المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام - حاشية السندي على سنن الترمذي - جـ ١

[محمد بن عبد الهادي السندي]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌مقدمة التحقيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فإنَّ من نِعَم الله علينا وتوفيقه إيانا أن هدانا لخدمة هذا الكتاب الجليل الشأن، الذي ما طبع في العالم حتى الآن، ولقد لفَّت انتباهنا إليه تلَقِّي الناس حواشي العلامة أبي الحسن الكبير على الصحاح الستة ومسند الإمام أحمد بن حنبل بقبول حسن، فحَفَز بنا ذلك إلى أن نُشَمِّر عن سواعد الجِدِّ لتحقيق هذا الكتاب، ولقد ألفيناه نافعا جدا، حافلا بدقائق علمية، كحواشي العلامة السندي الأخرى، وذلك مما دفعنا إلى أن نحاول لطبعه وإخراجه إلى ذوي الهمم من محبي الاطلاع، وطلبة العلم الذين تَتُوق نفوسُهم إلى الاغتراف من الينابيع العلمية العذبة.

ولا ريب أنَّ الصِّحاح الستَّة لها المكانة الجليلة في كتب السنة المطهرة حيث حَوَتْ بين دُفَّتَيْها طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة في أصول الدين والأحكام وغير ذلك، ومنها جامع الإمام أبي عيسى الترمذي الذي يَكْتَنف أربعةٌ

ص: 6

عشر علما كما ابن العربي، وذلك مما دفع أهل العلم، وفارسي ميدان الحديث إلى الاعتناء بشرحه بتصانيفهم، والخوض في دقائقه، والتعليق عليه، وممن اعتنى بالتعليق عليه بأسلوب وائع ممتع الإمام أبو الحسن الكبير السندي، حيث خلَّف لنا مما خلَّفه من تراثه العلمي الحاشية القيِّمة على سنن الترمذي كما اهتمَّ بتعليقاته النافعة على الصحاح الستة ومسند الإمام أحمد بن حنبل كما سبق.

وقد قمنا بتحقيق هذا الكتاب الذي هو دُوَّةٌ فريدة لئلا يبقى جوهر في صدفه لَا يعرفه إلا الخواص، واجين منه القبول، فإنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

ص: 7

ترجمة المؤلف

ص: 9

الإمام أبو الحسن الكبير التتوي السندي

‌اسمه ونسَبُه:

هو الشيخ الإمام، العالم العلامة، المحدث النحرير، الفقيه الفهامة، المدقق المحقق، الأصولي اللغوي نوو الدين أبو الحسن محمد بن عبد الهادي التتوي السندي المدني المعروف بـ:"أبي الحسن السندي الكبير".

والإمام أبو الحسن السندي يلقب بـ: "الكبير" للتمييز بينه وبين الإمام أبي الحسن غلام حسين بن محمد صادق السندي، المعروف بـ "أبي الحسن السندي الصغير"، حيث يكنى كل منهما بـ "أبي الحسن" وكلاهما ينتميان إلى بلاد السند، بل هما من مدينة واحدة -مدينة تته- كما أنَّ كلا منهما محدث، وكلاهما هاجر إلى الحرمين الشريفين، وتوطن المدينة المنووة، وبها توفي كل منهما ودفن، من أجل ذلك كله تطلب هذا الأمر التمييز بين كل منهما، فلقب الأول بـ "الكبير" والثاني بـ "الصغير".

هذا ولم يُعْرف نسب الإمام السندي الكبير أكثر من اسم أبيه حيث لم يذكر أحد ممن ترجم له أكثر من ذلك. كما لا يُعْرف اسم قبيلته في بلاد السند وغم أنَّ أهل السند يهتمون كثيرا بالانتساب إلى القبائل، ولو كان الإمام ترجم لنفسه بنفسه أو ترجم له أحد معاصريه بالتفصيل لكان عُرِف ذلك ولكن لم يقع شيء من ذلك، ولذا ترى تراجم أغلب أعلام السند غامضة للغاية حيث لم يَعْتَنِ أغلبهم أن يترجم لنفسه بنفسه، كما لم يؤلَّف كتاب حافل بتراجم أعلام السند غير كتاب "مقالات الشعراء"، وكتاب:"تحفة الكرام" كلاهما للمؤرخ الشهير علي

ص: 10

شير القانع، ومنهما أخذ أغلب من ترجم لأحد من أعلام السند كمؤلف "نزهة الخواطر"، و"تذكرة مشاهير السند" وغيرهما.

‌مولدُه ونشأته وبداية تحصيله العلمي:

ولد -وحمه الله- في مدينة "تتة"- عاصمة بلاد السند آنذاك- في بيت علم وفضل وخلق وأدب. ولا شك أنَّ ولادته كانت في القرن الحادي عشر الهجري، وبالتَّحديد في المنتصف الثاني منه تقريبا، بَيْدَ أنَّنا رغم محاولتنا الجِدِّية للحصول على تاريخ ولادته في مَظَانِّه ومراجع عديدة باللغة العربية والسندية لم نظفر بذلك ولم نقف على تاريخ ولادته، فإنَّ الذين ترجموا له اكتفوا بذكر مسقط رأسِه فحسب.

كان أبوه: الشيخ عبد الهادي رحمه الله من علماء مدينة "تتة" الأفاضل ومن فقهائها، فنشأ الإمام أبو الحسن السندي الكبير في حِجره وتلقى تربية صالحة على يديه، فكان والده بالنِّسبة له مدرسة العلوم النافعة، والأخلاق الفاضلة، والآداب السَّامية.

ولما بلغ الشيخ رحمه الله سِنَّ الإدراك والرُّشد، بدأ بتعلُّم القرآن الكريم حسب عادة أهل البلاد على والده رحمه الله ودرَس عنده مبادئ العلوم الدينية، والفنون الأدبية، والكتب الابتدائية من الأدب الفارسي، والصرف، والنحو، ثم درَس بقِيَّة الكتب الدينية والعلمية: من الحديث، والتفسير، والفقه، والأصول، والقواعد، والبلاغة، والمعاني، والمنطق، والفلسفة وما إلى ذلك من العلوم حسب المناهج المقررَّة الرائجة في عهده في بلدته "تَتَّه" على علماءها، واستفاد منهم كثيرا إلى أن تخرَّج على أيديهم في العلوم العقلية والنقلية والفنون

ص: 11

الأدبية، ولكن لَا تُعْرف -وللأسف- أسماءُ شيوخه من بلدته دون والده، ولم يتعَرَّض أحد من مُترجميه لذكر أسامي شيوخه.

وكان في عصره ممن اشتهر بالعلم والفضل في مدينة "تتة" أمثال: العلامة الشيخ عناية الله، والعلامة الشيخ أبي الحسن -صاحب مقدمة الصلاة-، والمخدوم الشيخ محمد سعيد التتوي، والمخدوم الشيخ رحمه الله التتوي وغيرهم من الأفاضل، فأغلب الظنِّ أنَّه يكون قد أخذ منهم ومن طبقتهم.

وبعد تحصيله العلمي بدأ يدرِّس العلوم العقلية والنقلية في مدينته حتى اشتهر في الأطراف، وبلغ صِيْته الآفاقَ، فقَصده طلاب العلم الديني من كل حَدَب وصَوْب.

هكذا نشأ الإمام السندي نشأةً طيِّبة في جَوٍّ علمي رائع، وفي مدينة العلم والعلماء تحت تربية والده الفاضل رحمه الله حتى أحبَّ العلمَ والعلماء، والفضل وأهلَه، وكانت آثارُ ذلك وملامحه واضحة في حياته العلمية والاجتماعية بحيث أصبح متمسكا بالكتاب والسنة، عاضًّا عليهما بالنواجذ، راغبا إلى العمل بهما، ساعيا لنشرهما بين أوساط المجتمع البشري.

‌رحلته إلى الحجاز:

ذكرنا سابقًا أنَّ الإمام أبا الحسن السندي درَّس مدَّة من الزمان في مدينة "تَتَّه" ثم تَاقَتْ نفسه لزيارة الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج والاستفادة من علمائها علميا وثقافيا وروحيا، يقول تلميذه العلامة محمد حياة السندي:

"ثم سافر إلى الحرمين على نِيَّة القراءة فمكث فيهما نحوًا من عشر سنين

ص: 12

ولم يشتهر لكثرة عَزْلَتِه

"، وكانت هجرتُه إلى الحرمين الشريفين ودخوله في البلاد المقدَّسة قبل نِهاية القرن الحادي عشر الهجري، حيث التقى بعلماء الحرمين الشريفين واستفاد منهم استفادة جمَّة.

لما توَّطن الإمام السندي وحمه الله طيْبة الطَيِّبَة اشتغل بكسب العلم بعد الانتهاء من مُهَمَّته الأولى -أداء فريضة الحج- وتوَّجه إلى الشيوخ من رجال الحديث الشريف، وأكبَّ على دراسة علومه، وانقطع عن الناس وانعزل، وعكَف في المسجد النبوي الشريف، فبذل غايةَ مجهودِه في التحصيل العلمي.

ص: 13

تدريسه

‌تدريسه

بمدرسة الشفاء

بدأ العلامَّةُ أبو الحسن السندي الكبير رحمه الله بإفادة الناس، وإلقاء الدروس العلمية بمدرسة الشِّفاء، وهي مدرسة دينية في المدينةِ النَّبويَّة كان يدرِّس فيها العلومَ الدينية، والفنونَ الأدبية على نَهج الدِّراسة القديمةِ، وكان مقرُّها بجوار المسجد النبوي الشريف من الجهة الغربية -جهة باب السلام-، ثم نُقِلَتْ إلى مقرِّها الحالي بالقرب من شارع قُباء النَّازِل.

‌حلقة درسه بالحرم النبوي الشريف:

لمَّا تضلَّع العلامةُ أبو الحسن السندي الكبير رحمه الله بعلوم الحديث الشريف، وأصبح مرجعَ الخلائق في بقِيَّة العلوم، عُقِدَتْ له حلقةُ التدريس في الحرم الشريف، فطلع كالقمر ليلة البدر، وانتشر صيته في الآفاق، وسارت إليه الرُّكبان، وضربت له أكبادُ الإبل من شتى ربوع العالم، وارتوى من معينه العلمي عطاشُ العلم، واستفاد منه العرب والعجم.

ومن جملة الكتب التي كان يدَرِّسها الإمام السندي في الحرم النبوي الشريف، هي:

1 -

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي.

2 -

الصحيح الجامع للإمام محمد بن إسماعيل البخاري.

ص: 14

3 -

صحيح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري.

4 -

سنن الإمام الترمذي.

5 -

سنن الإمام أبي داود.

6 -

سنن الإمام النسائي.

7 -

سنن الإمام ابن ماجه.

8 -

موطأ الإمام مالك بن أنس.

9 -

مسند الإمام أحمد بن حنبل.

10 -

الهداية للإمام أبي بكر المرغيناني في فقه الحنفية.

وقد استمر الإمام السندي رحمه الله يلقي الدروس العلمية في الحرم النبوي الشريف إلى أن لقي ربه وخالقه جل وعلا، فرحمه الله تعالى رحمةً واسعةً، وأدخله بحبوحة جنانه.

ص: 15

‌أساتذته وشيوخه

ذكرنا سابقا أن الإمام السندي رحمه الله بدأ دراسته في مدينته "تَتَّه" مهبطِ علماء الأقطار، ومقرِّ الجامعات الدينية في عصره، فنذكر بعض الأسماء من شيوخه الذين عثرنا علي أسماءهم، وهم:

1 -

والده الشيخ عبد الهادي التتوي السندي رحمه الله حيث تعلَّم القرآن الكريم عليه، ودرَس الكتب الابتدائية ومبادئ العلوم لديه، فعلى هذا يعتبر والدُه المبجَّل أوَّل شيخ له في مدينته.

2 -

الشيخ الإمام، خاتمةُ المحدثين، جمال الدين عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري أصلا، المكي مولدا ومدفنا، الشافعي مسلكا، المولود سنة: 1050 هـ، كان فقيها شافعيا، عالما بالحديث، اتفقوا على أنه حافظ البلاد الحجازية، يروي عن عيسى الثعالبي، والبابلي، ويحيى الشاوي المغربي وغيرهم، انتهى إليه في زمانه علم الإسناد، وألحق الأبناء والأحفاء بالأجداد، وورَد له طلعب من كل مكان سحيق، وكثر إليه الارتحال من كل فَجٍّ عميق، وكانت أسانيده مفرَّقة يُخشى اندراسُها، فجمعها ابنُه سالم في كتاب سماه:"الإمداد بمعرفة علو الإسناد"، ومن تصانيفه الرائعة:"الضياء السَّاري على صحيح البخاري"، توفي سنة (1134 هـ)

(1)

.

3 -

الإمام العلامة، خاتمةُ المحققين، مسندُ القرن الحادي عشر وعلَّامتُه، أبو الوقت برهان الدين إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكردي الكوراني المدني

(1)

راجع لترجمته: الأعلام للزركلي: 4/ 88، وفهرس الفهارس: 1/ 193.

ص: 16

الشافعي، ولد ببلاد "شَهران" من جبال الكرد، سنة ألف وخمس وعشرين، ونشأ في عِفَّةٍ طاهرة، فأخذ في بلاده العربيةَ، والمنطق، والحساب، والهيئة، والهندسة، وقرأ المعاني والبيان، والأصول، والتفسير، والفقه، ثم ارتحل إلى الشام، ومصر، والحجاز، والحرمين وسمع بها شيوخها، ولازم القشَّاشي، وروى عن سلطان المزاحي، وعلي الشبراملسي، والنجم الغزي، والشمس البابلي، وعيسى الثعالبي، وعبد الله اللاهوري. وتوطن المدينة المنورة، واشتهر ذكره، ودرِّس بالمسجد النبوي، قيل: إن تآليفه تنيف على ثمانين، منها:"إتحاف الخلف بتحقيق مذهب السلف"، و"لوامع اللآل في أربعين العوال"، "وقصد السبيل إلى توحيد الحق الوكيل" وغير ذلك. توفي سنة (1101 هـ) بالمدينة المنورة، ودفن بالبقيع

(1)

.

4 -

الشيخ النِّحرير، المحقق المدقق، الإمام شمس الدين محمد بن عبد الرسول بن عبد السيد الحسني البرزنجي الشافعي، الشهرزوري المدني، ولد بـ "شهر زور" ليلة الجمعة، ثاني ربيع الأول، سنة أربعين وألف، ونشأ بها وقرأ القرآن وجوَّده على والده، وبه تخرَّج في بقية العلوم، وقرأ في بلاده على جماعة، منهم: الملا محمد شريف الكوراني، ولازم خاتمة المحققين إبراهيم بن حسن الكوراني وانتفع بصحبته، وسلك طريق القوم على يد الصَّفِيِّ أحمد القشَّاشي، ودخل همذان، وبغداد، ودمشق، وقسطنطينية، ومصر، وأخذ عمن بها من العلماء، ثم توطن المدينة، وتصدَّر للتدريس، وألَّف تصانيف عجيبة، منها:"الإشاعة في أشراط الساعة"، و"النواقض للروافض"، و"أنْهار السلسبيل في شرح تفسير البيضاوي"، و"العافية شرح الكافية"، و"مرقاة الصعود في شرح تفسير أوائل العقود" و"الضاوي على صبح فاتحة البيضاوي" وغير ذلك. توفي في غُرَّة محرم

(1)

راجع: البدر الطالع: 1/ 11، والأعلام للزركلي: 1/ 35، وفهرس الفهارس للكتاني: 1/ 166.

ص: 17

بالمدينة المنورة، سنة: 1103 هـ

(1)

.

5 -

الإمام أبو عبد الله شمس الدين محمد بن علاء الدين البابلي القاهري الأزهري الشافعي، الحافظ الرحلة، أحد الأعلام في الحديث والفقه، ولد بـ "بابل" من قرى مصر سنة: 1000 هـ، ونشأ في القاهرة، قدم به أبوه من قريته إلى القاهرة وهو ابن أربع سنين، وأتى به إلى خاتمة الفقهاء الشمس الرملي فدعا له، وتلمذ على الشيخ علي الحلبي، وعبد الرؤف المناوي، والسبكي وغيرهم، كان أحفظ أهل عصره لمتون الحديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان شيوخه وأقرانه يعترفون له بذلك، وكان إماما، زاهدا، ورعا، أخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة، وكان كثير الإفادة للطلاب، قليل العناية بالتأليف، له كتاب:"الجهاد وفضائله" ألجئ إلى تأليفه. توفي بالقاهرة سنة 1077 هـ

(2)

.

6 -

العالم النِّحرير، المحدث المُتْقن، الجامع بين الرواية والدراية، الإمام يوسف بن إبراهيم بن محمد الزهري الشرواني المدني الحنفي، قدم إلى المدينة سنة: 1080 هـ، واشتغل بإفادة العلوم، وانتهت إليه رئاسة الفقه في وقته، حتى قال الشيخ أبو الحسن السندي الكبير يوم موته:"مات فقه أبي حنيفة"، كان وجيها معظَّما في أعين الناس، كشَّافا للمشكلات، حلَّالا للمعضلات، له تآليف، منها:"هدية الصبيح في شرح مشكاة المصابيح"، و"شرح ملتقى الأبحر"، توفي بالمدينة المنورة، الثالث عشر من شوال، سنة: 1134 هـ

(3)

.

(1)

راجع: سلك الدرر للمرادي: 4/ 65، والأعلام للرزكلي: 6/ 203.

(2)

راجع: خلاصة الأثر: 4/ 39، البدر الطالع: 2/ 208، فهرس الفهارس: 1/ 210، الأعلام للزركلي: 6/ 270.

(3)

راجع: سلك الدرر للمرادي: 4/ 239، والأعلام للزركلي: 8/ 213.

ص: 18

‌مشاهير تلامذته

1 -

الشيخ الإمام عبد الخالق بن الزين بن محمد الزين بن الصديق بن عبد الباقي المزجاجي الزبيدي الحنفي اليماني، كان عالما بالقراءات، ولد ونشأ في زبيد، وتفقه على أبيه، وحج وأخذ عن علماء الحرمين، وتقدم في علم الحديث، وصنفط "إتحاف البشر في القراءات الأربعة عشر"، و"أوجوزة" في التصوف، وسافر إلى صنعاء، فحضره الإمام المنصور الحسين ابن المتوكل وعظَّمه وأكرمه وعقد له مجالس. وأخذ عنه علماء صنعاء، وتوفي بها، سنة: 1388 هـ

(1)

.

2 -

الشيخ الإمام، العالم الهمَّام، محدِّث الشام، أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي، ولد بـ "عجلون" سنة: 1087 هـ، ونشأ بها، كان عالما بارعا، محدثا مفيدا، له يدٌ في علوم الحديث والعربية، حفظ القرآنَ في صغر سِنِّه، ثم قدم إلى دمشق، وأخذ الفقه، والحديث، والتفسير، والعربية عن جماعة يطول ذكرهم، وقد سمع أبا الحسن السندي الكبير بالمدينة المنورة، له ثبتٌ سمَّاه:"حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكُمَّل الرجال "، وله مؤلفات أخرى، منها:"كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، و"الفيض الجاري في شرح صحيح البخاري"، و"شرح الحديث المسلسل بالدمشقيين"، و"عقد الجوهر الثَّمين" وغير ذلك، توفي بدمشق، سنة: 11 ق 62 هـ

(2)

.

(1)

راجع: الأعلام للزركلي: 3/ 291، فهرس الفهارس: 2/ 731.

(2)

راجع: سلك الدرر: 1/ 259، الأعلام للزركلي: 1/ 325، فهرس الفهارس: 1/ 98.

ص: 19

3 -

العالم العلامة، المحدِّث الفهَّامة، محمد حياة بن إبراهيم السندي المدني، وكان ينتمي إلى قبيلة "جاجر" المعروفة بديار السند، ولد بمدينة "عادلفور" من إقليم السند، ثم انتقل إلى مدينة "تتة"، وقرأ بها على الشيخ محمد معين بن محمد أمين التتوي، ثم هاجر إلى الحرمين فحج، وتوطن المدينة المنورة، ولازم الشيخ أبا الحسن السندي الكبير، وجلس مجلسه بعد وفاته أربعا وعشرين سنة، وأخذ عن الشيخ سالم بن عبد الله البصري، والشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكردي، كان ورعا متَجَرِّدا منعزلا عن الخلق إلا في وقت الدورس، مثابرا على أداء الجماعات في الصف الأول من المسجد النبوي، له مصنفات كثيرة، منها:"شرح الترغيب والترهيب" للمنذري، و"تحفة المحبين"، و"شرح على الأربعين النووية" وغير ذلك، توفي بالمدينة المنورة سنة: 1163 هـ، ودفن بالبقيع

(1)

.

4 -

الشيخ الإمام، المحقق المحدث، الأديب الماهر علي بن مصطفى الملقب بـ "الدبَّاغ"، المعروف بالمِيقاتي، الحلبي الشافعي، ولد سنة: 1104 هـ، وقرأ القرآن واشتغل بطلب العلم على جماعة، منهم: الشيخ سالم بن عبد الله البصري، والشيخ أبو طاهر الكردي، والشيخ أبو الحسن السندي الكبير، والشيخ عبد الغني النابلسي وغيرهم، له "شرح على البخاري"، و"حاشية على شرح الدلائل" للفاسي، ونظم ونثر، توفي في ربيع الأول، سنة: 1174 هـ

(2)

.

5 -

الشيخ محمد سعيد بن محمد سفر بن محمد أمين المدني الحنفي، ولد وتعلم بمكة على فقهاءها، ودرّس بحرمها، وقام برحلة إلى مصر وتركيا، ثم

(1)

راجع: سلك الدرر: 4/ 34، والأعلام للزركلي: 6/ 111.

(2)

راجع لترجمته: سلك الدرر: 233، والأعلام للزركلي: 5/ 22.

ص: 20

توطن المدينة المنورة، وتفقه بها على أبي الحسن السندي الكبير، وتوفي بها سنة: 1419 هـ، له ثبت منظوم على حرف النُّون في أسماء أشياخه، و"رسالة الهدى"، و"أوجوزة في الحضِّ على اتباع السنة"، و"رسالة في:"تفضيل شرف العلم على شرف النسب"

(1)

.

6 -

المحدث الفقيه، الشيخ المعمر محمد بن محمد بن عبد الله الفاسي، المغربي، المدني، المالكي، ولد سنة: 1119 هـ، صار عالم المدينة ومنارها، وشمس تلك الديار ونَهارها، روى عن والده وشاركه في شيخه عبد الله بن سالم البصري، مات بالمدينة المنورة، نَهار الجمعة، الحادي عشر من جمادى الأولى، سنة:1201 هـ

(2)

.

7 -

الشيخ أبو داود سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بـ "الجمل"، من أهل منية عجيل -إحدى القرى الغربية بمصر- انتقل إلى القاهرة، كان أمِّيًا لا يحسب ولا يكتب بل ولايطالع، ودأبه أن يأتي بمن يطالع له حصته بسائر ما يريد تدريسه من الفنون، فيسرد عليه ويحفظ هو جميع ذلك، وله بالمشهد الحسيني دوسٌ كبير يحضره الجمُّ الغفير في التفسير، له حاشية نفيسة على تفسير الجلالين، المسمى بـ:"الفتوحات الإلهية"، و"المواهب المحمدية بشرح الشمائل الترمذية"، و"فتوحات الوهاب"، توفي سنة: 1205 هـ

(3)

.

8 -

الشيخ العالم المتقن، العلامة المحقق، صاحب الإحاطة بالعلوم العقلية والنقلية، طه بن مهنا الشافي الجبريني الحلبي، ولد سنة: 1084 هـ،

(1)

راجع: الأعلام للزركلي: 6/ 140.

(2)

راجع: فهرس الفهارس للكتاني: 2/ 850.

(3)

راجع: الأعلام للزركلي: 3/ 131.

ص: 21

وطلب بنفسه وأخذ عن علماء ذلك العصر، وحبب إليه الطلب إذ بلغ فسعى وجدَّ واجتهد، ورحل إلى الحجاز سنة: 1131 هـ، وسمع صحيح البخاري على شارحه المُتقن أبي محمد عبد الله بن سالم البصري، وأجاز له به وبباقي ما يجور له، ومن مشايخه تاج الدين القلعي مفتي مكة، والشيخ عبد القادر المفتي بها أيضا، والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني وغيرهم، ثم عاد إلى وطنه واشتغل بالإفادة، وألحق الأحفاد بالأجداد، وكتب على صحيح البخاري قطعة صالحة وصل بها إلى أبواب المغازي، وله تراجم أهل بدر الكرام رضي الله عنهم وغير ذلك من التحريرات، وانتفع به خلق لا يحصون كثرة، وكان وفاته ضحوة يوم الخميس، الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة: 1178 هـ

(1)

.

(1)

راجع لترجمته: سلك الدرر: 2/ 219، معجم المؤلفين: 2/ 17، والأعلام للزركلي: 3/ 232.

ص: 22

‌معاصروه

أولا:‌

‌ معاصروه من بلاد السند والهند:

1 -

العالم العَلّامة، الفقيه الفهّامة، المحدّث الجَهِبذ، والحَبْر النِّحرير، قطب العلماء وعميدُهم، الشيخ الكبير الإمام محمد هاشم بن عبد الغفور بن عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن خير الدين الحارثي التتوي السندي، ولد في قرية "بتووة" من قرى مدينة "تته" سنة: 1104 هـ، نشأ بأرض السند، وقرأ العلم على مولانا ضياء الدين السندي، ثم سافر إلى الحجاز، وحج وزاو، وأخذ عن الشيخ عبد القادر الصديقي المكي مفتي الأحناف بمكة المباركة، وأقبل على الفقه والحديث إقبالا كُلِّيا حتى برز فيهما وصار شيخ بلدته، له مباحثات بالشيخ محمد معين السندي، من مصنفاته:"بذل القوة في حوادث سني النبوة"، و"جنة النعيم في فضائل القرآن الكريم"، و"فاكهة البستان" في تنقيح الحلال والحرام وغير ذلك من المؤلفات النافعة. توفي سنة: 1174 هـ

(1)

.

2 -

الشيخ الفاضل العلامة محمد معين بن محمد أمين بن طالب التتوي السندي أحد العلماء المبرزين في الحديث والكلام والعربية، ولد ونشأ بإقليم السند، وقرأ العلم على الشيخ عناية الله بن فضل الله السندي، وسافر إلى دهلي وأخذ عن الشيخ ولي الله الدهلوي ثم وجع إلى بلاده، وأخذ الطريقة عن الشيخ أبي القاسم النقشبندي، وكان مُفرط الذكاء، جيِّد القريحة، له مصنفات، منها:"دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب"، و"طريقة العون في حقيقة الكون"،

(1)

راجع: سلك الدرر للمرادي: 2/ 219، والأعلام للزركلي: 3/ 232.

ص: 23

وكانت وفاته سنة: 1161 هـ

(1)

.

3 -

الشيخ العالم الكبير ضياء الدين بن إبراهيم بن هارون بن عجائب بن إلياس الصديقي التتوي السندي، كان من ذُوِّيَة الشيخ الكبير شهاب الدين عمر السهروردي، ولد سنة: 1091 هـ ببلدة "تتَّه"، وقرأ على الشيخ عناية الله السندي ثم تصدَّر للتدريس، أخذ عنه خلقٌ كثير، وكان مع سَعَة نظره وبلوغه إلى مدارج الفضل دائمَ التواضع، عميم الخلق، حسن المعاشرة، ليِّن الكنف، بلغ ثمانين حولا، توفي سنة: 1171 هـ

(2)

.

4 -

الشيخ الفاضل الحاج محمد قائم التتوي السندي، أحد العلماء المعروفين بالفضل والصلاح، أخذ عن الشيخ رحمه الله السندي، وسافر إلى الحرمين الشريفين، وحج وزار، ووجع إلى الهند ثم سافر إلى الحجاز مرة أخرى وسكن بها، وصرف عمره في تدريس الحديث الشريف، مات بها سنة: 1175 هـ

(3)

.

‌بعض معاصريه من الحجاز:

لقد كان في مكة من المحدثين في عصر أبي الحسن السندي الكبير، أمثال:

1 -

الإمام العالم العامل الورع الزاهد، جار الله عيسى بن محمد بن محمد بن أحمد بن عامر المغربي الجعفري، الثعالبي، المكي، نزيل المدينة المنورة ثم مكة المشرفة، ولد في مدينة "زواوة" من أرض المغرب، سنة: 1020 هـ، وبها نشأ، وحفظ متونا في العربية والفقه والمنطق، أخذ الفقه عن الشيخ عبد الصادق أحد

(1)

راجع: نزهة الخواطر: 6/ 837.

(2)

راجع: نزهة الخواطر: 6/ 735.

(3)

راجع: نزهة الخواطر: 6/ 835.

ص: 24

شيوخ بلاده، ثم رحل في طلب العلم إلى الجزائر، ولازم دورس الإمام الشهير أبي الصلاح علي بن عبد الواحد الأنصاري، ثم رحل إلى مكة المكرمة واستقر فيها، وتوفي بها سنة: 1080 هـ، من مصنفاته:"كنز الرواية" في أسماء شيوخه، ورسالة في "مضاعفة ثواب هذه الأمة"، و"منتخب الأسانيد" ثبتُ شيخه محمد بن علاء الدين البابلي

(1)

.

2 -

الإمام العلامة، المحدث المسند، المعمر الصوفي أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن علي الشهير بـ "النَّخْلي" المكي الشافعي، ولد بمكة سنة: 1040 هـ، كان محدثا صوفيا، من تصانيفه:"بُغية الطالبين لبيان المشائخ المحققين المعتمدين". قال الكتاني: وهو فهرس نافع جامع، عليه وعلى "إمداد البصري" المدارُ في الإسناد في القرن الثاني عشر، فإنَّ البصري والنَّخْلي انتهت إليهما الرئاسة في زمانِهما في الدنيا في هذا الشأن لِمَا حصلا عليه من العلُوِّ والعمر المديد، والسَّمت الحديثي، توفي في محرم الحرام سنة: 1130 هـ

(2)

.

3 -

الشيخ الفاضل، الفقيه البارع، أبو الفرج محيي الدين عبد القادر بن أبي بكر الصديقي الحنفي المكي، شيخ الإسلام ببلد الله الحرام، أخذ العلم من مكة المشرفة، ولازم الطلب على أبي الأسرار حسن بن علي العجيمي، المكي، وتفقه به، وسمع عليه الموطأ والصحيحين، وحضر دروسه في تفسير القاضي والبغوي، وأجاز له لفظا وكتابة، وله من التآليف كتاب:"تبيان الحكم بالنصوص الدالة على الشرف من الأم"، توفي سنة: 1138 هـ

(3)

وغيرهم.

(1)

راجع: خلاصة الأثر: 3/ 240، والأعلام للزركلي: 5/ 108.

(2)

راجع: الأعلام للزركلي: 1/ 242، معجم المؤلفين: 1/ 246، وفهرس الفهارس: 1/ 251.

(3)

راجع: سلك الدرر: 3/ 49.

ص: 25

‌معاصروه من محدثي البلاد العربية:

1 -

الإمام العلامة الشيخ عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الدمشقي، الصالحي، الحنفي، النقشبندي، القادري، المعروف بـ "النابلسي، ولد بدمشق سنة: 1050 هـ، ونشأ بها، كان عالما، أديبا، ناظما، ناثرا، صوفيا، مكثرا من التصنيف، رحل إلى بغداد وعاد إلى سوريا، فتنقل في فسلطين ولبنان، وسافر إلى مصر والحجاز، واستقر بدمشق إلى أن توفي سنة: 1142 هـ، له مؤلفات كثيرة جدا، منها: "الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية"، و"تعطير الأنام في تعبير المنام"، و"ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث"، و"نفحات الأزهار على نسمات الأسحار"، و"قلائد المرجان في عقائد أهل الايمان" وغير ذلك من التآليف النافعة

(1)

.

2 -

الإمام الكبير السيد محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد بن علي الحسني الصنعاني المعروف بـ "الأمير"، ولد سنة: 1099 هـ، بكحلان، ثم انتقل مع والده إلى صنعاء سنة 1107 هـ، وأخذ عن علماءها، وبرع في جميع الفنون، وفاق الأقران، وتفرَّد برئاسة العلم في صنعاء. جرت له مج أهل عصره مِحَنٌ وخطوب، وتجمَّع العوَّام لقتله مرَّة بعد أخرى، وحفظه الله من كيدهم ومكرهم، وكفاه شرَّهم، وله مصنفات جليلة، منها:"توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار" في مصطلح الحديث، و"سبل السلام" شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني، و"المسائل المرضية في بيان اتفاق أهل السنة والزيدية"، و"اليواقيت في المواقيت"، و"إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد"، و"تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، توفي في شعبان سنة: 1182 هـ

(2)

.

(1)

راجع: الأعلام للزركلي: 4/ 32، سلك الدرر: 3/ 30، معجم المؤلفين: 2/ 176.

(2)

راجع: البدر الطالع: 2/ 133، والأعلام للزركلي: 6/ 38.

ص: 26

‌ثناء العلماء عليه

1 -

قال عنه المرادي: "الشيخ الإمام، العالم العامل، العلامة المحقق المدَقِّق، النِّحرير الفهَّامة، كان شيخا جليلا، ماهرا، محققا بالحديث والتفسير والفقه والأصول، والمعاني، والمنطق، والعربية"

(1)

.

2 -

وقال عنه الشيخ إسماعيلُ بن سعيد سفر في إجازته للدمني: "كان أحد الحُفَّاظ المحققين، وجهابذة المدققين"

(2)

.

3 -

وقال عنه الجبرتي: "العلامة صاحب الفنون"

(3)

.

4 -

وقال عنه الكتاني: "محدِّث المدينة، أحد من خدم السُنَّةَ من المتأخرين خدمة لا يُستهان بها"

(4)

.

(1)

راجع: سلك الدرر: 4/ 66.

(2)

نقله الكتاني في فهرس الفهارس: 1/ 148.

(3)

راجع: عجائب الآثر للجبرتي: 1/ 135.

(4)

راجع: فهرس الفهارس: 1/ 135.

ص: 27

‌مؤلفاته وحواشيه

1 -

تفسير القرآن الكريم (بدون تسمية).

2 -

حاشية على تفسير البيضاوي

(1)

.

3 -

حاشية على الجامع الصحيح للإمام البخاري (مطبوع).

4 -

حاشية على صحيح الإمام مسلم (مطبوع).

5 -

حاشية على جامع الإمام الترمذي

(2)

.

6 -

حاشية على سنن الإمام أبي داود. مطبوع باسم "فتح الودود بشرح سنن أبي داود".

7 -

حاشية على سنن الإمام النسائي. (مطبوع).

8 -

حاشية على سنن الإمام ابن ماجة. (مطبوع).

9 -

حاشية على مسند الإمام أحمد بن حنبل. (مطبوع).

10 -

حاشية على كتاب الأذكار للإمام النووي

(3)

.

11 -

حاشية على فتح القدير للإمام ابن الهمام

(4)

.

(1)

ذكرها المرادي في سلك الدرر: 4/ 66.

(2)

وهو الكتاب الذي بين أيدينا.

(3)

ذكرها المرادي في سك الدور: 4/ 66، والكتاني في فهرس الفهارس: 1/ 148.

(4)

ذكرها المرادي في سلك الدرر: 4/ 66، ولها نسخة خطية بالمكتبة المحمودية في المدينة المنورة برقم (959) تحت اسم: "البدر المنير في الكشف عن مباحث فتح القدير.

ص: 28

12 -

حاشية على الزهراوين للإمام ملا علي القاري

(1)

.

13 -

الآيات البينات حاشية على "شرح جمع الجوامع"

(2)

.

هذا ما تيسر لنا من الاطلاع على مؤلفاته وحواشيه من كتب التراجم والتاريخ.

(1)

ذكرها المرادي في سلك الدرر: 4/ 66.

(2)

ذكرها المرادي في سلك الدرر: 4/ 66.

ص: 29

‌وفاته ومدفنه

عاش الإمام السندي رحمه الله عِيَشْة مرضية في خدمة العلم ونشره تدويسا وتأليفا وتحقيقا وتنقيحا ثم لبَّى داعي الأجل، وقد اختلفت أقوال الناس من المؤوخين والمترجمين له في تاريخ وفاته، فقد قال العلامة الجبرتي في تاويخه: توفي في ثاني عشر من شوال سنة: 1138 هـ"

(1)

.

وقال العلامة المرادي: وكانت وفاته بالمدينة المنورة ثاني عشر شوال سنة: 1138 هـ، وهو القول المعتمد، وعليه الأكثر

(2)

. وقال الكتاني توفي سنة 1139 هـ

(3)

.

توفي الإمام السندي رحمه الله تعالى بالمدينة المنورة حيث كان كافَّة أهل المدينة من تلامذته كما يقول الشيخ محمد عابد السندي المدني.

يقول العلامة أبو الفضل المرادي: "وكان له مشهدٌ عظيم حضرَه الجَمُّ الغفير من الناس حتى النِّساء، وحمل الولاة نعشَه إلى المسجد النبوي الشريف، وصلى عليه به، ودفن بالبقيع، وكثر البكاء والأسف عليه. رحمه الله تعالى

(4)

.

(1)

راجع: عجائب الآثار: 1/ 135.

(2)

راجع: عجائب الآثار: 1/ 135.

(3)

راجع: فهرس الفهارس: 1/ 148.

(4)

راجع: سلك الدرر للمرداي: 4/ 66.

ص: 30

‌مصادر ترجمته

1 -

" سلك الدرر": للمرادي (4/ 66).

2 -

"عجائب الآثار": للجبرتي (1/ 135).

2 -

"فهرس الفهارس": للكتاني (1/ 148).

4 -

"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام": لعبد الحي الحسني (2/ 685).

5 -

"الأعلام": للزركلي: (6/ 253).

6 -

"معجم المؤلفين": لكحالة (3/ 468).

ص: 31

دراسة الكتاب

ص: 33

‌توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف

1 -

قد كُتب على وجه النسخة الخطية: "هذه حواشي العالم العلام الشيخ أبي الحسن السندي حفظه الله تعالى- آمين- ولطف بمأواه- على الترمذي رحمه الله تعالى.

كذلك كُتب في آخر الكتاب: "انتهى ما وجد بطرز سنن الترمذي للشيخ أبي الحسن السندي ولله الحمد على التمام". ونسخ عليها تاريخ الفراغ من كتابة هذا المخطوط الذي يقرب من زمن المصنف، فكتب في آخر المخطوط: "كان الفراغ من هذه النسخة الشريفة يوم الثلاثاء، الثالث من شهر صفر من شهور سنة: 1180 النبوية على صاحبهما الصلاة والسلام. آمين.

2 -

ذكره كلُّ من ترجم للإمام السندي كالمرادي، والجبرتي، والكتاني، والزركلي

(1)

.

3 -

الطريقة المعهودة للإمام أبي الحسن السندي الكبير في حواشيه على الصحاح الستة، والتي تناسب تناسبا تاما في طريقته في هذا الكتاب.

(1)

راجع: مصادر ترجمته المذكورة سابقا.

ص: 34

‌منهج الإمام السندي في حاشيته على الترمذي

1 -

إزالة الخفاء عن مسألة إذا كانت مُزِلَّة الأقدام.

2 -

التنبيه على المذهب الرَّاجح إذا اختلفت المذاهب في حكم من الأحكام.

3 -

إعراب الكلمات والعبارات لتعيين معانيها الصحيحة.

4 -

ضبط الكلمات الغريبة الواردة في الأحاديث.

5 -

توضيح مهمات متن الحديث والإسناد.

6 -

الجمع والتطبيق بين الروايات المتعارضة بظاهرها.

7 -

ترجيح الروايات حين لا يمكن الجمع.

8 -

التنبيه على الأخطاء ولو صدرت من الأئمة الأعلام.

9 -

دفع شبهات تَرِد على رواية صحيحة في استنباط مسألة فقهية.

10 -

بيان فوارق نسخ الترمذي والتنبيه عليها.

11 -

بيان اختلاف الفقهاء في المسائل الفقهية.

12 -

إيراد بعض الإشكالات الظاهرة في استنباط المسائل من الأحاديث وسياغة أجوبتها الشافية.

13 -

تنقيح المسائل وتأييد المسلك الراجح.

ص: 35

14 -

تشريح معاني الكلمات الغريبة.

15 -

ذكر أساس الاختلاف بين الروايات.

16 -

الإشارة إلى اختلاف الأسناد في بعض الأمكنة.

17 -

التصريح بمراتب الأحاديث من الصحة والضعف وغيرها.

18 -

الاختصار في التعليق على الأحاديث بدون إطالة إلا إذا اقتضت الحاجة إليها.

19 -

التنبيه على بعض الفوائد الفقهية المستنبطة من الحديث.

ص: 36

‌وصف النسخة المعتمدة في التحقيق

اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على نسخة خطية واحدة، محفوظة لدى مكتبة جامعة "برستون " برقم:(269)، بمدينة "نيو جرسي" من بلاد الولايات المتحدة الأمريكية، كُتِبَت هذه النسخة بخط نسخي واضح ولم يذكر اسم كاتبها، تتألف من (187) لوحة، وفي كل صفحة منها (23) سطرا، تم نسخها في سنة ألف ومائة وثمانين للهجرة كما كتب ذلك في الصفحة الأخيرة من هذه النسخة:"انتهى ما وجد بطرز سنن الترمذي للشيخ أبي الحسن السندي ولله الحمد على التمام، وكان الفراغ من هذه النسخة الشريفة يوم الثلاثاء، الثالث من شهر صفر من شهور سنة 1180 النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. آمين".

ولم نعثر على نسخة أخرى لهذا الكتاب رغم بحث حثيث عنها دام حوالي أربع سنوات.

ص: 37

‌منهجنا فى تحقيق هذا الكتاب

1 -

قمنا بنسخ الحاشية مع مراعاة القواعد الإملائية الحديثة.

2 -

عزونا الآيات القرآنية إلى سورها مع ذكر أرقامها في الهامش، ووضعناها بين القوسين المزهرين.

3 -

قمنا بمعارضة المنسوخ على المخطوط للتأكد من سلامة المنسوخ من الأخطاء الكتابية.

4 -

قمنا بإثبات أحاديث المتن من "سنن الإمام الترمذي" مستمدين بنسخة أحمد شاكر، وضبط الأحاديث بالشكل الكامل.

5 -

اكتفينا بإيراد الأحاديث التي علَّق عليها الإمام السندي فحسب، ولم نتعرض لإيراد جميع أحاديث الترمذي مخافة طوالة الكتاب.

6 -

اعتمدنا في وضع أحاديث الترمذي على نسخة أحمد شاكر، المطبوعة من مطبعة مصطفى البابي الحلبي.

7 -

تختلف بعض ألفاظ الترمذي التي أوردها الشارح عمَّا في نسخة أحمد شاكر، ولعل الشارح كانت عنده نسخة أخرى للترمذي، فأثبتنا الألفاظ كما أوردها الشارح، وأشرنا إلى الفوارق في الهامش.

8 -

أضفنا أسماء الكتب والأبواب إن لم يذكرها الشارح، ووضعناها بين القوسين المربعين، إشعارا بأنَّها ليست من قبل الشارح، وقد أخذنا أسماء تلك الكتب والأبواب من نسخة أحمد شاكر تسهيلا على القاري إنْ أراد مراجعتها.

9 -

قمنا بتخريج الأحاديث التي وردت في نص الحاشية وعزوها إلى

ص: 38

المصادر الأصلية من الكتب الحديثية مع ذكر كتبها وأبوابها وأرقامها في الهامش.

10 -

عند عدم ذكر المصنف مصدر الحديث الذي أورده في حاشيته عزوناه إلى المصادر التي توفرت لدينا من كتب الحديث.

10 -

قمنا بتشكيل أغلب نص الحاشية، وخاصة الكلمات الصعبة لئلا يبقى فيها أيُّ غموض.

11 -

عزونا النصوص والاقتباسات إلى المصادر التي نقل منها المصنف، وأحَلْناها إلى مصادرها الأصلية حسب توفّرها لدينا مع ذكر الجزء والصفحة.

12 -

لقد وقع التقديم والتأخير في شرح بعض الأحاديث، فأثبتنا نصوص الحاشية حسب تنسيق الأحاديث لنسخة أحمد شاكر.

13 -

حُذفت بعض العبارات من الحاشية في بعض الأمكنة، وأدَّى ذلك إلى تَعَقُّد فهم العبارات، فأوردناها من حاشية الإمام السندي على النسائي، وحاشيته على أبي داود، المسمى بـ "فتح الودود" مع ذكر جزء الكتاب وصفحته.

14 -

علَّقنا في بعض المواضع التي تحتاج إلى التعليق، وتلك قليلة.

15 -

قمنا بترقيم الأحاديث بثلاثة تراقيم، هكذا: 150 - (230) - (1/ 445 - 228)

فالترقيم الأول: هو الترقيم المسلسل للأحاديث التي شرحها الإمام السندي.

الترقيم الثاني: هو الرقم المسلسل للحديث في نسخة أحمد شاكر.

الترقيم الثالث: هو رقم الجزء والصفحة من نسخة أحمد شاكر.

ص: 39

16 -

كتبنا مقدمة محتوية على ترجمة وافية للمصنف، ومنهجه في الكتاب، وبيان صحة نسبة الكتاب إليه، ووصف نسخته الخطية، وعملنا في التحقيق.

16 -

قمنا بإعداد فهرس المحتويات، وفهرس المصادر والمراجع.

17 -

وضعنا الزيادات بين القوسين المربعين هكذا: [ ...... ]

18 -

قمنا بكتابة تراجم الأعلام التي وردت في نص الحاشية إلا أننا لم نتعرض لكتابة تراجم المشاهير، مثل الأئمة الأربعة، وأصحاب الصحاح الستة، والإمام الزهري وغيرهم.

هذا ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا الجهد، ويجعله في ميزان حسناتنا يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ص: 40

‌كلمة شكر وتقدير

نشكر الله تبارك وتعالى على ما منَّ به علينا من نعمه العظيمة، وآلائه الحثيثة، ومنها أن الله عزَّ وعلا شرَّفنا بدراسة السنة النبوية ومجالسة أهل الحديثُ، ووجال العلم، ووفقنا لخدمة هذا الكتاب.

ثم لا ننسى أن نزف الشكر أكمله وأجمله إلى أستاذنا المبجل، المسند، المحدث، فضيلة الشيخ، الدكتور محمد إدريس السندي -حفظه الله ورعاه- الذي شجَّعنا على تحقيق هذا الكتاب، وزوَّدنا بإرشاداته القيمة كلَّما أشْكِلَ علينا أمرٌ، وأمدَّنا بتوجيهاته المُجْدية خلال التحقيق، فجزاه الله عنا كلَّ خير، ومتَّعَنا بطول بقائه، ونفعنا به والعبادَ والبلاد.

كما نُثَنِّي بالشكر لفضيلة الشيخ المحقِّق، العالم البارع أحسن أحمد عبد الشكور -حفظه الله- الذي أشار علينا بمشوراته المثمرة النافعة حول تحقيق هذا الكتاب، وقد جهَّز واجهة الكتاب، وكتب عليها اسمه بكتابته اليدوية الرائعة، وبذل لنا من أوقاته الثمينة كلَّما افتقرنا إلى مساعدته، ففتح لنا قلبه وبيته، وأعطانا من وقته القيِّم.

كما نتقدم بجزيل الشكر إلى فضيلة الشيخ المؤقر حبيب الرحمن الخيرآبادي -حفظه الله- الذي ساعدنا في عرض المنسوخ على المخطوط، وتصفيف الكتاب وتنسيقه، كما يمتد شكرنا إلى جميع من ساهم في تحقيق هذا الكتاب وطبعه ونشره، بارك الله في جميع مَنْ شَجَّعنا وأمدَّنا بأوقاته أو آرائه السَّديدة عضون هذا التحقيق، وأحسن إليهم وجزاهم الله خير الجزاء.

هذا ونعترف بتقصيرنا في عمل تحقيق هذا الكتاب، ولا بدَّ أن تكون هناك بعض الأخطاء قد بدَرَتْ منا، فالرَّجاء من الإخوة القارئين كلَّ الرجاء إشعارُنا بتلك الأخطاء إن عثروا عليها، وأمكنهم إشعارنا بها، وسنكون شاكرين لهم، وإن

ص: 41

لم يسعهم ذلك فالصفح والعفو أفضل تَتَبُّع عثراتِ إخْوَتِكم.

وأخيرا نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا هذا الجهد المتواضع، ويجعله خالصا لوجهه، وينفعنا به يوم المعاد، وإليه المَلْجأ والمَلاذ.

كتبه ببنانه:

امتياز أحمد عبد الرؤوف

الجمالي السندي

المدرس بجامعة عمر كراتشي،

ونائب وئيس رابطة علماء السند

18/ 10/ 1441 هـ = 2020/ 6 / 10 م

يوم الأربعاء

ص: 42

نماذج صور المخطوط

ص: 43

واجهة المخطوط

ص: 45

الصفحة الأولى من المخطوط

ص: 46

الصفحة الأخيرة من المخطوط

ص: 47

بسم الله الرحمن الرحيم

‌[أبوَابُ الطَّهارَةِ عَن رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

-]

[بابُ مَا جَاء لَا تُقبَل صَلاةٌ بغَيْر طُهور]

1 -

(1) - (1/ 5 - 6) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْن حَرْبٍ، (ح)، وحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُصْعَب بْن سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَة مِنْ غُلُولٍ". قَالَ هَنَّادٌ فِي حَدِيثِهِ: "إِلَّا بِطُهُورٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ، وفي الْبَابِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ. وَأَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أسَامَةَ اسْمُهُ: عَامِرٌ، وَيُقَالُ: زَيْدُ بْنُ أسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيُّ.

• قوله: "بِغَيْرِ طُهُورٍ": ضُبِط بفتح الطَّاء وضمِّها. وبالفتح قيل: اسمٌ للآلة فقط، أعني: الماء، فلا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الاسْتِعمَال. وقيل: بل يُطْلَقُ على الفعل أيضًا، أعني: التطهُّر، وأمَّا بالضَّم: فاسم للفعل. ثُمَّ كَلمةُ "غير" بمعنى: لا، أي: بلا طهور؛ إذ جميع الشَّرائط غير الطهور لها مدخل فِي القَبُوْل، فلا يَصِحُّ القولُ: بأنَّها لا تقبل بشَيء آخر مغاير للطهور، وإنَّما تقبل بالطهور إلَّا أن يرادَ بغير طهور ما هو ضِدُّهُ من الحدث، حَمْلًا للغير على المُغَايِر الكامل وهو الضِدُّ، لا على

ص: 49

المغاير مطلقًا.

وأما رواية: "إِلَّا بِطُهُورٍ": فَيَجِبُ حَمْلُه على أنَّ الجَارَ والمَجْرورَ حالٌ، أي: لا تقبل إلَّا حالَ كونِها مقرونةً بطهور؛ إذْ لا معنى للقَوْل بأنَّها لا تقبل بشَيء إلَّا بالطهور ضَرُوْرَةَ أنَّ سَائِر الشَّرائِط مثلَ الطهور فِي تَوَقُّفِ القَبُوْل عليها، فتأمَّل.

ص: 50

[بابُ مَا جَاءَ فِى فَضْل الطُّهُورِ]

2 -

(2) - (1/ 6 - 8) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.

(ح)، وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَوَضَّأ الْعَبْدُ المُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا-، وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ- حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَبُو صَالِحٍ وَالِدُ سُهَيْلٍ هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، وَاسْمُهُ: ذَكْوَانُ. وَأَبُو هُرَيْرَةَ: اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، فَقَالُوا: عَبْدُ شَمْسٍ، وَقَالُوا: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ الأصَحُّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ، وَثَوْبَانَ، وَالصُّنَابِحِيِّ، وَعَمْرِو بْن عَبَسَةَ، وَسَلْمَانَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. وَالصُّنَابِحِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَاسْمُهُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْن عُسَيْلَةَ، وَيُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللهِ رَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقُبِض النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثَ.

وَالصُّنَابِحُ بْنُ الأعْسَرِ الأحْمَسِيُّ: صَاحِبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ

ص: 51

لَهُ: "الصُّنَابِحِيُّ" أيضًا. وَإِنَّمَا حَدِيثُهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، فَلَا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي".

• قوله: "نَظَرَ إِلَيْهَا": كنايةٌ عن الاكتِسَابِ، أي: اكتسبها بعَيْنَيْه، أو هو بتقدير المُضَاف، أي: نَظَر إلى سَبَبِها. وكذَا قوله: "بَطَشَتْهَا"، أي: اكْتَسَبَتْهَا، بَطَشَ بسببها.

• قوله: "حَتَّى يَخْرُجَ"، أي: من فعل الوضوء، وإلى الصَّلاةِ، بناءً على أنَّ العادةَ للخُروج إليها عند تَمَامِ الوضوء، فكَنَّى به عن تَمام الوضوء.

• وقوله: "نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ"، أي: الذُّنُوْب المتَعلّقَة بأعضاء الوضوء لا جميعًا، إذِ الْمُتَرَتَّبُ على التفصيل السَّابِقِ هو الطَّهَارة المُتَعَلّقَةُ بأعضاء الوضوء فقط، فتعريفُ الذُّنُوْب للعَهْد المَعْهُوْد ما سَبَقَ إليه بقرينةِ المَقام وقد خصَّها العلماءُ بالصغائر.

• قوله: "مُكَاثِرٌ بِكُمُ": يقالُ: وكاثرته فكثرته، أي: غلبته. قاله في "المجمع"

(1)

.

• قوله: "فَلَا تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي": صيغةُ نَهْي مؤكَّدَةٍ بالنُّون. فإنْ قلتَ: لا يضُرُّ الاقتتالُ بالمُكاثرةِ بهم كالمَوْت بوجهٍ آخر، فكيفَ رتَّبَ النَّهْيَ عن الاقتتال على المُكَاثَرة؟

قلتُ: لعلَّ ذلك لِمَا فيه من تَعْجِيْلِ المَوْتِ وقَطْع النَّسْل، إذ لا تنَاسُلَ بين الأمواتِ بخلافِ الأحياءِ.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار للهندي: 4/ 373.

ص: 52

فإن قلتَ: المقتولُ ميِّتٌ بأجَلِه عندَ أهل السُّنَّةِ، فما معنى قَطْع النَّسْل بالقتل؟ قلتُ: يمكن أنْ يكونَ له أجَلٌ: أجل على تقدير الاقتتال، وأجلٌ بدونِه ويكون الثَّانِي أطولُ من الأوَّل. والله تعالى أعلم.

ص: 53

[بابُ مَا جَاءَ أَنَّ مِفْتَاحَ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ]

3 -

(3) - (1/ 8 - 9) حَدَّثَنَا قُتَيْتةُ، وَهَنَّادٌ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ،

(ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُحَمَّدِ بْن عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَقِيلٍ هُوَ صَدُوقٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْن إِسْمَاعِيلَ، يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيمَ، وَالْحُمَيْدِيُّ، يَحْتَجُّونَ بِحَدِيتِ عَبْدِ اللهِ بْن مُحَمَّدِ بْن عَقِيلٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ.

• قوله: "وَتَحْرِيمُهَا"، أي: تحريمُ مَا حُرِّمَ فيها، وكذا تَحْلِيْلُها، أي: تحليلُ ما حُلَّ خَارِجَها، ويمكن أن يكونَ التَّحْريمُ بمعنى الإحْرام، أي: الدُّخُول في حُرْمَتِها، فالتَّحْلِيْل بمعنى الخُروْج عن حُرْمَتِها.

ص: 54

[بابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ]

4 -

(5) - (1/ 10) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّادٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ العَزيز بْن صُهَيْب، عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ، قَالَ:"كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذ بِكَ".

قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: "أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبِيثِ -أَوِ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ-".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْن أَرْقَمَ، وَجَابِرٍ، وَابْن مَسْعُودٍ، قال أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحّ شيْءٍ فِي هَذا البَابِ وَأحْسَنُ، وَحَدِيثُ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، رَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَسَعِيدُ بْن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: عَنِ الْقَاسِمِ بْن عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ، وَقَالَ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائيُّ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ. وَرَوَاه شُعْبَةُ، وَمَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْن أَنَسِ، فَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَنِ النَّضْرِ بْن أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا، فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَتَادَة رَوَى عَنْهُمَا جَمِيعًا.

• قوله: "وقَالَ سَعِيدٌ"، أي: زاد سعيدٌ بينَ قتادةَ وزيدِ بْن أرقم القاسمَ، ولم يذكر هشامٌ بينهما القاسمَ، وووى شعبةُ النَّضرَ ثُمَّ اختلف، فزاد معمرٌ أبا النَّضْر أيضًا، ولم يذكره شعبةُ.

ص: 55

[بابُ مَا يَقُولُ إذَا خَرَجَ منَ الْخَلَاءِ]

5 -

(7) - (1/ 12) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْن يُوْنُسَ، عَنْ يُوسُفَ بْن أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ، قَالَ:"غُفْرَانَكَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ يُوسُفَ بْن أَبِي بُرْدَةَ. وَأَبُو بُرْدَةَ بْن أَبِي مُوسَى، اسْمُهُ: عَامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيُّ، وَلا نَعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثَ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "غُفْرَانَكَ"، أي: أسألُ وأطلبُ، أو اغْفِرْ غفرانَك، أي: الغُفْرَانَ اللائقَ بجَنابِك.

ص: 56

[بَابٌ فِي النَّهْىِ عَن اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ]

6 -

(8) - (1/ 13) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْن يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللهَ بْن الْحَارِثِ بْن جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، وَمَعْقِلِ بْن أَبِي الْهَيثَمِ، وَيُقَالُ: مَعْقِلُ بْنُ أَبِي مَعقِلٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلِ بْن حُنَيْفٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ. وَأَبُو أَيُّوبَ اسْمُهُ: خَالِدُ بْن زَيْدٍ. وَالزُّهْرِيُّ اسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْن مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَكُنْيَتُهُ: أَبُو بَكْرٍ.

قَالَ أَبُو الْوَليدِ الْمَكِّيُّ: قَالَ أَبُو عَبْد الله مُحَمَّدُ بْن إدْريْسَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا" إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَيَافِي، وَأَمَّا فِي الْكُنُفِ الْمَبْنِيَّةِ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْن إبْرَاهيْمَ.

وقَالَ أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ رحمه الله: إِنَّمَا الرُّخْصَةُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَا يَسْتَقْبِلُهَا، كَأَنهُ لَمْ يَرَ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْكُنُفِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ.

• قوله: "إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَيَافِي": وكان الدَّليلُ على التَّخْصَيْصٍ أنَّ الغائطَ

ص: 57

فِي الأصْل اسمٌ للمكان المُطمَئِنِّ من الأرضِ وهو المرادُ ههنا بقرينةِ "أتَيْتُمْ" إذ لا يُعْقل الإتيانُ بالنَّظر إلى ما يَخْرُج من الإنسانِ ممَّا يحل في ذلك المكان.

وأيضًا منعُ الإنسانِ عن الجِهَتَيْن وتخييرُه في جِهَتَيْن إنِّمَا يحسن عندَ حضورِه المكانَ، لا عند مُبَاشَرَتِه بما يَخْرُج من الإنْسَان، فيبقى حملُ الغائطِ على المكان، ولا شكَّ أنَّ الغائطَ عادةً لِمَا يطلبُ للخارج في الفَيافِي لا فِي البيوتِ.

ومِمَّا يَدُلُّ على خُصُوْصِ الحديث في الفَيافِي هو تَقْييدُ المنع عن الجِهَتَيْن وتخييرُه في الجِهَتَيْن بإتيانِ الغائط، ولا يَخْفى أنَّ ذلك في البيوتِ لا يكون عندَ إتيان الغائط بل عند مَبانِي الكَنِيف، وأمَّا فِي الفيافي فَيُتَصَوَّرُ عند اتْيان الغائط. والله تعالى أعلم.

ص: 58

[بابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَن الْبَوْلِ قَائِمًا]

7 -

(12) - (1/ 17) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْن شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوه، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا".

قَالَ: وفي الْبَاب عَنْ عُمَرَ، وَبُرَيْدةَ، وعَبْدِ الرَّحْمنِ بْن حَسَنَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَصَحُّ. وَحَدِيثُ عُمَرَ إِنَّمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الكَرِيمِ بْن أَبي الْمُخَارِقِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأنَا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَاَلَ:"يَا عُمَرُ، لا تَبُلْ قَائِمًا"، فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَإِنَّمَا رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ضَعَّفَهُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَرَوَى عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: "مَا بُلْتُ قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمْتُ"، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْد الكَريِمِ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَمَعْنَى النَّهْي عَنِ الْبَوْلِ قَائِمًا عَلَى التَّأْدِيبِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ رُوِيَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ تَبُولَ وَأَنْتَ قَائِمٌ.

• قوله: "كَانَ يَبُولُ"، أي: كان يعْتادُ البولَي قائمًا وذلك؛ لأنَّ ما وقعَ منه قائمًا كان نادرًا جِدًّا والمعتادُ خلافه، ويمكن أنْ يكونَ هذا مبْنِيًّا على عدم علم عائشةَ بما وَقَع منه قائمًا. والحاصلُ: أنَّ عادتَه هو البولُ قاعدًا، وما وقع منه قائمًا على خلافِ العادةِ لضَرورةٍ، أو لبيانِ الجَواز.

ص: 59

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاسْتِتَارِ عِنْدَ الْحَاجَةِ]

8 -

(14) - (1/ 21) حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَام بْنُ حَرْبِ المُلَائِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَاَدَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَكَذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأعْمَشِ، عَنْ أَنَسٍ، هَذَا الْحَدِيثَ. وَرَوَى وَكيعٌ، وَأبو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ.

وَكلَا الْحَدِيثَيْنِ مُرْسَلٌ، وَيُقَالُ: لَمْ يَسْمَعِ الأعْمَشُ مِنْ أَنَسٍ، وَلا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ نَظَرَ إِلَى أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُهُ يُصَلِّي فَذَكرَ عَنْهُ حِكَايَةً فِي الصَّلاةِ.

وَالْأَعْمَشُ اسْمُهُ: سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكَاهِلِيُّ، وَهُوَ مَوْلًى لَهُمْ، قَالَ الأَعْمَشُ: كَانَ أَبِي حَمِيلًا فَوَرَّثَهُ مَسْرُوقٌ.

• قوله: "حَمِيلًا": الحَمِيلُ هو الذي يُحْمَلُ من بلاده صغيرًا إلى بلادِ الإسلام. وقيل: هو الْمَحْمُوْلُ النَّسَب بأن يقولَ إنسانٌ: هو أخي أو ابني. قاله في "النهاية"

(1)

.

(1)

راجع: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: 3/ 1029.

ص: 60

[بابُ الِاسْتِنْجَاءِ بالْحِجَارَةِ]

9 -

(16) - (1/ 24) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن يَزِيدَ، قَالَ: قِيلَ لِسَلْمَانَ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيكُّمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَو أنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَخُزَيْمَةَ بْن ثَابِتٍ، وَجَابِرِ، وَخَلَّادِ بْن السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ سَلْمَانَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَكثَرِ أَهْلِ الْعِلْم مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدهُمْ رَأوْا أنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِئُ وَإِنْ لمْ يَسْتَنْجِ بِالمَاءِ إِذا أنقى أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَبِهِ يَقُوُل الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "حَتَّى الْخِرَاءَةَ": الخِرَاءَة -بكسر الخَاء ويُمَدُّ- هَيْئةُ الحَدث أي: هيئة القُعُوْد، وأمَّا نَفْسُ الحَدَثِ فبلا تاءٍ، ويُمَدُّ مع فتحِ خاءٍ وكسرِها.

• قوله: "حَتَّى الْخِرَاءَةَ"، أي: آداب التَخَلِّي. وجوابُ سلمانَ من أسلوب الحكيم لم يلتَفِت إلى اسْتِهْزَائِه. قاله في "المجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 2/ 19.

ص: 61

[بَابُ مَا جَاءَ فِى الِاسْتِنْجَاءِ بالْحَجَرَيْن]

10 -

(17) - (1/ 25) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَتِهِ، فَقَالَ:"الْتَمِسْ لِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ"، قَالَ: فَأَتيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ:"إِنَّهَا رِكْسٌ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَكَذَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ نَحْوَ حَدِيتِ إِسْرَائِيلَ.

وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَعَمَّارُ بْن رُزيقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ. وَرَوَى زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْد الرحْمَنِ بْن الْأسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ الْأسْوَدِ بْن يَزِيدَ، عَنْ عَبْد الله. وَرَوَى زَكَرِيَّا بْنُ أبِيْ زَائِدَةَ عَنْ أبِيْ إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْن يَزِيْدَ عَنِ الأسْوَدِ بْن يَزِيْدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ العبدي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْن مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ عَبْدِ الله، هَلْ تذْكُرُ مِنْ عَبْدِ اللهِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَأَلْت عَبْدَ اللهِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أيُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الحَدِيْثِ عَنْ أَبِي إِسْحَاق أَصَحُّ؟ فَلَمْ يَقْصِ فِيهِ بِشيْءٍ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَن هَذَا، فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَشْبَهَ، وَوَضَعَهُ فِي كتَابِ الْجَامِعِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَصَحُّ شيْءٍ في هَدا عِنْدِي حَدِيثُ إِسْرَائِيلَ، وَقَيْسٍ، عَنْ

ص: 62

أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، لِأنَّ إِسْرَائِيلَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وسَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى، يَقُوُل: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُوُل: مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ، لِأنَّهُ كَانَ يَأتِي بِهِ أتمَّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَزُهَيْرٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ بِذَاكَ لِأنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُ بِآخِرَةٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الترمذيَّ، يَقُوُل: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتَ الْحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ، وَزُهَيْرٍ، فَلَا تُبالِي أَنْ لا تَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا إِلَّا حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ.

وَأَبُو إِسْحَاقَ اسْمُهُ: عَمْرُو بنُ عَبْدِ اللهِ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُودٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَلا يُعْرَفُ اسْمُهُ.

• قوله: [فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ]

(1)

: ليس فيه أنَّه اكتفى بِحَجَرَيْن فلعلَّه زادَ عليه ثالثًا.

لا يقالُ: لم تَكُنِ الأجمارُ حاضرةً عندَه حتى يزيدَ، وإلا لم يَطْلُب من غيره، ولم يَطْلُبْ من ابن مسعودٍ إحضارُ ثلاثٍ فَيَدُلُّ هذا على اكتفائِه بهما؛ لأنَّا نقولُ: قد طَلَبَ من ابن مسعودٍ أوَّلًا ثلاثةً، وهو يَكْفِي في طلبِ الثَّالِث إلى حين رمْىِ الرَّوْثَة ولا حاجةَ إلى طلبٍ جديدٍ على أنَّه وَرَدَ في بعض الرِّوَايات أنَّه طلب ثالثًا وأتَى له به. ذكره فِي "فتح الباري"

(2)

.

(1)

ما في المعقوفين لم يذكر في المخطوط، وإنما أثبتناه لاقتضاء الموضع.

(2)

راجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني: 1/ 309، 310.

ص: 63

• قوله: "اضْطِرَابٌ"، أي: في إسنادِه اضْطِرابٌ بعدَ أبي إسحاق، ويمكن الجوابُ عنه بأنَّه لعلَّه سمع الحديثَ من الكُلِّ، ثم يرويْ تارةً بإسناد وتارةً بآخر.

• قوله: "إِلَّا لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ": فهذا يَدُلُّ أنَّ إسرائيلَ أضْبَطُ وأتَمُّ في حديثِ أبي إسحاقَ من سفيان الثوريِّ؛ لأنَّ عبدَ الرَّحْمن اتَّكَل بحديث أبي إسحاق عليه دونَ الثَّوري حتى فاتَه حديثُ الثوويِّ عنه.

• قوله: "قَالَ أبُوْ عِيْسَى وَزُهَيْرٌ فِي أَبِي إِسْحَاقَ

" إلخ، وفِي هذا النَّوْع طعنٌ منه على البخاريِّ حيثُ وَضَعَ حديثَ زهيرٍ فِي جامِعِه.

• قوله: "لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ"، أي: فيكونُ الحديثُ منقطعًا بِهذا الإسناد، وهو عندَ المصنف أجْودُ الأسانيدِ كما قرَّره.

ص: 64

[بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بالْمَاءِ]

11 -

(91) - (1/ 30 - 31) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ البَصَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالمَاءِ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُهُ".

وفي البَابِ عَنْ جَرِيرِ بن عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، يَخْتَارُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالحِجَارَةِ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالمَاءِ، وَرَأَوْه أَفْضَلَ، وَبِهِ يَقُوُل سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "أَنْ يَسْتَطِيبُوا"، أي: يَسْتَنجوا.

• قوله: "فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ": عِلَّة لإحالةِ الأمر إليهنَّ.

• قوله: "فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم": عِلَّةٌ للأمر، وفيه دلالةٌ على أنَّه أمْرُ نُدبٍ.

ص: 65

[بابُ مَا جَاءَ أَنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ فِى الْمَذْهَب]

12 -

(20) - (1/ 31 - 32) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْن شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَتى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَاجَتَهُ، فَأَبْعَدَ فِي المَذْهَبِ.

قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي قُرَادٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَجَابِرٍ، وَيَحْيَى بْن عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِلَالِ بْن الْحَارِثِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كَانَ يَرْتَادُ لِبَوْلهِ مَكَانًا كمَا يَرْتَادُ مَنْزِلًا. وَأبُو سَلمَةَ اسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ.

• قوله: "فِي المَذْهَبِ": هو مَصْدرٌ ميميٌ، وقيل: اسمُ مكانٍ.

• قوله: "يَرْتَادُ لِبَوْلهِ"، أي: يطلُب مكانًا ليِّنًا لئلا يرجعَ إليه رَشَاشُ بولِه. يقال: رَاوَد وارْتَاد واستراد. والارتيادُ: الطَّلَبُ واختيارُ المَوْضع، وفيه أنَّه يستحبُّ لمَنْ يبولُ أنْ يثُوْرَ الأرضَ بحَجَرٍ أو عُوْدٍ إن كانت صلبةً. انتهى من "المجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 2/ 393.

ص: 66

[بابُ مَا جَاءَ فِى كرَاهِيَةِ الْبَوْلِ ني الْمُغْتَسَل]

13 -

(21) - (1/ 32 - 33) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى مَرْدَوَيْهِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَشْعَثَ بنِ عَبْد اللهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مُغَفَّلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ فِي مُسْتَحَمِّهِ، وَقَالَ:"إِنَّ عَامَّةَ الوَسْوَاسِ مِنْهُ".

قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيث غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ بنِ عَبْدِ الله، وَيُقَالُ لَهُ أَشْعَثُ الْأَعْمَى.

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْبَوْلَ فِي الْمُغْتَسَلِ، وَقَالُوا: عَامَّةُ الْوَسْوَاسٍ مِنْهُ. وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ: ابْنُ سِيرِينَ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ، فَقَالَ: رَبُّنَا اللهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: قَدْ وُسِّعَ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ إِذَا جَرَى فِيهِ الْمَاءُ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدَّثَنَا بذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الْآمُلِيُّ، عَنْ حِبَّانَ، عَنْ عَبْد اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.

• قوله: "لَا شَرِيكَ لَهُ"، أي: فهو الخالقُ لِمَا يَشاءُ لا دخولَ للبَوْل فِي المُغْتَسَل فِي وجودِ شيءٍ. قلتُ: لكنَّه جعلَ لكل شيءٍ سببًا فلاُ بدَّ من التَجَنُّب عن أسباب الأمور القبيحَةِ.

• قوله: "إِذَا جَرَى فِيهِ الْمَاءُ": يعنى الحدثُ إذا استقرَّ فيه الماء، إذ هناك يُتَوَقَّعُ حدوثُ الوَسْواس.

ص: 67

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ

14 -

(23) - (1/ 35) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّتنَا عَبْدَة بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْدِ بْن خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُوُل:"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلأَخَّرْتُ صَلاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ" قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ لا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ ثُمَّ رَدَّه إِلَى مَوْضِعِهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"، أي: لولا خوف أنْ أشُقَّ، فلا يرد أنَّ "لولا" يَقْتَضِي انتفاءَ الثانِي لوُجُوْدِ الأوَّل، وههنا لا وجودَ للمَشَقَّةِ على الأمَّة قبل الأمر.

• قوله: "إِلَّا اسْتَنَّ"، أي: استَعْمَلَ السِّوَاكَ، افتعالٌ من الاسْتِنَان، أي: يُمِرُّه عليها.

ص: 68

‌بَابُ مَا جَاءَ إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَه فِى الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا

15 -

(24) - (1/ 36 - 37) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ وَلَدِ بُسْرِ بْن أَرْطَاةَ صَاحِبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حَدَّثَنَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْن الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَه فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يُفْرخَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ".

وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ لِكُلِّ مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ قَائِلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا أَنْ لَا يُدْخِلَ يَدَه فِي وَضُؤئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا، فَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ الْمَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ نَجَاسَةٌ.

وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ فَأَدْخَلَ يَدَه فِي وَضُؤئِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَأَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ الْمَاءَ.

وقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَه فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا.

• قوله: "قَالَ الشَّافِعِيُّ": فِي نَقْلِه كلامَ الشافعيِّ إشارةٌ إلى أنَّ الأمرَ

ص: 69

للتَّنْزيهِ، والدَّلِيْلُ عليه قولُه:"فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي": فإنَّه يُشِيرُ إلى أنَّ الغَّسْلَ لتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، والاحْتِرَازُ عن التَّوَهُّم مستحبٌّ، وإلى أنَّ ذكرَ اللَّيل بمُجَرَّدِ أنَّ العادةَ أنَّ النَّوْمَ فيه، والمراد: الاستيقاظُ من النَّوْم مطلقًا لعُمُوْمِ العِلَّةِ.

ص: 70

[بابُ مَا جَاءَ فِى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ]

16 -

(25) - (1/ 37 - 39) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِىُّ، وَبِشرُ بْنُ مُعَاذِ الْعَقَدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ أَبِي ثِفَالٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ رَبَاحِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْن حُوَيْطِبٍ، عَنْ جَدَّتِهِ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ".

قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلِ بْن سَعْدٍ، وَأَنسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. وقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوِّلًا أَجْزَأَه. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيْلَ: أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَرَبَاحُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَدَّتِهِ، عَنْ أَبِيهَا، وَأَبُوهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْن عَمْرِو بْن نُفَيْلٍ. وَأَبُو ثِفَالٍ الْمُرِّيُّ اسْمُهُ: ثُمَامَةُ بْن حُصَيْنٍ. وَرَبَاحُ بنُ عَبْد الرَّحْمَنِ، هُوَ أَبُو بَكْرِ بْن حُوَيْطِبٍ، مِنْهُمْ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن حُوَيْطِبٍ، فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ.

• قوله: "فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ"، أي: فِي ليلٍ أو نَهَارٍ.

ص: 71

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاق

إلخ

• ليس في الحديث ذكرُ المَضْمَضَةِ فكأنَّه ذكرَه في التَّرْجَمة لِمَا سَيَذْكُرُ فيها من كلامِ أهل العِلْم.

17 -

(27) - (1/ 40 - 41) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَجَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سَعلَمَةَ بْن قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوتر".

قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِقْدَامِ بْن مَعْدِى كَرِبَ، وَوَائِلِ بْن حُجْرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْن قَيْسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ ترَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِذَا تَرَكهُمَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ سَوَاءً، وَبِهِ يَقُوُل ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وقَالَ أَحْمَدُ: الاِسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُعِيدُ فِي الْجَنَابَةِ، وَلا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا فِي الْجَنَابَةِ، لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَا تَجِبُ الْإعَادَةُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ، وَلَا فِي الْجَنَابَةِ، وَهُوَ قَول مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ في آخِرِهِ.

• قوله: "اسْتَجْمَرْتَ"، أي: استعملتَ الجِمار، وهو كنايةٌ عن الاستنجاء.

ص: 72

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ

18 -

(28) - (1/ 41 - 43) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمْرِو بْن يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْد اللهِ بْن زَيْدٍ، قَالَ:"رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْن عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْن زَيْدٍ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ، وَابْنُ عُيَيْنةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ عَمْرِو بْن يَحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْحَرْفَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ خَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَخَالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ ثِقَةٌ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ يُجْزِئُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: تَفْرِيْقُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْنَا. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ جَمَعَهُمَا فِي كَفٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ فَرَّقَهُمَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا.

• قوله: "وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ": هذَا اللفظُ يحتمل أنَّه فَعَلَهما جميعًا من كَفٍّ واحدٍ، وأنَّه فعل كُلًّا منهما من كفٍّ واحدٍ والأوَّل أظهرُ، وهو الذي يُفْهَمُ من بعضِ رواياتِ هذا الحديثِ.

ص: 73

• قوله: "يُفَرِّقُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْنَا"،

(1)

أي: هو أحُّبُّ، ويمكن أن يكونَ الفعلُ مبتدأ بتأويله بالمَصْدَر، وأحبُّ خبرُه، وعلى هذا يجوز نصبُ الفعل بتقدير "أنْ"، ووفعُه على حدِّ "تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ" هكذا وقع في بعض النُّسَخ المُصَحَّحَة، وفي بعض المُصَحَّحَة الأخَر "وتُفَرِّقُهُما" وهو أظهر من حيث اللَّفْظ.

(1)

هكذا في الحاشية، أما في نسخة أحمد شاكر فكما ذكر في الحديث.

ص: 74

‌بَابُ مَاجَاءَ فِىَ الرَّأْسِ [أَنَّهُ يَبْدَأُ بمُقدّمِ الرَّأسِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ]

19 -

(32) - (1/ 47) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بْن يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن زَيْدٍ "أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاه، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَالْمِقْدَامِ بْن مَعْدِي كَرِبَ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْد الله بْن زيْدٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَحْسَنُ وَبِهِ يَقُوُل الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ

" إلخ، بيانٌ وتفصيلٌ لقوله: "فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ": ولذا ترك العاطفَ.

ص: 75

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأ بمُؤَخّرِ الرَّأْسِ

20 -

(33) - (1/ 48) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ، بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ، ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ، وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا، ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَحَدِيثُ عَبْد الله بْن زَيْدٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ إِسْنَادًا. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُمْ: وَكيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ.

• قوله: "ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ"، أي: ثُمَّ بَدَأ بمقدَّمِه في المَسْحَة الثَّانِيَة.

• وقوله: "وَبِأُذُنَيْهِ"، أي: ومَسَحَ بأذنيه، وتقديرُ "وبَدَأ بِأذْنَيْه" غيرُ ظاهرٍ من حيث المعنى، وما سبق من روايةِ:"مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ"، أو"أقْبَلَ بِهِمَا وَأدْبَرَ": فإنَّما هو كان مسحًا واحدًا مستوعبًا لشَعْر الرأس بطَرْفَيْه؛ فإنَّ الإنْسَانَ إذا اكتَفَى بِمُجَرَّدِ الإقبالِ والإدبارِ

(1)

لا يكون مَسْحُه إلا بطَرفٍ واحدٍ من شَعْر الرأس، ولا يَسْتَوْعِبُ الطَّرْفَيْن، فمن أراد استيعابَ الطَّرْفَيْن فلابدَّ له من الإقْبَالِ والإدبار، وبه لا يتعدَّدُ المسحُ بل يصير مستوعبًا.

(1)

في هامش المخطوط: "و" بمعنى "أو".

ص: 76

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الرَّأْسِ مَرَّةً

21 -

(34) - (1/ 49 - 50) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْن مُضَرَ، عَنِ ابْن عَجْلَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّع بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفرَاءَ، أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ، قَالَتْ: مَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ، وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ، وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.

قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَدِّ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ الرُّبَيِّع حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأسِهِ مَرَّةً. وَالعَمَلُ عَلى هَذا عِنْدَ أكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِهِ يَقُوُل: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، رَأَوْا مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ المَكِيُّ، قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْن عُيَيْنَةَ يَقُولُ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ أَيُجْزِئُ مَرَّةً؟ فَقَالَ: إيْ وَاللهِ.

• قوله: "أَيُجْزِئُ مَرَّةً"، أي: يكفي في حُصُوْلِ السُنَّة. والله تعالى أعلم.

ص: 77

‌بَابُ مَا جَاءَ أنَّهُ يَأْخُذُ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا

22 -

(35) - (1/ 50 - 52) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ حَبَّانَ بْن وَاسِعٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْن زَيْدٍ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ، وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأسَهُ بِمَاءٍ غيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ حَبَّانَ بْن وَاسِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْن زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ، وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ، وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْن الْحَارِثِ، عَنْ حَبَّانَ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هَذَا الْحَدِيثُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ رَأَوْا أَنْ يَأْخُذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا.

• قوله: "بِمَاءٍ غَبَرَ"

(1)

: إمَّا بالقَصْر على أنَّه موصولٌ، أو بالمَدِّ على أنَّه اسمٌ، وهو

(2)

-بالغين المعجمَة، والباء المُوَحَّدَةِ المَفْتُوْحَتَيْن على صيغةِ الماضي- أي: بماءٍ بَقِيَ وفضُل فِي اليدين من بَقِيِّةِ ما غَسَلَ به يديه.

(1)

شرح المصنف هذا الحديث معتمدا على النسخة التي فيها كلمة "غَبَرَ"، وأما النسخة التي اعتمدنا عليها، ففيها "غَيْرُ" مكان "غَبَر".

(2)

أي: كلمة"غَبَرَ".

ص: 78

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأُذُنَيْن يَتَّبِعَانِ الرَّأْسَ

(1)

23 -

(37) - (1/ 53 - 55) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِنَانِ بْن رَبِيعَةَ، عَنْ شَهْرِ بْن حَوْشبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ:"الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: لا أَدْرِي هَذَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ؟ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَيْسَ إِسْنَادُه بِذَاكَ الْقَائِمِ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، أَنَّ الأذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ فَمِنَ الْوَجْهِ، وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ. قَالَ إِسْحَاقُ: وَأَخْتَارُ أَنْ يَمْسَحَ مُقَدَّمَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ، وَمُؤَخَّرَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ. وَقَالَ الشَّافَعِيُّ هُمُا سُنَّةٌ عَلَى حِيَالِهِمَا يَمْسَحُهُمَا بِمَاءٍ جَدِيْدٍ.

• قوله: "مِنَ الرَّأْسِ"، أي: يتَّبعان الرأسَ في حُكْم المَسْح، لا الوجهَ في حُكْم الغَسْل.

• قوله: " وَأخْتَارُ أَنْ يَمْسَحَ"، أي: يَغْسِلَ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ.

ص: 79

‌بَابُ مَا جَاءَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ

• أي: فِي شأنِ المُتَسَامح فِي غَسل الرِّجْلَين في الوُضُوء، وهذا الاعتبارُ ذكره في باب الوُضوء، ولمَّا كان شأنُ ورودِه مشهورًا اكتفى به عن التَّصْرِيْح، وبَنَى عليه ما ذكره من الفقه أيضًا.

24 -

(41) - (1/ 58 - 60) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"وَيْلٌ لِلْأعْقَابِ مِنَ النَّارِ". قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْن عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ وَعَبْدِ الله بْن الْحَارِثِ هُوَ ابنُ جَزْء الزُبَيْدِيُّ وَمُعَيْقِيبٍ، وَخَالِدِ بْن الْوَليدِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، وَعَمْرِو بْن الْعَاصِ، وَيَزِيدَ بْن أَبِي سُفْيَانَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: وَيْلٌ لِلأَعْقابِ، وَبُطُونِ الْأَقْدَام مِنَ النَّارِ. قال: وَفِقهُ هَذا الحَدِيثِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ المَسْحُ عَلى الْقَدَمَيْنِ إِذا لمْ يَكُنْ عَليْهِمَا خُفَّانِ أوْ جَوْرَبَانِ.

• قوله: "وَيْلٌ لِلْأعْقَابِ": الجمعُ إنَّما هُو؛ لأنَّه وردَ في قومٍ تَسَامَحُوا فِي غَسْل الرِّجْلين في الوضوء بحيث بقَيَتِ الأعقابُ لم يَمْسَحْها الماءُ، ولا حاجةَ إلى القول بأنَّ الجمعَ في محلَّ التَثْنية، والمعنى ويلٌ للأعقاب، وأعقابِ من يصنع صنيعَهم في الوضوء.

• قوله: "لا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ"، أي: على الوَجْه الذي يقول به

ص: 80

من يُجَوِّزُ المسحَ: وهو أن يكون على ظاهِرِ القَدَمَيْن، وذلك؛ لأنَّ هذا الحديثَ قد ورد في شأنِ من سَامَح في غَسْل الرِّجْلَين بحيث ما بلغ الماءُ عَقِبَيْه، فلو لم يكن الغَسْلُ لازمًا، وكالن المسحُ جائزًا على هذا الوجه لَمَا استحَقَّ من ترك إيصال الماء على العقب هذا الوعيدَ الشَّدِيْدَ.

وأمَّا القول: بالمَسْح على وجهٍ يستوعبُ ظاهرَ القدم وباطنَه، فلم يَقُلْ به أحدٌ فهو باطلٌ قطعًا، وكذا القول: بأنَّ اللازمَ أحدُ الأمرين: إمَّا الغَسْل المستوعبُ، وإمَّا المَسْحُ على الظَّاهِر؛ فإنَّه لم يَقُلْ به أحدٌ فهو باطلٌ، فلا يرد بشيء من الأمرين على ما ذكر من الفقه بأن يقالَ: يجوزُ أن يكونَ اللازمُ المسحُ، أي: لعلَّه الغَسْلُ المستوعب، أو المسح وهم اختاووا الغَسْلَ فلزمهم الاستيعابُ، فورد الوعيدُ لتَرْكِهم الاستيعابَ فِي الغَسْل. وأمَّا القول: بأنَّه يمكن أن يكون الوعيدُ لنَجَاسَةٍ بأعقابِهم فباطِلٌ، يَقْضِي ببُطْلانِه الرُّجُوْعُ إلى شأنِ وُرُوْدِ الحديثِ.

ص: 81

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ ثَلَاثًا [ثَلَاثًا]

25 -

(44) - (1/ 63 - 64) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ، وَالرُّبَيِّعِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْن عَمْروٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ، وَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، وَأُبَيٍّ بْن كعب.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ أَحْسَنُ شَيءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُهُ ثَلاثٌ، وَلَيْسَ بَعْدَه شَيْءٌ. وقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا آمَنُ إِذَا زَادَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الثَّلأثِ أَنْ يَأْثَمَ. وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلاثِ إِلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى.

• قوله: "وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا"، أي: هذا الذي يُفْهَم ممَّا ذكرنا في الأبواب الثَّلاثَةِ.

• قوله: "مُبْتَلًى": بِوَسْوَسَةٍ أو بكثرةِ نِسْيَانٍ.

ص: 82

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الْوُضُوءِ مَرَّةً، وَمَرَّتَيْن، وَثَلَاثًا إلَى آخِره

• أي: في الوضوء على الوُجُوْه الثَّلاثَةِ لكن لا مرَّةً واحدةً، بل تارةً على وجهٍ وتارةً على وجهٍ آخر. مال هذا البابُ إلى الأبواب الثَّلاثَة السَّابِقَة، لكن الوُجُوهَ الثَّلاثَة كاشط هناك مأخوذةً من مَجْمُوع الأحادشط الثَّلاثَة، وههنا من حديثٍ واحدٍ ولهذا الاعتبارِ ذكره في باب على حدةٍ.

ص: 83

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِى وُضُوءِ النَّبىِّ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ كَانَ

26 -

(48) - (1/ 67 - 68) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهمَا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فَشَرِبَهُ وَهُو قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كيْفَ كَانَ طُهُورُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ، وَ عَبْدِ اللهِ بْن زَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ الله بْن عَمْرٍو، وَالرُّبَيِّعِ، وعَبْدِ اللهِ بْن أُنَيْسٍ، وَعَائِشَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.

• قوله: "وَذِرَاعَيْهِ": ظاهرُه الاكْتفاءُ بهما بدون إعادةِ الكَفَّين لسَبْغِ غَسْلهما، ويمكن أن يكون المرادُ تمامُ اليدين إلى المِرْفَقَين، فأطلقَ الذِّرَاعَ عليهما من إطلاق الجزءِ على الكُلِّ وذلك لأنَّه الْجُزْءُ الغالب.

27 -

(49) - (1/ 68 - 69) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّادٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، ذَكَرَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي حَيَّةَ، إِلَّا أَنَّ عَبْدَ خَيْرٍ، قَالَ: كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طُهُورِهِ أَخَذَ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ بِكَفِّهِ فَشَرِبَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ، رَوَاه أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ، وَعَبْدِ خَيْرٍ، وَالْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ. وَقَدْ رَوَاه زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ خَالِدِ بْن عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، حَدِيثَ الْوُضُوءِ بِطُولِهِ،

ص: 84

وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدِ بْن عَلْقَمَةَ، فَأَخْطَأَ فِي اسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ، فَقَالَ: مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ خَالِدِ بْن عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْهُ، عَنْ مَالِكِ بْن عُرْفُطَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ شُعْبَةَ. وَالصَّحِيحُ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ.

• قوله: "وَرُوِيَ [عَنْهُ، عَنْ]

(1)

مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ"، أي: عن أبي عَوَانَةَ.

(1)

ما بين المعقوفين سقط من الحاشية، وأثبتناه لِمَا ذكر في الحديث.

ص: 85

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِى النَّضْحِ بَعْدَ الْوُضُوءِ

• فُسِّرَ النَّضْحُ بالرشِّ على الفَرْج بعد البَوْل لدَفْع البول؛ لأنَّ المَاءَ يَقْبِضُ الْبَوْلَ، أو لدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ؛ لأنَّه إذا وَجَدَ بللًا يُحِيله إلى المَاء، وعلى هذا يُحْمل على التَّعليم للأمَّةِ، هو معصومٌ منها.

ص: 86

‌بَابُ الْمِنْدِيل

(1)

بَعْدَ الْوُضُوءِ

28 -

(54) - (1/ 75 - 77) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن زِيَادِ بْن أَنْعُمٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْن حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْن نُسَيٍّ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْن جَبَلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُه ضَعِيفٌ. وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْن أَنْعُمٍ الأَفْرِيقِيُّ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ.

وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهمْ فِي التّمَنْدُلِ بَعْدَ الوُضُوءِ، وَمَنْ كَرِهَهُ إِنمَا كَرِهَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قِيل: إِنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ وَرُوِيَ ذَلِكَ، عَنْ سَعِيدِ بْن المُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيِّ.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرّازِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنِّي، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ، عَنْ ثَعْلَبَة، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِنَّمَا كرِهَ المِنْدِيلُ بَعْدَ الوُضُوءِ لِأنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ.

• قوله: "إِنَّ الوُضُوءَ يُوزَنُ"، أي: مَع الحَسَناتِ، فإبقاءه خيرٌ كإبقاء الحَسَناتِ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي الْتّمَنْدُلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ.

ص: 87

‌بَابٌ [فى] مَا يُقَالُ بَعْدَ الوُضُوءِ

29 -

(55) - (1/ 77 - 79) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الثَّعْلَبِيُّ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَاب، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ، وأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أًشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ قَدْ خُولفَ زَيْدُ بْن حُبَابٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ.

قَالَ: وَرَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، وَغَيْرُهُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ، عَنْ عُمَرَ، وَعَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْن نُفَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ.

وَهَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا البَابِ كَبِيرُ شَيْءٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَبُو إِدْرِيسَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ شَيْئًا.

• قوله: "فُتِحَتْ لَهُ": في آخره، أي: تعظيمًا لعَمَلِه المَذْكُور، وأنَّ الدُّخُولَ كفى فيه بابٌ واحدٌ، ثُمَّ الظَّاهرُ أنَّه يُوَفَّقَ للدُّخولِ من البابِ الَّذِي غَلَبَ عليه عملُ أهْلِه، إذْ أبوابُ الْجَنَّةِ مُعَدَّةٌ لأعمال مَخْصُوْصَةٍ كالريَّان -بالمَدِّ- لمن غلب عليه الصِّيَامُ ونحو ذلك. والله تعالى أعلم.

ص: 88

‌بَابُ الْوُضُوْءِ بالْمُدِّ

30 -

(56) - (1/ 83 - 84) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَعَليُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، عَنْ سَفِينَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَعفِينَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو رَيْحَانَةَ اسمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَطَرٍ.

وَهَكَذَا رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْم الوُضُوءَ بالمُدِّ، وَالغُسْلَ بالصَّاعِ. وقَالَ الشافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحَاق: ليْسَ مَعْنَى هَذا الحَدِيثِ عَلى التَّوَقيِّتِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَلَا أَقَلُّ مِنْهُ وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْفِي.

"المُدُّ":- رِطْلٌ وثُلُثٌ بالعِراقيِّ عند الشافعيِّ، ورطلان عِنْدَ أبِي حَنِيفةَ، والصَّاع أربعةُ أمْدَادٍ. كذا فِي "مجمع البحار".

(1)

(1)

راجع مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 552.

ص: 89

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِىْ] كَرَاهِيَةِ الْإِسْرَافِ فِيْ الْوُضُوْءِ [بالْمَاءِ]

31 -

(57) - (1/ 84 - 86) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ يُونُسَ بْن عُبَيْدٍ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ عُتَيِّ بْنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا، يُقَالُ لَهُ: الوَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ المَاءِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّل. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيِّ وَالصَّحِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، لِأَىَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَه غَيْرَ خَارِجَةَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الحَسَنِ قَوْلَهُ: وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ وَخَارِجَةُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَضَعَّفَهُ ابْنُ المُبَارَكِ.

• قوله: "فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ المَاءِ"، أي: وَسْوَاسًا يُفْضِي إلى كَثْرةِ إرَاقَةِ الماءِ حالةَ الوُضُوْء والاستنجاء. أو المراد بوَسْوَاس الماء هو الترَدُّدُ فيه من حيث طهارَتِه ونَجَاسَتِه بلا ظهووِ علاماتِ النَّجَاسَة.

ص: 90

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ

32 -

(58) - (1/ 86 - 88) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ؟ قَالَ: كنَّا نَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ حَدِيْث حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَالمَشْهُورُ عَنْدَ أَهْلِ الحَدِيتِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَرَى الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلاةٍ اسْتِحْبَابًا لَا عَلَى الوُجُوبِ.

• قوله: "كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ

" إلخ، أي: كان يعتافىُ ذلك وإن كان قد يَجْمَع بين صلاتين وأكثر بوضوءٍ واحدٍ كما سيجيئ في الباب اللاحِقِ، وكما سيجيء في باب: "ترك الوضوء مما غيَّرته النارُ" أنَّه جَمَعَ بين الظهر والعصر بوضوء واحدٍ، ومثله موجود في غير واحدٍ من الأحاديث كحديث أكل الأزْوَادِ فِي طريق خيبر.

ويمكن أن يقال: هذا الإخبارُ على حسبِ ما اطَّلع عليه أنسٌ، وهو- رضي الله عنه لم يَطَّلِعْ على خلاف هذا، وإن كان فِي الواقع كان ثابتًا.

• قوله: "وُضُوءًا وَاحِدًا"، أي: لِمَا تَيَسَّرَ به من الصَّلَوَاتِ، أو الصَّلوات متعددةً كما هو الموافِقُ للرَّوَاية الآيتة، ولم يُرد جميعَ الصلوات لأنَّه خلاف المعتاد.

ص: 91

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يُصَلى الصّلوَاتِ بوُضوءٍ وَاحِدٍ

33 -

(61) - (1/ 89 - 91) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ فَعَلْتَهُ، قَالَ:"عَمْدًا فَعَلْتُهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَزَادَ فِيهِ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً. قَالَ: وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ هَذَا الحَدِيثَ أيضًا، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلٍّ صَلَاةٍ. وَرَوَاه وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: وَرَوَاه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرُهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْن دِثَارٍ، عَنْ سُلَيْمَان بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ.

وَالعَمَل عَلى هَذا عِنْدَ أهْل العِلمِ: أَنَّهُ يُصَلِّي الصّلوَاتِ بِوُضوءٍ وَاحِدٍ مَا لمْ يُحْدِثْ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ اسْتِحْبَابًا، وَإِرَادَةَ الفَضْلِ. وَيُرْوَى عَنِ الْإِفْرِيقِيِّ، عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كتَبَ اللهُ لَهُ بهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ"، وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ. وفي البَابِ عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.

• قوله: "كَانَ يَتَوَضَّأُ"، أي: يعتادُ ذلك كما سَبَقَ.

ص: 92

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِى وُضُوءِ الرَّجُل وَالمَرْأَةِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ

34 -

(62) - (1/ 91 - 92) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ: "كنْتُ أَغْتَسِلُ اَنا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَول عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَة مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.

قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ، وَأُمِّ هَانِئٍ، وَأُمِّ صُبَيَّةَ [الجُهَنِيَّةُ]، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَبُو الشَّعْثَاءِ اسْمُهُ: جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

• قوله: "مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ": المُتَبَادر منه وحدةُ الإناء مع وحدةِ المِاء، لا مع تعَدُّدِه وهو المرادُ. والله تعالى أعلم.

ص: 93

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ

35 -

(65) - (1/ 94) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي كُنْتُ جُنبًا، فَقَالَ:"إِنَّ المَاءَ لَا يُجْنِبُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.

• قوله: "فأرَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ": كأنَّ النَّهْيَ للتَّنْزِيْهِ، وهذا بيانٌ للجواز إلا أنْ يثبتَ النَّسْخُ.

ص: 94

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَىْ

ءٌ

36 -

(66) - (1/ 95 - 97) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ الوَليدِ بْن كَثِير، عَنْ مُحَمَّدِ بْن كعْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَتَوَضَّأ مِنْ بئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيً بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ، وَلُحُومُ الكِلَابِ، وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْء".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ جَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الحَدِيثَ، فَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ حَدِيثَ أِبِي سَعِيدٍ فِي بئْرِ بُضَاعَةَ أَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أسَامَةَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غيْرِ وَجْهٍ عَنْ أبِيَ سَعِيدٍ. وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ.

• قوله: "الحِيَضُ": قال فِي "المجمع"

(1)

-بكسر الحاء، وفتح الياء- جمع حِيْضَةٍ -بكسر الحاء، وسكون ياء-: وهي الخِرْقَة التي تُسْتَعْمَلُ فِي دمٍ الحَيْض، وكانت البئْرُ بمَسِيْل من بعض الأوْدِيَة التي يحل بها أهلُ البادية، فَيُلْقُوْن تلك القاذوواتِ في الماء. من الصَّحابة وهُمْ ألطَفُ النَّاس، والماءُ عندهم كان في غَايَة العِزَّةِ ومثل هذا لا يتَوَّقَعُ من الكفرة

(2)

.

• قوله: "المَاءُ"، أي: المسؤولُ عنه، فيحتاج إليه من يقول: يَتَنَجَّسُ

(1)

راجع مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 617.

(2)

هكذا في المخطوط وهي عبارة ناقصة، وأما في حاشية السندي على سنن النسائي فهكذا: "قيل عادة الناس دائما في الإسلام والجاهلية تنزيه المياه وصونها عن النجاسات فلا يتوهم أن الصحابة -وهم أطهر الناس- كانوا يفعلون ذلك عمدا مع عِزَّةِ الماء فيهم، وإنما كان ذلك من أجل أنَّ هذه البئر كانت في الأرض المنخفضة، وكانت السيول تحمل الأقذار من الطرق وتلقيها فيها، وكانت الريح تلقي ذلك، ويجوز أن السيل والريح تلقيان جميعا، وقيل: يجوز أن المنافقين كانوا يفعلون ذلك. راجع: 1/ 190.

ص: 95

الماءُ القليلُ بوُقوع النَّجَاسَة كَدُوْن القُلَّتَين أو دون عشرة. أمَّا من يأخذُ بظَاهِر هذا الحديث فلا حاجةَ له إلى هذا التَّأويل والأصلُ عمومُ اللَّفْظ.

ص: 96

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِى] كرَاهِيَةِ البَوْلِ فِى المَاءِ الرَّاكِدِ

37 -

(68) - (1/ 100) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"لا يَبُولَنَّ أَحَدُكمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي البَابِ عَنْ جَابِرٍ.

• قوله: "ثُمَّ يَتَوَضَّأُ": الروايةُ بالرَّفْع وكلمةُ "ثُمَّ" اسْتَئْنافِيةٌ، والجملةُ بمَنْزلةِ عِلَّة النَّهْي، أي: كيف يبول فيه وهو يجتاجُ إليه بعدَه للتَّوَضئ أو غيره، والبول فيه إدن لم يُنَجِسُّه لكثرته فلا أقلَّ أنَّه يُنَفِّرُ الطَّبْعَ عنه.

ص: 97

[بَابُ مَا جَاءَ فِى مَاءِ البَحْرِ أَنَّهُ طَهُورٌ]

38 -

(69) - (1/ 100 - 102) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ،

(ح)، وحَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْن سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْن سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْن الأزْرَقِ، أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ أَبي بُرْدَةَ وَهوَ مِنْ بَني عَبْدِ الدَّارِ أخْبَرَه، أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ، يَقول: سَأَلَ رَجل رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ، فَإنْ تَوَضَّأنا بهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنَ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ وَالفِرَاسِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرِ، وَعُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، لَمْ يَرَوْا بَأْسًا بِمَاءِ البَحْرِ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الوُضُوءَ بِمَاءِ البَحْرِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: هُوَ نَارٌ.

• قوله: "هُوَ الطَّهُورُ

" إلخ، لم يقل: "نعَم" لئلا يُعْلَم قصرُ الحكم على موضع الضَّرُوْوةِ كما هو المفروضُ فِي السُّؤال، وزاد فِي الجَوَاب "الحِلُّ مَيْتَتُه" لتَتْمِيم الإفادةِ، وهي زيادةٌ تَنْفَعُ أهل الصَّيْد وقد كان الصَّائِدُ منهم.

