الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثامن عشر
عَنْ أبِي ذَرٍّ: جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ وأَبِي عَبْد الرَّحْمنِ: مُعَاذِ بْنِ جَبَل رضي الله عنهما أنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:
"اتقَّ الله حَيْثُما كُنْتَ، وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخالقِ النَّاس بِخُلُق حَسَنٍ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَديث حَسَنٌ، وَفي بَعْض النُّسَخ حَسَن
(1)
صَحيحٌ
(2)
.
* * *
[تخريج الحديث]:
• هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب
(3)
، عن أبي ذر.
• وخرجه أَيضًا لهذا الإسناد عن ميمون، عن معاذ، وذكر عن شيخه: محمود بن غيلان أنه قال: حديث أبي ذر أَصح.
• فهذا الحديث قد اختلف في إسناده، وقيل فيه: عن حبيب، عن ميمون، أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بذلك - مرسلًا - ورجح الدارقطني هذا المرسل.
• وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين
(4)
.
• أحدهما: أن ميمون بن أبي شبيب
(5)
، ويقال: ابن شبيب لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئًا ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثا عن المغيرة بن شعبة.
• والثاني: أن ميمون بن أبي شبيب لما يصح سماعه من أحد من الصحابة، قال الفلاس: ليس [في شيء]
(6)
من روايته [عن الصحابة]
(7)
: "سمعت" ولم أُخبر أَن أَحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
• وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة.
(1)
ليست في الأصل وهي في الترمذي وفي النسخ الأخرى.
(2)
أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في معاشرة الناس 4/ 355 - 356 من الطريقين اللذين سيذكرهما ابن رجب.
(3)
ل، ر، ظ:"بن شبيب".
(4)
سقطت من المطبوعة.
(5)
ليست في المطبوعة.
(6)
،
(7)
ما بين الرقمين سقط من المطبوعة.
• وقال أبو داود: لم يدرك عائشة ولم ير عليا. وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولى
(1)
.
• ورأْيُ
(2)
البخاري وشيخِه علي بن المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم: أن الحديث لا يتصل إِلا بصحة اللقى.
وكلام الإمام أحمد يدل على ذلك، ونص عليه الشافعي في الرسالة
(3)
وهذا كله خلاف رأي مسلم رحمه الله.
* * *
[روايات أخرى للحديث]:
• وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه وصى بهذه الوصية معاذا وأَبا ذر من وجوه أُخر:
[رواية البزار].
• فخرج البزار من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيلِ. عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم فقال: يا رسول الله! أَوصني. فقال: "أفش السلام، وابذل الطعام، واستحى من الله استحياءَ رجل ذي هيبة من أهلك، وإذا أسأْت فأحسن، وليحسن خلقك ما استطعت"
(4)
.
[والطبراني والحاكم]:
• وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أَن معاذ بن جبل أَراد سفرا فقال: يا رسول الله! أَوصني قال: "اعبد الله ولا تشرك به شيئًا". قال يا رسول الله! زدني قال: "إذا أسأت فأحسن، قال: يا رسول الله! زدني: قال: فاستقم، ولتحسن خلقك"
(5)
.
[وأحمد]:
• وخرج الإمام أحمد من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي ذر أَن رسول الله
(1)
راجع ترجمة ابن أبي شبيب في التهذيب 10/ 389 والثقات لابن حبان 5/ 416 - 417.
(2)
في المطبوعة: "روى" وهو تحريف.
(3)
راجع ص 379 وما بعدها.
(4)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 23 عن البزار ثم قال: رواه البزار وفيه ابن لهيعة، وفيه لين وبقية رجاله ثقات.
(5)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 244 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي. وفي ب: "وليحسن" وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 2318 عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه عبد الله بن صالح، وقد وثق وضعفه جماعة، وأبو السميط: سعيد بن أبي مولى المهري، لم أعرفه.
- صلى الله عليه وسلم قال له:
"أوصيك بتقوى الله في سِرِّ أمْرِكَ، وعلانيته، وإذا أَسَأْتَ فأحِسنْ، ولا تسألنَّ أحدًا شيئًا، وإن سقط سَوْطك، ولا تقبِض أَمانة، ولا تقض بين اثنين"
(1)
.
* * *
• وخرج أيضًا من وجه آخر عن أبي ذر قال:
قلت: يا رسول الله! "علِّمني عملا يُقرّبُني من الجنة ويباعدني من النار. قال: "إذا عملتَ سيئة فاعْمَلْ حَسَنَةً؛ فإنها عَشْرُ أَمْثَالِها" قال: قلت: يا رسول الله! أَمن الحسنات "لا إله إِلا الله"؟ قال: هي أَحسن الحسنات"
(2)
.
* * *
[وابن عبد البر]:
وخرج ابن عبد البر في التمهيد بإسناد فيه نظر عن أنس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن فقال: "يا معاذ! اتق الله، وخالق الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة". فقال: قلت: يا سول الله! "لا إله إلا الله" من الحسنات؟ قال: "هي من أكبر
(3)
الحسنات".
* * *
[سياقات أخرى أطول]:
وقد رويت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ من حديث ابن عمر وغيره، بسياق مطوّل، من وجوه فيها ضعف.
(1)
مسند أحمد 5/ 181 (الحلبى) بهذا اللفظ، وقبله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ستة أيام: ثم اعقل يا أبا ذر ما أقول لك بعد، فلما كان اليوم السابع قال: أوصيك
…
" ورجاله ثقات كما في المجمع 3/ 93.
(2)
أخرجه أحمد في المسند (5/ 169) الحلبي عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! أوصني. قال: "إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها" قال: قلت: يا رسول الله! أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: "هي أفضل الحسنات".
وهكذا أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 81) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن شمر بن عطية حدث به عن أشياخه ولم يسم أحدًا منهم.
فاللفظ الذي ساقهُ ابن رجب عن أحمد ليس فيه بنصه كما رأيت.
(3)
ب: "هي من الحسنات" والحديث في التمهيد 6/ 55 من طريق حماد عن ثابت عن أنس.
• ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل: ما أكثرُ ما يدخلُ الناسَ الجنة؟.
قال: "تقوى الله، وحسنُ الخلق".
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه
(1)
.
[الوصية بالتقوى وصية جامعة]:
• فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله، وحقوق عباده؛ فإن حق الله على عباده: أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية لله للأوّلين والآخرين، قال الله تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}
(2)
.
[أصل كلمة التقوى]:
• وأصل التقوى أَن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه: فتقوى العبد لربه أَن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه - وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
(1)
أخرجه أحمد في المسند 2/ 291 (الحلبي) من طريق يزيد عن المسعودي، عن داود بن يزيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يلج الناس به النار، فقال:"الأجوفان: الفم والفرج" وسئل عن أكثر ما يلج الناس به الجنة فقال رسول الله: "حسن الخلق".
وابن ماجه في السنن: كتاب الزهد: باب ذكر الذنوب 2/ 1418 ح 4246 رواية عن هارون بن إسحاق، وعبد الله بن سعيد، عن عبد الله بن إدريس عن أبيه وعمه عن جده عن أبي هريرة قال: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: "التقوى وحسن الخلق" وسئل ما أكثر ما يدخل النار؟ قال: "الأجوفان: الفم والفرج" والترمذي في كتاب البر والصلة: باب حسن الخلق 4/ 362 ح 2004 رواية عن أبي كريب: محمد بن العلاء عن عبد الله ابن إدريس به عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: "تقوى الله وحسن الخلق". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: "الفم والفرج".
وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح غريب.
وابن حبان في صحيحه (1/ 349) من الإحسان ح 476 رواية عن محمد بن جعفر الكرخي، عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن إدريس - به - عن أبي هريرة قال:"سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: "تقوى الله وحسن الخلق" قيل فما أكثر ما يدخل الناسَ النارَ النار؟ قال: "الأجوفان: الفم والفرج". فاللفظ الذي ساقه ابن رجب هو لفظ ابن حبان، جزء حديث وعند الباقين بجزء منه أو بنحوه.
(2)
سورة النساء: 131.
[معنى التقوى إذا أضيفت إلى اسم الله]:
• وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}
(1)
(2)
.
• وإذا
(3)
أُضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى: اتقوا سَخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأَخروي، قال تعالى:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}
(4)
وقال تعالى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}
(5)
فهو سبحانه - أهل أَن يُخْشى ويُهاب ويُجَلَّ ويعظَّمَ في صدور عباده، حتى يعبدوه ويطعوه؛ لما يستحقه من الإِجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة، وقوة البطش، وشدة البأس.
• وفي الترمذي عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} قال: قال الله تعالى: "أنا أهل أن أتقى"
(6)
فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أَن أَغفر له
(7)
.
* * *
[تقوى عقاب الله]:
• وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه كالنار، أو إلى زمانه كيوم القيامة - كما قال تعالى:{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}
(8)
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}
(9)
وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}
(10)
{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}
(11)
.
(1)
سورة المائدة: 96.
(2)
سورة الحشر: 48.
(3)
و: "فإذا".
(4)
سورة آل عمران: 30.
(5)
سورة الدثر: 56.
(6)
في المطبوعة: "أهل التقوى" وهو مخالف للأصول ولما في الترمذي.
(7)
أخرجه الترمذي في كتاب التفسير: سورة المدثر 5/ 430 وقال: هذا حديث غريب، وسهيل (أحد رواة الحديث) ليس بالقوي في الحديث، قد تفرد بهذا الحديث عن ثابت.
(8)
سورة آل عمران 131.
(9)
سورة التحريم: 6.
(10)
سورة البقرة: 281.
(11)
سورة البقرة: 123.
[ما الذي يدخل في التقوى؟]:
• ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات.
• وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات. وهو أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى:{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}
(1)
.
(2)
.
[مما أثر في التقوى]:
• قال معاذ بن جبل: "ينَادَي يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر. قالوا له: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك، وعبادة الأَوثان، وأَخلصوا لله بالعبادة".
• وقال ابن عباس: "المتقون: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاءَ به".
• وقال الحسن: "المتقون: اتقوا ما حرم الله عليهما
(3)
، وأدَّوْا ما افترض الله عليهم".
• وقال عمر بن عبد العزيز: "ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله: تركُ ما حرَّم الله، وأَداءُ ما افترض الله، فمنَ رُزِق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير".
• وقال طَلْق بن حبِيب: "التقوى أَن لعمل بطاعة الله، على نور من الله؛ ترجو ثواب الله، وأَن تترك معصية الله، على نور من الله تخاف عقاب الله".
(1)
سورة البقرة: 1 - 4.
(2)
سورة البقرة. 177.
(3)
ليست في ب. ولا في ل وفي ر: "حرم عليهم، افترض عليهم".
• وعن أبي الدرداء قال: "تمام التقوى أَن يتقي الله العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة؛ وحتى يترك بعض ما يرى أَنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام؛ فإن الله قد بيّن للعباد الذي يصيرهم إليه فقال:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
(1)
فلا تحقرنَّ شيئًا من الخير أَن تفعله، ولا شيئًا من الشر أَن تتقيه".
• وقال الحسن: " ما زالت التقوى بالتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال؛ مخافة الحرام ".
• وقال الثوري: " إنما سموا متقين لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقى ".
• وقال موسى بن أعْين: " المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أَن يقعوا في الحرام. فسماهما الله متقين ".
• وقد سبق حديث: " لا يبلغ العبد أَن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأْس به؛ حذرا مما به بأْس
(2)
".
• وحديث: " من اتقى الشبهات استبرأَ لدينه وعرضه "
(3)
.
• وقال ميمون بن مهران: " المتَّقي أَشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه ".
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}
(4)
قال: (أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر).
• وخرجه الحاكم مرفوعًا
(5)
، والموقوف أَصح.
وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات.
ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها.
* * *
(1)
سورة الزلزلة: 7، 8.
(2)
في شرح الحديث السادس ص 217.
(3)
الحديث السادس من أحاديث الكتاب 201 وما بعدها.
(4)
سورة آل عمران: 102.
(5)
في المستدرك 2/ 294 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي ولكن موقوفًا،
[التقوى واجتناب المحرمات].
وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات؛ كما قال أَبو هريرة وسئل عن التقوى فقال: " هل أَخذتَ طريقًا ذا شوك؟ " قال: " نعم "قال: فكيف صنعت؟ " قال: " إذا رأيتُ الشوكَ عدلتُ عَنْه أَو جاوزتُه
(1)
أَو قصرتُ عنه "قال: " ذاك التقوى!؟ ".
* * *
[ابن المعتز والتقوى].
وأخذ هذا المعنى ابن المعتزّ
(2)
فقال:
خَلِّ الذنوبَ صغيرَها
…
وكبيرَها فهو التُّقَى
واصنع كماشٍ فوق أَرْ
…
ضِ الشَّوْك يَحذَرُ ما يَرى
لا تحقرَنَّ صغيرة
…
إن الجبَالَ مِنَ الحصىَ
* * *
[أصل التقوى].
وأصل التقوى: أَن يعلم العبد ما يُتَّقى ثم يَتَّقِي.
• قال عون بن عبد الله: "تمام التقوى أَن تَبتغي علْم ما لَمْ تَعْلمْ منها إلى ما علمتَ منها".
• وذكر معروف الكَرْخي عن بكر بن خُنَيْس، قال:" كيف يكون متقيا من لا يدري ما يُتَّقَى؟ ".
ثم قال معروف الكرخي [: إذا كنت لا تحسن تتقي أَكلتَ الربا وإِذا]
(3)
كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة فلم تغضَّ بصرك، وإذا كنتَ لا تحسن تتقي وضعتَ سيفَك على عاتقك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة: إذا رأَيت أُمتي قد اختلفت فاعمِد
(1)
في المطبوعة: " عزلت عنه وجاوزته ".
(2)
في المطبوعة: " ابن المعتمر " وهو تحريف.
(3)
ما بين الرقمين ليس في ب.
إلى سيفك فاضرب به أُحُدًا
(1)
.
ثم
(2)
قال معروف: ومجلسي هذا لعلَّه كان ينغي لنا أَن نتقيه، ثم قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أَن نتقيه، أليس جاءَ في الحديث أنه فتنة للمتبوع، مذلة للتابع يعني مشي الناس خلف الرجل؟.
* * *
[وفي الجملة]:
وفي الجملة فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُمته.
[وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته بالتقوى]:
• وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أَميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا
(3)
.
• ولما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله
(1)
أخرج ابن ماجه في الفتن: باب التثبت في الفتنة 2/ 1310 من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بردة قال: دخلت على ابن مسلمة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك، فأت بسيفك أحدًا فاضربه حتى ينقطع، ثم أجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة، أو منية قاضية".
فقد وقعت وفعلت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر صاحب الزوائد أن إسناده صحيح، إن ثبت سماع حماد بن سلمة من ثابت البناني. ا هـ. وسماع حماد بن سلمة من ثابت البناني ثابت لا شك فيه بل لقد قال ابن عدي: أروى الناس عن ثابت هو حماد بن سلمة، وقال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في سلمة من معمر، وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة .. إلخ.
وكان أحرى بصاحب الزوائد أن يعلل الرواية عن حماد بمن رووا عنه، فإن الراوي قد يكون ثقة فتكون أحاديثه مستقيمة، وقد لا يكون فتكون الرواية منكرة، وحينئذ فتكون العلة من قبل من روى عن حماد وليس من قبل ثبوت سماع حماد من ثابت أو عدم سماعه عنه.
قال ابن عدي عن حماد: وأحاديثه مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وما وقع في أحاديثه من النكرة إنما هو من الراوي عنه.
توفي ثابت البناني سنة 127 وقيل 123 وترجمته في التهذيب 2/ 2 - 4.
وتوفي حماد بن سلمة سنة 67، وترجمته في التهذيب 3/ 11 - 16.
(2)
ليست في ب وانظر الخبر في الحلية 8/ 365.
(3)
كما روى مسلم في الجهاد 3/ 3357.
وبالسمع والطاعة لأئمتهم.
* * *
• ولما وعظ الناس قالوا له: " كأنها موعظة مُودِّع فأَوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة "
(1)
.
* * *
• وفي حديث أبي ذر الطويل الذي أخرجه ابن حبان
(2)
وغيره، قلت: يا رسول الله! أوصني قال: " أُوصيكَ بتقوى الله؛ فإنه رأْسُ الأمر كلِّه ".
• وخرج الإمام أَحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول الله! أَوصني، قال: أَوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأْس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإِسلام
(3)
.
• وخرجه غيره ولفظه قال: " عليك بتقوى الله؛ فإنها جِماعُ كلِّ خير "
(4)
.
* * *
• وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة أَنه سأَل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! إِني
(1)
راجع في هذا ما أخرجه الترمذي في كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة 5/ 44 من حديث العرباض بن سارية. قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم ير اختلافًا كثيرًا
…
الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(2)
في الصحيح ح 362 من الإحسان.
(3)
أخرجه ابن كثير في التفسير 4/ 317 عن أحمد وقال: " تفرد به " وقد أخرجه أحمد في المسند 3/ 82 (الحلبي) عن حسين بن محمد عن إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن هارون الكلاعي، وعقيل بن مدرك السلمي عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا جاءه فقال: أوصني! فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبلك
…
أوصيك .. . وفيه بعد ذلك وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض ".
وأورده الهيثمي في المجمع 4/ 215 وذكر أن رجال أحمد ثقات وتنظر الأحاديث الصحيحة 555.
(4)
هذا جزء حديث أورده السيوطي في الجامع الصغير عن ابن الضريس وذكر المناوي في التيسير 3/ 38، أن إسناده حسن وهو عند ابن الضريس في فضائل القرآن ص 49 ح 68.
وتتمة الحديث: "وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية المسلم وعليك بذكر الله وتلاوة كتابه فإنه نور لك في الأرض، وذكر لك في السماء واخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان.
سمعت منك حديثا كثيرًا فأَخاف أَن ينسيني أَوله آخره؛ فحدثني بكلمة تكون جماعًا قال: " اتق الله فيما تعلم "
(1)
.
[من وصايا السلف بالتقوى]:
ولم يزل السلف الصالح يتواصَوْن بها.
• وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في خطبته: "أَما بعد! فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنوا عليه بما هو أَهله، وأَن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله عز وجل أثنى على زكريا وأهل بيته فقال:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}
(2)
.
• ولما حضرته الوفاة وعهد إلى عمر دعاه فوصاه بوصيّة وأول ما قال له: اتق الله يا عمر؟!.
• وكتب عمر إلي ابنه عبد الله: أَما بعد! فإني أُوصيك بتقوى الله عز وجل؛ فإنه مَن أتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زَاده من نعماه، فاجعل التقوى نُصب عينيك، وجلَاء قلبك.
* * *
• واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على سرية فقال له: أُوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لا بدّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة.
* * *
• وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أُوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يَقْبل غَيرها، ولا يَرْحم إِلا أَهلَها، ولا يُثِيبُ إِلا عليها؛ فإِن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين.
• ولما ولي خطب فحَمِد الله، وأَثنى عليه، وقال: أُوصيكم بتقوى الله عز وجل؛
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب العلم: باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة 5/ 49 وعقب عليه بقوله: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، وهو عندي مرسل، ولم يدرك عندي ابن أشوع يزيد بن سلمة.
(2)
يشير إلى قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
…
} الآية (الأنبياء: 89، 90) والخبر أورده ابن كثير في التفسير 3/ 193 - 194 عن ابن أبي حاتم. وصححه الحاكم 2/ 383 - 384 ورده الذهبي بضعف أحد رواته.
فإن تقوى الله عز وجل خَلَفٌ من كل شيء، وليس من تقوي الله خلف.
* * *
• وقال رجل ليونس بن عبيد: أَوصني، فقال: أُوصيك بتقوى الله والإِحسان؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
• وقال له رجل يريد الحج: أوصني، فقال له: اتق الله، فمن اتقى الله فلا وحشة عليه.
* * *
• وقيل لرجل من التابعين عند موته: أَوصنا، فقال: أُوصيكم بخاتمة سورة النحل: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}
(1)
.
* * *
• وكتب رجل من السلف إِلى أَخ له: أُوصيك بتقوى الله؛ فإنها أَكرم ما أَسررت، وأَزين مما أَظهرت، وأَفضل ما ادخرت، أَعاننا الله وإِياك عليها، وأَوجب لنا ولك ثوابها.
* * *
• وكتب رجل منهم إلى أَخ له: " أَوصيك وأَنْفُسَنا بالتقوى، فإنها خير زاد الآخرة والاُولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شَرٍّ مَهْرَبَك؛ ففد تكفل
(2)
الله عز وجل لأهلها بالنجاةِ مما يحذرون، والرزقِ من حيث لا يحتسبون ".
• وقال شعبة: " كنتُ إذا أَردتُ الخروجَ قلتُ للحكَم: أَلك حاجة؟ فقال: أوصيك بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذَ بنَ جبل: " اتَّق الله حيثما كنتَ، وأَتبع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلقٍ حَسَنٍ ".
[من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالتقوى]:
• وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه كان يقول في دعائه: " اللهم إِني أسأَلك الهدى
(1)
سورة النحل: 128.
(2)
في "ا": "توكل ".
والتقى والعفة والغنى "
(1)
.
• وقال أَبو ذر: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} ثم قال! يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أَخذوا بها لكفتهم
(2)
.
* * *
[معنى الجملة الأولى]:
• فقوله صلى الله عليه وسلم: " اتق الله حيثما كنت" مراده: في السر والعلانية حيث يراه الناس، وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبي ذر أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:" أُوصيك بتقوى الله في سر أَمرك وعلانيته "
(3)
.
• وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " أسأَلك خشيتك في الغيب والشهادة "
(4)
.
• وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات.
* * *
(1)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 256 و 6/ 4 (العارف) بإسناد صحيح.
ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل 4/ 2087 وفيه: "والعفاف".
والترمذي في كتاب الدعوات: باب (73) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وابن ماجه في كتاب الدعاء: باب دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم 2/ 1260. من حديث عبد الله بن مسعود.
(2)
الآية: 2 من سورة الطارق والحديث عند أحمد في المسند 5/ 178 - 179 (الحلبي) من طريق يزيد عن كهمس عن أبي السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله يتلو علي هذه الآية: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} حتى فرغ من الآية ثم قال: يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم، قال: فجعل يتلو بها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر! كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة أنطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة، قال: كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ قال: قلت إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة؟ قال: وكيف تصنع إن أخرجت من الشام؟ قال والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي، قال: أو خير من ذلك؟ قال: قلت: أو خير من ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا ".
وقد أورده ابن كثير في التفسير 4/ 339، والهيثمي في المجمع 1/ 225 وذكر أن أبا سليل لم يدرك أبا ذر؛ فهو ضعيف بالانقطاع.
(3)
ص 467.
(4)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 264 (حلبي) والنسائي في السنن: 13 - كتاب السهو: 62 (3/ 54 - 55): ح 1305، 1306. وصححه الحاكم 1/ 524 وأقره الذهبي من حديث عمار بن ياسر.
• وقد سبق من حديث أبي الطفيل عن معاذ أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبة من أَهلك "
(1)
.
• وهذا هو السبب الوجب لخشية الله في السر؛ فإن من علم أَن الله يراه حيث كان، وأنَّه مطلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته - أَوجب له ذلك ترك المعاصي في السر.
وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
(2)
.
[من هدى السلف في المراقبة والتقوى].
• كان بعض السلف يقول لأَصحابه: زهَّدنا الله وإِياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة، فعلم أَن الله يراه، فتركه من خشيته.
أو كما قال.
• وقال الشافعي: " أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يُرجى ويُخاف ".
• وكتب ابن السماك الواعظ إلى أَخ له: " أَما بعد! أُوصيك بتقوى الله الذي هو نَجيّك في سريرتك، ورقيبُك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أَنك بعينه، ليس تخرج من سلطانه إِلى سلطان غيره، ولا من مُلْكه إِلى مُلْك غيره؛ فليعظم منه حَذَرُك، وليكثر منه وَجَلكَ، والسلام ".
* * *
• وقال أبو الجلد: أَوحى الله تعالى إِلى فبي من الأَنبياء: قل لقومك: " ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي؛ وتظهرونها لي؟ إِن كنتم ترون أَني لا أَراكم فأنتم مشركون لي، وإِن كنتم ترون أَني أَراكم فلم تجعلوني أَهونَ الناظرين إليكم؟! ".
* * *
• وكان وُهيب بن الورد يقول: " خف الله على قدر قدرته عليك، واستحْيِ منه
(1)
ص 130. ولفظه هناك: " استحْيِ من الله كما تستحيي من رجل ذي هيبة من أهلك".
(2)
سورة النساء: 1.
على قدر قربه منك ".
• وقال له رجل: عظني فقال له: " اتق الله أَن يكون أَهون الناظرين إليك؟! ".
* * *
• وكان بعض السلف يقول: " أتراك ترحم من لم تَقَرَّ عينه بمعصيتك حتَّى علم أَن لا عين تراه غيرك؟ ".
* * *
• وقال بعضهم: ابنُ آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك من عيْن ناظرة إليك، فلما خلوت بالله وحده صفَت لك معصيته ولم تستحي منه حياءكَ من بعض خلقه - ما أَنت إِلا أَحدُ رجلين: إن كنت ظننت أَنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت علمت أَنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أَضعف خلقه لقد اجترأَت عليه
(1)
؟!.
* * *
• دخل بعضهم غيضة
(2)
ذات شجر فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفًا بصوت ملأَ الغيضة {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}
(3)
.
* * *
• راود بعضهم أعرابية وقال لها: ما يرانا إِلا الكواكب قالت: فأَين مُكَوْكِبُهَا؟!.
* * *
• رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال: إِن الله يراكما سترنا الله وإياكما.
* * *
• وقال الحارث المحاسبي: " المراقبة: عِلمُ القلب بقرب الرب ".
• وسئل الجنيد: بِم يستعان على غض البصر؟ قال: " بعلمك أَن نظر الله إِليك أسبق من [نظرك]
(4)
إِلى ما تنظره. "
(1)
ليست في "ا"، ولا ل؛ ولا ظ.
(2)
الغيضة: الأجمة ومجتمع الشجر.
(3)
سورة الملك: 14.
(4)
ما بين الرقمين ليس في المطبوعة.
وكان الإمام أحمد يُنْشِد:
إِذا ما خلوتَ الدهر يوما فلا تقُلْ
…
خلوتُ ولكن قل عَليّ رقيبُ
ولا تحسَبنّ الله يغفلُ ساعةً
…
ولا أَن ما يَخْفَى عليه يغيبُ
وكان ابن السماك يُنْشِد:
يا مُدْمِنَ الذَّنب أَما تستحي
…
والله في الخلوة ثَانِيكَا؟!
غرَّكَ من ربك إِمهالهُ
…
وسَتْرُه طولَ مساويكَا؟!
[مقصود الوصية النبوية]:
والمقصود أَن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصى معاذا بتقوى الله سرًّا وعلانية، أرشده إِلى ما يعينه على ذلك، وهو أَن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من قومه.
• ومعنى ذلك: أَن يستشعر دائمًا بقلبه قُربَ الله منه، واطلاعه عليه؛ فيستحي من نظره إليه.
[امتثال معاذ]:
• وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي صلى الله عليه وسلم.
• وكان عمر قد بعثه على عمل فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأته فقال: كان معي ضاغط، يعني من يضَيّقُ عليّ، ويمنعني من أَخذ شيء.
• وإنما أَراد معاذ ربَّه عز وجل، فظنت امرأته أَن عمر بعث معه رقيبًا فقامت تشكوه إِلى الناس.
* * *
[الترقي بذلك إِلى التقوى]:
• ومن صار له هذا المقام حالا دائمًا أَو غالبا
(1)
فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأَنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحشَ إلا اللَّمَمَ
(2)
.
* * *
(1)
ب: " المقام دائمًا غالبًا ".
(2)
اللمم: صغائر الذنوب.
[وجملة القول]:
• وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإِيمان، وله تأثير عظيم في إِلقاء الله لصاحبه الثناءَ في قلوب المؤمنين.
• وفي الحديث:
" ما أَسرَّ عبد سريرة إلا أَلبسه الله رداءَها علانية: إِن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر "
(1)
.
روي هذا الحديث مرفوعًا، وروي عن ابن مسعود من قوله.
* * *
[من مأثور السلف في هذا]:
• وقال أَبو الدرداء: ليتق أَحدكم أَن تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يَشْعُرُ؛ يخلو بمعاصي الله فيُلقي الله له البُغض في قلوب المؤمنين.
• وقال سليمان التيمي: " إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته ".
• وقال غيره: " إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إِلى إِخوانه فيَروْن أَثر ذلك عليه ".
* * *
[من أَعظم الأدلة قراءة الخلق لآثار المعصية]:
• وهذا من أَعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار
(2)
.
(1)
حديث ضعيف جدًّا، رواه الطبراني، راجع سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني:237. بل يتجه الهيثمي إلى القول برضعه، فقد أورده في المجمع (10/ 225) من حديث جندب بن سفيان وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفبه حامد بن آدم وهو كذاب.
(2)
لا شك أن هذه لمحة جليلة من لمحات ابن رجب في الاستدلال على وجود الله بظهور أثر الذنب الذي لم يطبع عليه أحد من البشر، وسواء أظهر أثر السيئة للخلق أم لم يظهر فإن المرء يحسُّ في نفسه بجزاء الله له على ما اقترف، وهو سبحانه يقول:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)} [الشورى: 30] ويقول: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]
ولو أن الإنسان - عند إصابة الله له بشيء - راجع نفسه فيما يتعلق بعلاقته بالله، وعلاقته بالناس من حوله، ووقف على أخطائه لعرف صدق ما قال ابن رجب، وما أشرنا إليه.
[من هو السعيد؟]:
فالسعيد من أَصلح ما بينه وبين الله؛ فإِنه مَنْ أَصلح ما بينه وبين الله أَصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومَن التمس محامدِ الناس بسخط الله عاد حامدُه من الناس له ذامًّا.
* * *
•قال أَبو سليمان
(1)
: الخاسرُ من أَبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح مَن هو أقرب إليه من حبل الوريد.
[من أعجب ما روي في ذلك]:
• ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرًا يكري الدراهم فمر ذات يوم فإذا هو بصبيان يلعبون فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه، قال: يا رب أَفشيت سري إلى الصبيان. فرجع فجمع ماله كله، قال: يا رب إني أَسيرٌ، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال، فأَعتقني. فلما أَصبح تصدق بالمال كله، وأَخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأَوه قال بعضهم لبعض:" اسكتوا فقد جاءَ حبيب العابد ". فبكى وقال: " يا رب! أَنت تذم مرة، وتحمدُ مرة، وكله من عندك ".
* * *
[وأتبع السيئة الحسنة]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: " وأتبع السيئة الحسنة تمحها ": لما كان العبد مأْمورًا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أَن يقع منه أَحيانًا تفريط في التقوى إِما بترك بعض المأْمورات، أَو بارتكاب بعض المحظورات، فأَمره
(2)
بأَن يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أَن يُتبعها بالحسنة؛ قال الله عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}
(3)
.
* * *
(1)
هو أبو سليمان: عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الداراني ( .. - 215 هـ) وانظر بقية كلامه هذا في حلية الأولياء 9/ 275 - 276.
(2)
ظ: " فأمره أن يفعل ".
(3)
سورة هود: 114.
• وفي الصحيحين عن ابن مسعود: أَن رجلا أَصاب من امرأة قُبْلةً ثم أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نزلت هذه الآية؛ فدعاه، فقرأَها عليه فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: " بل للناس عامة "
(1)
.
* * *
[من وصف القرآن للمتقين]:
• وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية في قوله عز وجل: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}
(2)
. فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإِحسان إِليهم بالإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأَذَى. وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ.
• ثم وصفهم بأنهم: إِذا فَعَلُوا فاحشةً أَو ظلموا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا الله فاسْتغَفرُوا لذنُوبهم، ولم يُصِرُّوا عليها، فدل على أَن المتقين قد يقع منهم أَحيانًا كبائر، وهي الفواحش، وصغائر، وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها، بل يذكرون الله عقب وقوعها يستغفرون، ويتوبون إليه منها. والتوبة هي ترك الإِصرار.
• ومعنى قوله {ذَكَرُوا اللَّهَ} ذكروا عظمته، وشدة بطشه وانتقامه، وما توعد به على المعصية من العقاب، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال، والاستغفارَ وتركَ الإِصرار. وقال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب التفسير: سورة هود 8/ 355.
ومسلم في كتاب التوبة: باب قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات 4/ 2115 - 2118 من طرق عن ابن مسعود وغيره.
(2)
سورة آل عمران: 133 - 136.
(3)
سورة الأعراف: 201.
[سعة المغفرة]:
• وفي الصحيحين
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَذنب
(2)
عبد ذنبا فقال: رب! إِني عملتُ ذنبا فاغفر لي. فقال الله: " علم عبدي أَن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي! " ثم أَذنب ذنبًا آخرَ إلى أَن قال في الرابعة: " فليعمل ما شاءَ "
(3)
.
يعني ما دام على هذه الحال كلما أَذنب ذنبا استغفر منه.
[نفي الإصرار عن المستغفر]:
• وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما أَصرّ مَن استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة"
(4)
.
* * *
[المغفرة وتكرارها]:
• وخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر: أَن رجلا أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أَحدنا يذنب؟ قال: " يُكتَب عليه " قال: ثم يستغفر منه؟ قال: " يُغفر له، ويُتاب عليه " قال: فيعود فيذنب؟ قال: " يُكْتَب عليه " قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: " يُغفر له ويُتاب عليه، ولا يملُّ الله حتى تملُّوا "
(5)
.
* * *
[عفو الله أكبر]:
• وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن عائشة، رضي الله عنها قالت:
جاءَ حَبيب بن الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إِني رجل مِقْرافٌ للذنوب؟ قال: " فتب إِلى الله عز وجل " قال: أَتوب ثم أَعود. قال: " فكلما أَذنبتَ
(1)
قبل هذا في المطبوعة: "وفي الصحيح انفرد مسلم برواية أخرى " وليس هو في شيء من الأصول.
(2)
في المطبوعة: " إذا أذنب " وهو مخالف للأصول، ولما في الصحيحين والحديث عن أبي هريرة.
(3)
راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب التوحيد: باب يريدون أن يبدِّلوا كلام الله 43/ 466 ومسلم في كتاب التوبة: باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة 4/ 2112 - 2113، وقد أورد ابن رجب: معنى الحديث واختصارا له من الصحيحين.
(4)
أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب (107) 5/ 558 وقال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نضيرة، وليس إسناده بالقوي.
(5)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 257 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
ذنبا فتُب ". قال: يا رسول الله! إذا تكثُر ذنوبي؟ قال: " فعفو الله أَكثر من ذنوبك يا حبيبُ بنَ الحارث "
(1)
.
• وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد ضعيف
(2)
.
وبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها فوجِلَ قلبُه منها، واستغفر الله لم يُحسَبها
(3)
بشيء حتى يُمحاها.
[خياركم كل مُفْتَنٍ توّاب]:
• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي رضي الله عنه [أن النبي صلى الله عليه وسلم] قال: " خياركم كل مُفْتَن تواب " قيل: فإن عاد؟ قال: " يستغفر الله ويتوب " قيل: فإن عاد؟ قال: " يستغفر الله ويتوب " قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور "
(4)
.
• وخرج ابن ماجه
(5)
من حديث ابن مسعود مرفوعًا:
" التائب من الذنب كمن لا ذنب له ".
• وقيل للحسن: أَلا يستحي أحدنا من ربه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال:" ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار ".
• وروى عنه أَنه قال: " ما أرى هذا إلا من أَخلاق المؤمنين ".
(1)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 200 عن الطبراني في الأوسط من حديث عائشة رضي الله عنها رقال: فيه نوح بن ذكوان وهو ضعيف.
(2)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 200 - 201 عن البزار من حديث أنس بنحوه وقال: فيه بشار بن الحكم الضبي، ضعفه غير واحد وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وبقية رجاله وثقوا.
(3)
في "ا": "يحبسهما شيء".
(4)
أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 4/ 39 عن البيهقي في الشعب من حديث عدي وذكر أن إسناده ضعيف وفي ظ: " مقبل فإن عاد ". والمفتن وزان مكْرَم هو الممتحن بالذنب ثم يتوب، ثم يعود ثم يتوب، يقال: فتَنتُه أفتنه فتْنا وفتُونا إذا امتحنتَه، نهاية 3/ 410. وانظر الضعيفة 2239 وضعيف الجامع 2873.
(5)
أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب الزهد: باب ذكر التوبة 2/ 1419 - 1420 وذكر السندي في تعليقه على الحديث أن صاحب الزوائد قال: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، ثم ضرب على ما قال، وأبقى الحديث على الحال.
وفي المقاصد الحسنة 152 قال: رواه ابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، رفعه، ورجاله ثقات، بل حسنه شيخنا - يعني لشواهده - وإلا فأبو عبيدة، جزم غير واحد بأنه لم يسمع من أبيه. وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة 615، 616.
يعني أَن المؤمن كلما أَذنب تاب.
• وقد روى: " المؤمن مُفتن تواب "
(1)
.
• وروى من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعًا: " المؤمن واهٍ راقع فسعيدٌ مَن هَلَك على رَقْعِه "
(2)
.
[من أذنب فليستغفر]:
• وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: " من أَحسن منكم فليحمد الله، ومن أَساءَ فليستغفر الله، وليتب؛ فإنه لابد لأَقوام من
(3)
أن يعملوا أَعمالا وظفها الله في رقابهم
(4)
، وكتبها عليهم ".
• وفي رواية أخرى عنه أنه قال: "أيها الناس! من أَلم بذنب فليستغفر الله وليتب؛ فإِن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كلَّ الهلاك في الإصرار علمِها ".
[الذنوب من القدر]:
• ومعنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قُدّر عليه من الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كُتب على ابن آدم حظُّه من الزنا، فهو مدركٌ ذلك لا محالة "
(5)
.
(1)
راجع ما رواه عبد الله بن أحمد في المسند 2/ 39، 137 - 168 (المعارف) من حديث محمد بن الحنفية عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب ".
وإسناده ضعيف جدًّا، ولم أجده باللفظ الذي ساقه ابن رجب، وهو عند الطبراني صحيحًا بلفظ " إن المومن خلق مفتنا توابا
…
" الحديث وانظر الصحيحة 2276.
(2)
أخرجه البيهقي في الشعب والطبراني والعسكري عن عمر مرفوعًا: والمعنى أنه يخترق دينه بالذنب، ثم يرقعه بالتوبة! وقد أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 4/ 19 عن الطبراني والبيهقي في الشعب بإسناد ضعيف. راجع أيضا: المقاصد الحسنة ص 439 وتمييز الطيب من الخبيث ص 175. والتيسير بشرح الجامع الصغير 2/ 453 ومجمع الزوائد 10/ 201.
(3)
في المطبوعة: " فليستغفر الله وليتب فإنه لابد من أقوام من أن يعلموا .. ".
(4)
في س: " قلوبهم ".
(5)
متفق عليه من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان: باب زنا الجوارح دون الفرج 11/ 26 من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه ح 6243 وطرفه في 2/ 66 وأخرجه مسلم في القدر: باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره 4/ 2046 من وجهين بنحوه.
[والمخرج]:
ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنب، وإن أَصر على الذنب هلك.
[الويل لأقماع القول والمصرين]:
• وفي " المسند " من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ارحموا تُرحَمُوا، واغفروا يُغفر لكم، ويل لأَقْماع القول، ويلٌ للمُصرِّين [الذين يصرون]
(1)
على ما فعلوا وهم يعلمون
(2)
".
وفسر أقماع القول بمن كانت أُذناه كالقِمْع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل لشيء من ذلك في أُذنه خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع.
* * *
[معنى الجملة الثانية في الحديث]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: " وأَتْبع السيِّئة الحسَنَة " قد يراد بالحسنة: التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير: أَن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إِلى اليمن قال: " يا معاذ اتق الله ما استطعت، واعمل بقوتك لله عز وجل ما أَطَقت، واذكر الله عز وجل عند كل شجرة وحجر، وإن أحدثت ذنبا فأَحدث عنده توبة: إِن سرًّا فسرٌّ، وإن علانيةً فعلانية ".
• وخرجه أَبو نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ
(3)
.
(1)
ما بين القوسين من المسند.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 2/ 81 (المعارف) بإسناد صحيح، وأشار محققه بالهامش إلى مواطن أخرى للحديث في المسند.
(3)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 240 - 241 رواية عن عبد الله بن محمد بن جعفر، عن أبي بكر بن أبي عاصم، عن يعقوب بن حميد، عن إبراهيم بن عيينة، عن إسماعيل بن رافع، عن ثعلبة بن صالح، عن رجل من أهل الشام، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ! انطلق فارحل راحلتك ثم ائتني أبعثك إلى اليمن " فانطلقت فرحلت راحلتي، ثم جئت فوقفت بباب المسجد حتى أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي ثم مضى معي، فقال: يا معاذ! إني أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحمة اليتيم، وحفظ الجار، وكظم الغيظ، وخفض الجناح، وبذل السلام، ولين الكلام، ولزوم الإيمان، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل، وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلمًا، أو تكذب صادقا، أو تصدق كاذبًا، أو تعصي إمامًا=
• وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأْت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية فأَحسن حسنة في علانية، لكي تكون هذه بهذه.
وهذا يحتمل أنه أَراد بالحسنة: التوبة أَو أَعمَّ منها.
[حديث القرآن في التوبة والمغفرة]:
• وقد أَخبر الله في كتابه أَن من تاب من ذنبه فإنه يُغفر له ذنبه، أَو يُثاب عليه في مواضع كثيره، كقوله تعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}
(1)
.
(2)
.
(3)
.
وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}
(4)
.
(5)
.
(6)
. الآيتين.
* * *
• قال عبد الرزاق: أَخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: بلغني أَن إِبليس حين نزلت هذه الآية {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا} الآية بكى
(7)
.
[ويروى عن ابن مسعود قال: هذه الآية خير لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها]
(8)
.
* * *
= عادلًا، يا معاذ! اذكر الله عند كل حجر وشجر، وأحدث مع كل ذنب توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية ". وفي الإسناد مجهول كما ترى.
(1)
سورة النساء: 17.
(2)
سورة النحل: 119.
(3)
سورة الفرقان: 70.
(4)
سورة طه: 82.
(5)
سورة مريم: 60.
(6)
سورة آل عمران: 135، 136.
(7)
أخرجه ابن كثير في التفسير 4/ 407 عن عبد الرزاق. وانظر الدر المنثور 2/ 77.
(8)
ما بين القوسين ليس في أ، والخبر في الدر: الموضع المذكور عن ابن المنذر بسياقه كاملًا.
[هذه الآية منحة إلهية]:
• وقال ابن سيرين: " أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لِبَنيِ إسرائيل في كفارات ذنوبهم ".
• وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: قال رجل: يا رسول الله! لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا نبغيها - ثلاثا - ما أَعطاكم الله خير مما أَعطى بني إسرائيل: كانت بنو إِسرائيل إذا أَصاب أَحدُهم الخطيئةَ وجدَها مكتوبةً على بابه وكفارتَها فإِن كفَّرَها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت له
(1)
خزيا في الدنيا والآخرة؛ فما أَعطاكها الله خير مما أَعطى بني إِسرائيل؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}
(2)
.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
(3)
قال: " هو سعة الإسلام، وما جعل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من التوبة والكفارة
(4)
".
[ما الذي يفاد من هذه النصوص؟ وهل يقطع بقبول التوبة؟]:
• وظاهر هذه النصوص يدل على أَن من تاب إلى الله توبة نصوحا، واجتمعت شروط التوبة في حقه - فإنه يقطع بقبول الله توبته، كما يقطع بقبول إسلام الكافر إِذا أَسلم إِسلامًا صحيحًا.
وهذا قول الجمهور، وكلام ابن عبد البرِّ يدل على أنه إِجماع.
•ومن الناس من قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يُرجى، وصاحبها تحت المشيئة وإِن تاب، واستدلوا بقوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}
(5)
فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته.
وربما استدل بمثل فوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى
(1)
ليست في المطبوعة ولا في " أ "، ر، ظ، ل.
(2)
سورة النساء: 115. ويراجع في هذا ما أورده ابن كثير في التفسير 1/ 552 والسيوطي في الدر المنثور 2/ 213 عن ابن جرير وعبد بن حميد، والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن مسعود بنحو شطره الأول.
(3)
سورة الحج: 78.
(4)
راجع في قول ابن عباس تفسير ابن كثير 3/ 236، والدر المنثور 4/ 371.
(5)
سورة النساء: 116.
رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}
(1)
وبقوله: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}
(2)
وقوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
(3)
(4)
.
والظاهر أن هذا في حق التائب، لأَن الاعتراف يقتضي الندم.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه "
(5)
.
[والصحيح: القطع بالقبول متى استوفت التوبة شرائطها]:
والصحيح قول الأكثرين.
• وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع؛ فإن الكريم إذا أَطمع لم يقطع من رجائه المطمع؛ ومن هنا قال ابن عباس: إنَّ " عسى " من الله واجبةٌ.
نقله عنه علي بن أبي طلحة
(6)
.
• وقد ورد جزاءُ الإيمان والعمل الصالح بلفظ عسى أيضًا ولم يدل ذلك على أَنه غير مقطوع ول كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}
(7)
.
وأَما قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}
(8)
فإِن التائب ممن يشاء أَن يَغفِر
(1)
سورة التحريم: 8.
(2)
سورة القصص: 67.
(3)
سورة النور:31.
(4)
سورة التوبة: 102.
(5)
متفق عليه أخرجه البخاري في المغازي: باب حديث الإفك 7/ 431 - 435 وفي التفسير: باب لولا إذ سمعتموه 8/ 452 - 455 ضمن حديث الإفك بسياقه الطويل.
وأخرجه مسلم في كتاب التوبة: باب حديث الإفك 4/ 2129.
(6)
ولهذا قال القرطبي في التفسير (18/ 200): عسى من الله واجبة، وهو معنى قوله عليه السلام:" التائب من الذنب كمن لا ذنب له ".
وقال ابن كثير في التفسير (4/ 392) و " عسى " من الله موجبة، وفي 2/ 341 قل ابن كثير: وكل" عسى " في القرآن فهي واجبة، وقال محمد بن إسحاق وعسى من الله حق، وقال ابن منظور في اللسان 19 - 284 عسا: و " عسى " في القرآن من الله جل ثناؤه واجب، وهو من العباد ظن {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} وقد أتى به.
(7)
سورة التوبة: 18.
(8)
سورة النساء: 116.
له، كما أَخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
[معنى آخر للحسنة]:
• وقد يراد بالحسنة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أتبع السيئة الحسنة" ما هو أَعم من التوبة كما في قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}
(1)
.
وقد روى من حديث معاذ أَن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأَ ويصلي
(2)
.
[المغفرة بالطهارة والصلاة]:
• وخرَّج الإمام أَحمد وأَبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما من رجل يُذنِبُ ذنبًا ثم يقوم فيتطهَّرُ ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له.
(1)
سورة هود: 114.
(2)
كما أخرج الواحدي في أسباب النزول ص 271 رواية عن محمد الطوسي، عن علي بن عمر، عن الحسين ابن إسماعيل المحاملي، عن يوسف بن موسى عن جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أنه كان قاعدًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل، قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية {أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} إلى آخرها، فقال معاذ بن جبل: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل هي للمسلمين عامة. وأخرجه الترمذي في السنن: كتاب التفسير: تفسير سورة هود 5/ 291 من رواية عبد بن حميد، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير به - بنحوه.
وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ ابن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست سنين وقد رَوى عن عمر. والدارقطني في السنن كتاب الطهارة: باب صفة ما ينقض الوضوء وما روي في الملامسة والقبلة 1/ 134.
- من رواية ابن إسماعيل المحاملي وعبد الله بن جعفر عن يوسف بن موسى - به - بمثله.
وعقب عليه بقوله: صحيح!
لكن أبا الطيب في التعليق المغني أورد تعقيب الترمذي على الحديث.
والحديث عند ابن كثير 2/ 463 عن الدارقطني، وأبن جرير في التفسير 15/ 520 - 522، والواحدي في أسباب النزول 271، والحاكم في المستدرك 1/ 135 - 136 وسكت عنه هو والذهبي وأحمد في المسند 5/ 244 والنسائي في الرجم في الكبرى من حديث ابن أبي ليلى: أن رجلا فذكره مرسلًا كما في تحفة الأشراف 8/ 409 ح 11343 والسيوطي في الدر المنثور 3/ 352 وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وابن مردويه.
ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}
(1)
.
(1)
الآية 135 من سورة آل عمران.
والحديث أخرجه أحمد في المسند 1/ 153 - 154، 174 (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه ح 3 من رواية وكيع عن مسعر وسفيان، عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن علي بن ربيعة الوالبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر أنه سمع النبي قال:"ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء، قال مسعر: ويصلي، وقال سفيان: ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له".
ومن رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة عن عثمان بن المغيرة به إلا أنه قال عن أسماء أو ابن أسماء وساق الحديث بنحوه ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يذنب ذنبًا ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى لذلك الذنب إلا غفر له، وقرأ هاتين الآيتين:{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} .
والترمذي في السنن: كتاب الصلاة: باب ما جاء في الصلاة عند التوبة 2/ 257 بنحو ما تقدم وفيه: "ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلى، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
وقد عقب عليه بقوله: "وفي الباب عن ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس، وأَبي أمامة، ومعاذ، وواثلة، وأبي اليسر. وحديث علي حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث عثمان بن المغيرة".
وأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الاستغفار 2/ 180 بنحوه وعنده: "ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين
…
الحديث.
وابن ماجه في: 5 - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: 193 - باب ما جاء أن الصلاة كفارة 1/ 446 ح 1395 بنحو الطريق الأول عند أحمد.
والنسائي في عمل اليوم والليلة: ما يفعل من بُلِيَ بذنب وما يقول ص 138 ح 417 من رواية عبيد الله بن فضالة، عن عبد الله بن الزبير عن سفيان، عن مسعر، عن عثمان بن المغيرة الثقفي - به - مرفوعًا:"ليس من عبد يذنب ذنبًا فيقوم فيتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له".
ومن رواية أحمد بن سليمان عن جعفر بن عون عن مسعر.
وهاررن بن إسحاق عن محمد عن مسعر - به - موقوفًا من حديث أبي بكر قال: "إنه ليس من رجل يذنب" نحوه.
ومن رواية محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عثمان بن المغيرة - به - مرفوعًا من حديث أبي بكر قال:"ليس من عبد يذنب فيتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له".
ومن رواية قتيبة بن سعيد عن أبي عوانة، عن عثمان بن المغيرة مرفوعًا به من حديث أبي بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل مؤمن يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ الآية:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية.
وأخرجه الترمذي كذلك: 48 - في التفسير: 4 - سورة آل عمران 5/ 228 - 229 بمثل ما تقدم في الصلاة وعقب عليه بقوله: هذا حديث قد رواه شعبة وغير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه، ورواه مسعر وسفيان =
• وفي الصحيحين عن عثمان رضي الله عنه أَنه توضأَ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأَ نحو وضوئي هذا ثم قال:
"من توضأَ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نَفْسَهُ غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذَنْبه"
(1)
.
= عن عثمان بن المغيرة فلم يرفعاه وقد رواه بعضهم عن مسعر فأوقفه، ورفعه بعضهم، ورواه سفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة فأوقفه ولا نعرف لأسماء بن الحكم حديثًا إلا هذا.
والحديث عند ابن كثير في التفسير 1/ 407 وذكر تعقيب الترمذي على الحديث بالحسن ثم قال: وقد ذكرنا طرقه والكلام عليه مستقصى في "مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه" وبالجملة فهو حديث حسن وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر رضي الله عنهما ثم قال: ومما يشهد بصحة الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه توضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" ثم قال ابن كثير: فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين كما دل عليه الكتاب المبين من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين. ا. هـ. وهذه لمحة ذكية لا تستغرب على حافظ محدث مفسر مؤرخ كابن كثير فلله دره؟!
ولعل الولوع بتتبع روايات مثل هذا الحديث عن الخلفاء الأربعة وقد اجتمع اثنان منهم على روايته فيما ساق ابن رجب أولا هو الذي حدا بابن رجب أن يورد حديث عثمان في هذا عقب هذه الرواية.
أليست مدرسة واحدة ورياضًا فريدة يصدر عنها هذا وذاك وغيرهما؟ هي مدرسة الحديث النبوي ورياض الذكر الحكيم؟! بلى. وإنها لرياض يانعة، وإنها لمدارس ممرعة! علمًا ومعرفة وفقها وحكمة!!.
(1)
أخرجه البخاري في: 4 - كتاب الوضوء: 24 - باب الوضوء ثلاثًا ثلاثا من حديث عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد: أن حمران مولى عثمان أخبره: أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" باللفظ المذكور، ح 159 - ج 1 ص 259. وأورده عقبه ح 160 من حديث صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: ولكن عروة يحدث عن حمران: فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثًا لولا آية ما حدثتكموه؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه، ويصلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها" قال عروة: الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} [سورة البقرة: 159] ج 1 ص 261.
وفى: 28 - باب المضمضة في الوضوء 1/ 266 ح 164 بنحو الأول وفي: 30 - كتاب الصيام: 27 - باب سواك الرطب واليابس للصائم 4/ 158 ح 1934 بنحوه.
وفي: 81 - كتاب الرقاق: 8 - باب قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ح 6433 مختصرًا لكن سياق الحديث بنحو ما تقدم ثم قال عقبه: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تغتروا" 11/ 251. =
• وفي مسند الإِمام أَحمد عن أبي الدرداءِ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأَ فأَحسن الوضوءَ، ثم قام فصلَّى ركعتين أَو أَربعا يُحْسِن فيهما الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفر الله عز وجل غفر له"
(1)
.
• وفي الصحيحين عن أنس قال:
كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءَه رجل فقال: يا رسول الله! إِني أَصبت حدًّا فأَقمه علىّ. قال: ولم يسأله عنه، فحضرت الصلاة، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام إِليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأَقم فيَّ كتابَ الله. قال: "أليس قد صليت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك. أو قال: حَدَك"
(2)
.
= وأخرجه مسلم في: 2 - كتاب الطهارة: 3 - باب صفة الوضوء وكماله 1/ 204 - 205 ح 3 (226) بنحو ما عند البخاري، ثم عقب عليه بقول ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء، أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة.
(1)
رواه أحمد في المسند 6/ 450 (الحلبي) من حديث أحمد بن عبد الملك، عن سهل بن أبي صدقة، عن كثير بن الفضل، عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قبض فيه، فقال لي: يا ابن أخي! ما أعمدك إلى هذا البلد؟ أي ما جاء بك؟ قال: قلت لا إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبد الله بن سلام فقال أبو الدرداء! بئس ساعة الكذب هذه! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ فأحسن وضوءه، ثما قام فصلى ركعتين أو أربعًا (شك سهل) يحسن فيهما الذكر والخشوع ثم استغفر الله عز وجل غفر له".
وقد أفاد عبد الله بن أحمد أن أحمد بن عبد الملك وهم في اسم سهل بن أبي صدقة، إنما هو صدقة بن أبي سهل. والحديث عند أحمد أيضًا في المسند 4/ 443 بنحوه.
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد عن أحمد والطبراني من حديث أبي الدرداء 2/ 278 - 279 وذكر أن إسناده حسن.
(2)
أخرجه البخاري في: 86 - كتاب الحدود: 27 - باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟ 12/ 133 باللفظ المذكور: إلا أن عنده: "وحضرت الصلاة".
ومسلم في: 49 - كتاب التوبة: 7 - باب قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} 4/ 2117 مختصرًا وعنده: قال: قد غفر لك.
وقد نقل ابن حجر عن الخطابي: أنه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع بالوحي على أن الله قد غفر لهذا الرجل لكونها واقعة عين وإلا لكان يستفسره عن الحدود ويقيمه عليه.
وقال أيضًا في هذا الحديث أنه لا يكشف عن الحدود، بل يدفع مهما أمكن. وهذا الرجل لم يفصح بأمر يلزمه به إقامة الحد عليه فلعله أصاب صغيرة ظنها كبيرة توجب الحد فلم يكشفه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن موجب الحد لا يثبت بالاحتمال وإنما لما يستفسره إما لأن ذلك يدخل في التجسس المنهي عنه. وإما إيثارًا للستر ورأى أن في تعرضه لإقامة الحد عليه ندمًا ورجوعًا.
وقد استحب العلماء تلقين من أقر بموجب الحد بالرجوع عنه إما بالتعريض، وإما بأوضح منه ليدرأ عنه الحد. ثم قال ابن حجر: =
• وخرجه مسلم بمعناه من حديث أبي أُمامة
(1)
.
• وخرجه ابن جرير الطبري من وجه آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثه قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد. وأنزل الله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}
(2)
.
• وفى الصحيحين عن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أرأيتم لو أن نهرا بباب أَحدكم يَغْتَسِلُ فيه - كل يوم خمسَ مرات هل يبقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء". قال: "فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا"
(3)
.
• وفي صحيح مسلم عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأَ فأَحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أَظفاره"
(4)
.
= وجزم النووي وجماعة: أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر، بدليل أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة، بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.
وهذا هو الأكثر الأغلب.
وقد تكفر الصلاة بعض الكبائر كمن كثر تطوعه مثلًا بحيث صلح لأن يكفر عددًا كثيرًا من الصغائر ولم يكن عليه من الصغائر شيء أصلًا، أو شيء يسير وعليه كبيرة واحدة مثلًا فإنها تكفر عنه ذلك؛ لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ولتمام الفائدة ينظر فتح الباري في الموضع المذكور تعليقا على الحديث وعلى ما أثير عن الحديث.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه عقب الرواية السابقة من حديث أبي أمامة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني أصَبْتُ حدًا، فأقمه علىّ، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًا فأقمه عليّ، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أبو أمامة: فأتبع الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف، وأتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًّا فأقمه علىّ. قال أبو أمامة: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضّوء؟: قال: بلى يا رسول الله! قال: "ثم شهدت الصلاة معنا؟ فقال: نعم يا رسول الله! قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الله قد غفر لك حدّك - أو قال - ذنبك".
(2)
وأورده عنه ابن كثير 2/ 463 - 464 بنحو ما أورده ابن رجب، وفي ب:"خطيتك".
(3)
أخرجه البخاري في: 9 - مواقيت الصلاة وفضلها: 51 - باب الصلوات الخمس كفارة 2/ 11 بنحوه.
ومسلم في: 5 - كتاب المساجد ومواضع الصلاة: 51 - باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات 1/ 462 - 464 باللفظ المذكور، إلا أن في مسلم:"يغتسل منه".
(4)
أخرجه مسلم في: 2 - كتاب الطهارة: 11 - باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء 1/ 216 باللفظ المذكور. وفي ب: "عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلكم
…
الحديث".
وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إِسباغ الوضوء على المكاره
(1)
وكثرة الخطأ إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط
(2)
".
* * *
[المغفرة بالصوم وقيام رمضان وليلة القدر]:
• وفى الصحيحين عن أَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"
(3)
.
(1)
قال في النهاية (4/ 168): المكاره جمع مكره (بفتح الميم وسكون الكاف) وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكره بالضم والفتح: المشقة.
والمعنى أن يتوضأ من البرد الشديد والعلل التي يتأذى معها بمس الماء، ومع إعوازه والحاجة إلى طلبه، والسعي في تحصيله، أو ابتياعه بالثمن الغالي، وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقة.
(2)
أخرجه مسلم في: 2 - كتاب الطهارة: 14 - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره 1/ 219 باللفظ المذكور إلا أن الجملة الأخيرة لم تكرر.
(3)
راجع في هذا ما أخرجه البخاري في: 2 - كتاب الإيمان: 25 - باب قيام ليلة القدر من الإيمان 1/ 91 ح 35 مقتصرًا على مغفرة الذنب بقيام ليلة القدر.
وفي: 27 - باب تطوع قيام رمضان من الإيمان 1/ 92 ح 37 مقتصرًا على مغفرة الذنب لقيام رمضان.
وفي: 28 - باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان 1/ 92 ح 38 مقتصرًا على مغفرة الذنب بصيام رمضان.
وفي: 30 - كتاب الصوم: 6 - باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية 4/ 115 ح 2008 جامعًا بين قيام ليلة القدر وصيام رمضان ومغفرة الذنب.
وفي: 31 - كتاب صلاة التراويح: 1 - باب فضل من قام رمضان 4/ 250 ح 2008 بنحو الموضع الثاني وح 2009 بمثل ذلك وأعقبه بقول ابن شهاب، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنهما.
وفي: 32 - كتاب فضل ليلة القدر: 1 - باب فضل ليلة القدر:
4/ 255 ح 2014 من طريق علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان [بن عيينة] قال: حفظناه وأيما حفظ من الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وهذا هو الموضع الأخير للحديث في صحيح البخاري آثره البخاري بهذه الكلمة الثمينة من سفيان بن عيينة في توثيق الحديث؛ فكأنما أراد أن يؤكد وثاقة طرق هذا الحديث بل كأنما أراد أن يشير إلى دقته في تخير روايات الحديث في هذا الصحيح. =
[المغفرة بالحج]:
• وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفْسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه"
(1)
.
[المغفرة بالإسلام]:
• وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الإِسلامَ يهدِمُ ما كان قبله، وإِن الهجرةَ تهدمُ ما كان قبلَها، وإِن الحجَّ يهدِمُ ما كان قبله"
(2)
.
= وما أخرجه مسلم في: 6 - كتاب صلاة المسافرين وقصرها: 25 - باب الترغيب في قيام رمضان 1/ 523 ح 173، 174، 175، 176 بنحو ما عند البخاري وليس في شيء من رواياتهما الجمع بين المغفرة والأمور الثلاثة في حديث واحد كما ساق ابن رجب أو كما يتبادر من سياقه، والظاهر أنه يشير إلى حديثين لا إلى حديث واحد أو إلى روايتين لا إلى رواية واحدة.
(1)
أخرجه البخاري في: 25 - كتاب الحج: 4 - باب فضل الحج المبرور. 3/ 282 ح 1521: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
وفي: 27 - كتاب المحصر: 9 - باب قول الله تعالى: {فَلَا رَفَثَ} [سورة البقرة]: 197 - 4/ 20 ح 1819: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه".
و: 10 - باب قول الله عز رجل: {وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [سورة البقرة: 197] 4/ 20 ح 1820: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
ومسلم في: 15 - كتاب الحج: 79 - باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة 2/ 983 ح 438 (1350): "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه"، "من حج فلم يرفث ولم يفسق" وليس في أي من الكتابين لفظ "خرج" في الحديث.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه: 1 - كتاب الإيمان: 54 باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج 1/ 112 ح 192 (121) من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهدي، قال: حضرنا عمرو ابن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه! أما بشَّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. إنى وقد كنت على أطباق ثلاث. لقد رأيتني وما أحد أشدُّ بغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني ولا أحب إلىّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: "مالك يا عمرو؟ قال: قلت: أردت أن أشترط؟ قال: تشترط بماذا؟: قلت: أن يغفر لي؟ قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " وما كان أحد أحبَّ إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه. وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، لو سئلت أن أصفه ما أطقت: لأني لم أكن أملأ عينىّ منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء، ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا =
[وبصوم عاشوراء وعرفة]:
• وفيه من حديث أبى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صوم عاشوراء:
"أَحتسب على الله أَن يكَفِّر السنة التي قبله".
وقال في صوم يوم عرفة: "أحتسب على الله أن يُكَفِّرَ السنةَ التى قبله والتى بعده"
(1)
.
* * *
[وبالحسنات]:
• وخرج الإِمام أحمد من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"مَثَلُ الذي يعمل السيئاتِ ثم يعمَل الحَسَنَاتِ، كمثل رجل كانت عليه دِرعٌ ضيقة قد خَنَقَتْهُ، ثم عمل حَسَنَةً؛ فانْفكَّتْ حَلْقةٌ ثم عمل حَسَنَةً أُخرى فانفكت [حلقة] أُخرى؛ حتى يخرج إلى الأَرض"
(2)
.
* * *
[وذكر الله عز وجل]:
ومما يكفر الخطايا: ذكر الله عز وجل.
وقد ذكرنا فيما تقدم
(3)
أَن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول: "لا إله إِلا الله" أَمِن الحسنات؟ قال: "هي أَحسن الحسنات".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من قال سبحان الله وبحمده" في يوم مائة مرة حطت [عنه] خطاياه، وإن
= نار، فإذا دفنتموني فشُنُّوا؟ عليّ الراب شنًّا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.
(1)
هذا جزء حديث طويل أخرجه مسلم في كتاب الصيام: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس 2/ 818 - 819 وقد أخرجه من طريقين.
(2)
مسند أحمد 4/ 145 (الحلبي) وأوله: "إن مثل" وما بين الأقواس من المسند.
وأورده الهيثمي في المجمع 10/ 201 عن أحمد والطبراني وقال: وأحد إسنادي الطبراني صحيح.
(3)
ص 467 وما بعدها من حديثي أبي ذر وأنس.
كانت مثلَ زَبَد البحر"
(1)
.
* * *
وفيهما عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير" في يوم مائة مرة، كانت له عِدْلَ عَشْرِ رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أَحدٌ بأفضلَ مما جاءَ به إِلا أَحدٌ عَمِلَ أَفضلَ مِنْ ذَلِكِ"
(2)
.
* * *
• وفي المسند وكتاب ابن ماجه عن أُم هانئ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
صحيح مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار 4/ 2071 من حديث طويل. أوله الحديث التالي في فضل "لا إله إلا الله".
وأخرجه البخاري في: 80 - كتاب الدعوات: 65 - باب فضل التسبيح 11/ 206 بمثل ما أورده ابن رجب وما بين القوسين من البخاري.
(2)
البخاري في: 59 - كتاب بدء الخلق: 11 - باب صفة إبليس وجنوده 6/ 338 ح 3293 من طريق عبد الله ابن يوسف القعنبي، عن مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك".
وفي: 80 - كتاب الدعوات: 64 - باب فضل التهليل 11/ 201 من طريق عبد الله بن مسلمة عن مالك بمثله إلا قوله: "ولم يأت بأفضل مما جاء به، إلا رجل عمل أكثر منه" ح 6403 ومسلم في: 48 - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار 4/ 2071 ح 28 (2691) من طريق يحيى بن يحيى عن مالك - به - بمثله في الموضع الأول إلا أنه زاد في آخره: "ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر".
وليس في أي من الصحيحين قوله: "يحيى ويميت" من حديث أبي هريرة.
وقد أفاد ابن حجر أن هذه الزيادة من رواية جعفر في الذكر عن أبي رهم السمعي عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يصبح" فذكر مثله لكن زاد: "يحيى ويميت" فكيف جاء بها ابن رجب؟. أم أنها سبق قلم من النساخ على أساس أنها من محفوظ الروايات الأخرى؟.
وقد رواه الترمذي في سننه: 49 - كتاب الدعوات: 60 - من طريق إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك - به - بمثل روايتي البخاري ومسلم - لكن بهذه الزيادة:"يحيى ويميت".
وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح.
"لا إِله إِلا الله لا تترك ذنبا، ولا يسبقها عمل"
(1)
.
• وخرج الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه مر بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق فقال: "إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إِله إلا الله، والله أَكبر - لتُسَاقِطُ من ذنوب العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة"
(2)
.
• وخرجه الإِمام أَحمد بإِسناد صحيح عن أَنس أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، تنفُضُ الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها"
(3)
.
(1)
هذا الحديث من الوجادات التي وجدها عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وقد أثبتها في المسند 6/ 344 حيث قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: ثنا سعيد بن سليمان قال: ثنا موسى بن خلف، قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قال: قالت: مر بي ذات يوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! قد كبرت وضعفت أو كما قالت، فمرنى بعمل أعمله وأنا جالسة. قال: سبحي الله مائة تسبيحة. فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة، تعدل لك مائة فرس مسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكبري الله مائة تكبيرة. فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلدة متقبلة، وهللي الله مائة تهليلة - قال ابن خلف: أحسبه قال: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحد عمل إلا أن يأتي بمثل ما أتيت به".
والحديث في المسند من وجه آخر يرويه عبد الله بن أحمد بن حنبل فيقول: حدثني أبي، ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا أبو معشر، عن مسلم بن أبي مريم، عن صالح مولى وجزة عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إني امرأة قد ثقلت، فعلمني شيئًا أقوله وأنا جالسة. قال: قولي: الله أكبر مائة مرة، فإنه خير لك من مائة بدنة مجللة متقبلة، وقولي الحمد لله مائة مرة، فإنه خير لك من مائة رقبة من ولد إسماعيل تعتقينهن، وقولي: لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبًا ولا يسبقه العمل". ورواه ابن ماجه في السنن: 33 - كتاب الأدب: 54 - باب فضل لا إله إلا الله 2/ 1248 ح 3797 من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن زكريا بن منظور، عن محمد بن عقبة، عن أم هانئ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنبًا". وقد أورده البوصيري في الزوائد 2/ 260) (1326) وقال: هذا إسناد فيه زكريا بن منظور وهو ضعيف.
(2)
أخرجه الترمذي في 49 - كتاب الدعوات: 98 - باب حدثنا محمد 5/ 549 من رواية محمد بن حميد الرازي، عن الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن أنس
…
الحديث وفيه: "كما تساقط ورق هذه الشجرة" وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعًا من أنس، وفي تحفة الأحوذي 5/ 268 أورد قول المنذري: وأخرجه أحمد من غير طريق الأعمش ورجاله رجال الصحيح وهو يعْني الحديث التالي، فحديث الترمذي - إذًا - حسن لغيره.
(3)
أخرجه الإمام أحمد في المسند (3/ 152) الحلبي من طريق عبد الصمد عن أبيه، عن سنان، عن أنس: أن =
• والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، ويطول الكتاب بذكرها.
* * *
[من آثار السلف].
• وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أن لسانه لا يفتر عن ذكر الله؟ فقال: "إن ذلك لعَونٌ حَسَن".
• وسئل الإمام أحمد عن رجل اكتسب مالا من شبهة صلاته وتسبيحه تحطّ عنه شيئًا من ذلك؟ فقال: إن صلي وسبح يريد به ذلك فأرجو؛ قال الله تعالى: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}
(1)
.
• وقال مالك بن دينار: "البكاءُ على الخطيئة يحط الخطايا كما يحط الريح الورق اليابس"
(2)
.
• وقال عطاء: من جلس مجلسا من مجالس الذكر كفر به عشرة مجالس من مجالس الباطل
(3)
.
• وقال شويس العدوي - وكان من قدماء التابعين - إن صاحب اليمين أَمير - أَو قال أَمين - على صاحب الشمال، فإذا عمل ابن آدم سيئة فأَراد صاحب الشمال أَن يكتبها قال له صاحب اليمين: "لا تعجل لعله يعمل حسنة، فإن عمل حسنة أَلقي واحدة بواحدة وكتبت له تسع حسنات، فيقول الشيطان: يا ويله من يدرك تضعيف ابن آدم؟
(4)
.
• وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأَشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أَعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أَن ينام أَحدكم فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة، ويحمد الله أربعا وثلاثين تحميدة،
= رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصنًا فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض ثم نفضه فانتفض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها". وانظره في صحيح الجامع الصغير (2089) وقد رمز له بالحسن وقد أورده الطبري في الترغيب والترهيب 2/ 433 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(1)
سورة التوبة: 102.
(2)
في ب جاء هذا القول قبل قول عطاء التالي.
(3)
الحلية 3/ 313.
(4)
الحلية 2/ 255.
ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة".
هذا غريب ومنكر
(1)
.
* * *
• وروى وكيع: حدثنا الأعمش، عن أَبي إسحاق، عن أَبِي الأحوص، قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود -: "وددت أني صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة".
• وهذا إشارة منه إلى أَن الحسنة يمحى بها التسع خطيئات ويفضل له ضعف واحد من ثواب الحسنة فيكتفي به. والله أعلم.
* * *
[ماذا تكفر الأعمال الصالحة؟]:
وقد اختلف الناس في مسألتين، إحداهما: هل تكفر الأَعمال الصالحة الكبائر والصغائر أَم لا تكَفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر.
• وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أَنه يكفر الصغائر.
• وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أَكبر من ذلك، والصلاة تكفر أَكبر من ذلك.
خرجه محمد بن نصر المروزي
(2)
.
[ماذا يكفر الكبائر؟]:
• وأَما الكبائر فلابد لها من التوبة؛ لأن الله أَمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالما.
واتفقت الأُمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدَّى إلا بنية وقصد. ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأَداء بقية أركان الإِسلام - لم يحتج إلى التوبة.
وهذا باطل بالإجماع.
(1)
الطبراني في الكبير 3/ 296 ح (3451) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 121 - 122 عن الطبراني من حديث أبي مالك وقال: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.
(2)
في تعظيم قدر الصلاة 1/ 157 - 158 ح 99 بسياقه مطولًا.
وأَيضًا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأَحد ذنب يدخل به النار إذا أتي بالفرائض.
وهذا يشبه قول المرجئة، وهو باطل.
هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه التمهيد، وحكى إجماع المسلمين على ذلك.
واستدل عليه بأحاديث منها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر".
وهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة
(1)
رضي الله عنه.
[الكبائر لا تكفرها الفرائض]:
وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض.
وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين:
• أحدهما وحكاه عن جمهور أَهل السنة: أَن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب لم تكفِّر هذه الفرائض شيئًا بالكلية.
• والثاني: أَنها تكفر الصغائر مطلقًا ولا تكفر الكبائر وإن وجدت لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها.
ورجح هذا القول وحكاه عن الحُذَّاق.
• وقوله: "بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها" مراده أَنه إذا أَصر عليها صارت كبيرة فلا
(2)
تكفرها الأَعمال.
• والقول الأول الذي حكاه غريب، مع أنه قد
(3)
حكى عن أبي بكر: عبد العزيز ابن جعفر من أصحابنا مثله.
* * *
• وفي صحيح مسلم عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
مسلم في كتاب الطهارة: باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة
…
مكفرات .. 1/ 209 وهذا الحديث ليس في صحيح البخاري، وليس مما اتفق عليه البخاري ومسلم.
(2)
في "ا" و م ر، ط، ل "فلم".
(3)
في المطبوعة: "مع أنه إذا أصر عليها وقد حكى" وفيها زيادات تخل بالمعنى وليست في الأصول.
"ما من امرئ مسلم تَحْضُرهُ صلاةٌ مكتوبةٌ، فيُحْسِنُ وُضُوءَها، وخشوعَها وركوعَها، إلا كانت كفارةٌ لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤتِ كبيرةٌ، وذلك الدَّهْرَ كلَّه"
(1)
.
* * *
• وفي مسند الإمام أحمد عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتطهر الرجل - يعني يوم الجمعة - فيحسن طُهُورَهُ ثم يأَتي الجمعة فيُنصِتُ حتى يقضيَ الإمامُ صلاتَهُ إلا كان كفارةً [له] ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجْتُنبت المقْتَلَة"
(2)
.
• وخرج النَّسَائِي وابن حبان والحاكم من حديث أَبي سعيد وأَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
يؤت كبيرة: يعملها. أي أن الذنوب كلها تغفر بذلك إلا الكبائر فإنما تكفرها التوبة، أو عفو الله عز وجل، والدهر كله. أي أن هذا الحكم مستمر في جميع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان.
وتفسير إيتاء الكبيرة بعملها والإيتاء هو الإعطاء: مراعي فيه هذا المعني كأن فاعل الكبيرة يعطيها من نفسه.
والحديث أخرجه مسلم في: 2 - كتاب الطهارة: 4 - باب فضل الوضوء والصلاة عقبه 1/ 206.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 439 (الحلبي) من رواية هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قرقع الضبي، عن سلمان الفارسي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: لكني أدري ما يوم الجمعة: لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره
…
الحديث وليس في الرواية: يعني يوم الجمعة.
وأورده في 440 من رواية عفان، عن أبي عوانة، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرقع الضبي، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: نعم. قال: لا أدري زعم سأله الرابعة أم لا قال: قلت: هو اليوم الذي جمع فيه أبوه وأبوكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أحدثك عن يوم الجمعة؟ لا يتطهر رجل مسلم ثم يمشي إلى المسجد، ثم ينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المقتلة".
وقد أورده الهيثمي في المجمع 2/ 174 عن الطبراني في الكبير من حديث سلمان بروايتين وفيهما: قال سلمان: هو اليوم الذي الذي جمع فيه أباك أو أبويك" وقد قال عن الأول: روى النَّسَائِي بعضه وإسناده حسن وعن الثاني قال: رجاله ثقات ولم يذكر شيئًا عن رواية أحمد في المسند له وانظر الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد ابن حنبل الشيباني 6/ 45 - 46 وقد ذكر فيه أن الظاهر أن سلمان فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن سبب تسمية يوم الجمعة، فأجابه بقوله: "هو الذي جمع الله فيه أباكم" يعني خلق آدم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لكني أدري ما يوم الجمعة" يعني لست أريد ما ذكرت ولكني أريد ما يعود على العبد من الفضل والثواب يوم الجمعة، ثم أخبره فقال: لا يتطهر الرجل
…
الحديث ثم ذكر عن المقتلة أنها الكبيرة ثم نقل قول الهيثمي عن روايات الحديث ودرجته عند الطبراني.
والهيثمي يشير إلى رواية النَّسَائِي في سننه 3/ 104 ح 1403 من رواية إسحاق بن إبراهيم عن جرير، عن منصور عن أبي معشر بالإسناد الثاني عند أحمد - عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة".
"والذي نفسي بيده ما من عبدٍ يُصَلِّي الصلواتِ الخمسَ، ويصومُ رمضانَ، ويُخْرجُ الزكاةَ، ويجْتَنِبُ الكبائرَ السَّبْعَ، إلا فُتّحَتْ له أبوابُ الجنة ثم قيل له: ادخُلْ بسلامِ"
(1)
.
• وخرج الإمام أَحمد والنسائي من حديث أبي أَيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضًا
(2)
.
وخرج الحاكم معناه من حديث عبيد بن عمير
(3)
عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(1)
رواه النَّسَائِي في السنن: 23 - كتاب الزكاة: 1 - باب وجوب الزكاة (5/ 8 - 9) عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن خالد، عن ابن أبي هلال، عن نعيم المجمر، عن صهيب: مولى العتواريين أنه سمع من أبي هريرة ومن أبي سعيد يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: والذي نفسي بيده (ثلاث مرات) ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه في وجهه البشري، فكانت أحب إلينا من حُمْرِ النَّعَم، ثم قال:"ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصومُ رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة فقيل له ادخل بسلام".
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (3/ 122) من الإحسان في باب فضل الصلوات الخمس: ذكر البيان بأن الله جل وعلا إنما يدخل الجنة صائم رمضان مع إقامة الصلاة إذا كان مجتنبًا للكبائر. عن عبد الله بن محمد، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال به: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: "والذي نفسي بيده - ثلاث مرات - ثم سكت، فأكب كل منا بيكي ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
"ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصطفق، ثم تلا:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية [سورة النساء: 31}.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: باب فضل الصلوات الخمس 1/ 200 عن أبي العباس: محمد ابن يعقوب، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب بإسناد ابن حبان، وبمثل روايته وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 413 - 424 عن زكريا بن عدي عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان أن أبا رهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة وآتي الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة أو دخل الجنة".
فسأله: ما الكبائر؟ فقال: "الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف".
وأخرجه النَّسَائِي في سننه: 37 - كتاب تحريم الدم 3 - باب ذكر الكبائر (7/ 88) ح 4009 عن إسحاق بن إبراهيم عن بقية بن الوليد - به - ومثله وقد مضي الحديث ص.
وأورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (6185) وزاد نسبته إلى ابن حبان والحاكم وأحال إلى الإرواء 1202 وزاد نسبته فيه إلى ابن أبي عاصم ثم قال: وهذا إسناد جيد، صرح فيه بقية بالتحديث، وبحير بن سعد ثقة ثبت وتابعه محمد بن إسماعيل، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة عن شريح ابن عبيد عن أبي رهم - به - أخرجه ابن أبي عاصم.
(3)
في المطبوعة: "عبد الله بن عمر" ولا يستقيم مع ما بعده، وراجع ما أورده ابن كثير عن الحديث والذي رواه الحاكم في المستدرك 4/ 259 عن عبيد بن عمير، وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي. مع أنه من رواية عبد الحميد بن سنان الذي ضعفاه به عند رواية الحاكم للحديث 1/ 59.
ويروي من حديث ابن عمر مرفوعًا: يقول الله عز وجل: "ابنَ آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخر النهار ساعة أَغِفْر لك ما بين ذلك إلا الكبائر أَو تتوب منها"
(1)
.
* * *
• وقال ابن مسعود: "الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر
(2)
".
• وقال سلمان: "حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارات لهذه الجراح
(3)
ما لم تصب المقتلة".
* * *
• وقال ابن عمر لرجل: أَتخاف النار أَن تدخلها وتحب الجنةَ أن تدخلَها؟ قال: نعم. قال: "بِرَّ أُمَّكَ فوالله لئن أَلَنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبْت الموجبات".
* * *
• وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرة لمن أجتنب الكبائر، وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا الكبائر وسددوا وأَبشروا
(4)
".
[وقيل إنها تكفر الكبائر]:
• وذهب قوم من أَهل الحديث وغيرهم إِلى أن هذه الأَعمال تكفر الكبائر.
• ومنهم "ابن حزم الظاهري" وإياه عني ابن عبد البر في كتاب "التمهيد" بالرد عليه، وقال: قد كنت أَرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل،
(1)
أورده أبو نعيم في الحلية (8/ 213) من رواية أبي بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن صندل ومن رواية محمد بن المظفر عن محمد بن أحمد بن ثابت، عن جده، كلاهما عن محمد بن السماك عن جبير، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكر عن ربه عز وجل: "ابن آدم اذكرني بعد الفجر وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما. وقد عقب عليه بقوله: غريب من حديث الحسن عن أبي هريرة، لم يروه عنه إلا جبير، وحديث ابن السماك لم يروه عنه إلا ابن صندل وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/ 205 وعزاه لأحمد من حديث أبي هريرة.
وهو عند المناوي في الأحاديث القدسية ح 3 ص 29 عن مسلم وأبي نعيم من حديث أبي هريرة.
ولم أجده من حديث ابن عمر. كما لم أجده في مسلم من حديث أبي هريرة.
(2)
أشار إليه المروزي في تعظيم قدر الصلاة 1/ 224 - 225 ح 206.
(3)
م: "الجوارح" والخبر في مصنف عبد الرزاق 1/ 48 - 49 بسياقه مطولًا.
(4)
تفسير ابن كثير 1/ 461 والمسند 3/ 394 والمجمع 1/ 103 وأشار إلى ضعفه.
وخشيت أَن يغترَّ بِه جاهل، فينهمك في الموبقات: اتكالا على أنها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة.
والله نَسأَله العصمة والتوفيق.
* * *
[تحليل هذا الاتجاه في كلام بعض المحدثين]:
قلت: وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أَهل الحديث: في الوضوء ونحوه.
ووقع مثله في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يرجى لمن قامها أَن يُغْفَر له جميعُ ذنوبه: كبيرها وصغيرها. فإن كان مرادهم أن من أَتى بفرائض الإسلام وهو مصرٌّ على الكبائر تُغْفرُ له الكبائر قطعًا؛ فهذا باطل قطعًا، يعلم بالضرورة من الدين بطلانه. وقد سبق قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"من أَساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأَول والآخِر"
(1)
.
يعني بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أَظهر من أَن يحتاج إلى بيان.
* * *
وإن أَراد هذا القائل أَن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه - كُفّرت ذُنوبُه كلها بذلك، واستدل بظاهر قوله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}
(2)
.
وقال: السيئات تشمل الكبائر والصغائر، فكما أَنَّ الصَّغائرَ تكفَّر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نية فكذلك الكبائر.
وقد يستدل لذلك بأَن الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وبتكفير السيئات. وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتقين. فإِنه فعل الفرائض، واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نية وقصد؛ فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة.
[الصحيح في القولين]:
• والصحيح قول الجمهور: إِن الكبائر لا تُكَفَّرُ بدون التوبة؛ لأَن التوبة فرض على
(1)
ص 17 - 18.
(2)
سورة النساء: 31.
العباد، وقد قال عز وجل:{وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
(1)
.
• وقد فسَّر الصحابة - كعمر، وعلي، وابن مسعود - التوبة بالندم، ومنهم من فسرها بالعزم على أن لا يعود.
• وقد روي ذلك مرفوعًا من وجهٍ فيه ضعف، لكن لا يُعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا.
• وكذلك التابعون ومن بعدهم كعمر بن عبد العزيز والحسن وغيرهما.
[معني ترتب المغفرة على التقوى]:
وأَما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى:{إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}
(2)
.
(3)
وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}
(4)
فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح. ومن جملة ذلك التوبة النَّصوح؛ فمن لم يتب فهو ظالم غير متق.
[خصال التقوى منها التوبة]:
• وقد بين في سورة آل عمران خصال التقوى التي يَغْفِرُ لأَهلها، ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار؛ فلم يضمن تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، إلا لمن كان على هذه الصفة
(5)
والله أعلم.
[من أدلة أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة]:
• ومما يستدل به على أَن الكبائر لا تكفَّر بدون التوبة منها، أَو العقوبة عليها - حديث عبادة بن الصامت قال:"كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بايعوني على أَن لا تُشْركوا بالله شيئًا ولا تشرقُوا ولا تَزْنُوا - وقرأ عليهم الآية - فمن وفي منكم فأَجره على الله، ومن أَصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أَصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاءَ عَذّبه، وإن شاءَ غَفَر له".
(1)
سورة الحجرات: 11.
(2)
سورة الأنفال: 29.
(3)
سورة التغابن: 9.
(4)
سورة الطلاق: 5.
(5)
م: "لمن كانت هذه الصفة له".
خرجاه في الصحيحين ..
[الحدود كفارة]:
وفي رواية لمسلم: "من أَتي منكم حدًّا فأُقيم عليه فهو كفَّارته"
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري في: 2 - كتاب الإيمان: 11 - باب حدثنا أبو اليمان 1/ 64 ح 18 عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" فبايعناه على ذلك.
وفي: 63 - كتاب مناقب الأنصار: 43 - باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وبيعة العقبة 7/ 219 ح 3892 عن إسحاق بن منصور، عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري - به - وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا
…
ولا تعصوني
…
فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .... ".
وأخرجه عقب هذه الرواية ح 3893 عن قتيبة، عن الليث بن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال:"إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ننتهب ولا نعصي - بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله". وفي: 65 - كتاب التفسير: 60 - سورة الممتحنة: 3/ باب {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} 8/ 637 ح 4894 عن علي بن عبد الله، عن سفيان عن الزهري به أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا
…
وقرأ آية النساء، وأكثر لفظ سفيان: قرأ الآية
…
فعوقب به
…
ومن أصاب منها شيئًا من ذلك فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له". تابعه عبد الرزاق عن معمر: "في الآية".
وآية النساء هي آية بيعة النساء وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وقد أشار البخاري إلى ذلك بحديث ابن عباس في بيعة النساء حيث أورده في هذا الباب عقب حديث عبادة، ثم نص على هذا ابن حجر في الموضع نفسه.
وهي الآية التي أشار إليها ابن رجب في روايته للحديث حيث جاء فيها قول عبادة: "وقرأ عليهم الآية".
وأخرجه البخاري في: 86 - كتاب الحدود: 8 - باب الحدود كفارة 12/ 84 ح 6784 عن محمد بن يوسف عن ابن عيينة - به - وفيه قول عبادة: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فقال: بايعوني
…
وقرأ هذه الآية كلها
…
ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه".
والآية هي المصرح بها في الرواية السابقة.
ورواه كذلك في: 14 - باب توبة السارق 12/ 108 ح 6801 عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري - به - وفيه قول عبادة: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط فقال: =
وهذا يدل على أن الحدود كفارات.
• قال الشافعي رضي الله عنه: لم أَسمع في هذا الباب أَن الحد يكون كفارة لأَهله شيئًا أَحسن من حديث عبادة بن الصامت.
* * *
[معنى قوله: فعوقب به]:
وقوله: "فعوقب به" يعم العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدرة أَو غير المقدرة كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والأسقام والآلام
(1)
؛ فإِنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال:
"لا يصيب المسلم نَصبٌ ولا وصَبٌ ولا هَمٌّ ولا حَزَنٌ حتى الشوكةِ يُشَاكُها - إِلا
= أبايعكم
…
ولا تعصوني
…
ومن أصاب من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له".
وفي: 87 - كتاب الديات: 2 - باب قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا} 12/ 192 ح 6863 عن عبد الله بن يوسف، عن الليث - بإسناده - وفيه قول عبادة: إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا
…
ولا نقتل النفس التي حرم الله، ولا ننتهب ولا نعصي بالجنة
…
".
وفي: 92 - كتاب الفتن: 2 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها" 5/ 13 ح 7055 عن إسماعيل عن ابن وهب عن عمرة، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به، سمعتَه من النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه".
وفي 93 - كتاب الأحكام: 49 - باب بيعة النساء رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي اليمان عن شعيب، والليث عن يونس كلاهما عن ابن شهاب به وفيه قول عبادة: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس -: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا
…
إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .... ".
وفي: 97 - كتاب التوحيد: 31 - باب المشيئة والإرادة 13/ 446 ح 7468 من رواية عبد الله المسندي، عن هشام بن يوسف، بإسناده - بمثل حديثه .. وفيه: "فهو له كفارة وطهور
…
".
ومسلم في: 29 - كتاب الحدود 10 - باب الحدود كفارة لأهلها 3/ 1333 - 1334. ح 1709 = 44041 من طرق عن عبادة بن الصامت وفيها، فتلا علينا آية النساء: {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} الآية [60 / الممتحنة / 12]: "أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء: أن لا نشرك بالله شيئًا
…
ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضًا فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أتي منكم حدًّا فأقيم عليه فهو كفارته، ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله
…
":
* .. ولا ننتهب ولا نعصي، فالجنة إن فعلنا ذلك فإن غشينا من ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله". وقال ابن رمح:"كان قضاؤه إلى الله".
(1)
لمحة ذكية من ابن رجب!.
كفَّر الله بها من خطاياه"
(1)
.
وروي عن علي رضي الله عنه: أَن الحد كفارة لمن أُقيم عليه.
[وفي ذلك خلاف]:
• وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسأَلة اختلافًا بين الناس، ورجح أَن إِقامة الحد بمجرده كفارة، ووهن القول بخلاف ذلك جدًّا.
قلت: وقد روي عن سعيد بن المسيب، وصفوان بن سُلَيم: أَن إِقامة الحد ليس بكفارة ولا بُدَّ معه من التوبة. ورجحه طائفة من المتأَخرين منهِم: البغوي، وأَبو عبد الله بن تيمية في تفسيريهما، وهو قول ابن حزم الظاهري. والأوّل قول مجاهد، وزيد ابن أَسلم، والثوري، وأَحمد.
[حديث أبي هريرة: "لا أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟
"]:
وأَما حديث أَبي هريرة المرفوع: "لا أدري: الحدود طهارة لأَهلها أَم لا؟ " فقد خرجه الحاكم
(2)
وغيره، وأَعَلَّه البخاري
(3)
، وقال: لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهري، وهي ضعيفة، وغلط
(4)
عبد الرزاق فوصله
(5)
.
قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَن الحدود كفارة
(6)
.
(1)
راجع في هذا ما رواه مسلم في صحيحه: 45 - كتاب البر والصلة والآداب: 14 - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه مرض مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها 4/ 1990 - 1993 من أحاديث عائشة وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.
والبخاري في 75 - كتاب المرضى: 1 - باب كفارة المرض وقول الله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} 10/ 103 من أحاديث عائشة وأبي سعيد، وأبي هريرة ح 5640، 5641، 5642.
و: 2 - باب شدة المرض 10/ 110 ح 5646، 5647.
و: 3 - باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل 10/ 111 ح 5648 من أحاديث عائشة، وعبد الله بن مسعود.
(2)
في المستدرك 1/ 36 جزء حديث وقد صححه على شرط الشيخين وقال: لا أعم له علة ووافقه الذهبي وكذا أخرجه في 2/ 41، 450.
(3)
التاريخ الكبير 1/ 1/ 153.
(4)
وأورده عنه ابن كثير في البداية والنهاية 2/ 103 وحكم بغرابته.
(5)
ذكر ابن حجر في الفتح 12/ 84 أن سند حديث عبادة أصح وأن حديث أبي هريرة كان قبل أن يعلم صلى الله عليه وسلم أن الحدود كفارة، ثم أعلم فقال ما رواه عبادة، قال؛ وبهذا جزم ابن التين وهو المعتمد.
هذا بالإضافة إلى ما ذكره ابن رجب عن درجة الحديث.
(6)
ب: "كفارات" وقد سبق ما رواه البخاري ومسلم في ذلك.
[ومن أدلة أن الحد ليس بكفارة]:
ومما يَستدل به من قال إن الحد ليس بكفارة قوله تعالى في المحاربين: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}
(1)
.
وظاهره أَنه يجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة.
[ويجاب عنه]:
ويجاب عنه بأَنه ذكر عقوبتهم في
(2)
الدنيا وعقوبتهم في الآخرة، ولا يلزم اجتماعهما.
وأَما استثناءُ من تاب فإِنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة فإِن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبة قبل القدرة ولعدها.
[ومن أصاب من ذلك شيئًا]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن أَصاب شيئًا من ذلك. فستره الله عليه، فهو إِلى الله إِن شاءَ عذبه، وإِن شاءَ غفر له"
(3)
، صريحٌ في أَن هذه الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته.
وهذا يدل على أَن إِقامة الفرائض لا تكفرها ولا تمحوها؛ فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لا سيما من بَايعهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وخرج من ذلك مَن لقي الله وقد تاب عنها، بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن من تاب إِلى الله تاب الله عليه، وغفر له فبقي من لما يتب داخلًا تحت المشيئة.
[ومن أدلة أن الكبائر لا تكفرها الأعمال]:
• وأَيضًا فيدل على أَن الكبائر لا تكفّرها الأَعمال: أَن الله لم يجعل للكبائر في الدنيا كفارة واجبة، وإِنما جعل الكفارة للصغائر، ككفارة وطء الظاهر، ووطء المرأة في الحيض، على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمام أَحمد وغيره
(4)
، وكفارة من
(1)
سورة المائدة: 33، 34.
(2)
في ب. "ذكر عقوبتهما في الآخرة".
(3)
هذا الإيراد من ابن رجب يوهم أنه قد سبق له أن أورد هذه الرواية بينما أورد رواية أخرى وأشرنا نحن إلى هذه الرواية عند تخريج الحديث وهي التي أخرجها البخاري في التفسير.
(4)
أورد السيوطي في الدر المنثور 1/ 260 عن ابن أبي شيبة وأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار=
ترك شيئًا من واجبات الحج وارتكب بعض محظوراته، وهي أَربعة أَجناس: هَدْي، وعِتْقٌ، وصدقةٌ، وصيامٌ؛ ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمد عند جمهور العلماءِ، ولا في اليمين الغموس أيضًا عند أَكثرهم، وِإنما يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابًا كما في حديث واثلة بن الأسقع أَنهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لهم قد أَوْجَبَ فقال: "أَعتِقوا عنه رقبة يعتقه الله بها من النار
(1)
".
ومعنى أَوْجَبَ: عَمل عَمَلًا يجب له به النار، ويقال: إِنه كان قتل قتيلًا.
• وفي صحيح مسلم عن ابن عمر: أَنه ضرب عبدًا له فأَعتقه، وقال: ليس لي فيه من الأجر مثل هذا - وأَخذ عودًا من الأرض - إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول.
= أو بنصف دينار.
وأورد عن أبي داود والحاكم عن ابن عباس قال: إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار.
وأورد عن الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان دمًا أحمر فدينار وإذ كان دمًا أصفر فنصف دينار.
وعن أبي داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتصدق بخمسي دينار.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أصبت امرأتي وهي حائض؟ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق نسمة" وقيمة النسمة يومئذ دينار.
وأورد السيوطي في الدر المنثور كذلك 6/ 183 عن البزار والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني ظاهرت من امرأتي فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر، فأعجبتني فوقعت عليها قبل أن أكفِّر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله: {من قبل أن يتماسا} ؟ قال: قد فعلت يا رسول الله! قال: أمسك حتى تكفر.
وعن عبد الرزاق وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي بنحوه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله".
وهي عند الترمذي من حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله! إني قد ظاهرت من زوجتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. قال: "وما حملك على ذاك يرحمك الله؟ " قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. صال: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به".
وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(1)
أخرجه أبو داود في كتاب العتق: باب ثواب العتق 2/ 354 من حديث واثلة قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب - يعني النار - بالقتل فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار" وهو عند أحمد في المسند 3/ 490 - 491 و 4/ 107 بنحوه وأورده الحاكم في المستدرك 2/ 212 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي، وانظر الفتح الرباني 14/ 140 - 141.
"مَنْ لَطَمَ مَمْلوكَه أَو ضَرَبَهُ فإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَن يُعْتِقَهُ"
(1)
.
[هل كفارة المجامع في رمضان للفطر وهو من الكبائر؟]:
فإن قيل: فالمجامع في رمضان يؤمر بالكفارة. والفطرُ في رمضان من الكبائر؟.
قيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا تجب عند الأَكثرين على كل مفطر في رمضان عمدا، وإِنما هي لهتك حرمة نهار رمضان بالجماع، ولهذا لو كان مفطرًا فطرًا لا يجوز له في نهار رمضان ثم جامع لزمته الكفارة عند الإِمام أَحمد لما ذكرنا.
[الكفارات مختصة بالصغائر]:
• ومما يدل على أَن تكفير الواجبات مختص بالصغائر ما خرجه البخاري عن حذيفة قال: بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال: "أَيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال: قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره: تكفرها الصلاة والصدقة والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أَسأَلُكَ
(2)
.
(1)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب صحبة المماليك 3/ 1278 ح 29 - (1657).
(2)
أخرجه البخاري في: 9 - كتاب مواقيت الصلاة: 4 - باب الصلاة كفارة 2/ 8 ح 525 من رواية مسدد، عن يحيى، عن الأعمش، عن شفيق، عن حذيفة قال:"كنا جلوسًا عند عمر رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله. قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي" قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين؟! إن بينك وبينها بابًا مغلقًا؟ قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر؟ قال: إذًا لا يغلق أبدًا. قلنا أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر". وفي: 24 - كتاب الزكاة: 23 - باب الصدقة تكفر الخطيئة 3/ 301 ح 1435 من رواية قتيبة، عن جرير، عن الأعمش به وفيه: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتنة؟ فال: قلت أنا أحفظه كما قال، قال: إنك عليه لجريء فكيف قال؟ قلت فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف قال سليمان: قد كان يقول: الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: ليس هذه أريد، ولكني أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت: ليس عليك بها يا أمير المؤمنين بأس بينك وبينها باب مغلق. قال فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر قال: فإنه إذا كسر لم يغلق أبدًا. قال: قلت: أجل! قال: فهبنا أن نسأله من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله قال: فسأله فقال: عمر رضي الله عنه قال: قلنا: فعلم عمر مَن تعنى؟ قال: نعم كما أن دون غد ليلة، وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط".
وواضح أن هذه الرواية وضحت كثيرًا من النقاط في الرواية الأولى أحْوجَ ما تكون إلى التوضيح.
وأخرجه في: 3 - كتاب الصوم: 3 - باب الصوم كفارة 4/ 110 ح 1895 من رواية علي بن عبد الله، عن سفيان، عن جامع عن أبي وائل - به مختصرًا - وفيه قول عمر:"ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة". وفي: 61 - كتاب المناقب: 25 - باب علامات النبوة 6/ 603 - 604 ح 3586 عن محمد بن بشار عن ابن أبي =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عدي وبشر بن خالد عن محمد بن جعفر كلاهما عن شعبة، بإسناده وفيه قول عمر لحذيفة: هات إنك لجريء وقول حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة. . . بنحو الرواية الثانية التي أوردها في الزكاة.
وفي 92 - كتاب الفتن: 17 - باب الفتنة التي تموج كموج البحر 13/ 48 ح 7096 من رواية عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه عن الأعمش بإسناده وفيه: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. . . الحديث بنحو ما تقدم.
وقد أورد ابن حجر في علامات النبوة تعليقًا على الحديث عن بعض الشراح قوله: يحتمل أن يكون كل واحد من الصلاة وما معها مكفرة للمذكورات كلها لا لكل واحدة منها، وأن يكون من باب اللف والنشر بأن [تكون] الصلاة مثلًا - مكفرة للفتنة في الأهل والصوم في الولد إلخ، والمراد بالفتنة ما يعرض للإنسان مع ما ذكر من البشر أَو الالتهاء بهم، أو أن يأتي لأجْلهم بما لا يحل له أو يُخِل بما يجب عليه، ثم قال ابن حجر: واستشكل ابن أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في المحرمات أو الإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تسقط ذلك والجراب التزام الأول [أي أن يكون التكفير بالمذكورات لإحداث محرم أو الإخلال بواجب] وأن الممتنع من تكفير المذكورات لوقوع المحرم أو إخلال العبد بواجب ما كان [من ذلك في إطار] كبيرة فهي التي فيها النزاع [أي كما حكى ابن رجب] قال ابن حجر: وأما الصغائر فلا نزاع أنها تكفر [بذلك] لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} الآية ا هـ.
إذن هناك سيئات تكفر إذا اجتنبت الكبائر ولا يتصور أن تكون هذه السيئات هي الكبائر فقد اشترط أن تجتنب، وقد رتب المولى على اجتنابها تكفير هذا النوع من السيئات الذي لا يمكن أن يكون في مقابل الكبائر إلا الصغائر. ولقد نقل ابن حجر - كذلك قول الزين بن المنير - وسنرى فيه تصورا للسيئات التي تكفرها تلك الطاعات، والتي تعتبر نموذجًا لما يمكن أن يطلق عليه أنه غير كبيرة، وأنَّه سيئة يشملها وعد الله في تلك الآية الكريمة {نكفر عنكم سيئاتكم} .
قال ابن المنير: الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن، أو عليهن في القسمة، والإيثار حتى في أولادهن، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهن.
وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة أو بحبسه عن إخراج حق الله [لعله يقصد التسويف في إعطاء هذا الحق].
والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد، وإيثاره على كل أحد.
والفتنة بالجار تقع بالحسد والمفاخرة والمزاحمة في الحقوق وإهمال التعاهد.
ثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذكر غبر منحصرة فيما ذكرت من الأمثلة.
وأما تخصيص الصلاة وما ذكر معها بالتكفير دون سائر العبادات ففيه إشارة إلي تعظيم قدرها، لا نفي أن غيرها من الحسنات ليس يها صلاحية التكفير.
ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة ويحتمل أن يقع بالموازنة والأول أظهر. وقال ابن أبي جمرة: خص الرجل بالذكر لأنَّه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى أن التكفير لا يختص بالأربع المذكورات بل نبه بها على ما عداها - والضابط أن كل ما يشغل صاحبه عن الله فهو فتنة له وكذلك المكفرات لا تختص بما ذكر بل نبه به على ما عداها فذكر من عبادة الأفعال: الصلاة والصيام، ومن عبادة المال: الصدقة، ومن عبادة الأقوال: الأمر بالمعروف أي والنهي عن المنكر.
وبهذا يلتقي ابن حجر وابن رجب إلى حد بعيد في هذه القضية.
• وخرجه مسلم
(1)
بمعناه.
وظاهر هذا السياق يقتضي رفعه.
(1)
خرجه مسلم في: 1 - كتاب الإيمان: 65 - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا وأنَّه يأرز بين المسجدين 1/ 128 - 130 ح 231 - (144) من رواية محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي خالد: سليمان بن حيان، عن سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيُّكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل! قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك! قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه"،
قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر. قال عمر: اكسرا لا أبالك؟! فلو أنه فتح فلعله كان يعاد؟ قلت: لا بل يكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت حديثًا ليس بالأغاليط.
وقوله: إن بينك وبينها بابًا معناه أن تلك الفتن وما يحدث من صراع على الدنيا والسلطة لا يكون منها شيء في حياتك. ومعنى هذا أَن الحائل بين الفتن والإسلام عمر رضي الله عنه وهو الباب فما دام حيًّا لا تدخل الفتن فإذا انكسر الباب بموته أو قتله اشتعلت الفتن وكذلك كان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذه الرواية هي التي يرويها مسلم بمعنى ما روى البخاري من تلك الطرق العديدة في صحيحه وسيقول ابن رجب بعد كلمات: وفي رواية لمسلم إن هذا من كلام عمر.
ويتبادر إلى الذهن أن هذه الرواية الثانية غير الأولى بينما هي هي: فهي التي فيها قول عمر: "لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ " قالوا: أجل! قال: "تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة - ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن. . .. الحديث".
وقد روى مسلم في صحيحه: 52 - كتاب الفتن: 7 - باب الفتنة التي تموج كموج البحر 4/ 2218، ح 26 (144) هذا الحديث لكن من رواية الأعمش عن شقيق عن حذيفة وبلفظ مقارب مرفوعًا غير موقوف على عمر قال حذيفة: كنا عند عمر عقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة كما قال؟ قال فقلت: أنا. قال: إنك لجريء وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عمر: ليس هذا أريد إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال فقلت: مالك ولها؟ يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا.
قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم. كما يعلم أن دون غد الليلة.
إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط.
قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب فقلنا لمسروق: سله فسأله فقال: عمر".
فهذا ليس من الرواية بالمعنى وإنما هو بلفظ مقارب بدليل أن بين الحديثين تماثلًا في كثير من الألفاظ مع زيادة بعض الكلمات في مسلم كلفظ: "ونفسه" و"كيف" وزيادة بعض الكلمات في البخاري كقولهم: فعلم عمر من تعني؟ بيد أن الألفاظ في الجملة متقاربة ورواية كتاب الإيمان هي التي جاءت بمعنى ما جاء في البخاري مع فرق آخر هو ما فيها من الموقوف على عمر وإن كان في حكم المرفوع.
ولقد كانت عبارة ابن رجب موهمة؛ فلزم الإِيضاح.
• وفي رواية للبخاري أَن حذيفة قال: سمعته يقول: فتنة الرجل، فذكره
(1)
وهذا كالصريح في رفعه.
وفي رواية لمسلم أَن هذا من كلام عمر
(2)
.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له: أَصَبتُ حدًّا فأَقمه عليَّ فتركه حتى صلى ثم قال له: "إِن الله غفر لك حدك" فليس صريحًا في أَن المراد به شيء من الكبائر؛ لأن حدود الله محارمه، كما قال تعالى:{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}
(3)
.
وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا}
(4)
.
وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} الآية إلى قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}
(5)
.
• وفي حديث [النواس بن سمعان]
(6)
عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب مثل الإسلام
(1)
هي الرواية التي أخرجها البخاري في الصوم وأشرنا أنها مختصرة من حديث جامع عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قال عمر رضي الله عنه:
"من يحفظ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ " قال: حذيفة: أنا سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. . . الحديث.
(2)
قد عرفت أنها الرواية التي رواها مسلم في كتاب الإيمان وسقناها لك بتمامها.
(3)
سورة الطلاق: 1 - والحديث متفق عليه تقدم تخريجه ص 494، 495.
(4)
سورة البقرة: 229.
(5)
سورة النساء: 13 - 14.
(6)
عاد الخطأ مرة أخرى، فجميع النسخ الخطية والمطبوعة حتى النسخة التي مهرها المؤلف بتوقيعه تذكر هنا: العرباض بن سارية بينما هو النواس بن سمعان.
والحديث بتمامه في مسند أحمد 4/ 182 (الحلبي) من طريق الحسن بن سوار عن ليث بن سعد، عن معاوية ابن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ضرب الله مثلًا: صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: ياأيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه. فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم".
والحديث عند الحاكم في المستدرك 1/ 73 وقد صححه على شرط مسلم.
وأقره الذهبي، وعنده:"اسلكوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا" وفي التيسير 2/ 110 وصحيح الجامع الصغير وزيادته: "لا تتعوجوا" وشرحها المناوي لقوله: "لا تميلوا".
وفي النهاية (3/ 315): عاج بالمكان وعوج أي أقام، وقيل عاج به أي عطف إليه، ومال، وألم به، ومر عليه. وعاجه يعوجه، إذا عطفه، يتعدى ولا يتعدى.
بالصراط المستقيم الذي على جَنْبَتَيْهِ سوران، قال: والسوران حدود الله.
وقد سبق ذكره بتمامه
(1)
فكل من أَصاب شيئًا من محارم الله فقد أَصاب حدوده، وركبها وتعدي بها.
وعلى تقدير أن يكون الحد الذي أَصابه كبيرة فهذا الرجل جاءَ نادما تائبًا، وأسلم نفسه إلى إقامة الحد عليه، والندم توبة، والتوبة تكفر الكبائر بغير تردد
(2)
.
[ما ورد عن تكفير الكبائر ببعض الأعمال]:
وقد روي ما يستدل به على أَن الكبائر تكفَّر ببعض الأَعمال الصالحة. فخرج
(3)
الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أَن رجلا أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إِني أَصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أُمّ؟ قال: لا. قال: "هل لك من خالة؟ " قال: نعم. قال: "فبرها".
• وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: على شرط الشيخين
(4)
لكن خرجه الترمذي من وجه آخر مرسلًا، وذكر أَن المرسل أَصح من الموصول. وكذا قال
(1)
ص 104.
(2)
إذا كانت توبة نصوحا، وبشرائطها.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 6/ 284 (المعارف) بإسناد صحيح - كما ذكر محققه - روايته عن أبي معاوية، عن معاوية، عن محمد بن سوقة، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله! أذنبت ذنبًا كبيرًا فهل لي توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك والدان؟ قال: لا، قال فلك خالة؟ قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فبرَّها إذا".
ورواه الترمذي في: 28 - كتاب البر والصلة: 6 - باب ما جاء في الخالة 3/ 117 - 118 (من تحفة الأحوذي) رواية عن أبي كريب عن أبي معاوية - له - موصولًا: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنبًا عظيمًا فهل لي توبة؟ قال: هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: "فبرها".
فاللفظ الذي ساقه ابن رجب هو لفظ الترمذي بزيادة: "من" في قوله: "فهل لي من توبة؟ ".
بيد أن هذه الرواية لم تثبت في طبعة الحلبي بتحقيق الشيخ إبراهيم عطوة مع التخليط في إسناد الحديث التالي!.
(4)
أخرجه ابن حبان في صحيحه: باب حق الوالدين: ذكر استحباب بر المرء خالته إذا لم يكن له والدان 1/ 330 ح 436 من الإحسان رواية عن محمد بن عمر عن يعقوب الدورقي، عن أبي معاوية - به - بلفظ أحمد إلا أن فيه:"إني أذنبت".
والحاكم في المستدرك 4/ 155 من حديث أبي معاوية كذلك، وبلفظ ابن حبان وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وأضاف: سمعه منه أبو معاوية - أي سمعه من محمد بن سوقة؛ حيث قال: حدثنا.
علي بن المديني والدارقطني
(1)
.
• وروي عن عمر أن رجلا قال له! قتلتُ نفسا؟ قال: "أُمك حية؟ " قال: لا قال: فأَبوك؟ قال: نعم. قال: "فبره وأَحسن إليه" ثم قال عمر: "لو كانت أُمُّهُ حية فَبَرَّها وأَحسَنَ إليها رجوت أَن لا تَطْعَمُه النار أبدًا".
• وعن ابن عباس بمعناه أَيضًا
(2)
.
• وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدُومة الجندل
(3)
وقدمت المدينة تسأل عن توبتها فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي فقال لها أصحابه: "لو كان أبواك حيين أو أحدهما كانا يكفيانك".
• خرجه الحاكم وقال: فيه إجماع الصحابة حدثان وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على أَن الأَبوين يكفيانها
(4)
.
(1)
لم يرتض هذا الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على رواية المسند لهذا الحديث وقال عن الترمذي: هكذا يعلل الموصول بالمرسل. لماذا؟ لا ندري! الوصل زيادة ثقة، وقد صرح أبو معاوية هنا في المسند وعند الحاكم [وعند ابن حبان أيضًا] بسماعه من محمد بن سوقة، والراوي قد يصل الحديث، وقد يرسله، كما ثبت ذلك في كثير من الحديث ولا نعلل الموصول بالمرسل إلا أن يظهر خطأ من وصله،
أقول: ولم يعلق المباركفوري على تعقيب الترمذي، وقد روى الترمذي الرواية المرسلة عقب الرواية الموصُولة من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة عن أبي بكر بن حفص عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، ولم يذكر فيه عن ابن عمر، ثم قال: وهذا أصح من حديث أبي معاوية.
