المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد المجلد الثالث   ‌ ‌طرق الاستنباط تأليف عبد الفتاح بن - جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد - جـ ٣

[عبد الفتاح مصيلحي]

فهرس الكتاب

جامع المسائل والقواعد

في علم الأصول والمقاصد

المجلد الثالث

‌طرق الاستنباط

تأليف

عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي

ص: 1

طرق الاستنباط

وفيه تسعة فصول:

• الفصل الأول: الأمر.

• الفصل الثاني: النهي.

• الفصل الثالث: العام والخاص.

• الفصل الرابع: المطلق والمقيد.

• الفصل الخامس: الظاهر والمؤول.

• الفصل السادس: المجمل والمبين.

• الفصل السابع: المنطوق والمفهوم.

• الفصل الثامن: النسخ.

• الفصل التاسع: ترتيب الأدلة والتعارض والترجيح.

ص: 3

‌الفصل الأول: الأمر

ص: 4

الأمر

‌تمهيد

لما كان المسلم مطالبًا بالتزام أحكام الإسلام، والتي تحقق له السعادة في الدارين، وتحقق غاية مرامه لنيل محبة الله تعالى، وتوفيقه في الدنيا، ورضوانه وجنته في الآخرة، صار من الضروري له أن يتعلم الأحكام الشرعية العملية؛ لأنه المخاطب والمكلف بهذه الأحكام، ولا بد من معرفة ما يتوصل به إلى العلم بها، وهذا يكتسب من الأدلة التفصيلية لهذه الأحكام.

ومن أهم ما ينبغي معرفته المسائل المتعلقة بالأمر والنهي؛ لأنَّ التكليف ما هو إلا ذلك، والتكليف بالأمر والنهي يتنوع إلى: طلب جازم، وطلب غير جازم. سواء كان هذا الطلب أمرًا (طلب الفعل)، أونهيًا (طلب الترك)، ولكي يتم امتثال المسلم للتكليف على الوجه المطلوب والمرضي شرعًا؛ كان لا بد من معرفة ماهية هذا التكليف ودرجاته، ليستطيع التمييز بين واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح، وهذه هي الأوصاف التي عليها مدار الأحكام التكليفية

(1)

.

(1)

الأمر والنهي عند الأصوليين لعزة كامل مصطفى (2، 3).

ص: 5

فالأمر والنهي من أهم مباحث أصول الفقه؛ لأمرين:

الأول: أنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب للمكلفين.

الثاني: أنَّ معرفتهما تؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية بتفاصيلها، وبهما يتميز الحلال من الحرام.

وأما سبب تقديم الأمر على النهي: فهوأنَّ الأمر طلب إيجاد الفعل، وأما النهي فهوطلب الاستمرار على عدم الفعل، فقدم الإيجاد على العدم

(1)

.

تنبيه: إنَّ معرفة ماهية الأمر والنهي لا شك في أهميته إلا أنَّ صنفًا من الناس تعامل مع الأوامر والنواهي معاملة لم تكن من هدي الصحابة الكرام، فإذ به مقصوده وحاله معرفة المندوب وتركه وإهماله بحجة أنه ليس بواجب، وتعامل مع بعض الواجبات بالإهمال بحجة أنها موسعة، أوليست على الفور، فإلى الله المشتكى من أوامر ضيعناها، ونواهي أقمنا عليها.

من أجل ذلك أهيب بالقارئ الكريم ألَّا تكون ثمرة معرفته بالأمر والنهي الترخص فيهما، والانسلاخ والتفلت منهما، فإنَّ الأمر بجميع أنواعه يجلب رضا الله، والنهي قد يجلب سخط الله، ومن حام حول

(1)

المهذب (3/ 1307).

ص: 6

الحمى يوشك أن يرتع فيه، فافطن لهذا، وأعط الأوامر والنواهي قدرها، وسل ربك الإعانة على ذلك.

• تعريف الأمر:

لغة: يأتي لمعانٍ، منها:

1 -

الفعل: قال تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] أي: فعله.

قال ابن النجار الحنبلي: أي شأنه، ومنه قوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] أي: في الفعل ونحوه.

وقوله عز وجل: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1].

قال الزجاج: أمر الله: ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب، يدل على ذلك قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} [هود: 40] أي: جاء ما وعدناهم به.

2 -

الحال والشأن: يقال: أمر فلان مستقيم، وأموره مستقيمة أي حاله وشأنه.

3 -

الحادثة: وفي التنزيل العزيز: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 53]، وقال تعالى:{وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12]، قيل: ما

ص: 7

يصلحها. وقيل: ملائكتها.

4 -

الصفة: كقول الشاعر:

عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسوَّد من يسود

(1)

أي: بصفة من صفات الكمال.

5 -

الشيء: مثل قوله تعالى: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41].

6 -

الحكم: مثل قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9].

7 -

الطلب أوالمأمور به -وهوالمراد من هذا المبحث-: مثل قوله تعالى: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71]

(2)

.

8 -

الدين والشريعة: مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد»

(3)

أي دينه وشريعته، وأقواله وأفعاله

(4)

.

ملحوظة: الأمر الذي بمعنى الطلب: -والذي نحن بصدده- يجمع

(1)

من أقوال الشاعر أنَس بن نُهيك.

(2)

الأمر والنهي عند الأصوليين (ص 13) وما بعدهابتصرف يسيرواختصار.

(3)

أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة مرفوعًا.

(4)

قواطع الأدلة (1/ 310).

ص: 8

على أوامر، ويشتق منه اسم الفاعل (آمر)، بخلاف الأمر الذي بمعنى الشأن وغيره، فإنه لايشتق منه اسم الفاعل، وكذلك يجمع على أمور، ففرق بين الأمر الذي جمعه أوامر، والأمر الذي جمعه أمور

(1)

.

الأمر اصطلاحًا: قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء، مثل قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43].

فخرج بقولنا: "قول" الإشارة، فلا تسمى أمرًا، وإن أفادت معناه

(2)

.

فالإشارة والكتابة في الأصل ليست بطلب، ولا بقول، ولكنها قد تقوم مقام الأمر.

ومثاله: ما روت عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيته وهوشاكٍ، فصلى جالسًا ووراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا

(3)

.

فهنا الإشارة قامت مقام الأمر: اجلس. لكنها ليست أمرًا.

وخرج بقولنا: "طلب الفعل" النهي؛ لأنه طلب ترك.

وليس المقصود بالفعل هنا قسيم القول، بل المراد بالفعل هنا

(1)

المستصفى (1/ 186)، وأصول السرخسي (1/ 12) بتصرف.

(2)

الأصول من علم الأصول (1/ 23).

(3)

أخرجه البخاري (688)، ومسلم (412) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 9

الإيجاد، ولوكان قولًا مثل قوله صلى الله عليه وسلم:«قل لا إله إلا الله»

(1)

، فهذا أمر بإيجاد هذا القول

(2)

.

وخرج بقولنا: على وجه الاستعلاء. الدعاء؛ لأنه من الأدنى إلى الأعلى، وخرج الالتماس؛ لأنه من فرد إلى نده

(3)

.

والراجح هواشتراط الاستعلاء لا العلو؛ لأنَّ الاستعلاء صفة للأمر، والعلو صفة للآمر، وهوخارج عن ماهية التعريف

(4)

.

تنبيه: الأمر له صيغ معينة كما أن النهي له صيغ، فقوله:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] هذه صيغة أمر، وقوله:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] هذه صيغة نهي، ومن يقل: إنَّ الأمر ليس له صيغٌ والنهي كذلك، وكذلك العام والخاص، وغير ذلك، فيقولون: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] هذه ليست صيغة للأمر، بل هي قرينة تدل على الأمر، أما الأمر فهو في ذات الله تعالى.

(1)

قالها النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب، أخرجه البخاري (1360)، ومسلم (24) من حديث المسيب بن حزن مرفوعًا.

(2)

المعتصر من شرح مختصر الأصول من علم الأصول لأبي المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف المنياوي.

(3)

التأسيس (238).

(4)

المعتصر (1/ 71).

ص: 10

وهذه من المسائل التى بها النار تحت الرماد؛ لأنَّ هذا قول الذين قالوا: إنَّ كلام الله كلام في نفسه ليس كلامًا مسموعًا بصوت وحرف.

وهذا كلام باطل، والحق أنَّ كلام الله هو الذي نقرؤه بألفاظه، فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ، ومن الأدلة على ذلك:

1 -

قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فصرح أنَّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه هو كلامه تعالى.

2 -

قوله تعالى في قصة زكريا: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 10، 11]، فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه، والذي عبر عنه بالإشارة كلامًا

(1)

.

3 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أوتتكلم»

(2)

.، فدل ذلك على أنَّ ما يدور في النفس لا يسمى كلامًا، بل الكلام هو ما كان بصوت وحرف.

4 -

اتفق أهل اللغة على أنَّ الكلام: اسم وفعل وحرف، ولذلك

(1)

المذكرة ص (226).

(2)

أخرجه البخاري (5269)، ومسلم (127) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 11

اتفق الفقهاء بأجمعهم على أنَّ من حلف لا يتكلم، فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث، ولونطق حنث.

5 -

وأهل العرف كلهم يسمون الناطق متكلمًا، ومن عداه ساكتًا أوأخرس

(1)

.

*‌

‌ صيغ الأمر:

1 -

فعل الأمر: كقوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [العنكبوت: 45].

2 -

اسم فعل الأمر: مثال: حي على الصلاة. فكلمة "حي" اسم فعل أمر بمعنى أقبل.

3 -

المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4]، أي: فاضربوا الرقاب.

4 -

المضارع المقرون بلام الأمر: كقوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور: 22].

5 -

وصفه بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أوغيرها:

(1)

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزانى ص (397).

ص: 12

كقوله صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله فرض عليكم الحج فحجوا»

(1)

.

6 -

الجملة الخبرية الإنشائية: مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، والمعنى أنه يجب على المطلقة أن تتربص بنفسها ثلاثة قروء

(2)

.

وهناك ما يقوم مقام الأمر:

قال العز بن عبد السلام رحمه الله: كل فعل كسبي عظمه الشرع، أومدحه، أومدح فاعله لأجله، أوفرح به، أوأحبه، أوأحب فاعله، أورضي به، أورضي عن فاعله، أووصفه بالاستقامة، أوالبركة، أوالطيب، أوأقسم به، أوبفاعله، أونصبه سببًا لمحبته، أولثواب عاجل، أوآجل، أونصبه سببًا لذكره، أولشكره، أولهداية، أولإرضاء فاعله، أولمغفرة ذنبه، أولتكفيره، أولقبوله، أولنصرة فاعله، أوبشارته، أووصف فاعله بالطيب، أووصفه بكونه معروفًا، أو نفي الحزن والخوف عن فاعله، أووعده بالأمن، أونصبه سببًا لولاية الله تعالى، أووصف فاعله بالهداية، أووصفه بصفة مدح كالحياة، والنور، والشفاء، أودعا الله به الأنبياء فهو مأمور به، مثل قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ

(1)

أخرجه مسلم (1337) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

الأصول من علم الأصول ص (23 وما بعدها)، التأسيس (241) بتصرف يسير.

ص: 13

الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وقوله:{هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6]، وقوله عز وجل:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]

(1)

.

•‌

‌ ما تقتضيه صيغة الأمر:

*‌

‌ أولًا: الوجوب:

والكلام في هذا المبحث في الأمر المطلق الذي لم يقترن بقرينة، فإن كان مقترنًا بقرينة تدل على أنَّ المراد به الوجوب، أوالندب، أوالإباحة حملت على ما دلت عليه القرينة، وإن كان مجردًا عن القرائن، فهو محل البحث، واختلف العلماء فيه على مذاهب

(2)

.

المذهب الأول: الوجوب. هومذهب أحمد وأصحابه، وجمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة

(3)

، وحجتهم ما يلي:

1 -

قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، فرتب الله تعالى العقاب على مجرد مخالفة الأمر، إما الفتنة، وإما العذاب الأليم.

2 -

قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ

(1)

الإمام في بيان أدلة الأحكام (ص 87، 88).

(2)

شرح مختصر الروضة (2/ 365).

(3)

التحبير (5/ 2202).

ص: 14

وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، فالله أمر الملائكة بقوله: اسجدوا. أمرًا مطلقًا، وإبليس لم يسجد، فرتب الله على ذلك طرده من رحمته، فدل ذلك على أنَّ من يخالف الأمر عليه عقاب، وهذا يدل على وجوبه.

3 -

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48]، وكلمة اركعوا أمر مطلق، فلم يقل اركعوا ندبًا، ولا إباحةً، فهو أمر مطلق، ورتب الله على مخالفته العقاب، فقال تعالى بعد ذلك:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [المرسلات: 50]، فدل على أنَّ الأمر المطلق يفيد الوجوب.

4 -

- قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة: 92]، ثم هدد على مخالفته بقوله:{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور: 54]، والتهديد على المخالفة دليل الوجوب

(1)

.

5 -

قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم: 6]، وقوله تعالى:{أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93]، وقوله:{وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف: 69].

ووجه الاستدلال: أنه تعالى وصف مخالفة الأمر بالعصيان،

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 146).

ص: 15

وهواسم ذم، وذلك لا يكون في غير الوجوب

(1)

.

6 -

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، والمراد من قوله: قضى؛ أي: ألزم، ومن قوله: أمرًا. أي: مأمورًا، وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبًا

(2)

.

7 -

ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم لبريرة، وقد عتقت تحت عبد، وكرهته:«لو راجعتيه» ، فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: «لا، إنما أنا شافع» ، فقالت: لا حاجة لي فيه

(3)

.

فقد فهمت أنه لوكان أمرًا لكان واجبًا، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفهم

(4)

.

قال الخطابي: في قول بريرة: أتأمرني بذلك يا رسول الله؟ دليل على أنَّ أصل أمره صلى الله عليه وسلم على الحتم والوجوب

(5)

.

8 -

قوله صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة: «أما

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 147).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 146).

(3)

أخرجه البخاري (5283) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(4)

الإحكام للآمدي (2/ 146).

(5)

عون المعبود (6/ 225).

ص: 16

سمعت الله تعالى يقول: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]»، فقد لامه على مخالفة أمره، وهودليل الوجوب

(1)

.

9 -

ومنها أيضًا: عن عمر رضي الله عنه: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:«قوموا فانحروا، ثم احلقوا» ، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعوحالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا

(2)

، فعُلم أنَّ أمره كان على الوجوب بدليل تكراره ثلاثًا، وشكواه لأم سلمة رضي الله عنها.

10 -

وكذلك فهم الصحابة لما قيل لهم وهم يصلون في الصلاة: إنَّ القبلة قد حولت. فاستداروا وهم على حالهم نحو القبلة

(3)

، وهذا يدل على الوجوب والفور.

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 147) بتصرف يسير جدًا، والحديث عند البخاري (4474) من حديث أبي سعيد بن المعلى به.

(2)

أخرجه البخاري (2731) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (40)، ومسلم (525) من حديث البراء بن عازب به.

ص: 17

11 -

عَنْ مُعَاذَةَ العَدَويَّة أَنَّهَا قَالَتْ لعَائشَةَ: مَا بَالُ الحَائض تَقضى الصَّومَ، وَلَا تَقضى الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ عَائشَةُ: كَانَ يُصيبُنَا ذَلكَ فَنُؤمَرُ بقَضَاء الصَّوم، وَلَا نُؤمَرُ بقَضَاء الصَّلَاة

(1)

. فجعلت السبب هو مجرد الأمر.

وأجيب عن هذه الأدلة باحتمالية وجود قرينة جعلت الأمر للوجوب، ولا يخفى أنَّ مجرد الاحتمال لا يكفي، ولا يترك له ظاهر الخطاب

(2)

.

12 -

الإجماع: وهوأنَّ الأمة في كل عصر لم تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى الأوامر، مثل قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، إلى غير ذلك من غير توقف، وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض.

ومنه استدلال أبي بكر رضي الله عنه على وجوب الزكاة على أهل الردة، بقوله:{وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعًا

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (321)، ومسلم (335)، واللفظ له، من حديث عائشة به.

(2)

شرح مختصر الروضة (2/ 369).

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 148).

ص: 18

13 -

أنَّ العبد إذا خالف مجرد أمر سيده فعاقبه، لم يُلَم على عقابه باتفاق العقلاء، ولولا إفادة الأمر المجرد الوجوب، لكان للعبد أن يلوم سيده على عقابه في هذه الصورة، لكنه لا يتجه

(1)

.

14 -

العقل: حمل الأمر على الوجوب أحوط للمكلف مع عدم تفويت المندوب، بخلاف حمله على الندب، فإنه يفوت مقصود الوجوب

(2)

.

ومما سبق من الأدلة يترجح أنَّ الأصل في الأمر الوجوب.

هذا وقد تكلف الآمدي -رحمه الله تعالى-- في الرد على هذه الأدلة، بحجة أنَّ جميع ما ذكر لا خروج له عن الظن.

قلت: فإن أراد بالظن (غلبة الظن)؛ فإنَّ عامة الأحكام تثبت به، وإن أراد الشك وعدم الوضوح فهوتأويل بعيد جدًا، وذلك لوضوح الأدلة، وصراحتها، واستيفائها للمطلوب.

بل من نظر إلى رده على الأدلة وجدها ردودًا لا تخلومن تكلف، وليس عليها حجة؛ لذا فضلت عدم ذكرها خشية الإطالة

(3)

.

(1)

شرح مختصر الروضة (2/ 369).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 147).

(3)

انظر هذه الردود فى الإحكام للآمدي (2/ 150)، وما بعدها.

ص: 19

المذهب الثاني: قالوا: الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الندب، وليس الوجوب، وهوقول المعتزلة.

واستدلوا بما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم»

(1)

.

فالحديث جعل تنفيذ الأمر إلى مشيئة المكلفين من غير حتم، والواجب لا يكون كذلك، بل الذي يكون كذلك هوالمندوب؛ فإذن الأمر يفيد الندب

(2)

.

وأجيب عن هذا: بأنه دليل للقائلين بالوجوب لا للقائلين بالندب؛ لأنَّ ما لا نستطيعه لا يجب علينا، وإنما يجب علينا ما نستطيعه، والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة

(3)

.

وليس في الحديث الرد إلى المشيئة بل إلى الاستطاعة، والفرق بينهما كبير، فإنَّ التعليق بالمشيئة ينفي الوجوب، أما الاستطاعة فلا

(1)

أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337 [130])، واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

معلمة زايد (31/ 169).

(3)

إرشاد الفحول (1/ 252).

ص: 20

تنفي أن يكون الأمر للوجوب، فإنَّ كل واجب مقصود بالفعل معلق بالاستطاعة

(1)

.

المذهب الثالث: قالوا: إنَّ الأصل في الأمر الإباحة. ونُسب لبعض المعتزلة، وبعض المالكية، ومما استدلوا به: أنَّ صيغة الأمر قد استعملت في الإباحة، والأصل في الاستعمال الحقيقة.

وأجيب: بأنَّ الصيغة قد استعملت في غيرها أيضًا، فليس جعلها حقيقة في الإباحة بأولى من جعلها حقيقة في غيرها

(2)

.

المذهب الرابع: قالوا بالوقف. وهومذهب الأشعرية، والغزالي، والآمدي

(3)

، واستدلوا: بأنَّ الأمر مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، وليس حمله على أحدهم أولى من الآخر، فوجب التوقف، فمثلًا قولك: عين. ليس بأن يوقع على عين النظر أولى من أن يوقع على عين الماء، وقولك: لون. ليس بأن يوقع على الحمرة أولى من أن يوقع على البياض، فكذلك قول القائل: افعل. لما وجد يراد به الندب، وورد يراد به إيجاب لم يكن إيقاعه على الإيجاب أولى من

(1)

معلمة زايد (31/ 170).

(2)

معلمة زايد (31/ 170).

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 145).

ص: 21

إيقاعه على الندب إلا بدليل

(1)

.

والجواب عن ذلك: بأنه إذا كان الأمر مشتركًا بين ما ذكر، إلا أنه قام الدليل على أنَّ الأمر المجرد يفيد الوجوب، والمشترك إذا قام الدليل على تعيينه وجب المصير إليه.

كما أنَّ القول بالوقف يؤدي إلى الطعن في الشريعة؛ لأنه يؤدي إلى إبطال خطاب الله تعالى لنا، وقد قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4]

(2)

.

والراجح هوالمذهب الأول لما تقدم من الأدلة، والله أعلم.

*‌

‌ ثانيًا: الفورية:

اختلف أهل العلم في الأمر: هل يقتضي الفور أم التراخي؟ والخلاف إنما هو بالنسبة للأمر المطلق وهوالأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور أوتراخي، ولم يكن محددًا لفعله وقت معين، وذلك كإخراج زكاة المال، ودفعها إلى مستحقيها قبل حلول الحول،

(1)

إرشاد الفحول (1/ 248) بتصرف، والإحكام لابن حزم (3/ 3).

(2)

الإحكام لابن حزم (3/ 3) بتصرف.

ص: 22

وكقضاء الفوائت، وكالكفارات والنذور غير المحددة بوقت

(1)

، فذهب أكثر الشافعية إلى أنَّ الأمر للتراخي، وهذا ما اختاره الآمدي، والغزالي، والشوكاني، وغيرهم

(2)

.

واحتجوا بالآتي:

1 -

أنَّ الأمر إنما هوطلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل في أي زمان كان مقدمًا أومؤخرًا كان ممتثلًا للأمر، ولا إثم عليه بالتأخير؛ لأنه أتى بما أمر به

(3)

.

2 -

أنَّ الحج فرض في السنة السادسة، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في السنة العاشرة، فقالوا: لوكان الأمر على الفور؛ لحج النبي صلى الله عليه وسلم على الفور، لأنه لا يفعل حرامًا. فدل ذلك على أنَّ الأمر على التراخي، وليس على الفور

(4)

.

وذهب آخرون إلى أنَّ الأمر على الفور، وهوظاهر مذهب أحمد رحمه الله، وهوقول الحنفية، ومالك -رحم الله الجميع-

(5)

، واستدلوا

(1)

الشرح الكبير لمختصر الأصول (1/ 195).

(2)

الأمر والنهي (99)، وشرح مختصر الروضة (2/ 387).

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 165).

(4)

الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (161).

(5)

شرح مختصر الروضة (2/ 387).

ص: 23

بالشرع، واللغة، والعقل.

أما الشرع: فقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، وقوله تعالى:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21]، فقوله:(وَسَارعُوا)، وقوله (سَابقُوا) يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا.

ومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم، قوله تعالى:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90]، وقوله تعالى:{أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61].

وأما اللغة: فإنَّ أهل اللسان العربي مطبقون على أنَّ السيد لوقال لعبده: اسقني ماء مثلًا. فلم يمتثل أمره، فأدبه على ذلك فليس للعبد أن يقول له صيغة افعل في قولك: اسقني. تدل على التراخي.

بل يقولون: إنَّ الصيغة ألزمتك فورًا، ولكنك عصيت سيدك بالتواني والتراخي.

أما العقل: فإنا لوقلنا: إنَّ وجوب الحج على التراخي. فلا يخلومن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية ينتهي عندها، وإما لا.

والقسم الأول ممنوع؛ لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه إن قلنا: إنه

ص: 24

ليس على الفور.

والقسم الثاني هوأنَّ تراخيه ليس له غاية ينتهي إليها يقتضي عدم وجوبه؛ لأنَّ عدم تحديد غاية للتراخي يجعل تركه جائزًا إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه، والمفروض وجوبه.

فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه.

فالجواب: أنَّ البقاء إلى زمن متأخر، ليس لأحد أن يظنه؛ لأنَّ الموت يأتي بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة، قال تعالى:{وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} [الأعراف: 185]، ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها، إلا عند عجزه عن العبادات، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج، والإنسان طويل الأمل، يهرم، ويشب أمله، وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه

(1)

.

وأما احتجاج المخالفين: بأنَّ المقصود القيام بالأمر، ومن فعله في أي وقت فقد قام به؛ فإنه مدفوع بما سبق من الأدلة على وجوب البدار والمسارعة.

(1)

أضواء البيان (4/ 338).

ص: 25

وأما القول بأنَّ الحج فرض في السنة الخامسة أوالسادسة، فيجاب عنه من وجوه:

أولًا: القول بأن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة، فإنَّ قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النَّبي صلى الله عليه وسلم وجوب الحج، وأنَّ قوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] نزلت عام ست في عمرة الحديبية دلت على أنَّ الحج مفروض عام ست، وأنه صلى الله عليه وسلم أخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أنَّ قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع.

وقال ابن حجر ما نصه: وزعم الواقدي أنَّ قدومه كان في سنة خمس، وفيه نظر، وذكر ابن هشام عن أبي عبيد: أنَّ قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح

(1)

اه.

وذكر ابن كثير: قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع

(2)

.

وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، فهوأنه لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على

(1)

الإصابة في تمييز الصحابة، ترجمة ضمام (3/ 396)، وأضواء البيان (4/ 339).

(2)

أضواء البيان (4/ 439).

ص: 26

ابتداء الوجوب.

وقد أجمع أهل العلم على أنَّ من أحرم بحج أوعمرة، وجب عليه الإتمام، ووجوب الإتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب.

قال ابن القيم: وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فرضية الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.

فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أوالعاشرة؟

قيل: لأنَّ صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أنَّ أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين، لما أنزل الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزول هذه الآيات، والمناداة بها كان عام تسع، وبعث الصديق رضي الله عنه بذلك في مكة في موسم الحج، وأردفه بعلي رضي الله عنه،

ص: 27

وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم

(1)

.

فتحصل: أنَّ آية {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، لم تدل على وجوب الحج ابتداء، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هوظاهر اللفظ، ولوكان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والخلاف في وجوبها معروف، بل الذي أجمعوا عليه: هووجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هوظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة، كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها، وبالآية الكريمة، وأنَّ الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفًا، لأنَّ آية:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النَّبي صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع.

وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النَّبي صلى الله عليه وسلم الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج لأنه لم يفرض.

(1)

أضواء البيان (4/ 340)، وعزاه الشنقيطى رحمه الله إلى زاد المعاد.

ص: 28

فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أنَّ سبب تأخيره الحج عام فتح مكة، مع تمكنه منه، وقدرته عليه أنَّ الحج لم يكن مفروضًا في ذلك الوقت، وقد اعترفتم بأنَّ الحج فرض عام تسع، وهو صلى الله عليه وسلم لم يحج عام تسع، بل أخر حجه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أنَّ وجوبه على التراخي، إذ لوكان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر.

فالجواب والله تعالى أعلم: أنَّ عام تسع لم يتمكن فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت وهم عراة، وقد بين الله تعالى في كتابه أنَّ منعهم من قربان المسجد الحرام إنما هوبعد ذلك العام الذي هوعام تسع، وذلك في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، وعامهم هذا هوعام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل عليًّا رضي الله عنه بعد أبي بكر ينادي بالبراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا عريان، فلوبادر صلى الله عليه وسلم إلى الحج عام تسع؛ لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت وهم عراة، وهولا يمكنه أن يحضر ذلك، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيًا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه.

ويجاب عن استدلالهم بأنَّ الأمر على التراخي: بأنه لوأخره من

ص: 29

سنة إلى أخرى، أوسنين، ثم فعله بعد ذلك، فإنه يسمى مؤديًا لا قاضيًا بالإجماع، ولوحرم التأخير، لكان قضاء بأنَّ القضاء لا يكون إلا في العبادة الموقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت المعين لها، كما هومقرر في الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي وجوب المبادرة خوفًا من طروء العوائق، أونزول الموت قبل الأداء.

وأما استدلالهم بأنَّ من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم فعله لا ترد شهادته، ولوكان التأخير حرامًا لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز.

والجواب: أنه ليس كل من ارتكب محرمًا ترد شهادته، بل لا ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حرامًا

(1)

.

وكذا يمكن القول: بأنَّ تأخير النبي صلى الله عليه وسلم كان بوحي، وكان قد أعلمه ربه أنه لا يقبض حتى يتم التعليم، ويكمل التبليغ، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهذا يقتضي أنه لا يموت حتى يعلم الناس مناسكهم، وليس غيره صلى الله عليه وسلم كذلك

(2)

.

(1)

أضواء البيان (4/ 338)، وما بعدها بتصرف واختصار.

(2)

الإحكام لابن حزم (3/ 52).

ص: 30

وخلاصة المسألة:

أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخر الحج لعلة، فلعله أخره لمرض، أوفقر، أوكراهية رؤية المشركين عراة حول الكعبة، أوأخره لاستقباله الوفود الكثيرة في السنة التاسعة؛ لذلك سميت سنة الوفود، أوأخره لأجل أن تكون حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ولتوافق وقفة عرفة يوم الجمعة، ويكمل بذلك دينه، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال

(1)

.

ومما تقدم تبين أنَّ تأخير النبي صلى الله عليه وسلم للحج لا حُجة فيه على أنَّ الأمر على التراخي.

ومما استدل به من قال بأن الأمر للفور بقوله صلى الله عليه وسلم «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حج من قابل»

(2)

.

ووجه الاستدلال قوله صلى الله عليه وسلم «فعليه حج من قابل» ، فلو كان الأمر على التراخي ما حده النبي بالحج من العام القادم.

وقوله صلى الله عليه وسلم «من أراد الحج فليتعجل»

(3)

.

(1)

تيسير مسائل الفقه للنملة ط مكتبة الرشد بتصرف يسير (2/ 455).

(2)

إسناده صحيح. أخرجه أبوداود (1862)، والترمذي (940)، والنسائي في الكبرى (3829)، وغيرهم.

(3)

أخرجه أحمد (1973، 1974)، والدارمي (1825)، وأبوداود (1732)، وغيرهم، وله سندان بهما ضعفاء، وله سند عند الطبراني حدثنا العباس بن حمدان ثنا يحيى بن حكيم ثنا كثير بن هشام عن فرات بن سلمان عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الحديث. والعباس ويحيى وفرات ثقات، لكن لا أدري من هو عبد الكريم، هل هو الجزري الثقة، أم ابن أبي المخارق الضعيف؟ فكلاهما يروي عن ابن جبير، والله أعلم.

ص: 31

ووجه الاستدلال قول النبي فليتعجل، فهو أمر بالتعجيل، وهو بمعنى الفورية، والسبب في ذلك لأنه قد يصاب بالعوارض والعقبات التي تحول بينه وبين الفعل.

*‌

‌ ثالثًا: التكرار.

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، منها:

• أولًا: أنَّ الأمر يقتضي التكرار:

وهوقول أحمد وأكثر أصحابه، وجماعة من الفقهاء المتكلمين

(1)

.

واستدلوا بالآتي

(2)

:

1 -

أنَّ أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على التكرار، فدل على إشعار الأمر به.

وأجيب: بأنَّ الحمل على التكرار في هذه الأوامر كان بقرينة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ليس التكرار مأخوذًا من ظاهر هذه الأوامر.

(1)

التحبير (5/ 2211)، والإحكام للآمدي (2/ 155).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 155)، وما بعدها بتصرف، وزيادة، وتقديم وتأخير.

ص: 32

2 -

قوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] يعم كل مشرك، فقوله:(صم)، و (صل) ينبغي أن يعم جميع الأزمان.

وأجيب: بأنَّ العموم في قوله: (المشركين) متحقق؛ لأنَّ اللفظ عام، بخلاف قوله:(صم)، أو (صل)، فإنَّ اللفظ ليس بعام.

3 -

قياس الأمر على النهي، فكما أنَّ مقتضى النهي الترك أبدًا، فوجب أن يكون الأمر مقتضيًا للفعل أبدًا لاشتراكهما في اقتضاء الطلب.

وأجيب: بأنَّ هذا القياس غير صحيح؛ لأنه قياس من ناحية اللغة، ولا يصح، ولأنه قياس مع الفارق.

4 -

أنَّ الحمل على التكرار أحوط للمكلف؛ لأنه إن كان للتكرار، فقد حصل المقصود، ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرًّا.

وأجيب: بأنَّ العمل بالأحوط ليس بواجب، والتكرار مع عدم وجود الأمر به القول بأنه ليس مضرًّا غير صحيح؛ لأنه فيه مشقة وحرج، وكلاهما مرفوع في الشريعة الإسلامية المباركة، كما أنَّ التكرار سيمنع من القيام بأعمال أخرى لاستغراقه للأزمان.

ص: 33

5 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»

(1)

، وذلك يقتضي وجوب التكرار.

وأجيب: ليس في الحديث الأمر بالتكرار، بل الأمر بالفعل حسب الاستطاعة.

6 -

أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، قال:«عمدًا صنعته يا عمر»

(2)

.

ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] لما كان للسؤال معنى.

وأجيب: أنَّ التكرار مفهوم من فعله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك؛ لذا سأل عن عدم التكرار هاهنا.

7 -

إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان. فإنه يفهم منه التكرار والدوام.

وأجيب: بأنَّ وجود المأمور بإكرامه، وحسن عشرته سبب، وقرينة

(1)

أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (277) من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعًا.

ص: 34

لتكرار، ودوام الإكرام.

• ثانيًا: أنَّ الأمر لا يقتضي التكرار:

وهو قول أكثر الفقهاء، ورجحه الآمدى، وابن الحاجب، وهو اختيار الشيخ موفق الدين الطوفى.

واستدلوابأدلة منها:

1 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله فرض عليكم الحج فحجوا» ، فقال رجل: أكلَّ عام

(1)

. فسأل عن التكرار، فكان سكوت النبي صلى الله عليه وسلم مع إرادته عدم التكرار دليلًا على أنَّ الأصل عدم التكرار، فالأصل أنَّ كل أمر للمرة الواحدة، فإن كان يراد منه التكرار لابد من وجود دليل على ذلك التكرار، فمثلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم:«خمس صلوات كتبهن الله على العباد»

(2)

.

فالأصل في الأمر أنه يوجد مرة واحدة في الواقع، فإن كان يراد منه التكرار لا بد من وجود دليل على التكرار وقد وُجد.

(1)

أخرجه مسلم (1337) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

إسناده ضعيف: أخرجه ابن ماجه (1401)، والنسائي في (الكبرى)(322) وغيرهما من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا، وفيه المخدجي لين الحديث، والحديث له طرق أخرى معلة، انظر علل ابن ابي حاتم (239).

ص: 35

ومن الفروع الفقهية لذلك: أنه لوقال لوكيله: طلق زوجتي. فلا يطلقها إلا مرة واحدة

(1)

.

2 -

أنه إذا قال له: (صل) أو (صم)، فقد أمره بإيقاع المصدر، وهوالصلاة، أوالصيام فإن ورد ما يفيد التكرار حمل عليه، وإلا فالمرة الواحدة كافية، وكذا لوأمر عبده أن يتصدق بصدقة، أويشتري خبزًا أولحمًا، فإنه يكتفى منه بصدقة واحدة وشراء واحد، ولوزاد على ذلك، فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم القرينة الصارفة إليه

(2)

.

3 -

أنَّ الأمر لواقتضى التكرار، لكان قول القائل: صل مرة. تناقضًا؛ لأنَّ صل بوضعه يقتضي التكرار، وبقوله: مرة. قد نقض مقتضاه في التكرار، وكذا لوقال له: صل مرارًا. لكان تكرارًا؛ لأنَّ صل بوضعه يقتضي التكرار، فقوله: مرارًا. لم يفد فائدة زائدة، فكان تكرارًا، لكن قوله: صل مرة أومرارًا. ليس نقضًا ولا تكرارًا، فلا يكون الأمر للتكرار

(3)

.

(1)

الإعلام في أصول الأحكام للمؤلف (162).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 155) مختصرًا.

(3)

شرح مختصر الروضة (2/ 376).

ص: 36

• مسألة: لا يشترط في الأمر إرادة الآمر. أي: لا يشترط في كون الأمر أمرًا إرادة الآمر.

وبيان ذلك: أنَّ الإرادة نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية، والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية، فالله أمر أبا جهل مثلًا بالإيمان، وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا؛ إذ لوأراده كونًا لوقع، قال تعالى:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107]، وقال:{وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13]، وقال:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35].

فإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهويعلم أنه لا يريد وقوعه كونًا وقدرًا؟.

فالجواب: أنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء الخلق، وتمييز المطيع من غير المطيع، وقد صرح تعالى بهذه الحكمة، فإنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كونًا وقدرًا، وقد صرح بأنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم، حيث قال:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106]، فظهر بطلان قول المعتزلة أن لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه، وقد جرهم ضلالهم هذا إلى قولهم: إنَّ معصية العاصي ليست بمشيئة الله؛ لأنها أمر بتركها، ولم يرد إلا التزام الذي أمر به؛ لأنَّ الأمر

ص: 37

لا يكون أمرًا إلا بالإرادة. فنسبوا إليه تعالى العجز واستقلال الحادث بالفعل دونه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وقد يشاهد السيد يأمر عبده اختبارًا لطاعته ونيته، أنه إن أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به، فهوأمر دون إرادة وقوع المأمور به

(1)

.

وحل الإشكال كما تقدم بلزوم التفريق بين الأوامر الشرعية الدينية، والأوامر الكونية القدرية؛ لأن الخلط بينهما يوقع في الضلال، والعياذ بالله.

خروج الأمر عن الوجوب إلى أمور، منها:

1 -

الندب: كقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا من أعرابي ولم يُشهد

(2)

.

والنبى صلى الله عليه وسلم لا يترك واجبًا، ولا يفعل محرمًا، فلما ترك النبى صلى الله عليه وسلم الإشهاد علمنا أنَّ الإشهاد ليس واجبًا، وإنما كان مندوبًا.

(1)

المذكرة ص (228 و 229).

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (3607)، وأحمد (21883) وغيرهما من حديث عم عمارة بن ثابت مرفوعًا.

ص: 38

2 -

الإباحة: وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أوجوابًا لما يتوهم أنه محظور.

فغالب ذلك في صورتين:

الأولى: أنَّ الشرع يحظر شيئًا، ثم بعد ذلك يأمر به، وكان قبل الحظر مباحًا، والحظر المراد هنا هوالحظر لمدة معينة، أما لوكان المعنى أنه حظر، ثم أباح فهذا باب النسخ، وذلك مثل قوله تعالى:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، فالله تعالى أباح الصيد، ولكن إذا كان الشخص في وقت الإحرام حظر عليه الصيد، فإذا أمر بالصيد بعد هذا الحظر عاد الأمر للإباحة مرة أخرى.

فالصحيح: أنَّ الأمر بعد الحظر يعود لما كان عليه قبل الحظر.

مثل الحيض: منع الله القرب من المرأة عند الحيض، فقال:{فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، فهنا حظر القرب وقت الحيض، ثم قال:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]، فأمر بالإتيان، ومعناه أن يعود لما كان عليه قبل الحظر، وحكمه قبل الحظر الإباحة.

مثال آخر: قتال المشركين كان واجبًا، ثم حظره الشرع بالأشهر الحرم، ثم قال:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}

ص: 39

[التوبة: 5]، فالأمر هنا للوجوب، فالصحيح أنَّ الأمر يعود حكمه لما كان عليه قبل الحظر.

فإن كان قبل الحظر مباحًا يعود بعد الحظر مباحًا، وإن كان قبل الحظر واجبًا يعود بعد الحظر واجبًا.

والثانية: عند توهم أنَّ هذا الشاء محظورٌ، فيأمر النبى بفعله، عن جَابر بن سَمُرَة أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم: أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الغَنَم؟ قَالَ: «إن شئتَ فَتَوَضَّأ، وَإن شئتَ فَلَا تَتَوَضَّأ» ، قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الإبل؟ قَالَ: «نَعَم تَوَضَّأ من لُحُوم الإبل» ، قَالَ: أُصَلّى في مَرَابض الغَنَم. قَالَ: «نَعَم» ، قَالَ: أُصَلّى في مبارك الإبل؟ قَالَ: «لَا»

(1)

.

مثال آخر: لما سئل النبى صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل: لم أشعر فقدمت كذا على كذا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج»

(2)

، عن عبد الله بن عمروبن العاص أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: «اذبح ولا حرج» ، فجاءه آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال: «ارم ولا

(1)

أخرجه مسلم (360) من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (83)، ومسلم (1306) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.

ص: 40

حرج»، فما سئل النبى عن شاء قدم ولا أخر إلا قال:«افعل ولا حرج» .

فهذا فعل أمر، فهل هذا يعنى أنَّ عدم الترتيب في الحج أصبح واجبًا على الناس؟ لا، ولكن الرجل ظن أنَّ ذلك محظور، فلما سأل قال النبى صلى الله عليه وسلم:«افعل» .

وقد يأتي في غير ذلك، مثل قوله تعالى:{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

وقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ، فحكم الأكل والشرب الإباحة، وإن أتى بصيغة الأمر لكن علمنا بقرائن أخرى أنَّ الأكل والشرب مباح.

3 -

التهديد: كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40]، فهنا الأمر للتهديد؛ لذلك قال تعالى:{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29].

4 -

التأديب: كقوله صلى الله عليه وسلم للغلام: «يا غلام، سم الله وكل بيمينك»

(1)

فكل بيمينك فعل أمر للتأديب؛ لأنَّ الصغير غير مكلف.

5 -

الإرشاد: نحوقوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].

(1)

أخرجه البخاري (5376)، ومسلم (2022) من حديث عمر بن أبي سلمة مرفوعًا.

ص: 41

6 -

الامتنان: مثل قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [النحل: 114].

7 -

التعجيز: مثل قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23].

8 -

الدعاء: مثل قوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28].

9 -

التفويض: مثل قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه: 72].

10 -

الإهانة: مثل قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49].

11 -

التعجب: مثل قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا} [الإسراء: 48].

12 -

المشورة: مثل قوله تعالى: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} [الصافات: 102].

13 -

التكذيب: مثل قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111]، والدليل أنها للتكذيب: أنَّ الآية ختمت بقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].

ص: 42

14 -

الإذن: مثل قوله تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا} [المائدة: 88]، وقد يكون هذا المثال للامتنان.

15 -

الإكرام: مثل قوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46].

16 -

التسوية: مثل قوله تعالى: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا} [الطور: 16]، وغير ذلك.

ما لا يتم المأمور إلا به فهومأمور:

فإذا توقف فعل المأمور به على شاء كان ذلك الشاء مأمورًا به، فإن كان المأمور به واجبًا كان ذلك الشاء واجبًا، وإن كان المأمور به مندوبًا كان ذلك الشاء مندوبًا.

مثال الواجب: ستر العورة، فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء واجبًا.

مثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب كان ذلك الشراء مندوبًا.

ص: 43

‌الفصل الثاني:

النهي

ص: 45

النهي

‌تمهيد:

قبل الشروع في مسائل النهي، ننبه على أمر:

أنَّ ما ذكر في الأوامر تتضح به أحكام النواهي، أي فكما أنَّ الأمر طلب للفعل، فالنهي طلب للترك، وصيغة الأمر افعل وصيغة النهي لا تفعل، ولا يشترط فيه إرادة الناهي، والنهي يقتضي التكرار والفور، خلافًا للأمر في الأولى على الصحيح

(1)

.

• تعريف النهي:

النهي لغة: الكف عن معين، والمنع، ولذلك سمي العقل نهية

(2)

، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 54]: أى أصحاب العقول، وسمي العقل نهية؛ لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع في المهالك.

اصطلاحًا: قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بالصيغة الدالة عليه، بلفظ غير لفظ كُفَّ ونحوه، كاترك، وذَر، ودَع.

(1)

المذكرة (1/ 241).

(2)

الإعلام (167).

ص: 47

قوله: بلفظ غير لفظ كف ونحوه. خرج به بعض الأوامر مثل كف، واترك، ودع، فإنها وإن كانت تدل على الترك إلا أنها ليست نواهي

(1)

، فهي قامت مقام النهي، ولكنها ليست نهيًا.

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت حبيش رضي الله عنها في الاستحاضة: «ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي»

(2)

.

والشاهد: أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «فدعي الصلاة» أمر بترك الصلاة في وقت الحيض، وليس نهيًا، ولكنه يستفاد منه النهي.

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود لما قرأ عليه من سورة النساء حتى أتى قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، فقال له:«حسبك الآن»

(3)

.

فقوله: «حسبك» هويحمل معنى النهي لكنه ليس نهيًا، وهكذا.

(1)

الإعلام (167)، الوجيز عبد الكريم زيدان (238)، أصول الفقه لأبي النور (2/ 177)، ط. المكتبة الأزهرية.

(2)

أخرجه البخاري (320)، ومسلم (333) من حديث عائشة مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (5050) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.

ص: 48

• أقسام الترك:

ينقسم الترك إلى قسمين:

الأول: ترك عدمي، وهوالترك لما لم يوجد سببه المقتضي لوجوده كمن ترك معصية لأنها لم تعرض له، ولم توجد في زمانه.

الثاني: ترك وجودي، وهوأن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أوالقول، فيترك المكلف الفعل والقول، ويمتنع عنهما.

وهذا الأخير هوبمعنى الكف، وهوالمراد في هذا المبحث

(1)

.

- الكف والترك فعل، وأدلة ذلك:

1 -

قوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63]، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا، في قوله:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63]، أي: تركهم النهي المذكور.

2 -

قوله تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية

(1)

الشرح الكبير لمختصر الأصول لأبي المنذر محمود المنياوي (ص 216).

ص: 49

الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلًا.

3 -

واستدل السبكي على ذلك بقوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)} [الفرقان: 30]، لأن الأخذ التناول، والمهجور: المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكًا أي فعلوا تركه.

4 -

قول بعض الصحابة في وقت بنائه صلى الله عليه وسلم لمسجده بالمدينة: لئن قعدنا والنبي يعمل؛ لذاك منا العمل المضلل. فسُمّي قعودهم عن العمل وتركهم له عملًا مضللًا

(1)

.

قلت: ولعل لهذا شاهدًا من اللغة يحمل في طياته إشارة إلى هذا المعنى -وهوأنَّ الترك فعل- وهوأنه في حالات بناء الفعل الماضي البناء على الفتح: إذا كان صحيح الآخر، ولم يتصل به شيء، وكذلك إذا اتصلت به ألف الاثنين مع أنَّ ألف الاثنين عند اتصالها بالفعل الماضي الصحيح لم تغير في إعرابه شيئًا حيث يبقى مبنيًّا على الفتح، ومع ذلك فإنَّ ألف الاثنين لما تركت الفعل على حاله سمي ذلك عملًا لها، والله أعلم.

ومن الفروع المبنية على هذه المسألة:

أولًا: من كان عنده فضل شراب، وترك إعطاءه لمضطر حتى مات

(1)

أضواء البيان (6/ 48 وما بعدها).

ص: 50

عطشًا يضمن ديته -على أنَّ الترك فعل- وعلى أنه ليس بفعل، فلا ضمان عليه، وكذا فضل الطعام.

ثانيًا: من منع خيطًا عنده ممن شقّ بطنه، أوكانت به جائفة، حتى مات ضمن الدية على القول بأنَّ الترك فعل

(1)

.

*‌

‌ صيغ النهى، وما في معناها:

1 -

الفعل المضارع المقترن بلا الناهية: مثل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، ومثل قوله تعالى:{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء: 37]، ومثل قوله تعالى:{لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الإسراء: 22].

2 -

فعل الأمر: مثل قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30].

3 -

نفي الحل، ونحوه: عَنْ المقدَام بن معدي كرب عَنْ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: «وَإنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ الله كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَلَا لَا يَحلُّ لَكُمُ الحمَارُ الأَهلىُّ، وَلَا كُلُّ ذي نَابٍ منَ السَّبع»

(2)

.

(1)

أضواء البيان (6/ 50).

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (4604)، وأحمد (17174) وغيرهما من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا.

ص: 51

4 -

اسم الفعل بمعنى النهى: نحو (صه، مه).

5 -

من صيغته: كلفظ التحريم ونحوه: نحوقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]، وقول النبى صلى الله عليه وسلم:«كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور»

(1)

.

6 -

ترتيب العقاب على الفعل: نحوقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19]، فقد لا ينهى عنه، ولا يأمر بتركه؛ ولكنه قد يتوعده بالعقاب إن فعله، مثل قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فهنا لم يذكر أنَّ الفعل حرام، ولم ينه عنه، ولكنه رتب عليه العقاب، فلما رتب عليه العقاب علمنا أنَّ الفعل حرام، ومنهي عنه حيث لا عقاب إلا على ترك واجب، أوفعل محرم

(2)

.

ما يقوم مقام النهي: كل ما طلب الشارع تركه، أوعتب على فعله، أوذمه، أوذم فاعله لأجله، أومقته، أومقت فاعله لأجله، أونفى محبته إياه أومحبة فاعله، أونفى الرضا به، أونفى الرضا عن فاعله، أوشبه فاعله بالبهائم، أوالشياطين، أونصبه مانعًا من الهدى، أومن القبول،

(1)

أخرجه مسلم (977) وغيره من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعًا.

(2)

الإعلام في أصول الأحكام (167).

ص: 52

أووصفه بسوء، أوكراهة، أواستعاذ الأنبياء منه، أوبغضوه، أونصب سببًا لنفي الفلاح، أولعذاب عاجل، أوآجل، أولذم، أولوم، أولضلالة، أومعصية، أووصف بخبث، أورجس، أونجس، أوبكونه إثمًا، أوفسقًا، أوسببًا لإثم، أوزجر، أولعن، أوغضب، أوزوال نعمة، أوحلول نقمة، أوحد من الحدود، أو لقسوة، أو خزي عاجل أو آجل، أو لتوبيخ عاجل أو آجل، أو لعداوة الله تعالى، أو محاربته، أو لاستهزائه وسخريته، أوجعله الرب سببًا لنسيانه، أووصف نفسه بالصبر عليه، أوبالحلم، أوبالصفح عنه، أوالعفوعنه، أوالمغفرة لفاعله، أوالتوبة منه في أكثر المواضع، أووصف فاعله بخبث، أواحتقار، أونسبه إلى عمل الشيطان، أوتزيينه، أوتولي الشيطان فاعله، أووصفه بصفة ذم كالظلمة، وتبرؤ الأنبياء منه، أومن فاعله، أوشكوا إلى الله من فاعله، أوجاهروا فاعله بالبراءة والعداوة، أونهى الأنبياء عن الأسى والحزن على فاعله، أونصب سببًا لخيبة عاجلة أوآجلة، أورتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أووصف فاعله بأنه عدوالله، أوبأنَّ الله عدوه، أوحمل فاعله إثم غيره، أويلاعن فاعلوه في الآخرة، أوتبرأ بعضهم من بعض، أودعا بعضهم على بعض، أووصف فاعله بالضلالة، أورتب عليه إبعاد، أوطرد،

ص: 53

أولفظ قتل، أووصف الرب نفسه بالغيرة منه، فكل ذلك منهي عنه

(1)

.

• ما تقتضيه صيغة النهي:

• أولًا: التحريم:

وهوالصحيح عند العلماء من المذاهب الأربعة، وغيرهم

(2)

، وهوالراجح؛ للأدلة التالية:

1 -

قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي وجوب الانتهاء، ومن لازم ذلك تحريم الفعل، وكلمة (ما) هنا صيغة عموم، أي كل نهي يجب الانتهاء عنه، وكلمة (انتهوا) فعل أمر يقتضي الوجوب، وترك الواجب محرم.

لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(3)

(4)

.

2 -

أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم من التابعين كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة النهي المجردة عن القرائن،

(1)

الإمام في بيان أدلة الأحكام بتصرف (1/ 105، 106).

(2)

التحبير (5/ 2283).

(3)

أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة مرفوعًا.

(4)

الإعلام (186).

ص: 54

فيقولون: الزنا محرم؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، والربا حرام؛ لقوله تعالى:{لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آال عمران: 130]، والقتل حرام؛ لقوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، وغير ذلك كثير

(1)

.

3 -

أنَّ العقل يفهم الحتم من الصيغة المجردة عن القرينة، وذلك دليل الحقيقة

(2)

.

وقيل: إنَّ صيغة النهي حقيقة في الكراهة، واستدلوا على ذلك بأنَّ النهي إنما يدل على مرجوحية المنهي عنه، ولا يخفى ما فيه من بعد وغرابة، لا سيما وقد قامت الأدلة على أنَّ النهي للتحريم كما تقدم

(3)

.

وقيل: إنَّ النهي مشترك بين التحريم والكراهة، فلا يتعين أحدهما إلا بدليل، وإلا كان جعله لأحدهما ترجيحًا من غير مرجح

(4)

. وجوابه كالذي قبله.

وقول من قال: إن النهي للكراهة. بالغ الأئمة في إنكاره، فقال أحمد

(1)

أصول الفقه لأبي النور (2/ 180).

(2)

الأمر والنهي عند الأصوليين (145).

(3)

الأمر والنهي عند الأصوليين (146).

(4)

إرشاد الفحول (1/ 280).

ص: 55

رحمه الله: أخاف على قائل هذا أنه صاحب بدعة

(1)

.

وقال الشافعي رحمه الله: أصل النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ كل ما نهى عنه فهومحرم، حتى تأتي عليه دلالة تدل على أنه نهى عنه لغير معنى التحريم، إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه للمنهي والأدب والاختيار، ولا نفرق بين نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوأمر لم يختلف فيه المسلمون، فنعلم أنَّ المسلمين كلهم لا يجهلون سنته، وقد يمكن أن يجهلها بعضهم

(2)

.

• ثانيًا: اقتضاء النهي للفساد:

وقبل الشروع في هذا المبحث، هناك بعض المقدمات:

1 -

معنى فساد المنهي عنه: أنه لا تبرأ به الذمة، ولا يسقط به الطلب إن كان عبادة، ولا يترتب الأثر المقصود من العقد على العقد إذا كان معاملة

(3)

.

2 -

المفسدة الذاتية أقوى في الضرر من المفسدة العرضية، ومن ثم فإنَّ الداعي إلى إبطالها أقوى، والمفسدة هنا القول بصحة العبادة مع

(1)

أصول الفقه لابن مفلح (2/ 726).

(2)

الفقيه والمتفقه (1/ 222).

(3)

شرح الورقات للفوزان (96)، ط. دار الإتقان.

ص: 56

اتجاه النهي لذاتها. ويشهد لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإنَّ جار البادية يتحول»

(1)

.

ووجه الدلالة من الحديث أن مفسدة جار السوء المقيم أقوى من مفسدة جار السوء فى البادية؛ لذا استعاذ الحبيب صلى الله عليه وسلم منه، فمفسدة جار البادية أشبه بالمفسدة العرضية، ومفسدة الجار المقيم أشبه بالمفسدة الذاتية وشتان بينهما.

3 -

الوصف العرضي ضعيف لا يقوى على منع الصحة، فيكون بمثابة الوصف الطردي الذي لا يؤثر من جهة الصحة، وإن كان مؤثرًا من جهة التحريم.

4 -

فرق بين الصحة العادية أواللغوية، والصحة الشرعية، فاقتضاء النهي للفساد هو في الشرع لا في اللغة

(2)

.

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بطهور»

(3)

.

ليس المراد به نفي نفس الصلاة؛ لأن الفعل موجود من حيث

(1)

إسناده حسن: أخرجه النسائي في (الكبرى)(7886)، وأحمد (8553)، وابن حبان (1033)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه راو صدوق.

(2)

الأمر والنهي (156)، شرح تنقيح الفصول (1/ 176).

(3)

أخرجه مسلم (224)، وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «لَا تُقبَلُ صَلَاةٌ بغَير طُهُورٍ،

».

ص: 57

المشاهدة، وإنما يراد نفي حكمه، فإذا وجد الفعل على الصفة المنهي عنها لم يكن له حكم، فوجوده كعدمه، فهوموجود مشاهدةً، معدوم وباطل شرعًا

(1)

.

أمثلة: «لا نكاح إلا بولي»

(2)

، «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»

(3)

.

5 -

أهل العلم متفقون على أنَّ جهة الأمر إذا انفكت عن جهة النهي لم يقتض الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه، ولكنهم يختلفون في انفكاك الجهة، ومن ثم يقع بينهم الخلاف.

مثال: الحنبلي يقول: الصلاة بالحرير مأمور بها من جهة كونها صلاة، منهيًّا عن لبس الحرير فيها، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تنفك فيها الجهة؛ لأن نفس شغل أرض الغير بحركات الصلاة حرام فهي باطلة.

(1)

التحبير (5/ 2292) بتصرف.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أحمد (6/ 46)، وأبو داود (2083)، والترمذي (1102) وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.

(3)

أُعل بالوقف: أخرجه أبو داود (2454)، والترمذي (730)، وغيرهما من حديث حفصة مرفوعًا، ولكن فيه ضعف، ورجح الدارقطني في علله (3939)، وغيره الوقف على حفصة، وإسناد الموقوف صحيح.

ص: 58

فيقول المالكي والشافعي والحنفي: لا فرق بين المسألتين، فهوأيضًا مأجور على صلاته آثم بغصبه، وهكذا

(1)

.

تحرير المسألة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ النهي يقتضي فساد المنهي عنه.

قال المرداوي: قال أصحابنا، والأكثر مطلق النهي عن الشيء لعينه يقتضي فساده، وهذا هوالصحيح المعتمد عليه من أقوال العلماء من فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وبعض المتكلمين، وغيرهم، قال الخطابي: هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه

(2)

.

• أدلة من قال: النهي يقتضي الفساد. وهم الجمهور:

1 -

الإجماع: ذلك أنَّ الصحابة أجمعوا على أنَّ استفادة فساد الأحكام من النهي عن أسبابها، كاستفادتهم فساد الربا من قوله صلى الله عليه وسلم:«لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل»

(3)

.

واستدل ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: {وَلَا

(1)

المذكرة (1/ 242).

(2)

التحبير (5/ 2286).

(3)

أخرجه البخاري (2177)، ومسلم (1584) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.

ص: 59

تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221]، وعلى فساد نكاح المحرم بقوله صلى الله عليه وسلم:«المحرم لا ينكح ولا ينكح»

(1)

، وغير هذا من القضايا المنهي عنها، وإجماعهم حجة

(2)

.

2 -

المنقول: وهوأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»

(3)

.، والرد إذا أضيف إلى العبادات اقتضى عدم الاعتداد، وإن أضيف إلى العقود اقتضى الفساد

(4)

.

3 -

المعقول: وهوأنَّ اقتضاء النهي للفساد مناسب عقلًا وشرعًا؛ عملًا بقاعدة لا ضرر ولا ضرار.

كما أنَّ النهي يقتضي اجتناب المنهي عنه، والترهيب منه، والحكم بصحته يقتضي الترغيب فيه وفعله، ولا يخفى ما فيه من التناقض، والشرع بريء من التناقض

(5)

.

قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، ولولم يكن النهي مقتضيًا للفساد، فلا يوجد مسلك منضبط

(1)

أخرجه مسلم (1409 [42])، وغيره من حديث عثمان بن عفان مرفوعًا.

(2)

شرح مختصر الروضة (2/ 437).

(3)

أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة مرفوعًا.

(4)

التحبير (5/ 2291).

(5)

شرح مختصر الروضة (2/ 438).

ص: 60

لمعرفة الفاسد من الصحيح، وهذا محال في الشريعة.

4 -

قلت: كذا يمكن الاستدلال بإبطال النبي صلى الله عليه وسلم للشروط المخالفة لكتاب الله تعالى، مثل ما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَت بَريرَةُ وَهيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَت: اشتَريني وَأَعتقيني. قَالَتْ: نَعَم. قَالَتْ: لا يَبيعُوني حَتَّى يَشتَرطُوا وَلائي. فَقَالَت: لا حَاجَةَ لي بذَلكَ. فَسَمعَ بذَلكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَوبَلَغَهُ- فَذَكَرَ لعَائشَةَ، فَذَكَرَت عَائشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا: فَقَالَ: «اشتَريهَا، وَأَعتقيهَا، وَدَعيهم يَشتَرطُونَ مَا شَاءُوا» ، فَاشتَرَتهَا عَائشَةُ، فَأَعتَقَتهَا وَاشتَرَطَ أَهلُهَا الوَلاءَ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«الوَلاءُ لمَن أَعتَقَ، وَإن اشتَرَطُوا مائَةَ شَرطٍ»

(1)

.

وفي رواية: «مَا بَالُ رجَالٍ يَشتَرطُونَ شُرُوطًا لَيسَت في كتَاب اللَّه، مَا كَانَ من شَرطٍ لَيسَ في كتَاب اللَّه؛ فَهُوبَاطلٌ، وَإن كَانَ مئَةَ شَرطٍ، قَضَاءُ اللَّه أَحَقُّ، وَشَرطُ اللَّه أَوثَقُ»

(2)

.

ومعنى ليس في كتاب الله: أي ما خالف كتاب الله.

ووجه الاستدلال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الولاء لمن أعتق» ينفي الولاء عن غيره، وهويدل بمفهومه على النهي عن اشتراط الولاء لغير

(1)

أخرجه البخاري (2565)، ومسلم (1504) من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (2168)، ومسلم (1504) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 61

المعتق، وجعل هذا الشرط المنهي عنه باطل، فدل ذلك على أنَّ النهي يقتضي الفساد.

قال الشوكاني: والحق أنَّ كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه، وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيًّا، ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك

(1)

.

والخلاصة: ليس كل نهي يقتضي الفساد، فقد يكون الفعل محرمًا، والعمل يكون صحيحًا.

وهذه المسألة تتوقف على نوع المنهي عنه: هل هولذاته، أم لأمر خارج، وهونوعان (متحد الجهة، ومنفك الجهة):

وإليك البيان:

1 -

هناك أمور يُنهى عنها في الشرع، ولها طريق واحدة، فلا يوجد لها صورة مباحة في الشرع، أوجائزة، أومأمور بها، فهي في كل صورها منهي عنها، فهذه الصورة يكون حكمها التحريم والفساد مثل نكاح الأمهات، فهوله طريق واحد في الشرع، فلا توجد صورة لإباحته، فلوأنَّ إنسانًا -عياذًا بالله- نكح أمه، سواء كانت من النسب، أم من

(1)

إرشاد الفحول (1/ 282).

