الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة آل عمران [3: 92]
{لَنْ} : حرف نفي؛ لنفي المستقبل القريب والبعيد.
{تَنَالُوا} : من نال؛ أي: أصاب، أو حصل.
{الْبِرَّ} : اسم جامع لكل خير، وهنا تعني: الجنة، وقيل: البر يشمل التقوى، والطاعة، والخير، والقرب من الله تعالى، والفضل. ارجع إلى سورة البقرة آية (177).
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية.
{تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} : الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يُعد من ملكه سواء كان زكاة أو صدقة تطوع. مما تحبون: حتى تنفقوا من أحب أموالكم إليكم، أو الثمار، أو الأنعام. مما:(من، وما)، من: الابتدائية، وما: اسم موصول؛ أي: الذي تحبون.
{وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: شرطية.
{تُنْفِقُوا مِنْ شَىْءٍ} : من: استغراقية، شيء: نكرة؛ أي: شيء قليل، أو كثير، ومهما كان نوعه.
{فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} : الفاء: للتوكيد. إن: لزيادة التوكيد. الله به عليم: محيط، ومطلع عليه يعلمه ويجازي به.
سورة آل عمران [3: 93]
المناسبة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه على ملة إبراهيم، فقالت اليهود: كيف تأكل لحوم الإبل، وألبانها، وإبراهيم حرم ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كان ذلك حلاً لإبراهيم، فنحن نحله، فقالت اليهود: لا إنه محرم على إبراهيم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية تكذيباً لهم.
لم يحرم الله سبحانه على بني إسرائيل بما فيهم نبيهم إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام ؛ أي: طعام، فكل الطعام كان حلاً لهم من قبل إنزال التوراة على موسى.
ولكن ما حدث: هو أن يعقوب (إسرائيل) أصيب بمرض شديد، قيل: هو عرق النسا، ألم شديد بسبب الضغط على العصب الوركي، فنذر يعقوب لله إذا شافاه الله وعافاه؛ ليحرّمن على نفسه أحب الطعام والشراب (لحم الإبل وألبانها)، وحدث ذلك، وأراد الوفاء بالنذر، وهذا التحريم على نفسه لم يكن أمراً إلهياً على يعقوب، ولا على بني إسرائيل قبل تنزيل التوراة.
أما بعد تنزيل التوراة فقد حرم الله على بني إسرائيل ما جاء في الآية (146) من سورة الأنعام، قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} : وسبب هذا التحريم هو بسبب نقض بني إسرائيل المواثيق، والعصيان، وعدم الأخذ بالتوراة، والعمل بها، والظلم، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وهذا ما جاء في الآية (160-161) من سورة النساء، قوله تعالى:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} .
فأطلع الله سبحانه وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على الحقيقة، وسأله أن يسأل اليهود بأن يأتوا بالتوراة ويقرؤوها أمامه إن كانوا صادقين بأن الله حرم عليهم أي طعام قبل تنزيل التوراة، فلم يأتوا بها، وعلموا أن الله سبحانه قد أطلع نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على كذبهم، وهذا تفسير قوله تعالى:{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} .
{إِنْ} : شرطية تفيد الندرة، أو الشك. {كُنتُمْ صَادِقِينَ}: أي: لستم صادقين.
سورة آل عمران [3: 94]
{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} :
{فَمَنِ} : الفاء: عاطفة. من: شرطية للمفرد والجمع.
{افْتَرَى} : الافتراء: اختلاق الكذب المتعمد.
{عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} : الكذب جاء بـ (ال) التعريف؛ لأن الكذب هنا محدد هو بمسألة الطعام، ولو قال: فمن افترى على الله كذباً، كذباً: هنا نكرة، وتشمل كل أنواع الكذب.
{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} : مباشرة من بعد ظهور الحق، ونزول هذه الآية: أن الله لم يحرم على بني إسرائيل أي طعام قبل أن تنزل التوراة.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتوكيد جواب الشرط، أولئك: اسم إشارة للبعد، ويشير للذين يفترون على الله الكذب.
{هُمُ الظَّالِمُونَ} : هم: ضمير منفصل يفيد التوكيد والقصر.
الظالمون: حقاً بما افتروا على الله، ويفيد المبالغة في الظلم، وأن صفة الظلم أصبحت ثابتة لا تفارقهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (54)؛ لبيان معنى الظلم.
سورة آل عمران [3: 95]
{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} :
{قُلْ} : يا محمد صلى الله عليه وسلم: {صَدَقَ اللَّهُ} : تعالى في كل ما يخبر به، وفيما يقوله في الطعام، وفي إبراهيم ما كان يهودياً، ولا نصرانياً.
{فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} : الحنيفية السمحة، والملة هي الشريعة، والمعتقدات العامة وتضاف إلى النبي. أما الدِّين: فهو الأحكام، والآيات، والشريعة، والعقيدة تضاف إلى الله.
{حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} : المائل عن الضلال، أو المستقيم، والحنف: هو الميل في القدمين والساقين، فحين يعم الضلال؛ فالذي يميل منحرفاً عن الضلال هو الذي اهتدى إلى الصراط المستقيم. ارجع إلى الآية (135) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 96]
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} : أول بيت وضع، والواضع هو الله، أمر الملائكة ببنائه، فقد كان مكان الحرم ومكة أول جزء تشكل من اليابسة (الأرض)، وهو يتوسط كل القارات. للناس: لا يعني كل الناس، وإنما المؤمنون بالله، فاللام: لام الاختصاص.
أي: أول ما بني للعبادة على الأرض هو الكعبة.
{لَلَّذِى بِبَكَّةَ} : أي: البيت الذي ببكة، واللام: للتوكيد؛ ببكة: بكة قيل: هو الاسم القديم لمكة المكرمة، ثم أبدلت الباء ميماً فأصبح اسمها الجديد مكة، وأم القرى، والبلد الأمين، وقيل: مكة البلد.
وبكة: ما حول البيت موضع المسجد، أو مكان الطواف والازدحام.
وبكة مشتقة من البك. قيل: هو دفع الناس بعضهم بعضاً (الازدحام).
وقيل: سميت بكة: لازدحام الناس فيها أيام الحج ورمضان.
وقيل: بكة هي مكة، أبدلت الباء بدلاً من الميم، كما ورد في بعض لغات القبائل.
وبكة: لأنها تبك أعناق الجبابرة، فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله عز وجل، كما حدث لأبرهة الحبشي.
ومن الأسماء التي ذكرت في القرآن الكريم: البيت العتيق، البيت الحرام، المسجد الحرام، أم القرى، البلد الأمين.
{مُبَارَكًا} : من البركة، والزيادة، والنماء؛ لمضاعفة الثواب والأجر، فكل صلاة في المسجد الحرام تعادل (100، 000) صلاة، وهذا يشمل صلاة الفرض، والتطوع، مقارنة بالصلاة من غيره من حديث عبد الله بن الزبير، وحديث جابر رضي الله عنهم، وهذه البركة قد تكون معنوية أو حسية، والحسية: ما يلاحظ الحاج وأهل مكة في زمن الحج من المنافع والخيرات التي تشمل الكل، والبركة جاءت كذلك من حرمته يوم خلق الله السموات والأرض.
{وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} : مصدر هداية للعالمين، أو ذا هدى؛ لكونه قبلة للمسلمين في صلاتهم، والهدى: هو الطريق الموصل إلى الجنة، أو الموصل إلى الغاية، فمن يحج بلا رفث، ولا فسوق، ولا جدال؛ يرجع كيوم ولدته أمه.
سورة آل عمران [3: 97]
{فِيهِ} : يعود إلى أول بيت.
{آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} : دلائل واضحات منها مقام إبراهيم، والصفا، والمروة، والحجر الأسود، وزمزم، وأمن من دخله.
{مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} : مقام للمكان الذي كان يقوم (يقف) عليه إبراهيم؛ ليرفع القواعد من البيت؛ أي: هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم، وفيه أثر قدميه، وقد قيل: إن إبراهيم عليه السلام نحت مكان قدميه حتى تثبت قدماه، ولا تزلَّا.
وذهب بعض المفسرين: أن المراد من مقام إبراهيم: هو موضع قيامه للصلاة، والعبادة؛ أي: الموضع الذي اختاره للصلاة.
وقال آخرون: مقام إبراهيم الحرم كله؛ أي: المسجد الحرام كله.
{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} : هذا إخبار تكليفي، أو طلباً تشريعياً، والتكليف، أو التشريع قد يطاع من البعض، أو الكل، أو يعصى أحياناً.
فالله سبحانه يقول: من دخله كان آمناً.
{وَمَنْ دَخَلَهُ} : من: شرطية.
{كَانَ آمِنًا} : على نفسه، وماله من أي: اعتداء، أو إيذاء، عصمة الدخول إلى الحرم، فلا يقتص منه حتى يخرج من الحرم، وفي داخل الحرم لا يجالس، ولا يبايع، ولا يكلم حتى يضطر إلى الخروج، هذا مذهب الحنفية والحنابلة.
أما مذهب المالكية والشافعية: إذا جنى جناية تستوجب القصاص، أو الحد خارج الحرم، ولجأ إلى الحرم يُقتص منه أينما وجد، وسواء كان داخل الحرم، أو خارجه قصاص في النفس، أو غيرها، والمرجح هو مذهب المالكية والشافعية، وإلا لاختل الأمن، وانتشرت الجرائم والمفاسد.
أما بالنسبة لمن ارتكب جناية في الحرم، أو انتهك حرمة الحرم؛ فقد اتفق الفقهاء على أن يقبض عليه مباشرة، ويقدم إلى العدالة للحكم فيه. ارجع إلى مصادر الفقه الأخرى.
{وَلِلَّهِ} : اللام: لام الاختصاص والاستحقاق.
{عَلَى النَّاسِ} : على: تفيد العلو، والمشقة، والاستعلاء.
{حِجُّ الْبَيْتِ} ؛ أي: الحج لله يكافئ به، ولله على الناس حج البيت؛ أي: فرض على الناس أن يحجوا لله عز وجل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (196)؛ للبيان.
{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} : من: اسم موصول من للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ما عدا الصغار؛ فإنهم غير مكلفين.
الاستطاعة: كما قيل تشمل ملك الزاد والراحلة (تكاليف السفر والإقامة والطعام)، المال الفائض عن حاجاته الأساسية ونفقة عياله، وتشمل أيضاً: الأمن، والإسلام، والبلوغ، وصحة البدن من الأمراض المعدية.
وقد اختلف العلماء في تحديد الاستطاعة، ولا شك أنها تختلف من زمن إلى آخر.
{وَمَنْ كَفَرَ} : من: شرطية. كفر: قد تعني الكفر بالله عز وجل، أو كفر بالحج، فالكفر بالله سبحانه معروف، أما الكفر بالحج فهو نوعان: كفر في الاعتقاد بأن الله فرض على الناس حج البيت؛ أي: لا يؤمن بالحج إطلاقاً كفريضة، فلا يحج جاحداً لوجوبه، وينكر أن الحج هو ركن من أركان الإسلام. قال العلماء: وهذا كفر حقيقي.
وهناك من يؤمن بالحج أنه فرض، وعنده الاستطاعة، ولكنه يستخدم المبررات والأعذار أنه مشغول، أو غير قادر هذا العام، وهكذا، فهذا يعتبر عاصياً.
{فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} : الفاء: جواب الشرط. إن: للتوكيد. غني عن العالمين: ولم يقل: غني عنه، بل قال: غني عن العالمين؛ لأن الله سبحانه في الحقيقة غني الذي أدَّى الحج والذي لم يؤده؛ لأن الحج فائدته ترجع إلى الحاج، وليس إلى الله تعالى، فالله سبحانه غني عن كليهما، وعن كل العالمين كافة، سواء أحجُّوا أم لم يحجُّوا.
سورة آل عمران [3: 98]
{قُلْ} : يا محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء بقل؛ لأن المخاطبين ليسوا أهلاً أن يخاطبوا مباشرة من قبل الله بفعل أمر ليدل على الاهتمام بالمقول.
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : أصحاب التوراة (اليهود) وأصحاب الإنجيل (النصارى).
{لِمَ} : اللام: حرف جر، ما: استفهامية استفهام إنكاري إنكاراً لكفرهم بآيات الله، وحذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها.
{تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} : الكفر هنا يعمي الستر (لم تخفون وتسترون) آيات الله في التوراة، والإنجيل التي تدل على صفات ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق نبوته، والداعية إلى اتباعه وتصديقه.
{وَاللَّهُ شَهِيدٌ} : الواو: للحال والتوكيد. شهيد: صيغة مبالغة من شاهد؛ أي: المطلع، والمحيط علمه بكل شيء من سرٍّ، ونجوى، وجهر، وما تخفي الصدور، وشهيد على كل عمل من قول، أو فعل، ويعلم ما في السرائر، والعقول، وما يجري في الكون، وما يقوم به كل مخلوق من خلقه.
{عَلَى} : للاستعلاء والشدة.
{مَا} : اسم موصول.
{تَعْمَلُونَ} : العمل يشمل القول، والفعل من الكفر، والفساد.
سورة آل عمران [3: 99]
{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : ارجع إلى الآية السابقة.
{لِمَ} : استفهامية.
{تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : تمنعون الناس من الدخول في دين الله. سبيل الله: هو دين الحق، وهو الإسلام بالتضليل، والتحريف، والفتنة.
{مَنْ آمَنَ} : من ابتدائية، آمن بالله.
{تَبْغُونَهَا عِوَجًا} : العوج: من الاعوجاج ما كان يميل إلى جهة، ثم يميل إلى الأخرى. وعوجاً: بكسر العين تستعمل للأمور المعنوية، أما المفتوحة بفتح العين: تستعمل للأمور الحسية المادية مثل عوج في الجدار. تبغونها عوجاً: لا تريدون ديناً قيماً، بل ديناً معوجاً مائلاً عن الحق في المعاني، والقيم، وتريدون الميل عن الاستقامة، والصراط.
أو تلبسون على الناس: الحق بالباطل.
أو تخفون الحق، وتغيرون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كي تحدثوا اعوجاجاً في هذا الدِّين المستقيم. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (86) في الأعراف وهي قوله تعالى على لسان شعيب:{وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} : نجد في آية الأعراف حذف به، وأضاف الواو (على كلمة وتبغونها)؛ لأن تبغونها معطوفة على تصدون، وأما آية آل عمران (تبغونها): جملة في محل نصب حال، والحال لا يدخل عليه واو، أو لأن تبغونها قد تكون استئنافية، وفي آية الأعراف قيد الإيمان بالله وحده، وفي آية آل عمران لم يقيد فأطلق الإيمان ليشمل كل أنواعه.
{وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ} : على أن ما جاء في التوراة في نعت محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، وأنتم تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم. وأنتم شهداء؛ أي: رأيتم محمد صلى الله عليه وسلم، وصفاته، وأفعاله، وأقواله، وإضافة إلى ما سمعتموه في التوراة، والإنجيل فيما جاء بشأنه (نعت، أو ذكر).
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} : وما: الواو: عاطفة. ما: النافية. الله بغافل: الباء: للإلصاق. عما تعملون: من الصد، والمنع، والتحريف، والفتنة، والزيغ بالقول، والفعل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (74)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 100]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء إلى الذين آمنوا بعد أن وبَّخ أهل الكتاب على كفرهم، وصدهم الناس عن دين الله، نداء بالحذر من إطاعة فريق من الذين أوتوا الكتاب. فقال:
{إِنْ تُطِيعُوا} : إن: شرطية، تفيد القلة، أو الاحتمال.
{فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : فريقاً، وليس كل الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين؛ أوتوا الكتاب (ولم يقل: أتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب)؛ لأن أوتوا الكتاب، أو أوتوا نصيباً من الكتاب: تأتي في سياق الذم، وأتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب: تأتي في سياق المدح.
سبب نزول هذه الآية: أن شماس اليهودي، وكان شديد الكفر وأصحابه أرادوا الفتنة بين الأوس والخزرج بعد أن رأوا بينهما الوئام، فذكَّروا الأوس والخزرج بحرب بُعاث، فثار الأوس على الخزرج، فعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج إليهم، وقال: أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، فخمدت الفتنة وتصالح الطرفان.
{يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} : الارتداد يكون بالإقناع، والحجة الباطلة؛ حتى يرتدوا عن دينهم، ويرجعوا إلى الكفر شيئاً فشيئاً، أما الصد: فهو المنع بالقوة والقهر؛ أي: (يصدوكم): يمنعوكم من الدخول في الإسلام بالحجة والبيان، أو القوة.
والرد: هو الرجوع، أو العودة إلى المكان، (أو الحالة) الذي خرج منها، وفيه إجبار، أو إكراه على العودة، بينما الرجوع العودة إلى المكان الذي خرج منه، وفيه معنى الرغبة؛ أي: يرجع وهو راغبٌ غير مكره، أو مضطر.
ولنقارن هذه الآية: {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} مع الآية (109) من سورة البقرة: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} : نجد أن هناك ثلاثة فروق هي:
1 -
أوتوا الكتاب مقابل أهل الكتاب.
2 -
بعد إيمانكم مقابل من بعد إيمانكم.
3 -
كافرين مقابل كفاراً.
1 -
أوتوا الكتاب: أقل تكريماً، وتشريفاً، مقارنة بمناداتهم أهل الكتاب، أهل الكتاب أفضل درجة من أوتوا الكتاب.
2 -
بعد إيمانكم: محاولة الرد إلى الكفر فيها فسحة وتراخٍ في الزمن، وليست مباشرة، بينما قوله: من بعد إيمانكم: الرد إلى الكفر يعني مباشرة بدون تأخير فوراً وبسرعة.
3 -
كافرين: تدل على الفعل على الحدث، فعل الكفر ونوعه، بينما كفاراً: صيغة مبالغة تدل على ذوات المبالغين في الكفر، وكثرة القيام به.
سورة آل عمران [3: 101]
{وَكَيْفَ} : الواو: عاطفة، كيف: اسم استفهام، وتعجب واستبعاد وقوع الكفر فيهم، والقرآن يُتلى عليهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.
{تَكْفُرُونَ} : بصيغة المضارع؛ ليدل على تجدد، وتكرار الكفر منهم.
{وَأَنتُمْ} : الواو: حالية تفيد التوكيد. أنتم: ضمير منفصل يفيد التوكيد.
{تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} : تُقرأ عليكم آيات الله على لسان رسوله ليلاً ونهاراً.
{وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} : أي: بين أظهركم رسول الله، والذي ظهرت على يديه المعجزات الكثيرة.
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: شرطية.
{يَعْتَصِم بِاللَّهِ} : يتمسك بالله عز وجل، وكتابه، ودينه. يعتصم: مشتقة من العصم: وهو المنع، والعصمة: المناعة؛ كالذي يأخذ تلقيحاً ضد مرض ما؛ كي لا يصاب به.
{فَقَدْ} : الفاء: للترتيب والمباشرة. قد: حرف تحقيق يفيد التوكيد.
{هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} : فقد اهتدى إلى صراطٍ مستقيم إلى الإسلام، وسار على الصراط الموصل إلى الغاية.
وكيف تكفرون ليس معناها أنه وقع منهم الكفر، ولو حصل ذلك لما ناداهم بـ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .
سورة آل عمران [3: 102]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد إلى الذين آمنوا بالتقوى، وإسلام الوجه لله، استعمل فيها يا النداء: للبعد، والها: للتنبيه.
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : اتقوا الله: أطيعوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه. حق: من الحق: وهو الوجوب، والثبوت، والحق: هو الصدق هو كل أمر ثابت لا يتغير. حق تقاته؛ أي: اتقوه اتقاءً حقاً، أو اتقوه التقوى الواجبة؛ أي: ابذلوا جهدكم، أو أقصى استطاعتكم في طاعة الله، وذكره، وشكره، وعبادته، والإيمان التام الكامل، فلا تؤمنوا ببعض، وتكفروا ببعض، والإحسان، والرضا، والصبر، والشكر.
{وَلَا} : الواو: عاطفة. لا: الناهية.
{تَمُوتُنَّ} : النون في تموتن؛ للتوكيد.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{وَأَنْتُمْ} : ضمير منفصل يفيد التوكيد.
{مُّسْلِمُونَ} : أي: مخلصون، موحِّدون بالاستسلام لله تعالى، وقضائه، وقدره في تلك اللحظات الحرجة، أو الساعة الرهيبة، وقوله: وأنتم مسلمون: تدخل في سياق: اتقوا الله حق تقاته، وكأنه خص التوحيد، والإخلاص؛ أي: ذكر الخاص بعد العام؛ للتوكيد على أهمية لا إله إلا الله، واليقين برحمة الله تعالى وعدله، وتجنب الشيطان، أو الشك، وعدم الزيع، والدعاء: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة.
فالإيمان درجات تبدأ بالإسلام، ثم ترتفع إلى درجة الإيمان، ثم ترتفع إلى درجة التقوى، ثم ترتفع إلى درجة الإحسان، ثم الإسلام، وهو إسلام الوجه، ويعني: الإخلاص التام، وأن يعبد الله كأنه يراه.
ومن معاني حق تقاته: طاعة صادقة مخلصة مستمرة حتى الموت.
ويجب العلم أنه لا يوجد بشر يستطيع أن يتقي الله التقوى التي تليق بجلاله وعظمته، ولو سجد وصلى وصام وأطاع الله وعبده في كل ثانية ولحظة في حياته حتى مماته.
وأما قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]: معناها نفس معنى الآية: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ؛ لأن قوله: ما استطعتم؛ أي: ما في وسعكم، وجهدكم، وطاقتكم، فلا يظن أحد كما ظن البعض: أن الاستطاعة في هذه الآية هي أقل درجة من حق تقاته في الآية الأولى، ولا شك أن لكل إنسان طاقة وسعة محددة.
والذي يحدد الاستطاعة هو الله؛ أي: المشرع؛ فلا يصح للعبد أن يحدد الاستطاعة بنفسه، أو القدرة، ولا ينسى أن الله سبحانه رخص للمريض والمسافر وللمرأة في حالة حيضها ونفاسها وحملها برخص؛ لأنه عليم حكيم، وغفور رحيم، وأكثر العلماء متفق على أن الآية:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : لم تنسخ بالآية: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ؛ كما ظن البعض الآخر.
سورة آل عمران [3: 103]
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} : الاعتصام: الاستمساك والمنعة، والتمسك عادة يكون بشيء ما؛ لتجنب الوقوع، فكأن هناك شيئاً إذا تمسك به جنبه الوقوع، وارتفع به إلى الأعلى، ومنع نفسه من السقوط، وهذا الشيء هو حبل الله؛ أي: كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يسمى في البيان استعارة تمثيلية بليغة.
بحبل الله: الباء: للإلصاق، حبل الله: هو القرآن، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الدِّين، ويشمل: الإيمان، والعمل الصالح، وحبل الله: هو الأمان في الدنيا والآخرة، وعدم الخوف، والحزن، والنجاة، وهو الموصل إلى البغية والغاية.
جميعاً: للتوكيد، الكل يجب أن يعتصم بحبل الله.
{وَلَا تَفَرَّقُوا} : الواو: عاطفة، لا: الناهية، تفرقوا: شيعاً وطوائف وأحزاباً، كما تفرقت اليهود والنصارى.
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : قيل: الخطاب موجَّه إلى الأوس والخزرج حين كان بينهم حروب وعداوة كثيرة في الجاهلية امتدت أكثر من (120) سنة، فلما جاء الإسلام وحَّد بينهم بنعمة الألفة والوحدة، والاجتماع على القرآن، والإيمان، وطاعة الله.
والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب.
فما أحوجنا نحن في هذا العصر إلى الأخذ بهذه الآية أكثر مما أخذ بها الأوس والخزرج.
{إِذْ} : ظرف زمان للماضي؛ أي: حين {كُنتُمْ أَعْدَاءً} : في الجاهلية، فألف بين قلوبكم.
أعداء: إذا كانت العداوات بينهم مختلفة يصفهم بأنهم أعداء، وإذا كانت العداوة بينهم واحدة، أو سببها واحد مثال: عداوة في الدِّين قال عنهم عدو.
{فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} : أي: وحَّد بين قلوبكم، وجمع بين الأوس والخزرج، وجمع بين قلوبكم بالأخوَّة، والإسلام، والإيمان.
{فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} : أصبحتم متراحمين، ومجتمعين على أمر واحد: إخواناً في الدِّين.
{وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا} : أي: مشرفين. شفا الحفرة: حافتها، ومن كان يقف على الحافة يوشك أن يقع، وأشفى على الشيء: أشرف عليه.
أي: مشرفين على الوقوع في نار جهنم؛ لما كنتم عليه من الكفر.
{فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا} : فأنقذكم الله بالإسلام والوحدة والصلح، وأنجاكم من الوقوع في نار جهنم. منها: تعود للحفرة، أو النار، أو الشفا.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ} أي: كما نبين لكم ما ذكر في الآيات السابقة يبين لكم آياته؛ لتهتدوا هداية تامة، ولا تعودوا إلى أوضاع الجاهلية من التفرقة، والاختلاف، والعدوان.
{آيَاتِهِ} : أضاف الهاء لها تعظيماً، ولم يقل الآيات.
فحين يقول: آياته، أهم من قوله: الآيات، وقوله: آياتي أهم في المعنى من الآيات، أو آياته، وأحب وأقرب من الآيات.
{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} : لعل: للتعليل؛ أي: لتهتدوا.
سورة آل عمران [3: 104]
{وَلْتَكُن} : الواو: عاطفة، واللام: لام التوكيد، أو لام الأمر، أو الاختصاص.
{مِّنكُمْ} : من: ابتدائية للتبعيض؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية لا يلزم كل الأمة، وليس كل فرد مؤهل للقيام بذلك.
ومن المفسرين من قال: من: للبيان؛ أي: منكم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم منكم خاصة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة.
{أُمَّةٌ} : هي الجماعة التي تجمعها عقيدة واحدة بغض النظر عن الكم البشري، والحيز الجغرافي.
{يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} : الخير كل ما فيه منفعة وصلاح الناس في الدِّين والدنيا، والخير ضد الشر، أو كل ما ينفع الإنسان في حياته الدنيا والآخرة من الإيمان، والعمل الصالح.
{وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} : المعروف: كل ما عرفه الشرع فأمر به لنفعه وصلاحه للفرد أو الجماعة.
{وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} : المنكر: وهو كل ما نهى عنه الشرع؛ لضرر وفساد للفرد، أو الجماعة، أو ما أنكره الله ورأوه قبيحاً. وقيل: المنكر هو فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} : أولئك: اسم إشارة للبعد يفيد علو منزلتهم.
{هُمُ} : ضمير يفيد التوكيد.
{الْمُفْلِحُونَ} : الكاملون في الفلاح، أو إذا كان هناك مفلحون فهم في طليعة المفلحين. ارجع إلى سورة البقرة آية (5) للبيان.
سورة آل عمران [3: 105]
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: الناهية.
{تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} : الخطاب إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم جزء من الأمة الإسلامية التي امتدت من نوح إلى إبراهيم إلى موسى وعيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم. كالذين: الكاف: كاف التشبيه. الذين: اسم موصول.
{تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} : تفرقوا: من التفرق، وهو الاختلاف الشديد الذي أدى إلى الابتعاد؛ أي: فارق بعضهم بعضاً فلم يكونوا يداً واحدة، وأما تتفرقوا كما في الآية (13) في سورة الشورى ولا تتفرقوا بدلاً من تفرقوا تأتي في سياق تفرق الأمم المختلفة، وتفرقوا تأتي في سياق تفرق أفراد الأمة الواحدة مثل أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: اليهود والنصارى على رأي أكثر المفسرين.
{مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : من: ابتدائية، مباشرة من بعد ما جاءهم البينات. الأدلة الواضحة، والآيات، والأوامر، والنواهي بعدم الاختلاف، والتفرق، والتشيع. ارجع إلى سورة البقرة (209)؛ لمزيد من البيان، والفرق بين جاءكم البينات، وجاءتكم البينات.
{وَأُولَئِكَ} : اسم إشارة للبعد.
{لَهُمْ} : اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
{عَذَابٌ عَظِيمٌ} : من أشد أنواع العذاب (يجمع بين كونه عذاباً أليماً ومهيناً ومقيماً).
قال تعالى في هذه الآية: ولا تفرقوا، بينما في سورة الشورى (13):{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} : ففي آية آل عمران قال: تفرقوا، حذف إحدى التاءين؛ لأن الخطاب فيها للأمة الإسلامية فقط، بينما تتفرقوا (جاء بتاءين)؛ لأن الخطاب في الآية موجَّه إلى أمم مختلفة من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى؛ أي: أمم مختلفة، فزيادة التاء تناسب زيادة الأمم.
والتفرُّق في آية آل عمران يختلف عن التفرق في آية الشورى، ففي آل عمران تحذير ونهي عن التفرق مهما كان نوعه، ومهما قل أو صغر، وأما النهي في آية الشورى فهو تحذير أوسع وأشمل.
وانتبه إلى تقديم التفرقة على الاختلاف والأصل هو الاختلاف، وهو الذي يؤدِّي إلى التفرقة، فقدَّم التفرقة على الاختلاف؛ لأنه أحياناً التفرقة هي التي تسبب الخلاف، أو بالعكس الخلاف يؤدِّي إلى التفرقة.
والاختلاف المنهي عنه هو في أصول الدِّين، وتحكيم الأهواء والمصالح، ولا يقصد به الاختلاف في الفروع والاجتهادات في تفاصيل العبادات والمعاملات، فما هو الفرق بين الخلاف والاختلاف؟
فالاختلاف: لغة يعني: عدم الاتفاق، وفي الاصطلاح: أن يذهب كل عالم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، والاختلاف منه المحمود، ومنه المذموم.
ويكون الاختلاف أمراً مشروعاً إذا توافر فيه أمران:
الأول: أن لكل من المختلفين دليلاً يصح الاحتجاج به، وإذا لم يكن له دليل سقط، ولم يؤخذ به.
الأمر الثاني: ألا يؤدِّي الأخذ بالمذهب المخالف إلى باطل، أو شيء محال؛ فإذا كان كذلك بطل، ولم يؤخذ به.
أما الخلاف: هو الذي يفقد الأمرين، أو الشرطين، أو أحدهما، والخلاف منبوذ، وهو مظهر من مظاهر الهوى.
سورة آل عمران [3: 106]
{يَوْمَ} : يوم القيامة.
{تَبْيَضُّ} : البياض يعني النور، نور في وجوه المؤمنين المتقين، وكناية عن السرور والبهجة سببه الإيمان والوضوء والتقوى.
{وَتَسْوَدُّ} : السواد من الظلمة، ظلمة في وجوه الكافرين كناية عن الخوف، والكآبة، وسببه الكفر، والشرك، والمعاصي، وقدم الذين ابيضت وجوههم للتشريف والتعظيم على الذين اسودت وجوههم.
والسواد والبياض في الآخرة لا يمدان بصلة إلى الاسوداد والابيضاض الذي نراه في الدنيا، واللون ليس دليلاً على حب أو كره الله لعبده.
فاللون الأسود في الدنيا قد يصبح لوناً أبيضَ في الآخرة، واللون الأبيض في الدنيا قد يصبح أسودَ في الآخرة.
فلون البشرة في الدنيا أسبابه تختلف عن لون البشرة في الآخرة.
فاللون في الآخرة يعود إلى الإيمان والكفر، وفي الدنيا يعود إلى الهرمونات والجينات والبيئة، وسوف تزول عوامل البيئة؛ لأن السموات والأرض سوف تتبدل آنذاك.
{فَأَمَّا} : الفاء: استئنافية، أما: حرف شرط وتفصيل.
{الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} : بسبب تفرقهم واختلافهم، ومن سوء ما عاينوه من أهوال يوم القيامة.
والسواد نتيجة الغبرة التي ترهقها قترة، والقترة من القتار: وهو الهواء الممتلئ بدخان أسود يشبه دخان الدهن المحروق.
{أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} : أكفرتم: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ، والخطاب موجَّه إلى أهل الكتاب الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
أكفرتم بمحمد صلى الله عليه وسلم بغياً وتكبراً وحسداً بعد أن عرفتموه، كما تعرفون أبناءكم، ولم تؤمنوا به، أو الخطاب إلى المرتدين، أو المنافقين، والمبتدعين، والكفار بشكل عام.
{فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} : فذوقوا: الفاء: رابطة لجواب الشرط.
أصل الذوق يكون باللسان (الفم)، وشبه العذاب بشيء مما يؤكل أو يذاق.
{الْعَذَابَ بِمَا} : الباء: للإلصاق، أو السببية، ما: حرف مصدري.
{كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} : بسبب كفركم في الدنيا، وجاء بصيغة المضارع (لحكاية الحال)، وتجدُّد كفرهم وعدم توبتهم.
سورة آل عمران [3: 107]
{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :
{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} : بعد الحديث عن الذين اسودَّت وجوههم يتحدث عن القسم الآخر وهم الذين ابيضَّت وجوههم، بسبب نور الإيمان والتقوى، والوضوء، وقيام الليل، وقدم حين فصل الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم للكثرة، أو بدأ بالتفصيل بما انتهى إليه الإجمال، والله أعلم.
{فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ} : الرحمة: قيل: الجنة وزيادة، والرحمة صفة ثابتة باقية ببقاء الله، فالرحمة أعظم من الجنة.
{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : هم: ضمير منفصل يدل على الحصر.
خالدون: صفة ثابتة لا تتغير، لا يموتون، ولا يتغيَّرون، والخلود استمرار البقاء يبدأ من وقت محدَّد هو دخولهم الجنة.
وقيل: ففي: الفاء الأولى للدخول في الرحمة، والفاء الثانية للخلود.
سورة آل عمران [3: 108]
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} :
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ} : اسم إشارة، واللام للبعد يشير إلى الآيات الواردة في الوعد والوعيد.
{نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} : عن طريق جبريل عليه السلام ، ولكنه أسند التلاوة إليه سبحانه؛ لأن جبريل إنما يتلو بإذن الله، وأمره، وكما علمه سبحانه. نتلوها: جاء بنون العظمة؛ للدلالة على أهمية الآيات وأهمية المتلو عليه.
{بِالْحَقِّ} : الباء: للإلصاق، فهي ملتبسة بالحق (والحق هو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر؛ لأنه من الله تعالى).
والحق ملزق بها، لا يمكن فصله عنها، ولا فصلها عنه.
{وَمَا} : الواو: استئنافية، ما: النافية؛ لنفي الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} : فهو سبحانه ينفي عن نفسه أن يظلم (يفعل الظلم)، ويذهب إلى أبعد من ذلك وينفي عن ذاته إرادة الظلم، ونفي الإرادة أبلغ من نفي الفعل نفسه، فهو ينفي الإرادة، وينفي الفعل معاً.
ويؤيِّد ذلك قوله سبحانه في الآية (46) من سورة فصلت: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} .
سورة آل عمران [3: 109]
{وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} :
{وَلِلَّهِ} : الواو: عاطفة، لله: اللام: لام الاختصاص، وتقديم الجار والمجرور لله على ما في السموات، وما في الأرض؛ تفيد الحصر، والقصر؛ أي: له وحده سبحانه.
{مَا} : لغير العاقل، والعاقل، وهي أعم وأشمل من (من).
{فِى} : ظرفية مكانية وزمانية.
{السَّمَاوَاتِ} : السبع ذاتها وما تحوي.
{وَمَا فِى الْأَرْضِ} : ذاتها وما تحوي.
وتكرار ما (في يفيد) التوكيد، وحين يعيد عبارة (ما في) قد يتبع ذلك ذكر شيء عن أهل الأرض، أو تكرار ما في يفيد الفصل بين السموات والأرض، فهناك أشياء ومخلوقات توجد في السموات ولا توجد على الأرض أو بالعكس، فله سبحانه كل شيء.
{وَإِلَى اللَّهِ} : حصراً، وقصراً له وحده، {تُرْجَعُ الْأُمُورُ}: للفصل، والحساب وإصدار الحكم.
سورة آل عمران [3: 110]
{كُنتُمْ خَيْرَ} : يعني: وجدتم خير أمة، أو خلقتم.
أو تعني: كنتم في علم الله خير أمة.
أو كنتم منذ آمنتم خير أمة.
أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة.
أو معنى كنتم؛ أي: أنتم خير أمة أخرجت للناس.
أو كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة.
وهذه الخيرية مشتركة ما بين أول الأمة وآخر الأمة.
{أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} : أخرجت: ولم يقل: خرجت؛ أي: خرجت بنفسها بدون مخرج؛ أي: خرجت بنفسها بدون رسالة، أو قوانين ربانية، وإنما أخرجت؛ أي: أخرجها الله سبحانه للناس بمنهج الإسلام، ولم تخرج مجرد إخراج لا فائدة فيه ولا نفع، وإنما أخرجت لهداية الناس كافة. للناس: اللام: لام الاختصاص.
{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} : تأمرون الناس بالإيمان بالله بتطبيق شرع الله، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في الحياة اليومية، وتعليم الناس أمور دينهم.
وتعريف المعروف: ارجع إلى الآية (104) من نفس السورة.
{وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} : الكفر، والشرك، وكبائر الإثم والفواحش، والفساد باليد واللسان، أو بالقلب، وذلك أضعف الإيمان.
وتعريف المنكر: ارجع إلى الآية (104) من نفس السورة.
{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} : والإيمان بالله يتضمن: الإيمان بكل ما أمر الله به من الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره.
وقدَّم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على الإيمان بالله؛ لأن الأمم السابقة لم تكن مكلفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما هذه الأمة فلها ميزة على غيرها من الأمم كونها مكلفة بهذا الأمر، ولذلك قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان؛ لأن الإيمان عامل مشترك بين الأمم، فالكل مطلوب منه الإيمان، ويؤكد ذلك ما قاله الله سبحانه في سورة المائدة، آية (78-79):{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} .
ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يصاحبه إيمان بالله فلن يُقبل من صاحبه، وهو في الآخرة من الخاسرين، وقد يجازي عليه في الدنيا، وقدَّمه للحثِّ على القيام به، وبيان أهميته.
