الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)).
[النساء: 24].
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) أي: وحرّم عليكم نكاح المتزوجات من النساء.
• قال القرطبي: قوله تعالى (والمحصنات) عطف على المحرّمات والمذكورات قبلُ.
والتّحَصُّن: التمنّع؛ ومنه الحِصْن لأنه يُمتنع فيه؛ ومنه قوله تعالى (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ) أي: لتمنعكم؛ ومنه الحصان للفرس (بكسر الحاء) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، فالمراد بالمحصنَات هاهنا ذوات الأزواج؛ يُقال: امرأة مُحْصنة أي متزوّجة.
• قوله تعالى (وَالْمُحْصَناتُ) من الإحصان وهو في اللغة بمعنى المنع. يقال: هذه درع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذا موضع حصين، أي مانع من يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أي مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها.
قال الراغب: ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. قال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) وقال تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ) أي تزوجن. وأحصن زوجن.
والحصان في الجملة: المرأة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها» والمراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج من النساء. (التفسير الوسيط).
• قال في التسهيل: قوله تعالى (والمحصنات مِنَ النسآء) المراد هنا ذوات الأزواج، وهو معطوف على المحرمات المذكورة قبله، والمعنى: أنه لا يحل نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل.
• فالمراد بالمحصنات هنا المتزوجات، لأن لفظ (المحصنات) أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات:
الأول: المحصنات العفائف، ومنه قوله تعالى (محصنات غير مسافحات) أي: عفائف غير زانيات.
الثاني: المحصنات الحرائر، ومنه قوله تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: على الإماء نصف ما على الحرائر، ومنه قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ).
الثالث: أن يراد بالإحصان التزوج، وهو المراد بهذه الآية على القول الصحيح.
ويؤيده سبب النزول: فعن أبي سعيد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدوهم فقاتلوا فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبابا، فكأن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهم من أجل أزواجهن المشركين، فأنزل الله في ذلك (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) رواه مسلم.
• وسمي الزواج إحصاناً، لأن كلاً من الزوجين يحصن صاحبه، كما قال صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة
…
فإنه أحصن للفرج).
(إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: حرمت عليكم المحصنات من النساء وهن زوجات الغير أو معتداتهم إلا اللائي ملكتموهن بطريق السبي من الكفار، فإنه ينفسخ نكاحهن من أزواجهن الكفار، ويحل لكم وطؤهن بعد استبراهن.
• قوله تعالى (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج والمراد به: النساء المسبيات اللاتي أصابهن السبي ولهن أزواج في دار الحرب، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبي، أو بسبيهن وحدهن دون أزواجهن.
أي: وحرم اللّه تعالى عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق في دار الكفر، ومبيح لكم نكاحهن بعد استبرائهن.
• قال في التسهيل: قوله تعالى (إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم) يريد السبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل، والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج، ثم سبيت: جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها، وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس، فأصابوا سبايا من العدوّ لهنّ أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهنّ، فنزلت الآية مبيحة لذلك.
(كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه.
(وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) أي: وأحل لكم نكاح ما سوى المحرمات السابقة.
• معنى (ما وراء) أي سوى وعدا. (ذلكم) الإشارة للمحرمات السابقة.
• ويخص من هذا العموم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) أي: أن تطلبوا نكاح من وقع نظركم واختياركم عليهن من النساء اللتي أحلهن الله لكم بما تدفعون من المهور.
• وفي هذا دليل على وجوب المهر وأنه لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها.
(مُحْصِنِينَ) أي: والحال أنكم متزوجين الزواج الشرعي الذي يحصن فروجكم وفروج زوجاتكم، متعففين به عن الزنا.
(غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي: غير زانين، وسمي الزنا سفاحاً والزاني مسافحاً، لأن قصد الزاني هو سفح الماء ودفقه ونيل اللذة والشهوة دون المقاصد الشريفة للنكاح الشرعي.
• والمعنى: بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء، وأحل لكم ما وراء ذلكم، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائي أحلهن اللّه لكم أشد الطلب، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا.
(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: فما استمتعتم به منهن بالنكاح الشرعي الصحيح فأعطوهن مهورهن.
• فالمراد بالاستمتاع هنا الاستمتاع الشرعي (الزواج) وليس نكاح المتعة ويدل عليه حديث (وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج).
• والاستمتاع: طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة، والمراد بقوله أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن لأنها في مقابلة الاستمتاع فسميت أجراً.
• قال ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال: نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع
من النساء، وإن اللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كانت عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً).
• قال الشنقيطي: وهذا المعنى تدل عليه آيات من كتاب الله.
كقوله تعالى (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ) فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملاً هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ).
وكقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً).
• فإن قيل: التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة، لأن الصداق لا يسمى أجراً.
فالجواب: أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجراً كما في قوله تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: مهورهن بلا نزاع.
ومثله قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: في مهورهن.
• استدل بالآية من قال بإباحة نكاح المتعة، قالوا: إن التعبير بالاستمتاع، ولفظ الأجور يدل على أن المراد نكاح المتعة، وهذا استدلال باطل من وجوه ثلاثة:
الأول: أن لفظ الأجور جاء في الصداق، قال تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: مهورهن بلا نزاع.
الثاني: أن الأدلة قاطعة بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وهي أصرح بكثير من هذا الفهم.
عن الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) رواه مسلم
الثالث: لو سلمنا جدلاً أن الآية في نكاح المتعة، فإنها منسوخة.
• والأجر هو المهر، وسمي المهر أجراً لأنه في مقابل الاستمتاع بمنفعة البضع.
(فَرِيضَةً) أي: مفروضة.
(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي: لا حرج عليكم ولا إثم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة من زيادة في المهر بعد تسميته وفرضه، أو نقص منه، فللزوج أن يزيد في المهر إذا كان ذلك عن رضى منه، وللزوجة أن تعفو عن شيء من المهر بعد فرضه، وتبرئ الزوج منه، أو تهبه له أو بعضه، أو تأذن له بتأخيره إذا كان عن رضى منها وطيب نفس.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) وقد ذيل - سبحانه - الآية الكريمة بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً لبيان أن ما شرعه هو بمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، وبمقتضى حكمته التي تضع كل شيء في موضعه.
الفوائد:
1 -
تحريم نكاح المرأة المتزوجة، كأن يتزوجها وهي في عدة الغير.
2 -
أن النساء المسبيات يكنّ أرقاء بمجرد السبي.
3 -
إثبات الرق.
4 -
وجوب الالتزام بما فرض الله.
5 -
أن المحللات أكثر من المحرمات.
6 -
وجوب المال في النكاح لقوله (بأموالكم) فاشترط المال للنكاح.
7 -
تسمية المهر أجراً.
8 -
وجوب إتيان النساء مهورهن.
9 -
إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط فلا حرج. (الثلاثاء: 5/ 2/ 1434 هـ).
(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25)).
[النساء: 25].
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) أي: من لم يستطع منكم أيها المسلمون - والمراد الأحرار - طولاً: أي: غنى وسعة وزيادة
(أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: من لم يستطع أن ينكح المحصنات المؤمنات، والمراد بالمحصنات الحرائر بقرينة قوله تعالى (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ).
• وسميت الحرائر محصنات، لأنهن أحصن بالحرية عما تكون عليه الأمة من كونها خرّاجة ولاّجة متبذلة ونحو ذلك، أما الحرة فإنها مصونة محصنة.
• قال الرازي: المراد بالمحصنات في قوله (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات) هو الحرائر، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الإماء، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للاماء، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد: أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن. أ هـ
(فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: فلينكح التي ملكت أيمانكم وهي الإماء، والمراد أمَةَ غيرهِ، لأنه لا يجوز للمالك أن يتزوج أمة نفسه (مملوكته) لأن مملوكة الرجل تحل له بعقد الملكية، وهو أقوى من عقد الزواج.
• قال القرطبي: قوله تعالى (فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) أي فَلْيَتَزَوّج بأَمَة الغير، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوّج أَمَةَ نفسه؛ لتعارض الحقوق واختلافها.
(مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: فلابد أن تكون الأمَة مؤمنة، فالكافرة في هذا المقام ولو يهودية أو نصرانية لا يصح.
• قال الرازي: الآية دالة على التحذير من نكاح الإماء، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة، والسبب فيه وجوه:
الأول: أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الإنسان وفي حق ولده.
والثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج.
الثالث: أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جداً ولا يجد إليها سبيلاً لأن السيد يمنعها ويحبسها.
الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى
قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار.
الخامس: أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها، ولا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) أي: ليس لكم إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه إلى الله تعالى، فإذا كانت الأمة مؤمنة في الظاهر جاز نكاحها، وباطنها إلى الله تعالى.
• قال القرطبي: المعنى أن الله عليم ببواطن الأُمور ولكم ظواهرها، وكلّكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكِفُوا من التزوّج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثةَ عهدٍ بِسِباء، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك.
ففي اللفظ تنبيه على أنه ربّما كان إيمان أَمَة أفضل من إيمان بعض الحرائر. (تفسير القرطبي).
(بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: كلكم سواء في البشرية والإنسانية الأحرار والأرقاء، وكلكم من آدم وآدم من تراب كما قال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
• قال القرطبي: قوله تعالى (بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ) ابتداء وخبر؛ كقولك زيد في الدار.
والمعنى أنتم بنو آدم، وقيل: أنتم مؤمنون.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ المعنى: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصناتِ المؤمناتِ فلْينكِح بعضُكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا.
فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح.
والمقصود بهذا الكلام تَوْطِئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأَمَة وتُعيّره وتُسمِّيه الهَجِين، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأَمَة فلم يجز للحرّ التزوّج بها إلا عند الضرورة؛ لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأَمَة لا تَفرُغ للزّوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المَوْلَى.
(فَانْكِحُوهُنَّ) الخطاب لمن لم يجد الطوْل لنكاح الحرائر.
(بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) أي: برضى مالكيهن وأسيادهن، لأن ولي الأمَة هو مالكها وسيدها، فهو الذي يملكها ويملك منافعها، وليس لأحد عليها ولاية سواه، لا أبوها ولا غيره.
• قال الرازي: اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل، ويدل عليه القرآن والقياس.
أما القرآن فهو هذه الآية فإن قوله تعالى (فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وإن لم يكن النكاح واجبا.
وأما القياس: فهو أن الأمة ملك للسيد، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا بإذنه.
(وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: وأعطوهن مهورهن، وسمي المهر أجراً، لأنه في مقابلة منفعة البضع
• والمهر إنما يعطى لسيد الأمة، وإنما أضيف إليهن إضافة اختصاص لا إضافة تمليك، كما يقال: سرج الدابة، أو لأنهن السبب في حصول هذه المهور لأسيادهن، لأن الأمَة لا تملك.
• قوله تعالى (بالمعروف) عادة عند الناس من حيث كونه مثل مهر أمثالهن من الإماء، وعن طيب نفس منكم من غير منٍّ ولا مماطلة أو بخس منه، استهانة بهن لكونهن إماءً مملوكات، فتقول هذه أمَة فتماطل بمهرها أو تمنَّ به عليها.
(محْصَنَاتٍ) أي: متعففات بالزواج الشرعي عن الزنا، لأن الله ذكر مقابل هذا (غير مسافحات) وذكر قبله (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) فصح حمل معنى (محصنات) على المعنيين العفة والزواج الشرعي.
(غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أي: غير زانيات، وسبق لماذا سمي الزنا سفاحاً.
(وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) أي: ولا حال كونهن متخذات أخدان (متخذات) أي: جاعلات (أخدان) جمع خِدْن، وهو الصديق والخليل والصاحب في السر، تتخذه المرأة يزني بها سراً دون غيره.
(فَإِذَا أُحْصِنَّ) الصحيح من أقوال أهل العلم أن معنى (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: تزوجن، فحصنّ أنفسهن وحصنهن أزواجهن بذلك، وقيل: بمعنى (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: أسلمن.
• قال ابن كثير: والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ)، والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: تزوجن كما فسره ابن عباس ومن تبعه.
(فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ) أي: ارتكبن وفعلن الفاحشة، والمراد بها هنا الزنا، لأنه مما يستفحش شرعاً وعرفاً عند المسلمين، والقرينة الدالة على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا قوله تعالى (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ).
(فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: فعيهن نصف ما على الحرائر الأبكار من العذاب وهو الحلد حداً وهو مائة جلدة لقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).
• وإنما خصت المحصنات - هنا - بالحرائر الأبكار دون الثيبات، لأن الأبكار حدهن الجلد، وهو يتنصف بخلاف الثيبات، فإن حدهن الرجم، والرجم لا يتنصف.
• وعلى هذا فإذا تزوجت الأمَة، وأتت بفاحشة فعليها حداً خمسون جلدة.
• وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر، لأن العقوبة على قدر النعمة.
(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعن بسبب ذلك.
• إذاً يجوز للحر أن يتزوج الأمة بشرطين:
الشرط الأول: لا يجد قدرة على نكاح الحرة.
الشرط الثاني: إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا.
(وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي: الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة لأنه يفضى إلى إرقاق الولد والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وأن تصبروا خير لكم) أي: إذا استطعتم الصبر مع المشقّة إلى أن يتيسّر له نكاح الحرّة فذلك خير، لئلا يوقع أبناءه في ذلّ العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذّلة تصرّف الناس في زوجة.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور والرحيم" لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة.
ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما. (تفسير السعدي).
الفوائد:
1 -
الحث على تزويح الحرائر المؤمنات، لأن الله لم يرخص في الإماء إلا للحاجة والعذر.
2 -
يحرم على الحر أن يتزوج أمة إلا بالشروط التي ذكرها الله: ألا بجد طول حرة مؤمنة، وخوف العنت.
3 -
اختلف العلماء لو قدر على مهر حرة كتابية؟ هل يتزوجها أم يتزوج أمة؟ قيل: أنه يتزوج أمة، لأن هذا هو ظاهر القرآن، وقيل: بل يتزوج حرة كتابية، قالوا: لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار وأولاد الأمَة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكين، ورجح الشيخ ابن عثيمين الأول.
4 -
نقص مرتبة الرق عن الحرية.
5 -
عموم علم لكل شيء حتى ما كان خافياً بالقلوب.
6 -
اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء.
7 -
لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.
8 -
جمهور العلماء على أن مهر الأمَة لسيدها.
9 -
تحريم اتخاذ الأخدان، ولذلك نهت الشريعة الإسلامية عن الخلوة بالمرأة، ونهت المرأة أن تخضع بالقول خوفاً من الفتنة.
10 -
أن الأمة إذا زنت فإنها تحد، نصف حد الحرة.
11 -
أن الصبر على عدم نكاح الأمة أولى.
12 -
إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم. (السبت: 9/ 2/ 1434 هـ).
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)).
[النساء: 26 - 28].
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: يريد الله كي يبين لكم.
المراد يبين كل ما يحتاجون إليه، ومن ذلك بيان ما أحله لهم وما حرمه عليهم في هذه الآيات وغيرها.
• والله عز وجل بيّن للعباد الآيات والأحكام، وفصلها لهم غاية البيان والتفصيل لفظاً ومعنى.
• قال القرطبي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: ليبيّن لكم أمرَ دينكم ومصالح أمرِكم، وما يحلّ لكم وما يحرمُ عليكم.
• وقال السعدي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام
(وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: ويدلكم ويوفقكم (سنن) أي طريقة الذين من قبلكم من الرسل والأنبياء وأتباعهم الصالحين من أهل الكتاب وغيرهم من الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب.
• والمراد بسننهم: ما كانوا عليه من أصول الشرائع التي تتفق عليها جميع الشرائع.
• قال أبو حيان: اختلفوا في قوله (سنن الذين من قبلكم) هل ذلك على ظاهره من الهداية لسننهم؟ أو على التشبيه؟ أي: سنناً مثل سنن الذين من قبلكم.
فمن قال بالأول أراد أنّ السنن هي ما حرم علينا وعليهم بالنسب والرضاع والمصاهرة.
وقيل: المراد بالسنن ما عنى في قوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً).
وقيل: المراد بها ما ذكره في قوله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً).
وقيل: طرق من قبلكم إلى الجنة.
وقيل: مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم، وهذا قريب مما قبله.
وعلى هذا القول فيكون الذين من قبلكم المراد به الأنبياء وأهل الخير.
وقيل: المراد بقوله سنن طرق أهل الخير والرشد والغي، ومن كان قبلكم من أهل الحق والباطل، لتجتنبوا الباطل، وتتبعوا الحق
(وَيتوبَ عَلَيْكُمْ) أي: ويريد أن يوفقكم للتوبة، وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، ويقبلها منكم.
لأن توبة الله على العبد نوعان:
أحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.
الثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ).
(واللَّهُ عَلِيمٌ) بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم.
(حَكِيمٌ) في كل أقواله وأحكامه وأفعاله، وحكمته أن شرع هذه الأحكام، وبيّن ما أحل من النساء وما حرم منهن، وأباح نكاح الإماء بشروط.
(واللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) هذا توكيد لقوله (ويتوب عليكم).
(ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) أي: ويريد أتباع الشهوات عموماً من أهل الكفر والفسوق والفجور والعصيان.
• قال القرطبي: اختلف في تعيين المتَّبِعين للشهوات؛ فقال مجاهد: هم الزناة.
وقال السّدِّي: هم اليهود والنصارى.
وقالت فرقة: هم اليهود خاصّةً؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب.
وقال ابن زيد: ذلك على العموم، وهو الأصح. (تفسير القرطبي).
• والشهوات جمع شهوة، وهي ما يغلب على النفس محبته وهواه، والشهوة قد تكون شهوة فرج وبطن تدفع الإنسان إلى استباحة ما حرم الله من الفروج والمآكل، وقد تكون شهوة فكر وقلب تحمل المرء على رد الحق وقبول الباطل.
(أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) أي: أن تنحرفوا عما يريد الله لكم من الاستقامة على هدى الله وسلوك طريق الحق، وتسلكوا طريق الباطل.
(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أي: يريد الله أن يخفف عنكم وييسر عليكم فيما شرعه لكم في أوامره ونواهيه
• التخفيف ضد التشديد والتثقيل، وقد خفف الله عن هذه الأمة فقال تعالى (يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
فأباح التيمم عند فقد الماء، وأباح قصر الصلاة في السفر تخفيفاً عليهم، وأباح الفطر في رمضان للمسافر والمريض وغيرها ذلك من التخفيفات.
(وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) أي: ضعيفاً في جسمه، ضعيفاً في علمه، ضعيفاً في عزمه وإرادته، ضعيفاً أمام نوازع النفس وغرائزها، ضعيفاً في كل أموره وأحواله.
• قال ابن القيم: فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صبب الحدور، فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فإن الهلاك أقرب إليه من نفسه.
قال طاوس (وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.
• قال ابن الجوزي: في المراد بـ (ضعْف الإنسان) ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة، قال الحسن: هو أنه خُلق من ماءٍ مهين.
والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل.
والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجّاج، وابن كيسان. (زاد المسير).
ولكن القاعدة المهمة في تفسير القرآن الكريم أنه كلما كان من الممكن حمل معاني القرآن على العموم والشمول كان أقرب إلى الصواب؛ وأن الأقوال إذا لم تكن متناقضة، وأمكن حمل الآية عليها جميعها كان أوفق في التفسير.
• وقال ابن عطية: المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي: لمَّا علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد طاوس، ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل؛ لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسراً، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاماً، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب.
• وقال في التسهيل: قوله تعالى (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) قيل: معناه: لا يصبر على النساء، وذلك مقتضى سياق الكلام، واللفظ أعم من ذلك.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (وَخَلَقَ الإنسان ضَعِيفاً) نصب على الحال؛ والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشدّ الضعف فاحتاج إلى التخفيف، وقال طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة.
وروي عن ابن عباس أنه قرأ (وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً) أي: وخلق الله الإنسان ضعيفاً، أي لا يصبر عن النساء.
قال ابن المسيِّب: لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أَعشُو بِالأُخرى وصاحبي أعمى أصَمّ يعني ذكره وإني أخاف من فتنة النساء. (تفسير القرطبي).
• وقال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في تفسير الآية: والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور.
• ومن هذا نستفيد:
أولاً: أن يعرف الإنسان قدر نفسه فلا يتكبر.
ثانياً: أن يطلب الإنسان القوة من القوي العزيز تبارك وتعالى، بالاعتصام بحبله، والالتجاء إليه، والتوكل إليه.
ثالثاً: الالتجاء إلى الله، وسؤاله الثبات.
رابعاً: الابتعاد عن مواطن الفتن، فمن عرض نفسه للفتن وقع فيها، وفي الحديث (من سمع بالدجال فلينأ عنه).
فمن عرف ضعف نفسه هرب من الفتن خوف الوقوع فيها.
الفوائد:
1 -
سعة رحمة الله لعباده حيث أراد أن يبين لهم ما يحتاجونه.
2 -
كمال هذه الشريعة.
3 -
إن الله يحب التوابين.
4 -
كرم الله، حيث يحثنا على التوبة.
5 -
إثبات عموم علم الله لكل شيء.
6 -
على الإنسان أن يقتنع بأحكام الله، لأنها صادرة عن علم وحكمة.
7 -
علم الله بما في القلوب لقوله تعالى (ويريد الذين يتبعون الشهوات).
8 -
الحذر من الذين يتبعون الشهوات.
9 -
أن أهل الكفر والمعاصي يعملون كل ما في وسعهم لإضلال العباد.
10 -
خطر الشهوات على المجتمع.
11 -
في الآية تحذير لمن يبيع المجلات الهابطة وأشرطة الأغاني وغيرها من آلات اللهو.
12 -
أن الله يريد التخفيف على العباد.
13 -
أن الله يحب أن تؤتى رخصه.
14 -
ضعف الإنسان، ويتفرع على هذه الفائدة الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه، وعدم تعرضه للفتن. (الأحد: 10/ 2/ 1434 هـ)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30))
[النساء: 29 - 30].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) سبق فائدة تصدير الخطاب بهذا.
(لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً بالباطل: أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، والغش، والكذب، والنجش، والتدليس، وسائر المعاملات المخالفة للشرع.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا صَاحِبَ اَلطَّعَامِ? " قَالَ: أَصَابَتْهُ اَلسَّمَاءُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. فَقَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ اَلطَّعَامِ; كَيْ يَرَاهُ اَلنَّاسُ? مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي - رَوَاهُ مُسْلِمٌ وفي الرواية الأخرى (من غشنا) واللفظ الأول أعم، والغش: المراد به هنا: كتم عيب المبيع أو الثمن.
وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ رضي الله عنهما قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم اَلرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(الراشي) هو دافع الرشوة (والمرتشي) هو آخذها.
مفاسد الرشوة:
أولاً: أن فيها فساد الخلق.
ثانياً: أنها سبب لتغيير حكم الله عز وجل.
ثالثاً: أن فيها ظلماً وجَوراً.
رابعاً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل.
خامساً: أن فيها ضياع الأمانات.
وكذلك النجش:
عَنْ ابن عمر (نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّجْشِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وكذلك الربا:
قال الله تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقال سبحانه وتعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).
وقال عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).
وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ اَلرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: " هُمْ سَوَاءٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وحديث أبي جحيفة رواه البخاري ولفظه (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ).
• قوله تعالى (لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ) أضاف الأموال إلى الجميع ولم يقل: لا يأكل بعضكم مال بعض، تنبيهاً على وجوب تكافل المؤمنين في حقوقهم ومصالحهم.
كما قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
• قوله تعالى (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) خص الأكل بالنهي - مع أن أخذ الأموال بالطرق المحرمة لأي غرض كان من وجوه الانتفاع بها كله باطل - لأن الأكل هو كسوة البطن، وهو الهدف الأهم.
• قال الرازي: إنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة، لما أن المقصود الأعظم من الأموال: الأكل، ونظيره قوله تعالى (إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً).
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) قال ابن كثير: هو استثناء منقطع كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) أي: صادرة عن تراض من البائع والمشتري.
(وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) لما نهى عن أكل المال بالباطل صيانة للأموال أتبع ذلك بالنهي عن القتل صيانة للأنفس والأبدان فقال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يقتل أحدكم نفسه، لأن النفس وديعة عند الإنسان، يجب أن يوردها مورد السلامة، ويجنبها موارد الهلاك والعطب في دينها ودنياها.
وأيضاً لا يقتل بعضكم بعضاً، لأن قتل المسلم لأخيه بمثابة قتله لنفسه، كقوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: ليسلك بعضكم على بعض. وكقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضاً.
وأيضاً لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل.
• قال القرطبي: وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً.
فقتل الإنسان لنفسه كبيرة من الكبائر:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) متفق عليه.
وعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِى الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ قِلَّةً وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ، مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ) متفق عليه.
وعن جندب. قال: قال صلى الله عليه وسلم («إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا فَلَمْ يَرْقَأ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَبُّكُمْ قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) متفق عليه. وفي رواية البخاري (قال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه).
• وكذلك قتل الغير بغير حق كبيرة من الكبائر:
قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً).
وقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخاري.
وعن بريدة قال: قال رسول الله (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) رواه النسائي.
وكذلك ارتكاب معاصي الله وترك أوامره قتل لنفس لأنه عرضها لغضب الله.
كما قال تعالى (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال حذيفة وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى: لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة.
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن حبان عن أبي أيوب الأنصار قال (نزلت الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا، فأنزل الله يرد علينا
…
).
فكانت التهلكة الإقامة على أموالنا وصلاحها وتركنا الغزو.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) فيه خمسة أقوال:
أحدها: على ظاهره، وأن الله حرم على العبد قتل نفسه، وهذا الظاهر.
والثاني: أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضاً، وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير.
• ثم ذكر الأقوال وقال:
الخامس: لا تقتلوها بارتكاب المعاصي.
• قال الشوكاني: قوله (وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضاً إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات السلاسل، فقرّر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه، وهو في مسند أحمد، وسنن أبي داود وغيرهما.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) الجملة تعليل للنهي عن أكل الأموال بالباطل وقتل الأنفس، قال الطبري: ومن رحمته بكم كفّ بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها.
• وقال ابن كثير: قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فيما أمركم به ونهاكم عنه.
• وقال أبو حيان: قوله تعالى (إن الله كان بكم رحيماً) حيث نهاكم عن إتلاف النفوس، وعن أكل الحرام، وبين لكم جهة الحل التي ينبغي أن يكون قوام الأنفس، وحياتها بما يكتسب منها، لأنّ طيب الكسب ينبني عليه صلاح العبادات وقبولها.
• وقال السعدي: ومن رحمته، أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود.
عن عمرو بن العاص. قال (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ! قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله عز وجل (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) رواه أبو داود.
•
في قصة عمرو بن العاص فوائد:
أ- جواز التيمم إذا خاف الإنسان من شدة البرد إذا استعمل الماء، ويدل على ذلك أيضاً:
قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقوله سبحانه (ولا تقتلوا أنفسكم).
ب- جواز إمامة المتيمم بالمتوضئين، وهذا مذهب الجمهور.
ج-أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم دليل يعمل به.
د-أنه لا يلزمه الإعادة فيما بعد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة، لأنه أتى بما أمر به.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) الإشارة إلى ما نهى عنه في الآية السابقة من أكل الأموال بالباطل وقتل الأنفس.
• اختلفوا في قوله تعالى (وَمَن يَفْعَلْ ذلك) إلى ماذا يعود؟
فقيل: إنه خاص في قتل النفس المحرمة، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.
وقيل: قال الزجاج: إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة.
(عُدْوَاناً) أي: تجاوزاً لما حده الله، واعتداء على الآخرين عن قصد وعمد بأكل أموالهم أو قتلهم.
(وَظُلْماً) لنفسه بهذا التعدي على الغير، أو ظلماً لها خاصة.
(فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً) أي: فسوف ندخله ناراً نغمره فيها من جميع جهاته، تحرقه ويصلاه حرها.
(وَكَانَ ذَلِكَ) أي: إصلاؤه النار.
(عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) أي: سهلاً، لأن الله لا يعجزه شيء كما قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
الفوائد:
1 -
تحريم أكل أموال الناس بالباطل من ربا أو رشوة أو غش أو غيرها.
2 -
أن أكل أموال الناس بالباطل من علامات نقص الإيمان.
3 -
أن عدم أكل أموال الناس بالباطل من علامات قوة الإيمان.
4 -
جواز التجارة.
5 -
من شروط البيع التراضي بين الطرفين.
6 -
حرص الإسلام على حفظ حقوق أموال الناس.
7 -
تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه كبيرة من الكبائر.
8 -
تحريم قتل المسلم وأنه من الكبائر كما سيأتي إن شاء الله.
9 -
إثبات صفة الرحمة لله تعالى.
10 -
أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب، لأن الله توعد عليها بالنار.
(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا (31)).
[النساء: 31].
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها.
(نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) أي: إذا اجتنبتم الكبائر فإن الله يستر ويكفّر عنكم الصغائر ويسترها ويمحوها ويتجاوز عنها.
(وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) أي: وندخلكم إدخالاً كريماً، وهي الجنة دار السلام، ومعنى كريماً: أي كثير الخير والفضل والإحسان طيباً حسناً مرضياً خالياً من الآفات والعاهات والهموم والأحزان والأكدار.
• قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا) الاجتناب: ترك الشيء جانباً والابتعاد عنه.
• وقوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا) أبلغ من قول (حرمت عليكم الكبائر) لأن معنى اجتناب الشيء، البعد عنه وعما يؤدي إليه، كما قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) أي: ابتعدوا عن الزنا وما يؤدي إليه من النظر المحرّم والخلوة بالأجنبية ونحو ذلك.
• قوله تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) دليل على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر.
وهذا بنص القرآن والسنة وإجماع السلف [قاله ابن القيم].
قال تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
وقال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ).
والجمهور على أن المراد بـ (اللمم) ما دون الكبائر وهي صغائر الذنوب.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
• قوله تعالى (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) جمع سيئة، والمراد بالسيئة هنا الصغيرة، والدليل على ذلك، أنها جاءت في مقابلة الكبائر، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة.
• من بلاغة القرآن أن يعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى (فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) فمعنى ثبات: فرادى، والدليل أنه قوبل بقوله (أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا). (الشيخ ابن عثيمين).
• قوله تعالى (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فبه أن اجتناب الكبائر مكفرة للصغائر.
فمن اتقى الكبائر والموبقات، غفر الله له ما بين ذلك من اللمم.
قال الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا).
وقال سبحانه (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فَيُؤْخَذ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَم مِنْ الصَّغَائِر وَأَنَّهُ يُكَفَّر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر.
وذكر النووي رحمه الله كلام الخطابي ثم قال: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِير اللَّمَم، وَقِيلَ: أَنْ يُلِمّ بِالشَّيْءِ وَلا يَفْعَلهُ، وَقِيلَ: الْمَيْل إِلَى الذَّنْب. وَلا يُصِرّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ. وَأَصْل اللَّمَم وَالإِلْمَام الْمَيْل إِلَى الشَّيْء وَطَلَبَهُ مِنْ غَيْر مُدَاوَمَة.
قال في تحفة الأحوذي: اخْتَلَفَت أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ صَغَائِرُ الذُّنُوبِ
…
وَهو الظَّاهِرُ الرَّاجِحُ.
وقال القرطبي رحمه الله: (إلا اللمم) وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه.
• اختلف في تحديد الكبيرة على أقوال.
فقيل: الكبيرة كل ما نص على أنها من الكبائر.
كقوله في أكل أموال اليتامى (إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً) وقوله صلى الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين .. ) واختاره الطبري.
وقيل: الكبيرة: ما ترتب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية أو أخروية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
فالعقوبة الدينية كقوله صلى الله عليه وسلم (ليس منا من لطم الخدود .. ) وقوله (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
العقوبة الدنيوية: كقتل القاتل، ورجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن، وقطع السارق.
وقيل: ما فيه حد، وهذا ضعيف، لأن بعض الكبائر _ كالربا _ لا حد فيها.
وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن شرب الخمر والفرار من الزحف والتزوج ببعض المحارم ليس من الكبائر.
وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الذنوب لا تنقسم إلى صغائر وكبائر.
وقيل: سبعة عشر.
وقيل: ما ترتب عليه حد، أو تُوُعد عليه بالنار أو اللعنة، ويرجح هذا القول أمور:
أ - أنه المأثور عن السلف.
ب - أن هذا الضابط يمكن التفريق به بين الكبائر والصغائر.
ج- أن الله تعالى قال (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم
…
) فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره.
ذ- أن هذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره.
• قال الرازي: من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر،
…
واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه:
الحجة الأولى: هذه الآية، فإن الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر.
الحجة الثانية: قوله تعالى (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ) وقوله (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا).
الحجة الثالثة: ان الرسول صلى الله عليه وسلم نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، كقوله (الكبائر: الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس) وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر.
الحجة الرابعة: قوله تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان) وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة: أولها: الكفر، وثانيها: الفسوق، وثالثها: العصيان، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر، فالكبائر هي الفسوق، والصغائر هي العصيان.
• قال ابن الجوزي: وقيل كلُّ ما عُصي الله به، روي عن ابن عباس، وعبيدة، وهو قول ضعيف.
• وها هنا ثلاثة أمور ينبغي الالتفات إليها والتفطن لها:
أولها: أن الإصرار على الصغيرة قد يجعلها كبيرة.
قال ابن القيم رحمه الله: الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة أو يربى عليها.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: إذا أصر الإنسان على الصغيرة وصار هذا ديدنه صارت كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله عز وجل، وأنه غير مبال بما حرم الله.
ثانيها: أن الاستهانة بالصغائر مهلكة.
فقد روى أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا).
• والسيئة سميت بذلك: لأنها سيئة بنفسها وقبيحة، ولأنها تسوء صاحبها حالاً ومآلاً.
الفوائد:
1 -
وجوب اجتناب الكبائر والابتعاد عنها وعن كل سبب يؤدي إليها.
2 -
أن الصغائر تقع مكفّرة إذا اجتنبت الكبائر.
3 -
سعة فضل الله ورحمته.
(وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)).
[النساء: 32].
عن أم سلمة قالت (يا رسول الله! تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) رواه الترمذي.
(وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: لا تطمعوا فيما زاد الله به بعضكم على بعض من الأمور الدينية والدنيوية، سواء كان ذلك في الأمور المتعذرة وغير الممكنة كأن تتمنى النساء شيئاً من خصائص الرجال التي فضلهم الله بها كالجهاد ومضاعفة الميراث ونحو ذلك، أو في الأمور الممكنة التي يتعسر نيلها كأن يتمنى البعض ما فضل الله به البعض الآخر عليه من العلم والمال ونحو ذلك.
قال ابن عباس: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهي الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله.
• قال ابن رجب: قوله تعالى (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) فقد فُسِّرَ ذلك بالحسد، وهو تمنِّي الرجل نفس ما أُعطي أخوه من أهلٍ ومال، وأنْ ينتقل ذلك إليه، وفُسِّرَ بتمني ما هو ممتنع شرعاً أو قدراً، كتمني النِّساءِ أنْ يكنَّ رجالاً، أو يكون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائلِ الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ ونحو ذلك، وقيل: إنَّ الآية تشمل ذلك كُلَّه.
ومع هذا كُلِّه، فينبغي للمؤمن أنْ يحزنَ لفواتِ الفضائل الدينية، ولهذا أُمِرَ أنْ ينظر في الدين إلى مَنْ فوقَه، وأنْ يُنافِسَ في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمتَنَافِسُونَ).
• قال السعدي: قوله تعالى (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة، فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيا مجرداً لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها، ولأنه يقتضي السخط على قدر الله والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب، وإنما المحمود أمران:
أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من فضله، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) عطف على جملة (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم) والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين: أنّ التمنّي يحبّب للمُتمنّي الشيء الذي تمنّاه، فإذا أحبّه أتْبَعَه نفسه فرام تحصيله وافتُتن به، فربما بعثه ذلك الافتتان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده، وإلى الاستئثار به عن صاحب الحقّ فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحقّ صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمّنتها الجمل المعطوف عليها.
فالنهي عن التمنّي وتطلّع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عامّا، فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسدّ ذرائعها وذرائع غيرها، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور.
وقد كان التمنّي من أعظم وسائل الجرائم، فإنّه يفضي إلى الحسد، وقد كان أوّل جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد.
ولقد كثر ما انتهبت أموال، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق، أو فتنة نساء، أو نوال مُلك، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل.
والذي يبدو أنّ هذا التمنّي هو تمنّي أموال المثرين، وتمنّي أنصباء الوارثين، وتمنّي الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم، وتمنّي حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم.
وإنصاف النساء في مُهورهنّ، وترك مضارّتهنّ إلجاء إلى إسقاط. (تفسير ابن عاشور).
• وهذا النهي للتحريم.
• والتمني: هو الطمع في طلب ما يعلم عدم حصوله لتعذره واستحالته، أو ما يغلب على الظن عدم حصوله لتعسره، فمن الأول قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوماً
…
فأخبره بما فعل المشيب.
ومن الثاني: قول الفقير: ليتني غنياً، وقول الجاهل: ليتني عالماً.
• قال ابن عاشور: التمنّي هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب.
• قوله تعالى (مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) التفضيل الزيادة.
• وإنما نهى تعالى عن تمني ما فضل الله به البعض على البعض الآخر، لأن هذا هو الحسد المذموم، وفي الحسد مفاسد كثيرة من الاعتراض على قضاء الله وقدره وحكمته فيما قسم بين عباده.
• قال ابن كثير: ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملتُ مثله، فهما في الأجر سواء) فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حضّ على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا.
(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) أي: كل له جزاء على عمله بحسبه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وقيل: لكل من الرجال والنساء حظ ونصيب مما قسمه الله من الميراث، ولكل منهم حظ مما قدره الله وخصه به من الأعمال، فللرجال الجهاد والجمع والجماعات والولاية ونحو ذلك، وللنساء حفظ البيوت وتربية الأولاد وطاعة الزوج وخدمته، ولكل منهم حظ من جزاء وثمرة سعيه وما قدم من عمل ديني أو دنيوي.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ
…
) وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمنّي قطعاً لعذر المُتمَنّين، وتأنيساً بالنهي.
(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، وعليكم السعي والاكتساب، واسألوا الله يعطكم
من فضله ما فيه صلاح أمركم ودنياكم.
• ففيه الأمر بسؤال الله تعالى والنهي عن سؤال الخلق.
كما قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
وقال صلى الله عليه وسلم (سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل).
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ (كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ
…
) رواه الترمذي.
وفي الترمذي عن أبي هريرة. قال: قال صلى الله عليه وسلم (من لم يسأل الله يغضب عليه).
واستحق الغضب لأمرين:
الأول: لأنه ترك محبوباً لله، فإن الله يحب أن يسأل، ذكر ذلك المناوي.
والثاني: لأن ترْك الدعاء دليل على الاستغناء عن الله، ذكر ذلك المباركفوي.
وفي النهي عن سؤال المخلوق أحاديث كثيرة أيضاً، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم: أبو بكر، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله.
• واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلاً وشرعاً وذلك من وجوه متعددة:
منها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة الني يختص بها الإله الحق.
كان الإمام أحمد يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك.
ولهذا كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم كما ثبت في الصحيحين، لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي، فيصير عظماً بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي، فلا يبقى له عند الله وجاهة.
ومنها: أن في سؤال الله عبودية عظيمة، لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره.
قال بعض السلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو يملكها فكيف أسألها ممن لا يملكها؟ يعني المخلوق.
ومنها: أن الله يحب أن يُسأل، ويغضب على من لا يسأل، فإنه سبحانه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالباً يكره أن يُسأل لفقره وعجزه.
قال أبو العتاهية:
الله يغضب إن تركتَ سؤاله
…
وبُنيّ آدم حين يسأل يغضب
فاجعل سؤالك للإله فإنما
…
في فضل نعمة ربنا نتقلب
قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يُغلقُ عنك بابَه، ويُظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه بنصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه ويقول: ادعني أستجب لك.
• قال ابن تيمية: سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:
الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك.
والثانية: مفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق.
والثالثة: فيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة.
• قال السعدي في قوله صلى الله عليه وسلم (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).
وهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقا به دون المخلوقين. فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبدا لله حقا حرا من رق المخلوقين، وذلك بأن يجاهد نفسه على أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لعمر:«ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففا وترفعا عن منن الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة.
وتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا، فإن من استعف عما في أيدي الناس وعما يناله منهم، أوجب له ذلك أن يقوى تعلقه بالله، ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه، ويحسن ظنه وثقته بربه، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، إن ظن خيراً فله، وإن ظن غيره فله، وكل واحد من الأمرين يمد الآخر فيقويه، فكلما قوي تعلقه بالله ضعف تعلقه بالمخلوقين وبالعكس.
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى) فجمع الخير كله في هذا الدعاء، فالهدى: هو العلم النافع، والتقى: هو العمل الصالح، وترك المحرمات كلها، هذا صلاح الدين.
وتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله، ومن كان غنيا بالله فهو الغني حقا، وإن قلت حواصله، فليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى القلب، وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله.
• وقال ابن رجب رحمه الله: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك.
وكان عمر يقول في خطبته: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه.
• وقال ابن تيمية: سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه،
• وقال ابن القيم: يستعين الإنسان على التجرد من الطمع والفزع؟ بالتوحيد والتوكل والثقة بالله، وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله، ليس لأحد مع الله شيء.
قال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.
وقال ابن القيم: أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.
وقال الحسن رحمه الله: لا تزالُ كريماً على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلتَ ذلك استخفُّوا بكَ، وكرهوا حديثك، وأبغضوك.
• قال حكيم: إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وأكساه العفاف.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ) من الأشياء صغرت أو عظمت.
(عَلِيماً) به، لا يخفي عليه شيء ولا يغيب عنه مثقال ذرة،
• قال ابن كثير: أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه.
• وقال ابن جرير: يعني جل ثناؤه: أن الله كان بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في الدين والدنيا وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم (عليماً) ذا علم، فلا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته والتسليم لأمره، والرضى بقضائه ومسألته من فضله.
الفوائد:
1 -
تحريم أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره عليه.
2 -
التحذير من الحسد.
3 -
حكمة الله في العطاء والمنع، فعطاؤه ومنعه كله صادر عن علم وحكمة.
4 -
لا بأس للإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه.
5 -
عظم كرم الله، حيث يفرح بسؤال عباده له.
6 -
فضل الدعاء.
7 -
حكمة الله وسعة علمه في التفريق بين الجنسين، فلكل جنس ما يناسبه ويلائمه.
8 -
وجوب مراقبة الله، لأنه سبحانه عليم بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء، فعلى المسلم أن يضمر الخير. انتهى شريط: 21
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)).
[النساء: 33].
(وَلِكُلٍّ) أي: ولكل إنسان.
(جَعَلْنَا مَوَالِيَ) أي: جعلنا ورثة يلون تركته من بعده.
• كلمة (موالي) تطلق على معان:
منها: الناصر، كقوله تعالى (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ).
ومنها: الذي يتولى على غيره، كقوله تعالى (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).
ومنها: العتيق: كقوله صلى الله عليه وسلم (مولى القوم من أنفسهم).
ومنها: الوارث، كما في هذه الآية.
(مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) أي: مما تركه والداه وأقربوه، وعلى هذا يكون الوالدان والأقربون مورِّثين
• قال ابن كثير: ويعني بقوله (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ) من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم -أيها الناس-جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.
ويحتمل: أن يكون (الوالدان) خبراً لمبتدأ محذوف (والأقربون) معطوف عليه، والتقدير: هم الوالدان والأقربون، ويكون الوقف على قوله (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ) والتقدير: ولكل جعلنا موالي يرثون مما تركه، هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا يكون الوالدان والأقربون وارثين.
(وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: والذين تعاهدتم وتحالفتم وإياهم بالأيْمان والمواثيق المؤكدة، وقد كانوا في الجاهلية يتعاقدون،
كما قال ابن عباس: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر.
عن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة (والذين عقدت أيمانكم) قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) نسخت، ثم قال (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. رواه البخاري.
• المراد بالعقد العهد، وسمي العهد عقداً لما فيه من التوثيق والتوكيد.
• أيمانكم: جمع يمين وهو الحلف.
(فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أي: فأعطوهم نصيبهم من الميراث حسب ما اتفقتم عليه في عقد اليمين.
لأن هذا من الوفاء بالعهد، وقد قال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً).
• وهذا الحكم منسوخ، قال ابن كثير: وكان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.
• قال القرطبي: بيّن تعالى أن لكل إنسان ورثةً وَموالي؛ فلينتَفِع كلُّ واحدٍ بما قسَم الله له من الميراث، ولا يتمنى مالَ غيره.
وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جُبير عن ابن عباس (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قال: كان المهاجرون حين قدِموا المدينة يرث الأنصاري المهاجريُّ دون ذوي رحِمِه؛ للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قال: نسختها (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ).
قال أبو الحسن بن بطّال: وقع في جميع النسخ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قال: نسختها (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ).
والصواب أن الآية الناسخة (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) والمنسوخة (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)، وكذا رواه الطبري في روايته.
وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قوله تعالى في "الأنفال"(وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ).
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) هذه الآية تدل على أن إرث الحلفاء من حلفائهم، وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ).
والجواب أن هذه الآية ناسخة لقوله (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية، ونسخها لها هو الحق خلافاً لأبي حنيفة ومن وافقه في القول بإرث الحلفاء اليوم إن لم يكن له وارث.
وقد أجاب بعضهم بأن معنى (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أن من الموالاة والنصرة وعليه فلا تعارض بينهما والعلم عند الله.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) أي: أن الله على كل شيء صغيراً كان أو كبيراً، ظاهراً أو خفياً مطلع مراقب.
وفي الآية تهديد لمن لم يف بالعهد.
الفوائد:
1 -
إثبات الإرث.
2 -
كمال الشريعة بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود.
3 -
وقوع النسخ في الشريعة.
4 -
التحذير من مخالفة الله، لأن الله شاهد عليه مطلع.
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)).
[النساء: 34].
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) أي: الرجل قيّم على المرأة، وهو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت.
• قال القرطبي: دّلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءَهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرّجل عِشرتها.
و (قَوّام) فعّال للمبالغة؛ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد.
فقيام الرّجال على النساء هو على هذا الحد؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأنْ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية؛ وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوّة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) الباء سببية، أي: بسبب الذي فضل الله به بعضهم على بعض.
• قال ابن الجوزي:
…
وفضل الرجل على المرأة بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، والجمعة، والجماعات، والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه إلى غير ذلك.
• فبسبب ما زاد الله به الرجال على النساء من القوى الظاهرة والباطنة، فالظاهرة: كقوة البدن، ومن القوة الباطنة: العقل، والذكاء، والشجاعة، والحزم، والصبر، والتحمل، ولهذا خصهم الله وفضلهم بأن جعل الرسالة والنبوة والولاية فيهم، وخصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع والجماعات، وبكون شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وميراثه مثل نصيب الأنثيين إلى غير ذلك من الخصائص التي هي تابعة لكمال استعدادهم الفطري.
• وفي قوله (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) دون أن يقول: بما فضلهم الله عليهن تنبيهاً على أن الرجل من المرأة والمرأة من الرجل، وأن كل واحد منهما بالنسبة للآخر كأعضاء الجسد، فلا ينبغي أن يتكبر أحدهما على الآخر، وإن كان بعض الأعضاء أفضل من بعض.
كما أن فيه تنبيهاً على أن التفضيل إنما هو بالنسبة للجنس، أي: جنس الرجال أفضل من جنس النساء، لا بالنسبة للأفراد، فكم من امرأة خير من زوجها، بل من عشرات الرجال في العلم والدين والخلق.
(وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) الباء سببية، أي: وبسبب إنفاقهم من أموالهم، من المهور والنفقات التي أوجبها الله للنساء على الرجال في الكتاب والسنة.
• قال ابن كثير: فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيماً عليها، كما قال تعالى (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).
• جعل الله القوامة للرجال على النساء لسببين:
الأول: وهبي وهبهم الله إياه، وهو تفضيلهم عليهن.
الثاني: كسبي اكتسبوه وهو إفضالهم عليهن بالإنفاق.
• قال ابن عاشور: قوله (وبما أنفقوا) جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات، وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال،
• قال القرطبي: فَهِم العلماء من قوله تعالى (وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوّاماً عليها، وإذا لم يكن قَوّاماً عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شُرع لأجله النكاح.
وفيه دلالة واضحةٌ من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة؛ وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة؛ لا يفسخ؛ لقوله تعالى (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ) وقد تقدّم القول في هذا في هذه السورة.
(فَالصَّالِحَاتُ) أي: فالنساء الصالحات، والصالحات: هن اللاتي قمن بحقوق الله وحقوق أزواجهن.
وفي الحديث (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة).
(قَانِتَاتٌ) أي: مطيعات مداومات على طاعة الله، والقنوت: دوام الطاعة.
(حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أي: حافظات لما يجب حفظه في غياب أزواجهن من حفظ أنفسهن وحفظ بيوتهم وأموالهم، وأيضاً: حافظات لما غاب عن الناس مما يكون في بيوتهن من أمور وأحوال، وما يجري بينهن وبين أزواجهن.