ص: 62

الرضاعة، فهوعليه الإثم مع فساد هذا النكاح، وهذا يسمى منهيًّا عنه لذاته.

2 -

هناك أمور يُنهى عنها أحيانًا، ويُؤمر بها أحيانًا، أى لها طريقان: طريق مأمور به، وطريق آخر منهي عنه. فقد تجد طريق الأمر هوطريق النهي، فتكون الجهة متحدة، وقد تجد طريق النهي له جهة معينة، وطريق الأمر له جهة أخرى، فتكون الجهة منفكة، مثل الصيام في الشرع له طريقان، فليست كل صوره مأمورًا بها، وليست كل صوره منهيًّا عنها.

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، فهذا طريق الأمر، ونهى صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم العيدين، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: هَذَان يَومَان نَهَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ صيَامهمَا: يَوم فطركُم من صيَامكُم، وَاليَومُ الآخَرُ تَأكُلُونَ فيه من نُسُككُم

(1)

. وهذا طريق النهي، ففي الأمر قال: صوموا. وفي النهى قال: لا تصوموا. فالأمر والنهي متجه لجهة واحدة، وهي عين الصيام، فلوصام مع هذا النهي، فعليه الإثم مع بطلان الصيام وفساده.

مثال آخر: من صلى وهويستر عورته بالحرير، فيقال: إنَّ ستر

(1)

أخرجه البخاري (1990)، ومسلم (1137) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 63

العورة من شروط صحة الصلاة، فالنهي عن لبس الحرير في نفس جهة الأمر بستر العورة، فمن فعل المنهي عنه في شرط الصحة يكن حكمه الإثم مع بطلان الصلاة، فكأن من ستر عورته بالحرير لم يسترها أصلًا.

مثال آخر: من صلى وهو يلبس عمامة من الحرير فلبس العمامة ليس بركن ولا شرط، فهذا أمر خارج، فالجهة منفكة؛ فيكون عليه إثم لبس الحرير، وصلاته صحيحة.

وكذلك لوأنَّ إنسانًا يصلى ويلبس خاتمًا من الذهب، فحكم صلاته الصحة مع إثم لبس الذهب، فعن أبى موسى، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال:«أحل الذهب والحرير للإناث من أمتى، وحرم على ذكورها»

(1)

.

لأن لبس الخاتم ليس بركن ولا شرط بالنسبة للصلاة، فالنهي في جهة، والأمر بالصلاة في جهة أخرى.

فضابط المسألة: لوكان النهي منصبًّا على ركن الشاء أوشرطه، فهومتحد الجهة، ويكون الحكم البطلان والإثم، وإن كان متعلقًا بشيء ليس بركن ولا شرط تكون الجهة منفكة أي عليه الإثم مع صحة العمل.

(1)

حسن لشواهده: أخرجه الترمذي (1720)، وغيره من حديث أبي موسى به، وفيه انقطاع، وله شاهد عند أبي داود (4057)، وغيره من حديث علي مرفوعًا، وفيه راو ضعيف، وله شواهد أخرى.

ص: 64

وقيل ضابط آخر (وهو ضابط ضعيف لأن هناك بعض النواهى مختصة بالعبادة وليست متحدة الجهة مثل النهى عن تغطية الفم فى الصلاة) وهو: أنَّ النهي إن كان مختصًّا بالعبادة ذاتها يكون متحد الجهة، فحكم مخالفته التحريم مع البطلان، أما لوكان النهي في العبادة وفي غيرها يكون منفك الجهة، فلوتم مخالفته فيكون حكمه التحريم، وعدم البطلان.

مثل قول النبى صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»

(1)

، فقول الزور في الصيام منهي عنه، ولكن هل هومتحد الجهة، فيكون حكمه التحريم والبطلان أى بطلان الصيام؟ أم هومنفك الجهة، فيكون حكمه التحريم وعدم البطلان؟

الجواب: أن النهى ليس مختصًّا بالعبادة وحدها، بل هوحرام في العبادة وفى غيرها، فتكون الجهة منفكة، وعليه فلا يبطل الصيام مع إثم المخالفة.

مثال آخر: لوتكلم رجل في الصلاة، فالكلام في الصلاة محرم، وهومختص بالصلاة دون غيرها، فتكون الجهة متحدة فيكون حكمها هوالتحريم وترتيب الإثم، مع بطلان الصلاة، وذلك كالنهي عن الأكل

(1)

أخرجه البخاري (1903) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 65

والشرب في الصيام، فهو متحد الجهة، فحكمه التحريم والبطلان، وهكذا.

• ثالثًا: الفور والتكرار:

قال ابن مفلح: النهى يقتضى الفور والدوام عند أصحابنا، وعامة العلماء، خلافًا لابن الباقلانى، وصاحب المحصول

(1)

.

أما دلالة النهي على الفور، فدليلها قوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

ووجه الدلالة: قوله تعالى: {فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، فعل أمر يفيد وجوب الانتهاء على الفور.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «وما نهيتكم عنه فانتهوا»

(2)

.

والتكرار:

قال الآمدى

(3)

: اتفق العقلاء على أن النهى عن الفعل يقتضى الانتهاء عنه دائما. وذلك للآتي:

(1)

أصول الفقه لابن مفلح (2/ 745).

(2)

الإعلام (168) بتصرف كبير، والحديث أخرجه أحمد (7367) بهذا اللفظ، وله طرق في الصحيحين، البخاري (7288)، ومسلم (1337) كلهم من حديث أبي هريرة به.

(3)

الإحكام للآمدى (2/ 194).

ص: 66

1 -

أنَّ الامتثال في باب النهي لا يتحقق إلا بالاستمرار على الامتناع عن الفعل، كما أنَّ المنهي عنه إنما نهى الشارع عنه لمفسدته، ولا يمكن درء هذه المفسدة إلا بالامتناع عنه دائمًا

(1)

.

2 -

القول بأنَّ النهي لا يقتضي التكرار، يلزم منه ألا يوجد عاصٍ أصلًا؛ لأن المنهي عن فعل -حينئذ- يخرج عن عهدة النهي بتركة مدة في زمن ما

(2)

.

3 -

لأنَّ الواحد من أهل اللغة متى قال لعبده: لا تدخل هذه الدار. فترك العبد دخولها ساعة، ثم دخلها استحق الذم عند سائر العقلاء

(3)

.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ النهي لا يقتضي التكرار، واستدلوا بقياس النهي على الأمر، فكما أنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، فكذلك النهي.

والجواب: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ لأنَّ النهي لا يتحقق إلا بالاستمرار على الترك بخلاف الأمر، فإنه يتحقق بإتيان المأمور به، ولومرة واحدة

(4)

.

(1)

الوجيز لعبد الكريم زيدان (239).

(2)

شرح مختصر الروضة (2/ 446).

(3)

العدة في أصول الفقه (2/ 428).

(4)

المهذب في أصول الفقه (3/ 1441) مختصرًا.

ص: 67

ومما سبق يتضح أنَّ النهي يقتضي الفور والتكرار، وهوالراجح.

• خروج النهى عن التحريم:

1 -

الكراهة: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه، وهويبول»

(1)

، فقال الجمهور: النهي هنا للكراهة؛ لأنَّ الذكر بضعة من الإنسان، والحكمة من النهي تنزيه اليمين.

ومثل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في البول والغائط عند فريق من العلماء، قيل: إنه صرف بفعله صلى الله عليه وسلم، ومثل الشرب قائمًا عند فريق من العلماء، وغير ذلك.

2 -

الإرشاد: عن معاذ بن جبل: أنَّ رسول الله أخذ بيده، وقال:«يا معاذ، والله إنى لأحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»

(2)

، وهذا النهي للإرشاد، وغير ذلك.

(1)

أخرجه البخاري (153)، ومسلم (267)، واللفظ له، من حديث أبي قتادة مرفوعًا.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (1522)، والنسائي في (الكبرى)(1227)، وغيرهما من حديث معاذ مرفوعًا.

ص: 68

• مسألة: من يدخل في الخطاب بالأمر والنهى:

يدخل المكلف، والتكليف بالأمر والنهى شامل للمسلمين والكفار على الصحيح، حيث اختلف العلماء في تكليف الكافر: فكلهم مجمعون على أنَّ الكفار مخاطبون بالأصول وهى العقائد، والاختلاف في الفروع على ثلاثة مذاهب:

الأول: قال بعضهم هم مخاطبون أيضًا بالفروع، أي الأوامر والنواهي.

الثاني: وهو المشهور عن الأحناف، أنهم غير مكلفين بالفروع من الأوامر والنواهى.

الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهى دون الأوامر.

والراجح هو القول الأول أنَّ الكفار مخاطبون بالأصول، والفروع، وكل الأوامر، والنواهي، وهو مروي عن الإمام أحمد، والشافعي، وهو غالب مذهب مالك.

قال الإمام النووي: اتفق أصحابنا على أنَّ الكافر غير مكلف بالصلاة، وفي كتب الأصول هو مكلف، ثم قال: ولا تعارض؛ لأنَّ كلًّا منهم نظر إلى جهة، فالفقهاء نظروا إلى أحكام الدنيا، والأصوليون نظروا إلى أحكام الآخرة.

ص: 69

فقال الفقهاء: لا يصلي حال كفره، وإن صلى لا تقبل منه، وإن أسلم لا يقضي. وقال الأصوليون: يحاسب عليها في الآخرة.

واستدل القائلون بالتكليف بما يلي:

1 -

الأدلة العامة: كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، ف (النَّاس) تشمل المسلم والكافر، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21]، والعبادة أصول وفروع، و (النَّاس) الألف واللام فيها للاستغراق، أي كل الناس.

2 -

أنه يحاسب عليها في الآخرة: وما يحاسب عليه في الآخرة لا بد أن يكلف به في الدنيا؛ لقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر: 42 - 47].

{لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} ، والصلاة أمر واجب، وقوله {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} ، وإطعام المسكين أمر مندوب في الأصل، وقوله {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} ، وهذا نهي، {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} ، وهذه عقيدة، وهذا يدل أنهم حوسبوا على كل شيء، ولوكانوا قد حوسبوا على الكفر فقط لكان يكفى أن يقولوا {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} .

ص: 70

ومنها أيضًا: قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)} [الحاقة: 30، 31]، والسبب في ذلك:{إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ} [الحاقة: 33]، وهذه عقيدة، {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 34]، وهذا فرع من الفروع.

وقال تعالى أيضًا: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)} [الفرقان: 68، 69]، ومضاعفة العذاب بسبب أنه كان كافرًا، وفعل المنهيات من الزنا وغيره.

وقال تعالى أيضًا: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88]، فلهم عذاب على كفرهم، وعذاب على صدهم عن سبيل الله.

3 -

قال ابن عبد البر وغيره: من كلف بالشرط كلف بالمشروط من باب أولى، كالصلاة مشروطة بالوضوء، والوضوء شرط، فمن كلف بالشرط وهو الوضوء كلف بالمشروط وهو الصلاة، وكذلك الأعمال مشروطة بالإسلام وهو شرط قبول، فمن كلف بالشرط، وهو الإسلام كلف بالمشروط، وهو باقى الأعمال.

4 -

الكفر مانع من القبول، فوجب عليه العمل، ووجب عليه إزالة

ص: 71

المانع، وإلا حوسب عليهما كمن وجبت عليه الصلاة، ثم أحدث، فالحدث يمنع الصحة والقبول، ولا يرفع التكليف، فوجبت عليه الصلاة، ووجب عليه إزالة المانع وهو الحدث، وإلا حوسب عليهما.

ومن قال: غير مخاطب. استدل بما يلي:

1 -

أنَّ الفروع لا تطلب من الكافر حال كفره، وإن فعلها لا تقبل منه، وإن أسلم لا يقضي.

والجواب على ذلك:

أ - أنه لا يطالب بها ابتداء؛ لأنه يلزمه أن يأتي بالإسلام أولًا.

ب- ولو قام بها لا تقبل منه؛ لأنه فاقد لشرط القبول لا شرط الوجوب.

ج- ولو أسلم لا يقضي؛ لأنَّ الإسلام يجب ما قبله، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم، فعن عمرو بن العاص قال: أتيت النبى صلى الله عليه وسلم ليبايعنى، فبسط يده إلىَّ، فقلت: لا أبايعك يا رسول الله حتى تغفر لي ما تقدم من ذنبي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا عمرو، أما علمت أنَّ الهجرة تجب ما قبلها من الذنوب، يا عمرو أما علمت أنَّ الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب»

(1)

.

(1)

إسناده حسن: أخرجه أحمد (17827)، وغيره من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا، وفيه راو صدوق.

ص: 72

فالصحيح: أنَّ الكافر مكلف، وهو رأى الجمهور.

• مسألة: الفرق بين الأمر والنهى:

1 -

الأمر بالشيء أمر بجميعه كالأمر بالصلاة، والنهي عن الشيء نهي عن بعضه كتحريم الميتة والخنزير.

2 -

الأمر يقتضى الوجوب والفورية، والنهى يقتضى التحريم والفورية.

3 -

الأمر لا يقتضى التكرار، والنهى يقتضى التكرار، وغير ذلك

(1)

.

• مسألة: النهي الوارد عقب سؤال؛ إفادته على حسب ما يقصده السائل.

النهي الوارد عقب سؤال إنما تفيد دلالته على حسب مقصود السائل، فإن كان مقصود السائل بسؤاله هو الإباحة وعدمها؛ فيفيد النهي التحريم، وإن كان مقصود السائل هو الوجوب وعدمه؛ فيفيد النهي عدم الوجوب، ولا يفيد التحريم، مثاله حديث البراء بن عازب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال:«توضؤوا منها» ، وسئل عن لحوم الغنم، فقال:«لا توضؤوا منها» ، وسئل عن

(1)

الإعلام في أصول الأحكام (171 - 174).

ص: 73

الصلاة في مبارك الإبل، فقال:«لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين»

(1)

.

فالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها؛ لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقضًا للوضوء أم لا؟ والشيء إذا كان ناقضًا للوضوء يجب الوضوء منه، وإذا لم يكن ناقضًا فلا يجب، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم.

وأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها؛ لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل، هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يباح الصلاة فيها

(2)

.

(1)

إسناده حسن: أخرجه أبو داود (184)، وأحمد (18538)، وغيرهما من حديث البراء به، وفيه راو صدوق.

(2)

أصول الفقه على منهج أهل الحديث (ص 124 و 125).

ص: 74

‌الفصل الثالث:

العام والخاص

ص: 75

العام والخاص

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد علينا الشافعي رضي الله عنه

(1)

.

•‌

‌ أولًا: العام:

تنبيه: العام يطلق على اللفظ، والعموم يطلق على المعاني.

*‌

‌ تعريف العام:

العام لغة: أصل العموم في اللغة الشمول والكثرة، يقال: عمَّ الخير البلاد أي: كثر، وعمَّ الخير إذا شملهم وأحاط بهم

(2)

.

اصطلاحًا: فهو اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.

(1)

البحر المحيط في أصول الفقه (4/ 5).

(2)

الإعلام (175)، البحر المحيط (4/ 5) بتصرف.

ص: 77

*‌

‌ شرح التعريف:

خرج بقوله: (المستغرق) ما لم يستغرق، نحو بعض الحيوان، إنسان

(1)

.

خرج بقوله: (ما يصلح له) ما لم يصلح.

فمثلًا قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]، فهذا عموم لجميع الخيل، ولجميع البغال والحمير، وليس هذا خصوصًا؛ لأن معنى قولنا:(عموم) ما اقتضاه اللفظ فقط دون ما لا يقتضيه، فمن سمى هذا خصوصًا فقد شغَّب وشبَّك

(2)

.

قلت: قد يحمل العام في طياته خصوصًا، ولو من وجه. فنقول: لفظ (الخيل) عام في كل خيل، خاص في الخيل دون غيرها من الحيوانات، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى:{يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النمل: 10 - 11].

فلفظ (المرسلون) عام في كل مرسل خاصٌّ فيهم دون غيرهم،

(1)

المذكرة (1/ 243).

(2)

الإحكام لابن حزم (3/ 128).

ص: 78

وخص هذا العام بقوله: (إلا من ظلم) و (من) لفظٌ عام، وهكذا.

وقيل (ما يصلح له) قيد لبيان الواقع، فإن اللفظ لا يستغرق الا ما يصلح له دون غيره

(1)

.

خرج بقوله: (بوضع واحد) المشترك؛ لأن المعاني التي يشملها ليست بوضع واحد، كلفظ (العين) فلا يسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة وغير ذلك؛ لأنه لم يوضع لهما وضعًا واحدًا، بل لكل منهما وضع مستقل

(2)

.

ف (المشترك) خرج بقيدين:

الأول: بوضع واحد.

الثاني: المستغرق. وذلك على النحو التالى:

أولًا: أن يحمل المشترك على جميع معانيه، كأن يقال في قوله تعالى:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، [المائدة: 6] المراد: جامعتم ولمستم النساء، فيكون حينئذٍ قد شمل الجماع، واللمس باليد، فهل يكون عامًّا؟ الجواب: لا. وذلك للآتي:

1 -

أنَّ اللفظ المشترك لا يستغرق جميع معانيه دائمًا، بل يستغرق

(1)

حاشية العطار (1/ 506).

(2)

المذكرة بتصرف (1/ 244).

ص: 79

أحيانًا، ولا نمنعه، فهو جائز بشرط ألا يمتنع الجمع بينهما، هذا وذهب إلى الجواز الشافعي، والقاضي أبوبكر، وجماعة من الشافعية

(1)

، فاستغراقه ليس مطردًا فلا يكون عامًّا.

2 -

أنه إذا جاء دليل على تحديد معناه فلا يصار إلا إليه، وحينئذٍ يكون الاستغراق بدليًّا.

ثانيًا: ألا يحمل على جميع معانيه، فيكون قد خرج بقيد الاستغراق، فاللفظ المشترك له عموم على رأي الجمهور، ولكن بطريق البدلية

(2)

.

قوله: (دفعة) خرجت النكرة في سياق الإثبات؛ لأنَّ استغراقها بدلي لا دفعة واحدة

(3)

، مثل قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92]، فالمراد رقبة واحدة على سبيل البدل.

قوله: (من غير حصر) أخرج المحصور كالعدد

(4)

.

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 242).

(2)

تشنيف المسامع بجمع الجوامع (2/ 642).

(3)

التأسيس (266).

(4)

الإعلام (175).

ص: 80

•‌

‌ مسألة: الصورة النادرة وغير المقصودة هل تدخل في العموم؟

لتحرير هذه المسألة هناك بعض المقدمات:

أولًا: إذا قامت قرينة على دخول أو قصد الصورة النادرة تحت العموم دخلت، وإذا قامت قرينة على عدم دخولها لم تدخل

(1)

.

ثانيًا: الكلام على الصورة النادرة التي لم تأت قرينة لخروجها أو دخولها في العموم، هل تدخل في العموم؛ لأن اللفظ يشملها، أم لا تدخل؛ لأنها نادرة لم تخطر ببال المتكلم؟

والمعنى: هل كل ما تناوله اللفظ العام شمله الحكم أم لا؟

(2)

.

ثالثًا: المقاصد لا انضباط لها، والرجوع إلى منضبط أولى

(3)

.

رابعًا: ليس معنى دخول الصورة النادرة في العموم هو قصر العموم عليها، لذا فقد أنصف الزركشي رحمه الله حين قال في هذه المسألة: يوجد في كلام الأصوليين اضطراب يمكن أن يؤخذ منه الخلاف

(4)

.

وصدق، فمن الخطأ الرد على الأحناف لما حملوا قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما

(1)

حاشية العطار (1/ 508) بتصرف.

(2)

حاشية العطار (1/ 507) بتصرف.

(3)

تشنيف المسامع بجمع الجوامع (2/ 644).

(4)

تشنيف المسامع بجمع الجوامع (2/ 643).

ص: 81

امرأة نكحت نفسها من غير إذن وليها فنكاحها باطل»

(1)

على المرأة المكاتبة -وهي التي اشترت نفسها من سيدها- بأن يقال: إنَّ المرأة المكاتبة نادرة لا تدخل في العموم، بل ينبغي القول بأنَّ العموم يشملها، وليس قاصرًا عليها، فهناك فرق كبير بين دخول النادر في العموم، وبين قصر العموم على النادر، فالخلط بينهما خطأ واضح.

خامسًا: الألفاظ قوالب المعاني، وإلغاء المعنى هو إلغاء اللفظ، وإلغاء جزء من المعنى هو إلغاء جزء من اللفظ، فلا يصار إليه إلا بدليل.

سادسًا: الكلام في المسألة ليس من نافلة القول؛ وذلك لأن هناك أحكامًا مترتبة عليها، منها:

أ- التضحية بالخنثى من بهيمة الأنعام، هل هو جائز أم لا؟

ب- هل يجب الغسل من المني الخارج بغير لذة.

ج- مس الذكر المقطوع هل ينقض الوضوء أم لا؟ على القول بأن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا.

د- هل يجوز السبق على الفيلة أم لا؟

(1)

إسناده صحيح: أخرجه أحمد (6/ 46)، وأبو داود (2083)، والترمذي (1102) وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 82

سابعًا: دلالة العام على الغالب أقوى من دلالته على النادر، ولا يعني ذلك إخراج النادر من العام.

• تحرير المسألة:

اختلف أهل العلم في دخول النادرة وغير المقصودة في العموم، فقال بعضهم: لا تدخل، وهو قول ابن العربى

(1)

، وقال الزركشي: ظاهر كلام الشافعي عدم دخولها، فإنه قال: الشاذ يجيء بالنص عليه

(2)

.

وحجة هذا الفريق: أنَّ الصورة النادرة لا تخطر بالبال - يعني بال العرب-، وأنَّ إدخالها يتنافى مع الحكمة والفصاحة.

وذهب آخرون إلى أنها تدخل، وهو قول السبكي، وأيده الشنقيطي، وهو الراجح؛ وذلك لما يلي:

1 -

الإجماع منعقد على العمل بظواهر الألفاظ، واللفظ العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع أفراده، فلا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل.

2 -

قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنَّ الخنثى يرث من حيث يبول،

(1)

المحصول (1/ 100).

(2)

البحر المحيط (4/ 72).

ص: 83

إن بال من حيث يبول الرجال ورث ميراث الرجال، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة

(1)

، وهذا دليل على دخول الخنثى في عموم آيات المواريث، وهي صورة نادرة جدًّا.

3 -

قال القرطبي: لا خلاف على جواز المسابقة على الخيل، وغيرها من الدواب

(2)

، فإن كان هذا إجماعًا فهو دليل على دخول الفيلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:«لا سبق إلا في خُفٍّ أو في حافر أو نصل»

(3)

.

4 -

إخراج النادر من العموم بدعوى أنه لا يخطر بالبال هو بناء حكم على أمر غير منضبط، والرجوع إلى منضبط أولى، والمنضبط هنا شمول العام لجميع أفراده.

5 -

إخراج النادر من العموم هو إلغاءٌ لجزءٍ من معنى اللفظ، ولا يصار إليه إلا بدليل.

6 -

القول بأنَّ إدخال الصورة النادرة في العموم أمر يتنافى مع الحكمة، والفصاحة أمر فيه نظر؛ وذلك لأنَّ إخراج النادر من العموم وإفراده بحكمٍ أمرٌ فيه مشقة على المكلفين، والمشقة تجلب التيسير،

(1)

الإجماع لابن المنذر (55) ط دار الكوثر.

(2)

عون المعبود وحاشيته لابن القيم (7/ 173).

(3)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (2574)، والترمذي (1700)، والنسائي (3585)، وأحمد (10138)، وغيرهم من حديث أبي هريرة به.

ص: 84

بل إنَّ إلحاق القليل النادر بالغالب الكثير هو عين الحكمة والفصاحة، وإنما الذي يتنافى مع الحكمة هو قصر اللفظ العام على صورة نادرة، وهذه مسألة أخرى كما تقدم.

ومما سبق يتضح - والله أعلم - أنَّ الصورة النادرة تدخل في العموم بشرط أن يشملها اللفظ، ولا توجد قرينة لإخراجها، فإن صح دخولها، فدخول الصورة غير المقصودة من باب أولى، ويترتب على ذلك أحكام، منها:

أ- الحكم بتوريث الخنثى.

ب- جواز المسابقة على الفيلة.

ج- جواز الخنثى من بهيمة الأنعام في الأضحية.

د- الحكم بموت الخضر؛ لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مئة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد»

(1)

، ودخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر:«إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد اليوم»

(2)

.

هـ- وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة؛ لدخوله في

(1)

أخرجه البخاري (601)، ومسلم (2537) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (1763) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 85

عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من الماء»

(1)

، وغير ذلك مما بناه بعض الفقهاء على هذه المسألة.

•‌

‌ مسألة: هل تدخل النساء في خطاب الرجال؟ أو هل الجمع الذي فيه علامة التذكير يتناول النساء؟

ولبيان هذه المسألة لا بد من بيان أمور:

أولًا: اتفق العلماء على أنَّ كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص بالآخر كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث كالناس

(2)

.

ثانيًا: إذا كان لفظ الجمع قد جاء بلفظ لا يتبين فيه التذكير ولا التأنيث، مثل أدوات الشرط والاستفهام، فإنَّ الأحناف قالوا:(مَنْ) لا تدخل فيها النساء، وبنوا على ذلك أنَّ المرتدة لا تقتل؛ لعدم دخولها في قوله صلى الله عليه وسلم:«من بدل دينه فاقتلوه»

(3)

.

قال الشوكانى: ولا يخفاك أن دعوى اختصاص "من" بالذكور لا ينبغى أن ينسب إلى من يعرف لغة العرب، بل لا ينبغى أن ينسب إلى

(1)

أخرجه مسلم (343) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 265).

(3)

أخرجه البخاري (3017) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 86

من له أدنى فهم

(1)

.

والراجح: دخول النساء فيها، وهو قول الجمهور؛ وذلك للأدلة التالية:

1 -

قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]، فلولا دخول النساء فيه لم يحسن التقسيم بعد ذلك

(2)

.

2 -

قوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 30]، فهو خطاب للنساء بلفظ (مَنْ).

3 -

عن ابن عمر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» ، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرًا» ، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: «فيرخينه ذراعًا، لا يزدن عليه»

(3)

.

(1)

إرشاد الفحول 1/ 319).

(2)

البحر المحيط (4/ 241).

(3)

إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (1731)، والنسائي (5336)، وغيرهما من حديث ابن عمر به، وأصل الحديث في الصحيحين عند البخاري (3665)، ومسلم (2085) من حديث ابن عمر أيضا، ولكن بدون قول أم سلمة.

ص: 87

ووجه الدلالة: أنها فهمت أنَّ النساء داخلات في الخطاب، وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفهم.

ثالثًا: إذا كان الجمع قد ورد بلفظ قد تبين فيه علامة التذكير بشكل واضح كالجمع بالواو والنون، مثل: المسلمون. أو جمع بضمير الجمع مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11].

هذه مسألة وقع فيها الخلاف، وقبل تحريرها هناك بعض المقدمات:

أولًا: ليس معنى عدم تخصيص الشيء بالذكر انتفاء الحكم عنه.

ثانيًا: تأسيس الحكم لا بد أن يسبق تأكيده، وإلا لما كان للتأكيد معنى، ولهذا شاهد من اللغة، فإنه في باب التوكيد لا بد من ذكر المؤكَّد أولًا قبل التوكيد.

ثالثًا: كثرة الاستثناء من الأصل تضعفه، فينبغي أن يكون الأصل غالبًا.

رابعًا: قاعدة التغليب معمول بها عند العرب.

ص: 88

خامسًا: الصيغة الخاصة لا يمتنع تعديها للغير

(1)

.

سادسًا: تسمية جمع المذكر بذلك اصطلاحٌ لأهل العربية لا للعرب، فلا تقوم به حجة في هذا.

سابعًا: اللغة العربية تستمد من القرآن الكريم، والسنة، وكلام العرب، وليست اللغة حاكمًا على القرآن.

ثامنًا: التكرار في القرآن الكريم لا يكون إلا لفائدة، أقلها زيادة الأجر.

تاسعًا: التكرار لا ينافي البلاغة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يكرر الحديث ثلاثًا، كما روى البخاري بسنده عن أنس رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا

(2)

.

عاشرًا: الأصل مورد الشرع لا مقتضى العرف

(3)

واللغة.

• تحرير المسألة:

اختلف أهل العلم رحمهم الله في دخول الإناث في الخطاب الوارد بصيغة جمع المذكر، أو ضمير الجمع، فذهب الفريق الأول إلى

(1)

التأسيس (279)، بتصرف يسير.

(2)

أخرجه البخاري (94) من حديث أنس مرفوعًا.

(3)

تشنيف المسامع (2/ 708).

ص: 89

أنَّ النساء لا يدخلن فيه، وهو قول الشافعي، وأصحابه، والجمهور

(1)

، ومن المتأخرين الشوكاني

(2)

.

واستدلوا بأدلة نجملها في ما يلي:

1 -

أنه لا جهاد على النساء، مع قوله تعالى:(جاهدوا)، وقوله:{حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال: 65]، فدل ذلك على أنه أراد الذكور دون الإناث

(3)

.

ويجاب عن ذلك: بأنَّ إرادة الذكور جاءت بقرائن أخرى، وقد ورد هذا كثيرًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]، مع أنه لا جمعة على النساء.

2 -

التصريح بما يختص به النساء وما يختص به الرجال، نحو قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ

(1)

البحر المحيط (4/ 245).

(2)

إرشاد الفحول (1/ 319).

(3)

البحر المحيط (4/ 243).

ص: 90

وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)} [الأحزاب: 35].

وقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، وقوله تعالى:{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31].

ولو كن داخلات لما كان للتكرار فائدة، وكذلك سبب نزول الآية، وهو قول أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله، ما نرى الله سبحانه ذكر إلا الرجال، فنزلت الآية.

ووجه الدلالة:

أولًا: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها على النفي -يعني نفي ذكر النساء- ولو كن داخلات في الخطاب لم يقرهن عليه.

ثانيًا: نفيها لذكر النساء حجة؛ لأنها من أهل اللسان.

ثالثًا: العطف يقتضي المغايرة، والشيء لا يعطف على نفسه، والتأسيس أولى من التنصيص.

والجواب عن ذلك:

أ- أنَّ إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ليس على عدم دخول النساء في خطاب

ص: 91

الرجال، وإنما على عدم ذكر النساء تصريحًا، وكونها من أهل اللسان يشهد لذلك، فهي تعني ما تقول، حيث قالت:«ما لنا لا نرى الله سبحانه وتعالى ذكر إلا الرجال» ، فهي سألت عن مجرد الذكر، مع علمها أنهن داخلات في الخطاب، وليس معنى عدم الذكر انتفاء الحكم عن من لم يذكر، فلفظ الإسلام إذا أطلق يشمل الإيمان والإحسان بدون ذكرهما.

ب - وكون العطف يقتضي المغايرة، فإنَّ المغايرة لا تلزم أن تكون من كل وجه، فحينما أقول: جاء محمد وفاطمة. فلا يعني ذلك أنهما مختلفان من جميع الوجوه.

ج - عطف المسلمات على المسلمين لا يعني عدم دخول النساء في قوله: (المسلمين)، وإنما هو من قبيل عطف الخاص على العام، ونظير ذلك قوله تعالى:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98].

فلفظ (الملائكة) عام يدخل فيه جبريل وميكال، ومع ذلك خصهما بالذكر.

وقوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، فلفظ (الفاكهة) عام وشامل لجميع أنواع الفاكهة ومنها الرمان، ومع ذلك

ص: 92

فقد خصه بالذكر.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة صلاة الكسوف: «هَذه الآيَاتُ الَّتي يُرسلُ اللَّهُ، لَا تَكُونُ لمَوت أَحَدٍ وَلَا لحَيَاته، وَلَكن يُخَوّفُ اللَّهُ به عبَادَهُ، فَإذَا رَأَيتُم شَيئًا من ذَلكَ، فَافزَعُوا إلَى ذكره وَدُعَائه»

(1)

.

فالذكر يشمل الدعاء والاستغفار، ومع ذلك خصهما بالذكر.

وأما القول: بأنَّ التأسيس أولى من التنصيص، والمعنى أنَّ الله تعالى يؤسس أنَّ النساء لهن خطاب خاص بهن.

فجوابه: كيف لا يؤسس هذا الحكم إلا في سورة الأحزاب، وهي سورة مدنية، وليست من أوائل السور التي نزلت بالمدينة، بل إنَّ منها ما نزل في السنة الثالثة الهجرية، كزواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها، ومنها ما نزل في السنة الخامسة الهجرية، وهو ما يخص الأحزاب.

فكيف يتأخر تأسيس الحكم، والمعروف أنَّ التأسيس يكون أولًا، ثم يأتي بعد ذلك التنصيص والتأكيد لما تم تأسيسه.

أما القول: بأنَّ عطف المسلمات على المسلمين، وهن داخلات في لفظ «المسلمين» مناف للبلاغة والقرآن بليغ، ومن ثَمَّ فإنَّ لفظ

(1)

أخرجه البخاري (1059)، ومسلم (912) من حديث أبي موسى مرفوعًا.

ص: 93

(المسلمين) لا يشمل المسلمات، وإلا كان تكرارًا.

فجوابه: أنَّ التكرار لا ينافي البلاغة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر الحديث ثلاثًا

(1)

.، فالتكرار له فوائد كثيرة، لا سيما في القرآن الكريم، فأقل فوائده زيادة الأجر بزيادة الأحرف.

3 -

قياس النساء على الرجال، فكما لا يدخل الرجال في خطاب النساء، فإنه لا يدخل النساء في خطاب الرجال

(2)

.

وقياس الجمع على المفرد، فالمؤمنون تضعيف مؤمن، وكلوا تضعيف ضمير كل، وكما أنَّ (المؤمن) و (كل) لا يتناول الأنثى، ولا يدل عليها، كذلك (مؤمنون) و (كلوا) لا يتناول الإناث، ولا يدل عليهن

(3)

.

والجواب:

أولًا: أنَّ هذا قياس مع الفارق، فكلامنا في الجمع، وليس في المفرد، ولا يمتنع أن يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع، ولا يدخل في حال الإفراد، ويؤيد هذا أنَّ غير العاقل يدخل في جمع العاقل،

(1)

أخرجه البخاري (94) من حديث أنس مرفوعًا.

(2)

البحر المحيط (4/ 243).

(3)

شرح مختصر الروضة (2/ 521).

ص: 94

ولا يدخل في حال الإفراد.

وكذلك قياس المرأة على الرجل قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وذلك لورود اللغة بدخول النساء، ولم ترد بدخول الرجال في جمع التأنيث، وذلك لتغليب العرب للفظ التذكير

(1)

.

4 -

أنَّ الأسماء وضعت للدلالة على مسمياتها، فخص كل نوع بما يميزه، فالألف والتاء جعلت علمًا لجمع الإناث، والواو والنون لجمع الذكور. قاله القفال

(2)

.

والجواب: أنَّ اختصاص كل نوع بما يميزه لا يمنع من دخول أحدهما تحت الآخر؛ لأنَّ الصيغة الخاصة لا يمتنع تعديها للغير.

وذهب الفريق الثاني إلى أنَّ النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة التذكير، ولا يخرجن إلا بدليل، وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وأكثر الحنابلة، وكثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الظاهرية كمحمد بن داود

(3)

، وهو الراجح، والله أعلم؛ وذلك للآتي:

(1)

المهذب (4/ 1557).

(2)

البحر المحيط (4/ 243).

(3)

المهذب (4/ 1553).

ص: 95

أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم: «سبق المفردون» ، قالوا: وما المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات»

(1)

.

فدل ذلك على أنَّ الذاكرات داخلات في جمع المذكر السالم (المفردون)، ولولا دخولهن فيه لم يحسن التفسير بعد ذلك.

ثانيًا: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى في مريم عليها السلام:{وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12].

وقوله تعالى في امرأة العزيز: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف: 29].

وقوله في ملكة سبأ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: 43]

(2)

.

ثالثًا: إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر مع المؤنث غلب المذكر

(3)

، وذلك مثل قوله تعالى:{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} [البقرة: 38]، والمخاطبون ثلاثة: آدم، وحواء، وإبليس. فلو كن النساء لا يدخلن

(1)

أخرجه مسلم (2676) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

أضواء البيان (1/ 9).

(3)

البحر المحيط (4/ 246).

ص: 96

لقيل لآدم وإبليس اهبطا، ولحواء اهبطي، ولكنه لم يقل ذلك، مما يدل على أنَّ النساء يدخلن

(1)

.

رابعًا: أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر، مع الإجماع على أنَّ النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب لما كان كذلك

(2)

.

خامسًا: لوقال السيد لمن بحضرته من عبيده: قوموا واقعدوا. تناول جميعهم، ولو قال: قوموا، وقمن، واقعدوا، واقعدن. لعد تطويلًا، وغيًّا، ولكنةً.

سادسًا: القول بدخول النساء في خطاب الرجال، ثم خروجهن في بعض الأحكام بدليل، أولى من القول بعدم دخولهن، ثم دخولهن في كثير من الأحكام بدليل، وذلك من الناحية الأصولية؛ لأنَّ الأصل هو الغالب، وكثرة الاستثناءات على الأصل تضعفه.

وقد نقل الشوكاني رحمه الله عن الإِبيارى أنه قال: ولا خلاف بين الأصوليين والنحاة أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال

(3)

.

(1)

المهذب (1/ 1554).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 267).

(3)

إرشاد الفحول (1/ 320).

ص: 97

قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنَّ ظاهره أنَّ المسألة فيها إجماع، ولو كانت كذلك، لما وقع فيها الخلاف، كما أنَّ الأصل مورد الشرع، لا مقتضى العرف واللغة، وقد أغرب الشوكاني رحمه الله حين قال: ولم يأت القائلون بالتناول -يعني تناول جمع مذكر للنساء- بدليل يدل على ما قالوه لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا من جهة النقل

(1)

.

•‌

‌ مسألة: أقل الجمع:

للتمهيد لهذه المسألة هناك بعض المقدمات:

أولًا: ليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء لشيء، فإنَّ ذلك في الاثنين، والثلاثة، وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى في اللغة مثل قولهم: رجال، ومسلمون

(2)

.

والمعنى: هل يصح أن أطلق على رجلين لفظ رجال، أم أنَّ كلمة رجال لا تطلق على أقل من ثلاثة، وهذا هو محل الخلاف.

ثانيًا: الغالب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفنا الأحكام الشرعية، لا الأمور اللغوية لكونها معلومة للمخاطب

(3)

.

(1)

المصدر السابق بتصرف.

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 222).

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 224).

ص: 98

ثالثًا: دور العرب مع اللغة دور تصنيف لا دور تأسيس

(1)

.

• تحرير المسألة:

القول الأول: ذهب فريق من أهل العلم إلى أنَّ أقل الجمع اثنان، وهو قول عمر، وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، ومالك، وداود، وجماعة من أصحاب الشافعى كالغزالى

(2)

، واستدلوا بأدلة منها:

1 -

قوله تعالى: {قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15]، فعبر بلفظ الجمع (مستمعون)، وأراد به موسى وهارون.

وأجيب: بأنَّ المراد موسى، وهارون، وفرعون، وقومه، وهم جمع

(3)

.

2 -

قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9]، فاستخدم ضمير الجمع (واو الجماعة) في (اقتتلوا) وهما طائفتان.

وأجيب: بأنَّ كل طائفة جمع.

3 -

قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا

(1)

التأسيس (206).

(2)

الإحكام للآمدى (2/ 222).

(3)

الإحكام للآمدى (2/ 223).

ص: 99

تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)} [ص: 21 - 22]، فعبر بضمير الجمع في (تسوروا) عن المثنى (خصمان).

وأجيب: بأنَّ الخصم يطلق على الواحد وعلى الجماعة، فيقال: هذا خصمي، وهؤلاء خصمي.

4 -

قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78].

فعبر بضمير الجمع في قوله (لحكمهم) عن داود وسليمان، وهما اثنان.

وأجيب: بأنَّ المراد داوود، وسليمان، والمحكوم له، وهم جماعة

(1)

.

5 -

قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 83]، فعبر بضمير الجمع في قوله (بهم) وأراد يوسف وأخاه.

وأجيب: بأنَّ المراد يوسف، وأخوه، وأخوهما الثالث الذي قال:{فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80].

(1)

الواضح في أصول الفقه (3/ 430).

ص: 100

6 -

قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، وأراد عائشة، وحفصة.

وأجيب: بأن هذا للتخفيف.

قال الزركشي: استثنى النحويون المشترطون للثلاثة، التعبير عن عضوين من جسدين بلفظ الجمع نحو قوله تعالى:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] لقصد التخفيف، فإنه لو قيل: قلباكما. لثقل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين

(1)

.

7 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «الاثنان فما فوقهما جماعة»

(2)

.

وأجيب: بأنه متكلم فيه، وإن صح فإنَّ المعنى ثبوت أجر الجماعة لهما، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يبين الحقائق الشرعية لا اللغوية.

وإلا فهو حجة لنا من وجه، وهوأنه لوكان ذلك جمعًا في اللغة لما احتاجوا إلى بيانه.

8 -

واستدلوا من اللغة: بأنَّ الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: قمنا وقعدنا. كما تقول الثلاثة.

(1)

البحر المحيط (4/ 195).

(2)

إسناده ضعيف جدا: أخرجه ابن ماجه (972)، وأبو يعلى (7223)، وغيرهما، وفيه رواة ضعفاء.

ص: 101

وأجيب: بأنَّ الواحد يقول: قمنا وقعدنا. مع أنه ليس بجماعة.

• القول الثاني: وذهب آخرون إلى أنَّ أقل الجمع ثلاثة، وهو قول ابن عباس، ومذهب الأئمة الأربعة إلا مالكًا

(1)

.

وهو الراجح للآتي:

أولًا: أجوبتهم عن أدلة الفريق الأول التي لم يسلم الاستدلال بها.

ثانيًا: أدلتهم وهي:

1 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب»

(2)

.

ووجه الاستدلال: أنه صلى الله عليه وسلم فصل بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين اصطلاحًا خاصًّا دون الجمع، فعلم أنَّ التثنية ليست بجمع حقيقة

(3)

.

2 -

إجماع أهل اللغة على الفرق بين التثنية والجمع في التكلم أو التصنيف، أما في التكلم فلأنهم يقولون:(رجلان ورجال)، والتصنيف؛

(1)

شرح مختصر الروضة (2/ 490).

(2)

إسناده حسن: أخرجه أبوداود (2607)، والترمذي (1674)، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (2570) وسنده حسن أيضا.

(3)

المهذب في علم أصول الفقه (4/ 1521).

ص: 102

لأنه ما من كتاب في اللغة إلا ويوجد فيه باب التثنية، وباب الجمع

(1)

.

والمعنى: أنَّ للجمع صيغةً وللمثنى صيغةً، فدل ذلك على أنَّ المثنى بخلاف الجمع.

فإن قيل: قد قررتم قبل ذلك أنَّ الصيغة الخاصة يمكن تعديها للغير، فلا مانع أن يعبر عن المثنى بالجمع، فيكون أقل الجمع اثنان.

فالجواب من وجهين:

الأول: أنَّ لازم القول ليس بلازم.

فليس معنى أنَّ الصيغة الخاصة قد تتعدى للغير أنها تتعدى دائمًا.

الثاني: أنَّ إطلاق صيغة الجمع على الاثنين جائزة، ولكن على سبيل المجاز، وليس هذا محل النزاع.

3 -

أقل الشيء يصدق عليه اسم الشيء وحقيقته، كما أنَّ أقل الماء ماء، وأقل العدد عدد، فإنَّ جَعْلَنَا الاثنين أقل الجمع، يلزم أن يسميا جمعًا؛ لأن أقل الجمع جمع، وهما مثنى، فكأننا نقول أقل الجمع مثنى، وفيه تناقض

(2)

.

(1)

شرح مختصر الروضة (2/ 498).

(2)

شرح مختصر الروضة (2/ 491) بتصرف، للاستزادة في مسألة أقل الجمع انظر البحر المحيط (4/ 192)، والإحكام للآمدي (2/ 222)، وما بعدها.

ص: 103

ومما سبق يتضح: أنَّ الراجح - والله أعلم - هو أنَّ أقل الجمع ثلاثة، وعليه فإنه يترتب على ذلك بعض الفروع الفقهية، منها:

1 -

لابد أن يصلي على الميت ثلاثة على الأقل.

2 -

لو قال الزوج: إن تزوجت نساءً فامرأتي طالق. لم تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة.

3 -

لو نذر أن يصوم أيامًا -ولم يبين مقصده-، فإنه يلزمه ثلاثة أيام

(1)

.

• القول الثالث: التوقف:

قال القرافي في مسألة أقل الجمع: إنَّ له نحوًا من عشرين سنة يورده ولم يتحصل عنه جواب

(2)

.

قال الآمدي: وإذا عرف ضعف الأخذ من الجانبين على الناظر بالاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازم

(3)

.

(1)

المهذب (4/ 1531).

(2)

البحر المحيط (4/ 192).

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 226).

ص: 104

•‌

‌ مسألة: العموم من عوارض الألفاظ.

قال الآمدي رحمه الله: اتفق العلماء على أنَّ العموم من عوارض الألفاط

(1)

.

والعوارض جمع عارض، وهو الذي يذهب ويجيء، قال تعالى:{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67]، فليس العموم داخلًا في حقيقة اللفظ، فمتى وجد اللفظ فهو عام

(2)

.

فمثلًا كلمة (خير) قد يعرض لها العموم، كقوله تعالى:{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} [البقرة: 110]، فكلمة (خير) هنا جاءت عامة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط.

أما قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]، فكلمة (خير) هنا ليست لفظًا عامًّا.

فنفس اللفظ قد يعرض له العموم وقد لا يعرض، ولا يلزم من وجود اللفظ وجود العموم، وإنما يلزم وجود اللفظ ليستفاد منه العموم، فاللفظ للعموم شرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 198).

(2)

المهذب (4/ 1463).

ص: 105

ويعكر على هذا التطبيق: أنَّ العموم يستفاد من المعاني كالمفهوم، والاقتضاء، وغيرها من الدلالات.

ويجاب على ذلك من وجهين:

الأول: يمكن القول بأننا حتى في أخذنا للعموم من المعاني؛ فإننا نقدِّر ألفاظًا عامة، ثم نخرج منها معاني عامة.

ولعل في هذا وجه شبه بتقدير الحركات الإعرابية على أواخر الكلمات، فتكون الحركة موجودة، ولكنها غير ظاهرة.

وكذلك قد يكون العموم موجودًا، ولكنه غير ظاهر.

الثاني: أنَّ الأصل الغالب الذي عليه مدار العمل هو وجود الصيغ والألفاظ العامة ليؤخذ منها العموم، وما عدا ذلك فهو تابع، والتابع لا يستقل بالحكم، والفرع لا يقدم على الأصل فضلًا على أن يلغيه.

•‌

‌ مسألة: هل العموم من عوارض المعاني؟

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، وقبل عرض أقوالهم هناك بعض المقدمات:

أولًا: ليس المراد من كون العموم من عوارض المعاني أي المعاني التابعة للألفاظ، بل المعاني المستقلة كالمقتضي، والمفهوم، فإنَّ

ص: 106

المعاني التابعة للألفاظ لا خلاف في عمومها؛ لأن لفظها عام

(1)

.

ثانيًا: معنى القول أنَّ العموم من عوارض المعاني أنه قد يحمل الكلام على العموم، وإن لم يكن هناك صيغة من صيغ العموم

(2)

.

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»

(3)

.

فلا بد من تقدير محذوف حتى يستقيم المعنى، فنقول: الذي وضعه الله هو إثم الخطأ.

فالذي يقول: إنَّ للمعاني عمومًا، يقول: رفع كل إثم الخطأ، فهنا لفظ العموم غير موجود، لكنه مستفاد من المعنى.

ثالثًا: الكلام في هذه المسألة مشروط بأمرين:

الأول: أنَّ ما سبق إذا لم يقم على تعيين المحذوف دليل، أما إذا اقترن باللفظ قرينة تعينه، فإنه يكون كالملفوظ به، كما في قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ

(1)

تشنيف المسامع (2/ 649 و 650).

(2)

تشنيف المسامع (2/ 649) بتصرف يسير.

(3)

إسناده صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه (7219)، والطبراني في (الصغير)(765)، وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 107

عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]؛ لأنَّ المراد من تحريم الأمهات تحريم وطئهن، والمراد من تحريم الميتة تحريم أكلها

(1)

.

بدليل القاعدة: إذا علق الحكم بعين رجع شرعًا ولغة لما أعدت له هذه العين.

لأن الحلال والحرام لا يتعلقان بذوات، إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة بتلك الذوات، فالأم ذات، وليس المراد تحريم ذات الأم، وإنما حرم الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذي أعدت له المرأة وهو النكاح، وكذلك الميتة، فإنَّ المُحرَّم منها الفعل الذي أعدت له الأنعام، وهو الأكل

(2)

.

فلا يستقيم الاستدلال بمثل هذه النصوص على عموم المعاني، فلا يقال تحريم الميتة عام، ولا يقال تحريم الأمهات عام؛ لأنه قد قام دليل يعين المقصود بالتحريم، وأنه ليس على عمومه.

وهذا بخلاف نحو: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان

» فإنه لم يقم دليل يعين المحذوف

(3)

.

(1)

البحر المحيط (4/ 218 و 219) بتصرف يسير.

(2)

الإعلام (29 - 30).

(3)

البحر المحيط (4/ 219).

ص: 108

الثاني: تقدير المحذوف يجب ألا ينافي بعضه بعضًا

(1)

.

• مذاهب العلماء في المسألة:

1 -

ذهب فريق من أهل العلم إلى أنَّ المعاني لا عموم لها، وذلك لعدم العلاقة بين اللفظ والمعنى

(2)

.

فالعموم ليس من عوارض المعاني لا حقيقة، ولا مجازًا

(3)

.

قال الزركشي: وهو أبعد الأقوال بل في ثبوته نظر

(4)

.

2 -

وذهب الفريق الثاني أنَّ العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة، بل هومن عوارضها مجازًا، وهذا مذهب جمهور العلماء

(5)

.

واستدلوا بالآتي:

أ- بوجوب أن يكون الأفراد الذين تناولهم اللفظ متساوين في الحكم، مثل: أكرم الطلاب. فيجب أن يتساوى جميع الطلاب بالإكرام، أما لو قلنا: عمَّ المدينة المطر. فهذا عموم مجازي؛ لأنَّ (عمَّ) ليست من صيغ العموم، فلا يلزم التساوي؛ لأنَّ المطر قد يكون في

(1)

البحر المحيط (4/ 217).

(2)

المهذب (4/ 1466).

(3)

تشنيف المسامع (2/ 648).

(4)

تشنيف المسامع (2/ 648).

(5)

المهذب (4/ 1464).

ص: 109

بعض الوديان، والأماكن أكثر من البعض الآخر، بخلاف ألفاظ العموم، فإنَّ الحكم متساوٍ في جميع الأفراد

(1)

.

قلت: هذا الكلام فيه نظر، فمن أين أتى وجوب التساوي؟ ففي المثال السابق يمكن أن يقال التساوي إن كان يقصد به أنهم متساوون في شمول الحكم لهم، فيجب إكرامهم جميعًا. فهو صحيح.

أما التساوي في درجة الحكم، فلا؛ لأننا لو زدنا البعض في الإكرام على بعض نكون قد قمنا بالمطلوب، فإن كان لا يجب التسوية بين مستحقي الزكاة عند توزيع الزكوات عليهم مع وجود اللفظ العام حقيقة، فكيف تجب التسوية في المجاز.

ب- القول بأنَّ استعمال العموم في المعاني استعمالًا حقيقيًّا، مع القول بأنَّ العموم من عوارض الألفاظ حقيقة؛ للزم من ذلك أن يكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وإن قلنا بأنه من عوارضها مجازًا نكون قد تخلصنا من الاشتراك، والاشتراك خلاف الأصل.

فإن قيل: إنَّ المجاز أيضًا خلاف الأصل.

أجيب: بأنَّ المجاز مقدم على المشترك.

قلت: والجواب على هذا الكلام من وجهين:

(1)

المهذب (4/ 1464).

ص: 110

الأول: لا يلزم من القول أنَّ المعاني لها عموم حقيقة أن يكون العموم مشتركًا بين الألفاظ والمعاني، فكثيرًا ما يكون المشترك عامًّا بعد فض اشتراكه.

فمثلًا: قولنا: ماء العين طاهر. فالعين لفظ عموم، والمعنى: ماء كل عين طاهر، وإن أخرجنا لفظ (العين) من السياق صار لفظًا مشتركًا له معانٍ عدة كالجاسوس، وحقيقة الأمر، وغير ذلك.

فما ضر اللفظ كونه مشتركًا خارج السياق ولا ضره كونه عامًّا بفعل السياق.

الثاني: إن سلمنا بكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وقدمنا القول بالمجاز للتخلص من الاشتراك، لم نسلم بأنَّ القول بالمجاز مقدم على القول بالاشتراك؛ لأنَّ كل مجاز يجوز نفيه، فحينما نقول أنَّ المعاني لها عموم على سبيل المجاز، يمكن القول (المعاني لا عموم لها) فنكون هدمنا ما أصَّلنا.

أما لو قلنا بالاشتراك، فبعد تحديد المعنى المراد يرفع الالتباس، فإن كان العموم في اللفظ أخذ منه العموم، ولا أحتاج إلى تقدير محذوف، وإن كان العموم في المعنى، فاللفظ ليس موجودًا حتى أقول بالاشتراك.

ص: 111

3 -

وذهب الفريق الثالث: إلى أنَّ العموم من عوارض المعاني الحقيقية، وهو اختيار ابن الحاجب، والمجد ابن تيمية، وجمع من المحققين كالآمدي، والقرافي

(1)

.

وهو ظاهر كلام الشافعي كما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط حيث قال: فالشافعي أثبت للمقتضى عمومًا.

وقال الشافعي: المقتضى كالمنصوص في احتمال عمومه

(2)

.

واستدلوا بالقياس، فكما صح في الألفاظ العموم حقيقة، فإنه يصح في المعاني حقيقة، والأصل في الأشياء الحقيقة

(3)

.

- يتفرع على هذه القاعدة: (الاختلاف في عموم المفهوم) فروع، منها

(4)

:

1 -

الاختلاف في الماء إذا لم يبلغ قلتين، ووقعت فيه نجاسة، ولم يتغير أحد أوصافه، هل ينجس أم لا؟ ينبني على عموم المفهوم.

فإن قيل: للمفهوم عموم لم يطهر، ووجهه أن قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ

(1)

معلمة زايد (30/ 195).

(2)

البحر المحيط (4/ 212).

(3)

تشنيف المسامع (2/ 648) بتصرف.

(4)

معلمة زايد (30/ 199).

ص: 112

الماء القلتين لم يحمل الخبث»

(1)

دالٌّ بمفهومه على أنَّ ما دون القلتين ينجس بملاقاة النجاسة، سواء تغير أم لم يتغير، وإن قيل: لا عموم للمفهوم. لم يقتض الحديث النجاسة في هذه الصورة.

قلت: أما القول بعموم المفهوم هو ما رجحناه؛ لأنه مندرج تحت عموم المعاني.

وأما العمل به في هذا الحديث، والحكم بالنجاسة على الماء سواء تغير أم لم يتغير، ففيه نظر؛ ذلك أنَّ العمل بمفهوم المخالفة له شروط، منها:

أ - ألا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، كما في هذا الحديث، وعليه فلا يعمل بمفهوم المخالفة في هذا الحديث، وليس معنى هذا أنَّ المفهوم لا عموم له

(2)

.

2 -

الاختلاف في دلالة الاقتضاء هل هي عامة أم لا؟

فالقائل بالعموم يبني قوله على عروض العموم للمعاني، والقائل بأنَّ دلالة الاقتضاء ليست عامة بنى قوله على أنَّ العموم من عوارض

(1)

إسناده صحيح بهذا اللفظ: أخرجه أبو داود (63)، والترمذي (67)، وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ورجح أبو داود سند روايته.

(2)

الإعلام (225) بتصرف.

ص: 113

الألفاظ دون المعاني، ودلالة الاقتضاء من المعاني لا من الألفاظ.

فمثلًا: اختلف الفقهاء في صحة من تكلم في صلاته ناسيًا أو مخطئًا، بناءً على اختلافهم في عموم المقتضى.

فالحنفية على أنَّ صلاته تبطل بذلك، والشافعية على أنَّ صلاته صحيحة غير باطلة.

واستدل الفريقان بحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»

(1)

.

لكن الشافعية صرحوا بأنَّ الحكم المرفوع يشمل الدنيوي والأخروي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل في الدنيا، ولا يأثم في الآخرة المقتضي له العموم.

والحنفية قالوا: إنَّ الله رفع عن الأمة الإثم المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع البطلان المقتضي للإعادة، وهو الحكم الدنيوي، فالحديث لا عموم فيه للمقتضى.

قلت: والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا تم تقدير المحذوف تقديرًا صحيحًا، وحمل المعنى على العموم كان الكلام مستقيمًا، وإذا

(1)

إسناده صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه (7219)، والطبراني في (الصغير)(765)، وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 114

حدث الخطأ في تقدير المحذوف، فإنَّ دعوى العموم في المعنى لن تكون منضبطة، وليس ذلك لأنَّ المعنى لا عموم له، ولكن لأن تقدير المحذوف غير منضبط.

3 -

ومنها خلافهم في عموم الأفعال، فمثلًا: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3].

هل المراد الأكل فقط بحسب العرف، أم المراد جميع أنواع التصرفات؟

• صيغ العموم:

والمراد بالصيغة الأداة، لا مقابل المادة، كما هو معروف عند علماء اللغة العربية

(1)

.

- الحق أنَّ العام له صيغ معينة تستعمل في العموم دون قرينة، وقد أنكر البعض أنَّ للعام صيغًا معينة، وقالوا: لابد من قرينة. وهذا فاسد، وأدلة ذلك:

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31]، فقال إبراهيم عليه السلام: {قَالَ إِنَّ فِيهَا

(1)

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/ 2).

ص: 115

لُوطًا} [العنكبوت: 32]، وهذا نص في محل النزاع.

إنَّ إبراهيم عليه السلام فهم من قوله تعالى: {أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31]، أنَّ كل من في القرية هالك، ومنهم لوط، بل أقرت الملائكة إبراهيم عليه السلام على صحة هذا الفهم، فقالت:{قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 32]

(1)

.

•‌

‌ صيغ العموم:

1 -

المعرف ب (ال) التعريفية التى للاستغراق الجنسى:

و (ال) التعريفية تنقسم إلى أقسام، منها:(ال) الاستغراقية وهى المرادة هنا، حيث تستغرق كل أفراد الجنس، مثل: خلق الله الإنسان. فهذه لاستغراق الجنس فهذه (ال) الاستغراقية التى تفيد العموم، وتعرف بوضع كلمة (كل) مكانها، فيستقيم المعنى معها، وقد تكون (ال) التعريفية لبيان حقيقة الجنس، وهذه لا تستغرق كل أفراد الجنس، وإنما هى لفظ يبين به حقيقة الجنس، مثل: الرجال أقوى من النساء. هذه ليست استغراقية، بل هى لبيان حقيقة الجنس، والدليل على ذلك عدم جواز وضع كلمة (كل) مكانها فليس كل الرجال أقوى من كل

(1)

التأسيس (269).

ص: 116

النساء، وإنما هى تبين حقيقة الجنس فهى تبين أنَّ حقيقة جنس الرجال أقوى من حقيقة جنس النساء.

و (ال) الاستغراقية تدخل على الجمع، مثل قوله تعالى:{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ} [النور: 59]، فالعموم في كلمة الأطفال، وصيغته الجمع المعرف ب (ال) التعريفية الاستغراقية، فهى تشمل كل الأطفال، وما خرج من العموم يخرج بدليل.

وتدخل على اسم الجمع: وهو الجمع الذى ليس له مفرد من لفظه، مثل النساء، فيقول الله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34].

وتدخل على اسم الجنس الجمعى: وهو كل جمع تحصل عليه بحذف الحرف الأخير من مفرده، مثل: شجر، بقر، ثمر، زنج. كقوله تعالى:{إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70].

2 -

المعرف بالإضافة: سواء كان مفردًا أو جمعًا أو اسم جمع، فالمفرد المعرف بالإضافة مثل:{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [المائدة: 7]، واسم الجمع المعرف بالإضافة مثل قوله:{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32]، والجمع المعرف بالإضافة: مثل الإجماع الذى ذكره عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعدون

ص: 117

شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة

(1)

.

وفهم الإجماع من صيغة الجمع المضاف في قوله: أصحاب رسول الله.

ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم في التشهد: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»

(2)

، فالعموم في كلمة عباد، فهي جمع معرف بالإضافة، فتشمل كل عبد صالح في السماء والأرض، كما بين النبى صلى الله عليه وسلم.

3 -

الأسماء الموصولة: مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، فكل من انطبقت عليها هذه الحالة فعدتها أربعة أشهر وعشر، ومنه قوله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33].

4 -

أسماء الشرط: مثل قول الله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].

أدوات الشرط قسمان: أسماء الشرط، وحروف الشرط.

فأسماء الشرط هى: من، ما، مهما، متى، أيَّان، أنَّى، أين، حيثما،

(1)

إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (2622)، وغيره من كلام عبد الله بن شقيق التابعي.

(2)

أخرجه البخاري (831)، ومسلم (402) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.

ص: 118

كيفما، أيُّ، وغيرها.

أما حروف الشرط مثل: إن، إذما.

5 -

أسماء الاستفهام: مثل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245].

وأدوات الاستفهام قسمان: أسماء الاستفهام، وحروف الاستفهام. فجميع أدوات الاستفهام أسماء ما عدا: الهمزة، وهل.

6 -

النكرات: وهى:

1 -

النكرة في سياق النهى.

مثل قول الله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ} [التوبة: 84]، النكرة كلمة «أَحَدٍ» وهى في سياق النهى فتفيد العموم.

2 -

النكرة في سياق النفى.

مثل: لا إله إلا الله. النكرة كلمة "إله"، وهى في سياق النفى فتفيد العموم.

