المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

تنبيه الرقود على مسائل النقود للعلامة خاتمة المحققين المرحوم السيد محمد - تنبيه الرقود على مسائل النقود - ط إسطنبول - جـ ٢

[ابن عابدين]

فهرس الكتاب

تنبيه الرقود على مسائل النقود

للعلامة خاتمة المحققين المرحوم السيد محمد أمين عابدين

نفعنا الله تعالى بعلومه

في الدنيا والدين

آمين

ص: 57

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله الواحد الاحد. واصلى واسلم على نبيه السيد السند. وعلى آله وأصحابه ذوى الفضل والمدد. والتابعين لهم باحسان إلى آخر الابد. صلاة وسلاما بلا حصر ولا عدد (أما بعد) فيقول الحبر البحر المتين سيدى وملاذى السيد محمد افندى عابدين. هذه رسالة سميتها تنبيه الرقود على مسائل النقود. من رخص وغلا وكعاد وانقطاع. جمعت فيها ما وقفت عليه من كلام ائمتنا ذوى الارتقا والارتفاع. ضاما إلى ذلك ما يستحسنه ذوو الاصغاء والاستماع. ويسلمه سليم الطباع. من داء الخصام والنزاع راجيا من أهل المعرفة والاطلاع. غض الطرف عما كبابه اليراع وعلى الله اعتمادى، واليه استنادي. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب، قال في الولوالجية في الفصل الخامس من كتاب البيوع رجل اشترى ثوبا بدارهم نقد البلدة فإن ينقدها حتى تغيرت فهذا على وجهين ان كانت تلك الدارهم لا تروج اليوم في السوق أصلا فسد البيع لانه هلك الثمن وإن كانت تروج لكن انتقض قيمتها لا يفسد لانه لم يهلك وليس له إلا ذلك وإن انقطع بحيث لا يقدر عليها فعليه قيمتها في آخر يوم انقطع من الذهب والفضة هو المختار. ونظير هذا ما نص في كتاب الصرف إذا اشترى شيئًا بالفلوس ثم كسدت قبل القبض بطل الشراء يعنى فسد ولو رجعت

(1)

لا يفسد اهـ * وفي جواهر الفتاوى قال القاضى الإمام الزاهدى أبو نصر الحسين بن على إذا باع شيئا بنقد معلوم ثم كسد النقد قبل قبض الثمن فإنه يفسد البيع ثم ينتظر ان كان المبيع قائما في يد المشترى يجب رده عليه وإن كان خرج من ملكه بوجه من الوجوه أو اتصل بزيادة بصنع من المشترى أو احدث فيه صنعة منقومة مثل ان كان ثوبا فخاطه أو دخل في حيز الاستهلاك وتبدل الجنس مثل ان كان حنطة فطحنها او سمسما فعصره او وسمة فضربها نيلا فإنه يجب عليه رد مثله ان كان من ذوات الامثال كالمكيل والموزون والعددى الذي لا يتفاوت كالجوز والبيض وإن كان من ذوات القيم كالثوب والحيوان فإنه يجب قيمت المبيع يوم القبض من نقد كان موجودا وقت البيع لم يكسد ولو كان مكان البيع اجارة فإنه تبطل الاجازة ويجب على المستأجر اجر المثل وإن كان قرضا أو مهرا يجب رد مثله هذا كله قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف يجب عليه قيمة النقد الذى وقع عليه العقد من النقد الآخر يوم التعامل وقال محمد يجب آخر ما انقطع من ايدى الناس قال القاضى الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف وفيما سوى ذلك

(1)

قوله ولو رجعت أي نقص ثمنها منه.

