاق.
{نَصِيبٌ} : النّصيب هو الحظ المعين المحدد من الأجر، أو الجزاء، أو الثواب من جنس ما كسبوا.
{مِمَّا} : من + ما: ما قد تكون اسم موصول؛ أي: من الّذي كسبوا، أو مصدرية نصيب كسبهم.
{كَسَبُوا} : الكسب عادة يكون في الخير، والاكتساب عادة يستعمل في الشّر «اكتسب على وزن افتعل» ، من خصائص القرآن. ارجع إلى الآية (286) من نفس السورة.
{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} : ارجع إلى الآية (41) من سورة الرعد.
سورة البقرة [2: 203]
هذه هي المرة الرّابعة الّتي ينبه الله سبحانه إلى الذّكر:
1 -
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} .
2 -
{وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} .
3 -
{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} .
4 -
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} .
فيجب أنّ نعلم أنّ ذكر الله يجب أن يكون دائم أيام الحج، واذكروا الله قيل: تعني التكبير بعد الصّلوات حتّى عصر اليوم الثالثّ.
{فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} : أيام معدودات: جمع قلة، أما قوله تعالى: أيام معدودة: جمع كثرة، هي أيام التّشريق الثّلاثة الّتي تبدأ بعد يوم العيد «يوم النّحر» ، وسمِّيت أيام التّشريق نسبة إلى شروق الشّمس، فقد كانوا يضحون، ويأخذوا اللحم، ويضعوه لمطلع الشّمس كوسيلة لتقديده، ولحفظه، وكان هذا في الزمن القديم، والمعدودات جمع قلة؛ لأنّه أقل من عشرة.
{فَمَنْ} : الفاء: للتفصيل من ابتدائية.
{تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ} : فمن رمى الجمرات في اليوم الأوّل، والثّاني من أيام التّشريق وسافر، فلا إثم عليه.
{وَمَنْ تَأَخَّرَ} : رمى الجمرات في الأيام الثّلاثة كلها، فلا إثم عليه.
السّؤال هنا: لماذا قال: لا إثم على الّذي تأخر في يومين بدلاً من الزّيادة في أجره؛ لأنّه أتم الثّلاثة أيام؟
الإثم في هذه الآية، لا علاقة له بالتّعجل، أو بالتّأخر، وإنّما يعود على الإثم الّذي ارتكبه المتعجل، أو المتأخر قبل الحج من تقصير، أو خطأ.
فالمتعجِّل والمتأخِّر كلاهما زالت آثامهما الّتي كانت عليهما قبل حجهما، على شرط الّذي تعجل، أو الّذي تأخر حج، ولم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، وكذلك لا إثم على المتعجل، أو المتأخر بشرط التّقوى الّذي ذكره: لمن اتقى؛ أي: أتم الحج المبرور، واللام في لمن: للتوكيد، والمسألة ليست مسألة زمن يومين، أو ثلاثة، ولكن المسألة مسألة إخلاص، وتقوى، وإحسان في الحج، وتكرار قوله: فلا إثم عليه، مرتين للتوكيد، والإثم: في الأصل التّقصير، ويعني: الذّنب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (33) للبيان.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا أوامر الله، وتجنبوا نواهيه، واستقيموا على ذلك.
{وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} : إليه جار ومجرور والتّقديم بدلاً من قوله: أنكم تحشرون إليه يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده.
{تُحْشَرُونَ} : الحشر هو السّوق والجمع إلى أرض المحشر، إخراج الموتى من القبور، وسوقهم إلى الموقف؛ أي: أرض المحشر، والحشر: لا يكون إلَّا في أمر مكروه، واختيار كلمة تحشرون للتذكير بالزحام في الحج يجب أن يُذكَّر الحاج بيوم الحشر، للاستعداد له.
سورة البقرة [2: 204]
بعد ذكر المتقي الّذي يرجع من حجه المبرور، لا ذنب عليه كمن ولدته أمه، يذكر مقابل المنافق الّذي حجه هو الإفساد في الأرض، وقيل: عن ابن عبّاس أنّ هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ولقب بالأخنس؛ لأنّه خنس ورجع يوم بدر، فلم يقاتل المسلمين مع قريش، وكان ساعة يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر إسلامه، وكان ليِّن الكلام كافر القلب، ويحلف أنَّه يُحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي أحد الأيام خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بزرع وحُمرٌ لقوم من المسلمين، فأحرق الزّرع وقتل الحُمر.
والآية تشمل كل منافق والعبرة بعموم اللّفظ، وليس بخصوص السّبب، فيقول سبحانه:
{وَمِنَ النَّاسِ} : الواو: استئنافية، من: ابتدائية اسم موصول للعقلاء تشمل المفرد، والمثنى، والجمع. النّاس: ارجع إلى الآية (21) من سورة البقرة.
{مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : {مَنْ} : ابتدائية، {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ}: تُسَرُّ لقوله، حلو اللّسان، ليِّن الكلام. والإعجاب هو: انفعال النّفس عند مشاهدة أو رؤية أمر سار غير مألوف.
{فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ؛ أي: إذا تحدث تحدث في أمور الدّنيا، مثل التجارة، والمال، والزّرع، والأكل، والشّرب فقط، ولا يتطرق إلى ذكر الآخرة؛ لكونه لا يعلم عنها شيء، أو لا تهمه، أو يخاف أن يظهر على حقيقته.
{وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ} : أي: يحلف الأيمان الكاذبة حتّى يصدقه النّاس، كما كان يفعل الأخنس يحلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يُحبه والله يشهد على ما يقوله، وما في قلبه.
{وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} : الألد: الشديد الخصومة، وأصل اللّديد هو الّذي لا يمكن صرفه عما يريد؛ أي: أعدى الأعداء؛ لكونه يخدعك، ويبطن خصومته، أما الّذي يُظهر عداوته فهو ليس ألد الخصام؛ لأنّك تحتاط منه، وتبتعد عنه.
سورة البقرة [2: 205]
{وَإِذَا} : ظرف زمان لما يستقبل من الزّمن، ويتضمن معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث، أو كثرته.
{تَوَلَّى} : لها عدَّة معانٍ:
1 -
انصرف أو ذهب بعيداً؛ أي: ابتعد عن النّاس، أو انصرف عن القول الّذي قاله؛ أي: إذا وعد أخلف، أو اؤتمن خان.
2 -
غضب كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما .
3 -
صار والياً من الولاية.
{سَعَى فِى الْأَرْضِ} : سعي: أحدث، أو السّعي بالقدَم؛ أي: السّعي، والمشي الحثيث.
{لِيُفْسِدَ فِيهَا} : اللام للتوكيد؛ أي: بعلم ونية «تعمد» ، ويفسد من الفساد، وأعظم الفساد هو الشّرك بالله، والكفر، والظّلم، ومعاداة الدِّين، والفساد الفكري، وتعريف الفساد: انفلات الفرد، أو المجتمع عن ضوابط الشّرع، والفساد يكون في المعتقد، والسّلوك، والسّحر، والقتل، وأكل الرّبا، ومال اليتيم، والكبائر، والزّنى، والتّلوث البيئي، وقطع الأشجار، وهدم البيوت، وأكل أموال النّاس بالباطل، وغيرها.
{وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} : أي: بالقتل، أو الإحراق، والتخريب، أو التدمير، أو الظّلم والإضلال.
{الْحَرْثَ} : يعني: الزّرع، والحرث: النّساء: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223].
{وَالنَّسْلَ} : الذّرية، والأولاد، قتل الأولاد والنّساء في الحروب والغزوات، أو الحيوان.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} : {وَاللَّهُ} : لفظ الجلالة: قُدم اسم الفاعل الله سبحانه على الفعل؛ للاهتمام والتّعظيم.
{لَا} : النّافية لجميع الأزمنة.
{يُحِبُّ الْفَسَادَ} : الحب: الميل، {الْفَسَادَ}: نقيض الصلاح؛ أي: أن تعمد إلى الصّالح فتفسده؛ ارجع إلى الآية (251) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 206]
{وَإِذَا} : ظرفية زمانية؛ لما يستقبل من الزمان متضمنة معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث، أو كثرته بعكس إن.
{قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} : أي: إذا ظهر من أعماله ما يدل على الفساد في الأرض، وقلت له: اتق الله؛ أي: لا تفعل ذلك، أو خاف الله وعذابه؛ عندها يشعر المنافق، أو يفهم: أنّ ما في قلبه من نفاق قد ظهر، وانكشف.
{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} : العزة: الحَمِيَّة، خلاف الذُّل، والانكسار، ظهرت عليه علامات الحَمِيَّة، والغضب؛ أي: حملته الحَمِيَّة على فعل الإثم الّذي أمر باجتنابه، أو استمر على فعله، ولم يتب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (33) للبيان.
والسّؤال هنا: هل هناك عزة بغير إثم؟
نعم! العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين هي عزة حقيقية، وهناك العزة المذمومة الّتي نحن بسياقها، {الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}: الباء: للإلصاق، والثّبوت.
{فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} : الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والسّرعة، حسبه: يكفيه جهنم فراشاً مهيئاً له. جهنم: هذا الاسم مشتق من كونها بعيدة القعر، وشديدة الغضب والكريهة والمستنكرة والمخيفة.
{وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} : الواو: للتأكيد، واللام: لزيادة التأكيد في لبئس، وبئس: من أفعال الذّم والتّحقير.
{الْمِهَادُ} : جمع مهد، وهو الفراش المريح الممهد للطفل لينام عليه، وهنا تعني: فراش المنافق النّار المهيأة له لكي يستريح فيها، وكما أنّ الطفل لا يستطيع مغادرة مهدِه، وهو عاجز، وغير قادر على المغادرة، وكذلك المنافق يفقد القدرة على الخروج من جهنم، وهذا التشبيه من قبيل التهكُّم.
سورة البقرة [2: 207]
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} :
بعد ذكر صفات المنافق الأخنس بن شريق يذكر لنا هنا صفات الّذي يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، وهو كما قال أكثر المفسرون أمثال صهيب بن سنان الرّومي.
{وَمِنَ النَّاسِ} : من: ابتدائية، النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة للبيان.
{مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ} : من: ابتدائية، اسم موصول للعاقل، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع.
{يَشْرِى} : لها معنيان: باع نفسه ابتغاء مرضات الله، وأخذ عوضها «أي: اشترى» الجنة لنفسه، أو اشترى نفسه؛ أي: النّفس الإيمانية «المؤمنة» ، وضحَّى بالمال في سبيل إبقائها حية.
{ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} : {ابْتِغَاءَ} : طلباً، {مَرْضَاتِ اللَّهِ}: جمع مرضية؛ قلبت الياء ألفاً فأصبحت مرضاة على وزن مفعلة، ومرضاة مصدر ميمي من رضي، وتختلف عن الرضوان، فالرضوان أعظم الرضى، ويخص الله تعالى وحده، وأما المرضاة فقد تكون من الله سبحانه، أو من غيره؛ أي: ليست مختصة بالله وحده؛ أي: طلباً لكل أنواع رضى الله ومحبته.
وسبب نزول هذه الآية: كما قال أكثر المفسرين: أنّ الصّحابي صهيب بن سنان الرّومي لما أراد الهجرة إلى المدينة؛ ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منعته قريش، وعذبوه، وكان شيخاً كبيراً، وعنده المال، وقالت له قريش: كيف تخرج من مكة بمالك، ونفسك إلى محمّد صلى الله عليه وسلم.
عندها قال لهم: خذوا مالي، وخلوا سبيلي، وقبلوا بذلك، وعندها نزل جبريل بهذه الآية على قلب الرّسول صلى الله عليه وسلم يخبره بما فعل صهيب الرّومي، وكان يكنى بأبي يحيى، فعندما أخبر جبريل الرّسول بقصته صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:«ربح البيعُ أبا يحيى ربح البيعُ أبا يحيى» .
{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} : ليت كلّ مؤمن يكون مثل أبا يحيى «صهيب الرّومي» ، ويضحِّي بماله، ونفسه ابتغاء مرضات الله، ولكن قليلاً من هم أمثال أبي يحيى، ورغم ذلك يبقى الله رؤوفاً بعباده، ولا يسألهم أن يكونوا كذلك، والرّأفة: أخص من الرّحمة، الرّحمة: تكون للمؤمن، والكافر، والرّأفة: فقط للمؤمن، والرّأفة: أشد من الرّحمة، الرّحمة: أوسع من الرّأفة، الرّأفة: رفع المكروه «إزالة الضّرر» ، الرّحمة: رفع الضرر، وفعل الإحسان.
{بِالْعِبَادِ} : الباء: للإلصاق، وبما أنّ الله سبحانه لا يطلب من كلّ مسلم، أو مؤمن أن يضحي بماله، ونفسه فهو رؤوف بالعباد، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب، وقال تعالى: والله رؤوف بالعباد، ولم يقل: والله رؤوف رحيم.
سورة البقرة [2: 208]
نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد وهو الدّخول في السّلم كافة.
{ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً} : {ادْخُلُوا فِى} : في: ظرفية، {السِّلْمِ}: دين الإسلام، الظّرف الإسلام، والمظروف هو أحكام الإسلام وشرائعه، {ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً}: وبما أنّ الخطاب موجَّه للذين آمنوا، وهو ناداهم بالّذين آمنوا فهم قد دخلوا في الإسلام، وعلى طريق الإيمان، فادخلوا في السلم كافة: تعني: أدُّوا جميع شرائع الإسلام، وأحكامه كلها دون اختيار، أو تجزئة؛ أي: بترك بعضها، والأخذ بالبعض الآخر؛ أي: لا تؤمنوا ببعض، وتكفروا ببعض، كما يفعل أهل الكتاب، واستقيموا على ذلك.
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} : سُبُل الشيطان، ومداخله، ومنها الوسوسة، والإغراء، والتزيُّن، والنزع.
{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} : إن يفيد التّوكيد، {لَكُمْ}: اللام لام الاختصاص خاص بكم، وليس لأحد غيركم «فتقديم لكم على عدو مبين» يفيد الخصوص، {عَدُوٌّ مُبِينٌ}: ظاهر العداوة عداوته لا تخفى على أحد من النّاس؛ أي: مكشوفة، ولا يخفى شيئاً منها، وعداوته كاملة تامَّة، مشتملة على كل أنواع العداوة.
وردت كلمة السّلم في القرآن في سبع آيات، وبالتّشكيل التّالي:
السِّلْم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208]، آية واحدة تعني: تطبيق أحكام وشرائع الإسلام كافَّة من دون تمييز.
السَّلْم: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61]، {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [محمّد: 35]، تعني: الميل إلى وقف القتال والصلح.
السَّلَمَ: {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} [لنّحل: 28]، {وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} [النحل: 87]، {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النّساء: 90]، {وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النّساء: 91]، (4) آيات السَّلَمَ؛ يعني: فيها الخضوع والذل.
سورة البقرة [2: 209]
{فَإِنْ زَلَلْتُم} : الفاء: للترتيب، والتّعقيب، إن: شرطية، تستعمل للنادر حدوثه، أو قليل الحدوث، وهو الزّلل في هذه الآية، فالزّلل قد يحدث، وقد لا يحدث، والزّلل: الزّلق، وهو اضطراب القدَم، والتّزحلق في الموضع المراد إثباتها فيه، والزّلل قد يؤدي إلى الوقوع، أو السّقوط.
{فَإِنْ زَلَلْتُم} : الزلل: أخطأتم بغير عمد، وقد يجر فاعله إلى ما هو أكبر من الزلل كالذين، والإثم؛ أي: زللتم بالأخذ بجميع الشّرائع، والأحكام؛ فآمنتم، وأخذتم ببعض، وتركتم بعض.
{مِنْ بَعْدِ} : من: تفيد المسافة القريبة؛ أي: حدث الزّلل بعد مجيء البينات بزمن قصير.
{مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} : {مَا} : حرف مصدري.
{جَاءَتْكُمُ} : ولم يقل أتتكم، الفرق بين المجيء والإتيان:
المجيء: تستخدم في سياق الأمور الشاقة، والصعبة، والّتي فيها ثقل.
وأتى: تستخدم في سياق الأمور السهلة، والميسورة، أو الّتي لم تحدث بعد.
{الْبَيِّنَاتُ} : جمع بينة؛ أي: الحجج، والبراهين الدّالة على أنّ ما دعيتم إلى الدّخول فيه هو الحق.
الدخول في الإسلام كاملاً، ولمعرفة الفرق بين قوله تعالى:{جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} ، و {جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}: ارجع إلى الآية (253) من نفس السورة، والآية (86) من سورة آل عمران.
{فَاعْلَمُوا} : علم اليقين.
{أَنَّ اللَّهَ} : أنّ: حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد.
{عَزِيزٌ} : القوي الّذي لا يُغلب، ولا يُقهر، ولا يمتنع عليه شيء له العزة جميعاً.
{حَكِيمٌ} : الحكيم في خلقه، وشرعه، وأحكامه. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 210]
{هَلْ} : أداة استفهام تحمل معنى النّفي، والإنكار، وتعني: ما ينظرون.
{يَنْظُرُونَ} : أي: ينتظرون، ولم يقل ينتظرون، بل قال ينظرون؛ لأنّ مدَّة الانتظار أقل، وكأنّ قيام السّاعة ومجيء الله سبحانه للفصل والقضاء قريباً جداً «استعمل الكلمة الأقل حروفاً ينظرون لتناسب الزّمن القصير» ، والفاعل: أي: الّذي ينظرون قد يكون عائد على المنافقين، أو أهل الكتاب الّذين لا يريدون الدّخول في الإسلام، أو عائد على كلّ من يؤمن ببعض، ويكفر ببعض.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
{يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} : التّحول من صيغة المخاطب {فَإِنْ زَلَلْتُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا} إلى صيغة الغائب يأتيهم يدل على سوء صنيعهم الموجب الإعراض عنهم، ومخاطبتهم بصيغة الغائب تحقيراً لهم، يأتيهم للفصل والقضاء، والحكم بينهم؛ أي: يوم القيامة يوم الحساب، كما في قوله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22].
{فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} : جمع ظلة، ولا يكون ظله إلَّا إذا كان متراكباً، والغمام جمع غمامة، وهو السّحاب الّذي لا ماء فيه الأبيض الرّقيق، وسمي غماماً؛ لأنه يَغُم؛ أي: يستر.
{وَقُضِىَ الْأَمْرُ} : أي: فرغ الله سبحانه من القضاء، والفصل، وأوجب العذاب، وكأنّ الأمر حدث، وانتهى.
{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} : للفصل فيها والحساب، وإصدار الحكم، وتقديم إلى الله: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده ترجع الأمور، ولم يقل: ترجع الأمور إليه، وقال: وإلى الله إضافة اسمه؛ للتهديد، والوعيد، فهو المجازي على الأعمال بالثّواب.
وقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} : بضم التّاء، ولم يقل ترجع بفتح التّاء، فالأعمال تُرجع إليه، وكأنّها لا تريد أن ترجع إليه بإرادتها؛ لأنّها غير صالحة، ولو كانت صالحة لرجعت إليه من دون قهر، وجبر، وتصور إذا كانت الأمور لا تريد الرّجوع، فكيف يكون رجوع أصحابها.
لننظر في الآيات المتشابهة:
سورة البقرة، الآية (210):{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} .
وسورة الأنعام، الآية (158):{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} .
وسورة النحل، الآية (33):{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} .
آية البقرة: جاءت في سياق المنافقين والّذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وآية الأنعام: جاءت في سياق الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، وآية النّحل: جاءت في سياق الّذين لا يؤمنون بالآخرة ويتكبَّرون.
والآيتان: {يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} ، أو يأتي ربك يوم القيامة {فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} ؛ للقضاء والفصل.
أما قوله تعالى: {يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ} ؛ أي: بالعقاب، أو العذاب.
وأما قوله تعالى: {تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} ؛ أي: لقبض أرواحهم، أو بالعذاب؛ لتدميرهم.
سورة البقرة [2: 211]
{سَلْ} : بغير الهمز بدلاً من اسأل؛ للتخفيف. القاعدة عند أهل الحجاز: إذا بدأت بالفعل تخفَّف، وتحذَف فتقول: سل، وليس اسأل، وإذا تقدمها شيء أو جملة يؤتى بالهمزة فيقال اسأل؛ أي: يا محمّد صلى الله عليه وسلم، والخطاب موجَّه للنبيِّ، وللمؤمنين معاً.
{بَنِى إِسْرَاءِيلَ} : ارجع إلى الآية (40) للبيان، والسّؤال هنا يراد به إحدى أمرين: إما التّقرير، والتّذكير بنعم الله، وإما التّوبيخ على ترك الشّكر.
{كَمْ آتَيْنَاهُم} : {كَمْ} : الاستفهامية؛ للتقرير، يراد به العدد المبهم، أو {كَمْ}: الخبرية، وبمعنى الكثير، {آتَيْنَاهُم}: من الإيتاء. ارجع إلى الآية (87)، أو الآية (251) من سورة البقرة.
{مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} : {مِّنْ} : الابتدائية، وقد تكون استغراقية؛ تعني كلّ آية بينة؛ أي: معجزة واضحة ظاهرة على أيدي أنبيائهم مثل: العصا، واليد، والطّوفان، والسّنين، وانفلاق البحر، والمن، والسّلوى.
{وَمَنْ يُبَدِّلْ} : من: شرطية، ابتدائية، {يُبَدِّلْ}: بالتّخفيف، ولم يقل: يتبدل، يبدل من الإبدال: وهو جعل شيء مكان شيء آخر، يتبدل من التّبديل: وهو تغيُّر الشّيء عن حاله إلى حالة أخرى؛ أي: تغير، أو تحريف، أو تأويل، أو إخفاء الشّيء.
{نِعْمَةَ اللَّهِ} : النّعمة: تعريفها هي ما يهبه الله لعبده من خير يجلب مسرة، أو يدفع عنه مضرة، انظر في ملحق الآية؛ لمعرفة الفرق بين نعمت، ونعمة.
والنّعمة هنا قيل: هي الآيات، آيات الهداية، والتّوراة، وجاءت نعمة الله بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ نعمة مهما كانت، ومنها نعمة الإسلام، وتبديل النّعمة، أو إبدالها يعني: تغييرها، وتحريفها، أو إخفائها، أو تأويلها عن حقيقتها.
{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} : من بعد ما تمكن من معرفتها كقوله: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، وإلا كيف يبدلها، وهي غائبة عنه.
{فَإِنَّ اللَّهَ} : الفاء، وإن: للتوكيد.
{شَدِيدُ الْعِقَابِ} : والعقاب: هو الجزاء على فعل الذّنب، أو الجرم عقيب فعله؛ أي: يقع في الدّنيا؛ أي: معاقبة فاعل الذّنب، أو الجرم على ذنبه، أو جرمه مباشرة؛ أي: عقيب فعله، والعقاب من التّعقيب، ويختص بالدّنيا، أما العذاب فيقع في الدّنيا، أو الآخرة، والعذاب أوسع من العقاب، والعذاب قد يؤخر إلى مدَّة من الزمن قد تطول، أو تقصر، وقد لا يحدث إلَّا في يوم القيامة.
ووردت في القرآن: أنّ الله شديد العقاب، أو سريع العقاب.
وقد ذكرت كلمة العقاب في القرآن في (64) موضعاً، بينما كلمة العذاب وردت في (360) موضعاً، ووردت في القرآن: أنّ الله شديد العذاب، ولم يرد في كل القرآن عبارة: أنّ الله سريع العذاب.
وردت كلمة نعمة في هذه الآية بالتّاء المربوطة.
ووردت نعمة بالتّاء المربوطة في (25) آية بينما وردت نعمت بالتّاء المفتوحة في (11) آية.
وتبيَّن أنّ التّاء المربوطة تأتي في سياق النّعمة العامة، أو الظّاهرة.
والنّعمة بالتّاء المفتوحة «نعمت» : تأتي في سياق النّعمة الخاصة بالمؤمنين، وهي نعمة لا يمكن إحصاؤها، والله أعلم.
سورة البقرة [2: 212]
{زُيِّنَ} : فعل ماض مبني للمجهول، وجاء به كفعل ماض كأنّه أمر طارئ لا يلبث أن يزول، والتّزين أمر قديم، والمزين هنا الشّيطان، والتّزيين يكون بالوساوس، والإغراء، والتّحسين، والشّهوة العاجلة.
{لِلَّذِينَ كَفَرُوا} : اللام: لام الاختصاص، الّذين كفروا: أي: من يسير على درب الكفر. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} : {الدُّنْيَا} : من الدّنو؛ أي: القرب، وتسمى العاجلة، مقارنة بالآخرة، أو تعني: الدنيئة، الحياة السّفلية، فالشّيطان زين للكافرين الحياة الدّنيا حتّى فتنوا بها وأحبوها حباً شديداً، وآثروها على الآخرة، فلا يحسدون عليها.
{وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} : يسخرون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد فعل السّخرية عندهم من الّذين آمنوا، وأنّه مستمر ولا ينقطع في الحياة الدّنيا، والسّخرية: هي الاحتقار، والذّل، والازدراء؛ لضعف، أو عيب، أو نقص، أو جبن، وتكون قولاً، أو فعلاً في وجه المسخور منه، والسّخرية: لا تستعمل إلَّا مع الأشخاص، أو الأعمال، ولا بدَّ من وقوع فعل سابق من المسخور منه؛ أي: لا بد من وجود سبب يدعو إلى السخرية، وتختلف عن الاستهزاء الذي لا يقتضي بوجود سبب له، يسخرون من الّذين آمنوا؛ لكونهم فقراء، أو لتصديقهم بالآخرة، أو اتِّباعهم النّبي صلى الله عليه وسلم، أو لكونهم قلة، وغيرها
…
{وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ أي: المؤمنين في الجنة في عليين، والكفار في سجين، أو النّار، أو فوقهم منزلة ودرجة.
{وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} : جملة اسمية؛ تدل على الثّبوت، والاستعلاء، والدّيمومة.
{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} : بغير تقدير، ولا حصر، ولا تعداد؛ لأنّ خزائنه لا تنفذ، ولا تنقص، ولا علاقة لهذا الرزق له بكثرة الطّاعة، أو قلتها، أو بكونه مطيعاً، أو عاصياً مؤمناً، أو كافراً، ولا يعني ذلك من دون حكمة، ومن دون ابتلاء، والرّزق لا ينحصر في المال فقط، بل كذلك العلم، والخلق، والأهل، والجاه، بغير أن يُسأل سبحانه عما يفعل لماذا ترزق فلان ولا ترزق فلان، والرّزق قد يحصل من حيث لا يحتسب العبد.
سورة البقرة [2: 213]
{كَانَ} : فعل ماض.
{النَّاسُ} : ارجع إلى الآية (21) من سورة البقرة.
{أُمَّةً وَاحِدَةً} : الأمة: جماعة من النّاس تربطها عقيدة واحدة «دين واحد» ، أو ملَّة، أو شريعة، أو مبادئ واحدة، ولا يهم الكم البشري، ولا الحيز الجغرافي، وكما روي عن ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة من الحق.
{وَاحِدَةً} : أي: على دين واحد، أو على عقيدة واحدة، دين الإسلام والتوحيد والعبودية لله وحده، ما بين آدم عليه السلام ، ونوح عليه السلام ؛ أي: على «عبادة الله وحده» .
{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} : {فَبَعَثَ} : الفاء: للترتيب، والمباشرة، بعث: من البعث: ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة، فبعث الله النّبيين بعد أن اختلفوا في التوحيد والعبودية وبعد أن انتشر الضّلال، والشّرك، وعبادة الأوثان، بعث الله النّبيين وعلى رأسهم نوح عليه السلام لهدايتهم؛ حيث أصبح أكثر النّاس من الضّالين، والمشركين فتوالى إرسال النّبيين وقبل الاختلاف لم يبعث.
{مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} : مبشرين لأهل الإيمان، ومنذرين لأهل الكفر، والعصيان، والمكذبين رسلهم، وما أنزل الله.
{وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} ؛ أي: أنزل مع النّبيين الكتب السماوية، والكتاب: اسم جنس، ويشمل صحف إبراهيم، وموسى، وشيث، والزبور، والتّوراة، والإنجيل، والقرآن.
{بِالْحَقِّ} : الباء: للإلصاق؛ أي: بالشّرائع، والأحكام الّتي تهدي النّاس للحق، والصّراط المستقيم، وعبادة الله وحده.
{لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} : اللام في ليحكم: للتوكيد؛ أي: أنزلنا الكتب، والصّحف، والأنبياء، والأحكام، والشّرائع؛ لهداية النّاس، وليحكم بها النّاس فيما اختلفوا بينهم بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والشّرك والتّوحيد، والهداية والضّلال؛ فجعلوا تلك الأحكام والشّرائع مصدر جديد؛ للاختلاف بينهم، وخلطوا بينها، وقلَّدوا آباءَهم، واتبعوا أهواءَهم، وحاربوا أنبياءَهم ورسلهم.
{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} : {وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: النّافية، {اخْتَلَفَ فِيهِ}:«تعود على الحق، أو الكتاب» ، من أحكام وشرائع، وفيه كلّ ما اختلفوا فيه من عقائد، وبدع، وعادات، وتقاليد، وفيه: قد تعود على محمّد صلى الله عليه وسلم، وأنّه النّبي المبعوث الّذي ينتظرونه.
{إِلَّا} : أداة الحصر، {الَّذِينَ أُوتُوهُ}: وهم أهل الكتاب «بني إسرائيل وأتباع عيسى بن مريم» .
{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : «الآيات والأدلة الصادقة على نبوة محمّد، وأنّه هو النّبي المبعوث» ، وما ذكر في التّوراة والإنجيل في نعته وصفته.
{بَغْيًا بَيْنَهُمْ} : أي: سبب هذا الاختلاف هو البغي؛ أي: الحسد، والحرص على الدّنيا.
{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} : فهدى الله تعالى الّذين آمنوا؛ أي: أمة محمّد صلى الله عليه وسلم إلى الحق بإنزال القرآن، وإرسال محمّد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وهدى بعض أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام من الّذين آمنوا كذلك.
{لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ} : هداهم بشأنّ عيسى عليه السلام ، وبشأنّ محمّد صلى الله عليه وسلم، وبشأنّ القبلة وغيرها، فهم اختلفوا في الحق، وكان من المفروض عليهم أن لا يختلفوا فيه.
{بِإِذْنِهِ} : بأمره، ومشيئته. ارجع إلى الآية (255) من نفس السورة.
{وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} : الصّراط المستقيم: الدِّين الحق، دين التّوحيد، وعبودية الله دين الإسلام، والله يهدي من شاء، أو طلب الهداية إلى الصّراط المستقيم: وهو الطّريق المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر زمن، أو مسافة، ومن دون عائق، أو مشقة.
سورة البقرة [2: 214]
سبب النّزول: قال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الشّدة، والفقر، والبرد، وسوء العيش، وبلغت القلوب الحناجر.
المناسبة: في الآية السّابقة (213) قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} : مبشرين بالجنة، ومنذرين بالنّار، فجاءت هذه الآية تتمة لها؛ لتخبر هؤلاء المبشرين بالجنة بأنّ دخولها يحتاج إلى صبر، ومجاهدة، وتحمل الزّلزلة.
{أَمْ} : للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري، ينكر على هؤلاء ظنهم بدخولهم الجنة من دون ابتلاءات شديدة.
{حَسِبْتُمْ} : اعتقدتم به من حسب، والحساب نوعان: حسي «العادي» ، وحساب قلبي؛ مبني على النّظر، والتّجربة، وحسبتم من الحساب القلبي.
{أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} : {أَنْ} : حرف مصدري يفيد التّوكيد، {تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} .
{وَلَمَّا يَأْتِكُم} : لما: للنفي المستمر إلى زمن الحال.
{يَأْتِكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم} ؛ أي: حسبتم أنكم ستدخلون الجنة من دون أن تفتنوا وتبتلوا بمثل ما فتن وابتُلي الّذين من قبلكم، {مِنْ}: ابتدائية، وتفيد الزّمن القريب.
{مَّسَّتْهُمُ} : المس: هو اللمس الخفيف الّذي لا يكاد يذكر.
{الْبَأْسَاءُ} : الفقر، والشّدة، والجوع، والخوف.
{وَالضَّرَّاءُ} : المرض، والألم، ونقص في الأموال، والأنفس والجراحات، والقتال، والعواصف، والكوارث الطّبيعية، وسواء كانت فردية، أو جماعية.
{وَزُلْزِلُوا} ؛ أي: أصابتهم المصائب الكبرى والمتكررة، وبأشكال ودرجات متنوعة، كلمة زلزلوا: لها تعبير صوتي خاص، وهذه الكلمة أصلها: زلزلة، وهذه الكلمة لها مقطعان: زل الأولى، وزل الثّانية، وزل معناها: سقط عن مكانه، أو وقع من مكانه، والثّانية: زل لها نفس المعنى فالكلمة تعطينا معنى الوقوع المتكرر، هناك وقوع أوّل ووقوع ثان، والوقوع الثّاني ليس استمراراً للوقوع الأوّل، ولكنه في اتجاه معاكس، فكأنّ الأوّل في اتجاه اليمين، والثّاني في اتجاه الشّمال مثلاً.
وكذلك مثل كلمة الخلخلة: حركة في اتجاهين معاكسين، جهة اليمين، وجهة الشّمال، وهذا ما يحدث في حادثة الاصطدام، فالجسم في السّيارة يتحرك مندفع مع اتجاه السّيارة، فعندما يكبح السّائق جماح السّيارة يندفع جسم الراكب، ويلتطم بالزجاج، وهذا مثال لما يحدث في الزّلزلة.
{وَزُلْزِلُوا} : أصابتهم الفاجعة، والمصائب الكبرى المتكرر الواحدة بعد الأخرى، وهي لا تتكرر على نمط واحد، وإنما يتكرر عددها، وتتكرر الإصابات، والابتلاءات بأشكال مختلفة، حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر الله.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية، وهو حتّى أن يقول الرّسول والّذين آمنوا معه.
{يَقُولَ} : انتبه إذا جاء الفعل بعد حتّى منصوب بالفتحة، فهو يدل على أنه لم يقع، ولو جاء الفعل بعد حتّى مرفوع بالضمة؛ كقوله: حتّى يقولُ: تدل على الماضي؛ أي: وقع الفعل (بالماضي).
وإذا جاء الفعل بعد حتّى منصوباً يدل على الاستقبال، مثل حتّى يقولَ؛ يعني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يقولوا ذلك، ولم يشكوا في نصر الله.
{الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} : «صلى الله عليه وسلم وصحابته» .
{مَتَى} : ظرف زمان واستفهام يتضمن معنى الاستبطاء والاستبعاد.
{نَصْرُ اللَّهِ} : الفوز، والغلبة. انظر إلى الفرق بين النّصر والفتح في سورة النّصر، النصر الغلبة بالقوة، والسّلاح، والعتاد، والفتح: النصر من دون قتال، أو معركة.
{أَلَا} : حرف استفتاح تفيد التّحقيق؛ أي: أنّ نصر الله قريب، إنّ: للتوكيد، والسّؤال هنا من قال متى نصر الله، ومن أجاب ألا إن نصر الله قريب
الاحتمال الأول: من قال، أو سأل: هم الصّحابة أنفسهم، ومن أجاب هم أنفسهم أيضاً؛ أي: تساءلوا أوّلاً، ثم ثابوا إلى رشدهم، وأجابوا أنفسهم: إنّ نصر الله قريب فما علينا إلَّا الصبر والتّوكل.
الاحتمال الثّاني: ربما هناك قسم منهم قالوا: أو تساءلوا متى نصر الله، وقسم آخر منهم أجابوهم: إن نصر الله قريب.
الاحتمال الثالث: الّذين تساءلوا، أو قالوا: متى نصر الله؟ هم الصّحابة، والّذين أجابهم: إنّ نصر الله قريب: هو الرّسول صلى الله عليه وسلم.
الاحتمال الرابع: الّذين تساءلوا الصّحابة، أو غيرهم من النّاس، والّذين أجابهم هو الله سبحانه عن طريق جبريل عليه السلام ، أو الإيحاء، والإلهام.
{أَمْ حَسِبْتُمْ} : وردت في ثلاث آيات مختلفة في السّياق، وهي:
سورة آل عمران، الآية (142):{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} .
سورة التوبة، الآية (16):{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} .
إذا نظرنا في سياق آية البقرة: نجد أنّها جاءت في سياق النّصر، وأنّ الصّحابة يجب أن يصبروا على البأساء والضّراء، كما صبر الّذين خلوا من قبلهم.
وأما في آية آل عمران: فقد جاءت في سياق الجهاد، وما حصل للمؤمنين يوم أحد من الهزيمة، والقتل، والجراحات، فهي تحثهم على الثّبات، والصّبر رغم هزيمتهم.
وأما آية التّوبة: فقد جاءت في سياق التّحذير من النّفاق، وإفشاء الأسرار للأقارب، أو الكفار المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك احتمال آخر هو: كلّ الآيات جاءت في سياق الجهاد.
فآية التّوبة: تشير إلى أهمية السّرية، وكتم الأخبار، والأنباء قبل المعركة، والاستعداد لها.