3 -

النكرة في سياق الاستفهام.

مثل قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، النكرة كلمة (سَميًّا)، وهى في سياق الاستفهام فتفيد العموم، ومثل قوله تعالى:

ص: 119

{هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ} [التوبة: 127]، النكرة كلمة (أَحَدٍ) وهى في سياق الاستفهام فتفيد العموم.

4 -

النكرة في سياق الشرط.

مثل قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، (ذَرَّةٍ) نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم.

5 -

النكرة في سياق الامتنان.

مثل قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، فكلمة (مَاءً) نكرة، وهى في سياق الامتنان؛ فتفيد العموم أى كل ماء ينزل من السماء فهو ماءٌ طهورٌ.

ومثل قول الله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} [يس: 57]، فالنكرة كلمة (فَاكهَةٌ) أتت في سياق الامتنان فتفيد العموم.

•‌

‌ مسألة: النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، ولا تفيد العموم إلا بقرينة.

فمثلًا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]، هذه نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، والمعنى: اذبحوا أيَّ بقرة. ومثل قوله تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]، فكلمة (رَقَبَةٍ) نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق لا العموم، ولو كانت تفيد العموم، فسيكون

ص: 120

اللفظ: فتحرير كل رقبة.

وفي قول الله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14]، فكلمة (نَفسٌ) نكرة في سياق الإثبات، وهى تفيد العموم هنا لوجود قرينة، وإلا فالأصل في النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق لا العموم، والمعنى: علمت كل نفس ما أحضرت. والدليل على ذلك قول الله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} [يونس: 30].

إذن النكرات التى تفيد العموم هى ما أتت في سياق: النفى، والنهى، والشرط، والاستفهام، والامتنان، والإثبات إن وجدت قرينة.

• وأيضًا من صيغ العموم:

7 -

ما دل على العموم بمادته: مثل لفظ (كل، جميع، كافة، قاطبة، عامة)، مثل قوله تعالى:{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30]، فالعموم في كلمة (كُلُّهُم)، وكذلك كلمة (أَجمَعُونَ).

8 -

المعرف ب (ال) العهدية إذا كان المعهود عامًّا: مثل: جاء الرجال.

9 -

المصدر الكامن في الفعل المسبوق بنفى أو نحوه: كقول النبى

ص: 121

صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الماء الطهور لا ينجسه شيء»

(1)

.

وذلك لأن المصدر يكون نكرة، والنكرة في سياق النفى أو النهى تفيد العموم، كما سبق في الحديث:«إن الماء الطهور لا ينجسه شاء» ، فالعموم هنا في الفعل المضارع الذى سبق بنفي، وذلك بتقدير المصدر الكامن به أي (لا تنجيس)، فيكون نكرة في سياق النفى فتفيد العموم.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»

(2)

، فالعموم في الفعل المضارع المسبوق بنفى، وذلك بتقدير المصدر الكامن به أي (لا قبول) فيكون نكرة في سياق النفى فتفيد العموم.

•‌

‌ مسألة: حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم؟

(3)

.

مثال ذلك: قول الصحابي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر

(4)

،

(1)

حسن لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (66)، والترمذي (66)، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه راو مجهول، والحديث له طرق أخرى لا تخلو من ضعف، لكنها تصلح في التقوية، وله شواهد أيضا تقويه.

(2)

إسناده منقطع: أخرجه أبو داود (641)، وغيره من حديث عائشة مرفوعًا، ولكنه أُعل بالانقطاع، رجح ذلك الدارقطني في علله (3780)، وهناك رواية عند أبي داود عقب (641) لكنها من مراسيل الحسن البصري، ومراسيلة لا تصلح في التقوية.

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 255)، والتأسيس (277)، والمهذب (4/ 1541).

(4)

أخرجه مسلم (1513)، وغيره من حديث أبي هريرة.

ص: 122

فهل يشمل كل غرر؟

ونهيه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة

(1)

، ونهيه عن جَلد الحدِّ في المسجد

(2)

، فهل يشمل جميع الحدود في جميع المساجد؟

وقد اختلف أهل العلم في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: لا يعتبر بعموم اللفظ، وعزاه الآمدي لأكثر الأصوليين وحجتهم وجود الاحتمال: أن يكون الراوي سمع حكمًا خاصًّا فظنه عامًّا، أو سمع صيغة ظنها عامَّة وليست عامَّة.

وإذا تعارضت الاحتمالات لم يثبت العموم لا سيما ولا مرجح لأحدهما على الآخر، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

المذهب الثاني: يعتبر عموم اللفظ، فيحكم به في كل قضية مماثلة، وهو الصواب؛ وذلك للأدلة الآتية:

1 -

إطباق الأمة على عدالة الصحابة وضبطهم، فهم أعدل الناس،

(1)

أخرجه البخاري (2171)، ومسلم (1542) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(2)

حسن لشواهده: أخرجه ابن ماجه (2599)، والترمذي (1401)، وغيرهما من حديث ابن عباس مرفوعًا، وفيه ضعف، وله شواهد كثيرة لا تخلو جميعها إما من ضعف خفيف أو ضعف شديد، فيتقوى بمجموع هذه الشواهد.

ص: 123

وأضبط الناس، فلا ينقل الخاص بلفظ العام، ولا المقيد بلفظ المطلق، وبتقدير أن لا يكون قاطعًا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرًا.

2 -

قصر فعل النبي صلى الله عليه وسلم على حالة معينة يؤدي إلى ترك كل عموم ورد في السنة بدعوى الشك في إحالة الصحابة للألفاظ.

3 -

احتجاج الصحابة بالعمومات من أفعاله صلى الله عليه وسلم.

ومثال ذلك: رجوع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة، قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا. حتى زعم رافع بن خديج أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة

(1)

.

وكذلك أخذوا بقول الصحابي جابر بن عبد الله: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح

(2)

. وغير ذلك من الأمثلة وهي كثيرة.

فكانوا يستدلون بتلك الألفاظ دون نكير من أحد، فصار هذا إجماعًا منهم على الاحتجاج بمثل ذلك في عموم الصور، وعلى العمل بها.

(1)

أخرجه البخاري (2344)، ومسلم (1547) من حديث ابن عمر به.

(2)

أخرجه مسلم (1554 [17)] من حديث جابر به.

ص: 124

ولا يخفى ضعف مأخذ أصحاب المذهب الأول، وذلك للآتي:

1 -

أنهم استدلوا بوجود الاحتمالات التي لا مرجح لأحدها على الآخر، وهذه الاحتمالات كلها ضعيفة.

2 -

استدلالهم بقاعدة: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.

ومعلوم أنَّ الدليل لا يسقط بمجرد تطرق الاحتمال إليه، إنما المقصود بذلك الاحتمال القوي الذي احتفت به القرائن، لا بأي احتمال؛ لأنه ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، ولو فتح باب الاحتمال لم يبق شيء من الأدلة إلا وسقط الاستدلال به بدعوى تطرق الاحتمال إليه

(1)

.

• تنبيهات:

1 -

الاحتمال المعتبر يُسقط الاستدلال لا الدليل.

2 -

سقوط الاستدلال لا يعني قيام الاحتمال مكانه.

(1)

من أصول الفقه على منهج أهل الحديث (ص 35) لزكريا بن غلام قادر الباكستانى.

ص: 125

•‌

‌ أقسام العام:

1 -

عام باقٍ على عمومه:

وهو عام دلالته على العموم قطعية، بأن يقوم الدليل على انتفاء احتمال دخول التخصيص عليه

(1)

، وهو ما ليس له تخصيص، وهذا القسم يبطل لنا قاعدة عند بعض الأصوليين التي تقول: ما من عام إلا وخص. فليس كل عام يخصص؛ لأنه يوجد عام باقي على عمومه، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، فلفظ العموم: كلمة (أمهاتكم)، وصيغته: جمع معرف بالإضافة. وليس لها تخصيص، فهذا الحكم لا يخص، فكل الأمهات سواء كانت من نسب، أو رضاعة، أو أمهات المؤمنين كلها محرمة، ولا تخصيص لإحداهن.

قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، العموم هنا كلمة (دابة)، وصيغته: نكرة في سياق النفى. وكذلك كلمة (رزقها)، وصيغته: مفرد معرف بالإضافة. ولا يوجد تخصيص.

(1)

الوجيز للدكتور عبد الكريم زيدان (254) ط الرسالة.

ص: 126

2 -

العام الوارد على سبب خاص:

وهذه المسألة لها ثلاث صور:

1 -

أن ينزل الحكم العام على سبب خاص، وهناك دليل على أنه يخصص: فهذا يخصص إجماعًا، نحو قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} [الأحزاب: 50]، فالآية الحكم بها عام؛ لأنَّ أى حكم للنبي صلى الله عليه وسلم هو حكم عام لكل الأمة، لكن اقترن معه قرينة تدل على الخصوص، وهي قوله تعالى:{إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50].

2 -

وقد يكون الحكم عامًّا، وينزل على سبب خاص، وتوجد قرينة تدل على أنه للعموم؛ فهذا يعم إجماعًا، كقول الله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فلفظ العموم «وَالسَّارقُ» ، صيغة العموم "ال" الموصولة، إذن فكل سارق وكل سارقة تقطع يده

(1)

.

قيل: إنَّ سبب نزول الآية: هى المرأة المخزومية التى سرقت،

(1)

قال ابن كثير: وقد روى ابن جرير، وابن أبى حاتم، من طريق عبد المؤمن بن نجدة الحنفى قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَالسَّارقُ وَالسَّارقَةُ} أخاص أم عام؟ فقال: بل عام.

ص: 127

والتى شفع فيها أسامة بن زيد رضي الله عنهما، فعن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُم شَأنُ المَرأَة المَخزُوميَّة الَّتى سَرَقَت، فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فيهَا رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجتَرئُ عَلَيه إلَّا أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، حبُّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:«أَتَشفَعُ في حَدٍّ من حُدُود اللَّه؟» ، ثُمَّ قَامَ فَاختَطَبَ، ثُمَّ قَالَ:«إنَّمَا أَهلَكَ الَّذينَ قَبلَكُم أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فيهمُ الضَّعيفُ أَقَامُوا عَلَيه الحَدَّ، وَأيمُ اللَّه لَو أَنَّ فَاطمَةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَهَا»

(1)

، فالقرينة التي تدل على العموم هو لفظ (السارق)، لعدم تعلقه بسبب النزول.

وقيل: إنَّ سبب النزول: هو الرجل الذى سرق رداء صفوان رضي الله عنه، فعن صَفوَانَ بنَ أُمَيَّةَ أنه قَدمَ المَدينَةَ، فَنَامَ في المَسجد وَتَوَسَّدَ ردَاءَهُ، فَجَاءَ سَارقٌ وَأَخَذَ ردَاءَهُ، فَأَخَذَهُ صَفوَانُ، فَجَاءَ به إلَى رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَ أَنْ تُقطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفوَانُ: إنِّى لَم أُرِد هَذَا، هُو عَلَيه صَدَقَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:«فَهَلا قبل أَنْ تَأتيني به»

(2)

.

والدليل عند من قال هذا القول: لفظ (السارقة).

قال الشيخ الشنقيطي: وَقَالَ القُرطُبىُّ في تَفسير هَذه الآيَة الكَريمَة:

(1)

أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688) من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

صحيح لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (4394)، وابن ماجه (2595)، وغيرهما من حديث صفوان به، وفي أسانيده إما ضعف أو اختلاف، ولكن للحديث طرق وشواهد يقوي بعضها بعضا.

ص: 128

وَقَدْ قُطعَ السَّارقُ في الجَاهليَّة، وَأَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بقَطعه في الجَاهليَّة الوَليدُ بنُ المُغيرَة، فَأَمَرَ اللَّهُ بقَطعه في الإسلَام، فَكَانَ أَوَّلُ سَارقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الإسلَام منَ الرّجَال الخيَارَ بنَ عَدىّ بن نَوفَل بن عَبد مُنَافٍ، وَمنَ النّسَاء مُرَّةَ بنتَ سُفيَانَ بن عَبد الأَسَد مَنْ بَني مَخزُومٍ.

وقال: مَا ذَكَرَهُ القُرطُبىُّ رحمه الله من أَنَّ المَخزُوميَّةَ الَّتي سَرَقَت فَقَطَعَ النَّبىُّ صلى الله عليه وسلم يَدَهَا أَوَّلًا هىَ مُرَّةُ بنتُ سُفيَانَ خلَافَ التَّحقيق، وَالتَّحقيقُ أَنَّهَا فَاطمَةُ بنتُ الأَسوَد بن عَبد الأَسَد بن عَبد اللَّه بن عَمرو بن مَخزُومٍ، وَهىَ بنتُ أَخى أَبى سَلَمَةَ بن عَبد الأَسَد الصَّحَابىّ الجَليل، الَّذي كَانَ زَوجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبلَ النَّبى صلى الله عليه وسلم، قُتلَ أَبُوهَا كَافرًا يَومَ بَدرٍ، قَتَلَهُ حَمزَةُ بنُ عَبد المُطَّلب رضي الله عنه، وَقَطعُ النَّبى صلى الله عليه وسلم يَدَهَا وَقَعَ في غَزوَة الفَتح، وَأَمَّا سَرقَةُ أُمّ عَمرو بنت سُفيَانَ بن عَبد الأَسَد ابنَة عَمّ المَذكُورَة، وَقَطعُ النَّبى صلى الله عليه وسلم يَدَهَا فى حَجَّة الوَدَاع، بَعدَ قصَّة الأُولَى بأَكثَرَ من سَنَتَين

(1)

.

3 -

إذا جاء اللفظ عامًّا واردًا على سبب خاص، وليس هناك دليل يدل على العموم أو الخصوص، فهل العبرة بعموم اللفظ فيكون الحكم عامًّا تبعًا للفظ، أم يقصر الحكم على السبب؟.

(1)

أضواء البيان (3/ 34).

ص: 129

* اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

• القول الأول: أنَّ العبرة بخصوص السبب، وهو قول مالك - ونقل عنه موافقة الجمهور، والقول بعموم اللفظ -، والمزني، والقفال

(1)

، وأبي ثور، وأبي بكر الدقاق

(2)

.

واستدلوا بأدلة فيها نظر، منها:

1 -

تأخير البيان إلى وقوع تلك الواقعة، أو سؤال السائل؛ دل على أنَّ المقصود إنما هو حكم السبب، فوجب الاقتصار عليه.

وأجيب: بأنَّ الله تبارك وتعالى يُنزل ما يشاء وقتما شاء كيفما شاء

(3)

، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، ولعل ذلك لحكمة استأثر الله تبارك وتعالى بها.

كما أنَّ البيان إذا كان له مقتضى وسبب، فإنه يكون أكثر تأثيرًا في النفوس نظرًا لانتظارها له، ولحاجتها الماسة إليه.

2 -

القول بعموم اللفظ مع وجود السبب يُجوِّز اخراج السبب عن العموم كغيره من الصور الداخلة تحت العموم، وهو خلاف

(1)

القواطع (1/ 194).

(2)

اللمع (1/ 38).

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 240) وما بعدها بتصرف.

ص: 130

الإجماع

(1)

.

وأجيب: بأنَّ صورة السبب قطعية الدخول في العام، ولا يجوز إخراجها منه، فهي نص في سببه، ظاهر فيما زاد عليه، وذلك لاستحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما أنَّ إخراج صورة السبب منافٍ للبلاغة والحكمة والعرف، ولم يقل به غير أبي حنيفة في بعض المسائل، كإخراجه للأمة المستفرشة عن عموم قوله صلى الله عليه وسلم:«الولد للفراش»

(2)

، ولم يلحق ولدها بمولاها، ولعله لم يطلع على سبب ورود الخبر

(3)

.

كذلك يمكن القول: بأنَّ إخراج صورة السبب عن العموم، بحجة أنها فرد من أفراد العموم، فتقاس على بقية أفراده، هو قياس مع الفارق؛ لأنه قياس لما هو داخل في العموم قطعًا على ما هو داخل فيه ظنًّا، فلا يستقيم القياس.

3 -

نقل الراوي للسبب يدل على أنه له تأثير في الحكم.

وأجيب: بأنَّ نقل الراوي للسبب لا يدل على اختصاص الحكم به،

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 240) وما بعدها بتصرف.

(2)

أخرجه البخاري (6817)، ومسلم (1457) من حديث عائشة مرفوعًا.

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 441)، واللمع (1/ 38)، وأضواء البيان (8/ 553)، والبحر المحيط (4/ 293) بتصرف كبير.

ص: 131

وإنما يدل على امتناع إخراجه عن العموم، ومعرفة أسباب التنزيل، ومعرفة سير الصحابة، وغير ذلك

(1)

.

4 -

لو قال القائل لغيره: تغدى عندي. فقال: لا والله لا تغديت. فإنه وإن كان جوابًا عامًّا، فمقصور على سببه، حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره، فدل ذلك على أنَّ السبب يقتضي التخصيص.

وأجيب: بأنَّ هناك قرينة تدل على عدم إرادة العموم، وهي النية، والعرف

(2)

.

5 -

الأصل مطابقة الجواب للسؤال، فلو كان الجواب عامًّا لم يكن مطابقًا للسؤال، والزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض السائل

(3)

.

وأجيب: أننا لا نسلم بهذا الأصل، فليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب، نعم من شرطه أن لا يقصر عن السبب، أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب، فإنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال، لا من حيث العادة، ولا من حيث الشريعة، ألا ترى أنَّ الله تعالى سأل موسى عليه السلام عما في يمينه، فقال: {وَمَا تِلْكَ

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 441).

(2)

المصدر السابق.

(3)

المصدر السابق.

ص: 132

بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17)} [طه: 17]، فأجاب موسى:{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18]، فأجاب وزاد، فثبت أنَّ السؤال عن شيء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه

(1)

.

وكما ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يزيد عن الجواب أحيانًا، فلما سُئل عن التوضأ بماء البحر قال:«هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»

(2)

، فتعرض لحلِّ الميتة ولم يكن مسؤولًا عنها، وأحيانًا كان يحيد عن الجواب كما في الرجل الذي سأله:(متى الساعة؟)، فقال له:«ماذا أعددت لها؟»

(3)

، ولما سئل عن الحج:(أكل عام؟)

(4)

سكت ولم يجب.

فدلت هذه الأمثلة وغيرها على أنَّ القول بلزوم مطابقة الجواب للسؤال قول بعيد.

• القول الثاني: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الراجح؛ وذلك للأدلة الآتية:

1 -

لو عُرِّيَ اللفظ العام الوارد عن السبب -فتم حذف السبب-

(1)

قواطع الأدلة (1/ 196).

(2)

إسناده صحيح: أخرجه مالك في (الموطأ)(12)، ومن طريقه أبو داود (83)، وابن ماجه (386)، وغيرهما، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (3688)، ومسلم (2639) من حديث أنس مرفوعًا.

(4)

أخرجه مسلم (1337) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 133

كان اللفظ عامًّا، وليس ذلك إلا لاقتضائه العموم بلفظه، لا لعدم السبب، فإنَّ عدم السبب لا مدخل له في الدلالات اللفظية، ووجود السبب لا يسلب اللفظ عن عمومه

(1)

.

2 -

أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة المجن، أو رداء صفوان، أو غير ذلك، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية إلى غير ذلك.

والصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير، فدل على أنَّ السبب غير مسقط للعموم

(2)

.

3 -

لو قالت امرأة لزوجها: طلقنى. فقال: نساؤه طوالق، أو كل امرأة له طالق. فيقع الطلاق على الجميع؛ وهذا لأنَّ الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة، فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه، فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل

(3)

.

4 -

ما رواه الشيخان، عن ابن مسعود في سبب نزول الآية: {إِنَّ

(1)

الإحكام للآمدي بتصرف يسير (2/ 239).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 240).

(3)

قواطع الأدلة (1/ 96).

ص: 134

الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] أنَّ رجلًا من الأنصار قبَّل امرأة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت الآية

(1)

.

فهذا الذي أصاب القُبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:«ألي هذه؟» ، والمعنى: هل النص خاص بي؛ لأني سبب وروده، أو هو على عموم لفظه؟

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لجميع أمتي كلهم» معناه: أنَّ العبرة بعموم لفظ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] لا بخصوص السبب

(2)

.

5 -

لما طرق النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة رضي الله عنهما ليلة، فقال:«أَلَا تُصَلّيَان» فقال عليٌّ: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب فخذه، ويقول:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54]

(3)

.

ووجه الاستدلال: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعل عليًّا داخلًا في الآية، وإن كان سبب نزول الآية الكفار، قال القرطبي:{وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54]: أي جدالًا ومجادلة، والمراد النضر بن الحرث وجداله

(1)

أخرجه البخاري (526)، ومسلم (2763) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.

(2)

أضواء البيان (2/ 360).

(3)

أخرجه البخاري (1127)، ومسلم (775) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا.

ص: 135

في القرآن، وقيل: الآية في أبي بن خلف، والدليل على أنه أراد الكافر قوله:{وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ} [الكهف: 56]

(1)

.

6 -

أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقصر الحكم على مُعَيَّن بيَّن ذلك، فمتى لم يبيِّن ذلك (يعني لم يقصر الحكم) دلَّ ذلك على تعميم الحكم على الجميع.

ومثال ذلك: ما رواه البخاري ومسلم، من حديث البراء، أنَّ خاله أبا بردة ضحى قبل الصلاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«شاتك شاة لحم» ، فقال: يا رسول الله، إنَّ عندي داجنًا جذعة من المعز، قال:«اذبحها، ولن تصلح لغيرك»

(2)

.

7 -

ما رواه الشيخان، من حديث عبد الله بن مغفل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة رضي الله عنه، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة، حُملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال:«ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى -أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى- تجد شاة؟» ، فقلت: لا. فقال: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم

(1)

تفسير القرطبي (11/ 5).

(2)

أخرجه البخاري (5556)، ومسلم (1961) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا، والتأسيس (273 - 274).

ص: 136

ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع»

(1)

.

فالآية: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] نزلت في كعب بن عجرة، ومع ذلك فإنَّ حكمها عام

(2)

.

8 -

ما رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته»

(3)

.

ووجه الدلالة واضح بَيِّن: وهو أنَّ التحريم إن نزل بسبب سؤال سائل إلا أنه يعم جميع المسلمين.

فالتفت إلى عموم اللفظ والحكم، ولم يلتفت إلى خصوص السبب.

(1)

أخرجه البخاري (1816)، ومسلم (1201) من حديث كعب بن عجرة مرفوعًا.

(2)

التأسيس (273).

(3)

أخرجه البخاري (7289)، ومسلم (2358) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا.

ص: 137

•‌

‌ ثانيًا: الخاص

وقبل الكلام في هذا البحث إليك بعض المقدمات:

1 -

اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان، من الأخبار والأمر وغيره، خلافًا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيصه الخبر

(1)

.

2 -

كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول، كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة:«اذبحها ولن تصلح لغيرك»

(2)

، فلا يتصور تخصيصه؛ لأنَّ التخصيص على ما عرف: صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص، وما لا عموم له لا يتصور فيه هذا الصرف

(3)

.

• تعريف الخاص:

لغة: ضد العام.

واصطلاحًا:

1 -

اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد، كأسماء الأعلام، والإشارة، والعدد.

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 282)

(2)

أخرجه البخاري (5556)، ومسلم (1961) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 282).

ص: 138

2 -

وقيل: قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك

(1)

.

قلت: أما التعريف الأول فيحسن أن يقال: ليس هذا هو المراد في باب الخاص، وذلك لأنه يدخل العدد في قسم الخاص؛ لأنه يصح الاستثناء منه، فيقال: علي عشرة إلا ثلاثة. ومعلوم أنَّ الاستثناء معيار العموم.

والجواب: أنَّ معيار العموم صحة الاستثناء من غير عدد

(2)

.

والمعنى: أنه ليس كل مستثنى منه عام، ولكن كل عام يقبل الاستثناء

(3)

.

وكذلك: فإنَّ العام أحيانًا يكون بعد قصره وتخصيصه عامًّا أيضًا من وجه آخر، فلا يدل على محصور، كقوله تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] يشمل كل إنسان كافر أو مسلم، ثم جاء التخصيص:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]، فالذين آمنوا عامٌّ من ناحية أفراده المؤمنين، فلا يدل على محصور ابتداءً إلا من جهة العام الأول (الإنسان).

(1)

الإعلام (189)، وتشنيف المسامع (2/ 715).

(2)

التحبير (5/ 2367).

(3)

تشنيف المسامع (2/ 14).

ص: 139

ولتحرير التعريف يمكن وضع بعض الضوابط:

1 -

لابد من التفريق بين ما كان خاصًّا ابتداءً، وما كان عامًّا ثم صار خاصًّا بدليل

(1)

.

فما كان خاصًّا ابتداءً يحمل عليه التعريف الأول.

وما كان عامًّا ثم صار خاصًّا يحمل عليه التعريف الثاني.

2 -

أنَّ العام والخاص نسبي، فقد يكون اللفظ خاصًّا بالنسبة إلى غيره ممن هو من غير جنسه، عامًّا في جنسه بالنسبة لما تحته من أفراد، كالإنسان بالنسبة للحيوان خاص، وبالنسبة لما تحته من أفراد عام

(2)

.

(1)

التحبير بتصرف يسير (6/ 2509).

(2)

مستفاد من التحبير (5/ 2319).

ص: 140

• شرح التعريف:

قوله: قصر. أبلغ من قوله: إخراج. فكل إخراج قصر، وليس العكس، فبهذا يدخل العام الذي أريد به الخصوص؛ لأنَّ أفراد العام غير مرادة ابتداءً.

مثال: قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران: 39]، والمقصود جبريل، فهنا لم يتم إخراج جميع الملائكة، وإبقاء جبريل؛ لأنَّ أفراد الملائكة لم تدخل في اللفظ ابتداءً

(1)

.

قوله: العام. أبلغ من قوله: اللفظ العام. ليشمل ما عمومه معنوي كالمفهوم، والمقتضي، وغير ذلك، فإنه يدخله التخصيص وليس بلفظ

(2)

.

مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» ، فخص بعض أهل العلم النهي بالفضاء دون البنيان، مع أنَّ الحديث ليس فيه لفظ البنيان أو الصحراء، ولكنه عموم مفهوم وليس منطوقًا.

ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين

(1)

تشنيف المسامع (2/ 716) بتصرف كبير وزيادة.

(2)

تشنيف المسامع (2/ 715) بتصرف يسير.

ص: 141

المساجد»

(1)

.

وبمفهوم المخالفة من لم يأكل فليأت، وهذا المفهوم مخصوص بأصحاب الأعذار، والصبيان، والنساء، وغير ذلك.

*‌

‌ شروط التخصيص:

1 -

لابد أن يخالف الخاص العام: مثل قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 2، 3].

فالحكم عامٌّ يشمل كل إنسان ألا وهو الخسران، ثم خرج من هذا العموم الذين آمنوا بدليل آخر، فلا بد في التخصيص أن يخالف حكم الخاص حكم العام.

مثال آخر: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، فالعموم:(أولادكم) أى: جميع أولادكم كفارًا كانوا أو مسلمين، والدليل الخاص في قوله صلى الله عليه وسلم:«لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم»

(2)

، فالابن الكافر في العموم يرث، وفى

(1)

أخرجه البخاري (853)، ومسلم (561 [68])، واللفظ له، من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (6764)، ومسلم (1614) من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا.

ص: 142

الخصوص لا يرث، إذن التخصيص صحيح، فالمعنى: يوصيكم الله في أولادكم المسلمين، وخرج الابن الكافر.

مثال آخر: قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، مع قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]، في الآية الأولى الحكم العام أنَّ كل مطلقة تتربص بنفسها ثلاثة قروء، والحكم في الآية الثانية أنَّ المطلقة قبل الدخول ليس لها عدة، فهنا الحكم الخاص الخارج خالف الحكم العام فصح التخصيص.

مثال لعدم تحقق الشرط: أدلة اجتماع الصلاة والطعام: عن عائشة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال:«إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء»

(1)

، وعن أنس بن مالك قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: «إذا قدم العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم»

(2)

.

فإذا نظرت إلى الأدلة تجد دليلًا يذكر الصلاة، ودليل يذكر لفظ المغرب، فهل يصح التخصيص بدليل المغرب، وتكون المسألة خاصة بالمغرب فقط؟

(1)

أخرجه البخاري (671) من حديث عائشة مرفوعًا، ومسلم (557) من حديث أنس مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (672)، ومسلم (557) من حديث أنس مرفوعًا.

ص: 143

ننظر إلى الأدلة، فقوله صلى الله عليه وسلم:«وأقيمت الصلاة» يشمل المغرب والعشاء، فحكم صلاة المغرب في الدليل العام إذا اجتمع مع الطعام يقدم الطعام، وصلاة المغرب في الدليل الخاص إذا اجتمعت مع الطعام يقدم الطعام، فالحكم في الدليل العام يوافق الحكم في الدليل الخاص، إذن التخصيص لا يصح.

2 -

أن يأتى الخاص قبل العمل بالعام:

لأنَّ التخصيص بيان، فلا يتأخر عن وقت العمل والحاجة، أما إذا تأخر التخصيص حتى عمل بالعام صار من باب النسخ لا من باب التخصيص؛ لأنَّ التخصيص بيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

*‌

‌ أنواع المخصص:

1 -

المتصل: ما لا يستقل بنفسه، أي يكون ملازمًا للفظ العام.

مثل قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3].

2 -

المنفصل: ما يستقل بنفسه، أي لا يكون ملازمًا للفظ العام.

مثل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، مع قول النبى صلى الله عليه وسلم:«لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم» .

ص: 144

•‌

‌ أنواع التخصيص المتصل:

*‌

‌ أولًا: الاستثناء:

• تعريف الاستثناء:

لغة: هو الثني، وهو رد الشيء إلى بعضه، كثني الحبل.

واصطلاحًا: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها

(1)

.

قوله: بإلا أو إحدى أخواتها. خرج به ما يقوم مقام الاستثناء، مثل قول القائل: رأيت أهل البلد ولم أر زيدًا، فهذا قائم مقام الاستثناء في إخراج بعض ألفاظ العام وليس استثناءً

(2)

.

وإلا حرف، وأخواتها: منها أربعة أسماء، وهي: غير، سوى، سوى، سواء. ومنها فعلان: ليس، لا يكون. وثلاثة تُستخدم أفعال استثناء أو حروف استثناء، وهي: حاشا، خلا، عدا.

ففى قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 2، 3]، اللفظ العام (الإنسان)، وصيغة العموم المفرد المعرف ب (ال) الاستغراقية، واللفظ الخاص (إلا الذين آمنوا)، والباقى من العموم (إنَّ الكافر لفى خسر)،

(1)

الأصول من علم الأصول (1/ 38).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 286) بتصرف يسير.

ص: 145

ونوع التخصيص (متصل مستثنى بإلا).

*‌

‌ الأحكام المتعلقة بالمستثنى:

1 -

اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا:

أركان الاستثناء ثلاثة، وهي: المستثنى، والمستثنى منه، وأداة الاستثناء، ولا بد أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا.

فإن فُصل بينهما بفاصل كان الاستثناء باطلًا، فلو قلت: جاء الناس إلا محمدًا. فهذا استثناء صحيح، أما لو قلت: جاء الناس. وبعد زمن قلت: إلا محمدًا. فهذا الاستثناء انفصل فيه المستثنى عن المستثنى منه؛ فبطل الاستثناء ولم يصح، وبطلان الاستثناء يبطل المستثنى فقط

(1)

.

• وحجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه:

أولًا: أنه لو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا لأرشد الشرع إليه.

مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل»

(2)

، ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا؛ لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليه، لأنه أيسر وأسهل من التكفير، والنبي صلى الله عليه وسلم يقصد

(1)

الإعلام في أصول الأحكام (192، 191).

(2)

أخرجه مسلم (1650) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 146

التيسير

(1)

.

ومثل قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: 44]، ولوكان الاستثناء المنفصل جائزًا؛ لأمر الله تعالى أيوب به

(2)

، ومعلوم أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا.

ثانيًا: أنَّ أهل اللغة لا يعدون ذلك كلامًا منتظمًا، ولا معدودًا من كلام العرب، ولذلك فإنه لو قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم. ثم قال بعد شهر أو يوم: إلا درهمًا. فإنه لا يعد استثناءً، ولا كلامًا صحيحًا

(3)

.

ثالثًا: لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل؛ لَمَا عُلمَ صدق صادق، ولا كذب كاذب

(4)

.

قال الشنقيطي: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنَّ الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأنَّ الاستثناء المتأخر لا أثر له، ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين، ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى، ويحكى عن المنصور أنه بلغه أنَّ أبا حنيفة -

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 289) بتصرف.

(2)

أضواء البيان (3/ 255) بتصرف.

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 289) مختصرًا.

(4)

الإحكام للآمدي (2/ 290).

ص: 147

رحمه الله يخالف مذهب ابن عباس المذكور، فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه

(1)

.

واستدل القائلون بصحة الاستثناء المنفصل بأدلة منها:

1 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «والله لأغزون قريشًا، ثم سكت، ثم قال بعده: إن شاء الله»

(2)

، ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لَمَا فعله النبي صلى الله عليه وسلم

(3)

.

والجواب: إن صح الخبر، فإنه يحمل على أنه سكوت يسير لا يخل بالاتصال الحكمي

(4)

.

ومعنى الاتصال الحكمى: أنَّ الاسثناء تأخر لعذر عن المستثنى منه، مثل قَول رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَومَ فَتح مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَات وَالأَرضَ، فَهُو حَرَامٌ بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، وَإنَّهُ لَم يَحلَّ القتَالُ فيه لأَحَدٍ قَبلى، وَلَم يَحلَّ لى إلا سَاعَةً من نَهَارٍ، فَهُو حَرَامٌ

(1)

أضواء البيان (3/ 255).

(2)

مرسل: أخرجه أبو داود (3286)، وغيره من طريق سماك عن عكرمة مرسلًا، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، وقد أشار أبو حاتم إلى ترجيح الإرسال، العلل (1322).

(3)

الإحكام للآمدي (1/ 290).

(4)

الإحكام للآمدي (1/ 290).

ص: 148

بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، لا يُعضَدُ شَوكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيدُهُ، وَلا يلتَقطُ لُقطَته إلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُختَلَى خَلاهُ»، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إلا الإذخرَ فَإنَّهُ لقَينهم وَبُيُوتهم، فَقَالَ:«إلَّا الإذخرَ»

(1)

، فالنبي هنا حرم قطع شجر الحرم ونباته، ثم تكلم العباس رضي الله عنه، ثم قال النبي:«إلَّا الإذخرَ» ، فصار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه اتصالًا حكميًّا.

مثل قوله صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجل يسأله، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال صلى الله عليه وسلم:«نعم، إلا الدَّين كذلك قال لي جبريل»

(2)

.

2 -

لما سئل صلى الله عليه وسلم عن عدة أهل الكهف، وعن مدة لبثهم فيه فقال:«غدًا أجيبكم» ، ولم يقل: إن شاء الله. فتأخر عنه الوحي مدة بضعة عشر يومًا، ثم نزل عليه:{مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف: 22] إلى قوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف: 23 - 24]، فقال:«إن شاء الله» بطريق الإلحاق بخبره الأول، ولو لم يكن ذلك صحيحًا لما فعله

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (3189)، ومسلم (1353) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (1885) من حديث أبي قتادة مرفوعًا.

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 290).

ص: 149

ووجه أخذ ذلك من الآية: أنَّ الله تعالى نهى نبيه أن يقول أنه سيفعل شيئًا في المستقبل إلا من استثناه ب"إن شاء الله"، ثم قال:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24]، أي إذا نسيت أن تستثني ب"إن شاء الله" فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب

(1)

.

وأجيب: بأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم ليس عائدًا إلى خبره الأول، بل إلى ذكر ربه إذا نسي، تقديره: أذكُرُ ربي إذا نسيتُ إن شاء الله

(2)

.

3 -

أنَّ ابن عباس وهو ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة الاستثناء المنفصل، وذلك يدل على صحته

(3)

.

والجواب عن هذا من وجوه:

الأول: أنَّ الروايات الواردة عن ابن عباس في هذا الصدد لا تخلو من مقال، ولعل الصحيح منها ما أخرجه الطحاوي

(4)

، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في حديث أصحاب الكهف: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا

(1)

أضواء البيان (3/ 255).

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 290).

(3)

الإحكام للآمدي (2/ 290).

(4)

إسناده صحيح: أخرجه الطحاوي (شرح مشكل الآثار)(5/ 182).

ص: 150

نَسِيتَ} [الكهف: 24].

قال ابن عباس: إذا قلت شيئًا فلم تقل: إن شاء الله. فقل إذا ذكرت: إن شاء الله.

الثاني: أنَّ الاستثناء ليس عائدًا إلى قوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ} [الكهف: 23]، إنما يعود إلى قوله جل ذكره:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24]: يعني إذا نسيت ذكر الله، وليس المقصود إذا نسيت الاستثناء كما تقدم قريبًا.

الثالث: قد يكون مراد ابن عباس الخروج من عهدة الإثم بتركه، لا أنه يحل اليمين؛ لأنها تداركها قد فات بالانفصال، هذا مراد ابن عباس كما جزم به الطبري وغيره، وهذا لا محذور ولا إشكال فيه

(1)

.

الرابع: أنه نوى الاستثناء بقلبه مع اعتقاده صحة إضماره، ثم أظهر بعد ذلك الاستثناء الذي نواه وقت اليمين.

قال الغزالي رحمه الله: ونقل عن ابن عباس أنه جوَّز تأخير الاستثناء، ولعله لا يصح عنه النقل؛ إذ لا يليق ذلك بمنصبه، وإن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولًا ثم أظهر نيته بعد، فيدين بينه وبين

(1)

أضواء البيان (3/ 256).

ص: 151

الله فيما نواه

(1)

.

• ثانيًا: الاستثناء من غير الجنس.

اختلف أهل اللغة والفقه في الاستثناء من غير جنس، فمنعه أحمد، و كثير من أصحاب الشافعي، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني

(2)

.

قال الآمدى: اختلف العلماء فى صحة الاستثناء من غير الجنس، فجوزه أصحاب أبى حنيفة، ومالك، والقاضي أبو بكر، وجماعة من المتكلمين والنحاة، ومنع منه الأكثرون

(3)

.

وحجتهم:

1 -

أنَّ الاستثناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ، وذلك غير متحقق.

مثل قول القائل: رأيت الناس إلا الحمر؛ لأنَّ الحمر المستثناه غير داخلة في المستثنى منه حتى يقال بإخراجها، بل الجملة الأولى (رأيت الناس) باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني (الحمر) بالأول أصلًا.

(1)

المستصفى (258).

(2)

قواطع الأدلة (1/ 213 - 214)، أصول ابن مفلح (3/ 888).

(3)

الإحكام للآمدى (2/ 291).

ص: 152

وأجيب: بأنه استدلال بمحل النزاع

(1)

.

2 -

لو قيل بصحة الاستثناء من غير الجنس؛ لصح استثناء كل شيء من كل شيء، فيقال: جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحجاج إلا الحمير.

وهذا مستهجن لغة وعقلًا.

وأجيب: أنَّ الاستقباح لا يمنع صحته في اللغة.

قلت: ولا في الشرع، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء الاستسقاء:«اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت»

(2)

.

وذهب آخرون إلى صحته، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك، كما حكاه عنهم الآمدي، وهو الراجح، وذلك للأدلة الآتية:

1 -

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11]، وإبليس

(1)

الإحكام للآمدي مختصرًا (2/ 292).

(2)

مرسل: أخرجه أبو داود (1176)، وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ابن عمرو مرفوعًا، ولكن حدث خلاف على وصله وإرساله، وقد رجح أبو حاتم الإرسال في العلل (212) عن عمرو بن شعيب (وهو من صغار التابعين)، وله رواية عند ابن أبي شيبة (32431)، وسندها صحيح، لكنها مرسلة أيضا، أرسلها حبيب بن أبي ثابت.

ص: 153

لم يكن من جنس الملائكة؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ ولأنه كان مخلوقًا من نار على ما قال:{خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ} [الأعراف: 12]، والملائكة من نور؛ ولأن إبليس له ذرية، ولا ذرية للملائكة، فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم.

وقد تكلف أقوام في القول بأنَّ إبليس كان من الملائكة من قبيلة كان يقال لها قبيلة الجن، ولا يخفى ما فيه من بعد وغرابة، وصرف للفظ عن ظاهره.

2 -

قوله تعالى: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77] استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها، والباري تعالى ليس من جنس شيء من المخلوقات.

3 -

قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)} [الواقعة: 25 - 26] استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه.

4 -

قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، والتجارة ليست من جنس

ص: 154

الباطل، وقد استثناها منه

(1)

.

قلت: ومثال الاستثناء المنقطع من السنة: ما ذكر في ابتلاء الله نبي الله أيوب عليه السلام، أنَّ أحد أصحابه قال لآخر: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فلما بلغ ذلك أيوب قال: لا أدري ما تقول، غير أنَّ الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق

(2)

.

ووجه الاستدلال: أنَّ نبي الله أيوب استثنى التكفير عن يمين الغير، والذي هو من الورع، وليس من جنس الذنوب في شيء.

وأما الشعر فقول القائل:

وبلد ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس

والعيس ليست من جنس الأنيس، بل هي نوع من الإبل.

وقد تكلف المانعون من صحة الاستثناء المنقطع في الرد على هذه الأدلة بأجوبة فضلت عدم ذكرها لما فيها من التكلف وخشية

(1)

الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (2/ 293 وما بعدها).

(2)

صحيح تفسير ابن كثير للشيخ العدوي (4/ 22) ط دار ابن رجب.

ص: 155

الإطالة

(1)

.

• ثالثًا: الاستثناء المستغرق.

قال الآمدي: اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق، كقوله: له عليَّ عشرة إلا عشرة

(2)

.

قال الغزالي: فلو قال: لفلان عليَّ عشرة إلا عشرة. لزمته العشرة؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه، وكذلك كل منطوق به لا يرفع

(3)

.

والمعنى: أنَّ استثناء الكل من الكل هو بمثابة إلغاء المعنى، فصار أشبه باللغو، ولا فائدة فيه لذا لم يجعلوه معتبرًا.

فلا يصح الاستثناء في هذه الحالة؛ لأنه جمع بين متناقضين، فمثلًا من قال: جاءني القوم إلا القوم. كأنه قال: جاءني القوم ما جاءني القوم. وهو محال

(4)

.

(1)

انظر هذه الردود فى الإحكام للآمدي (2/ 295)، وما بعدها.

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 297).

(3)

المستصفى للغزالي (259).

(4)

التأسيس (288).

ص: 156

• رابعًا: الاستثناء بعد جمل متعاطفة هل يعود للجميع أم لا؟

الكلام في هذا المبحث يكون بشرط ألا تكون هناك قرائن تمنع من عوده على بعض الأفراد

(1)

.

التوضيح:

1 -

قد يأتي دليل يقضي بعودة الاستثناء إلى الجملة الأولى فقط، فيعود إليها قطعًا.

مثال: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249]، فالاستثناء "من اغترف" يعود إلى (منه)، لا إلى (من لم يطعمه)، والمعنى: فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده، وليس المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده

(2)

.

مثال: قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} [الأحزاب: 52]، فاستثناء (ما ملكت يمينك) يعود إلى لفظ (النساء) لا إلى الأزواج؛ لأنَّ الزوجة لا

(1)

التحبير (6/ 2590)، الإعلام (193).

(2)

التحبير (6/ 2587) بتصرف.

ص: 157

تكون ملك يمينه

(1)

.

2 -

ما دلَّ الدليل على عوده على الأخير جزمًا.

مثال: قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92]

(2)

.

فإنَّ الاستثناء يعود للدية فقط، ولا يصلح عوده على الرقبة؛ لأنَّ ولي المقتول لا ملك له في الرقبة حتى يتصدق بها

(3)

.

3 -

ما دلَّ الدليل على عوده إلى الجميع جزمًا.

مثال: قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] إلى قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34].

فإنَّ قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} عائد إلى الجميع بالإجماع، كما قاله ابن السمعاني

(4)

.

فإذا لم يقم دليل على عود الاستثناء إلى جملة بعينها أو عدم عوده،

(1)

التحبير (6/ 2588).

(2)

نفس المصدر.

(3)

الإعلام (194).

(4)

التحبير (6/ 2589)، قواطع الأدلة (1/ 217).

ص: 158

هل يعود للجميع أم لأقرب مذكور؟ هذا هو محل النزاع.

تحرير المسألة:

قال بعض أهل العلم: الاستثناء بعد جمل متعاطفة يرجع للأخير فقط، وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه

(1)

، وهو قول المجد ابن تيمية

(2)

.

ولهذا قال أبوحنيفة: إن شهادة القاذف مردودة ولو تاب، وحمل الاستثناء في قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5] على قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} فقط.

والمعنى: وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، ولا يقال: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا.

لذا عند أبي حنيفة يزول عنه اسم الفسق، ولكن لا تقبل شهادته

(3)

.

واستدل الأحناف على رجوعه للأخير فقط: بأنَّ الاستثناء خلاف

(1)

التحبير (6/ 2592).

(2)

المسودة (156).

(3)

التحبير (6/ 2589) بتصرف.

ص: 159

الأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، فكان الأولى عدم اعتباره لمخالفته للأصل، فاعتبر تصحيحًا للكلام بقدر الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وتزول برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط.

وأما القول برجوعه للجميع فهو قول لا تدعو إليه الضرورة، وهي تصحيح الكلام.

ويجاب عن ذلك: بأنَّ الأحناف قالوا في الشرط أنه يرجع للجمل كلها مع أنه خلاف الأصل

(1)

.

وقال الجمهور: بأنَّ الاستثناء يرجع إلى الجميع، وهو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم

(2)

.

واستدلوا: بأنَّ العطف يقتضي المشاركة، والأصل فيها أن تتحقق بين المعطوف والمعطوف عليه في كل المتعلقات كالحال، والصفة، والشرط، والظرف، والاستثناء، وقد اتفق على مشاركة المعطوف، والمعطوف عليه في هذه المتعلقات ما عدا الاستثناء، فإخراجه -يعني الاستثناء- عن بقية المتعلقات، والقول بأنه يرجع للأخير فقط ترجيح بلا مرجح؛ فيكون باطلًا

(3)

.

(1)

أصول الفقه لأبي النور (2/ 284) ط المكتبة الأزهرية.

(2)

التحبير (6/ 2590).

(3)

أصول الفقه لأبي النور (2/ 283).

ص: 160

ففي المثال السابق في سورة النور جاء الاستثناء بعد جمل ثلاثة هي: فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون.

فقال الشافعي، ومالك، وأحمد: إنَّ الاستثناء راجع إلى الجملة الثانية، والثالثة، ولا يرجع إلى الأولى لقيام الدليل لعدم رجوعه إليها، وهو أنَّ الجلد في الزنا حق للآدمي، وهو المقذوف، وحق الآدمي لا يسقط بالتوبة، ورجوع الاستثناء إلى الثانية والثالثة يقتضي أنَّ الفسق يزول بالتوبة، وأنَّ الشهادة تقبل كذلك بعد توبة القاذف

(1)

؛ لذا قال أحمد رحمه الله في حديث: «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» ، أرجو أن يكون الاستثناء على كله

(2)

.

• خامسًا: لا يلزم أن يكون المستثنى أقل من نصف المستثنى منه، أي يجوز استثناء النصف أو أكثر.

قال بعض أهل العلم: لا يجوز استثناء النصف والأكثر، وحجتهم:

1 -

اللغة: يستقبح أن يقول الرجل: لفلان علي ألف إلا تسعمائة وتسعة وتسعين. والمستقبح في لغة العرب لا يكون من لغتهم

(3)

.

(1)

أصول الفقه لأبي النور (2/ 286).

(2)

المسودة (1/ 156).

(3)

قواطع الأدلة (1/ 212).

ص: 161

والجواب: أنَّ الاستقباح في اللغة -إن صح عنهم-لا يمنع من الصحة، لا سيما وقد ورد في القرآن العظيم كما سيأتي قريبًا (بل وروده في القرآن يدل على صحته وعدم قبحه).

قال الغزالي رحمه الله: إذا قال: عليَّ عشرة إلا تسعة. فلا يلزمه باتفاق الفقهاء إلا درهم، ولا سبب له إلا أنه استثناء صحيح

(1)

.

2 -

القياس: لأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل

(2)

.

والجواب: أنَّ الاستثناء تخصيص، والتخصيص يجري في البعض لا في الكل، وإن كان هذا البعض هو الأكثر.

وهو الراجح؛ وذلك للأدلة الآتية:

1 -

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل: 1 - 4].

وفي الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل

(3)

.

2 -

قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42]، فالمستثنى (الغاوون)، والمستثنى منه (عبادي)

(1)

المستصفى (1/ 259).

(2)

قواطع الأدلة (1/ 212).

(3)

قواطع الأدلة (1/ 212).

ص: 162

والمستثنى أكثر من نصف المستثنى منه؛ لقوله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 89]، ولقوله تعالى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]

(1)

.

3 -

ما ورد في الصحيح من حديث أبي بكر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رب العزة عز وجل:«يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم» ، وقد أطعم سبحانه وتعالى وكسا الأكثر من عباده بلا شك

(2)

.

قال الشوكاني: والحق أنه لا وجه للمنع -يعني منع استثناء الأكثر- لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا من جهة العقل

(3)

.

ملحوظة: يصح أن يكون المستثنى الكل إلا واحدًا، ولكن لا يصح أن يكون المستثنى الكل إلا إذا كان وصفًا، فلو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء. فتبين أنَّ جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئًا، ولو قلت: أعط عشرة إلا عشرة. لم يصح الاستثناء؛ لأنه

(1)

الإعلام (193).

(2)

إرشاد الفحول (1/ 368)، والحديث أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذر مرفوعًا.

(3)

نفس المصدر السابق (إرشاد الفحول)(1/ 368).

ص: 163

عدد وليس وصفًا

(1)

.

تنبيه: قال البعض: يصح استثناء الأكثر إن كان وصفًا، ولا يصح إن كان عددًا.

والجواب عليهم: أنه ليس على هذا التفريق دليل.

*‌

‌ ثانيًا: الشرط.

تعريفه لغة: العلامة.

قال أبو عبيد: ومنه أشراط الساعة أي علاماتها

(2)

.

والمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجودًا أو عدمًا بإن الشرطية أو بإحدى أخواتها مثل: (إذما، ما، من، مهما، متى، أينما، أيان، أي، كيفما، إذا، لو)، وغير ذلك

(3)

.

• أقسام الشرط:

1 -

شرعي، كالطهارة للصلاة، والإحصان بالنسبة للرجم.

2 -

عقلي، كالحياة بالنسبة للعلم، فإنَّ العقل يحكم بانتفاء العلم عند انتفاء الحياة، ولا يحكم بوجود العلم عند وجود الحياة.

(1)

الإعلام (193).

(2)

قواطع الأدلة (2/ 275).

(3)

الأصول لابن عثيمين (1/ 40)، الإعلام (194).

ص: 164

3 -

عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح.

4 -

لغوي، مثل: إن دخل محمد الدار فأكرمه

(1)

.

والمقصود به هنا الشرط اللغوي، كقول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق. فإنَّ دخول الدار ليس شرطًا للطلاق شرعًا، ولا عقلًا، ولكن من الشروط التي وضعها أهل اللغة

(2)

.

• أحكام الشرط:

1 -

الشرط والمشروط قد يتحدان.

نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق. ففي هذه الصورة يتوقف المشروط (الطلاق) على هذا الشرط وحده (دخول الدار).

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد»

(3)

.

وقد يتحد الشرط، ويتعدد المشروط بالواو، كقوله: إن شُفيتُ من مرضي تصدقت بدرهم، وصمت يومًا. وفي هذه الصورة يكون حصول

(1)

أصول الفقه لأبي النور (2/ 288) ط المكتبة الأزهرية.

(2)

بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (2/ 298).

(3)

أخرجه البخاري (853)، ومسلم (561 [68])، واللفظ له، من حديث ابن عمر مرفوعًا.

ص: 165

الشرط مقتضيًا للجمع بين الأمرين.

وقد يتحد الشرط ويتعدد المشروط بأو، مثل: إن شُفيت من مرضي تصدقت بدرهم، أو صمت يومًا، وهنا يكون حصول الشرط مقتضيًا لحصول أحد الأمرين على التخيير.

2 -

وقد يتعدد الشرط بأو، مع اتحاد المشروط كقوله: إن دخلت الدار أو كلمت زيدًا فأنت طالق. وهنا يتوقف حصول المشروط (الطلاق) بحصول أحد الشرطين، فإن كَلَّمت زيدًا أو لم تدخل الدار تُطَلَّق.

ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا

»

(1)

.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»

(2)

.

وقد يتعدد الشرط بالواو مع اتحاد المشروط، كقوله: إن دخلت الدار، وكلمت زيدًا فأنت طالق.

وهنا يتوقف حصول المشروط بحصول الشرطين معًا، فلا تُطَلَّق إلا إذا دخلت الدار، وكلمت زيدًا.

(1)

أخرجه البخاري (5452)، ومسلم (564) من حديث جابر مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (3006) من حديث أبي اليسر مرفوعًا.

ص: 166

ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: «من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها»

(1)

.

فحصول المشروط وهو (الأجر من الله تعالى) يتوقف على حصول الشروط جميعها.

3 -

وقد يتعدد الشرط، ويتعدد المشروط بالواو.

مثل: إن جاءك محمد، وكان مؤدبًا؛ فأعطه مصحفًا ودرهمًا. وهنا حصول الشرط المتعدد.

ومنه قول ابن عمر: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد»

(2)

.

وقد يتعدد الشرط بأو، ويتعدد المشروط بالواو.

مثل: إن ذهب محمد إلى المدرسة، أو ذاكر درسه فأعطه مصحفًا ودرهمًا. وهنا حصول أحد الشرطين يقتضي حصول الشرطين معًا.

(1)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (345)، وابن ماجه (1087)، وغيرهما من حديث أوس بن أوس مرفوعًا.

(2)

إسناده صحيح موقوفا: أخرجه الترمذي (948)، وابن ماجه (2975)، وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ولكن أُعل بالوقف على ابن عمر، أعله الترمذي عقب حديثه، وغيره.

ص: 167

ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»

(1)

.

والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل في ما ذكر كفاية ولله الحمد والمنة

(2)

.

2 -

الشرط مخصص سواء تقدم أو تأخر

(3)

.

قال في (المحصول): ولا نزاع في جواز تقديم الشرط وتأخيره، وإنما النزاع في الأولى

(4)

.

قال الشيرازي: يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ، ويجوز أن يتأخر، كما يجوز في الاستثناء، ولهذا لم يفرق بين قوله: أنت طالق إن دخلت الدار. وبين قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق

(5)

.

مثال الشرط المتقدم: قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]، أى خلوا سبيلهم بشرط إن تابوا،

(1)

أخرجه مسلم (1370) من حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا.

(2)

البحر المحيط (4/ 443)، أصول الفقه لأبي النور (2/ 289) ط المكتبة الأزهرية، بتصرف وزيادة وأمثلة.

(3)

الإعلام (194)، الأصول من علم الأصول (ص 40).

(4)

المحصول للرازى (3/ 63).

(5)

اللمع (ص 41 و 42).

ص: 168

وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة.

فهنا الشرط متقدم، وهو:(تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) العموم قوله: (فَخَلُّوا سَبيلَهُم)، وصيغته مفرد مضاف

(1)

.

مثال الشرط المتأخر: قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33]، فقوله:(فَكَاتبُوهُم) يفهم منه أنَّ المكاتبة عامة، ثم خصصها بقوله:(إن عَلمتُم فيهم خَيرًا)، فهنا الشرط متأخرٌ

(2)

.

3 -

جواب الشرط بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الجميع، وهو قول الأئمة الأربعة وغيرهم

(3)

.

مثل قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]، فالأخوة مشترطة بجميع ما سبق

(4)

.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة

(1)

الإعلام (194)

(2)

الإعلام (194).

(3)

التحبير (6/ 2623).

(4)

الإعلام (194).

ص: 169

يدخل من أيها شاء»

(1)

.

ففتح أبواب الجنة في الحديث مشروط بجميع ما سبق.

4 -

جواب الشرط قبل جمل متعاطفة يكون للجميع، نحو: أَكرم زيدًا إن أسلم، وأقام الصلاة. فلا يتحقق الإكرام إلا بوجود الأمرين

(2)

.

*‌

‌ ثالثًا: الصفة.

تعريفها: لغة: النعت.

اصطلاحًا: هى الوصف الذى يقصر العام على بعض أفراده، سواء كان نعتًا، أو بدلًا، أو حالًا.

مثال النعت: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، صيغة العموم (فتياتكم)، وخص بالصفة (المؤمنات).

مثال البدل: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، اللفظ العام (الناس)، ثم قال (مَنْ استَطَاعَ)

(1)

الإعلام (194)، والحديث أخرجه مسلم (234)، وغيره من حديث عقبة بن عامر، ولكن بدون زيادة:«اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» ، فقد ضعفها الترمذي في سننه عقب (55)، وغيره.

(2)

الإعلام (194).

ص: 170

جاء بوصف يخص فئة معينة، وهى الفئة المستطيعة، فهنا التخصيص بالوصف أيضًا، ولكن صورته البدل.

مثال الحال: قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93]، اللفظ العام (من)، صيغة العموم اسم شرط، و (متعمدًا) الحال، فهنا التخصيص بوصف وصورته الحال.

فهذا بالنسبة للمخصص المتصل، فمنه الاستثناء، ومنه الشرط، ومنه الصفة.

*‌

‌ رابعًا: الغاية.

الغاية في اللغة هي: طرف الشيء، ومنتهاه، وأقصاه

(1)

.

اصطلاحًا: هي أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من أحرف الغاية مثل: اللام، حتى، إلى

(2)

.

الغاية تخصص العموم كما يخصص بالشرط.

مثل قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

(1)

المهذب (4/ 1633).

(2)

المهذب (4/ 1663).

ص: 171

الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

فجعل إعطاء الجزية غاية في قتالهم قبلها، والكف عنهم بعدها، فصارت الغاية شرطًا مخصِّصًا

(1)

.

مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد»

(2)

، زاد في رواية:«حتى يذهب ريحها»

(3)

.

فجعل المنع من إتيان المسجد عند أكل الثوم مخصوص بغاية، وهي ذهاب رائحته.

• شروط التخصيص بالغاية:

1 -

أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها؛ لأنَّ ما بعدها لو لم يكن مخالفًا لما قبلها لم تكن غاية، قال الله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة 187]، فليس شاء من الليل داخلًا قطعًا

(4)

.

2 -

أن يتقدمها عموم يشملها لو لم يؤت بها، فلولا الغاية لقاتلنا

(1)

قواطع الأدلة (1/ 224) بتصرف يسير.

(2)

أخرجه البخاري (853)، ومسلم (561 [68])، واللفظ له، من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(3)

أخرجه مسلم (561 [69]) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(4)

التحبير (6/ 2629) مختصرًا.

ص: 172

الكفار أعطوا أم لم يعطوا، وذلك في قوله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

ولولا الغاية -في الحديث السابق- لمُنعَ مَنْ أَكَلَ الثوم من المساجد سواء ذهب ريحه أم لا، أو نحو حديث:«رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه»

(1)

، فلو سكت عن الغاية لم يكن الصبي شاملًا للبالغ، ولا النائم للمستيقظ، ولا المجنون للمفيق

(2)

.

• بعض أحكام الغاية:

1 -

قد تجتمع الغاية مع الشرط، فقد يتعلق الحكم بهما معًا، فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط، مثل قوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]، فجعل انقطاع الدم غاية، والغسل شرطًا فصارا معتبرين في إباحة الإصابة

(3)

.

(1)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (4398)، وابن ماجه (2041)، والنسائي (3432)، وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

التحبير (6/ 2632 وما بعدها)، بتصرف يسير وزيادة أمثلة.

(3)

قواطع الأدلة (1/ 224).

ص: 173

2 -

الغاية إن كانت من جنس المحدود دخلت فيه، مثل قوله تعالى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، فإنَّ الغسل يشمل المرافق.

وإن كانت من غير جنس المحدود، فلا تدخل فيه مثل:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فإنَّ الليل ليس من جنس النهار، فلا يدخل في الصيام

(1)

.

*‌

‌ أنواع التخصيص المنفصل:

• أولًا تخصيص الكتاب:

1 -

تخصيص الكتاب بالكتاب: مثل قول الله سبحانه وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، العام (المطلقات) صيغة العموم (ال) الموصولة.

خص بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].

ويكون الباقى من العموم كل مطلقة دخل بها عدتها ثلاثة قروء.

وقد خُص أيضًا بقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، ويخرج به أولات الأحمال، فالباقى من العموم أنَّ كل مطلقة دخل بها، ولم تكن حاملًا فعدتها ثلاثة قروء.

(1)

المسودة (1/ 357) بتصرف.

ص: 174

وخُص أيضًا بقوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4]، أى كل امرأة كبرت في السن، ويئست من المحيض، وكل امرأة لم تحض أصلًا لعلة عندها عدتها ثلاثة أشهر، فصار الباقى من العموم في الآية الأولى كل مطلقة حائضة دخل بها عدتها ثلاثة قروء.

مثال آخر: قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، فالعام لفظ (المشركات)، وصيغته (ال) الموصولة، وكذلك لفظ (تنكحوا) عام، وصيغتها المصدر الكامن أى: لا نكاح لأي مشركة. فهذه الآية عامة تم تخصيصها بتخصيص متصل ب (حتى)، فكل مشركة لا يحل نكاحها حتى تؤمن، ولكن يوجد تخصيص منفصل خص بعض المشركات بجواز النكاح منهن، وإن لم تؤمن، قال تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: 5]، فأحل الله هنا نكاح الكتابيات، فتخرج من العموم الأول، فحرم الله نكاح كل مشركة حتى تؤمن إلا

ص: 175

الكتابيات، فيجوز نكاحها، وإن لمن تؤمن.