ص: 98

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِى] التَّشْدِيدِ فِى الْبَوْلِ

39 -

(70) - (1/ 021 - 041) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَقُتَيْبَةُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ الأعْمَشِ، قَال: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى مَنْصُورٌ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَذْكرْ فِيهِ عَنْ طَاؤوْسٍ، وَرِوَايَةُ الأَعْمَشِ أَصَحُّ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ البَلْخِيَّ مُسْتَمْلِي وَكِيعٍ، يَقُوُل: سَمِعْتُ وَكِيعًا، يَقُولُ: الْأَعْمَشُ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ.

• قوله: "فِي كَبِيرٍ"، أي: فِي أمْرٍ يَكْبُر علَيْهِما الاحْتِرازُ عنه ويَصْعُب ويثقُل.

• وقوله: "لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ"، أي: لا يجْعَل بينَه وبينَ بولِه سُتْرَةً، أي: لا يتَحَفَّظُ منه، أوْ لا يخْتَفِى عن أعْيُنِ النَّاسِ عندَ قَضَاء الْحَاجَة وهذا زيادة تحقيقٍ فِي المَجْمُوع.

ص: 99

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي نَضَحِ بَوْلِ الغُلَام قَبْل أَنْ يَطْعَمَ

40 -

(71) - (1/ 041 - 051) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بنْتِ مِحْصَنٍ، قَالَتْ: دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْكُلِ الطّعَامَ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَزَيْنَبَ، وَلُبَابَةَ بِنْتِ الحَارِثِ وَهِيَ أُمُّ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بن عَبْد المُطَّلِبِ، وَأَبِي السَّمْحِ، وَ عَبْد الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي لَيْلَى، وَابْنِ عَبَّاسٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهُوَ قَولُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: يُنْضَحُ بَوْلُ الغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا.

• قوله: "فَرَشَّهُ عَلَيْهِ": مَنْ لم يُقُلْ بِظَاهِره يَحْمِلُه على أنَّه غَسَلَ غَسْلًا خفيفًا فَعبَّر عنه بالرشِّ.

ص: 100

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ

41 -

(72) - (1/ 061 - 071) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، وَقَتَادَةُ، وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ:"اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا"، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ، فَأُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، وَأَلْقاهُمْ بِالحَرَّةِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَحَدَهُمْ يَكُدُّ الأَرْضَ بِفِيهِ، حَتَّى مَاتُوا، وَرُبَّمَا قَالَ حَمَّادٌ: يَكْدُمُ الأرْضَ بِفِيهِ حَتَّى مَاتُوا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَنَسٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: لا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.

• قوله: "مِنْ عُرَيْنَةَ": بالتَّصغير. "فَاجْتَوَوْا": من الاجْتِوَاء -بالجيم- أي: أصَابَهم فيه الجَوَى: وهو المَرَضُ وداءُ الْجَوْف، ويقال: اجْتَوَيمتُ البلدَ إذا كرهتَ المُقام فيه وإن كنتَ في نعمةٍ، ويكون الجَوى عبارةً عن شدَّة الوجد.

ص: 101

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِى الوُضُوءِ مِنَ الرِّيحِ

42 -

(74) - (1/ 091) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّادٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَعلَّمَ قَالَ:"لا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

43 -

(75) - (1/ 91 - 011) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي المَسْجِدِ فَوَجَدَ رِيحًا بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ فَلَا يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُوْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَدا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَول العُلَمَاءِ: أَنْ لَا يَجبَ عَلَيْهِ الوُضوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَسْمَعُ صَوْتًا أَوْ يَجِدُ رِيحًا. وقَال عَبْدُ اللهِ ابْنُ المُبَارَكِ: "إِذَا شَكَّ فِي الحَدَثِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، حَتَّى يَسْتَيْقِنَ اسْتِيقَانًا يَقْدِرُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ المَرْأَةِ الرِّيحُ وَجَبَ عَلَيْهَا الوُضُوءُ وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "ولَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ"، أي: لا وضوءَ إلا من سماع الصَّوْت، أو وُجُوْدِ النَتن، أي: لا وضوءَ بِمُجَرَّدِ أن يَشُكَّ فِي خُرُوْج شيءٍ منه حتى يَسْتَيْقِنَ بذلك بظُهُوْر علامةٍ على ذلك من سِمَاعِ صَوْتٍ، أو وُجود

ص: 102

نَتِنٍ، أو بوجهٍ آخر. فالمطلوبُ نفيُ الوضوء بمُجَرَّدِ الشَكِّ لا نَفْيُه من بَوْلٍ ونحوه، وإليه تُشير الروايةُ الثَّانِيَةُ كأنَّه لهذا ذكره المصنِّفُ، وكذا يُشِيْرُ إليه ما نَقَله المصنِّفُ من ابن المبارك. وهذا الحديثُ هو أصلُ الفقهاء فِي قولهم:"اليقينُ لا يَزُوْلُ بالشكِّ".

• قوله: "يَقْدِرُ": من التَّقْدِير، أي: يُقَدِّرُ فِي نَفْسِه أنْ يَحْلِفَ عَليه مِنَ اليَقِيْنِ، أو من القُدْرَة، أي: يَقْدِر معه أنْ يَحْلِفَ عليه.

ص: 103

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ

44 -

(77) - (1/ 111 - 311) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى كُوْفِيٌّ، وَهَنَّادٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ المُحَاربيُّ، المَعْنَى وَاحِدٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَام بْنُ حَرْبٍ المُلَائِيُّ، عَنْ أبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أبِي العَالِيَةِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ، حَتَّى غَطَّ أَوْ نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قَدْ نِمْتَ، قَالَ:"إِنَّ الوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَبُو خَالِدٍ اسْمُهُ: يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

• قوله: "لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ"، أي: لا يجِبُ على نائِمٍ إلا على هذا النَّائِم، لا أنَّه لا يجب على أحدٍ إلا على مَنْ نام.

• قوله: "مُضْطَجِعًا"، أي: مضطجعًا صُوْرةً، أو معنىً بأن يكونَ مشاركًا له فِي استرخاءِ المَفَاصِمل بقرينة العِلَّة المَذْكُوْرَةِ بعده.

45 -

(78) - (1/ 311 - 411) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ، وَلَا يَتَوَضَّؤوْنَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُ صَالِحَ بنَ عَبدِ اللهِ، يَقُوُل: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ عَمَّنْ نَامَ قَاعِدًا مُعْتَمِدًا؟ فَقَالَ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَذْكرْ فِيهِ أَبَا العَالِيَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.

ص: 104

وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، فَرَأَى أَكْثَرُهُمْ: أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ إِذَا نَامَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا حَتَّى يَنَامَ مُضْطَجِعًا، وَبِهِ يَقُوُل الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا نَامَ حَتَّى غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ نَامَ قَاعِدًا فَرَأَى رُؤْيَا أو زَالَتْ مَقْعَدَتُهُ لِوَسَنِ النَّوْمِ، فَعَلَيْهِ الوُضُوءُ.

• قوله: "يَنَامُونَ": مَحْمُولٌ على نومِهم قعودًا حالَ انتظاوِهم الصَّلاةَ فِي المسجد.

• قوله: "وَلَمْ يَرْفَعْهُ": قال المُحَقِّقُ ابنُ الهمام

(1)

: "قال أبو داود: قوله: "إنَّمَا الْوُضُوْءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا" منكَرٌ لم يَرْوِه إلا يزيدُ الدُّوْلابِيُّ، وروي أوَّلَه جماعةٌ عن ابن عباس ولم يذْكُرْوا شيئًا من هذا انتهى.

وقال ابن حِبَّان

(2)

في الدُّوْلابيِّ: كثيرُ الخطأ لا يجوز الاحتجاج به. وقال

(1)

هو: كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الإسكندري، المعروف بـ "ابن الهمام": كان إماما من علماء الحنفية، عارفا بأصول الديانات، والتفسير والفرائض، والفقه، والحساب، واللغة، والمنطق. ولد سنة: 790 هـ بالأسكندرية، ونبغ في القاهرة، وسافر إلى القدس وقرأ على علمائه. وأقام بحلب مدة، وجاور بالحرمين. ثم كان شيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية بمصر، توفي بالقاهرة. من مؤلفاته:"فتح القدير" في شرح الهداية، و"التحرير" في أصول الفقه، و"زاد الفقير" مختصر في فروع الحنفية. راجع لترجمته: الأعلام للزركلي: 6255، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: 2/ 201 - 252.

(2)

هو: الإمام العلامة الحافظ، شيخ خراسان، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي البستي. ولد سنة بضع وسبعين ومائتين في مدينة "بست" من بلاد سجستان، سمع بالعراق، والشام، والحجاز، ومصر، والجزيرة، وخراسان من الكبار، وروَى عنهم. وروى عنه الحاكم وغيره. ولي قضاء سمرقند زمانا، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار، عالما بالطب، والنجوم، وفنون العلم، ثم عاد إلى نيسابور، ومنها إلى بلده=

ص: 105

غيره: صدوقٌ لكنَّه يَهِمُ فِي الشَّيْء.

وقال ابنُ عَدِيٍّ: فيه لِيْنُ الحديث ومع لِيْنِه يكتب حديثه، ثُمَّ قال حاصله: إنَّ لهذا الحديث شواهدُ لا ينزل بِها عن رُتْبة الحسن، وذكر الشواهد

(1)

.

• قوله: "وَقَالَ الشَّافَعِيُّ

" إلخ، كأنَّ المعتَبَر عنده على هذا أصل الأمرين: إمَّا غلبةُ النوم، وعلامته رؤيةُ الرؤيا، أو عَدَمُ تَمَكُّنِ المَقْعَدِ من الأرض.

= سجستان حيث توفي بها في شوال سنة أربع وخمسين وثلاث مائة. ومن تصانيفه: المسند الصجيح، والضعفاء من رواة الحديث، والأنواع والتقاسيم وغيرها من المؤلفات. راجع لترجمته: الوافي بالوفيات: 2/ 236، طبقات الشافعية الكبرى: 3/ 131، سير أعلام النبلاء: 16/ 92.

(1)

راجع: شرح فتح. القدير لابن الهمام: 1/ 50، 51.

ص: 106

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ

46 -

(79) - (1/ 411 - 611) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَلَوْ مِنْ ثَوْرِ أَقِطٍ".

قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهْنِ؟ أَنتَوَضَّأُ مِنَ الحَمِيمِ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا سَمِعْتَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا تَضْرِبْ لَهُ مَثَلًا.

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي مُوسَى. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ الوُضُوءَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: عَلَى تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ.

• قوله: "مِنْ ثَوْرِ"، أي: من قطعةٍ من أقِطٍ من الدُّهْن، أي: الذي مَسَّتْه النارُ.

• قوله: "الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ"، أي: الوضوءُ من أكْلِ ما مَسَّته النار؛ لا أنَّ الوضوءَ مطلقًا من أكل ما مَسَّتْه النارُ.

ص: 107

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِى تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ

47 -

(80) - (1/ 611 - 201) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، سَمِعَ جَابِرًا، قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً، فَأَكلَ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَتْهُ بِعُلَالَةٍ مِنْ عُلَالَةِ الشَّاةِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُوْدٍ وَأبي رافِعٍ، وَأَمِّ الْحَكَم، وَعَمْرٍو بْنِ أمَيَّةَ، وَأمِّ عَامِرٍ، وَسُوَيْدِ بْنِ النُّغْمَانِ، وَأمِّ سَلَمَةَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فِي هَذَا البَاب مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ إِنَّمَا رَوَاه حُسَامُ بْنُ مِصَكٍّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالصَّحِيحُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، هَكَذَا رَوَى الحُفَّاظُ.

وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَاه عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، وَعَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهَذَا أَصَحُّ.

ص: 108

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ رَأَوْا تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَهَذَا آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ نَاسِخٌ لِلْحَدِيثِ الأَوَّلِ حَدِيثِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.

===

• قوله: "وَهَذَا آخِرُ الأَمْرَيْنِ": وهذا مِمَّا رُوِيَ عن جابر صريحًا فروى أبو داود، والنسائي عنه قال:"كَانَ آخِرُ الْأمْرَيْنِ مِن رَّسُوْلِ اللهِ تَرْكُ الْوُضُوْءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ"

(1)

وذلك حكمُ الأئمة بنَسْخ حديث أبي هريرة السَّابق.

(1)

راجع سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب: في ترك الوضوء مما مست النار، ح: 192، سنن النسائي، كتاب الطهارة، باب: ترك الوضوء مما غيرت النار، ح:186.

ص: 109

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبلِ

48 -

(81) - (1/ 221 - 251) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى، عَنْ البَرَاءِ بْن عَازِبٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: "تَوَضَّأوْا مِنْهَا"، وَسُئِلَ عَنِ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ فَقَالَ:"لَا تَتَوَضَّأوْا مِنْهَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنٍ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِب، وَهُوَ قَول أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَرَوَى عُبَيْدَة الضَّبِّيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنٍ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ ذِي الغُرَّةِ الجُهَنِيِّ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، فَأَخْطَأَ فِيهِ، وَقَالَ فِيهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنٍ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. قَالَ إِسْحَاقُ: صَحَّ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثَانِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثُ البَرَاءِ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ بنِ سَمُرَةَ، وَهُوَ قَول أحْمَدَ، وَإسْحَاقَ. وَقَدْ رُوِي عَنْ بَعْضِ أهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِيْنِ وَغَيْرِهِمْ أنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا الوُضُوْءَ مِنْ لُحُوْمِ الْإبِلِ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأهْلِ الْكُوْفَةِ.

• قوله: "وَهُوَ قَول أَحْمَدَ"، أي: الوضوءُ من لُحُوْم الإبل وهو ظَاهِرُ

ص: 110

الحديث، ومن لا يرى الوُضُوْءَ يَحْمِلُ الحديثَ على تأكُّدِ الأمْر بغَسْل اليدين، أو المَضْمَضَةِ بعد أكْل لَحْم الإبل [لأنَّ] فيه من كثرة الدُّسُوْمَة أو الرَّائِحَة.

ص: 111

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] تَرْكِ الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَر

49 -

(85) - (1/ 311 - 321) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ هُوَ الحَنَفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْهُ؟ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْهُ؟ ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ أَبي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَعْضِ التَّابِعِينَ: أَنَّهُمْ لمْ يَرَوُا الوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَهَذَا الحَدِيثُ أَحَسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ.

وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ أَيَّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ.

وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَة. وَحَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ أَصَحُّ وَأَحْسَنُ.

• قوله: "إِلَّا مُضْغَةٌ": بضم الميم، وسكون الضَّاد، بعدها غين معجمةٌ. "أوْ بَضْعَةٌ" -بفتح الباء، وسكون الضَّاد، بعدها عينٌ مهملةٌ- لفظان مُتَرَادِفَان، ومعناهما القِطْعَةُ من اللَّحْم، وهو شكٌّ من الرَّاوِي [لكن]

(1)

في حواشي

(1)

هكذا في المخطوط ولعله خطأ من الناسخ، والصحيح:"كذا في حواشي السيوطي لأبي داود".

ص: 112

السيوطي

(1)

لأبي داود

(2)

. وقد أجابوا عن حديث بُسْرة

(3)

بأنَّ المرادَ بِمَسِّ الذَّكَر: البول بطريق الكناية، إذ العادة مَسُّ الذَّكَر هنالك.

قال المحقق ابنُ الهمام

(4)

: هو من أسْرَارِ البلاغَة يُكَنُّون عن ذكر، ويُرمِّزُون عليه بذكر ما هو من مُرادِفه، فلمَّا كان مسُّ الذَّكَر غالبًا يُرَادِفُ خروجَ الحَدَثِ منه ويُلَازمه، عَبَّر عنه كما عبَّر بالمجيء من الغائط عَمَّا يقصد الغائط لأجله في قوله تعالى:{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}

(5)

.

قلت: ومثل هذا من الكِنَايات كثيرٌ فيما يُسْتَقْبَحُ التَّصْرِيحُ بذِكْرِه، ويؤيِّد قولَ الكوفيين: إنَّ عدمَ نقض الوضوءِ بمسِّ الذَّكَر قد عُلِّلَ بعِلَّةٍ دائمةٍ، وهي أنَّ الذَّكَر بَضْعَةٌ من الإنْسَان، فالظَّاهِرُ دوامُ الحكم بدوام عِلَّتِه. والله تعالى أعلم.

(1)

هو الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي الشافعي، المسند المحقق المدقق، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، ولد بعد ليلة الأحد، مستهل رجب، سنة تسع وأربعين وثمان مائة، وكان عابدا زاهدا متنسكا،، له نحو ست مائة مصنف، توفي ليلة الجمعة، التاسع عشر من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وتسع مائة.

راجع لترجمته: شذرات الذهب: 10/ 74، والأعلام للزركلي: 3/ 301.

(2)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 1/ 148.

(3)

وهو: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ". راجع: سنن الترمذي، كتاب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: الوضوء من مسِّ الذكر، ح: 82، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مسِّ الذكر، ح: 181، وسنن النسائي، كتاب الطهارة، باب: الوضوء من مسِّ الذكر، ح:164.

(4)

راجع: شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 59.

(5)

المائدة: 6.

ص: 113

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] تَرْكِ الوُضُوءِ مِنَ القُبْلَةِ

50 -

(86) - (1/ 331 - 391) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّادٌ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَأَبُو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالُوا: حَدَّثنَا وَكيعٌ، عَنْ الأعْمَش، عَنْ حَبيبِ بْن أَبي ثَابتٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضّأ، قَالَ: قلْتُ: مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ قَالَ: فَضَحِكَتْ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، قَالُوا: لَيْسَ فِي القُبْلَةِ وُضُوءٌ.

وقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالأوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ:"فِي القُبْلَةِ وُضُوءٌ"، وَهُوَ قَول غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ. وَإِنَّمَا تَرَكَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا لِأنَّهُ لا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ لِحَالِ الإِسْنَادِ، قَالَ: وسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ العَطَّارَ البَصْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، قَالَ: ضَعَّفَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ هَذَا الحَدِيثَ جِدًّا، وَقَالَ: هُوَ شِبْهُ لَا شَيْءَ. قَالَ: وسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسمَاعِيلَ يُضَعِّفُ هَذَا الحَدِيثَ، وقَالَ: حَبيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنًّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ أيضًا، وَلَا نَعْرِفُ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ سَمَاعًا مِنْ عَائِشَةَ، وَلَيْسَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا البَابِ شَيْءٌ.

ص: 114

• قوله: "مَنْ هِيَ

" إلخ، الاستفهامُ للإنكار فرجَعَ إلى النَّفْي، وصحَّ منه الاستثناءُ، والمعنى ما هي إلا أنتِ.

• قوله: "لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ لِحَالِ الإِسْنَادِ": قال المحقق ابن الهمام: قد رواه البزَّار

(1)

في مسنده بإسناد حسن

(2)

.

"وَلَيْسَ يَصِحُّ" إلى قوله: "شَيْءٌ": عمومُه مشكلٌ بما روى مسلم

(3)

من مسِّ عائشةَ قَدَمَيْه صلى الله عليه وسلم حين طلَبَتْه لَمَّا فَقَدَتْه ليلًا وهُمَا مَنْصُوْبَتَانْ فِي السُّجُوْدِ ولم يقطع صلاتَه لذلك، إلا أنْ يُّرادَ بِهَذا الباب القُبلة فقط لا مطلقُ المَسِّ. والله تعالى أعلم.

وبالجملة: الحديثُ دليلٌ لأهل كوفةَ، واستدلالُ القوم بالآية أعنى: قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}

(4)

استدلالٌ بالمحتمل؛ لأنَّ المُلامَسَةَ يُكَنَّى بها عن الجماع فلا يَتِمُّ.

(1)

هو: الإمام الحافظ، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، البزار، صاحب "المسند" الكبير، ولد سنة نيف عشرة ومئتين. سمع: هدبة بن خالد، وعبد الأعلى بن حماد، وعبد الله بن معاوية الجمحي وغيرهم. حدث عنه: ابن قانع، وابن نجيع، وأبو بكر الختلي، وأبو القاسم الطبراني وخلق سواهم. قد ارتحل في الشيخوخة ناشرا لحديثه، فحدث بأصبهان عن الكبار، وبغداد، ومصر، ومكة، والرملة. وأدركه بالرملة أجله، فتوفي سنة اثنتين وتسعين ومئتين. له مسندان كبيران، سمى أحدهما بـ "البحر الزاخر". راجع لترجمته: المنتظم: 13/ 34، والواقي بالوفيات: 7/ 75، سير أعلام النبلاء: 13/ 554 - 555، تذكرة الحفاظ: 2/ 653، وشذرات الذهب: 3/ 387.

(2)

راجع: شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 57.

(3)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، ح:486.

(4)

المائدة: 6.

ص: 115

بَابُ [مَا جَاءَ فِي] الوُضُوءِ مِنَ القَىْءِ وَالرُّعَافِ

• قوله: "وَالرُّعَافِ": ذَكَرَه وإن لم يَمُرّ له ذكرٌ في الحديث لِمَا ذكر فيه من أقوال العلماء.

51 -

(87) - (142/ 1 - 146) حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ وَهُوَ أحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الهَمَدَانِيُّ الْكُوْفِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ حَدَّثَني أَبِي، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأوْزَاعِيُّ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَليدِ المَخْزُوميِّ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَاءَ فَأفْطَرَ، فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: صَدَقَ، أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَابْنُ أَبِي طَلْحَةَ أَصَحُّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ: الوُضُوءَ مِنَ القَيْءِ وَالرُّعَافِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ فِي القَيْءِ وَالرُّعَافِ وُضُوءٌ، وَهُوَ قَول مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَدْ جَوَّدَ حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ هَذَا الحَدِيثَ، وَحَدِيثُ حُسَيْنٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ. وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقَالَ: عَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَليدِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الأَوْزَاعِيَّ، وَقَالَ: عَنْ خَالِدِ بْنِ

ص: 116

مَعْدَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ.

• قوله: "فَتَوَضَّأَ": الفاء تدُلُّ على أنَّ الوضوءَ كان مُتَرَتَّبا على القَيْءِ وسَبَبِه وهو المطلوبُ.

• قوله: "وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ

" إلخ، لا دلالةَ فَي الحديثِ عندهم على أنَّ القَيْءَ يكون على وجهِ الاستحباب، أو على وجهِ الاتِّفاق ولكن الثَّانِي يأبَاه الفاءُ فِي: "فَتَوَضَّأَ".

ص: 117

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] الوُضُوءِ بالنَّبيذِ

52 -

(88) - (1/ 147 - 148) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا شَريكٌ، عَنْ أَبي فَزَارَةَ، عَنْ أبِي زيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُودٍ، قال: سَأَلنِي النبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "ما فِي إِدَاوَتِك؟ "، فَقُلْتُ: نَبِيذٌ، فَقَالَ:"تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ"، قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَإنَّمَا رُويَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَبى زَيْدِ، عَنْ عَبْدِ الله، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ غَيْر هَذَا الحَدِيثِ.

وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ الوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ مِنْهُمْ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُه. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبيذِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ ابْتُلِيَ رَجُلٌ بِهَذَا فَتَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ وَتَيَمَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَوْلُ مَنْ يَقُوُل: لَا يُتَوَضَّأُ بالنَّبيذِ أَقْرَبُ إِلَى الكِتَاب وَأَشْبَهُ، لِأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}

(1)

.

• قوله: "أَقْرَبُ إِلَى الكِتَابِ

" إلخ، أي: والنَّبِيْذُ لا يُسَمَّى ماءً مطلقًا، فوَاجِدُه ليس واجدَ ماءٍ فيجب عليه التَّيَمُّمُ بنَصِّ الكِتابِ، والحديثُ إنْ صَحَّ فَمِنْ حديث الآحاد فلا يُعَاوِضُ الكتاب، ولو صحَّ معارضًا لكان الكتابُ ناسخًا له؛ لأنَّ الحديثَ مَكِيٌّ والكتابَ مدنيٌّ. والله تعالى أعلم.

(1)

المائدة: 6.

ص: 118

‌بَاب [فِي] المَضْمَضَةِ مِنَ اللَّبَن

• قوله: "مِنَ اللَّبَنِ"، أي: من أجل شُرْبه.

53 -

(89) - (1/ 149) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ لَبَنًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، وَقَالَ:"إِنَّ لَهُ دَسَمًا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَاعِدِيِّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ المَضْمَضَةَ مِنَ اللَّبَنِ، وَهَذَا عِنْدَنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ المَضْمَضَةَ مِنَ اللَّبَنِ.

• قوله: "دَسَمًا": في "المجمع"

(1)

-بفتحتين- ما يظهر على اللَّبَن من الدُّهْن.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 2/ 173.

ص: 119

‌بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ رَدِّ السَّلَامِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ

• كلمةُ "غَيْرَ" إما بالنَّصَب على الحَال من الردِّ المَدْلُوْل عليه بذكر الردِّ، أو بالرَّفْع على أنَّه فاعلُ المصدر وهو الرَّدُّ، ولكن لا يخفى أنَّه لا دلالةَ في حديث الباب على هذه التَّرْجمة.

ص: 120

‌بَابُ ما جَاءَ فِي سُؤْر الكَلْب

54 -

(91) - (1/ 152 - 151) حَدَّثَنَا سَوَّارُ بنُ عَبْدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: سَمِعْتُ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: يُغسَلُ الإِنَاءُ إِذا وَلغَ فِيهِ الكَلبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا، وَلَمْ يُذْكرْ فِيهِ:"إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً". قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ.

• قوله: "وإِذَا وَلَغَ الكَلْبُ"، أي: شرِب منه بلِسَانه، وَلَغَ يَلَغُ -بفتح اللام فيهما- وحُكِيَ الكسرُ في المضارع.

ص: 121

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي سُؤْرِ الهرَّةِ

55 -

(92) - (1/ 153 - 155) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ كبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَتْ: فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بِنْتَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، أَوِ الطَّوَّافَاتِ".

وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ أبِيْ قَتَادَةَ وَالصَّحِيْحُ ابْنُ أبِيْ قَتَادَةَ. قَالَ وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: مِثْل الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ: لَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الهِرَّةِ بَأْسًا.

وَهَذَا أَحَسَنُ شَيْءٍ روي فِي هَذَا البَابِ، وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ أَتَمَّ مِنْ مَالِكٍ.

• قوله: "فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا": هو -بفتح الواو- ماءُ الوُضُوء، أي: صَبَبْتُه في إناء ليتوضأ منه.

• قوله: "فأصْغَى لَهَا"، أي: أمَالَه إليها لتَشْرَبَ منه.

ص: 122

• وقوله: "مِنَ الطَّوَّافِينَ": والإناثُ منه الطَّوَّافَات. كلمةُ "أوْ" إمَّا للشك، أو للتَّنْويعِ باعتبار أنَّ الذُّكورَ من الطوَّافِينَ، والإناثَ من الطَّوَّافات. وفيه إشارةٌ إلى عِلَّةِ الحُكم بعدم نَجَاسَةِ الهِرَّةِ، وهي النَّاشِئَةُ من كثرةِ دَوَرَانِها في البُيُوْت ودخولها فيها، بحيثُ يصعب صَوْنُ الأوانِي عنها، وقد اعتبر اللهُ تعالى هذه العِلَّةَ في التخفيف في كتابه فقال الله تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} (1)

ص: 123

‌بَابٌ [فِي] المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ

56 -

(93) - (1/ 155 - 156) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: بَالَ جَرِيرُ بنُ عَبْد اللهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي، وَقَدْ رَأَيْتُ. رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيْرٍ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ. هَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيْمَ يَعْنِى كَانَ يُعْجِبُهُمْ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَحُذَيْفَةَ، وَالمُغِيرَةِ، وَبِلَالٍ، وَسَعْدٍ، وَأَبِي أَيَّوبَ، وَسَلْمَانَ، وَبُرَيْدَةَ، وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّة، وَأَنسٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، وَأَبِي أُمَامَة، وَجَابِرٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنٍ عُبَادَةَ، وَيُقَالُ: ابْنُ عُمَارَةَ، وَأُبَىُّ بْنُ عُمَارَةَ. قَالَ. أبُوْ عِيْسَى: وحَدِيثُ جَرِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• وقوله: "لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ"، أي: وقد رآه [في] الإسلام يمسحُ على الخُفَّيْن كما يَدُلُّ عليه حديثُ شَهْرٍ

(1)

، ولهذا ذكره المصنِّفُ، فحديثُه يدُلُّ على بقَاص حُكْم المَسْحِ على الخُّفَّيْن بعد نُزُوْل الآية، وأنَّه لم يُنْسَخُ بآيةِ المائدة كما يقوله مُنْكِرُ الْمَسْح، ولو لم يكن حديثُ شَهْرٍ لَمَا تمَّ الدَّلِيْلُ؛ لأنَّ مجرَّدَ كَوْنِه أسْلَمَ بعد نُزُوْل المَائدة لا يدُلُّ على أنَّه رآه بعد نزولها يَمْسَحُ على الخُّفَّيْن، إذ يمكن أنَّه رآه قبل الإسلام ولا يَضُرُّ ذلك في رواية الحديث؛ لأنَّ تَحَمُّلَ

(1)

أي: شهر بن حوشب.

ص: 124

الرواية حالةَ الكُفْرِ لا يضُرُّ فِي الرواية إذا رَوَاها وهو مسلمٌ.

لا يقال: حديثُ جرير من أخْبَار الآحاد فلا يُعَارضُ الكتابَ؛ لأنَّا نقول: الكتاب يحتمل الْمَسْحَ على قراءة الجَرِّ، فيُحْمَل على مَسْح الخُّفَّيْن توفيقًا وتطبيقًا بين الأدِلَّةِ. والله تعالى أعلم.

ص: 125

‌بَابُ المَسْحِ عَلَى الخفَّيْن لِلْمُسَافِرِ وَالمُقِيمِ

57 -

(96) - (1/ 159 - 162) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْن عَسَّالٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا شفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الجَدَلِيِّ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَلَا يَصِحُّ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعْ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الجَدَلِيِّ حَدِيثَ المَسْحِ. وقَالَ زَائِدَة: عَنْ مَنْصُورٍ كنَّا فِي حُجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَمَعَنَا إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، فَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الجَدَلِيِّ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ اسْمَاعِيْلَ: أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ المُرَادِيُّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهُوَ قَوْلُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الفُقَهَاءِ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَليَالِيهِنّ. قال أبُوْ عِيْسَى: وَقد رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ أَنَّهمْ لَمْ يُوَقِّتُوا فِي

ص: 126

المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَهُوَ قَول مَالِكِ بْنِ أَنسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَالتَّوْقِيتُ أَصَحُّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أيضًا مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ عَاصِمٍ.

• قوله: "يَأْمُرُنَا"، أي: أمرَ إباحةٍ ورُخْصَةٍ.

• وقوله: "إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ"، أي: فَنَنْزَع منها.

• وقوله: "وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ"، أي: ولكن لا ننزع من غائطٍ

إلخ، ففي الكلام تقديرٌ بقرينةٍ.

ص: 127

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْن أَعْلَاه وَأَسْفَلِهِ

58 -

(97) - (1/ 162 - 163) حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ كَاتِبِ المُغِيرَةِ، عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، ومَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.

وَهَذَا حَدِيث مَعْلُولٌ، لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ غَيْرُ الوَليدِ بْنِ مُسْلِمٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ اسْمَاعِيْلَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ ابْنَ المُبَارَكِ رَوَى هَذَا عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ كَاتِبِ المُغِيرَةِ، مُرْسَلٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يُذْكرْ فِيهِ المُغِيرَةُ.

• قوله: "لَمْ يُسْنِدْه

" إلخ، والباقي من الرُّوَاة أرسلوه ولم يذكروا مغيرةَ.

ص: 128

‌بَابٌ فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالعِمَامَةِ

(1)

59 -

(100) - (1/ 170 - 171) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ ابْنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالعِمَامَةِ. قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنَ ابْنِ المُغِيرَةِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي هَذا الحَدِيثِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُ مَسَحَ عَلى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ، وَقد رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، ذَكرَ بَعْضُهُمْ: المَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالعِمَامَةِ، وَلَمْ يَذْكرْ بَعْضُهُمْ النَّاصِيَةَ. وسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الحَسَنِ يَقُوُل: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةِ، وَسَلْمَانَ، وَثَوْبَانَ، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَنَسٌ، وَبِهِ يَقُولُ الأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا: يَمْسَحُ عَلَى العِمَامَةِ. وقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ: لَا يَمْسَحُ عَلَى العِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ مَعَ العِمَامَةِ، وَهُوَ قَول سُفْيَالنَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وسَمِعْتُ الجَارُودَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُوُل: سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي المَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ.

ص: 129

الجَرَّاحِ يَقُولُ: إِنْ مَسَحَ عَلَى العِمَامَةِ يُجْزِئُهُ لِلأثَرِ.

• قوله: "عَلَى النَّاصِيَةِ"، أي: فيجمع في المسح بينهما.

• قوله: "مَا رَأَيْتُ بِعَيْنِي مِثْلَ يَحْيَ

" إلخ، أي: فيَجِبُ الرُّجُوْعُ إلى روايتِه، أي: فالأولى الرَّجُوْع إلى روايته وهو لم يذكر النَّاصِيَةَ، فالأخذُ برِوَايَتِه يَقْتَضِي جواز الاقتصاو على مَسْح العِمَامَة فقط بحيث لا يمْسَحُ على شيء من رأسه.

• قوله: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ": قد اعْتَذَرَ عنه مَنْ لايقول بالمَسْحِ على العِمامة بأنَّه من أخْبار الآحاد فلا يُعَارِضُ الكتابَ؛ لأنَّ الكتابَ يُوْجِبَ مسحَ الرأس، ومسحُ العِمَامَة لا يُسَمَّى مَسْح الرأس على أنَّه حكاية حال، فيجوز أنْ يكونَ العِمَامةُ صغيرةً رقيقةً بحيث تَنْفَذُ البَلَّةَ منها إلى الرَّأس، ويؤيِّدُه حديثُ كعبِ بْن عجرة "مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالخِمَار" فإنَّ الخِمَارَ ما تَسْتُر به المرأةُ رأسَها، وذاك يكون عادةً بحيث يمكنُ نفوذُ البَلَّةِ منها إلى الرَّأس إذا كانت البَلَّةُ كثيرةً، فكأنَّه عَبَّر بالخِمَار عن عِمَامَةٍ؛ لكونِها كانت لصِغْرِها كالخمار. والله تعالى أعلم.

ص: 130

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الغُسْل مِنَ الجَنَابَة

60 -

(103) - (1/ 173 - 174) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْن أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غُسْلًا، فَاغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ الإِنَاءَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، فَغَسَلَ كفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَأَفَاضَ عَلَى فَرْجِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِيَدِهِ الحَائِطَ، أَوِ الأرْضَ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي البَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

• قوله: "وَضَعْتُ غُسْلًا": -بالضَمِّ- أي: ماءَ الغُسْل على حذف المضاف. ومنهم من قال: هو يُطْلَق على نفس الماء فلا حاجةَ إلى اعتبار تقدير.

• قوله: "فَأَكفَأَ": -بالهمزة- أي: أمَالَهُ.

• وقوله: "ثُمَّ دَلَكَ بِيَدِهِ

" إلخ، أي: مبالغة في التَّنْظيف.

• وقوله: "ثُمَّ تَنَحَّى"، أي: ابْتَعَد عن مكانه. ثُمَّ ظاهرُ هذا الحديث أنَّه اكتفى عن مسح الرأس في الوُضُوْءِ بغَلْسِه، لكنَّ مقتضى سائرِ الرِّوايات أنَّه مَسَحَهُ أيضًا، فذِكْرُ المسح كأنَّه من اقتصار بعض الرُّوَاةِ. والله تعالى أعلم.

61 -

(104) - (1/ 174 - 175) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ

ص: 131

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَه لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُشَرِّبُ شَعْرَه المَاءَ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَه أَهْلُ العِلْم فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفرخ عَلى رَأسِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَالُوا: إِنْ انْغَمَسَ الجُنُبُ فِي المَاءِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "ثُمَّ يُشَرِّبُ"، من الإشْراب أو التَّشْرِيب، أي: يَسْقِيه، والمراد - والله تعالى أعلم- أنْ يُخَلِّلِ شَعْر وأسَه باليد المبتَلَّة بالماء. قيل: والمُرَاد الصَّبُّ على الرأس ليَسْهل إيصالُ الماء إليه، ويدخل في خِلال وقْتِ الصَّبِّ على الرَّأس.

ص: 132

‌بَابٌ: هَلْ تَنْقُضُ المَرْأَة شَعْرَهَا عِنْدَ الغُسْل؟

62 -

(105) - (1/ 175 - 177) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي امْرَأَة أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ قَالَ:"لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلأثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ المَاءَ، فَتَطْهُرِينَ"، أَوْ قَالَ:"فَإِذَا أَنْتِ قَدْ تَطَهَّرْتِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنَابَةِ فَلَمْ تَنْقُضْ شَعْرَهَا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهَا بَعْدَ أَنْ تُفِيضَ المَاءَ عَلَى رَأْسِهَا.

• قوله: "ضَفْرَ رَأْسِيْ": قال ابنُ العربى

(1)

: قوله: "ضَفْرَ" يقدِّره الناس بإسكان الفاء وإنَّما هو بفتحها؛ لأنَّ المُسَكَّن مصدر "ضَفَرَ رأسَه ضَفْرا". أو المفتوح هو الشَّيء المضفور كالشَّعْر وغيره، والضَّفْرُ نَسْجُ خصل

(1)

هو: الإمام العلامة الحافظ القاضي، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي. ولد سنة ثمان وستين. رحل مع أبيه إلى الشرق، وصحب الشاشي والغزالي، ورأى غيرهما من العلماء والأدباء. وكذلك لقي بمصر والإسكندرية جماعة من الأشياخ. صنف كتاب:، عارضة الأحوذي في شرح جامع الإمام أبي عيسى الترمذي"، وفسر القرآن المجيد في خمس مجلدات، وغير ذلك في الحديث والفقه والأصول. توفي بمدينة "فاس" سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة. راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 4/ 296، والوافي بالوفيات: 3/ 265، 266، سير أعلام النبلاء: 20/ 197 - 204.

ص: 133

الشَّعْر وإدخالُ بعضِها في بعض

(1)

.

قلت: المصدر يُسْتَعْمَلُ في معنى المفعول كثيرا كالخَلْق بمعنى المخلوق، فيجوز إسكانُه على أنَّه مصدرٌ بمعنى المَضْفُور على أنَّه يُمْكِن إبقاءه على معناه المصدويِّ؛ لأنَّ شَدَّ المَنْسُوْج يكون نسْجُه، ثُمَّ ظاهر هذا الحديث يُفيْدُ أنَّ الدَّلْكَ وكذا المَضْمَضَة والاستنشاق لَيْسَتْ بفرض في الغسل. والله تعالى أعلم.

• قوله: "أَنْ تَحْثِين": هكذا في غالب النُسَخ بإثبات النون، وهو مَبْنِيٌّ على إهْمَال أنَّ في نسخة صحيحةٍ "أنْ تَحْثِيَ" وهو الأصل.

• وقوله: "ثُمَّ تُفِيضِين": بإثبات النُّونِ على الاستئناف.

(1)

راجع: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي: 1/ 132.

ص: 134

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً

63 -

(106) - (1/ 178) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ، قَالَ: حَدَّتنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا البَشَرَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ الحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ، وَهُوَ شَيْخٌ لَيْسَ بِذَاكَ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الحَدِيثِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَيُقَالُ: الحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ وَجْبَةَ.

• قوله: "أَنْقُوا": -بِهمزةٍ مقطوعة- أي: نظِّفُوا.

ص: 135

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِى الوُضُوءِ بَعْدَ الغُسْلِ

64 -

(107) - (1/ 179 - 180) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الغُسْلِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ الْعِلْمِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ: أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ بَعْدَ الغُسْلِ.

• قوله: "لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الغُسْلِ"، أي: قبل الحدث؛ لأنَّ الوُضُوْء يَحْصُلُ في ضِمْن الغسل، بل الغالب أنَّ من يريد الغُسْلَ يتوضأ قبلَه.

ص: 136

‌بَابُ مَا جَاءَ إذَا التَقَى الخِتَانَان وَجَبَ الغُسْلُ

65 -

(108) - (1/ 180 - 181) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ الأوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ، فَعَلْتُهُ أَنا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاغْتَسَلْنَا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.

• قوله: "إِذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ"، أي: ختانُه ختانَها، والمراد غَيْبُوبةُ الحَشفةِ.

ص: 137

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ المَاءَ مِنَ المَاءِ

66 -

(115) - (184 - 1/ 183) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يُوُنسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ المَاءُ مِنَ المَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا.

• قوله: "رُخْصَةً": الظَّاهِرُ أنَّه هو الحكم كان في الأوَّل أطلق عليه الرخصة لما فيه من التَّخْفِيْف.

• وقوله: "ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا"، أي: نُسِخَ هذا الحكم، وإلى هذا يُشِيْرُ كلامُ المصنف أيضًا. والله تعالى أعلم.

67 -

(112) - (1/ 186) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي الجَحَّافِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَمِعْتُ الجَارُودَ، يَقُوُل: سَمِعْتُ وَكِيعًا، يَقُولُ: لَمْ نَجِدْ هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا عِنْدَ شَرِيكٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَبُو الجَحَّافِ اسْمُهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَوْفٍ. وَيُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الجَحَّافِ وَكَانَ مَرْضِيًّا. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَطَلْحَةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَال:"المَاءُ مِنَ المَاءِ".

• قوله: "إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ": كأنَّه رضي الله عنه أرادَ بِهذا التأويل التَّوْفِيْقَ بين حديث: "المَاءُ مِنَ المَاءِ" وحديث: "إذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ" لكن شأنَ ورود حديث "المَاءُ مِنِ المَاءِ" يأبى هذا التأويل؛ لأنَّ مَوْرِدَه كان الجماعُ. والله تعالى أعلم.

ص: 138

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِيمَنْ يَسْتَيقظُ فَيَرَى بَلَلًا

إلخ

68 -

(113) - (1/ 189 - 192) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الخَيَّاطُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ هو العُمَرِىُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ القَاسِم بْن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَن الرَّجُلِ يَجِدُ البَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا؟ قَالَ: "يَغتَسِلُ"، وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا؟ قَالَ:"لَا غُسْلَ عَلَيْهِ"، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ غُسْلٌ؟ قَالَ:"نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الرَّجُلِ يَجِدُ البَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا. وَعَبْدُ اللهِ [بنُ عُمَرَ] ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ فِي الحَدِيثِ.

وَهُوَ قَول غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْل العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ: إِذا اسْتَيْقظ الرَّجُلُ فرَأَى بِلَّةً أَنَّهُ يَغْتَسِلُ، وَهُوَ قوْل سُفيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ: إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الغُسْلُ إِذَا كَانَتِ البِلَّةُ بِلَّةَ نُطْفَةٍ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَإِذَا رَأَى احْتِلَامًا وَلَمْ يَرَ بِلَّةً فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "شَقَائِقُ الرِّجَال"، أي: نَظَائِرُهم فِي الأحكام.

ص: 139

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المَنِىِّ وَالمَذِيِّ

69 -

(114) - (1/ 193 - 197) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ البَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ،

ح، قَالَ: وحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدةَ، عَنْ يَزِيدَ بْن أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ:"مِنَ المَذْيِ الوُضُوءُ، وَمنَ المَنيِّ الغُسْلُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ:"مِنَ المَذْيِ الوُضُوءُ، وَمنَ المَنيِّ الغُسْلُ".

وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِهِ يَقُوُل سُفْيَانُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "قال: "سَأَلْتُ"، أي: بواسطة المقداد هو المُصَرَّحُ به عنه في الصحيح

(1)

، وقد بَيَّنَ سَبَبَه بأنَّه استحيى لمكان ابنته صلى الله عليه وسلم فاطمةَ، فمن قال يحتمل أنَّه سأل بنفسه أيضًا مِمَّا يأبى عنه الطَّبعُ السَّلِيم.

• قوله: "وَمنَ المَنِيِّ الغُسْلُ": زيادةٌ في الإفادة وإلا فالجواب قد تَمَّ بِمَا قبله.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: من لم ير الوضوء من المَخْرَجَيْن: من القُبل والدبر، ح:178.

ص: 140

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِى المَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ

70 -

(115) - (1/ 197 - 198) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ هُوَ ابْنُ السَّبَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ المَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً، فَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الغُسْلَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ:"إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ الوُضُوءُ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كيْفَ بمَا يُصِيبُ ثَوْبي مِنْهُ، قَالَ:"يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثوْبَك حَيْث ترَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي المَذْيِ مِثْلَ هَذَا.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي المَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا الغَسْلُ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْزِئُهُ النَّضْحُ. وقَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ النَّضْحُ بِالمَاءِ.

• قوله: "وَعَنَاءً"، أي: تعبًا ومَشَقَّةً.

• وقوله: "أُكْثِرُ": من الإكثار.

• قوله: "فَتَنْضَحَ ثَوْبَكَ": من لا يقول بالنَّضْح يحمله على الغَسْل الخَفِيْفِ لكن يشكل على من اشترط فِي النَّجَاسَة المَرْئية إزالةَ عَيْنِها وفي غير المرئية غسلها ثلاثًا. والله تعالى أعلم.

ص: 141

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِى المَنِىِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ

71 -

(116) - (1/ 198 - 200) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْن الحَارِثِ، قَالَ: ضَافَ عَائِشَةَ ضَيْفٌ، فَأَمَرَتْ لَهُ بِمِلحَفةٍ صَفرَاءَ، فنَامَ فِيهَا، فاحْتَلمَ، فاسْتَحْيَى أنْ يُرْسِل بِهَا، وَبِهَا أَثَرُ الِاحْتِلَامِ، فَغَمَسَهَا فِي المَاءِ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:"لِمَ أَفْسَدَ عَلَيْنَا ثَوْبَنَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَفْرُكَهُ بِأَصَابِعِهِ، وَرُبَّمَا فَرَكتُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأَصَابِعِي".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَول غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الفُقَهَاءِ مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: فِي المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ يُجْزِئُهُ الفَرْكُ وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ، مِثْلَ رِوَايَةِ الأَعْمَشِ، وَرَوَى أَبُو مَعْشَرٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَحَدِيثُ الأَعْمَشِ أَصَحُّ.

• قوله: "مِلْحَفَةٍ": -بكسر الميم، وفتح الحاء- اللِّحاف وهو ما يُتَغَطَّى به. و"فَرْكُ الْمَنِيِّ": دلْكُه حتى يذهبَ الأثر من الثَّوْب.

• وقوله: "رُبَّمَا": للتكثير لا للتَّقليل بشهادة المقام.

ص: 142

[بابُ غَسْلِ المَنِىِّ مِنَ الثَّوْبِ]

72 -

(711) - (1/ 251 - 252) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سُليْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشة، أَنَّهَا "غَسَلَتْ مَنِيًّا مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَحَدِيث عَائِشة: أنَّهَا غسَلتْ مَنِيًّا مِنْ ثوْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ الفَرْكِ؛ لِأنَّهُ وَإِنْ كانَ الفَرْكُ يُجْزِئُ فَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُرَى عَلى ثوْبِهِ أَثرُه. قال ابْنُ عَبّاسٍ: المَنِيُّ بِمَنْزِلةِ المُخَاطِ، فأَمِطهُ عَنْكَ وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ.

• قوله: "فَأِمطْهُ،: أي: أزِلْه.

ص: 143

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي الجُنُب يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ

73 -

(811) - (1/ 202) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً.

74 -

(911) - (1/ 202 - 203) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفِيانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا قَول سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ.

وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قبْل أنْ يَنَامَ. وَهَذا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ أبِي إِسْحَاق، عَنِ الأَسْوَد.

وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي إِسحَاقَ هَذَا الحَدِيثَ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ.

• قوله: "وَلَا يَمَسُّ مَاءً"، أي: لا يسْتَعْمِله ولايتوَضَّأ به، ولعلَّ هذا كان أحيانًا لبيان الجَوَاز وإن كان الغالبُ الوضوء كما يقتضيه الحديث الثَّانِي.

• وقوله: "الحَدِيث غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ": غيرُ لازم لإمكان التَّوْفِيْقِ

ص: 144

بين الحديث فلا وجهَ لتغليط حافظ

(1)

مع إمكان التَّوْفيق

(2)

، ثم رأيتُ السُّيُوطِي في حاشية أبي داود

(3)

بَسَطَ فِي رَدِّ التَّغْلَيط ونَقَل عن كثير مثل ما قلتُ.

(1)

هو: شيخ الإسلام شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكناني ابن حجر العسقلاني، ثم المصري، الشافعي، أصله من عسقلان (بفلسطين) ولد في الثاني عشر من شعبان، سنة: 773 هـ، ولع بالأدب والشعر حتى بلغ الغاية، ثم طلب الحديث، فسمع الكثير ورحل إلى اليمن والحجاز لسماع الشيوخ. ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل. أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها:"الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة"، ولسان الميزان"، و "الإحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام"، و"تقريب التهذيب"، و"الإصابة في تمييز أسماء الصحابة"، و"فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، و"بلوغ المرام من أدلة الأحكام". توفي في الثامن عشر من ذي الحجة، سنة: 882 هـ. راجع لترجمته: طبقات الحفاظ للسيوطي: 552، شذرات الذهب: 9/ 395 - 399، والأعلام للزركلي: 1/ 178.

(2)

راجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن الحجر العسقلاني: 1/ 469.

(3)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 1/ 173.

ص: 145

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي مُصَافَحَةِ الجُنُب

75 -

(211) - (1/ 207 - 208) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَععِيدٍ القَطَّانُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْبَجَسْتُ أي: فَانْخَنَسْتُ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ:"أَيْنَ كُنْتَ؟ أَوْ أَيْنَ ذَهَبْتَ؟ " قُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، قَالَ:"إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ حُذَيْفَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه لَقِيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جُنُبٌ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ رَخَّصَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي مُصَافَحَةِ الجُنُبِ، وَلَمْ يَرَوْا بِعَرَقِ الجُنُبِ، وَالحَائِضِ بَأْسًا. وَمَعْنَى قَوْلِهِ:"فَانْخَنَسْتُ"، يَعْنِي: تَنَحَّيْتُ عَنْهُ.

قوله: "لا يَنْجُسُ":-بفتح الجيم، وضمها- كذا ذكره السيوطي في حاشية النسائي

(1)

أي: بالحدث أصغرَ كان أو أكبر إذ المقام مقام الحدث، فلا يرد أنَّه قد يَتَعَلَّقُ ببعض أعضائه. نجاسةٌ فيصير نجسًا.

وقد يقال: المراد أنَّ نفسَه لا يصير نجسًا، نعم قد يصحبه النَّجس لكن النَّجس هو ذلك الذي يَصْحَبه لا نفسُ المؤمن، فإذا زال فالمؤمنُ على حالِه من الطَّهَارة، فالمؤمنُ لا ينجس أصلًا وإن كان قد يصحبه ما هو نجس فذاك

(1)

راجع: سنن النسائي بحاشية السيوطي: 1/ 158.

ص: 146

لا يظهر في صووةِ الجنابةِ في اليد ونحوه.

والحاصل: أنَّ مقتضى ما فعل أبو هريرة هو أنَّ المؤمنَ يصير نجسًا بحيث يُحْتَرز عن صحبته حالةَ الجَنابة إذ لا يظهر بمُجَرَّدِ الجنابةِ شيءٌ يمكن الاحترازُ عن صحبة المؤمن لأجله إلا وأن يصيرَ كذلك، فردَّه صلى الله عليه وسلم بأنَّ المؤمنَ لا يصير كذلك أصلا. وذلك لا ينافِي أنَّ المومن قد يُحْتَرِزُ عنه بالنَّظر إلى ما يُصِيْبُه من بعض الأنجاس وهو أمرٌ معلومٌ من خارج، وهذا الحديث لا ينافيه أصلًا.

ص: 147

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي الرَّجُل يَسْتَدْفِئُ بالمَرْأَةِ بَعْدَ الغُسْلِ

76 -

(231) - (1/ 210 - 211) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حُرَيْتٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأَ بِي، فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ وَلَمْ أَغْتَسِلْ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ. وَهُوَ قَول غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اغْتَسَلَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَدْفِئَ بِامْرَأَتِهِ وَيَنَامَ مَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأَةُ، وَبِهِ يَقُوُل سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "فَاسْتَدْفَأَ بِي": -بِهَمْزة في آخره- أي: طلب الدَّفَاء- بفتحتين والمَدِّ- وهي الحرارةُ.

• وقوله: "وَلَمْ أَغْتَسِلْ": جملةٌ حاليةٌ، أي: والحال أنِّي ما اغتسلتُ.

ص: 148

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي] التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ إذَا لَمْ يَجِدِ [المَاءَ]

77 -

(241) - (1/ 211 - 217) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَيِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ". وقَالَ مَحْمُودٌ فِي حَدِيثِهِ: "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ المُسْلِمِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ خَالِدٍ الحَذًّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْن بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَلَمْ يُسَمِّهِ. قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَولُ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ: أَنَّ الجُنُبَ، وَالحَائِضَ إِذَا لَمْ يَجِدَا المَاءَ تَيَمَّمَا وَصَلَّيَا. وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعودٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلجُنُب، وَإِنْ لمْ يَجِدِ المَاءَ، وَيُرْوَى عَنهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قوْلهِ: فقَالَ: يَتَيَمَّمُ إِذَا لمْ يَجِدِ المَاءَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "طَهُورُ": -بفتح الطَّاء- وجهُ الاستدلال إمَّا إطلاقُ الطَّهور والوضوء في الرواية الأخرى محمولٌ عليه، أو أنَّ عشر سنين عادةً لا تَخْلو عن جنابة.

• قوله: "فَلْيُمِسَّهُ": من الإمْسَاس. وأعاد التَيَمُّمَ حين صار بحيث يُسَمَّى

ص: 149

غير واجد للماءِ لكان في سَعَة من ذلك إلا أنَّ الأولى استعمالُ الماء إذا وجد، فالأمرُ فِي "فَلْيمِسَّهُ" للنُّدْب لا للوجوب، نعم ما دام على الماء لا يجوز له أن يُصَلِّيَ بالتيمم، بل يجب عليه الوضوءُ إنْ صلَّى إن لم يمنع عنه مانعٌ آخر.

ص: 150

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي المُسْتَحَاضَةِ

78 -

(251) - (1/ 217 - 220) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَعَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ:"لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي". قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ فِي حَدِيثِهِ: وَقَالَ: "تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ: "جَاءَتْ فَاطِمَةُ

" حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّ المُسْتَحَاضَةَ إِذَا جَاوَزَتْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ.

• قوله: "إِنَّمَا ذَلِكَ"، أي: دمُ الاستحاضة عِرْقٌ، أي: دَمُ عِرْقٍ، والتَّأنِيْثُ فِي قوله:"وَلَيْسَتْ" لمراعاة الخبر. "وَالْحَيْضَةُ": -بالفتح- بمعنى الحَيض. وقيل: -بالكسر- بمعنى الحالة والأوَّل أظهر.

ص: 151

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي المُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ

79 -

(281) - (1/ 221 - 228) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا أَبُو عَامَرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا، قَدْ مَنَعَتْينِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ؟ قَالَ:"أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:"فَتَلَجَّمِي" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:"فَاتَّخِذِي ثَوْبًا" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ: أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي وَصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحٍ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ

ص: 152

وَسَلَّمَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ جُرَيجٍ يَقُولُ: عُمَرُ بْنُ طَلْحَةَ، وَالصَّحِيحُ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي المُسْتَحَاضَةِ: إِذَا كَانَتْ تَعْرِفُ حَيْضَهَا بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، وَإِقْبَالُهُ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ، وَإِدْبَارُهُ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى الصُّفْرَةِ، فَالحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَإِنْ كَانَتِ المُسْتَحَاضَةُ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ، فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي، وَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ وَلَمْ تَعْرِفِ الحَيْضَ بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، فَالحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ. وكذلك قَالَ أبُوْ عُبَيْدٍ.

وقَالَ الشَّافِعِيُّ: المُسْتَحَاضَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي أَوَّلِ مَا رَأَتْ فَدَامَتْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا طَهُرَتْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ حَيْضٍ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّهَا تَقْضِي صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي أَقَلِّ الحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَقَلُّ الحَيْضِ ثَلاثَةٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَبِهِ يَأْخُذُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَرُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ،

ص: 153

وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.

• قوله: "حَيْضَةً، كَثِيرَةً":-بفتح الحاء- بمعنى الحَيْضِ وهو مصدرُ "اسْتَحَاضَ" على حَدِّ "أنْبَتَ اللهُ نبَاتًا" ولا يَضُرُّه الفَرْقُ في اصطِلاحِ من الفُقَهَاء بين الحَيض والاستِحاضةِ إذ الكلام واردٌ على أصل اللُّغة.

• قوله: "فَتَلَجَّمِي": في "المجمع"، أي: اجْعَلى موضع خروج الدَّمِ عِصَابَةً تمنع الدم، شَبَّهَ بوضع اللِّجام فِي فم الدَّابة

(1)

.

وفِي "النهاية": وهو أن تَشُدَّ على وسَطِهَا خِرْقَةً أو خيطًا فتأخذ خرقةً أخرى فتُدْخِلها بين فخذيها وإلْيَتَيْها، وتَشُدُّ الطَّرْفَيْن بالخرقة التي فِي وسطها، إحداهما قدَّامها عند سُرَّتِها والأخرى خلفها، وتلصق هذه الخرقة المشدودةَ بين الفخذين بالقطعة التي على الفَرْج إلصاقًا جَيِّدًا. انتهى

(2)

.

• قوله: "فَاتَّخِذِي"، أي: استَعْمِلي الثَّوب فِي التَّلَجُّمِ ليقطع. والله تعالى أعلم.

• قوله: "فَتَحَيَّضِي": في "المجمع": تَحَيَّضَتْ إذا قعدتْ من أيَّام حيضها تنتظر انقطاعها أراد عُدِّيْ نفسكِ حائضًا أو افْعَلِي ما تفعل الحائضُ، وخُصَّ العدَدَان؛ لأنَّهما الغالبُ على أيَّامه. انتهى

(3)

.

• قوله: "فَصَلِّي أَرْبَعًا

" إلخ، ظاهرُ الإطلاق يقتضي أنَّه لا حاجة إلى

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 469.

(2)

راجع: النهاية الجزرية لابن الأثير: 8/ 3744.

(3)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 615.

ص: 154

الوُضوء لكل وقت صلاة وهو ظاهر التَّشْبِيْه في قوله: "وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ

" إلخ، لكن مقتضى الأحاديث السَّابِقَة اعتبارُ الوضوءِ لكلِّ وقت صلاة مثلا. والله تعالى أعلم.

• قوله: "فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي": ظاهرُه أنَّ المرادَ إن قويتِ على أن تفعلي فى دائمًا كذلك من غير تَحَيُّضِ أيامًا، فالجمعُ بينهما أنْ تَحِيْضَ أيّامًا وتفعل في الباقي الجمع بين الصَّلاتين على الوجه المذكور.

والظاهر أنَّ إجزاءَ الأمرين على حسب حالِهما إن أمكنَ منها إرجاعُ الحيض إلى أيام بعينها بأدنى علامةٍ فقد قَوِيَتْ على الأمر الأوَّل وإلا فالأمْر الثَّانِي، والجمع، أنَّها تَجِد أدنى علامةٍ للإرجاع إلى أيَّامٍ بعَيْنِها ومع ذلك تَغْتَسل كلَّ يوم، وتجمع بين الصلاتين احتياطًا. والله تعالى أعلم. ومعنى "أيَّهُمَا صَنَعْتِ"، أي: عند القُدْرَةِ عليه بأنْ [كان] الحالُ مُقْتَضِيًا ذلك.

ص: 155

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَائِضٍ أَنَّهَا لَا تَقْضِى الصَّلَاةَ

80 -

(301) - (1/ 234 - 235) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ فَلَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ الحَائِضَ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ لَا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ.

• قوله: "حَرُورِيَّة": -بفتح حَاء، وضمِّ راءٍ أولى- أي: خَارجِيَّةٌ، وهم طائفةٌ من الخوارج نُسِبُوْا إلى حَرُوْرَاء- بالمَدِّ والقصر- وهو موضعٌ قريبٌ من الكوفة، وكان عندهم تَشَدُّدٌ في أمر الحيض، شبَّهَتْها بِهِمْ في تشَدُّدِهم في أمرهم وكثرةِ مسائلهم وتَعَنُّتِهِمْ بِها. وقيل: أرادَتْ أنَّها خَرَجَتْ عن السُنَّةِ كما خرجوا عنها.

ص: 156

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَائِضِ والجُنُبِ أَنَّهُمَا لَا يَقْرَآنِ القُرْآنَ

81 -

(311) - (1/ 236 - 237) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَالحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنٍ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَقْرَأ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِسَمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَقْرَأ الجُنُبُ وَلَا الحَائِضُ".

وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَا تَقْرَأ الحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا طَرَفَ الآيَةِ وَالحَرْفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالحَائِضِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ.

قَالَ: وسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، يَقُولُ: إِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ يَرْوِي عَنْ أَهْلِ الحِجَازِ، وَأَهْلِ العِرَاقِ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ، كَأَنَّهُ ضَعَّفَ رِوَايتَهُ عَنْهُمْ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ.

وقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ مِنْ بَقِيَّةَ، وَلبَقِيَّةَ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ عَنِ الثِّقَاتِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَال: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ ذَلِك.

ص: 157

• قوله: "لَا تَقْرَأ الحَائِضُ

" إلخ، يحتملُ أنْ يكونَ نفيًا بمعنى النَّهْي.

"إِلَّا طَرَفَ الآية"، أي: الذي لا يُعَدُّ به قارئ القرآن عُرْفًا؛ لأنَّ المَنْعَ عن قراءةِ القرآن.

• قوله: "إِنَّمَا حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ"، أي: حَدِيثُه المقبولُ القوِيُّ، وأمَّا حديثُه على أهل الشَّامِ فضعيفٌ.

ص: 158

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ

82 -

(321) - (1/ 239) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا حِضْتُ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ، ثُمَّ يُبَاشِرُنِي.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ": على صيغةِ المُتكلِّم، ولا يُمْكِنُ أن تُجْعَل "أنْ" تفسيريةً، ويُقْرأ "اتَّزِرْهُ" على صِيْغَةِ الأمْر على أنَّه تفسيرٌ للأمْر فِي قوله:"يَأمُرُنِي" لأنَّ اللائقَ حينئذ "ايْتَزِرِيْ" على خطاب الأنْثَى لا على خطاب الذُّكُوْر، وصَوابُه القراءةُ بالهَمْزة، وتخفيف التاء، وتشديد التاء كما هو المشهور، إذ الهمزة لا تدْغَمُ في التاء، وكذا يُفْهَم من "المجمع"

(1)

لكن لا يخْفَى أنَّه منقوضٌ بـ "اتخذ" من أخَذَ.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 53.

ص: 159

بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَائِضِ تَتَنَاوَلُ الشَّىْءَ مِنَ المَسْجِدِ

83 -

(341) - (1/ 241 - 242) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبِيدَة بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَتْ لِيْ عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "نَاوِلِينِى الخُمْرَةَ مِنَ المَسْجِدِ" قَالَتْ: قُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، قَالَ:"إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَولُ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ: بِأَنْ لَا بَأْسَ أَنْ تَتَنَاوَلَ الحَائِضُ شَيْئًا مِنَ المَسْجِدِ.

• قوله: "الخُمْرَةَ": هي -بضم الخاء المعجمة- ما يُصَلِّيْ عليه الرَّجُل من حصيرٍ ونحوه. انتهى من حاشية النسائي

(1)

.

(1)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 1/ 160.

ص: 160

‌بَابُ مَا جَاءَ [فِي] كَمْ تَمْكُثُ النُّفَسَاءُ

84 -

(391)(1/ 256 - 259) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ أَبُو بَدْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بن عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ أَبي سَهْلٍ، عَنْ مُسَّةَ الأَزْدِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا بِالوَرْسِ مِنَ الكَلَفِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ، عَنْ مُسَّةَ الأزْدِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَاسْمُ أَبِي سَهْلٍ، كثِيرُ بْنُ زِيَادٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: عَلِيُّ بن عَبْد الأعْلَى ثِقَةٌ. وَأَبُو سَهْلٍ ثِقَةٌ وَلَمْ يَعْرِفْ مُحَمَّدٌ هَذَا الحَدِيثَ إِلَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ.

وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَّا أنْ تَرَى الطُّهْرَ قبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الأرْبَعِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: لا تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَيُرْوَى عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا تَدَعُ الصَّلاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إِذَا لَمْ تَرَ الطُّهْرَ. وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالشَّعْبِيِّ سِتِّينَ يَوْمًا.

• قوله: "الكَلَفِ":-بفتح الكاف، واللام- قال السيوطي في حاشية أبي داود.

(1)

(1)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 1/ 200.

ص: 161

• "قَالَ أبُوْ عِيْسَى

" إلخ، قال المُحَقِّقُ ابنُ الهمَّام: أثْنَى البخاريُّ على هذَا الحديث، وقال النَّوْويُّ

(1)

: حديثٌ حسنٌ. وأمَّا قولُ جماعةٍ من مُصَنِّفِي الفُقَهَاء أنَّه ضعيفٌ مردودٌ عليهم كأنَّه يُشِيْرُ إلى إعلالِ ابن حبَّان إيَّاه بكثير بْن زيادٍ أبي سهل الخُرَاسانِيِّ، فقال: كان يروي الأشياءَ المَقْلُوْبات فيجتنب ما انْفَرَدَ به، وقد صحَّحَه الحاكمُ

(2)

.

قيل: ومعنى الحديث كانتْ تُؤمَرُ أنْ تَجْلِسَ الأربعينَ لتَصِحَّ إذ لا يتَّفِقُ عادةُ جميعِ أهل عَصر فِي حيضٍ أو نفاسٍ. انتهى

(3)

.

(1)

هو: شيخ الإسلام، الإمام العلامة محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة الحزامي، الحوراني، النووي، الشافعي. ولد في المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مائة بـ "نوى" قرية من قرى حوران بالشام. تعلم في دمشق وأقام بها زمنا طويلا، كان فقيها فهامة، محدثا نحريرا، أفاد العالم بمؤلفاته النافعة الجليلة. توفي سنة ست وسبعين وست مائة في مسقط رأسه بقرية "نوا". راجع لترجمته: طبقات الشافعية للسبكي: 8/ 395، والأعلام للزركلي: 8/ 149.

(2)

هو: الحافظ الكبير، إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي، الطهماني، النيسابوري، المعرف بـ "الحاكم". ولد في ربيع الأول بنيسابور، سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة. طلب الحديث من الصغر باعتناء أبيه وخاله، ورحل إلى العراق وهو ابن عشرين سنة، وحج ثم جال في خراسان وما وراء النهر، وسمع بالبلاد من ألفي شيخ أو نحو ذلك. ولي قضاء نيسابور سنة 359 هـ ثم قلد قضاء جرجان، فامتنع. وهو من أعلم الناس بصحيح الحديث وتمييزه عن سقيمه. صنف كتبا كثيرة جدا. منها:"تاريخ نيسابور"، و"المستدرك على الصحيحين"، و"الإكليل"، و"المدخل" في أصول الحديث. توفي بنيسابور سنة خمس وأربع مائة: راجع لترجمته: تاريخ بغداد:3/ 509، المنتظم: 15/ 109، وفيات الأعيان: 4/ 280، سير أعلام النبلاء: 17/ 162، وتذكرة الحفاظ: 3/ 1039.

(3)

راجع شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 189، 190.

ص: 162

ويمكن أن يكون مَحْمُولًا على العادةِ، أي: كانتِ النُّفَسَاءُ تعْتاَد الجلوسَ إلى هذه المُدَّةِ وإن كانتْ قد تَخْلُصُ قبل هذه المُدَّةِ أيضًا على خِلاف العَادَة، وهذا يَقْتَضي أن يكون الكثيرُ انقطاع النِّفَاس على أكثره عينَ أربعين. والله تعالى أعلم.

وقد يستبعد اتِّفَاق العادةِ على حَدٍّ واحدٍ أيضًا إلا أنْ يُقال: هو غير مُسْتَبْعَدٍ في نحو المدينة في تلكَ الأيَّام [بناءً على أنَّ الغالبَ على أهلِها فِي تلك الأيامٍ]

(1)

قلَّةُ الطَّعَام، وبه يَقِلُّ خُرُوْجُ الدَّم فيَمْتَدُّ إلى أيَّامٍ كثيرةٍ. والله تعالى أعلم.

(1)

أثبتنا هذه العبارة من حاشية السندي، المسمى بـ:"فتح الودود في شرح أبي داود": 1/ 210.

ص: 163

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي الرَّجُلِ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ [بغُسْلٍ وَاحِدٍ]

85 -

(145) - (1/ 259 - 261) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ محمدُ بْنُ بشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي رَافِع. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بغُسْلٍ وَاحِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَعُودَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَصَّأَ، وَقَدْ رَوَىِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا، عَنْ سُفْيَانَ، فَقَالَ: عَنْ أَبِى عُرْوَةَ، عَنْ أَبِى الخَطَّابِ، عَنْ أَنَسٍ. وَأَبُو عُرْوَةَ هُوَ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، وَأَبُو الخطَّابِ: قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوْسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ أَبِيْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الخَطَّاب، وَهُوَ. خَطَأٌ وَالصَّحِيْحُ عَنْ أبي عُرْوَةَ.

• قوله: "كَانَ يَطُوفُ"، أي: يَدُوْرُ وهو كنايةٌ عن الجماع.

• وقوله: "فِي غُسْلٍ وَاحِد": في بعض الرِّوَايات بغُسْل واحدٍ، والمَعْنى واحدٌ، أي: يُجَامِعُهُنَّ مُلْتبِسًا ومصحوبًا بِنِيَّةِ غُسْل واحدٍ وتقديره، وإلا فالغُسْلُ بعد الفراغ من جماعِهِنَّ. هذا [ما] قال في حاشية النسائي. قال القرطبيُّ: هذا يحتمل أنْ يكون عندَ قدومِه من سَفَرٍ أو عند تَمام الدَّوْر عَلَيْهنَّ وابتداء دَوْرٍ آخر، أو يكون ذلك عن إذْن صَاحِبَةِ النَّوْبَة، أو يكون ذلك مخصوصًا به وإلا فَوَطْيُ المرأة فِي نوبة ضَرَّتِها ممنوعٌ منه. انتهى

(1)

.

(1)

راجع سنن النسائي بشرح السيوطي: 1/ 157.

ص: 164

وفي "المجمع": يشبه أن لا يكون القسمُ واجبًا عليه وكان يُقَسِّمُ تبرعًا. انتهى

(1)

.

قلتُ: قد ثبت هذا الفعلُ منه صلى الله عليه وسلم عند إحْرامه للحَجِّ، وظاهرُ قولِه تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ}

(2)

يفيدُ عدمَ وجوبِ القسم عليه. والله تعالى أعلم.

• قوله: "لا بَأْسَ أَنْ يَعُودَ قَبْلَ أَنْ تتَوَضَّأَ": هذا لا يناسب هذا الباب، وإنَّما هو مُناسِبٌ بالباب الثَّانِي إلا أن يقال: المرادُ أنَّه إذا جاز العَوْدُ قبل الوضوء، فقيل: الغسل بالأولى، فالمقصود بالذِّكْر ما يُفْهم منه بطريق الأولَوِيَّةِ.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 3/ 465.

(2)

الأحزاب: 51.

ص: 165

‌بَابُ مَا جَاءَ [في الجُنُبِ] إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ تَوَضَّأَ

86 -

(141) - (1/ 262 - 261) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأحْوَلِ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أَتَى أحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءً".

قَالَ: وفْي البَابِ عَنْ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أبِيِ سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وقَالَ بِهِ غيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ.

وَأَبُو المُتَوَكِّلِ اسْمُهُ: عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ. وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ اسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنُ سِنَانٍ.

• قوله: "فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا": ظاهرُه الوضوءُ الشَّرْعِيُّ بل هو المُتَعيَّنُ بناءً على ما قالوا: إنَّ التأكيدَ بالمصدر يدفع احتمالَ التَجَوُّزِ، وبه استدَلُّوْا على أنَّ الكلامَ في قوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}

(1)

على حَقيقَتِه، لكن في "المجمع" الجمهورُ حمله على غَسْل الْفَرْج احترازًا عن إدخال النَّجس فِي الفَرْج، ولأنَّ ما تعلَّقَ به من رُطُوْبَة الفَرْج مفسدٌ للذة. انتهى

(2)

.

قلتُ: وله زيادُة بسطٍ في حاشية السيوطي على النسائي

(3)

حاصله [أنَّ] الشَّافَعِيَّةَ حملوه على ظاهره.

(1)

النساء: 164.

(2)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 5/ 67.

(3)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 1/ 156.

ص: 166

‌بَابُ مَا جَاءَ إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الخَلَاءَ فَلْيَبْدَأْ بالخَلَاءِ

87 -

(142) - (1/ 262 - 264) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأرْقَمِ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ، وَكَانَ إِمَامَ قَوْمِهِ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُوُل: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ووَجَدَ أَحَدُكُمُ الخَلَاءَ فَلْيَبْدَأْ بِالخَلَاءِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَثَوْبَانَ، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْد اللهِ بْنِ الأرْقَمِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. هَكَذَا رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفَّاظِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأرْقَمِ. وَرَوَى وُهَيْبٌ، وَغَيْرُهُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الأرْقَمِ. وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُوُل أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالَا: لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَجِدُ شَيْئًا مِنَ الغَائِطِ وَالبَوْلِ، وَقَالَا: إِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَنْصَرِفْ مَالَمْ يَشْغَلْهُ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ وَبِهِ غَائِطٌ أَوْ بَولٌ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنِ الصَّلَاةِ.

• "قَالَ: [أُقِيمَت]

(1)

"، أي: عُرْوَةُ.

(1)

هكذا في المخطوط، ولعله خطأ من الناسخ لأن هذه الكلمة لا تلائم السياق، وينبغي أن تكون هكذا:(قال)، أي: عروة.

ص: 167

• قوله: "فَأَخَذَ"، أي: عَبْدُ اللهِ بْنُ أرقم.

• قوله: "وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ"، أي: وجدَ البَاعِثَ على دخوله.

• وقوله: "فَلْيَبْدَأْ بِالخَلَاءِ"، أي: فليُقَدِّمْ دخولَه على الصَّلاة.

ص: 168

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ الوَطئ

(1)

88 -

(143) - (1/ 266 - 268) حَدَّثَنَا أبُوْ رَجَاءَ قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنٍ بْنِ عَوْفٍ قَالَتْ: قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي المَكَانِ القَذِرِ؟ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا نَتَوَضَّأُ مِنَ المَوطَأِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِذَا وَطِئَ الرَّجُلُ عَلَى المَكَانِ القَذِرِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ القَدَمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَطْبًا فَيَغْسِلَ مَا أَصَابَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَرَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِهُودِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَلَيْسَ لِعَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ابْنٌ يُقَالَ لَهُ:"هُودٌ"، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنٍ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهَذَا الصَّحِيحُ.

• قوله: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ": في "المجمع" هو خاصٌ فيما إذا كان يابسًا لا يعْلَقً بالثَّوب منه شيءٌ، والرّطب بما لا يطهر إلا بالغَسْل. انتهى

(2)

.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ المَوْطَأ.

(2)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 474.

ص: 169

قلتُ: فقوله: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ": كنايةٌ عن عَدَم وُجُوْب الغَسْل من ذلك، وإليه يُشِيْر ما نقله المُصَنِّفُ من قولهم: إذا وَطِئ الرجلُ القذرَ أنَّه لا يَجِبُ عليه غسلُ القدم، وقول المصنف:"إلا أنْ يَكُوْنَ رَطْبًا" يُفِيْدُ خصوصَ الحديث باليابِس.

ص: 170

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّيَمُّمِ

89 -

(144) - (1/ 268 - 272) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلَّاسُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.

وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ: عَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَغَيْرِ واحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: الشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ قَالُوا: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالحَسَنُ قَالُوا: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ.

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَمَّارٍ فِي التَّيَمّمِ أَنَّهُ قَالَ: لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ مِنْ غيْرِ وَجْهٍ، وَقدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ. فَضَعَّفَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ حَدِيثَ عَمَّارٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ لِماَ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثُ المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ.

قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ الحَنْظَلِيُّ: حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَحَدِيثُ عَمَّارٍ: "تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ

ص: 171

صلى الله عليه وسلم إِلَى المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ"، لَيْسَ هُوَ بِمُخَالِفٍ لِحَدِيثِ الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، لِأَنَّ عَمَّارًا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ: قعَلْنَا كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا سَأل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَه بِالوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، فانْتَهَى إِلَى مَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَفتَى بِهِ عَمَّارٌ بَعْدَ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ قَالَ: الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، فَفِي هَذَا دَلالَةٌ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَعَلَّمَه إلى الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ.

قال: وسمعتُ أبا زُرْعَةَ عُبَيْدَ اللهِ بنَ عَبْدِ الْكَرِيْم يَقُوْلُ: لَمْ أرَ بِالْبَصْرَةِ أحْفَظَ مِنْ هؤلَاءِ الثَّلَاثَةِ: عليِّ بْنِ المَدِيْنِيِّ، وابْنٍ الشَّاذَكُوْنِيِّ، وَعَمْرو بْنِ عَليٍّ الفَلَّاسِ. قَالَ أبُوْ زُرْعَةَ: ورَوَى عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمروٍ بنِ عَلِيٍّ حَدِيْثًا.

• قوله: "ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ": ليسَ الكَلامُ مَسُوْقًا لإفَادَة وحْدَةِ الضَّرْبَة، وإنِّما هو مَسُوْقٌ لإفادة أنَّ التَيمُّمَ للكَفَّيْن فقط ولليَدَيْن إلى المِرْفَقَيْن.

• قوله: "وَمَالِكٌ": قلتُ: المَشْهُوْر في مَذْهَب مالكٍ أنَّه يَقُوْلُ بِه على وجْهِ الاسْتِنَان، وأمَّا الفَرْضُ فعنده الكفَّيْن.

• قوله: "على أَنَّهُ"، أي: عَمَّار.

• "انْتَهَى

" إلخ، فكان هو آخرُ الأمْرَين منه فالأوَّلُ فَهِمَ ما فهموا من إطلاقِ اليد فِي الكتاب فِي آيةِ التَيمُّم، والثَّانِي ما انتهى إليه بواسطة تعليم النبيِّ صلى الله عليه وسلم فكان الثَّانِي هو المُعْتبَرُ.

90 -

(145) - (1/ 272 - 273) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ القُرَشِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التّيَمُّمِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَالَ فِي

ص: 172

كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: {فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (1) وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} (2) وَقَالَ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (3) فكَانَتِ السُّنَّةُ فِي القَطعْ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ "يَعْنِي التَّيَمُّمَ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "فَكَانَتِ السُّنَّةُ"، أي: بِسَبب إطلاقِ اليد فِي آية السَّرقة فكذا التَّيمُّمُ إنَّما هو الوَجْهُ، والكفَّان لإطلاقِ اليدِ في آيةِ التيمم، ومُطْلَق اليد: الكفَّان بشهادة آية السَّرقة.

ومن يقول: إنَّ التيمم إلى المِرْفَقَيْن يقول بل اليد في آيةِ التَّيَمم مُقَيَّدٌ، تُرِك قيدُه ذِكْرًا، اعتمادًا على آيةِ الوُضُوْء، والكفَّان في الحَدِيث مَحْمُولانِ على اليدين بقرينة آيةِ التيمم لعِلَّةِ الوضوء.

• قوله: "إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ": تقريرٌ للمطلوب، وجوابٌ للسَّائِل بعدَ الفراغ من تقريرِ الدَّلِيْل.

• قوله: "وَالكَفَّينِ": الظَّاهِرُ الكَفَّانِ. ولعلَّ الكَفَّيْن من باب حذف المُضَاف وإبقاء المُضَاف إليه على الجَرِّ، أي: مسحُ الوجه والكفَّيْن وهو قليلٌ.

ص: 173

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي البَوْلِ يُصِيبُ الأرْضَ

91 -

(147) - (1/ 275 - 277) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَسَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُوميُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِىٌّ المَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا" فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَهْرِيْقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ -أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ- ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".

• قوله: "لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا"، أي: دعوتَ بمَنعْ ما لامنعَ فيه من رحمةِ اللهِ.

• قوله: "إِنَّمَا بُعِثْتُمْ"، أي: فلا تَتَعَرَّضُوا له.

ص: 174

بسم الله الرحمن الرحيم

[أَبْوَابُ الصَّلَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم]

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ [عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم]

92 -

(149) - (1/ 278 - 281) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ وَهُوَ ابْنُ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عليه السلام عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ، وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى المَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأمْسِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأرْضُ، ثُمَّ التَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبُرَيْدَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي مَسْعُودٍ الأنصارىِّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَالبَرَاءِ، وَأَنَسٍ.

ص: 175

• قوله: "حِيْنَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ": قال مُحْيُ السُّنَّةِ

(1)

: الشَّمْس في مكةَ ونواحِيْها إذا اسْتَوتْ فوقَ الكعبة في أطول يومٍ من السَّنَة لم يُرَ لشيءٍ من جوانِبها ظِلٌّ فإذا زَالَتْ ظَهَرَ الفَيءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ من جانبِ الْمَشْرِقِ وهو أوَّلُ وقت الظهر.

• وقوله: "ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ": المرادُ شَرَعَ فيها. وأمَّا قوله: "صَلَّى المَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ

" إلخ، فالمرادُ فرغ منها وهذا؛ لأنَّ تعريف وقتِ الصَّلاةِ بالمرَّتَيْن يقتضي أنْ يُعْتَبَر الشُّرُوْعُ في أولى المرَّتين، والفراغُ في الثَّانِيَةِ منهما لِيَتَعَيَّنَ بِهِمَا الوقتُ، ويُعْرَفُ أنَّ الوَقْتَ من شُرُوْع الصَّلَاة في أولى المرَّتَيْن إلى الفَرَاغ مِنْهَا فِي المرَّةِ الثانية، وهذا معنى قوله: "وَالوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ"، أي: وقت الشُّرُوْع فِي المرَّة الأولى، ووقت الفراغ في المرة الثانية، فسقط ما يُتَوَهَّمُ أنَّ الحَّدِيْثَ يُعْطِي أنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ كَانَتْ فِي وَقْتِ صلاةِ الْعَصْرِ فِي المرَّةِ الأولى، وكذَا مَا يُتَوَهَّمُ أنَّ الوقتَ فيما بين هذين الوَقْتَيْن لا يسْتَقِيْمُ بالنَّظر إلى صلاةِ المغرب، ولهذا المَبْحَثِ زيادةُ بسط قرَّرْنَاه في حاشية فتح القدير.

93 -

(150) - (1/ 281 - 283) أخْبَرَنِيْ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى،

(1)

هو: الإمام العلامة، شيخ الإسلام، محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، كان إماما جليلا، ورعا زاهدا فقيها، محدثا مفسرا، جامعا بين العلم والعمل، لقب بـ "محيي السنة"، نسبته إلى "بغا" من قرى خراسان بين هرات ومرو. من تصانيف:"شرح السنة" في الحديث، و"لباب التأويل في معالم التنزيل" في التفسير، و"مصابيح السنة"، و"الجمع بين الصحيحين"، وغير ذلك. توفي بـ "مرو الروذ" من مدن خراسان في شوال، سنة ست عشرة وخمس مائة. راجع لترجمته: تذكرة الحفاظ: 4/ 1257، الوافي بالوفيات: 13/ 41، طبقات الشافعية الكبرى: 7/ 75، سير أعلام النبلاء: 19/ 439.

ص: 176

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَمَّنِي جِبْرِيلُ"، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكرْ فِيهِ لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأمْسِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريبٌ. وحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقَالَ مُحَمَّدٌ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي المَوَاقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي المَوَاقِيتِ قَدْ رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "أَصَحُّ شَيْءٍ": وهذَا يَسْتَلْزِم أنْ يَكُوْنَ صَحِيحًا بَعْدَ أن كان حديثُ ابن عباس حسنًا؛ لأنَّ الأصَحَّ مِنَ الْحَسَن لا ينْزل عن دَرَجَة الصِحَّةِ.

ص: 177

[بابٌ منه]

94 -

(151) - (1/ 283 - 284) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ العَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْيسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ العِشَاءِ الآخِرَةِ حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وسَمِعْتُ مُحَمَّدًا، يَقُولُ: حَدِيثُ الأعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي المَوَاقِيتِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الأعْمَشِ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"كَانَ يُقَالُ إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا" فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.

• قوله: "وإنَّ أوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ": كان معلومًا مضبوطًا عندهم.

• قوله: "وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا

" إلخ، مَبْنِيٌّ على أنَّ مَا بَعْدَ الاصْفِرَارِ لشِدَّةِ الكَرَاهَة ملحقٌ بالعدم كأنَّه لَيْسَ مِنَ الْوَقْتِ أصْلًا فصارَ كأنَّ الْوَقْتَ إلى الاصْفِرَارِ.

• قوله: "قَالَ أبِوْ عِيْسَى": حاصُله: أنَّه لَمْ يَثْبُتْ رفعُ الحديث.

ص: 178

[بابٌ منه]

95 -

(152) - (1/ 278 - 281) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَالحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، المَعْنَى وَاحِدٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْن مَرْثَدٍ، عَنْ سُليْمَانَ بْن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى النّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ:"أَقِمْ مَعَنَا إِنْ شَاءَ اللهُ" فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ، فَصَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالعِشَاءِ فَأَقَامَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ مِنَ الغَدِ فَنَوَّرَ بِالفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ، فَأَبْرَدَ وَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالعَصْرِ فَأَقَامَ، وَالشَّمْسُ آخِرَ وَقْتِهَا فَوْقَ مَا كَانَتْ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَخَّرَ المَغْرِبَ إِلَى قُبَيْلِ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالعِشَاءِ فَأَقَامَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ:"أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا، فَقَالَ:"مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ كَمَا بَيْنَ هَذَيْنِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ أيضًا.

• قوله: "إِنْ شَاءَ اللهُ": كأنَّه للتبَرُّكِ وإلا فلم يُعْرَفْ تقييدُ الآخِر بمِثْل هذا الشَّرْطِ.

• قوله: "وَقَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ"، أي: غرُب وسقَط. ومنه مواقعُ النُّجوم بمعنى مغاربُها ومساقطُها، و"حَاجبُ الشَّمْسِ": طَرْفُها، والمرادُ طرفها الأعلى

ص: 179

الذي بغُرُوْبه يَتِمُّ غروبُ الشَّمْس.

• قوله: "فَأَبْرَدَ وَأَنْعَمَ"، أي: أطالَ الإبرادَ وأخَّر الصَّلاةَ، ومنه أنْعَمَ النَّظَر فيه إذا أطال التَّفَكُّرَ فيه من "المجمع"

(1)

.

• قوله: "وَالشَّمْسُ آخِرَ وَقْتِهَا": وقتُ القصر، أي: حيَّةٌ إلا أنَّ المرادَ أوَّلا بحياته بقاءُ حَرِّها، وههنا صفاءُ لَوْنِها.

• قوله: "فَوْقَ مَاكَانَتْ"، أي: الصَّلَاةُ في العَادَة، أي: أخَّر وقتها تأخيرًا زائدًا على تأخير وُجِدَتْ معه الصلاةُ على وجه الجَواز في البعْض، والاستحباب في البعض.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 737.

ص: 180

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الإسْفَارِ بالفَجْرِ

96 -

(154) - (1/ 289 - 291) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُوُل: "أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظمُ لِلأَجْرِ".

قَالَ: وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ أيضًا، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ. قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسلمى وَجَابِرٍ، وَبِلَالٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ: الإِسْفَارَ بِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: مَعْنَى الإِسْفَارِ: أَنْ يَضِحَ الفَجْرُ فَلا يُشَكَّ فِيهِ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ مَعْنَى الإِسْفَارِ: تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ.

• قوله: "فَلَا يُشَكَّ فِيهِ": رُدَّ بأن قوله: "أَعْظَمُ" يقتضي جوازَ الصَّلَاة بلا إسْفَارٍ، وأنَّ فيها أجرًا، ومع الشَكِّ لا يجوزُ فضلًا عن الأجر؟

ويمكنُ الجوابُ بأنَّ المرادَ بالشَكِّ التَّوَهُّمُ الضعيفُ الذي لا ينافي الجوازَ، وذلك لأنَّه إذا قَوِيَ الظَّنُّ بطُلوع الفجر تَجُوْزُ الصَّلاةُ ويُثابُ عليها، لكنَّ التأخيرَ حتى يَسْتَبِيْنَ وينكشف بحيثُ لا يبْقَى وَهْمٌ ضعيفٌ فيه أولى وأحسنُ. والله تعالى أعلم.

ص: 181

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ [فِي شِدَّةِ الحَرّ]

97 -

(157) - (1/ 295 - 298) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالمُغِيرَةِ، وَالقَاسِمِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا وَلَا يَصِحُّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ تَأْخِيرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا الإِبْرَادُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ مَسْجِدًا يَنْتَابُ أَهْلُهُ مِنَ البُعْدِ، فَأَمَّا المُصَلِّي وَحْدَهُ وَالَّذِي يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ فَالَّذِي أُحِبُّ لَهُ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ فِي شِدَّةِ الحَرِّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَمَعْنَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ: هُوَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بالِاتِّبَاعِ، وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ لِمَنْ يَنْتَابُ مِنَ البُعْدِ وَالمَشَقًّةِ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"يَا بِلَالُ أَبْرِدْ، ثُمَّ أَبْرِدْ". فَلَوْ كَانَ الأمْرُ عَلَى

ص: 182

مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَكُنْ لِلإِبْرَادِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَعْنًى لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ، وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَابُوا مِنَ البُعْدِ.

• قوله: "فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ": وفِي بعض الرِّوايات "فَأبْرِدُوْا بِالصَّلَاةِ" وأبردوا أمرٌ من الإبرادِ وهو الدُّخُوْلُ في البرد، والباء للتَّعْدِيَة، أي: أدْخِلَوْها في البرد. وأمَّا رواية "عَنْ" فيُمْكن أن تكونَ بتقدير "بالصَّلاةِ" أو بدونه، على التَّقْديرَيْن كلمةُ "عَنْ" متعَلِّقَةٌ على تضمين معنى التَّأخير، والمضاف مقدَّرٌ، أي: أدْخِلُوْهَا في البَرْد مؤخِّرِيْنَ إيَّاهَا عن وقتها المُعْتَاد، أو أدخلوها أنْتُمْ في البرد مؤخِّرِيْنَ عن وقتها. وقيل:"عَنْ" بمعنى الباء أو زائدةٌ على أنَّ "أبْرِدْ" مُتَعَدًّ بنفسِه.

• قوله: "مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ"، أي: شدَّةِ غَلَيَانِها، والجمهورُ حملوه على ظاهره إذ لا يستبعد مثلُه، ولعلَّ وجهَ اقتضاء هذا التَّعْلِيْل للإبرادِ أنَّ الوَقْتَ المذكورَ صارَ مظهرًا لآثار الغضب، فالأولى الاحترازُ عن إيقاع الصَّلاةِ فيه لئلا يُخِلَّ بالقبول بقِلَّةِ مُرَاعَاةِ الآدَاب، بخلاف وقتِ الرِّضاء فإنَّ القبولَ فيه أقرب.

• قوله: "يَنْتَابُ أَهْلُهُ"، أي: يحضُرونَه نوبًا، حضر تارةَ فلانٌ وتارةً فلانٌ لأجل البُعْد.

• قوله: "فإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ

" إلخ، بل التَّعْليلُ في أبي هريرة أعنى: فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فيَحْ جَهَنَّمَ لا يُساعد ما ذكره الشافعىُّ رضي الله عنه أيضًا. والله تعالى أعلم.

ص: 183

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ العَصْرِ

98 -

(160) - (1/ 301 - 302) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفرٍ، عَنْ العَلَاءِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالبَصْرَةِ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا العَصْرَ، قَالَ: فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُوُل: تِلْك صَلَاةُ المُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "تِلْك صَلَاةُ المُنَافِقِ"، أي: تلك المُتَأخَّرَةُ المُؤدَّاةُ في آخر وقتِها.

ص: 184

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ [صَلَاةِ] العَصْرِ

99 -

(161) - (1/ 302 - 303) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمْاعِيلُ ابْنُ عُليَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أبِي مُليْكَةَ، عَنْ أمِّ سَلمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَدسَلَّمَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجِيلًا لِلْعَصْرِ مِنْهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عن إسمعيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوَهُ.

• قوله: "أَشَدَّ تَعْجِيلًا": هذا يقتضي نوعَ تأخيرٍ بالنِّسْبة إلى أوَّل وَقْتِهَا.

ص: 185

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ المَغْرِبِ

100 -

(164) - (1/ 304 - 305) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي المَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالحِجَابِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَالصُّنَابَحِيِّ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَنَسٍ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَعَبَّاس بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَابنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ العَبَّاسِ قَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْهُ وَهُوَ أَصَحُّ. والصُّنَابِحِيُّ لم يَسْمَعْ من النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ صَاحِبُ أبِىْ بَكْرٍ رضي الله عنه. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، اخْتَارُوا تَعْجِيلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ، وَكَرِهُوا تَأْخِيرَهَا، حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لِصَلَاةِ المَغْرِبِ إِلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَذَهَبُوا إِلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.

• قوله: "وَتَوَارَتْ"، أي: اسْتَتَرتْ بالحِجاب عن أعْيُنِ النَّاسِ وهو بمنزلةِ التَّأكيدِ والتَّفْسير للغُرُوْب.

ص: 186

[بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ]

101 -

(165) - (1/ 306) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاس بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثَالِثَةٍ.

• قوله: "لِسُقُوطِ القَمَرِ"، أي: وقتَ سُقُوْطِه وغَيْبُوْبَتِه للَيْلةٍ ثالثةٍ من الهِلال، وفي نسخةٍ بِسُقُوْط القَمر، والمعنى يُصَلِّي مصحوبًا بسقوط القمر.

ص: 187

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِير [صَلَاة] الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ

102 -

(167) - (1/ 310 - 312) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَة، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخَّرُوا العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي بَرْزَةَ، ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَزيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِيْنَ وغيرِه رَأَوْا تَأْخِيرَ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "أَوْ نِصْفِهِ"، أي: بل نصفه، أو المرادُ التَّأخير إلى أحدِ الوَقْتَيْن أو هي للشكِّ.

ص: 188

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ وَالسَّمَرِ بَعْدَهَا

• قوله: "السَّمَرِ": -بفتح الميم- الحديثُ باللَّيْل وبسكونِها مصدرٌ، وأصل السَّمَر لونُ ضوءِ القمر لأنَّهم كانوا يَتَحَدَّثُوْنَ فيه.

103 -

(168) - (1/ 312 - 314) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ هُوَ المُهَلَّبِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ جَمِيعًا، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ هُوَ أَبُو المِنْهَالِ الرِّيَاحِيُّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ كَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ النَّوْمَ قَبْلَ صَلَاةِ العِشَاءِ والحديثَ بعدَها وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ. وقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: أَكْثَرُ الأَحَادِيثِ عَلَى الكَرَاهِيَةِ. وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي النَّوْمِ قَبْلَ صَلَاةِ العِشَاءِ فِي رَمَضَانَ. وَسَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ: هُوَ أَبُو المِنْهَالِ الرِّيَاحِيُّ.

• قوله: "يَكْرَهُ النَّوْمَ"، أي: لِمَا فِيْه من تَعْرِيْضِ صلاةِ العِشَاء على الفَوَاتِ.

• وقوله: "وَالحَدِيثَ

" إلخ، أي: لِمَا فيه من تَعْرِيْضِ قيام اللَّيل، بل صلاةِ الفجر على الفَوات عادةً. والله تعالى أعلم.

ص: 189

‌بَابُ مَا جَاءَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ

104 -

(169) - (1/ 315 - 319) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الأَمْرِ مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا.

وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرٍو، وَأَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُعْفِيٍّ يُقَالُ لَهُ: قَيْسٌ أَوْ ابْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الحَدِيثَ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي السَّمَرِ بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فكَرِهَ قَوْمٌ مِنْهُمُ السَّمَرَ بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ. وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ فِي مَعْنَى العِلْمِ وَمَا لَابُدَّ مِنْهُ مِنَ الحَوَائِجِ، وَأَكْثَرُ الحَدِيثِ عَلَى الرُّخْصَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا سَمَرَ إِلَّا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ".

• قوله: "يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ

" إلخ، لا دلالةَ فِي هذَا القَدرِ على ترجمةِ الباب إذا السَّمَرُ هوَ الحديثُ باللَّيْل مطلقًا قبلَ العِشَاء أو بعده، فيمكن حملُ هذا على أنَّه قبلَ العِشَاء.

• قوله: "فَكَرِهَ قَوْمٌ"، أي: لأنَّ الكَرَاهَةَ أحوطُ، ولأنَّ ما رُوِيَ مِنَ السَّمَر حكايةُ حالٍ، ويحتمل الخُصُوْصَ به.

ص: 190

• قوله: "وَرَخَّصَ": قلتُ: وبه يحصلُ الجمعُ بين حديثَي البابِ، ومثل هذا السَّمَر غالبًا لا يُفْضِي إلى ما يُوْقِع مِنَ الْخَلَل في السَّمَر بعدَ العِشَاء.

• قوله: "الرُّخْصَة"، أي: الرُّخْصَة في نحو العلم فالتَّعْريفُ للعَهْد.

• قوله: "إلَّا المُصَلِّي":

(1)

أي: الذي يستعينُ به على إحياءِ اللَّيْل للصَّلاةِ، والمُسَافِرُ يستعينُ به على قطع السَّفَر. فالحاصلُ: أن تكونَ الحاجةُ مطلوبةً، لا لِمُجَرَّدِ التَّفَكُّر بالحديث. والله تعالى أعلم.

• قوله: "وَقَدْ رُوِيَ": قال المُحَقِّقُ ابنُ الهُمَّامِ فِي الفتح: "وروى الإمامُ أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا سَمَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَعْنِى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ إلَّا لأحَدِ رَجُلَيْنِ مُصَلٍّ أوْ مُسَافِرٍ"، وفي رواية أو "عَرُوْسٍ". انتهى

(2)

. وفي حاشية في تفسير المصلي، أي: من اشتغلَ بالصلاة بعد العشاء فإنَّه ما يحتاج إلى كلام.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "إلَّا لِمُصَلٍّ".

(2)

راجع: شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 232.

ص: 191

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الوَقْتِ الأَوَّلِ مِنَ الفَضْلِ

105 -

(170) - (1/ 319 - 320) حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ عُمَرَ العُمَرِيِّ، عَنْ القَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ فَرْوَةَ -وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أيُّ الأعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا".

• قوله: "أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ": أحاديثُ أفضلِ الأعْمَالِ وَرَدَتْ مُخْتَلِفةً، وقد ذَكَرَتِ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْفِيْقِها وَجُوْهًا من جملتها: أَنَّ الاختلافَ بِالنَّظْر إلى اختلافِ أحْوَالِ المُخَاطَبين، فمنهم: من يكونُ الأفضلُ له الاشتغالُ بعملٍ، ومنهم: من يكونُ الأفضلُ له الاشتغال بآخر.

• قوله: "الصَّلَاةُ لِأوَّلِ وَقْتِهَا": هذا الحديثُ بظاهِرِه لا يوَافِقُ حديثَ "أبْرِدُوْا بِالظُّهْرِ" ولا ما جاءَ فِي صلاةِ العِشَاء فلابدَّ من تأويله، يُحْمَلُ أوَّلُ الوَقْت على أوَّل الوقت المستحب، وإطلاق المُطْلق على الكامل شائعٌ، وكيف يُرَغِّب الشَّارعُ في خلاف المستَحَبِّ شرعًا؟ ومثله "أوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى"

(1)

أي: أوَّلُ الوقت المستحب.

106 -

(171) - (1/ 320 - 321) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ اللهِ الجُهَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ،

(1)

راجع: سنن الدار قطني، كتاب الصلاة، باب: النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، ح:972.

ص: 192

عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ! ثَلَاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إِذَا آَنَتْ، وَالجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيْبٌ حَسَنٌ.

107 -

(172) - (1/ 321 - 323) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الوَليدِ المَدَنِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الوَقْتُ الأوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللهِ، وَالوَقْتُ الآخِرُ عَفْوُ اللهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيْبٌ. وَقَدْ رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أُمِّ فَرْوَةَ لا يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ العُمَرِيِّ، وَلَيْسَ هُوَ بِالقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَاضْطَرَبُوا عَنْهُ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ صَدُوْقٌ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.

• وكذا قوله: "الصَّلَاةُ إِذَا أتَتْ"

(1)

أي: حَضَرتْ باعتبار وَقْتِها المستحب. والله تعالى أعلم.

• قوله: "رِضْوَانُ اللهِ"، أي: الصَّلاةُ فيه تَسْتَوْجبُ رِضْوَانَه تعالى وكذا عَفْوُ اللهِ. والله تعالى أعلم.

• قوله: "وَالأَيِّمُ": -بفتح، فتشديد مكسورة- الأيِّمُ: الغيرُ المتزَوِّجُ من الرِّجَال والنِّسَاء، والمرادُ هنا "المرأة" بقرينة "إِذَا وَجَدْتَ [لَهَا] ". والْكُفْوُ: المثل.

108 -

(173) - (1/ 325 - 326) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "الصَّلَاةُ إِذَا آنتْ" كما مرَّ آنفا.

ص: 193

الفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي يَعْفُورَ، عَنْ الوَليدِ بْنِ العَيْزَارِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"الصَّلَاةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا"، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ رَوَى المَسْعُودِيُّ، وَشُعْبَةُ، وسُلَيْمَانُ هُوَ أبُوْ إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الوَليدِ بْنِ العَيْزَارِ هَذَا الحَدِيثَ.

• قوله: "الصَّلَاةُ"، أي: أداءُ الصَّلاةِ في أوقاتِها المستحبة.