وآية البقرة: تشير إلى أهمية الثّبات، والصّبر في أرض المعركة.
وآية آل عمران: تشير إلى أهمية الصّبر، والثّبات بعد المعركة، خاصة إذا حصلت هزيمة.
سورة البقرة [2: 215]
سبب النّزول: كما روى ابن عبّاس رضي الله عنهما : هو أنّ عمر ابن جمحوج الأنصاري كان شيخاً له مال كثير، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ننفق من أموالنا، وأين ننفقه، فنزلت هذه الآية، والعبرة ليست بخصوص السّبب، وإنّما بعموم اللّفظ.
{يَسْـئَلُونَكَ} : يعني: السائل يقف أمام المسؤول ليسأله، بينما {يَسْـئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [النّساء: 153]، ليس ضرورياً أن يكون السّائل أمام المسؤول ليسأله.
{يَسْـئَلُونَكَ} : السّؤال في حكم شرعي، أو غير حكم، أو أمر يهم النّاس، ودائماً يأتي بعد كلمة يسألونك قل إلَّا في آية واحدة جاءت كلمة فقل، والسّبب في ذلك أنّ السّؤال لم يُسأل حتّى ذلك الحين، وسوف يُسأل في المستقبل، كما جاء في قوله تعالى:{وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا} [طه: 105]. ويسألونك جاءت بصيغة المضارع في (15) آية، وآية واحدة جاءت بصيغة الماضي:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى} .
أما الفرق بين يسألونك، و: ويسألونك «بزيادة الواو» هناك تفسيرات:
التفسير الأول: حين يبدأ بـ {يَسْـئَلُونَكَ} : يبدأ موضوعاً جديداً؛ أي: بداية كلام جديد، وحين يبدأ بـ {وَيَسْـئَلُونَكَ} فيها عطف بالواو على ما قبلها؛ أي: تتمة لما سبقه.
التفسير الثّاني: وهو الأقوى، حين يقول: ويسألونك «بالواو» ؛ يعني: أنّهم سألوا ذلك السّؤال مع أسئلة أخرى في زمن، أو وقت واحد؛ أي: سألوه سؤال تلو الآخر، أمّا حين يقول: يسألونك فتعني سألوه أسئلة في أزمان مختلفة، وأحوال متفرقة.
{مَاذَا} : أقوى في الاستفهام من ما لوحدها.
{قُلْ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم.
{مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} : ما: شرطية، {أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ}: الخير هو المال وتعريف الخير: هو الشّيء الحلال الطّيب الحسن النّافع، من: استغراقية تستغرق كل خير. أما أين تنفقه:
{فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} : الفاء: رابطة لجواب الشّرط، تفيد التّوكيد، واللام في للوالدين: لام الاختصاص والاستحقاق، والأفضل الإنفاق على الوالدين، والأقارب؛ لأنّه أعظم ثواباً يجمع صلة الرّحم، وثواب الإنفاق؛ لأنّ الباقي المساكين، وابن السّبيل، واليتامى تشملهم آية الزّكاة.
{وَمَا} : ما: هنا شرطية.
{تَفْعَلُوا} : أي: تنفقوا، أو تخفوا في صدوركم.
{مِنْ خَيْرٍ} : من استغراقية تشمل كل خير، والخير كما سبق هو الشّيء الحلال الطّيب الحسن النّافع.
{فَإِنَّ اللَّهَ} : الفاء وإن: للتوكيد.
{بِهِ عَلِيمٌ} : عليم صفة مبالغة؛ أي: كثير العلم، يعلم ما تنفقون، أو أحاط علمه بكل نفقة صغيرة، أو كبيرة، وأحاط علمه بما تخفي الصّدور، ارجع إلى الآية (29) للبيان، وهذه الآية تحض على نفقة التّطوع.
سورة البقرة [2: 216]
بعد ذكر الإنفاق في الآية السّابقة يذكر في هذه الآية الجهاد الّذي يحتاج إلى الإنفاق، كذلك، وبذل المال والأنفس.
{كُتِبَ} : فرض عليكم، قيل: هذه أول آية فرض فيها الجهاد «القتال» ، وذلك في السّنة الثّانية من الهجرة.
{عَلَيْكُمُ} : على تفيد الاستعلاء لما في الجهاد من علو منزلة ورفعة وعليكم خطاب إلى الصّحابة، ومن بعدهم جميع المسلمين.
{الْقِتَالُ} : الجهاد. ارجع إلى سورة الحج آية (39) لمعرفة الفرق بين القتال والجهاد.
{وَهُوَ} : الواو: للتوكيد، هو: ضمير الزّيادة والتّوكيد.
{كُرْهٌ} : بضم الكاف؛ أي: الشّاق على النّفس، والثّقيل، ولكنها مشقة مرغوبة بها من قبل صاحبها، ومقرونة بالإرادة والرّغبة؛ للقيام بها لما يترتب عليها من ثمار، أو ثواب.
ووردت هذه الكلمة ثلاث مرات في القرآن مرتين في الحمل، ومرة في الجهاد، ويجب أن ننتبه إلى الكلمة الأخرى المشابهة، وهي كَره بفتح الكاف، ووردت في خمس مواضع، وهي تعني: الإكراه، والقهر على فعل الشّيء مثال:
{لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النّساء: 19].
{أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [التوبة: 53].
{وَعَسَى} : من أفعال الرجاء المرجو حصولها في المستقبل.
{أَنْ تَكْرَهُوا شَيْـئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} : {أَنْ} : حرف مصدري للتوكيد؛ أي: هذا القتال الّذي تكرهوه لما فيه من الآلام والمشقة، وزهق الأرواح: هو في الحقيقة خير لكم؛ لما فيه العزة، وحسن الثّواب، والأجر العظيم.
{وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْـئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} : مثل القعود عن الجهاد، شرٌّ لكم؛ لأنّه قد يدفع العدو إلى انتهاك حرماتكم، وقتل أولادكم، ونسائكم، فالله سبحانه لا يشرع، أو يفرض أمراً؛ إلَّا فيه مصلحتكم، ومقاييس العباد ليست كمقاييس الله سبحانه؛ لأنّه سبحانه:
{يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : يعلم ما فيه الخير لكم والشّر، وما يضركم وما ينفعكم؛ لأنّه عالم الغيب والشّهادة، وعلام الغيوب.
سورة البقرة [2: 217]
سبب النّزول: حين قتل الصّحابة ابن الحضرمي، ولم يدروا يوم قتلوه أنهم دخلوا في الأشهر الحرم كانوا يظنون من جمادى الأخرى، وكان أول يوم من رجب، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشّهر الحرام «أي: رجب» ، فنزلت هذه الآية، واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم، فمنهم من قال: أنّ الحكم باق، ومنهم من قال: إنّه منسوخ بسبب هذه الآية.
{يَسْـئَلُونَكَ} : ارجع إلى الآية (189) من سورة البقرة للبيان.
{عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} : الأشهر الحرم: وهي أربعة أشهر في العام، وهي رجب «فرد» ، وثلاثة سرد «ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم» ، ومعنى الأشهر الحرم: أي: أنّ القتال محرَّم فيها، لقوله تعالى في سورة التّوبة آية (36):{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} ، والشهر: اسم جنس.
{قِتَالٍ فِيهِ} : أي: يسألونك عن القتال في الأشهر الحرم.
{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} : قل يا محمّد صلى الله عليه وسلم: القتال في الأشهر الحرم ذنب عظيم مستنكر.
{وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : ومنع النّاس عن سبيل الله «عن دين الله» ، أيضاً ذنب عظيم أكبر من القتال في الأشهر الحرم.
{وَكُفْرٌ بِهِ} : بالله، ذنب عظيم أكبر من القتل في الشّهر الحرام.
{وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : والصّد عن المسجد الحرام بمنع النّاس من الحج والعمرة ذنب عظيم.
{وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} : أي: إخراج الرّسول صلى الله عليه وسلم، والصّحابة من مكة، أكبر عند الله؛ أي: أكبر على وزن أفعل؛ أي: أعظم من القتال في الأشهر الحرم.
{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} : الشّرك، والكفر، واضطهاد المسلمين ليكفروا ويرتدوا عن دين الله أكبر من القتل؛ أي: أعظم وزناً من القتل.
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: النّافية.
{يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ؛ أي: لا يزالون مستمرين على قتالكم، وعداوتكم، والنّون في يقاتلونكم؛ للتّأكيد.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية، والغاية هي {يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} .
{يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} : أي: يعيدوكم إلى الكفر، والشرك بالرّدة، والإكراه.
{إِنِ اسْتَطَاعُوا} : إن: شرطية تتضمن معنى الشّك في الحدوث، أو النّدرة؛ «أي: وقلما يحدث ذلك».
{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ} : ومن: الواو استئنافية، من: شرطية، يرتدد بفك الإدغام، والفك «فك الإدغام» أثقل من الإدغام كقوله:{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ} ، كما جاء في سورة المائدة، آية (54).
فجاء بالفعل الثّقيل يرتدد في سياق الحرب والقتال والفتنة في سورة البقرة؛ أي: ليناسب الحال، وبالإدغام يرتد في سورة المائدة، في سياق الرّدة من الإسلام إلى الكفر في حالة السّلم والصّلح.
{فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} : الفاء: تدل على التّرتيب والتّعقيب، يمت: وهو كافر: هو: تفيد الحصر والتّوكيد؛ أي: يمت هو في حالة الكفر.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتّوكيد، أولئك: اسم إشارة، واللام للبعد.
{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} : بطلت وفسدت أعمالهم وذهب ثوابها في الآخرة.
{حَبِطَتْ} : أصلها من مرض الحبط؛ أي: الحبن؛ الّذي يصيب الماشية، وهو مرض يصيب الكبد، فينتفخ بطنها بالسّوائل، وتصاب بالحبن «انتفاخ البطن بالسوائل» ، فيظنها المشاهد سمينة، ويفرح بها لما فيها من اللّحم، ولكنّه يفاجأ بأنّه مرض، وليس شحماً، فلا يستفاد منها بشيء عند ذبحها؛ لفسادها حتّى أنّه يشمئز من رائحتها، وهكذا أعمال الكفرة.
{وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : كما سبق، وإعادة أولئك تفيد التّوكيد، ارجع إلى الآية (39) من سورة البقرة.
سورة البقرة [2: 218]
نزلت هذه الآية في عبد الله بن جحش، وأصحابه؛ ليطمئنهم الله سبحانه أنّهم غير آثمين لما فعلوه بسبب قتالهم في الأشهر الحرم، وقتلهم عمرو بن الحضرمي كما شنع عليهم النّاس فهم يرجون رحمة الله، والله غفور لذنوبهم ورحيم بعباده.
{إِنَّ} : حرف مشبه بالفعل للتوكيد.
{الَّذِينَ آمَنُوا} : إيماناً خالصاً لوجه الله.
{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} : لنصرة دين الله، وجاهدوا لإعلاء كلمة الله، ودحر الكفر والشّرك.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة يفيد البعد أي: بعد منزلتهم وعلوها.
{يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} : رحمة الله: ثوابه وجنته، يرجون من الرّجاء. والرّجاء: هو الظّن بوقوع الخير الّذي يعتري صاحبه الشّك فيه والخوف، والرّجاء هو الأمل بالخير «أو ترقب الخير مع تغليب الظّن بحدوثه» ؛ لأنّ الإنسان قد يقوم بأعمال كثيرة ظاهرها البر، والتّقوى، والإصلاح، والخير، وقد تحدثه نفسه بشيء يُفسد عليه عمله؛ كالرّياء، والمن، والأذى، فالرّحمة غير مؤكدة أحياناً.
{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : ارجع إلى الآية (173) من نفس السّورة.
سورة البقرة [2: 219]
{يَسْـئَلُونَكَ} : عن تعاطي الخمر والميسر، ارجع إلى الآية (189) من سورة البقرة.
{عَنِ الْخَمْرِ} : وسمِّيت خمراً؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، وتستره، وتغطيه، وسواء كان عصير العنب المتخمر، أم الشّعير، أم التّمر.
{وَالْمَيْسِرِ} : أي: القمار مثل ضرب الأقداح، والأزلام، والنّرد، وسمِّيت بالميسر المأخوذ من اليُسر؛ لأنّ صاحبه ينال المال بيسر وسهولة من غير تعب.
{قُلْ} : يا محمّد صلى الله عليه وسلم.
{فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} : ما هو هذا الإثم الكبير لم يُبين في هذه الآية، ولكنه يبينه في آية أخرى، وهو إيقاع العداوة، والبغضاء بين النّاس، والصّد عن ذكر الله، وعن الصّلاة، كما قال في المائدة، آية (91):{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} .
الإثم: الذّنب، والإثم لا يحدث إلَّا تعمداً، والإثم لما يجره من فساد العقل والمخاصمة، وتعطيل الصّلوات، الكبير: العظيم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (33) للبيان.
{وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} : المنافع المادية، والاقتصادية من ربح، والضّرائب المفروضة عليها الّتي تفوق التّصورات البشرية، ومنافع جمع منفعة؛ أي: المال.
{لِلنَّاسِ} : اللام: لام الاختصاص، النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا} : عقاب الإثم في تعاطيهما، أكبر من نفعهما: وهو التّلذذ بشرب الخمر، أو النّفع المادي؛ أي: الرّبح من صناعتها، أو بيعها، والميسر، وما يحققه من الرّبح من دون أي جهد.
والآن نستعرض الأربع آيات الّتي وردت في سياق تحريم الخمر الّذي تم على مراحل أربع:
ـ الآية الأولى: من سورة النّحل، آية (67):
وهذه المرحلة الأوّلى كان المسلمون يشربونها، وكانت حلال يومئذٍ.
ـ الآية الثّانية: من سورة البقرة (219):
وهذه المرحلة الثّانية بعد نزول هذه الآية تركها قوم لقوله: {إِثْمٌ كَبِيرٌ} ، واستمر البعض الآخر في شربها.
ـ الآية الثالثة: من سورة النّساء، آية (43):
نزلت كما أخرج الترمذي وأبو داود بعد أن صلَّى أحد الصّحابة بالناس في صلاة المغرب بعد أن شرب الخمر فقرأ: «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون» ، فكانت هذه المرحلة الثّالثة: حُرم شربها في أوقات الصّلاة، واستمر بعضهم في شربها بعد صلاة العشاء وغير أوقات الصّلاة.
ـ الآية الرّابعة: في سورة المائدة، آية (90-91):
نزلت هذه الآية بعد غزوة الأحزاب بأيام، فقال الصّحابة عند نزولها: انتهينا يا رب.
{وَيَسْـئَلُونَكَ} : نرى هنا زيادة الواو، وفي الآيات السّابقة لم تستعمل الواو، وتعليل ذلك هو أنّ السّؤال في الآية (215) كان في زمن، والسّؤال في الآية (217) كان في زمن آخر، ولم يستعمل الواو.
أمّا الأسئلة الّتي في الآية (219)، والآية (220، 222)، فكانت كلها في آن واحد واستعمل فيها الواو.
{مَاذَا يُنْفِقُونَ} : ارجع إلى الآية (215).
{قُلِ الْعَفْوَ} : قالوا العفو: ما يزيد عن الحاجة الّتي يحتاجها الإنسان، وأهله، وكان ذلك قبل فرض الزّكاة، والعفو يقصد بها نفقة التطوع، قل العفو: هذا يدل على المقدار، أو الكم، أو الجزء.
انظر إلى ترابط الآيات التالية:
الآية (215): {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} (ما نوع الإنفاق)، فجاء الرد:{قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} (أي: مال، أو ما شابه).
وعلى من ننفق؟ فجاء الرد: {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} .
والآية (219): {وَيَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (أي: ما مقدار الإنفاق والكم؟): {قُلِ الْعَفْوَ} ، ثم بين ذلك بقوله:{وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 25-26]؛ تشمل الزكاة والصدقات.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} : الكاف: للتشبيه، فليس هناك تكرار في السّؤال؛ أي: مثل ما بُين لكم الآيات السّابقة، أو كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يُبين لكم سائر الآيات في الأحكام الأخرى.
{لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} : لعلكم تتفكرون: من التفكر: وهو النظر في الدلائل، والتأمل والتثبت وإعمال العقل في المقارنات والمعطيات للوصول إلى الحكم أو الحكمة؛ أي: لتتفكروا في أمور دنياكم، وآخرتكم، فتؤثرون الأنفع والأصلح لكم على الفاني والداني، في النجاة من النار، وجنات النعيم على عذاب الخلد، ورضوان الله تعالى على سخطه وغضبه، وثواب ترك الخمر والميسر على تعاطيهما.
سورة البقرة [2: 220]
لعلكم تتفكرون في الدّنيا والآخرة، وما يصلح الدّارين، ويسعدكم فتكونون من المفلحين.
{وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} : نزلت هذه الآية بعد أن نزلت الآية (152) من سورة الأنعام {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} ، والآية (10) من سورة النّساء:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} : عندها خاف المؤمنون من هذا الوعيد، فاعتزلوا اليتامى، وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، وتركوا مخالطتهم، والقيام بأموالهم، والاهتمام بمصالح اليتامى، فشق ذلك عليهم، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن اليتامى، فنزلت هذه الآية كما روي عن ابن عباس.
{قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} : أي: مخالطتهم على قصد الإصلاح لهم، ولأموالهم خير من اعتزالهم، إصلاح نكرة تشمل أي إصلاح، إصلاح يشمل الرّعاية التّامة بما فيها الرّعاية الصّحية، والعقيدة، والخلق، والمال، وكل أمر يتعلق بالإصلاح، وقدَّم لهم على خير: اللام في لهم تفيد الاختصاص.
{وَإِنْ} : شرطية، وتدل على قلة الحدوث.
{تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} : أي: تخلطوا أموالكم بأموالهم في النّفقة، أو المعيشة، أو المصاهرة، وكل الأمور الحياتية، فإخوانكم في الدِّين.
{فَإِخْوَانُكُمْ} : الفاء: للتوكيد، تخالطوهم بسبب كونهم إخوةً لكم.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} : والله يعلم ما في صدوركم، من هو المسيء من المحسن فيجازيه حسب عمله، ومن يخون ويغدر أو يأكل مال أخيه ظلماً وهضماً.
وفي هذا تحذير وحماية لمال اليتيم، ثم زاد الله منته عليهم برفع الحرج في المخالط.
فقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} : العنت: الشدة، والمشقة، والضيق، والحرج، {لَأَعْنَتَكُمْ}: اللام: للتوكيد، أصلها: ولو شاء أعنتكم؛ أي: ضيق عليكم، وما أباح مخالطتهم.