أما فيما يتعلق بالاستشهاد بالحديث على أن بعض الكبائر قد تكفر ببعض الأعمال الصالحة كما ذكر ابن رجب أن ذلك هو اتجاه بعض العلماء فقد نقل المباركفوري عن الطيبي قوله: يجوز أنه أراد عظيمًا عندي؛ لأن عصيان الله تعالى عظيم، وإن كان الذنب صغيرًا ويجوز أن يكون ذنبه كان عظيمًا من الكبائر وإن هذا النوع من البر يكون مكفرًا له، وكان مخصوصًا بهذا الرجل، علمه النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الوحى. وانظره بنصه في شرح المشكاة للطيبي 9/ 160 - 161.
(2)
حديث ابن عباس عند البخاري في الأدب المفرد 1/ 45 - 46 ح 4 بسياقه كاملا.
(3)
دومة الجندل، قال الجوهري - في الصحاح 5/ 1923: هي اسم حصن، وأصحاب اللغة يقولونه بضم الدال وأصحاب الحديث يفتحونها. وقد ضبطت في ظ، د بالفتح.
(4)
قصة هذه المرأة أخرجها الحاكم في المستدرك 4/ 155 - 156 رواية عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
قدمت امرأة من أهل دومة الجندل - عليّ - جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد موته، حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر لم تعمل به، قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي! فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها حتى إني لأرحمها وهي تقول: إني لأخاف أن أكون قد ملكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فلعله يأتيك، فلما أن كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن مكثي حتى وقفنا ببابل فإذا أنا برجلين معلقين=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت، وقلت: لا، قالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت وفزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا لي فعلت؟ قلت: نعم، قالا: هل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا؟ فقالا: لم تفعلي. ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعر جلدي وخفت ثم رجعت إليهما، فقالا: ما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئًا فقالا: كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك، فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فبلت فيه فرأيت فارسًا متقنعًا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء فغاب عني حتى ما أراه. فأتيتهما فقلت: قد فعلت!؟؛ فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا متقنعًا بحديد خرج مني فذهب في السماء فغاب عني حتى ما أرى شيئًا، قالا: صدقت. ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا، فقالا: بلى! أن تريدين شيئًا إلا كان، خذي هذا القمع فابذري فبذرت فقلت: اطلعي فطلعت، وقلت: احقلي، فحقلت، ثم قلت: افرخي فأفرخت [أفرخ الزرع: تهيأ للانشقاق] ثم قلت: ايبسي فيبست، ثم قلت: اطحني فطحنت. ثم قلت: اخبزي فخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان سقط في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا، فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ متوافرون فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم، إِلا أنهم قالوا: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك.
وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وعقب عليه بما أورده عنه ابن رجب وقد أقره الذهبي.
وبعد إيراد هذه الرواية فنحن لا نرى فيها دليلًا على أن الكبائر تكفر بفعل الطاعات كبر الوالدين.
فأما أولا فلأنها لم تتعاط السحر، ولم تمتهن عمله، ولم تتخذه لنفسها حرفة.
لقد خاضت التجربة! نعم! بيد أنها لم تحترف ولم تعمل لأحد منه شيئًا.
ومن هنا فلسنا مع ابن رجب رحمه الله حين يقول: "وكذلك المرأة التي عملت بالسحر".
ولقد رأينا أنها وجلت حين خاضت التجربة، فلما أفزعها الأمر رحلت نادمة تائبة تبحث عن حسنة تعملها تذهب بها هذه السيئة التي كانت أشبه ببحث عن وسيلة تستعيد بها زوجها الذي فقدته منها بتعاطي السحر كحرفة تتعامل بها مع الناس ونحن لا نناقش الرواية، ولا نحلل عناصرها، ولا نقول بقبول هذه العناصر، وإنما نقف فقط عندما يفرض علينا سياق ابن رجب لها كدليل يتجه إلى الاستدلال به بعض من يذهب إلى أن الكبائر تكفر بالطاعات ونحن مع ابن رجب فيما سيذهب إليه من رفض هذا الاتجاه بيد أننا لسنا معه: أن المرأة عملت بالسحر والأحرى أن نقول إن المرأة طلبت من غيرها أن يعمل لها عملًا لا أن تقوم هي بعدئذ بمُمَارسة مهنة السحر ولئن كان كلا الأمرين كبيرة فإن الاحتراف أشد في الخطورة والعقوبة سيما والمرأة لم تطلب السحر بذاته وإنما كانت تشتكي إلي العجوز فدلتها على ما لم تعرف، وساقتها إلى ما لم تألف، بل إلى ما طلبت منه الهرب وقد كان الحاكم دقيقًا في روايته حين قال:
"جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر لم تعمل به". ولعل فزعها من هذا المدخل، وسفرها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كان معبرًا أَيما تعبير عن اعترافها بخطئها، واستغفارها من ذنبها، وندمها وتوبتها وإقلاعها وعزمها على عدم عودها إلى شيء منه سيما وقد لمست أنه أمر عجيب، أوقعها في شك مريب!؟ وكاد يفضي بها إلى الشرك والخسران وذلك هو الضلال البعيد!.
إن استعظامها لما بدر منها، ومجيئها تائبة، وعدم احترافها للسحر كمهنة هو الذي حدا بالصحابة أن يبحثوا لها في هدي السنة عما يقيلها من كبوتها ويعفي على تلك السيئة حتى يمحوها. =
وقال مكحول والإِمام أَحمد: بر الوالدين كفارة الكبائر.
* وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أَنه يحط الكبائر. وروي مرفوعًا من وجوه لا تصح
(1)
.
* وقد صح من رواية أَبي بردة: أَن أَبا موسى لما حضرته الوفاة قال: يا بني! اذكروا صاحب الرغيف: كان رَجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة، فشبه الشيطان في عينه امرأة فكان معها سبعة أيام، وسبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، ثم ذكر أنه بات بين مساكين، فتُصدق عليهم برغيف رغيف، فأَعطوه رغيفًا، ففقده صاحبه الذي كان يعطاه، فلما علم بذلك أَعطاه الرغيف وأَصبح ميتا. فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال [فرجحت الليالي، ووزن الرغيف بالسبع]
(2)
ليال فرجح الرغيف
(3)
.
* وروى ابن المبارك بإسناده في كتاب "البر والصلة" عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: عبد الله رجلٌ سبعين سنة، ثم أَصاب فاحشة فأحبط الله عمله، ثم أَصابته زَمَانَةٌ وأُقْعِدَ فرأَى رجلا يتصدّق على مساكين فجاءَ إليه فأخذ منه رغيفًا فتصدق به على مسكين، فغفر الله له، ورد عليه عمل سبعين سنة.
[هل في ذلك دلالة على تكفير الكبائر؟]:
* وهذه كلها لا دلالة فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل؛ لأن كل من ذكر فيها كان نادمًا تائبًا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أَثر الذنوب بالكلية، فإن الله عز وجل شرط في قبول التوبة، ومغفرة الذنوب بها: العمل الصالح كقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}
(4)
وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا}
(5)
وقوله: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}
(6)
.
= وتذكر الصحابة رضوان الله عليهم ما أجاب به الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الذي جاءه يقول إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟! وأشار عليه أن ببر والديه، فلما لم يكن له أبوان وكان له خالة أشار عليه أن يبرها. ونظر الصحابة إلى الصورتين فوجدوهما متماثلتين إلى حد كبير ومن هنا أجمعوا على بر الوالدين كمخرج لهذه المرأة التي جائت تائبة نادمة مستغفرة.
(1)
كما أورد الهيثمي في المجمع 3/ 26 عن الطبراني في الأوسط من حديث أنس.
(2)
ما بين الرقمين ليس في ب.
(3)
رواه أبو نعيم في الحلية 1/ 263 بسياق أتم.
(4)
سورة مريم: 60.
(5)
سورة طه: 82.
(6)
سورة القصص: 67.
[من أحوال الخائفين وأقوالهم].
* وفي هذا متعلَّق لمن يقول: إِن التائب بعد التوبة في المشيئة. وكان هذا حالَ كثير من الخائفين من السلف.
* وقال بعضهم
(1)
لرجل: هل أَذنبت ذنبًا؟ قال: نعم. قال: فعلمتَ أَن الله كتبه عليك؟ قال: نعم. قال: فاعمل حتى تعلم أَن الله قد محاه.
* ومنه قول ابن مسعود: "إِن المؤمن يرى ذنوبه كأَنه في أصل جبل يخاف أَن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار على أَنفه فقال به هكذا".
خرجه البخاري
(2)
.
* وكانوا يتهمون أَعمالهم وتوباتهم ويخافون أَن لا يكون قد قبل منهم ذلك، فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف، وكثرة الاجتهاد في الأعمال الصَّالحة
(3)
.
* قال الحسن: أَدركت أَقواما لو أَنفق أحدهم ملء الأَرض ما أَمِنَ؛ لِعظِم الذنب في نفسه.
وقال ابن عون: لا تثق لكثرة العمل؛ فإِنك لا تدري يقبل منك أم لا، ولا تأَمَنْ من ذنوبك؛ فإِنك لا تدري كفِّرت عنك أَم لا؛ لأن عملك مغيب عنك كله.
* والأَظهر - والله أَعلم - في هذه المسألة - أَعني مسألة تكفير الكبائر بالأَعمال - أنه
(4)
إن أُريد أَن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل.
* وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له
(5)
عنه ثواب فهذا قد يقع.
* وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أَعتق مملوكه الذي ضربه قال: ليس لي فيه من الأجر
(1)
سقط من م.
(2)
أخرجه البخاري في: 80 - كتاب الدعوات: 4 - باب التوبة 11/ 102 ح (6308) رواية عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود من قوله.
وفيه: "
…
كأنه قاعد تحت جبل، .. كذباب مر
…
وبعده: قال أبو شهاب بيده فوق أنفه".
(3)
م: "العمل الصالح".
(4)
ليست في ب.
(5)
م: "عنه".
شيء؛ حيث كان كفارة لذنبه، ولم يكن ذنبه من الكبائر فكيف بما كان من الأعمال مكفرًا للكبائر؟.
* وسبق أَيضًا قول من قال [من السلف: إن]
(1)
السيئة تمحى، ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل.
فإذا كان هذا في الصغائر فكيف بالكبائر؟ فإِن بعض الكبائر قد يُحبط بعض الأعمال المنافية
(2)
لها كما يبطل المن والأذى: الصدقة، وتبطل المعاملة بالربا: الجهاد كما قالت عائشة.
* وقال حذيفة: قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وروى عنه مرفوعًا، خرجه البزار
(3)
.
* * *
* وكما يبُطل تركُ صلاة العصر العملَ فلا يُستنكر أَن يُبْطِل ثوابَ العمل الذي يكفر الكبائر.
* * *
* وقد خرج البزار في مسنده والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
* يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقص أو يُقضَى بَعْضُها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنة"
(4)
.
(1)
ما بين الرقمين ليس في ب.
(2)
ليست في ب.
(3)
الحاكم في المستدرك 4/ 573 وقال: أخرجه مسلم شاهدًا، وقال الذهبي: قد استشهد مسلم بليث بن سليم (أحد رواة الحديث).
(4)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 252 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي رواية عن أبي عبد الله: محمد بن يعقوب الشيباني، عن يحيى بن محمد الذهلي، عن مسدد، عن المعتمر قال: سمعت الحكم يحدث عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين قال: قال الرب عز وجل: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقص بعضها ببعض فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة" وروى عقبها من حديث الغطريف عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن الروح الأمين حدَّثه أَن الله تعالى قضى أن يؤتى بعمل العبد يوم القيامة حسناته وسيئاته فيقص بعضها ببعض فإن بقيت له حسنة واحدة وسع الله له في الجنة ما شاء.
قال الحكم: فأتيت أبا سلمة يزداد فقلت له: فإن ذهبت الحسنة ولم يبق شيء؟ فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} .
وخرج ابن أَبي حاتم من حديث ابن لهيعة قال: حدثني عطاء بن دينار عن سعيد ابن جبير في قول الله عز وجل: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}
(1)
قال: كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أَعطوه فيجيء المسكين، فيستقلون أَن يعطوه تمرة وكسرة وجوزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء إِنما نؤجر على ما نُعطِي ونحن نُحبه؟!.
* * *
* وكان آخرون يرون
(2)
أنهم لا يلامون على الذنب اليسير. مثل الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأَشباه ذلك. يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر. فرغبهم الله في القليل من الخير أَن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أَن يكثر فنزلت:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} يعني وزن أَصغر النمل: {خَيْرًا يَرَهُ} يعني في كتابه، ويسرّه ذلك. قال: يكتب لكل برّ وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمن أَيضًا بكل وأحدة عشرا، فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة
(3)
.
* * *
[كيف تكون المقاصة؟]:
* وظاهر هذا أَنه تقع المقاصة بين الحسنات والسيئات، ثم تسقط الحسنات المقابلة للسيئات، وينظر إِلى ما يفضل منها بعد المقاصة. وهذا يوافق قول من قال: بأَن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وتسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافا لمن قال يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأَنها لم تكن. وهذا في الكبائر.
* * *
* أَما الصغائر فإِنه قد تمحى بالأَعمال الصالحة مع بقاء ثوابها كما قال صلى الله عليه وسلم: "أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره،
(1)
سورة الزلزلة: 7.
(2)
في المطبوعة: "وكانوا يرون".
(3)
أورده عنه ابن كثير في تفسيره 4/ 543.
وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة"
(1)
فأَثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات.
* * *
* وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شَريك له - مائة مرة - كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عَدْلَ عشرِ رقاب"
(2)
فهذا يدل على أَن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفا.
[سيئات التائب ما مصيرها؟].
* وكذلك سيئات التائب توبة نصوحا تُكفَّر عنه وتبقى له حسناته كما قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}
(3)
.
(4)
.
فلما وصف هؤلاء بالتقوى والإِحسان دل على أَنهم ليسوا بمصرين على الذنوب بل هم تائبون منها.
وقوله تعالى: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} يدخل فيه الكبائر؛ لأنها أسوأ الأعمال.
وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}
(5)
فرتب على التقوى المتضمنة لفعل الواجبات، وترك المحرمات - تكفير السيئات وتعظيم الأجر، وأَخبر الله عن المؤمنين المتفكرين في خلق السموات والأرض أنهم قالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ
(1)
مضى الحديث ص 496.
(2)
مضى الحديث ص 499.
(3)
سورة الأحقاف: 15، 16.
(4)
سورة الزمر: 33 - 35.
(5)
سورة الطلاق: 5.
عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}
(1)
فأخبر أَنه استجاب لهم ذَلِكَ، وأَنه كفُّر عنهم سيئاتهم، وأَدخلهم الجنات، وقوله:{فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} فخص الله الذنوب بالمغفرة، والسيئات بالتكفير فقد يقال: السيئات تخص الصغائر، والذنوب يراد بها الكبائر؛ فالسيئات تكَفَّر؛ لأَن الله جعل لها كفارات في الدنيا شرعية وقدريةً، والذنوب تحتاج إِلى مغفرة تقي صاحبها من شرها، والمغفرة والتكفير يتقاربان، فإن المغفرة قد قيل: إِنها ستر الذنوب، وقيل: وقاية شر الذنب مع ستره، ولهذا يسمى ما ستر الرأْس ووقاهُ في الحرب مِغْفَرا، ولا يسمى كل ساتر للرأس مِغفرا.
* وقد أَخبر الله عن الملائكة أَنهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات والتكفير من هذا الجنس، لأَن أَصل الكُفْر: السترُ والتغطية أَيضًا.
[بين التكفير والمغفرة]:
* وقد فرق بعض المتأخرين بينهما بأَن التكبير: محو أَثر الذنب حتى كأَنه لم يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلك - إِفضال الله على العبد وِإكرامه. وفي هذا نظر.
* وقد يفسر بأَن مغفرة الذنوب بالأَعمال الصالحة تقلبها حسنات، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط.
* وفيه أيضًا نظر. فإِنه قد صح أَن الذنوب المعاقب عليها بدخول النار تبَدل حسنات، فالمُكفَّرة بعمل صالح يكون
(2)
- كفارة لها - أَولى.
[معنيان آخران]:
* ويحتمل معنيين آخرين:
* أَحدهما: أَن المغفرة لا تحصل إِلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة؛ لأَنها وقاية شر الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإِن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفو يقع مع العقوبة وبدونها وكذلك الرحمة.
* والثاني: أَن الكفارات من الأَعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب المكفَّرة بها، ويكون ذلك
(3)
هو ثوابها ليس لها ثواب غيره، والغالب عليها أَن تكون من جنس مخالفة هوى النفس، وتجشم المشقة فيه؛ كاجتناب الكبائر الذي جعله الله كفارة
(1)
سورة آل عمران: 193.
(2)
ليست في ب.
(3)
ا، ب، ر، ظ، ل:"تكون".
للصغائر.
* وأَما الأَعمال التي تغفر بها الذنوب فهي ما عدا ذلك، ويجتمع فيها المغفرة والثواب عليها، كالذكر الذي تكتب به الحسنات، وتمحى به السيئات.
وعلى هذا الوجه فيفرَّق بين الكفارات من الأَعمال وغيرها.
وأَما تكفير الذنوب ومغفرتها إذا أُضيف ذلك إلى الله فلا فرق بينهما.
وعلى الوجه الأول يكون بينهما فرق أَيضًا.
* ويشهد لهذا الوجه الثاني أَمران:
* أحدهما قول ابن عمر لا أَعتق العبد الذي ضربه: "ليس لي في عتقه من الأَجر شيء"
(1)
واستدل لأَنه كفارة.
* والثاني: أَن المصائب الدنيوية كلَّها كفاراتٌ للذنوب
(2)
وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم من السلف: إِنه لا ثواب فيها مع التكفير وإِن كان بعضهم قد خالف في ذلك.
ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث النام بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقل الأقدام إلى الصلوات وقال: من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أُمه
(3)
.
وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات تَرفع الدرجات، ويحصل عليها الثواب.
* لأنا نقول: قد يجتمع في العمل الواحد شيئان يرفع بأَحدهما الدرجات، ويكفر بالآخر السيئات، فالوضوءُ نفسه يثاب عليه لكن إِسباغه في شدة البرد من جنس الآلام المَي تحصل للنفوس في الدنيا فيكون كفارة في هذه الحال، وأَما في غير هذه الحال فتغفر به الخطايا كما يغفر بالذِّكْر وغيره.
* وكذلك المشي إِلى الجماعات هو قُربة، وطاعة، ويثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة.
(1)
كما مضى ص 513.
(2)
في "ا": "الذنوب" م: "مكفرات للذنوب".
(3)
راجع الترمذي ح 3235 من حديث معاذ بن جبل بإسناد حسن صحيح. وقد أفرد له المؤلف كتابا على حياله: "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى".
وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مأْلوفها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إِليها إِما لكسب الدنيا أَو للتَنّزُّهِ - هو من هذه الجهة مؤلم للنفس فيكون كفارة.
* وقد جاءَ في الحديث "أَن إِحدى خطوتي الماشي إِلى المسجد تَرفع له درجة والأخرى تَحط عنه خطيئة
(1)
" وهذا يقوي ما ذكرناه، وأن ما حصل به التكفير غير ما حصل به رفع الدرجات. والله أَعلم.
* وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيئات، ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة، وبين الإِخبار عنه بمضاعفة الثواب به
(2)
ووصفه برفع الدرجات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
* "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إِلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر"
(3)
.
فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها، وكفَّها عما تميل إليه - ما يوجب ذلك تكفيرَ الصغائر.
* وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب بما يحصل بها من الأَلم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن. فيتبين
(4)
بهذا أَن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات، وتكفيرَ السيئات من جهتين
(5)
ولا يكون بينهما منافاة.
وهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب.
* وأَما الكبائر فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأَجر للشهيد، لكنِ الشهيدُ ذو الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء.
* كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإِمام أَحمد
(1)
كما روى البخاري في صحيحه: 8 - كتاب الصلاة: 87 - باب الصلاة في مسجد السوق 1/ 564 ح 477 وفي: 10 - كتاب الأذان: 30 - باب فضل صلاة الجماعة 2/ 131 ح 647 ورواه مسلم في صحيحه: 5 - كتاب المساجد ومواضع الصلاة: 49 - باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، 1/ 459 ح 643 كلاهما من حديث أبي هريرة.
(2)
ليست في "ا".
(3)
مضى الحديث ص 503.
(4)
في م: "فتبين بها".
(5)
في أ: "وجهين".
والترمذي
(1)
.
* وأَما مغفرة الذنوب ببعض الأَعمال مع توفير أَجرها وثوابها، ففد دلت عليه الأحاديث الصحيحة في الذكر.
وقد قيل: إِن تلك السيئات تكتب حسنات أَيضًا، كما في حديث أَبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره
(2)
.
وذكرنا أيضًا عن بعض السلف أَنه يُمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعفٌ واحد من أضعاف ثواب الحسنة وتبقى له تسع حسنات.
* والظاهر أَن هذا مختص بالصغائر، وأَما في الآخرة فيُوازَن بنِن الحسنات والسيئات ويُقَصُّ بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته فقد نجا، ودخل الجنة. وسواء في هذا الصغائر والكبائر.
وهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته وبقى له حسنة دخل بها الجنة.
* قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إِن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله حتى يدخل الجنة، وإن كان شقيا قال الملَك: رب! فنيت حسناته وبقى له طالبون كثير. قال: خذوا من سيئاتهم فَأضيفوها إِلى سيئاته صُكُّوا له صكًّا إِلى النار.
خرّجه ابن أَبي حاتم وغيره
(3)
.
[التفضيل بمثقال الذرة كيف يتم].
والمراد أَن تفضيل مثقال ذرة من الحسنات إِنما هو بفضل الله عز وجل لمضاعفته
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب الجهاد: باب ما جاء في فضل الشهداء عند الله 4/ 177 - 178 عن حديث فضالة ابن عبيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقى العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا - ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته.
قال: فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ورجل مؤمن جيد الإيمان لقى العدو، فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن أتاه سهم غرب فقتله، فهو في الدرجة الثانية. ورجل مؤمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا لقى العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الثالثة.
ورجل مؤمن أسرف على نفسه، لقى الله فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وهو عند أحمد في المسند 1/ 23.
(2)
انظر في هذا ما مضى ص 501 وراجع في حديث أبي مالك أيضا: الدر المنثور (5/ 80).
(3)
أورده ابن كثير في التفسير 1/ 471 عن ابن أبي حاتم بسياقه تاما.
لحسنات المؤمن وبركته فيها.
وهكذا حال من كانت له حسنات وسيئات وأَراد الله رحمته فَضَل له من حسناته ما يدخله به الجنة، وكلُّه من فضل الله ورحمته؛ فإِنه لا يدخل أَحد الجنة إِلا بفضل الله ورحمته.
* وخرَّج أَبو نعيم بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه مرفوعًا:
"أَوحى الله إِلى نبي من أَنبياء بني إِسرائيل قل: لأَهلِ طاعتي من أُمتك: لا يتكلوا علِى أَعمالهم؛ فإِني لا أُقاصّ عبدًا الحساب يوم القيامة أشاءُ أَن أعذبه إِلا عذبته، وقل لأهل معصيتي من أمَّتك: لا يلقوا بأَيديهم فإني أَغفر الذنب العظيم ولا أبالي"
(1)
.
* ومصداق هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"مَنْ نُوقِش الحِسابَ عُذِّب" وفي رواية: "هَلَكَ"
(2)
.
[هل تجب التوبة من الصغائر]:
* والمسألة الثانية: أَن الصغائر هل تحب التوبة منها كالكبائر؟ أَم لا؛ لأَنها تقع مُكَفَّرَةً باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}
(3)
.
* هذا مما اختلف الناس فيه: فمنهم من أَوجب التوبة منها، وهو قول أَصحابنا، وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وقد أمر الله عز وجل بالتوبة عقيب ذكر الصغائر والكبائر فقال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ
(1)
هذا جزء حديث أخرجه أبو نعيم في الحلية 4/ 195 وفي أوله: " إن الله أوحى وقد عقب عليه بقوله: غريب من حديث أبي عبد الرحمن لم نكتبه إلا من حديث أبي داود الضمري.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب من نوقش الحساب عُذِّب 11/ 400 من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نوقش الحساب عذب قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ؟ قال: ذلك العرض ح 6536 وأخرجه عقبه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس أحد يحاسَب يوم القيامة إلا هلك". فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحسابَ يوم القيامة إِلا عُذِّب" ومسلم في كتاب الجنة ونعيمها: باب إثبات الحساب 4/ 2204 ح 2876 من وجوه وبنحو ما عند البخاري.
(3)
سورة النساء: 31.
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}: إلى قوله {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
(1)
وأمر بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
(2)
.
* * *
• ومن الناس من لم يوجب التوبة منها.
• وحكي عن طائفة من المعتزلة. ومن المتأَخرين من قال: يجب أَحد أَمرين: إما التوبة منها، أو الإتيان بعض المكفرات للذنوب من الحسنات.
• وحكى ابن عطية في تفسيره
(3)
في تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر قولين:
• أَحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث - أنه يُقْطَع بتكفيرها بذلك قطعًا؛ لظاهر الآية والحديث.
• والثاني - وحكاه عن الأُصوليين - أَنه لا يُقَطع بذلك بل يحمل على غلبة الظن، وقوة الرجاء وهو في مشيئة الله عز وجل؛ إذ لو قطع بتكفيرها لكانت الصغائر في حكم المباح الذي لا تَبعة فيه، وذلك نقضٌ لِعُرَى الشريعة.
* * *
[تعقيب لابن رجب]:
• قلت: قد يقال: لا يقطع بتكفيرها؛ لأَن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيدة بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة. وحينئذ فلا
(4)
يتحقق وجود حسن العمل الذي يوجب التكفير.
وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر.
* * *
(1)
سورة النور: 30 - 31.
(2)
سورة الحجرات: 11.
(3)
في المحرر الوجيز 4/ 97.
(4)
سقطت من المطبوعة.
[ويستدل لذلك]:
• وقد خرَّج ابن جرير من رواية الحسن أن قومًا أتوا عمر رضي الله عنه فقالوا: نرى أشياءَ من كتاب الله لا يعمل بها؟ فقال لرجل منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أَحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أَحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أَثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتي على آخرهم، ثم قال: ثكلت عُمَرَ أُمُّهُ، أَتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات. قال: وتلا {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}
(1)
.
• وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال:
لم أَر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى
(2)
: لم نخرج له عن كل أهل ومال ثم سكت [هُنَيهة]
(3)
ثم قال: والله لقد كلفنا
(4)
ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عمَّا دون الكبائر فمالنا ولها؟ ثم تلا:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} .
(1)
أورده ابن كثير في التفسير 1/ 485 عن ابن جرير بأتم من هذا.
قال ابن كثير: قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عطية، عن ابن عون، عن الحسن، أن ناسا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله عز وجل أمر أن يعمل بها لا يعمل بها فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقي عمر رضي الله عنه فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين! إن ناسا لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك، قال فاجمعهم لي، قال فجمعتهم له، قال ابن عون: أظنه قال: في بهو، فأخذ أدناهم رجلًا، فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك! أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا! قال: ولو قال: نعم لخصمه قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتي على آخرهم فقال: ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية، ثم قال:"هل علم أهل المدينة أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم". ثم قال ابن كثير: إسناد صحيح ومتن حسن، وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر فتكفي شهرته.
وانظره عند الطبري في التفسير 8/ 254 - 255 (المعارف) وراجع ما ذكر محققه عن طريق الرواية.
(2)
من الطبري.
(3)
من الطبري.
(4)
في الأصول الخطية: "لما خلقنا" وعند ابن كثير: "
…
لما كلفنا من ذلك أنه تجاوز عنا عما دون الكبائر
…
" وما أثبتناه: عن الطبري وهو أوضح. أو هو الذي يستقيم به المعنى.
• وخرجه البزار في مسنده مرفوعًا، والموقوف أصح
(1)
.
وقد وصف الله المحسنين باجتناب الكبائر قال تعالى: {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ}
(2)
.
[تفسير اللمم]:
• وفي تفسير اللمم قولان للسلف:
• أحدهما: أَنه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة. وعن ابن عباس هو ما دُون الحدَّين: وعيدُ الآخرة بالنار، وحدُّ الدنيا
(3)
.
• والثاني: أَنه
(4)
الإلمام بشيءِ من الفواحش والكبائر مرة واحدة ثم يتوب منه.
وروي عن ابن عباس وأبي هريرة.
• وروي عنه مرفوعًا بالشك في رفعه قال: "اللَّمَّة [هي]
(5)
من الزنا ثم يتوب فلا يعود، واللَّمَّة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود، واللّمّة من السرقة ثم يتوب فلا يعود"
(6)
.
(1)
خبر أنس في تفسير الطبري 8/ 256 وابن كثير 1/ 485 - 486.
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 3) عن البزار من حديث أنس رضي الله عنه قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا تبارك وتعالى، ثم لم نخرج له من كل أهل ومال أن تجاوز لنا عن ما دون الكبائر؛ يقول الله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} ثم قال الهيثمي: رواه البزار وفيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف.
وتعقيب الهيثمي لا يجعلنا نسلم لابن رجب قوله: والموقوف أصح! إلا أن يريد أن المرفوع ضعيف والموقوف أقل ضعفًا!. ثم إن إسناد الطبري ليس فيه الجلد بن أيوب.
(2)
سورة النجم: 31، 32.
(3)
أورده ابن كثير في التفسير 4/ 256 من حديث سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن عطاء، عن ابن الزبير:(إلا اللمم) قال: ما بين الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة.
ثم قال: "وكذا رواه شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس: مثله سواء.
وقال العوفي عن ابن عباس، في قوله:(إلا اللمم) كل شيء بين الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة تكفره الصلوات فهو اللمم وهو دون كل موجب فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حدُّ الآخرة فكل شيء ختمة الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة.
وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك، وأورده السيوطي في الدر المنثور 6/ 128 عن عبد بن حميد، وابن جرير من حديث ابن عباس، وقتادة بنحوه.
(4)
ليست في ب.
(5)
من ر.
(6)
أورده ابن كثير في الموضع السابق من حديث أبي هريرة وابن عباس من وجوه عن ابن جرير. والترمذي وأورده السيوطي في الدر المنثور في الموضع السابق وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة قال: أراه رفعه في قوله إلا اللمم ومن حديث ابن عباس وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
ومن فسر الآية بهذا قال: لا بد أن يتوب منه بخلاف من فسره بالمقدمات، فإنه لم يشترط توبة.
[تصحيح ابن رجب للقولين]:
• والظاهر أَن القولين صحيحان، وأَن كليهما مرادٌ من الآية، وحينئذ فالمحسن هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرًا ثم يتوب منها، ومن إذا أَتى بصغيرة كانت مغمورة في حسناته المكفرة لها، ولا بد أن لا يكون مصرًّا عليها كما قال تعالى:{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
(1)
.
* * *
وروي عن ابن عباس أَنه قال: ولا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار"
(2)
. وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة
(3)
.
* * *
وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها فلا بد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر؛ حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش.
(4)
.
* * *
• فهذه الآيات تضمنت وصفَ المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان والتوكل، وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله، والاستجابة لله في جميع طاعاته، ومع هذا فهم مجتنبون كبائر الإثم والفواحش.
فهذا هو تحقيق التقوي.
(1)
سورة آل عمران: 135.
(2)
ا، ر:"إصرار .. استغفار".
(3)
انظر الشهاب 2/ 44 ح 853 وهامشه. والمقاصد الحسنة ح 1308، وكشف الخلفاء 2/ 364 - 365، والتمييز ح 1605 والدرر ح 455، وأسنى المطالب ح 1708.
(4)
سورة الشوري: 36 - 40.
وَوَصفَهُمْ في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب، وندبهم إلى العفو والإصلاح.
* * *
[الانتصار للنفس وهل ينافي قيمة العفو؟]:
• وأما قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} فليس منافيا للعفو؛ فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام، ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتمَّ وأكمل.
• قال النخَعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أَن يُستذلوا، فإذا قدروا عفوا
(1)
.
• وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أَن يُذل نفسه فيجترئ عليه الفساق
(2)
.
فالمؤمن إذا بُغي عليه يُظْهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك.
• وقد جرى مثلُ هذا الكثير من السلف منهم: قتادة وغيره.
[آيات جامعة]:
• فهذه الآيات تتضمن جميعَ ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ؛ فإنها تضمنت حصول
(3)
خصال التقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرمات، ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو ولازم هذا أنه إن وقع منهم شيء من الإثم من غير الكبائر والفواحش يكون مغمورًا بخصال التقوى المقْتَضية لتكفيرها ومحوها.
[آيات سورة آل عمران]:
وأما الآيات التي في سورة آل عمران فوصف فيها المتقين بالإحسان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش، وظلم النفس، وعدم الإصرار على ذلك.
وهذا هو الأكمل، وهو إحداث التوبة والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرًا كان أو كبيرًا.
كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بذلك معاذا، وقد ذكرناه فيما سبق
(4)
.
(1)
أورده البخاري في ترجمة الباب السادس من كتاب المظالم 5/ 119 وذكر ابن حجر في الفتح 5/ 120 أن عبد بن حميد وابن عيينة وصلاه في التفسير لهما ولم أجده في المطبوع من تفسير ابن عيينة وزاد في الدر 7/ 357 نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن جرير وابن المدر وابن أبي حاتم ولم ينسبه إلى سفيان.
(2)
أورده في الدر 7/ 358 موصولا من رواية عبد بن حميد. وأورده البخاري تعليقا في المظالم: باب الانتصار من الظالم 5/ 99 - 100 وانظر تعليق ابن حجر في هذا الموضع.
(3)
في ا، ر، ل، ظ، ب:"أصول".
(4)
ص 487 وانظر ص 466، 467.
[لماذا بسط القول في هذا]:
• وإنما بسطنا القول في هذا لأَن حاجة الخلق إليه شديدة وكل أحد يحتاج إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه. والله الموفق والمعين.
* * *
[وأتبع السيئة الحسنة]:
• فقوله صلى الله عليه وسلم: "وأتبع السيئة الحسنةَ تمحها":
ظاهره أَن السيئات تُمْحَي بالحسنات. وقد تقدم ذكر
(1)
الآثار التي فيها أَن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها
(2)
.
* * *
[من آثار السلف]:
• قال عطية العَوْفِي: بلغني أَنه من بكى على خطيئته مُحيت عنه، وكتبت له حسنة.
* * *
• وعن عبد الله بن عمرو قال: "من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى يمحُوها عنه الرحمن".
• وقال بِشْر بن الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاءُ النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاءُ الليل يمحو ذنوب السر.
* * *
• وقد ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " الحديث
(3)
.
[قول آخر]:
• وقال طائفة: لا تمحى الذنوب من صحائف الأَعمال بتوبة ولا غيرها، بل لا بد
(1)
ليست في ب.
(2)
انظر ص 501، 529.
(3)
ص 496، 524.
أنَّ يوقف صاحبها عليها، ويقرأَها يوم القيامة. واستدلوا بقوله تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}
(1)
.
[رد ابن رجب]:
وفي الاستدلال بهذه الآية نظر؛ لأَنه إنما ذكر فيها حال المجرمين، وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، أَو المغمورةُ ذنوبهم بحسناتهم.
وأَظهر من هذا: الاستدلالُ بقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
(2)
.
• وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين.
* * *
• وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي.
* * *
• قال الحسن في
(3)
العبد يذنب ثم يتوب ويستغفر: يغفر له ولكن لا يُمحاه من كتابه دون أَن يقف عليه، ثم يسأَله عنه. ثم بكى الحسن بكاءً شديدًا وقال: لو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام لكان ينبغي لنا أن نبكي.
* * *
• وقال بلال بن سعد: "إن الله تعالى يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب".
• وقال أبو هريرة: "يُدْني الله العبد يوم القيامة فيضع عليه كَنَفَه فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول: اقرأ يا ابن آدم كتابك. فيقرأ فيَمُرُّ بالحسنة فيبْيَضُّ لها وجهه، ويسر بها قلبه، فيقول الله: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم. فيقول: إني قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسك، وعد في كتابك، فيمر
(1)
سورة الكهف: 49.
(2)
سورة الزلزلة: 7، 8.
(3)
في م: "فالعبد".
بالسيئة فيسْودُّ لها وجهه ويوجَل منها قلبه، وترتعد منها فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره. فيقول الله: أَتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول: إني قد غفرتها لك، فيسجد فلا يرى منه الخلائق إلا السجود حتى ينادي بعضُهم بعضا: طوبي لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين ربه عز وجل مما قد وقَفَه عليه".
• وقال أبو عثمان النَّهدِي، عن سلمان: يُعطَى الرجل صحيفته يوم القيامة فيقرأُ أَعلاها، فإذا سيئاته! فإذا
(1)
كاد يسوءُ ظنه نظر في أَسفلها فإذا حسناتُه، ثم نظر في أَعلاها فإذا هي قد بُدِّلت حسنات.
• وروي عن أَبي عثمان عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أَصح
(2)
.
• وروى ابن أَبي حاتم بإسناده عن بعض أَصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهَلُ الجَنَّة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين.
* * *
• قيل: لم سموا أَصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات فأُعطوا كتبهم بأَيمانهم فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا، قالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا فأَين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا:{هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}
(3)
فهم أكثر أهل الجنة.
• وأَهل هذا القول قد يحملون أَحاديث محو السيئات بالحسنات على محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف. والله أَعلم.
* * *
[وخالق الناس بخلق حسن]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "وَخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ": هذا من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أَفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه؛ فإن كثيرًا من الناس يظن أَن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده؛ فنص له على الأَمر بإِحسان العشرة للناس؛ فإنه
(1)
في م: "فإذا سيئاته كادت تسوء ظنه".
(2)
ورواه الحسين المروزي في زيادات الزهد لابن المبارك ص 497 ح 1415 عن أبي عثمان، قوله.
(3)
سورة الحاقة: 19.
كان قد بعثه إلى اليمن معلما لهم ومفقها وقاضيا. ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره ممّن لا حاجة للناس به ولا يخالطهم.
وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكلية، أَو التقصيرُ فيها.
والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًّا لا يقوى عليه إلا الكُمَّلُ من الأنبياء والصديقين.
* * *
[من آثار السلف في هذا]:
• وقال الحارث المُحَاسبي: "ثلاثة أَشياءَ عزيزة أَو معدومة: حُسن الوجه مع الصيَانة، وحُسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأَمانة!.
* * *
• وقال بعض السلف: جلس داود عليه الصلاة والسلام خاليا فقال الله عز وجل: "مالي أراك خاليا؟ " قال: "هجرت الناس فيك يا ربَّ العالمين! ".
قال: "يا داود أَلا أَدلك على ما تستبقي به وجوه الناس، وتبلغ فيه رضاي؟ خالق الناس بأَخلاقهم، واحتجز الإيمان بيني وبينك".
* * *
[حسن الخلق مع الناس من أركان التقوى]:
• وقد عَدَّ الله في كتابه مُخَالقة الناسِ بخلق حسن من خصال التقوى، بل بدأ بذلك في قوله:{أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
(1)
.
• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سعيد المقبري قال: "بلغنا أَن رجلا جاءَ إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة
(2)
والسلام، فقال: يا معلم الخير، كيف أكون تقيا لله عز وجل كما ينبغي له؟.
(1)
سورة آل عمران: 133: 134.
(2)
ليست في ب.
قال: "بيسير من الأمر: تحب الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك؟ " قال: من ابْنُ جنسي؟ يا معلم الخير؟.
قال: "ولد آدم كلهم".
"وما لا تحب أن يؤتَى إليك فلا تَأته إِلى أَحد، وأَن تَتَّقيَ الله عز وجل كما ينبغي له".
* * *
[حسن الخلق أكمل خصال الإيمان]:
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق أكمل
(1)
خصال الإيمان.
• كما خرَّج الإمام أَحمد وأَبو داود من حديث أَبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خُلُقًا"
(2)
.
• وخرجه محمد بن نصر المروزي وزاد فيه: "وإن المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شيئًا فينقص ذلك من إيمانه
(3)
".
• وخرج الإمام أَحمد وأَبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أُسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسول الله! ما أَفضلُ ما أعطي المرءُ المسلم؟ قال: "الخلقُ الحسن
(4)
".
(1)
ب: "أحسن".
(2)
أخرجه أحمد في المسند 13/ 133 بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر، وعنده:"وخيارهم خيارهم لنسائهم".
وابن حبان في صحيحه 6/ 188 من الإحسان وعنده: "وخياركم خياركم لنسائهم".
والترمذي في جامعه. كتاب الرضاع: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها 3/ 466 ح 1162 وعنده "وخياركم خياركم لنسائهم خلقا".
وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن عائشة وابن عباس، وحديث أبي هريرة هذا حديث حسن صحيح.
وأبو داود في سننه في كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه 5/ 60 منتصرًا على شطره الأول الذي اقتصر ابن رجب على إيراده دون الزيادة التي أشرنا إلى إيرادها في المصادر السابقة.
(3)
تعظيم قدر الصلاة 1/ 442 ح 454 من طريق ابن لهيعة.
(4)
أخرجه ابن حبان في صحيحه 1/ 349 ح 478 من الإحسان، من طريق محمد بن صالح بن دريج، عن هناد بن السري، عن وكيع، عن مسعر والثوري، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال:"قالوا: يا رسول الله! ما أَفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: "حسن الخلق".
والطبراني في الكبير 1/ 179 - 185 بسياقات عديدة مختصرًا ومطولًا وفيها سبب ورود الحديث عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فسلمت عليه، وكأن على رؤوس أصحابه الطير، فجاءته الأعزَّاب من =
[حسن الحلق وكيف يبلغ بصاحبه؟]:
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أَن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم لِئَلا
= هاهنا وهاهنا: يا رسول الله! علينا حرج في كذا وكذا؟ علينا حرج في كذا وكذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عباد الله! رفع الله الحرج إلا من اقترض من امرئ مسلم ظلما فذلك الذي حرج وهلك": قالوا: يا رسول الله! نتداوى؟ قال: "تداووا فإن الله عز وجل لم ينزل داء إلا وضع له دواء إلا الهرم" قالوا: يا رسول الله! فما خير ما أعطيَ الناس؟ فقال. "إن الناس لم يعطوا شيئًا خيرًا من خلق حسن" ح 463 وانظر 464 - 486. وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: كتاب الطب: باب الأمر بالتداوي وما جاء في الحمى وعلاجها والتداوي بالحجامة 1/ 343 ح 1747 بنحوه.
وأحمد في المسند 4/ 278 (الحلبي) من وجوه مختصرًا ومطولا وعنده في الطريق الثاني: قالوا: ما خير ما أعطي الناس يا رسول الله! قال: "خلق حسن" وفي الوجه الرابع: قالوا: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "أحسنهم خلقا".
وأورده الهيثمي في المجمع 8/ 24 عن الطبراني من حديث أسامة وقال: رجاله رجال الصحيح. ورواه ابن ماجه في السنن: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء 2/ 1137 ح 3436 بسياقه وفيه: قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي العبد؟ قال: "خلق حسن".
والحاكم في المستدرك 4/ 399 بسياقه كاملًا من طريق مسعر بن كدام، عن زيادة بن علاقة - به.
وفيه، قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "خلق حسن".
وقد علق عليه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد، فقد رواه عشرة من أئمة المسلمين وثقاتهم عن زياد بن علاقة منهم مسعر كما تقدم ذكري له، ومنهم مالك بن مغول البجلي.
وقد أقره الذهبي.
ونسبة المزي في التحفة 1/ 62 - 63 إلى النَّسَائِي في الكبرى في مواضع من وجوه وهو في المطبوع من الكبرى 445/ 3 الجزء الأول إلى قوله: "على رؤوسهم الطير" ولم يرد هذا الجزء الذي أورده ابن رجب عن أبي داود وإنما أورد أصل الحديث في كتاب الطب بسياقه غير تام وبدون ذكر سبب ورود الخلق الحسن وسؤاله؛ أول حديث في كتاب الطب رقم 3855.
وهذا عجيب من ابن رجب أن يورد نصا يحيل فيه على أصل لا يوجد فيه هذا النص وإنما يوجد فيه أصل الحديث فهل هذا يسلم له؟.
لقد جاءت عبارة ابن رجب كما هي في الأصل: وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسول الله! ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: الخلق الحسن. فأين عند أبي داود من حديث أسامة هذه العبارة؟ وهي محل الشاهد في موضوع الحديث وشرح الجملة الأخيرة منه؟.
بل أين رواية النساء له؟
وقد علق البوصيري في الزوائد 2/ 205 على إيراد ابن ماجه للحديث بسياده كاملا - كما تقدم بقوله: هذا إسناد صحيح؛ رجاله ثقات رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع والنسائي في الكبرى من طريق زياد بن علاقة مقتصرين على قصة الدواء فقط دون ذكر باقيه.
ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من طريق زياد بن علاقة أيضًا بتمامه وقال: هذا حديث صحيح
…
إلخ.
يشتغل المريد للتقوى عن حسن الخلق بالصوم والصلاة ويظنَّ أَن ذلك يقطعه عن فضلهما.
* فخرج الإِمام أَحمد، وأَبو داود من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم والقائم"
(1)
.
وأَخبر أَن حُسنَ الخلق أَثقل ما يوضع في الميزان، وأَن صَاحِبَهُ أَحبُّ الناس إِلى الله وأقربُهم من النبيين مجلسا.
• فخرج الإِمام أحمد، وأَبو داود، والترمذي من حديث أَبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما من شيء يوضع في الميزان أَثقلَ من حسن الخلق، وِإن صاحِبَ حُسْنِ الخلق ليبلغ به درجةَ صاحبِ الصَّومِ والصَّلاةِ"
(2)
.
• وخرَّجَ ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بأحبكم إلى الله، وأَقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ قالوا: بلى. قال:
(1)
أخرجه أحمد في المسند 90/ 6 (الحلبي) من طريق هاشم بن القاسم عن ليث عن بريد بن عبد الله بن أسامة عن عمرو بن أبي عمرو، عن الطلب، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار".
وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب في حسن الخلق 5/ 349 من طريق قتيبة بن سعيد، عن يعقوب الإسكندراني، عن عمرو - به - بنحوه.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 6/ 442 عن عبد الملك بن عمرو وابن أبي بكير عن إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن خاله عطاء بن نافع أنهم دخلوا على أم الدرداء فأخبرتهم أنها سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أفضل شيء في الميزان، قال ابن أبي بكير: "أثقل شيء في الميزان يوم القيامة! الخلق الحسن" وأخرجه من وجه آخر عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم 451/ 6 - 452 بنحو رواية ابن بكير. وهو في 446، 448 مختصرًا.
والترمذي في السنن: كتاب البر والصلة: باب حسن الخلق 4/ 362 - 363 من وجهين أولهما عن ابن أبي عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن يعلي بن مملك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء مرفوعًا بنحو رواية ابن بكير وفيه زيادة:"وإن الله ليبغض الفاحش البذيء".
وعقب عليه بقوله:
وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وأنس وأسامة بن شريك وهذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه، عقبه عن أبي كريب، عن قبيصة بن الليث، عن مطرف، عن عطاء، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء باللفظ الذي أورده ابن رجب وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب: باب حسن الخلق 5/ 149 - 150 بنحو رواية ابن بكير.
أَحسنكم خلقا"
(1)
.
• وقد سبق حديث أَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"أَكثر ما يدخل الجنة: تقوى الله، وحسن الخلق"
(2)
.
* * *
• وخرج أَبو داود من حديث أَبي أُمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أَنا زعيم ببيت في أَعلى الجنة لمن حَسن خلقه"
(3)
.
وخرجه الترمذي وابن ماجه بمعناه من حديث أَنس
(4)
.
* * *
[تفسير السلف لحسن الخلق].
وقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق.
فعن الحسن قال: حسن الخلق: الكرم والبِذْلَةُ والاحتمال.
* * *
• وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة، والعطية، والبشر الحسن وكان الشعبي كذلك.
* * *
(1)
أخرجه ابن حبان في صحيحه 1/ 352 من الإحسان من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن محمد بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس: ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة ثلاث مرات يقولها - قلنا: بلى يا رسول الله! قال: أحسنكم أخلاقا".
(2)
ص 469.
(3)
أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب حسن الخلق 5/ 150 - 151 من طريق محمد ابن عثمان الدمشقي عن أيوب بن محمد السعدي، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في رَبض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه" فهكذا جاء النص في سنن أبي داود.
(4)
الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المراء 4/ 358 من حديث ابن أبي فديك، عن سلمة بن وردان الليثي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك الكذب وهو باطل بني له في رَبَض الجنة (ما حولها) ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسَّنَ خلقه بني له في أعلاها". ثم قال الترمذي: وهذا الحديث حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان عن أنس بن مالك. ورواه ابن ماجه في مقدمة سننه من حديث ابن أبي فديك - به - بمثله.
• وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأَذى
(1)
.
* * *
• وسئل سلام بن أبي مطيع، عن حسن الخلق فأَنشد:
تراه إذا ما جئته متهلِّلًا
…
كأنَّكَ تُعطيه الذي أَنت سائلهْ
ولو لما يكن في كفه غيرُ روحه
…
لجادَ بها فلْيتَّق الله سائلُهْ
هو البحر من أَيّ النواحي أَتيتَه
…
فلُجَّته المعروف والجود ساحلهْ
* * *
• وقال الإِمام أَحمد: "حسن الخلق: أَن لا تغضب ولا تحتد".
• وعنه أَنه قال: "حسن الخلق: أَن تحتمل ما يكون من الناس".
* * *
• وقال إسحاق بن راهويه: "هو بسط الوجه، وأَن لا تغضب ونحو ذلك".
• قال محمد بن نصر: وقال بعض أهل العلم: حسن الخلق كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إِلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزالِّين إِلأ تأديبا، أو إقامة حد، وكف الأَذى عن كل مسلم، أو معاهَد، إِلا تغيير منكر، وأَخذا بمظلمة لمظلوم من غير تعد.
* * *
• وفي مسند الإِمام أَحمد من حديث معاذ بن أَنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الفضائل أَن تصلَ من قطعك، وتعطى من حرمك، وتصفحَ عمن شَتَمكَ"
(2)
.
• وخرج الحاكم عن حديث عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1)
أورده الترمذي آخر باب حسن الخلق 4/ 363. والمروزي في تعظيم قدر الصلاة 875.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 438 من طريق ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتمطي من متعك، تصفح عمن شتمك".
وفيه ابن لهيعة وزبان بن فائد.
وقد أورده الهيثمي في المجمع 8/ 189 عن الطبراني وقال: فيه زبان بن فائد وهو ضعيف.
"يا عقبة! أَلا أُخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك"
(1)
.
• وخرج الطبراني من حديث علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أَلا أَدلك على أَكرم أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ أَن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك"
(2)
.
* * *
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 161 ولم يعقب عليه بشيء، وسكت عنه الذهبي، فالحديث من هذا الطريق حسن.
(2)
أورده الهيثمي في المجمع 8/ 188 - 189 وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه الحارث وهو ضعيف.
الحديث التاسع عشر
عَنْ أَبي الْعَبَّاسِ: عَبد الله بْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله تعَالَى عَنْهُمَا قالَ: كُنْتُ خَلْف النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يَومًا، فَقالَ:
"يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلّمُك كَلَمات: احفْظَ الله يَحْفَظك، احْفَظ الله تَجدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل الله، وَإذَا اسْتعَنْتَ فاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَم أَن الأُمة لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفعُوكَ بِشَيء، لَمْ يَنْفعوكَ إِلَّا بِشْيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله تَعَالَى لَكَ، وِإنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيء قَدْ كَتَبهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رَوَاهُ التِّرمِذِي وَقالَ: حَديِثٌ حَسن صَحِيحٌ.
• وَفي رِوَايَة غَيْرِ التِّرْمِذي: "احفْظ الله تَجِدْهُ أَمامَكَ، تَعَرَّفْ إلَى الله في الرَّخاء، يَعْرفْكَ في الشّدَّةِ، وَاعْلَم أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لَم يَكُنْ لُيِصيِبَكَ، وَما أَصَابَك لَم يَكُنْ لِيُخْطئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبر، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسرِ يُسْرًا".
* * *
[تخريج الحديث]:
• هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس.
• وخرجه الإِمام أَحمد من حديث حنش أيضًا جمع إِسنادين آخرِين منقطعين، ولم يميز لفظ بعضها من بعض. ولفظ حديثه:"يا غلام! أو يا غُلَيِّم! ألا أُعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ " فقلت: بلى. فقال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أَمامك، تعرف إِلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جفَّ القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلَّهم جميعًا أَرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءِ، لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أنِ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا
(1)
".
(1)
أخرجه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس في كتاب صفة القيامة باب (59) 4/ 667 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أحمد في المسند 4/ 233، 269 - 270 (المعارف) بإسنادين صحيحين، وفي 4/ 286 - 288 (المعارف) =
وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ رحمه الله وعزاه إِلى غير الترمذي، واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عَبْدُ بن حُمَيْد في مسنده بإِسناد ضعيف، عن عطاء، عن ابن عباس.
وكذلك عزاه ابن الصلاح في الأَحاديث الكلية التي هي أَصل أَربعين الشيخ رحمه الله إلى عبد بن حميد وغيره.
• وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أَبى رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أَبي مُلَيكة وغيرهم.
وأَصح الطرق كلها: طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي - كذا قاله ابن منده وغيره.
• وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه وصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث علي بن أَبي طالب وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن جعفر. وفي أَسانيدها كلها ضعف.
وذكر العقيلي
(1)
أَن أَسانيد الحديث كلها لينة. وبعضها أَصلح من بعض.
وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة.
[هذا الحديث]:
• وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أُمور الدين حتى قال بعض العلماء
(2)
: تدبرت هذا الحديث فأَدهشني وكدت أَطيش؛ فوا أَسفا من الجهل بهذا الحديث، وقَلَّةِ التفهُّم لمعناه؟!.
= بثلاثة أسانيد: اثنان منقطعان، والثالث صحيح، وهذا الموضع هو الذي ذكر ابن رجب عن أحمد أنه لم يميز بعضها من بعض. لكن صنيع ابن رجب يوهم أن أحمد لم يرو الحديث إلا منقطعًا غير مميز السند مع أن أحمد روى الحديث صحيحا في الموضعين الأولين دون وهم أو التباس، ورواه صحيحًا أيضا في واحد من الثلاثة التي التبست عليه، راجع ما كتبه الشيخ أحمد شاكر عن صنيع ابن رجب ورواية أحمد للحديث في المواطن الثلاثة وانظره في المنتخب من مسند عبد بن حميد ص 214 وهامشه.
(1)
في الضعفاء 53/ 3 - 54.
(2)
هو أبو الفرج بن الجوزي في كتابه صيد الخاطر كما ذكر ذلك ابن رجب في الجزء الحديثي الذي أفرده لشرح الحديث، وهو "نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي إلى ابن عباس" راجع ص 9.
• قلت: وقد أَفردت لشرحه جزءًا كبيرًا.
ونحن نذكر هاهنا مقاصده على وجه الاختصار، إِن شاءَ الله تعالى.
* * *
[احفظ الله]:
فقوله صلى الله عليه وسلم: "احفظ الله" يعني احفظ حدودُه، وحقوقَه، وأوَامِرَهُ ونواهيَه.
• وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أَوامره بالامتثال، وعند نواهيه، بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه، إلى ما نُهي عنه. فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه. وقال عز وجل:{هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33)}
(1)
وفُسِّر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه؛ ليتوب منها.
ومن أَعظم ما يجب حفظه من أَوامر الله: الصلاة، وقد أَمر الله تعالى بالمحافظة عليها فقال:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}
(2)
ومدح المحافظين عليها بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}
(3)
.
• وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"من حافظ عليها كان له عند الله عهدٌ أَن يُدْخلَه الجنةَ"
(4)
.
(1)
سورة ق: 32 - 33.
(2)
سورة البقرة: 238.
(3)
سورة المؤمنون: 9.
(4)
رواه أحمد في المسند 4/ 267 (الحلبى) من رواية عبد الصمد وعفان عن همام، عن قتادة، عن حنظلة الكاتب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من حافظ على الصلوات الخمس: ركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة أو قالا وجبت له الجنة".
ورواه عقبه من رواية محمد بن جعفر، عن سعيد عن قتاده - به - بنحوه وفيه"
…
يراها حقا لله عليه حُرِّم على النار".
ورواه الطبراني في المعجم الكبير 12/ 4 ح 3496 بنحو الوجه الثاني عند أحمد.
وأورده الهيثمي في المجمع 1/ 288 - 289 عن أحمد والطبراني في الموضعين وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح.
كما أورده المنذري في الترغيب والترهيب 1/ 247 عن أحمد في المسند بالوجوه الآنفة وقال: رواه أحمد بإسناد جيد، ورواته، رواه الصحيح.
وفىِ حديث آخر:
"من حافظ عليهن كنّ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة"
(1)
.
• وكذلك الطهارة؛ فإِنها مفتاح الصلاة وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"
(2)
.
[ومما يؤمر بحفظه]:
• ومما يؤمر بحفظه: الأَيمان، قال الله عز وجل:{وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}
(3)
فإِن الأَيمان يقع الناس فيها
(4)
كثيرًا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها فلا يحفظه ولا يلتزمه.
* * *
• ومن ذلك: حفظ الرأْس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع.
"الاستحياءُ من الله حقَّ الحياء: أَن تحفَظَ الرَّأْسَ وما وَعَى، وتَحْفَظَ البَطْنَ وما حَوَى".
خرجه الإِمام أَحمد والترمذي
(5)
.
(1)
أخرجه أحمد في المسند 10/ 831 (المعارف) ح 6576 من رواية أبي عبد الرحمن بن سعيد، عن كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال:"من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف" وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 292 وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 277 (الحلبي) من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن سالم، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
وأخرجه من طريق وكيع ويعلي عن الأعمش - به - في 5/ 282 بمثله.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 130 عن أحمد بن جعفر القطعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أحمد بن حنبل به بنحوه، وفيه: واعلموا أن خير دينكم الصلاة
…
".
وأخرجه عقبه من وجهين عن ثوبان بنحوه وقد صححهما وأقره الذهبي وذكر الحاكم أن هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا علة له إلا وهم من أبي بلال الأشعري وهم فيه علي أبي معاوية، ثم أورد هذه الرواية الموهمة وفيها جاء هذا الحديث من رواية أبي بكر بن إسحاق عن الحسين بن يسار الحناط، عن أبي بلال الأشعري، عن محمد بن خازم عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه وانظر ما مضى ص 270.
(3)
سورة المائدة: 89.
(4)
ب: "فيه".
(5)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 245 - 246 (المعارف) بإسناد ضعيف عن محمد بن عبيد، عن أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم استحيوا من الله عز وجل حق الحياء، قال: قلنا: يا رسول الله! إنا نستحيي والحمد لله. قال: ليس ذلك،=
[ما الذي يدخل في حفظ الرأس؟]:
• وحفظ الرأْس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات. وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظَ القلب عن الإِصرار على مُحَرَّم، قال الله عز وجل:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}
(1)
وقد جمع الله ذلك كلَّه في قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}
(2)
.
ويتضمن أَيضًا حفظ البطن من إِدخال الحرام إِليه من المآكل والمشارب.
* * *
• ومن أَعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل: اللسان والفرج، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من حفظ ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رجليه دخل الجنة".
خرجه الحاكم
(3)
.
= ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، وليحفظ البطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينهْ الدنيا؛ فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله عز وجل حق الحياء". وقد ذكر محققه كيف أن الصباح بن محمد ضعيف جدًّا، وكيف أنه يروي الموضوعات، ويرفع الموقوفات، كما ذكر ابن حبان والذهبي وغيرهما.
والحديث رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة: باب 24 - 4/ 637 ح 2458 من طريق محمد بن عبيد - به - بنحوه وفيه نستحيي - ليس ذاك
…
ولتذكر
…
".
وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 323 من طريق مروان بن معاوية عن أبان بن إسحاق به - بنحوه. بيد أنه ذكر الصباح بن محارب بدل الصباح بن محمد فهل ذلك خطأ مطيعي أم هو أمر متعمد من الحاكم؟ إن كان خطأ مطبعيًّا وقد جاء هكذا في تعليق الذهبي فكيف صححاه معا وقد عرفت عن الصباح بن محمد ما قد عرفت وإن كان أمرا مقصودا من الحاكم وقد أقره الذهبي فكيف والصباح بن محارب ليس من رواة هذه الطبقة؟
وانظر ما علق به المرحوم الشيخ شاكر عند تخريجه لرواية المسند المذكورة وإيراده لرواية المستدرك وقد مضى الحديث ص 310.
(1)
سورة البقرة: 235.
(2)
سورة الإسراء 37.
(3)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 357 من طريق وهيب عن أبي واقد عن إسحاق مولى زائدة، عن محمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من حفظ ما بين لحييه ورجليه دخل الجنة". وليس فيه: "وما بين
…
".
وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي.
وخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حفظ ما بين فُفْمَيْه
(1)
وفرجه دخل الجنة"
(2)
.
وأمر الله عز وجل بحفظ الفروج، ومدح الحافظين لها فقال تعالى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}
(3)
.
(4)
.
وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}
(5)
(6)
.
• وقال أبو إِدريس الخَوْلاني: أَوّل ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض: حفظه فرجه وقال: لا تضعه إِلا في حلال.
[قوله صلى الله عليه وسلم: يحفظك]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "يحفظك" يعني: أَن من حفظ حدود اللَّه، وراعى حقوقَه - حفظه الله؟ فإِن الجزاء من جنس العمل؛ كما قال تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}
(7)
.
وقال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}
(8)
.
وقال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ}
(9)
.
(1)
قال في النهاية 3/ 465: الفقم بالضم والفتح اللحي، يريد: من حفظ لسانه وفرجه.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 398 (الحلبي) من طريق أحمد بن عبد الملك، عن موسى بن أعين، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن رجل، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا.
وأورده الهيثمي في المجمع 10/ 238 وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بنحوه، ورجال الطبراني وأبي يعلى ثقات، وفي رجال أحمد راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات.
والظاهر أن الراوي الذي سقط عند أحمد هو سليمان بن يسار".
وهذا التعليق من الهيثمي أدق من تعليق المنذري في الترغيب والترهيب 3/ 526 حيث أورد حديث أبي موسى - هذا - وعمم في الحكم حيث قال: "رواه أحمد والطبراني وأبو يعلي والحفظ له ورواته ثقات" وقد عرفت أن إسناده عن أحمد منقطع: فيه راو لم يسم.
(3)
سورة النور: 30.
(4)
سورة الأحزاب: 35.
(5)
سورة المؤمنون: 1، 2.
(6)
سورة المؤمنون: 5، 6.
(7)
سورة البقرة: 40.
(8)
سورة البقرة: 152.
(9)
سورة محمد: 7.
• وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أَحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأَهله وماله، قال الله عز وجل:{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}
(1)
.
[من أقوال السلف]:
• قال ابن عباس: هم الملائكة؛ يحفظونه بأَمر الله (مما لم يقدَّر) فإذا جاءَ القدر خَلَّوْا عنه
(2)
.
* * *
• وقال عليّ رضي الله عنه؟ "إِن مع كل رجل مَلَكَيِنْ يحفظانه مما لم يقدَّر، فإذا جاءَ القَدَرُ خَلَّيا بيْنَهُ وبينه، وإِن الأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ"
(3)
.
• وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له مَلَكٌ يحفظهُ في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام، فما من شيء يأتيه إِلا قال له: وَرَاءَكَ، إِلا شيئا أَذن الله فيه فيصيبه"
(4)
.
* * *
[من الدعاء لذلك]:
• وخرج الإِمام أَحمد وأَبو داود والنسائي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسى، وحين يصبح: "اللهم! إِني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم! إني أَسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأَهلي ومالي، اللهم! استُرْ عوراتي، وآمنْ رَوْعاتي
(5)
، واحفظني من بين يديَّ، ومن خَلفي، وعن يميني وعن شِمالي ومن فوقي، وأَعوذ بعظمتك أَن أغتالَ من
(1)
سورة الرعد: 11.
(2)
تفسير ابن كثير 2/ 503، وما بين القوسين من ر.
(3)
تفسير الطبري 16/ 378 (المعارف) وقد أورده ابن جرير عن أبي مجلز، قال: جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه وهو يصلي، فقال: احترس؛ فإن ناسا من مراد يريدون قتلك! فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة ا هـ. وقد رواه عن يعقوب عن ابن علية عن عمارة عن أبي مجلز.
وقد فسر الطبري معنى الآية على هذا فقال (16/ 377): ومعنى ذلك: يحفظونه من أمر الله، وأمر الله: الجن ومن يبغي أذاه ومكروهه قبل مجئ قضاء الله، فإذا جاء قضاؤه خلوا بينه وبينه.
(4)
تفسير الطبري 16/ 377 - 378، وتفسير ابن كثير في الموضع السابق. وفيه ليث بن أبي سليم.
(5)
ب: عورتى .. روعتي" وعند أبي داود: اللهم استر عورتي وقال عثمان: "عوراتي
…
".
تحتي"
(1)
.
ومن حفظ الله في صباه وقوّته حفظه الله في حال كِبَرِه، وضعْف قوّته، ومتَّعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله.
* * *
[حفظ العبد جوارحه في صغره]:
• وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّع بقوته وعقله، فوثب يوما وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.
[وعكسه]:
• وعكس هذا: أَن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس فقال: "إن هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره".
[حفظ الله العبد في ذرِّيَّتِهِ]:
وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}
(2)
الآية: إِنهما حفظا بصلاح أبيهما.
[من أقوال السلف في ذلك]:
• قال سعيد بن المسيب لابنه: "لأَزيدنّ في صلاتي من أَجلك رجاء أَن أُحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد في المسند 8/ 14 - 15 (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه.
وأبو داود في كتاب الأدب: باب ما يقول إذا أصبح 5/ 315 - ح 5074.
والنسائي في كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من الخسف 8/ 282 ح 5529 شطره الأَخير: أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي".
قال جبير: وهو الخسف، قال عبادة: فلا أدري قول النبي صلى الله عليه وسلم أو قول جبير.
ورواه عقبه ح 5530 من حديث جبير عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم! فذكر الدعاء وقال في آخره: أعوذ بك أن أغتال من تحتي، يعني بذلك الخسف.
(2)
سورة الكهف: 82.
(3)
قال ابن كثير في التفسير (3/ 99) تعليقا على الآية الكريمة: فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن والسنة، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر=
• وقال عمر بن عبد العزيز: "ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقّب عقبه".
• وقال ابن المنكدر: "إِن الله ليحفظ بالرجل الصالح وَلَده وولد وَلَدِه والدُّوَيْرَات
(1)
التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وسِتر".
[القاعدة في ذلك]:
ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإِن الله يحفظه في تلك الحال.
• وفي مسند الإمام أَحمد
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت امرأَة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزًا وصيصيِّتَهَا كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزًا لها وصيَصيِّتَهَا فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإِني قد فقدت عنزا من غنمي وصِيصيَّتي، وإني أَنْشُدُكَ عَنْزِي وصِيصِيَّتي. قال: وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شدة مناشدتها ربَّها تبارك وتعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأَصبحت عنزها ومثلُها وصِيصِتُها ومثلها.
والصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وَيُنْسَج
(3)
.
فمن حفظ الله حفظه الله من كل أَذى.
* * *
• قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه؛ فقد ضيع
= لهما صلاحا. ثم ذكر أنه لم يكن الأب - المباشر وإنما كان الأب - السابع.
أقول: هذا إذا كانت الذرية سائرة على متن الاستقامة بعد الآباء وإن لم يظهر لها كبير شأن في هذا المجال فقد قال تعالى لنوح عليه السلام عن ابنه العاصي: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} . فقول ابن جبير: "ولم يذكر لهما صلاحا؛ ليس فيه دليل على نفيه بالمرة، غاية الأمر كان أمرا مسكوتا عنه؛ لأن الاهتمام كان بالحديث عن بركة أبيهما.
(1)
الدويرات: جمع دويرة، وهي تصغير دارة، وهي الدار والمحل يجمع البناء. اهـ قاموس.
(2)
من حديث حميد بن هلال، قال: كان رجل من الطفاوة طريقه علينا فأتى على الحي فحدثهم قال: قدمت المدينة في عمر لنا فبعنا بياعتنا ثم قلت: لأنطقن إلى هذا الرجل فلآتين مَنْ بعدي بخبره، قال: فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يريني بيتا قال: إن امرأة كانت فيه. فخرجت في سرية من المسلمين
…
الحديث بنحوه وليس بنصه وفي آخره: وهاتيك فأتها فاسألها أن شئت؟ قال: قلت بل أصدقك. راجع المسند 5/ 67 (الحلبي) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 277 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(3)
راجع النهاية 3/ 67.
نفسه، والله الغني عنه.
[من عجيب حفظ الله للعبد]:
• ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه: أَن يجعل الحيوانات المؤذيةَ بالطبع حافظةً له من الأذى؛ كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
حيث كُسر به المركب، وخرج إِلى جزيرة فرأَى الأسد فجعل يمشي معه حتى دلَّه على الطريق، فلما أَوقفه عليها جعل يُهَمهِم كأَنه يودعه! ثم رجع عنه!.
• ورؤي إِبراهيم بن أَدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذُبُّ عنه حتى استيقظ.
[وعكس هذا]:
• وعكس هذا: أَن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعَه من أهله وغيرهم.
كما قال بعض السلف: "إِني لأعصي الله، فأَعرفُ ذلك في خُلُق خادمي ودابتي".
* * *
[النوع الثاني من الحفظ]:
• النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ الله لِلْعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينَه عند
(1)
سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مهران بن فروخ ويقال نجران ويكنى أبا عبد الرحمن وقيل: أبا البختري كان عبد لأم سلمة فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن عبد البر والحاكم وابن حجر سبب تسميته ورووا حديثه في ذلك قال: سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة وذلك أني خرجت معه، ومعه أصحابه يمشون فثقل عليهم متاعهم، فحملوه علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحمل؛ فإنما أنت سفينة، فلو حملت يومئذ وقر بعير ما ثقل علي.
ثم روى الحاكم من حديث سفينة قال:
ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحا من ألواحها فطرَحني اللوح في أجمة فيها الاُسد، فأقبل إلي يريدني، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه، وأقبل إلي، فدفعني بمنكبه، حتى أخرجني من الأجمة، ووضعني على الطريق وهمهم، فظننت أنه يودعني، فكان ذلك آخر عهدي به.
وقد صححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.
راجع الاستيعاب 2/ 684 - 685، والمستدرك 3/ 606، وتهذيب التهذيب 4/ 125.
موته، فيتوفاه على الإِيمان.
قال بعض السلف: إِذا حضر الرجلَ الموتُ يقال للملَك: شُمَّ رأْسَهُ قال: أَجد في رأسه القرآن، قال: شُمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام. قال: شُمَّ قدميه. قال: أَجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه، فحفظه الله.
[دعاء المؤمن بالحفظ]:
• وفي الصحيحين عن البراءِ بن عازب
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَنه أَمره أَن يقول عند منامه: إِن قبضتَ نفسي فارحمها، وإن أَرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين
(2)
.
• وفي حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول: "اللهم احفظني بالإِسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإِسلام راقدًا، ولا تطع فيَّ عدوا ولا حاسدا".
خرجه ابن حبان في صحيحه
(3)
.
(1)
الذي في الصحيحين من حديث البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتَ مضجعك فتوضأُ وضوءك للصلاة، ثم اضصجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذى أرسلت، فإن مت عن ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به" البخاري في كتاب الوضوء: باب فضل من بات على الضوء 1/ 357 ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع 4/ 2081 - 2083 من طرق.
(2)
هذا الحديث ليس في الصحيحين من حديث البراء بن عازب كما جاء في النسخة الأصلية التي أقرها المؤلف وغيرها وإنما هو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه البخاري في كتاب الدعوات: باب (12) 11/ 125 - 126 ح 7393 وطرفه في 6320.
ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب ما يقول عند النوم وأخذ الضجع 4/ 2084 بلفظ: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره "طرفه" فلينفض بها فراشه، وليسم الله؛ فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي، بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين".
(3)
أخرجه ابن حبان في صحيحه 2/ 143 من الإحسان ح 930 من طريق ابن شهاب، عن العلاء بن رؤبة التميمي عن هاشم بن عبد الله بن الزبير:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصابته مصيبة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ذلك، وسأله أن يأمر له بوسق من تمر، فقال له رسول الله: "إن شئت أمرت لك بوسق من تمر، وإن شئت علمتك كلمات هي خير لك؟ قال: علمنيهن ومر لي بوسق فإني ذو حاجة إليه، فقال: قل اللهم احفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظي بالإسلام راقدًا، ولا تطع في عدوا حاسدًا، وأعوذ بك من شر ما أنت آخذ بناصيته، وأسألك من الخير الذي هو بيدك كله".
وقد عقب عليه بقوله: توفي عمر بن الخطاب وهاشم بن عبد الله بن الزبير ابن تسع سنين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يودع من أراد سفرا فيقول: "أَستودع الله دينك وأَمانتك وخواتيم عملك"
(1)
.
وكان يقول:
"إن الله إِذا استُودع شيئًا حَفِظَهُ".
خرجه النَّسَائِي وغيره
(2)
.
* * *
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا ودع إنسانا 5/ 499 - 500 من طريقين عن ابن عمر، قال عن الأول: حديث غريب، وعن الثاني: حديث حسن صحيح.
وهو عند أحمد في المسند 7/ 10، 71 - 72 و 9/ 93 ح 4781، 4957، 6199 (المعارف) بأسانيد صحيحه من حديث يحيى بن إسماعيل عن قزعة، عن عبد الله بن عمر.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 8/ 33 - 35 المعارف من وجهين عن نهشل بن مجمع، عن قزعة، عن عبد الله بن عمر قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لقمان الحكيم كان يقول: "إن الله إذا استودع شيئًا حفظه". وقد يتبادر إلى الأذهان أن هذا حديث غير الحديث السابق وتتبع الروايات يدلنا على أنهما حديث واحد أو أن أصلهما حديث واحد.
ولعله لهذا أشار ابن رجب أو نص في تخريجه له على إخراج النَّسَائِي ثم أشار إلى تخريج غيره له.
فلئن كانت رواية المسند لحديث الوداع في موطن وروايته لحديث لقمان في موطن آخر: إن رواية النَّسَائِي للحديث تدل صراحة على أنهما حديث واحد فقد روى النَّسَائِي الحديث في عمل اليوم والليلة من وجوه شتى ص 160 - 164 ح 510 - 527.
لقد روى حديث الوداع: "استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك" مرفوعًا وحده من طرف ثم روى حديث لقمان وحده كذلك.
ثم رواهما معا في حديث واحد من طريق نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة قال: كنت عد ابن عمر، فلما خرجت شيعني وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال لقمان الحكيم: إن الله إذا استودع شيئًا حفظه وإني أستودع الله دينك وأَمانتك وخواتم عملك وأقرأ عليك السلام".
وهذا هو الاتجاه الذي اتجه إليه الشيخ أحمد شاكر عند تعليقه على حديث لقمان 8/ 14 أن أصل الحديثين حديث واحد إلا أنه رحمه الله تصورهما - حديثين لعدم حصوله آنئذ على عمل اليوم والليلة للنسائي وروى قول لقمان ورفع ذلك كله إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد كان الأحرى أن يكون حديث لقمان هو الأول في الذكر لأنَّه بمثابة القاعدة وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم عليه حديث الوداع.
فقد حكى صلى الله عليه وسلم حديث لقمان: أن الله إذا استودع شيئا حفظه ثم قال: وإني استودع الله دينك
…
إلخ.
وقد قرأنا رواية النَّسَائِي للحديثين حديثا واحدًا كما قد قرأنا إِسناد الحديثين مفرقين ومجموعين وكيف أنه في الصورتين من طريق نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة وأبي غالب عن ابن عمر سواء في ذلك من رواه مفرقا كأحمد في المسند، ومن رواه على الصورتين كالنسائي في عمل اليوم والليلة.
[من هو المحفوظ بعناية الله عز وجل؟]:
• وفي الجملة فإن الله عز وجل يحفظ على المؤمن الحافظ لحدوده دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه - بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارها له، محما قال في حق يوسف عليه السلام:{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}
(1)
.
[من المأثور عن السلف]:
• قال ابن عباس في قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}
(2)
قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجرهُ إلى النار
(3)
.
* * *
• وقال الحسن، وذكر أَهلَ المعاصي:"هانوا عليه، فعَصوُه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم!؟ ".
* * *
• وقال ابن مسعود: "إن العبد ليَهُما بالأمر من التجارة والإمارة حتى يُيَسَّرَ له فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه؛ فإني إِن يسرته
(4)
له أَدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: سبقني
(5)
فلان، دهاني
(6)
فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل!؟ ".
* * *
• وخرج الطبراني من حديث أَنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل:
"إن من عبادي من لا يُصلح إِيمانَهُ إِلا الفقر
(7)
، وِإن بسطتُ عليه أَفسده ذلك.
وإن من عبادي من لا يُصْلحُ إِيمانَهُ إِلا الغنى، ولو أَفقرتُه لأفسده ذلك.
وإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إِيمانَهُ إِلا الصحة، ولو أَسقَمْتهُ لأَفسده ذلك.
وإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إِلا السُّقْم، ولو أَصححته لأَفسده ذلك
(1)
سورة يوسف: 24.
(2)
سورة الأنفال: 24.
(3)
أخرجه ابن جرير في التفسير 13/ 469: بلفظ: بحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته.
(4)
ب: عليه.
(5)
في المطبوعة: "سبني" وهو تحريف.
(6)
في المطبوعة: "وأهانني".
(7)
ب: "الغني" وهو تحريف.
وِإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأَكُفُّهُ عنه لكيلا يَدْخُلَهُ العُجْبُ.
إني أُدبِّر [أمر]
(1)
عبادي بعلمي بما في قلوبهم. إِني عليم خبير".
* * *
[احفظ الله تجده تجاهك]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: احفظ الله تَجِدهُ تُجَاهَكَ" وفي رواية "أمامك" معناه: أَن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أَحواله حيث توجه، يحوُطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده؛ فإِن الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هم محسنون.
[من مأثور السلف]:
• قال قتادة: "من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل! "
(2)
.
* * *
• كتب بعض السلف إِلى أَخ له: "أَما بعد! فإِن كان الله معك فَمَنْ تَخَافُ؟ وِإن كان عليك فَمنْ تَرْجُو؟ ".
وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}
(3)
وقول موسى: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}
(4)
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار: "ما ظنك باثنين: الله ثالثهما؛ لا تحزن إِن الله معنا"
(5)
.
* * *
[بين المعيتين: الخاصة والعامة]:
• فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا
(1)
ليست في ب. والحديث ضعيف كما ذكر ابن حجر. وانظر المجمع 10/ 270.
(2)
الخبر في الحلية 2/ 339 - 340.
(3)
سورة طه: 46.
(4)
سورة الشعراء: 62.
(5)
متفق عليه: بخاري 3653، 3922، 4663 ومسلم 2381.
هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}
(1)
.
• وقوله: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ}
(2)
فإن هذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم؛ فهي مقتضية لتخويف العباد منه.
• والمعية الأولى: تقتضي حفظ العبد وحياطته ونصره، فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أَمامه وتجاهه على كل حال فاستأْنسَ به، واستغنى به عن خلقه.
كما في حديث: "أَفضل الإِيمان أَن يَعْلَمَ العَبْدُ أَن الله معه حَيْثُ كان" وقد سبق
(3)
.
• وروي عن بُنان الجمال أَنه دخل البرِّيَّةَ وحده على طريق تبوك فاستوحش، فهتف به هاتف: " لم تستوحش؟! أَليس حبيبك معك
(4)
؟ ".
• وقيل لبعضهم: " أَلا تستوحش وحدك؟ فقال: كيف أَستوحش وهو يقول: أَنا جليس من ذكرني؟ ".
• وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال: " من يكن الله معه كيف يكون وحده؟ ".
• وقيل لآخر: "أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل له: أَين هو؟ قال؟ أَمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي!؟ ".
• وكان الشِّبْلي يُنْشِد:
إِذا نحن أَدلجنا وأَنت أَمامَنَا
…
كفى لمطايانا بذكركَ هَاديا
* * *
[المعرفة بين العبد وربه]:
• فقوله صلى الله عليه وسلم: "تعرَّف إلى الله في الرخاءِ يعرفك في الشدة" يعني أَن العبد إِذا اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إِلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، وراعى له تعرُّفه إِليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة.
(1)
سورة المجادلة: 7.
(2)
سورة النساء: 108.
(3)
تقدم ص 123 عن الطبراني من حديث عبادة بن الصامت، وعن البزار من رواية معاوية الغاضري.
(4)
م: الخبر في الحلية 40/ 324 بنحوه.
وهذه معرفة خاصة تقتضي
(1)
قرب العبد من ربه، ومحبته له، وِإجابته لدعائه.
[معرفة العبد لربه نوعان]:
• فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرارِ به، والتصديق والإِيمان. وهذه عامة للمؤْمنين.
• والثاني معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاعَ إليه، والأُنسَ به، والطمأنينة بذكره، والحياءَ منه، والهيبةَ له.
وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم:"مساكين أَهلُ الدنيا خرجوا منها ما وما ذاقوا فيها". قيل له: وما هو؟ قال: "معرفة الله عز وجل!؟ ".
• وقال أَحمد بن عاصم، الأَنطاكي:"أحب أَن لا أَموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته الإقرارَ به، ولكن المعرفة التي إِذا عرفته استحييتَ منه! ".
[معرفة الله لعبده نوعان]:
ومعرفة الله [أيضًا] لعبده نوعان:
• معرفة عامة، وهي علمه سبحانه وتعالى بعباده واطلاعه على ما أَسرَّوهُ وما أَعْلَنُوه كما قال تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}
(2)
(3)
.
• والثاني معرفة خاصة، وهي تقتضي محبتَه لعبده، وتقريبَه إِليه، وإِجابة دعائه وِإنجاءَهُ من الشدائد. وهي المشار إِليها بقوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ فإِذا أَحْبَبْتُه كنت سمعَه الذي يسمعِ به، وِبصَرَه الذي يُبِصرُ به، ويدَه التي يَبْطشُ بها، ورجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه
(4)
.
(1)
ب: " فصار بينه وبين ربه معرفة خاصة تقتضي
…
".
(2)
سورة ق: 16.
(3)
سورة النجم: 32.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب التواضع 11/ 293 من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي
…
الحديث. وفي ب: " ورجله التي يمشي عليها
…
" وفي ر: " فلئن سألني " وهو الحديث (38) من الكتاب.
وفي رواية: " ولئن دعاني لأُجِيبَنَّهُ".
* * *
[من مواقف السلف]:
• ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إِلى بيت حبيب: أَبي
(1)
محمد فقال له حبيب: يا أبا سعيد! أَليس بينك وبين ربك ما تدعوه به
(2)
فَيَسْتُرَك من هؤلاء؟ ادخل البيت فدخل ودخل الشُّرَط على أَتره فلم يروه. فذكر ذلك للحجاج. فقال: بل كان في البيت إلا أَنَّ الله طمس أَعينهم فلم يروه.
* * *
• واجتمع الفضيل بن عياضِ بشعوانة العابدة فسألها الدعاءَ فقالت! " يا فضيل! وما بينك وبينه؟ ما إِن دعوتَه أجابك؟ " فغشي على الفضيل
(3)
.
* * *
• وقيل لمعروف: " ما الذي هيجك إِلى الانقطاع والعبادة، وذكر له
(4)
الموتَ والبرزخَ والجَنَّةَ والنَّارَ؟ فقال معروف! إِن مَلِكًا هذا كلُّه بيده إِن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا!؟ ".
[وفي الجملة]:
• وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإِعانة في حال شدته.
* * *
[والدليل]:
• وخرج الترمذي من حديث أَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله له عند الشَّدَائد فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخَاء"
(5)
(1)
في م: "حبيب بن محمد".
(2)
ليست في ب.
(3)
صفة الصفوة 4/ 38.
(4)
ليست في م.
(5)
أخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعوات: باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة 5/ 462 وقال: حديث غريب. وصححه الحاكم في المستدرك 1/ 544 وأقره الذهبي.
• وخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية يزيدَ الرقَاشي عن أَنس يرفعه أن يونس عليه الصلاة والسلام لما دعا في بطن الحوت قالت الملائكة: يا رب! هذا صوت معروف من بلاد غريبة؟ فقال الله عز وجل: أَما تعرفون ذلك؟ قالوا: من هو؟ قال: عبدي يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عمل متقبَّلٌ، ودعوةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قال: نعم قالوا: يا رب! أَفلا ترحم ما كان يصنع في الرخَاء فتنجِّيَه من البلاءِ؟ قال: بلى. فأمر الله عز وجل الحوت فطرحه بالعراءِ
(1)
.
* * *
• وقال الضحاك بن قيس: "اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إِن يونُسَ عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى:{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}
(2)
.
• وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أَدركه الغرق قال: آمنت فقال الله تعالى: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}
(3)
.
* * *
• وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجُلُ دَعَّاءً في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوت معروف؛ فشفعوا له. وإِذا كان ليس بدعَّاءٍ في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله قالت الملائكة: صوتٌ لَيْسَ بمعروف، فلا يشفعون له.
• وقال رجل لأَبي الدرداءِ: أَوصني فقال: " اذكُرِ الله في السَّرَّاءِ يَذْكُرْكَ عز وجل في الضَّراءِ
(4)
".
وعنه أَنه قال: "ادْعُ اللهَ في يوم سرَّائكَ لعله أَن يستجبَ لك في يوم ضَرّائك
(5)
!؟ ".
* * *
(1)
أورده ابن كثير فِي التفسير 3/ 187 عن ابن أبي حاتم من حديث أنس مرفوعًا: أن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحن بالعرش، قالت الملائكة يا رب هذا صوت ضعيف معروف .. الحديث. وإسناده مضعف بيزيد لكن أورده ابن كثير من وجه آخر صحيح عن أبي هريرة قبله.
(2)
سورة الصافات: 143.
(3)
سورة يونس ط: 91.
(4)
الحلية 1/ 209 وفيه - بعد هذا - " وإذا أشرفت على شيء من الدنيا فانظر إلى ما يصير.
(5)
الزهد لأحمد ص 168.
[أعظم الشدائد]:
وأَعظم الشدائد اليَ تنزل بالعبد في الدنيا: الموت، وما بعده أَشَد منه.
[وجوب الاستعداد]:
• إِن لم يكن مصير العبد إلى خير. فالواجب على المؤمن: الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}
(1)
.
[وأثر ذلك]:
• فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذ للقاء الله عز وجل بالموت وما بعده - ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها، ولطف به وأَعانه وتولاه وَثبَّتَهُ على التَّوحِيد، فلقيه وهو عنه راض.
ومن نسي الله في حال صحته ورخائه ولم يستعدَّ حينئذ للفائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض
(2)
عنه وأَهمله. فإِذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه، وجاءَته البشرى من الله فأحب لمَاء الله: وأَحب الله لقاءَه.
والفاجر بعكس ذلك.
وحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط، ويقول:{يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}
(3)
.
[من مأثور السلف]:
• قال أَبو عبد الرحمن السلمي قبل موته: " كيف لا أرجو ربي وقد صُمْتُ له ثمانين رمضان؟ ".
* * *
• وقال أبو بكر بن عياش لابنه عند موته: " أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم
(1)
سورة الحشر: 18.
(2)
ب: " إِذا أعرض
…
" وفيها زيادة خاطئة.
(3)
سورة الزمر من الآية 56.
القرآن كل ليلة؟ ".
• وختم آدم بن أبي إِياس القرآن وهو مسجي للموت ثم قال: " بِحُبِّي لك إِلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤَمّلُكَ لهذا اليوم، كنت أرجو: " لا إله إلا الله! " ثم قضى.
• ولما احْتُضِرَ زكرياءُ بن عدي رفع يديه وقال: "اللهم إِني إليك لمشتاق! ".
* * *
• وقال عبد الصمد الزاهد عند موته: "سيدي لهذه الساعة خَبَأتُك، فلهذا اليوم اقتنيتُكَ، حَقِّقْ حُسْنَ ظنِّي بك!؟ ".
* * *
• وقال قتادة في قول الله عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}
(1)
قال: من الكرب عند الموت.
* * *
• وقال علي بن أَبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: ينجِّيه من كل كرب في الدنيا والآخرة
(2)
.
* * *
• وقال زيد بن أَسلم في قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}
(3)
.
قال: يبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث؛ فإنه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه
(4)
.
* * *
(1)
سورة الطلاق: 2. والخبر عند ابن كثير في التفسير 4/ 381 بتمامه.
(2)
أورده ابن كثير في التفسير 4/ 380 وزاد: " من شبهات الأمور " في الموضع السابق.
(3)
سورة فصلت: 30.
(4)
أورده ابن كثير في التفسير 4/ 99 وقال: " رواه ابن أبي حاتم، وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًّا، وهو الواقع". وعنده: " وحين يبعث".
• وقال ثابت البناني في هذه الآية: " بلغنا أَن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاهُ اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن فيؤمن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشي الناس يوم القيامة إِلا هي للمؤمن قرة عين لا هداه الله [تبارك وتعالى]، ولما كان يعمل [له] في الدنيا
(1)
.
* * *
[إذا سألت فاسأل الله]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: " إِذا سأَلت فاسأل الله وإِذا استعنتَ فاستعن بالله ".
هذا منتزع من قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
(2)
فإِن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إِليه. والدعاءُ هو العبادة. كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثِ النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
(3)
.
• خرجه الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
(4)
.
وخرج الترمذي من حديث أَنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" الدعاءُ مخُّ العبادة "
(5)
.
فتضمن هذا الكلام: أَن يُسأَلَ الله عز وجل، ولا يُسألَ غيره، وأَن يُستعانَ بالله دون غيره.
فأَما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}
(6)
وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا:
(1)
تفسير ابن كثير في الموضع السابق، وفيه: إن العبد المؤمن .. لا تخف ولا تحزن {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} قال: فيؤمن الله خوشه. وما لين الأقواس منه.
(2)
سورة الفاتحة: 4.
(3)
سورة غافر: 60.
(4)
مسند أحمد 4/ 271 (الحلبي).
وسنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب الدعاء 2/ 163.
وسنن الترمذي في كتاب التفسير: باب (42) من سورة المؤمن 5/ 374 - 375، وفي كتاب الدعوات: باب ما جاء في فضل الدعاء 5/ 465 وقال: حديث حسن صحيح.
وسنن ابن ماجه في كتاب الدعاء: باب فضل الدعاء 2/ 1258. كلهم من حديث النعمان بن بشير.
(5)
سنن الترمذي في كتاب الدعوات: باب ما جاء في فضل الدعاء 5/ 456 من طريق علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبان بن صبح، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وانظره في ضعيف الترمذي ح 669.
(6)
سورة النساء: 32.
"سلوا الله من فضله؛ فإِن الله يُحب أَن يُسأَل"
(1)
.
• وفيه أَيضًا عن أَبي هريرة مرفوعًا:
" من لا يسأَلِ الله يغضَبُ عليه "
(2)
.
وفي حديث آخر: " ليسأَلْ أَحدُكم ربَّهُ حَاجَتَهُ كلَّها، حتى يَسْألَهُ شِسْعَ نعله إِذا انقطع "
(3)
.
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب انتظار الفرج 5/ 565 تاما وفيه بعد هذا: وأفضل العبادة انتظار الفرج. وقد قال أبو عيسى عقب الحديث: هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وقد خولف في روايته. وحماد بن واقد - هذا - هو الصفار - ليس بالحافظ وهو عندنا شيخ بصري.
ثم قال الترمذي: وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم - مرسل - وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح.
(2)
سنن الترمذي: كتاب الدعوات: باب (2) 5/ 456 - 457 وأفاد أنه حديث غريب.
وعلى ما عند الحاكم والذهبي في المستدرك 1/ 491 فهو حسن.
(3)
أخرجه ابن حبان في صحيحه 2/ 126 من الإحسان من وجهين عن قطن بن نُسير، عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني، عن أنس مرفوعًا بنحوه وأخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعاء: باب حدثنا أبو داود: سليمان بن الأشعث 4/ 292 من تحفة الأحوذي من طريقين: متصل بمثله، ومرسل بنحوه، وذكر المبار كفوري أن المرسل أصح أنه من رواية صالح بن عبيد الله عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما المتصل فهو من رواية قطن عن جعفر، عن ثابت؛ وصالح بن عبد الله أوثق من قطن، قال: ومع ذلك قد تابع صالح بن عبد الله غير وأحد وانظر باقي كلام المبار كفوري في الموضع المذكور وقد أحلنا هنا إلى الطبعة الهندية للترمذي مع تحفة الأحوذي، إذ أن النسخة التي نحيل إليها غالبا - سقط منها سبعة أبواب في كتاب الدعوات قبل كتاب الفضائل مباشرة ومنها هذا الباب الذي خرج الترمذي حديث أنس فيه متصلا ومرسلا وهو آخر باب في الأبواب السبعة المذكورة.
ولست أدري سبب فقد هذه الأبواب من هذه الطبعة سيما، وأرقام الصفحات قبل هذه الأبواب وبعدها متتالية الأمر الذي نقطع معه أنها فأتت المحقق فلزم التنبيه، عسى أن تستدرك في الطبعات القادمة.
وهي الطبعة التي حقق الجزأين الأول والثاني منهما العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر وأتمها من بعده فضيلة الشيخ إبراهيم عطوة وطبعتها شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر - الطبعة الأولى 1385 هـ / 1965 م وجل من لا يسهو.
وفيما يتعلق بقطن الذي أعِلَّت الرواية المتصلة به، والذي من أجله قيل: إن الحديث مرسلا أصح منه متصلا والذي قد يستغرب معه هذا الحكم أو قد يقال كيف يكون المرسل أصح من المتصل مع أن من المعروف أن المرسل نوع من الضعيف؟.
فلنترجم أولا لقطن النأخذ طريقنا بذلك أو مع ذلك لإزالة الاستغراب، وللإِجابة على التساؤل وهو وارد ولا شك.
وقطن هو قطن بن نسير البصري أو عباد الغبري المعروف بالذرع.
روى عن جعفر بن سليمان الضبعي وبشر بن منصور السليمي وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم.
روى عنه مسلم حديثًا واحدا في فضل ثابت بن قيس بن شماس وأبو داود.
وروى الترمذي عن أبي داود عنه حديث أنس الذي معنا.
[النهي عن سؤال المخلوقين]:
• وفي النهي عن مسألة المخلوقين أَحاديث كثيرة صحيحة.
= قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه فرأيته يحمل عليه، وذكر أنه روى أحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس مما أنكر عليه.
وتال ابن عدي: كان يسرق الحديث ويوصله.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال ابن عدي: حدثنا البغوي، حدثنا القواريري حدثنا جعفر عن ثابت بحديث: " ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها (أي هكذا مرسلا) فقال رجل للقواريري: إن شيخا يحدث به عن جعفر عن ثابت عن أنس؟ (أبي متصلا) فقال القواريري: باطل. قال ابن عدي: وهو كما قال. وانظر التهذيب 8/ 382 - 383 والتحفة 4/ 293. والشيخ المذكور يقصد به قطن بن نسير فلما كانت الرواية المتصلة من طريق قطن أعلت به، وكان هو علتها القادحة في صحته:
ولما كانت الرواية المرسلة من طريق الثقات قيل إن المرسل أصح أبي أن ثابتا لم يصح عنه إلا أنه أرسل الحديث ثم رواه عنه - هكذا - هؤلاء الثقات.
وكأنما كان المباكفوري يجيب بهذا على سؤال يفرض نفسه وقد روى الحديث متصلًا ومرسلًا ما هي الرواية الصحيحة في الروايتين؟.
وهل الصحيح أن هذا الحديث متصل أم أن الصحيح أنه مرسل؟.
أو بمعنى أدق ما هي الرواية اقي نثق بها: هل هي رواية من وصل الحديث أم رواية من أرسله؟
هذا هو محور السؤال أو إطاره.
وهذه خطوة لابد منها قبل طرح سؤال آخر: هل الحديث صحيح أم غير صحيح؟
فقول القائل: إن الحديث مرسلا أصح منه متصلًا يجيب على الطرح الأول هل الحديث مرسل أم متصل الإسناد؟ وعند المقارنة بين رجال الإسناد في كل من الروايتين سنستطيع أنا نقول: أن رواية الثقات أصح من رواية غيرهم أو هي الرواية الصحيحة.
وحيث أن رواية الإرسال أتت من طريق الثقات فهي أصح في وصف الحديث من الرواية الأخرى أو هي الرواية الصحيحة ثم يبقى السؤال بعد أن عرفنا أن الأصح إرسال الحديث: ما مدى قبول هذا المرسل وهو نوع من الضعيف؟ وهل يمكن أن يرتقي إلى مستوى القبول؟
والجواب أنه بالنسبة لهذا الحديث فكلا الروايتين من حيث القبول لا من حيث ثبوت وصف الإرسال أو الاتصال - كلا الروايتين من حيث القبول: ضعيفة بيد أن جهة الضعف في كل منهما تخالف الأخرى. فالرواية المرسلة ضعيفة من جهة عدم ذكر الصحابي.
والرواية المتصلة ضيفة براويها الأول قطن بن نسير.
لكن هذا الضعف مما يقبل الجبر.
إن ضعف الرواية المتصلة يجبر بصالح بن عبيد الله في الرواية المرسلة.
وإن ضعف المرسلة يجبر بذكر الصحابي وهو أنس في الرواية المتصلة.
ولعل هذا هو ما دعا المناوي في التيسير 2/ 319 أن يقول عن الرواية المتصلة: إسناده صحيح أو حسن. ويعقب على الرواية المرسلة بقوله: ورواه البزار وغيره متصلا.
وكأنما يشير إلى الجابر لإرساله فتكون المرسلة من قبيل الحسن لغيره. والله أعلم.
وقد بايع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من أَصحابه على أَن لا يسأَلوا الناس شيئًا، منهم: أَبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثَوْبَانُ: وكان أَحدهم يسقط سوطه أَو خطام ناقته فلا يسأل أَحدا أَن يناوله إِياه.
• وخرَّج ابن أَبي الدنيا من حديث أَبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أَن رجلا جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إِن بني فلان أَغاروا عليّ فذهبوا بابني وإِبلي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن آل محمد كذا وكذا أَهل بيت مالهم مدٌّ من طعام أَو صاع فاسأَل الله عز وجل فرجع إِلى امرأته فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نِعْمَ مَا رَدَّ عليك!؟. فما لبث أَن رد الله عليه ابنه وإِبله أَوفر ما كانت، فأَتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأَخبره، فصعد المنبر، فحمد الله وأَثنى عليه، وأَمر الناس بمسألة الله عز وجل، والرغبة إِليه، وقرأَ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}
(1)
.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أَن الله عز وجل يقول: "هل من داع فأَستجيبَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَه سُؤْلَهُ؟ هل من مستغفر فأَغِفرَ له؟ "
(2)
.
(1)
سورة الطلاق: 2، 3 وقد أورد ابن كثير في التفسير 4/ 380 سياقا آخر في شأن نزول الآية الكريمة عن ابن أبي حاتم، ومحمد بن إسحاق أن مالكا الأشجعي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أسر ابني عوف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول "لا حول ولا قوة إلا بالله" وكانوا قد شدوه بالقد، فسقط القد عنه، فخرج، فإذا هو بناقة لهم، فركبها، وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه، فصاح بهم فأتبع أولها آخرها، فلم يفجأ أبويه إلا ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه! وعوف كيف يقدم؟ لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم، فإذا هو عوف قد ملأ الفناء إبلا فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله عنها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبر عوف، وخبر الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعا بما لك ونزل {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} والحديث أورده البيهقي في الدلائل 6/ 106، 107 عن ابن أبي الدنيا، وعن الحاكم.
(2)
أخرج البخاري هذا الحديث في ثلاثة مواطن من صحيحه: الأول في كتاب التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل 1/ 29 من رواية عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغرّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ".
والثاني في كتاب الدعوات: باب الدعاء نصف الليل 11/ 128 - 128 - 129 من رواية عبد العزيز بن عبد الله عن مالك - به - بنحوه، وفيه:"إلى سماء الدنيا".
والثالث في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} 13/ 464 عن إسماعيل بن=
* وخرج المحاملي وغيره من حديث أَبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى:
"من ذا الذي دعاني فلم أُجبهُ؟ وسألني فلم أُعطِه؟ واستغفرني فلم أَغفِر له، وأَنا أَرْحَمُ الراحمِينَ؟ ".
[سؤال الله هو الواجب المتعين]:
* واعلم أَن سؤال الله عز وجل
(1)
دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار
= أبي أُويس، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأَغرّ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا
…
الحديث".
وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه 1/ 521 - 523 من طريق يحيى بن يحيى عن مالك - به - بمثل رواية البخاري الأولى.
ومن حديث سهيل عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب
…
فلا يزالُ كذلك حتى يضيء الفجر".
ومن حديث يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؛ حتى ينفجر الصبح.
ومن طريق سعد بن سعيد، عن ابن مرجانة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل أو لثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم! ".
ومن وجه آخر عن سعد بن سعيد بهذا الإسناد، وزاد:"ثم يبسط يديه تبارك وتعالى يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم!؟ ".
ومن حديث أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر".
وهأنتذا ترى بعد هذا العرض لروايات البخاري ومسلم أنه ليس فيها نص ما أورده ابن رجب منسوبا إليهما إلا أن يريد أن فيهما معنى هذا اللفظ الذي أورده وهذا ما أستبعده؛ إذ لا حاجة له إلى هذا وهو الحافظ الحجة. إن الرواية التي أوردها ملفقة الألفاظ من الرواية الأولى عند مسلم والبخاري وهي التي اتفقا على إيرادها ومن الرواية الثالثة لمسلم. وليس لها وجود بنصها هذا لا في البخاري ولا في مسلم، فهل كان يملي من الذاكرة؟ في هذه الرواية؟ أم كان يملي من الحافظة وكتب الناسخ باقي كل جملة من الذاكرة؟.
على أية حال فنحن لا نستطيع أن نأخذ من قوله: وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم .. الحديث أن هذا الذي أورده قد ثبت بنصه وإنما الذي نقوله مستيقنين: نعم ثبت هذا لكن بمعناه لا بلفظه.
وهو أمر غير مقبول من حافظ كابن رجب، نأخذ عنه الدقة والضبط في النقل وذاكرته يقظى، وعلمه غزير، ومكتبته حافلة؟!.
(1)
ر: إن السؤال "لله عز وجل".
الذل من السائل، والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على دفع هذا الضرر، ونَيْل المطلوب، وجلب المنافع، ودرءِ المضارّ، ولا يصلح الذل والافتقار إِلا للهِ وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة.
[دعاء الإِمام أحمد]:
* وكان الإمام أَحمد يدعو ويقول: "اللهم! كما صُنْتَ وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك".
[هو القادر وحده]:
* ولا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع سواه كما قال:{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ}
(1)
(2)
والله سبحانه يحب أَن يُسأَلَ ويُرغبَ إِليه في الحوائج. وَيُلَحَّ في سؤاله ودعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤالَهُ وهو قادِر على إِعطاءِ خلقه كلِّهم سُؤْلَهم من غير أَن ينقص من ملكه شيء.
والمخلوق بخلاف ذلك كله يكره أَن يُسْأَلَ، ويحب أَن لا يُسْأَل: لعجزه وفقره وحاجته.
[من مأثورات السلف]:
* ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: "ويحك! تأْتي من يغلق عنك بَابَهُ؟ ويُظْهِر لك فَقْرَة؟ ويواري عنك غِنَاهُ؟ وتدع مَنْ يفتح لك بابه بنصف الليل ونصف النهار؟ ويظهر لك غناهُ؟ ويقول: ادعني أستجبْ لك؟ ".
* وقال طاووس لعطاء: "إِياك أَن تطلب حوائجك إِلى من أَغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أَمرك أَن تسأَله، ووعدك أَن يجيبك".
[حكمة الاستعانة بالله وحده]:
* وأَما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق فلأَن العبد عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارِّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إِلا الله عز وجل،
(1)
سورة يونس: 107.
(2)
سورة فاطر: 2.
فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.
* وهذا تحقيق معنى قول: "لا حول ولا قوة إِلا بالله" فإن المعنى: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إِلا بالله.
* وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا، وعند الموت وبعده من أَهوال البرزخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإِعانة على ذلك إِلا الله عز وجل؛ فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كلِّه أَعانه.
* وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعْجِزْ"
(1)
.
[من استعان بغير الله]:
* ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به؛ فصار مخذولا.
* * *
[من المأْثور في ذلك]:
* كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "لا تستعن بغير الله فيكِلَكَ الله إليه".
* ومن كلام بعض السلف: "يا ربِّ! عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟ وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟ ".
[جف القلم]:
* قوله صلى الله عليه وسلم: "جفّ القلَم بما هو كائن" وفي رواية أُخرى "رُفِعَت الأَقلام وجَفَّت الصُّحُف" هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أَمد بعيد؛ فإِن الكتاب إِذا فرغ منِ كتابته، ورفعت الأَقلام عنه، وطال عهده - فقد رفعت عنه الأَقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها، وجفت الصحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب فيها.
(1)
أخرجه مسلم في كتاب القدر: باب الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله 4/ 2052 من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".
وهذا من أَحسن الكنايات وأَبلغها.
[دلالات الكتاب والسنة]:
* وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
(1)
.
* وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله كتَبَ مقادير الخَلائِقَ قَبْلَ أَن يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ بخَمسين أَلفَ سَنَةٍ"
(2)
.
* وفيه أَيضًا عن جابر:
"أن رجلا قال: يا رسول الله! فيم العمل اليوم؟ أَفيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير؟ أَم فيما يستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير".
قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلق له"
(3)
.
* وخرج الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إِن أَول ما خلق الله: القلمُ ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة"
(4)
.
(1)
سورة الحديد: 22.
(2)
صحيح مسلم: كتاب القدر: باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام 4/ 2044. وتتمة الحديث: قال: وعرشه على الماء.
(3)
مسلم في كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي 4/ 2040 - 2041.
وليس في هذه الرواية ولا فيما بعدها عند مسلم: "لما خلق له" فقد اقتصرت هذه الرواية على قوله: "اعملوا فكل ميسر" وجاء في الرواية التالية: "كل عامل ميسر لعمله" أما الرواية الثالثة فقد جاء فيها: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" ومرة أخرى فكما نرى ليس عند مسلم ما لفقه ابن رجب.
(4)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 317 (الحلبي) عن أبي العلاء: الحسن بن سوار عن ليث، عن معاوية، عن أيوب بن زياد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه قال: دخلت على عبادة (ابن الصامت) وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه! أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني. قال: إنك لن تطعم طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: قلت: يا أبتاه! فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بني! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله تبارك وتعالى: القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. =
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا يطول ذكرها.
= يا بني! إن مت ولست على ذلك دخلت النار.
وأخرجه عقيبه من وجه آخر عن موسى بن داود عن ابن لهيعة، عن زيد بن أبي حبيب، أن الوليد بن عبادة ابن الصامت قال:
أوصاني أبي رحمه الله تعالى فقال: يا بني! أوصيك أن تؤمن بالقدر: خيره وشره، فإنك إن لم تؤمن أدخلك الله تبارك وتعالى النار. قال: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أول ما خلق الله تبارك وتعالى القلم ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: فاكتب ما يكون وما هو كائن، إلى أن تقوم الساعة".
وأخرجه أبو داود في السنن: كتاب السنة: باب القدرة 5/ 76 ح 4700 من حديث الوليد بن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة، قال: قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني! إنك لا تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك
…
الحديث بنحوه وفي آخره.
"يا بني! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني".
وأخرجه الترمذي في كتاب القدر: باب (17) حدثنا قتيبة 4/ 457 - 458 ح 2155 من رواية يحيى بن موسى، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن سليم الحديث وفيه حوار بين عبد الواحد بن سليم وبين عطاء بن أبي رباح في القدر وسؤال عطاء للوليد بن عبادة عن وصية أبيه عبادة له حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره الحديث بنحو ما جاء في رواية أحمد الأولى مختصرًا في هذا الجزء. وفيه: وما هو كائن إلى الأبد". وقد عقب الترمذي عليه بقوله:
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وأخرجه في كتاب تفسير القرآن: باب ومن سورة ن 5/ 424 مختصرًا وفيه حديث القلم وأشار إلى أن في الحديث قصة - لكن عقب عليه بقوله:
"هذا حديث حسن" وأخرجه ابن كثير في التفسير، 4/ 401 عن أحمد وقال: رواه من طرق عن الوليد بن عبادة، ثم قال: وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به وقال: حسن صحيح غريب.
فهذه ثلاثة نقول على حديث الترمذي، وقد اتفقت النسخة الهندية مع شرح المباركفوري مع النسخة المصرية في الموضع الأول: أنه حديث غريب لكن علق المباركفوري 4/ 204 على هذا بقوله: "وأخرجه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري" ولم يزد المباركفوري هنا على هذا شيئًا، كأنه يريد أَن يقول لئن حكم الترمذي على الحديث بالغرابة فإن سكوت أبي داود والمنذري كليهما على الحديث يشي بالحكم عليه بالحسن.
أما في التفسير وهو الموضع الثاني الذي أخرج الترمذي الحديث فيه فقد اتفقت النسخة الهندية المذكورة في التعقيب على الحديث وما سجله ابن كثير وأن الحديث حسن صحيح غريب وفيه قصة إشارة إلى الرواية الأولى وطريقها هو طريقها أبو داود الطيالسي عن عبد الواحد بن سُلَيم: الأمر الذي يتأكد به أن هذا تعقيب الترمذي على الحديث - على الأقل - في هذا الموضع.
وبهذا يبين أن النسخة المصرية لم تتحر الدقة في هذا الموضع أو لعله خطأ مطبعي.
وقد علق المباركفوري في هذا الموضع على تعقيب الترمذي بقوله: في سنده عبد الواحد بن سليم وهو ضعيف، لكن أخرجه أبو داود من وجه آخر وسكت عنه هو والمنذري ثم أضاف: وأخرجه أيضًا أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه.
وكأنما يريد ليؤكد الحكم بحسنه مع عدم المصادرة على الحكم بصحته، كما صنع ابن كثير عند ما نقل حكم الترمذي على الحديث بالحسن والصحة والغرابة دون أن يعقب بما يفيد عدم ارتضائه لهذا الحكم.
وكأنهم لم يأخذوا بحيثيات الحكم على عبد الواحد بن سليم بالضعف.
* قوله صلى الله عليه وسلم: "فلو أَن الخلق جميعًا أَرادوا أَن ينفعوك بشيء لم يقضه الله عليك
(1)
- لم يقدروا عليه، وإِن أَرادوا أَن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك
(2)
- لم يقدروا عليه".
هذه رواية الإمام أَحمد
(3)
.
ورواه الترمذي بهذا المعنى أَيضًا
(4)
.
والمراد أنَّ ما يصيب العبدَ في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدّر عليه، ولا يصيب العبدَ إِلا ما كُتبَ له من ذلك في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعًا.
وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عز وجل: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}
(5)
.
(6)
.
(1)
ليست في ب، وهي في المسند.
(2)
ب: "لم يكتبه عليك".
(3)
روى أحمد هذا الحديث في المسند في ثلاثة مواطن:
الأول في 4/ 233 (المعارف) ح 2669 بإسناد صحيح من رواية يونس بن محمد، عن الليث بن سعد، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام! إني معلمك كلمات: الحديث وفيه:
واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك
…
".
والثاني في 4/ 269 - 270 ح 2763 (المعارف) بإسناد صحيح من رواية يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة عن نافع بن يزيد عن قيس بن الحجاج - به - الحديث بنحوه وفيه:
فقد رفعت الأقلام وجفت الكتب فلو جاءت الأمة ينفعونك بشيء لم يكتبه الله عز وجل لك لما استطاعت، ولو أرادت أن تضرك بشيء لم يكتبه الله لك ما استطاعت".
