الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة البقرة [2: 253]
قال تعالى في الآية السابقة: {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، ثم أتبعها بقوله:
{تِلْكَ الرُّسُلُ} : تلك: اسم إشارة للبعد.
إشارة إلى الرسل الّذين بعثهم الله سبحانه إلى النّاس كافة.
الرسل تشمل كل من اختير وكلف، وأرسل من قبل الله سبحانه؛ لحمل رسالة معينة، وتبليغها، ومتابعتها.
فكلمة الرسل: قد تعني كل الأنبياء، وكل رسول، فالكل مرسل من قبل الله تعالى.
وقد تعني: الرسل وعددهم (315) رسولاً، وقيل في عدد الأنبياء: مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، كما روى الإمام أحمد في مسنده حين سأل أبو ذر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عدد الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمئة وخمسة عشر».
وأفضل ما قيل في تعريف الرسول: من أُوحي إليه بشرع جديد، وأمر بتبليغه.
والنبيُّ: هو المبعوث لتقرير شرع من قبله وتبليغه. ارجع إلى سورة النساء آية (164) لمزيد من البيان.
وذكر الله سبحانه في كتابه (25) نبياً ورسولاً، من هؤلاء أربعة من العرب هم: هود عليه السلام ، وصالح عليه السلام ، وشعيب عليه السلام ، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
{فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} : الفضل لغة: الزيادة في الأجر، واصطلاحاً: الزيادة في الدرجات في الجنة، وكذلك القرب من الله تعالى في المنزلة كما قال تعالى:{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163]، {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4]، ونا الجمع تدل على التشريف، وأفضل الرسل والأنبياء هم خمسة: محمّد صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم عليه السلام ، وموسى عليه السلام ، وعيسى عليه السلام ، ونوح عليه السلام ، وهم أولوا العزم من الرسل، وأجمعت الأمة على أنّ الرسل أفضل من الأنبياء.
{وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} : في المنزلة، والفضل بالقرب من الله سبحانه وتعالى ، ودرجاتٍ في الجنة:{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} ، {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} .
فالرّسول محمّد صلى الله عليه وسلم: هو خاتم النّبيين، وأرسل كافة للناس بشيراً ونذيراً.
وأمثال إبراهيم عليه السلام : كان أمة، واتخذه الله خليلاً.
وأمثال عيسى عليه السلام : آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس، ارجع إلى الآية (87) للبيان.
{وَأَيَّدْنَاهُ} : أي: قوَّيناه بروح القدس جبريل عليه السلام ، فكان في صحبة لا يفارقه في كل أمر من أمور الدِّين.
{اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم} : من بعد الرسل، والّذين اقتتلوا هم الأمم الّتي جاءت من بعد الرسل.
فاليهود اختلفوا في دينهم، وتفرقوا شيعاً، والنصارى اختلفوا وانقسموا شيعاً، وكذلك أمة محمّد صلى الله عليه وسلم صاروا شيعاً.
{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : أي: المعجزات، والدلائل على صدق نبوة الرسل: محمّد صلى الله عليه وسلم، وعيسى عليه السلام ، وموسى عليه السلام ، وغيرهم، وأنهم رسل الله، ويجب الإيمان بهم جميعاً.
وهناك فرق بين جاءتهم البينات (تاء التأنيث)، وجاءهم (بالتذكير). البينات، والتذكير: فيه معنى القوة، ويستعمل جاءهم البينات: في سياق الأوامر، والأحكام، والآيات، ويستعمل جاءتهم البينات: في سياق الأدلة، والمعجزات الدالة على صدق نبوة الرسل؛ أي: الأقل شأناً.
إذن: البينات يمكن أن تذكر، أو تؤنث، وانتبه إلى ذلك في الحفظ.
{اخْتَلَفُوا} : في المذاهب، والعقائد، والآيات، والأحكام، والتحريف، والتبديل، والنسيان، واختلفوا بسبب الأهواء، والحسد، وحب السيطرة، وحب الدّنيا.
{فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ} : بالرسل وبما أنزل الله، {وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ}: وتكرار منهم: يفيد التّوكيد، كفروا بالله ورسله وفرقوا بين الله ورسله، وقالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} : لو: شرطية؛ أي: الّذين آمنوا، والّذين كفروا، ولكن اقتتلوا؛ لكي لا يحدث فسادٌ في الأرض، وليحق الحق، ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} : تكرار (ولو شاء الله ما اقتتلوا): يفيد زيادة التّوكيد على أهمية القتال، والجهاد في سبيل الله، وعلى مشيئة الله تعالى، فلو شاء لما حدث الخلاف، ولو شاء لما حدث القتال، ولكن ليمحص الله المؤمنين ويمحق الكافرين.
{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} :
{وَلَكِنَّ اللَّهَ} : للاستدراك، والتوكيد، {يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}: ولم يقل: يفعل ما يشاء، فما هو الفرق؟
المشيئة: تكون أولاً، ثم الإرادة ثانياً، فالمشيئة تسبق الإرادة.
فالمشيئة: هي ابتداء العزم على الفعل، والإرادة هي العزم على الفعل، أو ترك الفعل.
فقوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ؛ أي: إذا صدر الحكم منه بكن فيكون.
سورة البقرة [2: 254]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد للذين آمنوا بأمر تكليفي جديد: هو الإنفاق.
{أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم} : الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد يتملكه، بينما الإعطاء: يمكن أن تعطي زيداً ثوباً ليخيطه لك ويعيده إليك، فلا يخرج من ملكك.
والنفقة الواجبة: هي الزكاة.
والنفقة المستحبة: هي نفقة التطوع، فالآية لم تحدد نوع الإنفاق فهي تحث على الإنفاق بكل أنواعه.
وغاية الإنفاق هو التقرب إلى الله تعالى، وطاعة أوامره.
{مِمَّا رَزَقْنَاكُم} : مما؛ أي: من ابتدائية بعض ما رزقناكم (من البعضية)، وليس كل ما رزقناكم؛ أي: أنفقوا من رزقي عليكم.
وفي آيات أخرى قال:
1 -
{أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267].
2 -
{وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7].
3 -
{وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 195].
4 -
{وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ} [التغابن: 16].
{مِنْ} : للابتداء، {قَبْلِ}: ظرف زمان، {أَنْ}: للتوكيد.
{يَأْتِىَ} : ولم يقل: يجيء، المجيء: فيه معنى الصعوبة، والمشقة، ويأتي: فيه معنى السهولة؛ لأنه لم يأت بعد.
{يَوْمٌ} : نكرة، ويعني: يوم القيامة، وجاء نكرة لما فيه من الأحداث، والأهوال العظام.
{لَا} : النّافية، وهي أقوى في النفي من ليس.
{بَيْعٌ} : البيع: أصله الكسب، والناتج عن تبادل أثمان السلع، لا بيع فيه؛ أي: لا فداء فيه؛ لأنّ البيع يوم القيامة يعني الفداء، أو لا إنفاق فيه؛ لتدارك ما فاتكم من الإنفاق، فكل مصارف البيع، والإنفاق معطلة في ذلك اليوم.
{فِيهِ} : ظرف زماني ومكاني؛ يعني: للظرف والمظروف اليوم.
{وَلَا خُلَّةٌ} : تكرار لا النّافية؛ ليزيد التّوكيد ولفصل كل منهما على حدة، لا بيع لوحده، ولا خلة لوحدها، ولا كلاهما معاً، وجاءت نكرة: لتشكل كل خلة.
والخلة: تعني المودَّة، والصداقة، والتكريم، وسمِّيت المودَّة خلة؛ لتخللها في النفس، وجمعها خِلال. ارجع إلى سورة النّساء، آية (125).
{وَلَا شَفَاعَةٌ} : لا وساطة، وجاءت نكرة؛ لتشمل كل شفاعة غير مقبولة مهما كان نوعها، مثل: شفاعة إبراهيم عليه السلام في آزر، أو شفاعة الّذين آمنوا في المشركين.
وهناك استثناء في باب الشفاعة؛ لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]، فهناك الشفاعة المقبولة، مثل شفاعة الرّسول صلى الله عليه وسلم، وشفاعة أهل التّقوى والإحسان.
هذا من باب الإطلاق المقيد.
{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} : الكافرون: جمع كافر ويعني الكفر بالدين وتدل على أن صفة الكفر عندهم ثابت وتدل على العمل وهو الكفر.
{هُمُ} : ضمير فصل يفيد القصر المبالغ فيه؛ أي: هم المختصون بصفتي الكفر، والظلم دون غيرهم، ولو قال: والظالمون هم الكافرون؛ لشملت هذه كثيراً من النّاس، والله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لبيان معنى الكفر.
سورة البقرة [2: 255]
{اللَّهُ} : هو الاسم الأعظم الّذي تفرد به الحق سبحانه، واختصه لنفسه، وقدَّمه على سائر أسمائه.
هو الاسم الجامع لجميع صفات الكمال الإلهية، وكل اسم من أسمائه نعت له، فهو يدل على المعبود، ولا معبود إلَّا هو.
وورد ذكر اسم الله سبحانه في حوالي (2699) مرة في القرآن، وأكثر سورة ورد فيها ذكر اسم الله تعالى سورة البقرة، فقد ورد فيها (282) مرة.
{لَا إِلَهَ إِلَّا} : لا: النّافية للجنس.
{إِلَهَ} : معبود بمعنى مألوه على وزن مفعول: لا معبود بحق في الوجود إلَّا هو.
{إِلَّا} : أداة حصر وقصر.
{هُوَ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.
وانظر إلى قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : فهي تفيد النفي، وتفيد الإثبات، فقوله:{لَا إِلَهَ} : تفيد النفي، {إِلَّا هُوَ}: تفيد الإثبات، أو تؤكد النفي.
{الْحَىُّ} : أي: الحي الذي لا يموت، والذي لا تأخذه سِنة ولا نوم كامل الحياة، ويتضمن ذلك ذاته، وعلمه، وعزته، وقدرته، وعظمته، وكبرياءَه. الحي الّذي لا يموت، الواجب الوجود، الباقي الدائم من أزل الأزل إلى أبد الأبد، والأزل هو دوام الوجود في الماضي، والأبد: هو دوام الوجود في المستقبل.
{الْقَيُّومُ} : قائم الوجود، القائم بذاته، وعظمته على الإطلاق، والمستغني عن خلقه، وعن غيره، القائم بتدبير خلقه، وحفظهم، والقائم على كل نفس بما كسبت.
دائم القيام، وكامل القيُّومية، ولا يقوم شيء إلَّا به، وهو سبب وقوام لكل ما عداه، قامت به السموات السبع، والأرض، وما فيهن؛ من مخلوقات، فهو الّذي أوجدها، وأمدها، وأعدها؛ لكل ما فيه بقاؤها، وصلاحها، وقيامها.
والقيُّوم: صفة مبالغة لقائم؛ أي: كثير القيام.
{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} :
{لَا} : النّافية لكل زمن (الماضي والحاضر والمستقبل)، والنافية للجنس، وتكرار (لا): لزيادة تأكيد النفي.
{تَأْخُذُهُ} : لا تعتريه، الأخذ: الغلبة، والاستيلاء؛ أي: لا يعتريه نوم، ولا يغلبه نعاس.
{سِنَةٌ} : أول ما يأتي من النعاس، كما في أول النوم، النوم الخفيف، ويبدو في العين والجفن.
{وَلَا نَوْمٌ} : السبات العميق، وعادة تسبق السِنة النعاس، وافتقاد السِنة أبلغ في التنزيه من النوم؛ لأنه سبحانه إذا لم تأخذه سِنة فلن يأخذه نوم.
أي: لا يغفل عن تدبر أمر خلقه أبداً؛ لأنه لا تأخذه سنة، ولا نوم؛ لأنّ النعاس، والنوم من صفات النقص، والله تعالى ذو الكمال المطلق، وكيف يكون قيُّوماً على السموات والأرض وتأخذه سنة ونوم.
{لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ} :
{لَهُ} : اللام: لام الاختصاص، والملكية، تقديم الجار والمجرور يفدي الحصر له وحده لا لأحد غيره.
{مَا} : تشمل العاقل، وغير العاقل، ما: المطلقة ما في السموات وما في الأرض عبيده، وفي ملكه خاضعون لمشيئته، وتحت قهره وسلطانه.
{مَا فِى السَّمَاوَاتِ} : في: ظرفية زمانية ومكانية، ما في السموات: كظرف ومظروف السموات، وما فيهن من خزائن.
{وَمَا فِى الْأَرْضِ} : وله الأرض وما فيها من كنوز، ومخلوقات وخيرات.
له ما في السموات، وما في خلقاً، وملكاً، وتصرفاً، وحكماً لا يشاركه أحد، ولا شريك له، فهو مالك الملك يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
{مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} :
{مَنْ} : ابتدائية.
{ذَا} : اسم استفهام.
{الَّذِى} : اسم موصول.
{يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} : بإذنه: الإذن اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل أو قول، والإذن يكون أو يستعمل لفعل أو قول ليس لنا أي تدخل فيه كالشفاعة. ارجع إلى سورة الأنعام آية (51)، والنساء آية (85).
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} :
يعلم ما وراءهم، وما أمامهم، وما قدَّموا، وما أخَّروا؛ من عمل يعلم كل نفس ما قدَّمت وأخَّرت سبحانه هو الرقيب المحيط بخلقه، فهو الخبير البصير المحصي المبدئ المعيد السميع العليم، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، لا تخفى عليه خافية، عليم بذات الصدور.
يعلم ظواهر الأمور وبواطنها.
يعلم ما كان وما هو كائن، وما سيكون، وهو بكل شيء عليم.
وعنده مفاتح الغيب، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلَّا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلَّا يعلمه.
{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} :
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: النّافية، {يُحِيطُونَ}: من الإحاطة، والإحاطة تعني: معرفة الشّيء من جميع جوانبه.
{بِشَىْءٍ} : الشّيء هو أقل القليل، شيء: نكرة؛ أي: مهما كان حجمه، وشكله، ولونه، ووزنه، وتكوينه، وبما أنّ علومنا قابلة للتغير، والتبديل، فلن نستطيع أنّ نحيط بأي شيء، ولو كان واحداً مهما بلغنا من العلم، كما يحيط به الله سبحانه وتعالى .
{إِلَّا بِمَا شَاءَ} : إلا: أداة استثناء؛ أي: لا يعلمون إلا ما شاء الله أن يعلمهم إياه.
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} :
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} : الكرسي قيل: هو السلطان، والقهر، والقدرة، والملكية.
وقيل: الكرسي العلم علمه ذاته.
وقيل: الكرسي: هو ما دون العرش، والكرسي: أوسع من السموات السبع والأرضين، وما السموات السبع بالنسبة للكرسي إلَّا كحلقة ملقاة في فلاة، وما السموات السبع والكرسي للعرش إلا كحلقة مرماة في فلاة. أخرجه الإمام أحمد في المسند.
{وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النّافية.
{يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} : يشق عليه، أو يثقله، أو يصعب عليه، حفظ السموات والأرض؛ أي: تدبيرهما، فالسماء الأولى تحوي مليارات المجرات داخلها مليارات المجموعات الشمسية ومجرتنا فقط تحتوي على (200 مليار نجم).
{وَهُوَ} : ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد.
{الْعَلِىُّ} : علو الجلال والكمال، وعلو الذات، والصفات، والأسماء فوق مخلوقاته، أو ليس له مثيل في العلو في كل أمر، العلي عن خلقه علو القدر، والمنزلة، العلي عن الأشباه والأمثال، لا يعلوه شيء، ولا أحد له العلو المطلق من كل الوجوه.
{الْعَظِيمُ} : صيغة مبالغة من العظم في العز، والمجد، والكبرياء، والكمال، العظيم لا شيء أعظم منه، العظيم؛ لأنه مالك أمور خلقه يعظمه خلقه، وله صفة العظمة في كل الأحوال.
لقد تضمنت آية الكرسي مختصر العقيدة الإيمانية، وتطرقت إلى الذات الإلهية.
فقد تضمَّنت الكثير من أسماء الله الحسنى، والكثير من صفاته العلى، والضمائر الّتي تعود على ذاته.
فمن أسمائه فيها: الله، لا إله إلَّا هو، الحي القيوم، العلي، العظيم، وهي ستة أسماء.
ونجد الكثير من الضمائر في هذه الآية، مثل: هو، لا تأخذه، بما شاء، كرسيه، ولا يؤده، وحفظهما، وهو، وهذه الضمائر تقرب من (12) ضميراً كلها تعود إلى ذاته سبحانه، وأنه الإله الواحد الحق الّذي يستحق أن يعبد، وتوحيد الربوبية، يعني: هو الخالق وحده.
فهي أعظم آية في القرآن الكريم، أو سيدة آي القرآن، كما ورد في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حديث رواه النسائي، وابن حبان في صحيحه، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلَّا أن يموت» ، وذلك لأنها تضمَّنت كما قلنا توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء، والصفات.
سورة البقرة [2: 256]
قيل: نزلت هذه الآية في السنة الرابعة من الهجرة، وكان المسلمون أقوياء أعزاء.
{لَا} : النّافية للجنس.
{إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ} : الإكراه: هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال، وهو كاره له، سواء أكان خيراً، أو شراً.
لم يجبر الله -جل وعلا- ، ولم يُكرِه أحداً من خلقه على الدخول في دينه، وطاعته، إلَّا بالاختيار، والتمكين. ارجع إلى الآية (132) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى الدِّين.
فقد قال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99].
أي: لو شاء الله سبحانه لقسرهم على الإيمان، ولكنه لم يفعل، وبنى الأمر على الاختيار فقال:
{قَدْ} : حرف تحقيق وتوكيد.
{تَبَيَّنَ} : تميز.
{الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ} : {الرُّشْدُ} : بضم الراء؛ أي: كيف يتم أو يحصل الصلاح في الأمور الدنيوية والأخروية، وقد تبين الطريق الموصل للنجاة، وسعادة الدارين، والهدى، والإيمان، والصلاح، والرُّشد: أعم من الرَّشد بفتح الراء: الذي يعني: الصلاح فقط في أمور الدين والآخرة؛ ارجع إلى سورة النساء آية (6) لمزيد من البيان.
{الْغَىِّ} : الفساد: فساد الرأي والعقيدة والمذهب الباطل، والجهل، والضّلال، والهلاك، والكفر، والطاغوت، والأصنام. ارجع إلى سورة الحجر آية (42) لمزيد من البيان.
{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} : من: شرطية، تفيد الاحتمال، والشك، والندرة، يكفر بالطاغوت.
والطاغوت: صيغة مبالغة مشتقة من طغى، والطغيان هو تجاوز حدود الله.
الطاغوت: تطلق على كل معتد، وكل معبود من دون الله، وتستعمل في الواحد والجمع.
ويشمل كبراء الظلمة من شياطين الإنس والجن.
وكل ما عبد من دون الله من البشر، وهو راض بهذه العبادة.
وسمي الساحر، والكاهن، والمارد من الجن، والصارف عن الحق طاغوتاً.
{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} : يكفر بصيغة المضارع؛ لتدل على الاستمرار، والتجدد، ولم يقل كفر، بالطاغوت: الباء للإلصاق، والمداومة على الكفر.
{وَيُؤْمِن بِاللَّهِ} : إيماناً يتضمن توحيده في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته، وعبادته، وكذلك يؤمن بالملائكة، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره.
{فَقَدِ اسْتَمْسَكَ} : {فَقَدِ} : الفاء رابطة لجواب الشرط، قد: للتحقيق، والتوكيد؛ أي: تأكد استمساكه بالعروة الوثقى.
استمسك، ولم يقل أمسك: لأنّ استمسك أشد استمساكاً، وفيها معنى الحرص على الإمساك بالمجاهدة والصبر على دينه، والدعوة إلى الله ومجاهدة أهواء النفس، والشيطان، والفتن.
{بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} : الباء: للإلصاق، والمصاحبة، {الْوُثْقَى}: تأنيث الأوثق، والوثيق الثابت المحكم.
والعروة: وهي الّتي نراها في طرف الحبل على هيئة الحلقة، والعروة في الثوب المكان الّذي يُدخل به الزر، والمقبض الّذي يمسك به الدلو.
فالعروة الوثقى: تحتاج إلى الحبل، وهو القرآن، أو دين الإسلام؛ أي: من تمسك بالقرآن والسنة؛ فقد استمسك بالعروة الوثقى.
{لَا انْفِصَامَ لَهَا} : لا انفصام؛ أي: لن تنفك، أو تنحل ناهيك عن الانقطاع؛ أي: لا يخاف السقوط في النار، ولا الهلاك، وسوف ينجو، ويصل إلى غايته، وهي الجنة العالية.
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ} : لما يقوله من يؤمن بالله، ويكفر بالطاغوت، سميع لأقوال عباده في السر والعلن.
{عَلِيمٌ} : ببواطن وظواهر ما يخفونه، وما يبدونه؛ من أقوال، وأفعال.
وبما تخفي الصدور من تصديق بالإيمان، أو تكذيب، وعليم بمعتقداتهم، وأفعالهم، وبإيمانهم، ونواياهم، وغاياتهم.
وهذه الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ} : دليل واضح على بطلان من زعم أنّ الإسلام انتشر بالقوة والسيف.
لنقارن هذه الآية مع الآية (22) من سورة لقمان: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} .
في آية لقمان: لا يذكر لا انفصام لها، ويذكر وإلى الله عاقبة الأمور.
أما في آية البقرة: يذكر لا انفصام لها، والله سميع عليم، وهذا الاختلاف يرجع إلى السياق في البقرة في اتباع الطاغوت.
وفي لقمان: السياق في اتباع الآباء، وهو أقل شدة من اتباع الطاغوت، فلا يحتاج إلى توكيد بالقول لا انفصام لها، ولا التهديد بالقول، والله سميع عليم.
سورة البقرة [2: 257]
{اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا} : الولي: القريب المحب المعين. ارجع إلى الآية (107) من سورة البقرة للبيان.
الّذي يتولَّى أمور الّذين آمنوا وشؤونهم، مثل الوالي الّذي تولَّى أمر الرَّعية.
{يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ} : الظلمات: جمع ظلمة؛ لأن ظلمات الجهل، والكفر، والشرك، والضّلال متعددة، ومصادرها منها: الشيطان، والهوى، والنفس، والشهوة
…
وغيرها، والظلمات: جمع ظلمة.
{إِلَى النُّورِ} : أفرد النور؛ لأن النور هو الدين، والدين واحد وهو الإسلام، والنور قد يعني: القرآن والإسلام (الحق)، أو الطريق المستقيم، والهدى، والصلاح، وكلها تصب في مصب واحد، والنور: هو من الله تعالى، وهو واحد سواء أكان القرآن، أم الإسلام، أم الدِّين.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} ارجع إلى الآية (6) لمزيد من البيان، أولياء: جمع وليّ.
الطاغوت: تستعمل للمفرد والجمع؛ أي: أولياؤهم الشياطين، وعلى رأسهم إبليس، أو أئمة الكفر والإلحاد. ارجع إلى الآية السابقة لمزيد من البيان.
{يُخْرِجُونَهُم} : ولم يقل: يخرجهم، وإنما أضاف النون، فقال: يخرجونهم للتأكيد على إضلالهم، وإخراجهم من النور إلى الظلمات.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعيد.
{أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : ارجع إلى الآية (39) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 258]
المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} جاء بهذه الآية؛ ليضرب لنا مثلاً لهذا الطاغوت، فاختار النمرود بن كنعان، كما قال أكثر المفسرين، وكان ملكاً على العراق، فقد ادَّعى الربوبية، كما سنرى.
{أَلَمْ تَرَ} : الهمزة في ألم همزة استفهام، وتعجُّب، وإنكار إلى الّذي حاجَّ إبراهيم.
أي: ألم ينته إليك أو يصل إليك خبر، أو نبأ الّذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه.
{تَرَ} : هذه رؤية قلبية، وليس رؤية بصرية؛ لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضراً تلك المحاجة.
ولنعلم أنّ الله سبحانه حين يخبرنا عن شيء كان، أو يقص علينا قصة فذاك الخبر، أو القصة، أو النبأ هو من عين اليقين، وأفضل مما لو رأيناه بأم أعيننا.
{إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَاهِمَ فِى رَبِّهِ} :
وحاجَّ: من المحاجَّة، وهي نوع من الحوار، وكل من المتحاورين يأتي بحجَّته الّتي تؤيد رأيه، ويكون أحدهما على حقٍّ، والآخر على باطل، وإلا لما جرت المحاجَّة؛ لأنّ المحاجَّة لا داعي لأنْ تجري بين حقٍّ وحقٍّ، أو باطل وباطل.
{أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} : {أَنْ} : تعليل، {آتَاهُ}: من الإيتاء، ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة.
{إِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ} : إذ: ظرف زمان (للماضي)، بمعنى: حين قال إبراهيم عليه السلام :
{رَبِّىَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ} : أي: الإحياء، والإماتة بيد الله لا ينكرها أحد حتّى الكافرون.
{قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ} : أي: أجابه الطاغوت أنا أحيي وأميت، فقد كان يظن هذا الطاغوت لكونه ملكاً أنه قادر على قتل أي أحد، أو تركه حيّاً، وهكذا فسر الإحياء والإماتة.
{فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
{فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ} : البهت؛ يعني: الدهشة، والحيرة، والسكوت، وعدم معرفة ما يقول، أو يرد به على السائل على سؤاله المثير للدهشة، ويدل ذلك على خسارته للحوار، أو المحاجَّة، والوصول إلى النتيجة، وهي حُجَّة إبراهيم هي الحق، وحجَّة الآخر هي الباطل.
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} : أي: الله سبحانه لا يهدي القوم الظالمين إلى دليل، أو سلطان؛ لأنه ليس وليهم، وإنما أولياؤهم الشياطين والطاغوت.
فجاءت هذه المحاجَّة دليلاً، وبرهاناً ساطعاً على وجود الله سبحانه وعظمته، وقدرته، وأنه هو الإله الحق؛ الّذي يجب أن يُعبد، ثم جاء بعد ذلك بدليل وبرهان على قدرته على البعث والإحياء بعد الموت والفناء بذكر الّذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها.
سورة البقرة [2: 259]
{أَوْ} : حرف عطف، أو للتخيير؛ أي: ألم تر إلى الّذي حاجَّ إبراهيم في ربه، أو الّذي مر على قرية، وهي خاوية على عروشها.
{كَالَّذِى} : الكاف: للتشبيه، الّذي: اسم موصول يفيد المدح هنا، ولم يُبن اسمه.
{مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} : القرية: تعني البنيان، أو العمران، والأهل معاً؛ لأنّ أهل القرية جزء منها.
قرية، ولم يقل القرية: نكرة؛ لأنها كانت خاوية على عروشها، ولم تعد قرية.
وبما أنها خاوية على عروشها، وهو ليس من سكانها الأوائل، فهو يمر بها في طريقه إلى جهة ما.
من هو المار، ومن هذه القرية أبهم الله سبحانه ذلك؛ لكون الأسماء لا تهم في هذه الحالة، وقال أكثر المفسرين: إنه عزير (نبي من أنبياء بني إسرائيل).
{وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} : وصف للقرية الخالية من السكان، والّتي سقطت أسقفها، وجدرانها، وأبنيتها مهدمة، والعروش هي السقوف، فكأنها سقطت أولاً، ثم تراكمت الجدران فوق بعضها البعض.
قال الذي مرَّ على قرية: {قَالَ أَنَّى يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} :
قدَّم هذه (الهاء للتنبيه) ذه: اسم إشارة، على اسم الله؛ لتدل على الحصر والقصر، هذه القرية لا غيرها لشدة خرابها والإحياء هنا يكون لأهل القرية خاصة، وليس المهم هو إعادة البنيان والعمران.
و {أَنَّى} : هنا للاستفهام، وتحمل معنى كيف (الكيفية)، وتحمل من أين، وكذلك تحمل معنى التعجب لشدة خرابها وفنائها كيف سيحيي الله هذه القرية بعد موتها؛ يعني: إحياء أهلها بعد موتهم، فهو لا يشك بقدرة الله تعالى، وإنما يُريد أن يطلع على عملية الإحياء، وكيف تجري، أو تتم؛ لأنه هو مؤمن بالله تعالى، وهو من الأنبياء، وكما فعل إبراهيم عليه السلام حين قال:{رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى} [البقرة: 260].
فاستجاب له سبحانه، وأراد أن يجعل السائل عن الكيفية هو نفسه موضع التجربة، وليس غيره، وتمت التجربة كما يلي:
{فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ} : الفاء: للتعقيب والمباشرة، أماته الله مباشرة مائة عام، واستعمل كلمة عام بدلاً من السنة؛ لأنّ القرآن يستعمل السنة للشدة، والمشقة، والعام يستخدم للخير والبركة، وهذا من خصائص القرآن، ولكون السائل لم يلاقِ أي مشقة، أو تعب في هذه المائة عام حيث كان نائماً.
{ثُمَّ بَعَثَهُ} : البعث فيه معنى الإحياء، والتهيج، والإثارة، والشدة.
واستعمال (ثم) تدل على التراخي في الزمن، فقد مرَّ (100) عام على موته.
{قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} : {كَمْ} : استفهامية لتعيين العدد، وتحتاج إلى جواب، والسائل كم لبثت هو الله -جل وعلا- ، والله أعلم؛ أي: كم أقمت في مكانك أو نومك، ولم يقل كم مكثت. المكث: الاستقرار الغير محدد بزمن، بينما اللبث: استقرار أو إقامة أو بقاء محدد بزمن معين.
{قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} : قال الرجل: لبثت يوماً أو بعض يوم: هذه الإجابة فيها معنى التردُّد والشك، واليوم يعني: النهار في القرآن (12) ساعة فقط، وليس (24) ساعة، كما يظن البعض؛ أي: من الفجر إلى غروب الشّمس، وقد قال المفسرون: لعله وجد النهار قد قارب على الزوال، فقال: لبثت يوماً أو بعض يوم (بعض ساعات من اليوم).
ويبدو أنّ الرجل قد نظر في حاله، وما حوله، فأجاب على السّؤال حسب تقديره، فهو يشعر بأنه لم يتغير في قوته، ونشاطه، فيبدو أنّ إجابته صادقة.
{قَالَ بَلْ لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} : قال الله الحق رداً على جواب عزير: بل لبثت مئة عام.
{بَلْ} : حرف إضراب انتقالي.
{لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} : لبثت في موتك (100 عام)، أو منذ سألت سؤالك (100) عام، ولم يقل: مئة سنة.
السنة: تستعمل في سياق المشقة والبؤس، ولأنّ مكثه في تلك الحالة كان أمراً سهلاً، لم يعتريه مشقة، أو صعوبة؛ حيث كان نائماً فاستعمل العام.
{فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} : فانظر الفاء تدل على المباشرة والتعقيب.
{فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ} : الّذي كان معك، وقيل: كان من التين والعنب، وعصيراً، أو لبناً.
{لَمْ يَتَسَنَّهْ} : لم يتغير؛ أي: لم تمر عليه السنون، أو الزمن الطويل؛ حتى يتغيَّر طعمه، أو لونه، أو يفسد.
فنظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد أنه لم يتغيَّر لونه، ورائحته وكميته.
وكون طعامه وشرابه لم يتسنَّه: يدل على أنه لبث يوماً، أو بعض يوم، ويبدو أنّ الرجل كان صادقاً في زعمه، وسأل الله سبحانه الرجل: أن ينظر إلى حماره؛ لكي يريه أنه لبث مئة عام، فنظر فوجد عظام الحمار قد تبعثرت على الأرض، ولم تعد مكسوة باللحم، والحمار قد تحول إلى هيكل عظمي، ملقى على الأرض.
وهذا مستحيل أن يحدث في يوم واحد، فنحن أمام حادثة، أو معجزة بعض مظاهرها يؤيِّد أنه لبث يوماً أو بعض يوم، وبعض مظاهرها يؤيِّد أنه لبث مئة عام، وكلاهما حق وصدق، فالنظر إلى ما حدث للحمار دليل على صدق مرور مئة عام.
والنظر إلى الطعام دليل على صدق مرور يوم أو بعض يوم، فالله سبحانه قادر على أن يقبض الزمن، أو يبسطه، وهذا من مظاهر القدرة الإلهية المطلقة، أن يقبض الزمن، أو يبسطه فيجعل اليوم كسنة، ويجعل السنة كيوم، أو يقبض الزمن لشيء، ويبسطه لشيء آخر في الوقت نفسه، فالله سبحانه خالق الأضداد، فهو القادر على الجمع بين ضدين كهذين.
{وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} : الواو: عاطفة، اللام للتوكيد، نجعلك آية للناس: أي: علامة على قدرة، وعظمة الله على البعث والإحياء إضافة إلى العلامات الأخرى.
وقدَّم كلمة آية بدلاً من القول: ولنجعلك للناس آية. ارجع إلى سورة مريم، آية (21) لمعرفة السبب.
{وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} :
ثم طلب الله سبحانه من السائل أن ينظر إلى عظام الحمار ليريه كيف يحيي الموتى فنظر فرأى كيف {نُنْشِزُهَا} : نرفعها من الأرض، ونردها إلى أماكنها في الجسم، الإنشاز: هو الرفع، وكذلك له، معنى آخر هو نحييها، إذن ننشزها نحييها، ونردها إلى أماكنها.
{ثُمَّ} : للترتيب العددي.
{نَكْسُوهَا لَحْمًا} : نلصق العضلات والأعصاب، والعروق الشرايين والأوردة بها، ونربطها ربطاً محكماً.
{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} : الفاء: للتوكيد، {تَبَيَّنَ لَهُ}: فلما رأى عملية الإحياء.
{قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : قال العُزير: أعلم أنَّ، أنَّ: للتوكيد.
{عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : ارجع إلى الآية (20) من نفس السورة للبيان.
سورة البقرة [2: 260]
{وَإِذْ} : أي: واذكر؛ إذ قال، أو اذكر حين قال إبراهيم؛ إذ: ظرف زماني.
{قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ أَرِنِى} : إذ دعا إبراهيم ربه قال: رب. ولم يقل: يا رب. لم يستعمل ياء النداء؛ للبعد؛ لأنه يعلم أنّ ربه قريب منه.
{أَرِنِى} : رؤية بصرية عينية كيف تحيي الموتى، كيف تجري عملية إحياء الموتى.
{كَيْفَ} : للاستفهام عن الحال.
{تُحْىِ الْمَوْتَى} : الموتى: جمع ميِّت؛ أي: لمن فارقته روحه ومات.
وإياك أن تظن أنّ إبراهيم يشك في سؤاله هذا في قدرة الله سبحانه على إحياء الموتى، والبعث وإنما إبراهيم يريد معرفة الكيفية، وليس القدرة، فهو يعلم أنّ الله على كل شيء قدير، والدليل على ذلك المحاجة مع الكافر في الآية (258).
{إِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّىَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ} .
{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} : الهمزة في أولم هي همزة استفهام، وتقرير؛ أي: ليقول بلى.
{قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} : {بَلَى} : حرف جواب تختص بوقوعها بعد النفي فتجعله إثباتاً.
{وَلَكِنْ} : حرف استدراك يفيد التّوكيد.
{لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} : اللام: في ليطمئن لزيادة التّوكيد، يطمئن قلبي: أن يسكن، ولا يستمر في التطلع، والتشوق إلى معرفة الكيفية (حب الاستطلاع) في إحياء الموتى.
{قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} : {فَخُذْ} : الفاء: للمباشرة، والتعقيب؛ أي: خذ الآن، أو بسرعة أربعة من الطير، {مِنَ}: تدل على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، وتنزل منزل العاقل أو غير العاقل.
{الطَّيْرِ} : أي: أربعة أنواع من الطير، ولم يقل أربعة طيور؛ لأنّ أربعة طيور قد تكون من صنف واحد.
أما أربعة من الطير: أربعة أنواع مختلفة من الطير، الطير اسم جنس، والطير جمع طائر.
والطير جاء بـ (ال) التعريف طيور معروفة لديك، أو يعرفها النّاس، مختلفة؛ لأنّ هناك كثيراً من الطيور لا يعرفها النّاس تطير في السماء، مثال: خذ حمامة، وغراب، وهدهد، وعصفور.
{فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} : الفاء: تدل على المباشرة، والتعقيب. صرهن إليك: إما تعني: اضممهن إليك؛ للتأكد من النوع، واللون، والشكل، أو تعني: أملْهِن إليك: من أملته فمال.
أو تعني: قطعهن؛ أي: اذبحهن، ثم قطعهن، وقيل: فصرهن مشتقة من الصور: القطع؛ أي: واخلط الأجزاء بعضها.
{ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} : {ثُمَّ} : للتراخي في الزمن حيث إبراهيم بحاجة إلى زمن ليصعد على كل جبل، وينزل، ثم يصعد إلى آخر، وهكذا ليضع جزءاً من لحم الطير المختلط هنا وهناك على كل جبل.
أربعة جبال، والجبل، ولم يقل: الطور؛ أي: التل، الجبل: أعظم من الطور حجماً وارتفاعاً، ولمعرفة الفرق بين الجبل والطور؛ ارجع إلى سورة الأعراف، آية (171) للبيان.
{ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} : {ثُمَّ} : تعني: الواحد تلو الآخر بفاصل زمني.
{ادْعُهُنَّ} : اسألهن، أو اطلب منهن، {يَأْتِينَكَ سَعْيًا}: السعي: هو المشي بسرعة، ولم يقل: يأتينك طيراناً، كما تطير الطيور؛ لأنها لو طارت أمامه؛ لما تحقق من أنها هي نفس الطير من حيث الشكل، واللون، وإنما:{يَأْتِينَكَ سَعْيًا} : تمشي أمامك، وتتأكد منها، وتعلم أنها نفس الطير.
{وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} : {وَاعْلَمْ} : علم اليقين، {أَنَّ}: للتوكيد، {اللَّهَ عَزِيزٌ}: قوي قادر غالب على أمره، لا يُقهر، ولا يُعجزه شيء في الأرض، أو السموات، {حَكِيمٌ}: في تدبيره لشؤون خلقه، وحكيم مشتقة من الحكمة، لا يخلق شيئاً عبثاً، وحكيم؛ لأنه هو الحاكم، فهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 261]
{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} : مثل نفقتهم كمثل حبة؛ أي: كل صدقة يتصدقون بها، أو نفقة ينفقونها كمثل حبة.
الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعُد يملكه.
{يُنْفِقُونَ} : جاء بالفعل المضارع؛ لأنّ الإنفاق يجب أن يتجدد، ويتكرر، ولا يكون مرة واحدة، وإلا لقال: مثل الّذين أنفقوا أموالهم.
وجاءت مرة واحدة المنفقين بالأسحار: المنفقين: أصبح الإنفاق سمة، وصفة ثابتة لهم، والجملة جملة اسمية تدل على الثبوت.
{فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : الجهاد، أو جميع مصارف الصدقات، وكل ما يؤدي إلى مرضاته، وإعلاء كلمته.
{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} :
{كَمَثَلِ} : الكاف: كاف التشبيه، {حَبَّةٍ}: من القمح، أو الشعير، أو غيرها.
{أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} : أي: شبه الصدقة الّتي تنفق في سبيل الله بحبة زُرعت، فأنبتت سبع سنابل {فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ}: فأصبحت (700) حبة.
{أَنبَتَتْ} : أسند الإنبات إلى الحبة مع العلم أنّ الله هو المنبت.
{سَبْعَ سَنَابِلَ} : ولم يقل: سبعَ سنبلات، سبع سنبلات: جمع قلة، وسبع سنابل: جمع كثرة، وما دمنا في ذكر الصدقات فهو مقام المضاعفة، والتكثير، وليس مقام التضعيف والقلة.
أي: صدقة، أو نفقة واحدة لها ثواب، أو أجر (700) صدقة درهم واحد له أجر، أو ثواب (700) درهم، أو أكثر.
{وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} : أي: ليس لكل منفق هذه المضاعفة، يضاعف لمن يشاء أكثر من (700)، وهذه المضاعفة تعود إلى أحوال المنفقين أهم فقراء وينفقون، أم أغنياء وينفقون، وما هي نياتهم، وما يتبع الصدقة من المن والأذى، وهل كانت في السر، أم العلن، وغيرها.
واللام في {لِمَنْ} : للاختصاص، والاستحقاق.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} : واسع الكرم، والفضل، والإحسان، وواسع الغنى، وواسع الملك.
{عَلِيمٌ} : بالمنفقين، وأحوالهم، ونياتهم، وما تكن صدورهم عليم بما يملكون من أموال وقدرات.
سورة البقرة [2: 262]
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : ارجع إلى الآية السابقة للبيان.
{ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ} : {ثُمَّ} : للترتيب، والتراخي في الزمن، فالمنفق، أو المعطي صدقة قد لا يمن على صاحبها ساعة العطاء، أو في الأيام، أو الأسابيع التالية، وإنما قد يتأخر شهوراً، أو سنة، أو سنتين، ثم يعود ليمن، أو ليذكر من أنفق عليه، أو تصدق عليه بصدقته.
{مَنًّا وَلَا أَذًى} : لا في الزمن القريب، ولا البعيد.
المنُّ: هو أن يُذكر من أحسن إليه؛ أي: تصدق عليه بإحسانه، أو بصدقته، أو أنه صاحب فضل عليه.
والأذى: أعم من المن، فهو يتضمن المن، كالمس بكرامة من تصدق عليه، أو إذلاله بين النّاس، أو أن يفضح المتصدق عليه، وهذا نوع من ذكر العام بعد الخاص؛ للتوكيد على العام.
{لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} :
{أَجْرُهُمْ} : ثوابهم عند ربهم.
{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : ارجع إلى الآية (38) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 263]
{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ} :
{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} : كلام طيب للفقير، أو المتصدق عليه، إذا لم يجد ما يتصدق به.
{وَمَغْفِرَةٌ} : الستر على المحتاج بعدم إظهار فقره، أو فضحه بين النّاس، والعفو عن سوء تصرفه إذا ألح بالسؤال، أو أزعج المسؤول، فهذا الكلام الطيب والمغفرة {خَيْرٌ}: وأنفع من الصدقة الّتي {يَتْبَعُهَا أَذًى} .
{وَاللَّهُ غَنِىٌّ} : يرزق العاصي والمطيع، والغني عن عباده، وعن صدقاتهم، وعبادتهم، غني؛ لأنّ له ما في السموات، وما في الأرض.
{حَلِيمٌ} : لا يعجل بالعقوبة، بل يصفح، ويعفو عمن يمن، ويؤذي بالصدقة أحياناً، فلما ذكر الأذى جاء بذكر الحليم؛ لأنه لا يعجل بالعقوبة على الأذى، حليم بمن يبخل ويشح لعله ينفق ويتصدق.
سورة البقرة [2: 264]
نداء جديد للذين آمنوا، وتحذير، ونهي.
{لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ} : إبطال الصدقات؛ أي: إفساد ثوابها، وذهاب أجرها بالمن والأذى.
وفي الآية السابقة ذكر ثواب من لا يتبع الصدقة بالمن والأذى، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
{بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} : إعادة ذكر المن والأذى: هو للتأكيد على تجنب ذلك، وشبه من يتبع صدقته بالمن والأذى:{كَالَّذِى يُنْفِقُ مَالَهُ} : أي: لا تبطلوها مشابهين الّذين ينفقون مالهم رئاء النّاس.
{رِئَاءَ النَّاسِ} : الرياء: أن يظهر جميل الفعل رغبة في حمد الناس لا في ثواب الله تعالى، ويسمى الشرك الخفي؛ أي: لا ينفقها ابتغاء مرضاة الله، بل مرضاة النّاس، ينفقها مرائياً؛ لينال حمدهم، وثناءَهم عليه، وليقال: إنه كريم، وذو سمعة طيبة. النّاس: ارجع إلى الآية (21) من نفس السورة لمزيد من البيان.
والرياء: نوع من الشّرك، وهو الشّرك الخفي، وهو ينافي الإخلاص.
وهذا المنفق رياءً له خصلة أخرى هي أنه:
{وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : ولا يؤمن بالله، واليوم الآخر، فعدم الإيمان بأحدهما يكفي؛ لأن يكفر، والباء: باء الإلصاق، ولا يؤمن بالله إيمان عقيدة.
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} : والصفوان: هو الحجر الأملس، ويسمى المروة، وهو الّذي لا مسام له يمكن أن تشاهدها بالعين المجردة؛ أي: مثل المرائي في الإنفاق كمثل حجر أملس صلب.
{عَلَيْهِ تُرَابٌ} : أي: تراكم عليه التراب.
{فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} : المطر الشديد الغزير، الفاء للتعقيب والسرعة.
{فَتَرَكَهُ صَلْدًا} : فأصبح أجرد ليس عليه تراب، والرأس الأصلد الّذي لا ينبت عليه شعر.
أي: نفقات المرائين يبطل ثوابها، وتذهب هباءً كما تذهب ذرات التراب الّتي تراكمت على الحجر الأملس بعد أن أصابه مطر غزير، وشديد، فالرياء جرف حسناته، ولم يبقَ منها أثر.
{لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} :
{لَا} : النّافية.
{يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} : أي: لا يقدر المنان، والمرائي، والمؤذي على الانتفاع بأي شيء (مما أنفقوا) مما كسبوا من أجر، أو حسنة لما أنفق، والإنفاق: هو أحد الأعمال الصالحة الّتي خسر ثوابها بسبب ما فعله.
بينما الأعمال الأخرى من صلاة، وحج، وغيرها يبقى ثوابها.
ولو قال: {لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَىْءٍ} كما جاء في سورة إبراهيم، آية (18)، فذلك يعني: كل أعمالهم الحسنة خسروها؛ لقوله: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا عَلَى كَسَبُوا شَىْءٍ} : أي: شيء من الصلاة، والزكاة، والعبادات، كلها بطلت، بينما في آية البقرة (264) فقط الصدقة يبطل ثوابها.
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} : والله لا يهدي من اختار طريق الضّلال، والكفر، وعدم الإيمان بالله، واليوم الآخر، وأنفق ماله رئاء النّاس، ولم يرجع عن غيه، وضلاله، فهؤلاء الكافرين الّذين أصبحت سمة الكفر عندهم ثابتة الله لا يهديهم، ويتركهم في طغيانهم يعمهون.
فائدة ضرب المثل: فمثله كمثل صفوان عليه تراب بعد تقرير الحكم لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى؛ ليثبت الحكم في النفس، فلا ينساه المستمع.
وضرب المثل فائدته: إزالة غموض الإجمال.
سورة البقرة [2: 265]
{وَمَثَلُ} : المثل: أنّ الشّيء يشبه بشيء آخر، من وجه واحد، ولا يكون مثله في الحقيقة، إلَّا إذا أشبه من جميع الوجوه، وقولك هذا مثل هذا؛ أي: في الصفة.
{الَّذِينَ} : اسم موصول.
{يُنْفِقُونَ} : الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، وصيغة المضارع تدل على التجدد، والتكرار.
{أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} : أي: طلباً لرضوان الله خالصة لوجه الله بإخلاص ومن دون رياء.
{وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} : أي: احتساباً، وتصديقاً من أنفسهم، ويدعون الله أن يتقبل نفقاتهم، فلا يبطلون ثواب أعمالهم بالمن، والأذى، أو يتأكدون، ويتحقَّقون حين الإنفاق أنها ستصل إلى الله تعالى، فكان أحدهم إذا هم بالصدقة يتثبت، فإن كانت لله أمضى، ومنهم من قال: التثبيت يعني مجاهدة النفس على البذل، ونبذ البخل، وتدريبها على الإنفاق.
{مِّنْ} : للابتداء.
{كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} : الكاف: كاف التشبيه مثل جنة بربوة: الجنة البستان الكثير الأشجار والثمار.
{بِرَبْوَةٍ} : الربوة: ما ارتفع من الأرض ارتفاعاً يسيراً.
{أَصَابَهَا وَابِلٌ} : الوابل المطر الشديد الغزير عظيم القطر.
{فَـئَاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} : الفاء: للتعقيب والمباشرة، آتت أكلها ضعفين: أي: ثمارها.
والضعف: ما يساوي الشّيء مرتين؛ أي: مثلَي ما كانت تثمر.
{فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} :
{فَإِنْ} : إن: شرطية.
{لَّمْ} : حرف نفي.
{يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} : الطل: المطر الخفيف، الرذاذ.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} : ارجع إلى الآية (237) لمزيد من البيان.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق.
{تَعْمَلُونَ} : (تضم الأقوال والأفعال) في الإنفاق والصدقات.
ففي هذه الآية يشبه لنا الله سبحانه من ينفق ماله ابتغاء مرضات الله، وتثبيتاً من أنفسهم كجنة بربوة إن نزل عليها وابل من المطر أخذت منه حاجتها، وأتت أكلها ضعفين، وباقي المطر يذهب في مصارفه، وإن نزل عليها طل أيضاً أتت أكلها ضعفين، ومن المفسرين من قال: ضعفين؛ يعني: أربع مرات.
سورة البقرة [2: 266]
{أَيَوَدُّ} : الهمزة: للاستفهام الإنكاري؛ أي: لا يود أحد ذلك.
الود: حب الشّيء مع تمنيه، وكل مودة محبة، وليس كل محبة مودة، والمودة: هي حصيلة المحبة التي يرافقها الإخلاص.
{لَهُ} : اللام: لام الاختصاص، والملك.
{جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} : بستان من نخيل، وأعناب تجري من تحتها الأنهار.
{لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} : له فيها من كل الثمرات، هذا ذكر العام بعد الخاص، (وهو النخيل والأعناب)، وذكر النخيل والأعناب؛ لأنهما من أكرم الشجر، ومن أنفعها، وذكر الشّيء مرتين مرة بخصوصه، ومرة بعمومه؛ يدل على أهميته.
{مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} : من: ابتدائية، وقد تكون استغراقية؛ أي: فيها من كل ثمرة من دون استثناء.
{وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} : الواو: للحال؛ أي: أن تكون له جنة، وقد أصابه الكبر التقدم في العُمر، وتقديره: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر؛ أي: أصابه العجز، ولم يعد له طاقة على العمل، أو اقترب من أجله.
{وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} : الذرية: هم النسل أو الأولاد؛ أي: نسل الإنسان، والذرية: النساء والصغار، وله قد تعني من ذريته، أو من غير ذريته (كالأيتام وأولاد الفقراء) صغار غير قادرين على العمل مثل أولاد الفقراء، واليتامى؛ الّذين حياتهم قائمة على هذه الجنة، ضُعفاء: بضم الضاد يعني ضعف البنية والجسم مقارنة بقوله تعالى في سورة النساء الآية (9){وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} ؛ أي: فقراء؛ أي: ضعف مادي، أما الضعفاء في آية البقرة: هو ضعف بنية؛ أي: صغار. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (21) لمعرفة الفرق بين {ضِعَافًا} و {الضُّعَفَاؤُا} . ارجع إلى سورة النساء آية (9) لمزيد من البيان.
{فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} : الإعصار: ريح شديدة، عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء، مستديرة كالعمود، وتسمى زوبعة شديدة، وسمِّيت إعصار؛ لأنها تعصر ما تمر به من أي شيء، أو تتلفه، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور.
أي: يا أيها المنفق رياء، وليس ابتغاء وجه الله، أو تتبع ما تنفق بالمن والأذى، أتود أن تذهب نفقاتك وصدقاتك يوم القيامة هباءً منبثاً، وتخسر كل شيء، وتكون عليك حسرة كالذي له جنة من نخيل وأعناب، وتجري من تحتها الأنهار، وله فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر، فهو لا يقدر على الكسب، وليس له إلَّا هذه الجنة، وله ذرية ضعفاء لا مورد لهم إلَّا هذه الجنة، فأصابها إعصار فيه نار؛ فاحترقت فأصبحت كالصريم.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ} : (خاصة){الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ} : لعل: للتعليل، {تَتَفَكَّرُونَ}: أي: لتتفكروا في هذه الأمثال، وتنظروا في هذه البدائل، وتختاروا ما هو الأفضل لكم، والباقي الدائم من الفاني الزائل.
انتبه إلى قوله: {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} : يرجح أنّ هؤلاء الذّرية هم ليسوا أولاده أو من نسله؛ لأن من النادر أنّ نرى شيخاً مسناً أصابه الكبر، وله أولاد صغار؛ لأنّ أولاده يجب أن يكونوا قد كبروا، وبلغوا مرحلة الشباب، والقوة، وقادرين على كسب معاشهم.
إذن: من هؤلاء الذّرية؟ هم أولاد الفقراء، والمحتاجين، والّذين هم بحاجة إلى من ينفق عليهم، فهم كذريته.
سورة البقرة [2: 267]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد بتوصية جديدة، والهاء: للتنبيه.
{أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} : قلنا: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد ملكه. ما: أوسع شمولاً من الذي؛ كسبتم: من الكسب الذي يأتي في سياق الحسنات أو الخير، واكتسب: تأتي في سياق الشر والمعاصي، وعلى وزن افتعل الذي يدل على بذل الجهد.
أنفقوا من الكسب الحلال الطيب، وليس من الخبيث الحرام؛ لأنّ الله طيب، ولا يقبل إلَّا طيباً (رواه مسلم عن أبي هريرة)، وأنفقوا: تشمل الزكاة، والتطوع.
{طَيِّبَاتِ مَا} : اسم: موصول؛ بمعنى: الّذي، ولكنها أوسع شمولاً للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث وللعاقل وغير العاقل.
{كَسَبْتُمْ} : من المال، والتجارة، والزراعة، والصناعة، وغيرها.
الكسب: قد يكون لنفسه، ولغيره، ويأتي في سياق الحلال.
أما الاكتساب: فهو لنفسه وحده، ويأتي في سياق الحرام.
{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} :
{وَمِمَّا} : أي: من البعضية، ما: اسم موصول كالسابقة، أو حرف مصدري، وتشمل الحبوب، والثمار، والمعادن، والبترول، والذهب، والفضة.
ولم يقل: ما أخرجتم؛ لأن ما يخرجه الله سبحانه يفوق الأضعاف الكثيرة مما يخرجه الإنسان، أو ما يخرجه الإنسان لا يكون إلَّا بإذن الله، وتوفيقه، وهو من ملك الله.
{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} : {وَلَا} : النّاهية، {تَيَمَّمُوا}: أصلها تتيمَّموا، تاءان أدغمت أحدهما في الأخرى، والتيمم في اللغة: القصد؛ أي: لا تقصدوا.
{الْخَبِيثَ} : الرديء، السيَّئ، غير الصالح، وقد يعني الحرام.
أي: لا تقصدوا وتختاروا الرديء غير الجيد، أو غير الصالح، أو الحرام؛ لتنفقوا منه، فهذا لا يليق بالمؤمن، ولا يقبله الله سبحانه.
{وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} :
{وَلَسْتُم} : الواو: للتأكيد، لستم: للنفي.
{بِآخِذِيهِ} : الباء: للإلصاق، آخذيه لأنفسكم: أي: لا يرضى الواحد منكم أن يأخذه لنفسه، أو لعياله؛ لكونه سيئاً، ورديئاً، وغير صالح، فكيف يرضى أن يعطيه لغيره.
{إِلَّا أَنْ} : إلا: للحصر، وأن: للتوكيد. {تُغْمِضُوا فِيهِ} : الإغماض: هو الأصل إطباق الجفن على الجفن، واستعير للتساهل، وللتغافل.
فيكون المعنى: لا تأخذوه إلَّا أن تغضوا أبصاركم عن النظر إلى رداءته؛ أي: تنظروا إليه بشكل سريع، ولا تدققوا في جودته، ونقائه، أو تفحصوه في باطنه وأسفله، ويعني ذلك: تتجاوزوا، وتتغافلوا عن عيبه، فتأخذوه، أو تأخذوا بعضه.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ} :
{أَنَّ} : تأكيد؛ لكون الله غنياً حميداً:
1 -
أي: إذا أردت أن تنفق من الخبيث، والرديء، والسيئ، والحرام؛ فالله غني عن إنفاقك، وليس لك ثواب عليه، فالله طيب، ولا يقبل إلَّا طيباً.
2 -
حميد: المحمود من جميع صفات الحمد كلها؛ أي: محمود في الأرض والسماء؛ لما أنعم من النعم على خلقه، وحميد؛ لكونه أخبركم ونبهكم إلى أخطائكم، فيجب أن تحمدوه على ذلك، والحمد لله.
ولم يقل في هذه الآية: غني حليم، كما في الآية (263)؛ لأنه ليس فيها ذكر الأذى، ولكن ذكر الخبيث والرديء والسيئ، فالله غني عن ذلك، ويستحق الحمد على شرعه، وأحكامه.
سورة البقرة [2: 268]
{الشَّيْطَانُ} : ارجع إلى الآية (36)؛ لمعرفة اشتقاق كلمة الشيطان.
{يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} : ولم يقل: يعدكم الشيطان فقراً، وإنما قدَّم الفاعل على الفعل؛ للتحذير، والانتباه من الشيطان.
{يَعِدُكُمُ} : يوسوس لكم: أنّ الإنفاق سيجركم، أو يسبب لكم الفقر، أو يخوِّفكم من الفقر، أو أن تصدقوا بالخبيث، أو الرديء.
يعدكم: من الوعد، والوعد يكون في الخير، أو الشر، إذا قيَّد، وإذا أطلق: اختصَّ بالخير، وأما الوعيد: لا يكون إلَّا في سياق الشر.
{الْفَقْرَ} : هو سوء الحال، وقلة اليد، وأصله مشتق من كسر فقار الظهر، يقال: رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار.
{وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ} : أي: يُغريكم من إغراء الأمر للمأمور؛ أي: التزيين.
الفحشاء: ما عظُم قبحه، أو خبثه من الأفعال، والأقوال؛ أي: شديد القبح، أو الخبث، فهو فاحش، والفاحشة قد تعني عبادة الأصنام، والزنى، واللواطة، والقذف، والإفك، ومعصية الرسول، والافتراء على الله، وشرب الخمر، ومنهم من قال: الفحشاء الذنوب الّتي فيها حد، أو المعاصي (القبيح من القول والفعل)، وفي هذه الآية تعني: يعدكم الفقر، ويأمركم بالإنفاق من الخبيث الرديء السيِّئ.
{وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ} : الوعد هنا مقيَّد ومختصٌّ بالخير.
{يَعِدُكُمْ} : وفيها تقديم الفاعل على الفعل؛ للتأكيد، والتنبيه، وأصلها يعدكم اللهُ مغفرة منه على إنفاقكم في سبيله.
والمغفرة: تعني: ستر الذّنب؛ أي: يغطي الذّنب، يستر عليه ذنبه، أو جرمه، ولا يفضحه، وإذا ستر عليه يعني لا يعاقبه عليه؛ أي: يغفره؛ أي: يمحوه (يمحو سيئاته)، ويعطيه ثواب أعماله الصالحة.
فالمغفرة = العفو + الثواب؛ أي: ستر الذّنب، ومحوه، والثواب على الأعمال الصالحة، فلا يطرح سيئة من حسنة، والعفو: إسقاط الذّنب، وترك العقوبة، ولا يقتضي الثواب.
ومغفرة جاءت بصيغة النكرة؛ للتعظيم والتهويل؛ أي: تشمل كل مغفرة على كل ذنب؛ إلَّا الشّرك الّذي لا يعقبه توبة.
{وَفَضْلًا} : الفضل: هو الزّيادة على ما يستحق العبد؛ أي: الزّيادة على الأجر.
{وَفَضْلًا} : نكرة، فهناك أنواع كثرة متنوعة من الفضل، وعدها الله سبحانه عباده الصالحين، ارجع إلى سورة الجمعة، آية (4) لمزيد من البيان.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} : واسع المغفرة، والرحمة، والعفو، واسع الفضل، والعطاء، والإحسان، والرزق، يرزق من يشاء بغير حساب، واسع الملك، والعلم والمقدرة.
{عَلِيمٌ} : بأعمال عباده، والأعمال تضم الأقوال، والأفعال، لا تخفى عليه خافية، ويعلم ما يسرون، وما يعلنون، وما تخفي الصدور، وهنا تعني: عليم بما تنفقون.
سورة البقرة [2: 269]
{يُؤْتِى الْحِكْمَةَ} : الإيتاء تعريفه، ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة.
{الْحِكْمَةَ} : لها معان متعدِّدة في القرآن، وحسب السياق منها: النبوة، والرسالة.
الفقه في الدِّين، أو العلم بأصول الفقه، أو العلم والمعرفة بأحكام الله.
المعرفة بالقرآن، وفهمه، وفقهه، ومحكمه، ومتشابهه.
إصابة الحق في القول والعمل؛ أي: السداد في القول، والعمل، والعلم.
والحكمة: وضع الأشياء في موضعها النافع، مع العلم والمعرفة بأحكام الشّرع.
وآلة الحكمة: هي العقل، ورأس الحكمة مخافة الله تعالى.
{يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} : أي: كل ما أمركم به من الإنفاق، أو الأوامر، والنواهي، والوعظ، والتذكير: هو من الحكمة، فافعلوه، ومن يفعل ذلك فقد أوتي الحكمة، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} .
{وَمَنْ} : شرطية للعاقل، ابتدائية.
{يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} : ارجع إلى مطلق الآية لمعرفة معنى يؤت.
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: زيادة التّوكيد.
{أُوتِىَ} : مبني للمجهول.
{خَيْرًا كَثِيرًا} : خيراً: نكرة؛ للتعظيم، والشمول، تشمل كل خير يتصوره الإنسان.
والخير: هو الشّيء الحلال الطيب الحسن النافع.
أي: من يؤت العلم بالقرآن، من حفظ، وفقه، وفهم، والفقه في الدِّين؛ فقد أوتي خيراً كثيراً، وأوتي الحكمة.
{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} :
{وَمَا} : النّافية، {يَذَّكَّرُ}: أصلها: وما يتذكر، ويتذكر: تستغرق وقتاً طويلاً، أما يذكر: فتستغرق وقتاً قصيراً، وفيها مبالغة في التذكير، وقوة، وعمق، وفيه حثٌّ وإيقاظ للقلب، والعقل على الإسراع إلى العلم بمعرفة ما شرع الله، وما أمر به ونهى عنه، والعمل به، والخلوص إلى مواطن الحكمة، والاتعاظ بسرعة؛ لأنّ الأجل قصير، ولا يتعظ ويفعل ذلك إلَّا أولوا الألباب.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{أُولُو الْأَلْبَابِ} : أولوا العقول النيرة الصافية الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الّذين أحسنوا، والّذين أنابوا إلى ربهم، وأسلموا له وجوههم وقلوبهم.
{الْأَلْبَابِ} : جمع لب: وهو باطن العقل، ويعني في لغة الطب: منطقة الإدراك، والوعي، والفهم في الدماغ. ارجع إلى الآية (179)، والآية (197) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [2: 270]
{وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: شرطية.
{أَنفَقْتُم} : الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد يملكه.
{مِنْ} : استغراقية تستغرق كل نفقة.
{نَفَقَةٍ} : زكاة، أو صدقة تطوع قليلة، أو كثيرة.
{أَوْ نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ} : {أَوْ} : للتخيير، وعاطفة، {مِنْ}: ابتدائية.
{نَذَرْتُم مِنْ نَّذْرٍ} : النذر لغة: هو العزم على الالتزام بشيء خاص به.
وشرعاً: أن يلزم العبد نفسه بشيء لم يلزمه الله عليه من جنس ما شرع الله زيادة على الفريضة، أو الطاعات، وقد يكون مقيداً؛ أي: مشروطاً؛ كأن تقول: إذا نجحت أتصدق بمبلغ من المال، وقد يكون مطلقاً غير مشروط.
{فَإِنَّ اللَّهَ} : الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة، إن: للتوكيد على علم الله به، والفاء تدل على سرعة علم الله به حتّى قبل أن ينطق به.
{يَعْلَمُهُ} : سبقتها كلمة نفقة، ونذر، نفقة مؤنثة، ونذر مذكر، فغلب النذر على النفقة.
{وَمَا لِلظَّالِمِينَ} : ما: نافية، {لِلظَّالِمِينَ}: اللام: لام الاختصاص.
{مِنْ أَنْصَارٍ} : من: استغراقية تشمل أي نصير. وأنصار: جمع نصير، بينما ناصرين: جمع ناصر، ونصير: أبلغ وآكد من ناصر، ويدل على ثبوت الصفة، وتأتي في سياق الأمور الهامة.
والظالمين هنا تعني: هؤلاء الّذين ظلموا أنفسهم بأنّ نذروا لله، ثم لم يوفوا بما عاهدوا الله عليه، أو نذروا لغير الله أو أنفقوا رياءً وسمعة أو لم يزكوا أموالهم أو الإنفاق في المعاصي وغيرها، فهؤلاء لا يجدون لهم ولياً، ولا نصيراً يوم القيامة، وهذا وعيد شديد لمن يظلم نفسه، وإذا قارنا هذه الآية مع قوله تعالى:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج: 71]، أنصار: أكثر من نصير، وأنصار في كل زمان، والنصير أقوى من الناصر. والظالمين في آية البقرة تعني: في الظلم بشكل عام، وأما الظلم في آية الحج تعني: الشرك، فالظالمين في آية الحج أسوء وأشد من الظالمين في أمور الإنفاق والنذور والأموال كما في آية البقرة.
سورة البقرة [2: 271]
قيل: نزلت هذه الآية بعد الآية السابقة: {وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ نَفَقَةٍ} ، فقد سأل الصّحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! صدقة السر أفضل، أم صدقة العلانية، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال والندرة، ولكن سبحانه أعقبها بفعل مضارع (تبدوا الصدقات)، والفعل المضارع يدل على التجدد، والتكرار، والإنفاق.
{تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} : أي: تظهروها، أو تعلنوها كم هي ونوعها.
والصدقات جمع صدقة، والصدقة: قد تكون فرضاً كالزكاة، أو نفلاً؛ أي: تطوعاً زيادة على الزكاة، ويرجى بها الثواب والأجر.
والتصدق: مطلق العطاء، والنفقة: إخراج المال من الملك فلا يعد يملكه.
وكلمة الصدقات في القرآن تعني: الزكاة، أو صدقات التطوع.
{فَنِعِمَّا هِىَ} : نعما أصلها نعم + ما، نعم: فعل مضارع مخصوص للمدح، ما: اسم معرفة بمعنى الشّيء، فيصبح تقديرها: نعم الشّيء إبداؤها.
{وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} :
{وَإِنْ} : الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
{تُخْفُوهَا} : أي: تعطوها سراً للفقراء أفضل من إعطائها جهراً، أو إظهارها للناس؛ لتجنب الرياء، وأذى الفقير، وبطلان ثوابها.
{وَتُؤْتُوهَا} : مباشرة، وسراً للفقراء.
{فَهُوَ} : الفاء: للتوكيد، هو: يفيد التّوكيد أيضاً.
{خَيْرٌ لَّكُمْ} : أفضل لكم خاصة.
{وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّـئَاتِكُمْ} : {وَيُكَفِّرُ} : التكفير: هو الستر؛ أي: ويستر عليكم {سَيِّـئَاتِكُمْ} : قيل: هي صغائر الذنوب، {مِنْ}: ابتدائية، وقد تعني بعض سيئاتكم؟
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} : خبير تعني: عليم ببواطن الأمور؛ أي: عليم بما تخفونه، أو تظهرونه من الصدقات، والنوايا، وبما تقولونه، أو تفعلونه من الرياء، والمن، والأذى.
وأجمع المفسرون: أنّ هذه الآية (271) نزلت في سياق صدقة التطوع، وأنّ إخفاءَها أفضل من إظهارها؛ لتجنب الرياء، ويؤيد ذلك ما جاء في الصحيحين في السبعة الّذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله، ومنهم: رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
سورة البقرة [2: 272]
سبب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية في أنصار المدينة المنورة؛ لما أسلموا كرهوا أن يتصدقوا على بعض أقاربهم من المشركين، وغيرهم، فنزلت هذه الآية هذا قول الجمهور، تدعوهم إلى الاستمرار في التصدق عليهم، ولا يكون عدم دخولهم في الإسلام سبباً لعدم التصدق عليهم؛ لأنّ الله هو الهادي وحده يهدي من يشاء، وليس المال، أو الصدقة، ولذلك قالوا: صدقة التطوع يجوز صرفها على غير المسلم.
{لَّيْسَ} : نافية، {عَلَيْكَ}: يا محمّد صلى الله عليه وسلم الخطاب موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أمته صلى الله عليه وسلم.
{هُدَاهُمْ} : أي: لست مكلفاً بهدايتهم، ودخولهم في الإسلام، ولا أنتم مكلفون أيضاً على هدايتهم، وإنما عليك وعلى أمتك البلاغ فقط.
{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ} :
{وَلَكِنَّ} : حرف استدراك، وتوكيد.
{اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ} : من عباده؛ أي: من اختار طريق الهداية، وسار عليه، وطلب من الله الزّيادة، والتوفيق للهداية، وسعى لها بنفسه؛ فالله سبحانه يُعينه، ويزيده هدى وتقوى.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ} : الواو: عاطفة، ما: شرطية مطلقة، من أي شيء.
{مِنْ خَيْرٍ} : من: استغراقية تستغرق كل خير، والخير جاء نكرة؛ ليشمل كل شيء مال، وطعام، أو غيره. والخير هو الحلال الطيب الحسن النافع.
{فَلِأَنفُسِكُمْ} : الفاء: رابطة للجواب، أنفسكم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: ثوابه يرجع إليكم، ولا ينتفع به غيركم.
{وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} :
{وَمَا تُنْفِقُونَ} : تفيد النفي؛ أي: ولا تنفقون (قيل: خبر أريد به الأمر).
{إِلَّا} : حصراً.
{ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} : في سبيل الله وحده، وابتغاء مرضاته، فلا شرك، ولا رياء.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} :
{وَمَا تُنْفِقُوا} : ليس فيها تكرار؛ لأنّ الأولى: فيها إعلام بالثواب، والثانية: فيها إعلام بأن يكون الإنفاق في سبيل الله وحده، والثالثة: إعلام بأن الثواب يضاعف، ولن تظلموا.
والتكرار يفيد التّوكيد، والحث على الإنفاق والتذكير.
وما تنفقوا من خير سيوفى لكم أضعافاً مضاعفة.
{وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} : {وَأَنتُمْ} : تفيد التّوكيد.
{لَا} : النّافية.
{تُظْلَمُونَ} : ينقص من أجوركم شيئاً.
سورة البقرة [2: 273]
{لِلْفُقَرَاءِ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
{لِلْفُقَرَاءِ} : اللام: لام الاختصاص؛ الفقراء: جمع فقير: وهو ذو الحاجة، وسوء الحال؛ الجار والمجرور هنا متعلقان إما بالصدقات؛ أي: الصدقات للفقراء الّذين أحصروا، أو متعلقة بقوله: وما تنفقوا من خير للفقراء الّذين أحصروا.
{الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : الإحصار: وهو المنع والتضييق، وهو غير الحصر الذي يعني الحبس مع التضييق؛ لأنّ الكافرين منعوهم، وضيقوا عليهم، فلا يستطيعون ضرباً في الأرض، أو لأنه هم أنفسهم يريدون أن يجاهدوا في سبيل الله، أو يتعلموا أمور دينهم، فلا يشتغلون في الزراعة، ولا التجارة، أمثال أصحاب الصفة، فهم أشد النّاس حاجة للصدقة من غيرهم من الفقراء.
{لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ} : لا يسافرون للتجارة، ولا يخرجون طلباً للرزق، والتجارة، أو العمل لاشتغالهم بالجهاد، وتعلم القرآن، وسمي السير في الأرض ضرباً من ضرب الأرض بالأرجل.
{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} : أي: الجاهل لحالتهم، والذي لا يعرفهم لا يحسبهم فقراء، وإنما أغنياء، وسبب هذا الحسبان هو تعفُّفهم.
والتعفُّف: هو ترك سؤال النّاس، وإظهار العفة عدم الحاجة.
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} : تعرفهم يا محمّد صلى الله عليه وسلم بسيماهم: بعلامتهم، وآثارهم، هي السمة، أو العلامة الّتي يعرف بها الشّيء، والباء: للإلصاق.
وفيها ثلاث لغات: سيما (مقصورة)، أو سيماء (ممدودة)، أو سيمياء (بزيادة ياء أخرى مثل كبرياء).
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} : وهي سيما الفقر، والحاجة، والخشوع، ورثاثة الهيئة، واللباس البسيط.
{لَا يَسْـئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} : {إِلْحَافًا} : أي: إلحاحاً، يقال: ألحف في المسألة؛ أي: ألح عليه، فهو ملحف؛ أي: لا يسألون النّاس بإلحاح، ولا من دونه؛ أي: لا ملحفين، ولا غير ملحفين. النّاس: ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} : ارجع إلى الآية (272).
{فَإِنَّ} : الفاء: للتوكيد، إن: لزيادة التّوكيد.
{عَلِيمٌ} : خبير مطلع عليه، وسوف يثيبكم عليه.
فهذه الآية تحث على الإنفاق على هؤلاء، فهم أشد النّاس حاجة إلى الصدقة من غيرهم من الفقراء، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ أي: الإنفاق الأفضل أن يكون لمن هم أشد حاجة من النّاس.
نعود إلى آيات الإنفاق، وما تنطوي عليه، وليس فيها تكرار، كما يظن البعض.
فيقول سبحانه: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} : الآية تتحدَّث عن مادة الإنفاق، المال وغيره، والطعام، والخير المال وغيره.
{فَلِأَنفُسِكُمْ} : أي: ثواب الإنفاق، وفائدته عائدة أو راجع لكم، فالآية تتحدث عن الثواب.
{وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} : الآية تتحدث عن الإنفاق يجب أن يكون خالصاً لوجه الله؛ لتكتمل شروطه.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} : الآية تتحدَّث عن الإنفاق، وأنه ليس خسارة، أو ضياعاً للمال، بل ستستردونه أضعافاً مضاعفة، والله لن يظلمكم.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} : المحصي، والمطلع على مقدار ما تنفقونه هو الله.
فكل جزء من الآية يتحدَّث عن شيء مختلف عن الآخر، وليس هناك تكرار.
سورة البقرة [2: 274]
في هذه الآية يبيِّن الله زمن الإنفاق وكيفيته.
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ} : ولم يقل: بالليل أو النهار، وذلك لحرصهم على الخير، ولم يتقيدوا بوقت، ولا حال، ولا بليل، ولا بنهار، بل أنفقوا ليلاً، وأنفقوا نهاراً؛ أي: أنفقوا في كل الأوقات.
{سِرًّا وَعَلَانِيَةً} : وأنفقوا سراً، وأنفقوا علانيةً، فلا تحديد للكيفية بحال أو بهيئة.
{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} : زيادة الفاء هنا تدل على التّوكيد، تدل على توكيد الأجر والثواب.
{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : ارجع إلى الآية (38) من سورة البقرة.
انتبه إلى أنّ الإنفاق بالليل والنهار استخدم له الباء، ولم يقل: في الليل والنهار، وجاء بأل التعريف في كلمتي الليل والنهار؛ للدلالة على دوام الإنفاق في أي وقت ولم يحدد.
بينما الجمع في الأموال، والتكاثر استخدم (في) للتحديد مثال:{وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَالِ} [الحديد: 20].
سورة البقرة [2: 275]
{الَّذِينَ} : الّذين اسم موصول.
{يَأْكُلُونَ الرِّبَا} : أي: يأخذون الربوا، والربا في اللغة: الزّيادة على رأس المال.
والربا نوعان: ربا النسيئة: وهو الزّيادة المشروطة الّتي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، وربا الفضل: وهو بيع النقود بالنقود، أو الشّيء بالشيء مع الزّيادة. ارجع إلى سورة الروم آية (39) لمزيد من البيان.
وعبر عن الأخذ بالأكل، أو شبه من يأخذ الربا بالذي يأكل الطعام؛ لأن الّذي يأخذ الربا هو شره جشع يأخذ باستمرار، أو بشكل متكرر؛ كالذي يأكل عدَّة مرات باليوم، أو لأننا حين نأكل الطعام الذي يُشترى بمال ربوي كأننا نأكل الربا؛ لأنّ الطعام يُشترى بالمال الربوي.