• وقوله: "وَمَاذَا"، أي: بعد. وروي "ثُمَّ مَاذَا" وهو أصرحُ.

ص: 194

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ العَصْرِ

109 -

(175) - (1/ 330 - 332) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْد، عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".

وَفِي البَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَنَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ"، أي: فليحذَرْ من تَفْوِيْتِهَا كحَذِره من ذَهَاب أهْلِهِ وماله.

ص: 195

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ إذَا أَخَّرَهَا الإِمَامُ

110 -

(176) - (1/ 332 - 333) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ صُلِّيَتْ لِوَقْتِهَاكَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ".

وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا إِذَا أَخَّرَهَا الإِمَامُ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ، وَالصَّلَاةُ الاُولَى هِيَ المَكْتُوبَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. وَأَبُو عِمْرَانَ الجَوْنِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ.

• قوله: "أُمَرَاءُ": الظَّاهر أنَّه مبتدأ، وجملة "يَكُونُونَ" صِفَتُه، والمرادُ بعضُهم أو غَالبُهم.

• وقوله: "فَإِنْ صُلِّيَتْ

" إلخ، الظَّاهر أنَّ فيه اقتصارًا من بعض الرُّوَاة أو من الأصل اعتمادًا على ظُهُوْر المراد، والتَّقْدير: صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا مَعَهُمْ. "كَانَتْ"، أي: صلاتُك معهم.

• قوله: "وَإِلَّا"، أي: بإنْ لَمْ تُصَلِّ معهم -والله تعالى أعلم-، ويمكنُ حملُه على ظاهِرِه أيضًا بأنْ يكونَ معنى قولِه:"وإلا"، أي: وإن لم تُصَلِّ لوقْتِها، بل

ص: 196

اكتفيتَ بالصَّلاةِ مَعَهُمْ فلا إثمَ عليكَ بل أنتَ مأجورٌ، وإنَّما الإثمُ عليهم. والله تعالى أعلم. كلُّه مَبْنِيٌّ على إنْ "صَلَّيْتَ" على صيغةِ الخطاب من المَبْنِيِّ للفاعل، وإنْ قُرِئ على صيغةِ التأنيث من المبنيِّ للمفعول كان الأمرُ أظهر، أي: صُلِّيَتْ صلاةُ الأمراء لوقتها وأنتَ صَلَّيْتَ معهم أيضًا

إلخ.

ص: 197

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ

111 -

(177) - (1/ 334 - 335) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: ذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَوْمَهُمْ عَنِ اَلصَّلَاةِ، فَقَالَ:"إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي اليَقَظَةِ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا".

وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مَرْيَمَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، وَذِي مِخْبَرٍ، ويُقالُ: ذي مِخْمَرٍ وَهُوَ ابْنُ أَخِي النَّجَاشِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ يَنْسَاهَا فَيَسْتَيْقِظُ، أَوْ يَذْكُرُ وَهُوَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلِّيهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ أَوْ ذَكَرَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبَ.

• قوله: "لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ"، أي: لا يتَحَقَّقُ التَّقْصيرُ والتَّفْرِيطُ من الإنسانِ في حالةِ النَّوْم إذ لَيْس له اختيارٌ هناك، نعم قد يكونُ المباشَرةُ بالنَّوْم بالمباشرةِ بأسْبَابه تفريطًا، ولذا كره رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم النَّوْمَ قبل العِشَاء لكن ذاك تفريطٌ حالة اليَقْظَة لا النَّوْم.

ص: 198

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ تَفُوْتُهُ الصَّلَوَاتُ [بأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ]

112 -

(180) - (1/ 338 - 339) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاكِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَاللهِ إِنْ صَلَّيْتُهَا"، قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَوَضَّأْنَا، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "قَالَ

(1)

حَدَّثَنِيْ": تكرارٌ للأوَّل لبُعْدِ الْعَهْد ومثله كثيرٌ في القرآن، ومنه:{إِنِّىِ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} إلى قوله: {رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ}

(2)

.

• قوله: "إن صَلَّيْتُهَا": كلمةُ "إنْ" للنَّفْي، أي: ما صَلَّيْتُهَا.

(1)

حذفت كلمة "قَالَ" من نسخة أحمد شاكر للترمذي.

(2)

يوسف:4.

ص: 199

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الوسْطَى أَنَّهَا العَصْرُ [وَقَدْ قِيْل: إنَّهَا الظُّهْرُ]

113 -

(182) - (1/ 340 - 343) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنَ جُندَبِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"صَلَاةُ الوُسْطَى صَلَاةُ العَصْرِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ، وَزِيْدٍ بنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي صَلَاةِ الوُسْطَى حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. وقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةُ: صَلَاةُ الوُسْطَي صَلَاةُ الظُّهْرِ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ: صَلَاةُ الوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ.

حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ حَبِيْبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: سَلِ الحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المَدِيْنِيِّ، عَنْ قُرَيْشٍ بنِ أَنَسٍ بِهَذَا الحَدِيثِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ عَلِيٌ: وَسَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الحَدِيثِ.

ص: 200

• قوله: "وَقَدْ سَمِعَ"، أي: الحَسَنُ منه، أي: من سَمُرَةَ.

• قوله: "سَلِ الحَسَنَ

" إلخ، بيانٌ وإثباتٌ لسماع الحَسَن من سمرةَ.

ص: 201

‌بَابُ مَا جَاء فِى كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْر وَبَعْدَ الفَجْر

114 -

(183) - (1/ 343 - 335) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبُو العَالِيَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَكَانَ مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبِ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَمُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَالصُّنَابِحِيِّ،- وَلَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَسَلَمَةَ بْن الأَكْوَعِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَائِشَةَ، وَكَعْبِ بْن مُرَّةَ، وَأَبى أُمَامَةَ، وَعَمْرو بْن عَبَسَةَ، وَيَعْلَى بْن أُمَيَّةَ، وَمُعَاويَةَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْن عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قوْلُ أكْثرِ الفقهَاءِ مِنْ أصْحَابِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهمْ أَنَّهمْ كَرِهُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتًّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الفَوَائِتُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُقْضَى بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ أَبِي العَالِيَةِ إِلَا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: حَدِيثَ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

ص: 202

وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". وَحَدِيثَ عَلِيٍّ: "القُضَاة ثَلاثَةٌ".

• قوله: "وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الفَوَائِتُ

" إلخ، إمَّا لعَدَم شُمول عُمُوْم النَّهْي إيَّاهَا بناءً على أنَّ المتبادَرَ منه النَّهْيُ عن النَّوافِل فحَسْبُ؛ لأنَّها الصَّلاة الْمُعْتَادَةُ في وقتِ الفَرَائِضِ بعدَ أدَاء الفَرائض فيُحْمَلُ النَّهْيُ عليها. وإمَّا لتَخْصِيْصِها من العُمُوْم بحديثِ "مَنْ نَامَ

"

(1)

إلخ؛ لأنَّ النَّاسِيَ لصَلاةٍ قد يَتَذَكُّرهَا في بعض هذه الأوقات.

(1)

راجع: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، ح: 747، وسنن الترمذي، أبواب السفر، باب: ما ذُكِر فيمن فاته حزب من الليل فقضاه بالنهار، ح: 580، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: من نام عن حزبه، ح: 1313، وسنن النسائي، كتاب قيام الليل، وتطوع النهار، باب: متى يقضي من نام عن حزبه من الليل، ح: 1792، وسنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن نام عن حزبه من الليل، ح:1343.

ص: 203

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ

115 -

(184) - (1/ 345 - 351) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ؛ لِأَنَّهُ أَتاه مَالٌ فَشَغَلَهُ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ العَصْرِ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ لَهُمَا.

وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةَ، وَأَبِي مُوسَى. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْن عَبَّاس حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ العَصْرِ رَكعَتَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحُّ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يَعُدْ لَهُما. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا البَابِ رِوَايَاتٌ: رُوِيَ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا دَخَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ العَصْرِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْهَا، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ: نهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

وَالَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ، مِثْلُ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ بَعْدَ الطَّوَافِ. فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رُخْصَةٌ فِي ذَلِكَ.

ص: 204

وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمُ الصَّلاةَ بِمَكَّةَ أيضًا بَعْدَ العَصْرِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَبَعْضُ أَهْلِ الكُوفَةِ.

• قوله: "لَمْ يَعُدْ لَهُمَا": من العَوْد واللام في "لَهُمَا" بمعنى إلى.

• قوله: "رِوَايَات"، أي: مُتَعَارضةٌ فلذلك تُرِكَتْ فلا تُعَارِضُ حديثَ ابن عباس.

ص: 205

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الصَّلَاةِ قَبْلَ المَغْرب

116 -

(185) - (1/ 351 - 352) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسٍ بنِ الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ لِمَنْ شَاءَ".

وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْد اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ فَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ قَبْلَ المَغْرِب. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الأذانِ وَالإِقَامَةِ. وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ:"إِنْ صَلَّاهُمَا فَحَسَن" وَهَذَا عِنْدَهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.

• قوله: "فَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ

" إلخ، أي: لم يَرَهَا حسنةً، أو جائزةً بل مكروهةً لِمَا فيه من تأخِيْر المَغْرب، والمَطْلُوْبُ تَعْجِيْلُهَا.

ص: 206

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصلاة

(1)

قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمسُ

117 -

(186) - (1/ 353 - 354) حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ مُوْسَى الْأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنْ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ".

وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِهِ يَقُول أَصْحَاُبنَا، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَهُمْ لِصَاحِبِ العُذْرِ مِثْلُ الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ، أَوْ يَنْسَاهَا فَيَسْتَيْقِظُ، وَيَذْكُرُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا.

• قوله: "فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ"، أي: قَدَر على إدراكِه بضَمِّ الرَّكْعة الثَّانيةِ إلى الأولى المُدْرَكَةُ فِي الوقت، لأنَّ الرَّكْعةَ الواحدةَ تكفيه. ومن أصْحَابنا مَنْ حَمَلَ الحديثَ على أنَّه أدْرَكَ فَضْلَ الصَّلاةِ وإنْ كانَتْ صلاتُه لا تصِحُّ.

ومعنى مَنْ أدْرَكَ ركْعَةً مَنْ وَجبَ عليه والوقتُ يَسَعُ ركعةً بأنْ كانَ صغيرًا فبلغ، أو حائضًا فَطَهُرَتْ، أو كافرًا فأسْلَمَ فقد وَجَبَتْ عليه الصلاة لكنَّ رواياتِ

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "العَصْر" مَكَانَ "الصّلاة".

ص: 207

الحديث لا تساعدُ هذه المعانِي.

• قوله: "لِصَاحِبِ العُذْرِ"، أي: ولا يَجُوْزُ لأحدٍ أنْ يفعلَ ذلك قصدًا بلا عُذْرٍ، نَعَم مَنْ فعلَ فظاهِرُ الحديثِ يَقْتَضِيْ جوازَ صلاتِه.

ص: 208

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْن [في الحَضَرِ]

118 -

(187) - (1/ 354 - 357) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ المَغْرِب وَالعِشَاءِ بالمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ، قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، رَوَاه جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ العُقَيْلِيُّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ هَذَا.

• قوله: "بِالمَدِينَةِ": يحتمل أنَّ المرادَ بالمدينةِ بِقُرْب المدينة، فيكونُ مسافرًا. أو يُحمَل ووايةُ "مِنْ غَيْر سَفَر"

(1)

على أنَّ المرادَ به السَّيْرُ أو بعدُ الدِّيَار، أي: بل فعل حالةَ الاسْتراحةِ والنُّزُوْل، أو بقُرْب الدِّيَار، أو يكون الجمعُ لريحِ أو مرضٍ. والله تعالى أعلم.

هذا إن حُمِلَ الجَمْعُ على الجميع وقتًا، وإن حُمِلَ على الجَمْعِ فِعْلًا فالأمرُ أظهرُ بأدنْ صلَّى الأولى في آخر وقتِها، والثانيةَ في أوَّل وقتها إلا أنَّه صلَّاهُمَا في وقت إحداهما. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: مسند الإمام أحمد بن حنبل، ح: 2607، ج: 2/ 211، وشرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الصلاة، باب: الجمع بين صلاتين، ح:970.

ص: 209

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى بَدْءِ الْأَذَان

119 -

(189) - (1/ 358 - 362) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِيْ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ بِالرُّؤْيَا، فَقَالَ:"إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٍّ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى وَأَمَدُّ صَوْتًا مِنْكَ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا قِيلَ لَكَ، وَلْيُنَادِ بِذَلِكَ"، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ نِدَاءَ بِلَالٍ بِالصَّلَاةِ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، وَهُوَ يَقُوُل: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"فَلِلَّهِ الحَمْدُ، فَذَلِكَ أثْبَتُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أتمَّ مِنْ هَذَا الحَدِيتِ وَأَطْوَلَ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الأذَانِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالإِقَامَةِ مَرَةً مَرَةً.

وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، وَيُقَالُ: ابْنُ عَبْدِ رَبٍّ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا يَصِحُّ إِلَّا هَذَا الحَدِيثَ الوَاحِدَ فِي الأَذَانِ. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المَازِنِيُّ لَهُ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَمُّ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ.

• قوله: "إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٍّ": يُفيْدُ أنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم مَا عَمِلَ برُؤيا الرَّجُل إلا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أنَّها حَقٌّ إمَّا بِوحْيٍ، أو إلهَامٍ، أو باجْتِهَادٍ منه من

ص: 210

حيث أنَّه [رأى]

(1)

نَظْمًا يبعُد فيه مداخلةُ الشَّيْطَان، أو من حيث أنَّه ذِكْرٌ ونِداءٌ بحضُوْرِ الصَّلاةِ وكلٌّ جائزٌ في نفسِه لا يُتَوَقَّعُ عليه تَرَتّبُ خَلَلٍ، فلا يرد أنَّه كيف أثبت الأذانَ برُؤيا عَبْدِ اللهِ بْن زيدٍ مع أنَّ رُؤيا غيرِ الأنبياء لا يُبْنَى عليه الأحكامُ؟

والحاصل: أنَّ بناءَ الأحكام على رؤيا غيرِ الأنبياءِ بعد معرفة نَبِيٍّ أنَّها حَقٌّ مِمَّا لاريبَ فيه، والثَّابتُ فيما نحن فيه هو هذا البِنَاءُ. والأحكام لا على مُجَرَّدِ الرُّؤيا فلا إشكال.

120 -

(190) - (1/ 362 - 363) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَوَلَا تَبْعَتونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

• قوله: "نَاقُوسًا": هي خَشْبَةٌ طويلةٌ تُضْرَبُ بخشبةٍ أصغر منها، والنَّصَارى يعلمون بِها أوقات الصَّلاةِ.

(1)

أثبتنا ما بين المعقوفين لاقتضاء الموضع، وكذا في عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي لابن العربي: 1/ 248.

ص: 211

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى التَّرْجِيعِ [فِي الأذَانِ]

121 -

(191) - (1/ 366) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، وَجَدِّي جَمِيعًا، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَقْعَدَه، وَأَلْقَى عَلَيْهِ الأذَانَ حَرْفًا حَرْفًا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ:"مِثْلَ أَذَانِنَا"، قَالَ بِشْرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَعِدْ عَلَيَّ، فَوَصَفَ الأذَانَ بِالتَّرْجِيعِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الأذَانِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَعَلَيْهِ العَمَلُ بِمَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

"التَّرْجِيعِ": التَّرْدِيْدُ. وفِي الأذَانِ أنْ تأتِيَ بالشَّهَادَتَيْن تُخَفِّضُ بِهِمَا صوتَك مرَّةً وتَرْفَعُ بِهِما أخْرَى.

122 -

(192) - (1/ 367 - 368) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ عَامِرِ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ الْأَحْوَلِ عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَهُ الأذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كلِمَةً.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو مَحْذُورَةَ اسْمُهُ: سَمُرَة بْن مِعْيَرِ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم إِلَى هَذَا فِي الأذَانِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُفرِدُ الإِقامَةَ.

• قوله: "عَلَّمَ الأذَانَ

" إلخ، هذا العَدَدُ لا يستقيمُ إلا على تَرْجِيْعِ

ص: 212

الأذَان كما يقوله الشافعيُّ، وتثنيةُ الإقامة كما يقولُه أبو حنيفةَ، وقد ثبت أنَّ أذانَ بلالٍ لم يَكُنْ فيه ترجيعٌ، وكذا ثبت إفرادُ الإقامة، فالوجه القول بجواز الأمرين. والله تعالى أعلم.

ص: 213

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى إفْرَادِ الإِقَامَةِ

123 -

(193) - (1/ 369 - 370) حَدَّثَنَا قُتَيْتةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنسٍ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.

وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَنسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَول بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "يَشْفَعَ": كيَمْنَع.

• قوله: "أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ"، أي: يأتِي بألفاظِه مَثْنَى إلا التَّكْبيرَ فِي أوَّلِه فإنَّه أربعَ مرَّاتٍ لِمَا وَرَدَ التَّصْريحُ بذلك في الرِّوَاياتِ، وإلا كلمةُ التَّوْحِيد في آخره.

"وَيُؤْتِرَ الْإقَامَةَ"، أي: يأتِي بألفاظِها مفردةً وِتْرًا، إلا "قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ" كذا قيل. قلتُ: وكذا التَّكبِيْرُ فِي الإقامة.

والحاصل: أنَّ الشفْعَ في الأذَان، والوترَ في الإقامة بالنَّظر إلى غالب كلماتِهِمَا، وكذا ما جاء من:"مرَّتين مرَّتين"، و"مرَّة مرَّة" مَحْمَلُه هذا. والله تعالى أعلم.

ص: 214

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى إدْخَالِ الإِصْبَعِ [فِى الأُذُن] عِنْدَ الأَذَانِ

124 -

(197) - (1/ 375 - 378) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالَا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ وَيُتْبعُ فَاه هَاهُنَا، وَهَاهُنَا، وَإِصْبَعَاه فِي أُذُنَيْهِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ -أُرَاه قَالَ: مِنْ أَدَمٍ- فَخَرَجَ بِلَالٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا بِالبَطْحَاءِ، فَصَلَّى إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الكَلْبُ وَالحِمَارُ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كأَنَّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقٍ سَاقَيْهِ قَالَ سُفْيَانُ: نُرَاهُ حِبَرَةً.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبي جُحَيْفَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِندَ أهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُدخِل المُؤَذنُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الأَذاَنِ. وقال بَعْضُ أَهْلِ العِلمِ: وفي الإِقَامَةِ أيضًا يُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الأوْزَاعِيِّ وَأَبُو جُحَيْفَةَ، اسْمُهُ: وَهْبُ بنُ عَبْدِ الله السُّوَائِيُّ.

• قوله: "يَتَتَبَّعُ": رُوِي من الإفعال، أي: يُتْبعُ، أي: يجعلُ فاه تابعًا للجهتين مصروفًا إليهما، وكلٌّ من الدَّوْر والإتْبَاعِ والوَضْعِ ليكونَ الصَّوتُ أبلغ. و"الأدَم": -بفتحتين- الجِلْدُ. "العَنَزَةُ": -بفتحات- مثل نصف الرُّمْح أو أكبر شيئا، وفيها حديدٌ كما في الرُّمح. و"بَرِيقِ سَاقَيْهِ": لَمْعَانُه.

• قوله: "حِبَرَةً": كعِنبَةٍ، وهي من البُرُوْد ما كان مُخَطَّطًا، يقال: بُرْدٌ حَبِير، وبُرْدُ حِبَرِةٍ على الوصف والإضافة وهو بُرْدٌ يَمَانِيٌّ.

ص: 215

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى التَّثْوِيبِ فِى الفَجْرِ

125 -

(198) - (1/ 378 - 382) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الفَجْرِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ بِلَالٍ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْرَائِيلَ المُلَائِيِّ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الحَدِيثَ مِنَ الحَكَمٍ بنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ إِنَّمَا رَوَاه عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ. وَأَبُو إِسْرَائِيلَ اسْمُهُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَيْسَ هُوَ بِذَاكَ القَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَفْسِيرِ التَّثْوِيبِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّثْوِيبُ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: الصَّلَاة خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، وَهُوَ قَول ابْنِ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ. وقَالَ إِسْحَاقُ فِي التَّثْوِيبِ: غَيْرَ هَذَا، قَالَ: التَّثْوِيبُ المَكروه هُوَ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللةُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ فَاسْتَبْطَأَ القَوْمَ قَالَ بَيْنَ الأذَانِ وَالإِقَامَةِ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ". قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَالَ إِسْحَاقُ هُوَ التَّثْوِيبُ الَّذِي قد كَرِهَهُ أَهْلُ العِلْمِ، وَالَّذِي أَحْدَثُوهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَالَّذِي فَسَّرَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، أَنَّ التَّثْوِيبَ أَنْ يَقُولَ المُؤَذِّنُ فِي أَذَانِ الفَجْرِ:"الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم"، وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَيُقَالُ لَهُ التَّثْوِيبُ أيضًا، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَه أهْلُ العِلمِ وَرَأَوْه. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقولُ فِي صَلَاةِ

ص: 216

الفَجْرِ: "الصَّلَاة خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ". وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ مَسْجِدًا وَقَدْ أُذِّنَ فِيهِ، وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ، فَثَوَّبَ المُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ المَسْجِدِ، وَقَالَ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِع، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَإِنَّمَا كرِهَ عَبْدُ الله التَّثْوِيبَ الَّذِي أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدُ.

• قوله: "لَا تُثَوِّبَنَّ": نَهْيٌ مؤكدَّةٌ بالنُّونِ الثَّقيلةِ من التَّثْوِيْب، ومعناه سيذكره المُصَنِّفُ.

• قوله: "اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ

" إلخ، تحقيقُ التَّثْويبِ على وجه البَسْطِ في حواشي "الفتح"

(1)

(1)

راجع: شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 251، 252.

ص: 217

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى كَرَاهِيَةِ الأذَانِ بغَيْر وُضُوءٍ

126 -

(200) - (1/ 389) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى الصَّدَفِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لا يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ".

• قوله: "إِلَّا مُتَوَضِّئٌ": مرفوعٌ على أنَّه فاعلٌ، وفي نسخةٍ بالنَّصَبِ فالفاعل ضمير المؤذِّن، وهذا حالٌ، أي: لا يؤذِّنُ المؤذِّنُ إلا متوَضِّئًا.

127 -

(201) - (1/ 390) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ إِلا مُتَوَضِّئٌ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الحَدِيثِ الأوَّلِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَرْفَعْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الوَليدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَالزُّهْرِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْم فِي الأذَانِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَكَرِهَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَبهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ.

• قوله: "وَهَذَا أَصَحُّ

" إلخ، الحاصل أنَّ المَوْقُوْفَ أصحُّ من المرفوع.

ص: 218

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الإِمَام أَحَقُّ بالإِقَامَةِ

• قوله: "أَحَقُّ بِالإِقَامَةِ"، أي: أن يُقَامَ عند حضوره وفي حَضْرَتِه.

128 -

(202) - (1/ 391 - 392) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، يَقُوُل: كَانَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُمْهِلُ فَلا يُقِيمُ، حَتَّى إِذَا رَأَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَحَدِيثُ إسْرَئِيْلَ عَنْ سِمَاكٍ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّ المُؤَذِّنَ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ.

• قوله: "يُمْهِلُ"، الإمْهَالُ: التَّأخير.

• وقوله: "ولَا يُقِيمُ": تفسيرٌ له

إلخ.

ص: 219

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الأَذَانِ بِاللَّيْلِ

129 -

(203) - (1/ 392 - 395) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُواَ وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُنيْسَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَمُرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الأذَانِ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ بِاللَّيْلِ أَجْزَأَه وَلا يُعِيدُ، وَهُوَ قَول مَالِكٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا أَذَّنَ بِلَيْلٍ أَعَادَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ بِلَيْلٍ، فَأَمَرَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُنَادِيَ:"إِنَّ العَبْدَ نَامَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُه، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ بِلًالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". قَالَ وَرَوَى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ مُؤَذِّنًا لِعُمَرَ أَذَّنَ بِلَيْلٍ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الأذَانَ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ أيضًا لِأَنَّهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ، وَلَعَلَّ حَمَّادَ بْنَ سَعلَمَةَ أَرَادَ هَذَا اْلحَدِيثَ.

وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ عُبَيْدِ الله، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ".

ص: 220

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ حَمَّادٍ صَحِيحًا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الحَدِيثِ مَعْنًى إِذْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بلًالًا يُؤَذِّنُ بلَيْلِ" فَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ فِيمَا يُسْتَقبَل، فقال:"إِنّ بِلًالًا يُؤَذنُ بِليْلٍ" وَلوْ أَنَّهُ أَمَرَه بِإِعَادَةِ الأذَانِ حِينَ أذنَ قَبْلَ طُلُوْعِ الفَجْرِ لَمْ يَقُلْ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ".

قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيِّ: حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَأَخْطَأَ فِيهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ.

• قوله: "فَكُلُوا

" إلخ، أي: أذَانُ بلالٍ لا يَمْنَع التَّسَحُّرَ لِمَن يُرْيِدُ الصَّوْمَ. "أعاد"، أي: لأنَّه لا يجزئ في الليل.

• قوله: "فَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ"، أي: بقوله: "فَكُلُوا وَاشْرَبُوا"، أو خَاطَبَهم أو أخبَرهم في أمرٍ يُسْتَقْبَل حيث قال:"يُؤَذِّنُ" ولم يقل: "أذَّنَ"، والثانِي هو أظهرُ بالنَّظر إلى ظاهِر كلامِ المصنَّف، وأمَّا الأوَّلُ فيحتاجُ إلى مُرَادِ المصنف بقوله:"إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ" تمامَ الحديث لا هذا اللفظ فقط.

ص: 221

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الأذَانِ فِيِ السَّفَرِ

130 -

(205) - (1/ 399) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي، فَقَالَ لَنَا:"إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبْرُكمَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ اخْتَارُوا الأَذَانَ فِي السَّفَرِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: تُجْزِئُ الإِقَامَةُ، إِنَّمَا الأذَانُ عَلَى مَنْ يُوِيدُ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ، وَالقَول الأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ يَقُوُل أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "فَأَذِّنَا": قال فِي "المجمع" ليؤذِّنَ أحدُكما ويجيبُ الآخر انتهى

(1)

. قلت: ودمكن أن يقال: الإسنادُ مجازيٌّ كما فِي "بَنُوا فُلانٍ قُتِلُوْا" أي: وُجِدَ فيما بينهم القَتْلُ، أي: ليَتَحَقَّقَ فيما بينكما الأذَانُ والإقامةُ أيُّكُما فَعل حصلَ، ولا يختص بأكبَرِكُمَا كالإمامة.

• قوله: "أَكْبَرُكُمَا": تخصيصُ الأكبر لمُسَاوَاتِهِما فِي سَائِر الأشْيَاء المُوْجِبة للتَّقَدُّم كالأقْرَئِيَّةِ والأعْلَمِيَّةِ، ولمُساواتِهِما في المَكْث والْحُضُوْر عندَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، وذلك يَسْتَلْزِمُ المُسَاوَاةَ في هذه الصِّفَاتِ عادةً. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 39.

ص: 222

‌بَابُ [ما جاء] مَا يَقُولُ [الرجلُ] إذَا أَذّنَ المُؤَذِّنُ

131 -

(208) - (1/ 407 - 408) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاء فَقُولُوْا مِثْلَ مَا يَقُوُل المُؤَذِّنُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسى: وفي البَابِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَائِشَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ.

قَالَ أبوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَى مَعْمَرٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أَصَحُّ.

• قوله: "مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ"، أي: إلا فِي الحَيْعَلَتَيْنِ

(1)

فينبغي أنْ يأتِيَ بـ "لا حَوْل ولا قوَّة إلا باللهِ" فِي مقابلته للأحاديث، فهو عامٌ مخصوصٌ بالأحاديث الأخَر، وهذا الذي يؤيِّدُه النَّظْر في المعنى لأنَّ إجابةَ "حَيَّ على الصَّلاةِ" بمثله يُعَدُّ استهزاءً.

(1)

أي: حَيَّ على الصلاة، وحَيَّ على الفلاح.

ص: 223

[بابُ مَا جَاءَ فِى كرَاهِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ المُؤَذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا]

132 -

(209) - (1/ 409 - 410) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو زُبَيْدٍ وَهُوَ عَبْثَرُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ، قَالَ: إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ "اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ كرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ المُؤَذِّنُ عَلَى الأذَانِ أَجْرًا، وَاسْتَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ.

• قوله: "عَهِدَ إِلَيَّ"، أي: أوْصَانِي.

ص: 224

‌بَابُ [مَا جَاءَ] مَا يَقُولُ [الرَّجُلُ] إذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ مِنَ الدُّعَاءِ

• قوله: "مِنَ الدُّعَاءِ": بيان ما يقول.

133 -

(210) - (1/ 411 - 412) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ الحُكَيْمِ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَوَسُولُهُ، رَضِيتُ بِالله رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ حُكَيْمِ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ.

• قوله: "حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ": الظَّاهِر حين يفرغُ من سِمَاع أذَانِه وإلا فالجمعُ بينَه وبين ما يقول المُؤذِّنُ حالةَ الأذَانِ مشكلٌ وكذا في حديث الباب الثَّاني.

ص: 225

‌بابٌ مِنْهُ أيْضًا

134 -

(211) - (1/ 413 - 414) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ البَغْدَادِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشِ الحِمَّصِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، لا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ. وأبُوْ حَمْزَةَ اسمُه: دِينارٌ.

• قوله: "التَّامَة": تمامُها حسنُ انتظامِ كلمِتِها واشتِمَالُها على ما ينبغي الاشتمالُ عليه من التكبير والتَّوْحِيْدِ وغيرهما.

• قوله: "إِلَا حَلَّتْ": وفي رواية البخاري

(1)

"حَلَّتْ" بدون "إلا" وهو الظَّاهِرُ، وأمَّا مع "إلا" فينبغي أنْ يجعل "مَنْ" في قوله:"مَنْ قَالَ" استفهامية، والاستفهامُ للإنكار فيرجعُ إلى النَّفْيِ، و"قَالَ" بمعنى "يَقُوْلُ" أي: ما من أحد يقول ذلك إلا حلَّتْ له. والله تعالى أعلم، ومثله قوله تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}

(2)

وأمثاله كثيرة.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: الدعاء عند النداء، ح:614.

(2)

البقرة: 255.

ص: 226

‌بَابُ مَا جَاءَ كَمْ فَرَضَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ

135 -

(213) - (1/ 417 - 418) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىَ النَّيْسَابُوْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:"فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بهِ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا، ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَكَ بِهَذِهِ الخَمْسِ خَمْسِينَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَمَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "ثُمَّ نُقِصَتْ": بأن نسخ ذلك العددُ وهو نسخ للحكم قبل العمل به، وكأنَّ المَصْلَحةَ فيه إظهارُ شرفِه العَلِيِّ صلى الله عليه وسلم ومكانته عنده من القرب حيث نَسَخَ بالتجائه أكثر مما أبْقَى، وأنَّ لك بِهذا الخمس خمسين. حاصله: أنَّ كُلًّا منها يُسَاوِي عشرةً قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}

(1)

وكأنَّ هذا هو المرادُ بالقول في قوله: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ}

(2)

أي: مساواةُ كلِّ واحدةٍ بعشرة لا تنْسَخُ أبدًا بل هو وعدٌ لازمٌ، إلا أنَّ عدد الخمس لا يزيدُ ولا ينقصُ بالنَّسْخ، وذلك لأنَّ موسى -صلوات الله وسلامه عليه- قال له صلى الله تعالى عليه وسلم بعد هذا القول كما هو مقتضى رواياتِ الْحَدِيْثِ فِي

(1)

الأنعام: 160.

(2)

راجع: سورة: ق: 29.

ص: 227

البخاريِّ: "رَاجِعْ رَبَّكَ فِي التَّخْفِيْفِ"

(1)

فاعْتَذَر صلى الله تعالى عليه وسلم عند ذلك بالاستحياء، فلو كان المرادُ بِهذا القول: أنَّ العددَ لا ينتسخُ لما كان للاعتذار بالاستحياء كثير معنى، وعلى هذا فالحديثُ لا ينافي القول: بوجوب الوتر. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع صحيح البخاري: ح: 349، 3342.

ص: 228

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي فَضْلِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ

136 -

(214) - (1/ 418 - 419) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ العَلَاءِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِرُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَنسٍ، وَحَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "مَا لَمْ يَغْشَ": من غَشِيَ الشيءَ لابَسَه وبَاشَره.

• قوله: "مَا لَمْ يَغْشَ الكَبَائِرَ": على بناء الفاعل، ونصبِ الكبائر، أي: ما لم يقصد صاحُبُ الصَّلاة الكبائرَ ولم يُبَاشِرْهَا ولم يركبها. أو رَفْعِها، أي: ما لم تُحِطْهُ الكبائرُ، أو لم تركبه. وعلى بناء المفعول ورفع الكبائر. والحاصل: أنَّ الصلواتِ كفاراتٌ لجميع الذُّنوب ما لَمْ يَرْتَكبْ صاحبها الكبائر، وإذا ارتكب تكون كفَّارةً لما سوى الكبائر. والله تعالى أعلم.

ص: 229

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى فَضْلِ الجَمَاعَةِ

137 -

(215) - (1/ 420 - 421) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَه بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: إنَّمَا قالوا "خَمْسَة وَعِشْرِينَ": لا منافاةَ بينَ الرِّوَايتين بجواز حَمْلِ كلٍّ منهما على التَّكْثير دونَ التَّحديد، أو حمل العَدَد النَّاقِص أو الزَّائِد على ذلك، لكن الوجهَ إذا اكتفى بحمل أحدهِما حمل الناقص على التكثير والزَّائد على التَّحْدِيْدِ. والله تعالى أعلم.

ص: 230

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلَا يُجِيبُ

138 -

(217) - (1/ 422 - 423) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَتِي أَنْ يَجْمَعُوا حُزَمَ الحَطَبِ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى أَقْوَامٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أصْحَابِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهمْ قالوا: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: هَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ فِي ترْكِ الجَمَاعَةِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ.

• قوله: "فِتْيَتِي"، أي: جماعَتِي وأصْحَابِي جمعُ فتًى.

• وقوله: "ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ"، أي: لِيُوَفَّ بذلك، وَيتَبَيَّن مَنْ حَضَر ومَنْ لَمْ يَحْضُرْ.

• وقوله: "عَلَى قَوْمٍ

" إلخ، قد أفَادَه المصنفُ بالتَّرْجمة على أنَّ المرادَ بِهم مَنْ سمعَ النداءَ ولم يحضر، لا مَنْ لم يسمع؛ لأنَّه معذورٌ بعدم السِّماع في ترك الحضور.

139 -

(218) - (1/ 423 - 424) قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ

ص: 231

رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، لا يَشْهَدُ جُمْعَةً وَلا جَمَاعَةً؟ قَالَ:"هُوَ فِي النَّارِ". قَالَ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنْ لَا يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ وَالجُمُعَةَ رَغْبَةً عَنْهَا، وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا، وَتَهَاوُنًا بِهَا.

• قوله: "وَمَعْنَى الحَدِيتِ

" إلخ، وذلك لأنَّ القَطْعَ بدخول النَّار لا يمكن ولا يحسن إلا فيمن ترك الجماعة. والله تعالى أعلم.

ص: 232

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الرَّجُل يُصَلِّى وَحْدَه ثُمَّ يُدْرِكُ الجَمَاعَةَ

140 -

(219) - (1/ 424 - 427) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الأسْوَدِ العَامرِىُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وانْحَرَفَ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى القَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ:"عَلَيَّ بِهِمَا"، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ:"مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا"، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ:"فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ مِحْجَن الدِّيْلِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَول غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالُوا: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ وَحْدَه ثُمَّ أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا فِي الجَمَاعَةِ، وَإِذَا صَلَّى الرَّجُلُ المَغْرِبَ وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ، قَالُوا: فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا مَعَهُمْ وَيَشْفَعُ بِرَكْعَةٍ، وَالَّتِي صَلَّى وَحْدَهُ هِيَ المَكْتُوبَةُ عِنْدَهُمْ.

• قوله: "فِي أُخْرَى القَوْمِ"، أي: فِي الجِهَة الأخرى منهم، أي: وراءهم.

ص: 233

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ مَرَّةً

141 -

(220) - (1/ 427 - 432) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ النَّاجِيِّ البَصْرِيِّ عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَالحَكَمِ بْنُ عُمَيْرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَهُوَ قَول غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ، قَالُوا: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ القَوْمُ جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ جَمَاعَةٌ، وَبِهِ يَقُوُلُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يُصَلُّونَ فُرَادَى، وَبِهِ يَقُوُل سُفْيَانُ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، يَخْتَارُونَ الصَّلَاةَ فُرَادَى.

وَسُلَيْمَانُ النَّاجَيُّ بَصْرِىٌّ وَيُقَالُ: سُلَيْمَانُ بْنُ الأسْوَدُ. وَأبُو المُتَوَكِّلُ اسْمُهُ: عَلِىُّ بْنُ دَاوُدَ.

• قوله: "أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ": فِي كُتُبِ الغرائب، الرِّواية "يَأتَجِرُ"

(1)

من الأجر، والهمزةُ لا تدْغَم في التَّاء فإن صحَّ فيها "يتَّجِر" فيكودن من التِّجَارة لا من الأجْر كأنَّه بصلاته حصل لنفسه تجارةً.

(1)

راجع: النهاية الجزرية لابن الأثير: 1/ 56.

ص: 234

قلت: وهذا منقوضٌ بـ "يَتَّخِذُ" فإنَّه من أخَذَ، وقد اشتهر بينهم "اتَّزَر" من أزر أيضًا فالتَّغليظُ مشكلٌ، تأمَّلْ.

• وقوله: "عَلَى هَذَا": متعَلِّقٌ بـ "يَتَّجِرُ" بتضمين معنى التَصَدُّق، أي: متصدقا على هذا.

• قوله: " قَالُوا: لَا بَأْسَ": ويؤيِّدُه ما روى البخاريُّ

(1)

عن أنس تعليقًا أنَّه جاء إلى مَسْجِدٍ قد صُلِّي فيه فأذَّن وأقام وصلى جماعةً.

(1)

راجع صحيح البخاري، باب: فضل صلاة الجماعة، ص:116.

ص: 235

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى فَضْلِ العِشَاءِ وَالفَجْرِ جَمَاعَة

(1)

142 -

(221) - (1/ 433 - 434) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهِدَ العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى العِشَاءَ وَالفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنسٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، وَجُنْدَب بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُفْيَانَ البَجَلِيِّ، وَأُبَيِّ بْنِ كعْبٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَبُرَيْدَةَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عُثْمَانَ مَوْقُوفًا. وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجهٍ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا.

143 -

(222) - (1/ 434) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَن صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللهَ فِي ذِمَّتِهِ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "فِي ذِمَّتِهِ"، أي: في أمانِه وحفظِه من حيمث مالِه ودمِه، أي: أوْجَبَ عليكم أن لا تتَعَرَّضُوْه.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "فِي الجَمَاعَةِ".

ص: 236

• وقوله: "فَلَا تُخْفِرُوْا اللهَ فِي ذِمَّتِهِ"، أي: فلا تَزَالُوا منه فِي مَحَلِّ أمْنِه، أي: فعليكم مراعاةُ أمْنِه فِي مَحَلِّه.

• قوله: "كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ": الظَّاهر أنَّ قِيَامَ نصفِ لَيْلَةٍ بالنَّصَب على أنَّه خبرُ "كان"، واسمُه ضميرٌ عائدٌ على الشُّهُوْد بقرينة ما بعده أعنى: كان له كقيام، أي: كالن له شهودٌ مثل قيام نصف ليلة فِي الأجر.

ويحتمل الرَّفع بتقدير "كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ": وعلى هذا فالكافُ فيما بعده يحتمل الزيادةَ، ويحتمل أدن يكون اسمًا بمعنى المثل، والتقديرُ: كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ قِيَامِ لَيْلَةٍ. والله تعالى أعلم.

144 -

(223) - (1/ 435) حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ أَبُو غَسَّانَ العَنْبَرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الكَحَّالِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أَوْسٍ الخُزَاعِيِّ، عَنْ بُرَيْدةَ الأسْلَمِيِّ، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:"بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، مَرْفُوْعٌ هُوَ صَحِيْحٌ مُسْنَدٌ، وَمَوْقُوْفٌ إلى أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يُسْنَدُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "المَشَّائِينَ": من صِيَغِ المُبالغة، فالمرادُ مَنْ كَثُر مَشْيُهُمْ ويعتادون ذلك لا من اتَّفَقَ منهم المَشْيُ مرَّةً أو مرَّتَيْن، وهذا الحديثُ يَشْمَلُ العِشَاءَ والصُّبْحَ بناءً على أنَّها تؤدَّى غَلَسًا. والله تعالى أعلم.

ص: 237

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى فَضْلِ الصَّفِّ الأوَّلِ

145 -

(224) - (1/ 435 - 436) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأُبَيٍّ وَعَائِشَةَ، وَالعِرْبَاضِ بْن سَارِيَةَ، وَأَنسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقد رُوِيَ عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَغفِرُ لِلصّفِّ الأوَّلِ ثَلاثًا، وَلِلثَّانِي مَرَّةً.

• قوله: "قَدْ رُوِيَ": بصيغة التَّمْريض فيفيدُ ضُعْفَ الحديث.

146 -

(225) - (1/ 437) وقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ". قَالَ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِثْلَهُ.

• قوله: "قَالَ النَّبِيُّ": صيغةُ جَزْمٍ فتُفِيْدُ صِحَّةَ الحديث. "لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا"، أي: لَمْ يجدوا سبيلًا إلى تحصيل ذلك الثَّوَابِ الذي فِي الأذَان والصَّف الأوَّل إلا بالقُرْعة لازْدِحَامهم واجتماعهم على تحْصِيْله لحصلوه

ص: 238

بالقُرْعَة. وقد يقال: إنَّهم علموا ذلك بإخْبَار الصَّادِق، وهم بِسَعَةٍ مِنْ تَحْصيْله بلا قرعةَ ومع ذلك لا يحصلون فما معنى الحديث؟

قلتُ: كأنَّ المرادَ بالحديث تعظيمُ ما فيهما من الأجْر وتكثيرُه بطريق الكنايةِ من غير قَصْدٍ إلى الإخْبَار عن النَّاسِ بأنَّهم يحصلونَه على تقدير العلم به. ويحتمل أنَّ المعنى لو يعلمون ذلك معاينةً إذ ليس الخَبَرُ كالمُعَايَنَة. أو لو يعلمونه تفصيلًا، وبالخبر ما حصل إلا العلمُ إجمالًا، أو لو يعلمودن مع طلب حصوله وترك الغفلة عنه. والله تعالى أعلم. والمعنى لكان مِنْ حَقِّهِمْ واللائِقُ بِهم أنْ يحصلوه بالقُرْعَة، لكن كلمةَ "لَوْ" تقتضي عدمَ حصول العلم لهم، فالوجه الحمل على المعنى الأول. والله تعالى أعلم.

ص: 239

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إقَامَةِ الصُّفُوفِ

147 -

(227) - (1/ 438 - 439) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ النُّعْمَانِ بْن بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُسَوِّي صُفُوفَنَا، فَخَرَجَ يَوْمًا فَرَأَى رَجُلًا خَارِجًا صَدْرُهُ عَنِ القَوْمِ، فَقَالَ:"لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْلَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَالبَرَاءِ، وَجَابِرِ بنِ عَبْدِ الله، وَأنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بشَيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقد رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ تَمَام الصَّلَاةِ إِقَامَةُ الصّفِّ" وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ: أنَّهُ كَانَ يُوَكِّلُ رِجَالَا بِإِقَامَةِ الصُّفوفِ، وَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُخبَرَ أنَّ الصُّفُوفَ قَدِ اسْتَوَت. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ، أَنَّهُمَا كَانَا يَتَعَاهَدَانِ ذَلِكَ، وَيَقُولَانِ:"اسْتَوُوا" وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: تَقَدَّمْ يَا فُلَانُ، تَأَخَّرْ يَا فُلَانُ.

• قوله: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ

" إلخ، أي: أحدُ الأمْرَين مُتَحَتِّمُ الوُقوعِ إمَّا التَّسْوِيَةُ منكم، أو إيقاعُ العداوةِ والبغضاءِ مِنَ اللهِ تعالى بينكم الذي يكون سببا لإعراض الوجوه.

ص: 240

‌بَابُ مَا جَاءَ لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى

148 -

(228) - (1/ 440 - 443) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِيْ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَالبَرَاءِ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

وَقد رُوِيَ عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ أنْ يَلِيَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأنصَارُ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ".

قَالَ: وَخَالِدٌ الحَذَّاءُ هُوَ خَالِدُ بْنُ مِهْرَانَ، يُكْنَى أَبَا المُنَازِلِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُوُل: يُقَالُ: إِنَّ خَالِدًا الحَذَّاءَ مَا حَذَا نَعْلًا قَطُّ، إِنَّمَا كَانَ يَجْلِسُ إِلَى حَذَّاءٍ فَنُسِبَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَأَبُو مَعْشَرٍ المْممُهُ: زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ.

• قوله: "لِيَلِيَنِّي":- بكسر اللامين، وخِفَّةِ النُّون من غير يَاءٍ قبلَها، ويجوزُ إثباتُ الياء، وتشديد النودن على التأكيد- وَالوَلْيُ: القُرْب، والمراد ترتيب القيام في الصفوف.

• وقوله: "ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، أي: يقرَبُوْن منهم فِي هذا الوصف.

وقيل: هم المُرَاهِقُوْن ثُمَّ الصِّبْيَان المُمَيِّزُون، ثمَّ النِّسَاء، وهذا للحاجة إلى

ص: 241

الاستخلاف وتَنْبِيْهِ الإمام على السَّهْو، ونَقْل صِفَةِ الصَّلاةِ بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "وَلَا تَخْتَلِفُوا"، أي: فِي القِيام بِهذَا الوجه، أو فِي الصُّفُوْف بالتَّقَدُّم والتأخُّر.

• وقوله: "فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ"، أي: بالعَدَاوة والبَغْضَاء. "وهَشَّاتِ الأسْوَاق": واخْتلاطها في القيام، وعَدَمِ تَمَيُّزِ الصَّغيرِ منَ الكبير، أو في ترك تَسْوِيَةِ الصُّفُوْفِ.

ص: 242

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّفِّ بَيْنَ السَّوَارِي

149 -

(229) - (1/ 444 - 443) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ المُرَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: صَلَّيْنَا خَلْفَ أَمِيرٍ مِنَ الأُمرَاءِ، فَاضْطَرَّنَا النَّاسُ فَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَلَمَّا صَلَّيْنَا، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ:"كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم".

وَفِي البَابِ فَيْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ المُزَنِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ كرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ يُصَفَّ بَيْنَ السَّوَارِي، وَبِهِ يَقُوُل أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي ذَلِكَ.

• قوله: "يَتَّقِي هَذَا"، أي: يَحْتَرِزُ عنه لِمَا وَوَدَ فيه من النَّهْي.

ص: 243

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَه

150 -

(235 - (1/ 445 - 448) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، قَالَ: أَخَذَ زِيَادُ بْنُ أَبِي الجَعْدِ بِيَدِي وَنَحْنُ بِالرَّقَّةِ، فَقَامَ بِي عَلَى شَيْخِ يُقَالُ لَهُ: وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ زِيَادٌ: حَدَّثَنِي هَذَا الشَّيْخُ أَنَّ رَجُلًا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَه- وَالشَّيْخُ يَسْمَعُ فَأَمَرَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِى البَاب عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ وَابِصَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَقَالُوا: يُعِيدُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يُجْزِئُهُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ إِلَى حَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أيضًا، قَالُوا: مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَه يُعِيدُ، مِنْهُمْ: حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَوَكِيعٌ. وَرَوَى حَدِيثَ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنُ يَسَافٍ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي الأحْوَصِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ. وَفِي حَدِيثِ حُصَيْنٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِلَالًا قَدْ أَدْرَكَ وَابِصَةَ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الحَدِيثِ فِي هَذَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ

ص: 244

هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَصَحُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَصَحُّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا عِنْدِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ وَابِصَةَ.

• قوله: "أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ"، أي: لِمَا فِي الأولى منَ الفَسَادِ أو الكَرَاهَة، والصَّلاةُ مع الكراهة تُعَادُ.

ص: 245

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي مَعَ الرَّجُلَيْنِ

151 -

(233) - (1/ 452 - 454) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كُنَّا ثَلَاثةً أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْم، قَالُوا: إِذَا كانُوا ثَلَاثَةً قَامَ رَجُلَانِ خَلْفَ الإِمَامِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعودٍ: أَنَّهُ صَلَّى بِعَلْقمَةَ، وَالأَسْوَدِ، فأَقَامَ أحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. وَرَوَاه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمِ المَكِيِّ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.

• قوله: "أَنْ يَتَقَدَّمَنَا"، أي: فِي القِيَام فِي الصَّلاة.

• قوله: "وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاس فِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ": لكن الحديث مؤيَّدٌ بما سيجيء من حديث أنسِ "اليتيم"

(1)

.

(1)

أشار المصنف إلى الحديث القادم في الباب الآتي في صلاة اليَتِيْم خلف النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 246

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَمَعَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ

152 -

(234) - (1/ 454 - 457) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأنصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ:"قُومُوا فَلْنُصَلِّ بِكُمْ" قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِالمَاءِ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَصَفَفْتُ عَلَيْهِ أَنَا، وَاليَتِيمُ وَرَاءَه، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إِذَا كَانَ مَعَ الإِمَامِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ وَالمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا. وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذَا الحَدِيثِ فِي إِجَازَةِ الصَّلَاةِ إِذَا كانَ الرَّجُلُ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، وَقَالُوا: إِنَّ الصَّبِيَّ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَلَاةٌ، وَكَأَنَّ أَنسًا كَانَ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحْدَه فِي الصَّفِّ، وَلَيْسَ الأمْرُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقَامَهُ مَعَ اليَتِيمِ خَلْفَهُ، فَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ لِلْيَتِيمِ صَلَاةً لَمَا أَقَامَ اليَتِيمَ مَعَهُ، وَلْأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنسٍ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلالَةٌ أنَّهُ إِنَّمَا صَلَّى تَطَوُّعًا أَرَادَ إِدْخَالَ البَرَكَةِ عَلَيْهِمْ.

• قوله: "فَلْنُصَلّي": روي بالياء وبدونِها، وعلى الثَّانِي الأمرُ واضحٌ، والصِّيْغة للأمر، فالفاء زائدةٌ، أي: قُوْمُوْا لِنُصَلِّ بِكُمْ.

ص: 247

• قوله: "فَنَضَحْتُهُ"، أي: ليِتَلَيَّنَ.

• قوله: "قَالُوا: إِنَّ الصَّبِيَّ

" إلخ، يمكن أنْ يُؤخَذَ ذلك من قيام المرأة وحدَها فِي الصَّفِّ إذ حكمُ الرِّجَال والنِّسَاء واحدٌ إلا بدليلٍ، لكن حديث معَبْد المُتَقَدِّم يصلح دليلًا على اختلاف حكمها هاهنا.

• قوله: "عَنْ مُوسَى"، أي: ابنُ أبي موسى، إنَّما صلَّى تَطَوُّعًا إذ عادتُه صلى الله عليه وسلم أداءُ المكتوبات في المَسَاجِدِ لا البيوت.

ص: 248

‌بَابُ [مَا جَاءَ] مَنْ أَحَقُّ بالْإِمَامَةِ

153 -

(235) - (1/ 458 - 461) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ الأنْصَارِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَكبَرُهُمْ سِنًّا، وَلا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِى بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ"، قَالَ مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ: قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ: "أَقْدَمُهُمْ سِنًّا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمَالِكِ بْن الحُوَيْرِثِ وَعَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَي هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: أَحَقُّ النَّاسرِ بِالإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، وَقَالُوا: صَاحِبُ المَنْزِلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَذِنَ صَاحِبُ المَنْزِلِ لغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ. وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ صَاحِبُ البَيْتِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: وَقَول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ"، فَإِذَا أَذِنَ فَأَرْجُو أَنَّ الإِذْنَ فِي الكُلِّ، وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا إِذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ.

• قوله: "فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ": حملوهَا على أحْكام الصَّلاةِ.

ص: 249

• وقوله: "وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ": على بناءِ المفعُوْل. "وَلَا يُجْلَسُ": والصِّيْغَةُ للنَّهْي، ويحتمل أنَّه نَفْيٌ بمعنى النَّهْي، ويمكن بناءُ الفعلينْ للفاعل وإضمارُ الفاعل لظهوره، أي: لا يؤُمُّ أحدٌ أو إمامٌ، ولا يَجْلِسُ جالسٌ. وأمَّا جَعْلُ الرَّجُل المذكور فاعلا وتقدير المفعول فبعيد من حيث يلزم رجْعُ ضمير "سُلْطَانِه، وَتَكْرِمَتِه، وبإذْنِه" إلى المقدر، والمراد بـ "السُّلْطَانِ" مَحَلُّ السُّلْطان وهو موضِعُ يملكه الرَّجُل، أو يَتَسَلَّطُ عليه بالتَّصَرُّفِ كصاحب المجلس وإمام المجلس؛ فإنَّه أحقُّ من غيره وإن كان أفقه لئلا يؤدِّيْ ذلك إلى التَّبَاغُضِ والخلافِ الذي شُرِعَ الاجتماعُ لرَفْعِه. "والتَكْرِمَة": الموضعُ الخالصُ لجُلُوْسِ الرَّجُل من فِرَاشٍ وسريرٍ ممَّا يُعَدُّ لإكْرَامِه، وهي تَفْعَلَةٌ من الكَرَامَة، وهذَا الحديثُ بوَجْهَين: إمَّا النَّسْخُ بحَدِيث إمَامَةِ أبي بَكْر مع أنَّ أقرأ القَوْم أبَيٌّ، وكانَ أبُو بكر أعلمَ كما رُوِيَ عن أبي سعيد

(1)

. وإمَّا بأنَّ أقْرأهُمْ كانَ أعلَمَهُم؛ لأنَّهم كانُوْا يأخُذُوْنَ القرآنَ بالمَعَانِي والحُكْمُ مخصوصٌ بِهم، ولايَخْفَى ما بَيْنَ الْجَوَابَيْن مِنَ التَّنَافِي، ثُمَّ لفظُ الحَدِيث يَقْتَضِي عمومَ الْحُكْم. والله تعالى أعلم.

• قوله: "وقَالَ بَعْضُهُمْ

"إلخ، الخلافُ مَبْنِيٌّ على الخِلاف فِي مُتَعَلِّقِ "إلا بإذْنِهِ" هل هو متعلقٌ بالفِعْلَين أو الثَّانِي فقطّ.

(1)

راجع: صحيح البخاري، أبواب القبلة، الخَوْخَة والمَمَرُّ في المسجد، ح: 466، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ح:2382.

ص: 250

‌بَابُ مَا جَاءَ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ

154 -

(236) - (1/ 461 - 462) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَة بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أَمَّ أحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ وَالمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَنسٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَمَالِكِ بن عَبْدِ اللهِ، وَأَبِي وَاقِدٍ، وَعُثْمَانَ بْن أَبِيْ العَاصِ، وَأَبِى مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَولُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ اخْتَارُوا أَلَّا يُطِيلَ الإِمَامُ الصَّلَاةَ مَخَافَةَ المَشَقَّةِ عَلَى الضَّعِيفِ وَالكَبِيرِ وَالمَرِيضِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَبُو الزِّنَادِ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ، وَالأعْرَجُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ المَدِينِيُّ، وَيُكْنَى أَبَا دَاوُدَ.

155 -

(237) - (1/ 463 - 464) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَاسْمُ أبِيْ عَوَانَةِ: وَضَّاحٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَأَلْتُ قُتَيْبَةَ قُلْتُ أبُوْ عَوَانَةَ مَا اسْمُهُ؟ قَالَ وَضّاحٌ، قُلْتُ ابْنُ مَنْ؟ قَالَ لَا أدْرِيْ كَان عَبْدًا لامْرَإةٍ بِالْبَصْرَةِ.

• قوله: "فِي تَمَامٍ"، أيْ: مَقْرُوْنًا بتمام الصلاة دفعٌ لما يُتَوهَّم "مِنْ أخَفِّ

" من الإخلال بتمام الَأركان والطَّمأنينةِ.

• قوله: "وَالضَّعِيفَ"، أي: قريبُ العَهْد بالمَرَض، أو من جُبِلَ على الضعف.

ص: 251

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَتَحْلِيلِهَا

(1)

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي نَشْرِ الأصَابِعِ عِنْدَ التَّكْبيرِ

المرادُ "بِالنَّشْرِ": إنْ صَحَّ إمَّا خلافُ القَبْضِ، أيْ: بَسْطُها، أو خلاف الضَمِّ، أي: تَرْكُها على حالها ولم يُضَمُّ بعضُها إلى بعض.

156 -

(239) - (2/ 5 - 6) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ، عَنْ ابْنِ أَبِيْ ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِمْعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلاةِ نَشَرَ أَصَابِعَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ فَيْ ابْنِ أَبِي ذِئْبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِمْعَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا. وَهذا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ اليَمَانِ، وَأَخْطَأَ يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ فِي هَذَا الحَدِيثِ.

• قوله: "مَدًّا"، أي: زيادة على ما كان يرفعه عندَ الرُّكُوْع، أو أرفع منه. والله تعالى أعلم.

(1)

كتب المصنف هذا الباب ولم يشرح بعده شيئا.

ص: 252

[بابُ مَا جَاءَ فِى فَضْل التَّكْبيرَةِ الأُولَى]

157 -

(241) - (2/ 7 - 9) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الجَهْضَمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبُوْ قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ حَبِيْب بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى لِلهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَا مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ حَبِيْبِ بْنِ أبِيْ ثَابتٍ، عَنْ أنَس، وَإنَّمَا يُرْوَى هَذَا الحَدِيثُ عَنْ حَبيبِ بْنِ أَبَي حَبيبٍ البَجَلِىِّ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ قَوْلَهُ، حَدّثَنَا بِذَلِكَ هَنّادٌ، حَدّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ البَجَلِيِّ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَه وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا. وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ لَمْ يُدْرِكْ أَنسَ بْن مَالِكٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يُكْنَى أَبَا الكَشُوثَا، وَيُقَالُ أَبُو عُمَيْرَةَ.

• قوله: "أَرْبَعِينَ يَوْمًا": المُتبَادَرُ من مِثْلِه التَّتَابُع ومع ذلك يمكن حَمْلُه على الإطلاق.

• وقوله: " يُدْرِكُ"، أي: مع الإمام.

• "وَإِنَّمَا يُرْوَى

" إلخ، لكن الموقوفَ في مثله له حكمُ الرَّفْعِ إذ مثلُ هَذَا لا يعْرَفُ بالرَّأيْ.

ص: 253

‌بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ

158 -

(242) - (2/ 9 - 11) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْن عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ باللَّيْلِ كَبَّرَ، ثُمَّ يَقُولُ:"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ" ثُمَّ يَقُولُ: "اللهُ أَكبَرُ كبِيرًا" ثُمَّ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ عَلِىٍّ، وَعَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَابْنِ عُمَرَ. قَال أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا البَابِ. وَقَدْ أَخَذَ قَوْمٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ بِهَذَا الحدِيثِ، وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ، فَقَالُوا: بِمَا رُوِىَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابعِينَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَتَكَلَّمُ فِي عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ. وقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ هَذَا الحَدِيثُ.

• قوله: "سُبْحَانَكَ .. " إلخ، أي: نُسَبِّحُكَ ونحنُ ملْتَبِسُوْن بحَمْدِك.

وأصل "الهَمْز": الغَمْزْ والدَّفْعُ، وفُسِّرَ فِي الحديث بِنَوْعِ من الْجُنُوْن وهو المَوْتة. و"النَفْخُ": معلومٌ، وفُسِّرَ فِي الحديمسا بالتَكَبُّرِ. و"النَّفْثُ": نفخٌ لطيفٌ بلا رِيقَ، وفُسِّرَ فِي الحديمثِ بالشِّعْرِ، والمرادُ به الشِّعْرُ الْمَذْمُوْمُ المُشْتَمِل على هَجْوِ مسلم، أو كُفْر، أو فِسْقٍ. والله تعالى أعلم.

ص: 254

• قوله: "إنما رُوِىَ

" إلخ، أي: لم يُرْوَ أنَّه كان يفتحُ الصَّلاةَ به. والله تعالى أعلم. وكأنَّ المرادَ بالرِّوَايةِ الروايةُ على وجه الصِحَّةِ، والحَقُّ أنَّه صَحَّ الافتتاحُ به كما قررَّنَاه فِي حاشية الفتح.

• قوله. "لَا يَصِحُّ هَذَا": قال المُحَقِّقُ ابنُ الهمام

(1)

: عليُّ بنُ عليٍّ وثَّقَهُ وكيعٌ

(2)

، وابنُ معينٍ

(3)

، وأبو زرعةَ

(4)

وكفى بِهم.

(1)

راجع شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 294.

(2)

هو: أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، كان ممن وحل وكتب، وحفظ وحدث، ولد سنة تسع وعشرين ومائة، قيل: إن أصله من قرية من قرى نيسابور، وقيل: من السغد. سمع هشام بن عروة، والأعمش، وابن جريج، وسفيان، والأوزاعي وخلائق. وحدث عنه ابن المبارك مع تقدمه، وأحمد، وابن المديني، ويحيى بن معين، وأمم سواهم. توفي سنة سبع وتسعين ومائة. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 15/ 647، التارلخ الكبير للبخاري: 8/ 179، مشاهير علماء الأمصار لابن حبان: 206، وتذكرة الحفاظ: 1/ 306، سير أعلام النبلاء: 9/ 140.

(3)

هو: الإمام أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد الغطفاني المري البغدادي، ولد سنة ثمان وخمسين ومائة، قيل: إنه من قرية نحو الأنبار تسمى "نَقَياي"، سمع هشيما، وابن المبارك، ومعتمر بن سليمان وغيرهم. وحدث عنه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبوداود. توفي في ذي العقدة بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. راجع لترجمته: التاريخ الكبير: 8/ 307، وفيات الأعيان: 6/ 139، سير أعلام النبلاء: 11/ 71.

(4)

هو: الإمام الحافظ أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ القرشي الرازي، ولد بعد نيف ومائتين. سمع خلاد بن يحيى، وأبا نعيم، والقعنبي وطبقهم بالحرمين، والحجاز، والعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، ومصر. كان إماما حافظا متقنا. قدم بغداد غير مرة وجالس أحمد وذاكره. حدث عنه من شيوخه: أبو حاتم، والترمذي، وابن ماجة، والنسائي، وابن أبي داود وآخرون. توفي بالري في آخر ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 13/ 33، المنتظم: 12/ 193، سير أعلام النبلاء: 11/ 65، تذكرة الحفاظ: 2/ 557.

ص: 255

• قوله: "وَقَدْ تُكُلِّمَ

"إلخ، والحَقُّ أنَّ الحديثَ صَحِيْحٌ بكثرةِ طُرُقِه، وبعضُ أسانيدِه لا ينزلُ عن درجةِ الحَسن.

ص: 256

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى تَرْكِ الجَهر [بـ]"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"

159 -

(244) - (2/ 12 - 14) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبِيْ إيَاسٍ الجُرَيْرِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَايَةَ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ، أَقُوُل: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ لِي: أيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ إِيَّاكَ وَالحَدَثَ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الحَدَثُ فِي الإِسْلَامِ -يَعْنِي مِنْهُ- قَالَ: وَقَدْ صَليْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَ عُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ، فلَمْ أَسْمعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا، فَلَا تَقُلْهَا، إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ فَقُلْ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

(1)

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَغَيْرُهُمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ لَا يَرَوْنَ أَنْ يَجْهَرَ بِـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

(2)

قَالُوا: وَيَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ.

• قوله: "سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ

" إلخ، ظاهرُ الحديث أن لا يقولَ البسملةَ من أصْلِه لا سِرًّا ولا جهرًا لكن من يقول سِرًّا يحمله على الجَهْر إذا السِّمَاع يَتَعَلَّقُ عادةً بالْجَهْر، وإليه إشارةُ المصنف في الترجمة.

(1)

الفاتحة: 2.

(2)

الفاتحة: 1.

ص: 257

واختلاف الصَّحَابة فِي الْجَهْر بالتَّسْمَية مِمَّا يُتَعَجَّبُ منه؛ لأنَّ التَّسْمِيَةَ مِمَّا يتكرر كل يومٍ مرارًا فِي الصَّلاةِ، فخَفَاءُ أمْرِهَا على بعضهم من الأمور العجيبة.

• قوله: "كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الحَدَثُ": الحديثُ بنصبٍ "أبْغَضَ" ورفع "الحَدَث".

ص: 258

‌بَابُ مَنْ رَأَى الجَهْرَ [بـ]"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"

160 -

(245) - (2/ 14 - 15) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بـ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هذَا حَدِيْثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، رَأَوُا الجَهْرَ بِـ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ"، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ.

وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ: هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَأَبُو خَالِدٍ يُقَالُ: هُوَ أَبُو خَالِدٍ الوَالِبِيُّ، وَاسْمُهُ: هُرْمُزُ وَهُوَ كُوفِىٌّ.

• قوله: "يَفْتَتِحُ

" إلخ، الحديثُ على تقدير صِحَّتِه لا دلالةَ فيه على الجهْرِ لجَواز أنَّ الافتتاحَ كان سِرًّا.

ص: 259

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بفَاتِحَةِ الكِتَابِ

161 -

(247) - (2/ 25 - 26) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ أَبِي عُمَرَ المَكِيِّ أبو عَبْدِ اللهِ العَدَنِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيْعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُبَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنُ أبِى طَالِبٍ، وَجَابِرُ بن عَبْدِ اللهِ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: لَا تُجْزِئُ صَلاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أبِيْ طَالِبٍ كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يَقْرَأ فِيْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرَ تَمَامٍ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

سَمِعْتُ ابْنَ أبِيْ عُمَرَ يَقُول اخْتَلَفْتُ إلى ابْنِ عُيَيْنَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَنَةً وَكَانَ الحُمَيْدِيُّ أكْبَز مِنِّيْ بِسَنَةٍ، وَسَمِعْتُ ابْنَ أبِيْ عُمَرَ يَقُوْلُ حَجَجْتُ سَبْعِيْنَ حَجَّةً مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيَّ.

• قوله: "بِقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ": بإرادَةِ السُّوْوَة من الحمد لِله، والبَسْلَمَةُ عندهم من السُّورة فشَمَلَها قراءةُ الفاتحة، لكن روايات الحديث لا تساعد هذا المعنى، ففي روايةٍ مسلمٍ عن أنس: "فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ

ص: 260

الرَّحِيْمِ"

(1)

والمرادُ تركُ الجَهْرِ كما جاء في روايات، والسِّمَاع يتعلق به. والله تعالى أعلم.

• قوله: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ

": إلخ، هذا الحديثُ يُوْجِبُ فسادَ الصلاةِ بترك الفاتحةِ، وتأويلُه بنَفْيِ الكَمَال ضَعَّفَه المُحِقِّقُ

(2)

وغيره. نعم يمكن أن يُسْتَثْنَى منه صلاةُ المقتدي بأنَّ قراءةَ الإمام له. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: حجة من قال لا يجهر بالبسلمة، ح:399.

(2)

راجع شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 198.

ص: 261

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّأْمِينِ

162 -

(248) - (2/ 27 - 29) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}

(1)

فَقَالَ: "آمِينَ"، وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَبِهِ يَقُوُل غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: يَرَوْنَ أَنَّ الرَّجُلَ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّأْمِينِ، وَلَا يُخْفِيهَا. وَبِهِ يَقُوُل الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ حُجْرٍ أَبِي العَنْبَسِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}

(2)

فَقَالَ: "آمِينَ" وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُوُل: حَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ فِي هَذَا، وَأَخْطَأَ شُعْبَةُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: عَنْ حُجْرٍ أَبِي العَنْبَسِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ وَيُكْنَى أَبَا السَّكَنِ، وَزَادَ فِيهِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ

(1)

الفاتحة: 7.

(2)

الفاتحة: 7.

ص: 262

وَائِلٍ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ: عَنْ حُجْرِ بْنِ عَنْبَسٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَقَالَ: وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ: وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدِيثُ سُفْيَانَ فِي هَذَا أَصَحُّ من حديث شعبة. قَالَ: وَرَوَى العَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ الأسَدِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، نَحْوَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ.

• قوله: "آمِينَ": هو اسمُ فعلٍ، ومعناه: اسْتَجِبْ، وهو طلبٌ لإجابة ما اشْتَمَلَ عليه الفاتحةُ من الدُّعَاء.

ص: 263

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّأْمِينِ

163 -

(250) - (2/ 30) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "إِذَا أَمَّنَ

" إلخ، قد يُسْتَدَلُّ به على الجَهْر بآمين بأنَّه إذَا جَهَرَ يعرف وَقْتُه، وأمَّا إذا أخْفَى به فرُبَّما لا يعرف، فتأمَّلْ.

ص: 264

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى السَّكْتَتَيْن [فى الصلاة]

164 -

(251) - (2/ 30 - 31) حَدَّثَنَا أبُوْ مُوْسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَقَالَ: حَفِظْنَا سَكْتَةً، فَكَتَبْنَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ بِالمَدِينَةِ، فَكَتَبَ أُبَيٌّ: أَنْ حَفِظَ سَمُرَة، قَالَ سَعِيدٌ، فَقُلْنَا لِقَتَادَةَ: مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَانِ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِذَا قَرَأَ: {وَلَا الضَّالِّينَ}

(1)

قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَتَرادَّ إِلَيْهِ نَفَسُهُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهُوَ قَولُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ بَعْدَمَا يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ وَبَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ القِرَاءَةِ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُنَا.

• قوله: "فَكَتَب إليه أَنْ حَفِظَ": كلمةُ "أنْ" تفسيريةٌ لِمَا فِي "كتَبَ" من معنى القول.

• قوله: "يَتَرادَّ"، أي: يَرْجِعُ إليه نَفَسُه: بفتحتين.

(1)

الفاتحة: 7.

ص: 265

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى وَضْعِ اليَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِى الصَّلَاةِ

165 -

(252) - (2/ 32 - 33) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَؤُمُّنَا، فَيَأخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَغُطَيْفِ بْنِ الحَارِثِ، وَابْن عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ هُلْبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَرَوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَضَعَهُمَا فَوْقَ السُّرَّةِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنْ يَضَعَهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ. وَاسْمُ هُلْبٍ: يَزِيدُ بْنُ قُنَافَةَ الطَّائِيُّ.

• قوله: "فَوْقَ السُّرَّةِ": كأنَّ المرادَ بذلك يَضَعُهَا بحيمث يكون شيءٌ منها على الصَّدْر كما هو التَّحْقِيْقُ فِي مذهب الشَّافعي.

• قوله: "كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ": كأنَّه مَبْنِيٌّ على أنَّه ما بلغ المصنف ما استدلُّوْا به من الأحاديثِ على ذلك، فزَعَم أنَّ الثابتَ مطلقُ الوَضْع، وأمَّا تَعْيينُ مَحَلِّه فمجرُّدُ عملِ النَّاس، فلمَّا جاءَ العملُ بالوَجْهين صار كلٌّ منهما واسعًا، لكن التَّحْقَيْقَ أنَّ بَعْضَهم يَرَوْن السُّنَّةَ الوضعَ تحتَ السُرَّة، ويستَدِلُّوْن على ذلك بحديث عليٍّ:"مِنِ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَضْعُ الْأكُفِّ عَلَى الْأكُفِّ تَحْتَ السُّرَّةِ"

(1)

ويستدلُّون

(1)

واجع: كنز العمال: 8/ 103، ح: 22094، ومسند أحمد بْن حنبل: 1/ 316، ح:887.

ص: 266

على ذلك بحديث وواه أبوداود وأحمد وهذا لفظه، قال النَّووي: اتَّفقُوا على تَضْعِيفه لأنَّه من رواية عَبْدِ الرحمن بْن إسحاق الواسطيِّ، مجمعٌ على ضُعْفه. ذكره المُحَقِّقُ ابنُ الهمام فِي شرح الهداية وسكت عليه

(1)

. وهو مع ضعفه مُعارِضٌ بأقوى منه، وهو ماووى البَيْهقيُّ

(2)

في سننه

(3)

، وابن أبي شيبة

(4)

في

(1)

راجع: شرح فتح القدير لابن الهمام: 1/ 291، 292.

(2)

هو: الحافظ الكبير، الإمام العلامة، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، الخراساني، ولد في شعبان، سنة أربع وثمانين وثلاث مائة بـ "خُسْرَوْجِرد" من قرى بيهق بنيسابوو، ونشأ في بيهق. طلب العلم بنيسابور، وكتب الحديث وحفظه من صباه، وبرع في الأصول، وانفرد بالإتقان والضبط والحفظ، كان من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله، أخذ الفقه عن أبي الفتح المروزي، ثم غلب عليه الحديث ورحل في طلبه إلى العراق، والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره. صنف كتبا كثيرة، ومن مصنفاته:"السنن الكبرى"، و"ودلائل النبوة"، و"السنن والآثار"، و"شعب الإيمان". توفي بنيسابور في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مائة، فنقل إلى بيهق ودفن بها. راجع لترجمته: المنتظم: 16/ 97، وفيات الأعيان: 1/ 75، طبقات الحفاظ للسيوطي: 432، تذكرة الحفاظ: 3/ 1132، سير أعلام النبلاء: 8/ 163.

(3)

راجع: السنن الكبرى للبيقهي: 2/ 45، ح:2331.

(4)

هو: الحافظ النحرير، الإمام العلم، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي، مولاهم الكوفي، المعروف بابن "أبي شيبة"، ولد سنة تسع وخمسين ومائة طلب العلم وهو صبي، فمسع من شريك، وأبي الأحوص، وابن والمبارك، وابن عيينة وطبقتهم. كان حافظا، متقنا، مكثرا، روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه. و أحمد بن حنبل. صنف "المسند"، و"الأحكام"، و"التفسير"، وقدم بغداد وحدث بها. توفي في المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 11/ 259، تهذيب الكمال: 16/ 54، التاريخ الصغير للبخاري: 2/ 335، تذكرة الحفاظ: 2/ 432، سير أعلام النبلاء: 11/ 122.

ص: 267

المُصَنَّف

(1)

، والبخاريُّ في التارلخ وغيرهم عن عليٍّ في قوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}

(2)

قال وَضَعَ يدَه اليمنى على وسط ساعِدِه اليُسْرى، ثم وَضَعهما على صدِره فِي الصَّلاة، وقد رُوِيَ مثلُه عن أنسٍ مرفوعًا

(3)

.

وبعضهم يرون السُّنَّة فوق السُرَّة بالمعنى الذي ذكرنا، ويستدلون بما في صحيح ابن خزيمةَ

(4)

عن وائل بْن حجر قال.: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَه الْيُمْنَى عَلَى يَدِه الْيُسْرَى عَلَى صَدْوِه"

(5)

، وبما أخرج أحمد

(6)

عن قبيصة بْن مهلب عن أبيه قال: "رَأيْتُ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَضَعُ يَدَه عَلَى صَدْرِه" ووصف يده اليُمنى على اليُسرَى فوق المِفْصَل.

وفي الإمام روى سلمان بْنُ موسى عن طاؤوس قال: "كَانَ رسُوْلُ اللهِ يَضَعُ

(1)

راجع: مصنف ابن أبي شيبة: 2/ 335، ح:3958.

(2)

الكوثر: 2.

(3)

راجع سنن الدارقطني: 1/ 611، ح: 1093، والمستدرك للحاكم: 1/ 371، ح:889.

(4)

هو: الحافظ الحجة، شيخ الإسلام، إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري الشافعي، ولد بنيسابور سنة ثلاث وعشرين ومائتين. طاف البلدان، ورحل الآفاق في طلب الحديث، فسمع بنيسابور، والمرو، والريِّ، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، والحزيرة. كان فقيها مجتهدا، حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والإتقان. روى عنه من شيوخه: البخاري، ومسلم. ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا. توفي ليلة السبت، ثامن ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاث مائة. راجع لترجمته: المنتظم: 13/ 311، تذكرة الحفاظ: 2/ 720، طبقات الشافعية: 3/ 109، طبقات الحفاظ: 313، سير أعلام النبلاء: 14/ 365، البداية والنهاية: 15/ 9.

(5)

راجع: صحيح ابن خزيمة: 1/ 272، ح: 479، 480.

(6)

راجع مسند الإمام أحمد بْن حنبل: 9/ 112، ح:22598.

ص: 268

يَدَه الْيُمْنَىْ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة"

(1)

وهو مرسلٌ لكن المرسلَ حُجَّةٌ عندنا

وعند الجمهوو مطلقًا، وعند غيرهم إذا تأيَّد كما هنا، وما ذكرنا من أثَر عليٍّ وغيره

في المعاوضة يؤيِّدُ هذا القول تأييدًا قوِيًّا، ولهذا قال المولى الله داد

الهندي من علمائنا في شرح الهداية: إذَا. كان حديثُ وضعِ اليَدَين تحتَ السُرَّة

ضعيفًا ومعارضًا بحديث عليٍّ يجب أن يعمل بحديث وائل. انتهى. والله تعالى

أعلم.

(1)

راجع: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، ح:759.

ص: 269

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى التَّكْبير عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ

166 -

(253) - (2/ 33 - 34) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، وَأَبِي مُوسَى، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْد الله بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَغَيْرُهُمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ وَالعُلَمَاءِ.

• قوله: "يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ

" إلخ، أي: فِي الغالِبِ إذْ لا يكَبِّر فِي الرَّفْع عن الرُّكُوْع بل السَّمْعُ والتَّحْمِيْد.

ص: 270

[باب مِنْهُ آخَرُ]

167 -

(254) - (2/ 34 - 35) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ المَرْوَزِيُّ، قَال: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُكَبِّرُ وَهُوَ يَهْوِي.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَول أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ، قَالُوا: يُكَبِّرُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَهْوِي لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

• قوله: "كَانَ يُكَبِّرُ وَهُوَ يَهْوِي": -بفتح أوَّله، وكسر ثالثه- أي: يَسْقُطُ جِدًّا. قاله في "المجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 5/ 182.

ص: 271

[بابُ مَا جَاءَ أنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرْفَعْ إلَّا فِيْ أوَّلِ مَرَّةٍ]

168 -

(257) - (2/ 40 - 43) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كلَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْن مَسْعُودٍ: أَلَّا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَصَلَّى، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ.

• قوله: "فَصَلَّى، فَلَمْ يَرْفَعْ

"إلخ، ولا تَعَاوُضَ بين الفِعْلين، فيمكن أن يكونَ أحدُهُمَا أحيانًا والآخر أحيانًا فيكونا جميعا سُنَّةً. والله تعالى أعلم.

ص: 272

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي وَضْعِ اليَدَيْن عَلَى الرُّكْبَتَيْن فِى الرُّكُوعِ

169 -

(258) - (2/ 43 - 44) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّاَبِ رضي الله عنه: إِنَّ الرُّكَبَ سُنَّتْ لَكُمْ، فَخُذُوا بِالرُّكَبِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَعْدٍ، وَأَنسٍ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي أُسَيْدٍ، وَسَهْلِ بْن سَعْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَبِيْ مَسْعُودٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْن مَسْعُودٍ وَبَعْضِ أصْحَابِهِ، أَنَّهمْ كَانُوا يُطبِّقُونَ وَالتَّطْبِيقُ مَنْسُوخٌ عِندَ أهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "إِنَّ الرُّكَبَ سُنَّتْ"، أي: سُنَّ أخْذُها.

• قوله: "كَانُوا يُطَبِّقُونَ": التَّطْبِيْقُ هو أن يَجْمَعَ بين أصابع يديه، ويجعلها بين رُكْبِتَيْه في الرُّكوع والتَّشَهُّد. قاله في "المجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 3/ 433.

ص: 273

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنبَيْه فِي الرُّكُوعِ

170 -

(260) - (2/ 45 - 46) حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ، وَأَبُو أُسَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَذَكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ:"أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَكَعَ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ، فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَه أَهْلُ العِلْمِ: أَنْ يُجَافِيَ الرَّجُلُ يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

• قوله: "وَوَتَّرَ يَدَيْهِ": -بتشديد التاء- في "المجمع"

(1)

أي: جَعَلَهُمَا كالوتر، شَبَّهَ به الرَّاكِعَ إذا مدَّها قابضًا على رُكْبَتَيْه بالقَوْسِ إذا أوترت.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 5/ 9.

ص: 274

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْبِيحِ فِى الرُّكُوعِ [وَالسُّجُودِ]

171 -

(261) - (2/ 46 - 48) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ أَبِيْ ذِئْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الهُذَلِيِّ، عَنْ عَوْنِ بن عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنًّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاه، وَإِذَا سَجَدَ، فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصَلٍ، عَوْنُ بن عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يَنْقُصَ الرَّجُلُ فِي الرُّكُوع وَالسُّجُودِ مِنْ ثَلَاثِ تَسْبيحَاتٍ. وَرُوِيَ عَن عَبْد اللهِ ابْن المُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: أسْتَحِبُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُسَبِّحَ خَمْسَ تَسْبِيحَاتٍ لِكَيْ يُدْرِك مَنْ خَلْفَهُ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ. وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.

• قوله: "فَقَدْ تَمَّ"، أي: كَمُلَ وحصل على وجه السُنَّة.

• قوله: "وَذَلِكَ أَدْنَاه"، أي: أدنى التَّمَام، أي: أدنى الذِّكْر المَسْنُوْن الذي به التَّمَامُ.

• قوله: "لِكَيْ يُدْرِكَ": بناءً على أنَّ الْمَسْنُوْنَ تأخُّر القَوْم على الإمَامِ فِي ابتداء الرُّكُوع والسُّجُود، أو بناءً على أنَّ النَّاسَ مختلفون، فلعَلَّ بعض مَنْ خَلْفَ الإمام أبطأ من الإمام فِي التَّكلُّم.

ص: 275

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى النَّهْيِ عَن القِرَاءَةِ فِى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ

172 -

(264) - (2/ 49 - 51) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أنَسٍ،

ح، وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ، وَالمُعَصْفَرِ، وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ قَول أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: كَرِهُوا القِرَاءَةَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

• قوله: "نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ": هو ثِيَابٌ من كَتَّان مخلوطٌ بحَريْرٍ، نُسِبَتْ إلى قرية قَسٍّ -بفتح قاف، وسين مشددة-، وقيل: أصله قَزٌّ -بالزَّاء- نِسْبَةٌ إلى القَزِّ، ضَرْبٌ من الإبْرِيْسَم فأبْدِلَتْ سِيْنًا. "مجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 268.

ص: 276

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ [وَالسُّجُودِ]

173 -

(265) - (2/ 51 - 52) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقِيمُ فِيهَا الرَّجُلُ -يَعْنِي- صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَرِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: يَرَوْنَ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: مَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الرُّكوعِ وَالسُّجُودِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ".

وَأَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ. وَأَبُو مَسْعُودٍ الأنْصَارِيُّ البَدْرِيُّ اسْمُهُ: عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو.

• قوله: "لَا يُقِيمُ"، أي: لا يسَوِّيْ ظهرَه، والمرادُ الطَّمَأنِيْنَةُ، أو لا ينْصِبُه، فكلمة "فِي" بمعنى "مِنْ" والمراد القَوْمةُ والجلْسةُ بين السَّجْدتين، والأوَّلُ أقربُ.

ص: 277

‌بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ

174 -

(266) - (2/ 53 - 54) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزٍ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اَللهُ لِمَنْ حَمِدَه، ربَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ مِلْأ السَّمَوَاتِ وَمِلْأ الأرْضِ، وَمِلْأ مَا بَيْنَهُمَا، وَملْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ: الشَّافِعِيُّ قَالَ: يَقُولُ هَذَا فِي المَكْتُوبَةِ وَالتَّطَوُّعِ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الكُوفَةِ: يَقُولُ هَذَا فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَقُولُهَا فِي صَلَاةِ المَكْتُوبَةِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى وَإنِّمَا يُقَالُ: المَاجِشُوْنِيُّ لأنَّه مِنْ وُلْدِ المَاجِشُوْنِ.

• قوله: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه": نظرًا للحَامِد، ورحمةً عليه هو دُعاءٌ للحامدِ ترغيبًا له فِي الْحَمْد. و"مِلْأ السَّموَاتِ": -بكسر الميم- وهو ما يَأخُذُ الإناءُ إذا امتلأ، والمشهورُ نَصْبُه على الظَّرْفِيَّةِ؛ لأنَّه اسمٌ للمقدار، وأسماء المقادير تُنْصَبُ على الظَّرْفِيَّةِ تَجَوُّزًا، ويمكن أن يجعل حالا، أي: مالئًا السَّموَاتِ. قالوا: هو تَمْثِيْلٌ لكثرة العَدِّ؛ لأنَّ الكلامَ لا يسَعُ المكانَ، أي: لو قُدِّرَ الحمدُ أجْسَامًا لبَلَغَتْ من كثرتِها أنْ تملأهما، وهو تفخيمٌ لشأنِ الحَمْد أو لشأنِ أجْرِها وثَوَابِها.

ص: 278

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي وَضْعِ الرُّكْبَتَيْن [قَبْلَ اليَدَيْنِ فِي السُّجُودِ]

175 -

(268) - (2/ 56 - 57) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ يَضَعُ رُكبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.

قَالَ: زَادَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: وَلَمْ يَرْوِ شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبِ، إِلَّا هَذَا الحَدِيثَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاه مَثلَ هذا عن شَرِيكٍ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْتَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَرَوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. وَرَوَى هَمَّامٌ، عَنْ عَاصِمٍ هَذَا مُرْسَلَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ.

• قوله: "إِذَا نَهَضَ"، أي: قام.

ص: 279

‌بَابُ آخَرُ [مِنْهُ]

176 -

(269) - (2/ 57 - 58) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنًّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَبْرُكُ فِي صَلَاتِهِ بَرْكَ الجَمَلِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ وَغَيْرُه.

• قوله: "يَعْمِدُ": بتقدير هَمْزة الاستفهام للإنْكَار، فَرَجَعَ إلى النَّهْي، أي: لا ينبغيْ له أن يقصد فيقَدِّمُ اليَدَيْن على الرِّجْلَيْن فِي الْوَضْع كالجَمَل، والْمَقْصُوْدُ النَّهْيُ عن البُرُوْكِ، وذكر بناءً على أنَّه فعلٌ قَصَدِيٌّ يَتَرَتَّبُ على القَصْد، فنَهَى عن القصد مبالغةً فِي النَّهْي عنه.

ص: 280

[بابُ مَا جَاءَ فِي السُّجُودِ عَلَى الجَبْهَةِ وَالأنْفِ]

177 -

(270) - (2/ 59 - 60) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ.

قَالَ وفي البَابِ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ يَسْجُدَ الرَّجُلُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ، فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: يُجْزِئُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَسْجُدَ عَلَى الجَبْهَةِ وَالأنْفِ.

• قوله: "أَمْكَنَ"، أي: جَعَلَ الأوضَ مكانًا لهما ووَضَعَهُمَا عليهما.

ص: 281

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ

178 -

(272) - (2/ 61 - 62) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ ابْنِ الهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقول: إِذا سَجَدَ العَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكفَّاهُ، وَرُكْبَتَاه، وَقَدْمَاه.

وَقَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ العَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "سَبْعَةُ آرَابِ"، أي: أعْضَاء، جمعُ إرْبٍ -بالكسر والسكون- كفعل وأفعالٍ.

179 -

(273) - (2/ 62) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاؤوْسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعْرَه وَلَا ثِيَابَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "وَلَا يَكُفَّ شَعْرَهُ

" إلخ، أي: لا يضُمُّ الشَّعْرَ والثِّيَابَ وِقايةً لهما عن التُّرَاب، بل يَتْرُكُمها حتى يَقَعَا على الأرض. "مجمع"

(1)

.

(1)

راجع مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 420.

ص: 282

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى التَّجَافِي فِي السُّجُودِ

180 -

(274) - (2/ 62 - 65) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَقْرَمِ الخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كنْتُ مَعَ أَبِيْ بِالقَاعِ مِنْ نَمِرَةَ، فَمَرَّتْ رَكبَةٌ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يُصَلِّي، قَالَ: فَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عُفْرَتَيْ إِبِطَيْهِ إِذَا سَجَدَ، أَى بَيَاضِهُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَحْمَرَ بْنِ جَزْءٍ، وَمَيْمُونَةَ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَأَبِي أسَيْدٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَالبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ، وَعَائِشَةَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَحْمَرُ بْنُ جَزْءٍ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَقْرَمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، وَلَا نَعْرِفُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَقْرَمَ الْخُزَاعِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ: وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَقْرَمَ الْخُزَاعِيُّ إِنَّمَا لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَرْقَمَ الزُّهْرِيُّ صاحبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ كاتِبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

• قوله: "بِالقَاعِ": القاعُ من الأرض: المَكَانُ المُسْتَوي الواسع.

ص: 283

و"النَّمِرَة": اسمٌ لبعض جِبَال عَرَفات. و"الرَّكبَةُ": بالحركة أصحابُ الإبِل فِي السَّفَر دونَ الدَّوَاب، وهم العَشَرة فما فوقَها. و "العُفْرَةُ":-بضم مهملةٍ وفتحها، وسكون فاء- بياضٌ من غير خالص بل كلَوْنِ وجهِ الأرْض، والمرادُ مَنْبَتُ الشَّعْر من الإبطَيْن بمُخَالَطَة بَيَاضِ الجِلْدِ سوادَ الشَّعْر، وتَثْنِيَةُ العُفْرَةِ للمضاف إليه، وضمير بياضِه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.

ص: 284

[بابُ مَا جَاءَ فِى الِاعْتِدَالِ فِى السُّجُودِ]

181 -

(275) - (2/ 65 - 66) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الكَلْبِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، وَأَنَسٍ، وَالبَرَاءِ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: يَخْتَارُونَ الِاعْتِدَالَ فِي السُّجُودِ، وَيَكْرَهُونَ الِافْتِرَاشَ كَافْتِرَاشِ السَّبُعِ.

• قوله: "فَلْيَعْتَدِلْ"، أي: لِيَتَوَسَّطْ بين الافْتِرَاشِ والقَبْضِ بوضْعِ الكَّفَّيْن على الأرضِ، ورَفْعِ المِرْفَقَيْن عنها إذ هو أشْبَهُ بالوضع، وأبلغُ فِي تَمْكِيْنِ الْجَبْهَة، وأبعدُ من الكسالة.

ص: 285

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى إقَامَةِ الصُّلْب [إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ]

182 -

(279) - (2/ 69) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَتْ صَلَاة رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ اَلرُّكُوعِ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ: قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ.

• قوله: "قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ"، أي: كان رُكُوْعُه وقدرُ الْقَوْمة التي بين الرُّكُوع والسُّجُوْد وقدرُ سُجُوْدِه، قدر الجلسة التي بين السَّجْدَتَيْن قريبًا من حَدِّ الاسْتِوَاء، ودْلك يَسْتَلْزم إقامةَ الصُّلْب ممن كان يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوْع والسُّجُوْد ثلاثَ تسبيحاتٍ التي هي أدنى مرَّاتِ الذِّكْر المَسْنُوْن فكيف مِمَّنْ يزيد على ذلك؟.

ص: 286

‌بَابُ مَا جَاء فِي كرَاهِيَةِ أَنْ يُبَادَرَ الْإِمَاَمَ فِى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ

183 -

(281) - (2/ 70 - 72) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا البَرَاء، وَهُوَ عيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ يَحْنِ رَجُلٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَسْجُدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَنَسْجُد.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَابْنِ مَسْعَدَةَ صَاحِبِ الجُيُوشِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ البَرَاءِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَبِهِ يَقُوُل أَهْلُ العِلْمِ: إِنَّ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ إِنَّمَا يَتْبَعُونَ الإِمَامَ فِيمَا يَصْنَعُ لا يَرْكعُونَ إِلَّا بَعْدَ رُكُوعِهِ وَلَا يَرْفَعُونَ إلَّا بَعْدَ رَفْعِهِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا.

• قوله: "لَمْ يَحْنِ": مِنْ حَنَى يَحْنِيْ، أي: مَالَ مِنَ الْقَوْمَة للسُّجُوْد، والحاصل أنَّ ابتداءَ فِعْلِهِمْ يتأخَّرُ عن ابْتِدَاءِ فِعْلِه، ويَتَقَدَّمُ ابتداءُ فِعْلِهِمْ على فَرَاغِه من السُّجُوْد إذْ ليس لهم التَّقَدُّمُ عليه ولا التَّخَلُّفُ عنه.

• قوله: "لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا": إمَّا أنَّه لا يتَقَدَّمُه فَلا خلافَ فيه، وإمَّا أنَّه يَتأخَّرُ الإمامُ ولكون بعده، فمنهم: من رأى أن يكونَ معَ الإمامِ لكنَّ الأولى بالسُّنَّةِ أدن يكودن بعده كما عليه الجمهورُ. والله تعالى أعلم.

ص: 287

‌بَابُ مَا جَاءَ فِى كرَاهِيَةِ الإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ

(1)

184 -

(282) - (2/ 72 - 73) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَلِيُّ، أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَه لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ الحَارِثَ الأَعْوَرَ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَكْرَهُونَ الإِقْعَاءَ. قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

• قوله: "لَا تُقْعِ": الظَّاهرُ أنَّه بحذف الياء كما هو فِي النُّسَخِ المُصَحَّحَةِ، نَهْيٌ عن الإقعاء. وفِي بعض النُّسَخِ بإثْباتِها فهو نَفْيٌ بمعنى النَّهْي. وقد فسَّرُوْا الإقعاءَ المَنْهِيَّ عنه بأنْ يُلْصِقَ الرَّجُل إلْيَتَيْه بالأرض، ويَنْصِبَ سَاقَيْه وفَخِذَيْه، ويَضَعَ يدَيْه على الأرض. والإقْعَاء المَسْنُون الذي سيجيء فِي البَابِ الثَّانِي أن [يَنْصِبَ رِجْلَيه ويقعد عليهما بإليَتَيْه، وبه] يحصل التَّوْفِيْقُ بين حديثي البابين. والله تعالى أعلم.

(1)

في نسخة أحمد شاكر: بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الإِقْعَاءِ في السُجُودِ.

ص: 288

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِى الرُّخْصَةِ فِي الْإقْعَاءِ

185 -

(283) - (2/ 73 - 74) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أخبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاؤوْسًا، يَقُولُ: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى القَدَمَيْنِ، قَالَ:"هِيَ السُّنَّةُ"، فَقُلْنَا: إِنَّا لنَرَاه جَفَاءً بالرَّجُلِ قَالَ: "بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا يَرَوْنَ بِالإِقْعَاءِ بَأْسًا. وَهُوَ قَولُ بَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ، وَالعِلْمِ. قَالَ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ يَكْرَهُونَ الإِقْعَاءَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.

• قوله: "جَفَاءً بِالرَّجُلِ": الظَّاهر بكسر الرَّاء لكن قيل: الرواية بالفتح والمرادُ: المُصَلِّي. والحاصل: أنَّ الجُلُوسَ من هذه الهيئة جفاءٌ بالمُصَلِّي تبعًا، وبرِجْله أصالةً.

ص: 289

‌بَابُ مَا يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ

186 -

(284) - (2/ 76 - 77) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْن شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي العَلَاءِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْني، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي".

• قوله: "وَاجْبُرْنِي": مِنْ جَبَر الكسرَ: أصْلَحَه.

ص: 290

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاعْتِمَادِ [فِي السُّجُودِ]

187 -

(286) - (2/ 77 - 78) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اشْتكَى بعضُر أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا تَفَرَّجُوا، فَقَالَ:"اسْتَعِينُوا بِالرُّكبِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيثِ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَ هَذَا، وَكأَنَّ رِوَايَةَ هَؤُلَاءِ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ.

• قوله: "إِذَا تَفَرَّجُوا"، أي: اعْتَدَلُوْا فيه من التَّفَرُّجِ عن الأرْض، وَلُحُوْقِ المَشَقَّةِ بِسبب الاعْتِمَاد على الكَفَّيْن.

ص: 291

[بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ النّهوضُ مِنَ السُّجُودِ]

188 -

(287) - (2/ 79) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُويْرِثِ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، فَكَانَ إِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ إسْحَاقُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَمَالِكٌ: يُكْنَى أبَا سُلَيْمَانَ.

• قوله: "فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ"، أي: فِي الرَّكْعَة الأوْلى والثَّالِثَة، وفِي الحديث دلالةٌ على جِلْسَة الاسْتِرَاحة.

ص: 292

‌بَابُ مِنْهُ أيضًا

189 -

(288) - (2/ 80 - 81) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ إلياسَ، عَنْ صَالِحِ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: يَخْتَارُونَ أَنْ يَنْهَضَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ. وَخَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ هُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، قَالَ: وَيُقَالُ: خَالِدُ بْنُ إِيَاسٍ أيْضًا. وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ هُوَ: صَالِحُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ. وَأَبُو صَالِحٍ اسْمُهُ: نَبْهَانُ وَهُوَ مَدَنِيٌّ.

• قوله: "عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ": والقِيَامُ على هذه الهَيْئة لا تمنع منه جلسةُ الاستراحةِ، والحديثُ وإن ضُعِّفَ إلا أنَّه يَتَقَوَّى بعمل أهلِ الْعِلْم به، فالظَّاهِر أنَّ الأمرَيْن سُنَّتَانِ إذ لا تَعَارُضَ بين الأفعال. بقي أنَّه يؤيِّدُ الأوَّلَ ما صَحَّ من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لمالك بْن الحُوَيْرِث وأصحابه:"صَلُّوْا كَمَا رَأيْتُمُوْنِي أصَلِّيْ"

(1)

وهُمْ رأوه كما وصفه مالكٌ

(2)

. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة

، ح:631.

(2)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الأذان، ح: 677، 737، 826، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع،

ح: 391، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، ح: 745، 842، وسنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ح:859.

ص: 293

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشَهُّدِ

190 -

(289) - (2/ 81 - 82) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَعَدْنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَنْ نَقُولَ: "التَّحِيَّاتُ لِله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبّاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ عيْرِ وَجْهٍ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فِي التَّشَهُّدِ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْن المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ خُصَيْفٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ اختَلَفُوا فِي التَّشَهُّدِ، فَفال:"عَلَيْكَ بتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ".

• قوله: "إِذَا قَعَدْنَا فِي الرَّكْعَتَيْن": لا يسْتَقِيْم تَعَلُّقُه بقوله: "عَلَّمَنَا" لفَسَاد المعنى، ولأنَّا نَقُوْل: لأنَّ "أنْ" النَّاصِبَة للفعْل عِنْدهُمْ موصولٌ حَرْفِيٌّ، ولا

ص: 294

يجوز تقديمُ ما فِي حِيَزِ الْمَوْصُوْل عليه اسمِيًّا كان أو حرفِيًّا، فالوجهُ أنْ يقدر:"أنْ تقولَ قبلَه"، ويجعل المتأخَّر بيانًا لذلك المَحْذُوْف، ثُمَّ يمكن أن يقال: هذا التَّشَهُّدُ مَخْصُوصٌ بالقَعْدَةِ الأوْلى من الرُّبَاعِيَّة إذ لادلالةَ للحديث على أزْيَد منه، فيعمل بتَشَهُّد ابن عباس مثلًا فِي القَعْدَة الثَّانِيَة منها، وبه يُوَفَّقُ بين التَّشَهُّدَيْن وإن كان لا معارضةَ بجوازهما. والله تعالى أعلم.

ص: 295

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يُخفِي التَّشَهُّدَ

191 -

(291) - (2/ 84 - 85) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:"مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُخْفِيَ التَّشَهُّدَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "مِنَ السُّنَّةِ": هذا اللَّفْظُ من الصَّحَابي منصرفٌ إلى سُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ولهذا يَعُدُّوْنَ مثلَ هذا الحديث مرفوعًا.

ص: 296

‌بَابُ [مَا جَاءَ] كَيْفَ الجُلُوس فِي التَّشَهُّدِ

192 -

(292) - (2/ 85 - 86) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبِ الجَرْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، قُلْتُ: لَأنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا جَلَسَ -يَعْنى لِلتَّشَهُّدِ-: افْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى -يَعْنِي- عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ رِجْلَهُ اليُمْنَى.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَابْنِ المُبَارَكِ.

• قوله: "لأنْظُرَنَّ": بفتح النُّونِ الثَّقيلةِ.

ص: 297

‌بَابُ مِنْهُ أيضًا

193 -

(293) - (2/ 86 - 88) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ محمدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ المَدَنِيُّ، حَدَّثَنى عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ السَّاعِدِيُّ، قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ، وَأَبُو أُسَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَذَكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ -يَعْنِي لِلتَّشَهُّدِ- فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ اليُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كفَّهُ اليُمْنَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُمْنَى، وَكَفَّهُ اليُسْرَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ- يَعْنِي السَّبَّابَةَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِهِ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ قَالُوا: يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الآخِرِ عَلَى وَرِكِهِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَقَالُوا: يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الأوَّلِ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ اليُمْنَى.

• قوله: "فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ": قلتُ: حديثُ حُمَيدٍ حَديثٌ طَويلٌ وفيه "فَإذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنَ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرِى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأخِيْرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ"

(1)

وهذا صريحٌ فِيْمَا ذَهَب إليه الشَّافَعِيُّ. وأمَّا ما ذكره المُصَنِّفُ فاختصارٌ منه، وَلا يَخْفَى مَا

(1)

راجع صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، ح:828.