وفي الحديث (خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك).
(بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) أي: حافظات للغيب بحفظ الله لهن وتوفيقه وعونه وتيسيره، وقيل: حافظات للغيب بما حفظ الله: أي: بما حفظ الله لهن من حقوق على أزواجهن وقيل: بما حفظ لهن من الثواب العظيم إذا هنّ حفظن غيب أزواجهن.
• قال السعدي: قوله تعالى (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) لهن وتوفيقه لهن، لا من أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله، كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (بما حفظ الله) قرأ الجمهور برفع اسم «الله» وفي معنى الكلام على قراءتهم ثلاثة أقوال:
أحدها: بحفظ الله إِياهن، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل.
والثاني: بما حفظ الله لهن مهورهن، وإيجاب نفقتهن، قاله الزجاج.
والثالث: أن معناه: حافظات للغيب بالشيء الذي يحفظ به أمر الله، حكاه الزجاج. وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله. والمعنى: بحفظهن الله في طاعته.
• ثم ذكر تعالى القسم الثاني من النساء فقال:
(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن.
• والنشوز لغة: مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع من الأرض، واصطلاحاً: معصية الزوجة الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته.
• ذكر الله تعالى علاج المرأة الناشز فقال:
(فَعِظُوهُنَّ) بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله سبحانه وتعالى وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه:
مثل قوله صلى الله عليه وسلم (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم.
ومثل: قوله صلى الله عليه وسلم (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه أبو داود.
فإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو:
(وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) هذا العلاج الثاني من علاج نشوز المرأة، وهو هجرها في المضجع.
لقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).
• وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه:
أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
ثالثاً: أن ينامع معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل.
• ويهجرها ماء شاء حتى ترتدع وترجع.
(وَاضْرِبُوهُنَّ) أي: فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها.
• و هذا الضرب يشترط أن يكون غير مبرح أي: غير شديد.
لقوله صلى الله عليه وسلم (إن لكم عليهن أن لا يُوطِئنَ فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلنَ فاضربوهن ضرباً غير مبرح) رواه مسلم.
لأن المقصود التأديب والزجر والإصلاح، لا الإيذاء والضرر والانتقام، ويتقي الوجه والمقاتل.
• هذه المراتب إذا كان الزوج قائماً بالحقوق، أما إذا لم يقم بحقوق الزوجة فلا يحل له أن يسلك هذه المراتب.
(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي: فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، مما أباحه الله له منها.
• قال الرازي: أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب.
(فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) أي: فلا تطلبوا وتلتمسوا عليهن طريقاً لإيذائهن لا بقول ولا بفعل، ولا بهجر ولا ضرب ولا غير ذلك، فمادمن أطعن، وتركن النشوز، فلا ينبغي معاتبتهن على الأمور الماضية، والتنقيب عنها، بل ينبغي ترك ما مضى وتناسيه كأنه لم يكن، لأن التذكير بذلك يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً) أي: له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر الكبير الذي لا أكبر منه ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات.
• العلي اسم من أسماء الله تعالى، يدل على إثبات صفة العلو لله، فهو سبحانه عال بذاته فوق جميع مخلوقاته، وعليّ القدر، وعلي القهر.
• وعلو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسم:
علو ذات (أن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه)، وعلو القدر (أي قدره وشأنه عال)، وعلو القهر والغلبة والسلطان.
علو القهر والقدر: متفق عليه بين أهل السنة وأهل البدعة (فكلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علواً معنوياً).
وأما العلو الذاتي، فيثبته أهل السنة والجماعة، ولا يثبته أهل البدع، والحق مذهب أهل السنة وأن الله عال بذاته والأدلة كثيرة جداً على علوه سبحانه وتعالى، من الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.
أما أدلة الكتاب والسنة فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة:
أحدها: التصريح بالفوقية.
كقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).
وكقوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).
الثاني: التصريح بالعروج إليه.
كقوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).
وقوله صلى الله عليه وسلم (يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم.).
الثالث: التصريح بالصعود إليه.
كقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ).
الرابع: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه.
كقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).
وقوله تعالى (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).
الخامس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو.
كقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
وقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
وقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).
وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كبيراً).
السادس: التصريح بنزيل الكتاب منه.
كقوله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم).
وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).
وقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).
وقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).
السابع: التصريح بأن الله تعالى في السماء.
كقوله تعالى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.
الثامن: التصريح بالاستواء على العرش.
كقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
التاسع: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى.
كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً).
والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع.
العاشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم، إنما يكون من علو إلى أسفل.
الحادي عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له، لما كان بالجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسؤولون عني، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد
بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلاً: اللهم اشهد).
الثاني عشر: التصريح بلفظ (الأين) كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه:(أين الله).
الثالث عشر: شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال: إن ربه بالسماء بالإيمان.
الرابع عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات، فقال:(يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً) فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبتها فهو موسوي محمدي.
الخامس عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى عليه السلام وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.
من العقل:
أن العلو صفة كمال والسفل صفة نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة:
قال شارح الطحاوية: وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله.
وأما الإجماع:
فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله فوق سمواته مستو على عرشه.
(كَبِيراً) الكبير اسم من أسماء الله يدل على أنه تعالى كبير الذات والصفات كما قال تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) وأن له الكبرياء والعظمة كما قال تعالى (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
• قال ابن القيم: فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتاً وقدراً وعزة وجلالة، فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله.
• قال ابن كثير: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كبيراً) تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو ممن ظلمهن وبغى عليهن.
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن الله كان علياً كبيراً) تذييل للتهديد، أي إنّ الله عليٌّ عليكم، حاكم فيكم، فهو يعدل بينكم، وهو كبير، أي قويّ قادر، فبوصف العلوّ يتعيّن امتثال أمره ونهيه، وبوصف القدرة يُحذر بطشه عند عصيان أمره ونهيه.
الفوائد:
1 -
فضل الرجال على النساء، حيث جعلهم قوامين على النساء.
2 -
فضل الإنفاق، وأن المنفِق له فضل على المنفَق عليه.
3 -
لا يجوز للمرأة أن تتولى على الرجال لا بإمارة ولا قضاء.
4 -
فضل المرأة الصالحة وفي الحديث (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة).
5 -
الثناء على المرأة التي تحفظ زوجها في غيبته.
6 -
يحرم على المرأة أن تفشي سر زوجها وبيتها.
7 -
تحريم نشوز المرأة على زوجها وتكرهها لخدمته.
8 -
بيان عقوبة المرأة الناشز.
9 -
التدرج في التأديب.
10 -
المكافأة بالمثل لقوله (فإن أطعنكم
…
).
11 -
التغاضي عما مضى.
12 -
إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العلي والكبير .... انتهى الشريط/ 22
…
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)).
[النساء: 35].
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) أي: وإذا أيقنتم وعلمتم استمرا الشقاق بين الزوجين، والشقاق: هو الخلاف والعداوة.
• قال القرطبي: الجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله: "وَإنْ خِفْتُمْ" الحُكّامُ والأُمراء.
وقيل: الخطاب للأولياء.
(فَابْعَثُوا) أي: أرسلوا، والخطاب للحكام (القضاة).
(حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا) أي: فالحاكم حينئذ يقيم حكمين أحدهما من أقارب الزوج والآخر من أقارب الزوجة.
• والسر في اختيار كل واحد من الحكمين من أقارب الآخر: لأنهما أدرى بحالهما وأعلم ببواطن الأمور، لأن الزوجين يفشيان لأقاربهما ما لا يفشيان لغيرهم.
• قال الآلوسي: وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة.
• اختلف العلماء في الرجلين المبعوثين هل هما حكمان أم وكيلان للزوجين على قولين:
أحدهما: أنهما وكيلان. والثاني: أنهما حكمان، وهذا هو الصحيح.
ورجح هذا القول بان القيم وقال: العجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين.
وعلى هذا القول فإنها يلزمان الزوج بدون إذنهما ما يريان فيه المصلحة من طلاق أو خلع.
لأن الله سمى كلاً منهما حكماً، والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يلزم بالحكم، وقد روى ابن أبي شيبة هذا القول عن عثمان، وعلي، وابن عباس، والشعبي، وسعيد بن جبير، وهو قول مالك، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: إنه الأصح، لأن الوكيل ليس بحَكَم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل.
والله تعالى قال (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً) والوكيلان لا إرادة لهما، وإنما يتصرفان بإذن موكليها، ولأن الوكيل لا يسمى حكماً في لغة القرآن ولا في لسان العرب.
• وعلى الحكمين المذكورين تقوى الله سبحانه وتعالى والنظر فيما يصلح شأنهما ودراسة قضيتهما من جميع الجوانب، وبعد ذلك يقرران ما يريانه من جمع أو تفريق.
(إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً) الضمير في قوله (يريدا) يعود للحكمين - وهذا قول الجمهور - وقيل: على الزوجين، والأول أصح، لأن الحكمين هما اللذان يريدان أن يحكما، فنية الإصلاح تكون منهما، أما الزوجان فالخلاف قائم بينهما، وكل واحد يريد الانتصار لنفسه.
• قال القرطبي: قوله تعالى (إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ) يعني الحكمين؛ في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
أي إن يرد الحكمان إصلاحاً يُوفّق الله بين الزوجين.
وقيل: المراد الزوجان؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحاً وصِدقاً فيما أخبرا به الحكمين (يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ).
• قوله تعالى (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً) وجوب الإخلاص والنية السليمة في نية الإصلاح.
(يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) أي: يوفق الله بين الحكمين، فإذا أراد كل من الحكمين وأحب الإصلاح بنية سليمة فإن الله يوفقهما بالوصل لحل يكون فيه إزالة الشقاق والخلاف بين الزوجين.
• فعلى الحكمين أن يقصدا الإصلاح ويخلصا النية.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً) بكل شيء، بالظاهر والباطن، وبما ينفع وبما يضر.
(خَبِيراً) اسم من أسماء الله ومعناه: المطلع على بواطن الأمور.
• وإذا اجتمع العليم والخبير كما في هذه الآية، حمل (العليم) على العلم بالظواهر، و (الخبير) على العلم بالبواطن.
• قال الرازي: المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق.
الفوائد:
1 -
وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع.
2 -
أن المبعوثين حكمان وليسا وكيلين.
3 -
الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالماً بأحوال من يحكم فيهم.
4 -
أهمية حسن النية في الحكم.
5 -
أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل.
6 -
إثبات صفتي العلم والخبرة.
(وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (36)).
[النساء: 36].
(واعْبُدُوا اللَّهَ) أي: اخضعوا وذلوا لله سبحانه وتعالى.
• وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجرداً عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أموراً لا تنبغي، والله عز وجل لا يليق به شيء من ذلك (قاله الشنقيطي).
• فالعبادة تطلق على معنيين: احدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق.
وتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية. (ذكر ذلك ابن تيمية).
• في هذه الآية وجوب عبادة الله عز وجل، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:
قال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا).
وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
وقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).
وأمر تعالى بعبادته حتى الموت. فقال تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
بل الناس ما خلقوا إلا لعبادة الله تعالى كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
وأمر الله بها جميع رسله:
كما قال نوح لقومه (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم.
وأخبر الله أنه أرسل في كل أمة رسولاً لهذا الغرض.
قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
ووصف ملائكته بذلك:
فقال تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله تعالى.
(وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) نهي عن الشرك وهو نهي تحريم بالاتفاق.
• والشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
• قوله تعالى (شَيْئاً) نكرة في سياق النهي فتعم كل شيء: أي: لا تشركوا به شيئاً من الأشياء، صغيراً كان أو كبيراً.
• قوله تعالى (وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) فيه أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، لأن الله لما أمر بالعبادة (واعبدوا الله) قال (وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) فلا بد من إثبات ونفي.
•
خطر الشرك:
أولاً: المشرك حرام عليه الجنة.
قال تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) رواه البخاري.
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار).
ثانياً: الشرط سبب لحبوط العمل.
قال تعالى (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
ثالثاً: هو أعظم الظلم.
قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها وذلك أعظم الظلم.
•
لأن الظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الشرك.
وهو أعظم الظلم وأشده.
كما قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
وقال تعالى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: من المشركين.
قال ابن رجب: فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين، إنما أريد به المشركون كما قال الله تعالى (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
والثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي.
كما قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ).
والثالث: ظلم العبد لغيره.
كما في الحديث (قال الله تعالى: إني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.
وعن ابن عمر. قال: قال صلى الله عليه وسلم (الظلم ظلمات يوم القيامة) متفق عليه.
رابعاً: هو أعظم الذنوب.
قال صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الذنب أعظم؟ - قال (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه.
• فالشرك أعظم الذنوب، وإنما كان كذلك:
أولاً: لأن مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره.
وثانياً: ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى في خصائص الإلهية من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع.
خامساً: لا يغفر الله لصاحبه إذا مات من غير توبة.
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً).
سادساً: هو أكبر الكبائر.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ). قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) متفق عليه.
وعن أبي بكرة قَالَ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ - ثَلَاثاً - الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ». وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) متفق عليه.
وعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْكَبَائِرِ قَالَ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَقَوْلُ الزُّورِ) رواه البخاري.
• وقد أثنى الله على الأنبياء بتوحيدهم وسلامتهم من الشرك:
قال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (والذين هم بربهم لا يشركون).
فائدة:
جاء في الحديث (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، فسئل عنه فقال:(الرياء). (رواه أحمد بسند حسن عن محمود بن لبِيد).
•
هذا الحديث فيه مسائل:
أولاً: أن الشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر.
الأكبر: هو أن يسوي غير الله بالله في ما هو من خصائص الله.
والأصغر: هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر.
وقيل: هو جعل شيء من حقوق الله لغيره لا يخرج به العبد من الملة.
وقيل: هو كل وسيلة تكون ذريعة إلى الشرك الأكبر، قاله السعدي.
وقيل: ما ثبت شرعاً إطلاق اسم الشرك أو الكفر عليه، وعُلم من دلالات الشرع عدم خروج صاحبه من الدين.
ثانياً: فيه التصريح بالخوف من الشرك.
ثالثاً: قوله (الشرك الأصغر) قد يفهم بعض الناس أنه سُميَ بذلك لقلة أهميته، وليس كذلك، ولكن لما كان بمقابل الأكبر سُميَ أصغر، وإلا فهو أعظم من الكبائر.
رابعاً: شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر، وذلك من وجهين:
أ-الرسول صلى الله عليه وسلم تخوف من وقوعه تخوفاً شديداً.
ب-أنه صلى الله عليه وسلم تخوف من وقوعه في الصالحين الكاملين فمن دونهم من باب أولى.
خامساً: وفيه الخوف من الرياء، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين، لأن النفوس مجبولة على حب الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلمه الله وعصمه.
سادساً: قوله (الرياء) هذا من باب المثال لا من باب الحصر، إذ الشرك الأصغر أنواعه متعددة كالحلف بغير الله، وإنما اقتصر على الرياء لكثرة وقوعه ومشقة دفعه.
(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) أي: أحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا هو الحق الثاني في الآية، وهو حق الوالدين، وقد عطفه الله على حقه لعظم حق الوالدين، كما قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
• قال ابن كثير: ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود.
• وقال القرطبي: قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزامِ البِرّ والطاعةِ له والإذعانِ مَن قَرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان؛ فقال تعالى (أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ).
وعن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رِضَى الرَّبِّ في رضى الوالدَيْن وسُخْطُه في سُخْط الوالدين).
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (وبالوالدين إحساناً) اهتمام بشأن الوالدين إذ جعل الأمر بالإحسان إليهما عقب الأمر بالعبادة، كقوله (أن اشكر لى ولوالديك)، وقوله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه).
• كثيراً ما يقرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين.
كما قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).
وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
• وأوصى تعالى بالوالدين إحساناً:
قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً).
وقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ).
وعن ابن مسعود قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا). قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ). قُلْتُ ثُمَّ أَي؟ قَالَ: (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي) متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو قال (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه.
ولمسلم (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتَهما).
ولحديث أبي هريرة. (أن رجلاً قال يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك).
كيفية الإحسان لهما: بالقول والفعل:
في حياتهما: بالبر والطاعة والإكرام والتوقير والتواضع لهما.
بعد موتهما: الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما.
• وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرماً، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول. (قاله السعدي)
• ومن الإحسان ألا يجاهد إلا بإذنهما.
للحديث السابق.
• وقد أثنى الله على يحيي بوصفه براً بوالديه:
قال تعالى (وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً).
• وكذلك عيسى عليه السلام فيذكر الله في كتابه قوله:
(وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً).
• نماذج من سلف الأمة:
عن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي.
وعن ابن عون المزني: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.
قال ابن الجوزي: بلغنا عن عمر بن ذر، أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره بك؟ قال: ما مشى معي نهاراً إلا كان خلفي، ولا ليلاً إلا كان أمامي، ولا رقد على سطح أنا تحته.
كان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمِّه فقال: السلام عليك - يا أماه - ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام - يا ولدي - ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحِمَك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً.
وعن الزهري قال: كان الحسن بن علي لا يأكل مع أمه، وكان أبرَّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري فآكله، فأكون قد عققتها.
(وَبِذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب، والقربى بمعنى القرابة.
• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَبِذِي القربى) أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك.
(وَالْيَتَامَى) أي: وأحسنوا إلى اليتامى (وسبق ما يتعلق باليتامى).
(وَالْمَسَاكِينِ) أي: وأحسنوا إلى المساكين، والمساكين جمع مسكين، وهو المعدم الذي لا يجد شيئاً من المال، أو لا يجد ما يكفيه.
• ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلاً منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معاً كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
• وسمي المعدم مسكيناً، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء.
(وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا إلى الجار ذي القربى، والجار هو من كان منزله قريباً من منزلك، وذي القربى: أي: ذي القرابة نسباً، والمعنى: والجار الذي منزله قريب من منزلك، وهو أيضاً قريب منك نسباً.
(وَالْجَارِ الْجُنُبِ) أي: وأحسنوا إلى الجار الجنب، الجار: هو من منزله بجوار منزلك كما سبق، والجنُب: بمعنى البعيد منك نسباً، أي: الذي ليس بينك وبينه قرابة، والمعنى: أي: الجار القريب منزلاً البعيد نسباً، فله حق الجوار.
• قال الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى (الجنب) في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا، لما بينا قبل من أن (الجار ذي القربى)، هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون (الجار ذو الجنابة)، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم.
وبعد، فإن (الجُنب)، في كلام العرب: البعيد.
• وقال ابن عاشور: والجار هو النزيل بقرب منزلك، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها، فالمراد بـ (الجار ذي القربى) الجار النسيب من القبيلة، وبـ (الجار الجنب) الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة، فهو جُنُب، أي بعيد، مشتقّ من الجَانب.
وقد جاءت الأحاديث في عظم حق الجار.
قال صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه).
والإحسان إلى الجار يكون بأنواع الإحسان، من السلام والزيارة والنصح والإرشاد والمساعدة والهدية والدعوة إلى الطعام وغير ذلك من وجوه الإحسان مع كف الأذى.
(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) أي: وأحسنوا بالصاحب بالجنب، وهو الذي يصاحبك في جنبك.
وقد اختلف فيه:
فقيل: هو الزوجة.
وقيل: هو الصديق.
وقيل: هو الصاحب في السفر، ويمكن حمل الصاحب بالجنب على هذا كله.
• قال القرطبي: قوله تعالى (والصاحب بالجنب) أي الرفيق في السفر، وقال عليّ وابن مسعود وابن أبي لَيْلَى (والصاحب بالجنب) الزوجة، وقال ابن جُريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاءَ نفعك، والأوّل أصح، وقد تتناول الآية الجميع بالعموم.
• وقال الطبري: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى (الصاحب بالجنب) الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَب الخيل، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض، وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه، وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب.
(وَابْنِ السَّبِيلِ) أي: وأحسنوا إلى ابن السبيل، وهو المسافر، وسمي المسافر ابن سبيل لملازمته له.
• فابن السبيل له حق على المقيمين أن يحسنوا إليه في سفره بمساعدته بما يحتاج إليه من مال أو دلالة أو تسهيل مهمة.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وابن السبيل) قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارّاً.
والسبيل الطريق، فنُسِب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه، ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده.
• وقال الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: ابن السبيل هو المسافر الذي يجتاز مارًا، وقال آخرون: هو الضيف.
والصواب من القول في ذلك: أن (ابن السبيل) هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان.
• قال ابن عاشور: والوصاية به لأنّه ضعيف الحيلة، قليل النصير، إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه، وبلد غير بلده.
(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم من بني آدم من الأرقاء ومن الحيوان.
• قال الرازي: واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه:
أحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به.
وثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة،
وثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه.
وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن.
• وقد جاءت النصوص بالإحسان إلى المماليك.
قال صلى الله عليه وسلم عند موته (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) رواه ابن ماجه.
وقال صلى الله عليه وسلم (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه) متفق عليه.
(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) أي: لا يحب سبحانه من اتصف بالاختيال والفخر.
المختال: في هيئته ومشيته معجباً بنفسه متكبراً، والفخور: بلسانه يعدد مناقبه تطاولاً غليهم.
والمعنى: أنه عز وجل لا يحب من كان ذا اختيال على الناس، وتكبر بنفسه بفعله، بهيئته ومشيته.
• قال القرطبي: خص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهما ممن ذكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهما.
وقيل: إنما ختم هذه الآية بقول (إن اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) لئلا يقع في نفس المحسن للأصناف المذكورة زهو واختيال وافتخار بما عمل من هذا الإحسان، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى).
الفوائد:
1 -
وجوب عبادة الله.
2 -
تحريم الشرك.
3 -
أن الشرك بأنواعه، صغيره وكبيره، خفيه وجليه، كله محرم.
4 -
في الآية معنى (لا إله إلا الله)، لأن التوحيد نفي وإثبات، النفي في قوله (ولا تشركوا) والإثبات في قوله (اعبدوا الله)،
ففيه إثبات العبادة لله وحده وبنفي عبادة ما سواه.
5 -
أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين.
6 -
تحريم الإساءة للوالدين.
7 -
الأمر بالإحسان إلى القرابة.
8 -
الأمر بالإحسان إلى اليتامى.
9 -
الأمر بالإحسان إلى الجار سواء قريباً أم بعيداً.
10 -
الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب.
11 -
الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل.
12 -
الأمر بالإحسان إلى المماليك.
13 -
حرص الإسلام على التآلف والتحاب.
14 -
اهتمام الإسلام بحق الضعفاء.
15 -
الحث على الإحسان بكل أنواعه.
16 -
الحث على الكرم وذم البخل.
17 -
إثبات المحبة لله.
18 -
تحريم الكبر والخيلاء
انتهى شريط/ 23.
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (37)).
[النساء: 37].
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) البخل: الامتناع من أداء ما أوجب الله.
(وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي: ومع ذلك يأمرون غيرهم بالبخل.
اختلف في من نزلت هذه الآية:
فقيل: نزلت في اليهود، واختاره الطبري، وقال: وإنما قلنا هذا القول أولى التأويل، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقاً، بل ترى ذلك قبيحاً وتذم فاعله، .... ولذاك قلنا: إن بخلهم الذي وصفهم الله به، إنما كان بخلاً بالعلم الذي كان آتاهموه فبخلوا بتبييته للناس وكتموه.
وقيل: المراد من يبخل بماله عموماً ورجحه ابن كثير وقال: وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وكتمانهم ذلك، والظاهر من السياق أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلاً في ذلك بطريق الأولى، فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء وكذلك الآية التي بعدها، وهي قوله (والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) فَذَكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة، وأن يُمدَحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله.
• وفي الآية ذم البخل، وهو من الصفات القبيحة والمذمومة؟
أولاً: أنه سبب لتعسير أموره.
قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).
ثانياً: أنه من صفات المنافقين.
قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ).
ثالثاً: أن الله لا يحب الله من يبخل.
قال تعالى (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
رابعاً: أن من وقي شح نفسه فقد أفلح.
فقال تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
خامساً: أن من بخل فقد على نفسه.
قال تعالى (فمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ).
سادساً: وهو من صفات أهل النار.
قال صلى الله عليه وسلم (إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع) رواه أحمد.
سابعاً: وهو شر ما في الرجل.
قال صلى الله عليه وسلم (شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع) رواه أحمد.
ثامناً: استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه.
عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات) رواه مسلم.
وعَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواه مسلم.
تاسعاً: سماه النبي صلى الله عليه وسلم داء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جدُّ بن قيس إلا أنا نُبخِّله، قال: وأي داءٍ أدْوأ من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح) رواه البخاري في الأدب المفرد.
عاشراً: الملائكة تدعو على الممسك.
قال صلى الله عليه وسلم (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه.
الحادي عشر: هو من تصديق الشيطان.
قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً).
الثاني عشر: هو سبب للظلم.
قال صلى الله عليه وسلم (اتقوا الظلم
…
واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) متفق عليه.
• من كلام الحكماء: الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم.
وقال علي رضي الله عنه: البخل جلباب المسكنة، وربما دخل السخي بسخائه الجنة.
وقال ابن عبد البر: أجمعت الحكماء على أربع كلمات: وهي لا تحمل قلبك ما لا يطيق، ولا تعمل عملاً ليس لك فيه منفعة، ولا تثقن بامرأة، ولا تغتر بمال وإن كثر.
وقال الماوردي: قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة- وإن كان ذريعة إلى كل مذمة- أربعة أخلاق ناهيك بها ذما، وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق، وإذ آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة و الشيم اللئيمة لم يبق معه خير موجود ولا صلاح مأمول. (أدب الدنيا والدين).
وقال محمد بن المنكدر: كان يقال: إذا أراد الله بقومٍ شراً أمَّر عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم.
وقال بعض الحكماء: البخيل ليس له خليل.
وقال آخر: البخيل حارس نعمته وخازن ورثته.
وقال يحيى بن معاذ: ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجاراً، وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبراراً.
(وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: ويكتمون ويخفون نعته صلى الله عليه وسلم الموجود في التوراة، وهذا على اختيار الطبري، وعلى القول الثاني: يخفون ما عندهم من المال والغني.
• اخفاء وكتم المال يكون بالقول والفعل، بالقول يقول أنا فقير، وليس عندي شيء، وبالفعل: يكون عليه ملابس وآثار المحتاجين.
(وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) أي: وهيأنا للكافرين - الذين ستروا نعمة الله - عذاباً مؤلماً شديداً.
• لأن الكفر باللغة الستر، ومنه سمي الليل كافراً لأنه يستر الكون بظلامه، وسمي الزارع كافراً لأنه يستر الزرع، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله.
الفوائد:
1 -
ذم البخل، وهو أنواع.
2 -
ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله.
3 -
فضل الكرم.
4 -
أن النعم من الله.
5 -
إثبات وجود النار.
(السبت: 23/ 2/ 1434 هـ)
انتهى شريط/ 24.
(وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيمًا (39)).
[النساء: 38 - 39].
(وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) لما ذكر تعالى في الآية السابقة الممسكين المذمومين، ذكر تعالى الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم وإنفاقهم السمعة وأن يُمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله تعالى.
• قال القرطبي: قال الجمهور نزلت في المنافقين لقوله تعالى (رِئَآءَ الناس) والرئاء من النفاق.
وقد جاء التهديد في الإنفاق لغير الله.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه.
• قال ابن الجوزي: وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء مما أنفق.
• قال ابن القيم: وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به، وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلداً فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله، وفيه معنى آخر وهو: أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجراً يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئاً.
• قال صلى الله عليه وسلم (إن أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.
• في هذه الآية خطر الرياء وأنه محبط للعمل.
قال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر.
عن جندب عند البخاري مسلم (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، ومَنْ يُرَاَئِي اللَّه يُراَئِي بِهِ» متفقٌ عليه وَرَواهُ مُسْلِمٌ أيضاً مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.
• قال النووي (سَمَّعَ) بتَشْدِيدِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أشْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً (سَمَّعَ اللَّه بِهِ) أيْ: فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَعْنى:«منْ رَاءَى» أيْ: مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ الْعَمَل الصَّالحَ لِيَعْظُمَ عِنْدهُمْ «رَاءَى اللَّه بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلى رُؤوس الخَلائِقِ.
• التحذير من الرياء وصية ربانية: الله حذرنا من الرياء في الأقوال والأفعال وذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، وبين لنا سبحانه أن الرياء يحبط الأعمال الصالحة.
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ
…
).
وقال سبحانه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)
قال ابن كثير: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة
التي لا يُرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس.
وهو من صفات المنافقين.
قال تعالى في المنافقين (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال سبحانه وتعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً).
قال ابن كثير في قوله تعالى (فليعمل عملاً صالحاً) أي: ما كان موافقًا لشرع الله، وقوله (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) وهو الذي يُراد به وجه الله تعالى وحده لا شريك له.
وقال جل شأنه (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).
قال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات.
وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.
وقال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).
وقد تقدم حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.
عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب). رواه احمد وابن حبان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة). رواه أبو داود
وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). رواه الترمذي وابن ماجه
وعن أبي سعيد مرفوعاً (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). رواه أحمد.
• قال ابن قدامة: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول:
أولاً: حب لذة الحمد.
ثانياً: الفرار من ألم الذم.
ثالثاً: الطمع فيما في أيدي الناس.
•
من أقوال السلف:
عن شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية.
قال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص.
وقال ابن القيم: وكل ما لم يكن لله فبركته منزوعة.
وكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية.
وكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئاً.
وعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه.
وقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.
وقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائياً بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته.
قال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرفه بالكليه
…
نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.
قال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص.
وقال: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به
• قال ابن القيم: قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث:
رجل يرائي بعمله مخلوقاً مثله ويترك أن يعمله لله.
ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئاً.
ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته.
وقال ابن قدامة: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات.
وقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم.
وقال: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال.
قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: ثم تأملت العلماء والمتعلمين، فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة؛ لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب إما ليأخذ قضاء مكان، أو ليصير قاضي بلد، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي.
وقال ابن رجب: ومن علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع.
فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.
وقال الذهبي: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.
وحكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.
قال الذهبي: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة، واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص.
وقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس.
وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.
قال الذهبي رحمه الله تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟ فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه.
وقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله.
قال عمر بن الخطاب: من خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله.
وكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله.
وقال: إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مُقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده، حتى في الأعمال، من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضَره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتليَ بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك.
وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتُليَ بإنفاقه لغير الله وهو راغم.
وقال: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.
• قال حامد اللفاف: إذا أراد الله هلاك امرئ عاقبه بثلاثة أشياء.
أولها: يرزقه العلم ويمنعه عن عمل العلماء.
والثانى: يرزقه صحبة الصالحين ويمنعه عن معرفة حقوقهم.
والثالث: يفتح عليه باب الطاعة ويمنعه الإخلاص.
وإنما يكون ذلك المذكور لخبث نيته وسوء سريرته، لأن النية لو كانت صحيحة لرزقه الله منفعة العلم، ومعرفة حقوقهم وإخلاص العمل.
(وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله: معناه التصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته مع عمل الجوارح بمقتضى ذلك.
(وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) وهو يوم القيامة، فلا يوقنون بلقاء الله.
• وسمي اليوم الآخر بهذا الاسم، لأنه بعد انقضاء هذه الدنيا بأيامها ولياليها، فآخر ليلة منها صبيحتها ذلك اليوم الطويل ولا ليل بعده.
• وكثيراً ما يقرن الله عز وجل بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل الصالح، وهو أعظم رادع
عن التمادي في الباطل لمن وفقه الله.
وقد روي عن عمر أنه قال (لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى) أي: لتنكّر الناس بعضهم لبعض وتهالكوا في الشرور، واعتدى بعضهم على بعض ونحو ذلك.
(وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً) أي: ومن كان الشيطان صاحباً له وخليلاً يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب
• فالذي حملهم على هذا الفعل القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى عليهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح.
• والمراد بالشيطان الجنس، لأن كل واحد من الناس له قرين، فالمراد الشيطان الذي هو القرين السوء.
• وقد أخبر تعالى أن ترك ذكر الله قيض له شيطاناً كما قال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ).
وقال تعالى (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ومعنى (قيضنا) هيأنا لهم.
فهو يحب أن يحزن المؤمن كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه.
وهو يخوف المؤمنين بالأعداء.
كما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: يخوفكم بأوليائه.
• ويخوف بالفقر.
كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) فيخوف المسلم من الفقر وذلك لأمور:
أولاً: ليُمسك عن الصدقة فيحرمه أجرها وثوابها العظيم.
ثانياً: ليصيبه بالقلق والحزن.
ثالثاً: ليشك بوعد الله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه).
رابعاً: ليقدم على أكل الحرام خوفاً من الفقر كما قال تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين).
• ويحث على الرياء في الإنفاق والتبذير.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً).
وكما قال تعالى (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً).
• ومن أعماله: الدعوة إلى الكفر والارتداد عن الدين.
كما قال تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
وقال تعالى عن الهدهد (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ).
وقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).
• ومن أعماله: زرع العداوة والبغضاء بين الناس.
كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
وقال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ).
وقال تعالى عن يعقوب (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
وقال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً).
• ومن تزيينه تسمية المعاصي بأسماء محببة لكي يخفي خبثها.
كما قال لآدم (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى).
قال ابن القيم: وقد ورّث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تُحِبُ النفوسُ مسمياتها، فسموا الخمر بأم الأفراح.
وفي عصرنا يسمون الربا بالفائدة، والتبرج الفاضح بحرية المرأة، والمغنية الفاسقة بالفنانة.
(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) أي: وأي شيء يكرثُهم هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
(لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لو صدقوا بأن الله واحد لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالعبث بعد الموت
(وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ) أي: وأنفقوا أموالهم في الوجه التي يحبها الله ويرضهاها، ولم ينفقوها رئاء الناس، التماس الذكر والفخر والمحمدة عند الناس.
(وَكَانَ اللَّهُ) بهؤلاء الذين وصف صفتهم.
(بِهِمْ عَلِيماً) أي: ذا علم بهم وبأعمالهم، وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم ما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرياء والسمعة والمحمدة عند الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها، حتى يجازيهم بها جزاءهم عند معادهم إليه.
• قال ابن الجوزي: تهديد لهم على سوء مقصدهم.
الفوائد:
1 -
تحريم الرياء.
2 -
خطر الرياء على النفوس، ولذلك خافه النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة.
3 -
أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، فمن عدل عن المشروع ابتلي بالممنوع.
4 -
أن سبب الرياء نقص في الإيمان بالله وباليوم الآخر.
5 -
وجوب الإخلاص في الإنفاق.
6 -
الحذر من مقارنة الشيطان.
7 -
توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر.
8 -
فضيلة الإنفاق في سبيل الله.
9 -
إثبات علم الله بأحوال عباده.
10 -
الحذر من أمراض القلوب لأن الله مطلع عليها.
(الأحد: 24/ 2/ 1434 هـ)
انتهى شريط 25.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)).
[النساء: 40].
(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: إن الله لا يبخس أحداً من ثواب عمله ولا يزيد في عقابه شيئاً مقدار ذرة.
كما قال تعالى (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فلا ينقص من ثوابهم شيئاً، ولا يزاد في عذابهم، ولا يعاقبون بجريرة غيرهم.
وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) ظلماً: أي: زيادة في السيئات (ولا هضماً) أي نقصاً في الحسنات.
وقال تعالى (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
• فالله عز وجل لا يظلم أحداً لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم.
• والذرة النملة الصغيرة، وهذا مثل ضربه الله تعالى لأقل الأشياء، والمعنى: أن الله تعالى لا يظلم أحداً شيئاً قليلاً ولا كثيراً.
• قوله تعالى (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ولا دونها، [وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فلا مفهوم له].
وقد جاءت آيات كثيرة في معنى هذه الآية:
قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ).
وقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) وقال تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ).
(وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) أي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة.
(يُضَاعِفْهَا) أي: يجزي أكثر منها.
• والمضاعفة قد تكون إلى عشر أضعاف، وقد يكون إلى سبعمائة ضعف، وأحياناً أكثر من ذلك.
فالتضعيف إلى عشرة أضعاف فلقوله تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).
والتضعيف إلى سبعمائة ضعف فلقوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: حسب إخلاصه.
• وفي هذا سعة رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه.
(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ) أي: من عنده.
(أَجْراً) أي: ثواباً.
(عَظِيماً) ذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان، وهو الجنة وما فيها من النعيم ورؤية العزيز الحكيم، مما لا يقدر قدر عظمته إلا من وصفه بأنه عظيم، كما قال تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وعن أبي هريرة. قال: قال صلى الله عليه وسلم (قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
الفوائد:
1 -
تنزيه الله عن الظلم لكمال عدله.
2 -
إثبات علم الله تعالى الكامل.
3 -
أن الله تعالى يضاعف الحسنات.
4 -
أن رحمة الله سبقت غضبه.
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)).
[النساء: 41 - 42].
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) الاستفهام للتعجب والتوبيخ، أي: يخبر تعالى عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد - يعني الأنبياء عليهم السلام؟
كما قال تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
وقال تعالى (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ).
فالرسول صلى الله عليه وسلم يشهد على أمته بأنه بلغ رسالة ربه.
• وهناك شهادة عامة، وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم، كما قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).
• قوله تعالى (من كل أمة) الأمة تطلق في القرآن على أربع معان:
الأمة بمعنى جماعة من الناس، كقوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
والأمة بمعنى الملة والدين، كما قال تعالى (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).
والأمة بمعنى الإمامة في الدين، كقوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
والأمة بمعنى الزمن، كقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ).
(وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) أي: وجئنا بك يا محمد شهيداً على أمتك.
قيل: المراد كفار قريش، وقيل: هذه الأمة، وهذا الصحيح، لقوله قبل ذلك (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء
…
). أمة الدعوة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً) رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ) متفق عليه.
(يَوْمَئِذٍ) أي: في ذلك اليوم الرهيب العظيم، يوم نأتي من كل أمة بشهيد، وبك شهيدً على هؤلاء.
(يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: جحدوا ما وجب الإيمان به والإقرار به.
(وَعَصَوُا الرَّسُولَ) أي: خالفوا أمره، فلم يمتثلوا الأمر، ولم يجتنبوا النهي، لأن المعصية تشمل: التفريط في الأمر وفعل النهي.
(لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ.
• قال الرازي: ذكروا في تفسير قوله (لوْ تسوى بِهِمُ الأرض) وجوهاً:
الأول: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى.
والثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء.
الثالث: تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله (يا ليتني كُنتُ تراباً).
• قال القرطبي: المعنى لو يسوّي الله بهم الأرض، أي يجعلهم والأرضَ سواء.
ومعنى آخر: تَمنّوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم؛ لأنهم من التراب نقلوا.
• وقال الشنقيطي: قوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) عَلَى الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ مَعْنَاهُ
أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنَّ يَسْتُوُوا بِالْأَرْضِ، فَيَكُونُوا تُرَابًا مِثْلَهَا عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا).
(وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) قال ابن كثير: أخبر تعالى بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئاً.
قيل: المعنى يودّ لو أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثاً؛ لأنه ظهر كذبهم.
وقيل: أن قوله (ولا يكتمون الله حديثاً) كلام مستأنف لا يتعلق بقوله: لو تسوى بهم الأرض، هذا قول الفرّاء، والزجاج، ومعنى: لا يكتمون الله حديثاً: لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله.
• فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين)؟
فالجواب:
قيل: إن عدم الكتم المذكور هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا عند الختم على أفواههم، كما قال تعالى (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقيل: إن مواطن القيامة كثيرة، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) وموطن يتكلمون فيه كقولهم (واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فيكذبون في موطن، وفي مواطن أخرى يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
الفوائد:
1 -
بيان عظمة هذه الشهادة.
2 -
أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد.
3 -
أن كل رسول يشهد على قومه بأنه بلغهم.
4 -
بيان حال ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول صلى الله عليه وسلم.
5 -
الحذر من معصية الرسول.
6 -
شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة. (الثلاثاء: 27/ 2/ 1434 هـ)
…
انتهى الشريط/ 26
…
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)).
[النساء: 43].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم فائدة تصدير النداء بهذا.
(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) قال ابن كثير: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محلها وهي المساجد للجنب.
• فالمراد بالصلاة عند كثير من العلماء: الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام وركوع وسجود، والمراد بقربها: القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة في النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها، ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا: مواضعها وهي المساجد.
• قال الرازي: قوله تعالى (لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ) في لفظ الصلاة قولان:
أحدهما: المراد منه المسجد، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي.
واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل، ويدل عليه وجهان:
الأول: أنه يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة، وحذف المضاف مجاز شائع، والثاني: قوله: (لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات) والمراد بالصلوات مواضع الصلوات، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز.
والقول الثاني: وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.
• قال (لا تقربوا) ولم يقل (لا تصلوا وأنتم سكارى) مبالغة في النهي.
• الصلاة يشمل فرضها ونفلها.
• السكارى جمع سكران وهو: من زال عقله بالخمر على سبيل اللذة والنشوة والطرب، وقيل: سكارى من النوم، وهذا قول ضعيف.
• قال القرطبي: والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر؛ إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا نعس أحدكم في الصلاة فلْيرقُدْ حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعلّه يستغفر فيَسبّ نفسه)
وقال عَبيدة السّلمانِيّ (وَأَنْتُمْ سُكَارَى) يعني إذا كنت حاقناً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يصلِّيَنَّ أحدكم وهو حاقن) في رواية (وهو ضام بين فخذيه).
قلت: وقول الضحاك وعَبيدة صحيح المعنى؛ فإن المطلوب من المصلِّي الإقبالُ على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلُّو عن كل ما يشوِّش عليه من نوم وحُقنة وجوع، وكل ما يشغَل البال ويغيّر الحال، قال صلى الله عليه وسلم (إذا حضر العَشاء وأُقيمت الصلاة فابدئوا بالعَشاء) فراعى صلى الله عليه وسلم زوال كلِّ مشوّش يتعلّق به الخاطر، حتى يُقبل على عبادة ربّه بفراغ قلبه وخالص لُبِّه، فيخشع في صلاته.
• قال الرازي: المراد من (وَأَنتُمْ سُكَارَى) السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين،
…
ثم قال بعد أن ذكر القول الثاني، واعلم أن الصحيح هو القول الأول، ويدل عليه وجهان:
الأول: أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، فأما حمله على السكر من العشق، أو من الغضب أو من الخوف، أو من النوم، فكل ذلك مجاز، وإنما يستعمل مقيداً.
الثاني: أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مراداً بتلك الآية.
(حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)(حنى) للغاية والتعليل.
للغاية: أي: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إلى أن تصحوا وتعلموا ما تقولون.
وللتعليل: أي: لأجل أن تعلموا ما تقولون.
فلا يجوز للسكران أن يقرب الصلاة حتى يصحو، ولأجل أن يعلم ما يقول.
• الخطاب في الآية للصاحين لا للسكارى، وهذا قبل نزول تحريم الخمر.
• هذه الآية تمثل مرحلة من مراحل التشريع الإسلامي في التدرج في تحريم الخمر، فكان التحريم فيها مؤقتاً بوقت الصلاة، وكانوا يشربونها في غير أوقات الصلاة، ثم نزل بعد ذلك التحريم النهائي والقطعي للخمر.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن
يجابهوا بالمنع منه منعاً باتاً، فنزل في شأنه أولا قوله تعالى:(يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئاً إثمه أكبر من نفعه.
ثم نزل ثانياً قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات.
ثم نزل ثالثاً قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).
فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منعاً باتاً في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات.
• قال السعدي: ويؤخذ من المعنى منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح.
وقد جاء في الحديث عن عائشة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ، فإِنَّ أحدكم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَه) متفق عليه.
(وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) الواو عاطفة، أي: ولا تقربوها - مواضع الصلاة - وأنتم جنب إلا في حال كونكم مجتازين مارين بها مروراً دون اللبث (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) أي: إلى أن تغتسلوا.
• قال ابن جرير:
…
ولا تقربوها أيضاً - أي المساجد - جنباً حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل.
• وقال ابن كثير: ينهى تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر
…
وعن قربان محلها وهي المساجد للجنب إلا أن يكون مجتازاً من باب إلى باب من غير مكث.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إِلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتتيمموا، وتُصلُّوا.
وهذا المعنى مروي عن علي رضي الله عنه، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج.
والثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم جنب إِلا مجتازين، ولا تقعدوا.
وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي الضحى، وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة. وعن ابن عباس، وسعيد ابن جبير، كالقولين.
فعلى القول الأول: (عابر السبيل) المسافر، و (قربان الصلاة) فعلها، وعلى الثاني:(عابر السبيل) المجتاز في المسجد، و (قربان الصلاة) دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة.
• والجنب: من وجب عليه غسل بإحتلام أو جماع، وسمي بذلك: لأن الماء (المني) انتقل من محله، وقيل: لأن الجنب يجتنب العبادات من صلاة وقراءة قرآن وغيرها.
• والاغتسال: صب الماء على الجسد.
• قال ابن كثير: قوله تعالى (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء.
• ثم ذكر تعالى الحالات التي لا يجب فيها الغسل، بل يغني عنه التيمم.
(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) والمريض: من به علة، وأطلق الله هنا المرض، والمراد به المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه التلف على نفسه، أو تلف عضو من أعضائه، أو يخاف باستعمال الماء زيادة المرض أو تأخر البرء، فكل مريض يضره استعمال الماء جاز له التيمم.
(أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي: مسافرين، والسفر: هو الضرب في الأرض والسير فيها، وسمي بذلك، لأنه خروج من البلد إلى حيث السفر والنور، فسمي السفر بذلك، لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم، وقيل: لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.
• والسفر هنا مطلق، لكنه مقيد بعدم وجود الماء لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
• فذكر السفر في الآية الكريمة مبني على الغالب، أن السفر مظنة فقد الماء، أما السفر نفسه فليس عذراً يبيح التيمم.
(أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)(أو) بمعنى الواو، والتقدير: وإن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط، لأن المجيء من الغائط ليس قسيماً للمرض والسفر، ولا نوعاً منهما.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)(أو) بمعنى الواو، لأنها لو لم تكن كذلك، لكان وجوب الطهارة على المريض والمسافر غير متعلق بالحدث.
• وقال القرطبي: و (أو) بمعنى الواو، أي: إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا، فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض والسفر.
• والغائط المكان المنخفض من الأرض، عبر به عن الخارج المستقذر من البول والغائط، لأن الناس فيما سبق كانوا يقصدون هذه الأماكن لقضاء الحاجة تستراً عن أعين الناس، فسميَ به الخارج من الإنسان من تسمية الشيء باسم مكانه.
• في الآية أن البول والغائط من نواقض الوضوء.
لهذه الآية (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).
ولحديث صفوان بن عسال (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من بول وغائط ونوم) رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). متفق عليه
قال ابن قدامة: الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعاً.
(أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) اختلف العلماء في المراد بالملامسة هنا على قولين:
القول الأول: أنه مجرد اللمس باليد.
القول الثاني: أنه الجماع.
وهذا قول قابن عباس، واختاره ابن جرير في تفسيره.
وقد ورد في القرآن الكريم التعبير عن الجماع بالمس في غير ما آية:
قال تعالى (لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً).
وقال تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا).
ثم الآية عند التأمل تدل على هذا القول (أن المراد بالملامسة فيها الجماع) وبيان ذلك: أن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) فهذه طهارة بالماء أصليّة صغرى. ثم قال (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا) فقوله (فَتَيَمَّمُواْ) هذا البدل، وقوله (أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ) هذا بيان سبب الصغرى، قوله (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء) هذا بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجسُّ باليد، كانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت الله عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ) وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء) أي: جامعتم ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة. (الشرح الممتع)
• في هذا أن الجنب إذا لم يجد الماء يتيم، ويدل ذلك حديث عمران بن حصين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصلّ في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) متفق عليه
• قال النووي: ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي التابعي، وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عنه.
(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي: فلم تجدوا الذي تتطهرون به، وذلك بعد طلبه.
• قال ابن تيمية: فقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) يتعلق بقوله تعالى (على سفر) لا بالمرض، والمريض يتيمم وإن وجد الماء، والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء.
(فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) أي: اقصدوا عند عدم وجود الماء التراب الطاهر فتطهروا به.
والتيمم لغة: القصد، قال تعالى (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) أي: ولا تقصدوا الرديء منه تنفقون.
وشرعاً: ضرب اليدين بوجه الأرض ومسح الوجه واليدين بهما.
• قال السعدي: الحاصل، أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين، حال عدم الماء، وهذا مطلقاً في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه.
(فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) هذه صفة التيمم، أي: فامسحوا وجوهكم وأيديكم بذلك التراب.
• قوله تعالى (صَعِيداً) الصعيد وجه الأرض، لأنه صاعد ظاهر، سواء كان تراباً أو رملاً أو حجارة أو غير ذلك.
• قوله تعالى (طَيِّباً) قيل: طاهراً، وقيل: حلالاً، وقيل: غير ذلك، والصحيح الأول.