2 -

تخصيص الكتاب بالسنة: مثل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، العموم (أولادكم)، صيغة العموم (المعرف بالإضافة)، وخص بقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»

(1)

، فمعنى الآية يوصيكم الله في أولادكم المؤمنين.

وكذلك من المخصصات لهذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّا معشَرَ الأَنبياء لا نُورثُ ما تركنا صدقةٌ»

(2)

، فخرج من عموم الآية أبناء الأنبياء، فالباقى من العموم أنَّ لكل ذكر مسلم مثل حظ الأنثيين إلا أبناء الأنبياء.

ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، فصيغة العموم المصدر الكامن في قوله (تقربوهن)، والمعنى: لا قرب حتى تطهر بأي نوع من أنواع القرب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شاء غير النكاح»

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (6764)، ومسلم (1614) من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (4035)، ومسلم (1759) من حديث أبي بكر مرفوعًا.

(3)

أخرجه مسلم (302)، وغيره من حديث أنس مرفوعًا.

ص: 176

فخصصت السنة الكتاب، فصار معنى قوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} [البقرة: 222]: أى لا تجامعوهن حتى يطهرن فقط، أما ما وراء ذلك فلا حرج فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه بأن تتزر ويباشرها.

3 -

تخصيص الكتاب بالإجماع: مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، خص بالإجماع على أنَّ الرقيق القاذف يجلد أربعين، ومن ذلك قوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، قيل: خص بالإجماع أنَّ العبد يجلد خمسين جلدة.

وكذلك من أمثلة هذا قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11]، قيل: خص بالإجماع أنَّ الابن الرقيق لا يرث.

وقيل اللام في قوله: (للذَّكَر) لام الملك، والذى يملك الحر لا الرقيق، فالرقيق لا يدخل أصلًا.

4 -

تخصيص الكتاب بالقياس: مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، خص بقياس العبد الزانى على الأمة في تنصيف العذاب، والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.

والمعنى: أنَّ كل زان وكل زانية حران يجلدان مائة جلدة، أما العبد

ص: 177

والأمة يجلدان خمسين، وذلك لأنَّ قوله تعالى:{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، يخصص عموم قوله تعالى:(الزَّانيَةُ)، فيراد به الحرة أما الأمة فعليها النصف، أي خمسين جلدة فقط، أما عن قوله تعالى:(وَالزَّاني) قد خص بالقياس حيث إنَّ العبد الزاني قد اشترك في علة الرق مع الأمة الزانية، فيقاس عقابه على عقابها، فعليه نصف ما على الحر من العقاب.

• ثانيًا تخصيص السنة:

1 -

تخصيص السنة بالكتاب: مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله

»

(1)

، فلفظ العموم (الناس)، وصيغته معرف ب (ال) الاستغراقية، وفيه تخصيص متصل وهو (حتى يشهدو

).

وخص تخصيصًا منفصلًا بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

والمعنى: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، أو

(1)

أخرجه البخاري (1399)، ومسلم (20) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 178

يعطوا الجزية.

وكذلك منه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما قُطعَ من البهيمة وهي حَيةٌ فهو ميتةٌ»

(1)

، فالعموم لفظ (ما)، وصيغته اسم موصول، وكذلك لفظ البهيمة، وصيغته المعرف ب (ال) الاستغراقية أي من كل البهيمة، والمعنى: أنَّ كل ما قطع من أي جزء من البهيمة، وهي حية من يد، أو قدم، أو عين، أو صوف، أو وبر فهو ميتة، إلا أنَّ الكتاب قد خص هذا الحديث بقوله تعالى:{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80].

2 -

تخصيص السنة بالسنة: مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون أَوْ كان عثريًّا العشر»

(2)

، العموم (ما) الموصولة، خص بقوله صلى الله عليه وسلم:«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»

(3)

، فجعل حدًّا للزكاة خمسة أوسق فالمعنى: في ما سقت السماء وكان خمسة أوسق ففيه العشر.

(1)

حسن لشاهديه: أخرجه أبو داود (2858)، والترمذي (1480)، وغيرهما من حديث أبي واقد الليثي مرفوعًا، وقد ذكر البخاري أن هذا الحديث محفوظ (علل الترمذي الكبير)(437)، وإن كان الدارقطني قدر رجح أنه مرسل (العلل)(1152)، وله شاهد مرسل آخر، أرسله زيد بن أسلم عند عبد الرزاق (8611)، وله شاهد مرفوع آخر لكنه مُعل.

(2)

أخرجه البخاري (1483) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (1459)، ومسلم (979) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.

ص: 179

3 -

تخصيص السنة بالإجماع: وقد يمثل له بالإجماع الدال على أنَّ الماء إذا لاقته نجاسة، فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فهو نجس، وهو بذلك يخصص حديث النبى صلى الله عليه وسلم:«الماء طهور لا ينجسه شيء»

(1)

، والمعنى أنَّ الماء طهور لا ينجسه شاء إلا إذا سقطت فيه نجاسة فغيرت فيه طعمه أو لونه أو ريحه، فهنا خص الحديث بالإجماع.

4 -

تخصيص السنة بالقياس: مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مئة ونفي عام»

(2)

، فلفظ العموم (البكر)، وصيغته المعرف ب (ال) الاستغراقية، والمعنى: كل بكر حرة أو أمة، رجلًا أو امرأة عليه جلد مئة وتغريب عام، فأتى النص ليخصص الأمة بقوله:{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، ثم أتى القياس ليخصص العبد قياسًا على الأمة في تنصيف العذاب لاشتراكهما في علة الرق.

(1)

حسن لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (66)، والترمذي (66)، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه راو مجهول، والحديث له طرق أخرى لا تخلو من ضعف، لكنها تصلح في التقوية، وله شواهد أيضا تقويه.

(2)

أخرجه مسلم (1690) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا.

ص: 180

• ومن أنواع التخصيص المنفصل:

التخصيص بالمفهوم، والتخصيص بالحس، والتخصيص بالعقل، والتخصيص بالعرف المقارن للخطاب.

وقبل الكلام على هذه الأقسام هناك بعض المقدمات:

1 -

الجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من العمل بظاهر أحدهما وإبطال الآخر.

2 -

أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان العمل بالخبر أولى؛ لأن العمل به لا يبطل العام، والعمل بالعام يبطله.

3 -

العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام لا إبطال له، ولا يخفى أنَّ البيان أولى من الإبطال

(1)

.

4 التخصيص لا يشترط فيه أن يكون المخصص مساويًا للعام في القوة؛ لأن التخصيص فيه إعمال للدليلين، وليس فيه إهمال لأحدهما

(2)

.

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 327) بتصرف.

(2)

أصول الفقه لأبي النور (2/ 311).

ص: 181

التخصيص بالمفهوم (الموافقة- المخالفة):

قال الآمدي: لا نعلم خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم، أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده: كل من دخل داري فأخبر به. ثم قال: إن دخل زيد داري فلا تقل له أف، فإنَّ ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن العموم، نظرًا لمفهوم الموافقة، وما يفهم من الكلام من كف الأذى عن زيد.

وكذا لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الأنعام كلها، ثم ورد قوله صلى الله عليه وسلم:«في الغنم السائمة زكاة»

(1)

، فإنه يكون مخصصًا للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهوم المخالفة

(2)

.

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته»

(3)

.

قال ابن المبارك: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له.

وجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه عام في المماطل في سداد الدين،

(1)

أخرجه البخاري (1454)، وغيره من حديث أبي بكر، بلفظ: «

وفي صدقة الغنم في سائمتها

».

(2)

الإحكام للآمدي (2/ 328).

(3)

إسناده لين: أخرجه أبو داود (3628)، والنسائي (4689)، وغيرهما من حديث الشريد بن عمرو به، وفي إسناده راو لين.

ص: 182

وهو قادر على سداده، ويدخل في هذا العموم الوالد المدين لولده، لكن قال تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فمنطوق الآية منع التأفف، ومفهوم الموافقة الأولى فحوى الخطاب يقتضي بمنع عقوبته، أو التعرض له بأذى عليه، فإنَّ هذا المفهوم هو المخصص لعموم الحديث، فيكون معنى الحديث: لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته، إلا الوالد.

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء»

(1)

.

وجاء الإجماع على استثناء ما إذا تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه، فالماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو ريحه، أو طعمه، مع قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»

(2)

، فإنَّ مفهوم المخالفة يقضي بأنَّ الماء إذا كان أقل من القلتين، فإنه يتنجس، وإن لم يتغير، فيكون هذا المفهوم مخصصًا لمنطوق الحديث الأول، وتكون هذه الصورة خارجة عن العموم، فيكون الماء القليل نجسًا، وإن لم

(1)

حسن لطرقه وشواهده: أخرجه أبو داود (66)، والترمذي (66)، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه راو مجهول، والحديث له طرق أخرى لا تخلو من ضعف، لكنها تصلح في التقوية، وله شواهد أيضا تقويه.

(2)

إسناده صحيح بهذا اللفظ: أخرجه أبو داود (63)، والترمذي (67) وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ورجح أبو داود سند روايته.

ص: 183

يتغير وهو قول الشافعي

(1)

.

تنبيهات مهمة تتعلق بالتخصيص ب (الحس، والعقل، والعرف المقارن للخطاب):

1 -

الحس، والعقل، والعرف ليسوا قاضيين على الشرع، فإن اقتضت هذه الأدلة شيئًا مخالفًا للشرع سقط الاستدلال بها، وصار الحكم للشرع.

2 -

إنَّ الشرع قد جعل للحس، والعقل اعتبارًا، قال ابن حزم في (إحكامه): وأما ما أُدرك بالحس قد جاء النص بقبوله، قال تعالى:{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 195].

3 -

التخصيص بالحس يؤول إلى أنَّ العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة الحس، ولم يخرج عن كونه خارجًا للعقل، فليكونا قسمًا واحدًا وإن اختلف طريق الحصول، قلت: ويؤيد هذا الذي قاله المرداوي أنَّ بعض أهل العلم استدلوا في مسألة التخصيص بالحس بأدلة استدل بها نفسها آخرون على التخصيص بالعقل.

(1)

أصول الفقه لأبي النور (2/ 310).

ص: 184

مثال ذلك: أنَّ الغزالي رحمه الله أورد في التخصيص بالعقل أدلة، منها قوله تعالى:{وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، وقوله تعالى:{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25]، وقوله تعالى:{يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57]، وهي نفس الأدلة التي أوردها المرداوي في التحبير في مسألة التخصيص بالحس، والخلاصة أنَّ الحس والعقل كلاهما مرتبط بالآخر، فالتفريق بينهما غير واضح. اه.

لذا اقتصر بعض الأصوليين منهم ابن الحاجب على العقل فقط

(1)

.

_ التخصيص بالحس أي المشاهدة

(2)

:

أو الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس وهي الرؤية البصرية، أو السمع، أو اللمس، أو الذوق، أو الشم

(3)

.

واستدلوا بقوله تعالى بشأن ملكة سبأ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23].

قالوا: نحن نشاهد أشياء كثيرة لم تلقها بلقيس كملك سليمان

(4)

.

(1)

حاشية العطار (2/ 60).

(2)

التحبير (6/ 2638).

(3)

المهذب (4/ 162).

(4)

التحبير (6/ 2638).

ص: 185

ويجاب عن ذلك: بأنَّ ملك نبي الله سليمان ثابت بالنص؛ لذا قال تعالى في شأنه: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16]، وقوله:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35].

ومن الأدلة: قوله تعالى في شأن الريح التي أرسلها على عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25].

قالوا: نحن نشاهد أشياء كثيرة لم تدمرها الريح كالسماوات والجبال، وغيرها

(1)

.

وأجيب: بأنَّ لهذه الآية مخصصًا متصلًا، وهو قوله تعالى:{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25]، فاستثنى الله تعالى المساكن من الأشياء التي دمرت، ولا بد لها من أرض تقلها وسماء تظلها، ولها مخصص منفصل، وهو قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 68]: أي أنَّ السماوات والأرض موجودتان إلى أن ينفخ في الصور

(2)

.

ومن الأدلة: قوله تعالى في شأن الحرم: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57].

(1)

نفس المصدر.

(2)

التأسيس (298).

ص: 186

قالوا: ونحن نشاهد أشياء في أقصى المشرق والمغرب لا تجبى إليه.

ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنَّ ما في أقصى المغرب والمشرق له رزق تكفل الله به، وساقه إليه، ولم يجب إلى الحرم؛ لقوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، فدل ذلك على أنَّ الحرم لم تذهب إليه جميع الأرزاق.

_ التخصيص بالعقل:

والمعنى أنَّ الصيغة العامة إذا وردت واقتضى العقل امتناع تعميمها، فيعلم من جهة العقل أنَّ المراد بها خصوص ما لا يسوغه العقل، والمعنى أنا نعلم بالعقل أنَّ مطلق الصيغة لم يرد تعميمها

(1)

.

وذلك مثل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21]، فإنَّ هذا الخطاب يتناول بعمومه من لا يفهم من الناس كالصبي والمجنون، لكنه خرج بدليل العقل فكان مخصصًا للعموم، ودليل العقل

(1)

البحر المحيط (4/ 472) مختصرًا.

ص: 187

المخصص له شروط التكليف

(1)

.

ويمكن أن يقال: إنَّ هذا التخصيص ثابت بالنص، منه قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فالصبي ومن لا يفهم ليس بوسعهما القيام بهذه الأوامر، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم:«رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل»

(2)

.

قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، والمراد ما خلا الصفات والذات؛ لأنَّ العقل قد دل على أنه لا يجوز أن يخلق صفاته، فخصصنا العموم به يعني بالعقل

(3)

.

وأجيب: بأنَّ الآية لها مخصصات، منها قوله تعالى:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3]

(4)

.

(1)

شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 252).

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (4398)، وابن ماجه (2041)، والنسائي (3432)، وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.

(3)

اللمع (1/ 32).

(4)

التأسيس (298).

ص: 188

هذا وقد ورد بعض الاعتراضات على التخصيص بالعقل، وهي:

1 -

ما لا يصح وقوعه عقلًا لا يصح تمام اللفظ له لغة، ولا إرادة المتكلم له حينئذ، فلا عموم في اللفظ، فلا تخصيص.

ومثاله: أنَّ ذات الباري وصفاته لا يصح خلقها عقلًا، فلا يكون قوله عز وجل:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101] متناولًا لها لغة، فلا يكون الكلام عامًّا، فلا يكون الفعل مخصصًا له

(1)

.

ويجاب عن هذا باعتراض أنه يدفع نفسه بنفسه، بأنَّ معناه أنَّ العقل منع من دخول بعض الأفراد تحت النص، فبهذا يصبح العقل مخصصًا؛ لأنه قصر العام على بعض أفراده، وأما القول بأنَّ هذا الكلام لا يكون عامَّا، فتوجيهه أن يقصد أنه لا يكون عامًّا باقيًا على عمومه، والله أعلم.

2 -

قالوا: إنَّ المخصص لا بد أن يكون متأخرًا، والعقل سابق في الوجود على أدلة السمع.

ويجاب: أنه يتقدم على أدلة السمع بوجوده لا بيانه

(2)

.

3 -

يمنع التخصيص بالعقل قياسًا على منع النسخ به.

(1)

شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 554).

(2)

نفس المصدر بتصرف.

ص: 189

ويجاب: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ لأن النسخ رفع للحكم، ولا قوة للعقل على ذلك بخلاف التخصيص، فإنه بيان، والعقل يصح أن يكون مبينًا

(1)

.

ومع أنَّ هذه الاعتراضات مدفوعة، إلا أنه ليس هناك دليل في هذا الباب خالٍ من الاعتراض في هذه المسألة، لا سيما أنَّ معظم الأدلة التي استدلوا بها على التخصيص بالعقل، والحس لها مخصصات من الشرع.

فلعله يحسن أن يقال يستأنس بالعقل، والحس، والعرف طالما لم يصطدموا بالشرع.

أما أن يكونوا أدلة مستقلة في باب التخصيص، فإنه يفتح الباب لرد النصوص أو تأويلها بحجة العقل، في حين أنَّ العقل السليم لا يصادم نصًّا صريحًا؛ لذا فإنَّ القرآن الكريم قد وجه في كثير من الآيات إلى التفكر والتدبر بالعقل، والذي يوصل بإذن الله إلى المراد من قول الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، فليس معنى المنع أو التوقف في مسألة التخصيص بالحس، أو بالعقل، أو بالعرف كأدلة مستقلة أننا نهملها.

وقد يقال: إنَّ التخصيص يحدث بالشرع أولًا، فيظهر أنَّ العموم

(1)

نفس المصدر.

ص: 190

ليس على عمومه، ثم بعد ذلك يأتي العقل، أو الحس، أو العرف مؤكدًا تابعًا للشرع في ذلك.

قال الشيخ مصطفى سلامة -حفظه الله-: إنَّ إدراك العقل لشيء على وجهه الصحيح دليل على سلامة العقل وصراحته، فإنه لا منقول صحيح يخالف عقلًا صريحًا

(1)

.

• التخصيص بالعرف المقارن، أو العادة:

اختلف أهل العلم في هذه المسألة:

فالجمهور على أنه لا يخصص، وهو قول الحنابلة، والشافعية.

وذهب الأحناف إلى جواز التخصيص به

(2)

، وفرق البعض كالآمدي، وغيره بين العادة القولية، والعادة الفعلية، فالعادة القولية تخصص، ومثاله: تخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، وإن كان لفظ الدابة عامًّا في كل ما يدب على الأرض، وإنما خصصت بذوات الأربع بالعادة أو العرف القولي؛ لكثرة استعمالها لذوات الأربع.

ومثال العادة الفعلية عندهم: أن يرد خطاب بتحريم الطعام. فإذا اعتاد مخاطبون على تناول طعامٍ معينٍ فلا يخصص الطعام هنا بما

(1)

التأسيس (298).

(2)

التحبير (6/ 2694)، إرشاد الفحول (1/ 395).

ص: 191

اعتاد الناس عليه، بل يبقى العموم في تحريم كل طعام

(1)

.

وظاهر كلام الرازي: أنَّ التخصيص بالعادة ما إذا كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرهم عليها، وأجمعوا على التخصيص بها

(2)

.

وقد استدل من قال: إنَّ العرف يخصص. بحديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» ، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير

(3)

.

ووجه الاستدلال: أنَّ معمرًا رضي الله عنه صرف قول النبي صلى الله عليه وسلم الطعام وخصص بالشعير.

قلت: هذا دليل فيه نظر من ثلاثة أوجه:

الأول: أنَّ معمرًا نفسه لم يخصص الطعام هنا بالشعير فقط، لأنه إنما أرسل غلامه بصاع تمر، فقال: بعه ثم اشتري به شعيرًا. فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ افصله فرده ولا تأخذه إلا مثلًا بمثل

(4)

، وساق الحديث.

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 334) بتصرف.

(2)

التحبير (6/ 2697).

(3)

أخرجه مسلم (1592) من حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا.

(4)

المصدر السابق.

ص: 192

فإنه لو قصر المعنى على الشعير فقط لما رد الغلام مرة أخرى.

الثاني: أنه قد دل الدليل على أنَّ الطعام ليس مقصودًا به الشعير فقط، كقوله صلى الله عليه وسلم:«التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه»

(1)

.

ومع أنَّ هذه الأطعمة كانت هي الموجودة، إلا أنَّ أهل العلم لم يقصروا الربا على هذه الأصناف فقط، وإنما أجروها في ما تحقق فيه المعنى.

الثالث: القول بالتخصيص بالعرف المقارن للخطاب قد يجعل إخراج زكاة الفطر قاصرًا على المطعومات الواردة في الحديث فقط، وهو بخلاف ما قاله العلماء، فقول ابن عمر:«فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين»

(2)

.

ففرضت زكاة الفطر طعامًا، ولم تخص بالأطعمة الموجودة آنذاك.

وحاصل الأمر: أنَّ العرف إذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم، فهو تخصيص بالسنة،

(1)

أخرجه مسلم (1588) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (1504)، ومسلم (984) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

ص: 193

وإن أجمع الصحابة عليه فهو تخصيص بالإجماع.

كذا فإنَّ جريان عمل السلف الصالح يدل على أنهم ما كانوا يخصصون الأدلة الشرعية العامة بالعرف، سواء كان العرف قوليًّا أوعمليًّا؛ لأنه مما لا شك فيه أنَّ من الأمصار من كان لها عرفٌ يخالف العموم، ومع ذلك لم يكونوا يلتفتون إلى ذلك العرف.

قال السمعاني: وأما التخصيص بالعرف والعادة، فقد قال أصحابنا: لا يجوز تخصيص العموم به؛ لأن الشرع لم يوضع على العادة، وإنما وضع على ما أراد الله تعالى، ولا معنى للرجوع إلى العادة في شيء من ذلك

(1)

.

تنبيه: ما سبق من الكلام على التخصيص بالعرف إنما هو في العرف الذي كان في زمن الوحي، أما إن كان العرف حادثًا، فلا يجوز تخصيص النص به، فمثلًا قوله تعالى:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»

(2)

.

(1)

من أصول الفقه على منهج أهل الحديث.

(2)

أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037) من حديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا.

ص: 194

لا يجوز حمل الفقه هنا على ما تعارف عليه الناس اليوم من أنه: معرفة الأحكام العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. لأنه عرف حادث

(1)

.

قال الشوكاني رحمه الله: والعجب ممن يخصص كلام الكتاب والسنة بعادة حادثة بعد انقراض زمن النبوة تواطأ عليها قوم وتعارفوا بها، ولم تكن كذلك في العصر الذي تكلم فيه الشارع، فإنَّ هذا من الخطأ البين والغلط الفاحش

(2)

.

• التخصيص بمذهب الصحابي

(3)

:

اختلف أهل العلم في تخصيص العموم بمذهب الصحابي أو بقوله: فالجمهور على عدم الجواز، وهو مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء والأصوليين، وسواء كان هو الراوي للحديث الذي يخالفه أم لا، وحجة هؤلاء: أنَّ الحجة في العموم، ومذهب الصحابي ليس بحجة، فلا يجوز التخصيص به.

وذهب آخرون إلى أنه يجوز التخصيص به، وهو قول أبي حنيفة، والحنابلة.

(1)

شرح مراقي السعود للدكتور مصطفى بن كرامة (محاضرات صوتية).

(2)

إرشاد الفحول (1/ 396).

(3)

إرشاد الفحول (1/ 396)، الإحكام للآمدي (2/ 333) بتصرف.

ص: 195

واستدلوا: بأنَّ مخالفة الصحابي للعموم يقتضي وجود دليل عنده جعله يعدل عن العموم، فينبغي الأخذ بقوله، وتخصيص العموم به، وإلا فإنَّ عدم الأخذ بقوله يقتضي الطعن في عدالته.

وأجيب: بأنه لا يلزم من مخالفة الصحابي للعموم وجود دليل في المسألة، فقد يكون ذلك بناءً على نظره واجتهاده الذي ربما كان مخطئًا، أو مصيبًا فيه، أو فهم أمر ما من العموم.

كما أنَّ مخالفته وعدم الأخذ بقوله لا يطعن في عدالته، بدليل أنَّ الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة، ولم يفسق بعضهم بعضًا، ولم يكن ذلك مخرجًا لأحد منهم عن عدالته.

وخلاصة المسألة: أنَّ قول الصحابي ليس مخصصًا للعموم، وإن كانوا جماعة ما لم يجمعوا على ذلك.

تنبيه: الكلام في هذه المسألة فيما إذا لم يكن قول الصحابي له حكم الرفع، أو لم يعرف له مخالف؛ لأنه حينئذ يكون قوله حجة، ويخص به العموم.

• دلالة العام:

والمعنى دلالته على الأفراد الذين يشملهم هل تقبل التخصيص فتكون ظنية أم لا تقبله فتكون قطعية، والمراد بأفراد العموم من

ص: 196

يدخلون تحت لفظ العموم ويصح أن يكونوا مرادين بالنص العام.

اختلف أهل العلم في دلالة العام: هل هي قطعية أم ظنية؟ على قولين:

• الأول: وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، قالوا: إنَّ دلالة العام على جميع أفراده ظنية، يعني على استغراقه لجميع أفراده.

وإذا خُصّص كان ظني الدلالة أيضًا على ما بقى من أفراده بعد التخصيص، فهو ظني الدلالة قبل التخصيص وبعده، واستدلوا بالآتي:

1 -

أكثر العمومات مخصصة، فبغلبة الظن أنَّ العموم الذي سيأتي سيخصص؛ لأنه الغالب، وطالما أنَّ التخصيص للعام هو الغالب، إذن دلالته على جميع أفراده ليست قطعية.

2 -

جواز إخراج بعض أفراد العام بالاستثناء ونحوه عملًا بقاعدة: الاستثناء معيار العموم. فلو كانت دلالته قطعية لم يصح ذلك.

3 -

جواز تأكيد العام بكل وأجمعين لدفع احتمال التخصيص، مثل قوله تعالى:{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30]. فكلمة أجمعون للتأكيد، والتأكيد يأتي لقطع الاحتمال، فلا يوجد احتمال أن يخرج ملك واحد عن السجود، وطالما احتاج إلى التأكيد، فإنَّ احتمال

ص: 197

التخصيص قائم بدون التأكيد.

• القول الثاني: قالوا إنَّ دلالة العام على كل أفراده قطعية، واستدلوا بالآتي:

1 -

أنَّ اللفظ العام موضوع لغة للعموم، فكان العموم ملازمًا له عند إطلاقه حتى يقوم الدليل على خلافه، والاحتمال على التخصيص لا ينافي القطعية.

ولذلك فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- العموم من الألفاظ القرآنية

(1)

.

فإذا قال قائل: أكرم الطلبة. فدلالته على كل الطلبة دلالة قطعية، ولا نقول بوجود احتمال إلا أن يأتي الدليل

(2)

.

قلت: ولا يخفى ما في قولهم من بعد.

فقولهم: التخصيص لا ينافي القطعية، فلا نسلم به، ولا دليل عليه.

وأما قولهم: أكرم الطلبة. دلالته قطعية على كل الطلبة، فالرد من وجهين:

(1)

الوجيز فى أصول الفقه الإسلامى للزحيلى (2/ 54).

(2)

أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، الشيخ محمد حسن عبد الغفار (5/ 7).

ص: 198

1 -

إما أن يأتي تخصيص لبعض الطلبة، فيخرجوا من العموم، وعندئذ تكون دلالته على كل الطلبة ظنية؛ لأن الإكرام لم يشمل الجميع.

2 -

وإما ألا يأتي تخصيص فيبقى على عمومه، فعندئذ لا ننازع في أنه قطعي الدلالة، كالعام الباقي على عمومه.

- ومما سبق يتضح أنَّ قول الجمهور هو الراجح، وقد يستأنس لذلك بفهم الصحابة.

مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخلَ أحدًا عمله الجنة» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة»

(1)

.

ففهم الصحابة من النكرة التي في سياق النفي (أحدًا) العموم؛ ولأنَّ دلالة العام عندهم ظنية، فسألوا عن دخول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام أم لا، فأجاب صلى الله عليه وسلم بأنه داخلٌ في هذا العموم، وأقرهم على فهمهم، وكذلك يستدل بهذا الحديث على دخول النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب أمته.

ولقائل أن يقول: إنَّ نبي الله إبراهيم فهم من قول الله تعالى: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] العموم القطعي، فخاف على لوط.

(1)

أخرجه البخاري (5673)، ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 199

والجواب: أنَّ هذا الاستدلال لا يفي بالمطلوب، وذلك لأنَّ نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فهم أنَّ الدلالة قطعية، فبين الله تعالى له أنها ظنية، وأنَّ لوطًا مستثنى من هذا العموم، أو أخذ بظاهر النص، وظاهر النص مأخوذ به معمول بمقتصاه وإن لم يكن قطعيًّا، بل يكفي فيه الظن الظاهر من اللفظ.

• أثر الاختلاف في دلالة العام:

ترتب على الاختلاف السابق بين العلماء الاختلاف في مسألتين أصوليتين وهما:

أولًا: التخصيص بالدليل الظني:

الجمهور على أنه يجوز تخصيص العام الظني بالدليل الظني كخبر الآحاد والقياس، مثل قوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، فإنه مخصص بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها»

(1)

.

مثال: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، فإنه مخصص بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «القاتل لا

(1)

أخرجه البخاري (5109)، ومسلم (1408 [37])، واللفظ له، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 200

يرث»

(1)

، وبقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر»

(2)

.

مثال قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، مخصص بقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا»

(3)

.

وأما الأحناف فقالوا: لا يجوز تخصيص العام ابتداءً بدليل ظني كخبر الآحاد والقياس. واستدلوا بقول عمر رضي الله عنه في قصة فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها ثلاثاً، فرَوَت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر رضي الله عنه: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة

(4)

. فلم يجعل حديثها مخصصًا لعموم قول الله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]

(5)

.

(1)

إسناده ضعيف: أخرجه الترمذي (2109)، وغيره من حديث أبي هريرة، وفيه راو متروك، وأخرجه عبد الرزاق (18872، 17786)، وغيره من طريقين عن ابن عباس موقوفا، وكلا الطريقين ضعيف، ويقوي أحدهما الآخر.

(2)

أخرجه البخاري (6764)، ومسلم (1614) من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (6790)، ومسلم (1684 [2]) واللفظ له، من حديث عائشة مرفوعًا.

(4)

أخرحه مسلم (1480) من حديث عمر بن الخطاب به.

(5)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (2/ 55).

ص: 201

ويجاب عنه: أنه ليس فيه أنَّ عمر رد خبرها؛ لأنه لا يرى تخصيص العموم بخبر الواحد، بل إنَّ محل النزاع والرد عند عمر رضي الله عنه ثبوت الخبر نفسه، لذا قال: لعلها حفظت أو نسيت. كما أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعًا

(1)

.

ثانيًا: تعارض العام والخاص:

عند الجمهور لا يتحقق التعارض بين العام والخاص، ويعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك؛ لأنَّ الخاص قطعي الدلالة، والعام ظني الدلالة، ولا تعارض بينهما؛ لأنَّ شرط التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة.

أما الأحناف: عندهم يتحقق التعارض بين العام الذي يخصص وبين الخاص؛ لأنَّ كليهما قطعي الدلالة، ويجب اللجوء إلى دفع التعارض إما بالتوقف، وإما بالتخصيص، وإما بالنسخ من المتأخر للمتقدم.

مثال: الاختلاف في اشتراط النصاب في زكاة الزروع، لورود حديث عام بعدم الاشتراط، وحديث خاص باشتراطه، وخصص الجمهور

(1)

الإحكام للآمدي (2/ 326) بتصرف.

ص: 202

العام بالخاص، واشترطوا النصاب لعدم التعارض بينهم، وقال الأحناف بالتعارض، وتقديم النص العام لرجحانه، ولم يشترطوا النصاب.

مثال آخر: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فالنص عام في كل من رمى محصنة سواء كان زوجًا لها أم لا، ثم قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6]، فالنص خاص بالأزواج الذين يرمون زوجاتهم.

الجمهور قالوا: لا تعارض، ويعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك، أي يخصصون العام، ويقضون بالخاص على العام؛ لأنَّ دلالة الخاص قطعية والعام ظنية.

والأحناف: قالوا بالتعارض بين الآيتين، وأنَّ الثانية متأخرة عن الأولى، فينسخ الخاص العام في قدر ما تناولاه، وهو النسخ الجزئي عندهم

(1)

.

مثال آخر: اختلافهم في من قتل رجلًا عمدًا، ثم لاذ بالفرار، ودخل الحرم، وتعلق بأستار الكعبة، فهل يقام عليه الحد أم لا؟

(1)

الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (2/ 57).

ص: 203

قال تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، وقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، أخرج الكافر والوثني، فبقى العموم في المسلم سواء كان سارقًا، أو قاتلًا، أو زانيًا، فكل هؤلاء داخلون في عموم قول الله تعالى:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97].

الأحناف قالوا: لا يقام عليه الحد.

والجمهور قالوا: يقتل ويقام عليه الحد قياسًا على من استحق القتل فقتل، فقد أباح الله تعالى قتال المشركين في الحرم، بدليل قوله تعالى {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] فأباح للنبي صلى الله عليه وسلم قتلهم في الحرم.

وكابن خطل الذي كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة فاقتلوه، فوجدوه متعلقًا بأستار الكعبة، فقالوا: يا رسول الله، وجدناه قد تعلق بأستار الكعبة، قال: فاقتلوه»

(1)

، فقتلوه وهو متعلق بأستار الكعبة.

فالجمهور خصصوا العموم بالقياس

(2)

.

(1)

أصله عند البخاري (1846)، ومسلم (1357) من حديث أنس مرفوعًا.

(2)

أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء محمد حسن عبد الغفار دروس صوتية مفرغة (5/ 7).

ص: 204

‌الفصل الرابع:

المطلق والمقيد

ص: 205

‌المطلق والمقيد

• تعريف المطلق:

المطلق لغة: ضد المقيد

(1)

.

وهو اسم مفعول مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد، فيقال: أطلق الأسير إذا أخلي سبيله، وأطلق الطير إذا فتح قفصه، وأطلق القوم مواشيهم إذا سرحوها، وأرسلوها إلى المراعي، وأطلق يده بخير فتحها، وأطلق الرجل امرأته وطلقها بمعنى خلاها من قيد الزواج، فالإطلاق أن يذكر الشيء باسمه لا يقرن بوصف، ولا شرط، ولا زمان، ولا عدد، ولا شيء مما يشبه ذلك

(2)

.

اصطلاحًا: ما دل على الحقيقة بلا قيد في جنسها غير المحصور

(3)

.

(1)

الإعلام (200).

(2)

التحبير (6/ 2711)، المطلق والمقيد ل د/ حمد بن حمد (1/ 114).

(3)

الأصول من علم الأصول (1/ 44)، والتأسيس (305).

ص: 207

• شرح التعريف:

ما: أي لفظ.

دل: احتراز عن الألفاظ المهملة.

الحقيقة: خرج به العام؛ لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة

(1)

.

بلا قيد: يعني بلا وصف زائد عليها، أي من غير اعتبار قيد، سواء وجد ولم يعتبر أم لم يوجد

(2)

.

"في جنسها": أي من جنسها.

غير المحصور: المقصود الجنس غير محصور العدد

(3)

.

وعرفه البعض كالآمدي: بأنه النكرة في سياق الإثبات. وذلك احترازًا عن النكرة في سياق النفي

(4)

.

والتعريف الأول أجود وأشمل؛ وذلك للآتي:

1 -

أنه يدخل فيه النكرة في سياق الإثبات وغيرها؛ لأنَّ الإطلاق

(1)

الأصول من علم الأصول (1/ 44).

(2)

تعليق الشيخ عبد الرازق عفيفي على الإحكام للآمدي (3/ 3).

(3)

التأسيس (305).

(4)

الإحكام للامدى (3/ 3).

ص: 208

ليس قاصرًا على النكرة في سياق الإثبات، لأنَّ الفعل بأقسامه يفيد الإطلاق، فإذا قلت: صام زيد يوم الإثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين، فالفعل المطلق في سياق الإثبات كالنكرة في سياق الإثبات يفيد الإطلاق؛ وذلك لأنَّ الفعل متضمن للمصدر، فالمصدر الكامن في الفعل ليس بمعرفة وإنما نكرة، ومثال ذلك: ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة

(1)

.

فإنها احتملت الفرض والنفل، بمعنى أنه لا يتصور أنها فرض ونفل معًا

(2)

.

قلت: ومن الأدلة على أنَّ الإطلاق يؤخذ من الفعل كما يؤخذ من الاسم، ما ذكر في صلح الحديبية لما قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام» ، قال: قلت: لا، قال:«فإنك آتيه ومطوف به»

(3)

.

ووجه الاستدلال: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما عتب عليه عمر؛ لأنه وعدهم بأنهم سيأتون البيت احتج النبي صلى الله عليه وسلم بالإطلاق، يعني أنه أطلق الفعل "نأتي"، ولم يقيده بزمن، فهو وإن كان وعد بإتيان البيت، لكنه لم يقيد

(1)

أخرجه البخاري (468)، ومسلم (1329) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(2)

الشرح الكبير لمختصر الأصول (ص 306 و 307) بتصرف.

(3)

أخرجه البخاري (2731) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم مرفوعًا.

ص: 209

هذا الإتيان بزمن، ومن ثم لا يصح قصر الإطلاق على النكرات فقط.

2 -

أنَّ النكرة في سياق الإثبات ليست دائمًا دالة على الإطلاق، وإنما قد تأتي أحيانًا للعموم، وذلك إذا كانت في سياق الامتنان؛ لأنَّ النكرة في سياق الامتنان لو جعلناها محصورة لا تدل على العموم، لم يكن الامتنان كاملًا.

ولذا فإنَّ المطلق هو: ما دل على الحقيقة بلا قيد في جنسها غير المحصور.

مثال: قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3].

الرقبة لفظ مطلق لم يقيد بشيء، يعني لم يقيد بالإيمان، أو بالسلامة من العيوب فلم يقيد بصفة معينة

(1)

.

قوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»

(2)

، فلفظ الولي يتناول واحدًا غير معينٍ من جنس الأولياء

(3)

.

قولنا: فرس. يدل على ذلك الحيوان الصاهل، ولم يعتبر في هذا

(1)

الإعلام (200) مختصرًا.

(2)

إسناده صحيح: أخرجه أحمد (6/ 46)، وأبو داود (2083)، والترمذي (1102) وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا.

(3)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (2/ 38).

ص: 210

اللفظ أيَّ قيدٍ من القيود التي تقلل من شيوعه وانتشاره بين أفراد جنسه، حيث لم يوصف بوصف ما، كما لم يشترط فيه أن يكون في مكان أو زمان ما

(1)

.

• أقسام اللفظ باعتبار الإطلاق والتقييد:

1 -

ما جاء مطلقًا بلا قيد؛ فهذا يجب العمل به على إطلاقه، كالسفر عند البعض، لم يقيد بسفر دون سفر.

قال ابن تيمية: والواجب أن يطلق ما أطلق صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، ولا يقسم إلى طويل وقصير

(2)

.

وقال الألباني رحمه الله: فإنَّ السفر مطلق في الكتاب والسنة، لم يقيد بمسافة محدودة، كقوله تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [النساء: 101]، ولذلك قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد): ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر،

(1)

المطلق والمقيد (1/ 119).

(2)

الفتاوى (24/ 13).

ص: 211

والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر

(1)

.

2 -

ما جاء مقيدًا فيلزم العمل بموجب القيد الوارد فيه، ولا يصح إلغاؤه، كقوله تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 4]، فورد الصيام مقيدًا بالتتابع، وبكونه قبل التماس والاستمتاع، فيعمل به على تقييده بهذين القيدين

(2)

.

3 -

أن يرد اللفظ مطلقًا في نص، ومقيدًا في آخر، وهذا هو محل البحث، فإذا خلا المطلق والمقيد عن القرائن الموجبة للحمل أو عدمه، فلا يخلو الحال من أربعة أقسام:

الأول: أن يتحد الحكم والسبب، وهنا يحمل المطلق على المقيد.

قال الآمدي: فلا نعرف خلافًا في حمل المطلق على المقيد ها هنا.

ومثال ذلك كما لو قال في الظهار: اعتق رقبة. ثم قال: اعتق رقبة مؤمنة. فيحمل المطلق على المقيد هنا عند الأئمة الأربعة، وغيرهم

(3)

.

أمثلة:

1 -

قوله تعالى في كفارة اليمين: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89]، وفي

(1)

سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (1/ 310).

(2)

شرح الورقات للفوزان (118) ط. دار الإتقان.

(3)

الإحكام للآمدي (3/ 4)، التحبير شرح التحرير (6/ 2720).

ص: 212

قراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، وهذا باعتبار قراءة ابن مسعود حجة، فالحكم في الآيتين واحد، وكذلك السبب فيحمل المطلق على المقيد

(1)

.

وقراءة ابن مسعود (متتابعات) لم تثبت قرآنًا؛ لإجماع الصحابة على عدم كتابتها في المصاحف العثمانية

(2)

.

2 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس كلهم يشفع له إلا شفعوا فيه»

(3)

.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعوا فيه»

(4)

.

فقوله في الحديث الأول (أمة) مطلق؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، وهو مطلق لم يقيد بعدد، ولا وصف، ثم جاء التقييد في الحديث الثاني بقيدين:

الأول: العدد وهم (أربعون رجلًا).

(1)

التأسيس (307) بتصرف يسير.

(2)

دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي (1/ 67).

(3)

إسناده صحيح: أخرجه أحمد (24657) وغيره من حديث عائشة به.

(4)

أخرجه مسلم (948)، وغيره من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 213

الثاني: الوصف وهو «لا يشركون بالله شيئًا» ، سواء كان الحكم هو الصلاة والسبب الشفاعة، أو الحكم الشفاعة والسبب الصلاة، فإنَّ المطلق هنا يحمل على المقيد.

3 -

قوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»

(1)

، مع قوله عليه الصلاة والسلام:«عليكم بالإثمد عند النوم فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»

(2)

.

فالحديث الأول مطلق في الوقت، والثاني مقيد ب (عند النوم)، فيحمل المطلق على المقيد وجوبًا؛ لأنَّ الحكم في الحديثين واحد، وهو: عليكم بالإثمد. والسبب واحد، وهو جلاء البصر، وإنبات الشعر.

وإنما يحمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم والسبب؛ لأن من عمل بالمقيد، فقد وفَّى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق

(1)

صحيح بمجموع طرقه: أخرجه أبو داود (3878)، والترمذي (994) من حديث ابن عباس مرفوعًا، وأخرجه ابن ماجه (3495) من حديث ابن عمر مرفوعًا، وفي (3496) من حديث جابر مرفوعًا، وسئل البخاري عن هذا الحديث كما في علل الترمذي الكبير (528) فقال هو حديث محفوظ، وصححه الألباني وغيره، وقال العقيلي الرواية في هذا المعنى فيها لين.

(2)

انظر ما سبق.

ص: 214

لم يف بالعمل بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والأولى

(1)

.

الثاني: أن يتحد الحكم، ويختلف السبب:

وهذا القسم وقع فيه الخلاف، فذهب بعضهم أنه لا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، وهو قول الأحناف

(2)

.

واستدلوا بالآتي:

أولًا: حمل المطلق على المقيد هنا زيادة لا ينبئ عنها اللفظ، فإنَّ ذلك ليس بتخصيص، وإنما هو زيادة في النص، والزيادة في النص توجب النسخ.

والدليل على أنَّ زيادة شرط الإيمان في رقبة الظهار يكون على وجه النسخ: أنَّ ظاهر الآية، وهو قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} الآية [المجادلة: 3] يفيد جواز رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان، فمتى شرطناه فيها، فقد حظرنا ما أباحته الآية من جواز الرقبة الكافرة، وهذا هو حقيقة النسخ، وغير جائز إثبات مثله بالقياس، ولا بخبر الواحد

(3)

.

(1)

الإحكام للآمدي (3/ 4).

(2)

التحبير (6/ 2730).

(3)

الفصول في الأصول (1/ 227 و 228) بتصرف.

ص: 215

وأجيب: أنَّ هذا ليس نسخًا، وإنما هو تقييد، وبيان، وعملٌ بكلا النصين، لا سيما وأنَّ الأحناف يشترطون السلامة من العيوب في الرقبة، مع أنها زيادة لا ينبئ عنها النص

(1)

.

ثانيًا: القول بتقييد الرقبة في الظهار بالإيمان يلزم منه القول بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وبيانه أنَّ أوس بن الصامت ظاهر من امرأته شهر رمضان فجاءت امرأته، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى آية الظهار، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:«مريه فليعتق رقبة»

(2)

، فهنا أمره الله تعالى بعتق رقبة من غير شرط الإيمان، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها كذلك، ولو كان من شرطها الإيمان لبينه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ الموضع موضع بيان كامل، ولأنَّ السائل ملزم بتنفيذ الحكم في الحال مع جهله بالحكم

(3)

.

قلت: ويمكن الإجابة عن هذا بالقول بأنَّ البيان قد يتأخر عن وقت الخطاب، وليس الحاجة، ولا نسلم أنَّ أوس بن الصامت قد خفي عليه أنَّ العتق للمؤمنة، بل لربما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الرقبة، ولم يقيدها لدلالة غيرها عليها، ولعلمه أنَّ الصحابي لا يعتق إلا مؤمنة.

(1)

الإحكام (3/ 7) بتصرف كبير.

(2)

إسناده لين: أخرجه أبو داود (2214)، وأحمد (27319)، وغيرهما من حديث خولة بنت ثعلبة، وفيه راو لين الحديث.

(3)

الفصول في الأصول (1/ 232) بتصرف وزيادة.

ص: 216

وذهب آخرون أنَّ المطلق في هذه الحالة يحمل على المقيد، وهو منقول عن الشافعي، وأكثر الشافعية، وهو اختيار الشوكاني من المتأخرين

(1)

.

وهو الراجح؛ للأدلة الآتية:

1 -

أنَّ القرآن متَّحد في ذاته لا تعدد فيه، وأنه يفسر بعضه بعضًا، فيقضي بخاصه على عامه، وبمقيده على مطلقه، وهكذا، فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل كان ذلك بمثابة التنصيص على اشتراطها في كفارة الظهار

(2)

.

2 -

قوله صلى الله عليه وسلم للجارية السوداء لما أراد صاحبها أن يعتقها: «أين الله؟» فقالت: في السماء، فقال صلى الله عليه وسلم:«من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال:«أعتقها فإنها مؤمنة»

(3)

، فتبين أنَّ الكافر لا يعتق

(4)

.

3 -

أنَّ حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم يدفع التعارض ويحقق الانسجام بين النصوص

(5)

.

(1)

الإحكام للآمدي (3/ 5)، شرح تنقيح الفصول (1/ 266)، وإرشاد الفحول (2/ 8).

(2)

الإحكام للآمدي (3/ 5) بتصرف.

(3)

أخرجه مسلم (537)، وغيره من حديث معاوية بن الحكم السلمي.

(4)

التأسيس (308).

(5)

الوجيز للدكتور عبد الكريم زيدان.

ص: 217

4 -

القياس: والمعنى أنه يشترط الإيمان في رقبة كفارة الظهار قياسًا على اشتراطها في كفارة القتل، بجامع أنَّ كليهما كفارة، وكليهما عتق رقبة

(1)

.

واعترض الأحناف بأنَّ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، فرقبة الظهار مطلقة منصوص عليها، ورقبة القتل مقيدة بشرط الإيمان منصوص عليها أيضًا، فيعمل بكل نص على حدة، فوجود النص أغنى عن القياس

(2)

.

وأجيب عن هذا الاعتراض: بأنَّ اشتراط الإيمان في رقبة الظهار غير منصوص عليه، فقسناه على الشرط المنصوص عليه في رقبة القتل.

وعليه؛ فإنَّ القاعدة العامة في هذا المبحث أنه: إذا اتفق حكم المطلق والمقيد يحمل المطلق على المقيد

(3)

.

قال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل

(4)

.

(1)

اللمع (122) بتصرف كبير وزيادة.

(2)

الفصول في الأصول (1/ 228) بتصرف.

(3)

الإعلام (201).

(4)

إرشاد الفحول (2/ 8).

ص: 218

الثالث: أن يختلف الحكم ويتحد السبب:

نحو: اكس يتيمًا، أطعم يتيمًا عالمًا. فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، اتحد سببهما أو اختلف، بل حكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب

(1)

.

أمثلة:

1 -

قوله تعالى في آية الوضوء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6].

وقال عز وجل في التيمم: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43].

فهل يحمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب هنا، وهو الحدث أو إرادة الصلاة، أم لا يحمل لاختلاف الحكم؟

فالحكم في الوضوء غسل الأيدي إلى المرافق، وفي التيمم ورد بلا قيد، فهل تمسح الأيدي في التيمم إلى المرافق؟

والجواب: لا؛ وذلك لاختلاف الحكم.

فالحكم في الوضوء بالنسبة لليد الغسل، بينما الحكم في التيمم

(1)

إرشاد الفحول (2/ 8)، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (2/ 351).

ص: 219

المسح، فالحكم مختلف فلا يحمل أحدهما على الآخر

(1)

.

2 -

قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]، مع قوله تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4].

ففي الحكم الأول: تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، وفي الحكم الثاني: الإطعام لم يقيد بالتماس.

فهل يحرم عليه الوطء حتى يطعم كما حرم عليه حتى يحرر رقبة؛ لأنَّ السبب واحد وهو الظهار؟

والجواب: لا؛ لأنَّ الإطعام لم يقيد بالتماس، فالحكم مختلف، وقال البعض يحمل لاتفاق السبب.

3 -

في قوله تعالى في كفارة اليمين: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89].

أولًا: المطلق في قوله تعالى أَوْ كِسْوَتُهُمْ}.

ثانيًا: المقيد في قوله تعالى {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} فمقيد بقوله {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ

(1)

الإعلام (201 - 202) بتصرف.

ص: 220

أَهْلِيكُمْ}.

فالسبب واحد وهو كفارة اليمين، والحكم الأول الإطعام، والحكم الثاني الكسوة.

النتيجة: أنَّ الحكمين اختلفا، فلا يحمل المطلق على المقيد

(1)

.

ففي هذه المسألة لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنَّ العبرة باتحاد الحكم

(2)

.

الرابع: أن يختلف الحكم، ويختلف السبب:

وهنا لا يحمل المطلق على المقيد إجماعًا

(3)

، وذلك لعدم الصلة بينهما، فلا يحمل أحدهما على الآخر قطعًا

(4)

.

مثل قول الله تعالى في آية الوضوء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6].

وقال تعالى في حد السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].

(1)

الإعلام (203) بتصرف.

(2)

شرح مختصر الروضة (2/ 641).

(3)

شرح تنقيح الفصول (ص 266).

(4)

الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (2/ 44).

ص: 221

فالسبب هنا في الوضوء رفع الحدث، أو إرادة الصلاة، والسبب في قطع اليد السرقة، فالسبب مختلف.

حكم اليد في الوضوء الغسل، وفي السرقة قطع اليد، فلا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم والسبب

(1)

.

• مسألة تعدد المقيد: إذا تعددت الأحكام المقيدة والمقابلة لمطلق واحد لا يحمل المطلق على أحدهما، وذلك مثل الصوم في الظهار قيده بالتتابع، قال تعالى:{فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4]، وفي التمتع قيده بالتفريق قال تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]، وأطلقه في كفارة اليمين قال تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89]، فقيل: لا يحمل المطلق في اليمين على الظهار، ولا على التمتع بل يعتبر بنفسه؛ إذ ليس حمله على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر، فلا يلزم في كفارة اليمين أن يكون الصيام متتابعًا بل يجزي فيها التفريق، وهو قول مالك، والشافعي

(2)

.

(1)

الإعلام (203 - 204)، شرح نظم الورقات لأحمد بن عمر الحازمي، دروس صوتية مفرغة (35/ 15).

(2)

اللمع للشيرازي (ص 43 و 44)، أحكام القرآن للجصاص (4/ 121) ت قمحاوى بتصرف.

ص: 222

وبعض العلماء جعل صيام الكفارة في اليمين مقيدًا بالتتابع حملًا على التتابع في صيام الظهار؛ لأنَّ كلًّا منهما كفارة بخلاف صيام التمتع، فإنه بدل للواجب وهو الذبح، وهو قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وقتادة، وطاووس، فقالوا في كفارة اليمين لا يجزي فيها التفريق

(1)

.

والراجح: أنه يكون المرء فيه مخيرًا بين التتابع فيه والتفريق

(2)

.

مثال: ورد الأمر بصوم قضاء رمضان مطلقًا في قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 84، 85] مع قيد صوم الظهار بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق، وقضاء رمضان ليس بأقرب لواحد منهما، فيبقى على إطلاقه من شاء تابعه، ومن شاء فرقه

(3)

.

• شروط حمل المطلق على المقيد:

أولًا: أن يتقدم المطلق ويتأخر المقيد: مثل ما سبق من الأمثلة، فإن تقدم المقيد وتأخر المطلق لا يحمل المطلق على المقيد، بل يكون المطلق ناسخًا للمقيد.

(1)

المذكرة (1/ 280)، أحكام القرآن للجصاص (4/ 121).

(2)

البحر المحيط (5/ 23).

(3)

المذكرة (ص 280).

ص: 223

ومثال ذلك: لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة قبل أن يخرج إلى الحج ما يلبس المحرم؟ فقال: «لا يلبس كذا وكذا، ولا الخفين إلَّا ألَّا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين» ، فأجاز لبس الخف بشرط القطع، وفي الحج قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من لم يجد نعلين فليلبس الخفين»

(1)

، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يخطب بعرفات: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»

(2)

. ففي المدينة قال: يلبسهما لكن بقيد القطع. وفي مكة قال: فليلبسهما. فهذا مطلق، فلا يحمل المطلق على المقيد.

وذلك:

1 -

لأنَّ هذا نسخ للحكم الأول؛ لأنَّ القيد جاء أولًا، ثم جاء المطلق بعد ذلك.

2 -

ولأنَّ قيد القطع قاله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ومعه في المدينة عدد قليل لكن في الحج أتى كثير من الناس ليتعلموا مناسك الحج، ولم يقيده النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنَّ الصواب أنه لا يقيد، وإلا كان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة، لذلك فتأخير المطلق هنا معناه نسخ المقيد.

(1)

أخرجه البخاري (134)، ومسلم (1177) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (1841)، ومسلم (1178 [4]) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 224

ثانيًا: أن يأتي المقيد قبل العمل بالمطلق: لأنه إذا نزل الحكم المطلق وتُرك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يعملون به؛ علم أنَّ الله أراد الإطلاق لذلك تركهم يعملون، فإذا جاء المقيد بعد ذلك كان نسخًا

(1)

.

ثالثًا: أن يكون القيد من باب الصفات كالإيمان في الرقبة، ولا يصح أن يكون في إثبات زيادة لم ترد في المطلق، فلا يحمل المطلق على المقيد إذا كان سيؤدي إلى إثبات حكم لم يذكر.

مثال: قال تعالى في آية الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]، وقال في التيمم:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6]، فقد أوجب غسل أربعة أعضاء في الوضوء، واقتصر في التيمم على عضوين؛ لذلك لا يصح أن يقال: يجب أن ييمم الرجلين والرأس إذا أراد التيمم؛ لأنه لو لزم التيمم في الأربعة، لكان إثباتًا لحكم لم يذكر، والإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء

(2)

.

رابعًا: ألا يعارض القيد قيدًا آخر، فإن عارضه قيد آخر لجأ المجتهد إلى الترجيح

(3)

.

(1)

الإعلام (204).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 9)، الشرح الكبير لمختصر الأصول (311).

(3)

الشرح الكبير لمختصر الأصول (ص 311)، وما بعدها.

ص: 225

خامسًا: ألا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل يمنع منه لم يجز.

ومثاله إطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، وتقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان كما في قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، فقد تقرر حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، فالواجب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة الظهار.

ولنفترض أنه ورد نص آخر في كفارة الظهار ينص على إجزاء الرقبة الكافرة نحو: (فتحرير رقبة مؤمنة أو كافرة)؛ لكان ذلك دليلًا مانعًا من حمل المطلق على المقيد

(1)

.

سادسًا: ألا يكون للمطلق إلا أصل واحد، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة، والوصية، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها، فهي شرط في الجميع، وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله تعالى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، وإطلاق الميراث فيما أطلق فيه، فيكون ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين

(2)

.

(1)

الشرح الكبير لمختصر الأصول (1/ 311)، وما بعدها.

(2)

إرشاد الفحول (2/ 9).

ص: 226

*‌

‌ أوجه الشبه والاختلاف بين العام والمطلق:

• أولًا: أوجه الشبه:

1 -

الإطلاق والعموم كلاهما أمر اعتباري نسبي، فكما أنَّ اللفظ يجتمع فيه الإطلاق والتقييد، كقوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، فهنا قيدت الرقبة بالإيمان فتعينت المؤمنة للكفارة، وهي مطلقة فيما سوى الإيمان كالذكورة والأنوثة، والطول وغير ذلك

(1)

.

وكذلك يجتمع في اللفظ العموم والخصوص، فلفظ الإنسان عام في كل إنسان خاص بالنسبة لغيره كالحيوانات أوالنبات.

2 -

قد تتعدد المقيدات لمطلق واحد، كقوله تعالى:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5].

فلفظ (أزواجًا) قيد هنا بأكثر من قيد، وكذلك العام قد تتعدد مخصصاته، ومرت الأمثلة في باب العام.

3 -

العام يبقى على عمومه ما لم يخصص، والمطلق يبقى على إطلاقه ما لم يقيد، فإذا خصص العام يعمل بالتخصيص من ناحية، ويعمل بالباقي تحت العموم، وكذا المطلق إذا قيد يعمل بالقيد فيما

(1)

الوجيز في أصول الفقه للزحيلي (2/ 40)، شرح تنقيح الفصول (1/ 266) بتصرف.

ص: 227

جاء به، ويبقى الإطلاق في باقي الأوجه.

4 -

التقييد والتخصيص كلاهما بيان، فالخاص بيان للمراد بالعام، والمقيد بيان للمراد بالمطلق، والبيان لا يشترط فيه أن يكون في درجة المبين، أو أقوى منه بل يكفي أن يكون البيان صحيحًا

(1)

.

• ثانيًا: أوجه الاختلاف:

1 -

العام يشمل جميع أفراده على سبيل العموم، وأما المطلق فلا يعم جميع الأفراد إلا على سبيل البدل، فالعام عمومه شمولي، والمطلق عمومه بدلي

(2)

.

2 -

العام يصح الاستثناء منه استثناء متصلًا، ولا يصح الاستثناء من المطلق إلا استثناء منقطعًا

(3)

.

3 -

الإطلاق يكون فيه زيادة مدلول اللفظ، ولم تبطل منه شيئًا، فلا يعارض التقييد اللفظ المطلق، بخلاف العموم فإنه يحصل التعارض -بل هو من شروط التخصيص- فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أنَّ جماعة من العلماء لم يفرقوا وساقوا للجميع مساقة واحدة

(4)

.

(1)

معالم أصول الفقه للجيزاني (1/ 439) بتصرف.

(2)

المعتصر من شرح مختصر الأصول (142).

(3)

المعتصر من شرح مختصر الأصول (142).

(4)

شرح تنقيح الفصول (267) بتصرف.

ص: 228

فالتقييد زيادة حكم، والتخصيص نقص، وليس من باب المطلق والمقيد تعارض كما بين الخاص والعام

(1)

.

4 -

النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، وفي سياق النفي تفيد العموم إلا النكرة المثبتة في سياق الامتنان فإنها تفيد العموم.

5 -

ألفاظ العموم وصيغه أكثر من ألفاظ وصيغ الإطلاق، وباب العام والخاص أهم وأكثر فائدة، وأوسع مباحث من باب المطلق والمقيد.

6 -

التقييد تصرف فيما سكت عنه اللفظ المطلق، وأما التخصيص فهو تصرف فيما تناوله اللفظ العام ظاهرًا

(2)

.

• أوجه الفرق بين التقييد والنسخ:

1 -

أنَّ النص المطلق لم يرتفع حكمه وإنما ضاقت دائرته بالقيد الذي ورد عليه، أما المنسوخ فقد رفع حكمه بالدليل الناسخ.

2 -

المطلق ما زال كما هو دليلًا على الحكم مع مراعاة القيد عند العمل، أما المنسوخ فلا يمكن أن يعتبر دليلًا بعد نسخه

(3)

.

(1)

المسودة (148).

(2)

المطلق والمقيد (437).

(3)

المطلق والمقيد (441) وما بعدها.

ص: 229

3 -

التقييد يقع عند البعض بالسابق، والمقارن، واللاحق الذي لم يتأخر عن وقت العمل، أما النسخ فلا يكون إلا باللاحق أي بالمتأخر في نزوله عن المنسوخ

(1)

.

4 -

التقييد قد يدخل على الأوامر، والأخبار، وغيرهما، أما النسخ فلا يدخل إلا على الأحكام الشرعية، ولا يدخل على الأخبار

(2)

.

جريان ما ذكر في تخصيص العام في تقييد المطلق.

ما ذكر في التخصيص للعام فهو جار في تقييد المطلق، فعلى هذا يجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، وتقييد السنة بالكتاب، والعكس، ويقيد المطلق بالإجماع، والقياس، والمفاهيم، ونحو ذلك

(3)

.

(1)

المطلق والمقيد (441) وما بعدها.

(2)

المطلق والمقيد (441) وما بعدها.

(3)

إرشاد الفحول (2/ 10)، المهذب للنملة (4/ 1707).

ص: 230

‌الفصل الخامس:

الظاهر والمؤول

ص: 231

‌أولًا الظاهر

*‌

‌ المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا.

الظاهر لغة: خلاف الباطن، وهو الواضح المنكشف، ومنه ظهر الأمر إذا وضح وانكشف، ويطلق على الشيء الشاخص المرتفع.

كما أنَّ الظاهر من الأشخاص: هو المرتفع الذي تبادر إليه الأبصار، كذلك في المعاني

(1)

.

واصطلاحًا: كل لفظ احتمل أمرين هو في أحدهما أظهر

(2)

.

محترزات التعريف:

قوله: (كل لفظ احتمل أمرين) أخرج النص؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا.

قوله: (هو في أحدهما أظهر) أخرج المجمل؛ لأنه يحتمل معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر.

(1)

شرح الكوكب المنير (2/ 93) ط العبيكان.

(2)

اللمع للشيرازي (ص 48).

ص: 233

*‌

‌ المسألة الثانية: حكم العمل بالظاهر.

العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره.

قال السرخسي: وجوب العمل بالظاهر ثابت قطعًا

(1)

.

وقال ابن القيم: الفائدة الخامسة والخمسون:

إذا سئل -يعني المفتي- عن تفسير آية من كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا

(2)

.

فالعمل بالظاهر واجب لأدلة:

1 -

إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ

(3)

.

2 -

أنَّ صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل يعتبر ترجيحًا بلا مرجح؛ وهو باطل.