انتبه إلى كلمة الربوا بالواو، كتبت بهذا الشكل في سبع آيات، وكتبت الربا بالألف بهذا الشكل في آية واحدة فقط في سورة الروم، آية (39).
والاختلاف يعود إلى أنّ الربوا بهذه الهيئة جاءت في سياق الربوا الكثير المتكرر، والربا بهذه الهيئة جاءت في سياق ذكر الربا القليل، أو غير المتكرر.
{لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} :
{لَا} : النّافية.
{يَقُومُونَ} : من قبورهم يوم البعث؛ أي: يخرجون من الأجداث.
{إِلَّا} : حصراً وقصراً.
{كَمَا} : الكاف: كاف التشبيه.
{يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} : المس: الصرع؛ أي: لا يقوم من قبره إلَّا كما يقوم المصروع من صرعه، أو المجنون من جنونه، أو نوبة جنونه.
والممسوس: المجنون؛ الّذي اختلط عقله.
كيف يقوم؟ يقوم على غير استواء، واتساق، ويسقط كلما نهض، ويتأرجح يمنة ويسرة، ثم يقع على الأرض، فيحاول الوقوف فيسقط وهكذا.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} :
{ذَلِكَ} : اسم إشارة؛ للبعد، إشارة إلى ما يحدث لهم يوم القيامة بسبب أكلهم الربا، وقد نُهُوا عنه.
وقولهم: {إِنَّمَا} : كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
{الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} : أي: اعتقدوا بأنّ الزّيادة الربوية عند حلول أجل الدَّين مثل أصل الثمن في العقد؛ أي: شبهوا الربا بالبيع؛ فاستحلوه.
وقالوا: إنما البيع مثل الربا، والأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع.
فهؤلاء ظهرت أعراض مرضهم، وهو المس الجنون، أو الخبل قبل مجيء يوم القيامة؛ حيث جعلوا المشبه مكان المشبه به، وهم لا زالوا في الدّنيا.
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} : إنكار على بطلان قياسهم: أنّ البيع مثل الربا، وأنه غير صحيح؛ لأنّ البيع أمر حلال، والربا أمر حرام، فلا يستويان.
{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} : من: شرطية؛ أي: من بلَغه أمر التحريم؛ أي: بُلِّغ فانتهى.
{فَانْتَهَى} : أي: ترك أخذ الربا، وتوقف، الفاء: تدل على جواب الشرط.
{فَلَهُ مَا سَلَفَ} : فلا يؤاخذ على ما أكل من الربا قبل نزول التحريم.
{وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} : يوم القيامة يحكم في شأنه إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه على فعله، وليس أمره موكولاً إليكم لتحاسبوه على ما فعل.
{وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :
{وَمَنْ عَادَ} : وأما من بُلغ ولم ينتهِ، ويحرم ما حرم الله، وعاد إلى أكل الربا {فَأُولَئِكَ}: الفاء: للتأكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
{أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : ارجع إلى الآية (39) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 276]
{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} :
{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} : المحق: هو النقصان وزوال بر يخالطه الربا.
فالربا، وإن كان ظاهره الزّيادة في المال، ولكن باطنه النقصان وزوال البركة منه.
{وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ} : جمع صدقة، سواء كانت زكاة، أو صدقة تطوع؛ أي: يزيد ثوابها ويضاعفها أضعافاً كثيرة، فتنموا وتزداد بركتها بعكس الربا.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} : تقديم الفاعل على الفعل؛ للتعظيم والتحذير.
{كُلَّ} : للتوكيد.
{كَفَّارٍ} : اسم فاعل، وكفار صيغة مبالغة لكافر؛ لأنه كرر فعله وهو الكفر، واستمر عليه؛ أي: الكفر بالدين وعدم الإيمان.
{أَثِيمٍ} : على وزن فعيل من فعل أثم، وتدل على المبالغة في الإثم؛ أي: في أكل الربا، والإصرار على التعامل بالربا، وقيل: نزلت هذه الآية في ثقيف الذين كفروا بالله تعالى، وأصروا على التعامل بالربا، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب.
سورة البقرة [2: 277]
المناسبة: بعد ذكر آكلي الربا، وذكر الكفار، والأثيم، بشر الله سبحانه الّذين آمنوا، وعملوا الصالحات بقوله:
{إِنَّ} : للتوكيد، {الَّذِينَ}: اسم موصول.
{آمَنُوا} : بالله، وبما أنزل {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: أي: استقاموا على فعلها.
{وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} : ارجع إلى الآية (3) من سورة البقرة.
{وَآتَوُا الزَّكَاةَ} : ارجع إلى الآية (43) من سورة البقرة.
{لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : ارجع إلى الآية (38) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 278]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد إلى الّذين آمنوا، وهو نداء أخير أيضاً لمن يتعاطى الربا منهم، والياء: للنداء للبعد، والهاء: للتنبيه.
{اتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا أوامر الله، وتجنبوا نواهيه، فبذلك تتقون غضبه وعقابه.
{وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواا} : اتركوا، ودعوا، وتجنبوا التعامل بالربا حالاً، وألغوا، وتخلَّوا عما عندكم من المعاملات الربوية.
{إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} : {إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال والندرة.
{كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} : إن كنتم تدّعون أنكم مؤمنون، وصفة الإيمان عندكم ثابتة.
سورة البقرة [2: 279]
{فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُوا} : الفاء: للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والندرة؛ أي: لم تفعلوا وتتركوا التعاطي بالربا، والمعاملات الربوية.
{فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} : فاعلموا {فَأْذَنُوا} : من أذن، وأذن بالشيء علم به، أو أعلمه؛ أي: أنتم في حرب من الله ورسوله. الباء: للإلصاق، والدوام؛ أي: دخلتم في حرب من الله ورسوله دائمة.
{بِحَرْبٍ} : نكرة؛ للتهويل تشمل كل نوع يتصوره العقل من أنواع المحاربة، أو الحروب، والحرب تعني: كذلك المعاداة، والغضب، والعقاب.
{مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} : من: ابتدائية، بحرب من الله بغضب من الله، ومعاداة رسوله.
{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} :
{وَإِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال، احتمال حدوث التوبة.
{تُبْتُمْ} : أي: تركتم الربا، ولم تعودوا إليه، وندمتم على ما فعلتم، وسألتم الله المغفرة، ارجع إلى سورة النّساء، آية (17-18) لمزيد من البيان.
{فَلَكُمْ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التّوكيد، لكم: اللام: لام الاختصاص.
{رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} : الّتي أقرضتموها (من دون فائدة).
{لَا تَظْلِمُونَ} : {لَا} : النّافية، {تَظْلِمُونَ}: غيركم فتأخذون زيادة منهم.
{وَلَا تُظْلَمُونَ} : بأخذ أقل من رؤوس أموالكم.
وتكرار (لا): يفيد لا هذه، ولا تلك، ولا كلاهما معاً.
سورة البقرة [2: 280]
{وَإِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال.
{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : وإن كان الّذي عليه الدَّين مُعسراً؛ أي: ليس عنده القدرة على سداد الدَّين.
{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} : أمر في صيغة الخبر؛ أي: عليكم بانتظاره حتّى يتيسر له القدرة على الدفع، وزوال عذره، والنظرة تعني: التأخير؛ أي: أمهلوه، واصبروا عليه.
{مَيْسَرَةٍ} : أي: إنظاره حتّى يتيسر له (ميسرة: وقت اليسر والرخاء).
{وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} :
{وَأَنْ} : مصدرية تفيد التّوكيد.
{تَصَدَّقُوا} : على المعسر بالتنازل عن الدَّين تطهيراً لأموالكم، وتزكية لأنفسكم (أي: الصدقة عليه أفضل من استرجاع الدَّين)، وهذا من باب الندب.
{خَيْرٌ لَّكُمْ} : أفضل لكم من استرجاع رأس المال، أو الدَّين.
{إِنْ} : شرطية، {كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}: أنه خير لكم فافعلوه.
سورة البقرة [2: 281]
قال ابن عبّاس رضي الله عنهما ، وغيره من العلماء: أنّ هذه الآية هي آخر آية نزلت من القرآن الكريم؛ أي: نزلت من السماء، وآخر موعظة تلقتها البشرية من خالقها.
قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : توفِّي الرّسول بعدها بـ (81) يوماً، وقيل:(31) يوماً، أو أقل من ذلك.
{وَاتَّقُوا يَوْمًا} : أي: اجعلوا بينكم وبين ما يقع في ذلك اليوم من أحداث عظيمة وقاية وحاجزاً.
أي: احذروا ذلك اليوم وتجنبوا وقائعه بطاعة الله بامتثال أوامره، وتجنب نواهيه.
{يَوْمًا} : بصيغة التنكير؛ للتعظيم، والتهويل لما يحدث في يوم القيامة من الأهوال.
{تُرْجَعُونَ} : ولم يقل: تَرجِعون، تُرجعون بضم التاء؛ لأنّ هذا الرجوع في ذلك اليوم يكون قسراً، وجبراً، وليس بإرادتكم.
{فِيهِ} : قدَّم فيه؛ أي: في ذلك اليوم حصراً، وقصراً ترجعون فيه {إِلَى اللَّهِ}: وحده.
{ثُمَّ} : لترتيب الأخبار، وليس التراخي في الزمن.
{تُوَفَّى} : تجزى.
{كُلُّ نَفْسٍ} : مؤمنة، أو كافرة، مطيعة، أو عاصية.
{مَا كَسَبَتْ} : ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي (ولكنها أوسع شمولاً) كسبت من خير وشر، أو حسنات وسيئات، ولم يقل: ما عملت؛ لأنّ الآية في سياق الأموال والكسب، والكسب: هو بشكل عام جلب النفع أو دفع الضرر. ارجع إلى سورة البقرة آية (286) للبيان المفصل في الكسب.
{وَهُمْ} : ضمير فصل يفيد التّوكيد.
{لَا يُظْلَمُونَ} : لا: النّافية.
{يُظْلَمُونَ} : من الظّلم، وهو نقصان الحق؛ أي: يعطون أجورهم كاملة، ولا ينقصون حسنة، ولا يزاد في سيئاتهم سيئة.
سورة البقرة [2: 282]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء إلى الّذين آمنوا بتكليف جديد.
{إِذَا} : ظرفية متضمنة معنى الشرط، وتدل على أنّ الأمر واقع لا محالة، أو كثير الوقوع، وهو التداين.
{تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} : الدَيْن هو الاقتراض إلى موعد يسدَّد فيه القرض.
{تَدَايَنْتُمْ} ؛ أي: داين بعضكم بعضاً في شراء، أو بيع، أو قرض.
وهناك كلمة تشابه الدَيْن هي الدِّين: هو يوم الجزاء، والدِّين هو دين الإسلام.
{إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} : أي: وقت محدد بالأيام، أو الشهور، أو الأعوام؛ لأن هناك أجل مجهول مثل إلى يوم الحصاد، أو يوم رجوع الحجاج، أو يوم ترجع من الحج، فربما مات الرجل، ولم يرجع، أو تأخرت به الطائرة، أو حدث حادث، فهذا غير مقبول.
{فَاكْتُبُوهُ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، وتفيد التّوكيد.
اكتبوه: فعل أمر؛ أي: للندب، وقيل: للوجوب، وهو تشريع سماوي، فقد يموت أحدكم، والهاء: تعود إلى الدَيْن (فاكتبوا الدَيْن).
ولا تقل: نحن أصحاب ويثق بعضنا ببعض، ولا داعي للكتابة، فهذا مخالف للآية.
{وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} :
{وَلْيَكْتُب} : اللام: لام الأمر، أو التّوكيد.
والكتابة: هي لحماية الدائن (الّذي أعطى القرض)، كذلك، فلولا الكتابة فقد يتقاعس المَدِين (الّذي تسلَّم القرض)، ويماطل، ويمدد الوقت، وتحدث خلافات بين الطرفين.
{وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} : أي: لا الدائن، ولا المدين لهما حق الكتابة، فلا بد من رجل ثالث يسمى كاتب العدل، ليس له مصلحة في القضية.
{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} :
{وَلَا يَأْبَ} : لا: النّاهية، {كَاتِبٌ}: نكرة؛ أي: أيُّ إنسان يعرف الكتابة والقراءة عليه ألا يمتنع إذا طُلب منه الكتابة، {أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}: بالعدل، أو كتابة العقود، كما أمره الله.
{فَلْيَكْتُبْ} : هذا حضٌّ له على التطوع للكتابة إذا لم يوجد غيره، أو لم يُطلب منه؛ لكونهم لا يعرفون أنه قادر على الكتابة فعليه أن يتطوع، ويتقدَّم للكتابة.
{وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـئًا} :
أي: الذي عليه الدَيْن هو الّذي يملي الصيغة، والكتابة تكون حُجَّة عليه، ولذلك الدائن لا يمل، {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}: ذكر الله والرب معاً؛ لإدخال الخوف والردع في ضمير السامع، فيكون حذراً.
{اللَّهَ} : اسم العلم؛ أي: الإله المعبود، {رَبَّهُ}: الّذي خلقه ورباه، وتولَّى أمره، ورزقه.
وقوله: الله ربه فيها تذكير بالعبودية والربوبية معاً، فذكر كليهما معاً يحمل على الخشية، والخوف أكثر.
{وَلَا يَبْخَسْ} : والبخس: النقص بالظلم؛ أي: لا ينقص منه شيئاً ظلماً، وقدَّم الجار والمجرور للتوكيد ليعني: ولا ينقص من الحق الّذي عليه شيئاً.
أما النقصان فيكون بظلم، أو بغير ظلم، وبخفاء وغفلة عن صاحب الحق.
{فَإِنْ} : الشرطية؛ للدلالة على قلة حدوث هذا الأمر؛ أي: أن يكون الّذي عليه الحق سفيهاً.
{سَفِيهًا} : الّذي لا يحسن التصرفات المالية؛ كأن يكون مبذراً؛ أي: سيِّئ التصرف.
{أَوْ ضَعِيفًا} : كالشيخ الكبير، أو الصبي، ضَعيفاً: بفتح الضاد مقارنة بقوله تعالى في الآية (266) في نفس السورة {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} بضم الضاد؛ فأما ضعيفاً بفتح الضاد تعني: الضَعف قد يكون في الجسم والرأي والعقل، وأما الضُعف: بالضم يكون في الجسم خاص.
{أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} : كالأخرس، أو المريض، {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}: عندها يقوم الولي، أو الوصي بالإملاء.
ولا تكفي الكتابة، ولا بد من أمر ثانٍ وهو إحضار شهيدين، فقال:
{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ} : ولم يقل: وأشهدوا، إنما قال: واستشهدوا، اطلبوا إحضار شهيدين، ولم يقل: شاهدين، فالألف والسين والتاء؛ للطلب، وتفيد المبالغة في إحضار شهيدين.
وشهيدين غير شاهدين: الشّهيد صيغة مبالغة من الشاهد، والشّهيد يعلم بواطن الأمور وظواهرها، ويدرك كل صغيرة وكبيرة، وليس كالشاهد؛ أي: الحاضر فقط، شاهد معروف بين النّاس بعدالته، وصدقه، وأمانته، وليس مجرد شاهد؛ أي: له القدرة والعلم بالشهادة، وتكررت شهادته، واستشهدوا أقوى وأبلغ من وأشهدوا. ارجع إلى الآية (133) من سورة البقرة؛ لمعرفة الفرق بين الشاهد والشّهيد.
{فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} :
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: الشرطية تفيد الاحتمال، {لَّمْ}: نافية، {يَكُونَا رَجُلَيْنِ} .
{فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} : الفاء: جواب الشرط.
{مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} : ممن كان معروفاً بصدقه، وأمانته، ودينه، من الشهداء: جمع شاهد، أو شهيد، وهنا تعني جمع شهيد.
{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} :
الضّلال هنا: يعني النسيان، أو الخطأ، أو السهو، أو الضياع، أن تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى إن نسيت، والنسيان قد يطرأ لأي منهما، فلا تظن إحداهما أنها هي المذكرة للأخرى، ولذلك كرَّر كلمة إحداهما مرتين.
وقال: أن تضل، أن: شرطية تستعمل في الاحتمال، أو قلة الحدوث، أو الشك؛ أي: خشية أن تضل إحداهما، وقد لا يحدث ذلك.
{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: ناهية.
{يَأْبَ} : يرفض، ويمتنع إذا طلب من الشهداء أن يشهدوا.
والشهادة لها مرحلتان: مرحلة التحمُّل، ومرحلة الأداء.
وسماهم الشهداء: قبل التحمُّل (تحمُّل الشهادة)؛ لرفع منزلتهم.
واستعمال (إذا ما) بدلاً من (إن) دعوا: تدل على حتمية الحدوث؛ أي: يجب ألا يأبوا.
واستعمال (ما) للتوكيد، وكان يكفي أن يقول: إذا دعوا، وذلك لأنّ الشّهيد قد يتباطَأ، أو يتقاعس عن الشهادة؛ لأنه ليس له مصلحة فيها، أو قد يلحقه ضرر، ولذلك أكد بـ (ما).
{وَلَا تَسْـئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النّاهية.
{تَسْـئَمُوا} : أي: تكسلوا، وعبر عن الكسل بالسأم، أو لا تضجروا أو تملوا {أَنْ تَكْتُبُوهُ}: سواء كان ديناً {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} : فلعل الكاتب ملَّ الكتابة من كثرة الكتابة، وكثرة الدعاوى.
{إِلَى أَجَلِهِ} : إلى الوقت المسمى، والمحدد الّذي اتفق عليه الدائن والمدين بالأيام، والأشهر، أو الأعوام.
{ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} : {ذَلِكُمْ} : تشير إلى الكتابة والشهادة.
{أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} : أقسط؛ أي: أعدل وأحفظ، وأقسط: على وزن أفعل؛ أي: أفضل؛ أي: فيه مبالغة في العدل، وأقسط تعني: العدل مع تنفيذه وعدم الجور والظلم.
وقال: عند الله؛ لأنه هو أَمرَ بذلك.
{وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} : {وَأَقْوَمُ} : من الإقامة؛ أي: أن تؤدى الشهادة على التمام، والكمال من دون نقص، أو زيادة، وأقوم: على وزن أفعل، وفيه مبالغة على الإقامة.
{وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} : {وَأَدْنَى} : أقرب؛ لتجنب أي ريبة.
{أَلَّا} : أنّ + لا، أن: حرف مصدري يفيد التعليل والتوكيد، وأدنى على وزن أفعل للمبالغة.
{تَرْتَابُوا} : الريبة: هي الشك، والتهمة في قلوب أحدكم، سواء كان الدائن والمدين والشهداء.
{إِلَّا} : أداة استثناء، {أَنْ}: مصدرية تفيد التعليل والتوكيد.
{تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} : أي: إذا كانت التجارة البيع والشراء يداً بيد، وليس فيها أجل مسمى، أو دين، وتأخير في المداولة.
{فَلَيْسَ} : الفاء: للتوكيد، وليس: للنفي، {عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}: لا إثم من عدم الكتابة، ولكن أشهدوا، وجناح: مشتقة من الميل عن الحق. ارجع إلى الآية (158) من نفس السورة لمزيد من البيان.
{وَأَشْهِدُوا إِذَا} : إذا: شرطية تفيد الحتمية، أو الكثرة، {تَبَايَعْتُمْ}: اشتريتم، أو بعتم؛ أي: الإشهاد؛ أي: الشهادة كافية دون الحاجة إلى كاتب العدل، أو الكتابة، أو الإشهاد واجب، أو مندوب، وقال بعض المفسرين: إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد.
{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} : الواو: عاطفة، لا: النّاهية، {يُضَارَّ}: بالإدغام.
{يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} : لها معنيان، الأول: لا الكاتب، ولا الشّهيد يضر المدَّعي، أو المدَّعى عليه بالتحريف، أو الكتم، أو التغيير، أو رفض الكتابة، أو الامتناع عن الأداء.
والمعنى الثّاني: لا الكاتب، ولا الشّهيد يُضر بضم الياء؛ أي: بالأذى في ماله، أو بدنه، أو تعطيل عمله؛ أي: لا يؤذيان، ويهددان إذا شهدوا لأي طرف بالقول، أو الفعل.
وتكرار لا: للتوكيد، فلا يضارَّ أيٌّ منهما أو كلاهما معاً.
{وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} :
{وَإِنْ تَفْعَلُوا} : إن: الشرطية تدل على الشك في وقوع ذلك الضرر، وهذا تزكية لهم؛ أي: أنهم عدول، ولن يفعلوا ذلك، وأما إن ضر أحدٌ منكم الآخر سواء كان الدائن، أو المدين، أو الكاتب، أو الشهداء، فهو فاسق: أي: عاص، وخارج عن أمر الله.
{فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} : أي: خروج من طاعة الله، وعليكم إثمه، وتبعته.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا أوامره تعالى، وتجنَّبوا نواهيه، وذلكم وقاية لكم من غضبه، وعقابه، وناره.
{وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} : كل ما تحتاجونه في دنياكم، ويعلمكم دينكم الحق.
{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} : {بِكُلِّ} : الباء: للإلصاق، {شَىْءٍ}: نكرة مهما كان هذا الشّيء، والشيء هو أقل القليل، مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه، ولونه، وقول أو فعل، سرّاً أو علناً، حسناً أو سيئاً.
{عَلِيمٌ} : صيغة مبالغة من عالم على وزن فعيل؛ أي: كثير العلم.
عليم بكل ما تقولونه من صدق وكذب وحق وباطل، وبكل ما تفعلونه من خير وشر، وتكتبونه، وبما تشهدون عليه، وما تملونه، وما تديرونه بينكم، وعليم بنواياكم، وما تخفيه صدوركم.
سورة البقرة [2: 283]
{وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} :
{وَإِنْ} : شرطية تدل على الاحتمال، وقلة الحدوث؛ أي: أن تكونوا على سفر ولم تجدوا كاتباً.
{كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ} : سفر لا يُقصد فيه المعصية؛ أي: سفر البر والصلاح.
{وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} : أي: من يكتب لكم الدَيْن.
{فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} : أي: عوضاً عن الكتابة فرهان مقبوضة هدفها حماية الدائن؛ أي: أن يضع المدين رهناً لدى الدائن؛ أي: دائنه عوضاً عن الكتابة، هذا في حال الخوف منه، أو عدم معرفته بشكل يبعث على الطمأنينة والأمان.
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} :
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية.
{أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} : أي: إذا كان المدين؛ أي: الّذي يحتاج إلى القرض أميناً وعدلاً وذا أمانة وسمعة طيبة بين النّاس، فلا حاجة لدائنه أن يطلب منه رهناً.
{فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} :
{فَلْيُؤَدِّ} : الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة، أو التّوكيد.
{الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} : {الَّذِى اؤْتُمِنَ} : هو (المدين)؛ أي: جاء الموعد فعليه إيفاء الدَين (وسمى ذلك أمانة)، والذي اؤتمن يعني: أو يشمل الّذي تسلَّم الرهان المقبوضة.
فواحد مأمون على الرهن، والآخر مأمون على الدَين.
لأنّه ليس هناك كتابة، ولا شهود، فعلى المدين إيفاء الدَين، وعلى الدائن إعادة الرهن.
{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} : كل واحد منهما ربه؛ أي: يخاف عقابه إن راودته نفسه بالمماطلة، والتأخير، أو الإنكار، أو التغيير، أو التحريف في تلك الأمانة.
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: النّاهية، والخطاب موجَّه إلى الشهود.
{تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} : الشهادة: مصدر شهد من الشهود؛ بمعنى: الحضور، وهي الخبر بالشيء الواقع الّذي شهدته؛ أي: القاطع الّذي لا يتغير.
{تَكْتُمُوا} : من الكتمان، وهو السكوت عن ذكر الشّيء للعلن، والكتمان يختص بالأسرار والأخبار (أي: بالمعاني)، وأما الإخفاء فهو أعم، وغالباً ما يكون في الأشياء المادية الحسية والمعنوية.
وكتم الشهادة هو عقد النية؛ لترك أدائها؛ أي: إياكم أن تكتموا الشهادة إذا دعيتم إلى إقامتها.
{وَمَنْ يَكْتُمْهَا} : من: شرطية استغراقية.
{فَإِنَّهُ} : الفاء: للتوكيد، إنّه: لزيادة التّوكيد.
{آثِمٌ قَلْبُهُ} : خصَّ القلب بالذكر؛ لأنّ الكتمان من عمل القلب، والجوارح كلها خاضعة للقلب، وتتبع القلب؛ لذلك نسب الإثم إلى القلب، وليس إلى النفس، أو الذات، أو العبد.
أي: كاتم الشهادة سوف يعاقب على الذّنب العظيم، وفيه تهديد ووعيد لمن يكتم الشهادة، أو يقول الزور.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} : {بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي تعملون، أو مصدرية (وما أوسع شمولاً من الذي).
{تَعْمَلُونَ} : تضم الأقوال والأفعال، وقدَّم تعملون على عليم، ولم يقل: الله عليم بما تعملون؛ لأنّ السياق في الأعمال، وكتابة الدَّين، وأداء الأمانة.
{عَلِيمٌ} : ارجع إلى الآية (282) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [2: 284]
{لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ} : ملكاً، وخلقاً، وحكماً، وتدبيراً.
فهو مالك لهنَّ، وما فيهنَّ، الكل ملكه، وتقديم الجار والمجرور.
لفظ الجلالة للحصر، والقصر، فلا مالك إلا هو، وهو المالك الحق، (ولم يقل: ما في السموات وما في الأرض لله).
{مَا فِى} : ما: اسم موصول، وهي مطلقة تشمل العاقل، وغير العاقل، ما في السموات السبع وما فيها من كواكب ومجرات ونجوم وغيرها، وما في الأرض وما فيها؛ أي: أنّ الله سبحانه هو الخالق، والمالك، والحاكم، والغني.
وتكرار (ما) في السموات، و (ما) في الأرض: يفيد التّوكيد، وفصل كل عن الآخر، أو كلاهما معاً.
لأنّ هناك أشياء موجودة في السماء، وليست في الأرض، أو أشياء موجودة في الأرض، وليست في السماء.
والظرف السموات، وما فيهنَّ هو المظروف.
والظرف الأرض، وما فيها هو المظروف.
{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} :
{وَإِنْ} : الواو: عاطفة، إن: شرطية.
{تُبْدُوا} : من الإبداء، وإبداء ما في النفس هو إظهار ما يضمره العبد، سواء بالنطق، أو العمل به.
{مَا} : اسم موصول تفيد الشمول (كل شيء تبدونه من خير، أو شر صغير، أو كبير تنطقون به، أو تفعلونه في كل زمان، وفي كل مكان).
{فِى} : ظرفية زمانية ومكانية.
{أَوْ} : للتقسيم.
{تُخْفُوهُ} : من الإخفاء، ويشمل الكتمان، والسر، والكتمان يكون للمعنى، أو الأشياء المعنوية مثل كتم السر، أو الخبر، والإخفاء يكون للأشياء الحسية خاصة، والمعنوية أحياناً.
{مَا فِى أَنفُسِكُمْ} : ولم يقل: ما في نفوسكم؛ لأنّ الأنفس أقل من النفوس (النفوس تعني: كل نفس).
فيصبح المعنى: إن الله سيحاسب أنفساً، وليس كلَّ النفوس؛ لما تبديه، ولما تخفيه؛ أي: يعفو، ويفغر لمن يشاء، وسيحاسب من يشاء.
وهل يعني: سيحاسب الله كلَّ نفس على نوازعها الكثيرة الّتي تضم الهواجس (والخواطر، وأحاديث النفس، والوساوس، والهم؛ أي: النية والقصد، والعزم؟) الجواب: لا.
وما قاله الفقهاء في هذا: أنّ الوساوس، وأحاديث النفس، والخواطر لا تدخل فيما ستحاسب عليه النفس، ولكن الّذي سيحاسب عليه الله سبحانه هو العزم، أو ما يُبدي الإنسان، وليس ما يُخفي؛ أي: حين يبدأ بفعل المعصية أو السيئة ولا رجعة بعدها.
{فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} : يستر من أراد مغفرته، (واللام في لمن: للتوكيد)، يستره بفضله.
{وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} : يعاقب من أراد تعذيبه.
{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : على محاسبتكم، وجزائكم، ومغفرتكم، وعذابكم.
وفي هذه الآية قدَّم الإبداء (الإظهار) على الإخفاء، فقال:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} : للاهتمام، والمفروض من المؤمن أن يكون سرُّه كجهره، وليس كالمنافق الّذي يختلف ظاهره عن باطنه.
عن أبي هريرة قال: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} : اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جَثَوْا على الرُّكب، فقالوا: أي: رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصّيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما قرأها القوم وذلّت (لانت) بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ». رواه مسلم، وأحمد، وابن حبان.
سورة البقرة [2: 285]
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} : أولاً {وَالْمُؤْمِنُونَ} : آمنوا ثانياً بعد أن بلغهم الرسالة.
{كُلٌّ} : للتوكيد؛ أي: الرّسول صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون.
{آمَنَ بِاللَّهِ} : (بأركان الإيمان). آمن بالله: هو الاعتقاد الجازم واليقين بوجوده وأنه الإله الحق وبواحدانيته سبحانه وتعالى وربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته بدون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف.
{وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} : ارجع إلى الآية (177) من نفس السورة.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق، والملازمة.
{بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} : من الوحي والقرآن، إيمان عقيدة، وتصديق معاً، والمؤمنون كذلك آمنوا بكل أركان الإيمان.
{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} :
{لَا} : النّافية، {نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}: أي: نحن نؤمن بكل رسول ونبيٍّ، ونصدِّق أنّ كلاً منهم قد بلغ رسالته، وأنّ عقيدتهم واحدة (لا إله إلَّا الله)، والإسلام، وإن اختلفت الأحكام باختلاف العصور، ولا نؤمن ببعض الرسل، ونكفر ببعض، فالإيمان لا يتجزأ.
{وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} :
{وَقَالُوا} : الرّسول والمؤمنون.
{سَمِعْنَا} : ما أُنزل إلينا من الوحي (القرآن)، وما شرعت لنا، واستجبنا.
{وَأَطَعْنَا} : ما أمرنا الله سبحانه به، وما نهانا عنه، وما أحلَّ لنا وحرَّم علينا، وما أمرتنا أنت به وما نهيتنا عنه، وما أحللت لنا وحرَّمت علينا.
{غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} : تعني طلب المغفرة من الله فقط، ولا تستعمل إلا مع الله سبحانه؛ أي: اغفر لنا ربنا، أو نستغفرك ربنا، أو نسألك المغفرة، والمغفرة تشمل الستر مع العفو، والثواب على الأعمال الصالحة.
{وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} : تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إليك وحدك المصير (المنتهى)، المرجع؛ للمحاسبة والثواب.
سورة البقرة [2: 286]
في الآية السابقة قال سبحانه ما معناه: لن يحاسبكم على الوساوس، أو الخواطر، وأحاديث النفس، وفي هذه الآية:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .
{لَا} : النّافية؛ أي: ينفي الله سبحانه أن يكلِّف نفساً إلَّا وسعها.
{يُكَلِّفُ} : لا يلزم، {اللَّهُ نَفْسًا}: بأمر، أو عبادة، أو فرض، أو يأمرها بأي أمر تكليفي فوق قدرتها.
{إِلَّا} : أداة حصر، {وُسْعَهَا}: والوسع: هو القدرة + ما يستطيع القيام به من الزّيادة (التطوع).
{لَهَا مَا كَسَبَتْ} : الكسب: فد يكون في الخير والشر؛ أي: ما أصابت من الخير، والكسب: هو جلب نفع أو دفع ضرر، اللام تفيد الاختصاص، والاستحقاق، {مَا}: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي وهي أعم شمولاً من الذي، أو مصدرية. الكسب: سواء لنفسه، أو لغيره، والكسب يتم من دون تكلف، ويستعمل في الخير عادة؛ أي: لها ثواب ما عملت، أو كسبت من الخير، وقد يستخدم في الشر أحياناً من باب التهلكم أو السخرية.
{وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} : اجتهدت في تحصيله من المعاصي على فيها معنى المشقة والعلوية، {مَا}: اسم موصول؛ بمعنى الّذي، أو مصدرية، {اكْتَسَبَتْ}: على وزن افْتَعَلَ، والاكتساب يكون على نفسه فقط، وفيه جهد، وافتعال، ومشقة، وتكلُّف، وتستعمل في الشر، وارتكاب المعاصي؛ أي: عليها وزرُ ما اكتسبت من الشر واجتهدت في تحصيله، وكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتساباً، وقد وردت كلمة كسب أو اكتسب ومشتقاتها في (67) في القرآن ووردت بصيغة الماضي والمضارع، وجاءت بمعان عدة منها: العمل، والجمع، والرشوة، وغيرها
…
، ومنها كسب الصالحات، والسيئات، والأموال، ومنها: الخبيث، والطيب.
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} :
{رَبَّنَا} : لا تعاقبنا، {إِنْ}: شرطية تفيد الاحتمال، والندرة، {نَسِينَا}: من النسيان: هو ترك بغير اختيار الإنسان، ويختلف عن الغفلة التي هي ترك باختيار الغافل، والغفلة: اسم عام فكل نسيان غفلة، وليس كل غفلة نسيان؛ أي: الغفلة أعم من النسيان، وقيل: النسيان الغفلة عن الشيء مع انمحاء صورة أو معناه عن العقل أو الخيال بالكلية، وأما الغفلة عن الشيء فهي عدم حضور الشيء في الذاكرة أو الخيال؛ أي: انمحاء صورة أو معناه بشكل كامل أو مؤقت، والنسيان هنا يكون عن عمد أو يعني كذلك الترك العمد.
{أَوْ أَخْطَأْنَا} : من الفعل الرباعي أخطأ؛ أي: ارتكب الخطأ بغير عمد واسم الفاعل المخطئ فهو المرتكب الخطأ من دون قصد وتعمد، فالخاطئ يعلم الصواب ويتعدّاه، أما المخطئ فلا يعلم الصواب، وأما الفعل الثلاثي خطِئ بكسر الطاء: وهو الذي يتعمد الخطأ، أو يقع في الذنب وهو يعلمه كقوله تعالى:{إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِـئِينَ} [يوسف: 29]، وفاعل خطِئ مخطئ، فقالوا الفعل الثلاثي خطِئ (خاطئ) في العمد، والرباعي أخطأ (مخطئ) في غير العمد، وهناك من العلماء من قال كلاهما يستعمل في العمد وغير العمد، أو في غير العمد، وهناك من قال الخاطئ من أراد فعلاً لا يحسنه ففعله، والمخطئ من أراد فعلاً يحسنه فوقع منه غيره.
لأنّ النسيان، أو الخطأ الناتج عن السَّهو، ومن دون تعمد، أو قصد: لا إثم عليه أصلاً.
{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا} : من التحميل، والتحميل: لا يكون إلَّا لما يستثقل من التكاليف الشاقة والقيود، أما التكليف فقد يكون لما لا ثقل له من التكاليف مثل: الاستغفار، والتسبيح، والذِّكر، فكل ذلك تكليف وليس تحميلاً.
{عَلَيْنَا} : تفيد الاستعلاء والمشقة.
{إِصْرًا} : الإصر: الأمر الغليظ الصعب؛ أي: التكاليف الشاقة، والقيود، والإصر: يطلق على العهد الثقيل، وما كان ناتج عن يمين موثق.
{كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} : الكاف: كاف التشبيه، {حَمَلْتَهُ}: فرضته، وحملته {عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}: أمثال بني إسرائيل، وغيرهم مثل الزكاة بربع المال، والتوبة لا تقبل، والطهارة إلَّا بقطع مكان النجس، وإحراق الغنائم، وتحريم شحوم الأغنام، والبقر، وغيرها من الأحكام.
ما الفرق بين الإصر والوزر: الإصر: هو التكاليف الشاقة والقيود في العبادات، والطاعات، أو العهد، أو اليمين المؤكد مثال:{وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى} [آل عمران: 81].
والوزر: الذّنب، أو الإثم، وأصل الوزر: الحمل الثقيل على الظهر، واستعير للذنب؛ لأن الذّنب له ثقل مثال:{وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} [الأنعام: 31]، {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} [الشرح: 2].
{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا} : من العقوبات، والمصائب، والكوارث، والصواعق، والابتلاءات {مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} .
فهم دعوا ربَّهم الإعفاء من التكاليف الشاقة في العبادات، والإعفاء من الكوارث الكونية، والمصائب والبلايا.
{مَا} : اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، لا: نافية للجنس.
{طَاقَةَ لَنَا بِهِ} : الطاقة: هي الوسع + المقدرة (غاية مقدرة القادر).
{مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} : من العبادات، أو الأعمال الشاقة.
{وَاعْفُ عَنَّا} : العفو: هو ترك العقوبة على الذّنب؛ أي: لا تعاقبنا على ذنوبنا.
{وَاغْفِرْ لَنَا} : استر ذنوبنا، ولا تفضحنا، وائتنا ثواب أعمالنا الصالحة.
وستر الذّنب يعني: إسقاط العقوبة؛ أي: العفو، فالمغفرة = العفو + استحقاق الثواب (إيجاب الثواب)، وتعني: لا تطرح سيئاتنا من حسناتنا، وأعطنا الثواب كاملاً.
{وَارْحَمْنَا} : جنبنا وأبعدنا عن الذّنوب، وارحمنا مشتقة من الرّحمة: وهي جلب ما يسر ودفع ما يضر، والرحمة تعني: إيصال النعمة؛ أي: أنعم علينا.
{أَنْتَ مَوْلَانَا} : {أَنْتَ} : تفيد التّوكيد، أنت وحدك {مَوْلَانَا}: مالكنا، ومتولي أمورنا، وناصرنا.
{فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : للحدِّ من فسادهم وعبثهم في الأرض، أو حتّى يتبيَّن لهم الحق، والهدى، والنصر: لا يعني النصر بالقوة، والسلاح فقط، بل بالحجَّة، والسلطان، وإظهار أمر الله (الإسلام) ولو كره الكافرون.