ص: 58

على قول أبي حنيفة انتهى. وفى الفصل الخامس من التتارخانية إذا اشترى شيئًا بدراهم هي نقد البلد ولم ينقد الدارهم حتى تغيرت فإن كان تلك الدراهم لا تروج اليوم في السوق فسد البيع وإن كانت تروج لكن انتقصت قيمتها لا يفسد البيع وقال في الخانية لم يكن له إلا ذلك وعن أبي يوسف ان له أن يفسخ البيع في نقصان القيمة أيضًا وإن انقطعت تلك الدراهم اليوم كان عليه قيمة الدراهم قبل الانقطاع عند محمد وعليه الفتوى. وفى عيون المسائل عدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان لا يروج في جميع البلدان لانه حينئذ يصير هالكا ويبقى المبيع بلا ثمن فأما إذا كان لا يروج في هذه البلدة فقط فلا يفسد البيع لانه لا يهلك ولكنه تعيب وكان للبائع الخياران شاء قال اعطنى مثل الذى وقع عليه البيع وإن شاء اخذ قيمة ذلك دنانير انتهى وتمامه فيها. وكذا في الفصل الرابع من الذخيرة البرهانية. والحاصل انها اما ان لا تروج واما ان تنقطع واما ان تزيد قيمتها أو تنقص فإن كانت كاسدة لا تروج يفسد البيع وإن انقطعت فعليه قيمتها قبل الانقطاع وإن زادت فالبيع على حاله ولا يتخير المشترى كما سيأتي وكذا أن انتقست لا يفسد البيع وليس للبائع غيرها وما ذكرناه من التفرقة بين الكساد والانقطاع هو المفهوم مما قدمناه * وذكر العلامة شيخ الإسلام محمد بن عبد الله الغزى التمرتاشي في رسالة سماها بذل المجهود في مسئلة تغير النقود اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها أو بالفلوس وكان كل منهما نافقا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن ولم يسلمها المشترى للبائع ثم كسدت بطل البيع (و) الانقطاع عن ايدى الناس كالكساد (و) حكم الدراهم كذلك فإذا اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع ويجب على المشترى رد المبيع ان كان قائما ومثله ان كان هالكا وكان مثليا والا فقيمته وإن لم يكن مقبوضا فلا حكم لهذا البيع أصلا وهذا عند الامام الاعظم وقالا لا يبطل البيع لأن المتعذر انما هو التسليم بعد الكساد وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج كما لو اشترى شيئًا بالرطبة ثم انقطع وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته لكن عند أبي يوسف يوم البيع وعند محمد يوم الكساد وهو آخر ما تعامل الناس بها وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف وفي المحيط والتتمه والحقائق بقول محمد يفتي رفقا بالناس ولابي حنيفة أن الثمنية بالاصطلاح فيبطل الزوال الموجب فيبقى البيع بلا ثمن والعقد إنما يتناول عينها بصفة الثمنية وقد انعدمت بخلاف انقطاع الرطب فإنه يعود غالبا في العام القابل بخلاف النحاس فإنه بالكساد رجع إلى أصله وكان الغالب عدم العود والكساد لغة كما في المصباح من كسد الشيء يكسد من باب قتل لم ينفق لقلة