3 -

أنه أحوط وأبرأ للذمة.

(1)

أصول السرخسي (1/ 163).

(2)

إعلام الموقعين (6/ 180، 181) ط دار ابن الجوزى.

(3)

البحر المحيط (5/ 36) ط وزارة الاوقاف الكويتية.

ص: 234

4 -

أنه أقوى في التعبد والانقياد.

5 -

أنه أبعد عن التأويل والتحريف.

6 -

أن هذه طريقة السلف، وكفى بهم أسوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 235

‌ثانيا: المؤول

*‌

‌ المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا:

المؤول لغة: مشتق من آل يؤول، إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا. أي رجع إليه، ومآل الأمر مرجعه.

قال ابن فارس: التأويل: آخر الأمر وعاقبته، يقال: مآل هذا الأمر مصيره، واشتقاق الكلمة من الأَول وهو العاقبة والمصير

(1)

.

اصطلاحًا: حمل ظاهر على محتمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا

(2)

.

وهذا هو حد التأويل الصحيح، فالحمل بلا دليل مُحقَّق يسمى تأويلًا فاسدًا؛ لذا عرَّف الغزالي والرازي التأويل بقولهم: هو عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دلَّ عليه الظاهر

(3)

.

(1)

انظر إرشاد الفحول للشوكاني (2/ 32) ط دار الفضيلة.

(2)

شرح الكوكب المنير (3/ 461).

(3)

المستصفى (2/ 49) ط دار الفضيلة، المحصول (3/ 232).

ص: 236

*‌

‌ المسألة الثانية: معاني التأويل:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية

(1)

: لفظ التأويل صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان:

أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53]، ومنه قول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي» يتأول القرآن

(2)

.

والثاني: أن يراد بلفظ التأويل التفسير، وهو اصطلاح كثير من المفسرين ولهذا قال مجاهد إمام أهل التفسير: إنَّ الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه. فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه، وهذا مما يعلمه الراسخون.

والثالث: أن يراد بلفظ التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا

(1)

مجموع الفتاوى (1/ 303).

(2)

أخرجه البخاري (817)، ومسلم (484) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 237

يكون إلا مخالفًا لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله، والكلام، وظن هؤلاء أنَّ قوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] يراد به هذا المعنى، ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين: قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله، وقوم يقولون: إنَّ الراسخين في العلم يعلمونه.

*‌

‌ المسألة الثالثة: شروط التأويل الصحيح:

1 -

أن يحتمل اللفظ المعنى المؤول إليه حتى يصح صرف اللفظ إليه، وعلى ذلك يجب أن يوافق المعنى أحد الاستدلالات الآتية:

- الوضع اللغوي: كالصلاة هي الدعاء، والزكاة هي التطهير، والصوم الإمساك مطلقًا.

- الحقيقة الشرعية: وهو الاستعمال الذي وضعه الشارع لهذه الكلمة، فيجوز صرف الكلمة لهذا المعنى دون المعنى اللغوي.

- الحقيقة العرفية: وهي عامة كاستعمال الدابة لذوات الأربع، والغائط لما يخرج من الإنسان وهو مستقذر.

2 -

أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون صاحب ملكة فقهية تؤهله للنظر، وإلا كان قائلًا على الله بلا علم.

ص: 238

3 -

تحقيق التعارض، وذلك بأن يكون كلا الدليلين صحيحًا، فالقرآن لا يعارضه حديث ضعيف، بل الحديث الضعيف لا يعارض حديثًا صحيحًا، فإذا ما حصل هذا التعارض الموهوم سقط الضعيف، وبقي الصحيح القوي.

4 -

أن يستند التأويل إلى دليل صحيح صالح حتى يصح صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، والأدلة التي تصح أن تكون مرجحًا هي:

أ- نص من كتاب أو سنة، كقوله تعالى:{حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} [البقرة: 173].

فهذا يقتضي تحريم كل شيء من الميتة حتى جلدها، لكن لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة التي ماتت:«هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة. فقال: «إنما حرم من الميتة أكلها»

(1)

.

فهذا صرف للعموم في الآية عن ظاهره.

ب- الإجماع وشرطه أن يكون متيقنًا صحيحًا لا موهومًا، ومثاله: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى

(1)

أخرجه مسلم (363) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 239

ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9].

فظاهر الآية أنها تعم الرجال والنساء والعبيد والأطفال، لكن الإجماع أخرج غير الرجال البالغين من عموم النص.

ج- القياس: وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ومنهم من اشترط أن يكون جليًّا، و هذا كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل، فإنَّ الفارق بينهما لا تأثير له.

د- حكمة التشريع ومبادئه العامة، وهذه الحكمة حتى لا تُردَّ نصوص الشرع بالهوى

(1)

.

والدليل الصحيح هو الثابت، والدليل الصالح هو الدليل الذي يصح به الاستدلال في المسألة بعينها.

فالمؤول هو المعنى البعيد وهو المرجوح، وهو غير المتبادر إلى الذهن، فلو أريد باللفظ المعنى البعيد غير المتبادر إلى الذهن لا بد أن يكون عليه دليل صحيح صالح.

(1)

التأويل عند أهل العلم لأبي محمد الحسن بن علي الكتاني (8، 9).

ص: 240

مثال: حكم الزكاة؟

نقول: واجبة. والدليل: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، فهذا دليل صحيح أي ثابت، لكن غير صالح؛ لأنه يتحدث عن الصلاة لا الزكاة.

مثال آخر: قولهم بجواز التوسل بأصحاب القبور، ويستدلون بحديث غير صحيح:«إذا ضاقت عليهم الأمور فعليكم بأصحاب القبور»

(1)

، وهذا دليل صالح، أي في عين المسألة، ولكنه غير صحيح، ولم يثبت عن النبي فلا يجوز الاستدلال به.

وكذلك مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، فيقولون: إن استوى بمعنى استولى. فهذا التأويل غير صحيح؛ لأن لفظ استوى ليس من معانيه استولى عند البعض، ولا بد أن يتحمل اللفظ المعنى المؤول.

ثانيا: لو اعتبر أن استولى من معاني استوى، فهذا معنى بعيد مرجوح غير متبادر إلى الذهن؛ فلا بد من دليل للتأويل، قالوا: الدليل هو التنزيه. وهذا دليل صحيح أي ثابت، فنحن مأمورون بالتنزيه، ولكنه غير صالح في هذه المسألة؛ لأن التنزيه يكون عن صفات الذم، وصفة العلو ليست من صفات الذم، بل من صفات المدح.

(1)

ليس بحديث وهو من كلام غلاة الصوفية.

ص: 241

• أنواع التأويل:

1 -

التأويل الصحيح: وهو صرف اللفظ إلى المعنى البعيد بدليل صحيح صالح، كقوله تعالى:{فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26]، فهذا تأويل صحيح لأنَّ الصوم يراد به الصوم الشرعى، ويراد به الإمساك، فإذا أريد به المعنى البعيد وهو الإمساك عن الكلام والحركة لا بد أن يأتى بدليل، وهو قوله تعالى {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26].

2 -

التأويل الفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح، كتأويل المعطلة قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} إلى معنى استولى، والصواب أنَّ معناه العلو والارتفاع من غير تكييف، كما سبق.

مثال آخر: قول النبى صلى الله عليه وسلم لغيلان الثقفى حينما قال له: أسلمت وتحتى عشر من النسوة. قال له عليه الصلاة والسلام: «أمسك منهن أربعًا وفارق سائرهن»

(1)

، قال البعض: إنَّ المراد يطلق الجميع ثم يمسك أى يتزوج أربعة منهن، رغم أنَّ المعنى القريب هو أمسك أربعًا منهن أى من العشرة، وفارق أى طلق الباقى، فالمعنى الذى ذهبوا إليه معنى بعيد

(1)

مرسل، أخرجه مالك (1717)، والترمذي (1128)، وابن ماجه (1953) وغيرهم من طريق الزهري، واختلف عليه اختلافًا شديدًا في وصله وإرساله، ورجح الإرسال الترمذي وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي، وغيرهم.

ص: 242

غير متبادر إلى الذهن، ولكنه قد يكون صحيحًا إن وجد دليل عليه، وهم قالوا إنَّ الدليل هو أننا مأمورون بالعدل، فإمساك أربع وتطليق ست ظلم للست، والدليل (العدل)، وهو دليل صحيح، ولكنه غير صالح، فلو طلق الجميع ثم أراد أن يتزوج منهن فعلى أى أساس يختار منهن؟ قالوا: على أساس الأفضلية، إذن يوجد بينهن من هى أفضل، فلو طلقهن جميعًا لساوى بين الفاضل والمفضول وهذا ليس عدلًا، فالعدل يقتضى أن يمسك الفضلى، والأمر الثانى أنَّ قول النبى يدل على الظاهر «أمسك منهن أربعًا، وفارق سائرهن» ، أى باقيهن، فوجود الباقى يدل على أنَّ الإمساك قبل الطلاق.

ومثل قوله تعالى فى كفارة اليمين: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89]، أو فى الظهار {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4].

قال بعض الفقهاء: يجزئ أن يطعم مسكينًا واحدًا ستين مرة. فالمراد بستين مسكينًا ستين مدًّا، فيقال: إنَّ كلمة المسكين لا تطلق على المد فى اللغة، فاللفظ لايحتمل المعنى المصروف إليه، فلا يصح التأويل.

ص: 243

‌الفصل السادس:

المجمل والمبين

ص: 245

‌أولًا: المجمل

*‌

‌ المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا:

المجمل لغة: المبهم، من أُجمل الأمر أي أُبهم. وقيل: المجموع من أُجمل الحساب إذا جُمع وجعل جملة واحدة. وقيل: هو المحصَّل من أجمل الشيء إذا حصَّله

(1)

.

واصطلاحًا: هو ما لا يعقل معناه من لفظه، ويفتقر في معرفة المراد منه إلى غيره

(2)

.

وقيل: هو الكلام المبهم الذي لا يطاوع التنفيذ إلا ببيان، ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى يضامَّه تفسير يكشف عنه

(3)

.

وقيل: هو اللفظ المتردد بين مُحتَملَين فصاعدًا

(4)

.

قوله: (المتردد) احترازًا من النص، فإنه لا تردد فيه؛ لأنه لا يحتمل

(1)

البحر المحيط للزركشي (3/ 454)، الإحكام للآمدي (3/ 8).

(2)

اللمع للشيرازي (49).

(3)

قواطع الأدلة للسمعاني (1/ 444) ط دار الفاروق.

(4)

شرح مختصر الروضة (2/ 648) ط مؤسسة الرسالة.

ص: 247

إلا معنى واحدًا.

قوله: (على السواء) احترازًا من الظاهر، فإنه متردد بين محتملين، لكن لا على السواء، بل هو في أحدهما ظاهر.

وقيل: هو ما يتوقف فهم معناه على غيره، إما في تعيينه، أو بيان صفته، أو مقداره

(1)

.

مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فالقرء في اللغة يأتي بمعنى الطهر، ويأتي بمعنى الحيض، وكلا المعنيين متساويان، فهذا يسمى الإجمال، فلا بد من دليل ليبين المراد بلفظ القرء، وقد يكون الإجمال لعدم العلم بالمعنى، مثل قوله تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: 19]، فمعنى "هلوعًا" بين في قوله تعالى:{إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 20، 21]، إذن فالمجمل قد يكون لفظًا له أكثر من معنى، وكل المعاني متساوية، وقد يكون له معنى، ولكنه غير معلوم.

*‌

‌ المسألة الثانية: فائدة الإجمال قبل البيان:

1 -

اختبار العبد ليعرف قدر نفسه، حيث إنه إذا لم يتبين له الإجمال يعلم أنه بحاجة إلى فضل الله، وأنه لا يستقل بالفهم.

(1)

شرح الأصول من علم الأصول (250) ط ابن الجوزى القاهرة.

ص: 248

2 -

تشريف العبد بكثرة الخطاب؛ حيث يرد الإجمال، ثم يأتي البيان.

3 -

إعمال الذهن، وذلك لأنَّ الأفهام تتفاوت، فبيان المجمل من الشرع، لكن الاهتداء لهذا البيان يحتاج لنظر واجتهاد

(1)

.

4 -

تفاضل العلماء بالاجتهاد و استنباط المعاني.

قال السمعاني: فإن قيل: هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال؟!

قلنا: أجمل لتتفاضل درجة العلماء بالاجتهاد فيه، واستنباط معانيه

(2)

.

قال الزركشي: فالله جعل من الأحكام جليًّا، وجعل منها خفيًّا ليتفاضل الناس في العلم بها، ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرًا جليًّا، وجعل منها مجملًا خفيًّا

(3)

.

5 -

تهيئة النفوس لقبول الأحكام.

6 -

تشويق النفوس لأحكام الدين.

(1)

التحقيقات والتنقيحات لأبي عبيدة مشهور (254، 255).

(2)

قواطع الأدلة (1/ 402).

(3)

البحر المحيط (3/ 456).

ص: 249

*‌

‌ المسألة الثالثة: حكم العمل بالمجمل قبل ورود البيان.

الرأي الأول: وهو قول الماوردي والروياني:

أنَّ التزام المجمل قبل بيانه واجب، والدليل عليه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «ادعُهُم الَى شَهَادَة أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ الله، فَإن هُمْ أَطَاعُوكَ لذَلكَ، فَأَعلمهُم أَنَّ اللهَ عز وجل افتَرَضَ عَلَيهم خَمسَ صَلَوَاتٍ في كُلّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإن أَطَاعُوا لذَلكَ، فَأَعلمهُم أَنَّ اللهَ عز وجل افتَرَضَ عَلَيهم صَدَقَةً في أَموَالهم تُؤخَذُ من أَغنيَائهم وَتُرَدُّ في فُقَرَائهم»

(1)

.

ووجه الدلالة: أنه أوجب عليهم التزامها قبل بيانها

(2)

.

قال السمعاني: واختلف أصحابنا في كيفية التزامها قبل البيان.

فقال بعضهم: إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملًا، وبعد البيان بالتزامه مفسرًا

(3)

.

الرأي الثاني: وهو قول السرخسي، والشيرازي، والزركشي، وغيرهم:

(1)

أخرجه البخاري (2448)، ومسلم (19) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(2)

البحر المحيط للزركشي (3/ 455).

(3)

قواطع الأدلة (1/ 265).

ص: 250

وهو أنه لا يجوز العمل بالمجمل إلا بعد البيان، ولكن يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه، لذا «لما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ قَالَ لَهُ: اكتُب. قَالَ: رَبّ وَمَاذَا أَكتُبُ؟» فطلب القلم البيان؛ لأن اللفظ (اكتب) مجمل، فدل على أنَّ العمل بالمجمل قبل البيان لا يجوز إلا بعد البيان، فقال له:«اكتُب مَقَاديرَ كُلّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»

(1)

.

والعلة في ذلك: أنَّ الله تعالى لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به، فلا يكلف بالعمل به، وهذا دليل على أنه لا يلزمنا العمل بالمجمل.

ثم إنَّ اللفظ المتردد بين معنيين لا يخلو: إما أن يراد كل واحد منهما حقًّا، وهذا باطل؛ لأنه يستحيل أن نعمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر.

وإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل؛ لأنه يؤدي إلى خلو اللفظ عن المعنى.

وإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر، وهو الصحيح، لكننا لا

(1)

صحيح بمجموع الطرق، أخرجه أحمد (22705)، وأبو داود (4700)، والترمذي (2155)، وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث (2018).

ص: 251

نعرف المراد من هذين المعنيين إلا بدليل خارجي، وهو المبين.

ولتوضيح ذلك نقول:

معنى العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع، وهو لا يجوز، وذلك لأنَّ اللفظ إذا تردد بين معنيين: فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر، فهذه أربعة أقسام (أليس المفترض ثلاثة)، يسقط الثاني منها وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأنَّ ذلك ليس من شأن الحكماء أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به المعنى، فيبقى ثلاثة أقسام، فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان احتمل أن نوافق مراد الشرع فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه فنخطيء حكمه، فاتقق بذلك أنَّ العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.

وأما أنَّ ذلك لا يجوز، فلأنَّ حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه، فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة، وذلك لا يجوز.

مثال ذلك: لو قال: إذا غاب الشفق فصلوا العشاء الآخرة. احتمل أن يريد بالشفق الحمرة والبياض جميعًا، وأن يريد الحمرة فقط، وأن يريد البياض فقط، فبتقدير أن يريدهما جميعًا، فلو صلينا قبل مغيب البياض أخطأنا، فلما جاء البيان بقوله: (الشفق الحمرة، فإذا غاب

ص: 252

الشفق فقد وجب عشاء الآخرة)

(1)

علمنا المراد.

وكذلك قوله عز وجل: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، احتمل أنَّ المراد الحُيَّض والأطهار، وأنَّ العدة تنقض بأيهما كان، واحتمل أنَّ المراد الحيَّض فقط، أو الأطهار فقط، فلو أمرناها قبل البيان ببعض هذه الاحتمالات، ولم يوافق مراد الشرع فيه كنا مخطئين، فلما جاء البيان بقوله تعالى:{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4].

دل على أنَّ المراد بالقرء الحيض؛ لأنه في هذه الآية جعل الشهور في الآية بدلًا من الحيض بقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق: 4]، ولم يقل:(يئسن من الأطهار)، وأكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للحائض:«امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي»

(2)

(3)

.

(1)

أسانيده ضعيفة مرفوعًا، وصح عن ابن عمر موقوفًا، أخرجه الدارقطني في سننه (1056)، والبيهقي في الكبرى حديث (1744) وسنده ضعيف، ورواه عبد الرزاق (2122) عن ابن عمر موقوفًا، وسنده صحيح.

(2)

أخرجه مسلم (334).

(3)

شرح مختصر الروضة (2/ 656، 657).

ص: 253

*‌

‌ المسألة الرابعة: هل يدخل الإجمال الأفعال؟

الإجمال كما يكون في اللفظ يكون في الفعل، مثاله: أن يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فعلًا يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه أنه جمع بين الصلاتين في السفر، فإنَّ هذا مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون في سفر طويل، أو سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل.

ومثله ما يروى أنَّ رجلًا أفطر فأمره النبي بالكفارة، فهو مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون الإفطار بالجماع، أو بتناول الطعام، فلا يحمل على أحدهما دون الآخر إلا بدليل، فهذه الوجوه تفتقر إلى دليل

(1)

.

قال الإسنوي: المجمل قد يكون فعلًا أيضًا، كما إذا قام النبي صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية، فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد، فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو فلا يدل عليه

(2)

.

(1)

اللمع للشيرازي (156).

(2)

نهاية السول شرح منهاج الوصول (2/ 512).

ص: 254

*‌

‌ المسألة الخامسة: أسباب الإجمال في نصوص الشريعة

(1)

:

1 -

تعدد موضع الضمير إذا تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يَمنَع جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغرزَ خَشَبَهُ في جدَاره»

(2)

.

فضمير الجدار يحتمل العود على نفسه أي في جدار نفسه، أو على جاره أي في جدار جاره.

وكقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، فالهاء في (يرفعه) إما أن تعود على الله سبحانه وتعالى، ويكون المعنى حينها أنَّ الله هو الذي يرفع العمل الصالح، وإما أن تعود على (الكلم الطيب)، فالعمل الصالح لا يرتفع إلا بكلمة التوحيد، وهو الكلم الطيب.

2 -

تعدد مرجع الصفة: والمعنى أن تأتي صفة في نص ويحتمل فيها الإجمال.

مثال: زيد طبيب ماهر. فيحتمل أنه ماهر في الطب، أوأنه طبيب وماهر، فهذا الوصف متردد بين المهارة مطلقًا، والمهارة في الطب، كما

(1)

المستصفى للغزالي (1/ 479)، البحر المحيط (3/ 459)، التحقيقات والتنقيحات السلفيات، للشيخ مشهور (ص 241).

(2)

أخرجه البخاري (2463)، ومسلم (1609) من حديث أبي هريرة.

ص: 255

قال ابن الحاجب، وغيره

وكما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245]، فكلمة (حسنًا) صفة يحتمل أن تعود على المفعول المطلق (قرضًا)، فيكون الإقراض الحسن هو الخالص لوجه الله تعالى، ويحتمل أنها تعود على القطعة من المال، فيكون القرض الحسن هو المال الحسن الذي يكون حلالًا من خيار المال، فالصفة هنا مترددة بين أن تكون صفة للقرض أو صفة للمال.

3 -

تعدد مرجع الإشارة، بمعنى أن يكون عندنا اسم إشارة، ويحتمل أن يعود على أكثر من شيء فيحدث الإجمال.

مثاله: قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3]. فاسم الإشارة (ذلك) يحتمل أن يعود على الزنا، أو على زواج الزاني.

4 -

التردد الحاصل من إرادة فرد معين من أفراد حقيقية وُضع اللفظ لكل منها.

مثاله: القرء، المتردد بين معنيين، وهما الطهر والحيض.

وكقول الله سبحانه وتعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237]، فالذي بيده عقدة النكاح أمر متردد بين الزوج،

ص: 256

والولي.

5 -

قد يكون الإجمال بحسب الوقف والابتداء، فإنَّ الوقف على (السماوات) في قوله تعالى:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3]، له معنى يخالف الوقف على (الأرض)، والابتداء بقوله:(يعلم سركم و جهركم).

وقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، من غير وقف يخالف الوقف على قوله (إلا الله)، وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء.

6 -

التردد بين كون الكلمة اسمًا أو فعلًا.

مثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهلَكُهُم»

(1)

، بالضم أي أشدهم هلاكًا، وفي رواية (أهلَكَهم)، ف (أهلَكَهم) فعل بمعنى: جعلهم في هلاك، أي جعلهم يهلكون.

7 -

تعدد متعلق الظرف، والمعنى أن يكون عندنا ظرف فيتعدد متعلقه.

(1)

أخرجه مسلم (2623) من حديث أبي هريرة.

ص: 257

*‌

‌ المسألة السادسة: هل يجوز بقاء المجمل دون بيان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:

المذهب الأول: يجوز بقاء المجمل دون بيان مطلقًا، ودليلهم أنه لا يترتب على بقاء المجمل محال عقلًا فكان جائزًا.

وأجيب: لا نسلم بذلك، فإنَّ بقاء المجمل بدون بيان يترتب عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز اتفاقًا.

المذهب الثاني: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقًا، وهو مذهب كثير من العلماء.

ودليلهم: أنَّ وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم بيان المجمل كما بينها الله في قوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، فبقاء المجمل بدون بيان تقصير، وإخلال بهذه الوظيفة، وهذا غير جائز.

وأجيب: بأنَّ المقصود من الآية بيان الأحكام الشرعية التكليفية، ما يتعلق بها حتى يعبد الناس ربهم على بصيرة، وهي ما تدعوا الحاجة إليها، أما ما لا تدعو الحاجة إليها، فلا يلحق الناس حرج فيما لو لم يعلموا بيانه.

ص: 258

المذهب الثالث: التفصيل بين ما يتعلق به حكم تكليفي وغيره، والمعنى: ما يترتب عليه عمل بخلاف ما لا يترتب عليه عمل، كالوقف على الواو في قوله تعالى:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، فما يتعلق به حكم تكليفي فلا يجوز، أما غيره فيجوز؛ لأنَّ المجمل لو تعلق به حكم تكليفي لم يجز بقاؤه مجملًا؛ لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، أما إذا لم يتعلق ببيانه حكم تكليفي، فيجوز بقاؤه مجملًا لعدم وجود ضرورة تدعو إلى بيانه

(1)

.

(1)

البحر المحيط (2/ 101)، المهذب في أصول الفقه المقارن للدكتور عبد الكريم نملة (3/ 1240) ط مكتبة الرشد.

ص: 259

‌ثانيا: المبين

*‌

‌ المسألة الأولى: المراد بالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان.

• أولًا: المبيَّن (بفتح الياء).

لغة: اسم مفعول من التبيين، وهو الواضح، وهو المقابل للمجمل؛ لأنه المتضح معناه فلا يفتقر إلى بيان من الخارج.

واصطلاحًا: يطلق ويراد به ما كان من الخطاب المبتدأ المستغني بنفسه عن البيان.

وقد يطلق و يراد به ما كان محتاجًا إلى البيان، وهو الواضح بغيره، وذلك كاللفظ المجمل إذا بيّن المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد التقييد

(1)

.

• ثانيًا: المبيِّن (بكسر الياء).

لغة: اسم فاعل، وهو الموضح لإجمال المجمل.

(1)

الإحكام للآمدي (3/ 30)، المحصول للرازي (3/ 227).

ص: 260

واصطلاحًا: الدليل الذي جعل به الإيضاح

(1)

.

• ثالثًا: البيان.

لغة: اسم مصدر مشتق من التبيين، يقال: بَيَّن يُبَيّن تبيانًا وبيانًا، كما يقال: كلَّم يكلّم تكليمًا وكلامًا

(2)

.

واصطلاحًا: الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى ما هو دليل عليه

(3)

.

*‌

‌ المسألة الثانية: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟

اتفق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق

(4)

.

واستدل العلماء على عدم الجواز بما يلي:

أولًا: أنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفًا بما لا يطاق، وهو غير جائز، حيث لا قدرة للمكلف على الامتثال، وهو غير واقع

(1)

نهاية السول شرح منهاج الأصول (1/ 468).

(2)

المحصول للرازي (3/ 226).

(3)

اللمع للشيرازي (160).

(4)

المستصفى للغزالي (1/ 192)، المنخول للغزالي (1/ 128)، الموافقات للشاطبي (4/ 140) ط دار ابن القيم، روضة الناظر لابن قدامة (1/ 185)، قواطع الأدلة للسمعاني (1/ 295).

ص: 261

شرعًا، كأن يقول لهم: صلوا الظهر. ثم لا يبين لهم كيف يصلون

(1)

.

ثانيًا: أنَّ من شروط التكليف العلم بالمكلف به، والتكليف بما لا يعلم تكليف بما لا يطاق، وقد قال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهذا ليس من وسعه، وقد نقل القاضي في مختصر التقريب إجماع أرباب الشرائع على ذلك

(2)

.

ثالثًا: أنَّ وقت الحاجة وقت للأداء، فلا يمكن الامتثال من غير بيان، فإذا لم يكن مبينًا تعذر الأداء، فالبيان ضرورة من الضرورات التي لا بد منها

(3)

.

*‌

‌ المسألة الثالثة: قواعد متفرعة على قاعدة عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

خرَّج العلماء على هذه القاعدة قواعد كثيرة، من أهمها:

1 -

حجية تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لما فُعل، أو قيل بحضرته، أو في زمنه وعلم به، وهو ما يسمى بالسنة التقريرية، وهو استدلال بالسكوت، أو ترك التفصيل والبيان؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز له شرعًا أن يسكت عن

(1)

المحصول للرازي (3/ 279)، تيسير الوصول إلى قواعد الأصول (1/ 149).

(2)

تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية (3/ 1).

(3)

اللمع للشيرازي (161) بتصرف، المهذب في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم النملة (3/ 1264).

ص: 262

بيان الحق عند الحاجة إليه.

2 -

رتب الشافعي على ذلك قاعدة من قواعد العموم، ونصها: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

والمعنى: أن يُسأل النبي عن مسألة تحتمل أكثر من وجه فيفتي النبي صلى الله عليه وسلم فيها من غير استفصال من السائل، فيدل على أنَّ حكم جميع الأوجه واحد.

3 -

إجراء العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه إذا حضر وقت العمل، ولم يُبَيّن الشارع للأمة تخصيص ذلك العام أو تقييد المطلق، وقد فرَّع الأصوليون على ذلك مسائل أصولية فرعية

(1)

.

تتمة:

قد تدعو الحاجة إلى تعجيل بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، وقد تدعو الحاجة إلى تأخير هذا البيان.

ومن أمثلة تأخير البيان لأجل الحاجة:

1 -

أنَّ المُبَلِّغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا ابتداءً، فعليه أن يبلغ من يستطيع تبليغه.

(1)

انظر أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله للدكتور عياض السلمي (218).

ص: 263

2 -

أن المُبَلِّغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا بجميع الواجبات جملةً، بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان على سبيل التدرج، فيبدأ بالأهم ويؤخر غيره، وهذا التأخير لا ينفي قيام الحاجة التي هي سبب وجوب البيان، بل الحاجة قائمة إلا أنَّ حصول الوجوب والعقاب على الترك ممتنع لوجود المزاحم الموجب للعجز.

3 -

أن يكون في الإمهال وتأخير البيان من المصلحة ما ليس في المبادرة؛ إذ البيان يجب على الوجه الذي يحصل به المقصود، فيكون تأخير البيان هو البيان المأمور به.

مثل: تأخير البيان للأعرابي المسيء صلاته إلى المرة الثالثة

(1)

.

*‌

‌ المسألة الرابعة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة؟

اختلف العلماء في ذلك على مذاهب

(2)

:

المذهب الأول: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقًا، وهو قول الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وهو

(1)

انظر معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني.

(2)

الإحكام للآمدي (3/ 37)، وما بعدها، المحصول للرازي (3/ 282) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه بتصرف كبير (3/ 1265)، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (279) وما بعدها.

ص: 264

الراجح؛ لما يلي:

الدليل الأول: قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18 - 19]، ووجه الاستدلال: قوله {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} معناه أنزلناه، ويدل عليه قوله {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ؛ حيث أمر الله نبيه بالاتباع بفاء التعقيب لقوله {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} ، ولا يتصور ذلك قبل الإنزال لعدم معرفته به، وإنما يكون بعد الإنزال، وإذا كان المراد بقوله (قرأناه) هو الإنزال، فإنَّ قوله {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} يدل على تأخير البيان عن وقت الإنزال؛ لأنَّ (ثم) للترتيب مع التراخي.

فإن قيل: إنَّ المراد بالبيان المذكور في الآية البيان التفصيلي، وتراخي البيان التفصيلي عن وقت الخطاب مسلم لا نزاع فيه، إنما النزاع في البيان الإجمالي.

أجيب: بأنَّ تقييد البيان في الآية بالبيان التفصيلي تقييد بلا دليل؛ لأنَّ البيان ذكر مطلقًا، ولا يوجد ما يقتضي تقييده.

الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43].

ثم جاء بيان ذلك في السنة، فأخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بيَّن ذلك جبريل للنبي، وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين. ثم بيَّن النبي لأمته، وقال: «صَلُّوا كَمَا

ص: 265

رَأَيتُمُوني أُصَلّي»

(1)

.

وكذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]؛ حيث بين النبي أفعال الحج وذلك في السنة العاشرة، وقال:«لتَأخُذُوا مَنَاسكَكُم»

(2)

، ولا شك أنَّ هذا البيان في الصلاة، والزكاة، والحج لم يكن مقارنًا لنزول الآيات التي فيها الأمر بها.

الدليل الثالث: قوله تعالى لنوح عليه السلام: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: 40]، ففهم نوح أنَّ ابنه من أهله، وأخر الله عز وجل بيان أنَّ ابن نوح ليس من أهله إلى وقت الحاجة، فلما أدرك ابن نوح الغرق خاطب نوح ربه فيه بقوله:{إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45] أي وعدتني أن تنجيني وأهلي، وأنت أهلكته فأنجه، فبييَّن الله أنه عمل غير صالح، وأنه ليس من أهله، فلم يبين الشارع ذلك وقت الخطاب، بل أخره إلى وقت الحاجة.

الدليل الرابع: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41]، ثم

(1)

أخرجه البخاري (7246).

(2)

أخرجه مسلم (1297).

ص: 266

بيَّن النبي أنَّ ذلك التقسيم بعد سلب القاتل، وأنَّ المقصود بذي القربى هم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وأنَّ بني أمية وبني نوفل داخلين في ذوي القربى، فلما سئل عن ذلك قال:«إنَّمَا بَنُو هَاشمٍ وَبَنُو المُطَّلب شَيءٌ وَاحدٌ»

(1)

.

فثبت أنَّ قوله: (ولذي القربى) لم يبين إلا عند وقت الحاجة، فدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.

المذهب الثاني: المنع من تأخير البيان مطلقًا، سواء كان المراد بيانه له ظاهر يفهم ويعمل، كالعام والمجمل، أو ليس له ظاهر كالمجمل إلا النسخ فقط، فيجوز فيه ذلك، وهو مذهب بعض الحنفية، والمعتزلة، وبعض الشافعية، ونسب إلى الصيرفي.

والأدلة:

الدليل الأول: أنَّ تأخير البيان عن الخطاب المحتاج إلى بيان فيه تجهيل للمكلف، وإيقاع له في اعتقاد ما لم يرده الله، وهذا قبيح، فيمتنع على العليم الحكيم.

أجيب: بأنَّ ما يحتاج إلى بيان موقوف اعتقاده والعمل به على ورود البيان، والمطلوب من المكلف اعتقاد أنه حق وصدق على مراد

(1)

أخرجه البخاري (3502)، من حديث جبير بن مطعم.

ص: 267

الله من غير جزم باحتمال معين من بين الإحتمالات، ولا يلزم فيه التجهيل.

الدليل الثاني: أنه يراد بالخطابات تفهيم السامع للمطلوب فيها لكي يعمل بها، وهذه هي فائدتها، والخطاب بالمجمل بدون توضيحه وبيانه خطاب بما لا يفهم، وهو لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه يكون وجوده كعدمه، وهو عبث يتنزه الله عن الكلام به.

وأجيب: لا نسلم بعدم وجود الفائدة في الخطاب بالمجمل، حيث توجد فائدة في الخطاب به، وهي معرفة أنَّ هناك أمرًا ونهيًا في الشريعة؛ ليعرف بذلك المكلف العازم على امتثال الأمر الذي ورد في هذا الخطاب المجمل، والمكلف العازم على ترك المنهي عنه الوارد في المجمل إذا بيّن له، فالمكلف العازم على الفعل في حالة الأمر، والعازم على الترك في حالة النهي -بعد البيان- يستحق الثواب، ويسقط عنه العقاب، فإنَّ قوله تعالى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] خطاب مجمل، خاطبنا به الشارع لوجود الفائدة فيه وهي:

1 -

وجوب إيتاء حق الزارع.

2 -

وقت دفع زكاة الزرع.

3 -

أنه حق المال.

ص: 268

فيمكن للمكلف هنا أن يعزم فيه على الامتثال والاستعداد لذلك فيثاب عليه، ولو عزم على ترك الامتثال لكان عاصيًا.

المذهب الثالث: جواز تأخير المجمل دون غيره من العام والمطلق، وهو مذهب الحسن البصري، وأبي الحسن الكرخي، وهو منقول عن الصيرفي، وأبي حامد المروزي، واختاره الدقاق من الشافعية.

دليله: أن المجمل ليس له ظاهر يمكن العمل به، فلا يلزم من تأخير بيانه إيقاع المكلف في اعتقاد الخطأ؛ لأنه لا يفهم منه معنى معين فمعانيه متساوية في الفهم، أما العام الذي أريد به الخصوص، والمطلق الذي أريد به المقيد، فلو أخر البيان لأدى ذلك إلى اعتقاد ما ليس مرادًا لله تعالى، ولذا جاز تأخير بيان المجمل دون غيره.

وأجيب:

1 -

بأنَّ اعتقاد العموم في العام المخصوص، أو الإطلاق في المطلق المراد به المقيد لا ينبغي أن يقع من المكلف؛ إذ الواجب أن يعتقد أنه عام محتمل للتخصيص، أو مطلق محتمل للتقييد لا أن يجزم بكونهما على العموم أو الإطلاق، وأما العمل فلو حضر وقته قبل التخصيص والتقييد علم أنَّ العموم والإطلاق مرادان.

2 -

أنَّ ذلك يبطل بالنسخ؛ لأن ما ذكرتموه موجود فيه، فالسامع

ص: 269

يعتقد استمراره وعمومه، وهو اعتقاد جهل، كما أنَّ له أن يخبر عنه، وقد جوزنا تأخيره على أنه عندما يعتقد عموم اللفظ العام بشرط عدم وجود ما يخصه، وإذا ورد تخصيصه علمنا أنَّ المخصوص لم يدخل في العموم.

*‌

‌ المسألة الخامسة: هل يقع البيان بالفعل؟

اختلف العلماء في ذلك على مذاهب

(1)

:

المذهب الأول: أنَّ الفعل يكون بيانًا، وهو مذهب الأكثرين، وهو الراجح؛ لما يلي:

أولًا: أنَّ النقل والعقل يدلان على ذلك، أما النقل: فبيان النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل، حيث قام النبي صلى الله عليه وسلم بأفعال المناسك أمام الأمة بيانًا لمجمل قوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:«خذوا عني مناسككم»

(2)

، وهذا بيان بالفعل، وحيث إنه عرف الصلاة بفعله حيث قال:«صلوا كما رأيتموني أصلي»

(3)

.

وأما العقل: فهو أنَّ الإجماع على كون القول بيانًا، والإتيان بأفعال

(1)

انظر الإحكام للآمدي (3/ 27) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه بتصرف (3/ 1249) وما بعدها.

(2)

أخرجه مسلم (1297) من حديث جابر مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (7246).

ص: 270

الصلاة والحج بكونها مشاهدة أدلُّ على معرفة تفصيلها من الإخبار عنها بالقول، فإنه ليس الخبر كالمعاينة، ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الإخبار عنه بذلك، وإذا كان القول بيانًا مع قصوره في الدلالة على الفعل المشاهد فكون الفعل بيانًا أولى.

المذهب الثاني: أنَّ الفعل لا يكون بيانًا لعدم وقوعه في الشريعة.

الدليل الأول: ما ذُكر أنَّ النبي قد بيَّن بفعله كيفية الصلاة والحج، فليس بصحيح؛ لأن البيان فيه وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله:«صلوا كما رأيتموني أصلي» ، «خذوا عني مناسككم» ، وهما قولان وليسا بفعلين.

وأجيب: بأنَّ القول بأنَّ البيان إنما جعل بالقول ليس كذلك، فإنه لم يتضمن تعريف شيء من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أنَّ الفعل هو البيان لذلك، كأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: انظروا إلى فعلي في الصلاة والحج وافعلوا مثله. فكان فعله للصلاة من ركوع، وسجود، وقيام، وتسليم هو المبين لقوله:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، وفعله في الحج من وقوف بعرفات، وطواف، وسعي هو المبين لقوله:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97].

الدليل الثاني: أنَّ الفعل وإن كان مشاهدًا غير أنَّ زمان البيان به قد

ص: 271

يطول مما يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكان تعجيله بالقول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكانه لا يجوز.

وأجيب:

1 -

أننا لا نسلم أنَّ البيان بالفعل فيه طول، بل قد يكون البيان بالقول أطول من البيان بالفعل، فذكر كل فعل بصفته وهيئته وما يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة على ما يشهد به العرف والعادة.

2 -

أننا لو سلمنا أنَّ زمان التعريف بالفعل يكون أطول فليس ما يدل على كونه صالحًا للبيان والتعريف.

المذهب الثالث: أنَّ الفعل يحصل به البيان بشرط الإشعار به من مقال، أو قرينة حالٍ، وإن لم يوجد ذلك لا يحصل للمكلف البيان، وهو مذهب المازري.

ودليله: أنَّ القرينة قد ساعدت الفعل لبيان ذلك المجمل.

وأجيب: أنَّ الخلاف في الفعل المجرد عن القرينة، هل يصلح أن يكون بيانًا أو لا، أما ما وجدت فيه قرينة فلا خلاف فيه.

ص: 272

‌الفصل السابع:

المنطوق والمفهوم

ص: 273

‌أولًا: المنطوق:

*‌

‌ المسألة الأولى: تعريف المنطوق.

المنطوق لغة: اسم مفعول من نطق بمعنى تكلم

(1)

.

اصطلاحًا: ما دل عليه اللفظ في محل النطق به

(2)

.

مثل وجوب الزكاة في الغنم السائمة المأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «في الغنم السائمة زكاة»

(3)

.

وكذلك حل البيع وتحريم الربا الذي دل عليه صريح منطوق قول الله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

*‌

‌ المسألة الثانية: الفرق بين المنطوق والمجمل.

أولًا: المنطوق دل لفظه على معنى يجب العمل به، أما المجمل فإنَّ لفظه دل على معانٍ محتملة، ولا يمكن العمل بأحدها إلا بدليل.

(1)

شرح تنقيح الفصول في علم الأصول (2/ 223).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 763)، شرح الكوكب المنير (3/ 473).

(3)

أخرجه البخاري (1454) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: (وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ).

ص: 275

ثانيًا: يستفاد من المنطوق معان، ولكنها ليست مستفادة من نفس اللفظ، ولكن تعتمد عليه فقط، كتحريم سب وضرب الوالدين اعتمادًا على تحريم التأفف، أما المجمل فلا يعتمد لفظه على فهم معان أخرى.

*‌

‌ المسألة الثالثة: أقسام المنطوق:

ينقسم المنطوق إلى قسمين:

الأول: ما لا يحتمل التأويل وهو النص.

الثاني: ما يحتمله وهو الظاهر

(1)

.

(1)

إرشاد الفحول (2/ 763).

ص: 276

‌ثانيًا: المفهوم

*‌

‌ المسألة الأولى: توطئة:

قال الزركشي

(1)

: اعلم أنَّ الألفاظ ظروف حاملة للمعاني، والمعاني المستفادة منها تارة تستفاد من جملة النطق والتصريح، وتارة من جهة التعريض والتلويح.

والأول ينقسم إلى: نص إن لم يحتمل، وظاهر إن احتمل.

والثاني: هو المفهوم، وهو بيان حكم المسكوت بدلالة لفظ المنطوق، وسمي مفهومًا لا لأنه غيره؛ إذ المنطوق أيضًا مفهوم؛ بل لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، فلما فهم من غير تصريح بالتعبير عنه سمي مفهومًا.

أولًا: المفهوم لغة: اسم مفعول من الفهم، وهو ما يستفاد من اللفظ

(2)

.

(1)

البحر المحيط (4/ 5).

(2)

المهذب في علم أصول الفقه المقارن (4/ 739).

ص: 277

واصطلاحًا: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي يكون حكمًا لغير مذكور، وحالًا من أحواله

(1)

.

*‌

‌ المسألة الثانية: تعريف مفهوم الموافقة:

مفهوم الموافقة: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وموافقته له نفيًا أو إثباتًا.

مثاله: قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فالمنطوق يدل على تحريم التأفف، والمفهوم المسكوت عنه هو الضرب والسب، وهو محرم من باب أولى.

*‌

‌ المسألة الثالثة: أسماء مفهوم الموافقة

(2)

:

الاسم الأول: مفهوم الموافقة، وهذا عند الشافعية، وجمهور العلماء، وسموه بهذا؛ لأنَّ مدلول اللفظ في محل السكوت موافق لمدلوله في النطق.

الاسم الثاني: دلالة النص، وهذا عند الحنفية، ويقصدون بهذا ما ثبت بمعنى النص لا اجتهادًا ولا استنباطًا.

(1)

الإحكام للآمدي (3/ 66)، إرشاد الفحول (2/ 763).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 695)، شرح الكوكب المنير (3/ 484)، المهذب في أصول الفقه (4/ 1743، 1744).

ص: 278

الاسم الثالث: دلالة الدلالة، وهذا عند بعض العلماء، ووجه ذلك أنَّ الحكم فيها يؤخذ من معنى النص لا من لفظه.

الاسم الرابع: مفهوم الخطاب، وهذا عند ابن فورك وأبي يعلى.

الاسم الخامس: القياس الجلي، وهذا عند الشافعي، ووجه ذلك: أنه إلحاق المسكوت بالمنطوق لمعنى يقتضي ذلك.

الاسم السادس: دلالة التنبيه الأولى.

الاسم السابع: فحوى اللفظ، ويعبر عن ذلك بعضهم بفحوى الخطاب، ووجه ذلك: أنَّ الحكم الذي يثبت لمنطوقه يثبت لغير المذكور بروحه، ومعناه، ومعقوله، ويطلقه البعض على نوع معين منه وهو مفهوم الأولى.

الاسم الثامن: لحن الخطاب، ويعبر بعضهم عنه بقوله: لحن القول، ويطلقه البعض على نوع معين منه وهو المفهوم المساوي.

*‌

‌ المسألة الرابعة: شروط مفهوم الموافقة:

الشرط الأول: فهم المعنى في محل النطق بأن عرف المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه، وعرف وجوده في المسكوت عنه، كالتعظيم في قوله تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فإنا فهمنا أنَّ المعنى المقتضى لهذا النهي هو تعظيم الوالدين، فلذلك

ص: 279

فهمنا تحريم الضرب بطريق أولى حتى لو لم نفهم من ذلك تعظيمًا لما فهمنا تحريم الضرب أصلًا، لكنه لما نفى التأفف للأعم دل على نفي الضرب للأخص بطريق أولى، فإن لم يفهم المعنى في محل النطق لم يحصل مفهوم الموافقة؛ إذ لا يجوز أن يحضر بين يدي السلطان منازع له في ملكه فيقول: اقتلوا هذا ولا تصفعوه. ولا يكون ذلك متنافيًا، ولا يفهم من نفي الصفع نفي القتل؛ لأنه يأمر بقتله ليكتفي شره، وينهى عن صفعه مراعاة للجامع الجنسي بينهما، وهو حرمة الملك، ومنصب الرياسة

(1)

.

الشرط الثاني: أن يكون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق به أو مساويًا له.

ومثال الأول: تحريم ضرب الوالدين أخذًا من النهي عن التأفيف لهما.

ومثال الثاني: تحريم إحراق مال اليتيم على أكله المنهي عنه بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10]، فإنَّ إحراقه مساوٍ لأكله ولا فرق

(2)

.

(1)

شرح مختصر الروضة للطوفى (2/ 716).

(2)

المهذب في أصول الفقه (4/ 1746).

ص: 280

*‌

‌ المسألة الخامسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أولى أو مساويًا:

ينقسم مفهوم الموافقة إلى قسمين:

القسم الأول: مفهوم موافقة أولى (فحوى الخطاب): وهو ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، أي أنَّ المناسبة بين المسكوت عنه، وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا الحكم، فيكون المسكوت عنه أولى منه بالحكم، وهو ما يسمى بالتنبيه بالأدنى على الأعلى.

مثاله: قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75].

فإنَّ هذا تنبيه -وهو عدم أدائه للدينار- على الأعلى -وهو عدم أدائه للأكثر من الدينار-، أي إن كان لا يؤدي الدينار مع قلته، فإنه من باب أولى لا يؤدي ما هو أكثر منه.

وكقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]، فمثقال الجبال المسكوت عنه أولى بالحكم من مثقال الذرة.

ص: 281

وكنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الأضحية بالعوراء

(1)

، فمن باب أولى الأضحية بالعمياء.

القسم الثاني: مفهوم موافقة مساوٍ (لحن الخطاب): وهو ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق في الحكم، والمعنى: أنَّ المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر المناسبة الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.

مثاله: قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء: 10]، فالمفهوم المساوي تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره

(2)

.

*‌

‌ المسألة السادسة: هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، أو دلالة ظنية؟

• اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية، وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية كابن الحاجب والقرافي، وبعض

(1)

إسناده صحيح، أخرجه النسائي (4369) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.

(2)

شرح الكوكب المنير (3/ 482)، شرح مختصر الروضة (2/ 715)، إرشاد الفحول (2/ 764).

ص: 282

الشافعية كالآمدي وابن السبكي، وكثير من الحنابلة كأبي يعلى.

أدلتهم:

الدليل الأول: أنَّ التنبيه بالأدنى على الأعلى أو بأحد المتساويين على الآخر أسلوب عربي بليغ وضعته العرب، واستعملته للمبالغة في تأكيد الحكم في محل السكوت؛ لأنه أدل من التصريح بالحكم، فإنَّ قولهم: فلان يأسف بشم رائحة مطبخه. أبلغ عندهم من قولهم: فلان لا يُقري الضيف. وقولهم: فرسك لا يلحق غبار فرسي. أبلغ من قولهم: فرسك لا يسبق أو لا يلحق فرسي.

الدليل الثاني: أنَّ شرط هذا المفهوم فهم المعنى في محل النطق، وكونه أشد مناسبة للحكم في محل السكوت، ولو كان قياسًا لما اشترط هذا الشرط الأخير فيه

(1)

.

المذهب الثاني: أنَّ دلالة مفهوم الموافقة من قبيل القياس، وهو ما يسمى بالقياس الجلي.

وهو مذهب الشافعي، وأكثر الشافعية كإمام الحرمين، والشيرازي، والرازي، وبعض الحنابلة كأبي الحسن الخرزي.

(1)

الإحكام للآمدي (3/ 67)، المستصفى للغزالي (2/ 190).

ص: 283

حجتهم:

قالوا: لأنه إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في الحكم لاشتراكهما في المقتضي، وهو حقيقة القياس، كإلحاق النبيذ بالخمر في التحريم لاشتراكهما في الإسكار، وكقياس الجوع ونحوه من موانع كمال الفكر في منع الحاكم من الحكم على الغضب لمنعهما من كمال الفكر المستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام:«لا يقضي القاضي وهو غضبان»

(1)

، فكذلك ههنا أركان القياس الأربعة موجودة فيه.

الأصل: وهو تحريم التأفف.

والفرع: وهو تحريم الضرب.

والعلة: وهو تعظيم الوالدين.

والحكم: وهو التحريم.

فليكن قياسًا لاجتماع أركان القياس فيه.

وأجيب: لا نسلم بأنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية لوجود الفرق بينهما:

(1)

أخرجه البخاري (7158)، ومسلم (1717) من حديث أبي بكرة مرفوعًا بلفظ:«لا يَقضيَنَّ حَكَمٌ بَينَ اثنَين وَهُوَ غَضبَانُ» .

ص: 284

أولًا: مفهوم الموافقة قاطع يسبق إلى الفهم بلا تأمل، فلا يكون قياسًا؛ إذ لا بد في القياس من التأمل والنظر في تحقيق أركانه، ولا كذلك هذا فإنَّ السامع بمجرد سماعه:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} يسبق إلى ذهنه النهي عن الضرب بلا تأمل.

ثانيًا: أنَّ الفرع في القياس يشترط فيه أن يكون أدنى من الأصل، أما في مفهوم الموافقة، فإنه يشترط أن يكون مساويًا للأصل أو أعلى منه.

ثالثًا: أنَّ الأصل في القياس أنه لا يجوز أن يكون جزءً من الفرع، ومندرجًا تحته بالإجماع بخلاف مفهوم الموافقة، فإنه قد يقع ذلك، مثل قوله تعالى:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، فإنَّ ذلك يدل بمفهوم الموافقة على أنَّ ما زاد على الذرة حكمه حكم الذرة، والذرة جزء من هذه الزيادة

(1)

.

• بيان نوع الخلاف:

الراجح -والله أعلم-: أنَّ الخلاف معنوي لترتب بعض الخلاف بناءً على هذا الخلاف في بعض المسائل، ومنها:

1 -

من يرى أن دلالة مفهوم الموافقة لفظية قد تعامل مع ذلك مثل

(1)

شرح الكوكب المنير (3/ 484)، شرح مختصر الروضة (2/ 716) وما بعدها، إرشاد الفحول (2/ 765)، المهذب في أصول الفقه (4/ 174) وما بعدها بتصرف.

ص: 285

ما يفعل مع الألفاظ من أنَّ اللفظ ينسخ، وينسخ به، وهو أقوى من القياس.

أما من يرى بأنَّ الموافقة دلالة قياسية، فقد عامل ذلك مثل ما يفعل مع القياس من أنه لا يُنسَخ ولا يُنسَخ به، وهو أضعف من دلالة الألفاظ.

2 -

عند تعارض مفهوم الموافقة مع القياس، فإنَّ مفهوم الموافقة يقدم على القياس عند من يرى أنَّ دلالته لفظية، فيكون الحكم الذي استفدناه عن طريق مفهوم الموافقة مقدمًا على الحكم الذي استفدناه عن طريق القياس.

3 -

أنَّ مفهوم الموافقة تثبت به العقوبات كالحدود والقصاص عند القائلين بأنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية؛ لأنَّ الدلالة اللفظية خلت من الشبهة في دلالتها، وهذا عند الحنفية، أما إذا كانت الدلالة دلالة قياسية، فلا يعتبر مفهوم الموافقة طريقًا لإثبات ما يندري بالشبهات والكفارات حيث إنها مقدرات، ولا مدخل للعقل أو الاجتهاد بالرأي في المقدرات، وهو عند الحنفية أيضًا، أما عند الجمهور فإنَّ العقوبات من حدود وكفارات تثبت بمفهوم الموافقة

ص: 286

سواء كانت دلالته لفظية أو قياسية

(1)

.

*‌

‌ المسألة السابعة: هل يجوز التخصيص بالمفهوم:

اتفق العلماء على أنَّ مفهوم الموافقة، وهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وموافقته له يخصص العموم من الكتاب والسنة، نقل الإجماع في ذلك صفيُّ الدين الهندي.

قال الشوكاني: وإنما حكى الصفي الهندي الإجماع على التخصيص بمفهوم الموافقة؛ لأنه أقوى من مفهوم المخالفة، ولهذا يسميه البعض دلالة النص، وبعضهم يسميه القياس الجلي، وبعضهم يسميه مفهوم الأولى، وبعضهم يسميه فحوى الخطاب، وذلك كقوله تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، وقد اتفقوا على العمل به، وذلك يستلزم الاتفاق على التخصيص به

(2)

.

فمفهوم الموافقة يخصص العموم من الكتاب والسنة؛ لأنه دليل خاص من أدلة الشرع، والعام دليل كذلك، فإذا تعارض الدليلان، فإنا نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهو أَولى من العمل بالعام، وترك الخاص؛ لأنَّ فيه إهمالًا لدليل قد ثبت.

(1)

شرح الكوكب المنير (3/ 486)، المهذب في أصول الفقه (4/ 1752) بتصرف.

(2)

إرشاد الفحول (2/ 695، 696).

ص: 287

مثاله: لو قال: كل من دخل داري فاضربه. ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له أف. فإنَّ ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم

(1)

.

قال الزركشي

(2)

: يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، سواء مفهوم الموافقة والمخالفة.

أما مفهوم المخالفة فاختلف العلماء فيه: هل يخصص العام من الكتاب والسنة أو لا؟ على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة يخصص العام من الكتاب والسنة، وهو مذهب الجمهور.

قال أَبُو الحُسَين بنُ القَطَّان في كتَابه: نَصَّ الشَّافعيُّ رحمه الله تَعَالَى- عَلَى القَول بمَفهُوم الصّفَة، وَعَلَى أَنَّهُ يُخَصُّ به العُمُومُ

(3)

.

مثاله: كما إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم كقوله: «في أربعين شاة شاة» .

(1)

المهذب في أصول الفقه (4/ 1622).

(2)

البحر المحيط (3/ 381).

(3)

انظر قواطع الأدلة (1/ 303)، البحر المحيط (3/ 381).

ص: 288

ثم قال: «في سائمة الغنم زكاة»

(1)

، فإنَّ المعلوفة خرجت بالمفهوم، فيخصص به عموم الأول.

المذهب الثاني: أنَّ مفهوم المخالفة لا يخصص العام من الكتاب والسنة، وهو مذهب مالك؛ وحجته: بأنَّ العموم نطق، ودليل الخطاب مفهوم من النطق، فكان النطق أولى نظرًا لافتقار المفهوم في دلالته إلى النطق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم فيكون المفهوم أضعف، فلو خص به العام للزم من ذلك العمل بالأضعف، وترك الأقوى، وهو خلاف المعقول.

وجوابه: أنا نسلم أنَّ المفهوم أضعف من المنطوق، لكن الذي جعلنا نعمل بالمفهوم الخاص هو أنه لا يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقًا؛ حيث إنا نعمل به وما بقي بعد التخصيص، أما العمل بالعموم فإنه يلزم منه إبطال العمل بالمفهوم الخاص، ولا يخفى أنَّ الجمع بين الدليلين ولو من وجه أَولى من العمل بظاهر أحدهما، وإبطال الآخر

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (1454) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ» .

(2)

البحر المحيط (3/ 383)، المهذب في أصول الفقه (4/ 1624).

ص: 289

• المسألة الثامنة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟

اختلف القائلون: إنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية، هل له عموم؟ على مذهبين:

المذهب الأول: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة، وهو مذهب الغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور الحنفية.

قال الغزالي: مَنْ يَقُولُ بالمَفهُوم قَدْ يَظُنُّ للمَفهُوم عُمُومًا، وَيَتَمَسَّكُ به،، وَفيه نَظَرٌ، ثم استدل على ذلك فقال: لأَنَّ العُمُومَ لَفظٌ تَتَشَابَهُ دَلَالَتُهُ بالإضَافَة إلَى مُسَمَّيَاتٍ، وَالمُتَمَسّكُ بالمَفهُوم، وَالفَحوَى لَيسَ مُتَمَسّكًا بلَفظٍ بَلْ بسُكُوتٍ، فَإذَا قَالَ عليه الصلاة والسلام:«في سَائمَة الغَنَم زَكَاةٌ»

(1)

، فَنَفيُ الزَّكَاة في المَعلُوفَة لَيسَ بلَفظٍ حَتَّى يَعُمَّ اللَّفظُ أَوْ يَخُصُّ، وقَوله تَعَالَى {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] دَلَّ عَلَى تَحريم الضَّرب لَا بلَفظه المَنطُوق به حَتَّى يُتَمَسَّكَ بعُمُومه، وَقَدْ ذَكَرنَا أَنَّ العُمُومَ للأَلفَاظ لَا للمَعَاني، وَلَا للأَفعَال

(2)

.

وأجيب: بأنَّ مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون الحكم في المسكوت عنه أولى من الحكم في المنطوق به، وإذا

(1)

أخرجه البخاري (1454) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ» .

(2)

المستصفى (2/ 757).

ص: 290

كان الأمر كذلك، فإنه يجري عليه ما يجري على الألفاظ.

المذهب الثاني: أنَّ مفهوم الموافقة له عموم، وهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة.

ودليلهم: أنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد يكون عامًّا، وقد يكون خاصًّا، لذا تجد مفهوم الموافقة على ذلك ينسخ وينسخ به

(1)

.

• مفهوم المخالفة:

أولًا: تعريفه: أن يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق

(2)

.

مثال: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الأضحية بالعوراء

(3)

، فبمفهوم المخالفة أنَّ غير العوراء جائزة.

ثانيًا: إطلاقاته:

مفهوم المخالفة يسمى بأسماء كثيرة عند الأصوليين، منها:

الاسم الأول: مفهوم المخالفة، وهو ما اصطلح عليه جمهور

(1)

المهذب في أصول الفقه (4/ 1755).

(2)

الإحكام للآمدي (3/ 88).

(3)

إسناده صحيح، أخرجه النسائي (4369) من حديث البراء بن عازب مرفوعًا.

ص: 291

العلماء، وسمي به؛ لأنه مخالف للمنطوق في الحكم.

الاسم الثاني: دليل الخطاب، وهو اصطلاح ابن فورك، وسمي بذلك لأحد أمور:

1 -

لأنَّ دليله من جنس الخطاب.

2 -

لمخالفته منطوق الخطاب.

3 -

لأن الخطاب دلَّ عليه.

الاسم الثالث: تخصيص الشيء بالذكر، وهو مشهور عن الحنفية، واعتبروا التمسك به من المتمسكات الفاسدة

(1)

.

ثالثًا: حجية مفهوم المخالفة:

اختلف الأصوليون في مفهوم المخالفة على مذاهب:

المذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة حجة ودليل من أدلة الشرع، وهو مذهب جمهور الأصوليين، وأهل اللغة، قال السمعاني

(2)

: اختلف أهل العلم فى كونه دليلًا، وصحة الاستدلال به، فقال مالك، والشافعى، وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام، ويحتج به، وهو قول

(1)

انظر التلويح على التوضيح للتفتازاني (1/ 226)، المهذب في أصول الفقه للنملة (4/ 1766).

(2)

قواطع الأدلة (1/ 366).

ص: 292

داود وأصحاب الظاهر، وقال به أيضًا طائفة من المتكلمين، وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط، والغاية، وإن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة، وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط، وأثبته في المقيد بالغاية.

• أدلة حجية مفهوم المخالفة

(1)

:

• أولًا: السنة القولية:

قال الله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت»

(2)

.

• ثانيًا: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم:

وهذه الأدلة تندرج تحت إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تندرج أيضًا تحت فهم الصحابة رضي الله عنهم.

1 -

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين

(1)

مستفاد من كتاب الإعلام (219 - 222)، وغيره.

(2)

أخرجه البخاري (1366) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 293

يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود»، قال عبد الله بن الصامت: قلت يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الكلب الأسود شيطان»

(1)

، ففهم أبو ذر أنَّ حكم الأحمر والأصفر مخالف لحكم الأسود، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم.

2 -

عَنْ يعلى بن أُميَّة قَالَ: قلت لعمر بن الخطاب: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، فَقَد أَمنَ النَّاسُ، قَالَ عُمَرُ: عَجبتُ ممَّا عَجبتَ منهُ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:«صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا عَلَيكُم فَاقبَلُوا صدقته»

(2)

.

وقد قال ابن القيم فى الهدي: هو ثابت عنه، ففهم يعلى من الآية:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، أنَّ القصر معلق بالخوف، وأنه لا قصر فى الأمن، وفهم ذلك عمر، وأقر عمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ذلك، لكن بين له النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ حكم القصر باق فى الخوف والأمن، لكنَّ ذلك بدليل جديد.

(1)

أخرجه مسلم (510) من حديث أبي ذر مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (686) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 294

• ثالثًا: فهم الصحابة:

وذلك مثل فهم ابن عباس من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا فى النسيئة» ، وفي رواية:«لا ربا إلا فى النسيئة»

(1)

نفي ربا الفضل، ومن قوله تعالى:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11]، أنه إن كان له أخوان فلأمه الثلث.

وذلك مثل قولهم في حديث: «إنما الماء من الماء»

(2)

منسوخ بما روته عائشة رضي الله عنها، عن النبى صلى الله عليه وسلم:«إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»

(3)

.