لو عكسنا الآية تكون كما يلي: ارحمنا (أبعدنا عن الذنوب)، واغفر لنا (استر ذنوبنا، ولا تفضحنا إذا ارتكبناها)، واعف عنا (لا تعاقبنا عليها).
فضل هاتين الآيتين:
روى البخاري، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
واختلف في معنى كفتاه: قيل: أجزأتاه عن قيام الليل، أو قيل: كفتاه أجراً وفضلاً، وقيل: كفتاه من كل شيطان، أو من كل آفة.
وما رواه الإمام أحمد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهنَّ نبيٌّ قبلي» .
وما رواه مسلم، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال:«بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء، ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النّبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلَّا أوتيته» .
سورة آل عمران [3: 1]
سورة آل عمران
ترتيبها في القرآن (3) وترتيبها في النزول (89) نزلت بعد سورة الأنفال.
وتسمى سورة البقرة، وآل عمران بالزَّهْرَاوَين
{الم} :
ارجع إلى الآية (1) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة آل عمران [3: 2]
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ} :
{اللَّهُ} : هو الاسم الأعظم الذي تفرد به الحق سبحانه، واختصه لنفسه، وقدَّمه على سائر أسمائه الجامع لجميع صفات الكمال الإلهية، فهو يدل على المعبود، ولا معبود إلا هو، وكل اسم من أسمائه جل وعلا نعت له (أي: صفة له). ارجع إلى سورة الفاتحة آية (1) لمزيد من البيان.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : {لَا} : النافية للجنس. {إِلَهَ} : معبود بمعنى مألوه على وزن مفعول؛ أي: لا معبود {إِلَّا} : أداة حصر، {هُوَ}: ضمير متصل يفيد التوكيد والحصر.
{الْحَىُّ} : الواجب الوجود، الباقي الدائم من أزل الأزل إلى أبد الأبد؛ أي: الباقي أولاً وأبداً، والأزل: هو دوام الوجود في الماضي، والأبد: هو دوام الوجود في المستقبل.
{الْحَىُّ} : واهب الحياة، والحي اسم جامع لصفات الذات؛ كالسميع، والبصير، والعليم، وغيرها.
الحي الذي لا ينام ولا يموت: {كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، ولا يزول، ولا يحول.
{الْقَيُّومُ} : دائم القيام بتدبير خلقه، وكونه، وملكه، وعرشه، القائم بذاته، وعظمته، وصفاته، والغني عن خلقه، لا يقوم شيء إلا به، السيد المدبر الحافظ للعالم بكل الأحوال، والأمور، وهو سبب وقوام لكل ما سواه.
والقيوم تعني: كامل التدبير، والقيوم اسم جامع لكثير من أفعال الله سبحانه؛ كالخالق، والبارئ، والمصور، والرزاق.
وقيل: الحي القيوم: اسم الله الأعظم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (255)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 3]
{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} : نزل على وزن فعّل، وتدل على كثرة التنزيل، وإنه منزل منجماً (مفرقاً) في ثلاث وعشرين عاماً.
{عَلَيْكَ} : يا محمد صلى الله عليه وسلم.
{الْكِتَابَ} : يقصد به القرآن في هذه الآية، يسمى الكتاب؛ لكونه مكتوباً في السطور، وفي اللوح المحفوظ، وجاء بـ (ال) التعريف؛ للدالة على الكمال؛ أي: الكتاب الكامل التام.
والكتاب (القرآن) له نزولان:
نزول أول: أنزل جملة واحدة (دفعة واحدة، أو مرة واحدة) من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، أنزل في ليلة القدر في شهر رمضان {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3]، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185].
نزول ثان: منجماً؛ أي: مفرقاً؛ كقوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106].
نزل به جبريل عليه السلام في ثلاث وعشرين سنة حسب الأحداث والوقائع والحاجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثته إلى وفاته.
فعندما يقول: أنزل؛ أي: جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وعندما يقول: نزل منجماً متفرقاً (أي: بالتدرج) نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال (23) سنة.
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ؛ أي: أنزله الله سبحانه، وأنزل مقصورة على الله سبحانه، وتعني: مصدر الإنزال من الله سبحانه؛ أي: هو المنزل.
{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} ؛ أي: جبريل عليه السلام .
{نَزَلَ بِهِ} : به: تعود على الكتاب؛ يقصد به القرآن في هذه الآية، فكلمة نزل: قد تنسب إلى جبريل عليه السلام ، وتعني: آلية النزول، وطريقته. ارجع إلى الآية (4) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{نَزَّلَ عَلَيْكَ} : كلمة عليك يستعملها بمعنى التشريف، وفي سياق الأمور الخاصة، والعبادة، وعلى: تعني: العلو، والمشقة، فالقرآن نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من أعلى؛ أي: من جهة واحدة، هي السماء العليا.
وأما كلمة نزل إليك: إليك: يستعملها في سياق الدعوة، والتبليغ، والتعميم، وإلى تقيد الانتهاء؛ أي: انتهاؤه إلى عامة الناس، والغاية من الإنزال: هو أن ينتهي إلى أيدي الناس ليقرؤوه.
وإلى: لا تعني جهة معينة، فالكتب تنزل على الرسل أولاً، وتنتهي إلى أممهم، عليك: تشير إلى البداية، وإليك: تشير إلى النهاية.
والخلاصة: إذا كان القصد، أو السياق، والنهاية إلى الناس يستعمل إليك.
{بِالْحَقِّ} : الباء: للإلصاق، والملازمة؛ أي: ملازمة للحق، فالكتاب: هو الحق، والحق هو الكتاب.
والحق: هو الأمر الإلهي الثابت الذي لا يتغير.
{مُصَدِّقًا} : موافقاً. اسم فاعل من صدق؛ أي: موافقاً لما سبقه من الكتب السماوية، لا يخالفها في القضايا العقدية، والإيمانية، والنبوَّة.
{لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} : من الكتب السماوية؛ كالتوراة، والإنجيل.
{لِمَا} : (اللام - ما) اللام: للتوكيد، ما: اسم موصول يستعمل في المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث.
{وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ} : أنزل التوراة جملة واحدة على موسى عليه السلام ، وأنزل الإنجيل جملة واحدة على عيسى عليه السلام .
{التَّوْرَاةَ} : الكتاب الذي أنزل على موسى، والتوراة كلمة عبرية؛ تعني: الشريعة، والتوراة: تشتمل على خمسة أسفار: هي سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع، ويظن اليهود أن موسى هو الذي كتبها، ويسميها النصارى العهد القديم.
{وَالْإِنجِيلَ} : الكتاب الذي أنزل على عيسى، والإنجيل كلمة يونانية، معناها: البشارة، وهو ما أوحاه الله تعالى إلى عيسى عليه السلام، ويسمى العهد الجديد.
ويشمل أربعة أناجيل: هي إنجيل متى، ويوحنا، ومرقس، ولوقا.
ويشمل على تعاليم المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، وأعمال الحواريين.
وهي أناجيل كتبت بعد زمن طويل من وفاة المسيح عليه السلام .
سورة آل عمران [3: 4]
{مِنْ قَبْلُ} : إنزال القرآن؛ أي: أنزل الله سبحانه التوراة، والإنجيل من قبل نزول القرآن هُدى للناس.
{هُدًى لِلنَّاسِ} : اللام: في كلمة الناس للاختصاص؛ أي: أنزلنا التوراة، والإنجيل، والقرآن من أجل هدايتهم.
{هُدًى} : نكرة تشمل كل أنواع الهداية التي يحتاجونها في حياتهم الدنيا، هدى لهم للخروج من الظلمات إلى النور، وهدى للوصول إلى الصراط المستقيم، أو الصراط الحق الموصل إلى الغاية.
{وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} : وأنزل ما يفرق بين الحق، والباطل، والحلال، والحرام، والهدى، والضلال بالدلائل، والآيات والبراهين في هذه الكتب جميعها.
فالقرآن، والتوراة، والإنجيل وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها الفرقان؛ لأنها كلها نور من الله تفرِّق به، وتميِّز بين الحق والباطل.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} :
المناسبة: بعد ذكر إنزال الكتب السماوية هدى للناس، وما فيها من الفرقان فما مصير الذين كفروا بآيات الله؟ إن لهم عذاباً شديداً.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} : {كَفَرُوا} : جحدوا، ولم يصدقوا بآيات الله. الآيات المنزلة في كتبه، والآيات الكونية، والمعجزات التي أنزلها على رسله. الباء: للإلصاق، والملازمة.
{لَهُمْ} : اللام: لام الاختصاص.
{عَذَابٌ شَدِيدٌ} : في الدنيا والآخرة. عذابٌ: نكرة يشمل كل أنواع العذاب، وهو عبارة عن عقوبة قد تكون في الدنيا أو الآخرة، والعذاب أوسع من العقاب، ولم يرد في القرآن أن الله سريع العذاب.
{وَاللَّهُ عَزِيزٌ} : قوي لا يُغلب، ولا يُقهر، ولا يضره، ولا يناله أحدٌ بسوء، فله العزة جميعاً عزة الامتناع، والقوة، والغلبة، والقهر.
{ذُو انْتِقَامٍ} : ذو انتقام من أهل الكفر، والانتقام: يعني: العقوبة والجزاء على أعمالهم؛ أي: يعاقب ويجازي الناس على أعمالهم.
{ذُو} : أشرف وأبلغ في الثناء، والمعنى من صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (87)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 5]
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ} : {لَا} : النافية للجنس، {يَخْفَى}: عليه شيء: لا يعزب، ولا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، ولا تخفى عليه خافية في الكون من أقوال، أو أفعال خلقه، أو مخلوقاته.
{شَىْءٌ} : أقل القليل، شيء نكرة؛ أيُّ شيء مهما صغر، ودق، أو كبر حجمه، وأي نوع.
{فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ} : {فِى الْأَرْضِ} : ظرفية تعني: الأرض ذاتها، وما فيها؛ وتعني: كل زمان، وتكرار لا تفيد التوكيد، وتفيد كلاً على حدة، السماء لوحدها والأرض لوحدها، وكليهما معاً.
والسماء: تعريفها كل ما علاك، وتشمل السموات السبع وما فيهن.
وفي هذه الآية تحذير لكل كافر بآيات الله سبحانه وتعالى.
سورة آل عمران [3: 6]
{هُوَ} : ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد.
{الَّذِى} : اسم موصول.
{يُصَوِّرُكُمْ فِى الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} : أي: يخلق الناس في صور مختلفة متميز بعضها عن بعض في الصفات والأشكال والألوان، وكل ذلك ناتج الصفات الوراثية التي تقدر (25-30) ألف صفة وراثية، ويتم ذلك عند خلق الجنين، فقوله:{يُصَوِّرُكُمْ فِى الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} ؛ يعني: يختار لكم الصفات الوراثية بحيث لا تجدوا إنساناً يشبه إنساناً آخر، منذ آدم إلى قيام الساعة، وهذا دلالة على طلاقة قدرته الخلقية الدالة على عظمته.
{كَيْفَ يَشَاءُ} : بتغيير الصبغيات، والجينات والمحفظة الوراثية.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} : {لَا} : النافية، {إِلَهَ}: معبود، {إِلَّا}: أداة حصر، {هُوَ}: ضمير فصل يفيد التوكيد، {الْعَزِيزُ}: القوي الذي لا يُغلب، ولا يقهر، ولا يناله أحد بسوء، وعزيز المنعة، والغلبة، والقوة، {الْحَكِيمُ}: في تدبير خلقه، وكونه، وتشريعه، وصنعه، وأحكامه القدرية، والشرعية، والجزائية، أحكم الحكماء، يؤتي الحكمة من يشاء، لا يخلق شيئاً عبثاً، والحكيم مشتقة من الحكم؛ فهو الحاكم، ومشتقة من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين.
سورة آل عمران [3: 7]
{هُوَ} : ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد.
{الَّذِى} : اسم موصول يفيد التعظيم.
{أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} : ارجع إلى الآية (3).
{مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} : آيات الفرائض، والحدود، وآيات الأحكام كلها، والأسرة، والطلاق، والزواج، والعبادات، وآيات الأمر، والنهي، والحلال، والحرام.
{آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} : واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، لا تحتمل التأويل والاشتباه، ولا يختلف فيها الناس، ولا تتغير ولا تتبدل، ولا تحتمل إلا معنى واحداً، وهي عماد الدِّين، أو أصول علم الفقه، ارجع إلى سورة هود، آية (1)؛ لمزيد من البيان.
أمثلة على الآيات المحكمة: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} ، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، ومعنى هذه الآيات واضح وجلي.
{هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} : أم الكتاب؛ أي: الأصل؛ لأن أم كل شيء أصله.
ومما ذكر، أو كتب في أم الكتاب لا يتغير، ولا يتحول، ولا يقع فيه محو، أو تغير.
وأما ما ذكر في اللوح المحفوظ يمكن أن يتغير، ويتبدل؛ لقوله تعالى:{يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} .
{وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} : لها معانٍ كثيرة متشابهة، أو متعددة، خفية وظاهرة.
مثل أمور الغيب، وفواتح السور: وهي آيات الاعتقاد، والقدر.
وتتعلق بصفات الله تعالى.
نسلم بها كما جاءت، وغير مسؤولين عن تأويلها.
وأفضل ما نقول فيها ما قاله الله تعالى ونسكت.
أمثلة: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ، {السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، {يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} .
والقرآن وصف كله بالتشابه، ووصف كله بالإحكام، فقال تعالى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1]، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ} [الزمر: 23].
{فَأَمَّا} : الفاء: استئنافية، أما: حرف شرط وتفصيل.
{الَّذِينَ} : اسم موصول.
{فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : الزيغ: هو الميل عن الحق، بسبب الأهواء، والشهوة، أو الشبهة، أو الفتنة، والزيغ: مشتقة من تزايغ الأسنان؛ أي: اختلاف منابتها، فتظهر خارجه، أو داخله.
في قلوبهم مرض الزيغ.
والزيغ: مرض يطرأ على القلوب التي تخلق لا زيغ فيها؛ لأنها تخلق على الفطرة السليمة، وما يجعلها تزيغ هي الأهواء، والشهوات.
{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} : يتخذون الآيات المتشابهات وسيلة للطعن، أو يعطلون صفات الله، أو يحرفونها؛ ليخدموا شهواتهم، وأهواءهم.
{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} : أي: يتبعون الزيغ طلباً لفتنة المؤمنين في دينهم، ومعتقداتهم، وليضلوا عقول الذين يضلونهم، وإثارة للشبهة، والتناقض، وتشكيك المؤمنين بدينهم، والتلبيس عليهم.
والفتنة: هي أشد الابتلاء، والاختبار، وتكون في الخير والشر، وأصلها مشتق من فتنة (عرض) الذهب على النار ليميز الجيد من الرديء، ولها معانٍ كثيرة، ومختلفة؛ منها: الكفر، والشرك، والأذية (أذى الناس)، والقتل، والأسر، والضلالة، والزيغ، والعدول عن الحق والصراط، وتعني: الحجة، والمعذرة، والتعذيب في النار، أو غيره، والوقوع في المعاصي، والنفاق، والعذاب، والصد عن سبيل الله، وغيرها.
{وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} : طلباً للتأويل، وهو التحريف؛ ليوافق معتقداتهم الفاسدة، كما في تأويلهم خاتم النبيين: يقولون: إنه الخاتم الحقيقي الذي في الإصبع، وليس هو آخر النبيين، فهناك أنبياء سيأتون من بعده.
والتأويل: هو نقل ظاهر اللفظ إلى دلالة أخرى، أو معنى آخر، ولا يجوز التأول كيف نشاء وله شروطه.
أما التفسير: فهو كشف المراد من اللفظ، أو المعنى، أو الآية.
{وَمَا} : الواو: حالية؛ تفيد التوكيد، ما: نافية؛ لنفي الاستمرار، نفي مستمر.
{يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} : أداة حصر؛ أي: الله وحده سبحانه هو الذي يعلم تأويل المتشابه.
{وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ} : جمع راسخ، ورسوخ الشيء في الشيء ثبوته؛ أي: أتقنوا علمهم بلا شك ولا لبس، والقادرون على تأويله يعلمون المحكم والمتشابه، ويعلمون الشيء بدلائل كثيرة، ويعرفون أصل الشيء، ومن المفسرين من يقف على قوله إلا الله: ويفسرون المتشابه لا يعلمه إلا الله وحده ويبتدئ والراسخون في العلم يقولون، ومن المفسرين مَنْ عطف الراسخين في العلم على الله تعالى؛ أي: الله سبحانه، والراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ونتيجة علمهم يقولون:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا} (نؤمن به جميعاً).
وفي كلا الحالتين: إن علموا تأويله وحكمته، قالوا: آمنا به كلٌّ من عند ربنا (نؤمن بالمحكم والمتشابه جميعاً)، وإن لم يعلموا تأويله، وحكمته قالوا: آمنا به كلٌّ من عند ربنا، النهاية نفسها.
وهناك من المفسرين من قال: إن من المتشابه في القرآن ما هو حقيقي، لا يعلمه إلا الله سبحانه؛ كقوله:{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا، ومن المتشابه ما هو نسبي، والراسخون في العلم قادرون على تأويله، وإرجاعه إلى ما جاء في المحكم.
وقيل: الراسخ: هو الثابت المتمكن في العلم.
{يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ؛ (أي: المحكم والمتشابه)، {كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا}: المحكم من عنده، والمتشابه من عنده، لا يتناقض كلامه، ولا يختلف كتابه.
{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} : ما: النافية، يذكر: أصلها يتذكر؛ أي: لا يغفل، ولا ينسى ذلك، أولو العقول النيرة الذين أسلموا وجوههم لله.
أولو التفكير، والتدبير، والحكمة، أو الصفوة من المؤمنين.
واللب: منطقة التفكير، والتدبر في العقل (وسموها قديماً باطن العقل).
وجاء تعريفهم في القرآن في سورة الزمر، آية (18):{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} (القرآن والسنة){فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (المحسنين){الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} . ارجع إلى الآية (179)، والآية (197) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 8]
{رَبَّنَا} : منادى محذوف منه ياء النداء، وهي الياء التي تفيد البعد، ولم يقولوا: يا ربنا؛ لأن الرب قريب جداً، ولا يحتاج إلى ياء النداء، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد بعلمه سبحانه وتعالى.
{لَا} : الناهية، وحاشا الله أن يُنهى.
{تُزِغْ قُلُوبَنَا} : تزغ من الزيغ، وهو الميل عن الحق (ارجع إلى الآية: 7)، والفرق بين الميل والزيغ: أن الميل عام في الحق والباطل، والمحبوب والمكروه، أما الزيغ: خاص بالحق.
{بَعْدَ} : ظرف زمان.
{إِذْ} : ظرف زمان، بمعنى حين، وللتعليل.
{هَدَيْتَنَا} : أرشدتنا لدينك، وهديتنا للإسلام الحق.
ثم ذكر تتمة دعاء هؤلاء الراسخين في العلم:
{وَهَبْ} : من الهبة: والهبة: كل عطاء بلا مقابل، ومقتضى التمليك فيه تمليك؛ (أي: إذا وهبته ملكته)، وكل عطاء من الله هبة، والهبة عطاء من وراء الأسباب، وعطاء ليس حقاً للعبد، والهبة: قد تكون هبة في العطاء، أو هبة في المنع.
{لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} : فيها تقديم من لدنك على رحمة بدلاً من قوله: رحمة من لدنك، فيها تقديم لذات الله على الرحمة.
{رَحْمَةً} : نكرة تشمل كل رحمة مثل الغنى والصحة.
ولم يقل: منك، فمن لدنك خاصة بالمؤمنين فقط، أما لو قال: رحمة منك فهي رحمة عامة تشمل المؤمن والكافر.
{إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} : إنك: للتوكيد، أنت: ضمير فصل يفيد زيادة التوكيد، الوهاب: المنعم على العباد، والذي يهب بلا عوض، ولا حساب، واهب النعم الظاهرة والباطنة، وكثير النعم، دائم العطاء، شمل بره وكرمه سائر مخلوقاته.
الوهاب: صفة مشتقة فيها مبالغة لاسم الفاعل من فعل وهب.
سورة آل عمران [3: 9]
{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} :
{رَبَّنَا} : ارجع إلى الآية (8).
{إِنَّكَ} : إن للتوكيد.
{جَامِعُ النَّاسِ} : الأولين والآخرين، الإنس والجن، وأهل السماء وأهل الأرض، والظالم والمظلوم، وكل نبي وأمته، جامع الناس للحساب والجزاء.
{لِيَوْمٍ} : اللام: لام التوقيت (الدخول)، وهذا يدل على الاستقبال، يوم: يوم القيامة، يوم الجمع، يوم التغابن، يوم الحشر، وقد تكون اللام في كلمة (ليوم): لام التعليل؛ أي: لأجل ذلك اليوم؛ للدلة على تهويله وعظمته.
{لَا رَيْبَ فِيهِ} : لا: النافية، ريب: يعني: الشك والتهمة، فيه: ظرفية في زمن حدوثه.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} : إن: توكيد، الميعاد: يطلق على الزمان (وهو يوم القيامة)، والمكان (أرض المحشر)، إنك لا تخلف الزمان، ولا المكان، إنك جامع: اسم الله الجامع؛ أي: الذي جمع الكمالات كلها في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، والذي يجمع الأولين والآخرين، جامع الخلائق يوم الحشر.
انتبه:
أولاً: هم يخاطبون الله إنك، ثم قالوا: إن الله لا يخلف الميعاد، بدلاً من إنك لا تخلف الميعاد كما ورد في الآية (194) في نفس السورة، الانتقال من صيغة الخطاب إلى الغيبة؛ للفت الانتباه، وكذلك إن الله لا يخلف الميعاد: خبر من الله تعالى، بينما إنك لا تخلف الميعاد في سياق الدعاء، وقوله إنك بصيغة المخاطب أقوى وأبلغ من صيغة الخبر.
ثانياً: إلى الفرق بين الميعاد، والمعاد: ميعاد: من الوعد، وقت الوعد؛ أي: زمنه ومكانه.
أما المعاد: من عاد يعود، اسم مكان، ومعاد الرجل: عودة الرجل إلى مكانه، يذهب إلى البلاد الأخرى، ثم يعود إلى بلده.
كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85]؛ أي: إلى مكة. ارجع إلى سورة القصص آية (85) لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 10]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ} : لنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد.
{الَّذِينَ كَفَرُوا} : ارجع إلى سورة البقرة، آية (6).
{تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم} : لن: تقيهم أموالهم من عذاب الله، أو تنفعهم يوم القيامة، ولا أولادهم، وتكرار لا:(أداة النفي) تفيد: توكيد النفي، وتكرار (لا) تفيد لا أموالهم لوحدها، ولا أولادهم لوحدها، ولا كلاهما معاً تغني عنهم.
وقدم الأموال على الأولاد؛ لأن الكل يملك المال، وليس الكل يملكون أولاداً.
{مِنَ} : ابتدائية، استغراقية.
{مِنَ اللَّهِ شَيْـئًا} : أي: من عذاب الله.
{شَيْـئًا} : نكرة، والشيء: أقل القليل، والشيء كل ما يعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً.
{وَأُولَئِكَ} : اسم إشارة يفيد البعد.
{هُمْ} : ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد. ولو قال تعالى: وأولئك وقود النار لتم المعنى، وجاء بالضمير للتوكيد والقصر.
{وَقُودُ النَّارِ} : أي: يصورهم كالحطب حطب جهنم الذي تسعر به، وقود النار جملة اسمية تفيد الثبوت. وتشير إلى شدة العذاب والإهانة.
سورة آل عمران [3: 11]
دأب هؤلاء الذين كفروا: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : أمثال قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط.
الدأب: أي: الحال، والشأن، والدأب يعني: السعي المتواصل حتى يصبح كالعادة، ولكن هناك فرق بين العادة والدأب، فالعادة: تكون على ضربين: اختيار، أو اضطرار، بينما الدأب: لا يكون إلا اختياراً.
إذن: حال وشأن وتظاهر هؤلاء الكفرة (كفرة قريش، وبنو قريظة، وبنو النضير) على محمد صلى الله عليه وسلم كحال وشأن وتظاهر آل فرعون على موسى عليه السلام ، وغيرهم من الأقوام على رسلهم.
{كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} : جحدوا بها، ولم يؤمنوا بها، ويصدقوها، والكفر أشد من التكذيب (كذبوا بآياتنا التسع)، والذين من قبلهم مثل قوم صالح (كذبوا بالناقة) وغيرها من الآيات.
{فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} : أهلكهم الله تعالى، بذنوبهم: الباء: للإلصاق، والتعليل، أو البدلية، أو السببية، والأخذ: يكون بقوة وشدة، ويأتي بمعنى: العقاب والعذاب والهلاك.
{وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} : والعقاب من التعقيب، والمعاقبة التي تتلو الجرم، أو الذنب، وسمي بالعقاب؛ لأن الفاعل يستحق العقاب عقب إجرامه، أو ذنبه. ارجع إلى سورة البقرة آية (211) لمزيد من البيان في العقاب والعذاب، وارجع إلى سورة الأنفال آية (52)، والآية (54) للمقارنة بين آيات آل عمران والأنفال.
سورة آل عمران [3: 12]
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} :
{قُلْ} : يا محمد صلى الله عليه وسلم {لِلَّذِينَ كَفَرُوا} : اللام لام الاختصاص، الذين كفروا عامة كفار قريش بما فيهم يهود المدينة أمثال: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (6)؛ لمزيد من البيان.
{سَتُغْلَبُونَ} : السين: للاستقبال القريب؛ أي: ستغلبون عما قريب، (وكان ذلك) في بدر، وفي غيرها من الغزوات.
{وَتُحْشَرُونَ} : من الحشر: وهو الجمع مع السوق بعد البعث، والخروج من القبور.
{إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} : جهنم: اسم من أسماء النار، وسميت بذلك؛ لكونها كريهة المنظر، الشيء المرعب المخوف مشتقة من الجهومة، أو لكونها بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (18) للبيان المفصل. وبئس: فعل لإنشاء الذم، بئس المهاد: ارجع إلى الآية (206) من سورة البقرة؛ للبيان. المهاد: كالفراش، أو الموضع الذي يمهد للصبي، وجمعه: مُهد.
سورة آل عمران [3: 13]
{قَدْ} : حرف للتحقيق، والتوكيد.
{كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} : خاصة، اللام: لام الاختصاص، والكاف كاف الخطاب موجَّهة إلى المؤمنين (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، والمؤمنين عامة، وكذلك موجَّهة إلى الكفار، واليهود، ولم يقل: قد كانت. الجواب: كل ما ليس بمؤنث حقيقي، يجوز تذكيره، أو تأنيثه. وأما تنكير آية فهو للتفخيم والتهويل.
الآية: العلامة الثابتة، أو الدلالة على صدق ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتذكير الآية بدلاً من تأنيثها؛ يدل على قوة الآية والتوكيد.
{فِى} : ظرفية زمانية ومكانية.
{فِئَتَيْنِ} : الفئة: وهي الجماعة التي يحمي وينصر أفرادهم بعضهم بعضاً وقت الحرب، أو الشدة، والفئة من الفيء وهو الرجوع.
فكل فرد من هؤلاء الجماعة لا يستطيع، أو يظن أنه قادر على يحمي نفسه إلا إذا فاء؛ (أي: رجع) إلى فئة كي تحميه.
فئتين: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} (الفئة المؤمنة).
{وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} : الفئة الكافرة التي تقاتل في سبيل الطاغوت والشيطان.
{الْتَقَتَا} : يوم بدر (غزوة بدر الكبرى).
{يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ} ؛ أي: يرونهم ومثليهم؛ أي: إذا كان عددهم ألفاً؛ فإنهم يرونهم ألفين.
ويرونهم مثليهم؛ أي: الفئة الكافرة ترى الفئة المؤمنة مثليهم في العدد وذلك حين بدأت المعركة، ومثليهم تعني مثلي عدد المؤمنين. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (43-44)؛ لمزيد من البيان.
رأي العين: رؤية ظاهرة مكشوفة بالعين (رؤية معاينة)؛ أي: ليست رؤية قلبية.
{وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} : يؤيد: يقوي من أيده، بدون الأسباب العادية، ويعين بنصره من يشاء، كما أيد المؤمنين على عدوهم.
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} : إن للتوكيد، في ذلك: اسم إشارة للبعد، وفيه معنى العلو إشارة إلى النصر في معركة بدر.
{لَعِبْرَةً} : الدلالة الموصلة، أو المؤدية إلى العلم: والعبرة الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم، ومشقة من العبور عبر الوادي؛ أي: قطعة من شاطئ إلى شاطئ.
وسمي الاتعاظ عبرة؛ لأن المتعظ يعبر من الجهل إلى العلم، ومن الهلاك إلى النجاة.
الموعظة: ما يُنصح، أو يُذكر به من قول، أو فعل ففيها نصح، وتذكير بالعواقب، أو إرشاد.
{لِّأُولِى الْأَبْصَارِ} : ولم يقل: أولي البصائر.
الأبصار: جمع بصر؛ أي: من له عينان عليه أن يبصر بهما، ويرى المشهد؛ لأن الأمر أمر مشاهد ومحسوس.
والبصائر ذوي البصيرة؛ أي: العقول كيف نصر الله الأقلية المسلمة، وهزم الأكثرية الكافرة، وأنزل جنوداً لم تروها.
ولا ننسى ما ورد في هذه الآية من البلاغة المسمى فن الاحتباك حيث حذف القول فئة (مؤمنة) تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت أو الشيطان.
سورة آل عمران [3: 14]
{زُيِّنَ} : فعل ماض مبني للمجهول، المزين قد يكون هو الله سبحانه للابتلاء، والاختبار، والتزيين من الله هنا يقصد به الحض على الشهوات المنصوص عليها شرعاً؛ كالنكاح، والأبناء، فالله سبحانه زين لكل أمة عملها، وجعل على الأرض زينة ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وتزينه سبحانه لا يكون إلا لخير العبد أبداً.
أو المزين هو الشيطان بوسوسته؛ ليقود الإنسان إلى المعاصي، والآثام فهو يزين الشهوات المحظورة، والله سبحانه يزين للشهوات المباحة، وتزيين الشيطان لا يكون إلا في الشر، وليس لمصلحة العبد.
{لِلنَّاسِ} : تشمل الرجال والنساء، وعادة حين نقرأ هذه الآية نظن أن هذه الآية تخص الرجال فقط دون النساء؛ لأنه لم يذكر فيها اسم النساء؛ ولكنه سبحانه شمل ذلك في المعنى، فالآية تشير إلى الرجال، والنساء.
{حُبُّ الشَّهَوَاتِ} : حُبُّ: الحب هو قيل القلب الدائم، والإقبال على أمر أو شيء في الخير أو الشر؛ الشهوات: جمع شهوة، وهي توقان النفس والميل إلى المشتهى، وليست من قبيل الإرادة، والشهوة تتعلق بما يلذ من المدركات بالحواس، وقد عددها الله سبحانه في الآية منها: النساء والبنين والمال والذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث.
{مِنَ النِّسَاءِ} : من البعضية ابتدائية، النساء: ابتدأ بالنساء؛ لأن الشهوة إلى النساء تفوق الشهوة إلى البنين والمال.
{وَالْبَنِينَ} : ولم يقل الأولاد؛ أي: الذكور والإناث، أما البنين: الذكران، ولم يقل البنات؛ لأن حب الذكور مقدم على حب الإناث كما كان سائداً في الجاهلية، ومنهم من قال: البنين يشمل البنات، والبنين وكيف يأتون إلا عن حب الرجال للنساء، والنساء للرجال، ولم يصرح باسم النساء في هذه الآية، ولكنه ضمنها في كلمة الناس، والبنين، ومراعاة لشعور المرأة وحيائها.
{وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} : القنطار هو (100 رطل)، وقيل:(100 ألف دينار).
قناطير مقنطرة: قناطير جمع قنطار المال الكثير، والمنضدة بعضها فوق بعض كالقنطرة.
والمقنطرة: صفة، أو نعت للقناطير.
والذهب والفضة ليس خاصاً بالرجال؛ فالنساء: هي التي تشتري الذهب والفضة؛ كزينة، وتشتهي الزينة، ولو كان لها من الزينة أكثر وأكثر.
{وَالْخَيْلِ} : جمع مفردها فرس، وسميت خيلاً؛ لاختيالها في مشيتها، وطول أذنابها. والخيل يقابلها في زمننا الحاضر وسائل النقل السيارات الفاخرة، والقوارب، وغيرها من وسائل النقل.
{الْمُسَوَّمَةِ} : تسويمها؛ أي: حسنها، أو المعلمة، من السيماء، وهي العلامة، أو مروضة، أو فيها علامات كالغُرة، والتحجيل، وهذا حصان أغر، أو أدهم، أو أشقر، وكذلك المسومة ترعى حيث تشاء، وتأكل كما تشاء.
{وَالْأَنْعَامِ} : ثمانية أزواج من الضأن اثنين، ومن الماعز اثنين، والإبل اثنين، ومن البقر اثنين، وتمثل في وقتنا الحاضر الأسهم التجارية، والعقارية، وغيرها.
{وَالْحَرْثِ} : الزرع، أو المزروعات، والثمار، والفاكهة، والنخيل، والأعناب، وتمثل الأراضي، والبساتين، والعقارات.
{ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : ذلك اسم إشارة للمذكور سابقاً، أو المتقدم ذكره من النساء والبنين والمال والخيل والحرث وغيره من متاع الحياة الدنيا: ما يتمتع به في الدنيا، ثم يفنى ومنه الطعام، وأثاث البيت، والسلعة، والأداة، والمال، والتمتع: هو كل ما ينتفع به، ويرغب في اقتنائه، والمتاع يطلق على القليل والكثير.
{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَـئَابِ} : عنده: ظرف مكان، أو زمان، حسن المآب؛ أي: المرجع، وهو الجنة، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة والجنة. المآب: من آب؛ أي: رجع، حسن المآب؛ يعني: ما أعده الله تعالى لأوليائه من النعيم.
سورة آل عمران [3: 15]
{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ} : الهمزة للاستفهام، والتشويق، وحين تسمع أنبئكم؛ تعني: من النبأ، والنبأ: هو الخبر الذي له شأن عظيم، أو الخبر ذو الفائدة العظيمة يحصل به العلم.
{بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} : ذلك: اسم إشارة للبعيد إشارة إلى (النساء والبنين والقناطير المقنطرة) من الذهب والفضة، وغيرها. بخير من ذلكم: أي أفضل وأحسن.
{لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} : الفردوس، النعيم، جنات عدن، جنات المأوى، للذين: اللام: لام الاستحقاق، اتقوا: أي: امتثلوا أوامر الله، وأطاعوه، وتجنبوا نواهيه.
{تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : تنبع من تحتها الأنهار، أو تجري الأنهار من أمامها.
{خَالِدِينَ فِيهَا} : خلوداً بلا موت، والخلود: اللزوم المستمر، أو استمرار البقاء من وقت مبتدأ.
{وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} : خَلْقاً وخُلُقاً لا حيض مطهرة من كل عيب يصيب نساء الدنيا.
{وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} : على وزن فعلان فيه مبالغة من الرضا، الكثير من الرضا، أعظم الرضا، ورضوان الله هو أفضل النعيم وما يعطى العبد يوم القيامة، ولنقارن هذه الآية بآية التوبة (72):{وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} : الرضوان هنا أكبر من الجنة، والمساكين الطيبة، فهناك الأعمال الصالحة التي تؤدِّي إلى الجنة، وهناك من الأعمال الصالحة التي تؤدِّي إلى رضوان الله، وهو أكبر من الجنة.
{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} : مطلع، ومحيط علمه وبصره، وسمعه بجميع الكائنات في أقطار الأرض، والسموات، ويعلم مقدار ما يستحق كل عبد من ثواب.
سورة آل عمران [3: 16]
{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} :
{الَّذِينَ يَقُولُونَ} : تعود على الذين اتقوا ربهم، فهو قد بين لهم الجزاء والثواب أولاً، ثم عاد ليبيِّن لهم ما هو مطلوب منهم؛ لنيل تلك الجنات الذين يقولون: جاءت بصيغة المضارع؛ ليدل على التجدد والاستمرار.
{رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} : ربنا: لم يقولوا يا ربنا؛ لأنه سميع قريب، لا يحتاج إلى أداة نداء. إننا: توكيد، آمنا: بك إلهاً، ورباً، وآمنا بوحدانيتك، وربوبيتك، وبأسمائك، وصفاتك، وملائكتك، وكتبك، ورسلك، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر خيره وشره.
ونعلم: أن الإيمان يحتاج إلى العمل الصالح، ونحن لنا شهوات وعدونا الشيطان، وقد نخطئ فنرجوك أن تغفر لنا ذنوبنا.
{فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} : أي: استرها لنا وجاء بالفاء ليدل على المباشرة، والتعقيب بدون انتظار مجرد ما شعروا بأنهم أذنبوا استغفروا ربهم، والذنوب: هي الجرم الذي يترتب عليه عقاب، وإذا سهوا عن الاستغفار سألوا الله الوقاية من عذاب النار.
{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : والوقاية تعني: أن اجعل بيننا وبين النار حاجزاً ومانعاً.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية نرى أن طلب الغفران جاء بعد الإيمان، والتوبة شرعها لنا؛ لأنه سبحانه علم أننا سنخطئ، ونتكاسل، وربما ننحرف، ونخرج عن طاعته، ولا بد من العودة، والرجوع إليه، فترك باب التوبة مفتوحاً دائماً ليلاً ونهاراً؛ ليتوب مسيء الليل بالنهار، ومسيء النهار بالليل.
سورة آل عمران [3: 17]
{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} :
في هذه الآية يبيِّن لنا سبحانه صفات المتقين بعد أن ذكر لنا بالآية (15) ما هو الثواب والجزاء، وفي الآية (17) ذكر لنا شيئاً عن إيمانهم، وتوبتهم، وهنا يبيِّن لنا بعضاً من صفاتهم.
{الصَّابِرِينَ} : على التكاليف الشرعية؛ أي: صابرون على الطاعة، والعبادات، وما أمروا به، وصابرون عن المعاصي، وصابرون على الأحداث القدرية.