ص: 298

فِي دَلالتِه على المَطْلُوْبِ من الخفاء، بل لا دلالةَ له أصلا فإنَّ افتِراشَ اليُسْرَى والإقبال بِصَدْر اليُمْنى على القِبْلة مشتركٌ بين ما ذهب إليه الشافعيُّ وبين ما ذهب إليه أكثرُ أهل العلم. والله تعالى أعلم.

ص: 299

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّسْلِيمِ فِى الصَّلَاةِ

194 -

(295) - (2/ 89 - 90) حَدَّثَنَا محمدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَالبَرَاءِ، وَأبِيْ سَعِيْدٍ، وَعَمَّارٍ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَعَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ، وَجَابِرِ بن عَبْدِ الله.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ".

• قوله: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ

"إلخ، بيانٌ ليُسَلِّمَ بتقدير: يَقُوْل.

ص: 300

‌بَابُ مِنْهُ أيضًا

195 -

(296) - (2/ 90 - 93) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أبُو حفصٍ التِّنِّيْسِيُّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الأيْمَنِ شَيْئًا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا، إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَهْلُ الشَّامِ يَرْوُونَ عَنْهُ مَنَاكِيرَ، وَرِوَايَةُ أَهْلِ العِرَاقِ عَنْهُ أَشْبَهُ وَأصَحُّ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَأَنَّ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الَّذِي كَانَ وَقَعَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ هُوَ هَذَا الَّذِي يُرْوَى عَنْهُ بِالعِرَاقِ، كَأَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ، قَلَبُوا اسْمَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَسْلِيمَتَينِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَرَأَى قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فِي المَكْتُوبَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ شَاءَ سَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ.

• قوله: "عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها

" إلخ، الأنْسَبُ حملُ حديث عائشةَ - إنْ صَحَّ - على النَّوَافِل التي كانت فِي البَيْت فإنَّها أعْلمُ بما فِي البَيْتِ من الغَيْر، وحديث ابن مَسْعُوْدٍ وغيره على الفَرائِض؛ فإنَّ الرِّجَال أعلمُ بذلك من النِّسَاءِ لقِيامِهم فِي الصَّفِّ الأوَّل. والله تعالى أعلم.

ص: 301

‌بَابُ مَا يَقُولُ إذَا سَلَّمَ [من الصلاةِ]

196 -

(298) - (2/ 95 - 96) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن الحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَلَّمَ لَا يَقْعُدُ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ.

==

• قوله: "لَا يَقْعُدُ

" إلخ، كأنَّ المُرادَ لَا يقْعُد على هيئة مُسْتَقْبِلِ القِبْلة وإلا فقد ثَبَتَ أنَّه كان يَقْعُد مُقْبِلًا على القَوْم، وقُعُوْدُه بعدَ صلاةِ الصُّبْح معلومٌ.

وروى البخاريُّ عن سمرة: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا صَلَّى صَلاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ"

(1)

.

ومسلم

(2)

عن البرَّاء: "كُنَّا اذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم أحْبَبْنَا أنْ نَكُوْنَ عَنْ يَمِيْنِهِ فَيقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ". وذكر المُصنفُّ: "كَانَ رَسُوْلُ اللهِ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ قَعَدَ فِي مُصَلَّاه حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"، وقَالَ:"حَسَنٌ صَحِيْحٌ". وسَيَجِيءُ فِي آخِر أبْوَابِ الصَّلاةِ. ومن يَتَتَبَّعُ الأحاديثَ يَعْرفُ قطعًا أن هذَا الْحَدِيثَ يَحْتَاجُ إلى التَّأويْل، وبِهذَا يَظْهَرُ التَّوْفِيْقُ بين هذَا الحَديْثَ وبَيْنَ ما رُوِيَ عَنْه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ مِنَ الأذْكَار، ولمن يقول: إنَّه لَا يفْصِلُ بَيْنَ السُنَّةِ والفَرْضٍ بأزْيَدَ من أنْ يَقُوْلَ: "اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ

" إلخ، أنْ يُحْمَلَ هذَا الْحَدِيْثُ عَلَى صلاةٍ بَعْدَها سُنَّةٌ راتِبَةٌ، وما ثَبَتَ من الأذكارِ والإقبالِ على صلاةٍ ليس بعدَها وَاتِبَةٌ. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، ح:845.

(2)

راجع: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب يمين الإمام، ح:709.

ص: 302

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الانْصِرَافِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ

197 -

(301) - (2/ 98 - 100) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَؤُمُّنَا، فَيَنْصَرِفُ عَلَى جَانِبَيْهِ جَمِيعًا عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شِمَالِهِ.

وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ هُلْبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَعَليْهِ العَمَل عِنْدَ أهْلِ العِلمِ: أَنَّهُ يَنصَرِفُ عَلى أيّ جَانِبَيْهِ شاءَ، إِنْ شاءَ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ شاءَ عَنْ يَسَارِهِ، وَقَدْ صَحَّ الأمْرَانِ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أَنَّهُ قال: إِنْ كَانت حَاجَتُهُ عَنْ يَمِينِهِ أخَذ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ عَنْ يَسَارِهِ أَخَذَ عَنْ يَسَارِهِ.

• قوله: "جَانِبَيْهِ جَمِيعًا": لكن على البَدَلِيَّة، أي: أحيانًا عن اليمين وأحيانًا عن الشِّمَالِ لَا على الاجتماع لعدَمِ إمْكَانِه.

ص: 303

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصْفِ الصَّلَاةِ

198 -

(302) - (2/ 100 - 102) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادِ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عن أبيه، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ يَوْمًا، قَالَ رِفَاعَةُ وَنَحْنُ مَعَهُ: إِذْ جَاءَه رَجُلٌ كَالبَدَوِيِّ، فَصَلَّى فَأَخَفَّ صَلاتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:"وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، كلُّ ذَلِكَ يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَخَافَ النَّاسُ وَكبُرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَخَفَّ صَلَاتَهُ لَمْ يُصَلِّ، فَقَالَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: فَأَرِنِي وَعَلِّمْني، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ، فَقَالَ:"أَجَلْ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كمَا أَمَرَكَ اللهُ، ثُمَّ تَشَهَّدْ وَأَقِمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ الله وَكبِّرْه وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ فَاطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ اعْتَدِلْ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَاعْتَدِلْ سَاجِدًا، ثُمَّ اجْلِسْ فَاطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ قُمْ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، وَإِنْ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ"، قَالَ: وَكانَ هَذَا أَهْوَنَ عَليْهِمْ مِنَ الأَوّلِ، أَنَّهُ مَن انتَقصَ مِنْ ذلِكَ شَيْئا انتَقصَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ تَذْهَبْ كُلُّهَا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ

ص: 304

رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رِفَاعَةَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.

• قوله: "بَيْنَمَا": كلمةُ "بين" مضافٌ إلى الجُمْلة التي بعدَها، و"ما" زائدةٌ ولا بُدَّ من تقدير الأوْقات؛ لأنَّ "بين" لَا تضَاف إلا إلى مُتَعَدِّدٍ، أي: بين أوقات كونِه صلى الله عليه وسلم جالسًا، والعاملُ فِي "بين" المُفَاجأة الْمَفْهُوْمَة من "إذ" في قوله:"إِذْ جَاءَهُ".

• وقوله: "وَعَلَيْكَ"، أي: وعليكَ السَّلامُ.

• وقوله: "فَعَافَ النَّاسُ"، أي: كرِهُوْا كراهةَ طَبْعٍ ووجهُهَا الثِّقْل، فقوله:"وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ" تفسيرٌ لها. وأمَّا قوله: "ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ" أيضًا، - فالله أعلم بما أريد به - لكن لعلَّ المرادَ بالتَّشَهُّد الأذانُ لاشتِمَاله على الشَّهَادَة، وبالإقامةِ إقامةُ الصَّلاةِ، والمرادُ فِي الفَرائِض لظهور المراد. والله تعالى أعلم. ولعلَّ تأخيرَ التَّعْلِيم إلى حينِ الطَّلَب منه؛ لأنَّ ذلك أوقعُ عند النَّفْس وأتَمُّ فِي الحِفْظِ. والله تعالى أعلم.

ص: 305

[بابُ منه]

199 -

(304) - (2/ 105 - 107) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْد الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: انا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالُوا: مَا كنْتَ أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً، وَلَا أَكْثَرَنَا لَهُ إِتْيَانًا؟ قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَاعْرِضْ، فَقَالَ:"كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكبَرُ، وَرَكَعَ، ثُمَّ اعْتَدَلَ، فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاعْتَدَلَ، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ أهْوَى إِلَى الأرْضِ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكبَرُ، ثُمَّ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ أهْوَى سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكبر، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْم فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ نَهَضَ ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا قَامَ مِنَ السَّجدَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، كَمَا صَنَعَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ صَنَعَ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَنْقَضِي فِيهَا صَلاتُهُ أَخَّرَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَى شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا، ثُمَّ سَلَّمَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلهِ: "وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ" يَعْني: قَامَ مِنَ الرَّكعَتَيْنِ.

• قوله: "فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْ": من التَّصْوِيْبِ والإقْنَاعِ.

ص: 306

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَ فِي [صَلَاةِ] الصُّبْحِ

200 -

(306) - (2/ 108 - 110) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَلاقَةَ، عَنْ عَمِّهِ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرأُ فِي الفَجْرِ: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ}

(1)

فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَمْرِو بْن حُرَيثٍ، وَجابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَرُوِيَ عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قرَأ فِي الصُّبْح بالوَاقِعَةِ، وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ يَقرَأ فِي الفجْرِ مِنْ سِتِّينَ آيَةَ إِلى مِائَة. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ "قرَأ:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}

(2)

وَرُوي عَنْ عمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبي مُوسَى: "أَنْ اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ المُفَصَّلِ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَعَلَى هَذَا العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ.

• قوله: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ}

(3)

يعنى: سورة "ق".

(1)

سورة: ق: 10.

(2)

التكوير: 1.

(3)

سورة ق: 10.

ص: 307

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ فِي الظُّهْر وَالعَصْر

(1)

201 -

(307) - (2/ 110 - 112) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن إسْحَاقَ، عَنْ الزُّهْريِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عَبْدِ اللهِ بْن عُتْبَةَ، عَنْ ابْن عَبَّاسٍ، عَنْ أمِّهِ أمِّ الفَضْلِ، قَالَتْ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ فِي مَرَضِهِ، فَصَلَّى المَغْرِبَ، فَقَرَأَ: بِالمُرْسَلاتِ، قَالَتْ: فَمَا صَلَّاهَا بَعْدُ حَتَّى لَقِيَ الله.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِم وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أُمِّ الفَضْلِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقد رُوِيَ عَن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قرَأَ فِي المَغرب بالأعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْن كِلتَيْهِمَا. وَرُوِيَ عَن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قرَأ فِي المَغرب بالطُّور. وَرُويَ عَنْ عمَرَ أَنَّهُ كتَبَ إلى أبى مُوسَى: "أنْ اقرَأ فِي المَغرب بقِصَار المُفَصَّلِ". وَرُوِيَ عَنْ أبِي بَكر الصَدَيْقِ، أَنَّهُ "قرَأ فِي المَغرِب بقِصَارِ المُفصَّلِ". قَالَ: وَعَلَى هَذَا العَمَلُ عِنْدَ أَهْل العِلْم، وَبهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإسْحَاقُ. وقال الشافِعِيُّ: وَذكرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ: كرِهَ أنْ يُقرَأ فِي صَلَاةِ المَغْرِبِ بالسُّوَرِ الطوَالِ نَحْوَ الطُّورِ، وَالمُرْسَلَاتِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ أَسْتَحِبُّ أَنْ يُقْرَأَ بِهَذِهِ السُّوَرِ فِي صَلَاةِ المَغْرِبِ.

• قوله: "وَهُوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ": عَصَبَ الرَّأسَ: رَبَطَها بالخِرْقَة.

• وقوله: "فَمَا صَلَّاهَا"، أي: إمامًا. والله تعالى أعلم.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَاب مَا جَاءَ فِي القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ.

ص: 308

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ [إذَا جَهَرَ الإمَامُ بالقِرَاءَةِ]

202 -

(312) - (2/ 124 - 118) حَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أنَسٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالقِرَاءَةِ، فَقَالَ:"هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أُنَازَعُ القُرْآنَ؟ "، قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ القِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الصَّلَوَاتِ بِالقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَجَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَابْنُ أُكيْمَةَ اللَّيْثِيُّ اسْمُهُ: عُمَارَة، وَيُقَالُ: عَمْرُو بْنُ أُكيْمَةَ.

وَرَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الحَدِيثَ، وَذَكرُوا هَذَا الحَرْفَ: قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ القِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ رَأَى القِرَاءَةَ خَلْفَ الإِمَامِ، لِأنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ هُوَ الَّذِي رَوَى عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الحَدِيثَ. وَرَوَى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال:"مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقرَأ فِيهَا بِأمِّ القُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ"، فَقَالَ لَهُ حَامِلُ الحَدِيثِ: إِنِّي أَكونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ. وَرَوَى أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، عَنْ أَبِي

ص: 309

هُرَيْرَةَ قَالَ: "أَمَرَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ أُنَادِيَ أَنْ لَا صَلاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتحَة الكتَابِ".

وَاخْتَارَ أَكْثرُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ أَنْ لَا يَقْرَأَ الرَّجُلُ إِذَا جَهَرَ الإِمَامُ بِالقِرَاءَةِ، وَقَالُوا: يَتَتَبَّعُ سَكَتَاتِ الإِمَامِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي القِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ، فَرَأَى أَكْثر أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: القِرَاءَةَ خَلْفَ الإِمَامِ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أنسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ وَالنَّاسُ يَقْرَؤوْنَ، إِلَّا قَوْمًا مِنَ الكُوفِيِّينَ، وَأَرَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ صَلاتُهُ جَائِزَةٌ.

وَشَدَّدَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَرْكِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَ الإِمَامِ، فَقَالُوا: لَا تُجْزِئُ صَلاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ وَحْدَهُ كَانَ أَوْ خَلْفَ الإِمَامِ، وَذَهَبُوا إِلَى مَا رَوَى عُبَادَة بْنُ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَرَأَ عُبَادَة بْنُ الصّامِتِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَلْفَ الإِمَامِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ". وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَغَيْرُهُمَا.

وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ إذَا كَانَ وَحْدَه، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرِ بن عَبْدِ الله حَيْثُ قَالَ:"مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرأ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الإِمَامِ". قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَهَذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ"، أَنَّ هَذَا إِذَا كَانَ وَحْدَه، وَاخْتَارَ أَحْمَدُ مَعَ هَذَا القِرَاءَةَ خَلْفَ الإِمَامِ، وَأَنْ لَا تتْرُكَ الرَّجُلُ فَاتِحَةَ الكِتَابِ وَإِنْ كَانَ خَلْفَ الإِمَامِ.

ص: 310

• قوله: "أَنَازَعُ"، أي: أجاذَبُ فِي قراءته كأنَّهُمْ جَهَرُوْا بالقرَاءَةِ خَلْفَه فشغَّلُوْه، فأنازَعُ: مَبْنِيٌّ للمَفْعُوْل، والقرآن المفعول الثَّانِي، أي: في القرآن.

و [قال] الطيبيُّ

(1)

: يُنَازعني القرآنُ، أي: لَا يتَأتَّى لِي وكأنِّي أجَاذِبُه فيَعْصِيْنِيْ، ويَثْقُلُ عليَّ لكَثْرَةِ أصْوَاتِ المأمُوْمِيْن

(2)

. كذا فِي "المجمع"

(3)

قلت: ظاهر كلام الطيبي

(4)

أنَّه للفاعل.

• قوله: "عَلَى مَنْ رَأَى القِرَاءَةَ"، أي: فيَحْمَلُ الحديثُ على تَرْكِ قِرَاءَةِ ما سِوَى الْفَاتِحَةِ بقرينةِ الْحديثِ الثَّانِي، ولمن يَرَى القِرَاءَةَ فِي السِّرِّ دونَ الْجَهْر أن يقولَ: بل حديث أبي هريرةَ الثَّانِي فِي صورة السِّرِّ.

• قوله: "خِدَاجٌ": - بكسر الخاء المعجمة - أي: ناقصٌ.

• قوله: "وَتَأَوَّلَ"، أي: أخَذَ به.

• قوله: "إِذَا كَانَ وَحْدَهُ": فيه أن سَوْقَ حديثِ عُبَادَةَ كما رواه المصنِّفُ

(1)

هو: شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي، صاحمب شرح المشكاة وغيره، كان ذا ثروة من الإرث والتجارة فأنفقها في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخره عمره فقيرا. كان شديد الرد على المبتدعة، ملازما لتعليم الطلبة والإنفاق على ذوي الحاجة منهم، آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة. من مؤلفاته:"التبيان في المعاني والبيان"، و"الخلاصة في معرفة الحديث"، و"شرح الكشاف"، في التفسير، و"شرح مشكاة المصابيح" في الحديث. توفي يوم التلاثاء ثالث عشر من شعبان سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة. راجع لترجمته: الدرر الكامنة: 2/ 68، والبدر الطالع: 1/ 229، الأعلام للزركلي: 2/ 256.

(2)

راجع: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح: 3/ 1008.

(3)

راجع: مجمع بحار الأنوار: 4/ 684.

(4)

راجع: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح: 3/ 1008.

ص: 311

يأبَى هذا المعنى، وهو:"فَلَا تَفْعَلُوْا إلَّا بِأمِّ الْقُرْآنِ فإنَّهُ لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا"

(1)

فإنَّ الخطابَ لِمَنْ خَلْفَ الإمام فكيف يُخَصُّ بالمُنْفَرِد؟ وكذَا لَا يحْتَمِل التَّخْصِيْصَ بحالةِ السِّرِّ فإنَّ مَحَلَّ الوُرُوْدِ، صلاةُ الصُّبْحِ وهي جَهْرِيَّةٌ إلا أنْ يُقال: مَحَلُّ هذا التَّعْلِيْل فِي حديثِ عُبَادَةَ بيانُ مزيدِ اهتمامٍ بفَاتحةِ الكتاب بأنَّهَا بحيث لَا يجوزُ صلاة المُنْفِرِدِ بدُوْنِها، أو لَا تجُوْز صلاةُ أحدٍ بدُوْنها حقيقةً أو حكمًا كما فِي حَقِّ من لَا يقْرَأها، ولا يكتفِي خَلْفَ الإمَام، فيَجُوْزُ لمَنْ خَلْفَ الإمامِ أن يقرَأها ولا يكتفي فيها بقِرَاءَةِ الإمامِ بخلافِ غَيْرِهَا فإنَّه يَلْزَمُ عليه الاكْتِفاءُ فيه بقِرَاءَةِ الإمَامِ.

فالحاصلُ: أنَّ قِرَاءَةَ الإمَام قراءةٌ للمُقْتَدِيْ، فيَجُوْزُ للمُقْتَدِيْ الاكتِفَاءُ بِهَا فِي الفَاتِحَةِ والسُّوْرَة، ويجوزُ له أنْ لَا يكتَفِيَ بِهَا فِي الْفَاتِحَةِ لِمَزِيْدِ اعتنَاءٍ بِهَا حيثُ لَا تصِحُّ صلاةُ المُنفرد بدونهَا أو صلاة أحدٍ بدونِها فيأتِي بِها، ولا يكتفي فيها بالقراءةِ الحُكْمِيَّةِ أعنى: قراءةَ الإمامِ بخلاف السُّوْرة فإنَّها لَا ينبغيْ له ألا يكتفيَ فيها بالقِراءَة الحُكْمِيَّة.

والحاصلُ: أن الاسْتِثْنَاءَ من النَّهْي، أعنى:"لا تَفْعَلُوْا إلا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" لَا يَقْتَضِي الوُجُوْبَ إذ يكفي فيه الجَوَازُ، وإنَّمَا المُقْتَضَى للوُجُوْب التَّعْلِيْلُ، أعنى:"فإنَّه لاصَلاةَ إلا بفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" وذَاك يمكن تأويلُه بالوَجْهِ المَذْكُوْر وإنْ كان بعيدًا. والله تعالى أعَلم.

(1)

راجع: سنن الترمذي، كتاب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في القراءة خلف الإمام، ح: 311، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: 9/ 325، ح: 23335، وسنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة أم الكتاب في الصلاة، وخلف الإمام، ح:1201.

ص: 312

‌بَابُ [مَا جَاءَ] مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولهِ المَسْجدِ

203 -

(315) - (2/ 128) وقَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَسَنِ بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَحَدَّثَنِي بِهِ، قَالَ: كَانَ إِذَا دَخَلَ قَالَ: "رَبِّ افْتَحْ لِي بَابَ رَحْمَتِكَ"، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ:"رَبِّ افْتَحْ لِي بَابَ فَضْلِكَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَاب عَنْ أَبي حُمَيْدٍ، وَأَبِي أُسَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى. حَدِيثُ فَاطِمَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ. وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الكُبْرَى إِنَّمَا عَاشَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَشْهُرًا.

• "رَبِّ افْتَحْ لِي

" إلخ، قِيْل: كَان صلى الله عليه وسلم مَغْفُوْرًا له الذُّنُوْب بشرط الاستغفار. وقيل: بل مُطْلقًا لكن يستغفر تعظيمًا لِرَبِّه، وهَضْمًا لِنَفْسِه، وتعليمًا لأمَّتِه. والله تعالى أعلم.

وأمَّا تَخْصِيْصُ الدُّخُوْل فِي الرَّحْمَة، والْخُرُوْجِ بِالْفَضْلِ وهو الرِّزق فظاهرٌ؛ لأنَّ حالَ الدُّخُوْل المَطْلُوْبُ الاشْتِغَالُ بالصَّلاةِ، وفيه يَحْتاجُ الإنْسَانُ إلى الرَّحْمةِ والْقَبُوْلِ، وحالَ الْخُرُوْجِ حالُ اشْتِغَالٍ بأمُوْرِ الدُّنْيَا وأمورِ الأهْلِ والنَّفْسِ، وفيها الحَاجَةُ إلى الرِّزق.

ص: 313

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الأرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ إلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ

204 -

(317) - (2/ 132 - 131) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَبُو عَمَّارٍ الحسينُ بْنُ حُريثٍ المَرْوَزيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزيز بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرو بْن يَحْيَى، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الأرْضُ كلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ قَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْه، وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ. رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلٌ. وَرَوَاه حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَاه مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَكَانَ عَامَّةُ وَرِوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَأَنَّ روَايَةَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "أَثْبَتُ وَأَصَحُّ مُرْسَلًا.

• قوله: "وَطَهُورًا": - بفتح الطَّاء - اسمٌ لِمَاءٍ يُتَطَهَّرُ بِهِ كالوُضُوْءِ وغيرِه، والمرادُ أنَّه يَتيَمَّمُ بِه، وليس صيغة مبالغةٍ للطَّاهِر كما زُعِمَ.

ص: 314

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْل بُنْيَان المَسْجدِ

205 -

(318) - (2/ 135 - 134) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ بَنَى لله مَسْجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَدْ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُمَا غُلَامَانِ صَغِيرَانِ مَدَنِيَّانِ.

• قوله: "مِثْلَهُ": فِي الفَضْل والشَّرَف والتَّوقِيْر؛ لأنَّه جزَاءُ المَسْجد فيكون مثلًا له فِي صِفَاتِ الشَّرَف.

ص: 315

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ تتَّخِذَ عَلَى القَبْر مَسْجدًا

206 -

(320) - (2/ 138 - 136) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَأبُوْ صَالِحٍ هَذَا هُوَ مَوْلَى أمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أبِيْ طَالِبِ، وَاسْمُهُ: بَاذَانُ، وَيُقَالُ: بَاذَامٌ أيضًا.

• قوله: "زَائِرَاتِ الْقُبُوْرَ": قيل: أذِن لهُنَّ حِيْنَ نُسِخَ النَّهْيُ. وقيل: بَقِيْنَ تَحْتَ النَّهْيِ لقِلَّةِ صَبْرِهِنّ وكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ.

واتِّخاذُ المسجد عليها: هو أن يَجْعَلَها قبلةً يَسْجُدُ إليها كالوَثن، وأمَّا مَن اتَّخَذَ مسجدًا في جِوَارِ صالح، أو صلَّى فِي مَقْبَرَةٍ من غير قَصَدِ التَّوَجُّهِ نَحْوَه فلا حَرَجَ فيه، ألا تَرَى أن مَرْقَدَ إسماعيلَ عليه السلام فِي الحَجَر فِي الْمَسْجِد الْحَرَام والصَّلاة فيه أفضل. "وَالسُّرُجَ": جمع سِرَاج، والنَّهْيُ عنه لأنَّه تَضْيِيْعُ مالٍ بلا نَفْعٍ، ويَشْبَه تعظيم القُبُوْر كاتِّخَاذِها مساجدَ. "مجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 192.

ص: 316

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّوْمِ فِي المَسْجدِ

207 -

(321) - (139 - 2/ 138) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"كُنَّا نَنَامُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ وَنَحْنُ شَبَابٌ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي النَّوْمِ فِي المَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَا تتَّخِذُهُ مَبِيتًا وَلَا مَقِيلًا". وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ ذَهَبُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

• قوله: "مَبِيتًا وَمَقِيلًا": هذَا اللَّفْظُ ربَّمَا يُشْعِر عن الاعْتِيَادِ فلا يُعَارِضُ الأوَّلَ على أن الأوَّلَ فِي حُكْمِ الرَّفْع، بل قد ثَبَتَ الرَّفْعُ فِي وقْعَةِ نَوْمِ عَلِيٍّ فِي الْمَسْجِدِ، وقولِ النبي صلى الله عليه وسلم:"قُمْ يَا أبَا تُرَابٍ"

(1)

.

(1)

راجع: المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني: 6/ 202، ح:6010.

ص: 317

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَإنْشَادِ الضَّالَّةِ وَالشِّعْر فِي المَسْجدِ

• قوله: "وَإِنْشَاد الضَّالَّةِ": رَفْعُ الصَّوْتِ، والمرادُ رَفْعُ الصَّوْتِ بطلب الضَّالَةِ أو بِالشِّعْر، ولا ذِكْرَ لإنْشَادِ الضَّالَةِ فِي الْحَدِيْث ولا فِي البَاب، فكأنَّه ذكره فِي التَّرْجَمَةِ؛ لأنَّه يُعْرَفُ حُكْمُه قِيَاسًا بما ذكر فِي الباب.

208 -

(322) - (2/ 139 - 144) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نهَى عَنْ تَنَاشدِ الأشعَارِ فِي المَسْجِدِ، وَعَنِ البَيْعِ وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ فِيهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْن العَاصِ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَذَكَرَ غَيْرَهُمَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ سَمِعَ شُعَيْبُ بْن مُحَمَّدٍ، مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إِنَّمَا ضَعَّفَهُ، لِأنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ صَحِيفَةِ جَدِّهِ، كَأَنَّهُمْ رَأوْا أَنَّهُ لمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الأحَادِيثَ مِنْ جَدِّهِ. قَالَ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ: وَذكَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قال: حَدِيثٌ عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ عِنْدَنَا وَاهٍ.

ص: 318

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي المَسْجِدِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ: رُخْصَةٌ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي المَسْجِدِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَيْرِ حَدِيثٍ رُخْصَةٌ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ.

• قوله: "تَنَاشُدِ الشِّعْرِ": هُو أنْ يُنْشِدَ كُلُّ واحِدٍ صاحبَه افتخارًا أو مُبَاهَاة.

ص: 319

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المَسْجدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى

209 -

(323) - (2/ 144 - 145) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أُنَيْسٍ بن أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: امْترى رَجُلٌ مِنْ بَني خُدْرَةَ وَرَجُلٌ مِنْ بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ الخُدْرِيُّ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ فَقَالَ:"هُوَ هَذَا - يَعْنِي مَسْجِدَه - وَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الأسْلَمِيِّ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَأَخُوه أُنَيْسُ بْنُ أَبِي يَحْيَى أَثْبَتُ مِنْهُ.

• قوله: "امْترى": الامْتِرَاءُ والمُمَاوَاة: المُجَادَلَةُ.

ص: 320

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المَشْي إلَى المَسْجدِ

210 -

(327) - (2/ 148 - 149) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِب، حَدَّثَنَا يَزيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْريِّ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَأتُوهَا وَأَنْتمْ تَسْعَوْنَ، وَلَكِنْ ائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي المَشْيِ إِلَى المَسْجِدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الإِسْرَاعَ إِذَا خَافَ فَوْتَ التَكْبِيرَةِ الأُولَى، حَتَّى ذُكرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يُهَرْوِلُ إِلَى الصَّلَاةِ. وَمنْهُمْ مَنْ كرِهَ الإِسْرَاعَ، وَاخْتَارَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى تُؤَدَةٍ وَوَقَارٍ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالا: العَمَلُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرعَ فِي المَشْيِ.

• قوله: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاة": ليْسَ بقَيْدٍ، بل إنَّمَا ذكر لأنَّه مَحَلُّ تَوَهُّمِ جَوَازِ الإسْرَاع لإدْرَاك أوَّل الصَّلاة مع الإمامِ فإذا لم يُحْمَد الإسراعُ مع وجود هذه المَصْلَحَة فعند انْتِفَائِها بالأوْلى، ففي هذا التَّقْيِيْدِ إفادةُ أن الإسْرَاء لَا يجوز حتى إنْ أقِيْمَتِ الصَّلاةُ أيضًا، والمرادُ بالسَّعْي الإسْرَاعُ وقد يُطْلَقُ على مُطْلَقِ الْمَشْي أيضًا كما فِي قوله تعالى:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ}

(1)

.

(1)

الجمعة: 9.

ص: 321

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي القُعُودِ فِي المَسْجدِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ مِنَ الفَضْل

211 -

(330) - (2/ 150 - 151) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ أَحَدُكمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلَا تَزَالُ المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي المَسْجِدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: وَمَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "فِي صَلَاةٍ"، أي: ثوابًا وأجرًا.

• وقوله: "تُصَلِّي"، أي: تَدْعُوْ لَهُ، وبَيَانُ الدُّعَاء:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ " بتقدير القول، أي: تقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ

" إلخ.

ص: 322

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى البُسُطِ

212 -

(333) - (2/ 154 - 155) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخَالِطُنَا، حَتَّى إن كَانَ يَقُولُ لِأخٍ لِي صَغِيرٍ:"يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ"، قَالَ:"وَنُضِحَ بِسَاطٌ لنَا فَصَلَّى عَلَيْهِ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: لَمْ يَرَوْا بِالصَّلَاةِ عَلَى البِسَاطِ وَالطُّنْفُسَةِ بَأْسًا، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَاسْمُ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

• قوله: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ

" إلخ، لمَنْ يَقُوْل: إنَّ المَدِيْنةَ حَرَمٌ أن يقول: لعلَّ هذا النُّغَيْرَ لم يكن داخلَ الْمَدِيْنَة بل خارجه، فإنَّ أهلَ المدينةِ كانَتْ لهم بساتين خارجَ المدينة، وكثيرٌ منها بالعَوَالي خارجَ الحَرَم فلعلَّ النُّغَيْر كان هناك فلا إشكال. والله تعالى أعلم.

• قوله: "وَالطُّنْفُسَةِ": - بكسر الطاء، والفاء وبضمهما، وبكسر الطاء وفتح الفاء - هي: بِسَاطٌ صَغِيْرٌ. وقيل: حَصِيْرٌ من سَعفٍ، أو أدَم عَرْضُه ذِرَاعٌ.

ص: 323

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ المُصَلِّى

"السُّتْرَة": - بالضم - ما يُسْتَرُ به، والمرادُ هنا سَجَّادَةٌ أو عصًا أو غير ذلك ممَّا يَتَمَيَّز به مَوْضِعُ السُّجُوْدِ.

213 -

(335) - (2/ 156 - 158) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّادٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَابْنٍ عُمَرَ، وَسَبْرَةَ بْنِ مَعَبْد الجُهَنِيِّ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ طَلْحَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَقَالُوا: سُتْرَة الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ.

• قوله: "وَقَالُوا": هَذِه مَسْألةٌ أخْرَى لَا تَعَلُّقَ، أي: لَا حَاجَةَ لها بالحديث السَّابق.

• قوله: - "لِمَنْ خَلْفَهُ"، أي: من المأمُوْمِين، أي: لَا حاجةَ لَهُمْ إلى اتِّخَاذِ سترةٍ لهم عَلَى حِدَةٍ بل يَكْفِيْهِم سترةُ الإمام، وتُعْتَبَر تلك سترةً لهم أيضًا، ولهذا يكونُ المُرُوْرُ بين يدي المُصَلِّي فِي حَقِّ الإمام، ويَدُلُّ عليه ما ذكره

ص: 324

ابنُ عَبْدِ البر

(1)

فِي حديثِ ابن عباس هذا يَخُصُّ حديثَ أبي سعيد "إذَا كَانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلا يَدَعُ أحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ" فإنَّ ذلك مخْصُوصٌ بالإمام والمُنْفَرِد، فأمَّا المأمُوْم فلا يَضُرُّه مَنْ مَرَّ بين يديه لحديث ابن عبَّاسٍ هذا. قال: وهذا كلُّه لا خلافَ فيه بينَ العلماء انتهى. نقله في فتح الباري

(2)

، وذكر العينيُّ

(3)

فِي شرحه

(1)

هو: الإمام العلامة، شيخ الإسلام، حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، ولد بقرطبة سنة ثمان وستين وثلاث مائة. كان من كبار حفاظ الحديث، مؤرخا، أديبا، بحاثة. رحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقيها. وولي قضاء لشبونة وشنترين. من مؤلفاته:"الدرر في اختصار المغازي والسير"، و"الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، و"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد". توفي بشاطبة، ليلة الجمعة سلخ ربيع الأول، سنة ثلاث وستين وأربع مائة. راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 7/ 66، سير أعلام النبلاء: 8/ 153، تذكرة الحفاظ: 3/ 1128.

(2)

راجع فتح الباري شرح صحيح البخاري: 1/ 682.

(3)

هو: العلامة، المحدث المؤرخ أبو محمد بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العينى الحنفي، ولد في السادس عشر من رمضان سنة اثنتين وستين وسبع مائة بـ "عينتاب"، وإليها نسبته، حفظ القرآن الكريم، وتفقه على والده وغيره. أقام مدة في حلب ثم رحل إلى مصر، ودمشق، والقدس. ولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية، وأكب على التدريس والتصنيف. عن مؤلفاته:"عمدة القاري في شرح البخاري"، و"شرح الهداية"، و"شرح الكنز"، و"طبقات الحنفية" وغير ذلك. توفي بالقاهرة رابع ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمان مائة، وصُلِّي عليه بالجامع الأزهر، ودفن بمدرسته التي قرب داره. راجع لترجمته: الضوء اللامع: 10/ 131، وشذرات الذهب: 9/ 418، الأعلام للزركلي: 7/ 163.

ص: 325

على صحيحِ البُخَاريِّ: "قال الأبْهَرِيْ

(1)

: سترةُ الإمام سترةُ المأموم فلا يَضُرُّ المأمومَ المرورُ بين يدي المُصَلِّي"

(2)

.

(1)

هو: الإمام العلامة، القاضي المحدث، شيخ المالكية أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي الأبهري المالكي، ولد سنة تسع وثمانين ومائتين، سكن بغداد، وتفقه بها، وسمع بالعراق، والشام، والجزيرة. حدث عنه الدارقطني وآخرون. له تصانيف في شرح مذهب مالك والرد على مخالفيه، منها:"الرد على المزنى"، و"الأصول"، و"إجماع. أهل المدينة"، و"فضل المدينة على مكة"، و"العوالي"، و"الأمالي" في الحديث. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 3/ 492، المنتظم: 375، الوافي. بالوفيات: 3/ 250، سير. أعلام النبلاء: 16/ 332.

(2)

راجع عمدة القاري شرح صحيح البخاري: 4/ 406.

ص: 326

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ المُرُورِ بَيْن يَدَيِ المُصَلِّي

214 -

(336) - (2/ 158 - 160) حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ مُوْسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ. الجُهَنِيَّ، أَرْسَلَ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ". قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي قَالَ: "أَرْبَعِينَ يَوْمًا"، أَوْ "شَهْرًا"، أَوْ "سَنَةً".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرة، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبي جُهَيْمٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "لأَنْ يَقِفَ أحَدُكُمْ مِائَة عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي".

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كَرِهُوا المُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي، وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ صَلاةَ الرَّجُلِ. وَاسْمُ أَبِي النَّضْرِ: سَالِمٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ المَدِينِيِّ.

• قوله: "مَاذَا عَلَيْهِ"، أي: مِنَ الضَّرَرِ، المُسْتَفَادُ مِنْ كلمة "عَلَى". "لَكَانَ أَنْ خَفَيْفًا أَرْبَعِينَ"، أي: لكان وُقُوْفُه أربعين، والضَّرَرُ اللَّاحِقُ له لِسَبَبِه. "خَيْرًا لَهُ"، أي: خَفِيْفًا عليه من المُرُوْرِ، ومِمَّا يَلْحَقُه به مِنَ الضَّرَرِ. أو معنى:"لَكَانَ خَيْرًا"، أي: لكان عِنْدَه وفِي اعتِقَادِه خَيْرًا، وإلا فهو خَيْر له عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ، فأيُّ وجهٍ

ص: 327

لتَعْلِيْقِه بالعلم؟

ويمكن أن يكون "كَانَ" بمعنى صَارَ، أي: لَصَارَ الوُقُوْفُ خَفِيْفًا عليه مِنَ المُرُوْر، والمرادُ بقوله:"لَوْ يَعْلَمُ": علمَ تَفْصيلٍ، أي: مُعَايَنَةً، وإلا فقد عَلِمَ بإخْبَارِ الصَّادِقِ كثيرٌ من المَارَّيْنَ.

• وقوله: "خَيْرًا": بالنَّصَب فِي نُسْخَتِنَا، وفِي كثيرٍ من نُسَخِ الترمذي بالرَّفْع، والصَّوَابُ النَّصْبُ، والرَّفْع فيما يظهر سَهْوٌ من بعْضٍ. وقال السيوطيُّ: وَقَعَ ههنا منَ النَّاسِخِينَ بالرَّفْع على أنَّه اسمُ "كان " وفِي البُخاريِّ بالنَّصَب على الخَبَرِيَّةِ

(1)

، وفيه أن قوله:"أنْ يَقِفَ" اسم معرفة تقديرًا، أي: وقوفُه، و"خَيْرًا" نكرة فلا يصِحُّ "خَيْرٌ" اسمًا لـ "كان"، و"أنْ يَقِفَ" خَبره على أن المعنى يأبَى ذلك، ولكَوْن "أنْ يقفَ" فِي تقديرِ المَعْرفةِ يكون مثله اسمًا لكان، مع أن الخبرَ مَعْرِفَةٌ، مثل:{قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا}

(2)

و {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ}

(3)

الآية. بنَصبِ القَوْلِ على الخَبَريَّة، ورفع "أنْ قَالُوْا" على أنَّه اسمُ كان.

(1)

راجع: قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي: 1/ 164.

(2)

آل عمران: 147.

(3)

النور: 51.

ص: 328

‌بَابُ مَا جَاءَ لا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ

215 -

(337) - (2/ 160 - 161) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كنْتُ رَدِيفَ الفَضْلِ عَلَى أَتَانٍ، فَجِئْنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِأصْحَابِهِ بِمِنًى، قَالَ: فَنَزَلْنَا عَنْهَا فَوَصَلْنَا الصَّفَّ، فَمَرَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَلَمْ تَقْطَعْ صَلاتَهُمْ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، قَالُوا: لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.

• قوله: "شَيْءٌ"، أي: مُرُوْرُ شيءٍ إذِ الكلامُ فيه وإلا فَكَمْ من شَيءٍ يَقْطَعُهَا.

• قوله: "فَلَمْ تَقْطَعْ صَلَاتَهُمْ": دَلالةٌ فيه على المَطْلُوْب إذ سترةُ الإمام سترة القَوْمِ فلا يَتَحَقَّقُ المُرُوْرُ المُضِرُّ فِي حَقِّهِمْ إلا إذَا مَرَّتْ بين يدي الإمامِ، وَلَا دلالةَ لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ على ذلك.

بقي أنَّه إذا سُلِّمَتِ الدَّلالَةُ على أن مُرُوْرَ الحِمارِ لَا يقطعُ الصَّلاةَ فَمِنْ أينَ جاءَ العُمُوْمُ المَطْلُوْبُ؟

ص: 329

قلتُ: إمَّا أن هذَا الحديثَ يصيرُ دَليلًا على تأويل حديث الْقَطْع أوْ عَلَى نَسْخِه، ومعلومٌ أنَّه لَا يقْطَعُ مُرُوْرُ شيءٍ سِوَى ما ذُكِرَ فِي حديثِ الْقَطْعِ، فإذَا عُلِمَ أنَّه مؤوَّلٌ أوْ مَنْسُوْخٌ فلا دَليلَ على قَطْعِ شيءٍ والأصْلُ عَدَمُه، فلا يَقْطَع مرورُ شيءٍ وهو المَطْلوبُ.

ص: 330

[بابُ مَا جَاءَ: أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إلَا الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ]

216 -

(338) - (2/ 161 - 163) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يُوُنسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْصُورُ بْنُ زَذَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَآخِرَةِ الرَّحْلِ، أَوْ كَوَاسِطَةِ الرَّحْلِ قَطَعَ صَلاتَهُ الكَلْبُ الأسْوَدُ وَالمَرْأَة وَالحِمَارُ، فَقُلْتُ لِأبى ذَرٍّ: مَا بَالُ الأسْوَدِ مِنَ الأحْمَرِ مِنَ الأبْيَضِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتَنِي كَمَا سَألْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الغِفَارِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَيْهِ قَالُوا: يَقْطَعُ الصَّلاةَ الحِمَارُ وَالمَرْأَة وَالكَلْبُ الأسْوَدُ. قَالَ أَحْمَدُ: الَّذِي لَا أَشُكُّ فِيهِ أَنَّ الكَلْبَ الأسْوَدَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وَفِي نَفْسِي مِنَ الحِمَارِ وَالمَرْأَةِ شَيْءٌ. قَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَقْطَعُهَا شَيْء إِلَّا الكَلْبُ الأسْوَدُ.

• قوله: "قَطَعَ صَلاتَهُ": مِنْهُمْ مَنْ أوَّلَه بأنَّه يُخَافُ من هذه الأشْيَاء القَطْعُ.

• قوله: "فِيهِ أن الْكَلْبَ

" إلخ، وذلك لأنَّه مَا جَاءَ فِي الكَلْب ما يَدُلُّ على أنَّه خلافُ القَطْع، وقد جاء فِي الحِمَار والمَرْأةِ ما يَدُلُّ على خلافِ القَطْع فِي الجُمْلَة.

ص: 331

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي [ابْتِدَاءِ] القِبْلَةِ

217 -

(340) - (2/ 169 - 170) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينهَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}

(1)

فَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَكَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ، فَصَلَّى رَجُلٌ مَعَهُ العَصْرَ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشهَد أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّه قد وَجَّهَ إِلى الكَعْبَةِ، قال: فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ أَوْسٍ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ البَرَاءِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.

218 -

(341) - (2/ 170 - 171) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"كَانُوا رُكُوعًا فِي صَلاةِ الصُّبْحِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

(1)

البقرة: 144.

ص: 332

• قوله: "يُحِبُّ أَنْ يُوَجِّهَ"، أي: لأنَّها قِبْلة إبراهيمَ، ولِمَا فِي التَّوَجُّهِ إليها من التَّألُّفِ بقَوْمِه، والتألفُ بالْيَهُوْد - وقد عَلِمَ - أنَّه لَا ينفعهم؛ لأنَّهم أشدُّ النَّاسِ شكيمةً. والله تعالى أعلم.

• قوله: "كَانُوا رُكُوعًا فِي صَلاةِ الصُّبْحِ": ولا تعارَض؛ لأنَّ حديث بْن عمر في حق أهل قباء، وحديث البراء في حق غيرهم.

ص: 333

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُل يُصَلِّى لِغَيْر القِبْلَةِ فِي الغَيْمِ

219 -

(345) - (2/ 176 - 177) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ السَّمَّانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ القِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

(1)

.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُه بِذَاكَ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّان، وَأَشْعَثُ بْن سَعِيدٍ أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ.

وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، قَالُوا: إِذَا صَلَّى فِي الغَيْمِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ بَعْدَ مَا صَلَّى أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ فَإِنَّ صَلَاتهُ جَائِزَةٌ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "عَلَى حِيَالِه"، أيْ: جِهَتِه، وتلْقَاءَ وَجْهِه، والحِيَالُ: بكسر الحاء، وفتح الياء الخفيفة.

(1)

البقرة: 115.

ص: 334

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كرَاهِيَةِ مَا يُصَلَّى إلَيْهِ وَفِيهِ

220 -

(346) - (2/ 177 - 178) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي المَزْبَلَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الحمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ الله".

• قوله: "المَزْبَلَة": - بفتح ميم، وتثليث موحَّدة - مَوْضِعُ طَرْحِ الزَّبْل والقَذر، والزِّبل - بالكسر -: السرجين، و - بالفتح -: مصدر زَبَلْتَ الأوضَ إذا أصلحتَها بالزِّبل. "وَالمَجْزَرَة": موضعٌ يُنحَر فيه الإبلُ، وتُذْبَحُ فيه التقَر والشَّاةُ، يكثر فيه النَّجَاسَةُ من في مَاء الذَّبَائِح وأرْوَاثِها. "وَقَارِعَة الطَّرِيقِ": من إضَافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوْف، أي: الطَّرِيْقُ التي يَقْرَعُها النَّاسُ بأرْجُلِهِمْ، أي: يَدُقُّوْنَها وَيَمُرُّوْنَ عليها، ويقال لوَسطِ الطَّرِيْق. "وَمَعَاطِن الإِبِلِ": مَبَارِكُها حوْلَ الماء، ومَنَائِخُها.

ص: 335

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابضِ الغَنَمِ، وَمَعَاطِن الإبل

221 -

(348) - (2/ 180 - 181) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ".

• قوله: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ

" إلخ، وذلك لا للنَّجَاسَة فإنَّها مَوْجُوْدَةٌ فِي الْمَرَابِضِ، بل لأنَّ الإبلَ تَزْدَحِمُ فِي الْمَنْهَل فإذَا شَرِبَتْ دَفَعَتْ رُؤوْسَهَا، ولا يُؤْمَنُ من نَفَارِها وتَفَرُّقِهَا فتؤذِيْ المُصَلِّي، وربما تُنَجِّسُه برَشَاشِ أبْوَالِهَا. "مجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 3/ 619.

ص: 336

‌بَابُ مَا جَاءَ إذَا حَضَرَ العَشاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاة فَابْدَأوا بالعَشَاءِ

222 -

(353) - (2/ 184 - 185) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاة فَابْدَأوْا بِالعَشَاءِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، وَأُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ بَعْض أَهْل العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنهُمْ: أبُو بَكرٍ، وَعُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَبِهِ يَقول أحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ يَقُولانِ: يَبْدَأ بِالعَشَاءِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاة فِي الجَمَاعَةِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَمِعْتُ الجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ فِي هَذَا الحَدِيثِ: يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ إِذَاكَانَ طَعَامًا يَخَافُ فَسَادَه.

وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِهِمْ، أَشْبَهُ بالَاتِّبَاع، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ لَا يَقُومَ الرَّجُلُ إلَى الصَّلَاةِ وَقَلْبُهُ مَشغُول بِسَبَبِ شيْءٍ. وَقد رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال: لَا نَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَفِي أَنْفُسِنَا شَيْءٌ.

• قوله: "العَشَاءُ": بفتح العين فِي الْمَوْضِعَيْن وهو ما يُؤْكَلُ فِي الوَقْت المَعْرُوْفِ، والتَّخْصِيْصُ به لأنَّ الغَالِبَ حُضُوْرُه وقتَ الصَّلاةِ بخِلَافِ الغَدَاء وغيرِه.

ص: 337

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ النُّعَاس

223 -

(355) - (2/ 187 - 186) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْنُ سُلَيْمَانَ الكِلَابِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ يَنْعَسُ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ لِيَسْتَغْفِرَ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "يَذْهَبَ": أو يَشْرَعُ ويُريد

(1)

.

(1)

هكذا في المخطوط، ولعل الصحيح:"أي: يَشْرَعُ، أو يُرِيْدُ".

ص: 338

‌بَابُ مَا جَاءَ [فِي] مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يُصَلِّ

(1)

224 -

(356) - (2/ 187 - 188) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، وَهَنَّادٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ العَطَّارِ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ العُقَيْلِيِّ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَالَ: كانَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ يَأْتِينَا فِي مُصَلَّانَا يَتَحَدَّثُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاة يَوْمًا، فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ، فَقَالَ: لِيَتَقَدَّمْ بَعْضُكُمْ حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ لِمَ لَا أَتَقَدَّمُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: صَاحِبُ المَنْزِلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ مِنَ الزَّائِرِ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا أَذِنَ لَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ. وقَالَ إِسْحَاقُ بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، وَشَدَّدَ فِي أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ بِصَاحِبِ المَنْزِلِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ المَنْزِلِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي المَسْجِدِ، لَا يُصَلِّي بِهِمْ فِي المَسْجِدِ إِذَا زَارَهُمْ، يَقُولُ: لِيُصَلِّ بِهِم رَجُلٌ مِنْهُمْ.

• قول: "حَتَّى نُحَدِّثَكُمْ"، أي: نَفْرُغ من الصَّلاةِ فأحَدِّثُكم بسبب تَرْكِ التَّقَدُّمِ، ثُمَّ قال بعد الفراغ:"سَمِعْتُ" ففي الكلام طيٌّ. والله تعالى أعلم.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ زَارَ قَوْمًا لَا يُصَلِّى بِهِمْ".

ص: 339

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَخُصَّ الإمَامُ نَفْسَهُ بالدُّعَاءِ

225 -

(357) - (2/ 189 - 90) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي حَيٍّ المُؤَذِّنِ الحِمْصِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ بَيْتِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ نَظَرَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلَا يَؤُمَّ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ حَقِنٌ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ثَوْبَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِح، عَنِ السَّفْرِ بْنِ نُسَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَأَنَّ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي حَيٍّ المُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ فِي هَذَا أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَأَشْهَرُ.

• قوله: "فَإِنْ نَظَرَ"، أي: بغير إذْنِه فقد دَخَل بغير إذنه، أي: والدُّخُوْل بلا إذنٍ مَمْنُوْعٌ فكذا النَّظَر.

• وقوله: "وَلَا يَؤُمَّ": - بالنَّصَب - عطفٌ على "يَنْظُرُ"، أي: لَا يحل أنْ يَؤُمَّ

إلخ، وكذا قوله:"وَلَا يَقُومُ". "والحَقِن": - بفتح، وكسر قاف - مَنْ به بَوْلٌ شديدٌ يَحْبِسُه.

ص: 340

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أَمَّ قَوْمًا وَلَهُ كَارِهُونَ

226 -

(358) - (2/ 191 - 192) حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى بْنُ وَاصِلِ بن عَبْدِ الأعْلَى الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ القَاسِمِ الأسَدِيُّ، عَنْ الفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ، عَنْ الحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُوْلُ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةً: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَلْحَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أنَسٍ لَا يَصِحُّ، لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَل. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَمُحَمَّدُ بْنُ القَاسِمِ تَكَلَّمَ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَضَعَّفَهُ، وَلَيْسَ بِالحَافِظِ.

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ فَإِذَا كانَ الإِمَامُ غَيْرَ ظَالِمٍ فَإِنَّمَا الإِثْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ. وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي هَذَا: إِذَا كرِهَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكثَرُ القَوْمِ.

• قوله: "مُرْسَلٌ": والحاصلُ أن الثَّابِتَ هو المُرْسَلُ، وفِي إسناد المفسد

(1)

من لا يخلو عن ضعفٍ.

• قوله: "فَإِذَا كَانَ الإِمَامُ

" إلخ، يريدُ أن مَحْمَل الْحَدِيْثِ ما إذا كانَ بسبب الكَرَاهَةِ من الإمَام وإلا فلا إثْمَ عليه، بل الإثْمُ على القَوْم.

(1)

هكذا في المخطوط، والصحيح - والله أعلم -

وفي إسناد المرسل

ص: 341

227 -

(360) - (2/ 193 - 194) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو غَالِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمْ آذَانَهُمْ: العَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَأَبُو غَالِبٍ اسْمُهُ: حَزَوَّرٌ.

• قوله: "لَا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمْ": كِنَايَةٌ عن عَدَمِ الْقَبُوْل. قالوا: وهو أخَصُّ من الإجْزَاء فلا يَلْزَمُ من عدَمِه عدَمُ الإجزاء لكَوْنِه سببًا لسُقُوْطِ التَّكَلُّفِ، والقبول كونه سببًا للثَّوَاب.

ص: 342

‌بَابُ مَا جَاءَ إذَا [صَلَّى] الإمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا

228 -

(361) - (2/ 194 - 196) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أنَّه قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ:"إِنَّمَا الإِمَامُ - أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَنَسٍ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَفَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَّ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ" حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى هَذَا الحَدِيثِ مِنْهُمْ: جَابِرُ بن عَبْدِ اللهِ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا لَمْ يُصَلِّ مَنْ خَلْفَهُ إِلَّا قِيَامًا، فَإِنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَمْ تُجْزِهِمْ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ.

• قوله: "خَرَّ": من الخَرُوْر، أي: سقط.

• وقوله: "فَإِذَا كَبَّرَ": تفسيرٌ وبيانٌ لكَيْفِيَّةِ الاقْتِدَاء.

ص: 343

• وقوله: "فَإِذَا كَبَر": تفسير يَدُلُّ بظَاهِره على المُقَارَنَةِ، لكنَّ مُقْتَضَى الأحَادِيْث المُصَرِّحَة أنْ يُحْمَلَ عَلَى المُقَارَبَة بأنْ يَتَأخَّرَ المَأمُوْمُ فَي كُلِّ ذلك نَوْعَ تأخُّرٍ.

• قوله: "إِذَا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا

" إلخ، وادَّعَوا نسخَ الْحَدِيث السَّابِقِ بأنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلم أمَّ قاعِدًا فِي آخر مَرَضِه والنَّاسُ خَلْفَه قِيَامٌ، وفيه كلامٌ لَا يلِيْقُ بِهَذا المقام، وقد أشار المصنفُ فِي الباب الثَّانِي إلى بعض ذلك حيثُ نَقَل الاخْتِلافَ فِي ذلك الحديث. والله تعالى أعلم.

ص: 344

‌بَابٌ مِنْهُ

229 -

(362) - (2/ 196 - 197) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَريب. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال:"إِذا صَلَّى الإِمَامُ جَالِسًا فصَلُّوا جُلُوسًا". وَرُوِيَ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فِي مَرَضِهِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَصَلَّى إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّاسُ يَأتْمُّونَ بِأبِي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ يَأَتْمُّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَرُوِيَ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا. وَرُوِي عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ.

• قوله: "وَأَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم": يُمْكنُ التَّوْفيقُ بينه وبينَ الحديث السَّابِق بأنَّ المرادَ بِهذا أنَّه كان يُرَاعِي حَالَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ فِي التَّخْفِيْف فِي القِيَام والرُّكُوْع وغيرِ ذلك، وهذا مِثْل ما وَرَدَ فِي الأحاديثِ فِي شأنِ الإمام "اقْتَدِ بِأضْعَفِهِمْ" رواه أبو داود

(1)

، والمرادُ هذا الاقتداء، ولهذا يقال فِي مثله: إمامٌ يَقْتِدِيْ بالمَأْمُوْمِ.

(1)

راجع سنن أبي داود: كتاب الصلاة، باب أخذ الأجر على التأذين، ح:531.

ص: 345

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الإمَامِ يَنْهَضُ فِي الرَّكَعَتَيْن نَاسِيًا

230 -

(364) - (2/ 198 - 200) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: صَلَّى بنَا المُغِيرَة بْنُ شُعْبَةَ فَنَهَضَ فِي الرَّكعَتَيْنِ، فَسَبَّحَ بِهِ القَوْمُ وَسَبَّحَ بِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى بَقِيَّةَ صلاتِهِ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَعَلَ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَسَعْدٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ صَدُوقٌ، وَلَا أَرْوِي عَنْهُ لِأنَّهُ لَا يَدْرِي صَحِيحَ حَدِيثِهِ مِنْ سَقِيمِهِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا فَلَا أَرْوِي عَنْهُ شَيْئًا.

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، رَوَاه سُفْيَانُ، عَنْ جَابِرٍ، عَن المُغِيرَةِ بْن شُبَيْلٍ، عَنْ قَيْسِ بْن أَبي حَازِمٍ، عَن المُغِيرَةِ بْن شُعْبَةَ. وَجَابِرٌ الجُعْفِيُّ قَدْ ضَعَّفَهُ بَعْض أهْلِ العِلْمِ تَرَكَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، مِنْهُمْ: مَنْ رَأَى قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَمِنْهُمْ: مَنْ رَأَى بَعْدَ

ص: 346

التَّسْلِيمِ. وَمَنْ رَأَى قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَحَدِيثُهُ أَصَحُّ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ الأعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ.

• قوله: "فَنَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ"، أي: ولم يقعُد.

ص: 347

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي مِقْدَارِ القُعُودِ فِي الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن

231 -

(366) - (2/ 202 - 203) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ.

قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَرَّكَ سَعْدٌ شَفَتَيْهِ بشَيءٍ، فَأَقُولُ: حَتَّى يَقُومَ؟، فَيَقُولُ: حَتَّى يَقُومَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: يَخْتَارُونَ أَنْ لَا يُطِيلَ الرَّجُلُ القُعُودَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى التَّشَهُّدِ شَيْئًا، وَقَالُوا: إِنْ زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ فَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ.

• قوله: "عَلَى الرَّضْفِ": قال السّيُوْطِيُّ: هي الحِجَارة الْمُحمَاةُ عَلى النَّار واحدها رَضْفَةٌ. انتهى

(1)

. وهو كنايةٌ عن التَّخْفِيْفِ فِي الجُلُوْسِ كما أشارَ إليه المُصَنِّف وحمه الله تعالى.

• قوله: "فَأَقُولُ": حين أخْفَى بكلمةٍ. قلت: مسْتَفْسِرًا عنها "حَتَّى يَقُوْمَ"، فقوله:"أقُول، ويَقُوْلُ" مضارعٌ فِي مَحَلِّ المَاضي إحْضَارًا لتلك الحَالَة، إشعارًا بضَبْطِ الحديث.

(1)

راجع: قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي: 1/ 178.

ص: 348

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ

232 -

(369) - (2/ 205 - 206) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ.

وَقَالَ عَلِى: "كُنْتُ إِذَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي سَبَّحَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "التَّسْبِيحُ

"إلخ، أيْ: مَنْ نَابَه شيءٌ فِي صَلاتِه، وَنزَل به حادِثٌ فاحتاج لذلك إلى تَنْبِيْهِ غيرِه فالرَّجُلُ يقول: "سُبْحَانَ اللهِ" والمرأة تُصَفِّقُ لأَنَّها مأمُوْرةٌ بخَفْضِ الصَّوْت. والتَّصْفِيْقُ: ضُرْبُ إحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الأخْرَى.

ص: 349

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّثَاؤُب فِي الصَّلَاةِ

233 -

(370) - (2/ 206 - 207) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ العَلاءِ بن عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَجَدِّ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ التَّثَاؤُبَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي لأرُدُّ التَّثَاؤُبَ بِالتَّنَحْنُحِ.

• قوله: "التَّثَاؤُبُ": بالهَمْزة على الأصَحِّ، وقيل: بالواو، والاسم الثَّوْبَاء: وهو تَنَفُّسٌ يَنْفَتِحُ منه الفَمُّ من الامتلاء وكُدُوْرَةِ الْحَوَّاسِ، أضِيْفَ إلى الشَّيْطَان كَرَاهِيَةً له؛ لأنَّه يَنْشَأ عن ثِقْلِ الْبَدَنِ وامْتِلائِه، واسْتِرْخَائِه ومَيْلِه إلى الكَسْل. وأريدَ به التَّحْذِيْرُ من أسْبَابِهِ مِنَ التَّوَسُّع فِي المَطْعَم والشَّبْع، وأمر برَدِّه بوضْعِ اليَدِ على الفَمِّ بتَطْبِيقِ السِنِّ لئلا يَبْلغَ الشَّيْطَانُ مرادَه من ضِحْكِه، وتَشْوِيْهِ صُوْرَته، ودُخُوْلِه فِي فَمِه للوَسْوَسَة.

ص: 350

[بابُ مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةَ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ]

234 -

(372) - (2/ 208 - 210) وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَّا أنَّهُ يَقُولُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَأَلْتُ رسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَلَاةِ المَرِيضِ؟ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِع فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَم تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ".

حَدَّثَنا بِذلِكَ هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، بِهَذَا الحَدِيثِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَلا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ نَحوَ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ نَحْوَ رِوَايةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ.

وَمَعنى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ أَشْعَثَ بن عَبْد المَلِكِ عَنِ الحَسَنِ، قَالَ:"إِنْ شَاءَ الرَّجُلُ صَلَّى صَلَاةَ التَّطَوُّعِ قَائِمًا، وَجَالِسًا، وَمُضْطَجِعًا".

واختلَفَ أَهْلُ العِلْم فِي صَلاةِ المَرِيضِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، فقَالَ بَعضُ أَهْلِ العِلْمِ: يُصَلَي عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاه وَرِجْلَاهُ إِلى القِبْلَةِ. وقَالَ سفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: فِي هَذَا الحَدِيثِ: مَنْ صَلَّى جَالِسًا فَلهُ نِصْف أَجْرِ القَائِمِ. قَالَ: هَذَا لِلصَّحِيحِ وَلمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ يَعْني فِي النَّوَافِل، فَأَمَّا مَنْ كانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَصَلَّى جَالِسًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ القَائِمِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْض هَذَا الحَدِيثِ مِثْلُ قَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.

• قوله: "فِي صَلاةِ التَّطَوُّعِ": وذلك لأنَّ "أفْضل" يَقْتَضِي

ص: 351

جَوَازَ القُعُوْدِ بَلْ فَضْلَه، ولا جَوَازَ للقُعُوْدِ فِي الفَرَائِضِ أنْ يكونَ القِيَامُ أفْضَل ويكونُ الْقُعُودُ جَائِزًا، بل إنْ قَدَر على القِيَامِ تَعَيَّنَ، وإن لم يَقْدِر عليه يَتَعَيَّنُ القُعُوْدُ، أو ما يقدر عليه.

بقي أنَّه يَلْزَم على هذا المَحْمَل جوازُ النَّفل مُضْطجِعًا مع الْقُدْرَة على القِيَام والقُعُوْد وقد الْتَزَم بعضُ المُتَأخِّرِيْن، لكنَّ أكثرَ العُلَمَاء أنْكَرُوْا ذلك، وعَدُّوْه بِدْعَةً وحدثًا فِي الإسْلامِ، وقَالوا: لا يعرف أن أحَدًا صلَّى قَطُّ على جَنْبِه وهو صحيحٌ.

فالوَجْهُ أن الحديثَ ليسَ بِمسوقٍ لبيان صِحَّةِ الصَّلاةِ وفسادِها، وإنَّما هو لبيانِ تَفْضِيْلِ إحدَى الصَّلاتَيْن الصَّحِيْحَتَيْنِ عَلَى الأخْرى، وصِحَّتُهُمَا تُعْرَفُ من قَواعِدِ الصِحَّة من خارج، فحاصلُ الحديث: أنَّه إذا صَحَّتِ الصَّلاةُ نائمًا فهيَ على نصف الصَّلاةِ قاعِدًا فِي الأجر، وكذا إذا صَحَّتِ الصَّلاةُ نائِمًا فَهِيَ على نِصْفِ الصَّلاةِ قاعِدًا فِي الأجْر.

وقولهم: إنَّ المَعْذُورَ لا ينْقَصُ من أجْرِه مَمْنُوْعٌ، بل من كان من نِيَّتِه العَمَلُ، بل كان يعتاد ذلك العمل، وإنَّما فاتَه لعُذْرٍ فذاك لا يُنْقَصُ من أجره حتَّى لو كان مريْضًا تاركًا للصَّلاةِ حالةَ الصِحَّةِ صلَّى قاعِدًا حالةَ الْمَرْضِ، فصلاتُه على نصف صلاةِ القَائِمِ فِي الأجْرِ. والله تعالى أعلم.

ص: 352

‌بَابٌ فِيمَنْ يَتَطَوَّع جَالِسًا

(1)

235 -

(373) - (2/ 211 - 212) حَدَّثَنَا الأنصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ بنُ أَنَسٍ، عَنْ ابْن شِهَابٍ، عَنْ السَّائِب بْن يَزِيدَ، عَنْ المُطَّلِب بْن أَبي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ حَفصَة زَوْجِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قالتْ:"مَا رَأَيْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ فإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ وَيُرَتِّلُهَا، حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا".

وَفِي البَاب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ حَفْصَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَ، ثُمَّ رَكعَ، ثُمَّ صَنعَ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ مِثل ذلِكَ. وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قاعِدَا، فإِذا قرَأ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ. قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: وَالعَمَلُ عَلَى كِلَا الحَدِيثَيْنِ كَأَنَّهُمَا رَأَيَا كِلَا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحًا مَعْمُولًا بِهِمَا.

• قوله: "فِي سُبْحَتِهِ"، أي: نَافِلَتِه.

• قوله: "وَهُوَ قَائِمٌ": لا يخْفَى أن السُّجُوْدَ قائِمًا لا يُتصَوَّرُ إلا بأنْ يُشِيْرَ قائِمًا وليسَ بِمُرَادٍ، فالْمُرَادُ أنْ يَشْرَعَ فِي السُّجُوْد بالخُرُوْر إليه وهو قائِمٌ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي الرجلِ يَتَطَوَّعُ جَالِسًا.

ص: 353

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنِّي لأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبيِّ فِي الصَّلَاةِ، فَأُخفِّفُ".

236 -

(376) - (2/ 214) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَاللّهِ إِنِّي لأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ وَأَنَا فِي الصَّلاةِ فَأُخَفِّفُ، مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• استدلَّ بالحديثِ على أن الإمامَ إذا أحَسَّ بمن يريدُ معه الصَّلاةَ وهو راكِعٌ جازَ له أن يَنْتَظِرَ لإدْرَاكه، فإنَّه إذا جَازَ الاخْتِصَارُ لحاجَةٍ دنيويَّةٍ فلأنْ تَجُوْزَ الزِّيَادةُ لأمر أخرويٍّ أحْرَى، وكَرِهَ بعضُهُمْ خَوْفًا منَ الشِّرْكِ. كذا في "المجمع"

(1)

.

• قوله: "مَخَافَةَ أَنْ يَفْتِنَ أُمَّهُ"،

(2)

أي: مخَافَةَ أنْ تَكُوْنَ أمُّه تُصِلِّي مع الجَمَاعَة كما هو العادَة فتَفْتَتِنَ، أي: تَتَشَوَّشَ وتحزنَ.

وخِفَّةُ الصَّلاةِ الاقْتِصَارُ على قِصَارِ المُفصَّل، وتَرْكُ الدَّعَوَات الطَّوِيْلَة في الانْتِقَالاتِ وهو لا ينَافِي التَّمَامَ بمعنى الإتْيَان بجميع الأركَان والسُّنَنِ.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 98، 99.

(2)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "مَخَافَةَ أنْ تُفْتَتَنَ أمُّهُ".

ص: 354

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كرَاهِيَةِ مَسْحِ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ

237 -

(379) - (2/ 219 - 220) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي الأحْوَصِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلا يَمسَحِ الحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ مُعَيْقِيبٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَجَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كَرِهَ المَسْحَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ:"إِن كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا فَمَرَّةً وَاحِدَةً". كأنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ رُخْصَةٌ فِي المَرَّةِ الوَاحِدَةِ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ"، أي: لاشْتِغَالِه بالصَّلاةِ فلا ينبغي أنْ يَشْتَغِلَ بما يَقْطَعُ اشْتغَاله عنها. والله تعالى أعلم.

ص: 355

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كرَاهِيَةِ النَّفخ فِي الصَّلَاةِ

238 -

(381) - (220 - 221) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، أَخْبرنَا مَيْمُون أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي صَالِح مَوْلَى طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غُلامًا لنَا يُقَالُ لَهُ أَفْلَحُ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ:"يَا أَفْلَحُ، تَرِّبْ وَجْهَكَ".

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ: وَكَرِهَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ النَّفْخَ فِي الصَّلاةِ، وَقَالَ:"إِنْ نَفَخَ لَمْ يَقْطَعْ صَلاتَهُ"، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ:"وَبِهِ نَأْخُذُ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَرَوَى بَعْضُهُمْ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ هَذَا الحَدِيثَ، وَقَالَ: مَوْلًى لنَا يُقَالُ لَهُ رَبَاحٌ.

• قوله: "تَرِّبْ وَجْهَكَ"، أي: ضَعْه على التُّرابِ وألْصِقْه ولا تَحْتَرِزْ عنه ولا تُبْعِدْه عن مَوضِع وجهك بالنَّفْخ. واللّه تعالى أعلم.

239 -

(382) - (2/ 221 - 222) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي حَمْزَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَه، وَقَالَ: غُلامٌ لنَا يُقَالُ لَهُ رَبَاحٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ إِسْنَادُه لَيْسَ بِذَاكَ. وَمَيْمُونٌ أَبُو حَمْزَةَ قَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي النَّفْخِ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ نَفَخَ فِي الصَّلاةِ اسْتَقْبَلَ الصَّلاةَ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَه النَّفْخُ فِي الصَّلاةِ وَإِنْ نَفَخَ فِي صَلاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "إِنْ نَفَخَ فِي الصَّلاةِ

" إلخ، أي: إذا كان يُؤدِّيْ إلى الْحُرُوْف.

ص: 356

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي [كرَاهِيَةِ] كَفِّ الشَّعْر فِي الصَّلَاةِ

240 -

(384) - (2/ 223 - 224) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْن مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي سَعِيدٍ المَقبُرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي رَافِعٍ، أَنَّهُ مَرَّ بِالحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ يُصَلِّي، وَقدْ عَقَصَ ضَفِرَتَهُ فِي قَفَاهُ، فَحَلَّهَا، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ الحَسَنُ مُغْضَبًا، فَقَالَ: أَقْبِلْ عَلَى صَلاتِكَ وَلا تَغْضَبْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"ذَلِكَ كفْلُ الشَّيْطَانِ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْل العِلْم: كَرهُوا أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ مَعْقُوصٌ شعْرُهُ. قال أبُوْ عِيْسَى: وَعِمْرَانُ بْن مُوسَى: هُوَ القرَشِيُّ المَكَيُّ وَهُوَ أَخُو أيُّوبَ بْنِ مُوسَى.

• قوله: "وَقَدْ عَقَصَ": العَقْصُ: جمع الشَّعْر وسطَ رأسِه، أو لَفُّ ذَوائِبه حوْلَ رأسِه كفِعْل النِّسَاء. "وضَفْرُ الشَّعْرِ": إدْخَال بَعْضِه فِي بَعْضِها، والضَّفِيْر: الشَّعْر الْمَضْفُوْر. و"الْكِفْلُ": - بالكسر -: الحَظُّ، والنَّصِيْبُ.

والحاصل: أن مَنِ انْتَشَر شَعْرُه سَقَط على الأرْضِ عندَ السُّجُود فيُثَاب عليه، والمَعْقُوْصُ لم يَسْقُط شَعْرُه، فيَنْقُص الثَّوابُ فذاك مِمَّا يَفْرحُ به الشَّيْطانُ، فيكون نصيبًا له.

ص: 357

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّخَشُّعِ فِي الصَّلَاةِ

241 -

(385) - (2/ 225 - 227) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "الصَّلاة مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكعَتَيْنِ، وَتَخَشَّعُ، وَتَضَرَّعُ، وَتَمَسْكَنُ، وتَذَرَّعُ وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ، يَقُولُ: تَرْفَعُهُمَا إِلَى رَبِّكَ، مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وقَالَ غَيْرُ ابْنِ المُبَارَكِ فِي هَذَا الحَدِيثِ: "مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهِيَ خِدَاجٌ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ فَأَخْطَأَ فِي مَوَاضِعَ، فَقَالَ: عَنْ أَنسِ بْنِ أَبِي أَنسٍ، وَهُوَ عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ، وَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الحَارِثِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ، وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنِ المُطَّلِبِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدِيثُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ هُوَ حَدِيْث صَحِيْحٌ يعني أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ.

• قوله: "فإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ"، أي: الْخُشُوْعُ والتَّضَرُّع.

• وقوله: "فَهِيَ خِدَاجٌ": - بكسر الخاء - أي: ناقِصٌ، مُخْتَلٌّ لفَوَاتِ مَا هو المَقْصودُ الأصْلِيُّ فِي الصَّلاة وهو التَّخَشُّعُ.

ص: 358

‌بَابُ مَا جَاءَ [فِي] كرَاهِيَةِ التَّشْبيكِ بَيْنَ الأصَابعِ فِي الصَّلَاةِ

242 -

(286) - (2/ 211 - 212) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَه، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ فَلا يُشبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ. وَرَوَى شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَحَدِيثُ شَرِيكٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.

• قوله: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُم .. " إلخ، يخرج مْخَرَجَ العادةِ؛ لأنَّ شَأنَ الْمُسْلم ذلك، لا أنَّه قَيْدٌ للنَّهْي عن التَّشْبِيْكِ بل النَّهْي إذا لم يُحْسِنِ الْوُضُوْءَ أولى، لئلا يجمع بين المكروهَيْن، كراهةِ ترك الإحسان في الوضوء، وكراهةِ التَّشبيك.

• قوله: "فَلَا يُشَبِّكْ": تَشْبِيْكُ الأصَابعِ إدْخَالُ بَعْضِها فِي بعض.

• قوله: "فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ"، أي: فلا يَفْعَل ما لا يُفْعَلُ فِي الصَّلاةِ، ومنه أخَذَ المُصَنِّفُ التَّرجمةَ؛ لأنَّه لَمَّا نَهَي عن التَّشْبِيْكِ فِي الصَّلاةِ عندَ الذَّهَاب إلى الصَّلاةِ لكَوْنِ كأنَّه فِي الصَّلاةِ فلِأنْ يُنْهَى عَنْه فِي الصَّلاةِ بالأولى.

• قوله: "عَامِدًا"، أي: قاصِدًا.

ص: 359

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي طُولِ القِيَامِ فِي الصَّلَاةِ

243 -

(387) - (2/ 229) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ القُنُوتِ".

قَال: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.

• قوله: "طُولُ القُنُوتِ": يُطْلَقُ على مَعَانٍ، ونَبَّهَ المُصَنِّفُ بالتَّرجمةِ على أن المرادَ ههنا القِيَامُ. قال النَّوْوِيُّ: وهذا باتِّفَاقِ العُلَماء فيما عَلِمْتُه فالمعنى أي: ذات طولِ القيام

(1)

.

(1)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 6/ 35.

ص: 360

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الرُّكوعِ وَالسُّجُودِ [وَفَضْلِه]

244 -

(388) - (2/ 230 - 231) حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَليْدُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أبُوْ مُحَمَّدٍ رَجَاءٌ، قَالَ حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ الأوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الوَليدُ بْنُ هِشَامٍ المُعَيْطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ اليَعْمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَنْفَعُنِي اللّهُ بِهِ وَيُدْخِلُنِي الجَنَّةَ؟ فَسَكَتَ عَنِّي مَلِيًّا، ثُمَّ التَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِله سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً".

• قوله: "يَنْفَعُنِي": - بالرَّفْع - صفةُ عَمَلٍ، ويحتمل الْجَزْمَ على أنَّه جوابُ الأمْر وقد يُسْتَبْعَد بأنَّ الدَّلالَة لَيْسَتْ سببًا للنَّفْعِ بل السَّبَبُ له أنْ يَفْعَل ذلك الفعل. ويُجَابُ بأنَّه يكفِي فِي الْجَواب أنْ يَكُونَ فِي الجملة ولو بعيدًا بواسِطَة كما قالوا فِي قوله تعالى:{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ}

(1)

الآية.

• قوله: "فَسَكَتَ عَنِّي مَلِيًّا": - بتشديد الياء - أي: وقتًا طَوِيْلًا هكذا في بعض النُّسَخ المُصَحَّحَة، وفِي بَعْضَها "ثلاثًا"، أي: ثلاث مرَّات. و"المَلِيُّ": طائِفَةٌ من الزَّمَان، ولا ذِكْرَ فِي الحَدِيثِ للرُّكُوعِ لكنَّ السُّجُوْدَ عادةً يَسْتَلْزِمُ الرُّكُوْعَ وَيتَوَقَّفُ عليه، إذ السُّجُودُ المُعْتَادُ هو السُّجود فِي الصَّلاةِ وذلك لا يوْجَد إلا بَعْدَ الرُّكُوْع، فكأنَّ الحديثَ مُتَضَمِّن لذِكْر الرُّكُوْع أيضًا. ثُمَّ لا يخْفَى أنَّه لَيْسَ فِي هذَا الْحَدِيثِ ما يَقْتَضِي أن كَثْرَةَ السُّجُوْد أفْضَلُ من طُوْلِ الْقِيَام، فبِنَاءُ الخِلافِ عَلَى هَذا الحَدِيثِ كما هُو ظَاهِرُ كلامِ المُصَنَّفِ لا يخلو عن خَفَاءٍ.

(1)

سورة إبراهيم: 31.

ص: 361

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي قَتْل الأسْوَدَيْن فِي الصَّلَاةِ

(1)

245 -

(390) - (2/ 233 - 235) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ وَهُوَ ابْنُ إبْرَاهِيْمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:"أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الأسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الحَيَّةُ وَالعَقرَبُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي رَافِعٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْض أَهْل العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقول أحْمَدُ وَإِسْحَاق. وَكَرِهَ بَعْض أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ فِي الصَّلاةِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "إِنَّ فِي الصَّلاةِ لَشُغْلًا، وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ.

• قوله: "أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ"، أي: أذِنَ فِيْهِ وأبَاحَهُ للْمُصَلِّي، أو أمَرَ بِه إذَا خِيفَ مِنْه الأذَى.

والأسْوَدُ منَ الحَيَّاتِ: أخْبَثُها وأعظَمُها، والمرادُ مُطْلَقُ الْحَيَّةِ، ومُطْلَقُ العَقْرَب، والتَّعِبِيْرُ وَقَعَ بأخْبَثِ الْقِسْمَيْن. قال علماؤنا: هذا الأمْرُ لا يسْتَلْزِم بَقَاءَ الصَّلاةَ كيفَمَا قَتلَ فِي الصَّلاةِ، بَلْ غَايَتُه رَفْعُ إثْم الإفسَادِ عنه إنْ أدَّى ذلك إلى الفَسَاد. واللّه تعالى أعلم.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الحَيَّةِ وَالعَقرَبِ فِي الصَّلَاةِ.

ص: 362

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي سَجْدَتَي السَّهْو بَعْدَ السَّلَاِمِ

(1)

246 -

(391) - (2/ 238 - 235) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ الأعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ الأسَدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِب، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ.

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِيْ كثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَ عَبْدَ اللهِ بْنِ السَّائِبِ القَارِئَ، كانَا يَسْجُدَانِ سَجْدَتَي السَّهْوِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ بُحَيْنَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ يَرَى سَجْدَتَيِ السَّهْوِ كُلِّهِ قَبْلَ السَّلامِ، وَيَقُولُ هَذَا النَّاسِخُ لِغَيْرِهِ مِنَ الأحَادِيثِ، وَيَذْكُرُ أَنَّ آخِرَ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ عَلَى هَذَا.

وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ فِي الرَّكعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلامِ، عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ ابْنُ بُحَيْنَةَ مَالِكٌ أَبُوهُ، وَبُحَيْنَةُ أُمُّه، هَكَذَا أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمَدِينيِّ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ التَسْلِيْمِ.

ص: 363

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ مَتَى يَسْجُدُهُمَا الرَّجُلُ قَبْلَ السَّلامِ أَوْ بَعْدَه؟ فَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنْ يَسْجُدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأهْلِ الكُوفَةِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْجُدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكثَرِ الفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، مِثْلِ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةَ، وَغَيْرِهِمَا، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَتْ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ فَبَعْدَ السَّلَامِ، وَإِذَا كَانَ نُقْصَانًا فَقَبْلَ السَّلَامِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.

وقَالَ أَحْمَدُ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ عَلَى جِهَتِهِ، يَرَى إِذَا قَامَ فِي الرَّكعَتَيْنِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ فَإِنَّهُ يَسْجُدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَإذا صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُهُمَا بَعْدَ السَّلامِ، وَإِذَا سَلَّمَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظّهْرِ وَالعَصْرِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَكُلٌّ يُسْتَعْمَلُ عَلَى جِهَتِهِ، وَكُلُّ سَهْوٍ لَيْسَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذِكْرٌ فَإنَّ سَجْدَتَي السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ نَحْوَ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي هَذَا كُلِّهِ، إِلَّا أنَّهُ قَالَ: كُلُّ سَهْوٍ لَيْسَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذِكرٌ فَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً فِي الصَّلاةِ يَسْجُدُهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا يَسْجُدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ.

• قوله: "وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ"، أي: والحَالُ أن عَلَيْه أن يَجْلِسَ، أي: قَامَ مَقَامَ الْجُلُوْسِ، وتَرَكَ الْجُلُوْسَ.

• قوله: "إذَا قَامَ الرَّجُلُ"، أي: يُرِيْدُ أن هَذَا فِي السَّهْو الْمَخْصُوْصِ لا فِي مُطْلَقِ السَّهْوِ.

ص: 364

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي سَجْدَتَي السَّهْو بَعْدَ السَّلَاِمِ وَالكَلَاِمِ

247 -

(392) - (2/ 239 - 238) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، إخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "بَعْدَ مَا سَلَّمَ": لا يخْفَى أن السُّجُودَ بَعْدَ السَّلامِ وَقَعَ ههنا اتِّفَاقًا لا قَصْدًا فالاسْتِدْلالُ بِه لا يخْلُو عَنْ خَفَاءٍ.

248 -

(394) - (2/ 239 - 240) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُريرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوب وَغيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ الظُّهْرَ خَمْسًا فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الرَّابِعَةِ مِقدَارَ التَّشَهُّدِ فَسَدَتْ صَلاتُهُ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَبَعْضِ أَهْلِ الكُوفَةِ.

• قوله: "وَلَمْ يَقْعُدْ

" إلخ، وحَمَلُوا حَدِيثَ ابن مَسْعودٍ على أنَّه قعد في الرَّابِعَة ثمَّ قام بعدَ الْقُعُوْد. والله تعالى أعلم.

ص: 365

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشَهُّدِ فِي سَجْدَتَي السَّهْوِ

249 -

(395) - (2/ 242 - 240) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى النَّيْسَابُوْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الأنصَاريُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَشْعَثُ، عَنْ ابْن سِيرينَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ، عَنْ أبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أن النّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي المُهَلَّبِ، وَهُوَ عَمُّ أَبِي قِلَابَةَ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي المُهَلَّبِ. وَأَبُو المُهَلَّب اسْمُه: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ أيضًا. مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الَوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَهُشَيْمٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِطُولهِ وَهُوَ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكعَاتٍ مِنَ العَصْرِ، فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الخِرْبَاقُ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي التَّشَهُّدِ فِي سَجْدَتَي السَّهْوِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَشَهَّدُ فِيهِمَا وَيُسَلِّمُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَتَسلِيمٌ وَإِذَا سَجَدَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ قَالَا: إِذَا سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ.

• قوله: "فِي سَجْدَتَي السَّهْوِ"، أي: بَعْدَ سَجْدَتَي السَّهْو، أي: فِي صُوْرَةِ سَجْدَتِي السَّهْو.

ص: 366

‌بَابٌ فِيمَنْ يَشُكُّ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ

(1)

250 -

(396) - (2/ 243 - 244) حَدَّثنا أَحمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّستُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِيَاضٍ يَعْنِي بْنَ هِلَالٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأبِي سَعِيدٍ: أَحَدُنَا يُصَلِّي فَلَا يَدْرِي كيْفَ صَلَّى؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ كيْفَ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ.

وَقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "إِذا شكَّ أحَدُكُمْ فِي الوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً، وَإِذَا شَكَّ فِي الِثنتينِ وَالثَّلَاثِ فَلْيَجْعَلْهُمَا ثنَتَيْنِ، وَيَسْجُدُ فِي ذَلِكَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ".

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا شَكَّ فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيُعِدْ.

• قوله: "فَلْيَسْجُدْ": فيه طيٌّ، والتَّقْدِيْرُ فَلْيَبْنِ على الأقَلِّ، وليَسْجُدْ بِقَريْنَةِ الرِّوَاياتِ الأخَر.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي الرجلِ يُصَلِّي فَيَشُكُّ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.

ص: 367

251 -

(398) - (2/ 244 - 246) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ البَصَرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلأثٍ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ، مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ. رَوَاه الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ

" إلى آخِرِه. وهذَا الْحَديثُ تَفْصِيْلُ الإجْمَالِ فِي الأحَادِيثِ السَّابِقَةِ، فَعَلَيْه التَّعْوِيْلُ، ويجِبُ إرْجَاعُ الإجمالِ إلَيْه.

ص: 368

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُل يُسلِّمُ فِي الرَّكعَتَيْن مِنَ الظُّهْر وَالعَصْرِ

252 -

(399) - (2/ 9 - 247 - 249) حَدَّثَنَا الأنصَارِيُّ حَدَّثَنَا مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ وَهُوَ أيوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاة أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ " فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُول اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّر، فَسَجَدَ مِثْل سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ كَبَّر، فَرَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أطْوَلَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَذِي اليَدَيْنِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا الحَدِيت فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الكُوفَةِ: إِذَا تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مَا كَانَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَرَأَى هَذَا حَدِيثًا صَحِيحًا فَقَالَ بِهِ، وقَالَ: هَذَا أصَحُّ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّائِمِ إِذَا أَكلَ نَاسِيًا فَإِنَّهُ لا يَقْضِي وَإِنَّمَا هُوَ رِزْق رَزَقَهُ اللّهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَفَرَّقَ هَؤُلاءِ بَيْنَ العَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فِي أَكْلِ الصَّائِمِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ: إِنْ تَكَلَّمَ الإِمَامُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قد أَكْمَلهَا ثمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لمْ يُكمِلهَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ وَمَنْ تَكَلَّمَ خَلفَ الإِمَامِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنَ الصَّلاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا، وَاحتَجَّ بِأَنَّ الفَرَائِضَ كانَتْ تُزَادُ وَتُنْقَصُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ ذُو اليَدَيْنِ، وَهُوَ

ص: 369

عَلَى يَقِينٍ مِنْ صَلَاتِهِ أَنَّهَا تَمَّتْ وَلَيْسَ هَكَذَا اليَوْمَ، لَيْسَ لِأحَدٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَعْنَى مَا تَكَلَّمَ ذو اليَدَيْنِ لِأنَّ الفرَائِضَ اليَوْمَ لا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ، قال أحْمَدُ نَحْوًا مِنْ هَذَا الكَلَامِ، وقَالَ إِسْحَاقُ نَحْوَ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي هَذَا البَابِ.

• قوله: "أَقُصِرَتِ الصَّلاة": ورُوِيَ مَبْنِيًّا للمَفْعُوْل والفَاعِل بفتح القاف، وضَمِّ الصَّاد. "فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"، أي: للحَاضِرِيْنَ فِي الْمَجْلِس.

"كَانَ قَبْلَ تَحْرِيْم الكَلَامِ": قد رَدَّهُ صاحبُ الْبَحْر

(1)

مِن عُلمائِنا الحَنفِيَّةِ تَبْعًا لغَيْره، فقال: قولهم: "حديثُ ذِي الْيَدَيْن مَنْسُوْخٌ؛ لأنَّه كانَ فِي الابْتِدَاء حِيْنَ كانَ الكَلامُ فيهَا مُبَاحًا فمَمْنُوعٌ لأنَّه روايةُ أبي هريرةَ وهو متَأخِّرُ الإسْلامِ، فإنْ أجِيْبَ عَنْه بِجَوَازِ رِوَايَة أبي هريرةَ عَنْ غَيْرِه ولَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فغَيْرُ صَحِيْحٍ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنه "بَيْنَا أنَا أصَلِّي مَعَ رسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم "

(2)

وَسَاقَ الوَاقِعَةَ وهو صَريْحٌ فِي حُضُوْرِه، فحَدِيثُ أبي هريرةَ حُجَّة للجُمْهُوْرِ بأنَّ كَلامَ النَّاسِي، ومَنْ يَظُنُّ أنَّه لَيْسَ فِيْهَا لا يفْسِدُهَا ولم أرَ عَنْه جوابًا شَافِيًّا. انتهى

(3)

.

(1)

هو: الإمام العلامة، البحر الفهامة، خاتمة المحققين زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن محمد الشهير بـ "ابن نجيم" الحنفي. ولد سنة ست وعشرين وسبع مائة، أخذ عن العلامة قاسم بن قطلوبغا، والشيخ شرف الدين البلقيني، وشيخ الإسلام ابن الحلبي وغيرهم. من مصنفاته:"البحر الرائق شرح كنز الدقائق،" و"الأشباه والنظائر"، و"شرح المنار في الأصول"، و"لب الأصول مختصر تحرير الأصول"، و"الفوائد الزينية في فقه الحنيفية". توفي صباح الأربعاء، سابع رجب، سنة سبعين وتسع مائة. راجع لترجمته: شذرات الذهب: 10/ 523، الكواكب السائرة في أعيان القرن المائة العاشرة: 3/ 137، الأعلام للزركلي: 3/ 64.

(2)

صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، ح:537.

(3)

راجع: البحر الرائق شرح كنز الدقائق للعلامة زين الدين بن إبراهيم بن محمد المصري الحنفي: 2/ 4.

ص: 370

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي القُنُوتِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ

253 -

(401) - (2/ 252 - 251) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالا حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالمَغْرِبِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْن عَبَّاسٍ، وَخُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ بْنِ رَحْضَةَ الغِفَارِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ البَرَاءِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي القُنُوتِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: القُنُوتَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، وَهُوَ قَول مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لا يُقْنَتُ فِي الفَجْرِ إِلَّا عِنْدَ نَازِلَةٍ تَنْزُل بِالمُسْلِمِينَ، فَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ فَلِلإِمَامِ أَنْ يَدْعُوَ لِجُيُوشِ المُسْلِمِينَ.

• المُرَادُ "بالقُنُوتِ": ههنا الدُّعَاءُ.

ص: 371

‌بَابُ [مَا جَاء] فِي تَرْكِ القُنُوتِ

254 -

(402) - (2/ 252 - 253) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْجَعِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأبِي: يَا أَبَةِ إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ، ههُنَا بِالكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، أَكَانُوا يَقْنُتُونَ؟ "، قَالَ: أي: بُنَيَّ مُحْدَثٌ؟.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. وقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِنْ قَنَتَ فِي الفَجْرِ فَحَسَن، وَإِنْ لَمْ يَقْنُتْ فَحَسَنٌ، وَاخْتَارَ أَنْ لا يَقْنُتَ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ المُبَارَكِ القُنُوتَ فِي الفَجْرِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَبُو مَالِكٍ الأشْجَعِيُّ اسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ.

• قوله: "هُنَا بِالْكُوْفَةِ

" إلخ، مُتَعَلِّقٌ بالصَّلاةِ خَلْفَ عَلِيٍّ فقط.

• قوله: "وقَالَ سُفْيَانُ

" إلخ، لَمْ يَذْكُر المُصَنِّفُ قَوْلَه عَلَى أنَّه مِنْ بَابِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيْثِ فإنَّ قَوْلَه لَيْسَ مِنْ بَابِ [العَمَل] بالحَدِيثِ، بل مُقَابِلٌ به.

ص: 372

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُل يَعْطِسُ فِي الصَّلَاةِ

255 -

(404) - (2/ 254 - 255) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ مُعَاذِ بْنٍ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا كثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ، فَقَالَ:"مَنِ المُتكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ "، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ:"مَنِ المُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاةِ؟ "، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ:"مَنِ المُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ " فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ بن عَفْرَاءَ: أنا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"كيْفَ قُلْتَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: الحَمْدُ لِله حَمْدًا كَثِيرًا طَيَبًّا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كمَا يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لقدْ ابْتَدَرَهَا بِضْعَة وَثَلاثُونَ مَلَكًا، أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنسٍ، وَوَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ رِفَاعَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَكَأنّ هَذا الحَدِيث عِند بَعْض أهْلِ العِلمِ أَنَّهُ فِي التَّطوُّعِ لِأنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ قَالُوا: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ إِنَّمَا يَحْمَدُ اللّهَ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُوَسِّعُوا بِأَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

• قوله: "صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم": قالَ السُّيُوطِيُّ

ص: 373

زادَ الطَّبْرانِيُّ

(1)

"المَغْرِبَ"

(2)

. قلتُ: وهذه الزِّيَادَةُ - إن ثَبَتَتْ - تُرَدُّ بَمَا نَقَلَه الْمُصَنِّفُ من تَأويلِ الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الْعِلْمِ على أن الْمُعْتَادِ فِي الصَّلاةِ جَمَاعةُ الفَرْضِ لا النَّفْل.

• وقوله: "فَعَطَسْتُ": بفتح الطَّاء.

• وقوله: "مُبَارَكًا فِيهِ"، أي: فِي الْحَمْدِ، والمُرَادُ التَّزايُدُ مِنْ نَفْسِ الحَمْد. "مُبَارَكًا عَلَيْهِ"، أي: عَلى الْحَمْدِ منَ الْخَارِجِ، والمَقْصُوْد أنَّه إحَاطةُ البَرْكَة من كُلِّ جَانِبٍ.

• وقوله: "لَقَدْ ابْتَدَرَهَما"، أي: تَسَارَعَ إلى هذه الْكَلمَاتِ وتَسَابَقَ إليها.

• وقوله: "بِضْعَةٌ": - بكَسْرِ البَاء، وفَتْحِها - ما بينَ الوَاحِدِ والْعَشْر أو الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ.

• وقوله: "أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا": إلى مَحَلِّ الْعَرْضِ فِي جَنَابِ الْقُدُسِ لِمَا رأوْا عَلَيْهَا مِنْ آثَار الْقَبُوْلِ والنَّمَاءِ. والله تعالى أعلم.

(1)

هو: الإمام الحافظ الثقة، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللَّخْمي الشامي الطبراني، ولد بطبرية الشام في صفر، سنة ستين ومائتين، وإليها نسبته، رحل في طلب الحديث إلى العراق، واليمن، والحجاز، والجزيرة، ومصر، وسمع أكثر من ألف شيخ، ثم سكن أصبهان إلى أن توفي بها يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مائة. من مصنفاته الشهيرة معاجمه الثلاثة في الحديث:"المعجم الكبير"، و"الصغير"، و"المتوسط". راجع لترجمته: تذكرة الحفاظ: 2/ 912، والمنتظم: 14/ 206، وفيات الأعيان: 2/ 407، سير أعلام النبلاء: 16/ 119، البداية والنهاية: 15/ 331.

(2)

راجع: قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي: 1/ 190، 191.

ص: 374

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِيِ نَسخِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ

256 -

(405) - (2/ 256 - 257) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نَتكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ إِلَى جَنْبهِ، حَتَّى نَزَلَتْ:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}

(1)

فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ عَامِدًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ نَاسِيًا أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ وَأهْل الْكُوْفَةِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا تَكَلَّمَ عَامِدًا فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كانَ نَاسِيًا أوْ جَاهِلًا أَجْزَأَه وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ.

• قوله: "فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ": ظَاهِرُه أن الْمُرادَ بالقُنُوْتِ: هو السُّكُوْتُ، وبالقِيَامِ: الصَّلاة. وقيلَ: بل الْمُرادُ بالْقُنُوتِ الذِّكْرُ، لكنَّهُمْ لَمَّا أمِرُوْا بالذِّكْر انْقَطَعُوْا عن الكَلام، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرادُ بالسُّكْوتِ ظَاهِرُه بل تَرْكُ التكَلُّمِ عَمَّا لا يلِيْقُ بالصَّلاةِ، فقوله:"نهِيْنَا عَنِ الْكَلامِ" تَفْسيرٌ، والمُرادُ بالكلامِ غيرِ اللَّائق بناءً على أن التَّعْريفَ فيه للْعَهْدِ، والإشَارة إلى الذِيْنَ كانُوْا يَتكَلَّمُوْن به قَبْل.

(1)

البقرة: 238.

ص: 375

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ

257 -

(406) - (2/ 257 - 259) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الحَكَمِ الفَزَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: إِنِّي كُنتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُوِلُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا نَفَعَنِى اللهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللّهُ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا}

(1)

.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَمُعَاذٍ، وَوَاثِلَةَ، وَأَبِي اليَسَرِ وَاسْمُهُ: كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ. وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، فَرَفَعُوه مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ. وَرَوَاه سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمِسْعَرٌ، فَأَوْقَفَاه، وَلَمْ يَرْفَعَاه إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مِسْعَرٍ هَذَا الحَدِيثُ مَرْفُوعًا أيضًا. وَلا نَعْرِفُ لِأسْمَاءَ بْنٍ الْحَكَمِ حَدِيْثًا مَرْفُوْعًا إلَّا هَذَا.

• قوله: "نَفَعِني اللّهُ"، أي: بالمُبَادَرَة إلى العَمَل به حَتَّى أعْمَلَ به، وأنَّه لَحِقَه النَّسْخُ قريبًا كما روي فِي الْعَمَل بالتَّصَدُّقِ بين يَدَي النَّجْوَى.

(1)

آل عمران: 135.

ص: 376

• وقوله: "إِذَا حَدَّثَنِي

" إلخ، ظاهِرُه أنَّه لا يصَدِّقُه بلا حلفٍ وهو مُخَالفٌ لِمَا عُلِمَ من قَبُولِ خَبَر الوَاحِد العَدْلِ بلا حلفٍ، فالظَّاهِرُ أن مرادَه بذلك زيادةُ التَّوْثِيْقِ بالْخَبَر والاطْمِئْنَانُ به، إذِ الحَاصِلُ بخبَرِ الْعَدْل الظَنُّ وهُمَا مِمَّا يَقْبلُ الضُّعْفَ والشِّدَّةَ. ومعنى "صَدَّقْتُهُ"، أي: على وَجْهِ الكَمَال وإنْ كانَ القَبُوْلُ المُوْجبُ للعَمَلِ حاصلٌ بدُوْنِه.

• وقوله: "وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ"، أي: عَلِمْتُ صِدْقَه فِي ذلك بلا حلفٍ. والله تعالى أعلم.

ص: 377

‌بَابُ مَا جَاءَ مَتَى يُؤْمَرُ الصَّبيُّ بالصَّلَاةِ

258 -

(407) - (2/ 259 - 260) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبرنَا حَرْمَلَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الرَّبِيع بْنِ سَبْرَةَ الجُهَنيُّ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: "عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعَبْد الجُهَنِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالا: مَا تَرَكَ الغُلامُ بَعْدَ العَشْرِ مِنَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسَبْرَةُ هُوَ: ابْنُ مَعَبْد الجُهَنِيُّ، وَيُقَالُ: هُوَ ابْنُ عَوْسَجَةَ.

• قوله: "ابْنَ سَبْعِ": حالٌ، هكذا "ابْنَ عَشرٍ".

• قوله: "وَاضْرِبُوه عَلَيْهَا": الجمهورُ على أنَّه ضُرْبُ تأدِيْبٍ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، لا ضَرْبُ تكْلِيْفٍ، وإنَّما التَّكْلِيْفُ بالبُلُوْغِ.

ص: 378

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيِ التَّسبيحِ فِي أَدْبَارٍ الصَّلَاةِ

• قوله: "فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ": - بفتح الهمزة - جمع دُبُر.

259 -

(410) - (2/ 264 - 266) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الأغْنِيَاءَ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ أَمْوَالٌ يُعْتِقُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، قَالَ: "فَإِذَا صَلَّيْتُمْ، فَقُولُوا: سُبْحَانَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَالحَمْدُ لِله ثَلاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَاللهُ أَكْبرُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً، وَلا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلا يَسْبِقُكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَزَيْدِ بْن ثَابِتٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي ذَرٍّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَفِي البَابِ أيضًا عَنْ أبِيْ هُرَيْرَةَ وَالمُغِيْرَةِ.

وَقد رُوِيَ عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "خَصْلَتَانِ لا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ: يُسَبِّحُ الله فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا، وَيُسَبِّحُ اللّهَ عِنْدَ مَنَامِهِ ثَلاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُهُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ".

• قوله: "مَنْ سَبَقَكُمْ"، أي: فَضْلًا، وكذا مَنْ بَعْدَكُم.

• قوله: "لا يُحْصِيها": لا يحْفَظُهَا، ولا يُدِيْمُ علَيْها، ولا يَأتِي بهَا فِي جَمِيعِ أوْقَاتِهَا.

ص: 379

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الطِّين وَالمَطَر

260 -

(411) - (2/ 266 - 268) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الرَّمَّاحِ، البَلْخِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْن زِيَادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثمَانَ بْنِ يَعْلى بْنِ مُرّة، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدَهِ، أَنَّهمْ كَانوا مَعَ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَسِيْرٍ، فَانْتَهَوْا إِلَى مَضِيْقٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاة، فَمُطِرُوا، السَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالبِلَّةُ مِنْ أَسفَلَ مِنْهُمْ، فَأَذَّنَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَقَامَ أوَ أَقَامَ فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إِيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الرَّمَّاحِ البَلْخِيُّ لا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْم. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّه صَلَّى فِي مَاءٍ وَطِينٍ عَلى دَابَّتِهِ. وَالعَمَلُ عَلى هَذا عِنْدَ أهْلِ العِلمِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "أَنَّهمْ كَانُوا"، أي: النَّاس والصَّحَابة كانوا.

• قوله: "فَمُطِرُوا": على بناءِ المَفْعُول.

