الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة النساء [4: 24]
{وَالْمُحْصَنَاتُ} : معطوفة على أمهاتكم؛ أيْ: حرمت عليكم أمهاتكم، والمحصنات من النساء.
{وَالْمُحْصَنَاتُ} : الواو: عاطفة. المحصنات: جمع محصنة، والمحصنة المراد بها المتزوجة العفيفة.
والإحصان: أصله الحصن، وهو المكان المنيع، وهو العفة، ويعني: تحصين النفس من الوقوع في الزِّنى، والبنت: إذا تزوجت أحصنها زوجها (أيْ: أعفها زوجها فهي محصن).
والمرأة إذا أعفت فهي حاصن.
والإحصان في القرآن له معانٍ أربع:
1 -
الزواج: يقال: أحصن الرجل؛ أيْ: إذا تزوج.
2 -
العفة: يقال: أحصن؛ أيْ: أعف.
3 -
الإسلام: أحصن الرجل؛ أيْ: أسلم.
4 -
الحرية: أحصن صار حراً.
{إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} : إلا: أداة استثناء. ما: للعاقل، وغير العاقل، اسم موصول تعني: التي.
{مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} : بالأسر والسبي من أرض المعركة؛ لأنه لا يجوز قتال النساء إلا إذا حاربت مع الكفار، هذه الآية حكمها معطل في وقتنا الحاضر، ولا بُدَّ من إسلام المشركة، واستبراء الرحم، ولا تريد المكاتبة أو الزواج، واختلف الفقهاء في شروط ما ملكت اليمين؛ يجب الرجوع إليها لمزيد من البيان.
{كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : أيْ: هذا ما فرضه الله عليكم، أو حرمه عليكم، ولا ننسى أن هناك تحريمات أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: زواج المرأة على عمتها، أو خالتها.
فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة خالتها» .
{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} : أيْ: أحل ما سوى المحرمات المذكورات في الآيات السابقة.
{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} :
{أَنْ} : حرف مصدري يفيد التعليل.
{تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم} : أيْ: أبيح لكم أن تتزوَّجوا (تطلبوا الزواج).
{بِأَمْوَالِكُم} : الباء: للإلصاق (السببية)؛ أيْ: بدفع الصداق، أو المهر، والأموال هنا تعني: المهور.
{مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} :
{مُّحْصِنِينَ} : من الإحصان: هو الزواج، والعفة؛ أيْ: متزوِّجين متعفِّفين.
{غَيْرَ مُسَافِحِينَ} : غير تفيد المغايرة بالذات، أو الصفة، وهنا المغايرة بالصفة.
{مُسَافِحِينَ} : السفاح قيل: هو الزنى، ومشتقة من السفح، وهو هطول الماء وسيلانه من سفح الجبل، ولم يذكر ولا متخذي أخدان؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق المسلمين فلا داعي؛ لأنهم حرم عليهم أن يقربوا من الزنى.
وسُمِّي به الزِّنى؛ لأن الزاني يصب نطفته فقط من دون إرادة النسل في فروج الكثير من النساء.
أما تعريف الزِّنى، والسفاح، والبغاء فهو التالي:
الزِّنى: الجماع من غير عقد شرعي، أو الوطء من غير عقد شرعي.
السفاح: هو تكرار فعل الزِّنى، مع الإقامة والعيش معاً من غير زواج شرعي، وهو أشد من الزِّنى والفجور.
والفجور: هو البغاء، والبغاء وصف للمرأة إذا فجرت وزنت عدة مرات.
{فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} :
{فَمَا} : الفاء: استئنافية. ما: شرطية.
{اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ} : الاستمتاع المباح الذي يحصل بالزواج الشرعي المستوفي شروطه، أو الاستمتاع المباح الذي يحصل بعد العقد، أو الخطبة وقبل الدخول، فلا بُدَّ من دفع المهر كاملاً حين طلب الزواج، أو دفع نصف ما فرضتم إذا لم يتم.
{فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} : فيه استعارة: استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر يكون بعد العمل، ولا يأتي في القرآن إلا في سياق الخير.
{فَرِيضَةً} : فرض من الله تعالى عليكم بدفع المهور.
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} :
{وَلَا} : لا: النافية، لا جناح؛ أيْ: لا إثم. ارجع إلى الآية (158) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ} : من بعد الفريضة من زيادة، أو نقضان في المهر إذا اتفقتم أنتم وهنَّ على ذلك، أو حدث فسخ لعقد القران، أو فرقة.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{كَانَ} : تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أيْ: كان، ولا زال، وسيظل عليماً حكيماً.
{عَلِيمًا} : بأقوالكم، وأفعالكم، ونواياكم، وما يصلح أموركم.
{حَكِيمًا} : فيما يفرضه عليكم، ويوصيكم به؛ لتصلح أموركم، حكيماً في حكمه؛ فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة النساء [4: 25]
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: شرطية.
{لَّمْ} : للنفي.
{يَسْتَطِعْ} : يقدر (القدرة المالية).
{مِنكُمْ طَوْلًا} : الطول: هو الغنى والسعة؛ أيْ: ليس عنده القدرة (المالية على دفع المهر) للزواج بالمحصنات المؤمنات؛ أي: الحرائر المؤمنات (الإحصان هنا يعني: الحرية).
{فَمِنْ} : من: ابتدائية للعاقل، والفاء: رابطة لجواب الشرط.
{مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} : من فتياتكم المؤمنات؛ أي: الإماء، جمع أمة، وهي المملوكة الرقيقة، وكان ذلك في القديم حين كان الرِّقُّ قائماً.
وأطلق عليهنَّ اسم {فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (كلمة فتاة هنا تطلق على الأمة في القرآن) بدلاً من الإماء.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم} : أعلم بدرجة إيمانكم، ويعلم ما تخفي الصدور من العقائد والسرائر.
{بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ} : وكلكم ولد آدم، ومن نسل آدم وحواء، من أصل واحد، الذكور من الإناث، والإناث من المذكور، والناس سواسية إلا بالتقوى. ارجع إلى الآية (198) من سورة آل عمران.
{وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} : أعطوهنَّ مهورهنَّ.
{بِالْمَعْرُوفِ} : بالمتعارف عليه بين الناس، وما يقرُّه العرف من مقدار المهر من دون نقص أو تلاعب، والباء: للإلصاق، والتوكيد.
{مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} :
{مُحْصَنَاتٍ} : عفائف. {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} : زانيات جهراً، ومقيمات مع أخدانهنَّ من دون زواج.
{وَلَا} : الناهية، {مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}: ولا متخذات أخدان أصحاب يقمن معهم في مسكن واحد، والأخدان: جمع خدن: وهو الصاحب، ويطلق على الذكر والأنثى، المقيمات معاً من دون عقد زواج.
{فَإِذَا} : الفاء: استئنافية.
{فَإِذَا} : شرطية تدل على حتمية الحدوث وكثرته.
{أُحْصِنَّ} : أسلمنَ، وتزوجنَ.
{فَإِنْ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تدل على الندرة، واحتمال الحدوث.
{أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} : بفاحشة الزِّنى.
{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} : العذاب لم يُبيَّن في هذه الآية، وإنما بيَّنه في سورة النور، آية (2):{فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} : إذن العذاب يساوي خمسين جلدة.
{ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ} :
{ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى إباحة النكاح بالفتيات المؤمنات لمن لم يجد طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات؛ أي: القدرة المالية.
{لِمَنْ} : اللام: لام الاختصاص.
{خَشِىَ} : خاف من الوقوع في العنت؛ أي: المشقة، والجهد؛ أي: الزِّنى.
{الْعَنَتَ} : وهو المشقة، والأمراض النفسية، وما يترتب عليها من عواقب.
{مِنكُمْ} : خاصَّة من المسلمين.
إذن كانت شروط الفقهاء لصحة نكاح الأمة هي:
أن تكون مسلمة، وأن يخاف الوقوع في الإثم والزِّنى، وعدم الاستطاعة (أي: القدرة المالية).
{وَأَنْ} : أن: مصدرية تفيد التوكيد.
{تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} : عن نكاح الإماء خير لكم.
{وَاللَّهُ غَفُورٌ} : يغفر الذنوب إذا تبتم مما قد يبدر منكم من الآثام والذنوب.
{رَحِيمٌ} : لا يعجِّل لكم العقوبة، دائم الرحمة على صيغة مبالغة على وزن فعيل. رحيم بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الفاتحة، الآية (2)؛ لمزيد من البيان.
سورة النساء [4: 26]
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} : اللام: للتوكيد.
{لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} : بإنزال هذه الآيات والتكاليف، والأحكام الشرعية، والحلال والحرام، والحسن والقبيح، والحق والباطل، وما يجب فعله، وما لا يجب فعله.
{وَيَهْدِيَكُمْ} : أيْ: يبيِّن لكم طريق الرشد؛ لتسلكوه، وتصلوا إلى الغاية، ولم يقل: وليهديكم، كما قال:{لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} : إضافة اللام في {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} : لتدل على التوكيد؛ يعني: أن البيان أهم من الهداية، فلو كانا بنفس الأهمية لأضاف اللام لكليهما؛ لأن البيان هو إظهار المعنى للنفس بحيث لم يعد هناك شك، أو حُجَّة لها، ثم بعد البيان تصبح الهداية أسهل، وأهون على النفس، يهديها إلى صراطها فتسير عليه إلى الغاية.
{سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} : سنن جمع سُنَّة؛ أيْ: طريقة، فهناك السُّنن الكونية، وسُنن الله في خلقه، وسُنن الأنبياء والصالحين الذين جاؤوا من قبلكم؛ لتقتدوا بها، وتسلكوها. وإنما وضعت هذه السُّنن؛ لتحقق مصالح الإنسان، كما أرادها الله له. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (137)؛ لمزيد من البيان في معنى السُّنن.
{وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} : أيْ: يتقبل توبتكم بفضله إذا تبتم إليه من ذنوبكم، ورجعتم إليه، ولكي يسود الحق والثبات في الكون.
وأركان التوبة:
1 -
الإقلاع عن الذنب، والمعصية، وعدم العودة إليها.
2 -
الندم على فعلها.
3 -
إرجاع الحقوق إلى أهلها.
4 -
الإكثار من النوافل والأعمال الصالحة.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ} : أحاط علمه بكل شيء بجمع خلقه، وكونه، والأشياء ظاهرها وباطنها، العليم بما شرع لكم، وما هي مصلحتكم، وما ينفعكم، وما يضركم، علم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، لا تخفى عليه خافية، العليم بالغيب، ومفاتحه.
{حَكِيمٌ} : فيما شرعه لكم، وقدره، وأفعاله، وأقواله، وكونه، فهو أحكم الحاكمين.
{حَكِيمٌ} : مشتقة من الحكمة، وحكيم: بمعنى الحاكم.
وانتبه إلى هذا الترتيب: البيان ليبين لكم، ثم الهداية ويهديكم بالتوبة (ويتوب عليكم)، فالتوبة تكون لما حدث من التقصير في الاتِّباع، أو خلل في الهداية، وقدم العليم على الحكيم؛ لأن السياق في العلم (لبيان الهداية والتوبة) كلها تحتاج إلى علم بينه العليم الحكيم.
سورة النساء [4: 27]
{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} : لكي نفهم هذه الآية يجب أن نعلم مراحل التوبة:
ـ التوبة شرعت أولاً من الله (مرحلة التشريع): فقد علَّمنا الله سبحانه على يدي آدم كيف نتوب من المعصية، كما قال تعالى:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37].
ـ ثم تأتي مرحلة إقامة التوبة، أو الأداء؛ أيْ: كيف تتوب إلى الله كعبادة (نطبق أركان التوبة). الإقلاع عن الذنب، والكف عن المعصية، والرجوع إلى الله، والندم، والإكثار من العمل الصالح، والنوافل.
ـ ثم تأتي مرحلة القبول: وهي إما أن يتقبل الله سبحانه بفضله ورحمته توبة عبده، أو لا يقبل توبته.
{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} : قدَّم لفظ الجلالة على الفعل يريد للاهتمام والتوكيد والمبالغة في قبول الله تعالى توبة عبده، ويفيد الحصر، فإن التوبة مختصة بالله حصراً، فلا يتوب العبد إلا لله جل جلاله، ولا أحد يقبل التوبة إلا الله عز وجل.
{وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} : وهم الفسقة، والمنهمكون في الآثام، والفواحش، والمعاصي، والكفار، والمشركون، وغيرهم أن تتبعوا أهواءكم، ونزعاتكم، وتنحرفوا عن شرع الله، وتميلوا عن الحق إلى الباطل.
{أَنْ} : للتوكيد.
{تَمِيلُوا} : تنحرفوا وتضلوا.
{مَيْلًا عَظِيمًا} : عن طاعة الله إلى المعصية، وطاعة الشيطان، فتكثروا من الذنوب والمعاصي، ولا يكفيهم أن تميلوا ميلاً خفيفاً، فهذا لا يُعجبهم، ولا يكفيهم، بل الميل العظيم فقط هو الذي يريدونه ويطمعون فيه.
سورة النساء [4: 28]
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} :
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ} : يريد الله أن: حرف مصدري يفيد التوكيد.
{أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ} : أيْ: يُيسر عليكم، ويسهل عليكم التكاليف، والأحكام، ولا يجعل عليكم من حرج.
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ} : بالتوبة، والتكاليف الشرعية.
{وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} : ضعيفاً: من الضَّعف: بفتح الضاد: وهو الضعف المعنوي الذي يكون عادة في الرأي والعقل، بينما الضُّعف: بضم الضاد: هو الضعف المادي الذي يكون في الجسم بسبب المرض أو الجوع أو الهزال، ونقص الغذاء؛ فالله سبحانه لم يخلقه ضعيفاً من الأصل، كما يظن البعض، وإنما الإنسان نفسه حين أعطاه الله حرية الاختيار اختار الضعف، اختار شهواته العاجلة بدلاً من الفوز برضا الله وطاعته؛ فهو ضعيف لا يصبر، ولا يقاوم شهواته الجنسية، وحب المال، والنسل، والربا، وشرب الخمر، وكسب الحرام، ومن رحمة الله بهذا الإنسان أن شرع له التوبة، والتوبة نوع من التخفيف.
والتوبة: نوعان: توبة إنابة؛ توبة من المعصية، أو الذنب، وتوبة استجابة: توبة من دون معصية؛ للتقرب من الله، توبة حب، توبة خوف، فالله سبحانه يريد ليبين لكم، ويهديكم، ويتوب عليكم، ويغفر لكم، ويخفف عنكم، وييسر عليكم رحمةً بكم.
سورة النساء [4: 29]
نداء إلى الذين آمنوا جديد، والهاء: للتنبيه.
{لَا} : الناهية.
{لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} : تأخذوا، وعبر بالأكل عن الأخذ؛ لكثرة حدوث الأخذ، كما تكون الحاجة إلى الأكل المتكرر في كل يوم. والأخذ قد يأخذه ثم يعيده إلى صاحبه، أما الأكل فقد تم هضمه وقرر عدم إرجاعه إلى أهله.
وقال: {أَمْوَالَكُم} : ولم يقل: أموالهم كيف يأكل الإنسان ماله؟
إشارة إلى أن مال الفرد فيه حق الزكاة، وفيه حقوق أخرى للآخرين؛ كالصدقات، والضرائب، ولأن الكل عُرضة للأكل، فمرة يكون الإنسان آكلاً لمال غيره، ومرة أخرى يكون غيره آكلاً لماله؛ أيْ: أنا آكل مال غيري، وغيري يأكل مالي.
{بِالْبَاطِلِ} : الباء: للإلصاق. الباطل: الحرام؛ أيْ: تأخذ، أو تأكل مال الغير بغير حق، مثل: الربا، والغش، والسرقة، والرشوة، والميسر، واحتكار السلع وغيرها.
{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنكُمْ} : إلا: أداة استثناء.
{أَنْ تَكُونَ} : أن: للتوكيد.
{تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنكُمْ} : التجارة: هي البيع والشراء بقصد الاسترباح؛ أيْ: إعطاء شيء في مقابل شيء، والبيع: هو إخراج السلعة من ملك البائع، والشراء: هو إدخال السلعة في ملك المشتري مقابل ثمن متفق عليه.
{تَرَاضٍ مِّنكُمْ} : إذن التراضي هو: شرط، ولم يوجب الشرع لفظاً معيناً، والتراضي قد يقوم على الفعل، لا القول، مثل: بيع المعاطاة؛ أيْ: يعطي البائع السلعة للمشتري، والمشتري يعطي البائع الثمن من غير صيغة، وذكر التجارة خاصَّة للترغيب فيها.
وذكر الباطل: ليدل على أن كثيراً من التجارات مشتملة على التعامل بالباطل، ولذلك جاء التحذير من ذلك.
{وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} :
{وَلَا} : الواو: استئنافية. لا: الناهية.
{تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} : بعد التوصية، والنهي عن أكل المال بالباطل؛ جاءت التوصية الثانية بالحفاظ على النفس، فقد تؤدِّي بعض المعاملات المادية إلى الغضب، والقتل، والسرقة، والانتحار؛ بسبب الطمع، والجشع، وغيرها.
{وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} : أيْ: لا يقتل بعضكم بعضاً؛ لأن قتل النفس من دون حق، أو عدل:{فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} ، ويدخل في الانتحار والتدخين، واستعمال المخدرات. وقيل: من يقتل أخاه كأنه قتل نفسه وذلك لأن المؤمنين كالجسد الواحد، وكذلك حكم على نفسه بالقتل قصاصاً.
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
وكما قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]: بارتكاب المعاصي، والإدمان، والميسر، والجرائم الأخلاقية، والمخدرات، والتدخين وغيرها.
{وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} : لأن المؤمنين إخوة، وأنهم نفس واحد، مبالغة في النهي والزجر.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ كَانَ} : تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{بِكُمْ} : الباء: للإلصاق.
{رَحِيمًا} : بأن منعكم، ونهاكم، وحذركم من فعل تلك الأفعال السيئة، ونهاكم عن قتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل.
سورة النساء [4: 30]
{وَمَنْ} : الواو: عاطفة. الخطاب للرسول، والمقصود به المؤمنين.
{وَمَنْ} : شرطية (ابتدائية)، من: للمفرد، والمثنى، أو الجمع، ومن: للعاقل.
{يَفْعَلْ ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد.
{يَفْعَلْ ذَلِكَ} : تعود إلى قتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل.
{عُدْوَانًا} : بالتعدِّي على الغير عمداً، وظلماً بالقتل، أو أكل الأموال (والتعدِّي قد يكون من دون عمد ونسياناً).
{وَظُلْمًا} : الظلم: هو أخذ حق الغير عمداً، أو نقصان حقهم في الأجر، أو الحقوق؛ فالظلم، والاعتداء على المال يورث العداوة، والعداوة قد تؤدِّي إلى القتل.
ومن يفعل ذلك متعدِّياً، وظالماً؛ فسوف نصليه ناراً.
{فَسَوْفَ} : الفاء: للتوكيد، سوف: للاستقبال البعيد، وفيها تهديد، وإنذار قوي أقوى من السين؛ كقوله:{وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]؛ فقد جاء بسوف، ونسب الإصلاء إلى نفسه فقال:{فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} في عقوبة قتل النفس عدواناً وظلماً، بينما جاء بالسين:{وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} في عقوبة أكل أموال اليتامى، ونسب الإصلاء إلى غيره (الملائكة).
{نُصْلِيهِ نَارًا} : ندخله ونحرقه بها.
{وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} : أي: الإدخال والإحراق هو هينٌ على الله سبحانه، وجاء بلفظ الجلالة سبحانه؛ لأنه كان يكفي أن يقول: وكان ذلك يسيراً. والمجيء بلفظ الجلالة؛ للدلالة على شدة الإنذار، والوعيد والعقوبة، وقدَّم كلمة الله للحصر، والقصر.
سورة النساء [4: 31]
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال والندرة.
{تَجْتَنِبُوا} : الاجتناب: هو الميل عن الشيء المحرم جانباً، ومعناه: تركه والابتعاد عنه.
والاجتناب: أشد، وأبلغ من النهي والتحريم، وتعني: إياكم أن تكونوا مع المنهي عنه في مكان واحد، مثل: اجتناب الخمر، لا يعني فقط شربها، بل إياك أن تكون في مكان تُشرب فيه الخمر.
{كَبَائِرَ} : جمع كبيرة، وقيل: الكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، وزاد بعضهم إلى ذلك، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: حد، أو وعيد، أو لعن، أو تبرُّؤ، أو ليس منا، أو نفي إيمان، غضب، أو تهديد، واختلفوا في عدد الكبائر، فمنهم من قال: سبع، ومنهم من قال: أكثر من سبع، ومنهم من قال: إنها السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ مال اليتيم، وأكل الربا، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات.
{مَا} : ما: اسم موصول بمعنى: الذي.
{تُنْهَوْنَ عَنْهُ} : أيْ: ما نهى عنه الله سبحانه ورسوله في الكتاب والسنة.
{نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـئَاتِكُمْ} : نكِّفر: نستر، والكفر: وهو الستر؛ أيْ: نمحوها؛ أيْ: لا نعاقبكم عليها.
والسيئات، قيل: الصغائر، جمع سيئة؛ أيْ: تسوء إلى صاحبها.
وندخلكم مُدخلاً كريماً: المُدخل الكريم: هو الجنة، أو الصدق.
{كَرِيمًا} : طيباً شريفاً مباركاً.
سورة النساء [4: 32]
سبب نزول هذه الآية: ثلاثة أقوال: أحدها: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله: «يغزو الرجال، ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث» [رواه الحاكم والترمذي]، فنزلت هذه الآية.
الثاني: عن عكرمة: أن النساء قلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت هذه الآية.
والثالث: قال قتادة والسدي: لما نزلت آية {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} : قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا، كما فضلنا عليهنَّ في الميراث.
وقال النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا.
وقيل التمني: هو طلب الحصول على شيء أقرب ما يكون من المستحيل أو النادر ونهى الله عن مثل هذا التمني؛ كأن يتمنى الرجل مال غيره، أو تتمنى النساء أن يكنَّ رجالاً.
والتمني أنواع: أولاً: أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير؛ فهذا هو الحسد.
ثانياً: أن يتمنى مثل ما لغيره، ولا يحب زوال المال عن الغير؛ فهذا هو الغبطة.
والحقيقة: أن الله يعلم ما يصلح العبد، وهو أعلم بمصالح عباده، فليرضَ كلٌّ بما قدَّر اللهُ له وقسم؛ فهو صادر عن حكمة وتدبر.
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: الناهية.
{مَا} : ما: اسم موصول تعني الذي؛ أيْ: {وَلَا تَتَمَنَّوْا} : الذي فضل الله به بعضكم على بعض.
{فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} : سواء أكان في الرزق، أو المال، أو العافية، أو الجاه، أو الدِّين؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة، وتدبر، وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح العبد.
كمثال قوله: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ} [الشورى: 27].
وكقوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 32].
وفي ذلك نهي عن الحسد إلا في اثنتين، كما ورد في حديث البخاري:«لا حسد إلّا في اثنين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» .
{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} :
{لِلرِّجَالِ} : اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
{نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا} : حظ، النصيب: يكون في الشيء المحبوب، أو المكروه. نصيب من النعيم، أو العذاب، ويمكن أن يكون عادلاً، أو جائراً، بينما الحظ يكون إجمالاً في سياق الخير.
{مِمَّا} : أصلها: من + ما، من: ابتدائية.
{مِمَّا} : اسم موصول، أو مصدرية.
{اكْتَسَبُوا} : تعني: الثواب والعقاب بحسب الطاعة والمعصية. وقيل: الميراث. واكتسبوا من الاكتساب على وزن افتعل، أي: اكتساب خالطه جهد ومشقة.
{وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} : نفس تفسير للرجال نصيب.
{وَسْـئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} : التمني: نهى الله سبحانه عنه، وأباح الله سبحانه السؤال أو الطلب من فضله؛ الفضل: الزيادة عما يستحق العبد من كرمه وإحسانه، سواء في الرزق، أو العلم، أو الفقه في أمور الدِّين والجنة، والدرجات العلى.
واسألوا الله وحده، ولا تسألوا غيره، اسألوه ما تتمونه من النعم والأماني.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا} : إن للتوكيد كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا} : ارجع إلى الآية (26).
سورة النساء [4: 33]
{وَلِكُلٍّ} : ولكل إنسان متوفى ورثه (موالٍ)، وموالٍ: جمع مولى، وهم الورثة، أو يقصد بها التركة (الميراث)، ويكون التقدير: لكل تركة (ميراث) مما ترك الوالدان والأقربون، ومما ترك الوالدان والأقربون: هنا نحن أمام احتمالين:
الاحتمال الأول: الوالدان والأقربون: هم الورثة؛ الوالدان والأقارب هم الذين يرثون الإنسان المتوفى؛ أي: الوارثون.
الاحتمال الثاني: الوالدان، والأقربون هم المورثون، هم الذين ماتوا.
{عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} : أي: التوارث بالحلف، والمؤاخاة؛ حيث كان الرجل يحالف الرجل، فأيهما مات ورثه الآخر، أو كان المهاجر يرث الأنصاري دون قرابة بينهما بعد أن آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الرجل يورث تابعه الرجل، أو أبناء الذين يتبنونهم (التبني).
{فَـئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} : من الوصية إذا كانوا من الذين لا حق لهم في الميراث.
{إِنَّ اللَّهَ} : إن: للتوكيد.
{كَانَ} : تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا} : مطلقاً، رقيباً، لا يخفى عليه شيء، حفيظاً، فهو المطلع، والمحيط علمه بكل شيء من سرٍّ، ونجوى، وجهر، وما تخفي الصدور، وما تقوله الألسن، ويعلم كل عمل من قول، أو فعل، ويعلم ما يجري في كونه، وما يقوم به خلقه.
{شَهِيدًا} : صيغة مبالغة من شاهد على أعمالكم، ونواياكم في الميراث.
والشهيد يعلم كل الخفايا الباطنة، ويعلم ظواهر الأمور المختصة بما يشهد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (133)؛ لمزيد من البيان في معنى الشهيد.
سورة النساء [4: 34]
{الرِّجَالُ} : ولم يقل: الأزواج؛ لأن الرجال تعني: الأزواج، وتعني الأب، والأخ؛ فالزوج قوَّام على زوجته، والأب قوَّام على بناته، والأخ قوَّام على أخواته، والنساء: تعني الزوجات، والبنات، والأمهات، والأخوات.
{قَوَّامُونَ} : مشتقة من القيام، وتعني: الرعاية، والحماية، والإصلاح.
والقوامة تحتاج إلى تعب، وجهد، وسعي، وهذه هي مهمة الرجل.
وقوَّام صيغة مبالغة للقيام؛ تعني: الكثرة، والتعب، فالقائم قد يؤدِّي مهمة لمرة واحدة، أو عدة مرات، أما القوّام؛ فتعني: الاستمرار، والديمومة على القيام، وليس القوامة كما يظنها البعض السيطرة، وكتم الأنفاس، والأفضلية، وهذه القوامة لها سببان، كما قال سبحانه وتعالى:
الأولى: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} .
انتبه إلى قوله سبحانه: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} .
وهذا يعني: أن الرجل له أوجه تفضل تفوق المرأة في الكدح، والجهد، والتعب، وتحمل المشقة والطاقة، فهو المكلف بالسعي، وكسب الرزق، والمرأة لها أوجه تفضل تفوق الرجل في الرعاية، والحنان، والأمومة، والتربية.
هذا التفضيل عائد إلى المقومات الخلقية والجسدية، التي يختلف فيها بناء الرجل عن بناء المرأة.
والثاني: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} : مثل: إعطاء المهر، والنفقة عليهنَّ، وعلى المسكن، والعيال. كل ذلك من واجبات الرجل للزوجة، والأب للبنت والأخت.
ثم بيَّن الله تعالى: فالصالحات قانتات، حفظ الله، فالصالحات: جمع صالحة، وهي المؤدِّية لحقوق الله سبحانه وتعالى، وحقوق زوجها وغيره.
قانتات: من القنوت: الطاعة، طائعات لله وأزواجهنَّ؛ أيْ: قائمات بواجبهنَّ تجاه الله تعالى؛ أيْ: حقوق الله تعالى، وحقوق أزواجهنَّ.
{حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} : حافظات لفروجهنَّ؛ أيْ: لغيب أزواجهنَّ؛ أيْ: صيانة أنفسهنَّ من الفاحشة، أو المنكر، وأموال أزواجهنَّ، وغيرها.
{بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} : أيْ: بالمنهج الذي وضعه الله للحفظ، والالتزام به، ويشمل غض البصر، وعدم الخضوع بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ} ، وعدم التبرّج، والإسراف، والتبذير.
كما قال سبحانه: {وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 30-31].
{وَالَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} :
{وَالَّاتِى} : اسم موصول.
{تَخَافُونَ} : أيْ: لا زلتم في مرحلة الخوف، فلا تتركوا المسألة حتى يحدث النشوز، أو النشوز أمر متوقع.
{نُشُوزَهُنَّ} : يعني: التكبر على الزوج، والترفع عنه، وعدم طاعته، وعصيانه، والخروج متبرجة عارية مثلاً.
وأصل النشوز في اللغة: الارتفاع. النشز: المكان المرتفع.
واصطلاحاً: هو الخروج عن طاعة الزوج، وقد يحدث كذلك من الرجل هو الذي ينشز.
{فَعِظُوهُنَّ} : من الوعظ: وهو التذكير بالخير، والنصيحة، والإرشاد برفق، وحكمة باللسان، والتحذير من عواقب الأمور، والموعظة تكون بالقول والفعل.
{وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ} : والهجر في المضجع؛ يعني: ترك الجماع، أو ترك الكلام، أو فقط هجر الفراش، أو استعمال كل ذلك معاً، والهجر يكون عند ظهور النشوز، ولا يعني ذلك ترك منزل الزوج، والذهاب إلى بيت أهلها.
{وَاضْرِبُوهُنَّ} : هذه هي المرحلة الثالثة، ويعني الضرب غير المبرح الذي لا يؤدِّي إلى الإيذاء، والنفور، وزيادة العداوة، وتدخل الشرطة والأهل.
وبعض أهل العلم قالوا: الوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، والضرب عند تكرر النشوز والحاجة إليه.
{فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} : وتركن النشوز؛ فإن: الفاء عاطفة. إن: الشرطية، وفيها معنى الاحتمال والشك، أو القلة بعكس لو قال: فإذا أطعتكم التي تعني: الكثرة والحتمية؛ لأنه سبحانه يعلم أحوال عباده.
{فَلَا} : الفاء: رابطة لجواب الشرط.
{تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} : تبغوا: من البغي؛ عليهن: على تعني: العلو والمشقة؛ أي: بعد انتهاء النشوز، فلا تؤذيها وتتعالى عليها بأي طريقة، أو سبيل، والبغي: هو الظلم باستعمال القهر، والقوة، والتعسف.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} : إن: للتوكيد، كان: تشمل كل الأزمنة.
العلي: هو الأعلى، لا يعلوه أحد بصفاته، وذاته عن مشابهة خلقه، ولا يحيط به وصف، علو الشأن، والقدر، والذات، والصفات، والمنزلة. اسم العلي ذكر في القرآن ثماني مرات: العلي العظيم، العلي الكبير، علي حكيم
…
{كَبِيرًا} : العظيم الشأن، الجليل ذو الكبرياء في ذاته، وصفاته، وأفعاله. الكبير في عظمته، وكل شيء يصغر أمام عظمته، وأكبر وأعظم من خلقه، ومن كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه، وذكر اسمه الكبير خمس مرات في القرآن.
في هذه الآية تهديد من الله عز وجل للرجل بعدم التعالي على الزوجة، والتكبّر، والرأفة، والرحمة بها، وليعلم أن الله أعلى منه، وأكبر منه إذا بغى واعتدى.
سورة النساء [4: 35]
{وَإِنْ} : الواو: استئنافية. إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
{خِفْتُمْ} : خفتم: من الخوف: وهو توقع الضرر المحتمل وقوعه؛ أي: إن علمتم أن الشقاق على وشك الحدوث، أو حدث الشقاق فعلاً، والشقاق؛ أي: الخلاف، وكأن كلاً منهما في شق وجانب بعد أن التحما بالزواج، وصارا شيئاً واحداً.
{فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} : تختار كل أسرة حكماً من أهل الزوج، وحكماً من أهل الزوجة، ويفوَّض إليهما الأمر؛ أمر الشقاق؛ للنظر فيه، والحكم، والمصالحة تنتقل إلى هذين الحكمين اللذين ليس في صدرهما أيُّ حكمٍ مسبق؛ فإذا صدر منهما حكمٌ يجب أن ينفَّذ ويطبَّق من كلا الزوجين، سواء بالإصلاح، أو الطلاق.
{إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} : إن يريد الحكمان إصلاحاً بين الزوجين، يوفِّق الله بينهما؛ أيْ: بين الزوجين.
انتبه إلى كون الله سبحانه احتفظ لنفسه بالتوفيق، فهو له الحكم والأمر، والفعل، وليس للحكمين.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ كَانَ} : تشمل كل الأزمنة؛ أيْ: كان، ولا يزال، وسيظل عليماً خبيراً.
{عَلِيمًا} : صيغة مبالغة من عالم: المحيط علمه بكل شيء، العليم بأحوال الزوجين، وما يحدث بينهما، وعليم بأحوال الحكام، وأفراد الأسرتين، وهو عليم بذوات الصدور، وما تخفي الأعين.
{خَبِيرًا} : وهو عليم ببواطن الأمور، ولا تخفى عليه خافية.
سورة النساء [4: 36]
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ} : والعبادة تشمل العبادات: العبادات الحسية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والعبادات القلبية: مثل الشكر، والذكر، والتفكر في خلق السموات والأرض وغيرها؛ التي هي أركان الإسلام من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج.
وتشمل العبادة كلَّ عمل يؤدِّي إلى الإصلاح، وكذلك التفكُّر في خلق السموات والأرض، والمعاملات، والتوحيد.