مباحث التيمم:
أولاً: فيه مشروعية التيمم عند فقد الماء.
فإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافراً، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم
لهذه الآية.
عن حُذَيْفَةَ. قال: قال صلى الله عليه وسلم (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْمَاءَ) رواه مسلم.
وَعَنْ عَلِيٍّ. قال: قال صلى الله عليه وسلم (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا) رواه أحمد.
وعن أبي ذر. قال: قال صلى الله عليه وسلم (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) رواه الترمذي.
ثانياً: وهو من خصائص هذه الأمة.
عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) متفق عليه.
ثالثاً: وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
لهذه الآية التي معنا.
وللأحاديث السابقة.
وأجمعت الأمة على جواز التيمم من حيث الجملة. (نقل الإجماع النووي وابن قدامة).
رابعاً: وجوب طلب الماء.
فيجب عليه قبل التيمم أن يبحث ويطلب الماء، في رحله وبقربه وبدلالة.
لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ولا يقال: لم يجد الماء إلا بعد الطلب.
خامساً: أنه إذا وجد الماء بطل التيمم.
• ووجود الماء للمتيمم له أحوال:
الحالة الأولى: أن يجد الماء قبل الصلاة، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يتوضأ ويبطل تيممه.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنتقض وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي.
الحالة الثانية: أن يجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه بالإجماع.
قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، أن لا إعادة عليه.
الحالة الثالثة: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه عند جماهير العلماء.
لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ (خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ -وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ- فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: "أَصَبْتَ اَلسُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ" وَقَالَ لِلْآخَرِ: "لَكَ اَلْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيّ.
وقال عطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري: يعيد الصلاة.
الحالة الرابعة: أن يجد الماء أثناء الصلاة، فهذه موضع خلاف بين العلماء:
القول الأول: أنه يبطل تيممه، ويجب أن يتوضأ ويعيد الصلاة.
وبهذا قال أبو حنيفة والإمام أحمد وبه قال الثوري واختاره ابن عبد البر.
أ-لقوله تعالى (فلم تجدوا ماءً فتيمموا
…
) وهذا وجد الماء.
ب-ولحديث (
…
فَإِذَا وَجَدَ اَلْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) وهذا وجد الماء.
ج - ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة.
القول الثاني: أنه يكمل صلاته ولا يقطعها.
وبهذا قال مالك، والشافعي، وداود الظاهري، ورجحه ابن المنذر.
لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم).
والراجح القول الأول.
سادساً: أنه لابد للتيمم من النية.
لقوله (فتيمموا).
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية.
سابعاً: ما الحكم إذا وجد الماء لكن بثمن زائد؟
قيل: يعدل إلى التيمم ولو معه قيمته.
وعللوا ذلك بأن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم.
وقيل: إن كان قادراً على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر.
لأن الله يقول (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) والماء هنا موجود، وهذا القول هو الصحيح.
ثامناً: ما الحكم لو وجد ماء يكفي بعض طهره؟ (مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط).
فقيل: يجب أن يستعمل الماء أولاً ثم يتيمم.
لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا).
ولقوله صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه.
وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم.
وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله، والأول أرجح.
تاسعاً: صفة التيمم.
هو أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة بلا تفريج للأصابع وتمسح وجهك بكفيك، ثم تمسح الكفين بعضهما ببعض.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضربة واحدة يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.
عاشراً: هل التيمم يكون إلى الكوع أو إلى المرفقين؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال، والصحيح أن المسح يكون إلى الكوع.
وهذا مذهب مكحول وعطاء والأوزاعي وأحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول.
وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث.
لحديث عمار (وفيه
…
إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَه) متفق عليه.
الحادي عشر: فروض التيمم.
أولاً: النية.
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية.
ثانياً: مسح الوجه واليدين.
لقوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ).
ولحديث الباب (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه).
الثاني عشر: حكم الترتيب في التيمم في الحدث الأصغر؟
الراجح أنه واجب، وهو أن يبدأ بالوجه ثم باليدين.
أ-لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(أبدأ بما بدأ الله به)
ب- ولحديث عمار السابق، حيث فعل التيمم مرتباً.
ج-ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها (وقد تقدم أن الترتيب واجب في الوضوء).
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً) العفو سم من أسماء الله تعالى، يدل على إثبات صفة العفو الواسع لله عز وجل ومعناه: المتجاوز عن ذنوب عباده، فيمحوها ولا يعاقبهم عليها.
قال ابن القيم:
وهو العفو بعفوه وسع الورى لولا غار الأرض بالسكان.
وعفوه سبحانه وتعالى عفو كامل مع القدرة على العقوبة، بخلاف عفو المخلوق فقد يكون عن ضعف وعدم قدرة، ولهذا قرن الله عز وجل عفوه بالقدرة فقال (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً).
ومن كمال عفوه سبحانه، أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب ورجع غفَرَ له جميع جرمه كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه سبحانه ما ترك على الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرُف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ).
وقد حث سبحانه عباده على العفو والصفح وقبول الأعذار من رعاياهم وأصدقائهم مرة بعد مرة كما قال تعالى (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقد نزلت في الصديق حين حلف ألا يُنفق على مِسْطَح وهو من ذوي رحمه، بعد أن خاض مع الخائضين في حديث الإفك، ونزل القرآن ببراءة الصّدّيقة.
وقال تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
وقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
وقال سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ).
ومدح بذلك عباده المؤمنين فقال (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقال صلى الله عليه وسلم (
…
وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) رواه مسلم
(غَفُوراً) الغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).
والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته.
وإذا اجتمع العفو مع الغفور - كما في هذه الآية - حمل العفو على العفو عن ترك الواجب، والغفور عن ارتكاب المحرم، وإذا انفرد العفو عن الغفور كما في قوله تعالى (فإن الله كان عفواً قديراً) أو انفرد الغفور عن العفو كما في قوله (وربك الغفور ذو الرحمة) حمل كل منهما على التجاوز عن الذنوب كلها من ترك واجب أو فعل محرّم.
الفوائد:
1 -
الحث على الاتصاف بوصف الإيمان.
2 -
أن الخمر حين نزول الآية كان حلالاً.
3 -
أن حد السكر أن لا يعلم ما يقول.
4 -
تحريم الصلاة مع السكر، وأنها لا تصح.
5 -
ينبغي للمصلي الخشوع والإقبال على الله.
6 -
أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد.
7 -
أنه يجوز للجنب للمرور والاجتياز بالمسجد.
8 -
أنه إذا اغتسل الجنب جاز له اللبث في المسجد.
9 -
جواز التيمم للمريض الذي يشق عليه استعمال الماء.
10 -
جواز التيمم للمسافر إذا لم يجد الماء.
11 -
أن البول والغائط ناقضان من نواقض الوضوء.
12 -
أن الجماع موجب للغسل.
13 -
أن التيمم يشرع عند فقد الماء.
14 -
وجوب طلب الماء والبحث عنه قبل التيمم.
15 -
أن وجوب الماء مبطل للتيمم.
16 -
اشتراط النية للتيمم.
17 -
أنه لا يصح التيمم بالصعيد النجس.
18 -
إثبات هذين الاسمين لله تعالى وهما: العفو والغفور. (السبت: 30/ 2/ 1434 هـ).
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)).
[النساء: 44 - 45].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ) يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، أنهم يشترون الضلالة بالهدى ويعرضون عما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا.
• قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ .. ) الاستفهام هنا للتقرير، أي: يقرر الله سبحانه ذلك على وجه المشاهدة، والخطاب يحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه.
• قال الرازي: الذين أوتوا نصيباً من الكتاب: هم اليهود، ويدل عليه وجوه:
الأول: أن قوله بعد هذه الآية (منَ الذين هَادُواْ) متعلق بهذه الآية.
الثاني: روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود، كانا يأتيان رأس المنافقان عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام.
الثالث: أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى.
• وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب، ولم يؤتوا الكتاب كله، لأنهم نسوا حظاً كبيراً مما ذكروا به، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم.
(يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ) أي: بالهدى، كما قال تعالى في آية أخرى (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا
كَانُوا مُهْتَدِينَ).
أي: يختارون (الضَّلالَةَ) وهي هنا كتمان العلم، وهو تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وكتم صفته التي في كتبهم (بِالْهُدَى) وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به واتباعه وتصديقه.
فمعنى (يشترون) يختارون، ولكنه عبر بهذا، لأن المشتري طالب راغب في السلعة، فكان هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري.
• قال السعدي: قوله تعالى (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) أي: يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها إيثار من يبذل المال الكثير في طلب ما يحبه، فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان، والشقاء على السعادة.
• قال الشوكاني: قوله تعالى (يَشْتَرُونَ) جملة حالية، والمراد بالاشتراء: الاستبدال، وقد تقدم تحقيق معناه. والمعنى: أن اليهود استبدلوا الضلالة، وهي: البقاء على اليهودية، بعد وضوح الحجة على صحة نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
(وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) أي: يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع.
كما قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً).
وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).
وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ مَعَ اشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ يُرِيدُونَ إِضْلَالَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا.
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ كَثِيرٌ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ رِدَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ السَّبَبَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْحَسَدُ وَأَنَّهُمْ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمُ الْحَقَّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ).
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْإِضْلَالَ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَقَعُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُمْ أَعْنِي الْمُتَمَنِّينَ الضَّلَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون).
• قال الرازي: واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) أي: هو يعلم بهم ويحذركم منهم.
(وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا) أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه.
وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أي: ونصيراً لمن استنصره.
• قال السعدي: ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم، فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر.
• وقال الشوكاني: فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره، ولا تستنصروه.
الفوائد:
1 -
أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم ولكنه لا ينتفع به.
2 -
الاستعاذة من علم لا ينفع.
3 -
أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه باليهود.
4 -
الحذر من فتن الدنيا وحب المال والرياسة والمنصب.
5 -
التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار.
6 -
إثبات علم الله تعالى.
7 -
كمال علم الله تعالى.
8 -
تهديد للمشركين.
9 -
الثناء على الله بالكفاية.
(14/ 3/ 1434 هـ).
(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)).
[النساء: 46].
(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ) في متعلق قوله (مِنَ الذين) وجوه:
الأول: أن يكون بياناً للذين أوتوا نصيباً من الكتاب، والتقدير: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا.
والثاني: أن يتعلق بقوله (نَصِيراً) والتقدير: وكفى بالله نصيراً من الذين هادوا، وهو كقوله (ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا).
والثالث: قيل هي مستأنفة، معناه: من الذين هادُوا مَنْ يُحرِّفون، كقوله تعالى (وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلوم) أي: مَنْ له مقام معلوم، يُريدُ: فريق.
…
(تفسير البغوي، تفسير الرازي).
• قال ابن كثير: (من) هذه لبيان الجنس كقوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ).
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) أي: يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل، قصداً منهم وافتراء.
• قال البغوي: يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم.
• اختلف العلماء هل التحريف معنوي أو لفظي؟
والعلماء متفقون على وقوع التحريف من أهل الكتاب في معاني التوراة والإنجيل، فإن تحريفهم المعاني لا ينكر، وإنما النزاع هل حرّفت الألفاظ أم لا؟
فقيل: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر.
وهذا نسب لبعض العلماء.
وقيل: أن بعض ألفاظ التوراة والإنجيل وليس أكثرها قد أصابها التحريف.
قال بهذا: ابن تيمية، وابن القيم، وكثير من علماء المسلمين.
• قال ابن تيمية: أما تغيير بعض ألفاظها، ففيه نزاع بين المسلمين، والصواب الذي عليه الجمهور، أنه بدّل بعض ألفاظها.
• وقال ابن كثير: وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها، وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح، وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جداً، فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم، فلا اطلاع لنا عليه، والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه.
وقيل: أن ألفاظ التوراة والإنجيل لم تُحرّف، وأن التحريف واقع في المعاني فقط.
قال البخاريّ في (صحيحه) يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله، ولكنهم يتأولونه على غير تأويله.
وهو اختيار الرازيّ أيضاً، وهو ظاهر اختيار ابن عبد البر، ويُنسب لابن عباس، وقد نفى ابن حجر نسبة هذا القول لابن عباس.
واستدل هؤلاء بما يلي:
أ-أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر اليهود بأن يأتوا بالتوراة، ليحتج عليهم بها، كما في قوله تعالى (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ولو كانت محرفة لما صح الاحتجاج عليهم بها.
ب- ما جاء عن ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ (أُتِىَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا». قَالُوا نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا. قَالَ «(فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)». فَجَاءُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ. فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ «ارْفَعْ يَدَكَ» . فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ. وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ) متفق عليه.
قال ابن عبد البر: وفي ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم، ولولا ذلك، ما سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.
ج- قالوا: إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التوراة والإنجيل قبل مبعث محمد لم يُعلم الحق من الباطل، فسقط الاحتجاج بهما ووجوب العمل بهما على أهل الكتاب، فلا يُذمون حينئذ على ترك اتباعهما، والقرآن قد ذمهم على ترك الحكم بما فيهما، واستشهد بهما في مواضع.
(وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) أي: يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم، أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. (ابن كثير)
• قال السعدي: أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد، والشرود عن الانقياد.
• قيل: أنهم يقولون في الظاهر: سمعنا، ويقولون في أنفسهم: وعصينا.
وقيل: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا، إظهاراً للمخالفة، واستحقاراً للأمر.
(وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع ما نقول، لا سمعت.
وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله.
فاليهود - عليهم لعائن الله - يقصدون به الدعاء به على الرسول صلى الله عليه وسلم: أي لا أسمعك الله، وهو دعاء بالصمم أو بالموت.
(وَرَاعِنَا) أي: ويقولون في أثناء خطابهم: (راعنا) أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم (راعنا) وإنما يريدون الرعونة، وهي الحمق.
• لا ينبغي للإنسان أن يتكلم بالعبارات الموهمة.
(لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي: فتلاً وتحريفاً عن الحق إلى الباطل.
(وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي: قدحاً في الإسلام.
• قال الشوكاني: أي يطعنون في الدين بقولهم: لو كان نبياً لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك.
• قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم يربّون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي: اليهود.
(قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) عوضاً عن قولهم: (سمعنا وعصينا).
(وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا) عوضاً عن قولهم (غير مسمع وراعناً).
(لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ) أي: لكان ذلك القول خيراً لهم عند الله وأعدل وأصوب، وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في طلبهم العلم بسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم، فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكه، ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله بكفرهم وعنادهم. (تفسير السعدي).
(وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: ولكن الله أبعدهم عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق.
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: الله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب: سلب الهدى والعلم النافع كقوله (وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليهم بكفرهم).
(فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) قيل: فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام ومن تبعه، قال القرطبي: وهذا بعيد، وقيل: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً.
الفوائد:
1 -
أن اليهود حرفوا وكتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم.
2 -
أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود.
3 -
شدة عناد اليهود.
4 -
شدة حقد اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم.
5 -
أن الطعن في الدين من صفات اليهود.
6 -
أن الكفر سبب للعن.
7 -
خطر المعاصي.
8 -
قلة إيمان هؤلاء اليهود (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47)).
[النساء: 47].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا) يقول تعالى - آمراً أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم - وهو القرآن.
• قوله تعالى (نَزَّلْنَا) لأنه نزل شيئاً فشيئاً.
(مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ) التصديق لما معهم له معنيان:
أولاً: أنه شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله.
ثانياً: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت به.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الطمس: أصله استئصال أثر الشيء وإزالته بالكلية.
• قال السعدي: وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على أدبارها، بأن تجعل في أقفائهم وهذا أشنع ما يكون.
• اختلف العلماء في معنى ذلك:
فقيل: هو على حقيقته، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين.
وقيل: هو عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق.
وعلى القول الأول - وهو الصحيح - فالمراد بقوله (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) نجعلها قفا، أي: نذهب بآثار الوجه وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا.
وقيل: إنه بعد الطمس يردها إلى موضع القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله (فنردها على أدبارها).
قال الطبري: أي: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسويها كالأقفاء، فنجعل أبصارها في أدبارها فيمشون القهقرى.
• وأصحاب هذا القول: منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون في آخر الزمان، ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون في الآخرة، ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم، وقد آمن بعضهم كعبد اللّه بن سلام وغيره.
• وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية، فسمع رجلاً من أهلها حزيناً، وهو يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الآية. قال كعب: يا رب آمنت، يا رب، أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين.
• فإن قيل: لم يؤمنوا ولم يقع الطمس؟ قيل: لما آمن بعضهم رفع الطمس عنهم.
(أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) أي: نطردهم من رحمتنا، ونوقع بهم من النكال والعقوبة ما وقع لأصحاب السبت، والذي وقع لأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فكانوا وانقلبوا قردة ذليلين حقيرين مطرودين من رحمة الله، لما تحايلوا على الاصطياد يوم السبت، (والحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة).
قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
وقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
• وقد جاءت القصة مبسوطة في سورة الأعراف، قال تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
• قال الشنقيطي: القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف، أن القرد من أخس الحيوانات.
• فالمسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد، فالمراد باللعن هنا اللعن الخاص وهو مسخهم قردة، وإلا فكل اليهود لعنوا.
(وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يُخالَف ولا يُمانَع.
الفوائد:
1 -
وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن من سمع به ولم يؤمن فهو كافر، وقد قال صلى الله عليه وسلم (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) رواه مسلم.
2 -
إقامة الحجة على أهل الكتاب، حيث أن الكتاب الذي بأيديهم فيه صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
3 -
إثبات علو الله لقوله (بما نزلنا) والنزول لا يكون إلا من علو.
4 -
أن القرآن مصدق للكتب السابقة.
5 -
تهديد هؤلاء إن لم يؤمنوا.
6 -
وجوب الحذر من غضب الله ولعنته.
7 -
شدة عقوبة الله للمكذبين، حيث عاقب أصحاب السبت ولعنهم وجعلهم قردة. (الأحد: 15/ 3/ 1434 هـ).
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)).
[النساء: 48].
(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أي: أن الله لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به.
• وسبق أن المغفرة هي: ستر الذنب والتجاوز عنه.
• ففي هذه الآية: أن من مات على الشرك الأكبر، فإن الله لا يغفر له:
قال تعالى (إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ .... ).
وقد قال صلى الله عليه وسلم (حينما سئل أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) متفق عليه.
• وعَنْ جَابِرٍ قَالَ (أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) رواه مسلم.
•
…
قال الشوكاني رحمه الله: لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
• قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً).
ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً.
قال وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له.
كقوله (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً) الآية فإن الاستثناء راجع لقوله (وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً).
وقوله (قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ).
وذكر في موضع آخر: أن من أشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً عن الحق، وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضاً (إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً).
وصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وَمَأْوَاهُ النار).
وقوله (ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين).
وذكر في موضع آخر: أن المشرك لا يرجى له خلاص، وهو قوله (وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ).
وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقرراً له (إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
وذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله (الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ) وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن معنى بظلم بشرك. (أضواء البيان).
• والشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر. (وقد تقدمت مباحث ذلك).
• والشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله تعالى.
قال الذهبي: وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وتعبد معه غيره من حجر أو بشر أو شمس أو قمر أو نبي أو شيخ أو غير ذلك.
وهو أعظم ذنب عصي الله به،، وأي ذنب أعظم من أن يجعل مع الله شريك في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته، وهو هضم للربوبية وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي، لأنه تسوية المخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه.
(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: من الذنوب.
• المراد بقوله (ما دون ذلك) أي: ما هو أقل من الشرك، وليس: ما سوى الشرك.
(لِمَنْ يَشَاءُ) من عباده.
• قال السعدي: فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسباباً كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين. ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد.
• قال ابن الجوزي: في قوله (لمن يشاء) نعمة عظيمة من وجهين:
أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميّت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب، وإِن مات مصراً.
والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.
(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) أي: ومن أشرك بالله فقد اختلق إثماً عظيماً.
• قال السعدي: أي افترى جرماً كبيراً، وأي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق -من تراب الناقص من جميع الوجوه الفقير بذاته من كل وجه الذي لا يملك لنفسه- فضلاً عمن عبده -نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا- بالخالق لكل شيء، الكامل من جميع الوجوه، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع، الذي ما من نعمة بالمخلوقين إلا فمنه تعالى فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟
ولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ).
• وقال الطبري: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) يعني بذلك جل ثناؤه: "ومن يشرك بالله" في عبادته غيره من خلقه "فقد افترى إثما عظيما"، يقول: فقد اختلق إثما عظيمًا، وإنما جعله الله تعالى ذكره (مفتريًا) لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه وصاحبة أو ولداً.
الفوائد:
1 -
عظم الشرك.
2 -
أن ما دون الشرك تحت المشيئة.
3 -
وجوب توحيد الله.
4 -
أن المشرك مفترٍ على الله.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظر كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50)).
[النساء: 49 - 50].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) نزلت هذه الآية في اليهود، حيث زكوا أنفسهم ومدحوها:
بقولهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ).
وقولهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ).
وقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً).
• قال القرطبي: التزكية: التطهير والتبرية من الذنوب.
• قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ
…
) الاستفهام للتعجب والإنكار، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل من يصح خطابه.
• فلا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه لقوله تعالى (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) فمن زكى نفسه ومدحها فقد تشبه باليهود.
(بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) أي: المرجع في ذلك إلى الله عز وجل، لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامِضها.
• قال الشوكاني: قوله تعالى (بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء) أي: ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده، ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم، ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلوّ والترفع والتفاخر ومثل هذه الآية قوله تعالى (فَلَا تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى).
(وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) أي: لا يُترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل.
• الفتيل: ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما فتلت بين أصابعك.
• والمراد من الآية أن الله لا يظلم أحداً شيئاً، وضرب المثل بالفتيل للقلة.
• فالله لا يظلم أحداً لكمال عدله، والقاعدة: أن النفي إذا جاء منفياً عن الله فلا بد من إثبات ضده، وإلا فالنفي المحض لا كمال فيه.
كقوله تعالى (ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) لكمال عدله.
وقوله سبحانه (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكمال حياته وقيوميته.
(انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) هذا تعجب من افترائهم وكذبهم، أي: انظر يا محمد كيف يختلقون الكذب في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه.
(وكفى به) أي: وكفى بهذا الافتراء.
(إثماً مبيناً) ذنباً وافتراء ظاهراً.
الفوائد:
1 -
الإنكار على من يزكي نفسه.
2 -
النهي عن تزكية النفس، لأن الله تعالى أنكر ذلك (فلا تزكوا أنفسكم).
3 -
أن الأمر إلى الله في تزكية الإنسان.
4 -
أنه يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله في طلب التزكية.
5 -
نفي الظلم عن الله تعالى.
6 -
تعظيم الكذب على الله. (الأربعاء: 18/ 3/ 1434 هـ).
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52))
[النساء: 51 - 52].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ) الاستفهام للتعجب والمراد بهم أيضاً اليهود أعْطوا حظاً من التوراة.
• قال ابن عاشور: أعيد التعجيب من اليهود، الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، بما هو أعجب من حالهم التي مرّ ذكرها في قوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة) فإنّ إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة، لأنّ أوّل قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحُوتاً، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ).
(يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) أي: يعتقدون صدقهما. (ابن تيمية).
وقد اختلف العلماء في معناهما:
قال عمر بن الخطاب: الجبت: هو السحر، وقيل: الشيطان، وقيل: الصنم، والصحيح أنه عام لكل صنم أو سحر أو كهانة أو ما أشبه ذلك.
وَالطَّاغُوتِ: قيل هو الشيطان، والصحيح أنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
واختار ابن جرير اسمان لكل ما يعبد ويعظم من دون الله تعالى.
فقال رحمه الله: والصواب من القول في تأويل يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون اللّه، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون اللّه أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.
• قال في التسهيل: (يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت) قال ابن عباس: الجبت هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وقال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقيل الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، وبالجملة هما كل ما عبد وأطيع من دون الله
(وَيَقُولُونَ) أي: اليهود.
(لِلَّذِينَ كَفَرُوا) من كفار قريش.
(هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) أي: أنتم أهدى سبيلاً من محمد وأصحابه.
• قال ابن كثير: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.
عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية! قال: أنتم خير، قال فنزلت (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) ونزل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا
نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) إلى (نَصِيرًا) رواه أحمد.
(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أي: الذين طردهم وأبعدهم من رحمته.
(وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) أي: ومن يطرده الله من رحمته فلا ناصر له من عذاب الله، لأن الله إذا أراد بقوم سوءاً فلا مرد له.
الفوائد:
1 -
التعجب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب.
2 -
بيان قبح صنيعهم.
3 -
بيان حقد اليهود على المؤمنين.
4 -
الإشارة إلى أن السحر متلقى من اليهود.
5 -
أن اليهود أهل حسد.
6 -
اللعنة على اليهود.
7 -
أن من لعنه الله فلا ناصر له.
8 -
التحذير من التعرض للعنة الله.
(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)).
[النساء: 53 - 55].
(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) هذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك.
• (أم) ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها ألبتة، كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل لهم نصيب من الملك، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الإنكار، يعني ليس لهم شيء من الملك ألبتة.
ثم وصفهم بالبخل فقال:
(فَإِذاً) يعني: لو كان لهم نصيب من الملك.
(لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) أي: لو كان لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط جهلهم، ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولا ما يملأ النقير، وهو النقطة التي تكون في النواة.
• فاليهود من أشد الناس بخلاً، وأشدهم طمعاً وحرصاً على المال.
وهذا كقوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ) أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم ولهذا قال (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً) أي: بخيلاً.
• قال في التسهيل: النقير هي النقرة في ظهر النواة وهو تمثيل، وعبارة عن أقل الأشياء، والمراد وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم حينئذٍ يبخلون بالنقير الذي هو أقل الأشياء، ويبخلون بما هو أكثر منه من باب أولى.
• والنقير: النقرة التي على ظهر النواة، يضرب بها المثل للقلة.
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) قال ابن عباس: حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم على النبوة، وحسدوا أصحابه على الإيمان، والمعنى: أبل يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على النبوة التي فضّل الله بها محمداً وشرّف بها العرب ويحسدون المؤمنين على
ازدياد العز والتمكين؟
• قال في التسهيل: والمقصود بالآية الردّ على اليهود في حسدهم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناها إلزام لهم بما عرفوه من فضل الله تعالى على آل إبراهيم، فلأي شيء تخصون محمداً صلى الله عليه وسلم بالحسد دون غيره ممن أنعم الله عليهم.
• فالمراد بالناس هنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعليه فهذا عام مخصوص.
• قال الرازي: في المراد بلفظ (الناس) قولان:
الأول: وهو قول ابن عباس والأكثرين إنه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم، ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي يقوم مقام أمة، قال تعالى (إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتاً).
والقول الثاني: المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى هذا القول: إن لفظ الناس جمع، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد
• والمراد بالفضل هنا النبوة، وهذا قول الأكثر.
• قال الطبري: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، قولُ قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل: أن معنى (الفضل) في هذا الموضع: النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رحمة الله عليهم، على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح.
• وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.
• والحسد: تمني زوال نعمة الله على الغير، وهذا قول الأكثر، واختار ابن تيمية رحمه الله أن الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره. (وهذا القول أعم من الأول).
• قال الرازي:
…
ووصفهم (أي: اليهود) في هذه الآية بالبخل والحسد، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئاً مما آتاه الله من النعمة، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئاً من النعم، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة.
(فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ) أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل - الذين هم من ذرية إبراهيم - النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب.
• فالمراد بالكتب هنا عموم الكتب التي نزلت على آل إبراهيم قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كصحف إبراهيم، وكصحف موسى ومنها التوراة والإنجيل، وكذلك الزبور والإنجيل.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (فقد آتينا آل إِبراهيم الكتاب) يعني: التوراة، والإِنجيل، والزبور، كله، كان في آل إِبراهيم، وهذا النبي من أولاد إِبراهيم.
(وَالْحِكْمَةَ) أي: وحكموا فيهم بالسنن - وهي الحكمة -.
• والحكمة: ما أوحاه الله إلى أنبيائه من آل إبراهيم ولم يكن كتاباً مقروءاً، وأيضاً هي وضع الأمور في مواضعها.
وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) وجعلنا فيهم الملوك، فقد كان داود عليه السلام ملكاً، وكان سليمان عليه السلام قد أعطي ملكاً عظيماً.
• والمراد من الآية الرد على اليهود في حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإلزامهم لهم بما عرفوه من فضل الله على آل إبراهيم.
• قال القرطبي: والحسد مذموم وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
مباحث الحسد:
أولاً: تعريف الحسد:
هو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يحصل للحاسد مثلها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود.
ثانياً: خطر الحسد:
الأول: أنه من صفات اليهود.
كما في هذا الآية (
…
حسداً من عند أنفسهم).
وكما في قوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).
الثاني: أنه من الإيذاء وتعد على المسلم.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً).
الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه.
قال صلى الله عليه وسلم (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا) متفق عليه.
الرابع: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره.
ثالثاً: فضل السلامة من الحسد:
الأول: أن تركه من علامة كمال الإيمان.
فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل؟ قال (المؤمن النقي القلب، ليس فيه غل ولا حسد) رواه ابن ماجه.
الثاني: أن الله أثنى على الأنصار بذلك.
قال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أوتوا).
رابعاً: من أقوال السلف في الحسد:
قال علي رضي الله عنه: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.
وقيل: الحسود غضبان على القدر.
ويقال: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش: الحقد، والحسد، وسوء الخلق.
وقيل لبعضهم: ما بال فلان يبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.
وقال أعرابي: الحسد داء منصف، يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.
قال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك. فقال: تركتُ الحسد فبقيت.
وقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم، ونفس متتابع.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ فِي خِصَالِ الشَّرِّ أَعْدَلُ مِنْ الْحَسَدِ، يَقْتُلُ الْحَاسِدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ.
وقال لابنه: يا بني! إياك والحسد، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.
وعن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.
وقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: لا أم لك، أنسيت إخوة يوسف، لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه.
وقال ابن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.
قال الشاعر:
كل العداواة قد تُرجَى إماتتها
…
إلا عداوةَ من عاداك من حسدِ.
وقال الخليل بن أحمد: لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً، يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي.
وقال عون بن عبد الله: إياك والكبْر، فإن أول ذنب عصيَ الله به ثم قرأ (وإذ قلنا للملائكة
…
)، وإياك والحرص، فإنه أخرج آدم من الجنة ثم قرأ (اهبطوا منها)، وإياك والحسد، فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق).
قال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه:
أولها: قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره، والثاني: سخط لقسمته كأنه يقول لربه: لم قسمت هكذا؟، والثالث: أنه ضن بفضله، يعني أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله، والرابع: خذل ولي الله، لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه، والخامس: أعان عدوه يعني إبليس لعنه الله.
قال بعض العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه:
أولها: غم لا ينقطع.
والثاني: مصيبة لا يؤجر عليها.
والثالث: مذمة لا يحمد عليها.
والرابع: يسخط عليه الرب.
والخامس: تغلق عليه أبواب التوفيق.
وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نِعم الله، قيل له: ومَن يعادي نِعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتي، متسخط لقضائي، غيرُ راضٍ بقسمتي.
ولمنصور الفقيه:
ألَا قُلْ لمن ظَلّ لي حاسداً
…
أتدرِي على مَن أسأتَ الأدَبْ
أسأتَ على اللَّه في حكمه
…
إذا أنتَ لم ترض لي ما وَهَبْ
ولقد أحسن من قال:
اصبر على حسدِ الحسود
…
فإن صبرك قاتلُه
فالنار تأكل بعضها
…
إن لم تجد ما تأكُله.
قال بعض الحكماء: الحاسدُ يضرُّ نفسه ثلاث مضرات:
إحداها: اكتساب الذنوب؛ لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى فإنَّ حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله.
الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه.
(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) قيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام وهذا أصح.
(وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أي: كفر به وأعرض عنه، أي: ومع ذلك - ومع ما أعطيناهم من الملك والنعم - فقد كذب فريق من ذرياتهم وأممهم ولم يشكروا نعمة الله عليهم إذ جعل النبوة في أجدادهم، بل كفروا النعمة وعصوا الرب.
• قال الرازي: اختلفوا في معنى (به) فقال بعضهم: بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيباً من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والإنكار.
وقال آخرون: المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك، جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم، فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبراً على ما ينال من قبلهم.
(وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
• قال الطبري: ويعني بقوله (وكفى بجهنم سعيرًا) وحسبكم، أيها المكذبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي (بجهنم سعيراً) يعني: بنار جهنم، تُسعَر عليكم أي: تُوقدُ عليكم. أ
• وقال الطبري: وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما رَفعَ عنهم وعيدَ الله الذي توعِّدهم به في قوله:(آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) في الدنيا، وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم، وأن الوعيدَ لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا، إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فلما آمن بَعضُهم، خرجوا من الوعيد الذي توعَّده في عاجل الدنيا، وأخرت عقوبةُ المقيمين على التكذيب إلى الآخرة، فقال لهم: كفاكم بجهنم سعيرًا.
الفوائد:
1 -
بيان ما كان عليه اليهود من الحسد.
2 -
إنكار الحسد.
3 -
بيان ما منّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم.
4 -
أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله إلى قسمين.
5 -
تعظيم إحراق النار.
(الأحد: 22/ 3/ 1434 هـ)
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)).
[النساء: 56].
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) أي: أنكروها وجحدوها، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية، ويشمل أيضاً الآيات الكونية [وسبق معنى الكفر بالآيات الكونية والشرعية].
(سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً) أي: سوف ندخلهم نار جهنم ونجعلهم يصلونها حتى تحرقهم.
• قال الرازي: قوله تعالى (نُصْلِيهِمْ) أي ندخلهم النار، لكن قوله (نُصْلِيهِمْ) فيه زيادة على ذلك فإنه بمنزلة شويته بالنار،
يقال شاة مصلية أي مشوية.
• ثم ذكر تعالى نوعاً من أنواع عذابهم:
(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) أي: كلما أحرقت جلودهم بُدلوا جلوداً غيرها ليدوم ألم العذاب.
• اختلف العلماء في المراد بتبديل الجلود هنا على أقوال:
قيل: المراد بتبديل الجلود في الآخرة أنها تبدل جلوداً أخرى.
روي هذا عن معاذ، وابن مسعود، وكعب الأحبار.
وبه قال الحسن، وقتادة، وهو قول جمهور المفسرين.
وقيل: المراد بذلك: أي أعدْنا الجلد الأول بعينه جديداً على صورة أخرى، فتكون الغيرية عائدة على الصفة لا إلى الذات.
وبهذا قال السمرقندي، والواحدي، والرازي.
وقيل: المراد بتبديل الجلود استعارة عن دوام العذاب وعدم انقطاعه.
والراجح مذهب الجمهور.
لقوله تعالى (غيرها) والغيرية تقتضي أن يكون الجلد المبدل غير الأول.
ولأن التبديل يقتضي المغايرة، ولا صارف للفظ عن حقيقته فيبقى معناه.
• قال القرطبي: والمعنى في الآية: تبدّل الجلود جلوداً أُخر.
فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة: كيف جاز أن يعذّب جلداً لم يَعصِه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تُحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس.
يدل عليه قوله تعالى (لِيَذُوقُواْ العذاب) وقوله تعالى (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً). (تفسير القرطبي).
فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً) لا يغالب ويمتنع أن يمسه أحد بسوء.
(حَكِيماً) في شرعه وأفعاله وفي جميع تصرفاته، ومن ذلك تعذيب من يعذبه.
• قال ابن عطية: وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالعزة والإحكام، لأن الله لا يغالبه مغالب إلا غلبه الله، ولا يفعل شيئاً إلا بحكمة وإصابة، لا إله إلا هو تبارك وتعالى.
• في هذه الآية نوع من أنواع عذاب الكفار في النار، ومن عذابهم:
قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).
وقال تعالى (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ. لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون).
وقال تعالى (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
وقال تعالى (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ).
وقال تعالى (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى. نَزَّاعَةً لِلشَّوَى. تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى).
وقال تعالى (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ).
وقال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ. قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ).
وقال تعالى (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً. وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً. لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً).
وقال تعالى (وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).
وقال تعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً).
وقال تعالى (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ. لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ).
وقال تعالى (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ).
وقال صلى الله عليه وسلم (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِى النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْراً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً فِى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ).
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «تَدْرُونَ مَا هَذَا». قَالَ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ (هَذَا حَجَرٌ رُمِىَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفاً فَهُوَ يَهْوِى فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا).
وعَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى عُنُقِهِ) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِى مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِى الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ مِنْهُ عَذَاباً وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَاباً) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم (يُرْسَلُ الْبُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يَصِيرَ فِي وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ، لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهِ السُّفُنُ لَجَرَتْ) رواه ابن ماجه.
الفوائد:
1 -
الوعيد لمن كفر بالله تعالى.
2 -
أن النار مأوى للكافرين.
3 -
تمام قدرة الله تعالى.
4 -
شدة عذاب أهل النار فيها.
5 -
إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.
(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57)).
[النساء: 57].
(وَالَّذِينَ آمَنُواْ) بقلوبهم.
• الإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وبكل ما يجب الإيمان به.
(وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا الأعمال الصالحات من واجبات ومستحبات، والعمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون خالصاً لله، قال صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه.
الشرط الثاني: أن يكون متابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.
فمن عمل عملاً أشرك به مع الله غيره ولو يسير الرياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله لكن على غير شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمله غير صالح.
• قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.
• ودائماً يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحاً.
قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
…
).
وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً .... ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً).
وقال تعالى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى).
(سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ) أي: يكون جزاؤهم دخول الجنان.
• أن الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، وقد جاء في آيات كثيرة.
قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
وقال تعالى (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
• والجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).
وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
- قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال صلى الله عليه وسلم (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).
• قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحياناً يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها، قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها.
• قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة، ولأن الناظر يرى منظراً بديعاً وشيئاً لذيذاً.
• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:
أحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.
• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).
• وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، وتجري من غير أخدود.
قال ابن القيم في النونية:
أنهارها في غير أخدود جرت
…
سبحان ممسكها عن الفيضانِ
(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: مقيمين فيها إقامة أبدية لا تحول ولا تزول، فلا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها.
• قال النسفي: الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع.
• وقال ابن الجوزي: والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له.
• قال ابن عاشور: وقوله (وهم فيها خالدون) احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو طيب:
أشدُّ الغم عندي في سرور
…
تحقَّقَ عنه صاحبُه انتقالاً.
• وذكر من نعيم الجنة الخلود، لأنه أعظم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً، كما قال بعض الشعراء:
أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الدهر يأتي بعدها بوصال
وأبغضُ أيام الوصال لأنني أرى كل وصل معقباً بزوالِ
فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعميم فتتكدر غبطتهم.
• وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة:
فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وقال صلى الله عليه وسلم (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداُ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت
…
) متفق عليه.
(لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) الأزواج جمع زوج، وهو شامل للأزواج من الحور العين، ومن نساء الدنيا.
(مُّطَهَّرَةٌ) يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فهي مطهرة من الأذى، ومن القذر، لا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس، مطهرة من كل شيء حسي، مطهرة أيضاً من الأقذار الباطنة، كالغل، والحسد، والكراهية، والبغضاء وغير ذلك.
• في هذا إثبات الزوجات في الجنة وأنهن مطهرات من كل دنس، من صفات نساء الجنة:
أولاً: مطهرات. كما في هذه الآية.
ثانياً: كواعب أتراباً.
قال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً. حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً. وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً).
الكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثديها، والأتراب: المتقاربات في السن.
ثالثاً: أبكاراً.
قال تعالى (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً).
أبكاراً: يعني أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، العرب: المتحببات لأزواجهن.
رابعاً: جميلات غاية الجمال.
قال تعالى (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ).
وقال صلى الله عليه وسلم (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.
حور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد.
عين: جمع عيناء، وهي واسعة العين، المكنون: المخفي المصان، النصيف: الخمار.
خامساً: قاصرات الطرف.
قال تعالى (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ).
وقال تعالى (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ).
وقاصرات الطرف: هن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن.
(وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً) أي: ظلاً دائماً لا تنسخه الشمس ولا حر فيه ولا برد.
• قال ابن كثير: أي: ظلاً عميقاً كثيراً غزيراً طيباً أنيقاً.
• قال الشنقيطي: وصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله (أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا) ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله (إِنَّ المتقين فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ).
• وقال أبو عبد الله الرازي: وإنما قال ظل ظليلاً لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في الراحة.
• قال ابن الجوزي: سؤال: فإن قيل: أفي الجنة برد أو حر يحتاجون معه إلى ظل؟
فالجواب: لا، وإنما خاطبهم بما يعقلون مثله، كقوله (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً).
وجواب آخر: وهو أنه إِشارة إِلى كمال وصفها، وتمكين بنائِها، فلو كان البرد أو الحرّ يتسلط عليها، لكان في أبنيتها وشجرها ظل ظليل.
الفوائد:
1 -
أنه لا يتم دخول الجنة إلا بالإيمان.
2 -
أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحاً.
3 -
تعظيم الله تعالى.
4 -
بيان شيء من نعيم الجنة.
5 -
أن الجنة أنواع وليست نوعاً واحداً.
6 -
الثناء على الأزواج في الجنة.
(الثلاثاء: 24/ 3/ 1434 هـ)
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)).
[النساء: 58].
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) هذا خطاب لجميع المكلفين، والمعنى: يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أربابها.
• قال ابن كثير: يأمر تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله تعالى على عباده من الصلاة والزكاة والصيام، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها.
• قال القرطبي: قوله تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات) هذه الآية من أمّهات الأحكام تضمنّت جميع الدَّين والشرع وقد اختُلِف مَن المخاطب بها؛ فقال علي بن أبي طالب وزيد بن أسلم: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصَّة، فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأُمَرائه، ثم تتناول من بعدهم.
وقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردُوهن إلى الأزواج.
والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات والعدل في الحكومات، وهذا اختيار الطبري.
وتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرّز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة مّا ونحوه؛ والصلاةُ والزكاةُ وسائرُ العبادات أمانة الله تعالى.
وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخّص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة.
قلت: وهذا إجماع.
وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرارِ منهم والفجار؛ قاله ابن المنذر. (تفسير القرطبي).
• وقال ابن عاشور: واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة.
وقال رحمه الله: وجملة (إنّ الله يأمركم) صريحة في الأمر والوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث (إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم).
(وإنّ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبَر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده، فهو والإنشاء سواء.
والخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق.
…
(التحرير والتنوير).
(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) هذا أمر من الله تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، في الحكام وغيرهم.
• قال القرطبي: وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميعُ الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات.
ومن الأدلة على وجوب العدل:
قوله تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان).
وقال (وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى).
وقال (ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً في الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق).
وعن الحسن قال: ان الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.
ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم:
كقوله تعالى (احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم).
وقال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون).
وقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ).
•
فضائل العدل:
أولاً: أن الله أمر به.
فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ .... ).
ثانياً: أن الله يحب أهله.
قال سبحانه (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
ثالثاً: على منابر من نور.
قال صلى الله عليه وسلم (إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) رواه مسلم
رابعاً: في ظل الله يوم القيامة.
قال صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل
…
) متفق عليه.
(إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) أي: نِعم الشيء الذي يعظكم به.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً) لأقوالكم.
• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
…
).
هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.
وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى:(قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).
وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى:(قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.
ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.
ومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.
ومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.
ومنه كقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.
•
آثار الإيمان بهذا الاسم:
أولاً: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة.
ثانياً: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه.
وقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم:
فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
ودعا يوسف عليه السلام ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
(بَصِيراً) بأفعالكم.
والبصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر، قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع.
قال ابن القيم:
وهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ
…
سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ
ويرى مجاري القوت في أعضائها
…
ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ
ويرى خيانات العيون بِلْحظِها
…
ويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ
• وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).
وقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً).
• والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).
• وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً).
• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال صلى الله عليه وسلم (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تن تراه فإنه يراك).
الفوائد:
1 -
عظمة الله.
2 -
وجوب حفظ الأمانات.
3 -
سمو الشريعة الإسلامية.
4 -
أنه يجب على المؤتمن أن يؤديها إلى أهلها.
5 -
وجوب الحكم بين الناس بالعدل.
6 -
التعبير بالعدل دون المساواة.
7 -
إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والبصير.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)).
[النساء: 59].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ) يأمر الله تعالى بطاعته، والطاعة فعل الأمر واجتناب النهي.
(وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي: خذوا بسنته.
• قال القرطبي: وحقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدّها وهي مخالفة الأمر، والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد.
• قال صلى الله عليه وسلم (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) متفق عليه.
• الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة للرسول بعد الأمر بطاعته سبحانه؟
قيل: أن الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة مع أن المطاع في الحقيقة هو الله، تأكيد لوجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبه قال الطبري، والسعدي.
وقيل: إن الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم لبيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله تعالى، والسنة تدل على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فكأن المعنى: أطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بيّن لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السنة.
وبه قال الرازي، وابن حجر.
قال ابن حجر: وَالنُّكْتَة فِي إِعَادَة الْعَامِل فِي الرَّسُول دُونَ أُولِي الْأَمْر مَعَ أَنَّ الْمُطَاع فِي الْحَقِيقَة هُوَ اللَّه تَعَالَى كَوْن الَّذِي يُعْرَف بِهِ مَا يَقَع بِهِ التَّكْلِيف هُمَا الْقُرْآن وَالسُّنَّة، فَكَأَنَّ التَّقْدِير أَطِيعُوا اللَّه فِيمَا نَصَّ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآن، وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِيمَا بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْقُرْآن وَمَا يَنُصّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ السُّنَّة، أَوْ الْمَعْنَى أَطِيعُوا اللَّه فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ الْوَحْي الْمُتَعَبَّد بِتِلَاوَتِهِ، وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ الْوَحْي الَّذِي لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
وقيل: إن الفائدة من تكرار الطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم اعتناء بشأنه وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن.
(وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فيما يأمروكم به في غير معصية الله، وقد اختلف في المراد بهم على قولين:
القول الأول: أنهم الأمراء.
القول الثاني: العلماء.
• قال ابن القيم: والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية، والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعاً، فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فان العلماء ولاته حفظاً وبياناً وذباً عنه، ورداً على من ألحد فيه وزاغ عنه، وقد وكلهم الله بذلك فقال تعالى (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعاً لهم، والأمراء ولاته قياماً وعناية وجهاداً وإلزاماً للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه، وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية.
• قال ابن كثير: والظاهر - والله أعلم - أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء.
• وقد جاءت الأدلة الكثيرة في وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية الله:
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) متفق عليه.
وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه.
وعن أبي ذر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) رواه مسلم، وعند البخاري (ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة).
وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية) متفق عليه.
وعن عوف بن مالك. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، فقلنا يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة فيكم، ألا من وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئاً من معصيته فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة) رواه مسلم.
• قوله تعالى (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل (وأطيعوا أولي الأمر
…
) وأعاده في الرسول، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، وأما ولاة الأمر فلا يطاعون استقلالاً، وإنما يطاعون تبعاً لطاعة الله، ولذلك إذا أمروا بمعصية فلا يطاعون.
(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) هذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
• قوله (إِلَى اللَّهِ) أي: إلى شريعته.
• قوله (ورسوله) إن كان حياً فإلى شخصه، وأما بعد موته إلى سنته.
• قال القرطبي: قوله تعالى (فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول) أي: رُدّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ هذا قول مجاهد والأعمش وقَتادة، وهو الصحيح.
(إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فردوا الأمر إلى الله ورسوله.
• والغرض من هذا الحض والحث على التمسك بالكتاب والسنة.، كما يقول القائل: إن كنت ابني فلا تخالفني.
• والإيمان بالله: معناه التصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته مع عمل الجوارح بمقتضى ذلك.
• واليوم الآخر: هو يوم القيامة، ومعناه: الإيمان بما بعد الموت من البعث والحساب والجزاء على الأعمال على الأعمال وما في ذلك من الأهوال والجنة والنار وغير ذلك.
• وسمي اليوم الآخر بهذا الاسم، لأنه بعد انقضاء هذه الدنيا بأيامها ولياليها.
• وكثيراً ما يقرن الله عز وجل بين الإيمان به عز وجل وبين الإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل، وهو أعظم رادع عن التمادي في الباطل لمن وفقه الله تعالى.
(ذَلِكَ) أي: الرجوع إلى الكتاب والسنة.
(خَيْرٌ) لكم في الحال والحاضر.
(وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: وأحسن مآلاً وعاقبة ومرجعاً، فعاقبته حميدة، لأن الناس إذا رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله حصل خير عظيم، وانتشر العدل بينهم.
• قال ابن القيم: ثم قال تعالى (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولياء الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلىَّ وإلى رسولي خير لكم في معاشكم ومعادَكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خير لكم وأحسن عاقبة، فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلا وآجلاً، ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه، علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة الرسول.