ص: 59

الرغبات فهو كاسد وكسيد يتعدى بالهمزة فيقال اكسده الله وكسدت السوق فهي كاسدة بغير هاء في الصحاح وبالهاء في التهذيب ويقال أصل الكساد الفساد وعند الفقهاء ان تترك المعاملة بها في جميع البلاد وان كانت تروج في بعض البلاد لا يبطل لكنه يتعيب إذا لم يرج في بلدهم فيتغير البائع ان شاء اخذه وإن شاء اخذ قيمته وحد الانقطاع ان لا يوجد في السوق وإن كان يوجد في يد الصيارفة وفى البيوت هكذا في الهداية والانقطاع كالكساد كما في كثير من الكتب لكن قال في المضمرات فإن انقطع ذلك فعليه من الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع هو المختار ثم قال في الذخيرة الانقطاع أن لا يوجد في السوق وإن كان يوجد في يد الصيارفه وفى البيوت وقيل إذا كان يوجد في ايدى الصيارفة فليس بمنقطع والاول أصح انتهى هذه عبارة الغزى في رسالته. وفى الذخيرة البرهانية بعد كلام طويل هذا إذا كسدت الدراهم أو الفلوس قبل القبض فأما إذا غلت فإن ازدادت قيمتها فالبيع على حاله ولا يتخير المشترى وإذا انتقصت قيمتها ورخصت فالبيع على حاله ويطالبه بالدراهم بذلك العيار الذي كان وقت البيع. وفى المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض او رخصت قال أبو يوسف قولى وقول أبي حنيفة في ذلك سواء وليس له غيرها ثم رجع أبو يوسف وقال عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع ويوم وقع القبض والذي ذكرناه من الجواب في الكساد فهو الجواب في الانقطاع انتهى و (قوله) يوم وقع البيع أي في صورة البيع (وقوله) ويوم وقع القبض أي في صورة القبض كما نبه عليه في النهر * وبه علم أن في الانقطاع قولين الأول فساد البيع كما في صورة الكساد والثاني أنه يجب قيمة المنقطع في آخر يوم انقطع وهو المختار كما مر عن المضمرات وكذا في الرخص والغلا قولان أيضًا الأول ليس له غيرها والثاني له قيمتها يوم البيع وعليه الفتوى كما يأتي * وقال العلامة الغزى عقب ما قدمناه عنه هذا إذا كسدت أو انقطعت اما إذا غلت قيمتها أو انقطعت فالبيع على حاله ولا يتخير المشترى ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع كذا في فتح القدير وفى البزازية معزيا إلى المنتقى غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثانى اولا ليس عليه غيرها وقال الثاني ثانيا عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض وعليه الفتوى وهكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى وقد نقله شيخنا في بحره وقره فحيث صرح بان الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعول عليه افتاء وقضاء لأن المفتى والقاضى واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب امامهما ومقلدهما ولا يجوز لهما الاخذ بمقابله لانه مرجوح بالنسبة إليه وفي فتاوى قاضي خان يلزمه المثل وهكذا ذكر الاسبيجابي قال ولا ينظر

ص: 60

إلى لقيمة وفى البزازية والإجارة كالبيع والدين على هذا وفى النكاح يلزمه قيمة تلك الدراهم وفى مجمع الفتاوى معزيا إلى المحيط رخص العد إلى قال الشيخ الإمام الاجل الأستاذ لا يعتبر هذا ويطالبه بما وقع عليه العقد والدين على هذا ولو كان يروج لكن انتقص قيمته لا يفسد وليس له إلا ذلك وبه كان يفتى الإمام وفتوى الإمام قاضى ظهير الدين على أنه يطالب بالدراهم التى يوم البيع يعنى بذلك العيار ولا يرجع عليه بالتفاوت والدين على هذا والانقطاع والكساد سواء (فإن قلت) يشكل على هذا ما ذكر في مجمع الفتاوى من قوله ولو غلت أو رخصت فعليه رد المثل بالاتفاق انتهى (قلت) لا يشكل لأن أبا يوسف كان يقول اولا بمقالة الإمام ثم رجع عنها وقال ثانيا الواجب عليه قيمتها كما نقلناه فيما سبق عن البزازية وصاحب الخلاصة والذخيرة فحكاية الاتفاق بناء على موافقته للإمام اولا كما لا يخفى والله تعالى أعلم. وقد تتبعت كثيرا من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة فلم ار من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة رضى الله تعالى عنه بل قالوا به كان يفتى القاضي الإمام واما قول أبي يوسف فقد جعلوا الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فليكن المعول عليه انتهى كلام الغزى رحمه الله تعالى ثم اطال بعده في كيفية الافتاء والحكم حيث كان للإمام قول وخالفه صاحباه أو وافقه أحدهما إلى آخر الزمان وايد قول أبي يوسف الثاني كما ذكره هنا ومشى العلامة الغزى في متنه تنوير الابصار في مسئلة الكساد على قول الإمام في القرض والبيع فقال في فصل القرض استقرض من الفلوس الرائجة والعدالى فكسدت فعليه مثلها كاسدة لا قيمتها انتهى وقال في الصرف هو وشارحه الشيخ علاء الدين اشترى شيئًا به أي بغالب الغش وهو نافق أو بفلوس نافقة فكسد ذلك قبل التسليم للبائع بطل البيع كما لو انقطعت عن ايدى الناس فإنه كالكساد وكذا حكم الدراهم لو كسدت أو انقطعت بطل وصححاه بقيمة المبيع وبه يفتى رفقا بالناس بحر وحقائق انتهى (وقوله) بقيمة المبيع صوابه بقيمة الكاسد كما نبه عليه بعضهم ويعلم مما مر ولم يتعرض لمسئلة الغلا والرخص (ثم اعلم) أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مر إنما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشها كما يظهر بالتأمل ويدل عليه اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس وفي بعضها ذكر العدالى معها فإن العدالى كما في البحر عن البناية بفتح الدين المهملة وتخفيف الدال وكسر اللام الدراهم المنسوبة إلى العدل وكأنه اسم ملك ينسب إليه درهم فيه غش وكذا رأيت التقييد بالغالية الغش في غاية البيان وتقدم مثله في شرح التنوير اهـ * ويدل عليه تعليلهم لقول أبي حنيفة بعد حكايتهم الخلاف بان