والثالث في 4/ 286 - 288 وهو الموضع الوحيد الذي أومأ إليه ابن رجب من ذي قبل، وهنا، ولأنه أقرب الصيغ إلى ما حدث به ابن رجب عن أحمد وفيه: "فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه
…
الحديث". وبين العبارتين تفاوت يسير واضح ولعله خطأ النسخ إن لم يكن خطأ الإملاء أو تفاوت نسخ المسند.
(4)
كان ابن رجب دقيقا هنا حين قال: ورواه الترمذي بهذا المعنى أيضًا: فهذه هي رواية الترمذي:
…
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك
…
" من حديث طويل.
سنن الترمذي: كتاب صفة القيامة: باب 59 ح 2516 - 4/ 667 وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح.
(5)
سورة التوبة: 51.
(6)
سورة الحديد: 22.
(1)
.
وخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أَن ما أَصابه لم يكن ليخطئه، وما أَخطأَه لم يكن ليصيبه"
(2)
.
وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك أَيضًا
(3)
.
[مدار الوصية]:
واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأَصل. وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه، وراجع إِليه؛ فإِن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له
(4)
من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلقَ كلِّهم على خلاف المقدور غيرُ مفيد أَلبتة - علم حينئذ أَن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع؛ فأَوجب ذلك للعبد توحيدَ ربه عز وجل، وإفرادَه بالطاعة، وحفْظَ حدودِهِ؛ فإِن المعبود إِنما يُقصد بعبادته جَلْبُ المنافع، ودَفْعُ المضار؛ ولهذا ذَمَّ الله من يعبد من لَا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده
(5)
شيئًا.
[مقتضى عقيدة التوحيد]:
* فمن عَلِم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غيرُ الله، أوجب ذلك إفراده بالخوفِ والرجاءِ، والمحبةِ والسؤال، والتضرُّع والدعاء، وتقديمَ طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأَن يُتَّقَى سُخْطُه ولو كان فيه سَخَطُ الخْلق جميعًا، وإفرادَه بالاستعانة به، والسؤال له، وإِخلاصِ الدعاء له، في حال الشدة، وحال الرخاءِ، خلافَ ما كان
(1)
سورة آل عمران: 154.
(2)
مسند أحمد 6/ 441 - 442 (الحلبي). بلفظه دون كلمة "إن" في أوله، وصححه في المجمع 7/ 197.
(3)
أخرجه أبو داود في كتاب السنة: باب القدر 2/ 527 من حديث ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني لعل الله تعالى أن يذهبه من قلبي. قال: لو أن الله تعالى عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله تعالى ما قبله الله تعالى منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
وأخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن: باب القدر 1/ 29 - 30 بنحوه مطولا.
وكان ابن رجب دقيقا حين حدد رواية أبي داود وابن ماجه هنا وأنها بالمعنى.
(4)
ب: "عليه".
(5)
ر: "عباده".
المشركون عليه من إِخلاص الدعاءِ له عندَ الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودُعاء مَنْ يَرْجُونَ نَفْعَه مِنْ دونه قال الله عز وجل:{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}
(1)
.
* * *
[في الصبر على ما تكره خير كثير]:
* قوله صلى الله عليه وسلم: "واعلم أَن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرًا"
(2)
يعني أَن ما أَصاب العبدَ من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إِذا صبر عليها كان له في الصبر خير كثير.
* وفي رواية عمر مولى غُفْرة
(3)
، وغيره، عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام وهي:"فإن استطعت أَن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل. وإن لم تستطع فإِن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا".
* وفي رواية أخرى من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه: لكن إسنادها ضعيف، زيادة أُخرى بعد هذا، وهي: قلت: يا رسول الله! كيف أَصنع باليقين؟ قال: "أن تعلم أَن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. فإذا أنت أحكمت باب اليقين
(4)
".
* ومعنى هذا: أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق، والتقدير الماضي - يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أَصابه. فمن استطاع أَن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور فليفعل، فإن لم يستطع الرضا فإِن في الصبر على المكروه خيرًا كثيرًا.
[درجتان للمؤمن]:
فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:
إِحداهما: أَن يرضى بذلك، وهذه درجة عالية رفيعة جدًّا، قال عز وجل: {مَا
(1)
سورة الزمر: 38.
(2)
هي من تتمة الحديث في مسند أحمد 4/ 286 - 288 (المعارف).
(3)
هو عمر بن عبد الله المدني مولى غُفُرة ضُعِّف وكان كثير الإرسال مات سنة خمس أو ست وأربعين تقريب 2/ 59.
(4)
أورده ابن كثير في التفسير 4/ 375 عن علي بن طلحة عن ابن عباس بنحوه.
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}
(1)
.
قال علقمة: "هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أَنها من عند الله فيسلِّم لها ويرضى".
* وخرج الترمذي من حديث أَنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِن الله إِذا أَحب قوما ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السُّخْط"
(2)
.
* وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "أسأَلكَ الرضا بعد القضاء"
(3)
.
* ومما يدعو المؤمنَ إِلى الرضا بالقضاءِ تحقيقُ إِيمانه بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا يقضي الله للمؤمن قضاء إِلا كان خيرًا له: إِن أَصابته سراءُ شكر، كان خيرا له، وإِن أَصابته ضراءُ صبر، كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن"
(4)
.
وجاءَ رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أَن يوصيه وصية جامعة موجزة فقال: "لا تتهم الله في قضائه"
(5)
.
(1)
سورة التغابن: 11.
(2)
أخرجه الترمذي في الزهد: باب ما جاء في الصبر على البلاء 4/ 601 من رواية قتيبة، عن الليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم
…
الحديث.
وقد عقب الترمذي على الحديث بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(3)
أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 516 من طريق أبي بكر بن أبي مريم النَّسَائِي، عن ضمرة بن حبيب، عن زيد بن ثابت مرفوعًا من دعاء طويل، لكن ضعفه الذهبي بأبي مريم.
(4)
أخرج مسلم في كتاب الزهد والرقائق: باب المؤمن أمره كله خير 4/ 2195 من حديث صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".
ورواه ابن حبان في صحيحه 2/ 243 من الإحسان.
وأخرجه من وجه آخر صحيح 1/ 524 - 525 من حديث عمار. وانظر الصحيحة 148.
(5)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 318 - 319 (الحلبي) من طريق ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن جنادة بن أمية، عن عبادة بن الصامت أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله وتصديق به، وجهاد في سبيله. قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله! قال: السماحة والصبر، قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله! قال: لا تتهم الله تبارك وتعالى في شيء قضى لك به".
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 59 ولم يعله إلا بابن لهيعة.
أقول: وقد وثق، ولا يُرَدُّ ما رواه إلا أن يكون بعد اختلاطه.
وقد أورده عقبه من حديث عبد الله بن عمر وضعفه برشدين. وانظره في تفسير ابن كثير 4/ 375.
[من أقوال السلف]:
* قال أَبو الدرداءِ: "إن الله عز وجل إذا قضى قضاءً أَحب أَن يُرضى به".
* * *
* وقال ابن مسعود: إِن الله بقسطه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزَن في الشك والسُّخط، فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء
(1)
.
كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما.
* * *
* وقال عمر بن عبد العزيز: أَصبحت ومالي سرور إِلا في مواضع القضاءِ والقدر.
* * *
[من وصل إلى هذه الدرجة]:
* فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور. قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
(2)
.
* قال بعض السلف: "الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة
(3)
".
* وقال عبد الواحد بن زيد: "الرضا باب الله الأَعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين".
[أهل الرضا]:
* وأَهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلِي، وخيرتَه لعبده في البلاءِ، وأَنه غير متهم في قضائه.
* وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم أَلم المقضيّ به.
* وتارة يلاحظون عظمة المبتلِي وجلالَه وكمالَه فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى لا يشعرون بالأَلم.
وهذا يصل إليه خواص أَهل المعرفة والمحبة؛ حتى ربما تلذذوا بما أَصابهم لملاحظتهم صدورَه عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أَوجدهم في عذابه عُذُوبَةً.
(1)
هذا جزء أثر في اليقين لابن أبي الدنيا رقم (32).
(2)
سورة النحل: 97.
(3)
راجع الدر المنثور 4/ 130.
وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه؟ فقال: أحبُّه إِليه أحبُّه إليّ! ".
وسئل سَرِيّ: هل يجد المحب أَلم البلاءِ؟ فقال: لا.
* * *
وقال بعضهم:
عذابه فيك عَذْبُ
…
وبُعْده فيكَ قُربُ
وأَنتَ عندي كَرَوحي
…
بل أَنتَ منها أَحبُّ
حسبى من الحبّ أَني
…
لما تحِبُ أحِبُّ
(1)
* * *
* والدرجة الثانية أَن يصبر على البلاءِ. وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاءِ؛ فالرضا فضل مندوب إِليه مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير؛ فإن الله أَمر به ووعد عليه جزيل الأَجر. قال الله عز وجل:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
(2)
(3)
قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن.
* والفرق بين الرضا والصبر: أَن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط
(4)
مع وجود الأَلم وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع.
* والرضا: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم
(5)
وإِن وجد الإِحساس بالألم؛ لكن الرضا يخففه؛ لما يباشر القلبَ من رَوْح اليقين والمعرفة.
وإِذا قوي الرضا
(6)
فقد يزيل الإِحساس بالأَلم بالكلية، كما سبق.
* * *
[واعلم أن النصر مع الصبر]:
قوله صلى الله عليه وسلم: "واعلم أَن النصر مع الصبر" هذا موافق لقول الله عز وجل: {قَالَ
(1)
ليس هذا البيت في ب.
(2)
سورة الزمر: 10.
(3)
سورة البقرة: 156، 157.
(4)
في م: "السخط".
(5)
في م: "الألم".
(6)
ليست في ب.
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}
(1)
(2)
.
* * *
[من المأثور في هذا]:
* وقال عمر لأَشياخ من بني عبس: "بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوما إِلا صبرنا لهم، كما صبروا لنا".
* وقال بعض السلف: "كلنا نكره الموت، وأَلَم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر".
* وقال البطال: "الشجاعة: صبر ساعة".
* * *
[من هو المجاهد]:
* وهذا في جهاد العدُوِّ الظاهر، وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدُوِّ الباطن وهو جهاد النفس والهوى، فإِن جهادهما من أَعظم الجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"المجاهد من جاهد نفسه في الله"
(3)
.
* وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لمن سأله عن الجهاد: "ابدأ بنفسك
(1)
سورة البقرة: 249.
(2)
سورة الأنفال: 66.
(3)
رواه أحمد في المسند 6/ 20، 21، 22 (الحلبي) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن أبي هانئ الخولاني عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عبيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليث المجاهد من جاهد نفسه أو قال: في الله عز وجل ومن طريق علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك، عن ليث عن أبي هانئ - به - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع:
"ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم؟ من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد؟ من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر؟ من هجر الخطايا والذنوب".
ومن طريق قتيبة بن سعيد، عن رشدين بن سعد، عن حميد أبي هانئ به - بنحوه بتقديم وتأخير وفي أوله: ألا أخبركم من المسلم؟
وأخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء في فضل من مات مرابطا 4/ 164 ح 1621 من طريق أحمد بن محمد عن عبد الله بن المبارك به - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المجاهد من جاهد نفسه". وعقب عليه بقوله: حديث فضالة حديث حسن صحيح وفي ر: "في الله تعالى".
فجاهدها وابدأ بنفسك فاغزها".
* * *
* وقال بقية بن الوليد: أَخبرنا إِبراهيم بن أدهم قال: حدثنا الثقة، عن علي بن أبي طالب، قال:"أوّل ما تنكرون من جهادِكم جهادُكم أنفسَكم".
* وقال إِبراهيم بن أبي عبلة لقوم جاءوا من الغزو: "قد جئتم من الجهاد الأَصغر، فما فعلتم في الجهاد الأَكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأَكبر قال: جهاد القلب" ويروى هذا مرفوعًا من حديث جابر بإِسناد ضعيف ولفظه:
"قدمتم من الجهاد الأَصغر إِلى الجهاد الأَكبر قالوا: وما الجهاد الأَكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه"
(1)
.
ويروى من حديث سعد بن سنان عن أَنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
أخرجه البيهقي في الزهد الكبير ص 198 ح 374 من طريق علي بن أحمد بن عبدان، عن أحمد بن عبيد عن تمتام، عن عيسى بن إبراهيم، عن يحيى بن يعلى، عن الليث بن سعد، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال صلى الله عليه وسلم: قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الاُكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟
قال: "مجاهدة العبد هواه".
ثم عقب البيهقي بقوله: هذا إسناد ضعيف ولعله يضعفه بتمتام وهو محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبي التمار المعروف بالتمتام من أهل البصرة ولد سنة ثلاث وتسعين ومائة وسكن بغداد وحدث بها عن عفان بن مسلم، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ومسلم بن إبراهيم وغيرهم.
روى عنه أحمد بن عبيد بن إسماعيل الصفار، وموسى بن هارون، وأبو بكر الشافعي وخلق سواهم، كان كثير الحديث صدوقا كتب الناس عنه ثم رغب أكثرهم عنه لخصال شنيعة في الحديث وغيره.
سئل الدارقطني عنه فقال: ثقة مأمون إلا أنه كان يخطئ، وكان وهم في أحاديث.
وكانت وفاته سنة 283 هـ راجع تاريخ بغداد 3/ 143 - 146.
وأورده الغزالي في الإحياء 3/ 6 ونسبه العراقي للبيهقي في هذا الموضع، وذكر تضعيفه له.
وأورده العجلوني في كشف الخفاء 1/ 511 بعنوان: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: "جهاد القلب".
وذكر قول الحافظ ابن حجر في تسديد القوس أنه مشهور على الألسنة وأنَّه من كلام إبراهيم بن أبي عبلة. وهو يشير إلى ما أورده ابن رجب هنا منسوبا إلى إبراهيم بن أبي عبلة قبل هذا الحديث الذي اتفق البيهقي مع ابن رجب على تضعيفه.
وقد ذكر العجلوني أن المشهور على الألسنة هو رجعنا من الجهاد الأكبر
…
الحديث دون باقيه، وأن فيه اقتصارًا، وأن الخطيب البغدادي قد رواه في تاريخه عن جابر بلفظ: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة فقال عليه الصلاة والسلام: قدمتم من خير مقدم
…
الحديث بنحو ما تقدم عن البيهقي.
"ليس عدوُّك الذي إِذا قتلك أَدخلك الجنة، وِإذا قتلته كان لك نورًا، أَعدى عدوّك نفسُك التي بين جنبيك"
(1)
.
* * *
* وقال أَبو بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته لعمر حين استخلفه: "إِن أَوَّلَ ما اُحَذِّرك نفسُك التي بين جنبيك".
* * *
[الصبر في مجاهدة النفس]:
* فهذا الجهاد يحتاج أيضًا إِلى صبر.
فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه - غلب وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه فصار عزيزًا ملكا
(2)
.
ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك - غُلب وَقُهِرَ وأُسِرَ وصار عبدًا ذليلا أسيرًا في يد شيطانه وهواه، كما قيل:
إِذا المرءُ لم يغلبْ هواه أَقامهُ
…
بمنْزِلةٍ فيها العزيزُ ذليلُ
(1)
أورد الهيثمي في مجمع الزوائد شطره الأول عن الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري (10/ 245) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك نورًا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى عدوك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدوك مالك الذي ملكت يمينك".
وعقب الهيثمي بقوله: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.
وأخرج البيهقي شطره الأخير في الزهد الكبير ص 190 ح 345 ومن طريق أبي عبد الله الحافظ، عن عبد الله ابن محمد الرازي، عن أبي عثمان: سعيد بن إسماعيل، عن محمد بن عبد الرحمن بن غزوان عن إسماعيل ابن عياش، عن حنش الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" وقد أورده العجلوني في كشف الخفاء 1/ 160 عن البيهقي في هذا الموضع وذكر أن إسناده ضعيف وأن له شواهد من حديث أنس.
وعلق عليه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 3/ 4 بقوله: أخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس وفيه محمد بن غزوان أحد الوضاعين.
وفي شرح الإحياء 7/ 206 نقل الزبيدي كلام العراقي ثم قال: "ووجدت بخط الحافظ ابن حجر ما نصه: وللحديث طريق أخرى غير هذه من حديث أنس وغيره".
ولم يشر السيوطي في جامعيه إلى رواية أنس للحديث وإنما اقتصر على إيراد الحديث من رواية أبي مالك الأشعري وقد أوردها المنذري في الترغيب 4/ 182 وسكت عنها.
(2)
ب: "عزيزا ملكا".
* قال ابن المبارك رحمه الله: "من صبر فما أَقل ما يصبر، ومن جزع فما أَقل ما يتمتع؟! ".
[إن النصر مع الصبر]:
* فقوله صلى الله عليه وسلم: "أَن النصر مع الصبر".
يشمل النصر
(1)
في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن؛ فمن صبر فيهما نُصِرَ وَظفِر بعدوّه، ومن لم يصبر فيهما وجزع قُهر وصار أَسيرًا لعدوه أَو قتيلا له.
* * *
[وإِن الفرج مع الكرب]:
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وأَن الفرَج معَ الكَرْب":
هذا يشهد له قولُه عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ}
(2)
.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"ضَحِكَ ربُّنَا من قُنوُطِ عباده وقُرْبِ غيره".
خرجه الإِمام أَحمد، وخرجه ابنه عبد الله في حديث طويل وفيه: علم الله يوم الغيث أَنه ليُشْرِف عَليكم أَزِلِينَ
(3)
قَنِطين فيظل يضحك قد علم أَن غيركم إلى قرب"
(4)
.
(1)
ب: "الصبر".
(2)
سورة الورق: 28.
(3)
الأزْل: الشدة والضيق نهاية 1/ 46.
(4)
انظره في المسند 4/ 11، 12، 13 - 14 (الحلبي) مختصرا في الموضعين الأولين ومطولا في الأخير، من حديث أبي رُزَين العقيلي: لقيط بن عامر المنتفق رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره قال: قلت: ويضحك الرب عز وجل: قال نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا" لفظ الوضع الأول.
وفي الموضع الثاني قال: أبو رزين: يا رسول الله! أو يضحك الرب عز وجل العظيم؟ لن نعدم من رب يضحك خيرًا فقال [صلى الله عليه وسلم]: نعم! لن نعدم من رب يضحك خيرًا".
وفي الموضع الثالث ما أشار إليه ابن رجب بيد أن المطبوعة فيها تحريف في الجملة التي استشهد بها ابن رجب وكان فيما نقله ابن رجب تصحيح هذا التحريف فإما كان الخطأ مطبعيا، وإما كانت نسخة ابن رجب نسخة أخرى أصح فالله أعلم.
وفي كل من الأصلين كلمة ليست في الأخرى وهذه هي كلمات المطبوع من المسند: "وعلم اليوم الغيث =
والمعنى: أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطْر عنهم، وقنوطهم ويأْسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرَجه، ورحمته لعباده؛ بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون.
(1)
.
وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}
(2)
.
(3)
.
وقال تعالى حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ}
(4)
.
ثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك.
وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب! كإنجاء نوح ومن معه في الفُلْكِ، وإِنجاءِ إِبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أُمر بذبحه، وإِنجاء موسى وقومه من الْيَمِّ، وإِغراقِ عَدُوِّهم، وقصص أَيوب، ويونس، وقصص محمد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه، وإِنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أُحد، ويوم الأحزاب، ويوم حُنَينْ، وغير ذلك.
[إن مع العسر يسرا]:
* وقوله صلى الله عليه وسلم: "وأن مع العسر يسرا" هو منتزع من قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}
(5)
وقوله عز وجل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
(6)
.
= يشرف عليكم آرلين آدلين مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب".
والحديث المطول أورده الهيثمي في المجمع 10/ 338 - 340 عن عبد الله بن أحمد بن حنبل والطبراني وقال: رواه عبد الله والطبراني بنحوه وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطا
…
وعنده: "وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب
…
الحديث وانظر الأسماء والصفات للبيهقي 473.
(1)
سورة الروم: 47 - 48.
(2)
سورة يوسف: 110.
(3)
سورة البقرة: 214.
(4)
سورة يوسف: 87.
(5)
سورة الطلاق: 7.
(6)
سورة الانشراح: 5، 6.
[لن يغلب عسر يسرين]:
* وخرج البزار في مسنده وابن أبي حاتم، واللفظ له، من حديث أَنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو جاء العسر فدخل هذا الجُحْرَ لجاءَ اليسر حتى يدخل عليه فيُخْرِجَه، فأنزل الله عز وجل:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}
(1)
.
* وروى ابن جرير وغيره من حديث الحسن مرسلا نحوه.
وفي حديثه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لن يغلبَ عُسرٌ يُسرَين".
* وروى ابن أبي الدنيا لإِسناده عن ابن مسعود قال: لو أَن العسر دخل في جُحْر لجاءَ اليسر حتى يدخل معه. ثم قال: قال الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} .
وبإِسناده أَن أَبا عبيدة حُصر فكتب إِليه عمر رضي الله عنهما يقول: مهما ينزل بامرئ شدةٌ يجعل الله بعدها فرجا، وإِنه لن يغلب عسر يسرين، وإِنه سبحانه يقول:{اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
(2)
.
[من أسرار اقتران الفرج بالكرب]:
ومن لطائف أَسرار اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر: أَن الكرب إِذا اشتدّ وعظم وتناهى - حصل للعبد الإياسُ من كشفه من جهة المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده. وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أَعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج. فإِن الله عز وجل يكفي من تو كل عليه، كما قال تعالى:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
(3)
.
(1)
أخرجه ابن كثير في التفسير 4 - 525 عن ابن أبي حاتم، والبزار وذكر قول البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح ثم قال ابن كثير: وقد قال في أبو حاتم الرازي: في أحاديثه ضعف ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا، ثم ذكر روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية الحسن وغيره مرسلا وأن العسر لما كان معرفة في الموضعين فهو واحد أما اليسر فلما جاء نكرة في الموضعين فقد تعدد وأورده الهيثمي في المجمع 7/ 139 عن الطبراني في الأوسط والبزار من حديث أنس بنحوه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فنظر إلى جحر بحيال وجهه، فقال: لو كانت العسرة تجيء حتى تدخل هذا الجحر لجاءت اليسرة
…
الحديث ثم قال الهيثمي: وفيه عائد بن شريح وهو ضعيف.
(2)
الآية من سورة آل عمران: 200 والخبر أورده ابن كثير في التفسير 1/ 447 عن ابن جرير إلا أن فيه أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف؟
(3)
سورة الطلاق: 3.
وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: جاءَ مالك الأَشجعي إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أسر ابني عوف، فقال له: أرسل إليه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فأَتاه الرسول، فأخبره، فأَكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إِلا بالله. وكانوا قد شدّوه بالقِد
(1)
فسقط القِدُّ عنه؛ فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها فأقبل فإذا هو بِسَرْحِ
(2)
القوم الذين كانوا شدوه، فصاح بهم، فأَتبع آخرَها أَولَها، فلما يفجأ أَبويه إِلا وهو ينادي بالباب، فقال أَبوه: عوف وربِ الكعبة! فقالت أُمه: واسوأَتاه! وعوف كئيب يأَلم لما هو فيه من القِدِّ، فاستبق الأب والخادم إليه، فإِذا عوف قد ملأَ الفناءَ إِبلًا، فقصّ على أَبيه أمره وأَمر الإبل، فأَتى أَبوه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأَخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصنع بها ما أَحببت، وما كنت صانعًا بإِبلك، ونزل:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}
(3)
.
[من المأثور في ذلك]:
* قال الفضيل: "والله لو يئستَ من الخلق حتى لا تريدَ منهم شيئًا لأَعطاكَ مولاكَ كَلَّ ما تُرِيدَ".
* وذكر إِبراهيم بن أدهم، عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي أَلْحَفُ
(4)
من أَن يقول العبد: ما شاء الله! قال: يعني بذلك التفويضَ إِلى الله عز وجل.
* وقال سعيد بن سالم القدَّاح: "بلغني أَن موسى عليه الصلاة والسلام كانت له إلى الله حاجة فطلبها فأَبطأَتْ عليه. فقال: ما شاء الله! فإِذا حاجته بين يديه، فعجب، فأَوحى الله عز وجل إِليه: أَما علمتَ أَن قولك: "ما شاءَ الله" أَنجح ما طلبتَ به الحوائجُ؟!.
(1)
القد: القيد وهو في الأصل: سير يقيد به من جلد مدبوغ. النهاية 4/ 21.
(2)
السرح: المال السائم، والكلأ المباح.
(3)
سورة الطلاق 2 - 3 وراجع تفسير ابن كثير (4/ 380 - 381) وفيه: "وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد" وانظر أسد الغابة 4/ 288 - 289 وكلاهما بإسناد منقطع بين محمد بن إسحاق ومالك الأشجعي وقد سقط من ا من هنا إلى قوله: وأيضا فإن المؤمن
…
وفى ل: "لما فيه".
(4)
ألحف: أنجح.
[السلوك الأمثل في هذا]:
وأَيضًا فإِن المؤمن إِذا استبطأَ الفرج، وأَيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أَثر الإِجابة - يرجع إِلى نفسه باللائمة، ويقول
(1)
لها: إنما أُتيت من قِبَلكِ ولو كان فيك خير لأُجِبْتُ.
وهذا اللوم أَحب إِلى الله من كثير منِ الطاعات؛ فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأَنه أَهل لما نزل من البلاء، وأنَّه ليس بأهلٍ لإجابة الدعاءِ؛ فلذلك تسرع إِليه حينئذ إِجابة الدعاءِ، وتفريج الكرب، فإِنه تعالى عند المنكسرة قلوبُهُم من أَجله.
* * *
قال وهب: تعبَّد رجل زمانا ثم بدت له إِلى الله حاجة فصام سبعين سبتا يأْكل في كل سبت إِحدى عشرة تمرة، ثم سأَل الله حاجته فلم يُعطَهَا، فرجع إِلى نفسه فقال: منكِ أُتيت، لو كان فيكِ خير أُعطِيتِ حاجتك. فنزل إِليه عند ذلك ملك فقال: يا ابن آدم! ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك
(2)
.
أخرجه ابن أَبي الدنيا
(3)
.
ولبعض المتقدمين في هذا المعنى:
عسى ما ترى أن لا يدومَ وأن تَرى
…
له فَرَجًا مما ألحّ به الدهْرُ
عصي فرَجٌ يأْتي به الله إِنه
…
له كلّ يَوْم في خَليقته أَمْرُ
إِذا لاحَ عُسْرٌ فارْجُ يُسْرًا فإِنه
…
قضَى الله أَن العُسْر يَتْبعُهُ اليُسْرُ
(4)
(1)
ا، ط، ر، ل:"وقال".
(2)
أخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس والإزراء عليها ص 94 - 95 رقم (60) وناقش محققه إسناده وطعن فيه بالانقطاع الشديد، وبالأخذ من الإسرائيليات وفيها ما فيها.
(3)
عن محمد بن الحسين، عن سليمان بن حرب، عن مهدي بن ميمون، عن عبد الحميد صاحب الزنادي، عن وهب بن منبه وقد ترجم بهامشه لرواته.
(4)
في م: "فارتج اليسر إنه".
الحديث العشرون
عَنْ أَبي مَسعُود: عُقْبَة بْنِ عَمْرٍ والأَنصَاريِّ الْبَدريِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْت".
رَوَاهُ البُخاريُّ
(1)
.
* * *
[تخريج الحديث]:
* هذا الحديث خرجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر، عن رِبْعِي لن حُذَيفة، عن أَبي مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
* وأَظن أَن مسلمًا لم يخرجه؛ لأَنه قد رواه قوم فقالوا: عن ربعي، عن حُذَيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فاختلف في إِسناده، لكن أَكثر الحفاظ حكموا بأَن القول قول من قال: عن أبي مسعود؛ منهم البخاري، وأبو زُرْعة الرازي، والدارقطني، وغيرهم.
ويدل على صحة ذلك أَنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه
(2)
.
* وخرجه الطبراني من حديث أَبي الطفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا
(3)
.
* * *
[من المأثور عن الأنبياء]:
فقوله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أَدرك الناسُ من كلام النبوّة الأولى" يشير إلى أن هذا مأَثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأَن الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن، وهذا يدل
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء: باب (حدثنا أبو اليمان) 6/ 515 من وجهين عن أبي مسعود وفي كتاب الأدب: باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت 10/ 523 من الفتح.
وقد قال ابن حجر في الفتح في الموضع الأول: ليس ببعيد أن يكون ربعي سمعه من أبي مسعود ومن حذيفة جميعًا.
(2)
كما رواه عبد الرزاق في المصنف 20149.
(3)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 27 من رواية أم الطفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"كان يقال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
وعقب عليه بقوله: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم.
على أَن النُّبُوَّات المتقدمة جاءَت بهذا الكلام، وأنَّه اشتُهِر بين الناس حتى وصل إلى أول هذ الأَمة.
وفي بعض الروايات قال: "لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِلا هذا".
خرجها عبيد بن زَنْجَوَيْه، وغيرُهُ.
* * *
[معنى إِذا لم تستح فاصنع ما شئت]:
* وقوله: "إِذا لم تستحي فاصنع ما شئت" في معناه قولان
(1)
:
أحدهما: أَنه ليس بمعنى الأَمر أن يصنع ما شاءَ، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه. وأَهل هذه المقالة لهم طريقان:
* أحدهما: أَنه أمر بمعنى التهديد والوعيد.
والمعنى إذا لم يكن لك حياء فاعمل ما شئت فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى:{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
(2)
وقوله تعالى: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ}
(3)
وقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"من باع الخمر فلْيُشَقِّصِ الخنازير"
(4)
.
(1)
ب: "قولان: أحدهما أنه أمر
…
".
(2)
سورة فصلت: 40.
(3)
سورة الزمر: 15.
(4)
أخرجه أبو داود في السنن: كتاب البيوع والإجارات باب ثمن الخمر والميتة 3/ 758 - 759 ح 3489 من رواية عثمان بن أبي شيبة، عن ابن إدريس ووكيع، عن طعمة بن عمرو الجعفري، عن عمر بن بيان التغلبي، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من باع الخمر فليشقص الخنازير".
قال الخطابي - "بهامش السنن": قول الشيخ. "فليشقص" معناه: فليستحل أكلها والتشقيص يكون من وجهين:
أحدهما: أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض. والوجه الآخر: أن يجعلها أشقاصا وأعضاء بعد ذبحها كما تعضي أجزاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل.
ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه، يقول:
من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير؛ فإنهما في الحرمة سواء.
أي: إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير؛ فلا تستحل ثمن الخمر.
والحديث أخرجه أَحْمَدْ في المسند 4/ 253 (الحلبي) من طريق وكيع - به - بمثله. زاد في آخره: يعني يقصبها أي يقطعها كما يفعل القصاب وهو الجزار باللحم. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري فيكون حسنا؛ قال المناوي في التيسير 2/ 407 إسناده صحيح. لكن الشيخ ناصر الألباني عده في الأحاديث الضعيفة رقم 4566، راجع ضعيف الجامع الصغير 5/ 180 ح رقم 5508.
ولعل مأتي هذا التضعيف من وكيع أو من عثمان بن أبي شيبة وحده؛ فقد اختلفت كلمة المحدثين بشأنه؛ لما كان له من أوهام في بعض الأحاديث ولا كان له من ضبط في بعضها الآخر.
ويبدو أن ى راعى جانبا.
فقد أنكر العجلي عليه بعض أحاديث قال: هي موضوعة أو كأنها موضوعة ثم قال: ما كان أخوه يتطفف نفسه بشيء من هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة في الدين والدنيا؛ نراه يتوهم في هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة.
أما ابن معين؛ فقد ذكر أنه ثقة مأمون.
وأما أبو حاتم فقد قال: سمعت رجلًا يسأل محمد بن عبد الله بن نمير عن عثمان بن أبي شيبة، فقال: سبحان الله! ومثله يسأل عنه؟ إنما يسأل هو عنا.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وهو من العاشرة.
ولد سنة 156 وتوفى سنة 239 وروى له البخاري 53 حديثًا ومسلم 135.
راجع ترجمته في التهذيب 7/ 149 - 151، والتقريب 2/ 13 - 14 ت 107.
ولعل اختلاف الكلمة في شأن عثمان بن أبي شيبة هو ما دفع كلا من أبي داود والخطابي والمنذري أيضًا للسكوت عليه، سيما وقد روى عن عثمان كل من البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه والنسائي، أما ابن إدريس! فهو عبد الله بن إدريس الأودي الزعافري أبو محمد الكوفي.
روي عن أبيه وعمه داود والأعمش ومالك وشعبة وليث بن أبي سليم وغيرهم.
وروى عنه مالك وهو من شيوخه وابن المبارك وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وابنا أبي شيبة وغيرهم.
من الثامنة، روى عنه الأئمة الستة.
قال أحمد بن حنبل: كان نسيج وحده.
وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن إدريس أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال: ثقتان؛ إلا أن ابن إدريس أرفع منه وهو ثقة في كل شيء.
وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة.
وقال النَّسَائِي: ثقة ثبت.
ولد سنة 110 وتوفي سنة 192.
وترجمته في التهذيب 5/ 144 - 346 والتقريب 1/ 401 ت 181.
وأما وكيع: فهو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ، من كبار التاسعة.
روى عن أبيه وهشام بن عروة والأعمش ومالك وابن جريج والأوزاعي والثوري وغيرهم.
روى عنه أبناؤه وشيخه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وابنا أبي شيبة وغيرهم: قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه كان مطبوع الحفظ وكان وكيع حافظًا حافظًا وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرًا كثيرًا وقال في موضع آخَر أخطأ وكيع في خمسمائة حديث، وسئل حين فضل وكيعًا فقال: وكيع لم يتلطخ بالسلطان: ما رأيت أحدا أوعى للعلم =
يعني ليقطعها إِما لبيعها أَو لأَكلها"
(1)
.
وأَمثلته متعددة. وهذا اختيار جماعة منهم أَبو العباس: ثعلب
(2)
.
* * *
* والطريق الثاني: أنه أَمر، ومعناه الخبر. والمعنى: أَن من لم يستحي صنع ما شاءَ، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياءُ، فمن لم يكن له حياءٌ انهمك في كل فحشاءَ ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياءٌ على حد قوله صلى الله عليه وسلم:"من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأْ مقعده من النار"
(3)
.
= منه، ولا أشبه بأهل التمسك منه.
وقال أبو حاتم. أشهد على أحمد يقول: الثبت عندنا بالعراق وكيع ويحيى وعبد الرحمن.
وقال ابن حبان في الثقات: كان حافظا متقنا، وقال يحيى بن يحيى: لم أر من الرجال أحفظ منه، وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن ولو حدث بألفاظه لكان عجبا.
وقال محمد بن نصر المروزي: كان يحدث بآخرة من حفظه فيغير ألفاظ الحديث، كأنه كان يحدث بالمعنى، ولم يكن من أهل اللسان.
ولد سنة 128 ومات سنة 196.
وترجمته في التهذيب 11/ 123 - 131 والتقريب 2/ 331.
أما طعمة بن عمرو الجعفري فقد وثقه ابن حبان وابن نُمَيْرٍ وابن معين وغيرهم وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا علي بن عبد الحميد، ثنا طعمة بن عمرو الثقة المسلم.
وكان من العباد صاحب صلاة.
من السابعة روى عنه أبو داود والترمذي وترجمته في التهذيب 5/ 13، والتقريب 1/ 378.
وأما عمر بن بيان التغلبي فقد قال أبو حاتم عنه: معروف وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر: مقبول، من السادسة وترجمته في التهذيب 7/ 430 والتقريب 2/ 52.
وأما عروة بن المغيرة فقد روى عن أبيه وعائشة رضي الله عنها، وروى عنه الشعبي وبكر بن عبد الله المزني، والحسن البصري وغيرهم.
قال البخاري: قال الشعبي: كان خير أهل بيته وقال العجلي كوفي تابعي ثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات.
روى عنه الجماعة، وهو من الثالثة، مات بعد التسعين. وترجمته في التهذيب 7/ 189، والتقريب 2/ 19.
(1)
ب: "ليأكلها".
(2)
في م: "بن ثعلبة" وهو تحريف.
(3)
الحديث مما تواتر لفظا ومعنى روي عن عديد من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام وغيرهم إلى ستين صحابيا أو خمسة وسبعين أو مائة أو أكثر.
وقد أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس.
وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الزبير بن العوام.
والشيخان عن أبي هريرة وعلي رضي الله عنهما وله روايات أخرى عديدة.
راجع عنها نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص 28 - 33. =
فإِن لفظه لفظ الأَمر ومعناه الخبر، وأَن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار.
وهذا اختيار أبي عبيد: القاسم بن سلام رحمه الله، وابن قتيبة، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم.
وروى أَبو داود عن الإِمام أَحمد ما يدل على مثل هذا القول.
[من نزع منه الحياء فهو شيطان مريد]:
* وروى ابن لهيعة، عن أبي قِبيلٍ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِذا أَبغض الله عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء، لم تلقه إلا بغيضًا مُبَغَّضًا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأَمانة نزع منه الرحمة، وإِذا نزع منه الرحمه نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام، فإِذا نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام لم تلْقَه إِلا شيطانًا مَريدًا".
* خرجه حميد بن زنجويه، وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا أَيضًا
(1)
.
[من أقوال السلف في هذا]:
* وعن سلمان الفارسي قال:
* إِن الله إِذا أراد بعبدٍ هَلاكًا نزع منه الحياءَ، فإذا نزع منه الحياءَ لم تلقه إِلا مَقيتًا مُمقَّتًا، فإِذا كان مقيتًا ممقتا نزع منه الأمانة، فلم تلقه؛ إلا خائنًا مُخَوَّنًا، فإذا كان خائنًا مخونا نزع منه الرحمة، تلقه؛ إلا فظًّا غليظًا، فإذا كان فظًّا غليظًا نزع رِبْقَةَ الإيمان
= وانظر ما رواه البخاري في كتاب العلم: باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم 1/ 199 - 203 من أحاديث علي والزبير، وأنس، وسلمة بن الأكوع وأبي هريرة ح 106 - 110 وما ذكره ابن حجر في هذا الموطن وما أحال عليه.
وما رواه مسلم في مقدمة الصحيح من أحاديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة: باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكر النووي تعليقًا على ذلك وأحال إليه 1/ 65 - 72.
(1)
أخرج ابن ماجه معناه من حديث ابن عمر في كتاب الفتن: باب ذهاب الأمانة 2/ 1347 ح 4054 من طريق محمد بن المصفى، عن محمد بن حرب، عن سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة: كثير بن مرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقه الإسلام".
وقد ذكر البوصيري في الزوائد 2/ 308 أن هذا إسناد ضعيف؛ لضعف سعيد بن سنان والاختلاف في اسمه. ا هـ واستنكر البخاري ومسلم حديثه ووصمه الدارقطني بالوضع.
من عنقه، فإذا نزع رِبْقَةَ الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانًا لعينا ملعَّنا.
* وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"الحياءُ والإيمان في قَرَن، فإِذا نزع الحياءُ تبعه الآخر".
خرجه كلَّه حميد بن زنجويه في كتاب الأَدب.
* * *
* وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحياءَ من الإيمان كما في الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما:
"أَن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعاتب أَخاه بالحياء يقول: إنك لَتستحي؟! حتى كأَنه يقول: قد أَضرّ بك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه؛ فإن الحياءَ من الإيمان" ولفظه للبخاري
(1)
.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال:
"الحياء شعبة من الإِيمان"
(2)
.
* وفي الصحيحين عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الحياء لا يأْتي إِلا بخير". وفي رواية لمسلم قال: "الحياءُ خير كله، أو قال: الحياءُ كله خير
(3)
".
* وخرج الإِمام أَحمد والنسائي من حديث الأشج العَصَري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِن فيك لخصلتين يحبهما الله" قلت: ما هما؟ قال: "الحلم والحياء"، قلت: أَقديما كان أَو حديثا؟ قال: "بل قديما". قلت: الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الإيمان: باب الحياء من الإيمان 1/ 74 وفي كتاب الأدب: باب الحياء 10، 521 ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان 1/ 63.
(2)
مسلم في الموضوع المذكور، والبخاري في كتاب الإيمان: باب أمور الإيمان 1/ 51.
(3)
مسلم عقب الروايتين السابقتين 1/ 64 والبخاري في كتاب الأدب: باب الحياء 10/ 521 وفيهما عقب الحديث: فقال بشير بن كعب (لعمران) مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا، وإن من الحياء سكينة؟ فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحيفتك؟.
(4)
مسند أحمد 3/ 23 و 4/ 205 - 206 (الحلبي). والنسائي في الكبرى كما في التحفة 8/ 513 والأشج العصري بفتح العين والصاد هو المنذر بن عائذ بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر العصري. كان سيد قومه، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فمدحه بالخصلتين المذكورتين ولما أسلم رجع إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة بعد ذلك. راجع حديثه وترجمته في الاستيعاب 1/ 140 - 141 وتهذيب التهذيب 10/ 301. وفي ب: "لخلقين
…
على خلقين" وفي المسند: "إن فيك خلتين
…
على خلتين".
* وقال إِسماعيل بن أَبي خالد: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل فاستسقى فأُتي بماءِ فشرب فستره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: "الحياءُ [والإيمان]، أوتوهما وَمُنِعْتُمُوهُما"
(1)
.
* * *
[الحياء نوعان]:
* واعلم أَن الحياءَ نوعان:
[النوع الأول]:
* أحدهما: ما كان خُلُقًا وجِبلَّةً غيرَ مُكتَسَبٍ، وهو من أَجلِّ الأَخلاق التي يمنحها الله العبد، ويجبله عليها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الحياءُ لا يأْتي إِلا بخير"
(2)
فإِنه يكف عن ارتكاب القبائح، ودناءَة الأَخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأَخلاق ومعاليها؛ فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار.
* وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:
"من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي! ".
* * *
* وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أَهل الشام -:
"تركتُ الذنوبَ حياءً أَربعين سنة، ثم أَدركني الورَع".
* * *
* وعن بعضهم قال: "رأَيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءَة، فاستحالت ديانة".
* * *
(1)
هذا إسناد معضل؛ فقد روى الطبراني هذا الحديث في الكبير 2/ 304 ح 2268 من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي، عن يحيى بن مطيع النسيباني، عن يحيى بن عبد الملك، عن إسماعيل عن قيس، عن جرير قال: دخل عيينة
…
الحديث.
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 81 عن الطبراني في هذا الموضع وقال: فيه يحيى بن مطيع الشيباني ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
(2)
الحديث في الصحيفة السابقة.
[النوع الثاني]:
* النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأَعين، وما تخفي الصدور، فهذا من أَعلى خصال الإيمان، بل هو من أَعلى درجات الإحسان وقد تقدم
(1)
أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "استحي من الله كما تستحيي من رجل من صالح عشيرتك".
* وفي حديث ابن مسعود: "الاستحياءُ من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك؛ فقد استحيا من الله حق الحياء".
* خرجه الإمام أحمد
(2)
، والترمذي
(3)
مرفوعًا.
وقد يتولَّد الحياءُ من الله من مطالعة نعمِه تعالى ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلب العبد الحياءَ المكتسَب والغريزي لم يبق ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأَخلاقِ الدنيئة؛ فصار كأَنه لا إيمان له.
* * *
* وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحياءُ حياءان: طرف من الإِيمان، والآخر عجز.
ولعله من كلام الحسن.
* وكذلك قال بشر بن كعب العدوي لعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعف. فغضب عمران وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه
(4)
؟!.
والأمر كما قاله عمران رضي الله عنه؛ فإِن الحياءَ الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يريد به الخلق الذي يحثُّ على فعل الجميل، وترك القبيح.
(1)
في شرح الحديث الثاني عشر.
(2)
في المسند 5/ 245 - 246 (المعارف) بإسناد ضعيف.
(3)
في كتاب صفة القيامة: باب (24) 4/ 637 وقال هذا حديث (غريب): إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد.
(4)
تقدمت رواية البخاري ومسلم ص: 596 من حديث عمران.
فأَما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أَو حقوق عباده - فليس هو من الحياء؛ فإنما هو ضعف وخور، وعجز
(1)
ومهانة. والله أَعلم.
* * *
[القول الثاني في معنى فاصنع ما شئت]:
* والقول الثاني في معنى قوله: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" أَنه أمر بفعل ما يشاءُ على ظاهر لفظه
(2)
. وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا يستحيا من فعله، لا من الله ولا من الناس لكونه من أَفعال الطاعات، أَو من جميل الأَخلاق والآداب المستحْسَنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت.
* * *
* وهذا قول جماعة من الأَئمة منهم: أَبو إسحاق المروزي الشافعي.
* وحكي مثله عن الإمام أَحمد، ووقع كذلك في بعض نسخ مسائل أَبي داود المختصرة عنه، والذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل وكذلك رواه عنه الخَلَّال في كتاب الأدب.
* * *
* ومن هذا قول بعض السلف، وقد سئل عن المروءة فقال: أَن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية.
* وسيأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" في موضعه من هذا الكتاب. إن شاءَ الله تعالى.
* وروى عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن رجل من مُزَينة قال: قيل: يا رسول الله! ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم؟ قال: الخلق الحسن. قال: فما شر ما أُوتي الرجل المسلم؟ قال: "إذا كرهت أَن يرى عليك شيء في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت".
* وفي صحيح ابن حبان عن أُسامة بن شريك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1)
ليست في ب.
(2)
م: "أمره".
"ما كره [الله]، منك شيئًا فلا تفعله إِذا خلوت"
(1)
.
* وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري قال: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ قال:
"أن تعمل في السر عمل العلانية"
(2)
.
* وخرجه أيضًا من حديث أَبي عامر السّكوني قال: قلت: يا رسول الله! فذكرهُ
(3)
.
* وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدَّث بإِسناده عن حرملة بن عبد الله، قال:
أَتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأَزداد من العلمِ فقمت بين يديه فقلت: يا رسول الله! ما تأمُرني أَن أَعمل به؟ قال: "ائْتِ المعروفَ، واجتنبِ المنكَرَ، وانظر الذي سَمِعَتْهُ أُذُنُكَ من الخير يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أَن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه".
قال: "فنظرت فإِذا هما أَمرأن لم يتركا شيئًا: إتيان المعروف، واجتناب المنكر". * وخرجه ابن سعد في طبقاته بمعناه
(4)
.
* وحكى أَبو عبيد
(5)
في معنى الحديث قولًا آخر حكاه عن جرير
(6)
، قال: معناه
(1)
صحيح ابن حبان 1/ 310 من الإحسان من طريق مؤمل بن إسماعيل ثقة كثير الخطأ، كما في المجروحين 2/ 306 - 307. وحديث عبد الرزاق في مصحفه 20151.
(2)
أورده الهيثمي في المجمع 10/ 290 من حديث أبي مالك الأشعري وقال:
رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف لم يتعمد الكذب، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.
(3)
أورده الهيثمي عقب الحديث السابق، وقال: فيه عبد الرحمن بن زياد أيضًا.
(4)
عن عبد الملك بن عمر وأبي عامر العقدي، عن قرة بن خالد، عن ضرغامة بن عُلَيْبة بن حرملة عن أبيه عن جده (حرملة بن عبد الله) فذكره بنحوه مختصرا طبقات 2/ 50.
كذلك رواه أحمد في المسند 4/ 305، والطيالسي في المسند 2/ 50 من منحة المعبود ورواه البخاري في الأدب المفرد 1/ 314 بسياقه تامًّا.
وترجم له ابن حجر في الإصابة 2/ 511 وذكر أن له صحبة، وأن عداده في أهل البصرة وأن حديثه في الأدب المفرد ومسند أبي داود الطيالسي وغيرهما بإسناد حسن.
(5)
في غريب الحديث 3/ 31 - 32.
(6)
هو جرير بن عبد الحميد الضبي أبو عبد الله الرازي كان حافظا مقدما إلا أنه نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ وتوفي 188 وترجمته في التهذيب 2/ 75 - 77.
أَن يريد الرجل أَن يعمل الخير فيدعه حياءً من الناس كأنه يخاف الرياءَ. يقول فلا يمنعك الحياءُ من المضي لما أَردت، كما جاءَ في الحديث: إذا جاءَك الشيطان وأَنت تصلى فقال: إِنك ترائي فزدها طولًا. ثم قال أَبو عبيد: وهذا الحديث ليس يجيء سيافه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحمله الناس.
قلت: لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث إِذا استحييت مما لا يُستحيا منه فافعل ما شئت. ولا يخفى بُعد هذا من لفظ الحديث ومعناه. والله أَعلم
الحديث الحادي والعشرون
عَنْ أَبي عَمْرِو، وَقِيلَ أَبِي عَمْرَةَ: سُفْيَانَ بْن عبد الله رضي الله عنه قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُول الله؛ قُلْ لِي في الإِسْلام قَولًا، لا أَسأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ:"قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثمَّ استَقمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم
(1)
من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان. ومصفيان: هو ابن عبد الله الثقفي الطائفي، له صحبة، وكان عاملًا لعمر بنِ الخطاب على الطائف.
وفد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أُخَرَ بزيادات.
فخرّجه الإمام أحمد
(2)
، والترمذي
(3)
، وابن ماجه
(4)
، من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز.
وعند الترمذي من رواية عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيانَ بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أَعْتَصمُ به. قال: "قل: رَبِّيَ الله ثم استقم" قلت: يا رسول الله: ما أَخوفُ ما تخافُ عليّ؟ فأخذ بلسان نَفْسِه ثم قال: "هذا".
(1)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب جامع أوصاف الإسلام 1/ 65 من حديث سفيان بن عبد الله. وفيه
…
لا أسأل عنه أحدا بعدك
…
فاستقم.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 384 - 385 من طريق هشيم عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله! وقال هشيم: قلت: يا رسول الله! مرني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم، قال: قلت: فما أتقي، فأومأ إلى لسانه.
وأخرجه في 3/ 413 من وجوه عديدة منها طريق الزهري.
(3)
أخرجه الترمذي في كتاب الزهد. باب ما جاء في حفظ اللسان 4/ 607 من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله الثقفي. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن سفيان بن عبد الله الثقفي.
(4)
أخرجه ابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن: 12 - باب كف اللسان في الفتنة 2/ 1314 ح 3972 من حديث ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن العامري: أن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به قال: "قل: ربِّي الله ثم استقم" قلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تخاف عليّ - فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه ثم قال: "هذا".
وقال الترمذي: حسن صحيح.
* وخرّجه الإمام أحمد، والنسائي
(1)
من رواية عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أَبيه: أن رجلا قال: يا رسول الله مُرني بأمر في الإسلام ولا أسأَل عنه أحدًا بَعْدَك؟ قال: "قل: آمنت بالله ثم استقم" قلت: فما أَتقي؟ قال: فأَومأ إلى لسانه
(2)
.
* وقال سفيان بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: "قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك" طلب منه أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا؛ حتى لا يحتاج - بعده - إلى غيره؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "قل: آمنت بالله ثم استقم".
وفي الرواية الأخرى: "قل ربي الله ثم استقم".
[علاقة الحديث بالقرآن]:
* هذا منتزعٌ من قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}
(3)
(4)
.
* وخرّج النَّسَائِي في تفسيره من رواية سهيل بن أَبي حزم
(5)
، حدثنا ثابت، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فقال: قالها الناس ثم كفروا؛ فمن مات عليها؛ فهو من أهل الاستقامة.
وخرّجه الترمذي ولفظه: فقال: "قد قال الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها؛ فهو ممن استقام" وقال: حسن غريب
(6)
.
وسهيل تُكُلِّم فيه من قِبل حفظه.
(1)
راجع التخريج السابق. وأشار المزي في التحفة 4/ 20 إلى أنه عند النَّسَائِي في الكبرى في الرقاق ولم أجده في المطبوع منها فيه وإنما هو في التفسير فيها 6/ 458 من وجهين.
(2)
أي أن المنجي: صحة العقيدة، واستقامة الجوارح لا سيما اللسان.
(3)
سورة فصلت: 30.
(4)
سورة الأحقاف: 13، 14.
(5)
في التفسير من الكبرى 6/ 452 إلا أن سهيلا لم يصرح فيه بالتحديث عن ثابت، بل جاءت روايته بالعنعنة. وعامة ما يرويه ينفرد به وانظر الكامل 3/ 450 وهامشه.
(6)
الترمذي في التفسير: باب سورة حم السجدة 4/ 179 من التحفة وقال: حديث غريب.
وقال أَبو بكر الصديق في تفسير {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} : قال: لم يشركوا بالله شيئًا.
* وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله ربُّهم
(1)
.
* وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أَرْخَصُ آية في كتاب الله {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} على شهادة أن لا إله إلا الله
(2)
.
* وروي نحوه عن أنس، ومجاهد، والأسود بن هلال، وزيد بن أَسلم، والسّدِّي، وعِكرمة، وغيرهما.
* وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر {إنَّ الذَّينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فقال: لم يروغوا روغان الثعلب
(3)
.
* وروى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى:{إنَّ الذَّينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قال: استقاموا على أداء فرائضه
(4)
.
* وعن أبى العالية قال: أَخلصوا له الدين والعمل
(5)
.
وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله.
وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم! أنت ربنا فارزقنا الاستقامة
(6)
.
* ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد؛ إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى "لا إله إلا الله" فإِن الإِله هو المعبود الذي يُطاع فلا يُعْصى؛ خشيةً، وإِجلالًا، ومهابة، ومحبةً، ورجاء، وتوكُّلًا، وَدُعَاءً. والمعاصي كلُّها قادِحةٌ في هذ التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، قال الله عز وجل:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}
(7)
.
* قال الحسن وغيره: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه
(8)
.
(1)
راجع في هذا وفي الروايات السابقة تفسير ابن كثير 4/ 98 - 99 والزهد لابن المبارك ص 110 ح 326.
(2)
أورده ابن كثير في التفسير 4/ 98 من طريق ابن أبي حاتم. عن أبي عبد الله الظهراني، عن حفص بن عمر العدني. عن الحكم بن أبان، عن عكرمة - دون تعقيب. وقوله: أرخص، هو من الرخصة.
(3)
أورده ابن كثير في التفسير 4/ 98 عن الزهري قال: تلا عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب ورواه ابن المبارك في الزهد في الموضع السابق. وإسناده منقطع بين الزهري وعمر راجع التهذيب 7/ 339.
(4)
تفسير ابن كثير 4/ 99.
(5)
تفسير ابن كثير في الموضع السابق.
(6)
تفسير ابن كثير عقب الروايات السابقة.
(7)
سورة الجاثية: 23.
(8)
وعن مالك فيما روي عنه من التفسير: "لا يهوى شيئًا إلا عبده" تفسير ابن كثير 4/ 150.
فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد.
* وأما على رواية من رَوَى: "قل: آمنت بالله، فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف، ومَن تابعَهُم من أهل الحديث، وقال الله عز وجل:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
(1)
فأمره أن يستقيم ومن تاب معه، وأن لا يجاوزوا ما أمروا به وهو الطغيان وأخبر أنه بصير بأعمالهما
(2)
مطّلع عليها؛ قال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}
(3)
.
وقال قتادة: أُمِر محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمر الله
(4)
.
وقال الثوري: على القرآن
(5)
.
وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية شمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رُئي ضاحكًا.
خرجه ابن أبي حاتم.
وذكر القشيري وغيره عن بعضهم: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: يا رسول الله! قلتَ شيَّبتني هُودٌ وأَخواتُها فما شيَّبَك منها؟ قال: قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}
(6)
.
(7)
.
وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عمومًا كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا
(1)
سورة هود: 112.
(2)
في "م": "بأعمالكم" وهو تحريف.
(3)
سورة الشورى: 15.
(4)
انظر الدر المنثور 3/ 351 فقد أخرجه السيوطي عن أبي الشيخ وابن أبي حاتم.
(5)
أخرجه السيوطي في الدر المنثور 7/ 351 عن أبي الشيخ.
(6)
أخرج الحاكم في المستدرك 2/ 343 من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أراك قد شبت؟ قال: شيبتني "هود"، "والواقعة"، "وعم يتساءلون"، "وإذا الشمس كورت". وقد صححه الحاكم على شرط البخاري وأقره الذهبي. وأورده الشيخ الألباني في الصحيحة 955 ورواه الترمذي في كتاب التفسير: باب من سورة الواقعة 5/ 401 وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه ثم أورد له طرقا أخرى.
(7)
سورة فصلت: 6.
الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}
(1)
.
* وأمر بإقامة الصلاة في غير موضع من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تينك
(2)
الآيتين.
والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم
(3)
من غير تَعريج
(4)
عنه يَمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها: الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك؛ فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها.
[حكمة اقتران الاستقامة بالاستغفار]:
* وفي قوله عز وجل: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} إشارة إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة، والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "اتَّق الله حيثُما كُنْتَ، وأتْبع السيئةَ الحسنةَ تَمحُها
(5)
.
* وقد أَخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لن يُطيقوا
(6)
الاستقامة حق الاستقامة، كما خرَّجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استقيموا ولن تُحصُوا
(7)
، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"
(8)
.
* وفي رواية للإمام أحمد رحمه الله: "سَدِّدوا وقاربوا، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن"
(9)
.
(1)
الشورى: 14.
(2)
ب: "تلك".
(3)
في م، ب:"القويم".
(4)
في م: "تعويج".
(5)
أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في معاشرة الناس 4/ 355 - 356 من طريقين: أحدهما عن أبي ذر، والآخر عن معاذ ثم ذكر أن الصحيح حديا أبي ذر. وقد مضى: الحديث رقم (18).
(6)
في م: "يستطيعوا".
(7)
قال في النهاية 1/ 398: أي استقيموا في كل شيء حتى لا تميلوا، ولن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى:{علم أن لن تحصوه} أي لن تطيقوا عده وضبطه. وقد مضى ص 370، 550.
(8)
مسند أحمد 276/ 5 (الحلبي).
وسنن ابن ماجه، في كتاب الطهارة: باب المحافظة على الوضوء 1/ 101 - 102 وقد ذكر صاحب الزوائد: أن رجال إسناده ثقات أثبات إلا أن في طريقه انقطاعا بين سالم وثوبان، ولكن أخرجه الدارمي وابن حبان في صحيحه من طريق ثوبان متصلًا. وقد أخرجه الدارمي في السنن 1/ 168 من طريق عن ثوبان.
(9)
المسند 5/ 282 عن ثوبان بأتم من هذا.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سدِّدُوا وقاربوا"
(1)
فالسداد: هو حقيقة الاستقامة، وهو الإِصابة في جميع الأقوال والأَعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه
(2)
.
* وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى، وقال له:"اذكر بالسَّداد تَسْدِيدَك السهم، وبالهدى هدايتَك الطريق"
(3)
.
* والمقاربة أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مصمما على قصد السّداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمد، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحكم بن حَزْن
(4)
الكُلَفي: "أيها الناس إِنكم لن تعملوا أو لن تطيقوا كلَّ ما أمرتكم ولكن سدَّدوا وأَبشروا"
(5)
.
والمعنى: اقصدوا التسديد والإِصابة والاستقامة، فإِنهم لو سددوا في العمل كلِّه لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كلَّه.
[أصل الاستقامة]:
* فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد كما فسر أبو بكر الصديق وغيره
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب القصد والمداومة على العمل 11/ 294: ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى 4/ 2171 كلاهما من حديث عائشة بلفظ: "سددوا وقاربوا وأبشروا؛ فإنه لن يدخل الجنة أحدًا عمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: "ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل".
(2)
نقل الحافظ ابن حجر في الفتح 11/ 255 عن ابن حزم قوله في معنى الأمر بالسداد والمقاربة: أنه صلى الله عليه وسلم أشار بذلك إلى أنه بعث ميسرا سهلا فأمر أمته أن يقتصدوا في الأمور. لأن ذلك يقتضي الاستقامة عادة. اهـ.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 2/ 72، 256 - 257، 274، 332 - 633 (المعارف) وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والتوبة والاستغفار: باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل 4/ 2030 بلفظ: "قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم".
قال النووي في شرحه على مسلم 17/ 43 - 44: ومعنى: "اذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم" أي تذكر ذلك في حال دعائك بهذين اللفظين؛ لأن هادي الطريق لا يزيغ عنه، ومسدد السهم يحرص على تقويمه، ولا يستقيم رميه حتى يقومه، وكذا الداعي ينبغي أن يحرص على تسديد علمه وتقويمه ولزومه السنة.
(4)
في م: "حزم" وهو تحريف، راجع ترجمة الحكم بن حزن الكلفي ص 270.
(5)
أخرجه أبو يعلى في مسنده 12/ 205 ح 6826 بإسناد صحيح، وبسياقه تامًّا بنحوه وانظر تخريجه في هامشه.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}
(1)
بأنهما لم يلتفتوا إلى غيره
(2)
.
* فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته وإجلاله، ومهابته ومحبته وإِرادته، ورجائه ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه: استقامت الجوارح كلُّها على طاعته؛ فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإِذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه.
* وكذلك فسر قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا}
(3)
بإخلاص القصد لله وإرادته وحده لا شريك له.
[ماذا بعد استقامة القلب]:
* وأعظم ما يُراعَى استقامَتُهُ بعد القلب من الجوارح: اللسان؛ فإِنه تَرْجُمَان القلب، والمعَبِّرُ عنه.
ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله الثقفي
(4)
بالاستقامة وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه
(5)
؛ وفي
(6)
مسند الإمام أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يستقيم إِيمانُ عبد حتى يَسْتَقَيمَ قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"
(7)
.
(1)
سورة فصلت: 30.
(2)
رواية الحاكم في المستدرك 2/ 440 عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ما تقولون في قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} وسوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ؟ فقالوا: الذين قالوا ربنا ثم استقاموا فلم يلتفتوا، وقوله:{وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} بخطيئة فقال أبو بكر: حملتموهما على غير وجه المحمل، ثم استقاموا ولم يلتفتوا إلى إله غيره، ولم يلبسوا إيمانها بظلم أي بشرك. اهـ. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(3)
سورة الروم: 30.
(4)
زيادة واجبة.
(5)
كما في الحديث الذي أورده المؤلف ..
(6)
في م "ففي".
(7)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 198 (الحلبي) من طريق زيد بن الحباب، عن علي بن مسعدة الباهلي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل رجل الجنة، يأمن جاره بوائقه".
وهو عند ابن أبي الدنيا في الصمت ص 38 ح 9 من حديث عمرو الناقد، عن زيد بن الحباب - به - بمثله. وأوِرده العراقي في تخريج أحاديث الأحياء 3/ 94 عن ابن أبي الدنيا في هذا الموضع، وعن الخرائطي في مكارم الأخلاق.
وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد الخُدْريّ مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابنُ آدم فإِن الأعضاء كلَّها تُكفِّر
(1)
لِلِّسان، فتقول: اتق الله فينا؛ [فإنما نحن
(2)
بك]؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعْوجَجْنا"
(3)
.
(1)
في م: تفكر اللسان وهو تحريف شنيع، وفي نسختي الترمذي: المصرية والهندية، والصمت تبعًا لها:"تكفر اللسان" وهي لا توائم تفسير المباركفوري لها، ونحن مع محقق النهاية في أن حكّم اللسان والفائق وقد قال في النهاية 4/ 388: "فإن الأعضاء كلها تكفر لِلّسَانِ: أي تذل وتخضع [له].
(2)
ما بين القوسين سقط من أ، وهو في م، والترمذي.
(3)
أخرجه الترمذي في كتاب الزهد: باب ما جاء في حفظ اللسان 4/ 605 وذكر أن الموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ح 12 عن معيد بن جبير، عن أبي سعيد، قال: أراه رفعه، وعنده:"تكفر اللسان" وفسرها بالهامش بقوله: "أي تتذلل وتتواضع له" ولا يتواءم هذا ولا ذاك.
الحديثِ الثاني والعشرون
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ: [جَابِر بْنِ عَبْد الله الأَنْصَاريّ رضي الله عنهما]: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:
أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيتُ المكتُوبَات، وَصُمْتُ رَمَضانَ، وأَحْلَلتُ الحلال، وَحَرَّمتُ الحرَام، وَلَم أَزِدْ عَلى ذَلك شَيْئًا، أَدْخُلُ الجْنَّة؟ قَالَ:"نَعَمْ". رَوَاهُ مُسْلم
(1)
.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي الزبير، عن جابر، وزاد في آخره:"قال: والله لا أزيدُ على ذلك شيئًا"
(2)
.
وخرجه أيضًا
(3)
من رواية الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر، قال: قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله! أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة، وحرَمتُ الحرام، وأحللتُ الحلال، ولم أزِد على ذلك شيئًا أدخلُ الجنة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:"نعم".
* * *
[تحليل الحلال وتحريم الحرام]:
وقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حله، وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه.
ويُحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانُه، ويكون الحلال هاهنا عبارة عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب، والمستحب، والمباح، ويكون المعنى: أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات.
وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود، وابن عباس في قوله عز وجل {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}
(4)
قالوا: يُحِلُّون
(1)
بعد هذا في م: " ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته، ومعنى أحللت الحلال: فحلته معتقدًا حله ".
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب الإيمان الذي يدخل به الجنة، وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة 1/ 44.
(3)
في الموضع المذكور، قبل الرواية السابقة.
(4)
سورة البقرة: 121.
حلاله، ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه
(1)
.
* * *
[المراد بالتحليل والتحريم]:
والمراد بالتحريم والتحليل فعل الحلال، واجتناب الحرام، كما ذكر في هذا الحديث، وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحُرُم:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ}
(2)
.
والمراد: أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيحلُّونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيحرمونه بذلك.
(3)
.
وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تَناول بعض الطيبات، زُهْدًا في الدنيا؟ وتَقشُّفًا، وبعضهم حرَّم ذلك على نفسه
(4)
، إِما بيمين حَلف بها أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم أمتنع منه من غير يمين ولا تحريم،
(1)
تفسير ابن كثير 1/ 163 والطبري 2/ 566 - 567 ومن روَايته عن ابن مسعود: " والذي نفسي بيده: إن حق تلاوته: أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول شيئًا على غير تأويله" والحاكم في المستدرك 2/ 266 - وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(2)
سورة التوبة: 7 في.
(3)
سورة المائدة: 87 - 88.
(4)
روى الطبري من طريق ابن جريح عن مجاهد، قال: أراد رجال منهم عثمان، وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} .
وفسر عكرمة ذلك فقال: إِن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وأبن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى حذيفة في أصحاب تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس
…
وهموا بالإخصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} .
فلما نزلت فيهم بعث إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لأنفسكم عليكم حقا، وإن لأعينكم عليكم حقا، صوموا وأفْطِروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا، فقالوا: اللهم أسلمنا واتبعنا ما أنزلت. ا هـ. وكان النبي عليه السلام قد حذر الناس وخوفهم من عذاب الله عز وجل. فقالت بعض الصحابة: لم نخف إن لم نحدث عملا، ثم عزموا على ذلك.
راجع تفسير الطبري 10/ 516 - 519 (المعارف) وتفسير ابن كثير 2/ 88.
فسمي الجميع تحريم حيث قصد الامتناع منه؛ إضرارا بالنفس وكفًّا لها عن شهواتها.
[فلان لا يحلل ولا يحرم]:
ويقال في الأمثال: "فلان لا يحلل، ولا يحرم" إذا كان لا يمتنع هن فعل حرام، ولا يقف عندما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، فيجْعلون مَنْ فَعل الحرام ولم يتحاش
(1)
منه مُحلَّلا له وإن كان لا يَعْتقد حِلَّه.
وبكل حال فهذا الحديث يدلُّ على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات، دخل الجنة.
[تواتر الأحاديث بهذا المعنى]:
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى أو ما هو قريب منه، كما خرج
(2)
النَّسَائِي، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عَبْد يُصلّي الصلواتِ الخمس، ويصوم رمضان، ويُخرِجُ الزكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبع؛ إلا فُتِّحَتْ له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء ثم تلا:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}
(3)
.
وخرج الإِمام أحمد: والنسائي، من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
في م: "ولا يتحاشى".
(2)
في " ا ": " خرجه ".
(3)
أخرجه ابن حبان في الصحيح: باب فضل الصلوات الخمس: ذكر البيان بأن الله عز وجل إنما يدخل الجنة صائم رمضان مع إقامة الصلاة إذا كان مجتنبا للكبائر 3/ 122 من الإحسان من رواية عبد الله بن محمد بن سليم، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث أن ابن أبي هلال حدثه عن نعيم المجمر أن صهيبا مولى العتواريين حدثه أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يخبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه جلس على المنبر ثم قال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات - ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزنا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:
ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع؛ إلا فتحت له الثمانية أبواب الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصطفق ثم تلا:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} . النساء:31. وأخرجه النَّسَائِي في سننه: كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة 5/ 8 - 9 ح 2438 من حديث الليث عن خالد عن ابن أبي هلال - به - بنحوه وفيه ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري على ماذا حلف ثم رفع رأسه في وجهه البشري فكانت أحب إلينا مِنْ حُمْر النَّعَم ثم قال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة فقيل له: ادخل بسلام.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 200 من رواية أبي عبد الله: محمد بن عبد الحكم عن ابن وهب - به - بنحو ما عند ابن حبان وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وأخرجه في كتاب التفسير 240/ 2 بإسناده ولفظه مع اختلاف يسير.
قال: " مَنْ عَبَدَ الله لا يُشرك به وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصَام رمضانَ، واجتنب الكبائر فله الجنة أو دخل الجنة "
(1)
.
وفي المسند عن ابنِ عباس رضي الله عنهما أن ضِمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلَّها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص. فقال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:" إن صَدَقَ دَخَلَ الجنَّة "
(2)
.
وخرجه الطبراني من وجه آخر؛ وفي حديثه قال: والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ثم قال: لأَعملنّ بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لئن صدق ليدخلن الجنة ".
وفي صحيح البخاري
(3)
عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: " تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتَصل الرحم ".
وخرجه مسلم
(4)
. إلا أن عنده أنه قال: " أخبرني بعمل يُدنيني من الجنة،
(1)
مسند أحمد (5/ 413) الحلبي من وجهين: في الأول: " من جاء يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر فإن له الجنة " وسألوه ما الكبائر؟ قال: " الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، وفرار يوم الزحف " وإسناده صحيح. وفي الثاني بنحوه. وسنن النَّسَائِي في كتاب تحريم الدم: باب ذكر الكبائر 7/ 88 بنحو ما في المسند وليس فيه: " ويصوم رمضان ".
(2)
مسند أحمد 4/ 64 - 65، 118 - 120 (المعارف) مختصرًا ومطولا وذكر محققه أن إسناده صحيح.
(3)
أخرجه البخاري في [24] كتاب الزكاة: [1] باب وجوب الزكاة وقول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} 3/ 261 ح 1396 من طريق حفص بن عمر، عن شعبة، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة
…
الحديث.
وأخرجه في [78] كتاب الأدب: [10] فضل صلة الرحم 10، 414 ح 5982 من رواية أبي الوليد عن شعبة به بنحوه وفيه قيل يا رسول الله
…
وح 5983 من رواية عبد الرحمن بن بشر عن بهز، عن شعبة عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبيه عثمان أنهما سمعا موسى بن طلحة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ما له ماله؟؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرَبٌ ماله! " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " تعبد الله لا تشرك به شيئًا
…
الحديث زاد في آخره: ذرها كأنه كان على راحلته " وقد ضعف الهيثمي في المجمع 1/ 290 رواية الطبراني للحديث، فانظره.
(4)
هو في صحيح مسلم: 1 - كتاب الإيمان: 4 - باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة 1/ 43 من حديث أَبي إسحاق، عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب قال: جاء رجل إلى النبي=
ويباعدني من النار ".
وعنده في رواية
(1)
فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِن تَمَسَّك بما أُمِرَ به دخل الجنة ".
وفي الصحيحين
(2)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا قال: يا رسول الله! دُلَّني على عمل إذا عملتُه دخلت الجنة. قال: " تعبدُ الله لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصلاة
= صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، قال:" تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك " فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن تمسك بما أمر به دخل الجنة".
والرواية الي رواها مسلم عن أبي أيوب في صحيحه قبل هذه مباشرة وفي الباب نفسه جاء فيها أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقربني عن الجنة ويباعدني من النار
…
الحديث.
هاتان هما رواية مسلم من حديث أبي أيوب وليس فيه عنه: أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار. فكلمة. أخبرني جاء معها بما يقربني.
وكلمة: بعمل يدنيني من الجنة
…
جاء معها دلني - دون أخبرني.
فقد لفق ابن رجب ما نسبه إلى مسلم من طريقين وروايتين لا من طريق واحد، ورواية واحدة كما هو المفترض في مثل هذا التعبير وهذه الإحالة إذا فليس عند مسلم:" أخبرنى بعمل يدنينى من الجنة " وإنما عنده ما قد روينا لك، ونقلنا عنه.
(1)
هذا من ابن رجب يوحي أن ما ساقه قبل هذا مباشرة في رواية، وهذا في رواية أخرى وقد عرفت أن ما ساقه ابن رجب ملفق من روايتين وهذا يؤكد ما سيق أن قلناه.
وكأن ابن رجب حين قال: وخرجه مسلم، إلا أن عنده أنه قال: أخبرني بعمل يدنيني من الجنة يقصد الرواية الأولى والتي فيها: " أخبرني ".
أما قوله الأن: وعنده في رواية
…
فقد سقناها لك وهي التي فيها
…
يدنيني من الجنة
…
وفي آخرها هذه الجملة إن تمسك
…
إلخ لكن هذه الرواية كما رويناها لك تجمع العبارتين: " يدنيني من الجنة " و " إن تمسك بما أمر به دخل الجنة ". وصنيعه يقتضي أنهما روايتان بينما هي رواية واحدة.
والذي أوقع في هذا اللبس كلمة أخبرني وهي من الرواية التي تسبقها في صحيح مسلم فحدث الوهم أن في مسلم رواية تقول: " أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ".
ورواية تتلوها فيها: " إن تمسك
…
إلخ وليس الأمر كذلك فهي - دون كلمة " أخبرني " رواية واحدة وليست روايتين. فليتأمل!.
(2)
صحيح البخاري في أول كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة 3/ 263.
ومسلم في الباب السابق عقب الرواية التي أشار إليها ابن رجب قبل هذه.
وعنده: " والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا ولا أنقص منه، فلما ولى
…
".
وعند البخاري: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى
…
".
وليس في شيء منهما والذي بعثك بالحق
…
وقد جاءت هذه الجملة عند مسلم لكن من حديث أنس وليس من حديث أبي هريرة وذلك في الباب نفسه 1/ 41، 42.
المكتوبة، وتؤدّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان" قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا ولا أنقص منه. فَلما ولَّى قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَن سرَّه أن يَنْظر إلى رجل مِن أهل الجنة فلينظر إلى هذا ".
وفي الصحيحين
(1)
عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَلاة
(2)
. فقال: "الصلوَاتِ الخمسَ إلا أن تطوَّع شيئًا" فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام. فقال: " شهْرَ رمضان إلا أن تطوَّع شيئًا " فقال: أخبرني بما فَرَض الله عليَّ من الزكاة. فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فقال: والذي أَكْرمَك بالحق لا أَتطوَّع شيئًا ولا أَنقُصُ ممّا فرضَ الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَفلحَ إن صَدَقَ " أو
(3)
" دخل الجنة إن صَدقَ ".
ولفظه للبخاري.
وفي صحيح مسلم
(4)
عن أنس رضي الله عنه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه وزاد فيه: " حج البيت عن استطاع إليه سبيلًا " فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد
(1)
أخرجه البخاري في: 2 - كتاب الإيمان: 34 - باب الزكاة من الإسلام 1/ 106 ح 46 من رواية إسماعيل بن أَبي أويس؛ عن مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس الحديث.
7 -
وفي كتاب الصوم: 1 - باب وجوب صوم رمضان 4/ 102 ح / 189 من رواية قتيبة بن سعيد، عن إسماعيل ابن جعفر، عن أبي سهيل - به - بمثل رواية ابن رجب إلا أن عند البخاري فقال: أخبرني ما فرض الله عليّ من الزكاة
…
".
وفي: 52 - كتاب الشهادات: 26 - باب كيف يستحلف 5/ 287 ح 2678 من رواية إسماعيل بن عبد الله - به - بنحوه.
وفي: 95 - كتاب الحيل: 7 - باب في الزكاة وأَن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة 12/ 330 من رواية قتيبة بن سعيد - به - بمثل رواية ابن رجب إلا أن عند البخاري هنا: قال: بما أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة
…
" و " الذي أكرمك لا أتطوع شيئًا
…
الحديث ". وليس فيه كلمة: " بالحق ". وما جاء في رواية ابن رجب: " فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة إلخ " لم يجئ هكذا عن البخاري في أي من المواضع الأربعة.
وأخرجه مسلم: 1 - في كتاب الإيمان: 2 - باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام 1/ 40 - 41 بنحو ما عند البخاري في الموطن الأول ح 8 - (11) من رواية قتيبة بن سعيد - به.
(2)
في ا: " الصلوات " وما أثبتناه موافق لما في الصحيح.
(3)
هذا الشك من الراوي.
(4)
في كتاب الإيمان: باب السؤال عن أَركان الإسلام 1/ 41 - 43.
عليهن، ولا أنقص منهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لئن صَدَق ليدْخُلَنَّ الجنة ".
* * *
[مراد اية عرابي]:
ومراد الأعرابي أَنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحج البيت شيئًا من التطوع، ليس مراده أنه لا يعمل بشيء من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك.
* * *
[لماذا لم يذكر اجتناب المحرمات؟]:
وهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب المحرمات؛ لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة،
* * *
[وهذه هي الأعمال]:
وخرج الترمذي
(1)
من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: " أيها الناس! اتقوا الله، وصَلُّوا خَمْسكُم، وصُومُوا شَهرَكُم، وأَدّوا زَكاة أموالِكُم، وأطيعوا ذَا أَمْركم، تدخُلوا جنَّة ربكم ".
وقال حسن صحيح.
وخرجه الإمام أحمد
(2)
وعنده: " اعبدوا ربكم. بدل قوله: " اتَّقُوا الله "،
وخرجه بَقيّ بن مَخلد في مسنده من وجه آخر ولفظ حديثه: " صَلُّوا خَمْسكُم، وصُومُوا شهرَكُم، وحُجُّوا بيتَكُم، وأَدوا زكاة أموالكم طيبةً بها أنفسُكُم، تدخلوا جَنَّةَ رَبِّكم ".
(1)
في كتاب الصلاة: باب 434 ح 2/ 516 - 517 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2)
في المسند 5/ 251 (الحلبي) من حديث معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في حجة الوداع وهو على الجدعاء واضعٌ رجله في غرز الرحل يتطال، يقول، أَلا تسمعون؟ فقال رجل من آخر القوم: ما تقول قال: اعبدوا ربكم
…
الحديث زاد في آخره قول سليم بن عامر: قلت له: منذ كم سمعت هذا الحديث يا أبا أمامة؟ قال: وأنا ابن ثلاثين سنة.
وخرج الإمام أحمد
(1)
بإسناده عن ابن المنتفق قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات فقلت: ثنتان أسألك عنهما: ما ينجّيني من النار، وما يُدْخِلُني الجنة؟ فقال: " لئن كنتَ أَوجزتَ في المسألة لقد أعظمتَ وأطْوَلتَ، فاعْقِل عنّي إِذًا، اعْبُدِ الله لا تشركْ به شيئًا، وأَقمِ الصلاةَ المكتوبة، وأدّ الزكاةَ المفروضة، وصم رمضان، وما تحبُّ أَنْ يَفعلَهُ بِكَ النّاسُ فَافْعَلْهُ بِهِمْ، وما تكره أن يأتيَ إلَيْكَ الناسُ
(2)
. فذَرِ الناسَ منه ".
وفي رواية له
(3)
أيضًا قال: " اتق الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتِي الزكاةَ، وتحجُّ البيتَ، وتصومُ رمضان ".
ولم يزد على ذلك.
وقيل إنَّ هذا الصحابي: هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط
(4)
.
فهذه ا الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة.
* * *
[ارتكاب المحرم قد يمنع من دخول الجنة]:
وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع! ويدل على هذا ما خرجه الإمام أحمد
(5)
من حديث عمرو بن مُرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وصَليت الخمس، وأديتُ زكَاة مالي، وصُمْت شَهْر رمضان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات على هذا كان مع النبيين
(1)
في المسند (3/ 472 - 473 و 6/ 383 - 384) الحلبي بسياقه كاملا. قال الهيثمي في الزوائد: في إسناده عبد الله بن أبي عقيل اليشكري، ولم أر أحدًا روى عنه غير ابنه المغيرة بن عبد الله.
(2)
في م: " يؤتى إليك ".
(3)
ليست في " ا ". الرواية في المسند عقب السابقة. وفي " ا ": " تزد ".
(4)
في م: " واقد بن الْمُنْتَفِقْ " وهو تصحيف وهو لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق، قال ابن عبد البر: وهو وافد بني المنتفق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اختلف المؤرخون في لقيط بن عامر هذا هل هو لقيط ابن صبرة أو غيره" والصواب أنه غيره.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عنه ابنه عاصم. وابن أخيه وكيع بن عدس، وغيرهما. راجع ترجمته في الاستيعاب 3/ 1340 وتهذيب التهذيب 8/ 456 وانظر الإصابة 3/ 329 - 330،
(5)
لم أجد هذا الحديث في المطبوع من المسند وليس لعمرو بن مرة فيه (4/ 231) إلا حديث آخر غير هذا الحديث بيد أن الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 147) أورده عن أحمد: الطبراني بإسنادين وقال: ورجال أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، وهذا ما يؤكد أن المطبوع من المسند سقط منه هذا الحديث، سيما وقد أورده عن أحمد: ابن كثير في التفسير 1/ 523، والسيوطي في الدر 1/ 188، 2/ 182، والمتقي في الكنز 1/ 83 ح 342.
والصديقين والشهداء يوم القِيامة هكذا " ونصب أصبعيه " ما لم يعقَّ والديه ".
* * *
[النص على دخول الجنة ببعض الأعمال]:
وقد وَرَد ترتب
(1)
دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة؛ ففي الحديث المشهور "من صَلَّى الصلوات لوقتها كان له عند الله عَهَدٌ أَن يدخله الجنة "
(2)
.
وفي الحديث الصحيح: " من صلى البَرْدَين دخل الجنة "
(3)
.
[أعمال لا تكفي بدون أعمال أخرى]:
وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يَعمل عمله إِلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدل على هذا ما خرجه الإِمام أحمد
(4)
عن بشير بن الخصاصية
(5)
(1)
ب: "ترتيب".
(2)
في ذلك يروي أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب المحافظة على وقت الصلوات 1/ 298 - 299 من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: " خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهنَّ وركوعهنّ وسجودهن ومواقيتهن وصيام رمضان. وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه وأدى الأمانة ". قالوا: يا أبا الدرداء! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. ويروي عقب هذا من حديث سعيد بن المسيب: أن أبا قتادة بن ربعي أخبره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: " إني فرضت على أمتك خمس صلوات وعهدت عندي عهدا: أنه من جاء يحافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي ".
(3)
المراد بالبردين صلاتا الصبح والعصر. لأنهما في بردي النهار أي أطرفيه: حين يطيب الهواء وتذهب سَوْرة الحر.
والحديث متفق عليه رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة الفجر 2/ 53 ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما 1/ 440 من حديث أبي موسى الأشعري.
(4)
في المسند 5/ 224 (الحلبي) وفيه: "
…
فاشترط أؤدي الزكاة .. شهر رمضان .. أما اثنتان .. ثم حرك يده .. ثم قال .. فبما .. أنا أبايعك .. فبايعت .. " وما بين المعقوفين سقط من الأصل ومن " م " هـ هو في المسند.
والجشع: الجزع، والرِّسْلُ في الأصل: اللبن، وقد يراد به الخصب واليسر والسعة.
والحَمُولة: ما يحتمل عليه الناس من الدواب سواء كانت عليها الأحمال أم لم تكن كالركوبة.
وكأنه يريد أن يعبر عن ضيق ذات يده عن الصدقة فليس له إلَّا تلك الغنيمة والنوق التي يعتمدون عليها فيما تدره من لبن، ثم فيما تحتمله لهم من متاع، أو تنقلهم إليه من بقاع.
والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، 1/ 42 عن الطبراني في الكبير والأوسط وعن أحمد في هذا الموضع وأورد لفظ الطبراني وقال: رجال أحمد موثقون.
وعنده: فأخاف إن حضرني قال خشعت نفسي فكرهت الموت
…
وحركها وقال: لا صدقة ولا جهاد؟
…
الحديث ".
(5)
في م: "الخطاصية" وهو تصحيف، فهو بشير بن الخصاصية السدوسي وهو بشير بن معبد السدوسي.=
قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأُبايِعَهُ فَشَرط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أُقيم الصلاة، وأن
(1)
أُوتي الزكاة، وأن أحجَّ حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهدَ في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أَمَّا اثنتان فوالله ما أطيقهما: الجهاد، والصدَقة [فإنهم زعموا أنه مَن وَلَّى الدُّبُرَ فقد باءَ بغضب من الله، فأخاف إن حَضَرْتُ تلك جَشِعَتْ نفسي، وكرهت الموت، والصدقة فوالله مالي إِلا غُنَيْمةٌ وعشرُ ذَوْدٍ هُنَّ رِسْلُ أَهْلي وَحَمُولتهم] فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدَه ثم حركها، وقال
(2)
: " فلا جهاد ولا صدقة، فَبمِ تَدخلُ الجنة إِذًا؟ "
(3)
قلت: إذا
(4)
يا رسول الله! أنا أبايعك. فبايَعته عليهن كُلِّهِنَّ.
* * *
[كبائر مانعة من دخول الجنة]:
ففي هذا الحديث: أنه لا يكفي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الزكاة والجهاد وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة كقوله: "لا يدخل الجنة قاطع"
(5)
.
وقوله: " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبر "
(6)
.
= وبعض المؤرخين يفرق بينهما والخصاصية: جدته على ما رجح الحافظ ابن حجر، كان أسمه في الجاهلية زحما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت بشير.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صالحة، وروى عنه بشير بن نهيك. راجع ترجمته في الاستيعاب 1/ 174 وتهذيب التهذيب 1/ 467 - 468.
(1)
في م: " وأؤدي ".
(2)
في م: " فقال ".
(3)
ليست في م.
(4)
في " ا": " أنا ".
(5)
أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب إثم القاطع 10/ 415 ومسلم في كتاب البر، والصلة والآدب: باب صلة الرحم وتحريم قطعه 4/ 1981 وقد نص فيه على الرحم ففيه: " لا يدخل الجنة قاطع رحم ". وأخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في صلة الرحم 4/ 316 - 317 وقال حديث حسن صحيح. والحديث من رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(6)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب تحريم الكبر وبيانه 1/ 22: الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الكبر 4/ 361 وقال حديث حسن صحيح غريب وأبو داود في كتاب اللباس: باب ما جاء في الكبر 2/ 380، وابن ماجه في مقدمة السنن: باب الإيمان 1/ 22 - 23 وأحمد في المسند 5/ 310 (المعارف) كلهم من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا.
وأخرجه الطبراني من رواية عبد الله بن سلام رضي الله عنه كما في الكنز الثمين ص 657.
وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا"
(1)
.
* * *
[وبالدين]:
والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّين حتى يُقْضَى
(2)
.
[وبالمظالم]:
وفي الصحيح: أن المؤمنين إذا جَازُوا على الصراط حُبِسُوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا)
(3)
.
[وبالذنب]:
وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحبَس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا.
فهذه كلها موانع.
* * *
(1)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها 1/ 74، والترمذي في كتاب الاستئذان: باب ما جاء في إِفشاء السلام 5/ 52، وأبو داود في كتاب الأدب: باب إفشاء السلام 2/ 640، وابن ماجه في كتاب الأدب: باب إفشاء السلام 2/ 1217 - 1218 كلهم من حديث أبي هريرة.
(2)
راجع في هذا ما رواه النَّسَائِي في البيوع: باب التغليظ في الدين (7/ 314) من حديث محمد بن جحش، قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء، ثم وضع راحته على جبهته، ثم قال: سبحان الله ماذا نزل من التشديد، فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد سألته يا رسول الله ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيى، ثم قتل، أحيى، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه وإسناده صحيح كما في صحيح النَّسَائِي.
وانظر ما رواه ابن ماجه في كتاب الصدقات: باب التشديد في الدين 2/ 806.
والترمذي في الجنائز: باب 76، وأحمد في المسند 5/ 176، 277، 281.
(3)
فقد روى البخاري من حديث أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفسُ محمد صلى الله عليه وسلم بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله الذي كان في الدنيا.
كتاب المظالم: باب قصاص المظالم 5/ 96. وفي ب: "جاوزا الصراط".
وأخرجه بنحوه في كتاب الرقاق: باب القصاص يوم القيامة 11/ 395 من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد.
[ظهور معنى الأحاديث الأخرى]:
ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتُّبِ دخول الجنة على مجرد التوحيد؛ ففي الصحيحين
(1)
عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما مِنْ عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قَال: "وإن زنى وإن سرق" قالها: ثلاثا ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" فخرج أبو ذرّ يقول: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذر.
* * *
وفيهما عن عبادة بن الصامت
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُهُ ورسوله، وأن عيسى عَبدُ الله ورسوله، وكلمتهُ ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقٌّ، أدخلهُ الله الجنة - على ما كان من العمل".
وفي صحيح مسلم
(3)
عن أبي هريرة أو أبي سعيد - بالشك - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسولُ الله لا يلقى الله - بهما عبدٌ غيرَ شاكّ فيهما فَيُحجبَ عن الجنَّة".
* * *
وفيه
(4)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يوما: "مَنْ لقيتَ يشهد أن لا إله إلا الله مُسْتَيقنًا بها قَلْبُه فبشّرهُ بالجنة".
* * *
(1)
البخاري في كتاب اللباس: باب الثياب البيض 10/ 1383 ومسلم في كتاب الإيمان: باب مَنْ مَات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة 1/ 95.
وفي ب: "في ترتيب دخول الجنة".
(2)
البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء: باب قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} 6/ 474 ومسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا 1/ 57.
(3)
في الموضع المذكور قبله.
(4)
في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا 1/ 59 - 61.
وفى ب: "يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار" وليست الزيادة في مسلم. ولا في النسخ الأخرى. وفي مسلم: "فمن لقيت
…
بشره". من حديث طويل.
وفي المعنى أحاديث كثيرةٌ جدًّا.
* * *
وفي الصحيحين: عن أنس
(1)
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا لمعاذ: "ما مِنْ عَبْدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حَرَّمهُ الله على النار".
وفيهما
(2)
عن عِتبانَ بنِ مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قد حرّم على النار مَنْ قال لا إله إلا الله يبتغي بها وَجْهَ الله".
[المراد بهذه الأحاديث]:
فقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة: والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع، وهي اجتناب الكبائر.
[شرط النجاة بكلمة التوحيد]:
• قال الحسن للفرزدق: "إنّ للا إله إلَّا الله شروطًا فإِياك وقذفَ المحصنة".
• وروي عنه أنه قال: هذا العمود فأين الطُّنُب
(3)
، يعني أن كلمة التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنا به، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات،
• وقيل للحسن: إن ناسا يقولون: من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة؟ فقال:"مَنْ قال: لا إله إلا الله، فأدى حقّها وفرضها: دخل الجنة".
* * *
(1)
البخاري في كتاب العلم: باب من خص بالعلم قوما دون قوم 1/ 992 - 226، ومسلم في الباب المذكور (1/ 61).
وفيها بعد هذا: أن معاذا قال: يا رسول الله! أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟! قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما:(تجنبًا لإثم كتم العلم وعدم تبليغه).
واللفظ لسلم.
(2)
البخاري في أبواب التطوع: باب صلاة التطوع جماعة 3/ 60 - 61 ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر 1/ 455 - 456.
وفيهما: فإن الله قد حرم
…
الحديث لفظهما من حديث طويل.
(3)
قال في القاموس 1/ 98: الطنب - بضمتين - حبل طويل يشد به سرادق البيت أو الوتد، والجمع: أطناب: وطنبة.
• وقيل لوهب بن مُنَبِّه: أَليس لا إله إلا الله مفتاحَ الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإِلا لم يفْتح لك
(1)
.
ويشبه هذا ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن "لا إله إلا الله" هل يضرُّ معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: " عَشِّرْ
(2)
ولا تغترَّ".
[تفسير آخر للمراد]:
وقالت طائفة منهم الضحاك، والزهْري، كان هذا قبل الفرائض والحدود. فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت، ومنهم من قال: بل ضُمَّ إليها شروط زيدت عليها، وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين.
وفي هذا كلّه نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
وقال الثوري: "نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة.
ومثل هذه البيان وإزالة الإيهام كان السَّلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخا في الاصطلاح المشهور.
[تفسير ثالث]:
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار معها على معصية
(3)
.
وجاء في مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله مخلصًا، دخل الجنة": قيل: وما إخلاصها. قال: "أن تَحجُزك عما حرم الله".
وروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري تعليقا أول كتاب الجنائز 3/ 109 وأشار ابن حجر في الفتح إلى أن المصنف وصله في التاريخ، كذلك وصله أبو نعيم في الحلية، ثم قال ابن حجر: بيان المصنف لم يثبت عنده في التلقين شيء على شرطه فاكتفى بما دلّ عليه. وانظر تغليق التعليق 2/ 453 - 454.
(2)
في م: "اعمل" وفي الحلية 1/ 311: "عش" لكن المعنى: اعمل وتابع ولا تغتر، فتترك العمل. انظر النهاية 3/ 239 - 240 وغريب الحديث للحربي 1/ 159.
(3)
في م: "معصيته".
(4)
كما رواه الطبراني في الكبير 5/ 197 ح 5074 وانظر هامشه وأبو نعيم في الحلية 9/ 254 كلاهما من حديث زيد بن أرقم.
[تفسير كلام الحسن البصري]:
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عَنْه - من قبل - إلى هذا، فإنَّ تحقُّق القلب بمعنى لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يُرَسَّخَ فيه تألُّهُ الله وحده؛ إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبّه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووساوسُ الشيطان؛ فمن أحب شيئًا أوّ أطاعه، وأحب عليه، وأبغض عليه، فهو إلهه.
فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له
(1)
، فالله إلهه حقا.
[من اتخذ إلهه هواه]:
ومن أحب لهواه
(2)
، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه فإلهه هواه كما قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43]
(3)
.
قال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه.
وقال قتادة: هو الذي كلما هوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُه عن ذلك وَرَعٌ، ولا تقوى.
ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا "ما تحت ظل السماء [من] إله يُعبد [من دون الله] أعظم عند الله من هوى متبع"
(4)
.
وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده؛ كما قال الله عز وجل {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}
(5)
.
[متى يتحقق معنى كلمة التوحيد؟]:
فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: "لا إله إلا الله" إلا لمن لَمْ يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب
(1)
في م: "لله".
(2)
ب: "هواه".
(3)
سورة الجاثية: 23. وانظر في أثر الحسن: الدر المنثور 6/ 35 وتفسير القرطبي 16/ 166 وابن كثير 4/ 153.
(4)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 188 عن الطبراني في الكبير وقال: "فيه الحسن بن دينار وهو متروك الحديث" وشيخه الخصيب بن عجدر وضاع.
وما بين المعقوفات ليس في م وهو في المجمع.
(5)
سورة يس: 60.
شيء من ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي.
ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}
(1)
قال: "لا تحبوا غيري"، وفي صحيح الحاكم
(2)
عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشرك أخفى من دبيب الذّرِّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجوْرِ، وتُبغضَ على شيء من العَدْل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله عز وجل:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}
(3)
.
[محبَّة ما يكرهه الله شرك]:
وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه، متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه - من الشرك الخفي.
وخرّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعًا: "لا تزال لا إله إلا الله" تمنع العباد من سُخْط الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإِذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا:"لا إله إلا الله" ردّها الله
(4)
عليهم، وقال الله: كذبتم.
[وضوح معنى كلمة التوحيد]:
فتبين بهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرمه الله على النار" وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فَلِقلّة صدقه في قولها؛ فإن هذه الكلمة إذا صدَقت طهَّرَت من القلب كُلَّ مَا سوى الله؛ فَمَنْ صدق في قوله "لا إله إلا الله" لم يحبَّ سواه، ولم يرجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من أثر نفسه وهواه.
ومتى بقى في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها.
(1)
سورة النساء: 36.
(2)
في المستدرك 2/ 291 وصححه على شرط الشيخين، لكن تعقبه الذهبي في التلخيص، بأحد رواته وهو عبد الأعلى بن أعين وذكر أن الدارقطني قال: ليس بثقة، وذكر الذهبي في الميزان 2/ 529 عند ترجمته له أيضًا أن العقيلي قال: جاء بأحاديث منكرة ليس منها شيء محفوظ. ثم أورد حديثه المذكور، وذكر عقيبه قول ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به ا هـ.
والحديث أورده ابن كثير أيضًا في التفسير 1/ 358 وحال عقبه: حال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث.
(3)
سورة آل عمران: 31.
(4)
وأورده الهيثمي في المجمع 7/ 277 عن البزار من وجهين: أحدهما من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف جدا والآخر من حديث أنس بإسناد حسن.
[من آثار التوحيد]:
نار جهنم تنطفئ
(1)
بنور إيمان الموحدين كما في الحديث المشهور "تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن؛ فقد أطفأ نورُك لَهَبِي"
(2)
.
وفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلاما، كما كانت على إبراهيم؛ حتى إن للنار ضجيجًا من بَرْدهم"
(3)
.
فهذا ميراث ورثه المؤمنون
(4)
من حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فَنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نارُ جَهَنَّم.
قال الجنيد رحمه الله: قالت النار: يا رب لو لم أُطِعكَ هل كنتَ تعذبني بشيء هو أشدّ منّي؟ قال: "نعم كنت أسلّطُ عليكَ ناري الكبرى" قالت: وهل نار أعظم مني وأشدّ قال: "نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين" وفي هذا يقول بعضهم:
ففي فؤاد المحبِّ نارُ هوىً
…
أَحرُّ نارِ الجحيمِ أَبْرَدُهَا
ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"
(5)
.
فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم
(6)
على ما مضى وعزم على أن لا يعود لمثله.
ورجَّح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّف له مُفْرَدٍ في التوحيد، وهو حَسن.
* * *
(1)
في م: "تطفا".
(2)
وأورده الهيثمي في المجمع 10/ 360 وضعفه والسيوطي في الجامع الصغير عن الطبراني في الكبير. وأبي نعيم في الحلية من حديث يعلى بن مُنْية، وذكر المناوي أن فيه ضعفًا وانقطاعا، راجع التيسير 1/ 455. وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية 9/ 329 بنحوه وفي الكشف أنه حديث منكر 1/ 374.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 3/ 328 - 329 بسياقه كاملا وأورده ابن كثير - عنه - في التفسير (3/ 131 - 132) وقال: غريب ولم يخرجوه.
(4)
في م: "ميراث ورثة المؤمنين".
(5)
أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 500 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(6)
في م: "وفدم" وهو تصحيف.
الحديث الثالث والعشرون
عَنْ أبي مالِك: الحارث بنْ عاصم الأشْعَري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
"الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان. والحْمدُ للّهِ تَمْلأ الْميزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالحْمدُ للّه، تَملآن أَوْ تَملأَ مَا بَيْنَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرهانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرآنُ حُجَةٌ لَكَ أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو: فَبَائعٌ، نَفْسهُ فَمُعتقُها أَو مُوبقُهَا". رَواة مُسْلمٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم
(1)
من رواية يحيى بن أبي كثير، أن زيد بن سلام حدثه أن أبا سلام
(2)
حدثه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث.
وفي أكثر نسخ صحيح مسلم (1)"والصَّبرُ ضِيَاءٌ".
وفي بعضها: "والصيام ضياء". وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد ابن سلام، فأنكرهُ يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد. وفي هذه الرواية: التصريح بسماعه منه.
وخرّج هذا الحديثَ النسائِىُّ
(3)
وابن ماجه من رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد ابن سلام؛ عن جده: أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك؛ فزاد في إسناده عبدَ الرحمن بنَ غَنْم.
ورجَّح هذه الروايةَ بعضُ الحفاظ، وقال: معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد؛
(1)
في كتاب الطهارة: باب فضل الوضوء 1/ 203.
(2)
في المطبوعة: "أن سلاما" وهو خطأ؛ لمخالفته ما في مسلم أيضًا.
(3)
أخرجه النَّسَائِي في السنن: كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة 5/ 5 - 8.
وأخرج شطره: "الحمد لله تملأ الميزان ولا إله إلا الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض" في "عمل اليوم والليلة" ص 71، 72 ح 168، 169 من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام، عن أبي مالك، ومن حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن عبد الرحمن بن غَنْم عن أبي مالك. ولفظ النَّسَائِي في السنن:"إسباغ الوضوء شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان والتسبيح والتكبير يملأ السموات والأرض والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك".
من يحيى بن أبي كثير؛ ويقوي
(1)
ذلك أنه قد رُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون رواية مسلم منقطعة
(2)
.
وفي حديث معاوية بعضُ المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير؛ فإن لفظ حديثه عند ابن ماجه "إسباغ الوضوء شَطْر الإِيمان، والحمد الله تملأ الميزان، والتسبيح والتكبير ملء
(3)
السماء والأرض، والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة لك أو عليك. كل الناس يَغْدُو فبائعٌ نَفْسَهُ فمُعتمَها أو مُوبقُها"
(4)
.
وخرج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير
(5)
الذي خرجه مسلم، ولفظ حديثه:"الوضوء شطْر الإِيمان" وباقي حديثه مثلُ سياق مسلم.
وخرج الإِمام أحمد والترمذي
(6)
من حديث رجل من بني سليم قال: عدّهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تَملؤه، والتكبير يَمْلأُ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان".
* * *
(1)
في المطبوعة: "يقول" وهو تحريف.
(2)
رد النووي على هذا حيث قال في شرحه على مسلم (3/ 99 - 55): هذا الإسناد مما تكلم فيه الدارقطني وغيره، فقالوا: سقط فيه رجل بين أبي سلام وأبي مالك، والساقط عبد الرحمن بن غنم، قالوا: والدليل على سقوطه أن معاوية بن سلام رواه عن أخيه: زيد بن سلام عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، وهكذا أخرجه النَّسَائِي وابن ماجه وغيرهما (أي والأخ أدرى برواية أخيه كما قيل) قال النووي: ويمكن أن يجاب - لمسلم - عن هذا بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضا من عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك؛ فرواه مرة عنه، ومرة عن عبد الرحمن، وكيف كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه والله أعلم.
(3)
في المطبوعة: "تملآن" وهو مخالف للأصل، ولابن ماجه كذلك.
(4)
الحديث عند ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها: باب الوضوء شطر الإيمان 1/ 102 - 103. وقد عرفت لفظه عند النَّسَائِي.
(5)
في كتاب الدعوات: باب [86] 5 - 535 - 536 وقال حديث صحيح.
(6)
أحمد في المسند 4/ 260 وفيه: عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده أو في يدي فقال: "سبحان الله نصف الميزان. والحمد لله تملأ الميزان. والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض. والطهور نصف الإيمان. والصوم نصف الصبر". والترمذي في كتاب الدعوات: باب [87] 5/ 536 - 537 وقال: هذا حديث حسن، وقد رواه شعبة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق.
وفي المطبوعة. مثل سياق مسلم الذي خرجه الإمام أحمد إلخ وفي الترمذي "والحمد يملؤه .. ".
وقد رواه أحمد في المسند 5/ 363 (الحلبي) من طَريق وكيع، عن يونس، عن جزي، عن رجل من بني سليم قال: عدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده
…
الحديث وفيه" الحمد الله تملؤه".
[الطهور شطر الإيمان]:
فقوله صلى الله عليه وسلم: "الطُّهور شَطر الإيمان" فسر بعضهم الطُّهورَ ها هنا بترك الذنوب كما في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}
(1)
، وقول:{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}
(2)
، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}
(3)
.
وقال: "الإيمان نوعان: فعل وترك، فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو تطهير النفَس بترك المعاصي".
وهذا القول محتَملٌ. لولا أن رواية: "الوضوء شَطْرُ الإيمان" تردُّه، وكذلك رواية:"وإسباغ الوضوء".
وَأيضًا ففيه نظر من جهة المعنى. فإن كثيرًا من الأعمال تُطَهر النفس من الذنوب السابقة كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطُّهور؟.
ومتى دخلت الأعمال أو بعضها في اسم الطُّهُور لم يتحقق كون ترك الذنوب شطرَ الإِيمان.
* * *
[الصحيح في معنى الجملة]:
والصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطُّهور هاهنا: التطهر بالماء من الأحداث.
ولذلك
(4)
بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء.
وكذلك خرّجه النَّسَائِي وابن ماجه وغيرهما
(5)
.
* * *
[الاختلاف في معنى: الطهور بالماء شطر الإيمان]:
وعلى هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان:
* * *
(1)
سورة النمل: 56.
(2)
سورة المدثر: 4.
(3)
سورة البقرة: 222.
(4)
في المطبوعة: "وكذلك".
(5)
أخرجه ابن ماجه في الطهارة كما مضى بك، أما النَّسَائِي كما مضى وكما في التحفة 9/ 282 - 284 فلم يخرجه إلا في الزكاة وعمل اليوم والليلة، ولم يشر المزي إلى إخراجه له في الكبرى حتى يقال إن من المحتمل أن يكون إخراجه له في الطهارة أو في الوضوء فيها فكيف قال ابن رجب ذلك عنه؟
[1]
فمنهم من قال: المراد بالشطر الجزء، لا أنه النصف بعينه؛ فيكون الطُّهورُ جزءا من الإيمان.
وهذا فيه ضعف؛ لأن الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف، ولأن في حديث الرجل من بني
(1)
سليم "الطهور نصف الإيمان" كما سبق.
* * *
[2]
ومنهم من قال: المعنى أنه يضاعَف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب الإِيمان لكن من غير تضعيف.
وفي هذا نظر وضعف وبُعْد.
* * *
[3]
ومنهم من قال: الإيمان يكفر الكبائرَ كلها، والوضوء يكفر الصغائر؛ فهو شطر الإيمان بهذا الاعتبار.
وهذا يرده حديث "من
(2)
أساء في الإسلام أُخذ بما عَمِلَ في الجاهلية". وقد سبق ذكره
(3)
.
* * *
[4]
ومنهم من قال: الوضوء يكفر الذنوب مع الإِيمان، فصار نصف الإيمان، وهذا ضعيف.
[5]
ومنهم من قال: المراد بالإيمان هاهنا الصلاة كما في قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}
(4)
والمراد صلاتكم إلى بيت القدس، فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة، فالصلاة لا تقبل إلا بطُهور، فصار الطُّهور شَطْرَ الإيمان
(5)
بهذا الاعتبار.
وحَكى هذا التفسيرَ محمدُ بن نصر المروزي في كتاب الصلاة
(6)
، عن إسحاق بن
(1)
سقطت من المطبوعة.
(2)
في المطبوعة: "حد من أساء" وفيه سقط واضح.
(3)
ص 318 عن البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود في شرح الحديث الثاني عشر.
(4)
سورة البقرة: 143.
(5)
" ا ": "الصلاة".
(6)
1/ 435.
راهويه، عن يحيى بن آدم، وأنَّه قال في معنى قولهم:"لا أدري: نصفُ العلم" إنما هو: أدري ولا أدري، فأحدهما نصفُ الآخر.
* * *
[ابن رجب يوضح ويرجح ويستشهد]:
قلت: كل شيء كان تحته نوعان؛ فأحدهما نصفٌ له. وسواء كان عدد النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر؛ ويدل على هذا حديث: "قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين
(1)
" والمراد: قراءة الصلاة، ولهذا فسرها بالفاتحة، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حق الرب، والمسألة حق العبد، وليس المرادُ قسمةَ كلماتها على السواء.
وقد ذكر هذا: الخطَّابيُّ
(2)
، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حضر، قال: وليس على تساوى الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما وإن تفاوتت مُدَّتاهُما.
ويقول شُرَيحٌ - وقد قيل له
(3)
: "كيف أصْبَحْتَ؟ " قال: "أصبحتُ ونصفُ الناس عليّ غضبان؟! ".
يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليه
(4)
، والمحكوم له راض عنه؛ فهما حِزْبان مختلفان، ويقول الشاعر:
(1)
راجع في هذا ما أخرجه مسلم في الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة 1/ 296 - 297 وأبو داود في الصلاة: باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب 4/ 300 وأبن ماجه في الأدب: باب ثواب القرآن 2/ 1243 - 44 والترمذي أول كتاب التفسير 5/ 204 وقال: هذا حديث حسن، والنسائي في الافتتاح: باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب 2/ 135 - 136 وأحمد في المسند 2/ 241، 285، 460 (الحلبي) كلهم من حديث أبي هريرة.
وأصل الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي وقال مرة: فوض إلي عبدي فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بينى وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
(2)
في معالم السنن 1/ 512 - 513 بهامش السنن.
(3)
سقطت من المطبوعة.
(4)
ليست في "أ"
إذا مِتُّ كان الناس نصفين: شَامِتٌ
…
بموتي، ومُثْنٍ بالذي كُنْتُ أَفْعَلُ
ومراده أنهم ينقسمون قسمين.
• قلت: ومن هذا المعنى: حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض أنها نصف العلم، أخرجه ابن ماجه
(1)
.
فإن أحكام المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوع يتعلق بما بعد الموت، وهذا هو الفرائض.
• وقال ابن مسعود: الفرائض ثلث العلم، ووجه ذلك: الحديث الذى خرجه أبو داود وابن ماجه
(2)
من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سُنَّةٌ قائمة، أو فريضةٌ عادلة".
• وروي عن مجاهد أنه قال: "المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء" ولعله أراد أن الوضوء: قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذ من السنة، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يطهر
(3)
باطن الجسد، وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره؛ فهما نصفان بهذا الاعتبار.
• ومنه قول ابن مسعود: "الصبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله".
• وجاء من رواية يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا "الإيمان نصفان نِصْفٌ في الصبر،
(1)
يقصد بالفرائض هنا: المواريث التى فرضها الله عز وجل، وبينها في كتابه وسنة رسوله، أخذا من نحو قوله تعالى في بعض آيات المواريث:{فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} .
والحديث الذي يشير إليه ابن رجب هو ما رواه ابن ماجه أول كتاب الفرائض: باب الحث على تعليم الفرائض 2/ 908 من طريق إبراهيم بن المنذر، عن حفص بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة! تعلموا الفرائض، وعلموها؛ فإنه نصف العلم، وهو يُنْسَى، وهو أول شيء ينزع من أمتى".
وقد طعن الحفاظ في صحة هذا الحديث، وأخذوا على الحاكم تصحيحه له في المستدرك، قالوا: إن في طريقه حفص بن عمر بن أبي العطاف السهمي. استنكر البخاري حديثه، ورماه يحيى بن معين بالكذب، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه على الضعف الشديد، وقال أبو جعفر العقيلي من حديثه في الفرائض:"لا يتابع عليه"، ولا يعرف إلا به. وذكر البخاري في الأوسط: أن حديثه في الفرائض لا يصح. راجع تهذيب التهذيب 2/ 409 - 410.
(2)
سنن أبي داود: كتاب الفرائض: باب ما جاء في تعليم الفرائض 3/ 164. مقدمة سنن ابن ماجه: باب اجتناب الرأي والقياس 1/ 21 كلاهما بإسناد ضعيف على ما في التيسير 2/ 156.
(3)
"ا": "تطهر".
ونصفٌ في الشكر"
(1)
.
* * *
فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات، وترك المحرمات. ولا يُنَالُ ذلك كلُّه؛ إلا بالصبر: كان الصبرُ نصفَ الإيمان؛ فهكذا يقال في الوضوء: إنه نصفُ الصلاة.
وأيضًا فالصلاة تكفِّر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شَطْرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا؛ كما في صحيح مسلم
(2)
عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مسلم يتطهر، فَيُتِمُّ الطهورَ الذي كُتبَ عليه؛ فيصلي هذه الصلواتِ الخمسَ إلا كانت كفارةٌ لما بينهنَّ".
وفي رواية له
(3)
: "من أَتَمَّ الوضوء كما أمره الله؛ فالصلوات المكتوبات كفاراتٌ لما بينهنَّ".