{وَالصَّادِقِينَ} : أي: صدقوا الله ما عاهدوه عليه، وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم، وصدقوا الله في لا إله إلا الله، ويفعلون ما يقولون.
{وَالْقَانِتِينَ} : جمع قانت: وهو المطيع العابد بخشوع، وخضوع، ولزوم.
{وَالْمُنفِقِينَ} : مما رزقهم الله ابتغاء مرضات الله بالصدقة والزكاة.
{وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} : يعود، ومرة ثانية ليؤكد على أهمية الاستغفار، فقد ذكرها سابقاً بقوله:{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} : فهم رغم صبرهم، وصدقهم، وقنوتهم، وإنفاقهم لا يزالون بحاجة إلى التوبة والاستغفار؛ لأنهم معرضون للأغيار.
ويذكر سبحانه في هذه الآية الزمن المفضل للاستغفار، وهو وقت السحر، وهو الثلث الأخير من الليل إلى طلوع الفجر، وهو زمن سكون الليل، وبعد النوم والراحة.
الواو العاطفة بين الصفات؛ للدلالة على كمالهم في كل صفة ذُكرت من الصفات الخمسة.
سورة آل عمران [3: 18]
{شَهِدَ اللَّهُ} : أي: أقر الله، بيَّن وأعلم الله تعالى لخلقه جميعاً بالدلائل، والآيات، والبراهين الحسية والمعنوية: أنه لا إله إلا هو، والشاهد هو الذي يبيِّن ما علمه وشاهده، والشاهد هنا هو الله سبحانه، والمشهود له هو الله سبحانه.
شهد الله سبحانه شهادة الذات للذات، وكفى بالله شهيداً.
شهد الله سبحانه أعظم شهادة، وهي لا إله إلا هو من أعظم الشهود وهو الله لأعظم مشهود له وهو الله سبحانه.
شهادة لا حاجة بعدها لشهادة أحد من خلقه، ولا ملائكة، ولا إنس، ولا جن.
شهد الله سبحانه، ماذا شهد؟
{أَنَّهُ} : للتوكيد.
{لَا} : النافية للجنس.
{إِلَهَ} : لا معبود.
{إِلَّا} : حصراً وقصراً.
{هُوَ} : للتوكيد والحصر.
أي: لا معبود في الوجود إلا هو حصراً وقصراً. ارجع إلى الآية (255) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{وَالْمَلَائِكَةُ} : شهدوا بأنه لا إله إلا هو بعد أن أخبرهم بشهادته.
{وَأُولُو الْعِلْمِ} : سرعان ما شهدوا أنه لا إله إلا الله بعد أن أخبرهم، وبيَّن لهم آياته ودلائله.
وأولو العلم: هم الأنبياء، والمرسلون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وحملة العلم، والفقه في الدِّين، وعلماء الأمة الموحدون المخلصون؛ الذين علِموا التوحيد، وعلَّموهُ لغيرهم.
وعطف شهادة أولي العلم على الملائكة يدل على شرف ومنزلة أولي العلم.
{قَائِمًا بِالْقِسْطِ} : أي: الله سبحانه وتعالى، وملائكته، وأولو العلم شهدوا أولاً أنه لا إله إلا هو، وشهدوا ثانياً أنه سبحانه قائمٌ بالقسط.
قائماً: بتدبير خلقه، وكونه وحده.
بالقسط: بالعدل، مع التنفيذ والتطبيق، والقسط يعني: الحصة والنصيب، وتعني: العدل في الميزان أيضاً.
فتصبح قائماً بالقسط: قائماً بتدبير خلقه بالقسط (بالعدل) من حيث الرزق، والعلم، والموت، والحياة، والصحة، والمرض.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} : الشهادة الأولى جرت مجرى الشهادة وهذه تعتبر الشهادة الثانية بعد لا إله إلا هو الأولى التي جرت مجرى الشهادة، وأما الشهادة الثانية فهي تجري مجرى الحكم الدائم بوحدانية الله تعالى.
{الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} : العزيز الغني عن خلقه، وعن شهادتهم، القوي الذي لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع على خلقه؛ الذي تفرد بعزة الوحدانية، والقوة، والغلبة.
الحكيم: في تدبير خلقه، وكونه، وأفعالهم، الحكيم في شرعه وقضائه وعدله، واهب الحكم، أحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [3: 19]
شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد الله أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وشهد أن الدِّين عند الله الإسلام، وكذلك شهد الملائكة، وأولوا العلم نفس الشهادة.
{إِنَّ الدِّينَ} : إن: للتوكيد؛ أي: لا دين عند الله إلا الإسلام، وهذا الدِّين هو الحق، وهو الدِّين القيم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (132)؛ لمعرفة معنى كلمة الدِّين والملة.
{عِنْدَ اللَّهِ} : جاءت للتوكيد؛ لتؤكد حصراً، وقصراً: أن الدِّين عند الله هو الإسلام: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].
وأما اليهودية، والنصرانية: فهي ديانات، وليستا ديناً، أو أدياناً، بل رسالات سماوية؛ لقوله تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، والإسلام يعتبر ديناً، ويمكن أن يطلق عليه ديانةً أحياناً.
الدِّين: من دان؛ أي: أطاع، ودان له؛ أي: أطاعه.
ودان: اعتقد، ودان به؛ أي: اعتقده.
والدِّين: هو الشرع الذي أنزل الله سبحانه من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فهو دين الرسل جميعاً، وهو يشمل الملة، والشريعة، والأحكام، والكتاب، والسنة، فموسى عليه السلام دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته اليهودية.
وعيسى عليه السلام دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته النصرانية.
ومحمد صلى الله عليه وسلم دينه الإسلام، وشريعته، أو ديانته الإسلام.
والإسلام بالنسبة للرسالات السابقة كان وصفاً، وأما بالنسبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فهو وصفٌ واسمٌ ودينٌ كاملٌ، والإسلام لغة يعني: الاستسلام، والخضوع لأوامر الله تعالى وطاعته، ويعني: السلام، والأمن، وجوهره التوحيد: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات، وتهذيب وإصلاح الفرد، والمجتمع بالعمل الصالح.
وما: الواو: عاطفة، ما نافية.
{اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : اليهود والنصارى.
اختلف: الخلاف عدم الاتفاق في الشرع، وهو مذموم، وهو من مظاهر الهوى.
1 -
أوجه الاختلاف في مسألة التوحيد، والعقيدة في لا إله إلا الله، أو اختلفوا، قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء.
أو اختلفوا في عيسى فقالوا: ابن الله، ثالث ثلاثة، أو هو الله.
أو اختلفوا في عزير، أو اختلفوا في نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الدِّين هو الإسلام.
2 -
ومتى حدث الاختلاف: من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: الحق؛ أي: القرآن بأن الله واحد، وعيسى عبده ورسوله، ومحمد عبده ورسوله.
3 -
سبب الخلاف: الحسد بغياً بينهم، وطلباً للسلطة، والقوة، والمال، والاستعلاء.
{وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} : ومن: شرطية، يكفر؛ أي: يستر آيات الله، (وسمي ذلك كفراً) بسبب الاختلاف، أو البغي.
بآيات الله: الباء: للإلصاق؛ أي: يسترها، أو يجحد بها، ولا يؤمن بالآيات الحاملة لشرائعه ودينه.
فإن: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن الله: للتوكيد. سريع الحساب: في الدنيا إذا شاء، وقد يؤجِّله سبحانه إلى الآخرة، وهو سريع الحساب في الآخرة أيضاً.
سورة آل عمران [3: 20]
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية.
{حَاجُّوكَ} : من المحاجة: وهو أن يدلي كل خصم من الخصمين بحجته، وعادة يكون لإظهار الحق، ودحر الباطل، أو لمعرفة الصدق من الكذب. ارجع إلى الآية (258) من سورة البقرة؛ للبيان.
فإن حاجوك: أي: وفد نجران النصراني حاجوك في شأن وأمر عيسى عليه السلام .
{فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ} : أي: داعياً إياهم إلى الإسلام، وإلى التوحيد، وإسلام الوجه لله، والإخلاص له.
أو حاجوك الكفار في الدِّين ولم يؤمنوا، فقل: الفاء: رابطة للجواب.
أسلمت وجهي لله: والوجه يراد به الذات (مجاز مرسل) إطلاق الجزء، وإرادة الكل؛ أي: أخلصت له وانقدت وخضعت لله. أسلمت ذاتي لله، وإسلام الوجه وهو أعلى درجات الإسلام، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (22) في سورة لقان وهي قوله تعالى:{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} يسلم إلى الله تعني: يتوكل على الله، أو يفوض أمره إلى الله، أما يسلم لله؛ أي: يخلص لله وينقاد له ويستسلم له.
{وَمَنِ اتَّبَعَنِ} : ومن: ابتدائية، اتبعن: من المسلمين، أو من البشر؛ أي: كذلك هؤلاء أسلموا وجوههم لله كما أسلمت أنا (أي: محمد صلى الله عليه وسلم لله سبحانه، وأسلموا وجوههم لله، تعني: أخلصوا عبادتهم لله، والإخلاص لله هو أعلى درجات العبودية.
وبما أن المخلصين لله، والذين لا يراؤون في عبادتهم والاتباع هم قلة جداً، ولذلك جاء بكلمة ومن اتبعن بدون ياء مقارنة بكلمة اتبعني، فالياء تدل على الكثرة (زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى)، ولذلك قال: ومن اتبعن، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (108) من سورة يوسف رأينا كلمة اتبعني جاءت في سياق الدعوة، فهناك الكثير من الدعاة، ولذلك قال: من اتبعني، ومنهم من هو مخلص، أو غير مخلص، أما المخلصون لله (إسلام الوجه) فهم القلة، ولذلك استعمل اتبعن.
{وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّنَ ءَأَسْلَمْتُمْ} : وقل يا محمد صلى الله عليه وسلم، للذين: اللام: لام الاختصاص. قل للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى.
والأميين: جمع أُمي، وسموا أميين نسبة إلى الأم؛ لكونهم غير قادرين على الكتابة والقراءة، وقيل: الأمي من لا يكتب. ارجع إلى الآية (157) من سورة الأعرف؛ للبيان، أو نسبة لقلة من يقرأ، أو يكتب منهم.
أأسلمتم: الهمزة للاستفهام، وتحمل معنى الأمر؛ أي: أسلموا خيرٌ لكم.
{فَإِنْ أَسْلَمُوا} : الفاء: استئنافية، إن أسلموا: إن: شرطية تفيد الشك؛ أي: استجابوا لك، ودخلوا في الإسلام.
{فَقَدِ اهْتَدَوا} : ظفروا بالهداية، فقد: الفاء: رابطة لجواب الشرط، قد: حرف تحقيق وتوكيد.
{وَإِنْ تَوَلَّوْا} : وإن: شرطية، تولوا: أعرضوا رفضوا الإيمان أو الدخول في الإسلام، أو رفضوا التوحيد، وعدم الشرك بالله، فلا يضرك أمرهم المهم تبليغهم كلام الله تعالى.
{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} : فإنما: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إنما: كافة مكفوفة تفيد التوكيد، البلاغ: تبليغ الرسالة؛ أي: الإعلام؛ أي: الإيصال والإفهام.
{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} : ارجع إلى الآية (15) من سورة آل عمران.
سورة آل عمران [3: 21]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ يَكْفُرُونَ} : يكفرون، ويقتلون جاءت بالفعل المضارع؛ ليدل على قباحة ما فعلوه (وهذا يسمى حكاية الحال). ارجع إلى الآية (61) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{بِآيَاتِ اللَّهِ} : الباء: للإلصاق، الآيات: وتشمل آيات الكتاب، أو المعجزات، أو الآيات الكونية، أو البينات، والكفر بآيات الله يعني: إنكارها، وعدم التصديق بها.
{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ} : ولم يقل: الرسل؛ لأنه لم يقتل رسول أبداً، ولكنهم قتلوا بعض الأنبياء الذين أرسلوا إليهم. ويقتلون: جاءت بصيغة المضارع (الحال) لتدل على بشاعة القتل وكأنه يحدث الآن.
{بِغَيْرِ حَقٍّ} : بغير سبب، وقتل أي نبي من أكبر الذنوب؛ أي: ليس لهم أي حق في قتله، فهو لم يقتل لهم قريب، أو بعيد، أو يتعدى عليهم حتى يراد القصاص منه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (61)؛ لمقارنة هذه الآية مع الآيات الأخرى مثل:{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61]، {وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 112]، {وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [النساء: 155].
{وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} : ويقتلون بصيغة الحاضر؛ لاستحضار مشهد قتلهم؛ لبشاعته، والتذكير به (حكاية الحال) الذين يأمرون بالقسط: هم من يأمرون بالعدل، وبالمعروف، وينهون عن المنكر، ورفع الجور والظلم عن الناس، أو أهل الدعوة، ومن يدافعون عن الأنبياء والدِّين.
{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} : استعمل البشارة بدلاً من وأنذرهم بعذاب؛ للتهكم عليهم، والفاء: رابطة لجواب الشرط؛ أي: فبشرهم الآن بعذاب أليم، شديد الإيلام.
سورة آل عمران [3: 22]
{أُولَئِكَ الَّذِينَ} : اسم إشارة، واللام للبعد إشارة للذين كفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير حق.
وقتلوا الذين يأمرون بالقسط لم يبق لحسناتهم أثر، أو فائدة في الدنيا والآخرة (بطلت).
{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} : من مرض الحبط الذي يصيب الماشية حين تتورم وتصاب بمرض الكبد، ويسمى الحبن، بسب احتباس الماء، فيظن الناس أنها غنية باللحم، والشحم، فإذا ذُبحت لتؤكل وجدوها مليئة بالأورام والأمراض، والسوائل، فلا يُستفاد منها.
وهكذا أعمال هؤلاء الكفرة من صدقة، أو صلاة، أو خير سوف تبطل، وليس لها أي ثواب في الآخرة.
{فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} : وسيحل بهم الخزي والبلاء في الحياة الدنيا، وفي الآخرة لهم عذاب النار.
{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} : جمع ناصر في الدنيا والآخرة يدفعون عنهم العذاب، أو ينقذونهم منه، فالآية تنفي النصرة عن الظالمين، ولم يقل: من أنصار جمع نصير: صيغة مبالغة وأقوى من ناصر (أقوى من ناصرين)؛ أنصار: تمثل الذين نصروا الرسل وجاهدوا معهم كما في قوله تعالى: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} الآية (52) من نفس السورة، أو تعني النصر المؤكد في سياق الآية التي ذكرت.
من: استغراقية، لا أحد ينصرهم، ولا أحد يستطيع أن ينصرهم؛ حتى ولو استطاع نصرهم.
سورة آل عمران [3: 23]
{أَلَمْ} : الهمزة: همزة استفهام، وفيها معنى التعجب والإنكار معاً. لم: حرف نفي.
{تَرَ} : تعلم؛ أي: ألم يصلك خبر، أو قصة، أو ترى هنا رؤية فكرية قلبية.
{الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} : أوتوا: أعطوا، والإيتاء: أعم من العطاء، وليس فيه تملك، ويستعمل للأمور المهمة. ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة؛ للبيان.
نصيباً: هو الحظ المنصوب (المعين)، ويكون في المحبوب والمكروه، أما الحظ يكون غالباً في الخير.
من الكتاب: من التوراة، من: ابتدائية، وتفيد البعضية.
أي: اليهود الذين لم يصلهم إلا جزءاً من التوراة (نصيباً) نكرة، والتنكير: للتقليل، نصيباً من التوراة بسبب الكتمان والتحريف، والتغيير، والنسيان، ولأن التوراة نسخت، أو كُتبت بعد موسى بأعوام كثيرة، وقيل: أن كتبة التوراة كانوا خمسة، وكانت عبارة عن مخطوطات في المعابد، وحدث لها تغيرات كثيرة على مر السنين.
واستعمال أوتوا نصيباً من الكتاب بدلاً من أهل الكتاب تدل على الذم، والتقريع، وأما استعمال أهل الكتاب يأتي في سياق المدح.
{يُدْعَوْنَ} : بصيغة المضارع بدلاً من دعوا في الماضي؛ لاستحضار حكاية الحال، ولتدل على استمرارهم في عدم الإذعان للحق وإعراضهم.
{إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية بعد أن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهود في بيت المدراس، فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا له: على أي دين أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم، فقالوا: إن إبراهيم كان يهودياً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلمُّوا بالتوراة فهي بيننا وبينكم، فأبَوا فنزلت هذه الآية.
يدعون إلى كتاب الله: قيل: هو التوراة، وقيل: هو القرآن، والأرجح: هو التوراة.
ليحكم بينهم: اللام: للتعليل، يحكم بينهم في ادعائهم أن إبراهيم كان يهودياً، أو نصرانياً، أو في إقامة حد الزنى على الرجل والمرأة الذين كرهوا رجمهما؛ لشرفهما، فحكم النبي بالرجم، وهذا الحكم ورد في التوراة، فأبَوا حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو في صحة نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث اختلفوا في صفاته وشأنه.
{ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} : ثم لمجرد الترتيب، يتولى فريق منهم عن الإجابة إلى ما دعوا إليه مع علمهم بالحق، بينما فريق منهم آخر أمثال عبد الله بن سلام تمسكوا بالحق، ويتولى: من التولي؛ يعني: الابتعاد، والتولي أشد من الإعراض.
{وَهُمْ} : ضمير فصل يفيد التوكيد.
{مُّعْرِضُونَ} : جمع معرض، والإعراض يعني: البعد والترك، ويأتي في سياق الشر؛ أي: معرضون عن قبول الحكم الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في التوراة في إقامة حد الزنى على أشرافهم، أو ما ورد في نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته.
سورة آل عمران [3: 24]
{ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد يشير إلى الإعراض والتولي عن الإجابة، والقبول بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{بِأَنَّهُمْ} : الباء: للإلصاق، أو التعليل. أنهم: للتوكيد.
{قَالُوا لَنْ} : لن للنفي المستقبل القريب والبعيد.
{تَمَسَّنَا النَّارُ} : من المس (الإصابة الطفيفة الخفيفة)، والمس، يعني: إصابتهم بالنار ستكون خفيفة طفيفة مجرَّد أيام معدودات.
{إِلَّا} : أداة حصر؛ أي: حصراً.
{أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} : معدودات جمع قلة وأياماً معدودة جمع كثرة؛ أي: أياماً قليلة (معدودات جمع قلة، أو قيل: سبعة أيام لكل (1000) سنة يعيشونها في الدنيا يومٌ في النار، وقيل:(40) يوماً مدة عبادتهم العجل، وقيل: كانوا فريقين: فريق يقول: سبعة أيام، وفريق ثان يقول:(40) يوماً، وذلك لاعتقادهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه. ارجع إلى سورة البقرة آية (80) للمقارنة.
{وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِمْ} : الغرر: الطمع فيما لا يصح، ولا يحصل إلا عن غفلة؛ أي: وغرهم الشيطان بأن وسوس لهم، وزين لهم ظنهم، والشيطان سمي بالغَرور.
وهكذا ذهب بعضهم إلى الطمع في الدِّين، فافتروا على الله (الكذب المتعمد والاختلاق)؛ كقولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات.
وللفرق بين أيام معدودة: (جمع كثرة)، وأيام معدودات:(جملة قلة). ارجع إلى الآية (80) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة آل عمران [3: 25]
{فَكَيْفَ} : الفاء: استئنافية، كيف: استفهام فيه معنى الإبطال، إبطال ما غرهم، وتهويل، وتعظيم ما سيحيق بهم من الأهوال، وما سيحل بهم.
{إِذَا} : ظرفية زمانية.
{جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ} : اللام في ليوم: للاختصاص؛ أي: لأجل ذلك اليوم؛ للدلالة على تهويله وتعظيمه، ولام الميقات؛ أي: للجزاء والحساب في ذلك اليوم. وتنكير اليوم: للتهويل والتعظيم أيضاً.
{لَا رَيْبَ} : لا: النافية، الريب: الشك والتهمة.
{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} : تعطى كل نفس حقها وأجرها تاماً. كسبت: اجتهدت في الخير أو الشر. ارجع إلى سورة البقرة الآية (286) للبيان المفصل في الكسب، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (111) من سورة النحل وهي قوله تعالى:{وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} نجد القرآن يستعمل ما كسبت في سياق آيات الأموال والإنفاق والربح والخسارة ويستعمل ما عملت في سياق الأعمال الأخرى.
{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : هم ضمير فصل يفيد القصر، والتوكيد، لا: النافية، يظلمون: بنقص حسناتهم، ولا بحسنة واحدة، ولا بزيادة سيئاتهم ولو بسيئة.
سورة آل عمران [3: 26]
{قُلِ} : ادع.
{اللَّهُمَّ} : أصلها: يا الله، فحين تقول: اللهم؛ كأنك تقول: يا الله.
والفرق بين الله، واللهم: الله: اسم الجلالة، واللهم: نداء المراد به: يا الله.
كيف اشتقت اللهم: الكلمة أصلها: يا الله حذفت منها الياء، وعوض عنها بالميم المشددة في آخر الكلمة، وهذا خاص لصاحب الخصوصية سبحانه وتعالى، ولا يختص بها وحده إلا هو.
{مَالِكَ الْمُلْكِ} : صاحب الملك، المُلك: بضم الميم، وهو الحكم؛ أي: صاحب الحكم، أما مِلك: بكسر الميم تعني: التملك.
وجمع كليهما بقوله: مالك الملك؛ أي: له ما في السموات وما في الأرض، والحاكم معاً، فهو الحاكم وبيده ملكوت كل شيء.
{تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} : فما دام هو مالك الملك فإنه يهب أو يعطي شيئاً من ملكه لمن يشاء من عباده، أو ينزع الملك ممن يشاء من عباده، تؤتي من الإيتاء، وهو العطاء الذي ليس فيه تملك، ويمكن استرداد ذلك العطاء، والإيتاء يكون للأمور العظيمة الحسية، والمعنوية، والإيتاء أعم من العطاء. من: ابتدائية، استغراقية في كل الآية.
{وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} : النزع هو الأخذ بشدة، (أو القلع)؛ أي: يحتاج إلى شدة؛ لأن صاحب الملك يكون متمسكاً بملكه، أو كرسيه، أو بالحكم، ولا يريد أن يُسلب منه، أو يؤخذ منه بأي شكل، أو وسيلة، ولكن الله سبحانه قادر أن ينزع الملك ممن أعطاه الملك؛ لأن الله صاحب الملك الحقيقي.
{وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} : العزة: تعني القوة، والقهر، والغلبة، والمنعة. فلله العزة جميعاً، والله مع كرمه، وفضله يُعز من يشاء من عباده بالنصر، والغنى، والطاعة، والهداية؛ فهو يُعز رسله، ويعز المؤمنين به تعالى.
{وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} : بالقهر، والفقر، والمرض، والغلبة، والهزيمة.
{بِيَدِكَ الْخَيْرُ} : بقدرتك الخير، الخير مثل النصر، والعزة، والجاه، والمال، والملك، وغيرها من مظاهر الخير، وذكر الخير، ولم يذكر الشر رغم أن كلاً من عند الله، ولأن كل أفعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة، ومصلحة العباد فهي خير كلها، ولأن الشر، أو السوء يبدؤهما العبد نفسه، أو اكتفى بذكر الخير؛ لدلالته على الآخر.
{إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : إنك صاحب القدرة المطلقة على كل شيء مادي، أو معنوي نافع، أو ضار، خير أو شر، وشيء: نكرة تشمل كل شيء مهما كان نوعه، وحجمه، وشكله في السموات، أو في الأرض.
ثم يبين الله سبحانه بعض مظاهر القدرة الإلهية في الآيتين الكونيتين الليل والنهار، الموت والحياة، فيقول:
سورة آل عمران [3: 27]
{تُولِجُ} : من الولوج وهو الدخول.
{الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ} : من الناحية العلمية: الولوج: إشارة إلى كروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها، وحول الشمس، وإلى تبادل الليل والنهار؛ الذي هو من ضروريات استقامة الحياة على الأرض، ومن الناحية اللغوية: الولوج: هو تداخل الليل في النهار بحيث إذا قصر أحدهما طال الآخر، كما نرى في فصل الصيف والشتاء.
لم يعد تفسير هذه الآية في ضوء الاكتشافات العلمية مطابقاً لما قيل قديماً؛ حيث اكتشف العلماء: أن لكل شيء في الوجود حياة مناسبة له، فكل الجمادات والنباتات لها حياتها، فمثلاً: البذرة، أو البيضة، أو الحبة: فيها أجنة في حالة همود، أو سكون، أو لا تتحرك ومجرد ما توفرت له الأسباب الحياتية، أو الظروف البيئية الخاصة من تروية، أو غذاء ينمو ويتحرك، فالبذرة لها نقير؛ أي: فتحة يحيط بها غلاف من المواد الغذائية، فإذا دخل الماء إليه يذيب المواد الغذائية، وتبدأ البذرة بالتغذي بهذه المواد، فتنمو، ويخرج لها جذور تربطها بالتربة فتتغذَّى من التربة، ويصبح لها ساق وأوراق تحمل مواد التربة إليها، وتصبح تتغذَّى بذلك، وتحول تلك المواد إلى ثمار.
إذن: هذه المواد الكيماوية المشكلة لعناصر التربة، أو المواد الغذائية المحيطة بهذه البذرة التي تمثل الجنين تتحول إلى خلايا حية تنمو، وتثمر، ثم يموت هذا النبات، ويعود إلى تراب الأرض، فبذلك تحول من حي إلى ميت، وبعد ذلك يتحول تراب الأرض إلى غذاء مرة أخرى، فيخرج منه بذرة أخرى، أو جنين آخر، وهكذا وكذلك الإنسان يخلق من تراب ويعود إلى تراب. وإذا نظرنا إلى الآيتين (26-27) تؤتي الملك، تنزع الملك، تعز وتذل، تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، والميت من الحي: كلها تشير إلى تغيرات لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، وهي تدل على عظمة قدرته سبحانه، وتشير أنه الخالق الذي يجب أن يُعبد ويطاع.
سورة آل عمران [3: 28]
المناسبة: بعد ذكر أن الله هو المعز والمذل نبَّه المؤمنين بعدم الْتماس العزة، والقوة عند الكافرين، فقال:
{لَا} : الناهية.
{يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} : نهي لطيف رقيق من الله للمؤمنين بموالاة الكافرين بمحبتهم، وتأييدهم، ونصرهم، والاستعانة بهم، واطلاعهم على أسرار المؤمنين، أو نقل الأخبار لهم.
وسبب هذه الموالاة؛ لكونهم أقرباء لهم، أو تربطهم صداقات، أو جوار، وغيرها من الأسباب.
أولياء: جمع ولي، الله ولي المؤمنين: أي: يرعاهم ويكلؤهم ويمدهم وينصرهم، والولي: هو من يليك؛ أي: القريب الذي يهتم بك، والمعين، والولاء: هو الحب والنصرة.
{وَمَنْ} : شرطية.
{يَفْعَلْ ذَلِكَ} : ذلك: اسم إشارة يفيد البعد، ويشير إلى موالاة الكافرين.
{فَلَيْسَ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، ليس نافية.
{مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ} : من: استغراقية، الله في شيء: أي: فليس من ولاية الله في شيء لا تقع عليه الولاية؛ أي: إن الله بريءٌ منه، أو منسلخ من ولاية الله له، وقد خرج عن منهج الله.
{إِلَّا أَنْ} : إلا: أداة استثناء، أن: حرف مصدري يفيد التوكيد.
{تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : أي: مباح لكم موالاتهم إذا ضاقت بكم السبل، ووجدتم أنفسكم ضعفاء، ولا تستطيعون أن تتقوا منهم ضرراً في النفس، أو المال، فيجوز في هذه الحالة التقية، وهي الموالاة باللسان دون القلب، والتقية تكون من عدو في الدِّين لا تقدرون عليه، أو عداوة في المال والمتاع.
وغاية التقية: المحافظة على النفس، أو العرض، أو المال من شر الأعداء، وهي تقية مؤقتة حتى يزول السبب والاضطرار.
{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} : أي: ذاته ولم يقل غضبه أو جبروته ليدل على شدة الحذر من مخالفة أوامره، ويحذركم الله أن تتخذوا أعداءه أولياء، ويحذركم الله غضبه وعقابه إن عصيتم، وهذا التهديد من باب الرحمة بكم. ويحذركم من الحذر: وهو توقِّي الضرر بكل أشكاله، سواء حدث الضرر أم لم يحدث، والحذر يختلف عن الخوف، فالخوف هو توقع الضرر الذي يُظن أنه سيقع.
{وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} : تذكير بأن إلى الله المنتهى، والمرجع، فإذا كانت هناك مبررات لاتخاذ الكافرين أولياء لأي سبب من الأسباب، فلا بد أن يتذكر هؤلاء الذين يستعملون التقية حُجة لهم في الدنيا أن الله يعلم سرهم ونجواهم، ومصيرهم إلى الله؛ ليحكم فيهم إما إلى الجنة، أو إلى النار.
سورة آل عمران [3: 29]
{قُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم.
{إِنْ} : شرطية.
{تُخْفُوا مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} : من الموالاة للكفار، أو مودتهم، قولاً، أو فعلاً، أو محبة.
ما: لغير العاقل، ولصفات العاقل، ومطلقة تشمل كل شيء، تخفوه في قلوبكم، أو تبدوه (تظهروه) بألسنتكم يعلمه الله سبحانه.
وبدأ بالإخفاء، ويشمل الأشياء الحسية والمعنوية، ولا يقتصر علمه على ما في صدوركم، بل هو:{وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ} : ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا يعلمها، ويعلم ما يجري في السموات والأرض من طاعة ومعصية بسر وعلن.
وذكِر يعلم ما في السموات، وما في الأرض بعد ذكِر ما في صدوركم يمثل ذكر العام بعد الخاص.
{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : ارجع إلى الآية (26) من نفس السورة؛ للبيان. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (284) من سورة البقرة وهي قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} : نجد أن آية البقرة جاءت في سياق الحساب يوم القيامة، وقدم الإبداء على الإخفاء، وآية آل عمران جاءت في سياق العلم، وقدم الإخفاء على الإبداء.
سورة آل عمران [3: 30]
المناسبة: ذكر في الآيات السابقة، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير، يقول سبحانه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً.
{يَوْمَ} : القيامة: نكرة للتهويل والتعظيم.
{تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} : ما: اسم موصول، أو مصدرية ما لغير العاقل، والعاقل.
{مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا} : عملت في الدنيا، من: استغراقية، خير: نكرة تشمل كل خير مهما كان نوعه، ومهما صغر، أو كبر. محضراً: أي: تجد عملها ينتظرها مكتوباً في الصحف، محضراً مهيَّأً؛ ليقرأها بنفسه.
{وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} : تكرار ما عملت؛ للتوكيد، ولفصل الخير عن السوء؛ أي: ما عملت من خير على حدَة، وما عملت من سوء على حدَة، أو كلاهما معاً.
من سوء: من شر، أو سيئات (صغائر أو كبائر).
{تَوَدُّ لَوْ أَنَّ} : تود آنذاك: تتمنى، لو أن: حرف شرط (امتناع لامتناع). أن: للتوكيد.
{بَيْنَهَا} : تعود على النفس، {وَبَيْنَهُ}: وبيَّن السوء.
{أَمَدًا بَعِيدًا} : الأمد: إما أن يكون ظرفاً للزمان أو ظرفاً للمكان، وهنا بمعنى: ظرف مكان؛ أي: تود أن يكون بينها وبين عملها بعدٌ طويلٌ، مسافة طويلة كبعد المشرقين.
{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} : ويحذركم الله عقابه، وسخطه من ارتكاب المعاصي، والمخالفات، أو ما نهاكم عنه، وفي هذا تهديد عظيم، وتحذير صادر من ذات الله تعالى. ارجع إلى الآية السابقة (29)؛ لمعرفة معنى الحذر.
{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} : جاء بأل التعريف بالعباد التي تدل على الاستغراق؛ أي: رؤوف بكل الناس مسلمهم وكافرهم ولو قال رؤوف بعباده كما في قوله تعالى {يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الأنعام: 88]؛ فالهداية تكون خاصة بهؤلاء فقط من العباد. رؤوف من الرأفة، والرأفة أبلغ وأشد من الرحمة، والرحمة أعم من الرأفة. ارجع إلى الآية (207) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
وإذا نظرنا إلى الآية (28)، والآية (30) ليس هناك تكرار؛ لأن:
الآية (28): {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} : جاءت في سياق التحذير من اتخاذ الكفار أولياء من دون الله.
والآية (30): {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} : جاءت في سياق الحث على الأعمال الصالحة، والحذر من الأعمال السيئة.
وقد يسأل سائل، لماذا لم يقل سبحانه: والله رؤوف رحيم، بدلاً من: والله رؤوف بالعباد.
الجواب: لم يذكر الرحمة؛ لأن المقام مقام تحذير، ومع التحذير لا يناسب ذكر الرحمة؛ خشية التواكل.
سورة آل عمران [3: 31]
{قُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال.
{كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} : المحبة: ميل النفس إلى الشيء؛ لكمال أدركته فيه عن قصد، وأعظم المحبة هي محبة الله لذاته العلية، ومحبة الله تتجلى برضاه، وعدم سخطه، ومحبة الله تتضمن محبة رسوله، ومحبة كل ما أمر به تعالى، ورسوله، أو تجنب كل ما نهى عنه سبحانه، ورسوله.
{فَاتَّبِعُونِى} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، ومن يطع الرسول؛ فقط أطاع الله، فطاعة الله وطاعة رسوله واحدة، وليست منفصلة.
اتبعوني: اتبعوا سنتي، امتثلوا أوامري، واجتنبوا ما نهيتكم عنه.
{يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} : أي: يثيبكم على أعمالكم، ويرضى عنكم، ويثني عليكم في ملائكته، ومن ثم تحبكم الملائكة، وأهل الأرض.
{وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ؛ أي: جميع ذنوبكم، ولم يقل: ويغفر لكم من ذنوبكم (أي: بعض ذنوبكم)، وحين يخاطب الله غير المؤمنين على لسان رسله يخاطبهم بالقول يغفر لكم من ذنوبكم: من: البعضية؛ أي: بعض ذنوبكم كما في قوله تعالى: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10].
{وَاللَّهُ غَفُورٌ} : غفور: صيغة مبالغة كثير الغفران؛ لمن أطاعه، وأطاع رسوله، واتبع دينه، كثير الغفر، يغفر الذنوب مهما كثرت؛ أي: تعددت، ومهما عظمت؛ أي: كبرت (كمّاً وكيفاً).
{رَحِيمٌ} : في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (1).
سورة آل عمران [3: 32]
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} :
{قُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم، قل لأهل مكة والأعراب، ومن اتبعك من الناس أجمعين.
{أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} : ولم يقل: أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، فذلك يعني: طاعة الله سبحانه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر ما واحدة؛ كقوله و {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} ، فطاعة الرسول من طاعة الله، ولا يمكن فصلهما.
مثال: الله سبحانه أمر بالصلاة، والرسول أمر بالصلاة، والصلاة أمر واحد، أو مسألة واحدة، لا يختلف حكم الله فيها عن حكم رسوله، فيقول: أطيعوا الله ورسوله.
وأما قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} : هنا تعني: أطيعوا الله في أمر الصلاة (بشكل مجمل) فيما بيَّنه لكم.
وأطيعوا الرسول فيما بيَّنه لكم من عدد ركعاتها، وأركانها، وسننها، وأوقاتها، وكيف تُصلى.
أي: أطيعوا الله تعالى فيما أمر، أو فرض، وأطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما فصَّل لكم ما فرض الله عليكم، وما أمر؛ لقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].
وأما قوله في سورة النساء، آية (59):{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنكُمْ} : هنا طاعة أولي الأمر غير منفصلة عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يقل سبحانه: وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ أي: أطيعوا أولي الأمر منكم إذا أطاعوا الله وأطاعوا رسوله، فطاعة أولي الأمر ليست كياناً بحد ذاتها، وإنما تابعة لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الله، فإذا أمرنا أولو الأمر بأمر يخالف الله، أو يخالف الرسول نرفضه، وبالعكس نطيعهم إذا أطاعوا الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} : الفاء: للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال والشك، تولوا: أعرضوا عن طاعة الله، والرسول، ورفضوا، أو جحدوا ذلك، وابتعدوا عنها.
{فَإِنَّ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن: حرف مشبه بالفعل؛ للتوكيد.
{اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} : لا: النافية، ولا تفيد النفي المؤبد (المطلق)؛ لأن الكافر قد يتوب، ويرجع عن كفره، وطغيانه، ويؤمن بالله تعالى فيما بعد.
لا يحب الكافرين: الكافرين: جملة اسمية تفيد الثبوت؛ أي: الذين أصبحت سمة الكفر عندهم ثابتة لا تتغير، لا يحب الكافرين إذا استمروا في كفرهم وإعراضهم ولم يتوبوا.
أما إذا تابوا إلى الله واستغفروا لذنوبهم؛ فإن الله كان غفوراً رحيماً، أو كان عزيزاً حكيماً.
وانتبه إلى الانتقال من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب؛ فإن تولوا، ولم يقل: فإن توليتم؛ للتحذير، والتنبيه، أو لفت الانتباه.
والفرق بين الكافرين، والكفار: الكافرين: يستعملها للدلالة على العمل، الحدث (الكفر) بكثرة، والكفار: يستعمل هذه الكلمة للدلالة على الاسم، الكثرة والعدد، والكفار أعم من الكافرين.
سورة آل عمران [3: 33]
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} :
المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه: أن محبته تتمثل في محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الله تعالى: تتمثل في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ناسب أن يذكر من أحبهم الله تعالى، واصطفاهم من الرسل؛ كي نطيعهم ونصدقهم.
{إِنَّ} : حرف مشبه بالفعل؛ للتوكيد.
{اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} اصطفى: اختارهما، والاصطفاء: هو أن تختار من بين الأشياء المتشابهة المتناظرة مثل الناس، أو الجن، أما الاختيار: هو أن تختار من غير المتشابهات مثلاً أن تختار من بين الناس والجن والملائكة.