والعبادة: هي طاعة العابد للمعبود، والخضوع له، والاستسلام له، والإخلاص له في كل حال وزمان، وفيما شرع.
{وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـئًا} : من ولد، أو شريك، أو ولي، أو صنم، أو ند، أو مثيل.
والشرك الخفي: هو الرياء، ويشمل: توحيد الإلوهية، والربوبية، والصفات، والأسماء.
{وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} : أيْ: لا تشركوا بالله شيئاً، ولو كان مقدار ذرة من الشرك {شَيْـئًا} ، الشيء: هو أقل القليل، و (شيئاً) نكرة تشمل كل شرك مهما كان نوعه وشكله.
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} : أي: البر بهما من خدمة، والإنفاق عليهما، وطاعتهما، وتنفيذ أوامرهما بلين ورحمة، وخفض جناح، وأصل الجملة (وأحسنوا إحساناً بالوالدين)، والإحسان قد يتعدى بـ (إلى)؛ أي: أحسن إلى الوالدين أو بالباء وفي هذه الآية وغيرها من الآيات تعدى بالباء التي تفيد الإلصاق؛ أي: الدوام على الإحسان، والإحسان يجب أن يكون مباشراً لذاتهما خاصاً بهما وليس كالإحسان العام إلى الآخرين كما ورد في سورة القصص آية (77){وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ، ولكن كالإحسان الذي ورد على لسان يوسف عليه السلام حين قال:{قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِى} [يوسف: 100]، وقرن الإحسان بالوالدين بعبادته سبحانه، وجعله كأنه ميثاقاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (112) لمزيد من البيان في معنى الإحسان، ويوسع الله سبحانه دائرة الإحسان؛ لتشمل ثمانية أصناف أخرى هي:
{وَبِذِى الْقُرْبَى} : أي: الإحسان إلى ذي القربى إضافة الباء: للتوكيد، والاهتمام بالقربى.
وقيل: إضافة الباء، وقوله بذي القربى، ولم يقل: وذي القربى كما في الآية (83) في سورة البقرة وبالوالدين إحساناً وذي القربى وبذي القربى تعني: الإحسان إلى أقرب الأقرباء؛ أيْ: ذريته؛ كالولد، والبنت، والأخ، والأخت، والعم، والعمة، والخال، والخالة
…
{وَالْيَتَامَى} : أي: الإحسان إلى اليتامى جمع يتيم: وهو من فقد أباه ولم يبلغ الحلم، وذلك بالكفالة، والملاطفة، والتواضع معهم.
{وَالْمَسَاكِينِ} : والإحسان إلى المساكين جمع مسكين: وهو المحتاج الذي له مال لا يكفيه؛ بالعطاء، والقول المعروف، والإحسان إليه، والمسكين أحسن حالاً من الفقير.
{وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى} : وكذلك الإحسان للجار القريب، فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم.
{وَالْجَارِ الْجُنُبِ} : الجار البعيد؛ فإذا كان مشركاً؛ فله حق الجوار، وإن كان مسلماً فله حق الجوار، وحق الإسلام.
{الْجُنُبِ} : البعيد في النسب؛ أي: الذي لا قرابة بينه وبين جاره.
{وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ} : أي: المرافق، أو المرافقة، قالوا: هي الزوجة، أو رفيق السفر، أو التجارة، ويدخل في ذلك الخادم، وقد تعني: الصديق، أو كل أولئك.
{وَابْنِ السَّبِيلِ} : أيْ: ابن الطريق؛ أي: الغريب الذي انقطعت به الأسباب، ونسب إلى كونه ابن الطريق؛ لأنه ليس له أب، ولا أم، ولا قبيلة حين تنقطع به السبل في بلاد غريبة، وقيل: هو الضيف. وقيل: من لا مأوى له ويفترش الطرقات.
{وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} : مثل: الأسرى، والعبيد، والإماء، أو العمال، وفك أسرهم، أو السجناء المظلومين.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{لَا} : النافية. {يُحِبُّ} : من كان {مُخْتَالًا} : الخال: هو الكبر، مختال: متكبر.
{فَخُورًا} : هو الذي يتفاخر على الناس، ويعدد محاسنه ومناقبه تعالياً، وسمعة على الناس؛ أي: المعجب بنفسه، أو ينكر ما كان عليه حاله قبل غناه مختال على أهله، وقومه، وعشيرته، وأهله.
{مَنْ كَانَ} : تعني: قليلون من يتصفون بذلك.
سورة النساء [4: 37]
بعد أن ذكر الإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والتصدق عليهم؛ يذم الله سبحانه في هذه الآية الذين يبخلون، أو يأمرون الناس بالبخل، فالبخيل: هو الذي يضيق صدراً بالإعطاء، ويجد فيه مشقة، وهو يبخل على نفسه أولاً قبل أن يبخل على الناس، والشح هو البخل مع الحرص.
وجاء بالفعل المضارع؛ ليدل على استمرار البخل فيهم، ولم يقل: الذين بخلوا.
{وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} : كأن يقولوا للآخرين: لا تنفقوا، نخشى عليكم الفقر، أو الدوائر، أو لا تنفقوا على من عند رسول الله؛ حتى ينفضوا عنه، أو يصدون الناس عن التبرعات بالصدقات بإثارة الشبهات والتحذير وغيرها من وسائل تثبيط عزائم الناس عن الإنفاق في سبيل الله وطرق الخير.
{وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ} : الكتمان: هو ستر النعمة، وجحود النعمة، فلا يتصدق، ولا تظهر عليه آثار نعم الله عليه في المأكل، والملبس، أو العطاء.
ما هو الفرق بين البخل، والشح؟
الشح: البخل مع الحرص، وهو أسوأ من البخل.
والبخل منع الحق: أيْ: لا يؤدِّي حقوق الله الواجبة.
{وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} :
بما أن البخل هو ستر النعمة، أو الجحود بها، فالبخل قد يجعل صاحبه كافراً؛ أيْ: ساتراً لنعم الله عليه، وبدل من أن يقول: وأعتدنا للذين يبخلون عذاباً مهيناً، قال:{وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} : أي: الذين يسترون نعم الله، أو يجحدونها هم من الكافرين.
{وَأَعْتَدْنَا} : أيْ: هيأنا، وأعددنا. وأعتدنا: حالة خاصة من أعددنا؛ أي: أعددنا عامة تشمل الكثير من طرق وسائل الإعداد، وأعتدنا تعني: طريقة أو وسيلة واحدة هي العذاب المهين.
{لِلْكَافِرِينَ} : اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
{عَذَابًا مُّهِينًا} : العذاب المخزي الذي يتم بمرأى من الناس، ويحمل في طياته الذل والإهانة، بالإضافة إلى الألم، والديمومة، والخلد.
سورة النساء [4: 38]
بعد ذكر الذين يبخلون في الآية السابقة، يذكر بعدهم الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس؛ للمدح والسمعة، لا ابتغاء وجه الله، وينفقون المرات العديدة بتجدد وتكرار. وقيل: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر.
كما جاء في سورة التوبة، آية (53-54):{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} .
{يُنْفِقُونَ} : جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد، وتكرار إنفاقهم؛ للمراءاة، والخُيلاء، وليس لوجه الله تعالى.
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: شرطية.
{يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا} : القرين: الملازم للإنسان، ولا يقال له الصاحب؛ لأن الصحبة تعني: انتفاع الصاحبين كل بالآخر، أما القرين فتطلق على صاحب السوء.
ولكل إنسان قرين: وهو عادة قرين سوء، وقرين جمعها: قرناء.
{فَسَاءَ قَرِينًا} : ساء: من أفعال الذم؛ أيْ: بئس القرين، ساء قريناً؛ حيث حملهم على الرياء، أو البخل.
سورة النساء [4: 39]
{وَمَاذَا} : الواو: استئنافية، ما: اسم: استفهام إنكاري، وفيه توبيخ، وتعجب، وذم، وذا اسم موصول، أو ماذا كلمة واحدة استفهام.
{عَلَيْهِمْ} : على المنافقين، أو الكافرين، والمرائين.
{لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : لو: مصدرية، ومعناها: وأي ضرر، أو أذى يلحقهم لو آمنوا بالله؛ أيْ: صدقوا بالله، ورسوله حقيقة، وأخلصوا إيمانهم، وأنفقوا مما (من + ما) من بعض ما رزقهم الله، أو من (اسم موصول)؛ أيْ: من الذي رزقهم الله تعالى، فالله يصفهم بالجهل، والغفلة بما ينفعهم.
{وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} : بنياتهم، سواء كانت صالحة، أو فاسدة.
{عَلِيمًا} : بما يقولون، ويفعلون، وهذا تهديد لهم، إذا استمروا على ما هم عليه. ارجع إلى الآية (35) من نفس السورة؛ كمزيد من البيان.
سورة النساء [4: 40]
{إِنَّ اللَّهَ} : إن: للتوكيد.
{لَا} : النافية، نافية للجنس، وتنفي كل الأزمنة؛ أيْ: ما كان ظالماً في الماضي، والحاضر، أو المستقبل.
{لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} : الذرة: هي أصغر جزء من العنصر الكيميائي، وهي مركبة من الإلكترون، والبروتون، والنيوترون، والنيوترونات: تتكون بدورها من الكواركات التي تعد أصغر جزء من الذرة، فهناك ما هو أصغر من الذرة:(وهي الإلكترونات، والبروتونات، والنترونات).
وهناك ما هو أصغر من الذرة: وهي الكواركات (جمع الكوارك).
فالله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة (وهي أصغر جزء متعارف عليه).
والله سبحانه ذكر الذرة، وذكر ما هو أصغر من الذرة في سورة سبأ، آية (22) قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ} [سبأ: 22]. وقال: {وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ} [سبأ: 3].
وقد وردت كلمة ذرة في ست آيات في القرآن.
{وَإِنْ} : شرطية. {تَكُ} : أصلها تكون (أي: وإن تكون الحسنة بمقدار ذرة، وحذفت الواو من تكون)؛ لالتقاء الساكنين، فأصبحت (تكن)، ثم حذفت النون؛ للتخفيف، فأصبحت تك. وتك: إذن كلمة أصغر من تكن. وجاء بكلمة تك؛ لتناسب حجم الذرة التي هي أصغر جزء من المادة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (201)؛ لبيان معنى الحسنة.
{وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} : لم يُبيِّن الكم المضاعف، ولكن بيَّن ذلك في آيات أخرى، فقال في سورة الأنعام، آية (160):{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} : أو أكثر من ذلك قد تصل إلى (700) ضعف، أو أكثر؛ كقوله:{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} [البقرة: 261].
وانتبه إلى قوله: {يُضَاعِفْهَا} ؛ أيْ: أضعافاً كثيرة، ولم يقل: يضعفها بالتشديد؛ لكانت تعني: ضعفين.
{وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} : أيْ: ثواباً عظيماً من فضله، وإحسانه.
{مِنْ لَّدُنْهُ} : من عنده، وتقديم من لدنه يدل على الحصر، ومن لدنه، ولم يقل: من عنده. من عنده: تدل على شيء عام، ومن لدنه تدل على إيتاء شيء خاص لنبي، أو عبد صالح، أو مُقرب إلى الله. والأجر يعطى مقابل، أو جزاء العمل.
وهناك ما هو أعظم من الأجر العظيم هو الفضل العظيم.
سورة النساء [4: 41]
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} :
{فَكَيْفَ} : الفاء: استئنافية، كيف: اسم استفهام تحمل معنى التعجب والحال، وتقديره فكيف تكون حالهم (حال الكافرين والعصاة) في يوم الحساب.
إذا: ظرف للزمن المستقبل، وتحمل معنى الحتمية، والكثرة لحدوث ذلك الأمر؛ أي: المجيء من كل أمة بشهيد.
{جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} : أيْ: برسولها الذي بلغ ما أرسل به؛ ليشهد على أمته أنه بلغهم الرسالة.
{مِنْ} : تعني الشمولية، أو الاستغراق؛ كل الأمم.
{وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} : وجئنا بك يا محمد على هؤلاء على أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهيداً، على أقوالهم، وأفعالهم، شهادة حضور، ولم يقل: شاهداً، وإنما شهيد؛ صيغة مبالغة، وأبلغ من الشاهد.
انتبه إلى تقديم {هَؤُلَاءِ} على {شَهِيدًا} ، بينما في سورة النحل، آية (89) قال سبحانه فيها:{وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ} .
والسبب في تقديم {هَؤُلَاءِ} في آية النساء؛ ليدل على مدى كفر هؤلاء وإجرامهم، بينما في سورة النحل، آية (89) قدَّم {شَهِيدًا} على {هَؤُلَاءِ}: لبيان عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانته، وشفاعته يوم القيامة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (133)؛ لبيان معنى الشهيد.
سورة النساء [4: 42]
{يَوْمَئِذٍ} : يومئذٍ: أصلها: يوم + إذ: ظرف أضيف إلى ظرف، إذ: هنا للاستقبال؛ إشارة إلى يوم القيامة يوم الحساب يوم يؤتى من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، في ذلك اليوم يودُّ (يتمنَّى) الذين كفروا، وعصوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (6)؛ لمعرفة معنى الكفر.
{لَوْ} : حرف مصدري؛ للتمني، أو حرف امتناع لامتناع، وجوابه محذوف؛ أيْ: تصوره كما تشاء.
{تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} : تسوى أصلها تتسوى بهم الأرض، أدغمت التاء في السين؛ لقرب مخارجهما؛ أيْ: ودوا لو كانوا هم والأرض سواء؛ أيْ: ودوا لو جعلوا تراباً؛ فهم لا يتمنون الموت، بل أشد من ذلك تسوى بهم الأرض مما يدل على شعورهم النفسي باليأس والحزن والخزي.
وهذا ما أشارت إليه الآية (40) من سورة النبأ.
{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِى كُنْتُ تُرَابًا} .
{وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} .
الواو: عاطفة، {وَلَا}: النافية. {يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} : يكتمون من الكتمان: وهو السكوت عن ذكر شيء كأنه على وشك الخروج من الفم، فيحاول لجمه، وعدم الإخبار به، والكتمان يختصُّ بالمعاني والأسرار، أما الإخفاء فيهتمُّ بالأشياء المادية، فهم لا يستطيعون أن يكتموا، أو يخفوا؛ أيْ: حديث من الله، أو قولاً مما قالوه، أو أخفوه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم يوم القيامة بعد أن يختم على أفواههم، أو يودون أن لا يطلب منهم أن يتفَّوهوا بأي حديث، ويبقوا صامتين على الإطلاق.
{حَدِيثًا} : نكرة؛ تعني: أيَّ حديثٍ، أو قول مهما كان نوعه وزمنه: تشمل كل أنواع الحديث.
سورة النساء [4: 43]
نداء جديد من الله سبحانه إلى الذين آمنوا بعدم الاقتراب من الصلاة، أو المجيء إلى الصلاة، أو الإتيان إلى المساجد، وهم في حالة السكر، سكارى: جمع سكران، والسكران مَنْ شرب مسكراً فستر عقله وغطَّاه، ونزلت هذه الآية في مرحلة من مراحل التدرج في تحريم الخمر. ارجع إلى سورة المائدة، آية (91)؛ للبيان.
{لَا} : الناهية.
{تَقْرَبُوا} : أيْ: لا تأتوا الصلاة، وأنتم سكارى، عبر عن الصلاة كأنها مكان يقصد إليه، ولم يقل لا تصلوا للإشارة إلى الابتعاد عن المسجد ناهيكم عن عدم جواز صلاتكم، أو لا تدخلوا في الصلاة.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية، تعلموا ما تقولون، فلا تخطئوا في الترتيل.
{مَا} : إما اسم موصول؛ أيْ: حتى تعلموا الذي تقولون. أو: مصدرية؛ أيْ: تعلموا ما قلتم.
{وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ} :
{وَلَا} : الواو: عاطفة. لا: الناهية.
{جُنُبًا} : معطوفة على جملة حتى تعلموا؛ أيْ: لا تصلوا، وأنتم جنب، أو لا تأتوا إلى الصلاة، وأنتم جنب، وكلمة جُنب لا تُثنى، ولا تؤنث، ولا تجمع؛ فيقال: هو جنب، وهي جُنب، وهم جنب، وهنَّ جنب.
والجنب: من به جنابة، وللجنابة سببان: الجماع، أو الاحتلام.
{إِلَّا} : أداة استثناء، أو حصر {عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}: ولا تقربوا الصلاة، أو مكان الصلاة، وهو المسجد، أو المساجد، وأنتم جنب.
إلا عابري سبيل؛ أيْ: مجتازين غير قاعدين في المسجد؛ أيْ: غير ماكثين فيه.
{حَتَّى} : حرف غاية (نهاية الغاية).
{تَغْتَسِلُوا} : من الجنابة.
{وَإِنْ كُنْتُمْ} : إن شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
{مَّرْضَى} : غير قادرين على الحركة، أو الوصول إلى الماء، أو لا تستطيعون استعمال الماء بسبب الجروح.
{أَوْ عَلَى سَفَرٍ} : ولم تجدوا الماء لبعده.
{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} : الحدث الأصغر.
{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} : كناية عن الجماع، كما قال ابن عباس، أو قيل: ملامسة فيها شهوة مثل التقبيل، عليكم بالوضوء أو التيمم لعدم وجود الماء.
{فَلَمْ} : الفاء: للتأكيد، لم نافية تنفي المضارع. {تَجِدُوا}: ماءً للغسل، أو الوضوء.
{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} : أيْ: امسحوا وجوهكم وأيديكم بالصعيد (وجه الأرض أيْ: تراب) ارجع إلى كتب الفقه لمعرفة آراء الفقهاء في التيمم. ارجع إلى سورة المائدة، آية (6) لمعرفة الحكمة من التيمم بالتراب، كما ورد في الإعجاز العلمي.
{طَيِّبًا} : طاهراً، فالماء والتراب يجعل المرء صالحاً لاستقبال ربه، والطهارة تصلح بالماء والتراب.
{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} :
{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} : ولم يقل: منه، كما في المائدة، آية (6) وهي قوله تعالى:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} حيث أضاف منه وحذفها في آية النساء؛ لأن آية المائدة آية عامة تشمل الوضوء والتيمم، وتشمل ذوي الأعذار والجنب وغيرهم، أما آية النساء جاءت في سياق ذوي الأعذار فقط، وشاربي الخمر، وجاءت في سياق مرحلة من مراحل تحريم الخمر؛ ارجع إلى المائدة؛ لمزيد من البيان.
{إِنَّ اللَّهَ} : إن للتوكيد.
{كَانَ} : تشمل كل الأزمنة، الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أيْ: بأن الله كان، ولا يزال، وسيظل عفواً غفوراً.
{عَفُوًّا} : يعفو عن الخطائين الذين شربوا الخمر قبل العلم بهذا الحكم، وعن الذين خالفوا إذا تابوا إليه، وأنابوا إليه بعد التبليغ.
{غَفُورًا} : ويغفر ذنوبهم غفوراً (صيغة مبالغة) يغفر لهم ذنوبهم مهما كثرت، أو عظمت. ارجع إلى سورة المائدة؛ آية (91)؛ لبيان كيف تدرج، تحريم الخمر على أربع مراحل.
سورة النساء [4: 44]
{أَلَمْ تَرَ} : الهمزة همزة استفهام، وإنكار، وتعجب، ألم تر: الرؤية هنا رؤية قلبية؛ أيْ: ألم ينته علمك إليهم، أو يصل خبرهم، أو قصتهم، أو العلم بهم، أو ألم تنظر إليهم.
{إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} : الذين أوتوا: من الإيتاء: وهو أعم من العطاء، والإيتاء يشمل الأشياء المادية والمعنوية، ويمكن استرداده، وليس فيه تملك بعكس العطاء الذي فيه تملك؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (251) للبيان المفصل والفرق بين الإيتاء والعطاء.
{نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} : ولم يقل: آتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب التي فيها معنى المدح، أما الذين أوتوا نصيباً من الكتاب تدل على الذم؛ أيْ: حظاً، قسطاً من الكتاب، وهو التوراة، أو علم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو تعني التعجب والتوبيخ على قلة علمهم، أو علمهم المحدود، أو تعني قلة تأثير التوراة في أنفسهم والعمل به.
وهم جماعة من اليهود أعطوا حظاً من القراءة، فعرفوا صحة الدِّين الإسلامي وصدق النبي صلى الله عليه وسلم. ارجع إلى الآية، (32) من نفس السورة لمزيد في معنى نصيباً من الكتاب.
{يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ} : يشترون الضلالة بالهدى: وهي البقاء على اليهودية بعد وضوح الحُجَّة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ـ أو تعني: جحدوا بصفات محمد صلى الله عليه وسلم، ونعوته في التوراة؛ للإبقاء على مركزهم بين قومهم ورياستهم.
ـ أو أعطوا رشاوى، وأموالاً كي يكذبوا بمحمد، وما جاءت به كتبهم بالإيمان به.
ـ كذبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهوره بإيمانهم به قبل ظهوره:
{وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} : يريدون منكم أن تكفروا بما أنزل إليكم، {أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ}: أي: الصراط المستقيم، وهو الإسلام.
والضلال: يعني: الابتعاد، وعدم الاهتداء، كما ضلوا عنه أنفسهم، فآمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، وحرفوا كتابهم، واشتروا به ثمناً قليلاً. ارجع إلى سورة البقرة، آية (198)؛ لمزيد من البيان.
{أَنْ تَضِلُّوا} : أن: حرف مصدري يفيد التوكيد.
وقوله: {يَشْتَرُونَ} : أو يريدون أفعال جاءت بصيغة المضارع، ولم يقل: اشتروا، أو أرادوا، وانتهى الأمر، بل جاء بصيغة المضارع؛ للدلالة على التكرار، والتجدد، والاستمرار في أفعالهم هذه التي هي ناجمة عن حسدهم لكم من بعد ما تبيَّن لهم الحق، أو تدل على بشاعة أفعالهم؛ كأنها تحدث الآن (بصيغة المضارع)، وهذا ما يسمَّى حكاية الحال.
سورة النساء [4: 45]
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} :
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} : أي: الله أعلم منكم بأعدائكم، فهو العليم الخبير عالم الغيب، وها هو يخبركم بعداوة هؤلاء لكم، ويطلعكم على أحوالهم؛ فاحذروهم، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ}: ولم يقل: عدوكم؛ لأن الأعداء عدة أعداء، وليس عدواً واحداً، أو لأن أسباب عداوتهم لكم أسباب عدة، ومختلفة، فلو كان عدوكم واحداً، أو أسباب العداء واحدة لقال: عدوكم، بدلاً من أعدائكم.
{وَكَفَى} : أيْ: يكفيك وحسبك.
{بِاللَّهِ} : الباء: للإلصاق، والتوكيد.
{وَلِيًّا} : الولي هو الذي يليك من الأقارب، ويرعاك ويُعينك، ويُكِنُّ لك المحبة، والمودة.
{نَصِيرًا} : النصير هو القادر على نصرتك بقوته وعدته.
وتكرار: {وَكَفَى} : مرتين: للتوكيد، وللتفريق بين الولاية والنصرة؛ فقد يكون هناك من يواليك، وليس له القدرة على نصرتك، أو بالعكس ينصرك، ولا يواليك، ولذلك فرق بين الأمرين، أو كليهما معاً.
سورة النساء [4: 46]
هذه الآية: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} : إما متصلة بقوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} : من الذين هادوا، وإما ابتدائية من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه:
{مِنَ} : وليس كل الذين هادوا، ومن: للعاقل، وقد تكون للمفرد، والجمع.
{الَّذِينَ هَادُوا} : ارجع إلى الآية (62) من سورة البقرة.
{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} : الكلم: هو كلام الله تعالى للذكور فقط في التوراة. جمع: كلمة، وهو جمع كثرة مقارنة بكلمات الله كما في الآية (109) من سورة الكهف:{قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} ، وكلمات: جمع قلة، والعلم: جمع كثرة، فالبحر ينفد، وكلمات الله لا تنفد، فما بالك بالكلم؟!
{يُحَرِّفُونَ} : التحريف: الميل بالكلام عن معناه الحقيقي إلى معناه الباطل للتضليل، أو يبدلونه بكلام آخر، أو يضعون هذا مكان هذا، أو يعدلون عن النطق به والعمل به؛ بحمل الألفاظ على غير ما وصفت له مثل حطة؛ حنطة من أجل السخرية والاستهزاء، ولا بد من مقارنة هذه الآية مع الآية (41) في سورة المائدة وهي قوله تعالى:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} نجد التحريف الأول كان بعد موت موسى قام به اليهود الأوائل (يحرفون الكلم عن مواضعه)، وحدث تحريف ثانٍ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم حين علموا به كرسول فقال تعالى:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} من: تدل على القرب؛ أي: حرفوه مباشرة بعد سماعهم برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (بعد): تدل على الزمن بين التحريف الأول، والتحريف الثاني.
{عَنْ} : تفيد المجاوزة.
{وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} : يقولون بأفواههم وألسنتهم سمعنا، أو قولاً مسموعاً، سماع الأذان، وعصينا، وفي أنفسهم نية العصيان، أو يضمرون العصيان.
{وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} : اسمع لا سمعت، أو لا أسمعك الله.
{وَرَاعِنَا} : وهي كلمة ظاهرها المراعاة، وباطنها الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ اليهود يعدونها من الرعونة، يقولونها لرسول الله سباً وشتماً، والرعونة تعني: الشر، والطيش، والحمق، وأصلها: أرقبنا وانتظرنا.
{لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدِّينِ} : لياً: فتلاً، وتحريفاً؛ كأن يقول: السأم عليكم بدلاً من السلام عليكم، وطعناً في الدِّين: ذمّاً بالإسلام، وتعني: الشتم.
{وَلَوْ} : حرف امتناع لامتناع.
{أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} : قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك. واسمع: ما نقول.
{وَانظُرْنَا} : بدلاً من قولهم راعنا، أو تمهل علينا حتى نفهم ما تقول، أو انتظرنا.
{لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ} : لكان أكثر أدباً وأصوب، لكان خيراً لهم مما قالوه، وأقوم، وأعدل.
{وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} :
{وَلَكِنْ} : حرف استدراك.
واللعن: هو الطرد، والإبعاد عن رحمة الله تعالى؛ بسبب كفرهم. الباء: باء السببية، أو البدلية.
{فَلَا} : الفاء: للتوكيد. لا: النافية.
{يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} : أيْ: لا يؤمن منهم إلا القليل؛ أي: العدد القليل، أو أكثرهم يؤمنون الإيمان الناقص.
سورة النساء [4: 47]
{يَاأَيُّهَا} : نداء استعمل فيها يا النداء؛ للبعد. والهاء: للتنبيه.
{أُوتُوا الْكِتَابَ} : المقصود بهم اليهود هنا، وأوتوا الكتاب عادة هم اليهود والنصارى، وناداهم بالذين أوتوا الكتاب للترغيب أو إثارة اهتمامهم أو همهم، ولم ينادهم بأهل الكتاب؛ لأن النداء بأهل الكتاب فيه تكريم أكثر من الذين أوتوا الكتاب، فهم لا يستحقون النداء بأهل الكتاب، وفيه تهديد وذم أيضاً لقوله تعالى:{مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} .
{آمِنُوا} : أيْ: صدقوا.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق. ما: اسم موصول؛ تعني: الذي.
{نَزَّلْنَا} : وهو القرآن، نزلنا: تعني: منجماً على دفعات على زمن (23) عاماً، ولم يقل: أنزلنا؛ التي تعني: جملة واحدة؛ أيْ: دفعة واحدة.
{مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} : أي: القرآن مصدقاً للتوراة الذي أنزل عليكم، أو للتوراة والإنجيل.
{مُصَدِّقًا} : أيْ: موافقاً ومطابقاً. {قَبْلِ أَنْ نَّطْمِسَ وُجُوهًا} : الطمس قد يعني: المحو التام، أو التحويل والتشويه.
{فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} : لها معانٍ عدة؛ منها: نزيل العين والأنف، وحجاب العين، وهذا مسخ للوجه، أو نذهب الحدقة العينية، أو نغلق الأفواه، أو نجعل الوجه في الخلف بدلاً من الأمام، أو نطمس عليها ونردها؛ تعني: نصرفها عن الهدى بعدما تبيَّن لها؛ أيْ: نردها على أدبارها في الضلال، كما كانت سابقاً. ارجع إلى سورة ياسين آية (66)؛ لمزيد من البيان.
{فَنَرُدَّهَا} : الفاء: في فنردها تفيد التعقيب والمباشرة؛ أيْ: بعد الطمس نقوم بالرد على الأدبار.
{أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} :
{أَوْ} : للتخيير، {نَلْعَنَهُمْ}: من اللعن، واللعن لغة: هو الطرد والإبعاد، ورجل لعين: منبوذ مطرود من قومه، واللعن قد يعني: الإهلاك، أو المسخ، ويعني: عامة الطرد، والإبعاد عن رحمة الله تعالى، أو نمسخهم قردة وخنازير، أو نهلكم كما فعلنا بأصحاب السبت. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (163-166)؛ لمزيد من البيان في أصحاب السبت.
{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} : نافذ لا محالة، ولا راد لحكمه. انظر كيف تغيرت صيغة الكلام من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب حين قال تعالى:{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} بدلاً: وكان أمرنا مفعولاً؛ التغيير يحدث لإثارة التفات السامع، ويدل على الوحدانية بعد ذكر الآيات السابقة التي تدل على الجمع والتعظيم.
والله سبحانه يملك الزمن، والقدرة على الفعل والفاعل، وكل مقومات الحدث بكلمة: كن فيكون.
سورة النساء [4: 48]
سبب النزول: قيل: لما نزلت هذه الآية: {قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والشرك بالله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد الرجل سؤاله مرتين، أو ثلاثة، فنزلت هذه الآية، كما أخرج ابن المنذر.
{إِنَّ اللَّهَ} : إن: تفيد التوكيد بأن الله لا يغفر الشرك.
{لَا} : النافية؛ تنفي كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، وأوسع في النفي من (لن). لا: تفيد الإطلاق والعموم في النفي.
{يَغْفِرُ} : المغفرة: هو ستر الذنب؛ أيْ: محوه.
{أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} : أن: حرف مصدري. الشرك: هو الشرك في الألوهية: يشركون معه غيره في العبادة، أو الربوبية، يشركون بأنه هو النافع الضار، والمعطي المانع، وأنه هو الخالق وحده، أو الصفات والأسماء بالتشبيه والتعطيل، والتحريف والتكييف؛ أيْ: لا يغفر لمن أشرك وكفر ومات على كفره وشركه، ولم يتب منه، وأما من مات وهو غير كافر، أو مشرك فأمره إلى الله؛ إما يغفر له، وإما أن يعذبه.
{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} : أيْ: ما دون الشرك، والكفر من سائر الذنوب.
{ذَلِكَ} : تشير إلى الشرك، والكفر.
{لِمَنْ يَشَاءُ} : اللام: لام الاختصاص.
{وَمَنْ} : استغراقية: يشاء من عباده.
{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} :
{وَمَنْ} : الواو: عاطفة. من: شرطية.
{يُشْرِكْ بِاللَّهِ} : في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته.
{بِاللَّهِ} : الباء: للإلصاق: الأوثان، والأصنام، والجبت، والطاغوت، وعيسى وعزير.
{فَقَدِ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط. قد: للتحقيق، والتوكيد.
{افْتَرَى} : الافتراء: هو اختلاق الكذب المتعمد، وللكذاب أنواع؛ منها: الافتراء، والإفك، والبهتان، والظن، والخرص
…
{إِثْمًا عَظِيمًا} : ذنباً عظيماً قبيحاً يُعد من الكبائر (والإثم قد يعني الصغائر والكبائر).
لنقارن هذه الآية (48): {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ، مع الآية (116) في سورة النساء:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} :
الآية (48): جاءت في سياق الذين أوتوا الكتاب، الذين أشركوا بالله، وحرفوا الكتاب، وافتروا على الله الكذب، فهؤلاء عندهم علم، ورفضوا اتباع الحق، فقد افتروا إثماً عظيماً.
بينما الآية (116): جاءت في سياق كفار قريش الغافلين الضالين، فهؤلاء ضلوا ضلالاً بعيداً عن اتباع الحق.
فهؤلاء إثمهم أقل من الذين افتروا إثماً عظيماً.
سورة النساء [4: 49]
{أَلَمْ} : الهمزة: استفهام إنكاري وتعجب، سؤال فيه إعلام.
{أَلَمْ تَرَ} : رؤية قلبية؛ تعني: ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم، أو ألم تنظر إلى حال هؤلاء الذين يزكون أنفسهم.
{إِلَى الَّذِينَ} : قيل: رجال من اليهود. وقيل: اليهود، والنصارى الذين قالوا:{نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18].
أو الذين قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]، أو: تعود على كل من يزكي نفسه؛ فيدخل في زمرة هؤلاء.
{يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} : من التزكية، وهي تبرئة النفس من الذنوب، والآثام، والعيوب، وادعاء الفضيلة، والصلاح، والطهارة من المعاصي.
{بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَنْ يَشَاءُ} : بل إضراب إبطالي، إضراب عن تزكيتهم أنفسهم بأنه باطل.
{اللَّهُ يُزَكِّى مَنْ يَشَاءُ} : الله سبحانه وحده من يُطهر ويبرئ من الذنوب تزكية ناشئة عن علم ودراية، ومن الحمق أن يزكي الإنسان نفسه، فقد قال تعالى:{فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32].
{وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} : الفتيل: هنا يقصد به الخيط في شق نواة التمرة.
وأما النقرة: فهي في ظهر النواة. وأما القطمير: فهي القشرة تلف النواة. إذن {وَلَا} : الواو: عاطفة. لا: النافية.
{يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} : ولن ينقص من أجورهم مقدار الفتيل (الخيط في شق نواة الثمرة)؛ أيْ: أقل القليل.
سورة النساء [4: 50]
{انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} :
{انظُرْ} : يا محمد صلى الله عليه وسلم، وكل خطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو خطاب لأمته. انظر كيف، ولم يقل: اسمع؛ جعل الله سبحانه الافتراء والكذب الذي تسمعه الأذن كأنه أمر مرئي يراه الناس بأعينهم؛ للدلالة والتوكيد على ما سمعتهم أذانهم من الكذب والافتراء.