ص: 61

الثمنية بطلت بالكساد لأن الدراهم التي غلب عنها إنما جعلت ثمنا بالاصطلاح فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل الاصطلاح فلم تبق ثمنا فبقى البيع بلا ثمن فبطل. ويدل عليه أيضًا تعبيرهم بالغلا والرخص فإنه إنما يظهر إذا كانت غالبة الغش تقوم بغيرها وكذا اختلافهم في أن الواجب رد المثل أو القيمة فإنه حيث كانت لا غش فيها لم يظهر للاختلاف معنى بل كان الواجب رد المثل بلا نزاع أصلا وهذا كالصريح فيما قلنا وفى الهداية عند الكلام على الدراهم التي غلب غشها وإذا اشترى بها سلعة ثم كسدت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف عليه قيمتها يوم البيع وقال محمد قيمتها آخر ما يتعامل الناس بها. ثم قال في الهداية وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة خلافا لهما وهو نظير الاختلاف الذى بيناه ولو استقرض فلوسا فكسدت عليه مثلها اهـ قال في غاية البيان قيد بالكساد احترازا عن الرخص والغلا لأن الإمام الاسبيجابي في شرح الطحاوى قال واجمعوا أن الفلوس إذا لم تكسد ولكن غلت قيمتها أو رخصت فعليه مثل ما قبض من العدد وقال أبو الحسن لم تختلف الرواية عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه مثلها قال أبو يوسف عليه قيمتها من الذهب يوم وقع القرض في الدراهم التي ذكرت لك اصنافها يعنى البخارية والطبرية واليزيدية وقال محمد قيمتها في آخر نفاقها قال القدورى وإذا ثبت من قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكرنا فالدراهم البخارية فلوس على صفة مخصوصة والطبرية واليزيدية هى التى غلب الغش عليها فتجرى مجرى الفلوس فلذلك قاسها أبو يوسف على الفلوس انتهى ما في غاية البيان ملخصا (وما) ذكره في القرض جار في البيع أيضًا كما قدمناه عن الذخيرة من قوله يوم وقع البيع. فهذا الذي ذكرنا صريح فيما قلنا من أن الكلام في الدراهم الغالبة الغش والفلوس وعليه يحمل ما قدمناه من إطلاق الولوالجية وجواهر الفتاوى وما نقلناه عن الاسبيجابي من دعوى الإجماع مخالف لما قدمناه عن الذخيرة عن المنتقى وعلمت الفرق بينهما في كلام الغزى وسيأتي توفيق آخر ولم يظهر حكم النقود الخالصة أو المغلوبة الغش وكانهم لم يتعرضوا لها لندرة انقطاعها أو كسادها لكن يكثر في زماننا غلاؤها ورخصها فيحتاج إلى بيان الحكم فيها ولم ار من نبه عليها من الشراح والله تعالى أعلم نعم يفهم من التقييد أن الخالصة أو المغلوبة الغش ليس حكمها كذلك. ورأيت في حاشية الشيخ خير الدين الرملى على البحر عند قوله وحكم الدراهم كذلك أقول يريد به الدراهم التي لم يغلب عليها الغش كما هو ظاهر فعلى هذا لا يختص