والاصطفاء هنا: قد يعني: التميز؛ أي: ميَّزهم، أو اصطفاهم بالنبوَّة، أو اختارهم كصفوة خلقه.
اصطفى آدم حتى يكون أباً للبشر؛ حيث خلقه، ونفخ فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له الملائكة.
وكيف قال سبحانه: اصطفاه، ولم يكن قبله أحد، أو معه أحد؟
الجواب: اصطفاه أن يكون أول الخلق، وأبا البشر.
واصطفى نوحاً عليه السلام أباً للبشر بعد الطوفان، وآدم أباً للبشر قبل الطوفان.
ونوحاً هو: بن لامك بن متوشلخ بن إدريس، وإدريس من ذرية شيث بن آدم.
اصطفى آدم ونوحاً على المؤمنين، وهل اصطفاهم بعد أن رآهم طائعين، أم علم الحق أزلاً أنهم سيكونون طائعين فاصطفاهم؟ ارجع إلى سورة الأعراف آية (144) لمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين الاختيار والاصطفاء والاجتباء.
الجواب: علم الله سبحانه أزلاً أنهم سيكونون طائعين فاصطفاهم.
{وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} : الآل: هم الذرية، والأقارب، والأتباع.
وآل إبراهيم تشمل: إبراهيم، وذرية إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، ومن اتبع إبراهيم عليه السلام ، ومحمد صلى الله عليه وسلم من إسماعيل، وإسماعيل من إبراهيم.
وآل عمران: وعمران: هو والد مريم عليه السلام ، ومنها عيسى عليه السلام ، وآل عمران يشمل مريم، وعيسى، وزكريا، ويحيى.
وامرأة عمران: هي حنة من بني إسرائيل، وهناك عمران آخر هو أبو موسى عليه السلام وهارون.
وقيل: الزمن بين عمران زوج حنة أم مريم، وعمران أبو موسى وهارون هو (1800سنة)، وبين إبراهيم وموسى (1000سنة)، وبين موسى وعيسى عليه السلام (2000سنة).
على العالمين: اختارهما على عالمي زمانهم، وخص هؤلاء بالذكر؛ لأن الأنبياء والرسل كلهم من نسلهم.
سورة آل عمران [3: 34]
{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} :
{ذُرِّيَّةً} : الذرية في الأصل: الأولاد، ولفظ الذرية يطلق على الواحد، وعلى الجميع، ويطلق على الولد، والوالد.
وذرية: مأخوذة من ذرأ، والذرء؛ يعني: التفريق.
{بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} : لها عدة معان:
1 -
بعضها من بعض: في توارثها الدِّين والقيم، آل عمران ذرية من آل إبراهيم، ولا يعني أنساب بالدم، والمسألة ليست مسألة وراثة بالدم، وإنما بالفضل، والقيم، والدِّين.
2 -
بعضها من بعض: أي: سلالة واحدة، جعل النبوَّة والرسالة فيهم مثلاً: آل إبراهيم (هم: إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب)، هم من نسل إبراهيم عليه السلام ، وإبراهيم من نسل نوح عليه السلام ، ونوح من آدم عليه السلام .
3 -
وذرية بعضها من بعض: قد تعني: الأبناء ذرية الآباء، والآباء ذرية للأبناء، فالولد للوالد ذرية؛ لأنه ذُرِئ منه، وكذلك يجوز أن يقال للأب ذرية الابن؛ لأن ابنه ذُرِئ منه.
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} : سميع لمن يدعون حقاً، أو باطلاً، أنهم من ذرية هذا النبي، أو ذاك، أو من سلالة هذا، أو ذاك.
عليم: صيغة مبالغة من عالم كثير العلم يعلم من يصلح للاصطفاء، وعليم بالخلق، وعليم بمن هو ذرية من، عليم من هو من ذرية إبراهيم حقاً، وهل اليهود والنصارى من ذرية إبراهيم أم لا.
سورة آل عمران [3: 35]
{إِذْ قَالَتِ} : ظرف زمان، واذكر إذ قالت، أو حين قالت.
{امْرَأَتُ عِمْرَانَ} : هي أم مريم عليه السلام ، زوجة عمران كانت عاقراً، لا تلد، ولماذا قال سبحانه امرأت عمران ولم يقل زوجه؟ ارجع إلى سورة القصص آية (9) للبيان ومعرفة الفرق بين الزوجة والمرأة في القرآن، وهناك ملاحظة أخرى هي كيف تكتب كلمة امرأت أو امرأة بالتاء المفتوحة أو المبسوطة أو المربوطة نجد في هذه الآية كتبت بالتاء المفتوحة (المبسوطة) بينما في الآية (12) في سورة النساء كتبت بالتاء المربوطة فقد تبين أنها حين تكتب بالتاء المفتوحة أو المبسوطة تكون مرتبطة بزوج (أي: لها زوج) وحين تأتي مكتوبة بالتاء المربوطة لا يكون لها زوج أو تنسب إلى زوج. وامرأت عمران قد اشتاقت للولد، فنذرت إن رزقها الله ولداً أن تتصدق به لخدمة بيت المقدس.
{رَبِّ} : لأن الرب هو المتولي التربية والولادة، والأمور الحاجية، ولم تقل: يا الله؛ لأن هذا النداء نداء من العابد إلى المعبود، فيما يخص التكاليف والأوامر التعبدية.
{إِنِّى نَذَرْتُ} : إني: للتوكيد، نذرت: النذر هو أمر أريد به الطاعة فوق التكليف؛ أي: يُلزمُ العبد نفسه بشيء زائد عن التكاليف المفروضة.
{لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا} : لك: اللام لام الاختصاص، لك وحدك. ما في بطني: أي: ما أحمله في رحمي من ولد، والمحرر هو العتيق، وأعتقت الغلام حررته؛ ليصبح متفرغاً لعبادتك وحدك، وخدمة بيتك المقدس، غير مملوك لأحد خالصاً لوجهك، ولداً ليقوم على خدمة بيتك وسدنته.
{فَتَقَبَّلْ مِنِّى} : ودعت الله أن يتقبل هذا النذر، والتقبل أخذ الشيء برضا؛ لأنك قد تأخذ الشيء بكره، أو تأخذه على مضض.
{إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} : تؤكد أنه يسمع نذرها، وما قالته.
والسميع: صيغة مبالغة تعني: يسمع كل ما يقال في السر والعلن.
العليم: يعلم نواياها، وما تكن؛ أي: إخلاصها وعزمها على فعل ذلك.
العليم: صيغة مبالغة من العلم، عليم بظواهر وبواطن الأمور.
سورة آل عمران [3: 36]
{فَلَمَّا} : الفاء: للتعقيب، ويدل على النذر كان قريباً من زمن الوضع، ولم يكن في بداية الحمل.
{وَضَعَتْهَا} : أي: ولدتها، فلماذا لم يقل: ولدت، أو وضعت، وقال: وضعتها؟ لأنه سبحانه كان يعلم أنها أنثى قبل ولادتها، وكذلك قيل: وضعتها الهاء: تعود إلى امرأة عمران، لا إلى ما ولدت.
{قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى} : وكأنها تتعجب، أو تعتذر إلى الله، وتقول ذلك قسراً؛ لأنها كانت ترجو أن ترزق مولوداً ذكراً؛ للقيام على خدمة بيت المقدس، والأنثى في العُرف لا تصلح لخدمة البيت.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} : والله أعلم بما وضعت: أمر بديهي، والسؤال لماذا قال ذلك؟ قيل: تعظيماً لمريم عليها السلام، وأنها ستكون أماً لعيسى عليه السلام ، أو لعل هذه الأنثى خير من الذكر الذي تريديه.
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى} : في هذه الآية: إشارة من رب العالمين إلى أن بنية الأنثى ليست كبنية الذكر، سواء هناك اختلافات تشريحية، وفيزيولوجية، وهرمونية تناسب مهمتها كأم وزوجة، وتغلب الجانب العاطفي فيها غالباً على الجانب العقلي، وكذلك لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من ناحية دخول بيت المقدس، والإقامة فيه؛ لما يلحق بالأنثى من الحيض، والنفاس، والولادة، والاختلاط بالناس وغيرها من أمور الفطرة، ولا يعني ذلك بأي حال تقليل من قيمة الأنثى، ودورها الاجتماعي.
وليس: للنفي (غير مقيدة بزمن).
{وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} : أي: العابدة، وقيل: قد اختارت هذا الاسم؛ للتقرب من الله.
{وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} : وإني: للتوكيد، أعيذها بك: أصل التعوذ والاستعاذة بالله الالتجاء إليه، والاستجارة به من وساوس الشيطان ونزغاته، فهي تدعو الله أن يحفظ مريم، ويمنع الشيطان منها، وكذلك ذريتها، والذرية هنا النسل؛ أي: نسلها، والذي سيكون عيسى عليه السلام .
ولنتذكر حديث أبو هريرة رضي الله عنه الذي رواه البخاري ومسلم: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها» ، وفي رواية ثانية:«ما من مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد» .
فمن هذه الآية ندرك أهمية الإسراع بهذا الدعاء عند ولادة المرأة، والاستعاذة من الشيطان، كما فعلت امرأة عمران خوفاً من الشيطان، ولقد أدركت امرأة عمران: أن الشيطان هو الذي بوساوسه ونزغاته وتزيينه قد يقف حائلاً، أو عائقاً أحياناً لبعض الناس من القيام بالطاعة والعبودية.
أعيذها: فعل مضارع؛ للدلالة على الاستمرار، والتجدد في الاستعاذة، واللجوء إلى الله تعالى.
{مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} : كلمة الشيطان اشتقت من شطن؛ أي: بعد عن الحق، وتمادى في الشر، ومن شاط: احترق، ومن شاطن؛ أي: خبيث.
الرجيم: المرجوم بالشهب، والمرجوم الملعون، والمرجوم المطرود المبعد من رحمة الله تعالى.
سورة آل عمران [3: 37]
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا} : رضي بمريم (كأنثى) في النذر بدلاً من الذكر (الولد)؛ أي: قَبِلَ الله مريم برضاً بدلاً من المحرر.
وقَبِلَ تسلمها من أمها، وذلك أن أمها جاءت بها بيت المقدس، ووضعتها عند الأحبار، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، فقال زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها، فقالوا: لا لكنا نقترع عليها، فتكون عند من خرج سهمه، فألقوا أقلامهم فخرج قلم زكريا فوق الماء، ورست أقلامهم، فتكفلها زكريا حينذاك.
القبول: هو أخذ الشيء برضاً؛ أي: بعث لها من يتكفل بتربيتها التربية الحسنة، وهو زكريا.
{بِقَبُولٍ حَسَنٍ} : برضاً حسن؛ أي: رضاً زائد.
{وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} : رباها ربها تربية حسنة، ونشأت نشوءاً حسناً، وذلك على يدي زكريا. وقال تعالى:(نباتاً) ولم يقل (إنباتاً): لكي يظهر لنا أنها كانت أهلاً لهذا الإنبات لطهارتها وطاعتها لربها، ولو قال إنباتاً: لما كان لها فضل أو مشاركة في الإنبات.
{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} : بوحي من الله؛ للقيام بذلك، وكان زكريا متزوجاً من أخت مريم، فهو زوج خالتها، وكفلها؛ أي: تولى أمر تربيتها، ورعاية شؤونها، وقيل: ضم زكريا مريم إلى خالتها، واسترضع لها حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً في المسجد لا يرقى إليها إلا بالسلم؛ أي: لا يصعد إليها غيره.
{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} : كلما: تدل على كثرة الدخول؛ أي: المرات المتعددة؛ حتى يأتيها بالطعام، والشراب، وقيل: كان يغلق عليها الأبواب.
كلما: مركبة من (كل): ظرف شرطي، و (ما): مصدرية ظرفية؛ أي: هي أداة شرط تفيد التكرار.
المحراب: هو مقدم كل مصلى؛ حيث يقف الإمام، وقيل: المحراب غرفة، أو مقصورة في مقدم المعبد، يُصعد إليها بسلم، واشتقت كلمة المحراب من الحرابة، وتعني: محاربة الشيطان، ومحاربة وساوسه التي تكون على أشدها في هذا المكان، مكان الإمام.
{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} : في كل مرة يدخل يجد عندها رزقاً، ورزقاً: نكرة لم يحدد ما هو الرزق؛ لكثرته، فهو أجناس متعددة، قيل: من ثمار الجنة فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.
{قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} : أنى؛ أي: من أين لك هذا الرزق؛ أي: مصدره، لا يشبه أرزاق الدنيا؛ لكونه في غير حينه (زمنه)، والأبواب مغلقة عليك، ولا يدخل عليك أحد.
انتبه:
(أنى) هذه تحمل معنى كيف، ومعنى أين، وللاستفهام (فالاستفهام بها أقوى من كيف)، وتحمل معنى التعجب.
{قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} : أجابت بهذه الإجابة، وهي طفلة صغيرة.
{إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} : إن: للتوكيد، يرزق من: من استغراقية، من يشاء بغير حساب؛ أي:
1 -
بغير عد (أي: بغير إحصاء لكثرته).
2 -
بغير حساب أن تنفذ خزائنه سبحانه.
3 -
بغير استحقاق للمرزوق (مقابل الإيمان، أو عمل صالح).
4 -
من حيث لا يحتسب المرزوق.
5 -
يرزقه ولا يُسأل لماذا ترزقه الكثير، أو أكثر من غيره.
6 -
وبغير تقتير وتضييق.
سورة آل عمران [3: 38]
{هُنَالِكَ} : هنا ظرف للزمان، والمكان، اللام: للتأكيد، والكاف: للخطاب؛ أي: في ذلك المكان (المحراب)، والزمان.
{دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} : بعد أن رأى رزق الله تعالى لمريم أن يرزقه الذرية الطيبة. دعا ربه: طلب من ربه، والدعاء يكون برفع الصوت وخفضه.
حيث بلغه الكبر وامرأته عاقر، وهو بحاجة ماسة إلى ولد صالح يرثه، ويرث من آل يعقوب فلعل الله يستجيب دعاءه.
{قَالَ رَبِّ هَبْ لِى} : الهبة تكون عند السؤال، وتعطى لمن يستحق، أو لا يستحق، والواهب هو الله، ولا ينتظر الرد من الموهوب إليه بشيء، فالهبة عطاء بلا مقابل، وليس حقاً على الواهب؛ أي: يهب لمن سأله. ارجع إلى سورة الأنعام آية (84) لمزيد من البيان في معنى: الهبة.
{مِنْ لَدُنْكَ} : وليس منك، من لدنك: خاصة بالمؤمنين والمقربين، أما منك: عامة لكل الناس (المؤمن والكافر).
{ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} : والذرية: قد تكون ولداً واحداً، أو أكثر، وليس معناها الكثيرة دائماً، كما يظنون. الطيبة: المباركة الصالحة، ولداً صالحاً مباركاً.
{إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} : قيل: مجيب الدعاء، وقابله، فهو كان يطلب ولداً يرث منه النبوَّة، كما بيَّنت ذلك سورة مريم، كما سنرى.
سورة آل عمران [3: 39]
{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} : الفاء: تدل على التعقيب والمباشرة بعد الدعاء ردت عليه الملائكة.
ـ هل كل الملائكة نادته، أم عدد منهم، أم جبريل وحده؟ قيل: المراد هنا جبريل عليه السلام ، والعرب أحياناً تخبر عن الواحد (أو المفرد) بلفظ الجمع؛ للتفخيم، أو نادته جماعة من الملائكة، ونلاحظ في هذه الآية نادته الملائكة جاء بصيغة التأنيث، وفي أغلب الآيات يأتي بصيغة التذكير حين يذكر الملائكة، ويجوز التذكير والتأنيث من ناحية اللغة، والملائكة لا يعلمهم إلا الله سبحانه الذي خلقهم، ولكن لوحظ من سياق الآيات في القرآن: أن صيغة التذكير تأتي في سياق الأمر، وما يقع منهم من أفعال، أو حين وصفهم وعبادتهم والعذاب، والتأنيث في سياق الموت والبشرى والنزول.
ـ زكريا عليه السلام دعا ربه أولاً، ثم قام إلى الصلاة فنادته الملائكة وهو قائم يصلي، ولم تنتظر إلى أن ينتهي من صلاته.
{وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ} : أشرف الأماكن، وأشرف ما في المسجد مقام الإمام المحراب. ارجع إلى الآية (37)؛ للبيان.
{أَنَّ اللَّهَ} : للتوكيد.
{يُبَشِّرُكَ} : من البشارة، وهي الإخبار بأمر سار، أو خير قادم زمنه لم يأت بعد، ولأول مرة.
{بِيَحْيَى} : بشارة بيحيى، يحيى: اسم أعجمي أو مشتق من الفعل المضارع يحيا؛ أي: بغلام، فالله سبحانه حدد البشارة.
{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : كلمة من الله هو عيسى عليه السلام مصدقاً مؤمناً بعيسى ابن مريم، وقيل: هو أول من آمن بعيسى عليه السلام ، وسمي عيسى (كلمة من الله)؛ لأنه خُلق بكلمة الله تعالى (كن)؛ فيكون.
{وَسَيِّدًا} : من ساد يسود سيد قومه: أشرفهم، وأصلحهم في الدِّين، والخلق، والعلم، والعبادة؛ أي: يفوق قومه في جميع خصال الخير.
{وَحَصُورًا} : الحصر: هو الحبس مع التضييق، وقالوا: الإحصار في اللغة: هو المنع بغير الحبس، والحصر المنع بالحبس وأُحصر؛ أي: بسبب مرض أو نفقة أو غيره من الأسباب، وأما الحصر: هو منع و تضييق؛ أي: يحبس نفسه عن شهواتها، أو معصوم من الفواحش، ولا رغبة له في النساء، مع كونه سليماً وصالحاً أن يتزوج إذا أراد.
{وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} : من الصالحين؛ لأنه كان من أصلاب الأنبياء، من: ابتدائية، أو من جملة الأنبياء الصالحين.
سورة آل عمران [3: 40]
قال زكريا: {أَنَّى} : تعني: كيف يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر، وامرأتي عاقر.
أو من أين؛ أي: هل ستلد زوجتي، أم هل سأتزوج امرأة أخرى يأتيني منها الولد، وفيها تعجب، واستفهام، والاستفهام لا يعني أن زكريا يشك في قدرة الله تعالى أبداً، ولكن هو يسأل عن الكيفية.
{وَقَدْ} : الواو: عاطفة، قد: حرف تحقيق وتوكيد.
{بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ} : أدركني، وأضعفني الكبر، وفي سورة مريم، آية (8) صرح قائلاً:{وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} ، ويشبه الكبر بأنه إنسان يلاحقه، ويطارده.
{وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ} : عاقر: من العقر؛ أي: القطع (قطع الرحم لعدم القدرة على الحمل)، والعاقر من الرجال والنساء: الذي لا يأتيه ولد.
وامرأتي عاقر؛ أي: غير قادرة على الإنجاب (سواء أكان السبب الكبر، أو بسبب طبي)، وقد تكون ولدت من قبل، وأصبحت عاقراً، والعاقر يمكن علاجها أحياناً، وتصبح قادرة على الإنجاب.
أما المرأة العقيم، وهذا ما حدث لامرأة إبراهيم عليه السلام حين وصفت نفسها بالعجوز العقيم؛ أي: هي لم تلد أبداً، أو عندها عيب خلقي لا يمكن علاجه.
وانتبه إلى قوله: وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر: ولم يقل: وامرأتي عاقر فقط، ولم ينسب إلى نفسه القدرة والصلاح؛ لأن في هذا إساءة إلى شعور المرأة، والأمر هو من قضاء الله وقدره.
وإذا جمعنا هذه الآية مع الآية رقم (8) من سورة مريم؛ حيث يقول تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} : فهذا يدلنا على أن امرأته كانت عاقراً (في شبابها)، وقوله: وامرأتي عاقر (في آية آل عمران): تعني الآن؛ أي: كانت ولا زالت عاقراً؛ فيدل ذلك على أنها هي السبب في العقم، وفي آية آل عمران قدم نفسه أولاً، ثم امرأته ثانياً:{بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ} ، وأما في آية سورة مريم قدَّم امرأته أولاً ونفسه ثانياً:{وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} : هذا التقديم والتأخير المتعاكس في هاتين الآيتين إن دلَّ فإنما يدل على أدب معاملة الزوجة، وإن كانت عاقراً، فهذا قدر وقضاء رباني يجب عدم اتخاذه وسيلة لإيذاء شعور الزوجة العاقر.
{قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} : أجابه الله تعالى على لسان الملائكة. كذلك: مثل ذلك (جعلها قادرة على الإنجاب) يفعل الله الكثير من الأفعال؛ أي: سبحانه قادر على أن يصلح له زوجه، كما ورد في الآية (90) من سورة الأنبياء:{وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} ، ويفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.
فلم التعجب، والاستفهام على فعل ذلك.
ولا بد من مقارنة هذ الآية: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ؛ التي جاءت في خلق يحيى مع قوله سبحانه: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} ؛ التي جاءت في سياق خلق عيسى عليه السلام ، ففي شأن يحيى قال تعالى: يفعل الله ما يشاء، وفي شأن عيسى عليه السلام قال تعالى: يخلق الله ما يشاء، فما الفرق؟
الجواب: خلق يحيى عليه السلام يختلف عن خلق عيسى عليه السلام ، فالفعل (يفعل ما يشاء) أيسر من الخلق (يخلق ما يشاء)، وجاء ذلك في سياق يحيى عليه السلام (من زكريا وزوجته)، واستعمل الخلق مع عيسى عليه السلام ؛ لأن مريم لم يمسسها بشر، وجاء عيسى من مريم بدون زوج.
سورة آل عمران [3: 41]
{قَالَ} : زكريا {رَبِّ اجْعَل لِّى آيَةً} : أي: علامة ستدلني على أن امرأتي أصبحت حاملاً يستعجل زكريا من شدة فرحته بالبشارة، فيريد أن يعلم الزمن، ويؤكد على أن الوعد بالبشارة بيحيى قد أصبح فعلاً.
{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} : قال: لم يطلعنا من هو القائل، قد يكون جبريل، أو أحداً من الملائكة.
ألا: مركبة من (أن ولا)، أن: التعليلية، لا: النافية.
ألا تكلم الناس: أي: تُمنع من كلامهم إلا رمزاً؛ أي: بالإشارة بيد، أو رأس، أو غيرها، وهذا يسمى فن الإشارة؛ فهو يدل على ما في النفس من معان؛ أي: يحبس لسانك عن الكلام، رغم كونك صحيحاً سويَّ الجسم ومعافى.
ثلاثة أيام: أي: يدوم ذلك الحبس من الكلام ثلاثة أيام، واليوم في القرآن لا يعني (24) ساعة، وإنما اليوم يعني من طلوع الشمس إلى غروبها؛ أي: حوالي (12) ساعة.
وماذا يحدث من الليل قد بيَّنه سبحانه في سورة مريم، آية (10) بقوله:{أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} ، فإذا جمعنا الآيتين؛ فالحبس من الكلام سيكون ثلاثة أيام بلياليها.
{وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ} : ورغم كونك غير قادر على الكلام، فلا يمنعك ذلك من الاستمرار في الذكر، والتسبيح الكثير، فذاك عبادة قلبية.
واذكر ربك كثيراً: يعني: الصلاة، والذكر المطلق هو ذكر الله بآلائه، وعظمته، والذكر يتضمن الشكر.
والتسبيح: هو التنزيه لله تعالى عما لا يليق بذاته، وأسمائه وصفاته من كل عيب، أو شرك، أو نقص أو عجز.
بالعشي والإبكار: العشي من زوال الشمس إلى المغيب، والإبكار من طلوع الفجر إلى شروق الشمس.
والتعريف بـ (ال) التعريف في كلمتي العشي والإبكار؛ تفيد في الدلالة على الدوام على الذكر، والشكر، والتسبيح؛ ليتناسب عظم الذكر والشكر والتسبيح مع عظم البشارة بالغلام (يحيى عليه السلام )، وكأنه يقول: لا تشغلك النعمة (نعمة الولد) عن ذكر المنعم سبحانه وتعالى، ولا بد من مقارنة هذه الآيات التي وردت في سورة آل عمران مع الآيات التي وردت في سورة مريم؛ ارجع إلى سورة مريم للبيان.
سورة آل عمران [3: 42]
هذه الآية تتحدث عن اصطفاءين: اصطفاء أول، واصطفاء ثانٍ، ونرى في الاصطفاء الثاني أتبعه بـ (على) أما الاصطفاء الأول لم يرد فيه (على)، فهو اصطفاء مبهم، على ماذا؟ لم يذكر، فتعال لنرى مفهوم هذه الآية.
{وَإِذْ} : تعني: واذكر إذ قالت الملائكة، أو حين قالت الملائكة.
{قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} : المراد بالملائكة هو جبريل عليه السلام . ارجع إلى الآية (29) من نفس السورة؛ للبيان، وقد يكون ذلك على سبيل المجاز (إطلاق الكل؛ «أي: الملائكة»، وإرادة البعض؛ أي:«جبريل» ).
{يَامَرْيَمُ} : يا: أداة نداء للبعد.
{إِنَّ اللَّهَ} : إن: للتوكيد، الله: اسم الله الجامع لصفاته وأسمائه. ارجع إلى الآية (255) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{اصْطَفَاكِ} : اختارك، أو اجتباك على ماذا؟ لم يذكر سبحانه، ومعنى اصطفاك. ارجع إلى الآية (33) من نفس السورة.
{وَطَهَّرَكِ} : من الكفر، والفاحشة، والإثم، وطهرك من مس الرجال.
{وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} : بكونك المرأة الوحيدة التي ستلد بدون زوج، وستحمل بدون أن يمسها بشر، وبكلمة كن فيكون.
إذن: الاصطفاء الأول يختلف عن الاصطفاء الثاني.
فالاصطفاء الأول: قال تعالى عنه: {اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} : ولم يقل: على، فقال المفسرون: اصطفاها على إيمانها، وصلاحها من بين النساء.
بينما الاصطفاء الثاني: قال تعالى عنه: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} : جاء بعلى؛ أي: حدد فقال على نساء العالمين.
فالاصطفاء الأول يبدو أنه اصطفاء مطلق، ومبهم، وليس خاصاً بها، فقد يشاركها في هذا الاصطفاء غيرها من النساء، أو الرجال في الخلق، والصلاح، والإيمان، وجاء هذا الاصطفاء قبل الحمل بعيسى عليه السلام .
إذن: تكرار اصطفاك مرتين؛ لأن كل اصطفاء له ميزاته وهناك من قال أنه كرر ذلك؛ للتأكيد، والله سبحانه أعلم.
سورة آل عمران [3: 43]
{يَامَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ} :
{يَامَرْيَمُ} : يا: النداء للبعد، نداء من جبريل عليه السلام إلى مريم عليها السلام.
{اقْنُتِى لِرَبِّكِ} : من القنوت، وهو لزوم الطاعة مع الخضوع، وأديمي له الطاعة والخضوع.
لربك: ابتغاء ربك: أخلصي له وحده العبادة، واللام: لام الاختصاص، وتدل على أنها على طريق القنوت، وعليها الاستقامة في السير عليه.
الرب: هو الخلاق، والمربي، والمطعم، والرزاق، والمدبر لشؤون خلقه وكونه.
{وَاسْجُدِى} : من السجود في الصلاة؛ أي: صلى (من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل)، ويضم سجود الشكر والتلاوة.
{وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ} : صلي مع المصلين، ورغم أن الصلاة للمرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ولكن مريم لم يكن لها بيت، أو منزل سوى بيت المقدس، والأصل أن يقول: واركعي مع الراكعات.
أولاً: جاء بصيغة الذكورة؛ لأن الراكعين تشمل الذكور والإناث، وفيه تغلب للذكور على الإناث، ورفع لمنزلة مريم على النساء بأن جعلها في درجة الرجال في قنوتها وصلاتها.
فالقنوت يشمل كل العبادات، فهو أكثر من السجود (الذي هو مرتين في الركعة الواحدة)، والسجود أكثر من الركوع (الركوع مرة واحدة في الركعة الواحدة)، فالتدرج هنا من الكثرة إلى القلة: القنوت- السجود- الركوع.
ثانياً: قدَّم السجود على الركوع رغم أن الركوع يسبق السجود؛ لأن السجود أفضل أركان الصلاة؛ لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والسجود له منزلة عظيمة عند الله تعالى.
وإذا قارنا هذه الآية: {اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، مع الآية (77) من سورة الحج:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : نجد التدرج في هذه الآية بعكس ما هو عليه في آية آل عمران فهو تدرج من القلة إلى الكثرة. الركوع-السجود- العبادة - فعل الخيرات.
سورة آل عمران [3: 44]
{ذَلِكَ} : اسم إشارة للبعد وهو إشارة إلى حديث زكريا وامرأة عمران، وما حدث لمريم حين ولادتها.
ذلك يا محمد: {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} من: ابتدائية، أنباء: جمع نبأ؛ أي: أخبار الغيب العظيمة (النبأ هو الخبر العظيم).
{نُوحِيهِ إِلَيْكَ} الوحي: هو إعلام بخفاء؛ أي: لا أحد يسمع الله سبحانه حين يوحي إلى المرسل إليه، أو إلى بشر، أو إلى الأرض، أو النحل، أو الملائكة. ارجع إلى سورة النساء، آية (163)؛ لمزيد من البيان.
ووسيلة العلم بالنبأ تكون بثلاثة وسائل هي: المشاهدة، أو السماع، أو القراءة.
فالنبأ الذي أخبر الله سبحانه رسوله عن حديث زكريا ومريم وامرأة عمران كان قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بعدة قرون طويلة إذن الحدث لم تشاهده.
وأما بوسيلة القراءة فالرسول لم تكن لديه كتب يقرؤها، إذن: رسول الله سمع هذه الأنباء من جبريل عليه السلام .
{وَمَا} : الواو عاطفة، ما: النافية.
{كُنْتَ} : يا محمد صلى الله عليه وسلم.
{لَدَيْهِمْ} : ظرف مكاني؛ أي: حاضراً عندهم. (ارجع إلى الآية (37) من نفس السورة؛ للبيان) في قصة كفالة زكريا مريم. لديهم: لدى أحبارهم، أو أشراف القوم حين تنافسوا على رعاية مريم وتربيتها.
{إِذْ} ظرف زماني للماضي.
{يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} : أي: يرمونها يطرحونها للاقتراع (فجاءت القرعة لزكريا) والقلم هو ما نكتب به.
{أَيُّهُمْ} : أي: للاستفهام.
{يَكْفُلُ مَرْيَمَ} : يرعاها ويربيها.
{وَمَا كُنْتَ} : التكرار؛ للتوكيد.
{لَدَيْهِمْ} : كالسابقة.
{إِذْ} : ظرف زماني
{يَخْتَصِمُونَ} : يتنازعون في كفالتها مما يدل على حرارة الحب إلى كفالتها الأمر الذي أدَّى إلى إثارة الخصومة والاقتراع بالأقلام، والاقتراع في الإسلام مباح، وله شروطه.
سورة آل عمران [3: 45]
{إِذْ} : واذكر إذ أو حين قالت الملائكة: ظرفية.
{قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} : أي: جبريل عليه السلام .
{يَامَرْيَمُ} : يا: النداء؛ للبعد.
{إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ} : البشارة لا تكون إلا بخبر عظيم مفرح، ولأول مرة، (وإذا استعملت في غير ذلك الغرض؛ تعني: التهكم، والتحقير، مثل قوله: وبشر المنافقين).
{بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} : المراد بهذه الكلمة عيسى، وسمي بالكلمة؛ لأنه خلقه بكلمة كن فيكون كما حدث لآدم عليه السلام .
{اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} : إنها ثلاثة أسماء تتركب من: اللقب والاسم والكنية.
المسيح: هو اللقب، أو صفة، وتعني ما مسح ذا عاهة، إلا برأ منها، أو لأنه كان يسيح في الأرض، ولا يقيم في مكان، أو الممسوح من الذنوب، أو المسيح المبارك، وفي اللغة العربية يستعمل اللقب؛ للمدح، أو الذم.
عيسى: هو الاسم، ويستعمل الاسم في حالة التكليف، أو النداء، أو الثناء، وعيسى قيل: مأخوذة من العيس، وهو: بياض تعلوه حمرة.
ابن مريم: هو الكنية لم يرد ابن مريم لوحده أبداً في القرآن، وفي مقام تصحيح العقيدة يستعمل غالباً المسيح عيسى ابن مريم، أو المسيح ابن مريم، أو عيسى ابن مريم، ولا يمكن أن ينسب الطفل للأم مع وجود الأب.
{وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} : وجيهاً: من وجهاء القوم؛ أي: ذا جاه، وقدر، وكرامة، إذا سأل يستحيي الناسُ أن يردوه خائباً.
وجيهاً في الدنيا: بالنبوَّة، وذا جاه، وكرامة في الدارين.
والآخرة: بالشفاعة، والمنزلة العالية في الجنة.
ومن المقربين: من: ابتدائية المقربين عند الله سبحانه، رفعه الله إليه.
ورد اسم مريم (34) مرة في القرآن.
ورد اسم عيسى في القرآن حوالي (25) مرة، وكان اسمه كما يلي عيسى ابن مريم (14) مرة، المسيح عيسى ابن مريم (3) مرات، وورد اسم المسيح ابن مريم (6) مرات، وذكر فقط المسيح (2).
وسواء المسيح عيسى ابن مريم، أو عيسى ابن مريم، جملة اسمية تفيد الثبوت؛ ليظل هذا الوصف ابن مريم ثابتاً مقرراً في الأذهان إلى يوم القيامة، رداً على من ادعى بألوهية عيسى ابن مريم، واسم عيسى يأتي في سياق النداء، والتكليف، وفي سياق تعداد الرسل وبشكل عام، بينما يأتي اللقب المسيح في سياق الثناء والعقيدة، (والمسيح معناها المبارك)، ويأتي ابن مريم في سياق الوحدانية، أو الشرك، أو الإلوهية، أو الولد، أو تصحيح العقيدة.
سورة آل عمران [3: 46]
{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} :
{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ} : في المهد: مضجع الصبي، وهو رضيع.
في: ظرفية مكانية وزمانية في زمن الرضاع، وهو في مهده.
يكلم الناس: لتبرئة أمه مما قُذفت به، وليد بدون أب؟ فقد اتهمها المفترون بعرضها، وكرامتها، وعفتها، ولم يُبيِّن في هذه الآية ما كلمهم به في المهد، ولكنه بيَّنه في سورة مريم (30-33) فقال:{إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} .
وعيسى عليه السلام كان واحداً من بين عدة أطفال تكلموا قبل أوان الكلام، كآية أو معجزة، من آيات الله الدالة على قدرته سبحانه وعظمته.
{وَكَهْلًا} : الكهولة المرحلة بين الشباب والشيخوخة، وقيل: بعد سن الثلاثين، وقيل: الكهل من تجاوز سن (30)، والبعض قال: سن الأربعين؛ أي: حال كونه كهلاً يكلمهم بالوحي، ويدعو الناس إلى الإيمان.
وسمي الكهل كهلاً: لاجتماع قوته، وكمال شبابه، واشتقت من: اكتهل النبات، أو حين تبدأ شعرات الشيب تظهر لأول مرة في الرجل العادي الصحيح.
وكهلاً كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ؛ أي: يكلم الناس بعد نزوله من السماء، وعودته بعد أن رفعه الله عز وجل إليه يكلم الناس يدعوهم إلى الإسلام، ويخبرهم بالحق، وأنه لم يصلب، وأنه رسول الله سبحانه.
{وَمِنَ الصَّالِحِينَ} : في أعمالهم، والمخلصين في دينهم، والصلاح، يعني: الاستقامة في جلب الخير ونشره، والتخلص من الشر والفساد في الأرض، والالتزام بما أنزل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
سورة آل عمران [3: 47]
{قَالَتْ} : مريم {رَبِّ} : حذفت ياء النداء؛ لكونها تعلم أن الله قريب بعلمه منها، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
{أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} : أنى: من أين وكيف، وللاستفهام والتعجب من أن يكون لها ولد.
{وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} : لم: حرف نفي، يمسسني: أي: لم يقربني زوج، والمس هو الجماع.
{بَشَرٌ} : سمي الإنسان بشراً؛ لظهورهم بعكس الجن، ومشتقة من البشرة ظاهر جلد الإنسان. ارجع إلى الآية (79) من نفس السورة؛ للبيان.
{قَالَ كَذَلِكِ} : تأكيداً لما قالته عن إنجاب عيسى دون أن يمسسها بشر، كذلك هو الأمر، أو كما قلت.
{اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} : ولم يقل: يفعل الله ما يشاء، كما في سياق زكريا، ويحيى. ارجع إلى الآية (40) من نفس السورة؛ أي: الحق سبحانه قادر على أن يخلق ما يشاء، والخلق أصعب من الفعل؛ الفعل أيسر من الخلق، وهذا في ميزان البشر، أما بالنسبة لله سبحانه ليس في ميزانه صعب وسهل، فالكل سهل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ـ من تراب.
ـ أو من ذكر وأنثى.
ـ أو من أنثى بدون ذكر.
ـ أو من ذكر بدون أنثى.
{إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : ارجع إلى الآية (36) من سورة مريم؛ للبيان.
ومن الجدير بالذكر: أن الملائكة لم تخبرها أنها ستلد ولداً بأب، أو غير أب، ويبدو أنها هي بذكائها استخلصت ذلك من تبشير الملائكة لها، وقيل: إن الذي خاطبها هو جبريل عليه السلام .
ولنقارن هذه الآية (47) مع الآية (20) من سورة مريم:
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} : ففي الآية (47) قالت: ولد، وفي الآية (20 من سورة مريم) قالت: غلام، والغلام يطلق على الذكر، وأما بالنسبة للعمر اختلف فيه؛ قيل: على الغالب المرحلة قبل سن البلوغ، وقد سميت إلى سن البلوغ.
فما هو الفرق بين الآيتين، آية آل عمران، قيل: جاءت في سياق البشارة، وقبل الحمل بزمن غير معلوم، فهي لا تعلم هل هو ذكر أم أنثى، فقالت ولد، والولد يحتمل أن يكون ذكراً أو أنثى.