{كَيْفَ} : استفهام للتعجب، والاستنكار.
{يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} : الافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق الذي لا أصل له.
{الْكَذِبَ} : جاء معرف بأل التعريف، وهو قولهم:{نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18].
أو: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111].
أو: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [آل عمران: 24].
أو: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّنَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75].
{وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} : وكفى بالكذب والافتراء والتزكية إثماً، ذنباً ظاهراً من بين سائر آثامهم، مبيناً: أيْ: إثماً ظاهراً لكل إنسان، وإثماً: مظهر لنفسه لا يحتاج إلى أحد ليظهره.
سورة النساء [4: 51]
{أَلَمْ تَرَ} : ارجع إلى الآية (49)؛ للبيان لمعرفة ألم تر.
{الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} : اليهود والنصارى الذي أعطوا نصيباً من الكتاب (وصف فيه معنى الذم)؛ أي: الذين لم يأخذوا بكل الكتاب (التوراة، أو الإنجيل)؛ لأنهم نسوا حظاً مما ذكروا به، أو حرفوه، أو كتموه. والنصيب يعني: قسماً مُعيَّناً قد يكون في الخير أو الشر.
أو: لم يؤمنوا بكل الكتاب (نؤمن ببعض ونكفر ببعض).
أو: ليس عندهم العلم الكامل بالتوراة، والإنجيل.
{يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ} : الجبت: الأصنام. وقيل: السحر.
{وَالطَّاغُوتِ} : ارجع إلى سورة البقرة، آية (256) للبيان المفصل في معنى الطاغوت.
{وَيَقُولُونَ} : أيْ: أحبار اليهود ورؤساؤهم الذين كفروا من مشركي قريش أمثال أبي سفيان وأصحابه؛ أيْ: يقول اليهود للذين كفروا (من قريش) هؤلاء: أبو سفيان وأصحابه أهدى من الذين آمنوا (أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
{سَبِيلًا} : أرشد، وأهدى في الدِّين من المسلمين. سبيلاً: السبيل: الطريق المستقيم الواسع الموصل إلى الغاية.
سورة النساء [4: 52]
{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد. وتشير إلى كل من اليهود {الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} ، ومشركي مكة، والكفار عامة.
{الَّذِينَ} : اسم موصول يفيد الذم.
{لَعَنَهُمُ اللَّهُ} : أيْ: طردهم وأبعدهم من رحمته، ومنعهم من الخير، وتعني الهلاك أيضاً. ارجع إلى الآية (47) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
{وَمَنْ} : الواو: عاطفة؛ من: شرطية للعاقل، وقد تعني: المفرد والمثنى والجمع.
{يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ} : الفاء: للتوكيد (جواب الشرط). لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد؛ أيْ: لن تجد له نصيراً في المستقبل القريب، أو البعيد؛ أيْ: في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة البقرة الآيات (159-162) لمقارنة آيات اللعن وأنواعه.
{تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} : من ينصره من عذاب الله، أو يمنع عنه العذاب، فقد جاء هؤلاء الذين لعنهم الله (اليهود) ليتآمروا مع قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سورة النساء [4: 53]
{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} :
{أَمْ} : أم: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام، والإنكار، والنفي، والإنكار: أيْ: رغم أن لهم نصيب من الملك، ورغم كونهم أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة، ومع ذلك لا يؤتون الناس نقيراً؛ أيْ: بخلاء، فهم لا ينتفعون بملكهم، ومالهم؛ لكونهم لا يتصدقون، أو يزكون أموالهم.
{لَهُمْ} : اللام: للاختصاص، أو الاستحقاق.
إذن: حرف جواب، ولو كان لهم الملك لا يؤتون؛ أيْ: لا يعطون أحداً مقدار النقير؛ لفرط بخلهم، وشحهم. انظر إلى الآية (49) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى النقير.
سورة النساء [4: 54]
{أَمْ} : للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري، والتعجب.
وقيل: {أَمْ} : تعني: بل؛ أيْ: بل يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
{يَحْسُدُونَ النَّاسَ} : من الحسد: هو تمني زوال النعمة عن أحدٍ ما، والحصول عليها.
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} : أي: النبي صلى الله عليه وسلم، {عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}: مثل النبوَّة، والعلم، والكرامة في الدِّين والدنيا.
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، والتوكيد.
{آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ} : التوراة، والإنجيل، والزبور، كل هذه الكتب كانت لآل إبراهيم.
{وَالْحِكْمَةَ} : أي: النبوَّة، أو الفقه في الأحكام، والدِّين.
{وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} : مثل ملك سليمان، وداود، ويوسف.
فلماذا الحسد؟ أو هم يظنون أن فضل الله سبحانه ورحمته يجب أن يكون مقصوراً عليهم فقط؟
سورة النساء [4: 55]
{فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} :
{فَمِنْهُم} : الفاء عاطفة. منهم: قد تعود لليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو لآل إبراهيم.
{مَّنْ آمَنَ بِهِ} : تعود إلى إبراهيم، أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو كليهما، أو: به تعود إلى الكتاب، أو الكل معاً.
{وَمِنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ} : صد عنه: تركه وابتعد عنه، أو صرف غيره عنه، أو منعه، وتعني: كفر به، وأعرض عنه (عن النبي، أو إبراهيم، أو الكتاب)، أو الكل، وقدم الإيمان على الكفر (الصد)؛ لأن السياق في إبراهيم عليه السلام ومن آمن به.
الصد: هو المنع مع القصد، والنية؛ أي: الإعراض الشديد بقصد وتعمد.
{وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} :
{وَكَفَى} : أيْ: يكفي، وحسبهم جهنم.
{بِجَهَنَّمَ} : الباء للإلصاق والتوكيد. ارجع إلى سورة الرعد آية (18) للبيان المفصل.
{سَعِيرًا} : نار مستعرة مشتعلة.
سورة النساء [4: 56]
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا} : جحدوا، ولم يؤمنوا بآياتنا (الآيات تشمل الآيات القرآنية، أو ما جاء في الكتب المنزلة)، وكذلك الآيات الكونية، والمعجزات. وقوله سبحانه:{بِآيَاتِنَا} : تدل على شرف هذه الآيات؛ حيث أضافها إليه سبحانه.
{سَوْفَ} : للاستقبال البعيد؛ (أيْ: فيها تراخٍ زمني)، وفيها معنى التوكيد.
{نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} : نصليهم: ندخلهم ناراً، ونحرقهم بها؛ مما يؤدي إلى حرق جلودهم؛ كلما: بدلاً من إذا؛ لأن كلما: تدل على التكرار والتجدد، وإذا: تدل على الحتمية بدون التكرار. تحرق جلودهم حتى تصل إلى الدرجة الثالثة؛ أي: تصبح متفحمة نبدلها بجلود جديدة حية فيها الأعصاب التي تؤدي إلى الشعور بالألم.
ولقد تبيَّن من الأبحاث العلمية: أن الألم الناتج عن الحروق هو نتيجة إصابة نهايات الأعصاب التي تحمل الإحساس بالألم، والتي تمتد إلى طبقات الجلد السطحية، وأن الحروق التي تمتد إلى الطبقات العميقة من الجلد لا تسبب أيَّ ألمٍ؛ لأنها لا تحتوي على نهايات الأعصاب، فالحروق من الدرجة الأولى، والثانية تسبب آلاماً شديدة لا تطاق، أما الحروق من الدرجة الثالثة فلا تسبب آلاماً؛ لأن الحرق أمات، أو قضى على النهايات العصبية كاملاً.
وفي هذه الآية شرح لآلية الألم الناتج عن الحروق التي سيعاني منها هؤلاء الكفرة في نار جهنم، وما إن تصل الحروق إلى الدرجة الثالثة من الجلد؛ تعني نضجت جلودهم، عندها تبدل هذه الجلود بجلود أخرى جديدة تحتوي على نهايات الأعصاب التي تسبب الآلام.
{لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} : اللام: للتوكيد.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{كَانَ} : تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{عَزِيزًا} : القوي الذي لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع بعزة المنع على عباده لا يضره أحد.
{حَكِيمًا} : الحكيم في تدبير شأنه، وكونه، وخلقه، وشرعه، حكيماً مشتقة من الحكمة، فهو أحكم الحكماء، أو مشتقة من الحكم؛ فهو أحكم الحاكمين.
سورة النساء [4: 57]
في مقابل الذين كفروا بآياتنا هناك الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فهؤلاء: {سَنُدْخِلُهُمْ} : السين: للاستقبال، وتدل على القرب (الحدوث).
{جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : أيْ: تنبع الأنهار من تحتها، أنهار الجنة.
{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} : الخلود: استمرار البقاء من وقت مبتدأ (من بداية) إلى ما لا نهاية له.
{لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} : ولم يقل: أزواج مطهرات؛ أيْ: كل واحدة لها صورتها وطهارتها التي تختلف عن الأخرى.
بل قال: {أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} : أيْ: كلهنَّ سيكنَّ أزواجاً على صورة واحدة من الطهر، مطهرة من البول، والغائط، ودم الحيض وغيره.
{وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} : وندخلهم ظلاً ظليلاً؛ أي: الظل الظليل: الظل الكثيف الذي يقيهم الحر، والبرد، صيغة مبالغة، وتأكيد مثل ليل وأليل.
وفي آية أخرى: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 30].
وفي آية أخرى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35].
{ظِلًّا ظَلِيلًا} : أيْ: ممدود لقوله: وظل ممدود ليس ظلاً واحداً فحسب، بل ظلال؛ لقوله:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: 41].
إذن الظل الظليل: الممدود، والدائم، والعديد المتنوع.
أما ظل النار؛ فقد وصف بأنه ظل ذو ثلاث شعب: {لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات: 30-31].
وفي آية أخرى وصفه: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} [الواقعة: 43-44]. ارجع إلى سورة يس آية (56) لمزيد من البيان في معنى الظل.
سورة النساء [4: 58]
سبب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن أبي طلحة، وكان سادناً للكعبة (خادم للبيت)، فطلب منه مفتاح الكعبة، فدخل البيت فصلى ركعتين، ثم خرج، فقال العباس رضي الله عنه : أعطني المفتاح يا رسول الله؛ لنجمع بين السقاية والسدانة، فأنزل الله سبحانه هذه الآية إلى رسوله، فقرأها، ثم دعا عثمان بن أبي طلحة، وأعطاه المفتاح، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ} : الاسم الدال على ذاته والجامع لجميع صفات الكمال الإلهية، والذي تفرد به سبحانه.
{يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} : يأمركم: لفظ دال على الإلزام والوجوب.
{إِنَّ} : حرف مصدري يفيد التوكيد.
{تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} : من التأدية؛ أيْ: إيصال الشيء إلى صاحبه.
{الْأَمَانَاتِ} : جمع أمانة؛ أي: جميع الأمانات، والأمانة لغةً: هي ما يكون لغيرك عندك من مال، أو متاع، أو حق، أو وديعة إلى أهلها، سواء كانوا مؤمنين، أو كفاراً من أيِّ ملَّةٍ.
{وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} : إذا: ظرفية شرطية تدل على الحكم بالعدل، وتشمل هذه الآية كل الناس مسلمين، أو غير مسلمين، وهذا يدل على عدالة الرب.
{بِالْعَدْلِ} : هو الإنصاف والقسط، وإعطاء كل ذي حق حقه.
{إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{نِعِمَّا} : من نِعْمَ فعل لإنشاء المدح أصلها نِعْمَ مَا أدغمت الميمان، فأصبحت ميماً مشددة، وما هنا قد تكون اسماً موصولاً؛ بمعنى: الذي يعظكم به، وإما أن تكون معرفة تامة بمعنى الشيء؛ أيْ: نِعْمَ الشيء يعظكم به، وإما أن تكون نكرة؛ تقديرها نِعْمَ شيئاً يعظكم به؛ أيْ: أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.
{يَعِظُكُمْ بِهِ} : يعظكم من الوعظ؛ أي: الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب، والوعظ: الكلام الذي تلين له القلوب، والوعظ يحمل معنى التخويف، والترغيب، والتحذير، والنهي. والموعظة حين تسمعها إما أن تقوم بها، أو ترفضها. ارجع إلى الآية (34) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} : إن: للتوكيد.
{كَانَ} : تستغرق الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{سَمِيعًا} : لمن حكم بالعدل، أو بغير العدل، فيحاسبكم ويجازيكم عليه.
{بَصِيرًا} : يبصر إذا أديتم الأمانات إلى أهلها، أم خنتم الأمانة. سميعاً لما تقولون، وبصيراً بما تعملون في الحكم بالعدل، وأداء الأمانات وغيرها.
سورة النساء [4: 59]
بعد أن أمر الله بأداء الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل يأمر الله سبحانه بطاعة الله سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء إلى الذين هم على درب الإيمان بأمر، أو حكم جديد، وهو:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ، والهاء: للتنبيه.
{أَطِيعُوا اللَّهَ} : فيما أمر به، ونهى عنه، وفيما شرع لكم.
{وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} : فيما أمر به ونهى عنه، وما فصل لكم من الأحكام والشرائع؛ فقد قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7].
{وَأُولِى الْأَمْرِ مِنكُمْ} : انتبه إلى قوله سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما حذف كلمة وأطيعوا، وعطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله وطاعة الرسول، فطاعة أولي الأمر ليست مستقلة، أو منفصلة عن طاعة الله، وطاعة الرسول، وما يأمركم به أولي الأمر منكم يجب أن لا يخالف ما أمركم الله ورسوله، أو نهاكم الله ورسوله؛ فإذا كان الأمر كذلك أطيعوا أولي الأمر منكم؛ مثل: القادة، والحكام، والمتولِّين أموركم، وإذا أمروكم بشيء مخالف لله، وللرسول فلا طاعة لهم أبداً؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف، حديث صحيح رواه البخاري. ارجع إلى الآية (32) من سورة آل عمران؛ للمزيد.
{فَإِنْ} : الفاء: استئنافية. إن: شرطية تدل على الاحتمال، أو الندرة.
{تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ} : أيْ: حدث خلاف بينكم في أمر من أمور الدِّين، أو الدنيا؛ فإن تنازعتم بعضكم مع بعض، أو مع ولاة الأمور، والتنازع يكون بين طرفين.
{فِى شَىْءٍ} : في: ظرفية. شيء: نكرة؛ أيِّ شيءٍ سواء أكان حكماً، أم فتوى، أم سؤالاً.
{فَرُدُّوهُ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط. ردوه: ارجعوه إلى الله تعالى ورسوله، وانظروا إلى ما جاء في الكتاب والسنة، وما قاله أولو العلم، والفقهاء، والصحابة، ومصادر التشريع، والفقه، والقياس، وغيرها.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال والقلة.
{كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : أيْ: إن كنتم تصدقون بالله، وبيوم القيامة، ومن يؤمن بالله واليوم الآخر يؤمن كذلك بالملائكة، والنبيين، والكتاب، وهذا وعيد لمن حاد عن طاعة الله ورسوله.
{ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى طاعة الله ورسوله، والرد إليهما عند التنازع.
{خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} : مآلاً وعاقبة، أحسن: على وزن أفعل؛ أيْ: أفضل، والتأويل: ما يؤول إليه الشيء في آخر الأمر، ويقال: آل الأمر إلى كذا؛ أيْ: صار إليه، والتأويل: قد يعني التفسير والبيان.
سورة النساء [4: 60]
{أَلَمْ} : الهمزة استفهام إنكاري، وفيه تعجب.
{أَلَمْ تَرَ} : ألم ينته علمك إلى الذين يزعمون.
{تَرَ} : هنا رؤية قلبية، وليس بصرية، وتعني: ألم تنظر إلى حال هؤلاء الذين يزعمون.
{يَزْعُمُونَ} : من الزعم: وهو القول الأقرب إلى الباطل؛ أي: ادعوا كذباً، والزعم: قد يكون حقاً أحياناً، ولكن كثر استعماله في الباطل، والكذب.
{أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} : أنهم للتوكيد. والباء: للإلصاق. ما: اسم موصول؛ بمعنى الذي. أنزل إليك: أي: القرآن الكريم.
{وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} : التوراة والإنجيل؛ أنزل: تعني جملة واحدة، أما نزل: تعني منجماً أو على دفعات.
{يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} : الطاغوت: كلمة الطاغوت مشتقة من الطغيان، وتستعمل كلمة الطاغوت للمذكر والمؤنث، وللمفرد والجمع، وتطلق كلمة الطاغوت على كل معبود من دون الله وكل متعد، وكل من يصرف عن الحق، وسمي الساحر والكاهن والمارد من الجن طاغوتاً؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (256) لمزيد من البيان، والطاغوت في هذه هو كعب بن الأشرف، سماه الله طاغوتاً؛ لإفراطه في الطغيان، وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسباب النزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت، فأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختصما إليه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده؛ لزمه المنافق، وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمنا أنا وهذا إلى محمد، فقضى عليه، فلم يرضَ بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك، وتعلَّق بي، فجئت إليك معه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويداً حتى أخرج إليكما، فدخل عمر وأخذ السيف فاشتمل عليه، ثم خرج إليهما، وضرب به المنافق حتى برد (مات)، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية.
{وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} : وقد: للتحقيق والتوكيد.
{أَنْ} : حرف مصدري؛ لزيادة التوكيد.
{أُمِرُوا} : في كتبهم السماوية؛ مثل: التوراة، أن يكفروا بكل طاغوت، وبكل من لا يحكم بما أنزل الله، وقد أمروا ذلك أيضاً في القرآن الكريم.
كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، فهم أرادوا أن يذهبوا إلى كعب بن الأشرف، وجاءت الآية لتحذرهم من الذهاب؛ لأنهم لو ذهبوا وتحاكموا عنده لقضى لهم بالباطل؛ مما يؤدِّي إلى انتشار الظلم والفساد.
{وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} : يريد الشيطان أن يغويهم، ويوسوس لهم حتى يضلهم، ويبعدهم عن الحق.
وكان المفروض أن يقول: ويريد الشيطان أن يضلهم إضلالاً بعيداً، ولكن قال ضلالاً بدل إضلالاً؛ لأن مصدر أضل الإضلال، أما الضلال فهو مصدر ضل، فقد جمع بهذا القول الإضلال والضلال في آن واحد، والمعنى: أن الشيطان يريد أن يضلهم، ثم يريد بعد ذلك أن يضلوا بأنفسهم، فهو يبدأ بالإضلال، ثم يريد منهم المشاركة في العملية، وإضلال الغير، ويصبحون أنفسهم شياطين، أو أولياء له، وهم يقومون بعمله، وعندها يصبح لا أمل في عودتهم إلى الهدى، وطريق الحق، أو تصبح العودة غير مرجوَّة.
سورة النساء [4: 61]
{وَإِذَا} : ظرف زماني.
{قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا} : تعالوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول، لهم خاصَّة: تعالوا مأخوذة من العلو؛ أي: ارتفعوا عن الشك والنفاق وعن معتقداتكم الباطلة، وتحكيم الطاغوت، تعالوا نتحاكم لما أنزل الله في القرآن، أو إلى الرسول فيما شرع لكم، أو كليهما.
رأيت المنافقين معرضين عنك يا محمد، ويرغبون عن حكمك.
وهذه الآية تؤيد ما قبلها من لجوئهم إلى التحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{يَصُدُّونَ} : يعرضون إعراضاً متعمَّداً، وقصداً، ويمنعون الناس عن القدوم إليك؛ لتحكم بينهم، ويهربون منك غير راضين بالتحاكم إليك.
سورة النساء [4: 62]
{فَكَيْفَ} : الفاء: عاطفة للتعقيب والسرعة.
{فَكَيْفَ} : للتعجب، فكيف يكون حالهم، وكيف يصنعون.
{إِذَا} : ظرف زماني يدل على حتمية الوقوع وبكثرة.
{أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} : المصيبة: أيُّ أمرٍ طارئ يسبب الضرر لهم، أو عقوبة كفقر، أو وباء، أو صاعقة.
{بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} : بسبب إعراضهم عنك، والذهاب إلى الطاغوت، والتحاكم إلى غيرك، واتهامهم لك بالحكم بالباطل، أو بسبب ذنوبهم.
والباء في بما: باء السببية.
{ثُمَّ} : تدل على التعقيب والتراخي في الزمن، وأخيراً سيأتون إليك، يحلفون بالله؛ لأنهم يعلمون ما يقولونه كذباً، فيريدون أن يؤكدوا قولهم فيحلفون بالله لك.
{إِنْ أَرَدْنَا} : ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك.
{إِلَّا} : إلا حصراً وقصراً.
{إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} : أيْ: ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان، لا الإساءة إليك، والتوفيق بين الخصمين، والصلح بينهم، وليس القصد مخالفة أمرك.
سورة النساء [4: 63]
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد.
{الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} : ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي في قلوبهم من النفاق من الكفر والزيغ والحقد.
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} : لا تقبل اعتذارهم، واهجرهم هجراً جميلاً؛ أيْ: تجنبهم إلى حدٍّ ما، ولكن اترك لهم نافذة تطل عليهم؛ كي تعظهم في المستقبل.
{وَعِظْهُمْ} : في خلوة؛ لأن ذلك له أثر طيب، وذكرهم بالخير؛ لترقَّ قلوبهم، وحذِّرهم وانصحهم في الوقت المناسب، والمكان المناسب. ارجع إلى الآية (34) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
{وَقُلْ لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} : أيْ: لا تفضحهم على مرأى من الناس، بل بشكل سري، والقول البليغ: القول المؤثر في القلوب، فيحركها ويذهب عنها غفلتها.
سورة النساء [4: 64]
{وَمَا} : الواو: استئنافية، وما: نافية.
{أَرْسَلْنَا} : بمعنى الإرسال برسالة، وليس فيه مشقة وشدة، كما في البعث، وهناك فرق بين الإرسال والبعث، البعث: يكون لإحياء منهج ثانٍ كان موجوداً، ولم يعد يُذكر، فالله سبحانه يبعث رسولاً لإحياء من جاء قبله من الرسل، ولا يأتي بشيء جديد، والبعث فيه إثارة وتهييج، وفيه مشقة وصعوبة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (119)؛ لمعرفة الفرق بين الإرسال والبعث.
{مِنْ رَسُولٍ} : من: الاستغراقية، والتقدير: وما أرسلنا رسولاً إلا ليطاع.
{مِنْ} : تستعمل للمفرد والجمع.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{لِيُطَاعَ} : اللام: لام التعليل والتوكيد؛ لأن طاعة الرسول هي طاعة لله، ومعصية الرسول هي معصية لله:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، (ومن يعص الرسول فقد عصى الله)، فالله سبحانه سيهيِّئ لهذا الرسول من يصدِّقه من البشر، ويتبعه، ولا يحدث ذلك إلا بإذن الله، بأمر من الله، والإذن: يبدأ، أو يُعلم بإنزال الوحي.
{وَلَوْ} : الواو: عاطفة. لو: شرطية تحمل معنى التمني.
{أَنَّهُمْ} : للتوكيد، وتشير إلى المتحاكمين الذين سبق ذكرهما، أو تعني: كل من يظلم نفسه، وظلم النفس يأتي من اتباع الهوى، والرغبة في الشهوة العاجلة.
{إِذْ} : ظرف للزمن الماضي بمعنى: حين.
{ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ} : بالخروج عن المنهج الرباني.
1 -
بالتحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 -
أو رفضهم لما قضى الرسول صلى الله عليه وسلم به وترك طاعتك.
3 -
أو اتباع الهوى، وارتكاب المعاصي، أو الفاحشة، والرغبة في تحقيق الشهرة العاجلة، وظلم النفس من أشقى أنواع الظلم.
{جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} :
{جَاءُوكَ} : (المرحلة الأولى) كلمة {جَاءُوكَ} : تحمل معنى المشقة والصعوبة؛ لأنهم يرغمون أنفسهم على المجيء، لم يقل: أتوك؛ لأنها تحمل معنى الارتياح للمجيء.
{فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} : (هذه هي المرحلة الثانية)، الفاء: تدل على السرعة والمباشرة، بأن يقولوا: اللهم اغفر لنا، أو نستغفر الله، والاستغفار يدل على وقوع الذنب ويطلب من الله أن يغفره، ويمحوه، فلا عقاب عليه؛ أيْ: يستغفرون الله عند رسول الله؛ أيْ: أمامه، ثم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم.
{وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} : (هذه هي المرحلة الثالثة)، عندها تقبل توبتهم، والاستغفار يكون قبل التوبة، أو يسبق التوبة.
{لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} : أيْ: لتاب الله عليهم.
{تَوَّابًا} : صيغة مبالغة، كثير التوبة؛ أيْ: يقبل التوبة عن عباده بشكل مستمر ودائم، ومهما كانت ذنوبهم، أو عددها، أو عدد المستغفرين.
{رَحِيمًا} : لا يعذبهم ويعفو عنهم، أو يعجل بهم العذاب.
وهذه الآية تشير لمن عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بال الذين لم يعاصروه، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء للناس جميعاً، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«تُعرَض عليَّ أعمالُكم فإن رأَيْتُ خيراً حمِدْتُ اللهَ عليه، وإن رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم» [الراوي عبد الله بن مسعود، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد: 9/ 27].
إذن: فاستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الآن موجود، ودائم، فما علينا إلا أن نستغفر الله دائماً، وكيف نفسر كلمة جاؤوك لمن جاء من بعد موته صلى الله عليه وسلم؟
هؤلاء يجيئون لسُنَّتك، والعمل بها، فإنها تعادل المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم آنذاك، وما علينا إلا أن نتقبَّل ما جاء به نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، ونتَّبع هداه آنذاك.
سورة النساء [4: 65]
سبب النزول: قيل: نزلت هذه الآية في خصومة الزبير مع رجل من الأنصار في قضية السقي (سقي أرضهما)، فحين اختلفا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ:«اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ» ، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَرَاكَ تُحابِي ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ:«يا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» [الحديث في صحيح البخاري ومسلم].
{فَلَا} : الفاء: استئنافية. لا:
1 -
نافية لكلام سبق تقديره، ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وأنزل من قبلك.
2 -
للتوكيد (تقديره: وربك لا يؤمنون).
3 -
تقدم لا على القسم. ارجع إلى الآية (1) من سورة القيامة.
{وَرَبِّكَ} : الواو: واو القسم، يقسم الحق سبحانه برب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أيْ: يقسم بربوبيته لرسوله، وهذا من أعظم أنواع القسم.
{لَا} : نافية: مطلقة تشمل كل الأزمنة.
{يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} : لا يؤمنون إيماناً كاملاً حقاً، حتى: تعني انتهاء الغاية؛ أيْ: حتى يحققوا ثلاثة أمور، (أو ثلاث صفات) هي:
1 -
{يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (من نزاع، أو خلاف، أو التباس)، وشجر مأخوذة من التداخل، والاختلاط، كما يحدث للشجر من اختلاط، وتداخل.
2 -
{ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} : أيْ: لا يشعرون بأي ضيق، أو شكوى لقضائك؛ أيْ: حكمك؛ أيْ: يرضون الرضا التام، والقبول المطلق من دون إضمار في أنفسهم خلاف ذلك.
{حَرَجًا} : ضيقاً، والحرج: قد يعني الشك والريبة.
{وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} : ويسلموا: من التسليم: وهو الانقياد، والإذعان، والرضا بحكم الله، ورد الأمر إلى الله؛ أي: من دون معارضة، أو لا مخالفة في باطنهم، وظاهرهم.
{تَسْلِيمًا} : توكيد للتسليم.
وهذا الحكم ليس مخصوصاً بخصوص السبب، فالحكم باق إلى يوم القيامة.
سورة النساء [4: 66]
{وَلَوْ} : الواو: عاطفة. لو: حرف امتناع لامتناع؛ إذ امتنع القتل لامتناع الكتب.
{كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} : فرضنا عليهم؛ أيْ: على قريش.
{أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} : كما كتبنا على بني إسرائيل.
أن اقتلوا أنفسكم، كما حدث حين قال موسى لقومه:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54].
أن: تفيد التوكيد.
{أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} : كما فعلنا بقوم موسى يوم أخرجوا، وذهبوا إلى التيه؛ فكانت محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.
كان هذان الحكمان قد سبقا في قوم موسى، فجاء الحق سبحانه بهما هنا؛ ليُذَكِّر قريش أنه سبحانه لو فرض عليهم كما فرض على بني إسرائيل القتل، أو الإخراج من الديار، (وهما من أصعب، أو أشق التكاليف الربانية، والتي تسمى إصراً).
{مَا فَعَلُوهُ} : ما: نافية للاستقبال (في المستقبل).
{إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} : إلا: أداة استثناء وحصر، لو كتبنا عليهم ذلك لم يفعله إلا قلة منهم، وهذا من لطف الله بهم، لم نكلفهم بذلك.
فالإسلام لم يأتِ بمثل هذه الشرائع الثقيلة التي حدثت زمن موسى، كما تبيِّن هذه الآية:{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286].
{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} :
{وَلَوْ} : الواو: عاطفة. لو: شرطية.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} : من الأوامر، والنواهي، أو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد إلى حكمه؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، وهي تكاليف لا تضاهي تكاليف بني إسرائيل.
{لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} : في دنياهم وآخرتهم.
{وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} : أشد تثبيتاً للإنسان في قلوبهم وتصديقاً.
سورة النساء [4: 67]
{وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} :
{وَإِذًا} : حرف جواب.
الأجر العظيم: هو الجنة للذين استشهدوا، والذين آمنوا وعملوا الصالحات واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليهم من ربهم.
سورة النساء [4: 68]
{وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} :
{وَلَهَدَيْنَاهُمْ} : الواو: عاطفة. لهديناهم: اللام: للتأكيد، والاستحقاق.
{صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} : هو الإسلام الموصل إلى الغاية العظمى.
{وَلَهَدَيْنَاهُمْ} : انتبه! هم هنا؛ تعني: الذين لم يقتلوا، وإنما الذين أخرجوا من ديارهم؛ لأنهم ما زالوا على قيد الحياة، فأما الذين استشهدوا؛ فقد آتيناهم أجراً عظيماً.
سورة النساء [4: 69]
سبب النزول: روى ابن عباس، وذكره الواحدي في أسباب النزول، نزلت هذه الآية عندما سأل بعض الصحابة الذي يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً شديداً؛ ومنهم: ثوبان كيف سيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة؟ فنزلت هذه الآية، والتي هي: بشرى لكل مؤمن يحب الله ورسوله.
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: شرطية.
{يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} : فطاعة الرسول من طاعة الله، وطاعتهما واحدة، والطاعة تعني: العمل بما أمر الله سبحانه به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط تفيد التوكيد.
أولئك: اسم إشارة للبعد تحمل معنى التعظيم والعلو.
{مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم} : من: ابتدائية.
الذين أنعم الله عليهم: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
{النَّبِيِّنَ} : جمع نبي.
{وَالصِّدِّيقِينَ} : جمع صديق أمثال: أبي بكر رضي الله عنه وغيره، وتعني: الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا بكل ما جاء به الوحي، والذين يقولون الصدق والحق رضي الله عنهم.
{وَالشُّهَدَاءِ} : جمع شهيد؛ وهم الذين قتلوا في سبيل الله.
{وَالصَّالِحِينَ} : جمع صالح؛ وهو المؤهل لحمل الخلافة الإيمانية في الأرض، والإصلاح في الأرض. ارجع إلى سورة البقرة، آية (130)؛ لمزيد من البيان.
{وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} : ثناء من الله سبحانه على هؤلاء الأصناف الأربعة، وحسن يعني: الحسن على وجه الدوام، والاستمرار الذي لا ينقطع.
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد تدل على علو مكانتهم وتعظيمهم.
والرفيق: هو المرافق المصاحب لك، خاصَّة في السفر؛ ومأخوذة من الرفق، وهو اليُسر والأنس، فهم رفقاء في الجنة يزور بعضهم بعضاً، وإن اختلفت درجاتهم.
سورة النساء [4: 70]
{ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} :
{ذَلِكَ} : اسم إشارة، واللام للبعد. ذلك: أيْ: يكون المطيع لله، ورسوله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هو من فضل الله وليست حسناته هي السبب، وتفسير ذلك:
الحقيقة الأولى: هم درجات عند ربهم.
والحقيقة الثانية: لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.
ولكن الفضل الإلهي: الحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة تبقى بمثلها.
فالعدل الإلهي: الحسنة بمثلها، والسيئة بمثلها، والفضل الزيادة التي تعطى إليك من الله سبحانه زيادة على حقك أو أجرك.
الحقيقة الثالثة: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، هذا من الكرم الإلهي؛ حين يضاعف الحسنة بـ (70، أو 700) ضعف، أو أكثر ضعفاً.
والعدل الإلهي: أن أعمالنا مهما كانت لا توصلنا إلى الجنة، ولكن الفضل الإلهي هو الذي يوصلنا إلى ذلك، وطاعة المؤمن لله ورسوله لا يقابلها ربنا بالعدل فقط، بل بالفضل والإحسان.
{وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} : فهو يعلم من يستحق أو لا يستحق فضله، وهو أعلم بمن اتقى، عليماً بالمقاصد والنيات، وعليماً: صيغة مبالغة عالم، وعليم يعلم الأمر قبل أن يقع.
سورة النساء [4: 71]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} :
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء جديد للسائرين على درب الإيمان بالحذر من العدو.
{خُذُوا حِذْرَكُمْ} : ولم يقل: احذروا، والحذر: هو اليقظة، والحذر من العدو: هو توقي الضرر، سواء كان المحذور منه؛ أي: الضرر ظناً (مظنوناً)، أم متيقن حدوثه، القول خذوا حذركم: يدل على شدة الحذر وملازمته، وعدم النسيان والغفلة.
{فَانْفِرُوا} : الفاء: للترتيب، والتعقيب بعد الحذر.