وهذا على سبيل التّحذير؛ لأنّ العنت لا ينسب إلى الله تعالى؛ لأنّ الله عزيز حكيم.
{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} : {إِنَّ} : للتوكيد، {عَزِيزٌ}: القوي الّذي لا يُغلب، ولا يقهر، والممتنع، وله العزة جميعاً، {حَكِيمٌ}: فما شرع لخلقه وكونه الحكيم في صنعه، وتدبيره، وما يحكم، ولا يخلق عبثاً، وحكيم مشتقة من الحكم؛ فهو أحكم الحاكمين، و مشتقة من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة.
سورة البقرة [2: 221]
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: النّاهية.
{تَنْكِحُوا} : لا تتزوَّجوا النّساء المشركات «الوثنيات المجوسيات» ، اللاتي لا كتاب لهن، والنكاح: الرّغبة في الزّواج، أو إرادة وقوعه «قبل أن يتحقق الزّواج فهو نكاح»؛ كقوله:{إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ} ، والزواج يعني: إتمام العقد، والملامسة، والجماع.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية.
{يُؤْمِنَّ} : بالله، واليوم الآخر، ويصدقن بمحمّد صلى الله عليه وسلم.
{وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ} : الواو: استئنافية، اللام: لام التّوكيد، الأمَة خلاف الحرة «المملوكة الرقيقة» ، وهي مؤمنة بالله ورسوله.
{خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَةٍ} : أفضل من حرة مشركة، وإن كانت ذات جمال، ومال.
{وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} : الواو: حالية «توكيد» ، لو: شرطية.
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: النّاهية.
{تُنْكِحُوا} : الخطاب إلى أولياء النّساء؛ أي: لا تزوِّجوا نساءَكم المؤمنات للكفار أبداً.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية.
{يُؤْمِنُوا} : بالله ورسوله؛ أي: يُسلموا ويدخلوا في الإسلام.
{وَلَعَبْدٌ} : الواو: استئنافية، اللام في لعبد: لام التّوكيد.
{مُّؤْمِنٌ} : بالله ورسوله.
{خَيْرٌ} : أفضل من مشرك.
{وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} : أعجبكم في المال، والنّسب وغيرها.
{أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} : أولئك: اسم إشارة، للبعد يفيد دنوَّ منزلتهم، وتحقيرهم، وتشير إلى أهل الشّرك، المشركات والمشركين يدعون إلى الكفر، فحقهم أن لا يوالوا، ولا يصاهروا، والنّون في يدعون للتوكيد.
{وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} : يعني: المؤمنون أولياء الله يدعون إلى الجنة، أو الله يدعو على لسان رسوله إلى الجنة.
{وَالْمَغْفِرَةِ} : أي: التّوبة، والتّوبة تؤدي إلى المغفرة.
{بِإِذْنِهِ} : بإرادته، وتوفيقه للعمل الّذي يستحق به الجنة والمغفرة. ارجع إلى الآية (255) لمزيد من البيان.
{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} : {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ} : يوضح آياته، وأحكامه.
{لِلنَّاسِ} : اللام: لام الاستحقاق.
{لَعَلَّهُمْ} : للتعليل.
{يَتَذَكَّرُونَ} : أي: ليتذكروا أوامر الله ونواهيه.
سورة البقرة [2: 222]
هذا هو السّؤال الثالث الّذي سُئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن واحد. سئل ماذا ينفقون، وسُئل عن اليتامى، وعن المحيض.
وإضافة الواو إلى كلمة يسألونك: تدل على أنهم يسألون رسول الله عدَّة أسئلة، وهم أمامه، وفي آن واحد.
{وَيَسْـئَلُونَكَ} : ارجع إلى الآية (215) للبيان.
{وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} : أي: يسألونك عن الجماع أثناء المحيض.
والمحيض: يطلق على سيلان الدم، ويراد به مكان الحيض، ويراد به زمن الحيض.
{قُلْ هُوَ أَذًى} : تعريف الأذى: هو الضرر، أو ما يكره من كل شيء.
{هُوَ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد، يعود على الجماع.
{أَذًى} : بصيغة التعميم بأنّ الأذى يصيب الرجل والمرأة.
إذن: أذى هنا لا تعود إلى الحيض بذاته، وإنما تعود على الجماع أثناء الحيض.
حيث يتساقط الغشاء المخاطي للرحم؛ مما يؤدي إلى سيلان الدم. وبالتالي يصبح الرحم كالجرح.
{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ} : الفاء: للتأكيد، {فَاعْتَزِلُوا}: أي: تجنبوا الجماع، أو الوطء في المحيض.
{فِى الْمَحِيضِ} : في: ظرفية (زمانية ومكانية)، زمن الحيض، ومكان الحيض.
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النّاهية؛ لزيادة التّوكيد.
{تَقْرَبُوهُنَّ} : تفيد التّوكيد على عدم الجماع في المحيض، والأهم من ذلك لا تقربوهن، فالاعتزال لا يكفي، بل لا تقربوهن.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية؛ أي: حتّى ينقطع دم الحيض، وتغتسل المرأة.
{يَطْهُرْنَ} : ينقطع دم الحيض (أو النفاس).
{فَإِذَا} : الفاء: استئنافية، إذا: شرطية تفيد حتمية الحدوث.
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} : {تَطَهَّرْنَ} : اغتسلن (الاغتسال من الحيض).
إذن: يطهرن أولاً، ويتطهرن ثانياً؛ أي: ينقطع دم الحيض أولاً (فذاك طهر)، وثانياً يتطهرن بالاغتسال بالماء (فذلك تطهر)، فإذا انقطع الحيض لا تحل حتّى تغتسل، إذن الشرطان معاً.
{فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} : الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة.
{مِنْ} : ابتدائية، {حَيْثُ}: ظرف مكان.
{أَمَرَكُمُ اللَّهُ} : أي: بالقبل (الفرج)، وليس في الدُّبر.
{إِنَّ اللَّهَ} : إن: للتوكيد.
{يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} : جمع تائب: التوابين من الذنوب، والتوابين جملة اسمية تدل على أنّ التوبة أصبحت سمة ثابتة في فيهم، ووطء المرأة في الحيض لا كفارة له إلَّا التوبة، والاستغفار، وعدم العودة إليه.
{وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} : بالغسل بالماء، ومن الحدث الأصغر والأكبر.
وتكرار كلمة يحب؛ للتوكيد، ولفصل التوابين عن المتطهرين، فالله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب كليهما معاً.
والحكمة من اعتزال النّساء في المحيض إضافة إلى الناحية الطبية، وتجنب الالتهابات والآلام الّتي تصيب الأنثى، والذكر هناك مراعاة للحالة النفسية للمرأة في هذه الفترة.
ولا حرج في الإحسان إلى الزوجة في هذه الفترة ورعايتها، والعطف عليها، ولا بد من طاعة الله فيما أمر، فاعتزال النّساء أمر تعبُّدي ـ والصبر، والتحكم في النفس والشهوة، أمر مهم في تربية النفوس التربية الإيجابية ـ، ولا يعتبر الحيض عقاباً للمرأة، بل هو في الحقيقة إكرام لها
…
فتبارك الله أحسن الحاكمين.
ولا بد في هذه المناسبة من المقارنة بين {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ، و {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]:
المتطهرين: تعني: (الطهارة البدنية بالوضوء والغسل)؛ أي: يكتسب الطهارة بالوضوء والغسل.
المطهرين: تعني: (الطهارة القلبية من النفاق، وأمراض القلب، وقد تشمل معنى الطهارة البدنية).
وعندما يتطهر الإنسان الطهارة البدنية والقلبية قد يصبح في هذه الصفة كالملائكة المطهرين الّذين وصفهم الله في سورة الواقعة آية (79): {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ؛ أي: الملائكة، والله أعلم.
سورة البقرة [2: 223]
{نِسَاؤُكُمْ} : أزواجكم.
{حَرْثٌ لَّكُمْ} : موضع حرثكم كالأرض الّتي تُستنبت، وهذا هو منتهى الأدب الرباني؛ حيث شبه النّساء بالأرض الّتي تُحرث لتنبت الزّرع، والمرأة منبت الولد.
{لَّكُمْ} : اللام: لام الاختصاص.
{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} : أي: جامعوا في القبل، أو مكان الإنبات، والنّسل.
{أَنَّى شِئْتُمْ} : كيف شئتم، من أين شئتم.
{وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ} : كالتسمية قبل الجماع، وبالقول كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني» كما جاء في البخاري عن ابن عباس؛ أي: اجعلوا غاية الجماع إنجاب الأولاد الصالحين؛ الّذين يدعون لكم في ظهر الغيب بعد انقطاع عملكم، وبعد الموت.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا الله، ورسوله فيما أمر، ولا تقربوا ما نهى عنه، وتجنبوا غضبه وعصيانه.
{وَاعْلَمُوا} : علم اليقين، {أَنَّكُمْ}: أن: للتوكيد، {مُّلَاقُوهُ}: بعد البعث في يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم، وتزودوا بالتقوى، واحذروه.
{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} : بالجنة، وحسن الثواب.
{وَبَشِّرِ} : من البشارة، ارجع إلى الآية (25) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 224]
المناسبة: في الآية السابقة، قال تعالى:{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : ومن التّقوى ألا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم.
{وَلَا تَجْعَلُوا} : الواو: استئنافية، لا: النّاهية، {تَجْعَلُوا}: من الجعل، والجعل من أفعال القلوب، وتعني التصيير.
{عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ} : العُرضة: المانع والحاجب، {لِّأَيْمَانِكُمْ}: الأيمان: جمع يمين، وهو الحلف بالله؛ أي: لا تجعلوا الحلف بالله، أو اليمين بالله مانعاً لفعل الخير، أو تقولوا؛ لأني حلفت بالله، أو أقسمت بالله لن أساعده، أو أنفق عليه؛ لأنه فعل كذا، وكذا، أو لا يستحق، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه حين حلف ألا ينفق على ابن خاله مسطح؛ لأنه خاض في حديث الإفك؛ أي: لا تجعلوا اليمين حاجباً، أو مانعاً من فعل الخير، والبر، والتقوى.
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التعليل، والتوكيد.
{تَبَرُّوا} : من البر، والبر: هو الخير الواصل إلى الغير مع القصد، والبر: اسم جامع لكل خير.
{وَتَتَّقُوا} : أي: تزدادوا تقوى، والتقوى: هي طاعة الله فيما أمر به، أو نهى عنه.
{وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} : إصلاح ذات البين بحل الشقاق، والخلاف بين النّاس. ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} : سميع لأقوالكم، وأيمانكم، وما تقولونه في السر والعلن، وما يقوله كل ما في السموات والأرض.
{عَلِيمٌ} : بأفعالكم، وأحوالكم، وشوؤنكم، لا تخفى عليه خافية.
فهذه الآية تنهى عن كثرة الحلف بالله حقاً، وتجنب الحلف بالله باطلاً، ارجع إلى سورة المائدة، آية (89) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 225]
المناسبة: الآية السابقة لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم فجاءت هذه الآية؛ لتبين أنواع الأيمان، منها اللغو في الأيمان، ومنها الأيمان المتعمَّدة؛ أي: بنية وقصد.
{لَا} : النّافية.
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ} : لا يعاقبكم الله بالكفارة على اللغو في أيمانكم.
{وَلَكِنْ} : حرف استدراك، وتوكيد.
{يُؤَاخِذُكُمْ} : يعاقبكم بالكفارة، أو يلزمكم الكفارة.
{بِمَا} : بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو مصدرية.
{كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} ؛ كسبت: الكسب هو جلب النفع أو دفع ضرر. ارجع إلى سورة البقرة الآية (286) للبيان المفصل؛ أي: بما نوت قلوبكم، وتعمدت من الأيمان؛ لأنه لم يعد مجرد لغو، وفي الآية (89) من سورة المائدة:{بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ، مثل اليمين الغموس، أو أن يحلف العبد متعمداً الكذب؛ لغاية ما، وقوله تعالى:{بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} : قد تشمل بما عقدتم الأيمان.
{وَاللَّهُ غَفُورٌ} : حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم، وغفور: صيغة مبالغة تعني كثير المغفرة، وهي ستر الذنوب، والعفو عنها.
{حَلِيمٌ} : لأنه لا يعاقبكم مباشرة، بل يؤخر العقوبة؛ لكي يتوب العبد، ويعفو عنه.
لم يبيِّن الحق سبحانه في هذه الآية ما هي الكفارة (كفارة اليمين)، ولكنه بيَّنه في سورة المائدة، آية (89) فقال تعالى:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} .
سورة البقرة [2: 226]
المناسبة: هذه الآية تتحدث عن نوع من الأيمان خاص بالّذين يؤلون من نسائهم.
{لِلَّذِينَ} : اللام: لام الاختصاص؛ أي: خاص بالّذين يؤلون من نسائهم.
{يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ} : يؤلون من ألى؛ أي: حلف، أو أقسم، والإيلاء: يعني الابتعاد؛ أي: لهؤلاء الّذين يحلفون أن لا يقربوا نساءَهم بالوطء؛ أي: الجماع.
{تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} : التربُّص هو التلبث في الانتظار، وفيه معنى المتابعة، والملاحظة؛ أي: حدد الله المدَّة القصوى للإيلاء أربعة أشهر (مقارنة بإيلاء أهل الجاهلية السنة، والسنتين، أو أكثر من ذلك، والسبب في الإيلاء الطويل الزمن هو أنّ الرجل لا يريد زوجته، ولا يحب أن يطلقها فيتزوَّجها غيره، ويتركها هكذا لا أيماً، ولا ذات بعل، فجاء الله سبحانه بهذا الحكم النهائي أربعة أشهر، فإما الفيء، وإما الطلاق.
{فَإِنْ} : الفاء: للتعقيب، والترتيب، إن: شرطية تفيد الاحتمال.
{فَاءُوا} : رجعوا في هذه المدَّة عما حلفوا عليه، فاؤوا: من فاء؛ أي: رجع. رجعوا إلى نسائهم بالوطء؛ أي: الجماع، وإن كان الزوج مريضاً، أو مسافراً، أو مسجوناً. قال جمهور العلماء: الفيء يكون باللسان، أو القلب.
{فَإِنَّ اللَّهَ} : الفاء: للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد.
{غَفُورٌ} : غفور لهم على ما حلفوا عليه، وغفور لهم على ظلمهم، والضرر الّذي ألحقوه بأزواجهم.
{رَحِيمٌ} : بهم بأن حدد لهم الزمن، أو الكفارة، والفيء.
سورة البقرة [2: 227]
{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} :
{وَإِنْ} : الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الشك، أو الاحتمال، أو قلة الحدوث؛ أي: إن حدث ذلك.
{عَزَمُوا الطَّلَاقَ} : العزم: الإرادة على فعل الشّيء مع وجود القوة، والقدرة على ذلك؛ أي: تنفيذ الطلاق.
والعزم يكون في القلب، أو أن يؤمر الزوج بأن يطلق زوجته؛ فإن لم يطلقها طلقها الحاكم، واختلف الفقهاء في نوع الطلاق هنا، هل هو طلاق رجعي، أم طلاق بائن.
{فَإِنَّ اللَّهَ} : ارجع إلى الآية السابقة.
{سَمِيعٌ عَلِيمٌ} : سميع لأقوالهم، وشهيد على أيمانهم، يعني: عليم بنياتهم، وبعزمهم، وما يدور في عقولهم، أو تحدثهم به أنفسهم. ارجع إلى الآية (240) لمزيد من البيان.
انتبه: إذا كان الهجر من دون حلف، فليس ذلك إيلاء، وليس عليه كفارة.
سورة البقرة [2: 228]
{وَالْمُطَلَّقَاتُ} : الواو: استئنافية، المطلقات: جمع مطلقة، والطلاق مأخوذ من الإطلاق، وهو الترك، أو الإرسال.
والطلاق في الشّرع: حل عقدة النكاح (حل رابطة الزواج).
والطلاق: لا يقع إلَّا على المرأة إذا كانت مُحلاً له.
{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} : التربص: هو التلبث، والانتظار، ارجع إلى الآية (226).
{بِأَنْفُسِهِنَّ} : الباء: باء الإلصاق.
{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} : القُرء: هو الحيض، وأصل القرء هو اجتماع الدم في الرحم ثلاث حيضات لمعرفة براءة الرحم، وهناك من يطلق القرء على الطهر الّذي بين الحيضتين؛ أي: ثلاثة أطهار.
وحيضة واحدة تكفي لمعرفة براءة الرحم، ولكن الله سبحانه أراد ثلاث حيضات لحكمة قد تكون لإعطاء الزوجين زمناً كافياً؛ لكي يتراجعا.
{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} :
{لَا} : النّاهية، {لَهُنَّ}: اللام: لام الاختصاص، {أَنْ}: للتعليل، والتوكيد.
{يَكْتُمْنَ} : إذا كنَّ ذوات حمل، أو حيض؛ لأنّ كلا الأمرين الحيض والحمل مسائل خفية، لا تعلمها إلَّا المرأة نفسها، والتصريح بها يعود إلى إيمان المرأة.
{مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} : سواء أكان الحمل، أم دم الحيض، فهو نوع من الخلق.
{إِنْ كُنَّ} : إن شرطية تحمل معنى الاحتمال، أو الشك، أو القلة.
{يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : لأنّ من يؤمن بالله، واليوم الآخر لا يجترئ على مثل هذا الإثم؛ أي: تقول: أنها حامل، وهي غير حامل، أو بالعكس، أو تتلاعب بزمن العدَّة.
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} : البعل: هو الزوج، والسيد، والمالك.
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ} : في أثناء فترة التربص (ثلاثة قروء)؛ أي: زمن العدَّة قبل انقضاء الثّلاثة قروء.
أي: الزوج أحق برد زوجته إلى عصمته إذا عدل عن رأيه وشعر بالمحبة بعد المفارقة، وليس الحق لولي الزوجة كالأب، أو الأخ بعدم الرد.
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ} : على شرط عدم الإضرار بها، أو الظّلم.
{فِى ذَلِكَ} : في: ظرفية زمانية، {ذَلِكَ}: اسم إشارة تشير إلى ثلاث حيضات (أو العدَّة).
{إِنْ} : شرطية، {أَرَادُوا إِصْلَاحًا}: بالعودة كلٌّ للآخر، وحسن المعاشرة، وعدم الإضرار، وإرادة الخير، وتقويم العوج.
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ} : ولهن اللام لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: لهن من الحقوق والواجبات على الزوج كما للزوج عليهن من الواجبات والحقوق، والكل يجب أن يتحمل مسؤوليته بما في ذلك المعاشرة الحسنة.
{بِالْمَعْرُوفِ} : شرعاً. والمعروف: كل ما كان فعله جميلاً مستحسناً غير مستقبح.