أما في سورة مريم جاءت في سياق بدء الحمل جاءها جبريل ليخبرها أن الحمل سيبدأ، وقال لها جبريل:{إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} : عندها أجابت بنفس الكلمة {أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ} ، غلام يعني: ولد.
سورة آل عمران [3: 48]
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ} :
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} : أي: الكتابة والخط.
{وَالْحِكْمَةَ} : الفقه بالأحكام الشرعية، والدِّين، وحسن التدبير، وقد تعني: النبوَّة.
{وَالتَّوْرَاةَ} : كتاب موسى عليه السلام .
{وَالْإِنجِيلَ} : الكتاب الذي سينزل عليه، وقد تلقى الإنجيل من جبريل حين كان عمره (30 سنة)، وقيل: تلقاه على جبل يسمى جبل الزيتون، والإنجيل معناه: البشارة.
سورة آل عمران [3: 49]
{وَرَسُولًا إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ} : أي: أبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ودائماً كقاعدة عامة حين يأتي من يدعي أنه رسول، أو يقول: أنا رسول من عند الله سبحانه لا بد من أن يقدم بين يدي دعواه معجزة، أو آية تثبت أنه رسول من الله، كما فعل موسى بالعصا، واليد، وغيرها، وصالح جاء بالناقة، فلا بد من آية يأتي بها؛ للدلالة على صدقه ونبوته.
{أَنِّى} : أن جاءت للتوكيد.
{قَدْ} : للتحقيق، وزيادة التوكيد.
{جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ} : الآية هنا معجزة من ربكم، وقال ربكم ليجلب قلوبهم فيؤمنوا مع العلم أنه عليه السلام جاءهم بكثير من الآيات (إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص)، وغيرها، ولكنه جمعها بآية واحدة؛ لأنها من جنس واحد كلها تدل على نبوته فمن يؤمن بآية يؤمن ببقية الآيات؛ للدلالة على نبوته، والذي لا يؤمن بآية لا يؤمن بغيرها.
{أَنِّى} : للتكرار والتوكيد.
{أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْـئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ} : أولاً: يجب الانتباه إلى أن هذا كلام عيسى عليه السلام ؛ فيه: جاء بصيغة التذكير، والضمير يعود على الطين قبل أن يكون طيراً، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (110) في سورة المائدة قال تعالى:{فَتَنْفُخُ فِيهَا} جاء بصيغة التأنيث، فهذا الكلام جاء في سياق يوم القيامة، وسياق تعدد نعمه على عيسى عليه السلام ، وهو كلام الله سبحانه، وليس كلام عيسى عليه السلام ، وقد سبق حين كان في الدنيا أن صنع من الطين طيراً، والطير قد يكون مفرداً أو جمعاً، ففيه إخبار عن وقوع الفعل سابقاً، والضمير فيها يعود على الطير التي سبق أن نفخ فيها.
{فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} : أي: بأمر من الله تعالى، ومشيئته، وقوله بإذن الله: حتى لا يظن أحدٌ أن الله سبحانه هو عيسى ابن مريم عليه السلام ، ففي هذه الآية عيسى عليه السلام يخاطب قومه عن معجزاته، فيقول: بإذن الله، ولا يجوز أن يقول: بإذني.
ـ وقال: بإذني في آية (110) في سورة المائدة؛ لنفي الألوهية عن عيسى عليه السلام .
والنفخ في كلا الحالتين ليس هو بحد ذاته المعجزة، وإنما المعجزة الحقيقية هي تحول الطير الجامد إلى طير يتحرك، ويطير بجناحيه.
وفي كلا الآيتين تم الأمر بإذن الله، أو بإذني (التي تعود إلى الله).
{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} : البرء: هو الشفاء؛ أي: أشفي.
الأكمه: هو الذي يولد أعمى؛ أي: العمى الجنيني الذي يحدث زمن الحمل، وتشكل الجنين فهو أكثر صعوبة في الشفاء من العمى المكتسب الذي يحدث بعد زمن الولادة.
والأبرص: وهو فقدان الجلد للون البشرة، فيصبح الجلد مصاباً ببقع بيضاء متناثرة، وهذا مرض سببه نقص في هرمون الميلانين، وهو مرض يصيب قسماً من الغدة النخامية؛ فيؤدِّي إلى فقدان لون البشرة، وخص الله تعالى هذه الأمراض؛ لأنها كانت شائعة عندهم وجاء ذكر البرص في التوراة.
{وَأُحْىِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} : وإحياء الموتى معجزة خارقة لم يتطرق إليها أحد منذ عيسى، ولم يدق بابها عالم حتى الآن.
{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ} : الأمور الثلاثة السابقة كانت عامة للكل، أما الإنباء بألوان الطعام، وما يدخر كل إنسان في بيته، وما يأكل هذه أمور خاصة جداً لا يعلمها إلا علام الغيوب.
{إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} : ما ذكر سابقاً عدد من الآيات وليس آية واحدة، فكيف جمعها في آية واحدة، فقال: إن في ذلك لآية؛ لأن من يؤمن بآية يؤمن بكل الآيات الأخرى، والذي لا يؤمن بآية لا يؤمن بكل الآيات، والآيات (المعجزات) السابقة كلها تدل على نبوَّة عيسى عليه السلام .
إن: للتوكيد، لآية: اللام: لام لزيادة التوكيد، إن: شرطية، كنتم مؤمنين: مصدقين بآيات الله الباهرة، ودليلاً قاطعاً على صدق رسالتي ونبوتي.
سورة آل عمران [3: 50]
{وَمُصَدِّقًا} : موافقاً، أو مطابقاً لما جاء في التوراة.
{لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} : جئت مصدقاً لما نزل قبلي من التوراة.
{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} : وجئت لأحل (اللام: لام التعليل) أحل لكم (خاصة) بعض الذي حرم عليكم من الطيبات. فقد حرم الله سبحانه سابقاً على بني إسرائيل ما جاء في سورة الأنعام، الآية (146) حيث قال تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} .
وذلك بسبب ظلمهم كما ورد في سورة النساء، آية (160):{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} .
{وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ} : الباء: للإلصاق، تعني: وجئتكم بآية بعد آية من ربكم شاهدة على صدقي؛ أي: بآيات كثيرة، ولكنه وحَّد الكل؛ لأن الكل من جنس واحد.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} : الفاء: للتوكيد، اتقوا الله: أطيعوا أوامره، وتجنبوا نواهيه، وأطيعون (فيها حثٌّ على التقوى والطاعة)؛ أي: طاعة عيسى عليه السلام أيضاً.
سورة آل عمران [3: 51]
{إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} :
{إِنَّ} : حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد، فهذا عيسى عليه السلام يثبت الربوبية والألوهية والعبودية لله سبحانه، وفي آية الزخرف (64) يزيد بكلمة: هو ربي وربكم؛ لزيادة التوكيد، والسبب في زيادة هو في آية الزخرف؛ لأن سياق الآيات في الحديث عن ألوهية عيسى عليه السلام . ارجع إلى سورة الزخرف، آية (64)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 52]
{فَلَمَّا} : الفاء: تدل على التعقيب والمباشرة. لما: ظرف للزمان الماضي بمعنى: حين.
{أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} : الحس: هو أول العلم؛ أي: علم من أول وهلة كُفر بني إسرائيل، وأحس؛ أي: علم علماً لا شبهة فيه علم إدراك؛ أي: علم يقيناً، أو بكل تأكيد.
فلما أحس عيسى كفر بني إسرائيل، واستمرارهم في الضلال عندها:
{قَالَ مَنْ أَنصَارِى} : من اسم استفهام؛ أنصار: جمع نصير فيه مبالغة وتأكيد يدل على الثبوت، وفي سياق نصرة الرسول عيسى، ونصرة الله سبحانه، وأضاف إليها ياء المتكلم؛ أي: نصر حقيقي تام وليس جزئي.
{قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} : قيل: كانوا اثني عشر رجلاً، وسموا الحواريين:
1 -
أي: الخواص الأصفياء؛ أي: أصفياء عيسى، أو خاصة عيسى، والحواريون في اللغة؛ أي: الذين أخلصوا، ونقوا من كل عيب.
2 -
أو سموا بذلك: لبيض ثيابهم.
3 -
أو لأنهم كانوا يحورون ثيابهم؛ أي: يبيضونها، ويقال لهم: القصارون بسبب ذلك.
4 -
وقيل: الحواريون المجاهدون.
5 -
والحواريون الصيادون، قيل: كانوا يصطادون السمك.
6 -
وقيل: كلمة الحواريين مأخوذة من الحور شدة بياض العين، وشدة سوادها، وهم جماعة أشرقت وجوههم بنور الإيمان.
{نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} : أي: أعوان دينه، فهم أول من آمن بعيسى عليه السلام .
{آمَنَّا بِاللَّهِ} : فقد أعلنوا إيمانهم لله أولاً بعد أن أبلغهم عيسى عليه السلام الرسالة.
{وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} : ثم جاء من بعد ذلك طلبهم الشهادة، وطلبوا من عيسى عليه السلام بأن يكون شاهداً على شهادتهم، بأنهم مسلمون؛ أي: موحِّدون ومخلصون، والشهادة ليست مجرَّد قول، بل عقيدة، وعملاً، وأحكاماً.
ولم يقولوا: نحن أنصارك إلى الله؛ لأن هذا يعني: نحن أنصارك، ومتى مُت تنتهي النصرة، وينتهي الأمر، ولذلك قالوا: نحن أنصار الله سواء كنت معنا أم لم تكن، وهكذا تكون عقيدة المسلم.
لنقارن هذه الآية من سورة آل عمران: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ، مع الآية (111) من سورة المائدة:{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ أَنْ آمِنُوا بِى وَبِرَسُولِى قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} :
لماذا قالوا في آل عمران: (بأنا مسلمون)، وفي المائدة:(بأننا مسلمون)؟ أكدوا بنون التوكيد بقولهم: بأننا.
الجواب: أولاً: آية آل عمران جاءت رداً لعيسى عليه السلام على سؤاله من أنصاري إلى الله.
أما آية المائدة: فجاءت رداً لله تعالى على أن يؤمنوا به، وبرسوله، والمخاطب هو الله سبحانه؛ لذلك جاء التأكيد بنون النسوة في كلمة بأننا، أما في آية آل عمران: فالمخاطب هو عيسى عليه السلام ، وليس الله سبحانه، ولذلك قالوا: بأنا؛ أي: أكدوا لله تعالى على إسلامهم أكثر مما أكدوا لعيسى عليه السلام .
ثانياً: آية آل عمران: جاء في آخر دعوته التي قيل: دامت ثلاث سنين قبل رفع عيسى إليه تعالى.
وآية المائدة: جاءت في سياق بدء الدعوة، وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي فهم أكدوا إسلامهم في بدء الدعوة، أما في آخر الدعوة لا يحتاج إلى توكيد، فهم مسلمون منذ زمن طويل.
ثالثاً: آية آل عمران: جاءت في سياق الدعوة إلى الانضمام إلى أنصار الله.
آية المائدة: جاءت في سياق تعداد النعم للحواريين.
سورة آل عمران [3: 53]
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} :
هذا تتمة قول الحواريين: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ} : الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، آمنا بما أنزلت على عيسى عليه السلام ؛ أي: الإنجيل، وما فيه من عقائد وتشريعات وأحكام.
{وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} : عيسى ابن مريم.
{فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} : الفاء: للتوكيد، الشاهدين لك بالوحدانية، والشاهدين على رسولك بالصدق، والشاهدين لرسلهم بأنهم بلغوا الرسالة.
سورة آل عمران [3: 54]
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} :
{وَمَكَرُوا} : من المكر، وكلمة مكر: مأخوذة من الشجر الملتف أغصانه على بعضها البعض، فلا يستطيع الإنسان أن يعرف أي ورقة من أي فرع.
فالمكر هو: تدبير خفي؛ لإيقاع الضرر بالغير، ويحتاج إلى خبرة، وحنكة، وهو علامة على الضعف؛ لأن القوي لا يمكر، ولكن يواجه الأمر. ارجع إلى الآية (46) من سورة إبراهيم؛ لمزيد من البيان.
والمكر غير الخداع، فالخداع: هو إظهار للشخص خلاف ما هو الحقيقة؛ كي يستر عنه وجه الصواب، أو الحقيقة؛ لجلب منفعة، أو دفع مضرة.
ومكروا: تعود على كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر، ومكروا ليقتلوا عيسى عليه السلام .
{وَمَكَرَ اللَّهُ} : بأن رفع الله سبحانه عيسى إلى السماء، وألقى شبه عيسى على الذي مكر بعيسى، فأخذوا الذي ألقي عليه شبه عيسى؛ فقتلوه، وصلبوه، وظنوا أنهم قتلوا وصلبوا عيسى.
{وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} : سبحانه الغني عن أن يوصف بهذا الوصف؛ فالله سبحانه لا يمكر ولا يحتاج إلى المكر، وإنما ذكر ذلك عن طريق المشاكلة في بديع اللغة، والمكر من الله: هو المجازاة؛ أي: هو أحسن المجازين؛ أي: المحاسبين للماكرين، أو أحسن المدبرين لإنقاذ أوليائه، وإهلاك أعدائه.
سورة آل عمران [3: 55]
{إِذْ} ؛ أي: اذكر إذ: ظرف زمان؛ أي: اذكر إذ قال، أو حين قال.
{قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى} : حين ينادي الأعلى الأدنى باسمه المجرد: يا عيسى (ولم يقل: يا عيسى ابن مريم) هذا النداء فيه نوع من التحبب، والقربى، وحين يكون النداء من الأدنى إلى الأعلى باسمه المجرد يعتبر غير لائق.
{إِنِّى مُتَوَفِّيكَ} : إني: للتأكيد.
متوفيك: من الوفاة، والوفاة لها معانٍ متعددة.
1 -
منها المرحلة التي تسبق الموت، وقبض الروح، الموت: كقوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11].
2 -
ومنها النوم: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا} [الزمر: 42]؛ أي: منيمك ورافعك إليِّ.
3 -
ومنها أخذ الشيء وافياً؛ أي: قبضه، أو مثل استوفى دينه؛ أي: استرد دينه وافياً؛ أي: مستردك يا عيسى ورافعك إلي وافياً تاماً من غير أن ينال منك عدوك شيئاً.
{وَرَافِعُكَ إِلَىَّ} : الرفع الصعود، أو العروج، والواو: تدل على الترتيب، فالوفاة أولاً، والرفع ثانياً، وإذا كانت لا تدل على الترتيب ربما حدث الرفع أولاً، ثم الوفاة ثانياً.
{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : مُبعدك، ومبرئك من أقوال وأفعال الذين كفروا.
{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} : اتبعوك: تشمل كل من صدق بك وبرسالتك، اتبعوا المنهج الحق.
فوق الذين كفروا: الفوقية هنا بالحجة، والبرهان، أو القوة والغلبة إلى أن يأتي يوم القيامة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (6)؛ لبيان معنى الذين كفروا.
{ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} : ثم: للتريث والتراخي، إليَّ مرجعكم يوم القيامة فأحكم بينكم في أمر عيسى عليه السلام ، أو فيما اختلفتم فيه من الأحكام في دنياكم، ومن هو على الحق، ومن هو على الباطل.
فأحكم بينكم وما هو الحكم؟
أخبر عنه في الآيتين القادمتين (56، 57).
سورة آل عمران [3: 56]
فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا (بالقتل والذل والبأساء والضراء)، والآخرة (بالنار)، وما لهم من ناصرين: جمع ناصر أقل مبالغة وتأكيد من أنصار، وجاء لنفي النصرة عن الكافرين؛ أي: ناصرين يشفعوا لهم، أو يمنعوا عنهم العذاب في الدنيا والآخرة.
قدَّم جزاء الذين كفروا على الذين آمنوا؛ لأنه سبقها الكلام عن الذين مكروا وكفروا وأخّر الذين آمنوا وذكرهم في الآية (57).
وأسند التعذيب إلى نفسه سبحانه (استعمل ضمير المتكلم) فأعذبهم؛ للدلالة على التحذير، وشدة العذاب، فهو سيعذبهم بنفسه.
سورة آل عمران [3: 57]
{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} : بعيسى وصدقوا به، وآمنوا بالله وحده، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} .
{فَيُوَفِّيهِمْ} : تتناسب مع متوفيك، واستعمل ضمير الغائب فيوفيهم {أُجُورَهُمْ}: كاملة غير منقوصة.
وفي قراءة أخرى: فنوفيهم أجورهم.
الأجر: يكون مقابل العمل، ولا يستخدم الأجر إلا في النفع (يأتي بمعنى النفع).
وفي هذه الآية لم يذكر ما أعمال هؤلاء الذين آمنوا، وإنما ذكر فقط صلاحهم وإيمانهم، ولذلك أعقبها بقوله:{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} : هنا عاد وأكد أنه سبحانه لا يحب الذين ظلموا وكفروا والذين أصبح الظلم صفة ثابتة عندهم.
سورة آل عمران [3: 58]
{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} :
{ذَلِكَ} : ذا: اسم إشارة، والكاف: للخطاب، اسم إشارة يشير إلى المذكور من أمر عيسى والحواريين.
{نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} : نتلوه عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق تلاوة جبريل عليك. ونتلوه: النون: نون الجمع أو العظمة، وتدل التلاوة على التشريف، وكذلك آية من آيات صدق نبوتك.
{مِنَ الْآيَاتِ} : آيات القرآن والدالة على صدق نبوتك ورسالتك.
{وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} : أي: القرآن، والذكر في اللغة: يعني عدم النسيان، والحفظ، ويحمل معنى الشرف؛ أي: ذي شرف، فهو كتاب الله العزيز {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42]؛ أي: محفوظاً أعظم القدر؛ فيه تذكير بما تضمن من أحكام ومواعظ وقصص وترغيب وترهيب.
الحكيم: صفة للقرآن مشتقة على وزن فعيل؛ لكثرة حِكمه، وحكيم معناها: المحكم؛ أي: هو محكم وكثير الحكمة. ارجع إلى الآية (1) من سورة هود؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 59]
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} : نزلت هذه الآية في وفد نجران حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتقول أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً من غير أب؟
فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ أي: كون عيسى خلق من غير أب، كمثل آدم خلقه من غير أب، ولا أم.
{ثُمَّ} : للتراخي والمهلة، أو تباين صفة الخلق من تراب، والخلق من أم بدون أب.
{قَالَ} : الله سبحانه وتعالى: {لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : {كُنْ} : فعل أمر، الفاعل ضمير مستتر تعود على الله، فالهاء تعود على آدم، أو عيسى. فيكون: الفاء عاطفة نسبية، يكون: فعل مضارع لم يقل فكان قال فيكون، جاء بصيغة المضارع؛ للدلالة على حكاية الحال.
استحضاراً لصورة تكونه. ارجع إلى سورة مريم، آية (35).
سورة آل عمران [3: 60]
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} :
{الْحَقُّ} : خبر مبتدأ محذوف تقدير هذا الحق من ربك، أو هو الحق من ربك.
{فَلَا} : الفاء: للتأكيد، لا: ناهية.
{تَكُنْ} : ولم يقل: فلا تكونن، أو فلا تك من الممترين.
{الْمُمْتَرِينَ} : والامتراء: هو الجدال بالباطل بعد تبيُّن الحق؛ أي: لا تجادل وفد نجران أو غيرهم بشأن عيسى بعد أن تبيَّن لك الحق من ربك.
ولنقارن آية البقرة (147)، وآية آل عمران (60)، وآية الأنعام (114)، وآية يونس (94)، (3) آيات: فلا تكونن، وآية واحدة تكن.
آية البقرة (147): {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
آية آل عمران (60): {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
آية الأنعام (114): {أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
آية يونس (94): {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} .
في آية البقرة: جاءت في سياق تحويل القبلة وما صاحب ذلك من ارتجاف شديد في قلوب المؤمنين حتى أن ضعاف الإيمان ارتدُّوا، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، فالأمر هذا يحتاج إلى توكيد، فأكد بالنون الثقيلة، فقال: فلا تكونن.
وفي آل عمران: جاءت في سياق عيسى وخلقه، وليس هناك فيه خلاف أنه خلق من غير أب، وبكلمة كن فيكون، وإرجاف كما هو الحال في تحويل القبلة، فقال: فلا تكن بدون نون.
وفي الأنعام: جاءت في سياق التكذيب بالرسل، وعدم الإيمان، فلا بد من التوكيد، فجاء فلا تكونن.
وفي يونس: جاءت لإزالة الشك مما أنزلنا إليك، فلا بد من التوكيد بالنون، وأضيف إلى ذلك اللام وقد.
سورة آل عمران [3: 61]
{فَمَنْ} : الفاء: عاطفة، من: شرطية.
{حَاجَّكَ} : من المحاجة: الحوار بالحجة؛ أي: كل طرف يأتي بما لديه من الحجج والبراهين التي تؤيد رأيه لمحاولة الوصول إلى الحق، والمحاجة تكون عادة بين حق وباطل، ولا يمكن أن تكون بين حق وحق، أو باطل وباطل.
{فِيهِ} : في شأن عيسى عليه السلام .
{مِنْ} : ابتدائية.
{مَا} : للتوكيد.
{جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} : عن طريق الوحي، ولم يؤمنوا (وفد نجران، أو غيرهم من الكافرين)، بما جاءك من العلم بأمر عيسى عليه السلام ، وأن عيسى ليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، وغيرها
…
{فَقُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم.
{تَعَالَوْا} : هلمُّوا أقبلوا.
{نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ} ؛ أي: كلا الفريقين يدعوا أعزة الأهل من الأبناء والنساء، وأنفسنا وأنفسكم.
ولماذا أعزة الأهل من الأبناء والنساء كان يكفي أنفسهم؟ لأن هؤلاء أهم الأقارب الذين يصعب أن يُضحي بهم أي إنسان، ويزرع في قلوبهم الخوف؛ لأنهم ظهرت عليهم علامات الاستكبار والغلو.
{ثُمَّ نَبْتَهِلْ} : من المباهلة: تختلف عن الدعاء؛ تعني: اجتماع فريقين من الناس يدعون على الظالم، أو الكاذب من بينهما أن تنزل عليه اللعنة، ويتضرعون ويبالغون في الدعاء (وتسمى الملاعنة)؛ لاستنزال اللعنة على الكاذب، مثل: يا رب أنزل لعنتك على الكاذب منا، أو التداعي باللعن، ويقال: بُهلة الله عليه؛ أي: لعنة الله عليه.
يقف كل طرف في موقف واحد، وكل طرف يدعو الله أن يلعن الطرف الآخر، فالله هو القوة الظاهرة التي تنهي الخلاف.
وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران إلى المباهلة، فخافوا على أنفسهم، ولم يجرؤوا على المباهلة، ورفضوا المباهلة، ولو باهلوا لهلكوا جميعاً.
سورة آل عمران [3: 62]
{إِنَّ هَذَا} : للتوكيد، هذا: الهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة يفيد القرب.
{لَهُوَ} : اللام: للتوكيد، وهو: للحصر والقصر.
{الْقَصَصُ الْحَقُّ} : مصدر قص يقص، وما يرويه الله سبحانه يسمى القصَصَ لا خيال فيه ولا كذب. ارجع إلى سورة يوسف، آية (3)؛ لمزيد من البيان.
والحق: الثابت الذي لا يتغير بأن خلق عيسى عليه السلام كخلق آدم عليه السلام ، وعيسى ليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، وأن الله رفعه إليه.
{وَمَا مِنْ} : من: الاستغراقية التي تستغرق كل إله مهما كان نوعه، فلا المسيح، ولا أمه، ولا الملائكة، ولا عزير، ولا جبريل آلهة.
{إِلَهٍ} : معبود.
{إِلَّا اللَّهُ} : إلا الله حصراً وقصراً.
{وَإِنَّ اللَّهَ} : إن: للتوكيد.
{لَهُوَ} : اللام: لزيادة التوكيد، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد.
{الْعَزِيزُ} : القوي الذي لا يُغلب ولا يُقهر، ولا يناله أحد بضر، أو سوء، عزيز المنعة والقوة.
{الْحَكِيمُ} : في تدبير خلقه، وشأنه، وتشريعه، ذو الحكمة البالغة. ارجع إلى الآية (6) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان، والآية (129) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [3: 63]
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} :
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية تفيد الشك، أو احتمال الحدوث.
{تَوَلَّوْا} : التولي: الابتعاد، وهو أشد من الإعراض؛ أي: لم يقبلوا المباهلة، ولم يقروا بالوحدانية.
{فَإِنَّ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن: للتوكيد.
{اللَّهَ عَلِيمٌ} : صيغة مبالغة من علم (كثير العلم) مطلع ومحيط، وخبير، وبصير بالمفسدين.
{بِالْمُفْسِدِينَ} : الباء: للإلصاق، المفسدين: تشمل المشركين الكافرين، والظالمين والمجرمين وغيرهم؛ لأن الشرك والكفر هو أعظم الفساد في الأرض، ولم يقل: عليم بالمعرضين؛ لأن المعرضين عن الإيمان بوحدانية الله من المفسدين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (251)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 64]
{قُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم، أو الخطاب موجَّه إلى الدعاة.
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : يا: أداة النداء للبعيد، أهل الكتاب: أي: اليهود والنصارى (والكتاب: التوراة والإنجيل)، يا أهل التوراة والإنجيل، ونداؤهم بأهل الكتاب فيه شيء من المدح مقارنة بقوله: يا أيها الذين أوتوا نصيباً من الكتاب.
{تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} : هلمُّوا وتعالوا معنا إلى كلمة سواء فيها دعوة إلى العلو والسمو للنطق بكلمة التوحيد لا إله إلا الله؛ أي: ذات عدل وإنصاف نأخذ بها، وأنتم تأخذون بها؛ أي: نتبعها جميعاً، وهي لا إله إلا الله وحده، ولا نعبد إلا الله وحده.
{أَلَّا} : أن: مصدرية تفيد التعليل، لا: النافية.
{نَعْبُدَ} : نؤمن ونطيع.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{اللَّهَ} : وحده.
{وَلَا} : الواو عاطفة، لا: النافية، وتكرار لا: يفيد زيادة التوكيد.
{نُشْرِكَ بِهِ شَيْـئًا} : به: تعود على الله سبحانه، شيئاً: جاءت بصيغة نكرة؛ أي: لا نتخذ معه من لا يستحق أن يكون رباً، وليس عنده مقومات الألوهية أو الربوبية؛ كعيسى عليه السلام ، أو أحد من خلقه، أو أيِّ وثن، أو صنم، أو شمس، أو قمر، أو ملك، أو ولي، أو أي شيء مهما كان.
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النافية.
{يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا} : يتخذ: الاتخاذ هنا تفيد، أو تستعمل في الشيء الذي لا أصل له، ولا صحة.
يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً: أي: أن نجعل أحبارنا ورهباننا أرباباً؛ أي: ننزلهم منزلة الرب، فنقبل تحريمهم، أو تحليلهم لما لم يحرمه الله، أو لما لم يحلِّله.
أرباباً: جمع رب، وهو السيد المربي المطاع فيما يأمر وينهى.
{مِنْ دُونِ اللَّهِ} : من غير الله، أو سواه، فلا نشرك بالله شيئاً، ولا نتخذ بعضنا بعضاً أرباباً، لا هذه ولا تلك، ولا كليهما معاً.
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية.
{تَوَلَّوْا} : أعرضوا، ورفضوا الكلمة، كلمة التوحيد.
{فَقُولُوا} : الفاء: رابطة لجواب الشرط.
{اشْهَدُوا} : اعلموا.
{بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} : بأنا موحِّدون مخلصون لله وحده، وبأنه لا إله إلا الله وحده.
سورة آل عمران [3: 65]
نداء آخر إلى أهل الكتاب. ارجع إلى الآية السابقة (64).
{لِمَ} : استفهامية، وفيها معنى الإنكار، والتعجب.
{تُحَاجُّونَ} : تأتون بحجج باطلة، والحجاج كل من الخصمين يحضر الدليل والبرهان للوصول إلى الحق أو الصواب.
{فِى إِبْرَاهِيمَ} : قال ابن عباس رضي الله عنهما اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران، وأحبار اليهود، فقال الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقال وفد نجران: ما كان إلا نصرانياً فنزلت هذه الآية.
وقد بيَّن الله تعالى في آية أخرى محاجَّتهم في إبراهيم أنه يهودي، أو أنه نصراني، كما جاء في سورة البقرة، آية (140):{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} .
{وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} : أي: لا يمكن أن يكون إبراهيم يهودياً، كما يدَّعي اليهود؛ لأن التوراة أنزلت من بعده، فاليهودية إذن جاءت من بعده بأزمنة طويلة، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بين إبراهيم وموسى (575 سنة)، وابن إسحاق قال:(565 سنة)، وكذلك الإنجيل أنزل بعد مجيء إبراهيم، وبالتالي فالنصرانية كذلك جاءت من بعد إبراهيم بمئات السنين، فقد كان بين موسى وعيسى (1632 سنة)، كما قال ابن عباس، وابن إسحاق قال (1925 سنة).
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب على المحآجَّة الباطلة، وألا: أداة حض، وتنبيه على التفكر والتعقل.
تعقلون: تدركون بطلان ما تقولونه في إبراهيم، أو تدركون الحقيقة من الدلائل والمعطيات بشأن إبراهيم.
سورة آل عمران [3: 66]
{هَاأَنتُمْ} : الهاء: للتنبيه، أنتم: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، والتعجب من بطلان ما يقولونه.
{هَؤُلَاءِ} : الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقريب.
{حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} : أي: أنكم أتباع موسى عليه السلام ، وأنكم على شريعته، أو أتباع التوراة، أو أنكم أتباع عيسى عليه السلام ، وأنكم على شريعته، أو ما في الإنجيل، أو حاججتم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفاته.
{فَلِمَ} : الفاء: للترتيب، والتعقيب، لم: استغراقية.
{تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} : أي: أمر إبراهيم عليه السلام .
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : في هذا توبيخ لهم على زعمهم الباطل، وتكذيبٌ لهم في أنهم يعلمون من هو إبراهيم عليه السلام .
سورة آل عمران [3: 67]
{مَا} : النافية، تنفي الحال والماضي والمستقبل، تنفي جميع الأزمنة.
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا} : في الماضي، ولا في الحال، ولا في المستقبل.
{وَلَا} : تفيد التوكيد.
{نَصْرَانِيًّا} : ما كان نصرانياً في الماضي، والحال، والمستقبل.
{وَلَكِنْ} : استدراك وتوكيد.
{كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا} : ارجع إلى الآية (135) من سورة البقرة.
{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} : تكرار وما كان: يفيد التوكيد، من المشركين: أي: من قريش الذين قد يدّعون أنهم على ملة إبراهيم. إذاً إبراهيم عليه السلام ما كان من اليهود، وما كان من النصارى، وما كان من المشركين (قريش).
ولنقارن هذه الآية مع آية سورة النحل: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} :
لم يك من المشركين: يك، ولم يقل: يكن، يك: تعني: ولو شيئاً قليلاً، والشيء هو أقل من القليل؛ أي: لم يك البتة مشركاً، وهذا ينفي الشرك عن إبراهيم نفياً تاماً، وتنفي عنه كل أنواع الشرك ومقداره.
{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} : تنفي الزمان في الحال، أو الماضي، فنفى عنه الشرك نفياً تاماً مهما كان صغره ونوعه، وفي كل الأزمنة والأحوال.
سورة آل عمران [3: 68]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} : أي: أحق وأقرب الناس، أولى من الولي، أو القريب. بإبراهيم: الباء: للإلصاق؛ أي: التمسك به.
{لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} : أي: اتبعوه في زمانه، وعلى التوحيد، ولم يقل نسله، أو ذريته، بل الذين اتبعوه؛ أي: آمنوا به، وصدقوه، وعلى التوحيد، واللام في للذين: تدل على الاختصاص، فلا ولاية لإبراهيم بمن جاء من ذريته، أو نسله ممن حرفوا ملته.
{وَهَذَا النَّبِىُّ} : هذا: اسم إشارة للقرب، والتعظيم، والهاء: للتنبيه.
فهو أقرب الناس لإبراهيم فهو من ذريته، وعلى ملة، أو شريعة إبراهيم؛ لأنه يطبق منهجه.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا} : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أولى باتباع إبراهيم عليه السلام من غيره.
{وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ} : أي: متولي المؤمنين؛ أي: مدبر أمورهم، ومعينهم، وقريبهم، وناصرهم، ومصلح شؤونهم.
سورة آل عمران [3: 69]
سبب النزول: نزلت هذه الآية في معاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان حين دعاهم اليهود للرجوع عن دينهم الإسلام.
{وَدَّتْ} : من الود، وهو التمني، وحب القلب لشيء ما، وما يتبعه من الود، فالمحبة تسبق المودة، فكل مودة محبة، وليس كل محبة مودة.
{طَّائِفَةٌ} : جماعة، وهم الأحبار والرؤساء، طائفة: مشتقة من طاف يطوف، جماعة تطوف حول عقيدة، أو فكرة ما.
{مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : من اليهود والنصارى (أهل التوراة والإنجيل).
{لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} : لو: حرف مصدري يفيد التمني، يوقعونكم في الضلال؛ أي: بالرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر، والشرك، وجاء بنون التوكيد بدلاً من لو يضلوكم فقال: لو يضلونكم.
{وَمَا يُضِلُّونَ} : الواو: حالية تفيد التوكيد. ما: نافية للحال والمستقبل؛ يضلون: من الضلال: وهو الضياع والنسيان والهلاك والعدول عن الحق والطريق المستقيم، وجاء بالمضارع للدلالة على بشاعة ما يودون، ويسمى ذلك (حكاية الحال)، وتدل على التجدد، والتكرار، والاستمرار في تمني ردِّكم إلى الكفر.
{إِلَّا} : حصر.
{أَنفُسَهُمْ} : لأن إثم إضلالهم على أنفسهم؛ لأن المؤمنين لن يطيعوهم.
{وَمَا يَشْعُرُونَ} : الشعور: هو العلم الكامل الخفي، وما: ما: لزيادة، أو تأكيد النفي، يشعرون: أن وبال إثمهم وإضلالهم عائد عليهم.
ولماذا ودَّت هذه الطائفة لو يضلون المؤمنين؟
كما بيَّن ذلك سبحانه في آية (109) من سورة البقرة: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} .
سورة آل عمران [3: 70]
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} :
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : ارجع إلى الآية (65).
{لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} : لم: اللام: حرف، ما: استفهامية، استفهام إنكاري.
تكفرون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على دوام كفرهم وجحدهم، وعدم إيمانهم وتصديقهم بآيات التوراة والإنجيل.
تكفرون: من الكفر، والكفر هنا يعني: الستر، والإخفاء، والإعراض، والتكذيب.
{بِآيَاتِ اللَّهِ} : الباء: للإلصاق، آيات الله: الدالة على صدق نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، والمشتملة على صفاته، أو لا تؤمنون بآيات الله تعالى عامة.
{وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} : أنتم: ضمير فصل يفيد التوكيد، تشهدون: محمد صلى الله عليه وسلم بأعينكم، وترون صفاته ومعجزاته، ثم تنكرونها، أو ترون آيات الله تعالى بأعينكم.
سورة آل عمران [3: 71]
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : تكرار النداء؛ لإيقاظهم من سباتهم، وتوبيخهم لما يقومون من الكفر والستر لآيات الله الدالة على صدق نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم.
{لِمَ} : استفهام استنكاري.
{تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} : من اللبس، وهو الخلط، يقال: لبس عليه الأمر؛ أي: اختلط عليه حتى لا يعرف صحته من باطله، واشتقت من اللبس إدخال شيء في شيء.
تلبسون الحق (نعت النبي وصفاته) بالباطل (بالتحريف والتزوير في التوراة والإنجيل).
{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} : (وهو نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته، والكتمان: هو السكوت عن ذكر خبر، أو أمر ما، والكتمان: يختص بالأسرار والأخبار، وهو حالة من حالات الخفاء.
{وَأَنتُمْ} : ضمير فصل يفيد التوكيد.
{تَعْلَمُونَ} : أنه الحق من عند الله.
سورة آل عمران [3: 72]
{وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : ارجع إلى الآية (69).
{وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : من أحبارهم ورؤسائهم، قالت لأتباعهم من اليهود والنصارى: أظهروا إسلامكم وإيمانكم بما أنزل على المسلمين {وَجْهَ النَّهَارِ} : أول النهار؛ أي: ساعات الصباح، واكفروا آخره، أي: في ساعات المساء.
{وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} : قد تعني: ارتدوا عن الإسلام، أو قولوا: قرأنا الكتب السماوية وشاورنا علماءنا، فوجدنا أن محمداً ليس هو النبيَّ المبعوث، وظهر لنا كذبُه، أو صلّوا إلى قبلة الذين (آمنوا) أول النهار، واكفروا بقبلتهم آخر النهار لعلهم يرجعون عن قبلتهم.
{لَعَلَّهُمْ} : لعل: للتعليل.
أو أدخلوا الشكَّ والريبة في قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
{يَرْجِعُونَ} : لعلهم يرتدون عن دينهم، ويرجعون عنه.
سورة آل عمران [3: 73]
{وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} : تتمة للآية (72) السابقة، وقالت الطائفة نفسها: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون، وهذه الآية تحمل عدة تفسيرات:
1 -
الاحتمال الأول: هو أن نعتبر جملة قل: إن الهدى هدى الله جملة اعتراضية، وما تبقى من الآية هو قول أهل الكتاب.
2 -
الاحتمال الثاني: أن يعتبر أن كلام أهل الكتاب قد انتهى بقوله: ولا تؤمنوا إلا لمن يتبع دينكم قل: إن الهدى جملة جديدة، وما بعدها تتمة لقوله: إن الهدى هدى الله.
التفسير على ضوء الاحتمال الأول:
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: الناهية.
{تُؤْمِنُوا} : أي: لا تصدقوا، أو تتولوا من الموالاة، وتثقوا بأحدٍ إذا لم يكن يهودياً، أو نصرانياً.