وأيضًا فالصلاة مفتاح الجنة، والوضوء مفتاح الصلاة، كما خرجه الإمام أحمد
(4)
والترمذي
(5)
من حديث جابر مرفوعًا، وكلُّ من الوضوء والصلاة موجب لفتح أبواب الجنة، كما في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر
(6)
سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يتوضأ فيُحِسنُ وضوءه
(7)
ثم يقوم فيصلي ركعتين يُقبل
(8)
عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة".
* * *
(1)
أورده العراقي في تخريج أحاديث الأحياء 4/ 53 وقال: "أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، ويزيد: ضعيف بل متروك، فالحديث ضعيف جدا وانظر فردوس الأخبار 1/ 111 - 112 ومسند الشهاب، 1/ 127 - 128 وهامشيهما.
(2)
في كتاب الطهارة: باب فضل الوضوء والصلاة عقبه 1/ 207 - 208 وفي آخره: "إلا كانت كفارات لما بينها".
(3)
عقب الرواية السابقة، من حديث عثمان أيضًا.
(4)
في المسند 3/ 340 (الحلبي) من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور". وإسناده ضعيف هو وتاليه.
(5)
الترمذي في السنن: أبواب الطهارة: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور 1/ 15.
(6)
في كتاب الطهارة: باب الذكر المستحب عقب الوضوء 1/ 209 - 210.
(7)
"ا": الوضوء" وما أثبتناه عن م هو الموافق لما في مسلم.
(8)
مسلم: "مقبل".
• وعن عقبة عن عمر
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيُبْلِغُ أو يُسْبِغُ الوضوء ثم يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتِّحَتْ له أبوابُ الجنة الثمانية يدخلُ من أَيِّها شاءَ".
"وفي الصحيحين
(2)
عن عبادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله، وابنُ أَمَتِه وكلمتهُ ألقاها إلى مريمَ وَرُوحٌ منه، وأن الجنَّةَ حق، وأَنَّ النارَ حقٌّ، أدخله الله من أيّ أبواب الجنة الثمانية شاءَ".
* * *
"فإذا كان الوضوء مع الشهادتين مُوجِبًا لفتح أبواب الجنة صار الوضوء نصفَ الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار.
[الوضوء والتطهر من الإيمان]:
وأيضًا فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا مؤمن، كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"
(3)
.
والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرّجه العقيلي من حديث أبي الدرداء، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمسٌ مَنْ جاء بهنَّ مع إيمان دخل الجنة: مَنْ حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن، وسجودهن
(1)
أخرجه مسلم عقب الرواية السابقة.
(2)
البخاري في كتاب الأنبياء: باب قوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} 6/ 474.
ومسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا 1/ 57. واللفظ الذي أورده ابن رجب لفظ الترمذي.
وفي البخاري: "وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته
…
والجنة حق
…
أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
(3)
هذا جزء حديث، تمامه:"استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الطهارة: باب جامع الوضوء 1/ 34 مرسلًا والحاكم في المستدرك 130/ 1 من طرق، عن ثوبان، وعن جابر.
وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها: باب المحافظة على الوضوء 1/ 101 - 102 منقطعا.
والدارمي في السنن: باب ما جاء في الطهور 1/ 168 مسندا متصلا. وتقدم ص 607.
ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيّب النفس بها"، قال وكان يقول: "وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصيامُ رمضان، وحجُّ البيت مَن استطاع إليه سبيلًا، وأداءُ الأمانة" قالوا:"يا أبا الدرداء: وما أداء الأمانة؟ " قال: "الغُسل من الجَنَابَة، فإن الله لما يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها
(1)
".
• وخرّج ابن ماجه من حديث أبي أيوب
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلواتُ الخمس، والجُمُعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة، كفَّارهٌّ لما بينهن" قيل: "وما أداء الأمانة؟ " قال: "الغسل من الجنابة؛ فإن تحتَ كل شعرة جنابةً".
• وحديث أبي الدرداء الذي قبله: جَعل فيه الوضوء، من أجزاء الصلاة.
• وجاء في حديث خرجه البزار من رواية شبابة بن سَوّار: حدثنا المغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا:"الصلاة ثلاثة أثلاث: الطُّهور ثلُث، والركوعُ ثُلُث، والسجود ثلُث؛ فمن أداها بحقها قُبلت منه، وقُبل منه سائِرُ عمله. ومَن رُدَّتْ عليه صلاتُه رُدَّ عليه سائِرُ عمله"
(3)
.
وقال: تفرّد به المغيرة، والمحفوظ عن أبي صالح عن كعب من قوله.
فعلى هذا التقسيم: الوضوء ثُلُثُ الصلاة، إلا أن تجعل الركوعَ والسجودَ كالشيء الواحد؛ لتقاربهما في الصورة؛ فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضًا.
(1)
أورده العقيلي في الضعفاء 3/ 123 ت أبي علي الحنفي مستنكرا روايته لهذا الحديث مع أنه ممن روى عنه الشيخان وباقي الستة انظر ترجمة المزي له وما أورده المحقق عنه، والميزان للذهبي 3/ 13.
(2)
في السنن: كتاب الطهارة وسننها: باب تحت كل شعرة جنابة 1/ 961 من طريق هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن أبي أيوب.
وقد عده الشيخ الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (133 - 598) والضعيفة 3801 وضعيف أبي داود (37) ورد البوصيري في الزوائد على أبي حاتم تضعيفه له بطلحة، وانظر تهذيب الكمال 13/ 441 - 444 وهامشه في ترجمة طلحة.
(3)
أخرجه البزار في مسنده 1/ 177 ح 349 من الكشف من رواية زكريا بن يحيى الضرير عن شبابة بن سوار، عن مغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول ال صلى الله عليه وسلم فذكره بمثل ما أورده ابن رجب قال الهيثمي: لم أره بهذا السياق ثم أورد قول البزار: لا نعلمه مرفوعًا؛ إلا عن المغيرة ولم يتابع عليه، وإن ما نحفظه عن أبي صالح، عن كعب؛ قوله،
وقد أورده الهيثمي في المجمع 2/ 147 وقال: رواه البزار وقال: لا نعلمه مرفوعًا، إلا عن المغيرة بن مسلم والغريب أن يعقب الهيثمي هنا بقوله: والمغيرة ثقة وإسناده حسن!؟
[واحتمال آخر]:
ويحتمل أن يقال: خصِالُ الإيمان من الأعمال والأقوالِ كلِّها تطهر القلب وتزكيه، وأما الطهارة بالماء فهي تختصُّ بتطهيرِ الجسد وتنظيفِه؛ فصارت خصالُ الإيمان قسمين: أحدهما يطهر الظَّاهر، والآخر يطهر الباطن؛ فهما نصفان بهذا الاعتبار. والله أعلم بمراده، ومراد رسوله في ذلك كله.
* * *
[والحمد لله تملأ الميزان]:
وقوله صلى الله عليه وسلم: "والحمد لله: تملأُ الميزانَ وسبحان الله والحمد لله: تملآن أو تملأُ ما بين السّمواتِ والأرضِ".
فهذا شك من الراوي في لفظه.
وفي رواية النَّسَائِي
(1)
، وابن ماجه:"والتسبيح والتكبير مِلْءُ السماء والأرض".
• وفي حديث الرجل من بني سليم
(2)
: "التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض".
• وخرّج الترمذي من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دونَ الله حجاب؛ حتى تَصِل إليه".
وقال: ليس إسناده بالقوي
(3)
.
قلت: "اختلف في إسناده على الإفريقي، فَرُوي عنه، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه زيادة: "والله أكبر ملءُ السموات والأرض".
• وروى جعفر الفريابي في كتاب "الذكر" وغيره من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحمد لله ملءُ الميزان، وسبحان الله نصفُ الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر ملءُ السَّماوات والأرض وما بَيْنَهُنَّ".
(1)
م: "وفي رواية مسلم والنسائي
…
" وزيادة "مسلم" هنا لا وجه لها.
(2)
مضى ص 630.
(3)
الحديث من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وهو المقصود بالإفريقي هنا - أخرجه الترمذي في كتاب الدعاء: باب [87] وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.
• وخرّج الفريابي أيضا من حديث معاذ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلمتان إحداهما مَن قالها لم يكن لها
(1)
ناهِيَةٌ دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله والله أكبر".
* * *
[ما تضمنته هذه الأحاديث]:
فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".
* * *
[الحمد لله]:
فأما "الحمد لله" فاتفقت الأحاديث كلُّها على أنه يملأ الميزان
(2)
، وقد قيل إنه ضرب مثل، وإن المعنى: لو كان الحمد جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله عز وجل يمثل أعمال بني آدم، وأقوالَهم صُوَرًا تُرَى يوم القيامة، وتُوزَنُ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يأتي القرآن يوم القيامة تَقْدُمُهُ "البقرة" و"آل عمران" كأنهما غَمامتان أو غَيَايَتَان
(3)
أو فِرْقَان
(4)
من طير صَوَافَّ"
(5)
.
(1)
م: "له" والمراد أن الكلمة المذكورة لا يكون ليس حين تقال عقبة تصدها أو مانع يمنعها دون العرش. انظر اللسان 20/ 218 والمجمع 10/ 89 - 90.
(2)
ب: "يملأ" أ: "أنه تملأ".
(3)
الغمامة: السحابة، والغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها. والمراد أن ثوابهما يأتي كالسحابتين في العظم. انظر النهاية 3/ 403.
(4)
الفرقان: تثنية فرق وهو الطائفة أو القطيع أو الجماعة أو القطعة والمراد كأنهما جماعتان من طير صافة لأجنحتها، باسطة لها في الهواء عند طيرانها، وهذا تمثيل لعظم ثواب من يقرأ الزهراوين، ويعمل بما فيهما؛ راجع النهاية 3/ 440، والقاموس 3/ 275.
(5)
الحديث عند مسلم: أخرجه في كتاب صلاة المسافرين: باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة 1/ 553 عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه أقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران. فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة" قال معاوية: بلغني أن البطلة: السحرة.
وأخرجه ابن كثير في التفسير 1/ 34 وشرحه شرحا مختصرًا دقيقًا ثم قال: ومعنى لا تستطيعها: أي لا يمكنهم حفظها، وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها ولله أعلم.
• وقال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"
(1)
.
• وقال: "أثقل ما يوضع في الميزان: الخلق الحسن"
(2)
.
وكذلك المؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة؛ والكافر يأتيه عمله في أقبح صورة
(3)
.
• وروي أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البر تكون حول الميت في قبره تدافع عنه
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الدعوات: باب فضل التسبيح 11/ 173، وفي كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} 13/ 451 - 452. وهو آخر حديث في البخاري.
ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار: باب فضل التسبيح والتهليل والدعاء 4/ 2072.
وأحمد في المسند 12/ 152 (المعارف).
والترمذي في كتاب الدعوات: باب [60] 5/ 511 - 512 من طريقين قال في أولهما: هذا حديث حسن صحيح، وقال في ثانيهما: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وابن ماجه في كتاب الأدب: باب فضل التسبيح 2/ 1251.
والنسائي في عمل اليوم والليلة ص 246 ح 836. كلهم من حديث أبي هريرة.
(2)
أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في حسن الخلق 4/ 362 - 363 من طريقين عن أبي الدرداء، أولهما بلفظ:
"ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء". وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأنس وأسامة بن شريك، وهذا حديث حسن صحيح. وثانيهما بلفظ:
"ما من شيء يوضع في الميزان أثقل عند الله من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق الحسن ليبلغ به درجة الصوم والصلاة". وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
(3)
راجع الترغيب والترهيب 4/ 366 وما بعدها.
(4)
أورد المنذري في الترغيب والترهيب 4/ 371 - 373 عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل
…
الحديث. ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في الصحيح.
وأورده الحاكم في المستدرك 1/ 37 - 38 مطولا من حديث البراء وسكت عنه هو والذهبي وأورده الهيثمي في المجمع 3/ 52 - 53 عن أحمد من حديث البراء مطولا وقال رجاله رجال الصحيح.
وأن القرآن يَصْعَدُ فيشفع له
(1)
.
[سبحان الله]:
وأما سبحان الله ففي رواية مسلم: "سبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض".
فضك الراوي في الذي يملأ ما بين السماء والأرض - هل هو الكلمتان أو إحداهما؟
• وفي رواية النَّسَائِي، وابن ماجه: "التسبيح والتكبير ملء
(2)
السماء والأرض".
وهذه الرواية أشبه
(3)
.
وهل المراد أنهما معًا يملآن ما بين السماء والأرض؟، أو أن كُلًّا منهما يملأ ذلك؟ هذا محْتَمل.
• وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه والرجل الآخر: أن التكبير وحده يملأ ما بين السماء والأرض
(4)
.
* * *
[بين التسبيح والتحميد]:
• وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل، كما جاء صريحًا في حديث عليّ وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سليم رضي الله عنهم:"أن التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه" وسبب ذلك: أن التحميدَ إثباتُ المحامد كلها لله، فدخل خل في ذلك إثباتُ صفات الكمال، ونعوتِ الجلال كلها.
• والتسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب والآفات، والإثباتُ أكملُ من السَّلْب. ولهذا لم يَردِ التسبيح مجردًا، لكن مقرونًا بما يدل على إثبات الكمال؛ فتارة يقرن بالحمد كقوله:"سبحان الله وبحمده، سبحان الله، والحمد لله".
(1)
أخرج الحاكم في المستدرك 1/ 554 من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: رب إنى منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان".
وقد صححه الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي.
(2)
" ا ": "ملآ".
(3)
م: "أسند".
(4)
راجع في هذا وفيما قبله من رواية النَّسَائِي وابن ماجه ص 638.
وتارة باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال كقوله: "سبحان الله العظيم".
فإن كان حديث أبي مالك يدل على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير، فالأمر ظاهر.
وإن كان المراد أن كُلًّا منهما يملأ ذلك، فإن الميزان أَوْسَع
(1)
مما بين السماء والأرض، فما يملأ الميزان فهو أكثر
(2)
مما يملأ ما بين السماء والأرض.
ويدل عليه أنه صح عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وُزن فيه السماوات والأرض لوَسِعَتْ
(3)
فتقول الملائكة: " ياربّ! لمن تَزِنَ هذا". فيقول الله تعالى: "لمن شئتُ من خلقي"، فتقول الملائكة:"سبحانك! ما عبدناك حقَّ عبادتك؟! ".
وخزجه الحاكم مرفوعًا وصححه
(4)
.
ولكن الموقوف هو المشهور.
[التكبير]:
• وأما التكبير ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سليم أنه - وحده - يملأ ما بين السماء
(5)
والأرض.
وفي حديث علي: أن التكبير مع التهليل يملأ السماوات
(6)
والأرض وما بينهنّ.
* * *
[التهليل وحده]:
وأما التهليل وحده؛ فإنه يصل إلى الله من غير حجاب بينه وبينه.
• وخرج الترمذي
(7)
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
م: "واسع".
(2)
ط: "فهو أكبر".
(3)
م: "لوسعهما".
(4)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 586 وتمامه فيه بعد هذا: "ويوضع الصراط مثل حد الموسي، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟: فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك". وقد صححه على شرط سلم وأقره الذهبي.
(5)
م: "يملأ السموات والأرض وما بينهما" وما أثبتناه عن ا موافق لما مضى من رواية الرجل من بني سليم ص 630، 638، 641.
(6)
م: "السماء، وما أثبتناه من "ا" موافق لرواية عليّ السابقة، ب: "يملأ السموات" والحديث ص 638.
(7)
في كتاب الدعوات: باب دعاء أم سلمة 5/ 575 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
"ما قال عبد: "لا إله إلا الله" قط
(1)
مخلصًا إِلا فُتِّحَتْ له أبوابُ السماء حتى تُفْضِىَ إلى العرش ما اجْتُنِبَت الكبائرُ".
وقال أبو أمامة: "ما من عبد يهلل تهليلة فَيُنَهْيهُهَا
(2)
شيء دون العرش".
وورد أنه: لا يَعْدِلُهَا شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور
(3)
.
• وقد خرّجه أحمد والترمذي
(4)
والنسائي، وفي آخره عند الإمام أحمد: ولا يثقل شيء "بسم الله الرحمن الرحيم"
(5)
.
• وفي المسند عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
(6)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن نوحًا عليه السلام لا حضرته الوفاة قال لابنه: آمرك بـ "لا إله إلا الله"، فإن السموات السبع، لو وضعت في كِفَّة ووضعت "لا إله إلا الله" في كفّة رجحت بهنّ: "لا إله إلا الله".
• وفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
(7)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن
(1)
من الترمذي.
(2)
ينهنهها: يمنعها ويكفها عن الوصول إليه، النهاية 5/ 139.
(3)
يشير إلى ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقال له: أتنكر عن هذا شيئا؟ فيقول: لا يارب! فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل، فيقول: لا يارب! فيقول: بلى إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يارب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فيوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة.
أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 529 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي، وله طرق أخرى سيشير إليها ابن رجب.
(4)
سقطت من المطبوعة.
(5)
أخرجه أحمد في المسند 11/ 197 - 200، 12/ 49 - 50 (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر. والترمذي في السنن كتاب الإيمان: باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله 5/ 24 - 25 وفي آخره بعد ما في رواية الحاكم: "فلا يثقل مع اسم الله شيء".
وقد عقب عليه أبو عيسى بقوله: هذا حديث حسن غريب.
وأخرجه ابن ماجه في الزهد: باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة 2/ 1437 ولم أجده فيما بين أيدينا من سنن النَّسَائِي فلعل ابن رجب ذكر النَّسَائِي خطأ؛ فلم يذكره المزي كذلك في التحفة وبهذا فليس في الكبرى أيضًا راجع تحفة الأشراف 6/ 352 ح 8855.
(6)
أخرجه أحمد في المسند (10/ 87 / 12/ 23 - 24) المعارف بسياقه كاملًا، بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر.
(7)
هذا الحديث ليس من رواية عبد الله بن عمرو وإنما هو من رواية أبي سعيد الخدري وانظر الدعاء للطبراني 1480 وهامشه.
موسى عليه الصلاة والسلام قال: "يارب! عَلِّمْني شيئًا أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله قال: كل عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئًا تخصُّني به؟ قال: يا موسى! لو أن السَّمَواتِ السَّبْعَ وعامرَهُنَّ غَيْرِي والأَرْضيَن السبعَ في كِفَّة و "لا إله إلا الله" في كِفّة مَالَتْ بِهِنَّ "لا إله إلا الله".
[بين الحمد والتهليل]:
وقد اختلف في: أي الكلمتين أفضَل؟ أكلمةُ الحمد أم كلمةُ التهليل؟ وقد حكى هذا الاختلافَ ابنُ عبد البر وغيره.
• وقال النَّخعي: "كانوا يَروْن أن الحَمد أكثرُ الكلام تضعيفًا".
• وقال الثوري: "ليس يضاعَف من الكلام مثلُ "الحمد لله".
والحمدُ يتضمَّنُ إثباتَ جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد، وأبي هريرة
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: "سبُحان الله" و "الحمدُ لله" و "لا إله إلا الله" و "الله أكبر" فمن قال: "سبحان الله" كُتِبَت له عشرون حسنة، أو حُطّتْ عنه عشرون سيئة، ومن قال: "الله أكبر" مثلُ ذلك، ومن قال: "لا إله إلا الله" مثلُ ذلك، ومن قال: "الحمد لله رب العالمين" من قِتل نفسه كتِبَت له ثلاثون حسنة، أو حُطَّت عنه ثلاثون سيئة".
وقد روي هذا عن كعب من قوله، وقيل: إنه أصحُّ من المرفوع
(2)
.
[والصلاة نور
…
إلخ]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "والصَّلاة نورٌ، والصَدَقة بُرْهَانٌ، والصَّبْرُ ضياءٌ".
وفي بعض نسخ صحيح مسلم: "والصيام ضياء".
• فهذه الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلها، لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور، فالصلاة نور مطلق.
(1)
أخرجه أحمد في المسند 15/ 661، 167، 227 (المعارف) من حديثيهما بإسناد صحيح وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 87 - 88 عن أحمد والبزار، وذكر أن رجاله رجال الصحيح.
(2)
أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة ص 486 ح 843 وذكر محققه تفرد النَّسَائِي به.
ويروى بإسنادين فيهما نظر، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة نورُ المؤمن
(1)
".
فهي للمؤمنين في الدنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم".
• ولهذا كانت قرةَ عين التقين؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "جُعِلت قرة عيني في الصلاة". أخرجه أحمد والنسائي
(2)
.
• وفي رواية: "الجائع يشبع، والظمآن يُروى، وأنا لا أشبع من حبّ الصلاة".
• وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد حبب إليك الصلاة. فخذ منها ما شئت"
(3)
.
• وخرج أبو داود من حديث رجل من خُزَاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا بلال! أقم الصلاة وأَرِحْنَا بِها"
(4)
.
* * *
• قال مالك بن دينار: "قرأت في التوراة: يا ابن آدم! لا تَعْجِز أن تقوم بين يدَيّ في صلاتك باكيًا، فأنا الذي اقتربت بقلبك، وبالغيب رأيتَ نوري
(5)
".
يعني ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء.
• وخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا
(6)
: إذا حافظ العبد على صَلاته فأقام وضوءَها وركوعَها وسجودَها والقراءةَ فيها قالت: حفظك الله كما حفظتني، وصُعِد بها إلى السماء ولها نُورٌ حتى
(7)
تنتهي إلى الله عز وجل، فتشفع
(1)
أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة 1/ 207 من وجهين ضعيفين وانظر هامشه.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 16/ 139 من الفتح الرباني.
والنسائي في الكبرى: كتاب عشرة النساء: باب حب النساء 5/ 280 كلاهما من حديث أنس، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 160) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.
(3)
مسند أحمد 4/ 41، 82 - 83، 243 (المعارف) بإسناد صحيح.
(4)
سنن أبي داود كتاب الأدب: باب صلاة العتمة 4/ 406 من وجهين بإسناد حسن.
وقد أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1/ 148 عن الدارقطني في العلل، من حديث بلال أيضًا.
(5)
الحلية 12/ 359.
(6)
أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1/ 132، عن الطبراني في الأوسط من حديث أنس، وعن الطيالسي والبيهقي في الشعب من حديث عبادة بن الصامت، وذكر أنه ضعيف من هذه الطرق.
(7)
سقط عن المطبوعة.
لصاحبها.
• وهي نور للمؤمنين (في قبورهم)
(1)
ولا سيما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء:"صلّوا ركعتين في ظُلَمِ الليل، لظلمة القبور".
• وكانت "رابعة" قد فَتَرت عن ورْدِها بالليل مدة، فأتاها آتِ في منامها، فأنشدها:
صلاتُكِ نورٌ والعبادُ رقُودُ
…
ونومُكِ ضِدٌّ للصلاةِ عَنِيدُ؟!
• وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط؛ فإن الأنوار تقسم لهم على حسب أعمالهم.
• وفي المسند وصحيح ابن حبان
(2)
عن عبد الله بن عمرو
(3)
، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر الصلاة فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً".
وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث ابن عباس، وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى الصلوات الخمسَ في جماعة جاز على الصراط كالْبَرْق اللامع في أول زُمْرة من السابقين، وجاء يوم القيامة ووجْههُ كالقمر ليلة البدر
(4)
".
وأما الصدقة فهي برهان. والبرهان هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى:"إن روح المؤمن تخرج من جسده، لها بُرْهانٌ كبرهان الشمس"
(5)
.
ومنه سميت الحجة القاطعة برهانًا، لوضوح دلالتها على ما دلت عليه فكذلك:"الصدقة" برهانٌ على صحة الإيمان، وطيبُ النفس بها علامةٌ على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية الغاضري
(6)
عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مَنْ فَعلهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ، وأنّه لا إله إلا الله،
(1)
ما بين القوسين سقط من المطبوعة.
(2)
مسند أحمد 10/ 83 بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر وفي آخره
…
وكان ب قارون وفرعون وهامان وأبهما بن خلف".
وصحيح ابن حبان 3/ 14 من الإحسان وفى آخره: وكان يوم القيامة مع قارون.
(3)
في المطبوعة والإحسان: "عمر" وهو تحريف.
(4)
بإسناد ضعيف كما في المجمع 2/ 42.
(5)
لم أجده.
(6)
في المطبوعة: "العامري" وهو تحريف وقد أخرجه أبو داود في السنن (1582) بإسناد صحيح كما في صحيح من أبي داود 1/ 297 ح 1400 وعنده "وأعطى زكاة ماله
…
ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشَّرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره". الحديث.
وأدّى زكاة ماله طَيّبَةً بها نفسُه، رافِدًة
(1)
عليه في كل عام".
وذكر الحديث، خرجه أبو داود.
وقد ذكرنا قريبًا
(2)
حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيّبةً بها نفسُه. قال: وكان يقول: "لا يفعل ذلك إلا مؤمن".
* * *
وسبب هذا: أن المال تحبه النفوس، وتبخل به، فإذا سَمحَت بإخراجه لله عز وجل دلّ ذلك
(3)
على صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده: ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقاتلهم الصّدّيق على منعها.
* * *
والصلاة أيضًا برهان على صحة الإسلام.
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن عُجْرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة برهان"
(4)
.
وقد ذكرنا في شرح حديث "أمرت أن أقاتل الناس
(5)
حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" أَن الصلاة هي الفارقة
(1)
قال في النهاية 2/ 421: الرافدة: فاعلة من الرفد وهو الإعانة، يقال رفدته أرفده إذا أعنته: أي تعينه نفسه على أدائها.
(2)
ص 636.
(3)
ليست في ب.
(4)
أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة: باب ما ذكر في فضل الصلاة 2/ 512 - 513 تاما، من حديث كعب بن عُجرة، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعيذك بالله يا كعب بن عجرة! من أمراء يكونون عن بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني، وليست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن غشي أبوابهم، أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض، يا كعب بن عجرة! إنه لا يربو لحم نبت من سحت؛ إلا كانت النار أولى به.
ثم عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وأخرجه أحمد في المسند 3/ 321، 399 (الحلبي).
والحاكم في المستدرك 4/ 422 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وهو عند أحمد والحاكم من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة .. الحديث.
وأورده المنذري في الترغيب والترهيب 3/ 150 عن أحمد والبزار، وقال: رواتهما محتج بهما في الصحيح.
كما أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 247 عن أحمد والبزار، وقال:"رجالهما رجال الصحيح".
(5)
وهو الحديث الثامن من أحاديث الكتاب.
بين
(1)
الكفر والإسلام
(2)
.
وهي أيضًا: أول ما يحاسَب به المرء يوم القيامة، فإن تمَّت صلاته، فقد أفلح وأنجح
(3)
.
وقد سبى حديث عبد الله بن عمرو
(4)
فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة.
وأما الصبر فإنه ضياء، والضياء هو النور الذي يحصل منه
(5)
نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر؛ فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، قال الله عز وجل:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا}
(6)
.
[شريعة موسى وكيف أنها ضياء؟!]:
ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنهما صاءٌ، كما قال:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ}
(7)
، وإن كان قد ذكر أن في التوراة نُورًا كما قال:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور}
(8)
لكن الغالب على شريعتهم الضياء لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال.
[شريعة محمد وكيف أنها نور؟!]:
ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها نورٌ لا فيها من الحنيفية السمحة قال الله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}
(9)
(10)
.
ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه كان ضياء، فإن معنى الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قتلُ الصَّبْر، وهو: أن يُحْبس الرجل حتى يُقتَلَ.
(1)
"ا": "من".
(2)
بعد هذا في م: "والإيمان".
(3)
ب: "ونجح".
(4)
ص 646.
(5)
م: "فيه".
(6)
سورة يونس: 5.
(7)
سورة الأنبياء: 48.
(8)
سورة المائدة: 44.
(9)
سورة المائدة: 5.
(10)
سورة الأعراف: 157.
[الصبر المحمود]:
والصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله عز وجل، ومنه صبر عن معاصي الله عز وجل، ومنه صبر على أقدار الله عز رجل.
والصبر على الطاعات، وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صرَّح بذلك السلفى منهم: سعيد بن جبير، وميمونُ بن مِهْران، وغيرهما.
وقد رُوي بإسناد ضعيف من حديث عليّ مرفوعًا أن الصبر على المصيبة يكتَبُ به للعبد ثَلَثُمائة درجة، وأن الصبر على الطاعة يُكتب به له ستمائة درجة، وأن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسعمائة درجة.
وقد خرّجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير الطبري
(1)
.
* * *
[أفضل أنواع الصبر]:
وأفضل أنواع الصبر: الصيام؛ فإنه يجمع الصبرَ على الأنواع الثلاثة؛ لأنَّه صَبرٌ على طاعة الله عز وجل، وصَبْرٌ عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواتِهِ لله ونَفْسُه قد تُنازِعُه إليها؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل يقول: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له إلا الصيامَ، فإنه لي وأنا أجزي به؛ إنه
(2)
ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي
(3)
.
• وفيه أيضًا: صَبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُسمي شهْرَ الصيام: شهْرَ الصبر
(4)
.
وقد جاء في حديث الرجل من بني سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الصوم نصف الصبر
(5)
.
(1)
كما في إتحاف السادة المتقين 9/ 25 وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وأورده الديلمي في مسند الفردوس 3846 وانظر هامشه وفيه تضعيف السيوطي له وقول ابن الجوزي بوضعه.
(2)
في م: "لأنَّه" وليست هذه اللفظة في الصحيحين ففي مسلم: "
…
وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي.
(3)
الحديث أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب الصوم: باب هل يقول إني صائم إذا شتم 4/ 118.
ومسلم في كتاب الصيام: باب فضل الصيام 2/ 807. كلاهما من حديث أبي هريرة.
(4)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 67 من حديث سلمان من طرق عن ابن خزيمة، والبيهقي، وأبي الشيخ، ثم ذكر أن في أسانيدها ضعفًا.
(5)
رواه أحمد في المسند 4/ 260 (الحلبي) من حديث معاذ بن معاذ عن شعبة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن جرى النهدي، عن رجل من بني سليم فال: عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده أو في يدي فقال: سبحان الله=
وربما عَسُرَ الوقوفُ على سر كونه نصف الصبر أكثرَ من عُسْر الوقوف على سر كون الطُّهور شَطْرَ الإيمان. والله أعلم.
[والقرآن حجة لك أو عليك]:
وقوله صلى الله عليه وسلم: "والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليك":
قالما الله عز وجل: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}
(1)
.
• قال بعض السلف: "ما جالس أحدٌ القرآن فقام عنه سالمًا بل إما أن يربح أو أن يَخْسَرَ" - ثم تلا هذه الآية.
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يمثل القرآن يوم القيامة رجلًا فيؤتى بالرجل قد حَمَله فخالفَ أمَره، فَيتَمَثَّلُ له خصْمًا فيقول: يارب حَمَّلتَه إياي فبئس حاملي، تعدّى حدُودي، وضيّع فرائضي وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج، حتى يقال: شأنَك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبّه على مِنْخَرِه في النار، ويؤُتَى بالرجُلِ الصَّالح كان قد حمله، [وحفظ أمره]
(2)
فيتمثل خصمًا دونه، فيقول: يارب! حمَّلتَه إياي فخيرُ حامل، حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتَّبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنَك به، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يُلْبِسه حُلّة الإستبرق، ويعقدَ عليه تاجَ الملك، ويسقِيَهُ كأسَ الخمر"
(3)
.
• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "القرآن شافع مشفع، وماحِلٌ
(4)
مُصدَّق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلْف ظهره قاده إلى النار".
وعنه قال: "يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه فيكون قائدًا إلي الجنة، أو يضهد عليه فيكون سائِقًا إلى النار".
= نصف الميزان والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والطهور نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر. والحديث مضى ص 630، 638، 641.
(1)
سورة الإسراء: 82.
(2)
ما بين القوسين سقط من م، ب.
(3)
أورده في كنز العمال 1/ 546 عن ابن أبي شيبة وابن الضريس من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وفيه: "
…
قد حمله فما نفذ أمره .. فشأنك به
…
قد كان .. إياي فحفظ. وهو عند ابن أبي شيبة في المصنف 10/ 491 - 492. وانظره في الفضائل لابن الضريس 100، والكشف 3/ 98 وهو فيه بإسناد ضعيف.
(4)
قال في النهاية 4/ 303: ومنه حديث ابن مسعود: القرآن شافع .. وما حل .. أي خصم مجادل مصدق.
• وقال أبو موسى الأشعري: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزْرًا، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يَتَّبِعُكُمُ القرآن، فإنه من اتّبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتَّبَعَهُ القرآنَ زَخَّ في قفاه فقذفه في النار"
(1)
.
* * *
[كل الناس يغدو وأقسامهم]:
قوله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ الناسِ يَغْدُو فبائعٌ نفسهَ فمعتقُها أو مُوبِقُها".
* * *
وخرّج الإمام أحمد
(2)
، وابن حبان، من حديث كعب بن عجرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الناس غاديان: فبائعٌ نفسَه فمعتقها أو مُوبِقُها"
(3)
.
(1)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 257 في ترجمته لأبي موسى الأشعري من حديث معاوية بن قرة، عن أبي كنانة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أنه جمع الذين قرءوا القرآن فإذا هم قريب من ثلاثمائة فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم أجرا
…
الحديث وفيه: ومن تبعه القرآن زخ في قفاه، وفي نسخة: ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه.
والزخ: الدفع قال في النهاية 2/ 298: فيه "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من تخلف عنها زخ به في النار" أي دفع ورمي ومنه حديث أبي موسى أتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن؛ فإنه من يتبعه القرآن يُزَخُّ في قفاه" وفي ب: "زج" وهو تصحيف.
(2)
حديث أحمد في المسند 3/ 321 (الحلبي) من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن ابن سابط، عن جابر بن عد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردوا عليّ حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم وسيردوا عليّ حوضي، يا كحب بن عجرة! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان أو قال: برهان يا كعب بن عجرة! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت؛ النار أولى به، يا كعب بن عجرة! الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها". وأخرجه من وجه آخر من حديث جابر، عن كعب في 3/ 399 بنحوه وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا كعب ابن عجرة! أعيذك بالله من إمارة السفهاء
…
الحديث وفيه: من دخل عليهم فصدقهم بحديثهم
…
ولم يردوا على الحوض
…
وأولئك يردون على الحوض
…
الناس غاديان فغاد بائع نفسه، وموبق رقبته، وغاد مبتاع نفسه ومعتق رقبته" وقد أورده الهيثمي في المجمع 5/ 247 وقال: رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه 3/ 111 - 112 من الإحسان من حديث حماد بن سلمة عن ابن خثيم - به - بنحوه وفيه: والناس غاديان فمبتاع نفسه ومعتق رقبته وموبقها، ومن حديث إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق - به - بنحوه وفيه:"يا كعب بن عجرة! الناس غاديان" بمثل رواية أحمد الأولى، الإحسان، 7/ 23 - 24.
فليس في واحد من المرجعين نص ما أشار إليه ابن رجب.
وفي ب: "فمبتاع نفسه فمعق نفسه وموبقها".
(3)
ل، ر: "فمبتاع نفسه فمعتق نفسه
…
".
وفي رواية أُخرى خرّجها الطبراني: "الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، وفادٍ نفسَه فمعتقها"
(1)
.
وقال الله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}
(2)
.
والمعنى: فد أفلح من زكّى نَفْسه بطاعة الله، وخاب مَن دسَّاها بالمعاصي. فالطاعة تُزَكّى النفس، وتطهرها، فترتفع بها، والمعاصي تُدَسِّى النفس، وتَقْمَعُهَا فتنخفض: وتصير كالذي يُدَسُّ في التراب.
* * *
[دلالة هذا الحديث]:
ودلّ الحديث على أن كل إنسان فهو إما ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكَاكِهَا؛ فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله تعالى فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
(3)
.
وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}
(4)
(5)
.
• وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: فال رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين أنزل الله عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}
(6)
- "يا معشر قريش! اشْتَرُوا أنْفسَكُم مِن الله،
(1)
أخرج الطبراني هذا النص في الكبير 19/ 135 - 136 جزء حديث بنحو سياق أحمد وابن حبان. وبعده في هذا الموضع والصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطئة كما يطفئ الماء النار.
وأخرجه بمثله في الصغير ح 616 وفي الكبير بنحوه 19/ 141/ 145 - 146 وفيه: "الناس غاديان فمشتر نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فمهلكها". وفي 162 بنحوه.
وأورده الهيثمي في المجمع 10/ 230 - 231 عن أبي يعلى وقال: رجاله رجال الصحيح، وعن الطبراني في الأوسط وقال: رجاله ثقات.
(2)
سورة الشمس: 7 - 10.
(3)
سورة التوبة: 111.
(4)
سورة البقرة: 207.
(5)
سورة الزمر: 15.
(6)
سورة الشعراء: 214.
لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا، يا بني عبدِ المطلب! لا أُغْني عنكم من الله شيئًا"
(1)
.
• وفي رواية للبخاري
(2)
: "يا بني عبد مناف! اشَتُروا أنفسكم من الله، يا بني عبد الطلب! اشتروا أنفسكم من الله لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عمة رسول الله! يا فاطمة بنت محمد! اشتريا أنفسكما مِن الله لا أملك لكما من الله شيئًا".
وفي رواية لمسلم: أنه دعا قريشا فاجتمعوا فعمَّ وخصَّ فقال: "يا بني كَعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، [يا بني هاشم أنفذوا أنفسكم النار، يا بني عبد المطلب]
(3)
! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا"
(4)
.
* * *
[من وسائل شراء النفس]:
• وخرّج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمدهِ ألفَ مرّة فقد اشترى نفسَه من الله تعالى، وكان مِن آخر يومه عتيقًا من النار"
(5)
.
[كيف اشتروا أنفسهم؟]:
• وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله عز وجل بأموالهم، فمنهم من تصدّق بماله كله كحبيب بن أبي محمد!؟.
• ومنهم من تَصدَّقَ بوزنه فِضّةً ثلاث مرات أو أربعًا كخالد بن الطحّان!؟.
• ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة، ويقول: "إنما أنا أسيرٌ أسعى في
(1)
البخاري في كتاب الوصايا: باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب 5/ 286 وفي كتاب أحاديث الأنبياء: باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية 6/ 430 - 431 وفي كتاب التفسير: سورة الشعراء 8/ 386.
ومسلم في كتاب الإيمان: باب قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} 1/ 192 - 193.
(2)
هي المذكورة في كتاب أحاديث الأنبياء، لكن باختلاف يسير عما ذكر ابن رجب.
(3)
ما بين الرقمين ليس في ب.
(4)
هذه الرواية أول ما ساق مسلم في الباب المذكور من روايات في هذا الشأن، وتمام هذه الرواية:"غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها" أي سأصلها.
(5)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 113 - 114 عن الطبراني في الأوسط وضعفه بقوله: فيه من لم أعرفه. وهو عند الخرائطي في المكارم 2/ 831 ح 918 - 637 كذلك.
فِكاك رقبتي" منهم: عمرو بن عُتْبة!؟.
• وكان بعضهم يسبّح كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة بقدرِ دِيتَهِ، كأنه قد قتل نَفْسَه فهو يَفْتكها بديتها!؟.
• قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعي في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله عز وجل.
• وقال: "ابنَ آدم! إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح؛ فليكن هَمُّك نفسَك، فإنك لن تربح مثلَها أبدًا"؟!.
• قال أبو بكر بن عياش: "قال لي رجل مرة - وأنا شاب: خلّص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رِقِّ الآخرة؛ فإن أسير الآخرة غيرُ مفكوكٍ أبدًا". قال: فوالله ما نسيتها بعد!؟.
• وكان بعض السلف يبكي ويقول: "ليس لي نَفْسَان، إنما لي نَفْسٌ واحدة إذا ذَهَبَتْ لم أجد أخرى".
• وقال محمد بن الحنفية: "إن الله عز وجل جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوهَا بغيرها".
• وقال أيضًا: "مَن كَرُمَتْ نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدْر".
• وقيل له: "مَنْ أعظما الناس قدرًا؟ " قال: "مَنْ لم ير الدنيا كُلَّها لنفسه خطرًا"
* * *
• وأنشد بعض المتقدمين:
أثَامِن بالنفس النفيسة رَبَّها
…
وليس لها في الخلْق كلّهمُ ثَمْنُ
بها تملك الأخرى فإن أَنَا بِعْتُها
…
بِشَيءِ مِنَ الدنيا فَذاكَ هُوَ الغَبْنُ
لئن ذهبَتْ نَفْسِي بِدُنيا أُصِيبُها
…
لقدْ ذهبَتْ نَفْسِي وقد ذَهَب الثَّمْنُ
* * *
الحديث الرابع والعشرون
عَنْ أَبِي ذَر الغِفَارِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ عز وجل أَنَّهُ قَالَ:
يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَّالَمُوا.
يَا عبادي! كلّكُمْ ضالٌّ إلا مَنْ هديتُه؛ فاستهدوني أَهْدِكُمْ.
يَا عِبادِي! كُلُّكُمْ جائِعٌ إلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُها.
يَا عِبادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاستَكسُونِي أَكسُكُمْ.
يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئونَ بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِر لَكُمْ.
يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.
يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلَى أَتْقى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ فيِ مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِد مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وإنْسَكُمْ وَجِنّكُمْ، قَامُوا فيِ صَعِيدٍ واحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كل وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ،
يَا عَبِادِي! إِنَّمَا هيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصيِهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فمن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ. رواه مُسْلِمٌ.
* * *
[تخريج ابن رجب للحديث]:
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد
(1)
، عن
(1)
في المطبوعة: "زيد" وهو تحريف، فهو ربيعة بن زيد الإيادي - ينسب إلى إياد بن نزار بن معد، ويكنى أبا شعيب الدمشقي.
يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص والنعمان بن بشير، وواثلة بن الأسقع: أبي إدريس الخولاني وجماعة.=
أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرّ - وفي آخره قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثَا على ركبتيه
(1)
.
وخرجه مسلم أيضًا من رواية قتادة
(2)
، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم - ولم يسقه بلفظهم، ولكنه قال:"وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتم".
وخرجه الإمام أحمد
(3)
والترمذي
(4)
وابن ماجه
(5)
من رواية شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى:
"يا عبادي! كلُّكُم ضالّ إلا من هديتُه، فسلُوني
(6)
الهدى أهدكم".
"وككم فقير إلا من أغنيتُه، فسَلُوني أرزقكم".
"وكلكم مذنبٌ إلا من عافَيتُه؛ فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة؛ فاستغفرني غفرت له، ولا أبالي".
"ولو أن أولَكم وآخركم وحيّكم وميّتكم ورَطْبكُم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زادَ ذلك في ملكي جناح بعوضة".
["ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميّتكم وَرَطْبكم ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي ما نقص ذلك من مُلكي جناحَ بَعوضة"]
(7)
.
"ولو أن أولكم وآخركم وحيّكم وميّتكم وَرَطْبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد وأحد فَسأل كَل إنسان منكَم مأ للغت أمنيته، لأعطيتُ كَلَّ سائل منكَم [ما سأل]
(8)
ما نقص ذلك من مُلْكِي إلا كما لو أن أحَدَكم مرَّ بالبحر فغمس فيه إبرةً ثم رفعها إليه:
= يروي عنه الأوزاعي وحيوة بن شريح، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم - تابعي ثقة، كان من خيار أهل الشام، قيل كانت وفاته سنة 123.
له ترجمة في تهذيب التهذيب 2/ 264.
(1)
صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم الظلم 4/ 1994.
(2)
عقيب الرواية السابقة.
(3)
مسند أحمد 5/ 154، 177، وفي 5/ 160 (الحلبي) من وجه آخر.
(4)
الترمذي في كتاب صفة القيامة: باب 448/ 556 - 657 وعقب عليه بما سيذكره ابن رجب.
(5)
ابن ماجه في كتاب الزهد: باب ذكر التوبة 2/ 1422.
(6)
م: "فسألوني .. فأسألوني" والتصويب من الترمذي.
(7)
،
(8)
ما بين القوسين سقط من المطبوعة.
"ذلك بأني جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أفعل ما أريد؛ عَطَائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إدا أردتُه أن أقولَ له: كن، فيكون".
وهذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن.
وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا أن إسنادَهُ ضعيف
(1)
.
[حديث أبي ذر]:
وحديث أبى ذر قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام.
* * *
[تحريم الله الظلم]:
فقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: "يا عبادي! إني حَرّمتُ الظلْمَ على نفسي".
يعني أنه منع نفسه من الظلم لعباده كما قال عز وجل: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}
(2)
. وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}
(3)
وقال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}
(4)
وقال: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد}
(5)
وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا}
(6)
وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}
(7)
وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}
(8)
والهضم أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم أن يعاقَبَ بذنوب غيره.
ومثل هذا كثير في القرآن، وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم، ولكن لا يفعله؛ فضلًا منه وجُودًا وكَرَمًا وإحسانًا إلى عباده.
* * *
[معنى الظلم]:
وقد فسر كثير من العلماء الظلم بأنه وضع الأشياء في غير مواضعها.
وأما من فسره بالتصرف في مِلْك الغير لغير إذنه - وقد نُقِل نحوه عن إياس بن
(1)
أورده الهيثمي في المجمع 10/ 50، عن الطبراني في الأوسط والكبير مختصرًا وقال: فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة وهو مجمع على ضعفه.
(2)
سورة ق: 29.
(3)
سورة آل عمران: 108.
(4)
سورة غافر: 31.
(5)
سورة فصلت: 46.
(6)
سورة يونس: 44.
(7)
سورة النساء: 40.
(8)
سورة طه: 112.
معاوية وغيره - فإنهم يقولون: إن الظلم مستحيل عليه، وغيره متصوَّر في حقه؛ لأن كلَّ ما يفعله فهو تصرف في مُلْكه.
وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمرانَ بنِ حُصَين حين سأله عن القدَر
(1)
.
وخرج أبو داود
(2)
وابن ماجه
(3)
من حديث أبي سنان: سعيد بن سنان عن وهب ابن خالد الحمصى عن ابن الديلمي: أنه سمع أبيّ بن كعب يقول:
[لو عذب الله خلقه لما كان ظالمًا]:
" لو أن الله تعالى عذّب أهلَ سمواتِه وأهل أرضه لعذّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم".
وأنَّه أتى ابن مسعود فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت؛ فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك.
وفي هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالد ليس بذاك المشهور بالعلم
(4)
.
(1)
وكان سؤال عمران ليمتحن عقله وفهمه ومعرفته كما في صحيح مسلم 4/ 2041.
(2)
في كتاب السنة: باب القدر 4/ 310 - 311 وسياقه فيه عن ابن الديلمي، قال. أتيت أبيّ بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، قال: لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن مما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار قال: ثم أتيت ابن مسعود
…
الحديث. وسياقه عند ابن ماجه أطول من هذا.
فقد اختصر ابن رجب الحديث حين أورده عنهما.
(3)
في مقدمة السنن: باب القدر 1/ 29 - 30.
(4)
يريد ابن رجب أن يضعف الحديث بوهب بن خالد، بحجة أنه ليس بذاك المشهور بالعلم، وهذا القول من ابن رجب هو الذي فيه نظر، فقد ترجم ابن حجر في التهذيب 11/ 162 لوهب بن خالد - هذا - فذكر أنه روى عن ابن الديلمي، ومحمد بن زياد الألهاني، وأسد بن وداعة، وأم حبيبة بنت العرباض بن سارية. وروى عنه أبو سفيان: سعيد بن سنان، وأبو عاصم النبيل، وأنَّه قد وثقه كل من أبي داود وابن حبان والعجلي. ولم يذكر ابن حجر أن أحدًا تناول وهبا بالتجريح.
ثم لم يذكره الذهبي في الميزان - وعادته أن يذكر فيه من اختلفوا في توثيقه وتجريحه. ولعل هذا لأنَّه لم يقف أيضًا على تجريح فيه.
وكان يمكن أن يكون لابن رجب متكأ في تضعيف الحديث لو أنه أعله بأبي سنان: سعيد بن سنان فقد اختلفت كلمة المحدثين في توثيقه، قال أحمد: ليس بالقوي، وقال مرة: كان رجلًا صالحا، ولم يكن يقيم الحديث، وقال النَّسَائِي: ليس به بأس، ووثقه الدارقطني ومن قبله ابن معين، وقال ابن عدي: له أفراد، وأرجوا أنه ممن لا يتعمد الكذب.
راجع ميزان الاعتدال 2/ 143.
وقد يُحمَل على أنه لو أراد تعذيبَهمْ لقدّر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذ
[خلق الله للظلم لا يقتضي وصفه به]:
• وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد وهي خلْقهُ وتقديرهُ، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله، ولا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم.
* * *
[وجعلته بينكم محرمًا]:
وقوله تعالى: "وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".
يعني أنه تعالى حرّم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره مع الظلم في نفسه محرّم مطلقًا وهو نوعان:
[الظلم نوعان]:
• أحدهما: ظلما النفس وأعْظمُه: الشرك، كما قال تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
(1)
فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعَبدَه وتألّهه فهو وضع الأشياء في غير مواضعها.
وأكثر ما ذكر في القرآن وعيد الظالمين؛ إنما أريد به المشركون كما قال الله عز وجل {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
(2)
ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ.
• والثاني: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع:"إن دماءكم وأموالكُم وأعراضكم عليكُم حرامٌ كحُرْمة يومِكم هّذا في شَهْركم هذا في بلَدِكم هذا"
(3)
.
(1)
سورة لقمان: 13.
(2)
سورة البقرة: 254.
(3)
الحديث مشهور في كتب السنة: باب حجة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي الكتب التاريخية، والتي أفردت لحجة الوداع مصنفا خاصا، غير أن هذه الرواية والرواية الآتية التي سيشير إليها ابن رجب: "اسمعوا مني
…
" جاءتا معا في نسق رواية واحدة أخرجها أحمد في المسند (5/ 72)(الحلبي) من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه. وأوردها ابن كثير عنه في البداية والنهاية 5/ 201 - 202.
وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق
(1)
.
وفي رواية: ثم قال: "اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظالموا، إنه لا يَحلُّ مالُ امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه".
• وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الظلم ظلماتٌ يَوْمَ القيامَةِ"
(2)
.
• وفيهما عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فال:"إن الله لَيُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} "
(3)
.
• وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"مَن كانت عنده مظلمة لأخيه فَلْيتَحَلَّلْ منها؛ فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهم مِن قَبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات أخيه فَطُرِحَتْ عليه"
(4)
.
* * *
[كلكم ضال إلا من هديته
…
إلخ]:
• قوله: "يا عبادى! كلُّكم ضال إلا من هديْتُهُ فاسْتَهْذوني أَهْدِكُم. يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلا مَن أطْعَمتُهُ، فاسْتَطعِموني أْطْعِمْكم. يا عبادي! كلُّكم عارٍ إلا مَن كسوتُه فاسْتكْسُوني أَكْسُكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوبَ جميعًا، فاستغفروني أَغْفِرْ لكُمْ".
• هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلْب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله،
(1)
راجع البداية والنهاية في الموضع السابق، وسنن أبي داود 2/ 483، 488 - 489.
(2)
البخاري في كتاب المظالم: باب الظلم ظلمات يوم القيامة 5/ 73.
ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم الظلم 4/ 1936.
(3)
الآية 107 من سورة هود.
والحديث في صحيح البخاري: كتاب التفسير: سورة هود: باب قوله {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} 8/ 285 ومسلم في الباب السابق 4/ 1997 - 1998.
(4)
في كتاب الرقاق: باب القصاص يوم القيامة 11/ 344.
وأن من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يُحرَمُهُما في الدنيا، ومَن لمن يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبَقَتهُ خطاياه في الآخرة؛ قال الله تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}
(1)
.
• ومثل هذا كثير في القرآن، قال تعالى:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
(2)
.
وقال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}
(3)
.
وقال: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ}
(4)
.
وقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}
(5)
.
• وقال تعالى - حاكيًا عن آدم وزوجه عليهما السلام أنهما قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
(6)
.
وعن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
(7)
.
* * *
[كيف استدل إبراهيم عليه السلام بهذا على التوحيد]:
• وقد استدل إبراهيم الخليل عليه السلام بتفرد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره، وأن كل ما أشرك معه فباطل، فقال لقومه:{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}
(8)
، فإن من تفرّد بخلْقِ العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، ومغفرة ذنوبه في الآخرة - مستحقُّ أن يُفْرَدَ بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع إليه والاستكانة له، قال الله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
(1)
سورة الكهف: 17.
(2)
سورة فاطر: 2.
(3)
سورة الذاريات: 58.
(4)
سورة العنكبوت: 17.
(5)
سورة هود:6.
(6)
سورة الأعراف: 23.
(7)
سورة هود: 47.
(8)
سورة الشعراء: 75 - 83.
يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}
(1)
.
[من دلالات الحديث]:
• وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة.
[ودليل ذلك]:
• وفي الحديث: "ليسأل أحدكم ربّه حاجَتَه كُلَّها حتى
(2)
شِسعَ نعله إذا انقطع"
(3)
.
• وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كُلَّ حوائجه، حتى ملحَ عجينه، وعلَفَ شاته.
• وفي الإسرائيليات: "أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: "يارب! إنه لَتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك؟ " قال: "سلني حتَّى: مِلحَ عجينك، وعلف حِمَارك، فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله: فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يُحَبِّبُهُ إلى
(4)
الله".
• وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئًا من مصالح الدنيا.
• والاقتداء بالسنة أَولى.
* * *
[هل المرء يولد ضالًا أم مهتديًا]:
• وقوله: "كلُّكُم ضالٌّ إلا مَن هَدَيته".
قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حِمَار
(5)
عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله
(1)
سورة الروم: 40.
(2)
ليست في م.
(3)
تفرد به الترمذي من بين أصحاب الكتب الستة فرواه متصلًا بإسناد غريب ومرسلا بإسناد حسن أو صحيح كما في التيسير 2/ 319 ورواه ابن حبان في صحيحه 2/ 126 من الإحسان من حديث أنس.
(4)
م: "يحبه الله".
(5)
م: "حماد" وهو تحريف، فهو عياض بن حمار بن أبي حمار بن ناجية بن عقال التميمي سكن البصرة. روى عنه مطرف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير والحسن البصري، وكان صديقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قديما، وكان إذا قدم مكة لا يطوف إلا في ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
راجع ترجمته في الاستيعاب 3/ 1232 - 1233، وتهذيب التهذيب 8/ 200.
عز وجل: خلقتُ عبادي حُنَفَاء"، وفي رواية: "مُسلِمين فاجْتَالَتْهُم الشياطين"
(1)
وليس كذلك؛ فإن الله خلق بني آدم، وفَطَرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد للعبد من تعلم الإسلام بالفعل فإنه قبل التعلُّم جاهلٌ لا يَعلَمُ شيئًا؛ كما قال عز وجل:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}
(2)
، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى}
(3)
والمراد: وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}
(4)
.
• فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق؛ فإن هداه الله تعالى سبّب له مَن يعَلِّمه الهدى، فصار مهتديًا بالفعل - بعد أن كان مهتديًا بالقوة، وإن خذله الله قَيَّضَ له من يُعَلِّمه ما يغيِّر فطرته، كما قال صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرَانهِ ويُمجِّسانِهِ"
(5)
.
* * *
[كيف يسأل المؤمن الهداية إذا كان مهتديًا؟]:
• وأما سؤال المؤمن من الله الهداية؛ فإن الهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصلة وهي هدايته إلى معرفة
(1)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 162 (الحلبي) بسياقه كاملا.
ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها: باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار 4/ 2197 - 2198.
وهو الحديث الوحيد الذي أخرجه مسلم لعياض المذكور رضي الله عنه. وأورده ابن كثير في التفسير 3/ 433 عنهما ثم قال: انفرد بإخراجه مسلم فرواه من طرق عن قتادة عن مطرف عن عياض.
(2)
سورة النحل: 78.
(3)
سورة الضحى: 7.
(4)
سورة الشورى: 52.
(5)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه 3/ 172 وباب ما قيل في
أولاد المشركين 3/ 191 - 194 وفي كتاب التفسير: سورة الروم: باب قوله تعالى {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} 8/ 416.
وفي كتاب القدر: باب الله أعلم بما كانوا عاملين 11/ 418 (من الفتح) وذلك من حديث أبي هريرة في
المواضع المذكورة.
وأخرجه مسلم في كتاب القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال المشركين 4/ 2047 - 2049.
كلاهما من حديث أبي هريرة من طرق ووجوه عديدة.
تفاصيل [أجزاء] الإيمان والإسلام، وإعانتُه على فعل ذلك. وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلًا ونهارًا؛ ولهذا أمر الله عباده أن يقرءوا في كل ركعة من صلاتهم قوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
(1)
.
• وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه بالليل: "اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مُستقيم"
(2)
.
ولهذا يُشَمَّت العاطس فيقال له: "يهديكم الله".
كما جاءت السنَّة بذلك
(3)
.
(1)
سورة الفاتحة: 5.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه 1/ 534 من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم! رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض. عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
(3)
قال في النهاية 2/ 499: التشميت بالشين [المعجمة] والسين [المهملة]: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، يقال: شمَّت فلانا وشَمّتَ عليه تَشميتًا، فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعا العاطس بالثبات على طاعة الله تعالى، وقيل: معناه: أبعدك الله عن الشماتة، وجنبك ما يُشَمَّتُ به عليك.
والأصل في سنة التشميت نحو ما أثر من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم [الحالف] ونهانا عن سبع: عن خاتم الذهب، أو قال: حلقة الذهب، وعن لبس الحرير والديباج والسندس .. الحديث.
ونحو ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب. فإذا عطس أحدكم فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته .. الحديث.
وأما كينية التشميت فالسنة فيها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
وراجع ما أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب تشميت العاطس إذا حمد الله 10/ 496 وباب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب 10/ 500 - 501 وباب إذا عطس كيف يشمت 10/ 501 - 502.
وما أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق: باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب 4/ 2292 - 2293.
وما أخرجه الترمذي في كتاب الأدب. باب ما جاء كيف تشميت العاطس 5/ 82 - 83 وأبو داود في كتاب الأدب: باب ما جاء في تشميت العاطس 4/ 420.
فما يستفاد من هذه الأحاديث الصحيحة من أنه يشمت العاطس فيقال له: "يرحمك الله" مناهض لما ذكره ابن رجب. ==
وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق؛ ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يُدعَى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء اتباعًا للسنة في ذلك.
• وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا: أن يسأل الله السداد والهدى
(1)
، وعلَّم الحسن أن يقول في قنوت الوتر:"اللهم اهدني فيمن هديت"
(2)
.
* * *
• وأما الاستغفار من الذنوب فهو طلب المغفرة. والعبدُ أحوج شيء إليه؛ لأنَّه يخطئُ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما والحثُّ عليهما.
وخرّج الترمذي
(3)
وابن ماجه
(4)
من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل بني آدم خَطَّاءُ وخير الخطَّائين التَّوَّابُون".
• وخرّج البخاري
(5)
من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله إني لأستغفرُ الله وأتوب إليه [في اليوم أكثَرَ من سبعين مرة - وخرجه النَّسَائِي
(6)
وابن ماجه
(7)
ولفظه: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه]
(8)
كل يوم مائة مرة".
= ولم يؤثر عنه علم أنه قال للعاطس: "يهديكم الله" إلا في حالة خاصة رواها الترمذي من حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم، يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم".
أخرجه الترمذي في كتاب الأدب: باب ما جاء كيف يشمت العاطس 5/ 82 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(1)
أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار 4/ 2090 من حديث علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدي هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم".
وأخرجه أحمد في المسند 2/ 72، 256 - 257، 274، 332، 333 (المعارف) بإسناد صحيح عن علي رضي الله عنه مختصرا ومطولا.
(2)
مضى هذا الحديث بسياقه كاملًا في هامش الحديث الحادي عشر.
(3)
في كتاب صفة القيامة: باب [49] وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة [عن أنس].
(4)
في كتاب الزهد: باب ذكر التوبة 2/ 1420.
(5)
في كتاب الدعاء: باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم 11/ 85 (من الفتح).
(6)
في عمل اليوم والليلة من طرق ووجوه عدة ح 435، 438، 442 والنص الذي أورده ابن رجب هو رواية الموضع الثاني.
(7)
في كتاب الأدب: باب الاستغفار 2/ 1254.
(8)
سقط ما بين القوسين من المطبوعة. وفيها بعد هذا: "مائة مرة"، وخرج من حديث الأغر بإسقاط لفظ مسلم. وفي ذلك من الإيهام ما فيه.
• وخرّج مسلم
(1)
من حديث الأغر المزني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة، وخرجه النَّسَائِي ولفظه:
"يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة"
(2)
.
وخرج الإمام أحمد
(3)
من حديث حذيفة قال:
كان في لساني ذَرَبٌ
(4)
على أهلي لم أعدُهُ إلى غيره فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أين أنت من الاستغفار يا حذيفة! إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة؟ ".
ومن حديث أبي موسى
(5)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة وأتوب إليه".
وخرج النَّسَائِي
(6)
من حديث أبي موسى قال: "كنا جلوسًا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما أصبحت غداة قط؛ إلّا استغفرت الله فيها مائة مرة".
* * *
• وخرج الإمام أحمد
(7)
وأبو داود
(8)
والترمذي
(9)
والنسائي
(10)
وابن ماجه
(11)
من حديث ابن عمر قال:
(1)
في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب استحباب الاستغفار والإكثار منه 4/ 2075 - 2076.
(2)
في عمل اليوم والليلة ح 446 - 451 من وجوه عن أبي بردة عن الأغر المزني، والنص الذي اختاره ابن رجب رواه النَّسَائِي واحدا من هذه الوجوه وعبر فيها أبو بردة عن الأغر بوصفه فقال: جلست إلى رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه، فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره بنصه، وأضاف أو أكثر من مائة مرة.
(3)
في المسند 5/ 394، 396، 397، 402 (الحلبي).
(4)
ذرب اللسان ذربا من باب طمع إذا فسد منطقه وكان حادًّا لا يبالي ما قال. النهاية 2/ 156.
وهو عند النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة من وجوه عديدة ح 452 - 457.
(5)
في المسند 5/ 394 (حلبي).
(6)
أورده في الفتح الكبير عن الطبراني وحده من حديث أبي موسى. لكنه عند النَّسَائِي في اليوم والليلة برقم 441 فالفتح الكبير لا يستوعب.
(7)
في المسند 6/ 328 (المعارف) بإسناد صحيح.
(8)
في السنن: كتاب الصلاة: باب الاستغفار 2/ 113.
(9)
في السنن: كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا قام من المجلس 5/ 494 - 495 وقال: حديث حسن صحيح.
(10)
راجع هامش مسند أحمد في الموضع السابق وقد أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة ح 462 وأخرجه بنحوه من وجوه عقب هذه الرواية.
(11)
في السنن: كتاب الأدب: باب الاستغفار 2/ 1253.
"إن كنا لَنَعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: ربّ اغفر لي وتُب عليّ؛ إنكَ أنت التَّواب الرحيم".
* * *
وخرّج النَّسَائِي من حديث أبي هريرة قال:
"لم أرَ أَحدًا أكثرَ أن يقول أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم "
(1)
.
وخرّج الإمام أحمد من حديث عائشة
(2)
رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:"اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا".
وسنذكر بقية الكلام في الاستغفار فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
* * *
[لن يبلغ أحد ضر الله ولا نفعه]:
• وقوله: "يا عبادي! إنكم لن تَبْلُغُوا ضُرِّي؛ فتضُرُّوني، ولن تبلُغُوا نفعي؛ فتَنفَعوني". يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًّا؛ فإن الله تعالى في نفسه غنيٌّ حميدٌ لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها، قال الله تعالى:{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}
(3)
.
وقال: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَنْ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا}
(4)
.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "وَمَن يعص الله ورسوله فقد غَوَى، ولا يضُرُّ إلا نفسه وَلا يضُرُّ الله شيئًا"
(5)
.
(1)
أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة ح 458 من حديث إسماعيل بن عبيد الله، عن خالد بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما رأيت أحدًا أكثر أن يقول
…
الحديث.
(2)
في المسند 6/ 129، 145، 188، 239 (حلبي).
(3)
سورة آل عمران: 176.
(4)
سورة آل عمران: 144.
(5)
أخرج أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس 1/ 393 - 394 من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال: "الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسَلَه بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما؛ فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا".
ثم روى عقبه نحوه من حديث ابن شهاب، وفيه:"ومن يعصهما فقد غوى".
• قال الله عز وجل: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا}
(1)
.
• وقال حاكيًا عن موسى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}
(2)
.
• وقال: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
(3)
.
• وقال: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}
(4)
.
[حب الله لعباده وحبه لتوبتهم وسعة رحمته]:
• والمعنى: أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه؛ كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشدّ من فرح مَن ضلت راحلته التي عليها طعامُه وشرابُه بفلاةٍ من الأرض، وطلبها حتى أعيا وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام فاستيقظ وهي قائمة عنده.
وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح.
هذا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوباتهم إليه، وأنَّه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضرر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه، ويحبوه، ويخافوه، ويتَّقُوه، ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيرُه، وأنَّه قادرٌ على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر لهذا الحديث:"مَن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة ثم استغفرني غفرتُ له ولا أبالي"
(5)
.
• وفي الصحيح
(6)
عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: ياربّ! إني عملت
(1)
سورة النساء: 131.
(2)
سورة إبراهيم: 8.
(3)
سورة آل عمران: 97.
(4)
سورة الحج: 37.
(5)
هذا جزء من رواية الترمذي لحديث أبي ذر وقد مضى إيراد ابن رجب لها ص 656.
(6)
رواه البخاري في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} 13/ 466 من حديث إسحاق بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن عبدًا أصاب ذنبا - وربما قال: أذنب ذنبا فقال: ربِّ! أذنبتُ ذنبًا - وربما قال: أصبت - فاغفره، فقال له ربه: أَعَلمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي: ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا - أو أذنب ذنبًا - فقال: رب! أذنبتُ - أو أصبتُ - آخر فاغفرهُ، فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي - ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا - وربما قال: =
ذنبًا فاغفر لي، فقال الله: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب، ويأخذ بالذنب؟ قد غفرت لعبدي".
• وفي حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لما ركب دابته حمد الله ثلاثًا وكبَّر ثلاثًا، وقال:
"سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي؛ فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ" ثم ضحك، وقال: "إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي [يقول]: يعلم
(1)
أنه لا يغفر الذنوب غيري".
خرّجه الإمام أحمد
(2)
والترمذي وصححه
(3)
.
• وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "واللهِ للهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها"
(4)
.
* * *
• كان بعض أصحاب ذي النُّونِ يطوف ينادي: آه أين قلبي؟ من وجد قلبي؟ فدخل يومًا بعض السكك، فوجد صبيًّا يبكي - وأمه تضربه - ثم أخرجته من الدار، وأغلقت الباب دونه، فجعل الصبيُّ يتلفتُ يمينًا وشمالًا لا يدري أين يذهب، ولا أين يقصد، فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي ويقول: يا أماه! من يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك؟ ومن يدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أن غَضبتِ عليّ؟ فرحمته أمه، فقامت
(5)
، فنظرت من خَلَلَ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على خدَّيه متمعّكا
(6)
في التراب، ففتحت الباب، وأخذته، حتى وضعته في حجرها، وجعلت تقبَّله وتقول: يا قُرَّةَ عيني! ويا عزيز نفسي! أنت الذي
= أصاب ذنبا - فقال: رب! أصبتُ أو أذنبت - آخر فاغفره لي، فقال أعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثلاثًا فليعمل ما شاء
…
ورواه مسلم بنحوه في كتاب التوبة: باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة 4/ 2112 وفيه: أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم! اغفر لي ذنبي
…
الحديث وروي عقبه الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة وفيه: إن عبدًا أذنب ذنبا .. بمعنى الحديث
…
(1)
في المسند: "علم".
(2)
في المسند 2/ 109 - 110، 183 - 184، 234 (المعارف) بإسناد صحيح.
(3)
في كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا ركب الناقة 5/ 501 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته 10/ 361 ومسلم في كتاب التوبة: باب سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه 4/ 2109.
كلاهما من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(5)
سقطت من م.
(6)
متمرغا.
حملتني على نفسك! وأنت الذي تعرَّضت لما حلَّ بك! لو كنت أطعتني لم تَلقَ مني مكروهًا؟ " فتواجد الفتى، ثم قام فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي!.
* * *
• وتفكَّروا في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ}
(1)
فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجئون إليه، ويعوّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيرُه، وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خُلِّفُوا:{حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
(2)
، فرتب توباه عليهم
(3)
على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه؛ فإن العبد إذا خاف من مخلوق هرب منه وفرّ إلى غيره.
وأما من خاف الله فما له من ملك مَلْجَأٍ يلجأ إليه، ولا مهرب يهرب إليه، إلا هو فيهرب منه إليه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:
• "لا ملجأ ولا منجا منك؛ إلا إليك"
(4)
.
وكان يقول:
• "أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك"
(5)
.
* * *
• قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: "ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سِربالَ سِتْرها؛ إلا نادَي الجليل جل جلاله: من أعظم منِّي جُودًا والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب؟ أكلؤُهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني. وأتولَّى حفظهم كأنهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم".
أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء؟!.
(1)
سورة آل عمران: 135.
(2)
سورة التوبة: 118.
(3)
سقطت من م. وفي ب: "فرتب توبتهم على ظنهم".
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا نام 11/ 93 ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع 4/ 2082 كلاهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
(5)
الترمذي في كتاب الدعاء: باب دعاء الوتر 5/ 561 من حديث علي بنحوه وقال: حديث حسن غريب.
من ذا الذي دعاني فلم ألبِّه؟
(1)
أم من ذا
(2)
الذي سألني فلما أعطه؟ أم مَن ذا الذي أناخ ببابي فنحّيته
(3)
؟
أنا الفضل، ومني الفضل!؟ أنا الجواد، ومني الجود؟! وأنا الكريم ومني الكرم!.
ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي [ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني، وأعطه ما لم يسألني]
(4)
! ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني!؟.
فأين عني
(5)
تهرب الخلائق؟ وأين عن بابي
(6)
يتنَحَّى
(7)
العاصون؟! ".
خرّجه أبو نعيم
(8)
.
• ولبعضهم في المعنى
(9)
:
أسأتُ ولم أُحْسِنْ وجئتكَ تائبًا
…
وأنَّى لعبدٍ من مواليه مهربُ؟
يؤمِّلُ غُفْرانًا فإن خاب ظَنُّه
…
فما أحدٌ منه على الأرض أخيَبُ
* * *
[لا تزيد ملكه الطاعة ولا تنقصه العصية]:
• فقوله بعد هذا: "يَا عِبادي! لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من مُلْكي شيئًا ".
هو إشارَةٌ إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق - ولو كانوا كلهم بررةً أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين. ولو كان الجنُّ والإنس كلُّهم عُصَاةً فجرةً قلوبهم على قلب أفْجَرِ رجل منهم؛ فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان.
(1)
م: " فلم أستجب إليه ".
(2)
في الحلية: " أو من ".
(3)
في الحلية: " ونحيته".
(4)
ما بين الرقمين ليس في (م) ولعله سقط منها مطبعيًّا.
(5)
م: " فأين إلى غيره.
(6)
م: " بابه ".
(7)
م: " يلتجئ ". وما أثبتناه هو الموافق لما في الحلية في هذا وفيما قبله.
(8)
في الحلية 8/ 92 - 93.
(9)
بعد هذا في م: " قائلًا ".
ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه أكمل من إيجاده على غيره، وهو خير من وجوده على غيره، وما فيه من الشر فهو شرٌّ إضافيُّ نسبيٌّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض. وليس شرًّا مطلقًا بحيث يكون عدمُه خيرًا من وجوده من كل وجه، بل وجوده خيرٌ من عدمه.
قال: وهذا معنى قوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ}
(1)
.
* * *
ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " والشر ليس إليك "
(2)
.
يعني أن الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس موجودًا في ملكك، فإن اللّه تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصَّ قومًا من خلقه بالفضل، وترك آخرين منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهذا فيه نظرٌ، وهو مُخَالِفٌ ما في الحديث، من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا ولا قَدْرَ جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص
(1)
هذا جزء الآية 26 من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)} .
(2)
هذا جزء حديث رواه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه 1، 534، 536، والنسائي في سننه: كتاب الافتتاح: باب [17]، نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراء، 2/ 129 - 130 ح 897 كلاهما من حديث عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد اللّه بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
اللهم! أنت الملك لا إله إلا أنت. أنت ربي وأنا عبدك - ظلمت نَفْسي، واعترفت بذنبي فاغفر في ذنوبي جميعًا، إنه لما يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق. لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك ".
وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعت وبك آمنت. ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري. ومخي وعظمي وعصبي ".
وإذا رفع قال: "اللهم! ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرص وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد" وإذا سجد قال:
"اللهم! لك سجدت. وبك آمنت. ولك أسلمت. سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين! ".
ثم يكون من أخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ".
خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا؛ فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان لما يَزْدَادُ ولا يكمل بالطاعات
(1)
، ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثر فيه شيئًا.
* * *
[دلالة هذه الفقرة]:
وفي هذا الكلام دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب فإذا بَرَّ القلبُ واتَّقى بَرَّت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" التَّقْوَى هاهنا "
(2)
وأشار إلى صدره.
* * *
[لو أن الخالق سبحانه أعطى خلقه ما سألوه]:
• قوله: " يا عبادي! لو أنَّ أوَّلكم وآخِرَكم وإنْسَكم رجِنَّكم قَامُوا في صعيدٍ وَاحدٍ، فسأَلُوني فأعطيت كلَّ إنسانٍ مسألتَه ما نقص ذلك مما عنِدي إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدْخِل البحر ".
المراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه، وكمالِ مُلكه، وأن مُلْكه وخزائنه لما تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجن والإنس جميعَ ما سأَلوه في مقام واحد، وفي ذلك حثُّ للخلق على سؤاله وإنزالِ حوائجهم به.
* * *
[أدلة ذلك]:
• وفي الصحيحين عن أبي هريرة
(3)
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
م: " الطاعة ".
(2)
أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله 4/ 1986 من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لما تحاسدوا. ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد اللّه إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يحقره، التقوى هاهنا " ويشير إلى صدره ثلاث مرات:" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه ".
(3)
البخاري في كتاب التوحيد: باب قول اللّه تعالى {لما خلقت بيدي} 13/ 333 ومسلم في كتاب الزكاة: باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف 2/ 691 والسح: الصب الدائم .. ومعنى لما يغيضها شيء: لما ينقصها وفي ر: " أنفق منذ ".
" يَدُ اللّه ملأى لما يَغيضُها نفقة، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ! أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يَمينه ".
• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة
(1)
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن لِيعْزِم المسْأَلَةَ ولْيُعْظِم الرغبة؛ فإن اللّه لا يتعاظَمُه شيء [أعْطاهُ] ".
• وقال أبو سعيد الخدري:
" إذا دعوتم اللّه فارفعوا في المسألة، فإن ما عند اللّه لا يُنفِدهُ شيء، وإذا دعوتم فاعزموا؛ فإن اللّه لا مُسْتَكرِه له "
(2)
.
* * *
• وفي بعض الآثار الإسرائيلية
(3)
يقول اللّه عز وجل: " أيؤمَّل غيري للشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحيُّ القيُّوم؟! ويُرْجَى غيري، ويُطرَق بابه بالبُكُرَات، وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني؟! من ذا الذي أمَّلَنِى لنائبة فقطعتُ به؟ أو من ذا الذي رجاني لعظيم فقطعتُ برجائه
(4)
؟ أو من ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال. فكيف تنقطع الآمال دوني؟ أبَخيلٌ أنا فيبخِّلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع المؤمّلين أن يؤمّلوني؟ لو جمعتُ أهل السموات والأرض ثم أعطيت كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغتُ كلَّ واحدٍ منهم أملَه لم ينقص ذلك من مُلْكي عضو ذرة؟ كيف يَنْقصُ ملك أنا قيّمه؟! دنيا بؤسًا للقانطين من رحمتي! ويا بؤسًا لمن عصاني وتوثّب على محارمي! ".
* * *
• وقوله: " لم ينقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المَخْيَطُ إذا أدخل في البحر " لتحقيق أن
(5)
ما عنده
(6)
لما ينقص البتة، كما قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ
(1)
في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب العزم بالدعاء لما يقل إن شئت 4/ 2063 وفي آخره: " لا يتعاظمه شيء أعطاه ".
(2)
وروي هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنس، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
" إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء، ولا يقل: " اللهم إن شئت فأعطني؛ فإن اللّه لا مستكره له ". أخرجه مسلم في الموضع السابق.
(3)
م: " الإسرائيليات ".
(4)
م: " به ".
(5)
في ر: تحقيق لأن.
(6)
م، ب:" تحقيق لأن ما عنده ".
اللَّهِ بَاقٍ}
(1)
فإن البحر إذا غمس فيه إبرة ثم أخرجت لم ينقص من البحر بذلك شيء، وكذلك لو فرِض أنه شرب منه عُصفورٌ مثلًا؛ فإنه لما ينقص البحر ألبتة.
ولهذا ضرب الخضر لموسى عليهما السلام هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم اللّه عز وجل؛ وهذا لأن البحر لا يزال تَمُدُّه مياه الدنيا، وأنهارها الجارية، فَمَهْمَا أُخذ منه لم ينقصه شيء؛ لأنَّه يمده ما هو أزيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها فإنه لا ينفد
(2)
، كما قال تعالى:{وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ}
(3)
وقد جاء: أنه كلما نُزِعت ثمرة عادَ مكانها مثلُها
(4)
، وروي مِثْلاها فهي لا تنقص أبدًا.
• ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الكسوف:
" وأريتُ الجنة فتناولتُ منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ".
• خرّجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
(5)
، وخرَّجه الإمام أحمد من حديث جابر، ولفظه.
" ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه شيئا "
(6)
.
(1)
سورة النحل: 96.
(2)
م: " لا ينقص ".
(3)
سورة الواقعة: 32، 33.
(4)
أورد ابن كثير في التفسير 4/ 287 عن الطبراني من حديث ثوبان قال: " إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى" وهو في المجمع 10/ 414 عن البزار والطبراني وقال الهيثمي: قال البزار: عيد في مكانها مثلاها، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات.
(5)
البخاري في أبواب الكسوف " باب صلاة الكسوف " في جماعة 2/ 540 ح 1052.
ومسلم في كتاب الكسوف باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار 2/ 626 ح 17 (907) كلاهما من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد اللّه بن عباس قال: " انكسفت الشمس على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فصلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قيامًا طويلاً قدر نحو سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللّه. قالوا: يا رسول اللّه! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك كففت؟. فقال: إني رأيت الجنة. فتناولت عنقودًا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. رأيتُ النار فلم أر كاليوم منظرًا قط. ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا: بم يا رسول اللّه؟! قال: بكفرهنَّ قيل: أيكفُرْن باللّه؟ قال: بكفر العشير، ويكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط ".
(6)
أورده أحمد في المسند 5/ 137 (حلبي) من حديث عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد اللّه=
وهكذا لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة يستخلف ويعود كما كان حيًّا لا ينقص منه شيء.
• وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه فيها ضعف.
• وقاله كعب، وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشراب يَشرب منه
(1)
حتى ينتهي نفسه ثم يعود مكانه.
• ورؤي بعضُ العلماء الصالحين بعد موته بمدة في المنام، فقال:"ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ. أما علمتم أن طعام الجنة لما ينفد؟ ".
* * *
[لماذا لما ينفد؟]:
وقد بين في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه
(2)
السببُ الذي لأجله لا ينقص ما عند اللّه بالعطاء؛ بقوله: " ذلك بأني جواد واجد
(3)
ماجد أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام؛ إنما أمري لشيء إذا أردتُ أن
(4)
أقول له كن فيكون ".
وهذا مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
(5)
.
وقوله تعالى:
(6)
{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
(7)
.
* * *
= قال: بينا نحن صفوفًا خلف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر إذ رأيناه يتناول شيئًا بين يديه وهو في الصلاة ليأخذه ثم تناوله ليأخذه ثم حيل بينة وبينه ثم تأخر وتأخرنا ثم تأخر الثانية وتأخرنا فلما سلم قال أبي بن كعب رضي الله عنه: يا رسول اللّه! رأيناك اليوم تصنع في صلاتك شيئًا لم تكن تصنعه؟ قال: إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهر فتناولت قطفا من عنبها لآتيكم به ولو أخذته لأكل منه مَنْ بين السماء والأرض ولا يتنقصونه فحيل بيني وبينه. وعرضت علي النار فلما وجدت حر شعاعها تأخّرت وأكثر من رأيت فيها النَّسَائِي اللاتي إن ائتمنَّ أفشين وإن سألْن أَحْفَينْ قال أبي: قال زكريا: يا ابن عدي! ألحفن وإن أعطين لم يشكُرْن ورأيت فيها لحي بن عمرو يجر قصبه وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم قال معبد: أي رسول اللّه! يُخشى عليَّ من شبهه؛ فإنه والد؟ قال: لا؛ أنت مؤمن وهو كافر. وهو أول من جمع العرب على الأصنام وفيه عبد اللّه بن محمد بن عقيل فيه ضعف وقد وثق؛ مجمع 2/ 87.
(1)
ليست في "ا". ولا في ر.
(2)
تقدم ص 657.
(3)
هذه اللفظة ليست عند الترمذي ولا عند ابن ماجه.
(4)
في المطبوعة: " إنما " وهو تحريف.
(5)
سورة يس: 82.
(6)
الآيتان ليستا في ب.
(7)
سورة النحل: 40.
• وفي مسند البزار بإسناد فيه نظر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
" خزائن اللّه: الكلام؛ فإذا أراد اللّه
(1)
شيئًا قال له: كُنْ فكان".
فهو سبحانه، إذا أراد شيئًا من عطاء أو عذاب أو غير ذلك قَال له: كن فكان
(2)
، فكيف يُتَصَوّر أن ينقص هذا؟ وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئًا قال له: كن فيكون، كما قال:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
(3)
.
* * *
وفي بعض الآثار الإسرائيلية: " أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: " يا موسى! لا تخافنّ غيري، ما دام لي السلطان، وسلطاني دائم لا ينقطع. يا موسى! لا تَهْتمَّنَّ برزقي أبدًا ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني لما تفنى أبدًا! يا موسى! لا تأنَسْ بغيري ما وجدتني أنيسًا لك، ومتى طلبتني وجدتني؟ يا موسى! لما تأمنْ مكري ما لم تجز الصراط إلى الجنة!؟ ".
* * *
• وقال بعضهم:
لا تخضعنَّ لخلوقٍ على طَمَعٍ
…
فإنّ ذاكَ مُضرٌّ منكَ بالدّينِ؟!
واسترزقِ اللّهَ مِمَّا في خزائنه
…
فإِنما هيَ بين الكافِ والنّونِ؟!
* * *
[إنما هي الأعمال تحصى علينا]:
وقوله: " يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها ".
يعني أنه سبحانه يحصي أعمال عباده تم يوفيهم إياها بالجزاء عليها: وهذا كقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
(4)
وقوله: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}
(5)
، وقوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ
(1)
ليست في ر.
(2)
ب: " مكان " ر: " فكان ".
(3)
سورة آل عمران م 59.
(4)
سورة الزلزلة: 7، 8.
(5)
سورة الكهف: 49.
نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}
(1)
وقوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}
(2)
.
* * *
[ثم أوفيكم إياها]:
• وقوله: "ثم أوفّيكم إياها": الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
(3)
، ويحتمل أن المراد أنه يوفي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة كما في قوله:{مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}
(4)
.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر ذلك بأن المؤمنين يُجازَوْنَ بسيئاتهم في الدنيا وتُدَّخَرُ لهما حسناتهم في الآخرة فيوفَّوْنَ أجورَهم، وأما الكافر فإنه يُعَجَّل له في الدنيا ثوابُ حسناته، وتُدَّخر له سيئاتُهُ فيعاقبُ بها في الآخرة.
وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خير أو شر. فالشر يجازى به مثله من غير زيادة؛ إلا أن يعفو اللّه عنه والخير تضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرَها إلا اللّه
(5)
، كما قال تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
(6)
.
* * *
[فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه
…
إلخ]:
• وقوله: "فمن وجد خيرًا فليحْمَدِ اللّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه ".
إشارة إلى أن الخير كلَّه فضلٌ من اللّه على عبده
(7)
من غير استحقاق له والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه كما قال عز وجل: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}
(8)
.
(1)
سورة آل عمران: 30.
(2)
سورة المجادلة: 6.
(3)
سورة آل عمران ة 185.
(4)
سورة النساء: 123.
(5)
ورد هذا المعنى من طرق عن أبي بكر الصديق مرفوعًا لكن قال. الترمذي: ليس له إسناد صحيح. وقد أورد ابن كثير عدة روايات أخرى في هذا المعنى وغيره راجع تفسير ابن كثير 1/ 556 - 559 وسنن الترمذي: تفسير سورة النساء 5/ 248.
(6)
سورة الزمر: 10.
(7)
ا، ش:" الخير من اللّه فضل منه على عبده .. ".
(8)
سورة النساء: 79.
• وقال علي رضي الله عنه
(1)
: "لا يرجُوَن عَبدٌ إلا رَبّه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه ".
فاللّه سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايتَه أعانه، ووفّقه لطاعته، وَكان
(2)
ذلك فضلًا منه، وإذا أراد خِذْلانَ عبدٍ وكَله إلى نفسه، وخَلَّى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر اللّه، واتَّبع هواه وكان أَمْرُهُ فرُطًا، وكان ذلك عدلًا منه؛ فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتابِ، وإرسال الرسول. فما بقي لأَحدٍ من الناس على اللّه حُجَّةٌ بعد الرسل.
* * *
[احتمالان في تفسير الجملة]:
• فقوله بعد هذا: " فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ".
[الاحتمال الأول]:
• إن حصان المراد مَنْ وجد ذلك في الدنيا فإنه يكون حينئذ مأمورًا بالحمد للّه على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة الذي عُجِّلَ
(3)
له في الدنيا كما قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
(4)
، ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فعلت منِ الذنوب التي وجد عاقبتَها في الدُّنْيَا كما قال تعالى:{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
(5)
.
فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع إلى
(6)
نفسه باللَّوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى اللّه بالتوبة والاستغفار.
* * *
(1)
نهج البلاغة 375 من وصية جامعة له رضي الله عنه يقول فيها: " أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا: لا يرجون أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لما يعلم أن يقول: لما أعلم، ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وعليكم بالصبر؛ فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لما رأس معه، ولا إيمان لمن لا صبر معه! ".
(2)
ش: فكان.
(3)
" ا ": " عجلت ".
(4)
سورة النحل: 97.
(5)
سورة السجدة: 21.
(6)
ش: "على".
[بلاء المؤمن كفارة]:
• وفي المسند
(1)
وسن أبي داود
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن المؤمن إذا أصابه
(3)
سُقْم ثم عافاه
(4)
اللّه منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظةً له فيما يَسْتَقْبلُ من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عَقَلَهُ أهله وأطلقوه لما يدري لم عقلوه؟ ولا لم
(5)
أطلقوهُ؟ ".
* * *
• وقال سلمان الفارسي: إن المسلم لَيُبْتَلَى فيكون كفارةً لما مضى، ومسْتَعْتَبًا فيما بقى، وإن الكافِرَ يُبْتلَى فمثله كَمَثَل البعير أطْلِقَ فلم يَدْرِ لم أطلق وعقل (فلا [يدري لم عُقِل])
(6)
.
[الاحتمال الثاني]:
• وإن كان المرادَ مَن وجد خيرًا أو غيره في الآخرة - كان إخبارًا منه بأن الذين يجدون الخير في الآخرة يَحْمَدون اللّه على ذلك، وأن من وجد غير ذلك يلوم نفسه
(7)
حين لما ينفعه اللوم فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كقوله صلى الله عليه وسلم:" من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " والمعنى: أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار.
* * *
• وقد أخبر اللّه تعالى عن أهل الجنة أنهم يحمدون اللّه على ما رزقهم من فضله؛ فقال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}
(8)
.
وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ
(1)
لم أجده في المطبوع من المسند.
(2)
في السنن أول كتاب الجنائز: باب الأمراض المكفرة للذنوب 3/ 248 من حديث عامر الرامي بإسناد ضعيف.
(3)
في أبي داود: " السقم ".
(4)
في أبي داود: " أعفاه ".
(5)
في م: "بما" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في سنن أبي داود.
(6)
ما بين القوسين سقط من المطبوعة وفي ش: " فلم ".
(7)
في المطبوعة: " فلا يلومن إلا نفسه " ولا يتسق مع تاليه.
(8)
سورة الأعراف: 43.
الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ}
(1)
.
(2)
، وأخبر - سبحانه عن أهل النار أنهم يلومُون أنفسهم ويمقتونها أشدَّ الْمقت، فقال تعالى:{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}
(3)
.
(4)
.
• وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة، حذرًا من لَوْمِ النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير.
* * *
• وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا:
" ما من ميت يموتُ إلا ندم؛ إن كان محسنًا ندم أن
(5)
لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون استعتب "
(6)
.
وقيل لمسروق: " لو قصرت عن بعض ما تَصْنعَ من الاجتهاد "؟ فقال: " واللّه! لو أتاني آتٍ فأخبرني أن لا يعذبني لاجتِهدتُ في العبادة " قيل: كيف ذاك؟ قال: " حتى تعذرني نفسي إن دخلتُ النار أن لا ألومَها؟! أما بلغك في قول اللّه تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}
(7)
إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورُفعتْ عنهم الرحمة، وأقبل كلّ امرئ منهم يلوم نفسه ".
* * *
(1)
سورة الزمر: 74.
(2)
سورة فاطر: 34، 35.
(3)
سورة إبراهيم: 22.
(4)
سورة غافر: 15.
(5)
س: على أن لا.
(6)
أخرجه الترمذي في كتاب الزهد: باب (58) من طريق يحيى بن عبيد اللّه، وفي آخره:" وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون نزع " ثم قال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه ويحيى بن عبيد اللّه قد تكلم فيه شعبة.
(7)
سورة القيامة: 2.
• وكان عامر بن عبد قيس يقول: " واللّه لأجتهدن، ثم واللّه لأجتهدن، فإن نجوتُ فبرحمة اللّه، وإلا لم أَلمْ نفسي ".
• وكان زياد مولى
(1)
ابن عياش يقول لابن المنكدر، ولصفوان بن سليم: " الجِدَّ الجِدَّ، والحذَرَ الحذر!؟ فإن يكن الأمر على ما ترجوان
(2)
كان ما عَلِمْتُمَا فضلًا. وإلا لَمْ تَلُومَا أَنْفُسَكُمَا ".
* * *
• وكان مطرف بن عبد اللّه يقول: " اجتهدوا في العمل؛ فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة اللّه وعفوه كانت لنا درجات (في الجنة)
(3)
وإن يكن الأمرُ شديدًا كما نخافُ ونحاذر لم نقل: ربنا ارجعنا
(4)
نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل - نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك ".
* * *
(1)
ليست في م.
(2)
م: "نحذر".
(3)
ليست في م.
(4)
في ش: أخرجنا.
الحديث الخامس والعشرون
عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا مِنَ أَصْحَاب رَسُولِ اللّه صلى الله عليه وسلم قَالُوا للِنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
يَا رَسُولَ اللّهِ! ذَهَب أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: " أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللّهُ لكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَة صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرةٍ صَدَقَةً، [وَكُلِّ تحْميدَةٍ صَدَقَةً]
(1)
وَكُلِّ تَهْلِيلَة صَدَقَةً، وَأَمْر بِالمعرُوفِ صَدَقَةً، وَنهي عَنْ مُنْكَر صَدقَةً، وَفيِ بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةً ". قَالُوا:" يَا رَسُولَ اللّهِ! أَيَأْتي أَحَدُنَا شَهْوَتَه، وَيكونُ لهُ فِيها أَجْرٌ "؟ قالَ: " أَرَأَيتُمْ لَوْ وضَعَهَا فيِ الحَرَام، أَكَانَ عَلْيهِ وِزْرٌ؟ فَكَذِلكَ إذَا وَضَعَهَا فيِ الْحَلال كانَ لَهُ أَجْرٌ". رَوَاهُ مُسْلمٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
• هذا الحديث أخرجه مسلم من رواية يحيى بن يَعْمَر
(2)
عن أبي الأسود الدِّيِلي عن أبي ذر رضي الله عنه
(3)
وقد روي معناه عن أبي ذر من وجوه كثيرة بزيادة ونقصان، وسنذكر بعضها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى:
[من فقه الحديث]:
• وفي هذا
(4)
الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم، لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعلُه من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد. لعدم القدرة على آلاته
(5)
وقد أخبر اللّه عنهم بذلك في كتابه فقال: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}
(6)
.
* * *
(1)
ما بين القوسين ليس في " ا " وهي في مسلم.
(2)
في م: " معمر " وهو تحريف.
(3)
في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف 2/ 697 - 698.
(4)
ليست في م.
(5)
م: " آلته ".
(6)
سورة التوبة: 92.
• وفي هذا الحديث: أن الفقراء غَبَطُوا أهل الدثور، والدثور هي الأموال - مما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم؛ فدلَّهم النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات يقدرون عليها.
* * *
[من شواهد ذلك]:
وفي الصحيحين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه
(1)
: أن فقراء المهاجرين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: " ذهب أهل الدُّثُورِ بالدرجات العلى، والنعيم المقيم "؟ فقال: " وما ذاك "؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعْتِقون ولا نُعْتِقْ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:" أفلا أعلِّمكم شيئًا تدركون به مَنْ سَبَقَكُمْ وتسبقون به مَنْ بعدكم؟ ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَن صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللّه! قال: " تسبّحون وتكبّرون وتحمدُون دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرة ".
• قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: " سمع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله؟ " فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "ذلكَ فضلُ اللّهُ يُؤتيه مَن يشاءُ"
(2)
.
• وقد رُوي نحوُ هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم علي، وأبو ذر، وأبو الدرداء، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم
(3)
.
* * *
[الرسول وتصحيح المفاهيم]:
• ومعنى هذا أن الفقراء ظنوا أن لا صدقة إلا بالمال وهم عاجزون عن ذلك فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة.
وفي صحيح مسلم عن حذيفة
(4)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل معروف صدقة ".
(1)
البخاري في كتاب الأذان: باب الذكر بعد الصلاة 2/ 271 ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته 1/ 416 - 417.
(2)
هذا السياق سياق مسلم.
(3)
راجع سنن الترمذي في كتاب الصلاة: باب ما جاء في التسبيح في أدبار الصلاة 2/ 264 - 265. فقد أورد حديث ابن عباس وأشار إلى أحاديث الآخرين.
(4)
في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم أن الصدقة يقع على كل نوع من المعروف 2/ 697.
وخرجه البخاري من حديث جابر
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فالصدقة
(2)
تطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإحسان حتى إن فضل اللّه الواصلَ منه إلى عباده صدقةٌ منه عليهم.
• وقد كان بعض السلف ينكر ذلك ويقول: إنما الصدقة ممن يطلب جزاءها وأجرها.
والصحيح خلاف ذلك؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة في السفر:
" صدقةٌ تصدَّق اللّه بها عليكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ".
خرجه مسلم
(3)
.
• وقال:
" مَنْ كانت له صلاة بليلٍ فغَلَب عليه نومٌ فنام عنها كتب اللّه له أجْرَ صلاته، وكان نومُهُ صَدَقةً من اللّه تصدَّق بها عليه ".
خرجه النَّسَائِي وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها
(4)
.
وخرجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء
(5)
.
• وفي مسنَدَيْ بقِيّ
(6)
بن مخلد والبزار من حديث أبي ذر مرفوعًا:
" ما مِنْ يوم ولا ليلة ولا ساعة؛ إلا للّه فيها صدقة يَمُنّ بها على من يشاء مِن عباده، وما منَّ اللّه على عبدٍ مثل أن
(7)
يُلِهَمهُ ذكره "
(8)
.
(1)
في كتاب الأدب: باب كل معروف صدقة 10/ 374.
(2)
في المطبوعة: " قال: الصدقة " وفيه من الإيهام ما فيه.
(3)
في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب صلاة المسافرين وقصرها 1/ 478 من حديث عمر.
(4)
أخرجه النَّسَائِي في السنن: كتاب قيام الليل وتطوع النهار 3/ 258.
وأبو داود في كتاب الصلاة: باب من نوى القيام فنام 2/ 47.
(5)
في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء فيمن نام عن حزبه من الليل 1/ 426 - 427 من حديث سويد بن غفلة، من أبي الدرداء يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من أتى فراشه، وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عينه حتى يصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه".
(6)
في المطبوعة: " مسند تقي " وفيها خطأ وتصحيف.
(7)
" ا ": " مثل من أن يلهمه" بزيادة من ولا وجه لها.
(8)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 2/ 236 - 237 من حديث ابن عمر، قال: قلت لأُبي ذر: يا عماه! أوصني قال: سألتني عما سألت عنه صلى الله عليه وسلم وقال: إذا صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعا كتبت من العابدين، وإن صليت ستا كفيت وإن صليت ثمانيا كتبت من القانتين، وإن صليت اثنتي عشرة ركعة بني لك بيت في الجنة، وما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا وللّه فيها صدقة يمن بها على من=
• وقال خالد بن معدان: " إن اللّه [تعالى] يتصدق كل يوم بصدقة، وما تصدق اللّه [تعالى] على أحد من خلقه بشيء خير [له]
(1)
من أن يتصدَّقَ عليه بذِكْرِهِ "
(2)
.
* * *
[الصدقة بغير المال وأنواعها]:
والصدقة بغير المال نوعان:
• أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق؛ فيكون
(3)
صدقةً عليهم، وربما كان أفضل من الصدقة بالمال؛ هذا كالأمر بالمعرف والنهى عن المنكر؛ فإنه دعاء إلى طاعة اللّه، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النفع بالمال، وكذلك تعليم العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعي في جلب النفع للناس، ودفعِ الأذى عنهم، وكذلك الدعاء للمسلمين، والاستغفارُ لهم.
• وخرج ابن مردوية بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر مرفوعًا:
" من كان له مال فليتصدق من ماله، ومن كان له قوّة فليتصدق من قوّته، ومن كان له علم فليتصدق من علمه ".
ولعله موقوف.
• وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" أفضل الصدقة: اللسان " قيل: يا رسول اللّه! وما صدقة اللسان "؟ قال: " الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن
(4)
بها الدم، وتجرّ بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفع [بها]
(5)
عنه الكريهة "
(6)
.
• وقال عمرو بن دينار: بلغنا أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:
= يشاء من عباده، وما من على عبد مثل أن يلهمه ذكره ثم قال الهيثمي رواه البزار وفيه حسين بن عطاء ضعفه أبو حاتم وغيره وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ ويدلّس.
(1)
غير موجودة في ش.
(2)
خرجه أبو نعيم في الحلية 9/ 17 - 18 بإسناده وما بين الأقواس من الحلية.
(3)
ب: فتكون.
(4)
"ا": "يفك
…
يحقن ".
(5)
غير موجودة في ش.
(6)
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 194 وقال: رواه الطبراني وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف، وما بين القوسين من المجمع. وسمرة هو ابن جندب.
" ما من صدقة أحبَّ إلى اللّه من قول معروف
(1)
: ألم تسمع إلى قوله تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى}
(2)
.
خرجه ابن أبي حاتم
(3)
.
• وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم.
" إن من الصدقة أن تسلّم على الناس وأنتَ طليقُ الوجه ".
خرّجه ابن أبي الدنيا
(4)
.
(1)
ليست في ش.
(2)
سورة البقرة: 263.
(3)
وأورده ابن كثير عنه في التفسير 1/ 318.
(4)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص 190 ح 132 من طريق محمد بن الحسين عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد اللّه فيروز، عن الحسن بن يسار البصري، قال:" من الصدقة أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق ".
فهكذا أخرجه ابن أبي الدنيا عن الحسن من قول وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم؟!.
وقد روي معناه مرفوعًا من حديث أبي ذر: أخرجه مسلم في صحيحه: 45 - كتاب البر والصلة والآداب 43 - باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء 4/ 2026 ح 144 (2626) من طريق أبي غسان المسمعي، عن عثمان بن عمر، عن أبي عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد اللّه بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تقلى أخاك بوجه طلْق ".
وابن حبان في صحيحه: باب الرحمة: ذكر الأمر بالملاينة للناس في القول مع بسط الوجه لهم 1/ 346 ح 468 من الإحسان من طريق محمد بن عبد الرحمن الدغولي، عن محمد بن عبد اللّه بن قهزاذ، عن النضر بن شميل، عن أبي عامر الخزاز - به.
ولفظه عنده: " لا تحقرن من المعروف شيئًا، فإن لم تجد فلاين الناس ووجهك إليهم منبسط " والترمذي في سننه: 26 - كتاب الأطعمة: 30 - باب ما جاء في إكثار ماء المرقة 4/ 274 ح 1833 من طريق الحسين بن علي البغدادي، عن أبي عامر الخزاز - به - بنحوه وزاد فيه:" وإن اشتريت لحمًا أو طبخت قِدرًا فأكثر مرقته وأغرف لجارك منه ".
وقد عقب عليه أبو عيسى بقوله: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد في المسند 5/ 173 (حلبي) شطره الأول بنحوه من طريق روح، عن أبي عامر الخزاز - به -.
وروي معناه مرفوعًا من حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري رواه أحمد في المسند 3/ 344 (الحلبي) من طريق إسحاق بن عيسى، عن المنكدر بن محمد المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: كل معروف صدقة، ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إنائه وفي 3/ 360 من طريق قتيبة بن سعيد، عن المنكدر - به - مثله.
ورواه الترمذي في سننه: 28 - كتاب البر والصلة: 45 - باب ما جاء في طلاقة الوجه وحسن البشر 4/ 347 ح 1970 بنحوه، وعقب عليه بقوله: وفي الباب بن أبي ذر، هذا حديث حسن وروي معناه - كذلك - من حديث أبي جرى الهجيمي أخرجه أحمد في المسند 5/ 63 (الحلبي) من طريق يزيد بن هارون، عن سلام بن مسكين، عن عقيل بن طلحة، عن أبي جرى الهجيمي، قال: أتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول اللّه! =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إِنا قوم من أهل البادية؛ فعلمنا شيئًا ينفعنا اللّه تبارك وتعالى به؟ قال: لما تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وتسبيل الإزار، فإنه من الخيلاء، والخيلاء لا يحبها اللّه عز وجل! وإن امرؤ سبّك بما يعلم فيك فلا تسبه بما تعلم فيه، فإن أجره لك، ووباله على من قاله ".
ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان ص 191 عقب حديث الحسن.
ورواه ابن حبان في صحيحه: كتاب البر والإحسان: فصل من البر والإحسان 1/ 369 من وجهين بنحوه:
الأول من طريق بكر بن سعيد الطاحي، عن نصر بن علي، عن أبيه، عن شعبة، عن قرة بن خالد، عن قرة ابن موسى عن سليم بن جابر الهجيمي.
والثاني من طريق أحمد بن علي المثنى، عن أبي خيثمة، عن يزيد بن هارون به - بمثل ما عند أحمد.
وفي الأول إضافة الأمر بالتقوى في أوله، والنهي عن سب شيء في آخره. وأن أبا جرى قال: فما سببت بعده دابة ولا إنسانا.
بيد أن حبان عقب على الرواية الأولى بقوله:
قوله صلى الله عليه وسلم عليك باتقاء اللّه أمر فرض على المخاطبين كلهم أن يتقوا اللّه في كل الأحوال.
وإفراغ المرء الدلو في إناء المستسقي من إنائه وبسط وجهه عند مكالمة أخيه المسلم قصد بالأمر بهما الندب والإرشاد؛ طلبًا للثواب.
وعقب على الرواية الثانية بقوله:
الأمر بترك استحقار المعروف أمر قصد به الإرشاد والزجر عن إسبال الإزار زجر حتم لعلة معلومة وهي الخيلاء فمتى عدت الخيلاء لم يكن بإسبال الإزار بأس والزجر عن الشتيمة إذا شوتم المرء زجر عنه في ذلك الوقت وقبله وبعده وإن لم يشتم ".
وهذا الاستنباط من مشكاة النبوة أمر أكثر من رائع! بيد أنه لا يستغرب من حافظ للسنة، مستوعب للحديث، فاقه لأسراره كأبي حاتم بن حبان؟!.
ويبقى أن نناقش ابن رجب في قوله عن الحديث الذي أورده إنه من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم فهل الحديث الذي أورده ابن رجب هنا من مراسيل الحسن البصري؟! أم هو من قوله؟.
لقد اعتمد ابن رجب في الاستشهاد على ما قاله وأنَّه من مراسيل الحسن على تخريج ابن أبي الدنيا للحديث.
فهل كان تخريج ابن أبي الدنيا للحديث على أنه من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن رجب أم كان على أنه من قوله؟
لقد أريناك رواية ابن أبي الدنيا للحديث في كتاب الإخوان وهو المظنة الأولى للحديث، وأنها من قول الحسن وليس من مراسيله عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تابعْنا روايات الحديث فلم نجد في روايات المرفوع عن أبي ذر وجابر وأبي جرى من يتابع راويا من رواة حديث الحسن أو من يتابعه أحد رواة حديث الحسن، حتى يمكن أن نقول كما قال ابن رجب: إن هذا الحديث من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الصحابي في هذا الحديث الذي يرويه الحسن مرسلًا إن سلمنا بذلك - هو جابر أو هو أبو ذر أو هو أبو جرى أو هو غيرهم إن كان يلتقي مع رواة حديث الحسن في راوٍ أو أكثر.
وهذا القول بعينه يوجه كذلك للمنذري الذي أورد الحديث في الترغيب والترهيب 3/ 421 عن الحسن من النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: رواه ابن أبي الدنيا وهو مرسل.
ومرة أخرى ليس أمامنا ما يشهد بصحة ما قاله كل من المنذري وابن رجب لا من ابن أبي الدنيا الذي اعتمد عليه=
• وقال معاذ: تعليم العلم لمن لما يعلمه صدقة.
وروي مرفوعًا
(1)
.
* * *
= كل منهما ولا من متابعات روايات الحديث فيما سقناه لك وفيما لم نشأ أن نطيل به مما هو مشار إلى نحوه في تخريج حديث أبي جرى بكتاب الإخوان لابن أبي الدنيا بتحقيق وتعليق الأستاذ محمد عبد الرحمن طوالبه. ومرة أخرى نقول: إن الحديث الذي أورده كل من ابن رجب هنا والمنذري في الترغيب هو من قول الحسن، تعلَّمه من أحاديث صحابة رسول اللّه في ذلك، ولا نستبعد أن يكون قد تأثر فيه بما نمى إليه من حديث جابر وأبي ذر وأبي جرى أو غيرهم رضي الله عنهم في ذلك؛ بيد أنه لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى نقول إنه من مراسيله بل هو من قوله هو - على ما رأيناه بعد دراسة ما رويناه لك، وهو - إذا - من قبيل المقطوع لما المرسل!.
(1)
كان ابن رجب - هنا - دقيقًا وأشار بتعبيره إلى الصحيح في نسبة هذا القول، أن الصحيح أن هذا القول قول معاذ، ورفعه ضعيف وليس له إسناد قوي ومن هنا عبر ابن رجب بصيغة الجزم.
وهي كلمة: " قال معاذ " مشيرًا بها إلى ما يطمئن إليه مما صح عنده وأن هذا القول قول معاذ، ثم أشار بصيغة التمريض (روي) إلى رفع الحديث، وكأنه يريد ليقول: وروي مرفوعًا من طريق ضعيف!.
وهذا جزء حديث عن معاذ رضي الله عنه أورده عنه ابن عبد البر بإسناده في " جامع بيان العلم ".
وأورده عن ابن عبد البر: المنذري في " الترغيب والترهيب " 3/ 94 - 95 عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
" تعلموا العلم؛ فإن تعلمه للّه خشية (باعث عليها) وطلبه عبادة، ومذاكراته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنَّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السراء، والضراء، والسلاحُ على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع اللّه به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم (صحبتهم) وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه؛ لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعم منازل الأخيار والدرجات العلى، في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل والعمل تابعه يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء".
ثم قال المنذري: رواه ابن عبد البر النمري في كتاب العلم، من رواية موسى بن محمد بن عطاء القرشي، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن الحسن عنه وقال: هو حديث حسن ولكن ليس له إسناد قوي وقد رويناه من طرق شتى موقوفًا (أي على معاذ رضي الله عنه ثم قال المنذري: كذا قال: ورفعه غريب جدا واللّه أعلم.
ولعل ابن عبد البر يقصد بالحسن هنا: الحسن اللغوي لا الاصطلاحي وإلا لما قال بعدئذ: ولكن ليس له إسناد قوي؛ فهو أمر يتنافى مع كون الحديث حسنا. إنما وريد ابن عبد البر أن الحديث عن العلم حديث حسن، وأن الحديث موقوفًا سيما عن معاذ حديث حسن وقد رواه أبو نعيم في الحلية 1/ 238 - 239 من حديث يعقوب الدورقي عن محمد بن موسى الرازي قال: قرأت هذا الحديث على هاشم بن مخلد وكان ثقة فقال: سمعته من أبي عصْمة، عن رجل سماه، عن رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل رضى اللّه تعالى عنه قال: تعلموا العلم
…
الحديث بنحوه.
[من أنواع الصدقة]:
ومن أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس؛ ففي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: " قلت: يا رسول اللّه! أي الأعمال أفضل؟ " قال: " الإيمان باللّه
(1)
والجهادُ في سبيله"
(2)
قلت: " فأيّ الرقاب أفضل؟ " قال: " أنْفَسُها
(3)
عند أهلها، وأكثَرُها ثَمنًا، قلت:" فإن لم أفعلْ؟ " قال: تعين صَانِعًا
(4)
أو تَصْنَعُ لأخْرَق
(5)
" قلت: " يا رسول اللّه! أرأيتَ إن ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ " قال: " تكُفُّ شَرَّك عن الناس؛ فإنها صدقة "
(6)
.
• وقد روي في حديث أبي ذر زيادات أخرى
(7)
، فخرّج الترمذي من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف، ونهْيُك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجلَ في أرض الضلال لك صدقة، [وبصرك للرجل الرديء البصر لك
(1)
ليست في: ش.
(2)
م: " الإيمان والجهاد في سبيل اللّه " وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في الصحيحين.
(3)
أنفسها: أجودها وأحسنها، والمال النفيس هو المرغوب فيه.
(4)
ليست في ش.
(5)
الأخرق: من لا صنعة له.
(6)
نص رواية الحديث عند البخاري من طريق عبيد اللّه بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان باللّه وجهاد في سبيله. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أعلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين ضائعًا، أو تصنع لأخرق، قال: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدَّق بها على نفسك ".
أخرجه البخاري 49 - في كتاب العتق: 2 - باب أي الرقاب أفضل؟ 5/ 148 ح 2518 وهو الموضع الوحيد للحديث في البخاري وأخرجه مسلم في: " - كتاب الإيمان: 36 - باب بيان كون الإيمان باللّه تعالى أفضل الأعمال 1/ 89 ح 136 - (84) من طريق أبي الربيع الزهراني وخلف بن هشام عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح الليثي، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول اللّه! أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان باللّه والجهاد في سبيله، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنْفَسُهَا عند أهلها، وأكثرها ثمنًا قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق. قال: قلت: يا رسول اللّه! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: " تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك ".
وأخرجه عقبه من وجه آخر بنحوه غير أنه قال: " فتعين الصانع أو تصنع لأخرق ".
وهكذا نرى أن ابن رجب أورد نصا في الصحيحين معاد دون أن يلتزم لفظ واحد منهما، بل دون أن يلتزم في بعض الجمل سيما الأخيرة لفظ أي منهما بل ربما اختصره.
ولعل هذا يوضح لنا مقصوده من مثل هذه العبارة التي لا يعقبها بنحو قوله لفظ البخاري أو لفظ مسلم.
(7)
في سنن الترمذي، وصحيح ابن حبان، ومسند أحمد.
صدقة]
(1)
، وإماطَتُك الحَجَرَ والشوكَ
(2)
والعَظْمَ عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دَلْوِ أخيك لك صَدقةٌ "
(3)
.