ص: 62

هذا الحكم بغالب الغش ولا بالفلوس في التنصيص عليهما دون الدراهم الجيدة لغلبة الكساد فيهما دونهما تامل ثم نقل التعليل في المسئلة لقول الإمام عن فتح القدير بنحو ما قدمنا ثم قال أقول وربما يفهم من هذا أن حكمها خلاف حكم الفلوس والدراهم المغلوبة بالغش ولا يبطل البيع بعدم زواجها لانها أثمان باصل خلقتها وليس كذلك. بقى الكلام فيما إذا نقصت قيمتها فهل للمستقرض رد مثلها وكذا المشترى أو قيمتها لاشك أن عند أبي حنيفة يجب رد مثلها واما على قولهما فقياس ما ذكروا في الفلوس أنه يجب قيمتها من الذهب يوم القبض عند أبي يوسف ويوم الكساد عند محمد والمحل محتاج إلى التحرير اهـ (وفى) جمله الدراهم في كلام البحر على التي لم يغلب عشها نظر ظاهر اذ ليس المراد إلا الغالية الغش كما قدمناه وصرح به شراح الهداية وغيرهم (والذى) يغلب على الظن ويميل إليه القلب أن الدراهم المغلوبة الغش أو الخالصة إذا غلت او رخصت لا يفسد البيع قطعا ولا يجب إلا ما وقع عليه العقد من النوع المذكور فيه فإنها أثمان عرفا وخلقة والغش المغلوب كالعدم ولا يجرى في ذلك خلاف أبي يوسف على أنه ذكر بعض الفضلاء أن خلاف أبي يوسف في مسئلة ما إذا غلت او رخصت إنما هو في الفلوس فقط واما الدراهم التي غلب غشها فلا خلاف له فيها (وبهذا) يحصل التوفيق بين حكاية الخلاف تارة والإجماع تارة أخرى وهذا احسن مما قدمناه عن الغزى ويدل عليه عباراتهم فحيث كان الواجب ما وقع عليه العقد في الدراهم التي غلب غشها اجماعا فما في الخلاصة ونحوها أولى وهذا ما نقله السيد محمد أبو السعود في حاشية منلا مسكين عن شيخه ونص عبارته قيد بالكساد لانها لو نقصت قيمتها قبل القبض فالبيع على حاله بالإجماع ولا يتخير البائع وكذا لو غلت وازدادت ولا يتخير المشترى وفى الخلاصة والبزازية غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني اولا ليس عليه غيرها وقال الثاني ثانيا عليه قيمتها يوم البيع والقبض وعليه الفتوى انتهى أي يوم البيع في البيع ويوم القبض في القرض كذا في النهر (واعلم) أن الضمير في قوله قيد بالكساد لانها الخ للدراهم التي غلب غشها وحينئذ فما ذكره مما يقتضى لزوم المثل بالإجماع بعد الغلاء والرخص حيث قال فالبيع على حاله بالإجماع ولا يتخير البائع الخ لا ينافي حكاية الخلاف عن الخلاصة والبزازية فيما إذا غلت الفلوس أو رخصت هل يلزمه القيمة أو ليس عليه غيرها هذا حاصل ما أشار إليه شيخا من التوفيق قال شيخنا وإذا علم الحكم في الثمن الذى غلب غشه إذا نقصت قيمته قبل القبض كان الحكم معلوما بالأولى في الثمن الذى غلب جيده على غشه إذا نقصت قيمته لا يتخير