{إِلَّا} : أداة حصر؛ أي: لا تؤمنوا حصراً وقصراً إلا.
{لِمَنْ} : اللام: للتوكيد، من: ابتدائية.
{تَبِعَ دِينَكُمْ} : ملتكم، وشريعتكم.
{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} : جملة اعتراضية كما قلنا سابقاً جاءت في منتصف كلام أهل الكتاب.
إن: للتوكيد، قل: لا ينفع مكركم، وما تبيتونه؛ لأن الهدى هدى الله، الهدى: المراد به الدين؛ أي: الإسلام، هدى الله: دين الله، الهدى الموصل إلى الغاية وهي رضوان الله وحده، وهو الهدى الكامل التام، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (120) في سورة البقرة وهي قوله تعالى:{قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} المراد بهدى الله في هذه الآية: تحويل القبلة.
{أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} : أي: لا تقرُّوا لأحدٍ من أتباع محمد أنهم قد أوتوا من العلم شيئاً، مثل ما أوتيتم، أو لا تخبروا بأنهم على الحق، أو أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، أو لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، أو يتخذوه حُجَّة ضدكم، واحجبوا أسراركم عن المؤمنين.
والخلاصة: لا تؤمنوا لأتباع محمد من المسلمين، ولا تطلعوهم على ما عندكم من العلم، إلا إذا ارتدوا وتبعوا دينكم.
ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من العلم، والآيات والنعيم، ولا تصدقوا أن يجادلوكم يوم القيامة عند ربكم؛ لأنكم أصح ديناً منهم، قل إن دين الإسلام هو دين الله.
التفسير على ضوء الاحتمال الثاني وهو:
أن قول الطائفة قد تم عند قولهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. وانتهى كلامهم.
وما بعده هو قول الله سبحانه؛ أي: قل: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، المخاطب هنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
{أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} : أن: تفسيرية، أو نافية؛ (أي: لم يؤتَ أحدٌ مثلما أوتيتم)؛ أي: أعطيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الدِّين والقرآن والحجة ما لم يُعطَ أحدٌ من الناس، ولا تصدقوا أن أهل الكتاب، أو غيرهم سيحاجونكم عند ربكم؛ لأنهم لا حجة لهم.
{قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} :
{قُلْ} : يا محمد.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الْفَضْلَ} : هو القرآن (الكتاب)، كما قال تعالى في سورة فاطر، آية (32):{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} .
{بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} : من عباده.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ} : ارجع إلى الآية (268) من سورة البقرة.
{عَلِيمٌ} : بمن يستحق الفضل، ومن لا يستحقه.
سورة آل عمران [3: 74]
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} :
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} : يعطي فقط الرحمة: النبوَّة، رداً على اليهود الذين زعموا أن النبوَّة لا تكون إلا فيهم.
{مَنْ يَشَاءُ} : من عباده.
{وَاللَّهُ ذُو} : صاحب، وذو: أشرف وأبلغ من صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (87)، أو غافر آية (2)؛ للبيان.
{الْفَضْلِ} : الزيادة عن الأجر والثواب.
{الْعَظِيمِ} : كماً وكيفاً.
سورة آل عمران [3: 75]
{وَمِنْ} : الواو: استئنافية، من: ابتدائية.
{أَهْلِ الْكِتَابِ} : اليهود والنصارى.
تشير هذه الآية على العدل الإلهي أن يخبرنا أن بعض أهل الكتاب ذوو أمانة، فلو أمنته على قنطار من الذهب (والقنطار=100رطل) والرطل يعادل (2، 5كغ) يؤده إليك، واستعمل القنطار للمبالغة.
{مَنْ إِنْ} : من: اسم موصول، إن: شرطية.
{بِقِنطَارٍ} الباء: للإلصاق، أو تعني: على، ولكن لماذا استعمل الباء بدلاً من (على)؛ لأن الأمانة في هذه الآية هي الوديعة (المال) أو الأمانة بالمعاملة وأنت غير متمكن من الذي تأمنه هل يرد الأمانة أم لا بقوله تعالى على لسان يعقوب {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ} [يوسف: 64] على تدل على التمكن.
{وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} : واحد لا يؤده إليك، وهذه تدل على قلة أمانتهم.
{لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} : لا: النافية، يؤده إليك: لا يرجعه إليك، إلا: أداة حصر، ما دمت عليه قائماً، أي: تلح في طلب الدينار، وتكون دائم السؤال عنه، أو مطالباً له ليلاً ونهاراً، فالقيام عليه تعني المطالبة به، والقاعد عنه تعني: غير المطالب به.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّنَ سَبِيلٌ} : ذلك: اسم إشارة للبعد، ويشير إلى ترك الأداء الذي دل عليه لم يؤده؛ أي: تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم، ليس علينا في الأميين سبيل: الأميين؛ أي: العرب (وتعني: المؤمنين)، والتسمية مشتقة من الأم، والأمي من لا يكتب، والأميين: من لا كتاب لهم. سبيل؛ أي: إثم أو حرج، أو مؤاخذة، أو تبعة.
أي: قالوا ليس علينا إثم إذا أكلنا أموال الأميين العرب؛ لأنهم كانوا أنفسهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه، ولأن الأميين ليسوا على دينهم، والخلق عبيد لهم؛ مما يدل على تعصبهم الدِّيني، وأنهم استحلوا أموال الناس ظلماً وباطلاً.
{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : بادعائهم الباطل ليس علينا في الأميين سبيل قد جاء في كتابهم فهم بذلك يفترون على الله الكذب، وهم: ضمير فصل تفيد التوكيد (أنفسهم)، يعلمون: أنهم كاذبون، ويعلمون أن الخيانة محرَّمة في شرع الله.
سورة آل عمران [3: 76]
{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} :
{بَلَى} : أي: عليهم إثم وذنب وتبعة في أكل أموال الأميين.
{مَنْ} : ابتدائية شرطية.
{أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} : التزم بالوفاء بعهده، واتقى الله في ترك الخيانة، وأطاع الله.
{فَإِنَّ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن: للتوكيد.
{اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} : الذين يوفون بعهد الله، ويؤدون الأمانات إلى أهلها، ويطيعون الله ورسوله.
سورة آل عمران [3: 77]
روى الشيخان وغيرهما: أن الأشعث قال: «كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدَّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ألك بينة؟» قلت: لا، فقال لليهودي:«احلف» ، فقلت: يا رسول الله! إذن يحلف، فيذهب مالي، فأنزل الله:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} ».
وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلاً أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله، لقد أعطي بها ما لم يعطه؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أن الآية نزلت في حُيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف، وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة وبدلوه، وحلفوا أنه من عند الله، وقيل: نزلت في أبي رافع ولبابة بنت أبي الحُقيق، وحيي بن أخطب: حرَّفوا التوراة، وبدَّلوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا الرشوة على ذلك.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} : العهد هنا: هو العهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب بأنهم إن أدركوا بعثة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنوا به ويصدقوه ويتبعوه، وهو العهد الذي جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران، آية (81):{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .
فعندما جاءهم ما عرفوا كفروا به أنكروا ما عاهدوا عليه من الإيمان، والتصديق بمحمد، وأتباعه مقابل الثمن والمال الذي أخذوه كرشوة.
أيمانهم: جمع يمين؛ أي: أيمانهم الكاذبة بالله، جعلوا الأيمان الكاذبة مقابل الثمن الذي وُعدوه.
{ثَمَنًا قَلِيلًا} : ووصف الثمن بالقليل؛ حتى ولو كان ثمناً كبيراً وعظيماً؛ لأنه مهما كان الثمن (كثيراً عظيماً) فهو قليل، أو سماه قليلاً؛ لأن من يشتري بآيات الله، أو عهد الله المال فهو قد باع آخرته بدنياه، فأي ثمن يقبضه سيكون قليلاً مهما كانت صفته.
وكلمة (ثمناً) وردت في القرآن في (10) آيات في تسع آيات منها ترافقت كلمة (ثمناً) بكلمة (قليلاً)، إلا آية (106) من سورة المائدة جاءت كلمة (ثمناً) بدون ذكر (قليلاً)، ووردت بثمن بخس في الآية (20) من سورة يوسف فقال تعالى:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} .
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، إشارة إلى الذين يشترون بعهد الله.
{لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ} : لا نصيب لهم في الآخرة، ولا حظ لهم من نعيم الآخرة، أو خيرها. ارجع إلى سورة البقرة، آية (102)؛ لمزيد من البيان.
{وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} : لغضبه عليهم، لا يسمح لهم بالتكلم، أو الاعتذار، لا يؤذن لهم.
{وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} : استهانة بهم، والسخط عليهم؛ أي: ولا يهتم بهم، ويهملهم.
{وَلَا يُزَكِّيهِمْ} : لا يطهرهم من ذنوبهم، والتزكية الثناء، أو النماء والثناء.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : اللام: لام الاستحقاق، عذاب شديد الإيلام ودائم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (174) في سورة البقرة وهي قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : نجد أن الذنب في آية البقرة وهو الكتمان، وإضلال الغير: هو أشد من الذنب في آية آل عمران وهو: يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، ولذلك كان العقاب أشد في آية البقرة ما يأكلون في بطونهم إلا النار مقارنة بلا خلاف لهم؛ أي: لاحظ ولا نصيب لهم يوم القيامة.
سورة آل عمران [3: 78]
{وَإِنَّ} : الواو: استئنافية، إن: حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد.
{مِنْهُمْ} : جار ومجرور، وتقديم الجار والمجرور؛ للاختصاص والحصر، منهم:(من اليهود).
{لَفَرِيقًا} : اللام: لام الاختصاص. فريقاً: الفريق هم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وغيرهم.
{يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ} : اللّي: هو الفتل؛ أي: يفتلون ألسنتهم يميلون ألسنتهم عن القراءة الصحيحة المنزلة إلى القراءة المحرفة والمبدلة بالزيادة في كلام الله، أو النقص، أو تغيير المعنى، أو قراءته بنغمة توهم الناس أنه من التوراة.
ومن الأمثلة على تحريفهم قولهم إذا سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: السام عليكم بدلاً من السلام عليكم، والسام: هو الموت، وكلمة راعنا من الرعونة والحماقة، وقولوا: حطة.
{لِتَحْسَبُوهُ} : اللام: لام التعليل، والهاء في تحسبوه تعود على الكلام المحرف.
تحسبوه: من حسب؛ أي: ظن الظن الراجح القائم على حساب قلبي، وتجربة، وحساب.
{مِنَ الْكِتَابِ} : تظنوه ظناً مرجحاً: كبيراً أنه من التوراة؛ للتدليس والتلبيس.
{وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} : الواو: عاطفة، ما: نافية، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد، من الكتاب: من التوراة.
{وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} : ويقولون: ولم يقل: وقالوا، بل جاء بالفعل المضارع بدلاً من الماضي؛ لنقل صورة كذبهم إلى الحال الزمن الحاضر؛ للدلالة على بشاعة ما قالوه، وهذا يسمى حكاية الحال، وليدل على استمرارهم في قولهم وتحريفهم. وتكرار كلمة الكتاب ومن عند الله للتوكيد لكي يصدقهم الناس أن ما يفترون من الكذب أنه من الكتاب (التوراة) وهو من عند الله وإنما هو تحريف وباطل.
هو: ضمير منفصل يفيد التوكيد والحصر، من عند الله: فهم لا يكتفون بالليِّ وفتل ألسنتهم، بل يزعمون كذباً أنه من الله، وأنه مكتوب في التوراة، ويدل ذلك على جرأتهم على الله، وعدم خوفهم من الجبار القهار.
{وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} : يرد الله سبحانه بنفسه عليهم، وما هو من عند الله؛ لأنه سبحانه يعلم ما أنزل في التوراة.
{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} : يقولون: هو من عند الله أولاً، ويقولون على الله الكذب ثانياً بالتحريف، والتزوير، ويحاولون تأكيد كذبهم.
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : أنه كذب وافتراء وليس من عند الله.
سورة آل عمران [3: 79]
{مَا} : النافية؛ لنفي الحال خاصة وقد تنفي المستقبل والماضي، وأقوى أو آكد من ليس في النفي، والنفي بـ (لم) أقوى وآكد من النفي بـ (ما).
{كَانَ} : في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أي: كان ينبغي، أو يحق، أو يستقيم لبشر.
{لِبَشَرٍ} : اللام: لام الاختصاص، لبشر: أي: من نبي، ولا رسول. والبشر: مشتقة من البشارة، ومن معانيها: حسن الهيئة، يقال: رجل بشير، وبشر؛ أي: حسن الهيئة، ولفظ البشر يعني: الظهور، وسموا بشراً؛ لظهورهم على وجه الأرض بعكس الجن، وظهور شأنهم، وعبر عن الإنسان بالبشر؛ بسبب الطبقة الظاهرة من الجلد، والتي تسمى البشرة، وهي غير مغطاة بالشعر، وخاصة بالإنسان.
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التوكيد.
{يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} : أي: ينزل عليه الكتاب، تشمل الكتب السماوية والصحف وغيرها. يؤتيه: من الإيتاء لمعرفة معنى الإيتاء ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة.
الكتاب: اسم جنس (القرآن، التوراة، الإنجيل، أو الزبور). ارجع إلى الآية (3) من سورة آل عمران.
{وَالْحُكْمَ} : الفقه، والعلم في الدِّين (الشريعة)، ومعرفة الأحكام، والفتاوى.
{وَالنُّبُوَّةَ} : الرسالة.
{ثُمَّ يَقُولَ} : ثم: تفيد الترتيب الذِّكري، وليس التراخي في الزمن.
يقولَ، ولم يقل: يقولُ، ما هو الفرق؟
يقولَ: بالنصب يدل على الاستقبال.
يقولُ: بالضم يدل على الحال الماضي.
{لِلنَّاسِ} : اللام: لام الاختصاص. الناس: ارجع إلى الآية (8) من سورة البقرة؛ للبيان.
{كُونُوا عِبَادًا لِّى مِنْ دُونِ اللَّهِ} : أي: اتخذوني إلهاً أو رباً. من دون الله: أي: من غير الله. لي: اللام: للاختصاص، والياء: ياء المتكلم.
{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} : ولكن: حرف استدراك وتوكيد؛ أي: فلا يقول للناس: كونوا عباداً لي من دون الله، ولكن يقول للناس: كونوا ربانيين.
{كُونُوا رَبَّانِيِّنَ} : بدلاً من القول كونوا عباداً لله كونوا ربانيين جمع رباني منسوب إلى الرب ليكون المعنى أشد إخلاصاً للرب، ورباني، وهو العالم الفقيه بالدِّين، المتصف بالعبادة، والطاعة، والحكمة، والحلم، والعمل الصالح وغيرها، ورباني: مشتقة من مرب: وهو الذي يُعلّم الناس أمور دينهم، ويعلمهم الخير، والصلاح، فيصبح كالمربي.
وكلمة رباني: فيها نسب؛ أي: منسوب إلى الرب؛ لكثرة عبادته، ووسع علمه، وفقهه في الدِّين، فالرباني: هو المتمسك بطاعة الله تعالى عن علم ودراسة، وعظيم الخُلق، ومربي للناس.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما: مصدرية.
{كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} : تعلمون الناس أمور دينهم وتعلمونهم الكتاب المنزل عليهم، وتكونون قدوة لهم في الطاعة والاستقامة، والعمل الصالح.
{وَبِمَا} : وتكرار بما تفيد التوكيد، وفصل كل من الأمرين على حدة تعليم الناس (لفائدة الناس) تدرسون (لتعليم أنفسكم).
{تَدْرُسُونَ} : تدبرون، وتقرؤون، وتفهمون الكتاب ومعانيه، وتدرسون الأحكام، والفقه، وتعليم الكتاب للناس، ودراسته توجب الطاعة التامة، والقدوة الحسنة؛ كي تنالوا درجة الربانية.
وهذه الآية تشير إلى أهمية تعلم كتاب الله ودراسته، ودراسة الفقه والشريعة والعمل بها، وأنه لا بد من تعليم الناس أمور دينهم، ونشر الدِّين والدعوة إلى الله؛ للتقرب منه سبحانه وتعالى.
سورة آل عمران [3: 80]
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النافية، جاءت بعد ما (ما كان لبشر.... ولا
…
)؛ لزيادة النفي وتوكيده.
{يَأْمُرَكُمْ} : بالنصب عطفاً على يقولَ.
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التوكيد.
{تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّنَ أَرْبَابًا} : تجعلوا الملائكة، ولا الرسل والأنبياء. أرباباً: جمع رب بمعنى الرازق، والخالق، والمدبر.
كما حدث في أمر قريش حين عبدوا الملائكة واليهود، والنصارى حيث اتخذوا عزيراً، والمسيح أرباباً من دون الله.
{أَيَأْمُرُكُم} : الهمزة همزة استفهام إنكاري وفيه معنى التعجب.
{بِالْكُفْرِ} : الباء: للإلصاق، بالشرك بالله، أو الردة عن الإسلام إلى الكفر.
{بَعْدَ} : ظرف زمان.
{إِذْ} : ظرف زماني.
{أَنْتُمْ} : ضمير منفصل يفيد التوكيد والحصر.
{مُّسْلِمُونَ} : مخلصون لله موحِّدون له.
وهذا تبرئة لعيسى عليه السلام وعزير، ولغيره من الأنبياء والرسل والملائكة؛ أي: من المستحيل أن يبعث الله سبحانه نبياً ولا رسولاً، ثم يدعو هذا النبي أو الرسول الناس إلى عبادة أحدٍ إلا الله.
سورة آل عمران [3: 81]
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ} : أي: واذكر إذ، أو حين أخذ الله ميثاق جميع الأنبياء والرسل.
والميثاق: هو العهد المؤكد باليمين. ارجع إلى الآية (83) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
والميثاق هنا: أن يصدق بعضهم بعضاً، ويؤمن كل نبي بمن يأتي بعده، أو من يعاصره من الأنبياء، ومن أتى قبله، وينصره إن أدركه؛ فإن لم يدركه يأمر قومه بنصرة ذلك النبي، أو الرسول إن أدركوه، واكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم؛ لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع.
{لَمَا} : اللام: لام الاختصاص، أو التعليل؛ أي: لأجل ما آتيتكم. ما: إما شرطية، أو موصول بمعنى: الذي، آتيتكم، أو الذي آتيتكموه.
{آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ} : كتاب: نكرة تشمل الكتب السماوية والصحف، والإيتاء غير الإعطاء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (251)؛ للبيان.
{وَحِكْمَةٍ} : أي: النبوَّة.
{ثُمَّ} : تفيد الترتيب، والتراخي في الزمن.
{جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} : هو محمد صلى الله عليه وسلم، أو غيره من الرسل السابقين مرسل من عند الله.
{لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} : اللام والنون في تؤمننَّ: للتوكيد، به: أي: لتصدقنَّه.
{وَلَتَنصُرُنَّهُ} : اللام والنون: للتوكيد بالقول والفعل، ومعونته بشتى الوسائل.
{قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ} : الهمزة للاستفهام، والإقرار (استفهام تقريري)، مأخوذة من قر الشيء؛ إذ ثبت في مكانه. أقررتم: أي: اعترفتم (كل اعتراف إقرار)، ونقيض الإقرار الإنكار. انظر في كلمة أقررنا.
{وَأَخَذْتُمْ} : أي: قبلتم.
{عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى} : الإصر: هو العهد الشديد أو الميثاق، وكذلك التكاليف الشاقة تسمى إصراً.
واشتقت كلمة الإصار: وهي الأوتاد التي يشد بها البيت، والعهد الموثق إصر؛ لأنه يُشد ويُعقد، وهو إذا أرسل الله سبحانه رسولاً أن يصدقوه وينصروه، والعهد المؤكد يحمل صاحبه على الوفاء بما التزمه.
واستعمل ذلكم بدلاً من ذلك؛ لأن ذلكم تستعمل لما هو آكد وأشد من ذلك، وللأمور المتعددة مثل: الإقرار والأخذ.
وقال سبحانه: إصري؛ أي: عهدي، نسب العهد إليه سبحانه؛ للدلالة على شدة أهميته.
{قَالُوا أَقْرَرْنَا} : من الإقرار عادة وهو التكلم بالحق، والاعتراف اللازم على النفس، مع توطين النفس على الانقياد والإذعان، وقد يقر إنسان بالباطل.
والإقرار: قد يكون باللسان، أو بغيره من القرائن، وهو سيد الأدلة.
الإقرار: اعتراف، كل اعتراف إقرار، وليس كل إقرار اعترافاً.
فالاعتراف: هو التكلم بالإقرار. وقيل: الإقرار: هو تحصيل ما لم يصرح به القول، والإقرار كان من الرسل والأنبياء وأممهم؛ لما جاءهم من كتاب وحكمة ورسول.
{قَالَ فَاشْهَدُوا} : أي: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار. فالشهادة دائماً تقتضي شاهداً، ومشهوداً عليه، ومشهوداً به.
بأن يشهد كل نبي على الأنبياء الآخرين أنه صدق النبي الذي جاء من بعده، أو عاصره، ونصره، وبلغ أمته ونصره وأيده، وتشهد كل أمة على رسولها، ويشهد أولوا العلم من الأمة الإسلامية على غيرها.
{وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} : تعود على العزيز الحكيم على إقراركم وشهادة بعضكم على بعض من الشاهدين.
سورة آل عمران [3: 82]
{فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} :
{فَمَنْ} : الفاء: للترتيب والتعقيب. من: شرطية تستعمل للمفرد، والمثنى، والجمع.
{تَوَلَّى} : أعرض، أو رجع عما أقره واعترف به، أو نقض عهده.
{بَعْدَ ذَلِكَ} : أخذ الميثاق، والإقرار، والشهادة. ذلك: اسم إشارة للبعد يشير إلى الميثاق والإقرار.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، أولئك: اسم إشارة يفيد البعد.
{هُمُ الْفَاسِقُونَ} : هم: ضمير منفصل يفيد المبالغة والقصر. الفاسقون: أي: إذا كان هناك فاسقون فهم الفاسقون حقاً.
والفاسق: هو الخارج عن طاعة الله، أو دينه، والتولي عن طاعة الله هو فسق، والتولي والفسق مستحيل في حق الأنبياء والرسل، والمقصود بالفاسقين هنا: هم أتباع الرسل والأنبياء من الأمم. ارجع إلى سورة البقرة آية (26) لمزيد من البيان في معنى فاسقين.
سورة آل عمران [3: 83]
انتهت الآية السابقة بقوله: فأولئك هم الفاسقون، وبدأت هذه الآية: أفغير دين الله يبغون.
{أَفَغَيْرَ} : الهمزة: للاستفهام، والتوبيخ، والإنكار.
{دِينِ اللَّهِ} : دين الإسلام. ارجع إلى سورة البقرة، آية (132)؛ لمعرفة معنى الدِّين، والملة.
{يَبْغُونَ} : يريدون، ويطلبون، وقدم هنا المفعول به الذي هو غير دين الله على الفعل يبغون؛ لشدة الإنكار على عبادة غير الله؛ (أي: غير دين الله)، وجاءت النون في كلمة يبغون؛ لتوكيد شدة الإنكار.
وقيل سبب نزول هذه الآية كما قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين: اليهود، والنصارى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أينا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبي: «كلا الفريقين بريء من دينه» ، فقالوا: ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك؛ فنزلت هذه الآية.
{وَلَهُ أَسْلَمَ} : وله تعالى أسلم له خضع وانقاد سواءً.
{مَنْ} : للعاقل. أهل السموات والأرض (الملائكة، والإنس، والجن).
{فِى} : ظرفية زمانية ومكانية.
{السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : الملائكة في السموات، وكل المخلوقات.
{طَوْعًا} : اختياراً، والطوع: الانقياد بسهولة.
{وَكَرْهًا} : أي: بالقهر، والقوة لا بالإرادة والاختيار، فالكل تحت سلطانه سبحانه. ارجع إلى سورة البقرة لمزيد من البيان في معنى كرهاً، والفرق بين كَرهاً: بفتح الكاف، وكُرهاً: بضم الكاف.
{وَإِلَيْهِ} : تقديم الجار والمجرور إليه تفيد الحصر إليه حصراً، لا إلى غيره.
{يُرْجَعُونَ} : بضم الراء بدون اختيار أو إرادة، الكل يرجع إليه سبحانه الطائع، والكاره للحساب والجزاء رغماً عن أنوفهم؛ أما يَرجعون: بفتح الياء تدل على الرجوع بالإرادة والاختيار.
سورة آل عمران [3: 84]
المناسبة: ذكر في الآيات السابقة أخذ الله الميثاق من النبيين على أن ينصر بعضهم بعضاً، ويؤمن بعضهم ببعض؛ أي: يصدقوا بعضهم بعضاً، سواء عاشوا في زمن واحد، أو أزمنة مختلفة، على كل رسول أن يبلغ أمته أن يؤمنوا بكل الرسل، وعدم التعصب؛ لأن العقيدة واحدة، ولكن هؤلاء الأتباع هم الذين ضلوا الطريق، فجعلوا رسلهم آلهة تُعبد، وأشركوا، وحرفوا كتبهم، ورفضوا الإيمان بغير رسلهم؛ فظهر الاختلاف بين الرسل وأممهم؛ أي: أتباعهم، والكل يدعي الصلاح، وأنه على الدِّين القيم، وغيره على الباطل.
فجاءت هذه الآية؛ لتوضح لنا الحل لإزالة الاختلاف.
{قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ} : كلمة قل هي خطاب للنبي وحده صلى الله عليه وسلم بدل من قولوا آمنا كما في الآية (136) في سورة البقرة، وجاءت آمنا بدلاً من آمنت؛ لتدلنا وتوضِّح لنا أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم وأمته شيءٌ واحدٌ؛ أي: وحدة إيمانية واحدة، سواء تخاطب رسولها، أو تخاطبها، فرسولها واحدٌ من أفرادها، وتحمل في طياتها أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم طائعة لرسولها.
فإذا جاء الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فالتنفيذ يكون من جميع أفراد هذه الأمة، كما قال تعالى في سورة البقرة، آية (285):{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} .
{وَمَا أُنْزِلَ} : أنزل، ولم يقل ما نزل؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (4) للبيان؛ أنزل علينا، وفي آيات أخرى: أنزل إلينا.
فالإنزال يأتي مرة متعدِّياً بـ (على)، ومرة أخرى متعدِّياً بـ (إلى).
{عَلَيْنَا} : وما: اسم موصول، وتعني الذي، علينا: على الرسول، وعلى أمته معاً، والذي أنزل على الرسول هو الذي أنزل على أمته.
استعمال على يفيد العلو والسمو والتشريف، فحين يقصد الإنزال وجهته يأتي بعلى، وحين يقصد الغاية، أو النهاية، أو يقصد التبليغ والدعوة يأتي بإلى؛ أي: إلينا: تفيد الانتهاء، وعلينا: تفيد الجهة، ومختصة بالأنبياء والرسل. ارجع إلى الآية (4) من سورة البقرة للبيان.
{وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} : وما أنزل على إبراهيم من الصحف، وعلى إسماعيل، وإسحاق من الوحي، والأسباط: المرجح هم من أحفاد أو ذرية يعقوب عليه السلام ، وليسوا أولاده (أخوة يوسف) كما ظن الكثير؛ لأن أبناء يعقوب عليه السلام لم يكونوا أنبياء إلا يوسف عليه السلام ، والسبط يعني: القبيلة أو الجماعة الذي يرجعون إلى أب واحد، أو أحفاد الرجل (ابن البنت).
{وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} : وهنا نلاحظ عطف العام على الخاص، وصدقنا بما أوتي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أوتي سائر الرسل والأنبياء من ربهم من الآيات والمعجزات، لا نفرق بين أحد منهم؛ أي: لا نؤمن ببعض الرسل والأنبياء، ونكفر ببعض، بل نؤمن بالكل، ونحن له مسلمون؛ أي: مخلصون في التوحيد، والعبادة، والطاعة. ارجع إلى سورة البقرة آية (251) لبيان معنى الإيتاء، والفرق بين الإيتاء والعطاء.
سورة آل عمران [3: 85]
{وَمَنْ} : شرطية، مَنْ: للمفرد، والمثنى، والجمع.
{يَبْتَغِ} : يُرد، أو يطلب {غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}: فلن: الفاء: للتأكيد، ولن: للنفي، وهي أقوى أدوات النفي؛ لنفي المستقبل القريب والبعيد معاً. غير الإسلام: الإسلام دين الله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ، وليس هناك دين آخر غير الإسلام، وإنما هناك شرائع، أو ديانات، والإسلام دين التوحيد، (وهو ملة إبراهيم حنيفاً)، وأي شريعة لا تنادي بالتوحيد؛ فلن تقبل من العبد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (132)؛ لمزيد من البيان.
{وَهُوَ} : ضمير فصل يفيد التوكيد والحصر.
{فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} : الخاسرين لأنفسهم، أو أنفسهم وأهليهم.
سورة آل عمران [3: 86]
سبب النزول:
1 -
قيل: رهط من قريش كانوا (12) رجلاً ارتدوا عن الإسلام، وعادوا إلى مكة؛ فنزلت هذه الآية بحقهم.
2 -
أو قيل: إن رجلاً من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ولحق بالمشركين، ثم أراد التوبة، وسأل قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت هذه الآية.
3 -
وقيل: فريق من أهل الكتاب عندهم علم بالتوراة، والإنجيل كانوا يجدون نعت النبي ووصفه مكتوباً في كتبهم قبل أن يُبعث، وكانوا ينتظرون قدومه، فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به.
والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب.
{كَيْفَ} : للاستفهام، والنفي، والاستبعاد لهدايتهم (أي: لا يهدي).
{يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} : أي: أسلموا، ثم ارتدوا.
{وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} : آمنوا بصدق نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بأنه صلى الله عليه وسلم الرسول المنتظر، وأنه حق.
{وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : البينات: جمع بينة، الدالة على صدق نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر البينات فقال: وجاءهم البينات بدلاً من: جاءتهم البينات.
البينات: في اللغة: يجوز تأنيثها ويجوز تذكيرها؛ لأنها ليست مؤنث حقيقي، ولكن في القرآن لها سياق خاص حين يذكرها تدل على الآيات في القرآن، والتوراة، والإنجيل، أو الأحكام بما فيها الأوامر والنواهي، وحين يؤنث البينات؛ تعني: المعجزات، والعلامات، والبينات الدالة على النبوَّة كما في قوله تعالى:{جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 253] لمزيد من البيان.
وإذا قارنا في هذه السورة الآية (86): {كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} : في هذه الآية عندنا تائبين وتوبتهم تقبل.
والآية (90): {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} : في هذه الآية هؤلاء ارتدوا، وكانوا سبباً في ارتداد آخرين؛ لن تقبل توبتهم عند الموت؛ أي: حضور الموت تطبيقاً لقوله سبحانه في آية (18) من سورة النساء: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} ، واستمروا في ذلك:{حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْـئَانَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} : الله لا يهدي: من اختار طريق الضلال لنفسه، والشرك، وأصبح من القوم الظالمين (الظلم من الشرك)؛ أي: أسرف في الظلم، أو ارتد، أو ابتعد كثيراً عن طريق الهداية، فكانت هدايته مستبعدة، أو مستحيلة، فهذا أصبح من الظالمين لأنفسهم؛ لأنه أورد نفسه مورد التهلكة. ارجع إلى الآية (54) من سورة البقرة؛ لمعرفة المزيد عن الظلم.
سورة آل عمران [3: 87]
{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد، وتشير إلى الظالمين، والمرتدين، والكافرين.
{جَزَاؤُهُمْ} : أي: أجرهم.
{لَعْنَةَ اللَّهِ} : من اللعن: وهو الطرد، والإبعاد عن رحمة الله مع المنع من الخير.
واللعنة: اسم، والاسم يدل على الثبوت، وهؤلاء عليهم اللعنة الثابتة ما داموا على شركهم، وضلالهم ولم يتوبوا.
وتقديم الجار والمجرور (عليهم)؛ أي: خاصة بهم حصراً وقصراً.
{وَالْمَلَائِكَةِ} : أي: لعنة الملائكة بالدعاء عليهم باللعن.
{وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} : الإنس والجن، والمؤمن والكافر، وهذا يكون يوم القيامة؛ حيث يلعن الله الكافر، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون.
وأجمعين: توكيد لجميع الناس، والكافر سيلعن نفسه لقوله تعالى:{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا} [العنكبوت: 25]، فمثلاً حين يلعن الظالمين والكافرين فهو منهم؛ فقد لعن نفسه.
سورة آل عمران [3: 88]
{خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} :
{خَالِدِينَ فِيهَا} : جمع خالد، والخلود: هو الدوام المستمر، واستمرار البقاء من بدء وقت معين، وكذلك الخلود، يعني: البقاء بدون تغير، أو تلف.
{لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} : شدةً، أو زمناً لا يخفف عنهم شدته، أو لا ساعةً، ولا يوماً.
{وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} : ولا: الواو: عاطفة؛ لا: الناهية؛ هم: ضمير فصل يفيد التوكيد؛ ينظرون: من الإنظار: هو الإمهال؛ أي: لا يؤخرون عن تقديمهم للعذاب، أو يمهلون يوماً، أو ساعة؛ أي: يبدأ عذابهم مباشرة، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (162) في سورة البقرة نجدها متشابهتين في قوله ينظرون، وإذا نظرنا إلى الآية (86) في سورة البقرة نجدها ينصرون، والاختلاف عائد أن آية البقرة (86) جاءت في سياق القتال، ولذلك جاءت ينصرون، وأما الآية (88) في آل عمران والآية (162) في البقرة جاءتا في سياق اللعن، والطرد من رحمة الله تعالى، ولذلك انتهت بقوله ينظرون.
سورة آل عمران [3: 89]
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
{إِلَّا الَّذِينَ} : أداة استثناء. الذين: اسم موصول.
{تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : التوبة تعني: عدم العودة إلى ارتكاب الذنب، والندم على ما فعلوا، والإكثار من الأعمال الصالحة. ارجع إلى الآية (17-18) من سورة النساء.
ذلك: اسم إشارة؛ للبعد، يشير إلى الضلال، والشرك، والردة.
{وَأَصْلَحُوا} : ما أفسدوا، وأرجعوا الحقوق إلى أصحابها، وأصلحوا باطنهم وظاهرهم.
{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : الفاء: للتوكيد. إن: للتوكيد. غفور: كثير الغفران يغفر الذنوب جميعاً مهما كثرت وعظمت. رحيم: يؤخر عنهم العذاب؛ أي: يمهلهم، فلا يعجل لهم العقاب، أو العذاب؛ لعلهم يتوبون.
سورة آل عمران [3: 90]
{إِنَّ} : للتوكيد، {الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ}: وكانوا اثني عشر رجلاً، ومنهم: الحارث بن سويد، كفروا بعد إيمانهم: ارتدوا عن الإسلام، وعادوا إلى مكة، ثم تاب الحارث، وحسن إسلامه، ولم يتب البقية، وسواء كانوا هؤلاء، أو غيرهم من الكفرة، أو من المرتدين.
{ثُمَّ} : ثم نتباين الصفات.
{ازْدَادُوا كُفْرًا} : نشروا الكفر، والضلال، ومنعوا غيرهم من الدخول في الإسلام، وأضلوا غيرهم، وتمادوا في كفرهم، ولم يتوبوا إلى الله، ولا زالوا على قيد الحياة.
{لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} : لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد. لن تقبل توبتهم في المستقبل إذا لم يتوبوا إلى الله تعالى وماتوا وهم على حالتهم هذه لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، أو بعد الموت، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية التالية (91) نجد استعمال (فلن) بدلاً من (لن)؛ ارجع إلى الآية (91) للبيان.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} : أولئك: اسم إشارة للبعد؛ يفيد التحقير، وبُعد ضلالهم. هم: ضمير فصل يفيد التوكيد والحصر. الضالون: هم الضالون حقاً، فهم أبعد الضالين عن طريق الهدى، أو الصراط المستقيم، وأصبحت سمة الضلال ثابتة فيهم، ولن تجد من هو أضل منهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (198)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 91]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} : أي: بدون أن يتوبوا إلى الله، ويرجعوا عن كفرهم قبل موتهم، وهم: ضمير فصل يفيد التوكيد. كفار: ولم يقل: كافرون؛ لأن كفار صيغة مبالغة؛ تدل على كثرة القيام بالكفر، وتدل على الذوات، وتشمل عموم الكافرين، ولم يقل: وهم كافرون: كافرون: تدل على الحدث (أو الفعل)، وإن صفة الكفر عندهم ثابتة.
{فَلَنْ} : الفاء: للتوكيد، لن: حرف نفي؛ تنفي المستقبل القريب والبعيد، والتوكيد بالفاء؛ لأنهم ماتوا وهم كفار وانتهى الأمل، بينما في الآية السابقة (90):(كفروا ثم ازدادوا كفراً) لا زالوا أحياء، لا زال أمامهم بريق أمل إذا تابوا إلى الله توبة نصوحاً.
{يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} : يوم القيامة.
{وَلَوِ} : الواو: حالية تفيد التوكيد، لو: حرف امتناع لامتناع شرطية؛ أي: على افتراض أن له ملء الأرض ذهباً، وهذا مستحيل.
{افْتَدَى بِهِ} : أي: لن يقبل منه فداء إذا أراد أن يفدي نفسه أن يخلصها من العذاب.
{فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} : لو أنفقه في أي خير في الدنيا؛ لأنه لا ثواب له، وحبط عمله؛ لكونه مات على الكفر، ولن يقبل منه ملء الأرض ذهباً، وأنى له ذلك؛ لأنه في الآخرة لم يعد يملك مقدار ذرة.
{أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : أولئك: اسم إشارة للبعد؛ يدل على سوء عاقبتهم، لهم: اللام: لام الاستحقاق، عذاب أليم: شديد الإيلام، ودائم.
{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} : ما: النافية، ناصرين: جمع ناصر، وما لهم من يدرأ عنهم العذاب، أو يشفع لهم، أو يخفف عنهم العذاب، من: استغراقية؛ أي: ما لهم من أي ناصر مهما كان حاله، وغناه، وقوته. ارجع إلى الآية (22) من نفس السورة.