* * *
وخرّج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس "، قيل: يا رسول الله! ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال: " إن أبواب الخير
(4)
لكثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل
(5)
، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتُسْمِعُ الأصمّ، وتهدي الأعمى، وتدلّ الُمسْتَدِلّ على حاجته، وتسعى بشدة ساقَيْكَ جمع اللَّهفَان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك "
(6)
.
وخرّج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال: " قلت: يا رسول الله! ذهب الأغنياء بالأجر [يصلّون ويصومون ويحجُّون؟ " قال: " وأنتم تصلُّون وتصومون وتحجُّون؟ " قال: قلت: يا رسول الله!]
(7)
يتصدقون ولا نتصدَّق؟ " قال: " وأنت فيك صدقة، رَفْعُكَ العَظْمَ عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قُوَّتِل صدقة، وبيانك عن الأغتم
(8)
صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة!؟ " قال:
(9)
قلت: " يا رسول الله نأتي شهوتنا ونُؤْجَر؟ " قال: " أرأيت لو جعلت ذلك
(10)
في
(1)
ما بين القوسين سقط من الأصول، وهو في الترمذي وليس في ش.
(2)
في الترمذي: " الشوكة ".
(3)
أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب صنائع المعروف 4/ 339 - 340 وقال: هذا حديث حسن غريب.
(4)
م، "الجنة" وما أثبتناه هو الموافق لما عند ابن حبان.
(5)
سقطت من م وفي ش التكبير والتحميد.
(6)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 4/ 34 - 35 عن حبان في صحيحه، وعن البيهقي مختصرًا. وهو عند ابن حبان في صحيحه: كتاب الزكاة: باب ما يكون أسه حكم الصدقة: ذكر الخصال التي يقوم لمعدم المال مقام الصدقة لباذلها 5/ 160 ح 368 من الإحسان.
(7)
ما بين القوسين ليس في ش.
(8)
الأغتم: من لا يفصح شيئًا، وفي المسند:" الأرتم " وهو - أيضًا - الذي لا يفصح الكلام ولا يبينه، نهاية 2/ 194. وسيأتي ص 720.
(9)
ليست في ش.
(10)
" ا ": " لو جعل .. يأثم " وفي المسند: " لو جعلته في حرام " في ش: جعله.
حرام أكانَ تأثَم؟ "
(1)
قال: قلت: " نعم " قال: " أفتحتَسِبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟ "
(2)
.
• وفي رواية أخرى
(3)
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن فيك صدقةً كثيرة - فذكر فضل سمعك، وفضل بصرك ".
• وفي رواية أخرى للإمام أحمد
(4)
قال:
" إن من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن الطريق
(5)
والعَظْمَ والحجَرَ، وتهدِي الأعمى، وتُسْمِعُ الأصمّ والأبكم حتى يفقه، وتَدُلّ الُمسْتَدِلّ على حاجةٍ له قد علمتَ مكانَها، وتسعى بشدة ساقَيْك إلى اللَّهْفان المستغيث، وترفَعُ بشدة ذراعيك مع الضَّعيف. كلُّ ذلك من أبواب الصدفة منك على نفسك، ولك في جِمَاعِكَ زوجتك أجر" قلت:" كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرأيتَ لو كن لك ولد فأدركَ ورجوتَ خيره فمات أكُنت تحتسب به؟ " قلت: نعم! قال: " فأنت خلقته؟ " قلت؟ بل الله خلَقَه؟ قال: " أفأنت
(6)
هَدَيته؟ " قلت: بل الله هَدَاه، قال: " فأنتَ
(7)
كنتَ ترزقُهُ؟ " قلت: بل الله كان يرزقه، قال: " كذلك فَضَعْهُ في حلاله، وجَنِّبه حَرَامَه؛ فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجرٌ ".
* * *
(1)
في ش: يأثم.
(2)
في المسند 5/ 154 ومن وجهين آخرين بنحوه في 5/ 167 (حلبي).
(3)
في المسند 5/ 167 وفيه عن أبي ذر، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ذهب أهل الأموال بالأجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن فيك صدقة كثيرة، فذكر فضل سمعك، وفضل بصرك، قال. " وفي مباضعتك أهلك صدقة " فقال أبو ذر: أيؤجر أحدنا في شهرته؟ قال: أرأيت لو وضعته في غير حل أكان عليك وزر؟ " قال: نعم، قال: أفتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟.
(4)
مسند أحمد 5/ 168 - 196 (حلبي).
من حديث زيد بن سلام، عن أبي سلام، قال أبو ذر:" على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه، قلت: يا رسول الله! من أين أتصدق، وليس لنا أموال؟ قال: "لأن من أبواب الصدقة التكبير" الحديث وفيه .. قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر .. فأنت هديته؟ قال .. فأنت ترزقه؟ قال: بل الله
…
".
(5)
في ش: " طريق الناس ".
(6)
في ش: فأنت.
(7)
م: "أفاتت".
• وظاهر هذا السياق يقتضي أنه يُؤجَر على جِمَاعِهِ لأهله بنيِّة طلب الولد الذي يترتب الأجر على تربيته وتأديبه في حياته، ويحتسبه عند موته، وأما إذا لم ينو شيئًا بقضاء شهوته. فهذا قد تنازع الناس في دخوله في هذا الحديث.
* * *
• وقد صح الحديث بأن نفقة الرجل على أهله صدقة؛ ففي الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نفقة الرجل على أهله صدقة ".
• وفي رواية لمسلم: " وهو يحتسبها "
(2)
، وفي لفظ للبخاري
(3)
: " إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها
(4)
، فهو له صدقة " فدل على أنه إنما يؤجر فيها إذا احتسبها عند الله.
كما في حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إنك لن تنفقَ نَفَقَةً تبتغي بها وَجْهَ الله؛ إِلا أجِرْتَ عليها: حتى اللَّقْمةَ ترفعها إلى فيِ امرأتك ".
حرجاه
(5)
* * *
[أفضل الدنانير]:
وفي صحيح مسلم عن ثوبان
(6)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
البخاري - بهذا اللفظ - في كتاب المغازي: باب بعد باب شهود الملائكة بدرًا 7/ 246.
ومسلم في كتاب الزكاة: باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج 2/ 695.
(2)
نص رواية مسلم - هنا - عن أبي مسعود: " أن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة - وهو يحتسبها - كانت له صدقة". وليس له رواية أخرى عن أبي مسعود. وصنيع ابن رجب يوهم غير هذا.
(3)
في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة وأن لكل امرئ ما نوى 1/ 126. وله رواية أخرى بهذه الزيادة في أول كتاب النفقات 9/ 437.
(4)
لفظ البخاري: " أهله يحتسبها، فهو له "، م:"يحتسبها عند الله كما في حديث .. "، ا:" فهو صدقة ".
(5)
سقط هذا اللفظ من م.
والحديث عند البخاري في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، 261، 127.
ومسلم في كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث 3/ 1250 - 1251 بسياقه كاملا. وقد مضى ص 68.
(6)
في كتاب الزكاة: باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم 2/ 691 - 692.
" أفضل الدنانير دينارٌ
(1)
يُنْفِقُهُ الرجلُ على عِيَالِهِ، ودينارٌ ينفقه على فرسه
(2)
في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله ".
• قال أبو قلابة - عند رواية لهذا الحديث
(3)
: " بدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال
(4)
صغار يُعِفُّهُمُ الله به، ويغنيهم الله به ".
• وفيه أيضًا عن سعد
(5)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل أمرأتك من مالك صدقة ".
وهذا قد ورد مقيدًا في الرواية الأخرى
(6)
بابتغاء وجه الله.
• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة
(7)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينارٌ أنفقتَه على أهلك، أفضلها: الدينار الذي
(8)
أنفقته على أهلك ".
* * *
• وخرج الإمام أحمد
(9)
وابن حبان
(10)
في صحيحه من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، دال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تصدَّقوا" فقال
(11)
رجل: " عندي دينار؟ " فقال: " تصدَّق به على نفسك " قال: " عندي دينار آخر " قال: " تصدّق به على زوجتك "
(12)
قال: " عندي دينار آخر " قال: " تصدق به على ولدك " قال: " عندي دينار آخر " قال: "تصدق به
(1)
في مسلم: " أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار على أصحابه في سبيل الله ".
(2)
في ش: فرس.
(3)
يريد: عقبه.
(4)
في مسلم: " يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم " وفي ش: " عيال له ".
(5)
في الباب السابق 3/ 1253.
(6)
الرواية السابقة في الموضع الأول 3/ 1250 - 1251.
(7)
في كتاب الزكاة: باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم 2/ 692.
(8)
الذي في مسلم: " أعظمها أجرًا: الذي أنفقته على أهلك ".
(9)
في المسند 3/ 151 - 152 (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ شاكر.
(10)
أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الزكاة: باب صدقة التطوع: ذكر البيان بأن الصدقة على الأقرب فالأقرب أفضل منها على الأبعد فالأبعد 5/ 141 ح 6325 من الإحسان بنحو الرواية المذكورة.
(11)
في المسند: "قال". كذا التالية وعند ابن حبان: " فقال رجل
…
قال ".
(12)
في المسند: " زوجك ".
على خادمك " قال: " عندي دينار آخر " قال: " أنت أبصر ".
• وخرّج الإمام أحمد من حديث المقدام بن معد يكرب
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أطعمت نَفْسَك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لَكَ صدقة، وما أطعمتَ زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمتَ خادمك فهو لك صدقة ".
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها.
* * *
[ما يؤكل من الزرع فهو صدقة]:
• وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ما من مسلمٍ يغرسُ غرسًا، أو يزرعُ زرعًا؛ فيأكلُ منه إِنسانٌ أو طيرٌ أو دابَّةٌ؛ إلا، كان له صدقَةً ".
* * *
[حتى الآفة والسرقة تحتسب صدقة]
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه
(3)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ما من مُسْلمٍ يغرسُ غَرْسًا؛ إلا كانَ ما أُكِلَ مِنْهُ له صدقة، وما سُرِق منه له صدقةً، وما أَكلَ السَّبُعُ فهو له صدقة، وما أكلت الطَّيْرُ
(4)
فهو له صدقة، ولا يرزؤه
(5)
أحد إلا كان له صدقة ".
• وفي رواية له أيضًا:
" فيأكل
(6)
منه إنسانٌ ولا دابّة ولا طائر
(7)
، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة "
(8)
.
(1)
في المسند 4/ 131، 132 (حلبي) بإسناد رجاله ثقات كما في المجمع 3/ 119.
(2)
البخاري في كتاب الحرث والمزارعة: باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه 5/ 2 وفي كتاب الأدب: باب رحمة الناس والبهائم 10/ 368.
ومسلم في كتاب المساقاة: باب فضل الغرس والزرع 3/ 1189 كلاهما باختلاف يسير أو تقديم وتأخير عما أورد ابن رجب.
(3)
في كتاب المساقاة: باب فضل الغرس والزرع 3/ 1188.
(4)
سقطت من المطبوعة.
(5)
في المطبوعة: " ينقصه " وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.
(6)
في المطبوعة: " فلا يأكل " وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.
(7)
في مسلم: " ولا طير".
(8)
الرواية في الباب المذكور 3/ 1189.
• وفي المسند بإسناد ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني
(1)
، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" من بَنَى بنيانًا في غير ظُلْمٍ ولا اعتداء، أو غَرَس غِراسًا في غيرِ ظُلْمٍ ولا اعتداء؛ كان له أجرٌ جاريا
(2)
ما انتفع به أحدٌ من خَلْق الرحمن ".
* * *
[كل ما ينتفع به فهو صدقة]:
• وذكر البخاري في تاريخه من حديث جابر مرفوعًا:
" مَن حفر ماءً لم تَشْرَبْ منه كَبِدٌ حَرَّى من جنٍّ ولا إنسٍ ولا سبُعٍ ولا طائر، إلا آجره الله يومَ القيامة "
(3)
.
[ولا شرط إلا إخلاص النية لله تعالى]
• وظاهر هذه الأحاديث كلها يدل على أن هذه الأشياء تكونُ صدقةً يثاب عليها الزارع والغارس ونحوهما من غير قصد ولا نية، وكذلك فول النبي صلى الله عليه وسلم في:" أرأيتَ لو وضعها في الحرام أكان عليه وِزْرٌ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " يدل بظاهره على أنه يُؤْجَر في إتيان أهله من غير نيَّة [فإن المبَاضِعَ لأهله كالزارع في الأرض التي يَحْرُث الأرض ويبذُر فيها].
• وقد ذهب إلى هذا طائفة من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشرب والجماع، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" إن المؤمن ليُؤجَرُ في كلّ شيءِ حتى اللُّقمة يرفَعُها إلى فيهِ ".
وهذا اللفظ الذي استدلّ به غير معروف؛ إنما المعروف قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: " إنك لن
(1)
مسند أحمد 3/ 438 وفيه، من غير ظلم .. غرسا. اعتداء كان .. أجر جار ما انتفع به من خلق الله تبارك وتعالى.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 443:
رواه أحمد، وفيه زبان بن فائد وثقة أبو حاتم، وفيه كلام.
(2)
في المجمع " أجر جار ".
(3)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 53 عن البخاري في تاريخه وعن ابن خزيمة في صحيحه أيضًا. وهو عند البخاري في التاريخ الكبير 1/ 1/ 332 من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حفر ماء
…
الحديث وزاد في آخره: ومن بني مسجدًا كمفحص قطاة أو أصغر منه بني الله له بيتا في الجنة ".
تنفق نفقةً تبتغي بها وجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك "
(1)
وهو مقيَّدٌ بإخلاص النيَّة لله فتحْمَل الأحاديث المطلقة عليه. والله أعلم.
* * *
[والدليل]:
• ويدلّ عليه أيضا قول الله عز وجل: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}
(2)
فجعل ذلك خيرًا واسم يرتبْ عليه الأجر إلا مع نية الإخلاص.
وأما إذا فعله رياءً، فإنه يعاقب وإنما محل
(3)
التردد إذا فعله بغير نية صالحة ولا فاسدة.
* * *
[وقيل يكفيه نية الإسلام]:
• وقد قال أبو سليمان الداراني: " من عَمِل عَمَلَ خيرٍ من غير نيّة كفاه نيّة اختياره للإسلام على غيره من الأديان".
وظاهر هذا أنه يثاب عليه من غير نية بالكلية؛ لأنَّه بدخوله في الإسلام مختارٌ لأعمال الخير في الجملة؛ فيتاب على كلّ عمل يعملُه منها بتلك النية. والله أعلم.
[من قياسات النبوة]:
• وقوله: " أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
هذا يسمى عند الأصوليين قياس العكس، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقلتُ أنا أُخْرى: قال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]
(4)
" من يُشرك بالله شيئًا دخَل النار " وقلتُ: [أنا] من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخلَ الجنة
(5)
.
(1)
مضى ص 68، 693.
(2)
سورة النساء: 114.
(3)
م: "يحمل".
(4)
ليست في ش.
(5)
بخاري ح 1238، 4497، 6683 ومسلم ح 150 - (92).
[النوع الثاني من الصدقة غير المالية]:
• والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية ما نَفْعُهُ قاصرٌ على فاعله كأنواع الذكر من التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وكذلك المشي إلى المساجد صدقة، ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيامَ والحجّ والجهاد أنه صدقة. وأكثرُ هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية؛ لأنَّه إنما ذكر ذلك جوابًا لسؤال الفقراء الذين سألوه عما يُقاوِمُ تطَوُّع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض فقد
(1)
كانوا كلُّهم مشتركين فيها.
* * *
[تفضيل الذكر على الصدقة]:
• وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيره عن الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكما من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٍ لكما من أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: " بلى يا رسول الله! " قال: " ذكر الله عز وجل ".
خرّجه الإمام أحمد
(2)
والترمذي
(3)
، وذكره مالك في الموطأ موقوفًا على أبي الدرداء
(4)
.
* * *
• وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه
(5)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
م: "فإنهم قد".
(2)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 228 وقال: رواه أحمد بإسناد حسن، وهو في المسند 5/ 195 (الحلبي).
(3)
في كتاب الدعاء: باب [6] وفيه كما في الترغيب " خير لكم عن إنفاق الذهب والورق ".
وقد قال أبو عيسى عقب الحديث: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا بهذا الإسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله.
(4)
في كتاب القرآن: باب ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى 1/ 211.
(5)
البخاري في كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده 6/ 338 - 339 ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار. باب فضل التسبيح والتهليل والدعاء 4/ 2071 وفيه بعد هذا: "ومن قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر وليس في شيء منهما: " يحيي ويميت " وطرفه عند البخاري ح 6403.
" من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عِدْلَ عشر رقَابٍ، وكُتبت له مائةُ حسنة، ومُحِيتْ عنه مائةُ سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ به إلا أحدٌ عَمِلَ أكثَرَ مِن ذلك ".
• وفيهما أيضًا عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" مَن قالها عَشْرَ مِرَارٍ
(1)
كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل "
(2)
.
• وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد
(3)
أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: " أي العباد أفضل درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: " الذاكرون الله كثيرًا " قلت: " يا رسول الله! ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ " قال: " لو ضَرَبَ بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويخْتضِبَ دمًا لكان الذاكرون الله
(4)
أفضل منه درجةً ".
ويُرْوَى نحوُهُ من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصواب وقفه على معاذ من قوله
(5)
.
* * *
• وخرّج الطبراني من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى
(6)
، عن
(1)
في ش: مرات.
(2)
مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة الاستغفار: باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء 4/ 2071 - 2073.
والبخاري في كتاب الدعوات: باب فضل التهليل 11/ 168 وانظر الفتح في هذا الموضع.
وفي م: " مرات " وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.
(3)
الترمذي في كتاب الدعاء: باب ما جاء في فضل الذكر 5/ 458 وقال: حديث غريب وهو عند أحمد في المسند 3/ 75.
(4)
في ش: لله.
(5)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 229 من حديث جابر مرفوعًا: " ما عمل آدمي عملا أنجي له من العذاب من ذكر الله تعالى " قيل: " ولا الجهاد في سبيل الله؟ " قال: " ولا الجهاد في سبيل الله. إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع ".
وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.
وأورده قبله (2/ 118) عن مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل قال لهم: إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلت: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ".
وقال: رواه ابن أبي الدنيا والطبراني واللفظ له، والبزار؛ إلا أنه قال:" أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إنى الله " وابن حبان في صحيحه.
وأخرج ابن ماجه في كتاب الأدب: باب فضل الذكر 2/ 1245 عن معاذ قوله: ما عمل امرؤ بعمل أنجى له من عذاب الله عز وجل، من ذكر الله.
(6)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 231 عن الطبراني من حديث أبي موسى وأفاد أن رواته حديثهم حسن.
النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لو أنَّ رجلًا في حِجْرِه دراهم يُقَسّمها وآخر يذكر الله كان الذاكرُ لله أفضلَ ".
قلت: الصحيح عن أبي الوازع عن أبي
(1)
برزة الأسلمي من قوله.
خرجه جعفر الفِرْيابي.
• وخرّج أيضًا من حديث أنس
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"مَنْ كبَّر مائةً وسبَّح مائةً، وهَلَّلَ مائةً، كانت خيرًا له من عَشْرِ رقبات
(3)
يعتقها، ومن سبع بَدَنات يَنْحَرُهَا ".
* * *
• وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيلِ له: " إن رجلًا أعتق مائة نَسَمَة؟ " فقال: " إن مائةَ نَسَمَة من مال رجل كثيرٌ، وأفْضلُ من ذلك: إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدِكُم رَطْبًا من ذكر الله عز وجل ".
* * *
• وعن أبي الدرداء أيضًا قال: "لأن أقول: الله أكبر مائة مرَّة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة دينار ".
• وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين: أن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال.
* * *
• وخرَّج الإمام أحمد
(4)
والنسائي
(5)
من حديث أم هانئ. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:
(1)
في ش: برزة.
(2)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 425 عن ابن أبي الدنيا من حديث أنس وقال: إسناده متصل حسن.
(3)
في ش: رقاب.
(4)
أورده المنذري في الترغيب 2/ 426 عن أحمد في المسند وقال: إسناده حسن.
والحديث في المسند 6/ 344 (الحلبي) وهو مما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وجادة؛ فقد قال عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده: ثنا سعيد بن سليمان قال: ثنا موسى بن خلف قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قال: قالت: مر بي ذات يوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إني قد كبرت وضعفت أو كما قالت، فمرني بعمل أعمله وأنا جالسة قال: سبحي الله مائة تسبيحة .. الحديث فذكره بمثله باختلاف يسير.
(5)
راجع الترغيب والترهيب في هذا الموضوع السابق 2/ 245 وقد أورده عن أحمد والنسائي والبيهقي وغيرهم.
"سبِّحي الله مائة تسبيحة؛ فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة؛ فإنها تعدل لك مائة فرسٍ مُلْجَمَةٍ مُسْرَجَةٍ تحملين عليهن في سبيل الله، وكبِّري الله مائة تكبيرة؛ فإنها تعدل لك مائة بَدَنَةٍ مُقَلَّدَة مُتَقَبَّلَة، وهلِّلي الله مائةَ تهليلة - لا أحْسبُهُ إلا قال -: تملأ ما بين السماء والأرض ولا يُرفع يومئذ لأحَدٍ مثلُ عَمَلِكِ إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ".
وخرَّجه أحمد أيضًا
(1)
وابن ماجه
(2)
، وعندهما:"وقولي: لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبًا ولا يسبقها العمل".
• وخرَّجه الترمذي
(3)
من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
* * *
• وخرَّج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا قال:
"ما من
(4)
صدقةٍ أفضلَ من ذكر الله عز وجل"
(5)
.
* * *
• وخرَّج الفرْيابي بإسناد فيه نظر، عن أبي أمامة مرفوعًا:
"مَن فاته الليل أن يكابده، وبَخلَ بماله أن ينفقه، وجَبُنَ من العَدُوِّ أن يقاتله فليكثر من: "سبحان الله وبحمده" فإنها أحب إلى الله عز وجل من جبل ذهب أو جبل
(6)
(1)
في أسفل الصحيفة السابقة ذكر رواية أحمد للحديث فما هنا تكرار لا وجه له أو خطأ من النساح ولعله يقصد رواية ابن أبي الدنيا أو الطبراني أو نحوهما ممن روى الحديث بهذه الزيادة، على ما أفاده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 245 - 246.
(2)
أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب: باب فضل لا إله إلا الله 2/ 1248 حديثا مستقلًا من طريق زكريا بن منظور، عن محمد بن عقبة، عن أم هانئ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله لا يسبقها عمل، ولا تترك ذنبا".
ولم يروه معطوفا على ما قبله كما ذكر ابن رجب.
وقد روى حديث أم هانئ بدون هذه الزيادة في باب فضل التسبيح من كتاب الأدب أيضًا 2/ 1252.
لكن صاحب الزوائد ضعف الحديث في الموضعين بزكريا بن منظور.
(3)
في كتاب الدعوات: باب [62] 5/ 513 - 514 وقال: هذا حديث حسن غريب.
(4)
ليست في ش.
(5)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 74 عن الطبراني في الأوسط وذكر أن رجاله ثقات.
(6)
ليست في "ا".
فضة ينفقه في سبيل الله عز وجل"
(1)
.
• وخرَّجه البزار بإسناد مقارب من حديث ابن عباس مرفوعًا وقال في حديثه: "فليكثر ذكر الله".
ولم يزد على ذلك
(2)
.
وفي المعنى أحاديث أخر متعددة.
* * *
(1)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 422 من حديث أبي أمامة وقال: رواه الفريابى والطبراني، واللفظ له، وهو حديث غريب، ولا بأس بإسناده إن شاء الله.
(2)
الترغيب والترهيب 2/ 396 وقال المنذري: رواه الطبراني والبزار، واللفظ له، وفيه أبو يحيى القتات، وبقيته محتج بهم في الصحيح.
ورواه البيهقي من طريقه أيضًا.
الحديث السادس والعشرون
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
"كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ
(1)
صَدَقَةٌ، وتُعِينُ
(2)
الرَّجُلَ في دَابَّتِه فَتَحْمِله
(3)
عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ
(4)
عَلَيْها مَتَاعَهُ صدَقةٌ. وَالكَلِمَة الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَبكُلِّ
(5)
خُطْوَةٍ تَمْشِيها
(6)
إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وَتُميِطُ
(7)
الأذَى عَن الطَّرِيقِ صَدَقةٌ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرَّجاه من رواية همام بن منبه عن أَبي هريرة
(8)
.
• وخرَّجه البزار من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: "للإنسان
(9)
ثلاثُمِائَةٍ وسِتُّون عَظْمًا أو سِتّةٌ وثلاثون سُلامى: عليه في كُل يوم صدقةٌ" قالوا: "فمن لم يجد؟ " قال: "يأمُرُ بالمعروف وينهَى عن المنكر" قالوا: "فمن لم يَسْتطع؟ " قال: "يَرْفَعُ عَظْمًا عن الطريق" قالوا؟ "فَمَن لم يَسْتَطِعْ؟ " قال: "فلْيُعِنْ ضَعيفًا" قالوا: "فَمَن لم يَسْتَطِعْ ذلك؟ " قال: "فلْيدَع الناسَ من شَرِّهِ".
• وخرج مسلم حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"خلق الله
(10)
ابن آدم
(11)
على ستين وثلاثمائة مَفْصِل فمن كَبَّر
(12)
الله وحَمِد الله
(1)
م: "اثنين".
(2)
في ر (ويعين).
(3)
في ر: (ويحمله).
(4)
في ر: (أو يرفع).
(5)
مسلم: "وكل".
(6)
في ر: (يمشيها).
(7)
في ر: (ويميط).
(8)
البخاري في كتاب الصلح: باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم 5/ 236 وفي كتاب الجهاد: باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر 6/ 65.
وباب كما أخذ بالركاب ونحوه 6/ 96 - 100.
ومسلم في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف 2/ 699.
(9)
في ش: الإنسان.
(10)
"ا": "خلق ابن آدم".
(11)
في مسلم: "أنه خلق كل إنسان من بني آدم" و "خلق كل إنسان".
(12)
في المطبوعة، ش:"ذكر" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.
وهلّل الله وسبَّح الله [واستغفر الله]
(1)
وعزل حجرًا عن طريق المسلمين
(2)
أو عزل شوكة أو عزل عظْمًا
(3)
أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلامَى
(4)
أمسى
(5)
من يومه وقد زَحْزَحَ نفسَهُ من النار"
(6)
.
* * *
• وخرَّج مسلم أيضًا من رواية أبي الأسود الدِّيليِّ
(7)
، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
"يُصْبِح على كل سُلامَى أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقة، وكلُّ تحميدة صدقةٌ، وكلُّ تهليلَةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزِئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"
(8)
.
• وخرَّج الإمام أحمد
(9)
وأبو داود
(10)
من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
• "في الإنسان ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا فعليه أن يتصدَّقَ عن كلِّ مَفْصِلٍ منه بصدقة"
(1)
ما بين القوسين من مسلم.
(2)
مسلم: "الناس".
(3)
مسلم: "أو شوكة أو عظما عن طريق الناس"، وأمر، وفي رواية:"أو أمر".
(4)
هكذا في مسلم، "ا":"الثلاثمائة السلامى" والمعروف في المعرف بأل أن يضاف إلى المقرون بها أو تنكير الأول وتعريف الثاني، ولكن متى صحت الرواية فهي القياس، وفي م:"الثلاث المائة السلامى".
(5)
مسلم: "فإنه يمشي يومئذ وقد
…
" وفي رواية: "فإنه يمسي".
(6)
أخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف 2/ 697.
(7)
في المطبوعة "الديلمي" وهو تحريف فهو أبو الأسود الديلي [بكسر المهملة وسكون التحتانية] ويقال الدؤلي [بدال مضمومة بعدها همز مفتوحة] البصري القاضي، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان
…
بن الديل، ويقال اسمه عمرو بن عثمان، ويقال: عثمان بن عمر.
روى عن عمر ومعاذ وأبي ذر وغيرهم وروى عنه ابنه أبو حرب، وعبد الله بن بريدة ويحيى بن يعمر وغيرهم.
ولي قضاء البصرة، وكان من كبار التابعين وثقاتهم، وهو واضع علم النحو، أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقاتل مع علي يوم الجمل وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد وقيل في طاعون سنة 69 هـ.
(8)
في المطبوعة: "ويجزئ من ذلك ركعتا الضحى يركعهما" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما عند مسلم.
والحديث في صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات أو ست، والحث على المحافظة عليها 2/ 499.
(9)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 1/ 461 - 462 و 3، 618 عن أحمد وأبي داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
وهو عند أحمد في المسند 5/ 354 (حلبي) من حديث زيد عن حسين، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بنحوه وفي 5/ 359 من وجه آخر بنحوه كذلك.
(10)
في كتاب الأدب: باب إماطة الأذى عن الطريق 4/ 489.
قالوا: "ومن يطيق ذلك يا نبي الله! " قال: "النُّخاعةُ في المسجد تَدْفِنها، والشيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تجِدْ فركعتا الضحى تجزئُكَ".
* * *
• وفي الصحيحين عن أبي موسى
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"على كل مسلمٍ صدقةٌ" قالوا: "فإن لم يجد؟ " قال: "فيعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدَّق" قالوا: "فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ " قال: "يُعين ذا الحاجة الملهوف" قالوا: "فإن لم يفعل؟ " قال: "فليأمر بالمعروف" قالوا: "فإن لم يفعل؟ " قال: "فليُمْسِك عن الشر فإنه له صدقة".
* * *
• وخرَّج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"على كل مِيسَمٍ
(2)
من ابن آدم صدقةٌ كلَّ يومٍ" فقال رجل من القوم: ومن يطيق هذا؟ قال: "أمر بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، والحمل على الضعيف صدقةٌ، وكلُّ خُطوةٍ يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقةٌ"
(3)
.
* * *
• وخرجه البزار وغيره، وفي روايةٍ
(4)
.
"على كُلِّ مِيسمٍ من الإنسان صدقةٌ كلَّ يوم أو صلاةٌ" فقال رجل: هذا من أشَدِّ ما أَتيْتَنَا بِهِ؟! فقال: "إن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاةٌ أو صدقةٌ، وحملك عن
(1)
البخاري في كتاب الزكاة: باب على كل مسلم صدقة، فمن لم يجد فليعمل بالمعروف 3/ 243 وفي كتاب الأدب: باب كل معروف صدقة 10/ 374.
ومسلم في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف 2/ 699 كلاهما باختلاف يسير.
(2)
الميسم من الوسامة وهي الحسن والجمال، والمراد بما في الحديث أن على كل عضو موسوم بصنع الله صدقة، قال ابن الأثير: هكذا فسر، إن كان محفوظًا، النهاية 4/ 380، واللسان 16/ 122.
(3)
أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب البر والإحسان: باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ذكر كِتْبَةِ الله جل وعلا: الصدقة لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ إذا تعرى فيهما عن العلل 1/ 259 من الإحسان بهذا النص إلا أن فيها: "على كل منسم" وهو تحريف.
(4)
في م: "وفي مسنده رواية".
الضعيف صلاةٌ، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاةٌ، وكل خُطْوَة تَخْطُوها إلى الصلاة صلاة".
• وفي رواية البزار:
"وإماطةُ الأذى عن الطريق صدقةٌ أو قال: صلاةٌ"
(1)
.
* * *
• قال بعضهم: يريد بالميسَم كلَّ عضو على حدة، مأخوذ من الوَسْم، وهو العلامة؛ إذ ما من عظْمٍ ولا عِرْقٍ ولا عَصَبٍ إلا وعليه أثرُ صُنْعِ الله عز وجل؛ فيجب على العبد الشكرُ على ذلك، والحمدُ لله على خلقه سويًّا صحيحًا.
وهذا هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: "كلَّ يوم" لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء.
* * *
• وخرَّج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس - رَفَعَ الحديثَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على كلِّ سُلامَى أو على كل عضو من بني آدم في كل يوم صدقة ويجزئ من ذلك كله ركعتا الضحى"
(2)
.
• ويروي من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"على كل
(3)
نفس في كل يوم صدقة" قيل: فإن كان لا يجد شيئًا؟ قال: "أليس
(1)
أخرجه البزار في كتاب الزكاة: أبواب صدقة التطوع: باب ما يؤجر فيه المؤمن ويكتب له به صدقة 1/ 454 من الكشف ح 956 من طريق بشر بن معاذ العقدي، عن يحيى بن أبي عطاء، عن عكرمة بن عمار، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإن إفراغك من دلوك في دلو أخيك يكتب لك به صدقة، وبه قال: إن أمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة، وإرشادك للضال يكتب لك به صدقة".
قال البزار: لا نعلم رواه عن عكرمة؛ إلا يحيى وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 134 - 135 عن البزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر وقال: وفيه يحيى بن أبي عطاء وهو مجهول.
فالحديث ضعيف الإسناد.
(2)
الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، ففيه مجهول، راجع التيسير بشرح الجامع الصغير 2/ 134.
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 2/ 237 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه من لم أجد له ترجمة.
(3)
ليست في ر.
بصيرًا شهمًا فصيحًا صحيحا؟ " قال: بلى قال: "فَيُعْطِي
(1)
من قليله وكثيره، وإنّ بَصرَك للمنقوص بصره صدقة، وإنّ سمعك للمنقوص سمعُه صدقة".
• وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي حديث أبي ذر الذي خرّجه ابن حبان في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ليس من نفس ابن آدم؛ إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس" قيل: يا رسول الله! ومن أين لنا صدقةٌ نتصدَّقُ بها؟ قال: "إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيحُ، والتحميدُ، والتكبيرُ، والتهليلُ، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميطُ الأذى عن الطريق، وتُسْمِعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتدلّ المستدِلّ على حاجته، وتسعَى بشدَّة ساقَيْكَ مع اللَّهْفَان المستغيث، وتَحْمِلُ بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كلُّه صدقةٌ منك على نفسك"
(2)
.
* * *
[على كل سلامى صدقة]:
فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل سُلَامَى من النَّاس عليه صدقة".
• قال أبو عبيد: "السُّلَامَى في الأصل عظْمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير، قال: فكأن معنى الحديث: على كل عظْمٍ من عظام ابن آدم صدقة".
يشير أبو عبيد إلى أن السُّلَامَى اسمٌ لبعض العظام الصغار التي في الإبل ثم عُبِّر بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى الآدمي وغيره.
فمعنى الحديث عنده: على كل عظم من عظام ابن
(3)
آدم صدقة.
• وقال غَيْرُه: "السُّلامَى عظم في طرف اليد والرجل، وكنى
(4)
بذلك عن جميع عظام الجسد".
* * *
[السلامى]:
والسُّلَامَى جمع، وقيل: هو مفرد، وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام البدن
(1)
الفاء: ليست في ر.
(2)
مضى ص 691.
(3)
م: "بني".
(4)
م: "وكفى" وهو تحريف.
مائتان وثمانية وأربعون عظمًا سوى السمسمانيات
(1)
وبعضهم يقول: هي ثلاثمائة وستون عظمًا، يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظمًا، والباقية صغار لا تظهر، وتسمّى السُّمسُمانية.
وهذه الأحاديث تصدق هذا القول.
ولعل السُّلامَى عُبِّر بها عن هذه العظام الصغار، كما أنها في الأصل اسمٌ لأصغر ما في البعير من العظام، ورواية البزار لحديث أبي هريرة
(2)
تشهدُ لهذا؛ حيث قال فيها:
"أو ستة وثلاثون سُلامَى".
• وقد خرّجه غير البزار
(3)
وقال فيه:
"إن في ابن آدم ستمائة وستين عظمًا".
وهذه الرواية غلط.
وفي حديث عائشة وبريدة ذكر ثلاثمائة وستين مفصلًا.
* * *
[معنى الحديث ومغزاه]:
• ومعنى الحديث أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده، فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه؛ ليكون ذلك شكرًا لهذه النعمة.
قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}
(4)
.
وقال الله عز وجل: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
(5)
.
(6)
.
وقال: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ}
(7)
.
(1)
السمسمان والسمسماني بضم السينين: الخفيف اللطيف السريع.
(2)
تقدم ص 703.
(3)
عقب الحديث السابق وص 705.
(4)
سورة الانفطار: 6 - 8.
(5)
سورة الملك: 23.
(6)
سورة النحل: 78.
(7)
سورة البلد: 8، 9.
[من مأثور السلف]:
• قال مجاهد: هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها، كيما تشكُرَ.
وقرأ الفضيل هذه الآية ليلة؛ فبكى فسئل عن بكائه فقال: هل بِتَّ ليلةً شاكرًا لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًا لله أن جعل لك لسانًا تنطق به؟.
وجعل يعدد من هذا الضرب.
* * *
• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمان الفارسي قال: إن رجلًا بُسِط له من الدنيا فانتُزع ما في يديه، فجعل يحمد الله عز وجل، ويُثْنِي عليه، حتى لم يكن له فراشٌ إلا بُورِي
(1)
، فجعل يَحْمَدُ الله، ويثني عليه - وبُسِط لآخر من الدنيا، فقال لصاحب البُوري: أرأيتك أنت علام تحمد الله عز وجل؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إيّاهُ؟! قال: وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرَك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟
(2)
.
* * *
• وبإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول: الصحة غَنَاءُ الجسد
(3)
.
* * *
• وعن يونس بن عبيد أن رجلًا شكا إليه ضيقَ حاله، فقال له يونس: أيسرّك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: "لا" قال: "فبيديك مائة ألف درهم؟ " قال: "لا" قال: فرجليك؟ قال: "لا"، قال - فذكّره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوفًا - وأنت تشكو الحاجة!
(4)
.
* * *
وعن وهب بن منبه قال: مكتوبٌ في حكمة آل داود: "العافية: الملك الخفي"
(5)
.
* * *
(1)
في ر: بورئ، والبورئ والباريّ: الحصير، فارسي معرب؛ المعجم الوسيط 1/ 75.
(2)
الأثر في: "الشكر" لابن أبي الدنيا ص 48 - 49.
(3)
المرجع السابق ص 50.
(4)
أورده أبو نعيم في الحلية 3/ 22 بأتم من هذا.
(5)
الشكر لابن أبي الدنيا ص 58.
• وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم! إن أردتَ أن تعلم قدْرَ ما أنعم الله عليك فغمِّضْ عينيك
(1)
.
• وفي بعض الآثار: كم من نعمة لله في عرق ساكن
(2)
!.
• وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصِّحَّةُ والفراغ"
(3)
.
[حق شكر هذه النعم]:
فهذه النعم مما يُسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة ويُطالَب بها؛ كما قال تعالى:
{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}
(4)
.
• وخرَّج الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن أولَ ما يُسأل العبدُ عنه يومَ القيامة من النعيم فيقال له
(5)
: ألم نُصِحَّ لك جسمك، ونرويك من الماء البارد؟ "
(6)
.
* * *
• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: النعيم: الأمن والصحة. وروي عنه مرفوعًا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله:{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}
(7)
قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يَسْأَلُ الله العباد فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهما وهو قوله تعالى:{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}
(8)
.
* * *
• وخرَّج الطبراني من رواية أيوب بن عتبة
(9)
وفيه ضعف - عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
(1)
المرجع السابق ص 84.
(2)
انظر المرجع نفسه ص 69 - 70 والحلية 1/ 210 وهو فيها من قول أبي الدرداء.
(3)
في أول كتاب الرقاق 11/ 229.
(4)
سورة التكاثر: 8.
(5)
"ا": "فيقول" والترمذي: "أن يقال له" وعند ابن حبان: "أول ما يقال؛ ألم أصحح لك .. وأرويك .. ".
(6)
الترمذي في كتاب التفسير: سورة التكاثر 5/ 448 وقال: هذا حديث غريب، والإحسان 16/ 364 - 365 بلفظ:"أول ما يقال للعبد يوم القيامة".
(7)
سورة: التكاثر: 8.
(8)
سورة الإسراء: 36. وراجع فيما روي عن ابن مسعود وابن عباس تفسير ابن كثير 4/ 546.
(9)
م: "عقبة" وهو تحريف؛ فهو أيوب بن عتبة أبو يحيى، قاضي اليمامة. روى عن يحيى بن أبي كثير، وعطاء، وقيس بن طلق الحنفي وجماعة. وروى عنه أبو داود الطيالسي ومحمد بن الحسن وأحمد بن يونس وغيرهم. =
"من قال لا إله إلا الله كان له بها عهدٌ عند الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كُتِبَ له بها مائةُ ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة"، فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا؟ يا رسول الله! قال: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وُضع على جَبَلٍ لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكادُ أن تستنفد ذلك كلَّه إلا أن يتطاولَ اللهُ برحمته"
(1)
.
[المقاصة بين الطاعة والنعمة]:
• روى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف أيضًا
(2)
عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"يؤتى بالنعم يوم القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمة من نعمه: خُذِى حقكِ من حسناته، فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها".
* * *
• وبإسناده عن وهب بن منبه
(3)
قال: عَبَدَ الله عابدٌ خمسين عامًا، فأوحى الله عز وجل: إني قد غفرتُ لك. قال: يا ربِّ! وما تغفرُ لي؟ ولم أذنبْ؟ فأَذن الله عز وجل لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلّ، ثم سكن وقام فأتاه مَلَكٌ فشكا إليه ما لقِي من ضَرَبات العِرْق، فقال الملَك: إن ربكَ عز وجل يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق.
* * *
• وخرج الحاكم هذا المعنى مرفوعًا من رواية سليمان
(4)
بن هرم القرشي عن محمد
= قال عنه الترمذي، عن البخاري: ضعيف جدًّا، لا أحدث عنه، وقال النسائي: مضطرب الحديث، وقال الآجري، عن أبي داود: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا ويهم حتى فحش الخطأ منه. ومات سنة 160.
وترجمته في تهذيب التهذيب 1/ 408 - 410.
(1)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 421 - 422 عن الطبراني وقال أيضًا بإسناد فيه نظر. وأورده الهيثمي في المجمع 10/ 357 - 358 أطول من هذا وفيه قصة من حديث ابن عمر عن الطبراني في الأوسط إلا أن فيه: ومن قال سبحان الله كتب له مائة حسنة
…
الحديث.
ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف وفيه توثيق [و] لين.
(2)
في الشكر ص 20.
(3)
المرجع المذكور ص 69 - 70، والحلية 4/ 68.
(4)
في المطبوعة: "سلمان" وهو تحريف؛ فهو سليمان بن هرم يروي عن محمد بن المنكدر، وعنه الليث بن سعد. قال الأزدي: لا يصح حديثه. وانظر ترجمته في الميزان 2/ 227.
ابن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل أخبره:
"أن عابدًا عَبَد الله على رأس جبل في البحر خمسَمائة سنة، ثم سأل ربَّه أن يَقْبضه - وهو ساجد. قال: فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرَّجنا ونجدُ في العلم أنه يبعث يوم القيامة، فيوقَفُ بين يدي الله عز وجل فيقول الله عز وجل: "أدخِلوا عبدي الجنة برحمتي" فيقول العبد: "يا ربّ! بعملي" ثلاث مرات، ثم يقول الله للملائكة: "قايسوا عبدي بنعمتي عليه، وبعمله" فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعم الجسد له فيقول: أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار، فينادي ربَّه: "برحمتك أدخلني الجنة! برحمتك أدخلني الجنة! " فيدخله الجنة - قال جبرائيل: "إنما الأشياء برحمة الله يا محمد"
(1)
.
وسليمان بن هرم، قال العقيلي: هو مجهول وحديثه غير محفوظ.
وروى الخرائطي بإسناد فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا:
"يؤتى بالعبد
(2)
يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عز وجل" فيقول للملائكة: "انظروا في عمل عبدي، ونعمتي عليه" فينظرون فيقولون:"ولا بقدر نعمة واحدة من نعمك عليه" فيقول: "انظروا في عمله: سيئه وصالحِهِ" فينظرون فيجدونه كفافًا، فيقول:"عبدي قد قبلتُ حسناتِك، وغفرتُ سيئاتِك، وقد وهبتُ لك نِعَمِي فيما بين ذلك".
* * *
[والمقصود من ذلك]:
• والمقصود أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى: {وَإِن
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 250 - 251 - بسياق أطول - وصححه وعارضه الذهبي فقال: لا والله! وسليمان غير معتمد.
وقد أورد الذهبي الحديث في الموضع المذكور آنفا في الميزان عن الحاكم أيضًا ثم قال: لم يصح هذا، والله تعالى يقول:{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . ولكن لا ينجي أحدًا عمله من عذاب الله كما صح، بل أعمالنا الصالحة هي من فضل الله علينا ومن نعمه، لا بحول منا ولا بقوة، فله الحمد على الحمد له. ا هـ. وسيأتي في الحديث التاسع والعشرين مزيد بيان لعلاقة دخول الجنة بالعمل.
وقد ترجم العقيلي في الضعفاء الكبير 2/ 144 ت 638 لسليمان بن هرم هذا الذي طعن في الحديث بسببه فلم يزد على أن ذكر ما سيورده ابن رجب بشأنه ثم ساق هذا الحديث من طريق وكأنه يريد ليقول: إن سليمان بن هرم مجهول وحديثه بعامة غير محفوظ ولا سيما هذا الحديث، وهو بسياقه الذي أورده ابن رجب عن الحاكم.
(2)
في ر: بعبد.
تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}
(1)
وطلب منهم الشكر ورضي به منهم.
• قال سليمان التيمي: "إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلّفهم الشكر على قدْرهم، حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها".
• كما خرجه أبو داود والنسائي
(2)
من حديث عبد الله بن غنام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"من قال حين يصبح: اللهم! ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم، ومن قالها حين يمسي؛ أدى شكر ليلته".
• وفي رواية للنسائي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
(3)
.
* * *
• وخرّجَ الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما أنعَمَ الله على عبدٍ نعمةً، فَعَلم أنها من عنْدِ الله؛ إلا كَتَبَ الله شُكْرَها قبل أن يَشْكُرَها، وما أذنبَ عبدٌ ذنبًا فَنَدِمَ عليه؛ إلا كتَبَ الله له مغفرتَهُ قبْل أن يستغفره"
(4)
.
* * *
(1)
سورة النحل: 18.
(2)
أبو داود في كتاب الأدب: باب ما يقول إذا أصبح 4/ 435، والنسائي في عمل اليوم والليلة ح 8 ص 21.
(3)
يظهر أن ابن رجب يقصد أن يقول: إن للحديث طريقًا آخر من حديث ابن عباس وإن ذلك جاء في رواية أخرى للحديث عند النسائي.
فأما أن للحديث رواية أخرى من حديث ابن عباس فذلك صحيح.
وأما أن ذلك في رواية للنسائي فلا؛ إذ أَنّ حديث ابن عباس لم يروه النسائي؛ وإنما رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص 12 ح 10 ورواه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقائق: باب الأذكار: ذكر الشيء الذي إذا قاله المرء عند الصباح كان مؤديا لشكر ذلك اليوم 2/ 111 من الإحسان.
(4)
راجع المستدرك 4/ 253 فقد أخرج في هذا الموضع الشطر الأخير من الحديث وصححه لكن الذهبي ضعفه ببعض رواته، وهو هشام بن أبي زياد؛ حيث قال: إنه متروك.
وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: 10/ 199 تاما عن الطبراني في الأوسط من حديث عائشة لكن من طريقين ضعيفين كذلك.
ولفظه عنده: "من أصاب ذنبا فندم غفر الله عز وجل له ذلك الذنب من قبل أن يستغفره، ومن أنعم الله عليه نعمة فعلم أنها من الله كتب الله شكرها من قبل أن يحمده عليها، ومن كساه الله ثوبا فعلم أن الله هو الذي كساه لم يبلغ الثوب ركبتيه حتى يغفر له" وعقب عليه بقوله: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما بزيع بن حسان أبو الخليل، وفي الآخر سليمان بن داود المنقري وكلاهما ضعيف.
[من المأثور في شكر النعمة]:
• وقال أبو عمرو الشيباني: قال موسى عليه الصلاة والسلام يوم الطور: "يارَبِّ! إن أنا صلَّيتُ فمنِ قِبَلكَ، وإن أنا تصدقتُ فمنْ قِبَلكَ، وإن أبا بلَّغتُ رسالاتِك فمنِ قِبَلك فكيف أشكرك؟ " قال: "الآن شكرتني
(1)
".
* * *
• وعن الحسن قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب! كيف يستطيع آدم أن يؤدِّيَ شُكْرَ ما صنعت إليه؟ خلقْتَه بيدك، ونَفَخْت فيه من رُوحِكَ، وأسْكَنْتَه جنَّتَكَ، وأمرتَ الملائكة فسجدُوا له؟ " فقال: "يا موسى! عَلِم أن ذلك مني فحَمدني عليه، فكان ذلك شُكْرًا لما صَنَعْتُه
(2)
".
* * *
• وعن أبي الجلْد، قال: قرأتُ في مسألة داود عليه السلام أنه قال: "أي رب
(3)
! كيف لي أن أشكُرَكَ وأنا لا أَصِلُ إلى شكرك إلا بنعمتك؟ " قال: فأتاهُ الوحي أن: "يا داودُ! ألَيْس تعلمُ أن الذي بك من النعم مِنّي؟ " قال: "بلى؛ يا رب! "
(4)
قال: "فإني أرضى بذلك شُكْرًا"
(5)
.
• قال: وقرأتُ في مسألة موسى عليه السلام قال: ياربِّ! كيف لي أن أشَكرَك؟ وأصْغَرُ نعمة وضعتَها عندي من نعمك لا يُجَازِي بها عملي كلُّه.
قال: فأَتاه الوحي أن: "يا موسى الآن شكرتني".
• وقال بكر بن عبد الله: ما قال عبدٌ قطّ: "الحمد لله" مرةً؛ إلا وجبتْ عليه نعمةٌ بقوله "الحمد لله" فما جزاءُ تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: "الحمد لله" فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعماء الله
(6)
.
* * *
(1)
الشكر لابن أبي الدنيا ص 14.
(2)
المرجع السابق ص 16 بنحوه.
(3)
في ر "يا رب! ".
(4)
م: "قال بلى، قال".
(5)
الشكر لابن أبي الدنيا ص 13 - 14.
(6)
الشكر لابن أبي الدنيا ص 14.
[هل الحمد أفضل من النعمة؟]:
• وقد روى ابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا
(1)
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"ما أنَعَمَ اللهُ على عبدٍ نعمة فقال: الحمدُ لله إلا كان الذي أعطاه أفضلَ مما أَخَذَ".
* * *
• ورُوِّينَا نحوه من حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنتِ يزيدَ مرفوعًا أيضًا.
• ورُوِي هذا عن الحسنِ البصريّ من قوله.
* * *
• وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: "إني بأرضٍ قد كَثُرَتْ فيها النّعم؛ حتى لقد أشفقْتُ على أهلها من ضَعْفِ الشُّكْرِ".
فكتب إليه عمر: "إني قد كنتُ أراك أعْلَمَ بالله مما أنتَ. إن الله لم ينعمْ على عبدٍ نعمةً فحمد الله عليها إلا كان حَمْدُهُ أفضل من نعمِهِ لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}
(2)
(3)
.
وأيُّ
(4)
نعمة أفضل من دخول الجنة؟ ".
* * *
• وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا في كتاب "الشكر"، عن بعض العلماء: أنه صوّب هذا القول. أعني قولَ مَنْ قال: إن الحمدَ أفضلُ من النعم.
• وعن ابن عيينة أنه خَطَّأ قائله، وقال: لا يكون فعلُ العبد أفضلَ من فعل الرب عز وجل.
* * *
(1)
في كتاب الأدب: باب فضل الحامدين 2/ 1250 وقال صاحب الزوائد: هذا إسناد حسن في إسناده شبيب بن بشر مختلف فيه. وشبيب بن بشر هو راوي الحديث عن أنس.
وانظر مصباح الزجاجة 2/ 262.
(2)
سورة النمل: 15.
(3)
سورة الزمر: 73، 74.
(4)
ر: "فأيّ".
[ابن رجب ينتصر لتفضيل الحمد]:
• ولكن الصواب قول من صوَّبَهُ؛ فإن المراد بالنعم: النعم الدنيوية كالعافية والرزق والصّحة، وَدَفْعِ المكروه، ونحو ذلك، والحمد هو من النعم الدينيّة وكلاهما نعمةٌ من الله لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده؛ فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر كانت بليّة، كما قال أبو حازم:
"كل نعمة لا تقرّبُ من الله فَهي بليَّةٌ
(1)
".
* * *
فإذا وفق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النّعم، وأحبَّ إلى الله عز وجل؛ فإن الله يحبُّ المحامِد ويرضى عن عبده أن يأكل الأكْلةَ فيحْمَدَهُ عليها، ويشربَ الشَّرْبة فيحمَدَهُ عليها
(2)
، والثناءُ بالنعم، والحمدُ عليها، وشكرُهَا عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذُلونها طلبًا للثناء، والله عز وجل أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نِعَمَه لعباده، ويَطْلُبُ منهم الثناءَ بها، وذِكْرَها، والحمدَ عليها، ويَرْضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شُكْرهم، لكنه يحبُّ ذلك من عباده؛ حيث كان صَلاحُ العبد وفلاحُه وكماله فيه.
ومن فضله سبحانه: أنه نسب الحمدَ والشُّكْرَ إليهم، وإن كان من أعظم نعمِهِ عليهم. وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال ثم استقْرَضَ منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه؛ والكل مِلْكه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك.
* * *
• ومن هنا يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعًا وموقوفًا
(3)
.
"الحمد لله حمدًا يُوافي نِعَمَهُ ويُكافئ مزيدَه".
(1)
الشكر ص 18.
(2)
كما جاء في الحديث الذي رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة فيحمده عليها".
أخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة: باب ما جاء في الحمد على الطعام إذا فرغ منه 4/ 265.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
(3)
راجع الترغيب والترهيب 2/ 428. وقد ذكر المنذري أن البخاري رواه في الضعفاء من حديث ابن عمر.
[كل سلامى عليه صدقة]:
• ولنرجع الآن إلى تفسير حديث "كلُّ سُلامى من الناس عليه صَدَقةٌ كلَّ يوم تَطْلعُ فيه الشّمسُ".
* يعني أن الصدقة على ابن آدم عن
(1)
هذه الأعضاء في كل يوم من أيام الدنيا؛ فإن اليوم قد يُعبَّر به عن مدة أزيد من ذلك كما يقال يوم صِفَّينِ، وكان مدةَ أيام، وعن مطلق الوقت كما في قوله تعالى:{أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}
(2)
.
* * *
• وقد يكون ذلك ليلًا ونهارًا، فإذا قيل كل يوم تطلع فيه الشمس علم أن هذه الصدقة على ابن آدم في كل يوم يعيش فيه من أيام الدنيا.
* * *
[درجات الشكر]:
• وظاهر الحديث يدل على أن هذا الشكر بهذه الصدقة واجبٌ على المسلم كل يوم، ولكن الشكر على درجتين.
[الدرجة الأولى]:
• إحداهما واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويَجْتَنِبَ المحارم - فهذا لابد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود من حديث أبي الأسود الدِّيلي قال كنا عند أبي ذر فقال:
"يُصبحُ على كل سُلامَى من أحدِكم في كل يوم صدقةٌ؛ فله بكل صلاةٍ صدقةٌ، وصيامٌ صدقةٌ، وحجٌّ صدقةٌ، وتسبيحٌ صدقةٌ، وتكبيرٌ صدقةٌ، وتحميدٌ صدقةٌ. فعدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأعمال الصالحات
(3)
، ثم
(4)
قال: "يجزئ أحَدكم من ذلك ركعتا الضحى"
(5)
.
* * *
(1)
م: "من".
(2)
سورة هود: 8.
(3)
في السنن: "الصالحة".
(4)
غير موجودة في ر.
(5)
م: "وقال".
• وقد تقدم في حديث أبي موسى المخرَّج في الصحيحين:
"فإن لم يفعل فلْيُمسكْ عن الشر؛ فإنه له صدقة"
(1)
.
وهذا يدلُّ على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئًا من الشر، وإنما يكون مجتنبًا للشر إذا قام بالفرائض، واجتنب المحارم؛ فإن أعظم الشر تركُ الفرائض.
* * *
• ومن هنا قال بعضُ السلف: "الشكر ترك المعاصي".
* * *
• وقال بعضهم: "الشكرُ أن لا يُسْتعان بشيء من النعم على معصيته".
• وذكر أبو حامد الزاهد [أنّ] شُكر الجوارح كلها: أن
(2)
تُكفَّ عن المعاصي وتُسْتَعْمَلَ في الطاعات، ثم قال:"وأمَّا من شكَرَ بلسانه، ولم يشكُرْ بجميع أعضائه، فمثَلُه كمثَل رجُلٍ له كِسَاء، فأَخَذَ بطرَفه، فلم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر".
* * *
• وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؟: "لينظر العبد في نعم الله عليه
(3)
في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك. [و] ليس من هذا شيء؛ إلا وفيه نعمةٌ من الله عز وجل حقٌّ على العبد أن يعمل بالنعمة التي
(4)
هي في بدنه لله عز وجل في طاعته، ونعمةٌ أخرى في الرزق حقٌّ عليه أن يعمل لله عز وجل فيما أَنعمَ عليه من الرزق في طاعته؛ فمن عمل بهذا كان قد أخذ بحزم
(5)
الشكر وأصله وفرعه".
* * *
• ورأى الحسن رجلا يتبختر في مشيته فقال: "لله في كل عضو منه نعمة: اللهم لا تجْعَلْنا ممن يتَقَوّى بنعمتك على معصيتك".
* * *
(1)
أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: باب صلاة الضحى 2/ 61 - 62.
(2)
ب: "وأن" وما بين القوسين زيادة يتضح بها المعنى أو يقال: إن قوله: "وذكر" بمعنى: وقال.
(3)
سقطت من ب.
(4)
ب: "اللاتي".
(5)
الحزم: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة.
[الدرجة الثانية]:
• الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعملَ العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم، بنوافل الطاعات.
• وهذه درجةُ السابقين المقرَّبين، وهي التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في الصلاة، ويقوم حتى تتفطّر قدماه فإذا قيل: لم تَفْعَلُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ "
(1)
.
• وقال بعض السلَف: لما قال الله عز وجل: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}
(2)
: لم يأت عليهم ساعةٌ من ليل أو نهارٍ؛ إلا وفيهم مصلٍّ يصلّي.
وهذا مع أن بعضَ هذه الأعمال التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم واجبٌ: إما على الأعيان كالمشي إلى الصلاة عند من يرى وجوبَ الصلاة في الجماعات في المساجد، وإما على الكفاية؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإغاثة اللهفان، والعدل بين الناس، إما في الحكم بينهما، أو في الإصلاح؛ فقد رُوِي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أفَضَلُ الصّدقة إصلاحُ ذَاتِ البَيْنِ
(3)
".
* * *
[هذه الأنواع متعد وقاصر]:
• وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة منها ما نفعه متعدٍّ كالإصلاح، وإعانة الرجل على دابته بحمله عليها
(4)
لرفع متاعه عليها، والكلمة الطيبة، ويدخُلُ فيَها السلامُ، وتشميتُ العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمْرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، ودفْنُ النخاعة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسْماع الأصم،
(1)
كما هو مروي من حديث لعائشة متفق عليه.
(2)
سورة سبأ: 13. والخبر في الشكر ص 39.
(3)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 80 عن البزار والطبراني ثم ضعفه بأحد رواته وهو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وأورده المنذري في الترغيب 3/ 489 عنهما لكن حسنه بشاهد عن أبي الدرداء. وفي ر: "قد روي من حديث عبد الله بن عمر" وفيه خطأ في اسم الراوي.
(4)
أو رفع متاعه عليها.
وتبصيرُ المنقوص بصرهُ
(1)
، وهداية الأعمى أو غيره الطريق.
• وجاء في بعض روايات أبي ذر: "وبيانك عن الأرتَمِ
(2)
صدقة" يعني من لا يطيق الكلام، إما لآفة في لسانه. أو لعُجْمَةٍ في لغته فيبيِّنُ عنه ما يحتاج إلى بيانه.
• ومنه ما هو قاصر النَّفْع كالتسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والمشي إلى الصلاة، وصلاة ركعتي الضحى.
وإنما كانتا مجزئتين عن ذلك كله؛ لأن في الصلاهَ استعمالًا للأعضاء كُلِّها في الطاعة والعبادة، فتكونُ كافيةً في شكر نعمة سلامى هذه الأعضاء
(3)
.
وبقية هذه الخصال المذكورة أكثرها استعمال لبعض أعضاء البدن خاصة فلا تكمل الصدقة بها حتى يأتي منها بعدد سلامى البدن، وهي ثلاثمائة وستون كما في حديث عائشة رضي الله عنها وعن أبويها
(4)
.
وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أتدرون أي الصدقة أفضل أو أخير؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "المنيحة
(5)
أن تمنح أخاك الدراهم، أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة، أو لبن البقرة"
(6)
.
والمراد بمنيحة الدَّراهم قَرْضُها، ومنيحة ظهر الدابة إفقارها وهو إعارتها لمن يركبها، ومنيحة لبن الشاة أو البقرة أن يَمَنحَهُ بقرةً أو شاةً يشربُ لبنَها ثم يعيدها إليه.
وإِذا أطلقت المنيحة لم تنصرف؛ إلا إلى هذا.
• وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، عن
(1)
ر: "والبصر للمنقوص".
(2)
م: "الأثم" وهو تحريف، قال في النهاية (2/ 194، 196) الأرتم كذا وقع في الرواية، فإن كان محفوظا فلعله من قولهم: رتمت الشيء إذا كسرته، ويكون معناه معنى الأرتِّ وهو الذي لا يفصح الكلام ولا يصححه ولا يبينه، وإن كان بالثاء فهو أيضًا الذي لا يصحح كلامه ولا يبينه لآفة في لسانه أو أسنانه، وأصله من رثيم الحصى، وهو ما دق منه بالأخفاف، أو من رثمت أنفه إذا كسرته حتى أدميته، فكأن فمه قد كسر فلا يفصح في كلامه، وقد مضى ص 691.
(3)
م: "شكر سلامى هذه""ا": "شكر نعمة سلامة هذه".
(4)
تقدم ص 703.
(5)
م: "المنحة" وكذا في مثيلاتها الآتية، يقال المنيحة والمنحة والرواية: المنيحة.
(6)
أخرجه أحمد في المسند بإسناد صحيح كما أفاده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 133 وهو في مسند أحمد 1/ 164 (الحلبي) ولفظه: أتدرون أي الصدقة أفضل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: المنيحة أن يمنح أحدكم أخاه الدرهم أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة، أو لبن البقرة.
النبي صلى الله عليه وسلم قال:
• "من منح منيحة لبن أو وَرِق أو هَدَى
(1)
زُقَاقًا كان له مثل عتق رقبة"
(2)
.
• وقال الترمذي: معنى قوله: "من منح منيحة وَرِقٍ" إنما يعني به قرْض الدراهم، وقوله: أو هَدَى زُقَاقًا؛ إنما يعني به هداية الطريق، وهو إرشاد السبيل.
* * *
• وخرّج البخاري
(3)
من حديث حسان بن عطية، عن أبي كبشة السَّلُولي، قال: سمعتُ عبدَ الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أربعون خَصْلَةً أعلاها منيحةُ العَنْز ما من عامل يعمل بَخْصلهٍ منها رجاء ثوابها وَتَصْديِقَ مَوْعُودِها إلا أدخله الله بها الجنةَ".
• قال حسان بن عطية: فعدَدْنا ما دُونَ منيحة العَنْز من رَدِّ السلام، وتَشْمِيتِ العاطِس، وإماطَةِ الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمسَ عشرةَ خصلة
(4)
.
* * *
[من حق المجتمع في مال المسلم]:
• وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"حَق الإبل حَلْبُها على الماء، وإعارةُ دلوها، وإعارة فَحْلها، ومَنِيحتُهَا، وحملٌ عليها في سبيَل الله"
(5)
.
(1)
م: "أهدى" وهو تحريف، وكذا الآتية.
(2)
أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المنحة 4/ 340 - 341 وقال حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه أحمد في المسند 4/ 272، 285، 287، 296، 300، 304 (الحلبي) من وجوه عن البراء بن عازب والنعمان بن بشير، وحديث النعمان في الموضع الأول فحسب وفيه:"أهدى زقاقا" من الهدية بمعنى من أهدى سكة من النخل أما في حديث البراء فالرواية: "هدى" من هداية الضال أو الأخذ بيده في نحو الزقاق وهو الطريق الضيق وإعانته على اجتيازه، وقد ضبط في المسند في الموضع الأخير بتشديد الدال وأشار إليها ابن الأثير وقال: أما من المبالغة في الهداية أو من الهدية أي من تصدق بزقاق من النخل وهو السكة والصف من أشجاره، نهاية 5/ 254 وتحفة الأحوذي 4/ 133 وقد أورده الهيثمي في المجمع 10/ 85 بسياقه كاملًا، عن أحمد في المسند وذكر أن رجاله رجال الصحيح.
(3)
في صحيحه: كتاب الهبة ح 2631.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الهبة: باب فضل المنيحة 5/ 242.
(5)
أخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب إثم مانع الزكاة 2/ 685 بنحوه في سياقه مطولًا.
وخرّج الإمام أحمد من حديث جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"كل معروفٍ صدقة، ومن المعروف أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ، وأن تُفْرِغ من دَلوك في إنائه"
(1)
.
[وكل نفقة فعلى الله خلفها]:
وخرّجه الحاكم وغيره بزيادة وهي:
"وما أنفقَ المرءُ على نفسه وأهله كُتِبَ له به صدقة، وما وَقَى به عِرْضَهُ كُتِبَ له به صدقة، وكلُّ نفقة أنفقها المؤمنُ فعلى الله خَلَفها ضامنٌ إلا نفقةً في معصية أو بنيان"
(2)
.
وفي المسند عن أبي جُرَيّ
(3)
الهُجَيْمي، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعروف فقال: "لا تحقِرَنَ من المعروف شيئًا ولو أن تُعطِيَ صِلَةَ الحبْل، ولو أن تُعْطِي شِسْعَ النَّعْلِ، ولو أن تُفْرِغَ من دَلْوك في إناء المستَسْقي، ولو أن تُنَحِّي الشيءَ من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاكَ ووَجْهكَ إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاكَ فتسلم عليه، ولو أن تؤنسَ الوَحْشَانَ في الأرض!! ".
* * *
[من الصدقة كف الأذى]:
ومن أنواع الصدقة: كفُّ الأذى عن الناس باليد واللسان؛ كما في الصحيحين
(4)
، عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أي الأعمال أفضلُ؟ قال: "الإيمانُ بالله، والجهادُ في سبيل الله
(5)
". قلت: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعينُ صانعًا
(1)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 136 عن أحمد وقال: في إسناده أحمد بن محمد بن المنكدر، وثقه أحمد وغيره، وضعفه النسائي وغيره؛ فالحديث حسن.
(2)
راجع مجمع الزوائد في الموضع السابق، فقد أورده مختصرًا عن أحمد وهو ما أشرنا إلى روايته وتعليقه، وأورده عن أبي يعلى مطولا ثم قال في إسناده مسور بن الصلت وهو ضعيف.
(3)
م: "أبي حرى الجهني" وهو تحريف، فهو أبو جري الهجيمي بالتصغير في كليهما واسمه جابر بن سليم له صحبة، وهو من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروىَ عنه أبو تميمة الهجيمي، وسهم بن المعتمر؛ ومحمد بن سيرين وغيرهم.
راجع ترجمته في الاستيعاب 4/ 1620، وتهذيب التهذيب 12/ 54.
والحديث في المسند 5/ 63 - 64 من وجوه بنحوه. وقد مضى تخريجه ص 687 - 688.
(4)
مضى الحديث ص 690.
(5)
ر: "سبيله".
أو تصنعُ لأَخْرَقَ" قلتُ: أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال: "فكُفُّ شَرَّك عن الناس؛ فإنَّها صَدَقة".
[والشرط إخلاص النية لله عز وجل]:
وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلتُ: "يا رسول الله! دُلَّني على عمل إذا عَمِلَ به العبد دخلَ الجنة، قال: "يُؤمِنُ بالله" قال: قلتُ: يا رسول الله! إن مع الإيمان عملًا؟ قال: "يَرْضَخُ
(1)
مما رَزَقهُ الله"، قلت: فإن
(2)
كان مُعْدمًا لا شيء له، قال:"يقولُ معروفًا للسانه" قلت: فإن كان عَييًّا لا يُبْلغُ عنه لسانُه"؟ قال: "فيعينُ مغلوبًا" قلت: فإن كان ضَعيفًا لا قدرةَ له؟ قال: "فلْيَصْنع لأَخْرَقَ"
(3)
قلت: فإن كان أخرقَ؟ فالتفت إليَّ فقال: "ما تريد أن تدَع في صاحبك شيئًا من الخير؟ فلْيَدع الناس من أذاه" قلت: يا رسول الله! إن هذا كلّه لِيَسير!؟ قال: "والذي نفسي بيده! ما من عَبْدٍ يَعملُ بخَصْلةٍ منها يريد بها ما عند الله؛ إلا أخَذَتْ بيده يوم القيامة حتَّى يدخُلَ الجنَّةَ"
(4)
.
فاشترط في هذا الحديث لهذه الأعمال كلها إخلاص النية كما في حديث عبد الله بن عمرو
(5)
الذي فيه ذكر الأربعين خصلة.
وهذا كما في قوله عز وجل: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}
(6)
.
* * *
(1)
الرضخ: العطية القليلة.
(2)
ر: "وإن".
(3)
الخرق: الجهل والحمق،: معنى قوله: "تصنع لأخرق" أي لجاهل بما يجب أن يعمله، ولم يكن في يديه صنعة يكتسب بها، النهاية 2/ 26.
(4)
الحديث عند ابن حبان في الصحيح: كتاب البر والصلة والإحسان: ذكر الخصال التي يستوجب المرء بها الجنان من بارئه جل وعلا 1/ 295 - 296 من الإحسان وفيه بعض الاختلافات بألفاظ مقاربة.
(5)
راجع ما رواه أحمد في المسند 9/ 252 (المعارف) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أربعون حسنة، أعلاها منيحة العنز، لا يعمل عبد أو قال رجل بخلة منها، رجاء ثوابها، أو تصديق موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة".
والحديث عند البخاري: كتاب الهبة: باب فضل المنيحة 5/ 186 - 187 وفيه: "أربعون خصلة، أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل: بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة
…
الحديث. وعند أبي داود، في كتاب الزكاة: باب المنيحة 2/ 175.
(6)
سورة النساء: 114.
[وقيل يؤجر وإن لم يكن له نية]:
وقد روي عن الحسن وابن سيرين: أن فعل المعروف يؤجَرُ عليه وإن لم يكن فيه نية.
سئل الحسن عن الرجل يسأله آخر حاجة وهو يُبغضهُ؛ فيعطيه حياءً هل له فيه أجر؟ فقال: "إن ذلك لمن المعروف، وإن في المعروف لأجرًا".
خرّجه حُميْدُ بن زنجويه.
وسئل ابن سيرين عن الرجل يتبعُ الجِنازة لا يتبعها حِسْبَةً، يتبعها حياءً من أهلها، أله في ذلك أجر؟ فقال: أجر واحد؟ بل له أجران: أجر لصلاته على أخيه، وأجر لصلته الحيّ.
خرَّجه أو نُعيم في الحِليَة
(1)
.
* * *
[ومن الصدقة أداء حقوق المسلم]:
ومن أنواع الصدقة: أداء حقوق المسلم على المسلم وبَعْضُها مذكورٌ في الأحاديث الماضية.
ففى الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"حق المسلم على المسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادةُ المريض، واتباعُ الجنائز، وإجابةُ الدعوة، وتَشْمِيتُ العاطس
(2)
".
وفي رواية لمسلم:
"للمسلم على المسلم ست". قيل: ما هُنَّ؟ يا رسول الله! قال: "إذا لقيته تُسَلم عليه، وإذا دعاكَ فأَجِبْه، وإِذا استَنْصَحَك فانصحْ له، وإذا عطَس فحمِدَ الله فشمِّتْهُ، وإذا مَرِضَ فَعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْهُ"
(3)
.
(1)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 2/ 264 من حديث حصين بن أبي بكر الباهلي والحكم بن سنان: كلاهما عن يحيى عن عتيق، قال: قلت لمحمد بن سيرين: قال الرجل يتبع الجنازة
…
فذكره.
(2)
البخاري في كتاب الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز 3/ 90.
ومسلم في كتاب السلام: باب من حق المسلم للمسلم رد السلام 4/ 1704.
(3)
عقب الرواية السابقة 4/ 1705 وفيه: "حق المسلم على المسلم ست .. فسلم .. ".
وفي الصحيحين عن البراء بن عازِب
(1)
رضي الله عنه قال:
أمَرنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بسبع: "بعيادة المريض، واتّباع الجنازة، وتَشْمِيت العاطس، وإِبرار القَسَم، ونصرِ المظلوم، وإِجابةِ الداعي، وإفشاءِ السلام".
وفي رواية لمسلم
(2)
.
"وإرشاد الضال" بدل "إِبرار القسم".
[والمشي بحقوق الآدميين]:
ومن أنواع الصَّدَقة المشْي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "من مشى بحق أخيه إليه ليقْضِيهُ، فله بكُلِّ خُطْوةٍ صَدَقة".
[وإنظار المعسر]:
ومنها إِنظارُ المعْسِر.
وفي المسنَد، وسُنن ابن ماجه
(3)
عن بُرَيدَةَ مرفوعًا:
(1)
أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربعة أصابع 3/ 1635 - 1636.
وفيه: "وإبرار القسم أو المقسم
…
ونهانا عن خواتيم أو عن تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، والاستبرق والديباج".
وأخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز 3/ 87.
وفي كتاب المظالم: باب نصر المظلوم 5/ 75 وفي كتاب النِّكاح: باب حق إجابة الوليمة والدعوة 9/ 198 وفي كتاب الأشربة: باب آنية الفضة 10/ 79 - 80 وفي كتاب المرضى: باب وجوب عيادة المريض 10/ 92 وفي كتاب اللباس باب لبس القسي 10/ 241 وباب الميثرة الحمراء 10/ 252 وباب خواتيم الذهب 10/ 259 و في كتاب الأدب: باب تشميت العاطس 10/ 496 وفي كتاب الاستئذان: باب إفشاء السلام 11/ 15 وفي كتاب النذور: باب قول الله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} 11/ 458 مختصرًا ومطولًا.
(2)
عقب الرواية السابقة. وفي م: "وإرسناد الضال" وهو تحريف.
(3)
ابن ماجه في كتاب الصدقات: باب إنظار المعسر 2/ 808 من طريق الأعمش، عن نقيع بن الحارث عن بريدة الأسلمي. وقد عقب صاحب الزوائد بقوله: في إِسناده نفيع بن الحارث الأعمى الكوفي، متفق على ضعفه.
وهو عند أحمد في المسند 5/ 360 (الحلبي) من طريق عفان، عن عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
"من أَنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة" قلت: سمعتك يا رسول الله! تقول: "من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول: من أَنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة" قال: "له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا =
"من أنظر مُعْسرًا فله بكل يوم صَدَقةٌ قبل أن يَحُلَّ الدَّيْنُ؛ فإذا حَلَّ الدَّينُ، فأَنظَرَهُ فَله بكلِّ يوم مثْلُه صدقة".
[والرفق بالحيوان]:
ومنها: الإحسان إلى البهائم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن سقيها فقال: "في كل كَبِدٍ رَطْبةٍ أجر"
(1)
.
وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أن بَغِيًّا سَقَت كلْبًا يلهَثُ من العطش فغُفِرَ لها
(2)
.
* * *
[من أمثلة الصدقة القاصرة]:
• وأما الصدقة القاصرة على نفس العامل فمثل أنواع الذكرِ من التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهْليل، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك تلاوة القرآن، والمشى إلى المساجد، والجلوس فيها لانتظار الصلاة أو لاستماع الذكر.
• ومن ذلك: التواضع في اللباسِ والمشي والهدى والتبذل
(3)
في المهنة، واكتسابُ الحلال، والتحرّي فيه.
• ومنها أيضًا محاسبة النفس على ما سلفَ من أعمالها، والندمُ، والتوبةُ من الذنوب السالفة، والحزنُ عليها، واحتقار النفس والإزرَاءُ عليها، ومقتها في الله عز
= حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة".
ورواية أحمد - هذه تزيل ما في رواية ابن ماجه من إبهام.
وقد أوردها الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 135 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(1)
أخرجه البخاري في الأدب: باب رحمة الناس والبهائم 10/ 438 ومسلم 4/ 1761 كلاهما من حديث أبي هريرة.
(2)
متفق عليه: بخاري: 60 أنبياء: 54 باب حدثنا أبو اليمان ومسلم: 39 - السلام: 41 فضل ساقي البهائم 4/ 1761 كلاهما من حديث أبي هريرة.
(3)
قال في النهاية 1/ 111: "التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة، على جهة التواضع".
يعني ترك المبالغة في ذلك؛ فإن الله جميل يحب الجمال.
والمقصود أن لا يستعلي المرء على المهنة التي تؤهله لها مواهبه الفطرية والمكتسبة مهما تكن هذه المهنة، وكل ميسِرٌ لما خلق له، والمقصود كذلك أن لا يستعلي رئيس العمل أو قائد الموقع عن أن يشارك و لو في بعض الأحايين مرؤسيه في أعمالهم، فيلبس كما يلبسون، ثم يتحرك بينهم عاملا وموجها ومرشدا، فيدير لهذا آلته، ويحل لذلك مشكلته، فهذا أمر يزيد - ولا ريب - من نشاط العاملين، ويضاعف من طاقتهم وإنتاجهم. لمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وجل، والبكاءُ من خشية الله تعالى، والتفكرُ في ملكوت السموات والأرض، وفي أمور الآخرة، وما فيها من الوعد والوعيد، ونحو ذلك مما يزيد الإيمان في القلب؛ وينشأ عنه كثيرٌ من أعمال القلوب كالخشيةِ والمحبةِ والرجاءِ والتوكّل وغير ذلك.
• وقد قيل: إن هذا التفكّرَ أَفضَلُ من نوافلِ الأعمال البدنية.
رُوي ذلك عن غير واحد من التابعين منهم: سعيدُ بن المسيَّب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز.
وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه.
• وقال كعب: "لأن أبكي مِنْ خَشية الله أحبُّ إليّ من أن أتصدق بوَزْني ذهبا
(1)
".
* * *
(1)
صفة الصفوة 4/ 204 من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عن كعب أنه قال: "لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إليّ من أن أتصدق بوزني ذهبا، والذي نفس كعب بيده ما بكَى عبد من خشية الله حتى تقع قطرة من دموعه إلى الأرض فتمسه النار أبدًا حتى يعود قطر السماء الذي وقع إلى الأرض من حيث جاء، ولن يعود أبدًا".
الحديثِ السابع والعشرون
عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالِ:
"الْبِرُّ حُسْنُ الخُلق، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في نَفْسكَ، وَكرِهْت أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* * *
وَعَنْ وَابِصَةَ بن معبَد رضي الله عنه قال: أَتَيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثمِ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ الْبِرُّ مَا اطمَأَنَّتْ إِليهِ النَّفْسُ، واطمَأَنَّ إليهِ الْقَلْبُ. والإِثْم مَا حَاكَ في النَّفس وَتَرَدَّدَ في الصَّدْر، وَإِن أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ".
قَالَ الشَّيخ رحمه الله: حَديثٌ حَسَنٌ رُوِّينَاهُ في مُسنَدَيِ الإِمامَينْ: أَحْمَدَ بِنِ حَنْبل، وَالدَّارمِيِّ بإسْنَاد حَسَنَ.
* * *
[تخريج الحديث]:
• أما حديث النوَّاس بن سمعان فخرجه مسلم
(1)
من رواية معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جُبَير
(2)
بن نفير عن أبيه
(3)
عن النوَّاس.
ومعاوية، وعبد الرحمن، وأبوه تفرَّد بتخريج حديثهم مسلم، دون البخاري.
* * *
• وأما حديث وابصة فخرجه الإمام أحمد من طريق حَمّاد بن سَلَمهَ، عن الزبير أبي
(1)
في كتاب البر والصلة والآداب: باب تفسير البر والإثم 4/ 1980.
(2)
في المطبوعة: "عبد الرحمن بن حبيب" وفيها تحريف واضح؛ فهو عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، أبو حميد، ويقال أبو حمير الحمصي.
روى عن أبيه، وأنس بن مالك، وخالد بن معدان، وغيرهم. وروى عنه معاوية بن صالح وثور بن يزيد، وإسماعيل بن عياش وجماعة.
وثقه النسائي وأبو زرعة وابن حبان، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة وبعض الناس يستنكر حديثه.
وكانت وفاته سنة 118 وترجمته في تهذيب التهذيب 6/ 154 وتهذيب الكمال 2/ 780.
(3)
سقطت من المطبوعة.
عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، عن وابصة بن معبد
(1)
قال:
"أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريدُ أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سأَلتهُ عنه فقال لي: "ادْنُ يا وابصةُ! " فدنوتُ منه حتى مَسَّتْ رُكْبتي ركبتَه؛ فقال: "يا وابصة! أُخبرك ما جئتَ تَسْأَلُ عنه أو تَسْألني؟ " قلتُ: يا رسول الله! أخبرني. قال: "جئتَ تسألُني عن البر والإثم"؟ قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث؛ فجعل يَنْكُتُ بِهَا في صدري، ويقول: "يا وابِصَة! استفت نَفْسَكَ: البر ما اطمأَنّ إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإِثم ما حاكَ في القلب، وتردَّد في الصَّدْرِ، وإن أفتاكَ النَّاسُ وأَفْتَوكَ!؟ ".
* * *
• وفي رواية أخرى للإمام أحمد: أن الزبير لم يسمعه من أيوب، وقال: حدثني جلساؤه، وقد رأيته.
• ففي إسناد هذا الحديث أمران يوجب كلُّ منهما ضعفه:
أحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب؛ فإنه رَوَاهُ عن قوم لم يسمعهم.
والثاني: ضعف الزبير هذا.
• قال الدارقطني: روى أحاديثَ مناكير، وضَعّفَهُ ابن حبان أيضًا، لكنه سماه أيوب بن عبد السلام؛ فأخطأ في أسمه.
• وله طريق آخر عن وابصة، خرجه الإمام أحمد أيضًا، من رواية معاوية بن صالح عن أبي عبد الله السُّلَمِيّ، قال: سمعتُ وابصَةَ؛ فذكر الحديث مختصرًا، ولفظه قال:
"البرُّ ما انشرح له صَدْرُك، والإِثم ما حاكَ في صدركَ، وإن أفتاكَ عنه النّاس"
(2)
.
(1)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 294 من حديث وابصة بنحوه ثم قال: رواه الطبراني وأحمد باختصار عنه، ورجال أحد إسنادي الطبراني ثقات. و هو عند أحمد في المسند 4/ 228 (الحلبي) من وجهين سيشير ابن رجب إلى ثانيهما عقب هذا.
(2)
أخرجه أحمد في السند 4/ 227 (الحلبي) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: سمعت وابصة بن معبد صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله عن البر والإثم، فقال: جئت تسأل عن البر؟ فقلت: والذي بعثك بالحق! ما جئت أسألك عن غيره!؟ فقال: البر ما انشرح له صدرك .. الحديث بالنص الذي ساقه ابن رجب وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 175 من حديث وابصة وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه أبو عبد الرحمن السلمي.
وقال في البزار: الأسدي عن وابصة، وعنه معاوية بن صالح، ولم أجد من ترجمه وقد وقع تحريف في المسند في اسم أبي عبد الله الأسدي حرف إلى:"أبو عبد الرحمن السلمي" وأبو عبد الرحمن السلمي لم يرو عن وابصة، وإنما روى عن جمع من الصحابة غيره؛ راجع تهذيب التهذيب 5/ 183 - 184.
والسُّلَمي هذا. قال عليُّ بن المديني: هو مَجْهول.
وخرَّجه البزار والطبراني، وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا نعلم أحدًا سمّاه. كذا قال:
وقد سُمي في بعض الروايات محمدًا.
• قال عبدُ الغني بن سعيد الحافظ: "لو قال قائل: إنه محمدُ بنُ سعيد المصلوب لَما دَفعتُ ذلك".
والمصلوبُ هذا صلَبه المنصور في الزندقة، وهو مشهور بالكذب والوضع، ولكنه لم يُدْركْ وابصة، والله أعلم.
* * *
• وقد رُويَ هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعدِّدة، وبعض طُرُقهِ جيدة.
• فخرّجه الإمام أحمد، وابنُ حبَّان في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسولَ الله! ما الإِثم؟ قال: "إِذا حاكَ في صدرِكَ شيء فدَعْهُ"
(1)
.
وهذا إسنادٌ جيد على شرط مسلم فإنه خرج حديث يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعه منه وإن أنكره ابنُ معينٍ.
• وخرّج الإمام أحمد
(2)
من رواية عبد الله بن العلاء بن زَبْر، قال: سمعتُ مُسْلم
(1)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 251 من حديث يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام عن جده قال: سمعت أبا أمامة يقول سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الإثم؟ فقال: إذا حك في نفسك شيء فدعه، قال: فما الإيمان؟ قال: إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن. وفي ص 252 بهذا الإسناد عن أبي أمامة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن قال: يا رسول الله! فما الإثم قال إذا حاك في نفسك شيء فدعه. وفي ص 256 بمثل هذا الوجه الثاني.
وأخرجه ابن حبان في الصحيح: كتاب الإيمان: باب فرض الإيمان: ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه 1/ 200 - 201 من الإحسان بنحو الوجه الثاني عند أحمد.
(2)
المسند 4/ 194 وفيه .. "حدثنا عبد العلاء، قال: سمعت مسلم بن مشكم" وهو تحريف وفي المطبوعة: "عبد اللّه بن العلاء بن زيد، قال سمعت مسلم بن مسلم .. " والتحريف فيها واضح.
ونص الحديث في المسند من رواية أبي ثعلبة قال: يا رسول الله! أخبرني بما يحل لي ويحرم علي؟ قال: فصعد النبي صلى الله عليه وسلم وصوب في النظر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"البر ما سكنت إليه النفس، وأطمأن إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون، وقال: لا تقرب الحمار الأهلي ولا ذا ناب من السباع".
ابن مِشْكَم قال: سمعتُ أبا ثعلبة الخشنيّ يقول: قلت يا رسول الله! أخبرني ما يحل لي ويحرُم عليَّ. قال: "البِرُّ ما سكنَتْ إليه النفسُ، واطمأَنّ إليه القلبُ، والإِثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون".
وهذا أيضًا إسناد جيد، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر ثقة مشهور
(1)
.
وخرَّج له البخاري
(2)
.
ومسلم بن مشكم ثقة مشهور أيضًا.
• وخرّج الطبراني وغيره بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أفتني عن أمرٍ لا أسألُ عنه أحدًا بعدَك؟ قال: "استفْتِ نَفْسَك" قلت: كيف لي بذاك؟ قال: "تدعُ ما يَريبُك إلى مما لا يَرِيبُك، وإن أفتاك المفتون" قلت: وكيف لي بذاك؟ قال: "تَضعُ يَدَكَ على قلبك؛ فإنّ الفؤاد يسكُنُ للحلال، ولا يسكُنُ للحرام"
(3)
.
• ويروَى نحوهُ من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضًا.
• وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سُويْدَ بن قيس أخبره عن عبد الرحمن بن معاوية أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يحلّ لي وما يحرم عليَّ؟ - وردّدَ عليه ثلاث مرار كلُّ ذلك يسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "أين السائل؟ " قال: أنا ذا يا رسول الله! فقال بأصابعه: "ما أنكر قلبك فدَعْه".
• خرّجه أبو القاسم البغوي في معجمه وقال: لا أدري عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا، ولا أعلم له غير هذا الحديث.
قلت: هو عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، جاء منسوبًا في كتاب الزهد لابن المبارك، وعبد الرحمن هذا تابعيٌّ مشهور؛ فحديثه مرسل.
(1)
هو عبد الله بن العلاء بن زبر بن عطارد الربعي أبو زبر، ويقال أبو عبد الرحمن الدمشقي، قال أحمد بن حنبل: مقارب الحديث، ووثقه ابن معين وابن سعد ودحيم والدارقطني وابن حبان وكانت وفاته سنة 164 وترجمته في التهذيب 5/ 350.
(2)
في صحيحه؛ حيث وثقه وذكر المزي أن الجماعة رووا له سوى مسلم، تهذيب الكمال 2/ 720 - 721. ومسلم بن مشكم - راوي الحديث - هو أبو عبد الله الدمشقي كاتب أبي الدرداء.
روى عن أبي الدرداء، ومعاوية، وأبي ثعلبة الخشني وغيرهم.
قال العجلي: شامي ثقة، من خيار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات، راجع التهذيب 10/ 138 - 139.
(3)
أورده الهيثمي في الزوائد 10/ 294 عن الطبراني مطولا وقال: وفيه عبيد بن القاسم، وهو متروك.
وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الإثم حوَّاز القلوب
(1)
.
• واحتج به الإمام أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال عبد الله: "إياكم وحَزَائزَ القلوب، وما حَزَّ في قلبك من شَيء فَدَعْهُ".
• وقال أبو الدرداء: "الخير في طُمَأنينة والشَّر في ريبة".
• وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئًا يَحيك في صدورنا، لا ندري: حلالُ هو أم حرام؟ فقال: "إياكم والحكَّاكات؛ فإنهن الإثم
(2)
".
والحزّ والحكّ متقاربان في المعنى.
والمراد ما أثر في القلب ضيقًا وحرَجًا ونفورًا وكراهَةً.
* * *
[هذه الأحاديث]:
• فهذه الأحاديث اشتملت على تفسير البر والإثم. وبعضها فيه تفسيرُ الحلال والحرام.
[تفسير البر وكيف اختلف]:
فحديث النَّوَّاس بن سمعان فسّر النبي صلى الله عليه وسلم فيه البرَّ بحسن الخلُق
(3)
.
وفسّره في حديث وابصةَ وغيرِه بما اطمأنّ إليه القلب والنفس، كما فسّر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة.
[للبر معنيان]:
• وإنما اختلف تفسيرُهُ للبرِّ لأن البر؛ يُطلَق باعتبارين على مَعْنَيَين:
(1)
حديث ابن مسعود "الإثم حواز القلوب" هي الأمور التي تحز فيها أي تؤثر، كما يؤثر الحز في الشيء، وهو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها، وهي بتشديد الزاي: جمع حاز، ويروى بتشديد الواو "الإثم حوَّاز القلوب" أي يحوزها ويتملكها، ويغلب عليها ويروى "الإثم حزاز القلوب" بزايين: الأولى مشددة وهي فعال من الحز.
النهاية 1/ 377 - 378.
(2)
راجع النهاية 1/ 418، وغريب الحديث لابن الجوزي 1/ 230 وغراس الأساس ص 93 والقاموس المحيط ص 1209 وقد ضبط الحكاكات بالفتح والتشديد، وفسرها بالوساوس؛ وبهذا يبين خطأ الضبط في غريب ابن الجوزي.
(3)
ص 729.
• أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإِحْسَانِ إليهم، وربما خُصَّ بالإحسان إلى الوالدين؛ فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرًا على الإحسان إلى الخلق عموما.
وقد صنَّف ابن المبارك كتابًا سماه: "كتاب البر والصلة" وكذلك في "صحيح البخاري" و "جامع الترمذي": "كتاب البر والصلة"، ويتضمن هذا الكتاب: الإحسانَ إلى الخلق عمومًا، ويقدَّمُ فيه برُّ الوالدين على غيرهما.
• وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: "أُمَّكَ" قال: ثم من؟ قال: "ثم أباكَ" قال: ثم من؟ قال: "ثم الأقربَ فالأقربَ"
(1)
.
• ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحجُّ المبرور ليسَ له جزاءٌ؛ إلا الجنة"
(2)
.
وفي المسند أنه صلى الله عليه وسلم: "سُئِلَ عن برّ الحج فقال: "إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السلام"
(3)
.
• وفي رواية أخرى قال: "وطيبُ الكلام"
(4)
.
• وكان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يقول: "البِر شيء هيّن: وَجْهٌ طليقٌ، وكلامٌ ليّنَ"
(5)
.
• وإذا قُرِنَ البرُّ بالتقوى كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}
(6)
.
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في بر الوالدين 4/ 309 وقال: وبهز بن حكيم هو أبو معاوية بن حيدة القشيري، وهذا حديث حسن وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، والثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة، وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 150 وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
(2)
رواه أحمد في المسند 2/ 246، 461، 462، (الحلبي) من حديث أبي هريرة زاد في الموضع الأول: والعمرتان أو العمرة إلى العمرة يكفر ما بينهما، وفي الموضع الثاني والعمرتان تكفران ما بينهما من الذُّنوب ونصه في الموضع الأخير: "العمرة تكفر ما بينها وبين العمرة، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأخرجه البخاري في صحيحه: - 26 كتاب العمرة 1 - باب العمرة. وجوب العمرة وفضلها 3/ 597 ح 1773 ولفظه: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 325، 334 (حلبي) من حديث محمد بن ثابت عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قالوا: يا نبي الله! ما الحج المبرور؟ قال: "إطعام الطعام، وافشاء السلام" وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 207 عن أحمد في هذين الموضعين وقال: فيه محمد بن ثابت: هو ضعيف.
(4)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 207 عن الطبراني في الأوسط فقط وقال: إسناده حسن.
(5)
المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق للخرائطي ح 69.
(6)
سورة المائدة: 2.
فقد يكون المراد بالبرّ: معاملةَ الخلق بالإحسان، بالتقوى: معاملة الحق؛ بفعل طاعته، واجتناب محرماته.
* * *
وقد يكونُ أريدَ بالبر فعلُ الواجبات، وبالتقوى اجتنابُ المحرمات.
وقوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
(1)
قد يراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظلم الخلق، وقد يراد بالإثم ما هو محرَّمٌ في نفسه كالزنا والسرقة، وشُرْبِ الخمر، وبالعدوان تجاوزُ ما أُذِن فيه إلى ما نُهِي عنه، مما جنسه مأذونٌ فيه كقتل من أُبيح قتله لقِصاص، ومن لا يباح، وأخذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الحدّ الذي أُمِرَ به
(2)
في الحدود، ونحو ذلك.
* * *
[المعنى الثاني للبر]:
• والمعنى الثاني من معنى البر: أن يُرادَ به فعلُ جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كقوله تعالى:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}
(3)
.
• وقد روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فتلا هذهِ الآية
(4)
.
[اتساع هذا المعنى للبر]:
• فالبرّ بهذا المعنى يَدْخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأمْوَالِ فيما يحبُه الله، وإقامِ الصلاة،
(1)
سورة المائدة: 2.
(2)
"ا": ومجاوزة الجلد م: "في الذي وصى".
(3)
سورة البقرة: 177.
(4)
أخرجه عبد الرزاق من طريق مجاهد أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فتلا عليه {لَيْسَ الْبِرَّ} إلى آخرها ورجاله ثقات، كما أفاده ابن حجر في الفتح 1/ 48.
وقد عنون البخاري بمضمونه لأحد أبواب الإيمان وذكر ابن حجر في الموضع المذكور أن البخاري لم يسق الحديث؛ لأنه ليس على شرطه.
وإيتاءِ الزكاة، والوفاءِ بالعهد، والصبرِ على الأقدار كالمرضِ، والفقرِ، وعلى الطاعاتِ، كالصّبرِ على لقاءِ العدُوِّ.
* * *
[بين جواب الرسول للنواس]:
• وقد يكون جواب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النوَّاس شاملًا لهذه الخصال كُلِّها؛ لأن حُسْنَ الخلق قد يُرادُ به التخلّقُ بأخلاق الشريعة، والتأدُّبُ بآداب الله التي أَدّبَ بها عبادَه في كتابه. كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
(1)
وقالت عائشةُ رضي الله عنها:
"كان خُلُقُهُ صلى الله عليه وسلم القرآن"
(2)
.
يعني أنه يتأدب بادابه
(3)
، فيفْعَلُ أوامِرَه، ويتجنَّبُ نواهِيَهُ. فصارَ العملُ بالقرآن له خُلُقًا، كالجبِلّة والطبيعة لا يفارقه.
وهذا أحسنُ الأخلاق وأشرفُها وأَجْملُها.
وقد قيل: إن الدينَ كلَّه خُلقٌ.
[وجوابه لوابصة]:
• وأما في حديث وابصة فقال: "البرُّ ما أطمأنّ إليه القلبُ، واطمأنت إليه النفس".
• وفي رواية: "ما انشرَحَ له الصّدْرُ".
وفسر الحلالَ بنحو ذلك، كما
(4)
في حديث أبي ثعلبة وغيره.
* * *
[دلالة ذلك]:
• وهذا يدل على أن الله فَطَرَ عَبادَهُ على معرفة الحق، والسُّكُونِ إليه، وقَبُولِه، وركَّز في الطباع محبَّةَ ذلك، والنفورَ عن ضِدِّهِ.
(1)
سورة القلم: 5.
(2)
رواه مسلم في صحيحه ك 6: ب 18 ح 139 (746) 1/ 512 وأحمد في المسند 6/ 9، 163 (الحلبي) وباقي تخريجه في الموسوعة 6/ 133، والجامع الصغير 2/ 260 من التيسير.
(3)
"ا": "بأدبه".
(4)
ليست في "ا".
[البر والإسلام والفطرة والمعروف والطيِّب]:
• وقد يدخل هذا في قولِهِ في حديث عياض بن حمار
(1)
: "إني خلقت عبادي حُنَفَاءَ مسلمين فأتتهم الشياطينُ، فاجتالَتْهُمْ عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا".
وقولِهِ: "كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة، فأبواهُ يُهَوّدانه أو ينصّرانه أو يمجِّسانه كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمةً جَمْعَاءَ، هل تحسّون فيها من جدعاءَ. قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرءوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}
(2)
.
• ولهذا سمَّى الله ما أمرَ به معروفًا، وما نهى عنه مُنْكرًا، فقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}
(3)
.
• وقال تعالى في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}
(4)
.
[طمأنينة القلب للحق]:
• وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره؛ فالقلب الذي دخله نورُ الإيمان، وانشرح به، وانفسح: يسكن للحق، ويطمَئنّ به، ويقبلُه. وينفرُ عن الباطل، ويكرهه ولا يقبله.
[التحذير من زيغة الحكيم]:
• قال معاذ بن جبل: "أحذركم زيْغَةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمةَ الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأَن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: [بلى] اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال [لها] ما هذه، ولا يَثْنينَّك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقَّ إذا سمعته؛ فإن على الحق نورًا".
• خرجه أبو داود وفى رواية له قال: بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة.
• فهذا يدلّ على أن الحقّ والباطِلَ لا يلتبِس أمرُهُمَا على المؤمن البصير، بل يَعْرف
(1)
في المطبوعة: "حماد" وهو تحريف كما تقدم في هذا الحديث ص 662.
(2)
سورة الروم: 30 والحديث مضى ص 663.
(3)
سورة النحل: 90.
(4)
سورة الأعراف: 157.
الحقَّ بالنور الذي عليه. فيقبله قلبُه، وينفرُ عن الباطل، فينكُره ولا يعرفه
(1)
.
[وممن يحدث بما لم يُسمَعْ]:
• ومن هذا المعنى قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "سيكونُ في آخر الزمان قومٌ يحدِّثونَكُم بما لم تَسْمَعُوا أنتُم ولا آباؤكُم، فإياكُمْ وإياهُم"
(2)
.
يعني أنهم يأتون بما تستنكره قلوب المؤمنين، ولا تعرفه.
• وفي قوله: "أنتم ولا آباؤكم" إشارة إلى أن ما استقرت معرفته عند المؤمنين مع تقادُم العهد، وتطاوُل الزمان؛ فهو الحق. وأنّ ما أُحدِث بعد ذلك مما يُستنكَرُ؛ فلا خير فيه.
[حديث وابصة والرجوع إلى القلب]:
• فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه؛ فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان بخلاف ذلك فهو الإثم والحرام.
* * *
(1)
أخرجه أبو داود في السنن: كتاب السنة: باب لزوم السنة 5/ 17 - 18 من حديث ابن شهاب: أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبره، قال: كان لا يجلس مجلسا للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوما: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: ما يدريني [رحمك الله] أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال [لها] ما هذه، ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا.
قال أبو داود: قال معمر. عن الزهري في هذا الحديث: "ولا يُنئِيَنَّكَ ذلك عنه" مكان "يثنينك".
وقال صالح بن كيسان، عن الزهري في هذا:"المشبهات" مكان: "المشتهرات".
وقال: "لا يثنينك" كما قال عقيل.
وقال ابن إسحق عن الزهري، قال: بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة؟.
(2)
مسلم في المقدمة: باب النهي عن الرواية عن الضعفاء 1/ 12 من حديث أبي هريرة.
[الإثم ما حاك في الصدر]:
• وقوله في حديث النواس بن سمعان "الإثم ما حاكَ في الصَّدْرِ وكرِهْتَ أن يَطّلعَ عليهِ النّاسُ"
(1)
.
إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرَجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم ينشرح له الصَّدر - ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكَرَهُ الناسُ
(2)
: فاعلُه، وغيرُ فاعِلِه.
[ما رآه المسلمون حسنًا]:
• ومن هذا المعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه: "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح
(3)
".
[وإن أفتاك المفتون]:
• وقوله في حديث وابصة، وأبي ثعلبة "وإن أفتاك المفتون" يعني: أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيرُه بأنه ليس بإثم.
فهذه مرتبة ثانية وهي أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره وقد جعله أيضًا إثْمًا.
[معيار ذلك]:
• وهذا؛ إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شُرِحَ صدرُه للإيمان، وكان المفتى له يفتى بمجرد ظنٍّ أو ميلٍ إلى هوًى من غير دليل شرعيّ.
• فأما إن كان مع المفتَى به دليل شرعي فالواجب على المستفتى الرجوعُ إليه وإن لم ينشرح له صدره.
وهذا كالرُّخَصِ الشرعية مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك، مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به.
* * *
(1)
راجع ص 729 وما بعدها.
(2)
ل: "ما استنكره الناس على
…
" وفي ظ: ضرب على كلمة "على" ثم ضبطت فاعله بضم اللام وعطف عليها وغير فاعله.
(3)
أحمد وغيره بإسناد صحيح؛ راجع المجمع 10/ 177.
[أحداث تؤكد ذلك]:
• وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يأمر أصحابَه بما لا تنشرح به صدور بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب من ذلك. كما أمرهم بفَسخ الحج إلى العمرة. فكرهه من كرهه منهم
(1)
، وكما أمرهم بنَحْر هديهم، والتحلُّل من عُمرهَ الحديبية فكرهوه، وكما كرهوا مفاوضته لقريش - على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يردُّه إليهم
(2)
.
* * *
[ما ورد النص فيه]:
• وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}
(3)
.
[كيف ينبغي تلقي ذلك؟]:
• وينبغي أن يَتَلَقَّى ذلك بانشراح الصدر والرضا؛ فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمانُ [به] والرضا به، والتسليم له. كما قال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
(4)
.
* * *
[ما ليس فيه نص]:
• وأما ما ليس فيه نصٌّ من الله ولا رسوله، ولا عمن يُقتدى بقوله من الصحابة وسلفِ الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبُه بالإيمان المنشرح صَدْرُه بنور المعرفة واليقين منه شيءٌ وحاك في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يُفتي فيه بالرخصة إلا مَن يُخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثَقُ بعلمه وبدينه، بل هو معروفٌ باتباع الهوى، فهنا
(1)
أخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم! فما ندري؟ أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس فقال:"أيها الناس أحلوا، فلولا الهدى الذي معي، فعلت كما فعلتم"
…
الحديث.
راجع كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحل القارن من نسكه 2/ 884.
(2)
راجع تفسير ابن كثير 4/ 194 - 200.
(3)
سورة الأحزاب: 36.
(4)
سورة النساء: 65.
يرجع المؤمن إلى ما حاك
(1)
في صدره إن أفتاه هؤلاء المفتون.
• وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا.
• قال المروزي في كتاب الورع: قلت لأبي عبد الله: إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي من أمرها شيء.
• فقال: أمرها أمرٌ قذِرٌ متلوث.
قلت: فتكرهُ العملَ فيها؟
قال: دع ذا عنك. إن كان لا يقع في قلبك شيءٌ.
قلت: قد وقع في قلبي منها.
فقال: قال ابن مسعود: الإثْمُ حَوَّازُ القلوب.
قلت: إنما هذا على المشاورة.
قال: أي شيء يقع في قلبك؟
قلت: قد اضطربَ عليَّ قَلْبِي.
قال: الإثمُ حَوَّازُ القلوب.
* * *
[سبق شيء مما يتعلق بتفسير هذه الأحاديث]:
• وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: "الحلال بَيِّنٌ والحرام بيِّنٌ"
(2)
.
• وفي شرح حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما: "دَع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ"
(3)
.
• وشرح حديث: "إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ"
(4)
شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة ههنا.
* * *
(1)
د، "حكّ".
(2)
ص 201 وما بعدها.
(3)
ص 297 وما بعدها.
(4)
ص 591 ما بعدها.
[والإلهام هل هو حجة؟]:
• وقد ذكر طوائفُ من فقهاء الشافعية والحنفية المتكلمين في أصول الفقه مسألةَ الإلهام هل هو حجة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافًا بينهما، وذكر طائفةٌ من أصحابنا: أن الكشف ليس بطريق للأحكام، وأخذه القاضي أبُو يَعْلَى من كلام أحمد في ذمّ المتكلمين في الوساس والخطرات، وخالفهم طائفةٌ من أصحابنا في ذلك.
وقد ذكرنا نَصَّ أحمد ههنا بالرجوع إلى حوازِّ القلوب.
* * *
[لماذا كان ذم التكلمين؟]:
• وإنما ذم أحمد وغيره: المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية. حيث كان كلامُهُمْ في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق. كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الراقي من غير دليلٍ شرعي.
[الرجوع في الشتبهات إلى حواز القلوب]:
• فأما الرجو في الأمور المشتبهة إلى حَوّاز القلوب فقد دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة، فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؟ لا سيما وقد لص على الرجوع إليه موافقة لهم؟!.
* * *
[الصدق طمأنينة]:
• وقد سبق حديث "إن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة" فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، زمعرفته، وبنفوره عن الكذب وإنكاره، كما قال الربيع بن خُثَيْم:"إن للحديث ضوءًا كضوء النهار، تعرفه، و [للكذب] ظُلْمَةً كظلمة الليل، تنكِرُه".
• وخرج الإمام أحمد
(1)
من حديث ربيعة عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي
(1)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 497.
وأورده الهيثمي عن أحمد والبزار وقال: رجاله رجال الصحيح.
راجع مجمع الزوائد 1/ 149 - 150.
وأورده المناوي في التيسير 1/ 108 عن أحمد وأبي يعلى والبزار وقال - كذلك - ورجاله رجال الصحيح.
حُمَيد، وعن أبي أُسَيد
(1)
رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سَمِعْتُمُ الحديثَ عَنِّي تَعرفُهُ قُلوبكُمْ وتَليِنُ له أَشْعَارُكم وأَبْشَارُكُمُ وتُرَوْن أنه منكم قريب فأنا أوْلاكم به، وإذا سمعتم الحديثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمُ وتَنْفِرُ [منه]
(2)
أَشْعارُكُم وأبشارُكُم وَتُرَوْن أنه مِنْكُمْ بعِيدٌ فأنا أَبْعَدُكُم مِنْهُ"
(3)
.
• وإسناده أنه قد قيل على شرط مسلم؛ لأنه خرَّج بهذا الإسناد بعينه حديثًا - لكن هذا الحديث معلول؛ فإنه رواه بكير بن الأشجّ، عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أبيّ بن كعب من قوله.
• قال البخاري: هو أصح.
* * *
• وروى يحيى بن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا حُدِّثْتم عني حديثا تعرفونه ولا تُنكرونه فصدِّقوا به، فإني أقول ما يُعرف ولا يُنكر، وإذا حُدثتم عني حديثًا تُنكرونه ولا تَعرفونه، فلا تُصَدقوا به، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرَف".
• وهذ الحديث معلولٌ أيضًا.
(1)
في م: "عن عبد الملك بن سعيد بن سويد وأبي أسيد".
(2)
ليست في المسند ولا في المجمع ولا في ا، ل، ض. وهي في التيسير وفي م:"عنه".
وفي صحيح ابن بان، وعند البزار:"منه" كما هي في: د.
(3)
ورواه ابن حبان في الصحيح بهذا الإسناد في كتاب العلم: ذكر الأخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم 1/ 140 - 141 من الإحسان ح 63.
وأخرجه البزار في مسنده: كتاب العلم: باب معرفة أهل الحديث بالصحة والضعف 1/ 105 - 106 بهذا الإسناد وعقب عليه البزار بقوله: لا نعلمه يروى من وجه أحسن من هذا. وقد أورده الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 732 ونسبه إلى ابن سعد في الطبقات 1/ 387 - 388، والمقدسي في العلم وابن وهب في المسند وابن حبان والبزار على ما في الأحكام الكبرى والبخاري في الكبير مرسلًا وذكر أنه شاهد قوي، واستظهر الشيخ أن إسناده حسن، وأنه على شرط مسلم، وأنه خاص بطبقة معينة من أهل العلم فأما أن إسناده حسن وأنه على شرط مسلم فقد علمت رؤية ابن رجب والبخاري بالنسبة له، وأما أنه خاص بطبقة معينة من أهل العلم فهذا متفق تمامًا مع ما تقتضيه النصوص الصريحة والصحيحة، وهو كذلك متفق مع اتجاه ابن رجب، كما أن البزار في ترجمته لهذا الحديث نص على ما يؤكد هذا وذاك حين جعل عنوان هذا الحديث: باب معرفة أهل الحديث بالصحة والضعف، بل إنه بهذا النص أبان عن محاور المعرفة الأساسية بالحديث وهي أصول التصحيح والتضعيف!
فلِلَّه در السابق واللاحق!!
• وقد اخْتُلِفَ في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه، عن سعيد مرسلًا.
والمرسَل أصح عند أئمة الحفاظ منهم: ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، وابن خزيمة، وقال:
"ما رأيت أحدًا من علماء الحديث يثبت وصله
(1)
".
* * *
[علام تحمل على تقدير صحتها؟]:
وإنما تحملُ مثلُ هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقَّاد الذين كثرت ممارستهم لكلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث، ونَقَلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم، وحفظهم وضبطهم؛ فإن هؤلاء لهم نقدٌ خاص في الحديث يختصُّون بمعرفته، كما يختصّ الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود: جيدِها وردِيئها، وخالصها ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر؛ بانتقاد الجواهر.
* * *
[علم الحديث إلهام]:
• وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلًا لغيره، وآية ذلك أنه يُعْرَض الحديث الواحد على جماعة ممن يَعلم هذا العلم فيتّفقون على الجواب فيه من غيرِ مُواطأة.
• وقد امتُحِن هذا منهم غيرَ مرة في زمن أبي زُرْعة، وأبي حاتم. فوجِدَ الأمر على ذلك، فقال السائل: أشهدُ أن هذا العلمَ إلهامٌ.
* * *
[المحدثون صيارفة الحديث]:
• قال الأعمش: "كان إبراهيم النخَعي صَيْرَفيًّا في الحديث، كنت أسمع من الرجال فأعرضُ عليه ما سمعته"
(2)
.
(1)
راجع مفتاح الجنة ص 36 وما بعدها، والمشتهر من الحديث ص 69 - 70 وعلل ابن أبي حاتم 2/ 310.
(2)
راجع تهذيب الكمال 1/ 68 ونص الأعمش فيه:
…
"صيرفي الحديث" ولعل هذا هو المأثور عنه، فهو الأبلغ، وقد حُرِّفت العبارة في تهذيب التهذيب 1/ 177 إلى:"خيرًا في الحديث".
• وقال عمرو بن قيس: "ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثلَ الصَّيرَفِيّ الذي ينتقد الدراهم؛ فإن الدراهم فيها الزائف
(1)
والبهرج
(2)
وكذلك الحديث".
* * *
• وقال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا، كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة. فما عرفوا أخَذْنَا، وما أنكروا تَرَكْنَا.
* * *
• وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقول للشيء هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمَّن ققول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيتَ الناقدَ فأَريتَه دراهمك فقال: هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأله عمّن ذلك أو تسلّم الأمر إليه؟ قال: لا، بل كنتُ أسلّم الأمر إليه، فقال: فهذا كذلك؛ لطول المجالَسَةِ والمناظرة والخُبْرِ به.
• وقد رُوي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضًا، وأنه قيل له: يا أبا عبد الله! تقول: "هذا الحديث منكَر" فكيف علمتَ ولم تكتب الحديث كله؟ قال: "مَثَلُنا كَمَثَلِ ناقد العَيْنِ"
(3)
. لم تقع بيده العين كلها فإذا وقع بيده الدينارُ يعلم أنّهُ جيّد، وأنه رديء".