والنفر: الفزع؛ أي: الخروج إلى قتال العدو، أو الجهاد بسرعة، وشجاعة، وحماس. والسؤال: لماذا قال: بينكم وبينه مودة، ولم يقل عداوة؟ لأن المخاطب في هذه الآية المؤمنين، وليس المتخلفين عن الجهاد، فلا يصح أو يصلح أن تكون بين المؤمنين عداوة في أي وقت، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله وحده.
{ثُبَاتٍ} : متفرقين واحدها ثُبَةٌ؛ وهي الجماعة؛ أي: اخرجوا جماعة تلو جماعة، أو سَرية بعد سَرية.
{أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} : كل السرايا، أو الجيش كاملاً.
سورة النساء [4: 72]
{وَإِنَّ} : الواو: استئنافية. إن: للتوكيد.
{مِنكُمْ} : أي: من المنافقين، أو المسلمين من هو ضعيف الإيمان، أو منافق، أو لا يقدر على الخروج.
{لَمَنْ} : اللام: لام الاختصاص.
{لَيُبَطِّئَنَّ} : اللام: للتوكيد، يبطئن: من أبطأ؛ أيْ: يتأخر، ويتخاذل، يتثاقل لا يريد الخروج للجهاد في سبيل الله هو نفسه، أو يبطئن غيره، أو كلاهما.
{فَإِنْ} : الفاء: للتفصيل. إن: شرطية تحمل معنى الاحتمال.
{مُّصِيبَةٌ} : من قتل، أو هزيمة، أو جراحات يقول لنفسه، أو يحدث نفسه.
{قَدْ} : للتحقيق، والتوكيد.
{قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ} : بالقعود.
{إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيدًا} : أيْ: حاضراً معهم في تلك الغزوة، وشهيداً: لا يعني موت الشهادة في سبيل الله؛ لأنه لم يخرج في سبيل الله تعالى ليقاتل ونيته صادقة، إنما حاضراً معهم كما قلنا.
سورة النساء [4: 73]
{وَلَئِنْ} : الواو: عاطفة، اللام: للتوكيد. إن: شرطية تفيد الاحتمال.
{أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} : فتح، أو نصر، أو غنيمة.
{لَيَقُولَنَّ} : اللام: لام التوكيد، والنون في يقولَنَّ: لزيادة التوكيد.
يتمنى المنافق إذا انتصر المؤمنون لو كان معهم في القتال، ويأسف لتخلفه عنهم لا لمودة حقيقية؛ أي: حب حقيقي دائم للجهاد، والخروج في سبيل الله، وأنه تخلف هذه المرة، بل لمجرد حرمانه من حظه من الغنيمة.
{فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} : الفوز: هو الخلاص من المكروه، وقيل: المرغوب؛ أي: النجاة من النار، ونيل الجنة.
والفوز: أعم من النجاة (النجاة الخلاص من المكروه فقط).
والفوز في القرآن ثلاثة أنوع، أو درجات:
1 -
الفوز العظيم: وهو أعلى درجات الفوز (الدرجة الأولى).
2 -
الفوز الكبير: وهو درجة أقل من الفوز العظيم (الدرجة الثانية).
3 -
الفوز المبين: الدرجة الثالثة.
وقد ورد الفوز الكبير في آية واحدة (سورة البروج آية: 11)، والفوز المبين في آيتين (سورة الأنعام آية: 16، وسورة الجاثية آية: 130)، وجاء الفوز العظيم في بقية الآيات.
74 -
{فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : الفاء: استئنافية؛ ليقاتل: اللام: لام الأمر والتوكيد؛ يقاتل في سبيل الله (الجهاد أعم وأوسع من القتال)، فالجهاد له أكثر من (13) مرتبة؛ منها واحدة تتعلق بقتال الكفار والمشركين؛ ارجع إلى سورة العنكبوت آية (6) لمزيد في معنى الجهاد.
{الَّذِينَ يَشْرُونَ} : شرى في القرآن تعني: باع، ويشتري تعني: الشراء الحقيقي يدفع الثمن مقابل السلعة.
{الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} : أي: يبيعون الدنيا ليفوزوا بالآخرة، والباء: تدخل على الأهم.
{وَمَنْ يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : من: شرطية، وتشمل المفرد والمثنى والجمع؛ في سبيل الله: أي: مخلصاً لوجه الله، وطلب الآخرة.
{فَيُقْتَلْ} :: أي: يستشهد في سبيل الله.
{أَوْ يَغْلِبْ} : أي: ينتصر على العدو، أو بمعنى التقسيم وليس التسوية.
{فَسَوْفَ} : الفاء: للتأكيد؛ سوف: للاستقبال البعيد، وأما السين: للاستقبال القريب.
{نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} : نؤتيه: من الإيتاء؛ أي: العطاء، والإيتاء: أعم من العطاء؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (251) لمعرفة الفرق بينهما؛ أجراً عظيماً: هو النجاة من النار، والفوز بالجنة؛ ونؤتيه: للتعظيم والوعد الصدق.
سورة النساء [4: 74]
سورة النساء [4: 75]
{وَمَا لَكُمْ} : الواو: عاطفة. ما: اسم استفهام إنكاري ينكر عليهم قعودهم عن الجهاد، ويحثهم عليه؛ لإنقاذ المستضعفين من الرجال، والولدان، والنساء من الكفر.
{لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : لا: النافية لنفي الأعذار على عدم القتال في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله، وإنقاذ المستضعفين.
{مِنَ} : ابتدائية بعضية؛ تعني: بعض الرجال.
{مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ} : الذين يعذَّبون من أجل دِينهم، ويُمنعُون من الهجرة، والحركة.
ولماذا وصفهم بالرجال المستضعفين، وقال: من الرجال؛ أيْ: بعض الرجال، وليس كل الرجال، والرجال مفروض فيهم القوة، ولكن وصفهم بالضعف؛ لأنهم في ظرف خاص (كونهم محاصرين، وقلة، وفقراء، ولا يسمح لهم بالهجرة)، أو الشيوخ.
{الَّذِينَ يَقُولُونَ} : أيْ: يجأرون بالدعاء: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} : أيْ: لكونهم عاجزين عن الهجرة، وفقدوا الناصر والمعين، والذين يقولون من شدة العذاب والحصار: ربنا أخرجنا من هذه القرية (أيْ: مكة).
{الظَّالِمِ أَهْلُهَا} : أي: التي أشرك أهلها وظلموا العباد.
{وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} : اجعل لنا من يتولى أمورنا، ويقدم لنا المساعدة المادية والمعنوية، واجعل لنا من لدنك نصيراً؛ يحمينا وينصرنا على هؤلاء المشركين، وتكرار:{وَاجْعَل لَنَا} : للتوكيد، وفصل الولاية عن النصرة، أو كليهما معاً.
وهذه الآية تشير إلى وجوب تخليص الأسرى من المؤمنين بالقتال، أو الفدية؛ أي: الفداء، والدفاع عنهم ونصرتهم.
سورة النساء [4: 76]
يخبر الله سبحانه المؤمنين: أن يستمروا في القتال في سبيل الله وحده، والله سبحانه سيبقى وليهم وناصراً لهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الطاغوت (الشيطان، أو غيره من الجن والإنس الكفرة الظلمة في الأرض).
والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، ويطلق على كل من دعا إلى غير عبادة الله؛ كالشيطان، أو غيره من الجن والإنس؛ من الكفرة الظلمة المستكبرين في الأرض.
{فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} : تشمل قتال طاغوت الطائفة، والأحزاب، والباطل، أو الإفساد في الأرض، وتدمير البيوت، وترويع الأولاد والنساء. ارجع إلى الآية (257) من سورة البقرة؛ للبيان.
{فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} : أولياء: أتباع، وأعوان، وأنصار الشيطان، أولياء: جمع ولي، والولي: هو الذي يليك أول ما تلجأ إليه عند الفزع؛ للمساعدة، والعون.
{إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد. والكيد: هو إيقاع المكروه، أو المشقة بالغير قهراً، سواء أعلم، أم لم يعلم، والكيد: أقوى وأشد من المكر، وكيد الشيطان: يتم من خلال وساوسه، وتزيينه، وإغوائه.
وكيد الشيطان للمؤمنين مقارنة بكيد الله للكافرين ضعيف، ولا يقارن، والشيطان نفسه يقول يوم القيامة:{وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى} [إبراهيم: 22].
سورة النساء [4: 77]
{أَلَمْ تَرَ} : الهمزة: استفهام تعجبي.
{أَلَمْ تَرَ} : أيْ: ألم تعلم وتنظر في أمر الذين قيل لهم: كفوا أيديكم، وهم جماعة من الصحابة كانوا من مكة، وفي بداية الإسلام، والرؤية هنا: رؤية قلبية، فكرية.
{كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} : أيْ: لا تقاتلوا، وكانوا يودون القتال في سبيل الله، وإعلاء كلمته، ولكنهم كانوا قلة وضعفاء، فأمرهم الله تعالى بعدم القتال، والالتزام بالعبادات.
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} : أدّوا الصلاة بأركانها وخشوعها، والزكاة؛ أي: انشغلوا بإقامة شعائر الدِّين أولاً، وتعلموا دِينكم والتزموا بالسلم، وعدم الحرب.
{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} : الفاء: للتعقيب، والمباشرة، ولما: ظرفية زمانية (أيْ: بعد الهجرة إلى المدينة)، و {كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ}: أيْ: فرض عليهم الجهاد، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.
{إِذَا} : الفجائية.
{فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} : من: هنا ابتدائية (منهم: من المسلمين ضعاف الإيمان، والمنافقين). هذا يدلنا على أنهم كانوا فريقين: فريقاً يريد الجهاد في سبيل الله، وفريق أصابهم لخوف، والخور، والضعف. وقيل: هذا الفريق هو فريق المنافقين، أو ضعاف الإيمان، أو كلاهما.
{يَخْشَوْنَ النَّاسَ} : يخشون الكفار، والمشركين، ويعظمونهم، ويخافونهم (كفار مكة)، والخشية مركبة من ثلاث أمور: الخوف + التعظيم لمن تخشاه + العلم بالذي تخشاه؛ فهو ليس مجهول، أو ظني.
{كَخَشْيَةِ اللَّهِ} : الكاف: للتشبيه، (يخشون الكفار، ويخافونهم كما يخشون الله ويخافونه).
{أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} : أيْ: يخشون الناس أكثر مما يخشون الله، وهذا يدل على شركهم، وضعف إيمانهم.
{وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} :
{وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ} : اللام: حرف جر، وما: الاستفهامية التعجبية.
{كَتَبْتَ} : فرضت علينا القتال، أو ابتليتنا بالقتال.
{لَوْلَا} : للطلب، والتمني.
{أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} : أيْ: زد في مدة الكف عن القتال، وأخِّر القتال عنا الآن.
لماذا طلبوا التمديد؟ لكي يعيشوا فترة أطول، ويستمتعوا بالحياة الدنيا، ويموتوا موت البعير، ولا يلقوا عدواً (خوراً، وخوفاً).
فردَّ الله عليهم بقوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} : قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم: {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} : غير دائم، وزائل، وقيل: مهما كثر مقارنة بنعيم الآخرة.
والمتاع تعريفه: ارجع إلى الآية (197) من سورة آل عمران؛ للبيان.
{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} : الجنة خير. لمن: اللام: لام الاختصاص، والتوكيد. من: بمعنى الذي.
{اتَّقَى} : أطاع الله سبحانه فيما أمر به ونهى عنه، خيرٌ من متاع الدنيا.
{وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} : ولا: النافية، لا بنقص حسنة، ولا زيادة سيئة.
{فَتِيلًا} : الفتيل: هو الخيط في شق نواة التمرة.
هذه الآية تشمل زمنين:
الزمن الأول: الزمن المكي: (بداية الإسلام)؛ حيث أمر الله عز وجل الصحابة بالتزام السلم، وعدم القتال، حيث أراد بعض الصحابة القتال، فجاء الأمر الإلهي بالرفض.
الزمن الثاني: الزمن المدني بعد الهجرة إلى المدينة، وحين حان الزمن للتصدي للمشركين والكفار جاء الأمر الإلهي بالإذن لهم بالجهاد.
سورة النساء [4: 78]
{أَيْنَمَا} : مركبة من أين + ما، وأين: ظرف مكان مبهم، وإضافة ما: لتزيدها إبهاماً، وغموضاً، وشمولاً.
وأينما: أكثر إبهاماً، وغموضاً، وشمولاً من حيثما.
{تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ} : يدرككم الموت: يلحق بكم الموت؛ أيْ: كأن الموت يركض وراءكم ليدرككم، ومتى أدرككم الموت سلبت أرواحكم، وانتهى أجلكم.
{وَلَوْ} : شرطية.
{كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} : البروج: جمع برج، وقيل: هو الحصن، أو القلعة.
{وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ} : ليس برجاً واحداً، بل عدد كبير من البروج، وكل برج داخل برج، حصن داخل حصن.
مشيدة: تم بناؤها بإحكام؛ أيْ: لو كنتم في بروج مشيدة تتوارون عن الموت، فالموت لا بُدَّ أن يخترق كل تلك البروج، ويصل إليكم، ولو كان عن طريق جرثومة، أو فيروس، أو بعوضة، وبسبب أو بلا سبب سيصل إليكم، فلِمَ الخوف من الجهاد في سبيل الله، والموت في سبيله بدلاً من الموت، كما يموت البعير.
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} :
{وَإِنْ} : الواو: استئنافية. إن: شرطية فيها معنى الاحتمال.
{تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} : أيْ: تصيب المنافقين، أو ضعاف الإيمان، أو غيرهم من اليهود.
الحسنة: النعمة، والحسنة؛ أيْ: غنيمة، أو خير، أو خصب، أو رزق.
والحسنة لغوياً: هي كل ما يسر النفس، ويستحسنه الإنسان. وشرعاً: الحسنة هي كل عمل من قول، أو فعل خير يورث ثواباً.
{يَقُولُوا هَذِهِ} : اسم إشارة للقريب، هذه الحسنة من عند الله، وليس من عندك يا محمد، لا يريدون أن ينسبوا إلى رسول الله شيئاً من خير، أو بركة، أو فضل.
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} :
{تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} : من فقر، وهزيمة، أو مرض، أو بلاء، يقولوا: هذه المصيبة، أو السيئة.
{هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} : من عندك يا محمد صلى الله عليه وسلم، فهم ينسبون ذلك إلى محمد، أو أنت السبب، أما الحسنة، أو الخير فينسبونه إلى الله تعالى، وكل هذا بسبب التطيُّر والتشاؤم، واتهام رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يلحق بهم من شر، وهو بريء من ذلك؛ حتى يفرِّقوا بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والسيئة هنا لا تعني المعصية أو الإثم أو الذنب، وإنما المصيبة، وكما قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} ؛ إذن ما يصيب الإنسان من السوء أو الشر بسبب ذنوبه أو تقصير منه أو هو ابتلاء من الله تعالى فما عليه إلا الصبر.
{قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} :
{قُلْ} : لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم.
{كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ} : الحسنة، أو السيئة التي تصبكم كل من عند الله، وما يحدث من حسنة، أو سيئة هو بقضاء الله وقدره، وكل ما يصيب المؤمن من حسنة، أو سيئة هو خير، وهو ابتلاء من عند الله تعالى أيصبر، أم يشكر.
{فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} :
فما: الفاء: استئنافية، ما: اسم استفهام يراد به التعجب من فرط جهلهم.
{هَؤُلَاءِ} : الهاء: للتنبيه؛ تنبيه المستمع، أو الهاء: اسم إشارة.
{الْقَوْمِ} : كفار مكة؛ أي: المشركون.
{لَا} : النافية المطلقة.
{لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} : أيْ: ماذا أصاب هؤلاء القوم في عقولهم، فهم لا يكادون يفقهون حقيقة ما يقال لهم من حديث، أو كلام، أو قرآن.
لا يفقهون حديثاً: الفقه في اللغة: الفهم، والفقه اصطلاحاً أو في الشريعة: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، مثل العلم بأفعال المكلفين، وتشمل التحليل والتحريم والإباحة والصحة والفساد والإطلاق والنهي والإيجاب وغيرها، والقول لا يكاد يفقه حديثاً هو أسوأ من القول إنه لا يفهم، ولا هو قريب من الفهم.
والحديث قد يعني القرآن، فهم لا يفقهون معانيه، وآياته، ولا هم قريبون من فهمه، أو الأحكام الشرعية أو ليس عندهم أي علم.
سورة النساء [4: 79]
{مَا} : نكرة لغير العاقل وشرطية.
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ} :
أولاً: قال: ما أصابك، ولم يقل: ما أصبت.
{مَا أَصَابَكَ} : أيْ: ما يأتي به الله لك من الابتلاء بالحسنات، ويوفقك على فعله، والصبر عليه، وشكره كله من فضل الله تعالى. ارجع إلى الآية السابقة (78)؛ لمعرفة معنى الحسنة.
وما أصابك من الابتلاء بالسيئات: فهو من عند الله تعالى، وكذلك بسبب ما قدَّمت يداك، وهو كذلك خير إن صبرت واحتسبت لله، وتكرار ما أصابك مرتين للفصل بين الإصابة بالحسنات، والإصابة بالسيئات، أو كلاهما معاً.
فما يصيبنا من سيئة: قحط، أو مرض، أو مكروه، أو فقر، أو ألم، أو هزيمة؛ فذلك بما قدَّمت أيدينا، وهو بإذن من الله، وهو قضاء وقدر؛ ليرفع به درجاتنا في الآخرة، ويمحو عنا سيئاتنا، أو هو ابتلاء، واختبار؛ لرفع الدرجات.
{وَأَرْسَلْنَاكَ} : يا محمد للناس: اللام: لام الاختصاص.
{رَسُولًا} : أيْ: لتبلغهم رسالات ربك، وبشيراً، ونذيراً لهم.
{وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} : يكفي بالله: الباء: للإلصاق والتوكيد؛ أن يكون شهيداً لك بأنك رسوله، وأن ما يصبهم من سيئة لست لك بها دخل، ولست أنت السبب، كما يظن بعضهم ظناً باطلاً، ولمعرفة معنى (شهيداً): ارجع إلى سورة البقرة، آية (133).
سورة النساء [4: 80]
{مَنْ} : شرطية.
{يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} : لأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، والله سبحانه هو الآمر والناهي، والرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عما أرسله به، فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي امتثال لطاعة الله.
وقد: للتحقيق، والتوكيد، قد أطاع الله.
{وَمَنْ تَوَلَّى} : ومن: شرطية؛ تولى؛ أي: ترك وابتعد، والتولي: أشد من الإعراض؛ أي: ورفض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فدعه وأعرض عنه، ولا يهمُّك أمره.
{فَمَا} : الفاء: رابطة لجواب الشرط، وما: النافية.
{أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} : فما أرسلناك لتحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها؛ إن أنت إلا نذير.
{حَفِيظًا} : تعني كذلك: وما أرسلناك لتمنعهم، وتعصمهم من التولِّي، ومن مكائد الشيطان، أو تصرف عنهم وتحفظهم من المكاره والشدائد، فلا يهلكوا.
سورة النساء [4: 81]
{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} : أيْ: إذا كانوا عندك يقول المنافقون: سمعاً وطاعة، أو أمرك مطاع.
{وَيَقُولُونَ} : بصيغة المضارع؛ للدلالة على التجدد والتكرار، وحكاية الحال بدلاً من قالوا.
{فَإِذَا} : الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أيْ: مجرد خروجهم من عندك. إذا ظرفية زمانية تعني: وحين يخرجون.
{بَرَزُوا} : خرجوا من عندك، ويقال للمقاتل: برز للقتال؛ أيْ: خرج.
{بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ} : الطائفة: جماعة من الناس تطوف على حول عقيدة، أو آراء حقَّة، أو باطلة.
قال: بيَّت بدل من بيتت طائفة، ذكر الفعل، ولم يؤنثه، ويجوز تذكير، أو تأنيث الفعل من الناحية اللغوية، وأما من الناحية البيانية: فالتذكير يدل على القلة؛ أي: الطائفة التي بيتت هي عدد قليل. وبيت: قيل مشتق من البيت، والبيتوتة ليلاً، ويعني: الاستخفاء عن أعين الناس. إذن بيت جمعت معنيين: هم قلة، وقاموا بذلك ليلاً.
قاموا بالتدبير ليلاً؛ أيْ: غيروا، وبدلوا ليلاً، وتشاوروا على العصيان، وغيروا الذي قالوه لك.
{طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ} : من المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، والمنافقون طائفتان: قسم بيت، وقسم لم يُبيت.
{وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} : والله يعلم ما يبيتون، ويتآمرون عليه، ويأمر حفظته الموكلين بالعباد بكتابة ما يقولون، وفي هذا تهديد ووعيد لهم بما يسرونه، ويتفقون عليه بالخفاء؛ لمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيانه.
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} : دعهم وشأنهم، والإعراض يعني: ابتعد عنهم واتركهم، وهذا الإعراض ليس فيه معنى السوء.
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} : فوِّض أمرك إلى الله؛ أي: اطلب منه العون، والنصر بعد أن اتخذت الأسباب؛ أي: أسباب الحيطة والحذر.
{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} : التوكل: يعني: رد الأمر إلى الله فهو حسبك، يكفيك مما يبيِّتونه من المنكر والشر، ولا تحتاج إلى أحد غيره سبحانه القوي العزيز. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (89)؛ لمزيد من البيان عن التوكل.
سورة النساء [4: 82]
{أَفَلَا} : الهمزة: همزة استفهام، وإنكار.
{يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} : يتدبرون من التدبر، وهو طول النظر في عاقبة الأمر، أو الأمور، والتدبر: هو التدبر العقلي والقلبي والفهم، والتفكر، والتأمل في المعاني، والآيات. ارجع إلى سورة محمد آية (24) للمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين يتدبرون ويدبروا.
{وَلَوْ} : لو: شرطية.
{كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ} : أيْ: لو افترضوا على سبيل الشك أن القرآن كان من عند غير الله سبحانه؛ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً؛ أيْ: فيه الكثير من التناقض، والاختلاف، والشبهات في آياته، ونظمه، وأخباره، وعجزه.
وقد يظن القارئ، أو المستمع لهذه الآية الظن الباطل: أن في القرآن اختلافاً قليلاً مقارنة فيما إذا كان من عند غير الله تعالى؛ لوجد ما فيه اختلافاً كثيراً، والجواب على التساؤل: لا أصلاً، ولا حتى افتراضاً أن يكون هناك قرآن غير القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
ولا أصلاً، ولا حتى افتراضاً أن يكون في القرآن الكريم اختلافاً كثيراً، ولا حتى قليلاً، أو يسيراً.
سورة النساء [4: 83]
سبب النزول: كان المنافقون، وضعاف الإيمان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم خبر، أو نبأ أن النبي صلى الله عليه وسلم سيخرج في سرية إلى مكان كذا، أو في زمن كذا، أو هناك من يريد أن ينظم إلى حلف النبي صلى الله عليه وسلم، أو يأتيهم خبر صادق، أو كذب؛ كهزيمة، أو قتل أحد المسلمين، أو حتى ما يتعلق بما يحدث في بيت النبي صلى الله عليه وسلم من شائعات يسارع هؤلاء الناس إلى إفشاء الخبر، وإشاعته من دون التريث، والصبر، والاطلاع على حقيقة الأمر، وترك الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر حتى يدرسوه، وينظروا فيه، ويتخذوا القرار الإعلامي المناسب الذي يحفظ أسرار المؤمنين ووحدتهم، ويتجنب بذلك تسرب أخبار المسلمين إلى أعدائهم، فنزلت هذه الآية تبيِّن لهم السبيل الأفضل لاتخاذ القرار.
{وَإِذَا} : ظرف للزمان فيه معنى حتمية الحدوث وكثرته.
جاءهم أي: المنافقون أو ضعاف المسلمين أو غيرهم.
{جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ} : خبر يتعلَّق بالأمن؛ الأمن يعني: الاستقرار والطمأنينة مثل خروج النبي والصحابة إلى غزوة ما، ومكان كذا، أو أمر يعزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أو بنتيجة الغزوة، أو المعركة من نصر وغنيمة، وفتح، وما حدث من نكبة، وهزيمة، وجراح، أو أيُّ شيءٍ غيره.
{أَذَاعُوا بِهِ} : أيْ: أفشوه، وأعلموا به الناس.
{وَلَوْ رَدُّوهُ} : أيْ: ارجعوا الخبر إلى الرسول، وأولي الأمر منهم، وانتظروا ولم يذيعوا الخبر حتى يُعرض على الرسول، وأولياء الأمر منهم، والسلطة، ويدرسوه.
{إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ} : أيْ: لنظروا في الخبر ودرسوه، وعرفوا سرَّه، وما يترتب عليه؛ فإن كانت هناك فائدة في إذاعته قاموا بذلك، وإن كان ضاراً بهم وبمصلحتهم أخفوه، ولم يذيعوه.
{لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} : اللام: لام الابتداء، وتفيد التوكيد، والاستنباط: من النبط؛ وهو ظهور الشيء بعد خفائه، وقيل: النبط هو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفره. وقيل: الاستنباط: الاستخراج؛ أيْ: ما يستخرجه أولو الأمر والقادة للجيش والسرايا بفضل علمهم وتفكيرهم في الأمر، وخبرتهم، والوصول إلى إصدار الحكم بإذاعة الخبر أم لا، حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، والمفوض إليهم الأمر لكي يستنبطونه، وليس لكل فرد الحق في الإدلاء بدلوه.
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} :
{وَلَوْلَا} : حرف امتناع لوجود شرط.
{فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : وهو إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن هداكم للهدى، وهو الإسلام والإيمان.
{وَرَحْمَتُهُ} : القرآن: جاءت رحمته وفضله بصيغة النكرة؛ لتشمل كل فضل ورحمة؛ لأن رحمته لا تُعد، ولا تحصى.
{لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} : اللام: لام التوكيد؛ أي: اتبعتم الشيطان:
1 -
في قبول تلك الإشاعات، ونشر الفساد والكذب.
2 -
وفيما يأمركم به من الفواحش إلا قليلاً منكم.
3 -
ولضللتم إلا قليلاً منكم.
{إِلَّا قَلِيلًا} : إلا: أداة استثناء، منكم: من ذوي العقول النيرة، وأولي الألباب الذين لم يذيعوا، ولم يفشوا تلك الأخبار، أو الأسرار، ولم يتبعوا الشيطان، ولم يضلوا بفضل الله ورحمته، ولم يتأثروا بالإشاعات، والدعايات الكاذبة.
سورة النساء [4: 84]
{فَقَاتِلْ} : الفاء: للتوكيد، أو فاء السببية ما قبلها سبب ما بعدها:
1 -
قيل: نزلت لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إلى أبي سفيان إلى بدر الصغرى بعد غزوة أُحُدٍ، كما روى ابن عباس.
2 -
أو متصلة بقوله سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : فقاتل في سبيل الله.
3 -
أو: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ} : فقاتل في سبيل الله.
{فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} : أيْ: لا يكلفك ربك إلا نفسك وحدها؛ فلا تهتم بتخلفهم عنك، وقاتل ولو وحدك، وابتغاء وجه الله وحده.
{إِلَّا نَفْسَكَ} : أداة حصر، وقصر.
{وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} : أيْ: حثهم على الجهاد، ورغبهم في الثواب.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} :
{عَسَى اللَّهُ} : فعل لرجاء حصول الفعل في المستقبل.
{أَنْ} : للدلالة على الاستقبال.
{يَكُفَّ} : يمنع أو يصد.
{بَأْسَ} : البأس هو: الشدة، والقوة في الحرب والمكيدة، ويطلق على العدة والسلاح أيضاً.
أن يكف بأس قتال الذين كفروا وشرهم وكيدهم.
{وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} :
{وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا} : قوة من قريش.
{وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} : أشد عقوبة وعذاباً؛ ليكونوا عبرة لغيرهم.
والتنكيل: التعذيب بالنكل، وهو القيد، ثم استعمل في كل تعذيب، وجمعه أنكال.
سورة النساء [4: 85]
{مَنْ} : شرطية للعاقل:
{يَشْفَعْ شَفَاعَةً} : الشفاعة: هي التوسط بالقول، أو الفعل (شفاعة إنسان لإنسان) في الوصول إلى منفعة دنيوية، أو أُخروية، أو إلى الخلاص من مضرة ومن دون أجر، أو عوض على القيام بالشفاعة، وسُمِّيَت شفاعة؛ لأن الشفيع يصير مع المشفوع له شفعاً؛ أيْ: زوجاً.
{شَفَاعَةً حَسَنَةً} : الوساطة في الخير، والإصلاح، والدعاء له، والحسنة: كل ما يسرُّ النفس، أو تستحسنه النفس. ارجع إلى الآية السابقة (78)؛ لمزيد من البيان.
{يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} : يكون للشافع نصيبٌ (قسطٌ)، أو حظٌّ جيدٌ من الأجر والثواب.
{وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} :
شفاعة سيئة وساطة في فعل الشر أو بأن يؤيد باطلاً، أو يترك معروفاً، أو تكن في معصية الله، أو ظلم وجور، أو الوقوع في حدٍّ من حدود الله.
{يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} : أيْ: أن يكون للشافع شفاعة سيئة كفلاً منها؛ أيْ: يكن له جزءٌ من جزء المشفع له على شفاعته السيئة.
ما هو الفرق بين النصيب والكفل؟
النصيب: هو الحظ الجيد من الأجر، ويستعمل النصيب مع الشفاعة الحسنة للترغيب، وهو يضاعف، بينما الكفل: لا يزيد، ولا ينقص، وإنما هو مساوٍ لها، والشفاعة الحسنة لا تكفيك للوصول إلى الغاية، فلا بُدَّ من القيام بنفسك بالأعمال الصالحة الأخرى بالإضافة إلى تلك الشفاعة الحسنة.
وهناك أنصبة (جمع نصيب) في العبادات القلبية، واللسانية، والبدنية، فكل عبادة تعطيك نصيب من الأجر.
الكفل: أكثر ما يستعمل في الشر، وقد يستعمل في الخير؛ كقوله:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ} [الحديد: 28]، فإذا استعمل في الشر: كفل الشيء؛ أيْ: مثله تماماً، لا يزيد ولا ينقص، وجزاء السيئة سيئة مثلها، ولا نقول بعشر أمثالها مثلاً.
وهذه الشفاعة السيئة وحدها تكفي، وتكفل للشافع دخول جهنم، ولا يحتاج إلى شيء آخر، وهذا هو الفرق.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا} : كان تشمل كل الأزمنة، مقيتاً: مشتقة من قاته؛ أعطاه القوت، وهو الطعام، ولماذا أعطاه القوت؟ لكي يحافظ على حياته، إذن الله سبحانه يعطيهم ما يحفظ لهم حياتهم (فهو الحفيظ).
وإذا كان يعطي القوت؛ فهو (الرزاق)، والمطعم لمخلوقاته جميعاً.
إذن: مقيتاً قد تعني: الرزاق، والحفيظ.
سورة النساء [4: 86]
{وَإِذَا} : الواو: استئنافية. إذا: شرطية تدل على حتمية الحدوث وبكثرة.
{حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ} : التحية: السلام؛ كأن يقول أحد لكم: السلام عليكم.
{فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} : بأن تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
{أَوْ رُدُّوهَا} : نفسها؛ كأن تقولوا مثل الذي قال لكم: السلام عليكم، وعليكم السلام.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{كُلِّ} : تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
الحسيب: الكافي للعباد، كان، ولا يزال، وسيظل من الأزل إلى أبد الأبد حسيباً، الذي يحاسب عباده على أعمالهم؛ أيْ: يجازيهم عليها، وهو سريع الحساب.
ولنعلم: أن ابتداء السلام (التحية) سنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة.
وردُّ السلام فرض عين، ومنهم من قال: فرض كفاية بناءً على هذه الآية: وإذا حييتم بتحية
…
سورة النساء [4: 87]
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} : ارجع إلى سورة البقرة، آية (255).
{لَيَجْمَعَنَّكُمْ} : اللام: لام التوكيد، والنون في يجمعنَّكم للتوكيد.
الجمع: يجمع الأولين والآخرين، والجمع: في مكان واحد.
{إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} : إلى: حرف غاية، تستعمل لعموم الغايات؛ أيْ: لكل الأوقات بدء الوقت، منتصفه، آخره.
{يَوْمِ الْقِيَامَةِ} : سُمِّيَ بيوم القيامة لقيام الناس لرب العالمين، ولما يقوم فيه من أمور عظام، والتأنيث للمبالغة، مصدر قام.
{لَا رَيْبَ} : لا: النافية للجنس، الريب: الشك زائد التهمة.
{لَا رَيْبَ فِيهِ} : لا شك فيه، ولا اتهام.
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: ابتدائية استفهامية.
{أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} : الحديث: يعني هناك محدث ومستمع وجهاً لوجه (متكلم وسامع).
والحديث قد يعني الأخبار كما هو الحال هنا، فالله سبحانه يخبر عما سيحدث للناس يوم الجمع.
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} : الجواب محذوف، تقديره: لا أحد أصدق من الله سبحانه حديثاً، أما الفرق بين قوله: ومن أصدق من الله قيلاً، وقوله تعالى: ومن أصدق من الله حديثاً الآية (122) من نفس السورة.
1 -
فقد تقول شيئاً، ولا يوجد مستمع، أو يوجد مستمع، ولا يشترط عليه الإجابة، بينما الحديث هناك محدث ومستمع.
2 -
والقول أوسع وأعم من الحديث، والحديث أكثر من خبر واحد.
سورة النساء [4: 88]
سبب النزول: {فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ} : روى الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحُدٍ، فرجع ناس من المنافقين، خرجوا معه، فانقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فئتين: فئة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله:{فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} .
وقيل: إنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام، وكانوا يُعينون المشركين على المسلمين، فاختلف المسلمون في شأن قتالهم، أو عدمه، والمهم هو عموم اللفظ، وليس خصوص السبب.
فما: الفاء: استئنافية، ما: اسم استفهام، فيه معنى الإنكار، والتوبيخ.
{فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} : لماذا انقسمتم أيها المؤمنون في شأن أمر المنافقين إلى فئتين، ولا داعي لهذا الانقسام، ولا مبرر له.