• قوله: "السَّمَاءُ"، بالرَّفْع مبتدأ، خَبَرُه "مِنْ فَوْقِهِمْ" والجُمْلَةُ حالٌ بلا وَاوٍ.

ص: 380

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاجْتِهَادِ فِي الصَّلَاةِ

261 -

(412) - (2/ 268 - 269) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَبِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ العقدي، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ، عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ:"صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا": مَبْنَي سُؤَالِهم عَلَى أن الاجْتِهَادَ فِي العِبَادَة لطَلَبِ الْمَغْفِرَة، وهيَ حَاصِلَةٌ عَلَى تَقْدِيْرِ فَرْض ذنْبٍ، فأرْشَدَ فِي الجوابِ إلى أن الاجْتِهَادَ فِي العِبَادَة قَدْ يَكُوْنُ لأداء شُكْر النِّعَم، فمَا ذَكَرتُمْ مِنْ حُصُوْل الْمَغْفِرَة يَسْتَدْعِي الاجْتِهَادَ، فانْقَلَب الأمرُ إلى عَكْسِ مَا زَعَمُوْا.

ص: 381

[بابُ مَا جَاءَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ الصَّلَاةُ]

262 -

(413) - (2/ 269 - 272) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَة، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيْصَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَقُلْتُ: اللهُمَّ يَسِّرْ لِيْ جَلِيسًا صَالِحًا، قَالَ فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ الله أَنْ يَرْزُقَنِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَحَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَعَلَّ اللّهَ أَنْ يَنْفَعَنِى بِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عز وجل: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلكَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ الحَسَنِ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ، غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ، وَالمَشْهُورُ هُوَ قَبِيصَةُ بْن حُرَيْثٍ. وَرُوِي عَنْ أَنَسٍ بن حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هَذَا.

• قوله: "فَقَدْ أَفْلَحَ"، أي: فَازَ وظَفِر. "وَأَنْجَحَ": بتَقْدِيمِ الْجِيْم عَلَى الحَاءِ، يُقال: أنْجَحَ فلانٌ إذا أصَابَ مَطْلُوْبَه.

• وقوله: "انْتَقَصَ": بمعنى نَقَصَ مُتَعَدٍّ.

ص: 382

‌تابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ

إلخ

263 -

(415) - (2/ 274) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ هُوَ إبنُ إسْمَاعِيْلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ المُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَلَّى في يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَركعتَيْن بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَينِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ".

قَالَ أبُو عِيْسَى: وَحَدِيث عَنْبَسَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وَقَدْ رُوِي عَنْ عَنبَسَةَ مِنْ غَيْر وَجْهٍ.

• قوله. "فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"، أي: فِي كُلِّ يوْمٍ ولَيْلَةٍ ليُوَافقَ حَدِيْثَ "ثَابَر"

(1)

فهُوَ منْ بَابِ "وَعَلِمَتْ نَفْسٌ". ويُمْكِنُ أن يكوْنَ الْمُرَادُ فِي يَوْمٍ منَ الأيَّامِ، وفَضْلُ اللهِ واسِعٌ. ويكونُ البَيْتُ المَذْكُوْرُ فِي الْحَدِيثِ دونَ هَذَا الْبَيتِ الْمَذْكُورِ فِي حديثِ "ثَابِرْ" والأوَّلُ أظْهَرُ فإنَّ المَطلُوْبَ هو المَوَاظَبَةُ علَى هذه النَّوَافِل.

(1)

كما في الترمذي، كتاب الصلاة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة، وما له فيه من الفضل، ح: 414، وسنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء ثنتي عشرة ركعة من السنة، ح:1140.

ص: 383

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي رَكعَتَي الفَجْر مِنَ الفَضْل

264 -

(416) - (2/ 275 - ) حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَام، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "رَكعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدَّنْيَا وَمَا فِيهَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ صَالِحِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثَ عَائِشَةَ.

• قوله: "رَكعَتَا الفَجْرِ": اشْتَهَر هذَا الاسْمُ فِي سُنَّةِ الْفَجْر فَهِيَ الْمُرَادَةُ وإنْ كَانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ الفَرْضَ والسُّنَّةَ.

• وقوله: "خُيْر مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا"، أي: مِنَ التَّصَدُّقِ بذلِكَ وإلا فمَعْلُوْمٌ أن أدْنَى أعْمَال الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ الدَّنْيَا. وقيلَ: بَلِ الْمُرَادُ بيانُ كَثْرَةِ خَيْرِيَّتِهِمَا بِنَاءً عَلى زَعْمِ النَّاسِ أن الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا خَيْرٌ.

ص: 384

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الكلام بعدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ

265 -

(418) - (2/ 277 - 278) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى رَكعَتَي الفَجْرِ فإِن كَانَتْ لَهُ إِلَيَّ حَاجَةٌ كَلَّمَنِي، وَإِلَّا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمُ الكَلَامَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ حَتَّى يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْفَجْرِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذِكرِ الله أَوْ مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "إلَيَّ حَاجَةٌ": يحْتَاجُ إلى الكَلام.

• قوله: "إلَّا مَا كانَ مِنْ ذِكرِ اللّهِ أوْ مِمَّا لابُدَّ

" إلخ، وعَلَيْه يُحْمَل كلامُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بل هُو الْمُتيقَّنُ [به] فلا إشْكَالَ [فيه].

ص: 385

‌بَابُ مَا جَاءَ لا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْر

إلخ

266 -

(419) - (2/ 278 - 280) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ يَسَارٍ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لا صَلَاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ".

وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيْثِ إنَّمَا يَقُوْلُ لا صَلاةَ بَعْدَ طُلُوْعِ الْفَجْر إلَّا رَكعَتَيِ الْفَجْرِ.

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَفْصَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى، وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ العِلْمِ: كرِهُوا أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَّا رَكعَتَيِ الفَجْرِ.

• قوله: "لا صَلَاةَ": المرادُ بهِ النَّافِلَةُ، والمُرَادُ بـ "السَّجْدَتَيْنِ" الرَّكْعَتَان، وهُمَا سُنَّتَا الْفَجْرِ وإلى الثَّانِي أشَار المُصَنِّفُ بَمَا ذَكَر مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث.

ص: 386

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكعَتَي الفَجْرِ

267 -

(420) - (2/ 281 - 282) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فَلْيَضْطَجعْ عَلَى يَمِينِهِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا صَلَّى رَكعَتَيِ الفَجْرِ فِي بَيْتِهِ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَهلِ العِلمِ أَنْ يُفْعَلَ هَذَا اسْتِحْبَابًا.

• قوله: "إِذَا صَلَّى

" إلخ، لعَلَّ المُرادَ الخِطَابُ بالْقَائِم، والاضْطِجَاعُ يكُوْنُ عَوْنًا فِي حَقِّهِ عَلَى الْقِيَامِ فِي صَلاةِ الْفَجْر؛ لأنَّ العَادَةَ فِيْهَا طُوْلُ القِيَامِ، ومعَ هذَا فاللَّفْظُ عَامٌ والاتِّبَاعُ أحْسَنُ - والله تعالى أعلم - ثُمَّ لا شَكَّ أنْ يُخَصَّ ذلكَ لِمَنْ لا يخَافُ عليه النَّوْمُ. واللّه تعالى أعلم.

ص: 387

‌بَابُ مَا جَاءَ إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاة فَلَا صَلَاةَ

إلخ

268 -

(421) - (2/ 284 - 282) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاة فَلا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ بُحَيْنةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهَكَذَا رَوَى أَيُّوبُ، وَوَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرَوَى حَمَّادُ بْن زَيْدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَلَمْ يَرْفَعَاه، وَالحَدِيثُ المَرْفُوعُ أَصَحُّ عِنْدَنَا.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاة أَنْ لا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ إِلَّا المَكْتُوبَةَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ، رَوَاهُ عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاس القِتْبَانِيُّ المِصْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا.

• قوله: "فَلَا صَلَاةَ"، أي: فلا ينبغي الاشتغالُ لمَنْ حضَر الإقامةَ إلا

ص: 388

المكتوبة فهو نفيٌ بمعنى النَّهْي ومثله قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}

(1)

.

(1)

البقرة: 197.

ص: 389

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ تَفُوتُهُ الرَّكْعَتَان قَبْلَ الفَجْرِ

إلخ

269 -

(422) - (2/ 284 - 286) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ البَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَدِّهِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاة، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الصُّبْحَ، ثُمَّ انْصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَنِي أُصَلِّي، فَقَالَ:"مَهْلًا يَا قَيْسُ، أَصَلاتَانِ مَعًا"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ رَكَعْتُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، قَالَ:"فَلَا إِذَنْ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ. وقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: سَمِعَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ مِنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا الحَدِيثَ، وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا الحَدِيثُ مُرْسَلًا. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِهَذَا الحَدِيثِ، لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ: أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنصَارِيِّ. قَالَ: وَقَيْسٌ هُوَ جَدُّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأنصَارِيِّ، وَيُقَالُ: هُوَ قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ: هُوَ قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ. وَإِسْنَادُ هَذَا الحَدِيثِ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ، مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ قَيْسٍ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فَرَأَى قَيْسًا، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ.

• قوله: "أَصَلاتَانِ": الاستفهام للإنكار، أي: أفرضان في وقت فرض واحد إذ لا نفل بعد صلاة الفجر.

ص: 390

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكعَتَيْن بَعْدَ الظُّهْر

270 -

(425) - (2/ 290) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكعَتَيْنِ بَعْدَهَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ": يستبعدُ أنْ يُرادَ بالمَعِيَّة أنَّه صَلَّاهما مُقْتَدِيًا بِه فِيْهِمَا كما هو المُتبَادرُ من اللَّفْظِ؛ لأنَّ الاقْتِدَاءَ فِي النَّوَافِل وأدَائها جماعةً مَا كَان مُتَعَارَفًا مَعْهُودًا فِي وقْتِه - صلى اللهُ تعالَى عليه وسلَّم -، بحيثُ لَمْ يَخْفَ علَيْه حَالُه، سيَّمَا فِي الرَّوَاتِب فلعلَّ المُرادَ: صَلَّيْتُ فِي صُحْبَتِه وحالَ حُضُوْرِه - صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم - واللّه تعالى أعلم -. ويُمْكن على بُعْدٍ أنَّه صلَّاهُمَا اقتِدَاءً به. والله تعالى أعلم.

ص: 391

‌بَابٌ [منه] آخَرُ

271 -

(427) - (2/ 292) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ الشُّعَيْثِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أمِّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا حَرَّمَهُ اللّهُ عَلَى النَّارِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ.

• قوله: "حَرَّمهُ اللّهُ عَلَى النَّارِ"، أي: حَفِظَه ومَنَعَه مِنْها، أوْ لا تقْرَبُه النَّارُ كمَا لا يقْرَبُ الإنْسَانُ مَا حُرِّمَ عَلَيْه، وإلا فَلا تَكلِيْفَ على النَّار حَتَّى يَكُوْنَ شيءٌ عليه حرَامًا أو حَلالًا. والله تعالى أعلم.

ص: 392

[بابُ مَا جَاءَ فِي الأربَع قَبْلَ العَصْر]

272 -

(249) - (2/ 294 - 295) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر وَهُوَ الْعَقدِيُّ عَبد المَلِكُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللّهِ بْن عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَاخْتَارَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم أَنْ لا يُفْصَلَ فِي الأرْبَعِ قَبْلَ العَصْرِ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الحَدِيثِ، وقَالَ إِسْحَاقُ: وَمَعْنَى أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ، يَعْنِى: التَّشَهُّدَ، وَرَأَى الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يَخْتَارَانِ الفَصْلَ فِي الأرْبَعِ قَبْلَ العَصْرِ.

• قوله: "يَعْنِى: التَّشَهُّدَ": فإنَّ التَّشَهُّدَ لاشْتِمَالِه على قَوْلِه: "وَعَلَى عِبَادِ اللّهِ الصَّالِحِيْنَ" يَشْتَمَلُ على التَّسْلِيْم على الْمَلائكِة وغَيْرِهم وهُوَ الظَّاهِرُ.

• قوله: "يَخْتَارَانِ الفَصْلَ": يُحْمَل الفَصْلُ بِالتَّسْلِيْمِ عَلَى تَسْلِيْمِ الْخُرُوْجِ.

• قوله: "عَلَى الْمَلائِكَةِ": وغَيْرِهم بناءً علَى أنَّه يَنْويْ بِالتَّسْلِيْمِ عَلَيْهم ومَنْ تَبِعَهُمْ.

ص: 393

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكعَتَيْن بَعْدَ المَغْربِ [وَالقِرَاءَ فِيهِمَا]

273 -

(431) - (2/ 296 - 297) حَدَّثَنَا أبُوْ مُوْسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ عَاصِم بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ، أَنَّهُ قال: مَا أحْصِي مَا سَمِعْت من رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الرَّكعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِب وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ بِـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}

(1)

وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

(2)

.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٌ ابْنِ مَسْعُودٍ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثُ عَبْد المَلِكِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَاصِمٍ.

• قوله: "مَما أُحْصِيْ": كنايةٌ عن كَثْرةِ ما سَمِعَه كأنَّه لكثرَتِه ما يَقْدِرُ على ضَبْط عدَدِه وتعدَادِه.

(1)

سورة الكافرون: 1.

(2)

سورة الإخلاص: 1.

ص: 394

‌بَابُ مَا جَاءَ أنَّهُ يُصَلِّيهمَا فِي البَيْتِ

274 -

(432) - (297 - 2/ 298) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَكعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: [مَعَ]: ولعلَّ كوْنَه صلَّى فِي بَيْتِه صلى الله عليه وسلم وهو المُرادُ بالْمَعِيَّةِ مَعَ اتِّحَادِ الزِّيَادَة، فهو مَعِيَّةٌ مَكَانِيَّةٌ وزَمَانِيَّةٌ ولا مُشَارَكَةَ فِي الفِعْل مِنْ جِهَة الاقْتِدَاء. والحاصلُ: أن الصَّلاةَ على هذَا الوَجْه لا بُدَّ فِيها من مُرَاعَاة التَّابع حَالَ المَتْبُوْع وهُوَ الْمَطْلُوب بالبَيَانِ، ويُمْكِن على هذا أنَّه اقْتَدَى بِهِ فيهِمَا كما اقْتَدَى ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه فِي صَلاةِ اللَّيْل.

ص: 395

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْل التَّطَوُّعِ [وَسِتِّ ركعَاتٍ بَعْدَ المَغْربِ]

275 -

(435) - (2/ 298 - 299) حَدَّثَنَا أَبُو كريْبٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ الْعَلاءِ الْهَمْدَانِيَّ، حَدَّثَنَا زَيدُ بْنُ الحُبَابِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي خَثْعَمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ سِتَّ رَكعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثنْتَيْ عَشرَةَ سَنَةً".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ صَلَّى بَعْدَ المَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكعَةً بَنَى اللّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الحُبَابِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَثْعَمٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي خَثْعَمٍ مُنْكَرُ الحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ جِدًّا.

• قوله: "عُدِلْنَ لَهُ"، أي: تَكُوْنُ مُسَاوِيَةً فِي حَقِّه بِهَذا القَدر من العِبَادَة.

ص: 396

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْن بَعْدَ العِشَاءِ

276 -

(436) - (2/ 299 - 300) حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَتْ: "كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ ثِنْتَيْنِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الفَجْرِ ثِنْتَيْنِ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

• قوله: "سَأَلْتُ عَائِشَةَ

" إلخ، الظَّاهرُ أن الاختلافَ فِي الصَّلاةِ قبلَ الظُّهْر مَحْمولٌ على اخْتِلافِ الأحْيان، فأحيانًا كانَت ركعتَين وأحْيانًا كانت أربَعًا.

ص: 397

‌بَابُ مَا جَاءَ في صَلَاةِ اللَّيْل

إلخ

277 -

(437) - (2/ 300 - 301) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال:"صَلَاة اللَّيْلِ مَثنَى مَثنَى، فإِذا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوتِرْ بِوَاحِدَةٍ، وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي البَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "صَلَاة اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" أي: الأوْلَى فِي حَقِّ الْمُصَلِّي أنْ يُصَلِّيَ رَكْعتَيْن ركعتين، وهَذَا مَعْنَى "مَثْنَى" لأنَّه من ألْفَاظِ التَّكْرِيْر فمثنى الثَّانِي للتَّأكِيْد.

ص: 398

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ صَلَاةِ اللَّيْل

278 -

(438) - (2/ 301 - 302) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَاة اللَّيْلِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَبِلالٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَبُو بِشْرٍ اسْمُهُ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ، وَاسْمُ أَبِي وَحْشِيَّةَ: إِيَاسٌ.

• قوله: "شَهْرُ اللّهِ"، أي: صِيَامُه.

• وقوله: "بَعْدَ الفَرِيضَةِ": ظَاهِرُه أن صلاةَ اللَّيْل أفْضَلُ الرَّوَاتِب، ويُمْكن أن المُرادَ بالْفَرِيْضَةِ الفَرائِضُ ومَا يَتْبَعُها من الرَّوَاتِب فإنَّ شأنَ الرَّوَاتِبِ آكَدُ، والْفَضْلُ علَى قدر التَّأكد. واللّه تعالى أعلم.

ص: 399

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصْفِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم باللَّيْلِ

(1)

279 -

(439) - (2/ 302 - 303) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنصَارِيُّ، حَدَّثنَا مَعْنٌ، حَدّثنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْن أبي سَعِيدٍ المَقبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلمَةَ أَنَّهُ أخبَرَهُ، أَنَّهُ سأل عَائِشةَ، كيْف كَانَتْ صَلَاة رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلا تَسْأل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ:"يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "مَا كَانَ يَزِيْدُ"، أي: غالبًا وعادةً فلَعَلَّ مَا رواه ابنُ عبَّاسٍ أحيانًا

(2)

، أو لَعَلَّها اطَّلَعَتْ على الزِّيَادَة، فذكَرَتْ علَى حَسب مَا عَلِمَتْ ولا كَذِبَ

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصْفِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِاللَّيْلِ، وهذا هو الصحيح لأن الصلاة إذا وردت بصلة "على" يتغير معناه، ويراد منه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لا الصلاة المعهودة التي يترتب على رواتب وأعمال خاصة.

(2)

كما سيأتي في الحديث القادم.

ص: 400

فِي ذلك؛ لأنَّ المَطْلُوْبَ الإخْبَارُ بحَسْبِ الْعِلْم فكأنَّها قالت: "مَا كَانَ يَزِيْدُ" فيما أعلَمُ. والله تعالى أعلم.

• قوله: "ثُمَّ يُصَلِّي": كلمةُ "ثُمَّ" للتَّرْتِيْب فِي الرُّتْبَة والتَّراخِي فيها، بسبب أن الأرْبَعَ الثَّانِيَةَ أنْزَل وأحَطُّ بالنِّسْبَة إلى الأرْبَع الأوْلَى، وكذا الثَّالِثَة الأخِيْرة، ويمكن أن المرادَ التَّراخِي زمَانًا كما يَدُلُّ عليه قولُها: يا رسولَ اللهِ أتَنَامُ

؟ إلخ.

ص: 401

‌بَابٌ مِنْهُ

280 -

(442) - (2/ 304) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ اسْمُهُ: نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ.

• قوله: "يُصَلِّي"، أي: أحْيانًا إذْ هُوَ مَا اطَّلَع عَلَى ذَلكَ إلا أحْيَانًا، ومِنْ هنا يُؤْخَذُ إنْ كَانَ يُصَلِّيْ لا يقْتَضِي الدَّوَامَ. والله تعالى أعلم.

ص: 402

‌بَابٌ مِنْهُ آخر

281 -

(443) - (2/ 304 - 305) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الأَسْوَدِ بن يَزِيْدَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

282 -

(444) - (2/ 305) وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، نَحْوَ هَذَا، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَان، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الأَعْمَشِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مَعَ الوِتْرِ وَأَقَلُّ مَا وُصِفَ مِنْ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ تِسْعُ رَكَعَاتٍ.

• قوله: "يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ": لا ينَافِي حديثَ "مَا كَانَ يَزِيْدُ" لأنَّ ذلك لا يمْنَعُ النُّقْصَان عِنْدَ إحْدى عشرةَ ركعةً وإنَّمَا يَمْنَعُ الزِّيَادَة عليه.

• قوله: "وَأَقَلُّ مَا وُصِفَ": كأنَّه يَنْظُر إلى الغَالِبِ وإلا فَسَيَجِيءُ السَّبْعُ بل دونَه.

ص: 403

[بَابٌ إذَا نَامَ عَنْ صَلَاتِهِ باللَّيْل صَلَّى بالنَّهَارِ]

283 -

(445) - (2/ 306 - 307) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا لَمْ يُصَلِّ مِنَ اللَّيْلِ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ، أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسَعْدُ بْنُ هِشَامٍ هُوَ: ابْنُ عَامِرٍ الأَنْصَارِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ المُثَنَّى، عَنْ بَهْزِ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: كَانَ زُرَارَة بْنُ أَوْفَى قَاضِيَ البَصْرَةِ، وَكَانَ يَؤُمُّ فِي بَنِي قُشَيْرٍ، فَقَرَأَ يَوْمًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ}

(1)

خَرَّ مَيِّتًا، فَكُنْتُ فِيمَنْ احْتَمَلَهُ إِلَى دَارِهِ.

• قوله: "أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ": عَطفٌ على "مَنَعَهُ"، أي: أو مَنَعه مُقَدَّمةَ النَّوم وهو النُّعَاسُ، أو مَنْع النَّوْم عبارةٌ عن مَنْعِه عن القِيَام، وهذا عِبَارةٌ عن الْمَنعْ بَعْدَه. والله تعالى أعلم.

(1)

المدثر: 8 - 9.

ص: 404

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي نُزُول الرَّبِّ تبارك وتعالى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ

(1)

284 -

(446) - (2/ 307 - 309) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعطِيَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأبِي سَعِيدٍ، وَرِفَاعَةَ الجُهَنِيِّ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ كثِيرَةٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. وَرُوِيَ عَنه أَنَّهُ قَالَ: يَنْزِلُ اللهُ عز وجل حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، وَهُوَ أصَحُّ الرِّوَايَاتِ.

• قوله: "نُزُوْلُ الرَّبِّ": هو من المُتَشابِهات فالتَّكَلُّمُ فيه على وجْهِ

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي نُزُولِ الرَّبِّ عز وجل إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ.

ص: 405

الجَزْم غيرُ مُمْكِنٍ، نَعم تكلَّمَ فيه المتأخِّرُون بطريق الاحْتِمال بأنَّ المرادَ نُزُوْلُ الرَّحْمةِ وغيرها. والله تعالى أعلم.

والمراد بنزول الرَّحْمة إلى السَّمَاء الدُّنْيا قُرْبُها من أهل الأرض، أي: تقرب رَحْمتُه ومَغْفِرَتُه، وعَطَاياه، ونِعَمُه من أهل الأرض.

ص: 406

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ بِاللَّيْلِ

285 -

(447) - (2/ 309 - 310) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ هو السَّالَحِينِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ:"مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرأُ وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِكَ"، فَقَالَ: إِنِّي أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ، قَالَ:"ارْفَعْ قَلِيلًا"، وَقَالَ لِعُمَرَ:"مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرأُ وَأَنْتَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ"، قَالَ: إِنِّي أُوقِظُ الوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، قَالَ:"اخْفِضْ قَلِيلًا".

قَالَ وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ هَانِئٍ، وَأَنَسٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ إِنَّمَا رَوَوْا هَذَا الحَدِيثَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ مُرْسَلًا.

• قوله: "إِنِّي أَسْمَعْتُ"، أي: أكْتَفِيْ بِسِمَاعِه وأقْصدُ سِمَاعَه فلا حَاجةَ لِي إلى رَفْعٍ أزْيَدَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بمَقْصُوْدِي.

286 -

(448) - (2/ 310 - 311) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْد الوَارِثِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ العَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَيْلَةً".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

ص: 407

• قوله: "بآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ": الْمَشْهُوْر أنَّها قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ}

(1)

الآية.

287 -

(449) - (2/ 311 - 312) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِاللَّيْلِ؟ أَكَانَ يُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ فَقَالَتْ: "كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ، وَرُبَّمَا جَهَرَ"، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِيِ الأَمْرِ سَعَةً.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "كُلُّ ذَلِكَ": أي: كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بالقراءَةِ من الكَيْفِيَّاتِ كانَ يَفْعَلُ.

(1)

المائدة: 118.

ص: 408

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْل صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي البَيْتِ

288 -

(451) - (2/ 313) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْن نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

• قوله: "وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا"، أي: لا تكُوْنُوْا فيها كالأمْوَاتِ فِي القُبُوْر لا يذْكُرُوْن الله لِتكُوْنَ البيوتُ كالْقُبُوْر لكم، أوْ لا تَجْعَلُوْهَا خَالِيَةً عن الذِّكْر كالقُبُوْر للأمْوَات.

ص: 409

‌أَبْوَابُ الوِتْر

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الوِتْرِ

289 -

(452) - (2/ 314 - 315) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْن أَبي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَاشِدٍ الزَّوْفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِيِّ، عَنْ خَارِجَة بْنِ حُذَافَةَ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَليْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"إنَّ الله أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الوِتْرُ، جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَبُرَيْدَةَ، وَأَبِى بَصْرَةَ الغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ فِي هَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ رَاشِدٍ الزُّرَقِيُّ، وَهُوَ وَهَمَ فِي هَذَا. وَأَبُو بَصْرَةَ الغِفَارِيُّ اسْمُهُ: حُمَيْلُ بْنُ بَصْرَةَ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: جَمِيلُ بْنُ بَصْرَةَ، وَلا يَصِحُّ، وَأَبُو بَصْرَةَ الغِفَارِيُّ رَجُل آخَرُ يَرْوِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي ذَرٍّ.

• قوله: "أَمَدَّكُمْ": مِنْ أمَدَّ الجيشَ إذا لَحِق به ما يُقَوِّيْهِ، أي: فَرَضَ عليكم الفرائضَ ليُؤجِرَكم به، ولم يَكْتفِ به فشَرع صلاةَ التَّهَجُّد والوتر ليزيدَكم إحسانًا على إحسانٍ.

• وقوله: "هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ": - بضَمِّ الحاء، وسكُوْن

ص: 410

[الميم]- أي: أقْوَاها وأجْلَدَهَا، أي: خَيْرٌ لكم مِنْ أنْ تتصَدَّقُوْا بها. وقيل: مِنْ أن تَقْتَنُوْها.

[قال] الطِّيْبي: أريدَ بِها الإبْل الحُمُر، وهي أنْفَسُ أمْوَال الْعَرب، فَجُعِلَتْ كنايةً عن خَيْر الدُّنْيا كُلِّهَا

(1)

. قيل: والتَّشْبِيْهُ للتَّقْرِيْبِ إلى الإفْهَامِ وإلا فَذَرَّةٌ مِن الآخِرَة خَيرٌ من الدُّنْيا وما فيها.

وقوله: "الوِتْر": - بالجَرِّ - بدلٌ، و - بالرَّفْع - خبُر مَحْذُوفٍ. كذا فِي "المجمع"

(2)

.

(1)

راجع: الكاشف عن حقائق السنن للإمام عبد الله بن محمد الطيبي: 2/ 1225.

(2)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 5/ 9.

ص: 411

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الوتْرَ لَيْسَ بِحَتْمٍ

290 -

(453) - (2/ 316) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَصَلَاتِكُمُ المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ:"إِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

• قوله: "إنَّ الله وِتْرٌ": الوِتْر الفَرْد - بكسر واو، ويفتح - والله تعالى واحدٌ فِي ذاتِه لا يقْبَلُ الانْقِسَامَ، واحدٌ فِي صِفَاتِه لا شِبْهَ له ولا مِثْلَ، واحِدٌ فِي أفْعَالِه فلا مُعِيْنَ له. "يُحِبُّ الوِتْرَ"، أي: يُثِيْبُ عليه ويَقْبَلُه من عَامِلِه. "فَأَوْتِرُوا": أمرٌ بِصَلاةِ الوِتْرِ أنْ تُصَلَّى فِي آخِر ما صلَّى ركعةً مفردةً أو مُضَافةً إلى ما قَبْلَها مِنَ الرَّكْعَات [قَالَه] الطيبي

(1)

.

"أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ": يُرِيْد به قيامَ اللَّيْل على أصحابِ القُرْآن، والمَفْهومُ من أحاديث الوِتْر أن جَمِيْعَ صَلاةِ اللَّيْل وِتْرٌ، واخْتُلِفَ فيه. قلتُ: وسَيَنْقُله المصنِّفُ أيضًا.

• قوله: "قال: أن الله وِتْرٌ": بيانٌ لِـ"سَنَّ". فإنْ قلتَ: "فأوْتِرُوْا" أمرٌ، والأمْرُ يُفِيْدُ الْوُجُوبَ فكيفَ جَعَلَه بيانًا. لِـ"سَنَّ" المرادُ به الاسْتِنَانُ المُقَابِل

(1)

راجع: الكاشف عن حقائق السنن للطيبي: 4/ 1224.

ص: 412

للوجوب؟

قلتُ: لأنَّ قولَه: "أوْتِرُوْا" مرتَّبٌ على قوله: "إنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ" وهذا لا يقْتَضِي وُجُوْبَ الوِتْر غايةَ ما يَقْتَضِيْه النُّدب، فالأمْرُ يَنْصَرِف إلى النُّدب بقَريْنَةِ تَرْتِيْبِه على ما قَبْله، فلذلك جعل هذا القَوْل دليلًا على الاسْتِنَان بيانًا لقوله:"سَنَّ". والله تعالى أعلم.

ص: 413

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ النَّوْمِ قَبْلَ الوِتْرِ

291 -

(455) - (2/ 317 - 318) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ الأَزْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:"أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ".

قَالَ عِيسَى بْنُ أَبِي عَزَّةَ: "وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَنَامُ". قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَأَبُو ثَوْرٍ الأزْدِيُّ اسْمُهُ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.

وَقَدْ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ لَا يَنَامَ الرَّجُلُ حَتَّى يُوترَ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ خَشِيَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ مِنْ آخِر اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلهِ، وَمَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ القُرْآنِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَهِيَ أَفْضَلُ". حَدَّثَنَا بِذَلِكَ هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ.

• قوله: "مَحْضُورَةٌ": يَحْضُرُها المَلائِكةُ، أو يَحْضُر لاسْتِمَاعِها القَلْبُ ويَنْشَطُ فيَتَدَبَّرُ فِي مَعَانِي الْقُرْآن ويَتَّعِظُ، أي: والوِتْر آخِرَ اللَّيْل لا يخْلُو عن صَلاةِ اللَّيْل المُشْتَمِلَةِ على قراءَةِ القُرْآن.

ص: 414

[بابُ مَا جَاءَ فِي الوِتْر مِنْ أَوَّلِ اللَّيْل وَآخِرِهِ]

292 -

(456) - (2/ 318 - 319) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَت:"مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ أَوَّلَهُ، وَأَوْسَطَهُ، وَآخِرَهُ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: أَبُو حَصِينٍ اسْمُهُ: عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ الأَسَدِيُّ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي قَتَادَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيْثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ الوِتْرُ مِنْ آخَرِ اللَّيْل.

• قوله: "فَانْتَهَى وِتْرُهُ"، أي: آخِرُ أمْرِ الوِتْر آخِرُ اللَّيْلِ فهو الأرْجَحُ.

ص: 415

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ بِسَبْعٍ

293 -

(457) - (2/ 319 - 421) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الجَزَّارِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكعَةً، فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "الوَتْرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَتِسْعٍ، وَسَبْعٍ، وَخَمْسٍ، وَثَلَاثٍ، وَوَاحِدَةٍ". قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: مَعْنَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشرَةَ، قَالَ: إِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مَعَ الوِتْرِ، فَنُسِبَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ إِلَى الوِتْرِ، وَرَوَى فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ عَائِشَةَ.

وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: "أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ" قَالَ: إِنَّمَا عَنَى بِهِ قِيَامَ اللَّيْلِ، يَقُولُ: إِنَّمَا قِيَامُ اللَّيْلِ عَلَى أَصْحَابِ القُرْآنِ.

• قوله: "يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ": هَذَا مِثْلَ حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فيُحْمَل عَلَى أنَّه كَان أحْيانًا والله تعالى أعلم.

• قوله: "ثَلَاثَ عَشْرَةَ": هَذَا يَدُلُّ على أن مَعْنَى قَوْلِها: "لا يَزِيْدُ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً" أنَّه فِي الْغَالِب المُعْتَاد لا يزِيْدُ، فافْهَمْ.

ص: 416

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ برَكْعَةٍ

294 -

(461) - (2/ 324 - 325) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أُطِيلُ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَكَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ وَالأَذَانُ فِي أُذُنِهِ، يَعْنِيْ يُخَفِّفُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابعِينَ: رَأَوْا أَنْ يَفْصِلَ الرَّجُلُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالثَّالِثَةِ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "أُطِيلُ": بتَقْدِير هَمْزَةِ الاسْتِفْهام، والفَاءُ فِي "فَقُلْتُ" للبَيَانِ مثلها فِي قوله:{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي}

(1)

وقِيْلَ: بَل بتَأوِيْلهِ أرَدْتُ السُّؤالَ "فَقُلْتُ".

• وقوله: "الأَذَانُ فِي أُذُنِهِ": - الله تعالى أعلم - كِنَايةٌ بَلِيْغَةٌ عن التَّخْفِيْفِ فِي الرَّكْعَتَيْن كما هُو الثَّابِتُ عنه صلَّى اللهُ تَعَالى عليه وسلَّم، أي: يُخَفِّفُ فِي الصَّلاةِ بِحَيْثُ كانَ فِي أذُنِه الدَّعْوةُ إلى الصَّلاةِ والنَّدَاء إلَيْها، كأنَّ أحَدًا يُنَادِيْه بالْخُرُوْج إلَيْهَا حَالَ اشْتِغَالِه بالرَّكْعَتَيْن، ومَن اشْتَغَل بِشَيْءٍ وَيَسْمَعُ النِّدَاءَ إلَى غَيْرِه يَجِبُ عليه إجَابَتُه بتَخْفِيْفِ ذلك الشَّيْءِ عَادَةً.

(1)

هود: 45.

ص: 417

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي القُنُوتِ فِي الوِتْرِ

295 -

(464) - (2/ 328 - 329) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي الحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قَالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الوِتْرِ: "اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، وَاسْمُهُ رَبِيعَةُ بْن شَيْبَانَ. وَلَا نَعْرِفُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي القُنُوتِ فِي الوِتْرِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي القُنُوتِ فِي الوِتْرِ، فَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ القُنُوتَ فِي الوِتْرِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَاخْتَارَ القُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَهْلُ الكُوفَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَقْنُت بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.

• قوله: "أَقُولُهُنَّ فِي الوِتْرِ": الظَّاهِرُ أن المرادَ: علَّمَنِي أنْ أقُوْلَهُنَّ فِي الوِتْر، إمَّا بأنَّ القَوْلَ فِي مَوْضِع الْمَصْدَر، أوْ. بأنَّ الفِعْلَ أرِيْدَ به مَعْنَى الْمَصْدَر مَجَازًا وَهُوَ بَدَلٌ من كَلِمَاتٍ. ويُمْكِن أنْ يُقَدَّرَ هذا فِي الكَلامِ ويُجْعَل الفِعْلُ

ص: 418

المذْكُوْرُ دليلًا عليه كأنَّ الأصْلَ عَلَّمْنِي كَلِمَاتٍ أنْ أقُوْلَهُنّ فِي الْوِتْر، ومثله قوله تعالى:{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ}

(1)

أي: قُلْ لهم: أقِيْمُوا الصَّلاةَ، [أي: أن] يُقيْمُوا الصَّلاةَ. ويُسْتَبْعَدُ أنَّه عَلَّمَه الكَلِمَاتِ مطلقًا، ثُمَّ هو من نَفْسِه وضَعَهُنَّ فِي الْوِتْر، وقَدْ أطَلَقَ الوِتْرَ فشَمَل وِتْرَ السُنَّةِ، فصارَ هذا الحديثُ دَلِيْلًا قَوِيًّا لِمَن يَقُوْلُ بالقنُوْت فِي الوِتْر طُوْلَ السَّنَة.

• قوله: "وَتَوَلَّني"، أي: تَوَلَّ أمْرِي وأصْلِحْه فيمَنْ تَوَلَّيْتَ أمُوْرَهُمْ ولا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي.

• قوله: "تَوَلَّيْتَ": هو فِي مُقَابَلة عَادَيْتَ كما هو الْمُصَرَّح فِي بَعْض الرِّوَاياتِ.

(1)

إبراهيم: 31.

ص: 419

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَنِ الوِتْرِ

إلخ

296 -

(465) - (2/ 330) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ وَإِذَا اسْتَيْقَظَ".

• قوله: "فَلْيُصَلِّ

" إلخ، يُسْتَأنَسُ به وبأمْثَاله فِي القَوْل بوُجُوْبِ الْوِتْر لكن أدِلَّةَ الوُجُوْب قويَّةٌ. والله تعالى أعلم.

297 -

(466) - (2/ 330 - 331) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ السِّجْزِيَّ يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ الأَشْعَثِ، يَقُولُ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقَالَ: أَخُوهُ عَبْدُ اللهِ لَا بَأْسَ بهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَذْكُرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ ضَعَّفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وقَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ثِقَةٌ. قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العلم بالْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ، وَقَالُوا: يُوتِرُ الرَّجُلُ إِذَا ذَكَرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

• قوله: "يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ الأَشْعَثِ"، أي: صَاحِبَ السُّنَن التِّيْ هي أحَدُ الأصُوْلِ السِّتَّةِ.

ص: 420

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَادَرَةِ الصُّبْحِ بِالوِتْرِ

298 -

(467) - (2/ 331 - 332) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالوِتْرِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

299 -

(469) - (2/ 332 - 333) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَدْ تَفَرَّدَ بهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ. وَرُوِي عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لَا وِتْرَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا يَرَوْنَ الوِتْرَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.

• قوله: "بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالوِتْرِ"، أي: سَابِقوه به واجْعَلُوه قُبَيْله بقَليل بحيثُ كان الصُّبْح يريدُ أن يسبَقكم في الوتر ويَفُوْتُه عنكم، وأنتم تريدون أن تَسْبَقُوه بالوَتْر، وفيه بيانُ أن الوترَ آخر اللَّيْل، وأنه قبيلَ الصُّبْح لا بعدَه.

• قوله: "فَقَدْ ذَهَبَ

" إلخ، قد يقالُ: لعلَّ المرادَ ذهب وقتُها ولا يلزَم منه انتفاءُ القَضاء بعد ذلك كما وردَ في صلاةِ اللَّيل القضاءُ، وقد تقدَّم حديثُه في الكتاب في صلاةِ اللَّيل، ولعلَّه المراد بحديث "لَا وِتْرَ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ" أيضًا، وبه يحصلُ التَّوفيقُ بين هذه الأحَاديثِ، والأحاديثُ المقتضيةُ للقَضاءِ.

ص: 421

‌بَابُ مَا جَاءَ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ

300 -

(470) - (2/ 333 - 334) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الَّذِي يُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ آخِرِهِ، فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: نَقْضَ الوِتْرِ، وَقَالُوا: يُضِيفُ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَيُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ، ثُمَّ يُوتِرُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ.

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: إِذَا أَوْتَرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فإِنَّهُ يُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ وَلَا يَنْقُضُ وِتْرَهُ، وَيَدَعُ وِتْرَهُ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنِ المُبَارَكِ، والشافعيِّ وأهلِ الْكُوْفَةِ وَأَحْمَدَ. وَهَذَا أَصَحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ صَلَّى بَعْدَ الوِتْر.

• قوله: "لَا وِتْرَانِ"، أي: لا يجْتمِعُ وِتْرَان، أوْ لا يجُوْزُ وِتْرَان فِي لَيْلَةٍ بمَعْنَى لا يَنْبَغِيْ لَكُمْ أنْ تَجْمَعُوْهُمَا، ولَيْسَتْ "لا" نَافِيَة للجِنْس؛ لأنَّ "لا" لَوْ كَانَتْ نافِيَةً للجِنْس كَانَ الظَّاهِرُ وِتْرَيْن؛ لأنَّ الاسْمَ بَعْدَ "لا" النَّافِيَة للجِنْس مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يُنْصَبُ بِه لا عَلَى مَا يُرْفَع به - والله تعالى أعلم - إلا أن يَكُوْنَ هُناك المَوْضِع، مَوْضِع حِكَايَةٍ، فيكونُ للحِكَايةِ فيَكُوْنُ الرَّفْعُ للحكاية - والله تعالى أعلم -.

ص: 422

ثُمَّ رأيْتُ الحَافِظَ السُّيُوْطِيَّ قالَ فِي حاشية أبي داود

(1)

: قلتُ جاءَ هَذا على لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُوْنَ المَثْنَى بالألف، وعليه قراءةُ {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}

(2)

ولم أرَ أحدًا نَبَّهَ على ذلك فِي هذا الحديث.

(1)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 1/ 428.

(2)

طه: 63.

ص: 423

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ

301 -

(472) - (2/ 335 - 336) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَتَخَلَّفْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَوْتَرْتُ، فَقَالَ:"أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ؟ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ".

قَالَ: وفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ إِلَى هَذَا، وَرَأَوْا أَنْ يُوتِرَ الرَّجُلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَا يُوتِرُ الرَّجُلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ نَزَلَ فَأَوْتَرَ عَلَى الأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الكُوفَةِ.

• قوله: "أُسْوَةٌ": - بكسر الهمزة، وضمِّها - أي: تأسَّ بِه واقْتَدِ، أي: إمَّا تَعُدَّ ما فَعَلَه جائِزًا، أو تَقْتَدِ به فِي الجَوازِ، فتَفْعَلُه فِي وقتِ الحَاجَةِ كهذا الوَقْتِ، ولم يُرِدْ أن فِي مُجَرَّدِ النُّزُوْل تَرْكَ الاقْتِداءِ به كَيْفَ وهُوَ الأوْلَى إذَا تَيَسَّرَ؟! والله تعالى أعلم.

ص: 424

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى

• قوله: "صَلَاةِ الضُّحَى": أريْدَ بِها الوَقْتُ، فالإضْافَةُ ظاهِرَةٌ، وإنْ أرِيْدَ الصَّلاةُ فهِيَ بَيَانِيَّةٌ.

302 -

(473) - (2/ 337 - 338) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ فُلَانِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الجَنَّةِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَنُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَعُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

• قوله: "مَنْ صَلَّى الضُّحَى": فِي "المجمع" الضَّحْوَة: ارتِفَاعُ أوَّلِ النَّهَار، والضُّحَى - بالضَمِّ، والقَصْر - فَوْقَه، وبه سُمِّيَتْ صلاتُها. انتهى

(1)

. فهو اسْمٌ للوَقْت، والظَّاهِرُ أنَّه المُرَادُ ههنا فهو مَفْعُوْلٌ فيه، والمفعولُ "ثِنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً". ويُمْكن أنْ يُرَادَ بِه الصَّلاةُ فيَكُوْنُ مَفْعُوْلًا به ويكون "ثِنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً" بَدَلًا منه.

(1)

مجمع بحار الأنوار للهندي: 3/ 387.

ص: 425

303 -

(474) - (2/ 338 - 339) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى، إِلَّا أُمُّ هَانِئ، فَإنَّهَا حَدَّثَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ، فَسَبَّحَ ثمَانَ رَكَعَاتٍ، مَا رَأيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَكَأَنَّ أَحْمَدَ رَأَى أَصَحَّ شَىْءٍ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي نُعَيْمٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُعَيْمُ بْنُ خَمَّارٍ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: ابْنُ هَمَّارٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ هَبَّارٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ هَمَّامٍ، وَالصَّحِيحُ ابْنُ هَمَّارٍ. وَأَبُو نُعَيْمٍ وَهِمَ فِيهِ، فَقَالَ: ابْنُ حِمَازٍ وَأَخْطَأَ فِيهِ، ثُمَّ تَرَكَ، فَقَالَ نُعَيْمٌ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ.

• قوله: "مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ": فِي "المجمع"

(1)

إخْبَارٌ عن عَدَمِ وُصُوْلِ الخَبَر إليه فلا يَلْزَمُ عَدَمه، وقد رَوَى غيرُه أنَّه صَلَّى الضُّحَى.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 3/ 388.

ص: 426

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الزَّوَالِ

304 -

(478) - (2/ 342 - 343) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الوَضَّاحِ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ المُؤَدِّبُ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَالَ:"إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي أَيُّوبَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ. وَقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ، لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ.

• قوله: "كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا": يَحْتَمِلُ أنَّها هِي الَّتِي اشْتَهَرَتْ بسُنَّةِ الظُّهْر الآن. والله تعالى أعلم.

ص: 427

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الحَاجَةِ

305 -

(479) - (2/ 344 - 345) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ.

(ح)، وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ، عَنْ فَائِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللهِ حَاجَةٌ، أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيم، الحَمْدُ لِله رَبِّ العَالمِينَ، أسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، فَائِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ، وَفَائِدٌ هُو: أَبُو الوَرْقَاءِ.

• قوله: "فَلْيَتَوَضَّأْ": ظَاهِرُه أنَّه يُجَدِّدُ الوُضُوْءَ وإنْ كَانَ عَلَى وُضُوْءٍ، ويَحْتَمِل أن المرادَ إنْ لَمْ يَكُنْ على وُضُوْءٍ.

• قوله: "مُوجِبَات"، أي: أفْعَالًا وخِصَالًا تَتَسَبَّبُ لِرَحْمَتِكَ.

• قوله: "عَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ"، أي: أفْعَالًا تَنْعَزِمُ وتَتأكَّدُ بِها مَغْفِرَتكَ.

ص: 428

"والْبِرَّ": - بكسر الباء - "مجمع"

(1)

.

• قوله: "إِلَّا غَفَرْتَهُ": إلا ذَنْبًا غَفَرْتَه.

• قوله: "هِيَ لَكَ رِضًا"، أي: مَرْضِيَّةٌ لَكَ "مجمع"

(2)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 160.

(2)

لم نجد هذه العبارة في مجمع بحار الأنوار مع الفحص والتمحيص.

ص: 429

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الاسْتِخَارَةِ

306 -

(480) - (2/ 345 - 346) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ:"إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْن مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوب، اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ، قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي المَوَالِ وَهُوَ شَيْخٌ مَدِينِيٌّ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ حَدِيثًا، وَقَدْ رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي المَوَالِي.

• قوله: "فِي الأُمُورِ": مُتَعَلِّقٌ بالاسْتِخَارَة، لا بـ"يُعَلِّمُنَا" لفَسَادِ المعنى أي: يُعَلِّمُنا أنْ نَسْتَخِيْرَ فِي الأمور.

ص: 430

• قوله: "كمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ"، أي: بالاهْتِمَامِ التَّامِ.

• قوله: "أَسْتَقْدِرُكَ"، أي: أطْلُبُ مِنْكَ أنْ تَجْعَلَ لِيْ عَلَيْه قُدْرَةً. "وبِعِلْمِكَ وبِقُدْرَتِكَ": للتَّعْلِيْل، أي: بأنَّكَ أعْلَم وأقْدَرُ، أو للاسْتِعَانَة، أو للاسْتِعْطَاف، أي: بِحَقِّ قُدْرَتِكَ وعِلْمِكَ.

• وقوله: "وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ": - بضَمِّ الدَّال، وكسرها - أي: اجْعَلْه مَقْدُوْرًا لي، أو قدِّرْ لي، أي: يَسِّرْه، فهو مَجَارٌ عن التَّيْسِيْر فلا يُنَافِي كونَ التَّقْدِير أزْلِيًّا.

ص: 431

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ

307 -

(481) - (2/ 347 - 350) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ، غَدَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ:"كَبِّرِي الله عَشْرًا، وَسَبِّحِي الله عَشْرًا، وَاحْمَدِيهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلِي مَا شِئْتِ، يَقُولُ: نَعَمْ نَعَمْ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي رَافِعٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ حَدِيتٍ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَبِيرُ شَيْءٍ.

وَقَدْ رَأَى ابْنُ المُبَارَكِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: صَلَاةَ التَّسْبِيحِ وَذَكرُوا الفَضْلَ فِيهِ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسَبَّحُ فِيهَا؟ فَقَالَ: "يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثُمَّ يَقُولُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لِله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفَاتِحَةَ الكِتَابِ، وَسُورَةً، ثُمَّ يَقُولُ عَشْرَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لِله، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ، فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَسْجُدُ، فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ، فَيَقُولُهَا عَشْرًا، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عَلَى هَذَا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ تَسْبِيحَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، يَبْدَأُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ بِخَمْسَ عَشْرَةَ تَسْبِيحَةً، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُسَبِّحُ

ص: 432

عَشْرًا، فَإِنْ صَلَّى لَيْلًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُسَلِّمَ فِي الرَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ صَلَّى نَهَارًا فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ".

قَالَ أَبُو وَهْبٍ: وَأخبَرَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي رِزْمَة، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: يَبْدَأُ فِي الرُّكُوعِ بِسُبْحَانَ رَبِيَ العَظِيمِ، وَفِي السُّجُودِ بِسُبْحَانَ رَبِيَ الأَعْلَى ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَبِّحُ التَّسْبِيحَاتِ.

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ: وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ زَمْعَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ العَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ: إِنْ سَهَا فِيهَا يُسَبِّحُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ عَشْرًا عَشْرًا؟ قَالَ: "لَا، إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُ مِائَةِ تَسْبِيحَةٍ.

308 -

(482) - (2/ 350 - 351) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ العُكْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ: "يَا عَمِّ أَلَا أَصِلُكَ، أَلَا أَحْبُوكَ، أَلَا أَنْفَعُكَ"، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"يَا عَمِّ، صَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةٍ، فَإِذَا انْقَضَتِ القِرَاءَةُ، فَقُلْ: اللهُ أَكْبَرُ، وَالحَمْدُ لِله، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، ثُمَّ ارْكَعْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ اسْجُدْ الثانية فَقُلْهَا عَشْرًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقُلْهَا عَشْرًا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ، فَتِلْكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكعَةٍ وَهِيَ ثَلَاثُ مِائَةٍ فِي أَرْبَعِ رَكعَاتٍ فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ رَمْلِ عَالِجٍ لَغَفَرَهَا اللهُ لَكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَهَا فِي كلِّ يَوْمٍ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَقُولَهَا فِي كلِّ يَوْمٍ فَقُلْهَا فِي جُمْعَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَقُولَهَا فِي جُمُعَةٍ فَقُلْهَا فِي شَهْرٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ لهُ، حَتَّى قَالَ: فَقُلْهَا فِي سَنَةٍ".

ص: 433

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ.

• قوله: "أَلَا أَصِلُكَ": مِنَ الصِّلَة. "وأحْبُوْكَ": مِنْ حَبَاهُ كَذَا وبكذا إذَا أعْطَاه. الحِبَاءُ: العَطِيَّة. "وَأنْفَعُكَ": من النَّفْع.

• وقوله: "اللهُ أكْبَرُ

"إلخ، مَبْنِيٌّ على أنَّ التَّرتِيْبَ فِي هذه الكَلِمَات غيرُ لازِمٍ بل بأيِّهِنَّ تَبْدأ يَصِحُّ. و"الْعَالِجُ": ما تَرَاكَمَ منَ الرَّمْل ودَخَل بَعْضُه فِي بعض، وهو أيضًا اسْمُ مَوضِعِ كَثِيْرِ الرِّمَال.

• قوله: "يَقُوْلُ"، أي: يَقُوْلُ اللهُ تَعَالى فِي جَوابِ سُؤَالِكَ: "نَعَمْ نَعَمْ" كنايةٌ عن الإجَابَة.

• قوله: "أَقُولُهُنَّ فِي صَلَاتِي": قيل: مَوْرِدُ هذا الحديث على مَعْنَى فِي دُبُر الصَّلاةِ على حَذْفِ الصَّلاةِ، ولهَذَا أخْطَأ الْمُصَنِّفُ بإدْرَاج هَذَا الحَدِيْث، لكن يُمْكِنُ أنْ يقالَ: علَّمَها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ تَقُوْلَ فِي الصَّلاةِ، وأنْ تَقُوْلَ بَعْدَها وهو الَّذِي فَهِمَه المُصَنِّفُ فلا إشْكَالَ، وبِهِ يَحْصُل التَّوْفِيْقُ مَع إبْقَاء كُلِّ رِوَايةٍ على ظَاهِرِهَا.

• قوله: "ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ": لعَلَّه لَمْ يُردْ بِهذا مُجَرَّد الاحْتِرازِ عن جَلْسَةِ الاسْتراحَة، فإنَّ تَرْكَ التَّرتِيْبِ الوَارِد فِي الْحَدِيْث لمِثْل ذلك بَعِيْدٌ من مِثْلِه، بل وحدها كذلك فِي بعض الرِّوَايات - والله تعالى أعلم - ومع ذلك فالأقْرَبُ العَمَلُ كما وَرَدَ فِي الحديثِ.

ص: 434

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

309 -

(483) - (2/ 352 - 354) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَالأَجْلَحِ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْنَا، فَكَيْفَ الصَّلَاة عَلَيْكَ؟ قَالَ:"قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".

قَالَ مَحْمُودٌ: قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِي زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: وَنَحْنُ نَقُولُ: وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَطَلْحَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَبُرَيْدَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ، وَيُقَالُ: ابْنُ جَاريَةَ، وَأَبى هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنٍ بنُ أَبِي لَيْلَى كُنْيَتُهُ: أَبُو عِيسَى، وَأَبُو لَيْلَى اسْمُهُ: يَسَارٌ.

• قوله: "هَذَا السَّلامُ

"إلخ، إشَارَةٌ إلى مَا عَلِمُوْا فِي التَّشَهُّدِ من كَيْفِيَّةِ السَّلامِ عليه صلى الله عليه وسلم. [وقَدْ ذَكَر هَذا التَّشْبِيهَ للتَّعْمِيْم]

(1)

والمعنى صَلِّ عليه صلاةً تَعُمُّه وأهلَ بَيْتِه، لا صلاةً قاصِرَةً عليه، كما صلَّيتَ على إبْرَاهِيْمَ صَلاةً عَمَّتْه وأهلَ بَيْتِه، ولهذا خَصَّ إبراهيمَ؛ لأنَّه كان مَعْلومًا بعُمُوْمِ الصَّلاةِ لَه ولأهْلِ

(1)

في المخطوط: "وقد ذكر لهذا التشبيه هو التعميم" ولكن المراد لا يتوضح من هذه العبارة فتصرفنا فيها كما في المعقوفين. والله أعلم بالصواب.

ص: 435

بَيْتِه على لِسَانِ المَلائِكَة، ولهذا خَتَمَ بقوله:"إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ" كما خَتَم المَلائِكةُ صلاتَهُم على بَيْتِ إبراهيمَ بذلك، فوَجْهُ الشِّبْه على هذا هو ما يُسْتَفَادُ من عَطف أهلِ البَيْتِ عليه، والجَمْع بينَه وبينَهم، أي: اللَّهم اجْمَعْ بينَهُم فِي الصَّلاةِ وعمِّمْهُمْ بِها كما صلَّيتَ على إبراهيم كذلك. والله تعالى أعلم.

ص: 436

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

310 -

(485) - (2/ 355 - 356) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ العَلَاءِ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا".

قَالَ: وفي البَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمَّارٍ، وأَبِي طَلْحَةَ، وَأَنَسٍ، وَأبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا:"صَلَاةُ الرَّبِّ الرَّحْمَةُ، وَصَلَاةُ المَلائِكَةِ الاسْتِغْفَارُ".

• قوله: "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا": لا يقَالُ: يَلْزَمُ منه تَفْضِيْلُ المُصَلِّيْ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حيثُ يُصَلِّي اللهُ تعالى عليه عشرًا فِي مُقابَلَةِ صَلاةٍ واحِدَةٍ على النَّبِيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم؛ لأنَّا نقُوْلُ: هي واحِدةٌ بالنَّظر إلى أن المُصَلِّي دَعَا بِهَا مرَّةً فلعَلَّ الله يُصَلِّي على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى، عَلَى أن الصَّلاةَ عَلَى كُلِّ واحدٍ بالنَّظر إلى حَالِه، وكَمْ من واحِدٍ لا يسَاوِيه ألفٌ فمِنْ أيْنَ التَّفْضِيْلُ؟

• قوله: "قَالُوا: "صَلَاةُ الرَّبِّ الرَّحْمَةُ": قلتُ: وهو الْمَشْهُوْرُ، وعلَى هذا فصَلاتُه عَشْرًا على المُصَلِّي على النَّبِيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ليسَ بمَعْنَى الذِّكْر كما فَهِمَه ابنُ العربي

(1)

، وإنَّما هو بمعنى إنْزَال أنْوَاعٍ من الرَّحْمَة والألْطَاف. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي: 2/ 227.

ص: 437

311 -

(486) - (2/ 356) حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ المَصَاحِفِيُّ البَلْخِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ أَبِي قُرَّةَ الأَسَدِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب، قَالَ:"إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم".

• قوله: "لَا يَصْعَدُ مِنْهُ"، أي: إلى مَحَلِّ الإجَابَة والقَبُوْل.

312 -

(487) - (2/ 357 - 358) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أنسٍ، عَنْ العَلاءِ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: "لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّيَنِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. عَبَّاسٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ العَظِيْمِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَالعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ: ابْنُ يَعْقُوبَ، وَهُوَ مَوْلَى الحُرَقَةِ، وَالعَلَاءُ هُوَ مِنَ التَّابِعِينَ، سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ وَالِدُ العَلَاءِ، هُوَ أيضًا مِنَ التَّابِعِينَ، سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ. وَيَعْقُوبَ جَدُّ العَلاءِ، هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِين أيضًا قَدْ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَرَوَى عَنْهُ.

• قوله: "لَا بَيْعَ

" إلخ، لَعَلَّه لَمْ يَقْصِد قَطْعَهُم عن البَيْعِ بل قَصَدَ تَرْغِيْبَهُمْ فِي الفِقْهِ على أن البَيْعَ شُرِعَ لتَحْصِيْل الحَلَالِ ولا يُفيْدُ ذلك بدُوْنِ الفِقْهِ، فَمَنْعُ من لم يَفْقَهْ لا يضُرُّ إذ بَيْعُه لا يفيْدُ الفَائِدَةَ المَطْلُوْبَةَ من شرعه.

ص: 438

‌أَبْوَابُ الْجُمُعَةِ [عَنْ رسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم]

[بابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ]

313 -

(488) - (2/ 359 - 360) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَوْسِ بْنِ أَوْسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "هُوَ خَيْرُ أيَّامِ الأسْبُوْعِ": وأمَّا بالنَّظْر إلى أيَّام السَّنَة فخَيْرُها يَوْمُ عَرَفَةَ.

• وقوله: "وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ

" إلخ، أي: فَفِيْهِ سيَدْخُلُ الجَنَّةَ وَيَعُوْدُ إليها. قيل: هذه القَضَايا لَيْسَتْ لذِكْر فَضِيْلَةٍ؛ لأنَّ إخْرَاجَ آدَم، وقيامَ السَّاعَة لا يُعَدُّ فَضِيْلةً. وقيل: بل جَمِيْعُها فضَائل، وخُرُوجُ آدمَ سبَبُ وجُوْدِ الذُّرِّيَّة منَ الرُّسُل والأنْبِيَاء والأوْلياء، والسَّاعَةُ سببُ تَعجِيْلِ جَزَاءِ الصَّالِحِيْنَ.

ص: 439

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي السَّاعَةِ الَّتِى تُرْجَى فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ

314 -

(489) - (2/ 360 - 361) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الهَاشِمِيُّ البَصْرِيُّ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ:"التَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ يُضَعَّفُ، ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، وَيُقَالُ: هُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيُّ وَهُوَ مُنْكَرُ الحَدِيثِ.

وَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرهِمْ أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فيها بَعْدَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الأَحَادِيثِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ أَنَّهَا بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ، وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.

• قوله: "تُرْجَى": على بِنَاءِ المَفْعُوْلِ وضَمِيْرُهَا للمَوْصُوْل، والإسْنَاد مَجَازيٌّ إلى الظَّرْف، أي: تُرْجَى إجَابَةُ الدُّعَاء فيها.

315 -

(490) - (2/ 361 - 362) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ

ص: 440

جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إِنَّ فِي الجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يَسْأَلُ الله العَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ اللهُ إِيَّاهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ:"حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلَى الانْصِرَافِ مِنْهَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، وَأَبِي لُبَابَةَ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "حِينَ تُقَامُ الصَّلَاة إِلَى انْصِرَافٍ مِنْهَا": لا يخْفَى أنَّ إقَامةَ الصَّلاةِ مُخْتَلِفَةٌ بحَسْب المَساجِدِ فتكونُ تلكَ السَّاعةُ على هذَا التَّقْدِير مُخْتَلِفةً بالنِّسْبةِ إلى أهلِ المَسَاجِدِ حسبَ اخْتِلافِ إقَامَةِ الصَّلاةِ فِي مَساجِدِهِمْ، وأهلُ البُيُوْتِ تَابِعَة لمَسَاجدِهِمْ. والله تعالى أعلم.

316 -

(491) - (2/ 362 - 364) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي فيَسْأَلُ الله فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ".

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ الله بْنَ سَلَامٍ فَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِتِلْكَ السَّاعَةِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضْنَنْ بِهَا عَلَيَّ، قَالَ: هِيَ بَعْدَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، قُلْتُ: فَكَيْفَ تَكُونُ بَعْدَ العَصْرِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي"؟ وَتلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: أَليْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَلَسَ

ص: 441

مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ"؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي الحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلهِ: "أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضْنَنْ بِهَا عَلَيَّ": لَا تَبْخَلْ بِهَا عَلَيَّ، وَالضِّنُّ: البُخْلُ، وَالظَّنِينُ: المُتَّهَمُ.

• قوله: "فَقَالَ عَبْدُ اللهِ

"إلخ، وعَلَى هذَا فالسَّاعَةُ مع لُزُوْمِ اخْتِلافِهَا لاخْتِلافِ النَّاسِ فِي العَصْر لا نَصِيْبَ مِنْهَا إلا للمُنْتَظِر لصَلاةِ المَغْرِب فِي المَسْجِدِ ولَوْ فِي مَسْجِد البَيْتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ولا نَصِيْبَ منها لغَيْرِهم.

• قوله: "لَا تَبْخَلْ بِهَا": على ظَاهِر هذَا التَّفْسِيْر أن "لا تَضْنَنَنْ" من بَابِ التَّأسِيْسِ لا من بَابِ التَّأكِيْد بإحْدَى النُّوْنَيْن من الخَفِيْفَة أو الثَّقِيْلَة، والمُوَافِق بذلك أنْ يُقْرَأ بسُكون الضَّادِ المُعْجَمَةِ وسكون الثَّانِي، وأمَّا النُّوْنُ الأوَّل فيُمْكِن كسرُه وفتحُه من غير تَشْدِيْدٍ فِي شَيْءٍ من حُروفِه.

ص: 442

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاغْتِسَالِ يَوْمَ الجُمُعَةِ

317 -

(492) - (2/ 364 - 365) وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذهِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ وَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ: وَالوُضُوءُ أيضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ:"أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِالغُسْلِ".

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أبُوْ بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

• قوله: "وَالوُضُوْءُ": قيل: الصَّوَابُ الوضوء بالمَدِّ على الاستِفْهَام للإنْكَارِ كقوله تعالى: {أَذِنَ لَكُمْ}

(1)

والوُضُوْءَ بالنَّصَب، أي: فَعَلْتَ الاقْتِصَارَ على الوُضُوْءِ أيضًا وهو عَطَفٌ على ما يُفْهَم، أي: جئْتَ هذه السَّاعَةَ؟ أخَّرْتَ المَجِيءَ إلى هذه السَّاعَة، واقْتَصَرْتَ على الْوُضُوْء؟ والمَقْصُوْدُ تَعَدُّدُ مَا حَصَلَ منه منَ التَّقْصَيْر فِي حَقِّ هذَا اليَوْم، وأنَّ ذلكَ لا ينْبِغِي مِنْ مِثْلِه؛ لأنَّ مثَلَه يُغْلَظُ عليه بتَرْكِ السُّنَّةِ.

(1)

يونس: 59.

ص: 443

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي فَضْلِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ

318 -

(496) - (2/ 367 - 369) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَأَبُو جَنَابٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ الحَارِثِ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَغَسَّلَ، وَبَكَّرَ وَابْتكَرَ، وَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَهٍ صِيَامهَا وَقِيَامهَا".

قَالَ مَحْمُودٌ: قَالَ وَكِيعٌ: اغْتَسَلَ هُوَ وَغَسَّلَ امْرَأَتَهُ. وَيُرْوَى عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ: أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: "مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ: يَعْنِي غَسَلَ رَأْسَهُ وَاغْتَسَلَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي أَيُّوبَ. قَالَ أبُوْ عيْسَى: حَدِيثُ أَوْسِ بْن أَوْسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَأَبُو الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ اسْمُهُ: شَرَاحِيلُ بْنُ آدَةَ، وَأبُوْ جَنَاب يَحْيَى بْنُ حَبِيْبِ القَصَّابُ الْكُوْفِيُّ.

• قوله: "وَغَسَّلَ"، أي: جَامَع امْرأتَه قبلَ الْخُرُوْج إلى الصَّلاةِ؛ لأنَّه يَجْمَعُ غَضَّ البَصَر فِي الطَّرِيْق. "مَنْ غَسَّل امْرَأتَه": - بالتَّشْديد، والتَّخْفِيْف - إذَا جَامَعَها، وقد رُوِي مُخَفَّفًا فِي بَعْضِها. وقيل: أرَادَ غُسْلَ غَيْرِه. "وَاغْتَسَلَ هُوَ": لأنَّه إذَا جَامَعَها أحْوَجَها إلى الغُسْل. وقيل: أراد بِغُسْلٍ: غَسْل أعْضَائِه للوُضُوْء، ثُمَّ اغْتَسَل للجُمُعَة. وقيل: هُمَا بمعنى التَّكْرَار للتَّأكِيْد.

ص: 444

• وقوله: "بَكَّرَ وَابْتكَرَ"، أي: أدْرَكَ أوَّلَ الْخُطْبَة، وأوّلُ كُلِّ شَيْءٍ: بَاكُوْرَتَه. وابْتَكَر: إذَا أكَلَ بَاكُوْرَةً - أوَّلَ الفَواكِه -. وقيل: هما بمعنىً، وكرَّرَ للتَّأكِيد كذا فِي "المجمع"

(1)

. "وَدَنَا"، أي: قَرُبَ من الإمَامِ كما فِي رِوَاية أبي داود نقله السُّيُوطي

(2)

.

• وقوله: "وَاسْتَمَعَ"، أي: الخُطْبَةَ. "وَأنْصَتَ"، أي: سَكَتَ لاسْتِمَاعِه.

• وقوله: "يَخْطُوْهَا"، أي: ذَهابًا وإيَّابًا، أو ذَهَابًا فقط. ويَحْتَمِل يَخْطُوْهَا فِي ذلك اليَوْم وهو بعِيدٌ. والله تعالى أعلم.

• قوله: "صِيَامهَا وَقِيَامهَا": بَدَلٌ مِنْ سَنَةٍ، والظَّاهِرُ أن المرادَ بِهِ أنْ يَحْصُلَ له أجرُ من اسْتَوْعَبَ السَّنَةَ بالصِّيَامِ والقِيَامِ لو كان، ولا يَتَوَقَّفُ ذلك على أنْ يَتَحَقَّقَ الاسْتِيْعَابُ من أحَدٍ. - والله تعالى أعلم -، ثُمَّ الظَّاهِر أن المُرادَ فِي هذَا وأمْثَالِه ثُبُوْتُ أصْلِ أجر الأعْمَالِ لا مع الْمُضَاعَفَةِ الْمَعْلُوْمَة بالنُّصُوْصِ فإنَّها لمَنْ أتَى بتلك الْحَسَنَةِ لا لمَنْ أتَى بمِثْلِها قال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}

(3)

فعَشْرُ الأمثال بعَيْنِ الْحَسَنَةِ. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 207.

(2)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 1/ 213.

(3)

الأنعام: 160.

ص: 445

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي الْوُضُوءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

319 -

(497) - (2/ 369 - 371) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُفْيَان الجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ - اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَاه بَعْضُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْ قَتَادَة عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَة بْنِ جُنْدُب. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: اخْتَارُوا الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَرَأَوْا أَنْ يُجْزِئَ الوُضُوءُ مِنَ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَنَّهُ عَلى الاخْتِيَارِ لَا عَلَى الوُجُوب حَدِيثُ عُمَرَ، حَيْثُ قَالَ لِعُثْمَانَ: وَالوُضُوءُ أيضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِالغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَلَوْ عَلِمَا أَنَّ أَمْرَهُ عَلَى الوُجُوبِ لَا عَلَى الاخْتِيَارِ لَمْ تتْرُكْ عُمَرُ عُثْمَانَ حَتَّى يَرُدَّهُ، وَيَقُولَ لَهُ: ارْجِعْ فَاغْتَسِلْ، وَلَمَا خَفِيَ عَلَى عُثْمَانَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ، وَلَكِنْ دَلَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِيهِ فَضْلٌ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ، يَجِبُ عَلَى المَرْءِ فِي ذَلِكَ.

ص: 446

• قوله: "أَنْ يُجْزِئَ

" إلخ، أي: يَكْفِي فِي أصُوْلِ أصْلِ الوَاجِبِ وإنْ كانَ السُّنَّةُ لا تَحْصُلُ بالوضوء.

320 -

(498) - (2/ 371) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "كَذَلِكَ": إمَّا مُتَعَلِّقٌ بما بَعْدَه، أي: كذلك حدَّثَنَا هَنَّادٌ إلى آخر السَّنَد، أو المعنى الأمْرُ كذلك، أي: عَدَمُ الوُجُوْب.

• قوله: "فَقَدْ لَغَا": واللَّغْوُ لا يخْتَصُّ بالْقَوْل بَلْ يَعُمُّه والفَعْلَ الغيرَ المَقْصُوْدَ أيضًا.

ص: 447

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّبْكِير إلَى الجُمُعَةِ

321 -

(499) - (2/ 372) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْن مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَمُرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "يَوْمَ الجُمُعَةِ": كأنَّ المرادَ بِه أوَّله؛ ليكون المَراحُ أوَّلَ سَاعَةٍ منه، والمرادُ "رَاحَ"، أي: فِي السَّاعَةِ الأوْلَى كما فِي رواية الموطأ

(1)

، والمُقَابَلة قرينةٌ على تَعْيِيْنِ المُرادِ.

• وقوله: "فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ": - بالتَّشْديد - من القُربْان، والمرادُ به التَّصَدُّقُ بِها مُتَقَرِّبًا إلى اللهِ تعالى، يقال: قَرَّبَ صَدقةً - بالتَّشْدِيْد - وتَقَرَّبَ بِها؛ لأنَّ تَقْرَّبَ مضارع قَرَّبَ، قال اللهُ تعالى:{إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا}

(2)

وقيل: الإهداءُ بِها إلى الكَعْبَة كما

(1)

راجع: موطأ الإمام مالك بن أنس، كتاب الجمعة، باب العمل في غسل يوم الجمعة، ح:239.

(2)

المائدة: 27.

ص: 448

في رواية البخاري "يُهْدِيْ بَدَنَةً"

(1)

. ورُدَّ بأنَّ إهداءَ الدَّجَاجَة والبَيْضَة غيرُ مَعْهُوْدٍ، فالْوَجْهُ حَمْلُ رواية البُخَاري على التَّصَدُّقِ أيضًا، والمرادُ بالبَدَنَة وغيرِها أعَمُّ من أنْ تَكُوْنَ ذَكَرًا أو أنْثَى، والتَّاء للوَحْدَة لا للتَّأنِيْث.

"والْكَبْشُ": هو الذَّكَر، ووصفه بـ"أقْرَنَ" لأنَّه أكْمَلُ وأحْسَن صورةً، وقرنُه يُنتفَع به.

"وَالدَّجَاجَةُ": - بفتح الدَّال - ويجوز كَسرُها، وضَمُّها. وقيل: بالفتح من الحيوان، وبالكسر للنَّاسِ، أي: يُجْعَل اسمًا للنَّاسِ.

• وقوله: "حَضَرَتِ المَلائِكَةُ

" إلخ، المرادُ به أنَّهُم يَطْوُوْنَ الصُّحُفَ الَّتِي كانُوْا يَكْتُبُوْن فيها ثَوابَ الحَاضِرِيْن صلاةَ الْجُمُعة فلا يُكْتَب بعدَ ذلك ثَوَابٌ مَخْصُوْصٌ بحُضُوْر الجُمُعَة فِي هذه الأنْوَاع.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي السَّاعَات، فالجُمْهور [على] أنَّها سَاعَات النَّهَار من أوَّلِه، فاسْتَحَبُّوا المَسِيْر إليها من طُلُوْع الشَّمْسِ، وأَيَّدَه بعضُ المَالِكِيَّة بعَدَدِ سَاعَاتِ النَّهَار من أوَّلِه، فاسْتَحَبُّوا المَذْكُوْرَة فِي الحديثِ، وقال: والشَّمْس إنَّمَا تَزُوْل فِي السَّاعَة السَّادِسَة فَدَلَّ ذلك على أن المرادَ بِها سَاعَاتُ النَّهَار المَعْرُوفَة.

وقال مالكٌ: إنَّما المرادُ سَاعَةٌ واحِدةٌ يكونُ فيها هذه السَّاعَات، وعليه غَالِبُ أصْحابِه، وأيَّدُوْه بالعَمَل، وقالوا: هو حَقِيْقَةُ الرَّوَاح؛ لأنَّ حَقِيْقَةَ الرَّوَاح من الزَّوَال إلى آخِر النَّهَار، والغَدَاءُ من أوَّلِه إلى الزَّوَال، قال اللهُ تعالى:

(1)

راجع صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب: إذا رأى الإمامُ رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين، ح:929.

ص: 449

{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}

(1)

واختارُه بعضُ الشَّافعِيَّة كإمام

(2)

الحَرَمَيْن

(3)

والقَاضِي حُسين

(4)

. والعلم إلى الله.

(1)

سبأ: 12.

(2)

راجع: نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني: 3/ 527، 528.

(3)

هو: أبو المعالي عبد الملك عبد الله يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية الجويني النيسابوري الشافعي، الملقب بـ"إمام الحرمين". ولد سنة تسع عشرة وأربع مائة بـ"جُوَيْن" من قرى نيسابور، رحل إلى بغداد ثم إلى مكة حيث جاورها أربع سنين، ثم عاد إلى نيسابور، فجلس للتدريس ثلاثين سنة. من مصنفاته:"نهاية المطلب في دراية المذهب"، و"الشامل" في أصول الدين، و"البرهان" في أصول الفقه، و"العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية" وغيرها من المؤلفات النافعة. راجع لترجمته: المنتظم: 16/ 244، وفيات الأعيان: 3/ 167، طبقات الشافعية الكبرى: 5/ 165، سير أعلام النبلاء: 18/ 468.

(4)

هو: العلامة، شيخ الشافعية بخراسان أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المَرْوَرُّوْذِي الشافعي، المعروف بالقاضي، صاحب التعليقة في الفقه، كان إماما كبيرا، صاحب وجوه غريبة في المذهب، أخذ الفقه عن أبي بكر القفال المروزي، وصنف في الأصول والفروع والخلاف. وأخذ عنه الفقهَ جماعةٌ من الأعيان، منهم: الحسين بن مسعود البغوي، وعبد الرزاق المنيعي، مات في المحرم، سنة اثنتين وستين وأربع مائة. راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 2/ 134، طبقات الشافعية الكبرى: 4/ 356، سير أعلام النبلاء: 18/ 260.

ص: 450

‌بَابُ مَا جَاءَ مِنْ كَمْ تُؤْتَى الجُمُعَةُ

• قوله: "مِنْ كَمْ"، أيْ: مِنْ كَم مَيْلٍ تُؤْتَى الجُمْعَة، وتَسْتَحِقُّ الجُمعةُ أنْ يُؤْتى لأجلها.

322 -

(501) - (2/ 374 - 376) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَدَّوَيْهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أَمَرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَشْهَدَ الجُمُعَةَ مِنْ قُبَاءَ".

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا وَلا يَصِحُّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ:"الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيلُ إِلَى أهْلِهِ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، إِنَّمَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ مُعَارِكِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ المَقْبُرِيَّ، فِي الحَدِيثِ. قالَ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى مَنْ تَجِبُ الجُمُعَةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى مَنْزِلِهِ. وقالَ بَعْضُهُمْ لَا تَجِبُ الجُمُعَةُ إِلَّا عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "آوَى": بالقَصْر؛ لأنَّه بمَعْنى انْضَمَّ، وبالمَدِّ مُتَعَدٍّ بمعنى ضَمَّ، وقد يُعْكَس، والمعنى الجُمُعَة واجِبةٌ على مَنْ كان بَيْنَ وَطْنِه وبين مَوْضِع الصَّلاةِ مَسافةٌ يمكِنُه الرُّجُوْعُ إلى وَطْنِه قَبْلَ اللَّيْل. "مجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 120، 121.

ص: 451

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الخُطْبَةِ عَلَى المِنْبَر

323 -

(505) - (2/ 379 - 380) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلَّاسُ الصيرفيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ كثِيرٍ أَبُو غَسَّانَ العَنْبَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ العَلاءِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْع، فَلَمَّا اتَّخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المِنْبَرَ حَنَّ الجِذْعُ حَتَّى أَتَاهُ فَالتَزَمَهُ، فَسَكَنَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَسَهْلٍ بن سَعْدٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَمُعَاذُ بْنُ العَلَاءِ هُوَ بَصْرِيٌّ، وَهُوَ أَخُو أَبِي عَمْرِو بْنِ العَلَاءِ.

• قوله: "الجِذْع": - بكَسْر الجِيْم، وسكونِ مُعْجَمة - واحدُ جُذُوْعِ النَّخْل.

• قوله: "حَنَّ"، أي: اشْتَاقَ وظَهَر منه صوتُ المُشْتَاق إلى شَيْءٍ، وأصْلُه تَرْجِيْعُ النَّاقَة صوتَها إثْرَ وَلَدِها "مجمع"

(1)

.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 595.

ص: 452

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي قَصْر الخُطْبَةِ

(1)

324 -

(507) - (2/ 382 - 381) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّادٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ:"كنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "قَصْدًا": أصْلُ القَصْد الاسْتِقَامةُ فِي الطَّرِيْق، قال اللهُ تَعَالى:{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}

(2)

ثُمَّ اسْتُعِيْر للتَّوَسُّط، أي: كانَتْ صَلاتُه مُتَوَسِّطَةً لَا فِي غايةِ الطُّوْل ولا فِي القَصْر، وهو لَا يَقْتَضِي تَسَاوِي الخُطْبَة والصَّلاةِ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي قَصْدِ الخُطْبَةِ.

(2)

النحل: 9.

ص: 453

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي اسْتِقْبَالِ الإمَامِ إذَا خَطَبَ

325 -

(509) - (2/ 383 - 438) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مَنْصُوِرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:"كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَوَى عَلَى المِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاه بِوُجُوهِنَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَحَدِيثُ مَنْصُورٍ لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْن الفَضْلِ بْن عَطَيَّةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الحَدِيثِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: يَسْتَحِبُّونَ اسْتِقْبَاكَ الإِمَامِ إِذَا خَطَب، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ.

• قوله: "اسْتَقْبَلْنَاه": لا بالتَّحَلُّقِ حول المنبر لِمَا سبَق من المنع عنه يوم الجُمعة بل بالتَّوَجُّه إليه في الصُّفوف، وحديث أبي سعيد:"أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ يَوْمًا عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَه" رواه البخاري

(1)

يمكن حَمْلُهُ على غير الجُمعةِ. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، ح:3904.

ص: 454

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّكْعَتَيْن إذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالإمَامُ يَخْطُبُ

326 -

(511) - (2/ 385 - 387) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ، فَقَامَ يُصَلِّي، فَجَاءَ الحَرَسُ لِيُجْلِسُوه، فَأَبَى حَتَّى صَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَيْنَاهُ، فَقُلْنَا: رَحِمَكَ اللهُ، إِنْ كادُوا لَيَقَعُوا بِكَ، فَقَالَ: مَا كنْتُ لأترُكهُمَا بَعْدَ شَيْءٍ رَأَيْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ ذَكرَ "أَنَّ رَجُلًا جَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَأَمَرَه، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ".

قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُصَلِّي رَكعَتَيْنِ إِذَا جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَكَانَ يَأْمُرُ بِهِ، وَكَانَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ يَرَاهُ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَسَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا فِي الحَدِيثِ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَالقَول الأوَّلُ أَصَحُّ.

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ خَالِدٍ القُرَشيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ الحَسَنَ البَصْرِيَّ دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ، إِنَّمَا فَعَلَ الحَسَنُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ رَوَى عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا

ص: 455

الحَدِيثَ.

• قوله: "الحَرَسُ": هم خَدم السُّلْطَان المُرَتَّبُوْنَ لحِفْظه.

• وقوله: "يُجْلِسُوْه": من الإجْلاس.

• وقوله: "إنْ كَادُوْا": كلمةُ "إنْ" مُخَفَّفَةٌ منَ الثَّقِيْلَة، أي: أن الشَّأْن كادُوْا ليُتْبِعُوا بكُم بالضَّرْب أو السَّبِّ.

• وقوله: "بَذَّةٍ": - بفتح الباء الموحَّدة، وتَشْديد الذَّال المُعجمَة - أي: سَيِّئةٌ تَدُلُّ على الفَقْر.

ص: 456

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الكَلَامِ وَالإمَامُ يَخْطُبُ

327 -

(512)(2/ 387 - 388) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّب، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ قَالَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: أنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كَرِهُوا لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، وَقَالُوا: إِنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ فَلا يُنْكِرْ عَلَيْهِ إِلَّا بِالإِشَارَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: فَرَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، وَهُوَ قَول أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ.

• قوله: "وَالإِمَامُ يَخْطُبُ": جُمْلَةٌ حَالِيَةٌ، وهِيَ تَدُلُّ بالمَفْهُوْم عندَ القَائِل به عَلى أن الوُجُوْبَ الإنْصِاتُ من وَقْتِ الشُّرُوْع فِي الخُطْبَة لَا من وَقْتِ خُرُوْج الإمام.

• وقوله: "أنْصِتْ": مقول القَول، وهو أمر من الإنْصَاتِ، ومَعْنَاه السُّكُوْت للاسْتِمَاع، أي: أسْكُتْ لتَسْتَمِع الخُطْبَة.

• وقوله: "فَقَدْ لَغَا"، أي: ومَنْ لَغَا حُرِمَ فَضِيْلَةَ الجُمُعَة وإنْ أجْزَأتْ صلاتُه كما جاء فِي بَعْضِ الرِّوَايات

(1)

مُصَرَّحًا.

(1)

راجع: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: فضل الجمعة، ح:1051.

ص: 457

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّخَطِّي يَوْمَ الجُمُعَةِ

328 -

(513) - (2/ 389 - 388) حَدَّثَنَا أَبُو كرَيْبٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّمَ".

قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنيِّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْن سَعْدٍ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كرِهُوا أَنْ تَخَطَّى الرَّجُلُ رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَشَدَّدُوا فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ وَضَعَّفُوه مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.

• قوله: "اتُّخِذَ جِسْرًا

" إلخ، على بناءِ المَفْعُولِ، أي: أنَّه يُجْعَلُ جِسْرًا على طريق جهنَّمَ ليُوْطَأ ويُتَخَطَّى كما تَخَطَّى رقابَ النَّاس.

وعلى بناءِ الفَاعِل، أي: أنَّه يَجْعَل نَفْسَه جِسْرًا بمَعْنى أنَّه يَفْعَل فِعْلًا يُؤدِّيْ إلى ذَلِك، أيْ: الجَعْل. ومَرْجِعُ الوَجْهَيْن واحدٌ، والتَّعْبِيْر بالمُضِيِّ للإشْعَار بتَحَقُّقِه. ويُمْكِن أنْ يُقَال على تَقْدِيْر البِنَاء للفَاعِل أنَّه اتَّخَذ لنَفْسِه جِسْرًا يَمْشِي عَلَيه إلى جَهَنَّم، أي: أن فِعْلَه مَسْلكٌ إلى جَهَنَّم.

ص: 458

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الاحْتِبَاءِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ

329 -

(514) - (2/ 390 - 391) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الحِبْوَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَأَبُو مَرْحُومٍ اسْمُهُ: عَبْد الرَّحِيمِ بْنُ مَيْمُونٍ. وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ الحِبْوَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ مِنْهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ لَا يَرَيَانِ بِالحِبْوَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ بَأْسًا.

• قوله: "نَهَى عَنِ الحِبْوَةَ": - بَضَمِّ الحَاء، وكَسْرِها - اسمٌ من الاحْتِبَاء، وهو جمعُ الظَّهْر والسَّاقَيْن بِثَوْبٍ أو غيرِه وقد يَكُونُ باليَدَين؛ وذلك لأنَّه يَجْلِب النَّوْمَ فيَلْهَي عَنِ الخُطْبَة ويَنْقُض الوضوءُ.

ص: 459

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ رَفْعِ الأيْدِي عَلَى المِنْبَر

330 -

(515) - (2/ 391 - 392) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ الثَقَفِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَخْطُبُ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، فَقَالَ عُمَارَة: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ اليُدَيَّتَيْن القُصَيَّرَتَيْنِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَمَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَأَشَارَ هُشَيْمٌ بِالسَّبَّابَةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ": دعاءٌ عليه. "واليُدَيَّتَيْنِ": تَثْنيةٌ لصيغة اليَدِ، وهو اليُدَيَّةُ بإظْهار التَّاء. و"القُصَيَّرَتَيْنِ": - بتشديد الياء - تصغير القصيرة. وإشارتُه صلى اللهُ تعالى عليه وسلم لعَلَّه كانتْ وقتَ التَّشَهُّد إلى التَّوَجُّهِ. والله تعالى أعلم.

ص: 460

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الكَلَامِ بَعْدَ نُزُولِ الإمَامِ مِنَ المِنْبَر

331 -

(517) - (2/ 379 - 380) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكَلَّمُ بِالحَاجَةِ إِذَا نَزَلَ عَنِ المِنْبَرِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: وَهِمَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ. وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاة فَأَخَذَ رَجُلٌ بِيَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَا زَالَ يُكَلِّمُهُ حَتَّى نَعَسَ بَعْضُ القَوْمِ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَدِيثُ هُوَ هَذَا، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّئِ، وَهُوَ صَدُوق، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهِمَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي". قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُرْوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، فَحَدَّثَ حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاة فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي" فَوَهِمَ جَرِيرٌ، فَظَنَّ أَنَّ ثَابِتًا حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "يُكَلَّمُ بِالحَاجَةِ": على بناءِ المَفْعُول ليكونَ موافِقًا لحديث "فَمَا زَالَ يُكَلَّمُ".

ص: 461

‌بَابُ مَا جَاءَ [فِي] مَا يَقْرَأُ [به] فِي صَلَاةِ الْصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

332 -

(520) - (2/ 398) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ: {الم (1) تَنْزِيلُ} السَّجْدَةَ، وَ {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ}

(1)

.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَعْدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وشعبةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُخَوَّلٍ.

• قوله: "تَنْزِيلُ، السَّجْدَةَ": قال عُلماءُنا: لَا دلالةَ فيه على المُدَاوَمَة عليهما، نعم قد ثَبَتَ قراءَتُهما فينبغي للأئمةِ قِرَاءَتُهما ولا يحسن هَجْرُهمَا مرَّةً.

(1)

الإنسان: 1.

ص: 462

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا

333 -

(521) - (2/ 399) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ مِنْكمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ:"كنَّا نَعُدُّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ ثَبْتًا فِي الحَدِيثِ".

وَالعَمَل عَلى هَذا عِندَ بَعْضِ أهْلِ العِلمِ. وَرُوِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب رضي الله عنه أَنَّهُ أَمَرَ أنْ يُصَلَّى بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكَعَتَيْنِ، ثمَّ أرْبَعًا.

وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ صَلَّى فِي المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا".

قال أبُوْ عِيْسَى: وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الذِي رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ "كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَابْنُ عُمَرَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي المَسْجِدِ بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّى بَعْدَ الرَّكعَتَيْنِ أَرْبَعًا، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ.

ص: 463

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بَعْدَ الجُمُعَةِ رَكعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا.

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْهُ إِنْ كَانَتِ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عِنْهُ بِمَنْزِلَةِ البَعْرِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: كَالنَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَسَنَّ مِنَ الزُّهْرِيِّ.

• قوله: "أبُوْ عِيْسَى وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الَّذِي

" إلخ، أرادَ أن ما ذَكَر أبو إسحاقَ في التَّوْفِيق بالنَّظْر إلى فِعْل ابن عُمَر، وأمْرِ عليٍّ أنْ يُقَالَ: إنَّ الرَّكْعَتَيْن من الرَّوَاتِب المُؤكَّدَة بعدَ صلاةِ الجُمْعة كالتَّابِعَة لها بِحَيْث يُمْكن عَدُّها من الجمعة تَجَوُّزًا، أو الأرْبع من المَنْدُوبات بعدَهُمَا، فالمرادُ بقوله: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الجُمُعَةِ"، أي: بعدَ أداءِ صلاتِها معَ تَوَابِعِها، فاعْتُبِر الكُلُّ جمعةً تَجَوُّزًا، أو الأمرُ بالأربع أمرٌ

نُدبٍ بعدَ ذلك.

ويُمْكن التَّوْفِيْقُ أيضًا بأنَّه وَاظَب مع الرَّكْعَتَيْن تَخْفِيْفًا فهُمَا مؤكَّدَتَان، وندب إلى أرْبع فجَمَع عليٌّ وابنُ عُمَر بينَ الأمْرَيْن عَمَلًا بالفَعْل والقَوْل. والله تعالى أعلم.

ص: 464

‌بَابٌ فِيمَنْ يُدْركُ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً

334 -

(524) - (2/ 402 - 403) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَغَير وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الجُمُعَةِ صَلَّى إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ أَدْرَكَهُمْ جُلُوسًا صَلَّى أَرْبَعًا، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "مَنْ أَدْرَكَ

" إلخ، هذا بإطْلَاقِه يَشْمَل الجُمْعةَ، فيلزَمُ أن مُدْركَ رَكْعةٍ من الجُمُعَة مُدْركٌ لها، وبمَفْهُومِه يَدُلُّ على أن من لَمْ يُدْرِك ركعةً بل دُوْنَها فهو غيرُ مُدْرِكٌ. ومن لم يُدْرِكِ الْجُمْعَة يُصَلِّي أربعًا بخِلافِ من لم يُدْرِك الظُّهْرَ ونحوَه، فإنَّه يصلِّيْ الظُّهْرَ بعَيْنِه، وهذا ما نَقَلَه المُصَنِّف عن العُلماء. فلا يريد أن إطلاقَ الحَديث يُفِيْد أن حُكْم جَمِيْع الصَّلَواتِ وَاحِدٌ، وحُكْم سَائر الصَّلَوَات أنَّه إذَا أدْرَكَ ركعةً مع الإمام يُصَلِّي ما سَبَقَ به الإمامُ ولا يزِيْدُ علَى ذلك فكيفَ يَزِيْدُ بالجُمْعَة بإطْلاقِ الْحَدِيْثِ؟

وعلماءنا قالوا: يُصَلِّي ركعتين وإنْ أدْرَكَ الإمامَ في القَعْدَة

ص: 465

لحديث "مَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُم فَأتِمُّوْا"

(1)

والمَفْهومُ عندَهم لَا عِبْرةَ به، ولو كانَ مُعْتبَرًا لَا يُقَدَّمُ عَلَى الصَّرِيْحِ فِي البابِ. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع صحيح البخاري: 115، ح: 636، وصحيح مسلم: 244، ح: 602، وسنن الترمذي: 125، ح: 327، وسنن أبي داود: 97، ح: 573، وسنن النسائي: 134، ح: 863، وسنن ابن ماجه: 117، ح:775.

ص: 466

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي القَائِلَةِ يَوْمَ الجُمُعَة

"القَائِلَة": وقتُ الظَّهِيرَة والنَّوْم فيها والاسْتِرَاحة بِها و [هو] المرادُ هُنا، ويُطْلَق على ذلكَ المَقِيْل والقَيْلُولة. قال فِي "المَجْمع": المَقِيل والقَيْلُولة: الاسْتِرَاحةُ نِصْفَ النَّهَار وإنْ لم يَكُنْ مَعَها نَوْمٌ

(1)

.

335 -

(525) - (3/ 402 - 404) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ:"مَا كُنَّا نَتَغَدَّى فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "نَتَغَدَّى": - بالغَين المُعْجَمة، ثُمَّ الدَّال المُهْمَلة - من الغَدَاء، وهو مَا يُؤْكَل أوَّلَ النَّهَار، أي: ما كُنَّا نَأكُل أوَّل النَّهَار. "وَلا نَقِيْل": - بفتح النُّون - أي: لَا نَسْتَريْح وقد نَصَفَ النهارُ إلا بعدَ الْجُمْعَة، وظَاهِره أن صَلاةَ الْجُمْعة كانَتْ قبلَ الزَّوَال، وبه يقول أحمدُ. والجمهورُ حَمَلوه على أنَّه كنايةٌ عن التَّبْكِيْر، ومَعْناه أنَّهُم كَانُوا يبدَأوْن بالصَّلاةِ ويَشْتَغِلُون بِها بالاغْتِسَال، واسْتِعْمَال الطِّيْب، والدُّهْن، وغير ذلك، والذَّهَابِ أوَّل الوَقْت بل قَبْلَ الوَقْت إلى المَسْجِد فيَفُوْتُهم بذلك الغَدَاءُ فِي وَقْتِه، وكذَا الاسْتِرَاحة والنَّوْمُ المُعْتَاد نصفَ النَّهَار، فإذَا رَجَعُوا عن الجُمْعَة يَسْتَدْرِكُوْن ما فاتَهُمْ من الأكْل والاسْتِرَاحَة والنَّوْم، وإنْ كانَ ذلك الطَّعَام والنَّوْم لَا يُطْلَق عليه اسمُ الغَدَاء أو القَيْلُوْلة حين يَسْتَدْرِكُوْنَه. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 352.

ص: 467

‌بَابٌ فِيمَنْ يَنْعَسُ يَوْمَ الجُمُعَةِ

إلخ

(1)

336 -

(526) - (2/ 404) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْن سُلَيْمَانَ، وَأَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا نَعَسَ أَحَدُكمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "فَلْيَتَحَوَّلْ"، أي: ليَنْتَقِل إلى مَحَلٍّ آخر يَسْتَعينُ به على دَفْع النُّعَاس. والله تعالى أعلم.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابٌ مَا جَاءَ فِيمَنْ نَعَسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ مِنْ مَجْلِسِهِ.

ص: 468

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّفَر يَوْمَ الجُمُعَةِ

337 -

(527) - (5/ 752 - 404) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الحَجَّاجِ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي سَرِيَّةٍ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَغَدَا أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: أَتَخَلَّفُ فَأُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَآهُ، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُوَ مَعَ أَصْحَابِكَ؟، فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ ثُمَّ أَلْحَقَهُمْ، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيْعًا مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتهِمْ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينى: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَقَالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَع الحَكَمُ مِنْ مِقْسَمٍ إِلَّا خَمْسَةَ أَحَادِيثَ، وَعَدَّهَا شُعْبَةُ، وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيثُ فِيمَا عَدَّ شُعْبَةُ وَكَأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَمْ يَسْمَعْهُ الحَكَمُ مِنْ مِقْسَمٍ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمْ بَأْسًا بِأَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الصَّلَاة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَلَا يَخْرُجْ حَتَّى يُصَلِّيَ الجُمُعَةَ.

• قوله: "فِي سَرِيَّةٍ": السَّرِيَّةُ: طائِفةٌ من الجَيْشِ أقْصَاها أربعُ مائةٍ. "فَغَدَا"، أي: خَرَجُوْا وسَارُوْا أوَّلَ النَّهَار. فقال: "أَتَخَلَّفُ"، أي: قال في نَفْسِه ونَوَى أنْ يَتَخَلَّفَ. "وَالْغُدْوَة": هُوَ السَّيْر أوَّلَ النَّهَار ما بينَ صَلاةِ الغَدَاة وطُلُوْعِ الشَّمْسِ.

ص: 469

‌أَبْوَابُ العِيدَيْن [عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم]

[بابُ مَا جَاءَ فِي المَشْيِ يَوْمَ العِيدِ]

338 -

(530) - (2/ 410 - 411) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الفزاريُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بن أبي طَالِب، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا، وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا وَأَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ لصلاةِ الفطرِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَرْكَبَ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ.

• قوله: "مِنَ السُّنَّةِ": وهذَا له حُكْمُ الرَّفْع عِنْدَهُمْ، نَعَم الأكْلُ قَبْلَ الخُرُوْج مَخْصُوْصٌ بعِيْدِ الفِطْر.

ص: 470

‌بَابٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ

(1)

339 -

(531) - (2/ 411) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ بْنِ عَاصِمٍ بن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ يُصَلُّونَ فِي العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطبُونَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ صَلاةَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ.

• قوله: "وَيُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ

" إلخ، روى مُسْلمٌ

(2)

عن طَارِق بن شِهَابٍ: "أوَّلُ مَنْ بَدَأ بَالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلِ الصَّلاةِ مَرْوَانُ". قيل: إنَّهم كانُوْا يَتَعَمَّدُوْن تَرْكَ سِمَاع خُطْبَةِ مروانَ وأضْرَابِه لِمَا فِيْها مِنْ سَبِّ مَنْ لَا يسْتَحِقُّ السَبَّ، والإفراط في مدْحِ بعضِ النَّاس، فأرادَ مروانُ

(3)

بذلك أنْ يَسمَعُوا خُطْبَته.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.

(2)

راجع صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص

، ح:49.

(3)

هو: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي =

ص: 471

وقد رُوِي أن عثمانَ قدَّم الخطبةَ أيضًا لإدْرَاك النَّاسِ الصَّلاةَ حينَ رآهم قد فاتَتْهم الصَّلاةُ مرَّةً، فإن ثَبَتَ ذلك فلعَلَّه كانَ أحْيانًا، فلَعَلَّ ذلك لمَصْلَحَة النَّاس ولم يَتَّخِذْه عادةً كمروان. والله تعالى أعلم.

= الأموي، ولد بعد الهجرة بسنتين، ولم يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم. روى عن زيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة. روى عنه سعيد بن المسيب، وسهل بن سعد الساعدي، وعروة بن الزبير وغيرهم. كان كاتبا لعثمان. ولي إمرة المدينة لمعاوية، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية. مات بدمشق في رمضان سنة خمس وستين. راجع لترجمته: طبقات ابن سعد: 7/ 39، الاستيعاب في أسماء الأصحاب: 2/ 224، تهذيب الكمال: 27/ 387، الكامل في التاريخ: 4/ 13، سير أعلام النبلاء: 3/ 476.

ص: 472

‌بَابُ [مَا جَاء] فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْن

340 -

(533) - (2/ 413 - 415) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ وَفِي الجُمُعَةِ: بِـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}

(1)

وَ {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}

(2)

وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَقْرَأ بِهِمَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمِسْعَرٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ.

وَأَمَّا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَيُخْتَلَفُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ، يُرْوَى عَنْهُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَلَا نَعْرِفُ لِحَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِيهِ.

وَحَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ هُوَ مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنُ بَشِيرٍ، وَرَوَى عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَحَادِيثَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ نَحْوُ رِوَايَةِ هَؤُلاءِ.

وَرُوِي عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقرَأ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ بِـ:

(1)

الأعلى: 1.

(2)

الغاشية: 1.

ص: 473

{ق}

(1)

و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}

(2)

، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ.

• قوله: "وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ": والظَّاهِر في مِثْله القَوْل بالأمْرَيْن لثُبْوتِهِما وعَدَم التَّعَارض بَيْنَهما.

341 -

(534) - (2/ 415) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ضَمْرَةَ بْن سَعِيدٍ المَازنِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتبَةَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطاب، سَأَل أبَا وَاقِدٍ الليثِيَّ مَا كَانَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ بِهِ فِي الفِطر وَالأضْحَى؟ قَالَ: "كَانَ يَقْرَأُ بِـ: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}

(3)

و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}

(4)

.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "مَا كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

" إلخ، قال الباجِي

(5)

:

(1)

سورة "ق": 1.

(2)

سورة القمر: 1.

(3)

سورة: "ق": 1.

(4)

سورة القمر: 1.

(5)

هو: الإمام العلامة القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي القرطبي الأندلسي الباجي، أصله من "بطليوس"، ولد في "باجه" بالأندلس يوم الثلاثاء، النصف من ذي القعدة سنة ثلاث وأربع مائة، رحل إلى الحجاز سنة 426 هـ، فمكث ثلاثة أعوام، وأقام ببغداد ثلاثة أعوام، وبالموصل عاما، وفي دمشق وحلب مدة. وعاد إلى الأندلس، فولي القضاء في بعض أنحائها. من مؤلفاته:"السراج في علم الحجاج"، و"إحكام الفصول في أحكام الأصول"، و"المنتقى"، وغيرها. توفي بالمرية ليلة الخميس، التاسع عشر من رجب، سنة أربع وسبعين وأربع مائة. راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 2/ 408، سير أعلام النبلاء: 18/ 535، تذكرة الحفاظ: 3/ 1178.

ص: 474

يحتمل أنَّه سَأله اخْتِيارًا أو نَسِي فأرادَ أن يَتَذَّكر

(1)

.

وقال النَّوْوي: يحتَمِل أنَّه اشْتبَه عليه، أو أرادَ إعْلامَ النَّاس بذلك، أو نحوَ هذا من المَقَاصِد

(2)

.