ص: 63

البائع بالإجماع فلا يكون له سواه وكذا لو غلت قيمته لا يتخير المشترى بالإجماع قال وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف جارحتى في الذهب والفضة كالشريفى البندقى والمحمدى والكلب والريال فإنه لا يلزم لمن وجب له نوع منها سواه بالإجماع فإن ذلك الفهم خطأ صريح ناشئ عن عدم التفرقة بين الفلوس والنقود انتهى ما في الحاشية وهو كلام حسن وجيه لا يخفى على فقيه نبيه. وبه ظهران ما ذكره الشيخ خير الدين غير محرر فتدبر وهذا كالريال الفرنجي والذهب العتيق في زماننا فإذا تبايعا بنوع منهما ثم غلا أو رخص بان باع ثوبا بعشرين ريالا مثلا أو استقرض ذلك يجب رده بعينه غلا او رخص واما الكساد والانقطاع فالذي يظهر أن البيع لا يفسد اجماعا إذا سميا نوعا منه وذلك لأنهم ذكروا في الدراهم التي غلب غشها ثلاثة أقوال الأول قول أبي حنيفة بالبطلان والثانى قول الصاحبين بعدمه وهو قول الشافعي وأحمد لكن قال أبو يوسف عليه قيمتها يوم البيع وقل محمد يوم الانقطاع وفي الذخيرة الفتوى على قول أبي يوسف وفى التتمة والمختار والحقائق بقول محمد يفتى رفقا بالناس كذا في فتح القدير وعلل لابي حنيفة بان الثمن يهلك بالكساد لأن الفلوس والدراهم الغالبة الغش أثمان بالاصطلاح لا بالخلقة وإذا انتفى الاصطلاح انتفت المالية وعلل المصاحبين بان الكساد لا يوجب الفساد كما إذا اشترى بالرطب شيئًا فانقطع في اوانه لا يبطل اتفاقا وتجب القيمة أو ينتظر زمان الرطب في السنة الثانية فكذا هنا اهـ ففي مسئلتنا الكساد لا يوجب الفساد اتفاقا اما على قول الصاحبين فظاهر واما على قول الإمام فلانه قال بالفساد البطلان الثمنية بانتفاء الاصطلاح عليهما فعاد الثمن إلى أصل حلقته من عدم الثمنية ولم توجد العلة هنا لانها أثمان خلقة واصطلاحا هذا ما ظهر لي ولم أره منقولا فتأمله (تنبيه) إذا اشترى بنوع مسمى من الأثمان فالامر ظاهر واما إذا اطلق كأن قال بمائة ريال أو مائة ذهب فإن لم يكن الأنوع واحد من هذا الجنس ينصرف إليه وصار المسمى فإن كان منه أنواع فإن كان أحدهما اروج من الآخر وغلب تعاملا ينصرف إليه لانه المتعارف فينصرف المطلق إليه وصار كالمسمى أيضًا وإن اتفقت رواجا فإن اختلف مالية فسد البيع ما لم يبين في المجلس ويرضى الآخر (قال) في البحر فالحاصل أن المسئلة رباعية لانها اما أن تستوى في الرواج والمالية معا أو تختلف فيهما أو تستوى في أحدهما دون الآخر والفساد في صورة واحدة وهو الاستواء في الرواج والاختلاف في المالية والصحة في ثلاث صور فيما إذا كانت مختلفة في الرواج والمالية فينصرف إلى الاروج وفيما إذا كانت مختلفة في الرواج مستوية في المالية فينصرف