{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} : هي درجة القوامة، والقوامة لا تعني الظّلم، والتسلط، بل هي مسؤولية التكليف في الإنفاق.
{وَلِلرِّجَالِ} : اللام: لام الاستحقاق، وأيهما أفضل الزوج، أم الزوجة؟ إنما يعود ذلك إلى درجة التّقوى عند كل منهما.
{وَاللَّهُ عَزِيزٌ} : القوي الغالب الّذي يجب أن يطاع فيما أمر، أو نهى عنه، والذي لا يُقهر، والممتنع.
{حَكِيمٌ} : فيما شرعه لخلقه، وحكيم من الحكمة فهو أحكم الحكماء، وحكيم؛ لأنه هو الحاكم، والمالك، فهو أحكم الحاكمين. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
فعدة المطلقة عن زوجها: ثلاثة قروء.
وعدة المطلقة الحامل: أن تضع حملها.
وعدة المطلقة اليائسة: ثلاثة أشهر.
سورة البقرة [2: 229]
الطلاق: هو حل عقدة النكاح؛ الّتي جعلها الله سبحانه ميثاقاً غليظاً؛ لقوله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النّساء: 21].
{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} : قيل: مرتان تعني: الطلاق الرجعي مرتان (الّذي فيه الرجعة)؛ أي: الطلقة الأولى، والثانية؛ إذ لا رجعة بعد الثالثة، وبعضهم أطلق على الطلاق الرجعي أسماء أخرى يُفيد معرفتها، فالطلاق المشروع مرتان، أو الطلاق المسنون.
ومرتان: تعني يطلقها، ثم يردها، ثم يطلقها، ثم يردها؛ أي: يملك الزوج الإرجاع في مرتين.
كيف يكون الطلاق مرتين، والكل يعلم أنه ثلاثة؟ فالطلاق الرجعي مرتان، والثالثة هي قوله:{فَإِنْ طَلَّقَهَا} (كما في الآية 239)؛ أي: المرة الثالثة: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} .
{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} : الفاء: تفيد الترتيب، والتعقيب.
أي: من طلق للمرة الثّانية فهو أمام خيارين:
الأول: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} : بعد المراجعة الثّانية. بمعروف: من أداء الحقوق، وحسن الصحبة، والمعروف: هو كل ما كان فعله جميلاً مستحسناً غير مستقبح. فإمساك وتسريح مصادر مرفوعة ورفعها يدل على العموم والثبوت كما جاء في (معاني القرآن)؛ أي: هذه ليست أحكام موقوتة، وإنما أحكام دائمة.
الثّاني: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} : هو أن يتركها بعد الطلاق الثّاني حتّى تنقضي عدتها، ويسرحها آنذاك بإحسان، والإحسان: واجب؛ أي: يحسن إليها، ولا يظلمها، أو يجرها إلى المحاكم، وغيرها.
لا يحل لكم أن تأخذوا شيئاً من المهور، أو الهدايا، وغيره إذا تم الطلاق.
{إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} : حقوق النكاح، وحسن المعاشرة، وعدم النشوز، أو البغض، والإحصان.
فإذا خاف الزوج أنه لن يقيم حدود الله، وعلم أنّ النشوز سيكون من قبله، وهو السبب، أو أنه سوف يعتدي عليها، ويسيء معاملتها فعندها يسرحها، ولا يأخذ شيئاً مما آتاها.
وإذا خافت الزوجة أنها لن تقيم حدود الله، وأنّ النشوز سوف يكون من قبلها، أو هي تبغضه، وهو يحبها، وهو قائم بحقوق الزوجية، ولكنها هي السبب، وأنها لا تستطيع إصلاح ذلك عندها تطلب الخلع.
{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} .
{فَإِنْ} : الفاء: للتأكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك، ولو استعمل إذا لكان حتماً سيقع ذلك.
{خِفْتُمْ} : الخطاب موجه إلى الأولياء، والحكام لغير الزوجين؛ الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه ولم يقل فإن خافا.
{أَلَّا} : تضم أن المصدرية: للتعليل، والتوكيد، ولا: النّافية.
{أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} : تكرار كلمة حدود الله؛ للتأكيد على إقامة حدود الله، وهي أحكامه، وشرائعه؛ أي: يعتدي أحدهما على الآخر بالنشوز وغيره.
{فَلَا جُنَاحَ} : فلا إثم، ارجع إلى الآية (198) للبيان. واستعمل لا جناح بدلاً من ليس عليكم جناح؛ لأنها أشد، وأقوى، وأثبت في النفي من ليس عليهما.
{عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} : لا إثم على الزوجة أن تطلب الخلع، ولا إثم عليه أن يخلعها.
وقيل: إنّ عليهما؛ تعني: الزوج؛ أي: فلا جناح عليه أن يأخذ من الزوجة ما أعطاها إياه كمهر، أو هدايا، أو غيرها ـ وبما افتدت به ـ (به تعود على الخلع)، وقال بعض الفقهاء: ويجوز للزوج أن يأخذ زيادة عما أعطاها إياه، ولكنه مكروه.
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} : تلك أوامر وأحكام الله في الطلاق، والخلع الّتي أمركم بها، أو نهاكم عنها فالتزموا بها قولاً وفعلاً، ولا تخالفوها، ولا تتجاوزوها. ارجع إلى الآية (187) لبيان تلك حدود الله فلا تقربوها (التي تستعمل في المحرمات)، وتلك حدود الله فلا تعتدوها (التي تستعمل في سياق أحكام الحل والحرام).
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} :
{وَمَنْ} : شرطية، {يَتَعَدَّ}: يتجاوز ما أحله الله إلى ما حرمه، أو بالعكس، أو ما أمر به إلى ما نهى عنه.
{فَأُولَئِكَ} : اسم إشارة يفيد البعد، ودنوا منزلة الّذين يتعدون حدود الله.
{هُمُ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.
{الظَّالِمُونَ} : إذا كان هناك ظالمون فهم في طليعة الظالمين (للمبالغة): لأنفسهم ولغيرهم. ارجع إلى الآية (54) من سورة البقرة.
سورة البقرة [2: 230]
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية تفيد الندرة، أو القلة.
{فَإِنْ طَلَّقَهَا} : للمرة الثالثة فعل ماض، وجاء به؛ لأنه لا يتكرر، ولم يقل: إن يطلقها، فلا تحل له بعد حتّى تتزوج بزوج آخر يدخل بها؛ أي: يتزوجها؛ لأنّ الطلاق بعد ثالث مرة لا يتكرر.
{فَإِنْ طَلَّقَهَا} : أي: الزوج الآخر، فإن شرطية تفيد الندرة، أو الاحتمال.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} ؛ أي: لا إثم عليهما؛ أي: الزوج الأول، والمرأة (زوجته السابقة) الّتي طلقها ثلاثاً سابقاً، وبعد ذلك تزوجت من زوجٍ آخر، ثم طلقها الزوج الآخر:
{أَنْ يَتَرَاجَعَا} : يرجع كل واحد منهما لصاحبه، ويجب عليهما عقد زواج جديد، ومهر جديد.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال، والشك.
{ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} : أن يؤديا حدود الله؛ أي: أحكامه وشرائعه في الزواج الجديد.
{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} : وتلك أحكام وشرائع الله يبينها.
{لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} : اللام: لام الاختصاص.
{يَعْلَمُونَ} : أهميتها وقدرها، ويعلمون أنّ مصلحتهم في تطبيقها وإقامتها، والعمل بما جاء بها.
سورة البقرة [2: 231]
{وَإِذَا} : الواو: استئنافية، إذا: ظرفية للمستقبل شرطية تفيد حتمية الحدوث؛ أي: انتهاء العدَّة.
{طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} : الأجل هنا: زمان العدَّة، وهو ثلاثة قروء.
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} : أي: مرتان، كما قال تعالى:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} : وهذا يسمى الطلاق الرجعي.
{فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} : أي: قرب الأجل؛ أي: انتهاء مدَّة العدَّة، ولا زال هناك زمن قليل، والعدَّة لم تنتهِ بعد.
في هذه الآية يعود رب العالمين ليذكر الزوج الّذي طلق زوجته، وهو ينتظر انتهاء العدَّة (ثلاثة قروء) يذكره إما إمساك بمعروف، أو تسريح بمعروف.
{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} : أرجعوهن قبل انقضاء عدتهن بمعروف؛ أي: هذه هي آخر فرصة لك فكأنّ الله الحق يريد من الزوج التمسك بزوجته، والعودة إليها، وإبقاء الحياة الزوجية.
{بِمَعْرُوفٍ} : الباء: للتأكيد، ومعروف: جاءت نكرة؛ أي: معروف من حسن المعاشرة، والصحبة الصالحة، أو أي: معروف، والمعروف قد تفعله وأنت محب أن تفعله، وهذا يرتقي إلى درجة الإحسان، أو قد تفعله وأنت غير محب له أو بشكل عادي، وهذا يسمى معروفاً.
{أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} : خلوا سبيلهن، ولا تطيلوا عليهن العدَّة بقصد الظّلم.
{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ} : الواو: عاطفة، لا: النّاهية، {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ}: لا ترجعوهن زوجات لكم.
{ضِرَارًا} : لكي تضاروهن بالانتقام منهن، والضرار يعني: أن تصنع شيئاً في ظاهره الخير، وتبطن الشر، مثل: إذلال المرأة، والانتقام منها.
{لِّتَعْتَدُوا} : اللام: للتعليل، والتوكيد، تعتدوا: لكي يؤدي ذلك إلى طلب المرأة الخلع، والافتداء بعد الإمساك.
{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} :
{وَمَنْ} : شرطية، {يَفْعَلْ ذَلِكَ}: يعتدي بالإمساك، ثم يطلب الخلع، {ذَلِكَ}: اسم: إشارة يفيد البعد والذم.
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد، وقد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد.
{ظَلَمَ نَفْسَهُ} : بالإثم الّذي قد يوجب العقاب، وسخط الله، فقبل أن يظلم زوجته؛ فقد ظلم نفسه.
{وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} :
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: النّاهية.
{تَتَّخِذُوا} : اتخذ من أفعال التحويل، والتصيير.
{آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} : أي: بما أنزل الله في الكتاب، فمرة تُطلق، ومرة تُراجع من دون مراعاة ما شرع الله، وتطبيق أحكامه.
{هُزُوًا} : عبثاً، أو تعني: الاستخفاف بآيات الله سبحانه وتعالى .
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : بالإسلام، والقرآن، والإيمان، والفقه في الدِّين، والهداية بعد ما كنتم في الجاهلية تسبحون في الضلالات، وكنتم تطلقون المرأة مرات عديدة، وتتركونها كالمعلقة، وتظلمونها.
{وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} : من الآيات، والأحكام الشرعية المذكورة في القرآن، والحكمة (الفقه في السنة الشريفة).
{يَعِظُكُمْ بِهِ} : يوصيكم به، وينصحكم بالطاعة، ويحذركم منه.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، واحذروه.
{وَاعْلَمُوا} : علم اليقين.
{أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} : {أَنَّ} : للتوكيد، {اللَّهَ بِكُلِّ}: الباء: للإلصاق، {شَىْءٍ عَلِيمٌ}: صيغة مبالغة كثير العلم.
عليم بما تعملون من أقوال، وأفعال، وعليم بالّذين يستهزئون بآيات الله، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة، وعليم بنواياكم الحسنة، والسيئة، وما تكنُّ الصدور من خير وشر.
سورة البقرة [2: 232]
{وَإِذَا} : ارجع إلى الآية السابقة.
{طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} : أي: بلغن الأجل الحقيقي (انتهت العدَّة)؛ أي: طلق الزوج، وانتهت العدَّة بينما في الآية السابقة، كما ذكرنا:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} : طلق الزوج، ولكن العدَّة لم تنته بعد، ولكن قاربت على الانتهاء.
{فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} : أي: انتهت العدَّة بعد الطلقة الثّانية، ولم يستنفد الزوج مرات الطلاق (الثّلاثة).
فليس للزوج حق أن يراجع، أو يعود إلى زوجته الّتي طلقها مرتين؛ إلَّا بعد عقد، ومهر جديدين؛ أي: إذا طلق الزوج زوجته مرتين، وانتهت العدَّة، ولنفرض أنّ الزوج يريد أن يعيد زوجته إلى عصمته مرة أخرى، فلا يجب على الأهل أن يتدخلوا، ويمنعوا ذلك بالعضل.
{فَلَا} : الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.
{تَعْضُلُوهُنَّ} : العضل: المنع مع التضييق والشدة؛ أي: لا تمنعوهن أن يرجعن إلى عصمة أزواجهن باستخدام أساليب الترهيب والشدة والتهديد والوعيد إذا أردن الرجوع إلى أزواجهن.
والخطاب موجه إلى الأهل والأقارب بعدم العضل.
وأصل العضل: من قولهم عضلت الناقة؛ أي: احتبس ولدها، وهي تحاول الولادة، وعضلت الدجاجة: نشب بيضها فلم يخرج بسهولة، والداء العضال الذي لا يرجى شفائه، أو صعب المعالجة.
شبه التقلصات العضلية المؤلمة بمحاولات منع الأهل والأقارب الزوجة من العودة إلى زوجها.
{إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} : أي: تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح (عقد جديد، ومهر جديد).
{ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} :
{ذَلِكَ} : اسم إشارة للبعد يشير إلى نهي الولي، أو الأقارب عن العضل؛ أي: المنع، ولم يقل ذلكم، وقال ذلك؛ لأنّ النهي للجماعة؛ كالنهي الواحد يحمل نفس المعنى. مقارنة بقوله تعالى في سورة المجادلة آية (3) في سياق الظهار {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فالله سبحانه أكد الوعظ وشدد على منع الظهار، بينما في آية البقرة: جاءت في سياق العدول عن الطلاق والتراضي بين الأزواج.
{يُوعَظُ بِهِ} : أي: يوصى به، وينصح به بعدم المنع.
{مَنْ} : استغراقية.
{كَانَ مِنكُمْ} : الخطاب موجه إلى النّبي صلى الله عليه وسلم وأمته.
{يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
{ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} :
{ذَلِكُمْ} : بدلاً من ذلك؛ للتعظيم، والتوكيد، ذلكم: اسم إشارة؛ يعني: رد النّساء إلى أزواجهن أفضل من التفريق، والطلاق.
{أَزْكَى لَكُمْ} : أفضل وأطيب.
{وَأَطْهَرُ} : لقلوبكم من الريبة، والوقوف في وجه المرأة الّتي تريد العودة إلى زوجها، فربما لا زال هناك حنان ومودَّة بين الزوجين.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : يعلم ما في قلوب وعقول العباد، ويعلم نواياهم، وما فيها من حب ومودَّة، ويعلم ما تخفي الصدور.
ويعلم ما ينفعكم، وما يضركم عاجلاً، أو آجلاً.
يعلم الغيب، وأنتم لا تعلمون، وما دام سبحانه عالم بالغيب والشهادة؛ فيجب التسليم له، وقبول شرعه وموعظته.
لنقارن هذه الآية (232) من سورة البقرة: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} .
مع الآية (2) من سورة الطلاق: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
الخطاب في آية البقرة: موجه إلى أهل، وأقارب المطلقة بعدم العضل؛ أي: المنع.
أما في آية الطلاق: الخطاب معلوم، ومفهوم من بداية سورة الطلاق أنه موجَّه إلى النّبي والمؤمنين؛ لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} ، فلا داعيَ لذكر منكم في آية الطلاق.
واستعمل (ذلك) في آية البقرة؛ لأنّ الحديث عن المنع هو أمر واحد.
بينما في آية الطلاق الحديث عن الطلاق فاستعمل ذلكم؛ للأهمية، والتوكيد، ولكون الآية في سياق عدَّة أمور، وليس أمراً واحداً؛ مثل: الطلاق، وإحصاء العدَّة، وعدم إخراجهن من بيوتهن....
سورة البقرة [2: 233]
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} : بعد الطلاق؛ لأنّ الطلاق يورث الشقاق بين الرجل والمرأة.
اختلف الفقهاء في معنى الوالدات في هذه الآية.
فمنهم من قال: الوالدات المطلقات.
ومنهم من قال: الوالدات المتزوجات في الحالات العادية.
ومنهم من قال: تشمل كل الوالدات؛ سواء كنَّ متزوجات، أم مطلقات.
وأحكام المطلقة الحامل سيأتي ذكرها في سورة الطلاق.
{يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} : أصلها ليرضعن أولادهن، وأخرج الأمر في صورة الخبر.
لأنّ إرضاع الولد من حليب الأم أصلح للولد، وللأم، وقد بينت الدراسات الطبية: أنّ حليب الأم فيه عوامل مناعية أفضل للطفل، وكذلك العلاقات والروابط بين الأم والطفل تكون أقوى، والإرضاع له فائدة عظيمة للأم؛ لأنه يقلل من حوادث سرطان الثدي، ولم يقل على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين كاملين؛ لأن الوالدات لسن مكلفات شرعاً بالإرضاع.
{حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} : الحول هو السنة، ولماذا استعمل كلمة الحول بدلاً من السنة، أو العام.
لأنّ كلمة الحول من حال، يحول؛ أي: يمنع، تستعمل للحدث المستمر بلا انقطاع؛ كما يحدث في الطلاق، والموت يحولان بين الزوج وزوجته بشكل مستمر، والإرضاع يكون بلا انقطاع؛ لذلك يستعمل القرآن كلمة الحول في هذه الحالات فقط؛ أي: الطلاق، والموت، والإرضاع لتناسب الكلمة المعنى؛ لأنّ الإرضاع يستمر بعد العام الأول إلى العام الثّاني، والمتاع مستمر من دون انقطاع.
{كَامِلَيْنِ} : للتوكيد.
{لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} : جاء بهذه الآية بعد الحولين للتسيير والتخفيف قائلاً: إرضاع الحولين ليس حتماً، ويجوز الإرضاع أقل من الحولين، إذا تم الاتفاق بين والدي الطفل الرضيع.
{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} : على: تفيد العلوية والمشقة.
{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} : لم يقل على الوالد ليُعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأنّ الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إلى آبائهم، وكذلك المولود له قد يكون له أكثر من زوجة فلكي يعلم من هي الزوجة التي ولدت.
{لَهُ} : اللام: لام الاستحقاق.
{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} : أي: مسؤولية الإنفاق على الوالد، وليست على الأم، وللدلالة على الزوجة الّتي ولدت له إذا كان للمولود له عدَّة زوجات.
{رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} : رزق الأم الّتي ترضع، وكسوتها، وكذلك رزق، وكسوة المولود؛ أي: الطعام، واللباس، والسكن.