الفوائد:
1 -
وجوب طاعة الله.
2 -
وجوب طاعة الرسول استقلالاً.
3 -
الرد على من كفر بالسنة.
4 -
وجوب طاعة ولي الأمر.
5 -
أن طاعة ولي الأمر من طاعة الله. (السبت: 28/ 3/ 1434 هـ).
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63)).
[النساء: 60 - 63].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) هذا إنكار من الله، عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود
تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا، ولهذا قال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ). (تفسير ابن كثير).
• قال الرازي: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلاً من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقاً، والمنافق كان مبطلاً، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف.
• قال السعدي: يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين (الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ) مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا.
(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت، والحال أنهم (قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك، وهذا من إضلال الشيطان إياهم.
(وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) أي: أن الشيطان يريد أن يصد هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالاً بعيداً يعني: فيجور بهم عنها جوراً شديداً.
• الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالطاغوت هنا: كل ما خالف الشرع.
• قوله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) هذا محل التعجب.
• قوله تعالى (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن.
• والطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع، كما ذكره ابن القيم، ويدخل في ذلك التحاكم إلى الهيئات والمنظمات التي تحكم بغير شرع الله، وكذلك التحاكم إلى القوانين الوضعية.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) الضمير يعود إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وهم المنافقون من أهل الكتاب.
(تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) قال الطبري: ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله، يعني بذلك: وإذا قيل لهم تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم: صدوداً.
(رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) أي: رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم (صدوداً).
بخلاف أهل الإيمان الذين قال الله فيهم (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).
(فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك.
(ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) أي: يتعذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقاداً منا صحة تلك الحكومة.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) تفريع على قوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله ورسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة، وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلاّ قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين.
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال:
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يعني عن معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول أيمانهم الكاذبة في قوله (يحلفون) وليس بالإعراض الذي هو القطيعة والهجر، فإن قوله (وعظهم) يمنع من ذلك. (تفسير ابن عطية).
(وَعِظْهُمْ) أي: وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر.
(وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.
قيل: أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.
وقيل: قل لهم في أنفسهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.
• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ) أي قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد، لأنه أدعى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل: النصح بين الملأ تقريع، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها.
• قال ابن الجوزي: وقد تكلم العلماء في حدّ (البلاغة) فقال بعضهم: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل: البلاغة: الإِيجاز مع الإِفهام، والتصرّف من غير إِضجار.
قال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخيرُ الكلام ما شوّق أوّله إِلى سماع آخره، وقال غيره: إِنما يستحق الكلام اسم البلاغة إِذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إِلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.
الفوائد:
1 -
ذم النفاق.
2 -
خبث المنافقين.
3 -
وجوب التحاكم إلى شرع الله.
4 -
وجوب الإيمان بما أنزل إلى الرسول.
5 -
إثبات علو الله.
6 -
أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت.
7 -
وجوب الكفر بالطاغوت.
8 -
أن للشيطان إرادة.
9 -
عداوة الشيطان للإنسان.
10 -
أن الله لا يخفى عليه ما في الصدور.
11 -
التذكير ووعظ المنافقين.
(الأحد: 29/ 3/ 1434 هـ).
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64)).
[النساء: 64].
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم.
• واللام للتعليل، فالحكمة من إرسال الرسل طاعتهم، كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله).
• قال ابن عطية: تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك.
• قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك.
• قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بسبب إذنه - سبحانه - في طاعة رسوله، لأنه هو الذي أمر بهذه الطاعة لرسله.
ويجوز أن يراد بقوله بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.
• قال السعدي: وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه، لأن الله أمر بطاعتهم مطلقاً، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقاً.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) هذا إرشاد من الله للمذنبين العاصين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان، ووقع بينهم خصومة ونزاع.
(جَاءُوكَ) أي: إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن المراد جاءوك في حال حياتك، ويدل لهذا (واستغفر لهم الرسول)، لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم.
(فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) عما وقع منهم من ظلم.
(وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) تأكيداً لذلك.
(لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً) التواب اسم من أسماء الله، يتوب على التائبين مهما عظمت ذنوبهم.
(رَحِيماً) ومن رحمته أن يتوب على التائبين، بل ويفرح بتوبة عبده كما في الحديث (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة).
الفوائد:
1 -
إثبات الحكمة من إرسال الرسل.
2 -
إثبات تعليل أفعال الله.
3 -
ثبوت الإذن لله تعالى.
4 -
أنه يجب على الإنسان أن يبادر إلى التوبة والاستغفار.
5 -
أن من تاب بصدق فإن الله يقبل توبته.
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)).
[النساء: 65].
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
…
) أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكماً فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقياداً تاماً، مع الرضا والتسليم.
• قال ابن كثير: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير مانعة ولا مدافعة ولا منازعة.
• وقال ابن القيم: وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكمه في كل ما تنازعه فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجاً مما حكم به، ثم يسلم له تسليماً، وينقاد له انقياداً، وقال تعالى (وَمَا كَانَ لمؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).
• وقال الشوكاني: وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود وترجف له الأفئدة، فإنه أولاً أقسم سبحانه بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) فضم إلى التحكيم أمراً آخر، وهو عدم وجود حرج: أي: حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم! إليه قوله (ويسلموا) أي: يذعنوا وينقادوا ظاهراً وباطناً، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال (تسليماً) فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه تسليماً لا يخالطه ردّ ولا تشوبه مخالفة.
• وقال الشنقيطي: أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهراً وباطناً، ويسلمه تسليماً كلياً من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، وبيّن في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهراً وباطناً لما حكم به صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
• وقد قيل في سبب نزولها قصة اليهودي والأنصاري في القصة المتقدمة، واختاره الرازي.
وقيل: نزت في قصة الأنصاري الذي خاصم الزبير في ماء يسقي به النخل
…
واختاره القرطبي.
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ». فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؛ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ «يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ». فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً) متفق عليه.
واختار الطّبريّ أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي.
• ولذلك كان السلف من الصحابة ومن بعدهم متمسكين بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتشددون على من يردها:
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئاً مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (أَنَّ قَرِيباً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ - قَالَ - فَنَهَاهُ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَالَ «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْداً وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ». قَالَ فَعَادَ. فَقَالَ أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَداً) متفق عليه.
الفوائد:
1 -
وجوب تحكيم الشريعة في كل شيء مع الرضا والتسليم.
2 -
أن المؤمن الحقيقي لا يرضى إلا بشرع الله.
3 -
تحريم تحكيم غير شرع الله.
4 -
وجوب التسليم لأوامر الله تعالى ورسوله.
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68)).
[النساء: 66 - 68].
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
…
) يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدًا وشكرًا لربه. (السعدي).
• جاء في التفسير الوسيط: فإن الآية الكريمة تدل على أن اللّه تعالى لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه سبحانه لو كلف الناس جميعاً بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجيء لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعاً.
والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذي كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه في الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته في السر والعلن.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل اللّه على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة اللّه تعالى.
• قال الشوكاني: المعنى: أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على هؤلاء الموجودين من اليهود ما فعله إلا القليل منهم - ولذلك لإيثارهم الدنيا على الآخرة - أو لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم.
• رجح ابن كثير أن الآية في عموم الناس.
• قال ابن كثير: وهذا من علمه تبارك وتعالى بما لم يكن لو كان فكيف كان يكون.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به أي: ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن
ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط.
• قال الشيخ ابن عثيمين: الأحكام الشرعية مواعظ، ولهذا سمى الله القرآن موعظة فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
(لَكَانَ) ذلك.
(خَيْراً لَهُمْ) في الحال والمآل.
(وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) أي: حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد، فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر، فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر.
وأيضا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات. (تفسير السعدي).
• قال السدي: أي وأشد تصديقاً، وقيل: أشد تثبيتاً لإيمانهم.
• وقال الشوكاني: وأشد تثبيتاً لأقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم.
(وَإِذاً) لو أنهم فعلوا ما يوعظون به.
(لَآتَيْنَاهُمْ) أي: أعطيناهم.
(مِنْ لَدُنَّا) أي: من عندنا.
(أَجْراً عَظِيماً) أي: ثواباً عظيماً في كميته وفي قدره.
أي: سنعطيهم ثواباً عظيماً لا يقدر عظمته إلا الله، وهو الحنة، وما فيها من النعيم ورؤية العزيز الحكيم، مما لا يقدر عظمته إلا من وصفه بأنه عظيم، كما قال تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) متفق عليه.
• قال السعدي: أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
• سمي الثواب أجراً: لأنه سبحانه التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير.
(وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) أي: في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا: يهديهم لسلوك الطريق المستقيم السالم من الشرك والبدعة، وفي الآخرة: كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ
…
) فالله يهديهم إلى الصراط وعلى الصراط وعند الحساب وإلى الجنة، وإلى منازلهم في الجنة.
الفوائد:
1 -
بيان ضعف الإنسان.
2 -
قال أبو حيان: وفي الآية دليل على صعوبة الخروج من الديار، إذ قرنه الله تعالى بقتل الأنفس، وقد خرج الصحابة
المهاجرون من ديارهم وفارقوا أهاليهم حين أمرهم الله تعالى بالهجرة.
3 -
أن الناجي من العباد قليل.
4 -
رحمة الله بعباده.
5 -
أن طاعة الله سبب لكل خير.
6 -
أن الأحكام الشرعية مواعظ.
7 -
أن الإنسان بحاجة إلى دعاء الله ليثبته.
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)).
[النساء: 69 - 70].
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله ورسوله.
• وطاعة الله ورسوله: العمل بما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه الله ورسوله.
• قال الشيخ ابن عثيمين: الطاعة موافقة الأمر تركاً للمنهي وفعلاً للمأمور.
• قوله تعالى (والرسول) يحتمل أن (أل) في الرسول للعهد، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن المراد الجنس، أي: الرسول الذي أرسله سواء كان محمداً أم غيره.
(فَأُولَئِكَ) الإشارة إلى المطيعين.
(مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعد الله لهم.
• قال ابن كثير: فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً لهؤلاء الصفوة.
• وقال القرطبى: أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدّرجة؛ فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدّنيا والاقتداء، وكلّ مَن فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول، قال الله تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ).
(مِنَ النَّبِيِّينَ) ويشمل الرسل، لأن كل رسول نبي، فإذا قيل (من النبيين) دخل فيهم بالأولى الرسل.
• والنبي: جمع نبي، وهو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه (وهذا قول الجمهور).
• والجمهور على أن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبيلغ.
• وهذه المرتبة أعلى المراتب وهي اصطفاء (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
• خصهم الله تعالى بالوحي (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
(وَالصِّدِّيقِينَ) جمع صديق، وهي صيغة مبالغة، وهو من كمُل تصديقه، كثير الصدق.
• والصدق يكون:
في الأقوال: ومعناه: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.
وفي الأعمال: ومعناه: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.
وفي الأحوال: ومعناه: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص.
• قال القرطبي: والصدِّيق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، والصدّيق هو الذي يحقق بفعله ما يقوله بلسانه.
وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصدّيق.
• قال ابن القيم رحمه الله: فالصديق هو الذي صدق في قوله وفعله، وصدق الحق بقوله وعمله، فقد انجذبت قواه كلها للانقياد لله ولرسوله.
• قال ابن القيم: فأما مراتب الكمال فأربع: النبوة والصديقية والشهادة والولاية.
وقد ذكرها الله سبحانه في قوله (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً)
…
والمقصود أنه ذكر فيها المراتب الأربعة الرسالة والصديقية والشهادة والولاية فأعلى هذه المراتب النبوة والرسالة، ويليها الصديقية، فالصديقون هم أئمة اتباع الرسل ودرجتهم أعلى الدرجات بعدالنبوة.
• قال ابن تيمية: فالصدق أصل كل خير،
…
وَلِهَذَا يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّبَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَهُمْ ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ: أَنَا آمُرُك بِخَصْلَةِ وَاحِدَةٍ فَاحْفَظْهَا لِي؛ وَلَا آمُرُك السَّاعَةَ بِغَيْرِهَا الْتَزِمْ الصِّدْقَ وَإِيَّاكَ وَالْكَذِبَ وَتَوَعَّدَهُ عَلَى الْكَذِبِ بِوَعِيدِ شَدِيدٍ فَلَمَّا الْتَزَمَ ذَلِكَ الصِّدْقَ دَعَاهُ إلَى بَقِيَّةِ الْخَيْرِ وَنَهَاهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْفَاجِرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الْكَذِبِ.
…
(مجموع الفتاوى: 15/ 246).
• وقال ابن القيم: فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤة الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤة الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن ويقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
وقال رحمه الله: الصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع.
• وقال ابن تيمية: الصديقية: كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهراً وباطناً. (ابن تيمية).
وقال ابن تيمية: الصِّدْقُ أَسَاسُ الْحَسَنَاتِ وَجِمَاعُهَا وَالْكَذِبُ أَسَاسُ السَّيِّئَاتِ وَنِظَامُهَا وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ حَيٌّ نَاطِقٌ فَالْوَصْفُ الْمُقَوِّمُ لَهُ الْفَاصِلُ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ هُوَ الْمَنْطِقُ وَالْمَنْطِقُ قِسْمَانِ: خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ وَالْخَبَرُ صِحَّتُهُ بِالصِّدْقِ وَفَسَادُهُ بِالْكَذِبِ فَالْكَاذِبُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ الصِّفَةَ الْمُمَيِّزَةَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّئِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ الصَّادِقُ الْأَمِينُ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ. وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
الثَّالِثُ: أَنَّ الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ هُوَ الصِّدْقُ فَإِنَّ أَسَاسَ النِّفَاقِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَعَلَى كُلِّ خُلُقٍ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ لَيْسَ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ).
الرَّابِعُ: أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ أَصْلُ الْبِرِّ وَالْكَذِبَ أَصْلُ الْفُجُورِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ
…
).
الْخَامِسُ: أَنَّ الصَّادِقَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَالْكَاذِبَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ كَمَا قَالَ تَعَالَى (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ).
السَّادِسُ: أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبَيْنَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ مِنْ الْمُرَائِينَ وَالْمُسْمِعِينَ وَالْمُبْلِسِينَ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.
السابع: أَنَّ الْمَشَايِخَ الْعَارِفِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ إلَى اللَّهِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ كَمَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ:
• من أراد أن يصل لهذه الدرجة فليجتهد في الصدق ويتحراه.
قال صلى الله عليه وسلم (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً).
• وقال بعض العلماء: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله في الأعمال، وطيب المطعم.
• الصدق فضله عظيم ومنزلته عالية، وأنها سبب لرفعة العمل وعلوه.
قال صلى الله عليه وسلم (من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).
ذكر للإمام أحمد الصدق والإخلاص، فقال: بها ارتفع القوم.
(وَالشُّهَدَاءِ) جمع شهيد، وهو من قتل شهيداً في المعركة مع الكفار.
• هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة:
أولاً: من أسباب دخول الجنة.
كما قال صلى الله عليه وسلم (انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِى وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِى أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل) متفق عليه
وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وعن جابر. قال (قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) متفق عليه
ثانياً: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة.
قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون).
وقال تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
ثالثاً: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.
قال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
وقال صلى الله عليه وسلم (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم (إن للشهيد عند الله ست خصال يغفر له عند أول دفعة من دمه .... ) رواه الترمذي.
رابعاً: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات.
عن أنس. قال: قال صلى الله عليه وسلم (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما
يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرهُ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى وفي رواية: لما يرى من الكرامة) متفق عليه.
خامساً: الشهيد في الفردوس الأعلى.
وعن أنس (أن أم حارثة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) متفق عليه.
سادساً: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها.
عن جابر قال (جيء بأبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد مثّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو - فقال: لم تبكي أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها). متفق عليه
سابعاً: الشهداء لا يفتنون في قبورهم:
عن المقداد بن معد يكرب. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر) رواه الترمذي.
وقال صلى الله عليه وسلم لما سئل لماذا الشهداء لا يسألون في قبورهم؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي.
قال ابن النحاس: ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، وجاد بنفسه لله تعالى إيماناً به وتصديقاً بوعده ووعيده، فيكفيه هذا امتحاناً لإيمانه واختباراً له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب
ثامناً: الشهيد لا يشعر بألم القتل.
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي.
قال علي: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش
قال ابن تيمية: وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامٌّ لِفَاعِلِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ: عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَلٌ آخَرُ. وَالْقَائِمُ بِهِ مِنْ الشَّخْصِ وَالْأُمَّةِ بَيْنَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ دَائِمًا. إمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ. فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَحْيَا وَمَمَاتٍ فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ فِي غَايَةِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي تَرْكِهِ ذَهَابُ السَّعَادَتَيْنِ أَوْ نَقْصُهُمَا؛ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا مَعَ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهَا فَالْجِهَادُ أَنْفَعُ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ شَدِيدٍ وَقَدْ يَرْغَبُ فِي تَرْفِيهِ نَفْسِهِ حَتَّى يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ، فَمَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ.
تاسعاً: دم الشهيد أحب شيء إلى الله.
عن أبي أمامة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي.
عاشراً: الشهيد يشفع في أهل بيته.
عن أم الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) رواه الترمذي.
الحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة.
عن البراء بن عازب قال (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمل قليل وأجر كثير) رواه البخاري.
فائدة: سمي الشهيد بذلك:
قال النووي: " قال النضر بن شميل: لأنه حي، فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة ".
وقال ابن الأنباري: " إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة ".
وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة.
وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه.
وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.
وقيل: لأن عليه شاهداً بكونه شهيداً وهو الدم.
(وَالصَّالِحِينَ) جمع صالح، وهو الذي أدى حق الله وحق الناس.
• قال ابن الجوزي: وأما الصالحون فهم اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته.
• قال ابن تيمية: وهذه الأربعة هي مراتب العباد: أفضلهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون.
(وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) أي: ونعمت رفقة هؤلاء وصحبتهم، وحسن رفيق أولئك الأبرار، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في شكواه التي قبض فيها يقول (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) فعلمت أنه خير.
(ذَلِكَ الْفَضْلُ) الذي نالوه.
(مِنَ اللَّهِ) لا من غيره، فهو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم.
• قال القرطبي: قوله تعالى (ذلك الفضل مِنَ الله) أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه.
• سؤال: فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟
قيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم، فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره. (تفسير الطبري)
كما قال صلى الله عليه وسلم (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بعَمَلِهِ)) قالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: ((وَلَا أنا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَني الله برَحمَةٍ مِنهُ وَفَضْل) متفق عليه.
وزكريا لما دخل على مريم (
…
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ. فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ).
(وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً) يعلم أحوال عباده، ومَنْ يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به من الأعمال الصالحة، التي تواطأ عليها القلب والجوارح. [تفسير السعدي].
الفوائد:
1 -
الحث على طاعة الله ورسوله.
2 -
أن طاعة الرسول من طاعة الله.
3 -
أن النبي أفضل من الصديق، والصديق أفضل من الشهيد، والشهيد أفضل من الصالح.
4 -
الثناء على هؤلاء الأصناف الأربعة.
5 -
بيان نعمة الله على هؤلاء الأصناف.
6 -
أن ما يحصل للإنسان من فضل فهو من الله.
7 -
بيان سعة علم الله تعالى.
(الأحد: 7/ 4/ 1434 هـ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا (71)).
[النساء: 71].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) يأمر تعالى عباد المؤمنين بأخذ الحذر من أعدائهم الكافرين.
• قال السعدي: وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم ومخارجهم، ومكرهم.
قال ابن عاشور: والحذْرُ: هو توقّي المكروه.
(فَانْفِرُوا) النفير: الخروج إلى الجهاد.
(ثُبَاتٍ) أي: أخرجوا إلى قتال عدوكم متفرقين.
(أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) أي: أخرجوا إلى قتالهم مجتمعين.
• والكلمة يعرف معناها بضدها، فعلمنا أن معنى (ثباتٍ) متفرقين من قوله (أو انفروا جميعاً) حيث قوبلت بهذا.
• قال السعدي في الآية: كل هذا تبع للمصلحة والنكاية والراحة للمسلمين في دينهم.
الفوائد:
1 -
وجوب أخذ الحذر من الأعداء.
2 -
أنه يجب على الإنسان أن يكون كيساً فطناً.
3 -
وجوب الجهاد.
(وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)).
[النساء: 72 - 73].
(وَإِنَّ مِنْكُمْ)(من) للتبعيض، والمراد بهم المنافقون، جعلوا من المؤمنين باعتبار زعمهم وباعتبار الظاهر
• قال البغوي: وإنما قال (مِنْكُم) لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسبِ وإظهارِ الإسلام، لا في حقيقة الإيمان
• قال ابن عاشور: قوله (وإنَّ مِنكم لمن ليبطّئنّ) أي: من جماعتكم وعدادكم، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنَّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول (قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً)، فهؤلاء منافقون، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله (بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً) إلى قوله (الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين).
وقيل: أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر، قال الرازي: وهذا اختيار جماعة من المفسرين.
وقيل: المراد بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ) بعض المؤمنين؛ لأن الله خاطبهم بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ) وقد فرَق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله (وَمَا هُم مِّنكُمْ) وهذا يأباه مسَاق الكلام وظاهره.
وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بيّنا لا من جهة الإيمان، هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، ويدلّ عليه قوله (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ) أي قَتْلٌ وهزيمة (قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ) يعني بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق؛ لا سيّما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقوله مؤمن.
(لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) أي: ليتخلفن عن الجهاد.
قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد أنه يتبأطأ هو بنفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبيّ بن سلول - قبحه الله - يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبّط الناس عن الخروج فيه.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ) يعني المنافقين، والتّبطِئة والإبطاء التأخّر، تقول: ما أبطأك عنا؛ فهو لازم، ويجوز بطأت فلاناً عن كذا أي أخرته؛ فهو متعد، والمعنيان مراد في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج ويُقعِدون غيرهم، والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم وممن أظهر إيمانه لكم، فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم.
• قال ابن تيمية: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغزُ ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق "رواه مسلم. وقد أنزل الله " سورة براءة " التي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين.
ولهذا أخبر تعالى عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد:
(فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم، لما لله في ذلك الحكمة.
(قال) ذلك المتخلف.
(قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً) أي: قد تفضل الله عليّ إذ لم أشهد الحرب معهم فأُقتل ضمن من قتلوا.
• قال ابن كثير: يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر، أو الشهادة إذا قتل.
• قال السعدي: رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة، ولم يدر أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران، ويحصل له فيها عظيم الثواب، ورضا الكريم الوهاب، وأما القعود فإنه وإن استراح قليلاً، فإنه يعقبه تعب طويل وآلام عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين.
• قال تعالى عن قوم مؤمنين (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُون) فهؤلاء بكوا لأنهم لم يقدروا عن الجهاد.
(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وظفر وغنيمة.
(لَيَقُولَنَّ) هذا المتخلف.
(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أي: كأنه ليس من أهل دينكم.
(يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده
الفوائد:
1 -
أن التكاسل عن الخير والتباطؤ فيه من أسباب النفاق.
قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)
وقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).
وقال صلى الله عليه وسلم (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) متفق عليه.
2 -
ذم النفاق.
3 -
أن المنافق لا يؤمن بوعد الله ولقائه، ولذلك يتحسر على فوات الدنيا، ويفرح بقدوم الدنيا عليه.
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)).
[النساء: 74].
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا أمر بالجهاد في سبيل الله.
وفي هذا التنبيه على أن يكون الجهاد في سبيل الله ولتكون كلمة الله هي العليا.
عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَىُّ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّه) متفق عليه.
(الَّذِينَ يَشْرُونَ) أي: يبيعون.
(الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها.
• قال ابن عطية: هذا أمر من الله عز وجل للمؤمنين الذين وصفهم بالجهاد في سبيل الله، و (يشرون) معناه: يبيعون في هذا الموضع، وإن جاء في مواضع: يشترون، فالمعنى هاهنا يدل على أنه بمعنى " يبيعون " ثم وصف الله ثواب المقاتل في سبيل الله، فذكر غايتي حالتيه، واكتفى بالغايتين عما بينهما، وذلك أن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل ويغنم أن يتصف بأنه غالب على الإطلاق.
(وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بأن يكون جهاداً قد أمر الله به ورسوله، ويكون العبد مخلصاً لله فيه، قاصداً وجه الله.
(فَيُقْتَلْ) أي: يستشهد.
(أَوْ يَغْلِبْ) أي: ينتصر
• قال البيضاوي: وإنما قال (فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ) تنبيهاً على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين، بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين.
(فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) فهو غانم في كل حال، إن قُتِل قُتل شهيداً، وإن غلب غلب سعيداً كما قال تعالى (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) وهما إما الشهادة أو النصر والغلبة (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ).
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال (تكفّل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يُخرِجُه إلا جهادٌ في سبيله وتصديقُ كلمتِه أن يُدخِلَه الجنةَ أو يُرجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة) متفق عليه.
• قال ابن تيمية: القائم به من الشخص أو الأمّة بين إحدى الحسنيين دائماً، إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة والجنة
من كلمات ابن تيمية في الجهاد وفضله:
وقال: الجهاد في سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.
وقال: نفع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتملٌ من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع العمل: على ما لا يشتمل عليه عملٌ آخر.
وقال: .... ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلاّ بالشجاعة والكرم: بيّن سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال (يا أيها الذين آمنوا! ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضرّوه شيئاً، والله على كلّ شيء قدير). وقال تعالى (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم لفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين، فقال (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى). وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، فقال (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين).
وقال: الأمر بالجهاد، وذكر فضائله في الكتاب والسنة: أكثر من أن يحصر. ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة التطوع، والصوم التطوع، كما دلّ عليه الكتاب والسنة.
وقال: لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.
وقال رحمه الله: الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه (قل هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين) يعني: إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة والجنة. فمن عاش من المجاهدين كان كريماً له ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة.
•
فضائل الجهاد في سبيل الله:
أولاً: أن الروحة في سبيل الله خير من الدنيا بما فيها.
لقوله صلى الله عليه وسلم (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها).
ثانياً: أنه من أفضل الأعمال.
عن أبي ذر قال: (قلت يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله). متفق عليه
ثالثاً: أن المجاهد أفضل الناس.
عن أبي سعيد الخدري قال: (أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله). متفق عليه
رابعاً: الجهاد لا يعدله شيء.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله). متفق عليه
خامساً: للمجاهدين مائة درجة في الجنة.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) رواه البخاري
سادساً: الجهاد سبب للنجاة من النار.
قال صلى الله عليه وسلم: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). رواه البخاري
قال الحافظ ابن حجر: وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله، فإذا كان مجرد مسّ الغبار للقدم يحرم عليها النار، فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفذ وسعه؟
سابعاً: من أسباب دخول الجنة.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
وقال صلى الله عليه وسلم (إن الجنة تحت ظلال السيوف) متفق عليه.
ثامناً: المجاهد يكون الله في عونه.
قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف). رواه أحمد
تاسعاً: الجهاد ذروة سنام الإسلام.
قال صلى الله عليه وسلم: (وذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله). رواه الترمذي
ذروة الشيء: أعلاه.
عاشراً: نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين.
قال تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً).
الحادي عشر: أن الجهاد سبب لمغفرة الذنوب.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). (الثلاثاء: 9/ 4/ 1434 هـ).
الفوائد:
1 -
الأمر بالجهاد في سبيل الله.
2 -
التنبيه على الإخلاص في الجهاد في سبيل الله.
3 -
أن الإنسا إذا آمن بوعد الله وبجنته قاده ذلك للجهاد والتضحية في سبيل الله.
4 -
أن من يرغب بالدنيا ومتاعها الزائل فإنه يتكاسل عن الجهاد.
5 -
أن المقاتل في سبيل الله ناجح على كل حال.
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75)).
[النساء: 75].
(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تحريض على الجهاد في سبيل الله، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة
المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، وسيفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده. [قاله القرطبي].
• الاستفهام للحث والتحريض على الجهاد.
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) عطف على اسم الله والمعنى، ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي سبيل استنقاذ المستضعفين من الأسر، ويحتمل: أن يكون منصوباً على الاختصاص، أي: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليهم سبيل الله، وعلى هذا القول يكون استنقاذ المستضعفين أحد الأسباب التي من أجلها يقوم الجهاد.
• قال القرطبي: قوله تعالى (والمستضعفين) عطف على اسم الله عز وجل، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله، وهذا اختيار الزَجّاج وقاله الزُّهري.
وقال محمد بن يزيد: أختارُ أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل؛ أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم؛ فالسبيلان مختلفان.
• قال القرطبي: ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
• وقال ابن عاشور: و (المستضعفون) الذين يعدّهم الناس ضعفاء، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين سفير قريش سهيل بن عمرو؛ إذ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح: أنّ من جاء إلى مكة من المسلمين مرتداً عن الإسلام لا يردّ إلى المسلمين، ومن جاء إلى المدينة فارّاً من مكة مؤمناً يردّ إلى مكة، ومن المستضعفين الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة.
وأمّا النساء فهنّ ذوات الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهنّ أزواجهنّ وأولياؤهنّ من الهجرة: مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وأمّ الفضل لبابَة بنت الحارث زوج العباس، فقد كنّ يؤذَيْن ويحقَّرْن.
وأمّا الوِلدَانُ فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات، فإنّهم كانوا يألَمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمّهاتهم وحاضناتهم، وعن ابن عباس أنّه قال: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين.
والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر، لإنقاذهم من فتنة المشركين، وإنقاذ الولدان من أن يشبّوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان.
(الَّذِينَ يَقُولُونَ) أي: الذين يدعون ربهم لكشف الضر عنهم قائلين:
(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) القرية هنا مكة بإجماع [قاله القرطبي]. والمراد بظلم أهل مكة، إشراكهم بالله تعالى، والعدوان على هؤلاء المستضعفين.
• قال الرازي: أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى (إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره.
(وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً) أي: ويقولون أيضاً: اجعل لنا من لدنك ولياً، أي من عندك ولياً، يعني يتولانا ويتولى أمورنا.
(وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) أي: ناصراً ينصرنا على عدونا.
• قال الشيخ ابن عثيمين: اعلم أن الولي والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع، والنصير في دفع ما يضر، وأما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر.
الفوائد:
1 -
الحث والتحريض على القتال في سبيل الله.
2 -
توبيخ من تكاسل عن الجهاد.
2 -
وجوب تخليص الأسير المسلم من أسره وقد قال صلى الله عليه وسلم (فكوا العاني).
4 -
وجوب الدفاع عن المستضعفين من المسلمين.
(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)).
[النساء: 76].
(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره.
• في سبيل الله: في طاعته وشرعه لإعلاء كلمة الله، لا من أجل التراب أو الوطن أو القبيلة.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) أي: وأما الكافرون بالله فيقاتلون في سبيل الطاغوت.
• قيل: المراد بالطاغوت هنا الشيطان.
• قال أبو حيان: والطاغوت هنا الشيطان لقوله (فقاتلوا أولياء الشيطان).
وقد يقال إن الطاغوت هنا كل من قاتل في غير سبيل الله، لأنه في مقابلة من يقاتل في سبيل الله.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وقد ذكرنا قاعدة مفيدة: أن الشيء قد يعرف بمعرفة مقابله.
• قال السعدي: في سبيل الطاغوت: الذي هو الشيطان، وفي ضمن ذلك عدة فوائد:
منها: أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله وإخلاصه ومتابعته.
ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك كما قال تعالى في هذا المعنى (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ).
ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمد على ركن وثيق، وهو الحق، والتوكل على الله، فصاحب القوة والركن الوثيق يطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل، الذي لا حقيقة له ولا عاقبة حميدة.
(فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) أي: يا من تقاتلون في سبيل الله، قاتلوا أولياء الشيطان وهم كل من أطاعه واتبعه، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا.
(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) الكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مكره مهما بلغ، فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق، ولا لكيد الله لعباده المؤمنين. [قاله السعدي].
• قال ابن عاشور: والمراد بكيد الشيطان تدبيره، وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكّد الجملة بمؤكّدين (إنّ)(وكان) الزائدة الدالة على تقرّر وصف الضعف لكيد الشيطان.
• قال ابن عطية: هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم، و (الطاغوت) كل ما عبد واتبع من دون الله، وتدل قرينة ذكر الشيطان بعد ذلك على أن المراد ب (الطاغوت) هنا الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف (كيد الشيطان) تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم على مقارعة الكيد الضعيف، فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهده، ودخلت كان دالة على لزوم الصفة.
• العقبات التي يريد الشبيطان أن يوقع بها بني آدم:
العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، وبصفات كماله.
فإن نجا منها ببصيرة الهداية طلبه على:
العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة.
فإن قطع هذه العقبة، وخلص منها بنور السنة.
العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر.
فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على:
العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر.
العقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده.
فإن نجا من هذه العقبة طلبه العدو على:
العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية.
وقال في موضع آخر في المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له، إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقَلّ من يتنبه لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعياً قوياً ومحركاً إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير ويرى أن هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور، ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين باباً من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوّت بها خيراً أعظم من تلك السبعين باباً وأجل وأفضل.
وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله
ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول.
الفوائد:
1 -
بيان أن الإيمان يحمل على الإخلاص.
2 -
بيان أن من قاتل في غير سبيل الله فيه خصلة من خصال الكفر.
3 -
أن الكفار المحاربين من أولياء الشيطان.
4 -
بيان ضعف كيد الشيطان.
5 -
أن الشيطان يكيد للإنسان.
(الإربعاء: 10/ 4/ 1434 هـ).
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)).
[النساء: 77].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصلاة .... ) اختلف العلماء في هذه الآية.
فقيل: هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه، فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفاً من الموت وفرقاً من هول القتل.
وقيل: إنها نزلت في اليهود.
وقيل: في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه ورجح هذا القرطبي وقال:
وهذا أشبه بسياق الآية لقوله (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال
…
) ومعاذ الله أن يصدر هذا القول عن صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيراً من المقام في الدار العاجلة، ثم قال رحمه الله: اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص.
- قال الرازي: واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين.
فالأول: أنه تعالى قال في وصفهم (يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى.
والثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا (ربنا لم كتبت علينا القتال) والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين.
الثالث: أنه تعالى قال للرسول (قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى) وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين. (تفسير الرازي).
والذي يظهر أنها في طائفة من المؤمنين تشوفوا للجهاد.
• قال ابن كثير: كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم بمكة -مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُّصُب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسباً لأسباب كثيرة، منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقا. فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جَزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديداً (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْم الأبناء، وتأيّم النساء، وهذه الآية في معنى قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
وذكره السعدي في تفسيره وقال: كان المسلمون - إذ كانوا بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد:
منها: أن من حكمة الباري أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم، ويبدأ بالأهم فالأهم والأسهل فالأسهل.
ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال - مع قلة عددهم وعُدَدهم وكثرة أعدائهم - لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروهي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحكم.
(كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) أي: عن القتال.
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: أدوها على وجه مستقيم بشروطها وأركانها ومستحباتها كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• قال الشيخ السعدي: لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقام الصلاة، إقامتها ظاهراً بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطناً بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها.
• لم يأمر الله بالصلاة إلا بلفظ الإقامة، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله تعالى (والمقيمين الصلاة).
• إقامة الصلاة ليس مجرد أداؤها، وإنما المراد إقامتها بإدائها بتدبر وحضور قلب وخشوع، وهذه هي الصلاة التي قال الله عنها (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
فإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها، (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر.
• قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) يشمل صلاة الفرض والنفل.
• قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) فيه دليل على أهمية الصلاة وعظيم منزلتها وأنها من أعظم صفات المتقين، ومما يدل على عظيم منزلتها:
أنها فرضت في أعلى مكان (في السماء ليلة الإسراء والمعراج).
وفرضت خمس صلوات في اليوم والليلة، وأول ما فرضت خمسين ثم خففت إلى خمس في العدد، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها سبحانه.
أن تاركها كافر يحشر مع فرعون وقارون وأبي بن خلف، وأعظم العبادات بعد الشهادتين، وهي عمود الدين
(وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي: وأعطوا الزكاة لمستحقيها.
• الإيتاء: هو الإعطاء قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ).
• الزكاة: هي: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة.
وسميت بذلك: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ)، بل وتزكي المجتمع كله، فتنتشر المحبة والوئام والإخاء.
• قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) كثيراً ما يقرن الله تبارك وتعالى بين الصلاة والإنفاق [الزكاة] كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة).
قيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق.
وقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية.
وقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال.
(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) أي: فرض عليها القتال بالمدينة.
(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي: طائفة من المؤمنين (على القول بأنها في طائفة من المؤمنين).
(يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) أي: يخافون من الناس كخشتهم لله.
(أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) قالت فرقة (أو) بمعنى الواو، وفرقة: هي بمعنى (بل) وفرقة: هي للتخيير، وفرقة: على بابها في الشك في حق المخاطب، وفرقة: هي على جهة الإبهام على المخاطب.
(وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) أي: قالوا جزعاً من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال، وفي هذا تضجر واعتراض على الله، وكان الذي ينبغي عكس ذلك، وهو التسليم لأمر الله، والصبر على أوامره.
• قال ابن عاشور: إنّما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنِّهم أنّ ذلك بلوى.
• كتبت: الكتب الفرض.
(لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: لوما أخرتَ فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأبناء، وتأيم النساء.
وهذه الآية كقوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).
• قال السعدي: قوله تعالى (لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر.
• قال ابن عاشور: (والأجلُ القريب) مدّة متأخّرة ريثما يتمّ استعدادهم، مثل قوله (فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق)، وقيل: المراد من (الأجل) العمر.
• قال ابن تيمية: وَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا وَإِنَّمَا الرِّضَا مَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ هَذَا عَزْمًا فَالْعَزْمُ قَدْ يَدُومُ وَقَدْ يَنْفَسِخُ وَمَا أَكْثَرُ انْفِسَاخِ الْعَزَائِمِ خُصُوصًا عَزَائِمَ الصُّوفِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك؟ قَالَ: بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَنَقْضِ الْهِمَمِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) وَقَالَ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ)(كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)(إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) وَفِي التِّرْمِذِيِّ (أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَوْ عَلِمْنَا أَيَّ الْعَمَلِ أَحَبّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) الْآيَةَ. فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى الْجِهَادِ وَأَحَبُّوهُ لَمَّا اُبْتُلُوا بِهِ كَرِهُوهُ وَفَرُّوا مِنْهُ؟
وَمِثْلُ هَذَا مَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ سمنون الْمُحِبِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
وَلَيْسَ لِي فِي سِوَاك حَظٌّ
…
فَكَيْفَمَا شِئْت فَاخْتَبِرْنِي
فَأَخَذَهُ الْعُسْرُ مِنْ سَاعَتِهِ: أَيْ حَصَرَهُ بَوْلُهُ؛ فَكَانَ يَدُورُ عَلَى الْمَكَاتِبِ وَيُفَرِّقُ الْجَوْزَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَيَقُولُ: اُدْعُوا لِعَمِّكُمْ الْكَذَّابِ.
(قُلْ) أي تزهيداً لهم فيما يؤملونه بالقعود عن القتال والتأخير إلى الأجل المقدر من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي.
(مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) المتاع: ما يتمتع به ويزول، فمتاع هذه الدنيا قليل من حيث نوعه ومن حيث مدته، فمتاع الدنيا يزول، أو أنت تزول عنه، وكذلك نعيمه فهو قليل بالنسبة لنعيم الآخرة.
• قال ابن عاشور: والجواب بقوله (قل متاع الدنيا قليل) جواب عن قولهم (لولا أخرتنا إلى أجل قريب) سواء كان قولهم
لسانياً وهو بيّن، أم كان نفسياً، ليعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله على ما تضمره نفوسهم، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلُّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة، وبذلك يبطل ما أرَادوا من الفتنة بقولهم (لولا أخرتنا إلى أجل قريب).
• قال القرطبي: وسماه قليلاً لأنه لا بقاء له.
• قوله تعالى (الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) هي هذه الحيلة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين:
السبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن.
السبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال صلى الله عليه وسلم (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.
• ففي هذه الآية حقارة الدنيا وخستها.
كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
وقال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً).
وقال سبحانه وتعالى عن مؤمن فرعون أنه قال لقومه (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).
وقال القرطبي: متاع: أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول. ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود.
قال ابن رجب: وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) والمتاع: هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى.
فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها، وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك.
وقال صلى الله عليه وسلم (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) رواه الترمذي.
وقال صلى الله عليه وسلم (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه
…
) رواه الترمذي.
وقال صلى الله عليه وسلم (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم
قال النووي رحمه الله: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.
وقال صلى الله عليه وسلم لابن عمر (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري وفي رواية (وعد نفسك من أهل القبور).
هذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر، وهي في الواقع وصية له وللأمة من بعده رضي الله عنه وأرضاه، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال الإمام النووي رحمه الله في معنى الحديث (لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا،
ولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه).
من أقوال السلف:
وقال موسى عليه السلام: الدنيا قنطره فاعبروها ولا تعمروها.
وقال عيسى عليه السلام لأصحابه: من ذا الذي يبني على موج البحار داراً تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً.
وقال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله.
وقد خرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بوراً، وأملهم غروراً، وبيوتهم قبوراً، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد.
وقال أبو داود وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت الإمام أحمد بن حنبل ذكر الدنيا.
وقال ابن القيم: لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.
وقال: الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، والسير في طلبها كالسير في أرض مسبعة - أي كثيرة السباع - السباحة فيها كالسباحة في غدير التمساح.
قال صلى الله عليه وسلم (مَثَلي ومثَلُ الدنيا كراكبٍ قال قَيْلُولة تحت شجرة ثم راح وتركها).
قال صلى الله عليه وسلم (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
وقال تعالى (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).
وقال تعالى (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).
(وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) أي: آخرة المتقي خير من دنياه. كما قال تعالى (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى).
• قال الآلوسي (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ) من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات، وفي اختلاف الأسلوب ما لا يخفى.
• وقال رحمه الله: وإنما قال سبحانه (لِمَنِ اتقى) حثاً لهم وترغيباً على الاتقاء والإخلال بموجب التكليف.
• وقال الشيخ ابن عثيمين: قوله (لمن اتقى) قيد لابد منه، لأن الآخرة ليست خيراً لغير المتقين، بل هي شر
• قال الرازي: وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه:
الأول: أن نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة.
والثاني: أن نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة.
والثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات.
والرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فإن أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله:{لِمَنِ اتقى} وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر).
(وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء، والفتيل: هو الخيط الذي يكون في بطن النواة.
• والإنسان يوم القيامة لا يظلم شيئاً، فلا ينقص من حسناته ولا يزاد عليه من سيئات غيره.
قال تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).
وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً).
• قال ابن كثير: وهذه تسلية لهم عن الدنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
• قال الشوكاني: وإذا كنتم توفرون أجوركم ولا تنقصون شيئاً منها، فكيف ترغبون عن ذلك وتشغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه.
الفوائد:
1 -
أن الإنسان قد يتعجل الشيء، فإذا نزل به نكص عنه.
2 -
ينبيغي على الإنسان أن يلتجأ إلى الله أن يثبته في جميع أموره.
3 -
خطر باب الدعاوى.
4 -
وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
5 -
ذم من يخشى الناس كخشية الله.
6 -
وجوب خشية الله وحده.
7 -
وجوب الجهاد، والأصل فيه أنه فرض كفاية، ويتأكد في مواضع ذكرها العلماء.
8 -
ذم من اعترض على قضاء الله.
9 -
التزهيد في الدنيا.
(السبت: 13/ 4/ 1434 هـ).
(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)).
[النساء: 78 - 79].
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، في أي زمان، وفي أي مكان.
كما قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
• فالقتال في سبيل الله لا يقرّب أجلاً ولا يباعده:
كما قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
…
).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
وقال تعالى (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
• قال الشوكاني: وفي هذا حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية.
• قال الرازي: المقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت) فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقباً للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ
قَلِيلاً).
وقال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون).
(وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) أي: حصون منيعة عالية رفيعة، والمعنى أي: ولو تحصنتم بالحصون المنيعة الرفيعة العالية، فلا يغني حذر وتحصن من الموت.
• قال السعدي: وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.
• قوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر [قاله القرطبي].
وقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبداً للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. [قاله الشيخ ابن عثيمين].
• فلا مفر من الموت.
كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت.
• قال السعدي: هذه الآية الكريمة، فيها التزهيد في الدنيا بفنائها، وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير وشر.
قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).
وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولاً.
كما كان صلى الله عليه وسلم يقول (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَليْك تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ أعُوذُ بعزَّتِكَ؛ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ أنْ تُضلَّني، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ، وَالجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُون) مُتَّفَقٌ عَلَيه.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
…
يوماً على آلة حدباء محمولُ
الموت: لا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يخاف عظيماً، لا يستأذن على الملوك، ولا يلج من الأبواب.
تزود من الدنيا فإنك لا تدري
…
إذا جن ليل هل تبقى إلى الفجر
الموت: يموت الصالحون ويموت الطالحون، ويموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت مريدوا الآخرة، ويموت مريدوا الدنيا.
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب
…
متى حط عن نعشه ذاك يركب
إنه جدير بمن الموت مصرعُه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة
موعده، والجنة أو النار موعده، أنْ لا يكون له فكر إلا في الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تأهب إلا له.
قال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلا
قال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده
قال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموت فعد نفسك أحدهم
قال الدّقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرمَ بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة).
قالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله قل كلامه.
وقال ثابت البناني: ما أكثر أحد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله.
وقال ابن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا.
وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.
وقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.
وقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.
وقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.
وقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.
وقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سميناً.
وقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً.
وقال بعضُ السَّلف: ما نمتُ نوماً قط، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه.
وكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى، فسُئِلَت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف - والله - إذا أمسى أنْ لا يُصبح، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي.
وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم.
وقال بكر المزني: إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ، فليفعل، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا، ويُصبح في أهلِ الآخرة.
وكان أويسٌ إذا قيل له: كيف الزمانُ عليك؟ قال: كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار؟
تزود من الدنيا فإنك لا تدري
…
إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة
…
وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا
…
وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم
…
وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها
…
وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
فمن عاش ألفاً وألفين
…
فلا بد من يوم يسير إلى القبر
قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب فيها
ونظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها، فبكى وقال: والله لولا الموت لكنت بكِ مسروراً.
الموت بابٌ وكلُ الناس داخلُه
…
يا ليت شعري بعد البابِ ما الدارُ
قال الشاعر:
هو الموتُ ما منه ملاذ ومهرب
…
متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ.
وقال الآخر:
الموت بابٌ وكل الناس داخله
…
ياليت شعري بعد الموت ما الدارُ.
• لقد دعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار من ذكر الموت فقال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).
لأن الإكثار من ذكره: يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، ويحث على العمل والاجتهاد، يرضى بالقليل من الدنيا
يريح القلب من همّ الدنيا، ويقصر الأمل، يهون على العبد مصائب الدنيا، يمنع من الأشر والبطر والتوسع من الدنيا، يحث على التوبة والاستدراك، يرق القلب، يدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم،
قال الحسن: من أكثر من ذكر الموت هانت عليه الدنيا.
• وينبغي الاستعداد للموت بالعمل الصالح
قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
قال صلى الله عليه وسلم (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) رواه الحاكم.
وقال ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّة) رواه مسلم.
وقد نقل النووي تفسير جملة (أو خاصة أحدكم) بأنها الموت يأتي فيحول بين المرء وبين العمل حتى يتمنى المرء أن يرجع إلى الدنيا ليتمكن من عمل صالح طالما أعرض عنه في دار الدنيا.
قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وقال عونُ بنُ عبد الله: ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غداً من أجله. كم من مستقبل يوماً لا يستكمِلُه، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه، وكان يقولُ: إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه
لا يدرك آخره.
وكانت امرأةٌ متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفسُ، الليلةُ ليلتُك، لا ليلةَ لكِ غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبحت، قالت: يا نفس اليومُ يومك، لا يومَ لك غيره فاجتهدت.
وقال بكرٌ المزنيُّ: إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل: لعلِّي لا أُصلِّي غيرها، وهذا مأخوذٌ مما رُوي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (صلِّ صلاة مودِّع).
وأقام معروفٌ الكرخيّ الصّلاةَ، ثم قال لرجل: تقدَّم فصلِّ بنا، فقال الرجل: إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة، لم أُصلِّ بكم غيرَها، فقال معروف: وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل، فإنَّه يمنع خيرَ العمل
وطرق بعضُهم بابَ أخٍ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسُه في يد غيره، لا يعلم متى يرجِعُ.