ص: 64

إلى الاروج أيضًا وفيما إذا استوت فيهما وأنا الاختلاف في الاسم كالمصرى والدمشقى فيتخير في دفع ايهما شاء فلو طلب البائع أحدهما للمشترى أن يدفع غيره لأن امتناع البائع من قبول ما دفعه المشترى ولافضل تعنت ولذا قلنا أن النقد لا يتعين في المعاوضات اهـ. بقى هنا شيء ينبغى التنبيه عليه وهو انهم اعتبروا العرف هنا حيث اطلقت الدراهم وبعضها اروج فصرفوه إلى المتعارف ولم يفسدوا البيع وهو تخصيص بالعرف القولى وهو من افراد ترك الحقيقة (قال) المحقق ابن الهمام في تحرير الاصول العرف العملى مخصص عند الحنفية خلافا للشافعية كحرمت الطعام وعادتهم اكل البر انصرف إليه وهو أي قول الحنفية اوجه اما التخصيص بالعرف القولى فاتفاق كالدابة على الحمار والدراهم على النقد الغالب انتهى. قال شارحه ابن امير حاج العرف القولى هو أن يتعارف قوم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذلك المعنى اهـ. وقد شاع في عرف أهل زماننا انهم يتبايعون بالقروش وهى عبارة عن قطع معلومة من الفضة ومنها كبار كل واحد باثنين ومنها انصاف وارباع والقرش الواحد عبارة عن اربعين مصرية ولكن الآن غلبت تلك القطع وزادت قيمتها فصار القرش الواحد بخمسين مصرية والكبير بمائة مصرية وبقى عرفهم على إطلاق القرش ويريدون به اربعين مصرية كما كان في الأصل ولكن لا يريدون عين المصارى بل يطلقون القروش وقت العقد ويدفعون بمقدار ما سموه في العقد تارة من المصارى وتارة من غيرها ذهبا أو فضة فصار القرش عندهم بيانا لمقدار الثمن من النقود الرائجة المختلفة المالية لا لبيان نوعه ولا لبيان جنسه فيشترى أحدهم بمائة قرش ثوبا مثلا في دفع مصارى كل قرش باربعين أو يدفع من القروش الصحاح أو من الريال أو من الذهب على اختلاف انواعه بقيمته المعلومة من المصارى هكذا شاع في عرفهم ولا يفهم أحد منهم أنه إذا اشترى بالقروش أن الواجب عليه دفع عينها فقد صار ذلك عندهم عرفا قوليا فيخصص كما نقلناه عن التحرير. وقد رأيت بفضل الله تعالى في القنية نظير هذا حيث قال في باب المتعارف بين البحار كالمشروط برمز علاء الدين الترجماني باع شيئا بعشرة دنانير واستقرت العادة في ذلك البلد أنهم يعطون كل خمسة اسداس مكان الدينار فاشتهرت بينهم فالعقد ينصرف إلى ما يتعارفه الناس فيما بينهم في تلك التجارة ثم رمز لفتاوى أبي الفضل الكرماني جرت العادة فيما بين أهل خوارزم انهم يشترون سلعة بدينار ثم ينقدون ثلثي دينار محمودية أو ثلثي دينار وطسوج نيشابورية قال يجرى على المواضعة ولا تبقى الزيادة دينا عليهم اهـ. وهذا نص فقهي في مسئلتنا ولله الحمد والمنة وحينئذ فقد صار ما تعورف