{بِالْمَعْرُوفِ} : بما تعارف عليه الشّرع من غير تفريط، ولا إفراط، وتفسير بالمعروف مذكور في الآيات التالية.
{لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} ؛ أي: قدر الميسرة؛ أي: الإنفاق قد يكون على قدر غنى الزوج.
الوسع: أعلى درجات القدرة.
ومن الطبيعي أن تكون نفقة المولود (الطعام، واللباس، وما يحتاجه) على المولود له.
أما بالنسبة للإرضاع: هل يجب على الأم إرضاع ولدها؟
قال الإمام مالك: يجب، والرضاع واجب على الأم في حالة الزوجية، أما المطلقة: فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج، ولكنها هي أحق بإرضاع ولدها إذا أرادت، ولها أجر على ذلك (دنيوي مادي من قبل المولود له، وأخروي).
أما الجمهور: فالإرضاع ليس بواجب على المرأة المطلقة، وإنما هو مندوب، وإذا لم يقبل غير ثدييها في هذه الحالة، فيجب على الأم أن ترضع ولدها، أو إذا كان الوالد عاجزاً عن استئجار ظئر مرضعة، أو كان قادراً على الإنفاق، وعنده المال، ولكن لم يجد مرضعة.
{لَا تُضَارَّ} : لا: النّاهية، أو النّافية، {تُضَارَّ}: لها عدَّة احتمالات من حيث البناء للمعلوم، والمجهول، والإعراب. والنتيجة: هي أنّ كلمة لا تضار: تشمل ثلاثة معانٍ لا تضار الوالدة بولدها، ولا يضار الوالد بولده، ولا يضار الولد الطفل الرضيع أيضاً.
والخطاب موجَّه إلى الوالد (المولود له)، والوالدة المطلقة الّتي لها ولد.
فلا يُضار أحدهما الآخر، لا تَضر ولا تُضر، ولا يُضر المولود أيضاً.
1 -
{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} : الباء: باء السببية، أو البدل؛ أي: لا تُضار والدة بسبب ولدها؛ كأن يمنعها ما تستحقه من الرزق والكسوة، والإنفاق عليها، وعلى المولود، فلا يتركها تسأل النّاس من أجل رزقه وكسوته.
2 -
ولا يأخذ الطفل، وهي تريد إرضاعه (لحبها إياه).
3 -
ولا يكرهها على الإرضاع بأي شكل.
{وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} : بأن تلقي إليه بولده، ولا يجد مرضعاً له، أو أن تطلب منه نفقة لا يستطيع عليها، أو لا ترضعه نكايةً وانتقاماً من الزوج، أو تفضحه أمام النّاس.
{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} : أي: في حالة موت والد المولود يصبح الّذي يتولى رعاية المولود والإنفاق عليه هو الوارث الّذي يرث الوالد الّذي توفِّي.
والرضيع هنا يُعتبر يتيماً، ورعايته واجبة على من يرث الوالد المتوفَّى، وعلى الوارث أيضاً النفقة، والأجرة للأم المرضع، أو غيرها.
وقيل: الوارث هو أحد والدي الصبي الّذي بقي حيّاً (أمه، أو أبوه).
وقيل: الوارث هو الصبي نفسه، فتجب النفقة عليه، وعلى إرضاعه من ماله الّذي ورثه إن كان له مال.
{مِثْلُ ذَلِكَ} : تجنب الإضرار.
{فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} :
{فَإِنْ} : الفاء: تفيد الترتيب الذكري، إن: شرطية تحمل معنى الاحتمال، أو الندرة.
{أَرَادَا} : الوالدان، {فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ}:
وهذا دليل على الحث على تشاور الوالدين فيما يؤدي إلى إصلاح الصغير، وتربيته.
{فِصَالًا} : الفصام: الفطام، هو عندها ينفصل الرضيع عن أمه، ويصبح قادراً على أكل الطعام غير حليب الأم.
أي: إن أرادا فطام ولدهما قبل الحولين، فلا مانع إذا اتفقا على ذلك، أو رضيت الأم المطلقة، والمولود له على جلب مرضع آخر.
{عَنْ تَرَاضٍ} : اتفاق بينهما، {وَتَشَاوُرٍ}: بينهما فيما يحقق مصلحة الولد.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} : أي: لا إثم عليهما.
{وَإِنْ} : الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال والشك والقلة.
{أَرَدتُّمْ أَنْ} : حرف مصدري تفيد التعليل والتوكيد.
{تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} : أي: أن تأتوا للطفل بمرضعة، فلا إثم عليكم إذا لم ترض الأم بإرضاعه؛ لامتناع المولود له (أي: زوجها الّذي طلقها) عن دفع ما تطلبه الوالدة المطلقة، أو لأسباب أخرى.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : لا إثم عليكم. ارجع إلى الآية (198) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم} : أي: إذا دفعتم للأمهات أجور ما أرضعن لكم قبل الامتناع، أو سلمتم إلى الظئر أجرها.
{بِالْمَعْرُوفِ} : بلا مماطلة، أو نقص بالذي أمركم به الشّرع، ومن دون ظلم، ومخالفة للشرع.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} :
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا الله فيما أمركم به من الأحكام في الطلاق، والإرضاع.
{وَاعْلَمُوا} : علم اليقين.
{أَنَّ} للتوكيد.
{اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ} : بما تقولون، وتفعلون.
{بَصِيرٌ} : أي: يراكم ويرى أعمالكم، وحركاتكم، ولا تخفى عليه خافية في السموات، ولا في الأرض، فليحذر الّذين يخالفون عن أمره وقدّم {تَعْمَلُونَ} على {بَصِيرٌ} ؛ لأنّ سياق الآيات في أعمال العباد.
سورة البقرة: [الآيات 234 - 237]
سورة البقرة [2: 234]
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} : تقبض أرواحهم بالموت؛ أي: يموتون، أو تتوفاهم ملائكة الموت، وحذف الفاعل، وهو الله سبحانه.
{وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} : أي: يتركون أزواجاً، جمع زوج، أو زوجة؛ أي: زوجات، والزوج يطلق على الذكر والأنثى، ويسمى كل من الرجل والمرأة زوجاً؛ لأنّ كلاً منهما مكانه يشبه الآخر، وهنا تعني: الزوجة.
{يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} : التربص: هو الانتظار، والتربص: هو الانتظار الّذي يشعر فيه المنتظر بطول الزمن، أو طول الانتظار، ارجع إلى الآية (226) من سورة البقرة.
{يَتَرَبَّصْنَ} : أي: ليتربصن: لام التّوكيد (الأمر). والباء: للإلصاق، والتأكيد.
{أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} : وهي عدَّة المتوفَّى زوجها، هذا إن لم تكن حاملاً؛ فإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، كما جاء في الكتاب والسنة:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].
إذن: عدَّة المتوفَّى زوجها (4) أشهر وعشراً، وعليها التربص حتّى انقضاء العدَّة، وتتضمن العدَّة: عدم التزين، والخروج إلى الأسواق؛ إلَّا للضرورة، وعدم التعرض لأنظار الخطاب، والبقاء في بيت الزوجية.
والسؤال الأول: لماذا قال: عشراً، ولم يقل: عشرة؟
لأنّ العرب تقول: عشر ليالٍ، وعشرة أيام؛ فإذا أبهمت العدد غلبوا الليالي.
إذن هنا العدَّة أربعة أشهر وعشر ليالٍ.
السّؤال الثّاني: لماذا العدَّة هنا أربعة أشهر وعشراً، أما عدَّة المطلقة (3) قروء ـ أو عدَّة من غير ذوات الحيض لصغر سنها، أو كبرها ثلاثة أشهر ـ مع العلم أنّ براءة الرحم تكون بثلاثة قرء، أو ثلاثة أشهر؟
الجواب: لأنّ المتوفَّى عنها زوجها تحتاج إلى وقت أطول لكي تهمد العاطفة الزوجية الّتي كانت بينها وبين زوجها المتوفَّى ـ من حب وإخلاص ـ بعكس المطلقة الّتي عادة تكره زوجها، بل هذا اعترافٌ له بالفضل، واحترامٌ له، ولأهل الزوج، وقدسية الأسرة ـ خاصة إذا كان له أولاد ـ.
السّؤال الثالث: هل هذه الآية ناسخة لآية الحول البقرة (240)، ولماذا سبقت هذه الآية آية الحول في القرآن:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ؟
ذهب جمهور العلماء: أنّ هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه: {وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} إذن العدَّة كانت حولاً كاملاً، ثم نسخ ذلك، وأصبحت أربعة أشهر وعشراً، ولنعلم أنّ هذه الآية، وإن كانت متقدِّمة في القرآن، أو التلاوة على آية الاعتداد بالحول؛ إلَّا أنها نزلت بعد آية الاعتداد بالحول، فهذا يدل على أنّ ترتيب القرآن كما عليه الحال قد يخالف ترتيب النّزول.
{فَإِذَا} : الفاء: للترتيب، والتعقيب.
{بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} : أي: أتممن عدتهن وانتهت مدَّة التربُّص.
الأجل: هو المدَّة المضروبة (أي: المحددة)؛ لانقضاء الشّيء، وكل أجل مدَّة، وليس كل مدَّة أجلاً، والمراد به هنا: انقضاء العدَّة.
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : فلا إثم عليكم، ولا جناح جملة اسمية أقوى بالنفي من الجملة الفعلية، وليس عليكم جناح.
{فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ} : من التزيُّن، والتعرُّض للخطاب بعد انقضاء العدَّة.
{بِالْمَعْرُوفِ} : المعروف هنا جاء على شكل معرفة بـ (أل): وهو الزواج، أو بالوجه الّذي يقرُّه الشّرع؛ أي: بعد انقضاء العدَّة (4) أشهر وعشراً لا جناح عليكم فيما إذا تزوَّجن، والباء بالمعروف باء الإلصاق؛ أي: الزواج.
إذن بالمعروف: بالزواج.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} : {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} : أي: تقولون، أو تفعلون:{خَبِيرٌ} : ببواطن الأمور وظواهرها، وقدم تعملون على خبير؛ لأن سياق الآية في العمل (التربص والعدة)؛ ارجع إلى الآية (240) من نفس السورة للمقارنة والبيان.
ثم يذكر الله سبحانه بعد عدَّة المتوفَّى عنها زوجها كيف تتم الخطبة.
سورة البقرة [2: 235]
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: نافية للجنس.
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : لا إثم عليكم، ولا جناح عليكم: جملة اسمية تدل على الثبوت، وهي أقوى من الجملة الفعلية ليس عليكم جناح؛ لأنها تدل على التجدُّد، والتكرار، ولم يقل: وليس عليكم جناح؛ ارجع إلى الآية (158) من نفس السورة للبيان.
{فِيمَا} : في: ظرفية زمانية ومكانية، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.
{عَرَّضْتُم} : التعريض في خطبة المعتدة المتوفَّى زوجها.
أي: المرأة لا زالت في عدتها (4 أشهر وعشراً) بعد أن توفِّي زوجها عنها.
ما يباح هنا التعريض؛ أي: التلويح من دون تصريح.
كأن يقول: أنا أبحث عن زوجة، أنا رجل أعزب، أنا لا أحب الوحدة، وأحب أنّ أتزوج، هل تعلمين من يصلح لي، مهنتي كذا، وكذا.
{مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} : خِطبة بكسر الخاء، وأصل الكلمة مشتقة من الخطب، والخطب هو الأمر العظيم، والخطبة أمر عظيم؛ لأنها ستؤدي إلى عقد الزواج (الميثاق الغليظ).
{أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} : أي: لا إثم عليكم فيما أكننتم في أنفسكم، الإكنان: الإضمار في النفس من الرغبة في الزواج بها، أو العزم على إتمام عقد النكاح بعد انقضاء عدتها.
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ} : للتوكيد، {سَتَذْكُرُونَهُنَّ}: أي: علم أنكم لا محالة ستبقون تتكلمون في رغبتكم بالزواج بهن، ولا يجوز إعلان ذلك للملأ حتّى تنتهي العدَّة.
إذن يسمح لكم بالتعريض، ويسمح لكم أن تفكروا بهن وبذكرهن، والذي لا يسمح لكم أن تواعدوهن سراً.
{وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} : السر: لا يعلم به أحداً إلا صاحبه فقط والله سبحانه؛ فالتواعد سراً هذا غير مسموح به، أو تواعدوهن بالزواج، وهي لا زالت في زمن العدَّة، فلا لقاء سري، ولا خلوة بينكما، أو تقولوا لبعضكم بعضاً: هل تتزوجينني بعد انقضاء العدَّة، أو تقول: أنا أحبك، أو تأخذوا منهن وعداً، أو عهداً بالزواج منكم.
أو ينتهي الشيطان بكم إلى أسوأ من ذلك إلى المداعبة، أو التقبيل، وأخيراً الزنى.
{إِلَّا} : أداة استثناء، {أَنْ}: أنّ مصدرية بعد التعليل والتوكيد.
{قَوْلًا مَّعْرُوفًا} : أي: ما شرع لكم، وسمح لكم بالتعريض فقط.
{وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: ناهية.
{تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} : العزم: التصميم على تنفيذ الأمر، أو القيام به مع القدرة والقوة على فعل ذلك؛ أي: ولا يسمح لكم بالقيام بعقد النكاح، ولا حتّى بالعزم على القيام به.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية.
{يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} : أي: تنقضي العدَّة.
والكتاب: المدَّة التي كتبها الله، وهي (4) أشهر وعشراً.
إذن نفهم مما سبق: أن هناك ثلاث مراحل:
1 -
مرحلة التعريض.
2 -
مرحلة العزم.
3 -
مرحلة العقد.
{وَاعْلَمُوا} : علم اليقين.
{أَنَّ اللَّهَ} : للتوكيد، {يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ}: من العزم، والحب، وعدم الصبر.
{فَاحْذَرُوهُ} : أي: احذروا القيام بأي شيء يخالف شرع الله.
{وَاعْلَمُوا} : التكرار: للتوكيد، والتحذير، واعلموا أنّ الله يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.
{أَنَّ اللَّهَ} : للتوكيد، {غَفُورٌ}: لمن يحذره، ويخافه، ويتقيه.
{حَلِيمٌ} : لأنه يمهل، ويؤخر العقوبة؛ لكي تتوبوا، ويغفر لكم. ارجع إلى الآية (225) من سورة البقرة.
سورة البقرة [2: 236]
{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : لا إثم عليكم، ارجع للآية (235) لمزيد من البيان.
{إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} : إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك والقلة، {طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ}: الطلاق: هو حل عقدة النكاح.
{مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} : ما: شرطية (إن لم تمسوهن)، أو ظرفية زمانية (مدة لم تمسوهن).
{تَمَسُّوهُنَّ} : كنى بالمس عن الجماع، والمس: هو أخف اللمس، وهو مجرد لمس شيء بشيء، ولو لأقل جزء من الثّانية بحيث لا يتأثر بالممسوس، أو يدرك طبيعته.
أما اللمس: فهو التصاق شيء بشيء مع إدراك طبيعته، هل هو خشن، أو ناعم، أو حار، أو بارد.
{أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} : أي: تذكروا، أو تقدروا لهن مهراً.
{وَمَتِّعُوهُنَّ} : أي: أعطوهن شيئاً إكراماً لهن من مال، أو هدية.
والمتعة: هي ما يعطيه الزوج من مال، أو كسوة، أو حلية للزوجة إكراماً لها، وتخفيفاً؛ لحدث الطلاق.
{عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ} : على الغني قدره: أي: المبلغ الّذي يُطيقه، أو يقدر عليه.
والموسع من أوسع، ويقال: أوسع الرجل: إذا كثر ماله وغناه.
{وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} : على الفقير قدره؛ أي: المبلغ الّذي يُطيقه، أو يقدر عليه.
المقتر: من أقتر، يقال: أقتر الرجل إذا افتقر؛ أي: هو في ضيق من النفقة.
{مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} : هذا المتاع هو ما تعارف عليه النّاس، أو المستحسن، وهو كل ما عرف حسنه في الشّرع، والباء بالمعروف: للإلصاق، ارجع إلى الآية (228) من سورة البقرة.
{حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} : حقاً من باب الإحسان، والتطوع، وليس بواجب، أو فرض.
بينما لو قال: حقاً على المتقين؛ يعني: واجب، أو فرض على المتقين؛ أي: من باب التّقوى والفرض.
سورة البقرة [2: 237]
{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} : إن شرطية تفيد الاحتمال والندرة.
{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} : من قبل أن تدخلوا بهن (ويحدث الجماع) والمباشرة. أن: حرف مصدري يفيد التعليل، والتوكيد.
{وَقَدْ} : قد: للتحقيق، والتوكيد.
{فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} : أي: سمَّيتم المهر، وتحدثتم عن المهر، أو ذكرتم لهنَّ المهر، وكم هو من المال.
{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} : الفاء: للتوكيد، نصف ما فرضتم من المهر: أي: لهن نصف الفرض.
{إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} : إلَّا أداة حصر، أو استثناء، أن: حرف مصدر يفيد التعليل، والتوكيد.
{يَعْفُونَ} : أي: الزوجة المطلقة الّتي لم تمس تسقط، أو تترك حقها؛ أي: تتنازل عن النصف المفروض لها.
{أَوْ يَعْفُوَا الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} : الّذي بيده عقدة النكاح. قيل: هو الزوج؛ أي: يعفو، ويعطيها المهر كاملاً؛ أي: يتنازل لها عن النصف الآخر الّذي ليس مفروضاً لها.
وقيل: الّذي بيده عقدة النكاح هو الولي، والحقيقة: أنّ المهر من حق الزوجة، والولي لا دخل له.
{وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} : وأن: للتعليل، والتوكيد.
{تَعْفُوا} : من عفا يعفو، وهو الأقرب للتقوى؛ أي: الأكثر تقوى هو الّذي يعفو للآخر، سواء كان الرجل، أو المرأة، وليس العفو فقط بالمال، بل أن تعفو عن الأخطاء، أو النميمة، والغيبة، وربما الشتم، والإهانة الّتي قد تحدث بين الطرفين، وعليكم بالصبر والاحتساب، والذي يدعي التّقوى عليه أن يظهرها في هذه المواقف.
{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} : {وَلَا} : لا النّاهية، {تَنْسَوُا الْفَضْلَ}: هو المودة بالإحسان، ولا تنسوا الصلة الّتي كانت قائمة، والروابط.
ولا تنسوا الإحسان في مقام الخلاف، والبغضاء، والرضا بما قدر الله.
أو تنازل أحدكما للآخر عن حقه، وإنهاء الخلاف.
{إِنَّ اللَّهَ} : للتوكيد، {بِمَا}: الباء: للإلصاق، {تَعْمَلُونَ}: من الأعمال تضم الأقوال، والأفعال.