ولأبي العتاهية من جملة أبيات:
وما أدري وإن أَمَّلْتُ عُمراً
…
لَعَلِّي حِينَ أُصبحُ لَستُ أُمسِي
ألم تَرَ أنَّ كلَّ صباحِ يومٍ
…
وعُمرُكَ فيه أَقصَرُ مِنهُ أَمسِ
وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنَّهما قالا: ابنَ آدم، إنَّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطتَ من بطن أمك، ومما أنشد بعضُ السَّلف:
إنَّا لنفرحُ بالأيَّامِ نقطعُها
…
وكُلُّ يومٍ مضى يُدني من الأجل
فاعمَلْ لِنَفسِكَ قبلَ الموتِ مُجتهداً
…
فإنَّما الرِّبْحُ والخُسرانُ في العَمَلِ
قال تعالى (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
نَسيرُ إلى الآجالِ في كلِّ لحظةٍ
…
وأيّامُنا تُطوى وهُنَّ مَراحِلُ
ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كأنَّه
…
إذا ما تخطَّتْه الأمانيُّ باطِلُ
وما أقبحَ التَّفريطَ في زمنِ الصِّبا
…
فكيف به والشَّيبُ للرَّأس شامِلُ
ترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى
…
فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ
وقال صلى الله عليه وسلم (يتبع الميت ثلاثة أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله) متفق عليه.
قال رجل يوصي آخر: يا أخي! احذر الموت في هذه الدار من قبل أن تصير إلى دار تتمنى بها الموت فلا تجده.
وقال ابن السماك: إن الموتى لم يبكوا من الموت ولكنهم يبكون من حسرة الفوت، فاتتهم والله دار لم يتزودوا منها، ودخلوا داراً لم يتزودوا لها.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يشهدون الجنازة فيُرى ذلك أياماً كأن فيهم الفكرة في الموت وفي حال الميت.
ولذلك لما علم أهل الفضل بأن الموت قريب وأنه آتٍ، عملوا لذلك واستعدوا له قبل وقوعه.
إن لله عباداً فطنا
…
طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا إليها فلما علموا
…
أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا
…
صالح الأعمال فيها سفنا
وبمثل هذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر فقال له: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور.
فكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح
فرحم الله امرءاً أخذ من نفسه لنفسه، وأعد العدة لأوان رمسه، وتأهب للرحيل قبل غروب شمسه فما الحياة إلا كان ثم بان
عن البراء بن عازب. قال (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أبصر بجماعة فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه؟ قال: ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب مسرعاً حتى انتهى إلى القبر، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: أي إخواني لمثل هذا فأعدوا؟).
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك.
(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: إن تصب هؤلاء المنافقين حسنة، من نصر وغنيمة وشبه ذلك، يقولوا هذه من جهة الله ومن تقديره، لما علم فينا من الخير.
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك.
(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي: من قِبَلِك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك.
كما قال تعالى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).
وقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
قال ابن كثير: هكذا قال المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً وهم كارهون له في نفس الأمر.
(قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر.
• ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم:
(فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) أي: ما شأنهم لا يفقهون أن الأشياء كلها بيد الله؟ وهذا توبيخ لهم على قلة الفهم.
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) الخطاب لجنس الإنسان، أي: ما أصابك أيها الإنسان من فضل ورزق وصحة ونعم وغير ذلك من النعم فمن رحمة الله ولطفته كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).
• اختلف في المخطاب بهذه الآية، فقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: لجنس الإنسان.
(وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) المراد بالسيئة هنا ضد الحسنة، أي: وما أصابك ما يسؤوك من قدر الله من خسارة أو موت أو نحوها.
(فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: فمن قِبَلك، ومن عملك أنت.
كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). قال الحسن: أي: بذنبك.
وقال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).
• قال ابن تيمية: حين سئل عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الْكَلَامُ يُؤْثَرُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ وَأَبْلَغِهِ وَأَتَمِّهِ؛ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ وَالْخَوْفَ يَكُونُ مِنْ الشَّرِّ وَالْعَبْدُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الشَّرُّ بِذُنُوبِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).
وَقَالَ تَعَالَى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).
وَإِنَّمَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
وقَوْله تَعَالَى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).
وقَوْله تَعَالَى (إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).
وقَوْله تَعَالَى (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ ذَمَّ اللَّهُ بِهَا الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَنْكُلُونَ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا نَالَهُمْ رِزْقٌ وَنَصْرٌ وَعَافِيَةٌ قَالُوا (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وَإِنْ نَالَهُمْ فَقْرٌ وَذُلٌّ وَمَرَضٌ قَالُوا (هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) - يَا مُحَمَّدُ - بِسَبَبِ الدِّينِ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى: وَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) وَكَمَا قَالَ الْكُفَّارُ لِرُسُلِ عِيسَى (إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) فَالْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ إذَا أَصَابَتْهُمْ الْمَصَائِبُ بِذُنُوبِهِمْ تَطَيَّرُوا بِالْمُؤْمِنِينَ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ اللَّهِ يُنْعِمُ بِهَا عَلَيْهِمْ وَأَنَّ السَّيِّئَةَ إنَّمَا تُصِيبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَمْحُو الذَّنْبَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَذَابِ فَيَنْدَفِعُ الْعَذَابُ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال (مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ).
وقال تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ).
فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ وَحَّدَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ مَتَّعَهُ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَمَنْ عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرًا زَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)(فَلَوْلَا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) أَيْ: فَهَلَّا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، فَحَقُّهُمْ عِنْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ التَّضَرُّعُ وَقَالَ تَعَالَى (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إلَّا بِذَنْبِ وَلَا رُفِعَ إلَّا بِتَوْبَةِ.
فَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه لَا يَخَافَنَّ عَبْدٌ إلَّا ذَنْبَهُ. وَإِنْ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَخْلُوقٌ فَمَا سُلِّطَ عَلَيْهِ إلَّا بِذُنُوبِهِ فَلْيَخَفْ اللَّهَ وَلْيَتُبْ مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي نَالَهُ بِهَا مَا نَالَهُ كَمَا فِي الْأَثَرِ (يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا اللَّهُ مَالِكُ الْمُلُوكِ قُلُوبُ الْمُلُوكِ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِي مَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ نِقْمَةً فَلَا تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ الْمُلُوكِ وَأَطِيعُونِي أُعَطِّفْ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكُمْ). (مجموع الفتاوى).
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
قال صلى الله عليه وسلم (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء).
(وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه.
• فإن قيل: ألا يكفي قوله (وأرسلناك للناس) عن قوله (رسولاً) فالجواب: بلى، لكن كلمة (رسولاً) أبلغ مما لو اقتصر على الفعل، وأيضاً ذكرها يفيد بأنه أهل للرسالة، كما تقول لشخص: وكلتك بائعاً، يعني: لأنك أهل للوكالة لكونك عارفاً بالبيع قادراً عليه.
• وفي هذا البيان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجميع.
كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ).
وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً).
وقال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أَيْ: وَأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ.
وَقَال تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).
وَقَالَ تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ،
…
وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم (وأرسلت إلى الخلق كافة) رواه مسلم.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم (لَا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّار) رواه مسلم.
(وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) أي: على أنه أرسلك وهو شهيد أيضاً بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم، وبما يردون عليك من الحق كفراً أو عناداً.
وقد شهد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأنه رسوله حقاً بشهادتين:
شهادة قولية، وشهادة فعلية.
أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً).
وأما الشهادة الفعلية: فهي تمكينه من إبلاغ الرسالة، ونصره على أعدائه.
الفوائد:
1 -
أنه لا مفر من الموت.
2 -
الحث والترغيب في الجهاد في سبيل الله.
3 -
أنه يجب على الإنسان أن يستعد للموت.
4 -
أن الحصون ولا غيرها لا تغني عن الموت.
5 -
تلبيس أعداء الرسل على العامة بما يقدر الله من البلاء والامتحان.
6 -
أن الحسنات والسيئات كلها من الله.
7 -
ذم من لا فقه عنده.
8 -
أن ما يصيب الإنسان من النعم فهو فضل من الله.
9 -
عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للناس.
(الأحد/ 14/ 4/ 1434 هـ).
(مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)).
[النساء: 80].
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
• قال القرطبي: قوله تعالى (منْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله) أعلم الله تعالى أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعةٌ له.
وقد جاء في الحديث قال صلى الله عليه وسلم (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) متفق عليه.
وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لمحبة الله كما قال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).
وطاعة الرسول سبب للهداية كما قال تعالى (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
• قال الشوكاني: فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه.
• وقال السعدي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه (فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الله أمر بطاعته مطلقاً، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقاً، ويمدح على ذلك، وهذا من الحقوق المشتركة فإن الحقوق ثلاثة:
حق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك.
وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة.
وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله:(لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) فمَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، وله من الثواب والخير ما رتب على طاعة الله.
• قال ابن تيمية: قال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) فالطاعة لله ولرسله المبلغين عنه، وأما الخشية والتقوى فلله وحده.
وقال رحمه الله: وَذَكَرَ طَاعَةَ الرَّسُولِ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وَقَالَ تَعَالَى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وَقَالَ تَعَالَى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَقَالَ تَعَالَى (إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ. كَمَا قَالَ (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) وَقَالَ (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) وَقَالَ: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) وَقَالَ (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وَقَالَ تَعَالَى (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) وَقَالَ تَعَالَى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ: لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك فَقَالَ: فَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي قَالَ: الْآنَ يَا عُمَرُ).
فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حُقُوقَ الرَّسُولِ مِنْ الطَّاعَةِ لَهُ وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْزِيرِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَنَصْرِهِ وَتَحْكِيمِهِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَرَدِّ مَا يُتَنَازَعُ فِيهِ إلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ.
وَأَخْبَرَ أَنَّ طَاعَتَهُ طَاعَتُهُ فَقَالَ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وَمُبَايَعَتَهُ مُبَايَعَتُهُ فَقَالَ: (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) وَقَرَنَ بَيْنَ اسْمِهِ وَاسْمِهِ فِي الْمَحَبَّةِ فَقَالَ: (أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ). وَفِي الْأَذَى فَقَالَ: (إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَفِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَفِي الرِّضَا فَقَالَ: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي.
فَأَمَّا الْعِبَادَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ فَلِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا قَالَ (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)(إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
(وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ).؟؟؟ بداية الآية
وَقَوْلِهِ (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) وَقَوْلِهِ (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
وَكَذَلِكَ التَّوَكُّلُ كَمَا قَالَ (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) وَقَالَ (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
وَقَالَ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ دُعَاءَ الْعِبَادَةِ أَوْ دُعَاءَ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)(وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)(قُلْ إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) وَقَالَ تَعَالَى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وَقَالَ: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) وَقَالَ: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
• قال أبو السعود: والتعبيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بالرسول دون الخطابِ للإيذان بأن مناطَ كونِ طاعتِه عليه الصلاة والسلام طاعةً له تعالى ليس خصوصيةَ ذاتِه عليه الصلاة والسلام بل من حيثية رسالتِه، وإظهارُ الجلالةِ لتربية المهابةِ وتأكيدِ وجوبِ الطاعةِ بذكر عنوانِ الألوهية.
(وَمَنْ تَوَلَّى) أي: أعرض عن طاعتك.
(فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) أي حافظاً تحفظ أعمالهم وأقوالهم، وإنما عليك البلاغ فمن تبعط فقد سعد ونجا، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء.
كما قال تعالى (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) وقال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) وقال تعالى (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
الفوائد:
1 -
وجوب طاعة الرسول.
2 -
أن طاعة الرسول طاعة لله.
3 -
فضل طاعة الرسول.
4 -
الاحتجاج بالسنة.
5 -
تهديد من تولى وأعرض عن طاعة الرسول.
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81)).
[النساء: 81].
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة.
• قال القرطبي: وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين؛ أي يقولون إذا كانوا عندك: أمْرُنا طاعَةٌ، أو نطيع طاعةً.
(فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي: خرجوا وتواروا عنك.
(بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) أي: استسروا ليلاً فيما بينهم بغير ما أظهروه.
• قال البغوي: قال قتادة والكلبي: بيّت، أي: غيّر وبدّل الذي عهِد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون التبييت بمعنى التبديل.
وقال أبو عبيدة: معناه قالوا وقدروا ليلاً غير ما أعطوك نهاراً، وكل ما قدّر بليل فهو تبييت.
(غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) قيل: غير الذي تقول أنت يا محمد، أنت أمرهم بالطاعة فهم بيتوا المخالفة والمعصية، وقيل: غير الذي
تقول هذه الطائفة عندك، فهذه الطائفة قالت لك يا محمد طاعة، فإذا خرجوا بيتوا شيئاً غير الذي قالوه.
• وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات، أما الباقون فتابعون لهم في ذلك، لا أنهم ثابتون على الطاعة.
(وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما تفعلون، والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلاً من مخالفة الرسول وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك.
• قال الشيخ ابن عثيمين: الجملة هذه خبريه تفيد أمرين:
أولاً: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة وقد يؤخرهم.
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي: اصفح عنهم واحلم عنهم ولا تشتغل بهم، لأنه قد طمست قلوبهم، والله يتولى أمرهم.
(وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أمر بالتوكل على الله، والتوكل على الله: هو: صدقالاعتماد على الله مع الثقة به مع فعل الأسباب.
• وهذا من سبل دفع الشر:
منها: الإعراض عنه.
ومنها: التوكل على الله.
ومنها: الصبر على أذاهم.
كما قال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
ومنها: الاستعانة بالصلاة والدعاء.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
قال الإمام ابن رجب: وحقيقة التوكل هو: صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المنافع ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.
• وقال الشيخ السعدي رحمه الله: وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
•
فضل التوكل على الله وجزاء المتوكلين:
1. أهل التوكل هم أهل محبة الله عز وجل.
قال تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).
2. التوكل من شيم أنبياء الله ورسله وأوليائه (فبهداهم اقتده).
قال تعالى في نوح: (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت).
وقال تعالى عن هود: (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها).
3. أهل التوكل هم أهل الإيمان.
قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون)
4. أهل التوكل هم أهل الجنة يدخلونها بغير حساب ولا عذاب.
قال صلى الله عليه وسلم: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير). رواه مسلم
حكى النووي في هذا الحديث: أن المراد بهؤلاء القوم هم المتوكلون.
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فلما سئل عن صفة هؤلاء قال:(هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون).
5. التوكل على الله مجلبة للرزق.
عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح
بطاناً). رواه الترمذي
6. المتوكلون ليس عليهم للشيطان سبيل.
قال تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون).
7. المتوكلون الله حسبهم وكافيهم.
قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).
8. أهل التوكل على الله هم أهل العزة والاستعلاء.
قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم).
قال في الإحياء: " أي عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ بجنابه والتجأ إلى زمامه وحماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير أمر من توكل على تدبيره ".
(وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) أي: كفى به ولياً وناصراً ومعيناً لمن توكل عليه وأناب إليه.
الفوائد:
1 -
ذم النفاق والمنافقين.
2 -
التحذير من النفاق.
3 -
إثبات الملائكة كتب الأعمال.
(الأربعاء: 17/ 4/ 1434 هـ).؟؟؟
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)).
[النساء: 82].
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) الهمزة للاستفهام، ومعناه التوبيخ، والتدبر: التأمل والتفكر في الشيء وإطالة النظر فيه إقبالاً وإدباراً
والمعنى: أفلا يتدبرون القرآن، أي: يتأملون ويتفكرون فيه ويتفهمونه ويتبعونه لفظاً ومعنى وعلماً وعملاً.
فإنهم لو تدبروه لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبيّن لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها.
• ففي الآية الحث على تدبر كتاب الله.
قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
في هذه الآية بين الله - تعالى - أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.
وقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
• قال ابن كثير: يقول الله تعالى آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه
البليغة: أفلا يتدبرون القرآن، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب.
وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
وقال تعالى (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).
وقال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ).
قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله.
وقال الشوكاني: يتلونه: يعملون بما فيه، ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر.
وقال تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً).
قال ابن كثير: وترك تدبره وتفهمه من هجرانه.
وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع
…
الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
وفي صحيح مسلم عن حذيفة (أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فكان يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ).
فهذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم).
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم التدبر على كثرة التلاوة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة
• قال ابن القيم: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله.
• قال السعدي: وكلما ازداد العبد تأملا فيه ازداد علماً وعملاً وبصيرة، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى (كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) وقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً، فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلاً.
• في هذه الآية الحث على تدبر القرآن، والتحذير من عدم تدبره وتفهمه.
• جاء الأمر بتدبر القرآن في آيات كثيرة:
كقوله تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
وقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
وقال صلى الله عليه وسلم (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري.
دواء القلوب في خمسة أشياء
…
، منها: تدبر القرآن.
وقال مالك بن دينار: ما زرع القران في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض.
• قال ابن القيم: إذا أردت الانتفاع بالقرآن فأجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله.
…
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشيطان يريد بوساوسه أن يشغل القلب عن الانتفاع بالقرآن، لأن قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب الإيمان العظيم وتزيده يقيناً وطمأنينة وشفاء.
•
أهمية تدبر القرآن تأتي من وجوه:
أولاً: بركة القرآن.
كما قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: كثير الخير والبركة.
ثانياً: حاجة القلب إلى تدبر القرآن.
إن في القلب حاجة لا يسدها إلا ذكر الله، والتلذذ بكريم خطابه، وإن فيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بكتابه، وإن فيه قلقاً وخوفاً لا يؤمنه إلا السكون إلى ما بشر الله به عباده، وإنه لعلى حيرة واضطراب لا ينجيه منها ويهديه إلى سواء الصراط إلا الاهتداء بنور ربه وبرهان كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
وإن العبد المؤمن مهما بلغ من العلم مكانة، ومن التقوى منزلاً، فإنه لا يستغني عن القرآن مثبتاً وهادياً ومعيناً، ولذلك قال ابن تيمية: وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن.
فالتدبر حال سماع القلب يزيد القلب نوراً وإيماناً
ثالثاً: الثناء على من تدبر القرآن وتأثر به.
قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).
وقال تعالى (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً).
رابعاً: ذم من ترك تدبر القرآن.
قال تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
وقال تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
وقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).
وقال تعالى (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).
وقال تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً).
وفي وصف الخوارج (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي: أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده.
قال ابن حجر: قال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب.
•
صوارف تحول دون التدبر:
أولاً: أمراض القلوب والإصرار على الذنوب.
قال تعالى (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال ابن كثير أي: سأمنع فهم الحجج.
قال سفيان بن عُيَينة في قوله (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي.
قال الزركشي: اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعة أو كِبْر أو هوى أو حب الدنيا أو هو مصر على ذنب
…
وهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من بعض.
ثانياً: انشغال القلب.
قال الحسن: يا ابن آدم! كيف يرق قلبك وإنما همتك في آخر السورة.
قال ابن القيم: فاذا حصل المؤثر وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد الشرط وهو الاصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الي شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر.
أمثلة تطبيقية لتدبر القرآن:
تقول عائشة (ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أنزلت عليه (إذا جاء .. ) إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، الهم اغفر لي) متفق عليه.
عن انس قال (كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالاً، وكانت أحب أمواله بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، فلما نزلت الآية (لن تنالوا البر .. ) قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله: إن الله يقول (لن تنالوا البر .. ) وان أحب أموالي بيرحاء وإنها صدقة
لله
…
) رواه مسلم.
عن عائشة قالت (لما نزل الله براءتي، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره - والله لا أنفق على مِسْطح شيئاً أبداً، فأنزل الله (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر لي، فرجع في نفقته على مسطح). رواه البخاري
وردد ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - (
…
رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً).
• وردد سيد التابعين سعيد بن جبير قوله تعالى (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ .. ).
• وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا.
وقتل شهيداً مظلوماً ودمه على مصحفه.
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين.
• ورحم الله ابن القيّم ما أصدقَ قولَه: إذا قسا القلب؛ قحطت العين.
قال ابن تيمية: وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآيات التي تبين أنه حق. الثالث: العمل بموجب العلم.
وقال: مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ.
• قال ابن القيم: الرب تبارك وتعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:
أحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة.
فالنوع الأول كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ
…
).
وقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وهو كثير في القرآن.
والثاني كقوله (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) وقوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).
(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) أي: لو كان مفتعلاً مختلقاً كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم.
(لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) أي: اضطراباً وتضاداً كثيراً، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
وكما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح الراسخين في العلم وذم الزائعين.
• فالمراد بقوله (اخْتِلافاً كَثِيراً) أي: أنه يناقض بعضه بعضاً ويكذب بعضه بعضاً، ونسبه ابن الجوزي للجمهور.
• قال القرطبي: قوله تعالى (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) أي: تفاوتاً وتناقضاً.
• قال البيضاوي: قوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله) أي ولو كان من كلام البشر كما تزعم الكفار (لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً) من تناقض المعنى وتفاوت النظم، وكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً، وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض، على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية، ولعل ذكره ها هنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح.
الفوائد:
1 -
الحث على تدبر القرآن.
2 -
توبيخ من لم يتدبر القرآن.
3 -
عظمة القرآن الكريم، حيث لا اختلاف فيه ولا تناقض.
4 -
إثبات أن القرآن كلام الله.
(وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)).
[السناء: 83].
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) قال ابن كثير: إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة.
• قال السعدي: هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه،
• والمراد بالأمر هنا: الخبر الذي يكون له أثر إذا أشيع وأذيع.
والمعنى: أن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئاً من الأخبار التي تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعوها وأظهروها قبل
أن يقفوا على حقيقتها.
• قال الآلوسي: والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا غزت سرية من المسلمين قالوا عنها:
أصاب المسلمون من عدوهم كذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به، وقيل: كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين.
• قال القرطبي: قوله تعالى (أَذَاعُواْ بِهِ) أي: أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته.
• قال الآلوسى: (وَإِذَا جَاءهُمْ) أي: المنافقين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأبي معاذ، أو ضعفاء المسلمين كما روي عن الحسن وذهب إليه غالب المفسرين أو الطائفتين كما نقله ابن عطية.
• وقال ابن عطية: قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن) الآية، قال جمهور المفسرين: الآية في المنافقين حسبما تقدم من ذكرهم، والآية نازلة في سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه، والمعنى: أن المنافقين كانوا يشرهون إلى سماع ما يسوء النبي في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها وأذاعوا بذلك التحقير والتصغير، وإذا طرأت لهم شبهة خوف المسلمين أو مصيبة عظموها وأذاعوا ذلك التعظيم، و (أذاعوا به) معناه: أفشوه، وهو فعل يتعدى بحرف جر وبنفسه أحياناً، تقول أذاعت كذا وأذعت به.
وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم (كفى بالمرء كذباً أن يُحدث بكل ما سمع) رواه مسلم في المقدمة.
وعن المغيرة. (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال) متفق عليه، قال ابن كثير: أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبيّن.
(وَلَوْ رَدُّوهُ) أي: ذلك الأمر الذي جاءهم.
(إِلَى الرَّسُولِ) صلى الله عليه وسلم.
(وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ) المراد بأولى الأمر: كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم: الولاة وأمراء السرايا.
أي: وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذوو أمرهم، هم الذين يتولون الخبر عن ذلك، بعد أن تثبت عندهم صحته أو بطوله، فيصححونه إن كان صحيحاً أو يبطلوه إن كان باطلاً.
(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم.
والمعنى: لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول ومن جهة كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة.
• وفيه أنه يجب التثبت بالأخبار.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا).
•
آثار عدم التثبت أو عدم التبين:
أولاً: اتهام الأبرياء من الناس زوراً وبهتاناً.
فقد اتهمت أم المؤمنين عائشة زوراً وبهتاناً بما لم يقع منها في الجاهلية فكيف بعد أن أعزها بالإسلام.
وكان سبب هذا الاتهام هو عدم التثبت، حتى قال: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ
مُّبِينٌ).
وقال تعالى: (أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ).
ثانياً: الحسرة والندم.
فإن بعض الصحابة الذين خاضوا في الإفك وطاروا به من غير تثبت ولا تبين، أصابتهم الحسرة والندم لما نزل الوحي من السماء ببراءة عائشة.
ثالثاً: التعرض للغضب الإلهي.
فمن تجرد من التثبت أو التبين، كثرت أخطاؤه وتضاعفت عثراته، ومن ثَمَّ يستوجب غضب الله وسخطه.
رابعاً: فقد ثقة الناس مع النفور والكراهية.
فمن عرف عنه العجلة في الرأي والحكم، أو عدم التثبت أو التبين ينظر إليه الناس على أنه أرعن أحمق، ومثل هذا يسحب الناس ثقتهم به، بل وينفرون منه.
• وقد عدد الفخر الرازي المضار التي تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار بدون تثبت فقال:
وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه:
الأول: أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.
الثاني: أنه إذا كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإرجافات عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.
الثالث: أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق المصلحة.
الرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما كان أمناً لأحد الفريقين كان خوفاً للفريق الثاني. فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم. أرجف المنافقون بذلك، فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا في التحصن من المسلمين. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه. فظهر من ذلك أن ذلك الإرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم اللّه - تعالى - تلك الإذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه.
• فإن قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله (وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ)؟
قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ) وقوله (مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ).
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) أي: لولا ما تفضل الله به عليكم من إرسال رسوله، وإنزال كتابه لاتبعتم الشيطان، فبقيتم على كفركم إلا قليلاً منكم، أو إلا اتباعاً قليلاً منكم.
وقيل: المعنى: أذاعوا به إلا قليلاً منهم، فإنه لم يذع ولم يفش. قاله الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبو عبيدة، وأبو حاتم، وابن جرير.
وقيل: المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً منهم، قاله الزجاج.
قال الطبري: ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون، بفضله ورحمته وتوفيقه، فأنقذكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر (طاعة) فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي يقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلاً كما اتبعه هؤلاء الذين وصف صفتهم.
فالطبري اختار أن القليل مستثنى من الإذاعة، أي: لأذعتموه إلا قليلاً منكم لم يذع هذا الأمر.
وقيل: إن هذا من المقدم والمؤخر، فالمعنى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً منهم، ولو فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان كلكم ولم ينج منكم قليل ولا كثير.
• قال السعدي: وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ، وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه.
الفوائد:
1 -
الحرص على عدم إذاعة الشيء إلا بعد التيقن من معناه.
2 -
أن الله إذا نهى عن شيء بيّن شيئاً مباحاً.
3 -
التحذير من التعجل في نشر الخير.
4 -
التعمق في التثبت.
5 -
اللجوء إلى الله في طلب الفضل.
6 -
ذم من اتبع الشيطان.
(السبت: 4/ 5/ 1434 هـ).
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً (84)).
[النساء: 84].
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عليه فلا عليه منه، ولهذا قال: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.
• قال القرطبي: لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو لوحدك، لأنه وعد بالنصر.
(وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده،
كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ)) قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بن الحُمَامِ الأنْصَارِيُّ رضي الله عنه: يَا رسولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ؟ قَالَ:((نَعَمْ)) قَالَ: بَخٍ بَخٍ؟ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَولِكَ بَخٍ بَخٍ؟)) قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِهَا، قَالَ:((فَإنَّكَ مِنْ أهْلِهَا)) فَأخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَييتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هذِهِ إنّهَا لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ)). رواه مسلم
وقد ورد أحاديث كثيرة في الترغيب في الجهاد سبقت.
قال صلى الله عليه وسلم (لَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).
وقال صلى الله عليه وسلم (إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ» . قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ» . وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) متفق عليه.
(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.
• وعسى من الله واجبة، وقد تحقق ذلك يوم بدر وفي فتح مكة.
• قال الشيخ ابن عثيمين: (عسى) من الله واجبة، فليست للترجي، لأن الله تعالى لا يترجى، إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، والله على كل شيء قدير، ولهذا قيل:(عسى) من الله واجبة، أي: واقعاً حتماً، لكن الله يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله.
(وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) أي: والله أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذاباً.
الفوائد:
1 -
وجوب القتال في سبيل الله.
2 -
وجوب الإخلاص في الجهاد.
3 -
أنه لا يُكلف أحد على هداية أحد.
4 -
تحريض المؤمنين على الجهاد في بيان فضائله وعظم منزلته.
(مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (85)).
[النساء: 85].
(مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) أي: من سعى في أمر فترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك.
• قال القاسمي: أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر، أو جلب نفع، ابتغاء لوجه الله تعالى، ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار.
• قال ابن عاشور: والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسّط في الخير والترهيب من ضدّه.
والشفاعة: الوساطة في إيصال خير أو دفع شرّ، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا، وفي الحديث (اشفعوا فلْتؤجروا).
وما ذكره ابن كثير هو أحد الأقوال في المسألة، لأن العلماء اختلفوا في معنى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا).
• قال القرطبي: واختلف المتأوّلون في هذه الآية؛ فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم؛ فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كِفْل.
وقيل: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي.
فمن شَفَع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغِيبة أثم، وهذا قريب من الأوّل.
وقيل: يعني بالشفاعة الحسنة الدعاءَ للمسلمين، والسيئةِ الدعاءَ عليهم.
وقيل: المعنى من يكن شَفْعاً لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعاً لآخرَ في باطل يكن له نصيبه من
الوِزر. (تفسير القرطبي)
وقال ابن العربي: اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: مَنْ يَزِيدُ عَمَلًا إلَى عَمَلٍ.
الثَّانِي: مَنْ يُعِينُ أَخَاهُ بِكَلِمَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ.
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ).
الثَّالِثُ: قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي مَعْنَاهُ: مَنْ يَكُنْ يَا مُحَمَّدُ شَفِيعًا لِوِتْرِ أَصْحَابِكَ فِي الْجِهَادِ لِلْعَدُوِّ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْأَجْرِ.
وَمَنْ يَشْفَعْ وِتْرًا مِنْ الْكُفَّارِ فِي جِهَادِكَ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْإِثْمِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَقَدْ تَكُونُ الشَّفَاعَةُ غَيْرَ جَائِزَةٍ، وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ سَعْيًا فِي إثْمٍ أَوْ فِي إسْقَاطِ حَدٍّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ شَفَاعَةً سَيِّئَةً. (أحكام القرآن).
واختار هذا القول ابن جرير حيث قال: من يَصِر يا محمد شفعاً لوتر أصحابك، فيشفع في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله، وهو الشفاعة الحسنة (يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) يكن له من شفاعته تلك نصيب، وهو الحظ من ثواب الله وجزيل كرامته.
•
في الآية فضل الشفاعة في الخير:
عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَب) متفق عليه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْداً يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِى، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم لِعَبَّاسٍ «يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثاً». فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم «لَوْ رَاجَعْتِهِ». قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِى قَالَ «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِى فِيه) رواه البخاري.
قال ابن القيم: هذه شفاعة من سيد الشفعاء لمحب إلى محبوبه وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرا عند الله فإنها تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله ولهذا كان أحب ما لإبليس وجنوده التفريق بين هذين المحبوبين وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة (يكن له نصيب منها) وفي السيئة (يكن له كفل منها) فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخيز بالنصيب وحظ الشر بالكفل.
كان ابن عباس رضي الله عنهما معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل يستعين به على حاجة له، فخرج معه، وقال: " سمعتُ صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم يقول: من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاءَ وجه الله جعلَ الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين).
وقال سفيان بن عيينة: ليس أقول لكم إلا ما سمعت: قيل لابن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن.
وقيل: أي الدنيا أحب إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان.
وقال الحسن البصري رحمه الله: لأنْ أقضي حاجةً لأخ أحبُّ إليَّ من أن أعتكف سنة.
وفي الأثر: صنائع المعروف تقي ميتة السوء.
وقال جعفر بن محمد: إن الحاجة تعرض للرجل قِبَلي فأبادر بقضائها مخافةَ أن يستغني عنها، أو تأتيه وقد استبطأها، فلا يكون لها عنده موقع.
وقال البيجاني رحمه الله: وإذا أراد الله بعبد خيراً جعل قضاء الحوائج على يديه.
• الشافع مأجور قُبِلت شفاعته أم لم تُقبَل:
فعلى الشافع أن يُحسن نيته، ويبتغي بذلك الأجرَ والثواب من رب الأرباب، وليتأسَّ بمَن مَدَحهم الله سبحانه وتعالى بقوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً).
فالأعمال بالنيات؛ وبقدر صِدْق المرء وإخلاصه واتِّباعه للسنة، وبقدْرِ نَصَبه وعنائه في أي أمر من الأمور الحسنة؛ يكون أجره وثوابه، فكذلك الأمر للشافع.
(وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) أي: ومن يشفع شفاعة مخالفة للشرع يكن له نصيب من الوزر بسببها.
الكفل: الحمل الثقيل - والنصيب: ما يعمل من أجله ويحصله.
قال ابن عادل: والكفل: النَّصِيب، إلا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر، عكس النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخَيْرِ، قال تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) وأصلُه قالوا: مُسْتَعَارٌ مِنْ كِفْلِ البَعير، وهو كساء يُدَارُ حَوْلَ سِنَامِهِ ليُرْكَبَ، سُمِّي بِذَلِك؛ لأنَّه لم يَعُمَّ ظهرهَ كُلَّه بل نَصِيباً منه، ولغلبةِ استِعْمَالِه في الشَّرِّ، واستعمال النَّصِيب في الخير، غاير بَيْنَهُمَا في هذه الآيَة الكَريمة؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئَة، والنَّصِيب مع الحَسَنة
مثال: كمن يشفع لأناس قد وجب عليهم الحد أن لا يقام عليهم، قال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا
• قال بعض العلماء: فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن.
وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة، والكفل هو المثل المساوي، فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف؛ والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده.
وقال بعضهم: إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) فلذا خص بالسيئة تطرية وهرباً من التكرار.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) قيل: حسيباً، وقيل: حفيظاً، وقيل: شهيداً، وقيل: مقتدراً ورجحه ابن جرير.
الفوائد:
1 -
الحث على الشفاعة الحسنة.
2 -
الحث على التعاون على البر والتقوى.
3 -
التحذير من الشفاعة السيئة.
4 -
أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه.
5 -
قدرة الله تعالى.
(وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)).
[النساء: 86].
(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) أي: إذا سلم عليكم المسلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم به، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
وقد جاء عن عمران بن حصين (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس فقال: عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه ثم جلس، فقال: ثلاثون) رواه أبو داود.
• قوله تعالى (بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)(أو) هنا للتنويع.
• قال الرازي: واعلم أنه تعالى قال (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) فقال العلماء: الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب.
• قال القرطبي: قوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ) رد الأحسن أن يزيد فيقول: عليك السَّلام ورحمة الله؛ لمن قال: سلام عليك، فإن قال: سلام عليك ورحمة الله؛ زدت في ردّك: وبركاته، وهذا هو النهاية فلا مزيد.
قال الله تعالى مخبراً عن البيت الكريم (رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ).
فإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردّك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
والردّ بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك: عليك السَّلام، إلاَّ أنه ينبغي أن يكون السَّلام كلّه بلفظ الجماعة، وإن كان المُسَلّم عليه واحداً.
روى الأعمشُ عن إبراهيم النَّخَعيّ قال: إذا سلّمت على الواحد فقل: السَّلام عليكم، فإن معه الملائكة.
• قال القرطبي: والصحيح أن التحية هاهنا السلام؛ لقوله تعالى (وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله) وعلى هذا جماعة المفسرين.
وإذا ثبت هذا وتقرّر ففِقهُ الآية أن يُقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنّة مرغّب فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ).
• قال ابن عاشور: وهذه الآية من آداب الإسلام: علّم الله بها أن يَردّوا على المسلّم بأحسنَ من سلامه أو بما يماثله، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء.
•
مباحث السلام:
الأول: فضائله:
أولاً: من أسباب المحبة بين المسلمين.
قال صلى الله عليه وسلم (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا
…
).
ثانياً: أنه من خير خصال الإسلام.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو م أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه.
قال العلماء: جعل السلام على الجميع لمن يعرف ومن لا يعرف حتى يكون خالصاً لله تعالى، بريئاً من حظ النفس، والتصنع، لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع.
ثالثاً: من أسباب دخول الجنة.
قال صلى الله عليه وسلم (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام،
…
تدخلوا الجنة بسلام). رواه الترمذي.
رابعاً: من علامات الإيمان.
قَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.
قال العلامة ابن القيم في شرح هذه الكلمات:
وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه:
فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفّرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وألا يطالبهم بما ليس له، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوا به، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا: إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ويُنميها ويرفعها بطاعة الله (تعالى) وتوحيده، وحبّه وخوفه.
وبذل السلام للعالم يتضمن: تواضعه وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل السلام للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه
…
وأما الإنفاق مع الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وأن الله يُخلفه ما أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكل، ورحمة، وزهد في الدنيا، ووثوق بوعد مَنْ وعده مغفرة منه وفضلاً، وتكذيباً بوعد من يعده الفقر ويأمره بالفحشاء.
الثاني: ابتداء السلام سنة.
وهذا قول جماهير العلماء، بل حكاه بعضهم إجماعاً.
قال صلى الله عليه وسلم (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ: إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْه) رواه مسلم.
ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد، وهو ظاهر ما نقل عن الظاهرية عندالمالكية (في غير المشهور) أن الابتداء بالسلام من الواحد فرض.
وعلى قول الجمهور هو سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة فسلم واحد منهم كفى عن جميعهم ولو سلم كلهم كان أفضل وأكمل، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدكم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدكم» أخرجه أبو داود.
ا
لثالث: رد السلام واجب.
لهذه الآية (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).
قال صلى الله عليه وسلم (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَريض، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة، وتَشْميتُ العَاطِس) متفق عليه.
الأمر للوجوب فهو واجب عينًا على المسلَّم عليه إذا كان واحدًا، وواجب على الكفاية إذا كانوا مجموعة، وإن ردوا جميعًا فهو أفضل.
الرابع: إذا لم يسمعوا السلام.
عن أنسٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا تكلم بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثَاً حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سلم عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً. رواه البخاري.
قال النووي: وهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الجَمْعُ كَثِيراً.
الخامس: يسلم الراكب على الماشي.
قال صلى الله عليه وسلم (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَليلُ عَلَى الكَثِير) متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري (والصغيرُ عَلَى الكَبير).
السادس: يسن السلام على الصبيان.
عن أنس رضي الله عنه: أنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) أي: سيحاسب العباد على كل شيء من أعمالهم الصغيرة والكبيرة.
والحساب: هو اطلاع الله عباده على أعمالهم، وتقريرهم عليها.
• وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).
وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً).
وأما من السنة:
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته: (
…
اللهم حاسبني حساباً يسيراً) فقالت عائشة: (ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه). رواه أحمد، وقال الألباني:" إسناده جيد ".
وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.
• يستثنى من الذين لا يحاسبون من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
كما جاء في الصحيحين. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (عرضت عليّ الأمم .... الحديث وفيه: ورأيت أمتي ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).
• يشمل الحساب حتى الجن.
لأنهم مكلفون مأمورون كالإنس.
ولذلك الجني الكافر يدخل النار بالاتفاق.
كما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
…
).
وقال تعالى (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ).
• وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله: الصلاة.
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله). رواه الترمذي
• وأول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء). متفق عليه من حديث ابن مسعود.
الفوائد:
1 -
وجوب رد التحية.
2 -
أن رد التحية يكون على وجهين، مجزئ وأفضل، فالمجزئ مأخوذ من قوله (أو ردوها) والأكمل والأفضل من قوله
(بأحسن منها).
3 -
أنه لا يجزئ الرد بغير السلام.
4 -
إثبات الحساب.
(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)).
[النساء: 87].
(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، ونضمن قسماً لقوله:
(لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله.
• في هذا إثبات الحشر والجمع يوم القيامة.
قال تعالى (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).
وقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
وقال تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ).
وقال تعالى (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
وقال تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفْراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) متفق عليه.
• ويحشر كل شيء حتى البهائم، كما قال تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)، وقال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).
•
وسمي يوم القيامة بذلك:
أولاً: لقيام الناس من قبورهم.
كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
ثانياً: لقيام الأشهاد.
كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).
ثالثاً: لقيام الروح والملائكة.
كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً).
(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) الإستفهام للنفي، والمعنى: لا أحد اصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده.
الفوائد:
1 -
انفراد الله تعالى بالألوهية.
2 -
إثبات يوم القيامة.
3 -
إثبات جمع الناس يوم القيامة.
4 -
وجوب الإيمان باليوم الآخر.
5 -
أن كلام الله وخبره صدق لا كذب فيه. (الأحد: 19/ 5/ 1434 هـ).
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88)).
[النساء: 88].
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) عن زيد بن ثابت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ، فقال صلى الله عليه وسلم: إنها طيبة، وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة) رواه مسلم.
• والمراد بهؤلاء المنافقين: عبدالله بن أبيّ ومن معه، رجعوا بثلث الجيش يوم غزوة أحد.
والمعنى: أي مالكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين، بعضكم يقول نقتلهم وبعضكم يقول: لا نقتلهم، والحال: أنهم منافقون.
• والاستفهام لإنكار خلافهم في شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم.
والمعنى: لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذي سوغ لكم أن تختلفوا في شأنهم إلى فئتين؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عند ما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذي رضيه اللّه - تعالى.
والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف في شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإيمان ومنغمسون في الضلال والبطلان.
• قال ابن عاشور: فتكون الآية لبيان أنّه ما كان ينبغي التردّد في أمرهم.
قال القرطبي: والمعنِيّ بالمنافقين هنا عبد الله بن أُبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا؛ كما تقدّم في آل عمران.
وقال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة، قال الضحاك: وقالوا إن ظهر محمد صلى الله عليه وسلم فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا.
فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولَّوْنهم وقوم يتبرّؤون منهم؛ فقال الله عز وجل (فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ).
وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام، فأصابهم وَباءُ المدينة وحُمَّاها؛ فأرْكِسوا فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتويناها؛ فقالوا: ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسْوَة؟ فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون؛ فأنزل الله عز وجل (فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا) حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجرون فيها، فاختلف
فيهم المؤمنون فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون؛ فبيّن الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم.
قلت: وهذان القولان يَعْضُدهُما سياق آخر الآية من قوله تعالى (حَتَّى يُهَاجِرُوا) والأوّل أصح نقلاً، وهو اختيار البخاريّ.
• قال الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة، على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.
وفي قول الله تعالى ذكره (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا)، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة. لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه.
(وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ بسبب نفاقهم وعصيانهم.
• قال ابن العربي: أَخْبَرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى أَنَّ اللَّهَ رَدَّ الْمُنَافِقِينَ إلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ الْإِرْكَاسُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ، كَمَا قَالَ فِي الرَّوْثَةِ إنَّهَا رِجْسٌ، أَيْ رَجَعَتْ إلَى حَالَةٍ مَكْرُوهَة.
• قال ابن عاشور: وقد جعل الله ردّهم إلى الكفر جزاء لسوء اعتقادهم وقلّة إخلاصهم مع رسوله صلى الله عليه وسلم فإنّ الأعمال تتوالد من جنسها، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات، والعمل السيّيء يأتي بمنتهى المعاصي، ولهذا تكرّر في القرآن الإخبار عن كون العمل سبباً في بلوغ الغايات من جنسه.
• وفي هذا دليل أن الإنسان يعاقب بمعصيته وجرمه.
كما قال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).
وقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ...... فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ).
(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) أي: أتريدون هداية من أضله الله، والإستفهام للإنكار والتوبيخ.
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً).
أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله (وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ) وقوله (مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ) ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى الله تعالى: أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ومن أضله لا هادي له، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا).
(وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه.
• وفي هذا دليل أن المهتدي من هداه الله.
قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
وقال تعالى (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا).
وقال تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).
وقال تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
وقال تعالى (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).
وقال تعالى عن أهل الإيمان يوم القيامة (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ).
وكذلك الإضلال:
قال تعالى (فيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وقال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً).
وقال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
وفي الحديث القدسي (كلكم ضال إلا من هديته).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا) متفق عليه.
الفوائد:
1 -
الإنكار على المؤمنين في الاختلاف في المنافقين.
2 -
أن الإنسان يذم ويركس ويُرد على الوجه المذموم بسبب عمله.
3 -
إثبات الأسباب.
4 -
أن الهداية بيد الله.
5 -
أنه لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد الله إضلاله.
6 -
الالتجاء والتضرع بسؤال الهداية من الله.
(وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90)).
[النساء: 89 - 90].
(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم.
أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم.
• قال القرطبي: أي تمنّوا أن تكونوا كَهُم في الكفر والنفاق.
• وقال ابن الجوزى: أخبر الله عز وجل المؤمنين بما في ضمائِر تلك الطائِفة، لئلا يحسنوا الظن بهم، ولا يجادلوا عنهم، وليعتقدوا عداوتهم.
• وقال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) يَعْنِي هَذِهِ الطَّائِفَةُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ ضَمَائِرِهِمْ وَاعْتِقَادَاتهمْ لِئَلَّا يُحْسِنَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِمْ الظَّنَّ وَلِيَعْتَقِدُوا مُعَادَاتِهِمْ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ.
• أهل الكفر والضلال دائماً يريدون إضلال أهل الإيمان.
قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)
وقوله تعالى (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء).
وقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)
وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)
وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).
وقال تعالى (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ)
وقال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً).
وقال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).
وقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ).
وقال تعالى (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
• قال ابن عطية: الضمير في (ودوا) عائد على المنافقين، وهذا كشف من الله لخبث معتقدهم، وتحذير للمؤمنين منهم. والمعنى تمنوا كفركم، وهي غاية المصائب بكم، وهذا الود منهم يحتمل أن يكون عن حسد منهم لهم على ما يرون للمؤمنين من ظهور في الدنيا، فتجري الآية مع ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم ويحتمل أمر المنافقين أن يكون أنهم رأوا المؤمنين على غير شيء فودوا رجوعهم إلى عبادة الأصنام، والأول أظهر.
(فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) يوالونكم وتوالونهم، لأنهم أعداء، والله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ).
• وهذا يستلزم عدم محبتهم، ويستلزم أيضاً بغضهم وعداونهم.
(حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(حتى) هنا للغاية، يعني استمروا في عداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله.
إن قيل: كيف قال: حتى يهاجروا في سبيل الله، وعبد الله بن أبي بن سلول كان بالمدينة، ومن المعلوم أنه لا هجرة في المدينة؟
قيل: أن المراد بالهجرة هنا هجرة أخرى، وهي هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، وذلك بالخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال في سبيل الله مخلصين صابرين محتسبين.
وقيل: أن الآية في طوائف من المنافقين ممن كانوا خارج المدينة ولم يهاجروا إليها، وقد تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).
• قال ابن عاشور: وعليه فقوله (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله) إن حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلاّ ما تقدّم في سبب النزول عن مجاهد وابن عباس، ولا يناسب ما في (الصحيح) عن زيد بن ثابت، فتعيّن تأويل المهاجرة بالجهاد في سبيل الله، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأنّ غزوة أُحد، التي انخزل عنها عبد الله بن أبَيّ وأصحابه، قد مضت قبل نزول هذه السورة.
•
فالهجرة أنواع:
هجرة المعاصي والذنوب.
لحديث عبد الله بن عمرو. قال: قال صلى الله عليه وسلم (
…
والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري.
ومن ذلك الهجرة من النفاق إلى الإيمان.
هجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهجرة من النفاق إلى الإيمان.
وكانت مفروضة من مكة قبل فتحها.
• قوله (في سبيل الله) تنبيه لخطر الهجرة لغرض دنيوي، وفي الحديث (إنما الأعمال بالنيات
…
).
• قال القرطبي: والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنُصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه واجبة أوّل الإسلام حتى قال:" لا هجرة بعد الفتح " وكذلك هجرة المنافقين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة.
وهجرة المسلم ما حرّم الله عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم (والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه) وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن.
وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديباً لهم فلا يُكَلَّمون ولا يخالَطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيْه.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الهجرة في سبيل الله والإيمان بالله ورسوله.
(فَخُذُوهُمْ) أي: أسرى.
(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي: فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم.
(وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) أي: لا توالوهم وتستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك.
• ثم استثنى الله سبحانه من هؤلاء فقال:
(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم.
• قال البغوي: هذا الاستثناء راجع للقتل، لا إلى الموالاة، لأن موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال.
• فالله قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجئوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء.
• قال القرطبي: (إِلاَّ الذين يَصِلُونَ) أي يتَّصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف؛ المعنى: فلا تقتلوا قوماً بينهم وبين مَن بينكم وبينهم عهدٌ فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا.
هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم، وهو أصح ما قيل في معنى الآية.
(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) هؤلاء قوم آخرون من المسْتثْنيْن عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم، أي: ضيقة صدورهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضاً أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم.
•
…
(حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) معنى حصرت: ضاقت وانقبضت.
• قال الرازي: قوله تعالى (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم.
• فأنت ترى أن الاستثناء في قوله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ قد أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس:
الفريق الأول: هو الذي ترك المحاربين من الأعداء، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم في الأمان.
والفريق الثاني: هو الذي جاء إلى المؤمنين، مسالماً وترك قومه، إلا أنه في الوقت نفسه يكره أن يقاتل المسلمين لحبه لهم، ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر في ماله أو ذريته.