{وَلَوْ} : الواو: استئنافية، لو: شرطية.
{آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ} : أي: لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو آمنوا كإيمان المسلمين بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، وآمنوا برسلهم، واتبعوا ما أنزل الله تعالى.
{لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} : إذ كانوا يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، يؤمنون بموسى، وعيسى، ويكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم.
{مِّنْهُمُ} : أي: من أهل الكتاب.
{الْمُؤْمِنُونَ} : أمثال عبد الله بن سلام، وأصحابه (وهم قلة).
{وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} : الخارجون عن طاعة الله عز وجل بعدم اتباع النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين، والذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. ارجع إلى سورة البقرة آية (26) لمزيد من البيان في فاسقين، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (26) من سورة الحديد وهي قوله تعالى:{وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أكثرهم: تعني العدد، أو النسبة أكثر من كثير؛ أي: كثير أقل من أكثر، وأكثر تأتي أيضاً في سياق أسوأ الصفات مقارنة بكثير.
سورة آل عمران [3: 111]
{لَنْ} : حرف لنفي الضرر عنكم في المستقبل القريب والبعيد.
{يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} : إلا: أداة حصر؛ أي: لا تظنوا هذه الأكثرية الفاسقة قادرة على إلحاق الضرر بكم، وإنما قد يؤذوكم بالقول، أو الاستهزاء، أو السخرية، والطعن، والكذب.
يضروكم إلا أذى: لن يضروكم: ما معنى الضرر: الحدث المؤلم الذي له آثار تمتد على زمن طويل كما يحدث في الحروب والسلب والنهب.
أما الأذى: هو الحدث المؤلم ساعة وقوعه، وينتهي سريعاً بعد فترة من الزمن، والضرر أشد من الأذى، والأذى يحدث أولاً، وإذا استمر قد يصبح ضرراً.
{وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ} : الواو: عاطفة، إن: شرطية جازمة، تفيد معنى الاحتمال، وتستعمل للأمور النادرة الوقوع.
يقاتلوكم: أصلها يقاتلونكم حذف منها النون؛ تعني: عدم توكيد قتالهم لخوفهم منكم.
{يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} : أي: ينهزموا أمامكم (تولية الأدبار تدل على الهزيمة والخذلان).
حذف النون من يولونكم فقال: يولوكم (وهي جواب الشرط، وحذف منها النون) لتعني يولوكم الأدبار بسرعة.
والأدبار جمع دبر، والدبر يقابله القبل، وتعني الظهر، واستعمل الدبر بدلاً من الظهر، أو العقب (عقب القدم) لبشاعة الانهزام أمام العدو.
ولا بد من الانتباه إلى أمر هام: هو أن القرآن العظيم يستعمل غالباً الدبر في الانهزام أمام العدو، وفي القتال والانسحاب من أرض المعركة، ويستعمل العقب غالباً في الارتداد عن دين الله، والكفر، والضلال بعد الإيمان.
أمثلة: {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15]؛ أي: الفرار من أرض المعركة.
{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ} [الفتح: 22]؛ أي: فروا من أرض المعركة.
{أَفَإِين مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]؛ أي: عدتم إلى الكفر والشرك والعصيان أو الردة.
{إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 149].
لأن الفرار أمام العدو يمكن العدو من ظهورنا، أو أدبارنا، فهذا أمر عظيم مستهجن، وحين يفر المسلم من أرض المعركة، أو التولي يوم الزحف من الكبائر.
وقوله تعالى: {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} : بدلاً من قوله: ثم لا ينصروا، فهنا عطف بالرفع بدلاً من أن يعطف بالجزم.
وهذا له أهمية بلاغية هامة؛ لأنه لو جزم الفعل فقال: ثم لا ينصروا؛ لكان النصر مقيداً بتلك المعركة فقط؛ أي: تنصروا مرة واحدة، أو مرتين على الأكثر.
ولكن حين رفع الفعل، وقال: ثم لا تنصرون: كأنه وعدٌ مطلقٌ بالنصر المتكرر مرات عديدة، وليس مرة واحدة فقط؛ ليطمئن المؤمنين.
وانظر إلى كلمة (ثم) التي تدل على التراخي في الزمن؛ أي: في الزمن القادم البعيد، وهذا يدل على حكم الله تعالى على أهل الفسق، والكفر أنهم لا ينصرون أبداً، سواء بقتال أو غيره، وإن انتصروا مرة أو مرتين فلن يطول ذلك، ويعود النصر إليكم، وهذا إشارة ووعد من الله للمؤمنين يبعث في روح المؤمن التفاؤل ويحثه على التوكل على الله، واليقين بنصر الله تعالى.
يؤيد ذلك قوله تعالى في الآية (126) من سورة آل عمران: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} .
سورة آل عمران [3: 112]
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} : أحاطت بهم الذلة، أو ألصقت بهم المذلة بحيث لا يستطيعون الانفكاك عنها، كما تحيط الخيمة بما فيها (استعارة مكنية).
وكلمة ضربت مشتقة من صهر المعادن في قالب تصهر النقود الفضية فيه، تُصهر وتوضع في قالب، فتخرج مطبوعة بطباعة لا تنفك عنها.
{عَلَيْهِمُ} : جار ومجرور، وتقديم عليهم على الفاعل تفيد الحصر، وعلى تفيد الاستعلاء والمشقة.
{الذِّلَّةُ} : الذليل: هو من لا منعة له، ولا قوة (ضعفاء لا منعة لهم ولا قوة)، وحدث ذلك بعد أن تأمروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبسبب الحروب ضد المسلمين مثل حروب خيبر، وبني قريظة، وبني قينقاع.
{أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} : أين: ظرف مكان تفيد الإبهام والغموض، وأوسع شمولاً وعموماً من حيثما. ما: شرطية، ثقفوا: أينما وجدوا، ولكن هناك فرق بين ثُقفوا ووجدوا.
ثقفوا: إذا ثقفت عدوك؛ أي: وجدته وأنت في حالة من القوة، والتمكن من النيل منه.
وجدوا: تعني إذا وجدت عدوك؛ أي: وجدته وأنت في حالة غير تأهب، واستعداد لقتاله، والنيل منه، وهنا يجب عدم التعرض له ومواجهته.
أي: ضربت عليهم الذلة أينما أدركوا، وأقاموا، فالذلة محيطة بهم.
{إِلَّا} : أداة استثناء، إلا في حالتين يكونون فيها غير أذلاء:
الأولى: {بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} : الحبل هو العهد من الله.
والحبل هو المعاهدة كالمعاهدة التي تربط بين دولة ودولة أخرى.
والحبل يعني الأمان؛ لأنه يوصل إلى البغية، ويزول به الخوف.
إلا بحبل من الله؛ أي: ضربت عليهم الذلة في كل الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل من الناس، وحبل الله يعني: الكتاب (القرآن، أو التوراة)، أو الدِّين.
أي: إذا تمسكوا بكتابهم كالتوراة (وعملوا بما فيه)، أو الذين طبقوا ما فيه فهم في مأمن.
أو إذا أعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم العهد، كما حصل في المدينة، فكانوا آمنين غير خائفين.
وبعد أن تخلى عنهم الله بسبب ما فعلوه لجؤوا إلى غيرهم كالدول وغيرها لتحميهم.
الثانية: {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} : أو هم غير أذلاء حين عقدوا المعاهدات مع الدول الأخرى؛ فأصبحوا تحت حماية دولة قوية تدافع عنهم.
{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} : رجعوا أو استحقوا غضب الله، والباء في كلمة بغضب للإلصاق؛ أي: غضب الله لا يفارقهم (ملتصق بهم).
{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} : المسكنة أمر ذاتي نفسي داخلي، هو شعورهم بأنهم مظلومون مساكين أمام العالم كله، بينما الذلة أمر خارجي (مثل الهزائم في الحروب، والانكسار، والجبن، والخوف).
{ذَلِكَ} : اسم إشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب الله.
كل ذلك سببه كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وبسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على حدوده.
{بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} : يكفرون ولم يقل: كفروا؛ لأنهم استمروا على كفرهم، وكفرهم يتكرَّر، ويتجدَّد، ولم يتوقَّف.
أمثلة على كفرهم بآيات الله، مثل: النجاة من فرعون، وفلق البحر، وإنزال المن والسلوى، ورفع الطور فوقهم كأنه ظلة، وضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً.
{وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} : ارجع إلى الآية (61) من سورة البقرة لمقارنة آيات قتل النبيين والأنبياء بحق وبغير حق.
يقتلون الأنبياء: جاءت بالفعل كفعل مضارع (لحكاية الحال)؛ ليحضر صورة القتل أمام أعيننا رغم أنه حدث في الماضي، وينقله من الماضي إلى الحاضر؛ لبشاعته.
والأنبياء: تدل على جمع كثرة (جمع تكسير) مقارنة بالنبيين جمع سالم يفيد القلة.
بغير حق: حق: نكرة، والنكرة تدل على البشاعة والذم، ولا يوجد حقٌّ أصلاً، أو سبب سواء كان معرفة، أو نكرة يدعو إلى قتل أي نبي.
{ذَلِكَ} : تفيد التوكيد والتكرار لما حدث لهم من الذلة والمسكنة والغضب.
{بِمَا عَصَوْا} : الباء: باء السببية، أو البدلية.
أي: بسبب عصيانهم أوامر الله، ونواهيه، وكانوا يعتدون، أمثلة: أخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وصدهم عن سبيل الله كثيراً.
لنقارن هاتين الآيتين سورة البقرة، آية (61):{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} .
والآية (112) من سورة آل عمران: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} .
ففي آية البقرة: الذلة والمسكنة ضربت عليهم في آن واحد (في زمن موسى عليه السلام )، وتجلت الذلة والمسكنة في هزائمهم في الحروب مع العماليق (القوم الجبارين) الذين كانوا دائماً يهزمونهم، وسرقوا التابوت الذي فيه بقية من آل موسى وآل هارون.
وأما في آية آل عمران: ضربت عليهم الذلة في زمن أول، وضربت عليهم المسكنة في زمن آخر، أو ثانٍ، وضربت عليهم الذلة حين تآمروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربت عليهم المسكنة في حروب خيبر وبني قريظة وبني قينقاع. ومقارنة هاتين الآيتين يشير إلى استعمال التنكير في آية آل عمران، وذكر الأنبياء في آل عمران الذي يدل على جمع الكثرة مقارنة بقتل النبيين جمع قلة في البقرة، واستعمال صيغة التعريف يدل على أن آية آل عمران أشد وأبلغ ذماً وتشنيعاً من آية البقرة، ولا ننسى أن آية البقرة أيضاً جاءت في سياق تعداد النعم على بني إسرائيل.
سورة آل عمران [3: 113]
{لَيْسُوا سَوَاءً} : أي: ليس أهل الكتاب متساوين في درجة الإيمان والتقوى.
{مِّنْ} : ابتدائية، أو بعضية من {أَهْلِ الْكِتَابِ} .
{أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} : جماعة قائمة ثابتة على الإيمان، والعمل الصالح، مثل: عبد الله بن سلام، وجماعة معه من اليهود، وقائمة مستقيمة على طاعة الله عز وجل، وقائمة بالأمانة والفرائض.
{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} : آيات القرآن في صلاة التهجد، والتلاوة تعني: القراءة المتتالية.
{آنَاءَ الَّيْلِ} : ساعات الليل.
{وَهُمْ يَسْجُدُونَ} : أي: يصلون (عبَّر عن الصلاة بالسجود)، عبر بالجزء وأراد به الكل، السجود جزء من الصلاة.
سورة آل عمران [3: 114]
من أهل الكتاب، من: للمفرد، والمثنى، والجمع.
{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : أي: لهم نفس صفات خير أمة أخرجت للناس.
{وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} : ارجع إلى الآية (110) من نفس السورة بصيغة المضارع؛ للتجدد، والاستمرار.
{وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} : ارجع إلى الآية (110) من نفس السورة بصيغة المضارع؛ للتجدد، والاستمرار.
{وَيُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ} : ولم يقل: إلى الخيرات؛ أي: هم سارعوا في فعل الخيرات سابقاً، ومستمرون عليها، ويسارعون في زيادتها.
{وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} : وأولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد يفيد علو درجتهم، وعلو منزلتهم. من الصالحين: من جملة الصالحين الذين أصلحوا أعمالهم عند ربهم، ورضي عنهم، واستحقوا ثناءَه، وأصلحوا استعمار الأرض، وكانوا قدوة لإصلاح غيرهم.
سورة آل عمران [3: 115]
{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} :
{وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: شرطية، {يَفْعَلُوا}: يقوموا به من قولٍ أو عمل.
{مِنْ} : استغراقية تشمل الصغير، أو الكبير، أو القليل، أو الكثير، أو مهما كان نوعه.
{خَيْرٍ} : ما فيه نفع وصلاح الدِّين والدنيا.
{فَلَنْ} : الفاء: للتوكيد، لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد، لن يكفروه قريباً أو بعيداً.
{يُكْفَرُوهُ} : مشتقة من الكفر، وهو الستر، والهاء: تعود على الخير؛ أي: لن يُستر عنهم، أو لن يحجب عنهم ثوابه؛ أي: سينالون ثوابه وافياً.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ} : بصيغة المبالغة على وزن فعيل، كثير العلم، لا تخفى عليه خافية، عليم بما يفعلونه ويقولونه.
{بِالْمُتَّقِينَ} : جمع متقٍ، عليم بما يعملونه، ومن هم وليجازيهم على تقواهم. ارجع للآية (2) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [3: 116]
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِىَ} : ارجع إلى الآية (10) من نفس السورة.
{وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : ارجع إلى الآية (39) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [3: 117]
{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا رياءً، وبدون إخلاص، وابتغاء السمعة، والمدح من الناس، وليس ابتغاء وجه الله؛ حتى ولو تكرر إنفاقهم، وتجدد لن ينفعهم، ولن يقبل منهم، وشبهه الله كمثل ريح فيها صرٌّ.
{كَمَثَلِ} : الكاف: للتشبيه؛ أي: يشبه.
{رِيحٍ} : الريح في القرآن تحمل معنى الشر والدمار، والعذاب بعكس الرياح التي تحمل الخير والبركة.
{فِيهَا صِرٌّ} : الصرُّ: هو البرد الشديد الزمهرير (ريح صرصر عاتية).
{أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} : الحرث: الزرع؛ أي: رزق قوم (جماعة من الناس).
{ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} : بالشرك، والكفر، والرياء، والمعاصي.
{فَأَهْلَكَتْهُ} : الفاء: للمباشرة، والتعقيب، أهلكته: قضت عليه، أو دمرته، أو جعلته حطاماً لا نفع منه.
{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} : بإهلاك حرثهم، أو بعدم قبول نفقاتهم؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله، ولم يتوبوا إلى الله عز وجل، فكان ذلك سبب إحباط ثواب نفقاتهم.
{وَلَكِنْ} : حرف استدراك وتحقيق.
{أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : بحبوط ثواب أعمالهم في الآخرة، أما في الدنيا فالله سبحانه يثيبهم، فما يقومون به من مشاريع خيرية مثلاً، أو إنشاء المدارس، أو التبرعات، فالله سبحانه يعطيهم أكثر منها في الدنيا، وتخلد أسماؤهم، وتقام لهم الذكريات والأعياد.
وفي هذه الآية قال سبحانه: {وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ، وفي آيات أخرى قال سبحانه:{وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57، الأعراف: 160].
يستعمل كانوا في سياق الأقوام الذين ماتوا، وانقرضوا، أو سياق الآخرة.
أما أنفسهم يظلمون: هم الآن في الدنيا، ولا زالوا على قيد الحياة (في سياق الدنيا)، فالسؤال هنا: عندما تهب ريح صرصرٍ هل تهب على هؤلاء القوم الكافرين وحدهم، أم تهب على الجميع الذين ظلموا أنفسهم، والذين لم يظلموا؟!
تهب على الجميع، فالذين ظلموا أنفسهم خسروا أموالهم وأنفسهم، وفي النار هم فيها خالدون، وأما الذين آمنوا، ولم يظلموا أنفسهم فعليهم الصبر والاحتساب، والإنابة، ولهم الثواب والأجر عند الله.
سورة آل عمران [3: 118]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد إلى الذين آمنوا، استعمل فيها الهاء؛ للتنبيه.
{لَا} : الناهية.
{تَتَّخِذُوا} : الاتخاذ يعني: الجعل، أو التصيير؛ أي: لا تجعلوا.
{بِطَانَةً} : بطانة الرجل؛ أي: خاصته، وأصحابه المقربين الذين يسر إليهم أسراره، ويسمون كذلك وليجة، وبطانة: مشتقة من بطانة الثوب، وهي القماش الرقيق الذي يبطن به الثوب الداخلي، ويلتصق بجسم الإنسان، وشبه خاصة الرجل والمقربين إليه ببطانة الثوب؛ لأنهم قريبون منه يعرفون أسراره، وأعماله كقرب الثوب الباطن من صاحبه.
{مِنْ دُونِكُمْ} : من غيركم؛ أي: لا تتخذوا بطانة لكم من غير المؤمنين؛ كاليهود والمنافقين تسرون إليهم أخباركم، أو تطلعوهم على أسراركم.
{لَا} : النافية.
{يَأْلُونَكُمْ} : أصل الألو: التقصير، يقال: ألا في الأمر؛ أي: قصر فيه.
الخبال: هو الشر، والفساد، وبث الأكاذيب، والنميمة، (وقيل: اختلال العقل).
{يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} : أي: لا يقصرون في أن يفعلوا كل ما يقدرون عليه ليوقعوا فيكم البلبلة، والفساد، والشر، وخلق الاضطراب، والاختلاف بينكم.
{وَدُّوا} : من الود، وهو الحب الذي تمليه طباعهم، وقلوبهم.
{مَا عَنِتُّمْ} : ما: مصدرية، وتقديره: ودوا عنتكم بأي وسيلة، وأي نوع من العنت، وإلحاق الضرر، والمشقة بكم، عنتم: مشتقة من العنت: وهو الوقوع في أمر شاق، أو الضرر بكم.
إذن ودوا ما عنتم: أحبوا إلحاق الضرر بكم والمشقة، وإهلاككم.
{قَدْ} : حرف تحقيق يفيد التوكيد.
{بَدَتِ} : ظهرت.
{الْبَغْضَاءُ} : شدة الكراهية، وإذا اشتدت البغضاء تحولت إلى شنآن، أو قِلى.
{مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} : حيث تزل ألسنتهم بالخطأ من الشتم، والكذب، والمخالفة.
{وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ} : من الكراهية، والحقد، والعداوة.
{أَكْبَرُ} : أعظم مما يقولونه بألسنتهم بطريق الخطأ.
{قَدْ بَيَّنَّا} : قد: للتوكيد، بينا: أوضحنا وأظهرنا.
{لَكُمُ الْآيَاتِ} : الدلائل التي تهديكم إلى سواء السبيل من عدم اتخاذهم بطانة لكم خاصة.
{إِنْ} : شرطية، وتفيد الشك، أو الندرة في الحدوث.
{كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} : أي: إذا كنتم ذوي عقول نيرة تفهم الآيات. ارجع إلى سورة البقرة، آية (44) والآية (73)؛ للبيان.
وأما إذا لم يظهر منهم بادرة، أو موقف من هذه المواقف العدائية، فالله سبحانه وتعالى لا يمنعكم من أن تبروهم، وتقسطوا إليهم؛ حيث قال في سورة الممتحنة، آية (8):{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .
سورة آل عمران [3: 119]
تستمر الآيات في التحذير من اتخاذ البطانة من غير المؤمنين، وتبين الأسباب الداعية إلى عدم اتخاذ البطانة، فيقول تعالى:
{هَاأَنتُمْ} : الهاء: للتنبيه، والتحذير لعباده المؤمنين، أنتم: ضمير منفصل يفيد التوكيد.
{أُولَاءِ} : اسم إشارة للقرب حذف الهاء من أولاء وأصلها هؤلاء؛ لأن الموقف لا يحتاج إلى الوعظ وإلى التنبيه مرة أخرى، واكتفى بهاء التنبيه في كلمة ها أنتم.
{تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} : لأنهم أقرباء لكم، وبالنسب، والصداقة، والخلة، أو تحبونهم طمعاً في إسلامهم، أو رحمة بهم، وهم لا يحبونكم. لا: النافية.
وانتبه إلى قوله: تحبونهم، ولا يحبونكم، ولم يقل تحبوهم ولا يحبوكم، بل زاد نون التوكيد على حبكم الشديد لهم، وهم لا يبادلونكم أي حب، (وزاد نون التوكيد على عدم حبهم لكم).
وإذا قارنا قوله تعالى: {هَاأَنتُمْ أُولَاءِ} في الآية (119) التي جاءت في سياق اتخاذ البطانة، وبقوله في آية (66) من آل عمران:{هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} : ففي قوله: ها أنتم هؤلاء: دخلت هاء التنبيه على الضمير، وعلى اسم الإشارة في آن واحد مما يدل على أن التنبيه والتحذير وشدة اللوم هو أشد وأكبر في هذه الآية التي جاءت في سياق أهل الكتاب الذين يزعمون أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً مقارنة بالذين اتخذوا بطانة من دون المؤمنين.
ولنقارن أربع آيات:
الآية (119) من سورة آل عمران: {هَاأَنتُمْ أُولَاءِ} : نجد تقديم هاء التنبيه على الضمير، وتأخير اسم الإشارة.
والآية (85) من سورة البقرة: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ} : نجد دخول هاء التنبيه على اسم الإشارة مع تقديم الضمير أنتم.
والآية (66) من سورة آل عمران: {هَاأَنتُمْ أُولَاءِ} : نجد دخول هاء التنبيه على الضمير، وعلى اسم الإشارة في آن واحد.
والآية (84) من سورة طه: {هُمْ أُولَاءِ} : لا نجد بها هاء داخلة على الضمير، ولا اسم الإشارة.
فلكل آية من هذه الآيات سياق مختلف من حيث شدة التحذير، والتنبيه؛ سنعود إليه حين دراستها.
{وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} : وتصدقون بالكتاب. الباء: للإلصاق، وتعني: التمسك به. الكتاب: اسم جنس؛ أي: بكل الكتب السماوية المنزلة.
كله: توكيد للإيمان بكل الكتب، والدليل قوله سبحانه:{كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285].
وحذف وهم لا يؤمنون؛ حيث كان الأصل في الآية: وتؤمنون بالكتاب كله، وهم لا يؤمنون.
{وَإِذَا} : ظرفية للزمن المستقبل، وتتضمن معنى الشرط، وتفيد حتمية الحدوث.
{لَقُوكُمْ} : من اللقاء، وهو المواجهة، والتحدث، والفرق بين اللقاء والاجتماع: الاجتماع قد يكون في مكان ما، والكل موجود، ولا يجري اتصال، أو حديث بينهم. أما اللقاء: فهو اجتماع وحديث معاً.
{قَالُوا آمَنَّا} : أي: صدقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا آمنا حذراً على أنفسهم، وهذه حال المنافقين.
{وَإِذَا خَلَوْا} : أي: خلا بعضهم ببعض، أو خلوا إلى رؤسائهم؛ بحيث لا يراهم المؤمنون، خلا به، وخلا إليه، وخلا معه، وخلا: سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل (خلا معه)، وخلا قد تعني: مضى وذهب.
{عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} : الأنامل: جمع أنملة رأس الأصابع كلها.
وعض الأنامل: عادة يعض على رأس الأنملة، ولا يعض الأنامل كلها، بل أنملة واحدة.
ولكنه استعمل الأنامل بدلاً من الأنملة (مجازاً) دليلاً على شدة الغيظ، والحقد، والندم.
وعضوا عليكم الأنامل: لأنهم لم يستطيعوا إلحاق الضرر والأذى بكم.
أو عضوا من شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم، ووحدتكم.
{الْغَيْظِ} : قيل هو أشد من الغضب، والغيظ: هو الهيجان، وثورة النفس؛ لعدم القدرة على التشفي، والانتقام، والثأر بسبب سوء لحقه من الغير. ارجع إلى سورة التوبة، آية (15)؛ لمزيد من ا لبيان.
{قُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم.
{مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} : قل استمروا على غيظكم حتى الممات، أو موتوا وأنتم فيما أنتم عليه من الغيظ؛ لأن الله سبحانه متم نوره، ومظهر دينه.
والباء تفيد الإلصاق، موتوا والغيظ ملتصق بكم، أو ملازم لكم لا ينفك عنكم.
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} : إن: للتوكيد، عليم: مطّلع ورقيب على كل نفس، ويعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.
بذات الصدور: تعني القلوب (القلب في الصدر).
ذات الصدور تعني: كل المعتقدات، والحقائق، والأحاسيس، والخواطر من نفاق، وإيمان، وحسد، ومكر، وكراهية، وحب، فهذه الأمور التي تعيش وتصاحب الإنسان تصبح كالصاحب الذي لا يفارق صاحبه، فلكونها ملازمة، أو مصاحبة لصدر الإنسان؛ أي: قلبه (تجول وتعيش فيه) تسمى ذات الصدور، وإن لم تخرج بعد إلى الناس.
سورة آل عمران [3: 120]
{إِنْ} : شرطية تدل على الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
{تَمْسَسْكُمْ} : تمسسكم من المس: وهو اللمس الخفيف، مجرد التقاء الماس بالممسوس، والمس يكون في الخير، أو الشر.
{حَسَنَةٌ} : نكرة؛ أي: حسنة، والحسنة: ما يسرّ النفس، وكل ما يستحسنه الإنسان من فوز، أو غنيمة، أو نصر، أو رزق، أو الدخول في الإسلام، ومهما كانت صغيرة، أو كبيرة، ومهما كان نوعها. ارجع إلى سورة البقرة، آية (201)؛ لمزيد من البيان.
{تَسُؤْهُمْ} : تحزنهم، وتزعجهم؛ أي: مجرد أن تمسكم، ولو كان مسَّاً طفيفاً تحزنهم، وتزعجهم.
{وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} : وإن: شرطية تدل على الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
تصبكم: ولم يقل: تمسسكم، كما قال في شأن الحسنة، وإنما قال تصبكم، والإصابة أشد، وأسوأ من المس، فهم يبغون لكم الإصابة بالسيئة؛ لأن المس في نظرهم لا يكفي، بل لا بد من أن يكون شديداً إلى درجة الإصابة الشديدة حتى {يَفْرَحُوا بِهَا}: يفرحوا بذلك، أما إن كان مجرد المس الخفيف لما فرحوا والسيئة قد تكون الفقر، أو الهزيمة، أو الجوع، أو الخوف، أو الكل معاً.
{وَإِنْ تَصْبِرُوا} : الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، تصبروا: على أذاهم وحقدهم، وغيظهم، وعلى ما أصابكم في سبيل الله، وتصبروا على طاعتكم. {وَتَتَّقُوا}: الله في موالاتهم، وتتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
{لَا} : النافية، والكيد اسم لفعل المكروه بالغير.
{يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ} : يضركُم: بضم الكاف، وفي قراءة أخرى لا يضركَم بفتح الكاف، والأكثر شيوعاً هي القراءة بفتح الكاف؛ لأن الفتحة أخف الحركات، والضمة أثقل الحركات، فعند القول بالفتح معنى انظر لا يذكر قليل جداً، وأما بالضم يضركُم كما في هذه الآية تعني هناك ضر، أو أذى سوى يصيبكم، ولكن لا يضركُم كثيراً، ومجيئها بالفتح، أو الضم؛ للدلالة على أن هناك حالات شديدة من الضر وحالات أخف، وليس ما يعانيه الأفراد بمستوى واحد، أو من نوع واحد، والكيد هو التدبير الخفي للضرر بالغير، وهو احتيال على إيقاع الضرر بالغير؛ بحيث يبدو أنه غير مدبر، والضُّر: ما يصيب البدن من السقم، أو الأمراض، أو الجوع، والضَّر: بفتح الضاد: ضد النفع.
{شَيْـئًا} : للتوكيد على عدم ضر الكيد، والشيء هو أقل القليل، وشيئاً نكرة؛ أي شيء مهما كان نوعه، أو شدته، والشيء: كل ما يعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً.
{إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} : إن: للتوكيد، بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.
إن الله عالم بكل شيء، ومحيط به إحاطة تامة من كل الجوانب، محيط به بقدرته، وعلمه، وقادر على إحباطه إن شاء، فالله سبحانه محيط بما يعمل الكافرون، وهو أيضاً محيط بالكافرين أنفسهم، ومحيط بأقوالهم وأفعالهم.
وهذه الآية تحث المؤمنين على الصبر، والتقوى على أذى الكافرين، والمشركين حتى يأتي الله بأمره بالنصر، أو الفتح من عنده.
سورة آل عمران [3: 121]
يجب الانتباه أن في سورة آل عمران (60) آية تتحدث عن غزوة أحد تبدأ بهذه الآية: وإذ غدوت من أهلك إلى الآية (180).
{وَإِذْ} : واذكر إذ ظرف زماني للماضي، أو تعني: واذكر حين.
{غَدَوْتَ} : الغدوة: هي أول النهار (ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس).
{مِنْ} : لابتداء الغاية.
{أَهْلِكَ} : الأهل هم الزوجة، والأولاد (غدوت من حجرة عائشة).
{تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} : تبوئ: توطن المؤمنين في أماكن القتال، أو تنزل المجاهدين في أماكن قتالهم يقال: بوأته، وبوأت له منزلاً؛ أي: أنزلته فيه.
{مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} : أماكن يقفون فيها للقتال يوم أحد، وهم يومئذٍ خمسون رجلاً هم الرماة وأميرهم هو عبد الله بن جبير.
{وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} : سميع لما قاله بعض المؤمنين حين شاورتهم في الخروج خارج المدينة للقتال، فقالوا: لا تخرج إليهم، وابقَ في المدينة حتى يدخلوها علينا، والذين قالوا: لنخرج عليهم حتى نلقاهم خارج المدينة المنورة، والله سبحانه عليم وسميع بكل قول، ونية، وفعل، ومن أخطأ، أو أصاب، ومن أخلص، ومن نافق.
سورة آل عمران [3: 122]
{إِذْ} : ظرف زماني بمعنى: واذكر حين، أو متعلق بالآية السابقة سميع عليم؛ أي: عليم إذ همت.
{هَمَّتْ} : من الهم: وهو حديث النفس نحو عملٍ ما، أو الخاطر الذي يجول في عقل الإنسان، وقد يتحول أخيراً إلى قصدٍ وعزم.
{طَائِفَتَانِ} : الطائفة: جماعة من الناس تؤمن بنفس الأفكار، أو تطوف حول أفكار واحدة، أو عقيدة واحدة.
والفرق بين الطائفة والفئة:
الطائفة: جماعة تؤمن بنفس الأفكار، أفكارها موحدة.
الفئة: جماعة من الناس لا تستطيع أن تحمي نفسها إلا إذا فاءت إلى فئة أخرى؛ لتحميها، والفئة تحمل معنى الحماية، أو النصرة، أو القتال.
طائفتان: هما بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج في طريقهما إلى معركة أحد؛ إذ هموا بالانسحاب، والعودة إلى المدينة عندما رأوا تخاذل عبد الله بن أُبي رأس المنافقين مع أصحابه، وكانوا حوالي ثلاثمئة رجل، فقالوا: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؛ مما أدَّى ببني سلمة، وبني حارثة على التفكير بالانسحاب، ولكن لم يحدث ذلك حيث عصمهما الله تعالى.
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التوكيد.
{تَفْشَلَا} : من الفشل هو الخور والانسحاب، ولكنهم ثبتوا وساروا إلى أرض المعركة.
{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} : والله متولي أمورهما وناصرهما.
الولي: هو الذي يواليك، ويُعينك حين الحاجة، أو الخوف، وينصرك إذا كان قادراً على ذلك، ولذا عصمهما من عدم الرجوع، وترك النبي مع القليل من أصحابه في أرض المعركة.
{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} : وعلى الله تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يدل على الحصر، حصر التوكل على الله وحده لا غيره.
التوكل: الاعتماد على الله في كافة الأمور الدِّينية والدنيوية، وهو عمل قلبي.
والتوكل: يعني تفويض الأمر لصاحب الأمر، وهو الله تعالى، والاستعانة به بعد تقديم الأسباب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (89) لمزيد من البيان.
وفي هؤلاء المنافقين الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد نزل قول الله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 167].
ونزل أيضاً قوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179].
سورة آل عمران [3: 123]
ينتقل الله تعالى في هذه الآية ليذكر بفضله على المؤمنين بالنصر يوم بدر الذي حدث في السابع عشر من رمضان، وكان جيش العدو عددهم يقرب من الألف، وجيش المسلمين (314 رجلاً).
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ} : الواو: استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد، وقد: للتحقيق.
{بِبَدْرٍ} : الباء: باء الإلصاق؛ أي: وأنتم موجودون في بدر، وبدر: اسم مكان بين مكة والمدينة، وكان فيه بئر بدر، ويبعد عن المدينة بنحو (150 كيلومتراً).
{وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} : أذلة: جمع ذليل، وأنتم تعني: المؤمنين قبل المعركة، معركة بدر أنتم أذلة. والذليل: وهو من لا منعة له، ولا قوة (كناية عن قلة عددهم، وعدتهم، وضعف حالهم).
{فَاتَّقُوا اللَّهَ} : ائتمروا بطاعة الله، وتجنبوا محارمه، وكذلك أطيعوا الرسول، واصبروا واثبتوا معه، ولا تخالفوا أمره.
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : أي: لتكونوا من الشاكرين، والشكر يكون عادة على النعمة، أو العطاء الواصل للعبد، ويكون باللسان والجوارح كما قال تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ، لعل: هنا للتعليل، فالطاعة، والصبر، والثبات من مظاهر الشكر على النعمة. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (10)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 124]
{إِذْ} : واذكر إذ قلت، وأبدلها بفعل مضارع:{تَقُولُ} : ليدل على حكاية الحال.
{لِلْمُؤْمِنِينَ} : اللام: لام الاختصاص، والمؤمنون: هم الصحابة.
{أَلَنْ} : الهمزة همزة استفهام إنكاري، إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وجاء بلن الذي هو لتأكيد النفي.
{يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} : من السماء.
اختلف المفسرون في قوله: إذ تقول للمؤمنين {يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ} : هل هذا كان يوم بدر، أم يوم أحد على قولين:
فالذين قالوا كان هذا يوم أحد: قالوا كان هذا وعد لهم بالمدد المذكور من الملائكة على شرط الصبر، والتقوى، فلما لم يصبروا ولم يتقوا وخالفوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يمددهم الله لا بثلاثة، ولا بخمسة، ولم تنزل الملائكة، ولو نزلت الملائكة لما انهزموا في أحد.
والذين قالوا: كان هذا يوم بدر أمدهم بألف من الملائكة يوم بدر، ثم زادهم إلى (3 آلاف)، ثم خمسة آلاف؛ لأنهم صبروا واتقوا، كما ذكره تعالى في سورة الأنفال آية (9).
فهذه الألف نزلت فعلاً، وقاتلت مع المؤمنين، وشوهد ذلك يقيناً.
خلاصة القول ـ والله سبحانه أعلم ـ: ومن المحتمل أن هذه الآيات (122-127) من آل عمران نزلت في سياق معركة بدر؛ لتذكر المسلمين بنصرهم يوم بدر.
وكذلك الآيات في سورة الأنفال تتحدث عن بدر؛ أي: هناك مشهدين لمعركة بدر، ولا شك باقي الآيات في سورة آل عمران تتحدث عن معركة أحد، كما سنرى. ارجع إلى سورة الأنفال آية (9) لمزيد من البيان المفصل عن جمع بين الآيات في سورة آل عمران والأنفال والفرق بين المد والإمداد.
سورة آل عمران [3: 125]
{بَلَى} : إذا وقعت عند النفي تفيد إثبات ما بعدها؛ أي: يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة.
{إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} : إن: شرطية، تصبروا: على لقاء العدو، وتتقوا: ربكم تأتمروا بأوامره، وتتجنبوا نواهيه، وتتقوا المعاصي، ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبتوا مع رسوله.
{وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ} : أي: ويأتيكم المشركون من ساعتهم هذه (أي: الآن) لقتالكم.
{هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} : يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة المسومين، ويمددكم من الإمداد، وأكثر ما يستعمل في المحبوب، والمد أكثر ما يستعمل في المكروه.
مسومين: مُعلمِين أنفسهم، أو خيلهم. عليهم عمائم بيض، أو صفر، وخيلهم معلمة في أذنابها ونواصيها.
سورة آل عمران [3: 126]
{وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: نافية.
{جَعَلَهُ اللَّهُ} : الهاء تعود على الإمداد، والله سبحانه قادر على النصر بدون الإمداد بالملائكة، أو أي شيء.
{إِلَّا} : حصراً.
{بُشْرَى لَكُمْ} : أي: هذا الإمداد فيه بشرى لكم، والبشارة هو أول ما يصل إليك من الخبر السار، وفي الآية (10) في سورة الأنفال قال تعالى:{إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} حذف لكم؛ لأن الآية في الأنفال تقدمها قوله لكم في الآية (7) مرتين.
إذن: من هذه الآية نعلم أن حضور الملائكة المعركة، وعددهم سواء كثر، أو قل هو مجرد بُشرى؛ لأن النصر الحقيقي هو من عند الله العزيز الحكيم.
{وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} : اللام للتأكيد، لتسكن وتهدأ قلوبكم به؛ أي: بالإمداد، وفي الآية (10) في سورة الأنفال قال تعالى:{وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} قدم به على قلوبكم بعكس آية آل عمران.
{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا} : الواو: عاطفة، ما: النافية، إلا: حصراً {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
{الْعَزِيزِ} : القوي الذي لا يغلب، ولا يُقهر، والممتنع لا يضره أحد.
{الْحَكِيمِ} : الذي ينصر من يشاء، ويمنع النصر عمن يشاء حسب ما تراه حكمته.
وفي هذه الآية التي نزلت بخصوص غزوة أحد قدَّم القلوب على الإمداد للاهتمام؛ لأن القلوب في غزوة أحد كانت حزينة مجروحة وخائفة.