{بَصِيرٌ} : يراكم، ويطلع على أعمالكم؛ أي: أفعالكم، وأقوالكم، ولا تخفى عليه خافية في السموات، والأرض.
وقدَّم تعملون على بصير بدلاً من قوله: والله بصير بما تعملون؛ لأنّ سياق الآيات في أعمال العباد الظاهرة.
يمكن تلخيص ما سبق:
المطلقات:
مدخول بها:
ـ مفروض لها مهر، لها المهر كاملاً، وعدتها ثلاثة قروء، ولها متعة.
ـ غير مفروض لها مهر، لها مهر المثل، وعدتها ثلاثة قروء، ولها متعة.
غير مدخول بها:
ـ مفروض لها مهر، لها نصف المهر، وليس عليها عدَّة، ولها متعة.
ـ غير مفروض لها مهر، ليس لها مهر، وليس عليها عدَّة، ولها متعة.
*
سورة البقرة [2: 238]
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} :
المناسبة: في خضم آيات الطلاق، وسياقها تأتي آية حافظوا على الصلوات، والصّلاة الوسطى؛ لتذكرنا أنّ نلجأ إلى الصّلاة في أيام وساعات الطلاق، والفراق الصعبة، فالصّلاة تبعث على الاطمئنان، وعدم الظّلم، والجور، وتحث على الصبر، والعفو، وعدم اليأس، وتهدئ القلوب المتأججة.
كما رأينا آية الدّعاء، آية (186) من سورة البقرة:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى} تشق آيات الصّيام لتذكرنا بأهمية الدّعاء أثناء الصّيام، وفي أيام رمضان، فسبحان الّذي نزل الذكر.
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} : حافظوا من الحفظ، والحفظ: هو عدم النسيان، والمحافظة على الصلوات؛ تعني: المداومة عليها، وعدم تضييعها، والتمسك بها في أوقاتها، وسننها، وأركانها، وخشوعها.
{وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} : للدلالة على أهميتها، ومكانتها، فهذا يطلق عليه ذكر الخاص (وهو الصّلاة الوسطى) بعد ذكر العام (الصلوات)، ويسمى عطف الخاص على العام، وله قيمة بلاغية؛ للتأكيد على أهمية الصّلاة الوسطى.
والصّلاة الوسطى لم يحدِّدها سبحانه، والوسطى: هي من الوسط، وهو العدل، والخيار؛ أي: الفضلى، والله سبحانه أخفى الصّلاة الوسطى، كما أخفى ليلة القدر، وساعة الاستجابة يوم الجمعة، كما أخفى اسمه الأعظم؛ ليكون العبد على اتصال دائم مع ربه، وذهب كثير من المفسرين، والفقهاء إلى أنها صلاة العصر؛ لأنها تقع بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر من طرف، وصلاة المغرب والعشاء من طرف آخر.
وهناك من قال: إنها صلاة الظهر؛ لأنها تقع في وسط النهار، أو صلاة المغرب؛ لأنها تقع بين الليل والنهار، أو صلاة الفجر.
وقد تنتقل الصّلاة الوسطى من العصر إلى الظهر إلى الفجر، كما تنتقل ليلة القدر من (21) إلى (23) إلى (25) إلى (27).
{وَقُومُوا لِلَّهِ} : قفوا على أرجلكم للصلاة.
{قَانِتِينَ} : جمع قانت، والقنوت: هو الطاعة؛ طاعة أوامر ونواهي الله تعالى، والاستقامة عليها؛ أي: الدوام على طاعة الله. وقيل: طول القيام في الصلاة، وقيل: الخشوع والسكوت، وقيل: الدعاء، والصلاة والقنوت في الشرع الدعاء في صلاة معينة مثل الوتر، أو بصفة معينة، أو الركعة الأخيرة.
سورة البقرة [2: 239]
{فَإِنْ} : الفاء: للترتيب الذِّكري، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والشك، أو قلة الحدوث.
{خِفْتُمْ} : من عدوكم، أو من أي شيء يدعو إلى الخوف، وعدم الاطمئنان.
{فَرِجَالًا} : أي: صلُّوا، وأنتم سائرون على الأقدام مستقبلي الكعبة، أو صلوا بأي اتجاه.
{أَوْ رُكْبَانًا} : أو صلوا وأنتم راكبون على خيولكم، أو في سياراتكم، أو غيرها قياماً، أو قعوداً.
{فَإِذَا} : الفاء: للترتيب الذِّكري، إذا: شرطية تفيد الحتمية، والإلزام، وكثرة الحدوث.
{أَمِنتُمْ} : زالت أسباب الخوف، وأصبحتم في أمان؛ فصلوا مستقبلي القبلة، وبخشوع، وقنوت.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ} : فاشكروا الله تعالى على الأمن بالذكر (التسبيح، والحمد، والتهليل)، والصّلاة من الذكر، والشكر من الذكر.
{كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} : {كَمَا عَلَّمَكُمْ} : كما للتشبيه، علمكم من الأحكام، والشرائع، والعبادات، {مَا لَمْ}: ما: اسم موصول بمعنى: الّذي، لم: للنفي، {تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}: قبل مجيء الرّسول صلى الله عليه وسلم، وإنزال القرآن.
سورة البقرة [2: 240]
هذه الآية نزلت في بدء الإسلام، ثم نسخت، كما ذكر أكثر الفقهاء بآية (234) من سورة البقرة:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} .
وقيل: لم تنسخ، وإنما خفَّف الله على هذه الأمة من العام (أو الحول) إلى أربعة أشهر وعشراً، وأصبحت النكرة (من معروف) معرفة بـ (أل) التعريف (بالمعروف): وهو الزواج.
في بداية الإسلام كانت عدَّة المتوفَّى عنها زوجها متاعاً إلى الحول، ثم تحولت وأصبحت أربعة أشهر وعشراً.
وأما الفروق بين الآيتين (234) و (240) من سورة البقرة فهي:
في الآية (234): {بِالْمَعْرُوفِ} : (الباء للإلصاق)، والمعروف هو الزواج.
أما من معروف في الآية (240): فيشمل الزينة، والخروج من المنزل، والتعريض للخطاب.
في الآية (234): الخطاب إلى المتوفَّى عنها زوجها.
أما في الآية (240): فالمخاطب أهل الميت.
في الآية (234): {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .
أما في الآية (240): {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . فارجع إلى الآية (129) من نفس السورة للبيان.
سورة البقرة [2: 241]
{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} :
{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ} : اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
كل المطلقات جميع المطلقات لهن متعة، كما قال مالك: المتعة مستحبة لجميع المطلقات، وذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أنها واجبة للمطلقة الّتي لم يفرض لها مهر، وأما الّتي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة.
{مَتَاعٌ} : من المتعة: وهو ما يعطيه الزوج من مال، أو كسوة، أو حلية، أو غيرها لزوجته المطلقة إكراماً لها، وتخفيفاً.
{بِالْمَعْرُوفِ} : أي: متعة لا مبالغة فيها، ولا تقصير على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره.
{حَقًّا} : أحقَّه الله للمرأة المطلقة، فلا تقول: لا أريده، بل تأخذه، وتتصدق به إذا لم تكن لها حاجة به، وسواء أكان واجباً، أم مستحباً.
{عَلَى الْمُتَّقِينَ} : واجباً، أو مستحباً على الأتقياء، وإذا لم يدفع لها المتعة عليه ذنب، وعقاب، ولو قال: حقاً على المحسنين؛ لكان من باب التطوع، والإحسان، وليس عليه عقوبة وذنب. وهناك فرق بين (حقاً على المتقين)، و (حقاً على المحسنين)؛ على المتقين: أي: وجباً أو مستحباً، أما على المحسنين: أي: في صورة الإحسان وليس بواجب أو فرض كما هو حقاً على المتقين.
سورة البقرة [2: 242]
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} :
{كَذَلِكَ} : تعني في مثل هذه الآيات، والآيات الّتي سبقتها.
{يُبَيِّنُ} : يوضح الله لكم الأحكام، والحدود في الطلاق، والرضاع، والعدَّة، والمتاع.
{آيَاتِهِ} : إضافة هاء الضمير للآيات تشريفٌ لها؛ لكونها آياتٍ خاصة مهمة مقارنة بقوله: آيات.
{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} : لعلكم: للتعليل؛ أي: لتعقلوا لتفهموا ما عليكم من واجبات. ارجع إلى الآية (44)، والآية (73) من نفس السورة للبيان.
سورة البقرة [2: 243]
{أَلَمْ} : الهمزة استفهام تعجب، وتشويق إلى ما سيذكر.
{تَرَ} : الرؤية هنا رؤية قلبية بمعنى: العلم؛ أي: ألم تسمع، أو يصل إلى علمك خبر هؤلاء الّذين خرجوا من ديارهم.
{الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} : تركوا وهجروا ديارهم، وقيل: هم من بني إسرائيل.
{وَهُمْ أُلُوفٌ} : ألوف جمع كثرة، خرجوا وهم ألوف (أكثر من العشرة يقال له جمع كثرة، وأقل من العشرة يقال له جمع قلة) مثل: {بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [آل عمران: 124].
{حَذَرَ الْمَوْتِ} : أي: لتوقي وتجنب الموت.
والحذر: هو توقي الضرر، سواء كان مظنوناً، أو متيقَّناً، والحذر يدفع الضرر، والخوف لا يدفع الضرر.
{حَذَرَ الْمَوْتِ} : بيان للعلة، ولم يخبرنا ما هو سبب الموت؛ لكونه لا يهم في هذه القصة.
{فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} : أي: فأماتهم الله سبحانه ميتة رجل واحد بكلمة كن فيكون.
إذن هم خرجوا حذراً من الموت، وها هو الموت حل بهم.
أو هم هربوا من قدر الله إلى قدر الله، فما فائدة خروجهم، لو لم يخرجوا لماتوا وهم في عقر ديارهم، وها هم خرجوا فماتوا بعيداً عن ديارهم، إذن ما هي العبرة؟
وقيل: السبب في خروجهم كان وباء الطاعون.
وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، والدفاع عن بلادهم، فهربوا حذراً من الموت والقتل في سبيل الله.
{ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} : سبحانه، وكان قادراً على تركهم أمواتاً حتّى يوم يبعثون.
أحياهم ليعظهم، ويبيِّن لهم، ولغيرهم: أنّ أمر الموت والحياة بيده سبحانه، ومرهون بمشيئته تعالى، وليس بمرض، أو جهاد، أو قتال.
{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} : إن: للتوكيد، {لَذُو}: اللام للتوكيد.
ولو مات هؤلاء في ديارهم ولم يهربوا، ماتوا من طاعون أو بسبب الجهاد، وقتال العدو؛ لكان لهم أجر الشّهيد؛ أي: لماتوا شهداء، ووجبت لهم الجنة، وهذا فضل من الله تعالى، والموت إذا كان في سبيل الله، وإعلاء كلمته (كلمة الحق) فهو من أفضل النِّعم.
{عَلَى النَّاسِ} : ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} : {وَلَكِنَّ} : حرف استدراك.
{أَكْثَرَ النَّاسِ} : أي: هناك القليل منهم يشكرون؛ كقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].
أكثر النّاس لا يعلمون أنّ هذه الابتلاءات بالخير والشر كلها نِعَم، وليس نقم، ومن فضل الله أنه يبتلي عباده؛ ليزيدهم أجراً، وفضلاً، ومن أكبر هذه النعم الجهاد في سبيل الله، ولأنهم لا يعلمون أنها كلها خير، ولذلك لا يشكرون الله عليها، وبذلك تكون عاقبة ابتلائهم خُسراً.
فأكثر النّاس لا يشركون: إما العدد، عدد من يشكرون قليل.
أو كمية الشكر (مقدار الشكر) قليل؛ أي: عددهم كبير، وشكرهم قليل.
سورة البقرة [2: 244]
{وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} :
{وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم؛ لإعلاء كلمة الله، ودينه، وإظهار الحق، ودحر الباطل.
{وَاعْلَمُوا} : علم اليقين واذكروا.
{أَنَّ اللَّهَ} : أن: للتوكيد.
{سَمِيعٌ} : لما تقولونه بالسر، والعلن خيراً، أو شراً.
{عَلِيمٌ} : بأقوالكم، وأفعالكم، لا تخفى عليه خافية، وعليم بنواياكم، وظاهر الأمور وبواطنها، وعليم بذات الصدور.
سورة البقرة [2: 245]
في الآية السابقة حث الله سبحانه على الجهاد بالأنفس، وفي هذه الآية يحث على الجهاد بالمال، والإنفاق في سبيله، وعبر عن ذلك بالقرض الحسن فقال:
{مَنْ ذَا} : من: اسم استفهام؛ للتشويق والترغيب.
{يُقْرِضُ} : القرض: دفع المال لمن ينتفع به، ويرد بدله، أو يُعيده إلى صاحبه.
{قَرْضًا حَسَنًا} : القرض الحسن: هو القرض الّذي يُعطى ابتغاء وجه الله، ويعطى من دون منٍّ ولا أذى، وبحب لا كراهية عن طيب نفس، ومن مال طيب، وأن يتحرى الجهات الأشد حاجة إليه.
وقد وصف القرض بالقرض الحسن في كل القرآن، وجاء ذلك في (6) آيات.
{فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} : الهاء: تعود إلى المنفق أضعافاً كثيرة لحثه على الإنفاق.
والقرض ثوابه أعظم من ثواب الصدقة. القرض يضاعف إلى (18) ضعف، وأما الصدقة بعشر أضعافها.
{وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْص ُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} : {وَاللَّهُ يَقْبِضُ} : والله يُضيق على بعض في الرزق، ويوسع على بعض حسبما تقتضيه حكمته، ومشيئته.
{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} : إليه تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.
{تُرْجَعُونَ} : من دون إرادتكم؛ أي: قسراً ومن دون خيار يوم القيامة.
1 -
ولنقارن هذه الآية مع آية البقرة (247)، وآية الأعراف (69)، مع الانتباه إلى كيفية كتابة ولفظ الكلمات: يبصط، يبسط، بصطة.
آية البقرة (245): {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْص ُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
آية البقرة (247): {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} .
آية الأعراف (69): {وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَص ْطَةً} .
وللمقارنة يجب أنّ نعلم: أنّ حرف الصاد يمتاز بالاستعلاء، أما حرف السين فيمتاز بالرخاوة، وإذا قارنا يبصط، ويبسط:
يبصط: أقوى وأشد توكيداً من يبسط.
وبصطة: أقوى وآكد من بسطة.
بصطة: مطلقة عامة، وبسطة: مقيدة، والمطلقة أقوى من المقيدة.
وإذا نظرنا في سياق الآيات:
بسطة: جاءت في سياق طالوت: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247].
وبصطة: جاءت في سياق قوم هود: {وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَص ْطَةً} [الأعراف: 69].
فآية البقرة: جاءت في سياق فرد واحد، وهو طالوت، ومقيدة في العلم والجسم.
أما آية الأعراف: جاءت في سياق قوم هود أكثر من فرد، ومطلقة في الخلق.
إذن: آية الأعراف أقوى وأشد ومطلقة استعمل الصاد فيها بينما آية البقرة أضعف، ومقيدة، واستعمل السين.
2 -
وكذلك لا بد من مقارنة هذه الآية مع الآية (261) من سورة البقرة، والآية (11) من سورة الحديد:
آية البقرة (245): {مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ} : لم يحدد هذه الأضعاف الكثيرة في هذه الآية، ولكنه حددها في قوله:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261].
التحديد بسبعمئة ضعف، أو أكثر.
أما آية الحديد (11): {مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} .
في البقرة: ذكر أضعافاً كثيرة، ذكر الكم، ولم يحدِّدها، وتركها مطلقة.
في الحديد: ذكر فيضاعفه له، وله أجر كريم: ذكر الكم (يضاعفه فقط)، والكيف أجر كريم (ذكر الكم والكيف).
ولو نظرنا إلى السياق نجد: أنّ آية البقرة جاءت في سياق القتال، وأما السياق في آية الحديد هو في الإنفاق بشكل عام، فالسياق مختلف.
سورة البقرة [2: 246]
{أَلَمْ تَرَ} : الهمزة: استفهام فيه معنى التعجب، وتشويق إلى ما سيرد في الآيات التالية.
{تَرَ} : الرؤية قلبية بمعنى العلم؛ أي: ألم ينته علمك، أو يصل إلى علمك خبر الملأ من بني إسرائيل.
{الْمَلَإِ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ} : الملأ: الأعيان، وممثلو القوم، أو وجهاء القوم، كلمة الملأ مشتقة من الّذين يملؤون العيون هيبة ورهبة، أو يراهم النّاس دائماً. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (75، 88) للبيان.
{مِنْ بَعْدِ مُوسَى} : {مِنْ} : ابتدائية، {بَعْدِ مُوسَى}: بعد موت موسى عليه السلام .
{إِذْ} : ظرف زمان للماضي؛ يعني: حين قالوا.
{قَالُوا لِنَبِىٍّ لَهُمُ} : لم يذكر الله سبحانه اسمه، وقيل: هو شمويل على قول أكثر المفسرين.
{ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : نصّب، أو عيّن لنا ملكاً.
والبعث: هو الإرسال مع الحث، والتهييج، والإثارة، والشدة.
إذن هم من بدون ملك، ولهم نبي ويريدون الجهاد في سبيل الله؛ لأنهم أخرجوا من ديارهم، وشردوا وتركوا أبناءَهم، وأموالهم وديارهم.
{قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} :
قال نبيهم لهم: {هَلْ} : استفهام للتقرير.
{عَسَيْتُمْ} : من عسى، فعل توقعٍ وترجٍّ.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال والشك.
{كُتِبَ} : فرض عليكم الجهاد.
{أَلَّا تُقَاتِلُوا} : أي: أن لا تقاتلوا. أن: حرف مصدري للتعليل، لا: نافية.
وكأنه يشك فيهم أنهم سيقاتلون، وذلك لعلمه بهم، ومعرفته لهم، وجبنهم من قبل، أو سابقاً.
{قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} :
{قَالُوا وَمَا لَنَا} : ما: اسم استفهام، لنا أن لا نقاتل في سبيل الله؛ أي: ليس لنا عذر، أو مبرر ألا نقاتل في سبيل الله.
{وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} :
{وَقَدْ} : حرف تحقيق وتوكيد، والواو: حالية (للتوكيد).
{أُخْرِجْنَا} : أخرجونا بالقوة، وليس برغبتنا؛ أي: مكرهين.
{أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا} ؛ أي: إن لم نقاتل في سبيل الله نقاتل؛ لأننا شردنا من ديارنا وأبنائنا.