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) قال الطبري: أي: ولو شاء الله لسلط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون في جوارهم، والذين يجيئوكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم عليكم، أيها المؤمنون، فقاتلوكم مع
أعدائكم من المشركين ولكن الله كفّهم عنكم.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يُقدرهم على ذلك ويقوّيهم إمّا عقوبةً ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختباراً كما قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) وإما تمحيصاً للذنوب كما قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ).
ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء.
(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) فسرها بقوله:
(فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) فلم يتعرضوا لكم بقتال.
(وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: المسالمة.
(فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) أي: فليس لكم أن تقتلوهم مادامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العباس وأمر بأسره.
الفوائد:
1 -
شدة عداوة الكفار وبغضهم للمسلمين.
2 -
محبة الكفار لإضلال المسلمين.
3 -
التحذير من موالاة الكفار.
4 -
أن من لم يهاجر في سبيل الله فهذا دليل على نقص إيمانه.
5 -
الإشارة إلى الإخلاص.
6 -
تمام وفاء الإسلام بالعهد.
7 -
إثبات مشيئة الله.
8 -
أن من ألقى السلام وجب الكف عنه.
(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (91)).
[النساء: 91].
(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: ستجدون قوماً آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإظهار الإيمان، ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم (كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: كلما دعوا إلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إليه وقُلبوا فيه على أسوأ شكل، فهم شر من كل عدو شرير.
• قال ابن كثير: هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) وقال هاهنا (كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) أي: انهمكوا فيها.
وقال السدّي: الفتنة هاهنا: الشرك. وحكى ابن جرير، عن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي صلى الله
عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا. (تفسير ابن كثير).
• وقال السعدي: وهؤلاء في الصورة، كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها، فإن الفرقة الثانية، تركوا قتال المؤمنين، احتراماً لهم، لا خوفاً على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفاً لا احتراماً، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم سيقدمون لانتهازها.
• قال الرازي: قال المفسرون: هم قوم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم (كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة) كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين (أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: ردوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوساً يتعذر خروجه منه.
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) هؤلاء فريق آخر لا سَعْيَ لهم إلاّ في خُوَيْصْتِهِم، ولا يعبأون بغيرهم، فهم يظهرون المودّة للمسلمين ليأمنوا غزوهم، ويظهرون الودّ لقومهم ليأمنوا غائلتهم، وما هم بمخلصين الودّ لأحد الفريقين، ولذلك وصفوا بإرادة أن يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم، فلا هَمّ لهم إلاّ حظوظ أنفسهم، يلتحقون بالمسلمين في قضاء لبانات لهم فيظهرون الإيمانَ، ثم يرجعون إلى قومهم فيرتدّون إلى الكفر، وهو معنى قوله (كُلَّما رُدّوا إلى الفتنة أُرْكسُوا فيها).
وقد مر بيان معنى (أركسوا) قريباً.
(فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ) أي: فإن لم يجتنبوكم.
(وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: يستسلموا إليكم.
(وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ) أي: عن القتال.
(فَخُذُوهُمْ) أسراء
(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) أي: أين لقيتموهم.
(وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا) أي: جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة وبرهاناً بيّناً بسبب غدرهم وخيانتهم.
الفوائد:
1 -
علم الله بالغيب.
2 -
أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة.
3 -
التحذير من الوقوع في الفتن.
4 -
وجوب قتال من قاتلنا.
5 -
أن المنافقين أنواع.
(السبت: 25/ 5/ 1434 هـ).
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)).
[سورة النساء: 92].
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) قال ابن كثير: يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه.
• قوله (مؤمن) نكرة في سياق النفي، يعم كل مؤمن، سواء كان قوي الإيمان أو ناقص الإيمان.
• المراد بالمؤمن هنا يشمل حتى المسلم، لأنه إذا انفرد لأحدهما فإنه يراد به كلا المعنيين.
• والقتل: هو إزهاق الروح بأي وسيلة كانت، وبأي نوع من أنواع القتل.
(إِلَّا خَطَأً) هذا إستثناء منقطع، والتقدير: ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله خطاً فعليه كذا وكذا.
• ونظيره في القرآن كثير:
قال تعالى (لَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة) وقال (الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم). وقال (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما).
• قال ابن عطية: قال جمهور المفسرين: معنى هذه الآية: وما كان في إذن الله وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه، ثم استثنى منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكون فيه إلا بمعنى لكن، والتقدير لكن الخطأ قد يقع.
• فيه أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ.
وعلى هذا التقسيم أكثر العلماء.
العمد: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
• من صور القتل العمد:
أن يضربه بمحدد: وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين.
أن يضربه بحجر كبير ونحوه: أي بمثقل، لا بحجر صغير، لأن الحجر الصغير لا يقتل غالباً.
أن يلقيه من شاهق أو في نار أو يلقي عليه حائط.
أن يخنقه بحبل.
أو يقتله بسحر يقتل غالباً، قال في المغني (فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالباً فاشبه ما لو قتله بسكين).
أن يقتله بسم: بأن يطعمه السم.
قتل شبه العد: أن يقصد جناية لا تقتل غالباً في غير مقتل.
كمن ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة.
• قلنا (في غير مقتَل) لأن الضرب بمقتل ولو كان بشيء صغير حقير فإنه يعتبر قتل عمد كالقلب أو من النخاع.
• سمي بذلك: لتردده بين هذين النوعين (الخطأ والعمد).
• فالفرق بين القتل العمد وشبه العمد:
أنهما يشتركان في قصد الجناية، ويختلفان في الآلة التي حصلت الجناية بها.
قتل الخطأ وهو: أن يفعل ماله فعله، مثل أن يرمي صيداً أو هدفاً فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده فيقتله.
بمباشرة: كأن يرمي صيداً فيصيب آدمياً.
بسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان.
• ثم بين تعالى حكم من قتل مؤمناً خطأ:
(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً) سواء كان كبيراً أم صغيراً، ذكراً أو أنثى، عاقلاً أو مجنوناً.
(خَطَأً) أي: قتْلاً خطأ.
(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه تحرير رقبة.
• معنى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: تخليص رقبة مؤمنة من الرق.
• والمراد بالرقبة في الآية النفس الكاملة، وإنما عبر عن النفس بالرقبة، لأن الجسد لا يمكن أن يقوم بدونها، ولو قطعت رقبته لمات.
• (مؤمنة) فيشترط أن تكون الرقبة مؤمنة.
(وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الواو حرف عطف، أي: وعليه دية (مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي: مؤداة مدفوعة إلى ورثته الذين يرثون ما خلف، ومن ذلك ديته.
• والدية: ما يعطى عوضاً عن دم القتيل إلى أوليائه جبراً لقلوبهم، وعوضاً عما فاتهم من قريبهم.
(إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية فتسقط.
• وإنما سمي العفو عن الدية وإسقاطها تصدقاً ترغيباً فيه.
• قال الآلوسى: قوله تعالى (إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ) أي: يتصدق أهله عليه، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه.
•
مباحث قتل الخطأ:
تعريفه: هو أن يفعل ماله فعله، مثل أن يرمي صيداً أو هدفاً فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده فيقتله.
بمباشرة: كأن يرمي صيداً فيصيب آدمياً.
بسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان.
• القتل الخطأ يوجب أمران:
الأول: الكفارة على القاتل.
الثاني: الدية وتكون على عاقلته.
• الكفارة: هي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين.
• يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، لأن الآية نص في ذلك.
• هذه الكفارة على الترتيب.
• الراجح من أقوال العلماء: أنه إذا لم يجد عتق رقبة، ولم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإنه لا يطعم، لأن ذلك لم يذكر في الآية.
• مما يجب في قتل الخطأ الدية، وتكون على عاقلة القاتل بالإجماع.
ولأن الخطأ يكثر وقوعه، فلو أوجبنا الدية على الجاني لأجحف ذلك في ماله.
والعاقلة: وهم عصبته والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم.
وسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلاً أو نقداً، وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتيد عليه أحد.
• ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل.
• وحاضرهم وغائبهم.
• ولا عقل على رقيق:
أولاً: لأنه ليس من أهل النصرة، ثانياً: أنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده.
• ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون.
لقوله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود.
ولأنهما ليسا من أهل النصرة.
• ولا على فقير.
لأنه ليس عنده مال.
• ولا على أنثى.
لأنها ليست من أهل النصرة.
• ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم.
والمذهب: أن الجاني ليس عليه شيء من الدية ولو كان غنياً، والقول الآخر في المذهب: أنه يحمل مع العاقلة، لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي ذلك أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنها من باب التحمل، وهذا اختيار الشيخ السعدي رحمه الله.
(فَإِنْ كَانَ) المقتول.
(مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي: من قوم أعداء لكم، وهم الكفار المحاربون.
(وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي: والحال أنه مؤمن.
(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه تحرير رقبة مؤمنة.
والمعنى: وإذا كان القتيل من قوم كفار محاربين فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة فقط، ولم يذكر الدية هنا، لأنه لا دية على القاتل، لأن أهل المقتول كفار محاربون، لا عهد لهم ولا ذمة.
• إن كان أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم لأمرين:
الأمر الأول: أنهم قد يتقوون بها على حرب المسلمين.
الأمر الثاني: أنه هو مؤمن وهم كفار، والكافر لا يرث المؤمن.
(وَإِنْ كَانَ) المقتول.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ) هذا في الذمِّي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة؛ قاله ابن عباس والشَّعْبِيّ والنَّخَغِيّ والشافعيّ.
واختاره الطبريّ قال: إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب.
وإطلاقه ما قيّد قبلُ يدلّ على أنه خلافه.
(مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: بينكم أيها المؤمنون (وبينهم) أي: هؤلاء الكفار (ميثاق) أي: عهد موثق.
• وسمي العهد ميثاقاً، لأنه بمنزلة الحبل، يوثق به المأسور ويربط به.
(فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي: فعلى القاتل دية مسلمة إلى أهل المقتول.
• ولم يقل هنا (إلا أن يصدقوا) لأن الصدقة إنما هي معتبرة من أهل الإيمان، وأيضاً فإنه لا ينبغي أن يذل المؤمن ويكون عليه منّة من أهل الكفر، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لكن لو عفا أهل المقتول فلهم ذلك.
(وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وتحرير وتخليص رقبة بشرط أن تكون مؤمنة.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: لم يجد الرقبة، بأن تكون معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدوماً.
(فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي: فعليه صيام شهرين متتابعين بحيث لا يفطر بينهما ولا يقطعهما بإفطار يوم أو اكثر في اثنائها من غير عذر شرعي.
• وسواء بدأ الصيام من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره ويحسب شهرين متتابعين، فإن أفطر بينهما من غير عذر شرعي استأنف.
(تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) قال الطبري: أي: تجاوزاً من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين.
• والتوبة: الرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم.
الفوائد:
1 -
امتناع قتل المؤمن للمؤمن عمداً.
2 -
حكمة الشرع في التفريق بين القتل الخطأ والعمد.
3 -
أن القتل أنواع.
4 -
فضل العتق وعلو منزلته.
5 -
اشتراط الإيمان في عتق الرقاب.
6 -
جواز إعتاق الذكر والأنثى في كفارة القتل.
7 -
تعظيم القتل.
8 -
وجوب الدية في قتل الخطأ.
9 -
أنه يجب على من وجب عليه الدية أن يصلها إلى أهله.
10 -
أن العفو عن الدية من الصدقة.
11 -
وجوب الكفارة في قتل من بيننا وبينهم ميثاق إن كانوا غير مسلمين.
12 -
أن من لم يجد الرقبة أو ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين. (السبت/ 25/ 5/ 1434 هـ).
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)).
[النساء: 93].
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) هذا تهديد شديد ووعد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله، في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه ي سورة (الفرقان)(وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلّا بِالْحَق) الآية، وقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا) الآية، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً. (ابن كثير).
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً) يعم كل مؤمن، سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أم عبداً.
(مُتَعَمِّداً) أي: قتل عن عمد، وذلك بأن يكون قاصداً القتل، وبآلة تقتل غالباً، كالسيف، والحجر الكبير، والخنق، والسحر، والإلقاء من شاهق.
وهذا النوع الثاني من أنواع القتل، وهو قتل العمد.
(فَجَزَاؤُهُ) أي: عقوبته التي يجازى بها.
(جَهَنَّمُ) أي: نار جهنم، سميت بذلك لجهمتها وظلمتها وبعد قعرها.
(خَالِداً فِيهَا) أي: خالداً في جهنم، وسيأتي الجواب عن المراد بهذا الخلود، وأن المراد بها المكث الطويل.
(وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) الغضب أبلغ من العقوبة، لأن الله إذا غضب فإنه لا يكلم من غضب عليه، ولا يرحمه كما يرحم غيره، وينتقم منه بما يقتضيه ذنبه لقوله تعالى (فلما آسفونا انتقمنا منهم) أي: لما أغضبونا انتقمنا منهم.
(وَلَعَنَهُ) أي: وطرده وأبعده عن رحمته.
(وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) أي: هيأ له عذاباً عظيماً، لا يعلم مقدار عظمته سوى الله.
• في الآية عظم ذنب القتل العمد.
وقتل العمد ذنب عظيم وجرم كبير.
قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).
وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
…
).
وقال صلى الله عليه وسلم (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه.
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّور). رواه البخاري
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى الدِّمَاء) متفق عليه.
وعن جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ. ثُمَّ قَالَ (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) متفق عليه.
وعَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» . قَالَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . قَالَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل تَصْدِيقَهَا (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) متفق عليه.
• معنى قوله تعالى (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
قيل: المعنى من قتل نبياً أو إمام عادل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وقيل: من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً.
وقيل: المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقيل غير ذلك.
قال ابن القيم: إن هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه مثل المشبه به في كل شيء، فإن من المعلوم قطعاً أن إثم من قتل مائة أعظم من إثم من قتل نفساً واحدة، فليس المراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة وإنما كون كل منهما:
عاص لله ولرسوله، مخالف لأمره متعرض لعقوبته.
أنهما سواء في استحقاق القصاص.
أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام.
أن كلاً منهما يسمى فاسقاً عاصياً بقتله نفساً واحدة.
• القاتل عمد مسلم وليس بكافر، لكنه مسلم ناقص الإيمان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.
لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) والشاهد قوله (من أخيه) فأثبت الله له وصف الأخوة وهي الأخوة الإيمانية مع أنه قاتل.
وقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا .... ) فسمى الله الفئة العادلة والفئة الباغية مؤمنين.
• فإن قيل ما الجواب عن قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)؟
فالجواب:
قيل: إن الآية على ظاهرها، لكن قد يوجد مانع يمنع من ذلك.
وهذا اختيار النووي وابن تيمية وابن القيم والسفاريني والسعدي.
وقيل: إن هذا جزاؤه إن جازاه.
وهذا اختيار الطبري، والشنقيطي، واستحسنه ابن كثير.
قال الطبري: وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ إِنْ جَزَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَلَكِنَّهُ يَعْفُو أَوْ يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، فَلَا يُجَازِيهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَلَكِنَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ بِفَضْلِهِ فَلَا يُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِمَا سَلَفَ مِنْ وَعْدِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
وقيل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لايذم بل يمدح.
وذهب إلى هذا الواحدي.
وقيل: حمل الآية على عمومها، وتفسير الخلود بمعنى: المكث الطويل، اعتماداً على ما ورد في كلام العرب من إطلاق الخلود على غير معنى التأبيد، كقولهم: لأخلدن فلاناً في السجن، وقولهم: خلد الله ملكه.
ورجح هذا القول ابن حزم، ومحمد رشيد رضا، وابن عثيمين، وذهب إليه الرازي، وأبو السعود.
وقيل: إن الآية للتشديد والتخويف والتغليظ في الزجر عن قتل المؤمن.
وقيل: إن هذه الآية في القاتل المستحل.
وقال بهذا عكرمة.
• هل للقاتل عمداً توبة أم لا؟
جماهير أهل العلم على أن له توبة كغيره من الذنوب.
قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
وقال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملاً صالحاً، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.
وقال النووي: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس.
لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
قال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك.
وقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
قالوا: فهذا عام في جميع الذنوب، من كفر، وشرك، ونفاق، وقتل، وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذنب تاب الله عليه.
وعن أبي سعيد أنّ نَبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ). مُتَّفَقٌ عليه
وفي رواية في الصحيح (فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا).
وفي رواية في الصحيح (فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ). وفي رواية: (فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا).
قالوا: وإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم.
وقالوا: إذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر - وهما أعظم إثماً من القتل - فكيف تقصر عن محو أثر القتل.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
" فإن قلت: ماذا تقول فيما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن القاتل ليس له توبة؟!
فالجواب: من أحد الوجهين:
إما أن ابن عباس رضي الله عنهما استبعد أن يكون للقاتل عمدا توبة، ورأى أنه لا يوفق للتوبة، وإذا لم يوفق للتوبة، فإنه لا يسقط عنه الإثم، بل يؤاخذ به.
وإما أن يقال: إن مراد ابن عباس: أن لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول. (مجموع الفتاوى).
وقد صح عن ابن عباس ـ أيضا ـ أن له توبة؛ فروى الطبري (9/ 67) عنه قال: " ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله ".
قال الشيخ الألباني رحمه الله: " أخرجه ابن جرير بسند جيد.
الفوائد:
1 -
أن قتل المؤمن عمداً من كبائر الذنوب.
2 -
أن قاتل المؤمن متعمداً جرمه وذنبه كبير.
3 -
إثبات الغضب لله تعالى.
4 -
عظم عذاب النار.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً).
[سورة النساء: 94].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم وعملوا بجوارحهم.
(إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: إذا سافرتم في الأرض للجهاد في سبيل الله.
(فَتَبَيَّنُوا) وفي قراءة أخرى (فتثبتوا) والمعنى: لا تعجلوا وتبينوا حتى ينبين لكم المؤمن من الكافر.
(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: عرض الحياة الدنيا.
• قوله تعالى (أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ) وفي قراءة (السلم) أي: الإسلام.
• قوله تعالى (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) والمراد الغنيمة، وسمي متاع الدنيا عرضاً لأنه يزول ويذهب.
(فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه واتهمتوه بالمصانعة والتقية، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا.
• أن الأحكام على الناس تجري على الظاهر وأما باطنهم فإلى الله.
• قال الشوكاني رحمه الله: والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمناً والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً وتقية.
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: فتبينوا ولو كان لا يقتل إذا قالها للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك.
عن أسامة. (قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِى نَفْسِى مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلَاحِ. قَالَ «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا». فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذ). متفق عليه
قال النووي: وقوله صلى الله عليه وسلم (
…
أفلا شققت عن قلبه .. ) فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر. ا. هـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري: وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر.
وَكَذَا قال ابن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ: أَجْمَعُوا أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا على الظَّاهِرِ وَأَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ
وقال صلى الله عليه وسلم (إِنِّى لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُم) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، و أن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله).
والشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله).
قال ابن رجب: وأما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل، فإن كان صادقاً أدخله الله بذلك الجنة، و إن كان كاذباً فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
وقال الحافظ في الفتح: أي أمر سرائرهم
…
وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر.
وقال الإمام البغوي: وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضاً إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، و أن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه.
وأما في الآخرة فالأحكام تجري على ما في القلوب.
قال تعالى (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ).
وقال تعالى (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ. وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ).
فلذلك على الإنسان أن يعتني بعمل القلب أكثر مما يعتني بعمل الجوارح.
(كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) قيل: كنتم تخفون إيمانكم من المشركين كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وها اختيار ابن جرير، وقيل: كنتم مشركين ولم تكونوا مؤمنين.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (كذلك كنتم من قبل) فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أن معناه: كذلك كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة، فلا تُخيفوا من قالها، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: كذلك كنتم تُخفون إِيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إِيمانه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثالث: كذلك كنتم من قبل مشركين، قاله مسروق، وقتادة، وابن زيد.
(فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بإظهار دينه وإعزاز أهله.
(فَتَبَيَّنُوا) تأكيد للأمر الأول.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فلا يخفى عليه شيء.
والخبير: العليم ببواطن الأمور.
الفوائد:
1 -
وجوب التثبت بالأمور.
2 -
أن الواجب علينا معاملة الخلق بالظاهر.
3 -
علم الله سبحانه وتعالى ببواطن الأمور.
4 -
وجوب مراقبة الله.
(لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (96)).
[النساء: 95 - 96].
(لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي: لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان وبرسوله، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حُزُونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذهاب أبصارهم وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها - للضرر الذي بهم - إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله.
(وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقتهم في قتال أعداء الله وأعداء دينهم.
(بِأَمْوَالِهِمْ) انفاقاً لها فيما أوهَن كيد أعداء أهل الإيمان بالله
(وَأَنْفُسِهِمْ) مباشرة بها قتالهم، بما تكون به كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السافلة.
• وفي هذه الآية فضل عظيم للمجاهدين في سبيل الله، وقد تقدمت أحاديث كثيرة في فضله:
ففي هذه الآية نفى سبحانه وتعالى التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين.
قال صلى الله عليه وسلم (لَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم (إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ» . قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ» . وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) متفق عليه.
وعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ (كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَجُلٌ مَا أُبَالِى أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلاَّ أَنْ أُسْقِىَ الْحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ مَا أُبَالِى أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلاَّ أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَقَالَ آخَرُ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
…
). رواه مسلم
• قوله تعالى (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) روى البخاري من حديث سهل بن سعد أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فجاء ابن أم مكتوم وهو يُملها عليّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذُه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن تُرض فخذي، ثم سُري فأنزل الله: غير أولي الضرر).
• والضرر بينه الله تعالى في قوله تعالى (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج).
• قوله تعالى (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) في كثير من الآيات يقدم الله الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.
كما قال تعالى (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
وقال تعالى (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
وقال تعالى (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا).
وقال تعالى (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ
…
).
إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم).
• من حِكَمِ تقديم المال على النفس في أقوال العلماء:
قال بعض العلماء لسببين:
السبب الأول: أنه أهون على الإنسان.
السبب الثاني: قد يكون نفعه أكثر.
وقال الآلوسي رحمه الله لعل تقديم الأموال على الأنفس لِمَا أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً، وأتم دفعاً للحاجة؛ حيث لا يُتصَوَر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال، وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع؛ فالجهاد بـ (المال) لنحو التأهب للحرب، ثم الجهاد بالنفس.
وقال ابن حيان رحمه الله تقديم الأموال على الأنفس؛ لأن المجاهد بائع، فأخَّر ذكرها تنبيهاً على أنَّ المضايقة فيها أشد؛ فلا يرضى ببذلها إلا في آخِر المراتب، والمشتري قُدِّمت له النفس تنبيهاً على أنَّ الرغبة فيها أشد، وإنما يرغب أولاً في الأَنْفَسِ الغالي.
وقال صاحب البرهان رحمه الله وجه التقديم أن الجهاد يستدعي تقديم إنفاق الأموال أولاً؛ فهو من باب السبق بالسببية.
وقال ابن القيم رحمه الله في حكمة تقديم المال على النفس:
أولاً: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزاً وجب عليه أن يكتري بماله.
ومن تأمَّل أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته في أصحابه رضي الله عنه وأَمْرَهم بإخراج أموالهم في الجهاد، قطع بصحة هذا القول. والمقصود: تقديم المال في الذكر، وأن ذلك مشعِرٌ بإنكارِ وَهْمِ مَنْ يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادراً على أن يغزو بماله لا يجب عليه شيء؛ فحيث ذكر الجهاد قدَّم ذكر المال؛ فكيف يقال: لا يجيب به؟
ولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس، لكان هذا القول أصحَّ من قول من قال: لا يجب بالمال، وهذا بَيِّن، وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر.
وفائدة ثانية: على تقدير عدم الوجوب؛ وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتَها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها، فندب الله - تعالى - محبِّيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته؛ فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحبَّ إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها؛ وهي بذل نفوسهم له؛ فهذا غاية الحب؛ فإن الإنسان لا شيء أحبَّ إليه من نفسه، فإذا أحب شيئاً بذل له محبوبه من نفسه وماله، فإذا آل الأمر إلى بَذْلِ نفسه ضنَّ بنفسه وآثرها على محبوبه.
• قال الزمخشرى: فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟
قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه (هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ) أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.
• وفي هذا دليل على أن أهل الأعذار لهم من الفضل - إن حسنت نواياهم - مثل من باشر الجهاد والعمل ويدل لذلك:
قوله صلى الله عليه وسلم (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض) رواه مسلم.
• قال الشنقيطي: قوله في هذه الآية الكريمة (غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ) يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد.
وهذا المفهوم صرح به النَّبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من وادياً إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر.
(فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) المراد بالدرجة المنزلة العالية والفضيلة الكبرى.
(وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) أي: وكلاً من المجاهدين والقاعدين وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة.
• والحسنى الجنة كما فسر ذلك النبي في قوله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).
• وهذا احتراز حتى لا يتوهم متوهم أن القاعد لا أجر له:
وهذا كقوله (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).
وكقوله تعالى (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).
وكقوله (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير).
• قال ابن كثير: وفي هذا أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.
(وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) المراد بالقاعدين هنا: القاعدون من غير أولي الضرر، والمعنى: فضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم.
كما قال صلى الله عليه وسلم (أعد الله للمجاهدين في سبيله مائة درجة
…
) رواه البخاري.
(دَرَجَاتٍ مِنْهُ) أي: منازل بعضها أعلى من بعض.
(وَمَغْفِرَةً) أي: مغفرة للذنوب.
(وَرَحْمَةً) أي: تيسيراً للمطلوب، وباجتماع المغفرة زالرحمة يزول المرهوب ويحصل المطلوب.
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً) يغفر الزلات والخطيئات مهما عظمت وكثرت.
(رَحِيماً) ومن رحمته أنه يقبل التوبة، ويغفر الزلة، ويفرح بتوبة التائبين.
الفوائد:
1 -
نفي التساوي بين الناس.
2 -
فضل المجاهدين في سبيل الله.
3 -
أن من قعد عن الجهاد لعذر، فإنه له أجر الجهاد.
4 -
البشارة العامة للمؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى.
5 -
الجهاد فرض كفاية.
6 -
الحث على الجهاد في سبيل الله.
7 -
إثبات هذين الاسمين وهما: الغفور والرحيم.
…
(3/ 6/ 1434 هـ).
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)).
[النساء: 97 - 99].
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ) أي: تقبض أرواحهم.
• قال الشنقيطي: أَسْنَدَ هُنَا - جَلَّ وَعَلَا - التَّوَفِّيَ لِلْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ (تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وَأَسْنَدَهُ فِي (السَّجْدَةِ)، لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِي قَوْلِهِ (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، وَأَسْنَدَهُ فِي (الزُّمَرِ) إِلَى نَفْسِهِ - جَلَّ وَعَلَا - فِي قَوْلِهِ (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا (دَفْعَ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «السَّجْدَةِ»: أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِسْنَادُهُ التَّوَفِّي لِنَفْسِهِ; لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، وَأَسْنَدَهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ; لِأَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَنْزِعُونَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ إِلَى الْحُلْقُومِ فَيَأْخُذُهَا مَلَكُ الْمَوْتِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
(ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة.
• قال القرطبي: المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الايمان به، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية. وقيل: إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم، فنزلت الآية. والأول أصح.
(قَالُواْ) أي: الملائكة.
(فِيمَ كُنتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟
(قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض.
(قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) هذا الاستفهام للتوبيخ والتقرير، يعني: أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجروا؟
• والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
(فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ) أي: مصيرهم.
(جَهَنَّمُ) أي: النار.
(وَسَاءتْ مَصِيرًا) أي: ساءت مرداً ومرجعاً.
• وحكم الهجرة ينقسم إلى أقسام:
الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعاونتهم وجهاد الكفار والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة.
(إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) أي: الذين أصابهم الضعف من الرجال والنساء والولدان.
(لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) أي: لا يستطيعون الخلاص
(وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) أي: ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة.
(فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) قال البغوي: يتجاوز عنهم، وعسى من الله واجب، لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبداً أوصله إليه.
• ومن هؤلاء المستضعفين: ابن عباس وأمه.
عن ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قال (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّى مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّى مِنَ النِّسَاءِ) رواه البخاري.
وفي رواية (كنت أنا وأمي ممن عذر).
ومنهم عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد.
فعن أبي هريرة. قَالَ (كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو فِى الْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُف). متفق عليه
والعفو: التجاوز عن الذنب، ولا يكون ممدوحاً إلا مع القدرة.
(وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا) اسم من أسماء الله تعالى.
معناه: العفو التجاوز عن عباده في ترك واجب وفعل مرم.
• ومن كمال عفوه: أنه مهما أسرف الإنسان على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
• ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).
• وعفو الله عفو كامل لأنه مقرون بالقدرة كما قال هنا (عفواً قديراً) بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز، أي: العجز عن الأخذ بالثأر.
• وقد حث تعالى على العفو كما تقدم:
منها: قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وقوله تعالى (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
وقوله تعالى (فمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
وقوله تعالى (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقال صلى الله عليه وسلم (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم.
قال النووي في معناه:
أحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عُرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه.
والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك
(غَفُوراً) الغفور: ذو مغفرة واسعة كما قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) وقال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ).
• قال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب.
• قال ابن القيم:
وهو الغفور فلو أتى بقرابها من غير شرك بل من العصيان
لأتاه بالغفران ملء قرابها سبحانه هو واسع الغفران
والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.
ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.
•
الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:
أولاً: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم.
ثانياً: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
ثالثاً: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى).
رابعاً: أن كونه سبحانه غفوراً وغفاراً للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً).
خامساً: سؤال الله عز وجل بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه.
سادساً: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).
الفوائد:
1 -
إثبات الملائكة.
2 -
أن لكل ملك وظيفة.
3 -
وجوب الهجرة من ديار الشرك لمن لا يقدر على إقامة دينه.
4 -
أن وجوب الهجرة مشروط بالقدرة.
5 -
أن التخلف عن الهجرة الواجبة من كبائر الذنوب.
6 -
عفو الله عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم للهجرة.
7 -
أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة.
8 -
إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العفو والغفور.
(الأحد: 4/ 6/ 1434 هـ).
(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100)).
[النساء: 100].
(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن يه.
• فمن هاجرفي سبيل الله: ويكون في سبيل الله بشرطين: الهجرة لله إخلاصاً لا لهدف آخر، ويكون متابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم.
(يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا) قيل: المراغم التحول من أرض إلى أرض، وقيل: متزحزحاً عما يكره.
• قال ابن كثير: وهذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه.
• وقال السعدي: هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغمًا في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.
• قال ابن كثير: قوله تعالى (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) والظاهر - والله أعلم - أنه التمنع الذي يُتحصن به، ويراغم به الأعداء.
• وقال القرطبي: وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغِم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده؛ فكأن كفار قريش أرغموا أُنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أُنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة.
وقال: وهو مشتق من الرِّغام، ورَغِم أنف فلان أي لَصِق بالتراب، وراغمت فلاناً هجرته وعاديته، ولم أُبالِ إن رغِم أنفه.
• وقال الرازي: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية، وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه، والله أعلم.
(وَسَعَةً) يعني الرزق.
قيل: أي في الرزق، وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العَيْلَة إلى الغنى.
وقال مالك: السعة سعة البلاد.
• قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرَبًا ومتَّسعًا. وقد يدخل في"السعة"، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمِّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني"السعة"، التي هي بمعنى الرَّوْح والفرَج من مكروهِ ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظَهْري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دِلالة على أنه عنى بقوله:"وسعة"، بعض معاني"السعة"
التي وصفنا. فكل معاني"السعة" التي هي بمعنى الرَّوح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جِوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك.
• وقال لرازي: كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويكون سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه.
•
فضائل الهجرة:
أولاً: أنه الله يعوضه مراعما وسعة.
كما في هذه الآية.
ثانياً: أن الله يخلفه.
قال تعالى (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً. وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً).
• قوله (لساناً) أي ذكراً حسناً، واللسان في القرآن يطلق ثلاث إطلاقات:
الأول: يطلق ويراد به الجارحة.
كما قال تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ).
الثاني: يطلق ويراد به اللغة.
كما في قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
وقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ).
الثالث: يطلق ويراد به الذكر والثناء الحسن.
كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ).
ثالثاً: ينالون رحمة الله.
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم).
• قال السعدي: هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة، وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح والخسران، فأما الإيمان فلا تسأل عن فضيلته
…
، وأما الهجرة فهي مفارقة المحبوب والمألوف لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقربًا إلى الله ونصرة لدينة، وأما الجهاد فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله وقمع دين الشيطان. وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء. فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجين رحمة الله؛ لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة.
رابعاً: تكفير للسيئات ودخول الجنان.
قال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
• قال ابن كثير: أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران
…
وقوله (ثَوَاباً مّن
عِندِ اللَّهِ) إضافة إليه ونسبة إليه ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً.
• وقال السعدي: فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال طلبًا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله.
خامساً: قال تعالى (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ).
• قال ابن جرير: يقول تعالى: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله (لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة) يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنًا يرضونه صالحاً. وقوله: (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر؛ لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد.
• وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه.
• وقال السعدي: يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ) أي: في سبيله، وابتغاء مرضاته (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) بالأذية والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن فذكر لهم ثوابين، ثوابًا عاجلاً في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيئ الذي رأوه عياناً بعدما هاجروا وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان، وغنموا منها الغنائم العظيمة فتمولوا، وآتاهم الله في الدنيا حسنة، (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ) الذي وعدهم الله على لسان رسوله خير، و (أَكْبَرُ) من أجر الدنيا
…
(لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) أي: لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وجاهد في سبيله، لم يتخلف عن ذلك أحد.
قال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص (أما عملت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟! وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟! وأن الحج يهدم ما كان قبله؟).
قال النووي: فيه عظيم موقع الإسلام والهجرة والحج، وأن كل واحد منها يهدم ما كان قبله من المعاصي.
سادساً: ومن فضلها أنّها تدحر الشّيطان الرّجيم، حتّى قرنها النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإسلام والجهاد في سبيل الله تعالى.
روى الإمام أحمد والنّسائي عن سَبْرَةَ بنِ أبي فَاكِهٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول:
(إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ: فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟ فَعَصَاهُ، فَأَسْلَمَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟! فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ؟ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ؟! فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عز وجل أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ).
قوله صلى الله عليه وسلم لأبي فاطمة الضمري (عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها).
قوله صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً).
•
مقاصد الهجرة:
أولاً: تكثير المسلمين.
ثانياً: أن البقاء بينهم ذريعة إلى موافقتهم.
ثالثاً: تيسير الجهاد على أهل الإسلام.
رابعاً: هجر المكان الذي يكفر فيه.
(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا) أي: ومن خرج من منزله بنية الهجرة.
(إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لا لهدف آخر من أهداف الدنيا.
(ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) أي: يموت وهو في أثناء الطريق.
(فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: فقد ثبت أجره وثوابه على الله، وحصل له أجر الهجرة، كما قال صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات
…
).
• قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال: ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أكمل بعد ذلك العابد المائة، ثم سأل عالماً: هل له من توبة
…
).
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تقدم.
الفوائد:
1 -
فضل الهجرة في سبيل الله.
2 -
يجب أن تكون الهجرة لله تعالى لا لغرض دنيوي آخر.
3 -
أن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه.
4 -
أن الهجرة في سبيل الله سبب للرزق والقوة.
5 -
الحث على الإخلاص في جميع الأعمال.
6 -
أن من مات وهو في طريقه لطاعة كتبت له.
7 -
إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم.
(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا).
[النساء: 101].
(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: سافرتم في البلاد كما قال تعالى (علم أن سيكون منكم مرضى ةآخرون يضربون في الأرض).
سمي السفر ضرباً: لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً.
(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) أي: فليس عليكم جناح ولا إثم أن تخففوا من الصلاة فتجعلوا الرباعية ثنائية.
• قوله تعالى (أن تقصروا من الصلاة) ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان:
إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة لأجزأ، فإتيانه بقوله:(مِنَ الصَّلاةِ) ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
الثانية: أن (من) تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران وإنما الذي يقصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين [قاله السعدي].
(إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يصدوكم عن دينكم.
(إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) المعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة [مفاتيح الغيب:].
الفوائد:
1 - مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر.
•
مباحث تتعلق بقصر الصلاة:
أولاً: في الآية مشروعية قصر الصلاة للمسافر. (فلا قصر إلا للمسافر).
• قال تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وظاهر الآية أن القصر مقيد بحال الخوف، إلا أن السنة بينت المراد من الآية، وهو أن القصر مشروع في الأمن والخوف في حال السفر، ففي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال:(قلت لعمر: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). رواه مسلم
عن ابن عمر قال (إصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).
وعن ابن عمر قال (صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك). متفق عليه
وأجمع أهل العلم على مشروعية القصر في السفر الطويل.
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتم في سفره قط.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما في السفر فقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً من ثلاثين سفرة، وكان يصلي ركعتين في أسفاره، ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم أنه صلى في السفر أربعاً قط، حتى في حجة الوداع، وهي آخر أسفاره كان يصلي بالمسلمين بمنى ركعتين ركعتين، وهذا من العلم العام المستفيض المتواتر الذي اتفق على نقله جميع أصحابه، ومن أخذ العلم عنهم.
وقال ابن القيم رحمه الله: وكان يَقصُر الرُّبَاعية، فيصليها ركعتين مِن حين يخرُج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبُت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة.
• قال السعدي: ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران:
أحدهما: ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم على القصر في جميع أسفاره.
والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.
ثانياً: وظاهر الآية أنه لا يجوز القصر إلا عند الخوف، لكن جاءت السنة تبين أن هذا ليس بشرط.
ففي صحيح مسلم عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) رواه مسلم.
ثالثاً: حكم القصر: سنة.
وهذا قول أكثر العلماء، أن القصر سنة مؤكدة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في أسفاره يقصر الرباعية ولا يتمها.
لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا)، قالوا إن نفي الجناح يفيد أنه رخصة.
ولحديث عمر السابق: (صدقة تصدق الله بها عليكم).
وقال بعض العلماء: إن القصر واجب، وهذا مذهب أبي حنيفة، ونصره ابن حزم، واختاره الصنعاني.
لقول عائشة (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَلِلْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ) فهذا يدل على أن صلاة السفر مفروضة ركعتين.
قال الشوكاني: وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم يجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
ولحديث يعلى ابن أمية السابق، وفيه:(صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فقوله: (فاقبلوا) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: إن القصر سنة، والإتمام مكروه، لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم الدائم.
قال ابن تيمية: المسلمون نقلوا بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعاً قط.
رابعاً: إذا علمنا أن القصر مشروع كما سبق، فهناك حالات يتم بها المسافر:
الحالة الأولى: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.
مثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوء، فإنه يجب أن يعيدها أربعاً.
قال ابن قدامة: بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر، لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعاً، فلم يجز له النقصان من عددها
الحالة الثانية: إذا صلى المسافر خلف المقيم.
قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.
إذا صلى المسافر خلف المقيم.
قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.
أ- لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
ب- وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.
ج- لأن هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة.
د- لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام.
وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
الحالة الثالثة: إذا نوى الإقامة أكثر من أربع أيام،
(وهذه مسألة خلافية) فأكثر العلماء إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر انقطع ترخصه.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز رحمه الله.
لحديث أنس، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في يوم الثامن ثم خرج إلى منى.
قالوا: فيجوز لمن كانت إقامته كإقامة النبي صلى الله عليه وسلم أن يقصر الصلاة، وقالوا: وإقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح في عام حجة الوداع معلومة البداية والنهاية.
وعلى هذا القول: لو سافر شخص للرياض وهو ينوي أن يجلس أسبوعاً، فإنه لا يقصر ولا يترخص برخص السفر.
وذهب بعض العلماء: أن مرجع ذلك إلى العرف، فإنه يقصر ولو طالت المدة ما لم يجمع الإقامة.
ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال:"للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معلومة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع ولا عرف".
ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، ولا شك أن قول الجمهور أحوط وأبرأ للذمة.
خامساً: القصر ليس له إلا سبب واحد وهو السفر.
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: "القصر ليس له إلا سبب واحد فقط وهو السفر، فغير المسافر لا يقصر، حتى المريض مرضاً شديداً لا يمكن أن يقصر إلا إذا كان في غير بلده".
سادساً: ويقصر المسافر إذا خرج من بنيان بلده.
لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضارباً فيها.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقصر إذا ارتحل.
قال أنس: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين). متفق عليه
ولحديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال النووي: وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفراً طويلاً فتباعد ثلاثة أميال قصر ".
فهذا دليل على أنه لا يجوز القصر حتى يفارق بنيان بلده.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
سابعاً: الصلوات التي تقصر الصلوات الرباعية،
وقد نقل الإجماع في ذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني نقلاً عن ابن المنذر.
فالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبق منها وتراً، ولو قصرت ركعتان فإنه إجحاف بها بذهاب أكثرها، وأما الصبح فتبقى على ما هي عليه، لأن قصرها إلى واحدة إجحاف بها.
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ أَحْمَدُ:(إِلَّا اَلْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ اَلنَّهَارِ، وَإِلَّا اَلصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا اَلْقِرَاءَةُ).
ثامناً: إذا أذن المؤذن وهو في البلد، ثم سافر، هل يقصر أم لا؟
الجواب: نعم يقصر ويجمع، لأن العبرة بفعل الصلاة لا بالوقت.
تاسعاً: قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض) اختلف العلماء في قصر الصلاة في سفر المعصية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز له القصر.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختاره ابن تيمية.
قال النووي: وذهب الحنفية والثوري والأوزاعي والمزني من أصحاب الشافعي بجواز القصر في سفر المعصية وغيره.
قالوا: لأن فرض السفر ركعتان، ولأنه داخل تحت النصوص المطلقة.
القول الثاني: لا يجوز له القصر.
وهذا مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد.
لأن الترخيص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلاً للمصلحة، فلو شرع هنا لشرع إعانة على المحرّم تحصيلاً للمفسدة، والشرع منزه عن هذا.
قال السعدي: فإن الرخصة سهولة من الله لعباده إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف.
والراجح القول الأول.
2 - بيان تيسير الله على عباده.
3 - مشروعية القصر في السفر.
4 - حرص الكفار على فتن المؤمنين.
5 - وجوب الحذر من الكفار.
6 - أن الكفار أعداء لنا.
(السبت: 10/ 6/ 1434 هـ).
(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)).
[سورة النساء: 102 - 103].
(وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) هذا الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من أهل الأمر حكمه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله التأسي به، وقد قال صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني) والصحابة رضي الله عنهم أعرف بمعاني القرآن، وقد صلوها بعد موته صلى الله عليه وسلم غير مرّة.
• قال القرطبي: وهذه الآية خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يتناول الأُمراء بعده إلى يوم القيامة، ومثله قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) هذا قول كافة العلماء.
وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن عُلَيَّة فقالا: لا نصلّي صلاة الخوف بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإن الخطاب كان خاصاً له بقوله تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ) وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك، وكلهم كان يحب أن يأتمّ به ويصلّي خلفه، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب؛ فلذلك يصلّي الإمام بفريق ويأمر من يصلّي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فل.
وقال الجمهور: إنا قد أمرنا باتباعه والتأسِّي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالى (فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) وقال صلى الله عليه وسلم " صلّوا كما رأيتموني أُصلّي " فلزم اتباعه مطلقاً حتى يدلّ دليل واضح على الخصوص؛ ولو كان ما
ذكروه دليلاً على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ كان يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها؛ ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهّم الخصوص في هذه الصَّلاة وعَدَّوْه إلى غير النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال.
وقد قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وهذا خطاب له، وأمّته داخلة فيه، ومثله كثير.
وقال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وذلك لا يوجب الاقتصار عليه وحده، وأن مَن بعده يقوم في ذلك مقامه؛ فكذلك في قوله (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ).
ألا ترى أن أبا بكر الصدّيق في جماعة الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا من تأوّل في الزكاة مثل ما تأوّلتموه في صلاة الخوف.
قال أبو عمر: ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلّى خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم وصلّى خلف غيره؛ لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس فيها فضل للمعطي كما في الصَّلاة فضل للمصلّي خلفه.
(فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) أي: أردت أن تصلي بهم إماماً كقوله تعالى (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا .. ) وكقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
(فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) يعني بعد أن تجعلهم طائفتين، طائفة بإزاء العدو، وطائفة تقوم منهم معك في الصلاة.
(وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: الطائفة التي تصلي معه، وقيل: الضمير راجع إلى الطائفة التي بإزاء العدو، والأول أظهر، لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو لابد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك من كان في الصلاة، لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة فأمره الله بأن يكون آخذاً لسلاحه، أي: غير واضع له، وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصته فيهم.
(فَإِذَا سَجَدُوا) أي: القائمون في الصلاة، والمعنى: أتموا الركعة تعبيراً بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة.
• وعبر بالسجود عن الصلاة، لأنه ركن فيها، بل هو أعظم أركانها، وبه تنتهي الركعة.
(فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) أي: من خلفكم تجاه العدو، أي: فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة.
(وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) وهي القائمة في مقابلة العدو التي لم تصل.
(فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أي: ما بقي من صلاتك، وهو ركعة بعد انصراف الطائفة الأولى، وهذا دليل على أن الإمام يبقى.
(وَلْيَأْخُذُوا) أي: هذه الطائفة الأخرى
(حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليأخذوا تيقظهم واحترازهم مع أسلحتهم، لما عسى أن يحدث من العدو.
• في هذا الحديثين صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة:
عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، - عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وصفتها: أن يقسم الإمام الجند طائفتين، طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس المسلمين عن هجوم العدو، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم (والإمام قائم) ثم يذهبون ويقفون أمام العدو، وتأتي الطائفة التي كانت تحرس وتدخل مع الإمام في الركعة الثانية، فيصلي بهم الركعة التي بقيت له، ثم يجلس للتشهد قبل أن يسلم الإمام تقوم الطائفة الثانية وتكمل الركعة التي بقيت لها وتدرك الإمام في التشهد فيسلم بهم.
أ- في هذا الحديث العدو في غير جهة القبلة، وهي أقرب الصفات، وهذا الحديث اختاره الإمام أحمد رحمه الله:
أولاً: لأنه أشبه بكتاب الله (هي الموافقة لظاهر القرآن).
ثانياً: وأحوط بجند الله.
ثالثاً: وأسلم للصلاة من الأفعال، وهذه صلاته صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع.
قال القرطبي: وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور.
ب-من شرط تطبيق هذه الصفة: أن تكون الطائفة التي في وِجَاه العدو قادرة على حفظ الطائفة التي تصلي.
ج-خالفت هذه الصفة الصلاة من أوجه:
أولاً: انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، لكنه لعذر.
ثانياً: الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل سلام الإمام.
ثالثاً: أن الركعة الثانية كانت أطول من الأولى.
قال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.
د-في هذه الصفة: حصل للطائفة الثانية التسليم مع النبي صلى الله عليه وسلم كما حصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه.
قال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.
(وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) أي: تمنّى وأحبّ الكافرون غفلتكم عن أخذ السّلاح لِيَصلوا إلى مقصودهم؛ فبين الله تعالى بهذا وجَه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح، وذكر الحِذْر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أوْلى بأخذ الحِذْر، لأن العدّو لا يؤخّر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة؛ وأيضاً يقول العدّو قد أثقلهم السلاح وكَلّوا.
• وفي هذه الآية أدلّ دليل على تعاطي الأسباب، واتخاذ كل ما يُنجي ذوي الألباب، ويوصّل إلى السّلامة، ويبلغ دار الكرامة. [قاله القرطبي].
• ومعنى (مَّيْلَةً وَاحِدَةً) مبالغة، أي مستأصلة لا يُحتاج معها إلى ثانية
(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) أى: لا إثم عليكم في حالة المطر أو المرض، أن لا تحملوا أسلحتكم اذا ضعفتم عنها.
(وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) أي كونوا متيقظين، وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد التأهّب والحذر من العدوّ في كل الأحوال وترك الاستسلام؛ فإن الجيش ما جاءه مَصابٌ قطّ إلا من تفريط في حذر. [قاله القرطبي]
وقال الرازي: والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم واستغناماً منهم لوضع المسلمين أسلحتهم.
(إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) من العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم، ويأخذوهم ويحصروهم، ويقعدوا لهم كل مرصد، ويحذروهم في جميع الأحوال، ولا يغفلوا عنهم، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم.
فلله أعظم حمد وثناء على ما مَنَّ به على المؤمنين، وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم راية،
ولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات.
(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ) أي: فإذا انتهيتم من صلاة الخوف.
(فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) قال القرطبي: ذهب الجمهور إلى أن هذا الذّكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف؛ أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم (قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ) وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في حال القتال، ونظيره (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
• وقال الآلوسي (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة) أي فإذا أديتم صلاة الخوف على الوجه المبين وفرغتم منها (فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ) أي فداوموا على ذكره سبحانه في جميع الأحوال حتى في حال (المسابقة) والمقارعة والمراماة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال عقب تفسيرها: لم يعذر الله تعالى أحداً في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله.