فئة تدعوا إلى قتالهم ودفعَهم إلى ذلك الشعور بحمية الإيمان.
وفئة تدعو إلى عدم قتالهم ودفعَهُم إلى ذلك قرابتهم وصلتهم العائلية.
{وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم} : أيْ: ردَّهم، أو نكسهم.
الركس: هو قيء الطعام المختزن في المعدة بعد هضمه.
فالله يصف المنافقين الذين ارتدوا، أو رجعوا إلى الكفر، أو لم يقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كالقيء الذي يخرج من المعدة، وارتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، ولم يجبرهم أحد على الدخول في الإسلام، وهم اختاروا ذلك.
{أَتُرِيدُونَ} : الهمزة: همزة استفهام إنكاري.
{أَنْ تَهْدُوا} : أن: للتوكيد، تهدوا من أضل الله: تهدوا هؤلاء الذين انحرفوا، وتركوا سبل الهداية، وضلوا، وارتدوا إلى الكفر.
فالله لم يضلَّهم إلا من بعد ما أرادوا هم أنفسهم الضلال، واختاروه طريقاً لهم، فهؤلاء لن تهدوهم، أو حتى تستطيعوا هدايتهم إلى الإسلام مرة أخرى.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} :
{وَمَنْ} : شرطية.
{يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} : ومن يريد أن يكون ضالاً عن طريق الحق، وبعيداً عنه، ولا يريد الهداية نفسه.
{فَلَنْ} : الفاء: للتوكيد.
لن: تفيد نفي المستقبل القريب والبعيد.
{تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} : طريقاً، أو وسيلة، فلن تجد أيَّ سبيلٍ لهدايته. سبيلاً: نكرة تعني؛ أيَّ وسيلةٍ، أو طريقة لهدايته.
سورة النساء [4: 89]
{وَدُّوا} : تمنوا لو تكفرون: ولم يقل: تكفروا، بل قال تكفرون جاء بنون التوكيد.
{لَوْ} : حرف مصدري للتمني، لو تكفرون كما كفروا، لو تضلون كما ضلوا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (6)؛ لبيان معنى الكفر.
{فَتَكُونُونَ سَوَاءً} : أيْ: متساوون معهم في الكفر، والضلال بسبب حسدهم وغيضهم، ولذلك فاحذروهم، فلا تتخذوا منهم أولياء.
{فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} :
{فَلَا} : الفاء للتوكيد.
لا: الناهية. {تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} : جمع ولي، ونصير.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية.
{يُهَاجِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ} : يهاجروا إلى المدينة، ويقطعوا صلتهم بالكفار، وليس الأمر مجرد الهجرة، فلا بُدَّ من الإخلاص في إيمانهم، وهجرتهم، ولا يهاجروا لأغراض دنيوية.
والهجرة في سبيل الله تدل على صدق إيمانهم.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا} : فإن أعرضوا عن الهجرة، أو هاجروا، ثم ارتدوا عن الإيمان إلى النفاق، والكفر، أو استمروا على كفرهم ونفاقهم.
{فَخُذُوهُمْ} : من الأخذ، ويعني: الأسر.
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} : أينما وجدتموهم، سواء في الحرب أو غير الحرب، أو من حالة الأمن أو غير الأمن، أو السلم أو غير السلم؛ لأنكم قادرون عليهم، وأقوى منهم.
{حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} : أيْ: في أية فرصة تجدونهم فيها، وفي أيِّ مكانٍ وزمانٍ في الحل والحرم.
{وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} : لا: الناهية؛ أيْ: لا تطلبوا من أيِّ واحدٍ منهم، (من هنا استغراقية)؛ أيْ: تشمل كل واحد أن يكون لكم ولي؛ أيْ: معين ومساعدٌ، ولا نصير. ولا تسألوا أياً منهم أن يقاتلوا معكم، أو ينصروكم بالقوة ما داموا على ذلك، ثم استثنى من أخذهم أسرى، وقتلهم بعض الأشخاص، كما ورد في الآية (90).
سورة النساء [4: 90]
{إِلَّا} : أداة استثناء؛ أيْ: لا تأسروا، ولا تقتلوا منهم: الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو الذين حصرت صدورهم.
الصنف الأول: الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق: هو العهد الموثق بالأيمان، أو القسم، وهو أشد من العقد والعهد؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (27) لمزيد من البيان، هم:
الذين التحقوا، أو انضموا إلى صف القوم الذين بينكم وبينهم ميثاق، أو عهد، أو صلح مثل صلح الحديبية، كما ورد في صحيح البخاري، فهؤلاء أصبحوا معهم على عهدهم، من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه، وعهدهم دخل فيه بحكم استجارتهم بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق وطلبهم الأمان منهم، فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم معهم.
الصنف الثاني: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ} :
الصنف الثاني هم المحايدون الذي حصرت صدورهم؛ أيْ: ضاقت صدورهم، ولا يرغبون في قتالكم، ولا يرغبون أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم، ولا عليكم.
فاصبروا عليهم، ولا تأسروهم، أو تقتلوهم.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} : ولكن من رحمته ورأفته بكم أن اعتزلوكم، وكيف بأس هذين الفريقين عنكم، ولذلك:{فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} .
{فَإِنِ} : الفاء: عاطفة. إن: شرطية تفيد الاحتمال.
{وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} : أيْ: الصلح والهدنة، اعتزلوكم بمعنى: كفوا أيديهم عنكم، ولم يتعرضوا لكم، ولم يقتلوكم، وألقوا إليكم السلم؛ أيْ: الصلح، والهدنة، ولمعرفة الفرق بين السِّلْم، والسَّلْم، والسَّلَم؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (208) للبيان المفصل.
{فَمَا} : الفاء: للتعقيب والمباشرة، ما: النافية.
أيْ: ما {جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} : أيْ: أن تأسروهم، أو تقتلوهم (كما شاء الله لم يسلطهم عليكم).
سورة النساء [4: 91]
{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} : ستعثرون على قوم آخرين صنف ثالث من المنافقين والمشركين، كانوا يأتون إلى المدينة المنورة، فإذا دخلوها أظهروا إسلامهم وولاءهم للمسلمين كي يأمنوا بطش المسلمين، وأذاهم، وأموالهم، وذراريهم (النساء والصبيان).
وإذا عادوا إلى مكة أظهروا ولاءهم ومودتهم وشركهم للمشركين؛ كي يأمنوا شر المشركين، وبطشهم، كذلك كلما ردوا؛ أيْ: دعوا إلى الفتنة، إلى الشرك والكفر؛ أيْ: عادوا إلى مكة، فدخلوا في الشرك والكفر، وإذا كانوا معكم عبدوا الله، وإذا كانوا مع قومهم عبدوا الأصنام، فهؤلاء يعتبرون مع الكفار، فالحكم في هؤلاء هو كالتالي: إن لم يعتزلوكم؛ أيْ: يتركوا قتالكم، ولا يحالفوا عليكم، أو يلقوا إليكم السلم (الصلح والهدنة)؛ أيْ: الانقياد بالاستسلام.
{وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} : ثقفتموهم من الثقف: ثقف الرجلُ؛ أيْ: تمكن منه وظفر به؛ أي: في سياق الحرب، وليس مجرد أن وجده حاول أسره، أو قتله، بل لا بُدَّ من أن تكون له قدرة واستطاعة على فعل ذلك؛ مثلاً: أن يصبر حتى يعود إلى المدينة، فلا يلاحقه في مكة، أو ينتظر الزمن، والمكان المناسب للقيام بذلك، وهناك فرق بين ثقفتموهم، ووجدتموهم كما سيلي.
{وَأُولَئِكُمْ} : الواو: عاطفة. أولاء: اسم إشارة، والكف: للخطاب.
{جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ} : جعلنا لكم: اللام في لكم لام الاستحقاق، أو الاختصاص.
{سُلْطَانًا} : السلطان نوعان: سلطان القوة القتالية، وسلطان الحُجَّة والمنطق والأداء الذي يقنع الآخرين.
{مُبِينًا} : سلطاناً واضحاً، وحجته على قتلهم وسبيهم.
ما هو الفرق بين: حيث وجدتموهم، وحيث ثقفتموهم.
{حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} : أيْ: أنتم في موقف القوة، والسلطة لكم، والحكم، فعندها خذوهم أينما وجدتموهم، واؤْسروهم، واقتلوهم.
حيث ثقفتموهم: أيْ: إذا جاؤوا إليكم، وتمكنتم منهم في الحرب هذا هو الشرط؛ عندها خذوهم وأسروهم واقتلوهم.
وإذا وجدتموهم في أيِّ مكانٍ، أو زمانٍ، وأنتم غير قادرين، ليس عندكم القوة والعدة لأسرهم، أو قتلهم؛ فلا تقتربوا منهم، وانتظروا الفرصة، ولو قال: حيث وجدتموهم بدلاً من حيث ثقفتموهم؛ لكان على المسلمين أن يذهبوا، ويبحثوا عنهم في مكة، أو أينما كانوا، وهذا أمر صعب إذا لم يكن المسلمون في حالة القوة، ومن الصعب القيام بذلك، فلا يجوز تفسير: ثقفتموهم: وجدتموهم، كما في كثير من كتب التفسير.
سورة النساء [4: 92]
{وَمَا} : الواو: استئنافية، ما: النافية.
{لِمُؤْمِنٍ} : لمؤمن: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
{أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} : أن: حرف مصدري يفيد التعليل.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{خَطَـئًا} : الخطأ: هو الفعل غير الاختياري يكون بغير عمد، أو قصد.
{وَمَنْ} : شرطية.
{قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـئًا} : جاء بالفعل الماضي؛ لأن قتل الخطأ لا يتكرر يحصل مرة وانتهى، أم القتل العمد فقد يتكرر، ولذلك جاء بصيغة المضارع، حين قال:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} [النساء: 93]، فكفارة القتل الخطأ: تحرير رقبة مؤمنة+ دية مسلّمة إلى أهله إلا أن يصَّدَّقوا.
{فَتَحْرِيرُ} : الفاء: رابطة لجواب الشرط.
لماذا تحرير رقبة مؤمنة، ولماذا الدية؟
قالوا: حين يُقتل مؤمنٌ خَطَأً يحدث اختلال في توازن المجتمع؛ لأن المجتمع خسر فرداً من أفراده، وأصبح اختلال في عائلة المقتول، وبالتالي في المجتمع؛ لأن المجتمع مكون من عائلات، فلكي نعيد التوازن الاجتماعي يجب تحرير رقبة مؤمنة تقوم مقام المؤمن الذي قُتل؛ أي: من تسبب في موت نفس مؤمنة عليه بإحياء نفس ميتة وأين يجد هذه النفس؟ يجدها بين النفوس الكثيرة المستعبدة فالرق والعبودية قتل للنفوس.
ولكي نعيد التوازن في عائلة المقتول لا بُدَّ من دفع دية مسلمة إلى أهله، جبراً لخاطرهم حتى لا تقع عداوة بعدها، إلا أن يعفو عنها ولي وأهل المقتول، وسمَّى الله تعالى العفو عن أخذ الدية تصدقاً، أو صدقة؛ للترغيب بالقيام بذلك، فقال: إلا أن يصَّدَّقوا، أو يمكن أخذ الدية والتصدُّق بها، وهذا أفضل.
ما هو الفرق بين تحرير رقبة، وفك رقبة؟
تحرير رقبة جاء في (6) آيات، وفك رقبة ذكر في آية واحدة في سورة البلد، الآية (13).
تحرير رقبة: التحرير يكون من الرق، وهذا لم نعُد نراه في عصرنا هذا، والتحرير بالعتق، أو التخليص، ويقوم بها الذي عليه الكفارة.
فك رقبة: فكها من الأسر، وهذه باقية إلى يوم القيامة، أو فكها من السجن، وفك رقبة تعني أن تعين على تخليصها من الأسر، أو السجن، وإما أن يقوم بها واحد، أو يشترك معه آخرون.
{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} :
{فَإِنْ} الفاء: للتفصيل.
إن: شرطية تفيد الندرة، أو الاحتمال.
هو: ضمير منفصل يفدي الحصر والتوكيد.
فإن كان المقتول من قوم عدو لكم، والمقتول هو مؤمن؛ أيْ: هو مؤمن، ولكن من قوم كفار، فالكفارة هنا تحرير رقبة مؤمنة فقط.
وليس عليه دية لأهل المقتول؛ لأنهم كفار. والدية غايتها جبر لخاطر أولياء المقتول، ولما كان هؤلاء كفار سقط هذا الحق.
وقال سبحانه: عدو لكم، ولم يقل: أعداء لكم: لأن عداوتهم متشابهة، فهي كعداوة الواحد، وليس لها أشكال مختلفة عداوة لها سبب واحد، وهو الدِّين، وعندما يتحد مصدر العداء، فهم عدو واحد.
{وَإِنْ} : الواو: عاطفة.
إن: شرطية تفيد الاحتمال.
كان: المقتول مؤمناً من أهل الذِّمَّة، أو من قوم غير مسلمين، وبينكم وبينهم ميثاق على السلم، أو معاهدة: فكفارة قتله الدِّيَة، وتحرير رقبة مؤمنة؛ لأن هؤلاء لهم ما للمسلمين من حقوق، فلا بُدَّ من الوفاء بالميثاق.
والدِّيَة تؤخذ من مال القاتل الجاني، وإذا لم يكن له مال تؤخذ من العاقلة (عائلة الجاني).
{فَمَنْ} : الفاء: عاطفة. من: شرطية.
{لَّمْ يَجِدْ} : الرقبة، أو لم يتسع ماله لشرائها؛ أيْ: تحريرها، فصيام شهرين متتابعين بكل أيامها من دون فاصل؛ إلّا بعذر كالمرض، أو السفر، وبمجرد أن ينتهي المرض أو السفر؛ عليه استكمال ذلك، والتتابع هو شرط في هذه الحالة إلّا بعذر.
{تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} : لماذا قال سبحانه: توبة من الله، ولم يقل: توبة من القاتل الجاني، توبة من الله؛ أيْ: تشريعاً من الله للعبد، توبة من الله تعني: توبة شرعها الله للقاتل غير العمد، والتوبة هي الدِّيَة، وتحرير رقبة توبة ماحية للذنب.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} : كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} : بما يصلح خلقه من تكاليف، وعليم بأعمالهم (أقوالهم وأفعالهم) ونواياهم.
{حَكِيمًا} : في تدبير خلقه، وفيما يقضي بينهم، أو يشرعه لهم من الأحكام، وحكيماً مشتقة من الحكمة، أو الحكم، أو كليهما معاً.
وهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة النساء [4: 93]
{وَمَنْ} : الواو: عاطفة. من: شرطية.
{يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} : وقتل العمد يجب أن تتوافر فيه الشروط التالية:
1 -
كون القاتل، أو الجاني عاقلاً غيرَ مجنون، بالغاً (سن البلوغ).
2 -
متعمداً قاصداً القتل مع سبق إصرار وتخطيط.
3 -
استعمل أداة القتل مما يقتل بها غالباً.
ويجب تفريق القتل العمد من شبه العمد؛ مثل: وكزه بيده؛ فقضى عليه، وعقوبة القتل العمد الدنيوية: أن يُقتل القاتل، ويسمَّى هذا القصاص، ولا يرث القاتل، لا هو، ولا ورثته من المقتول إذا كان قريباً له.
أما العقوبة الأخروية: فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه (طرد من رحمة الله وإبعاد)، وله عذاب عظيم مهيأ له، وينتظره.
هل للقاتل عمداً توبة؟ الجمهور قالوا: إن له توبةً إذا حدث القتل وانتهى، وأما من جاء يسأل عن فتوى، وهو يريد الإقدام على القتل؛ فقالوا: نقول له لا توبة له.
كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، وجماعة من العلماء، والصحابة، والتابعين: أنه لا توبة له، والجمهور: يرى أن تقبل توبته إذا حدث القتل وانتهى وتاب؛ لقوله سبحانه: {يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
{فَجَزَاؤُهُ} : الجزاء مقابل العمل، ويعني: العقاب، أو الثواب، وفيه معنى المماثلة.
{جَهَنَّمُ} : ارجع إلى سورة الرعد آية (18) للبيان المفصل.
{خَالِدًا فِيهَا} : البقاء الدائم المستمر يبدأ من زمن دخولها.
{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ} : الغضب يقتضي العقاب، ويعني: السخط، والغضب الذي توجبه الحكمة.
{وَلَعَنَهُ} : اللعن: الطرد من رحمة الله تعالى والإبعاد.
{وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} : هيأ له أشد أنواع العذاب؛ العذاب العظيم، وهو أشد من العذاب المهين، والعذاب الأليم، والعذاب الكبير.
سورة النساء [4: 94]
سبب النزول: روى البزار، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود، فلم أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فعمد إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرنَّ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله: إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؛ فقتله المقداد، فقال: ادعوا لي المقداد، فدعوه، فقال صلى الله عليه وسلم: يا مقداد أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ قال: فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} .
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، و {أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ}: يعني: جاءكم مستسلماً، أو قال الشهادة، أو كلمة التوحيد، فليس من حق أحد أن يلقي إليه الاتهام بعدم الإيمان، والإسلام، ويقول له: لست مؤمناً.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء إلى الذين آمنوا؛ أيْ: الذين هم على درب الإيمان بأمر جديد، أو حكم، أو وصية، أو موعظة.
والهاء: للتنبيه.
{إِذَا} : شرطية، ظرفية للزمن المستقبل، وتدل على حتمية الحدوث.
ضربتم في سبيل الله: أيْ: خرجتم للجهاد، أو إعلاء كلمة الله، ونشر الدِّين، أما الضرب في الأرض، فيكون للتجارة، أو العلم، أو غيره.
{فَتَبَيَّنُوا} : الفاء: رابطة لجواب الشرط (إذا). تبيَّنوا: تثبتوا، وتحققوا، ولا تتسرعوا، والتبيُّن: هو التثبت، والتبيُّن يحتاج إلى ذكاء وفطنة، تأكدوا من صحة الأمر بكل الوسائل.
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: الناهية، تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً.
{لِمَنْ} : اللام: لام الاختصاص.
{أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ} : أيْ: قال: السلام عليكم، أو أسلم، وأعلن إسلامه، أو استسلم، أو نطق بالشهادة.
{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} : ترفضوا شهادته، أو تكذبونه بما في قلبه، ويكفيكم الظاهر، والله أعلم بما في القلوب.
{تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} :
{عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : العرض: كل ما يعرض، ويزول، وليس له دوام، أو ثبات، من منفعة، أو لذة عاجلة، أو مال، أو جاه، وغيره.
ويسمى متاع الدنيا عرضاً: لأنه عرض زائل، وقيل: العرَض بفتح الراء: هو المال، والعرْض بإسكان الراء: يدل على المتاع من أثاث، وما ينتفع به، ولذلك كل عرْض بإسكان الراء عرَض بفتحها، وهناك معنى آخر: هو العرض على الله تعالى.
أيْ: إياكم أن يكون سبب إيذائه، أو قتله هو ابتغاء أخذ الغنيمة منه، أو المال، أو الانتقام، أو الحمية، أو أيُّ عرضٍ من الأعراض الدنيوية الفانية، فلا بُدَّ من إخلاص النية والتبيُّن.
{فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} : أرزاق، ونعم كثيرة لا تعد، ولا تحصى تغنيكم عما في أيدي الناس.
{كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} : هكذا كانت حالتكم قبل دخولكم الإسلام؛ إذ كنتم تخفون إسلامكم، وإيمانكم خوفاً من أذى المشركين والقتل إلى أن مَنَّ الله عليكم سبحانه، وأيدكم بنصره، فدخلتم الإسلام فصرتم آمنين، لا تخافون، وتظهرون إسلامكم، وتدعون الآخرين للدخول فيه، فتبيَّنوا أيها الدعاة، ويا من تحملون راية الإسلام، فتثبَّتوا، وتأكدوا من استباحة دماء إخوانكم من المسلمين، أو ممن ألقوا إليكم السلام، وكفوا أيديهم عنكم.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} :
{إِنَّ} : للتأكيد؛ أيْ: تأكدوا أن الله يعلم بواطن الأمور، ونياتكم، وذوات الصدور، وما تفعلون من صغيرة وكبيرة في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ومن يعلم بواطن الأمور يعلم ظواهرها، ولا داعي لذكر ذلك.
كان سبحانه منذ الأزل، ولا يزال، وسيبقى مطلعاً، ويدرك أحوالكم.
وقدَّم كلمة تعملون على خبير؛ لأن سياق الآيات في الجهاد، والقتل.
و {بِمَا} : الباء: فيها للإلصاق.
انتبه إلى قوله جل جلاله: {فَتَبَيَّنُوا} : ذكرت مرتين؛ للتوكيد على التثبت من صحة الأخبار، والأدلة، وعدم التسرع في الحكم، والإقدام على أيِّ فعلٍ من دون تمحيصه، والتأكد منه.
سورة النساء [4: 95]
{لَا} : النافية المطلقة تنفي كل الأزمنة، وأوسع في النفي من (لن).
{يَسْتَوِى} : في المنزلة، والأجر عند الله في الدنيا والآخرة.
{الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ} : القاعدون: جمع قاعد؛ أي: لم يخرج للجهاد، والقاعد: قد تجمع على قعود، فالقعود: تدل على الاسم، أو المعنى، والقاعدون: تدل على الحدث، والضرر: يعني: فيهم علة مزمنة؛ أي: مرض مزمن كالسكر، أو أمراض الكلاوي والكبد
…
وغيرها؛ أي: غير الأصحاء عن الجهاد مع المؤمنين، وهم قسمان:
القسم الأول: غير أولي الضرر، وهم الأصحاء غير المصابين بأي مرض، وليس لهم عذر، أو عجز للخروج للجهاد بأموالهم وبأنفسهم.
والقسم الثاني: أولو الضرر: وهم المرضى والمصابون بعلل مثل: العمى، والعرج، والأمراض المزمنة، مثل: السكري، وبعض الأمراض الدموية، وغيرها.
هنا أضاف الله سبحانه القسم الثالث من المؤمنين: وهم المجاهدون بأموالهم، وأنفسهم، فأصبحت ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المؤمنون القاعدون عن الجهاد من دون عذر، أو عجز.
القسم الثاني: المؤمنون القاعدون عن الجهاد بعذر، أو عجز؛ مثل: العمى، والعرج، أو مرض مزمن، هؤلاء هم أولو الضرر، هؤلاء أجرهم قد يكون كأجر المجاهدين.
القسم الثالث: المؤمنون المجاهدون بأموالهم وأنفسهم.
إذن فضَّل الله القسم الثالث، وهم المجاهدون (بأموالهم وأنفسهم) على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر؛ أيْ: القسم الأول درجة في الفضل، والفضل: يعني الزيادة في الخير والأجر، وفضل: تعني رفع، وقدم الأعلى الأكثر درجة على الأدنى الأقل درجة.
{وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} : وكلاً: تعني: المجاهدين بأموالهم وأنفسهم (القسم الثالث)، والقاعدين عن الجهاد بعذر، أو عجز (أولي الضرر)، والقسم الثاني، وقد تعني: المؤمنين بشكل عام (الأصناف الثلاثة)، ولكن درجاتهم في الجنة مختلفة، والحسنى: الجنة، والحسنى: اسم مشتق، مؤنث الأحسن.
{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} :
{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ} : بأموالهم وأنفسهم (القسم الثالث) على القاعدين من دون عذر، أو عجز (القسم الأول) أجراً عظيماً.
وما هو الأجر العظيم؟
فسرته الآية (96): {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} . الأجر العظيم: هو الدرجات العالية، والمنازل الرفيعة في الجنان العالية؛ كالفردوس الأعلى، والأجر يتضمن مغفرة الذنوب والسيئات، ورحمة، وتعريفها: هي جلب كل ما يسر، ودفع ما يضر، وتعني: الإنعام على المؤمن بشتى أنواع النِّعم.
سورة النساء [4: 96]
{دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} :
أي: الدرجات العالية في الجنة، والجنة كما نعلم (100 درجة)، كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض. والسؤال هنا: كيف نفسر منزلة المجاهدين درجات بعد أن ذكره الله تعالى (درجة) في الآية السابقة (95) ذكر درجات ليبين معنى درجة ليس درجة واحدة، وإنما هي درجات حتى لا يظن أحد أنهم كغيرهم، وهذا يسمى التفصيل بعد الإجمال، وهناك تفسيرات أخرى:
تفسير أول: أعطى لأولي الضرر (القسم الثاني) درجة واحدة منزلة واحدة، وأعطى الله المجاهدين في سبيل الله بأموالهم، أو أنفسهم (القسم الثالث) درجات: منازل ومراتب في الآخرة.
تفسير ثانٍ: عندما قال سبحانه: درجة، فقد أجمل القول، ثم عاد وفسر ذلك بقوله: درجات منه ومغفرة.
تفسير ثالث: الدرجة تدل على درجة في الدنيا، وتعني: المدح، والتعظيم، والثناء، والذكر الحسن، ودرجات منه ومغفرة في الآخرة (تعني: درجات الجنة).
{وَكَانَ اللَّهُ} : كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، كان، وما زال، وسيظل سبحانه.
{غَفُورًا} : صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير المغفرة كمَّاً، ونوعاً، وأصل المغفرة الستر، فهو يغفر الذنوب العظام، ويغفر الذنوب، ولا يعاقب عليها.
{رَحِيمًا} : صيغة مبالغة رحيم كثير الرحمة لعباده المؤمنين في الدارين.
سورة النساء [4: 97]
سبب النزول: كما روى ابن عباس؛ قيل: نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة، وادعوا أنهم مستضعفون، عاجزون عن الهجرة، وعاجزون عن إقامة شعائر الدِّين، وإذا هاجروا تسلب أموالهم، وحين خرج المشركون إلى بدر، خرج هؤلاء معهم، وقاتلوا مع المشركين، فقتلوا وهم كفار، فبذلك أصبحوا ظالمين لأنفسهم.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} : أيْ: توفتهم الملائكة بعد أن قتلوا في بدر.
توفاهم الملائكة، وفي آيات أخرى، قال تعالى:{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11].
وفي آية أخرى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا} [الزمر: 42]، فالوفاة قد تنسب إلى الله، وإلى ملك الموت، وإلى الملائكة، فالأمر من الله ينزل إلى ملك الموت، ثم ملك الموت يأمر الملائكة الموكلين بوفاة العبد بالحضور لاستلام روحه بعد أن يقبضها ملك الموت؛ كي يصعدوا بها إلى عليين، أو سجين.
قال سبحانه: {تَوَفَّاهُمُ} : الوفاة: قد تعني الموت؛ أي: خروج الروح من الجسم، وقد تعني: المرحلة التي تسبق نزع الروح من الجسم، ولم يقل: تتوفاهم الملائكة، كما ورد في سورة النحل، آية (28):{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} .
توفاهم في سورة النساء؛ تعني: قسماً من الظالمين الذين ادعوا بأنهم مستضعفون؛ فلما كان عددهم قليل قال تعالى: (توفاهم الملائكة).
أما تتوفاهم في سورة النحل تشمل كل الظالمين، وبما فيهم الظالمون المذكورون في سورة النساء.
فعدد الظالمين في آية النحل أكبر بكثير من عدد الظالمين في آية النساء، ولذلك زاد التاء التي تدل على الكثرة في آية النحل.
{ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} : بسبب عدم الهجرة في سبيل الله رغم أنهم كانوا قادرين على الهجرة، وعدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
{قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ} : أيْ: سألتهم ملائكة الموت قبيل نزع أرواحهم فيما كنتم.
فيمَ: في ظرفية، وما: للاستفهام التوبيخي.
{فِيمَ كُنتُمْ} : أيْ: في أيِّ الفريقين كنتم، أفي المسلمين، أم في المشركين، أو ما فعلتم بدينكم، وظلمتم أنفسكم بعدم الطاعة والهجرة.
{قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ} : كنا مستذَلِّين، ومقهورين في مكة، أو عاجزين في الأرض، ولم نتمكن من إقامة الدِّين.
{قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا} :
{قَالُوا} : أيْ: الملائكة قالوا لهم.
{أَلَمْ} : الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتوبيخي.
{تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} : أيْ: ألم تكن أرض الله واسعة، وكنتم قادرين على الخروج من مكة إلى مكان آخر؛ مثل المدينة المنورة؛ لممارسة دِينكم.
{فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} : وليس عليها؛ لأن الأرض تشمل الطبقة الغازية المحيطة بالأرض.
{فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} :
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتوكيد.
أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتفيد التحقير.
{مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} : المأوى: اسم مكان، ويعني: منزلهم، أو المكان من آوى يأوي؛ أيْ: مكان إقامتهم واستقرارهم.
{جَهَنَّمُ} : مشتقة من الجهومة: الشيء المخوف، أو الكريه المنظر، والباعث على الكراهية، وجهنم تعني: بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (18) للبيان.
{وَسَاءَتْ} : من ساء؛ أيْ: قبح؛ أيْ: قبحت.
{مَصِيرًا} : المرجع، أو المآل، والمنتهى.
سورة النساء [4: 98]
{إِلَّا} : أداة استثناء للقعود عن الهجرة.
{الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ} : بالعلل، والأمراض المزمنة، والعجز، والفقر، وغيرها من الأسباب.
{وَالْوِلْدَانِ} : غير مكلفين، ولا يستطيعون حماية أنفسهم.
{وَالنِّسَاءِ} : لا تستطيع أن تحمي نفسها، وتحتاج إلى زوج، أو محرم.
{لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} : لا قوة لهم على الهجرة، ولا النفقة، أو حماية أنفسهم إذا هاجروا.
{وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} : السبيل: هو الطريق الموصل إلى الغاية.
لا يعرفون طريقاً يسلكونه، أو السبل المؤدية إلى المدينة المنورة للهجرة، أو غيرها من المدن.
سورة النساء [4: 99]
{فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} :
{فَأُولَئِكَ} : اسم إشارة إلى من جاء ذكرهم في الآية السابقة من المستضعفين، أو الوالدين، والنساء.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} : ولم يقل: فأولئك عفا الله عنهم؛ لأن عسى: تحمل معنى الترجي والطمع؛ أيْ: ليحثهم على الرجاء، والطمع في عفو الله سبحانه، ويدل كذلك على أن أمر الهجرة أمر لا توسعة فيه، ولا بُدَّ منه.
{أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} : أن: حرف مصدري يفيد التوكيد؛ أيْ: لا يؤاخذهم، ويغفر لهم ما قصروا فيه لضعفهم.
{وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} : كان أزلاً وأبداً، كان: للماضي، والحاضر، والمستقبل.
العفو: ترك العقاب على الذنب ومحوه، وهو أبلغ من الستر، وقيل: هو إسقاط اللوم، والذم.
الغفران: يعبر عن الستر.
الغفور: من الغفر؛ أيْ: غفر الذنب ستره، وقيل: الغفران: إسقاط العقاب، وإيجاب الثواب. ارجع إلى الآية (96) من نفس السورة.
سورة النساء [4: 100]
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: شرطية.
{يُهَاجِرْ} : من الهجرة، وهي الانتقال من بلد إلى بلد.
{فِى} : ظرفية.
{سَبِيلِ اللَّهِ} : أيْ: لإعلاء كلمة، أو دِين الله، أو لطلب العلم.
{يَجِدْ} : جواب للشرط.
{فِى الْأَرْضِ مُرَاغَمًا} : أماكن للهجرة، أو أمكنة يُهاجَر إليها، وتسمى مهاجر.
وسُمِّيَت مراغم: من الرغام، وأصله: هو التراب.
أو سُمِّيَت مراغم؛ لأن المُهاجر الذي يفارق قومه الذين يعذبونه، ويضطهدونه، وهم يودون لو بقي تحت سيطرتهم، وعذابهم، ولم يهاجر؛ كأنه ألصق أنوفهم بالتراب وأذلهم حين تركهم، وهاجر، ولم يقدروا على منعه من الهجرة.
ويقال: راغمت الرجل: إذا فارقته؛ وهو كاره، وهو يكره مفارقتك؛ لمذلة تلحقه بعد تركك له.
ومراغم: اسم مفعول، وتعني: مكاناً متى ما وصلت إليه أرغمت أنف خصمك الذي كان يذلك؛ لكونك خرجت من تحت سيطرته، فكأنك جعلت أنفه ملتصق بالتراب.
{وَسَعَةً} : في الرزق، وسعة في التمكن من إظهار شعائر الدِّين من دون خوف، بالإضافة إلى النجاة من الاضطهاد، والعذاب.
أسباب النزول: كما روى ابن عباس؛ قيل: نزلت هذه الآية في جندب بن ضمرة، فقد خرج مهاجراً من مكة إلى المدينة، ومات وهو في طريقه، ولم يصل إلى المدينة، وكان رجلاً مسناً، خرج لاحقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لو مات بالمدينة؛ لكان أتم أجراً، وقالوا: ما أدرك ما طلب! فنزلت هذه الآية رداً عليهم.
{وَمَنْ} : من: للعاقل، وقد تعني: الواحد، أو أكثر من الواحد، ومن: شرطية ابتدائية.
{يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا} : المهاجر: هو الذي أُرغم على الهجرة، وترك بيته لسبب من الأسباب؛ للفرار بدينه، أو لكسب لقمة العيش، أو اضطهاد وتعذيب، فقد يهاجر الإنسان بإرادته، ورغبته، ومن دون سبب، أو إرغام من أحد؛ لغرض شخصي؛ للمتعة، أو الزواج، أو غيره.
{مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} : هجرة للفرار بدينه من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وطاعة لله ورسوله، ومن التضييق، أو الموت، أو العذاب من قبل الكفار، أو المشركين، أو من أجل ابتغاء الرزق، أو طلب علم، أو جهاد في سبيل الله.
{ثُمَّ} : حرف تعقيب، وتراخٍ؛ أيْ: ولو بعد فترة.
{ثُمَّ يُدْرِكْهُ} : يلحق به الموت، أو يموت قبل أن يصل إلى مكان هجرته، أو مراغمه.
{فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} :
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد، وقد: لزيادة التوكيد؛ أيْ: ثوابه على الله، كما في قوله عز وجل:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} .