ص: 65

في زماننا نظير مسئلة ما إذا تساوت النقود في الزواج والمالية فيتخير المشترى في دفع ما شاء من النقود الرائجة وإن امتنع البائع لانه يكون متعنتا كما مر. ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الامر السلطاني بتغيير سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص واختلف الافتاء فيه والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذى وقع عليه العقد لو كان معينا كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال افرنجى أو ماية ذهب عتيق * أو دفع أي نوع كان بالقيمة التي كانت وقت العقد إذا لم يعين المتبائعان نوعا والخيار فيه للدافع كما كان الخيار له وقت العقد ولكن الأول ظاهر سواء كان بيعا أو قرضا بناء على ما قدمناه واما الثاني فقد حصل بسببه ضرر ظاهر للبائعين فإن ما ورد الامر برخصه متفاوت فبعض الانواع جعله ارخص من بعض فيختار المشترى ما هو أكثر رخصا واضر للبائع فيدفعه له بل تارة يدفع له ما هو اقل رخصا على حساب ما هو أكثر رخصا فقد ينقص نوع من النقود قرشا ونوع آخر قرشين فلا يدفع إلا ما نقص قرشين وإذا دفع ما نقص قرشا للبائع يحسب عليه قرشا آخر نظرا إلى نقص النوع الآخر وهذا مما لاشك في عدم جوازه. وقد كنت تكلمت مع شيخي الذي هو أعلم أهل زمانه وافقههم واورعهم فجزم بعدم تخيير المشترى في مثل هذا لما علمت من الضرر وانه يفتي بالصلح حيث كان المتعاقدان مطلقى التصرف يصح اصطلاحهما بحيث لا يكون الضرر على شخص واحد فإنه وإن كان الخيار للمشترى في دفع ما شاء وقت العقد وإن امتنع البائع لكنه إنما ساغ ذلك لعدم تفاوت الانواع فإذا امتنع البائع عما اراده المشترى يظهر تعنته اما في هذه الصورة فلا لانه ظهر أنه يمتنع عن قصد اضراره ولاسيما إذا كان المال مال ايتام أو وقف فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به من اختيار الانفع له فالصلح حينئذ احوط خصوصا والمسئلة غير منصوص عليها بخصوصها فإن المنصوص عليه إنما هو الفلوس والدراهم الغالبة الغش كما علمنه مما قدمناه فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من اوسطها نقصا لا الاقل ولا الأكثر كيلا يتناهى الضرر على البائع أو على المشترى. وقد بلغنى أن بعض المفتين في زماننا افتى بان تعطى بالسعر الدارج وقت الدفع ولم ينظر إلى ما كان وقت العقد أصلا ولا يخفى أن فيه تخصيص الضرر بالمشترى لا يقال ما ذكرته من أن الأولى الصلح في مثل هذه الحالة مخالف لما قدمته عن حاشية أبي السعود من لزوم ما كان وقت العقد بدون تخيير بالإجماع إذا كانت فضة خالصة أو غالبة لانا نقول ذاك فيما إذا وقع العقد على نوع مخصوص كالريال مثلا وهذا ظاهر كما قدمناه ولا كلام لنا فيه. وإنما الشبهة فيما تعارفه الناس من الشراء بالقروش

ص: 66

ودفع غيرها بالقيمة فليس هنا شيء معين حتى تلزمه به سواء غلا أو رخص * ووجه ما افتى به بعض المفتين كما قدمناه آنفا أن القروش في زماننا بيان لمقدار الثمن لا لبيان نوعه ولا جنسه فإذا باع شخص سلعة بمائة قرش مثلا ودفع له المشترى بعد الرخص ما صارت قيمته تسعين قرشا من الريال أو الذهب مثلا لم يحصل للبائع ذلك المقدار الذى قدره ورضى به ثمنا لسلعته لكن قد يقال لما كان راضيا وقت العقد بأخذ غير القروش بالقيمة من أي نوع كان صار كان العقد وقع على الانواع كلها فإذا رخصت كان عليه أن يأخذ بذلك العيار الذى كان راضيا به وإنما اخترنا الصلح لتفاوت رخصها وقصد الاضرار كما قلنا وفى الحديث لا ضرر ولا ضرار ولو تساوى رخصها لما قلنا إلا بلزوم العيار الذي كان وقت العقد كأن صار مثلا ما كان قيمته مائة قرش من الريال يساوى تسعين وكذا سائر الانواع اما إذا صار ما كان قيمته مائة من نوع يساوى تسعين ومن نوع آخر خمسة وتسعين ومن آخر ثمانية وتسعين فإن الزمنا البائع بأخذ ما يساوى التسعين بمائة فقد اختص الضرر به وإن الزمنا المشترى بدفعه بتسعين اختص الضرر به فينبغى وقوع الصلح على الأوسط والله تعالى أعلم هذا غاية ما وصل إليه فهمى القاصر والله أعلم بالبواطن والظواهر لا رب غيره ولا يرتجى الاخيرة والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وكان الفراغ منها في حدود سنة ثلاثين ومائتين والف

ص: 67