وأما في آية الأنفال (10) التي نزلت بخصوص غزوة بدر قدَّم الإمداد على القلوب في غزوة بدر، فقال:{وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} ؛ لأن الإمداد كان هو المهم والمنتظر.
ولنقارن بين هاتين الآيتين، الآية (126) من سورة آل عمران، والآية (10) من سورة الأنفال:
آل عمران آية (126): {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} الآية نزلت في غزوة أحد، وآية الأنفال نزلت في غزوة بدر، وغزوة بدر وقعت قبل أحد فبين في بدر (آية الأنفال) أن النصر إلا (حصراً) من عند الله إن الله عزيز حكيم أكد بـ (إن)؛ أي: ليس النصر بالعدد والعدة، وإنما هو من عند الله وحده سبحانه، وعلل النصر بعزته وحكمته، وفي آية آل عمران في وقعة أحد قال إلا من عند الله العزيز الحكيم بأل التعريف؛ أي: الذي تعرفونه سابقاً من غزوة بدر.
الأنفال آية (10): {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
الخلاصة: في آل عمران (غزوة أحد)، ولتطمئن قلوبكم به (يعني به الإمداد) قدَّم القلوب في أحد؛ لأن القلوب حزينة مجروحة، وخائفة، والقلوب أهم من الإمداد.
في الأنفال (غزوة بدر): ولتطمئن به قلوبكم (هنا قدَّم الإمداد على القلوب؛ لأن القلوب مطمئنة بالنصر الذي وُعدوه وهم ينتظرون الإمداد الإلهي).
في آل عمران: لم يؤكد، وقال: إلا من عند الله العزيز الحكيم، أما في الأنفال أكد وقال: إن الله عزيز حكيم.
في آل عمران: قال: بشرى لكم، وفي الأنفال: لم يأت بذكر لكم؛ لأن سبقها ذكر لكم مرتين:
الأولى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7].
والثانية: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9].
وحذف لكم؛ لأنه مفهوم من الآيات السابقة.
سورة آل عمران [3: 127]
{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ} :
{لِيَقْطَعَ} : اللام: لام التعليل؛ ليقطع بالقتل والأسر.
{طَرَفًا} : طائفة من الذين كفروا، وهو ما كان يوم بدر من قتل (70) وأسر (70) من رؤساء قريش، ومن هنا: ابتدائية.
{أَوْ يَكْبِتَهُمْ} : من الكبت: أصل الكبت هو الخزي والإذلال؛ أي: يخزيهم ويذلهم بالهزيمة والخيبة والأسر.
{فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ} : جمع خائب، والخائب الذي لم ينل ما أمّل، والخيبة لا تكون إلا بعد أمل، واليأس قد يكون بغير أمل.
فينقلبوا خائبين: يرجعوا إلى ديارهم مهزومين، لم ينالوا ما كانوا يأملون من النصرة والعزة.
سورة آل عمران [3: 128]
{لَيْسَ لَكَ} : للنفي. لك: اللام: لام الاختصاص، والكاف: للمخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: ليس لك يا محمد من الأمر شيء.
{مِنَ} : استغراقية، تستغرق كل شيء.
{الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} : الأمر؛ يعني: هزيمة، أو نصر؛ أي: الله مالك أمرهم، إما يهلكهم أو يعذبهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا ليس عليك إلا البلاغ والإنذار، وليس موكلاً إليك قبول توبتهم، أو تعذيبهم.
شيء: نكرة، أي شيء مهما قل، أو كثر، ومهما كان نوعه، وإنما أنت مبعوث لإنذارهم فقط، فالله هو الذي يتوب، ويعذب، وينصر، ويغلب.
وليس لك شيء، ولا تدع عليهم، ولا تتألم لقرارك بالخروج خارج المدينة إلى أُحد لقتالهم وهو ليس السبب في الهزيمة في أحد، وأنت لست مسؤولاً عما حدث في أُحد، فهو تدبير العزيز الحكيم.
{فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} : حين خرجوا لقتالك، أو للدفاع عن الشرك والباطل. فإنهم: الفاء: للتوكيد، وإن: للتوكيد كذلك، ظالمون: لأنفسهم، وظالمون لغيرهم، ومشركون، وصفة الظلم ثابتة عندهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (54) لبيان معنى الظلم.
سورة آل عمران [3: 129]
{وَلِلَّهِ} : الواو: عاطفة، لله: لام الاختصاص، وتقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يفيد الحصر؛ أي: ما في السموات وما في الأرض حصراً له وحده، لا يشاركه أحد في ملكه وحكمه.
{مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ} : ملكاً، وخلقاً، وحكماً، وتدبيراً لله وحده.
ما في السموات: كظرف وما فيها كمظروف.
وما في الأرض كظرف وما فيها كمظروف.
وما في السموات لوحدها، وما في الأرض لوحدها، وما في كليهما معاً له وحده.
{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} : يحكم في السموات والأرض بما يشاء، فيغفر: يمحو ويستر ذنوب من يشاء من عباده، ويصفح ويعفو بالتوبة.
{وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} : بحكمه وعدله، ففي هذ الآية قدم المغفرة على العذاب للترغيب والبشارة، وأما في آية (40) في سورة المائدة وهي قوله تعالى:{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} قدم العذاب على المغفرة؛ لأن السياق في السرقة، وقدم العذاب للترهيب والحذر من السرقة.
{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : صيغة مبالغة من غفر؛ أي: كثير الغفران يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك مهما كانت وتنوعت وكثرت.
رحيم: على وزن فعيل؛ أي: يؤخر العذاب والعقاب، ورحيم بعباده المؤمنين دائماً وأبداً في الدنيا والآخرة.
سورة آل عمران [3: 130]
المناسبة: نجد أن الله سبحانه وتعالى يتوقف عن الحديث عن الغزوة، وينتقل إلى الحديث عن الربا، فهل هناك علاقة بين معركة أحد والنهي عن الربا؟
لقد كان من أسباب الهزيمة في أحد هو ترك الرماة مواطنهم في جبل أُحد رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرهم وأوصاهم بعدم فعل ذلك مهما كان الأمر.
ولكن الصحابة (الرماة) عصفت بهم شهوة الغنائم حين ظنوا أن المسلمين قد انتصروا في بداية المعركة، وطمعوا في المال والغنائم، فتركوا مواقعهم إلا العدد القليل الذين استجابوا لدعوة الرسول، وبقوا في أماكنهم؛ مما أدَّى إلى هزيمتهم، وقتل الكثير منهم، وتعرضهم للهلاك، فطمعهم في الغنيمة، والغنيمة مال زائد، والربا كذلك، ولذلك ذكر الربا.
أو يذكرنا الله تعالى بترك الربا، وبذل المال الحلال في سبيل الله، فهذه الغزوات تحتاج إلى تضحية ومال طيب حلال.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء إلى الذين آمنوا بتكليف جديد وأمر جديد.
{لَا} : الناهية.
{تَأْكُلُوا الرِّبَواا} : تأخذوا وشبه أخذ الربا بالأكل. ارجع إلى الآية (275) من سورة البقرة؛ للبيان. وهذا يسمى المجاز المرسل، والربا ربا الفضل، وربا النسيئة.
{أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} : لا تأخذوا؛ أي: تأكلوا الفائدة المركبة مع مرور الزمن. وما كان عليه الحال في الجاهلية كانوا يؤخرون الدَّين ويزيدون مقابل التأخير الفائدة حتى تتضاعف الفوائد.
1 -
في الجاهلية كان إذا حل أجل الدَّين يسألون الذي عليه الدَّين إما أن تقضي، وإما أن تُربي؛ فإن لم يقضِ زاد عليه الفائدة، وهكذا عام بعد عام يتضاعف مبلغ الربا، ويصبح أضعافاً مضاعفة.
2 -
أضعافاً مضاعفة إذا قارنته برأس المال، مثال: إذا أودعت مبلغاً من المال مثل (1000 درهم) بفائدة (10%) بعد سنة يصبح المبلغ (1100 درهم)، ثم تترك (1100 درهم) سنة أخرى تصبح (1210) وهكذا أي: تأخذ فائدة على رأس المال، وعلى الفائدة، وهذا يسمى بالربح المركب، فالأضعاف تتضاعف، ويصبح رأس المال الذي بدأت به شيء قليل لا يذكر ضعيف أمام المضاعفة التي حصلت من جراء تراكم الفائدة واستثمارها.
ومال الربا قل أو كثر هو حرام، ولا يقصد هنا أن الربا المضاعف أضعافاً كثيرة هو الحرام فقط، والربا القليل أو البسيط ليس حراماً، فالكل حرام.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا أوامر الله، وتجنبوا ما نهاكم عنه.
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : لعلكم: للتعليل، تفلحون: أي: اتقوا الله لتفحلوا في دنياكم وآخرتكم، ومعنى الفلاح. ارجع إلى الآية (5) من سورة البقرة.
في الدنيا وفي الآخرة بالفوز برضوان الله وجنته.
سورة آل عمران [3: 131]
{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} :
وهنا زاد التأكيد والتحذير من الربا الذي يؤدِّي إلى النار.
{وَاتَّقُوا النَّارَ} : أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية (حاجزاً)، وذلك بالالتزام بطاعة الله فيما أمر، أو نهى عنه.
{الَّتِى} : اسم إشارة.
{أُعِدَّتْ} : أعدت: تعني بعديد من أنواع العذاب؛ أي: هيئت للمرابين الذين يأكلون الربا، وهذا دليل على النار مخلوقة الآن ولغيرهم من الكفار والمشركين والمنافقين والمجرمين والعاصين.
{لِلْكَافِرِينَ} : ولم يقل: أعدت للذين يأكلون الربا؛ لأن هؤلاء من زمرة الكافرين.
سورة آل عمران [3: 132]
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} :
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} : في كل أمر ونهي وتحذير، ولم يقل:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} كما في آية النساء (59)؛ ارجع إلى سورة النساء آية (59) للبيان.
{لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} : رجاء رحمة الله، ولترحمون: يجب الأخذ بالأسباب الموصلة إلى الرحمة، وطلب الرحمة من الله؛ أي: رجاء رحمة الله، والدعاء ترحمون في الماضي، والمستقبل، والحاضر، رحمة تتجدد وتتكرر.
ارجع إلى الآية (32) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان. أطيعوا الله والرسول. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (8)؛ لمزيد من البيان لعلكم ترحمون، وعسى ربكم أن يرحمكم.
سورة آل عمران [3: 133]
{وَسَارِعُوا} : الواو: عاطفة، فهذه الآية معطوفة على ما قبلها من الآيات، واتقوا، وأطيعوا، وسارعوا.
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ} : بترك الربا حالاً، والسرعة هي الجري بسرعة إلى طلب المغفرة.
والسرعة لا تعني العجلة؛ لأن العجلة مذمومة في معظم الأحوال؛ إلا في دفن الميت، والتوبة، والزواج للبكر، وأداء الأمانة مثلاً، والسرعة مطلوبة من كل إنسان في الإنابة، والتوبة، والاستغفار (طلب المغفرة).
وهناك فرق بين المسارعة والمسابقة (أو السباق).
المسابقة تحتاج إلى أكثر من فاعل، فلا بد من اثنين، أو أكثر لتتم المسابقة، أما المسارعة فقد تتم بواحد.
وسارعوا إلى: إلى: حرف غاية، والغاية هي المغفرة.
والمغفرة: مشتقة من الغفر، والغفران؛ أي: الستر ستر الذنوب، وبالتالي العفو عنها.
سارعوا إلى مغفرة من ربكم: ومغفرة نكرة؛ أي: مغفرة صغيرة وكبيرة؛ أي: سارعوا إلى موجبات المغفرة وأولها هي الإسراع بالتوبة، والإنابة إلى الله، وترك الذنب، وكثرة الاستغفار، والإكثار من العمل الصالح، وفعل الخير.
من ربكم: الرب المربي المتولي بتدبير أموركم الذي خلقكم، ورزقكم، ورباكم.
{وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} : وسارعوا إلى جنة: نكرة؛ لأن هناك جنات كثيرة: جنات عدن، جنات الفردوس، جنات النعيم وغيرها. سارعوا إلى أي جنة من هذه الجنات، والإسراع يعني إلى موجبات الدخول في الجنة؛ كالقيام بالعمل الصالح، والإيمان وطاعة الله ورسوله.
جنة عرضها السموات والأرض: عرضها السموات السبع والأرض، فما طولها؟ لا يعلمه إلا الله.
{أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق (الملكية). أعدت: هيئت وأحضرت، فهي الآن موجودة ومخلوقة، وتنتظر أهلها.
المتقين: جمع متقٍ، والمتقي هو من أطاع أوامر الله، وتجنب ما نهى الله عنه.
ولا بد من مقارنة هذه الآية (133) من آل عمران مع الآية (21) من سورة الحديد؛ لنرى الكثير من الفروق:
آل عمران (133): {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} .
الاختلاف الأول: آية سورة آل عمران: تخاطب المتقين، وتحثهم بأن يسارعوا إلى مغفرة من ربهم وجنة.
بعد أن طلب منهم التقوى: {فَاتَّقُوا} ، وطاعة الله ورسوله:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} .
وبدأ بواو العاطفة.
آية سورة الحديد: تخاطب الذين آمنوا بالله ورسله، وهم أقل درجة من المتقين في الإيمان.
ولكن الذين آمنوا بالله ورسله أكثر عدداً من المتقين، وتحثهم على المسابقة إلى مغفرة من ربهم وجنة بعد أن بين لهم أن الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة.
الاختلاف الثاني: في آية سورة آل عمران: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} .
في آية سورة الحديد: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} .
الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض أوسع، أو أكبر من الجنة التي عرضها السموات والأرض؛ لأن السماء أوسع وأكبر من السموات، فالسماء تشمل السموات السبع وغيرها.
وبما أن عدد الذين آمنوا بالله ورسله أكثر من المتقين فهم يحتاجون إلى مكان أوسع، ولذلك ناسبهم قوله تعالى: كعرض السماء والأرض.
والمتقون أقل عدداً ناسبهم جنة عرضها السموات والأرض (أقل مساحة من السماء والأرض).
سورة آل عمران [3: 134]
أعدت للمتقين الذين من صفاتهم الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان.
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ} : جاء بالفعل المضارع الذي يدل على التجدد، والاستمرار في الإنفاق.
الذين: اسم موصول يفيد المدح والتعظيم.
{فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} : في الغنى واليسر، والضراء: هو البلاء الذي يصيب البدن خاصة مثل المرض والسقم والفقر؛ ينفقون بكثرة في السراء والضراء.
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} : الكاظمين: جمع كاظم، والكظم: هو حبس الغيظ في الصدر مع القدرة على إمضائه؛ أي: إخراجه وإظهاره للغير.
والغيظ: هو غم أو هيجان النفس بسبب سوء لحق بها من الغير؛ أي: هو ألم شديد يحدث في النفس عند الاعتداء عليها بسبب مادي حسي أو معنوي. ارجع إلى سورة التوبة، آية (15)؛ لمزيد من البيان.
وأصل الكظم مشتق أن تملأ القربة (وعاء لنقل الماء عند العرب قديماً)، وهو جلد مدبوغ فإذا ملئت بالماء شد على رأسها، أي: رُبط على فتحتها ربطاً محكماً بحيث لا يخرج من الماء شيءٌ، ويقال عن هذا الفعل كظم القربة؛ أي: ملأها وربطها، ومن ليونة القربة يحاول الماء أن يخرج منها دائماً، وكذلك الغيظ: فهو يشبه الماء في القربة، والقربة هي النفس البشرية.
يريد الله منا أن نُحكم ونربط ونكظم النفس البشرية؛ كي لا يخرج منها الغيظ، كما نربط ونكظم القربة.
{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} : العفو: ترك العقوبة على الذنب.
العفو: ترك عقوبة من أذنب، وعدم مؤاخذته مع القدرة على الأخذ بالعقوبة، أو عدم العفو، ولا يقتضي إيجاب الثواب.
أما الغفران: فهو ترك العقوبة (يسقط عنه العقاب)، ويعطيه ثواباً على أعماله الصالحة (أي: الغفران= العفو+ الثواب).
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} : الله يحب كل محسن بما فيهم هؤلاء المتقين الكاظمين، والعافين عن الناس، فهؤلاء وصلوا مرحلة الإحسان.
وللمزيد عن الإحسان ارجع إلى الآية (112) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [3: 135]
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا} : إذا: ظرفية شرطية.
{فَاحِشَةً} : أي: المعاصي والذنوب وتشمل الكبائر؛ (أي: كل كبيرة)، وقيل: الفاحشة الأمر القبيح المنكر من الأفعال والأقوال، وكثيراً ما استعملت في الزنى، أو اللواط، وعبادة الأصنام، ومعصية الرسول، وتعني: القذف، والإفك، وغيرها، والفاحشة قد يكون لها حد كحد الزنى، واللواط.
{أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} : بعمل الصغائر من الذنوب، أو فعلوا ذنباً دون الفاحشة، وظلم النفس هو الذنب الذي يقتصر أثره على الفاعل، وظلم النفس بأن يوردها العذاب، أو العقاب، أو موارد التهلكة.
{ذَكَرُوا اللَّهَ} : بألسنتهم وقلوبهم؛ أي: تذكروا نهي الله للقيام بتلك الأعمال، أو تذكروا وعيده فخافوا الله ولاموا أنفسهم.
{فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} : الفاء: تدل على سرعة الاستغفار والتوبة، والندم، وعدم العودة إلى ما فعلوه، واستغفروا الله لذنوبهم.
{وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} : ومن: استفهام يقصد منه النفي؛ أي: لا يغفر الذنوب إلا الله، وهذا من فضله وإحسانه، وكرمه أنه يغفر الذنوب جميعاً؛ إلا الشرك والكفر. إلا: أداة حصر؛ أي: فقط الله سبحانه هو الذي يغفر الذنوب. الذنوب: جمع ذنب، والذنب: هو الخطيئة، والذنوب: هي الخطايا، وتشمل السوء، والفحشاء، وقيل: السوء: الذنوب التي لا يوجد لها حد، والفحشاء: ذنوب لها حد.
{وَلَمْ يُصِرُّوا} : ولم: الواو: عاطفة، لم: حرف نفي، والإصرار: هو الثبات على الشيء، والمداومة، والإقامة عليه؛ أي: لم يستمروا، أو يداوموا على فعل القبيح، والذنوب.
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : أنهم قد أذنبوا وخالفوا ما أمر الله به، ويعلمون أن لهم رباً يغفر الذنوب، ويقبل التوبة عن عباده.
سورة آل عمران [3: 136]
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام للبعد؛ للدلالة على علو منزلتهم.
{جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِنْ رَّبِّهِمْ} : الجزاء: فيه معنى المقابلة شيء بشيء جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها، وفيه معنى المماثلة، والجزاء إما العقاب، وإما الثواب، والجزاء أعم من الأجر فيه الصالح والطالح، وأما إذا أراد النفع يستخدم الأجر.
أي: جزاؤهم مغفرة من ربهم: أي: يمحو عنهم ذنوبهم، ولن يعاقبهم، ولهم ثواب آخر هو:
{وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : قيل: تنبع من تحتها الأنهار.
{خَالِدِينَ فِيهَا} : الخلود: اللزوم المستمر؛ أي: البقاء المستمر من وقد مبتدأ هو دخولهم الجنة.
{وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} : الأجر: هو جزاء العمل، سواء كان دنيوياً، أم أخروياً؛ أي: الأجر مقابل العمل، ويأتي دائماً بالنفع. أما الجزاء فقد يأتي بالنفع، أو الضرر. نِعْمَ: فعل ماض لإنشاء المدح، نعم هذا الأجر وهو الجنة، أو نعم أجر العالمين الجنة.
لنقارن ثلاث آيات وردت فيها نعم أجر العاملين:
1 -
آل عمران (136): {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} : زيادة الواو.
2 -
العنكبوت (58): {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} : بدون الواو.
3 -
الزمر (74): {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} : بالفاء.
الواو: أوسع من الفاء، وتفيد مطلق الجمع، وتدل على السعة في الاختيار، وأرحب زمناً، ولا تفيد الترتيب، والتعقيب.
1 -
في آل عمران: زاد الواو، فقال: ونعم أجر، الواو: تفيد التعدد، والتفخيم؛ لأنه ذكر المتقين الذين ينفقون، الكاظمين الغيظ، العافين عن الناس، والذين إذا فعلوا فاحشة ولم يصروا والمحسنين جزاؤهم مغفرة، وجنات كلها أوصاف معطوفة ناسبها: ونعم أجر العاملين.
2 -
بينما في العنكبوت: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} : (لم يذكر لهم أوصافاً)، وهؤلاء لا يزالون في الدنيا، وهم آمنوا وعملوا الصالحات فدرجتهم:{نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} .
3 -
أما في آية الزمر: جاءت في سياق هؤلاء الذين دخلوا الجنة، وسلمت عليهم الملائكة وهم يتبوَّءُون من الجنة حيث يشاؤون، فهؤلاء يناسبهم فنعم أجر العاملين.
إذن الفاء أقوى، أو أعلى درجة من الواو، والواو أعلى درجة من غير الواو.
فالموصوفون في آية الزمر أعظم درجة من الموصوفين في آية آل عمران، والموصوفون في آية آل عمران أعظم درجة من الموصوفين في آية العنكبوت.
ارجع إلى الآية (74) من سورة الزمر، والآية (58) من العنكبوت للمقارنة، ولمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 137]
{قَدْ} : حرف تحقيق؛ أي: الواقع المذكور في هذه الآية قد حدث.
{خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ} : مضت؛ أي: حصلت في أزمان سبقت هذا الكلام.
{سُنَنٌ} : جمع سنة، وهي الطرق التي يصرف الله بها كونه بما يحقق مصلحة ذلك الكون، وسنن الله في خلقه وقوانينه، من هذه السنن: أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
سنة التولية: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129].
سنة التدافع: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251].
سنة التداول: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].
سنة الابتلاء: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2]، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].
سنة التسخير: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32].
{فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} : الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أي: سافروا للسياحة سفر للعبرة غايته الاتعاظ، والاطلاع على آثار وديار الهالكين من القرون الأولى، السير: يعني السفر، فانظروا: فاعتبروا بالوقوف على ديار الهالكين المكذبين، وما حل بهم من دمار، مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط.
ولنقارن هذه الآية بآية (11) من سورة الأنعام: {قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .
استعمل فيها (ثم) بدلاً من (الفاء)، ثم: فيها تراخٍ، ومهلة؛ أي: سيروا في الأرض لطلب العلم مثلاً، أو للتجارة، أو الرزق، وخلال أو بعد ذلك قوموا بزيارة ديار الهالكين، والمكذبين، والآثار التي تركوها.
أما سيروا فانظروا: الفاء: تعني السفر الذي غايته الأساسية: السياحة والعبرة، ورؤية ديار الهالكين، والمكذبين مباشرة بعد الخروج.
سورة آل عمران [3: 138]
{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} :
{هَذَا} : الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ للقرب تشير إلى القرآن الكريم.
{بَيَانٌ لِلنَّاسِ} : البيان: هو القول الحق، الذي يُبيِّن المطلوب منكم، ويبيِّن لكم الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وافعلوا، ولا تفعلوا.
للناس: اللام: لام الاختصاص، للناس: عامة الإنس، والجن (الثقلين).
{وَهُدًى} : مصدر للهداية، أو الهادي إلى الصراط المستقيم، والرشد. ارجع إلى الآية (2) من سورة البقرة.
{وَمَوْعِظَةٌ} : أي: وصية، ونصيحة، وتحذير بفعل الخير، والبعد عن الشر. ارجع إلى سورة النحل آية (125).
{لِّلْمُتَّقِينَ} : إذن القرآن بيان للناس عامة، وهدى، وموعظة للمتقين. اللام: لام الاختصاص، للمتقين فقط، أو خاصة.
سورة آل عمران [3: 139]
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} :
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: الناهية، {تَهِنُوا}: من الوهن: وهو الضعف، وهو أن يفعل الإنسان المعافى في بدنه وعقله فعل الضعيف. وقيل: الوهن الجبن، وتعني كذلك: ولا تقعدوا عن الجهاد في سبيل الله بعد معركة أُحد.
{وَلَا تَحْزَنُوا} : الواو: استئنافية، لا: الناهية.
تحزنوا: من الحُزُن، بضم الزاي يكون على شيء مضى، وهو ضيق مؤقت محدود، وينتهي عاجلاً أو آجلاً.
أما الحَزَن: بفتح الزاي، فلا ينتهي أبداً، ويستمر، ويموت مع الإنسان.
وسبب الحُزن: هو قتل (70) من الأنصار و (5) من المهاجرين يوم أحد، ومنهم حمزة، ولما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من شج وكسر، وما أصاب المسلمين من هزيمة، والغنائم التي فاتتهم. ارجع إلى سورة الأنعام آية (33).
{وَأَنْتُمُ} : الواو: حالية للتوكيد، أنتم: ضمير منفصل يفيد التوكيد.
{الْأَعْلَوْنَ} : الغالبون في نهاية الأمر؛ بشرط أن تكونوا من المؤمنين، وتطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمركم به، وينهاكم عنه، الغالبون في الآخرة:{فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} .
سورة آل عمران [3: 140]
{إِنْ} : شرطية جازمة تدل على احتمال الحدوث، أو ندرته.
{يَمْسَسْكُمْ} : من المس، وهو الإصابة الخفيفة، والمس هو مجرد اللمس.
{قَرْحٌ} : نكرة؛ أيُّ قرحٍ، والقرح: الجرح في البدن نتيجة أثر السلاح، وأدوات الحرب كما حدث في أُحد.
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق.
{مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} : فقد أصاب القوم (قريش، أو الكفار) قرحٌ مثله (يوم بدر). انظر كيف استخدم يمسسكم (فعل مضارع) لما حدث يوم أحد، أو لقرب يوم أحد من زمن نزول الآية، واستخدم مس (فعل ماض) لما حدث يوم بدر.
{وَتِلْكَ} : الواو: استئنافية، تلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب.
{الْأَيَّامُ} : أيام الغلبة، والنصرة، والفوز، والظفر.
{نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} : من المداولة، وهي دوال الشيء؛ أي: نقل الشيء من واحد إلى آخر؛ أي: نصرّفها يومٌ لك ويومٌ عليك، أو تارةً لهؤلاء، وتارةً لهؤلاء.
ولم يقل الحق: نداولها بين المؤمنين، والكافرين؛ لأن ما حدث في أُحد هو مخالفة لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعصيان، وخروج عن المنهج، وعندما فعلوا ذلك أصبحوا مجرد ناس عاديين مثل غيرهم؛ لأنهم خسروا ميزة الإيمان، وميزة الطاعة، وعندها فإن النصر يكون لكم يوماً، ولهم يوماً؛ لأنكم متساوون معهم في عدم الإيمان، وطلب الدنيا.
وأما لو ظلوا مؤمنين، ولم يعصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتقل النصر إلى غيرهم من الكفار، والدليل على ذلك أنهم كانوا منتصرين في بداية معركة أُحد.
والمقصود بالأيام: ليس الليل والنهار، أو (24) ساعة، بل أيام النصر أوقات الغلبة؛ لأن الله سبحانه قد وعد المؤمنين بأن لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
ومن هذه الآية نعلم: أن المسلمين إذا تخلوا عن نهج الله ودينه، وعصوا رسوله صاروا مجرد بشر كغيرهم من البشر، فإذا اشتركوا في أي معركة، وهم مجرد بشر، والإيمان ليس ميزةً لهم، فالنصر يكون لمن فاق عدده، وعدته؛ لأنهم أصبحوا سواسية (الكل بدون إيمان).
أي: تلك الأيام نداولها بينكم، وبين عدوكم.
{وَلِيَعْلَمَ} : الواو: عاطفة.
{وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} : ليُري الله الذين آمنوا صدقهم في إيمانهم، أم ادعاءهم، وكذبهم؛ ليقيم عليهم الحجة؛ لأن الله سبحانه يعلم ما هم عليه من إيمان، وإخلاص، ويعلم نواياهم منذ الأزل، ومن هو الفائز، والمنتصر قبل أن تبدأ المعركة.
والغاية من هذا الابتلاء كي يُبيِّن للذي آمن مدى صدقه حتى لا يدعي أنه كان سيفعل كذا، وكذا، أو يجاهد ولم تتسنَّ له الفرصة، أو أنه لو دُعي للجهاد لجاهد، وصمد، وقاتل في سبيل الله، ولكن ما إن يبتليه الله تعالى وتحدث المعركة ينسحب ويفر.
{وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} : يوم أُحد أو غيره من الأيام؛ أي: ليكرم أناساً منكم بالشهادة؛ لصدق إيمانهم، والشهداء جمع شهيد، وهو من يُقتل في سبيل الله تعالى.
ويجب الانتباه إلى قوله: (وليعلم) و (يتخذ): أضاف اللام في كلمة (ليعلم)، ولم يضفها في (يتخذ)، ولم يقل: وليتخذ منكم شهداء.
لأن الأهمية في كلمة (ليعلم) أشد، وأهم من كلمة (يتخذ منكم شهداء)؛ أي: إقامة الحجة، وابتلاء الذين آمنوا عند الله أهم من اتخاذ الشهداء.
وإذا كان الأمران متساويين في الأهمية، كما في آية (12) من سورة الإسراء:{لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} : الأهمية كما في لتبتغوا، ولتعلموا متساوية، جاء باللام في كلا الأمرين.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} : أي: المنافقين الذين انصرفوا راجعين يوم أحد مع ابن أُبي ابن سلول.
أو هؤلاء الذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبتوا في مقاعد القتال، بل غرَّتهم الغنائم والدنيا؛ مما أدَّى إلى الهزيمة، والفشل.
سورة آل عمران [3: 141]
{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} :
{وَلِيُمَحِّصَ} : الواو: عاطفة، واللام: للتوكيد.
{وَلِيُمَحِّصَ} : يمحص: مشتقة من المحص، يقال: محص الذهب: أي: أزال عنه ما يشوبه من الخَبث، والعناصر غير المرغوب بها؛ أي: طهره ويكون ذلك باستعمال النار.
{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} : أي: يطهرهم كما يُطهر الذهب، ويخلصهم من ذنوبهم، وذلك بالابتلاء، والاختبار، كما حدث في يوم أُحد، أو بالجهاد، أو غيره.
{وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} : المحق: هو النقص، ومحو الشيء، ويكون ذلك شيئاً فشيئاً؛ حتى يفنى، ويزول؛ أي: يستأصل الكافرين بالقتل وغيرها فينقص عددهم
إذن مداولة الأيام: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} : للتمحيص والاختبار والتطهير من الذنوب، والتصفية للمؤمنين، وفي نفس الوقت هو استئصال للكافرين، ومحو لآثارهم.
وأضيفت اللام في ليمحص، ولم تضف إلى كلمة يمحق؛ لأن المهم والتأكيد هو التمحيص في عملية المداولة، وأما محق الكافرين فليس له نفس أهمية التمحيص.
سورة آل عمران [3: 142]
الخطاب في هذه الآية إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة الذين عصوا أمره يوم أُحد، ولم يثبتوا في مواقعهم على جبل أحد، والمؤمنين بشكل عام في كل زمان ومكان.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا} : ارجع إلى الآية (214) من سورة البقرة؛ للبيان.
{وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} : لما: للنفي المستمر إلى زمن الحال، أو التكلم، وهي بمعنى: لم، وفيها معنى التوقُّع.
{الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ} : أي: الذين جاهدوا منكم حقيقة، وقتلوا في سبيل الله، والذين لم يجاهدوا وتركوا مواقعهم على جبل أحد طمعاً في الغنيمة فهؤلاء نفى عنهم الجهاد يوم أحد، مع توقُّع الجهاد منكم في المستقبل؛ أي: لم تجاهدوا حقيقة يوم أحد.
{وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} : بل حسبتم أن تدخلوا الجنة يوم أُحد، وتنالوا الرضا والقرب من الله، وأنتم لم تجاهدوا في سبيل الله جهاد المخلصين، بل عصيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ظهر، أو بدا منكم خيراً يوم أحد؛ حتى يعلمه الله، ولم تجاهدوا، ولم تصبروا، كما كان مطلوباً منكم؛ لكي تستحقوا الجنة. ارجع إلى سورة البقرة آية (214) لمقارنة الآيات المتشابه في سورة البقرة وسورة التوبة آية (16).
سورة آل عمران [3: 143]
سبب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رجالاً من الصحابة كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر، أو ليت لنا يوماً كيوم بدر بعد أن أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حصل للشهداء من كرامة يوم بدر، فتمنوا أن يستشهدوا، ويلحقوا بإخوانهم، فأراهم الله يوم أُحد، فلم يلبثوا إلا عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانهزموا؛ إلا من شاء الله منهم فنزلت هذه الآية.
{وَلَقَدْ} : قد: للتحقيق، اللام: للتوكيد.
{كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} : أي: الجهاد، والشهادة في سبيل الله مع النصر على الأعداء. والسؤال لما عدل عن ذكر الشهادة أو في سبيل الله فذكر الموت كالقول: ولقد كنتم تتمنون الشهادة أو الموت في سبيل الله قد يكون السبب؛ لأنهم خالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أحد، أو لأنهم لم يبقوا في المدينة كما أشار رسول الله، وخرجوا إلى أحد تمنون الموت: ولم يقل: تتمنون الموت، حذف إحدى التاءَين قد يعني تمني الموت الذي يقصد به القتل (الشهادة) مع النصر، أو القتل (الشهادة) ولو كان مع الهزيمة، وحذف أحد التاءَين؛ لأنه تحقق القتل (الشهادة) فقط بدون النصر وما حدث الشهادة مع الهزيمة، ولو حدثت الشهادة في سبيل الله مع النصر؛ لقال: تتمنون الموت، والله أعلم.
{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} : من قبل أن تشاهدوا الموت، وتعرفوا شدته، وويلاته.
{فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ} : الرؤية أنواع قد تكون:
1 -
بمعنى العلم.
2 -
وقد تعني الظن.
3 -
والرؤيا بالعين.
وهنا كانت رؤية باليقين رؤية يقينية.
فقد: الفاء: للتوكيد، وقد: كذلك للتوكيد.
فقد رأيتموه: أي: الموت، وأنتم تنظرون: جاءت لتحدِّد وتؤكد نوع الرؤيا، فهي رؤيا حقيقية بأم العين (عين اليقين).
والموت بذاته لا يُرى، ولكن آثار الموت هي التي تُرى.
سورة آل عمران [3: 144]
{وَمَا} : الواو: استئنافية. ما: النافية.
{مُحَمَّدٌ} : رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورد اسمه صلى الله عليه وسلم (محمد) في القرآن في أربع آيات فقط هي:
{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144].
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40].
{مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ} [الفتح: 29].
وورد اسمه صلى الله عليه وسلم أحمد مرة واحدة في سورة الصف، آية (6).
وخوطب بـ (يا أيها النبي) و (يا أيها الرسول) في بقية الآيات. ارجع إلى سورة المائدة، آية (41)؛ للبيان.
وكلمة محمد، أو أحمد من مشتقات الحمد؛ أي: فعل حمد.
فقالوا: أحمد وقع الحمد منه لغيره، فأحمد هو أحمدُ خلقِ اللهِ للهِ، أو أحمدُ البشرِ للهِ، وأكثر حمداً مما لو قال اسمه حامد مثلاً.
ومحمد: ذات يقع عليها الحمد من غيرها؛ أي: يحمده الكثير من الخلق، أكثر مما لو قال اسمه محمود مثلاً.
ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء أخرى بالإضافة إلى محمد وأحمد؛ الحاشر، والمُقَفَّى، والماحي، ونبي الرحمة وطه.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} : كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، إذن: رسول يعني: نبي كذلك. قد: للتحقيق والتوكيد.
وما: للنفي، محمد إلا: للحصر، رسولٌ: حتى لا يظن أحدٌ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت، ولا يُقتل، أو يصبه ما يُصيب غيره من الجراح.
{خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} : أي: مضت من قبله الرسل.
{أَفَإِين مَاتَ} : قيل: نزلت هذه الآية يوم أُحد حين قال قوم من المنافقين: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول. وقال آخرون: لو كان نبياً ما قُتل.
{أَفَإِين} : الهمزة استفهام فيها معنى التحذير من الانقلاب على الأعقاب، وكلمة {أَفَإِين مَاتَ} وردت في موت الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، فالله خصه بهذه الكلمة؛ ليلفت النظر إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر وسيموت، كما مات سائر الرسل من قبله؛ أي: سيخلو كما خلوا؛ لأنهم اعتقدوا أنه ليس كسائر الرسل ولن يخلو كما خلوا، وهذا في اللغة يسمى فن القصر، قصر قلبي.
{مَاتَ أَوْ قُتِلَ} : كلاهما يؤدِّي إلى فقدان الحياة.
ولكن الموت، والذهاب بالحياة في القتل يكون بنقض البنية؛ أي: البدن الذي يصبح غير ملائم لسكن الروح؛ مما يؤدِّي إلى خروج الروح؛ فالقتل: هو إرغام الروح على الخروج من البدن الذي تغيَّر.
وأما في الموت الطبيعي هو الذهاب بالروح أولاً؛ أي: خروج الروح أولاً، والبدن سليم حين خروجها، وبعد خروجها يموت البدن.
ففي الموت العادي: فالروح تخرج أولاً؛ مما يؤدِّي إلى موت البدن. وأما في القتل: البدن يموت أولاً، أو يتغير (يصبح غير صالح كسكن للروح) مما يرغم الروح على الخروج.
كان موته صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين، وهو كذلك يوم دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة.
{انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} : الانقلاب: العودة، أو الرجوع إلى حالة غير الحالة التي كانوا عليها سابقاً. ولو عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل؛ لقال: رجعتم فالانقلاب هو غير الرجوع.
فالانقلاب: هو الرجوع، ولكن إلى غير الحالة السابقة التي كانوا عليها. مثال: انقلب الطين خزفاً، ولا تقل رجع الطين خزفاً؛ لأنه لم يكن قبل ذلك خزفاً. وشبه سبحانه من ارتد عن دينه بالرجوع على الأعقاب (جمع عقب: وهو مؤخَّر القدم)، وهذا يسمى استعارة في علوم الجمال اللغوي.