{وَقَعَ أَجْرُهُ} : وقع: من الوقوع: وهو من أعلى إلى أسفل وبسرعة، ووقع أجره؛ أي: ثبت أجره؛ أيْ: إذا مات، أو قتل، فجزاؤه الذي هو من عند الله تعالى ينزل عليه بسرعة، كأنه يقع عليه من السماء؛ كأنه يعرفه معرفة كاملة.
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} : ارجع إلى سورة التحريم، آية (1)؛ للبيان.
سورة النساء [4: 101]
{وَإِذَا} : ظرف زمان للاستقبال، متضمن معنى الشرط، ويدل على حتمية الوقوع، وكثرته، الضرب في الأرض؛ أي: السفر.
{ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ} : أيْ: سافرتم، والضرب في الأرض قيل: هو الإبعاد فيها سيراً (السفر البعيد).
والضرب: إيقاع شيء على شيء؛ أيْ: ضرب الأرض بالأرجل المشي بصلابة، وعزم، وقوة بعكس الانتشار، يكون من دون جهد، ومشقة.
{فَلَيْسَ} : الفاء: للتوكيد، وهي رابطة لجواب الشرط.
ليس: من أدوات النفي، تنفي الحال، والمستقبل أحياناً، وأقل قوة في النفي من (لا) النافية.
{عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} : جُناح من جنح؛ أيْ: مال عن القصد؛ أي: الإثم للميل عن الحق.
فما الفرق بين: لا جناح عليكم، وليس عليكم جناح.
لا جناح عليكم: جملة اسمية، وليس عليكم جملة فعلية.
والقاعدة اللغوية تقول: الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية؛ حيث الجملة الاسمية تدل على الثبوت، والجملة الفعلية تدل على التجدد والتحول، فلا جناح عليكم أقوى في النفي من: ليس عليكم جناح؛ لأن النفي درجات، ولذلك تستعمل: لا جناح في القضايا الهامة مثل العبادات، والحقوق الزوجية والعقيدة، وتستعمل ليس في القضايا الأقل أهمية ونادرة، مثل: آيات الأكل والشرب، ودخول البيوت، وصلاة الخوف (النادرة).
{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} : أيْ: ليس عليكم إثمٌ أن تقصروا من الصلاة بأن تصلوا الصلاة الرباعية ركعتين؛ على شرط: وهو الخوف من الذين كفروا.
{أَنْ يَفْتِنَكُمُ} : بالقتل، أو الهجوم، أو الاعتداء عليكم، والفتنة: هي الأذى، أو القتل، والتعرض لكم، والكفر، والشرك، وغيرها، وقد وردت صلاة الخوف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة أوجه. ارجع إلى صلاة الخوف في كتب الفقه.
{إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} : عدواً، ولم يقل: أعداء؛ لأن عداوتهم واحدة؛ أيْ: لها سبب واحد هو الدِّين، ولو كان لها أسباب كثيرة؛ لقال: كانوا لكم أعداء.
{مُبِينًا} : عداوة واضحة، وظاهرة لكل إنسان، وعداوة ظاهرة بينة، لا تحتاج إلى برهان، أو دليل.
سورة النساء [4: 102]
كيفية صلاة الخوف التي ذكرت في هذه الآية: هي أن يقسم الجيش إلى طائفتين:
طائفة تصلي مع قائد الجيش، وطائفة تقف أمام العدو؛ لتمنعه من الهجوم، أو يتقدَّم نحوها، وهي صلاة قصر ركعتين، فيصلي القائد بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الثانية وقاموا معه نووا الانفراد، وأتموا لأنفسهم، والإمام لا يزال قائماً، ثم إذا أتموا الصلاة بأنفسهم الركعة الثانية؛ ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الأولى أمام العدو، وجاءت الطائفة الثانية ودخلت مع الإمام في الركعة الثانية، وهو في هذه الحالة يطيل الركعة الثانية أكثر من الأولى؛ لتدركه الطائفة الثانية، فيصلون الركعة الثانية معاً، ثم يجلس القائد، أو الإمام للتشهد، عندها تقوم الطائفة من دون القائد، أو الإمام؛ فيصلون الركعة الثانية، ويجلسون للتشهد، والإمام ينتظرهم، ثم يسلم الإمام، ويسلمون معه.
{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} : إذا: ظرفية شرطية.
{كُنْتَ فِيهِمْ} : أيْ: معهم، وبينهم، ولا تعني: إذا لم يكن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نصلي صلاة الخوف، كما ظن البعض.
{فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} : أيْ: تقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وصليت فيهم إماماً، يقسم الجنود إلى طائفتين: طائفة أولى، وطائفة ثانية.
{فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَعَكَ} : الفاء: للمباشرة، والتعقيب؛ لتقم طائفة منهم معك؛ أي: الطائفة الأولى تقف للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الإمام.
{وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} : اللام: للتوكيد؛ أيْ: تقف الطائفة الأولى لتصلي مع الرسول، أو الإمام، وهم يحملون أسلحتهم معهم.
{فَإِذَا سَجَدُوا} : أيْ: سجدت الطائفة الأولى في الركعة الأولى مع الإمام.
{فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} : أي: الطائفة الثانية تقف من ورائهم تحرسهم؛ لأن المصلين لا يرون العدو حين السجود.
{وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} : أيْ: تقف، أو يقف الإمام مع الطائفة الأولى، فيتموا الصلاة بأنفسهم (أي: الركعة الثانية) من دونك، أو من دون الإمام؛ لأنك ستقف تنتظر في الركعة الثانية حتى تنتهي الطائفة الأولى.
ثم تأتي الطائفة الثانية، وتنضم إلى الإمام الذي ينتظرها ليصلوا معاً، ثم تسجد الطائفة الثانية مع الإمام، ثم تقف لصلاة الركعة الثانية، أما الإمام فيبقى ينتظر الطائفة الثانية؛ لتسجد سجود الركعة الثانية، ثم تلحق بالإمام، وهو ساجد ينتظرها، ثم يسلم الإمام، والطائفة الثانية معاً، وبهذا تنتهي الصلاة.
{وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} : أيْ: بعد انتهاء الطائفة الأولى من الصلاة تقوم هذه الطائفة بنفس الدور الذي قامت به الطائفة الثانية التي بدأت تصلي مع الإمام.
{وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} : لماذا أضاف حذرهم؛ لأن العدو قد يكون انتبه إلى أن الجيش قد انقسم قسمين، فيكون جيش العدو يريد أن ينقض في هذا الزمن، فلذلك أمر بالحذر، وحمل السلاح معاً، وهكذا تحظى الطائفة الأولى بتكبيرة الإحرام مع الإمام، والطائفة الثانية بالتسليم معه.
ثم يبيِّن سبحانه وتعالى علّة حمل السلاح، والحذر في الصلاة؛ لكون العدو يودّ، أو يتمنى لو تغفلون.
{لَوْ} : حرف تمني.
{تَغْفُلُونَ} : ولم يقل: تغفلوا، وقال: تغفلون: أضاف نون التوكيد.
{عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} : بالانشغال بالصلاة؛ كي ينقضوا عليكم، {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً}: بالقتل والنهب.
ثم بيَّن الأعذار التي يشق معها حمل السلاح فقال:
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : ولا إثم عليكم، ارجع إلى الآية (158) من سورة البقرة؛ لبيان معنى جُناح عليكم.
{إِنْ} : شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك.
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} : وصلوا من دونها، ولكن مع الحذر، ولا تغفلوا عن عدوكم، واستمروا راقبوه، وراقبوا تحركاته.
{إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{أَعَدَّ} : هيأ، وجهز.
{لِلْكَافِرِينَ} : اللام: لام الاستحقاق.
{لِلْكَافِرِينَ} : الذين أصبحت صفة الكفر عندهم صفة ثابتة.
{عَذَابًا مُّهِينًا} : العذاب المهين الذي فيه إهانة وذل، وفضيحة أمام الناس، أو الخلائق، سواء في الدنيا، أو الآخرة إضافة إلى كونه شديداً، وأليماً، ودائماً.
سورة النساء [4: 103]
{فَإِذَا} : الفاء: على التعقيب والمباشرة ومن دون تأخير. إذا: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث.
{قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} : أديتم الصلاة؛ صلاة الخوف.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ} : فبعد انتهاء صلاة الخوف، وعدتم إلى القتال، أو حالة الخوف، عليكم بالتكبير، والتحميد، والدعاء، وذكر الله.
ولا إله إلا الله، والدعاء، فذكر الله سبحانه يقوِّي القلب ويشد الهمة، ويعين على الصبر والنصر.
وهذا ما أشارت إليه آية أخرى من سورة الأنفال، آية (45):{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
{قِيَامًا} : وقوفاً؛ أيْ: اذكروا الله وقوفاً.
{وَقُعُودًا} : واذكروه حين الجلوس.
{وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} : وحين الاستراحة، والقيلولة، وأنتم منبطحون على الأرض، أو أيِّ حالٍ رجالاً، أو ركباناً، وجاء ذلك في سياق آية أخرى في سورة البقرة (239).
والذكر يشمل الصلاة، والذكر العادي، من تسبيح، وتكبير، وتحميد، وتهليل؛ لأن هذا ما يميز المسلم المؤمن من عدوه: هو إيمانه، وذكره لله تعالى.
{فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} : اطمأننتم: انتهت الحرب، فأقيموا الصلاة تامة بأركانها وشروطها، والفاء في إذا: تدل على عدم التأخير، وإذا: شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث.
{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد.
{كِتَابًا} : فرضاً، موقوتاً، محدد بأوقات لا يجوز تجاوزها.
كان: تحمل معنى منذ القدِم، والمعنى في الحكم.
{كَانَتْ} : أيْ: فرضت عليهم منذ القدِم، ولا زالت كذلك (في الحال، والمستقبل)، فهي تشمل كل الأزمنة.
سورة النساء [4: 104]
أسباب نزول هذه الآية: قيل: إنها نزلت في أعقاب غزوة أُحُدٍ؛ حيث طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الخروج للقاء أبي سفيان وأعوانه.
{وَلَا} : الواو: استئنافية، لا: الناهية.
{تَهِنُوا} : من الوهن، والوهن: هو أن يفعل الإنسان فعل الضعيف، أو يخاف؛ أيْ: لا تفعلون أفعال الضعفاء، وأنتم أقوياء، أو تخافون.
والوهن: يشمل كذلك الجبن، والخوف، والضعف من دون سبب حقيقي.
{فِى ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} : في طلب القوم؛ أي: الأعداء الذين يبغون قتالكم، وكلمة ابتغاء لا تعني فقط الدفاع، بل الردع والحذر.
{إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ} : من الألم، بسبب الجراح، أو المشقة والألم: يشمل كل ما يُلحقُه بك غيرك، أما الوجع: فهو ما يلحقك من قبل نفسك، ومن قبل غيرك.
{فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} : أيْ: أنتم متساوون معهم في الألم، والمشقة، ولكن هناك أمر تمتازون به عليهم: وهو إيمانكم.
وإنكم {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} :
إنكم: إن: للتوكيد.
{وَتَرْجُونَ} : الرجاء: هو توقع الخير الذي يشاركه الخوف؛ أي: ترجون من الله مساعدتكم، وعونكم، ونصركم؛ لإعلاء كلمته ودينه.
وترجون: قد تعني إحدى الحسنيين، أو ثواب الآخرة، والحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة في سبيل الله، وهم لا يرجون إلا الدنيا. كما جاء في الآية (52) من سورة التوبة.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} : ارجع إلى الآية (92) من نفس السورة؛ للبيان.
سورة النساء [4: 105]
سبب النزول: كما روى ابن عباس؛ روي أن هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق؛ فقد سرق درعاً من دار جارٍ له، ووضعها في جراب من دقيق، ثم خبَّأها عند يهودي اسمه زيد بن السمين، فالتمسوا الدرع عند طعمة، فلم يجدوها، وأنكر أنه سرقها، وعندما وجدوها عند اليهودي أخبرهم أن طعمة قد أودعها عنده، ولكن طعمة أنكر ذلك، فجاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وحلف قوم طعمة على براءته، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يجادل عن طعمة، وهمَّ في معاقبة اليهودي، فنزلت هذه الآيات تفضح طعمة أنه هو السارق، فهرب طعمة إلى مكة، وارتد، وعاد إلى السرقة، فسقط عليه حائط فمات مرتداً كافراً.
{إِنَّا} : يتكلم الله عن ذاته، فيستعمل صيغة التعظيم، والجمع: إنا.
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} : أنزلنا تدل على الإنزال دفعة واحدة، وأما نزلنا فتدل على مراحل متعددة، ونزل أقوى وأكد من أنزل. ارجع إلى الآية (4) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
أما بالنسبة إليك وأحياناً يقول: أنزلنا عليك، فعلى، أو إلى تفيدان إنزال الكتاب؛ أي: المنهج الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، و (على) تفيد العلو، والسمو، فحين يستعملها يعني: الحديث موجَّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما يخصه بشكل عام.
وحين يستعمل (إليك): تأتي في سياق التبليغ والتكليف، وإيصال المنهج إلى الناس. ارجع إلى الآية (4) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{الْكِتَابَ} : القرآن الكريم بالحق، والباء: للإلصاق.
{بِالْحَقِّ} : بالحق: (هو الشيء الثابت الذي لا يتغير)، سواء في خبره، وحكمه، وبيانه.
{لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} : اللام: لام التعليل، والتوكيد.
{بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} : الباء: للإلصاق والتوكيد. أراك الله: أيْ: بما أوحى إليك وعلمك الله تعالى من الأحكام، وأطلعك عليه من الأخبار، والرؤية هنا تعني: هذا العلم الذي يعتبر كأنه رؤية يقينية، وليست ظنية، لا ريب فيها، ولا شك، وهي خاصَّة به صلى الله عليه وسلم.
{وَلَا تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} :
{وَلَا} : الواو: استئنافية.
لا: الناهية.
{تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} : اللام: لام الاختصاص.
{لِّلْخَائِنِينَ} : جمع خائن، والخائن: الذي ائتُمن؛ فأخذ؛ فخان.
والخائن: هو الذي تصدر عنه الخيانة مرة واحدة، أو تصدر منه الخيانة في أمر صغير.
أما الخوان: فهو الذي تصدر عنه الخيانة مرات عديدة، أو تصدر منه الخيانة في أمر عظيم.
{خَصِيمًا} : مدافعاً عن الخائنين، ومعيناً لهم، أو تقف لصالح الخائنين.
ولم يقل الحق سبحانه: ولا تكن عن الخائنين خصيماً، بل قال: للخائنين: الغاية من الدفاع عن الخائن أن ترجح كفته، وتكون له لا عليه، والسؤال هل خاصم صلى الله عليه وسلم أم لا؟
الجواب على ذلك: همَّ أن يخاصم، وكان مجرد خاطر أن ينصر طعمة، ولم يحدث ذلك.
همَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ظن أن طعمة، وقومه لا يكذبون.
ولِمَ عبَّر بقوله: للخائنين مع أن الخائن، أو السارق هو طعمة فقط؟
الجواب على ذلك: أن بني ظفر (قوم طعمة وإخوته) شهدوا له بالبراءة، ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم.
للخائنين: تشمل طعمة، وكل من خان خيانته؛ أيْ: لا تجادلوا عنهم، وإن كان الخطاب موجَّه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو يشمل أمته.
سورة النساء [4: 106]
{وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} :
{وَاسْتَغْفِرِ} : الواو: عاطفة، استغفر الله: ممّا هممت به، أو تردد في خاطرك فيما حدث في هذه القضية، ونزلت هذه الآيات قبل الحكم في هذه القضية، وبين الله سبحانه لرسوله حقيقة الأمر.
والاستغفار لا يقدح في عصمة الأنبياء، والموعظة في هذه القصة إرشاد الله عز وجل لرسوله وإرشاد الأمة، إلى وجوب التثبت والتحقق قبل إصدار أيِّ حكمٍ، أو قضاءٍ.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} :
{إِنَّ} : للتوكيد. كان: تشمل، أو تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{غَفُورًا} : كثير الغفران: صيغة مبالغة، والغفر: هو الستر، يغفر الذنوب مهما عظمت إلا الكفر، والشرك به.
{رَحِيمًا} : كثير الرحمة بعباده وخلقه؛ فهو أرحم الراحمين. ارجع إلى الآية (96) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
سورة النساء [4: 107]
{وَلَا تُجَادِلْ} : الواو: عاطفة.
{وَلَا} : الناهية.
{تُجَادِلْ} : من الجدل، وأصله الفتل، والجدال: هو الحوار الذي يقع بين طرفين، أو أطراف؛ لإثبات حق، أو إظهار حجة، أو دفع شبهة، والجدال أشد من الحوار.
{وَلَا تُجَادِلْ} : تعني هنا: لا تدافع، أو تجادل عن طعمة بن أبيرق وقومه.
{يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} : كيف يختان الإنسان نفسه، ولم يقل: يخونون أنفسهم؟ عادة يخون الإنسان غيره: بعدم إتمام العهد، أو إرجاع الأمانة، أو السرقة، ويخون غيره من أجل مصلحة، أو ارتكاب معصية، أو سيئة، ثم يرمي بها بريئاً، وعندما يخون الإنسان نفسه؛ فهذا أمر غريب، ويحتاج إلى جهد أكبر من خيانة الغير.
ولذلك جاء بفعل يختان، وجاء بفعل يختانون (بصيغة المضارع)؛ للدلالة على بشاعة الفعل، وفيها معنى: التجدد، والاستمرار، فمن خان مرة قد يعود ويخون مرات كثيرة.
فهم حين يرتكبون المعصية؛ فهم يختانون أنفسهم؛ أي: المعصية خيانة منهم لأنفسهم.
والذي يخون غيره كأنه يخون نفسه؛ لأن إثم الخيانة الحاصل من جراء ذلك يعود على الخائن.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} :
{إِنَّ اللَّهَ} : إن: للتوكيد. لا يحب: النافية تشمل كل الأزمنة.
{خَوَّانًا} : كثير الخيانة؛ أيْ: تصدر منه الخيانة مراراً أمثال طعمة بن أبيرق.
{أَثِيمًا} : كثير الإثم، والإثم يشمل الصغائر والكبائر.
والفرق بين الخائن، والخوّان؛ الخائن: قد تصدر منه الخيانة مرة، أو خيانة في أمر صغير. والخوّان: تصدر منه الخيانة مراراً، أو في أمر كبير.
سورة النساء [4: 108]
{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ} : أيْ: يستترون من الناس؛ كي لا يروهم، سواء كان خوفاً، أو حياءً؛ أيْ: يستتر بنو أبيرق، قوم طعمة من الناس.
{وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} : ولا يخافون الله، ولا يستخفون منه بما فعلوه من الخيانة.
{وَهُوَ مَعَهُمْ} : هو ضمير متصل تفيد التوكيد؛ أيْ: والله مطلع عليهم، وعلى ما يفعلونه، ولا يخفى عليه خافية.
{إِذْ} : ظرفية زمانية بمعنى: حين.
{يُبَيِّتُونَ} : من التبيُّت، أو التدبير الخفي الذي يتم ليلاً، وليس في وضح النهار؛ لكون فاعل التبيُّت خائفاً وجباناً. ارجع إلى الآية (81) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
{مَا لَا يَرْضَى} : أيْ: ما لا يرضاه الله، ولا يقرّه.
{مِنَ الْقَوْلِ} : أيْ: كيف يلصقون التهمة باليهودي البريء، ويحلفون على براءة أخيهم طعمة.
وهذا القول، أو التبيُّت لا يرضاه الله، ولا يقرُّه، ويترتب عليه أثم عظيم.
{وَكَانَ اللَّهُ} : (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق.
{بِمَا يَعْمَلُونَ} : من التبيُّت، والمكر، ويعملون تشمل الأقوال والأفعال.
{مُحِيطًا} : بعلمه، ولا تخفى عليه خافية، ومحيط بكل شيء، فلا يخرج، أو يفلت أحد منه؛ لكونه محيطاً بعلمه، وقدرته كل شيء.
سورة النساء [4: 109]
{هَاأَنتُمْ} : ضمير منفصل للمخاطبين، والهاء: للتنبيه.
{هَؤُلَاءِ} : والهاء: لتكرار التنبيه؛ لأن الموقف يحتاج إلى زيادة في التنبيه والحذر من الوقوف إلى جانب أهل طعمة، وزيادة الوعظ واللوم مقارنة بقوله تعالى:{هَاأَنتُمْ أُولَاءِ} [آل عمران: 119]. أولاء: اسم إشارة يشير إلى المجادلين أهل طعمة وقبيلة بنو أبيرق، ها أنتم الذين جادلتم عنهم في الحياة الدنيا.
{جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : جادلتم: خاصمتم عنهم؛ أيْ: جادلتم عن طعمة بن أبيرق؛ لتبرِّئوه من الخيانة (خيانة السرقة).
واستعمل صيغة الجمع عنهم بدلاً من صيغة المفرد جادلتم عنه؛ لأنهم كانوا شركاء في الإثم، ويدافعون عنه وينصرونه.
{جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : جادلتم رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة؛ لكي تبرِّئوا طعمة.
{فَمَنْ} : الفاء: للتوكيد. من: استفهامية؛ للإنكار، والتوبيخ.
ومن: للعاقل تشمل المفرد، والجمع.
{يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : أيْ: من يتولَّى الدفاع عنهم يوم القيامة، أو الدفاع عن طعمة بن أبيرق.
{أَمْ} : للإضراب الانتقالي.
{مَنْ} : للاستفهام الإنكاري، والتوبيخ.
{يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} : كفيلاً، أو قائماً بأمورهم، يدافع عنهم يوم القيامة أمام الله تعالى.
إذن: لا يجوز الوقوف إلى جانب الخونة، أو الظالمين، ولا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
سورة النساء [4: 110]
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية، من: شرطية.
السوء: الأمر المنهي عنه من الله سبحانه ورسوله، ويعني: الإثم والذنب، وسُمِّيَ بالسوء؛ لأنه يسيء إلى النفس، وإلى الغير، مثل السارق، يسيء إلى نفسه وإلى غيره.
وأسوأ الذي عملوا؛ يعني: الكفر، والشرك، والقتل.
{أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} : هنا الإساءة، أو الظلم مقتصر على نفسه وحدها، ولا يصيب الآخرين بظلمه، مثال: الذي يشرب الخمر في بيته، وفي عزلة من الناس.
{ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ} : ثم لا تفيد الترتيب والتراخي، وإنما التباين في الدرجة بين ظلم النفس وعمل السوء والاستغفار، وإذا دلت على الترتيب والتراخي؛ فهي تدل على رحمة الله بعبده حيث يعطيه الزمن الكافي، والوسع ليتوب من ذنبه وإثمه، والاستغفار يسبق التوبة.
{يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} : الفرق بين يجد الله ويغفر الله القول يجد المستغفر المغفرة والرحمة من باب التوكيد ليكون المؤمن واثقاً من رحمة الله تعالى ومغفرته بدلاً من الوعد والانتظار يجد أمامه أبوابه سبحانه مفتوحة للتوبة، والاستغفار والإنابة إليه. ارجع إلى الآية 100 من نفس السورة.
سورة النساء [4: 111]
{وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} :
{وَمَنْ} : الواو: عاطفة، ومن: شرطية.
{يَكْسِبْ إِثْمًا} : الإثم هو الذنب المتعمد (المنهي عنه، والمسمى بالسوء) ويشمل الصغائر والكبائر، ويكسب من كسب، وكسب تستعمل لكسب الخير عادة، واكتسب تستعمل للشر، أو الحرام على وزن افتعل، تحتاج إلى جهد ومشقة، وكسب تستعمل للحصول على الحرام بدلاً من اكتسب إذا أصبح الإنسان مدمناً على فعل الحرام، ومهنته تلك، عندها يسهل عليه فعل الحرام.
{فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} : أيْ: ضرر، وعقوبة، أو ما قام به يعود عليه، ويرجع وبال ما كسب عليه وحده.
على تفيد الاستعلاء، والمشقة.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} : (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، عليماً بما يقوله خلقه ويفعلونه عليماً بكل شيء، بنواياهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وذوات صدورهم.
{حَكِيمًا} : في تدبير خلقه، وكونه، وحكيماً تعني: الحكمة، والحكم فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (129) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة النساء [4: 112]
{وَمَنْ يَكْسِبْ} : ارجع إلى الآية السابقة.
{خَطِيئَةً} : أي: صغائر الذنوب، أو الأمر غير المتعمد.
{إِثْمًا} : الذنب المتعمد (المنهي عنه).
{ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} : (مثل ما فعل طعمة بن أبيرق)؛ أيْ: يتهم، أو يقذف بما جناه من الإثم بريئاً.
{فَقَدِ احْتَمَلَ} : أيْ: حمل الإثم، أو الخطيئة على ظهره، وبذل جهداً؛ لكي يحملها كما يُرفع الحمل من الأسفل إلى الأعلى. إذن احتمل تعني حمل وفيه جهد، ومشقة.
{بُهْتَانًا} : الكذب المتعمد المفترى الذي يبهت السامع من شدته، فهو قد كذب؛ لكي ينفي الإثم عن نفسه.
أولاً: ثم أكبر من ذلك بأن ألصق الإثم، أو الخطيئة بشخص بريء.
{وَإِثْمًا مُبِينًا} : إثما ظاهراً لمن سمع به، أو اطلع عليه، وكل إنسان يعلم أنه إثم، والإثم نفسه لا يبقى خافياً، بل يُظهر نفسه.
والبهتان هو أمر معنوي، ولكن في هذه الآية (لقوله: احتمل)، فقد حوَّلَه من أمر معنوي إلى أمر حسي مادي، كي يشعر به صاحبه كأنه يحمله على كتفه وظهره.
سورة النساء [4: 113]
{وَلَوْلَا} : الواو: استئنافية.
لولا: حرف شرط يدل على امتناع شيء لوجود غيره؛ أيْ: حرف امتناع لوجود (وجود رحمة الله وفضله منعت إضلالك).
{فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ} : القرآن والإسلام.
{وَرَحْمَتُهُ} : النبوَّة والعصمة.
{لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ} : الطائفة: هم بنو أبيرق.
الهم: هو ما دون العزم، والعزم أعلى درجة في الهم وبدء التنفيذ، واللام: في لهمتْ: للتأكيد.
{أَنْ يُضِلُّوكَ} : أن: للتوكيد، والتعليل.
{يُضِلُّوكَ} : بالتزيين، والقول، والتدبير (التبيُّت)، ويضلوك هنا: تعني: يصرفونك عن الحكم العادل، والحق، ولا يعني: ضلال العقيدة، والدِّين.
ويضلونك: بألسنتهم، وبجدالهم للباطل.
{وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ} :
{وَمَا} : النافية.
{وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ} : أي: الضلال الذي جادلوك به يرجع وزره ووباله عليهم أنفسهم.
{إِلَّا} : تفيد الحصر؛ أيْ: حصراً على أنفسهم وحدهم.
{وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ} : ما: النافية. يضرونك: بالتهمة، والافتراء.
بالقول: انظروا كيف يعاقب محمد بريئاً، أو هو غير عادل، أو يتعصب محمد لأصحابه، ولم يقل: يضروك، بل قال: يضرونك؛ لتأكيد النفي بالنون.
وكذلك المجيء بـ (ما) مرة ثانية؛ لتأكيد نفي الضرر، والضلال عنك.
{مِنْ} : استغراقية تشمل كل شيء.
{شَىْءٍ} : نكرة.
{مِنْ شَىْءٍ} : شيء مهم، مهما كان نوعه، أو صغره، وكبره.
والشيء: هو أقل القليل.
{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} : الكتاب: القرآن، والحكمة قيل: هي النبوَّة، أو مقاصد الشريعة، وفهم الأحكام، والدِّين.
{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} : من أمور الدِّين، والشريعة، والكتاب، والغيبيات، والعلوم، والمعارف، ما لم تكن تعلم: أيْ: تعرف.
{وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} : الفضل: تعريفه: هو الزيادة على الأجر؛ أيْ: كرمه وإحسانه، كرَّر كلمة فضل الله مرتين؛ للتأكيد.
الفضل الأول: صرفك عن القضاء، أو الحكم غير العادل بما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم، وأعمالهم الضالة.
والفضل الثاني: إنزال القرآن عليك، والنبوَّة، وعلمك ما لم تكن تعلم من أمور الدِّين والشريعة.
وكذلك العصمة، وكونك خاتم النبيين، وكونك أرسلت للناس كافة بشيراً، ونذيراً، وشهيداً عليهم يوم القيامة، وغيرها من النعم العظيمة التي لا تعد، ولا تحصى.
سورة النساء [4: 114]
النجوى: هي الكلام الخفي الذي تناحي به صاحبك، وهناك شخص ثالث؛ لا يسمع ما تقولانه، والنجوى لا تكون أدنى من ثلاثة: اثنان يتناجيان، والثالث لا يشارك في النجوى، وتتم النجوى عادة بخفض الصوت حتى يصعب على القريب سماعه.
والنجوى قد تكون بين أكثر من اثنين (ثلاثة، أو أربعة
…
)، والآخرون الحاضرون في المجلس لا يسمعون ما يتناجى به إخوانهم.
والنجوى مشتقة من: نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع في الجبل، وحين تناجي أحداً، فكأنك ترفع من تناجي عن غيره من الحاضرين في المجلس. ارجع إلى سورة المجادلة، آية (7)؛ لمزيد من البيان.
{لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ} :
{لَا} : النافية للجنس.
{خَيْرَ} : لا فائدة، ولا نفع.
{فِى كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ} : أيْ: كثير من النجوى، لا فائدة منها، ولا نفع، وهناك نجوى قليلة، فيها خير، وتعين على الحق، مستثناة من النجوى السابقة، وهي التي تدور حول صدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، وهي ما ذكره الله تعالى بقوله:{إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} .
{إِلَّا} : أداة استثناء من النجوى المحرمة النجوى التي تدور حول صدقة، أو إصلاح، أو معروف. أمر بصدقة: أيْ: حث على صدقة.
{أَوْ مَعْرُوفٍ} : المعروف تعريفه: هو كل ما أمر به الشرع، واستحسنه العقل والعرف الصحيح.
{أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} : الإصلاح: يشمل العقيدة، والأخلاق، وعمارة الأرض، وتربية النفوس، والأعمال الصالحة، والإصلاح ضد الفساد.
{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} :
{وَمَنْ} : الواو عاطفة. من: شرطية للعاقل، وتشمل الواحد، أو الاثنين، أو الجماعة.
{يَفْعَلْ ذَلِكَ} : ذلك: اسم إشارة، يشير إلى الصدقة، والمعروف، والإصلاح بين الناس.
{فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} : سوف: تدل على التراخي في الزمن، وتدل على الأجر العظيم، وهو جنات النعيم؛ أيْ: سيكون في الآخرة، ولو قال سنؤتيه: السين تدل على الاستقبال القريب؛ أيْ: سنؤتيه في الدنيا الأجر العظيم.
سورة النساء [4: 115]
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: شرطية.
{يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} : أيْ: يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعاديه؛ أيْ: يخالف سنته في التوحيد، أو الحدود، وما أمر به، ونهى عنه صلى الله عليه وسلم، وهناك فرق بين يشاقق ويشاق؛ انظر في نهاية الآية للبيان.
{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} : الإسلام، والحق.
{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} : الكتاب، والسنة، وهما السبيل الوحيد. والواو في ويتبع: واو العطف انظر كيف عطف اتباع غير سبيل المؤمنين على مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وللدلالة على أهمية الوحدة الإسلامية.
{نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} : نتركه لكفره، وضلاله، ونخلي بينه وبين ما اختاره لنفسه من الضلال.
{وَنُصْلِهِ} : ندخل، ونحرقه بجهنم، يقال: صليت اللحم؛ أيْ: شويته، وأصليته: حرقته.
{جَهَنَّمَ} : ارجع إلى سورة آل عمران، آية (12)؛ للبيان.
{وَسَاءَتْ مَصِيرًا} : ساء فعل ذم، ساءت مرجعاً يُصار إليه.
ونعود إلى كلمة يشاقق الرسول: فيها فك للإدغام، بينما يشاق الرسول فيه إدغام، وفك الإدغام هو الأصل، ولكن يجوز كلا الأمرين: فك الإدغام، أو الإدغام، وقد لوحظ في القرآن أنه سبحانه إذا فك الإدغام يصاحبه بذكر الله، وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يفك الإدغام:(كقوله: يشاقّ): يأتي بذكر الله جل جلاله وحده فقط.
سورة النساء [4: 116]
سبب النزول: قيل: نزلت في حق طعمة بن أبيرق؛ لما هرب إلى مكة، ومات على الشرك وهذا قول الجمهور.
وقيل: كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني منهمك في الذنوب إلّا أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وإني لنادم مستغفر، فما حالي؟ فنزلت هذه الآية.
وقيل: نزلت هذه الآية بعد نزول الآية: {قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
ولا بد من مقارنة هذه الآية (116) في سورة النساء مع الآية (48) في نفس السورة لنجد تشابه الآيتين والاختلاف في نهاية كل آية؛ فالآية (116) يقول الله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} ، وأما الآية (48) يقول الله تعالى:{فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ؛ فالآية (48): نزلت في سياق اليهود وتحريفهم للتوراة، وافترائهم على الله فكانت خاتمة الآية:{فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ، وأما الآية (116): نزلت في سياق كفار مكة وضلالهم، وعبادة الأصنام فكانت خاتمة الآية:{فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} .
وتختلف نهاية هذه الآية عن الآية (48) بقوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} .
{فَقَدْ} : فالفاء: رابطة لجواب الشرط. قد: للتحقيق، والتوكيد.
{ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} : ابتعد عن طريق الحق إلى غاية الابتعاد قليلاً ما يُرجى لصاحبه الاهتداء، والرجوع من الضلال. وضل: مصدرها الضلال، وأضل: مصدرها الإضلال، وضلالاً: جمعت المعنيين الإضلال والضلال، ومعنى ذلك: أن الشيطان يريد أن يضلهم، وأن يشاركوا هم بأنفسهم في الضلال، وأن يسلكوا سبل الضلال المختلفة.