قالوا: ويَبْعُد أن عمرَ لم يَعْلَمْ ذلكَ مع شُهُوْدِه صلاةَ العِيْد معَ رسُوْلِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وقرْبه منه.

(1)

راجع: المنتقى شرح الموطأ للباجي: 2/ 356.

(2)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 6/ 182.

ص: 475

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي التَّكْبير فِي العِيدَيْن

342 -

(536) - (2/ 416 - 417) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو الحَذَّاءُ المَدِينيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نَافِعِ الصَّائِغُ، عَنْ كَثِيرِ بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ فَي العِيدَيْنِ فِي الأُوَلَى سَبْعًا قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ القِرَاءَةِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَدِّ كثِيرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ عَنِ النَّبِيِّ عليه السلام وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ المُزَنِيُّ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْض أَهْل العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ. صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِهِمْ. وَهَكَذْا رُوِيَ عَنْ أَبِي هرَيْرَة أَنَّهُ صَلى بِالمَدِينَةِ نَحْوَ هَذِهِ الصَّلاةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وَرُوِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ، أَنَّهُ قال فِي التَّكْبِيرِ فِي العِيدَيْنِ: تِسْعَ تَكْبيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى: خَمْسًا قَبْل القِرَاءَةِ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يَبْدَأُ بِالقِرَاءَةِ ثُمَّ يُكَبَّرُ أَرْبَعًا مَعَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هَذَا وَهُوَ قَول أَهْلِ الكُوفَةِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

• قوله: "وَرُوِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ

" إلخ، ومثلُ هذا لَا يكونُ رأيًا بل سِمَاعًا فَحُكْمُه الرَّفْعُ، فصَحَّ الأخذُ بالأمْرَيْن.

ص: 476

‌بَابٌ لَا صَلَاةَ قَبْلَ الْعِيدَيْن وَلَا بَعْدَهما

(1)

343 -

(537) - (2/ 417 - 418) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: أنْبَأنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَدْ رَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ الصَّلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ العِيدَيْنِ وَقَبْلَهَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، وَالقَول الأوَّلُ أَصَحُّ.

• قوله: "ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ

" إلخ، كلمةُ "ثُمَّ" لتأخِيْر الإخْبَار إذْ لَا يَصِحُّ التَّأخِير بالنَّظْر إلى عَدَم الصَّلاةِ قَبْلَها، وضميرُ "قَبْلَها" لصَلاةِ العِيْد المَفْهومَة لَا للرَّكْعَتين المَذْكُورَتَين صريحًا.

344 -

(538) - (2/ 418 - 419) حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثنَا وَكيعٌ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ، عَنْ أَبي بَكْرِ بْن حَفْصٍ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ بْن سَعْدِ بْنِ أبِي وَقاصٍ، عَنْ ابْنِ عمَرَ أَنَّهُ خَرَجَ في يَوْمَ عِيدٍ فلمْ يُصَلِّ قبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا،

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَاب مَا جَاءَ لَا صَلَاةَ قَبْلَ الْعِيدِ وَلَا بَعْدَهَا.

ص: 477

وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• وقوله: " [فَلَمْ] يُصَلِّ قَبْلَهَا": يحتمل التَّقْيِيْد بالمُصَلِّي والإطْلاقَ، وأمَّا بَعْدَها فمُقَيَّدٌ برِوَاية ابْن مَاجَة

(1)

بإسْنادٍ حسَنٍ أنَّه "صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنَ حِيْنَ رَجَعَ"

(2)

. وقال بعضٌ: الحَاصِل أن صلاةَ العِيْد لَمْ يَثْبُتْ لهَا سُنَّةٌ قبلَها ولا بعْدَها، وأمَّا مُطْلَق النَّفْل فلَمْ يَثْبُت مَنْعُه. قلت: والأحْسَن الاتِّبَاعُ.

(1)

هو: الحافظ الحجة، المفسر الكبير أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة الربعي القزويني، مصنف كتاب "السنن"، ولد سنة تسع ومائتين، ارتحل إلى الحجاز، والشام، والعراق، ومصر، والرِّيِّ لطلب الحديث وسمع الكثير يطول ذكرهم. كان حافظا، ناقدا، صادقا، واسع العلم، له مصنفات في السنن، والتفسير والتاريخ. توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين. راجع لترجمته: المنتظم: 12/ 258، وفيات الأعيان: 4/ 279، تهذيب الكمال: 27/ 40، سير أعلام النبلاء: 13/ 277.

(2)

راجع: سنن أبي داود، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، ح:1293.

ص: 478

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ فِي العِيدَيْن

345 -

(539) - (2/ 419 - 420) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُخْرِجُ الأبْكَارَ، وَالعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ، وَالحُيَّضَ فِي العِيدَيْنِ، فَأَمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ المُصَلَّى، وَيَشْهَدْنَ دَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ:"فَلْتُعِرْهَا أُخْتُهَا مِنْ جَلَابِيبِهَا".

• قوله: "الحُيَّضَ": - بضمِّ حَاءٍ، وتشديدِ ياءٍ - جمعُ حائِضٍ وهو - بالنَّصب - معطوفٌ على الأبْكار، ولو قُرِئ - بكسر حَاءٍ، وفَتْحِ مُخفَّفَةٍ - على أنَّه جَمْعُ حَيْضٍ، وجُعِلَ معطوفًا على الخُدُوْر لكانَ له وَجْهٌ، لكن لَا يُنَاسِبُه قوله:"فأمَّا الحُيَّض" لأنَّه جمعُ حائِضٍ، وجَعْلُه جمعَ حَيْض على اعْتِبَار حَذْفِ المُضَافِ بعيدٌ جِدًّا معَ مُخَالَفَتِه الرِّوَايَةَ المَشْهُوْرَة.

346 -

(540) - (2/ 420 - 421) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، بِنَحْوِهِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ، وَرَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الخُرُوجِ إِلَى العِيدَيْنِ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَرُوِي عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنهُ قَالَ: أَكْرَه اليَوْمَ الخُرُوجَ لِلنِّسَاءِ فِي العِيدَيْنِ، فَإِنْ أَبَتِ المَرْأَة إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ فَلْيَأْذَنْ لَهَا زَوْجُهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي أَطْمَارِهَا الخُلْقَانِ وَلَا تَتَزَيَّنْ، فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَخْرُجَ كذَلِكَ فَلِلزَّوْجِ أَنْ

ص: 479

يَمْنَعَهَا عَنِ الخُرُوجِ. وَيُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَوْ رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسْجِدَ كمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بني إسرائيل. وَيُرْوَى عَنْ سُفيَانَ الثَّوْرِيِّ: أَنَّهُ كرِهَ اليَوْمَ الخُرُوجَ لِلنِّسَاءِ إِلى العِيدِ.

• قوله: "الطَّمْرُ": الثَّوْبُ الخَلَقُ.

ص: 480

‌بَابٌ فِي خُرُوجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَى العِيدِ

إلخ

347 -

(541) - (2/ 424 - 426) حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأعْلَى الكُوفِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي رَافِعٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى أَبُو تُمَيْلَةَ، وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ.

قَالَ: وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ لِلإِمَامِ إِذَا خَرَجَ فِي طَرِيقٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي غَيْرِهِ اتِّبَاعًا لِهَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ كَانهُ أَصَحُّ.

• قوله: "رَجَعَ فِي غَيْرِهِ": ذَكَرُوْا فيهِ أسْرَارًا مِنْ جُمْلتِه: إشْهَادُ الطَّرِيْقَيْن على الطَّاعَة بل إسْعَادُ الطَّرِيقَيْن للطَّاعَةِ فِيْهِمَا، وإحْيَاءهُما بذِكْر اللهِ تعالى المُتَعَال الجَلِيْل.

• قوله: "لِلإِمَامِ": يَنْبَغي أن يكونَ للكُلِّ إلا إذَا ظَهَر أنَّه كَانَ لمَصْلَحَةٍ مَخْصُوْصَةٍ بالأئِمَّةِ فقطُّ؛ لأنَّ فِعْلَه حينئذٍ كانَ لكَوْنِه إمَامًا لَا لكَوْنِه مُشْرِعًا، والأصْلُ هو التَّشْرِيعُ.

ص: 481

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي الأكْلِ يَوْمَ الفِطْر قَبْلَ الخُرُوجِ

348 -

(542) - (2/ 427 - 426) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْد الوَارِثِ، عَنْ ثَوَابِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ.

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأسْلَمِيِّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا أَعْرِفُ لِثَوَابِ بْنِ عُتْبَةَ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ.

وَقَدْ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ لَا يَخْرُجَ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ شَيْئًا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى تَمْرٍ، وَلَا يَطْعَمَ يَوْمَ الأضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ.

• قوله: "عَلَى تَمْرٍ": والحِكْمَةُ في اسْتِحْبَاب التَّمَر لِمَا في الحُلُوِّ من تَقْوِيَة البَصَر الذِيْ يُضْعِفُه الصَّوْمُ، ولأنَّ الْحُلُوَّ مِمَّا يُوَافِقُ الإيْمَانَ ويُعَبَّر به في المَنَامِ، ويُرِقُّ القَلْبَ وهو أيْسَرُ مِنْ غَيْرِه، ومِنْ ثَمَّ اسْتحَبَّ بعضُ التَّابِعِيْن أنْ يُفْطَرَ على الحُلُوِّ مُطْلَقًا كالعَسْل، ورُوِي أنَّه يَحْبِس البَوْل، هذَا فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِر على ذلك، وإلا فيَنْبَغي أنْ يفْطِرَ ولَوْ على المَاء ليَحْصُلَ له شبهُ ما مِنَ الإتِّبَاع أشَارَ له ابنُ أبي جَمْرَة. ذكَرَه في شرح الموطأ

(1)

.

(1)

راجع: شرح الموطأ للزرقاني: 1/ 325.

ص: 482

[بابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ فِي السَّفَر]

349 -

(544) - (2/ 428 - 430) حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عبد الحَكَمِ الوَرَّاقُ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُصَلُّونَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ كنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لأتمَمْتُهَا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَعَائِشةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ، مِثْلَ هَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيل: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ سُرَاقَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقدْ رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَر قَبْلَ الصَّلاةِ وَبَعْدَهَا. وَقَدْ صَحَّ عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقصرُ فِي السَّفَرِ وَأبُو بَكَرٍ، وَعمَرُ، وَعُثْمَانُ، صَدرًا مِنْ خِلَافَتِهِ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَر أَهْل العِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَغيْرِهِمْ. وقد رُوِيَ عَنْ عَائِشة أَنَّهَا كَانَت تُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفرِ. وَالعَمَل عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابِهِ، وَهُوَ قولُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: التَّقْصِيرُ رُخْصَةٌ لَهُ فِي السَّفَرِ فَإِنْ أَتَمَّ الصَّلاةَ أَجْزَأَ عَنْهُ.

• قوله: "الظُّهْرَ وَالعَصْرَ": كنايةٌ عن الرُّبَاعِيَّة.

ص: 483

• قوله: "لَوْ كنْتُ مُصَلِّيًا

" إلخ، قال النَّوْوي

(1)

: وأجَابَ مَنْ يَقُول بالنَّافِلَة عن قَوْل ابن عُمَرَ بأنَّ الفَرِيْضَة مُتَحَتِّمَة فلو شُرِعَتْ تَامَّةً لَتَحَتَّمَ إتْمَامُها، وأمَّا النَّافِلَة فإلى خِيَرَة المُصَلَّى، فالرِّفْقُ بِهِ أنْ تَكونَ مَشْرُوْعَةً ويُخَيَّرُ فيها.

• قوله: "رُخْصَةٌ"، أي: الظَّاهِرُ الكِتَاب وهو قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا}

(2)

.

350 -

(546) - (2/ 431) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن المُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ، أَرْبَعًا وَبِذِي الحُلَيْفَةِ العَصْرَ رَكْعَتَيْنِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "وَبِذِي الحُلَيْفَةِ": - بضَمِّ الحَاء المُهْمَلة، وفتْحِ اللام - مَوْضِعٌ قريبٌ مِن المَدِيْنة، وخرج صلى الله عليه وسلم عَلى قَصْدِ السَّفَر، والمَطْلُوبُ أن المُعْتَبَرُ الخُرُوْجُ بقَصْدِ السَّفَر لأنّه لَا يُقَصِّر إلا إذَا قَطَع قدْرَ السَّفَر.

351 -

(546) - (2/ 431) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا الله رَبَّ العَالَمِينَ، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "لَا يَخَافُ إِلَّا رَبَّ العَالَمِينَ"، أي: فالتَّقْيِيْدُ بالنَّصِ في قَوْلِه تعالى: {أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}

(3)

اتِّفَاقِيٌّ خَرَج على وِفْقِ حَالِ النُّزُوْل.

(1)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 5/ 198.

(2)

النساء: 101.

(3)

النساء: 101.

ص: 484

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاة

352 -

(548) - (2/ 434 - 431) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَدِينهِ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ لِأنَسٍ: كَمْ أَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقد رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَقامَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ إِذَا أَقَمْنَا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ تِسْعَ عَشرَةَ، صَليْنَا رَكعَتَيْنِ، وَإِنْ زِدْنَا عَلى ذلِكَ أتْمَمْنَا الصَّلاةَ. وَرُوِي عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قال: مَنْ أقامَ عَشَرَةَ أَيَّام أَتَمَّ الصَّلَاةَ. وَرُوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قال: مَنْ أقامَ خَمْسَةَ عَشرَ يَوْمًا أَتمَّ الصَّلَاةَ، وَرُوِيَ عَنهُ:"ثِنْتَيْ عَشرَة". وَرُوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَقَامَ أَرْبَعًا صَلَّى أَرْبَعًا. وَرَوَى عَنْهُ ذَلِكَ قَتَادَة، وَعَطَاءٌ الخُرَاسَانِيُّ، وَرَوَى عَنْهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ خِلافَ هَذَا.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ بَعْدُ فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الكُوفَةِ فَذَهَبُوا إِلَى تَوْقِيتِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالُوا: إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ أتَمَّ الصَّلَاةَ. وقَالَ الأوْزَاعِيُّ: "إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ". وقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ:"إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ أَرْبَعَةٍ أَتَمَّ الصَّلاةَ". وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَرَأَى أَقْوَى المَذَاهِبِ فيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِأنَّهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ

ص: 485

وَسَلَّمَ، ثُمَّ تَأَوَّلَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا أَجْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ أَتَمَّ الصَّلاةَ. ثُمَّ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ المُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ.

• قوله: "فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ"، أي: فِي تَمَام السَّفَر حتَّى في أيَّامِ المَكْث بمَكَّةِ.

• قوله: "تِسْعَ عَشْرَةَ

" إلخ، لمن لَا يَقُوْلُ به أنْ يَقُوْل: كانَ ذلك إقَامَةً منه هذه المُدَّة من غَيْر قَصْدٍ لإقَامَةٍ بل على قَصْدِ السَّفَر، لكنَّ ابنَ عَبَّاسٍ هو رَاوِي الحَدِيث وقد أخَذَ به، فالظَّاهِر أنَّه أدْرَى بالحَالِ. والله تعالى أعلم.

ص: 486

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ فِي السَّفَر

353 -

(550) - (2/ 436 - 435) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي بُسْرَةَ الغِفَارِيِّ، عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ الَرَّكعَتَيْنِ إِذا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ.

وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ البَرَاءِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْن سَعْدٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أَبِي بُسْرَةَ الغِفَارِيِّ وَرَآهُ حَسَنًا.

وَرُوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا تتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا. وَرُوِيَ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "أَنَّهُ كَانَ تتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَرَأَى بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَتَطَوَّعَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَلَمْ تَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يُصَلَّى قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. وَمَعْنَى مَنْ لَمْ تتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ قَبُولُ الرُّخْصَةِ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فَلَهُ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ يَخْتَارُونَ التَّطَوُّعَ فِي السَّفَرِ.

• قوله: "تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ .. " إلخ، وعلى هذَا قَوْل ابن عُمَرَ:"لَا يُصَلُّوْنَ قَبْلَهَا" مَحْمُوْلٌ على عِلْمِه فلا إشْكالَ.

ص: 487

• قوله: "وَمَعْنَى مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ

" إلخ، أي: وَجْهُ قَوْلِ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ في السَّفَر هو أن تَرْكَ التَّطَوُّع رُخْصَةٌ كقَصْر الفَرْضِ، فيَنْبَغِي قَبُوْلُها كقَبُوْل القَصْر، أو سبَبُ عَدَم تَطَوُّع مَنْ تَرَك التَّطَوُّعَ هو أنَّهم قَبِلُوا الرُّخْصَةَ فتَركُوْا التَّطَوُّعَ، ومَا تَرَكُوا لأجْل أن تَرْكَها خَيْرٌ من فِعْلِها وهَذَا هو المُنَاسِبُ لِمَا بَعْدَه.

354 -

(551) - (2/ 437) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ الحَجَّاجِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ فِي السَّفَرِ رَكعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَاه ابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ، وَنَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ.

• قوله: "وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ": قلتُ: فعلي هذَا يَنْبغِي أنْ يكونَ قولُه: "لَا يُصَلُّوْنَ" مَحْمولٌ على النِّسْيانِ فِي وقتٍ، وهذَا على التَّذَكُّر فِي آخَر. والله تعالى أعلم.

ص: 488

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْن

355 -

(553) - (2/ 438 - 439) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْن سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ هو عامرُ بْنُ واثلة، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَنْ يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ العَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْربِ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ المَغْرِبِ.

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: والصحيحُ عن أسامةَ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، هَذَا الحَدِيثَ.

356 -

(554) - (2/ 439 - 441) حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا اللُّؤْلُؤِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأعْيَنُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيْثِ يَعْني حديثَ مُعَاذٍ. وَحَدِيثُ مُعَاذٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ قُتَيْبَةُ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ غَيْرَه. وَحَدِيثُ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ حَدِيثُ مُعَاذٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، رَوَاهُ قُرَّة بْنُ خَالِدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ

ص: 489

المَكِّيِّ. وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِي، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، يَقُولانِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا.

• قوله: "قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ"، أي: قَبْلَ زَوَالِها.

• قوله: "حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ": لكِنْ أعَلَّه جَمَاعَةٌ من أهْل الحَدِيْث بتفَرُّدَ قُتَيْبَة به عن الليْثِ، بل ذكَر البُخارِيُّ أن بَعْضَ الضُّعَفاء أدْخله عَلى قُتَيْبَةَ حَكاهُ الحَاكِمُ في عُلُوْمِ الْحَدِيْث، وله طُرُقٌ أخْرى عِنْدَ أبي دَاود من رواية هِشَام بْن سَعْدٍ عن أبي الزُّبَيْر عن أبي الطُّفَيْل عن مُعَاذٍ. وهشَامٌ مُخْتلَفٌ فيه وقد خَالَفَه الحُفَّاظُ منْ أصْحَاب أبي الزُّبَيْر كمَالِكٍ، وسفيانَ الثَّوْري، وقُرَّةَ بْن خَالِدٍ وغيرِهم، فلَمْ يَذْكُرُوْا فِي رِوَايَتِهم جَمْعَ التَّقْدِيْم، وبِهِ احْتجَّ مَنْ أبَى جَمْعَ التَّقْدِيْم، وجَاءَ فِي حَدِيْثٍ آخَر عِنْد أحمدَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ فِي مَنْزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ وَإِذَا لَمْ تَزِغْ فِي مَنْزِلِهِ رَكِبَ حَتَّى إِذَا كَانَت الْعَصْرُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ". وفيه رَاوٍ ضَعِيْفٌ، لكنْ له شَاهِدٌ عن ابْنِ عبَّاسٍ لَا أعْلَمُه إلا مَرْفُوْعًا، نحوَه رواهُ البَيْهقي برجَالٍ ثِقاتٍ إلا أنَّه مَشْكُوْكٌ في رَفْعِه، والمَحْفوظُ وقْفُه، ورَوَاه البيهقيُّ أيضًا من وَجهٍ آخَر بالجَزْم بأنَّه موقُوْفٌ على ابْنِ عبَّاسٍ. وقد قال أبو داودَ: ولَيْسَ في تَقْدِيْم الوَقْتِ حديثٌ قائمٌ. ذُكِرَ ذلك في شرح الموطأ

(1)

. قلتُ: المَوْقُوْفُ في هذَا البَابِ كالمَرْفُوْع.

(1)

راجع: شرح الموطأ للعلامة محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الأزهري المصري المالكي الزرقاني: 1/ 161.

ص: 490

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ

"الاسْتِسْقَاءُ": هو طَلَبُ السُّقْيَا، أي: إنْزَالُ الغَيْثِ.

357 -

(556) - (2/ 442 - 443) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَحَوَّلَ رِدَاءَه، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَآبِي اللَّحْمِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَلَى هَذَا العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وَعَمُّ عَبَّادِ بْن تَمِيمٍ هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المَازِنِيُّ.

• قوله: "وَحَوَّلَ رِدَاءَه": قالَ مُهَلَّبٌ

(1)

: كانَ للتَّفَاؤل بتَحْوِيْل الحَالِ عمَّا هيَ عَلَيه. وقد وَرَدَ فِيه حديثُ جَابرٍ برِجَالٍ ثِقَاتٍ عندَ الدَّارقطني

(2)

والحاكم،

(1)

هو: أبو سعيد المهلب بن أبي صفرة بن سراق الأزدي العتكي البصري، ولد في دبا، ونشأ بالبصرة، وقدم المدينة مع أبيه في أيام عمر، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، وسمرة بن جندب، وابن عمر، والبراء بن عازب. وولي إمارة البصرة لمصعب بن الزبير، وقاتل الأزراقة، ولقي منهم الأهوال حتى تم له الظفر، ثم ولاده عبد الملك بن مروان ولاية خراسان. توفي بمرو الروذ، في ذي الحجة. سنة ثلاث وثمانين للهجرة. راجع: لترجمته: تاريخ البخاري: 8/ 25، تهذيب الكمال: 29/ 8، وفيات الأعيان: 5/ 350، سير أعلام النبلاء: 4/ 283.

(2)

هو: الحافظ المشهور، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني، كان عالما حافظا، فقيها على مذهب الشافعي، ولد في ذي القعدة سنة ست وثلاث بـ "دارقطن" =

ص: 491

ورجَّحَ الدَّارقطني إرْسَالَه

(1)

، وعلى كُلِّ حَالٍ فهو أوْلَى مِنَ القَوْل بالظَّنِّ، فلا وَجْهَ لرَدِّ ابْن العَرَبي

(2)

هذا الْوَجْهَ واخْتِيَارِه مَا لَا ثَبتَ عِنْدَه.

• قوله: "وَاسْتَسْقَى"، أي: دَعَا.

• قوله: "آبِي اللَّحْمِ": بمَدِّ الهَمْزَة.

358 -

(558) - (2/ 445) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هِشَامِ بْن إِسْحَاقَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْن كِنَانَةَ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: أَرْسَلَنِي الوَليدُ بْنُ عُقْبَةَ وَهُوَ أمِيرُ المَدِينَةِ إِلى ابْنِ عَبَّاسٍ أسْأَلُهُ عَنْ اسْتِسْقاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مُتبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى المُصَلَّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَدا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "كمَا كَانَ يُصَلِّي فِي العِيدِ": يَحْتَمِلُ أن التَّشْبِيْهَ فِي مُجَرَّدِ الجَهْر لكن حَمَلُوْه على التَّكبِيْرَات أيْضًا.

= ببغداد، وإليها نسبته، أخذ الفقه من أبي سعيد الإصطخري، وسمع البغوي، وابن أبي داود وطبقتهم. وحدث عنه: الحاكم، والطبري، والأصبهاني، والهروي وغيرهم. رحل في آخر العمر إلى مصر والشام، وصنف كتاب "السنن"، و"المؤتلف والمختلف" وغيرهما. توفي ببغداد في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مائة. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 13/ 487، المنتظم: 14/ 378، وفيات الأعيان: 3/ 297، سير أعلام النبلاء: 16/ 457، تذكرة الحفاظ: 3/ 991.

(1)

راجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني: 2/ 579.

(2)

راجع: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي: 3/ 29.

ص: 492

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ

359 -

(560) - (2/ 446 - 449) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبيب بْنِ أَبِي ثَابتٍ، عَنْ طَاؤوْسِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ، فقرَأ ثمَّ رَكعَ، ثمَّ قرَأ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَالأُخرَى مِثْلُهَا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَالمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَسَمُرَةَ، وَأَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْر الصديقِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَقَبِيصَةَ الهِلالِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقد رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ أَرْبَعَ رَكعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي القِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ، فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يُسِرَّ بِالقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنَّهَارِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنْ يَجْهَرَ بِالقِرَاءَةِ فِيهَا، كَنَحْوِ صَلَاةِ العِيدَيْنِ وَالجُمُعَةِ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يَرَوْنَ الجَهْرَ فِيهَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجْهَرُ فِيهَا وَقَدْ صَحَّ عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ: صَحَّ عَنه أَنَّه صَلَّى أرْبَعَ رَكعَاتٍ فِي أرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَصَحَّ عَنهُ أَنَّهُ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ جَائِزٌ عَلَى قَدْرِ الكُسُوفِ، إِنْ

ص: 493

تَطَاوَلَ الكُسُوفُ فَصَلَّى سِتَّ رَكعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَأَطَالَ القِرَاءَةَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَيَرَى أَصْحَابِنَا، أَنْ تُصَلَّى صَلَاة الكُسُوفِ فِي جَمَاعَةٍ فِي كسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ.

• قوله: "أَرْبَعَ رَكعَاتٍ"، أي: رَكْعَتين كُل منهما ذاتَ رَكُوْعَيْن وسُجُوْدَين.

• قوله: "سِتَّ رَكَعَاتٍ

إلخ، أي: ركعتين كُلٌّ منهما ذاتَ ثلاثِ وسَجْدَتَين.

360 -

(561) - (2/ 449 - 450) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد المَلِكِ بْنُ أَبِي الشَّوَارِب، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قالتْ: خَسَفت الشمْسُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاسِ، فَأَطَالَ القِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القِرَاءَةَ، وَهِيَ دُونَ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، يَرَوْنَ صَلَاةَ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْرَأُ فِي الرَّكعَةِ الأُولَى بِأُمِّ القُرْآنِ، وَنَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ سِرًّا إِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ بِتكْبِيرٍ وَثَبَتَ قَائِمًا كمَا هُوَ، وَقَرَأَ أيضًا بِأُمِّ القُرْآنِ وَنَحْوًا مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ رَكعَ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ، وَيُقِيمُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ نَحْوًا مِمَّا أَقَامَ فِي رُكُوعِهِ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ بِأُمِّ

ص: 494

القُرْآنِ، وَنَحْوًا مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ بِتكْبِيرٍ وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ المَائِدَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ.

• قوله: "ثُمَّ سَجَدَ": لم يُذْكَر ههنا طُوْلُ السُّجُوْد لكن قد صَحَّ طُوْلُه في الصَّحِيْحَيْن

(1)

وغيرِهما

(2)

، فلا عِبْرَةَ لقَوْل مَنْ زَعَم أن السُّجُوْدَ ما كَان طَويْلًا.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الكسوف، باب: الصدقة في الكسوف، ح: 1044، وصحيح مسلم، كتاب الكسوف، باب: صلاة الكسوف، ح: 901، ولكن الإمام مسلم لم يذكر أمر السجود.

(2)

راجع: سنن النسائي، كتاب الكسوف، باب: كيف صلاة الكسوف، ح: 1484، وسنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في صلاة الكسوف، ح:1265.

ص: 495

‌بَابٌ: كَيْفَ الْقِرَاءةَ فِي الْكُسُوفِ

(1)

361 -

(562) - (2/ 451 - 452) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عِبَادٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي كسُوفٍ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم إِلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

• قوله: "صَلَّى بِنَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

" إلخ، الوَجْهُ إثْباتُ الأمْرَيْن أو حَمْلُ أحَدِهما على كُسُوْفِ الشَّمْسِ، والثَّانِي على كُسُوْفِ القَمَر. والله تعالى أعلم.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْقِرَاءة في الكسوف.

ص: 496

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ

362 -

(564) - (2/ 453 - 455) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد المَلِكِ بْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفَةُ الأُخرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَقَامُوا فِي مَقَامِ أُولَئِكَ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ هَؤُلاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهُمْ، وَقَامَ هَؤُلاءِ فَقَضَوْا رَكعَتَهُمْ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَ هَذَا. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَأَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ صَامِتٍ، وَأَبِي بَكْرَةَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ إِلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ. وقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَلَاة الخَوْفِ عَلَى أَوْجُهٍ، وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا البَابِ إِلَّا حَدِيثًا صَحِيحًا، وَأَخْتَارُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِيْ حَثْمَةَ. وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَبَتَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الخَوْفِ، وَرَأَى أَنَّ كلَّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الخَوْفِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذَا عَلَى قَدْرِ الخَوْفِ. قَالَ إِسْحَاقُ: وَلَسْنَا نَخْتَارُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ.

ص: 497

• قوله: "فَقَامَ هَؤُلاءِ": قالَ الحَافظُ: لم تَخْتَلفِ الطُّرُقُ عن ابْنِ عُمَرَ في هذه، وظَاهِرُه أنَّهم أتَمُّوا في حَالَةٍ واحِدَةٍ، ويَحْتَمل أنَّهم أتَمُّوا على التَّعَاقُب وهو الرَّاجِح من حَيْثُ المَعْنى، وإلا لَزِم ضِيَاعُ الحِرَاسَة المَطْلُوْبَة وإفْرَاد الإمَام وحْدَه، وتَرْجَمةُ ما روَاه أبو داودَ عن ابن مَسْعُود ولَفْظُه:"ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ هؤلاء" أي: الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، "فقَضَوْا لأنْفِسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوْا ثُمَّ ذَهَبُوْا وَرَجَعَ أولئِكَ إلى مَقَامِهِمْ، فصَلُّوْا لأنْفُسِهِم رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوْا" وظَاهِرُه أن الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ والَتْ بينَ رَكْعَتَيْها ثُمَّ أتَمَّتِ الطَّائِفَةُ الأوْلَى بعدَهَا. واخْتارَ هذه الصِّفَة أشْعبُ، والأوْزَاعِيُّ، وأخَذَ بِهَا الحَنفيَّةُ، ورجَّحَها ابنُ عَبْدِ البَرِّ لقُوَّةِ إسْنَادِها ولمُوَافِقَةِ الأصُوْل في أن المَأمُوْم لَا يتِمُّ صلاتُه قبلَ سَلامِ إمَامِه. شرح الموطأ

(1)

.

363 -

(565) - (2/ 455) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيُّ، عَنْ القَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثمَة، أَنَّهُ قال فِي صَلَاةِ الخَوْفِ، قَالَ: يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وَتَقُومُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ قِبَلِ العَدُوِّ، وَوُجُوهُهُمْ إِلَى العَدُوِّ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ رَكعَةً، وَيَرْكعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَسْجُدُونَ لِأنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ فِي مَكَانِهِمْ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إِلَى مَقَامِ أُولَئِكَ، وَيَجِيءُ أُولَئِكَ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، فَهِيَ لَهُ ثِنْتَانِ وَلَهُمْ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَرْكعُونَ رَكْعَةً وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ.

364 -

(566) - (2/ 456) قَالَ أبُوْ عِيْسَى: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ؟ فَحَدَّثَنِي عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ

(1)

راجع: شرح الموطأ للزرقاني: 1/ 330.

ص: 498

صلى الله عليه وسلم بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ. وقَالَ لِي يَحْيَى: اكتُبْهُ إِلَى جَنْبِهِ وَلَسْتُ أَحْفَظُ الحَدِيثَ، وَلَكِنَّهُ مِثْلُ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأنْصَارِيِّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَمْ يَرْفَعْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيُّ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَهَكَذَا رَوَى أَصْحَابُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأنْصَارِيِّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.

365 -

(567) - (2/ 456 - 457) وَرَوَى مَالِكُ بْن أَنَسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الخَوْفِ، فَذَكَرَ نَحْوَه.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَرُوِي عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً رَكْعَةً، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكعَتَانِ، وَلَهُمْ رَكعَةٌ رَكْعَةٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ اسْمُهُ: زَيْدُ بْنُ صَامِتٍ.

• قوله: "فَهِيَ"، أي: الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ. "لَهُ": للإمْام. "ثِنَتَانِ"، أي: حَصَلَ له ثِنَتَان. "وَلَهُمْ وَاحِدَةٌ"، أي: حَصَل لهُمْ بِها واحِدَةٌ.

ص: 499

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي خُرُوج النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجدِ

366 -

(570) - (2/ 459 - 460) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ايْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ"، فَقَالَ ابْنُهُ: وَاللهِ لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، فَقَالَ: فَعَلَ الله بِكَ وَفَعَلَ، أقُوُل: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَقُولُ: لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "ايذَنُوا": عامٌ خَصَّه الفَقَهَاءُ بأنْ لَا تطَيَّبَ ولا تَفْعَل ما يُفْضِي إلى الفِتْنَة بحديثِ: "إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَلَا تَمَسُّ طِيْبًا"

(1)

وأمثَاله، وبَعْضُهُمْ مَنَعُوا عن خُرُوْجِهِنَّ مُطْلَقًا لتَغَيُّر الزَّمَان.

• قوله: "دَغَلًا"، أي: خَدِيْعَةً، وأصْلُه الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ الَّذِيْ يَكْمُنُ أهلُ الفَسَادِ فيه "مجمع"

(2)

.

• قوله: "فَعَلَ اللهُ بِكَ": دُعَاءٌ عَلَيه، أي: مَا تَكْرَهُ.

(1)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة، ح: 443، وسنن النسائي، كتاب الزينة، باب: النهي للمرأة أن تشهد الصلاة إذا أصابت من البخور، ح: 5131، 5132، 5133، 5134، 5135، 5136.

(2)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 2/ 185.

ص: 500

• وقوله: "وَفَعَلَ": مُعَرِّضٌ، أي: وقد فُعِلَ بِكَ، يُقَال في الاسْتِجَابَة.

• وقوله: "أقُوْلُ

" إلخ، بَيانٌ لسَبَبِ الدُّعَاءِ وهُوَ مَا صَدَرَ منه من مُعَارَضَةِ النَّصِّ بالمَعْنَى، والنُّصُوْص للعَمَل لا للرَّدِّ بالمَعَانِي والعِلَل.

ص: 501

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي كَرَاهِيَةِ البُزَاقِ فِي المَسْجِدِ

367 -

(571) - (2/ 460 - 461) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُحَارِبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كُنْتَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْزُقْ عَنْ يَمِينِكَ، وَلَكِنْ خَلْفَكَ، أَوْ تِلْقَاءَ شِمَالِكَ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِكَ اليُسْرَى".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ طَارِقٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.

وَسَمِعْتُ الجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: لَمْ يَكْذِبْ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ فِي الإِسْلَامِ كَذبَةً، وقَالَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: أَثْبَتُ أَهْلِ الكُوفَةِ مَنْصُورُ بْن المُعْتَمِرِ.

• قوله: "فَلَا تَبْزُقْ عَنْ يَمِينِكَ"، أي: كَمَا لا تَبْزُقُ تِلْقَاء وَجْهِكَ تَعْظِيْمًا لحَالَةِ المُنَاجَاة مَعَ الرَّبِّ تَعَالى وتَأدُّبًا مَعَ مَلَكِ اليَمِيْنِ، ولَيْسَ هَذا الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بتَعْظِيْم المَسْجِدِ وإلا لكَانَ اليَمِيْنُ واليَسَارُ سَواءً.

368 -

(572) - (2/ 461 - 462) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا": يُفِيْدُ أنَّه لَيْسَ بخطِيْئَة لتَعْظِيْمِ المَسْجَدِ وإلا

ص: 502

لمَا أفَادَ الدَّفْنُ شَيْئًا، بل لتَأذِّي النَّاسِ بِه وبالدَّفْن يَنْدَفِعُ التَّأذِي.

وقد وقع التصريح به في حديث أحمد رواه بإسناد حسن: "مَنْ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَه أنْ تُصِيْبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أوْ ثَوْبَهُ فَيُؤْذَى بِهِ"

(1)

.

وروى أحمد

(2)

والطبراني

(3)

بإسناد حسن "مَنْ تَنَخَّعَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَدْفَنْهُ فَسَيِّئَةٌ وإنْ دَفَنَهُ فَحَسَنَةٌ" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. وفي حديث مسلم: "وَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أعْمَالِ أمَّتِيْ نُخَامَةً تَكُوْنُ فَي الْمَسْجِدِ بِلَا دَفْنٍ"

(4)

.

وزعَم بعضٌ أنَّه لتعظيم المسجد، فقال: إنْ اضطرَّ إلى ذلك كانَ البُصاق فوقَ البَواري والحصير خيرٌ من البصاق تحتَها؛ لأنَّ البواري ليْسَتْ من المسجد حقيقةً ولها حكمُ المسجد بخلاف تحتها وهذا بعيدٌ بالنَّظر إلى الأحَاديث، والأقربُ عكسُ ذلك؛ لأنَّ التَّأذِّي في البَواري أكثرُ منَ التَّأذِّي فيما تحتَها بل ما تحتَها بمنزلةِ الدَّفْن لها. واللّه تعالى أعلم.

(1)

راجع: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:

1/ 490، ح:1561.

(2)

راجع: مسند الإمام أحمد بن حبل: 9/ 193، ح:22880.

(3)

راجع: المعجم الكبير للطبراني: 8/ 341، ح:8092.

(4)

تختلف ألفاظ الحديث عما ذكر في المتن ففي صحيح مسلم: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِى حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِى أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ" راجع: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن البصاق في المسجد، في الصلاة وغيرها، ح:553.

ص: 503

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي النَّجْمِ

369 -

(575) - (2/ 464 - 465) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَزَّازُ البغداديُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْد الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا - يَعْنِي النَّجْمَ - وَالمُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ: يَرَوْنَ السُّجُودَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: لَيْسَ فِي المُفَصَّلِ سَجْدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

• قوله: "وَالمُشْرِكُونَ

"إلخ، لحُضورهِم في مَجْلِسه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم حينَ قرأ فسَجَدوا تبعًا لسُجُوْده، وقد ذكروا في سبَبِه قصَّةً طويلةً. الله أعلم بثبوتِها.

ص: 504

• قوله: "وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ": قال شارحُ الموطأ

(1)

: وبه قالَ الخلفاءُ الأربعةُ، والأئمةُ الثلاثة وغيرُهم، واستدلَّ بعضُ المالكيَّة بأنَّ أبا سلمةَ قال لأبي هريرةَ لمَّا سجد:"لقد سجدتَّ في سورةٍ ما رأيتُ النَّاسَ يسجُدُوْن فيها" فدلَّ هذا على أن النَّاس تركُوْه وجَرَى العملُ بتَرْكِه، وردَّه ابنُ عمر بما حاصِلُه، أي: عملٍ يدعي مع مخالفة المصطفى والخلفاءِ الرَّاشدين بعده. انتهى

(2)

.

(1)

هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المصري الأزهري المالكي، خاتمة المحدثين بالديار المصرية. مولده ووفاته بالقاهرة، ونسبته إلى زرقان من قرى منوف بمصر من مؤلفاته:"تلخيص المقاصد الحسنة"، في الحديث، و "شرح البيقونية"، في المصطلح، و "شرح المواهب اللدنية"، و"شرح موطأ الإمام مالك". راجع لترجمته: الأعلام للزركلي: 6/ 184، وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر: 4/ 32.

(2)

راجع: شرح الموطأ للزرقاني: 1/ 371.

ص: 505

‌بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ

• قوله: [فِيْهِ]: أي: في المفصل.

370 -

(576) - (2/ 466 - 468) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:"قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السُّجُودَ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حِينَ قَرَأَ، فَلَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالُوا: السَّجْدَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا، فَلَمْ يُرَخِّصُوا فِي تَرْكِهَا، وَقَالُوا: إِنْ سَمِعَ الرَّجُلُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ سَجَدَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَبِهِ يقُولُ إِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا، وَالتَمَسَ فَضْلَهَا، وَرَخَّصُوا فِي تَرْكهَا إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، حيث قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، فَقَالُوا: لَوْ كَانَتِ السَّجْدَةُ وَاجِبَةً لَمْ يَتْرُكِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم زَيْدًا حَتَّى كَانَ يَسْجُدَ، وَيَسْجُدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ قرَأَ سَجْدَةً عَلَى المِنْبَرِ، فَنَزَلَ فسَجَدَ، ثمَّ قَرَأَهَا فِي الجُمُعَةِ الثَّانِيَةَ، فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ، فَلَمْ يَسْجُدْ، وَلَمْ يَسْجُدُوا، فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ

ص: 506

الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.

• قوله: "وَتَأَوَّلَ

" إلخ، أشارَ بما ذَكَر إلى ثلاثةِ أجْوبةٍ عن الحديث:

حاصلُ الأوَّل: أن القاري إمامٌ للسَّامع فيجوزُ له أنْ يتركَ اتِّباعًا لإمامه، فترك النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم اتباعًا لترك زيد بْن ثابتٍ، وتركُ زيدٍ لعلَّه لصِغْرِه حينئذٍ.

وحاصل الثاني: وهو قوله: "وَقَالُوْا"، أي: قال بعضُهم

إلخ، أنَّه لعلَّه [كان] على غير وُضُوءٍ في ذلك الوقتِ فأخَّرَه حتى يتَوَضَّأ، فظنَّه زيدٌ أنَّه تَرَك، بل لعلَّ معْنَى كلامِ زيدٍ أنَّه لم يَسْجُدْ في الحَال بل أخَّر.

وحاصل الثالث: أن السَّجدةَ لَيْسَتْ بواجبةٍ وتركَها أحيانًا لا يضُرُّ ولا يدلُّ على عدَمِها.

ص: 507

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّجْدَةِ فِي "ص"

371 -

(577) - (2/ 469 - 470) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَسْجُدُ فِي "ص". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي ذَلكَ، فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَمْ يَرَوْا السُّجُودَ فِيهَا.

• قوله: "مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ"، أي: منَ السُّجودِ الوَاجبةِ المؤكَّدَة.

ص: 508

‌بَاب [مَا جَاءَ] فِي السَّجْدَةِ فِي الْحَجِّ

372 -

(578) - (2/ 470 - 472) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ:"نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلا يَقْرَأْهُمَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُه بِذَاكَ القَوِيِّ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب، وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُمَا قَالَا:"فُضِّلتْ سُورَةُ الحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ". وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ فِيهَا سَجْدَةً، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ.

• قوله: "فَلَا يَقْرَأْهُمَا": لأنَّ القراءةَ في حَقِّه تَصيرُ سببًا لتَرْكِ الوَاجب أو السُّنَّةِ المؤكَّدةِ وهي مندُوبةٌ، والمندوبُ إذا تَضَمَّنَ تركَ الوَاجب وَالمَسْنُون فأولى تركُه.

ص: 509

‌بَابُ مَا جاءَ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ القُرْآنِ

373 -

(579) - (2/ 472 - 474) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْن خُنَيْسٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا حَسَنُ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُوُلُ: اللهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ، قَالَ الحَسَنُ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي جَدُّكَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَجْدَةً، ثُمَّ سَجَدَ. قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ.

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

• قوله: "بِهَا"، أي: بسبَبِ هذه السَّجْدَة أو في مُقَابَلتِها.

ص: 510

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أن يُحَوَّلَ

إلخ

• الظَّاهر أن المرادَ به التَّحويلُ الصُّوري في الدُّنيا، ومثلُ هذا الكَلام يفيدُ إنْكَار عدمِ الخَشْيَة على فاعِله، وأنَّ مِنْ حَقِّه أنْ يخشى ولا يليقُ بحَالِه عدمُ الخَشيةِ، وهذَا لا يسْتلزمُ أن التحويلَ لازمُ التَّحَقُّقِ إذَا تقدَّمَ على الإمام، بل هو مِمَّا يُخافُ وجودُه حينئذٍ، فلا إشكالَ بأنَّ كثيرًا من النَّاس يتَقدَّمُون الأئمَّة ولا تَتحوَّلُ صُوَرُهم. ويمكنُ أنْ يُرَادَ به التَّحْويلُ البَاطنيُّ وهو أن يصيرَ بليدًا مثلَ الحمار في البَلادَة. وذكرَ "الرَأسِ": لأنَّه مَجْمَعُ العَقْل والفَهْم، أو أنْ يرادَ ذلك في الآخرةِ. والله تعالى أعلم.

ص: 511

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بَعْدَ ذَلِكَ

(1)

374 -

(583) - (2/ 477 - 478) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المَغْرِبَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فِي المَكْتُوبَةِ وَقَدْ كَانَ صَلَّاهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ جَائِزَةٌ، وَاحْتَجُّوا بحَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ، وَهوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ، وَرُوِي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ المَسْجِدَ وَالقوْمُ فِي صَلَاةِ العَصْرِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَائْتَمَّ بِهِمْ، قَالَ:"صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ". وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِذَا ائْتَمَّ قَوْمٌ بِإِمَامٍ وَهُوَ يُصَلِّي العَصْرَ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَصَلَّى بِهِمْ، وَاقتَدَوْا بِهِ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي فَاسِدَةٌ إِذَا اخْتَلَفَ نِيَّةُ الإِمَامِ وَنِيَّةُ الْمَأْمُومِ.

• قوله: "المَغْرِبَ": وفي رواية "العِشَاء"

(2)

واسمُ العِشاء يُطْلَق على المغرَب فلا يُنَافِيه، لكن في رواية مسلم "العِشَاءَ الآخِرَة"

(3)

وهو مشكلٌ إلا أنْ يُقال

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُصَلِّي الفَرِيضَةَ ثُمَّ يَؤُمُّ النَّاسَ بَعْدَ ما صلَّى.

(2)

راجع: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: إمامة من يصلي بقوم وقد صلى تلك الصلاة، ح:599.

(3)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: القراءة في العشاء، ح:465.

ص: 512

بتَعَدُّدِ الواقعة، والأقربُ العِشاء لضِيْقِ وقتِ المغرب، - والله تعالى أعلم - ثمَّ كلٌّ من اسمِ المَغْرب والعِشَاء لا يطْلق إلا على الفَرْض، فصار الحديثُ دليلًا على أنَّه كان يُصَلِّي الفرضَ معه صلى الله تعالى عليه وسلم.

• قوله: "فَيَؤُمُّهُمْ"، أي: فيها.

ص: 513

‌بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي الحَرِّ وَالبَرْدِ

375 -

(584) - (2/ 479 - 480) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الحَرِّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ رَوَى وَكيعٌ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ.

• قوله: "اتِّقَاءَ الحَرِّ": وحُكْم البَردِ يؤخَذُ من الحَديثِ بالقِياسِ على الحَرِّ.

ص: 514

‌بَابُ مَا ذُكِرَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ مِنَ الجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ

إلخ

376 -

(586) - (2/ 481 - 482) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ظِلَالٍ، عَنْ أَنسِ بن مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ الله حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ: عَنْ أَبِي ظِلَالٍ؟ فَقَالَ: هُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاسْمُهُ هِلَالٌ.

• قوله: "تَامَّةٍ

" إلخ، صِفةٌ لكلِّ منهما، والتَّكريرُ للتأكِيد، وجَعْلُه صفةً للأخير بحَذْفِ صفةِ الأوَّل غيرُ بعيدٍ، وجعله صفةً للأخير والتأنِيْث لاكْتسَابِه عن المُضَاف بعيدٌ.

ص: 515

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الالتِفَاتِ [فِي الصَّلَاةِ]

377 -

(587) - (2/ 482 - 483) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَيَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ خَالَفَ وَكِيعٌ الفَضْلَ بْن مُوسَى فِي رِوَايَتِهِ.

• قوله: "وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ"، أي: لا يصْرِفُه، من باب ضَرَبَ.

378 -

(589) - (2/ 484) حَدَّثَنَا أبُوْ حَاتِمٍ مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بنُ مالكٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالالتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الالتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الفَرِيضَةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "هَلَكَةٌ": بفتحتين، أي: هلاكٌ فإنَّه طاعةٌ للشَّيْطان، واستحالةٌ للصَّلاة من الكمالِ إلى النُّقْصان.

ص: 516

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الإِمَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ كَيْفَ يَصْنَعُ؟

379 -

(591) - (2/ 485 - 486) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِيْ إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرَةَ بن يَرِيْمَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَا: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَى أَحَدُكمُ الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلَّا مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الإِمَامِ. وَاخْتَارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ الإِمَامِ، وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ: لَعَلَّهُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ.

• قوله: "فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ"، أي: فليُشَارِكُه وهو في تلك الحَال، وليسَ المرادُ ظاهرُه إذ ليس له أنْ يبدَأ بالقِرَاءة من حيثُ يقرَأ الإمامُ فإنَّ هذا لم يقَلْ به أحدٌ. والله تعالى أعلم.

ص: 517

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الدُّعَاءِ

380 -

(593) - (2/ 488 - 489) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا الحَدِيثُ رَوَاه أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ مُخْتَصَرًا.

• قوله: "وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم": هو مبتدأ خبرُه محذوفٌ، أي: جالسٌ أو حاضرٌ.

ص: 518

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ [وَالنَّهَارِ] مَثْنَى مَثْنَى

381 -

(597) - (2/ 491 - 493) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَلِيٍّ الأزْدِيِّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلاة اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَوْقَفَهُ بَعْضُهُمْ، وَرُوِي عَنْ عَبْدِ اللهِ العُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوُ هَذَا. وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلَاة اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى". وَرَوَى الثِّقَاتُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَذْكرُوا فِيهِ صَلَاةَ النَّهَارِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ ابْنِ عمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِاللِّيْلِ مَثنَى مَثنَى، وَبِالنَّهَارِ أرْبَعًا.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: صَلَاة اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَرَأَوْا صَلَاةَ التَّطَوُّعِ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا، مِثْلَ الأرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَغَيْرِهَا مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "مَثْنَى مَثْنَى"، أي: ركعتين وهذا معنى "مَثْنَى": لِمَا فيه من التَّكْرِيْر، و"مَثْنَى" الثاني تأكيدٌ له، والمعنى ينبغي للنَّاس أن يُصُلُّوْها ركعتين ركعتين. والله تعالى أعلم.

ص: 519

‌بَابٌ: كَيْفَ يَتَطَوَّعُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّهَارِ

(1)

382 -

(598) - (2/ 493 - 494) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّهَارِ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لا تُطِيقُونَ ذَاكَ، فَقُلْنَا: مَنْ أَطَاقَ ذَاكَ مِنَّا، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَهُنَا كهَيْئَتِهَا مِنْ هَهُنَا عِنْدَ العَصْرِ صَلَّى رَكعَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَهُنَا عِنْدَ الظُّهْرِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَصَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا رَكعَتَيْنِ، وَقَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَالنَّبِيِّينَ، وَالمُرْسَلِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَالمُسْلِمِينَ.

• قوله: "إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا"، أي: من جِهَة الشَّرْق كهَيْئَتِها من ههنا، أي: من جِهَة الغَرْب.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابٌ كَيْفَ كَانَ تَطَوُّعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّهَارِ.

ص: 520

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَةِ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ

383 -

(602) - (2/ 498 - 499) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قال: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ الله، عَنْ هَذَا الحَرْفِ {غَيْرِءَاسِنٍ}

(1)

أَوْ "يَاسِنِ"؟ قَالَ: كُلَّ القُرْآنِ قَرَأْتَ غَيْرَ هَذَا الحرف؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ قَوْمًا يَقرَؤونَهُ يَنْثُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، إِنِّي لأَعْرِفُ السُّوَرَ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، قَالَ: فَأَمَرْنَا عَلْقَمَةَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرُنُ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ فِي رَكعَةٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "قَالَ: كُلَّ القُرْآنِ"، أي: قال عَبْدُ الله للسَّائِل: "كُلَّ القُرْآنِ" بتقدير الاسْتِفْهَام مع نصبِ "كُلَّ" على أنَّه مفعولٌ، أو رفْعُه على أنَّه مبتدأ، أو مفعولُ "قَرَأتَ" محذوف، و"قَرَأتَ" - بفتح التاء - على الخطاب. قال، أي: السائل: "نَعَم". قال: أي، عَبْدُ الله: "إنَّ قَوْمًا

"إلخ، تحريضًا للسَّائل على مُرَاعات الآدَاب في القراءةِ وحفظِ الحُقُوْق.

• وقوله: "يَنْثُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ"، أي: يرمون بكلماتِه من غير رَوِيَّةٍ وتأمُّلٍ، ويقطعون بين كلماتِه الواجبُ فيها الوَصْلُ كما يُروى. و"الدَّقَل": - بفتحتين - هو رديء التَّمَر منثورًا؛ فإنَّه لرَدَائته لا يُحْفَظُ، ويُلْقَى منثورًا من غير تأمُّل في أيِّ محلٍّ

(1)

محمد: 15.

ص: 521

يُرْمَى أو أنَّه ليُبْسِه ورَدَائه يُنْثر فيصير منثورًا.

• قوله: "تَرَاقِيَهُمْ": جمع "تَرْقُوَةٍ" - بالفتح - وهو العَظْم بين النَّحْر والعَاتِق، وهذا كنايةٌ عن عدم القَبُول والصَّعُوْد في موضعِ العَرْض، وعدم تَفَقُّهِ قلوبِهم، وعدم انْتِفَاعهِم به، أي: لا يتجاوزُ أثرُ قراءَتِهم عن مخارج الحُرُوْف إلى القلوبِ فلا يفقهونَه ولا يعملون به.

• قوله: "النَّظَائِرَ"، أي: في الطُّول والقصر، ومقتضى الظَّاهر أنْ يُرادَ النَّظائرُ في المعانِي، أي: أنَّه كان صلى الله تعالى عليه وسلم يُراعي الجَمْعَ ما بين السُّوَر لكونِها نظائرُ، وكَم من نَاسٍ يتركون الجمعَ بين الكلمات أيضًا.

• قوله: "يَقْرُنُ": - بالضم، والكسر - يجمعُ في القَراءَة.

ص: 522

‌بَابٌ فِي فَضْلِ المَشْيِ إِلَى المَسْجِدِ

إلخ

(1)

384 -

(603) - (2/ 499 - 500) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الأَعْمَشِ، سَمِعَ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لا يُخْرِجُهُ - أَوْ قَالَ: لَا يَنْهَزُهُ - إِلَّا إِيَّاهَا، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً"، أي: إنْ لم يكُنْ عليه خَطِيْئَةٌ، أو حَطَّ عنه إنْ كانَتْ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا ذُكِرَ فِي فَضْلِ المَشْيِ إِلَى المَسْجِدِ وَمَا يُكْتَبُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ فِي خُطَاهُ.

ص: 523

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ المَغْرِبِ أَنَّهُ فِي البَيْتِ أَفْضَلُ

385 -

(604) - (2/ 500 - 502) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِيْ الوَزِيرِ البَصَرِيُّ ثِقَةٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ المَغْرِبَ، فَقَامَ نَاسٌ يَتَنَقَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي البُيُوتِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيْثِ كعْبِ بْنِ عُجْرَةَ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِب فِي بَيْتِهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى المَغْرِبَ فَمَا زَالَ يُصَلِّي فِي المَسْجِدِ حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دِلالَةٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي المَسْجِدِ.

• قوله: "فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ

" إلخ، فثَبَتَ الأمرانِ بحمدِ اللهِ والأفْضَلُ البيوتُ كما ثَبت ذلك في عُمومِ النَّوَافل مع أن حديثَ ابن عمر يُشْعِرُ بأنَّ العادةَ كانتْ هي الصَّلاة في البيتِ، وحديثُ حذيفةَ لا يدُلُّ على خلافِه بل يَدُلُّ على وقوعِ هذه الصَّلاة في المسجد، فصارتْ في البيت أفضلُ؛ لكونِها العادة.

ص: 524

‌بَابُ [مَا ذُكِرَ] فِي الاغْتِسَالِ عِنْدَمَا يُسْلِمُ الرَّجُلُ

386 -

(605) - (2/ 502 - 503) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الأغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ قيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ لِلرَّجُلِ إِذَا أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ.

• قوله: "بِمَاءٍ"، أي: تنظيفًا للظَّاهر ليُناسبَ طهارةَ البَاطِن، ولأنَّه يشتَغِلُ بالصَّلاةِ ولا يُؤمَن عليه النَّجَاسَةُ قبل ذلك.

ص: 525

‌بَابُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلَاءِ

387 -

(606) - (3/ 503 - 505) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ، حَدَّثَنَا خَلَّادٌ الصَّفَّارُ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ النَّصْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاءَ، أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ القَوِيِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَشْيَاءُ فِي هَذَا.

• قوله: "سَتْرُ مَا بَيْنَ

"إلخ، كأنَّها لكَمَال مبالَغَةِ إفادةِ سِتْر العَوْرَة عن أعْيُن الجِنِّ صارَتْ سِتْرًا لِمَا بينَ العَوْرَات والأعْيُن من المَسَافةِ أيضًا.

ويحتمل أن الله تعالى يُعْمِيْهم عن العَوْرَات والأعْيُن من المَسَافةْ ببَرْكَة التَّسْمِيَة، فلا يَرَوْن العَوْرات ولا ما بينهما وبينَ الأعْيُن من المسافةِ كحَال الأعْمَى، والمرادُ "بِالْجِنِّ": الشَّياطين الحاضرين في مَحَلِّ النَّجَاسات.

ص: 526

‌بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ سِيمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ آثَارِ السُّجُودِ وَالطُّهُور

388 -

(607) - (2/ 505 - 506) حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ غُرٌّ مِنَ السُّجُودِ، مُحَجَّلُونَ مِنَ الوُضُوءِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ.

• قوله: "غُرٌّ": - بضَمِّ المُعجمَةِ، وتشديد المُهْملَةِ - أي: بِيْضٌ. و"مُحَجَّلُونَ": من التَّحْجِيل - بتَقْدِيْم الحَاء المُهْمَلة على الجيم - أي: بِيْضُ الأطْرَاف، وكأنَّ نُوْرَ وجوهِهم أقْوى، فنسب إلى السُّجودِ بخلاف نُوْرِ الأطراف وإلا فالوُضُوءُ يَشْمَلُ الوجهَ أيضًا.

ص: 527

‌بَابُ مَا ذُكِرَ قَدْر مَا يُجْزِئُ مِنَ المَاءِ فِي الوُضُوءِ

389 -

(609) - (2/ 507 - 509) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ ابْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يُجْزِئُ فِي الوُضُوءِ رِطْلَانِ مِنْ مَاءٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ تتَوَضَّأُ بِالمَكُّوكِ، وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ مَكَاكِيَّ، وَرُوِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَتَوَضّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ. وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ.

• قوله: "بِالمَكُّوْكِ": المرادُ بالمَكُّوْكِ: المُدُّ. وقيل: الصَّاع، والأوَّل أثْبَتُ؛ لأنَّه جاءَ في حديثٍ آخر مُفَسَّرًا بالمُدِّ

(1)

. و"المَكَّاكيُّ" جمعُ مَكُّوْكٍ على إبدَالِ الياءِ من الكافِ الآخرة. و"المَكُّوْكُ": اسم للمكيالِ، ويختلف مِقْدارُه باختلافِ اصْطِلاح النَّاسِ عليه في البلادِ. كذا في "النهاية"

(2)

.

(1)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب: القدر المستحب في غسل الجنابة

، ح: 235، سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة، ح: 267، 268، 269.

(2)

راجع: النهاية الجزرية لابن الأثير: 8/ 3975.

ص: 528

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي نَضْحِ بَوْلِ الغُلَامِ الرَّضِيعِ

390 -

(610) - (2/ 509 - 510) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي بَوْلِ الغُلَامِ الرَّضِيعِ:"يُنْضَحُ بَوْلُ الغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ"، قَالَ قَتَادَةُ:"وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. رَفَعَ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَأَوْقَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.

• قوله: "فِي بَوْلِ الغُلَامِ"، أي: في وَقْعةِ بَوْلِ الغُلام وفي صورةِ تَحَقُّقِه أي: في بيانِ حُكْمِه وحكمِ بول الجَاريةِ إلا أنَّه حذفَ الثَّاني بقرينةِ المَقَام، أو في بيان حُكِمِه وذَكَر حكم بَوْل الجاريةِ اسْتِطْرادًا، وهذا الحديثُ بظاهرِه يُفِيْد أنَّه لا حاجةَ في بول الغُلام إلى الغَسْل، فمن يقولُ فيه بالغَسْل يَحمِلُ النَّضْحَ على الغَسْل الخَفيفِ.

ص: 529

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الرُّخْصَةِ لِلْجُنُبِ

إلخ

391 -

(613) - (2/ 511 - 512) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ عَمَّارٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَشْرَبَ، أَوْ يَنَامَ أَنْ تتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "أَنْ يَتَوَضَّأَ": ظاهِرُه أنَّه يُكْرَه له فعل هذه الأشياء بلا وُضُوءٍ.

ص: 530

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ

392 -

(614) - (2/ 512 - 514) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ القَطَوَانِيُّ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا غَالِبٌ أَبُو بِشْرٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ الطَّائِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أُعِيذُكَ بِاللهِ يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ مِنْ أُمَرَاءَ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلا يَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، وَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ أَوْ لَمْ يَغْشَ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي كَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ، يَا كعْبَ بْنَ عُجْرَةَ الصَّلَاةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، يَا كعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى. وَأَيُّوبُ بْنُ عَائِذٍ الطائيُّ يُضَعَّفُ وَيُقَالُ: كَانَ يَرَى رَأْيَ الإِرْجَاءِ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ الله بْنِ مُوسَى وَاسْتَغْرَبَهُ جِدًّا.

• قوله: "فَمَنْ غَشِيَ": مِنْ غَشِي الشَّيءَ لابَسَه، أي: دخل أبوابَهم.

• قوله: "فَلَيْسَ مِنِّي": كناية عن قَطْعِ الوُصْلة بين ذلك الرَّجُل وبينَه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلم.

• قوله: "وَلَا يَرِدُ": مِنْ وَرَدَ الماءَ. "فَالْحَوْضَ": مفعولُه. "وَعَلَيَّ":

ص: 531

بتشديد الياء.

• قوله: "فَهُوَ مِنِّي": كنايةٌ عن بَقَاءِ الوُصْلة بينَ ذلك الرجل وبينَه صلى اللهُ تعالى عليه وسلم بشَرْط أنْ لا يكونَ قاطعٌ آخر.

• قوله: "الصَّلَاة بُرْهَانٌ"، أي: حُجَّة، ودليلٌ على إيمانِ صاحبِهَا.

• قوله: "وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ": - بضَمِّ الجيم، وتشديد النُّوْن - التُّرْس، أي: مانعٌ من النَّار، أو من المَعَاصي بكسر الشَّهْوة وضُعْفِ القُوَّة.

• قوله: "تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ": الخَطِيْئَة؛ لكونِها تؤدِّيْ إلى النَّار نزَلَتْ منزلَها، فَعَبَّر عن رَفْعِها وقَلْعِها بالإطْفاء المُناسب بالنَّار.

ص: 532

‌أَبْوَابُ الزَّكَاةِ

(1)

[بابُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ مِنَ التَّشْدِيدِ]

393 -

(617) - (3/ 3 - 4) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ التميميُّ الكوفيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قَالَ: فَرَآنِي مُقْبِلًا، فَقَالَ:"هُمُ الأخْسَرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لِي لَعَلَّهُ أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"هُمُ الأَكْثَرُونَ، إِلَّا مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا"، فَحَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَمُوتُ رَجُل، فَيَدَعُ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا، لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهَا، إِلَّا جَاءَتْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: لُعِنَ مَانِعُ الصَّدَقَةِ. وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَاسْمُ أَبِي ذَرٍّ: جُنْدَبُ بْنُ السَّكَنِ، وَيُقَالُ: ابْنُ جُنَادَةَ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: كِتابُ الزَّكَاةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ص: 533

حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ:"الأَكْثرونَ أَصْحَابُ عَشَرَةِ آلَافٍ".

قال: وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيْرٍ مَرْوَزِيٌ رجلٌ صالحٌ.

• قوله: "هُمُ الأَكْثَرُونَ": ضميرُ "هُمْ" للأخْسَرين، أي: الخَاسِرون هم الأكْثرون أموالًا، ويَلْزَم منه أن كُلَّ من هو أكْثَر مالًا خَسِرَ، فقوله:"إِلَّا مَنْ قَالَ" استثناءٌ لا منه، أي: إلا من تَصَدَّقَ منَ الأكْثَرِيْن في جميعِ الجَوَانِب وهو كنايةٌ عن كَثْرَةِ التَّصَدُّق فذَاك ليس من الأخْسَرين.

• وقوله: "قَالَ: إلَّا"، أي: بمَعَنى تَصَدَّقَ.

• وقوله: "هَكَذَا": إشارةٌ إلى حَثْيِة في الجَوانِب الثَّلاثَة، أي: تَصَدَّقَ في جميعِ الجِهَات تصدُّقًا كالحَثْي في الجِهَات الثَّلاثِ، أو بمعنى فَعَل، أي: إلا مَنْ فعل بمَالِه فعلًا مثلَ الحَثْي في الجِهَات الثَّلاثِ وهو كنايةٌ عن التَصَدُّقِ العَام في الجِهَات الثَلاثِ، وحَثْيُه صلى الله تعالى عليه وسلم بيانٌ للمُشَار إليه "هَكَذَا" والعَرْب تَجْعَلُ القَوْل عبارةً عن جميع الأفْعَال.

ص: 534

[بابُ مَا جَاءَ إذَا أَدَّيْتَ الزَّكَاةَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ]

394 -

(618) - (3/ 4 - 5) حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ ابْنِ حُجَيْرَةَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُجَيْرَةَ البصريُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ ذَكَرَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُول اللهِ هَلْ عَليَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ".

• قوله: "فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ"، أي: مِنْ حُقوقِ المَال وهذا يَقْتَضي أنَّه ليسَ عليه واجبٌ مَالِيٌّ غيرَ الزَّكاة، وباقيُ الصَّدَقات كُلُّها تَطَوُّعٌ، وهذا مشكلٌ بصدَقَة الفِطْر والنَّفقَات الوَاجِبَة إلا أنْ يُقَال: الكلامُ في حُقُوْقِ المَال وليسِ شيءٌ من هذه الأشْيَاء من حُقُوْقِ المَال بمعنى أنَّه يُوْجبُ المَالَ، بل يُوْجِبُه أسبابٌ أخَر كالفِطْر، والقَرَابة، والزَّوَاج وغير ذلك فالحقوقُ التي يُوْجِبُها المال تُقْضَى بالزَّكاةِ. والله تعالى أعلم.

395 -

(619) - (3/ 5 - 6) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نَتَمَنَّى أنْ يَأتِيَ الأعْرَابِيُّ العَاقِلُ فيَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ أَتَاهُ أَعْرَابيٌّ، فَجَثَا بَيْنَ يَدَي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَسُولَكَ أَتَانَا فزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ الله أرْسَلَكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ

ص: 535

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَبِالَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ، وَبَسَطَ الأرْضَ، وَنَصَبَ الجِبَالَ، آللهُ أرْسَلكَ؟ فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ". قال: فإِنَّ رَسُولكَ زَعَمَ لنا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ" قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بهَذَا؟ قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّك تَزعُمُ أَنَّ عَليْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِي السَّنَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"صَدَقَ". قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللّهُ أَمَرَكَ بهَذَا؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ". قَالَ: فإِنَّ رَسُولكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزعُمُ أَنَّ عَليْنَا فِي أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ". قال: فإِنَّ رَسُولكَ زَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ عَليْنَا الحَجَّ إِلَى البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ". قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"نَعَمْ". فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَدَعُ مِنْهُنَّ شَيْئًا وَلَا أُجَاوِزُهُنَّ، ثُمَّ وَثَبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنْ صَدَقَ الأَعْرَابِيُّ دَخَلَ الجَنَّةَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: فِقْهُ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ القِرَاءَةَ عَلَى العَالِمِ وَالعَرْضَ عَلَيْهِ جَائِزٌ مِثْلُ السَّمَاعِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الأعْرَابِيَّ عَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَقَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "نَحْنُ كَذَلِكَ"، أي: على ذلك التَّمَنِّى. "فَجَثَا"، أي: جَلس على رُكْبَتَيه بينَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم.

• قوله: "فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ": خَاطَبه بالاسم؛ لكونِه أعرابيًا غيرَ عالمٍ

ص: 536

بالآداب.

• قوله: "فَزَعَمَ لَنَا"، أي: قال لنَا مِنْكَ.

• قوله: "فَبِالَّذِي": أقْسِمُ عليكَ، قال به لزِيَادَة التَّوْثِيق والتَّثْبِيْتِ كما يُؤْتَى بالتَّاكيدِ كذلك، ويَقَعُ ذلك في أمْر يُهْتَمُ بشَأنِه، ولم يَقُلْ ذلك لإثْبَاتِ النُبُوَّةِ بالحَلْف، فإنَّ الحَلْف لا يكْفِى في ثُبُوْتِها، ومُعْجِزَاتُه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت مشهورةً معلومةً [فهي] ثابتةٌ بتلك المعجزات.

• قوله: "آللهُ": - بمدِّ الهمزةِ للاستفهام - كما في قوله تعالى: {ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ} (1)

• قوله: "ثُمَّ وَثَبَ"، أي: قام بسُرْعَةٍ.

ص: 537

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكاةِ الإِبِلِ وَالغَنَمِ

396 -

(621) - (3/ 8 - 9) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ البَغْدَادِيُّ، وَإِبْرَاهيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الهَرَوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ المَرْوَزِيُّ - المَعْنَى وَاحِدٌ - قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ كتَابَ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عُمَّالِه حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، وَعُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، وَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ مِنَ الإِبِلٍ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ابْنهُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا حِقَّة إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَجَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وفي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وفي الشَّاءِ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَشَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ فَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةِ شَاةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةِ شَاةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، ثُمَّ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَ مِائَةِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَيْبِ". وقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا جَاءَ المُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاءَ أَثْلَاثًا: ثُلُثٌ خِيَارٌ، وَثُلُثٌ أَوْسَاطٌ، وَثُلُثٌ شِرَارٌ، وَأَخَذَ المُصَدِّقُ مِنَ الوَسَطِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزُّهْرِيُّ البَقَرَ.

ص: 538

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَبَهْزِ بْن حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَنسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ. وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ هَذَا الحَدِيث، وَلَمْ يَرْفَعُوهُ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ.

• قوله: "فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ": إشارةٌ إلى أن من مَنَع ما في هذا يُقَاتَل بالسَّيْف، وقد وقع المَنْعُ والقِتَال في خلافةِ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وثُبَاتُه على القِتَال مع مُدَافَعَة الصَّحَابة أوَّلا يُشِيْر إلى أنَّه فَهِم الإشارةَ. - والله تعالى أعلم - من فوائدِ بعض المشائخ.

• قوله: "ثَلَاثُ شِيَاهٍ": - بالكسر - جمعُ شاةٍ.

• قوله: "بِنْتُ مَخَاضٍ": - بفتح الميم، والمعجمة الخفيفة -[التي] أتَي عليها حولٌ، ودخلت في الثَّاني، وحمَلَتْ أمُّها. "وَالمَخَاضُ": الحاملُ، أي: دخل وقتُ حَمْلِها وإن لم تَحْمِلْ. "وبِنْتُ اللَّبُوْن": بوَضْع الحَمْل. "وَالحِقَّةُ": - بكسر المهملة، وتشديد القاف - هي التي أتَتْ عليها ثلاثُ سنين.

"والجَذَعَةُ": - بفتح الجيم والذَّال المُعْجمة - هي التي أتَى عليها أربعُ سنين.

• وقوله: "فَإِذَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ

" إلخ، أي: إذا زَاد على هذا العَدَد ففي كلِّ خمسين من هذَا العَدَد والزَّائِد حِقَّة، وليس معناه ففي كُلِّ خمسين من الزَّائِد معَ بَقَاء هذا العَدَد على ما علم فيه من الزَّكَاة، بل الكلُّ يُؤْخَذ على عدَدَ الأربعِيْنَات والخمسينات، مثلا: إذا. زادَ على العدد المذكور، فالكلُّ يُعتبَر ثلاثُ أربعينات، فيها ثلاثُ بنات لَبُوْن إلى ثلاثين ومائةً، وفي ثلاثين ومائة حِقَّةٌ لخمسين، وبنتا لبونٍ لأربعين وهكذا، ولا يظهر التَّغَيُّر إلا

ص: 539

عند عشرةٍ.

• قوله: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً": المرادُ عمومُ الحكم لكل أربعين شاةً بالنَّظْر إلى الأشْخاص، أي: في شاةٍ شاةٌ كائنةٌ لمن كان، أو بالنَّظر إلى شخصٍ واحدٍ ففي أربعين شاةً، ولا شيءَ بعد ذلك حتى يبلغَ إلى عشرينَ ومائةٍ.

• قوله: "وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ

"إلخ، على بناءِ المفعول، ومعناه عندَ الجُمهور على النَّهْي، أي: ليسَ لمَالكَيْن يَجِبُ على مالِ كلٍّ منهما صدقةٌ ومالُهُما مُتَفَرِّقٌ بأنْ يكونَ لكُلٍّ مِنْهُما أربعونَ شاةً يَجِبُ عليه فيها شاةٌ واحدةٌ أن يَجْمَعَا. أو أن حضورَ المُتَصَدَّق مخافةَ أنْ يَجِبَ على كلٍّ منهما شاةٌ، أو مَخَافةَ أنْ يأخُذَ المُتَصَدِّقُ من كلٍّ منهما شاةً، وفرارًا عن لُزُوْم الشَّاةِ إلى نِصْفِها لأنَّه عندَ الجمع يُؤخَذُ من كلِّ المَال شاةٌ واحدةٌ.

• وقوله: "وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ": أيضًا على بناءِ المفعول، ومعناه عندَ الجمهور على النَّهْي، أي: ليس لشَرِيْكَيْن مالُهما مُجْتَمَعٌ أنْ يكونَ لكُلِّ منهما مائةُ شاةٍ وشاةٌ، فيكونُ عليهما عندَ الاجتماع ثلاثُ شياهٍ أنْ يفرِّقَا مالَهُمَا ليكونَ على كلِّ واحدٍ شاةٌ واحدةٌ فقط مخافةَ لُزُوْم الزِّيَادَة في الصَّدَقة، أو مخافةَ أن يأخُذَ السَّاعِي الزَّائِدَ في الصَّدَقة.

فالحاصل: أن الخلْطَةَ مؤثِّرَةٌ عندَهُمْ في زِيَادَةِ الصَّدقةِ ونُقْصَانِها لا ينبغي لهما أنْ يفعلوا ذلك فرارًا عن زيادةِ الصَّدقة فقط.

• وقوله: "مَخَافَةَ": مُتَعَلِّقٌ بالفعلين على التَّنَازُع، ويحتمل أنْ يُجْعلَ مُتَعَلِّقًا بفعلٍ يَعُمُّ الفعلين، أي: لا يُفْعَلُ شيءٌ من ذلك مخافةَ الصدقة.

وأما عند أبي حنيفة فلا أثرَ للخلْطَة، فمعنى الحديثِ عندَه نفيُ الخلاط

ص: 540

لنفي الأثَر، بمعنى لا أثرَ للخلطة في تقليلِ الزَّكاةِ وتكثيرِهَا، فالنَّفْيُ محمولٌ على ظاهره وهو راجع إلى القَيْدِ.

• قوله: "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ

" إلخ، الخَلِيطُ المخالطُ، والمرادُ به الشَّريكُ الذي يُخَالِطُ مالَه بمالِ شَرِيْكه، والتَّراجُع بينَهما بالتَّسْوِيَة إنْ رجع كلٌّ منهما على صاحِبِه بقدر ما يُسَاوِي ماله إذا أعطَى صاحبُه زكاتَه من المَال المشترك، مثلا: لأحدهما أربعونَ بقرةً وللآخر ثلاثون بقرةَ ومالهما مُخْتَلَطٌ، فأخَذَ السَّاعِيُّ عن صاحبِ الأربعين مُسِنَّةً، وعن صاحب الثلاثين تَبِيْعًا وكلٌّ أعطَى من المَال المُشْتَرَك، فرجعَ صاحُب أربعين بأربْعَةِ أسْبَاع التَّبِيْعِ على صاحبِ ثلاثين، وصاحبُ ثلاثين بثلاثَةِ أسْبَاع المُسِنَّةِ على صاحبِ أربعينَ وهذا عند أبي حَنِيْفَةَ.

وأما عندَ غيره فمعناه ما كان مُتَمَيِّزا لأحدِ الخَلِيْطَيْن، فأخذَ السَّاعِي من ذلك المُتَمَيِّزِ يرجعُ إلى صاحبِه بحِصَّتِه، بأنْ كان لكلٍّ عشرون، وأخذَ من مال أحدِهِما يرجعُ بقِيمةِ نصفط شاةٍ، فإن كان لأحدهما عشرون، وللآخر أربعون مثلًا، فأخَذَ من صاحب عشرينَ يرجع على صاحب أربعين بالثُّلُثَيْن، وإن أخَذَ منه يرجع عليه بالثُّلُثِ. والله تعالى أعلم.

ص: 541

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ البَقَرِ

397 -

(622) - (3/ 10 - 11) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"فِي ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ".

وَفِي البَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَكَذَا رَوَاه عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، وَعَبْدِ السَّلَامِ ثِقَةٌ حَافِظٌ. وَرَوَى شَرِيكٌ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللهِ أَبِيهِ.

• قوله: "تَبِيْعٌ": التَّبِيعُ ما دخل في الثَّانِيَة، و"المُسِنَّةُ": ما دخل في الثَّالثة.

398 -

(623) - (3/ 11) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بْن جَبَلٍ، قَالَ:"بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى اليَمَن، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ، وَهَذَا أَصَحُّ.

==

• قوله: "وَمنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا"، أي: في الجِزْية، "أو عِدْلَه": بفتح العين أي: ما يُسَاوِيْه، وقيل: بالكسر أيضًا.

ص: 542

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَخْذِ خِيَارِ المَالِ فِي الصَّدَقَةِ

399 -

(625) - (3/ 21 - 31) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ لَهُ:"إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْترضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً في أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ".

وَفِي البَابِ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ. قَالَ أبوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَبُو مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: اسْمُهُ نَافِذٌ.

• قوله: "فَأَعْلِمْهُمْ": من الإعْلام.

ص: 543

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الزَّرْعِ وَالتَّمْرِ وَالحُبُوبِ

400 -

(626) - (3/ 31) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.

401 -

(627) - (3/ 31 - 41) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ عَبْد العَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ.

وَالوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا، وَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ: ثَلَاثُ مِائَةِ صَاعٍ، وَصَاعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ. وَصَاعُ أَهْلِ الكُوفَةِ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ. وَالأوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَخَمْسُ أَوَاقٍ: مِائَتَا دِرْهَمٍ. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، يَعْنِي: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ.

ص: 544

• قوله: "خَمْس ذَوْدٍ": - بفتح المُعجمة، وسكون الواو - قال النَّووي

(1)

: الروايةُ مشهورةٌ بإضافةِ خمسٍ إلى ذَوْدٍ، ورُوِيَ بتنوين "خَمْس" ويكونُ بدلًا منه. والذَّوْدُ: من الثَّلاثة إلى العَشر لا واحدَ له من لَفْظِه، وإنَّما يُقال في الواحد: بَعِيْرٌ، والمعنى أن الإبلَ إذا كانت أقَلَّ من خَمْسٍ فلا صدقَةَ فيها. و "أوَاقٍ": كجَوَارٍ.

• قوله: "وَالوَسْقُ": - بفتح الواو أشهرُ من كسرها - وهو أحَدُ الأوْسُق.

• قوله: "وَصَاعُ أَهْلِ الكُوفَةِ

"إلخ، يعنى فلا عبرةَ بقولهم في الصَّاعِ؛ لأنَّهم أخذوا ذلك بقِيَاسِهم صَاعَه صلى الله عليه وسلم بصَاعِهِمْ.

• قوله: "والوَقْيَةُ": الأوَاقِي جمعُ وَقْيَة - بضَمِّ الهمزة، وتشديد التَّحْتيِة - ويقال لها:"الوَقْيَةُ" بحذف الألف وفتح الواو.

• قوله: "يَعْنِي: لَيْسَ

"إلخ، ظاهِرُه أنَّه تفسيرُ اللَّفْظ على أن المرادَ بخَمْسِ ذَوْدٍ هو خمسٌ وعشرونَ من الإبل، وليس فيما دونَ خمسٍ من الإبل صدقةٌ كذلك بل هو بيانٌ لِمَا عليه الأمرُ، وإنَّما المرادُ في الحديث "وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ صَدَقَة" والمرادُ التَّصَدُّقُ بغير جِنْسِه وهو التَّصَدُّق بشاةٍ لا التَّصَدُّق بجِنْسِه وهو في بعض النُّسَخِ: "ولَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسٍ" فقط، بدون لفظ عشرين وهو أليقُ بلفظ الحديث. والله تعالى أعلم.

• قوله: "لَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسٍ وعِشْرِيْنَ مِنَ الْإبِلِ صَدَقَة"، أي: من جِنْسِه.

(1)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 7/ 50.

ص: 545

‌بَابُ مَا جَاءَ لَيْسَ فِي الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ صَدَقَةٌ

402 -

(628) - (3/ 41 - 51) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ، وَلَا فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ".

وَفِى البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَل عَليْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلمِ: أَنَّهُ ليْسَ فِي الخَيْلِ السَّائِمَةِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الرَّقِيقِ إِذَا كَانُوا لِلْخِدْمَةِ صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا لِلتِّجَارَةِ، فَإِذَا كَانُوا لِلتِّجَارَةِ فَفِي أَثْمَانِهِمُ الزَّكَاة إِذَا حَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ.

• قوله: "لَيْسَ فِي الخَيْلِ السَّائِمَةِ

" إلخ، إذا لم يَكُنْ في السَّائِمة، ففي غير السَّائِمَة بالأوْلى.

ص: 546

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ العَسَلِ

403 -

(629) - (3/ 51 - 61) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ صَدَقَةَ بْنٍ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي العَسَلِ: "فِي كلِّ عَشَرَةِ أَزُقٍّ زِقٌّ".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَيَّارَةَ المُتُعِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا البَابِ كَبِيرُ شَيْءٍ.

وَالعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ فِي العَسَلِ شَيْءٌ.

وَصَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ لَيْسَ بِحَافِظٍ، وَقَدْ خُولِفَ صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي رِوَايَةِ هَذَا الحَدِيثِ، عَنْ نَافِعٍ.

• قوله: "أزُقٌّ": - بفتح همزةٍ، وضمِّ زاءٍ، وتشديدِ قافٍ - جمعُ زِقٍّ.

ص: 547

‌بَابُ مَا جَاءَ لَا زَكَاةَ عَلَى المَالِ المُسْتَفَادِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ

404 -

(632) - (3/ 71 - 81) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَول عِنْدَ رَبِّهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَرَوَاه أَيُّوبُ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفًا. وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَلِيُّ بْنُ المَدِيتيِّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ وَهُوَ كَثِيرُ الغَلَطِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنْ لَا زَكَاةَ فِي المَالِ المُسْتَفَادِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَول، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ سِوَى الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ - مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ - لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي المَالِ المُسْتَفَادِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، فَإِنْ اسْتَفَادَ مَالًا قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الحَولْ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي المَالَ المُسْتَفَادَ مَعَ مَالِهِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الكُوفَةِ.

• قوله: "المُسْتَفَادِ": استفادَ، أي: اكْتَسَبَ.

• قوله: "عِنْدَ رَبِّهِ": إنْ كان ضميرُ "رَبِّهِ" للمَال فالظَّرفُ مُتَعَلِّقٌ بقوله:

ص: 548

"فَلَا زَكَاةَ فِيهِ"، ويحتملُ أنْ يقال: هذا الحكمُ ثابتٌ عندَ رَبِّه فهو خبرٌ لمحذوفٍ، وجعْلُه لصاحبِ المَال أظهرُ، إذْ لو كانَ للمَال لكانَ الأقربُ عندَه ليَرْجعَ الضَّميرُ إلى "مَنْ"، فتأمَّلْ.

ص: 549

‌بَابُ مَا جَاءَ لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ جزْيَةٌ

405 -

(632) - (3/ 81) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ جِزْيَةٌ".

406 -

(634) - (3/ 81 - 91) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوس بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.

وفي البَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَدِّ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ قَابُوس بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إِذَا أَسْلَمَ وُضِعَتْ عَنْهُ جِزْيَةُ رَقَبَتِهِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ عُشُورٌ"، إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ: جِزْيَةَ الرَّقَبَةِ، وَفِي الحَدِيثِ مَا يُفَسِّرُ هَذَا حَيْثُ قَالَ:"إِنَّمَا العُشُورُ عَلَى اليَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ عُشُورٌ".

"إِنَّمَا يَعْنِى [بهِ: جِزْيَةَ] الرَّقَبَةِ"، أي: لا خِرَاجُ الأرْض.

ص: 550

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الحُلِيِّ

407 -

(635) - (3/ 91) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ بْنِ المُصْطَلِقِ، عَنْ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْد اللهِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ".

408 -

(636) - (3/ 91 - 20) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ ابْنِ أَخِي - زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَه.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَهِمَ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ: عَنْ عَمْرو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ، وَالصَّحِيحُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِت ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْن شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم انهُ رَأَى فِي الحُلِيِّ زَكَاةً. وَفِي إِسْنَادِ هَذا الحَدِيثِ مَقَالٌ.

وَاخْتَلَف أَهْلُ العِلْمِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ فِي الحُلِيِّ زَكَاة، مَا كَانَ مِنْهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ. وقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَيْسَ فِي

ص: 551

الحُلِيِّ زَكَاةٌ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِك بْنُ أَنَسٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

409 -

(637) - (3/ 20 - 21) حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ امْرَأتيْنِ أَتَتَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُمَا:"أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟ "، قَالتَا: لا، قَالَ: فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ بِسُوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ "، قَالتَا: لا، قَالَ:"فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيث قَدْ رَوَاه المُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، نَحْوَ هَذَا، وَالمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ. وَلا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ.

• قوله: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ": الظَّاهر أنَّه أمرُ نُدُبٍ بالصَّدَقة النَّافِلَة؟ لأنَّه خِطابٌ للحَاضِرَات، وبعيدٌ أنَّهن كلُّهُنَّ مِمَّنْ فُرِضَ عليهنَّ الزكاةُ، وكأنَّ المُصَنِّفَ حمله على الزَّكاةِ، لأنَّ الأصلَ في الأمرِ الوجوبُ ولا يستقيمُ ذاك إلا بالنَّظْر إلى الزَّكَاة، لكن لو سُلِّمَ ذلك أيضا فالاسْتِدْلالُ بالحديثِ على وُجوبِ الزَّكاة؛ لأنَّ الأصلَ في الأمر الوُجُوْبُ ولا يستقيمُ في الحُلِيِّ إذْ الظَّاهر أن معنى قوله:"وَلَوْ مِنْ حُلِيَكُنَّ"، [أي]: ولو تَيَسَّرَ ذلك من حُلِيِّكُنَّ، وهذا لا يدلُّ على أنَّه يجب في الحُلِيِّ إذْ يجوزُ أنْ يكونَ واجبًا على الإنسان في أموالِه الأخَر ويؤدِّيْه من الحُلِيِّ، [ففي] ذكرِ المصنِّف [هذا] الحديثَ في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ، فلعلَّه ذَكَرَه لزَعْم بعضِ النَّاس [أن] دلالةَ الحديث على وجوب الزَّكاةِ في الحُلِيِّ، وأرَادَ رَدَّهم فقال في آخِر البابِ:"وَلَمْ يَصِحُّ فِي هَذَا البَاب" تنبيهًا على هذا.

ص: 552

وفي "المجمع" ليس فيه وجوبُ الزَّكاة فيها؛ لأنَّ ما قَبْلَه تَحْضِيْضٌ ومبالغةٌ في الخَير. "وَحُلِيِّكُنَّ": - بضَمِّ حاءٍ، وكسر لامٍ، وشدةِ تَحْتِيَةٍ - على الجَمْع، ويجوزُ فتحُ الحاءِ وسكونُ اللَّام مفردًا. انتهى

(1)

.

قلتُ: الإفرادُ لا ينَاسِبُه الإضافةُ إلى الجَمْع إلا أنْ يُحْمَل على الجِنْسِ، والمرادُ بـ "إنَّكُنَّ"، أي: جِنْسُكُنَّ، ولم يُرِدْ أن الحَاضِرات المُخَاطَبَات هنَّ أكثرُ أهل النَّار، أي: فينبغي لَكُنَّ تَخْلِيْصُ أنْفُسِكُنَّ عن المَهْلَكة بالصَّدَقة.

• قوله: "سِوَارَانِ": السِّوَارُ من الحُلِيِّ معروفٌ - وتُكْسر السين، وتُضَمُّ - وجَمْعُه: أسْوِرَةٌ وأساورُ وأساورة، وسَوَّرْتُه السِّوَارَ: ألْبَسْتُه إياه.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 575.

ص: 553

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بالأنهَارِ وَغيْرهَا

410 -

(639) - (3/ 22 - 23) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الانصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الْمَدِينِّيُّ، حَدَّثَنَا الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَبُسْرٍ بن سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأشَجِّ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا، وَكَأَنَّ هَذَا أَصَحُّ، وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا البَابِ، وَعَلَيْهِ العَمَلُ عِنْدَ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ.

• قوله: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ"، أي: المطرُ من باب ذِكْرِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحَال. "وَالعُيُونُ": الجَاريةُ على وَجْهِ الأرض التي لا يُتكَلَّفُ في رَفْع مائِها لآلةٍ ولا لحَمْلٍ. "الْعُشْرُ": هو مبتدأ خبَرُه الجَار والمَجْرورُ، والعائدُ على الموصول محذوفٌ تقديرُه: العُشْرُ واجبٌ فيما سَقَتِ السَّمَاءُ من النَّخِيْل والأعْنَاب والزَّرْع. "بِالنَّضْحِ": بفتح النُّون، وسكون المُعْجمة، بعدَها مُهملةٌ، أي: بالسَّانِيَةِ وهي روايةُ مسلم

(1)

.

(1)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: ما فيه العشر أو نصف العشر، ح:981.

ص: 554

411 -

(640) - (3/ 23) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سَنَّ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

"سَنَّ"، أي: شَرَعَ وقرَّرَ، ومفعولُه قوله:"العُشْر". و"الْعَثَرِيُّ": ما شَرِبَ من الأرضِ بعُرُوْقِه ولم يَحتَجْ إلى سَقْيِ سَمَاء ولا آلةٍ وهذا هو المرادُ "بالبَعْل" بمُوَحَّدةٍ مفتوحةٍ، وعينٍ مهملةٍ ساكنةٍ - في روايةِ مالكٍ في الموطأ

(1)

.

(1)

وهو: حدثني يحيى عن مالك بن أنس عن الثقة عنده عن سليمان بن يسار وعن بسر بن سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء، والعيون، والبعل: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشر". راجع: موطأ الإمام مالك بن أنس، كتاب الزكاة، باب: زكاة ما يخرص من ثمار النخيل والأعناب: ح: 661.

ص: 555

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ مَالِ اليَتِيمِ

412 -

(641) - (3/ 23 - 24) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ المُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ:"أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِا مَقَالٌ، لِأنَّ المُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَذَكَرَ هَذَا الحَدِيثَ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا البَابِ، فَرَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَالِ اليَتِيمِ زَكَاةً مِنْهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ فِي مَالِ اليَتِيمِ زَكَاةٌ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ.

وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ هُوَ: ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَشُعَيْبٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَقَالَ: هُوَ عِندَنَا وَاهٍ، وَمَنْ ضَعَّفَهُ، فَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُحَدِّثُ مِنْ صَحِيفَةِ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ فَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَيُثْبِتُونَهُ، مِنْهُمْ: أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا.

• قوله: "وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ"، أي: تَنْقُصُه، وليسَ المرادُ تَفْنِيْه إذْ الصَّدقَةُ لا تفْنِيه إذْ لا صدقةَ إذا نَقَص عن النِّصَاب، ويُمكن أنْ يُرادَ بالصَّدَقَة: النَّفَقَة أي: حتى تَفْنِيه النَّفَقةُ.

ص: 556

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ العَجْمَاءَ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ

413 -

(642) - (3/ 25) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"العَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "العَجْمَاءُ": هي البَهِيمةُ لأنَّها لا تتكَلَّمُ، وكُلُّ ما لا يقْدِر على الكلامِ فهو أعْجَمُ.

• قوله: "جَرْحُهَا": بفَتْح الجيمِ على المَصْدر، لا غير - وهو بالضمِّ - اسمٌ منه. "جُبَار": - بضَمِّ جِيْم، وخفَّةِ موحَّدةٍ - الهَدْر.

• قوله: "وَالمَعْدِنُ": - بكسر الدَّال - أي: البَهيمةُ إنْ أتْلَفَ شيئًا نَهارًا ولم يكُنْ معَهَا سائقٌ ولا قائدٌ فلا ضمانَ على صَاحِبِها، وكذَا إذا اسْتأجَرَ رجلًا لاسْتِخْرَاج المَعْدِن أو لحَفْر البئر فانْهَارَ عليه أو وَقَع فيها إنسانٌ فلا ضمانَ عليه.

"الرِّكَازِ": - بكَسْر الرَّاء، وتَخْفيفِ الكافِ، وآخرُه زاءٌ - من رَكَزَه إذَا دَفَنَه، والمرادُ: الكَنْزُ الجاهليُّ المدفونُ في الأرض، وإنَّما وَجَبَ فيه الخُمْسُ لكَثْرَة نَفْعِه وسَهُولةِ أخْذِه.

ص: 557

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الخَرْصِ

414 -

(643) - (3/ 26 - 27) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ، يَقُولُ: جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ إِلَى مَجْلِسِنَا فَحَدَّثَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ:"إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فإِنْ لمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ فِي الخَرْصِ، وَبِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

وَالخَرْصُ: إِذَا أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ مِنَ الرُّطَبِ وَالعِنَبِ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةْ بَعَثَ السُّلْطَانُ خَارِصًا يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، وَالخَرْصُ: أَنْ يَنْظُرَ مَنْ يُبْصِرُ ذَلِكَ فَيَقولُ: يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الزَّبِيبِ كَذَا، وَكَذَا، وَمِنَ التَّمْرِ، كَذَا، وَكَذَا، فَيُحْصِي عَلَيْهِمْ وَيَنْظُرُ مَبْلَغَ العُشْرِ مِنْ ذَلِكَ فَيُثْبِتُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثِّمَارِ، فَيَصْنَعُونَ مَا أَحَبُّوا، فَإذَا أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ، أُخِذَ مِنْهُمُ العُشْرُ، هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "وَدَعُوا الثُّلُثَ"، أي: من القَدَر الذي قرَّرْتُمْ بالخَرْص، [قال] في فتح [الباري] قال بظاهِرِه اللَّيثُ، وأحمدُ، وإسحاقُ وغيرُهم، وفَهِمَ منه أبو عبيدةَ في كتاب الأموال أنَّه القَدَر الذي يأكُلُوْنَ بحَسْبِ احْتِيَاجِهم إليه، فقال: يُتْرك

ص: 558

قدرَ احتياجهم. وقال مالكٌ، وسفيانُ: لا يُتْرَك لهم شيءٌ وهو المشهورُ عن الشافعيِّ. وقال ابنُ العربي: والمُتَحَصَّلُ من صحيحِ النَّظْر أنْ يُعْمَلَ بالحديث وهو قدرُ المَؤنة، ولقد جرَّبنا فوجدناه في الأغلب مِمَّا يُؤكل رطبًا. نقله السيوطي في حاشية النسائي

(1)

.

[قال] الخطابيُّ

(2)

: ذهبَ البعضُ إلى أنَّه يُتْركُ لهم توَسُّعًا عليهم؛ لأنَّه إذَا أخذَ الحقَّ منهم مَسْتَوْفِيًا أضَرَّ بِهم فإنَّه يكونُ منهم السَّاقطةُ والهَالِكةُ وما يأكله الطَّيرُ والنَّاس. وقيل: لا يُتْرَك لهم شيءٌ شائعٌ في جُملةِ النَّخيلِ، بل يُفْرَد لهم نخلاتٌ معدودةٌ قد عُلِمَ مقدارُ ثمنِها بالخَرْص

(3)

.

وقيل: بل معناه إذا لم يَرْضَوْا بخرْصِكم فدَعُوا لهم الثُّلث والرُّبُع ليتصرَّفوا فيه ويَضْمَنُوا حَقَّه، وتَتْركُوا الباقيَ إلى أنْ يَجِفَّ ويُؤخذُ حَقُّه، لا أنَّه يُتْرَكُ لهم بلا خَرْصٍ ولا إخراجٍ.

وقال الطيبي

(4)

: أي: إذا خَرصْتُمْ فعَيِّنُوا مقدارَ الزَّكاةِ ثم خُذُوْا ثُلُثَيْه واتْرُكوا الثُّلُثَ لصاحبه حتى يَتَصَدّق هو على جِيْرَانِه ومن يَطْلُبُ منه، فلا يحتاج

(1)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 3/ 45.

(2)

هو: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، كان فقيها، محدثا من بست، وهي مدينة من كامل بين هرات وغزنة، سمع بالعراق أبا علي الصفَّار، وأبا جعفر الرزَّازَ وغيرهما. وحدَّث عنه الحاكم، وأبو القاسم عبد الوهاب الخطَّابي وغيرهما. توفي في ربيع الأول، سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة، من مصنفاته:"غريب الحديث"، و"معالم السنن شرح أبي داود"، و"إصلاح غلط المحدثين". راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 2/ 214، وتذكرة الحفاظ: 3/ 1018، سير أعلام النبلاء: 17/ 23.

(3)

راجع: معالم السنن للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البُسْتي: 2/ 45.

(4)

راجع: الكاشف عن حقائق السنن للطيبي: 5/ 1495.

ص: 559

إلى أنْ يُغرِّم ذلك من مال نفسه، وأصحابُ الرأي لا يعتبرون الخَرْصَ لإفضَائِه إلى الرِّبا، وزعموا أن أحاديثَ الخَرْصِ كانَتْ قبلَ تحريم الرِّبا.

415 -

(644) - (3/ 27 - 28) حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الحَذَّاءُ الْمَدِينيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ التَّمَارِ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بيانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاس مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَتمَارَهُمْ. وَبِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي زَكَاةِ الكُرُومِ:"إِنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ.

• قوله: "فيخَرُصُ عَلَيْهِمْ": الخَرْص: - بضَمِّ الخَاء المُعجمة وقد تُكْسَر، وبصادٍ مهملةٍ - والاسم الخِرص: - بالكسر - هو تقديرُ ما على النَّخْل من الرُّطَب تمرًا، وما على الكَرَم من العِنَب زَبيبًا يُعرَف مقدارُ عُشْرِه، ثُمَّ يثبتُ على مِلْكِ صَاحِبه ويؤخَذُ ذلك المقدارُ وقتَ الجُذَاذ، أي: قَطع الثِّمَار وهو جائزٌ عند الجمهور خلافًا للحنفية.

• قوله: "يَخْرُصُهُ": بضم الرَّاء.

ص: 560

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ

416 -

(646) - (3/ 29 - 30) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِيْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، وَهَكَذَا يَقُولُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَيَقُولُ عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، وَابْنُ لَهِيَعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: "وَالصَّحِيحُ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ.

• وقوله: "المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ مَانِعِهَا": يقولُ: على المُعْتَدِي من الإثْم كما على المانِع إِذا مَنَع.

• قوله: "المُعْتَدِي": من الاعتداءِ وهو تجاوُزُ الحَدِّ، والمراد من يُعطي الصدقةَ غير مُسْتَحِقِّهَا. وقيل: أراد السَّاعي الذي يأخُذُ أكثرَ من الفريضةِ، أو خيارَ المال وهو أليقُ بصَنِيع المصنف حيثُ جعله في مقابلةِ العامل بالحَقِّ، وذَكر في وجهِ الشِّبْه أن السَّاعي إذا أخَذَ خيارَ المال ربَّما مَنَعَه في السَّنَة الأخْرَى، فيكون السَّاعي سببَ المنع، فهما في الإثم سواءٌ.

ص: 561

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي رِضَا المُصَدِّقِ

417 -

(647) - (3/ 35) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَاكُمُ المُصَدِّقُ فَلَا يُفَارِقَنَّكُمْ إِلَّا عَنْ رِضًا".

• قوله: "إذَا جَاءَكُمُ المُصَدِّقُ": - بتَخْفيفِ الصَّاد، وكسر الدَّال المُشدَّدَة - عاملُ الصَّدَقة.

• وقوله: "عَنْ رِضًا": وهو أنْ تَلْقَوْه بالتَّرحيبِ، وأدُّوْا إليه الزَّكاة طائعين، ولم يُرِدْ أن يُعْطُوْه الزَّائدَ على الواجبِ لحديث "مَنْ سَأَل فَوْقَهَا فَلَا يُعْطَى أصْلًا"

(1)

لإنَّه انعزَل بالجَوْر فالمرادُ بقوله صلى الله عليه وسلم: "أرْضُوْا مُصَدِّقكُمْ وإنْ ظُلِمْتُمْ"

(2)

أي: وإن كرِهْتم ما يأخُذُ منكم وثَقُل عليكم ذَاك، ولم يُرِدِ الصَّبْرَ على الزائد. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، ح: 1454، وسنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، ح:1567.

(2)

راجع: سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب: رضا المتصدق، ح:1589.

ص: 562

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأغْنِيَاءِ فَتُرَدُّ فِي الفُقَرَاءِ

418 -

(649) - (3/ 31) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيُّ الكوفي، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا، وَكنْتُ غُلَامًا يَتِيمًا، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

• قوله: "فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا": - بفتح القاف - النَّاقةُ الشَّابةُ، ويُجمَعُ على قِلَاصٍ: بكسر القاف.