أعقابكم: جمع عقب: وهو مؤخَّر القدم.
انقلبتم على أعقابكم؛ أي: رجعتم كفاراً بعد الردة (ارتددتم إلى الكفر)، وكذلك قد تعني: رجعة القهقرى من أرض المعركة؛ أي: فررتم من أرض المعركة خوفاً من القتل، أو فررتم من أرض المعركة؛ لكونكم سمعتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قُتل.
{وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} : ومن: الواو: استئنافية، من: شرطية، ينقلب على عقبيه؛ أي: يرتد عن دينه، أو يترك أرض المعركة، وينقلب إلى المدينة، فلن يضر الله شيئاً.
{فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْـئًا} : شيئاً بكل تأكيد، وشيئاً: نكرة؛ أي: لن يضر الله تعالى شيئاً قليلاً، أو كثيراً، والشيء هو أقل القليل، وإنما ضره يعود على نفسه.
{فَلَنْ} : الفاء: للتوكيد، ولن: حرف نفي للمستقبل القريب، أو البعيد؛ لأن الله سبحانه أزلاً، وقبل أن يخلق شيئاً له صفات الكمال، فخلق الخلق، وعبادتهم أو عدمه لا يُغيِّر في صفات كماله سبحانه.
{وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} : الواو: استئنافية، والسين: للمستقبل القريب. الشاكرين: هم الذين لم ينقلبوا (بالإدبار من أرض المعركة، أو الارتداد عن الإسلام، أو استشهدوا في سبيل الله يوم أحد). وإذا نظرنا إلى الآية التالية (145) وهي قوله تعالى وسنجزي الشاكرين: نجد أن الآية (144) صرح بالفاعل، والآية (145) أخفى الفاعل؛ لأنه تقدم ذكره في الآية السابقة (114).
وسماهم شاكرين: لأنه اعتبر ثباتهم شكراً لله، وكذلك قتلهم في سبيل الله تعالى شكراً، والثبات والصبر في أرض المعركة، أو الاستشهاد يستوجب الجزاء؛ أي: الثواب من الله تعالى بأعظم الأجور، وأحسن المثوبات في الدنيا والآخرة.
سورة آل عمران [3: 145]
{وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: النافية؛ لنفي الحال، والمستقبل، والماضي، والحاضر (كل الأزمنة).
{كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} : أي: ما تستطيع، أو تقدر؛ أي: نفس أن تموت؛ إلا بإذن الله بأمر من الله؛ حتى وإن حاولت الانتحار المرات العديدة، بأخذ مادة سامة أو غيرها من الوسائل وإن تظن أنها قادرة فهي غير قادرة إلا إذا شاء الله سبحانه؛ لأن الموت بيد الله تعالى وحده.
لنفس: اللام: لام الاستحقاق. أن: للتوكيد.
{تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} : بأمر من الله تعالى إلى ملك الموت الموكل بقبض الروح.
{كِتَابًا} : أي: كتب الله لكل نفس أجلاً، وتقديره: كتب كتاباً.
{مُّؤَجَّلًا} : كتاباً ذا أجل لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، والأجل: المدة المضروبة لانقضاء الشيء، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره.
وفي هذه الآية حثٌّ وتحريض على الجهاد في سبيل الله، ولن يموت أحدٌ قبل أجله، ولو بثانية واحدة سواء جاهد أو مات على فراشه.
{وَمَنْ يُرِدْ} : من: الشرطية، يُرد: أي: بعمله؛ أي: يطلب بعمله ثواباً. وإذا قارنا يرد، وأراد: يرد فيها تجدد وتكرار؛ لأنها بصيغة المضارع؛ أي: يرد مرات عديدة، وإرادة الثواب يتجدد ويتكرر؛ ارجع إلى سورة الإسراء آية (19)، وآية (18) للمقارنة والبيان.
{ثَوَابَ} : في اللغة هو الجزاء على العمل، ويكون في الخير والشر، وعادة يشمل الأعمال الصالحة والعقائد.
{ثَوَابَ الدُّنْيَا} : مثل النصر، والغنيمة، والعزة، والشهرة، والمال، والرزق، وفيه تعريض، أو إشارة بالذين شغلتهم الغنائم يوم أُحد.
{ثَوَابَ الْآخِرَةِ} : هو نعيم الجنة عادة، وفيه إشارة لمن ثبت يوم أُحد.
{نُؤْتِهِ} : أصلها نؤأته حذف فيه الهمزة، أو نؤتيه؛ أي: ما نشاء؛ أي: ما قدر له، وليس ما يشاء العبد.
أو من قصد بجهاده، أو بعمله الدنيا أُعطي منها، ومن قصد بجهاده، وبعمله الآخرة أُعطي منها، ومن الدنيا معاً.
{وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ} : فيه إعادة، وتكرار للتأكيد على الشاكرين حيث قال سبحانه في الآية (144): وسيجزي الله الشاكرين.
وإذا انتبهنا إلى الآية نجد هناك مؤتي {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} ، وهناك مجزي {سَنَجْزِى} .
والمؤتي: هو الله سبحانه، والمجزي: هو الله سبحانه، إذن المؤتي والمجزي واحد، وهو الله سبحانه وتعالى.
لنقارن هذه الآية مع الآية (20) من سورة الشورى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} .
في آية آل عمران: من يريد ثواب الدنيا نؤته منها، وفي آية الشورى: من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها بلا زيادة، (وما له في الآخرة من خلاق)، فالحرث يعني: الزرع، والنتيجة هي الثواب.
فمن يحرث ويسعى للدنيا، ويرجو ثوابها؛ نؤته منها؛ من مال، ومتاع، وشهرة، أو غير ذلك من حظوظ الدنيا.
ومن يحرث للآخرة، ويسعى لها، ويرجو ثوابها؛ نضاعف له ذلك الحسنة بعشر أمثالها، أو أكثر، ويؤت الدنيا والآخرة معاً.
سورة آل عمران [3: 146]
المناسبة: هذه الآية فيها تذكير لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قاتلوا يوم أُحد، لماذا لا يكونوا كهؤلاء الربيين الذين قاتلوا مع أنبيائهم في السابق، أو في غيرها من المعارك والغزوات.
{وَكَأَيِّنْ} : مركبة من كأن التشبيه، وأي المنونة، فصارت كلمة واحدة: كأين عند أكثر النحاة، وهناك من قال اسم غير مركب، ووردت في القرآن في (7) آيات هي: آل عمران (146)، يوسف (105)، الحج، (45، 49)، العنكبوت (60)، محمد (13) الطلاق (8)، ولم ترد في القرآن إلا مقرونة مع (من)، ومعناها بمعنى كم الخبرية التي تفيد التكثير وتفيد التفخيم وربما الاستفهام، ولمقارنة كأين، ويكأن: ارجع إلى سورة الحج، آية (45).
{مِنْ} : ابتدائية.
{نَّبِىٍّ} : أي: كثير من الأنبياء، {قَاتَلَ مَعَهُ}: ربيون؛ أي: جاهدوا معهم، ونصروهم في الدنيا.
{رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} : أي: ناس ذو خبرة عسكرية قتالية، وسياسية بالمفهوم الحديث، أو بالمعنى القديم (يفهمون سبل الحرب)، وهم عادة أتقياء، وعباد صالحون مؤمنون برسالة أنبيائهم. كثير:(جماعة كثيرة).
وما هو الفرق بين (ربيون، وربانيون) كما ورد في قوله تعالى في آية (79) من سورة آل عمران: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} .
الربانيون: تطلق على العلماء الراسخين في علوم الدِّين، والفقه، الأتقياء الصالحين. ارجع إلى الآية (79) من آل عمران؛ لمزيد من البيان.
ربيون: خبراء، أو ذوي خبرة في علوم الدنيا، ومنها الخبرة العسكرية، والقتالية، الأتقياء الصالحين، كما قلنا سابقاً.
{فَمَا} : الفاء: للتوكيد، ما: نافية.
{وَهَنُوا} : من الوهن، وهو الجبن، وخور القوى مع كون الجسم قوياً، ولا علة فيه، ومحله القلب، ومنه الخوف الشديد الذي يصيب الإنسان؛ فيؤدِّي إلى عدم الرغبة في الجهاد في سبيل الله، أو للقعود عن الجهاد.
{لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : أي: ما: بمعنى الذي، وما أعم وأشمل من الذي أصابهم في سبيل الله من الجراحات والقتل والأسر وغيرها لم يؤدِّ بهم إلى الوهن، ولا الضعف، ولا إلى الاستكانة.
{وَمَا ضَعُفُوا} : تكرار (ما) يفيد زيادة التوكيد. وفصلَ كلاً على حدة، الوهن والضعف، ولا كلاهما.
والضعف: بفتح الضاد يكون في الجسم والرأي، أو العقل.
والضُّعف: بضم الضاد يكون فقط في الجسم (مرض عضوي).
{وَمَا اسْتَكَانُوا} : ما: النافية. الاستكانة: من السكون: وهو عدم الحركة؛ لأن الذي يحارب يحتاج إلى فرٍّ وكرٍّ، وتعني هنا: استسلموا، وخضعوا، وذلوا لأعدائهم.
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} : أي: هؤلاء الربيون يجب عليهم الصبر في سبيل الله، والثبات في أرض المعركة؛ لأن الله يحب الصابرين.
سورة آل عمران [3: 147]
{وَمَا} : الواو: عاطفة، ما: النافية.
{كَانَ قَوْلَهُمْ} : دعاءَهم.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{أَنْ} : للتوكيد.
{قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : أي: هم الوحيدون الذين قالوا مثل هذا القول: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا
…
) فيها مدح للقائل.
وهناك من قرأ هذه الآية بضم اللام؛ أي: وما كان قولُهم إلا أن قالوا؛ أي: هم لم يقولوا غير هذا القول (ربنا اغفر لنا ذنوبنا
…
)؛ أي: فقط قالوا هذا القول، ولم يقولوا غيره من الكلام في أثناء المعركة، والقتال، وفيها مدح للمقول.
فصار لها معنيان: هم الوحيدون الذين قالوا هذا القول، وتلك المقولة كانت المقولة الوحيدة التي قالوها أثناء الحرب والقتال، إذن نِعم القائل ونعم المقولة.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} : وهم في أرض المعركة يذكرون الله تعالى، ويتوبون إليه، ويسألونه أن يستر ويعفو عن ذنوبهم السابقة، وقد يستشهدون في سبيل الله بعد ثوان، أو دقائق، أو ساعات.
{وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا} : الإسراف: مجاوزة الحد؛ أي: إذا ارتكبنا كبيرة قالوا ذلك خشية وتقرباً إلى الله.
{وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} : في مواطن القتال، وأرض المعارك، وثبت أقدامنا على دينك، ولا تزغ قلوبنا.
{وَانصُرْنَا} : أي: حقق فوزنا.
{عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} : لأن النصر لا يكون إلا من عندك أيها العزيز الحكيم.
سورة آل عمران [3: 148]
{فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} :
{فَآتَاهُمُ} : الفاء: تدل على المباشرة، والتعقيب؛ أي: استجاب لهم ربهم بسرعة مجرد أن دعوا.
آتاهم: من الإيتاء، وهم أعم من العطاء، ويشمل النواحي المادية والمعنوية (الجنة والرضوان والمغفرة). ارجع إل الآية (251) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{ثَوَابَ الدُّنْيَا} : من نصر، وفوز، وغنيمة.
{وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} : وانتبه إلى قوله: وحسن ثواب الآخرة، ولم يقل ذلك عن الدنيا (حسن ثواب الدنيا)؛ لأن الدنيا متاع الغرور، وزائلة، وثوابها زائل، وليس جديراً أن يوصف بالحسن، وأما ثواب الآخرة الذي يتضمن الجنة، وأعظم من ذلك درجاتها، وأعظم منها رضوان الله تعالى، وأعظم من ذلك رؤية وجهه الكريم، فيا له من ثواب يدل على كرمه، وفضله، وإحسانه.
والثواب مشتقة من الثوب. ارجع إلى سورة البقرة، آية (103)؛ للبيان.
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} : فهؤلاء الربيون، وهؤلاء الذين قاتلوا مع رسلهم؛ لإعلاء كلمة الله، وأحسنوا في دنياهم إحسان الكم والكيف هم مع المحسنين الذين يحبهم الله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة، آية (112)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 149]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء إلى الذين آمنوا بتكليف جديد، أو أمرٍ جديد، أو تحذير.
{إِنْ تُطِيعُوا} : إن: شرطية، تستعمل للحالات النادرة الحدوث، أو حالات الاحتمال، والشك.
{الَّذِينَ كَفَرُوا} : سواء كانوا من أهل الكتاب، أو غيرهم من أهل الملل الأخرى تطيعوهم في أمور الدِّين.
{يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} : أي: يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان، والردُّ يختلف عن الرجوع. ارجع إلى الآية (7) من سورة القصص.
{فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} : الانقلاب هو الرجوع إلى غير الحالة التي كانوا عليها؛ أي: تنقلبوا كفاراً بعد إذ أنتم مؤمنون.
خاسرين: تنقلبوا خاسرين لأنفسكم، وربما أهليكم يوم القيامة.
قال علي رضي الله عنه : نزلت هذه الآية في بعض المنافقين، أو الكفار الذين قالوا لبعض المؤمنين بعد هزيمة أحد، وحين شاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل: ارجعوا إلى دينكم، أو قالوا: لو كان محمد نبياً لما قُتل، ومنهم من قال: نذهب إلى ابن أُبَيٍّ، ونطلب منه أن يتوسط لنا عند أبي سفيان؛ ليأخذ لنا الأمان.
فنزلت هذه الآية بتحذير المؤمنين من طاعة هؤلاء الكفار، وعدم الظن أن أبا سفيان، أو غيره هو الناصر والمعين؛ لأن الله سبحانه وحده هو المولى، وهو النصير.
سورة آل عمران [3: 150]
{بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} :
{بَلِ} : حرف إضراب إبطالي تفيد التقرير والتعيين (أي: لا تطيعوا الذين كفروا)، بل أطيعوا الله {اللَّهُ مَوْلَاكُمْ}: أي: المتولي أموركم؛ أي: المعين، والناصر الحقيقي الذي يوصلكم إلى غايتكم.
{وَهُوَ} : ضمير منفصل يفيد الحصر والتوكيد.
{خَيْرُ النَّاصِرِينَ} : جمع ناصر؛ أي: فقد ينصركم أحد من البشر نصراً مهما كان نوعه مؤقتاً وزائفاً، ولكن الناصر الحقيقي هو الله وحده، ولا يأتي النصر الحقيقي إلا من عند العزيز الحكيم؛ ناصرين: جملة اسمية تدل على ثبات الصفة؛ ارجع إلى الآية (91) في نفس السورة لبيان الفرق بين ناصرين وأنصار.
سورة آل عمران [3: 151]
سبب النزول: كما قال السدي بعد معركة أحد ارتحل أبو سفيان، ومعه المشركون من معركة أحد متوجِّهين إلى مكة، وبعد أن ساروا عائدين قالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله سبحانه الرعب في قلوبهم، وعدلوا عن ذلك حيث شاع بينهم أن محمداً قادمٌ بجيش قوي جداً من المدينة؛ حيث انضم إليه مقاتلون جدد، وهو قادم في حمراء الأسد.
{سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا} : السين: للاستقبال القريب. سنلقي: من الإلقاء لا يكون إلا للأمور المادية، فكأنه حول الرعب الذي هو أمر معنوي نفسي إلى أمر مادي وأفرغه في قلوب الذين كفروا؛ حتى تمكن الرعب في قلوبهم، ولم يجرؤوا على الرجوع إلى قتال المؤمنين ورسوله صلى الله عليه وسلم بعد أحد.
ولم يقل: سألقي، بل قال سبحانه: سنلقي استخدم نون العظمة (نون الجمع)؛ التي تجمع كل صفات الكمال، والقدرة، والقوة، والقهر، والمنعة، وتعني: أن الإلقاء سيشمل ويعم كل هذه القلوب الكافرة، وسبب هذا الإلقاء: هو لأنهم أشركوا، وكل قلب به كفر سيلقي الله فيه الرعب، فالإشراك جاء لهم بالرعب؛ لأنهم لا مولى لهم.
{بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} : الباء: للإلصاق، والتمسك، أو السببية، أو التعليل. ما: نكرة لغير العاقل، والعاقل.
بما أشركوا به: أي بسبب إشراكهم.
{مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} : من آلهة، وأصنام.
سلطاناً: أي: حُجَّة، أو برهان، أو دليل على الشرك بالله يقهرهم على فعل ذلك، أو أي دليل وبرهان يبيح لهم ذلك.
والسلطان: هو الحجة القوية التي لا تدحض لقوة دلالتها، مأخوذة من مادة السين، واللام، والطاء: سلط.
والسلطان نوعان: سلطان القوة، والقهر؛ أي: قوة تقهرهم على فعل المعصية (أو الشرك).
أو سلطان البرهان والدليل القادر على إقناعهم بفعل الشرك، أو المعصية.
{وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} : المأوى: اسم المكان الذي يأوي إليه؛ للإقامة والاستقرار. يجب أن نفرق بين المأوى والمثوى:
المأوى: هو المسكن، أو مكان الاستقرار، وجاءت مأوى في وصف الجنة والنار كقوله تعالى:{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى} [النازعات: 39]، وقوله تعالى:{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41]. والمأوى قد يكون حسناً أو سيئاً، وإذا كان سيئاً يعني مثوى، ولذلك قال تعالى:{وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} ، والمأوى بالنسبة لأصحاب النار قد يعني السخرية منهم يظنون مكانهم إلى الجنة، ثم يفاجؤون بأنه إلى النار، والمأوى لا يصل إليه أو يحل به إلا بعد سعي وتخطيط وتدبير.
{وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} : بئس: فعل ذم، مثوى الظالمين: مثوى: اسم مكان من الثواء؛ أي: الإقامة، والمثوى: المستقر، وكلمة مثوى استعملها القرآن فقط لأهل النار، وأما مشتقات المثوى كقوله تعالى:{إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ} [يوسف: 23]، وقوله:{أَكْرِمِى مَثْوَاهُ} [يوسف: 21]، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، وكذلك قوله تعالى:{وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} [القصص: 45]، هذه المشتقات تشير إلى أن المثوى فيها كان حسناً. إذن: يجب أن نفرق بين مثوى، والتي تعني المكان السيء والضيق والمقيد لا يسمح بالحركة وأسوء من السجن والدائم. وكلمة ثاوياً، مثواكم، مثواه، مثواي: كلها تشير إلى المثوى الحسن والجيد، والمثوى ومشتقات الثوى؛ أي: المكان الذي حل به أو وصل إليه بدون تخطيط أو تدبير.
{الظَّالِمِينَ} : الكافرين المشركين.
سورة آل عمران [3: 152]
{وَلَقَدْ} : الواو: استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد بصدق الوعد، وقد: حرف تحقيق وتوكيد.
{صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} : في بداية المعركة (معركة أحد)، ولقد صدقكم الله وعده بالنصر، قيل: كان جواباً على ما قاله بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعهم من أُحد، فقد قال قوم منهم: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله بالنصر؛ فنزلت هذه الآية، والنصر دام أو استمر حتى خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وترك معظم الرماة مواقعهم على جبل أُحد قبل انتهاء المعركة طمعاً في الغنائم.
{إِذْ} : ظرف زماني للماضي.
{تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} : الحس هنا: هو القتل، يقال: حسه؛ أي: قتله، بإذنه: بإرادته، وأمره تعالى، وتحسونهم: تعني تقتلونهم قتلاً ذريعاً، وهذا ما حدث في بداية المعركة؛ حيث قُتل أحد عشر رجلاً من حملة لواء المشركين، ولم يبق منهم أحد يحمله حتى أصبح حمل لواء المشركين شؤماً عليهم ما يدنو منه أحد إلا قُتل؛ فتركوه على الأرض، واستبسل المسلمون في القتال.
وقُتل عدد قليل من المسلمين في بداية المعركة، ومنهم حمزة رضي الله عنه ، وظل المسلمون مسيطرين على أرض المعركة، وبدأ المشركون ينهزمون من أرضها أمام المسلمون، ورأى الرماة هزيمة المشركين، ورأوا أصحابهم يظفرون بغنائم العدو عندها ترك الرماة أماكنهم إلا عشرة منهم فقد ثبتوا في أماكنهم.
{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ} : حتى: حرف غاية، وجر، وتحمل معنى إلى نهاية الغاية.
فتكون الآية: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه إلى أن فشلتم وتنازعتم في الأمر.
{إِذَا} : ظرفية تحمل معنى الشرط.
{فَشِلْتُمْ} : قال بعض المفسرين: هناك تقديم وتأخير في هذه الآية، وأصلها حتى إذا تنازعتم في الأرض وفشلتم وعصيتم، وبعض المفسرين قالوا جاء ترتيبها كما حصلت وليس هناك تقديم أو تأخير أي حتى إذا فشلتم: جبنتم، وضعفتم أمام عدوكم، والفشل يعني كذلك الخسارة، وتقديم النتيجة على ذكر السبب وهو الاختلاف والعصيان الذي حدث أولاً لكي يشعرهم بعظمة الذنب الذي ارتكبوه.
{وَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ} : التنازع: يعني الاختلاف في الرأي الذي يؤدي إلى الخصومة، والأمر هو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بعدم ترك مواقعهم مهما حدث، فالأكثرية قالوا: ننسحب ونذهب إلى الغنائم، وجماعة قالوا: نثبت مكاننا، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل اختلفتم وإنما سمى المخالفة عصياناً؛ لأن المقام مقام جهاد وليس اجتهاد فلا بد من الطاعة المطلقة للرسول دون تأويل.
{وَعَصَيْتُم} : أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بترك مكان الرمي في الجبل.
{مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} : من النصر في بداية المعركة.
{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} : منكم: الخطاب إلى الصحابة الذين شاركوا في أحد وعصوا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ منكم من يريد الغنائم؛ فانسحب، وترك مكانه في الجبل عارياً، ونزل إلى الميدان.
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} : وبعضكم ثبت في مكانه، ولم ينسحب، ويركض وراء الغنائم، وهم أقل من (10) استشهدوا، ومنهم عبد الله بن جبير.
قال ابن مسعود رضي الله عنه : والله ما كنت أعلم أن أحداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أحد هذه الآية.
{ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} : ثم: للترتيب العددي، وليس للتراخي.
{صَرَفَكُمْ} : الصرف: هو التحويل؛ أي: حفظكم من المشركين، وأبقاكم أحياء حتى حين؛ ليبتليكم: أي: ليختبركم فيما بعد، واللام: للتعليل، أو صرفكم عنهم من بعد أن كنتم مشغولين بقتالهم، وقبل أن تنظروا إلى الغنائم. وقيل: عفا عنكم: أي: لو شاء لسلط عليكم المشركين فقتلوكم أجمعين.
{وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} : لأنه عفا عنهم لتركهم مواقعهم في الجبل، وركضهم وراء الغنيمة، وكذلك لم يستأصلوكم، ويقتلوكم جميعاً؛ لأنه سبحانه ذو فضل: صاحب الفضل، والجود على المؤمنين.
سورة آل عمران [3: 153]
{إِذْ} : ظرف للزمن الماضي، أو: واذكروا إذ تُصعدون: تفرون هاربين.
{تُصْعِدُونَ} : لها ثلاثة تفسيرات:
1 -
تُصعِدون: بضم التاء، وكسر العين: هذا ما قاله أكثر القراء، وتعني: ابتدأ السفر (أي: الانهزام من أرض المعركة) أصعدنا من بغداد إلى خراسان؛ أي: ابتدأنا المسير.
2 -
أو تُصعدون: من أصعد؛ أي: ذهب باتجاه الصعيد؛ أي: في الأرض المستوية حتى ينجو بسرعة، ويستطيع الهرب.
3 -
وتَصعَدون: بفتح التاء والعين من صعد؛ أي: سار من أسفل إلى أعلى؛ أي: صعد على الجبل، والمرجح أنهم هربوا إلى الأرض السهلة؛ للفرار.
{وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ} : أي: لا تلتفتون إلى أحد، أو لا تلتفتون برؤوسكم يمنة ولا يسرة، ولا إلى خلفكم. من لوى: بمعنى عطف.
{وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ} : أي: والرسول صلى الله عليه وسلم يناديكم من مؤخرتكم؛ أي: من خلفكم قائلاً: إليّ عباد الله. ارجعوا إليّ عباد الله.
{فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} : الباء في كلمة بغم: باء الإلصاق؛ أي: غم مع غم، غم بعد غم، غم على غم.
والغمُّ: هو ضيق في الصدر من أمر مكروه، أو حزن شديد، والغم، والنعاس جند من جنود الله.
فأثابكم غماً بغم: فعندنا في هذه الآية غمَّان، واحتمالات هذين الغمين:
الاحتمال الأول: الغم الأول: غم الهزيمة والقتل.
الغم الثاني: قدوم خالد بن الوليد بخيل المشركين.
الاحتمال الثاني: الغم الأول: الفرار، والهزيمة، أو ما فاتهم من الغنيمة.
والغم الثاني: الغم حين سمعوا بقتل محمد صلى الله عليه وسلم.
الاحتمال الثالث: إذا كانت الباء بمعنى الجزاء يصبح المعنى:
غماً: أي: ما حدث للصحابة من هزيمة، وقتل، وجراح، وقدوم خالد بن الوليد بخيل المشركين وإشاعة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم.
بغم: الباء: سببيه، أو بدلية.
بغم: جزاؤكم؛ لأنكم خالفتم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أي: حين خالفتم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سببتم للرسول الغم، فجازاكم الله بغم الهزيمة، والقتل.
وقوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ} : الفاء: للمباشرة والتعقيب.
وسمي ذلك ثواباً؛ أي: ما حدث لكم من قتل وهزيمة وفرار هو لإزالة ومحو خطأ معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكيلا: اللام للتوكيد. كي: للتعليل، وبيان الغرض الحقيقي من الغم، وهو لتجنب الحزن على ما فاتكم من النصر، والغنيمة.
{وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} : من القتل، والهزيمة، والفرار، والرعب الذي حدث لكم عند سماعكم بمقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} : من الغنيمة، والنصر؛ جاءت (لكيلا) في هذه موصولة، وفي الآية (7) في سورة الحشر جاءت مفصولة (كي+لا)، ويجوز كناية لكي لا موصولة أو مفصولة، وهذا يدل أولاً: على أن ما نقرأه في القرآن هو كما نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بدون تحريف؛ ثانياً: لعدم فصل بين الحزن على ما فاتكم من الغنيمة وبين ما أصابكم من الجراح والهزيمة؛ لأن الأول هو سبب الثاني.
{وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} : من الهزيمة، والقتل، أو الجراح، والرعب بمقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أي: ما حدث لكم من غم، وهزيمة، وجراحات: هو جزاء لما حدث منكم من معصية، ومخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث تركتم مواقعكم ركضاً وراء الغنيمة، ومع ذلك سوف يثيبكم الله عليها، ويعفو عنكم، ويطهركم من ذنوبكم، ولتكون عبرة، وموعظة للأيام القادمة، ودرساً لعدم مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما آتاكم، ونهاكم عنه.
{وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} : فالله سبحانه خبير؛ أي: عليم ببواطن أموركم، وبكل ما حصل من معصية، وتنازع، وفرار، وقتل، وترك النبي صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة وحدة، والله مطلع على نواياكم، وعقولكم، وما تخفي الصدور.
سورة آل عمران [3: 154]
{ثُمَّ} : لتباين فضل النعاس على الغم.
{أَنْزَلَ عَلَيْكُم} : كلمة أنزل عليكم تدل على أن النعاس عطاء علوي، ورحمة من الله، وآية من آياته؛ لأن صاحب الغم، والهم لا ينام أبداً، وهنا يُنزل الحق سبحانه فضله عليهم بالنوم من بعد الغم، من تعني: مباشرة من بعد الغم أمنة نعاساً.
وقال أمنة: ولم يقل الأمن، فما هو الفرق بينهما؟
الأمن: هو الطمأنينة مع زوال السبب، أو الأسباب؛ أي: زوال الخوف كاملاً.
الأمنة: الطمأنينة إلى حد ما؛ أي: عدم زوال الخوف كاملاً، فلا يزال هناك بعض الخوف مخيم على الناس، ولا يزال هناك بعض الخوف، لعدم زوال الأسباب كاملة، فالأمن أفضل من الأمنة.
{يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} : يغشى: يغطي ويستر، أو يلابس كالغشاء.
{طَائِفَةً مِّنكُمْ} : وهم المؤمنون المخلصون الذين ثبتوا في أماكنهم، أو الذين أخطؤوا، وعصوا الرسول صلى الله عليه وسلم بدون قصد ونية ومعرفة عاقبة أمرهم.
وتعريف الطائفة: جماعة تطوف حول فكرة واحدة، أو أفكار معينة؛ أي: لهم سياسة واحدة، أو عقائد واحدة.
{وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} : هم المنافقون خرجوا فقط طمعاً في الغنيمة لم يصبْهم أي نعاس، وأهمهم خلاص أنفسهم، ونجاة أنفسهم.
{يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} : يظنون بالله غير الحق: الباء: للإلصاق، والحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر.
ظن الجاهلية: الظن: هو التردد الراجح، وهو ظن السفه مثل:
1 -
أن الله أخلف وعده لنا بالنصر، ونسوا أنهم عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 -
لو كان محمد نبياً حقاً ما أصابنا هذا.
3 -
بأن محمداً غير نبي، وأمره باطل، وأن الله لن ينصره.
{يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} : يقولون لأنفسهم سراً: هل لنا: هل: للاستفهام، وفيها معنى الجحود، والنفي.
لنا من الأمر: من: استغراقية. الأمر: النصر، أو الهزيمة، أو الغنيمة، أو الخروج إلى أحد لم يكن لنا فيه رأي.
من شيء: من نصيبٍ؛ أي: لم نُصِبْ لا نصراً، ولا غنيمة، ولا حظاً من خروجنا إلى غزوة أُحُدٍ.
أو: لو كان الأمر لنا ما خرجنا من المدينة إلى أُحُدٍ (أصلاً كان رأينا ألا نخرج، وما أصابنا ما أصابنا)، وإنما خرجنا كرهاً.
{قُلْ إِنَّ} : أي: النصر، والظفر، والخروج، وسواء خرجتم أم لم تخرجوا، والدخول، والقدر، والقضاء، والموت، والقتل كله لله.
{يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} : يخفون في أنفسهم من الكفر، والعداوة، والحقد، أو النفاق، أو الندم على الخروج؛ أي: يبطنون الإنكار، والتكذيب، والنفاق.
{يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} : أي: لو كان الأمر كما قال محمد أن الأمر كله لله ولأوليائه؛ لما غلبنا أيضاً قط، ولما قتل كثير من المسلمين في هذه المعركة.
لو كان لنا شيء من النصر، أو الظفر الذي وعدنا به محمد وأصحبه ما قتلنا هاهنا.
فهم يظنون أن خروجهم إلى أرض المعركة هو سببٌ لموتهم فهم لا يؤمنون بأن الموت والحياة بيد الله.
{قُلْ لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} : هذا كان رداً على سؤالهم لو ما خرجنا ما أصابنا ما أصابنا، قل يا محمد لهم: لو تخلفتم، ولم تخرجوا؛ لخرج منكم من كتب عليه القتل، أو الموت، وظهر وانكشف أو بان بشدة (أي: برز)، وماتوا بدون جهاد، أو قتال بالمكان الذي حدد له. مضاجعهم:(مصارعهم)؛ أي: لو لم تخرجوا وبقيتم في المدينة لما نجا من القتل منكم أحدٌ.
فالجهاد ليس سبباً لقتلكم، فهناك من يجاهد، ولا يقتل، وهناك من لا يجاهد ويُقتل، ويموت، فالأمر بيد الله، وبإذن الله.
{وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ} : من الإخلاص، أو النفاق، والشك، والريبة، ووساوس الشيطان.
وليبتلي الله: اللام: للتوكيد؛ ليبتلي: من الابتلاء. ارجع إلى الآية (31) من سورة محمد؛ لمزيد من البيان.
{وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ} : يطهر، ويخلص قلوبكم من الذنوب، والتمحيص؛ يعني: التخلص من الذنوب، والسيئات، ويقال: محص الذهب بالنار؛ أي: أزال عنه ما يشوبه من الخبث. بالابتلاء؛ أي: أبان ما في قلوبكم من الاعتقاد، والشرك.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} : ارجع إلى الآية (119) من نفس السورة؛ للبيان.
سورة آل عمران [3: 155]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ} : أي: انهزموا يوم أُحُدٍ منكم، وتولوا عن القتال، ولم يقاتلوا منكم يا معشر المسلمين.
{يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} : يوم أُحُدٍ يوم التقى جمع المسلمين، وجمع الكافرين؛ فقد تولَّى أكثر المسلمين، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلاً، كما ذكرت الروايات.
{إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} : إنما: كافة مكفوفة تفيد التوكيد. استزلهم: بمعنى أزلهم ولكن أكثر تأكيداً ومبالغة في الزل؛ فقد كانت أُحد أعظم الزلات.
استزلهم الشيطان: بالوسوسة، والتزيين، الألف والسين والتاء؛ تعني: الطلب؛ أي: طلب منهم الشيطان أن يزلُّوا؛ لأنه علم فيهم ضعف الإيمان، والشيطان لا يستزل إلا الضعيف، والزلل: هو العثرة، والهفوة، مثل انزلاق القدم، وسقوط صاحبها، والسقوط، أو الوقوع في الخطأ الذي قد يؤدي إلى ما هو أعظم غير متوقع، والإثم هو توليهم عن القتال، وانسحابهم من أرض المعركة، وترك مواقعهم في جبل أُحُدٍ، ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشيطان: ارجع إلى الآية (36) من سورة البقرة؛ للبيان.
{بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} : أوقعهم الشيطان ببعض الذنوب؛ كالطمع في الغنيمة، وكره القتال، أو الجهاد في سبيل الله، ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
{وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} : الواو: عاطفة، لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد، عفا الله عنهم: لتوبتهم، واستغفارهم ربهم.
والعفو هو: ترك العقوبة على الذنب. ذنب معصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{غَفُورٌ} : صيغة مبالغة كثير الغفر مهما كثرت أو عظمت الذنوب؛ فالله يغفرها؛ إلا الشرك. صيغة مبالغة.
{حَلِيمٌ} : لا يعجل العقوبة لعباده؛ لعلهم يتوبون، وينيبون إليه، ذو الصفح، والأناة، حليم لمن عصاه مع القدرة على العقوبة.
سورة آل عمران [3: 156]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد للذين آمنوا، والهاء: للتنبيه، بتكليف جديد، أو تحذير، أو تنبيه.
{لَا} : الناهية، {تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ}: في الكفر، والنفاق.
{إِذَا} : ظرفية للماضي والاستمرار فهم قالوا في الماضي، وإذا تدل على شأنهم وللاستمرار في قولهم وأنه لن يتوقف.
{ضَرَبُوا فِى الْأَرْضِ} : خرجوا للتجارة، أو السفر في الأرض، وليس على الأرض؛ لأن الطبقة الغازية المحيطة بالأرض هي تابعة للأرض.
وأصل الضرب: إيقاع شيء على شيء، ويعني: ضرب الأرض بالأرجل، ويعني: السير عليها.
{أَوْ كَانُوا غُزًّى} : أي: غزاة، جمع غازي، والغزو: هو الخروج لمحاربة العدو، وأصل الغزو: قصد الشيء، والمغزَى: أي: المقصد.
{لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} : لو كانوا عندنا: لو: شرطية.
كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا: أي: لو بقيتم عندنا، ولم تخرجوا للسفر، أو القتال (الغزو) لما مُتّم، ولما قتلتم.
وهو اعتقاد خاطئ؛ لأن الموت العادي، أو الموت بالقتل هو بأمر الله تعالى وقضائه.
هو كتابٌ مؤجلٌ سيقع سواء كنتم في سفر، أو في غزو، أو في قعر بيوتكم، أو بروج مشيدة، وليس السبب في موتكم، أو قتلكم هو الخروج، أو عدمه.
{لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ} : ليجعل: اللام: لام التعليل، أو الاختصاص.
الله ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. ذلك: يشير إلى القول الذي قالوه: {لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} .
يجعل الله سبحانه قولهم حسرة في قلوبهم، والحسرة: تعني الحزن الشديد، والشعور بالندم، وظهور ذلك على الفرد؛ أي: يشعروا بأشد الندم، والأسف على ما قالوا.
انتبه: أسند الله الفعل إليه؛ أي: هذا الاعتقاد الفاسد في أذهانهم بالنسبة للموت، والقتل أن سببه الضرب في الأرض، أو الغزو سيكون لهم سبباً في زيادة الغم، والحسرة، وضيق الصدر إذا ماتوا، أو قتلوا حقيقة، وفي هذا تحذير للمؤمنين أن يفعلوا كما فعل الذين كفروا، ويتحسروا على من مات أو قتل بناءً على اعتقادهم الفاسد الخاطئ: أن موت هؤلاء، أو قتلهم ليس بسبب من الله، وإنما بسبب خروجهم.
{وَاللَّهُ يُحْىِ وَيُمِيتُ} : من يشاء ومتى شاء، وأين شاء، وكيف شاء في السفر، أو الغزو، أو قعر بيوتكم، ولا يموت أحد إلا بأمره، وقدره.
ولا تستقدمون ساعة ولا تستأخرون.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} : العمل يشمل القول، والفعل؛ أي: بصير بما تقولونه، أو تفعلونه، فلا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء.
حتى أن اعتقادهم الفاسد بأن موتهم، أو قتلهم ليس بأمر من الله، وإنما بسبب خروجهم للجهاد أصبح معلوماً، ولم يعد يخفى على أحد، فأصبح مكشوفاً للكل، ولذلك قال سبحانه: بما تعملون بصير، ولو أخفوه لقال تعالى: والله بما تعملون خبير.
سورة آل عمران [3: 157]
{وَلَئِنْ} : الواو: استئنافية، واللام في لئن: للتوكيد، وإن: شرطية تفيد الاحتمال، وقلة الحدوث.
{قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : في الجهاد في سبيل الله.
{أَوْ مُتُّمْ} : في سفر، أو في إقامتكم.
انتبه إلى ضم الميم في كلمة مُتم. انظر في ملحق هذه الآية؛ لمعرفة الفرق بين مُتم، ومِتم.
{لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} : لمغفرة من الله ورحمة: اللام في لمغفرة: جواب الشرط؛ أي: إن قتلتم في سبيل الله، أو متم في سبيل الله كلاهما وسيلة لنيل المغفرة من الله التي تمحو الذنب عنكم.
ورحمة: التي ترفع الدرجات، ورحمة: نكرة؛ أي: رحمة من الله مُرحب بها.
هذه المغفرة والرحمة خير وأفضل من البقاء في الدنيا، وجمع المال والعرض.
{خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} : يجمع المنافقون من حطام الدنيا، والمال والمتاع، مما:(من وما): من البعضية، ما: اسم موصول، أو مصدرية.
وفي هذا حث على الجهاد في سبيل الله، والموت لنيل الرحمة والمغفرة.
ومن الناحية البيانية: لا بد من معرفة لماذا ضم الميم في مُتم في هذه الآية.
بينما في الآية (35) من سورة المؤمنون كسر الميم، فقال:{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} .
لأن حركة الضم هي أثقل الحركات المستعملة في اللغة العربية، والموت في سبيل الله بسبب الحروب والجهاد والشدة هو أثقل وأشد أنواع الموت، فجاء بأثقل الحركات؛ لتناسب أشد الأفعال (الموت في سبيل الله والقتل)، وبما أن حركة الكسر هي أخف الحركات المستعملة في اللغة العربية، والموت الطبيعي على فراش الموت أو العادي هو أخف من الموت في سبيل الله، فجاء بأخف الحركات؛ لتناسب أخف أنواع الموت شدة.
سورة آل عمران [3: 158]
{وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} :
{وَلَئِنْ} : ارجع إلى الآية السابقة.
وإن: شرطية، مُتم، أو قتلتم: تدل على احتمال الحدوث.
مُتم: الموت العادي، أو قتلتم في سبيل الله.
أي: سواء {مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} : بأي سبب مصيركم إلى الله عز وجل وحده قطعاً وحصراً. ارجع إلى الآية السابقة؛ لمزيد من البيان.
{تُحْشَرُونَ} : الحشر: هو الجمع + السوق؛ أي: تساقون إليه، وتُجمعون، ويكون يوم القيامة.
هناك فرق بين القتل، والموت:
الموت العادي: تخرج فيه الروح أولاً مما يؤدِّي إلى موت البدن (نقض البنية) ثانياً.
أما القتل: يحدث فيه نقض البنية أولاً، فترغم الروح بالخروج، وترك البدن الذي لم يعد صالحاً لبقائها فيه.
وبالنسبة للتقديم والتأخير:
نرى في الآية (156) تقديم الموت على القتل، فقال تعالى:{مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} .
وفي الآية (157) تقديم القتل على الموت، فقال تعالى:{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} .
وفي الآية (158) تقديم الموت على القتل، فقال تعالى:{وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} .
فما سبب التقديم تارة، والتأخير تارة أخرى؟
ففي الآية (156): قدَّم الموت على القتل؛ لأن الآية في سياق الضرب في الأرض، أو كانوا غزى، قدَّم الأكثر، وهو الضرب في الأرض للسفر والتجارة وغيرها على الغزو (غزاً)؛ أي: الأقل.
أما في الآية (157): قدَّم القتل على الموت؛ لأن القتل أشرف من الموت، وأعظم درجة.
وفي الآية (158): قدَّم الموت على القتل؛ لأن السياق عن يوم الحشر، وعدد الموتى في يوم الحشر أكثر وأعظم من عدد الشهداء، فقدَّم الموت على القتل، والله أعلم.
سورة آل عمران [3: 159]
{فَبِمَا} : الفاء: استئنافية، والميم: للتوكيد.
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : أصلها برحمة من الله لنت لهم، أو لنت لهم برحمة من الله.
رحمة: هي جلب ما يسر، ودفع ما يضر، وتعني: الإنعام على المحتاج، ورحمة هنا: جاءت نكرة؛ للتعظيم.
{لِنْتَ لَهُمْ} : اللين: الرفق، واللطف؛ أي: رفيقاً بهم تعاملهم بالرفق، واللطف. فبرحمة من الله تعالى، وتوفيقه لك جعلك لين المعاملة، ورقيق المعاشرة لهم.
نزلت هذه الآية في أعقاب أحداث أُحُدٍ، حيث لم يعنف صلى الله عليه وسلم الذين تولوا يوم أُحُدٍ من المسلمين، بل رفق بهم، فأخبر تعالى أن ذلك كان بتوفيق منه عز وجل.
{وَلَوْ} : حرف امتناع لامتناع.
{كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} : قاسياً جافاً، قاسي القلب، غليظاً، خشن القول، صعب الخلق.
وأصل كلمة فظاً: هو ماء الكرش (الماء الموجود في الأمعاء الغليظة في الإبل).
فالإبل حين تشرب كميات كبيرة من الماء تخزنها في الأمعاء الغليظة، ثم لا تجد ماء تجتر من الماء المخزون، وهذا الماء كريه غير مستساغ الرائحة، وسموا خشونة القول: فظاظة، والفظ: القول الخشن.
{لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} : أي: تفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد.
{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} : فاعف عنهم أولاً، لما كان بينك وبينهم اعف عنهم لما فعلوه فيك يوم أُحُدٍ؛ حيث عصوا أمرك، وما أصابك من جراح، وبسبب طمعهم في الغنائم.
ثانياً: استغفر الله لهم؛ لأنهم أذنبوا، وعصوا الله ورسوله، فهذا يتطلب منك الاستغفار لهم.
ثالثاً: {وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ} : بعد العفو عنهم، والاستغفار لهم، أصبحوا أهلاً للمشورة، فشاورهم في أمور السلم، والحرب؛ أي: شاور ذوي الرأي، والعلم منهم، والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام.
{فَإِذَا عَزَمْتَ} : فإذا: الفاء: عاطفة، إذا: ظرف للزمن المستقبل.
{عَزَمْتَ} : العزم: هو الهم بالقيام، وهو القصد الإمضاء فيما جزم عقب المشاورة، أو عزمت ما تريد.
{فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} : استعن بالله بعد اتخاذ الأسباب الضرورية (التوكل عمل قلبي). ارجع إلى سورة الأعراف، آية (89)؛ لبيان معنى التوكل.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} : إن: للتوكيد، يحب المتوكلين: جمع متوكل، وهو الذي يهيِّئ الأسباب، ثم يدعو الله لمساعدته، ويعتمد عليه سبحانه في شؤونه.
سورة آل عمران [3: 160]
{إِنْ} : شرطية تفيد القلة، والاحتمال.
{يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} : كما نصركم يوم بدر، فلا أحد يغلبكم، فلا: الفاء: رابطة لجواب الشرط.
وفي آية أخرى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم آية (7): {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} .
ونصر الله يكون بإعلاء كلمته، وإعلاء دينه.
والله سبحانه لا يحتاج إلى نصرة؛ فهو القوي العزيز.
{وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ} : كما خذلكم في أُحُدٍ، الخذل، أو الخذلان، لا يمدُ لكم يد العون في النصر على أعدائكم.
{فَمَنْ ذَا} : من: للعاقل، استفهامية تفيد النفي؛ أي: لا ناصر لكم إلا الله، وذا: اسم إشارة للقريب.
{فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} : الهاء: تعود على الله سبحانه، والجواب: لا أحد يستطيع نصركم إلا الله.
{وَعَلَى اللَّهِ} : تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: على الله وحده يتوكل المؤمنون.
{فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} : الفاء: للتوكيد، واللام: في ليتوكل: للتعليل، يتوكل المؤمنون: يعتمدون على ربهم في قضاء حوائجهم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (89)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 161]
{وَمَا} : الواو: استئنافية، ما: النافية.
{كَانَ لِنَبِىٍّ} : اللام: لام الاختصاص؛ أي: ما يصح لنبي أن يغل.
{أَنْ} : للتوكيد، {يَغُلَّ}: الغلول الأخذ بالخفاء بمعنى السرقة من الغنائم قبل قسمتها. شرعاً: هو الخيانة في الغنائم؛ كقوله تعالى في سورة المائدة، آية (64):{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} .
{وَمَنْ} : شرطية، {يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: قيل: يأتي يوم القيامة حاملاً لما غَلَ أمام الناس، ويُفضح أمام الخلائق.
{ثُمَّ} : للترتيب والتراخي.
{تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} : من خير، أو شر، فينال الغال، وغيره جزاء فعله تاماً كاملاً يوم القيامة، وفي الآية (111) في سورة النحل قال تعالى:{وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} ؛ لأن الأعمال كسب فالعمل أعم من الكسب، ولأن السياق في أمر خاص هو الجهاد جاء بالكسب.
{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : هم ضمير منفصل للتوكيد، لا: النافية، يُظلمون: بنقص حسنة واحدة، أو زيادة سيئة واحدة.
سورة آل عمران [3: 162]
{أَفَمَنِ} : الهمزة همزة استفهام، وإنكار، ونفي؛ أي:(ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله). والفاء: استئنافية للتوكيد. من: اسم موصول.
{اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ} : أطاع الله عز وجل فيما أمر ونهى، ولم يغل في الغنيمة، ولم يخن في الأمانة، وأطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج لجهاد العدو، ولم يعص رسوله صلى الله عليه وسلم، وثبت في أرض المعركة.
{كَمَنْ} : الكاف: للتشبيه، من: اسم موصول؛ أي: كالذي.
{بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} : باء: رجع واستحق غضب الله لمعصيته، وغلوله، وتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كجماعة المنافقين) في الخروج للجهاد. السخط: الكراهية: عدم الرضا بما قدر الله، وقسم، وإظهار القبيح من القول والفعل، ويعني: التقبيح والسخط قد لا يكفي وحده، وفيما بعده جهنم وبئس المصير.
{وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} : مكان استقراره جهنم. ارجع إلى الآية (12) من نفس السورة؛ للبيان، وسورة الرعد آية (18) لمزيد من البيان.
{وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} : بئس: فعل ذم، وهنا يعني: الذم العام. المصير: المرجع والمنتهى؛ لأن إظهار السخط قد لا يؤثر في بعض الناس، ولا تنفع فيهم اللعنة، ولذلك جاء بقوله: ومأواه جهنم وبئس المصير.
سورة آل عمران [3: 163]
{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} :
{هُمْ} : ضمير منفصل يعود على الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط الله.
أو تعود على الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فهؤلاء يتفاوتون في درجاتهم بالنسبة للقرب من الله، أو في رضوانه عليهم في كون بعضهم أفضل من بعض، كما قال تعالى:{فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 55].
{هُمْ دَرَجَاتٌ} : أي: بعضهم أفضل من بعض بالقرب من الله تعالى.
ولهم درجات: لهم درجات تعني: درجات الجنة التي قيل: إنها مئة درجة.
إذن هم درجات؛ أي: بعضهم أفضل من بعض بالنسبة للقرب من الله، ولهم درجات مختلفة؛ أي: درجات الجنة، كما في قوله تعالى:{لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4].
{وَاللَّهُ بَصِيرٌ} : يبصر كل شيء، أحاط بصره بعباده، فهو يرى أفعالهم، ويسمع أقوالهم، ولا تخفى عليه خافية.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية.
{يَعْمَلُونَ} : العمل يعني القول + الفعل بما يعملون؛ أي: أقوالهم وأفعالهم، وقدَّم بصير على يعملون؛ لأن الآيات في سياق الأعمال القلبية.
سورة آل عمران [3: 164]
{لَقَدْ} : اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، والتوكيد.
{مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} : منّ: أي: أنعم وتفضل (والمن هو العطاء بلا مقابل).
وهناك المن المذموم: وهو الذي يتبع الصدقة المن، والأذى.
{عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} : رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ورسولٌ إلى الناس جميعاً، ولماذا المن على المؤمنين فقط؛ لأنهم هم الذين انتفعوا به خاصة من دون الناس؛ لأن بقية الناس لم يصدقوا به.
{إِذْ} : ظرف زماني، وتعني حين، أي: حين بعث فيهم.
{بَعَثَ فِيهِمْ} : أي: أرسل فيهم والبعث فيه قوة وحض ومشقة أكثر من أرسل. ارجع إلى الآية (119) من سورة البقرة؛ للبيان.
{رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} : جاءت هذه الآية في سياق تعداد النعم على المؤمنين؛ أي: من المؤمنين، ومن أنفسهم؛ قد تعني: من قريش، بينما في آيات أخرى يقول: رسولاً منهم؛ أي: من عامة العرب، أو الناس، ومنهم: جاءت في سياق دعاء إبراهيم أثناء بناء البيت مع إسماعيل.
{يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} : آيات القرآن، والهاء في آياته تعود إلى الله سبحانه تشريفاً لهذه الآيات.
{وَيُزَكِّيهِمْ} : التزكية: هي التطهير، والنماء، تطهير من الشرك، والكفر، والأوثان.
{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} : الكتاب القرآن العظيم؛ أي: يعلمهم القراءة، والمعنى، والأحكام؛ أي: يتلو عليهم أولاً، وبعد ذلك يزكيهم، وبعد ذلك يعلمهم ما جاء في القرآن من أحكام وشرائع.
{وَالْحِكْمَةَ} : أي: السنة النبوية.
{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ} : وإن: الواو: للتوكيد، إن: المخففة؛ للتوكيد كذلك.
لفي: اللام للتوكيد، في: ظرفية زمانية قبل مجيء أو بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً فيهم.
ضلال مبين: ضلال: بعد عن الحق. ضلال: نكرة تشمل كل أنواع الضلال.
ضلال مبين: ظاهر، واضح لكل إنسان، وبين أنه ضلال لا يُخفي نفسه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (198)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 165]
{أَوَلَمَّا} : الهمزة: استفهام للتعجب، والإنكار؛ لقولهم أنى هذا. والواو: العاطفة، لما: ظرف بمعنى حين تتضمن معنى الشرط.
{أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} : أي: ما أصابكم يوم أُحُدٍ من هزيمة، وفاجعة، وقتل (70) منكم.
{قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} : قد: للتحقيق، والتوكيد، أصبتم مثليها: أي: يوم بدر فقد قتلتم (70) من الكفار، وأسرتم (70)؛ جعل المثلين في اليومين (يوم بدر ويوم أحد)، وجعل الأسر كالقتل.
{قُلْتُمْ} : متعجبين يوم أُحُدٍ.
{أَنَّى} : للتعجب، والاستفهام تعجبتم وسألتم: كيف يحدث لنا هذا، ونحن مسلمون، أو من أين حدث لنا هذا الخذلان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فكان من الأفضل ألا تسألوا هذا السؤال.
{قُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم:
{هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ} : أي: السبب بين وواضح هو عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أوامره طمعاً في الغنيمة، وحب الدنيا، والفرار من أرض المعركة، وعدم الثبوت، والقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : إن: للتوكيد، الله على كل شيء قدير: قدير على أن يخذلكم، ويهزمكم، وقدير على أن ينصركم، القادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء مهما كبر، أو صغر، كامل القدرة.
سورة آل عمران [3: 166]
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} :
{وَمَا أَصَابَكُمْ} : الواو: استئنافية، ما: اسم موصول، أصابكم: حدث لكم وحل بكم.
{يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} : يوم أُحُدٍ (يوم التقى جمع المؤمنين وجمع الكافرين).
{فَبِإِذْنِ اللَّهِ} : بعلم الله، وأمره، وبإرادته، وقضائه. الفاء: للتوكيد، والباء: للإلصاق.
{وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} : عاطفة. ليعلم: اللام: لام التوكيد (وقيل: التعليل).
هناك إشكال في فهم هذه الآية من قبل البعض.
فقوله: {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} ، {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا}: أي: ما حدث وجرى يعلمه الله سبحانه منذ الأزل أنه سيحدث، وسيقتل منكم (70)، ويعلم نتيجة المعركة قبل أن تحدث.
وما جرى يوم أُحُدٍ من الأحداث؛ لكي يعلم المؤمنون أنفسهم، والذين نافقوا أنفسهم، وغيرهم بتلك الحوادث.
فلا يستطيعون إنكارها، وتقام عليهم الحجة، فكيف تقام عليهم الحجة، فقد يقول قائل: أنا مستحيل أن أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أخالف أمره، ولن أترك مقعدي على أحد هذا مجرد تصريح منه، فإذا اختبرناه وامتحناه فعلاً، وقام بذلك فقد أقام لنفسه الحجة، وفاز، وأما إذا خالف، وعصى، وترك مقعده راكضاً وراء الغنيمة، ثم انهزم من أرض المعركة عندها تقام عليه الحجة، فلا يستطيع إنكار ذلك، وتظهر له نتيجة عمله، فلا يستطيع إنكارها.
{وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} : ولم يقل: الذين آمنوا؛ لأن هناك فرقاً بين الذين آمنوا، والمؤمنين:
فأما المؤمنون: فهم الذين أصبحت صفة الإيمان ثابتة لهم، وصلوا إلى درجة الإيمان، ونالوا ذلك.
وأما الذين آمنوا: لا زالوا في طريقهم إلى الوصول إلى درجة الإيمان الثابت التي وصل إليها المؤمنون، فالذين آمنوا يتجدَّد، ويتكرَّر إيمانهم، أما المؤمنون إيمانهم ثابت، ومستمرٌّ لا يتغيَّر.
سورة آل عمران [3: 167]
{وَلِيَعْلَمَ} : الواو: عاطفة، ليعلم: اللام: للتوكيد (لها نفس معنى: وليعلم المؤمنين).
{الَّذِينَ نَافَقُوا} : وهم جماعة عبد الله أُبي حيث خرجوا للقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُدٍ، ولكن بعد مسيرهم بعض الطريق تخاذلوا رجعوا، وكان عددهم ثلث المقاتلين، ولما اتخذ هؤلاء المنافقون القرار بالانسحاب، والرجوع، وعدم القتال قيل لهم:
{وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : كما يقاتل المؤمنون. {أَوِ ادْفَعُوا} : أي: دافعوا عن أموالكم، وأنفسكم، وأهليكم على الأقل إذا كنتم لا تريدون الجهاد في سبيل الله.
قال المنافقون للمؤمنين:
{لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ} : أي: ما خرجتم إليه يوم أُحُدٍ هو ليس قتالاً، ولا دفاعاً، بل هو إلقاء بأنفسكم إلى التهلكة (لأن رأي عبد الله بن أُبَيٍّ كان الإقامة في المدينة، وعدم الخروج والتصدي لقتال المشركين في المدينة، وليس في خارج المدينة)؛ حيث كان لهم سابق خبرة أن القتال خارج المدينة سيورث الهزيمة، والقتل؛ لذلك رفض هؤلاء المنافقون، واحتجوا بتلك الذريعة، وقالوا: لن نتبعكم؛ لأن هذا ليس قتالاً، وإنما هو انتحار.
{هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} : أي: يوم تخاذلوا، ورجعوا، وقالوا: لن نتبعكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان؛ أي: ابتعدوا كثيراً عن الإيمان إلى الكفر.
{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} : ينطقون بالإيمان بألسنتهم فقط، وليس في قلوبهم إلا الكفر (النفاق)، أو يقولون: نحن أنصاركم، وأعوانكم، وهم أعداء يريدون السوء للمؤمنين.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} : من النفاق، والعداوة. والكتمان: هو الإخفاء الذي يختص بالأمور المعنوية؛ كالإسرار، والإخبار.
سورة آل عمران [3: 168]
{الَّذِينَ} : تعود على المنافقين الذين قعدوا عن القتال.
{قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} : الذين مضوا بالخروج إلى أُحُدٍ ولم يتراجعوا، ثم هُزموا، وقُتل منهم (70) رجلاً.
{لَوْ} : شرطية تفيد التمني.
{أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} : أي: أطاعونا بعدم الخروج إلى أُحُدٍ، ما: النافية، قُتلوا: ما أصابهم ما أصابهم يوم أُحُدٍ.
{قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} : الدرء: هو الدفع بشدة. ادفعوا عن أنفسكم الموت إذا حضر؛ أي: إذا حضر أجلُكم، أو ارفضوا الموت إذا جاءكم بشكل مفاجئ أو شديد فيها معنى التحدي حتى ولو كان الموت شيء مرئي لا يمكن للإنسان حماية نفسه.
{إِنْ} : شرطية.
{كُنتُمْ صَادِقِينَ} : أن الفرار من الموت، والحذر، أو القعود عن الجهاد يُنجي من الموت، وجواب إن محذوف؛ للتعظيم، والتهويل.
سورة آل عمران [3: 169]
{وَلَا تَحْسَبَنَّ} : الواو: استئنافية، لا: الناهية، تحسبن: من الحسبان، أو الحساب، والنون في تحسبن: للتوكيد.
تحسبنَّ: من حسب؛ أي: اعتقد، حسبتم؛ أي: اعتقدتم اعتقاداً راجحاً، أو حسب تعني: الظن الراجح المبني على حساب حسي، وحساب قلبي قائم على النظر، والتجربة، والحساب.
{الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : سواء شهداء بدر، أو شهداء أُحُدٍ، أو غيرهم من الذين استشهدوا في سبيل الله، وهم يقاتلون لإعلاء كلمة الله تعالى ودينه.
{أَمْوَاتًا} : جمع ميّت: بالتشديد؛ أي: خرجت روحه، وفقد عنصر الحياة، فهم ليسوا كذلك.
{بَلْ} : حرف إضراب إبطالي؛ أي: ليسوا بأموات كما يحسبهم الناس.
{بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} : حياة برزخية حقيقية، لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى، ونؤمن بها كما أخبرنا عنها القرآن الكريم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
{يُرْزَقُونَ} : يتنعمون بطيب الرزق، ولذيذ العيش، ويرزقون تأكيد لكلمة أحياء.
{عِنْدَ رَبِّهِمْ} : هذه العندية عند ربهم لا تشبه العندية عندنا في الدنيا فهي عندية خاصة، عندية تكريم وتشريف.
وعندما نفتح القبر ونجدهم تراباً وعظاماً، ونحكم عليهم بأنهم تراب وعظام نحكم عليهم بقانون الدنيا، أو عنديتنا، أما في قانون الله، وقانون الآخرة فهم أحياء يرزقون، فهم في حياة جديدة، وعالم جديد، ونحن في عالم الدنيا، وحياتنا تختلف عن حياتهم، وليس لنا القدرة على سماعهم، ورؤيتهم، ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمع اللَّذَين يعذبان في قبرهما، وأنه خاطب قتلى بدر.
سورة آل عمران [3: 170]
{فَرِحِينَ} : الفرح في القرآن أنواع: الفرح المحمود، والفرح المذموم، والفرح المباح، وسياق الآيات يحدد نوع الفرح المطلق والمقيد، وأنواع الفرح: المحمود، والمذموم، والمباح، والفرح: انفعال طبيعي يتمثل بانشراح الصدر بلذة عاجلة، وقد يتمثل بالبطر والفرح المطلق، والفرح النسبي لشكر الله، وزخارف الدنيا، وأكثر ما ورد في الذم، وأما الفرح المحمود: فهو المقيد بأمور الدين والآخرة والخير؛ سواء أكان حسياً أم معنوياً، والفرح في هذه الآية من الفرح المحمود، ويعود على الذين قتلوا في سبيل الله، بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية.
{آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} : بما آتاهم من نعيم ورزق وكرامة.
من فضله: من: ابتدائية، فضله: الفضل هو الزيادة عن الاستحقاق، أو الأجر. والفضل ليس بواجب على أحد.
{وَيَسْتَبْشِرُونَ} : من البشرى: وهي الخبر السار الذي يصل لأول مرة، والبشر والبشارة، فالبشارة تؤدِّي إلى تغير لون الوجه؛ ليصبح الوجه متلألئاً، وله بريق ولمعان من السرور.
{بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ} : أي: يسرون بإخوانهم الذين تركوهم يجاهدون على الأرض، وأنهم سيأتون من بعدهم بالشهادة في سبيل الله؛ ليشاركوهم في النعيم الدائم، ولنعلم أن دخول الجنة لا يكون إلا برحمة من الله، وفضل حتى الشهداء.
{أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : ألا: أصلها أن + لا. أن: المخففة، ولا: النافية. وأن: تفيد التوكيد. ارجع إلى الآية (38) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة آل عمران [3: 171]
{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} :
{يَسْتَبْشِرُونَ} : من البشارة، كما ورد في الآية السابقة. فهذه البشارة لهم أنفسهم، أما البشارة السابقة فكانت لإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وجاء بصيغة المضارع؛ ليدل على تجدد استبشارهم واستمراره.
{بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : هي الجنة.
{وَفَضْلٍ} : وكل شيء يمنحونه في الجنة هو فضل من الله، والفضل: هو كل زيادة على أجرهم، ورضوان الله سبحانه، ورؤية وجهه الكريم أكبر فضل.
{وَأَنَّ اللَّهَ} : أن: للتوكيد.
{لَا} : النافية.
سورة آل عمران [3: 172]
أجابوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بلغه أن أبا سفيان من بعد غزوة أُحُدٍ وهزيمة المسلمين يريد الرجوع بقريش إلى المدينة؛ ليستأصلوا مَنْ بقي مِنْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال أبو سفيان بعد رجوعهم إلى مكة: لا محمد قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، شرٌّ ما صنعتم، فحين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج طلباً لأبي سفيان إرهاباً له، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال عنده جيش وقوة، فخرج صلى الله عليه وسلم مع عدد من أصحابه، وهم لا يزالون في جروحهم فخرج معهم إلى حمراء الأسد، وبقوا هناك ثلاثة أيام، ثم صرف الله سبحانه أبا سفيان، ومن معه، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
{الَّذِينَ} : تعود على المؤمنين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} : أجابوا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لقتال، أو ملاحقة أبي سفيان، وجيش قريش بعد رجوعهم من أُحُدٍ. استجابوا وهم مرهقون متألمون، ومثخنون بالجراح.
{مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} : من: ابتدائية؛ تعني: مباشرة بدون فاصل زمني.
أصابهم القرح: الجراح، والألم في غزوة أُحُدٍ.
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} : للذين: اللام: لام الاستحقاق، أحسنوا: طاعة الرسول، والاستجابة له صلى الله عليه وسلم، وأحسنوا من الإحسان كمّاً وكيفاً.
{مِنْهُمْ} : قدَّم الجار والمجرور خاصَّة، وليس من غيرهم؛ (أي: حصراً وقصراً).
{وَاتَّقَوْا} : مخالفة الله ورسوله، وأطاعوا أوامر الله تعالى، وتجنَّبوا محارمه.
{أَجْرٌ عَظِيمٌ} : هو الجنة، ومن أعظم الأجور.
سورة آل عمران [3: 173]
{الَّذِينَ} : تعود على الرسول وصحابته.
{قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} : وهم نفر من عبد القيس مرُّوا بأبي سفيان، وهو عازم على العودة إلى المدينة بعد غزوة أُحُدٍ؛ لتصفية المؤمنين، فقال له أبو سفيان أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن أبا سفيان قادم بجيشه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك زادهم إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
{إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} : إن: للتوكيد، الناس قد جمعوا لكم: أبو سفيان، وأصحابه قد جمعوا لكم ليقاتلوكم.
{فَاخْشَوْهُمْ} : لا تأتوهم، أو خافوهم، واهربوا منهم، ولا تحاربوهم.
{فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} : تصديقاً بالله، ويقيناً بنصر الله لرسوله، وعباده المؤمنين.
{وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} : يكفينا الله أمرهم وشرهم.
ونعم الوكيل: نعم من أفعال المدح، نعم المتولي أمورنا، والمدبِّر أحوالنا؛ أي: نفوِّض أمرنا إلى الله الحفيظ.
سورة آل عمران [3: 174]
{فَانْقَلَبُوا} : الفاء: للمباشرة والتعقيب. انقلبوا: أي: رجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بعد عودة أبي سفيان بجيشه إلى مكة، والانقلاب هو الرجوع إلى غير الحالة السابقة التي كانوا عليها، رجعوا مطمئنين سالمين لم يمسسهم سوء بعد أن كانوا خائفين غير آمنين من عدوهم.
{بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : الباء: للإلصاق، نعمة من الله: النعمة ما يهبه الله لعبده من خير يجلب له المسرة، ويدفع عنه المضرة.
ولوحظ في القرآن أن نعمة تكتب بالتاء المربوطة أو بالتاء المفتوحة (نعمت).
إجمالاً يمكن القول: وردت بالتاء المربوطة (25) مرة، و (11) مرة بالتاء المفتوحة.
1 -
نعمة: بالتاء المربوطة: غالباً تأتي في سياق نعم الله الظاهرة للعيان، أو سياق النعم العامة، وتعني نعمة واحدة.
2 -
نعمت: بالتاء المفتوحة: تأتي في سياق النعم الخاصة بالمؤمنين، وهي نِعم كثيرة جداً.
وفضل: الفضل: الزيادة على الأجر، فرغم أنهم لم يقاتلوا أبا سفيان أثابهم ثواب غزوة في سبيل الله.
{لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} : لم: نافية، يمسسهم سوء: من قتل، أو أذى حين خرجوا إلى حمراء الأسد.
{وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} : بالاستجابة لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخروج أو التصدي لأبي سفيان وجيشه بعد معركة أُحُدٍ.
{وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} : والله صاحب الفضل المطلق على المؤمنين بما فضل عليهم، أو بما منّ عليهم بدفع المشركين عنهم، ولمعرفة معنى (ذو): ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (87)، وغافر، آية (3)، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (74) في نفس السورة وهي قوله تعالى:{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} التعريف بأل التعريف يأتي في سياق الأمور العامة والأكثر شمولاً والأهم.
سورة آل عمران [3: 175]
{إِنَّمَا} : كافة ومكفوفة؛ للحصر والتوكيد.
{ذَلِكُمُ} : ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، وتشير إلى الشيطان.
{الشَّيْطَانُ} : ارجع إلى الآية (36) من سورة البقرة؛ للبيان لمعرفة معنى الشيطان.
{ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} : قيل: هو إبليس، أو قيل: هو نعيم بن مسعود الأشجعي، أو كلاهما، وذلكم: اسم إشارة يدل على وأُحُدٍ بعينه، والغالب: هو نعيم بن مسعود الأشجعي.
فإذا كان هو إبليس فكيف نفسر يخوف أولياءَه، وإذا كان غير إبليس؛ أي: نعيم بن مسعود الأشجعي كيف نفسِّر يخوف أولياءَه؟
أولاً: الشيطان (إبليس) قيل: يخوف أولياءَه تقديره: يخوفكم بأوليائه، أو يخوفكم من أوليائه.
يخوفكم: أنتم المؤمنين حتى لا تخرجوا إلى ملاقاة أبي سفيان وجيشه عند حمراء الأسد، أو يخوفكم من أوليائه: وأولياؤه هم أبو سفيان وجماعته، أو كفار قريش، أو المنافقون.
ثانياً: الشيطان (هو نعيم بن مسعود الأشجعي): وهو يعتبر من شياطين الإنس.
يخوف أولياءَه: لنفهم معنى أوليائه يجب أن نعلم بعد رجوع أبي سفيان منتصراً إلى مكة ألقى الله سبحانه الرعب في قلبه حتى لا يرجع إلى مكة؛ ليستأصل محمداً وصحابته، كما كان ينوي.
يخوف أولياءَه: أي: الأشجعي يخوف أولياءَه حتى لا يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، حين طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد، وملاقاة أبي سفيان وجنودِه.
فالذين يستمعون له ويستجيبون له من الناس هم (أولياؤه)، فلا تخافوهم، وخافونِ (الله).
علاقة أبي سفيان بالأشجعي: التقى أبو سفيان بنعيم الأشجعي حين قدِم مكةَ معتمراً، فقال له: ارجع إلى المدينة فثبَّط محمداً وأصحابه بعدم الخروج للقتال.
فرجع فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم؛ أي: فلا تخرجوا لقتال أبي سفيان وقريش، ورغم التحذير خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته إلى حمراء الأسد.
مَنِ استمع إلى قول نعيم الأشجعي، واستجاب له يعدُّ من أوليائه (أولياء الشيطان نعيم الأشجعي).
{فَلَا تَخَافُوهُمْ} : لا: الناهية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: أي: لا تخافوا من أولياء الشيطان أبي سفيان وجماعته، أو غيره من المشركين. اخرجوا إليهم، ولا تخافوهم.
{وَخَافُونِ} : إن قعدتم ولم تخرجوا إليهم لقتالهم، أو التصدِّي لهم.
{إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} : إن: شرطية، كنتم مؤمنين: لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس، وكذلك إن الله ناصر عباده المؤمنين.
والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
فالشيطان سواء كان إبليس أو غيره (من شياطين الجن)، أو من شياطين الإنس أمثال نعيم بن مسعود الأشجعي.
يخوف أولياءَه: أولياؤه هو الذين يستجيبون لوساوس الشيطان، ويخافون أن يخرجوا للجهاد.
وكما بيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في سورة الأنعام، آية (121) فقال:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} ، يوحون بالوحي، والوحي في اللغة: هو الإعلام الخفي بالوسوسة، والإغراء، والتزيين؛ يحثُّ بعضهم بعضاً، سواء كانوا من الجن، أو الإنس، فبعد أن يكفروا أو يشركوا، ويعصوا الله ورسوله يطلق عليهم أولياء الشيطان، أو حزب الشيطان.
سورة آل عمران [3: 176]
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: الناهية.
{يَحْزُنكَ} : من الحزن، وهو غم يصب النفس لرؤية، أو سماع ما يسوءُه ويكرهه، وهناك فرق بين الحزُن بضم الزاي، والحزَن بفتح الزاي. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (33)؛ للبيان.
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزن فعلاً حين يرى بعض الناس يسارعون في الكفر، وكان صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان كل إنسان، وهذا الحرص هو الذي دفعه إلى الحزن، ولا غريب في ذلك؛ لأنه رحمةٌ للعالمين.
{يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ} : ولم يقل: يسارعون إلى الكفر؛ لأنهم أصلاً، أو سابقاً كانوا منغمسين في الكفر، ولم يكونوا مؤمنين، أو كانوا غير كافرين، وهم يسارعون إلى الكفر الآن، وقيل: هم المنافقون، وكفار قريش، وأبو سفيان، أو اليهود يسارعون في الكفر، أو يسارعون في الكفر؛ أي: يزدادون كفراً؛ بارتكاب أنواع جديدة من المحرمات، أو المعاصي والفساد. ويسارعون فيها معنى شدة الحرص على المسارعة وكثرتها وتكرارها بدلاً من يسرعون.
أو كانوا يخفون كفرهم، وهم الآن يظهرون كفرهم على العلن، وليس مسارعتهم في الكفر تقصيراً منك يا محمد صلى الله عليه وسلم في إبلاغهم، أو دعوتهم.
{إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْـئًا} : إنهم: للتوكيد، لن: حرف نفي تنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد.
يضروا الله شيئاً: شيئاً: نكرة؛ أيَّ شيء مهما كان نوعه صغيراً، أو كبيراً، لا في ذاته، ولا ملكه، ولا رسوله، والتنكير يدل على قلة وحقارة ما يفعلونه من الإسراع، أو محاولة الضرر.
انتبه إلى قوله: لن يضروا الله شيئاً: المفروض أن يقول: لن يضروك شيئاً، أو: لن يضروكم شيئاً؛ لأن المعركة هي بين الذين كفروا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، ولكن الله سبحانه وضع ذاته طرفاً في المعركة بدلاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ لأن عِداءَ الرسول والمؤمنين هو عداءٌ لله تعالى عز وجل.
فكأن المعركة هي معركة بين الله سبحانه القوي العزيز، وبين الكافرين، فلا يهمكم أمرهم، ولا تحزنوا عليهم.
فهم لا يضرون إلا أنفسهم وسيذوقون وبال أمرهم.
ثم بيَّن الله سبحانه كذلك ما ينتظرهم من جزاء.
{يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا} : أصلها أن + لا، أن: للتوكيد، لا: للنفي؛ أي: توكيد النفي.
{يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى الْآخِرَةِ} : الحظ هو النصيب؛ أي: نصيباً من الثواب؛ أي: الأجر في الآخرة، والحظ: يأتي في سياق الخير فقط (في القرآن)، والنصيب: يأتي في سياق الخير والشر، وتدل الآية أن لا: ليس هناك أملٌ، ولا رجاءٌ في أي حظ (ثواب) في الآخرة.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : اللام في لهم للاختصاص، عذاب عظيم: في ألمه، وكميته، وقدره، ومدته، ونوعه؛ فهو أعظم أنواع العذاب، وأشد من العذاب المهين والأليم.
سورة آل عمران [3: 177]
{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا} : إن: للتوكيد، اشتروا: الاشتراء عملية تبادل الثمن هو الإيمان، والمشترى هو الكفر إذن هم اشتروا (أخذوا) الكفر، ودفعوا إيمانهم ثمناً له.
والسؤال هنا: هل كان عندهم إيمان ليدفعوه كثمن؟
والجواب قد يكون ذلك إيمان الفطرة.
{لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْـئًا} : ارجع إلى الآية السابقة؛ لتبيان ذلك.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : شديد الإيلام، لا يطاق.
وقال بعض المفسرين: إن هذه الآية جاءت في سياق الذين ارتدوا عن دينهم.
سورة آل عمران [3: 178]
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: الناهية.
{يَحْسَبَنَّ} : ارجع إلى الآية (169)؛ لمزيد من البيان.
{يَحْسَبَنَّ} : من الحساب، أو الحسبان وهو الاعتقاد الراجح المبني على حساب قلبي، أو عقلي، المبني على حساب حسي سابق (ناتج عن مراقبة وخبرة).
{الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا} : أنما: أصلها أنَّ: (حرف مشبه بالفعل)، وما: اسم موصول، أو مصدرية.