• وقال ابن كثير: أمر تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعاً مرغباً فيه أيضاً بعد غيرها، ولكن هنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد غيرها كما قال تعالى (في الأشهر الأحرم)(فَلَا تَظْلمواْ فِيهِنّ أَنفُسَكُمْ) وإن كان هذا منهياً عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها.
• وقال القاسمي: أي: فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف واحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه.
(فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) أي أمنتم وذهب الخوف، والطمأنينة سكون النفس من الخوف.
(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر، وبكمال عددها في الحَضَر.
وقيل في معنى الآية: أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافراً بل يصير مقيماً، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة.
(إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً) أي: فرضاً.
(مَوْقُوتاً) أي: مؤقتة بأوقات محددة.
الفوائد:
1 -
وجوب صلاة الجماعة على الرجال.
قال السعدي: وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى.
والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها.
2 -
مشروعية صلاة الخوف على الكيفية الواردة.
3 -
لا يجوز تأخي الصلاة عن وقتها حتى ولا في حالة الحرب.
4 -
فضل السجود وعظم منزلته، حيث خصه من بين أركان الصلاة، وأنه قد يعبر به عن جميع الصلاة.
5 -
وجوب أخذ المؤمنين المقاتلين حذرهم من عدوهم الكافر.
6 -
أن الكافرين يتربصون الدوائر بالمسلمين، ويتحينون الفرصة للوقيعة بهم.
7 -
مشروعية ذكر الله بعد الانتهاء من الصلاة.
8 -
مشروعية ذكر الله على كل حال.
9 -
أهمية الذكر وعظم منزلته.
10 -
أنه إذا زال الخوف وجب إقامة الصلاة على ما كانت عليه حال الأمن.
11 -
أن الصلاة فرض على المؤمنين.
12 -
أن الصلاة مؤقتة بأوقات محددة معلومة يجب أداؤها فيها.
(وَلَا تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)).
[النساء: 104].
(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جُدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد.
(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم كما قال (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ).
• قال الرازي: والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف صار مانعاً لكم عن قتالهم.
(وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، وهم لا يرجون شيئاً من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها.
قوله تعالى (وترجون من الله) أي: من الثواب والوعد الذي وعدهم من النصر والثواب الجزيل على الجهاد والقتال.
• قال ابن عاشور: وزادهم تشجيعاً على طلب العدوّ بأنّ تَألّم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كلٌ يخشى بأس الآخر، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها.
• ففي الآية تعليل للنهي وتشجيع لهم، وتهوين الأعداء في قلوب المسلمين.
• قال السعدي: أي لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم.
ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين:
الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى.
الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة، لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس
كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته
• وقال الآلوسي: (وَلَا تَهِنُواْ فِى ابتغاء القوم) أي لا تضعفوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لَا يَرْجُونَ) تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصاً بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم، ثم إنهم يصبرون على ذلك، فما لكم أنتم لا تصبرون مع أنكم أولى بالصبر منهم، حيث أنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى ما لا يخطر لهم ببال من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل والنعيم المقيم في الآخرة.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً) مبالغاً في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما تسرون.
(حَكِيماً) فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه عواقب حميدة وفوزاً بالمطلوب.
• قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: ولم يزل الله (عليمًا) بمصالح خلقه (حكيمًا) في تدبيره وتقديره. ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم.
الفوائد:
1 -
تشجيع المسلمين على الجهاد في سبيل الله.
2 -
ينبغي طلب القوة ضد الأعداء وعدم الضعف.
3 -
إثبات اسمين من أسماء الله.
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (106)).
[النساء: 105 - 106].
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) يقول تعالى مخاطباً لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)
• المراد بالكتاب القرآن وسمي القرآن كتاباً:
أولاً: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ: كما قال تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).
ثانياً: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة: قال تعالى (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ).
ثالثاً: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، ونقرؤه من هذه الكتب.
•
من أسماء القرآن:
أولاً: الفرقان.
كما قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) وقال تعالى (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ).
وسمي بذلك: قيل: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، وقيل: لأنه نزل متفرقاً في حين أن سائر الكتب نزلت جملة واحدة، وقيل: الفرقان هو النجاة، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وكل هذه الأقوال صحيحة.
ثانياً: القرآن.
كما قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً).
ثالثاً: الكتاب،
كما في هذه الآية.
رابعاً: الذكر.
كما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
قال ابن جرير في وجه تسميته بالذكر: إنه محتمل معنيين:
أحدهما: أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكّر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه.
والآخر: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني أنه شرف به شرف له ولقومه.
• وقوله (بالحق) الباء للملابسة وللتعدية: أي أن القرآن نفسه نزل حقاً من عند الله لا من عند غيره، وتكون للتعدية: بمعنى أن الكتاب نزل بالحق أي: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق، فعلى الوجه يكون المراد بقوله: بالحق تأكيد أنه نزل من عند الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أن كل ما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواهي وأخبار فهو حق.
وكلا المعنيين صحيح، فهي حق من عند الله، وما جاءت به من الشرائع والأخبار فهو حق.
(لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) في الخصومات، وفي بيان الأحكام الشرعية.
(بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) أي: بما أراك الله من الآيات البينات في كتابه الكريم، وبما أفهمك من استنباط لبعض الأحكام من الآيات، مما ليس فيه نص صريح.
روي عن عمر أنه قال: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيب، لأن الله يريه إياه وهو منا الظن والتكلف.
وقال ابن عباس: إياكم والرأي، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (لتحكم بين الناس بما أراك الله) ولم يقل بما رأيت.
• قال القرطبي: معناه على قوانين الشرع؛ إمّا بوَحْيٍ ونَص، أو بنظر جارٍ على سنن الوَحي.
وهذا أصل في القياس؛ وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئاً أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العِصْمَة؛ فأما أحدنا إذا رأى شيئاً يظنه فلا قطع فيما رآه، ولم يُرد رؤية العين هنا؛ لأن الحكم لا يرى بالعين.
(وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً) الواو استئنافية، والخائنين جمع خائن، والخيانة: هي الغدر في موضع الأمانة، وهي صفة ذم بكل حال، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)، وهي من صفات المنافقين قال تعالى (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
والمعنى: أي: لا تكن مخاصماً لهم، ومدافعاً عنهم، بل كن عليهم خصيماً.
قال الطبري: ولا تكن لمن خان مسلماً ومعاهداً في نفسه أو ماله خصيماً تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خان فيه.
• قال ابن عاشور: والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد الأمّة، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي صلى الله عليه وسلم وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لأبناء أبيرق.
• قال القرطبي: قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاقُ قومُ أن يُجادل فريق منهم فريقاً عنهم ليحموهم ويدفعوا
عنهم؛ فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى (وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً) وقوله (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ).
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمرادُ منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين:
أحدهما: أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعدُ بقوله (هَا أَنْتُمْ هؤلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا).
والآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكماً فيما بينهم، ولذلك كان يُعتَذر إليه ولا يَعتذِر هو إلى غيره، فدلّ على أن القصد لغيره.
(وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي: اطلب من الله المغفرة.
• قال القرطبي: ذهب الطبري إلى أن المعنى، استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين؛ فأمره بالاستغفار لما همّ بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي، وهذا مذهب من جوّز الصغائر على الأنبياء، صلوات الله عليهم.
• قال ابن عطية: وهذا ليس بذنب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم.
والمعنى: واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل؛ ومحلك من الناس أن تسمع من المُتَداعيينْ وتَقضي بنحو ما تَسمع، وتستغفر للمذنب.
وقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله؛ على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب.
وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بنو أُبيرِق، كقوله تعالى (يا أَيُّهَا النبي اتق الله)(فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ).
• قال ابن عاشور: والأمرُ باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله ممّا اقترفوه، أو أراد: واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم، وهذا نظير قوله (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله) وليس المراد بالأمر استغفار النبي لنفسه، كما أخطأ فيه مَن تَوهَّم ذلك، فركَّب عليه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خَطر بباله مَا أوجب أمره بالاستغفار، وهو هَمُّه أن يجادل عن بني أبيرق، مع علمه بأنّهم سرقوا، خشية أن يفتضحوا، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً) يغفر السيئات مهمت عظمت.
(رَحِيماً) بعباده المؤمنين، وسعت رحمته كل شيء.
الفوائد:
1 -
بيان عظمة الرب تعالى.
2 -
علو الله تعالى.
3 -
أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
4 -
منقبة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم.
5 -
أن القرآن حق وما جاء به حق.
6 -
نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مخاصماً للخائنين.
7 -
وجوب استغفار الله دوماً وأبداً.
8 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يقع منه الذنب.
9 -
كل أحد يحتاج للاستغفار.
(وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)).
[النساء: 107].
(وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) أي: لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم.
• قال البقاعي: (ولا تجادل) أي في وقت ما (عن الذين يختانون) أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا (أنفسهم) بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه.
• قال الرازي: وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم: إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه.
• قال ابن عاشور: والخطاب في قوله (ولا تجادل) للرسول، والمراد نهي الأمّة عن ذلك، لأنّ مثله لا يترقّب صدوره من الرسول عليه الصلاة والسلام كما دلّ عليه قوله تعالى (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا).
• قوله تعالى (ولا تجادل .. ) المجادلة: مماراة الخصم من أجل الظهور عليه، قال الشوكاني: مأخوذة من الجدل وهو فتل الحبل وإحكامه، لأن المجادل يحكم حجته، وإما من الجَدَالة وهي الأرض، لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها.
• وفي الآية تحريم العمل بالمحاماة للدفاع عن الظلمة.
وقد قال تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً) الخوان: كثير الخيانة، والإثيم: كثير الإثم.
• قال الرازي: إن قيل: لم قال (خَوَّاناً أثيماً) مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد.
قلنا: علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته، وأيضاً طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم.
وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
• وقال القرطبي: وخوّاناً أبلغ؛ لأنه من أبنية المبالغة؛ وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة.
الفوائد:
1 -
النهي عن معاونة الآثم.
2 -
أن الخائن لغيره خائن في الحقيقة لنفسه.
3 -
إثبات محبة الله.
4 -
أن الخيانة من كبائر الذنوب.
5 -
التحذير من الخيانة.
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109)).
[النساء: 107 - 109].
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها، لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال (وَهُوَ مَعَهُمْ).
(إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) أي: يديرون الرأي بينهم في الخفاء من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب.
والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي.
• سماه تبييتاً لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل.
• قال السعدي: وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم.
وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصًا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ليفعل ما بيتوه.
فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم.
(وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) تهديد ووعيد لهم.
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ها أنتم يا معشر القوم دافعتم عن السارق والخائنين في الدنيا.
(فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يؤمئذ لهم وكيلاً، ولهذا قال:
(أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) أي: من يتولى الدفاع عنهم ونصرتهم من بأس الله وانتقامه؟
• قال السعدي: وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها.
فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلاً وتفريطاً فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟
وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت، فإن لذته تنقضي ويعقبها من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب، ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها، وهذا من أعظم ما ينفع العبدَ تدبرُه، وهو خاصة العقل الحقيقي. بخلاف الذي يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر اللذة الحاضرة والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان. (تفسير السعدي).
الفوائد:
1 -
ذم من يخشى الناس أكثر من خشية الله.
2 -
إثبات رضا الله تعالى.
3 -
إثبات معية الله تعالى.
4 -
إحاطة الله بكل شيء.
5 -
تهديد للخونة.
6 -
تهديد من يخون بلقاء الله يوم القيامة.
7 -
أن يوم القيامة لا أحد ينفع أو يدافع عن أحد.
8 -
أن الناس في الدنيا قد يتناصرون بالباطل.
9 -
إثبات يوم القيامة.
(السبت: 17/ 6/ 1434 هـ).
(وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (112)).
[النساء: 110 - 112].
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) أحسنُ ما قيل في تفسير هذه الآية: أنّ عمل السوء أريد به عمل السوء مع الناس، وهو الاعتداء على حقوقهم، وأنّ ظلم النفس هو المعاصي الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصّة ما أمر به أو نُهيَ عنه. (تفسير ابن عاشور).
وقيل: السوء الذنب الصغير، وظلم النفس الذنب الكبير.
وقيل: من يعمل سوءاً بذنب دون الشرك، أو يظلم نفسه بالشرك.
(ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّه) بالتوبة الصادقة ولو قبل الموت بيسير.
(يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً) ممحياً للزلات والهفوات.
(رَحِيماً) ومن رحمته قبول توبة عباده ومحوها.
وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم (قال تعالى: من تقرب مني شبراً تقربت منه باعاً
…
).
(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً) أي: ذنباً من الذنوب.
(فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) لأن وباله راجع عليه، إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره، كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، فليحترز عن تعريضها للعقاب والوبال، والكسب: فعل ما يجر نفعاً أو يدفع ضراً.
• قال القرطبي: لأنه عاقبته عائدة عليه.
ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى:
(وكان الله) أي الذي له كمال الإحاطة أزلاً وأبداً.
(عليماً) أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئاً منه.
• قال بعض العلماء: وختمها بصفة العلم، لأنه يعلم جميع ما يكسب، لا يغيب عنه شيء من ذلك.
(حكيماً) فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئاً وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.
• قال أبو حيان: وختمها بصفة العلم، لأنه يعلم جميع ما يكسب، لا يغيب عنه شيء من ذلك.
ثم بصفة الحكمة، لأنه واضع الأشياء مواضعها، فيجازي على ذلك الإثم بما تقتضيه حكمته.
(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً) ذكروا في الخطيئة والإثم وجوهاً:
الأول: أن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم هو الكبيرة.
وثانيها: الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل.
وثالثها: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ، والإثم ما يحصل بسبب العمد.
ورابعها: هما بمعنى واحد كرر لاختلاف اللفظ تأكيداً.
• قال ابن عاشور: وذكر الخطيئة والإثمِ هنا يدلّ على أنّهما متغايران، فالمراد بالخطيئة المعصية الصغيرة، والمراد بالإثم الكبيرة.
(ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً) أي: يقذفُ بما جناه بريئاً منه.
فإن قيل: الخطيئة والإِثم اثنان، فكيف قال: به، فعنه أربعة أجوبة.
أحدها: أنه أراد: ثم يرم بهما، فاكتفى بإعادة الذكر على الإثم من إِعادته على الخطيئة، كقوله (انفضّوا إِليها) فخصّ التجارة، والمعنى للتجارة واللّهو.
والثاني: أن الهاء تعودُ على الكسب، فلما دلّ ب "يكسب" على الكسب، كنى عنه.
والثالث: أن الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإِثم، كأنه قال: ومَن يكسب ذنباً، ثم يرم به.
ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري.
والرابع: أن الهاء تعود على الإِثم خاصة، قاله ابن جرير الطبري. [قاله ابن الجوزي].
(فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) أي: فقد تحمّل جرماً وذنباً واضحاً.
• قال القرطبي: والبُهتان من البَهْت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء.
وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال (أتدرون ما الغِيبة"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: ذِكْرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) وهذا نَصٌّ؛ فرمي البريء بهت له.
• قال ابن عاشور: ودُلّ على عظم هذا البهتان بقوله (احتمل) تمثيلاً لحال فاعله بحال عناء الحامل ثِقلاً.
الفوائد:
1 -
أن من استغفر وتاب من ذنوبه تاب الله عليه.
2 -
أن فعل المعاصي ظلم للنفس.
3 -
سعة مغفرة الله ورحمته.
4 -
أن الله لا يظلم أحداً.
5 -
أن معصية العاصي تضره وحده.
6 -
علم الله بكل شيء.
7 -
تهديد من يتجرأ على المعاصي ويستمر عليها، بأن الله عليم بكل شيء.
8 -
إثبات حكمة الله الكاملة.
9 -
عظم جرم من يرم بريئاً بجرم وهو برئ منه.
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113))
[النساء: 113].
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) لولا: حرف امتناع لوجود، فامتنع همهم أن يضلوه لوجود فضل الله، والفضل: في الأصل هو الزيادة في العطاء، والرحمة: أعم من الفضل، فبسببها يكون الفضل، وهو حصول المطلوب وزوال المرهوب.
والمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بأن أراك وجه الصواب في هذه القصة.
(لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) أي: أضمرت وقصدت فرقة منهم - وهم قوم السارق الذين أرادوا تبرئة صاحبهم من السرقة وإلصاقها بغيره - بإضلالك ويبعدونك عن إصابة الحق في الحكم في هذه القضية.
• قال القرطبي (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) عن الحق؛ لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ ابن أُبَيرِق من التُّهمَة ويُلحقها اليهوديَّ، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إياه.
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي: وما يضلون فيما حاولوا من التلبيس على النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عن صاحبهم واتهامهم غيره إلا أنفسهم في الحال والمآل، لأن ضرر ذلك عائد إليهم، حيث سعوا في تبرئة السارق حقاً واتهام غيره.
• قال القرطبي: لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم راجع عليهم.
(وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أنهم ما يمكن أن يضرونك بشيء أبداً لفضل الله عليك ورحمته بك وعصمته لك وبيانه الحق.
• قال الطبري: وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلُّوك عن الحق في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته (من شيء)، لأن الله مثبِّتك ومسدِّدك في أمورك، ومبيِّن لك أمر من سعوا في إضلالك عن الحق في أمره وأمرهم، ففاضِحُه وإياهم.
• قال ابن الجوزي: فإن قيل: كيف قال (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهَمَّت طائفة) وقد همت بإضلاله؟
فالجواب: أنه لولا فضل الله عليك ورحمته، لظهر تأثير ما همّوا به.
(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب القرآن.
(وَالْحِكْمَةَ) قيل: السنة، كما قال تعالى (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً) وقيل: معرفة حكم واسرار الشريعة، ولا مانع من حمل الآية على المعنيين.
• قال الطبري: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، يقول: ومن فضل الله عليك، يا محمد، مع سائر ما تفضَّل به عليك من نعمه، أنه أنزل عليك"الكتاب"، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شيء وهدًى وموعظة، والحكمة، يعني: وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده.
(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) أي: من قبل نزول ذلك عليك.
كقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ
عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ).
وقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ).
وقوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ).
• قال الطبري: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من خبر الأولين والآخرين، وما كان وما هو كائن، فكل ذلك من فضل الله عليك، يا محمد، مُذْ خلقك، فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك، بالتمسك بطاعته، والمسارعة إلى رضاه ومحبته، ولزوم العمل بما أنزل إليك في كتابه وحكمته، ومخالفة من حاول إضلالك عن طريقه ومنهاج دينه.
• قال ابن الجوزي: وفي قوله (وعلمك ما لم تكن تعلم) ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل، والثاني: أخبار الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان، والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره الماوردي.
(وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) هذا كالتوكيد لقوله (ولولا فضل الله عليك ورحمته)، والمعنى: فضل الله عليك يا محمد بالغاً غاية كبيرة جداً في العظم، لأنه فضل وعطاء من العظيم، الذي لا أعظم منه.
الفوائد:
1 -
عظم فضل الله على نبيه.
2 -
من ضل وعصى فإنما يضل على نفسه.
3 -
أن القرآن منزل.
4 -
إثبات علو الله تعالى.
5 -
من نعم الله على نبيه إنزال الكتاب والحكمة.
6 -
فضل العلم.
7 -
أن الإنسان يشرف بالعلم.
(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)).
[النساء: 114].
(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) أي: في كلام الناس.
• قال السعدي: أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه.
• قال ابن عاشور: علم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع.
(إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي: إلا نجوى من قال ذلك.
الأولى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ: أي: أمر غيره بالصدقة.
بصدقة: بتنيكر صدقة: لتشمل الصدقة القليلة والكثيرة، والواجب والمستحب منها.
والمراد بالصدقة هنا: الإحسان بالمال، لأن الله ذكر (المعروف) بعدها.
الثانية: أَوْ مَعْرُوفٍ: أي: أو أمر بمعروف.
قال الطبري: والمعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير.
الثالثة: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ: أي: أو أمر بإصلاح بين الناس.
الإصلاح بين الناس: إزالة الفساد والقضاء على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم وفض خصوماتهم وإنهاؤها
ومعنى الآية: لا خير في كثير مما يتناجى فيه الناس إلا ما كان من أعمال الخير، وذَكَر الله منها هذه الأقسام الثلاثة.
• وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى.
وفي الخبر: " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكرٍ لله تعالى " فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب.
• قال الرازي: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والاصلاح بين الناس.
• قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه.
ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون).
وقوله في هذه الآية الكريمة (أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ الناس) لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا.
ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى (إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ). وقوله (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَ) فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى (فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ).
• قال بعض العلماء: وخص الصدقة والإصلاح بين الناس بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذاناً بالاعتناء بهما لما في الأول: من بذل المال الذي هو شقيق الروح، وما في الثاني: من إزالة فساد ذات البين وهي الحالقة للدين كما في الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين).
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي: مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله عز وجل؟
(فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) أي: ثواباً كثيراً واسعاً.
• قال الطبري: فسوف نعطيه جزاء لما فعل من ذلك عظيماً، ولا حدّ لمبلغ ما سمى الله - عظيماً - يعلمه سواه.
• قال البقاعي: وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد
• قال السعدي: فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل.
• في الآية فضل الصدقة. وللصدقة فضائل كثيرة منها:
أولاً: أنها برهان على صحة الإيمان.
كما في قال صلى الله عليه وسلم (والصدقة برهان) رواه مسلم.
قال ابن رجب: وأما الصدقة فهي برهان،
…
فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان.
ثانياً: أنها تطهير للنفس.
قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).
ثالثاً: أنها تغفر الذنوب.
قال صلى الله عليه وسلم (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.
رابعاً: أن الصدقة تزيد المال.
قال صلى الله عليه وسلم (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم.
خامساً: أنها تظلل صاحبها يوم القيامة.
قال صلى الله عليه وسلم (العبد في ظل صدقته يوم القيامة) رواه أحمد.
وقال صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:
…
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
سادساً: أنها وقاية النار.
قال صلى الله عليه وسلم (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم للنساء (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) متفق عليه.
سابعاً: دعاء الملائكة.
كما قال صلى الله عليه وسلم (ما من صباح إلا وينزل ملكا: يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه
ثامناً: أن فيها علاجاً من الأمراض.
روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (داووا مرضاكم بالصدقة).
قال ابن شقيق (سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبراً).
تاسعاً: أن الله يدفع بالصدقة أنواعاً من البلاء.
كما في وصية يحيى عليه السلام لبني إسرائيل (وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم).
فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه. (الوابل الصيب).
عاشراً: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به.
كما في قوله تعالى (ومَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُم).
ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عائشة عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها، قال (بقي كلها غير كتفها) رواه الترمذي.
الحادي عشر: أن يضاعف للمتصدق أجره.
كما في قوله عز وجل (إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيم).
وقال تعالى (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون).
وقال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).
وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فلوه) متفق عليه.
عن أبي هُرَيْرَةَ قال. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) متفق عليه.
الثاني عشر: أن فيها انشراحاً للصدر.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدَيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّىَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا) متفق عليه.
فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقياً بالاستكثار منها والمبادرة إليها وقد قال تعالى (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون).
الثالث عشر: الفضل الكبير.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالي ثُلُثاً وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَه) رواه مسلم.
الرابع: صاحب الصدقة موعود بالخلف.
كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.
• أفضل وقت للصدقة: وقت الصحة والقوة.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَان) متفق عليه.
قال النووي رحمه الله: قَالَ الخطابي: فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر .. فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن وَالتَّصَدُّق فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة أَفْضَل مِنْهُ بَعْد الْمَوْت وَفِي الْمَرَض، وَأَشَارَ صلى الله عليه وسلم إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:" وَأَنْتَ صَحِيح حَرِيص تَأْمُل الْغِنَى الخ " لأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب عَلَيْهِ إِخْرَاج الْمَال غَالِبًا لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال كَمَا قَالَ تَعَالَى (الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر) الآيَة.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا قَالَ: مَثَل الَّذِي يُعْتِق وَيَتَصَدَّق عِنْد مَوْته مِثْل الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ "، وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى حَدِيث الْبَاب.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا " لأَنْ يَتَصَدَّق الرَّجُل فِي حَيَاته وَصِحَّته بِدِرْهَمٍ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته بِمِائَة.
فائدة:
قال السمرقندي: عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة خمس في الدنيا وخمس في الآخرة:
أما التي في الدنيا:
فأولها: تطهير المال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة).
والثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب، كما قال الله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
…
).
والثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (داووا مرضاكم بالصدقة).
والرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين.
والخامس: أن فيها بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال تعالى (ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ).
وأما الخمس التي في الآخرة:
فأولها: أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها في شدة الحر.
والثاني: أن فيها خفة الحساب.
والثالث: أنها تثقل الميزان.
والرابع: جواز على الصراط.
والخامس: زيادة الدرجات في الجنة.
• وفي الآية الحث على فعل المعروف بأنواعه.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
قال صلى الله عليه وسلم (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).
وقال صلى الله عليه وسلم (مامن مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان
…
).
وقال صلى الله عليه وسلم (كل معروف صدقة).
قال الضحاك في قوله تعالى (إنا نراك من المحسنين) - في قصة يوسف عليه السلام كان إحسانه إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان وسع له إذا احتاج جمع سأل له.
وقيل لابن المنكدر أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قيل أي الدنيا أحب إليك؟ قال الإفضال على الإخوان، أي التفضل عليهم والقيام بخدمتهم.
وقال وهب بن منبه: إن أحسن الناس عيشاً من حسن عيش الناس في عيشه وإن من ألذ اللذة الإفضال على الإخوان.
•
ثمرات فعل المعروف:
أولاً: صرف البلاء.
قال صلى الله عليه وسلم (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.
وقال خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءها وهو يقول زملوني قالت (كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).
وفي الحديث (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) رواه الطبراني.
ثانياً: دخول الجنة.
قال صلى الله عليه وسلم (لَقدْ رَأيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِين) رواه مسلم.
ثالثاً: مغفرة الذنوب والنجاة من أهوال الآخرة.
وعن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْه) متفقٌ عَلَيْهِ.
وقال صلى الله عليه وسلم (بَينَما رَجُلٌ يَمشي بِطَريقٍ اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أمْسَكَهُ بفيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) متفق عليه.
•
آداب صنع المعروف:
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَعْرُوفِ شُرُوطًا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا، وَلَا يَكْمُلُ إلَّا مَعَهَا:
• من ذلك: إخلاصه.
كما في هذه الآية.
وكما قال تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً).
وقال تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله (
…
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها
…
).
• ومِنْ ذَلِكَ: سَتْرُهُ عَنْ إذَاعَةٍ يَسْتَطِيلُ لَهَا، وَإِخْفَاؤُهُ عَنْ إشَاعَةٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إذَا اصْطَنَعَتْ الْمَعْرُوفَ فَاسْتُرْهُ، وَإِذَا صُنِعَ إلَيْ فَانْشُرْهُ.
عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ ظُهُورِهِ، وَأَبْلَغَ دَوَاعِي نَشْرِهِ؛ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ إظْهَارِ مَا خُفِّي وَإِعْلَانُ مَا كُتِمَ.
• وَمِنْ شُرُوطُ الْمَعْرُوفِ: تَصْغِيرُهُ.
لِئَلَّا يَصِيرَ بِهِ مُدِلًّا بَطِرًا وَمُسْتَطِيلًا أَشِرًا.
وقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إلَّا بِثَلَاثٍ خِصَالٍ: تَعْجِيلُهُ وَتَصْغِيرُهُ وَسَتْرُهُ، فَإِذَا عَجَّلْتَهُ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وَإِذَا سَتَرْتَهُ أَتْمَمْتَهُ.
• وَمِنْ شُرُوطِ الْمَعْرُوفِ: مُجَانَبَةُ الِامْتِنَانِ بِهِ وَتَرْكُ الْإِعْجَابِ بِفِعْلِهِ.
لِمَا فِيهِمَا مِنْ إسْقَاطِ الشُّكْرِ، وَإِحْبَاطِ الْأَجْرِ.
وَسَمِعَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا يَقُولُ لِرَجُلٍ: فَعَلْتُ إلَيْك وَفَعَلْتُ، فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: اُسْكُتْ فَلَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إذَا أُحْصِيَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْمَنُّ مَفْسَدَةُ الصَّنِيعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: كَدَّرَ مَعْرُوفًا امْتِنَانٌ وَضَيَّعَ حَسَبًا امْتِهَانٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ مَنَّ بِمَعْرُوفِهِ أَسْقَطَ شُكْرِهِ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ أُحْبِطَ أَجْرُهُ.
• وَمِنْ شُرُوطِ الْمَعْرُوفِ: أَنْ لَا يَحْتَقِرَ مِنْهُ شَيْئًا.
وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا نَزْرًا إذَا كَانَ الْكَثِيرُ مَعُوزًا وَكُنْت عَنْهُ عَاجِزًا، فَإِنَّ مَنْ حَقَّرَ يَسِيرَهُ فَمَنَعَ مِنْهُ أَعْجَزَهُ كَثِيرُهُ فَامْتَنَعَ عَنْهُ، وَفِعْلُ قَلِيلِ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ.
• شكر صاحب المعروف.
قال صلى الله عليه وسلم (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).
وقال صلى الله عليه وسلم (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه).
الفوائد:
1 -
أن كثيراً من كلام الناس ليس فيه خير.
2 -
فضيلة الصدقة.
3 -
حث الإنسان على فعل المعروف.
4 -
فضل الإصلاح بين الناس.
5 -
وجوب الإخلاص في جميع الإعمال.
6 -
عظم ثواب من فعل ذلك ابتغاء وجه الله.
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (115)).
[النساء: 115].
(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار في شق والشرع في شق.
• والمشاقة: هي المخالفة والمحادة والمعاداة، مأخوذة من الشق وهو الجانب، لأن المشاق يأخذ جانباً غير جانب صاحبه، أو يفعل ما يشق على صاحبه.
(مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) أي: من بعد ما ظهر له الحق وتبين واتضح له، بالدلائل القرآنية، والبراهين النبوية.
(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: ويتبع ويسلك في منهجه طريقاً مغايراً ومخالفاً لطريق المؤمنين.
(نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) أي: نتخلى عنه ونتركه وشأنه، ونكله إلى ما تولى فيهلك، لأن من تعلق شيئاً وكل إليه.
• قال ابن كثير: ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك، بأن نحسنها في صدره ونزينها له - استدراجاً له - كما قال تعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وقوله تعالى (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
(وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) أي: ندخله ونغمره ونحرقه فيها، وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ). وقال تعالى (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً).
(وَسَاءَتْ مَصِيراً) أي: قبحت جهنم مصيراً ومآلاً ومرجعاً.
• قال ابن تيمية: قال العلماء: من لم يكن متبعاً سبيلهم كان متبعاً غير سبيلهم، فاستدلوا بذلك على اتباع سبيلهم واجب، فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه.
• وقال رحمه الله: فعلق الوعيد بمشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، مع العلم بأن مجرد مشاقة الرسول توجب الوعيد،
ولكن هما متلازمان، فلهذا علقه بهما، كما يعلقه بمعصية الله ورسوله، وهما متلازمان أيضاً.
الفوائد:
1 -
تحريم مشاقة الرسول.
2 -
أن الإجماع حجة.
3 -
أن ما جاء به النبي هو الهدى والنور.
4 -
عقوبة من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا (116)).
[النساء: 116].
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) تقدم شرحها.
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) أي: فقد سلك غير طريق الحق، وضل عن الهدى وبعُد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.
• قال ابن عاشور: وقال في هذه (فقد ضل ضلالاً بعيداً) وإنّما قال في السابقة (فقد افترى إثماً عظيماً) لأنّ المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله (يا أيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقاً لما معكم) فنبّهوا على أنّ الشرك من قبيل الافتراء تحذيراً لهم من الافتراء وتفظيعاً لجنسه.
وأمّا في هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبّهوا على أنّ الشرك من الضلال تحذيراً لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال.
الفوائد:
1 -
تحريم الشرك وعظم جرمه.
2 -
أن من مات على الشرك فالجنة عليه حرام.
3 -
أن الشرك أعظم الذنوب.
4 -
أن من مات على غير الشرك فإنه لا يخلد في النار.
(إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا (120) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122)).
[النساء: 117 - 122].
(إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً) إن بمعنى (ما) أي: ما يدعون من دون الله إلا إناثاً.
• قال الرازي: (إن) ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى (وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) و (يَدْعُونَ) بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ) أي من دون الله (إِلاَّ إِنَاثاً)؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام.
و (إِنٍ) نافية بمعنى (مَآ)، و (إناثاً) أصناماً، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاة.
• وقد اختلف العلماء في معنى ذلك:
قيل: أن المراد هو الأوثان، وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز.
• قال السعدي: قوله تعالى (إلا إناثاً) أي: أوثاناً وأصناما مسميات بأسماء الإناث كـ (العزى) و (مناة) ونحوهما، ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن عابديها بل ولا عن نفسها؛ نفعاً ولا ضراً، ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يُعبد من هذا وصفه ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى والصفات العليا والحمد والكمال، والمجد والجلال، والعز والجمال، والرحمة والبر والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟ " هل هذا إلا من أقبح القبيح الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟
ومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها فقط لهذه الأوثان الناقصة
وقيل: إناثاً: أي إلا أمواتاً لا روح فيها.
وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني، الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.
وقيل: إن المشركين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، فيكون المعنى (إلا إناثاً) بزعمهم.
وقيل: لا يدعون إلا شيئاً مثل الإناث لا يدفع عن نفسه فكيف يدفع عن غيره؟
وقيل: إن مع كل صنم جنيّة.
(وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً) الدعاء هنا بمعنى العبادة، أي: وما يعبدون إلا الشيطان.
والعبادة بمعنى الطاعة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك وحسنه لهم وزينه، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر.
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً)
المراد في هذه الآية، بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان) الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقرراً له (يا أبت لَا تَعْبُدِ الشيطان). وقوله عن الملائكة بل كانوا يعبدون الجن الآية
• قوله تعالى (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) يريد إبليس؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه؛ ونظيره في المعنى (اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله) أي: أطاعوهم فيما أمروهم به؛ لا أنهم عبدوهم.
(لَعَنَهُ اللَّهُ) أي: طرده وأبعده من رحمته وأخرجه من جواره.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا يتعين أن يكون خبراً، لأنه من الله، والله يفعل، ولا يدعو على أحد، فالله يخبر أنه لعنه كما قال تعالى (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين).
(وَقَالَ) أي: الشيطان.
(لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) أي: لأتخذن من عبادك الذين أبعدتني من أجلهم نصيباً أي: حظاً مقدراً معلوماً
أدعوهم إلى طاعتي من الكفرة والعصاة.
فكما أبعده الله من رحمته، يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
• فالشيطان يزين لهم طريق الضلالة ويدعوهم إلى طاعته، ويغويهم ويصرفهم عن سواء السبيل، فمن اتبعه وأطاعه فهو من حظه ونصيبه كما في الحديث (يقول تعالى: يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)
• قال الشنقيطي: ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين) وقوله (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) إلى غير ذلك من الآيات.
ولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو الأكثر أو لا ولكنه بين في مواضع أخر أنه هو الأكثر كقوله (ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يُؤْمِنُونَ) وقوله (وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقوله (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ) وقوله (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين).
وقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف والباقي في النار.
(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) أي: عن الحق، وقد أخبر تعالى عنه أنه أقسم كما في سورة الأعراف (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).
(وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وغيرها من الأماني، ومنها: إن الله غفور رحيم.
• قال الآلوسي: (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) الأماني الباطلة وأقول لهم: ليس وراءكم بعث، ولا نشر، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب ولا عقاب، فافعلوا ما شئتم، وقيل: أمنيهم بطول البقاء في الدنيا فيسوفون العمل، وقيل: أمنيهم بالأهواء بالباطلة الداعية إلى المعصية وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها وأدعو كلاً منهم إلى ما يميل طبعه إليه فأصده بذلك عن الطاعة.
• قال الرازي: وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم (يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل) والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.
(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ) قال قتادة والسدي: يعني تشقيقها، وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة.
أي: لآمرنهم بالشرك وعبادة غير الله من الأوثان، حتى يذبحوا للأوثان ويسكنوا لها ويحرموا منها ويحللوا ما شاءوا بأنفسهم، ويعمدوا إلى آذان بعض هذه الأنعام فيشققونها ويقطعونها كدليل على أنها موقوفة للأصنام متقرب بها إليهم.
• البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع، يبتكن، فهم يقطعونها كدليل على أنها محرّمة.
• قال الواحدي: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.
• والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم.
(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) أي: ولآمرنهم بتغيير خلق الله تعالى كخصاء العبيد والوشم والنمص والوشر.
وفي الحديث (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النامصات والمتنمصات والواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله). متفق عليه
ويدخل في ذلك تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها فيغييرون فطرة الخلق من التوحيد إل الشرك، ومن اليقين إلى الشك كما قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون).
• قال الرازي: وللمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة " ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)
القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، كالنمص والوشر.
(وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى.
(فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مبيناً) أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.
(يَعِدُهُمْ) بالباطل.
(وَيُمَنِّيهِمْ) المحال، والأمنيات غالباً تكون بالأشياء المستبعدة الوقوع أو يستحيل وقوعها.
كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) فإنه يعدهم إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره كما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين).
(وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً) الغرور: كل شيء ظاهره مستحسن وباطنه يضر، فالشيطان يزين له معصية الله.
والشيطان يخذل أولياءه:
كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم المعاد (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقال تعالى (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ).
وقال تعالى (فلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
(أُولَئِكَ) أي: المستجيبون له فيما وعدهم ومناهم.
(مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم إلى جهنم.
(وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً) أي: ليس عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص ولا مناص، بل هم خالدون فيها أبد الآباد.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم، بما يجب الإيمان به.
(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بجوارحهم، وتقدم شرحها.
(سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تقدم شرحها.
(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) بلا زوال ولا انتقال.
(وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً) أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة.
(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) أي: لا أحد أصدق منه قولاً وخبراً، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته (إن أصدق الحديث كتاب الله،
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة).
الفوائد:
1 -
بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف.
2 -
أن عبادة الشيطان دعاء.
3 -
أن عبادة الشيطان طاعته.
4 -
أن الشيطان يغوي ابن آدم.
5 -
أن الله لعن الشيطان.
6 -
أن الشيطان أقسم أن يتخذ من عباد الله نصيباً مفروضاً.
7 -
تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية.
8 -
تحريم تغيير خلق الله، وأن ذلك من تلاعب الشيطان.
9 -
التحذير من اتخاذ الشيطان ولياً.
10 -
أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم.
11 -
إثبات جهنم.
(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123))
[النساء: 123].
(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) قيل: إن المخاطبين في الآية هم المسلمون، وقيل: هم المشركون، حيث قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب فنزلت الآية، واختاره ابن جرير، قال: لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله (ليس بأمانيكم) وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض.
والمعنى: ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، وإنما يحصل بالإيمان والعمل الصالح.
• قال ابن كثير: والمعنى في الآية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال (إنه هو المحق) سمِع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام.
• قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوماً آلهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم.
وقد جاء في الحديث (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني). رواه الترمذي
• قال السعدي (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: (لَيْسَ) الأمر والنجاة والتزكية (بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها، وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟!
فإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى.
وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ولهذا قال تعالى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وهذا شامل لجميع العاملين، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضاً لكل جزاء قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي.
• قال الشنقيطى: قوله تعالى (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب) لم يبين هنا شيئاً من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر كقوله في أماني العرب الكاذبة (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) وقوله عنهم (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) الآية. وقوله (وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ) الآية. ونحو ذلك من الآيات.
وما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النَّبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) الآية. لا ينافي ما ذكرنا. لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) قيل: المراد كل من عمل سوءاً صغيراً أو كبيراً من مؤمن أو كافر، فمن يعمل السوء والشر يناله عقابه عاجلاً أو آجلاً.
كما قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ).
قال القرطبي: السوء هاهنا الشرك، قال الحسن: هذه الآية في الكافر، وقرأ (وَهَلْ يُجَازَى إلاَّ الْكَفُورُ).
وقال الضحاك: يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب.
وقال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجاز بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار؛ لأن كفره أوْبَقَه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: " لما نزلت (مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ) بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قارِبوا وسَدِّدوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة يُنْكبها والشوكة يشاكها).
(وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) تقدم شرح الولي والنصير.
• قال السعدي: وقوله (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع يدفع عنه ما استحقه، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب، إلا ربه ومليكه.
الفوائد:
1 -
أن التمني لا يجدي شيئاً.
2 -
التهديد لمن عمل سوءاً.
3 -
كمال قوة الله وسلطانه.
4 -
أن المصائب في الدنيا كفارات.
(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)).
[النساء: 124].
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) أي: من الأعمال الصحات.
والعمل الصالح ما توفر فيه شرطان: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للشريعة
دليل الأول قوله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات
…
) ودليل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه
…
).
• وقد تقدم أن الله دائما يقرن العمل بالصالح، لأن العمل إذا لم يكن صالحاً لم يقبل.
• فيجب على الإنسان أن يجتهد كل الاجتهاد في أن يكون عمله صالحاً.
(وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وهذا شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل ولا يترتب عليها الثواب ولا يندفع بها العقاب إلا بالإيمان، فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به.
• فالإيمان شرط لقبول الأعمال وصحتها.
كما في هذه الآية.
وكما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً).
وقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب).
• فأعمال الكافر مردودة غير مقبولة.
قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً).
وقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ).
(فَأُولَئِكَ) أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.
(يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) المشتملة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
(وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) أي: لا قليلاً ولا كثيراً مما عملوه من الخير، بل يجدونه كاملاً موفراً، مضاعفاً أضعافاً كثيرة.
• النقير: النقرة التي في ظهر نواة التمر.
كما قال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً).
وقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب).
الفوائد:
1 -
فضل الإيمان.
2 -
بيان شروط قبول العمل، وهي الإيمان والإخلاص والمتابعة.
3 -
فضل العمل الصالح.
4 -
ينبغي الاجتهاد أن يكون عمل الإنسان صالحاً.
5 -
الحذر من الرياء وطلب المحمدة.
6 -
أن المؤمن مأواه الجنة.
7 -
تنزيه الله عن الظلم.
8 -
كمال عدل الله تعالى.
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125)).
[النساء: 125].
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً) أي: لا أحد أحسن ديناً.
• والمراد بالدين هنا العمل، لأن الدين يطلق على بمعنى الجزاء كقوله تعالى (مالك يوم الدين) وبمعنى العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى (لكم دينكم ولي دين) وكقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم).
(مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة.
• قال ابن عاشور: وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنساناً، وفي القرآن (فقُل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعني).
(وَهُوَ مُحْسِنٌ) الإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية دليل على شرطي العبادة، وهما الإخلاص والمتابعة.
• قال ابن كثير: قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أخلص العمل لربه عز وجل، فعمل إيمانًا واحتساباً (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق.
وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متبعًا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمن فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً، ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ).
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسناً. لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى) ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسناً أي: مخلصاً عمله لله لا يشرك فيه به شيئاً مراقباً فيه لله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التام.
(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) أي: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن.
كما قال تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
• والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده.
والأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلاً، وقيل لمجرد الميل.
قال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد.
وقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى:(ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ) وقال: (ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) وهكذا فليكن أولياء الله.
• والحنيفية لها في الشرع معنيان: أحدهما: الإسلام، والثاني: خاص: وهو الإقبال على الله بالتوحيد بالميل عن ما سواه.
وهي دين الأنبياء جميعاً، وخصت بالإضافة إلى إبراهيم، لأن إبراهيم أكمل الخلق تحقيقاً لها مع تقدمه أبوةً على نبينا محمد المشارك له في كمال التحقيق للحنيفية.
• صفات إبراهيم عليه السلام:
الصفة الأولى: أمة.
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً .. ).
قيل معناها هنا: الرجل الجامع لخصال الخير حتى يقوم مقام أمة من الناس، وهذا هو المقصود في حق إبراهيم، وهذه تدلنا على عظيم ما كان يتصف به إبراهيم من عبادة ودعوة وخلق.
وقيل أن المقصود بالأمة هنا: أي الإمام، أي قدوة يقتدى به في الخير، وممن قال به ابن جرير الطبري وابن كثير.
الصفة الثانية: قانت.
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً).
والقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع.
الصفة الثالثة: حنيفاً.
والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده.
والأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلاً، وقيل لمجرد الميل.
قال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد.
وقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى (ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ) وقال (ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) وهكذا فليكن أولياء الله.
الصفة الرابعة: شاكر.
قال تعالى (شَاكِراً لأَنْعُمِهِ) أي قائماً بشكر نعم الله عليه.
نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً، وعلى قلبه: شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة.
بالقلب، قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).
وباللسان، قال تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
وبالجوارح، قال تعالى (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).
الصفة الخامسة: الحلم.
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
والحلم: ضبط النفس والطبع عن الهيجان عند الاستثارة.
والحليم: الكثير الحلم وموقف إبراهيم من مقالة أبيه (لأَرْجُمَنَّكَ).
ومن العتاة قوم لوط حينما مرت به الملائكة وأخبرته بما أمرت بها قال (فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
ولم يكن حلم إبراهيم ذريعة يتذرع للسكوت عن المنكر بل كان يعلن الحق وينكر الباطل (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ).
الصفة السادسة: أوّاه.
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
والذي يتحقق من معنى الأوّاه أنه الخاشع الدعّاء المتضرع، وكثرة تأوّه إبراهيم وتضرعه بين يدي ربه قد ذكرت في آيات كثيرة تدل على تحقيق إبراهيم (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ) وجدير بمن سلك طريق الدعوة أن يجعل تعجيل الإنابة من أبرز سماته ليكسب عون ربه وتسديده ومحبته.
الصفة السابعة: السخاء.
قال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًاً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ).
فذكر أن الضيف مكرمون لإكرام إبراهيم لهم، ولم يذكر استئذانهم ليدل على أنه قد عرف بإكرام الضيفان، مع أنهم قوم منكرون لا يعرفهم فقد ذبح لهم عجلاً واستسمنه، ولم يعلمهم بذلك بل راح: أي ذهب خفية حتى لا يُشعر به، تجاوباً لضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً عندهم مهيئاً للضيفان، وخدمهم بنفسه، فجاء به ومرّ به إليهم ولم يقربهم إليه، وتلطف مبالغة في الإكرام فقال (أَلا تَأْكُلُونَ).
الصفة الثامنة: الصبر.
كان إبراهيم مثلاً يحتذى في الصبر حتى استحق أن يكون من أولي العزم الذين أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يصبر كصبرهم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
وكان صبر إبراهيم شاملاً لابتلاءات كثيرة، سيأتي بيان جملة منها بإذن الله.
الصفة التاسعة: شجاعته.
واجه إبراهيم قومه ولم يخش كيدهم وقال مقسماً (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وقوله لهم (أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ .. ).
الصفة العاشرة: تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء.
قال تعالى (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ).
فكل عدو لله وإن قربه النسب تجب البراءة منه، وكل ولي لله وإن باعدت به الأوطان والأزمان تجب موالاته ومحبته وقد أمرنا أن نتأسى بإبراهيم في ذلك (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ .. ).
الصفة الحادية عشرة: سلامة القلب.
قال تعالى (وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
وسلامة القلب نوعان: كلاهما داخل في مضمون الآية، أحدهما: في حق الله وهو سلامة قلبه من الشرك، وإخلاصه العبودية لله، وصدق التوكل عليه.
والثاني: في حق المخلوقين بالنصح لهم وإيصال الخير إليهم، وسلامة القلب من الحقد والحسد وسوء الظن والكبر وغير ذلك.
(وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) قال القاسمي: أي صفيّاً خالص المحبة له، وإظهاره عليه السلام في موضع الإضمار، لتفخيم شأنه
والتنصيص على أنه الممدوح، وسر هذه الجملة الترغيب في اتباع ملته عليه السلام، فإن من بلغ من الزلفى عند الله تعالى مبلغاً مصححاً لتسميته خليلاً، حقيق بأن يكون اتّباع طريقته أهم ما يمتد إليه أعناق الهمم، وأشرف ما يرمق نحوه أحداق الأمم، فإن درجة الخلة أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه [صفه] به في قوله (وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّى).
قال كثير من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به، وفي كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلماتٍ فَأَتَمّهُنّ) الآية، وقال تعالى (إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلم يَكُ مِنَ المشْرِكِينَ)
• قال ابن القيم: الخُلَّة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجهٍ ما، وهذا المنصب خاص للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال صلى الله عليه وسلم:(إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (لو كنتُ متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) وفي حديث آخر (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته).
ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد، فأُعْطِيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمر بذبحه، وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاءً وامتحاناً، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود، فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأساً، بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها، وقال (مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ)، هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر.
ثم قال ابن القيّم: وأما ما يظنه بعض الظانين؛ أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله، فمن جهله، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم.