فقولهم (منسوخ) لا يعني نسخ منطوق الحديث؛ لأنَّ منطوقه ما زال معمولًا به، ولكن مقصدهم نسخ مفهوم المخالفة الذى فهم من الحصر في الحديث، فقولهم بنسخ مفهوم المخالفة دل على أنهم يقولون به، ويعملون بمقتضاه.

• رابعًا: لغة العرب:

فتخصيص الشاء بالذكر في لغة العرب لا بد أن يكون له فائدة، فإذا استوت السائمة والمعلوفة، والثيب والبكر، والعمد والخطأ، فَلم

(1)

أخرجه البخاري (2178)، ومسلم (1596) من حديث أسامة مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (343) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.

(3)

أخرجه مسلم (349) من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا.

ص: 295

خصَّص البعض بالذكر والحكمُ شاملُه، والحاجة إلى البيان تعم القسمين، فلا داعي له إلا اختصاص الحكم، وإلا صار الكلام لغوًا.

ومن ذلك أنَّ تعليق الحكم بالصفة كالتعليق بالعلة، وذلك يوجب ثبوت الحكم بالصفة كما يوجب ثبوته بثبوت العلة، والانتفاء بنفيها.

فحينما قال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13]، علمنا أنَّ الحكم مختص بالأبرار، فإن وجدت هذه الصفة وجد الحكم وهو النعيم، وإن لم توجد لا يوجد الحكم.

وكذلك لو قيل: اشتر لي عبدًا أسودًا. يفهم منه نفي الأبيض، وهذا معلوم فى لغة العرب.

ومما استدلوا به أنَّ الشافعي يقول به وهو حجة فى اللغة.

وينبغي أن يعلم أنَّ الجمهور المثبتين لمفهوم المخالفة قد اختلفوا في طريق ثبوته، فمنهم من قال بأنه ثابت باللغة، ومنهم من قال هو ثابت بالشرع

(1)

.

فالفريق الأول منهم ذهب إلى أنه حجة من حيث اللغة ولسان العرب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وقول كثير من أئمة اللغة منهم أبو عبيد.

(1)

قواطع الأدلة (1/ 372).

ص: 296

ومن أدلتهم أيضًا: أنَّ أبا عبيد قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته»

(1)

.

دليل أنَّ لي غير الواجد لا يحل عقوبته ولا عرضه، فصرح بالقول بدليل الخطاب، وقيل له في قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لأن يمتلئ بطن الرجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا»

(2)

، المراد بالشعر هنا الهجاء مطلقًا أو هجاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأنَّ قليله وكثيره سواء، فجعل الامتلاء في الشعر في قوة الشعر الكثير يوجب ذلك، ففهم منه أنَّ غير الكثير ليس لذلك فاحتج به، ولا شك أنه من أهل اللغة

(3)

.

واعترض بأنَّ الأخفش، ومحمد بن الحسن نفوه، وهما عالمان بالعربية؛ فدل على أنه ليس من مفهوم اللغة.

وأجيب:

1 -

بأنَّ ما ذكر عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد؛ لأنَّ

(1)

إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (17946)، والنسائي (4690) من حديث الشريد مرفوعًا، ومداره على محمد بن عبد الله بن ميمون وهو مجهول، كما قال ابن المديني وغيره.

(2)

أخرجه البخاري (6145) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(3)

شرح الكوكب المنير (3/ 504)، قواطع الأدلة (1/ 374).

ص: 297

الأخفش لم يكن من أهل اللغة، وإنما كان له معرفة بالنحو، وأبو عبيد كان إمامًا في اللغة، ثم إنه قد تقدم على محمد بن الحسن الشافعيُّ، والفضل للمتقدم لعدم اختلاط لغة العرب في الزمن المتقدم

(1)

.

2 -

أنَّ المثبت مقدم على النافي؛ لأنَّ معه زيادة علم.

الفريق الثاني: ذهب إلى أنه حجة شرعًا لمعرفته من موارد الشرع؛ فثبت ذلك من جهة الشرع بتصرف زائد منه على وضع اللغة

(2)

.

ودليلهم: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فهم من قول الله تبارك وتعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]، أنَّ ما زاد على السبعين بخلاف حكمه، فقال:«خيرني الله وسأزيد على السبعين»

(3)

.

واعترض بأنَّ الحديث من أخبار الآحاد، ولا يستدل بمثلها على الأصول.

وأجيب: منع اشتراط التواتر، وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام

(1)

انظر العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (2/ 464)، فواتح الرحموت (1/ 418).

(2)

تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي (1/ 177).

(3)

أخرجه البخاري (1269)، ومسلم (2774) من حديث ابن عمر مرفوعًا، مع خلاف في بعض ألفاظه.

ص: 298

لعدم تواترها في مفرداتها.

المذهب الثاني: عدم اعتبار مفهوم المخالفة دليلًا مطلقًا، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض الشافعية كأبي العباس بن سريج، والقاضي أبي حامد، وأبي بكر القفال الشاشي، وهو قول جمهور المتكلمين

(1)

.

وأدلتهم:

الدليل الأول: أنَّ الله قد خص أشياء، فذكر بعض أوصافها، ثم علق بها أحكامًا ولم يكن بتخصيصه إياها موجبًا بالحكم بخلافها، وذلك مثل قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، فخص النهي عن قتل الأولاد حال خشية الإملاق، فالتخصيص هنا لا تأثير له في الحكم الذي هو مدلوله فلا يكون دليلًا

(2)

.

وأجيب: بأنَّ دليل الخطاب سقط في هذه المواضع لقيام الدلالة عليه، ثم لا يمنع ذلك لكونه موضوعًا في الأصل على ما اعتبرناه، كما أنَّ قيام الدلالة على كون العموم غير مستغرق للجنس لا يدل على أنه غير موضوع في الأصل للاستغراق، نحو قوله تعالى:{وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23]، ومعلوم أنها لم تؤت ملك سليمان مثلًا.

(1)

قواطع الأدلة (1/ 366).

(2)

أصول الجصاص (1/ 157).

ص: 299

فلئن جاز أن يعترض بمثل هذا علينا في دليل الخطاب؛ كان لأصحاب الخصوص أن يعترضوا على الجميع في القول بالعموم بهذه المواضع

(1)

.

الدليل الثاني: أنَّ ما يقتضيه الخطاب بصريحه أو دليله طريقه اللغة دون غيرها، وثبوته من طريق اللغة لا يخلو من أن يكون بالعقل أو النقل، ولا يجوز أن يكون بالعقل؛ لأنه لا مدخل للعقل في إثبات اللغة، ولا يجوز أن يكون بالنقل؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون متواترًا أو آحادًا، ولا يجوز أن يكون متواترًا؛ لأنه لو نقل ذلك لعلمناه، لأنه لا يجوز أن يختص المخالف بعلم النقل المتواتر، ولا يجوز أن يكون آحادًا؛ لأنَّ هذه المسألة من مسائل الأصول، وهي لا تثبت بالواحد الذي لا يوجب العلم.

وأجيب:

1 -

أنه قد ثبت بالنقل الذي تقوم به الحجة من فعل النبي صلى الله عليه وأصحابه أنهم اعتبروا دلالة المفهوم، واجتمعوا بها، وهو ثابت بالعقل كما مر، وقول المخالف: إنَّ العقل لا مدخل له في إثباته ليس بصحيح؛ لأنَّ له مدخلًا في الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم

(1)

العدة لأبي يعلى بتصرف وزيادة (2/ 468).

ص: 300

وموضوعاتهم.

2 -

أنه وإن كان من مسائل الأصول إلا أنه مما يسوغ الاجتهاد فيه، فجاز إثباته بأخبار الآحاد.

3 -

أنه إذا جاز إثبات ما يترتب على هذه الأصول من ضرب الرقاب، وإيجاب الحدود، وإباحة الأبضاع، وغيرها؛ جاز إثبات أصولها بأخبار الآحاد

(1)

.

المذهب الثالث: مفهوم المخالفة حجة في كلام الشارع، وليس بحجة في كلام المصنفين، والواقفين، وهو ما ذهب إليه تقي الدين السبكي في فتاويه

(2)

.

دليله: أنَّ الذهول قد يغلب على الناس بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله

(3)

.

وأجيب:

1 -

أن هذا التفصيل خلاف الإجماع؛ لأنَّ الناس إما قائل بأنَّ

(1)

انظر العدة لأبي يعلى (2/ 469)، شرح اللمع (1/ 435)، حجية مفهوم المخالفة وشروطه للدكتور محمود شاكر مجيد.

(2)

انظر فتاوى السبكي (2/ 124).

(3)

تشنيف المسامع (1/ 178).

ص: 301

المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو ليس من جملتها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، ثم القائل بأنه حجة: قال بأنه حجة في الكلام مطلقًا، واستدلوا على كونه حجة في كلام الناس؛ لأنه من جملة الدلالات كالعموم.

2 -

أنَّ هذا الكلام تَحَكُّمٌ؛ لأنَّ بيان الشرع جارٍ على لسان العرب وعادتها في بيانها لا بالاطلاع على البواطن

(1)

.

• شروط مفهوم المخالفة

(2)

:

1 -

ألَّا يوجد فى المسكوت دليل خاص يدل على نقيض الحكم المفهوم من المنطوق: فإن وجد الدليل الخاص عمل به ولا يعمل بالمفهوم.

مثال ذلك: لا يعمل بمفهوم قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، وذلك لوجود الدليل الخاص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «صدقة تصدق الله بها

(1)

تشنيف المسامع (1/ 179)، الاستعداد لرتبة الاجتهاد (1/ 195)، نقلًا عن الدكتور محمود شاكر مجيد في حجية مفهوم المخالفة.

(2)

انظر: البحر المحيط (4/ 23، 24)، وإرشاد الفحول (2/ 770)، نثر الورود على مراقي السعود (64)، المهذب في أصول الفقه (4/ 1804، 1805)، الإعلام في أصول الأحكام.

ص: 302

عليكم فاقبلوا صدقته»

(1)

.

2 -

ألَّا يكون القيد خرج مخرج الغالب:

كقوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]، فالربيبة هى بنت الزوجة وهى موصوفة بوصفين الأول:(في حُجُوركُم)، والثانى {مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ، فالقيد الأول ذكر للغالب فقط، وليس احترازيًّا، وهو أنَّ غالب الربائب تربى في حجر زوج أمها، فلا يؤخذ مفهوم مخالفة؛ لأنَّ هذا القيد غير احترازى، فلا يجوز القول بأنَّ الربيبة إن لم تكن مرباة فى الحجر يجوز الزواج بها بعد الدخول بأمها؛ هذا غير صحيح ولا يجوز.

أما الوصف الثانى هو وصف احترازي، وهو {مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ، فإن وجد هذا القيد وجد الحكم، وإن انعدم لا يوجد الحكم، فيجوز أن نأخذ منه مفهوم المخالفة، فنقول: إن لم يدخل بأمها يجوز الزواج بها. وهذا صحيح، وذلك بدليل قوله تعالى بعد ذلك:{فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23]، لم يقل: ولم تربى فى حجوركم.

(1)

أخرجه مسلم (686) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 303

ومثل ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، فالآية أفادت أنَّ الخلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما أمر الله، لكنه لا يفهم منه عدم جواز الخلع فى غير ذلك؛ لأنَّ الآية جاءت على الأغلب.

3 -

ألَّا يقصد بالقيد المبالغة: مثل قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، فلا يدل أنَّ الربا القليل ليس حرامًا؛ لأنَّ الآية خرجت مخرج المبالغة، وقيل: إنها خرجت لبيان الواقع.

4 -

ألَّا يكون المقصود من القيد الحث على الامتثال: عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة»

(1)

، فليس المقصود منه جواز ما زاد، ولا إن كانت لا تؤمن بالله واليوم الآخر يجوز لها ذلك.

5 -

ألَّا يكون المقصود من القيد إظهار الامتنان، كقوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14]، فإنه سيق لإظهار المنة لطيب اللحم الطري، وليس المقصود كون اللحم

(1)

أخرجه البخاري (1088)، ومسلم (1339) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

ص: 304

غير الطري ممتنعًا أكله.

6 -

ألَّا يكون الكلام الذى ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، فلو سئل النبى عن سائمة الغنم: هل فيها زكاة؟ فأجاب: «في سائمة الغنم الزكاة»

(1)

، فلا يؤخذ منه مفهوم المخالفة.

7 -

أن لا يظهر من السياق قصد التعميم، فإن ظهر فلا مفهوم، كقوله تعالى:{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284].

8 -

أن يذكر القيد مستقلًا، فلو ذكر على جهة التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له، كقوله تعالى:{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، فإنَّ قوله:(في المساجد) لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة، فإنَّ المعتكف يحرم عليه المباشرة إطلاقًا.

9 -

أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجد فيه شروط القياس -كاملة- فلا مفهوم له، كقوله صلى الله عليه وسلم:«خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا»

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (1454) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ» .

(2)

أخرجه البخاري (1829)، ومسلم (1198) من حديث عائشة مرفوعًا.

ص: 305

فلا مفهوم لذلك؛ لأن الشارع ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن تلحق بهن كل ما فيه أذًى.

10 -

جهل السامع للمنطوق دون المفهوم، كما إذا قلت لإنسان يعلم أن جمع الأختين بنكاح حرام، ويجهل حرمة جمعهما في الوطء بملك اليمين، نقول: جمع الأختين بملك اليمين حرام، فلا يفهم منه أنَّ جمعهما بالنكاح غير حرام؛ لأنَّ التخصيص بالذكر لجهل السامع حكم المنطوق دون المفهوم.

11 -

ألا يعارضه ما هو أرجح منه من منطوق أو مفهوم موافقة، قال شارح اللمع: دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه كالنص، والتنبيه، فإن عارضه أحدهما سقط.

*‌

‌ المسألة الرابعة: أنواع مفهوم المخالفة:

• المفهوم الأول: مفهوم الصفة.

وبدأ المصنفون بمفهوم الصفة؛ لأنه رأس المفاهيم.

قال أبو المعالي: لو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك متجهًا؛ لأنَّ المعدود والمحدود موصوفان بعددها، وحدها، وكذا سائر المفاهيم

(1)

.

(1)

شرح الكوكب المنير (3/ 499، 500).

ص: 306

ومفهوم الصفة: تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف. وهذا يدل على نفي ذلك الحكم إذا انتفت تلك الصفة، نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم:«في سائمة الغنم زكاة»

(1)

، وهذا يدل على نفي الزكاة في الغنم غير السائمة، وهي المعلوفة.

وكقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، فهذا يدل على أنَّ غير المؤمنة من الفتيات لا يجوز الزواج بها.

والمراد بالصفة عند الأصوليين: تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختص ببعض معانيه، ليس بشرط، ولا غاية، ولا يريدون به النعت فقط، وهكذا عند أهل البيان، فإنَّ المراد بالصفة عندهم هي المعنوية لا النعت، وإنما يخص الصفة بالنعت أهل النحو فقط.

وبمفهوم الصفة أخذ الجمهور أحمد، ومالك، والشافعي، وهو المختار للبيضاوي، وإمام الحرمين، قال الشوكاني: وهو الحق؛ لما هو معلوم من لسان العرب أنَّ الشيء إذا كان له وصفان، فوصف بأحدهما دون الآخر، كان المراد به ما فيه تلك الصفة دون الآخر

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (1454) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ» .

(2)

إرشاد الفحول (2/ 772).

ص: 307

فإذا قال عليه الصلاة والسلام: «في سائمة الغنم زكاة»

(1)

، فالغنم اسم عام يتناول السائمة والمعلوفة، فاستدرك عمومه بخصوص السائمة، وبين أنها المراد من عموم الغنم.

وهذا المفهوم حجة طلبًا لفائدة التخصيص؛ إذ لو سوَّينا بين السائمة وغيرها في وجوب الزكاة لبطلت فائدة التخصيص.

وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع»

(2)

، فالنخل عام في المؤبر وغيره، فاستدرك عمومه بخصوص المؤبر، وبين أنه المراد من عموم النخل

(3)

.

ومما يدل على حجية مفهوم الصفة، وقد مر عند الكلام على حجية مفهوم المخالفة؛ أنه روي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه لما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»

(4)

، قال: إنَّ من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته. ولما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني

(1)

أخرجه البخاري (1454) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ» .

(2)

أخرجه البخاري (2204)، ومسلم (1543) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

(3)

شرح مختصر الروضة (2/ 764، 765).

(4)

إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (17946)، والنسائي (4690) من حديث الشريد مرفوعًا، ومداره على محمد بن عبد الله بن ميمون وهو مجهول، كما قال ابن المديني وغيره.

ص: 308

ظلم»

(1)

، قال: مطل غير الغني ليس بظلم.

فأبو عبيد من فصحاء العرب وأهل اللغة قد فهم أنَّ تعليق الحكم وتخصيصه بصفة يدل على نفي ذلك الحكم عما إذا انتفت تلك الصفة عنه

(2)

.

ومما يلحق بتعقيب ذكر الاسم العام بصفة خاصة وهو في معناه: تقسيم الاسم أو الصنف إلى قسمين، وتخصيص كل قسم منهما بحكم، فإنه يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، كقوله عليه الصلاة والسلام:«الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن»

(3)

، فخص البكر بالاستئذان؛ فدل على نفيه في الأيم.

وهو أيضًا لطلب فائدة التقسيم؛ إذ لو سوينا الأيم والبكر في الاستئذان وعدمه لبطلت فائدة التقسيم.

ومما يلحق به أيضًا: تخصيص الحكم بوصف عارض لا يستقر بل يطرأ ويزول، كالثيوبة في قول النبي:«الثيب أحق بنفسها من وليها»

(4)

، فهنا اقترن الحكم وهو كون المرأة أحق بنفسها من وليها بوصف وهو

(1)

أخرجه البخاري (2287)، ومسلم (1564) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.

(2)

قواطع الأدلة (1/ 374)، شرح الكوكب المنير (3/ 504).

(3)

أخرجه مسلم (1421) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

(4)

انظر ما قبله.

ص: 309

الثيوبة، وهذا الوصف طارئ على المرأة.

وهذا المفهوم حجة طلبًا لفائدة التخصيص كما مر

(1)

.

ضابط الأخذ بمفهوم الصفة:

أنه يعمل به إذا لم يظهر لتخصيص الوصف بالذكر فائدة أخرى غير نفي الحكم عن الذات عند انتفاء الوصف، فإن ظهر لتخصيصه بالذكر فائدة أخرى ككونه سئل عنه بخصوصه، فوقع الجواب ليكون الجواب مطابقًا للسؤال.

أو يكون تخصيصه بالذكر؛ لأنَّ هذا الوصف هو الغالب، والكثير في ذلك الوقت، فلا خلاف في أنَّ نفي الوصف لا يدل على نفي الحكم عن الذات، بل يكون اللفظ دالًّا على ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف فقط.

مثاله: قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31] خصص الوصف وهو خشية الإملاق بالذكر؛ لأنَّ الغالب أنَّ العرب إنما كانوا يقتلون أولادهم لذلك، فالوصف قد ذكر لفائدة أخرى غير نفي الحكم، فلا تكون الآية من محل النزاع.

(1)

شرح مختصر الروضة (2/ 765، 766).

ص: 310

وقوله صلى الله عليه وسلم: «في الغنم السائمة زكاة»

(1)

، إذا ثبت أنَّ السائل قد سأل عن وجوب الزكاة في السائمة بخصوصها يكون الرسول قد خصص الوصف بالذكر؛ لأنه المسؤول عنه -فيكون الجواب مطابقًا للسؤال- وبذلك يكون الوصف قد ظهر تخصيصه بالذكر فائدة أخرى، فلا يكون من محل النزاع

(2)

.

لذا قال الماوردي بالتفصيل بين أن يقع ذلك جواب سؤال فلا يعمل به، وبين أن يقع ابتداء فيعمل به؛ لأنه لا بد لتخصيصه بالذكر من موجب

(3)

.

الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب:

أن تخصيص الغنم بالسوم مثلًا لو لم يكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكم؛ لكان تطويلًا بلا فائدة، بخلاف: جاء زيد. فإنَّ تخصيصه بالذكر ليمكن إسناد المجيء إليه، إذ لا يصح الإسناد بدون مسند إليه.

(1)

أخرجه البخاري (1454) من حديث أبي بكر مرفوعًا بلفظ: «وَفي صَدَقَة الغَنَم في سَائمَتهَا إذَا كَانَتْ أَربَعينَ إلَى عشرينَ وَمائَةٍ شَاةٌ» .

(2)

أصول الفقه أبو النور زهير (2/ 115، 116).

(3)

إرشاد الفحول (2/ 772).

ص: 311

• المفهوم الثاني: مفهوم الشرط:

وهو تعليق الحكم بشرط، فإنه يدل على انتفاء الحكم عند عدم الشرط.

وهذا المفهوم حجة، وهو مذهب القائلين بمفهوم الصفة، وبعض المنكرين له كابن سريج، والرازي، وأبي الحسين الكرخي، حيث قال: إنَّ التقييد بالشرط يدل على أنَّ ما عداه بخلافه بخلاف التقييد بالصفة؛ لأنَّ التعليق بالشرط يقتضي إيقاف الحكم على وجود الشرط، وإذا أوقف انعدم بعدمه، وليس في تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند عدمها، فيبقى ما وراء المذكور موقوفًا على حسب ما يقوم عليه الدليل

(1)

.

والمقصود بالشرط هنا: الشرط اللغوي، وهو ما دخل عليه إن، أو إذا، أو ما يقوم مقامهما، هذا هو الشرط اللغوي، وهو المراد هنا، لا الشرعي، ولا العقلي

(2)

.

(1)

قواطع الأدلة (1/ 372).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 774).

ص: 312

فهذا الشرط يمنع من ثبوت الحكم عند عدمه، فإذا قال القائل لعبده: ادخل الدار إن دخلها عمرو. معناه: أنَّ الشرط في دخولك دخول عمرو، وكذا إذا علق الطلاق، أو الإعتقاء بالدخول.

ولو قال لعبده: شرط دخولك الدار دخول عمرو. أو قال: شرط سفرك سفر عمرو. علمنا أنه لم يوجب عليه دخول الدار مع فقد دخول عمرو، ولا أوجب عليه السفر مع فقد سفر عمرو.

والدليل على أنَّ مفهوم الشرط حجة: حديث عمر أنَّ يعلى بن أمية سأله فقال: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»

(1)

.

وجه الدلالة: أنه لو لم يعقل من الشرط نفي الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى.

والمعنى: أنَّ يعلى قد فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: عجبتُ مما عجبتَ منه، بل إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر هذا الفهم بل أقره.

واعترض عليه: بأنه يجوز أنهما تعجبا؛ لأنهما علما من الآيات الواردة في الكتاب وجوب الإتمام، وأنَّ حال الخوف مستثناة من الآيات، والباقي ثابت على الأصل فى الإتمام فلهذا تعجبا.

(1)

أخرجه مسلم (686)، من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 313

والمعنى: أنهما فهما أنَّ حالة الأمن بقيت على ما هي عليه يجب فيها الإتمام، فعجبا نظرًا لمخالفة الأصل.

وأجيب: أنَّ هذا كله زيادات، وللعلماء كلام كثير فى أنَّ الأصل في الصلاة القصر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر

(1)

.

فدل على أنهما فهما وجوب الإتمام عند الأمن بسبب مفهوم الشرط، فكان التعجب مما صرحت به الآيات، وهو شرط الخوف في القصر، ثم القصر مع الأمن، فكان الاستدلال قائمًا

(2)

.

ومن الأدلة على حجيته: قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]، فأفادت بمفهوم المخالفة حرمة أخذ شيء من المهر إن لم ترض الزوجة.

وكذا قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]، فدل مفهوم المخالفة أنَّ المطلقة ثلاثًا غير الحامل لا تجب النفقة عليها

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (350)، ومسلم (685) من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

قواطع الأدلة للسمعاني (1/ 391، 392) بتصرف.

(3)

شرح مختصر الروضة (2/ 761).

ص: 314

• المفهوم الثالث: مفهوم الحصر.

وأقوى صيغ الحصر:

1 -

النفي والإثبات، نحو: لا إله إلا الله. و هذا يسمى بمفهوم الاستثناء من النفي، والراجح أنَّ له مفهومًا أي أنَّ الاستثناء من النفي إثبات، فإذا قلنا: لا إله إلا الله. فإنَّ هذا يدل على نفي كل إله سوى الله عز وجل، وإثبات الألوهية له وحده عز وجل، ولو كان نافيًا للألوهية عما سوى الله غير مثبت لها بالنسبة إلى الله لما كان ذلك توحيدًا لله تعالى لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله عز وجل، وذلك خلاف الإجماع.

ثانيًا: أنه قد ثبت عن أهل اللغة أنهم قالوا: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، وكلامهم حجة حيث إنهم أعلم الناس بما وضعت له الألفاظ، وبذلك يكون الاستثناء دالًّا على ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، فيكون الاستثناء من النفي إثباتًا، ومن الإثبات نفيًا، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه.

2 -

ومن صيغ الحصر (إنما)، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنيات»

(1)

، وقوله: «إنما الولاء لمن

(1)

أخرجه البخاري (1) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا.

ص: 315

أعتق»

(1)

، وقوله:«إنما الماء من الماء»

(2)

.

فلفظة (إنما) تدل على الحصر، وإثبات المذكور، ونفي ما عداه، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد نفى الشافعي وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي ب (ما)، و (إلا)؛ لأنَّ لفظة (إنما) مركبة من جزءين هما (إنَّ)، و (ما)، و (إنَّ) للإثبات مثل: إنَّ زيدًا ناجح. و (ما) للنفي مثل: ما زيد بناجح. وإذا كانت (إنَّ) للإثبات، و (ما) للنفي حال انفرادهما فيجب استصحاب ذلك، وإبقاء ما كان على ما كان في حال اجتماعهما في التركيب.

فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» يعني لا عمل إلا بنية.

3 -

ومن صيغ الحصر: حصر المبتدأ في الخبر، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم» .

فحصر مفتاح الصلاة في الطهور، وتحريمها في التكبير، وتحليلها في التسليم، وبه احتج أصحاب الشافعي على تعيين لفظ التكبير والتسليم، ومنعه الحنفية لمنعهم المفاهيم.

وكقولك: العالم زيد. فحصر العلم في زيد.

وكقولك: صديقي عمرو. فحصر الصداقة في عمرو.

(1)

أخرجه البخاري (456) من حديث عائشة مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (343) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.

ص: 316

وهذا مذهب الغزالي، وابن قدامة، وإلكيا الهراسي.

وحجتهم: أنَّ الاسم إذا دخلت عليه (ال)، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الشفعة فيما لم يقسم» ، أو أضيف إلى معرفة، كقوله:«تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» فإنَّ هذا الاسم يفيد الاستغراق فيفيد الحصر، وهو ظاهر فيه، وذلك أنَّ الترتيب الطبيعي أن يقدم الموصوف على الوصف، فإذا قدم الوصف على الموصوف معرفًا باللام أو الإضافة أفاد العدول مع ذلك التعريف أنَّ نفي ذلك الوصف من غير الموصوف مقصود للمتكلم.

وبيان ذلك: أنه أفاد الحصر؛ لأنَّ المحكوم به -وهو الخبر- يجب أن يكون مساويًا للمحكوم عليه -وهو المبتدأ- أو أعم منه.

فمثال المساوي: الإنسان بشر. فالإنسان مبتدأ محكوم عليه بأنه بشر، وهو الخبر، وهو مساوٍ له.

ومثال الأعم: الإنسان حيوان. فالإنسان هنا وهو المبتدأ محكوم عليه بأنه حيوان، وهو أعم من الإنسان.

فإذا قلت: صديقي زيد. فصديقي هنا وهو المبتدأ عام، فإذا أخبر عنه بخاص وهو زيد كان حصرًا لذلك العام، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر وهو زيد، إذ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن

ص: 317

يكون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك لا يجوز.

قال الغزالي: لا لغة ولا عقلًا، فلا تقول: الحيوان إنسان، ولا الزوج عشرة. بل أن يكون المبتدأ أخص أو مساويًا.

وإذا قلت: تحريمها التكبير. فتحريمها مبتدأ، والتكبير خبر، فيكون التكبير مساويًا للتحريم، فينحصر التحريم في التكبير كما حصرنا الصداقة في زيد

(1)

.

• المفهوم الرابع: مفهوم العدد:

وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص، فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد، زائدًا كان أو ناقصًا.

وقد ذهب إليه الشافعي، كما نقله عنه أبو حامد، وأبو الطيب الطبري، والماوردي، ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن أحمد بن حنبل، وبه قال مالك، وداود الظاهري، وبه قال صاحب الهداية من الحنفية

(2)

.

(1)

المستصفى للغزالي (2/ 847)، إرشاد الفحول (2/ 779)، الكوكب المنير (3/ 518) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه (4/ 790) وما بعدها.

(2)

إرشاد الفحول (2/ 775).

ص: 318

دليله:

1 -

أنَّ قتادة قال: لما نزل قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأزيدن على السبعين»

(1)

، فنزلت {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6].

وجه الدلالة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فهم أنَّ حكم ما فوق السبعين مخالف لما قبلها.

يعني: أنَّ نفي المغفرة مقيد بالسبعين، فإذا زاد عن السبعين قد انتفى الحكم، وهو عدم المغفرة؛ لذا قال:«لأزيدن عن السبعين» ، والنبي صلى الله عليه وسلم أعلى أهل اللغة رتبة فيها، فدل على أنَّ تخصيص الحكم بعدد دال على نفي الحكم عن غير هذا العدد المعين.

2 -

ومما يدل على صحة مفهوم العدد بالخصوص وغيره من المفاهيم على العموم ما ذكره أهل العلم في كتبهم أنَّ معاوية استعمل عاملًا أحمق فذكر المجوس يومًا، فقال قائل: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت مئة ألف درهم ما نكحت أمي، فبلغ

(1)

أخرجه البخاري (1269)، ومسلم (2774) من حديث ابن عمر مرفوعًا، مع خلاف في بعض ألفاظه.

ص: 319

ذلك معاوية فقال: قاتله الله أتراه لو زيد على مئة ألف كان يفعل. مع أنَّ معاوية من اللغة والفصاحة بمكان

(1)

.

3 -

ومن الأدلة أنَّ العمل بمفهوم العدد معلوم من لغة العرب، ومن الشرع، فإنَّ من أمر بأمر، وقيده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد، أو نقص عنه، فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص، كان هذا الإنكار مقبولًا عند كل من يعرف لغة العرب، فإن ادعى المأمور أنه قد فعل ما أمر به، مع كونه نقص عنه أو زاد عليه، كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب

(2)

.

فائدة: تحقيق الكلام في مفهوم العدد: أنَّ الحكم إذا قيد بعدد مخصوص، فمنه ما يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى، ولا يدل على ثبوته فيما نقص عنه، ومنه ما هو بضد ذلك.

فالأول: كقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»

(3)

، دل بطريق الأولى على أنَّ ما زاد على القلتين لا يحمل

(1)

لم أجده مسندًا، وانظر شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 770) بتصرف.

(2)

إرشاد الفحول (2/ 776).

(3)

إسناده صحيح بهذا اللفظ: أخرجه أبو داود (63)، والترمذي (67) وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعًا، ورجح أبو داود سند روايته، وصححه الألباني.

ص: 320

الخبث، ولم يدل على ذلك فيما دون القلتين.

والمثال الثاني: إذا قيل: اجلدوا الزاني مئة جلدة، دل بطريق الأولى على وجوب جلده تسعين وما قبلها من مقادير العدد لدخوله في المئة بالتضمن، ولم يدل على الزيادة على المئة، فما لم يدل عليه التقييد بطريق الأولى، كالناقص عن القلتين، والزائد عن مئة سوط -هو محل النزاع في مفهوم العدد؛ لأنَّ ما يفهم بطريق الأولى يكون من باب مفهوم الموافقة، فلا يتجه فيه الخلاف

(1)

.

• المفهوم الخامس: مفهوم الغاية:

وهو مد الحكم إلى غاية بحرف من حروف الغاية مثل (حتى) أو (إلى)، نحو قوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وقوله عز وجل:{وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وقوله:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فيفيد أنَّ حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها أي يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية كالحل بعد نكاح زوج غيره، وجواز القربان بعد التطهر، وأن لا صيام بعد دخول الليل، ولا غسل واجب بعد المرافق والكعبين.

وهذا المفهوم حجة عند الجمهور، وبه قال بعض من لم يعمل

(1)

شرح مختصر الروضة (2/ 771).

ص: 321

بمفهوم الشرط كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي الحسين، حيث إنه أقوى من مفهوم الشرط من صحة الدلالة؛ لأنهم أجمعوا على تسميتها حروف الغاية، وغاية الشيء نهايته، فلو ثبت الحكم بعدها لم يفد تسميتها غاية.

ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من الحنفية، والآمدي.

قال الشوكاني: ولم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط، بل صمموا على منعه طردًا لباب المنع من العمل بالمفاهيم، وليس ذلك بشيء.

ودليل حجيته: أنَّ ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، مثل أن يقال:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، فلا يحسن الاستفهام بأن يقال: فإن نكحت زوجًا غيره، فما الحكم؟ لأنَّ الحكم قد فهم، والسؤال عما فهم تحصيل الحاصل، والدليل على أنَّ الحكم مفهوم هو أنَّ {حَتَّى تَنْكِحَ} [البقرة: 230] ليس مستقلًّا بنفسه؛ فهو إذن متعلق بما قبله، وهو قوله عز وجل:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ} [البقرة: 230]، وهو يدل على إضمار ثبوت الحل بعدها، وأنَّ التقدير: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فتحل له.

وكذلك إذا قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، لم يحسن

ص: 322

أن يقال: فإذا جاء الليل، فما الحكم؟ فدل على أنَّ الحكم بعد مجيء الليل معلوم، وهو عدم وجوب الصوم، ولأنَّ "حتى، وإلى" موضوعتان للغاية في اللغة، وغاية الشيء منتهاه ومُنقَطَعه، فإذا انتهى وانقطع لم يكن بعده إلا ضده، وإلا لم يكن منقطعًا، وضد التحريم الحل، ووجوب الصوم عدم وجوبه.

وقول القائل: اضربه حتى يتوب. يقتضي ترك الضرب بعد التوبة، وقولهم: لألزمنك حتى أو إلى أن تقضيني حقي ونحوه يفيد ذلك في اللسان، وهو المطلوب

(1)

.

• المفهوم السادس: مفهوم العلة.

وهو تعليق الحكم بالعلة، نحو: حرمت الخمر لإسكارها، فإنَّ هذا يدل بمفهومه على أنَّ ما لا إسكار فيه لا يحرم.

وكثير من الأصوليين جعل مفهوم العلة من صور مفهوم الصفة كابن النجار، حيث قال: ومنها -أي من الصفة- علة.

قال الشوكاني: والفرق بين مفهوم العلة ومفهوم الصفة: أنَّ الصفة قد تكون علة كالإسكار، وقد لا تكون علة، بل متممة كالسوم، فإن

(1)

انظر شرح مختصر الروضة (2/ 758)، وما بعدها، شرح الكوكب المنير (3/ 507)، إرشاد الفحول (2/ 776، 777)، اللمع للشيرازي (150).

ص: 323

الغنم هي العلة، والسوم متمم لها.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وابن النجار: والخلاف فيه وفي مفهوم الصفة واحد

(1)

.

• المفهوم السابع: مفهوم اللقب:

وهو تعليق الحكم بالاسم العلم، نحو: قام زيد. أو اسم النوع، نحو: في الغنم زكاة

(2)

.

وقيل: هو كل اسم جامد سواء كان اسم جنس، أو اسم عين لقبًا كان، أو كنية، أو اسمًا، أو اسم جمع

(3)

.

وعليه: فالمراد باللقب عند الأصوليين كل ما يدل على الذات سواءً كان علمًا، أو كنية، أو لقبًا، مثل: زيد، وأبي علي، وأنف الناقة. وليس ما اصطلح عليه النحويون وهو ما أشعر بمدح أو ذم ولم يصدر بأب أو أم

(4)

.

مثاله: تحريم الربويات الستة بتحريم التفاضل، فلا يثبت الربا في غيرها؛ لأنها قد خصصت بالذكر في تحريم الربا فيها، وهذا بمفهوم

(1)

البحر المحيط (4/ 36)، إرشاد الفحول (2/ 774)، الكوكب المنير (3/ 501).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 777).

(3)

المذكرة للشنقيطي (1/ 380).

(4)

أصول الفقه لأبي النور زهير (2/ 111).

ص: 324

اللقب

(1)

.

• مسألة: هل مفهوم اللقب حجة؟

ذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس بحجة كالآمدي، والبيضاوي، والغزالي، والشيرازي، والطوفي، والموفق، وابن عقيل، والشوكاني.

قال الغزالي: مفهوم اللقب، وهو أبعدها، وقد أقر ببطلانه كل محصّل من القائلين بالمفهوم

(2)

.

قال الطوفي: الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة

(3)

.

قال الشوكاني: والحاصل أنَّ القائل به كلًّا أو بعضًا، لم يأت بحجة لغوية، ولا شرعية، ولا عقلية، ومعلوم من لسان العرب أنَّ من قال: رأيت زيدًا. لم يقتض أنه لم ير غيره قطعًا، و أما إذا دلت القرينة على العمل به، فذلك ليس إلا للقرينة، فهو خارج عن محل النزاع

(4)

.

(1)

شرح مختصر الروضة بتصرف (2/ 773).

(2)

المستصفى (2/ 844).

(3)

شرح مختصر الروضة (2/ 775).

(4)

إرشاد الفحول (2/ 778).

ص: 325

دليلهم:

الدليل الأول: أنه لو كان حجة؛ لبطل القياس مطلقًا، أو غالبًا، أو كثيرًا؛ لأنَّ القياس تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره، بالجامع المشترك، فلو صح مفهوم اللقب؛ لكان النص على الأصل مفيدًا انتفاء الحكم عن غيره، فلا يصح الإلحاق القياسي.

وبيانه: أنَّ القول بمفهوم اللقب فيه سد لباب القياس؛ لأنه لو كان حجة لمنع التنصيص على تحريم الربا في الأعيان الستة من أن يجري في غيرها، لأنها قد خصت بالذكر في تحريم الربا فيها، فلزم القول بمفهوم اللقب أن لا يثبت الربا في غيرها، فيباح ربا الفضل في غيرها من الأرز و غيره، وهذا باطل، إذ قد ثبت في كل ما وجدت فيه علتها على الاختلاف فيها، وذلك يدل على أنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة.

وأجيب عنه: بأنَّ المتبع في الأحكام الأرجح فالأرجح، ولا يمنع أن يفيد القياس من الظن أرجح مما يفيده المفهوم فيقدم، كما يقدم خبر الواحد على القياس، وكما في تخصيص العموم والعلة

(1)

.

وعليه فلا يلزم من القول بمفهوم اللقب نفي القياس؛ لأنَّ اللفظ لا يدل بمنطوقه على نفي الحكم عما عدا الذات، وإنما يدل عليه

(1)

شرح مختصر الروضة (2/ 772) وما بعدها بتصرف وتقديم وتأخير.

ص: 326

بمفهومه المخالف، فإذا وجد قياس يثبت حكمًا في الفرع يخالف الحكم الذي أثبته له المفهوم يكون هذا القياس معارضًا لهذا المفهوم المخالف، ولا شك أنه إذا تعارض الدليلان فإنَّ الراجح منهما يقدم على المرجوح.

وبما أنَّ القياس أقوى وأرجح من المفهوم المخالف يكون القياس مقدمًا عليه، وبذلك لا يلزم نفي القياس من القول بمفهوم اللقب، فمثلًا قول الشارع (الربا في القمح حرام) يدل على حرمة الربا في القمح بمنطوقه، ويدل بمفهومه على إباحة ما عداه، ومن جملة ذلك التفاح فيكون التفاح مباحًا بمقتضى النص.

فإذا بحث المجتهد عن علة تحريم الربا في القمح، فعلم أنها الطعم، فقاس التفاح على القمح بجامع الطعم ليثبت له التحريم كما ثبت في القمح؛ يكون التفاح قد وجد فيه حكمان:

أحدهما: الإباحة، وهو مستفاد من النص.

وثانيهما: الحرمة، وهذا الحكم مستفاد من القياس.

وبذلك يتعارض الدليلان وهما القياس ومفهوم اللقب، فيقدم القياس على مفهوم اللقب؛ لأنه أرجح منه

(1)

.

(1)

أصول الفقه لأبي النور زهير (2/ 113).

ص: 327

الدليل الثاني: لو كان مفهوم اللقب حجة، لكان قول القائل: زيد يأكل. نافيًا للأكل عن غير زيد.

وأجيب: بالتزامه، وإنما لا يفهم ذلك منه من لا يعتقد صحة مفهوم اللقب، أو لدليل خارج

(1)

.

المذهب الثاني: أنَّ مفهوم اللقب حجة.

وهو مذهب مالك، وداود، والصيرفي، والدقاق، وأبي يعلى، وابن فورك، وابن خويز منداد، وابن القصار

(2)

.

قال أبو يعلى: والدلالة على أنه إذا كان معلقًا باسم دل على أنَّ ما عداه بخلافه أنَّ الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره، كما أنَّ الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره.

فإذا قال: ادفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو، و اشتر لي شاة أو جملًا. وما أشبه ذلك، لم يجز العدول عنه، وكانت التسمية للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء، ثم لو علق الحكم على صفة دل أنَّ ما عداه بخلافه، كذلك إذا علقه بالاسم

(3)

.

(1)

شرح مختصر الروضة (2/ 774).

(2)

شرح الكوكب المنير (3/ 509).

(3)

العدة (2/ 475).

ص: 328

أدلتهم:

الدليل الأول: قياس تقييد الحكم بالاسم على تقييده بالصفة، فإنَّ الصفة تميز الموصوف من غيره، وكذلك الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره، ثم إذا علق الحكم على صفة دل على أنَّ ما عداه بخلافه، فكذلك إذا علق الحكم على الاسم فإنه يدل على أنَّ ما عداه بخلافه ولا فرق.

جوابه: قياس الاسم على الصفة قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق من وجهين:

أولهما: أنَّ الصفة يجوز أن تكون علة يعلق الحكم عليها بخلاف الاسم، فلا يجوز أن يكون علة، فلا يعلق الحكم عليه.

ثانيهما: أنَّ الصفة تذكر مع الاسم، فلا تفيد إلا تخصيصه بخلاف الاسم، فإنه يعدل عن اسم إلى اسم كل واحد منهما يقع به التعريف، فلا يوجب ذلك التخصيص

(1)

.

الدليل الثاني: أنه لو تخاصم رجلان، فقال أحدهما للآخر: إنَّ أمي ليست بزانية. فإنه يحد لكونه نفى الزنا عن أمه، وأثبته لأم ذلك الغير، وهذا قذفٌ بالزنا، وهو موجب للحد، ولا شك أنَّ ثبوت الزنا لأم ذلك

(1)

المهذب في أصول الفقه (4/ 1801).

ص: 329

الغير إنما جاء من جهة أنَّ اللفظ دل على نفي الزنا عن أم القائل، وأثبته لأم غيره، فيكون تعليق الحكم بما يدل على الذات دالًّا على نفي الحكم عما عدا تلك الذات، وهو ما ندعيه.

وأجيب: بأنَّ الحد إنما ثبت بهذا القول لوجود الخصومة، فتكون الخصومة قرينة على أنَّ القائل قصد بقوله هذا التعريض بالغير وإلحاق الزنا بأمه، ولو انتفت الخصومة بين الشخصين لم يثبت الحد بهذا القول أبدًا، وبذلك ظهر أنَّ اللفظ لم يدل باعتبار ذاته على نفي الحكم عن غير الذات، وإلا لثبت الحد مطلقًا وجدت الخصومة أو لا، ولا قائل بذلك

(1)

.

الخلاصة: أنَّ مفهوم اللقب ضعيف، لكنه قد يتقوى بأمور منها:

1 -

أن يكون اسم جنس لا اسم عين، قال الشوكاني: وحكى ابن برهان في الوجيز التفصيل عن بعض الشافعية، أنه يعمل به في أسماء الأنواع لا في أسماء الأشخاص

(2)

.

مثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد فأذنوا لهن»

(3)

.

(1)

أصول الفقه محمد أبو النور زهير (2/ 114).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 778).

(3)

أخرجه البخاري (865)، ومسلم (4422) من حديث ابن عمر مرفوعًا.

ص: 330

قال النووي: واستدل به على أنَّ المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن

(1)

.

قلت: وهذا أخذ بمفهوم اللقب، لكنه اسم جنس فيتقوى.

2 -

يعمل بمفهوم اللقب إن دلت عليه قرينة دون غيره، حكاه ابن حمدان، وأبو يعلى من الحنابلة

(2)

.

مثاله: الحديث السابق في استئذان المرأة زوجها، فهو استدلال بمفهوم اللقب لكنه يتقوى بالقرينة بأن يقال: إنَّ منع الرجال نساءهم أمر متقرر، وإنما علق الحكم بالمسجد لبيان محل الجواز، فبقي ما عداه على المنع

(3)

.

ومن أمثلته: لو قال لمن بينه وبينه خصومة: إنَّ أمي ليست بزانية. فإنه يحد ليس أخذًا بالمفهوم فقط، وإنما لوجود قرينة الخصومة التي تنبئ عن إرادة انتقاص خصمه بقذف أمه، وهذا من التعريض

(4)

.

قلت: وبهذا الضابط وهو وجود القرينة يتبين ضعف قول القائل بمفهوم اللقب يلزم على قوله: عيسى رسول الله. نفي الرسالة عن

(1)

نيل الأوطار (5/ 425).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 778).

(3)

نيل الأوطار (5/ 425).

(4)

أصول الفقه لمحمد أبو النور زهير (2/ 114).

ص: 331

غيره، وهذا كفر.

وبيان ضعف هذا الاستدراك: هو أنَّ قول: عيسى رسول الله. لا يلزم بذاته كفر لقيام القرينة على نبوة غيره من الرسل، ولو لم يأت دليل على نبوة غير عيسى عليه السلام لكان قوله قويًّا في نفي الرسالة عن غيره.

ص: 332

‌الفصل الثامن

النسخ

ص: 333

النسخ

*‌

‌ المسألة الأولى: النسخ لغة واصطلاحًا:

النسخ لغة: الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، والريح آثار القدم إذا محتها، ومنه تناسخ القرون، ويطلق ويراد به التحويل والنقل، ومنه: نسخت الكتاب. أي نقلته، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]، ومنه تناسخ المواريث

(1)

.

واصطلاحًا: خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق

(2)

.

وقيل: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه

(3)

.

(1)

قواطع الأدلة (2/ 646)، المستصفى للغزالي (1/ 287)، إرشاد الفحول للشوكاني (2/ 783).

(2)

الإحكام للآمدي (3/ 107).

(3)

قواطع الأدلة للسمعاني (2/ 646)، المستصفى للغزالي (1/ 287)، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 251).

ص: 335

شرح التعريف:

قوله: (الخطاب) هذا أشمل من لفظ النص؛ لأنَّ لفظ الخطاب شامل للَّفظ والفحوى والمفهوم، وكل دليل، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك.

قوله: (ارتفاع الحكم) أشمل أيضًا من قوله: (رفع الأمر والنهي)، وذلك ليتناول الأمر والنهي وجميع أنواع الحكم من ندب، وكراهة، وإباحة، فجميع ذلك قد ينسخ.

قوله: (بالخطاب المتقدم)؛ لبيان أنه إذا زال حكم العقل بإيجاب العبادات ابتداءً كالصلاة والزكاة والحج ونحوه، فإنَّ هذا لا يسمى نسخًا؛ لأنَّ الحكم المرفوع وهو حكم العقل أو حكم النفي الأصلي لم يكن ثابتًا بخطاب من الشارع متقدم، بل هو ثابت بالأصل؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة.

قوله: (لولاه لكان الحكم ثابتًا)؛ لأنَّ حقيقة النسخ الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتًا لم يكن هذا رافعًا؛ لأنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة، وأمر بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخًا.

قوله: (مع تراخيه عنه)؛ لأنه لو اتصل به لكان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له لمدة أو شرط، وإنما يكون رافعًا إذا ورد بعد أن ورد

ص: 336

الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ، فإذا قال:(أتموا الصيام إلى الليل)، فقوله: إلى الليل. لا يكون ذلك نسخًا، بل هو بيان غاية العبادة

(1)

.

*‌

‌ المسألة الثانية: مصطلح النسخ بين المتقدمين والمتأخرين:

الذي ينظر في كلام المتقدمين يجد أنَّ النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، وبيان ذلك: أنهم قد يطلقون لفظ النسخ على أربعة معانٍ، منها ما عليه الأصوليون، فهم يطلقون النسخ على ما يلي:

1 -

تقييد المطلق.

2 -

تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل.

3 -

بيان المبهم والمجمل.

4 -

رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، وهو الذي عليه الأصوليون.

والسر في التوسع القديم في إطلاق النسخ: أنَّ جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أنَّ النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أنَّ الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد به: ما جيء به آخرًا، فالأول

(1)

المستصفى للغزالي بتصرف (1/ 278، 288).

ص: 337

غير معمول به، والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جاء في تقييد المطلق، فإنَّ المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعتمد هو المقيد، فكأنَّ المطلق لم يفد مع مقيده شيئًا؛ فصار مثل الناسخ والمنسوخ، وكذلك العام مع الخاص، إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار؛ فأشبه الناسخ والمنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق، فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ الناسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيءٍ واحد.

مثال ذلك: قال تعالى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27]: إنه منسوخ بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} [النور: 29]، وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، غير أنّ قوله:(ليس عليكم جناح) يثبت أنَّ البيوت في الآية الأخرى إنما يراد بها المسكونة

(1)

.

وقيل في قوله: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة: 97]، وقوله:

(1)

الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب بتصرف (373).

ص: 338

{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} [التوبة: 98]: إنه منسوخ بقوله: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 99]، وهذا من الأخبار التي لا يصح نسخها، والمقصود: أنَّ عموم الأعراب مخصوص بمن كفر دون من آمن.

وقيل في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]: منسوخ بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، وهذا من باب تخصيص العموم لا من باب النسخ.

وعن عراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب أنَّ قوله:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] الآية، منسوخ بقوله:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]

(1)

.

وإنما هو بيان لما يسمى كنزًا، وأنَّ المال إذا أديت زكاته لا يسمى كنزًا.

والأمثلة كثيرة توضح لك أنَّ مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما في تلقي الأحكام من مجرد ما ظاهره إشكال وإيهام لمعنى غير

(1)

إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (6/ 1789)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (7/ 333)، وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ضعيف، وراشد بن مسلم لم أجد له ترجمة.

ص: 339

مقصود للشارع، فهو أعم من إطلاق الأصوليين، فليفهم هذا

(1)

.

*‌

‌ المسألة الثالثة: هل النسخ جائز عقلًا وشرعًا؟

اختُلف في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ النسخ جائز عقلًا وشرعًا، وهو رأي جمهور العلماء.

أما الجواز العقلي فدليله:

1 -

أنا نعلم بصحة تحريك الجسم بعد تسكينه، وتفريقه بعد جمعه، وإماتته بعد إحيائه، وليس في الأمر بالشيء بعد النهي عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده، وإذا كان ذلك كله من جملة الجائز؛ وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد النهي عنه من جملة الجائز، وهذا هو النسخ.

2 -

أنه إذا جاز أن يطلق الأمر، ثم يسقطه بالعجز والمرض جاز أن يطلق الأمر، ويسقطه بخطاب آخر.

3 -

أنه لا يمتنع عقلًا أن يأمر الدين بالشيء ثم ينسخه، سواء نسخ

(1)

انظر الأساس في أصول الفقه للدكتور محمود عبد الرحمن (1/ 530) وما بعدها بتصرف، وهذه الآثار التي ذُكرت ذكرها وأوردها المكي بن طالب في كتابه الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه فليراجع.

ص: 340

قبل الفعل أو بعده للامتحان والابتلاء، فمن فعل الشيء قبل نسخه، أو عزم على فعله، أو استعد للامتثال، أو ظهرت عليه أي علامة تدل على استعداده لامتثاله ذلك الأمر قبل أن ينسخ، فإنه يثاب، ومن لم يمتثل، ولم تظهر عليه أي علامة للامتثال، فإنه يأثم.

4 -

جواز دوران الحكم مع المصالح وجودًا وعدمًا، فيجوز وجود الحكم لوجود المصلحة فيه، وينتفي لانتفائها كغذاء المريض، فإنه يختلف في كميته وكيفيته وزمانه لاختلاف المصالح في ذلك، حتى إنَّ الطبيب ينهاه اليوم عما يأمره به غدًا، ويأمره بتقليل الغذاء وتلطيفه اليوم، ويأمره بتكثيره وتغليظه غدًا، فكذلك الحكم الشرعي يجوز أن يكون فيه مصلحة في وقت فيؤمر به تحصيلًا لها، ويكون فيه مفسدة في وقت فينهى عنه نفيًا لها.

5 -

أنَّ الوقوع مستلزم للجواز، وإذا ثبت أنَّ الجواز لازم للوقوع، وقد وقع النسخ، فيدل على جوازه عقلًا، دلالة الملزوم على اللازم، وبيان وقوعه بصور:

إحداها: أنَّ نكاح الأخوات حُرّم في شرع موسى أو قبله بعد أن كان جائزًا في شرع آدم.

الثانية: أنَّ الجمع بين الأختين حُرّم بعد أن كان جائزًا.

ص: 341

الثالثة: قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، وتحريم الشيء بعد تحليله هو حقيقة النسخ، وحيث وقعت هذه الصورة وغيرها من النسخ دلَّ على جوازه عقلًا بالضرورة.

6 -

أنَّ المالك للشيء له الحق في التصرف في ما يملكه كيفما شاء، ولله المثل الأعلى قال تعالى:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، فالله هو الذي يملك الناس، وهو الذي يشرّع لهم فله أن يضع ما يشاء، ويرفع ما يشاء سبحانه وتعالى.

7 -

أنَّ الله تعالى من سننه أن يغير الخلق على حسب حال الناس والوقت والزمن، فالإنسان كان جنينًا، ثم جعله الله طفلًا، ثم صبيًّا، ثم شابًّا، ثم شيخًا، فالله خلقه بالأمر الكوني القدري على مراحل، وهذه المراحل على حسب حاله ومصلحته، فلم يجعل الشاب رضيعًا؛ لأنَّ هذا الحال لا يتناسب مع مرحلته، ولم يجعل الطفل مكلفًا؛ لأنَّ هذا الحال لا يتناسب مع مصلحته، فالله خلقه وغيَّر في مراحل خلقه على حسب مصلحته، فإذا كان ذلك في الأمر الكوني القدري كان كذلك في الأمر الديني الشرعي، فينزل الله الشيء، ويكون ذلك لمصلحةٍ، ثم

ص: 342

يرفعه، ويُنزل غيره لمصلحةٍ أخرى

(1)

.

وأما جواز النسخ شرعًا؛ فللأدلة الآتية:

الدليل الأول: الإجماع، فاتفاق الأمة قاطبة على أنَّ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت شريعة من قبله، إما بالكلية، وإما فيما يخالفها فيه، وهذا متفق عليه، فمنكر هذا خارقٌ للإجماع.

الدليل الثاني: النص، فقد وقع في الشريعة الإسلامية نسخ بعض الأحكام بعد ثبوتها، ومنها:

1 -

نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، قال تعالى:{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142]، وقال تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144].

2 -

نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة، قال تعالى:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65] نُسخ ذلك بقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66].

(1)

انظر قواطع الأدلة بتصرف (2/ 651)، شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 267 - 277)، المهذب في أصول الفقه للنملة (2/ 542، 543)، الإعلام في أصول الأحكام (229).

ص: 343

الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101].

وجه الدلالة: أنَّ التبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما تلاوةً وإما حكمًا، وكيفما كان فهو رفع ونسخ.

واعتُرض: بأنه ليس المعني به رفع المنزَّل، فإنَّ ما أنزل لا يمكن رفعه وتبديله، لكنَّ المعنيَّ به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزَّل، فيكون ما لم ينزَّل كالمبدل بما أنزل.

وأُجيب: بأن هذا تعسُّف، فإنَّ الذي لم ينزَّل كيف يكون مبدَّلًا، والبدل يستدعي مبدلًا، وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء الإنزال؟!

الدليل الرابع: قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106].

وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى بيَّن أنه إذا نسخ آية أورد مكانها آية أخرى، وكلام الله صدق.

واعترض: بأنَّ المراد من النسخ الإزالة، ونسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ.

ص: 344

وأجيب:

أولًا: لا نسلم بذلك؛ لأنه معلوم أنَّ القرآن كله خير من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها من اللوح المحفوظ وكتابة آية أخرى بدلها لما تحقق هذا الوصف -وهي الخيرية بالنسبة لنا-، وإنما تحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا من حيث إنَّ بعض الأحكام قد يكون أخف من بعض فيما يرجع إلى محتمل المشقة، أو أنَّ ثواب البعض أجزل من ثواب البعض الآخر من الأحكام -على خلاف بين العلماء-، فوجب حمل النسخ على أحكام الآيات الموجودة في المصحف لا على ما ذكره المعترض.

ثانيًا: لو سلمنا بذلك لقلنا بأنَّ شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا، كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة، ومن عدة إلى عدة، فهو تغيير، وتبديل، ورفع قطعًا.

الاعتراض الثاني: أنه ليس المراد من الآية النسخ، وإنما المراد التخصيص.

وأجيب: هذا غير صحيح، وذلك لأمرين:

أولهما: أنَّ لفظ الآية (ما ننسخ)، والنسخ غير التخصيص، فلا

ص: 345

سبيل إلى تغيير اللفظ.

الثاني: أنَّ التخصيص لا يستدعي بدلًا هو مثله أو خيرًا منه، وإنما هو بيان معنى الكلام.

الدليل الخامس: قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، ووجه الدلالة: أنه لا معنى للنسخ إلا تحريم ما أحل

(1)

.

المذهب الثاني: أنَّ النسخ ممتنعٌ شرعًا، ونسب هذا المذهب لمحمد بن بحر أبي مسلم الأصفهاني المعتزلي، فإنه منع النسخ شرعًا.

أدلته: استدل أبو مسلم على منع النسخ بدليل نقلي، وآخر عقلي.

الدليل النقلي: قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42].

وجه الدلالة: أنَّ النسخ باطل، ووجه بطلانه أن الله تعالى بيَّن ونفى عن كتابه إتيان الباطل، فلو نسخ شيئًا لكان باطلًا، وفي ذلك تكذيب لخبر الله سبحانه وتعالى، والكذب محال في خبره.

(1)

المستصفى (1/ 296، 297)، شرح مختصر الروضة (2/ 268، 269)، المهذب في أصول الفقه (2/ 544، 545).

ص: 346

وأجيب: بأنَّ الآية لا تدل على أنَّ النسخ ممتنع؛ لأمور:

الأول: أنَّ الباطل المذكور في القرآن هوالكذب، وشتان بين الكذب والنسخ.

الثاني: أنَّ النسخ إبطال، وليس بباطل؛ لأنَّ الباطل ضد الحق، والنسخ حق، فهو إبطال العمل بالحكم المنسوخ، ولله تعالى أن يبطل من أحكام شرعه ما شاء، ويثبت ما شاء.

الثالث: أنَّ معنى الآية: أنه لم يتقدم على القرآن من كتب الله ما يبطله، ولا يأتي من بعده من كتب الله ما يبطله، وهذا ليس فيه معارضة في أنه ينسخ بعضه بعضًا، وقال قتادة: معناه أنَّ الشيطان لا يستطيع أن يبطل منه حقًّا، ولا يحق منه باطلًا.

الرابع: أنَّ أبا مسلم يدعي امتناع النسخ شرعًا دعوى عامة، والآية التي احتج بها إنما تدل -لو دلَّت- على امتناع النسخ في القرآن خاصة، والدعوى العامة لا تثبت بالدليل الخاص.

الخامس: أنَّ أبا مسلم محجوج بإجماع الأمة على نسخ شريعة محمد لما قبلها من الشرائع مع أنها شرائع حق صحيحة لا يأتيها الباطل، فجوابه عنها هو جوابنا عن لحوق النسخ للقرآن

(1)

.

(1)

انظر شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 271)، التحقيقات والتنقيحات على متن الورقات (342) للشيخ مشهور بن حسن.

ص: 347

الدليل العقلي: ومما استدل به أبو مسلم الأصفهاني عقلًا على منع النسخ:

أنَّ جواز النسخ يؤدي إلى جواز البداء على الله تعالى؛ لأنه إذا نهى عن صورة ما أمر به، أو أمر بصورة ما نهى عنه يكون قد ظهر له شيء كان خافيًا عليه، حتى نهى عن عين ما أمر به، أو أمر بعين ما نهى عنه، وهذا لا يجوز على الله تعالى؛ فيكون النسخ محض البداء، وهو من صفات البشر، ولا يجوز على الله تعالى.

واعترض:

1 -

هناك فرق بين النسخ والبداء، فالبداء في اللغة: أصله بدا الشيء يبدو إذا ظهر بعد الخفاء، ويقال: بدا لنا سور المدينة. إذا ظهر، أما النسخ فهو نقل وتغيير على ما سبق بيانه، فلم يتفقا في مآخذ اللغة ولسان العرب، فلم يجز أن يجعلا كشيء واحد، فالبداء من الظهور ويدل على أنَّ من بدا له شيء فقد ظهر ما كان خافيًا عليه، وهو محال على الله تبارك وتعالى؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، بل الأشياء كلها له بادية أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا.

ص: 348

والنسخ: إزالة حكم بحكم وتبديل حال بحال، ليس في هذا قصور علم ولا لزوم جهل، بل تصريف العباد على ما يشاء ويريد، أو على ما يعلم من مصالحهم.