ص: 563

‌بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ

(1)

419 -

(650) - (3/ 31 - 32) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ - وَالمَعْنَى وَاحِدٌ - عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَن بْن يَزِيدَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ:"خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمٍ بْنِ جُبَيْرٍ، مِنْ أَجْلِ هَذَا الحَدِيثِ.

• قوله: "أَوْ خُدُوشٌ": خدَشَ الجلدَ قَشَره بنحو عُودٍ، والخُدُوْاشُ - بضم المُعجمة - جمعٌ؛ لأنَّه سُمِّيَ به الأثرُ وإن كانَ مصدرًا.

420 -

(651) - (3/ 32) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ بِهَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ - صَاحِبُ شُعْبَةَ -: لَوْ غَيْرُ حَكِيمٍ حَدَّثَ بِهَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: وَمَا لِحَكِيمٍ لا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ بِهَذَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ.

ص: 564

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ قَالُوا: إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ. قَالَ: وَلَمْ يَذْهَبْ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَوَسَّعُوا فِي هَذَا، وَقَالُوا: إِذَا كانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ أَكثَرُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاة، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ وَالعِلْمِ.

• قوله: "لَمْ تَحِلَّ لَه الصَّدَقَةُ

" إلخ، فيه أنَّه ليسَ في الحديث دلالةٌ على عدَمِ حِلِّ أخْذِ الصَّدَقَة لمن كانَ عندَه خَمسُوْنَ درهمًا بل عَدَم حِلِّ السُّؤال مع وجودِ خمسين درهمًا، وفرقٌ بين السُّؤال وأخذِ الصَّدقةِ.

ص: 565

‌بَابُ مَا جَاءَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ

421 -

(653) - (3/ 34) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ حُبَيْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ السَّلُوليِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ وَاقِفٌ بعَرَفَةَ، أَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَأَخَذَ بطَرَفِ رِدَائِهِ، فسَأَلَهُ إِيَّاهُ، فَأَعْطَاهُ وَذَهَبَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَرُمَتِ المَسْأَلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ، إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أوْ غَرْمٍ مُفْظِعٍ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ، كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَرَضْفًا يَأْكلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ".

• قوله: "لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ": من أثْرَى، أي: ليُكْثِرَ به مالَه. "والرَّضْفُ": الحجارةُ المحمَّاةُ على النَّار، واحدُها "رَضْفَةٌ". قلتُ: كأنَّه اسمُ جنسٍ، والتَّاء للوحدَةِ ولذا صحَّ رجعُ الضَّمير المُفْرَد إليه.

• قوله: "إلَّا لِذِيْ": الظَّاهرُ أنَّه استثناءٌ منقطعٌ.

• قوله: "فَعِنْدَ ذَلِكَ حَرُمَتِ المَسْأَلَةُ": قيل ذلك - والله تعالى أعلم - أي: ذُكِرَتْ حُرْمتُها، أو هو قال على حسبِ عِلْمِه ولعلَّه ما بَلَغَه حرمةُ المسألةِ قبل ذلك. والله تعالى أعلم.

ص: 566

‌بَابُ [مَا جَاءَ] مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنَ الْغَارِمِينَ وَغَيْرِهِمْ

422 -

(655) - (3/ 35) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأشَجِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِغُرَمَائِهِ:"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَجُويرِيَةَ، وَأَنَسٍ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "أُصِيبَ": على بناءِ المفعول، أي: نَالَه فاقةٌ ومصيبةٌ.

• قوله: "ابْتَاعَهَا"، أي: اشْتَراهَا.

ص: 567

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كرَاهِيَةِ الصَّدَقَةِ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ

423 -

(656) - (3/ 36) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الضُّبَعِيُّ السَّدُوْسِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدهِ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُتِيَ بِشَىْءٍ: سَأَلَ: "أَصَدَقَةٌ هِيَ، أَمْ هَدِيَّةٌ"، فَإِنْ قَالُوا: صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قَالُوا: هَدِيَّةٌ أَكَلَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنسٍ، وَالحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي عَمِيرَةَ جَدِّ مُعَرَّفِ بْنِ وَاصِلٍ، وَاسْمُهُ رُشَيْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَيْمُونٍ أَوْ مِهْرَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي رَافِعٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ أيضًا عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَجَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ اسْمُهُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ القُشَيْرِيُّ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

424 -

(657) - (3/ 37) حَدَّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأبِي رَافِع: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا

ص: 568

تَحِلُّ لنَا، وَإِنَّ مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اسْمُهُ: أَسْلَمُ، وَابْنُ أَبِي رَافِعٍ هُوَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه.

• قوله: "وَمَوَالِيهِ"، أي: مُعْتَقِيْه - بالفتح -.

• قوله: "أَصَدَقَة هِيَ، أَمْ هَدِيَّة": الصَّدقةُ ما يُقْصَد به التَّقَرُّبُ إلى اللهِ تعالى والثَّواب. و"الهَدِيَّةُ": ما يُقصَد به التَّوَدُّدُ والتقرُّب إلى المُعْطَى.

• قوله: "تُصِيبَ"، أي: تنالُ منها شيئًا بالعمل.

ص: 569

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى ذِى القَرَابَةِ

425 -

(658) - (3/ 37 - 39) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَاب، عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالمَاءُ فَإنَّهُ طَهُورٌ". وقَالَ: الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالرَّبَابُ هِيَ أُمُّ الرَّائِحِ بِنْتُ صُلَيْعٍ. وَهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ الرَّبَابِ. وَحَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ أَصَحُّ. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ عَوْنٍ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ.

• قوله: "فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ"، أي: زيادةٌ خَيرٍ على مُجَرَّدِ ما يحصُل به الإفطارُ منْ حيث أنَّه حُلُوٌّ مُقَوِّمٌ للبَصَر، ومُزِيْلُ الضُّعْفِ الحاصلِ بالصَّومِ.

• قوله: "وَصِلَةٌ"، أي: إحسانٌ إلى القرَابَة.

ص: 570

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ

426 -

(659) - (3/ 39) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَدُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا الأسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُ، أَوْ سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ:"إِنَّ فِي المَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ" ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ}

(1)

الآيَةَ.

• قوله: "إِنَّ فِي المَالِ

" إلخ، أي: فلا تقصروا السؤالَ على الزَّكاة فقطُّ، بل اسألُوْا عن حقوقِ المَال كلِّها.

• وقوله: "ثُمَّ تَلا

" إلخ، أي: اسْتِدْلالًا بِها على ما ذَكَرُوْا، وإرشادًا إلى مِصْدَاقِه من الكتَاب؛ وذلك لأنَّه جمع في هذه الآية بين إيتاءِ المال على حُبٍّ، وبين إيتاءِ الزَّكاة بالعَطَف المُقتضى للمُغَايَرة، وهذا دليلٌ على أن في المالِ حقًّا سوى الزَّكاة ليَصِحَّ المغايرةُ.

(1)

البقرة: 177.

ص: 571

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَةِ

427 -

(661) - (3/ 40 - 41) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْتُ، عَنْ سَعِيدِ بْن أبِى سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْن يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَحَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبُرَيْدَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثٌ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "مِنْ طَيِّبٍ"، أي: حَلالٍ، وفي روايةِ الموطأ "كَسْبٍ طَيِّبٍ"

(1)

وذكرُ الكَسْبِ على العادةِ لأنَّه الغالبُ في تحصيلِ المالِ وإلا فقد يكونُ بإرث وغيره. قال القرطبيُّ

(2)

: "الطيِّبُ" المُسَتَلَّذُ بالطَّبْعِ، ويُطلق على المطلوبِ بالشَّرْع

(1)

راجع: موطأ الإمام مالك، كتاب الصدقة، باب: الترغيب في الصدقة، ح: 2024، ج: 4/ 533.

(2)

هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، من كبار المفسرين، كان صالحا متعبدا من أهل قرطبة. رحل إلى الشرق واستقر بمِنْيَة "ابن خصيب" في شمالي أسيوط، بمصر، وتوفي فيها. من كتبه:"الجامع لأحكام القرآن"، الذي يعرف بـ"تفسير القرطبي"، و"قمع الحرص بالزهد والقناعة"، و"الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"، و "التذكار في أفضل الأذكار". راجع لترجمته: شذرات الذهب: 7/ 584، الأعلام للزركلي: 5/ 322.

ص: 572

وهو الحَلال

(1)

. قال ابنُ عَبْد البر: [هو الحلال] المَحَضُّ أو المتشابهُ؛ لأنَّه في حِيَز الحلال على أشبهِ الأقْوال للأدِلَّة

(2)

.

وجملةُ: "وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ": معترضةٌ لبيانِ أنَّه لا ثوابَ في غير الطَيِّبِ إلا أن ثوابَه دونَ هذا الثَّواب، إذْ قد يُتَوَهَّمُ من التَّقييد أنَّه شرط لهذا الثَّواب بخُصْوصِه لا لمُطْلَق الثَّواب، فمُطْلَق الثَّواب يكونُ بدُوْنِه أيضًا، فذكر هذه الجملةِ المعترضةِ دفعًا لهذا التَّوَهُّمِ، ومعنى عَدَم قبولِه أنَّه لا يُثِيْبُ عليه ولا يَرْضَى به.

"أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ": سيذكر تحقيقَه المصنفُ، وكثيرٌ منهم فسَّره بالقبول والرِّضا به.

• فقوله: "تَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ"، أي: يزيدُ أجرًا في مَحَلِّ قَبوله، وأمَّا على تفسيرِ المُصَنِّف فالظَّاهرُ أن المرادَ به أن الله يُبارِكُ فيها ويزيدُهَا من فَضْلِه؛ لتَعْظُمَ وتَثْقُل في الميزانِ وهو الظاهر.

"فَلُوَّهُ": - بفتح الفَاء، وضَمِّ اللام، وشَدِّ الواو - وهو الفَصيلُ أو ولدُ الفرس وهو المشهورُ. و"الْفَصِيْلُ": ولدُ النَّاقَة إذا فصل عن رضاعِ أمِّه، وكلمة "أوْ" للشكِّ.

428 -

(662) - (3/ 41 - 42) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَه، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ، وَتَصْدِيقُ

(1)

راجع: تفسير الإمام القرطبي: 3/ 11، و: 7/ 299.

(2)

راجع: الاستذكار للحافظ ابن عبد البر: 27/ 295.

ص: 573

ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل: {هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}

(1)

وَ {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}

(2)

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا.

وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَمَا يُشبِهُ هَذَا مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَنُزُولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: قَدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ: كيْفَ؟ هَكَذَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنهَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.

وَأَمَّا الجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا: هَذَا تَشْبِيهٌ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عز وجل فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابهِ اليَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصرَ، فَتَأَوَّلَتِ الجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ العِلْمِ، وَقَالُوا: إِنَّ الله لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى اليَدِ هَاهُنَا القُوَّةُ.

وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّمَأ يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدٌ كيَدٍ، أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْع كسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإذَا قَالَ: سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَهَذَا التَّشْبِيهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ كمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى يَدٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَلَا يَقُولُ كَيْفَ، وَلَا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعِ، وَلَا كَسَمْعٍ، فَهَذَا لا يَكُونُ تَشْبِيهًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}

(3)

.

(1)

التوبة: 104.

(2)

البقرة: 276.

(3)

الشورى: 11.

ص: 574

429 -

(663) - (3/ 42 - 43) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْن مُوسَى، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: "شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ"، قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ القَوِيِّ.

• قوله: "وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ القَوِيِّ

" إلخ، هذا الحديثُ وإن كان ضعيفًا لكن يؤيِّد ما ثبتَ من فِعْلِه صلى اللهُ تعالى عليه وسلم فإنَّه صحَّ أنَّه كان يصومُ شهرَ شعبان غالِبَه، وكان في رمضان [أجودَ] من الرِّيحِ المُرْسَلة

(1)

صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يُعارِضه "أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ"، وتقدَّم في الكتابِ في باب صلاةِ اللَّيْل وهو صحيحٌ رواه مسلم

(2)

أيضًا لجَواز أنْ يكونَ أفضلَ الصِّيَام بعدَ رمضانَ عند الإطلاق صيامُ المُحرَّم، وعندَ قَصْدِ تعظيمِ رمضانَ صيام شعبان.

والحاصل: أن صيامَ المُحرَّم أفضلُ في ذاته، وصيامُ شعبان عندَ قَصْدِ التَّعظيم فقط - والله تعالى أعلم - ولعلَّ المرادَ بتعظيم رمضان، تعظيمُ صيامِه بأنْ يُعَوِّدَ النفسَ له لئلا يَثْقُلَ على النَّفْس فتكرهه طبعًا، ولئلا تُخِلَّ بإدائه إنْ فَجَأهَا الصَّيامُ.

• قوله: "أَمِرُّوهَا": من الإمْرار، أي: أجْرُوْهَا.

(1)

راجع: صحيح البخاري، ح: 6، 1902، 3220، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة، ح: 2308، وسنن النسائي، كتاب الصيام، باب: الفضل والجود في شهر رمضان، ح:2097.

(2)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب: فضل صوم المحرم، ح:1163.

ص: 575

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي حَقِّ السَّائِل

430 -

(665) - (3/ 43 - 44) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْن أَبي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْنِ بُجَيْدٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ، وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللهِ، إِنَّ المِسْكِينَ ليَقومُ عَلَى بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاه، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئًا تُعْطِيهِ إِيَّاه إِلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أُمِّ بُجَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "إِلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا": - بكَسْر الظَّاء المُعْجَمة، وإسكانِ اللام، وبالفَاء - وهو للبَقر والغَنم كالحَافِر للفرس والبَغْل، والخُفِّ للبعير. وقُيِّد بالإحراق؛ لأنَّه مَظَنَّةُ الانتفاع به بخلاف غيرِه، والظَّاهر أن هذا مبالغةٌ في المنع عن رَدِّه مَحرومًا.

• وقوله: "مُحْرَقًا": تَتْمِيْمُ تلك المبالغةِ، أي: لا تَرُدِّيْه مرحومًا بلا شيءٍ مهما أمْكنَ حتى إنْ وَجَدْتِ شيئًا حقيرًا مثل الظِّلْفِ المُحْرَق أعْطِيْه إيَّاه. وتَوَهُّمُ أن الظِّلْفَ المحرقَ كان له قيمةٌ عندَهم بعيدٌ أشار إليه الطيبي

(1)

.

(1)

راجع: الكاشف عن حقائق السنن للطيبي: 5/ 1536.

ص: 576

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ

431 -

(666) - (3/ 45 - 44) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ ابْنٍ المُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ:"أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُ لأبْغَضُ الخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي، حَتَّى إِنَّهُ لأحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِهَذَا أَوْ شِعبْهِهِ فِي المُذَاكَرَةِ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ صَفْوَانَ رَوَاه مَعْمَرٌ، وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ، إِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أَنَّ صَفْوَانَ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي إِعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَرَأَى أَكثَرُ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لا يُعْطَوْا، وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانُوا قَوْمًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يُعْطَوُا اليَوْمَ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا المَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ كَانَ اليَوْمَ عَلَى مِثْلِ حَالِ هَؤُلاءِ، وَرَأَى الإِمَامُ أَنْ يَتَألَّفَهُمْ عَلَى الإِسْلامِ، فَأَعْطَاهُمْ جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ.

• قوله: "أن صَفْوَانَ"، أي: لا عَنْ صفوانَ.

ص: 577

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المُتَصَدِّقِ يَرثُ صَدَقَتَهُ

432 -

(667) - (3/ 45 - 46) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ:"وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ:"صُومِي عَنْهَا"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ لَهُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لِلهِ، فَإِذَا وَرِثَهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي مِثْلِهِ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزُهَيْرٌ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ.

• قوله: "وَجَبَ"، أي: ثَبتَ ولَزِم أجرُكِ بالتَّصَدُّقِ، وأمِنَ منَ الزَّوَال وذلك بمقتضى الوَعْد وإلا فلا يَجِبُ على اللهِ تعالى شيءٌ.

• قوله: "وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ"، أي: وليس باخْتِياركِ حتى يُخَافَ منه الضَّرَرُ في أجْركِ.

ص: 578

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ العَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ

433 -

(668) - (3/ 47) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عمَرَ، أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"لا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ"، أي: بالتَّصَدُّقِ والهِبَةِ ليقاتلَ.

• قوله: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا

" إلخ، أي: فالعَوْدُ إلى الصَّدَقة باختياره مكروهٌ عندهم، وأما حُصُوْلُها. ومجيئُها بغير اختيارِه كما هو فِي صُوْرةِ الإرثِ فلا كراهةَ فيه، ولا كراهةَ في إبْقَائِها بعدَ ذلك.

ص: 579

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ المَيِّتِ

434 -

(669) - (3/ 47 - 48) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ، أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ"، قَالَ: فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا، فَأُشهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ العِلْمِ يَقُولُونَ: لَيْسَ شَيْءٌ يَصِلُ إِلَى المَيِّتِ إِلَّا الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلهِ إِنَّ لِي مَخْرَفًا يَعْنِي: بُسْتَانًا.

• قوله: "أنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا": بفتح همزةِ "أنْ" إنَّها مصدرِّيَةٌ في مَحَلِّ الرَّفعِ، فاعلُ "يَنْفَعُ"، أو - بكسرها - على "إنْ" شرطيةٌ، وفاعلُ "يَنْفَعُ" ضميرٌ راجعٌ إلى التَّصَدُّقِ المفهومِ من الشَّرطِ فكأنَّه متأخِّرٌ عن الشَّرْط. و"المَخْرَفُ": - بفتح الميم - حائط من النَّخْل.

• قوله: "تَصَدَّقْتُ بِهِ": الظَّاهر أنَّه كانَ وقفًا.

ص: 580

‌بَابٌ فِي نَفَقَةِ المَرْأَةِ على

(1)

بَيْتِ زَوْجِهَا

435 -

(670) - (3/ 48 - 49) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الخَوْلانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ: "لا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الطَّعَامُ، قَالَ:"ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا".

وَفِي البَابِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

• قوله: "لا تُنْفِقُ": يحتملُ أن يكونَ نَهْيًا أو نفيًا بمعنى النَّهْي.

• قوله: "إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا": حَمَله النَّوويُّ على أعم من الإذن الصَّريحِ، والإذنُ المفهومُ من اطِّرادِ العُرْفِ كإعْطاءِ السَّائل كسرةً ونحوَها مِمَّا جَرَتِ العادة به، وهذَا إذا عَلِمَتْ أن نفسَ الزَّوج كنُفُوس غالبِ النَّاس في السَمَاحَة وإن شكَّتْ في رضَاه فلابُدَّ من صَريحِ الإذْن

(2)

.

قلتُ: وهذَا مِمَّا يُفْهَمُ من حديثِ عائشةَ الآتي، ولهذَا جَعَله المُصَنِّفُ كالتَّفْسير في الأجْر، ومنهم مَنْ حَمَل على أن المرادَ به ثبوتُ أصلِ الأجْر، والمشاركةُ فيه دونَ القدر.

436 -

(672) - (3/ 49 - 50) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا المُؤَمَّلُ،

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا.

(2)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 7/ 112.

ص: 581

عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَعْطَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِطِيبِ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِ، لَهَا مَا نَوَتْ حَسَنًا، وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لا يَذْكُرُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ".

• قوله: "بِطِيبِ نَفْسٍ"، أي: مَع طِيْبِ نفسِ الزَّوج وهذَا يَعُمُّ الإذْنَ التَّصريحَ المفهومَ.

• وقوله: "غَيْرَ مُفْسِدَةٍ": حَالٌ من المرأةِ، أي: حالَ كونِها لم يكُنْ من قَصْدِها إفسادُ بيتِ الزَّوجِ، ولا تُعْطِي شيئًا يُفْضِي إلى ذلك، ودَخَلَ فيه إعطاءُ الكثير الغَيرِ المُعْتَاد.

ص: 582

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الفِطْر

437 -

(673) - (3/ 50 - 51) حَدَّثنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ، فَتَكَلَّمَ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ إِنِّي لأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ: فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ:"فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ صَاعًا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: مِنْ كُلِّ شَىْءٍ صَاعٌ إِلَّا مِنَ البُرِّ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ، وَهُوَ قَولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَرَوْنَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.

438 -

(674) - (3/ 51) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْن مُكْرَمٍ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ:"أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ هَارُونَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَالَ عَنِ العَبَّاسِ بْن مِينَاءَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ

ص: 583

وَسَلَّمَ فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا الحَدِيثِ، حَدَّثَنَا جَارُودُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ هَذَا الحَدِيثَ.

• قوله: "كُنَّا نُخْرِجُ": من الإخْراج.

• وقوله: "إذْ كَانَ"، أي: في وَقْتِه، وحالِ حياتِه صلى الله تعالى عليه وسلم.

• وقوله: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ": منصوبٌ على الحَالِيَّة أو البَدَلِيَّة من زَكَاةِ الفِطْر، والمرادُ بالطَّعَام: البُرُّ كما يَدُلُّ عليه المُقَابَلة مع أن مُطْلقَ الطَّعَام عندهم ينصرفُ، فيُصْرَف إليه؛ لأنَّه الكاملُ فلا قرينةَ أيضًا فكيف مع القرينة؟ والمطلوبُ أنَّه كان صاعًا مِمَّا تَيَسَّر وهذَا لا ينافي كونَ التَيُّسِر من البُرِّ وإنْ كان قليلًا لعِزَّتِه عندَهم، وعليه يُحْمَل ما يقتضي أنَّهم كانوا يُخْرِجُون من البُرِّ توفيقًا بينَ الأحاديث بمعنى: أنَّ المعتادَ بينهم كانَ الإخراجُ من غير البُرِّ. و"الأقِطُ": اللَّبَنُ المُسْتَحْجَر.

• وقوله: "سَمْرَاءِ الشَّامِ"، أي: من البُرِّ الشَّامي.

• وقوله: "تَعْدِلُ"، أي: فتُسَاوِيه في المَنْفَعة أو القِيْمَة وهي مدارُ الأجْزاء فتُسَاويه في الأجْزاء، والمرادُ من الأصل تُساويه في الأجزاء.

• قوله: "فِجَاج مَكَّةَ"، أي: طُرُقُها.

• قوله: "عَبْدٍ، صَغِيرٍ": حَملوا الوجوبَ على العَبدِ، والصَّغيرِ على أنَّه يجبُ على المَوْلى والأبِ الإخراجُ عنهما وإلا فلا وجوبَ عليهما لعدم المَال، أو لعدَم التَّكْليفِ، نَعَم على العَبد يجب عند بعضٍ والمولى نائبٌ.

• قوله: "مِنْ قَمْحٍ": القَمحُ - بفتح القاف، وسكون الميم - البُرُّ، أي:

ص: 584

مُدَّان من قَمحٍ أو هي صاعٌ من طعامٍ حالَ كونِ ذلك الطَّعَام سوى القَمْح، فقوله:"سِوَاه": حالٌ من طعامٍ قُدِّم عليه لكونِه نكرةً.

وقد أخذَ علماءُنا بِهذا الحديث، وأجابُوا عن حديثِ أبي سعيدٍ بأنَّ هذا الحديثَ كان في مكَّةَ فلعلَّه لم يَبْلُغْه، ومَنْ أخذَ بحديثِ أبي سعيدٍ أجابَ عن هذا الحديثِ بأنَّه مرسلٌ؛ فإنَّ ابنَ جريجٍ لم يَسْمَعْ من عمرو بْن شعيبٍ، والمُرْسَل ليس بحُجَّةٍ، وعلى تقدير كونِه حُجَّةً فلا يُقَدَّم على المُسْنَدِ الصَّحيحِ على أن حديثَ عمروٍ على تقديرِ عدمِ إرسالِه قد تكَلُّمْوا فيه، فكونُه حسنًا مختلفٌ فيه فلا يُقدَّمُ على حديثِ أبي سعيد المتَّفَقِ على صِحَّتِه. والله تعالى أعلم.

ص: 585

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْدِيمِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ

439 -

(677) - (3/ 53) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو عَمْرٍو الْحَذَّاءُ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائغُ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الغُدُوِّ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الفِطْرِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ الغُدُوِّ إِلَى الصَّلَاةِ.

• قوله: "قَبْلَ الغُدُوِّ"، أي: قبلَ الخُرُوْج.

ص: 586

‌بَابُ [مَا جَاءَ] فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ

440 -

(678) - (3/ 54) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَريَّا، عَنْ الحَجَّاج بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ حُجَيَّةَ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، أن العَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلُّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ.

• قوله: "قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ"، أي: يَحْضُرَ وقتُها.

441 -

(679) - (3/ 55 - 54) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ جَحْلٍ، عَنْ حُجْرٍ العَدَوِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعُمَرَ:"إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: لا أَعْرِفُ حَدِيثَ تَعْجِيلِ الزَّكاةِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاج بْنِ دِينَارٍ، إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَحَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحَجَّاجِ عِندِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحِلِّهَا، فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لا يُعَجِّلَهَا، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا، وقَالَ أَكْثَرُ أَهْل العِلْمِ: إِنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "لِلْعَامِ"، أي: بِهذَا العَام.

ص: 587

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ المَسْألَةِ

442 -

(680) - (3/ 55 - 56) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لأنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، أعْطَاه أَوْ مَنَعَهُ ذلِكَ، فإِنَّ اليَدَ العُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، وَعَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَثَوْبَانَ، وَزِيَادِ بْنِ الحَارِثِ الصُّدَائِيِّ، وَأَنَسٍ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، وَسَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ.

• قوله: "لأنْ يَغْدُوَ

" إلخ، - بفتح اللام - و"أنْ" مصدريةٌ، والمضارعُ منصوبٌ بـ"أنْ". "والْغُدُوُّ": السَّيْرُ أوَّلَ النَّهَار، وغالبُ الحَطَّابِين يَخْرجُوْن كذلك، ويُطْلق على مَطْلق السَّير إطلاقًا شائِعًا فيُمكن ههنا حَمْلُه على الحقيقةِ وعلى المَجازِ الشَّائِع.

• وقوله: "فَيَحْتَطِبَ"

(1)

.

(1)

لم يذكر بعده شرح في المخطوط.

ص: 588

• وقوله: "عَلَى ظَهْرِهِ": متعلقٌ بمُقَدَّر هو حال مقدَّوة، أي: حاملًا على ظهره، أي: مقدارَ حَمْلِه على ظهرِه إذْ لا حَمْلَ حال الجَمْع بل بعدَه، وإنَّما حالُ الجَمْع تقديرُ الحَمْل. "فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ ويَسْتَغْنِيَ بِهِ": عطفٌ على الفِعْل السَّابِق، و"أنْ" مع مدخُوْلاتِها مبتدأ، خبرُه قوله:"خَيْرٌ"، أي: ما يَلْحَقُه من مَشَقَّة الغُدْوَة والاحْتِطَاب خير من ذُلِّ السُّؤَال.

• وقوله: "أَعْطَاه

" إلخ، صِفةُ رَجُلٍ، أو التَّقْديرُ سواء أعطاه أو مَنَعَه.

• وقوله: و"ذَلِكَ"، أي: المَسؤول، مفعولٌ ثانٍ بالتَّنَازُع للفعلين والمراد بـ"اليَدِ الْعُلْيَا": المُنْفِقَة، وبـ"السُّفْلَى": السَّائِلة كذا ورد تفسيرُهُما في الأحاديث.

لا يقال: كم من سائلِ خيرٌ من المُنْفِقِيْن، فما معنى هذا الكلام؟ قلتُ: المطلوبُ التَّفْضِيْلُ بالنَّظْر إلى الإنفَاقِ، والسُّؤَال بالنَّظر إلى جميعِ الأحْوَال، ولا شكَّ أن اليدَ المُنْفِقَةَ من حيث الإنْفَاق خير من اليَدِ السَّائِلة من حيث السُّؤال.

• وقوله: "وَابْدَأْ": خطابٌ للمُنْفِق، أي: ابدأ في الإنْفَاق بمَنْ تَعُوْل، أي: تَمُوْنُ وتَلْزَمُك نَفَقَتُه من عِيَالِك فإنْ فَضُلَ شيءٌ فلِغَيْرِهِم.

ص: 589

[كِتَابُ الصَّومِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم] بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ

443 -

(682) - (3/ 57 - 58) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ بْنِ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَة الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِىَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِله عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ".

قَالَ: وفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَلْمَانَ.

• قوله: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ": برَفْع "أوَّل ليلَةٍ" على أنَّه اسمُ "كَانَ"، "كَانَ" تامَّةٌ، أي: إذا وُجِد أوَّلُ ليلةٍ وتَحَقَّقَ، أو بنَصبِه على أنَّه خبرُ "كَانَ"، و"كَانَ" ناقصِةٌ، فيها ضمير اسْمُها، راجعٌ إلى مُطْلقِ الوَقْت والحِيْن، وعلى تقْدِيْر "مِنْ" ظرفيةً مشكلةٌ لأنَّه يصيرُ المعنى في وقتٍ يَصِيْرُ الزَّمانُ أوَّلَ ليلةٍ، أو في وقتٍ وُجِدَ أوَّلُ ليلةٍ، وَيَلزَمُ منه أنْ يكونَ لوُجُوْدِ أوَّلِ ليلةٍ أو لكَوْنِ الزَّمانِ أوَّل ليلةٍ وقتٌ، وهذا هو إثباتُ الزَّمانِ للزَّمان وتحقيقُ الزمانِ.

إنَّ مثلَ هذه العِبَارةِ متعارِفةٌ، وأهلُ العُرفِ يَعرِفُوْن منها المَقْصُوْدَ على الإجمالِ بحيث لا يظهرُ الإشكالُ بالنَّظْر إليهم، وهذا السُّؤَال تَدْقِيْقٌ فَلْسَفِيٌّ وهم لا ينظُرْون إليه، ولا يَلْتَفِتُوْن إلى أمثالِه فلا إشكالَ في كلامهم بمثله، ويُمْكن أنْ

ص: 590

يُجْعَلَ "إذَا" في مثلِ هذَا لمُجَرَّدِ الشَّرطِ. والله تعالى أعلم.

• وقوله: "صُفِّدَت": - بضَمِّ المُهْملة، وتشدِيدِ الفاء - أي: غُلَّتْ وشُدَّتِ الشَّياطين بالأصْفَادِ، وهي الأغْلالُ الَّتِي تُغَلُّ بِها اليَدَان أو الرِّجْلان وتُرْبَط في العُنُق.

وقد اختلفَ العُلَمَاءُ في ذلك ومُحَقِّقُوهم على أنَّه على حَقِيْقَتِه، وقال ابنُ العربي

(1)

: لا نَمْنَع الحَقِيْقةَ لأنَّهم ذريةُ إبليس، وهم يأكُلُوْن ويَشْربون، ويعذَّبُون وَيَنْعَمُونَ، ويؤيِّدُه ما في بعضِ الأخْبار أنَّها تُصَفَّدُ وتُرْمَى في البَحْر، ومَنْشأ اخْتِلافِهم ما شَاهَدُوْا من وُقُوْع المَعَاصِي في رمضان.

وجوابُه: أن المعاصيَ لا تتوَقَّفُ على وَسْوَسَة الشَّيطان بل قد تَكُونُ من النَّفْس وشَهْوَتِها كما في نُفُوْس الشَّياطين فإنَّهم لا يحْتَاجون في صُدُوْر المَعَاصي إلى شياطين أخَر وإلا تَسَلْسَلَتْ، وكيف عَصَى إبليسُ ربَّه أوَّلَ مَعصِيَةٍ ولم يكُنْ ثَمَّ شيطاطين وإنَّما وَقعَ فيما وَقَعَ بواسِطَةِ نَفْسِه فلا إشكالَ.

• وقوله: "يَا بَاغِيَ الخَيْرِ

" إلخ، معناه يا طالبَ الخَيْر. "أقْبِلْ": فهذا أوَانُك فإنَّكَ تُعْطَى جَزيلًا بعَمَلٍ قَليلٍ، "وَيَا طَالِبَ الشَرِّ أمْسِكْ" وتُبْ فإنَّه أوَانُ قبولِ التَّوْبَة.

• وقوله: "وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ": - بالنصب - أي: هذَا النِّداء كُلَّ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ.

فإن قلتَ: أيُّ فائدةٍ في هذا النِّداء مع أنَّه غيرُ مَسْمُوعٍ للنَّاسِ؟ قلتُ: قد

(1)

في عارضة الأحوذي لابن العربي هكذا: وهم ذرية إبليس، أجسام يأكلون ويطؤون، ويشربون ويولدون، ويموتون ويعذبون، ولا ينعمون بحال. راجع: 3/ 158.

ص: 591

عَلِم النَّاسُ به بإخْبَار الصَّادِق، وبه يَحْصُل المَطْلُوْبُ بأنْ يَتَذَّكَر الإنْسانُ أنَّ كلَّ ليلةٍ بأنَّها ليلةُ المُنَاداة فيتِّعِظُ بِها. والله تعالى أعلم.

444 -

(683) - (3/ 58 - 59) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَالمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ:"إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ" فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ.

• قوله: "غُفِرَ لَهُ": هذا وأمثالُه بيانٌ لفَضْل هذه العِبَاداتِ بأنَّه لو كانَتْ للإنْسَانِ ذُنوبٌ تُغْفَر له بِهذه العِبَادَاتِ أيَّ قَدْرٍ كَانَتْ، فلا يَرِدُ أن الأسبابَ المؤدِّيَة إلى المَغْفِرَةِ على العُمُوْمِ كثير فعندَ اجتِمَاعِها فإنْ شيءٌ يبقى للمتأخِّر منها حتَّى يُغْفَرَ به؟ إذْ المَقْصُودُ بيانُ فضيلةِ هذه العباداتِ، فإنَّ لهَا عندَ اللهِ هذا القدر من الفَضْل فإنْ لم يكن للإنسانِ ذَنْبٌ يظهر هذا الفضلُ في رَفْعِ الدَّرَجَاتِ.

ص: 592

‌بَابُ مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بصَوْمٍ

445 -

(684) - (3/ 59 - 60) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا بيانَ يَصُوُمهُ أَحَدُكُمْ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: كرِهُوا أَنْ تتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمًا فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمْ.

• قوله: "لا تَقَدَّمُوا": - بفتح التاء، وأصله تَتَقَدَّمُوا بالتَّائين حُذِفَتْ إحدَاهُما - من التَّقَدُّمِ بمعنى الاسْتِقْبَال، أي: لا تستقبلوه بصَوْمِ يومٍ ولا بصَوْمِ يَومَيْن.

• قوله: "لِرُؤْيَتِهِ"، أي: الهِلالِ المَفْهُوْم من المقام.

• قوله: "فَإِنْ غُمَّ": - بضم الغين المُعجمةِ، وتشديدِ الميم - أي: حالَ بينكم وبينَه غَيْمٌ، وهو مسند إلى الظَّرْفِ، أو إلى ضميرِ الهِلال من "غَمَمْتُه إذَا سَتَرْتَه"، أي: ستر الهلال عليكم.

ص: 593

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ

446 -

(686) - (3/ 61) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: كنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَقَالَ: كُلُوا، فَتَنَحَّى بَعْضُ القَوْمٍ، فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، كَرِهُوا أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، وَرَأَى أَكْثَرُهُمْ إِنْ صَامَهُ فَكَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ.

• قوله: "مَصْلِيَّة": هي بوزن: "مَرْمِيَّةٌ"، أي: مَشْوِيَّةٌ، من صَلَيْتَ اللَّحْمَ - بالتَّخفيف - أي: شَوَيْتَه، وإذا أحرقتَه وألقيتَه في النَّار. قلتُ: صَلَّيْتُ - بالتَّشديد - أو صَلَيْتُ. "فَتَنَحَّى"، أي: احْتَرزَ عن أكْلِه، فقال:"إنِّيْ صَائِمٌ" اعتذارًا عن ذلك.

• قوله: "مَنْ صَامَ

" إلخ، قد تقرَّر أنَّ حُكمَ مثلِه الرَّفعُ.

ص: 594

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إحْصَاءِ هِلَالِ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ

447 -

(687) - (3/ 62) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَجَّاجٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو اللَّيْثِيِّ.

• قوله: "مُسْلِمُ بْنُ حَجَّاجٍ": صاحبُ الصَّحِيْح.

• قوله: "أَحْصُوا": من الإحْصَاءِ، أي: احفَظُوْه واضْبِطُوه لمَعْرِفَةِ رمضانَ إن احْتِيْجَ إلى ذلكَ بسبب الغَيْمِ.

ص: 595

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهلَالِ وَالإفْطَارَ لَهُ

448 -

(688) - (3/ 63) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ، فَأَكْمِلُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.

• قوله: "لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ": محمولٌ على ما تقدَّم من النَّهْي عن التَّقَدُّم بيومٍ أو يومَيْن.

ص: 596

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرينَ

449 -

(689) - (3/ 64) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِد، أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا صُمْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ".

• قوله: "مَا صُمْتُ

" إلخ، كلمةُ "مَا" تحتمل أنْ تكونَ مصدريةً في المَوْضِعَيْن، أي: صَوْمِي تسعًا وعشرِيْنَ أكثر من صَوْمِي ثلاثين، وتحتملُ أنْ تكونَ موصولةً في المَوْضِعَيْن والعائِدُ محذوفٌ، والتَّقْدِيْر: مَا صُمْتُه أكثر مِمَّا صُمْنَاه، أي: الأشهر التي صُمْتُها تسعًا وعِشْرينَ أكثر من الأشْهُرُ الَّتِي صُمْنَاهَا ثَلاثِيْنَ، وعلى هذا فنَصبُ "تِسْعًا وعشرينَ"، وكذا نصب "ثَلاثِيْنَ" إمَّا على الحَالِةِ من المَفْعُول المقدَّرِ، أي: "صُمْتُها حالَ كونِهَا تِسْعًا وعِشْرِيْنَ"، أو على المَفْعُولِيَّة، والضَّميرُ المقدَّرُ ظَرْفٌ، والمَعْنى صمْتُ فيها تِسْعًا وعِشْرِيْنَ، وظرفُ الزَّمَان لا يجوز أنْ [تترك معه كلمةُ "في" أو "لا"]

(1)

، فالمُقدَّرُ بحَسْبِ ذلك يَحْتَمِل وجهَيْن، وعلى الوَجْهَين - وهما: كونُ "مَا" مصدَرِّيةٌ أو موصولةٌ - يكون قولُه: "أَكْثَرُ": مرفوعًا

(1)

هكذا في المخطوط، والصحيح:"أن تذكر معه كلمة "في"، وكلمة "لا" زائدة، ولعلها من خطأ الناسخ.

ص: 597

على أنَّه خبرٌ، والكَلامُ يفيدُ أن الأشْهُرَ النَّاقِصَةَ أكثرَ من الوَافِية.

ويمكنُ أنْ يقالَ: كلمةُ "مَا" الأولى نافِيَة، أي: ما صُمْتُ تِسْعًا وعِشْرينَ مرارًا أكثرَ أو أحْيانًا أكثرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلاثِيْنَ، أي: من المَرَّاتِ الَّتِي صُمْنَاهَا ثَلاثِينَ، أو من الأحْيَانِ الَّتِي صُمْنَاهَا ثَلاثِيْنَ، فعلى هذَا فلفظُ "أكثر" يكونُ مَنْصُوْبًا على المَصْدِريَّةِ إنْ قُدِّرَ مرارًا الآتية لبيان عَدِدِ الفِعْل، والظَّرفِيَّة إن قُدِّرَ أحيانًا، والكلامُ يُفيْدُ أن النَّاقِصَ مَا كانَ غالبًا على الوَافِي. والله تعالى أعلم.

450 -

(690) - (3/ 64 - 65) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنهُ قَالَ: آلَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ:"الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "يَكُوْنُ تِسْعًا وعِشْرِيْنَ"، أي: يكون تارةً وأحيانًا.

• قوله: "آلَى": - بمدِّ الهمزةِ - من الإيلاء بمعنى الحلف. و"مَشْرُبَةٍ" - بفتح الميم، وضمِّ الرَّاء، وفتحِها -: الغُرفةُ.

• قوله: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ"، أي: هذَا الشَّهْر. والله تعالى أعلم.

ص: 598

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ

451 -

(691) - (3/ 65 - 66) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلالَ، قَالَ:"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا".

حَدَّثَنَا أَبُو كرَيْبٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، نَحْوَهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ سِمَاكٍ رَوَوْا، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا".

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَكثَرِ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الصِّيَامِ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ. قَالَ إِسْحَاقُ: لا يُصَامُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُليْنِ، وَلمْ يَخْتَلِف أهْلُ العِلْمِ فِي الإِفْطَارِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ.

قوله: "أذِّنْ": من التَّأذِين والإيْذَان، والمرادُ به مطلَقُ النِّدَاء والإعْلامِ.

ص: 599

‌بَابُ مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْل بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ

452 -

(693) - (3/ 67 - 68) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنِي كُريْبٌ، أَنَّ أُمَّ الفَضْلِ بِنْتَ الحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بالشَّام، فَرَأَيْنَا الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ فِي آخِرِ الشهْرِ، فسَألنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، ثمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأيْتُمُ الهِلَالَ، فَقُلْتُ رَأيْنَاهُ ليْلةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَأَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ فَقُلْتُ: رَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنْ رَأَيْنَاه لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: ألَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ، قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ.

• قوله: "هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم": يحتملُ أن المرادَ به أنَّه أمَرَنَا بأنْ لا تُقْبَلَ شهادَة الواحِدِ في حَقِّ الإفْطَار، أو أنَّه أمَرَنا بأنْ نَعْتَمِدَ على رؤيَةِ أهْلِ بَلَدِنَا ولا نعتَمِدُ على رُؤيَةِ غيرِ أهلِ بَلَدِنَا، والمصنِّفُ حَمَلُه على المَعْنى الثَّانِي فلذَا اسْتَدَلَّ، لكنَّ احتمالَه المعنى الأوَّلَ يُخِلُّ بالاستِدْلالِ إذِ الاحْتِمَالُ يُفسْدُ الاسْتدْلالُ.

ص: 600

‌بَابُ مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الإفْطَارُ

453 -

(694) - (69 - 3/ 68) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزٍ بن صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَجَدَ تَمْرًا فَليُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لا، فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّ المَاءَ طَهُورٌ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ لا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاه عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَ هَذَا غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ.

وَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ شُعْبَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِم الأحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، وَهَكَذَا رَوَوْا عَنْ شُعُبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ، وَلَمْ يُذْكرْ فِيهِ شُعْبَةُ، عَنِ الرَّبَابِ. وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الأحَوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ. وَابْنُ عَوْنٍ يَقُولُ: عَنْ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، وَالرَّبَابُ هِيَ: أُمُّ الرَّائِحِ.

• قوله: "فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ": لأنَّه يُقوِّي البَصرَ، ويَدْفَع الضُّعْفَ الحاصلَ فيه بالصَّوم.

• وقوله: "فَإِنَّ المَاءَ طَهُور"، أي: فهو أحَقُّ بأنْ يُسْتَعْمَل في الإفْطَار الَّذِيْ هو قُرْبَةٌ وتَتْمِيمٌ للقُرْبَةِ. والله تعالى أعلم.

ص: 601

‌بَابُ مَا جَاءَ إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ

454 -

(698) - (3/ 72) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْنُ سُلَيْمَانَ.

(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.

(ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرْتَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "وَغَابَتِ الشَّمْسُ": تَصْريْحٌ وتَحْقِيق للمَطْلوبِ.

• وقوله: "فَقَدْ أَفْطَرْتَ": خِطابٌ للصَّائِم، ومعناه أنَّه حَصَل بذلك الإفطارُ حكمًا سواءً أفطرَ بالطَّعامِ أوْ لَا.

ص: 602

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجيل الإفْطَار

455 -

(699) - (3/ 73) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ.

(ح)، وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قِرَاءَةً عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِحيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَه أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: اسْتَحَبُّوا تَعْجِيلَ الفِطْرِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "بِخَيْرٍ"، أي: في دِيْنِهم لرِوَايةِ أبي هريرةَ: "لا يَزَالُ الدِّيْنُ ظَاهِرًا" رواه أبو داود

(1)

.

• وقوله: "مَا عَجَّلُوا"، أي: مدَّة تَعْجِيْلِهم، وأمْرُ السُّحُورِ على خِلافِ ذلك كما سيجيء، ولذَا قال الحافظُ: من البِدَع المُنْكَرَة مَا أحْدِثَ في هذَا الزَّمانِ من إيْقَاعِ الأذَانِ الثَّاني قبلَ الفَجْر بنَحْوِ ثَلاثِ ساعاتٍ في رَمَضَان، وإطْفَاءِ المَصَابيحِ المَجْعُوْلَة علامةً لانْقِضَاءِ اللَّيْل زعْمًا مِمَّنْ أحْدَثَه أنَّه للاحْتِيَاطِ للعِبَادةِ، وجرَّهم ذلك إلى أنَّهم لا يؤذِّنُوْنَ إلا بعدَ الغُروبِ بدَرَجَة

(1)

راجع: سنن أبي داود، كتاب الصوم، باب: ما يستحب من تعجيل الفطر، ح:2353.

ص: 603

لتَمْكِين الوَقْت فيما زَعَمُوا فأخَّرُوا الفِطْر وعَجَّلوا السُّحُورَ، فخَالَفُوا السُنَّةَ، فلذا قَلَّ الخيرُ عنهم، وكثُرَ الشرُّ فيهم. انتهى

(1)

.

456 -

(700) - (3/ 74) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ الأوْزَاعِيِّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قَالَ اللهُ عز وجل: "أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا".

• قوله: "أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا"، أي: لِمَا فيهِ من مُرَاعَاةِ حدودِ اللهِ تَعالى في الصَّوْمِ والإفْطَارِ، واسْتِعمالِ مقتضى كُلٍّ مِنْ حُرْمَة الطَّعامِ وحله في موضِعه. والله تعالى أعلم.

(1)

راجع: فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني: 4/ 235.

ص: 604

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِير السُّحُورِ

457 -

(703) - (3/ 75) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثنَا هِشَام الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:"تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً".

• قوله: "قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً": هذا يدُلُّ على استحبَابِ تأخِيْر السُّحُورِ وتَعْجِيلِ صَلاةِ الفَجْر بإيْقَاعِها في الغَلَس. والله تعالى أعلم.

ص: 605

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي بَيَان الفَجْر

458 -

(705) - (3/ 76 - 77) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، حَدَّثَنِي أَبِي طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَمَعلَّمَ قَالَ:"كلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ المُصْعِدُ، وَكلُوا وَاشْرَبُوا، حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحْمَرُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَسَمُرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ طَلْقِ بْن عَلِيٍّ حَدِيثُ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ العِلمِ أَنَّهُ: لا يَحْرُمُ عَلى الصَّائِمِ الأكْل وَالشُّرْبُ حَتّى يَكُونَ الفجْرُ الأحْمَرُ المُعْترِضُ، وَبِهِ يَقُولُ عَامَّةُ أَهْلِ العِلْمِ.

"لا يَهِيدَنَّكُمُ": من الهَيْد وهو الزَّجْر.

• قوله: "حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحْمَرُ": قال الخَطَّابي: معناه أنْ يَسْتَبْطِنَ البَيَاضَ المعتَرِضَ معه أوائلَ الحُمْرة، والعربُ تُشَبِّهُ الصبحَ بـ "البَلَق " من الخَيل لِمَا فيه من بَياضٍ وحُمْرةٍ. كذا في حاشية السيوطي لأبي داود

(1)

.

459 -

(706) - (3/ 77) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ أَبِي هِلالٍ، عَنْ سَوَادَةَ بْنٍ حَنْظَلَةَ هُوَ الْقُشَيْرِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يَمْنَعَنَكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الأَفُقِ".

(1)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 2/ 600.

ص: 606

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

"الْمُسْتَطَيْرُ فِي الأفُقِ"، أي: ما انْتَشَر ضوءُه واعْتَرضَ في الأفُقِ بخِلافِ المُسْتَطِيل، والمُسْتَطِيرُ هو المنْتَشِر المُتَفَوِّق كأنَّه طارَ في الأفق.

ص: 607

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الغِيبَةِ لِلصَّائِمِ

460 -

(707) - (3/ 78) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبِ، عَنْ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ لَمْ يَدَع قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ بِأنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ

"إلخ، قال البَيضاوي

(1)

: ليسَ المقصودُ من مشروعِيَّةِ الصَّومِ نفسُ الجُوْع والعَطش، بل يَتْبَعُهُمَا من كَسْر الشَّهَوات وإطْفَاء نائِرَة الغَضَب، وتَطْويعِ النَّفْس الأمَّارَة للمُطْمَئِنَّة، فإذا لم يَحْصُل شيءٌ من ذلك لم يبالِ اللهُ بصَومه ولا يقبله، "فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ" مجازٌ عن عَدم القَبُوْل. حاشية السيوطي لأبي داود

(2)

.

(1)

هو: القاضي ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشيرازي الشافعي، ولد في مدينة "بيضاء" بفارس قرب شيراز، كان إماما، نظَّارا، خَيِّرًا، صالحا، متعبدا، ولي قضاء شيراز مدة ثم صرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز. توفي سنة خمس وثمانين ويست مائة بتبريز ودفن بها. من تصانيفه:"أنوار التنزيل وأسرار التأويل" الذي يعرف بـ "تفسير البيضاوي"، و"طوالع الأنوار"، و"المنهاج إلى علم الأصول" وغيرها من المؤلفات النافعة.

راجع لترجمته: والوافي بالوفيات: 206، شذرات الذهب: 7/ 685، البداية والنهاية: 17/ 606، والأعلام للزركلي: 4/ 110.

(2)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 2/ 604.

ص: 608

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ السَّحُورِ

461 -

(708) - (3/ 79) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَالعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَعُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "فضْل مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الكِتَابِ أكْلةُ السَّحَرِ".

==

• قوله: "فَإِنَّ فِي السَّحُورِ

" إلخ، السُّحُورِ - بفتح السين - ما يُتَسَحَّرُ به من الطَّعَام والشَّرَاب. و - بابضم - أكْله، والرِّوَاية المشهووة: الفتح. وقيل: الضَّمُّ أحسنُ؛ لأنَّ البَرَكةَ في الفعل لا في الطَّعَام، وفُسِّرَ البركةُ بالأجر والثَّواب، وبالتَّقْوِيَة على الصَّوْم وبما يَتَضَمَّنُه من الذِّكْر والدُّعَاء في ذلك الوقت الشَّريفِ، وكُلُّ ذلك في الأكل، فعَلى تَقْدير الفَتْح يُحْتَاج إلى تقدير المُضاف، أي: في أكْلِه.

ص: 609

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ فِي السَّفَر

462 -

(170) - (3/ 80 - 81) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَشَرِبَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ، وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ:"أُولَئِكَ العُصَاة".

قَالَ: وفي البَابِ عَن كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "ليْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ الفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ، حَتَّى رَأَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ إِذَا صَامَ فِي السَّفَرِ، وَاخْتَارَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ الفِطْرَ فِي السَّفَرِ.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ إِنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَحَسَنٌ، وَهُوَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ المُبَارَكِ.

وقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"، وَقَوْلهِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ:"أُولَئِكَ العُصَاة"، فَوَجْهُ

ص: 610

هَذَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ قَبُولَ رُخْصَةِ اللهِ، فَأَمَّا مَنْ رَأَى الفِطْرَ مُبَاحًا وَصَامَ، وَقَوِيَ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ أَعْجَبُ إِلَيَّ.

• قوله: "وقَالَ الشَّافِعِيُّ

"إلخ، وقد ذكر العلماءُ في تأويل القَوْلَين وجوهًا أخَر، قال بعضُهم: إنَّ كلمةَ "مِنْ" في قوله: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ" زائدةٌ لتأكيدِ النَّفْي، والمعنى ليس هو البِرُّ بل قد يكونُ الإفطارُ أبَرَّ منه إذا كانَ في حَجٍّ أو جِهَادٍ؛ لتقْوَى عليه، والحاصلُ أن المعنى على القَصْر لتَعْريفِ الطَّرْفَيْن.

وقال الطَّحَاوي

(1)

: خَرج هذا الحديثُ على شخصٍ بعَيْنِه، وهو رَجُلٌ ظُلِّلَ عليه وكانَ يَجُوْدُ بنَفْسِه، أي: ليسَ من البِرِّ إنْ بلغَ الإنسانُ هذا المبلغَ، واللهُ قد رخَّصَ له في الفِطْر

(2)

. وأمَّا حديثُ "أوْلئكَ الْعُصَاة" فمَحْمَلُه الجِهَاد، وقُرْبُ العَدُوِّ مع أمْر أولى الأمْر بالإفطار لذلك قولا وفعلا كما شأن ورود الحديث.

(1)

هو: الإمام العلامة، الحافظ الكبير أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي، الحجري، المصري، الطحاوي، ولد بـ"طحا" من قرى مصر، وإليها نسبته، كان ثقة ثبتا، تفقه على مذهب الإمام الشافعي ثم تحول حنفيا، ورحل إلى الشام سنة 268 هـ، فاتصل بأحمد بن طولون، فكان من خاصته. توفي بالقاهرة ليلة الخميس، مستهل ذي القعدة، سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة. من تصانيفه:"شرح معاني الآثار"، و"بيان السنة"، و"مشكل الآثار"، و"أحكام القرآن"، و"الاختلاف بين الفقهاء"، و"مناقب أبي حنيفة". راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 1/ 72، المنتظم: 13/ 318، سير أعلام النبلاء: 15/ 27، تذكرة الحفاظ: 3/ 808.

(2)

راجع: شرح معاني الآثار: 2/ 66.

ص: 611

‌بَابُ مَا جَاءَ من الرُّخْصَةِ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَر

(1)

463 -

(711) - (3/ 82) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْن إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ بْن سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَام بْن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرِو الأسْلمِيِّ سَأَل رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفرِ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْن عَمْرِو، وَأَبي الدَّرْدَاءِ، وَحَمْزَةَ بْن عَمْرِو الأسْلَمِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثٌ عَائِشَةَ أنّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "يَسْرُدُ": - بضم الرَّاء - أي: يَصُوْم متَتَابِعًا.

464 -

(713) - (3/ 83) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ،

(ح)، وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى، عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا المُفْطِرُ، فَلا يَجِدُ المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم، وَلَا الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، فكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فصَامَ فحَسَنٌ، وَمَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فأفطرَ فحَسَنٌ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي السَّفَرِ.

ص: 612

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "فَلَا يَجِدُ": مِنْ وَجَدَ وَجْدًا ومُوَاجَدَةً، أي: غَضِب، والمرادُ لا يعِيْبُ أحدٌ على صاحبِه كما في الحديث المُتَقَّدِم.

ص: 613

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ لِلْمُحَارِب فِي الإفْطَار

465 -

(714) - (3/ 84) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْن أَبي حَبِيبٍ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أبِي حُيَيّة، عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَأَلهُ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفرِ، فَحَدَّثَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ:"غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ غَزْوَتَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالفَتْحِ، فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ أَبي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذا الوَجْهِ، وَقد رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَمَرَ بِالفِطرِ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ نَحْوُ هَذَا، إِلَّا أنَّهُ رَخَّصَ فِي الإِفْطَارِ عِنْدَ لِقَاءِ العَدُوِّ، وَبِهِ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "غَزَوْنَا

" إلخ، لا يظهر من هذا الحديثُ الإِفْطَارُ في السَّفَر مطلقًا فلا يَصِحُّ جوابًا للسَّائِل عن الصَّوم في السَّفَر مُطلقًا.

ص: 614

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الإفْطَار لِلْحُبْلَى وَالمُرْضِعِ

466 -

(715) - (3/ 85) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، رَجُلٌ مِنْ بَني عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: أَغَارَتْ عَلَيْنَا خَيْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى للهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْتُهُ يَتَغَدَّى، فَقَالَ:"ادْنُ فَكُلْ"، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِم، فَقَالَ:"ادْنُ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّوْمِ، أَوِ الصِّيَامِ، إِنَّ الله تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلاةِ، وَعَن الحَامِلِ أَوِ المُرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ"، وَالله لَقَدْ قَالَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كِلْتَيْهِمَا أَوْ إِحْدَاهُمَا، فَيَا لَهفَ نَفْسِي أَنْ لا أَكُونَ طَعِمْتُ مِنْ طَعَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبي أُمَيَّةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ الكَعْبِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا نَعْرِفُ لِأنَسِ بْنِ مَالِكٍ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ الوَاحِدِ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم: الحَامِلُ، وَالمُرْضِعُ، تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ وَتُطْعِمَانِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: تُفْطِرَانِ، وَتُطْعِمَانِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ شَاءَتَا قَضَتَا، وَلَا إِطْعَامَ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ.

• قوله: "أَغَارَتْ عَلَيْنَا خَيْلُ": الإغارة: النَّهب. وَ" التَّغَدِّي": - بالدَّال المُهملة - الأكْلُ أوَّلَ النَّهَار.

• قوله: "ادْنُ": أمْر من الدُّنُوِّ بمعنى القُرْب.

• وقوله: "وَالله لَقَدْ قَالَهُمَا"، أي: الحَامِل والمُرْضِع. "فَيَا لَهْفَ نَفْسِي": كلمة تَحَسُّرٍ على ما فاتَ.

ص: 615

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ عَن المَيِّتِ

467 -

(716) - (3/ 87 - 86) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَمُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ:"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكِ دَيْن أَكُنْتِ تَقْتَضِينَهُ"، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ:"فَحَقُّ اللهِ أَحَقُّ". قَالَ: وفي البَابِ عَنْ بُرَيْدةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ.

• قوله: "فَحَقُّ اللهِ أَحَقُّ": ظاهرُ هذا التَّعْلِيل عمومُ الحُكْم بصَوْم الفَرْض والنَّذْر وغيرِهما أن الوليَّ يصُوْمُ عن المَيِّتِ، ويُوَافِقُه حديثُ "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ" متفق عليه

(1)

. وكذا ما تقدَّم في الكتاب من حديثِ: كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ أفَأصُوْمُ عَنْهَا"؟ قال: "صُوْمِي عَنْهَا"

(2)

. وواه مسلم أيضًا

(3)

، فَتركُ السُّؤال عن ذلك الصَّوْمِ دليل على عمومِ الحُكْمِ لكل صَوْمٍ، وقد أخَذ بِهَذا الحديثِ كثيرٌ من أهلِ العلم، لكن أحمدَ ادَّعَى أن موردَه النُّذُوْر وخَصَّه به، فقالَ في المَنْذُور: يصوم عنه الوَلِيُّ وفي صوم رمضانَ يُطْعِمُ عنه.

ومنهم من قال به مطلقًا، نذرًا كان أو فرضًا، منهم: طاؤوسٌ،

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب: من مات وعليه صوم، ح: 1952، وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، ح:1147.

(2)

راجع: كتاب الزكاة، باب: ما جاء في المتصدق يرث صدقته، ح:667.

(3)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت، ح:1149.

ص: 616

وقتادة، والحسن

(1)

، والزهري، وأبو ثور

(2)

في رواية، وداود

(3)

وهو قولُ الشافعي القديم.

قال النَّووي: وهو المختارُ

(4)

. ورجَّحَه البيهقيُّ وقالوا: لو اطَّلَع الشَّافعيُّ

(1)

هو: الإمام أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري مولى زيد بن ثابت، ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر، كان من سادات التابعين وكبرائهم، وشيخ أهل البصرة، جمع كل فن وعلم، وورع وعبادة، كان عالما، ثقة، مأمونا، فقيها، فصيحا، جميلا، وسيما. وأمه "خيرة" كانت مولاة لأم المؤمنين أم سلمة، فربما غابت أمه في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة ثديها وتعلِّله به، فدَرَّ عليه ثديها فشربه، فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك. رأى علي بن أبي طالب، وعائشة، وعثمان ولم يصح له سماع منهم. روى عن عبد الله بن الزبير، وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك وغيرهم. توفي بالبصرة في رجب سنة عشر ومائة. راجع لترجمته: طبقات ابن سعد: 7/ 157، التاريخ الكبير: 2/ 289، وفيات الأعيان: 2/ 72، تهذيب الكمال: 6/ 95، سير أعلام النبلاء: 4/ 563.

(2)

هو: الإمام الحافظ الحجة، مفتي العراق، أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، ولد في حدود سبعين ومائة، سمع سفيان بن عيينة، وإسماعيل بن علية، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن إدريس الشافعي وطبقتهم. حدث عنه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجة، والبغوي وخلق سواهم. توفي لثلاث بقين من صفر سنة أربعين ومائتين. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 6/ 576، وتذكرة الحفاظ: 2/ 512، وفيات الأعيان: 1/ 26، سير أعلام النبلاء: 72، 12.

(3)

هو: الإمام الحافظ العلامة أبو سليمان داود بن علي بن خلف البغدادي الأصبهاني الأصل، رئيس أهل الظاهر، ولد بالكوفة سنة مائتين، ونشأ ببغداد، كان ورعا ناسكا زاهدا، سمع سليمان بن حرب، والقعنبي، ومسددا، ومحمد بن كثير، رحل إلى نيسابور فسمع إسحاق بن راهوية "المسند"، و"التفسير"، ثم قدم بغداد وسكنها وصنف كتبه بها، في كتبه حديث كثير إلا أن الرواية عنه عزيزة جدا. توفي ببغداد سنة سبعين ومائتين. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 9/ 342، المنتظم: 12/ 235، وفيات الأعيان: 2/ 255، طبقات السبكي: 2/ 284، سير أعلام النبلاء: 13/ 97.

(4)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 8/ 26، 25.

ص: 617

على جميع طُرُق الحديث لم يُخالِفْ - إن شاء الله تعالى -، ومن لا يقولُ به يدَّعِي النَّسْخَ بأدِلةٍ واهيةٍ، وتمامُ تحقيق ذلك في حاشيتنا على فتح القدير.

ص: 618

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الكَفَّارَةِ

468 -

(718) - (3/ 88 - 87) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلَيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لا نَعْرِفهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ قَوْلُهُ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا البَابِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَامُ عَنِ المَيِّتِ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ قَالَا: إِذَا كَانَ عَلَى المَيِّتِ نَذْرُ صِيَامٍ يَصُومُ عَنْهُ، وَإِذَا كانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عَنْهُ، وقَالَ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ، وَالشَّافِعِيُّ: لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.

قَالَ: وَأَشْعَثُ: هُوَ ابْنُ سَوَّارٍ. وَمُحَمَّدٌ: هُوَ عِنْدِي ابْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى.

• قوله: "وقَالَ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ، وَالشَّافِعِيُّ: لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ": هذا المنقولُ عن الشافعيِّ هو قولُه الجَدِيْدُ، ورجَّح المتأخِّرُون قولَه القَدِيم أنَّه يَصُوْمُ عنه الوليُّ، وهو كُلُّ قريبٍ.

• قوله: "فَلْيُطْعَمْ

"إلخ، قد أخذ به علماءُنا لكن بقَيْد إن أوْصَى وبدون الوَصِيَّةِ لا يلْزَم.

ص: 619

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّائِم يَذْرَعُهُ القَىْ

ءُ

• أفادَ بالتَّرْجَمَةِ أن الحديثَ إنْ صحَّ يُحْمَل على قَيءٍ يَغْلِبُ على الإنسانِ توفيقًا بينَه وبينَ ما يجيءُ من الحديث.

ص: 620

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّائِم يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ نَاسِيًا

469 -

(721) - (3/ 90) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلا يُفْطِرْ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ".

470 -

(722) - (3/ 91) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَخَلَّاسٍ، أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثلَهُ، أَوْ نَحْوَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأُمِّ إِسْحَاقَ الغَنَوِيَّةِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ". وقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنسٍ: إِذَا أَكَلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ".

• قوله: "فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ": كأنَّ المرادَ قطعُ نِسْبَة ذلك الفِعْل إلى العَبْد بواسِطَةِ النِّسْيَان، فلا يُعَدُّ جنايةً منه، ولا يَفْسُد صومُه عليه، وإلا فهذَا القَدْرُ موجودٌ في كلِّ رِزْقٍ أكَلَه عمدًا أو سهوًا.

• قوله: "فَعَلَيْهِ القَضَاءُ": ويُحْمَل قولُه: "فَلا يُفْطِرْ": على أنَّه ليسَ له أنْ يأكُلَ بعدَ ذلك باختياره على أنَّه باقٍ على صَوْمِه. والله تعالى أعلم.

ص: 621

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الإفْطَارِ مُتَعَمِّدًا

471 -

(723) - (3/ 92) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا أَبُو المُطَوِّسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: أَبُو المُطَوِّسِ: اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ المُطَوِّسِ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ.

• قوله: "لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ

" إلخ، أي: لم يَكْفِ عنه ولا يكونُ مِثْلًا له من كُلِّ وجهٍ؛ لبقاءِ إثْمِ التَعَمُّدِ، ولا يحصلُ به فضيلةُ صَوْمِ رمضانَ، ولا تلْزَم منه عندَ الجمهور أنَّه ليسَ عليه قضاءٌ. والله تعالى أعلم.

ص: 622

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الفِطْر فِي رَمَضَانَ

472 -

(724) - (3/ 93 - 94) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ، وَأَبَو عَمَّارٍ وَالمَعْنَى وَاحِدٌ وَاللَّفْظُ لَفْظُ أَبِي عَمَّارٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَاه رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ. قَالَ: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ:"هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ " قَالَ: لَا، قَالَ:"فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ:"فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ:"اجْلِسْ"، فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالعَرَقُ المِكْتَلُ الضَّخْمُ، قَالَ:"تَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ: مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنَّا، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، قَالَ:"فَخُذْه، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ فِي مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ جِمَاعٍ، وَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، فَإِنَّ أَهْلَ العِلْم قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ القَضَاءُ، وَالكَفَّارَة، وَشَبَّهُوا الأكْلَ وَالشُّرْبَ بِالجِمَاعِ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ القَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إِنَّمَا ذُكرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الكَفَّارَةُ فِي الجِمَاعِ وَلَمْ تُذْكرْ عَنْهُ فِي الأكْلِ وَالشُّرْب، وَقَالُوا: لَا يُشْبِهُ الأكْلُ وَالشُّرْبُ الجِمَاعَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وقَالَ الشًّافِعِيُّ: وَقَول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلرَّجُلِ الَّذِي

ص: 623

أَفْطَرَ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ: "خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" يَحْتَمِلُ هَذَا مَعَانِيَ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الكَفَّارَة عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَهَذَا رَجُلٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الكَفَّارَةِ، فَلَمَّا أَعْطَاه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شيْئًا وَمَلَكَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا أَحَدٌ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنَّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ؛ لِأنَّ الكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الفَضْلِ عَنْ قُوتِهِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الحَالِ أَنْ يَأْكُلَهُ وَتَكُونَ الكَفَّارَة عَلَيْهِ دَيْنًا، فَمَتَى مَا مَلَكَ يَوْمًا مَا كَفَّرَ.

• قوله: "وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي": كنايةٌ عن الجِمَاع. "وَالعَرَقُ": - بفتح العين المهملة، والرَّاء، ورُوِي بإسْكانِ الرَّاء -. قال عياضٌ

(1)

: والصَّوابُ فتحُ الرَّاء، وهو المشهورُ روايةً ولغةً

(2)

.

• قوله: "مَما بَيْنَ لابَتَيْهَا"، أي: لابتَي المدينةِ يريدُ الحَرَّتَيْن. "فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"، أي: تعَجُّبًا من حالِ الرَّجُل حيثُ جاءَ هَالِكًا مُحترقًا خائفًا على نفسِه، راغبًا في فِدَاهَا مَهْمَا أمْكَنَه، فلَمَّا وجدَ الرُّخْصَةَ طمع أنْ

(1)

هو: الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي، السَّبْتي، الأندلسي، المالكي، ولد بمدنية "سَبْتَة" في النصف من شعبان سنة ست وسبعين وأربع مائة، دخل الأندلس طالبا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث كثيرا، تبحَّر في العلم، وجمع وألَّف، وسارت بتصانيفه الرُّكبان، واشتهر اسمه في الآفاق، تولى قضاء سَبْتة مدَّة، ثم نُقِل إلى قضاء غرناطة، وصنَّف التصانيف البديعة، منها:"الإكمال في شرح مسلم"، و"مشارق الأنوار"، و"الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" وغيرها. توفي سنة أربع وأبعين وخمس مائة بمدينة "سبتة". راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 3/ 483، وسير أعلام النبلاء: 20/ 212، شذرات الذهب: 6/ 226، البداية والنهاية: 16/ 352.

(2)

راجع: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض: 4/ 56.

ص: 624

يأكلَ الكفَّارةَ.

• وقوله: "بَدَتْ أَنْيَابُهُ"، أي: ظهرتْ. و"الأنْيَابُ": جمعُ نابٍ وهي: الأسنَانُ المُلاصِقَة للرُّبَاعِيَّات، وهي أربعةٌ.

• قوله: "الضَّخْمُ": الذي يَسَعُ ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين.

• قوله: "وَقَالُوْا: لَا يُشْبهُ الأكْلُ وَالشُّرْبُ الجِمَاعَ": لأنَّه أغلظُ، أي: فلا يلزمُ أن يكونَ حكمُه ثابتًا في الاكَل والشُّرْب.

ص: 625

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَاشَرَةِ الصَّائِم

473 -

(728) - (3/ 98) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُبَاشِرُنِي وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ".

• قوله: "لإِرْبِهِ": إمَّا بفتحتين بمعنى الحَاجَة، أو بكَسْرٍ فسُكونٍ بمعنى العُضْو، وقد رُوِي بالوَجْهين، وفي هذَا الكلامِ إشارةٌ إلى أنَّه لَا ينبغي لكم الإقْدَامُ على مثل هذه الأفْعَال؛ لأنَّ مَبْنَاهَا على أن نفسَ الإنْسَان في مِلْكِه، وهذَا الأمْرُ لَا يسَاوِي فيه أحدٌ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم.

ص: 626

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إفْطَارِ الصَّائِمِ المُتَطَوِّعِ

474 -

(731) - (3/ 001) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ ابْنِ أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: كُنْتُ قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَأُتِيَ بِشَرَابِ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَربْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: إنِّي أَذْنَبْتُ فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ:"وَمَا ذَاكِ؟ "، قَالَتْ: كُنْتُ صَائِمَةً، فَأَفْطَرْتُ، فَقَالَ:"أمِنْ قَضَاءٍ كُنْتِ تَقْضِينَهُ"، قَالَتْ: لَا، قَالَ:"فَلَا يَضُرُّكِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ.

475 -

(732) - (3/ 100 - 110) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ حَدَّثَنَا، أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: كنْتُ أَسْمَعُ سِمَاكَ بْنَ حَرْبَ يَقُولُ: أَحَدُ ابْنَيْ أُمِّ هَانِئٍ حَدَّثَنِي فَلَقِيتُ أَنَا أَفْضَلَهُما وَكَانَ اسْمُهُ جَعْدَةَ، وَكَانَتْ أمُّ هَانِئٍ جَدَّتَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"الصَّائِمُ المُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ".

قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لَهُ، أَأَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أُمِّ هَانِئٍ؟ قَالَ: لَا، أَخْبَرَنِي أَبُو صَالِحٍ وَأَهْلُنَا عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، فَقَالَ: عَنْ هَارُونَ ابْنِ بِنْتِ أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ أَحْسَنُ. هَكَذَا حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، عَنْ أبِي دَاوُدَ، فَقَالَ:"أَمِينُ نَفْسِهِ". وحَدَّثَنَا غَيْرُ مَحْمُودٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ: أَمِيرُ نَفْسِهِ، أَوْ أَمِينُ نَفْسِهِ عَلَى الشَّكِّ. وَهَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ شُعْبَةَ "أَمِينُ أَوْ أَمِيرُ نَفْسِهِ" عَلَى الشَّكِّ. قَالَ:"وَحَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ".

ص: 627

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَغَيرِهِمْ: أَنَّ الصَّائِمَ المُتَطَوِّعَ إِذَا أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءً عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَقْضِيَهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ.

• قوله: "أَمِنْ قَضَاءٍ"، أي: أكنتِ صائمةً مِنْ قَضَاءٍ.

• قوله: "فَلا يَضُرُّكِ"، أي: الإفْطَار، ولا يَلْزَم من هذَا أنْ لَا يكونَ علَيْها في ذلك قَضَاء إلا من دَلالةِ السُّكُوْت بمعنى أنَّه لو كانَ عليها قضاء في ذلك لَمَا سكتَ. وكذا لفظ "أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ

" إلخ، لَا يدُلُّ على عَدمِ لُزُوْم القَضَاء؛ لجَوازِ أنْ يكونَ الأمرَان أعْنِى: المضيُّ على الصَّوْم، والإفطارُ جائزَيْن له مع لُزُوْم القَضَاء إنْ أفْطَر، وهذَا ما ذَهب إليه بعضُ مُحَقِّقِي أصْحَابِنا كصاحبِ الكَنز

(1)

، والمحقِّقِ ابن الهُمَّام

(2)

، وبِهذا القولِ يحصلُ الجمعُ بينَ غالبِ حديثِ البابِ. والله تعالى أعلم بالصواب.

وأمَّا روايةُ: "أمِيْنُ نَفْسِه": - بالنُّون - فيحتملُ أنْ يُرَادَ به أنَّه حافظٌ على نفسِه، عالمٌ بِها بمَشيْئةِ نفسِه فلْيُراع مَشِيْئةَ نفسِه، وهذا المعنى بعيدٌ على ظَاهرِ مقتضى الأمَانة، ويحتمل أن المعنى أنَّه حافظٌ على نَفْسِه في إتْمَام هذَا الصَّوْم محسوبٌ عليه فحينئذ قوله: "إِنْ شَاءَ صَامَ

" إلخ، ليسَ للتَّخْيِيْر بينَ الصَّوْم والإفْطَار، بل يكونُ للتَّلْويح على الإفطارِ مثلَ قوله تعالى:

(1)

هو: حافظ الدين أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، كان فقيها، حنفيا، مفسرا، من مدينة "نسف" بين جيحون وسمرقند، وإليها نسبته. توفي ليلة الجمعة من ربيع الأول، سنة إحدى وسبع مائة، ودفن ببلدة "أيدج"، من مؤلفاته:"مدارك التنزيل" في التفسير، و"كنز الدقائق" في الفقه، و"المنار" في أصول الفقه، و"الوافي" في الفروع، وغيرها. راجع لترجمته: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: 2/ 247، تاج التراجم: 174، الأعلام للزركلي: 4/ 67.

(2)

تقدمت ترجمته.

ص: 628

{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}

(1)

. ويحتملُ أن المعنى أنَّه حافظٌ على نفسِه هذَا الصوم إمَّا بالأدَاء أو بالقَضاء، فله أن يصومَ وله أن يُفْطر بعد ذلك، فإنْ صامَ فقد أدّى حقَّ الصوم وإلا فعليه القضاءُ مراعاةً للأمانة.

(1)

الكهف:29.

ص: 629

[بابُ صِيَامِ المُتَطَوِّعِ بغَيْر تَبْييتٍ]

476 -

(734) - (3/ 021) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي، فَيَقُولُ:"أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟ "، فَأَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ:"إِنِّي صَائِم"، قَالَتْ: فَأَتَانِي يَوْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ أُهْدِيَتْ لنَا هَدِيَّةٌ، قَالَ:"وَمَا هِيَ؟ "، قَالَتْ: قُلْتُ: حَيْسٌ، قَالَ:"أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا"، قَالَتْ: ثُمَّ أَكَلَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

• قوله: "أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟ ": - بالمَدِّ - طعامٌ يُؤكَل أوَّل النهار.

"والحَيْسُ": - بفتح، فسكون - طعامٌ يُتَّخَذُ من تَمر، وأقِطٍ، وسَمَن، أو دَقيقٍ، أو فَتِيْتٍ بدل أقِطٍ.

ص: 630

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إيجَابِ القَضَاءِ عَلَيْهِ

477 -

(735) - (3/ 130 - 140) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ، وَكَانَتْ ابْنَةَ أَبِيهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كنَّا صَائِمَتَيْنِ، فعُرِضَ لنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاه فَأَكلْنَا مِنْهُ، قَالَ:"اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَرَوَى صَالِحُ بْنُ أَبِي الأخْضَرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ هَذَا. وَرَوَاه مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَعْمَرٌ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفَّاظِ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ لِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْج قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ قُلْتُ لَهُ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَة عَنْ عَائِشَةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ فِي خِلافَةِ سُلَيْمَانَ بْن عَبْد المَلِكِ مِنْ نَاسٍ، عَنْ بَعْض مَنْ سَأَل عَائِشَة عَنْ هَذا الحَدِيثِ، حَدثنَا بِذلِكَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ البَغدَادِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فَذَكرَ الحَدِيثَ.

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ فَرَأَوْا عَلَيْهِ القَضَاءَ إِذَا أَفْطَرَ وَهُوَ قَول مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.

• قوله: "فَبَدَرَتْنِي"، أي: سَبَقَتْنِي في السُّؤال إليه. "وَكَانَتْ ابْنَةَ أَبِيهَا": كنايةٌ عن كَوْنِها على صفةِ أبِيْها في المُبَادَرة إلى الخَيْرَات، وهو اعْتِراضٌ في الكلام بينَ المُبَادَرة وما يترتَّبُ على المُبَادَرة منَ السُّؤَال.

ص: 631

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِى مِنْ شَعْبَانَ

إلخ

478 -

(738) - (6/ 103) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ العَلَاءِ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ.

وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُفْطِرًا، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ شَيْءٌ أَخَذَ فِي الصَّوْمِ لِحَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا يُشْبِهُ قَوْلَهُمْ، حَيْثُ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ". وَقَدْ دَلَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ إنَّمَا الكَرَاهِيَةُ عَلَى مَنْ يَتَعَمَّدُ الصِّيَامَ لِحَالِ رَمَضَانَ.

• قوله: "لِحَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ": لعلَّ المرادَ به، أي: لِيَصِلَ صيامَ رمضانَ تكثيرًا في عدَدِ الصِّيَام وهذا وبما يُوْهِم تغييرَ المَشْرُوع المَحْدُوْد بالزِّيَادة فيه وذلك لَا يجوز، بخلاف مَا إذا قَصَدَ بذلك تعظيمَ رمضانَ فلا يُنَافِي ما سبقَ من جَوابِه صلى الله تعالى عليه وسلم "شعْبَانُ لِتَعْظِيْمِ رَمَضَانَ" لمن قال: أيُّ الصَّوْم أفضلُ بعد رمضانَ؟ والله تعالى أعلم. وقد حَمَلَه بعضُهُمْ على أنَّه غَرْضُه بذلك اسْتِجْمَامُ من لَا يقْوَى على تَتَابُع. الصِّيَام كما استحب إفطار يوم عرفَةَ لتقْوَى على الدُّعَاء فإن قَدَرَ فلا نَهْي.

ص: 632

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ

ذكر هذا الباب اسْتِطْرادًا لذِكْر شعبانَ وإلا فالكلامُ في الصِّيَام.

479 -

(739) - (3/ 107) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَخَرَجْتُ، فَإذَا هُوَ بالبَقِيع، فَقَالَ:"أكنتِ تَخَافِينَ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَليْكِ وَرَسُولهُ"، قلتُ: يَا رَسُول اللهِ! إِني ظنَنت أَنَّك أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ:"إِنَّ الله عز وجل يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: "حَدِيثُ عَائِشَةَ لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الحَجَّاجِ". وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يُضَعِّفُ هَذَا الحَدِيثَ، وقَالَ: يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ، وَالحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.

• قوله: "فَقَدْتُ"، أي: غابَ عَنِّي. وَ"الْحَيْفُ": الظُّلْمُ والجَوْر، أي: ظنَنْتِ أنِّي ظَلَمْتُكِ بجَعْل نَوْبَتَكِ لغَيْركِ؟ وذَاك منافٍ لمَنْصب الرِّسَالة، وذَكَرَ الله؛ لأنَّ فعلَ الرَّسُوْل يكونُ عادةً بأمْره وإذْنِه.

ونزولُ اللهِ تعالى إلى السَّمَاءِ الدُّنْيا كِنايةٌ لِدُنُوِّ رحمتِه تعالى لأهل الأرضِ، وسَعَةِ كَرَمِه، وفَضْلِه فيهم وقد تقدَّم الكلامُ عليه.

• و"الكَلْبُ": - بالفتح، والتخفيف - اسم قبيلةٍ كثيرةِ الغنم، -

ص: 633

وبالضم، والتخفيف - اسمُ [ماءٍ، وكان به يومٌ معروفٌ من أيَّام، العرب ذكره في "المجمع"

(1)

فيحتمل - والله تعالى أعلم - في الحديثين الوَجْهَيْن.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 4/ 427.

ص: 634

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ المُحَرَّمِ

480 -

(740) - (3/ 108) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ": في "المجمع"، أي: صيامُ شهرِ اللهِ، والمرادُ: يومُ عاشوراءَ. انتهى

(1)

. لكن حديث عَلِيٍّ يقتضي أن المرادَ: تمامُ الشَّهْر. والله تعالى أعلم.

(1)

لم يقل صاحب المجمع: "صيام شهر الله" وإنما قال: "شهر الله المحرم"

، راجع: مجمع بحار الأنوار: 3/ 270.

ص: 635

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ يَوْمِ السَّبتِ

481 -

(744) - (3/ 111) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أُخْتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افترض اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَمَعْنَى كَرَاهَتِه فِي هَذَا أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ يَوْمَ السَّبْتِ بِصِيَامٍ، لِأنَّ اليَهُودَ تُعَظِّمُ يَوْمَ السَّبْتِ.

• قوله: "إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ": على بناءِ المَفْعُول، ويحتملُ أنَّه على بناءِ الفَاعل، وضميرُه لله تعالى للعلم. به. وقول المصنف: "وَمَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ فِي هَذا: أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ

" إلخ، المراد به أن يَصُوْمَه وحدَه، وعلى هذا المعنى معنى الاستثناء "إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ"، أي: بالنَّذر إذ افقراضُ يومِ السبت وحدَه لا يظهر إلا هناك. والله تعالى أعلم.

ص: 636

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْن [وَالخَمِيسِ]

482 -

(745) - (3/ 112) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلَّاس، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ رَبِيعَةَ الجُرَشِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ حَفْصَةَ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى:"حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ".

• قوله: "يَتَحَرَّى": التَّحَرِّيْ: القَصْد والاجْتِهَاد في الطَّلَب، والعَزْم على تَخْصِيْصِ الشَّيءِ بالفِعْل والقَوْل.

483 -

(746) - (3/ 113) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ، وَالأحَدَ، وَالاثْنَيْنِ، وَمنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثُّلَاثَاءَ، وَالأرْبِعَاءَ، وَالخَمِيسَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.

• قوله: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

" إلخ، وقد علمتَ بما ذكره المصنفُ من التَّأويل أن النَّهْيَ عن صَوْمِه وحدَه فلا تَعَارُضَ.

484 -

(747) - (3/ 113) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أن

ص: 637

رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تُعْرَضُ الأعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "تُعْرَضُ": قال الشَّيْخُ عِزُّ الدين بن عَبْدِ السلام

(1)

: ومعنى العَرْض هنا الظُّهُوْر وذلك أن الملائكةَ تَقْرأ الصُّحُفَ في هذَيْن اليَوْمَين. وقال الشيخ وليُّ الدين

(2)

: إن قلتَ ما معنى هذَا معَ أنَّه ثَبَتَ في الصَّحِيْحَين: "إنَّ الله تَعَالَى يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلَ اللَّيْلِ؟ ".

(1)

هو: شيخ الإسلام، أحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي، الدمشقي، الشافعي، ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمس مائة، سمع كثيرا، وتفقه على فخر الدين بن عساكر وغيره، وجمع علوما كثيرة، وأفتى وصنف، ودرس بعدة مدارس بدمشق، وولي خطابتها ثم سافر إلى مصر ودرَّس بها وخطب وحكم، وقُصِد بالفتاوى من الآفاق، من مؤلفاته:"اختصار النهاية"، و"القواعد الكبرى"، و"الصغرى"، و"الفتاوى الموصلية" وغير ذلك. توفي بمصر في جمادى الأولى، سنة ستين وسمت مائة. راجع لترجمته: طبقات الشافعية: 8/ 209، الوافي بالوفيات: 18/ 318، البداية والنهاية: 17/ 441، شذرات الذهب: 7/ 522.

(2)

هو: الشيخ أبو زرعة ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي، الرازياني، العراقي، ثم المصري، ولد ثالث ذي الحجة، سنة اثنتين وستين وسبع مائة بالقاهرة. رحل به أبوه الحافظ العراقي إلى دمشق فقرأ فيها، وعاد إلى مصر فارتفعت مكانته إلى أن ولي القضاء سنة 824 هـ، توفي يوم الخميس سابع عشر من شعبان، سنة ست وعشرين وثمان مائة. من كتبه:"البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح"، و"الأطراف بأوهام الأطراف"، للمزي، و"رواة المراسيل"، و"حاشية على الكشاف"، و"أخبار المدلسين"، و"تحرير الفتاوى" وغير ذلك. راجع لترجمته: البدر الطالع: 1/ 72، الضوء اللامع: 1/ 336، الأعلام للزركلي: 1/ 148.

ص: 638

قلتُ: يحتملُ أمرَيْن أحدُهما أن أعمالَ العِباد تُعْرَضُ على اللهِ تعالى كلَّ يومٍ، ثم تُعْرَضُ عليه أعمالُ يومِ الجُمْعَة في كُلِّ يومِ اثنَيْن وخميس، ثم تُعْرَض عليه أعمالُ السَّنَة في شعبانَ فتُعْرَض عرضًا بعدَ عرضٍ، لكل عَرْضٍ حكمةٌ يُطْلِعُ عليها من يَشَاء من خَلْقِه ويَسْتأثر بِها عندَه مع أنَّه تعالى لَا يخْفى عليه من أعمالهم خافِيَةٌ، وثانيهما: أن المرادَ أنَّها تُعْرَض في اليوم تفصيلًا ثم في الجمعة جملةً أو بالعكس انتهى. كذا ذكره السيوطي في حاشية أبي داود

(1)

، والنسائي

(2)

.

وفي "المجمع" حديثُ العَرْض لَا ينَافي حديثِ الرَّفْع؛ لأنَّ الرَّفْعَ غيرَ العَرْض فإنَّ الأعمالَ تجمع بينَ الرَّفْع في الأسبوع، وتُعْرَض يومَ الاثنين والخميس، والعَرْضُ على اللهِ تعالى أو على ملَك وَكَّلَه على جميع الأعمال. انتهى

(3)

. لكن في رواية النسائي تصريحٌ بـ "أن العَرْضَ على رَبِّ العَالَمِيْن"

(4)

.

(1)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 2/ 612.

(2)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 1/ 517.

(3)

راجع: مجمع بحار الأنوار: 566.

(4)

راجع: سنن النسائي، كتاب الصيام، باب: صوم النبي صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي، وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، ح:2360.

ص: 639

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ يَوْمِ الأرْبعَاءِ وَالخَمِيسِ

485 -

(748) - (4/ 113) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُرَيْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ القُرَشِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ، أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ؟ فَقَالَ:"إِنَّ لِأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ، وَالَّذِي يَلِيهِ، وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ وَأَفْطَرْتَ".

وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: "حَدِيثُ مُسْلِمٍ القُرَشِيِّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ، عَنْ هَارُونَ بْن سَلْمَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ.

• قوله: "إِنَّ لِأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا": إنْ قلتَ: أداءُ حَقِّ الأهْل يكفيه اللَّيْل. قلتُ: الصَّومُ له تأثير في تقليل شَهْوةِ الجِمَاع كمَا في حديث: "فإنَّه لَهُ وِجَاءٌ"

(1)

فالمنعُ لذلك، لَا لأنَّه لَا يبْقَى وقتٌ لأدَاءِ حَقِّ الأهْل.

• قوله: "وَالَّذِي يَلِيهِ": الظَّاهِرُ أن المرادَ به شعبان كما كانَ هو دأبُه صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه يَصُوْمُه أو غالِبَه، ويحتمل أن المرادَ شوَّال، أي:

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، ح: 1905، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه و وجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، ح: 1400، وسنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: التحريض على النكاح، ح: 2046، وسنن النسائي، كتاب الصيام، باب: ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصوم، ح: 2241، وسنن ابن ماجة، كتاب النكاح، باب: ما جاء في فضل النكاح، ح:1845.

ص: 640

وسِتَّة من الَّذِي يَلِيْه كما وَرَدَ، أو شيئًا منه أو تمامه. والله تعالى أعلم.

• قوله: "قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ"، أي: أجرًا؛ بأنَّ صومَ الدَّهْر على حِسَاب مَا جاءَ بالحَسَنة يَحْصُلُ بدونِ هذَا القدر مِمَّا لا حاجةَ إليه بجَوَاز أن المرادَ ههنا حصولُ أجْر صَوْمِ الدَّهْر تحقيقًا والأمر إلى الله، لَا بمُجَرَّدِ حسابِ الحَسَنات - والله تعالى أعلم - والذي بحِسَاب الحسنات أنْقَصُ من التَّحْقِيْقِيِّ بتَسْعَةِ أعْشَارٍ كما لا يخْفَى.

ص: 641

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْل صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ

486 -

(749) - (3/ 115) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعَبْد الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَه".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقْدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ العِلْمِ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِلَّا بِعَرَفَةَ.

• قوله: "أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ"، أي: أطْمَعُ وأرْجُوْ منه.

ص: 642

‌بَابُ مَا جَاءَ كَرَاهِيَة صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ

(1)

487 -

(750) - (5/ 113 - 116) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الفَضْلِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ.

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ الفَضْلِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَصُمْهُ - يَعْنِي يَوْمَ عَرَفَةَ - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ الإِفْطَارَ بِعَرَفةَ لِيَتَقَوَّى بِهِ الرَّجُلُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَدْ صَامَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.

• قوله: "أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ": إفطارُه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يدُلُّ على كراهيةِ الصَّوْم لكنَّ الدَّليلَ على الكَرَاهِيَة ما سيَذْكُره المصنفُّ في باب كَرَاهِيَة الصَّوْم في أيَّام التَّشْريق من حديث عقبةَ قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وسلم: "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيوْمُ النَّحْرِ وَأيَّامُ التَّشْرِيْقِ عِيْدُنَا أهْلُ الإسْلام وَهِيَ أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ"

(2)

.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.

(2)

راجع: سنن الترمذي، كتاب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق، ح: 772، وسنن أبي داود، كتاب الصوم، باب: صيام أيام التشريق، ح: 2419، وسنن النسائي، كتاب مناسك - الحج، باب: النهي عن صوم يوم عرفة، ح:3006.

ص: 643

وما روى أحمد

(1)

وابن ماجة

(2)

عن أبي هريرة: "نَهى رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْه وسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَات" كأنَّه بوَاسِطَة تلكَ الأحْاديثِ يُحمل إفطارُه صلى الله عليه وسلم أنَّه كانَ لكَرَاهيةِ الصَّومِ فصَارَ دَليلًا بهذَا الاعْتِبَار.

(1)

راجع: مسند الإمام أحمد بن حبل: 13/ 401، 8031.

(2)

راجع: سنن ابن ماجة، كتاب الصيام، باب: صوم يوم عرفة، ح:1732.

ص: 644

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَثِّ عَلَى صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ

488 -

(752) - (3/ 117) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ".

وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَهِنْدِ بْنِ أَسْمَاءَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ الخُزَاعِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، وَعَبْدِ اللهِ بْن الزُّبَيْرِ ذَكَرُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حَثَّ عَلى صِيَامِ يَوْمِ عَاشورَاءَ.

قال أبُوْ عِيْسَى: لَا نَعْلَمُ فِي شيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كفَّارَة سَنَةٍ إِلَّا فِي حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ، وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "أَحْتَسِبُ"، أي: أرْجُوْ منه تعالى.

• قوله: "حَثَّ

" إلخ، ظاهرُ الحديث أنَّه أمَرَ به صلى الله تعالى عليه وسلم أوَّلا أمْرَ وجوبٍ، ثم نَسَخَ وُجْوبَه وُجُوْبُ صِيَامِ رمضانَ.

ص: 645

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ

489 -

(753) - (3/ 118) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُوُمهُ قُرَيْش فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الفَرِيضَةُ، وَتركَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ.

وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَابْنِ عُمَر وَمُعَاوِيَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَالعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَا يَرَوْنَ صِيَامَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا، إِلَّا مَنْ رَغِبَ فِي صِيَامِهِ لِمَا ذُكرَ فِيهِ مِنَ الفَضْلِ.

• قوله: "يَوْمٌ تَصُوْمُه": هكذا [في] غالبِ النُّسَخ، والظَّاهر "يومًا" على النصب، واعتباره منصوبًا مضافًا إلى الجُملةِ كما في "يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِيْنَ" يُبْعِدُه اشتمالُ "يَصُوْمُه" على ضميرٍ عائدٍ إليه، فإنَّ اشتمالَ الجملةِ المضاف إليها على ضميرِ المُضَاف غيرُ مُتَعَارَفٍ في العَربية بل قد مَنَعَه بعضُهم، فالظَّاهر أن الجُمْلَة التي بعدَه صِفَةٌ له، واعتبارُ "اليَوْم" اسمُ "كانَ" على أن "عَاشُوْرَاء" خبَرُ "كانَ" بعيدٌ من حيث المعنى ومن حيث علم الإعراب؛ لأنَّ "عاشوْراء" معرفَةٌ و"يَوْم" نكرةٌ، فالوَجْهُ أنْ يقالَ: إن "كَانَ" فيه ضميرُ الشَّأن، و"عَاشُوْرَاء" مبتدأ، خبرُه "يَوْم". والله تعالى أعلم.

• قوله: "إِلَّا مَنْ رَغِبَ فِي صِيَامِهِ"، أي: فلا يصومُه إلا من رَغِبَ.

ص: 646

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي عَاشُورَاءَ أيُّ يَوْمٍ هُوَ؟

490 -

(754) - (3/ 119) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَأَبُو كرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ حَاجِبِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ الأعْرَجِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أيُّ يَوْمٍ هو أَصُومُهُ؟ قَالَ:"إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ المُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، ثُمَّ أَصْبِحْ مِنَ التَّاسِع صَائِمًا"، قَالَ: فَقُلْتُ: أَهَكَذَا كَانَ يَصُومُهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: "نَعَمْ".

491 -

(755) - (3/ 911 - 201) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الحَسَنِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمُ عَاشِرٍ". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْم فِي يَوْم عَاشُورَاءَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ التَّاسِع، وقَالَ بَعْضهمْ: يَوْمُ العَاشِرِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال: "صُومُوا التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ وَخَالِفُوا اليَهُودَ"، وَبِهَذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.

• قوله: "مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ"، أي: مُتِّخِذٌ أيَّاه وسادةً، وهي - بالكسر - المِخَدَّة.

• قوله: "أيَّ يُوْمٍ عَاشُوْرَاء": والنصب على الإضمار، أي: أصُوْم أيَّ يومٍ؟، والرَّفْع على أن مَا بعدَه خبر له.

• قوله: "فَاعْدُدْ"، أي: اللَّيَالي. "ثُمَّ أَصْبِحْ": من يوم اللَّيل التَّاسِع صائمًا.

ص: 647

• قوله: "وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

" إلخ، لمن يريدُ التَّوفِيقَ بين الحَدِيْثَين أنْ يَحْملَ أضافةَ اليَومِ إلى اللَّيل التَّاسِع على المشهور من الإضافةِ إلى الليل المُتَقَدِّم، وإلى العَاشِر على خلافِ المشهور من الإضَافَة إلى اللَّيْل المتأخِّر كما في ليلة عرفةَ، فإنَّها تُضَافُ إلى اليوم المُتَقَدِّم على خلافِ المتعارف في نحو ليلة الجمعة، ويمكنُ التَّوفيقُ بما أشارَ إليه كلامُ المصنف بأنَّهما يومان عنده. والله تعالى أعلم.

ص: 648

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ العَشْر

492 -

(756) - (3/ 201 - 211) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي العَشْرِ قَطُّ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى الثَّوْرِيُّ، وَغَيْر هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرَ صَائِمًا فِي العَشْرِ. وَرَوَى أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، عَنِ الأسْوَدِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْصُورٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ الأعْمَشِ أَصَحُّ وَأَوْصَلُ إِسْنَادًا، قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: الأعْمَشُ أَحْفَظُ لإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ.

• قوله: "فِي العَشْرِ"، أي: في أيَّام اللَّيالي العَشْر على حذفِ المُضافِ، والمرادُ: عشْرُ ذي الحَجَّة فإنَّها المشهورةُ بِهذا الاسْم قال تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}

(1)

والمعنى فيما أمكنَ من أيَّامِه منها الصِيَّام وهي: التِّسْعُ منها، و [هي] المرادُ في التَّرْجمة إذ يومُ اللَّيلة العاشرةِ يوم عيدٍ فلا فائدةَ في ذكر الصَّوْم بالنسبة إليه إيْجَابًا أو سلبًا، وإنَّما لم يَقُل في اللَّيالي التِّسْع لعَدَم تعارُفِ هذا الاسم، فعَدَل عنه إلى الاسم المُتَعَارَف مع ظهور المُرادِ.

(1)

الفجر: 2.

ص: 649

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي العَمَل فِي أَيَّامِ العَشْرِ

493 -

(757) - (211/ 3 - 221) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ هُوَ البَطِينُ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذه الأَيَّام العَشْرِ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَلَا الجِهَادُ فِي سَببِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".

وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "مَا مِنْ أَيَّامٍ": كلمةُ "مِنْ" زائدةٌ لاستِغْرَاقِ النَّفْي، وجملةُ "العَمَلُ الصَّالِحُ

" إلخ، صفةُ أيَّام، والخبَرُ محذوفٌ، أي: موجودَةٌ، أو خيرٌ وهو الأوْجَه.

• وقوله: "مِنْ هَذه الأَيَّامِ": مُتَعَلِّقَة بـ "أحب"، والمعنى على حذفِ المضافِ، أي: مِنْ عَمَل هذه الأيَّام ليكونَ المفَضَّلُ والمُفَضَّلُ عليه من جِنْسٍ واحدٍ، ثم هو يحتملُ وجهين: أحدهما: أنْ يقالَ: من ذلك العَمَل الصَّالحِ في هذه الأَيَّام. والثَّاني: أن يقالَ: مِنْ عَمَلٍ ما في هذه الأَيَّام، والأوَّل أظهرُ وأقوى تَبَادُرًا إلى الذِّهْن.

وحاصُله: أن العملَ الواحدَ إذَا كانَ في هذه الأَيَّام هذا هو المُتَبادَر من

ص: 650

مقتضى المَقام، وإن كانَ أصلُ اللغةِ لا يقتضي أن يكونَ في هذه أحَبُّ، بل يَكْفِي فيه أنْ لا يكونَ في غيره أحَبّ، فيمكنُ أن يكونَ فيها وفي غيرها مُسَاوِيًا إذا كان غيرُها من الأيَّام الشَّريفَةِ كرمضان مثلا، و على هذا المعنى لا يظهر اسْتِبْعَادُهم المذكورُ بقولهم:"وَلا الجِهَادُ" في هذه الأيَّام أحَبُّ منه في غير هذه الأيَّام، ولا أنْ يقالَ: ليسَ الجهادُ في غير هذه الأيَّام أحَبُّ منه في هذه الأيَّام مع احتمالِ المُسَاوَاة إلا أنْ يُتكَلَّفَ بأنْ يقالَ: الجهادُ في هذه الأيَّام يُخِلُّ بالحَجِّ، فينبغي أنْ يكونَ في غير هذه أحبُّ منه في هذه الأيَّام، فلذا اسْتَبْعَدُوْا كونَ الجِهَاد في هذه الأيَّام أحَبُّ منه في غير هذه الأيَّام، وليسَ في غير هذه الأيَّام أحَبُّ منه في هذه الأيَّام مع احتمالِ المُسَاوَاة وحينئذ قوله:"إِلَّا رَجُلٌ" أي: جهادُ رجُل، بيانٌ لفَخَامة اجْتِهَاده، وتعظيمٌ له بأنَّه قد بلغ مبلغًا لا يكادُ يَتَفَاوَتُ بشرفِ الأيَّام والأزْمَان وعدم شرفها.

وحاصلُ الوجهِ الثَّاني: أن أيَّ عملٍ كانَ في هذه الأيَّام فهو أحَبُّ إلى اللّهِ من أيِّ عمل كانَ في غير هذه الأيَّام، ولو كانَ العملُ في هذه الأيَّام التَّصَدُّقُ بفَلْسٍ وفي غيرِها ولو كان عملًا عظيمًا أحبّ عملا من هذا وإن كانَ حقيرًا مع احتمال المُسَاوَاة، ولا يَخْفَى أن هذَا أمرٌ مستبعدٌ جِدًّا، وإن كانَ تَوْجِيْهُ السُّؤال والاستبعادِ بقولهم:"وَلا الجِهَادُ" يكون واضحًا، وكذا توجيهُ الجواب بقوله:"إلَّا رَجُلٌ" فافْهَمْ.

• قوله: "أَحبَّ": - بالفتح - على أنَّه صفةُ أيَّام وهو غيرُ منصرفٍ فيُفْتَح حالةَ الجزاء، وبالرَّفْع على أنَّه خبرٌ وهو الأوْجُهُ، وعلى الأوَّل يحتاج إلى حذفِ الخَبرِ.

ص: 651

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ

494 -

(759) - (3/ 231 - 241) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابتٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَلكَ صِيَامُ الدَّهْرِ".

وَفِي البَاب عَنْ جَابرِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَثَوْبَانَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ حَدِيثٌ حسَنٌ صحِيحٌ.

وَقَدْ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ صِيَامَ سِتَّةِ أيَّام مِنْ شَوَّالٍ بِهَذَا الحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: هُوَ حَسَنٌ هُوَ مِثْلُ صِيَامِ ثَلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: وَيُرْوَى فِي بَعْضِ الحَدِيثِ وَيُلْحَقُ هَذَا الصِّيَامُ بِرَمَضَانَ، وَاخْتَارَ ابْنُ المُبَارَكِ أَنْ تَكُونَ سِتَّةَ أيَّامْ فِي أَوَّل الشَّهْر، وَقَدْ رُويَ عَنْ ابْن المُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إنْ صَامَ سِتَّةَ أيَّام مِنْ شَوَّال مُتَفرِّقًا فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا. وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا الحَدِيثَ. وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ أَبِي مُوسَى، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قَالَ: كَانَ إِذَا ذُكرَ عِنْدَه صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَيَقُولُ: وَاللّه لَقَدْ رَضِيَ اللهُ بِصِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ عَنِ السَّنَةِ كلِّهَا.