* * *
• وقال ابن مهدي: "معرفة الحديث إلهام".
وقال: "إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة".
* * *
• وقال أبو حاتم الرازي: "مَثَل معرفة الحديث كمَثَل فَصٍّ ثمنه مائة دينار، وآخر مثله على لونه ثمُنُه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يُخبِر بسبب نقده فكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف عَلِمْنا بأن هذا حديثٌ كذِبٌ، وأن هذا حديث منكَرٌ إلا بما نعرفه".
• قال: "وتُعرَف جودةَ الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلّف عنه في الحمرة
(1)
الدراهم الزائفة: المردودة لغش أو عيب فيها".
(2)
البهرج: الباطل والرديء.
(3)
العين: المراد بها هنا: الدنانير المسكوكة: (العملة الذهبية).
والصفاء عُلِم أنه مغشوش، ويُعلَم جِنْس الجوهر بالقياس إلى غيرِه. فإن خالفه في المائية والصَّلابة عُلِم أنه زجاج.
ويُعْلُم صِحَّةُ الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكونَ كلامًا يَصلُح مثلُه أن يكون كلامَ النبوة، ونَعرِف سُقْمه وإنكاره لتفرد من لم تصحَّ عدالته بروايته والله أعلم".
* * *
وبكل حال فالجهابذة النّقادُ العارفون لعلل الحديث أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جدًّا.
وأول من اشتهر بالكلام في نقد الحديث: ابنُ سيرين
(1)
، ثم خلفه أيوب
(1)
لعل ابن رجب وهو المحدث الخبير بتاريخ نقد الحدث وتطوره يقصد أول من اشتهر من التابعين ولا أحسبه يخفى عليه ما كان من جهود صادقة من كثير من الصحابة رضوان الله عليهم من تحوط في قبول الرواية حينا، ومن استيثاق لقبولها حينا آخر، ومن توقف عنها أو عن قبولها أو إقلال منها في بعض الأحايين، ومن ذلك ما كان من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي والزبير بن العوام وابن عباس وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
كما في تذكرة الحفاظ 1/ 3، ومسند أحمد 1/ 70، 153، 278، 363/ 364، 370 (المعارف).
وصحيح مسلم: كتاب الآداب: باب الاستئذان 3/ 1694 وما بعدها، ومسند الطيالسي ح 80، ومقدمة سنن ابن ماجه، ومقدمة صحيح مسلم، وكتاب العلم في البخاري وتقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم وغيرها وحتى لا نطيل في هذه المسألة ولها مكان آخر فسنكتفي بإيراد موقف في هذا رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 81 - 82) من حديث مجاهد تلميذ ابن عباس رضي الله عنهم قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه: (لا يستمع) ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول (سلك الناس مسالك شتى منها المحمود ومنها المذموم) لم نأخذ من الناس؛ إلا ما نعرف".
وأساس هذا من القرآن والسنة أورده مسلم في المقدمة قبل روايته هذي عن ابن عباس.
أما محمد سيرين فهو كما ذكر ابن كثير: محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري، مولى أنس بن مالك النضري.
كان أبوه من سبي عين التمر، أسره خالد بن الوليد في جملة السبي، فاشتراه أنس، ثم كاتبه، ثم ولد له من الأولاد الأخيار جماعة: محمد هذا، وأنس، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة، وكلهم تابعيون ثقات أجلاء؛ أخذ عن ستتهم العلم كما ذكر ابن حبان.
وذكر البخارى في التاريخ الكبير أن محمد بن سيرين ولد لسنتين بقيتا من إمارة عثمان، وأنه حج زمن عبد الله بن الزبير فسمع منه.
وذكر ابن حبان في الثقات أنه كان من أورع أهل البصرة، وأنه كان فقيها فاضلًا حافظا متقنا، يعبر الرؤيا، وأنه رأى ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر ابن حجر أنه روى عن أنس بن مالك وزيد بن ثابت والحسن بن علي بن أبي طالب وجندب بن=
السَّخْتياني
(1)
، وأخذ ذلك عنه ..................................................
= عبد الله البجلي وحذيفة بن اليمان، ورافع بن خديج، وسمرة بن جندب، وابن عمر، وابن عباس وأبي هريرة وعائشة أم المؤمنين وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
وروى عنه الشعبي وعبد الله بن عون وأيوب السختياني وقتادة، ومالك بن دينار، والأوزاعي، وغيرهم.
وثقه أعلام المحدثين كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وابن سعد وقال: كانا ثقة مأمونا عاليا رفيعًا فقيها، إماما كثير العلم ورعًا.
وكان مورق العجلي يقول: ما رأيت رجلًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين.
أما أبو قلابة فكان يقول: اصرفوه حيث شئتم؛ فلتجدنَّه أشدكم ورعا، وأملككم لنفسه؟!
وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه وأبو نعيم في الحلية من حديث مخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قوله:
"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"؟! ورويا عقبه قول ابن سيرين: "لما يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة؛ قالوا: سمُّوا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
ولعل هذا يشي بِتَهمُّم الرجل بفن نقد الرواية.
ولم يكن ابن سيرين ذا بصر نافذ في نقد الحديث، وتعبير الرؤيا فحسب، وإنما كان كما أسند البخاري من حديث قريش بن أنس قال:"حلف عوف أنه لم ير أحدًا أعلم بكتاب الله ولا بطريق الجنة وطريق النار من الحسن ولم أر أحدًا أعلم بتجارة ولا بقضاء ولا بفرائض ولا بحساب من محمد؟! ".
وكان ابن عون يقول: "كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدهم خوفًا عليها، ثم ذكر أنه في العراق، مع القاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حيوة في الشام كانوا يأتون بالحديث على وجهه".
معدود في الطبقة الثالثة من أواسط التابعين.
كانت وفاته تاسع شوال من سنة عشر ومائة بعد وفاة الحسن البصري بمائة يوم، وقبره بإزاء قبر الحسن بالبصرة مشهور يزار، كما قال ابن حبان وأضاف: وقد زرتهما غير مرة.
راجع ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري 1/ 1/ 90 - 92، والثقات لابن حبان 5/ 348 - 349، وحلية الأولياء أبي نعيم 2/ 263 - 282، ومقدمة صحيح مسلم 1/ 84 (من النووي) والبداية والنهاية لابن كثير 3/ 267، ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 88 ت 643 تحت عنوان مشاهير التابعين بالبصرة وتهذيب التهذيب لابن حجر 9/ 214 - 217، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي 5/ 331 - 331، وتقريب التهذيب 2/ 169 وتاريخ ابن معين 2/ 520/ 521 وتهذيب الكمال 3/ 1208 - 1209.
(1)
إذا كان محمد بن سيرين من أشهر التابعين الذين أخذوا عن الصحابة أمثال ابن عباس وأبي هريرة وعائشة فإن أيوب هذا هو أيوب بن أبي تميمة السختياني من أتباع التابعين الذين أخذو العلم عن التابعين مثل ابن سيرين وأخته حفصة، وأبي قلابة، والقاسم بن محمد، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء وغيرهم.
روى عنه الأعمش وهو من أقرانه، وقتادة وهو من شيوخه وشعبة ىن الحجاج والحمادان والسفيانان ومالك وابن إسحاق وسعيد بن أبي عروبة وخلق كثير.
والسَّختياني بفتح المهملة وسكون العجمة، ثم مثناة تحتانية وبعد الألف نون نسبة إلى عمل السختيان وبيعه وهو جلود الضأن.
وذكر البخاري أنه رأى أَنسًا وسعيد بن جبير.
وقال ابن حبان: قيل إنه سمع من أنس، ولا يصح ذلك عندي؛ ولذلك أدخلناه في هذه الطبقة، يقصد =
شُعبة
(1)
، .....................................................................
= أتباع التابعين.
وعن مكانته العلمية قال البخاري: قال لنا سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد قال: كان ابن عون يحدث، فإذا حدثته عن أيوب بخلافه تركه؛ فأقول: أليس قد سمعته؟ فيقول: إن أيوب أعلمنا بحديث محمد. يعني محمد بن سيرين.
وكان حماد يقول أيضًا: كان أيوب عندي أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنة.
وكان شعبة وهو تلميذ آخر لأيوب يقول: كان أيوب سيد السلمين!.
وهو من الطبقة الخامسة.
كان ابن المديني يقول: له نحو ثمانمائة حديث، وأما ابن علية فكان يبلغ بأحاديثه ألفين ويقول: ما أقل ما ذهب عليَّ منها! وكان ثقة ثبتًا في الحديث جامعًا كثير العلم حجة عدلًا كما ذكر ابن سعد والنسائي والدارقطني. ولا سيما في ابن سيرين كما ذكر ابن المديني.
كان مولده سنة ست وستين أو ثمان وستين ووفاته سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة في طاعون البصرة.
وترجمته في التاريخ الكبير 1/ 409/1 - 410، والثقات لابن حبان 6/ 53 وتهذيب الكمال 3/ 457/ 464، والجرح والتعديل 1/ 1/ 255 - 256 والحلية 3/ 2/ 140، وسير أعلام النبلاء 6/ 15 - 26، وتذكرة الحفاظ 1/ 130 - 132، وشذرات الذهب 1/ 181، وتهذيب الهذيب 1/ 397 - 399، وتقريب التهذيب 1/ 89 ت 688، ومشاهير علماء الأمصار ص 150 ت 1183، والأنساب للسمعاني 7/ 97 وتاريخ ابن معين 2/ 48.
(1)
هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم أبو بسطام الواسطي البصري.
روى عن إسماعيل بن علية، وأنس بن سيرين، وأيوب السختياني وثابت البناني وجابر الجعفي، وجعفر الصادق، وسفيان الثوري ومالك بن أنس وهما من أقرانه وغيرهم. روى عنه أيوب السختياني والأعمش ومحمد بن إسحاق وهم من شيوخه، والثوري والحسن بن صالح وغيرهما من أقرانه ويحيى القطان وابن مهدي، ووكيع بن الجراح، وابن إدريس وابن المبارك وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان والنضر بن شميل والقعنبي ومسلما بن إبراهيم وعلي بن الجعد من شيوخ البخاري وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم وشعبة أحسن حديثًا من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثْا منه، قسم له من هذا حظ، وروى عن ثلاثين رجلًا من أهل الكوفة لم يرو عنهم سفيان الثوري.
وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن يعني في الرجال.
ومن تقدير أستاذه أيوب السختياني له ما حكاه حماد بن زيد قال: قال لنا أيوب: الآن يقدم عليكم رجل من أهل وأسط، هو فارس الحديث؛ فخذوا عنه! وفلما يشهد الأستاذ لتلميذه إلا إذا كان التلميذ يستأهل الشهادة والإشادة؛ ومن هنا تكون مكانه المشهود له، وتعظيم الثقة به. ولما مات شعبة قال أبو داود: قال سفيان: مات الحديث! وقيل لأبي داود هو أحسن حديثًا من سفيان؟ قال: ليس في الدنيا أحسن حديثا من شعبة، ومالك على قلته والزهري أحسن الناس حديثا وشعبة يخطئ فيما لا يضره، ولا يعاب عليه يعني في الأسماء" ذلك أنه كان يعطي العناية الأكبر لحفظ الحديث وقد ألمح ابن حبان إلى مبادراته النقدية في الحديث، وتمييز الطيب فيه من الخبيث، حيث قال: "كان شعبة من سادات أهل زمانه حفظًا لا إتقانًا ورعًا وفضلًا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علما يقتدى به، وتبعه عليه أهل العراق".
كان مولده على ما ذكر ابن حبان سنة 83 ووفاته سنة 160 وله 77 سنة.=
وأخذ عن شُعبة يحيى القطّان
(1)
، ............................................
= وهو من السابعة.
راجع ترجمته في التهذيب 4/ 338 - 346، ت 580 والتقريب 1/ 351 ت 67 ومشاهير علماء الأمصار ص 177 ت 1399 والثقات لابن حبان 6/ 446 وتاريخ بغداد 9/ 255 - 267 وتذكرة الحفاظ 1/ 193/ 197 وشذرات الذهب 1/ 247 والجرح والتعديل (التقدمة) 1/ 126 - 176 والتاريخ الكبير 2/ 2 / 244 - 245 والثقات لابن شاهين ص 165 ت 514 و "تاريخ ابن معين 2/ 252 - 256 وحلية الأولياء 7/ 144 - 209".
(1)
هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي أبو سعيد البصري الأحول الحافظ.
روى عن هشام بن عروة بن الزبير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين والأعمش وحسين المعلم وابن جريج والأوزاعي ومالك وسفيان الثوري وخلق كثير.
روى عنه ابنه محمد وحفيده أحمد بن ابنه هذا وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي.
وحدث عنه من شيوخه شعبة والسفيانان.
ومن أقرانه: معتمر بن سليمان وعبد الرحمن بن مهدي ولم يأخذ يحيى عن شعبة الأخذ الذي قد يتبادر إلى الأذهان؛ فقد قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة فما كنت أرجع من عنده إلا بثلاثة أحاديث وعشرة أكثر ما كنت أسمع منه في كل يوم. وقد أخذ ابن مهدي عن شعبة ألفي حديث وكان يقول: ما رأيت أحسن أخذًا للحديث، ولا أحسن طلبا له من يحيى القطان أو سفيان بن حبيب.
أما علي بن المديني - وقد أخذ عنه أيضًا - فكان يقول: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان ولا رأيت أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مهدي.
ثم أشار إلى الثمرة العملية لهذا حيث قال: فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته وإذا أخذ عنه أحدهما حدثت عنه.
وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت له كتابا. كان يحدثنا من حفظه، ما رأيت أقل خطأ من يحيى ولقد أخطأ في أحاديث؛ ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟!.
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لابن معين: يحيى القطان فوق ابن مهدي؟ قال: نحم، وقال إسحاق بن إبراهيم: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند فيقف بين يديه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام؛ هيبة له".
قال العجلي: بصري ثقة في الحديث لا يحدث إلا عن ثقة.
وقال أبو زرعة: كان من الثقات الحفاظ.
وقال أبو حاتم: حجة حافظ.
وقال النسائي: ثقة ثبت مرضي.
وذكر ابن حبان فضله العلمي بعامة، وعلى أهل العراق بصفة خاصة فقال: "كان من سادات أهل زمانه، ورعًا وفهما وفضلًا ودينًا وعلمًا، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وحثهم على تتبع العلل والآثار، وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء. ثم قال:
وعنه تعلم أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، وأبو خيثمة، وسائر أئمتنا". معدود في كبار التاسعة.
ولد كما حدث عن نفسه سنة عشرين ومائة.
ثم كانت وفاته يوم الأحد الثاني من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة. =
وابن مهدي
(1)
، .......................................................
= روى عنه الجماعة.
راجع ترجمته في الثقات لابن حبان ومشاهير علماء الأمصار ص 161 - 162 ت 1278 وتاريخ بغداد 14/ 135 - 144، وتهذيب التهذيب 11/ 216 - 220، وتاريخ الثقات لابن شاهين ص 352 ت 1515 والتاريخ ليحيى بن معين 2/ 645/ 648، وتقريب التهذيب 2/ 348 وشذرات الذهب 1/ 355 وتذكرة الحفاظ 298 - 300، والجرح والتعديل المتقدمة ص 232 - 251 وتهذيب الكمال 3/ 1498 - 1500.
(1)
هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنبري وقيل كان مولى للأزد.
سمع الثوري، ومالكا وشعبة، والحمادين، وأبا عوانة، إبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك وغيرهم.
روى عنه ابن المبارك وهو من شيوخه، وعبد الله بن وهب، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله وعثمان ابنا أبى شيبة، ويحيى بن يحيى وغيرهم.
وهو بصري قدم بغداد وحدث بها، وكان من الربانيين في العلم، وأحدَ المذكورين بالحفظ، وممن برع في معرفة الأثر وطرق الروايات، وأحوال الشيوخ.
كان في بدايته مفتونًا بالقصاص واتجه إلى الحديث بكلمة موحية مؤثرة يحكيها أبو عامر العقدي فيقول أنا كنت سبب [نبوغ] عبد الرحمن بن مهدي في الحديث، كان يتبع القصاص فقلت له: لا يحصل في يدك من هؤلاء شيء؟!.
ومن هنا أخذ طريقه في صناعة الحديث رواية ودراية ونقلا ونقدًا.
قال أبو عبد الله: أحمد بن حنبل: قدم علينا عبد الرحمن بن مهدي سنة ثمانين ومائة: وأبو بكر هنا يعني ابن عياش - وقد خضب وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكنت أراه في مسجد الجامع، ثم قدم بعد فأتيناه ولزمناه وكتبت عنه ههنا نحوا من ستمائة: سبعمائة، وكان في سنة ثمانين يختلف إلى أبي بكر بن عياش. ويبدو أن التبادل العلمي بين ابن مهدي والقطان كان قائمًا، وأن كلا منهما أخذ عن الآخر. لقد مضى أن عبد الرحمن بن مهدي أخذ عن يحيى بن سعيد القطان وها نحن أولاءِ نقف على أخذ يحيى من عبد الرحمن؛ فقد أسند الخطيب في تاريخه عن صدقة بن الفضل قال: أتيت يحيى بن سعيد القطان أسأله عن شيء من الحديث فقال: الزم عبد الرحمن بن مهدي، وأفادني عنه أحاديث، فسألت عبد الرحمن بن مهدي عنها فحدثني لها.
وكان لأحمد بن حنبل دراسة تحليلية لشخصية أستاذه ابن مهدي تنم عن سعة الأفق، وبعد النظر؛ وصدق الفراسة، فقد سئل أبو عبد الله عن عبد الرحمن بن مهدي: أَكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع، ولم يكن بذلك الكثير جدًّا، كان الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يسأل عن غيره من كثرة ما يسأل عنه فقيل له: ما كان يتفقه؟ قال: كان يتوسع في الفقه! كان أوسع فيه من يحيى، كان يحيى يميل إلى قول الكوفيين وكان عبد الرحمن يذهب إلى بعض مذاهب الحديث، وإلى رأي المدنيين، فذكر لأبي عبد الله عن إنسان أنه يحكى عنه القدر؟ قال: ويحل له أن يقول هذا؟ هو سمع منه؟ ثم قال: يجيء إلى إمام من أئمة المسلمين يتكلم فيه؟ وقيل لأبي عبد الله: كان عبد الرحمن حافظًا؟ فقال: [كان] حافظًا وكان يتوقى كثيرًا، وكان يحب أن يحدث باللفظ".
وكما ترى فهذا تحليل دقيق ينبئ عن جوانب كثيرة من شخصية عبد الرحمن بن مهدي محدثا وفقيها مع عقيدة سليمة وتواضع جم!
أما الشافعي فقال عنه: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، وله كتب الرسالة، وهي من أجل كتب الشافعي، =
وأخذ عنهما أحمد
(1)
،
= والحديث عنه مُسْهَبٌ ومستطاب!!.
معدود في التاسعة. كانت وفاته عام ثمان وتسعين ومائة عن ثلاث وستين سنة.
روى عنه الجماعة.
راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ 1/ 329 - 332، وتاريخ بغداد 10/ 240 - 248، وتهذيب التهذيب 6/ 279 - 281، وتقريب التهذيب 1/ 499 ت 1126 وتاريخ أسماء الثقات ص 213 ت 760 وشذرات الذهب 1/ 355، والجرح والتعديل التقدمة ص 251 - 262، وتاريخ ابن معين 2/ 359 - 360، وحلية الأولياء 9/ 3 - 63.
(1)
هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني الذهلي وهو من بني شيبان بن ذهل بن ثعلبة وينتهي نسبه إلى معد بن عدنان ثم إلى إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام.
وقد ولد أبو عبد الله سنة أربع ومئتين ومائة ببغداد بعد أن رحلت أمه له من "مرو" حاملا له.
أما أبوه محمد فتوفي شابا، ابن ثلاثين سنة. فتولت كفالته وتربيته أمه.
وأول طلبه للحديث سنة تسع وسبعين وسنه: ست عشرة.
وما لبث أن طوف في طلب العلم فرحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة.
وكان يعود إلى بغداد الحين بعد الحين حتى كانت وفاته بها.
روى عن الأئمة: الشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح، والوليد بن مسلم الدمشقي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وسفيان بن عيينة، وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبي عاصم النبيل، وأبي بكر بن عياش، وإسماعيل بن علية.
وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود مباشرة، والبخاري وأبو داود وباقي الستة بواسطة.
ومن شيوخه عبد الرزاق، والحسن بن موسى والشافعى لكنه كان يقول عنه:"الثقة" ولم يسمه، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح.
ومن أقرانه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري.
ومن القدماء: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وعباس الدُّوري وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وإبراهيم الحربي، وخلق آخرون.
رأى ابن وهب، لكنه لم يكتب عنه، وسمع بابن المبارك فذهب ليسمع منه فلم يدركه.
وكان جم التواضع؛ قال له عارم أبو النعمان: يا أبا عبد الله! بلغني أنك من العرب؟ فقال: يا أبا النعمان! نحن قوم مساكين؛ فلم يزل يدفع بأبي النعمان حتى خرج ولم يقل له شيئًا، وهو الذي عرفنا من نسبه ما عرفنا.
وبلغ عن تواضعه وإكباره للعلم أن استكثر أن يأخذ موعدا مع شيخه عبد الرزاق يلقاه فيه باليمن، بينما كان قد عزم على أن يشخص إليه، وآثر أن يكون ذلك بعد سفره كما سبق أن أزمع، ثم يكون أمر لقائه مع شيخه حسب ظروف شيخه حينئذ ويحدث ابنه صالح عن هذا فيقول: عزم أبي على الخروج إلى مكة، ورافق يحيى بن معين فقال أبي: نَحُجُّ ونمضي إلى صنعاء، إلى عبد الرزاق، قال: فمضينا حتى دخلنا مكة فإذا عبد الرزاق في الطواف وكان يحيى يعرفه، فطفنا، ثم جئنا إلى عبد الرزاق، فسلم عليه يحيى وقال: هذا أخوك أحمد بن حنبل!؟ فقال: حياه الله؛ إنه ليبلغني عنه كل ما أُسرُّ به، ثبته الله على ذلك، ثم قام لينصرف، فقال يحيى: ألا نأخذ عليه الموعد؟ فأبى أحمد وقال: لم أغير النية في رحلتي إليه؟ أو كما قال، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع منه الكتب، وأكثر عنه.
أما عن إقباله على العلم وحفظه فقد نوه به أكثر من محدث! قال أبو زرعة: "أخرج إليّ أبو عبد الله أجزاء =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كلها: "سفيان""سفيان" ليس على حديث منها حدثنا فلان فطنتها عن رجل واحد فانتخبت منها فلما قرأ علي جعل يقول: حدثنا وكيع ويحيى، حدثنا فلان، فعجبت من ذلك، وجهدت أن أقدر على شيء من هذا فلم أقدر".
وقال ابنه عبد الله: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك عن الإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك عن الكلام.
وكان أحمد بن سعيد الرازي يقول: ما رأيت أسود الرأس، أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بفقهه من أحمد بن حنبل.
وكان الشافعي وهو أحد شيوخ أبي عبد الله يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل!؟.
قال المزني: قال لي الشافعي: رأيت ببغداد شابا إذا قال "حدثنا" قال الناس كلهم: صدق! قلت: من هو؟ قال: أحمد بن حنبل.
وكان وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى!
يعنيان أحمد بن حنبل.
وهكذا كان يحيى بن سعيد القطان يقول. وكان العجلي يقول عنه: ثقة ثبت في الحديث، نزه النفس؛ فقيه في الحديث متبع يتبع الآثار، صاحب سنة وخير.
وكان القاسم بن سلام يقول: انتهى العلم يعني علم الحديث - إلى أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة؛ وكان أحمد أفقههم فيه، وكان علي أعلمهم به، وكان يحيى أجمعهم له، وكان أبو بكر أحفظهم له.
وكانوا يقولون: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلموا أنه صاحب سنة!؟
وإذا رأيتموه يقع في أحمد بن حنبل فهو مبتدع!؟
أما من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام إ؟
ولقد امتحن محنته المشهورة على أن يقول بخلق القرآن بعد أن قالت المعتزلة وأتباع جهم بن صفوان بذلك متسترين أيام الرشيد ثم مستعلنين أيام المأمون.
وبدأ حبس أحمد ولم يلبث المأمون أَن مات وتفاقم أمر المحنة أيام المعتصم حتى ضرب بالسياط ضربا مبرحا أسال دمه، وأوهى مفاصله. وناظره منافقو السلطة على أن يقول بخلق القرآن فكان يفحمهم ويكاد المعتصم أن يقتنع بوجوب تخلية سبيله إلا أنهما ولا سيما أحمد بن أبي دؤاد كان يغري المعتصم به ويلجأ إلى ما يلجأ إليه ضعاف الحجة، حيث كان يقول: إنْ تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون، وسخطت قوله، فيهيجه ذلك على ضربه، ويغريه بإدامة حبسه. إلى أن خلى عنه وصار إلى منزله بعد ثمانية وعشرين شهرًا قضاها معذبا في السجن، مضرّجا بدمائه، مسفها في براهينه، مهددا بالموت لحظة بعد أخرى.
وما زالت آثار التعذيب تبرح به إلى أن لحق بالرفيق الأعلى.
ولقد قال محمد بن علي بن شعيب السمسار سمعت أبي يقول:
كان أحمد بن حنبل بالذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل؛ حتى أن المنشار ليوضع على فرق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه" ولولا أحمد بن حنبل قام بهذا الشأن لكان عارًا علينا إلى يوم القيامة أن قوما ما سُبِكُوا، فلم يخرج منهم أحد وكانت وفاته - على ما قال الدوري لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة وأيام. =
وعلي بن المديني
(1)
،
= وبلغ الذين صلوا عليه الجنازة مليونا وسبعمائة ألف مصل سوى من كانوا بالسفن.
راجع ترجمته في تهذيب الكمال للمزي 1/ 437 - 470، وتاريخ بغداد 4/ 412 - 423، وتاريخ الإسلام للذهبي ترجمة الإمام أحمد تحقيق الشيخ أحمد شاكر 1 - 82 وتذكرة الحفاظ 2/ 431 - 432، وحلية الأولياء 9/ 161 - 223، والتاريخ الكبير 1/ 2/ 5، والبداية والنهاية لابن كثير 10/ 325 - 343، وشذرات الذهب لابن العماد 2/ 96 - 98، والثقات للعجلي 1/ 194 - 197 وتاريخ مولد العلماء ووفياتهم 1/ 381 و 2/ 529، وتهذيب التهذيب 1/ 72 - 76، وتقريب التهذيب 1/ 24 وتقدمة الجرح والتعديل ص 292 - 313 وتاريخ ابن معين 2/ 19 - 20 قال: وهو رأس العاشرة. وانظر مصادر أخرى للترجمة ذكرها المرحرم الشيخ أحمد شاكر في آخر صفحات تحقيقه لترجمة الإمام أحمد للذهبي.
(1)
هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد أبو الحسن السعدي ويعرف بابن المديني بصري الدار وهو أحد أئمة الحديث في عصره، والمقدم، على حفاظ وقته، وذكر العجلي أنه من أهل الأنبار وأن أباه كان كاتبًا لعبد الملك.
وأبوه محدث مشهور روى عن غير واحد من شيخة مالك بن أنس وجده جعفر بن نجيح.
روى أبوه هذا عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
وهذا يرينا إلى أي مدى كانت أسرة علي بن المديني وكيف كانت حضانته وتأثيرها في حياته العلمية.
وقد سمع علي بن المديني أباه هذا وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم، ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وابن علية، وأبا داود الطيالسي، وعبد الرزاق بن همام وغيرهم.
وقدم بغداد وحدث بها فروى عنه أحمد بن حنبل وابنه صالح، وابن عمه حنبل بن إسحاق، ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داود، وروى أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه في التفسير له بواسطة.
كما روى عنه سفيان بن عيينة ومعاذ بن معاذ وهما من شيوخه وأحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وهما من أقرانه وابنه عبد الله بن علي وصالح بن أحمد بن حنبل وغيرهم.
كان علما في الناس في معرفة الحديث والعلل وكان ابن عيينة يسميه: حية الوادي.
وقال حفص بن محبوب المحبوبي.
كنا عند ابن عيينة فقام ابن المديني فقام سفيان وقال: إذا قامت الخيل لم نجلس مع الرَّجَّالة وذكر ابن عيينة ويحيى بن سعيد أن ما يفيده كل منهما من علي بن المديني أكثر مما يفيدانه به.
وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة بحديث ابن عيينة.
وكان علي بن المديني إذا قدم بغداد تصدر الحلقة وجاء يحيى بن معين وأحمد بن حنبل والمعيطى والناس يتناظرون فإذا اختلفوا في شيء تكلم فيه علي.
وقال الأعين: رأيت علي بن المديني مستلقيا وأحمد عن يمينه، وابن معين عن يساره، وهو يملي عليهما.
وكان البخاري يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد؛ إلا عند علي بن المديني.
وكان يقال: أعلم الناس بعلل الحديث علي بن المديني، وأفقههما فيه أحمد، وأمهرهم به الشاذكوني، وكان أبو داود يقول: على خير من عشرة آلاف مثل الشاذكوني.
وامتحن في القول بخلق القرآن فقال بلسانه ما لا يطمئن إليه قلبه حين أكره على ذلك أو حين خشى على نفسه الموت ولكنه في آخرة جهر بتكفير من يقول بخلق القرآن ولم يعد يبالي بابن أبي دؤاد وأناب وأحسن الإنابة.
وكان البخاري يقول عنه: أعلم أهل عصره وقال ابن حبان: كان من أعلم أهل زمانه بعلل الحديث؛ رحل =
وابن معين
(1)
، وأخذ عنهم مثل البخاري، وأبي داود وأبي زُرْعة، وأبي حاتم. وكان أبو رزعة في زمانه يقول: "قَلَّ مَن
(2)
يفهم هذا وما أعزه إذا
(3)
دفعت هذا
= وجمع وكتب وصنف وذاكر وحفظ.
وقال النسائي: ثقة مأمون أحد الأئمة في الحديث وترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل المحنة قال: وكان أبي يروي عنه ليردعه عما كان منه صنف المسند وأكلته الأرضة وخلف كتاب العلل، وقال النووي نقلا عن الخطيب صنف علي بن المديني في الحديث مائتي مصنف.
معدود في العاشرة.
وذكر ابن حجر أن البخاري أخرج له ثلاثمائة حديث وثلاثة أحاديث.
ولد سنة ثنتين وستين وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين بسر من رأى.
وترجمته في تذكرة الحفاظ 2/ 428، وتاريخ بغداد 11/ 458 - 473، وتهذيب التهذيب 7/ 349 - 357 وتقريب التهذيب 2/ 39 - 40، وتقدمة الجرح والتعديل 319 - 320، وشذرات الذهب 2/ 81 والبداية والنهاية 10/ 312 والثقات للعجلي 2/ 157 - 158 وتاريخ ابن زبر/ 1/ 516.
(1)
هو الإمام يحيى بن معين بن عون بن زياد في بسطام بن عبد الرحمن المرِّي الغطفاني مولاهم نسبة إلى مرة غطفان. كان مولى للجنيد بن عبد الرحمن المقرئ الغطفاني الذي كان أمير خراسان من قبل هشام بن الملك الأموي. ولد ببغداد ونشأ بها، وكانت ولادته في آخر خلافة أبي جعفر المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة في آخرها. ورث عن أبيه ثروة طائلة ولكنه وظفها في طلب العلم، وخدمة السنة، والإنفاق في سبيل الله سمع عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح وغيرهم. روى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة: زهير بن حرب ومحمد بن سعد الكاتب وهم من أقرانه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وحنبل بن إسحاق، وأبو داود السجستاني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وأبو يعلى الموصلي وآخرون.
كان يكتب الحديث نيفًا وخمسين مرة، ويقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه وقال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث وعرف به وكان لا يكاد يحدث.
كان يقول القرآن كلام الله تعالى وليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
كما كان يقال: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم وبعده إلى يحيى بن معين وقال أبو عبيد: القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكْتَبُهم له!!.
وفي رواية عنه: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين.
قال الخطيب: كان إماما ربَّانيا عالما حافظا ثبتا متقنا، معدودًا في العاشرة.
وله كتاب ضخم في تاريخ الرجال برز فيه ما تميز به في مجال النقد والرواية حقق في أربعة مجلدات وكانت وفاته سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وترجمته في مقدمة تحقيق كتابه للدكتور أحمد محمد نور سيف 1/ 3 - 212 وتهذيب التهذيب 11/ 280 - 288 وتقريب التهذيب 2/ 358 وتاريخ بغداد 4/ 177 - 187، وتاريخ الثقات للعجلي 475 ت 1826 والتاريخ الكبير للبخاري 4/ 2/ 307، وشذرات الذهب 2/ 79 وذكر ابن العماد أن وفاته كانت في ذي القعدة بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم متوجها إلى الحج وغسل على الأعواد التي غسل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وتذكرة الحفاظ 2/ 429 - 431 وتاريخ ابن زبر 2/ 513 - 514.
(2)
م: "يقول: من قال".
(3)
م: "وما أعزه إلا رفعت هذا".
عن واحد أو اثنين؛ فما أقل من تجد مَنْ يُحْسِنُ هذا!؟ ".
ولما مات أبو زرعة، قال أبو حاتم: "ذهب الذي كان يحسن هذا
(1)
- يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق واحدٌ يُحْسِنُ هذا".
وقيل له، بعد موت أبي زُرْعة:"تَعرِف اليوم أحدًا يَعْرِفُ هذا؟ " قال: "لا".
* * *
وجاء بعد هؤلاء جماعة منهم النسائي، والعُقَيلي، وابن عدي، والدارقطني.
وقَلَّ مَن جاء بعدهم مِمَّنْ هو بارعٌ في معرفة ذلك؛ حتى قال أبو الفرج بن الجوزي في أول كتابه "الموضوعات": قد قَلَّ من يفهم هذا: بل عُدِم. والله أعلم.
(1)
م: "يحسن هذا المعنى".
الحديث الثامن والعشرون
عَنْ أَبِي نَجِيحٍ: العِرْبَاضِ بْنِ سَاريَةَ رضي الله عنه قَالَ:
"وَعَظَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلَنا: يَا رَسُولَ اللهِ! كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ؟ فَأَوْصِنا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ عز وجل، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُمْ عَبْدٌ؛ وإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتلافًا كثيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (المهْدِيِّينَ) عَضُّوا عَلَيها بِالنَّوَاجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ". رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذيُّ وَقال: حَديثٌ حَسَنٌ صَحيِحٌ.
* * *
[تخريج الحديث]:
• هذا الحديث خرّجه الإمام أحمد
(1)
وأبو داود
(2)
والترمذى
(3)
وابن ماجه
(4)
من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن عبد الرحمن بن عَمْرِو السُّلمي رضي الله عنه.
زاد أحمد في رواية له وأبو داود
(5)
: وحُجْر بن حُجْر الكَلَاعي كلاهما عن العرباض بن سارية رضي الله عنه.
• وقال الترمذى: حسن صحيح.
• وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين.
قال: ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكارٍ منهما له.
• وزعم الحاكم
(6)
أن سبب تركهما له أنهما توّهما أنه ليس له راو عن خالد بن
(1)
في المسند 4/ 126 - 127 (الحلبي).
(2)
في السنن: كتاب السنة: باب لزوم السنة 4/ 280 - 281.
(3)
في كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع 5/ 44 وقال: حديث حسن صحيح.
(4)
في مقدمة السنن: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين 1/ 15 - 16.
(5)
هذا الحديث رواه أحمد في المسند من حديث العرباض وحده ومن حديث العرباض وحجر كليهما. أما أبو داود فرواه من حديثيهما معا.
وأما ابن ماجه والترمذي فروياه من حديث العرباض وحده إلا أن الترمذي أشار إلى رواية حجر بعد روايته لحديث العرباض.
(6)
حيث رواه في المستدرك، 1/ 95 - 96 من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض
…
وعقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح ليس له علة، وقد احتج البخاري =
معدان، غير ثور بن يزيد.
• وقد رواه عنه أيضًا بَحِير بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما.
• قلت: ليس الأمر كما ظنّه، وليس الحديث على شرطهما. فإنهما لم يخرّجا لعبد الرحمن بن عمرو السُّلَمِي، ولا لحُجْر الكلاعي شيئًا، وليسا ممن اشتهرا بالعلم والرواية.
• وأيضًا فقد اختُلف فيه على خالد بن مَعْدان؛ فروى عنه كما تقدم.
• ورُوي عنه، عن ابن أبي بلال، عن العِرْباض.
• وخرّجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضًا
(1)
.
* * *
• وروي
(2)
عن ضمرة بن حبيب
(3)
، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلمي، عن العِرْباض خرّجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه
(4)
، وزاد في حديثه: "فقد تركْتُكُم
(5)
على البيضاء: ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ" وزاد في آخر الحديث: "فإنَّما المؤمن كالجمل الأَنِف
(6)
حيثما قِيدَ انقادَ".
= بعبد الرحمن بن عمرو، وثور بن يزيد، وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة والذي عندي: أنهما رحمهما الله وهما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين، عن خالد بن معدان.
ثم ساق رواية محمد بن إبراهيم عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض.
(1)
في المسند 4/ 127 (الحلبي).
وفي المطبوعة: "وروى عنه ابن عمرو عن أبي بلال
…
" وهو خطأ واضح.
(2)
سقطت من المطبوعة.
(3)
في المطبوعة: "بن أبي حبيب" بزيادة: "أبي" وهو خطأ، فهو ضمرة بن حبيب الزبيدي أبو عتبة الحمصي.
روى عن شداد بن أوس، وأبي أمامة الباهلي، وعوف بن مالك، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي.
وروى عنه ابنه عتبة، ومعاوية بن صالح الحضرمي، وهلال بن يساف.
وثقه ابن معين وابن حبان وابن سعد الدارمي. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال العجلي: شامي تابعي. وتوفي سنة 130.
وترجمته في تهذيب التهذيب 4/ 459/ 460.
(4)
أحمد في المسند 4/ 126 وابن ماجه في مقدمة السنن 1/ 16.
(5)
في المطبوعة: "تركتم" وهو مخالف لما في المسند والسنن.
(6)
في النهاية 1/ 75: "كالجمل الأنف" أي المأنوف، وهو الذي عقر الخشاش أنفه، فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به، وقيل: الأنف الذلول. يقال: أنف البعير يأنف أنفا فهو أنف إذا اشتكى أنفه من الخشاش، =
• وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مُدْرَجَةٌ فيه، وليست منه قاله: أحمد بن صالح المصري وغيره.
• وقد خرّجَهُ الحاكم وقال في حديثه: وكان "أَسَدُ بن وداعة"
(1)
يزيد في هذا الحديث: "فإنّ المؤمن كالجمل الأَنِف، حيثما قِيدَ انقادَ".
• وخرّجه ابن ماجه أيضًا من رواية عبد الله بن العلاء بن زَبْر
(2)
: حدثني يحيى بن أبي المطاع: سمعت العِرْباض، فذكره.
[إسناد الحديث]:
• وهذا في الظاهر إسنادٌ جَيِّدٌ متصل، ورواتُهُ ثقاتٌ مشهورون، وقد صرح فيه بالسماع.
• وقد ذكر البخاري في تاريخه: أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العِرْباض، اعتمادًا على هذه الرواية؛ إلا أن حفّاظَ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا: يحيى بن أبي المطاعَ لم يسمع من العِرْباض، ولم يلقه، وهذه الرواية غلط.
• وممن ذكر ذلك أبو زُرْعَةَ الدّمشقيِّ، وحكاه عن دُحَيْمٍ، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري رحمه الله يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام.
• وقد رُوي عن العِرْباض من وجوه أُخَر.
• ورُوي من حديث بُرَيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن إسناد حديث بُرَيدة لا يثبت، والله أعلم.
[وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة]:
فقول العِرْباض: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة".
= وكان الأصل أن يقال: مأنوف، لأنه مفعول به، كما يقال مصدور ومبطون الذي يشتكي صدره وبطنه، وإنما جاء هذا شاذا، ويروى: كالجمل الآنف بالمد، وهو بمعناه.
(1)
في المطبوعة: "وراعة" وهو تصحيف.
(2)
في المطبوعة: "زبير" وهو تحريف، فهو عبد الله بن العلاء بن زبر بن عطارد الربعي.
روى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومكحول، ونافع مولى ابن عمر.
وروى عنه ابنه إبراهيم، وزيد بن الحباب والوليد بن مسلم، وغيرهم.
وثقه ابن معين، وابن أبي شيبة، وابن سعد، ودحيم، والدارقطني، وابن حبان. وقال أحمد بن حنبل: مقارب الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس.
كانت وفاته سنة 164 على خلاف.
وترجمته في تهذيب التهذيب 5/ 350 - 351، وحديثه المذكور عند ابن ماجه 1/ 15 - 16.
• وفي رواية الإمام أحمدَ وأبي داودَ والترمذي: "بليغة"، وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاته الصبح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يعظ أصحابه في غير الخطَب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد؛ وقد أمره الله عز وجل بذلك فقال تعالى:{وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}
(1)
وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}
(2)
، ولكنه كان لا يديم وعظهم، بل يتخوَّلُهم بها أحيانًا؛ كما في الصحيحين عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود يذكِّرنا كلَّ يومِ خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولودِدْنا أنك حدثتنا كلّ يوم؟ فقال:"ما يمنعني أن أحدِّثكم [كلّ يوم] إلا كراهةُ أن أُمِلَّكُم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخوَّلُنَا بالموعظة؛ كراهةَ السآمة علينا"
(3)
.
* * *
[البلاغة في الموعظة]:
• والبلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقربُ إلى قبول القلوب واستجلابِها،
والبلاغة هي التوصُّلُ إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالُهَا إنى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصَحِها، وأحلاها للأسماع، وأوقعِهَا في القلوب.
[السنة تقصير الخطبة]:
• وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُقَصِّرُ خطَبهُ ولا يُطيِلُهَا، بل كان يُبْلِغُ ويُوجِزُ.
• وفي صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرةَ رضي الله عنه قال: "كنتُ أُصلِّي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاتُه قَصْدًا، وخطبتُه قَصْدًا"
(4)
.
• وخرّجه أبو داود، ولفظه:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة؛ إنما هي كلمات يسيرات
(5)
.
وخرّج مسلم من حديث أبي وائل قال:
(1)
سورة النساء: 63.
(2)
سورة النحل: 125.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب العلم: باب عن جعل لأهل العلم أياما معلومة 1/ 150 ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب الاقتصاد في الموعظة 4/ 2173.
ومعنى قوله: "يتخولنا" يتعاهدنا أو يصلحنا.
(4)
أخرجه مسلم في كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/ 591.
(5)
أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: باب إقصار الخطب 1/ 396.
• خطبنا عمار رضي الله عنه، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان
(1)
لقد أبلغت وأوجزتَ فلو كنت تَنَفَّسْتَ
(2)
؟ فقال: إنى سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إن طول صلاة الرجل وقِصرَ خطبته مَئِنَّةٌ
(3)
من فقهه؛ فأطيلُوا الصلاةَ واقْصرُوا الخطبة
(4)
؛ فإنَّ من البيان سِحْرًا"
(5)
.
* * *
• وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحكَم بن حَزْن
(6)
رضي الله عنه قال: شهدتُ مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الجمعة؛ فقام متوكّئًا على عصًا أو قوسٍ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه: كلماتٍ خفيفاتٍ طيباتٍ مباركاتٍ
(7)
.
• وخرَّج أبو داود عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن رجلًا قام يومًا فأكثر القول؛ فقال عمرو: لو قَصَد في قوله لكان خيرًا له؛ سمعتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول:
(1)
في المطبوعة: "يا أبا الفيضان" وأشار إلى أن في نسخة أخرى: "يا أبا البطان" وكلاهما تحريف، والصواب ما أثبتناه كما في مسلم.
(2)
قوله: "فلو كنت تنفست" أي: لو كنت أطلت الخطبة وأصله كما في النهاية 5/ 94: أن المتكلم إذا تنفس استأنف القول، وسهلت عليه الإطالة.
(3)
المئنة: العلامة.
(4)
قال النووي لي شرحه على مسلم 6/ 158: وليس هذا الحديث مخالفا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، لقوله في الرواية الأخرى: وكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا، لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه: أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلا يشق على المأمومين، وهى حينئذ قصد: أي معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها.
(5)
في شرح النووي على مسلم 6/ 159: قال القاضي عياض: فيه تأويلان: أحدهما: أنه ذم، لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه، حتى يكسب من الإثم به كما يكسب بالسحر، وأدخله مالك في الموطأ في باب ما يكره من الكلام، وهو مذهه في تأويل الحديث.
والثاني: أنه مدح، لأن اللّه تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر، لميل القلوب إليه، وأصل السحر: الصرف، فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما تدعو إليه.
قال النووي: هذا كلام القاضي، وهذا التأويل الثاني هو الصحيح المختار.
(6)
في المطبوعة: "الحاكم بن خرم" وهو تحريف وقد سبقت ترجمة الحكم وانظر تهذيب التهذيب 2/ 425 وفيه الإشارة إلى حديثه هذا.
(7)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 212 وفي آخره: ثم قال: أيها الناس إنكم لن تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم به ولكن سددوا وأبشروا.
وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس 1/ 392 - 393 وفيه الزيادة المذكورة في المسند وليس للحكم عند أبي داود غير هذا الحديث.
"لقد رأيتُ أو أُمِرْتُ أن أتجوَّز في القول؛ فإن الجواز هو خير"
(1)
.
* * *
[ذرفت منها العيون ووجلت القلوب]:
• وقوله: "ذَرَفتْ منها العيونُ ووَجِلتْ منها القلوب" هذان الوصفان بهما مدَح الله المؤمنين عند سماع الذكر، كما قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}
(2)
.
وقال: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}
(3)
.
(4)
(5)
.
• وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ}
(6)
.
• وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتغيّر حاله عند الموعظة كما قال جابر: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب، وذكر الساعة؛ اشتد غَضبُه، وعَلا صوتُه، واحْمَرَّت عيناه، كأنه مُنذِرُ جَيْشٍ يقول: صبَّحكم ومسَّاكم".
خرّجه مسلم بمعناه
(7)
.
• وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بن يديها أمورًا عظامًا، ثم قال:"مَن أَحبَّ أن يَسْأَلَ عن شيء فلْيَسْأَل عنه؛ فواللّه لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكُم به في مَقَامي هذا". قال أنس: فأكثَر الناسُ البكاءَ وأكثر رسول
(1)
أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب ما جاء في المتشدق في الكلام 4/ 413 والتجوز: اختصار الكلام، والتخفيف على السامعين، وعدم التطويل عليهم.
(2)
سورة الأنفال: 2.
(3)
سورة الحج: 34.
(4)
سورة الحديد: 16.
(5)
سورة الزمر: 23.
(6)
سورة المائدة: 83.
(7)
الحديث عند مسلم في كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/ 592 قال النووي: ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرا عظيما، وتحذيره خطبا جسيما.
اللّه صلى الله عليه وسلم أن يقول: "سلوني". فقام إليه رجلٌ فقال: أين مُدْخَلي يا رسول اللّه؟! قال: "النار": وذكر الحديث
(1)
.
• وفي مسند الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه خطب فقال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطبُ يقول: "أنذرتُكم النار" حتى لو أن رجلًا كان بالسُّوق لسمعه من مُقامي هذا. قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه
(2)
.
• وفي الصحيحين عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "اتقوا النار"، قال: ثم أعرض وأشاح
(3)
، ثم قال:"اتَّقُوا النار". قال: ثم أعرض وأشاح
(4)
ثلاثًا حتى ظننَّا أنه ينظر إليها، ثم قال:"اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبَةٍ"
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري - بهذا السياق - في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه 13/ 229 - 231 وتمامه فيه بعد هذا "فقام عبد اللّه بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول اللّه؟! قال: أبوك حذافة، قال ثم أكثر أن يقول: سلوني سلوني، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا باللّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا. قال: فسكت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر". وأخرجه مختصرًا في كتاب العلم: باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث 1/ 169.
ودون قوله: "فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي" وفي كتاب مواقيت الصلاة وفضلها: باب وقت الظهر عند الزوال 2/ 17 وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل: باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع، ونحو ذلك 4/ 1831 - 1835 من وجوه عديدة.
(2)
الحديث في مسند أحمد 4/ 268، 272 (الحلبي) وانظر الفتح الرباني 24/ 169. وقد أورده الهيثمي في المجمع 2/ 187 - 188 عن أحمد في هذا الموضع وقال: رجاله رجال الصحيح.
(3)
في المطبوعة: "قال: ثم التاح" وهو تحريف والتصويب من البخاري 11/ 351.
(4)
أشاح: أي أظهر الحذر منها، قاله ابن حجر، وقال الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نحاه عنه، وقال الفراء: المشيح: الحذر والجاد في الأمر، والمقبل في خطابه، فيصح أحد هذه المعاني أو كلها. أي حذر النار، كأنه ينظر إليها، أوجد على الوصية باتقائها، أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لما ذكرها.
(5)
أخرجه البخاري في كتاب الزكاة: باب اتقوا النار ولو بشق تمرة 3/ 220.
وفى كتاب أحاديث الأنبياء: باب علامات النبوة 6/ 451.
وفي كتاب الأدب: باب طيب الكلام 10/ 375.
وفي كتاب الرقاق: باب من نوقش الحساب عذب 11/ 351.
وباب صفة الجنة والنار 11/ 373.
وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار 2/ 704.
• وخرّج الإمامُ أحمد
(1)
من حديث عبد اللّه بن سلمة عن عليّ أو عن الزبير بن العوّام قال:
كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطبنا فيذكرنا بأيام اللّه حتى يُعْرفَ ذلك في وجهه وكأنه نذير قوم يُصَبِّحُهُمُ الأمرُ غُدْوَةً، وكان إذا كان حديثَ عهْدٍ بجبرئيل لم يتبسَّمْ ضاحكًا حتَّى يَرْتَفِعَ عَنْهُ.
• وخرّج الطبراني والبزار من حديث جابر
(2)
قال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذيرُ قوم أتاهم العذابُ؛ فإذا ذهب عنه ذلك رأيتُه أطلَقَ الناسِ وجهًا، وأكثرَهم ضحكًا، وأحسنَهم بِشْرًا صلى الله عليه وسلم.
[طلب الصحابة لوصية الرسول في حجة الوداع]:
• وقولهم: "يا رسولَ اللّه! كأنها موعِظَةُ مودِّع فأَوْصِنَا".
يدلُّ على أنه كان صلى الله عليه وسلم قد أبلغَ في تلك الموعظة ما لم يُبْلِغْ في غيرها؛ فلذلك فهمُوا أنها موعظةُ مودِّع؛ فإن المودِّعَ يستقصي ما لا يستقْصي غيْرُه في القول والفعل؛ ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلّي صلاة مودِّع
(3)
؛ لأنَّ من استشعر أنه مودِّعٌ بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها، ولَرُبَّما كان قد وقع منه صلى الله عليه وسلم تعريضٌ في تلك الخطبة بالتوديع، كما عرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال:"لا أَدْرِي لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" وطفق يودّع الناس فقال: هذه حجة الوداع.
* * *
(1)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 22 - 23 (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر. وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 2/ 188 وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وأبو يعلى عن الزبير وحده ورجاله رجال الصحيح.
(2)
وإسناده حسن كما في المجمع 9/ 17.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 2/ 412 من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عظني وأوجز فقال: "إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا، واجمع الإياس مما في أيدي الناس: وأخرجه ابن ماجه في الزهد: باب الحكمة 2/ 1396. قال البوصيري في الزوائد: "إسناده ضعيف، وعثمان بن جبير قال الذهبي في الطبقات: مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري وأبو حاتم: روى عن أبيه عن جده عن أيوب، قلت: لكن كون الحديث من أوجز الكلمات، وأجمعها للحكمة يدل على قربه للثبوت، فليتأمل".
[وصيته بالقرآن وبأهل بيته عند غدير خُمٍّ]:
• ولما رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خُمًّا وخطبهم فقال:
"أيها الناس إنما أنا بَشَرٌ، يوشك أن يأتيني رسولُ ربّي فَأُجِيبَه".
ثم حضَّ على التمسّك بكتاب اللّه، ووصَّى بأهل بيته.
خرّجه مسلم
(1)
.
* * *
(1)
حيث قال في صحيحه:
حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مُخْلَدٍ جميعًا عن ابن عُلَيَّة. قال زُهَيْرٌ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم. حدثني أبو حيَّانَ. حدثني يزيد بنُ حيَّانَ. قال: انطلقتُ أنا وحُصينُ بن سبرة وعمرُ بن مسلم إلى زيْد بن أرْقَم. فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيد خيرًا كثيرًا. رأيتَ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليت خلفَه. لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا. حدِّثنا، يا زيدُ! ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ: يا ابن أخي! واللّه لقد كبرتْ سني، وقدُم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فما حدَّثتكم فاقبلوا. وما لا، فلا تُكلِّفُونيه. ثم قال: قام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خمًّا بين مكة والمدينة. فحمد اللّه وأَثنى عليه، ووعظ وذكّر. ثم قال: أما بعدُ ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشكُ أن يأتي رسولُ رَبِّي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور؛ فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به: فحثَّ على كتاب اللّه ورغَّبَ فيه. ثم قال: وأهل بيتي. أذكِّرُكُمُ اللّه في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم اللّه في أهل بيتي" فقال له حُصين: ومن أهل بيته يا زيد؟! أليسَ نساؤهُ من أهل بيته؟ قال نساؤة من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حُرِم الصدقةَ بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليٍّ، وآل عقيل، وآل جَعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حُرِم الصدقة؟ قال: نعم".
وهذا الحديث خرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه 4/ 1873.
وقد كان ابن رجب دقيقا حين قال مشيرًا إلى هذا الحديث: "إن النبي صلى الله عليه وسلم حَضَّ على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته".
وهذا هو ما يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: "وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. يقول زيد بن أرقم بعد هذا: فحث على كتاب الله ورغب فيه" ثم قال: "وأهل بيتي: أذكركم اللّه في أهلى بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي".
ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم وصى بأمرين عظيمين هما كتاب اللّه وأمر بالأخذ به، والاستمساك به وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وذكر الله في حقهم وما يجب لهم من التوقير والود، وإعظام الحق، إجلالا لمدى ما لهم بالنبي صلى الله عليه وسلم من صلة قربى، وإكبارا لما يرمزون له من استمرار هذه الصلة سيما حين تكون هي رمزا لبقاء العمل بالكتاب، والالتزام بالسنة، وكما قال ابن تيمية في منهاج السنة 4/ 85 فإن هذا الحديث ليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب اللّه رهو لم يأمر باتباع العترة ولكن قال: أذكركم الله في أهل بيتي. والأمر بتذكر الأمة لهم يقتضي أن يذكروا ما يجب لهما من إعطائهم حقوقهم، والامتناع من ظلمهم، وهو أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم؛ فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر بشرع نزل إذ ذاك لا في حق علي، ولا في حق غيره، لا إمامته ولا غيرها.
[وصيته عقب غزوة أحد]:
• وفي الصحيحَيْن
(1)
ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على قَتْلَى "أُحُدٍ"، ثم صَعِد المنبر
(2)
كالمودِّع للأحياء والأموات، فقال:
"إنِّي فَرَطُكُم على الحوض وإنَّ
(3)
عَرْضَهُ كما بين أيْلَةَ إلى الجُحْفَة؛ إني
(4)
لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكنّي
(5)
أخشى عليكم الدنيا أن تَنَافَسُوا
(6)
فيها وتقتتلوا
(7)
فتهلِكُوا كما هلك مَنْ كان قبلَكُم".
قال عقبة رضي الله عنه: فكانت
(8)
آخرَ ما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على المنبر.
• وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه: صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على قَتْلَى "أحُدٍ" بعد ثمانِ سنين؛ كالمودِّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال:
"إني فَرَطكم، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدَكُم الحوضُ، وإني لأنظُرُ إليه، ولست أخشى عليكم الكُفرَ، ولكنِ الدنيا أن تَنَافَسُوهَا"
(9)
.
* * *
• وخرَّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد اللّه بن عمرو
(10)
رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يومًا - كالمودِّع فقال:
"أنا محمد النبيُّ الأميُّ - قال ذلك ثلاث مرات - ولا نبيَّ بعدي، أُوتيتُ فواتحَ
(1)
مسلم في كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته 4/ 1796 وأخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد 3/ 169 وفي كتاب أحاديث الأنبياء: باب علامات النبوة 6/ 451 وفي كتاب الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها 11/ 208 وباب في الحوض 11/ 415.
(2)
أي بعد أن عاد إلى المدينة، أي أنه عليه السلام صلى على الشهداء، ثم خطب الأحياء بعد أن عاد إليهم.
(3)
م، ا:"فإن" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.
(4)
م، ا:"وأني" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.
(5)
م: "ولكن" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.
(6)
م: "تتنافسوا" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.
(7)
…
"فتقتتلون" وهذا تحريف.
(8)
م: "فكان" والتصويب من مسلم.
(9)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 149، 153 - 154 (الحلبي) من وجوه ثلاثة وفيها: "ولست أخاف عليكم أن تشركوا أو قال: تكفروا ولكن الدنيا أن تنافسوا فيها.
(10)
م: "عبد اللّه بن عمر" وهو تحريف.
والحديث في مسند أحمد 10/ 107 - 108 و 11/ 193 (المعارف) من حديث عبد اللّه بن عمرو بإسناد صحيح.
الكَلِم وخواتمه، وجوامعَه، وعلمتُ كَم خَزنةُ النار، وحَملةُ العَرْش، وتجوَّز لي ربِّي، وعُوفِيَتْ أُمَّتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دُمْتُ فيكم، فإذا ذُهِبَ بي فعليكُم بكتاب الله أَحِلُّوا حلالَه، وحرِّموا حرامَه".
فلعل الخطبة التي أشار إليها العِرْباضُ بنُ سارية في حديثه كانت بعضَ هذه الخطبة
(1)
أو شبيهًا بها مما يشعر بالتوديع.
* * *
[ماذا يعني قولهم: أوصنا؟]:
• وقولهم: "فأوْصِنَا" يعنون: وصية جامعة كافية. فإنهما لما فهموا أنه مودِّع استوصَوْهُ وصيةً ينفعهم التمسك بها بعده، ويكونُ فيها كفايةٌ لمن تمسَّك بها، وسعادةٌ له في الدنيا والآخرة.
* * *
[وصيته صلى الله عليه وسلم بتقوى اللّه والسمعِ والطاعة]:
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أوصِيكُم بتَقْوَى اللّه والسَّمْعِ والطَّاعَة".
فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة.
أما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لِمَنْ تمسَّك بها، وهي وصيةُ اللّه للأوّلين والآخِرين؛ كما قال تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}
(2)
.
وقد سبق شرح التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث وصيَّة النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه
(3)
.
[السمع والطاعة]:
• " وأما السمعُ والطَّاعةُ لولاة أمورِ المسلمين، ففيها سعادةُ الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينُون على إظهار دينهم، وطاعةِ ربّهم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إنّ الناس لا يُصْلِحُهم إلا إمامٌ بَرٍّ أو فاجر. إن كان
(1)
كما عند أحمد في المسند 4/ 126.
(2)
سورة النساء: 131.
(3)
في شرح الحديث الثامن عشر ص 465 وما بعدها.
فاجرًا عَبدَ المؤمن فيه ربَّه، وحَمَل الفاجِرَ فيها إلى أجله".
وقال الحسن - في الأمراء: "هم يَلُون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، واللّه ما يستقيمُ الدِّيُن إلا بهم، وإن جارُوا وظلموا؛ واللّه لَمَا يُصْلِحُ اللّه بهم أكثرُ مما يُفْسِدُون، مع أن واللّه إن طاعتَهم لغيظٌ، وإنَّ فُرْقَتَهُمْ لكُفْرٌ؟! ".
[من وصاياه الجامعة]:
• وخرَّج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أُمامة قال:
أَمَرَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم أصحابه حين صلَّوا العشاء أن احشُدوا؛ فإن لي إليكم حاجةً، فلما فرغ من صلاة الصبح قال:"هل حشَدْتُم كما أمرتُكم؟ " قالوا: نعم، قال:"اعبدوا اللّه ولا تُشْرِكوا به شَيئًا. هل عقلتُم هذه؟ " ثلاثًا، قلنا: نعم، قال:"أقيموا الصَّلاةَ وآتُوا الزكاةء. هل عقلتُم هذه؟ " ثلاثًا قلنا: نعم. قال: "اسمعوا وأطيعوا - ثلاثًا - هل عقلتُم هذه؟ " ثلاثًا. قلنا: نعم.
قال: فكنَّا نُرَى أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم سيتكلَّمُ كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمرَ كله
(1)
.
* * *
[التوصية بالسمع والطاعة]:
• وبهذين الأصلين وصَّى النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع أيضًا كما خرَّج الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية
(2)
قالت: سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فسمعتُه يقول:
"يا أيها الناس! اتَّقوا الله وإن أُمِّرَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ مُجدَّعٌ؛ فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كِتَابَ اللّه"
(3)
.
(1)
رواه الطبراني في الكبير 8/ 162 ح 7678 بإسناد ضعيف وانظر التعليق.
(2)
بالحاء المهملة شهدت حجة الوداع وروتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
روى عنها ابنها يحيى بن الحصين، والعيزار بن حريث راجع ترجمتها في الاستيعاب 4/ 1931 وتهذيب التهذيب 12/ 463.
(3)
المجَدّع هو المقطع الأعضاء، والتشديد فيه للتكثير والجدع قطع الأنف والأذن والشفة، والذي قطع منه ذلك أجدع، والأنثى جدعاء. =
• وخرَّج مسلم منه ذكر السمع والطاعة
(1)
.
• وخرَّج الإمام أحمد والترمذي أيضًا
(2)
من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول:
"اتَّقُوا الله، وصلُّوا خَمْسَكُم، وصُومُوا شَهْرَكم، وأَدُّوا زكاةَ أموالكم، وأَطِيعوا ذا أَمْرِكم تَدْخُلوا جَنَّةَ ربِّكم".
وفي رواية أخرى أنه قال:
"أيها الناس! إنه لا نبيَّ بعدي، ولا أمَّة بَعْدَكُمْ"
(3)
.
وذكر الحديث بمعناه.
• وفي المسند عن أبي هريرة
(4)
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن لقى الله لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأدَّى زكاهَّ ماله طيبةً بها نفسُه، محتسبًا، وسمع وأطاع، فله الجنة،
= والمقصود التنبيه على نهاية خسته؛ فإنّ العبد خسيس في العادة، ثم سواده نقص آخر، وجدعه نقص ثالث، ومن اجتمعت هذه الصفات فيه فهو في نهاية الخسة بحسب الظاهر والعادة أن يكون ممتهنا في أرذل الأعمال. والحديث أخرجه أحمد في المسند (4/ 70) بإسناده من حديث يحيى بن حصين عن أمه رضي الله عنها قالت: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: "يا أيها الناس اتقوا اللّه واسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل".
وأخرجه الترمذي في سننه كتاب الجهاد باب: ما جاء في طاعة الإمام (4/ 209) من حديث أم الحصين الأحمسية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع وعليه بُرْدٌ وقد التفع به من تحت إبطه قالت: فأنا أنظر إلى عضلة عضده ترتج، سمعته يقول:"يا أيها الناس اتقوا الله وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي مُجَدَّع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتابَ اللّه".
وقد عقب الترمذي عليه يقوله: "وفي الباب عن أبي هريرة وعرباض بن سارية، وهذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أم حصين.
وهو عند أحمد كذلك في المسند 6/ 402 - 403 من طرق.
(1)
أخرجه مسلم من حديث يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين مرفوعا وفيه إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب اللّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا.
ففيه أيضًا ذكر كتاب اللّه تعالى لا كما توهم إشارة ابن رجب.
راجع كتاب الحج: باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا 2/ 944.
(2)
حديث أبي أمامة أخرجه أحمد في المسند (5/ 262) بسياقه كاملا من وجهين.
وأخرجه أيضًا في 5/ 251 بنحوه وهو عند الترمذي في الصلاة: باب فضل الصلاة 2/ 516 - 517 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(3)
رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسنادين رجال أحدهما ثقات، وفى بعضهم ضعف؛ مجمع 8/ 263.
(4)
حديث أبي هريرة أخرجه أحمدي في المسند 2/ 361 - 362 (الحلبي).
وإسناده ضعيف؛ ففيه بقية وهو مدلس؛ وقد عنعنه - كما ذكر الهيثمي في المجمع 1/ 103.
أو دَخل الجنّة".
* * *
[وإن تأمّر عليكم عبد]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإن تأَمَّرَ عليكم عبدٌ"، وفي رواية:"حبشي".
هذا ما تكاثرتْ به الرواياتُ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده وولايةَ العبيد عليهم.
• وفي صحيح البخاري عن أنس
(1)
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"اسمعُوا وأطيعُوا وإن استُعْمِلَ عليكم عبدٌ حَبشِيٌّ كأنّ رأْسَهُ زَبيبَةٌ".
• وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه
(2)
قال:
"إنَّ خليلي صلى الله عليه وسلم أَوصانِي أن أسمعَ وأُطيعَ ولو كان عبدًا حبَشِيًّا مُجَدَّع الأطراف".
* * *
[الأحاديث المعارضة]:
• والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
* * *
• ولا ينافي هذا قولُه صلى الله عليه وسلم: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى في الناس اثنان"
(3)
.
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ"
(4)
.
(1)
حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب إمامة العبد والمولى (2/ 148) من الفتح وباب إمامة المفتون والمبتدع (2/ 151) من الفتح وفي كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (13/ 104) من الفتح وقوله كأن رأسه زبيبة قيل شبهه بذلك لصغر رأسه وذلك معروف في الحبشة وقيل لسواده، وقيل لقصر شعر رأسه وتفلفله.
(2)
حديث أبي ذر أخرجه مسلم في كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية 3/ 1467، 1468 وفيه: "
…
وإن كان عبدًا مجدع الأطراف" وفي رواية: "عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف".
(3)
حديث لا يزال هذا الأمر:
أخرجه أحمد في المسند 7/ 29، 8/ 50، 238 ط. المعارف بإسناد صحيح والبخاري في كتاب الأحكام: باب الأمراء من قريش 13/ 100، ومسلم في كتاب الإمارة: باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش 3/ 1452.
كلهم من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما -.
(4)
الناس تبع لقريش أخرجه مسلم أول كتاب الإمارة من وجوه، من حديثي أبي هريرة، وجابر بن عبد الله =
• وقوله: "الأئِمَّةُ من قُرَيْش".
لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي؛ ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث عليّ رضي الله عنه
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"الأئمةُ من قريش أبرارها أمراءُ أبرارِها، وفُجّارُها أمراءُ فُجّارِها، ولكلٍّ حقٌّ؛ فآتوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه وإن أمَّرَت عليكم قريشٌ عبدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا؛ فاسمعوا له وأطيعوا".
وإسناده جيد، ولكنه رُوي عن عليّ موقوفًا.
• وقال الدأرقطي: هو أشبه
(2)
.
وقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذكره على وجه ضرب الثل وإن لم يصح وقوعه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "مَن بَنَى مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ"
(3)
.
* * *
[الاختلاف بعد الصدر الأول]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: وإنَّهُ مَن
(4)
يَعِشْ منكم بعدي فسَيَرَى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّينَ من بعدي؛ عَضُّوا عليها بالنواجذ".
= (3/ 1451).
ونص الرواية الأولى لأبي هريرة: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم"، ونص حديث جابر:"الناس تبع لقريش في الخير والشر".
وقد أخرجه أحمد في المسند من وجوه كما أبي بكر (1/ 5) وعن على 1/ 101، وعن أبي هريرة 2/ 261، 319، 395، 433، وعن جابر 3/ 331، 379، 383 وعن معاوية 4/ 101.
(1)
حديث علي رضي الله عنه أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 75 - 76 ونصه مرفوعًا الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمرت عليكم عبدًا حبشيا مجدعًا فاسمعوا وأطيعوا ما لم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه فإن خير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه فإنه لا دنيا له ولا آخرة بعد إسلامه" وقد سكت عنه هو والذهبي.
فالحديث حسن؛ كما يفهم ذلك من تعليق ابن رجب عليه.
(2)
العلل 3/ 198 - 199.
(3)
حديث من بنى مسجدًا أخرجه أحمد في المسند من حديث ابن عباس 4/ 22 طبع المعارف بإسناد ضعيف؛ لضعف أحد رواته وهو جابر الجعفي ورواه ابن ماجه في السنن كتاب المساجد: باب من بنى لله مسجدًا 1/ 244 من حديث جابر بن عبد الله بإسناد صحيح رجاله ثقات، ونص حديث جابر: من بنى مسجدًا لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة.
ومفحص القطاة هو موضعها الذي تجشم فيه وتبيض كأنها تفحص عنه التراب أي تكشفه والفحص البحث والكشف راجع النهاية لابن الأثير 3/ 415.
(4)
ل، ظ، د:"فمن".
هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات.
وهذا موافق لما رُوِي عنه من افتراق أمته على بِضْعٍ وسبعين فرقة، وأنها كلَّها في النار إلا فرقةً واحدةً، وهي من كان على ما كان هو عليه وأصحابه
(1)
.
(1)
راجع في هذا ما أخرجه أبو داود في سننه: 34 - أول كتاب السنة: 1 - باب شرح السنة 5/ 4 ح 4596 من طريق وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".
وأخرج عقبه ح 4597 من حديث أزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان: أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله".
ورواه أحمد في المسند 4/ 102 من حديث أزهر أيضًا، وزاد في آخره، قول معاوية:"والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به".
وأخرج الترمذي في سننه: 41 - كتاب الإيمان: 18 - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة 5/ 25 - 26 حديث أبي هريرة ح 2640 بنحوه، وأخرج عقبه من طريق سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل: حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة: كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله!؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي، وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه.
وقد سقط من طبعة الحلبي قوله: "حسن".
وقد قال المباركفوري 3/ 368، تعليقًا على هذا: في سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف فتحسين الترمذي له؛ لاعتضاده بأحاديث الباب ثم شرح قول الترمذي (مفسر) بقوله: اسم مفعول من التفسير أي مبين، بين فيه ما لم يبين في حديث أبي هريرة المتقدم.
وأخرج الحاكم في المستدرك 1/ 128 - 129 هذا الحديث من رواية أبي هريرة من طريقين، ورواية معاوية بنحو ما جاء عند أحمد وأبي داود، وقال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث ثم ضعف رواية عمرو بن العاص بعبد الرحمن بن زياد الأفريقي.
وما ذكره المباركفوري في هذا الشأن يلتقي مع الحاكم في تضعيف الحديث إلا أنه أبان أنه حسن لغيره، وأن الترمذي حسنه لاعتضاده.
فلا يسلم للحاكم قوله عن إسناد حديث عبد الله بن عمرو: أنه إسناد لا تقوم به حجة. ورواه ابن ماجه في السنن: 36 - كتاب الفتن: 17 - باب افتراق الأمم 2/ 1321 - 1322 من أحاديث أبي هريرة "وعوف بن مالك، وأنس بن مالك.
وقد ضعف البوصيري في الزوائد 2/ 296 إسناد حديث عوف بن مالك ثم قال: وله شاهد من حديث أبي =
• وكذلك في هذا الحديث أَمَرَ عند الافتراق والاختلاف بالتمسّك بسُنَّته وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعده.
[السُّنَّة]:
• والسُّنَّة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كلَّه.
• وروي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفُضَيل بن عياض.
وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السُّنَّة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم.
* * *
[لا طاعة في المعصية]:
وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمْرِ بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إنما الطاعة في المعروف"
(1)
.
* * *
= هريرة رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع وقال: حسن صحيح.
ثم قال عن حديث أنس: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ولفظه:"إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
وانظر باقي تخريج الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 203، 204 وقد رد الشيخ الألباني ردًّا علميا دقيقًا على ابن حزم وابن الوزير والكوثري وسائر من رد الحديث!.
(1)
قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الطاعة في المعروف" جزء حديث أخرجه مسلم من حديث علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا، ثم قال ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض. فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا ذكررا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف راجع صحيح مسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية 3/ 1469 وهو عند البخاري في الأحكام: باب السمع والطاعة الإمام ما لم تكن معصية.
• وفي المسند عن أنس: أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن كانت علينا أمراءُ لا يَسْتَنُّون بسنَّتك، ولا يأخذونَ بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل"
(1)
.
وخرَّج ابن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه
(2)
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سَيَلي أمورَكم بعدي رِجَالٌ يُطْفئُونَ السُّنَّة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها" فقلت: يا رسول الله! إن أدركتُهم كيف أفعل؟ قال: "تسألنى يا ابن أم عبد! كيف تفعل؟
(3)
لا طاعة لمن عصى الله".
[أمره صلى الله عليه وسلم باتباع الخلفاء وعلام يدل؟]:
وفي أمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عمومًا دليل على أن سُنَّة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعةٌ كاتباع سنَّته، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.
• وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قَدْرُ بقائي فيكم، فاقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي" وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وتمسكوا بعهد عمّار، وما حدّثكم [به] ابنُ مسعود فَصَدِّقُوهُ"
(4)
.
وفي رواية: "فتمسَّكوا بعهد ابن أم عَبْد، واهتدوا بِهَدْيِ عمّار"
(5)
.
فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على من يُقتدى به من بعده.
* * *
(1)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 213. من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير، عن عمرو بن زينب العنبري، عن أنس بنصه. 13/ 122 ح 7145.
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 225 وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه عمر: بن زينب لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(2)
أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب الجهاد: باب لا طاعة في معصية الله 2/ 956 بإسناد صحيح وانظر صحيح ابن ماجه 1/ 142.
(3)
هذه الجملة ليست في م، ل، ظ، د وهي عند ابن ماجه.
(4)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 382، 385، 399، 402 كاملًا ومختصرًا ورواه الترمذي في جامعه: كتاب المناقب باب مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما 5/ 609 - 610 من وجهين نص في الأول أنه حديث حسن وسكت في الثاني.
(5)
في مسند أحمد 5/ 399: "واهدوا هدي عمار، وعهد ابن أم عبد رضي الله عنهما".
[الخلافة الراشدة]:
والخلفاء الراشدون الذين أمِرْنا بالاقتداء بهم هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ رضي الله عنهم؛ فإن في حديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"الخلافَةُ بَعْدِى ثلاثون سنة، ثم تكون مُلْكًا"
(1)
.
• وقد صححه الإمام أحمد، واحتج به على خلافه الأئمة الأربعة.
ونَصَّ كثيرٌ من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا.
ويدلّ عليه ما خرّجه الإمام أحمد من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله [إذا شاء أن يرفعها]، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النُّبُوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها [إذا شاء الله أن يرفعها]، ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفَعَهَا، ثم تكون مُلْكًا جَبْريةً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم دفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوّة" ثم سكت.
فلما ولي عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل فحدثه بهذا الحديث فسُرَّ به وأعجبه
(2)
.
وكان محمد بن سيرين يُسأل أحيانًا عن شئ من الأشربة فيقول: نهى عنه إمامُ هُدًى: عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه.
* * *
(1)
أخرجه أحمد في المسند من وجوه 5/ 220، 221 والترمذي في السنن: كتاب الفتن: باب ما جاء في الخلافة 4/ 503 من حديث سفينة بإسناد حسن.
(2)
أخرجه أحمد في المسند من حديث حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير (4/ 273) قال: كنا قعودًا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد! أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذ شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزير، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعني عمر - بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه.
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 188 - 189 بنحوه وقال: رواه أحمد في ترجمة النعمان والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط. ورجاله ثقات.
[إجماع الخلفاء الأربعة]:
وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة: هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو حازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يَعْتَدَّ بمن خالف الخلفاء، ونَفذَ حُكْمُهُ في الآفاق.
[وماذا لو انفرد أحدهم برأي؟]:
ولو قال بعضُ الخلفاء الأربعة قولًا ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره من الصحابة، فهل يقدَّم قولُه على قول غيره؟ فيه قولان أيضًا للعلماء.
[المنصوص عن أحمد وكثير من السلف]:
والمنصوص عن أحمد: أنه يقدَّم قولُه على قول غيره من الصحابة، وكذا ذكره الخطابي وغيرُه، وكلام أكثر السلف يدلّ على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال:
"إنّ الله جعلَ الحقَّ على لسان عمرَ وقلبِه"
(1)
.
[عمر بن عبد العزيز وحديثه عن عمر بن الخطاب]:
وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه، ويستدلّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبِه".
وقال مالك: "قال عمر بنُ عبد العزيز: سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاةُ الأمر من بعده سُنَنًا: الأخذُ بها اعتصامٌ بكتاب الله، وقوةٌ على دين الله. ليس لأحد تبديلُها ولا تغييرُها، ولا النظرُ في أَمرٍ خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصَرَ بها فهو مَنْصُورٌ، ومن تركها واتَّبَعَ غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولّى وأصلاه جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مَصيرًا"
(2)
.
(1)
راجع في ذلك ما رواه أبو داود في كتاب الإمارة: باب تدوين العطاء 3/ 191 - 192 من حديثي عمر بن عبد العزيز وأبي ذر.
وما رواه الترمذي في المناقب: باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه 5/ 617 من حديث ابن عمر بإسناد حسن غريب وذكر الترمذي أن في الباب عن الفضل بن العباس، وأبي ذر، وأبي هريرة.
وابن ماجه في المقدمة، 1/ 40 من حديث أبي ذر بإسناد صحيح وانظر صحيح ابن ماجه 1/ 24 وأحمد في المسند 2/ 53، 95 من حديث ابن عمر و 2/ 401 من حديث أبي هريرة و 5/ 165، 177 من حديث أبي ذر.
(2)
أورده السيوطي في الدر المنثور 2/ 222 عن ابن أبي حاتم وحده.
وحكى عبد الله بن عبد الحكَم عن مالك أنه قال: "أعجبني عزمُ عمر على ذلك" يعني هذا الكلام.
وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يحكه عن عمر.
وقال خلف بن خليفة: شهدتُ عمرَ بنَ عبد العزيز يخطبُ الناسَ وهو خليفة فقال في خطبته: "ألا إن ما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو وظيفةُ دِينٍ نأخذ به، وننتهي إليه"
(1)
.
وروى أبو نُعيم من حديث عَرْزَب الكِنْدِي
(2)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه سَيَحْدُثُ بعدي أشياءُ فاجتهدوا أن تلزموا ما أحْدَثَ عمر".
وكان عليّ رضي الله عنه يتَّبع أحكامه وقضاياه ويقول: "إنّ عمرَ كان رشيدَ الأمر"
(3)
.
وروى الأشعث عن الشعبي قال: "إذا اختلف الناسُ في شيء فانظر كيفى قضى فيه عمر؛ فإنه لم يكن يَقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور"
(4)
.
وقال مجاهد: "إذا اختلَفَ الناسُ في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به".
[ما اجتمعت عليه الأمة]:
وقال أيوب عن الشعبي: "انظروا ما اجتمعت عليه أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم. فإن الله لم يكن ليجمَعَها على ضلالة؛ فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب، فخذوا به".
وسئل عكرمة عن أم الولد فقال: تُعْتَقُ بموتِ سيدها، فقيل له: بأي شيء تقول؟ قال: بالقرآن، قيل: بأيّ القرآن؟ قال:
{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}
(5)
.
وعمر رضي الله عنه من أولي الأمر.
وقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعليّ على شيء فهو الأمر.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يحلفُ أن الصراطَ المستقيمَ هو الذي
(1)
الحلية 5/ 298 وفيها بعد هذا: وما سنّ سواهما فإنا نرجئه.
(2)
ب: "فأحبها إليَّ أن تلزموا .... " وترجمته وحديثه في الإصابة 4/ 483 بإسناد ضعيف جدًّا.
(3)
أورد ابن الجوزي في مناقب عمر ص 240 هذا الخبر وسبب وروده؛ وذلك من حديث أبي إسحاق السبيعي قال: "جاء أهل نَجْرَان إلى علي فقالوا: يا أمير المؤمنين! شفاعتك بلسانك وكتابك بيدك، أخرجنا عمر من أرضنا فَرُدَّنا إليها؟ فقال: ويلكم! إن كان عمر رشيد الأمر؛ فلا أغير شيئًا صنعه؟!.
(4)
الحلية 4/ 320 وانظر فيها تعقيب ابن سيرين.
(5)
سورة النساء: 59.
ثبت عليه عمر رضي الله عنه حتى دخل الجنة.
* * *
[ما جمع عمر عليه الصحابة]:
وبكل حال فما جمع عُمَرُ عليه الصحابةَ فاجتمعوا عليه في عصره؛ فلا شك أنه الحق، ولو خالفه فيه بعد ذلك من خالفه، كقضائه في مسائلَ من الفرائضِ كالعَوْل، وفي زوجٍ وأبوين، وزوجةٍ وأبوين: أن للأم ثُلُثَ الباقي.
وكقضائِه فيمن جامع في إحرامه: أنه يَمضي في نُسُكه، وعليه القضاء والهدي.
ومثل ما قضى به في امرأة المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضًا.
ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم مُتْعة النساء.
ومثل ما فعله من وضع الديوان، ووضع الخراج على أرض العَنْوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك.
ويشهد لصحة ما جمع عليه عمرُ أصحابَه، فاجتمعوا عليه رضي الله عنهم، ولم يُخالَفْ في وقته: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيتُني في المنام أنزِعُ على قليبٍ
(1)
، فجاء أبو بكر فنَزَعَ ذَنُوبًا أر ذَنُوبَيْن
(2)
، وفي نزعه ضعف
(3)
، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب
(1)
في إحدى روايات الحديث عند البخاري: "بينا أنا على بئر أنزع منها" وعنده كذلك بينا أنا قائم رأيت أني على حوض أسقي الناس، والجمع بين هذه الروايات: أن القليب هو البئر القلوب ترابها قبل الطي، والحوض هو الذي يجعل بجانب البئر لشرب الإبل.
وفي النهاية: القليب هو البئر التي لم تطو.
ومعنى قوله: أنزع: أستخرج منها الماء بآلة كالدلو، أو كما قال ابن الأثير:"رأيتني أنزع على قليب" أي أستقي منه الماء باليد، نزعت الدلو أنزعها نزعا، إذا أخرجتها، وأصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع الميت روحه، ونزع القوس إذا جذبها.
(2)
الذنوب: الدلو الكبيرة، قال ابن حجر: واتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى مدة خلافة أبي بكر، وفي هذا نظر. لأنه ولي سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد لقال ذنوبين أو ثلاثة، والذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار، وهي ثلاثة، ولذلك لم يتعرض في ذكر عمر إلى عدد ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف نزعه بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات.
ثم أورد تفسير الشافعي لقوله "وفي نزعه ضعف" وكيف أن ذلك إشارة إلى قصر مدته، وعجلة موته، وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والازدياد والذي بلغه عمر في طول مدته.
(3)
قال ابن حجر: يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه، لأن سببه قصر مدته، فمعنى المغفرة له: رفع الملامة عنه.
فاستحالت غَرْبًا
(1)
، فلم أرَ أحدًا يفْرِي فَرْيهُ
(2)
، حتى رَوِيَ الناس، وضربوا بعَطَنٍ
(3)
".
وفي رواية: "فلم أرَ عبقريًّا من الناس ينزِعُ نزع ابن الخطاب"
(4)
.
(1)
غربا: أي دلوا عظيمة قال في النهاية (3/ 349): الغرب بسكون الراء: الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد ثور، فإذا فتحت الراء فهو الماء السائل في البئر والحوض.
وهذا تمثيل، ومعناه أن عمر لما أخذ الدلو ليستقي عظمت في يده؛ لأن الفتوح كانت في زمنه أكثر منها في زمن أبي بكر، ومعنى استحالت: انقلبت عن الصغر إلى الكبر.
وأصله من الغرب وهو البعد، ومنه تغريب الزاني: أي إبعاده.
(2)
ومعنى يفري فريه: يفعل فعله "وفريه" فيه وجهان: أحدهما إسكان الراء وتخفيف الياء، والثاني: كسر الراء وتشديد الياء وهما لغتان صحيحتان.
انظر النووي على مسلم 15/ 162.
(3)
العطن للإبل كالوطن للناس لكن غلب على مبركها حول الحوض، وعند ابن أبي شيبة:"حتى روي الناس وضربوا بعطن" وفي رواية أبي يونس: "ملآن يتفجر" راجع فتح الباري في الموضع السابق.
وفي النهاية 3/ 258: العطن: مبرك الإبل حول الماء، يقال عطنت الإبل فهي عاطنة وعواطن، إذا سقيت وبركت عند الحياض، لتعاد إلى الشرب مرة أخرى، وأعطنت الإبل إذا فعلت بها ذلك. ضرب ذلك مثلا لاتساع الناس في زمن عمر، وما فتح الله عليهم من الأمصار.
وفي النهاية أيضًا 3/ 80: "ضرب الناس بعطن" أي رويت إبلهم حتى بركت وأقامت مكانها.
وقال النووي: "ضرب الناس بعطن"، أي رويت إبلهم ثم آووها إلى عطنها، وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح.
وكان ذلك إشارة إلى استقرار الأمر في عهد عمر، واتساع رقعة الإسلام واستتباب الأمن.
قال النووي، قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما، وحسن سيرتهما، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما. وكل ذلك مأخوذ من النبي صلى الله عليه وسلم ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام، وقدر قواعد الإسلام، ومهد أموره، وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأنزل الله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ثم توفي صلى الله عليه وسلم فخلفه أبو بكر رضي الله عنه سنتين وأشهرا وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم "ذنوبا أو ذنوبين" وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما صرح به في الرواية الأخرى وحصل في خلافته قتال أهل الردة، وقطع دابرهم، واتساع الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر رضي الله عنه، فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه، ما لم يقع مثله، فعبر بالقليب عن أمر المسلمين لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وشبه أميرهم بالمستقي لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر رضي الله عنه وفي نزعه ضعف فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده والأموال وغيرها من الغنائم والفتوحات، ولكونه قد مَصَّر الأمصار، ودوَّن الدواوين.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "والله يغفر له" فليس فيه تنفيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة.
وفي الحديث إعلام بخلافتهما، وصحة ولايتهما، وكثرة الانتفاع بهما، راجع النووي على مسلم 15/ 161، وفتح الباري 12/ 347 - 348.
(4)
قال أبو عمرو الشيباني: عبقري القوم سيدهم وقويهم وكبيرهم، وقال الفارابي: العبقري من الرجال الذي =
وفي رواية أخرى: "حتى تَوَلّى والحوض يتفجّر"
(1)
.
وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى وضع الأمور [في] مواضعها، واستقامت الأمور، وذلك لطول مدته، وتفرغِه للحوادث، واهتمامِه بها، بخلاف مدة أبي بكر، فإنها كانت قصيرة، وكان مشغولًا فيها بالفتوح، وبَعْثِ البعوث للقتال، فلم يتفرغْ لكثيرٍ من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه ولا يُرفع إليه؛ حتى رُفعت تلك الحوادث إلى عمرَ، فردّ الناسَ فيها إلى الحق، وحملَهم على الصواب، رضي الله عنه، وعن أبي بكر، وعن الصحابة أجمعين.
* * *
[ما لم يجمع عمر الناس عليه]:
وأما ما لم يَجْمَع عمر الناسَ عليه بل كان له فيه رأي وهو يسوغ لغيره أن يرى رأيًا يخالف رأيه كمسائل الجد مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة فلا يكون قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة. والله أعلم.
* * *
[لِمَ وصف الخلفاء بالراشدين؟]:
وإنما وصف الخلفاء بالراشدين لأنهم عرفوا الحقَّ وقَضَوْا به.
= ليس فوقه شيء، وذكر الأزهري أن عبقر موضع بالبادية وقيل بلد كان ينسج فيه البسط فاستعمل في كل شيء جيد، وفي كل شيء فائق ونقل أبو عبيد أنها من أرض الجن وصار مثلا لكل ما يناسب إلى شيء نفيس وقال الفراء: العبقري: السيد، وكل فاخر من حيوان وجوهر وبساط وأطلقوه على كل شيء عظيم في نفسه.
وفي رواية أبي يونس: "فلم أر نزع رجل قط أقوى منه".
راجع فتح الباري 12/ 347.
(1)
هي رواية همام التي سبق الإشارة إليها.
والحديث برواياته أخرجه البخاري في كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام 6/ 493 من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وفي كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم 7/ 30 - 31 من حديث ابن عمر وباب مناقب عمر بن الخطاب 7/ 34 - 36 من حديث ابن عمر، وفي كتاب التعبير: باب نزع الماء من البئر 12/ 346 - 347 من حديث ابن عمر وباب نزع الذنوب والذنوبين من البئر بضعف 12/ 348، 349 من وجهين عن ابن عمر وأبي هريرة وباب الاستراحة في المنام 12/ 349. من حديث أبي هريرة. وفي كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
…
} 13/ 385 من حديث أبي هريرة وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل عمر رضي الله تعالى عنه 4/ 1860 - 1862 من وجوه عن أبي هريرة وابن عمر. رضي الله عنهم وأحمد في المسند 2/ 27 - 28، 39، 89، 107، من حديث ابن عمر 2/ 450 من حديث أبي هريرة.
فالراشد ضدُّ الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه.
[والمهديين]:
وفي رواية: "المهديين" يعني أن اللّه يهديهم للحق ولا يضلّهم عنه.
فالأقسام ثلاثة: راشدٌ وغاوٍ وضالّ، فالراشد عرف الحق واتبعه، والغاوي عرفه ولم يتبعه، والضالّ لم يعرفه بالكلية.
فكل راشد فهو مهتدٍ، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق، والعمل به أيضًا.
* * *
[عضوا عليها بالنواجذ]:
وقوله: "عضُّوا عليها بالنواجذ" كنايةٌ عن شدة التمسُّك بها، والنواجذ: الأضراس.
* * *
[وإياكم ومحدثات الأمور]:
وقوله: "وإيَّاكم ومُحْدثات الأُمور؛ فإنّ كل بِدْعَة ضَلالَة" تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعَة، وأكّد ذلك بقوله:"كلّ بِدْعَةٍ ضَلالة".
[البدعة]:
والمراد بالبِدْعَة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه.
[ما كان له أصل]:
فأما ما كان له أصلٌ من الشرع يدلّ عليه فليس بدعة شرعًا وإن كان بدعة لغةً.
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: "إنّ خيرَ الحديث كتابُ اللّه، وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمد، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلَّ بِدْعَةٍ ضَلالة"
(1)
.
(1)
رواه مسلم في كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/ 592 من حديث جابر بن عبد اللّه قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول:"بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم=
وخرّج الترمذي، وابن ماجه، من حديث كثير بن عبد اللّه المزني - وفيه ضعف - عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"مَن ابتدع بِدْعَةً ضَلالة لا يرضاها اللّه [ولا] رسولُه كان عليه مثلُ آثام مَنْ عمل بها لا يَنقُصُ ذلك من أَوْزارهم شيئًا"
(1)
.
وخرّج الإمام أحمد من رواية غُضَيْف بن الحارث الثُّمالى قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان فقال: [يا أبا أسماء]
(2)
إنا قد جمعنا
(3)
الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد
(4)
الصبح والعصر؟ فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولستُ بمجيبكم إلى شيء منهما، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحدث
= يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ.
والضياع: العيال. قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا والمراد من ترك أطفالًا وعيالا ذوي ضياع.
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع 5/ 45 من حديث كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحرث:"اعلم" قال: ما أعلم يا رسول اللّه؟ قال: "أعلم يا بلال! قال: ما أعلم يا رسول اللّه؟ قال: أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي اللّه ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وأخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن 1/ 76 من وجهين عن كثير بن عبد اللّه المزني.
وقول الترمذي: هذا حديث حسن، أي حسن لغيره أي أنه ضعيف أضعف كثير بن عبد اللّه لكن الحكم عليه بالحسن لما أنه ورد من طرق أخرى ضعفها محتمل فارتقى بذلك إلى الحسن لغيره.
ومع هذا فنحن لا نسلم تحسين الترمذي لهذا الحديث، كيف وقد اتهم كثير بالكذب والوضع؟ وقد نص الترمذي نفسه على أن الحسن هو كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب إلخ
…
قال ابن حبان: روى من أبيه، عن جدد، نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب.
وقال الحاكم: حدث عن أبيه، عن جده نسخة فيها مناكير.
وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. راجع العلل للترمذي آخر السنن 5/ 758 وضعيف سنن الترمذي ص 317 وضعيف سنن ابن ماجه ص 15 وهو فيه ضعيف جدًّا، وتهذيب التهذيب 8/ 421 - 423. على أن للحديث شاهدا من الصحيح هو ما سبق في مسلم، وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة 1/ 74 والعرباض بن سارية 1/ 16 وعند الترمذي من حديث العرباض 5/ 44، 45.
بيد أن هذا الشاهد لا يرتقي به الحديث الضعيف على ما هو مقرر في مصطلح الحديث.
راجع محاسن الاصطلاح للبلقيني، ومقدمة ابن الصلاح ص 107.
(2)
ليس في م ولا ل، د، ظ. وفي مجمع الزوائد: يا أبا سليمان، وهو تحريف فكنيته أبو أسماء كما في التهذيب 8/ 242 - 250.
(3)
في المسند "أجمعنا".
(4)
في م: "بعد صلاة الصبح والعصر".
قومٌ بدعةً إلا رُفع مثلها من السُّنَّة فتمسُّكٌ بسُنَّة خير من إحداثِ بِدْعَة"
(1)
.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه من قوله نحوُ هذا.
* * *
[كل بدعة ضلالة]:
فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل بِدْعَةٍ ضَلالة" من جوامع الكلم لا يخرُج عنه شيءٌ، وهو أصلٌ عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم:"مَن أحْدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدُّ"
(2)
.
فكل مَن أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصلٌ من الدين يُرْجَعُ إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
* * *
[أساس استحسان بعض البدع]:
وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية.
فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه، لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال:"نعمت البدعة هذه"
(3)
.
وروي عنه أنه قال: "إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة".
(1)
الحديث عند أحمد في المسند 4/ 105 (الحلبي) من طريق سريج بن النعمان، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد اللّه، عن حبيب بن عبيد الرحبي، عن غضيف بن الحارث الثمالى بمثله إلا أن فيه. وليست مجيبك إلى شيء منهما ....
وقد أورده الهيثمي في المجمع 1/ 188 عن أحمد والبزار، وقال: فيه أبو بكر بن عبد اللّه بن أبي مريم، وهو منكر الحديث ومن طريق أبي بكر هذا أخرجه المروزي في السنة ح 97.
(2)
هو الحديث الخامس في الكتاب.
(3)
أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الصلاة: باب ما جاء في قيام رمضان 1/ 114 - 115 والبخاري أول كتاب صلاة التراويح (4/ 202 - 204) من الفتح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". قال ابن شهاب: فتوفي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنهما.
وعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبيد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن =
وروي أن أبيّ بن كعب قال له: "إن هذا لم يكن" فقال عمر: "قد علمت ولكنه حسن".
[من أصول الاستحسان]:
ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل من الشريعة يرجع إليها
(1)
.
فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحثُّ على قيام رمضان ويرغّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في السجد جماعاتٍ متفرقة وَوُحدانًا، وهو صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه في رمضان
= الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.
قال ابن حجر: قال ابن التين وغيره: استنبط عمر ذلك من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم من صلى معه في تلك اليالي، وإن كان كره لهم ذلك، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم، وكأن هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث عائشة عقب حديث عمر فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لا في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين.
وإلى قول عمر جنح الجمهور.
(1)
قال ابن حجر في الفتح 4/ 204: والبدعة أَصْلُها ما أَحدث عن غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأقسام الخمسة.
هذا ولم يقع في هذه الرواية - كما ذكر ابن حجر - عدد الركعات التي كان يصلي بها أبي بن كعب، وقد اختلف في ذلك ففي الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة ركعة ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر، وزاد فيه: وكانوا يقرءون بالمائتين على العصى من طول القيام، ورواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يوسف فقال: ثلاث عشرة.
ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى وعشرين.
وروى مالك من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عشرين ركعة وهذا محمول على غير الوتر.
وعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين.
وروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر.
والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال.
ويحتمل أن يكون ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث تطول القراءة تقل الركعات وبالعكس.
والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارة يوتر بواحدة، وتارة بثلاث. إلخ.
وحديث السائب بن يزيد، ويزيد بن رومان في الموطأ في الموضع السابق.
غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معلًا بأنه خشى أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمِنَ بعده صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر
(2)
.
ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين. فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم.
[أذان الجمعة الأول]:
ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره عليٌّ واستمر عمل المسلمين عليه.
وروي عن ابن عمر أنه قال: "هو بدعة" ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان.
[جمع المصحف في كتاب]:
ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد.
توقّف فيه زيدُ بنُ ثابت، وقال لأبي بكر وعمرَ رضي الله عنهما:"كيف تفعلان ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ " ثم علم أنه مصلحة فوافق على جمعه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الوحي.
ولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح.
[جمع الأمة على مصحف واحد]:
وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لما خالفه؛ خشية تفرّق الأمة، وقد استحسنه عليٌّ وأكثر الصحابة رضي الله عنهم، وكان ذلك عينَ المصلحة.
(1)
راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان: 4/ 205 من الفتح.
ومسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين: باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح 1/ 524.
وأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب قيام شهر رمضان 2/ 67.
كلهم من حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها.
(2)
راجع في هذا ما أخرجه الترمذي بإسناد حسن صحيح في كتاب الصوم: باب ما جاء في قيام شهر رمضان 3/ 169 وأبو راود في السنن: الصلاة: قيام رمضان 4/ 437 ح 1375. والنسائي في كتاب قيام الليل: باب قيام شهر رمضان 3/ 202 - 203.
وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في قيام شهر رمضان 4/ 420 - 421 كلهم من حديث جبير بن نفير الحضرمي، عن أبي ذر.
[قتال من منع الزكاة]:
وكذلك قتال مَن منع الزكاة، توقّف فيه عمر وغيره، حتى بينّ له أبو بكر أصله الذي يرجع إليه من الشريعة. فوافقه الناس على ذلك.
[والقصص]:
ومن ذلك القَصَص وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث إنه بدعة
(1)
.
وقال الحسن: القصص بدعة، ونعمت البدعة!؟ كم من دعوةٍ مستجابةٍ، وحاجة مقضية، وأخٍ مستفاد!؟ وإنما عنى هؤلاء بأنه بدعة: الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه فيه غيرَ خُطبه الراتبة في الجُمَع والأعياد، وإنما كان يذكِّرهم أحيانًا، أو عند حدوث أمرٍ يحتاج إلى التذكير عنده.
ثم إن الصحابة رضي الله عنهم أجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق عن ابن مسعود أنه كان يذكِّر أصحابه كل يوم خميس
(2)
.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "حدّث الناسَ كلَّ جُمُعَةٍ مرَّةً، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكترت فثلاث [مرات]، ولا تُمِلَّ الناس"
(3)
.
وفي المسند عن عائشة رضي الله عنها أنها وصّت قاصَّ أهلِ المدينة بمثل ذلك
(4)
.
وروي عنها أنها قالت لعُبَيد بن عمير: حدِّث الناس يومًا، ودَع الناسَ يومًا لا تُملَّهُمْ.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصَّ أن يقصَّ كل ثلاثة أيامٍ مرة.
وروي عنه أنه قال له: "روّح الناس، ولا تُثْقِل عليهما، ودَع القَصص يوم السبت، ويوم الثُّلاثاء".
* * *
[الشافعي وتقسيم البدعة]:
وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد، قال: سمعت الشافعيَّ
(1)
ص 782.
(2)
راجع ما أخرجه البخاري في كتاب العلم: باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كيلا ينفروا 1/ 501، وراجع ما مضى ص 760.
(3)
جزء حديث رواه البخاري في صحيحه 6337 ما بين القوسين منه.
(4)
في المسند 6/ 217 من وصيتها لابن أبي السائب.
يقول: "البدعة بدعتان: بدعةٌ محمودة، وبدعة مذمومة؛ فما وافق السنَّةَ فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذهوم".
واحتج بقول عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هي".
ومرادُ الشافعي رضي الله عنه ما ذكرناه من قبل، أن البدعة الذمومة ما ليس دها أصل من الشريعة ترجع إليه؛ وهي البدعة في أطلاق الشرع.
وأما البدعة المحمودة فما وافق السُّنَّة، يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغَةً لا شرعًا لموافقتها السنة.
وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنَّه قال: "المحدَثاتُ ضربان: ما أُحْدِثَ مما يخالف كتابًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، وما أُحْدِث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدَثة غيرُ مذمومة".
[الاختلاف في الكثير من المحدثات]:
وكثير من الأمور التي أحدثت ولم تكن قد اختلف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة ترجع
(1)
إلى السنة أم لا؟
فمنها كتابة الحديث: نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة، ورخَّص فيه الأكثرون؛ واستدلوا له بأحاديث من السنة.
ومنها كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء، ورخّص فيه كثير منهما وكذلك اختلافهما في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه.
وفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب، التي لم تنقل من الصحابة والتابعين.
وكان الإمام أحمدُ يكره أكثر ذلك.
* * *
[وجوب ضبط ما نقل عن السلف، وتحقيق التراث]:
وفي هذه الأزمان التي بعُدَ العَهدُ فيها بعلوم السلف يتعيّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كلِّه؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث من ذلك بعدهم؛
(1)
م: "حتى ترجع".
فيعلم بذلك السنة من البدعة.
وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحْدِثون ويُحْدَثُ لكم فإذا رأيتم مُحْدَثَةً فعليكم بالهدْي
(1)
الأول".
وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
[لم يكن شيء من الأهواء في الصدر الأول]:
وروى ابن مهدي
(2)
عن مالك قال: "لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان".
وكأن مالكًا يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات، من أمر الخوارج، والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تكلّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم، وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواصّ هذه الأمة أو عكس ذلك من زَعم أن المعاصيَ لا تَضُرُّ أهلها، أو أنه لا يدخل النارَ من أهل التوحيد أحدٌ.
* * *
وأصعبُ من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال اللّه تعالى، من قضائه وقَدَره، وكذّب بذلك من كذّب، وزعم أنه نزّه اللّه بذلك عن الظلم.
وأصعبُ من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات اللّه وصفاته مما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
* * *
[العلماء بإزاء ما استحدث]:
فقومٌ نَفَوْا كثيرًا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا للّه عما تقضي العقول بتنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيلٌ على اللّه عز وجل.
وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيا وإثباتًا دَرَجَ صَدْرُ الأمة عَلَى السُّكوتِ عنها.
* * *
(1)
م: "بالعهد" وما أثبتناه عن الأصول هو الموافق لما في السنة للمروزي وقد رواه فيها بإسناد صحيح ح 80 ص 29.
(2)
م: "حميد".
[الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي]:
ومما أحدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين: الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي وردُّ كثير مما وردت به السنة في ذلك، لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية.
* * *
[والكلام في الحقيقة بالذوق والكشف]:
ومما حدث بعد ذلك: الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف، وزَعْمُ أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال أو أنها
(1)
حجاب، أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوامّ.
* * *
[وفي الذات والصفات]:
وربما انضم إلى ذلك الكلامُ في الذات والصفات بما يُعْلَم قطعًا مخالفته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
واللّه يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
* * *
(1)
د: "وأنها".
الحديث التاسع والعشرون
عَنْ مُعاذِ بْن جَبَلٍ رضي الله عنه قالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي من
(1)
النَّارِ؟ قَالَ: "لَقَدْ سأَلتَني
(2)
عَنْ عَظيِمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ، عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ [تَعالَى] عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللّهَ، لا تُشرِكُ
(3)
بِهِ شَيئًا، وَتُقيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ. ثُمَّ قالَ [لَهُ]
(4)
: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطِفئُ الخَطِيئَةَ، كما يُطْفِئ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ}
(5)
. ثُمَّ قالَ: "أَلا أُخْبِرُكَ، بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ"
(6)
وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قالَ: "رَأَسُ الأَمْرِ: الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ: الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الجِهَادُ". ثمَّ قالَ: "أَلا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذلك كُلِّهِ"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نبيَّ
(7)
اللهِ! فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، تُمَّ
(8)
قَالَ: "كُفَّ عَلَيْكَ هذا" فقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ [يَا مُعَاذُ!] وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ [قال]
(9)
عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إلَا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهمْ؟! ". رَوَاهُ التِّرْمذِيّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(10)
.
* * *
[تخريج الحديث]:
• هذا الحديث خرجه الإمام أحمد
(11)
والترمذي والنسائي
(12)
وابن ماجه
(13)
من
(1)
في م: "عن".
(2)
في م: "سألت".
(3)
في م: "رسول".
(4)
ليست في الترمذي.
(5)
سورة السجدة: 16 - 17.
(6)
ليست في م.
(7)
في م: "رسول".
(8)
،
(9)
ليست في الترمذي.
(10)
رواه الترمذى في كتاب الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة 5/ 11 - 12 من حديث عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه، ونحن نسير فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل
…
الحديث.
(11)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 231، 237، 245، 824 بسياقاته مختصرا ومطولا.
(12)
في السنن الكبرى في التفسير على ما ذكر المزي في التحفة 8/ 399 لكن المستدرِك قال: ليس في الرواية ولم يذكره أبو القاسم.
(13)
أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن: باب كف اللسان في الفتنة 2/ 1314 - 1315.
رواية معمر، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
* * *
[ابن رجب ينقد الترمذي]:
• وفيما قاله رحمه الله نظر من وجهين:
• أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمة كأحمد وغيره يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا.
وقد قال أبو حاتم الرازي، في سماع أبي وائل من أبي الدرداء:"قد أدركه، وكان بالكوفة، وأبو الدرداء بالشام".
يعني أنه لم يصح له سماع منه.
وقد حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد.
• والثاني أنه قد رواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النّجُود، عن شَهْر بن حَوْشب عن معاذ.
• خرجه الإمام أحمد مختصرًا
(1)
.
• وقال الدارقطني: "وهو أشبه بالصواب" لأن الحديث معروف، من رواية شهر على اختلاف عليه فيه.
• قلت: رواية شهر عن معاذ مرسلة، يقينًا، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه.
• وقد خرجه الإمام أحمد من رواية شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ
(2)
.
• وخرجه الإمام أحمد أيضا من رواية عروه بن النزال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن
(3)
معاذ.
ولم يسمع عروة ولا ميمون عن معاذ.
(1)
في المسند 5/ 236، 248.
(2)
في المسند 3/ 245 بسياقه مطولا.
(3)
في المسند 5/ 237.
وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة
(1)
.
* * *
(1)
روى أحمد هذا الحديث في مسنده من وجوه عديدة، مختصرا ومطولا من حديث معاذ بن جبل.
[1]
فأخرجه بسياقه كاملًا في 5/ 231 (حلبي) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ رضي الله عنه قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قربيا منه، ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة
…
" الحديث.
[2]
وأخرجه في 5/ 234 مختصرًا من طريق أبي المغيرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الجهاد عمود الإسلام وذروة سنامه".
مقتصرا على ذاك.
[3]
وأخرجه في 5/ 235 من طريق الحكم بن نافع، عن ابن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن غنم، عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ذروة سنام الإسلام: الجهاد في سبيل الله".
[4]
وفي 5/ 236 من طريق وكيع بن الجراح، عن سفيان عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
ثكلتك أمك! وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟ ".
[5]
وفي 5/ 237 بسياقه كاملا وفيه تعيين السفرة، وأنها كانت غزوة تبوك، وذلك من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، قال: سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، فلما رأيته خليًّا قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الحنة؟ قال: بخ بخ!! لقد سألت عن عظيم
…
الحديث بسياقه كاملا نحو سياق ابن رجب.
زاد في آخره: قال شعبة: قال لي الحكم: وحدثني به ميمون بن أبي شبيب، وقال الحكم: سمعته منه منذ أربعين سنة.
[6]
وفي 5/ 242 مختصرًا: جزءًا آخر من طريق حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} قال: قيام العبد من الليل.
[7]
وفي 5/ 245 - 246 بسياقه وقصته أتم وأطول مما ساقه ابن رجب بنحوه وزيادات قبله وبعده من طريق أبي النضر، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
[8]
وفي 5/ 248 من طريق سريج عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأنبئك بأبواب من الخير، الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقيام العبد من الليل ثم قرأ:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} إلى آخر الآية.
وبنحو السياق الأول لأحمد أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي من طريق معمر، عن عاصم بن أبي النجود وهو عاصم بن بهدلة، من أبي وائل، عن معاذ.
وقد عقب الترمذي على الحديث أنه حسن صحيح.
وناقش ابن رجب الترمذي في هذا التعقيب ودار محور نقاشه حول ما يلي:
1 -
أن الحديث من معاذ عنده بيان من طريق أبي وائل، وأبو وائل لم يثبت له سماع من معاذ، فكيف يحكم الترمذي على حديث منقطع بالحسن أو بالصحة أو بهما معا؟ والصحيح والحسن كلاهما متصل الإسناد؟
وقد برهن بما برهن به على عدم ثبوت سماع أبي وائل من معاذ. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= 2 - أن الحديث معروف من رواية شهر عن معاذ وليس من رواية أبي وائل عنه فكيف - مع هذا - يعقب الترمذي على الحديث بهذا التعقيب؟
وإنما يسلم له هذا الذي عقب به لو كان الحديث معروفًا من رواية أبي وائل. كيف وهو معروف من رواية شهر لا من رواية أبي وائل؟!
3 -
على أن الرواية للحديث من طريق شهر بن حوشب مطعون فيها من جهتين:
الأولى: أن شهرًا مختلف في توثيقه وتضعيفه.
والثانية: أن شهرًا لم يسمع معاذا بيقين؛ فروايته عن معاذ مرسلة منقطعة، ولا أدل على هذا من رواية الحديث بطريق متصل يبين أن بين شهر ومعاذ راويا آخر هو عبد الرحمن بن غنم وقد سقناها عن أحمد كما أشار إليها ابن رجب.
ولئن كانت هذه الرواية متصلة إلا أن فيها ضعفًا أو راويا مختلفا في تضعيفه هو شهر.
فأيا ما كان الأمر فتعقيب الترمذي على الحديث غير مسلم.
كذلك قال من بيان قبل ابن رجب مثل المنذري في الترغيب والترهيب 3/ 528 - 295 فقد أورد الحديث عن أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ بنحو سياق ابن رجب للحديث، وذكر تعقيب الترمذي ثم قال:
وأبو وائل أدرك معاذا بالسن، وفى سماعه عندي نظر.
وكان أبو وائل بالكوفة، ومعاذ بالشام، والله أعلم.
ثم نقل قول الدارقطنى كما ذكره ابن رجب عن رواية شهر، قال: وشهر مع ما قيل فيه لم يسمع معاذا.
ثم قال: ورواه البيهقي وغيره عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، وميمون هذا كوفي ما أراه سمع من معاذ بل ولا أدركه؛ فإن أبا داود قال: لم يدردك ميمون بن أبى شبيب عائشة، وعائشة تأخرت بعد معاذ نحو ثلاثين سنة. وقال عمرو بن علي: كان يحدث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت.
ولم أخبر أن أحدا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ".
ومفاد هذا وذاك أنه لا يسلم قول الترمذي بتحسين الحديث أو تصحيحه أو بهما معا؛ حيث إن الحديث من رواية أبي وائل، وشهر، وميمون بن أبي شبيب مطعون فيه بالانقطاع والإرسال؛ كما أنه من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم مطعون فيه بضعف شهر أو الإختلاف في توثيقه وتضعيفه.
وقد قفى الشيخ ناصر الألباني في الإرواء 913 على أثر المنذري وابن رجب حيث أورد كلام ابن رجب هنا والذي يتفق تمامًا مع ما ذهب إليه المنذري. وقد أورد قول ابن ضويان في منار السبيل (1/ 106): "وحديث وذروة سنامه الجهاد". قال: صحيح وهو قطعة من حديث لمعاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر
…
الحديث بسياق الترمزى عن أبى وائل ثم ذكر مخرجه في الترمذى وابن ماجه ومسند أحمد وتعقيب الترمذى الآنف ثم قال: قلت: وإسناده حسن، لكن أعله الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين، وساق ما قال ابن رجب هنا، وفسّره وأبان عن موضع رواية شهر المرسلة والموصولة في مسند أحمد، كما ذكر رواية عروة بن النزال، وميمون بن أبي شبيب.