سورة النساء [4: 117]
{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا} :
إن: حرف نفي بمعنى ما، والنفي بـ (إن) أقوى من النفي بما.
النفي بـ (إن): تفيد زيادة في توكيد النفي، وتنفي كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{يَدْعُونَ} : ما يعبدون، أو ما يدعون.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{إِنَاثًا} : جمع أنثى؛ أيْ: أصناماً آلهة، سمّوها إناثاً (مثل الّلات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى)، فكان لكل قبيلة صنم يمثلها، أو إناثاً تعني الملائكة كانوا يسموها إناثاً، وفي قراءة أخرى: إن يدعون إلا أوثاناً: جمع وثن.
{وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا} : أيْ: وما يدعون من دون الله إلا شيطاناً مريداً؛ من مرد، والمتمرِّد لها معانٍ عدة:
الخارج عن طاعة الله عز وجل.
البالغ الغاية في الشر والفساد.
أو عتا، وتجبر.
أو الأملس الذي يتملَّص من أتباعه.
سورة النساء [4: 118]
{لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} :
{لَعَنَهُ اللَّهُ} : اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
{لَأَتَّخِذَنَّ} : اللام: لام التوكيد، والنون في كلمة اتخذنَّ: لزيادة التوكيد.
{مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} : حظاً معيناً؛ أيْ: حصة معلومة؛ أيْ: حظاً افترضته لنفسي فيهم، والفرض هنا تعني القطع الذي قطعه إبليس على نفسه، وهو لا يعني الفرض الذي فرض الله على عباده، وقد قيل: في حديث مسلم: «وكان نصيبه من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون» .
سورة النساء [4: 119]
{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} : الواو واللام والنون: للتوكيد؛ ثلاثة توكيدات.
{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} : يعني: لأضلنهم عن سبيل الهدى، أو عن الحق، أو لأغوينَّهم بالوساوس والتزيين، والنزغ.
{وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} : فيها ثلاث توكيدات كما في لأضلنَّهم.
{وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} : الأماني الباطلة التي لن تحصل؛ مثل: افعل ما تشاء سيُغفر لك وطول العمر، وليس هناك بعث، ولا حساب، ولا جنة ولا نار، وأخِّر التوبة، وركوب المعاصي.
{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} : البتك: هو القطع، وقيل: الشق؛ أيْ: قطع، أو شق الآذان، آذان الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، كالبحيرة والسائبة والوصيلة، والبتك: يعني: أصبحت منذورة للأصنام، فلا تركب، أو تذبح.
{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} : ليغيرن دِين الله بالكفر، وتحريم ما أحل الله، وإحلال ما حرم الله، أو تغيير خلق الله؛ يعني: بالوشم، والاستنساخ البشري، وتزينه في عقول العاملين في علو الجنين والوراثة.
{فَلَيُغَيِّرُنَّ} : والفاء، والنون: للتوكيد.
{وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} :
{وَمَنْ} : شرطية. من: للعاقل، وتشمل الفرد والجماعة.
{يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا} : الشيطان: كلمة الشيطان مشتقة من شطن. ارجع إلى الآية (36) من سورة البقرة؛ للبيان.
{وَلِيًّا} : عوناً: يقتدي به، ويتبع خطواته، ويطيعه.
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد.
{خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} : ظاهراً في الدنيا والآخرة، وهو دخول النار؛ أيْ: خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
{مُبِينًا} : ظاهراً لكل إنسان، وخسران مظهر لنفسه لا يخفى.
وهناك فرق بين الخُسر، والخسارة، والخسران:
الخُسر: مطلق الخسارة، سواء كانت خسارة صغيرة، أو كبيرة.
أما الخسارة: فما زاد عنه الخُسر خسارة، أو خسار؛ كقوله تعالى:{وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} [فاطر: 39].
أما الخسران: فهو أعظم الخسارة، أو أشدها. ارجع إلى الآية (22، 63) من سورة هود لمزيد من البيان، ومعرفة معنى الأخسرون، وتخسير.
سورة النساء [4: 120]
{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} :
{يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ} : يعد أولياءَه، بالباطل، وبالفقر، والفحشاء، ويعدهم: بالمعونة، والنصرة يوم القيامة.
{وَيُمَنِّيهِمْ} : التمني: معنى في النفس قد يقع على المستقبل، أو الماضي، ويتعلق هذا التمني بالأماني الباطلة الكاذبة لا دليل عليها؛ بأنهم هم الفائزون، وطول العمر، وأن الله سيغفر لهم ويرحمهم مهما عملوا من الآثام والكبائر.
{وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ} : وما: الواو: حالية، وما: نافية.
{يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ} : تكرار يعدهم: للتوكيد.
{إِلَّا} : للحصر.
{غُرُورًا} : الغُرور بضم الغين؛ يعني: الخداع، والباطل، أو هو إظهار خلاف ما يُبطن، يظهر لهم النفع وهو في الحقيقة ضرر. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (185)، وسورة فاطر، آية (5).
سورة النساء [4: 121]
{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} :
{أُولَئِكَ} : اسم إشارة، واللام: للبعد، يشير إلى الذين يتخذون الشياطين أولياء.
{مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} : مقرهم، ومكان إقامتهم، واستقرارهم جهنم. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (12).
{وَلَا} : الواو: عاطفة، لا: النافية.
{يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} المحيص: اسم مكان، وهو المفر والمهرب؛ أيْ: لا يجدون مكاناً يفرون، أو يهربون إليه مما حاق بهم ونزل.
سورة النساء [4: 122]
{وَالَّذِينَ} : اسم موصول.
{سَنُدْخِلُهُمْ} : السين للاستقبال القريب.
{جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : أيْ: تنبع من تحتها الأنهار.
{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} : الخلود الاستمرار، والبقاء إلى ما لا نهاية، والخلود يبدأ من زمن، وهو زمن دخولهم الجنة بعد الحساب، ويوم القيامة.
{أَبَدًا} : المستقبل الذي ليس له نهاية، وقد تعني دخولهم الجنة من دون حساب، ولا انتظار، يدخلون الجنة بعد البعث مباشرة.
{وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} : الوعد: يحمل معنى الخبر، والشيء السار غالباً، وإذا جاء في معنى الشر يعني: التوبيخ والتقريع.
أما الوعيد: فيحمل معنى الشر دائماً.
{حَقًّا} : الحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير؛ أيْ: وعداً من الله تعالى لا يتغير، ولا يتبدل، وعد الصدق.
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} :
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: استفهام تقريري.
{وَمَنْ أَصْدَقُ} : معناه: أيوجد أصدق من الله تعالى؟ والإجابة: لا يوجد حاشا لله.
{قِيلًا} : مصدر سماعي لفعل قال يقول قيلاً؛ أيْ: قولاً؛ أيْ: ومن أصدق (على وزن أفعل) من الله قولاً، وللتفريق بين:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} ، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}: ارجع إلى الآية (87) من نفس السورة.
سورة النساء [4: 123]
المناسبة: بعد قوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} : يأتي قوله: ليس بأمانيكم متعلق بقوله: ويُمنيهم.
والتقدير: ليس الفوز بالجنة، أو النجاة من النار أمراً متعلقاً بأمانيكم، أو أماني الشيطان، أو أماني أهل الكتاب، أو أيِّ أحدٍ، وإنما الأمر متعلق بالإيمان، والعمل الصالح، فلا تغرنَّكم الأماني الكاذبة.
{لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} :
{لَّيْسَ} : للنفي؛ تنفي الحال، وغير الحال.
{بِأَمَانِيِّكُمْ} : الباء: للإلصاق، والخطاب موجَّه إلى المؤمنين.
{وَلَا} : الواو: عاطفة. لا: النافية؛ لتأكيد النفي السابق.
{أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} : اليهود والنصارى الذين يقولون: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111].
وكذلك قولهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [آل عمران: 24].
ولم يذكر أماني الكفار؛ كالذي يقول: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا} [الكهف: 36].
{مَنْ} : شرطية استغراقية تشمل الإنس والجن.
{يَعْمَلْ سُوءًا} : جاءت كلمة سوء نكرةً؛ لتشمل كل أنواع السوء: الظلم، والشرك، وكل أمر منهي عنه، والذنب، والقبيح، والمعصية، والسيئات.
وقيل: السوء: هو كل ما يسيء إلى النفس، وإلى الغير، أو يسوء إظهاره.
{يُجْزَ بِهِ} : في الدنيا، أو في الآخرة.
الجزاء: وهو مقابل العمل، فالجزاء منوط بالعمل؛ أيْ: يعاقب عليه.
{وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} :
{وَلَا يَجِدْ لَهُ} : الواو: عاطفة.
{وَلَا} : نافية؛ أيْ: من يعمل سوءاً لا يجد له من دون الله، من غير الله تعالى.
{وَلِيًّا} : الولي: القريب المعين.
{وَلَا} : تكرار لا: يفيد توكيد النفي، وفصل الولي عن النصير.
{وَلَا نَصِيرًا} : يدافع عنه وينصره، أو يدفع عنه عذاب الله سبحانه.
والولي غير النصير، فلو وجدت ولياً قد لا يكون قادراً على نصرك، أو وجدت نصيراً قد لا يكون قادراً على ولايتك، أو قد لا تجد لا هذا، ولا ذاك.
سورة النساء [4: 124]
{وَمَنْ} : الواو: عاطفة. ومن: شرطية ابتدائية للعاقل، وقد تعني المفرد أو الجمع.
{مِنَ الصَّالِحَاتِ} : ولم يقل: يعمل الصالحات، وإنما قال: من؛ التي تدل على التبعيض؛ أيْ: بعض الصالحات؛ لأنه لا يوجد إنسان يستطيع أن يعمل كل الصالحات.
والصالحات: قيل تشمل كل الفروض، والأركان، والنوافل، وغيرها من العبادات بما فيها العبادات القلبية.
{مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} : من: استغراقية؛ تشمل كل ذكر، وأنثى، وهو مؤمن، لا فرق بين ذكر، أو أنثى ما دام مؤمناً.
{فَأُولَئِكَ} : الفاء: للتأكيد. أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب؛ تشير إلى الذين يعملون الصالحات.
{يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} : لا يظلم، ولا ينقص من حقه مقدار النقير.
والنقير: نقرة في ظهر نواة التمر.
وأما الفتيل: فهو الخيط في بطن النواة.
وأما القطمير: فهو غلاف النواة الرقيق.
أيْ: لا يظلمون حسنة، ولا سيئة.
سورة النساء [4: 125]
{وَمَنْ} : الواو: استئنافية. من: استفهام تقريري.
الجواب: لا أحد أحسن ممن أسلم وجهه لله، واتخذ الإسلام دِيناً، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفاً؛ فليس ثمة أحسن دِيناً ممن أخلص وجهه لله، وآمن بتوحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.
لنقارن قوله تعالى: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} ، وهناك آية:{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [لقمان: 22].
أسلم وجهه لله: أيْ: وصل مرحلة من الإيمان، والتقوى هي القمة والغاية.
بينما أسلم وجهه إلى الله: لا زال في طريقه إلى الغاية، وهي إسلام الوجه، فهو ما زال بحاجة إلى عمل، وتقوى، وإخلاص.
فالذي أسلم وجهه لله أفضل من الذي أسلم وجهه إلى الله.
وإسلام الوجه عملية شاقة تحتاج إلى جهد كبير، وسيطرة على الشهوات، ومحاربة الشيطان؛ أيْ: أخلص نفسه، وتوجه بعبادته لله وحده.
{وَهُوَ مُحْسِنٌ} : وهو ضمير منفصل يفيد الحصر، والتوكيد، والإحسان: يتضمن إحسان الكيف، وإحسان الكم. ارجع إلى الآية (112) من سورة البقرة.
{وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} : ملة إبراهيم: شريعة إبراهيم الحنيفية.
{حَنِيفًا} : مائلاً عن سائر الأديان الباطلة إلى الحق.
{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} : خليلاً من الخلة، والخلة: هي الصداقة، والمودة مع التكريم، المودة التي لا مشاركة فيها.
وقيل: الخلة من الخِل، وهو طريق في الصحراء، أو طريق ضيقة في الرمل حين يسير فيه اثنان يتكاتفان، هذا التكاتف القريب جداً يمثل مقدار الود بينهما، فكلاهما متخلل للآخر بالحب والإسرار له.
سورة النساء [4: 126]
{وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا} :
{وَلِلَّهِ} : الواو: عاطفة.
لله: جار ومجرور، لفظ الجلالة، وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أيْ: ما في السموات وما في الأرض لله وحده لا شريك له في الملك والحكم.
{وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ} : نفسها كظرف، وما فيها كمظروف: ملكاً، وخلقاً، وملائكة.
وله ما في الأرض: نفسها كظرف، وما فيها كمظروف: ملكاً، وخلقاً، وعبيداً.
{وَمَا فِى} : للعاقل، وغير العاقل.
فهو المالك مالك الملك، والحاكم معاً.
وبما أنه سبحانه له ما في السموات، وما في الأرض؛ فطاعته واجبة؛ لأنه جل وعلا هو المعبود الحق، والخالق الحق.
{وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا} : (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، كان ولا زال، وسيظل منذ الأزل إلى الأبد.
بكل شيء: الباء: للإلصاق. شيء: نكرة مهما صغر، أو كبر، وكان نوعه وشكله: هو ملكه سبحانه.
{بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا} : علماً، وقدرة، وتدبيراً، وسيطرة، وعالماً بأعمال عباده، فهو مجازيهم على خيرها، وشرها، لا يفوته شيء مهما كان.
سورة النساء [4: 127]
{وَيَسْتَفْتُونَكَ} : الواو: استئنافية؛ أيْ: ما زالوا يطلبون منك الفتيا في شأن النساء، ما يحل لهنَّ، أو ما يحرم عليهنَّ.
والفتيا: هي الإخبار بحكم الله عن دليل لمن سأل عنه في أمر نازل، وإذا نظرنا إلى الآية (176) في نفس السورة يقول تعالى:(يستفتونك) بدون الواو، وذلك لأن يستفتونك هذه عامة؛ أي: فيما يخطر على بالهم من الأمور من الكلالة وغير الكلالة.
{قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} : قل لهم أيها الرسول: الله يفتيكم فيهنَّ مباشرة، ومن دون تأخير، أو تأجيل؛ لاستنباط الحكم، أو قل لهم يا رسول الله: الله يفتيكم من جديد، فربما أخبروا بالفتوى سابقاً، وما يتلى عليكم في الكتاب في القرآن من الأحكام، كذلك يُعد فتوى لكم.
{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَاءِ} : انتبه إلى ما طلبوا؛ هم طلبوا الفتوى في النساء عامة؛ أيْ: عامة النساء: صغيرات، أو كبيرات، يتيمات، غير يتيمات، فجاء الرد خاصاً في اليتامى من النساء، والمستضعفين من الوالدين فقط، لماذا؟
لأن الله سبحانه قد أفتاهم في النساء بما فيه الكفاية سابقاً؛ بما بين لهم من الأحكام في كتابه الكريم (القرآن).
فقد ذكر لهم أحكام الميراث، والطلاق، والزواج، والخطبة، والرضاعة.
فجاء الرد في هذه المرة في يتامى النساء؛ لأن اليتيمة ضعيفة، وتحتاج إلى عون.
أما النساء الأخريات؛ فلهنَّ القدرة على الوصول إلى الفتوى الخاصَّة بهنَّ.
{الَّاتِى} : اسم إشارة تعود على يتامى النساء.
{لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} : ما كتب لهنَّ؛ أيْ: ما فرض لهنَّ من الميراث، أو المهر.
{وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} : ترغبون: من الرغبة وهي الطلب بحرص، والرغبة قد تكون (في) أو (عن)؛ في: تعني الطلب بحرص، وعن: تعني عدم الطلب وتركه، وهنا عندنا احتمالين: الأول: ترغبون عن أن تنكحوهنَّ؛ لأنهنَّ غير جميلات مثلاً، فلا تعضلوهنَّ أن ينكحن؛ أيْ: يتزوجن بغيركم؛ (فقد كان لا يسمح لها بالزواج من غيره؛ كي لا يخسر مالها، ويصبح زوجها أولى بمالها).
الاحتمال الثاني: ترغبون في أن تنكحوهنَّ؛ لأنهنَّ جميلات، وذوات مال (فالوصي كان ينكحها، ويستمتع بمالها، ويستولي على مالها، ولا يعطيها حتى مهرها)، فالله يفتيكم ألا تفعلوا ذلك.
{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} : وهذا هو الصنف الثاني: المستضعف، وهو اليتيم الذي لم يبلغ الحلم بعد، والذي فقد (مات) أباه؛ حيث كانوا لا يورثون الصغير من الغلمان، فنهاهم الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، وللذكر مثل حظ الأنثيين.
{وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} : وأن: للتوكيد.
{تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} : بالعدل؛ أيْ: تعاملوا اليتامى بالعدل، كما ذكر في أول السورة.
والقِسط: هو الحكم بالعدل، وتنفيذ الحكم، وليس مجرد الحكم.
{بِالْقِسْطِ} : بكسر القاف.
أما القَسط بفتح القاف؛ فيعني: الجور والظلم؛ ارجع إلى الآية (3) في نفس السورة لمزيد من البيان.
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} :
{وَمَا} : الواو: عاطفة. ما: شرطية.
{تَفْعَلُوا} : تقوموا به.
{مِنْ} : استغراقية تستغرق كل خير.
{خَيْرٍ} : نكرة تشمل كل خير، والخير: هو الشيء الحسن النافع؛ مثل: الإحسان، والعدل إلى المرأة، واليتيم، ومراعاة حقوقهما.
{فَإِنَّ} : الفاء: للتوكيد.
إن: لزيادة التوكيد.
{كَانَ بِهِ عَلِيمًا} : (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. يعلم النيات، والأعمال، والخفايا، وما يفعل بهؤلاء الضعفاء من خير، أو غدر، أو مكر، والله يعلم ذلك حتى قبل وقوعه، وفي كل زمان ومكان، فلا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء.
سورة النساء [4: 128]
{وَإِنِ} : الواو: استئنافية.
إن: شرطية تدل على قلة الحدوث، أو الاحتمال مقارنة بـ (إذا) التي تدل على كثرة الحدوث.
{امْرَأَةٌ} : نكرة؛ أيُّ امرأةٍ، ولم يقل: زوجة؛ لأن هناك اختلافاً في المعنى بين امرأة وزوجة. الزوجة: تعني هناك توافق بين الزوجين؛ أيْ: متكافئين في العقيدة، والدِّين، إذا حدث بينهما شيء من الاختلاف يزول.
امرأة: كلمة امرأة تستعمل حين يوجد ما يخل بالحياة الزوجية مثل هناك اختلاف مثل: عدم الاستقرار الأسري والنشوز والإعراض أو اختلاف في العقيدة؛ كقوله: امرأة فرعون، امرأة نوح، وامرأة لوط، بين الزوجين، أو قد تكون عاقراً، أو فيها مرض ما يطلق عليها القرآن امرأة. ارجع إلى سورة القصص آية (9) لمزيد من البيان.
{خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} :
والخوف: هو توقع الضر المشكوك في وقوعه، وهو خلاف الطمأنينة.
وهناك فرق بين الخوف والحذر؛ فالحذر: هو توقي الضرر المتوقع، سواء كان ظناً، أو يقيناً، والحذر: لدفع الضرر، والحذر: لا يدفع الخوف.
وأما الخشية: فهي خوف حقيقي؛ أي: الشيء الذي تخافه هو حقيقة، مع الشعور بعظمة الذي تخافه، مع العلم به.
والخوف: إذا اشتدّ أصبح خشية، وإذا اشتد أكثر أصبح وجَلاً.
{مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} : البعل: وهو الزوج، والسيد، والقائم عليها (والمنفق عليها)، والمباعلة تعني: في طياتها المحبة، والمعاشرة الزوجية. وقوله تعالى بعلها، ولم يقل زوجها؛ لوجود الاختلاف بين الزوجين بسبب النشوز وعدم الاستقرار الأسري، وكذلك ليذكرها بكلمة البعل الحامل لمعنى المعاشرة الزوجية لعلها تحن وترجع عن النشوز وتصبح زوجة.
نشوزاً: مصدر سماعي لفعل نشز ينشز، وهو مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع وظهر من الأرض.
والمفروض: أن الأرض أن تكون مبسوطة؛ فإن وجد فيها ارتفاعاً فهذا يسمَّى نشوزاً، ويعني: تكبر وارتفاع من الزوج عن زوجته؛ أي: التباعد، والكراهية، وترك مضاجعتها، والتقصير في نفقتها، والرغبة في تركها، وفراقها، وحب غيرها، سواء لكبر سنها، أو مرضها.
أو إعراضاً: أيْ: عدم الكلام إليها وتجنبها؛ كأن يكون إعراضاً بالوجه، أو إعراضاً بالبدن، ومنعها نفسه والكراهية لها.
والنشوز: قد يحصل من الزوجة، وليس من الزوج، كما قال تعالى في نفس السورة، آية (34):{وَالَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} : بأن تتكبر عليه، وتهمل واجباتها، فلا بُدَّ من علاج النشوز بمجرد وقوعه، وعدم الانتظار حتى يصعب علاجه.
{فَلَا جُنَاحَ} : الفاء: للتوكيد.
لا جناح؛ أيْ: لا أثم.
وجناح من جنح؛ أيْ: مال عن القصد، وسُمِّيَ الجناح إثم؛ لأنه ميل عن الحق. عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً: الزوج والزوجة. ارجع إلى الآية (101) من سورة النساء؛ للبيان.
{أَنْ يُصْلِحَا} : أصلها يتصالحا، ثم أدغمت التاء في الصاد، وقد تعني: يصلحا من أصلح، والإصلاح: يبدأ بمجرد ما تشعر الزوجة بنشوز زوجها، تبحث عن الأسباب؛ فإذا كانت هذه الأسباب تعود إليها مثل: تقصيرها في حق زوجها، أو معاملتها السيئة، أو غيره تحاول أن تتجنب ذلك، وإن كانت أسباب قاهرة، مثل: كبرها، أو مرضها، أو جمالها؛ فيمكن أن تتنازل عن شيء من حقوقها من قبيل الإحسان، مثلاً: تتنازل له عن حقها في الفراش، أو النفقة، أو غيرها، أو تسمح له بالزواج، وتبقى كزوجة له، ولها حق النفقة والصحبة مثلاً، بدلاً من الطلاق، أو الفضيحة.
{صُلْحًا} : تقديره فيصلح الأمر صلحاً، بأي نوع من أنواع الصلح يمكن القيام به، أو التوصل إليه خير من الدوام على العشرة بالنشوز؛ أي: الإعراض.
{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ} :
{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} : خير من الفرقة، والطلاق، أو استمرار النشوز والإعراض، وسوء المعاشرة والخصومة.
{الشُّحَّ} : هو أشد البخل مع شدة الحرص على منع الخير.
{وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ} : يعني: الشح كان في الأنفس، ولم يقل: النفوس. النفوس تعني: كل نفس، أما الأنفس: فلا تعني كل نفس قبل أن تحضر، أو تجيء للصلح، أو قبل النشوز، أو هي مطبوعة عليه، أو جُبلت عليه لا يغيب عنها، أو هو يسيطر عليها.
وكلمة الأنفس: تدل على أن الشح يشمل الجنس البشري من: رجال، ونساء، وأطفال، وشيوخ.
وموجود في معظم الأنفس البشرية: فالمرأة تشح على زوجها، والزوج يشح على زوجته، وكلاهما بخيل على الآخر.
وهذا ليس فرضاً من الله، أو هو خلقها سبحانه كذلك، وإنما هي اختارت أن تكون شحيحة، وهو سبحانه شاء لها ذلك أيضاً، فهناك نفوس كريمة تعفو وتصفح، ونفوس شحيحة، فالشح يؤدِّي إلى عدم تنازل أحد الزوجين للآخر عن أيِّ شيءٍ من الحقوق، والكل يطمع أكثر فأكثر، فيؤدِّي ذلك إلى الطلاق، وتفكك الأسرة، وإهانتها.
{وَإِنْ} : إن: شرطية؛ تدل على الاحتمال، والندرة في الحدوث.
{تُحْسِنُوا} : معاشرتهن وتصبروا، وتحسنوا إلى بعضكم بعضاً، كما أوصاكم الله سبحانه، وتتركوا النشوز وعدم نسيان الفضل بينكم وكيف أفضى بعضكم إلى بعض.
{وَتَتَّقُوا} : الظلم، والجور من كلا الطرفين.
{فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} :
{فَإِنَّ} : الفاء: للتوكيد. إن: لزيادة التوكيد.
{كَانَ} : تفيد الماضي، والحاضر، والمستقبل، وكون ذاته خبيراً: فهي صفة ملازمة لذاته من الأزل.
{بِمَا تَعْمَلُونَ} : الباء: للإلصاق.
{تَعْمَلُونَ} : تشمل الأفعال، والأقوال، وقدَّم كلمة تعملون على كلمة (خبيراً)؛ لأن السياق في أعمال العباد.
وما: مصدرية، أو اسم موصول بمعنى الذي.
{خَبِيرًا} : يعلم نواياكم وبواطن أموركم، وخبير بذات الصدور، وأحاط علمه بكل شيء، وبخلقه وكونه.
سورة النساء [4: 129]
{وَلَنْ} : الواو: استئنافية. ولن: حرف نفي، ينفي المستقبل القريب والبعيد، وليس النفي المؤبد.
{تَسْتَطِيعُوا} : الاستطاعة: تعني القدرة، ولكن الاستطاعة أخصّ من القدرة، فكلّ مستطيع قادرٌ، وليس كل قادر بمستطيع، والقدرة من الاستطاعة، والاستطاعة هنا هي الاستطاعة المعنوية القلبية، وليست الاستطاعة المادية (كالنفقة، والمأكل، والمشرب، والكسوة، وقضاء الوقت عند هذه، أو تلك).
{أَنْ} : للتوكيد.
{تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} : من العدل، ويقصد بالعدل هنا: العدل العاطفي القلبي؛ أي: الحب، فهذا الأمر صعب، أو مستحيل، ولذلك لا يطالب به الشرع، أمّا العدل في النفقة، والموآنسة، والملبس، والمعاملة الحسنة، فهذا ما يطالب به الشرع.
{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} : فلا: الفاء: للتوكيد. لا: النافية للحال، والاستمرار والاستقبال.
{فَلَا تَمِيلُوا} : ميلاً عاطفياً قلبياً، لا تستطيعون السيطرة عليه، رغم أن الميل العاطفي مباح لكم، ولكن لا ينبغي أن يكون الميل العاطفي القلبي سبباً إلى الإخلال بالنفقة، أو سبباً للمعاملة السيئة، أو الظلم للزوجة الأخرى.
{فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} : أيْ: كالعازبة من دون زوج، فتتزوج أو المتزوجة لها زوج، ولكن لا يُحسب زوجاً لها؛ لأنه لا يعاملها كزوجة له.
{وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} : وإن: الواو عاطفة. إن: شرطية.
{تُصْلِحُوا} : معاشرتهن وتعاملوهن بالعدل، ورفع الظلم، وتتجنبوا الأسباب التي أدت بها إلى كونها كالمعلَّقة؛ فتصلحوها.
{وَتَتَّقُوا} : الله سبحانه، وتطيعوا أوامره بالمعاملة بالمعروف والإحسان، وتتجنبوا نواهيه من الظلم، والجور.
{فَإِنَّ اللَّهَ} : فإن: الفاء: للتوكيد، إنّ: لزيادة التوكيد.
{كَانَ} : تفيد الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{غَفُورًا رَحِيمًا} : أي: يغفر لكم ميل القلب، وما ليس باستطاعتكم؛ لأنه سبحانه غفوراً رحيماً؛ ارجع إلى الآية (25) في سورة النساء لمزيد من البيان.
سورة النساء [4: 130]
{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} :
{وَإِنْ} : الواو: عاطفة، إن: شرطية تدل على احتمال الحدوث، أو قلة.
{يَتَفَرَّقَا} : من الفرق خلاف الجمع؛ أي: يتفرقا الزوجان بالطلاق بعد فشل الصلح، وكل المحاولات.
{يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} : من رزقه وفضله، يرزقُ كليهما، ويغني أحدهما عن الآخر، بحيث لم يعد يحتاج أحدهما إلى الآخر، ويذهب كلٌّ في سبيله، ويعوض الله الزوجة بما هو خيرٌ لها منه، ويعوض الله الزوج بما هو خير له منها.
{وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} : و (كان): تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
الواسع: الذي وسع كل شيء علماً، ووسع خلقه برزقه، وعفوه، ورحمته؛ كرماً، وحلماً، واسع الملك، والفضل، والإحسان، عظيم الجود، والكرم.
{حَكِيمًا} : في تدبير خلقه، وكونه، وكل شيء، ذو الحكمة البالغة، فهو الحاكم، والحكيم، وهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (29) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة النساء [4: 131]
{وَلِلَّهِ} : الواو: استئنافية. لله: جار ومجرور اسم الجلالة، يدل التقديم عليه قصراً، وحصراً، وتوكيداً، له:{مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ} : واللام: في لله: تفيد الملكية.
{وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ} : ما: اسم موصول؛ أي: الذي في السموات، والذي في الأرض؛ للعاقل، ولغير العاقل، فهو المالك، والحاكم، والملك الحق؛ أيْ: له (السموات)، (وما في السموات) خلقاً، وملكاً، وجنداً.
وله: الأرض، وما في الأرض، فالظرف والمظروف؛ ملكه سبحانه، لا يشاركه فيه أحد.
{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} : لم يقل شرّعنا، أو فرضنا، وصينا فيها إشعار بقرب الموصي للموصى إليه؛ أيْ: عهدنا. ارجع إلى الآية (11) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
{الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : أيْ: أهل التوراة، والإنجيل (اليهود، والنصارى)، وسائر الكتب، والكتاب: اسم للجنس يشمل كل الكتب السماوية من قبلكم؛ أيْ: وسائر الأمم المتقدِّمة.
{وَإِيَّاكُمْ} : ضمير منفصل معطوف على: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} .
{أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} : أن: مصدرية، تفيد التوكيد.
{اتَّقُوا اللَّهَ} : أيْ: أطيعوا أوامر ربكم، واجتنبوا نواهيه، وقيل:{أَنِ} : هي المفسرة للوحي، والتي هي اتقوا ربكم ووحّدوه بما أوصاكم به، وإن تكفروا نِعَمُهُ وإحسانه، وأن تعرضوا عن طاعته، وتتجنبوا نواهيه، فإن لله ما في السموات، وما في الأرض.
{وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا} : عنكم، وعن عبادتكم، وطاعتكم، ولا تضروه شيئاً، فهو ذو الغنى والحمد؛ لأن له كلَّ ما في السموات والأرض.
{حَمِيدًا} : المحمود: من جميع صفات الحمد كلها، ومحموداً في صنعه سواء حمدتموه، أم لم تحمدوه، فهو صاحب الحمد، ومستحقه في كل الأحوال، حميداً من الأزل إلى الأبد.
سورة النساء [4: 132]
{وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} :
في هذه الآية كرر تعالى فيها الإعلان عن استحقاقه الحمد، والغنى، وأنه المعبود الحق؛ لأنه مالك كل شيء، ما في السموات، وما في الأرض، ولقيوميَّته عليها، وهو في الحقيقة ليس تكرار، كما سيأتي بعد قليل.
{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} : بالله: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
الوكيل: هو الكافي يفوض إليه الأمر كله، والمتولي تدبير خلقه بعلمه، وكمال قدرته، وحكمته الذي يكفيكم، ويغنيكم عن كل ما سواه؛ أيْ: هو المعين على كل شيء، والقادر المقتدر على فعل ذلك وحده؛ لأنه مالك كل شيء، والقائم عليه، وهو الحفيظ. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (89)؛ لمزيد من البيان.
وتكرار هذه الآية: {وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ} في الآية (126)، والآية (130)، والآية (131)، والآية (132): له دلالات بيانية مختلفة:
ففي الآية (126): فيها تحذير وإنذار بأن تعلموا بأن: {وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا} : محيطاً بما تقولون، وتفعلون.
وفي الآية (130): {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} ؛ لأن لله ما في السموات وما في الأرض، فهو قادر على إغناء الزوج والزوجة من سعته إذا حدث الطلاق، {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} .
وفي الآية: (131): فهي استجابة أو رداً على قوله تعالى: أن اتقوا ربكم وإن تكفروا فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم؛ لأن: {لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} .
وفي الآية: (132): هي استجابة، أو رداً على قوله تعالى:{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِـئَاخَرِينَ} أفضل منكم؛ لأنه سبحانه: {وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} .
سورة النساء [4: 133]
{إِنْ} : شرطية.
{يَشَأْ} : من المشيئة، وهي المرحلة التي تسبق الإرادة. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (27)؛ للبيان.
{يُذْهِبْكُمْ} : يهلكّم، أو يميتكم، أو يقضي عليكم.
{وَيَأْتِ بِـئَاخَرِينَ} : أفضل منكم، أو خلق جديد مغاير لخلقكم.
{وَكَانَ اللَّهُ} : (كان) تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{عَلَى ذَلِكَ} : ذلك: اسم إشارة للبعيد، تشير إلى الذهاب بكم، وإلى فنائكم.
{قَدِيرًا} : صيغة مبالغة من قادر؛ الذي لا يعجزه شيء، كامل القدرة. القادر:{يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم: 19-20].
سورة النساء [4: 134]
{مَنْ} : شرطية، وجواب الشرط جملة:{فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} .
{كَانَ يُرِيدُ} : للتأكيد.
{يُرِيدُ} : جاء بفعل مضارع، ولم يقل: أراد، من أراد ثواب الدنيا؛ ليدل على استمراره في إرادة الدنيا وطلبها، فهو لا يشبع منها.
{ثَوَابَ الدُّنْيَا} : الثواب: المكافأة على عمل معين في الخير، أو الشر، وكلمة الثواب تشير غالباً إلى الخير والثواب، قد يأتي بمعنى العقاب، ولا ثواب من دون عمل. ارجع إلى الآية (103) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
{ثَوَابَ الدُّنْيَا} : أيْ: نعيمها بالمال، والجاه، والزينة، والشهرة، وغيرها.
{فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} : يُبين الله سبحانه لمن يرجو فقط ثواب الدنيا، أنه يمكن له أن يحصل على ذلك، وعلى ثواب أعظم من ذلك، وهو ثواب الدنيا والآخر معاً.
وهذا من عظمته سبحانه وتعالى، وفضله، ورحمته: أن جعل ثواب الدنيا جائزة لمن يعمل للآخرة، وأما من أراد أن يكتفي بثواب الدنيا فله ذلك، ولكنه من الحماقة أن يُعطى له ثوابين، ثم يُقصر جهده، وعمله على جزاء واحد، أو ثواب واحد، وهو أدنى الثوابين، وهذا ما يقوم به عادة الكافر، والمشرك، والمنافق.
{وَكَانَ اللَّهُ} : (كان) تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{سَمِيعًا} : لكل ما يقوله عباده وخلقه، ويسمع ما في الكون من سر وعلن.
{بَصِيرًا} : يبصر كل شيء مهما دقَّ، أو صغر، أو كبر، أحاط بصره بجميع المبصرات، وبصير بما تعملون.
سورة النساء [4: 135]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء من الله للذين آمنوا بتكليف جديد، وهو:{كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} .
{قَوَّامِينَ} : جمع قوّام (وليس قائم)؛ قوّام: صيغة مبالغة لقائم، فلم يقل: كونوا قائمين، بل {قَوَّامِينَ}: ومن قام بالشيء فعله، وقوامين: تدل على كثرة القيام؛ أيْ: كونوا: {قَوَّامِينَ} : بالقسط؛ بكثرة، واستمروا على ذلك، وابذلوا جهدكم.
{بِالْقِسْطِ} : لغةً: هو الحظ والنصيب، ويستعمل في سياق الموازين، وكذلك القسط: هو الحكم بالعدل، وإزالة ورفع الظلم عن المظلوم. ارجع إلى الآية (3) في نفس السورة.
أما العدل: فهو الحكم بالحق، والمساواة في الأحكام: إعطاء كل ذي حق حقه؛ فلا يكفي الحكم، بل لا بُدَّ من تطبيق الحكم، وهذا يعني: بالقسط.
فهناك فرق بين العدل، والقسط: كلاهما يعني: المساواة والإنصاف، ولكن العدل: هو الحكم بالعدل، والقسط: هو إظهار العدل؛ أي: تطبيق العدل، وتنفيذه باستعمال الميزان وغيره من الوسائل، وعدم الاكتفاء بإصدار الحكم.
{شُهَدَاءَ لِلَّهِ} : جمع شاهد، شهداء بالحق، دون تحريف، أو زيغ ابتغاء مرضاة الله. ارجع إلى سورة البقرة، آية (133)؛ لمزيد من البيان في معنى شهداء، وقدم في هذه الآية قوامين بالقسط على شهداء لله، بينما في الآية (8) في سورة المائدة قدم قوامين لله على شهداء لله؛ انظر في نهاية تفسير الآية إلى الفرق بين الآيتين.
{وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} : الواو: عاطفة، لو: حرف شرط.
{وَلَوْ} : تفيد البعد؛ لأن الإنسان أبعد شيئاً أن يشهد على نفسه، وانتبه إلى قوله عز وجل:{وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} : ولم يقل: لأنفسكم؛ تعني: لمصلحة أنفسكم، فقوله:{عَلَى أَنفُسِكُمْ} : أيْ: وإن كانت الشهادة ضدكم، ولغير مصلحتكم.
{أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} : أيْ: حتى لو كانت الشهادة؛ أيْ: شهادتكم ضد أبويكم، أو ضد أقاربكم، أو أقرب الخلق إليكم؛ فإياكم أن تشهدوا مودةً، أو تعصباً.
{إِنْ} : شرطية.
{يَكُنْ} : المشهود عليه، أو المشهود له.
{غَنِيًّا} : فلا يراعى لأجل غناه، أو طمعاً في ماله، أو استجلاباً لمنفعة، أو دفعاً لمضرة، فيترك الشهادة عليه.
{أَوْ فَقِيرًا} : كذلك لا يراعى لأجل فقره، أو رأفة به، وإشفاقاً عليه، فلا تشهد عليه.
{فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} : أيْ: أنت أيها العبد، لم تخلق أحدهما، فالله أحقُّ بهما؛ أيْ: بالنظر إليهما من ناحية الغنى والفقر؛ أيْ: هذه إرادة الله في أن يكون غنياً، أو فقيراً، فلا تتأثر بحالهما، بل اشهد بالحق، وأما بالنسبة للصدقة؛ فهذا موضوع آخر.
{فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى} : فتنحازوا إلى الغني، أو إلى الفقير، فلا دخل للشهادة بالغنى، أو الفقر، والهوى تعريفه: هو:
{الْهَوَى} : هو ميل النفس إلى شيء تحبه وتهواه، بغض النظر عما أمرَ الله تعالى، أو نهى عنه، والهوى يختلف من شخص إلى آخر، فالأهواء مختلفة، والهوى غالباً ما يكون مذموماً، أو باطلاً؛ أيْ: بعيداً عن الحق، وبلا دليل.
{أَنْ تَعْدِلُوا} : أن: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد؛ أيْ: تقيموا الشهادة بحق وإخلاص، وتتجنبوا الزيغ والهوى.
{غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} : أو: تفيد في تصريف المعنى على أربعة أوجه:
الأول: الخصم الأول: غني، والخصم الثاني: غني.
الثاني: الخصم الأول: فقير، والخصم الثاني: فقير.
الثالث: الخصم الأول: فقير، والخصم الثاني: غني.
الرابع: الخصم الأول: غني، والخصم الثاني: فقير.
وتصريف آخر:
الأول: الله أولى بغنى الغني، وفقر الفقير، مهما كانت درجة غناه، ومهما كانت درجة فقره.
الثاني: أيُّ غني، أو أيُّ فقير (نكرة)، فالله كذلك أولى بهما.
{وَإِنْ تَلْوُا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} :
{وَإِنْ} : الواو: استئنافية. إن: شرطية.
{تَلْوُا} : في الشهادة، والتي هي التحريف؛ أيْ: وإن تحرِّفوا الشهادة، أو تعمدوا إلى الكذب.
{أَوْ تُعْرِضُوا} : من الإعراض؛ أي: الامتناع عن أداء الشهادة؛ لكونه يخاف من المشهود عليه، أو يمتنع عنها؛ ضراً بالمشهود له، والإعراض يعني: كذلك الكتمان، أو يعرض عن الشهادة؛ لكون الشهادة ترجح الطرف الذي يعاديه، كما قال تعالى:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8].
{فَإِنَّ اللَّهَ} : الفاء: للتوكيد، وإن: لزيادة التوكيد.
{كَانَ} : كان، وما زال، وسيظل تشمل كل الأزمنة.
{بِمَا} : الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.
{تَعْمَلُونَ} : تشمل الأفعال، والأقوال.
{خَبِيرًا} : عليماً بكل شيء، ببواطن الأمور وظواهرها، يعلم ما تسرونه، وتقولونه، وتفعلونه.
وقدَّم كلمة: {تَعْمَلُونَ} على كلمة: {خَبِيرًا} : لأن السياق في الشهادة والأعمال.
لنقارن آية سورة النساء، آية (135):{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} .
مع الآية (8) من سورة المائدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} :
في النساء قدَّم: {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} على {شُهَدَاءَ لِلَّهِ} .
وفي المائدة قدَّم: {قَوَّامِينَ لِلَّهِ} على {شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} .
لأن الآية في سورة النساء جاءت في سياق نشوز الرجال، والإصلاح بين الزوجين، ومعاملة اليتيم، والمستضعفين من الولدان، وقوله:{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} : إذن السياق والحديث هنا عن القسط، والعدل، فناسب ذلك تقديم القسط؛ أيْ: كونوا قوامين بالقسط بين الأزواج، واليتيم، والمستضعفين من الولدان، وعند الصلح.
أمّا الآية في سورة المائدة: فسبقها ذكر {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ، والعهود، والدَّين، والمحرمات.
وقوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُمْ بِهِ} .
إذن جاءت في سياق العقود، والعهود، والمواثيق؛ فناسب ذلك الوفاء بما أمركم الله تعالى، وتجنب ما نهاكم عنه، ولذلك قدَّم قوامين لله؛ أيْ: بالوفاء بالعهود، والعقود، والمواثيق أولاً، وهو الأهم، وأخر القيام بالقسط.
وهناك فرق بين {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} ، و:{شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} : هناك فرق بين أن تكون أنت المتهم، أو الجاني؛ أي: المشهود عليه، كما في سورة النساء، وبين أن تكون أنت الشاهد، كما في سورة المائدة.
سورة النساء [4: 136]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : نداء للذين هم على درب الإيمان بأمر جديد، أو تكليف، أو حكم، والهاء: للتنبيه.
{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} : انتبه هنا! ناداهم بـ {الَّذِينَ آمَنُوا} ، ثم يقول لهم:{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} : لا تعني هنا: الإيمان الأول، وإنما تعني: استقيموا على إيمانكم، وارتقوا في درجاته، والثبات عليه.
والباء: {بِاللَّهِ} : للإلصاق. آمنوا بوحدانيته، وألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته.
{وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} : أي: القرآن الكريم نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ أيْ: منجَّماً على دفعات استمرت 23 عاماً.
{وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} : الكتاب: اسم جنس، يشمل كل الكتب السماوية الأخرى التي نزلت قبل القرآن، مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، والصحف.
وقوله سبحانه: {وَالْكِتَابِ} : بدلاً من الكتب؛ إشارة إلى أن الكتب كلها تعتبر واحدة، وتمثل كتاباً واحداً، ورسالة واحدة.
{أَنْزَلَ} : تعني: جملة واحدة، دفعة واحدة، وفي هذه الآية كذلك دعوة لأهل الكتاب بالإيمان الصحيح؛ أيْ: آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن.
{وَمَنْ} : الواو: عاطفة. من: شرطية.
{يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} : جاء بالفعل المضارع، ولم يقل: ومن كفر بالماضي؛ لأن الذي كفر ربما تاب من كفره وانتهى، وأما من يكفر؛ فإنه يستمر في كفره، أو يكفر من جديد، أو يعود إلى الكفر.
{بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : أركان الإيمان الخمسة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (177)؛ للبيان.
{فَقَدْ} : الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد.
{ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} : ارجع إلى الآية (116) في نفس السورة؛ للبيان.
سورة النساء [4: 137]
اختلفوا فيمن نزلت: قالوا نزلت في اليهود الذين آمنوا بالتوراة، وبموسى، ثم كفروا بالإنجيل، وبعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن، وقيل: هم المنافقون الذين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ماتوا وهم كفار.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} : لم تبين الآية من هؤلاء الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا، وذلك سواء أكانوا من المسلمين أم المنافقين أم اليهود أم النصارى، ويعني: آمنوا بهذا وكفروا بذلك؛ أي: آمنوا بموسى أو بعيسى وكفروا بمحمد، أو آمنوا بالتوراة أو الإنجيل وكفروا بالقرآن، و آمنوا ثم ارتدوا عن دينهم، أو أظهروا الإيمان وأخفوا الكفر، أو آمنوا ببعض وكفروا ببعض ولم يستقيموا على الهدى؛ ثم ازدادوا كفراً: وكانت هذه محصلة حياتهم وماتوا وهم على الكفر.
{لَّمْ يَكُنِ} : لم: حرف نفي، ينفي عنهم الغفران، ولم: تنفي الحال، والمستقبل، وثم: تفيد الترتيب العددي.
{اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} : اللام: في {لِيَغْفِرَ} : تفيد توكيد النفي؛ ليغفر لهم، ويمحو عنهم سيئاتهم.
{وَلَا} : الواو: عاطفة. لا: نافية أقوى بالنفي من (لم)، وتنفي الماضي، والحاضر، والمستقبل.
{لِيَهْدِيَهُمْ} : اللام: للتوكيد، سبيلاً وطريقاً إلى الهداية.
ويبدو أن هؤلاء ماتوا وهم كفار، فلن يغفر الله لهم، ولا يهديهم سبيلاً إلّا طريق جهنم، أو هم من الذين ضرب الكفر على قلوبهم، وارتدوا عن الإسلام أكثر من مرة، ولم يستحقّوا المغفرة، وتمادوا في كفرهم، أو من طبقة المنافقين الذين أعلنوا الإيمان، وأبطنوا الكفر حتى ماتوا، وهم على هذه الحالة من النفاق.
وقوله: {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} : بدلاً من: ولا ليهديهم طريقاً، كما ورد في الآية (69) من نفس السورة.
فكيف استعمل كلمة {سَبِيلًا} : التي تحمل معنى الخير غالباً بدلاً من (طريقاً) التي تحمل معنى الشر في القرآن؛ لأنَّ هؤلاء عرفوا السبيل مرتين، آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا.
فالله سبحانه لن يهديهم مرة أخرى إلى سبيل مثل السبيل الذي عرفوه سابقاً، حين عادوا إلى الإيمان، ثم عادوا إلى الكفر، أو تحمل معنى: التقريع، والتوبيخ، أو السياق في الآيات حيث ذكرت كلمة سبيلاً في هذه السورة حوالي (11) آية، وسبيل حوالي (16) آية.
سورة النساء [4: 138]
{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} :
{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} : بشِّر: البشارة عادةً تحمل أو تأتي بخير، أو خبر يُسر، ولأول مرة، واستعملت مع المنافقين في أسلوب تهكمي.
وكان يمكن القول: أنذر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً.
المنافقين: جمع منافق: وهو الذي يتظاهر للناس بالإيمان، ولكنه يبطن الكفر، ويخشى أن يكشفه الناس، فهو يقول بلسانه ما لا يعتقده قلبه، وهو أشد كفراً وشراً من الكافر نفسه.
كلمة المنافق: مشتقة من نافقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر، ويسكن في الصحراء، يحفر لنفسه نفقاً في الأرض، له بابان لا تدري من أي باب يخرج؛ كالمنافق له وجهان، يظهر الإيمان، ويبطن الكفر.
{بِأَنَّ} الباء: للتوكيد، وأن: لزيادة التوكيد.
{لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} : اللام: لام الاستحقاق. عذاباً أليماً: في نار جهنم، شديد الإيلام، لن يقدروا على طاقته.
سورة النساء [4: 139]
{الَّذِينَ} : اسم إشارة، نصب يفيد الذم، ويجوز أن يرفع بمعنى هُمُ الذين.
{يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} : يتَّخذون: من اتّخذ، والاتّخاذ: هو الجعل، والتصيير، وفيها معنى الاستمرار؛ أيْ: هم يستمرون في اتّخاذ الكافرين أولياء، وكذلك فيها معنى الاختيار والاصطفاء؛ أيْ: هم يجعلون الكافرين أولياء بمحض إرادتهم، واختيارهم، ولا أحد يجبرهم على ذلك.
{أَوْلِيَاءَ} : جمع ولي: وهو الذي يليك؛ أي: المعين.
{مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} : أيْ: من غير المؤمنين، أو بدلاً من اتّخاذ المؤمنين أولياء؛ اتّخذوا الكافرين.
{أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} :
{أَيَبْتَغُونَ} : الهمزة: استفهام إنكاري.
{أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ} : يلتمسون عندهم؛ أيْ: عند الكافرين.
{الْعِزَّةَ} : ولها أنواع: القوة (الغلبة والنصر)، والحماية، والمنع، والقهر.
{فَإِنَّ} : الفاء: تعليلية. إن: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
{فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} : عزة القوة، وعزة القهر، والغلبة، والمنعة، كلها لله وحده سبحانه، وجميعاً: تفيد التوكيد.
في هذه الآية قال تعالى: {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} .
وفي سورة المنافقون، آية (8):{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} .
فلا تعارض بين هذه الآية، وبين الآية في سورة النساء.
{الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} : لأنه هو مالكها، ولله سبحانه وحده العزة جميعاً، حصراً، وقصراً، لكنه سبحانه وتعالى يُؤتي العزة لعباده بفضله عليهم، أو تفضلاً عليهم، ولمن يشاء منهم، ولكن عزتهم عزة زائلة، ومحدودة تنتهي بانقضاء آجالهم، وليس كعزة الله سبحانه الدائمة.
سورة النساء [4: 140]
{وَقَدْ} : الواو: استئنافية. قد: للتحقيق، والتوكيد.
{نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ} : أيْ: في القرآن الكريم.
{أَنْ} : للتوكيد.
{إِذَا} : ظرفية بمعنى: حين، وتحمل معنى الحتمية، وكثرة الحدوث.
{إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ} : آيات القرآن.
{يُكْفَرُ بِهَا} : يجحدون بها، أو ينكرونها.
{وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} : أيْ: يحقرونّها ويستخفونّها.
{فَلَا} : الفاء: للتوكيد. لا: الناهية.
{تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} : فلا تجلسوا معهم.
{حَتَّى} : حرف غاية نهاية الغاية؛ أيْ: حتى يخوضوا في حديث آخر.
{يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ} : حتى يتحدثوا بحديث آخر؛ لأنكم إذا لم تنكروا عليهم كنتم كالراضين عنهم، و {يَخُوضُوا}: مشتقة من الخوض في الماء، وحين تخوض في الماء لا تعلم إن كانت هناك حفرة، أو تزل قدَمُك، والخوض قد يكون في الباطل.
{إِنَّكُمْ} : للتوكيد.
{إِذًا} : حرف جواب يفيد التوكيد، جالستموهم على ما هم عليه، ولم تنكروا عليهم أقوالهم وأفعالهم، وقعدتم معهم؛ فأنتم مثلهم.
{إِذًا} : تعني: أيْ: مثلهم.
فأنتم {مِّثْلُهُمْ} : والمماثلة: في العصيان، والنفاق، والكفر.
{إِنَّ} : للتوكيد.
{اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ} : في جهنم: اسم من أسماء النار. ارجع إلى الآية (97) من هذه السورة؛ للبيان.
وقدَّم المنافقين؛ لأنهم أشد كفراً، وسوءاً من الكافرين.
سورة النساء [4: 141]
{الَّذِينَ} : تعود على المنافقين.
{يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} : التربُّص: هو الانتظار (طول الانتظار)، مع المراقبة، والرصد؛ لما يحدث لكم، أو يحل بكم من مكروه، أو فتح.
{فَإِنْ} : الفاء: للتوكيد، إن: شرطية.
{كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} : لكم: الخطاب للمؤمنين؛ نصر (من دون قتال) وغنيمة؛ لأن النصر من عند الله مهما كانت العدَّة والعدد، كما قال تعالى:{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].
{قَالُوا أَلَمْ} : الهمزة: استفهام، وتعجب.
{نَكُنْ مَّعَكُمْ} : مظاهرين لكم، مؤيدين، فأسهموا لنا في الغنيمة؛ أيْ: أعطونا من الغنيمة.
{وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ} : اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص.
{نَصِيبٌ} : قسم من الغنيمة، والنصيب يكون في الخير أو الشرع، ويعني: قسم من الغنيمة، أو الظفر، أو مجرد غلبة مؤقتة.
ويجب الانتباه هنا! كيف عبَّر الله سبحانه عن انتصار المؤمنين بالفتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب وحظٌّ لن يدوم طويلاً.
{قَالُوا} : أي: المنافقون؛ قالوا للكافرين.
{أَلَمْ} : الهمزة: للاستفهام، فيه تعجب، لم: نافية.
{نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} : من استحوذ على الشيء؛ أيْ: حازه، أو جعله في حيزه، وملَكَهُ، ألم نتمكن من قتلكم، فأبقينا عليكم؛ أيْ: كان باستطاعتنا أن نخرج ونحارب مع المؤمنين، ونتمكن من قتلكم، والقضاء عليكم، ولكننا لم نفعل ذلك، حفظاً لأرواحكم.
{وَنَمْنَعْكُم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} : أن يظفروا بكم، أو يقتلوكم بعدم مظاهرتهم، أو تثبيطهم من الخروج إليكم وقتالكم.
{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : أيْ: بين المؤمنين والمنافقين؛ فيجازي كلاً على عمله.
{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} :
{وَلَنْ} : الواو: عاطفة. لن: لنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد.
{يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ} : اللام: لام الاختصاص.
{عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} : بالظهور، أو الحُجَّة، أو الاستيلاء، أو الاستئصال.
وإذا حصل للكافرين ظفر، أو نصر، فهو مؤقت، وعلى شرط أن يتمسك المؤمنون بدينهم، وكتابهم، وسنتهم.
يجب الانتباه إلى أن كلمة {سَبِيلِ} : تكررت في سورة النساء (16) مرةً، وكلمة {سَبِيلًا}: تكررت في سورة النساء (11) مرةً.
سورة النساء [4: 142]
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ} : الخداع: هو نوع من الحيلة والمكر، بحيث تظهر للآخر خلاف الحقيقة، أو تستر عنه الصواب؛ لكي يجلب لنفسه منفعة، ويدفع مضرةً، وتكون عادة في الخفاء.
كيف يخادعون الله تعالى، وهم في الحقيقة يخادعون المؤمنين؟
لأن خداعهم للمؤمنين يعتبر خداعاً لله سبحانه وتعالى ، فهم في تصورهم يخادعون المؤمنين بإظهار إيمانهم، والجلوس مع المسلمين، والذهاب إلى المساجد، واستماعهم للقرآن، والحديث.
وكلمة يخادعون: مشتقة من يخادع، بوزن يفاعل؛ تدل على شدة المخادعة، والمفاعلة، وكثرتها، والعزم على تكرارها، ولم يقل: يخدعون، وإنما يخادعون.
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ} : جملة فعلية، تدل على التجدّد، والتكرار بعكس يخدعون التي قد تدل على عدم القصد، وعدم التكرار.
{وَهُوَ خَادِعُهُمْ} : أيْ: مجازيهم على خداعهم، وهو خادعهم جملة اسمية تدل على الثبوت، وعدم التغيير، والجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية، فالله سبحانه أقوى منهم.
والسؤال هنا: هل الله سبحانه يخدع؟ أو يحتاج إلى ذلك؟
والجواب: حاشا لله أن يخدع، وليست من صفاته الخداع، ولا حاجة له به. إذن فكيف ينسب الخداع، أو المكر له سبحانه وتعالى ، كما في قوله:{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]؟
الجواب: هذا الأداء البياني يسمَّى المشاكلة في اللفظ، والله سبحانه لا يضرُّه كيدهم شيئاً، بل بالعكس، ويؤخر عنهم العقوبة؛ ليزدادوا إثماً، ومأواهم الدرك الأسفل من النار.
{وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} : إذا: شرطية زمانية؛ تدل على كثرة الحدوث.
{كُسَالَى} : من الكسل: هو التراخي في أداء المهمة، فهم يُصلون بتثاقل ورياء، وكراهية.
{يُرَاءُونَ النَّاسَ} : يصلون لكي يراهم الناس، وللسمعة فقط، وليس لوجه الله، ولكي يحمدوهم، ويثنوا عليهم.
{وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} : فهم لا يصلّون، ولا يذكرون الله إلّا أمام الناس فقط، أما إذا كانوا غائبين عن أعين الناس فهم نادراً ما يصلّون، أو يسبحون الله، أو يحمدونه، أو يذكرونه.
{إِلَّا} : أداة حصر.
{وَلَا يَذْكُرُونَ} : لا: النافية.
{إِلَّا قَلِيلًا} : أي: العدد القليل منهم من يذكر الله سبحانه وتعالى ، أو أن كمية ذكرهم لله تعالى قليلة جداً.
سورة النساء [4: 143]
{مُّذَبْذَبِينَ} : متردِّدين بين المؤمنين، وبين الكافرين؛ أي: الجانبين أقوى؛ لكي يميلون إليه.
{مُّذَبْذَبِينَ} : المذبذب: كالمعلّق في خيط متدلٍّ غير ثابت، تقذفه الريح من ناحية إلى أخرى.
أيْ: كالبندول: وهو رقَّاص الساعة (الذي نراه في الساعات القديمة).
وتدل الكلمة على التحرك والاضطراب، وعدم الاستقرار، وهذه هي حالة المنافق المضطرب نفسياً، لا يستقر على الكفر، أو على الإيمان.
أو المذبذب: مشتقة من ذب، ومذبة الذباب.
والمذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين؛ فيحرك يده أمام وجهه يمنة ويسرة؛ كي يمنع عودة الذباب، وهذه حالة المنافق لا ينسب إلى المؤمنين، ولا ينسب إلى الكفار.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ} : ومن: الواو: استئنافية.
{وَمَنْ} : اسم شرط جوابه: فلن تجد له سبيلاً.
{يُضْلِلِ اللَّهُ} : الله سبحانه، لا يضل عبداً أبداً، بل يرسل الرسل والكتب، ويبين له طريق الهدى، وطريق الضلال، وميّزه بالعقل، وترك له الخيرة، فمن يصر على عدم الإيمان يتركه على ضلاله وعماه، والله قادر على أن يجبره على الإيمان قهراً، ولكنه -جل وعلا- لم يشأْ ذلك، وترك له حرية الاختيار؛ فإن اختار طريق الإيمان أعانه على ذلك؛ لقوله:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]. وأما إذا اختار طريق الضلال فتركه في تيه الضلال، وسيطرة الشيطان والهوى.
{فَلَنْ} : الفاء: للتوكيد. لن: حرف نفي، ونصب، واستقبال؛ لنفي المستقبل القريب والبعيد.
{فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} : أيْ: لا تجد لهدايته، وعودته إلى الإيمان {سَبِيلًا}: أيْ: طريقاً.
هذه الآية: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} :
ترسم صورة فنية رائعة للمنافقين الذين هم في اهتزاز، وعدم استقرار دائم في الدنيا، وأما في الآخرة فسوف يستقر بهم الحال في الدرك الأسفل من النار!!
سورة النساء [4: 144]
نداء إلى الذين آمنوا بأمر، وتكليف آخر.
{لَا} : الناهية؛ أيْ: لا تكونوا كالمنافقين.
{تَتَّخِذُوا} : أيْ: لا تجعلوا، و {تَتَّخِذُوا}: فعل مضارع فيه معنى الاستمرار، وكذلك التعب، والمشقة بموالاة الكافرين، مقارنة بلا تأخذوا. ارجع إلى الآية (139) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
{الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} : جمع ولي، والولي: هو الذي يليك؛ أي: القريب؛ أيْ: خلفك بجانبك، تلجأ إليه وتفزع إليه فيعينك (من العون)، ويسمع منك وينصحك، وينصرك إذا كان قادراً على ذلك.
{مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} : أيْ: من غير المؤمنين، وقد حدّد القرآن هؤلاء الذين نهى الله عز وجل عن موالاتهم من الكافرين في آية أخرى من سورة الممتحنة، آية (9)، فقال عزَّ من قائل:{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
{أَتُرِيدُونَ} : الهمزة: همزة استفهام إنكاري.
{أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ} : بموالاتهم وبطانتهم.
{سُلْطَانًا مُبِينًا} : حُجَّة بينة في عدم الطاعة، فيما نهاكم الله عنه، والسلطان نوعان: سلطان حُجَّة وإقناع، أو سلطان قوة وقهر.
الولاء والبراء: من لوازم العقيدة، وهي جزء من الشهادة، والآيات التي جاءت في الولاء والبراء كثيرة، وهي قضية سِيءَ فهمها من قبل الكثير، فمنهم من فرط، فأطلق لنفسه العنان، ومنهم من غالى فيها، ونسي كلا الطرفين الوسطية التي ميّزنا الله سبحانه بهما؛ لحمل الرسالة إلى الأجيال، فلا بُدَّ من الفهم الكامل للولاء والبراء؛ فلا يفتي كلٌّ بما يراه.
سورة النساء [4: 145]
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} :
{إِنَّ} : حرف مشبّه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
{فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} : الدرك، أو الدرك بفتح الراء، أو تسكين الراء، قيل: النزول إلى أسفل: هو الدرك، والصعود إلى أعلى: هو صعود التدرُّج، ومستوى البحر هو المقياس.
قال المفسرون: النار دركات، كما أن الجنة درجات.
وقالوا: إن النار سبع دركات، وهي: جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وهي قعرها، أو هي سبع أسماء للنار.
وكلمة جهنَّم؛ قد تطلق على أيٍّ من هذه الدركات السبع.
{وَلَنْ} : الواو: استئنافية. لن: نافية مؤكدة، تنفي المستقبل القريب والبعيد.
{تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} : ولن يجدوا يوم القيامة من ينقذهم، أو يمنع عنهم العذاب، أو حتى من يخفِّف عنهم العذاب، ولننظر إلى من هم أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة هم عدة منهم المنافقون؛ لقوله سبحانه:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ، وآل فرعون: و {الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77]، أو:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} [النساء: 93]، و:{الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174].
سورة النساء [4: 146]
في هذه الآية يفتح الله باب التوبة، حتى لهؤلاء المنافقين الّذين كان مصيرهم الدرك الأسفل من النار؛ ليكونوا مع المؤمنين، فهل هناك رحمة أوسع من هذه الرحمة؟!
وحدد الله سبحانه أربعة شروط للنجاة: أن يتوب، ويصلح، ويعتصم بالله، ويخلص دِينه لله.
أولاً: {تَابُوا} : التوبة بأركانها الأربع: الإقلاع عن النفاق، والندم، وعدم العودة إليه، والإكثار من العمل الصالح.
ثانياً: {وَأَصْلَحُوا} : أيْ: صلحوا ما أفسدوا بنفاقهم في الأرض، أو بين الناس.
ثالثاً: {وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} : أيْ: ليكن اعتصامهم بالله وحده، وابتغاؤهم العزة عند الله، وليس عند الكافرين، والاعتصام بحبل الله ودينه.
رابعاً: {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} : مقارنة بالقول: وأخلصوا لله دينهم: تقديم دينهم؛ أي: تقديم الأهم لهم، وهو دينهم، وانظر إلى سياق الآية فرغم توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله فكل ذلك لا يكفي؛ فلا بد من إخلاص الدين لله أيضاً حتى تقبل توبتهم وأعمالهم الصالحة، والالتجاء إلى الله، وذلك لأن المنافق قلبه منغمس في النفاق، فيحتاج إلى مقدار أعظم من الإخلاص لغسل قلبه وتطهيره وشفائه، والإكثار من الأعمال الصالحة التي تدل على إخلاص النية، والإنابة إلى الله وحده.
{فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} : الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة يفيد البعد، ويحمل معنى المدح.
{وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ} : سوف: حرف استقبال للبعد، أو التراخي، وفيه معنى التوكيد.
{أَجْرًا عَظِيمًا} : وهو الجنة ونعيمها.
لنقارن هذه الآية بالآية (74) من سورة التوبة، يقول سبحانه:{فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ} : فهذه الآية تتحدث فقط عن أول شرط للعودة إلى صف المؤمنين، أما في الآية (146) من سورة النساء: فقد حددت شروطاً أربعة.
سورة النساء [4: 147]
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} :
{مَا} : للاستفهام، والتقرير؛ أيْ: أنتم أجيبوا عن هذا السؤال.
{إِنْ} : شرطية جواب الشرط محذوف، والباء: للإلصاق.
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} : أيها الناس؛ أيْ: منفعة يحققها سبحانه بعذابكم بسبب عصيانكم، أو عدم طاعتكم، أو نفاقكم، أو كنتم على أفجر قلب رجل منكم؟
الجواب: هو لا شيء، أو: أيُّ فائدةٍ يحققها إن أنتم آمنتم وشكرتم وتبتم، وكنتم على أتقى قلب رجل منكم: لا شيء.
ولا نقص من ملكه من شيء، ولا زاد في ملكه شيء.
فتعذيبه لعباده لا يزيد في ملكه شيئاً، وترك تعذيبهم لا ينقص من سلطانه شيئاً؛ لأنه سبحانه متصف بصفات الكمال قبل أن يخلق خلقه.
{إِنْ شَكَرْتُمْ} : إن: شرطية؛ تدل على قلة الحدوث، أو الاحتمال.
ولم يقل: إذا شكرتم التي تدل على حتمية الحدوث وكثرته.
{شَكَرْتُمْ} : من الشكر: وهو إسداء الثناء إلى المنعم باللسان والقلب، وذكر نعمه عليك، وطاعته، والإكثار من العمل الصالح، وسجود الشكر له، والصدقة، وغيرها من مظاهر الشكر. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (10)؛ لمزيد من البيان.
{وَآمَنتُمْ} : بالله وحده، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
والسؤال لماذا قدَّم الشكر على الإيمان؟
لأن الشكر متعلِّق بالنعمة، والإيمان متعلِّق بالذات التي وهبت النِّعم؛ فهو سبحانه أعطاك النعمة أولاً لتسأل من أين جاءت هذه النعمة، ومن أعطاك إياها، ثم تدرك أنها منه -جل وعلا- ؛ فتشكره أولاً، ثم تؤمن به ثانياً، وقيل: إن العبد لن يوفَّق للإيمان إلَّا بالشكر.
{وَكَانَ اللَّهُ} : (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
كان سبحانه منذ الأزل، والآن، وإلى الأبد شاكراً عليماً، فهذه من صفات ذاته العلية.
{شَاكِرًا} : أيْ: راضياً عنهم، والرضا يؤدِّي إلى الثواب، فشكره لعباده يعني يثيبهم على طاعتهم، ومعنى يثيب العبد على طاعته؛ يجعل الحسنة بعشرة أمثالها إلى (700) ضعف، أو أكثر.
يقبل العمل القليل، ويعطي الثواب الكبير، فهذا من مظاهره، وشكره، وهذا الثواب هو من فضله، وإحسانه على خلقه؛ لأنه ليس للعباد حق واجب على الله تعالى مهما كان، أو يكن عملهم.
وهو لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فكل هذه من مظاهر شكره.
{عَلِيمًا} : يحيط بعلمه كل شيء، وكل مخلوق، ويعلم القول في السموات والأرض، وما يفعله كل مخلوق، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا يعلمها، ولا يخفى عليه خافية.