2 -

أنَّ البداء الذى توهموه إنما يلزم أن لو كان الله تعالى نهانا عن نفس ما أمرنا به، وذلك أن يقول: افعلوا كذا فى وقت كذا على وجه كذا. ثم يقول: لا تفعلوا. ويذكر ذلك الوقت، وذلك الوجه، أو يقول: افعلوا كذا أبدًا، ولا تنتقلوا عنه. ثم ينقلنا عنه، فأما إذا أمرنا بأمر مرسل ويريد أن ينقلنا عنه بعد زمان ونقلنا حين جاء ذلك الزمان؛ فليس بمنكر ولا مستحيل، ولا فيه معنى البداء، ألا ترى أنه لو قال: صلوا إلى بيت المقدس إلى الزمان الذى أنقلكم عنه إلى الكعبة، وجاء الشرع بصريح هذا كان جائزًا سائغًا، كذلك إذا أطلق وأراد أن يفعل كذلك

(1)

.

• بيان نوع الخلاف:

ذكر بعض العلماء كالسبكي، والسمعاني، وابن دقيق العيد أنَّ الخلاف بين الجمهور، وأبي مسلم الأصفهاني لفظي؛ لأنه عند المحاققة ثبت أنه يسمي النسخ باسم آخر، فهو يعترف بحقيقة النسخ لكن يسميه تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى

(1)

انظر قواطع الأدلة للسمعاني (2/ 651، 652).

ص: 349

اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وأن يقول: صوموا مطلقًا. وعلمه محيط بأنه سينزل: لا تصوموا وقت الليل.

والجماعة يجعلون الأول تخصيصًا، والثاني نسخًا

(1)

.

وقيل: إنَّ أبا مسلم ينكره فهو باطل عنده، وقيل ينكره في شريعة واحدة فقط، وقيل: ينكره في القرآن خاصة.

فلو ثبت إنكار أبي موسى للنسخ فكما قال السمعاني: ومن خالف في هذا من أهل الإسلام، فالكلام معه أن نريه وجود النسخ، وذلك مثل نسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته للاثنين، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة، فإن لم يعترف بهذه الأشياء كان مكابرة واستحق أن لا يكلم، ويعرض عنه، وإن قال ذلك، ولكن لا أسميه نسخًا كان هذا تعنتًا لفظيًّا، ولزم أن يقال: إنَّ رفع شريعة من قبلنا بشرعنا لا يكون نسخًا أيضًا، وهذا لا يقوله مسلم

(2)

.

وقال الشوكاني: روي عن أبي مسلم الأصفهاني أنه قال: إنه جائز غير واقع. وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلًا فظيعًا، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه

(1)

انظر رفع الحاجب (4/ 47).

(2)

انظر قواطع الأدلة (2/ 654).

ص: 350

الخلاف في كتب الشريعة، فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين، لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية.

وعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمه للكتاب والسنة، ولأحكام العقل، فإنه إن اعترف بأنَّ شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع، فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله، نعم إذا قال: إنَّ الشرائع المتقدمة مغياة بغاية هي البعثة المحمدية، وأنَّ ذلك ليس بنسخ، فذلك أخف من إنكار كونه نسخًا غير مقيد بهذا القيد

(1)

.

لكن الراجح -إن شاء الله-: أنَّ الخلاف لفظي، فالجمهور يسمونه نسخًا، وأبو مسلم يسميه تخصيصًا زمنيًّا، وذلك لأمور:

1 -

أنه لا يتصور من مسلم إنكار النسخ؛ لأنَّ النسخ من ضروريات هذه الشريعة، إذ هو ثابت وواقع.

2 -

أنَّ أبا مسلم مؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومقر بأنَّ التعبد بشرع من قبلنا من الأنبياء السابقين إنما هو مغيا إلى حين ظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعند ظهوره صلى الله عليه وسلم زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية، ولو لم يقر بذلك لانتفت عنه صفة الإسلام.

وإذا كان يسميه تخصيصًا فالخلاف لفظي؛ لأنَّ النسخ تخصيص في

(1)

انظر إرشاد الفحول (2/ 790).

ص: 351

أزمان الحكم، ومعروف أنَّ تخصيص الأزمان كتخصيص الأشخاص، فمعنى النسخ وحقيقته قد اتفق عليه بين الجمهور وبين أبي مسلم، لكن الجمهور يسمونه نسخًا، وأبا مسلم يسميه تخصيصًا، فكل منسوخ عنده فيها مغيا عنده في علم الله إلى ورودنا نسخه كالمغيا في اللفظ، فنشأ من هذا تسمية النسخ تخصيصًا، والغاية من المخصصات المعروفة، فالخلاف في العبادة والاصطلاح فيكون الخلاف لفظيًّا.

3 -

أنَّ كثيرًا من العلماء المعتبرين في الأصول كابن الحاجب، والسمعاني، والسبكي، وابن دقيق العيد قد ذكروا ذلك عنه، وبينوا أنَّ الخلاف لفظي

(1)

.

وعلى كل سواء كان الخلاف لفظيًّا كما رجح البعض، أو كان حقيقيًّا فالصحيح قطعًا جواز النسخ عقلًا، وثبوته شرعًا.

• المسألة الثالثة: حكمة النسخ:

للنسخ حكم متعددة منها:

1 -

بيان شرف نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها.

2 -

حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم

(1)

انظر المهذب في أصول الفقه للدكتور النملة (2/ 547).

ص: 352

بحكم، وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة.

3 -

رحمة الله بعبادة والتخفيف عنهم.

فإن قيل: بأنَّ النسخ قد يكون بأثقل.

أجيب: بأنَّ الرحمة قد تكون بالأثقل أكثر من الأخف لما يستلزمه من تكثير الثواب، والله لا يضيع عمل عامل، فتكثير الثواب في الأثقل يصيره خفيفًا على العامل يسيرًا عليه لما يتصوره من جزالة الجزاء

(1)

.

4 -

تهيئة النفوس إلى تقبل الحكم الأخير، وبيان ذلك أنَّ الناس قبل مجيء الإسلام كانوا في جاهلية تعمها الفوضى، وعدم الانضباط بأنظمة وأحكام وقيود، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم دفعة واحدة إلى ما يستقر إليه التشريع آخر الأمر، فسلك بهم طريق التدريج في التشريع من الأخف إلى الأشد من أجل أن تتهيأ نفوسهم إلى تقبل حكمه النهائي؛ إذ لو ألزمهم بالأحكام النهائية من أول وهلة؛ لأدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام، ومثال ذلك: تشريع الصلاة، فقد شرعت الصلاة أولًا ركعتين في الغداة، وركعتين في العشي، ثم شرعت خمسًا ركعتين ركعتين عدا المغرب، فقد كانت ثلاثًا ثم أقرت تلك الصلاة في السفر وزيد في الحضر، فجعلت أربعًا في الظهر، والعصر،

(1)

انظر البحر المحيط (4/ 77)، إرشاد الفحول بتصرف (2/ 791).

ص: 353

والعشاء.

وكعقوبة الزنا جعل الشارع أولًا الإيذاء بالقول للرجال، والحبس في البيوت للنساء، ثم نسخ ذلك إلى الجلد لغير المحصن، والتغريب، والرجم للمحصن، وغير ذلك.

6 -

استمالة القلوب للإسلام كما في مسألة القبلة، فالشارع لم يشأ أن يفاجئ أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا في المدينة بخلاف ما عهدوه من أنبيائهم من الصلاة إلى بيت المقدس، فجاء الأمر بالصلاة نحو بيت المقدس لبيان أنَّ وجهة الرسل واحدة، وأنه لا يخالف الأنبياء السابقين، وما ذلك إلا لاستمالة قلوبهم إلى هذا الدين، فلما نسخ ذلك، وأمر بالتوجه إلى الكعبة لم يستغرب ذلك أكثرهم

(1)

.

7 -

مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم فى دينهم ودنياهم.

8 -

التطور فى التشريع حتى يبلغ الكمال.

9 -

اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى حكم آخر، ورضاهم بذلك حيث إنَّ الابتلاء حكمة لكثير من الأحكام ليعلم الله من يتبع أمره، ومن ينقلب على عقبيه.

ومن ذلك: أمرُ الله تعالى لإبراهيم بأن يذبح ابنه إسماعيل، فهو لم

(1)

انظر المهذب في أصول الفقه للدكتور النملة (2/ 550، 551).

ص: 354

يذبحه، ولكن كان الأمر الحكمة منه ابتلاء إبراهيم وطاعته فى أمره، والدليل قوله تعالى:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106]، فحينما تمت الحكمة من الحُكم، وهو ابتلاء الله لإبراهيم نسخ الله الحكم بالذبح، فكان النسخ هنا له حكمة من الله تعالى، قال تعالى:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107].

وكذلك أمر القبلة: جعلها الله تعالى أولًا نحو بيت المقدس ابتلاءً لعباده، كى يعلم المتبع من الضال؛ لذلك قال تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143].

10 -

اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف، ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل.

• المسألة الرابعة: شروط النسخ:

الشرط الأول: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًّا لا عقليًّا، كالبراءة الأصلية التي ارتفعت بإيجاب العبادات، فلو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل؛ لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس كذلك.

الشرط الثاني: أن يكون النسخ بشرع، فلا يكون ارتفاع الحكم

ص: 355

بالموت نسخًا، بل هو سقوط التكليف بسبب هذا العارض، وهو الموت أو الجنون.

الشرط الثالث: أن يكون مما يجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأنَّ الله سبحانه بأسمائه و صفاته لم يزل ولا يزال، ومثل هذا ما علم بالنص أنه يتأبد ولا يتأقت.

الشرط الرابع: أن يكون الخطاب الناسخ متراخيًا، فلو اقترن النص بعضه ببعض كالشرط، والغاية، والاستثناء؛ فليس بنسخ، بل يكون تخصيصًا.

الشرط الخامس: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقًا لم يحدد بمدة معلومة، ولا مقيدًا بوقت، إذ لو كان كذلك فلا يكون انقضاء وقته الذي قيد به نسخًا له

(1)

.

• المسألة الخامسة: الأحكام التي لا يتناولها النسخ:

أولًا: الأحكام الأصلية المتعلقة بأصول الدين والعقائد، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، فهذه لا تقبل التغيير والتبديل بأي حال.

(1)

البحر المحيط للزركشي (4/ 78، 79)، الإحكام للآمدي (3/ 114)، المستصفى للغزالي (1/ 319)، إرشاد الفحول للشوكاني (2/ 792).

ص: 356

ثانيًا: الأحكام العامة والقواعد الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ضرر ولا ضرار، وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو باطل، فهذه لا يمكن رفعها؛ لأنَّ مصالحها ظاهرة.

ثالثّا: الأحكام التي لا تتحمل عدم المشروعية كأمهات الأخلاق والفضائل، كالعدل، والصدق، والأمانة، فإنَّ هذه لا تنسخ؛ لأنَّ مصلحة التخلق بها أمر ظاهر، وحسنها لا يتغير بتغيير الأزمان.

رابعًا: الأحكام التي لا تتحمل المشروعية كأمهات الرذائل كالكفر، والظلم، والخيانة، وعقوق الوالدين، فهذه لا تنسخ؛ لأنَّ قبحها لا يتغير بتغير الزمن.

خامسًا: الأحكام التي لم يثبت نسخها في عصر الرسالة صراحة أو ضمنًا، فإنَّ تلك الأحكام مؤبدة لا تحتمل النسخ؛ لأنه لا نسخ إلا بوحي، ولا وحي إلا بنبي، ولا نبي بعده صلى الله عليه وسلم.

سادسًا: الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ، كالتأبيد، مثل: الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن؛ وذلك لأنَّ تأبيد الحكم يقتضي حسنه على الدوام، و النسخ ينافي ذلك، هذا على حسب الواقع.

سابعًا: الإجماع؛ لأنَّ الإجماع لا يكون إلا بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم،

ص: 357

والنسخ لا يجوز بعد موته صلى الله عليه وسلم

(1)

.

• المسألة السادسة: هل يشترط في النسخ أن يخلفه بدل؟

اختلف في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل، وهو قول الجمهور.

واستدلوا بأدلة:

الدليل الأول: أنَّ نسخ الحكم بلا بدل قد وقع في الشريعة، والوقوع دليل الجواز.

ومن ذلك: نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة بقوله تعالى:{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187]، ونسخ وجوب قيام الليل.

الدليل الثاني: أنَّ حقيقة النسخ الرفع والإزالة، ورفع الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل، واعتبروا ذلك في المحسوسات، فليس من الضرورة رفع الحجر من مكانه أنه يضع مكانه غيره، بل ذلك إلى الجواز.

(1)

انظر قواطع الأدلة (2/ 656) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه للدكتور النملة (2/ 553، 554).

ص: 358

الدليل الثالث: أنه لا يمتنع عقلًا أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون وضع بدل عنه، أي أنَّ الله تعالى علم أنَّ نسخ هذا الحكم مصلحة، ولا مصلحة في إثبات بدل له.

وقد اعترض على الدليل الأول من وجهين:

1 -

قالوا: لا نسلم أنَّ الصدقة بين يدي النجوى قد نسخت لا إلى بدل؛ لأنه سبحانه يقول في الآية الناسخة: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 13]، فكانت هذه الأشياء بدل الصدقة.

2 -

أنَّ الادخار من لحوم الأضاحي، وتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم نسخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعًا ابتغاءً لما عند الله وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله تعالى:{فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [المجادلة: 13].

وأجيب:

1 -

أنه ليست هذه أبدالًا؛ لأنها كانت واجبة قبل ذلك بموجب أصل التكليف، وإنما معنى الآية: إذ لم تفعلوا فارجعوا إلى ما كنتم عليه أولًا من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

2 -

أنَّ الاستحباب أتى من أصل التشريع لا بنص جديد.

ص: 359

القول الثاني: لا يجوز نسخ الحكم إلى غير بدل. و ذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر، وذكر الإسنوي أنه مذهب الشافعي، ورجحه ابن تيمية، والشنقيطي.

وأدلتهم:

الدليل الأول: قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106].

ووجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أخبر أنه لا ينسخ شيئًا من الأحكام إلا إذا وضع مكانه بدلًا خيرًا منه أو مثله، وخبر الله صدق، فالخلف في خبره محال.

قال الشنقيطي: فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية، وشافعية، وحنابلة، وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل، ووقوعه مع أنَّ الله يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106].

فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط ربط الجزاء بشرطه، ومعلوم عند المحققين أنَّ الشرطية إنما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أنَّ هذا الربط الذي صرح

ص: 360

الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح لا يمكن تخلفه بحال، فمن ادعى انفكاكه، وأنه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقض القاطع كاذب يقينًا لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق الله العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه

(1)

.

وقال الشافعي: وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة. قال: وكل منسوخ في كتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هكذا

(2)

.

قال الصيرفي وأبو اسحاق المروزي: وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي في شرح الرسالة، وأبو إسحاق المروزي في كتاب الناسخ أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو يجري على حسب أحوال المفروض، ومثله بالمناجاة، وكان يناجى النبي صلى الله عليه وسلم بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، وهذا الحمل هو الذي ينبغي تفسير كلام الشافعي به، فإنَّ مثله لا يخفى عليه وقوع النسخ في هذه الشريعة بلا بدل، ولا شك في أنه يجوز ارتفاع التكليف بالشيء، والنسخ مثله؛ لأنه

(1)

انظر المذكرة للشنقيطي (134).

(2)

انظر الرسالة للشافعي فقرة (328).

ص: 361

رفع تكليف، ولم يمنع من ذلك شرع ولا عقل، بل دل الدليل على الوقوع

(1)

.

وقال ابن القطان: قول الشافعي أنَّ النسخ يكون بأن يبدل مكانه شيئًا، جوابه من وجهين:

1 -

أنه أراد أنَّ الأكثر في الفرائض هو الذي ذكره.

2 -

أنَّ ذلك يجري مجرى أمر ثان بعبارة أخرى، والفرض الأول قد تغير؛ لأنَّ الله تعالى حين أمر به أراد في زمان يوصف، إنما خفي ذلك علينا وقدّر أنه عامٌّ في الأزمنة كلها، إلا أنه لا بد أن يعلم أنَّ الفرض الأول قد تغير، ألا ترى أنه كان خمسين صلاة، فكان علينا أن نعتقد أنَّ الكل واجب، فإذا سقط البعض تغير الاعتقاد الذي كنا قد اعتقدناه، فلا محالة يتغير شيء ما من الفرض الأول

(2)

.

واعترض:

1 -

بأنه ليس في الآية ما يدل على أنه لا بد من البدل، بل إنَّ الآية تدل على أنَّ البدل الثابت خير من المبدل إن ثبت البدل، فهو كقول السيد لعبده: لا آخذ منك ثوبًا وأعطيك بدله، إلا إذا كان البدل خيرًا من

(1)

انظر إرشاد الفحول (2/ 85).

(2)

انظر البحر المحيط في أصول الفقه (4/ 93، 94).

ص: 362

الأول.

فهذا اللفظ لا يدل على وجوب البدل، ولكنه يدل على أنَّ البدل إذا وقع فلا بد أن يكون خيرًا.

2 -

أنَّ الآية وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر.

وأجيب على هذا الاعتراض: بأنَّ الآية ظاهر في اللفظ والمعنى، فحمله على اللفظ فقط تحكم، وقد صرحت الآية في أنه مهما نسخ آية أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها

(1)

.

والراجح: - والله أعلم- أن النسخ قد يكون إلى بدل أو إلى غير بدل، وفي كل الأحوال فهو مثل المنسوخ أو خيرٌ منه بالنسبة للمكلفين.

• المسألة السابعة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص.

أنَّ كل واحد منهما يوجب اختصاص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة، أي أنَّ كلًّا منهما فيه قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلا أنَّ النسخ قصر للحكم على بعض الأزمان، والتخصيص قصر للحكم على بعض أفراده.

(1)

انظر الإحكام للآمدي (2/ 260)، نهاية السول للإسنوي (2/ 571)، المستصفى للغزالي (1/ 314، 315)، اللمع للشيرازي (1/ 170)، إرشاد الفحول (2/ 799)، المهذب في أصول الفقه (2/ 585 وما بعدها)، المذكرة للشنقيطي (1/ 134).

ص: 363

وعليه فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم، والمزال من النسخ غير مراد من الخطاب.

• المسألة الثامنة: وجه الاختلاف بين النسخ والتخصيص:

الأول: أنَّ الناسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه؛ لأنه بيان، بل يجب اقترانه عند من لم يجوّز تأخير البيان.

الثاني: أنَّ التخصيص مثل: أكرم زيدًا. لأنه لا يكون إلا من متعدد، لا يدخل فيه الأمر بمأمور واحد، والنسخ يدخل عليه كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام.

الثالث: أنَّ النسخ يختص بالأحكام، ولا يصح في الأخبار، والتخصيص يجوز فيهما.

الرابع: أنَّ النسخ رافع لجميع الحكم، والتخصيص مثبت لبعض الحكم.

الخامس: أنَّ النسخ يختص بعموم الأزمان، والتخصيص يختص بعموم الأعيان.

السادس: أنَّ النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل، والقرائن، وسائر أدلة السمع.

ص: 364

السابع: أنَّ النسخ تبديل، والتخصيص تقليل

(1)

.

• المسألة التاسعة: هل الإجماع يكون منسوخًا؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ الإجماع لا يكون منسوخًا، وهو رأي الجمهور.

وذلك لأنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أنَّ حكم الإجماع لا ينسخ.

وبيان ذلك: أنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ لأنَّ النسخ رفع للحكم وإبطال له، وذلك إنما يكون في عهد النبوة؛ لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة.

وأما أنَّ الإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة؛ فلأنَّ الاعتماد في زمن النبوة على قول النبي صلى الله عليه وسلم لعصمته، ولا اعتبار بغيره؛ لأنه إذا حكم بحكم، فالأمة إما أن توافق فلا أثر لموافقتها؛ لأنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم هو المستقل بإثبات الحكم، أو تخالف فلا اعتبار بمخالفتها؛ بل تكون عاصية بمخالفتها.

(1)

انظر قواطع الأدلة (2/ 708، 709)، المستصفى (1/ 293)، إرشاد الفحول (2/ 631)، وما بعدها.

ص: 365

فبان بهذا أنَّ الإجماع لا يكون معتبرًا مؤثرًا إلا بعد موته.

ولا يجوز كذلك نسخ الإجماع بإجماع آخر؛ لأنه يستحيل انعقاده على خلاف إجماع آخر، إذ لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأنَّ الأول إن لم يكن عن دليل خطأ، وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ لوقوعه عل خلاف الدليل.

ولا يجوز نسخ الإجماع بالقياس؛ لأنَّ القياس لا يكون على خلاف الإجماع، لأنه يشترط في القياس أن لا يكون مخالفًا لنص أو إجماع، فعند مخالفة الإجماع للقياس يكون القياس باطلًا، فلا يكون حجة، وعليه فلا يكون ناسخًا للإجماع.

المذهب الثاني: أنَّ الإجماع يكون منسوخًا، ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء.

ودليلهم: أنَّ العلماء إذا اختلفوا على قولين، فهو إجماع على أنَّ المسألة اجتهادية يجوز الأخذ بكليهما، ثم يجوز إجماعهم على أحد القولين، فإذا أجمعوا بطل الجواز، أي لم يجز العمل بالقول الآخر، وحينئذ يكون الإجماع الثاني ناسخًا لما دل عليه الإجماع الأول من جواز العمل بكل واحد من القولين، وبذلك يكون الإجماع الثاني ناسخًا للإجماع الأول.

ص: 366

وأجيب: بأنا لا نسلم بذلك؛ لأنَّ العلماء إنما جوزوا للمكلف الأخذ بأي واحد من القولين بشرط ألا يحصل الإجماع على أحد القولين.

فكان الإجماع الأول مشروطًا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع الثاني زال شرط الإجماع الأول، فانتفى الإجماع الأول بسبب انتفاء شرطه، لا لكون الثاني قد نسخه

(1)

.

• المسألة العاشرة: هل يكون الإجماع ناسخًا؟

اختلف العلماء على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: أنَّ الإجماع لا يكون ناسخًا بمعنى أنه لا ينسخ به، وهو مذهب الجمهور.

وحجتهم:

1 -

أنَّ المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا.

فالأول: وهو كون المنسوخ بالإجماع نصًّا باطل؛ لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف النص، لأنَّ الإجماع لا بد له من مستند، فلا يخلو إما أن يطلع المجمعون عل هذا النص أو لا، فإن لم يطلعوا عليه كان

(1)

انظر إرشاد الفحول (2/ 818، 819)، شرح مختصر الروضة (2/ 330) وما بعدها، قواطع الأدلة (2/ 695)، المهذب في أصول الفقه (2/ 611، 612).

ص: 367

إجماعهم باطلًا لوجود ما يخالفه، وإن اطلعوا عليه وأجمعوا على خلافه دل على أنَّ هذا النص مرجوح، وما استندوا إليه في إجماعهم راجح، فيكون بذلك الناسخ للنص هو النص الذي استندوا إليه، فثبت أنَّ ذلك من باب نسخ النص بالنص، لا من باب نسخ النص بالإجماع.

وأما الثاني: وهو كون المنسوخ بالإجماع إجماعًا آخر فهو باطل؛ لأنَّ الإجماع لا ينعقد على خلاف إجماع آخر.

وأما الثالث: وهو كون المنسوخ بالإجماع قياسًا فهو باطل؛ لأنَّ من شرط حجية القياس والعمل به عدم مخالفته للإجماع، فإذا انعقد الإجماع على خلاف القياس زال القياس لزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخًا.

2 -

أنَّ الإجماع إنما يكون حجة بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والنسخ إنما يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فيستحيل اجتماعهما.

قال الصيرفي: ليس للإجماع حظ في نسخ الشرع؛ لأنهم لا يشرّعون.

المذهب الثاني: أنَّ الإجماع يكون ناسخًا، وهو قول عيسى بن أبان من الحنفية، وبعض المعتزلة والحافظ البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه.

ص: 368

ودليلهم:

1 -

أنَّ سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة قد سقط بإجماع الصحابة، فهذا يدل على أنَّ الإجماع يكون ناسخًا.

وأجيب: بأنَّ سقوط سهم المؤلفة قلوبهم ليس من باب النسخ، بل هو من باب انتهاء الحكم لانتهاء علته المقررة، وهي تحبيب الإسلام في نفوس حديثي العهد بالإسلام لإعزاز الإسلام، فلما حصلت العزة للإسلام في عهد الصحابة سقط سهم المؤلفة قلوبهم، وليس انتهاء الحكم لانتهاء علته نسخًا.

2 -

كما أنَّ الإجماع مخصص للعام، كذلك يصح أن يكون ناسخًا ولا فرق.

وأجيب: بأنه ليس كل ما يخصص به ينسخ به، فدليل العقل يجوز التخصيص به، ولا يجوز النسخ به، ثم إنَّ قياسكم النسخ على التخصيص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأنَّ النسخ رفع للحكم بالكلية، بخلاف التخصيص، فإنه قصرٌ للحكم على بعض أفراده، وبذلك لا يمنع أن يكون الإجماع مخصصًا بخلاف النسخ، فقد وجد فيه ما يمنع من كون الإجماع ناسخًا.

ص: 369

المذهب الثالث: يجوز نسخ الإجماع لكن لا بنفسه، بل بسنده، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الظاهرية.

قالوا: إذا رأينا نصًّا صحيحًا والإجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخه، وأن أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه

(1)

.

• المسألة الحادية عشر: الزيادة على النص هل هي نسخ؟

الزيادة على النص نسخ عند قوم، وليست بنسخ عند قوم، لكن الراجح والمختار: أنها تنقسم باعتبار تعلقها بالمزيد عليه وعدم ذلك إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: زيادة مستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وليست من جنسه، كما إذا أوجب الصلاة، ثم أوجب الصوم والزكاة لم يتغير حكم المزيد عليه، وهو الصلاة، ولا تكون الزيادة نسخًا باتفاق العلماء؛ لأنَّ حقيقة النسخ لم تتحقق هنا، لأنَّ النسخ رفع الحكم، وهنا لم يرتفع الحكم ولم يتبدل، وهو وجوب الصلاة، بل بقي حكم المزيد عليه وهو الصلاة بعد الزيادة كما كان ثابتًا قبلها.

(1)

انظر إرشاد الفحول (2/ 819، 820)، شرح مختصر الروضة (2/ 331)، المهذب في أصول الفقه (2/ 612).

ص: 370

القسم الثاني: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه.

مثل: زيادة صلاة على الصلوات الخمس.

وهذه الزيادة اختلف العلماء فيها، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لأنَّ تلك الزيادة لم ترفع حكمًا شرعيًّا، فالمزيد عليه باق بعد الزيادة، كما كان ثابتًا قبل الزيادة.

مثل: الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه، ولا فرق، فكما أنَّ وجوب الصلاة لم يتغيير بزيادة الصوم، فكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى، ولا فرق.

المذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة تكون نسخًا لحكم المزيد عليه، وهو مذهب بعض الحنفية العراقيين، ودليلهم:

أنَّ حقيقة النسخ (هو رفع الحكم) قد وجدت؛ فكان نسخًا، فزيادة صلاة على الصلوات الخمس يغير الصلاة الوسطى، فيرتفع وجوبها المستفاد من قوله تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]، فوسطية الصلاة متوقفة على العدد المفرد (وهو الخمس

ص: 371

هنا) لكي يكون عدد ما قبلها كعدد ما بعدها، فإذا زيدت صلاة سادسة، فإنها ترفع كون الوسطى وسطى وتغيره، فتتبدل الوسطية بالنسبة لها إلى غيرها فأزيل، وترفع الحكم، وهو وجوب المحافظة على الصلاة الوسطى، المستفاد من الأمر بها في الآية السابقة.

وأجيب:

1 -

أنَّ الزيادة المستقلة التي هي من جنس المزيد عليه، مثل الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه، ولا فرق، فلو كانت زيادة صلاة سادسة نسخًا؛ للزم أن تكون زيادة العبادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه نسخًا، لأنها تجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة فتغير صفتها، وتتساوى مع السادسة في هذا التعبير، فلما لم تجعل هذه نسخًا بالإجماع يلزم أن لا تجعل الزيادة المستقلة التي من جنس المزيد عليه نسخًا.

2 -

أنَّ زيادة صلاة سادسة على الخمس لا تزيل المحافظة على الوسطى؛ لأنَّ وجوب المحافظة قد تعلق بمسمى الوسطى عند نزول الآية، وهذا المسمى لما صدق لا تؤثر عليه هذه الزيادة.

القسم الثالث: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل، وذلك بأن تكون الزيادة جزءًا من المزيد عليه.

ص: 372

مثال ذلك: زيادة تغريب عام على جلد مئة في حد الزاني البكر

(1)

، حيث أصبح جزءًا من الحد، فأصبح حد الزاني البكر بعد الزيادة مكونًا من جزأين:

أولهما: جلد مئة، وهو الوارد في نص القرآن الكريم.

ثانيهما: تغريب عام، وهو الوارد في نص السنة

(2)

.

وهذه الزيادة اختلف فيها العلماء، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست نسخًا، وهو مذهب الجمهور؛ لأنَّ حقيقة النسخ هي رفع الحكم وتبديله لم توجد عند تلك الزيادة، بل إنَّ هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد عليه، وتثبيت له؛ لأنَّ ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه ويقرره، نظرًا إلى أنَّ الانضمام صفة لا بد لها من محل تقوم به، ولهذا نرى حكم المزيد عليه ثابتًا لم يتغير، ولم يتبدل، ولم يرتفع، بعد إلحاق الزيادة به، فكان ثابتًا بعد الزيادة، كما كان ثابتًا قبل الزيادة قياسًا على الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه بجامع عدم الثتغيير في كل.

(1)

أخرجه البخاري (2649)، من حديث زيد بن خالد مرفوعًا.

(2)

انظر ما قبله.

ص: 373

فمثلًا: بعد زيادة (التغريب)، وإلحاقه ب (الجلد مئة) لم تُخرج تلك الزيادة الجلد عن كونه واجبًا، بل استمر على هذا الحكم بعد إلحاق الزيادة (وهي التغريب) به كما كان واجبًا قبله، وذلك مثل إيجاب الصوم بعد إيجابه للصلاة لم يخرج الصلاة عن كونها فرضًا، بل ظلت فرضًا بعد الصيام كما كانت قبله، كل ما في الأمر أنه أضاف إليه زيادة.

المذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة نسخ، ذهب إلى ذلك الحنفية، كما صرح بذلك أبو عبد الله الصيمري، وأبو بكر الرازي، والسرخسي، وعبد العزيز البخاري.

ودليلهم: استدلوا بأنَّ جلد المائة في حد الزاني البكر كان هو الحد الكامل، و يجوز الاقتصار عليه؛ لقوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فلما جاءت السنة بزيادة التغريب، وذلك بحديث عبادة بن الصامت:«البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»

(1)

، رفعت هذه الآية ذلك الحكم، وهو (صفة الكمال والاقتصار على جلد مئة)، وأصبح الحد بعد الزيادة (الجلد والتغريب)، فتكون صفة الكمال قد رفعت، والاقتصار على الجلد قد رفع، والرفع هو النسخ.

وأجيب: أنَّ رفع صفة الكمال بالزيادة، ورفع الاقتصار على المائة

(1)

أخرجه مسلم (1690)، من حديث عبادة مرفوعًا.

ص: 374

لم يتحقق به النسخ.

وبيان ذلك: أنَّ صفة الكمال إذا ارتفعت بالزيادة لا يتحقق النسخ؛ لأنَّ صفة الكمال لا يندرج ضمن أقسام الأحكام الشرعية، فليس مقصودًا، بل المقصود هو وجوب الحد -الذي هو مئة جلدة- والوجوب لم يرتفع، بل هو باق على حاله، وهو كل الواجب، فلما زيد (التغريب) لم يتغير، بل هناك واجب قد أضيف إليه.

ومما يؤيد ذلك: أنَّ الشارع لما أوجب الصلاة فقط كانت هي كل الواجب على المكلف، فلما أوجب الصوم بعد ذلك خرجت الصلاة عن كونها كل الواجب، بل صار الواجب الصلاة والصوم، وليس ذلك بنسخ باتفاق العلماء.

فكذلك هنا يقال: إنَّ جلد مئة هو الواجب الكامل على الزاني البكر، فلما زيد التغريب خرج جلد مئة عن كونه هو أقل الواجب، بل صار الواجب الجلد والتغريب، فلا يسمى ذلك نسخًا.

القسم الرابع: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، أي تكون الزيادة شرطًا للمزيد عليه، فإذا فقد المزيد عليه هذه الزيادة، وهو الشرط يكون وجوده وعدمه واحدًا.

ومن أمثلة ذلك: زيادة النية في الطهارة، حيث إنَّ الشارع أمر

ص: 375

بالطهارة مطلقًا، ثم زيد شرط النية لها.

وأيضًا: زيادة الطهارة في الطواف حيث إنَّ الشارع أمر بالطواف مطلقًا، ثم زيد شرط الطهارة له- عند من اشترط الطهارة-، وكذا زيادة اشتراط الطهارة على وجوب الصلاة.

وهذه الزيادة اختلف العلماء فيها، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ، وهو مذهب الجمهور وهو الصحيح؛ لأنَّ حقيقة النسخ وهي (رفع الحكم) لم توجد هنا.

وبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} اقتضى أمرين:

أحدهما: وجوب الصلاة.

والثاني: الإجزاء. حيث يجوز على هذا اللفظ الصلاة بدون طهارة، فلما جاءت الزيادة -وهي اشتراط الطهارة للصلاة- فالوجوب لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها، حيث بقي الأمر به.

وأما الإجزاء فهو الذي ارتفع بعد هذه الزيادة، حيث أصبحت الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، فهنا ارتفع الإجزاء فقط، وارتفاع الإجزاء فقط جعل المرتفع بعض ما تناوله واقتضاه اللفظ الذي هو قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، وهذا يسمى تخصيصًا لا نسخًا.

ص: 376

المذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة نسخ، وهذا مذهب الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي.

ودليلهم:

قالوا: إنه كان حكم المزيد عليه الإجزاء والصحة بدون تلك الزيادة، فلما جاءت الزيادة ارتفع ذلك الحكم، فأصبح المزيد عليه لا يجزئ، ولا يصح إلا بتلك الزيادة، والرفع نسخ.

فمثلًا: كانت الصلاة تجزئ وتصح بدون طهارة، فلما زيد اشتراط الطهارة أصبحت الصلاة لا تجزئ ولا تصح لوحدها، بل لا بد من الطهارة، فرفع إجزاء الصلاة لوحدها، والرفع نسخ.

وأجيب: بأنَّ ما ذكرتموه صحيح لو أنَّ الإجزاء استقر وثبت أولًا، ثم وردت الزيادة بعده؛ لأنَّ من شرط النسخ: تأخر الناسخ عن المنسوخ. وهنا لم يتحقق ذلك الشرط؛ لأنه يحتمل أن تكون الزيادة قد ثبتت، وهي مقارنة للفظ المزيد عليه.

وعلى هذا يكون ادعاؤكم استقرار الإجزاء، ثم ورود الزيادة بعد ذلك هو دعوى تحتاج إلى دليل، ولا دليل عندكم، فثبت أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ.

ص: 377

الخلاصة:

1 -

يتلخص مما سبق من أقسام الزيادة على النص أنَّ الجمهور يقولون: إن الزيادة ليست بنسخ في جميعها. وأن الحنفية يقولون: إن الزيادة نسخ.

2 -

أنَّ الحنفية قد ردوا أخبارًا كثيرة بسبب تمسكهم بهذا الأصل، وهو أنَّ الزيادة على النص نسخ؛ لأنه اقتضى زيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد، لذا ردوا أحاديث تعين الفاتحة في الصلاة

(1)

، وما ورد في الشاهد واليمين

(2)

، وما ورد في إيمان الرقبة، وما ورد في اشتراط النية في الوضوء

(3)

.

• المسألة الثانية عشر: هل يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من امتثاله؟

وبعضهم يعبر: بجواز نسخ الشيء قبل وقوعه، وبعضهم يعبر بجواز نسخ الأمر قبل امتثاله.

(1)

أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394)، من حديث عبادة مرفوعًا بلفظ:«لا صَلاةَ لمَن لَم يَقرَأ بفَاتحَة الكتَاب» .

(2)

إسناده حسن، أخرجه أبو داود (3610)، وابن ماجه (2368)، من حديث أبي هريرة بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.

(3)

انظر المهذب في أصول الفقه بتصرف (2/ 572) وما بعدها، المستصفى للغزالي (1/ 309)، شرح مختصر الروضة (2/ 291)، إرشاد الفحول (2/ 825) وما بعدها، قواطع الأدلة (2/ 683) وما بعدها.

ص: 378

فإذا ورد الناسخ بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه العبادة، أو بعد أن مضى من الوقت قدر ما يقع فيه بعضها، فقد اتفق العلماء على جواز النسخ في هذه الحالة؛ لأنَّ شرط الأمر حاصل، وهو التمكن من الفعل.

لكنهم اختلفوا فيما إذا ورد الأمر بفعل الشيء قبل وقته، ثم نسخ قبل دخول الوقت أو بعده، ولكن قبل التمكن من فعل ذلك الأمر.

قال الآمدي: اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، واختلفوا في جوازه قبل دخول الوقت

(1)

.

قلت: اختلف العلماء في نسخ الأمر بفعل شيء قبل التمكن من امتثاله، على مذهبين:

المذهب الأول: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، وهو مذهب جماهير العلماء.

وصورته: أن يقول الشارع في رمضان: حجوا هذه السنة. ثم يقول قبل يوم عرفة: لا تحجوا فقد نسخت عنكم الأمر.

(1)

انظر الإحكام (3/ 179، 180).

ص: 379

الأدلة على ذلك:

الدليل الأول: أنَّ مجرد الأمر مفيد فائدة تكليفية، وإن لم ينضم إليه الامتثال، ومع حصول الفائدة التكليفية لا يمتنع النسخ.

وبيان ذلك: أنَّ مجرد الأمر مفيد، فلأن المأمور إذا علم توجه الأمر إليه، إما أن يعزم على الامتثال فيكون مطيعًا مثابًا، أو على المخالفة فيكون عاصيًا معاقبًا بالنية والعزم، ومع حصول الفائدة لا يمتنع النسخ، وبالقياس على سائر صور النسخ؛ ولأنَّ الخصم إنما منع النسخ قبل الامتثال لكونه عبثًا عنده، ومع حصول الفائدة ينتفي كونه عبثًا فيجب ألا يمتنع.

الدليل الثاني: أنَّ النسخ قبل الامتثال قد وقع، والوقوع دليل الجواز.

وبيان ذلك: أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، كما دلت عليه الآيات ثم نُسخ عنه ذبح ولده قبل فعله.

واعترض على هذا:

1 -

بأنَّ قصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده كانت منامًا، والمنام خيال لا أصل له حتى يبنى عليه أصول الدين وفروعه.

2 -

ولو سلمنا بأنَّ المنام له حقيقة يُعتمد عليها في إثبات أحكام الشرع، لكن لا نسلم أنَّ إبراهيم أمر بذبح ولده، بل بالعزم عليه، أو

ص: 380

بفعل مقدمات الذبح من إضجاع ولده، وأخذ السكين ونحوه، وذلك لوجهين:

أحدهما: قوله تعالى: {يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 104، 105]: أي فعلت ما أمرت به، ولو كان مأمورًا بالذبح لم يصح ذلك؛ لأنه ما فعله به.

الثاني: قوله عز وجل حكاية عن الذبيح: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]، ولفظه لفظ المستقبل؛ فدل على أنه ما أمر بالذبح، وإنما أخبر أنه سيؤمر به في المستقبل، إذ لو كان قد أمر به لقال: افعل ما أُمرت.

3 -

سلمنا أنه أمر بالذبح، لكنه لم ينسخ عنه قبل امتثاله، بل قلب الله عنق ولده نحاسًا، فلم تؤثر فيه الشفرة فسقط لتعذره.

4 -

سلمنا أنه لم يتعذر، لكنه امتثل فذبحه، لكن كلما قطع جزءًا من عنقه التأم: أي التحم فاندمل الجرح بمجرد التحامه أي برأ، وذلك بدليل الآية:{قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 105]، على تقدير أنه مأمور بالذبح فيلزم أنه ذبحه، وإلا لم يكن قد صدق الرؤيا.

وأجاب الجمهور على هذه الاعتراضات بما يلي:

الجواب الأول: قولكم: قصة إبراهيم عليه السلام كانت منامًا والمنام خيال لا أصل له. هذا باطل؛ لأنَّ منام الأنبياء وحي، وذلك لوجوه:

ص: 381

أحدهما: أنَّ رؤيا آحاد الأمم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة

(1)

، فرؤيا الأنبياء أولى أن تكون نبوة.

الثاني: ما ثبت في البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله من النبوة الرؤيا الصادقة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح

(2)

.

وإذا ثبت أنَّ رؤيا الأنبياء نبوة ووحي كان قولكم: إنَّ رؤيا إبراهيم منام لا أصل له تهجمًا عظيمًا، ومن طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس أنه قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم

وفيه: قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير: إنَّ رؤيا الأنبياء وحي. ثم قرأ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]

(3)

.

وعبيد بن عمرو من كبار التابعين، ولأبيه عمير بن قتادة صحبة، فلو كان منامًا وخيالًا لا وحيًا؛ لما جاز لإبراهيم عليه السلام قصد الذبح المحرم، والتل للجبين، ولما سماه الله بلاءً مبينًا، ولما احتاج إلى الفداء.

(1)

أخرجه البخاري (6983) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «الرُّؤيَا الحَسَنَةُ منَ الرَّجُل الصَّالح جُزءٌ من ستَّةٍ وَأَربَعينَ جُزءًا منَ النُّبُوَّة» .

(2)

أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160)، من حديث عائشة مرفوعًا.

(3)

أخرجه البخاري (138) من حديث ابن عباس مرفوعًا.

ص: 382

الجواب الثاني: قولهم: إنما أمر بالعزم على الذبح أو مقدماته.

يجاب عنه:

1 -

بأنَّ إبراهيم عليه السلام لو كان مأمورًا بالعزم على الذبح فقط دون فعل الذبح؛ لما سماه الله بلاءً مبينًا، بحيث يُمتحن به الأنبياء؛ لأنَّ عامة الناس وسوقتهم لو قيل لأحدهم: أنت مأمور بالعزم على ذبح ولدك لا بنفس ذبحه؛ لسهل ذلك عليه، ولم يجد له كلفة، ولما احتاج إلى نداء، ولما قال الذبيح:{سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].

2 -

أنَّ الأمر بمقدمات الذبح فقط من إخراجه إلى الصحراء، وأخذ المدية، والتل للجبين لا بلاء فيه؛ إذ لا مشقة عليه في إضجاع ولده، وأخذ السكين مع علمه بسلامة العاقبة، كما لو مازح الإنسان ولده أو من يعز عليه بذلك، وإن لم يعلم أنه مأمور بالاقتصار على المقدمات فقط كان ذلك تلبيسًا عليه، وإيهامًا في الخطاب، وإبهامًا له أنه مأمور بذبح ولده مع أنه في نفس الأمر ليس كذلك، وهو قبيح أعني الإبهام والتلبيس؛ لأنه يشترط لصحة التكليف أن يعرف المكلف ما كلف به، وحينئذ يكون أمره بالاقتصار على مقدمات الذبح من حيث لا يعلم تكليفًا غير صحيح.

ص: 383

3 -

أنَّ حمل الأمر على العزم على خلاف قوله تعالى: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]، فصرح هنا بالذبح، ومعروف أنَّ العزم لا يسمى ذبحًا، فهذا فيه حمل شيء على غير محمله.

الجواب الثالث: قولهم: قوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 105]، معناه: قد فعلت ما أمرت به.

يجاب عنه:

أولًا: لا نسلم أنَّ هذا معناه، بل معناه: قد عزمت على فعل ما أمرت به صادقًا. فكان جزاؤك أن خففنا عنك كلفته بنسخه، هذا هو كلام المفسرين، وهو المفهوم المتبادر من سياق الآية.

ثانيًا: هذا الاستدلال بالآية على ما زعم المعترض غير صحيح؛ وذلك لأنَّ المراد بالتصديق هنا هو التصديق بالقلب، لأنَّ حقيقة التصديق يكون في القلب دون تحقيق الفعل، فكأنَّ الله تعالى قال: إنك يا إبراهيم لما صدقت، وآمنت واعتقدت وجوبه، وعزمت على فعله، وعملت مقدماته عمل مصدق؛ جزيناك كما نجزي المحسنين، فنسخنا عنك فعل الذبح وتحقيقه بذبح كبش، فالتصديق يختلف عن التحقيق والامتثال والعمل وإيقاع ما أمر به.

الجواب الرابع: قولهم: قول الذبيح: افعل ما تؤمر. لفظ مستقبل

ص: 384

يدل على أنه ما أمر بذبحه، بل سيؤمر به في المستقبل.

جوابه من وجهين:

أولًا: لا نسلم أنَّ المراد به في المستقبل، بل معنى قوله: ما تؤمر. افعل ما أمرت به وضعًا للمضارع موضع الماضي، وهو كثير في اللغة.

فإن قيل: هذا خلاف الظاهر من اللفظ.

قلنا: يلزمكم مثله في قوله: إني أرى في المنام أني أذبحك. فإنَّ ظاهره أنه رأى أنه أمر بذبحه وعلى قولكم، يكون تقديره: إني أرى في المنام أني سأؤمر بذبحك. وهو خلاف الظاهر، ويحتاج إلى إضمار، وما ذكرناه نحن من وضع المضارع موضع الماضي سهل.

ثانيًا: أنَّ معنى قوله: افعل ما تؤمر. أي: ما تؤمر به في الحال، استصحابًا لحال الأمر الماضي.

وبيان ذلك: أنَّ كل مأمور بفعل، فالأمر به متوجه إليه ما لم يفعله استصحابًا لحال الأمر في آخر الوقت، فإبراهيم عليه السلام لما أمر في الليل بذبح ولده، ثم أصبح فأخبر ولده بذلك، فهو في حال إخبار ولده مأمور بما أمر به في الليل بذبح ولده؛ لأنَّ الأمر لم يسقط عنه بعد، فأمره بالذبح في الماضي مستصحب إلى حال إخبار ولده.

وقوله: افعل ما تؤمر. أي: ما أنت مأمور به في الحال، بناء على

ص: 385

استصحاب الأمر الماضي، والفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو في الحال أظهر.

وإذا حملنا قوله: افعل ما تؤمر. على الحال عملًا بظاهر لفظه، وبما ذكرناه من دليلنا فلا استقبال فيه، وحينئذ يبطل قولكم: إنه أخبر أنه سيؤمر بذبحه في المستقبل.

ثم إنه لو كان مراد الشارع أنه سيأمر إبراهيم عليه السلام في المستقبل؛ لوجد ذلك الأمر قطعًا، لئلا يكون خلفًا وكذبًا في الكلام، والله منزه عن ذلك، فلما لم يوجد الأمر في المستقبل عرفنا أنَّ المراد بقوله: ما تؤمر. ما أمر به في الماضي، ودل على بطلان ما تأولوه.

الجواب الخامس: قولهم: لم ينسخ عنه الذبح بل قلب عنقه نحاسًا.

يجاب عنه:

أولًا: أنَّ ذلك لو حصل ووقع لنقل إلينا نقلًا متواترًا ولاشتهر، والتواتر باطل؛ لأنه لو تواتر لما اختصصتم بعلمه دوننا مع أنَّ الشرع واحد، والأسباب مشتركة بيننا وبينكم، ولو صح دعوى ذلك لكان كل من مُنع شيئًا أو نوزع فيه قال لخصمه: هذا تواتر عندي دونك. ويلزم من ذلك خبط عظيم.

ص: 386

ثانيًا: سلمنا أنَّ عنقه قلب نحاسًا لكنه نسخ أيضًا؛ وذلك لأنَّ النسخ إما رفع الحكم، أو بيان انتهاء مدة الحكم، وكلاهما موجود في سقوط الذبح لتعذره بقلب العنق نحاسًا، أما الأول فلأنه كان مأمورًا بالذبح قبل قلب العنق نحاسًا، وبعده لم يكن مأمورًا به، وهذا حقيقة رفع الحكم الثابت.

فإن قيل: النسخ هو رفع الحكم بخطاب، وارتفاع وجوب الذبح هنا إنما هو بالتعذر لا بالخطاب. قلنا: لكن هو مستند إلى الخطاب، وهو أدلة الشرع العامة على عدم وقوع التكليف بالمحال، والذبح بعد قلب العنق نحاسًا صار من المحال.

وأما الثاني: فلأنَّ بانقلاب العنق نحاسًا انتهت مدة الأمر بالذبح لتعذره، فقد بان أنَّ قلب العنق نحاسًا نسخ، لوجوب الذبح على كلا التعريفين للنسخ.

وأما قولهم: سلمنا أنَّ إبراهيم كان قد أمر بذبح ابنه حقيقة، ونسلم أنه وقع منه الذبح، وحصل، ولكن كلما قطع جزءً من رقبة ابنه عاد ملتحمًا حتى التأم الجرح كأن لم يكن، ويدل على ذلك قوله: قد صدقت الرؤيا. يعني صدقت الرؤيا، فامتثلت ما أمرت به، ولو لم يذبح لما كان مصدقًا للرؤيا، فلا نسخ قبل التمكن من الفعل.

ص: 387

يجاب عنه:

أولًا: أنه لو صح لاستغنى عن الفداء؛ لأنه قد أتى بالمأمور، فالفداء بعده جمع بين البدل والمبدل.

ثانيًا: أنه لو كان إبراهيم عليه السلام كلما قطع جزءًا التحم -كما زعمتم- لنقل إلينا نقلًا متواترًا؛ لأنه لا يمكن ترك نقله لكونه من المعجزات والآيات الباهرة التي لا يمكن تركها، لكن ذلك لم ينقل متواترًا ولا آحادًا.

والاستدلال بقوله: قد صدقت الرؤيا. على ما زعم غير صحيح؛ لأنَّ المراد بالتصديق هنا التصديق بالقلب، لأنَّ حقيقة التصديق يكون في القلب دون تحقيق الفعل، فالتصديق يختلف عن التحقيق، والامتثال، والعمل، وإيقاع ما أمر به، وقد مر الكلام على هذا.

ثالثًا: أنَّ قول المعترض هذا يخالف قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 103 - 105]، فهنا نودي إبراهيم، فلو كان قد ذبح والتحم محل الذبح كما زعم المعترض لقال: فلما أنفذ الأمر. أو قال: فلما ذبح. ونحو ذلك من العبارات التي تدل على أنه امتثل الأمر، ولكن الله لم يأت بشيء من ذلك، بل أتى بتلك الآية مما يدل على أنه نسخ قبل الفعل.

ص: 388

الدليل الثالث: من الأدلة على جواز نسخ الشيء قبل التمكن من الامتثال.

قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106].

وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب، وظاهر هذا: جواز النسخ في عموم الأحوال سواء بعد التمكن من الفعل أو قبل التمكن.

الدليل الرابع: ومما استشهد به البعض على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل نسخ ما فرض الله على نبيه صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج خمسين صلاة، ثم نسخها إلى خمس، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمته شيئًا منها.

المذهب الثاني: لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله، وامتثاله، وهو مذهب المعتزلة، واختاره أبو بكر الصيرفي، وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص واختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة.

أدلتهم:

الدليل الأول: إنَّ الأمر بالشيء يدل على حسنه، وكونه مصلحة، والنهي عنه يدل على قبحه وكونه مفسدة، فإذا أمر بالحج في رمضان

ص: 389

مثلًا دل ذلك على حسن الحج، وكونه مصلحة للعباد، فإذا نهي عن إيقاع الحج، وقال في أول شهر ذي الحجة: لا تحجوا. دل ذلك على قبح الحج وكونه مفسدة، والفعل الواحد في حالة واحدة لا يكون مصلحة مفسدة بالإضافة إلى شخص واحد، فنتج أنَّ نسخ الشيء قبل التمكن من فعله يفضي إلى أن يكون الشيء الواحد على وجه واحد مأمورًا به، ومنهيًّا عنه، حسنًا وقبحًا، مصلحة ومفسدة، وهذا هو التناقض.

ويجاب عنه:

1 -

بأنه لا يمتنع أن يكون الأمر بالفعل يدل على حسنه بشرط ألا ينهى عنه، والنهي عنه يدل على قبحه بشرط ألا يؤمر به، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه واستمراره شرطًا في الأمر، فيقول الشارع: افعل ما أمرناك به إن لم يأت نهي يزيل أمرنا عنك.

2 -

أنا لا نسلم أنه منهي عنه على الوجه الذي هو مأمور به بل على وجهين، كما ينهى عن الصلاة مع الحدث، ويؤمر بها مع الطهارة، وينهى عن السجود للصنم، ويؤمر بالسجود لله لاختلاف الوجهين.

الدليل الثاني: لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت، ثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت للزم من ذلك أن يكون الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد مأمورا منهيًّا؛ وذلك محال على الله تعالى،

ص: 390

لأنه أمر بالشيء ونهى عنه في وقت واحد.

ويجاب عنه:

1 -

بأنَّ ذلك يكون محالًا إذا كان الغرض من الأمر هو حصول الفعل، أما إذا كان الغرض والمقصود هو ابتلاء المأمور وامتحانه فيجوز، ولا مانع من ذلك، فإنَّ السيد قد يقول لعبده: اذهب غدًا إلى موضع كذا راجلًا حافيًا. وهو لا يريد الفعل، بل يريد امتحانه ورياضته مع علمه بأنه سيرفع عنه ذلك غدًا قبل فعله.

2 -

قد لا يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره معلومة للمأمور، أما إذا كان مجهولًا عند المأمور معلومًا عند الآمر لامتحانه بالعزم، والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد حتى يتعرض بالعزم للثواب، وبالترك للعقاب، وربما يكون فيه لطف واستصلاح

(1)

.

(1)

المستصفى (1/ 298)، وما بعدها بتصرف، شرح مختصر الروضة (2/ 281) وما بعدها، المهذب في أصول الفقه (2/ 569) وما بعدها بتصرف.

ص: 391

*‌

‌ المسألة الثالثة عشر: أقسام النسخ:

• أولًا: باعتبار النص المنسوخ: ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما نسخ حكمه، وبقي لفظه:

وهذا هو الكثير فى القرآن، مثاله آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65]، ثم نسخ حكمها بقوله تعالى {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66] نسخ الحكم وبقى اللفظ.

فإن قيل: الأصل هو الحكم فلو نسخ الحكم فما فائدة بقاء اللفظ؟ بقاء اللفظ له حكَم كثيرة منها: التلاوة، والتعبد بها بغية الثواب، وتذكير الأمة بحكمة النسخ، وغير ذلك.

الثانى: ما نسخ لفظه، وبقي حكمه:

وذلك كآية الرجم، فقد ثبت فى الصحيحين من حديث ابن عباس أنَّ عمر بن الخطاب قال " كان فى ما أنزل الله آية الرجم فقرأناها، وعقلناها، ورجم رسول الله، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، وأنَّ الرجم فى كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من

ص: 392

الرجال والنساء، وقامت البينة، وكان الحبل أو الاعتراف"

(1)

.

وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة فى العمل بما لا يجدون لفظه فى القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله، على عكس حال اليهود الذان حاولوا كتم نص الرجم فى التوراة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما تجدون في التوراة في شأن الرجم» . فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة "

(2)

.

الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه:

وذلك كنسخ العشر رضعات الوارد فى حديث عائشة «كان في ما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس

(1)

أخرجه البخارى (6830)، ومسلم (1691) من حديث عمر بن الخطاب.

(2)

أخرجه البخاري (3635)، ومسلم (1699).

ص: 393

معلومات»

(1)

.

أقسام النسخ باعتبار الناسخ: (ينقسم إلى أربعة أقسام):

1 -

نسخ القرآن بالقرآن.

2 -

نسخ القرآن بالسنة.

3 -

نسخ السنة بالسنة.

4 -

نسخ السنة بالقرآن.

• أولًا: نسخ القرآن بالقرآن:

مثاله آيتا المصابرة وهى {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} نسخت بقوله {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} .

• ثانيًا: نسخ القرآن بالسنة:

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: جواز نسخ القرآن بالسنة عقلًا وشرعًا.

وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين، ورواية عن أحمد، واختيار بعض الشافعية كالغزالي، وهو اختيار شيخ الإسلام

(1)

أخرجه مسلم (1452).

ص: 394

ابن تيمية.

أدلتهم:

الدليل الأول

(1)

: أنَّ نسخ القرآن بالسنة لا يستحيل عقلًا؛ لأنَّ الناسخ في الحقيقة هو الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي غير نظم القرآن، فكلام الله عز وجل واحد هو الناسخ باعتبار، والمنسوخ باعتبار، وليس له كلامان: أحدهما قرآن، والآخر ليس بقرآن، وإنما الاختلاف في العبارات، فربما دل كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته فيسمى قرآناً، وربما دل بغير لفظ متلو فيسمى سنة، والكل مسموع من الرسول صلى الله عليه وسلم، والناسخ هو الله تعالى في كل حال، وقد قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»

(2)

.

قال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ السنة شرع من الله عز وجل، كما أنَّ الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وأمر سبحانه باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في غير موضع

(1)

المستصفى (1/ 327)، شرح مختصر الروضة (2/ 321).

(2)

إسناده صحيح، أخرجه أحمد (17174)، وأبو داود (4604)، من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا.

ص: 395

في القرآن، فهذا بمجرده يدل على أنَّ السنة الثابتة عنه ثبوتًا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع

(1)

.

واعترض: بأنه لا ننكر هذا، لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه الله في كتابه، وافترضه نصًّا فيه، وأما الذي ثبت بالسنة، فهو وإن كان صدره عمن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته، وهذا كما أنَّ الوحي يختلف، فمنه ما يكون رؤيا، ومنه ما يكون إلهامًا ونفثًا في الروع، ووحي الكتاب مخالف لكل هذا؛ إذ هو الأعلى والمقدم على سائر أنواعه، كذلك ههنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابتًا على وجوه ما يثبت به

(2)

.

الدليل الثاني: أنه لو لم يجز نسخ القرآن بالسنة، لكان إما ألا يجوز في القدرة أو في الحكمة.

والأول لا يجوز؛ لأنه معلوم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدر على أنواع الكلام، ولو أتى بكلام موضوع لرفع الحكم من أحكام الكتاب، صح ذلك ودل على ما هو موضوع له.

(1)

انظر إرشاد الفحول (2/ 813).

(2)

انظر قواطع الأدلة (2/ 701).

ص: 396

والثاني لا يجوز أيضًا؛ لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون منفرًا عن النبي، وموهمًا أنه عليه الصلاة والسلام يأتي بالأحكام من قبل نفسه، وهذا لو نفر عنه لنفر عنه من حيث إنه أزال حكمًا شرعيًّا، وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته، وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بالسنة.

الدليل الثالث: أنَّ النسخ بيان انتهاء مدة الحكم، وكتاب الله حجة، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام حجة، وكما يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب، فكذلك يجوز أيضًا أن يتولى النبي صلى الله عليه وسلم بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب.

فإن قال قائل: إنَّ هذا يوهم الاختلاف، فهذا غلط؛ لأنَّه إن كان هذا يوهم الاختلاف، فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف، بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوَّز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله عز وجل، وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد، والذي يوضح هذا: أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب، ونسخ التلاوة بمحو الحفظ من القلوب، إما رفعًا، وإما بانقراض الذين علموه من غير خلف، وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله بوحي الله تعالى إليه، فإنهما سواء في أنَّ النسخ كان بغير كتاب.

ص: 397

الدليل الرابع: أنَّ النسخ إسقاط الحكم في بعض الأزمان التي يتناولها على العموم فأشبه التخصيص، فإنه إسقاط الحكم في بعض الأشخاص الذين يتناولهم العموم، ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، فكذا النسخ

(1)

.

الدليل الخامس: الوقوع، فقد وقع في الشريعة نسخ القرآن بالسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن ذلك:

أنه كان الواجب على الزانية الحبس في البيوت بقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]، ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم بقوله صلى الله عليه وسلم: «قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام

»

(2)

.

ومنه الوصية للوالدين والأقربين الثابتة بالقرآن بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، ثم قد نسخ ذلك بالسنة بقول النبي عليه الصلاة والسلام:«لا وصية لوارث»

(3)

.

(1)

انظر قواطع الأدلة (2/ 696، 697).

(2)

أخرجه مسلم (1690)، من حديث عبادة مرفوعًا.

(3)

أخرجه أبو داود (2870)، والترمذي (2120)، وتكلم فيه عدد من العلماء بتضعيفه.

ص: 398

واعترض:

أولا: بأنَّ القول بالوقوع يستدعي دليلًا، والأصل عدمه، وما ذكرتموه من الصورتين المذكورتين لا حجة فيهما على الوقوع، بل النص فيهما بيان لا نسخ، فآية الوصية نسخت بآية الميراث، وبيان مهام الوالدين والأقربين، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم نسخها ببيانه، والإيضاح عنه ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إنَّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث»

(1)

، فكان هذا بيانًا وإخبارًا عن زوال وجوب الوصية للوارث لا نسخًا

(2)

.

ثانيًا: أنَّ الفاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «فلا وصية لوارث» تدل على تقدم السبب كقولك: قمت إلى فلان فضربته. دل أنَّ القيام سبب لضربه، فيكون على هذا الخبر الوارد مبينًا للكتاب الذي وقع به النسخ لا نسخًا له، ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه

(3)

.

وأجيب: بأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث، وآية المواريث التي هى قوله تعالي:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}

(1)

أخرجه أبو داود (2870)، والترمذي (2120)، وتكلم فيه عدد من العلماء بتضعيفه.

(2)

انظر شرح مختصر الروضة (2/ 324).

(3)

قواطع الأدلة (2/ 704).

ص: 399

[النساء: 11]؛ حيث إنَّ الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب

(1)

.

أما الآية الأخرى فقد اعترض عليها أيضًا، وهى آية الإمساك فى البيوت، والقول بأنَّ النسخ وقع بخبر الرجم بقوله:«خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم»

(2)

.