وأضاف تخريج الحاكم في موضعين لحديث ميمون: ورد تصحيحه للحديث وإقرار الذهبي له بأمرين، الأول عدم سماع ميمون من معاذ تأسيسا منه على ما قال ابن رجب.
والثانى أن الراوى عن ميمون هو حبيب بن أبى ثابت، وهو مدلس، وقد عنعنه ثم قال: لكن تابعه الحكم بن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عتيبة في الموضع الثاني عند الحاكم.
ثم ضعف ما رواه أحمد في مسنده (5/ 234) من طريق أبي المغيرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن عطية بن قيس عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الجهاد عمود الإسلام وذروة سنامه الجهاد" ضعفه بقوله:
وهذا إسناد متصل، ورجاله ثقات غير أبي بكر وهو ابن عبد الله بن أبي مريم الشامي، وهو ضعيف لاختلاطه، وقد أخطأ في متن الحديث حيث جعل "عمود الإسلام" وصفا للجهاد أيضًا بينما هو في الطرق المتقدمة وصف للصلاة فقط. ثم قال: ويتلخص مما تقدم أن جميع الطرق منقطعة في مكان واحد منها غير هذه الطريق، وأحد طريقي شهر بن حوشب؛ فهي تقوي هذه (يقصد الشيخ: طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ) وقد أضاف إلى ذلك قوله: وأما الطرق الأخرى فلا يكون القول فيها أنه يقوي بعضها بعضا لأن جميعها متحدة العلة، وهي سقوط تابعيها منها (أي حيث لم يثبت سماع كل من أبي وائل وميمون وعروة من مُعاذ).
ثم قال: وعليه فهي حينئذ في حكم الطريق الواحد، ويجوز أن يكون التابعي مجهولا والله أعلم.
وأختتم هذه الدراسة بقوله:
وخلاصة القول: أنه لا يمكن القول بصحة شيء من الحديث إلا هذا القدر الذي أورده المصنف (يقصد مصنف المنار) والقدر الذي أورده هو: "وذروة سنامه الجهاد".
وقد أسس القول بصحة هذا القدر على مجيئه من طريقين متصلين يقوي أحدهما الآخر.
* * *
وهو يقصد بالطريقين المتصلتين: طريق أبي المغيرة، عن أبي بكر، عن عطية بن قيس، عن معاذ وطريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ.
وحيث لم يرد الحديث بسياقه كاملا في الطريق الأول كما ورد بالموضع الثاني فإن الذي تكرر في الحديثين هو ما يفيد أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وهو الجزء الذي أورده مصنف المنار، فهو الذي يكتسب وحده الحسن أو الصحة!؟
وقد نسلم بهذا وذاك بيد أن الذي ينبغي أن نتوقف عنده هو كيف وعلى أي أساس حكم الترمذي على الحديث بما عقب به عليه؟
ولو أنه اكتفى بوصف الحديث بالحسن فحسب لهان الخطب، ولقلنا لعله يريد بالحسن ما كان الحديث حسنا لغيره فضعف هذه الرواية من جهة الإرسال بينما الرواة ثقات وضعف رواية شهر من جهة شهر بينما هي متصلة بعبد الرحمن بن غنم وحيث اختلفت جهة الضعف في الطريقين، ثم حيث كان الضعف بحيث يقبل الجبر فهذا أمر يرقى بهذا الضعيف في كلا الطريقين إلى الحسن لكن لغيره لا لذاته.
أقول: لو أن الترمذي اكتفى في وصف الحديث بالحسن لقلنا إنه من قبيل الحسن لغيره.
أما وقد أضاف وصف الصحة فهل ذلك خطأ من الناسخ أم أن هناك محملًا آخر؟
ولنتابع البحث:
وقد وقفت للحديث على رواية أخرى للطبراني ليس فيها راوٍ مِمَّنْ طعن معه في الحديث بالضعف أو الإرسال، وهي ما رواه الطبرني في الكبير 20/ 73 - 74 من رواية معاذ بن المثنى، عن سعيد بن سليمان الواسطي ومن رواية أبي يزيد القراطيسي، عن حجاج بن إبراهيم الأزرق كلاهما عن مبارك بن سعيد، عن سعيد بن مسروق، عن أيوب بن كريز، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن ركب مع النبي =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= صلى الله عليه وسلم إذ تقدمت راحلته ثم راحلتي لحقت راحلته حتى ظننت أن راحلته قد عرفت وطء راحلتي، حتى نطحت ركبتي ركبته قلت: يا رسول الله! إني أريد أَنْ أسألك مرارًا ويمنعني مكان هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} قال: "ما هو يا معاذ؟ " قلت: العمل الذي يدخل الجنة، ويجنبني من النار؟ قال: قد سألت عظيما وأنه ليسير شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ثم قال: ألا أخبرك برأس هذا الأمر وعموده وذروته؟ الجهاد" ثم قال: "الصيام جنة والصدقة تكفر الخطايا" ثم قال: "ألا أنبئك بما هو أملك بالناس عن ذلك؟ " فأخذ لسانه فوضعه بين إصبعين من أصابعه، فقلت: يا رسول الله؟! أكلُّ ما نتكلم به يكتب علينا؟ قال: "ثكلتك أمك! وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم إنك لم تزل سالما ما سكت فإذا تكلمت كتب لك أو عليك".
وجميع الرواة في هذه الرواية ثقات.
فأما معاذ بن المثنى شيخ الطبراني فهو معاذ بن المثنى بن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان أبو المثنى العنبري سكن بغداد وحدث بها عن محمد بن كثير العبدي، ومسدد والقعنبي شيخ البخاري، وغيرهم.
روى عنه الطبراني وأحمد بن علي الأبار، ويحيى بن صاعد، ومحمد بن مخلد وغيرهم.
وكان ثقة وهو حفيد معاذ بن معاذ العنبري قاضي البصرة وأحد فقهائها وحفاظها.
وكانت وفاة معاذ بن المثنى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين تاريخ بغداد 13/ 136، ومشاهير علماء الأمصار ص 160 ت 1270، وتقريب التهذيب 2/ 257.
وأما سعيد بن سليمان الواسطي فهو سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي نزيل بغداد.
ثقة حافظ من كبار العاشرة.
روى عن حماد بن سلمة، والليث بن سعد، ومبارك بن فضالة، وعبد الله بن المبارك.
وروى عنه البخاري وأبو داود بلا واسطة، والباقون بواسطة محمد بن عبد الرحيم صاعقة، كما روى عنه الدارمي والذهلي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو زرعة وأبو حاتم ويحيى بن معين وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة مأمون، وقال العجلي: واسطي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.
كانت وفاته ببغداد لأربع خلون من ذي الحجة سنة خمس وعشرين ومائتين وله مائة سنة.
راجع ترجمته في الثقات لابن حبان والثقات للعجلي ص 185 ت 547، وتاريخ بغداد للخطيب 9/ 84 - 87 وتذكرة الحفاظ 1/ 398 - 399، والتاريخ الكبير للبخاري 2/ 1/ 481، وتهذيب التهذيب 4/ 43 - 44، وتقريب التهذيب 1/ 298، وشذرات الذهب 2/ 56.
وأما أبو يزيد القراطيسي الشيخ الثاني للطبراني في هذه الرواية فهو يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم القرشي المصري، كان يعمل القراطيس ويبيعها حضر جنازة ابن وهب، ورأى الشافعي.
روى عن أسد بن موسى، وحجاج بن إبراهيم الأزرق ويعقوب بن إسحاق القلزمي وغيرهم.
روى عنه النسائي فيما ذكر صاحب الكمال. وقال المزي: لم أقف على روايته عنه في السنن وعبد الله بن جعفر، وأبو القاسم الطبراني وغيرهم.
قال ابن يونس: بلغت سنه مائة سنة إلا أربعة أشهر.
وكان ثقة صدوقا قال عنه أحمد بن خالد: هو من أوثق الناس، ولم أر مثله، ولا لقيت أحدًا إلا وقد لين أو تكلم فيه إلا يوسف بن يزيد ويحيى بن أيوب، ورفع شأن يوسف.
وهو معدود في الحادية عشرة قيل: كانت وفاته سنة سبع وثمانين ومائتين. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وترجمته في التهذيب 11/ 429، والتقريب 2/ 383.
وأما حجاج بن إبراهيم الأزرق فهو أبو إبراهيم، ويقال أبو محمد البغدادي. وهو من خراسان، وقدم بغداد وأقام بها ثم رحل إلى مصر.
وروى عن مبارك بن سعيد الثوري أخي سفيان كما روى عن ابن وهب، ومعتمر بن سليمان وغيرهم وروى عنه الربيع بن سليمان المرادي والذهلي وأبو حاتم والعكبرى ويوسف بن يزيد القراطيسي وجماعة وثقه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة.
وهو معدود في العاشرة.
وذكار تلميذه القراطيسي أن الأزرق خرج إلى الثغر سنة ثلاث عشرة إلى المصيصة ومات بها.
ورد الخطيب ذلك وقال: هذا التاريخ المذكور إنما هو لخروجه عن مصر فأما وفاته فبعد ذلك بزمان طويل.
راجع ترجمته في الثقات للعجلي ص 107 ت 250 والثقات لابن حبان 8/ 203، وتاريخ بغداد 8/ 239 - 240، وتقريب التهذيب 1/ 152، والتاريخ الكبير 2/ 1/ 80.
وأما مبارك بن سعيد فهو مبارك بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الرحمن الكوفي نزيل بغداد كان مكفوف البصر.
روى عن أبيه: سعيد بن مسروق وأخويه: سفيان وعمر، والأعمش، وعاصم بن بهدلة وغيرهم.
روى عنه يحيى بن معين وأبو عبيد القاسم بن سلام والحسن بن عرفة، وسعيد بن سليمان الواسطي، ومحمد بن مقاتل المروزي وغيرهم.
وثقه العجلي وابن معين وابن حبان والذهبي وقال النسائي وأبو حاتم: ليس به بأس وما رؤي الأعمش يوسع لأحد في مجلسه إلا له.
قال الذهبي: "ذكره العقيلي في الضعفاء فعلق عليه بحديث واحد خولف في سنده فأي شيء جرى؟! " ولعل هذا الذي لم يرتضه الذهبي هو مأتى قول ابن حبان عن المبارك: ربما أخطأ.
توفي سنه ثمانين ومائة.
راجع ترجمته في الثقات للعجلي ص 419 ت 1532، والتاريخ الكبير 4/ 1/ 426، والتهذيب 10/ 28 والكاشف 3/ 117 - 118، والتقريب 2/ 227، والأنساب 3/ 153.
وأما سعيد بن مسروق والد مبارك هذا فهو كوفى ثقة متفق على توثيقه.
روى عن إبراهيم التيمي، والشعبي، وأبي وائل، وسلمة بن كهيل وعكرمة وغيرهم.
روى عنه الأعمش وهو من أقرانه وأولاده: سفيان وعمر والمبارك وحبيب وشعبة بن الحجاج وأبو عوانة وغيرهم. من السادسة.
قال ابن معين والذهبي وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات.
وذكر السمعاني نسبه فقال: سعيد بن مسروق بن حمزة بن حبيب بن رافع بن موهبة بن أبي عبد الله بن نصر بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثوري الكوفى.
كانت وفاته سنة 128 وقيل سنة سبع وعشرين ومائة وقيل غير ذلك.
راجع ترجمته في الثقات لابن حبان 6/ 371 والثقات للعجلي ص 188 ت 562 والتهذيب 4/ 82 والكاشف 1/ 372 والتقريب 1/ 305 والأنساب في الموضع السابق.
وأما أيوب بن كريز فقد ترجم له ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين وذكر أنه يروي عن الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل. =
[عمل يدخل الجنة ويباعد من النار]:
• وقوله: "أخبرني بِعملٍ يُدْخلني الجنة ويُبَاعدني عن النار".
قد تقدم في شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبى هريرة، وأبي أيوب وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذه المسألة فأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ
(1)
.
• وفي رواية للإمام أحمد في حدثنا معاذ أنه قال: يا رسول الله! إني أريد أن
= وهو بهذا يشير إشارة واضحة إِلى توثيق رواية أيوب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ في مثل حديثنا هذا.
كما ذكر أنه روى عنه سعيد بن مسروق الثوري من حديث المبارك بن فضالة عن سعيد بن مسروق كما ترجم له البخاري في التاريخ الكبير 1/ 1/ 421 فذكر ررايته عن ابن غنم ورراية سعيد عنه.
وأما عبد الرحمن بن غنم الأشعري فهو من كبار ثقات التابعين حتى لقد اختلف في صحبته.
قال ابن حجر: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة وروى عنه ابنه محمد وعطية بن قيس ومكحول الشامي وشهر بن حوشب وصفوان بن سليم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام وقال: كان ثقة إن شاء الله.
وسلكه ابن حبان في ثقات التابعين وقال زعموا أن له صحبة وليس له ذلك بصحيح عندي.
وقال ابن عبد البر كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات وكان أفقه أهل الشام وهو الذي فقه التابعين بالشام.
وكانت وفاته عام 78.
راجع ترجمه في تهذيب التهذيب 6/ 250 - 251 والتاريخ الكبير للبخاري 3/ 1/ 247، والثقات لابن حبان 5/ 78، والثقات للعجلي ص 297 ت 974، والتقريب 1/ 494، والكاشف 1/ 181.
وإذا فهذه رواية صحيحة رواتها ثقات وهي الرواية التي أشار إليها الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 300 وقال: رواه الترمذي باختصار من قوله إنك لن تزال إلخ رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
وقد رواه الطبراني في الكبير عدا هذا من وجوه عديدة من حديث معاذ مطولًا ومختصرًا.
ولعل الترمذي حين عقب بقوله: هذا حديث حسن صحيح كان يشير إلى أن الحديث حسن وصحيح؛ فهو حسن لغيره إذا نظرنا إلى ما يقبل الجبر من طرقه الضعيفة والتي اختلفت فيها جهة الضعف وهو صحيح بالنظر إلى مثل الطريق التي أوردناها عن الطبراني وشرحنا فيها أساس حكم الهيثمى بأن رواتها ثقات حين ذكرنا ترجمة كل راو من رواتها، وأبنَّا أنه حتى طريقا هذه الرواية كلاهما صحيح أولا ينزل عن درجه الحسن لذاته وإذا فيمكن تحليل كلمة الترمذي:"حسن صحيح" بأحد معنيين فإما أن يكون المعنى حسن وصحيح بمعنى أنه حسن من طريق وصحيح من طريق آخر.
أو يكون المعنى أن الحديث حسن أو صحيح أي حسن إن لم نسلم بمستوى الصحة لرواته الثقات الذين أوردنا رواية الطبرى لحديثهم؟
وإذا فلا يسلَّم تضعيف الحديث بمرة!؟
ولا الاقتصار على تصحيح قطعة منه فحسب؟!
(1)
ص 611 وما بعدها.
أسألك
(1)
عن كلمة قد أمرضَتْني، وأسْقَمتني، وأحزنتني
(2)
فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: سلني
(3)
عما
(4)
شئت: قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيره
(5)
.
وهذا يدل على شدة اهتمام معاذ رضي الله عنه بالأعمال الصالحة.
وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
(6)
.
* * *
[كيف؟ ولن يَدْخُلَ أَحَدٌ الجنةَ بعمله؟]:
• وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله".
فالمراد - والله أعلم - أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة، لولا أن الله عز وجل جعله بفضله ورحمته سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده؟ فالجنة وأسبابها كلٌّ من فضل الله ورحمته.
* * *
[لقد سألت عن عظيم]:
• وقوله: "لقد سألتَ عن عَظيم" قد سبق في شرح الحديث المشار إليه
(7)
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عن مثل هذا: "لئن كنتَ أوجزتَ المسألة لقد أعْظَمْتَ وأطْولتَ" وذلك لأن دخول الجنة، والنجاةَ من النار أمرٌ عظيمٌ جدًّا؛ ولأجله أنزال الله الكتب، وأرسل الرسل.
• وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: "كيف تقولُ إذا صليتَ؟ " قال: أسألُ الله الجنة، وأعوذُ به من النار، ولا أحْسِنُ دَنْدَنَتَك، ولا دَنْدَنَةَ "مُعاذٍ".
يشير إلى كثرة دعائهما، واجتهادهما في المسألة.
• فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حولَهُمَا نُدَنْدِن"
(8)
.
(1)
في المسند: ايذن لي أسألك.
(2)
م: "وأحرقتني".
(3)
م: "قال سمل" وهو تحريف.
(4)
في المسند: "عم".
(5)
راجع المسند 5/ 245 (الحلبي).
(6)
سورة الزخرف: 72.
(7)
الثاني والعشرين ص 618.
(8)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 474 من حديث الأعمش. عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم =
• وفى رواية: "هل تصير دَنْدَنَتي وَدَنْدَنَةُ مُعَاذٍ إلا أن نسألَ الله الجنة ونعوذَ به من النار"
(1)
.
* * *
[وإنه ليسير على من يسره الله عليه]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإنه لَيَسِيرٌ على مَن يَسَّرَهُ اللهُ عليه" إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله عز وجل. فمن يسَّرَ الله عليه الهُدَى
(2)
اهتدى، ومَن لم ييسِّر عليه لم يتيسر له ذلك. قال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}
(3)
.
= قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حولهما ندندن".
وأخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها 1/ 295 من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بنحوه، وفيه التصريح بتعيين بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المذكور عند أحمد وأنه أبو هريرة رضي الله عنه.
وقد صرح البوصيري في الزوائد بأن إسناده صحيح ورجاله ثقات كما أخرجه ابن ماجه في كتاب الدعاء: باب الجوامع من الدعاء 2/ 1264.
وأخرجه أبو داود بنحو رواية أحمد ثم رواه من حديث عبيد الله بن مقسم، عن جابر، ذكر قصة معاذ، قال: وقال - يعني النبي صلى الله عليه وسلم للفتى "كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ " قال: اقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني ومعاذا حول هاتين" أو نحو هذا.
وآخر هذه الرواية يشهد لما في الأصل: "حولهما".
سنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب تخفيف الصلاة 1/ 292 - 293.
(1)
هذه الرواية أخرجها أحمد في المسند 5/ 74 وفيها القصة بتمامها وذلك من حديث معاذ بن رفاعة الأنصاري، عن رجل من بني سلمة يقال له سليم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة فنخرج إليه، فيطول علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معاذ بن جبل! لا تكن فتانا إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك؟ " ثم قال: "يا سليم! ماذا معك من القرآن؟ " قال: إني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار؟ "
…
الحديث.
وأما معنى الدندنة فقد قال ابن الأثير في النهاية 2/ 137: الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وهو أرفع من الهينمة قليلًا، والضمير في حولهما للجنة والنار: أي حولهما ندندن، وفي طلبهما، ومنه دندن الرجل، إذا اختلف في مكان واحد، مجيئا وذهابا، وأما عنهما ندندن، فمعناه أن دندنتنا صادرة عنهما، وكائنة بسببهما.
(2)
م: "الهدية".
(3)
سورة الليل: 5 - 10.
• وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَه: أمّا أهلُ السَّعَادة فَيُيَسَّرُونَ لعملِ أهلِ السَّعَادةِ، وأمَّا أهلُ الشَّقاوَةِ فيُيَسَّرُون لعمل أهل الشَّقاوَةِ" ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية
(1)
.
[من دعوات الرسول]:
• وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "واهدِني وَيَسِّرْ الهُدَى لي"
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب موعظة المحدِّث - عند القبر وقعود أصحابه حوله 3/ 175 - 176 من حديث علي رضي الله عنه.
وفي كتاب التفسير سورة الليل: باب قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} وباب قوله {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} ، وباب {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} ، وباب قوله {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} وباب قوله:{وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} وباب {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} 8/ 575 - 576 من حديث علي رضي الله عنه كذلك.
وأخرجه مسلم في كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته 4/ 2039 - 2041 من وجوه من حديث علي رضي الله عنه، بسياقه كاملًا، ومن حديث جابر وعمران بن حصين رضي الله عنهما بنحوه.
وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير: باب سورة الليل إذا يغشى 5/ 441 من حديث عليّ رضي الله عنه بإسناد حسن صحيح.
وهو عند أحمد في المسند 1/ 27 من حديث عمر رضي الله عنه و 1/ 82، 129، 132 - 133، 140، 157 من حديث علي رضي الله عنه.
ولفظ الحديث في صحيح مسلم عن حديث علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد (البقيع: مدفن المدينة) فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله ومعه مِخْصَرَة (عصا أو عكاز) فنكس (خفض رأسه على هيئة المهموم) فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال:"ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير من أهل الشقاوة" فقال: "اعملوا فكل ميسر؛ أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} . وفي رواية تالية عند مسلم.: "فكلٌ ميسر لما خلق له" ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى
…
} الآية.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 309 - 310 (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.
وأخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعوات: باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم 5/ 554 بإسناد حسن صحيح.
وابن ماجة في السنن: كتاب الدعاء: باب دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم 2/ 1259.
وأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم 2/ 112 كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: رب أعني ولا تُعِن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ وامكر لي ولا تمكر عليّ، وأهدني ويسِّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ، ربّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكارًا، لك رَهَّابًا، لك مطواعًا، لك مخبتًا، إليك أواهًا منيبًا، رب تقبل توبَتي واغسل حوبتي، وأوجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدِّد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري (غِشه وحقده وغلَّه) وهذا لفظ الترمذي.
• وأخبر الله عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال في دعائه: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}
(1)
.
[وابن عمر]:
• وكان ابن عمر رضي الله عنهما يدعو: اللهمَّ! يَسِّرْني لليسرى وجنِّبني العُسْرَى.
* * *
• وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه
(2)
توجيه ترتيب دخول الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
[ألا أدلك على أبواب الخير؟]:
• وقوله: "أَلا أَدُلّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ" لمّا رتبَ دخولَ الجنة على واجبات الإسلام دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل؛ فإن أفضل أولياء الله هم المقرَّبون الذين يتقرَّبون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض.
* * *
[الصوم جنة]:
• وقوله: "الصوم جُنَّة" هذا الكلام ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وخرَّجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
(3)
عن النبي صلى الله عليه وسلم.
• وخرَّجه الإمام أحمد بزيادة وهي: "الصيام جُنَّة، وحصن حصين من النار"
(4)
.
• وخرَّج من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1)
سورة طه: 25، 26.
(2)
هو الحديث الثاني والعشرون من أحاديث الكتاب.
(3)
راجع ما أخرجه البخاري في كتاب الصوم: باب فضل الصوم 4/ 83.
ومسلم في كتاب الصيام: باب فضل الصيام 2/ 806، 807 كلاهما من حديث أبي هريرة.
(4)
هذه الرواية أخرجها أحمد في المسند 2/ 402.
وأورده االهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 180 عن أحمد وقال: هو في الصحيح خلا قوله: "وحصن حصين من النار" وإسناده حسن.
"الصوم جُنَّة من النار كَجُنَّة أحَدِكُم من القِتَالِ"
(1)
.
ومن حديث جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال ربنا عز وجل: "الصيام جُنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النار"
(2)
.
• وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي عبيدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصيامُ جُنَّةٌ ما لم يَخْرِقها"
(3)
وقوله ما لم يَخْرِقها، يعنى بالكلام السَّيِّئ ونحوه؛ ولهذا في حديث أبي هريرة المخرّج في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم "الصيامُ جنّةٌ؛ فإذا كان يومُ صَوْمِ أحَدِكم فلا يَرْفُثْ [ولا يفْسُقْ] ولا يجْهَلْ فإن امرؤٌ سَابّهُ فليقل إني امرؤٌ صائمٌ"
(4)
.
* * *
[الغيبة والصوم]:
وقال بعض السلف: "الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقَعُه، فمن استطاعَ منكم أن لا يأتي بصوم مخرَّق فليفعلْ".
• وقال ابن المنكدر: "الصائم إذا اغتاب خرَّق، وإذا استْغَفَر رقَع".
• وخرَّج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا "الصيام جُنَّة ما لم يخرِقْها" قيل: بِمَ يخرقُها؟ قال؟ "بكذبٍ أو غِيبَةٍ"
(5)
.
* * *
فالْجُنّة هي ما يَسْتجِنّ به العبد كالمجنّ الذي يقيه عند القتال من الضرب؛ فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(1)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 22 وهو عند النسائي في الصيام: باب فضل الصيام 4/ 197 من وجوه مرسلًا ومتصلًا.
(2)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 180 عن أحمد في المسند وقال: إسناده حسن.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 144 - 146 (المعارف) بإسناد في أصله صحيح راجع ما ذكره محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله عن إسناده.
وأخرجه من وجه آخر 3/ 152.
وأخرجه النسائي في السنن: كتاب الصيام: باب فضل الصيام 4/ 167 - 168 من وجهين عن أبي عبيدة.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الصوم: باب فضل الصوم 4/ 83 - 88، وفي باب هل يقول: إني صائم إذا شتم 4/ 94 - 95، وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} حق {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} باللعب 13/ 396 - 397 من وجوه عديدة.
وأخرجه مسلم في كتاب الصيام: باب فضل الصيام 2/ 806 - 807 من وجوه عديدة.
(5)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 171 عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
(1)
فإذا كان له جُنّةً من العاصي كان له في الآخرة جُنَّة من النار وإن لم يكن له جُنَّة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جُنَّةً في الآخرة من النار.
* * *
• وخرج ابن مردويه من حديث عليٍّ مرفوعًا قال: "بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلمات فذكر الحديث بطوله وفيه: وإن الله يأمركم أن تصوموا ومَثلُ ذلك كمثل رجل مشى إلى عَدُوِّهِ وقد أخذ للقتال جُنَّة فَلا يخافُ من حيث ما أُتِي".
• وخرجه من وجه آخر عن عليٍّ رضي الله عنه موقوفًا وفيه قال: "الصيام مَثَلُهُ كَمَثَلِ رجل أبصره
(2)
الناس فاستحدّ
(3)
في السلاح حتى ظن أنه لن يصلَ إليه سلاحُ العدوّ؛ فكذلك الصيام جُنّة".
* * *
[الصدقة والخطيئة]:
وقوله صلى الله عليه وسلم: "والصَّدَقَةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النّارَ".
هذا الكلام رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر فخرجه الإمام أحمد
(4)
والترمذي
(5)
(1)
سورة البقرة: 183.
(2)
"ا": "يبصره" وفوقها: "كذا".
(3)
استحد: استمنع واستعصم واستجن ويظهر لي أنها مأخوذة من الحد بمعنى المنع قال في اللسان: 4/ 118 والحد: المنع، وحد الرجل عن الأمر يحده حدا: منعه وحبسه، تقول: حددت فلانا عن الشر أي منعته، ومنه قول النابغة:
إلا سليمان إذ قال الإله له
…
قم في البرية فاحددها عن الفند
وقد رواه البزار في البحر الزخار 2/ 275 - 276 ح 695 من وجه آخر بإسنادٍ ضعيف وانظر هامشه.
(4)
هذا جزء من حديث رواه أحمد في المسند من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم، وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردوا على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، وسيردوا على حوضي، يا كعب بن عجرة! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان، أو قال: برهان، يا كعب بن عجرة! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة! الناس غاديان: فمبتاع نفسه، فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
وهذا الحديث في المسند بإسناد صحيح كما ذكر العلامة الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي.
ويلاحظ أن الحديث ليس، في مسند كعب من مسند أحمد، فربما تبادر إلى الذهن أنه ليس في المسند، بينما هو فيه لأنه من رواية جابر.
راجع مسند أحمد 3/ 321 (الحلبي) وشرح الترمذي للمرحوم الشيخ أحمد شاكر 2/ 514 - 515.
(5)
أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة: باب ما ذكر في فضل الصلاة، من طريق عبد الله بن زياد القطواني =
من حديث كعب بن عُجْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الصومُ جُنّةٌ حَصينَةٌ، والصَّدَقَةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماء النارَ".
* * *
• وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس بمعناه مرفوعًا.
وخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن صدَقَةَ السر لتطفئُ غضب الربّ، وتدفعُ مِيتَةَ السُّوء
(1)
".
* * *
• وروي عن عليّ بن الحسين رضي الله عنهما أنه كان يحملُ الخُبْزَ على ظهره بالليل يَتَتَبَّع به المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في سواد
(2)
الليل تطفئ غضب الرب عز وجل؛ وقد قال الله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ}
(3)
فدل على أن الصدقهّ تكفَّر بها السيئاتُ، إما مطلقًا، أو صدقة السر.
[الصلاة في جوف الليل]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "وصلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ الليل".
يعنى أنها تطفئُ الخطيئةَ أيضا كالصدقة؛ ويدل على ذلك ما خرجه الإمام أحمد من رواية عُرْوَة بن النَّزَّال، عن معاذ رضي الله عنه قال:"أقبلْنَا مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فذكر الحديث وفيه: "الصوم جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ وقيامُ العبد في جوف الليل يكفِّر
= الكوفي، عن عبيد الله بن موسى، عن غالب أبي بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعيذك بالله يا كعب بن عجرة عن أمراء .. الحديث 2/ 512 - 513 بنحو ما أخرجه أحمد بن المسند، وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى.
وأيوب بن عائذ الطائي يضعف ويقال: كان يرى رأي الإرجاء.
وسألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، واستغربه جدًّا.
وإذا فيكون حديث المسند شاهدا له.
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة: باب ما جاء في فضل الصدقة 3/ 52 وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفيه:"وتدفع عن ميتة السوء". وهو عند ابن حبان 8/ 103 - 104 ح 3309 بإسناد ضعيف.
(2)
م: "ظلام" ل، ظ:"ظلمة".
(3)
سورة البقرة: 271.
الخطيئة"
(1)
.
* * *
• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أفضَلُ الصلاة بعدَ المكتوبة قيامُ الليل"
(2)
.
وقد روي عن جماعة من الصحابة: أن الناس يحترقُون بالنهار بالذنوب
(3)
، وكلما قاموا إلى صلاة من الصلوات المكتوبات أطفأوا ذُنُوبَهُمْ.
وروي ذلك مرفوعًا من وجوه فيها نظر.
* * *
فكذلك فيام الليل يكفّر الخطايا؛ لأنه أفضلُ نوافِل الصلوات
(4)
.
• وفي الترمذي من حديث بلال رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأبُ الصالحين قبلكُمْ، وإن قيامَ الليل قُرْبَةٌ إلى الله عز وجل، ومَنْهاةٌ عن الإثم وتَكْفِيرٌ للسيئات، ومَطْرَدَةٌ للداءِ عن الجسَد"
(5)
.
• وخرّجه أيضًا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال: هو أصحُّ من حديث بلال.
(1)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 237 بتمامه وفيه: "يكفر الخطايا".
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام: باب فضل صوم المحرم 2/ 821 من حديث أبي هريرة يرفعه قال: سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم".
(3)
م: "يحرقون بالنهار من الذنوب" ظ: "يحترقون بالنار بالذنوب".
(4)
م: "الصلاة".
(5)
أخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعوات: باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم 5/ 552 - 553 ح 3543 من حديث محمد القرشي، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال مرفوعًا.
وعقب الترمذي عليه لقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه ولا يصح.
من قبل إسناده، ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد القرشي هو محمد بن سعيد الشامي، وهو ابن أبي قيس. وهو محمد بن حسان، وقد ترك حديثه.
ثم أورد الرواية التي استحسن ابن رجب الإشارة إليها عقب هذه الرواية، فقال: وقد روى هذا الحديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد. عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم".
وقد عقب على هذه الرواية بقوله: "وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال".
• وخرّجه الحاكم وابنُ خزيمةَ في صحيحَيْهما من حديث أبي أُمامة أيضًا
(1)
.
وقال ابن مسعود: "فضلُ صلاةِ الليل على صلاةِ النهار كفضلِ صدقةِ السِّرِّ على صدقةِ العلانية".
• وخرّجه أبو نعيم عند مرفوعًا، والموقوف أصح.
وقد تقدم أن صدقة السِّرِّ تُطْفِئ غضبَ الرَّبِّ
(2)
فكذلك صلاة الليل.
* * *
• وقوله: ثم تلا قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
(3)
.
يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هاتين الآيتين عند ذكره فضلَ صلاة الليل، لِيُبيِّن بذلك فضلَ الصلاة بالليل.
وقد روي عن أنس رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء.
• خرّجه الترمذي
(4)
وصححه.
* * *
ورُوي عنه أنه قال في هذه الآية: "كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء".
• خرّجه أبو داود
(5)
.
• وروي نَحْوُه عن بلال، وخرّجه البزار بإسناد ضعيف
(6)
.
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 308 من حديث أبي إدريس عن أبي أمامة وصححه على شرط البخاري وأقره الذهبي/ إلا أن عنده: "
…
قربة لكم
…
ومنهاة عن الإثم".
(2)
في هذا الحديث ص 805.
(3)
سورة السجدة: 16.
(4)
أخرجه الترمذي في كتاب التفسير: باب "ومن سورة السجدة" 5/ 346 من حديث أنس بن مالك أن هذه الآية {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} نزلت في انتظار هذه الصلاة التي تدعى العتمة.
أي صلاة العشاء، ومعنى تتجافى: ترتفع وتتباعد.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
والآيتان 16، 17 من سورة السجدة.
(5)
راجع الترغيب والترهيب 1/ 205 وتفسير ابن كثير 3/ 459: وقد ذكر أن حديث أنس في هذا أخرجه ابن جرير بإسناد جيد والحديث عند أبي داود في السنن 2/ 79.
(6)
أورد ابن كثير في التفسير 3/ 460 عن البزار قوله: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن عطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال بلال: لما =
[عموم الآية]:
وكل هذا يَدْخُل في عموم لفظ الآية؛ فإن الله مدح الذين تتَجافَى جُنوبُهُم عن المَضَاجع لدعائه، فيشمل ذلك كلَّ من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه، فيدخل فيه مَنْ صلَّى بين العِشاءَين، ومَن انتظر صلاةَ العشاء فلم ينم حتى يصليَها؛ لا سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداءِ الفريضة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - لمن انتظر صلاةَ العشاء -: "إنكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصَّلاة"
(1)
.
• ويدخل فيه من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجُّد، وهو أفضل أنواع التطوّع بالصلاة مطلقًا.
• وربما دخل فيه من ترك النومَ عند طلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاة الصبح، لا سيَّما مع غَلَبة النوم عليه؛ ولهذا يُشرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في أذانه:"الصلاة خير من النوم".
* * *
[وصلاة الرجل من جوف الليل]:
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وصلاة الرجل من جوف الليل".
ذكر أفضل أوقات التهجُّدِ باللَّيلِ وهو جوف الليل.
= نزلت هذه الآية {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} الآية كنا نجلس في المسجد وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون بعد المغرب إلى العشاء.
ثم قال البزار: لا نعلم روى زيد بن أسلم عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذا الطريق.
فلعل غرابة الحديث هي أساس ما أشار إليه ابن رجب من ضعف الحديث.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب المواقيت: باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء 2/ 58 - 59 وباب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد 2/ 116 - 117.
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الصلاة: باب وقت صلاة العشاء 1/ 226 والنسائي في كتاب المواقيت: باب آخر وقت العشاء 2/ 268.
وأحمد في المسند 3/ 182، 189، 200 كلهم من حديث أنس، ولفظ البخاري في الموضع الأول: قال أنس: نظرنا (انتظرنا) النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى كان شطر الليل يبلغه فجاء فصلى لنا، ثم خطبنا فقال: ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة.
وقد روي الحديث من وجوه أخرى عن أبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن سلام وغيرهم.
• وخرَّج النِّسائيُّ والتِّرمِذيُّ من حديث أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أَسْمعُ؟ قال: جوفَ الليل الآخرِ، ودُبُرَ الصَّلوات المكتوبات
(1)
.
• وخرّجه ابن أبي الدنيا، ولفظه: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيُ الصلاة أفضلُ؟ قال "جَوفَ الليل الأوسط"، وقال: أي الدعاء أسَمعْ؟ قال: "دُبُرَ المكتوباتِ".
• وخرّج النسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الليل خير؟ قال: "خيرُ الليل جوفُه"
(2)
.
• وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي مسلم، قال: قلت لأبي ذر: أَيُّ قيام الليل أفضلُ؟ قال: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: جوفَ الليل الغابر، أو نصفَ الليل، وقليلٌ فاعله
(3)
.
• وخرَّج البزار والطبراني من حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما قال: سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ اللَّيْلِ أجوبُ دعوة؟ قال: "جوفَ الليل".
زاد البزار في روايته: "الآخرِ"
(4)
.
* * *
(1)
حديث أبي أمامة أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص 51 - 52 ح 108 بهذا النص، من طريق محمد بن يحيى بن أيوب، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن سابط، عن أبي أمامة قال: قلت: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع؟
…
الحديث فذكره.
وفي كتاب المواقيت: باب النهي عن الصلاة بعد العصر 1/ 279 - 280 من حديث أبي أمامة يقول: سمعت عمرو بن عبسة يقول: قلت: يا رسول الله! هل من ساعة أقرب من الأخرى؟ أو هل من ساعة ينبغي ذكرها؟ قال: نعم، إن أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله عز وجل في تلك الساعة فكن، فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس .. الحديث. وفي المطبوع من النسائي: عمرو بن عنبسة وهو تحريف.
وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب [79] بنص ما أورد ابن رجب 5/ 526 - 527 وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن.
وذكر أن في الباب عن أبي ذر وابن عمر.
(2)
أورد المزي في تحفة الأشراف 9/ 156 من حديث أهبان ابن امرأة أبي ذر - ويقال: ابن أخت أبي ذر قال: سألت أبا ذر قلت: أي الرقاب أزكى، وأي الليل خير؟ ونسبه المزي للنسائي في الكبرى في الحج 283 كما أورده من حديث أبي مسلم الجذامي: سألت أبا ذر أي صلاة الليل أفضل؟ ونسبه في التحفة أيضًا 9/ 196 للنسائي في الكبرى في الصلاة (59: 1).
(3)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 179 (الحلبي).
(4)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 155 عن الطبراني في الكبير والأوسط والصغير، وعن البزار ثم قال: ورجال البزار والكبير رجال الصحيح.
وفي م: "زاد البزار في روايته الأخرى" وفيها تحريف واضح.
• وخرّج الترمذي من حديث عَمرو بن عَبَسَة، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أقربُ ما يكون الربّ من العبدِ في جوفِ الليل الآخرِ. فإن استطعْتَ أن تكونَ ممن يذكر الله في تلك الساعةَ فكُن"
(1)
.
وصححه.
* * *
• وخرّجه الإمام أحمد ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله! أيُّ الساعات أفضل؟ قال: "جوفَ الليلِ الآخرِ"
(2)
.
وفي رواية له أيضًا قال: "جوفُ اللَّيْلِ الآخرِ أجوبُهُ دعوةً"
(3)
.
• وفي رواية له قلتُ: يا رسولَ الله! هل مِن ساعةٍ أقربُ إلى الله من [ساعة] أخرى؟ قال: "جوفَ الليل الآخرِ"
(4)
.
• وخرَّجه ابن ماجه، وعنده:"جَوْفَ اللَّيل الأوسط"
(5)
.
• وفي رواية للإمام أحمد عن عمرو بن عَبَسَة قال: قلت: يا رسول الله! هل من ساعة أفضل من ساعة؟ قال: "إن الله لَينزِلُ في جوف اللَّيْلِ فيغفرُ إلا ما كانَ مِن الشِّرْكِ"
(6)
.
[جوف الليل]:
وقد قيل: إن جوف الليل إذا أُطلق فالمراد به وسَطُه، وإن قيل جوف الليل الآخر.
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب [119] وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 315.
(3)
مسند أحمد 4/ 387 من وجوه عن عمرو بن عبسة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة الليل مثنى مثنى، وجوف الليل الآخر أجوبه دعوة" قلت: أوجبه؟ قال "لا، بل أجوبه" يعني بذلك الإجابة.
وفي رواية أخرى عن عمرو بن عبسة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى، وجوف الليل الآخر أوجبه دعوة قال: فقلت: أجوبه؟ قال: لا ولكن أوجبه، يعني بذلك الإجابة.
(4)
في المسند 4/ 113 - 114 (الحلبي).
(5)
أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل؟ 1/ 434 من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، ولكنه طريق ضعيف.
قال البوصيري: عبد الرحمن بن البيلماني، قيل: لا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سرف ويزيد بن طلق، قال ابن حبان: يروي المراسيل.
(6)
في المسند 4/ 385 بنحوه.
فالمراد به وسط النصف الثاني، وهو السُّدُس الخامس من أسداس الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النزولُ الإلهيّ.
* * *
[رأس الأمر
…
إلخ]:
• وقول صلى الله عليه وسلم: "ألا أُخْبِرُكَ برأسِ الأمْر وعمودِهِ وذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قلتُ: بلى يا رسولَ الله! قال: رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُهُ الصلاة، وذِرْوَة سَنَامِهِ الجِهاد".
* * *
وفي رواية للإمام أحمد من رواية شَهْر بن حَوْشَب، عن ابن غَنْم، عن مُعاذٍ
(1)
رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شئتَ حدَّثْتُكَ برأْسِ هذا الأمْرِ وقوام هذا الأمر
(2)
وذروةِ السَّنام؟ فلتُ: بلى فقالَ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ رأسَ هذا الأمرِ أن تشهدَ أنْ لا إلَه إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسُوله. وإن قوامَ هذا الأمر إقامُ الصلاةِ، وإيتاء الزكاةَ، وإن ذِرْوةَ السَّنامِ منه: الجهادُ في سبيل الله، وإنما أُمِرْتُ أن أقاتل الناسَ حتَّى يقيمُوا الصلاة، ويؤتُوا الزكاة، وَيشهَدُوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا
(3)
وعَصَمُوا دماءَهم وأمَوالهم إلا بحقِّها، وحسابُهم على الله عز وجل" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والّذي نفسُ محمدٍ بيدِه ما شحَبَ وَجْهٌ، ولا اغْبَرَّتْ قَدمٌ في عمل يُبْتَغَى منه
(4)
درجات الجنة - بعدَ الصلاة المفروضة - كجهادٍ
(5)
في سَبيلِ الله عز وجل، ولا ثَقَّل ميزان عبدٍ كدابَّة
(6)
تَنْفَق له في سبيل الله، أو يحمَل عَلَيْها في سبيل الله عز وجل".
فأخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء: رأسِ الأمر، وعمودِه، وذِروةِ سنَامِهِ.
* * *
(1)
مسند أحمد 5/ 245 - 246 بسياقه مطولا من طريق أبي النضر، عن ابن بهرام، عن شهر.
(2)
م "الدين" وما أثبتناه عن هو الموافق لما في المسند.
(3)
سقطت من م.
(4)
م: "يبتغى به" وفي المسند: "تبتغى فيه".
(5)
م: "كالجهاد" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في المسند.
(6)
م: "كالدابة" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في المسند.
[رأس الأمر]:
• فأما رأسُ الأمر فيُعْنَى بالأمرِ: الدينُ الذي بُعثَ به، وهو الإسلامُ وقد جاء تفسِيرُهُ في رواية أخرى بالشهادتين؛ فمن لم يُقِرَّ بهما باطنًا وظاهرًا فليسَ من الإسلام في شيء.
* * *
[قوام الدين]:
• وأما قوامُ الدِّين الذِي يقوم به الدِّين كما يقوم الفسطاطُ عَلَى عمودهِ فهو الصلاةُ.
وفي الرواية الأخرى: "وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاةِ".
وقد سبقَ القولُ في أركان الإسلام وارتباط بعضها بِبعض.
[ذروة سنامه]:
وأما ذِروة سنَامه وَهُو أعْلى مَا فيه وأرفَعُه فهوَ الجهَادُ.
[مفاد هذه الكلمة]:
وهذا يدل على أَنَّه أفضلُ الأعمال بَعْد الفرائض؛ كما هُوَ قولُ الإمام أحمد وغيره مِنَ العلمَاءِ.
وقوله - في رواية الإمام أحْمد: "والذي نفسُ محمد بيده ما شَحَبَ وَجهٌ ولا اغبَرَّتْ قدَم في عمل يُبْتغى به في رجاتُ الجنة بعد الصَلاة الفروضة كجهادٍ في سبيل الله عز وجل" يدل على ذلك صريحًا.
* * *
[وأدلة ذلك]:
• وفي الصحيحين عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أَيّ العَمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهادٌ في سبيله"
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب العتق؛ باب أي الرقاب أفضل؟ 5/ 111 - 112.
وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال 1/ 89 كلاهما من حديث أبي ذر.
ولفظه عند مسلم من حديث أبي ذر قال: قلت! يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال. "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله" قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا" قال: قلت: =
• وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"أفضلُ الأعمال إيمانٌ بالله، ثم جِهَادٌ في سبيلِ الله"
(1)
.
والأحاديث في هَذَا المعنىَ كثيرة جدًّا.
* * *
[ملاك ذلك كله]:
• وقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أُخْبِرُكَ بِملاك ذلكَ كلِّه فأخذ بلسانه فقال: كُفَّ عليكَ هَذَا" إلى آخر الحديث.
هَذَا يدل على أنا كفَّ اللسَانِ وضبطه وحَبْسَه هو أصلُ الخير كلّه، وأنَّ مَنْ ملَكَ لسانَه فَقد ملك أمْرَه، وأحكَمَه، وضَبطَه.
• وقَدْ سَبَقَ الكلامُ على هذا المعنَى في شَرْح حديث: "مَنْ كَانَ يؤمنُ باللهِ واليوم الآخر فليقل خيرًا أَوْ لِيَصْمُتْ"
(2)
.
وفي شرح حَدِيث: "قل آمنت باللهِ ثم استقمْ"
(3)
:
* * *
• وخرَّج البزارُ في مسنده مِنْ حديث أبي اليُسر أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! دُلَّني عل عمل لِدخلني الجنة قال: "أمسك هَذا" وأشَار إلى لسَانه، فأعادَهَا عليه، فقال ثَكَلتْكَ أمُّك، هَلْ يكبُّ الناسَ على مناخرِهم في النار إلا حصائدُ ألسِنَتِهِمْ.
= فإن لم أفعل؟ قال: "تعين صانعًا أو تصنع لأخرق" قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: "تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك".
(1)
أخرجه البخاري في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أعطى أهل التوراة التوراة فعملوا بها وأعطى أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به وأعطيتم القرآن فعملتم به 13/ 435 - 436.
ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ولفظه عند مسلم عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قال: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" 1/ 88 ..
(2)
وهو الحديث الخامس عشر وقد مضى ص 361 وما بعدها.
(3)
في شرح الحديث الحادي والعشرون ص 603.
وقال: إسنادُه حسن
(1)
.
[حصائد الألسنة]:
• والمرادُ بحصائِد الألْسنَة: جَزاءُ الكلام المحرَّم، وعقوباته؛ فإن الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسناتِ والسيئاتِ، ثم يحصُدُ يومَ القيامة ما زرَع؛ فمن زرَع خيرًا من قولٍ أو عملٍ حصد الكرامةَ، ومَن زرَع شَرًّا من قولٍ أو عملٍ حصدَ - غدًا - النَّدامةَ.
* * *
[دلالة الحديث في هذا]:
• وظاهرُ حديث مُعاذ يَدُلّ على أن أكثر ما يَدْخُل الناس به النَّارَ: النطقُ بألسنتهم؛ فإنَّ معصيةَ النُّطقِ يدْخُلُ فيها الشِّرْكُ، وهو أعظم الذُّنوب عند الله عز وجل، ويدخُلُ فيها القولُ عَلَى الله بغيْرِ علْمٍ، وهو قرينُ الشِّرْكِ، ويدخُلُ فيها شهادةُ الزُّور التي عَدَلَت الإشراكَ بالله عز وجل، ويدخُلُ فيها السِّحُر والقذف وغير ذلك من الكبائر والصغائر؛ كالكذب والغيبة والنميمة، وسائرُ العاصي الفِعْلية لا تخلو غالبًا مِن قولٍ يقتَرِنُ بها يكونُ بها معينًا عليها.
* * *
[أكثر ما يدخل الناس النار]:
• وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أكثرُ ما يُدْخِلُ الناسَ النارَ: الأجوفان: الفمُ والفَرْج".
خرّجه الإمام أحمد والترمذي
(2)
.
• [وفي الصحيحين عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الرجُلَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها يَزلُّ بها في النار أبعَدَ مما بين المشرقِ والمغْرِب"
(3)
.
(1)
أورده الهيثمي في المجمع 10/ 300 وذكر أن البزار قال: إسناده حسن ومتنه غريب.
(2)
أحمد في المسند 2/ 291، 392، 442 (الحلبي).
والترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في حسن الخلق 4/ 363 من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج.
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب.
(3)
البخاري في كتاب الرقاق باب حفظ اللسان 11/ 2660 - ومسلم في كتاب الزهد والرقاق: باب التكلم =
• وخرّجه الترمذيُّ ولفْظُه: "إنَّ الرجل لَيتكلَّمُ بالكلمة لا يَرَى بها بأسًا يهوي بها سبعين خَرِيفًا في النار"]
(1)
.
• وروَى مالك عن زيد بن أَسْلَم عن أبيه أن عمرَ دخلَ على أبي بكر رضي الله عنهما وهو يجَبِذ لسانه، فقال عمرُ:"مَهْ! غفَرَ الله لك؟ " فقال أبو بكر: "هذا أَوْرَدَني الموارِدَ!؟
(2)
".
• وقال ابنُ بُرَيدة: رأيتُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أخذَ بلسانه وهو يقول: "وَيْحَكَ! قل خيرًا تَغنمْ، أو اسكت عن سوء تسلَمْ، وإلا فاعلم أنك ستَندَم؟! ". فقال: فقيل له: يا أبا عباس! لِمَ تقولُ هذا؟ قال: "إنه بلغني أن الإنسانَ أراهُ قال: ليس على شيء من جسده أشدَّ حَنَقًا أو غيظًا يوم القيامة منه على لسانه، إلا مَنْ قالَ به خيرًا أو أَمْلَى به خيرًا
(3)
".
• وكان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: "ما عَلَى الأرضِ شيٌ أحْوَجُ إلى طول سَجْنٍ مِن لسانٍ"
(4)
.
• وقال الحسن: "اللسانُ أميرُ البَدَن؛ فإذا جَنَى على الأعضاء شيئًا جَنَتْ، وإذا عفَّ عَفَّت
(5)
".
• وقال يونس بن عبيد: "ما رأيت أحدًا لسانُه منه عَلى بَالٍ إلا رأيتُ ذلك صلاحًا في سائر عمله
(6)
".
* * *
• وقال يحيى بنُ أبي كثير: "ما صلُحَ منطقُ رجلٍ قط إلا عرفتُ ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله
(7)
".
* * *
= بالكلمة يهوي بها في النار 4/ 2290.
وعنده: "ينزل" وما بين القوسين من البخاري.
(1)
أخرجه الترمذي في كتاب الزهد. باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس 4/ 557 هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(2)
الموطأ 2/ 165 - 166 ح 2078 رواية أبي مصعب الزهري. والصمت لابن أبي الدنيا ح 13.
(3)
الحلية 1/ 327 - 328 بنحوه.
(4)
الحلية 1/ 134 بمعناه.
(5)
الصمت ح 59.
(6)
الصمت ح 60 بنحوه.
(7)
الحلية 3/ 68 من طريق الوليد، عن أبي عمرو، عن يحيى بن أبي كثير ..
• وقال المبارك بن فَضَالة، عن يونُس بن عبيد رحمهم الله: "لا تجِدُ شيئًا من البِرِّ واحدًا يتبعه البِرُّ كلُّه غير اللسان؛ فإنكَ تجدُ الرجلَ يصومُ النهار ويفطِرُ على حرَام، ويقوم الليل ويشهد الزُّور بالنهار، وذكَرَ أشياء نحو هذا، ولكن لا تجده لا يتكلّم إلا بحقٍّ فيخالف ذلك عمله أبدًا
(1)
".
* * *
(1)
الحلية 3/ 20 بنحوه، وفي بعض النسخ:"بالزور" والذي أثبتناه عن الأصول موافق لما في الحلية هنا وهو الموافق للتعبير القرآني: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} سورة الفرقان: 72.
الحديث الثلاثون
عَنْ أَبيِ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ (جُرْثُومِ بْنِ نَاشِرٍ) رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:
"إِنَّ الله فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهكوهَا، وسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ
(1)
غَيْرِ نِسْيانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا".
حَدِيثٌ حَسنٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديثُ من رواية مكْحُول عن أبي ثعْلبة الخُشَنيِّ، وله علَّتان: إحداهما: أن مكحولًا لم يصحَّ له السماعُ من أبي ثَعْلَبة.
كذلك قال أبو مِسْهَر الدِّمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما
(2)
.
والثانية: أنه اختُلف في رفْعه ووقْفه على أبي ثَعْلبة، ورواه بعضهم عن مكْحول من قوله، لكن قال الدارَقُطْني:"الأشبهُ بالصوابِ: المرفوع"، قال: وهو أشهَرُ.
وقد حسَّنَ الشيخُ رحمه الله هذا الحديث، وكذلك حسنه قبله الحافظ أبو بكر بن السَّمْعَاني في أمالِيه.
وقد رُوي معنى هذا الحديث مرفوعًا من وجوه أُخرَ.
خرّجه البزَّارُ في مسنده والحاكم من حديث أبي الدَّرْداء رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حرّمَ فهو حرامٌ، وما سكتَ عنه فهو عفوٌ فاقبلوا من الله عافيته. فإن الله لم يكن لينْسَى شيئًا، ثم تلا هذه الآية {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} "
(3)
.
• وقال الحاكم: صحيحُ الإسناد.
(1)
ليست في ظ ولا في ل.
(2)
كما هو مذكور في ترجمته في التهذيب 10، 289 - 293.
(3)
الآية 64 من سورة مريم.
والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 375 وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
وأورده الهيثمي في المجمع من حديث أبي الدرداء 1/ 171 وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون.
• وقال البزَّارُ: إسنادهُ صالح.
• وخرَّجه الطبراني والدارقُطْني من وجهٍ آخر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي ثَعْلبة، وقال في آخره:"رحمة من الله فاقبلوها"
(1)
.
ولكن إسناده ضعيف.
• وخرّج الترمذي وابنُ ماجه من رواية سيفِ بن هرون عن سليمان التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ رضي الله عنه قال: سئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن السِّمْن والجُبن والفِراء فقال: "الحلالُ ما أحل الله في كتابه، والحرامُ ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عَفَا عنه"
(2)
.
• وقال الترمذيُّ رواه سفيان يعني ابن عيينة عن سليمان عن أبي عثمانَ عنْ سلمانَ رضي الله عنه من قوله، وكأنه أصحُّ.
• وذكر في كِتاب العِلل عَنِ البخاريِّ أنه قال في الحديث المرفوع ما أُراهُ محفوظًا وقال أحمد: هو منكر وأنكرهُ ابنُ معين أيضًا.
• وقال أبُو حاتم الرازي: هو خطأ رواه الثَّقات عن التَّيمِي، عن أبي عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مَرْسَلًا ليس فيه سَلْمان.
قلت: وقد رُوي عن سلْمان من قوله من وجوه أخر.
• وخرَّجه ابن عدِي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا وضعفَ إسنادَه.
وَرَواه صَالح المَرِّي عَن الجُرَيري، عَن أبي عثمانَ النَّهَدِي، عن عائشة رضي الله عنها، مرفوعًا. وأخطأ في إسنادِهِ.
(1)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 171 عن الطبراني في الأوسط والصغير وقال: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه أصرم وهو متروك، ونسب إلى الوضع وانظر المعجم الكبير 22/ 221 - 222 وهامشه وسنن الدارقطني 4/ 183 - 184.
(2)
أخرجه الترمذي في كتاب اللباس: باب ما جاء في لبس الفراء 4/ 220 من طريق سيف بن هارون البرجمي، عن سيمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان وقد عقب عليه الترمذي بقوله: وفي الباب عن المغيرة، وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وورى سفيان وغيره عن سيمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله. وكأن هذا الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظًا. روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سليمان موقوفًا قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد عن عاصم ذاهب الحديث وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأطعمة: باب أكل الجبن والسمن 2/ 117، وانظره في صحيح سنن ابن ماجه 2/ 240 وقد حسن الشيخ إسناده.
وروي عن الحسن مرسلًا.
• وخَرَّج أبو دَاود من حَديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "كان أهلُ الجاهلية يأكلونَ أشياء، ويتركونَ أشياء تقذُّرا، فبعث الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله وحرَّم حرامه، فما أحلَّ فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا قوله تعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
(1)
.
وهذا موقوف.
وقال عبيد بن عمير: "إن الله عز وجل أحل حلالًا، وحرم حرامًا. فَما أحلَّ فهوَ حلالٌ، وما حرَّم فهو حَرَامٌ، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ".
* * *
[حديث أبي ثعلبة]:
فحديثُ أبي ثعلبة قَسَّمَ فيه أحكامَ الله أربعةَ أقسام: فرائضُ، ومحارمُ، وحدودٌ، ومسكوتٌ عنه، وذلك يجمع أحكام الدِّين كلِّها.
[هذا الحديث]:
• قال أبو بكر السَّمعاني: "هذا الحديثُ أصلٌ كبيرٌ من أُصولِ الدين".
• وقال: وحكي عن بعضهم أنه قال: "ليس في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ واحد أجمْعُ - بانفراده لأصول العلم وفروعه - من حديث أبي ثعلبة".
• قال: وحُكي عن أبي واثلة المزني أنه قال: "جَمَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات، ثم ذكر حديث أبي ثعلبة".
قال ابن السَّمعاني: "من عَمِلَ بهذا الحديث فقد حاز الثوابَ، وأَمِنَ العقابَ؛ لأنَّ مَن أَدَّى الفرائِضَ، واجتنبَ المحارِمَ، ووقفَ عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه؛ فقد استوفَى أقسامَ الفضل، وأوفى حقوق الدِّينِ؛ لأن الشرائع لا تخرجُ عن الأنواع المذكورة في هذا الحديث" انتهى.
(1)
الآية 145 من سورة الأنعام الحديث أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأطعمة: باب ما لم يذكر تحريمه 3/ 484 - 485.
[الفرائض]:
فأمّا الفرائض: فما فرضَهُ اللهُ على عِباده، وألزمهم القيامَ به كالصلاة، والزكاة والصِّيامِ، والحجِّ.
* * *
[بين الفرض والواجب]:
وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم: هل الواجبُ، والفرضُ بمعنى واحد أم لَا؟ فمنهم من قال:"هما سواء، وكلّ واجب بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة الشرع فهو فرضٌ".
وهوَ المشهورُ عن أصحاب الشافعي وغيرهم.
وحكى رواية عن أحمد؛ لأنه قال: "كلُّ ما في الصلاة فهو فرض".
ومنهم من قال: "بل الفرضُ ما ثبت بدليل مقطوع به، والواجبُ ما ثبتَ بغير مقطوع به".
وهو قولُ الحنفية وغيرهم.
• وأكثر النصوص عن أحمد تفرق بين الفَرضِ والواجب؛ فنقل جماعة من أصحابه عنه أنه قال: "لا يسمَّى فرضًا إلا ما كان في كتاب الله تعالى".
• وقال في صدقة الفطر: "ما أجْتَرِئ أن أقول: إنها فرضٌ" مع أنه يقول بوجوبها.
• فمن أصحابنا مَنْ قال: "مُرادُه أن الفرض ما ثبت بالكتاب، والواجبُ ما ثبت بالسنة" ومنهم من قال: "أراد أن الفرض ما ثبتَ بالاسْتِفَاضة، والنقلِ المتواتر، والواجبَ ما ثبت من جهة الاجتهاد، وساغ الخلافُ في وجوبه".
* * *
[بر الوالدين]:
ويُشْكِلُ على هذا: أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين: "ليس بفرض" ولكن أقول واجب ما لم يكن معصية.
وبرّ الوالدين مجمعٌ على وجوبه، وقد كثرت الأوامر به في الكتاب والسنة، فظاهر هذا أنه لا يقول فرضًا إلا ما ورد في الكتابِ والسنة تسميته فرضًا.
* * *
[الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]:
وقد اختلف السلف في الأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر هل يسمَّى فريضة أم لا؟
فقال جويبر عن الضَّحاك: "هُما من فرائض الله عز وجل".
وكذا رُوي عن مالك.
وَرَوى عبد الواحد بن زيد عن الحسن قال: ليس بفريضة، كان فريضة على بني إسرائيل. فرحمَ الله هذه الأمة لضَعْفِهِم، فجعله عليهم نافلة
(1)
.
وكتب عبد الله بن شُبرُمَةَ بن عُبيد أبياتًا مشهورة أولها:
الأمر يا عمرو بالمعروف نافلةٌ
(2)
…
والقائمون به لله أنصارُ
واختلف كلام الإمام أحمد فيه هل يسمى واجبًا أم لا؟ فرَوَى عنه جماعةٌ ما يدل على وجوبه، وروى عنه أبو داود في الرجل يرَى الطنبُور ونحوه أواجبٌ عليه تغييرُه؟ قالَ: ما أدرِي وأحب إن غيرَ فهو فضل
(3)
.
• وقال إسحاق بن راهويه: "هو واجب على كلِّ مسْلم إلا أن يخشَى على نفسِه".
(1)
أخرجه أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص 27 ح 11): من طريق محمد بن مسعود الأنطاكي، عن سهل بن صالح، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد! أرأيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفريضة هو؟ قال: لا يا بني! كان فريضة على بني إسرائيل، فرحم الله هذه الأمة وضعفهم؛ فجعله عليهم نافلة" اهـ.
ولعله يعني أنه نافلة بالنسبة للمجموع حيث لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا على كل مسلم كالصلاة وإنما هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الوجوب عن الباقين، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} فإن (من) للتبعيض.
(2)
أورده أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 31 - 32 من طريق أد بن محمد بن مسعود الأنطاكي، عن محمد بن غالب الأنطاكي، عن أبي الجواب، عن الحسن بن صالح، قال: كتب عمرو بن عبيد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله في تخلفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكتب إليه عبد الله بن شبرمة.
الأمر يا عمرو بالمعروف نافلة
…
والعاملون به لله أنصار
التاركون له ضعفًا لهم عذرٌ
…
واللائمون لهم في ذاك أشرار
الأمر يا عمرو لا بالسيف تشهره
…
على الأئمة إن القتل إضرار
(3)
راجع في هذا وفيما بعده: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخلال ص 27 وما بعدها: باب من رأى منكرًا فلم يستطع له تغييرًا أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له.
وانظر أيضًا مسائل الإمام أحمد لأبي داود س 2679 فقد أوردها بسياقها تامًّا.
• ولعل أحمد يتوقفُ في إطلاق الواجب على ما ليس بواجب على الأعْيان، بل على الكفاية.
* * *
[والجهاد؟]:
• وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في الجهاد هل هو واجب أم لا؟ فأنْكر جماعةٌ منهم وجوبه، منهم عطاء، وعمرُو بنُ دِينار، وابن شُبْرُمة.
ولعلهم أرادوا هذا المعنى.
• وقال طائفة: "هو واجبٌ" منهم سعيدُ بن المسيّب، ومكحول.
ولعلهما أرادا وجوبه عَلَى الكفَاية.
* * *
[روعة الإمام أحمد في ورعه!]:
• وقال أحمد في رواية حَنْبل: "الغَزْوُ واجِبٌ عَلَى الناسِ كُلِّهِم كوجوب الحج؛ فإذا غَزَا بعضهم أجزأ عنهم ولابد للناسِ من الغَزْو".
• وسأله المروَزِيّ عن الجهاد أفرضٌ هو؟ قال: قد اختلفوا فيه، وليس هو مثلَ الحج.
• ومرادُه أن الحج لا يسقط عمنْ لم يحجّ، مع الاستطاعة بحج غيره، بخلاف الجهاد.
* * *
• وسئل عن النفير متى يجب؟ فقال: "أما إيجابٌ فلا أدري، ولكن إذا خافوا على أنفسهم، فعليهم أن يخرجوا".
* * *
وظاهر هذا: التوَقُف في إطلاق لفظ الواجب على ما لم يأت فيه لفظ الإيجاب تورُّعًا، وكذلك توقَّفَ في إطلاق لفظ الحرام على ما اختُلف فيه، وتعارضت أدلتُه من نصوص الكتاب والسنة، فقال في متعة النساء: لا أقول هي حرامٌ ولكن يُنْهَى عنه.
ولم يتوقف في معنى التحريم، ولكن في إطلاق لفظه؛ لاختلاف النصوص، والصحابة فيها.
هذا هو الصحيح في تفسير كلام أحمد.
• وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: "لا أقول حرامٌ ولكن يُنْهى عنه".
والصحيح في تفسيره أنه توقف في إطلاق لفظةِ "الحرام" دون معناها.
وهذا كلُّه على سبيل الورع في الكلام؛ حذَرًا من الدخول تحت قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ}
(1)
.
* * *
[والربيع بن خثيم!]:
• قال الربيع بن خثيم: "ليتَّقِ أحدُكم أن يقول أحل الله كذا، وحرّم كذا، فيقول الله كذبت لم أحل كذا، ولم أحرمْ كذا".
* * *
[والإمام مالك!]:
وقال ابن وهب: "سمعتُ مالك بنَ أنس يقول: أدْركت علماءنا يقولُ أحدهم إذا سئل: أكره هذا ولا أحبُّه، ولا يقول حلالٌ ولا حرام".
* * *
[ما حكي عن أحمد في إطلاق الفرض]:
• وأما ما حكي عن أحمد أنه قال: "كل ما في الصلاة فهو فرضٌ". فليس كلامُه كذلك وإنما نَقَلَ عنْهُ ابنه عبد الله أنه قال: "كلُّ شيء في الصلاة مما ذَكره الله فهو فرضٌ".
وهذا يعود إلى معنى قوله: أنه لا فرض إلا ما في القرآن والذي وكَّده الله من أمر الصلاة: القيام والقراءة والركوع والسجود.
وإنما قال أحمد هذا لأن بعض الناس كان يقول: الصلاة فرض، والركوع والسجود لا أقول إنه فرض، ولكنَّهُ سنَّة.
* * *
(1)
سورة النحل: 116.
[ومما يروى عن مالك في هذا]:
• وقد سئل مالك بن أنس عمن يقول ذلك فكفَّره، فقيل له: إنه يتأول فلعنه وقال:
"لقد قال قولًا عظيمًا!؟ ".
• وقد نقله أبو بكر النيسابوري في كتاب "مناقب مالك" من وجوه عنه.
• وروى أيضًا بإسناده عن عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرمَّاح قال: دخلتُ على مالك بن أنس فقلت: يا أبا عبد الله! ما في الصلاة من فريضة؟ وما فيها من سُنّة أو قال نافلة؟ فقال مالك: "كلام الزنادقة أخرجوه".
* * *
[وإسحاق بن راهويه]:
ونقل إسحَق بنُ منصور عن إسْحَاق بن رَهَوايه أنه أنكر تقسيمَ أجزاءِ الصلاة إلى سُنّة وواجب؛ قال: كلُّ ما في الصلاة فهو واجب، وأشار إلى أن منه ما تعادُ الصلاةُ بتركه، ومنه ما لا تُعاد.
* * *
[دوافع الأئمة]:
وسبب هذا - والله أعلم - أن التعبير بلفظ السنة قد يُفضي إلى التهاون بفعل ذلك، وإلى الزهد فيه، وتركه، وهذا خلاف مقصود الشَّارع من الحث عليه، والترغيب فيه، بالطُّرقِ المؤدِّية إلى فعله وتحصيله، فإطلاقُ لفظ الواجب أدْعى إلى الإتيان به، والرغبة فيه.
[من إطلاقات الواجب]:
وقد ورد إطلاقُ الوَاجِبِ في كلامِ الشارع على ما لا يأثم بتركه، ولا يعاقبُ عليه عند الأكثرين كغُسْل الجمعة وكذلك ليلة الضيف عند كثير من العلماء، أو أكثرهم، وإنما المراد به: المبالغةُ في الحث على فعله وتأكيده.
* * *
[المحارم أو المحرمات]:
وأما المحارم فهي التي حَمَاهَا الله تعالى، ومنع من قربانها، وارتكابها وانتهاكها.
والمحرمات المقطوع بها مذكورةٌ في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
(1)
إلى آخر الآيات الثلاث، وقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
(2)
.
وقد ذُكِرَ في بعض الآيات المحرَّمات المختصَّة بنوعٍ من الأنواع كما ذَكَر المحرَّمات من المطاعِم في مواضع منها قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}
(3)
(4)
. وفي الآية الآخرى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}
(5)
(6)
.
وذكر المحرَّمات في النِّكاح في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}
(7)
.
وذكر المحرّمات من المكاسب في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}
(8)
.
وأما السنة ففيها ذكر كثير من المحرَّمات كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرَّمَ بيعَ الخمر والميتَةِ والخنزيرِ والأصنامِ"
(9)
.
(1)
سورة الأنعام: 151.
(2)
سورة الأعراف: 33.
(3)
سورة الأنعام: 145.
(4)
سورة البقرة: 173.
(5)
سورة النحل: من الآية 115: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
(6)
سورة المائدة: 3.
(7)
سورة النساء: 23.
(8)
سورة البقرة: 275.
(9)
في هذا يروي مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة:"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة، والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه (أذابوه) ثم باعوه. صحيح مسلم: كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة، والخنزير، والأصنام 3/ 1207، ورواه أبو داود في كتاب البيوع والإجارات: باب ثمن الخمر والميتة 3/ 279/ 380. وابن ماجه في التجارات: باب ما لا يحل بيعه 3/ 732 والبخاري ح 2236، 4296، 4633.
والنسائي في كتاب الفرع والعتيرة: باب النهي عن الانتفاع بشحوم الميتة 7/ 177.
وقوله: "إن الله إذا حرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثمنه"
(1)
.
وقوله: "كل مُسْكِر حرام"
(2)
.
وقوله: "إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام"
(3)
.
فما وَرَد التصريح بتحْريمه في الكتاب والسنة فهو محرَّم.
* * *
[النهي بين التحريم والأدب أو الكراهة]:
وقد يُسْتفاد التَّحْريمُ من النهي مع الوعيد والتشديد؛ كما في قوله عز وجل: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}
(4)
.
وأما النَّهي المجرَّدُ فقد اختلف الناس: هل يُسْتَفَادُ منه التَّحْريم أم لا؟.
وقد رُوي عن ابن عمرَ رضي الله عنهما إنكارُ استفادةِ التحريم منه، قال ابن المبارك: أخْبرَنَا سلَّام بن أبي مطيع، عن ابن أبي دَخيلةَ، عن أبيه، قال: كنتُ عند ابن عُمَر
(1)
في هذا يروي أبو داود في الموضع السابق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال:"لعن الله اليهود! " ثلاثًا "إن الله حرم عليهما الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه".
وهو عند أحمد في المسند 4/ 49/ 236 (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر.
(2)
راجع في هذا ما رواه البخاري في المغازي: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع 8/ 50 - 51 من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر فقلت لأبي بردة: وما البتع، قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال:"كل مسكر حرام". وما رواه البخاري في كتاب الأشربة: باب الخمر من العسل وهو البتع 10/ 34 من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع وهو شراب العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شراب أسكر فهو حرام".
وانظر ما رواه مسلم من حديث عائشة وأبي موسى وجابر وابن عمر وغيرهم في هذا في كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام 3/ 1585 - 1588.
(3)
راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي: باب حجة الوداع 8/ 86 من حديثي ابن عمر وأبي بكر عن خطبته عليه السلام يومئذٍ.
وما أخرجه مسلم في كتاب الحج: باب حجة الوداع 2/ 886 - 892 من حديث جابر رضي الله عنه، عن خطبته صلى الله عليه وسلم.
(4)
سورة المائدة: 90 - 91.
فقال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الزَّبيب والتمر
(1)
يعني أن يُخْلَطَا فقال لي رجل من خلفي: ما قال؟ فقلت: حرّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الزبيب والتمر، فقال عبد الله بن عمر:"كذَبْتَ" فقلتُ: "ألم تَقُلْ: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنه" فهو حرام فقال: "أنت تشهد بذلك؟ " قال سلّام: كأنه يقول: "منْ نَهْي النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أدب"
(2)
.
وقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقِّيَ إطلاق لفظ الحرام على ما لم يُتَيقَّن تحريمه مما فيه نوع شُبْهة أو اختلاف.
وقال النَّخَعِي: "كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها".
وقال ابنُ عَوْن: قال لي مكْحُول: "ما تقولون في الفاكهة تُلْقى بين القوم فينتهبونها "؟ قلت: "إن ذلك عندنا لمكروه" قال: حرام هي؟ قال ابن عون فاستجْفَيْنَا ذلك من قول مكحول
(3)
.
وقال جعفر بن محمد: سمعتُ رجلًا يسأل القاسم بنَ محمد؟ الغناءُ أحرامٌ هو؟ فسكت عنه القاسم، ثم عاد فسكت عنه، ثم عاد فقال له: إن الحرامَ ما حَرَّم اللهُ في القرآن، أرأيت إذا أتي بالحق والباطل إلى الله في أيهما يكون الغناء؟ فقال الرجل: في الباطل فقال: "فأنْتَ فأَفْتِ نفسَكَ".
قال عبد الله بنُ الإِمام أحمد: سمعت أبي يقول: أما ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم، فمنها أشياء حرام مثل قوله نهى أن تُنْكحَ المرأة على عمتها أو على خالتها
(4)
فهذا حرام.
ونهى عن جُلُود السباع؛ فهذا حرام، وذكر أشياءَ مِنْ نحو هذا
(5)
.
ومنها أشياء نهى عنها فهي أدب.
(1)
راجع في النهي عن خلط التمر والزبيب في النبيذ ما رواه مسلم في كتاب الأشربة باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين 2/ 1574 - 1577 من أحاديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وأبي سعيد الخدري وغيرهم.
(2)
م "ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أدب".
(3)
عددناه أمرًا جافيًا، نابيًا؛ صحاح 6/ 2303.
(4)
راجع في هذا ما رواه الترمذي في السنن: كتاب النِّكاح: باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها 3/ 432 - 433 من حديثي ابن عباس وأبي هريرة وحديث أبي هريرة رواه من طريقين أحدهما حسن صحيح، والآخر صحيح.
وما رواه أبو داود في كتاب النِّكاح: باب ما يكره أن يجمع بين النساء 2/ 302 - 303 من حديثي أبي هريرة وابن عباس.
(5)
راجع في هذا ما رواه أبو داود في سننه: كتاب اللباس: باب جلود النمور والسباع 4/ 95 - 97 من حديثي خالد بن معدان وأبي المليح بن أسامة عن أبيه.
وما رواه النسائي في كتاب الفرع والعتيرة: باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع 7/ 176 - 177 من الحديثين السابقين. =
[حدود الله]:
وأما حُدُود الله التي نَهى عن اعتدائها فالمراد بها جملة ما أَذِنَ في فِعلهِ سواءٌ كان على طريق الوجُوب أو النَّدْب أو الإباحة. واعتداؤُها هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نُهي عنه؛ كما قال تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}
(1)
.
والمراد من طلَّق على غير ما أمر الله به، وأذِنَ فيه.
وقال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
(2)
.
والمراد من أمسكَ بعد أن طلق بغير معروف، أو سَرَّحَ بغير إحْسَان، أو أخذ مما أَعْطَى المرأَةَ شيئًا على غير وجه الفِدْية التي أذن الله فيها.
(3)
والمرادُ من تَجَاوز ما فرضه الله للورثة ففضّل وارثًا، وزَادهُ على حقِّه، أو نَقَصَه منه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع:"إن الله قد أعطى كلّ ذِي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث"
(4)
.
= وما رواه الترمذي في كتاب اللباس: باب ما جاء في النهي عن جلود السباع 4/ 241 وقد أخرج حديث قتادة من وجوه ذكر أن أصحها عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن جلود السباع.
وأخرجه أحمد في المسند 5/ 74، 75 من وجوه عن أبي المليح، عن أبيه.
(1)
سورة الطلاق: 1.
(2)
سورة البقرة: 229.
(3)
سورة النساء: 13، 14.
(4)
أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا: باب ما جاء في الوصية للوارث 3/ 155 من طريق عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل بن عياش. عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره.
وابن ماجه في كتاب الوصايا: باب لا وصية لوارث 2/ 905 - 906 من حديث عمرو بن خارجة، وأبي أمامة، وأنس.
وأخرجه الترمذي في السنن: كتاب الوصايا: باب ما جاء لا وصية لوارث 1/ 433 - 434 من أحاديث أبي أمامة وعمرو بن خارجة وأنس.
وذكر أن كلا من حديثي أبي أمامة وعمرو بن خارجة حديث حسن صحيح على الرغم مما ذكره من مقال في إسماعيل بن عياش أحد رواة حديث أبي أمامة وشهر بن حوشب أحد رواه حديث عمرو بن خارجة.
وقد ترجم البخاري بهذا الحكم في كتاب الوصايا فقال: باب: لا وصية لوارث فأخذ لفظ الحديث المرفوع، بيد أنه لم يورده في أحاديث الباب قال ابن حجر: كأنه لم يثبت على شرط البخاري فترجم به كعادته واستغنى بما يعطى حكمه، ثم ذكر إخراج أبي داود والترمذي له وقال: وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد قوى حديثه =
وروى النوَّاس بن سَمْعان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنْبتي الصراطِ سُورَان،، فيهما أبْوابٌ مفتَّحة، وعلى الأَبواب سُتُورٌ مُرْخَاة، وعلى باب الصَراط دَاعٍ يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصِّراطَ جميعًا، ولا مُرْخَاة، وعلى باب الصراط دَاعٍ يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصِّراطَ جميعًا، ولا تُعَرِّجُوا
(1)
، وداع يدعو من جوِف الصراط فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تَفْتَحه؛ فإنك إن تفتحه تَلِجْه، والصِراطُ: الإسلام، والسوران: حدُود الله، والأبوابُ المفتحة: محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصراطِ: كتابُ الله، والداعي من فوق: واعظُ الله في قلب كلِّ مسلم.
خرَّجه الإمام أحمد
(2)
وهذا لفظه.
والنسائي في تفسيره والترمذيُّ وحسَّنَه
(3)
.
فضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم، وهو الطَّريق السَّهل الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو مع هذا مستقيم لا عوج فيه فيقتضي
= عن الشاميين جماعة من الأئمة منهم أحمد والبخاري، وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث عند الترمذي، ثم ذكر للحديث طرقًا أخرى قال: لا يخلو إسناد كل منها عن مقال لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: "لا وصية لوارث" ويؤثرون عمن حفظوه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد، وقد نازع الفخر الرازي في كون هذا الحديث متواترًا وعلى تقدير تسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لكن الحجة في هذا: الإجماع على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره.
والمراد بعدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم؛ لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة .. إلخ.
راجع فتح الباري 5/ 372.
وانظر ما علق به الترمذي على الطريقين الآنفين.
(1)
في المسند: "ولا تتفرجوا". م: "ولا تعُوجوا" أي تقيموا.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 182، 183 من وجهين عن النواس.
(3)
أخرجه الترمذي في أول كتاب الأمثال: باب ما جاء في مثل الله لعباده 4/ 35/ 36 من التحفة وعقب عليه بقوله: "هذا حديث حسن غريب".
وفي الترمذي، و "ا":"على جنبتي" وما أثبتناه هو الموافق لما في المسند. الذي نص ابن رجب على أن هذا الذي ذكره هو لفظه.
وفي طبعة الحلبي 5/ 144 سقط لفظ حسن. أو أن اعتمادها على نسخة أخرى تنقص هذه الكلمة. ولم أجد الحديث في التفسير من الكبرى للنسائي 6/ 343 إلا من رواية ابن مسعود بنحوه وانظر التحفة 9/ 61.
ذلك قربهُ وسُهُولَتَه وعلى جَنْبتي الصراط يمنةً ويسرة: سوران، وهما حدُود الله؛ فكما أن السُّورَ يمنع مَن كانَ دَاخله منْ تعدّيه ومُجَاوزِته؛ فكذلك الإسلام يمنع مَن دخله من الخروج عن حدوده، ومجاوزِتها.
وليس وراء ما حدَّ اللهُ من المأذونِ فيه إلا ما نهى عنه.
ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده، وذمَّ من لا يعرف حَدَّ الحلال من الحرام؛ كما قال تعالى:{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} .
(1)
وقد تقدم حديث القرآن وأنه يقول لمن عمل به: حفظ حدودي، ولمن لم يعمل به: تعدَّى حُدُودِي
(2)
.
والمراد أنّ مَن لم يجاوزْ ما أُذِن له فيه إلى ما نُهي عنه فقد حفظ حدود الله، ومن تَعَدَّى ذلك فقد تَعدَّى حدود الله.
* * *
وقد تُطْلق الحدودُ ويرادُ بها نفسُ المحارم؛ وحينئذ فيقال: لا تقربُوا حدودَ الله؛ كما قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}
(3)
والمراد: النهيُ عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام، والاعتكاف في المساجد.
ومن هذا المعنى، وهو تسمية المحارم حدودًا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ القائم على حدود الله والمدَاهِنِ فيها كمثلِ قومٍ اقْتَسَمُوا سفينة"
(4)
.
الحديث المشهور.
(1)
سورة التوبة: 97.
(2)
في شرح الحديث الثالث والعشرين.
(3)
سورة البقرة: 187.
(4)
أخرجه البخاري في الشركة: باب هل يقرع في القسمة والاستفهام فيه 5/ 132 من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".
وأخرجه بنحوه في الشهادات: باب القرعة في المشكلات 5/ 292 - 293.
وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن: باب [12] بنحوه 5/ 470.
وعقب عليه بقوله هذا حديث حسن صحيح.
وهو عند أحمد في المسند 4/ 268، 263، 270، 273 - 274 من وجوه.
وأراد بالقائم على حدود الله: المنْكِرَ للمحرَّمات، والناهِيَ عنها.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إني آخذ بحُجَزكم اتقوا النار، اتَّقوا الحدُود".
قالها ثلاثًا.
خرجه الطبراني والبزار
(1)
.
وأراد بالحدود: محارمَ الله ومعاصِيَه.
ومنه قول الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم قل: إني أصبْتُ حدًا فأقمه عليّ
(2)
.
(1)
أخرجه البزار في كتاب الحدود: باب التحذير من مواقعة الحدود 2/ 210 من الكشف - من طريق يوسف بن موسى عن جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"أنا آخذ بحجزكم، أقول: إياكم والحدود إياكم وجهنم إياكم والحدود ثلاث مرات، فإذا أنا متُّ تركتكم وأنا فرط لكم على الحوض، فمن ورد أفلح".
قال البزار: لا نعلم رواه عن عبد الملك عن أبيه إلا، ليث بن أبي سليم.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 364 عن الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه إلا أنه قال في أوله: قال رسوال الله صلى الله عليه وسلم: أنا آخذ بحجزكم اتقوا النار اتقوا الحدود فإذا مت تركتكم وأنا فرطكم على الحوض".
وذكر الحديث ثم قال: والبزار وفي إسناده عندهم ليث بن أبي سليم وهو مدلس: بقية رجالهم ثقات.
أقول: وقد عنعن، فلا يزال في الحديث معن وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 354 بلفظ البزار ثم قال: رواه البزار وفيه ليث بن أبي سليم والغالب عليه الضعف.
وهو عند الطبراني في الكبير 11/ 28 من حديث ليث عن طاووس عن ابن عباس بهذا اللفظ وأتم الحديث فمن ورد فقد أفلح، فيؤتى بأقوام، فيؤخد بهم ذات الشمال، فأقول: رب! فيقول: إنهم لم يزالوا بعدك يرتدوا على أعقابهم ح 10953.
وأورده في الكبير أيضًا 12/ 56 - ح 12508 بمثل رواية البزار وأكمل الحديث بمثل الموضع الأول إلا أن فيه: مرتدين على أعقابهم.
(2)
راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب الحدود: باب إذا أقر بالحد ولم يبين: هل للإمام أن يستر عليه؟ (12/ 111 - 112) من الفتح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًّا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًّا فأقم فيَّ كتاب الله، قال: أليس صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال: حدَّك".
وأخرجه مسلم في كتاب التوبة: باب قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} 4/ 2117 - 2118 من وجوه. ولعل الرجل كان قد أصاب صغيرة حسبها كبيرة، أو لعل الوحي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر له بصلاته، وتكون هذه خصوصية للرجل راجع فتح الباري في الموضع المذكور.
والحديث عند أبي داود والدارمي وأحمد في المسند.
وقد تسمى العقوبات القدرةُ الرادعةُ عن المحارم المغلظة حدودًا كما يقال حدّ الزنا، وحدّ السرقة، وحدّ شُربِ الخمر.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: أتشفع في حدّ من حدود الله؟
(1)
يعني في القطع في السرقة. وهذا هو المعروف من اسم الحدرد في اصطلاح الفقهاء.
[لا يجلد فوق عشر جلدات]:
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حدٍّ من حدود
(2)
الله".
* * *
[الخلاف في معناه]:
فهذا قد اختلف الناس في معناه فمنهم من فسر الحدود هنا بهذه الحدود المقدَّرة وقال: "إن التعزير لا يزاد على عشر جَلَدَات، ولا يزاد عليها إلا في هذه الحدود المقدرة.
ومنهم من فسر الحدود ههنا بجنس محارم الله وقال: إن
(3)
المراد أن مجاوزة العشر جلدات لا تجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم الله.
فأما ضربُ التأديب على غير محرَّم فلا يتجاوز به عَشْر جلْدات.
* * *
[وحد حدودًا]:
وقد حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: "وحدَّ حُدودًا فلا تعْتدوها" على هذه العقوبات
(1)
راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب الحدود: باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان 12/ 72 - 79 من حديث عائشة رضي الله عنها في شأن المرأة المخزومية التي سرقت.
وقد أخرجه مسلم في كتاب الحدود: باب قطع يد السارق: الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود 3/ 3315 - 1316.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الحدود: باب كم التعزير والأدب 12/ 148.
ومسلم في كتاب الحدود: باب قدر أسواط التعزير 3/ 1332 - 1333.
والترمذي في كتاب الحدود: باب ما جاء في التعزير 4/ 63 بإسناد حسن غريب ثم قال: وقد اختلف أهل العلم في التعزير. وأحسن شيء روي في التعزير هذا الحديث.
ورواه أبو داود في كتاب الحدود: باب التعزير 4/ 232 - 233.
وابن ماجه في كتاب الحدود: باب التعزير 2/ 867.
والدارمي في سننه كتاب الحدود: باب التعزير في الذنوب 2/ 176 كلهم من حديث أبي بردة بن نيار مرفوعًا.
(3)
م: "وقال أن أراد بمجاوزة العشر"، ب: "وقال: المراد أن
…
".
الزَّاجرة عن المحرمات، وقال: المرادُ النهيُ عن تجاوُز هذه الحدود وتعدّيها عند
(1)
إقامتها على أهل الجرائم.
ورُجِّح ذلك بأنه لو كان المرادُ بالحدود: الوقوفَ عند الأوامر والنواهي لكان تكريرًا لقوله: "وفرض فرائض فلا تُضَيِّعوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها".
وليس الأمر
(2)
على ما قاله؛ فإن الوقوف عند الحدود يقتضي أنه لا يخرج عما أذن فيه إلى ما نُهي عنه، وذلك أعَمُّ من كون المأذون فيه فرضًا أو ندبًا أو مُباحًا كما تقدّم.
وَحينئذٍ فلا تكريرَ في هذا الحديث والله أعلم.
* * *
[المسكوت عنه]:
وأما المسْكوتُ عنه فهُو مَا لم يُذكرْ حُكمهُ بِتَحلِيل، ولا إيجاب، ولا تحريم، فيكون معفوًّا عنه. لا حَرَجَ على فاعله، وعلى هذا دلَّت الأحاديث المذْكورة ها هنا كحديث أبي ثعلبة وغيره.
[اختلاف ألفاظ الحديث]:
• وقد اختلفت ألفاظ حديث أبي ثعلبة فرُوي باللفظ المتقدم.
• وروي بلفظ آخر وهو: "إن الله فرضَ فرائضَ فلا تضيِّعُوها، ونهاكم عن أشياءَ فلا تَنْتَهِكُوهَا، وعفا عن أشياءَ من غير نسيانٍ؛ فلا تبحثوا عنها".
خرَّجه إسحاقُ بنُ راهَوَيْه.
• ورُويَ بلفظ آخر وهو "إنَّ الله فَرَضَ فرائضَ، فلا تضَيِّعُوهَا وسَنَّ لكم سُنَنًا فلا تنتهكوها، وحرّم عليكم أشياءَ فلا تعتدُوها، وترك بين ذلك أشياء من غير نِسْيانٍ رحمةً منه، فاقْبلوها، ولا تبْحثوا عنها".
خرجه الطبراني
(3)
.
(1)
م: "على".
(2)
م: "المراد".
(3)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 173 عن الطبراني في الكبير من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء، فلا تنتهكوها. وحد حدودًا فلا تعتدوها، وغفل عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
وقال: رجاله رجال الصحيح.
ولكن في بعض ألفاظه اختلاف كما قد رأيت وانظره في الكبير 22/ 223 - 222.
• وهذه الرِّواية تُبيِّن أن المعْفُوُّ عنه ما تُرِك ذكره فلم يحرَّم ولم يحلَّل ولكن مما ينبغي أن يُعلم أن ذكر الشيء بالتحْليل والتحْريم ممَّا قدْ يخفى فهمه من نصوص الكتاب والسُّنَّة فإن دلالةَ هذه النصوص قد تكون بطريق النَّص والتصْريح، وقد تكون لطريق العُمُوم والشُّمول، وقد تكون دَلالتُه بطريق الفَحْوَى والتنبيه كما في قوله تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}
(1)
فإن دخَول ما هو أَعظم من التأْفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأوْلى، ويسمى ذلك مفهوم الموافقة.
• وقد تكون دلالتهُ بطريق مفهوم المخالفة كقوله صلى الله عليه وسلم: "في الغنم السائمة الزكاة"
(2)
فإنه يدل بمفْهومه على أنه لا زكاةَ في غير السائمة، وقد أخذ الأكثرون بذلك واعتبروا بمفْهُوم المخالفة، وجعلوه حجة.
• وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نصَّ الشارعُ صلى الله عليه وسلم على حكم في شيء لمعنى من المعاني وكان ذلك المعنى مَوْجُودًا في غيره فإنه يتعدَّى الحكم إلى كل ما وُجدَ فيه ذلك المعنى عند جمهور العلماء وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله، وأمر بالاعتبار به.
فهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحْلِيل والتحْريم.
فأما ما انتفَى فيه ذلك كله فها هنا يُسْتَدَل بعدم ذكره يايجَابٍ أو تحريم على أنه معفوٌّ عنه.
* * *
[مسلكان في الإيجاب والتحريم]:
• وها هنا مَسْلكان: أحدهما: أن يقالَ: لا إيجابَ ولا تحريم إلا بالشرع، ولم يوجب الشرعُ كذا، أو لم يحرمه؛ فيكُون غيرَ واجب أو غير حرام؛ كما يقال مثلُ هذا في الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأضحيّة أو نفي تحريم الضّب، ونحوه، أو نفي تحريم بعض العقُود المختَلَف فِيها، كالمُساقَاةِ والمزَارعة، ونحو ذلك.
ويرجع هذا إلى استصْحاب براءة الذمة، حيث لم يوجدَ ما يدلُّ على اشتِغَالها ولا يصلح هذا الاستدْلال إلا لمن عَرَفَ أنواع أدلَّة الشَّرْع وسَبْرَها، فإن قَطَعَ مع ذلك بانتفاء
(1)
سورة الإسراء: 23.
(2)
راجع ما أخرجه مالك في الموطأ: باب صدقة الماشية 1/ 257 - 258 وما أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الزكاة: باب زكاة السائمة 2/ 129، وما بعدها والبخاري في الزكاة ح 1454 من حديث أبي بكر.
ما يَدلُّ على إيجابٍ أو تحريم قطَعَ بنفي الوُجُوب والتَّحْريم كما يقطعُ بانتفاء فريَضة صلاةٍ سادسةٍ، أو صيامِ شهرٍ غير شهر رمضان، أو وجوب الزكاة في غير الأموال الزكَوِيّة، أو حجة غير حجة الإسلام.
وإن كان هذا كلّه يُسْتَدَلُّ عليه بنصوص مُصرَّحة بذلك، وإن ظَنَّ انتفاءَ ما يدلُّ على إيجابٍ أو تحريم، ظن انتفاء الوجوبِ والتَّحريم من غير قَطْع.
* * *
• والمسلك الثاني: أن يُذْكَرَ من أدلَّة الشرع العامة ما يدلُّ على أنّ ما لما يوجبه الشرعُ ولم يُحَرِّمْه؛ فإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عنه؛ كحديث أبي ثَعْلَبَة هذا، وما في معناه من الأحاديث المذكورة معه.
• ومثل قوله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن الحجّ في كل عام - فقال: "ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنما هلَكَ من كان قبْلكم بكثرة سؤَالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكُم عن شَيء فاجتنبوهُ، وإذا أَمرْتُكم بأَمْرٍ فأْتُوا منه ما استَطعْتُم"
(1)
.
• ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وَقَّاص رضي الله عنه: "إن أعظمَ المسلمينَ في المسلمين جُرْمًا مَن سأل عن شيء لَمْ يُحرَّمْ فَحُرِّمَ من أجل مسأَلَته"
(2)
.
• وقد دلَّ القرآن على مثل هذا أيضًا في مواضع، كقوله تعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا}
(3)
فإن هذا يدل على أن ما لم يُوجد تحريمُه فليس بمحرَّم، وكذلك قوله تعالى:{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}
(4)
- فَعَنَّفَهُم على ترك الأكل مما لم يذكر
(5)
اسمُ الله عليه مُعَلِّلا بأنه قد بيَّن لهم الحرامَ، وهذا ليس منه؛ فدلّ على أن الأشياء على الإباحة وإلا لما ألحق اللوم بمن امتنع من الأكل ممَّا لم ينص له على حِلِّهِ بِمجرَّد كونه لم ينصَّ على تحريمه.
* * *
(1)
سبق تخريجه مع أول الكلام على الحديث التاسع وقد أورده ابن رجب عن البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة 251، 253.
(2)
أورده ابن رجب عن مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص وقد مضى في شرح الحديث التاسع ص 251.
(3)
سورة الأنعام: 145.
(4)
سورة الأنعام: 119.
(5)
م: "ذكر" وفيها تحريف واضح.
[الحكم قبل ورود الشرع]:
• واعلم أن هذه المسألة غير مسألة حكم
(1)
الأعْيانِ قبل ورود الشرع هل هو الحَظْرُ أو الإباحة أو لا حكم فيها؟ فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بَعدَ وروده فقد دَلَّت هذه النصوص وأشباهُها على أن حكم ذلك الأصل زال واستقَرَّ أن الأصل في الأشياء الإباحةُ بأدلّة الشرع.
• وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلّطُوا
(2)
مَن سوّى بين المسألتين، وجعل حُكْمَهُما واحدًا.
• وكلام الإمام أحمد يدُلُّ على أن ما لا يدخل في نصوص التَّحْريم، فإنه مَعْفُوٌّ عنه.
• قال أبو الحارث: قلتُ لأبي عباد الله، يعني أحمد، إن أصحاب الطير يذبحون من الطير شيئًا
(3)
لا نعرفه، فما ترى في أكله؟ فقال: كل ما لم يكنْ ذا مخلب أو يأكل الجِيَف؛ فلا بأس به، فحصَرَ تحريم الطير في ذي المخلب النصوص عليه، وما يأكل الجِيَف؛ لأنه في مَعْنَى الغراب المنصوص عليه، وحَكَم بإباحَةِ ما عداهما.
* * *
[أطعمة المجوس وفراؤهم]:
• حديث ابن عباس الذي سبق ذكره
(4)
يدلّ على مثل هذا.
• وحديث سَلْمانِ الفارسيِّ فيه النهي عن السؤال عن الجُبْن والسمن والفراء: فإن الجبن كان يُصنْعُ بأرض المجوس ونحوهم من الكفار، وكذلك السَّمن، وكذلك الفِراء تُجْلَبُ من عندهم، وذبائحُهُمْ مَيْتة
(5)
.
وهذا مما يُسْتدَلُّ به على إباحة لبن الميتة، وأَنْفِحَتِها، وعلى إباحة أطعمة
(6)
المجوس.
وفي ذلك كلِّه خلافٌ مشهور!.
أو يُحْمَل على أنه إذا اشتبه الأمر لم يجب السؤالُ والبحث عنه؛ كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لما سُئِل عن الجُبن الذي تصنعه المجوس، فقال: ما وَجَدتُه في سوق المسلمين اشَتريتُه ولم أَسأل عنه.
(1)
سقطت من م.
(2)
م: "وغلط".
(3)
م: "أشياء".
(4)
مضى ص 819.
(5)
الحديث مضى ص 818.
(6)
م: "إطعام".
• وذُكِرَ عندَ عمر الجبن وقيل: إنهُ يُوضَع
(1)
فيه أنافِح الميتة؟ فقال: سَمّوا الله وكلوا
(2)
.
• قال الإمام أحمد: أصح حديث فيه هذا الحديث يعني جُبْنَ المجوس.
وقد روى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بِجُبْنَةِ
(3)
في غزوة الطائف فقال: "أين تُصْنَع هذه؟ " قالوا: بفارس، فقال صلى الله عليه وسلم:"ضَعُوا فيها السكين، واقطعوا واذكروا اسم الله وكلوا".
خرَّجه الإمام
(4)
أحمد وسُئل عنه فقال: هو حديث منكَرٌ، وكذا قال أبو حاتم الرازي.
• وخرَّجَ أبو داود بمعناه من حديث ابن عمر، إلا أنه قال في غزوة تَبُوك
(5)
وقال أبو حاتم: هو مُنْكَر أيضًا
(6)
.
• وخرَّجه عبد الرزاق في كتابه مُرْسلًا
(7)
، وهو أشبه.
وعنده زيادة وهي أنه قيل له: يا رسول الله! نخشى أن تكون ميتة، فقال:"سَمُّوا عليه وكلُوا".
• وخرَّجَ الطبراني معناه من حديث ميمونة وإسناده جيد
(8)
، لكنه غريب جدًّا.
• وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قومًا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قومًا يأتوننا باللَّحْم لا ندري أَذُكِر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سَمُّوا عليه أنتم وكلوا"
(1)
"ا": "يصنع".
(2)
رواه عبد الرزاق في المصنف 8782، 8783 بنحوه. وابن أبي شيبة في المصنف 4474.
(3)
م: "بجفنة" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في المسند والجبنَة: القطعة من الجبن.
(4)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 345 بإسناد ضعيف.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 42 - 43 عن أحمد في المسند والبزار، والطبراني وقال: فيه جابر الجعفي، وقد ضعفه الجمهور وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح. وانظر العلل 2/ 6.
(5)
رواه أبو داود في السنن: كتاب الأطعمة: باب أكل الجبن 3/ 391.
وفي "ا": "معناه".
(6)
راجع العلل الموضع السابق وفيها تحريف في قوله بجبنة.
(7)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 4/ 542.
(8)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 43 عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه أحمد بن الفرح الحجازي ضعفه محمد بن عوف وابن عدي ووثقه ابن أبي حاتم، وبقية رجاله ثقات.
لكنه لم يحكم عليه بالجودة كما ذكر ابن رجب فلعل الحكم من ابن رجب على الحديث بالجودة من حيث الاختلاف في توثيق راو وتضعيفه؛ حيث يمكن الحكم على الحديث بالحسن حينئذ، والحسن يساوي الجيد.
قالت: وكانوا حديثي عهد بالكُفْر
(1)
.
• وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن الحسن أن عمر رضي الله عنه أراد أن ينهى عن حُلَل الحبرَة لأنها تُصْبَغ بالبول، فقال له أُبيٌّ:"ليْس ذلك لك؛ قد لبسهنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ولَبِسْناهن في عهده"
(2)
.
• وخرّجه الخلّال من وجه آخر وعنده أن أُبَيًّا قال له: يا أمير المؤمنين! قد لبسَهَا نبي الله صلى الله عليه وسلم ورأى الله مكانها، ولو علم الله أنها حرام لنهى عنها؟ قال: صَدَقتَ.
• وسئل الإمام أحمد عن لبس ما يصبغه أهل الكتاب من غير غَسْلٍ فقال: لِهَا تسأل عما لا تعلم؟ لم يزل الناس منذ أدْرَكناهم لا ينكرون ذلك.
• وسُئل عن يهود يصبغون بالبول، فقال:"المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه".
وقال: "إذا علمتَ أنه لا محالة يصبغُ بشيء من البَوْل وصحَّ عندك، فلا تصلّ فيه حتى تغسله".
• وخرّج الترمذي
(3)
من حديث الْمُغيرة بن شُعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أُهْدِيَ إليه خُفّان فَلَبِسَهُمَا ولا يدري أذكيٌّ
(4)
هما أم لا.
[البحث والسؤال]:
• وقد ورد ما يُسْتَدل به على البحث والسؤال، فخرّج الإمام أحمد من حديث رجل عن أم مُسْلم
(5)
الأشجَعِيَّة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاها وهي في قُبّة فقال: "ما أحْسَنَها:
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الذبائح: باب ذبيحة الأعراب ونحوهم 9/ 521 وما بعدها.
(2)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 5/ 128 وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن الحسن لم يسمع من عمر.
(3)
سقطت من م.
(4)
قال في النهاية: 2/ 164 الذكي ما أمسك عليه فأدركه قبل زهوق روحه فذكاه في الحلق أو اللبة، وأراد بغير الذكي ما زهقت نفسه قبل أن يدركه فيذكيه مما جرحه الكلب بسنه أو ظفره. والحديث أخرجه الترمذي في كتاب اللباس: باب ما جاء في لبس الجبة والخفين 4/ 239 - 240 من حديث المغيرة بن شعبة قال: أهدى دحية الكلبي لرسول الله صلى الله عليه وسلم خفين فلبسهما. قال أبو عيسى: "وقال إسرائيل، عن جابر، عن عامر: وجبة فلبسهما حتى تحرفا لا يدري النبي صلى الله عليه وسلم أذكي هما أم لا. وهذا حديث حسن غريب".
(5)
م: "سلمة" وهو تحريف.
إن لما تكن
(1)
فيها ميتة! " قالت: فجعلت أتتبعها
(2)
.
والرجلُ مجهُول.
• وخرج الأَثْرَم بإسْناده عن زيد بن وهب قال: أتانا كتابُ عمر رضي الله عنه بأذربيجان: إنكم بأرض فيها الميتة فلا تَلْبَسُوا من الفراء حتى تَعْلموا حلّه من حَرَامه.
• وروى الخلال بإسناده عن مُجاهد أن ابنَ عُمَر رأى على رجل فرْوًا فَمسَّه
(3)
وقال: لو أعلم أنه ذكي لسرَّني أن يكونَ لي مِنْه ثوب.
• وعن محمد بن كعب أنه قال لعائشة رضي الله عنها: ما يمنعك أن تتخذي لحافًا من الفراء؟ قالت أكره
(4)
أن ألبس الميتة.
• وروى عبد الرزاق بإسْنادِهِ عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لمن نزل من المسْلمين بفارس إذا اشتريتُم لحمًا فسلو فإن كان ذبيحة يهوديٍّ أو نصراني فكلوا
(5)
.
وهَذا لأن الغالبَ على أهل فَارِسَ المجُوسُ، وذَبائحُهُمْ محرَّمة.
[تعارض الأصل والظاهر]:
والخلاف في هذا يشبه الخلافَ في إباحة طَعام مَنْ لا تُباح ذَبِيحَتُه من الكفار، وفي استعمال أواني المشْركِينَ وثيابِهِمْ.
والخلافُ فِيهَا يرجعُ إلى قاعدة تعارُض الأصْل والظاهر.
وقد سبق ذكْرُ ذَلِك في الكلام على حديث: "الحلال بَيِّن والحرامُ بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات"
(6)
.
* * *
(1)
المسند: "يكن".
(2)
أخرجه أحمد في المسند 6/ 437. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 218 وقال: رواه أحمد والطبراني وقال: في قبة من أدم، وقالت: فجعلت أشقها بدل أتتبعها. ثم قال: وفيه رجل لم يسم؛ أبي فالحديث ضعيف.
(3)
م: "فردانيسية" وفيها تحريف ظاهر.
(4)
م: "كرهت".
(5)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 4/ 487 من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن قيس بن السكن، قال: قال ابن مسعود: إنكم نزلتم أرضًا لا يقصب (لا يشتغل بالجزارة) بها المسلمون، إنما هم النبط أو النبيط وفارس، فإذا شريتم لحمًا، فسلوا؛ فإن كان ذبيحة يهودي أو نصراني فكلوه، فإن طعامهم حل لكم.
(6)
في شرح الحديث السادس.
[رحمةُ الله بعباده فيما سكت عنه]:
وقوله: في الأشياء التي سكت عنها (رحمة من غير نسيان) يعني أنه إنما سكت عن ذكرها، رحمة بعباده، ورفقًا حيثُ لم يُحرِّمْها عليهم، حتى يعاقبهم على فِعلها، ولم يوجبْها عليهمْ حتى يعاقبَهُمْ على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها فلا حَرَجَ عليهم وإن تركوها فكذلك.
وفي حديث أبي الدرداء ثم تلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}
(1)
ومثل قوله عز وجل {فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}
(2)
.
* * *
[فلا تبحثوا عنها]:
وقوله: "فلا تبحثوا عنها" يحتمل اختصاصُ هذا النَّهْي بزمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يُذْكر قد يكون سببًا لنزول التَّشْدِيد فيه بإيجَابٍ أو تحريم.
• وحديثُ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه
(3)
يدل على هذا، ويُحْتَمَلُ أن يكون النهى عامًّا.
والمروي عن سلمان من قوله
(4)
يدل على ذلك، فإن كثرة البحث والسؤال عنْ حُكم ما لم يُذْكَر في الواجبات ولا في المحرَّمات قد يوجبُ اعتقادَ تحريمه أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات؛ فقبُول العافية فيه، وتركُ البحث عنه، والسؤال: خير.
* * *
[هلك المتنطِّعون]:
• وقد يدخل ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "هلكَ المتنطِّعون" قالها ثلاثا خرَّجه مسلم
(5)
(1)
سورة مريم:64 والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 171: أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئًا ثم تلا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} " ثم قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون.
(2)
سورة طه: 52.
(3)
مضى: 835.
(4)
مضى ص:818.
(5)
رواه مسلم في كتاب العلم: باب هلك المتنطعون 4/ 4/ 2055.
وأبو داود في كتاب السنة: باب لزوم السنة 4/ 281 وفي ظ: خرجه أبو داود إلخ.
[و] أبو داود من حديث ابن مَسْعود رضي الله عنه مرفوعًا.
• والمتنطِّع هو المتعمّق البحَّاث عما لا يعنيه وهذا قد يتمسَّك به من يتعلق بظاهر اللفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية.
* * *
[والتحقيق في هذا المقام]:
• والتحقيق في هذا المقام - والله أعلم: أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام على قسمين:
أحدهما: أن يُبحثَ عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح؛ فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.
والثاني: أن يدقِّق الناظرُ نظَره وفكرَه في وجود الفروق المسْتَبْعَدة؛ فيفرِّقَ بين مُتماثلَين بمُجرَّد فرق لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين، بمجرد الأوصاف الطارئة
(1)
التي هي غير مناسبة ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع.
* * *
[بين نظر ونظر]:
• فهذا النظر والبحث غَيرُ مرضي ولا محمود مع أنه قَد وقَع في طوائف من الفقهاء.
• وإنما المحمود النظر الموافقُ لنظر الصَّحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من القرون المفضَّلة كابن عباس ونحوه.
• ولعل هذا مراد ابن مسْعود رضي الله عنه بقوله: "إياكم والتنطع إياكم والتعمّق، وعليكم بالعتيق؟! ".
يعني ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.
* * *
• ومن كلام بعض أعيان أئمة الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق
(1)
"ا""الطردية".
كدأب أصحاب الرأي، والسرُّ في ذلك أن متعلق الأحكام في الحال: الظّنونُ وغلباتُها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما، وإن انقدح فرق على بعد؛ فافهموا ذلك؛ فإنه من قواعد الدين انتهى.
* * *
[ومما ينهى عن الخوض فيه]:
• ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه؛ أمور الغيب الخبرية التي أُمرَ بالإيمان بها، ولم يبيّن كيفيتُهَا.
وبعضها قد لا يكون له شاهدٌ في هذا العالم المحسوس؛ فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يَعْني، وهو مما يُنْهىَ عنه، وقد يوجب الحيرَة والشكّ، ويرتقي إلى التكذيب.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناسُ يَسألُون حتى يقال: هَذَا خَلَقَ اللهُ الخلق فمن خَلقَ الله؟ فمن وَجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله
(1)
.
• وفي رواية له:
"لا يزال الناسُ يسألونكم عن العِلم؛ حتى يَقُولوا: هذا الله خلقَنا، فمن خَلقَ الله؟.
• وفي رواية له أيضًا:
"لَيَسْأَلنَّكُم النَّاسُ عن كل شيء؛ حتى يقولوا: الله خلق كلَّ شيءٍ فمَنْ خَلَقه"
(2)
؟.
• وخرجه البخاري أيضًا ولفظه:
"يأتي الشيطانُ أَحَدَكم فيقول: مَنْ خلق كذا؟ من خلق كذا!؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليَسْتَعِذْ بالله ولينْته"
(3)
.
• وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلقَ فمن خلق الله؟
(4)
".
(1)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها 1/ 119 وفيه: لا يزال الناس يتساءلون، وفي "ا":"هذا الله خلق الخلق": "هذا خلق الله". والتصويب من صحيح مسلم.
(2)
الروايتان في الموضع السابق 1/ 120 - 121.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده 6/ 279.
(4)
مسلم في الموضع السابق.
وخرجه البخاريّ ولفظه: "لم يزل الناسُ يسألونَ: هذا الله خالقُ كلِّ شيء، فمن خلق الله
(1)
"؟.
* * *
[لا يجوز التفكر في الخالق]:
• قال إسحاق بن راهويه لا يجوز التفكرُ في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سَمِعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا قال: وقد قال الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}
(2)
فلا يجوز أن يقال: كيف تسبح القصاع والأخونة والخبز المخبوز والثياب المنسوجة، وكل هذا قد صحَّ العِلم فيه أنهم يسبحون فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما يشاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك؛ فاتقوا الله ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة؛ فإنه يرديكم الخوض فيه عن سَنَن الحق".
نقل ذلك كله حرب عن إسحاق رحمه الله تعالى.
* * *
(1)
البخاري في كتاب الاعتصام: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه وقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} 13/ 231 - 232 عن حديث أنس مرفوعًا وفيه: لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء
…
الحديث.
(2)
سورة الإسراء: 44.
الحديث الحادى والثلاثون
عَنْ أَبي العَبَّاس سَهْلِ
(1)
بْنِ سَعْدٍ السَّاعِديِّ رضي الله عنه قالَ:
جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ: "ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيما
(2)
عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ" حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ ماجه وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ.
* * *
[تخريج الحديث]:
هذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد
(3)
.
(1)
في ب: "عن سهل".
(2)
ب: "وازهد فيما في أيدي الناس".
(3)
أخرجه ابن ماجه في السنن: 37 - كتاب الزهد: 1 - باب الزهد في الدنيا 2/ 1373 - 1374 ح 4102 من طريق أبي عبيدة بن أبي السفر، عن شهاب بن عباد، عن خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك".
وقد علق البوصيري في الزوائد 2/ 319 على هذا فقال: "هذا إسناد ضعيف؛ خالد بن عمرو قال أحمد وابن معين: أحاديثه موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات؛ لا يحل الاحتجاج به بخبره، ثم غفل فذكره في الثقات - وضعفه أبو داود والنسائي، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه أو كلها موضوعة.
وأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الرقاق: باب ازهد في الدنيا يحبك الله 4/ 313 من طريق أبي بكر: محمد بن جعفر الآدمي، عن أبي جعفر: أحمد بن عبيد بن ناصح، عن خالد بن عمرو - به - أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ رجلًا فقال:"ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".
وعقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ورد الذهبي هذا التصحيح فقال: خالد وضاع.
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير 6/ 163، ح 5972 من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي عن منجاب الحارث ومن طريق علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد: القاسم بن سلام كلاهما عن خالد بن عمرو به - بنحوه.