{نُمْلِى لَهُمْ} : الإملاء: هو إطالة الوقت؛ يعني: نطيل لهم في العمر، ورغد العيش، وبما يصبوا إليه من نصر وظفر ورزق وغيره.
لهم: اللام: لام الاختصاص، لهم خاصة، وليس لغيرهم.
{خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ} : الخير هو الشيء الحسن النافع؛ أي: الإملاء: هو ليس شيئاً حسناً، ونافعاً لهم، بل هو شرٌّ لهم.
{إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ} : كافة مكفوفة للحصر؛ أي: فقط نملي لهم؛ ليزدادوا إثماً.
{لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} : اللام: للتوكيد. ليزدادوا إثماً: أي: ذنوباً، وأشد المعاصي.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} : الواو: عاطفة، لهم: اللام: لام الاستحقاق.
عذاب: نكرة؛ أيْ: أشد ما تتصوَّره العقول.
مهين: لا يكفي كونه أليماً وعظيماً، بل مهيناً؛ أي: أمام الناس، وعلى مرأى منهم وفضيحة لهم.
سورة آل عمران [3: 179]
{مَا} : النافية للحال.
{كَانَ اللَّهُ} : ما كان الله في الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{لِيَذَرَ} : اللام: لام التوكيد، توكيد النفي السابق، ليذر: ليترك، أو يدع.
{الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} : أي: من اختلاط المنافقين بالمؤمنين، وعدم معرفة المنافقين من المؤمنين.
{حَتَّى} : حرف غاية (نهاية الغاية).
{يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} : يميز: يظهر ويفرق بين الخبيث (المنافق المشرك، أو العاصي الفاجر) من الطيب (المؤمن الطاهر المخلص).
أي: أنه سبحانه لا بد من أن يمتحن ويبتلي الناس بشيء من المحنة، أو الشدة، ولن يترك الناس على حالتهم حتى يظهر المؤمن الطيب من المنافق الخبيث الفاجر.
وكما قال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد: 31]. ارجع إلى تلك الآية لمزيد من البيان.
وما حدث في أُحُدٍ كان اختباراً للمؤمنين، وفَضَحَ فيه المنافقين، والذين تخلفوا عن الخروج، ومَن خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَن انهزم في المعركة.
{وَمَا كَانَ اللَّهُ} : التكرار يفيد النفي.
{لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} : فتعرفوا المنافق من غيره، أو ينزل عليكم الوحي ويطلعكم على ما في قلوب العباد من تقوى، أو كفر. يطلعكم على الغيب (من الإطْلاع)، أما قوله: فلا يظهر على غيبه أحداً (من الإظهار)، فما هو الفرق بين الإطْلاع، والإظهار:
الإطْلاع: يكون مرة، أو مرتين (عدد قليل).
الإظهار: يعني: مرات كثيرة، أو يظهره على كثير من الغيب.
فليس من شأنه سبحانه أن يطلع الناس على الغيب، ولكن خلق لهم عقولاً، وفطرة، وهداهم، وترك لهم أن يميزوا بأنفسهم المؤمن من الكافر بما هو ظاهر لهم من الأسباب.
{وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} : لكن: حرف استدراك.
ومع ذلك لا ننسى أن الله يجتبي يختار ويصطفي من رسله من يشاء، ويطلعه على بعض الغيب، كما قال تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26-27].
أي: يطلع رسوله على من هو منافق، ومن هو مخلص.
{فَـئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} : الفاء: للتوكيد، فعليكم الإيمان بالله، ورسله، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَإِنْ تُؤْمِنُوا} : إن: شرطية، تؤمنوا: تستمروا، وتحافظوا على إيمانكم، وتستقيموا عليه، وتطيعوا الله سبحانه ورسوله فيما أمر، وتؤمنوا بما جاء به الرسل من أخبار الغيب.
{فَلَكُمْ} : الفاء: للتوكيد، لكم: اللام: لام الاستحقاق.
{أَجْرٌ عَظِيمٌ} : ثواب عظيم، وهو الجنة، لا يفوقه أجر، ولا يعلمه، ولا يحدده أحد إلا الله.
سورة آل عمران [3: 180]
{وَلَا يَحْسَبَنَّ} : ارجع إلى الآية (178).
{يَبْخَلُونَ} : يمنعون الحق الواجب عليهم من زكاة، أو صدقة، أو إطعام جائع، أو ستر عارٍ.
{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} : الباء في بما: للإلصاق، الإيتاء: هو الإعطاء مع إمكانية أخذه منه مرة أخرى، الإيتاء: أعم من الإعطاء، ويشمل الأمور المادية والمعنوية. ارجع إلى الآية (251) من سورة البقرة.
وآتاهم الله من فضله: هنا يعني: المال، والعلم، وغيره، ولا ينفقون منه الواجب.
الذين يبخلون: بصيغة المضارع؛ لتفيد التجدد، والاستمرار.
{هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} : هو: إشارة إلى البخل، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد.
{بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} : حرف إضراب إبطالي؛ أي: ليس بخلهم خيراً لهم، بل هو شرٌّ لهم.
والخير كما قلنا: الشيء الحسن النافع.
والشر: هو الشيء الضار، وضده الخير، وتكرار هو: يفيد الحصر، والتأكيد.
{سَيُطَوَّقُونَ} : السين: للاستقبال القريب.
{مَا بَخِلُوا بِهِ} : اسم موصول يعني: الذي. سيكلفون ويحملون إثم الذي بخلوا به: إثم عدم دفع زكاة أموالهم، أو سيلزمون إثم ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق، وقيل: طوق من النار.
{يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : يوم يقوم الناس لرب العالمين للحساب والجزاء.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مثِّل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك» .
{وَلِلَّهِ} : تقديم الجار والمجرور هنا يفيد الحصر؛ أي: لله وحده ميراث السموات والأرض.
{مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : الله سبحانه وتعالى له ما في السموات، وما في الأرض، وهو مالك الملك الحقيقي وحده لا شريك له من الأزل إلى الأبد، وكل ما في الكون في السماء والأرض هو ملكه وحده، وما يملكه أي إنسان فقط مستخلف فيه، وبعد نفخه الصعق (النفخة الأولى)، وموت الخلائق جميعاً تبقى أموالهم، وأملاكهم لا أحد يُطالب بها، ويدَّعي أنها ملكه ولا قيمة لها.
والله سبحانه يستردُّ من الخلائق ما جعلهم مستخلفين فيه، وهو ليس في الحقيقة وراثة؛ لأن الوارث يرث شيئاً لم يكن ملكه من قبل، والله سبحانه له ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما من قبل أن يخلقهم.
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} : خبير أحاط علمه ببواطن الأمور وظواهرها. وقدَّم بما تعملون على خبير؛ لأن سياق الآيات جاء في أعمال الكافرين، والمنافقين.
والانتقال من صيغة المخاطب (كقوله: سيطوقون) إلى صيغة (المخاطب) مباشرة (بما تعملون) بدلاً من قوله: بما يعملون؛ للمبالغة في الوعيد، وشدة الإثم.
سورة آل عمران [3: 181]
أسباب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل أبو بكر بيت المِدْراس فوجد يهوداً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له منخاص، فقال له أبو بكر: اتق الله، وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله، فقال منخاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا الفقير، ولو كان غنياً ما استقرض منا فغضب أبو بكر فضرب وجه منخاص، وقال: والله لولا العهد الذي بيننا لضربت عنقك، فذهب منخاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! انظر ما صنع صاحبك بي، وأخبره بما قال منخاص فجحد؛ أي: أنكر ما قاله لأبي بكر رضي الله عنه؛ فنزلت هذه الآية.
وقيل عن ابن عباس رضي الله عنهما كذلك: أن اليهود أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية: {مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ، فقالوا: يا محمد! أَفتقر ربك يسأل عباده القرض، فأنزل الله هذه الآية:{لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} .
{لَّقَدْ} : اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد.
{سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} : إن: للتوكيد؛ أي: أكد اليهود نسبة الفقر إلى الله على سبيل المبالغة.
ونحن أغنياء: وصفوا أنفسهم بالأغنياء، وأن الغنى صفة ثابتة لهم، ونسوا أن الله هو الذي جعلهم أغنياء، وأنه هو المنعم عليهم.
{سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} : الله سبحانه لا يكتب، وإنما يأمر الملائكة الموكلين بالإنسان أن يكتبوا من الكفر والافتراء على الله والاستخفاف بالرسول والقرآن، وكتابة كل ما يقال.
وأسند الكتابة إليه سبحانه؛ لبشاعة هذا الافتراء على الله بأنه فقير، وهم أغنياء، وفي الآية تهديد ووعيد.
{وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} : أي: وسنكتب قتلهم الأنبياء بغير حق. ارجع إلى سورة البقرة، آية (61)؛ لبيان الآيات المشابهة مثل: قتلهم النبيين بغير حق، أو قتلهم النبيين بغير الحق.
{وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} : أي: سنعاقبهم على قولهم: إن الله فقير، ونحن أغنياء، وعلى قتلهم الأنبياء بغير حق، ونقول ذوقوا: أصل الذوق باللسان، ثم استعمل في عذاب الحريق، وعذاب الحريق: المحرق المؤلم، عذاب بالنار الملتهبة.
سورة آل عمران [3: 182]
{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} :
{ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف: للخطاب يشير إلى عذاب الحريق.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق، أو السببية، أو التعليلية.
{قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} : بسبب ما قدمت أيديكم من أعمال، وذكر الأيدي بالذات؛ لكثرة تداول الأعمال، والمعاصي بالأيدي من قبيل المجاز.
{وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} : ظلام: صيغة مبالغة من الظلم، تقول: فلان ظالم، وإذا أردت المبالغة تقول: ظلَّام؛ أي: كثير الظلم، وعندما نقول: فلان ظلَّام؛ يعني: أنه ظالم أيضاً.
ولكن عندما تقول: فلان ليس ظلَّاماً (ليس كثيرَ الظلم)، فقد يكون ظالماً فقط، إذن تنفي عنه ظلَّاماً، ولا تنفي عنه كونه ظالماً، فالله سبحانه في هذه الآية نفى عن نفسه ظلَّاماً، فهل يعني ذلك أنه ظالمٌ؟ حاشا لله أن يكون ظالماً، ولكي ينفي عنه كونه ظالماً، قوله في سورة النساء، آية (40):{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ، وفي سورة يونس، آية (44):{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْـئًا} ، فبذلك نفى عن ذاته الظلم بكل أشكاله، وموازينه؛ لأنه سبحانه بيَّن للناس الحلال والحرام، والواجب والمباح، والمكروه، وكل ما يحتاجونه في دنياهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (186)، وسورة الزمر آية (16) لبيان معنى عبيد عبادي عباد.
سورة آل عمران [3: 183]
{الَّذِينَ قَالُوا} : هم جماعة من اليهود، وقيل: منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وغيره.
قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
{إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} : أي: أعلمنا، وأوصانا في التوراة.
{أَلَّا نُؤْمِنَ} : أصلها: أن: للتوكيد، ولا: النافية؛ لتوكيد النفي.
{نُؤْمِنَ} : نصدِّق. لرسول: يزعم أنه رسول {حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية.
{يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} : القربان: هو ما يتقرَّب به إلى الله تعالى من ذبح أو غيره.
أي: إياكم أن تؤمنوا برسول حتى يأتيكم بمعجزة ترونها بأم أعينكم، وهي أن يقدِّم الرسول نفسه قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله؛ لأن هذا كان من سنن الأنبياء السابقين أن تنزل نارٌ فتأخذ القربان، وقبول القربان هو سرٌّ من أسرار الله، وذلك بعد أن يدعو ذلك النبي، ويناجي ربه حتى يتقبله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بمعجزات محسوسة كثيرة، ومنها القرآن، إذن هم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم بذلك العمل، فنزلت هذه الآية ردّاً عليهم.
وتأكله النار: النار لا تأكل، فهذا نوع من الاستعارة اللغوية، والذي يأكل هو الإنسان، أو الحيوان.
{قُلْ قَدْ} : قل لهم يا محمد: قد: حرف تحقيق وتوكيد.
{جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ} : بالمعجزات، والباء: للتوكيد، والإلصاق. وقوله تعالى:(جاءكم رسل) بالتذكير بدلاً من (جاءتكم رسل) بالتأنيث يدل على القلة كما في الآية (14) في سورة فصلت وهي قوله تعالى: {جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ} ؛ لأن التأنيث في القرآن يدل على الكثرة، والتذكير يدل على القلة.
{وَبِالَّذِى قُلْتُمْ} : الذي سألتم من القربان، أو القرابين، والباء: للتوكيد.
{فَلِمَ} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة، لم: استفهام فيه معنى الاستنكار، والتعجب.
{قَتَلْتُمُوهُمْ} : بدلاً من تصديقهم، فالإتيان بالقربان، وإن تأكله النار هذا مجرَّد كذب وافتراء، ولو كان كلامكم صحيحاً لآمنتم بالرسل الذين جاؤوكم بالقرابين.
{إِنْ} : شرطية.
{كُنتُمْ صَادِقِينَ} : في طلبكم هذا.
سورة آل عمران [3: 184]
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية تدل على قلة الحدوث، أو ندرته.
{كَذَّبُوكَ} : بعد مجيئهم بكل هذه البينات والمعجزات والآيات.
{فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} : هذا نوع من التخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذبوك: فعل ماضٍ، ولم يقل: فإن يكذبوك بالمضارع التي تدل على الاستمرار، والتجدد، أو تعدد حالات التكذيب. كذبوك في الماضي في حادثة ما وانتهى الأمر.
فقد: الفاء: رابطة لجواب الشرط، قد: للتحقيق والتوكيد.
كُذب رسل من قبلك؛ أي: جاؤوا من قبلك وكذبهم أقوامهم.
{جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ} : المعجزات، والدلائل، والبراهين على نبوتهم وصدقهم.
{وَالزُّبُرِ} : جمع زبور، وهو كل كتاب ذو حكمة، وسمي زبوراً؛ لأنه يزبر؛ أي: يزجر عن الباطل، يدعو إلى الحق (الزبر: الزجر). ارجع إلى سورة النساء، آية (163)؛ لمزيد من البيان.
{وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} : الواضح الجلي بالأحكام والشرائع مثل التوراة، والإنجيل، والقرآن.
1 -
لنقارن هذه الآية من سورة آل عمران: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ} مع الآية (33) من سورة الأنعام قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} ، أو كيف نجمع بين الآيتين؛ فإن كذبوك، فإنهم لا يكذبونك؟
فإن كذبوك: بصيغة الماضي تدل على المشركين كذبوا رسول الله في حادثة ما، وانتهى الأمر. أو كذبوا بآية من آيات الله تعالى.
فإن كذبوك في الظاهر والعلن أمام الناس ليصدوا الناس عن اتباعك والدخول في الإسلام.
فإنهم لا يكذبونك: أي: في باطن أنفسهم (لا يكذبونك لأنك في أعينهم الصادق الأمين) أما في العلن، وأمام الناس؛ فإنهم يكذبونك.
وإن تكذيبهم لك في العلن، وأمام الناس سوف يتجدَّد، ويتكرَّر، ولن ينتهيَ، ولذلك جاء بصيغة المضارع، وفي نفس الوقت سوف يتجدَّد ويتكرَّر شعورهم بأنك الصادق الأمين.
2 -
لنقارن هذه الآية من سورة آل عمران، مع آية (25) من سورة فاطر:
آية آل عمران: {جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} .
آية فاطر: {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} .
في آية فاطر جاء بـ (3) باءات في آل عمران بباء واحدة.
تكرار الباء يفيد التوكيد؛ فهو أكد ثلاث مرات في فاطر؛ لأن المقام، أو السياق في فاطر هو في مقام الإنذار، والتبليغ، والدعوة، واستمرار تكذيبهم، (كما رأينا في قوله: يكذبوك)، وعظم الإنذار بينما السياق في آل عمران جاء في سياق اليهود الذين يمارون في الباطل، ويطلبون من الرسول أن يأتيهم بقربان تأكله النار، فالمقام أقل شدة.
3 -
لنقارن هذه الآية من آل عمران بالآية (42) من سورة الحج:
آية آل عمران: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} .
آية الحج: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} .
في آل عمران: فقد كذب رسل من قبلك؛ أي: واحداً واحداً كل رسول في زمانه كُذِّب، أو ناس كذبوا به، وناس لم يكذبوا.
أما آية سورة الحج: فقوم نوح، أو عاد، أو ثمود؛ فإنهم كذبوا مجموعة من الرسل الذين جاؤوا قبلهم دفعة واحدة كذبوا بجميع الرسل.
4 -
ما هو الفرق بين كُذب وكذبت:
كُذب: تدل على القلة.
كذبت: تدل على الكثرة؛ أي: كثرة الرسل الذين كُذِّبوا.
سورة آل عمران [3: 185]
المناسبة: في الآية السابقة قال سبحانه: فإن كذبوك بسبب عنادهم، ولم يؤمنوا بك، فاعلم أن كل نفس ذائقة الموت، وهذا تهديد للمكذبين بالرسل، والبينات، والكتب.
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} : الذوق: هو إدراك الطعم، والذوق في القرآن قد يأتي في سياق العذاب والرحمة؛ أي: الخير والشر. هذا إخبار عام من الله سبحانه إلى جميع الخلائق بما فيها الجن، والإنس والملائكة، كل نفس، ونفس نكرة تشمل كل نفس ستذوق الموت، والسؤال هنا: هل الموت يذاق كالطعام، أو الشراب، والجواب: لا، وإنما استعمله في هذه الآية من باب المجاز.
أي: كما أن حقيقة الأكل للإنسان، والحيوان؛ أي: لا بد من الأكل، وكذلك حقيقة الموت.
وللموت سكرات، وهذه السكرات لا بد أن يشعر بها كل إنسان قبل موته.
{وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : الواو: عاطفة، إنما: كافة مكفوفة تفيد التوكيد، توفون: من التوفية كل إنسان يأخذ أجره كاملاً، أو يوفيه أجره يعطيه أجره كاملاً، وكمال الأجر يكون يوم القيامة، وهذا يعني أنكم ستوفون بعض أجوركم في الدنيا، وفي القبر، وكمال، أو إتمام الأجر يكون يوم القيامة.
الأجر: هو الجزاء على العمل سواء كان دنيوياً، أو أخروياً؛ أي: هو مقابل العمل.
وقد ذُكرت هذه الآية {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ثلاث مرات في القرآن الكريم في هذه الآية من سورة آل عمران، وفي سورة الأنبياء، آية (35):{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ، وفي سورة العنكبوت، آية (57):{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} .
يوم القيامة: سمي بذلك الاسم؛ لأنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين يقومون من قبورهم للحساب والجزاء.
{فَمَنْ} : الفاء: عاطفة، من: شرطية.
{زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} : أي: أُبعد عن النار، ونجا منها، والزحزحة: هي الإبعاد والتنحية.
وزُحزح: فعل ماض مبني للمجهول؛ فالذي زحزحه هو الله سبحانه بكرمه وفضله.
عن: تفيد المجاورة؛ أي: الابتعاد.
{وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ} : برحمة الله وفضله، وليس بعمله، دخول خلود.
{فَقَدْ فَازَ} : الفاء: تفيد التعقيب والمباشرة. وقد: للتحقيق والتوكيد (توكيد الفوز).
والفوز: هو النجاة من الكرب، والحصول على الغاية ما تحب، والفوز أعم وأهم من النجاة يشمل النجاة، أما النجاة فتعني النجاة فقط؛ أي: الخلاص من المكروه، أو الكرب. ارجع إلى سورة النساء آية (73) لمزيد من البيان وأنواع الفوز ودرجاته والمقارنة.
{وَمَا} : الواو: استئنافية، ما: النافية.
{الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا} : أداة حصر.
{مَتَاعُ} : هو كل ما ينتفع به، ويرغب في اقتنائه، أو يتمتع به كالطعام، وأثاث البيت، والسلعة، والأداة، والمال، ويطلق على القليل والكثير، ويجمع على أمتعة.
{الْغُرُورِ} : بضم الغين: ما يُغتر به، وهو خلاف ما هو الحقيقة؛ أي: الخداع؛ لكونه متاعاً زائلاً، باطلاً، وفانياً بعكس متاع الآخرة الدائم الباقي.
أما الغَرور: بفتح العين فهي تعني الشيطان (اسمه الغَرور).
والغرور مصدر أضيف إليه المتاع، وكونه للغرور زاد في التحذير منه.
أي: الحياة الدنيا تشبه المتاع الخادع الغار لصاحبه؛ لأنه سيضمحل، ويزول والدنيا متاع متروك، أو متاع زائل مهما كان جميلاً ومبهراً.
سورة آل عمران [3: 186]
{لَتُبْلَوُنَّ} : اللام: لام التوكيد، والنون الثقيلة في تبلونَّ تفيد التوكيد؛ أي: زيادة التوكيد في الابتلاء.
تبلون: من الابتلاء، وهو الاختبار، ولكن لا يكون ابتلاءً إلا بتحمل المكاره والمشقة، ويكون بالخير، والشر، والبلاء يكون في الأموال (بالإنفاق، أو النقص بسبب الآفات أو غيرها)، أو الأنفس بالقتل، والجهاد، والجراح، والألم، والمخاوف، والمصائب، والعبادات، والأمراض، وفقد الأحبة.
وقد يكون الاختبار بالخير؛ أي: بالإنعام على الفرد، ولا يقال: يُبتلى الإنسان بالنعمة.
{فِى أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} : وقدَّم في أموالكم؛ لأنها الأكثر ابتلاءً على أنفسكم.
{وَلَتَسْمَعُنَّ} : الواو: عاطفة، واللام للتوكيد، والنون في لتسمعنَّ: لزيادة التوكيد على السماع {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} (اليهود والنصارى)، {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} (مشركي العرب).
{أَذًى كَثِيرًا} : الأذى هو الحدث الذي يؤلم لفترة ما، ثم ينتهي أما الضرر فيكون له آثار طويلة بعد وقوعه.
والأذى مثل الطعن في دينكم، وصد الناس عن الدخول في الإسلام، والاتهامات الباطلة، وغيرها.
{وَإِنْ} : الواو: استئنافية، إن: شرطية.
{تَصْبِرُوا} : جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد والاستمرار.
وإن تصبروا على الابتلاء في المال، وفي النفس، وغيرها، وتصبروا على أذى الذين أوتوا الكتاب، وأذى الذين أشركوا.
{وَتَتَّقُوا} : تستقيموا على تقواكم، وتستمروا بامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه.
{فَإِنَّ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، وتفيد التوكيد.
{ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف، للخطاب، ذلك الصبر، والتقوى، وهو من باب الندب.
{مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} : العزم: هو القوة، والقدرة على إنجاز الفعل، ويعين على القيام به أن تجمع له القوة، والصبر، والتقوى، وهذه الأمور بحد ذاتها؛ أي: التقوى، والصبر، والقوة من الأمور التي تحتاج إلى عزم.
سورة آل عمران [3: 187]
{وَإِذْ} : واذكر، أو: واذكر حين.
{أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ} : الميثاق هو العهد المؤكد باليمين. ارجع إلى الآية (63) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : أي: المقصود هو علماؤهم من اليهود والنصارى.
{لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} : لتبيننه؛ أي: لتبينن أمر محمد صلى الله عليه وسلم، كما هو موجود عندكم بدون تغيير، وتحريف لتبيين أوصافه ونعوته
…
أو لتبينن ما جاء في التوراة، والإنجيل في صفات ونعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
للناس: اللام: لام الاختصاص، والناس: تعني: الثقلين الإنس والجن.
{وَلَا تَكْتُمُونَهُ} : والكتمان: هو ما جاء في الكتاب في نعوت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمنوا به، وبالإسلام والكتمان: هو كتم الشيء ظاهر الوضوح؛ للعيان، ولكن صاحبه يحاول كتمه وغالباً ما يكون شيئاً معنوياً، والكتمان غير الإخفاء. ارجع إلى الآية (159) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
أما الإخفاء: هو ما يدور في الخواطر، ويخفيه الإنسان، ومع مرور الزمن لا بد أن يُعلم، ويشمل الأشياء الحسية، والمعنوية (مثل النفاق).
{فَنَبَذُوهُ} : الهاء: تعود على الكتاب، أو الميثاق.
الفاء: تدل على التعقيب، أو الترتيب، والنبذ: هو الطرح مع الكراهية، ويعني طرح الشيء بقوة، وذلك دليل على كراهيته، والنبذ له جهات يمين شمال أمام وراء، فهم نبذوه:{وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} : ويعني ذلك دليل على الكراهية، فهم لا يريدون رؤيته، أو تذكره، فلو رماه أمامه، أو على يمينه، أو شماله، فقد يراه في المستقبل، أو يتذكره فهم نبذوه، ولم يكترثوا بما جاء في نعت النبي والإيمان به.
{وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} : أي: استبدلوا متاع الدنيا بما كتموا:
1 -
أي: أخفوا وكتموا وتركوا ما أمروا به، وأخذوا بدله شيئاً تافهاً حقيراً من حطام الدنيا من المال، أو السلطة والجاه.
2 -
بما جاء في الكتاب من أحكام ونعوت النبي وصفاته.
{فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} : بئس: من أفعال الذم، وما: مصدرية؛ أي: بئس شراء كهذا الشراء، أو موصولة بئس الذين يشترون. ارجع إلى الآية (77) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 188]
{لَا تَحْسَبَنَّ} : لا: الناهية، تحسبن: ارجع إلى الآية (178) من نفس السورة.
{الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} : ارجع إلى الآية (170) في نفس السورة لبيان معنى الفرح؛ هذه الآية لها معانٍ كثيرة مختلفة نذكر منها:
1 -
تخلَّفوا عن الخروج إلى غزوة أُحُدٍ، ورجعوا بعد أن ساروا مسافة، ثم فرحوا بعدم خروجهم حيث لم تنلهم هزيمة، أو قتل، ويحسبون أنهم يحمدون على ما فعلوه؛ لكونهم أشاروا على النبي والمسلمين بعدم الخروج خارج المدينة؛ لقتال المشركين.
2 -
قد تعني من أتى المعصية أياً كانت، ثم يفرح ويجاهر بها، ثم يُحب أن يُحمد على فعلها.
3 -
يفرحون بما أوتوا من علم التوراة، أو يفرحون بما كتموه من صفات، ونعت النبي، ويحبون أن يحمدوا على ذلك الكتمان، أو بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم والإسلام، وهذا الفرح من الفرح المذموم. ارجع إلى الآية (170) من نفس السورة لبيان معنى الفرح وأنواعه.
4 -
وروى البخاري: أن رجالاً من المنافقين في زمن الرسول كانوا إذا خرج إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه؛ فإذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم اعتذروا منه، وأن المصلحة كانت في التخلف، وأحبوا أن يحمدوا على ذلك.
{فَلَا تَحْسَبَنَّهُم} : تكرار فلا تحسبنَّهم تفيد التوكيد.
{بِمَفَازَةٍ} : أي: بمنجاة من العذاب، ولهم عذاب أليم.
والمفازة: هي المكان الذي يظن الإنسان أن فيه نجاته.
والمفازة: هي الصحراء، وهي مهلكة، ويطلق عليها مفازة تفاؤلاً بأن الذي يسلكها يفوز.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : لهم: اللام: لام الاستحقاق، عذاب أليم: شديد الإيلام، ودائم. ارجع إلى الآية (61) من سورة الزمر؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 189]
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} :
بعد ذكر فلا تحسبنَّهم بمفازة من العذاب جاء ليبيِّن أنه هو الحاكم وحده، وله ملك السموات والأرض.
{وَلِلَّهِ} : جار ومجرور تدل على الحصر والقصر.
{مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : حكمُ ومُلكُ السموات والأرض، وما بينهنَّ تكذيباً لمن قال: إن الله فقير، ونحن أغنياء.
{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} : أي: لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء مهما كان، فهو كامل القدرة.
يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء يعجل، أو يؤخِّر العقوبة لمن يشاء، ويعزُّ ويذلُّ، يحيي ويميت، وبكلمة كن فيكون.
سورة آل عمران [3: 190]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : الخلق: هو الإيجاد ابتداءً، وأصل الخلق التقدير؛ أي: خلق السموات، والأرض، بهذا التقدير الذي أوجبته حكمته.
{وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} : الدال على كروية الأرض، ودورانها حول نفسها، وحول الشمس، والذي ينتج عنه الليل والنهار من أعظم الآيات الدالة على قدرة الخالق. ارجع إلى سورة البقرة آية (164) للبيان المفصل.
{لَآيَاتٍ} : اللام: للتوكيد، آيات: دلائل واضحة على وجوده سبحانه، وقدرته، وعلمه، وحكمته، ورحمته، ووحدانيته.
{لِّأُولِى الْأَلْبَابِ} : اللام: لام الاختصاص، أولي: ذوي الألباب الذين وصفهم في الآيات التالية (191-194).
السؤال هنا: ما الفرق بين: {وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ، وقوله:{مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} ؟
الاختلاف بعضه مذموم، وبعضه غير مذموم، أما التفاوت فكله مذموم، والاختلاف يدل على علم فاعله، والتفاوت يدل على جهل فاعله.
سورة آل عمران [3: 191]
{الَّذِينَ} : اسم موصول.
{يَذْكُرُونَ} : الذكر هنا يعني: الصلاة، أو الذكر العادي، والشكر وغيره.
{قِيَامًا} : أي: يصلون قياماً في حالة العافية، وقدم القيام على غيره؛ لأنه هو الأساس في الصلاة.
{وَقُعُودًا} : أي: يصلون وهم قعود، والقعود: هو الانتقال من العلو إلى الأسفل؛ أي: يكون واقفاً، ثم يقعد (إذا لم يستطع القيام).
{وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} : أي: يصلون وهم على جنوبهم؛ أي: في حالة الاضطجاع (إذا كان مريضاً، أو به ضرٌّ، ولا يستطيع القيام، أو القعود).
{وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : في رفع السموات والمجرات، والأجرام، والنجوم، ومواقعها، والكواكب، والنشأة، والقوانين التي تحكم النظام الكوني، والسماء كسقف محفوظ، والأرض قراراً، والشمس، والقمر، والجبال، والغازات المحيطة بالأرض، والرياح، والسحب، والفلك، والليل، والنهار، وغيرها من الآيات الكثيرة.
{رَبَّنَا} : نداء يدل على القرب بحذف أداة النداء الياء.
{مَا} : النافية.
{خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} : عبثاً، وبدون حكمة، وغاية، وقدرة، وعلم، وتقدير.
{سُبْحَانَكَ} : أي: يا رب أصفك بكل كمال، وأنزِّهك عن كل ما لا يليق بك من نقص، أو سوء، أو شرك، أو عجز، أو مكروه. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (1)؛ لمزيد من البيان.
{فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : الفاء: تدل على الترتيب، والمباشرة، والتوكيد، اجعل بيننا وبين النار وقاية؛ أي: حاجزاً، وابعدنا عنها، وجنبنا عذابها.
سورة آل عمران [3: 192]
{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} :
{رَبَّنَا} : نداء يدل على القرب بحذف أداة النداء الياء (بدلاً من قوله: يا ربنا).
{مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ} : من: استغراقية، تدخل النار: ولو ثوانيَ فقط.
{فَقَدْ} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة، قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
{أَخْزَيْتَهُ} : من الخزي، وهو الفضيحة أمام الخلائق، والخزي فيه معنى: الذل، والعار.
{وَمَا} : الواو: استئنافية، ما: النافية.
{لِلظَّالِمِينَ} : اللام: لام الاستحقاق، الظالمين: جمع ظالم مشرك، أو ظالم لنفسه، أو غيره. واستعمل الظالمين بدلاً من وما للداخلين من أنصار؛ لأن الداخلين جزء من الظالمين.
{مِنْ أَنْصَارٍ} : جمع نصير معين، أو مساعد، أو شفيع يمنع عنهم العذاب، أو يخففه. ارجع إلى سورة الروم آية (29) لمقارنة {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} مع قوله تعالى:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج: 71]. وارجع إلى الآية (56) في نفس السورة لبيان الفرق بين: وما للظالمين من أنصار، وقوله تعالى: وما لهم من ناصرين.
سورة آل عمران [3: 193]
{رَبَّنَا} : مثل الآية السابقة.
{إِنَّنَا} : إضافة النون للتوكيد.
{سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ} : أي: محمداً صلى الله عليه وسلم، كما قال أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن، أو كلاهما.
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التوكيد.
{آمِنُوا بِرَبِّكُمْ} : صدقوا بربكم، والباء: للإلصاق، وأطيعوا أوامره، وتجنَّبوا نواهيه، واستقيموا على صراطه.
{فَآمَنَّا} : أي: صدَّقنا، وأطعنا.
{فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} : الذنوب قيل: هي الكبائر تحتاج إلى توبة تليها مغفرة؛ أي: المحو (استرها وامحُها) من فضلك.
{وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} : السيئات قيل: هي الصغائر، واللمم، والتكفير هو الستر؛ أي: استر سيئاتنا، وامحُها أيضاً، والتكفير يكون بفعل الحسنات اللاتي يذهبن السيئات.
{وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} : الأبرار: تأتي في سياق وصف البشر، وهي جمع قلة، والأبرار: جمع بار، وبرّ، قيل: هم الأنبياء، والصالحون، والمطيعون المستمسكون بدين الله تعالى؛ أما بررة: تأتي في سياق وصف الملائكة الكرام، والبررة: جمع كثرة؛ ارجع إلى سورة عبس آية (16) لمزيد من البيان، وارجع إلى سورة الإنسان، آية (5)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [3: 194]
{وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} : على ألسنة رسلك من الرحمة، والفضل، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، والنصر، والغلبة في الحياة الدنيا، والتمكين في الأرض، والاستخلاف.
{وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : لا: الناهية، لا تفضحنا، ولا تهنّا يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
{إِنَّكَ} : للتوكيد.
{لَا} : النافية.
{تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} : إنك صادق الوعد ومنجزه، الميعاد: الوعد بالبعث، والجزاء، والثواب، والميعاد يشمل الزمان، والمكان (زمن التواعد، ومكان التواعد).
أما المعاد: يراد به المكان (فقط) الذي تعود إليه بعد مغادرته، معاد تعني: مكة في آية (85) من سورة القصص: {إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} . ارجع إلى الآية (9) في نفس السورة لمعرفة الاختلاف بين هذه الآية، وقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .
انتبه إلى تكرار كلمة ربنا خمس مرات: مبالغة في التضرع، ويسمى هذا في بديع اللغة الإطناب.
سورة آل عمران [3: 195]
{فَاسْتَجَابَ} : الفاء: للترتيب، والمباشرة، ومعنى ذلك: أجابهم ربهم مباشرة.
{لَهُمْ} : اللام: لام الاختصاص؛ أي: لأولي الألباب الذين دعوا ربهم بتلك الأدعية السابقة.
{رَبُّهُمْ} : هو المربي؛ أي: الخالق الرازق المدبر وشرفهم بإضافتهم إليه بقوله: ربهم.
{أَنِّى} : أن: للتوكيد، والياء: ياء المتكلم.
{لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} : لا: النافية؛ أي: لا أضيع، ولا أنسى ثواب أي عمل من الأعمال الحسنة التي عملتموها.
{مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} : أي: عامل منكم ذكراً كان أم أنثى في المجازاة، أو تضييعها.
{بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ} : كل واحد منكم من الآخر؛ أي: من أصله؛ أي: الذكور من الإناث، والإناث من الذكور، فكل الجنسين من أصل واحد هو آدم وحواء، وذكوركم مثل إناثكم في الطاعة، فلا تفرقة.
{فَالَّذِينَ} : الفاء: للتفصيل.
{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا} : إلى الحبشة، أو إلى المدينة، أو إلى غيرها.
هاجروا استجابة لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم هاجروا في سبيل الله من ذكر، أو أنثى.
{وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} : بغير حقٍّ مرغمين، أخرجهم المشركون من مكة، أو غيرها.
{وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى} : بالعذاب، وخسران أموالهم، وديارهم، والاضطهاد، أو القهر، والكبت، والتشريد، وأوذوا بسبب إسلامهم، وأن يقولوا: ربنا الله.
{وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} : قاتلوا الكفار والمشركين أعداء الدِّين، واستشهدوا.
{لَأُكَفِّرَنَّ} : اللام: لام التوكيد، وكذلك النون في أكفرنَّ؛ لزيادة التوكيد في التكفير.
{عَنْهُمْ سَيِّـئَاتِهِمْ} : التكفير يعني: الستر، والمحو، والسيئات سواء كانت الكبائر، أو الصغائر.
{وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ} : الواو: عاطفة، واللام: للتوكيد، وكذلك النون في أدخلنَّهم لزيادة التوكيد.
{جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : قيل: تنبع من تحتها.
{ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} : الثواب: هو الجزاء على العمل الصالح قد يكون في الدنيا، أو في الآخرة، وقد يأتي في الخير أو الشر، ولا يكون إلا من الله تعالى. ارجع إلى الآية (103) من سورة البقرة؛ لمعرفة اشتقاق الكلمة.
{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} : وهو الجنة، ونعيمها.
سورة آل عمران [3: 196]
{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ} :
{لَا} : الناهية.
{يَغُرَّنَّكَ} : الخطاب موجَّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى كل مسلم ومؤمن.
يغرنك: مشتقة من الغُرور: بضم الغين: وهو الخداع، ونون النسوة في يغرنك: للتوكيد، ولم يقل: لا يغررك تقلب الذين كفروا؛ أي: لا يخدعنك. والغرور: إظهار الأمر الضار في صورة النافع؛ أي: الخداع.
{تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ} : تجارة، وصناعة، ومكاسب الذين كفروا في البلاد، وما هم عليه من الرخاء، والسعة، والبسط. والتقلُّب في الأصل: الخروج من أرض إلى أرض طلباً للتجارة، والرزق، واستعير التقلب بدلاً عن الضرب في الأرض؛ لأن تقلُّبهم في البلاد ليس له خَلاقٌ في الآخرة، إنما خَلاقُه منحصر في الدنيا، والدنيا كلها متاع الغُرور.