{وَأَبْنَائِنَا} : أخذوا سبايا، أو تركناهم وراءنا.
{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} :
{فَلَمَّا} : الفاء: للتعقيب، والترتيب، لما: ظرفية، حينية، متضمنة معنى الشرط.
{كُتِبَ} : فرض عليهم الجهاد، وشرع عليهم الجهاد، كما طلبوا.
{تَوَلَّوْا} : أعرضوا، ورفضوا أن يجاهدوا في سبيل الله، ولووا ظهورهم، وبذلك يتبيَّن لماذا قال لهم نبيهم سابقاً:{هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} .
{إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} : أي: هناك القليل الّذين لم يتولوا، والتزموا بعهدهم على القتال، وقيل: كانوا (313) بعدد أهل بدر.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} : الّذين تولوا، وأعرضوا، ونقضوا عهدهم، وقعدوا عن الجهاد، والقتال، وبذلك ظلموا أنفسهم، ويعتبر هذا وعيداً لهم. ارجع إلى الآية (53) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 247]
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ} : {إِنَّ} : للتوكيد، توكيد البعث.
{لَهُمْ} : تقديم لهم على نبيهم؛ (أي: الجار والمجرور): يدل على أنه نبي خاص بهم، وليس نبياً لغيرهم.
{قَدْ} : للتحقيق، والتوكيد.
{بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} : إن: للتوكيد. اللهَ: اختار لكم أو نصَّب، أو عيَّن لكم طالوت ملكاً.
{قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ} : {أَنَّى} : تعني: كيف، ومن أين يكون له الملك؟! للتعجب والاستفهام.
وفي هذا إنكار سريع لبعثه ملكاً عليهم، واستبعادٌ، فهو ليس من سبط النبوة (وهم بنو لاوي)، ولا من سبط الملوك (وهم بنو يهوذا).
{وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} : أي: أنه لا يستحق الملك؛ لوجود من هو أحق بالملك منه.
{وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} : أي: أنه فقير كذلك، ولم يؤت من المال ما يستعين به على إقامة الملك.
{قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} :
{قَالَ إِنَّ} : قال: لهم نبيهم إن للتوكيد.
{اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} : اختاره ملكاً عليكم، وهو أعلم منكم، ولا اعتراض على حكم الله.
والاصطفاء: هو الاختيار من أشياء متشابهة؛ أي: اختاره من بينكم.
{وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} : بسطة تعني: سعة في العلم (كان من أعلم بني إسرائيل
…
) بعلم الحروب، أو القتال، والجسم: طويل، عظيم القامة، يثير هيبة في القلوب. ارجع إلى الآية (245) من نفس السورة لمقارنة أنواع البسطة ويبصط.
انتبه: هم أرادوا ملكاً ذا مال ونسب، والله سبحانه اصطفى لهم من هو ذو علم وقوة في القتال.
{وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} :
{وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ} : من الإيتاء، وهو أعم من العطاء، ليس فيه تملك يمكن استرداده، والإيتاء يكون للأمور المعنوية، والمادية، والإيتاء يستعلم للأمور العظيمة، والمهمة.
{يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} : من يجده صالحاً لملكه، من: ابتدائية.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ} : الفضل، والعطاء يوسع على من ليس له سعة، ويرزق بغير حساب.
{عَلِيمٌ} : بمن يصطفيه للملك، ومن هو أحق بالملك من غيره، وعليم بأقوالكم، وأحوالكم، وما يصلحكم.
سورة البقرة [2: 248]
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} : ارجع إلى الآية (247).
{إِنَّ} : للتوكيد.
{آيَةَ مُلْكِهِ} : علامة ملكه، أو دليل أنّ الله اصطفاه عليكم ملكاً.
{أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} : {أَنْ} : حرف مصدري للتوكيد.
{التَّابُوتُ} : الصندوق من الخشب أو الحجر توضع فيه جثة الميت، والتابوت هنا يعني صندوق خشبي مستطيل، وورد ذكر التابوت في القرآن في هذه الآية، وفي سورة طه آية (39)(أن اقذفيه في التابوت)، وجاء بأل التعريف في كلا الآيتين فقيل هو نفسه صندوق التّوراة صندوق الوصايا العشر (الألواح)، فقد اغتُصب منهم، وسرق، ولا يعلمون أين هو.
{يَأْتِيَكُمُ} : يرجع إليكم؛ أي: يُؤتى به إليكم من قبل الملائكة كدليل على أنّ طالوت هو الملك عليكم.
{فِيهِ} : أي: في التابوت، فيه: ظرفية؛ كظرف ومظروف.
{سَكِينَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ} ؛ أي: عودة التابوت تبعث فيكم السكينة من السكون؛ أي: الأمان، والاطمئنان، والراحة النفسية، والحلم، وهذه الآية تشير إلى ما بقي من آثار الرسل والأنبياء أن يتخذ أو يُعتبر وسيلة مصدر سكينة للناس وأمن للنفوس وأن يرعاها ويحتفظ بها الناس على شرط أن لا تتخذ ضرباً من الشرك أو تبعث على الشرك.
{وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى} : قيل: بعض الآثار الّتي تركها موسى، بعض الألواح، وفيه عصى موسى. والآل: هم الأهل، والأقارب، والأعوان، والأتباع، واستعمل الآل؛ لأنّ فيها معنى الإكرام، والثناء؛ لأنهم حافظوا على البقية بعد موت موسى، وهارون.
ولو نظرنا إلى كيف كتبت بقية بالتاء المربوطة مقارنة بقوله تعالى في الآية (86) في سورة هود {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ} بالتاء المفتوحة (أو المبسوطة)، وفي الآية (116) في سورة هود {أُولُو بَقِيَّةٍ} بالتاء المربوطة نجد أن التاء المفتوحة أو المبسوطة جاءت في سياق الكثرة؛ أي: تشير إلى الكثرة وأما التاء المربوطة جاءت في سياق القلة أو تشير إلى القلة. ارجع إلى سورة هود آية (86) لمزيد من البيان.
{وَآلُ هَارُونَ} : قيل: عمامة هارون (أخ موسى).
{تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} : تحمل التابوت الملائكة، وتأتيكم به، ويوضع أمامكم.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{فِى} : ظرفية.
{ذَلِكَ} : اسم إشارة يفيد البعد، ويشير إلى رجوع التابوت إليهم.
{لَآيَةً} : اللام: للتوكيد.
{لَّكُمْ} : خاصة، وليس لغيركم.
{إِنْ} : شرطية تفيد الشكَّ، أو الندرة؛ أي: الشك في إيمانهم.
{كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} : أي: في ذلك لمعجزة وحُجَّة كافية؛ لكي تؤمنوا بأن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، ويبدو أنهم بعد عودة التابوت إليهم قبلوا؛ أي: رضوا بطالوت ملكاً، وبعدها راح طالوت يستعد للجهاد.
سورة البقرة [2: 249]
{فَلَمَّا} : الفاء: تدل على التعقيب، والمباشرة، وتدل أنّ طالوت لم يتأخر في الخروج للجهاد، ومعه جنوده.
لما: ظرفية، حينية، تتضمن معنى الشرط.
{فَصَلَ} : خرج، وغادر، وكلمة فصل من الفصل، وهو العزل أن تزل شيئاً عن شيء آخر، ومثلها: فلما فصلت العير؛ أي: غادرت.
{طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} : أي: غادر بلده بالجنود جمع جندي، وجنود: فئة من الناس تدربوا للقتال، ومفروض فيهم القوة، والغلظة، والصبر، ولم يذكر عددهم؛ لعدم الأهمية، وهناك فرق بين جند وجنود؛ ارجع إلى سورة ياسين آية (28) لمزيد من البيان.
{قَالَ إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} : قال ابن عبّاس رضي الله عنهما وكثير من المفسرين: هو نهر الأردن المسمى بالشريعة.
{مُبْتَلِيكُم} : مختبركم، والابتلاء: هو الاختبار، والامتحان، والابتلاء: قد يكون في الخير، والشر.
وقال: إن الله مبتليكم ولست أنا؛ أي: إنه هو الله الّذي سيجري عليكم الابتلاء؛ لمعرفة مدى طاعتكم لأمره، وقوله: إن الله مبتليكم، ولم يقل: أنا مبتليكم أقوى حافزاً على خوض الابتلاء من أنْ لو كان ابتلاءً من عند طالوت.
وما هو هذا الابتلاء: كونهم عطشى، وأمامهم الماء، ويجب أن يمتنعوا عن الشرب منه إلَّا كما يوصيهم طالوت.
فمن شرب من النهر فهو عاص لأمر الله (إذا شرب كما يريد، ولم يطع الأمر).
ومن لم يشرب فهو مطيع لأمر الله، وإن شرب غرفة بيده هذا مباح، وهو مؤمن ومؤهل للجهاد في سبيل الله، فهو خارج في سبيل الله، والطعام، أو الشراب ليس هذا نيته، بل نيته حمل راية الجهاد.
ونرى هنا: أنه سبحانه استبدل كلمة يشرب بقوله: يطعمه، ويطعمه من الطعام، والطعام يشمل الغذاء، والشراب، والشراب يتناول لوحده، أو مع الغذاء.
ويبدو أنّ الشراب (وهو الماء) كانوا بحاجة ماسة له، فهو قد قام مقام الطعام، والشراب معاً؛ فهو رخص لهم الماء الممزوج بالطعام؛ أي: الماء القليل.
وكذلك رخَّص لهم الغَرفة بالإضافة إلى يطعمه؛ ليزيل عنهم العامل النفسي في حبِّ الشرب.
{فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} :
هذه كانت هي النتيجة: فشل الكثير في الامتحان، الكثير شرب من النهر، كما يشاء، ولم يسمع إلى قول الله تعالى، ويفوز بالابتلاء.
{إِلَّا} : أداة استثناء.
{قَلِيلًا مِّنْهُمْ} : والقليل لم يشرب، ولم يعص، وفاز بالابتلاء، وهم الّذين آمنوا معه.
{فَلَمَّا} : الفاء: تدل على المباشرة، والتعقيب؛ أي: استمر طالوت، والّذين آمنوا معه في سيرهم.
{جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} : أي: عبر طالوت، والبقية الّذين آمنوا النهر.
{قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} : أي: مجرد أن رأى الّذين آمنوا جالوت وجنوده وعددهم وعدتهم قال قسم منهم، وهم ضعاف الإيمان، ومن خاف: لا طاقة لنا (لا مقدرة لنا)، والطاقة: أقصى المقدرة، وتختلف عن القدرة، أو القوة التي يتمكن بها المرء من أداء الأمور؛ لا طاقة لنا اليوم على جالوت وجنوده، وأما القسم الآخر الّذين آمنوا الإيمان الصادق، ولم يخافوا قالوا:
{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ} : أنّ مصدرية، تفيد التّوكيد، وانتبه إلى هذه القاعدة في القرآن: إذا قرن الظن بأنّ أفادت اليقين؛ أي: أصبح الظن بمعنى العلم، واليقين.
قالوا للذين خافوا وقالوا لا طاقة لنا بجالوت وجنوده: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، أو قالوا ذلك محدِّثين أنفسهم ليبثُّوا روح الجهاد والشجاعة بينهم فلا يخافوا.
{كَمْ} : هنا الخبرية، وتفيد الكثير، فقد روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما : أنّ الّذين آمنوا مع طالوت، وظنوا أنهم ملاقوا ربهم، وقالوا:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} كان عددهم يقارب عدد أهل معركة بدر (314) مؤمناً.
{مِنْ} : ابتدائية.
{فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} : العدد، والعدَّة انتصرت.
و {غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} : العدد والعدَّة، وفئة جاءت بصيغة التنكير الّذي فائدته، أو غرضه التكثير، والتعظيم، ولمعرفة تعريف الفئة؛ ارجع إلى الآية (13) من سورة آل عمران.
{بِإِذْنِ اللَّهِ} : الإذن: اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل أو قول، وبإذن الله تستعمل للعمل الّذي ليس لنا فيه تدخل، أو إرادة، أما لو قال: إن شاء الله: فهي تستعمل للأمور الّتي لنا تدخل فيها، وصادرة على إرادتنا.
{وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} : يمدهم بعونه وينصرهم على عدوهم.
سورة البقرة [2: 250]
{وَلَمَّا} : الواو: عاطفة، لما: ظرفية زمانية بمعنى: حين برزوا.
{بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} : {بَرَزُوا} ؛ أي: انكشفوا، وظهروا في ميدان المعركة على أرض مستوية متسعة، ورأوا جالوت وجنوده قالوا:
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} : دعوا ربهم من دون استعمال ياء النداء الّتي تعني البعد، ولم يقولوا: يا الله؛ لأنه موقف عطاء، وطلب، وليس موقف عبادة، أو صلاة، ولم يقولوا: يا ربنا، فليس الرب بعيداً عنهم، وليس هناك زمن لاستعمال الياء، فهو زمن قتال وحرب.
{أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} : أي: اصبب علينا الصبر صباً؛ حتّى تمتلئ منه القلوب.
{وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} : في أرض المعركة، فلا ننهزم أمام عدوِّنا.
{وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : {وَانصُرْنَا} : النصر بالقوة، والسلاح، والعدَّة على القوم الكافرين، وعلى: تعني العلو والمشقة.
سورة البقرة [2: 251]
{فَهَزَمُوهُمْ} : الفاء: للتعقيب، والترتيب، والمباشرة؛ أي: هزموا جالوت وجنوده في أرض المعركة.
{بِإِذْنِ اللَّهِ} : ارجع إلى الآية (249) للبيان.
{وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} : كيف قتل داود جالوت لم يذكره الله تعالى لنا؛ لعدم فائدته المهم انتصر طالوت وجنوده على جالوت وجنوده، وانتهت المعركة.
وظهر اسم داود لأول مرة في هذه المعركة.
{وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} : {وَآتَاهُ} : أي: آتى الله داود {الْمُلْكَ} : أي: أنعم عليه بالملك؛ أي: الحكم بعد موت طالوت.
{وَالْحِكْمَةَ} : قيل: النبوة، والزبور.
الفرق بين الإيتاء والعطاء:
ـ الإيتاء: ليس فيه تمليك يمكن أن ينزع، أو يُسترد.
ـ العطاء: فيه تمليك لا ينزع.
ـ الإيتاء: يكون في الأمور العامة المعنوية، أو الحسية المادية، والمهمة، ويكون في الرّحمة، والنبوة، والكتاب، والحكمة، وغيرها.
ـ العطاء: يكون في الأمور المادية، والحسية، والمالية.
ـ الإيتاء: أعم من العطاء (فهو يشمل العطاء وغيره).
ـ العطاء: أخص من الإيتاء.
{وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} : قيل: صناعة الدروع كما قال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80]، وعلمه الزبور:{وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: 20].
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ} : الواو: استئنافية، لولا: حرف امتناع لوجود.
الدفع: معناه الردُّ: يدفع الله أناساً بأناس، ومنه سُنة التدافع، يدفع بالقلة المؤمنة الكثرة الفاسدة، ولولا مشروعية الجهاد والدفاع لاستولى أهل الكفر والفساد على الأرض بالظلم والشرك.
ولكن الله يدفع المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الكافرين بأيدي المؤمنين.
فالذي يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة، أو فئة ضد فئة، أو حزب ضد حزب.
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ} ؛ أي: الله يدفع، ولكن بأيدي خلقه بعضهم بعضاً المؤمن بالكافر، والقوي بالضعيف، والعادل بالظالم، والمصلح بالمفسد، والغني بالفقير، وأهل المعروف بأهل المنكر. النّاس: ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة للبيان.
{لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} : اللام: لام التّوكيد، فسدت الأرض؛ أي: انتشر الفساد، وعمَّ فيها.
والفساد لغة: هو الخروج عن حد الاعتدال، والاستقامة، والفساد: نقيض الصلاح، وهو الاستقامة على ما تدعو إليه الشريعة والحكمة.
اصطلاحاً: انفلات الفرد، أو المجتمع عن ضوابط الشّرع؛ أي: عن منهج الله تعالى، والفساد يكون في التشريع، والشرك، والكفر، والبدع، أو التوجيه، والتربية، والأخلاق، والقتل، والسرقة، والحرابة، وإهلاك الحرث والنّسل، والعثو: هو كثرة الفساد، أو أشد الفساد، وأما الغي: يكون عادة في فساد الاعتقاد، والمذهب.
{وَلَكِنَّ اللَّهَ} : لكن: حرف استدراك وتوكيد.
{ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} : ذو فضل تكرماً منه، ومنة على العالمين بأن حد من الفساد، وأتاح لعباده المؤمنين أن يقيموا شعائر دينهم ويعبدوا ربهم ويتقوا شر المفسدين.
لنقارن آية البقرة: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} .
مع الآية (40) من سورة الحج: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} .
آية البقرة: تتحدَّث عن حفظ الأمن في الأرض بحيث لا تستبد قوة حاكم طاغية بكل الدول الأخرى، وتسيطر على العالم كله، أو يسيطر الكفار على المؤمنين.
أما آية الحج: تتحدث عن حفظ دور العبادة، والصلاة؛ بحيث لا تهدم، أو تدمر بقوة ما
…
سورة البقرة [2: 252]
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} :
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ} : {تِلْكَ} : اسم إشارة يفيد البعد، ويشير إلى الآيات السابقة، الألوف الّذين خرجوا من ديارهم فأماتهم الله، ثم أحياهم، آيات بني إسرائيل وطالوت وجالوت وداود.
{نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} : نقرؤها عليك (أي: يتلوها جبريل عليك). والتلاوة تكون فقط من الكتب المنزلة، والتلاوة أخص من القراءة، ولها أجر، والتلاوة تكون لكلمتين أو أكثر، والقراءة قد تكون لكلمة واحدة وليس لها أجر، وأصل التلاوة اتباع الشيء بالشيء.
{بِالْحَقِّ} : بالصدق بلا تحريف أو تبديل. ارجع إلى الآية (119) في نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الحق.
{وَإِنَّكَ} : إن: للتوكيد، واللام في {لَمِنَ}: زيادة التّوكيد.
{لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} : من رُسل الله فعلمك لهذه الآيات دليل كاف على أنك من المرسلين، وهذا يكفي رداً على قول الّذين كفروا {لَسْتَ مُرْسَلًا} [الرعد: 43].
وإذا نظرنا في القرآن نجد: أنّ هذه الآية {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} : تكررت ثلاث مرات، وإذا أردنا معرفة ترتيب نزول هذه الآيات، وليس حسب ترتيب السور في القرآن نجدها:
أول مرة نزل في سورة الجاثية، آية (6):{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} .
ثاني مرة نزلت في سورة البقرة (252): {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
ثالث مرة نزلت في سورة آل عمران (108): {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} .