وابن حبان في روضة العقلاء: ذكر الزجر عن الطمع إلى الناس ص 11 والمنذري في الترغيب والترهيب 4/ 157 - 156 عن ابن ماجه، وعقب عليه بقوله: رواه ابن ماجه، وقد حسن بعض مشايخنا إسناده وفيه بعد، لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل، وخالد هذا قد ترك واتهم، ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفًا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني، عن سفيان، ومحمد - هذا - وقد وثق على ضعفه، وهو أصلح حالًا من خالد، والله أعلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ورواه ابن عدي في الكامل 3/ 13 عن طريقين عن خالد بن عمرو، وعن الثوري، ثم قال مشيرًا إلى متابعاته عن الثوري وعن أخيه: قال ابن عدي: وروى هذا الحديث أبو عبيد: القاسم بن سلام، عن خالد، وروي عن محمد بن كثير، عن الثوري مثله.
ثناه ابن المرزبان، عن محمد بن أحمد بن برد، عنه، ولا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث؛ فإن ابن كثير ثقة، وهذا الحديث عن الثوري منكر، وقد روى عن زافر، عن محمد بن عيينة أخي سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل، وروى أيضا هذا الحديث من حديث زافر، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن ابن عمر".
وكأن ابن عدي يريد ليقول: لئن توقفنا في قول متابعة محمد بن كثير بسبب نكارة رواية سفيان الثوري؛ فللحديث متابعة أخرى وشاهد.
أما المتابعة، فهي رواية زافر، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل.
وأما الشاهد، فهو من رواية زافر، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن ابن عمر.
وكلا الروايتين ليس في أي منهما راو يُرَدّ الحديث به أو يُتَوقف في قبوله من أجله؛ وليس فيهما خالد بن عمرو، ولا سفيان الثوري. أقول: ولعله لهذا حكم النووي وغيره بحسن الحديث.
ورواه القضاعي في الشهاب 1/ 373 ب 14 ح 63 من طريق علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد: القاسم بن سلام، عن خالد بن عمرو.
وفيه - إذًا - ما قد عرفت.
ورواه أبو نعيم في الحلية 3/ 252 - 253 من طريق علي بن مسعر، وخالد بن يزيد العمري كلاهما عن سفيان الثوري - به - أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس. قال:"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس".
وعقب عليه بقوله:
هذا حديث غريب من حديث أبي حازم لم يروه عنه مرفوعًا متصلًا؛ إلا سفيان الثوري، ورواه عن سفيان: ابن قتادة الحمامي، ومحمد بن كثير الصنعاني مثله.
وأورده في 7/ 336 من وجهين آخرين عن خالد - به -.
ورواه العقيلي في الضعفاء الكبير 2/ 10/ 11 من طريق خالد بن عمرو عن الثوري، ثم عقب عليه بقوله:"وليس له من حديث الثوري أصل، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني ولعله أخذ عنه ودلَّسَه؛ لأن المشهور به خالد هذا".
ومعنى هذ أن العقيلي يرد الحديث من هذين الطريقين ولعلك على ذكر من الطرق الأخرى التي أوردها ابن عدي من غير طريقي سفيان ومحمد بن كثير.
ومن رواية خالد بن عمرو، عن سفيان أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية 2/ 323 - 324 وعقب عليه بما عقب به العقيلي على الحديث وبما ذكره من قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن خالد بن عمرو القرشي، فقال: ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل، وقول يحيى بن معين: خالد بن عمرو السعيدي ليس حديثه بشيء.
وأورده السيوطي في الدر المنثور 3/ 238 عن ابن ماجه والحاكم والبيهقي.
والسخاوي في المقاصد الحسنة ص 52 عن ابن ماجه والطبراني وأبي نعيم في الحلية وابن حبان في الروضة، والحاكم في المستدرك، والبيهقي وآخرين كلهم من حديث خالد بن عمرو القرشي عن الثوري به ورد =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تصحيح الحاكم للحديث بما طعن به على خالد من الإجماع على تركه ومن نسبته إلى الموضع ثم قال: لكن قد رواه غيره عن الثوري بل أخرجه أبو نعيم في الحلية أيضًا من حديث منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن أنس رفعه ونحوه، ورجاله ثقات لكن في سماع مجاهد من أنس نظر، وقد رواه الأثبات فلم يجاوزوا به مجاهدًا، وكذا يروى من حديث ربعي بن خراش، عن الربيع بن خثيم رفعه مرسلًا.
إلى أن قال: "وبالجملة فقد حسن هذا الحديث النووي، ثم العراقي رحمهما الله، وكلام شيخنا (يعني ابن حجر) ينازع فيه كما بينته في تخريج الأربعين".
وأورده العجلوني في كشف الخَفاء 1/ 127 - 128 وذكر ما ذكره السخاوي وأضاف رواية السيوطي له عن أبي نعيم من حديث أنس.
وحديث أنس - هذا - أخرجه أبو نعيم في الحلية 8/ 41 - 42 من رواية أبي القاسم: زيد بن علي بن أبي بلال المقري، عن أبي أحمد: إبراهيم بن محمد الهمداني، عن أبي حفص: عمر بن إبراهيم المستملي، عن أبي عبيدة بن أبي السفر، عن الحسن بن الربيع، عن المفضل بن يونس، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد بن جبر، عن أنس أن رجلا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله عز وجل، وأحبني الناس عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ازهد في الدنيا يحبك الله، وأما الناس فانبذ إليهم هذا يحبوك".
وقد عقب أبو نعيم على هذا بقوله:
ذكر أنس في هذا الحديث وهم من عمر أو أبي أحمد، فقد رواه الأثبات فلم يجاوزوا فيه مجاهدًا.
ثم أورد هذه الرواية فقال: حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء، ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا الحسن بن الربيع أبو علي البجلي، ثنا المفضل بن يونس، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن مجاهد، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يحبني الله تعالى عليه، ويحبني الناس عليه. فقال:"أما ما يحبك الله عليه، فالزهد في الدنيا، وأما ما يحبك الناس عليه فانبذ إليهم هذا الغثاء".
وعقب أبو نعيم بقوله:
قال الحسن (بن الربيع): قال المفضل (بن يونس): لم يسند لنا إبراهيم بن أدهم حديثًا غير هذا.
ورواه طالوت عن إبراهيم فلم يجاوز به إبراهيم وقال: فانظر ما كان في يديك من هذا الحطام فانبذه إليهم؛ فإنهم سيحبونك".
وهو من حديث منصور ومجاهد عزيز - مشهوره ما رواه الثوري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد.
ورواه أبو نعيم كذلك في الحلية 8/ 52 - 53 من حديث محمد بن كثير، عن إبراهيم بن أدهم، عن أرطأة بن المنذر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! علمني عملًا يحبني الله تعالى عليه، ويحبني الناس قال: أما ما يحبك الله تعالى عليه، فالزهد في الدنيا، وأما ما يحبك الناس عليه؛ فما كان في يدك فانبذه إليهم".
وقد عقب أبو نعيم بقوله:
كذا رواه ابن كثير عن إبراهيم فقال: عن أرطاة.
والمشهور ما رواه المفضل بن يونس، عن إبراهيم عن منصور، عن مجاهد.
ورواه خلف بن تميم أيضًا، عن إبراهيم، عن منصور، فخالف المفضل.
وأبان أبو نعيم عن هذه المخالفة؛ حيث قال: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حدثنا أبو علي: أحمد بن عمر: ثنا عبد الله بن محمد بن زياد، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا خلف بن بن تميم، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن الربيع بن خثيم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمثله.
ومعنى هذا أن حديث منصور بن ربعي شاذ فيما يرى أبو نعيم حيث خالف المشهور وهو حديث الفضل الذي يُروى فيه حديث منصور بن المعتمر عن مجاهد؛ لا عن ربعي بن خراش. وربما يتأيد هذا بما في مسند إِبراهيم بن أدهم ح 17 ص 29 - 30 ففيه رواية الحديث بالإسناد والرواية المشهورة عن مجاهد مرسلًا وإذا فهذه الرواية المرسلة عند كل من أبي نعيم وإبراهيم بن أدهم. وقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب 4/ 157 من حديث إبراهيم بن أدهم وبنحو الرواية التي سيوردها ابن رجب، وعقب المنذري بقوله:
رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلًا.
ورواها بعضهم عنه، عن منصور، عن ربعي بن خراش قال: جاء رجل، فذكره مرسلًا.
وهي أيضًا إحدى الروايات التي أوردها ابن رجب.
وقد علمت موقف أبي نعيم منها وأنها تخالف المشهور.
والخلاصة أن هذا الحديث قد روي موصولًا كما روي مرسلًا، فهو موصول من روايات:
1 -
سهل بن سعد.
2 -
أنس بن مالك.
3 -
عبد الله بن عمر.
إلا أن المشهور عن المحدثين هي رواية سهل بن سعد.
وقد رواها عن سهل بن سعد: أبو حازم.
ورواها عن أبي حازم كل من سفيان الثوري، ومحمد بن عُيَيْنَة، فأما رواية سفيان الثوري فرواها عنه نوعان من الرواة:
أ - نوع ترد روايته ولا تقبل بحال؛ لإثمه بوضع الحديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تمثل هذا النوع في خالد بن عمرو القرشي.
ب - نوع يعتبر به ويتوقف في قبول روايته إلى أن تقوى بطريق آخر لترتقي إلى مستوى الحسن لغيره؛ لأن الضعف عندهم ليس شديدًا.
وممن روي عنهم هذا الحديث عن سفيان، متابعين لخالد:
1 -
محمد بن كثير الصنعاني.
2 -
أبو قتادة الحراني.
3 -
مهران بن أبي عمر الرازي.
وكما قال ابن رجب: فإن كلا من أبي قتادة ومهران قد تكلم فيه، ولكن محمد بن كثير خير منهما فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ.
وكما قال المنذري: "وقد تابع خالدًا عليه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه، وهو أصلح حالًا من خالد".
1 -
3 - فهذه الطرق الثلاثة عن سفيان صالحة للاعتبار.
والراوي الثاني عن أبي حازم وهو المتابع لسفيان الثوري: محمد بن عيينة، فقد روى عنه زافر بن سليمان وكما قال ابن رجب: وزافر ومحمد بن عيينة كلاهما ضعيف فهذا طريق رابع ضعيف ضعفًا محتملًا يعتبر به كذلك. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وهذه خمس طرق إلى سهل بن سعد أولها فقط هو المردود مطلقًا وباقيها مما يعتبر به.
2 -
رواية أنس بن مالك.
أما رواية أنس، فقد وهم أبو أحمد: إبراهيم الهمداني شيخ شيخ أبي نعيم الأصبهاني، أو وهم أستاذ أبي أحمد هذا؛ وهو عمر بن إبراهيم، وأوهم كلاهما حين أسندا حديث إبراهيم بن أدهم إلى أنس دون أن يقفا به على مجاهد كما هو الثابت فيه.
وإذًا فهذه هي علة هذا الطريق: أن يروى المرسل على أنه موصول دون أن يثبت وصله.
ولهذا يقال: هو مرسلًا أصح منه موصولًا.
وليس المقصود أن المرسل في ذاته أصح من الموصول.
إنما يراد أن هذا الحديث بعينه لم يصح فيه إلا، أنه مرسل ولم يثبت فيه أن مجاهدًا تلقاه من أنس!؟.
وقد قال الشيخ ناصر الألباني بشأنه إنه شاهد لرواية خالد بن عمرو وهو مرسل جيد ..
3 -
وأما رواية عبد الله بن عمر فقد روى عنه اثنان:
1 -
أبو حازم.
2 -
نافع.
فأما أبو حازم فروى عنه محمد بن عيينة، وروى عن محمد: زافر بن سليمان وكلاهما ضعيف.
وإذا فهذا الطريق يطعن فيه أمران:
الأول: ضعف الرواة عن أبي حازم.
الثاني: إضطرابهما أو أحدهما في إسناده فمرة يرويانه من مسند سهل، ومرة يرويانه عن ابن عمر.
وإسناده إلى سهل بن سعد أولى؛ لموافقته للمتابعات السابقة، ولأن الحديث مشهور من رواية سهل.
وأما نافع فيروي عنه مالك، وعنه إسماعيل بن أبي أويس، وعنه بشر الحافي، وعنه أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس، وعنه محمد بن أحمد بن الحسن، وعنه يوسف بن عمر القواس، وعنه القزويني فالدينوري رواه عنه ابن عساكر في تاريخه.
وهذا طريق مردود لإطلاق؛ أحمد بن المغلس وضاع، وهذه الرواية من مناكيره ذكر ذلك ابن حجر في ترجمته ثم قال: وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل، وإنما يعرف من حديث سهل بن سعد الساعدي بإسناد ضعيف (لسان الميزان 1/ 269 - 272) ت (829).
وقد أورد الشيخ ناصر الألباني هذا الطريق في سلسلة الأحاديث الصحيحة (944) ضمن تخريجه للحديث وقال:
"أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (3/ 162/ 3) عن محمد بن أحمد بن العلس، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، حدثنا عن مالك: عن نافع به".
ثم قال: "وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين؛ غير ابن العلس هذا فلم أعرفه":
وبناء على ما نقلنا لك عن ابن حجر فإن في محمد بن أحمد بن العلس تحريفًا من وجهين.
الأول: أنه: مركب من اسمين وقد أُدْمَجا مع التحريف، والاسمان هما:
1 -
محمد بن أحمد بن الحسن.
2 -
أحمد بن محمد بن المغلَّس.
والوجه الثاني: أن العلس حرفت عن المغلس وهذه الرواية بهذا الإسناد منكرة وباطلة بأمرين: الأول: أن أحمد بن المغلس من أجرأ الوضاعين للحديث على ما في ترجمته في الوضع الذي أشرنا إليه.
والثاني: أن الحديث ليس معروفًا من رواية ابن عمر؛ بل من رواية سهل بن سعد. =
وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن إسناده حسن، وفي ذلك نظر؛ فإن خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإمام أحمدُ: منكَر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة؛ يروي أحاديث بواطيل.
• وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال مرة: كان كذّابًا يكذِب؛ حدّث عن شعبة أحاديث موضوعة.
وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث.
= وإذًا فهذا الطريق مردود بإطلاق.
وتلخص لنا أن الحديث من روايتي أنس وابن عمر غير مشهور ولا معروف وأنه مشهور فقط من رواية سهل بن سعد فهل سنسلم للنووي والمنذري وغيرهما تحسينه؟ هذا ما سوف يستبين.
الرواية المرسلة - غير الموصولة:
أما الرواية التي جاءت غير موصولة؛ فقد جاءت على أربعة أوجه:
1 -
من حديث الربيع بن خثيم مرسلًا.
2 -
من حديث ربعي بن حراش مرسلًا.
3 -
من حديث مجاهد بن جبر مرسلًا.
4 -
من حديث إبراهيم بن أدهم معضلًا.
وكلها تلتقي عند إبراهيم بن أدهم.
فالطريق الرابع: يروي فيه إبراهيم بن أدهم - بلاغًا - عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثالث: يروي فيه إبراهيم، عن منصور، عن مجاهد - مرسلًا وهذا هو أصح المراسيل وأشهرها.
والثاني: يروي فيه إبراهيم عن منصور، عن ربعي.
والأول كذلك؛ إلا إنه يروي فيه ربعي عن الربيع بن خثيم، وقد سبق لأبي نعيم أن رد طريق ربعي لمخالفته الأوثق أو الأشهر.
فإسناد الحديث إلى أنس: شذوذ.
وإسناد الحديث إلى ابن عمر غير معروف، ولا مشهور فضلًا عن أن طريق أبي حازم إليه فيه اضطراب ووهم من راوييه الضعيفين.
وأن طريق نافع باطل بأحمد بن المغلس.
فلم يبق لنا إلا طرق سهل بن سعد عدا طريق خالد بن عمرو وهي طرق فيها ضعف غير شديد وهي الطرق الموصولة.
وبإزائها مرسل مجاهد بن جبر وهو مرسل جيد بيد أنه ضعيف بعدم ذكر الصحابي.
والطرق الموصولة قوية بذكر الصحابي إلا أنها ضعفت ببعض رواتها إلى سهل بن سعد ومنهم من هو مختلف فيه على توثيق الكثيرين له كمحمد بن كثير.
وقوة رواة المرسل تجبر ضعف بعض رواة الموصولة وذكر الصحابي في الرواية المتصلة يجبر ضعف الإرسال في الرواية المرسلة.
وإذا فالحديث حسن كما ذكر النووي وغيره وكما أشار ابن رجب بذكر رواية الحديث مرسلًا وكأنه كان يشير إلى ما قد وضحناه. =
وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف.
= والجداول المرفقة قد تزيد المسألة وضوحًا، أو تؤكد هذا الوضوح.
|
=
ونسبه صالح بن محمد وابن عدي إلى وضع الحديث.
وتناقض ابن حبان في أمره فذكره في كتاب الثقات، وذكره في كتاب الضعفاء وقال: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات لا يحل الاحتجاج بخبره
(1)
.
|
ولعله - لهذا وذاك - قد استبان لنا لماذا اقتصرت رواية عامة المحدثين للحديث عن سهل بن سعد بطرقه المختلفة، ذلك أنها الرواية الوحيدة التي تقبل الجبر بالمرسل الجيد من حديث مجاهد بن جبر.
هذا باستثناء طريق خالد بن عمرو.
(1)
راجع ترجمته في التاريخ لابن معين 2/ 144، 3/ 518 ت 2536 والتاريخ الكبير للبخاري 2/ 1/ 164 والضعفاء الصغير له ت 103 ص 43، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/ 1/ 343 - 344 والضعفاء والمتروكين للنسائي ت 173 ص 172 والضعفاء والمتروكين للدارقطني ت 102 ص 199 - 200، والضعفاء الكبير للعقيلي=
وخرج العقيلي حديثه هذا وقال
(1)
: ليس له أصل من حديث سفيان الثوري. قال: وقد تابع خالدًا عليه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا.
قال أبو بكر الخطيب: وتابعه أيضًا أبو قتادة الحراني، ومِهْران بن أبي عمر الرازي وغيره فرووه
(2)
عن الثوري، قال: وأشهرها حديث ابن كثير. كذا قال.
وهذا يخالف قول العقيلي إن أشهرها حديث خالد بن عمرو؛ وهذا أصح.
ومحمد بن كثير الصنعاني هو المِصِّيصِي، ضعفه أحمد، وأبو قتادة، ومِهْران، تُكُلِّمَ فيهما أيضًا، لكن محمد بن كثير خير منهما؛ فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ.
وقد تعجب ابن عدي من حديثه هذا وقال: ما أدري ما أقول فيه.
وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه
(3)
عن حديث محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، فذكر هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ باطل، يعني بهذا الإسناد، يشير إلى
(4)
أنه لا أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان.
وقال ابنُ مُشيْشٍ: سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد فذكر هذا الحديث، فقال أحمد: لا إله إلا الله! تعجبًا منه
(5)
: مَنْ يروي هذا الحديث؟، قلت: خالد بن عمرو؟ فقال: وقعنا في خالد بن عمرو ثم سكت.
ومراده الإنكار على من ذكر له شَيئًا من حديث خالد هذا؛ فإنه لا يشتغل به.
• وخرجه أبو عبيد: القاسم بن سلام في كتاب "المواعظ"
(6)
له عن خالد بن عمرو، ثم قال: كنت مُنْكِرًا لهذا الحديث فحدثني هذا الشيخ عن وكيع
(7)
أنه سأله عنه [وعن حديث آخر قد ذكرناه في "كتاب النكاح"]، ولولا مقالته هذه لتركته.
• وخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن عمرو وذكر رواية محمد بن كثير له أيضًا، وقال: هذا الحديث عن الثوري منكر.
= 2/ 10 - 11 ت 413، والكامل في الضعفاء 3/ 29 - 33 /ت 593/ 23 وتهذيب التهذيب 3/ 109/ 110، وتقريب التهذيب 1/ 216.
(1)
في ترجمته في الموضع المذكور آنفًا.
(2)
م: "فروى" وهو تحريف.
(3)
في العلل 2/ 107/ ح 1815.
(4)
ليست في ب.
(5)
ليست في م.
(6)
الخبر في "المواعظ" ص 197 - 198 ح 131 وما بين القوسين منه.
(7)
م: "يعني وكيعًا".
وقال: ورواه زافر يعني ابن سليمان
(1)
عن محمد بن عيينة أخي سفيان، عن أبي حازم، عن ابن عمر انتهى.
وزافر ومحمد بن عيينة كلاهما ضعيف.
• وقد روى هذا الحديث من وجه آخرٍ مرسلٍ
(2)
أخرجه أبو سليمان بن زَبْر الدمشقي في مسند إبراهيم بن أدهم من
(3)
جمعه من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيمَ بن أدهم، عن منصور، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، قال. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس عليه فقال: "أما العمل الذي يحبك الله عليه فالزهد
(4)
في الدنيا، وأما العمل الذي يحبك الناس عليه
(5)
فانظر هذا الحطام فانْبِذْهُ إليهم".
وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا، من رواية علي بن بكار عن إبراهيم بن أدهم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يذكر في إسناده منصورًا ولا ربعيًّا، وقال: في حديثه فانبذ إليهم ما في
(6)
يدك من الحطام.
[علام يشتمل الحديث؟]:
وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين: إحداهما
(7)
: الزهدُ في الدنيا، وأنه مُقْتَضٍ لمحبة الله عز وجل لعبده
(8)
.
• والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس فإنه
(9)
مُقْتَضٍ لمحبة الناس.
[الزهد في الدنيا]:
فأما الزهد في الدنيا فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه وإلى
(10)
ذم الرغبة في الدنيا كما قال الله تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)}
(11)
.
(1)
م: "سلمان" وهو تحريف.
(2)
م: "مرسلًا".
(3)
م: "قد".
(4)
م: "فازهد".
(5)
م: "عليه الناس".
(6)
"ا": "يديك" ولم أجد الحديث في المطبوع من "ذم الدنيا".
(7)
ب: "إحديهما".
(8)
ليست في ب.
(9)
"ا" "وإنه.
(10)
م: "وكذا".
(11)
سورة الأعلى: 16 - 17.
• وقال تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}
(1)
.
• وقال تعالى في قصة قارون: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)} إلى قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)}
(2)
.
• وقال تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}
(3)
وقال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)}
(4)
.
• وقال تعالى: حاكيًا عن مؤمن آل فرعون؛ أنه قال لقومه: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)} يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)}
(5)
.
• وقد ذم الله عز وجل من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث الأعمال بالنيات
(6)
.
[الأحاديث في ذم الدنيا]:
والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله عز وجل كثيرة جدًّا، ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنَفَتَيْهِ
(7)
فمر بجدي أَسَكَّ
(8)
، ميِّتٍ، فتناوله فأخذ بأذُنِهِ فقال:"أيُّكم يُحِبُّ أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال:"أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: والله لو كان حيًّا كان عَيْبًا فيه
(9)
، لأنه أسَكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال:"فوالله! للدنيا أهون على الله من هذا عليكم"
(10)
.
(1)
سورة الأنفال: 67.
(2)
سورة القصص: 79 - 83.
(3)
سورة الرعد: 26.
(4)
سورة النساء: 77.
(5)
سورة غافر: 38 - 39.
(6)
وهو الحديث الأول في الكتاب.
(7)
روى "كنفته" بمعنى جانبه ويروى كَنَفَتيه بمعنى جانبيه، وفي ل:"كنفيه" وهي ليست في إحدى روايات مسلم التي أشرنا عن النووي إلى وجهيها وانظر شرح النووي على مسلم 8/ 425.
(8)
الأسك: صغير الأذنين.
(9)
م: "لما رغبنا" وما أثبتنا عن ا، ب هو الموافق لما في مسلم.
(10)
صحيح مسلم: 53 - كتاب الزهد والرقائق 4/ 272 ح 1 - (2956) من طريق عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفته
…
الحديث فذكره بنص ما أورده ابن رجب.
• وفيه أيضًا عن المستورد الفهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أُصْبُعه في الْيَمِّ فلينظر بماذا يرجع
(1)
؟ ".
• وخرج الترمذي
(2)
من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء" وصححه.
[معنى الزهد]:
ومعنى الزهد في الشيء: الإعراضُ عنه، لاستقلاله واحتقاره، وارتفاع الهِمة عنه،
يقال: شيء زهيد: أي قليل حقير.
وقد تكلم السلف ومَنْ بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم عنه.
• وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي
(3)
وابن ماجه
(4)
من رواية عمرو
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه: 51 - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: 14 - باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة 4/ 2193 ح 55 - (2858) من طرق عن يحيى بن سعيد قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا قيس، قال: سمعت مستوردًا أخا بني فهر، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - في اليمِّ، فلينظر بم يَرجع؟ ".
وبين هذا اللفظ وما أورده ابن رجب بعض التفاوت سيما في أوله.
قال النووي (17/ 192/ 193): "وقوله بم ترجع ضبطوا ترجع بالمثناة فوق، والمثناة تحت، والأول أشهر، ومن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى أحدكم، والمثناة فوق، أعاده على الإصبع وهو الأظهر، ومعناه: لا يعلق بها كثير شيء من الماء، ومعنى الحديث: ما الدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها، وفناء لذاتها، ودوام الآخرة، ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر".
(2)
سقطت هذه الكلمة من "ا".
والحديث أخرجه الترمذي في سننه: 37 - كتاب الزهد: 13 - باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل (4/ 560) ح 2320 من طريق قتيبة عن عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره بالنص المذكور.
وعقب عليه بقوله.
وفي الباب عن أبي هريرة.
هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه.
(3)
أخرجه الترمذي في السنن: 37 - كتاب الزهد: 29 - باب ما جاء في الزهادة في الدنيا 4/ 571 ح 2340 من طريق عبد الله بن عبد الرحمن، عن محمد بن المبارك، عن عمرو بن واقد - به - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكره بالنص الذي أورده ابن رجب إلا قوله: "بما في يد الله" فعند الترمذي "يدي". وقوله: "بقيت" فعند الترمذي كما عند ابن ماجه "أبقيت".
(4)
أخرجه ابن ماجه في سننه: 37 - كتاب الزهد: 1 - باب الزهد في الدنيا 2/ 1373 ح 4100 من طريق هشام بن عمار، عن عمرو بن واقد القرشي، به - عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا في إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في =
ابن واقد، عن يونس بن حَلْبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، ولكنَّ الزهادةَ في الدنيا: أن لا تكون بما في يديكَ أوثقَ مما في يد الله، وأن تكونَ في ثواب المصيبة إذا أنتَ أُصِبْتَ بها أرغبَ فيها لو أنها بقيت لك".
• وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن واقد منكر الحديث
(1)
.
• قلت: الصحيح وقفه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا خالد بن صبيح، حدثنا يونس بن حلبس
(2)
قال: قال أبو مسلم الخولاني رضي الله عنه: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، إنما الزَّهادةُ في الدنيا أن تكونَ بما في يَدِ الله أوثق منك
(3)
بما في يديك، وإذا أُصِبتَ بمصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك".
= يد الله
…
الحديث.
واللفظ الذي ساقه ابن رجب عن الترمذي وابن ماجه إنما هو للترمذي على ما ذكرناه.
وقد عقب ابن ماجه على الحديث بقوله:
قال هشام: قال أبو إدريس الخولاني، يقول: مثل هذا الحديث في الأحاديث كمثل الإبريز في الذهب.
(1)
اختصر ابن رجب تعليق الترمذي؛ ففيه إضافة إلى ما ذكره: "وأبو إدريس الخولاني اسمه: عائذ الله بن عبد الله".
وأما عمرو بن واقد الذي أشار إليه؛ الترمذي فهو أبو حفص القرشي الدمشقي مولى بني أمية أو بني هاشم.
روى عن يونس بن ميسرة بن حلبس، وثور بن يزيد، وزيد بن واقد وغيرهم.
روى عنه الوليد بن مسلم، ومحمد بن المبارك الصوري، وهشام بن عمار وغيرهم. متروك، معدود في السادسة. قال عنه البخاري وأبو حاتم: ليس بشيء.
وقال يعقوب بن سفيان عن دحيم: لم يكن شيوخنا يحدثون عنه، وكان مروان الطاطري يرميه بالكذب. أما إبراهيم الجوزجاني فقال: سألت محمد بن المبارك عنه فقال: كان يتبع السلطان، وكان صدوقًا.
وقال البخاري والترمذي: منكر الحديث.
أما النسائي والدارقطني والبرقاني فقالوا: متروك الحديث.
وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه مع ضعفه.
وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويروي المناكير عن المشاهير واستحق الترك.
لم يرو له من الستة إلا أبو داود وابن ماجه.
وذكره البخاري فيمن مات بين الثلاثين إلى الأربعين ومائة راجع ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري 3/ 2/ و 339، 380، والضعفاء الصغير له ت 263 ص 89 والضعفاء والمتروكين للنسائي ت 453 ص 220 والضعفاء والمتروكين للدارقطني ت 393 ص 305، والضعفاء الكبير للعقيلي 3/ 293 ت 1296، والكامل في الضعفاء لابن عدي 5/ 117 - 119، وتهذيب التهذيب 5/ 115 - 116، وتقريب التهذيب 2/ 81.
(2)
م: "حليس" وهو تحريف والخبر في الزهد لأحمد ص 25.
(3)
ليست في "ا".
•
[تفسير يونس بن ميسرة للزهد]:
وخرجه ابن أبي الدنيا
(1)
من رواية محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة قال: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة
(2)
المال، ولكنَّ الزهادة في الدنيا أن تكونَ بما في يد الله أوثقَ منك بما في يدك
(3)
، وأن تكون حالُكَ في المصيبة
(4)
وحالك إذا لم تصَبْ بها سواءً، وأن يكون مادِحُكَ وذامُّكَ في الحق سواءً".
ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإنَّ الزهدَ في القلب:
• أحدها أن يكون العبدُ بما في يد الله أوثق
(5)
منه بما في يد نفسه.
وهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته؛ فإن الله سبحانه
(6)
ضمن أرزاق عباده وتكفل بها كما قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}
(7)
. وقال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}
(8)
. وقال تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ}
(9)
. وقال
(10)
الحسن: "إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله عز وجل".
• وعن عليّ
(11)
وابن مسعود قالا: إنَّ أرْجَى ما يكون
(12)
الرزق إذا قالوا ليس في الدَّنِّ
(13)
دقيق".
• وقال مسروق: "إنَّ أحسنَ ما أكونُ ظنًّا حين يقول الخادِمُ ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم".
• وقال الإمام أحمد
(14)
: "أَسَرُّ أيامي إليَّ يوم أُصبِحُ وليس عندي شيء".
• وقيل لأبي حازم الزاهد
(15)
: ما مالُكَ؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس.
(1)
ليست في ب.
(2)
"ا": "ولا إضاعة".
(3)
ب: "بما في يديك".
(4)
م: "في المصيبة حالك".
(5)
ليست في ب.
(6)
ليست في ب.
(7)
سورة هود: 6.
(8)
سورة الذاريات: 22.
(9)
سورة العنكبوت: 17.
(10)
ب: "قال".
(11)
ليس هذا القول في "ا"، وفي ب:"وروي عن ابن مسعود".
(12)
ب: "ما أكون".
(13)
م: "في الدنيا "ل: "في المدن".
(14)
مضروب عليها في ب وهي في "ا".
(15)
الخبر في الحلية 3/ 231 - 232.
وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: "أنا أخاف الفقر؟ ومولاي له في السموات وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى؟! ".
ودُفع إلى عليِّ بن الموفّق ورقة، فقرأها؛ فإذا فيها: يا علي بن الموفق! أتخاف الفقر وأنا ربك؟!.
• وقال الفضيل بن عياض "أصل: الزهد الرضا عن الله عز وجل".
وقال: القُنُوع هو الزهد
(1)
وهو الغنى
(2)
.
فمن حقّق اليقين، وثق بالله في أموره كُلِّها، ورضى بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين؛ رجاءً وخوفًا، ومنعه
(3)
ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له شيء من الدنيا، كما قال عمار رضي الله عنه: كفى بالموت واعظًا وكفى باليقين غنىً وكفى بالعبادة شغلًا!.
• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "اليقين أن لا ترضي الناس بسَخَطِ الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تلومَ
(4)
أحدًا على ما لم يؤتك الله؛ فإن رزق
(5)
الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة
(6)
كاره، فإن الله تعالى بقسطه وعلمه وحكمته
(7)
جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزَنَ في الشّك والسُّخط
(8)
.
• وفي حديث مرسلٍ
(9)
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا
(10)
صادقًا حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقًا قسمته لي، وَرَضِّنِي من المعيشة
(11)
بما قسمت
(12)
لي
(13)
.
(1)
م: "الزهد".
(2)
م "وضعه" وهو تحريف.
(3)
الأثر في الزهد الكبير للبيهقي 107 ح 79.
(4)
د، ظ، ل والمطبوعة من اليقين:"تلم" وفيها خطأ نحوي ظاهر.
(5)
"ا": "فإن الرزق".
(6)
م: "كراهيِة".
(7)
"ا": "وحلمه"، ب:"وحكمه".
(8)
م: "في السخط والشك". والخبر في اليقين لابن أبي الدنيا ص 62 ح 32 بنحوه.
(9)
م: "مرسلًا".
(10)
م: "ولسانًا صادقًا".
(11)
م: "العيش".
(12)
م: "قسمته".
(13)
أورده السيوطي في الجامع الكبير 2/ 40 ح 4040 عن البزار من حديث ابن عمر مرفوعًا.
وانظر ما أورده العراقي في الإحياء 1/ 284 من حديث عائشة: إن هذا جزء دعاء كان يدعو به آدم عليه السلام،=
• وكان عطاء الخراساني رحمه
(1)
الله لا يقوم من مجلسه حتى يقول: "اللهم هب لنا يقينًا منك حتى تهوّن علينا مصائبَ الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبتَ علينا، ولا يصيبنا من هذا الرزق إلا ما قسمتَ لنا".
• ورُوِّينا من حديث ابن عباس
(2)
مرفوعًا قال: "من سَرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يده".
• والثاني أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذَهاب مالٍ أو ولد أو غيرِ ذلك أرغبَ في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له.
وهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين.
• وقد
(3)
روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: "اللهمَّ اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلّغنا به جنتك
(4)
، ومن اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائب الدنيا
(5)
".
= وابن أبي الدنيا في اليقين ص 60 ح 29.
وما أورده الزبيدي في الإتحاف 4/ 358، 5/ 71، وانظر كنز العمال 3657.
(1)
ليست في ب، والخبر في اليقين لابن أبي الدنيا ص 57 ح 21.
(2)
أورده الغزالي في الإحياء 4/ 211 وعلق عليه العراقي بقوله: الحاكم والبيهقي في الزهد بإسناد ضعيف.
وأورده في الحلية 3/ 281 - 219 تامًّا وهو عند القضاعي في الشهاب 1/ 234 ح 367.
(3)
ليست في ب.
(4)
م: "حبك".
(5)
الحديث أخرجه الترمذي في السنن: 49 - كتاب الدعوات: 80 - باب حدثنا علي بن حجر 5/ 528 ح 3502 من رواية علي بن حجر، عن ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران: أن ابن عمر قال: "قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا.
وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.
وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص 135 ح 404 من رواية الربيع بن سليمان، عن عبد الله بن عبد الحكم عن بكر، عن عبيد الله بن زحر - به بنحوه وعنده: "ما تهون علينا مصائب الدنيا
…
أمتعنا بأسماعنا
…
".
والحاكم في المستدرك: كتاب الدعاء: باب الدعاء الجامع الذي يختم به المجلس 1/ 528 عن إسماعيل بن محمد عن جده، عن أبي صالح كاتب الليث بن سعد عن الليث بن سعد، عن خالد بن أبي عمران عن نافع، عن ابن عمر أنه لم يكن يجلس مجلسًا - كان عنده أحد أو لم يكن - إلا قال: اللهم! اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، اللهم! ارزقني من طاعتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تبلغني به رحمتك، وارزقني من اليقين ما تهون به علي مصائب=
وهو من علامات الزهد في الدنيا. وقلة الرغبة فيها كما قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
من زهد في الدنيا
(1)
هانت عليه المصيبات
(2)
.
• والثالث: "أن يستَوي عند العَبْدِ حَامِدُه، وذامُّه في الحقِّ، وهذا
(3)
من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها؛ فإن من عَظُمت الدنيا عنده أحَبَّ
(4)
المدح، وكره الذم؛ فربما حمَلَهُ
(5)
ذلك على ترك كثير من الحقِّ، خشيةَ الذم، وعلى فعل كثير من الباطل؛ رجاء المدح؛ فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:"اليقين: أن لا ترضي الناس بسخط الله".
• وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة
(6)
لائم.
* * *
• وقد رُوِيَ عن السلف عبارات أخرى في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما تقدم؛ كقول الحسن:"الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هو أفضلُ مِنِّي".
وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها، ولهذا يقال:
= الدنيا، وبارك لي في سمعي وبصري واجعلهما الوارث مني، اللهم! وخذ بثأري ممن ظلمني، وانصرني علي من عاداني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي، اللهم! ولا تسلط عليّ من لا يرحمني".
فسئل عنهن ابن عمر فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختم بهن مجلسه.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص 120 ح 446 عن أبي عبد الرحمن، عن الربيع بن سليمان - به عن خالد، عن نافع، عن ابن عمر بنحو رواية الترمذي.
وجاء رقم الحديث في الموسوعة 440 ولعله خطأ مطبعي.
وأورده النووي في الأذكار: 15 - كتاب الأذكار المتفرقة: 5 - باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه ص 315 عن الترمذي.
وابن تيمية في الوابل الصيب من الكلم الطيب 235 - 236 وقد ختم به الأدعية التي أوردها في كتابه؛ اهتداء بما ذكر آخر هذا الدعاء عن ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم كان يختم بهن مجلسه.
(1)
ب: "ومن علامات الزهد في الدنيا هانت عليه
…
".
(2)
واستقبلها بالصبر والتسليم والرضا.
(3)
م: "وهذه".
(4)
م: "اختار".
(5)
م: "حمل".
(6)
كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} سورة المائدة: 54.
"الزاهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة
(1)
".
فمن أخرج
(2)
من قلبه حب الرياسة في الدنيا، والترفع فيها على الناس؛ فهو الزاهد حقًّا.
وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامُّهُ في الحق.
وكقول وهيب
(3)
بن الورد رحمه الله: "الزهد
(4)
في الدنيا أن لا تأسى
(5)
على ما فات منها، ولا تفرح بما أتاك منها".
قال ابن السماك رحمه الله: "هذا هو الزاهد المبرِّزُ في زُهده".
وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها
(6)
، وزيادتُهَا ونقصها.
وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق.
• وسئل بعضهم أظنه الإمام أحمد عمن معه مال هل يكون زاهدًا؟ قال: "إن كان لا يفرح بزيادته، ولا يحزن بنقصه؛ فهو زاهد
(7)
أو كما قال.
• وسئل الزهري عن الزهد
(8)
فقال: "من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره".
وهذا قريب مما قبله؛ فإن معناه أن الزاهد
(9)
في الدنيا إذا قدر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال لم يشغله عن الشكر، بل قام بشكر الله عليه.
• وقال أحمد بن الحواري رحمه الله: قلت لسفيان بن عيينة: "من الزاهدُ في الدنيا؟ قال: "من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتُلِيَ صَبَرَ" فقلت: يا أبا محمد!
(1)
الخبر في الحلية 8/ 238 من طريق عبد الله بن محمد، عن موسى بن سعيد. عن محمد بن مهاجر، عن سعيد بن حرب، سمع يوسف بن أسباط يقول:"الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا".
(2)
ل، ظ، د:"اخرج".
(3)
م: "وهب" وهو تحريف فهو وهيب بن الورد المكي والخبر المذكور في ترجمته في الحلية 8/ 140 - 161 - أولها.
(4)
م: "والزهد" وما أثبتناه هو الموافق لما في الحلية.
(5)
م: "أن لا تأس" وفيها تحريف واضح.
(6)
م: "إقبالها وإدبارها".
(7)
م: "ولا يحزن بنقصه فهو زاهد".
(8)
م: "الزاهد". وما أثبتناه عن ا، ب هو الموافق لما في الحلية 7/ 287 أخرجه أبو نعيم من رواية أحمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الوليد، عن محمد [بن] جهضم، عن سفيان بن عيينة، قال: سئل الزهري عن الزهد في الدنيا قال: "من لم يغلب الحلال شكره، ولا الحرام صبره".
(9)
ب: "الزهد".
الذي
(1)
قد أنعم عليه فشكر، وإذا ابتلى فصبر، وحبس النعمة كيف يكون زاهدًا؟ فقال:"اسكت! من لم تمنعه النعماء من الشكر، ولا البلوى من الصبر، فذلك الزاهد! ".
• وقال ربيعة: "رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعُها في حقها
(2)
".
• وقال سفيان الثوري رحمه الله: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء.
وقال: وكان من دعائهم: اللهم زَهِّدْنَا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تزوها عنا
(3)
فترغِّبَنَا فيها وكذا
(4)
قال الإمام أحمد: "الزُّهْدُ في الدنيا قِصَرُ الأمَلِ".
وقال مرة: "قِصَرُ الأمَلِ، واليأسُ مما في أيدي الناس".
ووجه هذا: أن قِصَر الأمَلِ يُوجِبُ محبة لقاء الله
(5)
بالخروج من الدنيا، وطول الأملِ يقتضي محبة البقاء فيها؛ فمن قصر أمله فقد كره البقاء في الدنيا.
وهذا نهاية الزهد فيها، والإعراض عنها.
واستدل ابنُ عيينة لهذا بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - إلى قوله - وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}
(6)
الآية.
• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مُزَاحم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: "يا رسول الله: من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلى وترك أفضل
(7)
زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يَعُدَّ غَدًا من أيامه، وعَدّ نفسه من الموتى".
وهذا مرسل
(8)
.
* * *
[أقسام الزهد]:
وقد قسم كثير من السلف الزهد أقسامًا فمنهم من قال: أفضل الزهد: الزهدُ في
(1)
ليست في "ا"، ولا في ب.
(2)
الخبر في الحلية 3/ 259.
(3)
م: "ولا تردها عنا، ورواه الفضيل بن عياض كما في ذم الدنيا 172.
(4)
م: "وكذا".
(5)
م: "محبة الله ولقاءه".
(6)
سورة البقرة: 94 - 96.
(7)
سقطت من م.
(8)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 223 هن رواية أبي معاوية، عن سليمان بن فروخ عن الضحاك بن مزاحم قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل
…
فذكره بنحوه. وانظر الإتحاف 10/ 351.
الشرك وفي عبادة ما عُبِدَ من دون الله، ثم الزّهْدُ في الحرام كُلِّهِ من المعاصي، ثم الزهدُ في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد.
فالقسمان الأوّلان من هذا الزهد كلاهما واجب.
• والثالث ليس بواجب؛ فإن أعظم الواجبات: الزهدُ في الشرك، ثم في المعاصي كلها.
• وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهَّدَنَا الله وإياكم زُهْدَ مَنْ أمكَنَهُ الحرامُ والذنوبُ في الخلَوات، فعلم أن الله يراه فتركه.
• وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي المطيع: الزهد على ثلاثة وجوه:
واحد
(1)
أن تخلص العملَ لله عز وجل والقولَ، ولا يرادُ بشيء منه الدنيا.
• والثاني: تَرْكُ ما لا يَصْلُحُ، والعمل بما يَصْلُحُ.
• والثالث: الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع
(2)
وهو أدناه وهذا قريب
(3)
مما قبله إلا أنه جعلَ الدرجة الأولى من الزهدِ: الزهدَ في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشرك الأصغر، والحامل عليه محبة المدح في الدنيا، والتقدم عند أهلها، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة".
• وقال إبراهيم بن أدهم: "الزهد ثلاثة أصناف، فزهدٌ فرضٌ، وزهدٌ فضلٌ، وزهد سلامة، فالزهد
(4)
الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات
(5)
.
• وقد اختلف الناس هل يستحق اسم الزاهد
(6)
من زهد في الحرام خاصة ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟ على قولين:
• أحدهما: أنه يستحق اسم الزهد بذلك، وقد سبق ذكر ذلك عن الزهري وابن عيينة وغيرهما.
(1)
م: "أحدها أن يخلص".
(2)
م: "التطوع".
(3)
م: "أقرب" والخبر في الحلية 6/ 188.
(4)
م: "فأما الزهد .. فالزهد".
(5)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 8/ 26 من طريق أبيه، عن أبي الحسن بن أبان، عن أبي بكر بن عبيد، عن محمد بن الحسن، عن مكين بن عبيد الصوفي، عن المتوكل بن الحسين، قال: قال إبراهيم بن أدهم فذكره بنحوه.
وأخرجه في الحلية أيضًا 10/ 137 بمثله.
(6)
م: "الزهد".
• والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباحات.
وهو قول طائفة من العارفين
(1)
وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زهد اليوم؛ لفقد المباح المحض، وهو قول يوسف بن أسباط وغيره.
وفي ذلك نظر.
• وكان يونس بن عبيد يقول: وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها؟!
• وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس.
ومنهم من قال: في ترك الشهوات.
ومنهم من قال: من ترك الشبع.
وكلامهم
(2)
قريب بعضه من بعض.
* * *
قال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك
(3)
عن الله عز وجل.
وهذا الذي قاله أبو سليمان: حسن، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه.
* * *
[المراد بذم الدنيا]:
• واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلَهما خِلْفَةً لمنْ أرادَ أن يذّكّر أو أرَادَ شُكُورًا.
• ويروى عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن هذا الليل والنهار خِزانتان؛ فانظروا ما تصنعون فيهما؟!.
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: "اعملوا الليل لما خلق له، والنهار لما خلق له".
• وقال مجاهد: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم! قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيّ، فإذا انقضى طوي ثم يختم عليه
(4)
فلا يفك حتى يكون الله
(1)
م: "العلماء العارفين".
(2)
م: "وكل منهم".
(3)
م: "ما أشغلك".
(4)
ليست في ب.
هو الذي يَفضُّهُ يوم القيامة ولا الليلة
(1)
إلا تقول كذلك وقد
(2)
أنشد بعض السلف:
إنما الدُّنْيَا إلى الجنّـ
…
ـةِ وَالنارِ طَرِيق
والليالي مَتْجَرُ الإنْـ
…
سَان والأيامُ سُوقُ
وليس الذم راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا وسكنًا
(3)
، ولا إلى ما أودعه
(4)
الله فيها من الجبالِ والبحار والأنهارِ والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزروع
(5)
، ولا إلى ما بتَّ فيها من الحيوانات، وغير ذلك، فإن ذلك كلَّه من نعمة
(6)
الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه، وقدرته وعظمته، وإنما الذمّ راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا؛ لأن غالِبَها واقعٌ على غير الوجه الذي تُحمدُ عاقبته، بل يقع على ما تَضُرّ عاقبتُه، أو لا تنفع كما قال عز وجل:{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا}
(7)
.
* * *
[الناس في الزهد]:
وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:
أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد الدنيا دار للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
(8)
.
وهؤلاء همهم التمتع بالدنيا
(9)
، واغتنامُ لذاتها قبل الموت: كما قال الله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}
(10)
.
ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا؛ لأنه يرى أن الاستكثار منها يوجب
(11)
(1)
م: "هو الذي يقضيه .. ولا الليلة".
(2)
ليست في أ والخبر في الحلية 3/ 292 بنحوه.
(3)
م: "ومسكنا".
(4)
م: "ما أودع".
(5)
م: "من الزرع والشجر".
(6)
ب: "من نعم".
(7)
سورة الحديد: 20.
(8)
سورة يونس: 7، 8.
(9)
م: "في الدنيا".
(10)
سورة محمد: 12.
(11)
م: "موجب".
الهمّ والغمّ، ويقول: كلما كثر التعلق بها تألمت النفس بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زُهْدِهِمْ في الدنْيَا.
[والثاني]:
والقسم الثاني من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبونَ إلى شرائع المرسلين.
[وهم أقسام ثلاثة]:
وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام:
ظالم لنفسه.
ومقتصد.
وسابق بالخيرات بإذن الله.
فالظالم
(1)
لنفسه هم الأكثرونَ منهم، وأكثرهم وقف مع زهرة الدنيا وزينتها فأخذها من غير وجهها، "واستعملهما في غير وجهها"
(2)
وصارت الدنيا أكبرَ هَمِّهِ، لها يغضب، وبها يرضى
(3)
ولها يوالي، وعليها يعادي.
وهؤلاء هم أهل
(4)
اللهو واللعبِ والزينةِ والتفاخُرِ والتكاثُرِ.
وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزل
(5)
سفر، يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحَدُهُم يؤمنُ بذلك إيمانًا مُجْمَلًا فهو لا يعرفه مفصلًا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذجُ ما ادُّخِرَ لهم في الآخرة.
* * *
• والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا كما سبق ذكره؛ ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص
(6)
من درجاتهم
(7)
في الآخرة بقدر توسعهما في الدنيا، قال ابن عمر: لا يصيب عبد من
(1)
م: "والظالم".
(2)
سقطت هذه الجملة من ب.
(3)
م: "بها يرضى، وبها يغضب".
(4)
سقطت من ب.
(5)
م: "منزلة".
(6)
"ا": "تنقص".
(7)
"ا": "من الآخرة".
الدنيا شيئًا؛ إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا.
خرجه ابن أبي الدُّنيا بإسناد جيد
(1)
.
وروي مرفوعًا من حديث عائشة رضي الله عنها بإسناد فيه نظر.
• وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده أن رجلًا دخل على معاوية فكساه، فخرج فمرّ على أبي مسعود الأنصاري ورجل آخر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فقال أحدهما له:
(2)
خذها من حسناتك، وقال الآخر:
(3)
خذها من طيباتك.
وبإسناده عن عمر رضي الله عنه قال: لولا أن تنقص حسناتي
(4)
لخالطتكم في لين عيشكم؛ ولكن سمعت الله عيَّر قومًا فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}
(5)
.
• وقال الفضيل بن عياض: إن شئتَ استَقِلَّ من الدنيا، وإن شئتَ استكِثرْ منها
(6)
فإنما تأخذ من كيسك.
ويشهد لهذا أنّ الله عز وجل حرّم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليه، وادَّخره لهم عنده في الآخرة، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله عز وجل:{وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}
(7)
.
* * *
(1)
في ذم الدنيا ص 111 ح 311 من رواية محمد بن عبد الله المدائني، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عمر - بهذا النص.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية 8/ 88 من رواية عبد الله بن محمد، عن أبي يعلى، عن عبد الصمد، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس من عبد أعطى شيئا من الدنيا إلا كان نقصًا ناله من الدرجات في الجنة، وإن كان على الله كريمًا".
وأورده المنذري في الترغيب 4/ 163، من حديث ابن عمر وقال: رواه ابن أبي الدنيا وإسناده جيد، وروي عن عائشة مرفوعًا، والموقوف أصح.
كذلك أورده ابن حجر في الفتح 11/ 280 عن ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر، وذكر تجريد المنذري لإسناده.
(2)
ليست في م.
(3)
ليست في "ا".
(4)
م: "من حسناتي".
(5)
سورة الأحقاف: 20.
(6)
ليست في "ا".
(7)
سورة الزخرف: 33 - 35.
•
[تحريم الحرير على الرجال]:
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدنْيَا لم يلْبَسْه في الآخرة، ومن شَرِبَ الخمر في الدنيا لم يشربها
(1)
في الآخرة"
(2)
.
(1)
م: "يشربه".
(2)
قوله صلى الله عليه وسلم: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" أخرجه البخاري في صحيحه: 77 - كتاب اللباس: 25 - باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه 10/ 284 من أحاديث أنس وابن الزبير وعمر ح 5830، 5832، 5833، 5834 بمثله ونحوه.
ومسلم في: 37 - كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع 3/ 1645 من أحاديث أنس وأبي أمامة ح 21 (2073)، 22 (2074) بمثله. وأحمد في المسند 1/ 26، 35، 37، 39 (الحلبي) من حديث عمر بمثله في الموضع الأول والثالث وبنحوه في الثاني والرابع وفي 2/ 166، 208، 209 من حديث عبد الله بن عمرو بنحوه.
وفي 3/ 23 من حديث أبي سعيد الخدري بمثله وفي 3/ 101، 281 من حديث أنس بنحوه.
وفي 4/ 156 من حديث عقبة بن عامر بنحوه.
وحديث عقبة أورده الهيثمي في المجمع 5/ 142 وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ررجالهم ثقات.
والبيهقي في السنن الكبرى 2/ 422 من حديثي عمر وأنس بمثله، وفي 3/ 270 من حديث عمر جزء حديث عن عبد الله بن عمر عنه وفيه قصة.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب اللباس وآدابه: ذكر البيان بأن من لبس الحرير في الدنيا من الرجال وهو عالم بنهي المصطفى صلى الله عليه وسلم عنه حرم لبسه في الآخرة 7/ 394 من حديث أنس بنحوه ح 5405.
وفي ذكر نفي لبس الحرير في الآخرة عن لبسه في الدنيا غير من وصفنا (أي ممن رخص له لعلة مشروعة) 7/ 396 ح 5411 من حديث أنس بمثله.
وفي ذكر تحريم الله جل وعلا لبس الحرير في الجنة على من لبسه في الدنيا من الرجال 7/ 396 - 397 ح 5412 من حديث عقبة بن عامر بنحوه.
وفي ذكر البيان بأن لابس الحرير في الدنيا في كل وقت محرم لبسه في الجنة إذا دخلها 7/ 397 ح 5413 من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو".
وأخرجه ابن ماجه في السنن: 32 - كتاب اللباس: 16 - باب كراهية لبس الحرير 2/ 1187 ح 3588 من حديث أنس بن مالك بمثله.
والطبراني في الكبير 10/ 11 ح 9779 من حديث عبد الله بن مسعود بمثله.
وأورده الهيثمي في المجمع 5/ 142 عن الطبراني في هذا الموضع وقال: فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف، قال محقق الطبراني: وعبيد الله بن زحر مثله.
أقول: ولهذا لم ترد هذه الرواية في الصحيح.
وأخرجه البغوي في شرح السنة 2/ 30 - 31 من أحاديث ابن الزبير وعمر وأبي سعيد ح 3100، 3101 بمثله وبالإضافة التي أوردها ابن حبان في حديث أبي سعيد.=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والنسائي في السنن: 47 - كتاب الإيمان وشرائعه: 95 - التشديد في لبس الحرير وأن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة 8/ 200 من حديثي ابن الزبير وعمر بنحوه ح 5304، 5305.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 191 من حديث أبي سعيد بنص ابن حبان والبغوي إلا أنه عقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح ثم علق على قوله: "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه" فقال: وهذه اللفظة تعلل الأحاديث المختصرة: أن من لبسها لم يدخل الجنة.
وقد أقره الذهبي على تصحيح الحديث.
وانظر هذا مع ما قال ابن حجر في الفتح 10/ 289 بعد أن أورد رواية أبي سعيد هذه عن أحمد والنسائي والحاكم، قال ابن حجر:"فذكر الحديث المرفوع مثل حديث عمر - هذا في الباب - وزاد: وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" وهذا يحتمل أن يكون أيضًا مدرجًا وعلى تقدير أن يكون الرفع محفوظًا فهو من العام المخصوص بالمكلفين من الرجال للأدلة الأخرى بجوازه للنساء" ولم يشر ابن حجر إلى رواية ابن حبان للحديث في صحيحه كما لم يشر إلى تعقيب الحاكم ولا إلى إقرار الذهبي لصحة الحديث، من جهة، وتعقيب الحاكم عليه من جهة أخرى.
ولم يؤكد احتمال إدراج هذه الزيادة.
بيد أن من المعروف أن زيادة الثقة مقبولة، وإذًا فاحتمال الإدراج ضعيف عند ابن حجر نفسه، فضلًا عن أن الحديث صحيح عند من رواه سيما ابن حِبَّان والحاكم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" أخرجه البخاري في صحيحه: 74 - كتاب الأشربة: 1 - باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 10/ 30 ح 5575 من طريق عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يَتُبْ منها حرمها في الآخرة" والنسائي في السنن: 51 - كتاب الأشربة: 46 - باب الرواية في المدمنين في الخمر 8/ 318 ح 5672 من وجوه عن ابن عمر بنحوه.
والدارمي في السنن: 9 - كتاب الأشربة: 3 - باب في التشديد على شارب الخمر 2/ 152 ح 2090 من طريق خالد بن مخلد عن مالك - به بمثله وزاد: "فلم يُسْقَها".
وأحمد في السند 2/ 19 بنحو رواية النسائي وفي 22 بنص رواية ابن رجب رفيها زيادة: إلا أن يتوب. وفي 28 بمثل هذه الرواية وفي 35 بلفظ من شرب الخمر في الدنيا ثم مات وهو يشربها لم يتب منها حرمها الله عليه في الآخرة. وفي 98 بنحو هذه الرواية بزيادة في أولها: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر
…
الحديث وفي 106 بنص رواية ابن رجب. وفي 123 كذلك. وفي 142 بنص رواية الموضع الثاني؛ كلها من حديث ابن عمر.
وأخرجه مسلم في صحيحه: 36 - كتاب الأشربة: 7 - باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام 3/ 1587 ح 73 - (2003) من حديث ابن عمر بزيادة في أوله كما عند أحمد في الموضع الرابع.
وفي: 8 - باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يَتُب منها بمنعه إياها في الآخرة 3/ 1588 ح 76، 77، 78 من وجوه عن ابن عمر بنحو ما عند أحمد.
والبيهقي في السنن: كتاب الأشربة والحد فيها: باب ما جاء في تحريم الخمر 8/ 287 من حديث ابن عمر بنص رواية البخاري وفي باب التشديد على مدمن الخمر 8/ 288 بمثل الموضع الثاني عند مسلم وفي باب الدليل على أن الطبخ لا يخرج هذه الأشربة من دخولها في الاسم والتحريم 8/ 293 كذلك والبغوي في شرح السنة كتاب=
• قال: "لا تلبسوا الحريرَ ولا الديباجَ ولا تشربوا في آنية
(1)
الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافِهَا
(2)
فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"
(3)
.
= الأشربة: باب وعيد شارب الخمر 11/ 355 من وجهين عن ابن عمر أولهما بلفظ البخاري وثانيهما بمثل الموضع الرابع عند أحمد.
وابن ماجه في السنن: 30 - كتاب الأشربة: 2 - باب من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة 2/ 1119 ح 3373، 3374 من حديث ابن عمر بنص الموضع الثاني عند أحمد.
ومن حديث أبي هريرة بنص رواية ابن رجب.
وأخرجه الدارقطني في السنن: كتاب الأشربة وغيرها 4/ 248 بنحو ما عند مسلم في الموضع الثاني.
والترمذي في السنن: 27 - كتاب الأشربة: 1 - باب ما جاء في شارب الخمر 4/ 290 ح 1861 من حديث ابن عمر بنحو ما عند مسلم في الموضع الثاني.
وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعبادة وأبي مالك الأشعري.
قال أبو عيسى حديث ابن عمر حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر موقوفًا فلم يرفعه.
وهكذا جاء الحديث الذي ساقه ابن رجب: حديثين.
ولم يجئ حديثًا واحدًا إلا من رواية أبي هريرة عند الحاكم في المستدرك 4/ 141 من طريق مكرم بن أحمد القاضي، عن إبراهيم بن الهيثم، عن محمد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة، عن يزيد بن واقد، أن خالد بن عبد الله حدثه أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة.
وقد صححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
وكن على ذكر مما أوردناه عن ابن حبان والحاكم في هذا الحديث ولعله بهذا وذاك يتم الرد على البغوي حيث قال عقب إيراده لحديث عبد الله بن عمر بمثل رواية البخاري.
"من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يَتُبْ منها حرمها في الآخرة" قال: وفي قوله: "حرمها في الآخرة": وعيد بأنه لا يدخل الجنة؛ لأن شراب أهل الجنة خمر، إلا أنهم لا يصدعون عنها ولا ينزفون، ومن دخل الجنة لا يحرم شرابها".
فصحيح الحديث صريح أن العقاب لشارب الخمر - مثلًا - هو الحرمان من شرابها في الجنة، وليس هو الحرمان من دخولها، فإذا قضى الله أن يدخلها - بعفوه ومغفرته ورحمته وهو سبحانه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء - كان العقاب حينئذٍ متمثلًا في حرمانه من خمر الجنة وهكذا.
(1)
م: "إناء" وهو مخالف لما في المصنفات.
(2)
م: "صحافهما" وهو مخالف أيضًا لما في المصنفات.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه: 70 - كتاب الأطعمة: 29 - باب الأكل في إناء مفضض 9/ 554 ح 5426 من طريق أبي نعيم، عن سيف بن أبي سليمان، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، أنهم كانوا عند حذيفة فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين؟ كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج
…
فذكره بالنص الذي أورده ابن رجب.=
• وقال وهب: إن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام إنى لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبلَهُ عن مَبَارِكِ العُرَّة
(1)
وما ذلك لهوانهم عليَّ ولكن ليستكملوا نصيبَهم من كرامتي سالمًا موفَّرًا لم تَكْلَمْهُ الدنيا
(2)
ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن قتادة بن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدنيا
(3)
كما يظلُّ أَحَدُكُم يَحْمِى سَقِيمَه
(4)
الماء".
وخرجه الحاكم ولفظه: "إن الله ليحمي عبده الدنيا وهو يحبه كما تحمون
= وأخرجه في: 74 - كتاب الأشربة: 27 - باب الشرب في آنية الذهب 10/ 94 ح 5632 وفي 28 - باب آنية الفضة 10/ 96 ح 5633.
وفي: 77 - كتاب اللباس: 25 - باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه 15/ 284 ح 5830.
وانظر ما رواه البخاري في هذا الباب من أحاديث عمر وأنس وابن الزبير رضي الله عنهم.
وأخرجه مسلم في صحيحه: 37 - كتاب اللباس:
1 -
باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الدهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل، ما لها يزد على أربع أصابع 3/ 1637 - 1638 ح 4 - (2067)، 5 مختصرًا في بعضها وبزيادة قوله "يوم القيامة" في بعضها الآخر وأخرج شطره من أحاديث عمر وأنس وأبي أمامة 3/ 1641 - 1646 ح 11، 21 (2073)، 22 (2074).
وانظر باقي تخريجه في الإرواء 1/ 68، والموسوعة 7/ 138، 139، 209، 210.
(1)
م: "القرى"، "العرق" وكلاهما تحريف ومَبَارِك العُرة هي القذارة وفضلات الطير والحيوان والإنسان، قال في اللسان: 4/ 2875 (معارف) والعُرُّ والعُرَّة: ذرْق الطير، والعرة أيضًا: عذرة الناس والبعر والسرجين (السماد)
…
وفي الحديث: إياكم ومشارَّة الناس، فإنها تظهر العرّة، وهي القذر وعذرة الناس فاستعير للمساوئ والمثالب، وفي حديث سعد: أنه كان يدمل أرضه بالعرة (يصلحها)
…
وعَرّ أرضه يعرها: سمدها. ومنه حديث ابن عمر: "كان لا يعر أرضه" أي لا يزبلها بالعرّة.
ومنه حديث جعفر بن محمد: "كل سبع تمرات من نخلة غير معرورة أي غير مزبلة بالعرة".
وانظر النهاية: 3/ 204 - 206.
(2)
م: "موفرًا لم أعجل لهم شيئًا في الدنيا لم تكلمه".
(3)
م: "من الدنيا".
(4)
أخرجه الترمذي في سننه: 29 - كتاب الطب: 1 - باب ما جاء في الحمية 4/ 381 ح 2036 من طريق محمد بن يحيى، عن إسحاق بن محمد الفروي عن إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزيّة، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء".
وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن صهيب وأم المنذر وهذا حديث غريب وقد روى هذا الحديث عن محمود بن لبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وساق إسناده.
والملحوظ أن بداية الحديث في الترمذي ليس هي البداية فيه عند ابن رجب!؟.
وفي "ا": "من الماء" وفيها مخالفة للأصول الخطية والمطبوعة ولما عند الترمذي.
مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه
(1)
".
• وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو
(2)
رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر".
* * *
• وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المرادَ من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكَنَ عبادَهُ في هذه الدار ليَبْلوَهم أيّهم أحسنُ عملًا كما قال:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
(3)
.
• وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
(4)
.
قال بعض السلف: أيهم أزهدُ في الدنيا، وأرغب في الآخرة.
وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة لينظر من يَقِفُ منهم معه ويركن إليه، ومَنْ ليس كذلك كما قال تعالى:{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
(5)
ثم بين انقطاعه ونفاذه فقال: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا}
(6)
فلما فهموا أن هذا هو المقصودُ من الدنيا جعلوا هَمَّهُمُ التزوّدَ منها للآخرة التي هي دار القرار، واكتفوا
(7)
من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "ما لي وللدنيا إنما مَثَلِي وَمَثَلُ الدنيا كراكبٍ قَالَ في
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 207 من حديث محمود بن الربيع عن قتادة بن النعمان وفي 4/ 208 من حديث محمود بن الربيع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الله عبدًا
…
الحديث لفظ الموضع الأول ولفظ الموضع الثاني: إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن
…
الحديث بالنص الذي أورده ابن رجب وفيه زيادة وصف: "المؤمن".
وصحح الحديثين وأقره الذهبي.
وفي م: "عبده من الدنيا" وفيه زيادة ليست في الأصول.
(2)
م: "عمر" وهو تحريف والحديث في صحيح مسلم أول كتاب الزهد والرقائق: 53 ح 1 (2956) من طريق قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا، وذكره بالنص الذي أورده به ابن رجب وليس الحديث في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو كما ورد في الأصول الخطية.
(3)
سورة هود: 7.
(4)
سورة الملك: 2.
(5)
سورة الكهف: 7.
(6)
سورة الكهف: 8.
(7)
م: "فاكتفوا".
ظَلِّ شجرة ثم راح عنها وتركها
(1)
!؟ ".
• ووصى صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب
(2)
منهم سلمان وأبو عبيدة بن الجراح وأبو ذر وعائشة رضي الله
(1)
أخرجه البخاري: شطره الأول جزء حديث لابن عمر في: 51 - كتاب الهبة: 27 - باب هدية ما يكره لبسها 5/ 228 ح 2613 وأخرجه أحمد في المسند 1/ 391، 441 (الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه فقلت: يا رسول الله! ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها؟!.
وصححه الشيخ أحمد شاكر (5/ 264)، (6/ 144) المعارف ح 3709، 4208 وأخرجه أحمد في المسند 4/ 262 ح 2744 (المعارف) 1/ 301 (الحلبي) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 326 وقال عن رواة أحمد: رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة. وصححه الشيخ أحمد شاكر.
وأخرجه الترمذي في السنن: 37 - كتاب الزهد: 44 - باب حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي 4/ 588 - 589 ح 2377 من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه، وعنده: ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة
…
".
وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن عمر، وابن عباس.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 309 - 310 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي ومن حديث ابن مسعود رضي الله عنه وسكت عنه هو والذهبي. وابن ماجه في السنن: 37 - كتاب الزهد: 3 - باب مثل الدنيا 2/ 1376 ح 4109 من حديث ابن مسعود بنحوه.
وأبو نعيم في الحلية 2/ 102 و 4/ 234 من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه.
وانظر الترغيب 4/ 198 - 199 وسلسة الأحاديث الصحيحة 439، 440، والموسوعة 9/ 219.
(2)
روى الحاكم في المستدرك 4/ 78 من طريق جعفر بن محمد الخلدي عن أبي العباس، عن مسروق، عن شريح بن يونس، عن سعيد بن محمد الوراق، عن صالح بن حسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يا عائشة! إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب لا تستخلقي ثوبًا حتى ترقعيه، وإياك ومجالسة الأغنياء".
وقد صححه على شرط الشيخين ورده الذهبي فقال: الوراق عدم.
كما روى الحاكم في المستدرك 4/ 317 من طريق إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم العدل، عن أبيه، عن يحيى بن يحيى. عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أشياخه قال: دخل سعد على سلمان يعوده قال: فبكى؛ فقال له سعد: ما يبكيك؛ يا أبا عبد الله!؟ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، وترد عليه الحوض، وتلقى أصحابك؟! قال: فقال سلمان: أما إني لا أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهدها حيًّا وميتًا، قال: لتكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب. وحولي هذه الأساودة، قال: فإنما حوله إجانة وجفنة ومطهرة، قال: فقال له سعد: يا أبا عبد الله! اعهد إلينا بعهد نأخذ به بعدك؟ قال: فقال يا سعد اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند يدك إذا قسمت، وعند حكمك إذا حكمت".
وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه 2/ 45 (من الإحسان) من وجه آخر عن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير=
عنهم ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعدّ نفسه من أهل القبور
(1)
.
= حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع، قالوا: ما يجزعك يا أبا عبد الله! وقد كانت لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغازي حسنة وفتوحًا عظامًا؟ قال: يجزعني أن حبيبنا صلى الله عليه وسلم حين فارقنا عهد إلينا، قال: ليكف اليوم منكم كزاد الراكب، فهذا الذي أجزعني، فجمع مال سليمان فكان قيمته خمسة عشر دينارًا.
وقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 220 بنحو ما في المستدرك وأخرج أحمد في المسند 1/ 195 - 196 من طريق أبي المغيرة، عن صفوان بن عمرو عن أبي حسنة: مسلم بن أكيس مولى عبد الله بن عامر عن أبي عبيدة بن الجراح قال: ذكر من دخل عليه فوجده يبكي فقال: ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ فقال: نبكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يومًا ما يفتح الله على المسلمين ويفيء عليهم حتى ذكر الشام، فقال، إن ينسأ في أجلك يا أبا عبيدة! فحسبك من الخدم ثلاثة، خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويرد عليهم، وحسبك من الدواب ثلاثة دابة لرجلك، ودابة لثقلك، ودابة لغلامك، ثم هذا أنا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقًا، وأنظر إلى مربطي قد امتلأ دواب وخيلًا؛ فكيف ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أحبكم إلي وأقربكم مني من لقيني على مثل الحال التي فارقني عليها؟ ".
وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 253 عن أحمد في هذا الموضع وقال: فيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات.
وروى البزار في مسنده (4/ 257) من الكشف من حديث محمد بن المثنى، عن بهلول بن مورق، عن موسى بن عبيدة، قال: أخبرني الوليد بن بريقع -أو بقيع- عن عبد الله بن عباس: أن أبا ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إن أحبكم إليّ وأقربكم مني: الذي يلحقني على ما عاهدته عليه.
قال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن أبي ذر، ولا نعلم روى عن الوليد إلا موسى وموسى من خيار الناس وعبادهم.
وقد أورده الهيثمي في المجمع وقال: رواه البزار. وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف (10/ 325 - 326).
وأخرج أحمد في المسند (5/ 165) الحلبي من طريق يزيد، عن محمد بن عمرو، عن عراك بن مالك قال: قال أبو ذر: إني لأقربكم يوم القيامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أقربكم مني يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته عليه" وإنه والله ما منكم من أحد إلا قد تشبث منها بشيء غيري.
وقد أورده الهيثمي في المجمع 9/ 327 وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن عراك بن مالك لم يسمع من أبي ذر فيما أحسب والله أعلم.
(1)
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف 13/ 217 من طريق أبي معاوية عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي أو ببعض جسدي فقال لي: يا عبد الله بن عمر! كن في الدنيا غريبًا أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال مجاهد: وقال لي عبد الله بن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك قبل موتك، ومن صحتك قبل سقمك، فإنك لا تدري ما اسمك غدًا.
وهو عند البخاري في: 81 - كتاب الرقاق: 3 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل 11/ 233 ح 6416 من طريق علي بن عبد الله المديني، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن سليمان=
[أقسام أهل هذه الدرجة]:
وأهل هذه الدرجة على قسمين؟
منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسدّ الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد.
ومنهم من يفسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى
(1)
النفس بذلك، وتنشط للعمل؛ كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حُبِّبَ إليّ من دنْيَاكُم النساء والطيب وجُعلت قرة عيني في الصلاة".
خرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس
(2)
.
= الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، وعنده: كأنك غريب وليس فيه: "وعد نفسك من أهل القبور" وأوله: كن في الدنيا .. والترمذي في 37 - كتاب الزهد: 25 - باب ما جاء في قصر الأمل 4/ 567 - 568 من طريق محمود بن غيلان، عن أبي أحمد، عن سفيان، عن ليث - به بنحو ما عند أبي شيبة.
وقد عقب عليه بذكر روايتي الأعمش وحماد بن زيد لهذا الحديث عن الأعمش ولم يذكر درجته، وأوله عنده: "كن في الدنيا
…
".
ورواه ابن ماجه في السنن: 37 - كتاب الزهد: 3 - باب مثل الدنيا 2/ 1378 ح 4114 شطره المرفوع بنحو ما عند ابن أبي شيبة. وأوله عنده: يا عبد الله! كن في الدنيا.
والطبراني في الصغير ص 60 ح 63 من حديث ثوبان عن الحسين بن الحر، عن ليث - به - بنحو ما عند ابن أبي شيبة، وأوله يا عبد الله! وعقب عليه بقوله: لم يروه عن الحسين بن الحر إلا ابن ثوبان؛ وانظر باقي تخريجه في الموسوعة 6/ 473.
(1)
أ: "ليقوى
…
وتنشط".
(2)
أخرجه أحمد في السند 3/ 128، 199، 285 (الحلبي) من وجوه عن أنس بنحوه.
وأخرجه النسائي في السنن: 36 - كتاب عشرة النساء:
1 -
باب حب النساء 7/ 61 - 62 من وجهين عن أنس: أولهما بلفظ: حُبِّب إليّ من الدنيا: النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة" وهو لفظ الموضع الأول عند أحمد والثاني دون لفظ الدنيا والثاني بلفظ: "حبب إليّ النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة" وهو لفظ الموضع الثالث عند أحمد إلا أنه زاد: "من الدنيا".
وهكذا أخرجه النسائي في كتاب عشرة النساء له: باب حب النساء ص 34 ح 1، 2 بإسناده وصيغته في السنن: الأول من طريق الحسين بن عيسى القومسي، عن عفان بن مسلم، عن سلام أبي المنذر، عن ثابت عن أنس.
والثاني من طريق علي بن مسلم الطوسي، عن سيار، عن جعفر، عن ثابت - به.
ولفظ دنياكم ليس عند أحمد ولا عند النسائي.
وهو عند البيهقي في السنن الكبرى 7/ 78 من حديث مطين، عن علي بن الجعد، عن سلام أبي المنذر - به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إنما حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة".
ورواه من وجه آخر بلفظ النسائي الأول.
وهكذا لم نجد اللفظ الذي عزاه ابن رجب لأحمد والنسائي عند أي منهما.
وقد نقل السيوطي في تعليقه على رواية النسائي عند التستري قوله: "من" في هذا الحديث بمعنى في، لأن=
• وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب من الدنيا النساءَ والطيبَ والطعامَ، فأصاب من النساء والطيب، ولم يُصِبْ من الطعام
(1)
.
[كيف نقسم ساعات اليوم؟]:
• قال وهب: مكتوب في حكمة آل داود عليهم السلام ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدّقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل
(2)
؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وأفضل
(3)
بلغة واستجمامًا للقلوب
(4)
يعني ترويحًا لها.
[كيف يعالج اشتهاء الدنيا؟]:
ومتى نوى المؤمن
(5)
بتناول شهواته المباحة التقوّي على الطاعة
(6)
كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
يعني أنه ينوي بنومه: التقوّي على القيام في آخر الليل؛ فيحتسب ثوابَ نومه، كما
= هذه من الدين لا من الدنيا وإن كانت فيها، والإضافة في رواية دنياكم للإيذان بأن لا علاقه له بها، وبهذا يدفع ما قد يعترض به على الحديث أو على معناه.
والحديث عند أبي يعلى في مسنده 6/ 200، 237 ح 728 (3483)، 776 (3530) وقد حسن المحقق إسناده.
وأورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/ 599 ح 3124 ونص على صحته.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 160 من حديث أنس وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.
وانظر باقي تخريجه في كتابنا منهج السنة في الزواج ص 32 وهامش مسند أبي يعلى وعشرة النساء وصحيح الجامع الصغير.
(1)
أخرجه أحمد في المسند 6/ 72 من طريق محمد بن عبد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل، حدثه، عن عائشة قالت:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه من الدنيا ثلاثة: الطعام والنساء والطيب فأصاب النساء والطيب ولم يصب الطعام" وهو ضعيف بجهالة الراوي عن عائشة.
وقد أورده الهيثمي في المجمع 10/ 315 وقال: فيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح.
(2)
م: "فيما لا يحل ويحل" وفيه خطأ بين.
(3)
م: "وأفضل" وهو تحريف.
(4)
م: "واستجماعًا" وهو تحريف.
(5)
"ومتى نوى من تناول".
(6)
م: "طاعة الله".
يحتسب ثوابَ قيامه.
وكان بعضهم إذا تناول شيئًا من شَهَواته المباحة واسى منها إِخوانه
(1)
كما روي عن ابن المبارك رحمه الله أنه كان إذا اشتهى شيئًا لم يأكله حتى يشتهيه
(2)
بعضُ أصحابه فيأكله معهم.
وكان إذا اشتهى شيئًا دعا ضيفًا له ليأكل معه.
وكانَ يذكر عن الأوزاعي أنه قال: "ثلاثة لا حسابَ عليهم في مطعمهم: المتسحرُ والصائم حين يفطر، وطعام الضيف.
* * *
[ليس من حب الدنيا طلب المصلح]:
• وقال الحسن: ليس من حبك للدنيا
(3)
طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه.
[متاع الغرور]:
• وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيكَ عن طلب الآخرة، وما لم يلْهِكَ فليس متاعَ الغرور، ولكنه متاع بلاغٍ إلى ما هو خير منه.
• وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحبُّ دُنْيَا قدّرَ لي فيها قوتٌ اكتسبت
(4)
به حياة؛ أدرك بها طاعة؛ أنال بها الآخرة!؟
وسئل أبو صفوان الرعيني، وكان من العارفين: ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن، التي ينبغي للعاقل أن يَتَجَنَّبَهَا فقال: كلّ ما أصبتَ في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكلّ ما أصبت منها تريد به الآخرةَ فليس منها.
• وقال الحسن رحمه الله: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن وذلك أنه عمل قليلًا وأخذ زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق؟! وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار.
(1)
م: "وكان يعظهم أن يتناول
…
إلا واسى
…
" وفيها تحريف بين.
(2)
م: "يشهد" فيها تحريف يدل عليه ما بعده وما هو معرف ولائق بمثل ابن المبارك.
(3)
م: "حبك الدنيا".
(4)
م: أكتسب بها.
• وقال أيفَع بن عبد الكلاعي
(1)
: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النار قال الله عز وجل: يا أهل الجنة!: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قال: "نعم ما اتجرتُم في يومٍ أو بعض يوم، رحمتي ورضْوَانِي وَجَنَّتِي امكثوا فيها خالدين مخلدين" ثم يقول لأهل النار:{كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فيقول: (بئسما اتجرتم في يوم أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري امكثوا فيها خالدين مخلدين).
* * *
•
[الموقف المنطقي من ذم الدنيا]:
وخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب أنبأنا سعد بن طارق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدارُ الدنيا لمن تزوَّدَ منها لآخرته حتى يُرْضي ربه، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه وإذا قال العبد قبح الله الدنيا قالت الدنيا: قَبحَ الله أعصانا لربه"
(2)
.
وقال صحيح الإسناد.
وخرجه العقيلي وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير محفوظ قال: وهذا الكلام يروى عن علي من قوله
(3)
.
وقول عليّ خرجه ابن أبي الدنيا عنه بإسناد فيه نظر أن عليًّا سمع رجلًا يسب الدنيا
(1)
م: "أبقع بن عبيد" وهو تحريف وقد ترجم له أبو نعيم في الحلية 5/ 131 - 132 وأورد به الحديث المذكور من طريق عبد الله بن محمد بن جعفر، عن أبي يعلى الموصلي، عن الهيثم بن خارجة، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبد الكلاعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
…
فذكره وزاد في آخره: فيقولون ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإِنا ظالمون فيقول: اخسئوا فيها ولا تكلمون، فيكون ذلك آخر عهدهم بكلام ربهم تعالى". ثم عقب أبو نعيم بقوله: كذا رواه أيفع مرسلًا.
ذلك أن أيفع تابعي، وليس بصحابي.
وأورده ابن كثير في التفسير 3/ 258 - 259 عن ابن أبي حاتم عن أبيه عن الوليد بن مسلم - به - وليس فيه الزيادة المذكورة في الحلية. والآية المذكورة في 112 - 113 سورة المؤمنون.
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 312 - 313 من طريق أحمد بن كامل القاضي، عن جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، عن يحيى بن أيوب. عن عبد الجبار بن وهب، عن سعد بن طارق، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فذكره بالنص الذي أورده ابن رجب. وطارق هو ابن أشيم الأشجعي. وقد صححه على شرط الشيخين ورده الذهبي حيث قال: بل منكر، وعبد الجبار لا يعرف روى عنه يحيى بن أيوب العابد.
(3)
في الضعفاء الكبير 3/ 89 وأورده ابن عدي في الكامل 3/ 248 / 249.
فقال: "إنها لدارُ صدق لمن صدفها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها؛ مسجد أحباءِ الله، ومهبط وحيه، ومُصَلَّى ملائكتِه، ومُتَّجَرُ أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا، وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثّلت ببلائها البلاء وشوّقت بسرورها إلى
(1)
السرور، فذمَّها قوم عند الندامة، وحَمِدها
(2)
آخرون؛ حدثتهم فصدّقوا وذكرتهم فذكروا.
فيا أيها المغتر بالدنيا المغتر بغَرورها! متى استلأَمت إليك الدنيا؟ بل متى غرتك؟!
(3)
أبمضاجع آبائك
(4)
من الثرى؟ أم بمصارع أمهاتك من البلى؟ كم قد قلَّبت بكفيك، ومرَّضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تُسْعَفْ بطَلِبَتِكَ قد مثَّلت لك الدنيا بمصرعه مصرعَك غدًا، ولا يغني عنك بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك؟! "
(5)
.
فبين أمير المؤمنين رضي الله عنه أن الدنيا لا تُذمّ مطلقًا، وأنها تُحمد بالنسبة إلى من تزوّد منها الأعمالَ الصالحة، وأن فيها مساجدَ الأنبياء، ومهبطَ الوحي، وهي دار التجارة للمؤمنين اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا بها الجنة؛ فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفتَه.
• وأما ما ذَكر من أنها تغرّ وتخدع فإنها تنادي بمواعظها، وتنصح بعبرها، وتبدي عيوبها بما تُري أهلها
(6)
من مصارع الهلْكى، وتقلب الأحوال من الصحة إلى السَّقَم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزِّ إلى الذل ولكن محبها قد أصمّه وأعماه حُبُّهَا فهو لا يسمع نداءَهَا كما قيل:
قد
(7)
نادت الدنيا على نَفْسِهَا
…
لو كان في العالَم مَنْ يَسْمعُ!؟
كَمْ واثقٍ بالعمرِ أفنَيتُه
…
وَجَامعٍ بدَّدْتُ ما يَجْمعُ!؟
(1)
م: "إلى أهل السرور".
(2)
م: "مدحها".
(3)
م: "تحت الثرى".
(4)
ليست في م.
(5)
أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ص 61 - 62 ح 147 من طريق علي بن الحسن بن أبي مريم، عن عبد الله بن صالح العجلي، عن معاذ الحذاء قال: سمع الإمام علي بن أبي طالب رجلًا يسب الدنيا فقال له: فذكره وفيه: "مسجد أحباء الله وهبوط وحيه .. نادت ببينها
…
المعتل بالدنيا .. متى استهوتك الدنيا أبضاجع قلبت بكفك .. بيدك .. لم تظفر .. يوم لا يغني عنك بكاؤك".
(6)
م: "من أهلها".
(7)
"ا": "لقد".
قال
(1)
يحيى بن معاذ رحمه الله، لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في الغيب
(2)
من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حَزَنًا.
• وقال بعض الحكماء:
الدنيا أمثال تضربها الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى تُرْجُمَان، وبحب الدنيا صُمّتْ أسماعُ القلوب عن المواعظ، وما أحث السائق؛ لو شعر الخلائق؟!.
[أهل الزهد في فضول الدنيا]:
وأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام فمنهم من يحصل له فَيُمْسِكُه ويتقرَّبُ إِلى الله كما كان كثيرٌ من الصحابة وغيرهم.
• قال أبو سليمان: كان عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما خازِنَيْن من خُزَّان الله في أرضه ينفقان في طاعته، وكانت مُعَامَلَتُهُمَا لله بقلوبهما.
• ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه.
وهؤلاء نوعان: منهم من يخرجه اختيارًا وطوَاعيةً.
ومنهم من يخرجه ونفسه تأبَى إِخراجَه، ولكن يجاهدها على ذلك.
وقد اختلف في أيهما أفضل؟ فقال ابن السماك والجنيد: الأول أفضل؛ لتحقُّق نفسه بمقام السخاء والزهد.
• وقال ابن عطاء: الثاني أفضل، لأن له عملًا ومجاهدةً.
• وفي كلام الإمام أحمد رضي الله عنه ما يدل عليه أيضًا.
ومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول، وهو زاهدٌ في تحصيله إما مع قدرته، أو بدونها.
والأول أفضل من هذا.
ولهذا قال كثير من السلف: إن عمر بنَ عبد العزيز كان أزهدَ مِنْ أُوَيْسٍ ونحوه.
كذا قال أبو سليمان وغيره
(3)
.
• وكان مالك بن دينار يقول: "النَّاسُ يقولون: مالك زاهد!؟ إنما الزاهد عُمَرُ بنُ
(1)
م: "وقال".
(2)
م: "المغيب" وقد أورده أبو نعيم في الحلية في ترجمة يحيى بن معاذ 10/ 56، وفيه: لو سمع
…
ولو سمعت الخليقة دمدمة النار على الخليقة لتصدعت القلوب فرقًا.
(3)
الحلية 9/ 272.
عبدِ العزيز
(1)
!! ".
[أيهما أفضل]:
• وقد اختلف العلماء أيهما أفضل؟ مَنْ طلب الدنيا من الحلال، ليصلَ رحمه، ويقدم منها لنفسه؟ أم من تَركها فلم يطلبها بالكلية؟
فرجحت طائفة مَن تركها وجَانَبَهَا، منهم الحسن وغيره.
ورجحت طائفة مَنْ طلبها على ذلك الوجه، منهم النّخَعي وغيره.
• وروي عن الحسن رضي الله عنه أيضًا نحوه.
[بصائر الزاهدين]:
• والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها، فمنهم من يشهد كثرة التعب بالسعي في تحصيلها؛ فهو يزهد فيها قصدًا لراحة نفسه.
• قال الحسن: الزهد في الدنيا يريح القلبَ والْبَدَنَ.
• ومنهم من يخاف أن ينقص حظه من الآخرة بأخذ فضول الدنيا.
• ومنهم من يخاف من طول الحساب عليها.
قال بعضهم: مَنْ سألَ الله الدّنيا؛ فإنما يسأل طولَ الوقف للحساب.
• ومنهم مَنْ يشهد كثرةَ عيوب الدنيا، وسرعةَ تقلبها وفَنَائها، ومزاحمة الأراذل في طلبها كما قيل لبعضهم: ما الذي زهّدك في الدنيا؟ قال: قلةُ وفائها، وكثرةُ جفائها، وخِسَّةُ شركائها
(2)
.
• ومنهم من كان ينظر إلى حقارة الدنيا عند الله فيتقذَّرُها
(3)
؛ كما قال الفضيل: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالًا ولا أُحَاسَب بها في الآخرة لكُنْتُ أتَقَذرها كما
(4)
يَتَقَذَّرُ الرجل الجيفةَ إذا مرَّ بها أن تصيب ثوبَه
(5)
.
• ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة والتزود لها.
قال الحسن: إن كان أحدهم ليَعيشُ عُمُرهُ مجهودًا شديدًا الجهد والمالُ الحلال إلى
(1)
الحلية 5/ 257.
(2)
م: "وخشية شركائها" وهو تحريف.
(3)
م: "فيقذرها".
(4)
م: "أقذرها كما يقذر الرجل".
(5)
أورده أبو نعيم في الحلية 8/ 89 بمثله إلا أن فيها: "لا أحاسب".
جنبه يقال له: ألا تأتي هذا فتصيبَ منه؟ فيقول: لا والله لا أفعل؛ إني أخاف أن آتيه فأصيب منه؛ فيكونَ فساد قلبي وعَمَلي.
• وبُعِثَ إلى عُمَرَ بن المنكدر بمال؛ فبكى واشتد بكاؤه وقال: خشيت أن تغلبَ الدُّنْيَا على قلبي؛ فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكاني
(1)
.
ثم أمَرَ بهِ فتُصُدِّقَ به على فقراء أهل المدينة.
وَخَواصُّ هؤلاءِ يَخْشى أن يشتغل بها عن الله كما قالت رابعة: ما أحِبُّ أَنَّ لِيَ الدنيا كُلَّها من أولها إلى آخرها حلالًا أنفقها في سبيل الله وأنها شغلتنى عن الله طرفة عين.
• وقال أبو سليمان: الزهدُ تركُ ما يشغلُ عن الله
(2)
.
وقال: كُلُّ ما يَشْغَلُكَ عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك
(3)
مشُوم
(4)
.
وقال:
(5)
أهل الزهد في الدنيا على طبقتين:
• منهم من يزهد
(6)
في الدنيا فلا يُفْتَحُ له فيها رَوْحُ الآخرة.
• ومنهم من إذا زهد فيها
(7)
فُتِح له فيها رَوْحُ الآخرة فليس شيءٌ أحبَّ إليه من البقاء ليطيع الله
(8)
.
[الزاهد من زهد في الدنيا]:
وقال: ليس الزاهد من ألقى همومَ الدنيا واستراح منها، وإنما الزاهدُ مَنْ زَهِدَ في الدنيا، وتَعِبَ فيها للآخرة.
فالزهد في الدنيا يُرَادُ به تفريغُ القلب من الاشتغال بها؛ ليتفرغَ لطلب الله، ومعرفَتِهِ، والقرب منه، والأنْسِ به، والشوقِ إلى لقائه.
(1)
م: "للآخرة مني .. الذي منه".
(2)
هذا جزء أثر أورده أبو نعيم في الحلية 9/ 258 من طريق أحمد بن أبي الحواري سمع أبا سليمان الداراني يقول: اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم من قال في ترك الشهوات، ومنهم من قال: في ترك الشبع، وكلامهم قريب بعضه من بعض، وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله.
(3)
ليست في م، ولا في ا وهي في الحلية، ب.
(4)
م، الحلية. "مشئوم" والمشوم والمشئوم ما كان والشؤم ضد اليمين، صحاح 5/ 1957.
(5)
ليست في م.
(6)
في الحلية: "من ا".
(7)
في الحلية "زهد في الدنيا".
(8)
أخرجه أبو نعيم في الحلية 9/ 274 وفي أ، د:"ليطيع" فقط.
وهذه الأمور ليست من الدنيا كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة".
ولم يجعل الصلاة مما حبب إليه من الدنيا كذا في المسند والنسائي
(1)
.
وأظنه وقع في غيرهما: "حبب إلي من دنياكم ثلاث" فأدخل الصلاة في الدنيا
(2)
.
ويشهد لذلك حديث: "الدنيا ملعونةٌ: ملعون ما فيها إلا ذكْرَ الله، وما والاه أو عالمًا أو متعلمًا".
خرّجه ابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعًا
(3)
.
• وروى نحوه من غير وجه مرسلًا ومتصلًا وخرّج
(4)
الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعًا قال: "الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتُغِيَ بِه وجْهُ الله"
(5)
.
وخرّجه ابن أبي الدنيا موقوفًا
(6)
.
(1)
تقدم ص 876 وما بعدها.
(2)
قد علمت معنى "من" وأنها بمعنى "في" هذا إن صحت رواية الثلاث أو إن صح شمول معنى الدنيا للأمور الثلاثة بما فيها الصلاة، وقد قال ابن القيِّمْ: من روى الحديث: حبب إلي من دنياكم ثلاث فقد وهم، بل هي عبادة محضة، نعم يصح أن تضاف إليها لكونها ظرفًا لوقوعها فيها، وكذا قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي تبعًا لأصله، والولي ابن العراقي في أماليه: إن لفظ ثلاث لم يقع في شيء من طرقه، بل هي مفسدة للمعنى".
نقل ذلك العجلوني في كشف الخفاء 1/ 405 - 408 في الكلام على الحديث وذهب إلى أن المحيل للمعنى زيادة من دنياكم ثلاث لا لفظ ثلاث فقط.
أقول: كيف ولفظ الدنيا أو دنياكم ثابتة؟ وقد حل السيوطي في شرحه للنسائي الإشكال بتفسير معنى "من" ولولا أن اللفظة ثابتة لما احتاج إلى هذا التأويل، فانحصر الأمر في لفظ الثلاث؛ لعدم ثبوتها كما قال ابن القيم وغيره لا لإحالتها المعنى كما اتجهوا.
راجع كشف الخفاء في الموضع المذكور، والشفاء 1/ 194، 277 والمقاصد الحسنة للسخاوي ص: 180 - 181.
(3)
أخرجه ابن ماجه في سننه: 37 - كتاب الزهد: 3 - باب مثل الدنيا 2/ 1377 ح 4112 من طريق علي بن ميمون الرَّقِّي، عن أبي خليد، عن عتبة بن حماد الدمشقي، عن ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره بالنص المذكور.
وأخرجه الترمذي في: 37 - كتاب الزهد: 34 - باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل: 4/ 561 ح 2322 من طريق محمد بن حاتم، عن علي بن ثابت، عن ابن ثوبان - به - أن أبا هريرة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم".
وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.
(4)
م: "وخرجه".
(5)
أورده الهيثمي في المجمع 10، 222 عن الطبراني وقال: فيه خداش بن المهاجر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(6)
في ذم الدنيا ح 7 ص 14 لكن مرفوعًا بإسناد ضعيف.
وخرج أيضًا من رواية شَهْر بن حَوْشَب عن عُبَادة قالَ: أُراهُ رفعهُ قال: "يؤتى بالدنيا يوم القيامة فيقال ميزُوا منها ما كان لله عز وجل وألقوا سائرها في النار"
(1)
.
[الدنيا ملعونة إلا]:
فالدنيا وكل ما فيها ملعونة. أي: مُبْعَدَةٌ عن الله؛ لأنها تشغل عنه، إلا العلم النافع الدالِّ على الله، وعلى معرفته وطلب قربه، ورضاه، وذكرَ الله، وما والاه مما يقرّب من الله. فهذا هو المقصود من الدنيا.
فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوامُ ذكره؛ كما قال ابن مسعود:"تقوى الله حقَّ تقواه أن يُذْكَر فلا ينسى".
وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره، وكذلك الحج والطواف.
وأفضل أهل العبادات أكثرهم لله ذكرًا فيها.
فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة، وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
(2)
.
[أيُّهما أفضل؟]:
وقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا من هذه العبادات أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم.
قالوا: لأن نعيم الجنة حظُّ العبد، والعبادات في الدنيا حقُّ الربِّ؛ وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظ العبد.
وهذا غلط.
ويقوّي غَلَطَهم قولُ كثير من المفسرين في قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا}
(3)
قالوا: الحسنة: لا إله إلا الله، وليس شيء خيرًا منها.
ولكن الكلام على التقديم والتأخير.
(1)
أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ص 14 ح 6 من طريق العباس بن يزيد البصري، عن معاوية، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن عبادة قال ابن أبي الدنيا أراه رفعه قال: فذكره بنحوه.
وضعف محققه الحديث بشهر.
(2)
سورة الذاريات: 56.
(3)
سورة النمل: 89.
والمراد: فله منها خير أي: له خير بسببها، ولأجلها.
والصواب إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة: أَن الآخرةَ خيرٌ من الأولى مطلقًا.
وفي صحيح الحاكم عن المستورد بن شدَّاد قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتذكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم: إنما الدنيا بلاغ للآخرة، وفيها العمل، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة".
وقالت طائفة منهما: الآخرة فيها الجنة، وقالوا: ما شاء الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَمْشِي أحدُكُم إلى الْيَمِّ فأدخل إصْبعَهُ فيها فما خرج منه فهو الدنيا
(1)
".
فهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا وما فيها من الأعمال.
ووجه ذلك أن كمالَ الدنيا إنما هو في العلم والعمل، والعلم مقصود الأعمال: فيضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه؛ فإن العلم أصله العلم بالله وأسمائه وصفاته، وفي الآخرة ينكشف الغطاءُ، ويصير الخبر عَيَانًا، وتصير العرفة بالله رؤية له ومُشَاهدة.
فأين هذا مما في الدنيا؟!.
[مقاصد الأعمال في الدنيا]:
وأما الأعمال البدنية فإن لها في الدنيا مقصدين:
أحدهما: اشتغال الجوارح بالطاعة، وكدّها بالعبادة.
والثاني: اتصال القلوب بالله، وتنويرُها بذكره.
فالأول قد رُفع عن أهل الجنة.
ولهذا روي أنهم إذا همّوا بالسجود لله عند تجلّيه لهم يقال لهم: "ارفعوا رؤوسكم؛ فإنكم لستم في دار مجاهدة
(2)
.
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 319 من حديث المستورد بن شداد بالنص المذكور إلا أن عنده: "فهي الدنيا" وقد صححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(2)
أورده المنذري في الترغيب والترهيب 4/ 545 - 546 حديث علي رضي الله عنه قال: إذا سكن أهل الجنة =
وأما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها.
ولا نسبة لا حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القربِ والأنْسِ والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عَيَانًا فتتنعم قلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم بقُربِ الله ورؤيته وسماع كلامه، لا سيما في أوقات الصلاة في الدنيا كالجمع والأعْياد.
والمقربون منهم يحصُلُ ذلك لهم كلَّ يوم مرتين بكرة وعشيًّا
(1)
في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر.
ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم حضَّ عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر، وصلاة الفجر؛ لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربَّهم، وزيارتهم له.
وكذلك نعيم الذكر، وتلاوة القرآن لا ينقطع عنهم أبدًا فَيُلْهَمُون كما يلهمون النَّفَس
(2)
.
قال ابن عيينة: "لا إله إلا الله" لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا: فَأين
(3)
لذةُ الذكر للعارفين في الدنيا من لذّتهم به في الجنة؟!.
فتبين بهذا أن قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} على ظاهره فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة.
= الجنة أتاهم ملك فيقول: إن الله يأمركم أن تزوروه، فيجتمعون، فيأمر الله تعالى داود عليه السلام فيرفع صوته بالتسبيح والتهليل، ثم توضع مائدة الخلد، قالوا يا رسول الله: وما مائدة الخلد؟ قال زاوية من زواياها أوسع مما بين الشرق والغرب فيطعمون، ثم يُسْقون، ثم يُكْسَوْن، فيقولون: لم يبق إلا النظر في وجه ربنا عز وجل، فيتجلى لهم فيخرون سجدًا، فيقالُ: لستم في دار عمل، إنما أنتم في دار جزاء. وعقب عليه بقوله: رواه أبو نعيم في صفة الجنة، وهو في صفة الجنة 3/ 237 بإسناد ضعيف جدًّا.
(1)
روى مسلم في صحيحه من حديث معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوَّطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة. ومجامرهم من الألُوّة، ورشحهم المسك. ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخّ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد. يسبحون الله بكرة وعشيًّا" والألوة: هو العود الذي يتبخر به: العود الهندي.
وقد أخرجه مسلم في: 51 كتاب صفة الجنة ونعيمها وأهلها: 7 - باب صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا 4/ 2180 ح (17).
(2)
روى مسلم عقب الحديث السابق من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون" قالوا: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء" ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس".
والجشاء هو تنفس المعدة من الامتلاء.
(3)
م: "فإن".
وبكل حال فالذي يحصلُ لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومن قربه ومشاهدته ولذة ذكره هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في الدنيا؛ لأن أهلها لم يدركوه على وجهه بل هو مما لا عين رأت، ولا أذن سَمِعَتْ، ولا خطرَ على قلب بشر.
والله تعالى المسئول أن لا يحرمَنَا خَيْرَ ما عنده بشرِّ ما عندنا بمنه وكرمه ورحمته آمين.
اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم
(1)
.
* * *
ولنَرجع إلى شرح حديث "ازهد في الدنيا يحبك الله".
فهذا الحديث يدل على أن الله يحب الزاهدين في الدنيا
(2)
.
قال بعض السلف: قال الحواريون لعيسى عليه السلام:
يا روح الله! علّمنا عملًا واحدًا يحبنا الله عز وجل عليه؟.
قال: ابغضوا الدنيا يحبَّكم الله عز وجل.
* * *
وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة كما قال: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ}
(3)
وقال: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}
(4)
وقال: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}
(5)
.
والمراد حب المال فإذا ذم من أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها، بل يرفضها ويتركها.
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"من أحبَّ دُنْيَاهُ أضرَّ بآخِرته، ومَنْ أَحَبَّ آخرته أَضَرَّ بدُنياهُ؛ فآثِرُوا ما يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنى"
(6)
.
(1)
هذه الجملة ليست في أ، ولا في ب.
(2)
م: "الزاهد في الدنيا".
(3)
سورة القيامة: 20، 21.
(4)
سورة الفجر: 20.
(5)
سورة العاديات: 8.
(6)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 512 من وجهين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 249 وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقاق: باب الفقر والزهد والقناعة: ذكر الإخبار بأن الإمعان في الدنيا يضر في العقبى كما أن الإمعان في طلب الآخرة يضر في فضول الدنيا 2/ 46 - 47 من الإحسان.
وفي المسند وسنن ابن ماجه عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
"من كانت الدنيا همه فرّق الله عليه أمره، وجَعَل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له".
"ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له
(1)
أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة"
(2)
.
وخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعًا
(3)
بمعناه.
ومن كلام جندب بن عبد الله الصحابي
(4)
رضي الله عنه "حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة".
وروي مرفوعًا وروي عن الحسن مرسلًا
(5)
.
(1)
م: "عليه" وهي مخالفة لما في الأصول.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 183 (الحلبي) جزء حديث من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحوا من نصف النهار، فقلنا: ما بعث إليه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقمت إليه فسألته، فقال: أجل! سألنا عن أشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه
…
الحديث ثم قال: وقال: من كان همه الآخرة
…
الحديث بدءًا بأمر الآخرة بنحوه.
وأخرجه في الزهد 42 - 43.
وابن ماجه في السنن: 37 - كتاب الزهد: 2 - باب الهم بالدنيا 2/ 1375 ح 4105 مقتصرًا على الحديث الذي أورده ابن رجب - بمثله. من طريق محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة - به -.
وفي مصباح الزجاجة 2/ 321 ح 1453 قال البوصيري:
هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة.
رواه بنحوه، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبان بن عثمان عن زيد بن ثابت وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه الترمذي في الجامع وابن ماجه.
(3)
هذا هو شاهد الترمذي الذي أشار إليه البوصيري، وقد أخرجه الترمذي في السنن: 38 - كتاب صفة القيامة: 30 - باب حدثنا قتيبة 4/ 642 ح 2465 من رواية هنَّاد، عن وكيع عن الربيع بن صبيح، عن يزيد ابن أبان وهو الرقاشي عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه.
(4)
م: "الصنعاني" وهو تحريف وهو البجلي وليس الصنعاني.
(5)
رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ص 15 ح 9 من رواية سريج بن يونس، عن عباد بن العوام، عن هشام أو عوف عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره مرسلًا.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية 6/ 388 من حديث سفيان الثوري قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة والمال فيه داء كثير، قيل: يا روح الله! ما داؤه؟ قال: لا يؤدى حقه، قالوا فإن أدي حقه؟ قال:"لا يسلم من الفخر والخيلاء" قالوا: فإن سلم من الفخر والخيلاء"؟ قال: "يشغله استصلاحه عن ذكر الله". =
قال الحسن: من أحب الدنيا وسرته خرج حب الآخرة من قلبه.
وقال عون بن عبد الله: "الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر
(1)
ما ترجح إحداهما تخف الأخرى
(2)
.
وقال وهب: إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان؛ إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.
* * *
وبكل حال؛ فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه وأحبائه.
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم إنه كان أزهد الناس في الدنيا وأنتم أرغب الناس فيهَا" خرجه الإمام أحمد
(3)
.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: "أنتم أكثر صومًا وصلاة وجهادًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرًا منكم؟ قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة
(4)
".
وقال أبو الدرداء: لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم؛ لأحْلفن لكم أنه خيركم.
ويروى عن الحسن قال: قالوا: يا رسول الله مَنْ خيرُنا؟ قال: أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة.
والكلام في هذا الباب يطول جدًّا؛ وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى.
= والبيهقي في الزهد الكبير ص 169 ح 249، 250 من حديث سفيان عن عيسى عليه السلام بنحو ما في الحلية، ومن حديث بشر بن الحارث عن عيسى عليه السلام أيضًا مختصرًا ولفظه رأس كل خطيئة حب الدنيا.
وأورده السخاوي في المقاصد ص 182 - 183 ح 384 وذكر أن البيهقي رواه في الشعب بإسناد حسن عن الحسن البصري ورفعه مرسلًا.
وذكر طرق الحديث ورد على من حكم عليه بالوضع وذكر قول ابن المديني:
مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، وقول الدارقطني في مراسيله ضعف فراجعه إن شئت.
وانظر كشف الخفاء 1/ 412 - 413.
وفيه وفي المقاصد أن ابن تيمية جزم أن الحديث من كلام جندب بن عبد الله البجلي وأن ذلك مردود بنسبة الحديث إلى من سبق أن نسب إليه.
(1)
ليست في م.
(2)
الخبر في حلية الأولياء 4/ 251 وفيها: "ترجح إحداهما بالأخرى".
(3)
مسند أحمد 4/ 198، 203، 204 (الحلبي) من وجوه بنحوه وإسناده صحيح كما في المجمع 10/ 315.
(4)
انظر الخبر في الإحياء وإتحاف السادة المتقين 9/ 334 والزهد لهناد (1/ 320) ح 575 ولابن المبارك ص 173 ح 501 والحلية 1/ 136 وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي 4/ 315.
[الوصية الثانية]:
الوصية الثانية: (الزهد فيما في أيدي الناس وأنه موجب لمحبة الناس).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى رجلًا فقال: "ايأس مما في أيدي الناس؛ تكن غنيًّا".
خرجه الطبراني وغيره
(1)
.
ويروى من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: شرفُ المؤمن قيامُه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس
(2)
.
(1)
انظر الصحيحة 4/ 19 والزهد الكبير وهامشه ص 113 والمجمع 10/ 286 من حديث ابن مسعود.
(2)
أورده العقيلي في الضعفاء في ترجمة داود بن عثمان الثغري 2/ 37 - 38 ح 464 من رواية يحيى بن عثمان بن صالح، عن داود بن عثمان الثغري، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أبي معاذ، عن أبي هريرة بنحوه وقال: هذا يروى عن الحسن وغيره من قولهم، وليس له أصل مسند، وذكر أن داود كان يحدث بمصر عن الأوزاعي وغيره بالبواطيل ومنها هذا الحديث.
ورد السيوطي في اللآلئ المصنوعة 2/ 29 هذا وقال:
قلت: أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن يحيى بن عثمان به ولم ينفرد به داود بل له متابع. أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك، حدثنا أبو زكريا يحيى بن عثمان بن صالح .. حدثني جدي لأمي أبو المنهال: حنش بن عمر الدمشفي: طباخ المهدي، حدثني أبو عمر الأوزاعي به.
وله شواهد قال محمد بن نصر حدثنا يحيى بن يوسف القرشي أبو زكريا، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس.
وقال: حدثنا محمد بن علي الوراق، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا الأحْوص عن سمره أبي عاصم قال: كان يقال: شرف المؤمن الصلاة في جوف الليل وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس.
وقال: حدثني أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن الحسين، حدثنا بدل بن المحبر، حدثنا حرب بن شريح سمعت الحسن يقول:"قيام الليل شرف المؤمنين وعزهم الاستغناء عما في أيدي الناس والله أعلم" وقد أورده محمد بن نصر في "قيام الليل"، ص 63 من المختصر بنحوه.
وانظر أيضًا تذكرة الموضوعات للفتني ص 49 ففيها ما يؤيد هذا.
وأخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 324 - 325 من رواية محمد بن سعيد الرازي، عن أبي زرعة، عبيد الله بن عبد الكريم، عن عيسى بن صبيح، عن زافر بن سليمان، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم قال مرة: عن ابن عمر، وقال مرة عن سهل بن سعد قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، ثم قال: يا محمد! شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس".
ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وهو عند القضاعي في مسند الشهاب 1/ 121 ب 106 ح 151 من طريق أبي إسحاق: إبراهيم بن علي الرازي، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي إملاء، عن إبراهيم بن محمد الرازي، عن عبد الصمد بن موسى، ومحمد بن حميد، عن زافر - به - بمثل ما عند ابن رجب. =
• وقال الحسن: لا تزال كريمًا على الناس، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم تَعاطَ ما في أيديهم؛ فإذا فعلت ذلِكَ استخفُّوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك
(1)
.
• وقال أيوب السَّخْتِياني: لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.
• وكان عمر يقول في خطبته على المنبر: إن الطمع فقر، وإنَّ اليأسَ غنى وإن الإنسانَ إذا أَيسَ من الشيء استغنى عنه
(2)
.
• وروي أن عبد الله بن سلام لقى كعبَ الأحبار عند عمر فقال: يا كعبَ! مَنْ أربَابُ العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه؟ قال: يذهبه الطمع، وشرَه النفس، وتَطَلُّبُ الحاجات إلى الناس؟! قال: صدقت.
وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء
(3)
عنهم فمن سأل الناسَ ما بأيديهم كرِهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوبٌ لنفوس بني آدم. فمن طلب منهم ما يحبّونه كرهوه لذلك.
= وقد ذكر محققه إيراد ابن الجوزي له في الموضوعات 2/ 107 - 108 وقال: محمد بن حميد قد كذبه أبو زرعة، وأبو داود، وزافر لا يتابع على عامة ما يرويه.
وقد رد محققه بمتابعة عبد الصمد بن موسى هنا محمد بن حميد وكذلك عيسى بن صبيح عند الحاكم وأن ابن حجر يميل إلى استحسان الحديث بمتابعاته وأن الشيخ ناصر الألباني صرح بحسنه راجع أيضًا صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/ 691 ح 3710.
(1)
الحلية 3/ 20 من حديث عبد الله بن سعيد الرقاشي، عن يونس بن عبيد عن الحسن.
(2)
م: "شيء استغنى عنه" والخبر في الزهد لأحمد ص 146 والحلية 1/ 50.
(3)
راجع ما أخرجه البخاري في 24 - كتاب الزكاة: 50 - باب الاستعفاف عن المسألة 3/ 335 ح 1469 - 1472 و: 51 - باب من أعطاه الله شيئًا من غيْر مسألة ولا إشراف نفس 3/ 377 ح 1473 و 52 - وباب من سأل الناس تكثرًا 3/ 338 ح 1474، 1475 و 53 - باب قول الله تعالى {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} وكم الغنى؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ولا يجد غنى يغنيه {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلى قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} 3/ 340 ح 1476 - 1478 وأول أحاديث هذه المجموعة ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه "أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده فقال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعُفَّه الله، ومن يستغْن يُغْنِه الله، ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أعْطَى أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبْر".
وانظر ما رواه مسلم في: 12 - كتاب الزكاة: 33 باب النهي عن المسألة 2/ 718 و: 34 - باب المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه 2/ 719: و 35 - باب كراهة المسألة للناس 2/ 720 - 721 و 36 - باب من تحل له المسألة 2/ 722 و: 37 - باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة ولا إشراف 2/ 723 - 724 و: 42 - باب فضل التعفف والصبر 2/ 729 والحديث المذكور في هذا الموضع الأخير.
وأما من كان يرى المنة للسائل عليه، ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله لم يف له يذل سؤاله له، وذلته له، أو كان يقول لأهله: ثيابكم على غيركم أحسنُ منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم، أحسنُ منها تحتكم، فهذا نادر جدًّا من طباع بني آدم، وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة.
وأما من زهد فيما في أيدي الناس، وعفَّ عنهم، فإنهم يحبونه، ويكرِّمونه لذلك؛ ويَسُودُ به عليهم، كما قال أعرابي لأهل البصرة: مَنْ سَيّد أهل هذه القرية؟ قالوا: الْحَسَن، قال: بم سادَهم؟ قالوا؟ احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.
وما أحسن قولَ بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها:
وما هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ
…
عليها كلابٌ هَمُّهنَّ اجتذابُها!
فإن تجتنبها كُنْتَ سِلْمًا لأهلها
…
وإن تجتَذِبهَا نازَعَتْك كِلَابُها!
* * *