وإذا قارنا هذه الآية من آل عمران: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، مع الآية (4) من سورة غافر:{مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ} :
في آل عمران: {لَا يَغُرَّنَّكَ} : أكد الاغترار بنون النسوة الثقيلة، بينما في غافر لم يؤكد فلا يغررك؛ لأن السياق في آل عمران جاء في الابتلاء في الأموال، والأنفس، والإيذاء في سبيل الله والهجرة، بينما في سورة غافر: جاء في سياق الجدال في آيات الله.
فتقلُّب الذين كفروا: هو الأشد مقارنة بتقلب الذين يجادلون في آيات الله، ولكونه الأشد أكد بقوله: لا يغرنك، وأما في تقلب الذين يجادلون، قال: لا يغررك؛ لم يؤكد.
سورة آل عمران [3: 197]
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} :
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ} : أي: ذلك التقلُّب، والكسب، والربح، والأموال، والسعة: متاع زائل، قليل، مضمحل.
ومعنى متاع: ارجع إلى الآية (185) من نفس السورة؛ للبيان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» أخرجه مسلم.
{ثُمَّ} : للترتيب، والتراخي في الزمن.
{مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} : في الآخرة مأواهم جهنم؛ أي: مستقرهم المكان الذي يأوون إليه هو جهنم. ارجع إلى الآية (12) من نفس السورة؛ لبيان معنى جهنم.
{وَبِئْسَ} : فعل ذم؛ أي: ساء وقبُح.
{الْمِهَادُ} : مشتقة من مهد الطفل، أو فراشه المريح الذي أُعد له، وسمِّيت مهاد: للتهكُّم، والتوبيخ.
في هذه الآية (197) قال تعالى: {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، وفي سورة الرعد، آية (18):{وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، وسورة التوبة، آية (73)، وآية (95)، والتحريم، آية (9)، وغيرها.
الفرق بين الآيتين: هو (ثم) في آل عمران: الواو في سورة الرعد، وبقية السور؛ لأن آية آل عمران جاءت في سياق الذين كفروا، وتقلبهم في البلاد، فهم في الدنيا الآن، وجهنم في الآخرة؛ فناسب (ثم): للتراخي في الزمن.
أما آية الرعد، وبقية السور: جاءت في سياق الآخرة؛ أي: هم الآن في الآخرة وجهنم في الآخرة، فناسب ذكر (و)، ومأواهم العطف بالواو.
سورة آل عمران [3: 198]
بعد ذكر الذين كفروا وتقلُّبهم في البلاد، ومأواهم جهنم وبئس المهاد، يذكر بالمقابل الذين اتقوا ربهم.
{لَكِنِ} : حرف استدراك، وتوكيد.
{الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} : أطاعوا أوامره، وتجنبوا نواهيه.
{لَهُمْ} : اللام: لام الاختصاص والاستحقاق.
{جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : تنبع من تحتها الأنهار، أنهار الجنة.
{خَالِدِينَ فِيهَا} : الخلود يعني: استمرار البقاء من وقت مبتدأ؛ أي: الخلود له بداية، وهو يوم دخولهم الجنة، وليس له نهاية.
{نُزُلًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} : النزل: ما يهيأ ويعد لإكرام الضيف من مأكل، ومشرب، ومبيت؛ أي: إكراماً من عند الله.
{وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ} : وما هيأ الله سبحانه، وأعد لضيوفه المتقين هو خير للأبرار.
ولم يبيِّن في هذه الآية ما نوع ما عند الله للأبرار، ولكن بيَّنه في آيات أخرى، مثل قوله تعالى:{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} ، وكذلك اللحم، والفواكه، والحور العين، والسرر، والذهب، والفضة، وما عند الله خير للأبرار مقارنة بما يكسبه هؤلاء الكفار في تقلُّبهم في البلاد من تجارة، وسعة، ورغد العيش فقط في الدنيا، وليس لهم في الآخرة من خَلاق.
وإذا قارنا هذه الآية (198)، مع الآية (195) من نفس السورة:
نجد أولاً: أن الذين هاجروا، وأخرجوا هم جزء من المتقين المذكورين في الآية (198)، فالآية (198): أعم وأشمل من الآية (195).
ثانياً: الآية (198) قال تعالى: {لَهُمْ جَنَّاتٌ} : فيها تمليك اللام: لام الاختصاص، والتمليك مقارنة بالإدخال:{وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ} في الآية (195).
وخالدين فيها، ولم يذكر خالدين فيها في الآية (195).
ونزلاً من عند الله، أفضل من ثواباً من الله، كما في الآية (195).
فالأبرار المذكورون في الآية (198) أعلى درجة ومكانة من المذكورين في الآية (195).
سورة آل عمران [3: 199]
اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، بعضهم قال: في النجاشي، وأصحابه، وبعضهم قال: في مؤمني أهل الكتاب؛ أمثال: عبد الله بن سلام، وبعضهم ذكر غير هؤلاء.
{وَإِنَّ} : الواو: استئنافية، إنَّ: للتوكيد.
{مِنْ} : ابتدائية (للتبعيض).
{أَهْلِ الْكِتَابِ} : قوله تعالى: أهل الكتاب: فيها مدح لهم مقارنة بالذين أوتوا الكتاب، أو أوتوا نصيباً من الكتاب، وهم: اليهود، والنصارى.
{لَمَنْ} : اللام: للتوكيد، مَنْ: ابتدائية.
{يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} : بوحدانيته، وصفاته، وأسمائه، ويؤمن بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره.
{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} : ما: اسم مصول؛ أي: الذي أنزل إليكم، وهو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} : أنزل إليهم؛ أي: دفعة واحدة مثل التوراة، والإنجيل، ولم يقل نزل إليهم (يعني منجماً على دفعات).
{خَاشِعِينَ لِلَّهِ} : خاضعين لله، وتعني طائعين.
{لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} : لا: النافية، يشترون بآيات الله: الباء: بدلية، ثمناً قليلاً، ولا كثيراً، لا يشترون بالآيات التي فيها البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونعته، وصفته، ثمناً قليلاً. ارجع إلى الآية (77) من نفس السورة؛ للبيان.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، تفيد التعظيم، والعلو، والشرف.
{لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، لهم أجرهم: ثوابهم عند ربهم.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} : إشارة إلى كمال علمه بأعمال عباده، أو ما عملت كل نفس، وما يستحقون من الأجر والجزاء، أو الثواب، ولإزالة الظن أن كثرة الخلق تعني: طول الانتظار، وسيعجل لهم أجرهم؛ أي: حسابهم فليطمئنوا أن الله قادر على أن يحاسب الناس إذا شاء سبحانه بما تقتضيه الحكمة الربانية بوقت قصير؛ أي: ساعات قليلة، أو بكن فيكون.
سورة آل عمران [3: 200]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد إلى المؤمنين بالالتزام بأنواع مختلفة من الصبر والتقوى. {اصْبِرُوا} : من الصبر، الصبر العادي.
{وَصَابِرُوا} : أبلغ من اصبروا؛ أي: كونوا أكثر صبراً؛ أعداء الله؛ أي: غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً؛ أي: صبراً أكثر؛ أي: اسبقوا الكفار في الصبر على شدائد الحرب، أو غيرها من الأمور.
{وَرَابِطُوا} : أي: أقيموا في الثغور، وعلى الحدود مترصِّدين لعدو الله وعدوكم.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : ختم الآية بالتقوى، وهي امتثال أوامر الله، وطاعته، وتجنب ما نهى الله عنه، وأخر ما أمرهم به التقوى؛ أي: اصبر، وصابر، ورابط، واتق الله؛ لعلك تفلح.
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : أي: لتفلحوا في دنياكم وآخرتكم.
{لَعَلَّكُمْ} : تعني: الرجاء، أو التعليل.
{تُفْلِحُونَ} : في الدنيا والآخرة وتدركون كل ما تأملون؛ ارجع إلى الآية (5) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
واعلم: أن مراتب الصبر خمسٌ:
1 -
صابر.
2 -
ومصطبر (أي: مليء بالصبر).
3 -
متصبر (متكلِّف بالصبر؛ أي: حامل نفسه على الصبر).
4 -
صبور (عظيم الصبر في الوصف والكيف).
5 -
صبَّار (أصبح الصبر صفة له)، وقيل: كثير الصبر في العدد، والكم.
سورة النساء [4: 1]
سورة النساء
ترتيبها في القرآن السورة (4)، وترتيبها في النزول (92).
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ} : نداء إلى الناس كافة، وكلمة الناس: مشتقة من النوس؛ أي: الحركة، وهذا ما يوصف به الناس؛ لكثرة حركتهم، وكلمة الناس تشمل الإنس والجن (الثقلين)، وكلمة الناس: لا تدل على عدد مُعين، وكلمة الناس: أوسع من الإنس.
{اتَّقُوا رَبَّكُمُ} : اتقوا عذابه، أو عقابه؛ بإطاعة أوامره، واجتناب نواهيه؛ من الوقاية: وهي أن تجعل بينك وبين عقابه مانعاً ووقاية، أو سخطه وغضبه.
ولم يقل: اتقوا الله؛ لأن المقام مقام خلق، والرب هو الخالق، والمربي، والرازق، وفي مقام العبادة، والتشريع يأتي بكلمة الله، سبحانه، أو إلهكم.
{الَّذِى خَلَقَكُمْ} : الذي: اسم موصول، والخلق: بالنسبة إلى الله سبحانه هو الإيجاد من العدم، والخلق لغة: هو التقدير، والتسوية؛ أيْ: كافة البشر بما فيهم آدم وحواء، وكل إنسان خلق من نفس الجنس البشري، أو من أصل واحد، من نفس واحدة خُلقت منها كل النفوس، وأما الجعل كقوله تعالى:{وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]؛ الجعل: يكون أو يتم بعد الخلق؛ أي: الخلق أولاً كمرحلة ابتدائية ثم الجعل مرحلة ثانية بعد الخلق.
وخلق منها زوجها: تشير إلى أن النفوس في الأصل من طبيعة متشابهة، أو متجانسة في الخلق؛ أيْ: كل نفس زوج (مثيل) للأخرى.
فالخلاصة: كل النفوس خلقت من نفس واحدة، وكلها متشابهة في الأصل أو متماثلة في الخَلْق، وليس في الخُلق. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (189)؛ لمزيد من البيان، والمقارنة، وارجع إلى سورة الزمر، آية (42).
{وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} .
{وَبَثَّ} : الواو: عاطفة.
والبث: قيل: النشر، وهو التكاثر بالتناسل والتوالد.
{مِنْهُمَا} : من الرجال والنساء (الذكور والإناث).
{رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} : لم يقل: ونساءً كثيرات، بل اقتصر قوله:{رِجَالًا كَثِيرًا} ؛ لأن المفروض إذا كان هناك رجال كثير أن يكون هناك نساءٌ كثيرات؛ حتى يتم الزواج، أو أكثر من كثيرات؛ وهذه من سنن الله سبحانه أن يكون عدد النساء أكثر من عدد الذكور.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} : أطيعوا الله فيما أمر به، وتجنبوا فيما نهى عنه، أو تجنبوا سخطه وغضبه.
{تَسَاءَلُونَ بِهِ} : أصلها تتساءلون به؛ حذفت التاء للتخفيف.
{تَسَاءَلُونَ} : أي: يسأل بعضكم بعضاً بالله؛ أيْ: تحلفون به الأيمان، مثل القول: أسألك بالله، أو اتقوا الله الذي تحلفون به الأيمان؛ أيْ: احفظوا أيمانكم، وإذا حلفتم عليكم بالبر بها، والوفاء.
{وَالْأَرْحَامَ} : أيْ: اتقوا أرحامكم؛ أيْ: صلوا أرحامكم، ولا تقطعوها، فسوف تسألون عنها.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} : إن للتوكيد. {كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} : كان، وما زال، وسيظل عليكم رقيباً؛ أيْ: لا يحدُّه زمان، ولا مكان، فهو خالق الزمان، والمكان.
المراقب لأحوالكم، الحافظ لأفعالكم، وأقوالكم.
والرقيب: هو البصير الذي يرصد كل قول، وكل فعل تقومون به، ويحفظه لكم.
سورة النساء [4: 2]
{وَآتُوا الْيَتَامَى} : آتوا: هي من الإيتاء، والإيتاء أعم من العطاء فهو يشمل العطاء وغيره؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (251) لمزيد من البيان والفرق بين الإيتاء والعطاء.
بعد أن أوصى الله سبحانه بصلة الأرحام، وحرم قطعها، وبعد أن تكلَّم سبحانه عن بثِّ منهما رجالاً ونساءً؛ مضى ليقول: إن هذا المبثوث؛ أي: الخلق، قسم اكتملت قوته، ولا يحتاج إلى مساعدة، وقسم ضعيف: وهو ما يسمَّى اليتيم، أو اليتامى، ويحتاج إلى مساعدة.
ـ واليتيم تعريفه: هو الإنسان الذي فقد أباه، ولم يبلغ الحُلم، ذكراً أو أنثى.
ـ فها هو ذا يوصي أوصياء اليتامى أن يعطوهم أموالهم؛ فقال: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} كاملة.
ومتى يكون ذلك؟ متى بلغوا النكاح، وآنستم منهم رشداً.
ولا: الواو عاطفة.
لا: الناهية.
{وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} : {وَلَا} : الواو: عاطفة؛ لا: الناهية.
{تَتَبَدَّلُوا} : من بدل الشيء بغيره؛ أي: أخذ غيره أو مكانه، والخبيث: هو الحرام، أو السيِّئ الرديء؛ كأن يأخذ الوصي الثمين الجيد، ويعطي اليتيم الرديء الرخيص، {وَلَا تَتَبَدَّلُوا}: ولم يقل: ولا تبدلوا.
تتبدلوا: الخطاب موجَّه إلى الكثير من الناس، وليس فئة، أو فرداً واحداً، ومهما طال الزمن.
أما تبدلوا: فالخطاب موجَّه إلى قلة عدد قليل من الناس، وزمن التبادل قصير محدد، كما ورد حين خاطب الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب الآية (52):{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} .
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} : نهى الله سبحانه عن أخذ أموال اليتامى بالقول لا تأكلوا أموالهم؛ لأن الأكل أشد دلالة وأقوى من الأخذ، ولأن الأخذ قد يعاد إلى صاحبه، أما الأكل فقد تم أكله وهضم؛ شبه الأموال بالطعام الذي يؤكل؛ ليفيد المبالغة في النهي، والأكل يعني: أيْ: لا تنفقوها، أو: ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم وتخلطوها معاً، فتأكلوا هذه مع تلك، بل فرِّقوا بين أكل أموالكم، والحفاظ على أموالهم؛ لأن ذلك يعد حُوباً كبيراً.
{إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} : إن: للتوكيد، والهاء: تعود إلى أكل أموال اليتامى.
{كَانَ} : تشمل كل الأزمنة؛ أيْ: في الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{حُوبًا} : إثماً، وذنباً عظيماً، والحوب: هو الهلاك والبلاء، والحوب أصله في العربية: الزجر.
سورة النساء [4: 3]
{وَإِنْ} : الواو استئنافية.
إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك، أو الندرة.
{خِفْتُمْ} : من الخوف، وهو توقُّع الضرر المشكوك في وقوعه.
{أَلَّا} : أصلها: أن: المصدرية، لا: النافية. إن: المصدرية تفيد التعليل.
{تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى} : القِسط: بكسر القاف: هو عدم الظلم، والجور؛ والقسط: يعني النصيب والحصة، فالقسط هو الحصة العادلة مأخوذة من: أقَسط: أزال الظلم والجور؛ أي: عدل، والقسط: اسم للعدل في القسمة، وتعني: العدل في الميزان.
أما قَسَط: بفتح القاف فمعناها ظلم وجَارَ.
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى} : وإن خفتم: أن تميلوا عن العدل إلى الجور، والظلم.
والقسط: هو العدل مع التنفيذ؛ أيْ: إن خفتم ألا تقسطوا إلى اليتيمة، وتعطوها ما تستحق من المهر، ومالها؛ اتركوها، واذهبوا وتزوجوا بغيرها من النساء.
معنى الآية: إن كان الرجل يكفل اليتيمة، ويكون وصياً عليها، ويريد أن يتزوجها لمالها، أو جمالها، أو غيره من الأسباب، وكان لا يقسط لها في مهرها، فلا يعطيها ما تستحق من المهر، فيظلمها. فجاءت الآية تطلب من الوصي، أو الكفيل: أن يعدل، ويزيل عن اليتيمة الظلم، والجور، ولا يأكل أموالها، ويدعها وشأنها، ويتزوج بغيرها. مثنى وثلاث ورباع.
إذن المبدأ هو العدل في معاملة اليتيمات.
{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} :
{فَانْكِحُوا} : الفاء: جواب الشرط. {فَانْكِحُوا} : تزوجوا.
{مَا} : اسم موصول، وما: للعاقل، وغير العاقل، واستعملت ما بدلاً من؛ لأنها تشير إلى النوع الذي طاب لكم.
{مَا طَابَ لَكُمْ} : ما استحسنتم من النساء من هُنَّ حلٌّ لكم من غير يتيماتكم. {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} : والواو: للتخيير. والسؤال هنا: لو قال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين بدلاً من مثنى (أي: اثنين اثنين)؟ لا يصح؛ لأنه يعني: الكل يشترك في نكاح أو الزواج باثنتين كالقول كلوا رغيفين من الخبز تعني: الكل يشارك ويأكل من هذين الرغيفين، أما حين يقال كلوا ثلاثة ثلاثة يعني: كل واحد يأكل ثلاثة أرغفة؛ أي: مثنى تعني: اثنين اثنين، ومعناها واحد يمكن أن ينكح اثنتين، وثلاث معناها: ثلاث ثلاث؛ أي: وآخر يمكن أن ينكح ثلاث نساء، ورباع معناه أربع أربع، وليس معناها أربعة؛ أي: وثالث يمكن أن ينكح أربع نساء.
ولا يصح القول فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين وثلاثة وأربعة، فأقصى حد هو أربعة نساء وليس تسعة (2+3+4=9).
{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} :
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، شرطية تدل على الاحتمال، والشك، أو الندرة.
{خِفْتُمْ أَلَّا} : خفتم: من الخوف: وهو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ أن لا، أن: المصدرية للتعليل. لا: النافية.
{تَعْدِلُوا} : بين الزوجات؛ لسبب من الأسباب مثل: الضعف الجنسي، أو غيره في الأمور المتعارف عليها، فتزوجوا واحدة فقط.
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} : لم يعد هناك مصدر لملك اليمين في هذا الزمن.
{ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} :
{ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، إشارة الزواج بواحدة فقط.
{أَدْنَى} : أقرب، {أَلَّا}: أن: المصدرية تفيد التعليل. لا: النافية.
{أَلَّا تَعُولُوا} : لهما معانٍ عدة:
1 – ألا تجوروا، تميلوا عن العدل إلى الجور والظلم (خوفاً من الجور والظلم). من عال يعول؛ أيْ: جار.
2 -
عال، يعول؛ يعني: افتقر ذلك أدنى أن تفتقروا؛ أيْ: تصبحوا فقراء بالزواج بأكثر من واحدة.
3 -
عال يعول؛ يعني: كثرت عياله، ألا تكثر عيالكم؛ أيْ: خوفاً من كثرة العيال (الأولاد).
إذن أدنى ألا تعولوا: ألا تجوروا، وتظلموا، وألا تفتقروا، وألا يكثر عدد عيالكم؛ فالواحدة تكفي.
سورة النساء [4: 4]
{وَآتُوا النِّسَاءَ} : الواو: عاطفة؛ عطف آتوا النساء على آتوا اليتامى، وآتوا: من الإيتاء، ويعني: العطاء وغيره؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (251) للمزيد في معنى الإيتاء والعطاء والفرق بينهما.
أي: وأعطوا النساء: الأزواج بعد أن تم عقد القران.
{صَدُقَاتِهِنَّ} : المخاطب هم الأزواج (الناكحين) حيث كان الرجل يتزوج بلا مهر فيقول أرثك وترثني، ثم تقول المرأة: نعم فنزلت هذه الآية، وقيل: المخاطب أيضاً الأولياء؛ مهورهنَّ فريضة من الله تعالى فرضها على الرجل؛ فلا يحل له، ولا لولي الأمر أن يأخذ من المهر شيئاً إلا برضا الزوجة، وعطف آتوا النساء صدقتهن على آتوا اليتامى أموالهم ذلك لأن حق المرأة وحق اليتيم يجب الإيفاء بهما؛ لأن المرأة واليتيم مستضعفان من المجتمع.
{نِحْلَةً} : أيْ: العطية، أو ما يعطيه الإنسان عن طيب نفس، ورضاً بلا مقابل، أو عوض.
{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} : فإن: الفاء: استئنافية. إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الندرة.
{طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ} : أي: تنازلت المرأة عن شيء من المهر، أو حقها وبدون إكراه أو ضغط؛ فكلوه: ولم يقل فخذوه، وإنما قال تعالى {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} .
والشرع يقول: مهر الزوجة لها، وفي هذه الآية فتح لها باباً للفضل؛ فإن تنازلت الزوجة عن شيء من المهر إلى الأب، أو الأقارب، أو الزوج، وهو المقصود في هذه الآية، فلا مانع؛ على شرط أن يكون طيب نفس.
فما معنى (هنيئاً مريئاً)؟
الهنيء: هو الذي تجد فيه لذة حين أكله، أو شربه (تقول: الطعام طيب).
المريء: سهل الهضم، لا يسبب متاعب هضمية مثل حرقة، أو تخمة، أو مغص؛ أيْ: ألم؛ لأنك قد تجد شيئاً تأكله، وتستلذ به، ثم يسبب لك متاعب هضمية، فهو هنيء، ولكن غير مريء. فكل طعام قد يكون هنيئاً، ولكن غير مريء، أو بالعكس.
فهو شبّه أخذ شيءٍ من مهر الزوجة بالأكل الذي يجب أن يكون هنيئاً مريئاً عن طيب نفس من دون ضرر لها، أو كره، أو خديعة، أو ظلم، أو مداهنة، أو بسبب حياء، أو غيره.
سورة النساء [4: 5]
{وَلَا} : الواو: عاطفة. لا: الناهية.
{تُؤْتُوا} : أيْ: تعطوا: من الإيتاء: وهو أعم من العطاء؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (251) للمزيد من البيان، والفرق بين الإيتاء والعطاء.
{السُّفَهَاءَ} : جمع سفيه: هو المصاب بقصور عقلي، والسفيه: من لا يحسن التصرف بماله بحكمة مما يؤدِّي إلى ضياع ماله، كأن يكون مبذراً، أو ينفق أمواله على الحرام وغيرها، والسفيه قد يكون ذكراً، أو أنثى، وحين يكون المرء سفيهاً يجب الحجر على هذا السفيه (من قواعد الفقه)، فتنتقل إدارة أمواله، أو الملكية إلى أحد أقاربه مثل عمه؛ ليصبح وصياً عليه، فيعطيه كل شهر ما يحتاجه. ولذلك قال سبحانه:{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} ، وفي الحقيقة هي أموال السفهاء.
وقوله: {أَمْوَالَكُمُ} : ليهتم كل وصي بالمحافظة على مال وصيه؛ وكأن المال ماله (وهو في الحقيقة مال اليتامى، والسفهاء، والمحجور عليهم).
وقالوا: إن الله جعل مال الفرد مالاً للمجتمع كله، فهو يمتلكه، ولكن ينتفع به الفقير، والتاجر، والمجتمع.
{الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} : أي: الأموال قوام الحياة، وسبب إصلاح الأمور؛ لأنهم إذا ضيعوها بالإسراف؛ أصبحوا عالة على غيرهم، وعلى المجتمع، ولذلك يقتضي تثميرها، وتنميتها، وإدارتها بحكمة.
{وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} : ولم يقل: منها.
أيْ: على الوصي أن يشتغل ويُتاجر بأموال السفيه، ولا يتركها على حالها، ويعطي السفيه من الأرباح، وهذا معنى:{وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} ، ولو قال: منها؛ أيْ: من رأس المال، وليس من الأرباح؛ أيْ: من عين المال في كل مرة من دون استثمارها لوجدناها نفذت، ولم يبقَ له شيءٌ، وهذا يدل على الموصي أن ينمي أموال السفيه بالوسائل المباحة، وفي التجارة، وغيرها من المشاريع المباحة.
{وَاكْسُوهُمْ} : الكسوة هي: اللباس؛ أيْ: من أرباحها، وثمرتها، لا من أصل المال.
{وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} : القول الطيب اللين اللطيف.
كأن يقولوا لهم: حين ترشدون سندفع لكم أموالكم كاملة؛ أيْ: في سن الرشد، أو اعذرونا، أو سامحونا؛ لكون المبلغ قليلاً، وإن شاء الله سيكون أكثر في المستقبل، وهكذا.
سورة النساء [4: 6]
{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} : وابتلوا: من الابتلاء، وهو أشد من الاختبار، ويكون بالخير أو الشر لاستخراج ما عند المبتلى من الطاعة أو المعصية؛ أي: اختبروا عقولهم، هل يستطيعون أن يقوموا بمصالحهم، ويحسنون التصرف بأموالهم، ودربوهم على ذلك، واختبروا أخلاقهم، وحسن تصرفهم بأن يدفع إليه شيءٌ من المال، ويطلب منه أن يتصرف به، ثم يسأله كيف أنفقه، ومقدار ما أنفق على كل سبب، وهذا الابتلاء يكون قبل سن البلوغ، فإذا بلغ سن النكاح يكون جاهزاً لاستلام أمواله.
{حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} :
{حَتَّى} : حرف غاية؛ أيْ: نهاية الغاية النكاح (سن البلوغ)، أو النكاح؛ أيْ: حين يصبح الذكر قادراً على الإنجاب، والأنثى قادرة على الحمل والحيض.
{فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا} :
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال والندرة.
{آنَسْتُم} : رأيتم وشعرتم رُشداً منهم بسلامة العقل، وحسن التصرف في المال والقدرة على الاستثمار والصلاح، وعدم التبذير وغيرها، ويعرف ذلك بالاختبار كما قلنا سابقاً.
{رُشْدًا} : انتبه إلى الفرق بين الرُّشد: بضم الراء، والرَّشد: بفتح الراء.
فالرُّشد: هو الصلاح، والاستقامة في أمور الدنيا والدِّين في الأمور الدنيوية والأخروية، والقدرة على الاهتداء إلى الأفضل والأصلح؛ أي: زيادة الوعي والعقل وصلاح الدين.
وأما الرَّشد: فخاصَّة بأمور الدِّين، مثل: اتباع الحق، والاستقامة، والتقوى، والتوفيق؛ فالرُّشد أعم من الرَّشد، والرَّشاد: هو الصلاح بشكل عام.
وأما سن الرُّشد: من الفقهاء من قال هو سن البلوغ، وقيل: بلغ أشده؛ أيْ: بلغ القدرة على الإنجاب، والقدرة على اختيار الأفضل في الخير. وقيل الرُّشد: سن التكليف؛ فقد اتفق الفقهاء على أن البالغ يصبح مكلفاً بجميع التكاليف الشرعية، وأما سن الرُّشد ليس له سن معينة عند جمهور الفقهاء، فالرُّشد قد يأتي مع البلوغ أو يتأخر عنه قليلاً أو كثيراً، وعكس الرُّشد: السفه.
{فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، فإذا بلغوا سن النكاح، وبعد إيناس الرشد منهم؛ ادفعوا إليهم أموالهم.
{وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: الناهية.
{تَأْكُلُوهَا} : الأكل يعني: الأخذ؛ ارجع إلى الآية (2) من نفس السورة لبيان معنى الأكل؛ أيْ: لا يصح أن يأخذ الوصي مال اليتيم إسرافاً وبدراً، والإسراف: هو الزيادة عن الحد؛ لأنه ليس ماله، وإنما مال اليتيم.
{وَبِدَارًا} : أي: المبادرة، والمسارعة قبل البلوغ والرشد تسليمه المال قبل أن يبلغ الرشد وهو حسن التصرف.
وهذا الإسراف والبدار (المبادرة) الذي يتم قبل مرحلة الرُّشد، فحين ينفق الولي بإسراف شيئاً فشيئاً من مال اليتيم قبل أن يكبر ويرشد؛ مما يؤدِّي إلى إنفاق كل مال اليتيم قبل مرحلة الرشد، وعندها لا يجد اليتيم شيئاً عند كبره ورشده؛ فقد سمي ذلك أكلاً رغم أن وصي اليتيم لم يأكل وإنما أنفق على اليتيم.
والإسراف: قد يعني: أن ينفق على اليتيم ببذخ، وإسراف يعطيه أكثر مما يحتاج إليه، مثلاً: أخذ ألفين بدلاً من ألف، ويقول له: خذ وأنفق، وهو بذلك يشجع اليتيم على الإسراف من جهة، ويهلك مال اليتيم.
أو يسلم له ماله مبكراً؛ مما يؤدِّي كذلك إلى هلاك ماله، ويعتبر ذلك كله أكلاً لمال اليتيم، وهذا التصرف من وصي اليتيم لا يراه إلا الله سبحانه، واعتبره أكلاً، وحذر منه في الآية (10) من نفس السورة بقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} .
{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} :
{وَمَنْ} : شرطية. ومن: للعاقل المفرد والمثنى والجمع.
{وَمَنْ كَانَ} : أيْ: إن كان الوصي غنياً فليستعفف؛ أيْ: لا يأخذ أجراً على وصايته على مال اليتيم، ويجعل عمله احتساباً لوجه الله تعالى، وأجرهُ على الله سبحانه.
{فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} :
{فَإِذَا} : الفاء: استئنافية، إذا: شرطية تفيد حتمية الحدوث.
أنهم قبضوها منكم؛ لدفع التهم عنكم، وتأمنوا عاقبة الدعاوى الصادرة منهم.
{فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} : الفاء: للتوكيد. {فَأَشْهِدُوا} : عليهم شهيد، أو شهيدين عليهم، ولم يقل: فاستشهدوا عليهم؛ استشهدوا: الألف والسين والتاء تعني: الطلب، وتفيد المبالغة في الشهادة، وفيها تحديد بالعدد عدد الشهداء، أما اشهدوا: ليس فيها تحديد، ونوع الشهداء.
{وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} : وكفى: أيْ: يكفي، {حَسِيبًا}: أي: الكافي عباده بفضله، أو الكافي لعبده؛ كقوله تعالى:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36].
وحسيباً: قد تعني المحاسب لعباده على أعمالهم؛ فهو الكافي لعباده في جميع أمورهم وحوائجهم في الدنيا والآخرة؛ أيْ: يحفظ أعمال عباده من خير وشر، ويحاسبهم عليها.
{بِاللَّهِ} : الباء: للتوكيد. {وَكَفَى} : تفيد الدوام، والاستمرار على كونه حسيباً.
سورة النساء [4: 7]
{لِلرِّجَالِ} : اللام: لام الاستحقاق؛ يعني: الأولاد، والأقرباء، كباراً، أو صغاراً.
{نَصِيبٌ} : هو القسم المنصوب المعين؛ الذي أوجبه الله للورثة، والنصيب يكون في المحبوب، والمكروه، ويختلف عن الحظ الذي لا يكون إلا في الخير؛ أي: لا يأتي إلا في سياق الخير، والنصيب قد يكون عادلاً أو جائراً؛ أي: زائداً أو ناقصاً عما يستحقه العبد، وهو الفرض، وسيأتي تفصيله في الآيات (11-12) القادمة.
{مِمَّا} : من: بعضية، ما: اسم موصول؛ أي: الذي ترك الوالدان: الوالد، والوالدة بعد الوفاة. وما: أوسع شمولاً من الذي.
{وَالْأَقْرَبُونَ} : جمع قريب، المتوفون.
{وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} : اللام: لام الاستحقاق (الاختصاص). النساء: تشمل الإناث صغاراً كانوا أو كباراً. لو نظرنا إلى شطر هذه الآية نجده نفس الشطر السابق، وكان بالإمكان تبديل كلمة الرجال والنساء بقول واحد، وهو للمؤمنين نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وانتهى الأمر.
ولعلَّ الحكمة من وراء ذكر النساء خاصَّة؛ وتشمل: (البنات)؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يحرمون المرأة من الميراث، فدرءاً لهذه الشبهة جاءت هذه الآية موضحة أن ذلك قد انتهى، ومؤكدة نصيبهن.
{مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} : أيْ: من الميراث، سواء أكان قليلاً، أم كثيراً.
فلكل من الذكور، والإناث نصيب من الميراث، ومهما كان المقدار.
{نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} : قدراً مفروضاً فرضه الله، كما نرى في الآيات القادمة، والمفروض الذي فرضه الله هو أهم من الواجب.
سورة النساء [4: 8]
الخطاب للوارثين {وَإِذَا حَضَرَ} : إذا: ظرفية شرطية تفيد الحتمية: الحدوث والكثرة.
{الْقِسْمَةَ} : قسمة الميراث بعد موت المورث، أو تعني: وصية الميت قبل موته، والقسمة مفعول به، و {أُولُو الْقُرْبَى}: فاعل، فقدَّم هنا المفعول به، وهو القسمة؛ لأنها هي الأهم، ولولا القسمة لما حضر أولو القربى، واليتامى، والمساكين.
إذا حضرها أولو القربى: أي: المحجوبون الذين لا يرثون من الأقارب.
{وَالْيَتَامَى} : جمع يتيم، من لا أب له، و {وَالْمَسَاكِينُ}: جمع مسكين الذي له مال لا يكفيه.
{فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} : أيْ: أعطوهم منه؛ أيْ: مما ترك الوالدان والأقربون.
واختلف العلماء في هذه الآية، في إعطاء هؤلاء هل هو واجب، أو غير واجب، أو مندوب، فالمال هو للورثة أصلاً، وليس لأولي القربى، واليتامى، والمساكين، وإعطاؤهم هو من باب الفضل حين توزيع الإرث.
ولعلَّ الحكمة هي تجنب الحسد، والحقد، للوارث، أو الضغن على المورث؛ حتى تشيع الألفة والمحبة بين الجميع.
{وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} : يحذِّر الله سبحانه في هذه الآية من دفع، أو صدٍّ؛ أيْ: منع الفقير، أو اليتيم، أو إيذائه بالمن والأذى.
والقول المعروف يعني: اختيار الكلام الطيب الرقيق، والإحسان؛ مثل القول: اعذرنا، أو لا تؤاخذنا، وهذا ما يسره الله، بارك الله لك.
سورة النساء [4: 9]
هذه الآية هي وعظ للأوصياء على اليتامى بأن يرعوا ويتواصوا باليتامى الذين في جحورهم، كما لو كان هؤلاء اليتامى هم أولادهم، ويخافون عليهم، كما يخافون على أولادهم.
ويتصورون أنهم لو كانوا أولادهم من خلفهم، ويعاملونهم بالمعروف، والإحسان، كما يحبون أن يعامل أولادهم من بعد موتهم؛ لكونهم فقدوا آباءهم فهم ضعفاء.
{وَلْيَخْشَ} : اللام: لام الأمر، أو الندب.
والخشية: هي الخوف مع التعظيم، والعلم بالذي تخشاه؛ أي: ليخشوا الجور في الوصية.
{لَوْ} : شرطية.
{تَرَكُوا} : أيْ: شارفوا، أو قاربوا على أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً.
{مِنْ خَلْفِهِمْ} : أي: من بعدهم (بعد موتهم).
{ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} : من ذكور وإناث؛ ضِعافاً: بكسر الضاد، وأما ضُعفاء: بضم الضاد كما قال تعالى في الآية (266) في سورة البقرة: {ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} ، وإذا قارنا الآيتين نجد أن ضِعافاً بكسر الضاد تعني: الضعف المادي؛ أي: محتاجين إلى المال، وأما الضُّعفاء في آية البقرة هم ضُعفاء ضعف معنوي بدليل أن أباهم ترك لهم جنة فيها من كل الثمرات فهم بحاجة من يرعاهم ويقوم بأمرهم حتى يكبروا، وكلا الضُّعف والضَّعف يشتركان في ضعاف البنية؛ أي: أطفال صغار منهم من يحتاج إلى المال، ومنهم من يحتاج إلى رعاية فقط وعندهم مال.
{فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} : في أمر اليتامى. اللام: للتوكيد؛ أيْ: يتبعوا ما أمر الله، ونهى عنه وأن يخافوا معصية الله سبحانه.
{وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} : اللام: للتوكيد، يقولوا قولاً موافقاً للدِّين؛ هذا حرام، هذا حلال، هذا مستحب، أو مكروه، كلام ليس فيه مجاملة؛ أيْ: قولاً عدلاً، وهناك فرق بين القول السديد والقول الصواب؛ القول السديد: قد يعتريه بعض الخطأ بدون تعمد، أما القول الصواب: لا يعتريه أي خطأ.
سورة النساء [4: 10]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} : أيْ: يأخذونها ظلماً، والظلم: هو أخذ حق الغير من دون قهر، أو تعسف، وأما إذا أخذ حق الغير بقهر وقوة وتعسف؛ فإن ذلك يسمَّى البغي، ويشبه أخذ أموال اليتامى بالذي يأكل النار، وكأن أموال اليتامى ستنقلب في الآخرة إلى نار تُصهر بها بطونهم وأحشاؤهم.
وقال سبحانه: {يَأْكُلُونَ} : بصيغة المضارع بدلاً من أكلوا بالماضي (حكاية الحال)؛ لبشاعة أخذهم أموال اليتامى، فجاء به بصيغة المضارع؛ لتراه أمام عينيك، وكأنه يحدث الآن، وترى بشاعته. ارجع إلى الآية (2) في نفس السورة لمزيد من البيان.
والمضارع يدل على استمرار أكلهم، وتجدده كذلك.
{إِنَّمَا} : كافة ومكفوفة تفيد التوكيد، والحصر.
{يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا} : وكأنهم يأكلون النار في بطونهم. وكيف يأكلون النار وهم ما زالوا في الدنيا؛ أي: تصيبهم المصائب أو الأمراض سواء في الأرض أو في أنفسهم.
{وَسَيَصْلَوْنَ} : السين للاستقبال القريب والتوكيد.