فالسبيل مذكور فيها، والأمر فيها مغيا إلى حين جعل السبيل، فلما جاء وقته بينه النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال:«قد جعل الله لهن سبيلًا» ، فأضاف جعل السبيل إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ولو سلمنا أنَّ إمساكهن في البيوت منسوخ؛ لكان إضافة نسخه إلى قوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، ولآية الرجم التي نسخ لفظها دون حكمها أولى

(3)

.

ثانيًا: أنَّ حكم الرجم مبني على قوله تعالي: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء:

(1)

انظر المستصفى (1/ 35)، المهذب فى أصول الفقه (2/ 604).

(2)

أخرجه مسلم (1690)، من حديث عبادة مرفوعًا.

(3)

شرح مختصر الروضة (2/ 324).

ص: 400

15]؛ لأنَّ الله تعالي جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس، فقد تضمنت الآية أنَّ الحكم الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلًا، وكان السبيل الذي وقع إليه الإشارة في الكتاب هو الرجم الثابت بالسنة، فكأنَّ الله تعالى قال: فأمسكوهن فى البيوت حتى يسن فيهن سنة. ثم قد ثبتت سنة الرجم، فانقضى زمان حكم الحبس، مثل ما ينقضي زمان الصوم بدخول الليل، وليس هذا من النسخ في شيء إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب، فحين وجد وقته ارتفع

(1)

.

ومن أدلتهم قوله تعالى {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145]، فقالوا إنَّ هذه الآية تحل غير ما ورد بها كالحمر الأهلية؛ لأن الله حصر المحرم فقال {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} ، فهذا حصر، فدل على أن غيرها حلال بالنص، فلما حرم الحمر الأهلية كان نسخًا للحل المتقدم.

واستدلوا بأنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون خبر الآحاد ويرفعون به حكم المتواتر مثل قبولهم لرفع حكم استقبال بيت المقدس فى الصلاة

(1)

قواطع الأدلة (2/ 704).

ص: 401

وهو متواتر بخبر صحابى واحد

(1)

.

واستدلوا بنسخ المتعة فى قوله تعالى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24] بالسنة.

وقال الشوكانى -رحمه الله تعالى- (واستدل القائلون بالوقوع

(2)

بما ثبت من أهل قباء لمَّا سمعوا كلام النبى صلى الله عليه وسلم .... ، ونسخ نكاح المتعة بالنهي عنها وهو آحاد

(3)

، قال: ومما يرشد إلى جواز النسخ بما صح من الآحاد لما هو أقوى متنًا أو دلالة منها، أن الناسخ فى الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني، وإن كان دليله قطعيًّا، فالمنسوخ إنما هو الظني لا ذلك القطعي. فتأمل هذا)

(4)

.

قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى-: والتحقيق الذى لا شك فيه جواز

(1)

يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (403)، ومسلم (526) عَنْ عَبد اللَّه بن عُمَرَ، قَالَ: بَينَا النَّاسُ بقُبَاءٍ في صَلَاة الصُّبح، إذ جَاءَهُم آتٍ، فَقَالَ:«إنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنزلَ عَلَيه اللَّيلَةَ قُرآنٌ، وَقَدْ أُمرَ أَنْ يَستَقبلَ الكَعبَةَ، فَاستَقبلُوهَا، وَكَانَت وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّأم، فَاستَدَارُوا إلَى الكَعبَة» .

(2)

أى وقوع النسخ من الآحاد للمتواتر.

(3)

يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (4216)، ومسلم (1407) عَنْ عَليّ بن أَبي طَالبٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم:«نَهَى عَنْ مُتعَة النّسَاء يَومَ خَيبَرَ، وَعَنْ أَكل لُحُوم الحُمُر الإنسيَّة» .

(4)

إرشاد الفحول للشوكاني (2/ 68).

ص: 402

وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها، وأما قولهم المتواتر أقوى، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه، فإنهم غلطوا غلطًا عظيمًا مع كثرتهم

وإاضاح ذلك: لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما فى وقته، وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما

(1)

.

المذهب الثاني: جواز نسخ القرآن بالسنة عقلًا لا شرعًا، وهو قول الشافعى، وهو الأصح فى مذهبه كما قال ابن سريج، وإن كان ظاهر مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعًا، وهو قول أحمد فى رواية عنه، وأبي منصور البغدادى، واختاره أبو إسحاق الاسفراييني، والسمعاني، والغزالي.

أدلتهم:

الدليل الأول: قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106].

وجه الدلالة:

1 -

أنَّ الله عز وجل أخبر أنه لا ينسخ آية إلا ويأتي بخير منها أو مثلها، والسنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرًا منه، فوجب أن لا يجوز النسخ

(1)

المذكرة للشنقيطي (1/ 103).

ص: 403

بها.

2 -

أنَّ الله تعالى قال: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، فهذا يدل على أنه هو المنفرد بالإتيان بخير من الآية، وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن.

3 -

وأيضًا فإنه تعالى قال: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106]، وقوله:{مِنْهَا} يفيد أنه يأتي من جنسه، ألا ترى أنَّ الإنسان إذا قال: ما أخذت منك من ثوب آتيك بخير منه. أفاد أنه يأتيه بثوب من جنسه؟، وجنس القرآن قرآن.

4 -

أنَّ الاستدلال بالآية معتمد، يدل عليه: أنه تعالى ساق الآية إلى قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]، وهذا يدل أنَّ غيره يعجز عنه.

واعترض: بأنَّ قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106] فى الحكم ومصلحته، والسنة تساوي القرآن فى ذلك وتزيد عليه، إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أعظم من الثابتة بالقرآن، أو {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] في الثواب، وقد يكون في السنة ما هو خير من المنسوخ في الثواب.

أو على التقديم والتأخير، بمعنى أنَّ فى الآية تقديمًا وتأخيرًا،

ص: 404

تقديره: ما ننسخ من آية نأت منها بخير، فلا يكون فيها دلالة على محل النزاع أصلًا، إذ لا دلالة فيها على إثبات الناسخ أصلًا.

2 -

وأما قولكم: إنه قال: (نأت)، فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه، قلنا: إذا دل الدليل على نسخ القرآن بالسنة، فالذي أتى بذلك هو الله عز وجل، ألا ترى أنَّ الله هو الناسخ على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، كما أنه هو المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا سقط تعلقكم بقوله:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]، هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيه، فالقدرة في ذلك له دون غيره.

وأجيب: لا ننكر هذا، لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر، والإطلاق هو ما أوجبه الله في كتابه، وافترضه نصًّا فيه، وأما الذي ثبت بالسنة فهو وإن كان صدره عمن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته، وهذا كما أنَّ الوحي يختلف عنه، فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون إلهامًا ونفثًا في الروع، ووحي الكتاب مخالف لكل هذا، إذ هو الأعلى والمقدم على سائر أنواعه، كذلك ههنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابتًا على وجوه ما يثبت به.

3 -

وأما قولكم: إنَّ قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، يقتضي أن يكون ما يأتي به من جنسه. فهذا لا يفيد ما قلتم، فإنَّ الإنسان

ص: 405

إذا قال: ما أخذت منك من ثوب آتك بما هو خير منه. احتمل أن يأتيه بثوب، ويحتمل أن يأتيه بشيء آخر، وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواء كان ثوبًا أو غيره، فقد صدق في قوله ووعده.

وأجيب: قلنا: لا، بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول، وهذا الذي يفهم عند إطلاق ذلك اللفظ، فأما قول القائل: ما أخذت منك من ثوب آتك بما هو خير منه. إنما يفيد ما ذكرتم؛ لأنه ذكر لفظ «ما» ، وهذا اللفظ يقع على الثوب وعلى غيره، وليس ذلك في الآية؛ لأنَّ الله تعالى لم يقل:(بما هو خير منها)، وإنما قال:{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106]، فنظيره قول القائل: ما أخذت منك من ثوب آتك بخير منه، وهو مفيد ثوبًا خيرًا من الثوب الأول.

الدليل الثاني: قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15]، فدل على أنه لا ينسخ القرآن بالسنة.

واعترض: بأنه لا خلاف في أنه لا ينسخ من تلقاء نفسه، بل بوحي يوحى إليه، لكن لا يكون بنظم القرآن، وإن جوزنا النسخ بالاجتهاد، فالإذن في الاجتهاد يكون من الله عز وجل كالإذن في النسخ.

والمقصود: أنه ليس من شرطه أن ينسخ حكم القرآن بقرآن، بل على لسان رسوله بوحي ليس من القرآن على أنهم طالبوه بقرآن مثل

ص: 406

هذا القرآن، فقال: لا أقدر عليه من تلقاء نفسي، وما طالبوه بحكم غير ذلك. فأين هذا من نسخ القرآن بالسنة وامتناعه

(1)

.

• ثالثًا: نسخ السنة بالقرآن:

والصحيح أن القرآن ينسخ السنة، ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144].

ومن ذلك نسخ رد المسلمات إلى الكفار الوارد فى صلح الحديبية

(2)

فنسخ القرآن ذلك الحكم بقوله تعالى {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10].

وكذلك نسخ حكم عدم جواز مباشر المرأة فى ليل رمضان بقوله

ص: 407

تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].

ومن الأدلة أيضًا على جواز نسخ القرآن للسنة نسخ تأخير الصلاة عند الخوف كما حدث فى غزوة الخندق

(1)

، فنسخ ذلك بصلاة الخوف

(2)

، وغير ذلك من الأدلة، فالصحيح والله أعلم أن السنة تنسخ بالقرآن.

• رابعًا: نسخ السنة بالسنة:

وذلك مثل: قوله صلى الله عليه وسلم «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»

(3)

،

(1)

ورد في السنن، ومسند أحمد والشافعى «أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا» وذلك قبل نزول صلاة الخوف.

(2)

جاءت صلاة الخوف عن النبي على أنواع مختلفة ذكر الإمام النووي فى شرحه لصحيح مسلم أنها جاءت فى أحاديث يبلغ مجموعها ستة عشر نوعًا، وهي مفصلة فى صحيح مسلم، وبعضها فى سنن أبى داود، واختار الشافعى منها ثلاثة أنواع: بطن نخل، وذات الرقاع، وعسفان. شرح النووى، (6/ 375)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، (4/ 351).

ولا خلاف بين العلماء أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق وكانت أول صلاة للخوف صلاها النبى صلى الله عليه وسلم، وردت فى صحيح مسلم فى كتاب صلاة المسافرين باب صلاة الخوف، ورواه أيضًا أبو داود فى سننه فى كتاب الصلاة باب صلاة الخوف، من حديث جابر بن عبد الله قال «شهدت مع رسول الله صلاة الخوف فصفنا صفين: صف خلف رسول الله والعدو بيننا وبين القبلة

» الحديث.

(3)

أخرجه مسلم 977 من حديث بريدة مرفوعًا.

ص: 408

ومنه «كنت نهيتكم عن النبيذ فى الأوعية فاشربوا في ما شئتم ولا تشربوا مسكرًا»

(1)

.

*‌

‌ المسألة الرابعة عشر: هل يقع مفهوم الموافقة ناسخًا ومنسوخًا؟

اختلف العلماء في هذه المسألة، على مذهبين:

المذهب الأول: أنَّ مفهوم الموافقة يقع ناسخًا ومنسوخًا، وهو مذهب جمهور العلماء.

وأدلتهم:

أولًا: أنَّ مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، قال القَاضي في التَّقريب: لَا فَرقَ في جَوَاز النَّسخ بمَا اقتَضَاهُ نَصُّ الكتاب وظاهره، وجوازه بمَا اقتَضَاهُ فَحوَاهُ وَلَحنُهُ، وَمَفهُومُهُ، وَمَا أَوجَبَهُ العُمُومُ وَدَليلُ الخطَاب عندَ مُثبتهَا؛ لأَنَّهُ كَالنَّصِّ أَوْ أَقوَى منهُ

(2)

.

وقال ابن السمعاني: وأما النسخ بفحوى الخطاب فهو جائز؛ لأنه مثل النطق وأقوى منه

(3)

.

وبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، دلَّ

(1)

رواه مسلم فى صحيحه فى كتاب الجنائز باب استئذان النبى صلى الله عليه وسلم ....

(2)

إرشاد الفحول (2/ 824).

(3)

قواطع الأدلة (2/ 660).

ص: 409

بمنطوقه على تحريم التأفيف، ودل بمفهومه الموافق على تحريم الضرب، والشتم، والقتل، والسب، أي: إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أولى أن يحرم الضرب والشتم؛ لأنه أشد في الإيذاء

(1)

.

ثانيا: نقل الآمدي والفخر الرازي الاتفاق على أنه ينسخ به ما ينسخ بمنطوقه

(2)

.

واعترض: بأنَّ المسألة ليس فيها اتفاق، بل الخلاف فيها مشهور.

قال الزركشي: وَهُوَ عَجيبٌ؛ فَإنَّ في المَسأَلَة وَجهَين لأَصحَابنَا وَغَيرهم، حَكَاهُمَا المَاوَرديُّ في الحَاوي، وَالشَّيخُ أبو إسحاق في اللُّمَع، وَسُلَيمٌ الرازي، وَصَحَّحَوا المَنعَ. والماوردي نقله عن الأكثرين

(3)

.

المذهب الثاني: أنَّ مفهوم الموافقة لا يقع ناسخًا ولا منسوخًا، وهو مذهب بعض الشافعية.

ودليلهم:

1 -

أنَّ مفهوم الموافقة قياس جلي، والقياس لا يُنسَخ ولا يُنسَخ به، وبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] دلَّ

(1)

المهذب في أصول الفقه (2/ 618).

(2)

المحصول (3/ 361)، الإحكام (3/ 166).

(3)

البحر المحيط للزركشي (4/ 140).

ص: 410

بمفهومه على تحريم الضرب والشتم، والقتل للوالدين، فلم ينطق بذلك، ولم يكن في ذلك صيغة الضرب والشتم والقتل، وإنما المنطوق به التأفيف، فألحق به الضرب والشتم بجامع الأذى في كل، وهذا هو القياس، والقياس لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا.

وأجيب:

أولًا: أنَّ تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ثبت نطقًا، لا قياسًا، فصح نسخه، ويدل على أنه ثبت نطقًا قولهم: هذا مفهوم الخطاب، وفحواه وتنبيهه.

ثانيًا: أنَّ من سمى هذا قياسًا من الشافعية صرَّحوا بأنه قياس جلي يجري مجرى النطق في الدلالة، ونحن سميناه بمفهوم الموافقة، أو التنبيه، أو دلالة النص عند الحنفية، وهذا اختلاف في التسمية لا يضر ما دام أنَّ المعنى متفق عليه

(1)

.

*‌

‌ المسألة الخامسة عشر: مفهوم المخالفة هل يقع منسوخًا؟

مفهوم المخالفة يأتي منسوخًا، والمعنى أنه يجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه.

وأما نسخ المفهوم المخالف دون أصله، كقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من

(1)

المهذب في أصول الفقه (2/ 618).

ص: 411

الماء»

(1)

، فإنه نسخ مفهومه بما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» ، فهذا نسخ مفهوم «الماء من الماء» ، وبقي منطوقه محكمًا غير منسوخ؛ لأنَّ الغسل واجب من الإنزال بلا خلاف

(2)

.

• المسألة السادسة عشر: مفهوم المخالفة هل يقع ناسخًا؟

اختلف العلماء في هذا على مذاهب:

المذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة لا يكون ناسخًا.

ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، كابن السمعاني حيث قال: دليل الخطاب يجوز نسخ موجبه، ولا يجوز النسخ بموجبه؛ لأنَّ النص أقوى من دليله

(3)

.

والمعنى: أنَّ مفهوم المخالفة يضعف عن مقاومة النص

(4)

.

المذهب الثاني: يقع مفهوم المخالفة ناسخًا، وهو قول بعض الشافعية كالشيرازي.

(1)

أخرجه مسلم (343) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.

(2)

البحر المحيط (4/ 138، 139)، إرشاد الفحول (2/ 823)، شرح الكوكب المنير (3/ 579)، المذكرة (1/ 155).

(3)

قواطع الأدلة (2/ 660).

(4)

وهو قول المحلي في شرحه على جمع الجوامع (2/ 84)، وابن النجار في شرح الكوكب المنير (3/ 580).

ص: 412

وحجتهم: أنَّ مفهوم المخالفة في معنى النطق، فكما أنَّ النص يأتي ناسخًا، فكذلك مفهوم المخالفة، ولا فرق، وهذا على المذهب الصحيح

(1)

.

وأجيب: بأنَّ قياس مفهوم المخالفة على النص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأنَّ النص دلالته قطعية على المدلول، بخلاف دلالة مفهوم المخالفة، لذا منع الحنفية من الاحتجاج بمفهوم المخالفة على تفصيل، أما الاحتجاج بالنص فلم يمنع منه أحد

(2)

.

المذهب الثالث: التفريق بين المفاهيم:

فإن كان مفهوم المخالفة من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة والشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخًا؛ لأنه قريب من المنطوق، وإن كان من المفاهيم الضعيفة كمفهوم العدد واللقب ونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخًا لضعفه وعجزه عن مقاومة النص.

وأجيب: بأنَّ هذا التفريق بين المفاهيم لا دليل عليه، ولا يمكن أن يكون مفهوم المخالفة قريبًا من النص

(3)

.

(1)

اللمع للشيرازي (173).

(2)

المهذب في أصول الفقه (2/ 620) بتصرف.

(3)

البحر المحيط (4/ 139)، المهذب في أصول الفقه (2/ 620) بتصرف.

ص: 413

• المسألة السابعة عشر: هل يبطل حكم مفهوم المخالفة بنسخ أصله؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: يبطل حكم مفهوم المخالفة بنسخ أصله، وهو اختيار القاضي، وجزم به الموفق في الروضة، ووافقه الطوفي، واختاره ابن فورك، ورجحه ابن النجار في الكوكب المنير.

حجتهم: لأنَّ فرعه وعدمه كالخطابين.

وبيان ذلك: أنَّ الدليل إنما هو تابع للفظ، فهو تابع له وفرع عنه فيستحيل أن يسقط الأصل ويكون الفرع باقيًا.

القول الثاني: أنه لا يبطل بنسخ أصله. قال ابن النجار: وهو وجه لأصحابنا.

قال البرماويُّ: وَأَمَّا نَسخُ الأَصل بدُون مَفهُومه الَّذي هُوَ مُخَالفٌ لَهُ حُكمًا، فَذَكَرَ الصَّفيُّ الهنديُّ فيه احتمَالَين، قَالَ: وَأَظهَرُهُمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ضدِّ الحُكم باعتبَار القَيد المَذكُور، فَإذَا بَطَلَ تَأثيرُ ذَلكَ القَيد بَطَلَ مَا يَنبَني.

وعلى هذا فنسخ الأصل نسخ للمفهوم منه.

ص: 414

والمعنى: أنه يرتفع الحكم الشرعي الذي حُكم به على السكوت بضد حكم المذكور

(1)

.

(1)

المحصول (3/ 360)، البحر المحيط (4/ 139)، الكوكب المنير (3/ 579، 580)، روضة الناظر (88).

ص: 415

‌الفصل التاسع:

ترتيب الأدلة والتعادل والتعارض والترجيح

ص: 417

ترتيب الأدلة

والتعادل والتعارض والترجيح

‌مقدمات بين يدي البحث

أولًا: هذا البحث يطلق عليه البعض ترتيب الأدلة والترجيح، وبعضهم يسميه التعارض، وبعضهم التعادل والترجيح، واخترنا هذا؛ لأنه أشمل، وخروجًا من الخلاف، فكلها ألفاظ تفيد معاني متقاربة، ويبنى بعضها على بعض، ويكمل بعضها بعضًا.

ثانيًا: إن مبحث التعارض والترجيح مهم جدًا؛ لأنه يفرض نفسه عمليًّا في الحياة في مختلف شؤونها، وكذلك يفرض نفسه على العالم والفقيه والقاضي

(1)

، وذلك لأَنَّ الأَدلَّةَ الشَّرعيَّةَ مُتَفَاوتَةٌ في مَرَاتب القُوَّة، فَيَحتَاجُ المُجتَهدُ إلَى مَعرفَة مَا يُقَدَّمُ منهَا وَمَا يُؤَخَّرُ، لئَلَّا يَأخُذَ بالأَضعَف منهَا مَعَ وُجُود الأَقوَى، فَيَكُونَ كَالمُتَيَمِّم مَعَ وُجُود المَاء.

وَقَدْ يَعرضُ للأَدلَّة التَّعَارُضُ وَالتَّكَافُؤُ، فَتَصيرُ بذَلكَ كَالمَعدُومَة، فَيَحتَاجُ إلَى إظهَار بَعضهَا بالتَّرجيح ليَعمَلَ به، وَإلَّا تَعَطَّلَت الأَدلَّةُ

(1)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (2/ 402).

ص: 419

وَالأَحكَامُ.

فَهَذَا البَابُ ممَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيه الاجتهَادُ تَوَقُّفَ الشَّيء عَلَى جُزئه، أَوْ شَرطه

(1)

.

ثالثًا: اختلف منهج علماء الأصول في مكان دراسة التعارض والترجيح، فمنهم من جعله قبل الكلام على الاجتهاد والتقليد وبعد مباحث الأدلة، ومنهم من جعله بعد الكلام على الاجتهاد والتقليد وهم الجمهور؛ لأنها من عمل المجتهد

(2)

.

وممن جعلها بعد الاجتهاد والتقليد: الآمدي، وابن الحاجب، وابن مفلح، ومن المعاصرين الشيخ مصطفى سلامه -حفظه الله-.

لكننا نميل إلى وضعها مع طرق الاستنباط؛ إذ هي من طرق ووسائل الاستنباط.

رابعًا: لا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة، سواء كانت كلية أم جزئية؛ لأن مصدر الشريعة واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، ولأن التعارض يعني التناقض وهذا يبعد أن يصدر من إنسان عاقل مع علمه بذلك، فكيف يصدر من العليم الخبير الذي قال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ

(1)

شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 673).

(2)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (2/ 403) بتصرف.

ص: 420

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]

(1)

.

وإنما التعارض يكون في الظاهر، وفي نظر وفهم المجتهد.

خامسًا: الانفكاك بين التعارض والترجيح، وإبعاد أحد المبحثين عن الآخر تصرف أعداء الدين، فهم يأتون على الأدلة التي تتعارض في الظاهر فيفرحون بها ويبرزونها وينشرونها كأنما وجدوا صيدًا ثمينًا، فيتعمدون إظهار التعارض وإخفاء الترجيح بضوابطه؛ لتشويه صورة هذا الدين العظيم، وأسوأ من ذلك أنهم كثيرًا ما ينصبون التعارض بين الأدلة والشبهات وأقوال الفقهاء، فيظن من لا علم عنده بشروط التعارض والترجيح أن هناك التباسًا بين الأدلة، فينبغي أن ينتبه لمثل هذا.

ورحم الله الزركشي حيث قال: وَالقَصدُ من هذا المبحث هو: تَصحيحُ الصَّحيح، وَإبطَالُ البَاطل

(2)

.

قلت: وليس المقصود هو ضرب الشريعة بعضها ببعض.

سادسًا: ورد في بعض الكتب اصطلاح التعارض واصطلاح التعادل، وذهب بعض العلماء إلى التفريق بينهما تبعًا للغة، فالتعادل

(1)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (2/ 404) بتصرف واختصار.

(2)

البحر المحيط (8/ 119) بتصرف.

ص: 421

لغة التساوي، والتعارض هو التمانع، والجمهور على استعمال التعادل في معنى التعارض؛ لأنه لا تعارض إلا بعد التعادل

(1)

.

سابعًا: التعارض إنما يكون بين دليلين، أما التعارض بين دليل وشبهة فلا يكون تعارضًا

(2)

.

• تعريف التعارض:

التعارض لغة: التقابل والتمانع والتعادل

(3)

.

فَهُوَ تَفَاعُلٌ منَ العُرض بضَمّ العَين، وَهُوَ النَّاحيَةُ وَالجهَةُ، كَأَنَّ الكَلَامَ المُتَعَارضَ يَقفُ بَعضُهُ في عُرض بَعضٍ، أَي نَاحيَته وَجهَته، فَيَمنَعُهُ منَ النُّفُوذ إلى حيث وجه

(4)

.

وَفي الاصطلَاح: تَقَابُلُ الدَّليلَين عَلَى سَبيل المُمَانَعَة

(5)

، بحيث يخالف أحدهما الآخر

(6)

، حيث إن إثبات أحدهما يقتضي نفي الآخر.

وَذَلكَ إذا كَانَ أحد الدَّليلَين يدل على الجَوَاز وَالدَّليل الآخر يدل

(1)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي للزحيلي (2/ 404) مختصرًا.

(2)

البحر المحيط (8/ 147).

(3)

الوجيز (2/ 406).

(4)

إرشاد الفحول (2/ 257).

(5)

البحر المحيط (8/ 120).

(6)

الأصول من علم الأصول (75).

ص: 422

على المَنع، فدليل الجَوَاز يمنَع التَّحريم، وَدَليل التَّحريم يمنَع الجَوَاز، فَكل منهُمَا مُقَابل الآخر ومعارض لَهُ ومانع لَه

(1)

.

• شروط التعارض:

يشترط لتحقق التعارض شروط، فإن فقد شرط منها حصل الترجيح حكمًا، وهذه الشروط هي:

أولًا: اتحاد القوة:

يشترط في التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة، بأن يكونا قطعيين كآيتين أو خبرين متواترين، أو آية وخبر متواتر، أو يكونا ظنيين كخبري آحاد، أو قياس وقياس.

فإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا فلا تعارض؛ لأن القطعي يقدم على الظني، ولأن الظني ينتفي بالقطع، كآية وخبر آحاد، فلا تعارض في الثبوت، ولكن يقع التعارض من حيث الدلالة، ومثل خبر متواتر وخبر آحاد، فلا تعارض بينهما، ويقدم القطعي حتمًا وهو المتواتر باتفاق، ولا يتحقق التعارض بين نص وإجماع، فيتقدم الإجماع لتحديد الدلالة، ولا تعارض بين نص وقياس فيقدم النص، ولا تعارض بين إجماع وقياس فيقدم الإجماع، ولا تعارض بين حديث صحيح مع

(1)

شرح الكوكب المنير (4/ 605).

ص: 423

حديث ضعيف أو مردود؛ لأن الحديث الضعيف أو المردود ليس حجة أصلًا ولا دليلًا

(1)

.

ثانيًا: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد بأن يكون أحدهما يجوز، والآخر يحرم؛ لأن الدليلين إذا اتفقا في الحكم، فلا تعارض

(2)

.

ثالثًا: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ حيث إن اختلاف الزمن ينفي التعارض، ومن هنا قدم خبر:«كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصبحُ جُنُبًا من غَير حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ»

(3)

، وقد روته إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم على الخبر الذي رواه أبو هريرة:«مَنْ أَصبَحَ جُنُبًا فَلَا صَومَ لَهُ»

(4)

.

رابعًا: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد؛ لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين، فالنكاح مثلًا يوجب الحل في

(1)

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي (2/ 409).

(2)

المهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (5/ 2412).

(3)

أخرجه البخاري (1930)، ومسلم (1109) من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قَالَتْ:«كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُدركُهُ الفَجرُ في رَمَضَانَ من غَير حُلمٍ، فَيَغتَسلُ وَيَصُومُ» .

(4)

إسناده صحيح، أخرجه أحمد (26298)، والنسائي في الكبرى (2974)، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدركه الصبح جنبًا، فلا صوم له» ، قال: فانطلقت أنا وأبي، فدخلنا على أم سلمة وعائشة، فسألناهما عن ذلك، فأخبرتانا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم، فلقينا أبا هريرة، فحدثه أبي، فتلون وجه أبي هريرة، ثم قال: هكذا حدثني الفضل بن عباس، وهن أعلم.

ص: 424

المنكوحة، والحرمة في أمها، إذن لا تعارض بين قوله تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، وقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23]، وذلك لاختلاف من يقع عليها الحل ممن يقع عليها التحريم

(1)

.

•‌

‌ المسالك العامة عند إيهام التعارض:

*‌

‌ المسلك الأول: الجمع:

إذا وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما، تنزيهًا للشارع الحكيم عن التناقض في تشريعه، فإن أمكن إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما جمع بينهما وعمل بهما، وكان هذا بيانًا؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما

(2)

.

مثال: قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، مع قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي

(1)

المهذب في علم أصول الفقه المقارن للنملة (5/ 2412، 2413).

(2)

أصول الفقه للدكتور عبد الوهاب خلاف (264).

ص: 425

مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]، فأثبت له الهداية، ونفى عنه الهداية.

والجمع بينهما: أن الآية الأولى يراد بها هداية الدلالة إلى الحق والبيان والإرشاد، وهي ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم، والآية الثانية يراد بها هداية التوفيق للعمل الصالح، وهذه بيد الله تعالى لا يملكها الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك حديث جابر في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمكة

(1)

، وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بمنى

(2)

.

فجمع البعض بينهما: بأنه صلاها بمكة، ولما خرج إلى منى أعادها بمن فيها من أصحابه، وجمع البعض بوجوه أخرى

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (1218).

(2)

أخرجه مسلم (1308)، من حديث ابن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَفَاضَ يَومَ النَّحر، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهرَ بمنًى.

(3)

قال الأرناؤوط في تعليقه على المسند (41/ 142): وهذان خبران متعارضان، مال بعضُ الأئمة إلى الجمع بينهما، والبعضُ الآخر إلى ترجيح أحدهما، وممن مال إلى الجمع بينهما ابنُ خزيمة، فإنه بعد إيراده حديثَ عائشة، وأنه صلى الله عليه وسلم أفاضَ حين صلَّى الظهر قال: هذه اللفظة: (حين صلى الظهر) ظاهرها خلافُ خبر ابن عمر الذي ذكرناه قبلُ أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاضَ يوم النحر، ثم رجع فصلَّى الظهر بمنى، وأحسب أن معنى هذه اللفظة لا تضادُّ خبرَ ابن عمر، فلعل عائشة أرادت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر بعد رجوعه إلى منى، فإذا حُمل خبر عائشة على هذا المعنى لم يكن مخالفًا لخبر ابن عمر، وخبر ابن عمر أثبت إسنادًا من هذا الخبر، وخبر عائشة ما تأولت من الجنس الذي نقول: إن الكلام مقدم ومؤخر، كقوله:{وَلَقَدْ خَلَقنَاكُم ثُمَّ صَوَّرنَاكُم ثُمَّ قُلنَا للمَلَائكَة اسجُدُوا لآدَمَ} [الأعراف: 11] فمعنى قول عائشة على هذا التأويل: أفاض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه، ثم رجع حين صلى الظهر، فقدّم (حين صلى الظهر)، قبل قوله:(ثم رجع)، كما قدم الله عز وجل:{خَلَقنَاكُم} قبل قوله: {ثُمَّ صَوَّرنَاكُم} ، والمعنى: صوَّرناكم ثم خلقناكم. اه.

قلنا: وقد جمع بينهما كذلك النووي في شرح صحيح مسلم (8/ 193)، فانظره.

أما ابن حزم فقال -فيما نقله صاحب نصب الراية (3/ 82) -: أحدُ الخَبرَين وهم، إلا أن الأغلب أنه صلى الظهر بمكة

، لوجوهٍ ذكرها. ثم قال الزيلعي: وقال غيره: يحتمل أنه أعادها لبيان الجواز. وقال أبو الفتح اليعمري في سيرته: وقع في رواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع من يومه ذلك إلى منى، فصلى الظهر. وقالت عائشة وجابر: بل صلى الظهر ذلك اليوم بمكة. ولا شك أن أحد الخبرين وهم، ولا يدرى أيهما هو، لصحة الطرق في ذلك.

وقال الألباني في مناسك الحج والعمرة (37) بعدما ذكر الفعلين، قلت: والله أعلم أيهما فعل رسول الله، ويحتمل أنه صلى بهم مرتين: مرة في مكة، ومرة في منى، الأولى فريضة والثانية نافلة، وكما وقع له في بعض حروبه صلى الله عليه وسلم.

ص: 426

*‌

‌ المسلك الثاني: فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول المنسوخ.

مثال:

قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].

فكانت أول مرحلة في الصيام هي التخيير، فمن شاء صامومن شاء

ص: 427

أفطر وأطعم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].

ويشهد لذلك حديث سلمه بن الأكوع رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ:«كُنَّا في رَمَضَانَ عَلَى عَهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفطَرَ فَافتَدَى بطَعَام مسكينٍ» ، حَتَّى أُنزلَت هَذه الآيَةُ:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]

(1)

.

ومن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ} [الأحزاب: 50].

وقوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} [الأحزاب: 52] فالثانية ناسخة للأولى، وهكذا.

(1)

أخرجه مسلم (1145).

ص: 428

*‌

‌ المسلك الثالث: فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح:

مثال: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأ»

(1)

، وسئل عن الرجل يمس ذكره عليه الوضوء قال:«إنَّمَا هُوَ بَضعَةٌ منكَ»

(2)

.

فحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأ» هذا يأمر بالوضوء، وحديث:«إنَّمَا هُوَ بَضعَةٌ منكَ» لا يأمر بالوضوء، فأول مرحلة هي محاولة الجمع، كمن قال: معنى الحديث الأول أن من مس ذكره بشهوة عليه الوضوء، والثاني يعني أن من مسه بدون شهوة لا وضوء عليه.

ونازع البعض وقالوا: لا دليل على هذا القيد.

فانتقلوا إلى مرحلة الناسخ والمنسوخ، فقال بعضهم: إن حديث «من مس ذكره فليتوضأ» متأخر، فهو ناسخ. وقال بعضهم: إن التاريخ غير معلوم.

(1)

إسناده صحيح، أخرجه أبو داود (181)، والترمذي (82)، والنسائي (1/ 100)، وابن ماجه (479)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني وغيره.

(2)

إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (16286) وأبو داود (182)، والترمذي (85)، وغيرهم من حديث قَيس بن طَلق بن عَليٍّ، عَنْ أَبيه مرفوعًا، وقيس بن طلق بن علي ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأحمد والشافعي ولم يوثقه إلا العجلي، ولم يقبل الشافعي منه هذا الحديث.

ص: 429

فانتقلوا إلى مرحلة الترجيح، فرجحوا الحديث الأول على الثاني، فرجح بعضهم الأول؛ لأنه أحوط، ولأنه أكثر طرقًا، ومصححوه أكثر؛ ولأنه ناقل عن الأصل، وفيه زيادة علم، وغير ذلك.

*‌

‌ المسلك الرابع: فإن لم يوجد مرجح في نظر المجتهد وجب التوقف.

• مسألة: تعارض العام مع العام:

الحال الأولى: أن يقوم دليل يدل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به، مثال قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234]، مع قوله تعالى:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].

فالآية الأولى العموم في أن كل متوفى عنها زوجها تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت حائضًا، أو يئست من المحيض أو حاملًا، والآية الثانية عامة في كل حامل أن تكون عدتها بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها زوجها، أو مطلقة، فكما يتبين أن كل نص فيه عموم من جهة، فالأولى تبين أن المتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرًا، حتى وإن كانت حاملًا، والآية الثانية تنص على أن الحامل عدتها أن تضع حملها، وإن كانت متوفى عنها زوجها.

فهنا لا بد أن يأتي دليل من خارج يبين ذلك، فجاء حديث سبيعة

ص: 430

الأسلمية أنها توفى عنها زوجها وكانت حاملًا فاجتمع الأمران في حقها، فوضعت بعد ليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج

(1)

.

فعدتها كانت بوضع الحمل.

إذن نخصص المتوفى عنها زوجها بالحامل، فكل متوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرًا، إلا الحامل فعدتها بوضع الحمل.

الحال الثانية: إن لم يقم دليل على التخصيص -أي تخصيص عموم أحدهما بالآخر- عمل بالراجح.

مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجدَ فَليَركَع رَكعَتَين قَبلَ أَنْ يَجلسَ»

(2)

، مع نهيه صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّلَاة بَعدَ الصُّبح حَتَّى تَشرُقَ

(1)

أخرجه البخاري (3991)، ومسلم (1484)، عن عُمَرَ بن عَبد اللَّه بن الأَرقَم الزُّهريّ أَنَّ سُبَيعَةَ بنتَ الحَارث أَخبَرَتهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحتَ سَعد بن خَولَةَ، وَهُوَ من بَني عَامر بن لُؤَيٍّ، وَكَانَ ممَّن شَهدَ بَدرًا، فَتُوُفّيَ عَنهَا في حَجَّة الوَدَاع وَهيَ حَاملٌ، فَلَم تَنشَب أَنْ وَضَعَت حَملَهَا بَعدَ وَفَاته، فَلَمَّا تَعَلَّت من نفَاسهَا، تَجَمَّلَت للخُطَّاب، فَدَخَلَ عَلَيهَا أَبُو السَّنَابل بنُ بَعكَكٍ، رَجُلٌ من بَني عَبد الدَّار، فَقَالَ لَهَا: مَا لي أَرَاك تَجَمَّلت للخُطَّاب، تُرَجّينَ النّكَاحَ؟ فَإنَّك وَاللَّه مَا أَنت بنَاكحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيك أَربَعَةُ أَشهُرٍ وَعَشرٌ، قَالَتْ سُبَيعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لي ذَلكَ جَمَعتُ عَلَيَّ ثيَابي حينَ أَمسَيتُ، وَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَسَأَلتُهُ عَنْ ذَلكَ، فَأَفتَاني بأَنّي قَدْ حَلَلتُ حينَ وَضَعتُ حَملي، وَأَمَرَني بالتَّزَوُّج إن بَدَا لي.

(2)

أخرجه البخاري (444)، ومسلم (714).

ص: 431

الشَّمسُ، وَبَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ

(1)

.

فهنا نبحث عن مخصص لكل منهما من الخارج، أي نبحث عن دليل من الخارج.

فالحديث الأول عام في كل من يدخل المسجد لا يجلس حتى يركع ركعتين، والحديث الثاني عام أيضًا في عدم جواز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الفجر حتى تشرق الشمس، فإذا اجتمع الدليلان في حق شخص واحد كمن يدخل المسجد بعد العصر مثلًا فماذا يفعل؟ هل يعمل بالحديث الأول أم بالحديث الثاني؟ في هذه الحال نبحث في كل دليل على حدة، هل خصص أم لا؟ فالدليل الذي خصص مرة وأخرى يخصص بالدليل الآخر.

فنجد أنَّ حديث النهي عن الصلاة بعد العصر خصص غير مرة، ومن ذلك: قضاء سنة الظهر بعد العصر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم

(2)

، وكذلك جواز صلاة الجنازة بعد العصر، وقضاء الفوائت االمنسية ونحوها،

(1)

أخرجه البخاري (581)، ومسلم (826).

(2)

ترجم البخاري بَابٌ: مَا يُصَلَّى بَعدَ العَصر منَ الفَوَائت وَنَحوهَا وذكر فيه عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: صَلَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بَعدَ العَصر رَكعَتَين، وَقَالَ:«شَغَلَني نَاسٌ من عَبد القَيس عَنْ الرَّكعَتَين بَعدَ الظُّهر» (1/ 121).

وقال ابن قدامة: فصل: وأما قضاء السنة الراتبة بعد العصر فالصحيح جوازه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فإن قضى الركعتين اللتين بعد الظهر.

ص: 432

وغيرها، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم:«لَا صَلَاةَ بَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ»

(1)

، إلا صلاة الجنازة، أو قضاء سنة الظهر، أو الفوائت، فهذا الحديث خصص أكثر من مرة.

والحديث الآخر الوارد في تحية المسجد لا نجد ما يخصصه، بل نجد ما يؤكد فعله مثل حديث سليك حينما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الجمعة، فجلس فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقف ويركع ركعتين

(2)

، ولم يسقطها النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

وكذلك نجد أن صلاة الجنازة جائزة بعد العصر وبعد الفجر، ولكنها لا تجوز عند خطبة الجمعة، أما تحية المسجد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم سليكًا وقت الخطبة، فدل ذلك على أن تحية المسجد أولى من صلاة الجنازة، فإذا جازت صلاة الجنازة بعد العصر والفجر؛ فمن باب أولى جواز صلاة تحية المسجد في هذه الأوقات أيضًا.

فالعام الذي لم يُخَصَّص يُخَصِّص العام الذي خُصِّص قبل ذلك، والعام الذي لم يُخَصَّص يسمى العام المحفوظ، وهو الذي ظل على

(1)

أخرجه مسلم (827).

(2)

أخرجه البخاري (930)، ومسلم (875)، عَنْ جَابر بن عَبد اللَّه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَخطُبُ النَّاسَ يَومَ الجُمُعَة، فَقَالَ:«أَصَلَّيتَ يَا فُلانُ؟» قَالَ: لا. قَالَ: «قُم فَاركَع رَكعَتَين» .

ص: 433

عمومه، والعام الذي خُصِّص يسمى غير المحفوظ.

قال ابن تيمية: ما نهي عنه لسد لذريعة أبيح لمصلحة راجحة

(1)

.

والمعنى: أن النهي عن الصلاة مثلًا بعد العصر والفجر كان لسد ذريعة التشبه بالكفار حين يسجدون للشمس، فإن وجدت مصلحة راجحة أبيح العمل، ومن هذه المصالح الراجحة الصلاة ذات السبب كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وهكذا.

مثال آخر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقتُلُوهُ»

(2)

، مع ما ورد أنه نهى عن قتل النساء والصبيان

(3)

.

فهذا عام وهذا عام، ولا نستطيع أن نخصص أحدهما بالآخر، فهل المراد من بدل دينه فاقتلوه إلا النساء والصبيان، أم لا تقتلوا النساء والصبيان إلا من بدل دينه؟ نبحث في كل دليل على حده.

فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتلوا النساء والصبيان» خص في غير هذا، كما إذا كانت المرأة قاتلة عمدًا عدوانًا، وكذلك إذا زنت وكانت محصنة، فلقد

(1)

مجموع الفتاوى (23/ 186).

(2)

أخرجه البخاري (3017).

(3)

أخرجه البخاري (3015)، ومسلم (1744)، عَنْ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: وُجدَت امرَأَةٌ مَقتُولَةً في بَعض مَغَازي رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَنَهَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتل النّسَاء وَالصّبيَان.

ص: 434

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقام الحد على الغامدية، وكذلك أيضًا سبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَعمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشتُمُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وَتَقَعُ فيه، فَيَنهَاهَا، فَلَا تَنتَهي، وَيَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيلَةٍ، جَعَلَت تَقَعُ في النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وَتَشتُمُهُ، فَأَخَذَ المغوَلَ فَوَضَعَهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَينَ رجلَيهَا طفلٌ، فَلَطَّخَت مَا هُنَاكَ بالدَّم، فَلَمَّا أَصبَحَ ذُكرَ ذَلكَ لرَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ:«أَنشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لي عَلَيه حَقٌّ إلَّا قَامَ» ، فَقَامَ الأَعمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَينَ يَدَي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَنَا صَاحبُهَا، كَانَتْ تَشتُمُكَ، وَتَقَعُ فيكَ، فَأَنهَاهَا فَلَا تَنتَهي، وَأَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، وَلي منهَا ابنَان مثلُ اللُّؤلُؤَتَين، وَكَانَت بي رَفيقَةً، فَلَمَّا كَانَ البَارحَةَ جَعَلَت تَشتُمُكَ وَتَقَعُ فيكَ، فَأَخَذتُ المغوَلَ فَوَضَعتُهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأتُ عَلَيهَا حَتَّى قَتَلتُهَا، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«أَلَا اشهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» .

(1)

، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فهذا الحديث:«لا تقتلوا النساء» خصص أكثر من مرة بهذه النصوص السابقة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» لا يوجد له تخصيص، فيكون هذا عمومًا باقيًا على عمومه لم يخصص، أما العموم الأول قابل

(1)

إسناده حسن: أخرجه أبو داود (4361)، والنسائي (4070) وغيرهما ومداره على عثمان الشحام وهو صدوق.

ص: 435

للتخصيص أكثر من مرة، ويكون المعنى: نهى عن قتل النساء إلا من زنت، ومن قتلت عمدًا، ومن سبت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بدلت دينها، وهكذا.

*‌

‌ ثانيًا: الترجيح:

• تنبيهات مهمة:

أولًا: لا يكون الترجيح إلا مع وجود التعارض فإن انتفى التعارض انتفى الترجيح؛ لأنه فرعه، لذلك يقع الترجيح مرتبًا على وجود التعارض ويتأخر عنه في البحث

(1)

.

وذهب البعض إلى أنه قد يوجد الترجيح بدون التعارض، وذلك لأن من شروط التعارض استواء الدليلين، والقول بترجيح أحدهما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، فينتفي التساوي بينهما، وهذا تناقض.

والجواب عن ذلك: أن التساوي لا يمنع من وجود جزئيات دقيقة في كل واحد من الدليلين يجعل أحدهما يرجح على الآخر، أو وجود مرجحات خارجية

(2)

.

(1)

الوجيز للزحيلي (2/ 423).

(2)

المهذب للنملة (5/ 2425) بتصرف يسير.

ص: 436

ثانيًا: إذا تحقق الترجيح وجبالعمل بالراجح وترك الآخر؛ لإجماع الصحابة على العمل بما ترجح عندهم من الأخبار

(1)

.

ثالثًا: وجوه الترجيح كثيرة، وحاصلها: أن ما كان أكثر إفادة للظن فهو أرجح

(2)

.

• تعريف الترجيح:

الترجيح لغة هو: التمييل والتغليب، يقال: رجح الميزان. إذا مال

(3)

.

واصطلاحًا: اقترَانُ الأَمَارَة بمَا تَقوَى به عَلَى مُعَارضهَا

(4)

.

وقال الزركشي: هو تَقويَةُ إحدَى الأمَارَتَين عَلَى الأُخرَى بمَا لَيسَ ظَاهرًا، مَأخُوذٌ من رُجحَان الميزَان، وَفَائدَةُ القَيد الأَخير أَنَّ القُوَّةَ لَو كَانَتْ ظَاهرَةً لَم يَحتَج إلَى التَّرجيح

(5)

.

وقيل: هو عبارة عن تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى

(1)

البحر المحيط بتصرف يسير (8/ 145).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 1132).

(3)

أصول الفقه لأبي النور (4/ 199) ط دار البصائر.

(4)

أصول الفقه لابن مفلح (4/ 1581).

(5)

البحر المحيط (8/ 145).

ص: 437

فيعمل به ويطرح الآخر

(1)

.

• شروط الترجيح:

الشرط الأول: أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن أمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر.

الشرط الثاني: أن يكون الدليلان ظنيين، حيث إنه لا تعارض أصلًا بين دليلين قطعيين، وبين دليل قطعي ودليل ظني، وبالتالي لا ترجيح هنا، بل لا بد أن يكون بين ظنيين؛ لأنهما قابلان للتفاوت.

الشرط الثالث: أن يكون الدليلان متساويين في الحجية؛ فلا يصح ترجيح ما كان حُجَّة على ما ليس بحُجَّة، بل لا يسمى ذلك بترجيح أصلًا.

الشرط الرابع: أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين.

الشرط الخامس: أن يكون المرجح قويًّا، بحيث يجعل المجتهد يغلب على ظنه أن أحد الدليلين أقوى من الآخر

(2)

.

(1)

نهاية الوصول في دراية الأصول (8/ 3647).

(2)

المهذب في أصول الفقه (5/ 2424).

ص: 438

الوصف الشرعي للترجيح:

إن الترجيح واجب على المجتهد؛ لأنه مطلوب منه بيان الأحكام من أدلتها

(1)

.

*‌

‌ المرجحات (بعض صور الترجيح)

(2)

:

• النوع الأول: الترجيح باعتبار الإسناد، وله صور منها:

الأول: الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر على ما رُوَاته أَقَلّ، لقُوَّة الظَّنّ به، وَإلَيه ذَهَبَ الجُمهُورُ.

الثَّاني: أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَتْ الوَسَائطُ فيه قَليلَةً، وَذَلكَ بأَن يَكُونَ إسنَادُهُ عَاليًا؛ لأَنَّ الخَطَأَ وَالغَلَطَ فيمَا كَانَتْ وَسَائطُهُ أَقَلَّ، دُونَ مَا كَانَتْ وَسَائطُهُ أَكثَرَ.

الثَّالثُ: تُرَجَّحُ روَايَةُ مَنْ كَانَ فَقيهًا عَلَى مَنْ لَم يَكُنْ كَذَلكَ؛ لأَنَّهُ أَعرَفُ بمَدلُولَات الأَلفَاظ.

الرابع: ترجيح رواية الأوثق والأحفظ، ومن كان أَحَدُهُمَا مُتَّبعًا وَالآخَرُ مُبتَدعًا.

الخَامسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كثير المخالطة للنبي صلى الله عليه وسلم دون الآخر؛

(1)

الوجيز للزحيلي (2/ 423).

(2)

إرشاد الفحول (2/ 264، 265، 267) بتصرف يسير، وزيادة أمثلة.

ص: 439

لأن كثرة المُخَالَطَةَ تَقتَضي زيَادَةً في الاطّلَاع.

السادس: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ ثَبَتَت عَدَالَتُهُ بالتَّزكيَة، وَالآخَرُ بمُجَرَّد الظَّاهر.

السابع: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ عُدّلَ مَعَ ذكر أَسبَاب التَّعديل، وَالآخَرُ عُدّلَ بدُونهَا.

الثامن: أَنَّهَا تُرَجَّحُ روَايَةُ مَنْ يوافق الحفاظ عَلَى روَايَة مَنْ يَتَفَرَّدُ عَنهُم في كَثيرٍ من روَايَاته.

التاسع: أَنَّهَا تُقَدَّمُ روَايَةُ مَنْ لَم يَختَلف الرُّوَاةُ عَلَيه على من اختلفوا عليه.

• النوع الثاني: الترجيح باعتبار المتن، وله صور منها

(1)

:

أولًا: يرجح النص على الظاهر؛ وذلك لأن النص أدل لعدم احتماله غير المراد، والظاهر محتمل غيره وإن كان احتمالًا مرجوحًا، لكنه يصلح أن يكون مرادًا بدليل كما سبق في تأويل الظاهر، مثاله قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

(1)

شرح مختصر الروضة (3/ 698، 708)، الإعلام في أصول الأحكام (ص 247، 250).

ص: 440

[المائدة: 93]، فالظاهر أن له أن يأكل أو يشرب ما شاء، وإذا اتقى الله مع قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، وهذا نص في تحريم الخمر؛ فيقدم النص على الظاهر، وهذا مثال تقريبي.

ثانيًا: يقدم المنطوق على المفهوم:

مثاله: جواز الرهن في الحضر، قال به الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وكافة العلماء، وقال مجاهد وداود: لا يجوز إلا في السفر. تمسكًا بمفهوم الآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، واحتج الجمهور

(1)

بأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي

(2)

.

مثال آخر: قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].

فالمفهوم: أن أكلها حرام؛ لأنها خلقت للركوب، مع حديث جابر يوم خيبر: نَهَانَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ البغَال، وَالحَمير، وَلَم يَنهَنَا عَنْ الخَيل

(3)

، فيقدم المنطوق.

(1)

شرح النووي على مسلم (6/ 45).

(2)

أخرجه البخاري (2069) من حديث أنس رضي الله عنه.

(3)

إسناده حسن، أخرجه أحمد (14840)، وأبو داود (3789)، من حديث أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا، وأبو الزبير مدلس لكنه صرح بالتحديث في عدد من الطرق.

ص: 441

مثال آخر: سأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنَّا؟ قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101].

فبمفهوم المخالفة: إن أمنتم فلا تقصروا ولو في السفر. فقال صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ»

(1)

.

ثالثًا: يقدم المثبت على النافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم، وهو عدل جازم بها؛ كحديث بلَالٍ رضي الله عنه في إثبات صَلَاة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في الكَعبَة

(2)

عَلَى روَايَة ابن عَبَّاسٍ في نَفيهَا

(3)

.

وكحديث بول النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا، عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُم أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائمًا فَلَا تُصَدّقُوهُ؛ مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا جَالسًا

(4)

.

(1)

أخرجه مسلم (686).

(2)

أخرجه البخاري (504)، ومسلم (1329)، من حديث ابن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الكَعبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبلَالٌ، وَعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ الحَجَبيُّ، فَأَغلَقَهَا عَلَيه، ثُمَّ مَكَثَ فيهَا. قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَسَأَلتُ بلَالًا، حينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَين عَنْ يَسَاره، وَعَمُودًا عَنْ يَمينه، وَثَلَاثَةَ أَعمدَةٍ وَرَاءَهُ -وَكَانَ البَيتُ يَومَئذٍ عَلَى ستَّة أَعمدَةٍ- ثُمَّ صَلَّى.

(3)

أخرجه البخاري (1601)، ومسلم (1330).

(4)

إسناده صحيح، أخرجه أحمد (25045)، والنسائي (29)، وابن ماجه (307)، وغيرهم من حديث عائشة مرفوعًا، وصححه الألباني.

ص: 442

وقال حذيفة: لَقَدْ أَتَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَومٍ، فَبَالَ قَائمًا

(1)

.

فيقدم المثبت على النافي، إلَّا أَنْ يَستَندَ النَّفيُ إلَى علمٍ بالعَدَم، لَا عَدَم العلم فَيَستَويَان، يَعني أَنَّ نَفيَ النَّافي إن استَنَدَ إلَى عَدَم العلم، كَقَوله: لَم أَعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَّى بالبَيت. لم يلتفت إليه، وَكَانَ إثبَاتُ المُثبت للصَّلَاة مُقَدَّمًا لمَا سَبَقَ. وَإن استَنَدَ نَفيُ النَّافي إلَى علمٍ بالعَدَم، كَقَول الرَّاوي: اعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم لَم يُصَلّ بالبَيت، لأَنّي كُنْتُ مَعَهُ فيه، وَلَم يَغب عَنْ نَظَري طَرفَةَ عَينٍ فيه، وَلَم أَرَهُ صَلَّى فيه. أَوْ قَالَ: أَخبَرَني رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَم يُصَلّ فيه. فَهَذَا يُقبَلُ؛ لاستنَاده إلَى مُدرَكٍ علميٍّ، وَيَستَوي هُوَ وَإثبَاتُ المُثبت، فَيَتَعَارَضَان، وَيُطلَبُ المُرَجّحُ من خَارجٍ.

رابعًا: يقدم الناقل عن الأصل على المبقى له، كحديث:«مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَليَتَوَضَّأ» ، مع حديث:«إنما هو بضعة منك» ، فيقدم الناقل للحكم على المبقي عليه، وعللوا ذلك بأمرين:

الأول: أن الخبر الناقل يستفاد منه فائدة جديدة، والخبر المبقي لا يستفاد منه إلا ما استفيد من البراءة الأصلية، ففي المثال السابق الحديث الناقل للبراءة استفيد منه نقض الوضوء، وهذه فائدة لم تكن

(1)

أخرجه البخاري (2471)، ومسلم (273).

ص: 443

موجودة وهي التحريم، والحديث المبقي لها لم يستفد منه إلا عدم النقض من مس الذكر، وذلك كان معلومًا.

الثاني: الخبر الناقل عند ترجيحه يُقدر متأخرًا، فيكون ناسخًا للخبر المبقي للبراءة الأصلية، والخبر المبقي لها لم ينسخ البراءة الأصلية، وإنما هو مقرر لها؛ وبذلك يتحقق النسخ مرة واحدة.

وقال بعض الأصوليين كالرازي والبيضاوي: بترجيح الخبر المبقي للبراءة الأصلية على الخبر الرافع لها، ففي المثال السابق الحديث الناقل عن البراءة الأصلية فيه شغل للذمة، ورفع للبراءة الأصلية؛ لأن مقتضاه نقض الوضوء من مس الذكر، والحديث الثاني مقتضاه عدم النقض وفي ذلك إبقاء للبراءة الأصلية وعدم شغل الذمة بالوضوء، فيكون الحديث الثاني أرجح لاعتضاده بدليل الأصل فَهُمَا دَليلَان، فَيُرَجَّحَان عَلَى دَليلٍ وَاحدٍ، وَهُوَ دَليلُ الحَظر

(1)

.

والراجح: أن الناقل عن الأصل يُقدم على المبقي عليه؛ لأن الأصل أن الشريعة جاءت لتغيير الأحكام.

خامسًا: يقدم قوله صلى الله عليه وسلم على فعله؛ لأن فعله قد يكون خاصًّا به، لذلك يقول ابن تيمية: لم يتنازع العلماء في أن قوله صلى الله عليه وسلم أوكد من فعله،

(1)

أصول الفقه لأبي النور زهير (4/ 1213)، شرح مختصر الروضة (3/ 702).

ص: 444

وقد يكون الفعل لحاجة أو عذر، والفعل لا صيغة له تدل بنفسها، وإنما دلالة الفعل لأمر خارج وهو كونه عليه الصلاة والسلام واجب الاتباع، فكان القول أقوى فيرجح لذلك، وأيضًا فإن القول متفق على كونه حجة، والفعل مختلف فيه، والمتفق عليه راجح.

سادسًا: يقدم صاحب القصة على غيره، كحديث مَيمُونَةَ بنت الحَارث:«أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ»

(1)

، على حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:«أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحرمٌ»

(2)

؛ فيقدم صاحب القصة لاختصاصه بمزيد علم يوجب إصابته.

سابعًا: يقدم المباشر والملابس للقصة على غيره، كحديث أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال. يقدم على قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم. لأن أبا رافع هو المباشر للقصة وقال فيها: وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَينَهُمَا

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (1411).

(2)

أخرجه البخاري (1837)، ومسلم (1410).

(3)

مختلف في رفعه وإرساله، أخرجه أحمد (27197)، والترمذي (841)، والنسائي في الكبرى (5402)، وابن حبان (4130) و (4135) وغيرهم من حديث أَبي رَافعٍ مَولَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيمُونَةَ حَلَالًا، وَبَنَى بهَا حَلَالًا، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَينَهُمَا. ورجح الرفع الدارقطني ورجح الإرسال ابن عبد البر، وأصل الحديث عند مسلم (1411) عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال.

ص: 445

ثامنًا: أن يقدم الأفصح على الفصيح؛ لأنه الظن بأنه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم.

تاسعًا: أن يقدم العام الذي لم يُخصص على العام الذي قد خصص، فيقدم حديث أَبي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجدَ فَليَركَع رَكعَتَين قَبلَ أَنْ يَجلسَ»

(1)

، على حديث أَبي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الصَّلَاة بَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وَعَنْ الصَّلَاة بَعدَ الصُّبح حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ

(2)

.

فالأول حديث محفوظ لم يخصص، والثاني قد دخله التخصيص، وعلى هذا يقدم الحديث الأول.

عاشرًا: أن يقدم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب؛ وذلك لأن الوارد على غير سبب متفق على عمومه، والوارد على سبب مختلف في عمومه

(3)

.

الحادي عشر: يقدم الحاظر على المبيح، كتقديم عموم قوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23].

(1)

أخرجه البخاري (444)، ومسلم (714).

(2)

أخرجه البخاري (5819)، ومسلم (825)، واللفظ له.

(3)

وقد تقدم الكلام على العام الوارد على سبب، وسبق بيان أنه باق على عمومه؛ إذ العبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب.

ص: 446

المقتضي منع الأختين بملك اليمين، على عموم قوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، الشامل بعمومه للأختين بملك اليمن، ووجه تقديم الحاظر على المبيح: أن ترك مباح أهون من ارتكاب محرم.

الثاني عشر: أن يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.

الثالث عشر: أن يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالًّا على المراد من وجه واحد.

الرابع عشر: يقدم الإجماع القطعي على الظني.

الخامس عشر: يقدم القياس الجلي على الخفي.

السادس عشر: يقدم ما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه، كحديث:«من مس ذكره فليتوضأ» ؛ لأنه أحوط وأكثر طرقًا، ومن صححه أكثر.

ص: 447

• ثالثًا: الترجيح لأمر خارجي، وله طرق

(1)

:

الأول: اعتضاد أحد الخبرين بموافقة ظاهر القرآن، مثل: ترجيح خبر التغليس بالفجر على خبر الإسفار؛ لموافقته لظاهر قوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].

ونقل عن الشافعي قوله: ما وافق ظاهر القرآن كانت النفوس أميل إليه.

الثاني: ترجيح ما كان عليه عمل أكثر السلف على ما ليس كذلك؛ لأن احتمال إصابة الأكثر أغلب، مثل: ترجيح حديث تكبيرات العيد وأنها سبع في الأولى، وخمس في الثانية. على رواية من روى أنها خمس في الأولى وأربع في الثانية، وهو يرجع إلى الترجيح بالكثرة لعمل الخلفاء الأربعة، وغيرهم به.

الثالث: ترجيح الخبر المقترن بتفسير راويه له بقول أو فعل دون الآخر، فيقدم ما فسره راويه لكون الظن بصحته أوثق، كما في حديث ابن عمر في خيار المجلس، فقد فسره ابن عمر بالتفرق بالأبدان

(2)

.

(1)

انظر البحر المحيط (6/ 176)، أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (298، 299).

(2)

أخرجه البخاري (2079)، ومسلم (1532)، وعند الترمذي (1245) عَنْ نَافعٍ قَالَ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ إذَا ابتَاعَ بَيعًا وَهُوَ قَاعدٌ قَامَ ليَجبَ لَهُ البَيعُ.

ص: 448

الرابع: موافقة أحد الخبرين للقياس، فيقدم على ما خالف القياس، كما رجح البعض حديث:«إنما هو بضعة منك» على حديث: «من مس ذكره فليتوضأ» ؛ لأن الأول موافق للقياس دون الثاني.

وغير ذلك من أسباب الترجيح، وهي كثيرة؛ حيث إن المرجحات يصعب أن تنحصر لكثرتها وانتشارها، لكن ضابط الترجيح: هو ما تحصل به غلبة ظن رجحان أحد الطرفين على الآخر. لذا قال صاحب الضياء اللامع في المرجحات: ومن رام هذه الأجناس بضابط -أي حصر هذه المرجحات- فقد رام شططًا لا تتسع له قوة البشر.

وقال الزركشي: واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها: ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات كما في كثرة الرواة، وقوة العدالة فيعتمد المجتهد في ذلك على ما غلب على ظنه

(1)

.

(1)

البحر المحيط (6/ 159).

ص: 449