وأيضاً فإن الله سبحانه (يُحِب التّوّابِينَ)(وَيُحِبّ المتَطَهّرِينَ)، و (يُحِبّ الصّابِرِينَ) و (يُحِبّ المحْسِنِينَ) و (يُحِبّ المتّقِينَ) و (يُحِبّ المقْسِطِينَ) وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام، والشاب التائب حبيب الله، وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الفوائد:
1 -
الحث على الإخلاص لله تعالى.
2 -
الحث على المتابعة.
3 -
فضيلة إبراهيم حيث أمرنا باتباعه.
4 -
فضل تحقيق التوحيد.
5 -
منقبة عظيمة لإبراهيم حيث اتخذه الله خليلاً.
6 -
أن الخلة أعلى من المحبة.
(26/ 6/ 1434 هـ).
(وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا (126)).
[النساء: 126].
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له سبحانه وتعالى خلقاً وملكاً وتدبيراً.
• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.
• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
• وقال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً.
وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:
قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
وقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً).
وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
• وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:
الأول: حيث إن الجميع عبيد له جل جلاله، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.
الثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائناً من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.
• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..
يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي صلى الله عليه وسلم لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).
الفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.
الفائدة الثالثة: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد سبحانه وتعالى من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).
وقال صلى الله عليه وسلم (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون .. ) رواه مسلم.
(وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً) علماً وقدرة، وسمعاً وبصراً، وتدبيراً وغير ذلك معاني ربوبيته تعالى.
الفوائد:
1 -
عموم ملك الله تعالى.
2 -
أن السموات ذوات عدد.
3 -
إحاطة الله بكل شيء.
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)).
[النساء: 127].
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) أي: ويسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء.
• والإفتاء: هو الإخبار عن حكم شرعي.
• قال القرطبي: نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك؛ فأمر الله نبيه عليه السلام أن يقول لهم: الله يفتيكم فيهن؛ أي يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه.
وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن.
(قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) أي: قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهن.
(وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي: ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن.
• قال القرطبي: والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله (فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء).
• قال الشنقيطي: لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة وهو قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء) الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقوله هنا (وَمَا يتلى) في محل رفع معطوفاً على الفاعل الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن، ويفتيكم فيهن أيضاً (وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء) الآية. وذلك قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى) الآية.
مضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق اليتيمات فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره فليتركها ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله (وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ) هو عن أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن. أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن. أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن كما تقدم عن عائشة رضي الله عنها.
(فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) عن عائشة في قوله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها قد شَركته في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية) متفق عليه.
وعن عائشة (إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ .. ) قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .... ).
• قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله عز وجل، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله أن يُعضلها عن الأزواج خشية أن يَشركوه في ماله الذي بينه وبينها.
• قوله تعالى (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) يحتمل (ترغبون [في] نكاحهن، ويحتمل: وترغبون [عن] نكاحهن.
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي: ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم.
(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) أي: وأجب عليكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، أي: العدل.
ففي هذا وجوب العدل في اليتامى في كل شيء، قال سعيد بن جبير: كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات جمال ولا مال فانكحها واستأثر بها.
اليتامى: جمع يتيم: وهو من مات أبوه وهو صغير.
• قال الشنقيطي: ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله (وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ) وقوله (قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح) وقوله:(فَأَمَّا اليتيم فَلَا تَقْهَرْ) وقوله (وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى) الآية. ونحو ذلك من الآيات فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.
(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) قليل أو كثير.
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً) فيجازيكم عليه، واقتصر على ذكر الخير لأنه الذي رغب فيه، وفي ذلك إشارة إلى أن الشر مما لا ينبغي أن يقع منهم أو يخطر ببال.
الفوائد:
1 -
حرص الصحابة على معرفة الأحكام الشرعية.
2 -
اهتمام الشريعة الإسلامية باليتيم وبكل ضعيف.
3 -
الرجوع إلى ما في القرآن.
4 -
وجوب الاهتمام بالضعفاء.
5 -
وجوب العدل خاصة مع الضعفاء كاليتيمة.
6 -
يجوز للولي أن يتزوج اليتيم بشرط أن يعدل معها.
7 -
أن كل ما يعلمه الإنسان من خير فإنه الله يعلمه.
8 -
الحث على فعل الخير.
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)).
[النساء 128].
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً) يقول تعالى مخبراً ومشرعاً عن حال الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة عن حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها.
فالحالة الأولى: ما إذا خافت من زوجها أن ينفر عنها، أو يعرض عنها، فلها أن تسقط حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها.
وقد فعلت ذلك: سودة:
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَكُونَ فِى مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ قَالَتْ فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَائِشَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِى مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ
يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ) متفق عليه.
• فعلت سودة ذلك لأمور:
الأمر الأول: جاء عند البخاري (تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثاني: عند مسلم كما في الحديث السابق (لما كبرت سودة جعلت يومها لعائشة).
الأمر الثالث: خوفها أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكْثِه عندنا،
…
ولقد قالت سودة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! يومي لعائشة، فقَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها) رواه أبو داود.
وقد جاء عند ابن سعد في الطبقات أوضح من هذا (قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: إني أريد أن أبقى معك لأجل أن أبعث مع أزواجك يوم القيامة وإن يومي وهبته لعائشة).
• تصرفها يدل على أمرين:
الأول: على فقهها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لو طلقها لم تبقى من أمهات المؤمنين ولم تكن من أزواجه في الدار الآخرة.
الثاني: وكونها اختارت عائشة بالذات، هذا يدل على محبتها للرسول صلى الله عليه وسلم وشفقتها عليه، لأنها تعلم أن عائشة أحب نسائه إليه، فكان اهداء قسْمها لعائشة مما يسر النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا قال ابن جرير (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا) يَقُولُ: عَلِمَتْ مِنْ زَوْجِهَا (نُشُوزًا) يَعْنِي اسْتِعْلَاءً بِنَفْسِهِ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، أَثَرَةً عَلَيْهَا، وَارْتِفَاعًا بِهَا عَنْهَا، إِمَّا لِبُغْضَةٍ، وَإِمَّا لِكَرَاهَةٍ مِنْهُ بَعْضَ أَسْبَابِهَا، إِمَّا دَمَامَتُهَا، وَإِمَّا سِنُّهَا وَكِبَرُهَا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهَا. (أَوْ إِعْرَاضًا) يَعْنِي: انْصِرَافًا عَنْهَا بِوَجْهِهِ أَوْ بِبَعْضِ مَنَافِعِهِ، الَّتِي كَانَتْ لَهَا مِنْهُ. (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) يَقُولُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا، يَعْنِي: عَلَى الْمَرْأَةِ الْخَائِفَةِ نُشُوزَ بَعْلِهَا أَوْ إِعْرَاضَهِ عَنْهَا، أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، وَهُوَ أَنْ تَتْرُكَ لَهُ يَوْمَهَا، أَوْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ الْوَاجِبِ لَهَا مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ، تَسْتَعْطِفُهُ بِذَلِكَ، وَتَسْتَدِيمُ الْمَقَامَ فِي حِبَالِهِ، وَالتَّمَسُّكَ بِالْعَقْدِ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنَ النِّكَاحِ، يَقُولُ (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) يَعْنِي: وَالصُّلْحُ بِتَرْكِ بَعْضِ الْحَقِّ اسْتِدَامَةً لِلْحُرْمَةِ، وَتَمَاسُكًا بِعَقْدِ النِّكَاحِ، خَيْرٌ مِنْ طَلَبِ الْفُرْقَةِ وَالطَّلَاقِ.
(خافت) أي: توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن.
(من بعلها) أي: زوجها، كما قال تعالى عن امرأة إبراهيم (ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً).
(وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الفراق، قال ابن جرير: يعني والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة وتمسكاً بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق.
• قال ابن كثير: والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه
وقد جاء في البخاري عن عائشة (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً) قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري فأنت في حلٍّ من النفقة عليّ والقسمة لي، فلذلك قوله تعالى (فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً)
• والصلح خير في كل شيء، في الأمور الزوجية وغيرها.
• قال القرطبي (والصلح خَيْرٌ) لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير
على الإطلاق.
ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وَطْء أو غير ذلك (خَيْرٌ) أي: خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، " وقال عليه السلام في البِغْضة:"إنها الحالقة" " يعني حالقة الدِّين لا حالقة الشعر.
(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) أي: وجبلت الأنفس على الشح.
• والشح: أشد البخل، واختار ابن جرير أن المعنى هو أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة.
• قال الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح أي: جعل شيئاً حاضراً لها كأنه ملازم لها لا يفارقها. لأنها جبلت عليه.
وأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه وهو قوله تعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون) ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل وهو رذيلة والعلم عند الله.
• الشح: أشد من البخل، فالبخل غالباً يطلق على منع المال، وأما الشح فهو يتعلق بمنع الحق الواجب من المال، وبغير ذلك من أوجه الخير والإحسان والمعروف، بل ويحمل على الاعتداء على حقوق الناس وأموالهم كما قال صلى الله عليه وسلم (اتقوا الشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح
…
). وقال صلى الله عليه وسلم (إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) رواه أبو داود.
فهو مُنافٍ للإيمان.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا) رواه النسائي.
والشُّح يُهلك صاحبه، وإذا شاع في المجتمعات مزقها وأهلكها.
قال صلى الله عليه وسلم (
…
وأما المهكات: فشحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه) رواه أحمد.
ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الخُلق الذميم؛ لأنه يؤدي إلى شيوع الظلم، وقطيعة الرحم، وسفك الدماء، وأكل الأموال.
فعن عبد اله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا
…
) رواه أبوداود.
وقال صلى الله عليه وسلم (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) رواه أبو داود.
وقال صلى الله عليه وسلم (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج).
• فالشح يؤدي إلى قطيعة الرحم، والظلم والبغي، والعدوان على الناس وغير ذلك.
• وإضافتُهُ إلى النفسِ لأنَّه غريزةٌ فيها مقتضيةٌ للحرصِ على المنعِ الذي هو البخلُ، ولهذا قال تعالى (وأحضرت الأنفس الشح)
• قال ابن عاشور: وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس.
(وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن فإن الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.
• قال أبو حيان: ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض،
وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بهنّ " فإنهنّ عوان عند الأزواج ".
• قوله تعالى (وأن تحسنوا) الإحسان: هو إتقان العمل
• قوله تعالى (وتتقوا) بترك المحظور والمنهيات.
قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) قال أبو حيان: وختم آخر هذه بصفة الخبير وهو علم ما يلطف إدراكه ويدق، لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى، ولا يظهران ذلك لكل أحد.
الفوائد:
1 -
حرص الشريعة على الإصلاح.
2 -
أنه يجوز الاصطلاح بين الزوجين على ما يتفقا بينهما.
3 -
للزوجة أن تسقط بعض حقها لكي لا يطلقها زوجها.
4 -
أن الصلح خير في كل شيء.
5 -
ذم الشح.
6 -
فضل الكرم.
7 -
الحث على الإحسان والتقوى.
8 -
عموم علم الله تعالى.
(وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129) وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130))
[النساء: 129 - 130].
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم عى العدل.
• قال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.
• وقال الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر الله تعالى هنا أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي، لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع.
• وقال ابن كثير: أي: ولن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة.
• وقال الرازي: المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل.
وقد جاء في الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك).
(فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية.
• قال ابن عاشور: أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة.
(فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة، قال بعض العلماء: أي: لا ذات زوج ولا مطلقة.
(وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض.
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) تقدم شرحها.
(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) أي: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه.
(يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ) الزوجة يرزقها بزوج صالح، والزوج يرزقه الله بزوجة صالحة.
• قال القرطبي: أي: وإن لم يصطلحا بل تفرّقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيّض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسِّع عليها.
• قال الماوردي: يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه.
والثاني: يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه.
والثالث: يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه.
(وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.
وقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
فالله عز وجل واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
والله واسع المغفرة.
ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.
قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم تبارك وتعالى (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
والله واسع العلم:
كما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً).
والله واسع الرحمة:
كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
(حَكِيماً) يضع الأمور في مواضعها.
الفوائد:
1 -
وجوب العدل بين الزوجات فيما يستطيعه الإنسان.
2 -
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
3 -
على الإنسان أن يجتهد أن يعدل بقدر استطاعته.
4 -
رحمة الله بالزوجين.
5 -
أن الله واسع حكيم.
(الأحد: 2/ 7/ 1434 هـ).
(وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)). [131 - 132].
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تقدم شرحها، فلا يتعذر عليه الإغناء بعد الفرقة، ولا الإيناس بعد الوحشة ولا ولا وفيه من التنبيه على كمال سعته وعظم قدرته ما لا يخفى.
قال بعض العلماء: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم.
(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا) أي: عهدنا.
والوصية: هي العهد بالشيء مع التأكيد.
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) كاليهود والنصارى وغيرهم ممن أوتوا الكتاب، لأن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ).
(وَإِيَّاكُمْ) أي: وصيناكم بما وصيناهم به.
(أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) أي: اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه [وقد تقدمت مباحث التقوى].
وفي الحديث عن العرباض بن سارية: وَعَظَنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله: كأنَّهَا موعظة مُوَدّعٍ فأوْصِنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة) رواه الترمذي.
• قال القرطبي: والمراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين.
• قال ابن عاشور: والإخبارْ بأنّ الله أوصى الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلْهاب همم المسلمين للتهمّم بتقوى الله لئلاّ تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب، فإنّ للائتساء أثراً بالغاً في النفوس، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم).
(وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم، لأنه مستغن عن العباد.
كما قال تعالى (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).
وقال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).
وقال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).
وقال تعالى (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ).
• قال ابن عاشور: بيَّن بها عدم حاجته تعالى إلى تقوى الناس، ولكنّها لصلاح أنفسهم، كما قال (إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر).
(وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً) عن جميع عباده، فالله غني عن كل ما سواه، غني في نفسه لكثرة ما عنده، غني عن خلقه، كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) له ملك السموات والأرض، وخزائن السموات والأرض كلها بيده، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، فخزائنه عز وجل ملأ، لايغيضها كثرة الإنفاق، وليس بحاجة إلى خلقه، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وكل شيء فقير إليه.
• قال ابن القيم: هو الغني بذاته الذي كل ما سواه محتاج إليه، وليس به حاجة إلى أحد.
• وقال السعدي: هو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنياً، لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقاً قادراً رازقاً محسناً فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المغني جميع خلقه غنى عاماً.
قال: ومن كمال غناه: أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً في الملك، ولا ولياً من الذل.
وقال الخطابي: الغني: هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم وتأييدهم لمُلكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون.
•
الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:
أولاً: إفراد الله تعالى بالعبادة، لأنه سبحانه هو الغني الغنى المطلق المطلق، والغنى وصف له سبحانه ذاتي وما سواه من الخلائق مفتقر إليه، فالأمر كله له والملك كله له، وجميع الخلق مربوبون مملوكون، فكيف يتخذ منهم معبوداً مع الله تعالى؟
ثانياً: الافتقار التام إلى الله عز وجل، لأن الفقر صفة ذاتية ملازمة للعبد في جميع أحيانه ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، ولا يستغني عن ربه سبحانه طرفة عين، لأنه سبحانه الغني ذو الغنى المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد محتاج إليه.
ثالثاً: أن هذا الاسم يثمر في قلب المؤمن الغنى القلبي كما في الحديث (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى القلب) وهذا يثمر الاستغناء بالله تعالى وحده عن الناس وعزة النفس، والتعفف والزهد بما في أيدي الناس، وعدم التذلل لهم وعدم التعلق بأعطياتهم وإعانتهم، بل يجرد العبد تعلقه وقضاء حوائجه وطلب رزقه بالله الغني الحميد الكريم الوهاب الذي لا تفنى خزائنه.
رابعاً: أن الله غني عن عباده، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته.
أما العباد فإنهم يحسنون إلى بعضهم البعض لتعلق مصالحهم بذلك إما عاجلاً وإما آجلاً.
• فغنى الله يتضمن شيئين: الأول: الغنى الذاتي، لكثرة ما يملكه، إذ كل شيء ملكه، والثاني: الغنى عن الغير، فلا يحتاج إلى أحد وغيره محتاج إليه.
(حَمِيداً) اسم من أسماء الله، قال ابن جرير: أي محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله.
• وقال الخطابي: الحميد: هو المحمود الذي استحق الحمد بأفعاله.
• وقال ابن كثير: أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه.
• وقال السعدي: وأما الحميد فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النِّعم الجزال، فهو المحمود على كل حال.
• وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: الصحيح أنها بمعنى المحمود والحامد، فالله سبحانه حامدٌ من يستحق الحمد، وما أكثر الثناء على من يستحقون الثناء في كتاب الله، وهو كذلك محمود على كمال صفاته، وتمام إنعامه.
• وغنى الله مقرون بحمده كما في هذه الآية، وقال تعالى في آية أخرى (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو غني يحمد على غناه، لأنه يجود به على غيره.
فالله ذو الغنى الواسع. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
وقال تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
وقال تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
قال الشيخ ابن عثيمين: وليس كل غني يحمد على غناه، فالغني البخيل كالفقير تماماً، بل أردأ من الفقير وأسوأ حالاً، لأن الغني يذم، والفقير لا يذم.
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تقدم شرحها.
• قال القرطبي: إن قال قائل: ما فائدة هذا التكرير؟ فعنه جوابان
أحدهما: أنه كرر تأكيداً؛ ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين.
الجواب الثاني: أنه كرر لفوائد: فأخبر في الأوّل أن الله تعالى يغني كلا من سعته، لأن له ما في السموات وما في الأرض فلا تنفذ خزائنه.
• وقال البغوي: فإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ).
قيل: لكلّ واحد منهما وجه.
أمّا الأول: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يُوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيتَه.
وأمّا الثاني فيقول: فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيًّا أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون.
وأمّا الثالث فيقول (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) أي: له الملك فاتخذوه وكيلاً ولا تتوكلوا على غيره.
• وقال الشيخ ابن عثيمن: هذه تكرار، لكنه تكرار مهم، ففي الأول بيان غناه عز وجل عن خلقه، وفي الثاني: بيان مراقبته لخلقه، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة.
(وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) لمن توكل عليه واعتمد عليه سبحانه.
(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه.
كما قال تعالى (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).
وقال تعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ).
• قال القرطبي: قوله تعالى: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) يعني بالموت (أَيُّهَا الناس) يريد المشركين والمنافقين (وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) يعني بغيركم.
ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر سلمان وقال: " هم قوم هذا " وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم.
وهذا كما قال في آية أُخرى (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم).
وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالماً فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يُذهبه ويأتيَ بغيره.
• قال الشنقيطي: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) الآية ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها، وأتى بغيرهم بدلاً منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلاً منهم وهو قوله تعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ).
وذكر في موضع آخر: أنهم إن تولوا أبدل غيرهم وأن أولئك المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم بل يكونون خيراً منهم، وهو قوله تعالى (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم).
وذكر في موضع آخر: أن ذلك هين عليه غير صعب وهو قوله تعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ) أي: ليس بممتنع ولا صعب.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً) القدرة، وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا عجز، فالقدرة ضدها العجز، قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً).
الفوائد:
1 -
عموم ملك الله تعالى.
2 -
اختصاص الملك العام لله.
3 -
أهمية تقوى الله تعالى.
4 -
أن الله لا يضره شيء.
5 -
غنى الله الكامل.
6 -
فقر العباد لربهم.
7 -
كمال مراقبة الله لعبادة.
8 -
إثبات المشيئة.
9 -
بيان قدرة الله تعالى.
10 -
تهديد لمن يخالف أمر الله تعالى.
(مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)).
[النساء: 134].
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) قال ابن كثير: أي: يا من ليس همه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك كما قال تعالى (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
وقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ).
وقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً).
وقيل: الآية في المنافقين.
• قال القرطبي: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) أي: من عمل بما افترضه الله عليه طلباً للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلباً للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى (وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ) وقال تعالى (أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار) وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري.
واختار ابن كثير المعنى الأول وقال:
…
فإن قوله (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا؛ ولهذا قال (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا).
• قال أبو حيان: والذي يظهر أنّ جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه، وليطلب الثوابين، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
• وقال الراغب: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسؤول مالكاً للثوابين، وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه، فمن طلب خسيساً مع أنه يمكنه أن يطلب نفيساً فهو دنيء الهمة.
(وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً) والسميع: اسم من أسماء الله تعالى، متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.
كما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).
• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
…
).
هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.
وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى:(قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).
وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى:(قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.
ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.
ومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.
ومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.
ومنه كقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.
•
آثار الإيمان بهذا الاسم:
أولاً: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة.
ثانياً: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه.
وقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم:
فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
ودعا يوسف عليه السلام ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
(بَصِيراً) البصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر.
• قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع.
قال ابن القيم:
وهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ
…
سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ
ويرى مجاري القوت في أعضائها
…
ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ.
ويرى خيانات العيون بِلْحظِها
…
وويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ.
• وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).
وقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً).
• والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهدايى منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).
• وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً).
• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال صلى الله عليه وسلم (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تن تراه فإنه يراك).
الفوائد:
1 -
أن خير الدنيا والآخرة كله عند الله.
2 -
ذم من يطلب الدنيا فقط.
3 -
انحطاط رتبة الدنيا على الآخرة.
4 -
إثبات اسمين من أسماء الله: وهما السميع والبصير.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِ
ن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)). [النساء: 135].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف.
• قال القرطبي: قوله تعالى (قوامين) بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها.
ثم ذكر الوالدين لوجوب بِرِّهما وعِظم قدرِهما، ثم ثنّى بالأقربين إذ هم مظنة المودّة والتعصب؛ فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال.
• وقال ابن عاشور: وصيغة (قوّامين) دالّة على الكثرة المراد لازمها، وهو عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال، والقِسط العدل، وقد تقدّم عند قوله تعالى (قائماً بالقسط) في سورة آل عمران.
(شُهَدَاءَ لِلَّهِ) كما قال تعالى (وأقيموا الشهادة لله) أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً، خالية من التحريف والتبديل والكتمان.
(وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سُئلت عن الأمر فقل الحق فيه وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه.
(أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تُراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.
(إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.
• قال الرازي: أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة، إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما.
• قال القرطبي: في الكلام إضمار وهو اسم كان؛ أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنِياً فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يُراعى إشفاقاً عليه (فالله أولى بِهِمَا) أي فيما اختار لهما من فقر وغِنى.
• قال ابن عاشور: والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يَلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر
بالمظاهر التي تستجلب النفوسَ إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها، وتُغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل، وتذهل عنه، فمن النفوس من يَتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره، يقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حقّ غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة.
ومن الناس من يميل إلى الفقير رقّة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أنّ القضاء له بمال الغنيّ لا يضرّ الغنيّ شيئاً؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله (إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما).
• قال السعدي: والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به.
وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله:
(فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغْضَة الناس إليكم، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
(فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) أي: كراهة أن تعدلوا.
• قال ابن عاشور: فجعل الميل نحو الموالي والأقارب من الهوى، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (فَلَا تَتَّبِعُواْ الهوى) نهي، فإن اتباع الهوى مُرْدٍ، أي مهلك؛ قال الله تعالى (فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلَا تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله) فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك.
• وقال الشعبيّ: أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألاّ يتّبعوا الهوى، وألاّ يخشَوا الناسَ ويخشوه، وألاّ يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.
(وَإِنْ تَلْوُوا) أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، و (اللي) هو التحريف وتعمد الكذب.
(أَوْ تُعْرِضُوا) الإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال الله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) وعيد شديد، أي: وسيجازيكم بذلك.
• قال السعدي: أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض، ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرماً، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.
الفوائد:
1 -
وجوب إقامة الشهادة.
2 -
وجوب العدل فيها.
3 -
وجوب العدل في الشهادة.
4 -
الإشارة إلى الإخلاص في أداء الشهادة.
5 -
وجوب الإقرار على من عليه الحق.
6 -
تحريم المحاباة للوالدين أو الأقربين.
7 -
خطر الهدى وتحريمه.
8 -
تهديد من خالف أمر الله وظلم.
(الأحد: 8/ 7/ 1434 هـ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا (136)).
[النساء: 136].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته.
• فإن قيل: كيف يأمر هم الله بالإيمان وهم متصفون بذلك؟
قيل: المراد المداومة على ذلك والثبات عليه وتكميل النقائص.
• قال ابن كثير: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشُعَبهِ وأركانه ودعائمهِ، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه.
• وقال السعدي: اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمراً له في الدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ).
وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي أيضا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده فإن ذلك من الإيمان المأمور به.
• وقال الماوردي: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) فإن قيل فكيف قيل لهم (ءَامِنُواْ) وحُكِي عنهم أنهم آمنوا؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: يا أيها الذين آمنواْ بمن قبل محمد من الأنبياء آمنواْ بالله ورسوله ويكون ذلك خطاباً ليهود والنصارى.
الثاني: معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم أمنواْ بقلوبكم، وتكون خطاباً للمنافقين.
والثالث: معناه يا أيها الذين آمنوا داومواْ على إيمانكم، ويكون هذا خطاباً للمؤمنين، وهذا قول الحسن.
• وقال الآلوسي: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ) خطاب للمسلمين كافة فمعنى قوله تعالى (ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ) أثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه، وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي.
وقيل: الخطاب لهم، والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقيناً، أو: آمنوا بما ذكر مفصلاً بناءاً على أن إيمان بعضهم إجمالي، وأياً مّا كان فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل: الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهراً فمعنى (ءامَنُواْ) أخلصوا الإيمان، واختاره الزجاج وغيره.
(وَرَسُولِهِ) أي: محمد صلى الله عليه وسلم.
(وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) يعني: القرآن.
(وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة.
• قال ابن كثير: قال في القرآن (نزّل) لأنه نزل مفرقاً منجماً على الوقائع، بحسب ما يحتاج العباد إليه في معادهم ومعاشهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة.
• وقال ابن عاشور: وجاء في صلة وصف الكتاب (الذي نَزّل على رسوله) بصيغة التفعيل، وفي صلة الكتاب (الذي أنزل من قبل) بصيغة الإفعال تفنّنا، أو لأنّ القرآن حينئذٍ بصدد النزول نجوماً، والتوراة يومئذٍ قد انقضى نزولها.
ومن قال: لأنّ القرآن أنزل منجّماً بخلاف غيره من الكتب فقد أخطأ إذ لا يعرف كتاب نزل دَفْعَة واحدة.
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً) وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟
واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها، لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض.
الفوائد:
1 -
وجوب الثبات على الإيمان.
2 -
وجوب تكميل الإيمان.
3 -
أن القرآن منزل.
4 -
أن القرآن الكريم نزل منجماً مفرقاً.
5 -
وجوب الإيمان بالكتب السابقة.
6 -
التحذير من الكفر.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137)).
[النساء: 137].
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً) يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً، ولا طريقاً إلى الهدى.
• قال ابن عطية: واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا).
فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية: الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجح الطبري هذا القول.
وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره).
وقال مجاهد وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات.
قال القاضي: وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفراً بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم
الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية.
• قال أبو حيان: قوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً) لما أمر بالأشياء التي تقدم ذكرها، وذكر أنّ من كفر بها أو بشيء منها فهو ضال، أعقب ذلك بفساد، وطريقة من كفر بعد الإيمان، وأنه لا يغفر له على ما بين.
والظاهر أنها في المنافقين إذ هم المتلاعبون بالدين، فحيث لقوا المؤمنين (قالوا آمنا) وإذا لقوا أصحابهم (قالوا إنا مستهزئون) ولذلك جاء بعده بشر المنافقين، فهم مترددون بين إظهار الإيمان والكفر باعتبار من يلقونه.
ومعنى ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات، وقيل: ازدياد كفرهم هو اجتماعهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حرب المسلمين، وإلى هذا ذهب: مجاهد وابن زيد.
وقال الحسن: هي في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) قصدوا تشكيك المسلمين وازدياد كفرهم هو أنهم بلغوا في ذلك إلى حدّ الاستهزاء والسخرية بالإسلام.
وقال قتادة وأبو العالية وطائفة، ورجحه الطبري: هي في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وضعف هذا القول ابن عطية.
(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) إذا ماتوا على كفرهم.
فالجمهور على تقدير محذوف أي: ثم ازدادوا كفراً وماتوا على الكفر، لأنه معلوم من هذه الشريعة أنه لو آمن وكفر مراراً ثم تاب عن الكفر وآمن ووافى تائباً، أنه مغفور له ما جناه في كفره السابق وإن تردد فيه مراراً.
(وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) أي: طريقاً إلى الخير.
الفوائد:
1 -
أن من لم يستقر الإيمان في قلبه يكون مآله إلى الردة.
2 -
أن من مات على الكفر لا يغفر الله له.
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (139)).
[النساء: 138 - 139].
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: أخبر المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر (بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: عاباً مؤلماً موجعاً حساً ومعنى.
• قوله تعالى (بشر) التبشير في الأصل الإخبار بما يسر، وقد يطلق على الشر - كما هنا - تهكماً كما قال تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
• قال ابن عاشور:
…
ولمّا كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضرباً من التهكّم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكّمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكّم إذ قال (بشر المنافقين)، فإنّ البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك.
كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا).
(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن كثير: بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون، أي: بالمؤمنين في إظهارنا لهم بالموافقة.
• قال تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكفار:
(أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) أي: أيطلبون بموالاة الكفار القوة والغلبة؟ والإستفهام إنكاري، أي: إن الكفار لا عزة لهم فكيف تُبتغى منهم.
(فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) أي: إن العزة لله ولأوليائه، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ).
• قال ابن كثير: والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزة من جناب الله.
الفوائد:
1 -
تهديد المنافقين بالعذاب الأليم.
2 -
وجوب الحذر من صفات المنافقين.
3 -
خطر المنافقين.
4 -
أن من أقبح صفات المنافقين موالاة الكفار.
5 -
أن من تولى الكفار ففيه نفاق.
6 -
أن من ابتغى العزة من دون الله فهو ذليل.
7 -
وجوب تعليق القلب بالله تعالى.
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141))
[النساء: 140 - 143].
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي: في القرآن، والفاعل هو الله عز وجل.
(أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ) المراد بآيات الله هنا الشرعية، وهي ما جاءت به الرسل، ولكن لا مانع أنها تشمل الآيات الكونية.
(يُكْفَرُ بِهَا) الكفر بآيات الله الشرعية بتكذيبها أو بمخالفتها، والكفر بآيات الله الكونية، بنسبتها إلى غير الله، أو جعْل شريك مع الله، أو أن لله معاوناً.
(وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) أي: تتخذ سخرية وهزواً، كأن يسخر بآيات الله الشرعية (القرآن) أو بأحكامه أو فيما أخبر به من الحوادث، مثل أن يسخر بيوم القيامة، أو يسخر بآدم، أو بقصص الأنبياء.
(فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) أي: فلا تمكثوا معهم.
(حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي: لا تجلسوا مع الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله حتى يتحدثوا بحديث آخر ويتركوا الخوض في القرآن.
• (حتى) هنا تفيد الغاية، بمعنى إلى أن يخوضوا في حديث غيره، وتأتي (حنى) للتعليل مثل قوله تعالى (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)(حتى) للتعليل، والمعنى:(لا تنفقوا) لأجل أن ينفضوا.
• قال الجصاص: قوْله تَعَالَى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) فِيهِ نَهْيٌ عَنْ
مُجَالَسَةِ مَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَقَالَ تَعَالَى (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وَ " حَتَّى " هَهُنَا تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَصِيرُ غَايَةً لِحَظْرِ الْقُعُودِ مَعَهُمْ حَتَّى إذَا تَرَكُوا إظْهَارَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ زَالَ الْحَظْرُ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا رَأَوْا هَؤُلَاءِ أَظْهَرُوا الْكُفْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ لِئَلَّا يُظْهِرُوا ذَلِكَ وَيَزْدَادُوا كُفْرًا وَاسْتِهْزَاءً بِمُجَالَسَتِكُمْ لَهُمْ؛ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
ثم قال: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَى فَاعِلِهِ وَأَنَّ مِنْ إنْكَارِهِ إظْهَارُ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَتُهُ وَتَرْكُ مُجَالَسَةِ فَاعِلِهِ وَالْقِيَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ وَيَصِيرَ إلَى حَالٍ غَيْرِهَا.
(إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيت الجلوس معهم في المكان الذي بكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، ولهذا قال (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي: في الماثم، كما جاء في الحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر).
• والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
• قال القرطبي: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضِي فعلهم، والرّضا بالكفر كفر؛ قال الله عز وجل (إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ) فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكِر عليهم يكون معهم في الوِزر سواء، وينبغي أن ينكِر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعمِلوا بها؛ فإن لم يقدر على النكِير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي كما بيّنا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى.
• وقال ابن الجوزي: وقد نبّهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة، قال إِبراهيم النخعي: إِن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضى الله بها، فتصيبُه الرحمة فتعمُّ من حوله، وإِن الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، فيعم من حوله.
• وقال ابن عاشور: وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى: وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله (تُلْقُونَ إليهم بالمودّة وقد كَفروا بما جاءكم من الحقّ).
• قال البغوي: قوله تعالى تعالى (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) والأكثرون على الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية والمتأخر أوْلَى.
(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) وذلك يوم القيامة.
• وفي الآية أن المنافقين أشد من الكفار، لأن الله بدأ بهم، وكذلك بدأ بهم في قوله تعالى (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ)، فجميع الآيات التي فيها الجمع بين المنافقين والكفار يقدم الله فيها المنافقين، إلا في آية واحدة وهي قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وذلك لأن جهاد الكفار يكون بالسلاح علناً، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان وليس بالقتال.
(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم.
• التربص الانتظار كقوله تعالى (يتربصن بأنفسهم) أي: ينتظرن.
(فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وتأييد وظفَر وغنيمة.
(قَالُوا) أي: الذين آمنوا نفاقاً لكم أيها المؤمنون.
(أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، أي: فأعطونا من الغنيمة.
(وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) أي: إداة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة.
(قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) أي: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم.
(وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم، وتَوَاَنَيْنَا في مظاهرتهم حتى انتصرتم عليهم، وإلا لكنتم نهبة للنوائب.
• قال الرازي: وفي تفسير هذه الآية وجهان:
الأول: أن يكون بمعنى ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ونمنعكم من المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا لنا نصيباً مما أصبتم.
الثاني: أن يكون المعنى أن أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام، ثم إن المنافقين حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون: ألسنا غلبنانكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ويقوى أمركم، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.
والحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه المصالح، فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.
• قال الرازي: فإن قيل: لم سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكفار نصيباً؟ قلنا: تعظيماً لشأن المؤمنين واحتقاراً لحظ الكافرين، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة.
• وقال ابن عاشور: وجُعل ما يحصل للمسلمين فتحاً لأنّه انتصار دائم، ونُسب إلى الله لأنّه مُقدّره ومريده بأسباب خفيّة ومعجزات بينّة.
(فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: بما يعلمه منكم - أيها المنافقون - من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهراً في الحياة الدنيا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى السرائر ويُحصّل ما في الصدور.
• قال الشوكاني: قوله تعالى فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة) بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق، وتظهر الضمائر، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم، وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقاً.
(وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) اختلف العلماء فيها:
فقيل: هذا يوم القيامة.
وقيل: إن الله لا يجعل لهم سبيلاً يمحو به دولة المؤمنين، ويُذهب آثارهم ويستبيح بَيْضَتهم.
• قال ابن كثير: وذلك باستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة ولن يُسلّطوا عليهم استيلا
واختاره السعدي حيث قال: أي: تسلطاً واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفعٍ لتسلط الكافرين، ما هو مشهود بالعيان. حتى إن [بعض] المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم العز التام من الله، فله الحمد أوّلا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
الفوائد:
1 -
أن القرآن منزل.
2 -
تحريم الجلوس مع الذين يستهزؤن بآيات الله
3 -
أن الحكم معلق بالسماع.
4 -
أن المشارك لفاعل المنكر كفاعل المنكر.
5 -
وجوب مغادرة المكان الذي يكفر فيه بآيات الله.
6 -
تحريم التعاون على الإثم والعدوان.
7 -
الحذر من جلساء السوء.
8 -
بيان شدة عداوة المنافقين للمؤمنين.
8 -
إثبات الجزاء والحكم بين الناس.
9 -
أنه ليس للكفار سبيل على المؤمن.
(الإثنين: 10/ 7/ 1434 هـ).
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143)).
[النساء: 142 - 143].
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يخادعون الله، وأنهم يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
(وَهُوَ خَادِعُهُمْ) سبحانه وتعالى، فالله تعالى يخدع من يخدعه.
• قال ابن كثير: ولا شك أن الله تعالى لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهراً فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده كما أخبر عنهم تعالى أنهم يوم القيامة يحلفون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده فقال (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
(وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) وهذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، كما قال تعالى (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).
وقال صلى الله عليه وسلم (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).
• قال الرازي: يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة،
وسبب ذلك الكسل: أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثواباً ولا من تركها عقاباً، فكان الداعي للترك قوياً من هذه الوجوه، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور.
• قال صلى الله عليه وسلم ذامّاً لمن أخّر الصلاة (تلك صلاة المنافقين ثلاثاً يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً).
• قال ابن عاشور: والكسل في الصلاة مؤذن بقلّة اكتراث المصلّي بها وزهده في فعلها.
• فالكسل في الطاعة من صفات المنافقين، لأنهم لا يؤمنون بما عند الله، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( .. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً .. ) ولذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه كما في حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والعجز).
(يُرَاؤُونَ النَّاسَ) هذه صفة بواطنهم الفاسدة (يُرَاؤُونَ النَّاسَ) أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الصلاة تقية من الناس ومصانعة لهم، ولهذا يتخلفون كثيراً عن الصلاة التي لا يُرون غالباً فيها كصلاة العشاء والصبح كما ثبت في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً .... ). وفي رواية (
…
والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عرْقاً سميناً أو مرْماتين حسنتين، لشهد الصلاة .. ).
• والرياء: العمل من أجل أن يراه الناس، وهو محبط للعمل، دال على قلة الإيمان وقلة تعظيم الله وتعظيم المخلوق.
• بعض صفات المنافقين:
أولاً: الكذب والتكذيب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).
ثانياً: أذى الرسول صلى الله عليه وسلم أو عيبه أو لمزه.
قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).
ثالثاً: التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله.
قال تعالى (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).
رابعاً: مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين.
قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً).
خامساً: المسرة بانخفاض دين الرسول أو الكراهية لانتصار دينه.
قال تعالى (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ).
سادساً: الرياء.
قال تعالى (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
سابعاً: ثقل العبادة عليهم.
قال تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى).
ثامناً: يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
قال تعالى (والْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
•
مباحث الرياء:
قال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر
عن جندب عند البخاري مسلم (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، ومَنْ يُرَاَئِي اللَّه يُرَئِي بِهِ» متفقٌ عليه وَرَواهُ مُسْلِمٌ أيضاً مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.
• قال النووي (سَمَّعَ) بتَشْدِيدِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أشْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً (سَمَّعَ اللَّه بِهِ) أيْ: فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَعْنى:«منْ رَاءَى» أيْ: مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ الْعَمَل الصَّالحَ لِيَعْظُمَ عِنْدهُمْ «رَاءَى اللَّه بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلى رُؤوس الخَلائِقِ.
خطر الرياء:
أولاً: الرياء يحبط الأعمال الصالحة.
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
قال ابن كثير: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة، ليُشكر بين الناس أو يُقال إنه كريم جواد ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية ولهذا قال سبحانه (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر).
ثانياً: هو من صفات المنافقين.
كما في هذه الآية (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
ثالثاً: تهديد أهل الرياء.
قال تعالى (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).
قال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات، فإذا هي سيئات.
وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.
وقال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ) رواه مسلم.
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب). رواه احمد وابن حبان
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم
يجد عرف الجنة يوم القيامة). رواه أبو داود
وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). رواه الترمذي وابن ماجه
وعن أبي سعيد مرفوعاً: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). رواه أحمد.
• قال ابن قدامة:
اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول:
أولاً: حب لذة الحمد.
ثانياً: الفرار من ألم الذم.
ثالثاً: الطمع فيما في أيدي الناس.
•
من أقوال السلف:
عن شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية.
قال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص.
وقال ابن القيم: وكل مالم يكن لله فبركته منزوعة.
وكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية.
وكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئاً.
وعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه.
وقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه يضمحل.
وقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائياً بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته.
قال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو مايعرفه بالكليه
…
نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.
قال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص.
وقال ابن القيم: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به
• قال ابن القيم:
قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث:
رجل يرائي بعمله مخلوقاً مثله ويترك أن يعمله لله.
ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئاً.
ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته.
قال ابن قدامة:: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات.
وقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها
أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم.
علاج الرياء وتحقيق الإخلاص:
أولاً: أن يعود نفسه إخفاء الأعمال.
قال ابن قدامة: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال.
قال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
وقال صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله
…
وذكر منهم: وذكر ذكر الله خلياً ففاضت عيناه).
ثانياً: علمك بأنك عبد.
قال ابن القيم: ومما يخلصه من طلب العوض علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضاً ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.
ثالثاً: أن يحاسب نفسه دون فتور.
قال الذهبي: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحُسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، فإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه، فإنها تحب الظهور والثناء.
ومن ذلك: تعظيم الله عز وجل في القلوب.
قال تعالى (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً).
وأيضاً: علمه بأن من علامات العلم النافع أن يقود إلى الهرب من الرياء وإخفاء العمل.
قال ابن رجب: ومن علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح، فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع، فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.
وعليه: بالدعاء والتضرع إلى الله بالإخلاص والتوفيق.
كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: لا، ومقلب القلوب.
وكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وعليه: أن يعلم بأن الناس لن يقدموا لك شيئاً ولو مدحوك، وأن طلب مدحهم مرض خطير في القلب.
قال ابن القيم: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.
• حكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.
قال الذهبي: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة. واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص. أهـ
وقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس.
وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.
قال الذهبي رحمه الله تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟
يبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه.
وقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله.
وقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله.
(وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) وهذا من أعظم صفاتهم.
وهذه الصفة فيها الدلالة العظيمة على فضل ذكر الله، حيث أن الإكثار من ذكر الله أمان من النفاق.
• قال الرازي: قوله تعالى (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) فيها وجوه:
الأول: المراد بذكر الله الصلاة، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلاً، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس.
الثاني: أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.
الثالث: المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلاً نادراً.
(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ) يعني: المنافقين متحيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك.
• قال القرطبي: المذَبْذَب: المتردّد بين أمرين؛ والذَبذبة الاضطراب، يقال: ذَبْذَبْته فتذبذب فهؤلاء المنافقون متردّدون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرَّحين بالكفر، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تَعِير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى).
(ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) لعدم استعداده للهداية والتوفيق.
(فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) طريقاً موصلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديه إليه، والخطاب لكل من يصلح له وهو أبلغ في التفظيع.
الفوائد:
1 -
أن المنافقين أهل خداع ومكر.
2 -
أن الله يخدع من يخادعه.
3 -
أن من صفات المنافقين ثقل الصلاة عليهم.
4 -
أن المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً.
5 -
فضل الإكثار من ذكر الله، وأن ذلك أمان من النفاق.
6 -
تحريم الرياء، وأنه من صفات المنافقين.
7 -
أن المنافق دائماً مضطرب متردد.
8 -
أن من أضله الله فلن يستطيع أحد أن يهديه.
9 -
سؤال الله الهداية.
(الثلاثاء: 10/ 7/ 1434 هـ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (144)).
[النساء: 144].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم.
• قوله تعالى (الكافرين) جمع كافر، والكفر لغة الستر والتغطية والجحود، وشرعاً: جحود وحدانية اله وشريعته، وهو ضد الإيمان، وهو إنكار وجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
• (أولياء) جمع ولي، وهو الذي يتولى غيره بالنصرة والمعونة.
• وهذا النهي في الآية للتحريم، فيحرم موالاة الكفار وجعلهم أنصاراً وأعواناً وأخلاء.
قال تعالى (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
قال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ".
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
وقال تعالى (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء وأصحاباً من دون المؤمنين، وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء.
• قال ابن جرير (فليس من الله في شيء) يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.
• وقال القرطبي: أي: ليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء، وهو إذاً من حزب الشيطان وأنصاره.
وقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)، يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يا محمد بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء، يعني أنصاراً وأخلاء من دون المؤمنين، تاركين موالاة المؤمنين معرضين عنها، يطلبون عند هؤلاء الكفار المنعة والقوة والنفوذ، وما علم أولئك
السفهاء البلهاء أن العزة لله جميعاً
وقال تعالى (تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).
فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان الحقيقي بالله وبنبيه صلى الله عليه وسلم محمد صلى الله عليه وسلم مرتبط بعدم موالاة الكفار وتوليهم، فثبوت موالاة الكفار موجب لعدم الإيمان أو نقصه.
ففي هذه الآيات أشد التهديد والوعيد وأعظم الزجر عن موالاة الكافرين.
(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) الإستفهام للإنكار، أي: أتريدون أن تصيروا الله عليكم حجة بينة واضحة تستوجبون بها سخطه ونقمته وعقوبته لكم.
الفوائد:
1 -
تحريم اتخاذ الكفار أولياء.
2 -
وجوب موالاة المؤمنين.
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)).
[النساء: 145 - 147].
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ.
• قال ابن عباس: أي في أسفل النار.
• وذلك لأنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله، والنار دركات كما أن الجنة درجات.
• أن المنافق عذابه أعظم من الكافر.
• قال القرطبي: فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية؛ لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكُّنه من أذى المؤمنين.
• قال الرازي: لما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه مثله في الكفر، وضم إليه نوع آخر من الكفر، وهو الاستهزاء بالإسلام وبأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار.
• قال ابن القيم: النفاق نفاقان:
نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان).
وفي الصحيح أيضاً (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خان).
فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لايكون إلا منافقاً خالصاً، وكلام الإمام أحمد يدل على هذا
- فإن قيل ما وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) فالجواب:
أولاً: أن يكون جميعهم في العذاب الشديد.
ثانياً: يمكن أن يُقال إن الدرك الأسفل من النار دركات هو الآخر، فيكونون في الجملة في الدرك الأسفل لكن لا يمنع أن يكون هناك تفاوت في العذاب في الدرك الأسفل أيضاً.
(وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ) أي: عن النفاق.
• والتوبة لغة: الرجوع، وشرعاً: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والمراد بالتوبة هنا الرجوع من الرياء والنفاق إلى الإخلاص لله تعالى.
(وَأَصْلَحُواْ) أعمالهم، وأخلصوها لله، وأصلحوا ما أفسدوه.
(وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ) أي: تمسكوا بكتاب الله ودينه.
(وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ) فبدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم الصالح وإن قل.
• وفي هذا أن التوبة باللسان فقط لا تكفي كما قال تعالى (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وقال تعالى (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً).
(فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: في زمرتهم يوم القيامة.
(وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) أي: وسوف يُعطي الله هؤلاء - الذين هذه صفتهم على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له وعلى إيمانهم - ثواباً عظيماً، وذلك درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النفاق منازل في النار وهي السفلي منها. [ابن جرير].
• وهذا فيه فضل الإيمان،
وللإيمان فضائل:
أولاً: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة.
كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).
ثانياً: الأجر العظيم.
قال تعالى (وسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً).
ثالثاً: استغفار الملائكة وحملة العرش لهم.
قال تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
رابعاً: موالاة الله لهم، ولا يُذَل من والاه الله.
قال تعالى (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ).
خامساً: أمر الملائكة بتثبيتهم.
قال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ).
سادساً: العزة.
قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
سابعاً: معية الله لهم.
قال تعالى (وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).
ثامناً: الرفعة في الدنيا والآخرة.
قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
تاسعاً: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء.
قال تعالى (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء).
عاشراً: الود الذي يجعله الله سبحانه لهم.
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً).
الفوائد:
1 -
أن المنافقين من أهل النار.
2 -
شدة عذاب المنافقين.
3 -
أن المنافقين أشد كفراً من بعض الكفار الأصليين.
4 -
أن المنافق تقبل توبته إذا تاب توبة صادقة مخلصة.
5 -
فضل الإيمان.
(مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)).
[النساء: 147].
(مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) أي: أيّ منفعة له سبحانه في عذابكم؟ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يدفع به الضر ويستجلب النفع وهو الغني عنكم؟
• قال القرطبي: استفهام بمعنى التقرير للمنافقين، والتقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؛ فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأنّ تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه.
(وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً) فالله هو الشكور.
كقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)
• ومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئاً أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردّه عليه أضعافاً مضاعفة.
لما عقر سليمان الخيل غضباً له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.
ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.
ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
(عَلِيماً) بكل شيء لا تخفي عليه خافية. [سبق مباحث العلم].
الفوائد:
1 -
أن الله غني عن عذاب الحلق إذا قاموا بالشكر والإيمان.
2 -
أن من لم يشكر الله فإنه عرضه للانتقام.
3 -
إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الشاكر والعليم.