{وَسَيَصْلَوْنَ} : سيحرقون في تلك النار المستعرة.
{سَعِيرًا} : ناراً مستعرة مشتعلة، وسعر النار؛ أيْ: أوقدها.
وفي هذه الآية تهديد ووعيد لمن يأكل أموال اليتامى ظلماً، أو يتلف أموالهم، أو يسرفها، ولا يعطيهم حقهم، وهذا يسمَّى: النهي بلفظ الوعيد. لمقارنة هذه الآية مع الآية (30) من نفس السورة {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} ارجع إلى الآية (30).
سورة النساء [4: 11]
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ} : يعهد إليكم ـ يلزمكم ـ يأمركم، وقيل: الوصية من الله فيها معنى الفرض والإلزام، وفيها معنى الإشفاق للموصى لهم واهتمام به. يُوصيكُم: من أوصى، وهناك فرق بين أوصى وكلمة وصَّى، كما في قوله تعالى:{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: 132]، فالقرآن يستعمل وصَّى للأمور المعنوية، وأمور الدين، ولما هو أبلغ وأهم من أوصى التي إذا أطلقت تعني الأمور المادية، وإذا قيدت قد تعني المادية والمعنوية.
{فِى أَوْلَادِكُمْ} : الولد يقع على الذكر والأنثى، والمولود فعلاً، والجنين في بطن أمه، والولد يقتضي الولادة، والابن لا يقتضي.
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ} : ولم يقل: بأولادكم (كما قال تعالى في كثير من الآيات: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ}).
هناك فرق بين استعمال كلمة في، والباء، والباء: تفيد التوكيد.
فحينما يوصي الله الآباء بالأولاد يقول: في أولادكم؛ لأن الآباء ليسوا بحاجة إلى من يؤكد لهم العناية ورعاية أولادهم، ولأن هذه الوصية بتوزيع الميراث هي عبارة عن استمرار لرعاية الأولاد، والخوف عليهم من الحاجة والفقر، قبل الموت وبعد الموت، فليس الآباء بحاجة إلى تأكيد باستعمال الباء.
وحينما يوصي الأولاد بالآباء يقول: بوالديه، يستعمل الباء، والباء: للإلصاق، والتأكيد؛ لأن من الأولاد من هم بحاجة إلى تذكير وتوكيد برعاية الآباء، والعناية بهم.
أولاً: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} : اللام: لام الاستحقاق أو الاختصاص، والحظ: يعني القسم المعين، والحظ في القرآن قد يأتي في سياق الخير، وأما النصيب قد يأتي في سياق الخير أو الشر؛ لماذا لم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى نصف حظ الذكر؟
السبب: ربما هو أنه سبحانه أراد أن يكون المقياس، أو المكيال هو حظ الأنثى، ويكون حظ الذكر منسوباً، ولكنه فضل الأنثى؛ أيْ: حقها، أو نصيبها يعطى، أو يوفى قبل حق أو نصيب الذكر؛ أي: حقها مقدم على حق الذكر وهو الأهم؛ لأن حق المرأة مغبون عادة، ولذلك جعل حظها هو المقياس.
ثانياً: لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؛ أيْ: لماذا فرض الله للأنثى نصف نصيب الذكر؟ أليس هذا ظلماً للأنثى، كما يرى البعض؟
الجواب: لأن الأُنثى مسؤوليتها على والدها حتى تتزوج؛ أي: الإنفاق عليها في كل ما تحتاجه يقع على والدها؛ فإذا تزوَّجت؛ فزوجها مطلوب منه أن ينفق عليها شرعاً، ونصفها الذي أخذته من الميراث يبقى لها، وليس عليها أن تنفقه، أو تعطيه إلى زوجها؛ إلا إذا أرادت، ورغبت؛ أيْ: هو نصف خالصٌ لها.
وإذا لم تتزوج ومات أبوها عنها، فالنصف يكفي لها؛ لأنها من دون أولاد وعائلة.
وأما الذَّكر: فقلما يبقى من دون زواج وأولاد، فهو مسؤول عن نفسه، وعن عائلته، وبغض النظر عن المبررات، والحكمة لماذا فرض الله ذلك، فيكفي أنه أمر من الله سبحانه، والله لا يُسأل عما يفعل، أو يأمر به.
{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} :
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، أو استئنافية، إن: شرطية تفيد الاحتمال.
{كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} : أيْ: مات المورث، ولم ينجب ذكراً، وإنما أنجب ثلاث بنات، أو أكثر.
{فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} : والثلث الباقي يوزع على الآخرين المستحقين من الورثة.
{وَإِنْ} : الواو: عاطفة.
{وَإِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال.
{كَانَتْ وَاحِدَةً} : أيْ: مات المورث، وترك بنتاً واحدة، ولم ينجب غيرها فلها نصف ما ترك، والنصف الآخر يوزع على الآخرين المستحقين من الورثة.
وأهم نقطة هنا يجب أن نقف عند النصف. انتهت الوصية لهذه البنت.
وأما قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} : فهذه وصية جديدة؛ أيْ: إن مات المورث، وترك ولداً ذكراً، أو أنثى، وله أبوان أحياء يأخذ كل أب منهما السدس، ويوزع الباقي على الأولاد.
ولم يذكر الحق سبحانه: فيما إذا ترك المورث الذي مات بنتين فقط، أجمع العلماء على أنَّ لهنَّ ثلثي ما ترك؛ كل واحدة تأخذ الثلث مما ترك، والباقي يوزع على الآخرين من المستحقِّين من الورثة.
إذن نُعيد الشرح، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد.
{وَلِأَبَوَيْهِ} : أيْ: أبوي الميت؛ أيْ: إذا كان الميت قد ترك أولاداً ذكوراً، أو إناثاً، وترك أبويه (تطلق على الأب والأم)، يأخذ الأب السدس، والأم تأخذ السدس، والباقي يوزع على الأولاد.
والسبب في تساوي نصيب الوالدين (السدس) مع وجود الأولاد: هو توقيرهما، واحترامهما على السواء.
وأما كون نصيب الوالدين أقل من الأولاد؛ فلكبرهما، وعدم حاجتهما، والله أعلم.
{فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} :
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية احتمالية. مات الميت وترك مالاً، ولم يكن له ولد (ذكراً، أو أنثى)، وورثه أبواه؛ فلأمه الثلث، والثلثان الباقيان للأب والزوجة، ولو لم يقل: لأمه الثلث فقد يظن ظانٌّ أن المال يوزع منهما؛ أي: الأم نصف والأب نصف، فلما خصَّها بالثلث؛ دلَّ على أن الأب له ما تبقى.
{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} :
أيْ: مات الميت وليس له ولد، وله إخوة وأم.
وجود الإخوة (ذكور وإناث) مع الأم يحجب الأم من الثلث إلى السدس؛ أيْ: تعطى الأم السدس، والباقي من التركة يوزع على المستحقين من الورثة: الزوجة، والأب إذا كان حياً، والإخوة (ذكوراً وإناثاً).
{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} :
أيْ: تكون قسمة التركة بعد قضاء دَين الميت، وإخراج ما وصى به المورث الميت (الثلث، أو أقل من الثلث).
ولماذا قدَّم الوصية على الدَّين مع أن الدَّين حق عليه، والوصية حق له، والدَّين واجب، والوصية تطوع؟ فقد تكون الحكمة حثاً على تنفيذ الوصية، والاهتمام والترغيب في فعلها، والدَّين معلوم يجب سدداه، وليست هي أفضل من الدَّين، وكي لا يتغافل عنها الناس في ساعة سدادهم للدَّين.
وقوله: {يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} : أو: هنا لا تعني الترتيب، وإنما تدل على الاختيار، ويجب ملاحظة أن الوصية قُدِّمت في التلاوة (القراءة)، بينما الدَّيْن يقدَّم عليها في الأداء.
{آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} : آباؤكم: تعني الأب، والأم؛ أما الوالدان: هم الوالد والوالدة.
{لَا تَدْرُونَ} : لا: النافية.
{أَيُّهُمْ} : أيُّ الاستفهامية.
{أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} : في الدنيا والآخرة؛ أيْ: لأنكم {لَا تَدْرُونَ} : أيْ: تعلمون من الدراية من درى. قيل: بمعنى علم، وهل هناك فرق بين درى، وعلم؟
قيل: الدراية: أخص من العلم، وعلم: أعم، وتكون بمنزلة الإخبار.
وقيل: إن درى: يكون فيما سبقه شك، والدراية: تكون بعد الجهل بالشيء.
أيْ: لكونكم لا تدرون آباءكم وأبناءكم أيهم أقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة، فعليكم أن تنفذوا هذه الوصية المفروضة، كما علمكم الله، ولا تفضلوا أحداً على أحد؛ لأنكم لا تدرون، فالله هو المشرع وحده، وتشريعه بعلم وحكمة، ولا يعلم الغيب إلا هو، فلا تتلاعبوا، ولا تقسموا الميراث حسب أهوائكم، فتعطي زوجتك التي تحبها أكثر مما فُرض لها، أو تعطي هذا الابن أكثر من ذلك، أو تحرم هذا، وتعطي ذاك، وهكذا.
{فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} : أيْ: فرض الله ذلك فرضاً عليكم فريضة، وليست على سبيل الاستحباب.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{كَانَ} : تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. كان عليماً حكيماً. قبل أن يشرع لكم أي شرع أو حكم وكذلك كان عليماً بأنكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً.
{عَلِيمًا} : بمصالح خلقه منذ الأزل، ويعلم الأمر قبل وقوعه، ويعلم حقيقة البشر كلهم جميعاً في أيِّ زمانٍ ومكانٍ.
{حَكِيمًا} : في كل ما فرض وقسم من المواريث. حكيم في تدبير شؤون خلقه وكونه؛ فهو أحكم الحاكمين سبحانه، وهو أحكم الحكماء.
سورة النساء [4: 12]
{وَلَكُمْ} : الواو: استئنافية.
{وَلَكُمْ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} : من الميراث.
{إِنْ} : شرطية، {لَّمْ}: نافية.
{لَّمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} : منكم، أو من غيركم ولد ذكر أو أنثى (ابن، أو بنت).
{فَإِنْ} : الفاء: عاطفة، إن: شرطية.
{كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} : منكم، أو من غيركم.
{فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} : من بعد سداد الدَّين، ومن بعد إخراج الوصية التي تعادل الثلث، أو أقل إن كان لها وصية.
{وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ} لهنَّ الربع من الميراث. إن: شرطية، لم يكن لكم ولد سواء من الزوجة الوارثة، أو غيرها من الزوجات.
ويشترك في هذا الربع الزوجة الواحدة، أو أكثر من زوجة، وبقية الميراث يوزع على الأولاد، والأب، والأم، كما ورد في الفروض.
انظر إلى الآيات السابقة؛ للبيان.
{وَإِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال.
{رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} :
الكلالة: اتفق المفسرون على تعريف الكلالة: الميت الذي لا ولد له (ذكر أو أنثى)، ولا والد (أب أو أم)، واشتقت كلمة الكلالة من الكلال، أو الإكليل؛ أي: التاج، والكلالة صفة للمورث، أو اسمٌ للقرابة.
صفة للمورث: الكلال: فهو ذهاب القوة من الإعياء والضعف والتعب؛ لأن من لا ولد له (ذكر أو أنثى)، وليس له أب أو أم؛ كأنه ضعيف من دون هؤلاء الذين عادة هم يرعونه، ويعينونه حين كبره، فهو من دونهم مرهق متعب ضعيف.
اسمٌ للقرابة: تشبه الإكليل: وهو التاج الذي يُحيط بالرأس من كل الجوانب، والمقصود بالإكليل: الأقارب المحيطون بالإنسان، وليس لهم به صلة كصلة الأبناء والآباء.
فهم يتكللون الميت من جوانبه ووسط الرأس خال (من الأولاد والآباء)، فإذا لم يكن للميت (ولد ولا بنت)(أب أو أم).
{أَوِ امْرَأَةٌ} ارجع إلى سورة آل عمران آية (35) لمعرفة الفرق بين امرأت بالتاء المفتوحة، وامرأة بالتاء المربوطة.
عندها يرثه أخوه، أو أخته، أو إخوته، وأخواته، وأقاربه.
وفي هذه الآية اتفق العلماء أن معنى {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} : أيْ: له أخ، أو أخت من نفس الأم؛ (أيْ: يرثه إخوته، أو أخواته لأمه)، فلكل واحد منهما السدس.
فهذه الآية خاصَّة بالإخوة والأخوات من نفس الأم فقط، وليس من نفس الأم والأب، فهذا ما تبيِّنه الآية (176) من نفس السورة، أو من الأب فقط.
{فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ} : وإذا قارنا كيف كتبت {شُرَكَاءُ} في هذه الآية وكيف كتبت {شُرَكَاؤُا} في سورة الأنعام؛ فهذا الاختلاف كما تبين أنه راجع إلى أن شركاء في آية النساء تمثل شراكة حقيقة وليست وهمية، والشراكة في آية الأنعام شراكة وهمية غير حقيقية من زعمهم الباطلة؛ أي: شراكة باطلة..
{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} : يسدد الدَّين، وتُدفع الوصية، وما تبقى هو الميراث؛ أيْ: غير ضرر بأحد من الورثة، أو الموصي لهم بأن يزيد، أو ينقص عما شرعه الله لهم. غير مضار: بأن يوصي أكثر من الثلث مثلاً، أو يدعي عليه دَين، وليس عليه دَين، أو يحرم أحداً من الورثة؛ لكونه مبغضاً له، أو لا يحبه؛ فإن تبيَّن ذلك فلا تنفذ الوصية الباطلة، ولا يسدد الدَّين الباطل، وتقسم التركة على الوجه السديد الموافق للشريعة، كما أمر الله سبحانه.
{وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} : أيْ: ألا تضروا أحداً بأي وجه من الوجوه؛ لأنها توصية من الله، والوصية فيها معنى إلزام وعهد، وتحمل معنى الفرض عند بعض المفسرين.
وكلمة الوصية فيها معنى: أن الموصِي يحبُّ الموصَى، ولذلك يوصيه.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ} : بمَن جار، وظلم، أو عدل في وصيته، عليم بنواياكم وما تكنه صدوركم، وعليم بما وصى به خلقه.
{حَلِيمٌ} : غير جائر؛ لأنه لا يعاجل المذنب، أو العاصي بالعذاب؛ لعلَّه يتوب، وينيب إلى الله تعالى؛ أي: الصبور الذي يمهل، ولا يهمل، ويستر الذنوب، ويؤخر العقوبة، ويرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ذو الصفح والأناة.
سورة النساء [4: 13]
إشارة إلى الأحكام التي تقدَّمت في شأن اليتامى والمواريث. ويسميها سبحانه حدوداً، وحين يضع حدوداً؛ فعلينا ألا نتعداها إذا كانت في الأوامر، أو نقرب منها إذا كانت في النواهي.
أيْ: يستعمل {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} : في الأوامر، مثل: الزواج، والطلاق، واليتامى، والمواريث.
ويستعمل: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} : في النواهي، مثل: الخمر، والميسر، والأنصاب.
{وَمَنْ} : تدل على الواحد، أو المثنى، أو الجمع. من: الاستغراقية.
{يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : في الأحكام، والأوامر، والنواهي، والمواريث وغيرها.
{تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : ولم يقل: تحتها، وإنما من تحتها الأنهار؛ أيْ: تنبع من تحتها الأنهار؛ أنهار الجنة.
{خَالِدِينَ فِيهَا} : ولم يقل: خالداً فيها؟ لأن الوحدة فيها وحشة، وعذاب، وغير مستحبة للنفس.
وقيل: إن الإنسان يأنس بأهله في الجنة، ولذلك يذكر:{خَالِدِينَ فِيهَا} : بصيغة الجمع حين يذكر الجنة في غالب الأحوال، وخالداً فيها حين يذكر النار؛ لأن الوحدة والعزلة أشد وأقسى على العبد.
{وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} : صيغة مبالغة، والأعظم أشد مبالغة من العظيم، والواو في ذلك تفيد التوكيد. ارجع إلى الآية (73) من نفس السورة للبيان في معنى الفوز وأنواعه.
سورة النساء [4: 14]
{وَمَنْ يَعْصِ} : من: للابتداء، وشرطية.
{اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : فيما أمرا به، أو نهيا عنه.
{وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} : تهديد ووعيد لمن يتعدى حدود الله تعالى بتغيير الأحكام بزيادة، أو نقص، أو ترك العمل بها.
{يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} : ولم يقل: خالدين فيها؛ لأن الإفراد والعزلة لأهل النار فيه نوع من العذاب، والوحشة بالإضافة إلى النار نفسها.
{وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} : فيه خزي وإذلال، وألم؛ أيْ: يجمع الألم والإهانة، والإهانة تعني: العذاب على مرأى الناس، والفضيحة بأن تذكر سيئاته وما كان يفعله.
سورة النساء [4: 15]
المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى الحدود في اليتامى والميراث، وحذَّرنا من تعدي تلك الحدود، يخبرنا عن الحدود الأخرى، ومنها: حد الفاحشة (الزِّنى)، فقال:
{وَالَّاتِى} : الواو: استئنافية. اللاتي: اسم موصول للجمع المؤنث.
{يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} : يفعلن الفاحشة؛ (أي: الزِّنى).
و {الْفَاحِشَةَ} : هي ما عظم قُبحه من الأقوال والأفعال. وغالباً تعني: الزِّنى واللواطة.
{مِنْ نِّسَائِكُمْ} : من أزواجكم.
{فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ} : ولم يقل: فأشهدوا، وإنما زاد السين والتاء، ويعني ذلك: الطلب؛ أي: اطلبوا إحضار أربعة شهداء. واستشهدوا: أقوى وأبلغ من فأشهدوا.
{مِّنكُمْ} : من المسلمين العدول، ولماذا أربعة؟ لأن هناك زانياً وزانية، فكل منهما يحتاج إلى شهيدين؛ فالمجموع أربعة.
وتغليظاً على المدَّعي، ولحماية الأعراض، والتأكد من جريمة الزِّنى.
ويبيِّن الله سبحانه في سورة النور، آية (4) عقوبة الذي لا يأتي بأربعة شهداء بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} .
{فَإِنْ} : إن: شرطية.
{شَهِدُوا} : بأنهم رأوا عملية الزِّنى؛ الزاني والزانية معاً في الفراش، ورأوا الفرج في الفرج.
{فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ} : فأمسكوهنَّ في البيوت؛ أي: احبسوهنَّ في البيوت؛ امنعوهنَّ من مخالطة الناس إلى أن يتوفاهنَّ الموت؛ وكان ذلك في بداية الإسلام، ثم نسخ الحكم بحكم آخر، وهو حد الزِّنى الرجم، أو الجلد.
{أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} : أيْ: مخرجاً من هذه العقوبة، وقد جعل الله لهنَّ سبيلاً عندما شرع حد الزِّنى.
وكان ذلك هو الحكم في بداية الإسلام إذا زنت المرأة، وثبت زناها بالشهود الأربعة، حبست في بيتها حتى تموت، وظل ذلك الحكم سارياً حتى نسخه الله سبحانه، كما قال بعض المفسرين بالجلد مئة جلدة للأبكار، والرجم للمحصنين والمحصنات.
سورة النساء [4: 16]
{وَاللَّذَانِ} : اسم موصول للمثنى المذكر (اللذان لم يُحصنا) بالزواج.
{يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} : يفعلان الفاحشة. منكم: (من المسلمين). (قيل: هي الزِّنى، وقال بعضهم أيضاً: اللواطة).
فإذا كانت الفاحشة هي الزِّنى تعني الزاني والزانية لم يُحصنا.
{فَـئَاذُوهُمَا} : الفاء: للتوكيد، آذوهما: قيل: بالكلام، والضرب بالنعال والجلد.
{فَإِنْ} : الفاء: استئنافية. إن: شرطية.
{تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} : تابا من الفاحشة، وأصلحا؛ أيْ: قاما بالعمل الصالح.
{فَأَعْرِضُوا} : الفاء: رابطة لجواب الشر تفيد التوكيد.
{فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} : أيْ: عن إيذائهما؛ وقيل: كان هذا كله قبل نزول آية الحد، حد الزِّنى.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا} : إن: للتوكيد، وكان تشمل كل الأزمنة، كان ولا زال وإلى الأبد، تواباً: صيغة مبالغة كثير التوب؛ أيْ: قبول التوبة كماً ونوعاً، ومهما كثرت، وتعددت، ويغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك، والكفر إذا لم يتب العبد قبل موته.
{رَحِيمًا} : لأنه لا يَردُ توبة التائب، ولا يعجِّل لكم العقوبة.
سورة النساء [4: 17]
{إِنَّمَا} : كافة ومكفوفة تفيد الحصر والتوكيد.
{التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} : أيْ: قبول التوبة مترتب على فضل الله؛ أيْ: إذا تابوا يقبل توبتهم بفضله، وليس وجوباً عليه أن يقبل التوبة.
{لِلَّذِينَ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
{لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} : يعملون: بصيغة المضارع التي تدل حكاية الحال، أو على التجدُّد، والتكرار، ولم يقل: عملوا السوء.
{السُّوءَ} : الإثم، والذنب، والمعاصي، وسُمِّيَ سوءاً لسوء عاقبته.
{بِجَهَالَةٍ} : قيل ولم يقل بجهل، وإنما بجهالة: وهي عدم الرؤية؛ الجهالة: السفه، والطيش، وعدم التدبر في النتائج عن ثورة الشهوة، أو لم يقدَّر قيمة ما سيلحقه من إثم، ويفوته من ثواب.
والجهالة: هي حمق يصيب الشخص ساعة الشهوة، وقد تكون مرة واحدة، أو أكثر، ولم يقل: بجهل؛ لأن الجهل هو عدم العلم بالعقوبة، أو عاقبة المعصية.
إذن: جهلهم ليس ناتجاً عن عدم العلم، وإنما ناتج عن الجهالة، وهي السفه، والطيش، والحماقة.
{ثُمَّ} : ليست للتراخي في الزمن؛ لأنه قال بعدها: يتوبون من قريب، وإنما هي تعني: التباين بين عمل السوء، والتوبة من قريب (بالدرجة والفضل).
{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} : يتوبون بعد وقوع المعصية، أو الذنب، ولا ينتظرون الزمن الطويل، والسؤال: لو أخَّر التوبة ألا تقبل منه؟ نعم تقبل منه، ولكن ماذا يحدث إذا مات؛ لأنه لا يدري أجله، ولا يضمن أن يعيش ثواني قليلة.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد.
{يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} : أيْ: يقبل الله توبتهم.
{وَكَانَ اللَّهُ} : كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والمضارع، والحاضر، والمستقبل.
{عَلِيمًا} : بأحوالهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وتوبتهم.
{حَكِيمًا} : في تدبير شؤون خلقه وكونه، وفي أوامره ونواهيه.
إذن شروط التوبة في هذه الآية:
أولاً: فعل الذنب بجهالة.
ثانياً: التوبة من قريب.
والتوبة وردت بصيغ مختلفة، منها: التوبة من الله، التوبة على الله، التوبة إلى الله، التوبة عن عباده؛ فما هي أوجه الاختلاف؟
التوبة من الله؛ كقوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} .
فآدم سأل ربه كيف أتوب؛ فعلمه جل جلاله كيف يتوب.
إذن التوبة من الله؛ تعني: تشريعاً؛ لأنه هو الذي شرع التوبة.
وانتبه إلى أنه لم يأتِ، أو يُذكر في القرآن كله؛ أيُّ آيةٍ تقول: يقبل التوبة من عباده، وإنما فقط ورد التوبة من الله.
{التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} : قبولاً بفضله؛ أيْ: يقبل التوبة، وليس وجوباً عليه أن يقبل التوبة.
{التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} : كما ورد في سورة الشورى، آية (25)؛ لأنه سبحانه علّم آدم التوبة، وهداه إليها، ثم قبلها منه، فيقال: التوبة عن عباده؛ يقصد بها التوبة نفسها (السياق في التوبة).
والتوبة من عباده: لم يأتِ في القرآن مثل هذه، وتعني: الجهة الصادرة منها التوبة.
سورة النساء [4: 18]
فأركان التوبة هي:
1 -
الإقلاع عن الذنب، والمعصية، وعدم العودة إليها.
2 -
الندم على فعلها.
3 -
إرجاع الحقوق إلى أهلها.
4 -
الإكثار من النوافل، والأعمال الصالحة، مثل: الصلاة، والصدقات.
وليست (للنفي نفي الحال)، التوبة للذين (اللام لام الاختصاص).
{يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} : أيْ: مستمرون، ومصرون على عمل السيئات، والعودة على ارتكابها، أو مستمرون على الشرك، والكفر، والنفاق حتى يحضرهم الموت، وعندها يحاولون التوبة، فلا تقبل منهم.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية.
{إِذَا} : شرطية تفيد حتمية الحدوث، حضر أحدكم الموت، ولم يقل: جاء؛ لأن جاء فيها معنى الفجأة، والشدة، وقبض الروح، وحضر فيها معنى التأني حيث يدخل العبد في مرحلة الوفاة التي تسبق المجيء، ولم تقبض روحه بعد.
{حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} : قدَّم المفعول على الفاعل؛ للاهتمام. ارجع إلى سورة البقرة، آية (133)؛ للبيان. وحضر تختلف عن جاء أحدَهُمُ الموت؛ حضر: تعني في المستقبل، وتستعمل في الوصايا والأحكام التي تخص الموت، أما المجيء تأتي في سياق الكلام عن الموت، وأحوال الناس حين يدركهم الموت.
{قَالَ إِنِّى} : للتوكيد.
{تُبْتُ الْـئَانَ} : بحيث يعلم أنه ميت لا محالة، ولم يبق له في الحياة رجاء، فيحاول التوبة؛ لينقذ نفسه كما حدث لفرعون حين أدركه الغرق قال:{آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90].
{وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النافية.
{الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} : فهؤلاء لا توبة لهم أيضاً بعد موتهم، ولو تابوا قبل موتهم، ربما يقبل الله تعالى توبتهم.
{وَهُمْ كُفَّارٌ} : وهم: ضمير فصل يدل على التوكيد.
{كُفَّارٌ} : جمع كافر، تشير إلى الحدث أكثر منها إلى عملهم الكفر، وصيغة مبالغة، وتشمل عموم الغافرين (بما فيهم المشركون مثلاً).
{أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، اللام: لام البعد.
{أَعْتَدْنَا} : هيَّأنا وجهَّزنا لهم عذاب النار، وأعددنا: أعم وأشمل من أعتدنا؛ أعددنا: تعني أشياء كثيرة، وأعتدنا: قد تكون شيئاً واحداً وهو عذاب النار.
{عَذَابًا أَلِيمًا} : هو عذاب جهنم، شديد الإيلام، والدوام.
سورة النساء [4: 19]
نداء إلى الذين آمنوا بأمر جدير هو: لا يحل لكم أن ترثوا النساء؛ أيْ: تتوارثوهنَّ كما يتوارث المال، تأخذوهنَّ كالإرث، والخطاب موجَّه خاصَّة لأقارب الميت، وكان هذا من أفعال الجاهلية، فكان عندما يموت الميت؛ وله زوجة، كان أقرباؤه يرثونها عنه، فإن شاؤوا تزوجوها بلا صداق، وإن شاؤوا زوَّجوها لغيرهم، وأخذوا صداقهنَّ. وكانوا يفعلون ذلك قهراً وجبراً من دون حرمة.
{أَنْ} : مصدرية تفيد التوكيد.
{تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} : بفتح الكاف؛ تعني: الإجبار والقسر، والكَره، وردت:{كَرْهًا} : في خمس آيات:
كَرْهاً:
1 -
{فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت: 11].
2 -
{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83].
3 -
{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ} [الرعد: 15].
4 -
{أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} [التوبة: 53].
5 -
{لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: 19].
أما {كُرْهًا} : بضم الكاف فوردت في ثلاث آيات، وتشير إلى الكره المستحب؛ أي: الناتج عن تعب، أو مشقة مرغوب فيها، أو محب لها رغم كونها مؤلمة.
ـ مثل: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15]؛ أي: الحمل والولادة.
ـ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]؛ أي: الجهاد في سبيل الله. ارجع إلى سورة البقرة آية (216)، وسورة الأحقاف آية (15) لمزيد من البيان، والفرق بين كَرهاً وكُرهاً.
{وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: الناهية.
{تَعْضُلُوهُنَّ} : من العضل: هو المنع، أو الحبس، أو التضييق، والعضل مأخوذ من عضلت المرأة بولدها؛ أيْ: تعسرت في الولادة، وانقبضت عضلاتها، ولم تبسط حتى يخرج الوليد.
{تَعْضُلُوهُنَّ} : الخطاب موجَّه للأزواج، كان الزوج إذا كره صحبة امرأته، ولها عليه مهر يحبسها، ويضربها؛ لتفتدي به، أو كانوا في الجاهلية بعد الطلاق يعضلون المطلقات بقصد الإضرار بهنَّ حتى تفتدي بمهرها، أو مالها، أو الخطاب موجَّه إلى الأولياء، كانوا يمنعون النساء من الزواج؛ ليرثوهنَّ، أو كانوا يمنعون النساء من الزواج إلا بإذنهم حتى يأخذوا صدقاتهنَّ.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ} : يفعلن فاحشة (كالزِّنى).
{مُّبَيِّنَةٍ} : واضحة من دون شك، ولا شهود، أو لا تنكرها هي، أو إذا أظهرن نشوزاً وسوء معاملة للعيان؛ عندها يجوز خلعها، ويقبل منها أن تفتدي.
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} : الباء: للإلصاق، والاستمرار.
عاشروهنَّ: بما يقره الشرع والعرف، وتألفه الطباع السليمة.
عاشروهنَّ بالمعروف: في القول، والنفقة، والمعاملة السمحة، والصبر.
{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} : فإن: الفاء: استئنافية. إن: شرطية، وتفيد الاحتمال، والندرة في الوقوع، ولم يستعمل (إذا)؛ لأن (إذا): تدل على حتمية الحدوث به.
{كَرِهْتُمُوهُنَّ} : لأسباب حقيقية، أو عيب خُلقي، أو تقصير في المعاشرة، أو نشوز.
{فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْـئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} :
{فَعَسَى} : الفاء: للتعقيب والمباشرة، عسى: من أفعال الرجال أن تستقيم الأمور.
{أَنْ} : شرطية، {تَكْرَهُوا شَيْـئًا}: نكرة؛ أيُّ شيءٍ، {شَيْـئًا}: مهما كان نوعه.
{وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} : أي: اصبروا، ولا تتعجَّلوا بالطلاق، أو الخلع؛ عسى اللهُ أن يصلح أحوالهنَّ، وتستقيم الأمور، ولا تتمزق الأسرة، ويصاب الأولاد بأمراض نفسية؛ نتيجة الطلاق، والكراهية بين الزوج والزوجة.
سورة النساء [4: 20]
{وَإِنْ} : الواو: استئنافية. إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
{اسْتِبْدَالَ} : الألف والسين والتاء: للطلب. استبدال: الاستبدال هنا يعني: الطلاق؛ أيْ: طلقتموهنَّ، وأردتم الزواج بزوجة أخرى بداعي الشهوة والرغبة.
{زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} : تعني: الزواج بزوجة أخرى، ولم يكن هناك سببٌ هي قامت به، مثل: الفاحشة، أو النشوز.
{وَآتَيْتُمْ} : أعطيتم، وأتيتم: أعطيتم: {إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} : من المهر (ولو كان قنطاراً) من المال الكثير؛ كصداق، أو مهر أو نحلة. وقيل: القنطار: مئة رطل من الذهب؛ لأن المهر إذا كان قنطاراً أو كثيراً قد تسول للإنسان نفسه فلا يحق لكم أن تأخذوا منه شيئاً.
{فَلَا} : الفاء: رابطة لجواب الشرط.
{تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْـئًا} : لا: الناهية، فلا تأخذوا منه (الصداق، أو المهر) شيئاً مهما قل أو كثر.
{أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} : الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي. أتأخذونه بالبهتان: البهتان: الكذب المتعمد الذي يبهت سامعه، ويدهشه؛ لشناعة الكذب، وأنواع الكذب تشمل: الإفك، والبهتان، والافتراء، والخرص، وغيرها، والإثم: يعني القبيح، ويعني الصغائر والكبائر.
{وَإِثْمًا مُبِينًا} : حراماً وظلماً واضحاً، والمبين: هو الظاهر الواضح، ومظهر لنفسه ظاهر للعيان إنه إثم غير مستور، وكل من يعلمه يعتبره إثماً.
سورة النساء [4: 21]
{وَكَيْفَ} : الواو: استئنافية، كيف: اسم استفهام، فيه معنى النفي، وهو استفهام إنكاري، وسبقه الهمزة: أتأخذونه وكيف تأخذونه إنكار بعد إنكار، وفيه كذلك تعجب.
{وَقَدْ} : حرف تحقيق وتوكيد.
{أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} : أفضى من الإفضاء: كناية عن الجماع والخلوة. قيل: من الفضاء المكان الواسع الذي لا حدود له؛ أيْ: دخلت في فضائها، ودخلت في فضائك؛ أيْ: دخولاً واسعاً حين حدث كشف العورة، ولا يوجد إفضاء أكبر من ذلك، ودخلتا معاً في الأنفاس، والمعاشرة، والملامسة.
يعني: دخلتم معاً أوسع المداخل، وقمة المداخل، وهي أن يرى كل منكم عورة الآخر، عورتها التي تسترها من كل مخلوق حتى أمها وأختها، وتراها أنت، فلا يوجد فضاء أكثر من ذلك.
{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} :
{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ} : من الزوج والزوجة، أو (ولي أمرها) ميثاقاً، الميثاق: هو العهد الموثق بأدلة مثل: الشهود، والعقد، ويوقع عليه الزوج، والزوجة، وعاقد النكاح، والسلطة المختصة من الدولة، ويجب احترامه.
{مِيثَاقًا غَلِيظًا} : أيْ: عهد موثق غليظ عظيم لا ينحل بسهولة.
وذكر الميثاق الغليظ في القرآن في ثلاث آيات فقط:
الأول: في هذه الآية (21) من سورة النساء، وهو ميثاق الزواج.
الثاني: في الآية (154) من سورة النساء، وهو ميثاق بني إسرائيل.
الثالث: في الآية (7) من سورة الأحزاب، وهو ميثاق النبيين.
سورة النساء [4: 22]
{وَلَا} : الواو: استئنافية. لا: الناهية، النهي للحاضر، والمستقبل.
{تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} : حيث كانوا في الجاهلية يتزوجون بزوجات آبائهم بعد طلاقهنَّ، أو موت الآباء، فجاءت هذه الآية تنهاهم عن ذلك وتحرمه.
{مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} : ما هنا: للعاقل؛ أيْ: زوجات الآباء.
إلا: أداة حصر.
{مَا قَدْ} : ما: اسم موصول بمعنى: الذي. قد: للتحقيق والتوكيد.
{سَلَفَ} : بمعنى: مضى (للماضي).
{إِنَّهُ} : للتوكيد. {كَانَ فَاحِشَةً} : قبيحاً (زنى من أقبح الزِّنى، وهو أن ينكح ما نكح الأب).
{وَمَقْتًا} : المقت: هو أشد البغض بغض الممقوت، ولكل ذي فطرة سليمة.
{وَسَاءَ سَبِيلًا} : ساء طريقاً أن يسلك.
سورة النساء [4: 23]
يذكر الحق في هذه الآية محرمات النكاح من النسب والرضاع والمصاهرة.
فذكر سابقاً تحريم نكاح امرأة الأب، ثم حرم في هذه الآية الأمهات؛ أي: الوالدات، والأم تعني: الوالدة والمرضعة، وتستعمل كلمة الوالدة في سياق الأحكام الشرعية، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت (سبعة محرمات من النسب). فقال (حرمت عليكم)؛ أي: هذا التحريم كان مقرراً سابقاً، وجاء القرآن ليؤكده فقال (حرمت عليكم)، ولم يقل ولا تنكحوا، كما ورد في الآية السابقة (22)؛ حيث كان سابقاً نكاح زوجات الأب شائعاً عند العرب، ثم حرمه الإسلام، وكذلك الجمع بين الأختين، ولذلك قال تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} .
{وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّاتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} : (أي: المحرمات بالرضاعة). قيل: خمس رضعات، وقيل: أقل من ذلك، وهو في سن الحولين، وقال الإمام مالك:«ولو مصة واحدة» ، مع أن الرسول قال:«لا تحرم المصة ولا المصتان» [رواه مسلم]؛ ارجع إلى كتب الأحكام الشرعية والمذاهب الأربعة لمزيد من البيان.
ويلحق بالتحريم بأمهات الرضاعة بناتها وأخواتها، وغيرها. ارجع إلى كتب الفقه.
{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} : من المصاهرة، فأم زوجته محرَّمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها؛ أيْ: لا يحل له أن يتزوج الأم.
{وَرَبَائِبُكُمُ} : جمع ربيبة؛ أي: الأنثى بنت الزوجة من غيره، إذا حصل الدخول بالزوجة {الَّاتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ}: كناية عن الجماع.
{فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النافية؛ جناح عليكم: لا إثم عليكم من جنح؛ أي: مال عن القصد، والإثم؛ أي: الميل عن الحق؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (158) لمزيد من البيان، والفرق بين: لا جناح عليكم، وليس عليكم جناح.
{وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} : وحلائل: جمع حليلة، وهي زوجة الابن من الصلب؛ أيْ: أولادكم (الذكور)، وليس زوجة الابن من التبني، فهذا أصبح حلاً بعد ظهور الإسلام.
{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} : وأن: حرف مصدري يفيد التوكيد.
يحرم زواج الأختين معاً؛ لأن الجمع بين الأختين قد يؤدِّي إلى انقطاع صلة الرحم بين الأختين، والله سبحانه أمر بصلة الرحم.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{كَانَ} : تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{كَانَ غَفُورًا} : لما سلف منكم، ولمن تاب وأصلح.
{رَحِيمًا} : لا يعاقبكم على سيئاتكم إذا تبتم، وأصلحتم، وتعني: كثير المغفرة والرحمة.