• قوله: "من أَوَّلِ الشَّهْرِ"، أي: بعدَ يومِ العِيْد.

ص: 652

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ

495 -

(760) - (3/ 241 - 251) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةً: أَنْ لا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ، وَصوْمَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَأَنْ أُصَلِّيَ الضُّحَى.

• قوله: "عَهِدَ إِلَيَّ"، أي: أوْصَاني بثَلاثةٍ، وكانتْ هذه الوَصِيَّةُ بالنَّوْم على الوِتْر بالنَّظر إلى حالِ أبي هريرةَ، وإلا فالوِتْرُ آخرَ اللَّيل أحسنُ.

• وقوله: "إِلَّا عَلَى وِتْرٍ"، أي: إلا في عَقب وترٍ.

• قوله: "صَوْمَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ": يحتملُ النَّصب والرَّفع؛ لأنَّ قولَه: "أَنْ لا أَنَامَ" مع مَا عُطِفَ عليه يحتملُ أن يكونَ بَدَلًا من ثَلاثَةٍ، أو خبرٌ لمبتدأ مَحْذُوْفٍ.

496 -

(761) - (3/ 251) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأنَا شُعْبَةُ، عَنْ الأعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَامٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ".

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَعَبْدِ اللّه بْنِ عَمْرٍو، وَقُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ المُزَنِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي عَقْرَبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشةَ، وَقَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ، وَجَرِيرٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ

ص: 653

الحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ صَامَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ.

• قوله: "فَصُمْ

"إلخ، أمَرَه بإيْقَاع الثَّلاثَةِ في أيَّام البِيْضِ.

497 -

(763) - (3/ 261 - 271) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ ثَلاثةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؟ قَالَتْ: "نَعَمْ"، قُلْتُ مِنْ أيِّهِ كانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ:"كَانَ لا يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ صَامَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَيَزِيدُ الرِّشْكُ هُوَ يَزِيدُ الضُّبَعِيُّ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ القَاسِمِ وَهُوَ القَسَّامُ، وَالرِّشْكُ هُوَ القَسَّامُ بِلُغَةِ أَهْلِ البَصْرَةِ.

• قوله: "مِنْ أيِّهِ"، أي: من أيِّ أيَّامِه، أو من أيِّ أطْرَافِه من الطَّرْف الأوَّل، والأوْسَط، والآخِر.

ص: 654

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْل الصَّوْمِ

498 -

(764) - (3/ 271 - 281) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى القَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ: كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ.

وَفِي البَابِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَكعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَسَلامَةَ بْنِ قَيْصَرٍ وَبَشِيرِ بْنِ الخَصَاصِيَةِ، وَاسْمُ بَشِيرٍ: زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالخَصَاصِيَةُ هِيَ أُمُّهُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

• قوله: "إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ

" إلخ، يمكنُ أن يكونَ هذا إلى قوله: "وَالصَّوْمُ جُنَّة": مأخوذٌ من الكتاب فلذَا نسَب إلى اللهِ تعالى فيكونُ "كُلُّ حَسَنَةٍ

" إلخ، مأخوذٌ من قوله تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ}

(1)

.

• وقوله: "إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ": من قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ}

(2)

الآية.

(1)

الأنعام: 160.

(2)

البقرة: 261.

ص: 655

• وقوله: "وَالصَّوْمُ لِي

" إلخ، مأخوذٌ من قوله تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

(1)

بناءً على أن الصبرَ هو الصَّوْم، وأنَّ قوله: "الصَّوْمُ لِيْ

" إلخ، كنايةٌ عن تعظيمِ جَزَائِه، وأنَّه لا حدَّ له كجزاء سَائِر الأعمالِ بقرينةِ المُقَابَلة، ويكونُ قولُه: "والصَّوْمُ جُنَّةٌ": من كلامِه صلى الله عليه وسلم، ويمكنُ أن يكونَ هذا الكلامُ بعَيْنِه مِمَّا أوْحِي إليه وَحْيًا غيرَ مَتْلُوٍّ، وعلى هذا فإنْ قلنا: إنَّ الحديثَ

إلخ، كلامُه تعالى فحينئذٍ يكونُ قوله:"أَطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ" من وَضْعِ الظَّاهر مَوْضِعَ الضَّمير، والأصلُ:"أطْيبُ عندي"، وإنْ قلنا: بل بعضُه والبَاقي من كلامِه - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلا إشكالَ.

وقد اختلفوا في معنى قولِه: "والصَّوْمُ فِي

" إلخ، على أقْوالٍ، والأقربُ عندي ما أشَرْفُ إليه أنَّه كناية عن تعظيم جَزائِه، وأنَّه لاحدَّ له، وهذا هو الَّذِي تُفِيْدُه المقابلةُ؛ وذلك لأنَّ اختِصَاصَه من بين سَائر الأعمالِ بأنَّه مخصوصٌ بعظيم لا نِهايةَ لعَظْمَتِه ولا حدَّ لها، وأنَّ ذلك العظيمَ هو المُتَوَلِّي بجَزَائِه مِمَّا يَنْسَاقُ الذِّهنُ منه إلى أن جزاءَه مِمَّا لا حدَّ له، وعلى هذا فمعنى قوله: "لِيْ"، أي: أنا المُتَفَرِّدُ بعلم مقدار ثوابِه وتضعيفه. والله تعالى أعلم.

• وقوله: "أَطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ"، أي: صاحبُه بسَببِه أكثرُ قبولًا ووجاهةً عندَه، وأزيَد قربًا منه تعالى من صاحبِ المِسْكِ بسبب ريْحِه عندَكم، وهو تعالى أكثرُ إقبالًا عليه بسببه من إقبالِكم على صاحبِ المِسْكِ بسبب ريحِه. واللّه تعالى أعلم.

• وقوله: "وَهُوَ صَائِمٌ"، أي: ذلك الأحدُ منكم صائِمٌ، أي:"فَلْيَقُلْ" باللِّسَانِ دفعًا له، ومُعْتَذِرًا عندَه عن مقابلته:"إِنِّي صَائِم" وبالقَلْب، أي: ليَتَذَّكَر

(1)

الزمر: 10.

ص: 656

بالقَلْب ذلك ولا يغفل عنه ليَمْنَعه ذلك عن المقابلة.

• قوله: "جَاهِلٌ": جَهِل على أحدِكم، أي: بالشَّتْم والسَبِّ أو غيرِهما.

499 -

(765) - (3/ 281) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامرٍ العَقَدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَبَابًا يُدْعَى الرَّيَّانَ، يُدْعَى لَهُ الصَّائِمُونَ، فَمَنْ كَانَ مِنَ الصَّائِمِينَ دَخَلَهُ، وَمَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "الصَّائِمُونَ"، أي: كثيرُ الصَّوم. "لَمْ يَظْمَأْ"، أي: لم يَعْطِش.

500 -

(766) - (3/ 281 - 291) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "حِينَ يُفْطِرُ": هي فرحةٌ وِجْدَانِيَّةٌ تَحْصُل للنَّفْس بوَاسِطَة الإطلاقِ بعدَ التَّقْييدِ.

ص: 657

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ الدَّهْر

501 -

(767) - (3/ 291 - 301) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ؟ قَالَ: "لا صَامَ وَلا أَفْطَرَ، أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ".

وفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي مُوسَى. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَدْ كرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ صِيَامَ الدَّهْرِ، وَأجَازَه قَوْمٌ آخَرُوْنَ وَقَالُوا: إِنَّمَا يَكُونُ صِيَامُ الدَّهْرِ إِذَا لَمْ يُفْطِرْ يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ الأضْحَى، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَمَنْ أَفْطَرَ هَذِهِ الأيَّامَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الكَرَاهِيَةِ، وَلا يَكُونُ قَدْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ نَحْوًا مِنْ هَذَا، وَقَالا:"لا يَجِبُ أَنْ يُفْطِرَ أَيَّامًا غَيْرَ هَذِهِ الخَمْسَةِ الأيَّامٍ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ الأضْحَى، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ".

• قوله: "لا صَامَ

" إلخ، أي: كأنَّه ما صَامَ لقِلَّةِ أجْرِه، وما أفطرَ لتَحَمُّلِه مشقَّة الجُوع. وقيل: دعاءٌ عليه زجرًا له عن ذلك. وقيل: بل لا يبْقَى له حظٌّ من الصَّوم؛ لكونِه يصير عادةً له، ولا هو مُفْطِرٌ حقيقةً، ولا حظَّ له من الإفطار أيضًا.

ص: 658

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي سَرْدِ الصَّوْمِ

• قوله: "سَرْدُ الصَّوْمِ": تَتَابُعُه.

502 -

(768) - (3/ 301 - 311) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: "كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ"، قَالَتْ:"وَمَا صَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَهْرًا كَامِلًا إِلَّا رَمَضَانَ".

وَفِي البَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "قَدْ صَامَ"، أي: دَاوَم على الإفْطَار.

503 -

(769) - (3/ 311) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفرٍ، عَنْ حمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ سُئِل عَنْ صَوْم النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتى نرَى أَنَّهُ لا يرِيدُ أنْ يُفطِرَ مِنْهُ، وَيُفطِرُ حَتّى نرَى أَنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَصُومَ مِنهُ شيْئًا، وَكُنْتَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ الليْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأيْتَهُ مُصَلِّيًا، وَلا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ نَائِمًا". قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

"إلا رَأيْتَهُ"، أي: إلا والحالُ أنَّك تَراه كذلك، والتَّعبيرُ بالماضي للدَّلالةِ على تحَقُّقِه كأنَّه قد رآه قبل ذلك، والحاصل: أنَّه ما كانَ لصلاتِه ولا نومِه وقتٌ مُعَيَّنٌ حتى في كل وقتٍ يمكن أن تَراه مُصَلِّيًا أحيانًا ونائمًا أخرى.

504 -

(770) - (3/ 311 - 321) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ،

ص: 659

وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيب بْنِ أَبِي ثَابتٍ، عَنْ أَبِي العَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو العَبَّاسِ هُوَ: الشَّاعِرُ المَكِّيُّ الأعمى، وَاسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَتُفْطِرَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: هَذَا هُوَ أَشَدُّ الصِّيَامِ.

• قوله: "وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى"، أي: العدوَّ. وظاهرُ هذه الجُمْلة أنَّها عطفٌ على "يَصُوْمُ يَوْمًا" ولا شَكَّ أن تلك الجُملةَ مُسَوَّقَةٌ لبيانِ صومِ داودَ بعدَ الإخبارِ عنها بأنَّها أفضلُ الصِّيَام، كأنَّ سائلًا قال: كيف كانَ صومُ داودَ؟ فقال: "كَانَ يَصُوْمُ

". ومقتضى [الحديثِ] أن هذا في بيانِ خيرِ الصَّوْم وهذا بظاهره لا يصلح لذلك، فكأنَّ المرادَ بالصَّوم مُطْلَقُ الصَّبْر، وكفُّ النَّفْس وإمسَاكُها على خلافِ ما تشتهيه وتَهْوي، أي: أفضلُ الصَّبر صبرُ داودَ حيث كانَ يصبِرُ على أشَدِّ الصِّيَام، وفي أشدِّ المَعارِك.

ويمكنُ أن يقال: إنَّه اعتراضٌ في آخر الكلامِ عندَ مَنْ جَوَّزَ وُقُوْعَ الاعتراضِ في الآخر، والواو اعتراضِيَّةٌ ذَكَر لنكْتَةٍ، وذلك أن مُدَاوَمَة داودَ على هذا النَّوْع من الصَّومِ الذي هو أشدُّ الصِّيَامِ على النَّفْس ربما يُوْهِم ضُعْفَه، فدَفَعَ ذلك الوهم ببيان أنَّه مع ذلك [كان] في غايةِ الشَّجَاعة. والله تعالى أعلم.

• قوله: "هُو أشَدُّ الصِّيَامِ"، أي: لا يحصلُ له عادة على الصَّوم ولا على الإفطار فيصعبُ عليه كلٌّ منهما؛ لأنَّه على خلافِ العَادةِ.

ص: 660

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّوْمِ يَومَ الفِطْر وَالنَّحْر

505 -

(771) - (3/ 321 - 331) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ قَالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ صَوْمِ هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ، أَمَّا يَوْمُ الفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صَوْمِكُمْ وَعِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا يَوْمُ الأضْحَى فَكُلُوا مِنْ لُحُومِ نُسُكِكُمْ".

قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: اسْمُهُ سَعْدٌ وَيُقَالُ لَهُ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ أيضًا، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ هُوَ ابْنُ عَمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.

506 -

(772) - (3/ 331 - 341) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامَيْنِ: يَوْمِ الأضْحَى، وَيَوْمِ الفِطْرِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِى هُرَيْرَةَ، وَعُقبةَ بْن عَامِرٍ، وَأَنسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى هُوَ ابْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ المَازِنِيُّ الْمَدِينِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.

ص: 661

• قوله: "نَهَى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم

" إلخ، كأنَّ تخصيصَ اليَوْم بالنَّهْي؛ لأنَّ سائرَ الأيَّام المَنْهي عنها من التَّوابع.

• قوله: "هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ": في الجَمْع بينهما في الإشارةِ تغليبٌ للحَاضِر على الغائبِ.

ص: 662

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ

507 -

(774) - (3/ 351 - 371) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَمحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، وَيَحْيى بْنُ مُوسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قَارِظٍ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدٍ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَثَوْبَانَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَائِشَةَ، وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ يَسَارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَبِلالٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَحَدِيثُ رَافِعِ بْن خَدِيجٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَذُكرَ عَنْ أحْمَدَ بْن حَنبَل أَنَّهُ قال: أصَحُّ شيءٍ فِي هَذا البَاب حَدِيثُ رَافِع بْن خَدِيجٍ، وَذكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قال: أصَحُّ شيْءٍ فِي هَذا البَابِ حَدِيث ثوْبَانَ، وَشدادِ بْنِ أَوْسٍ لِأنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كثِيرٍ رَوَى عَنْ أَبِي قِلابَةَ الحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا، حَدِيثَ ثَوْبَانَ، وَحَدِيثَ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ.

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ حَتَّى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ بِاللَّيْلِ، مِنْهُمْ: أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَبِهَذَا يَقُولُ ابْنُ المُبَارَكِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: مَنْ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: وَهَكَذَا قَالَ

ص: 663

أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ رُوِيَ عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم "أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ". وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ".

وَلا أَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ثَابِتًا، وَلَوْ تَوَقَّى رَجُلٌ الحِجَامَةَ وَهُوَ صَائِمٌ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَوْ احْتَجَمَ صَائِمٌ لَمْ أَرَ ذَلِكَ أَنْ يُفْطِرَه. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَكَذَا كَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِبَغْدَادَ، وَأَمَّا بِمِصْرَ فَمَالَ إِلَى الرُّخْصَةِ وَلَمْ يَرَ بِالحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ مُحْرِمٌ.

• قوله: "أفْطَرَ

" إلخ، من لا يقولُ بظاهِرِه يؤوِّله بأنَّهما تَعَرَّضَا للإفْطارِ بعُرُوْض الضُّعْف للمَحْجُوم، ووُصُوْل شيءٍ إلى الجَوْف بمَصِّ الكأسِ [أو] القَارُوْرَةِ للحَاجِم. وقيل: هو على التَّغْليظِ لهما، والدُّعَاء عليهما. وقيل: بل المراد بذلك رجلان بعَيْنِهما كانَا مُشْتَغِلَيْن بالغِيْبَة، فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذلك على معنى ذهبَ أجرُهما.

• قوله: "ثَابِتًا"، أي: من حيث الحكم؛ لكَوْنِهما صَحِيْحَيْن مُتَعَارِضَيْن، وعندَ التَّعَارُض لا يثبتُ حكمُ واحدٍ منهما إلا من حيث الإسنَاد لأنَّهما صحيحان عندَهم إسنادًا - والله تعالى أعلم - لكن قد يُقال:"احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ": لا يدُلُّ على بَقَاءِ الصَّوْم بعدَ الحِجَامة لجَواز أنَّه كان في سَفَرٍ، ويَحِلُّ له فيه الإفطارُ فأفطر بالحِجَامة، أو كانَ الصَّومُ صومَ تَطَوُّعٍ فأفطر بالحِجَامَة، بل مقتضى ما ذَكَره أنَّه كان في حَجَّةِ الوَدَاع هو أنَّه اجتمع في صَوْمِه أمران: التَّطَوُّعُ، والسَّفَرُ.

ص: 664

‌بَابُ ما جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الوَصل في الصِّيامِ

(1)

• قوله: "الوِصَالُ": هو في الصَّوم أنْ لا يفْطر يومين أو أيَّامًا "مجمع"

(2)

.

508 -

(778) - (3/ 391) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، وَخَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "لا تُوَاصِلُوا"، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"إِنِّي لَسْتُ كأَحَدِكُمْ، إِنَّ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَبَشِيرِ بْنِ الخَصَاصِيَةِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْم: كَرِهُوا الوِصَالَ فِي الصِّيَام، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ الأيَّامَ وَلا يُفْطِرُ.

• قوله: "أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ": كأنَّه حمل النَّهْي على أنَّه للمَشَقَّةِ عليهم أو الكَرَاهَة.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الوِصَالِ لِلصَّائِمِ.

(2)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 5/ 61.

ص: 665

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الجُنُبِ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ يُريدُ الصَّومَ

509 -

(779) - (3/ 401) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرتنِي عَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجَا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَدسَلَّمَ - كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فَيَصُومُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ: إِذَا أَصْبَحَ جُنبًا يَقْضِي ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالقَول الأوَّلُ أَصَحُّ.

• قوله: "مِنْ أَهْلِهِ"، أي: من الجِمَاع لا من الاحْتِلام، والمقصودُ أن الجَنَابةَ كانَت اختياريَّةً لا اضْطِرَاريَّةً ليكونَ نَصًّا في مَحلِّ الخِلاف.

ص: 666

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إجَابَةِ الصَّائِمِ الدَّعْوَةَ

510 -

(780) - (3/ 411) حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا دُعيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ"، يَعْنِي: الدُّعَاءَ.

• قوله: "يَعْنِي: الدُّعَاءَ"، أي: أريد بالصَّلاةِ الدُّعَاء، والمعنى فلْيَدْعُ لأهل الطَّعَام بالمَغْفِرة والبَركَة. وقيل: فليَشْتَغِل بالصَّلاةِ الشَّرْعِيَّة ليَحْصُل له فضلُها، ولْيُبَرِّكْ أهلَ المكان. [قال] الطيبي: ليُصَلِّ ركعتَيْن في نَاحِيةِ البَيْت، وإن تأذَّى المُضيفُ بترك الأكْل أفْطَر

(1)

.

511 -

(781) - (3/ 411) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَكلا الحَدِيثَيْنِ فِي هَذَا البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ"، أي: لئلا يُكْرِهُوْه على الأكْل، أو لئِلا تَضِيقَ صدُوْرُهم بامْتِنَاعِه عنه. وقيل: أي: "فَلْيَقُلْ" اعتذارًا له، فإنْ سَمَح بتَرْك حضورِه، وتَركِ أكْلِه دامَ على صومِه وإلا أكَل، وفيه [جواز] إظْهارِ النَّفْل، أي: صومِ النَّفْل للحَاجَة.

(1)

راجع: الكاشف عن حقائق السنن للطيبي: 5/ 1618.

ص: 667

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كرَاهِيَةِ صَوْمِ المَرْأَةِ إلَّا بإذْن زَوْجهَا

512 -

(782) - (3/ 421) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لا تَصُومُ المَرْأَة وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، إِلَّا بِإِذْنِهِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسنٌ صَحِيح، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "شَاهِدٌ"، أي: حاضِرٌ عندَها.

ص: 668

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِير قَضَاء رَمَضَانَ

513 -

(783) - (3/ 431) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِسمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ البَهِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"مَا كُنْتُ أَقْضِي مَا يَكُونُ عَلَيَّ مِنْ رَمَضَانَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ هَذَا.

• قوله: "إلَّا فِي شَعْبَانَ": [قال البخاريُّ: زادَ يحيى]

(1)

يعني ابنَ سعيدٍ "الشُغْلٍ بالنَّبِيِّ - صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم - "

(2)

، أي: يَمْنَعُني الشُّغْل؛ لأنَّها كانَتْ مُهَيِّئةً نفسَها لاسْتِمْتَاعِه بِها في جميعِ أوْقَاتِها إنْ أرادَ ذلك، ولا تَعْلم متى يريدُ، ولا تَستَأذِنُه في الصَّوْم مخافةَ أنْ يأذنَ مع الحَاجَةِ وهذَا من الآدَاب.

وأمَّا شعبانُ فكانَ يَصُوْمُه فتفرغ فيه لقَضَاء صَوْمِها، ولأنَّه إذَا ضَاقَ الوَقْتُ لا يجوزُ له التَّأخِيْرُ عنه. ولا إشكالَ بأنَّه يمكنُ لهَا القَضَاء في أيَّام القَسْم إذْ كُلُّ واحدةٍ من الأزْوَاج الطَّاهِرَاتِ يومُها بعدَ ثمانيةِ أيَّام، فيمكنُ لكلِّ واحدةٍ أن تقضي في تلك الأيَّام؛ لأنَّ القَسْمَ لم يكن واجبًا عليه، فهُنَّ يَتَوَقَّعْنَ حاجَتَه في كُلِّ الأوْقَاتِ. ذكره القرطبي

(3)

.

(1)

هكذا في المخطوط، والصحيح:"زاد البخاري: "قال يحيى": الشغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم ".

(2)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب: متى يُقْضى قضاءُ رمضان، ح:1950.

(3)

راجع: الجامع لأحكام القرآن: 3/ 139،138.

ص: 669

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ مُبَالَغَةِ الاسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ

514 -

(788) - (3/ 461 - 471) حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ البَغْدَادِيُّ الوَرَّاقُ، وَأَبُو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيثٍ قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ كثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ الوُضُوءِ؟ قَالَ:"أَسْبغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأصَابعِ، وَبَالِغْ فِي الاستِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ كَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ السُّعُوطَ لِلصَّائِمِ، وَرَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ يُفْطِرُهُ، وَفِي الْبابِ مَا يُقَوِّي قَوْلهمْ.

• قوله: "أَسْبغِ الوُضُوءَ": الإسباغُ بمعنى الإكمال.

• قوله: "السَّعُوْطُ": - بالفتح - وجُوِّز الضمُّ هو ما يُجْعَل من الدَّواء في الأنْف.

• قوله: "يُقَوِّي قَوْلَهُمْ": إذ علم منه أن ما يَصِل إلى البَاطِن من مَسْلَك الأنْفِ يُفْطِره، وفيه أن المَنعَ عن المُبَالَغَة يَجُوز أنْ يكونَ للخَوْفِ عن الكَرَاهَة بأنْ كانَ الوَاصلُ إلى البَاطِن من مَسْلَكِ الأنْف مَكرُوْهًا لا مُفْسِدًا، على أن غيرَ المَأكُوْل والمَشْرُوْب عادةً من الأدْوِيَة يجوزُ أنْ لا يكونَ مثلَ المَأْكُولِ والمُشْرُوْبِ عادةً، فالاستدلالُ مَحَلُّ كلامٍ.

ص: 670

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاعْتِكَافِ

515 -

(790) - (3/ 481) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي لَيْلَى، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى:"حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

• قوله: "كَانَ يَعْتَكِفُ"، أي: يُدِيْم على اعْتِكَافِه أداءً وقضاءً، وذلك لَمَّا عَلِم أنَّه فاتَتْه مرةً لمَانِع. وإن حمل على الأداءِ فهو من بابِ إجْرَاء الغَالِب مَجْرَى الدَّوَام، على أن دلالةَ "كَانَ يَعْتَكِفُ" على الدَّوَام ممنوعَةٌ على كثيرِ فلا إشكالَ.

516 -

(791) - (3/ 481 - 491) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتكَفِهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا. رَوَاه مَالِكٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ الأوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَدا الحَدِيث عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ يقوْلُونَ: إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ

ص: 671

أَنْ يَعْتكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتكَفِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتكِفَ فَلْتَغِبْ لَهُ الشَّمْسُ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتكِفَ فِيهَا مِنَ الغَدِ وَقَدْ قَعَدَ فِي مُعْتكَفِهِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.

• قوله: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا

" إلخ، الذي يقول بظَاهِر الحديثِ يَحْمِل على أن المُعْتكِفَ يَشْرع في الاعْتِكَافِ بعدَ صلاةِ الصُّبْح من اليَوْم الحَادِي والعشرين كما يَشْهَد بذلك كلامُهم، ولذا رَدَّ عليه الجمهورُ بأنَّ المعلومَ أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يعتكفُ العشرَ الأواخرَ كما رواه المصنف سابقًا، وقد رواه الشيخان

(1)

وغيرُهما

(2)

عن عائشة، وكان يَحُثُّ أصحابَه على اعتكافِ العَشر، وعَدَدُ العَشر عَدَدُ اللَّيالي، فيدخُل فيها اللَّيْلَة الأوْلى وإلا لا يتِمُّ هذَا العددُ أصلًا.

وأيضًا من أعظمِ ما يُطْلَبُ بالاعتكافِ في العَشْر الأواخِر إدْرَاكُ لَيْلةِ القَدْر وفَضْلُها كما لا يخْفَى على من يَتَّبعُ أحاديث البَاب، وهي قد تكونُ تلك اللَّيْلة، ليلة الحادي والعشرين كما يُفيدُه حديثُ أبي سعيدٍ، فينبغي له أنْ يكونَ مُعْتكِفًا فيها لا أنْ يعتكفَ بعدَها، ولهذَا ذهب الجمهورُ إلى أنَّه يَشْرع ليلةَ الحادي والعشرين في الاعتكافِ، ولهم في جوابِ غير هذا الحديثِ وجوهٌ.

قال النَّووي: تأويلُ الحديث أنَّه دَخَلَ المعتكفَ وانْقَطَع فيه وتَخَلَّى بنَفْسِه بعدَ صلاةِ الصُّبْح، لا أن ذلك وقت ابتداءِ الاعتكاف، بل كان قبلَ المغربِ معتكفًا

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها، ح: 2026، وصحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الآواخر من رمضان، ح:1172.

(2)

راجع: سنن أبي داود، كتاب الصوم، باب: الاعتكاف، ح:2464.

ص: 672

لابثًا في جملةِ المَسْجِد، فلمَّا صلى الصبحَ انفردَ. انتهى

(1)

.

وقال الشيخ شمس الدين المَقْدِسِيُّ الحنبلي

(2)

: وحَمَلَه صاحبُ المُحَرِّر على الجَواز، وقال القاضي يعني أبا يعلى

(3)

: يحتمل أنَّه كانَ يفعل ذلك في يوم العِشْرين. انتهى

(4)

.

قلتُ: وهذا كما تَجَرَّدَ للإحْرَام من المَدِيْنة وإنْ أحْرَم من ذي الحُلَيْفَة، وأوْرَدَ الحافظُ ابنُ حجر على تأويلِ النَّوْوي

(5)

بأنَّه مشكلٌ على مَنْ مَنعَ الخُرُوْج من العبادَةِ بعدَ الدُّخُول فيها. انتهى.

(1)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 8/ 69.

(2)

هو: الشيخ العلامة، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، المقدسي الرامينى، ثم الصالحي، ولد سنة بضع وسبع مائة بـ "بيت المقدس"، ونشأ فيها، اشتغل بالفقه وبرع فيه، ودرَّس وأفتى، وناظر وحدَّث، كان آية في نقل مذهب الإمام أحمد بن حنبل، توفي ليلة الخميس، ثاني رجب بالصَّالحيَّة، بدمشق، سنة ثلاث وستين وسبع مائة. من تصانيفه:"كتاب الفروع"، و"النكت والفوائد السنية"، و"الآداب الشرعية الكبرى" وغير ذلك. راجع لترجمته: شذرات الذهب: 8/ 340، والدرر الكامنة: 4/ 261، والأعلام للزركلي: 7/ 107.

(3)

هو: الإمام العلامة، القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي، ابن الفراء، ولد في محرم، سنة ثمانين وثلاث مائة، سمع الحديث الكثير، وأول من سمعه شيخه أبا الطيب البزاز، كان أحد الفقهاء الحنابلة، انتهت إليه رئاسة الحنابلة في عهده، كان إماما في المذهب الحنبلي، درس وأفتى، حدث وأفاد، له تصانيف حسان، مثل:"التعليقة الكبرى" وغيرها، توفي ليلة الإثنين، عشرين من رمضان، سنة ثمان وخمسين وأربع مائة. راجع لترجمته: تاريخ بغداد: 3/ 55، والمنتظم: 16/ 98، والكامل لابن الأثير: 8/ 378، والوافي بالوفيات: 3/ 8، وسير أعلام النبلاء: 18/ 89.

(4)

راجع: كتاب الفروع للفقيه للمقدسي: 681.

(5)

كما مرّ آنفا.

ص: 673

ومبناه ما في آخِر الحديثِ أنَّه - صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم - رأى بعدَ صلاةِ الصُّبْح خِيَمَ الأزْوَاج المُطَهَّرَاتِ بقصْد الاعْتِكَاف فتَركَ الاعتكافَ في تلك السَّنَة، والظَّاهر أنَّه ما تَركَ إلا قبلَ الشُّرُوْع إذ يُستَبْعدُ التَّركُ بعدَ الشُّرُوْع لمثْل تلك المَصْلَحةِ بخِلافِ التَّرْك قبلَ الشُّرُوع فإنَّه أسهل، سِيَّمَا على قولِ من لا يجَوِّزُ الخروجَ بعدَ الشُّروع فيُشْكَل عليهم هذا التأويل.

قلتُ: وفي ذلك التأويل إشكالٌ وهو أن لفظَ الحديثِ يُعْطِي أنَّه كانَ يدخلُ المَعْتَكَفَ حينَ يُريد الاعتكافَ، لا أنَّه يدخلُ فيه بعدَ ما شَرَعَ في الاعتكافِ من اللَّيْل، وأيضًا المَفْهُومُ من هذَا الكَلامِ، المُتَبادَرُ منه أنَّه بيانٌ لكَيْفِيَّةِ الشُّرُوْع في الاعتكافِ من اللَّيْلَة السَّابِقَة لا من الصُّبْح، [فلو فُرِضَ أنَّه شَرعَ في الاعتكافِ من اللَّيْل]

(1)

لكن وقتَ الصُّبْح دخلَ المُعْتكفَ كانَ هذَا الكلامُ بعيدًا قليلَ الفَائِدَة جِدًّا، ثم يَلْزَم على هذا التأوْيْل أنْ يكونَ السُنَّةُ للمُعْتَكَفِ أنْ يلبثَ أوَّلَ ليلةٍ في المَسْجِد ولا يدخل في المعتكفِ، وإنَّما يدخلُ فيه منَ الصُّبْح بعدَ صلاةِ الفَجْر وهو أمرٌ غيرُ متَعَارفٍ عندَ الجمهور، وهذا لازمٌ عليهم وإلا بلزَمُ تركُ العملِ بالحديثِ رأسًا لا العملُ به، ومع لزومِ تَرْكِ العملِ لا حاجةَ إلى التَّأويلِ أصلًا، وإنَّما التأويلُ لدَفْع لُزُوْم تَرْكِ العَمَل، فإذَا لَزِم تركُ العَمَل فأيُّ فائدةٍ في التَّأويل؟

وأمَّا جوابُ صاحبِ المحرر وهو حَمْلُ الحديث على الجَواز على أن معنى [الاعتكافِ] المَسْنُون للمُعْتكِف أن يدخلَ من اللَّيلة، وجازَ له أن يدخلَ من صبحِ تلك اللَّيْلة، فبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم بفعْلِه ذلك الجوازَ حيثُ لم يَدْخُلْ من اللَّيْلة بل من صُبْحِها فلا يُنَاسِب قولَ الجمهور؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ اللَّيلة الأوْلى

(1)

ما بين المعقوفين سقط من المخطوط، والزيادة من حاشية السندي على البخاري.

ص: 674

جزءٌ من زمانِ الاعتكافِ المَسْنون وهو اعتكافُ العَشْر الأوَاخر فلا يتأتَّى ذلك الاعتكافُ بدون اعتكافِ تلك اللَّيلة، وأيضًا تركُ هذه اللَّيْلة مع احتِمال أنَّها ليلة القَدْر، - والاعتكافُ وُضِعَ لالتِمَاسِها - بعيدٌ، وأيضًا ظاهرُ الحديثِ يُفيْد أن الدُّخولَ من الصُّبْح كانَ دأبُه - صلى الله تعالى عليه وسلَّم - والحَمْلُ على الجَواز ينافي ذلك، فالوجهُ عِنْدي التَّعْويلُ على الجَواب الذي أشَار إليه القَاضي أبو يعلي عن جانبِ الجمهور.

وحاصله: منع أن المرادَ بالصبح في الحديث صبحَ إحدى وعشرين عن الاعتكافِ كما فَهِم من يقول بخرْوج ليلةِ إحدى وعشرين في الاعتكافِ، بل المرادُ صبح عشرين، فدخلَ ليلة إحدى وعشرين في الاعتكافِ كما هو مذهبُ الجمهور، لا كما زَعَمَ ذلك البعضُ وهذا الجوابُ يظهر التَّوفيق بينَ أحاديثِ البابِ لمن يَنْظُر فيها من غير ارتِكابِ تأويلٍ لشيءٍ منها، فهو أوْلى وأحْرَى بالاعتمادِ. والله تعالى هو الهادي إلى الرشاد.

لا يُقال: يَلْزَم منه أنْ يكونَ السُّنَّةُ الشُّروعُ في الاعْتِكافِ من صبحِ العِشْرين استِظْهَارًا باليَوْم الأوَّل، وإنْ كانَ اليومُ الأوَّلُ مقصودًا بالاعتِكَاف، ويكونُ المقصودُ بالاعتكافِ اللَّيالي العَشْر وأيَّامُها، وهذا شيءٌ لا يقولُ به الجمهورُ، فلا يمكنُ الجوابُ عنهم بذلك؛ لأنَّا نقول: هذا أمر لا ينَافيه كلامُ الجمهور، فإنَّهم ما تعرَّضُوا له إثباتًا ونفيًا، وإنَّما تَعَرَّضُوْا لدُخول ليلةِ إحدى وعشرينَ وهو حاصلٌ.

غايةُ الأمرِ أن قواعدَهم وعدمَ التَّعَرُّضِ ليس بدليلٍ على خلافِ ذلك فالقولُ: بأنَّه سُنَّة غير مَسْتَبْعَدٍ، ومثلُ هذا الإيرادِ واردٌ على تأويلِ

ص: 675

النَّوْوي

(1)

مع ظهورِ مُخَالفَتِه لظَاهرِ لفظِ الحديثِ، ولزومِ الإفسَاد بعدَ الشُّرُوْع في الاعتكافِ، وتأويل القاضي أبي يعلى خالٍ عن ذلك كلِّه فهو أولى بالقبولِ.

ويمكنُ الاعتذارُ عن عدمِ تعرُّض الجمهور لهذه السُّنَّة لا إثباتًا ولا نفيًا بأنَّ هذا الحديثَ محتملٌ لتأويلاتٍ مُتَعَدِّدةٍ، فلم يَتَعَرَّضُوْا لشيءٍ من الكَيْفِيَّاتِ بطريقِ الاسْتِنَانِ لا إثباتًا ولا نفيًا، بل أحَالُوْا ذلك إلى فَهْم العاملين ونظر النَّاظرين، فكلُّ من يقرب عنده بعضُ التَّاويلاتِ فلْيَعْمَلْ على وِفْق ذلك. والله تعالى أعلم.

(1)

لقد مرّ تأويل النووي قبل صفحتين، وتم تخريجه هناك.

ص: 676

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ

517 -

(792) - (3/ 491 - 501) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَة بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُجَاوِرُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ:"تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ".

وَفِي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَأُبَيٍّ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالفَلَتَانِ بْنِ عَاصِمٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أنَيْسٍ الزُّبَيْرِيِّ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِلالٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيث حَسَن صَحِيحٌ.

وَقولها: "يُجَاوِرُ" يَعْنِي: يَعْتكِفُ وَأكْثر الرِّوَايَاتِ عَن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "التَمِسُوهَا فِي العَشرِ الأوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ".

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي لَيْلَةِ القَدْرِ أَنهَا لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةُ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَآخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: قَالَ الشَّافِعِيُّ: كأَنَّ هَذَا عِنْدِي وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُجِيبُ عَلى نَحْوِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ، يُقال لهُ نَلتَمِسُهَا فِي ليْلةِ كَذا؟ فَيَقُولُ:"التَمِسُوهَا فِي لَيْلَةِ كَذَا". قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَقْوَى الرِّوَايَاتِ عِنْدِي فِيهَا لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.

ص: 677

قال أبُوْ عِيْسَى: وَقد رُوِيَ عَنْ أبَيِّ بْنِ كعْبٍ أنَّهُ: كَانَ يَحْلِف أنَّهَا ليْلةُ سَبعٍ وَعِشْرِينَ، وَيَقُولُ: أَخْبرَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَلامَتِهَا فَعَدَدْنَا وَحَفِظْنَا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ أنَّهُ قَالَ:"لَيْلَةُ القَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ"، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ بِهَذَا.

• قوله: "تَحَرَّوْا": من التَّحَرِّي، أي: اقْصِدُوها واطْلُبُوْهَا.

518 -

(793)(- (3/ 511) حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا أبُو بَكرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قال: قلْتُ لِأبَيِّ بْن كَعْب: أَنَّى عَلِمْتَ أبَا المُنْذِرِ أَنَّهَا ليْلةُ سَبْعٍ وَعِشرِينَ، قال: بَلى أَخْبَرَنَا رَسُول اللّهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهَا ليْلةٌ صَبيحَتُهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَيْسَ لَهَا شُعاعٌ، فَعَدَدْنَا، وَحَفِظْنَا وَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا ليْلة سَبْعٍ وَعِشرِينَ، وَلكِنْ كَرِهَ أنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَّكِلُوا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

==

• قوله: "أنَّى عَلِمْتَ": كلمةُ "أنَّى" - بفتح الهمزة، وتشديدِ النُّون، والألف المقصووةِ - للاستفهام، و"عَلِمْتَ" من العِلْم بالخطابِ. و"أبَا الْمُنْذِر" - بحَذْفِ حرف النِّداءِ - كُنْيَةُ أبيٍّ. "أنَّى"، أي: مِنْ أينَ علمتَ، ومِنْ أيِّ دليلٍ عرفتَ، والمقصودُ هل لكَ دليل على ذلك؟.

ص: 678

‌بَابُ مَا جَاءَ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ

519 -

(798) - (3/ 531 - 541) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأشَجِّ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

(1)

كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَيَزِيدُ هُوَ: ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ.

• قوله: "كَانَ مَنْ أَرَادَ

" إلخ، خبرُ "كانَ" محذوفٌ، أي: أفْطَرَ وافْتَدَى أو فعل.

(1)

البقرة: 184.

ص: 679

‌بَابٌ: فِيْمَنْ أَكَلَ ثُمَّ خَرَج [يُريْدُ] سَفَرًا

520 -

(799) - (3/ 541) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زِيْدِ بْنِ أسْلمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كعْبٍ، أَنَّهُ قال: أَتَيْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ: "سُنَّةٌ" ثُمَّ رَكِبَ.

• قوله: "قَالَ: سُنَّةٌ": وهذَا يقتضي الرَّفعَ.

ص: 680

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تُحْفَةِ الصَّائِمِ

521 -

(801) - (3/ 551) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ مَأْمُونٍ، عَنْ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تُحْفَةُ الصَّائِمِ الدُّهْنُ وَالمِجْمَرُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَيْسَ إِسْنَادُه بِذَاكَ لا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، وَسَعْدُ بْنُ طَرِيفٍ يُضَعَّفُ، وَيُقَالُ عُمَيْرُ بْنُ مَأْمُومٍ أيضًا.

• قوله: "وَالمِجْمَرُ": ضبط - بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية - والظَّاهرُ أن المرادَ به البُخُوْر. وفي "المجمع"

(1)

أنَّه بالضمِّ البُخُور. واللّه تعالى أعلم.

(1)

راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 382.

ص: 681

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الفِطْر وَالأضْحَى مَتَى يَكُونُ؟

522 -

(802) - (3/ 561) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا: قُلْتُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ مِن عَائِشةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

• قوله: "الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ

" إلخ، قال الخطابي: معنى الحديثِ أن الخَطَأ موضوعٌ عن النَّاس فيما كانَ سبيلُه الاجتهادُ، فلو أن قومًا اجتهدوا فلم يَرَوا الهلالَ إلا بعدَ الثَّلاثين فلم يُفْطِرُوْا حتى اسْتَوْفوا العددَ، ثم ثَبَت عندَهم أن الشَّهرَ كان تسعًا وعشرين فإنَّ صَوْمَهم. وفِطْرَهم ماضٍ ولا عَتَبَ عليهم، وكذا في الحجِّ إذا أخْطأوا يومَ عرفةَ فإنَّه ليسَ عليهم إعادَتُه، ويُجْزِيُهم أضْحَاهم كذلك، وهذا تخفيفٌ من اللّه سبحانه وتعالى ورفقٌ بعباده. من حاشية أبي داود للسيوطي

(1)

.

(1)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 2/ 597.

ص: 682

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاعْتِكَافِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ

523 -

(803) - (3/ 571) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْتكِفُ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي العَامِ المُقْبِلِ اعْتكَفَ عِشْرِينَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي المُعْتكِفِ إِذَا قَطَعَ اعْتِكَافَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ عَلَى مَا نَوَى، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا نَقَضَ اعْتِكَافهُ وَجَبَ عَلَيْهِ القَضَاءُ، وَاحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ اعْتِكَافِهِ، فَاعْتكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ، وَهُوَ قَول مَالِكٍ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ أَوْ شَئٌ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ مُتَطَوِّعًا، فَخَرَجَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ، وَلا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَكُلُّ عَمَلٍ لَكَ أَنْ لا تَدْخُلَ فِيهِ، فَإِذَا دَخَلْتَ فِيهِ، فَخَرَجْتَ مِنْهُ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ إِلَّا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ. وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

• قوله: "خَرَجَ مِنْ اعْتِكَافِهِ"، أي: بعدَ الشُّرُوْع، وهذَا على بعضِ تأويلاتِ الحديثِ وقد سَبَقَ الكلامُ فيها مَسْتَوْفِيًا.

• قوله: "إِلَّا الحَجَّ": لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ}

(1)

والإتمامُ بعدَ الشروع.

(1)

البقرة: 196.

ص: 683

‌بَابُ المُعْتكِفِ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَمْ لَا؟

524 -

(804) - (3/ 581) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَب المَدَنِيُّ، قِرَاءَةً عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عرْوَةَ، وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشة، أَنَّهَا قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اعْتكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ.

قَال أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. هَكَذَا رَوَاه غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَرَوَاه بَعْضُهُمْ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَالصَّحِيحُ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.

• قوله: "أَدْنَى إِلَيَّ رَأْسَهُ"، أي: قَرَّبَ إليَّ رأسَه. "فَأُرَجِّلُهُ": من التَّرجِيْل، أي: لأنَظِّفَه وأحَسِّنَه بالمِشْط فهو مجاز الحذف، أي: شَعْر الرأسِ؛ لأنَّ التَّرجيلَ للشَّعْر، أو من إطلاقِ اسمِ المَحَلِّ على الحَال.

قال ابن عَبْد البر

(1)

: التَّرجيلُ أن يُبَلَّ الشَّعرُ ثم يُمَشَّطُ، وفيه أن إخراجَ بعضِ البَدَنِ ليسَ كإخراج كلِّه، وفسَّر الزهري حاجةَ الإنسان: بالبولِ والغَائِطِ.

(1)

راجع: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: 8/ 323.

ص: 684

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْر رَمَضَانَ

525 -

(806) - (3/ 601 - 611) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفُضَيْلِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِيْ هِنْدٍ، عَنْ الوَليدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا، حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، وَقَامَ بِنَا فِي الخَامِسَةِ، حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ فَقَالَ:"إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ"، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بنَا حَتَّى بَقِيَ ثَلاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ، وَدَعَا أَهْلَهُ وَنِسَاءَه، فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنَا الفَلاحَ، قُلْتُ لَهُ: وَمَا الفَلَاحُ، قَالَ:"السُّحُورُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ: أَنْ يُصَلِّيَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكعَةً مَعَ الوِتْرِ، وَهُوَ قَول أَهْلِ المَدِينَةِ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَهُمْ بِالمَدِينَةِ.

وَأَكثَرُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَهُوَ قَول الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَكَذَا أَدْرَكْتُ بِبَلَدِنَا بِمَكَّةَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكعَةً. وقَالَ أَحْمَدُ: رُوِيَ فِي هَذَا أَلْوَان وَلَمْ يُقْضَ فِيهِ بِشَيءٍ. وقَالَ إِسْحَاقُ: بَلْ نَخْتَارُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكعَةً عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَاخْتَارَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: الصَّلاةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ

ص: 685

وَحْدَهُ إِذَا كَانَ قَارِئًا. وَفِي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.

• قوله: "فِي السَّادِسَةِ"، أي: في الوَاحِدَة من السنةِ الباقيةِ وهي الرَّابعة بعدَ العشرين.

• قوله: "نَفَّلْتَنَا

" إلخ، ضبط - بتشديد الفاء - أي: - لو زدْتَنا من صلاةِ النَّافلة. [قال]: الطيبي

(1)

، أي: لو زدْتَ منَ الصَّلاةِ هذه اللَّيْلة بتَمَامِها كان خيرًا.

• وقوله: "فِي الثَّالِثَةِ"، أي: في الوَاحِدَة من الثَّلاثةِ البَاقيةِ وهي السَّابعة بعدَ العشرين.

• وقوله: "تَخَوَّفْنَا الفَلاحَ"، أي: خَشِيْنَا فوتَه.

• قوله: "أَلْوَانٌ"، أي: أنواعٌ وطرقٌ مختلفةٌ.

(1)

راجع: الكاشف عن حقائق السنن للطيبي: 4/ 1235.

ص: 686

‌أبوَابُ الحَجِّ

(1)

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي حُرْمَةِ مَكَّةَ

526 -

(809) - (3/ 641 - 651) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ المَقبُرِيِّ، عَنْ أبِي شرَيْحٍ العَدَوِيِّ، أَنَّهُ قال لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الغَدَ مِنْ يَوْم الفَتْح سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاه قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكلمَ بِهِ أنَّهُ: حَمِدَ الله، وَأثنَى عَليْهِ، ثمَّ قال:

"إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا، أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ ترَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللّهَ أَذِنَ لِرَسُولهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ". فَقِيلَ لِأبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ بِذَلِكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلا فَارًّا بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَيُرْوَى وَلا فَارًّا بِخِزْيَةٍ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَأَبُو شُرَيْحٍ الخُزَاعِيُّ: اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ العَدَوِيُّ وَهُوَ الكَعْبِيُّ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: كِتَابُ الْحَجِّ عَن رسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ص: 687

وَمَعْنَى قَوْلهِ: "وَلا فَارًّا بِخَرْبَةٍ"، يَعْنِي: الجِنَايَةَ، يَقُولُ: مَنْ جَنَى جِنَايَةً، أَوْ أَصَابَ دَمًا، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الحَرَمِ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ.

• قوله: "البُعُوثَ": - بضم المُوَحَّدَة - جمعُ بَعثٍ بمعنى مَبْعُوْثٍ، أي: يُرْسِل الجيوشَ لقِتَال عَبْدِ الله بْن الزُّبَير سنةَ إحدى وسِتِّيْن، وكانَ عمرو أميرَ المدينةِ من جِهَةِ يزيدَ بْن معاويةَ، فكتبَ إليه أنْ يُوَجِّهَ إلى ابن الزُّبَيْر جيوشًا حينَ امْتَنَعَ عن بَيْعَتِه وأقامَ بمَكَّةَ، فبعثَ بَعْثًا وأمَّرَ عليهم عمرو بْنَ الزَّبير أخَا عَبْدِ اللّه وكانَ معادِيًا لأخِيْه. كذا في "المجمع"

(1)

.

وقوله: "أُحَدِّثْكَ": - بالجزم - جوابُ الأمر.

• وقوله: "الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ": - بالنصب - أي: ثانيَ يوم الفتح، وضميرُ "وَأَبْصَرَتْهُ" للنَّبي - صلى الله تعالى عليه وسلَّم -، وتَفْكِيكُ الضَّمِير مع ظهور القريْنَة لا يضُرُّ، والمقصودُ المبالغةُ في تحقيقِ حِفْظِه ذلك القول، وأخذِه عنه عِيانًا.

• وقوله: "حَرَّمَهَا اللّهُ

" إلخ، معناه أن تَحْرِيْمَها بوَحْي اللهِ تعالى وأمرِه، لا أنَّه اصطلح النَّاسُ على تَحْرِيْمِها بغيرِ أمرِه.

• وقوله: "أَنْ يَسْفِكَ": - بكسر الفاء، وحكي ضمُّها - أي: يَسِيْل.

• قوله: "يَعْضِدَ": قال ابنُ الجوزي

(2)

: أصحابُ الحديثِ يقول بضم

(1)

راجع مجمع بحار الأنوار للهندي: 1/ 188.

(2)

هو: الإمام العلامة، شيخ الإسلام، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، التيمي، البغدادي، ولد سنة عشر وخمس مائة، كان رأسا في الوعظ والتذكير، علامة في السير والتاريخ، موصوفا بحسن الحديث، ففيها، عالما بالإجماع والاختلاف، مكبًّا على الجمع والتأليف، له نحو ثلاث مائة مصنف، منها:"شذور العقود في تاريخ العهود"، و"فنون =

ص: 688

الضَّاد المُعجمة، قال لنَا ابنُ الخُشاب

(1)

: هو بكسرها، أي: يقطع

(2)

.

• وقوله: "فَإنْ أَحَدٌ ترَخَّصَ": كلمة "إنْ" شرطيةٌ مثلها {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

(3)

الآية. قال معناه أنَّه دَخَلَها لعِلَّةِ القِتَال.

قال النووي: فيه دليلٌ على أن مكةَ فُتِحَتْ عَنْوةً، وتأوْيلُه عندَ من يقول صُلْحًا: أن معناه أنَّه دَخَلَها متأهِّبًا للقِتَال لو احْتَاجَ إليه، فهو دليلُ جَوازِه له تلك السَّاعَة

(4)

.

• وقوله: "وَإِنَّمَا أذِنَ لِي

" إلخ، على بناءِ الفاعل، والفاعلُ ضميرٌ راجع إلى اللهِ تعالى، ورُوِيَ على بناء المفعول.

= الأفنان في عيون علوم القرآن"، و"المنتظم في تاريخ الملوك"، وكتاب "الحمقى والمغفلين"، و"الوفا في فضائل المصطفى"، و"صيد الخاطر"، و"الضعفاء والمتروكين" وغير ذلك. توفي ليلة الجمعة، ثاني عشر من رمضان، سنة سبع وتسعين وخمس مائة. راجع لترجمته: الكامل لابن الأثير: 10/ 276، وفيات الأعيان: 3/ 140، سير أعلام النبلاء: 21/ 365، البداية والنهاية: 16/ 706.

(1)

هو: الإمام العلامة، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر البغدادي، المعروف بـ "ابن الخشاب"، ولد سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، كان عالما مشهورا في الأدب، والنحو، والتفسير، والحديث، والنسب، والفرائض، والحساب، حفظ الكتاب العزيز بالقراءات الكثيرة، توفي ثالث رمضان، سنة سبع وستين وخمس مائة. من تصانيفه:"المرتجل في شرح الجمل" للزجاجي، و"الرد على التبريزي في تهذيب الإصلاح"، و"نقد المقامات الحريرية". راجع لترجمته: المنتظم: 18/ 198، وفيات الأعيان: 3/ 102، سير أعلام النبلاء: 20/ 523، شذرات الذهب: 6/ 365.

(2)

راجع: كشف المشكل من حديث الصحيح لابن الجوزي: 4/ 86.

(3)

التوبة: 6.

(4)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 9/ 126.

ص: 689

• وقوله: "وعَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ

" إلخ، كنايةٌ عن عَوْدِ حُرْمَتِها بعدَ تلكَ السَّاعَة كما كانَتْ قبلَ تلك السَّاعة المعتبر عليها بأمس فلا إشكالَ؛ لأنَّ الخطبةَ كانت في الغَدِ من يوم الفتح، وعَوْدُ الحُرْمَة كانَتْ بعد تلك السَّاعة لا في الغَد فما معنى اليوم؟ ولا بأنَّ أمس هو يوم الفتح وقد رُفِعَتِ الحرمةُ فيه، فكيف قيلَ كحُرْمَتِها بأمس. والله تعالى أعلم؟

قوله: "ترَخَّصَ"، أي: يَعُدُّ القتالَ رخصةً، أو يأخذُ فيه الرُّخْصةَ، أو يستَدِلُّ عليها بقتَالِ رسولِ اللهِ - صلى الله تعالى عليه وسلم -.

ص: 690

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوَابِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ

527 -

(810) - (3/ 661) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ".

قال: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْن حُبْشِيٍّ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَجَابِرٍ. قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

• قوله: "تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ"، أي: اجْعَلوا أحدَهما تابعًا للآخر واقعًا على عَقِبه، أي: إذا حَجَجْتُم فاعْتَمِرُوْا، وإذا اعْتَمَرْتُم فحُجُّوا.

"والكِيرُ": - بكسر الكاف - كيرُ الحَدَّاد المَبْنِيُّ من الطِّين. وقيل: زِقٌّ يُنْفَخُ به النَّارُ، والمبنيُّ من الطِّين "كُوْرٌ"، والظَّاهرُ أن المرادَ ههنا نفسُ النَّار على الأوَّل، ونَفْخُها على الثَّانِي. "والخَبَث": - بفتحتين، ويُرْوى بضم، وسكون، والمراد: الوَسِخُ، والرَّدئ الخَبِيْث.

• وقوله: "وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ

" إلخ، قال النووي: معناه أنَّه لا يَقْتصر لصاحِبِها من الجَزَاء على تكفيرِ بعضِ الذُّنُوْب بل لابدَّ أن يدخلَ الجَنَّةَ، قال: والأصَحُّ أن المبرورَ هو الذي لا يخَالِطُه إثمٌ، مأخوذٌ من البِرِّ وهو الثَّوابُ وهو الطَّاعات.

ص: 691

وقيل: هو المقبولُ المُقَابِل بالبِرِّ وهو الثَّواب، ومن علاماتِ القبولِ أن يرجعَ خيرًا مِمَّا كانَ ولا يعاوِدَ المعاصي. وقيل: وهو الذي لا رياءَ فيه، وقيل: وهو الذي لا يعقبه معصيةٌ وهمَا داخلانِ فيما قبلَهما

(1)

.

528 -

(811) - (3/ 671) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو حَازِمٍ كُوفِيٌّ وَهُوَ الأشْجَعِيُّ، وَاسْمُهُ: سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَعِيَّةِ.

• قوله: "فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ": الأوَّل - بضَمِّ الفاء، والثَّاني بضم السِّين - "والرَّفَثُ": القَوْل الفُحش. وقيل: الجِماع.

وقال الأزهري

(2)

: "الرَّفَثُ" اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يريدُه رجلٌ من المرأة

(3)

.

"والْفِسْقُ": ارتكابُ شيءٍ من المَعْصِية.

• وقوله: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ": وفي روايةِ غير المصنف "رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ

(1)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 9/ 119.

(2)

هو: الإمام المشهور في اللغة أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري، الهروي، اللغوي، النحوي، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، كان ففيها شافعيا، غلبت عليه اللغة فاشتهر بها، وكان رأسا في اللغة، جامعا لشتاتها، مطلعا على دقائقها وأسرارها، ثقة، ثبا، دَيِّنًا، سمع الحديث بهرات، ورحل إلى بغداد، وسمع أبا القاسم البغوي، وأخذ عنه أبو عبيد الهروي. وصنف:"تهذيب اللغة"، و"التقريب في التفسير"، و"وتفسير ألفاظ المزني"، "وعلل القراءات"، و"تفسير الأسماء الحسنى" وغير ذلك. توفي سنة سبعين وثلاث مائة. راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 4/ 334، الوافي بالوفيات: 2/ 34، سير أعلام النبلاء: 16/ 315.

(3)

راجع: تَهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري: 15/ 77.

ص: 692

أمُّهُ"

(1)

.

قال الحافظ

(2)

: أي: بغير ذنْبٍ. وظاهرُه غفرانُ الكبائر والصَّغائِر والتَّبعَات، وهو من أقْوى الشَّواهد لحديثِ العَبَّاس بْن مرداس المُصَرِّحُ بذلك، وبه قال القُرطبيُّ

(3)

أيضًا.

(1)

راجع: صحيح البخاري، كتاب المحصر، باب: قول الله تعالى: "فلا رفث"، ح: 1819، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، ح: 1349، وسنن النسائي، كتاب مناسك الحج، باب: فضل الحج، 2629، وسنن ابن ماجة، كتاب المناسك، باب: فضل الحج والعمرة، ح:2889.

(2)

راجع: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلانِي 4/ 25.

(3)

راجع: الجامع لأحكام القرآن للإمام القُرطبي: 3/ 379، 380.

ص: 693

‌بَابُ مَا جَاءَ مِنَ

(1)

التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الحَجِّ

529 -

(812) - (3/ 671 - 681) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى القُطَعِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ البَاهِلِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنْ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

(2)

.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: "هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَجْهُولٌ، وَالحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ".

• قوله: "تُبَلِّغُهُ": من الإبْلاغ أو التَّبْليغ وهو - بالتَّاء المُثَنَّاة من فَوق - صفةُ راحلةٍ، وصفةُ الزَّاد مَنْوِيَّةٌ بقرينةٍ، والظَّاهر أن المرادَ: بالتَّبليغ هو مع الرَّجُوْع.

• قوله: "فَلا عَلَيهِ": فلا يُؤمَنُ عليه، أي: فليسَ عليه أمْنٌ من أنْ يموتَ يهودِيًّا أو نصرانِيًّا. وفِي ترجمةِ البابِ إشارةٌ إلى توجيهِ الحديثِ بأنَّ تقديرَ صِحَّتِه محمولٌ على التَّغْلِيظِ، ثم الحديثُ موافق لظاهر قوله تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ}

(3)

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "فِي" مكان "مِنْ".

(2)

آل عمران: 97.

(3)

آل عمران: 97.

ص: 694

إلى قوله: {وَمَنْ كَفَرَ}

(1)

حيثُ عبّر عن التَّرك بالكُفْر، فلا وجهَ لعَدِّه من الموضوعاتِ بالنَّظر إلى أن التَّركَ لا يُوْجِب الكفرَ.

نعم قولُ من قال: الحديثُ ليس بموضوعٍ؛ لأنَّه قد أخرجه الترمذيُّ في جامِعه، وقال:"إنَّ كُلَّ حَدِيثٍ فِي كِتَابِه مَعْمُوْلٌ بِهِ إلَّا حَدِيْثَيْنِ" غير ظاهِرٍ، بل لابُدَّ من النَّظر في السَّنَد لظهور أن ذلك مخصوصٌ بغير الضَّعيفِ، وبما وَرَدَ في عملٍ من الأعمال، وليس هذا الحديثُ مما يَتَعَلَّقُ به العملُ، فتأمَّلْ.

(1)

آل عمران: 97.

ص: 695

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إيجَاب الحجِّ بالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ

530 -

(813) - (3/ 681) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا يُوجِبُ الحَجَّ؟ قَالَ:"الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ. وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الخُوزِيُّ المَكِّيُّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.

• قوله: "مَا يُوجِبُ الحَجَّ"، أي: اسْتِطَاعةٌ تُوْجِب الحجَّ، وأريد بقَوْلِه تعالى:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

(1)

فإنَّ هذا هو مَحَلُّ الإبْهام في آيةِ الحَجِّ.

(1)

آل عمران: 97.

ص: 696

‌بَابُ مَا جَاءَ كم فَرْضُ الحَجِّ

• الفَرْض: مصدرٌ بمعنى المَفْعُول، وإضافَتُه من إضَافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوْف، والتَّقديرُ كَم الحَجُّ المفروضُ؟، وأمَّا اعتبارُ "فُرِضَ" فعلًا مَبْنِيًّا للمفعول بتَقْدير "كَمْ مرّةً فُرِضَ الحَجُّ" فغيرُ صحيحٍ إذْ ليسَ الكلامُ في أن الحَجَّ فُرِضَ مَرَّةً أو مَرَّاتٍ بمعنى أنَّه نزَلَ افتراضُه مرَّةً أو مرَّاتٍ، بل الكَلامُ في أن على الإنسانِ الحَجُّ مرَّةً واحدةً أو مرَّاتٍ. الحاصلُ: أنَّ التَّعَدُّدَ للحَجِّ المفروضِ، لا لافتراضِه، فافْهَمْ.

531 -

(814) - (3/ 691) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنٍ عَبْدِ الأعْلَى، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

(1)

قَالُوا: يَا رَسُوَلَ اللّهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ "فَسَكَتَ" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ:"لا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ"، فَأَنْزَلَ اللهُ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}

(2)

.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاس، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَاسْمُ أَبِي البَخْتَرِيِّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزَ.

• قوله: "وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ

" إلخ، فيه إشارةٌ إلى كَرَاهةِ السُّؤالِ في

(1)

آل عمران: 97.

(2)

المائدة: 101.

ص: 697

النُّصُوصِ المُطْلَقَةِ والتَّفْتِيْشِ عن قُيُوْدِها، بل ينبغي العملُ بإطلاقِها حتَّى يظهر فيها قيدٌ، وقد جاءَ القرآنُ مُوافِقًا لهذه الكَرَاهة، وهذا بظاهِره يتقضي أن أمرَ افتراضِ الحَجِّ كلَّ عامٍ كانَ مُفَوَّضًا إليه حَتَّى لو قالَ:"نعم" لحَصَل، وليسَ بمُسْتَبْعَدٍ إذْ يجوزُ أنْ يأمرَ اللّهُ تعالى بالإطْلاقِ، ويُفَوِّضُ أمرَ التَّقْيِيْدِ إلى الذي فُوِّضَ إليه البيانُ، فهو إنْ أرادَ أنْ يُبْقِيَه على الإطلاقِ يُبْقِيْه عليه، وإن أرادَ أن يُقَيِّدَه لكل عام يُقَيِّدُه به. والله تعالى أعلم.

ص: 698

‌بَابُ مَا جَاءَ النَّبيُّ - صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

532 -

(815) - (3/ 691 - 701) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الكُوْفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: حَجَّ ثَلاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ، وَمَعَهَا عُمْرَةٌ، فَسَاقَ ثَلاثَةً وَسِتِّينَ بَدَنَةً، وَجَاءَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ بِبَقِيَّتِهَا فِيهَا جَمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَنَحَرَهَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَطُبِخَتْ، وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْن حُبَابٍ، وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ فِي كُتُبِهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي زيادٍ، قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرَأَيْتُهُ لَمْ يَعُدَّ هَذا الحَدِيثَ مَحْفُوظًا، وقَالَ: إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسلًا".

• قوله: "بِبَقِيَّتِهَا"، أي: بَقِيَّةِ البُدُن التي ذَبَحَها النبيُّ - صلى الله تعالى عليه وسلم - أو ببِقَيَّةِ المِائَة، لا ببقيَّةِ ما ساقَ معها، وإرجْاعُ الضَّمير إلى المائةِ مع عدم ذكرِها لشُهْرَةِ أمرِها.

• وقوله: "فِيهَا"، أي: في ثلاثةٍ وسِتِّيْن. و"البَضْعَةُ": بفتح الباء، وروي بالكسر: القِطْعَةُ.

ص: 699

• قوله: "كَمْ حَجَّ

" إلخ، كأنَّه سألَ عن حَجِّه بعدَ الهجرةِ، أو بعدَ ما فُرِضَ ولذا أجابَ بقوله: حَجَّةٌ واحدةٌ، وأمَّا قوله: "وَاعْتَمَرَ

" إلخ، فزيادةٌ في الجَوابِ للإفَادَةِ.

ص: 700

‌بَابُ [مَا جَاءَ] كَمْ اعْتَمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم

533 -

(816) - (3/ 711 - 721) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العَطَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةَ الثَّانِيَةِ مِنْ قَابِلٍ، وَعُمْرَةَ القَضَاءِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةَ الثَّالِثَةِ مِنَ الجِعِرَّانَةِ، وَالرَّابِعَةِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَلَمْ يَذْكرْ فِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ المَخْزُوميُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ نَحْوَه.

• قوله: "الحُدَيْبِيَة": - بالتَّخفيفِ - مُصَغَّرٌ، وكثيرٌ منهم يُشَدِّدُوْنَ الياءَ الثَّانيةَ: قريةٌ قريبةٌ من مَكَّةَ. و "الجِعِرَّانَة": - بكسر الميم، ويُشَدَّدُ الرَّاء - موضعٌ قريبٌ من مَكَّةَ.

• قوله: "الحُدَيْبِيَة": سَنَةَ سِتٍّ حينَ صدَّه المشركونَ عَدَّ ذلك عمرةً، و "عُمْرَةَ الْقَضَاء"، أي: عمرةً كانتْ بمُقَاضَاتِه مع قريش على أنْ يأتِيَ في العامِ القابلِ لأنَّها وقَعَتْ قضاءً عَمَّا صُدَّ عنها، وإلا كانَتْ عمرةً واحدةً كما قالتِ الحَنَفِيَّةُ، وروايةُ أنَّها ثلاثٌ على عدم عَدِّ ما في ضمن الحَجِّ، ورُوِيَ:"كُلُّهُنَّ في ذي القَعْدَة" وهو على مُلاحَظَة أن ما في الحَجِّ مبدأه فيه وإن كان تَمامُه في

ص: 701

ذي الحَجَّة، وما روي:"أنَّه اعتمر في رمضانَ أو رجب"، وما في أبي داود:"أنَّه اعتمر في شوَّال" فسهوٌ أو مؤوَّل وإلا كان عُمَرُه سبعًا، وقد تَحَقَّقَ أنَّه لم يَزِدْ على أربع. كذا في "المجمع"

(1)

و "عمرة الثَّانِيَة": بالإضَافَةِ، أي: عمرةُ المرَّةِ الثَّانية أو من إضَافةِ الموصوفِ إلى الصِّفَةِ.

(1)

راجع مجمع بحار الأنوار للهندي: 3/ 675.

ص: 702

‌بَابُ مَا جَاءَ مِنْ أيِّ مَوْضِعٍ أَحْرَمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم

-

534 -

(817) - (3/ 721) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:"لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَتَى البَيْدَاءَ أَحْرَمَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَالمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "أَذَّنَ": - بالتَّشديدِ أو بالتَّخفيفِ والمَدِّ - أي: أظهرَ عندَهم وأشاعَ فيما بينَهم بأنَّه يريدُ الحَجَّ. و "البَيْدَاءَ": موضعٌ معروفٌ.

535 -

(818) - (3/ 721 - 731) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"البَيْدَاءُ الَّتِي يَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَاللهِ مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ".

قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "يَكْذِبُونَ فِيهَا": فِي شأنِها ونسبةُ الإحْرامِ إليها بأنَّه كان من عندِها.

• قوله: "وَاللهِ مَا أَهَلَّ"، أي: ما رَفَعَ صوتَه بالتَّلْبِيَةِ.

ص: 703

‌بَابُ مَا جَاءَ مَتَى أَحْرَمَ النَّبيُّ صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

536 -

(819) - (3/ 731) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْد السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاه غَيْرَ عَبْد السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ: أنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.

• قوله: "الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ"، أي: يُحْمَلُ اختلافُ الصَّحابَة في موضعِ الإحْرَام على الاختلافِ بحسب العِلْم بأنَّ النَّاسَ لكَثْرَتِهم ما تَيَسَّر لكُلِّهِم الاطِّلاعُ على تَمامِ الحَال، فبَعْضُهم اطَّلَعُوْا على تَلْبِيَتِه عندَ اسْتِوَاءِ الرَّاحِلَة على البَيْدَاء، وزَعَم كلٌّ أن مَا سَمِعَه أوَّلَ تَلْبِيَتِه، وأنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أحْرَم بِها، فنَقَل الأمرَ على وِفْقَ ذلك، وكانَ الأمرُ أنَّه أحْرَم منه بعدَ الفَرَاغ من الصَّلاةِ في مسجدِ ذِي الحُلَيْفةِ. والله تعالى أعلم.

ص: 704

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ

537 -

(821) - (3/ 751) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَاخْتَارَه مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَغَيْرِهِمْ.

• قوله: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ": وهذا من أقْوى الأدِلَّةِ على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا؛ لأنَّه مستندٌ إلى قولِه، والرُّجوعُ إلى قوله عندَ الاختلافِ هو الواجبُ خُصُوْصًا لقوله تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}

(1)

، وعمومًا لأنَّ الكلامَ إذا كانَ في حَال أحدٍ، وحصل فيه الاختلافُ يَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى قولِه؛ لأنَّه أدْرَى بحالِه، وقد وَافَقَ الفَاسي

(2)

على نقل القِرَان أحدَ عشر من الصَّحابةِ قد جمع أحاديثَهم

(1)

النساء: 59.

(2)

هو: العلامة أبو الطيب، محمد بن أحمد بن علي بن أبي عبد الله الحسني، الفاسي، المكي، المالكي، المعروف بـ "التقي الفاسي"، ولد في ربيع الأول، سنة خمس وسبعين وسبع مائة، ونشأ بمكة وبالمدينة، كان مؤرخا، عالما بالأصول، حافظ الحديث، أصله من فاس، دخل اليمن، والشام، ومصر مرارا. من كتبه:"العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين"، و "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام"، و "تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام"، و "المقنع من أخبار الملوك والخلفاء" وغير ذلك. راجع لترجمته: الضوء اللامع: 7/ 18، والأعلام للزركلي: 5/ 331.

ص: 705

ابنُ حزمٍ

(1)

في "حَجَّةِ الوَداع" وذكرها حديثًا حديثًا، ثم قال: هؤلاء اثنا عشر من الصحابة، أي: مع أنَسٍ بالأسانيدِ الصِّحَاح، كُلُّهُمْ يَصِفُ بغَايَة البَيانِ أن رسولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم كان قارنًا، ولهذا رَجَّحَ المُحَقِّقُوْن في فِعْلِه صلى الله تعالى عليه وسلم القِرَانَ، وقالوا: به يَحْصُلُ الجمعُ بينَ أحاديثِ البابِ.

أمَّا أحاديثُ الإفرادِ فمَبْنِيٌّ على أن الراويَ سَمِعَه يُلَبِّي بالحَجِّ، فزعم أنَّه مُفْرِدٌ بالحَجِّ فأخبَر على حسبِ ذلك، ويحتملُ أن المرادَ بـ:"أفْرَدَ الحَجَّ" أنَّه لم يَحُجَّ بعدَ افتراضِ الحَجِّ عليه إلا حَجَّةً وَاحِدَةً.

وأمَّا أحاديثُ التَمَتُّعِ فمَبْنِيٌّ على أنَّه سَمِعَه يُلَبِّي بالعُمرةِ، فزعم أنَّه مُتَمَتِّعٌ وهذَا لا مانِعَ منه لأنَّه؛ لا مانعَ من إفْرَاد نُسُكٍ بالذِّكر للقَارِن على أنَّه قد يُخْفِي الصَّوتَ بالثَّاني، ويحتملُ أن المرادَ بالتَّمَتُّعِ القِرَانُ لأنَّه من الإطْلاقَاتِ القَديمةِ وهم كانوا يُسَمُّوْنَ القِرَانَ تَمَتُّعًا. والله تعالى أعلم.

(1)

هو: الإمام العلامة، الحافظ الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، القرطبي، ولد بقرطبة في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة، كان حافظا بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان شافعي المذهب، ثم انتقل إلى أهل الظاهر، وكان متفننا في علوم جمة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا، متواضعا ذا فضائل جمة، وتآليف كثيرة، من تصانيفه:"الفصل في الملل والأهواء والنحل"، و "جمهرة الأنساب"، و "الناسخ والمنسوخ"، و "جوامع السيرة"، و "فضائل الأندلس"، و "الإحكام لأصول الأحكام" وغير ذلك، توفي يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان، سنة ست وخمسين وأربع مائة. راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 3/ 325، تذكرة الحفاظ: 3/ 1146، سير أعلام النبلا: 18/ 184، شذرات الذهب: 5/ 239.

ص: 706

[بابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ]

538 -

(822) - (3/ 751 - 761) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاؤوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَةُ".

539 -

(823) - (3/ 761) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْن أَنَسٍ، عَنْ ابْن شِهَابٍ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نوْفلٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أبِي وَقَّاصٍ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: لا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

540 -

(824) - (3/ 761 - 771) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْن سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبي، عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ، عَنْ ابْن شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أهْلِ الشَّامِ، وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ التَّمتُّعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:"هِيَ حَلَالٌ"، فَقَالَ الشَّامِيُ:"إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا"، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا وَصَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَأَمْرَ أَبِي نَتَّبعُ؟ أَمْ أمْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ، وَجَابِرٍ، وَسَعْدٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ،

ص: 707

وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقَدِ اخْتَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِهِمُ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ. وَالتَّمَتُّعُ أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يُقِيمُ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّمٍ فِي الْحَجِّ أَنْ يَصُومَ الْعَشْرَ وَيَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ فِي الْعَشْر صَامَ أيَّامَ التَّشْرِيقِ، فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْم مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَخْتَارُونَ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "نَهَى عُمَرَ": كأنَّه مَبْنِيٌّ على زَعْم أن الله يرخص لنَبِيِّه صلى الله تعالى عليه وسلم ما شاء، وكان مَنْعُه ومنعُ من فعل معه من هذا القَبيل، فكانَ ينبَغِي لغيره أنْ يأخذَ بظاهر الكتاب وهو قوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}

(1)

على أن معنى الإتْمَام أن يأتِيَ بكُلٍّ منهما بسَفَرٍ مُفْرَدٍ، وهذا منه رضي الله تعالى عنه اجتهادٌ، وقَلَّ مَنْ وافقَ عليه من الأمَّة بعده، بل غالِبُهم قد جوَّزُوْا التَمَتُّعَ بلا كَراهةٍ.

• قوله: "أَأَمْرَ أَبِي يُتَّبعُ؟ ": بالاسْتِفْهَام. و "يُتَّبَعُ" - باليَاء التَحْتَانِيَّةِ - على بناء المفعول - وبالتَّاء الفَوْقَانية أو النون - على بناءِ الفاعل.

• قوله: "أَوَّلُ مَنْ نَهَى مُعَاوِيَةُ": النَّهْي عن عمر، وعثمانَ رضي الله تعالى عنهما ثابتٌ فكأنَّ المرادَ أن أوَّل من نَهَى تحريمًا معاويةُ، وكان نَهْيُهُما تَنْزيْهًا. والله تعالى أعلم.

(1)

البقرة: 196.

ص: 708

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّلْبيَةِ

541 -

(826) - (3/ 791 - 681) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أهَلَّ فانْطَلَقَ يُهِلُّ، فيَقُولُ:"لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَريكَ لَكَ". وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: هَذِهِ تَلبِيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ يَزِيدُ مِنْ عِندِهِ فِي أَثَرِ تَلْبيَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ والعَمَلُ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "أَنَّهُ أَهَلَّ"، أي: أرادَ أن يُهِلَّ، "فانطلقَ يُهِلُّ"، أي: شرع يُهِلُّ أي: ذَهَبَ حال كونِه يُهِلُّ.

• وقوله: "يَقُولُ: لَبَّيْكَ": بيان لِيُهِلَّ.

• وقوله: "فِي أَثَرِ تَلبِيَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم"، أي: في عَقِبِه وبعدَ الفراغ عنه بفتحتين، أو بكسر الهمزة، وسكون المثلَّثة.

• وقوله: "وَالرَّغْبَاءُ": - بفتح الرَّاء مع المَدِّ، وبضمِّها مع القصر - ونظيرُه العَلْيَاء والعُلْيا، وحكى [أبو زيدٍ]

(1)

الفتحَ مع القصر مثل سَكْرَى، وهو من الرغبةِ معناه الطَّلب والمسألةُ.

(1)

لعل هذه الكلمة خاطئة، فقد ورد في شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: "قال عياض: وحكى أبو علي فيه أيضًا الفتح مع القصر

"، راجع: شرح الزرقاني: 2/ 161.

ص: 709

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْل التَّلْبيَةِ وَالنَّحْر

542 -

(828) - (3/ 801 - 821) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا".

حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا عَبِيدَة بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْن غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَرْبُوعٍ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الطَّحَّانُ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَخْطَأَ فِيهِ ضِرَارٌ.

قَالَ أبُو عِيْسَى: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الحَسَنِ يَقُولُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَدْ أَخْطَأَ، قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: وَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ ضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ

ص: 710

عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، فَقَالَ:"هُوَ خَطَأٌ"، فَقُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ أيضًا مِثْلَ رِوَايَتِهِ، فَقَالَ: لا شَيْء إِنَّمَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ وَرَأَيْتُهُ يُضَعِّفُ ضِرَارَ بْنَ صُرَدٍ. وَالعَجُّ: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَالثَّجُّ: هُوَ نَحْرُ البُدْنِ.

• قوله: "لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ": كلمةُ "مَنْ" بالفتح موصولةٌ، وجَعْلُها جارةً بعيدٌ إذْ يَلْزَم منه أن تكونَ "مِن" في قوله:"مِنْ حَجَرٍ" زائدةٌ في الإثْبَات.

فإن قلتَ: أيُّ فائدةٍ للمسلم من تَلْبِيَةِ الأحْجَار وغيرِها معَ تَلْبِيَتِه؟ قلتُ: اتِّبَاعُهم في هذا الذِّكر دليل على فضيلةِ هذا الذِّكر وشَرَفِه ومكانَتِه عندَ الله، إذ ليسَ اتِّبَاعُهم في هذا الذِّكر إلا لذلك، على أنَّه يجوز أنْ تُكتَب له أجورُ ذكر هذه الأشياء لما أن هذه الأشياءَ صَدَر عنها الذِّكرُ تبعًا، فصار المؤمنُ بالذكر كأنَّه دَالٌّ على الخَيْرِ. والله تعالى أعلم.

ص: 711

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بالتَّلْبيَةِ

543 -

(829) - (3/ 821 - 831) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْد المَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِيْ أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلالِ وَالتَّلْبِيَةِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ زَيْدِ بْن خَالِدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ هُوَ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ خَلَّادُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ.

• قوله: "أمَرَنِي"، أي: أمرَ وُجُوْبٍ إذْ تبليغُ الشَّرائِع واجِبٌ عليه.

• قوله: "أنْ آمُرَ أصْحَابِيْ": أمرَ نُدُبٍ عندَ الجمهور، وأمر وُجُوْبٍ عندَ الظَّاهِرِيَّة.

• وقوله: "أَنْ يَرْفَعُوْا"، أي: إظهارًا لشَعَائر الإحْرَام وتعليمًا للجَاهِل في ذلك ما يستحب في ذلك المُقامِ.

• وقوله: "بِالإِهْلالِ": أريدَ به التَّلْبِيَةُ على التَّجْريدِ، وأصْلُه رفعُ الصَّوْتِ

ص: 712

بالتَّلْبِيَةِ، وكلمةُ "أو" في قوله:"أوِ التَّلْبِيَة"

(1)

للشكِّ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي التي اعتمدنا عليها في مقابلة الأحاديث بالواو دون "أو" ولعل في نسخة المصنف التي نقل منها بـ "أو".

ص: 713

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاغْتِسَالِ عِنْدَ الإحْرَامِ

544 -

(830) - (3/ 183 - 184) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ المَدَنِيُّ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ وَاغتَسَل.

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ الاغْتِسَالَ عِنْدَ الإِحْرَامِ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ".

• قوله: "تَجَرَّدَ لإِهْلالِهِ": أريد به الإحرامُ المُشتَمِل على الإهْلال عادةً.

• وقوله: "وَاغْتَسَلَ": للتَّنْظِيف لا لرَكْعَتَي الإحْرام، ولذَا سُنَّ هذا الاغتسال للحَائِض والنُّفَسَاء.

ص: 714

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي مَوَاقِيتِ الإحْرَامِ لِأهْل الآفَاقِ

• قوله: "لأهْلِ الآفَاق": - بالمَدِّ - جمعُ أفُقٍ بمعنى النَّاحِيَة، أي: لأهْل نواحِي مَكَّةَ، وخَصَّهُم إذ لم يذكر ميقات أهل مكَّةَ لاشتِهاره بين أهل مكَّة.

545 -

(831) - (3/ 184) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن مَنِيعٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: مِنْ أَيْنَ نُهِلُّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ: وَيَقُوْلُوْنَ: وَأَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ.

• قوله: "مِنْ أَيْنَ نُهِلُّ؟ ": من الإهْلال، أي: نُحْرِم. و "ذِي الحُلَيْفَةَ": بالتَّصْغير. "والجُحْفَة": بتَقْدِيم الجيم المَضْمُوْمَة على الحاء المُهملة السَّاكنة. "وقَرْن": - بفتح، فسكونٍ - وغَلَّطُوْا الجوهري

(1)

في قوله: أنَّه بفتحتين

(2)

. "ويَلَمْلَمَ": بفتح المُثَنَّاة من تحت، وفتح اللامين، بينهما ميم ساكنةٍ.

(1)

هو: إمام اللغة أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي اللغوي الجوهري، أصله من فاراب، كان من أعاجيب الزمان ذكاء، وفطنة، وعلما، وكان إمامًا في اللغة والأدب، وكان يؤثر السفر على الحضر، ويطوف الآفاق، دخل العراق، وسافر إلى الحجاز، وطاف بلاد رَبيعة، ومُضَر، ثم عاد إلى خراسان، وأقام بنيسابور ملازما للتدريس والتأليف، وتعليم الخط، وصنف كتابا في "العروض"، و "مقدمة" في النحو، و "الصحاح" في اللغة، مات بنيسابور، سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة. راجع لترجمته: سير أعلام النبلاء: 17/ 80، شذرات الذهب: 4/ 497.

(2)

راجع: الصحاح وتاج اللغة العربية للجوهري: 9/ 2181.

ص: 715

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا لا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ

546 -

(833) - (3/ 185 - 186) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قال: قامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، مَاذا تَأمُرُنَا أنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الحَرَمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لا تَلْبَسُوا القُمُصَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا البَرَانِسَ، وَلا العَمَائِمَ، وَلا الخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلانِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا مَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلا الوَرْسُ، وَلا تَنْتَقِبِ المَرْأَة الحَرَامُ، وَلا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ".

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "أَنْ نَلْبَسَ": بفتح الباء.

• وقوله: "فِي الحُرْمِ": - بضم، فسكون - الإحْرام بالحَجِّ والعُمْرة.

"والقُمُصَ": - بضَمَّتين - جمعُ قميصٍ.

"والبَرَانِسَ": جمعُ بُرْنُسٍ - بضم النُّون - كلُّ ثوبٍ رأسُه منه مُلْتَزِقٌ به.

"وَالخِفَافَ": - بكسر الخاء - جمعُ خُفٍّ. "والوَرْسُ": - بفتح، فسكون - نبتٌ أصغر، طَيِّبُ الرِّيح يُصْبَغُ به.

• وقوله: "وَلا تَنْتَقِبِ المَرْأَة الحَرَامُ"، أي: المُحْرِمَة، والنِّقَاب معروفٌ للنِّسَاء لا يبدو منه إلا العَيْنَان.

ص: 716

"والقُفَّازَ": - بالضم والتشديد - شيءٌ يَلْبَسُه نساءُ العربِ في أيديهِنَّ يُغَطِّي الأصابعَ والكَفَّ والسَّاعِدَ من البردِ.

قال النوويُّ: قال العلماءُ هذا من بديع الكلام؛ لأنَّ ما لا يلْبَس مُنْحَصِرٌ، فحَصَلَ التَّصريحُ به في الجوابِ، وأمَّا الملبوسُ الجائزُ فغيرُ مُنْحَصِرٍ، فقال:"لا تَلْبَسُ" كذا، أي: وتَلْبَسُ ما سواه. انتهى

(1)

.

(1)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 8/ 73.

ص: 717

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ

إلخ

547 -

(834) - (3/ 183 - 184) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَيَّوبُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "المُحْرِمُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ".

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، نَحْوَهُ، قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَجِدِ المُحْرِمُ الإِزَارَ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ لَبِسَ الخُفَّيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ.

وقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَبِه يَقُولُ مَالِكٌ.

• قوله: "عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ"، أي: العملُ على حديثِ ابن عمرَ، وهذا الحديثُ مُطْلَقٌ فيُحْمَلُ على ذلك المُقَيَّدِ، فيحصلُ التَّوفيقُ بينهما والعملُ بِهما.

ص: 718

‌بَابُ مَا جَاءَ مَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ

548 -

(837) - (3/ 188) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد المَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالغُرَابُ، وَالحُدَيَّا، وَالكَلْبُ العَقُورُ".

قال: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ": المشهورُ الإضافةُ، وروي بالتَّنْوين على الوَصْف وبينَهما فرقٌ دقيقٌ في المعنى؛ لأنَّ الإضافةَ تَقْتَضي الحكمَ على خمسٍ من الفَوَاسِق بالقَتْل، وربما أشْعَرَ التَّخْصِيصُ بخلافِ الحُكْمِ في غيرِها بطَريقِ المَفْهُوْم، وأمَّا التنوينُ فيقتضي وصفَ الخَمْس بالفِسْقِ من جِهَةِ المعنى، وقد يُشْعِر بأنَّ الحكمَ المُرَتَّبَ على ذلك وهو القَتْلُ مُعَلَّلٌ بما جعل وصفًا وهو الفِسْقُ، فيقتضي ذلك التَّعميمَ لكُلِّ فاسِقٍ من الدَّوَابِّ وهو ضِدُّ ما اقْتَضاه الأوَّلُ من المَفْهوم من التَّخْصيصِ. ذكره ابنُ دَقيقٍ

(1)

.

(1)

راجع: إحكام الأحكام شرح إحكام الأحكام للإمام لابن دقيق العيد: 2/ 67.

وابنُ دقيق العيد: هو الإمام العلامة، شيخ الإسلام، أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي بن وهب بن مطيع، القشيري المنفلوطي المصري، المالكي، ولد يوم السبت، الخامس والعشرين من شعبان، سنة خمس وعشرين وست مائة، بناحية "يَنْبُعْ" من أرض الحجاز، سمع الحديث الكثير، وخرّج، وصنف مصنفات عديدة فريدة مفيدة، وانتهت إليه رئاسة العلم فِي زمانه =

ص: 719

• قوله: "فِي الحَرَمِ": المشهورُ أنَّه - بفتحتين - أي: حرمُ مَكَّةَ، وقيل: - بضمَّتين - جمعُ حرامٍ قال الله تعالى: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}

(1)

والمرادُ المَواضعُ المُحَرَّمَة.

• قوله: "الفَأْرَة": بِهمزةٍ ساكنةٍ وتُسَهَّلُ. "وَالحُدَيَّا": - بضم الحاء، وفتح الدَّال، وتشديد الياء مقصورًا - تصغير الحِدَأة في الرِّواية الأخرى، وهي: - بكسر الحاء، وفتح الدَّال مهموزةً - كعِنَبةٍ، وهي أحسنُ الطَّير تَخْطِفُ أطعمةَ النَّاس. "العَقُورُ": - بفتح العين - مبالغةُ عاقرٍ وهو الجَارح المُفْتَرِس.

549 -

(838) - (3/ 189) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العَادِيَ، وَالكَلْبَ العَقُورَ، وَالفَأْرَةَ، وَالعَقْرَبَ، وَالحِدَأَةَ، وَالغُرَابَ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْم قَالُوا: المُحْرِمُ يَقْتُلُ السَّبُعَ العَادِيَ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. وقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ سَبُعٍ عَدَا عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى دَوَابِّهِمْ فَلِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ.

• قوله: "العَادِي": مِنْ عَدَا عليه عَدْوًا: إذا تَجاوز الحَدَّ في الظلم، والمرادُ الظَّالم الذي يَفْتَرسُ النَّاسَ.

= ورحل إليه الطلبة، ودرس في أماكن كثيرة، ثم ولي قضاء الديار المصرية، ومشيخة دار الحديث الكاملية، له تصانيف، منها:"الإلمام بأحاديث الأحكام"، و "الإمام في شرح الألمام"، و "تحفة اللبيب في شرح التقريب"، و "شرح الأربعين حديثا للنووي" وغير ذلك، توفي يوم الجمعة سنة اثنتين وسبع مائة. راجع لترجمته: الوافي بالوفيات: 4/ 137، وطبقات الشافيعة الكبرى: 9/ 207، تذكرة الحفاظ: 4/ 1481، البداية والنهاية: 18/ 30.

(1)

المائدة: 95.

ص: 720

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ تَزْويجِ المُحْرِمِ

550 -

(840) - (3/ 190 - 191) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْن وَهْبٍ، قَالَ: أَرَادَ ابْنُ مَعْمَرٍ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ، فَبَعَثَنِى إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ أَمِيرُ المَوْسِمِ بِمَكَّةَ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ يُرِيدُ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ، فَأَحَبَّ أَنْ يُشْهِدَكَ ذَلِكَ، قَالَ: "لا أُرَاهُ إِلَّا أَعْرَابِيًّا جَافِيًا، إِنَّ المُحْرِمَ لا يَنْكِحُ وَلا يُنْكَحُ أَوْ كَمَا قَالَ: ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ عُثْمَانَ مِثْلَهُ يَرْفَعُهُ.

وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، وَمَيْمُونَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لا يَرَوْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ المُحْرِمُ، قَالُوا: فَإِنْ نَكَحَ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ.

• قوله: "أَنْ يُنْكِحَ": - بضم الياء - من الإنْكَاح. و "إِلَى أَبَانَ": - بفتحتين - مُخَفَّفًا. و "يُشْهِدَ": من الإشْهَاد.

• قوله: "لا يَنْكِحُ": - بفتح الياء - أي: لا يعْقِدُ لنفسه.

• وقوله: "وَلا يُنْكَحُ": - بضم الياء - أي: لا يَعْقِد لغيره.

ص: 721

‌بَابُ مَا جَاءَ مِنَ الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ

551 -

(844) - (3/ 931 - 941) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ العَطَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ يُحَدِّثُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.

قَالَ أبُو عِيْسَى: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ". وَأَبُو الشَّعْثَاءِ اسْمُهُ: جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ، لِأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَهَا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهُوَ حَلالٌ بِسَرِفَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَمَاتَتْ مَيْمُونَةُ بِسَرِفَ حَيْثُ بَنَى بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَدُفِنَتْ بِسَرِفَ.

• قوله: "وَظَهَرَ

" إلخ، وفيه إشارةٌ إلى تأويلِ حديثِ ابن عَبَّاسٍ بأنْ يُحْمَل على أنَّه ظَهَرَ أمرُ تزوُّجِها وهو مُحْرِمٌ.

ومنهم من أوَّله بأنَّ معنى "وهو مُحْرمُ": أنَّه داخِلٌ في الشَّهر الحَرَام، فإنَّ "أحْرَمَ" يُطْلَق على هذا المعنى أيضًا.

وبالجُمْلة: حديثُ ابن عبَّاسٍ يحتملُ التَّأويلَ ولو لم يحتمل لا يعَارِضُ حديثَ ميمونةَ؛ لأنَّها صاحبةُ الوَاقِعةِ فهي أعلمُ من غيرها، وكذا حديثُ رَافعٍ لأنَّه كان سَفيرًا بينَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وبينها فهو أعلمُ، وابنُ عبَّاسٍ كان صغيرًا إذ ذاك ولهذا قال سعيدُ بْنُ المُسَيِّبِ:"وَهِمَ ابن عباس". ولو سُلِّم أنَّه يُعَارَضُه لسَقَطَ الحديثان للتَّعَارُض، ويبقى حديثُ عثمانَ القَوِيُّ سالمًا عن

ص: 722

المُعارضَة، ولو سُلِّمَ أن حديثَ ابن عبَّاسٍ لا يسْقُط ولا يعارضُه حديثُ ميمونةَ وحديثُ رافعٍ، فلا شَكَّ أنَّه كان حكايةَ فعلِ يحتملُ الخُصُوْصَ، وحديثُ عثمانَ لأنَّه حكى النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلمَ بقوله:"تَزَوَّجَ"، فعلى قولٍ لا يحتمل إلا التَّشريعَ فهو يُقَدَّمُ عليه قطعًا على مقتضى القَوَاعِد.

وبالجُملةِ: فالأخذُ بحديثِ ابن عبَّاسٍ، وتَرْكُ حديثِ عثمانَ خارجٌ عن مقتضى القواعدِ. والله تعالى أعلم.

ص: 723

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي أَكْل الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ

552 -

(846) - (3/ 941 - 951) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ المُطَّلِبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَيْدُ البَرِّ لَكُمْ حَلالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَطَلْحَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ مُفَسّرٌ، وَالمُطَّلِبُ لا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ: لا يَرَوْنَ بِالصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا إِذَا لَمْ يَصْطَدْه، أَوْ لَمْ يُصْطَدْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ وَأَقْيَسُ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "صَيْد الْبَرِّ"، أي: مصيدُه.

• وقوله: "وَأَنْتُمْ حُرُمٌ": - بضَمَّتَيْن - جمعُ حرامٍ بمعنى المُحْرِم.

• وقوله: "أو يُصَاد": هكذا في كثيرٍ من النُّسَخ، والصَّوابُ أو "يُصَدْ" بحذفِ الألف؛ لأنَّه عطفٌ على المَجْزُوْم بـ "لَمْ".

قال السُّيوطي في حاشية أبي داود

(1)

بعد قوله: "مَا لَمْ يُصَدْ أوْ يُصَادُ لَكُمْ": كذا في النُّسَخ، والجاري على قوانين العَربيَّةِ "يُصَدْ" لأنَّه معطوفٌ على المَجزوم.

(1)

راجع: مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي: 2/ 512.

ص: 724

• قوله: "مُفَسّرٌ"، أي: مُزِيْلٌ للإبْهام في بابِ حل الصَّيدِ للمُحْرِم.

553 -

(847) - (3/ 951 - 961) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أبِي النَّضْرِ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلى أبِي قتَادَةَ، عَنْ أَبِي قتَادَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابِ لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأل أَصحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَه، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ، فَقَتَلَهُ فَأَكلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فسَأَلُوه عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ:"إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أطعَمَكُمُوهَا اللهُ".

• قوله: "تَخَلَّفَ"، أي: تأخَّرَ عنه صلى الله تعالى عليه وسلَّم.

• قوله: "أَنْ يُنَاوِلُوه سَوْطَهُ"، أي: وقد نَسِيَه كما في رواية، أو سَقَطَ عنه كما في أخْرى

(1)

، وجمع بينهما بأنَّه أريدُ بالسُّقُوْط النِّسْيَان أو بالنسيان السُّقُوْطُ تَجَوُّزًا.

• وقوله: "ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ"، أي: حمل عليه. "وأبَى بَعْضُهُمْ"، أي: امتنعوا عن الأكْل.

• وقوله: "طُعْمَةٌ": - بضم الطَّاء، وسكون العين - أي: طَعَامٌ.

(1)

راجع: مسند الإمام أبي عوانة: 5/ 26، ح: 7635، وشعب الإيمان للإمام البيهقي: 13/ 342، ح:10457.

ص: 725

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرمِ

554 -

(849) - (3/ 971) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَه أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَخْبَرَهُ، أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بهِ بِالأبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَأَهْدَى لَهُ حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّه عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا فِي وَجْهِهِ مِنَ الكَرَاهِيَةِ، فَقَالَ:"إِنَّهُ لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ".

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ، وَكَرِهُوا أَكْلَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرم، وقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا وَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَنَا إنَّمَا رَدَّه عَلَيْهِ لَمَّا ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أجْلِهِ، وَتَرَكَهُ عَلَى التَّنَزُّهِ، وَقد رَوَى بَعْض أصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الحَدِيثَ، وَقَالَ: أَهْدَى لَهُ لَحْمَ حِمَارٍ وَحْشٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.

• قوله: "أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ": بفتح جيمٍ، وتشديدِ مُثَلَّثَةٍ. "مرَّ به"، أي: بالصَّعْب. "والأبْوَاء": بفتح همزةٍ، وسكون باءٍ مُوَحَّدَةٍ، والمُدِّ. "وَدَّانَ": - بفتح واو، وتشديد دَالٍ - هما مَوْضِعَان بين الحرمين. "حُرُمٌ": - بضَمَّتَيْن - جمع حَرامٍ بمعنى مُحْرِم.

• قوله: "قال: إِنَّهُ لَيْسَ بِنَا رَدٌّ

" إلخ، أي: تَطْيِيْبًا لقَلْبِه.

ص: 726

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي صَيْدِ البَحْر لِلْمُحْرِمِ

555 -

(850) - (3/ 198) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي المُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ بِسِيَاطِنَا وَعِصِيِّنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"كُلُوه فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ".

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي المُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَبُو المُهَزِّمِ: اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ.

وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَصِيدَ الجَرَادَ وَيَأْكلَهُ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ صَدَقَةً إِذَا اصْطَادَه وَأَكَلَهُ.

• قوله: "فَاسْتَقْبَلَنَا": بفتح اللام، و "الْعِصِيُّ": - بكسرتين، وتشديد الياء - جمعُ عصَا.

ص: 727

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الضَّبُعِ يُصِيبُهَا المُحْرِمُ

556 -

(851) - (3/ 198 - 199) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: قُلْتُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: "نَعَمْ".

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيِّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ، وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ فِي المُحْرِمِ إِذَا أَصَابَ ضَبُعًا أَنَّ عَلَيْهِ الجَزَاءَ.

• قوله: "الضَّبُعُ": - بفتح معجمةٍ، وضم مُوَحَّدةٍ - حيوانٌ معروفٌ.

ص: 728

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاغْتِسَالِ لِدُخُولِ مَكَّةَ

557 -

(852) - (3/ 199 - 200) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ صَالِحٍ البَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِدُخُولهِ مَكَّةَ بِفَخٍّ.

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى نَافِعٌ، عَنْ ابْن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغتَسِل لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مَكَّةَ.

وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ؛ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا، وَلا نَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ.

• قوله: "أَنَّهُ كَانَ"، أي: ابن عمرَ فهو موقوفٌ.

ص: 729

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ

إلخ

558 -

(853) - (3/ 200) حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.

قال: وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "مِنْ أَعْلاهَا"، أي: من طريقِ المُعَلَّى مَقْبَرةِ أهل مَكَةَّ.

ص: 730

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ رَفْعِ اليَدَيْن عِنْدَ رُؤْيَةِ البَيْتِ

559 -

(855) - (3/ 201 - 202) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ البَاهِلِيِّ، عَنْ المُهَاجِرِ المَكِّيِّ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَيَرْفَعُ الرَّجُلُ يَدَيْهِ إِذَا رَأَى البَيْتَ؟ فَقَالَ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أفَكُنَّا نَفْعَلُهُ؟.

قَالَ أبُو عِيْسَى: رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَيْتِ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، وَأَبُو قَزَعَةَ: اسْمُهُ سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ.

• قوله: "أفَكُنَّا": - بهمزة الاستفهام - للإنْكارِ.

ص: 731

‌بَابُ مَا جَاءَ كَيْفَ الطَّوَافُ

560 -

(856) - (3/ 203) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَاسْتَلَمَ الحَجَرَ، ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ أَتَى المَقَامَ، فَقَالَ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}

(1)

فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الحَجَرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، أَظُنُّهُ قَالَ:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}

(2)

.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "فَاسْتَلَمَ": استلامُ الحَجَر هو [وضعُ اليَدين وتَقْبِيْلُه، وهو] أي: مصدرُه افتعالٌ من السَّلام، سَلَّمَه بمعنى التَّحِيَّةِ أو السِّلْمَة - بكسر اللام - بمعنى الحَجر، ومعناه على هذا لَمْسُ الحَجر أو تَنَاوُلُه، ونظيرُه اكتحلَ أصَابَ الكحلَ بمعنى الحَجر المَخْصُوْصِ، ومعنى اكْتَحَل أصابَ الكُحْلَ، وتعلقه بالحجر يكون على التَّجريدِ.

• وقوله: "ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ"، أي: أخَذَ في الطَّوافِ وشَرَعَ فيه.

(1)

البقرة: 125.

(2)

البقرة: 158.

ص: 732

["الرَّمَلُ": - بفتحتين - هو إسراعُ المَشْيِ مع]

(1)

تَقَارُبُ الخُطَا مِنْ نَصَرَ، وقراءة الآيتين ليعرف تفسيرهما بالفعل.

(1)

ما بين المعقوفين سقط من المخطوط، وزدناه من حاشية السندي على أبي داود المسمى بـ "فتح الودود"، والنسائي.

ص: 733

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّمَل مِنَ الحَجَر إلَى الحَجَر

• المراد "رَمَلٌ" في تمام دَوْرةِ الطَّوافِ.

ص: 734

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِلَام الحَجَرِ، وَالرُّكْن اليَمَانِي [دُونَ مَا سِوَاهُمَا]

561 -

(858) - (3/ 204) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَمَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةُ لا يَمُرُّ بِرُكْنٍ إِلَّا اسْتَلَمَهُ، فَقَال لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ إِلَّا الحَجَرَ الأسْوَدَ، وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا.

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عُمَرَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَىَ هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لا يَسْتَلِمَ إِلَّا الحَجَرَ الأسْوَدَ، وَالرُّكْنَ اليَمَانِي.

• قوله: "وَمُعَاوِيَةُ": - بالرَّفع - مبتدأ، والجملةُ حالٌ. قالوا: جوابُ معاويةَ ليسَ بشَيءٍ، فإنَّ المقصودَ الاتِّبَاعُ وتركُ الابتِدَاع، وأمَّا عدمُ هَجْر البَيْتِ فيَكْفِي فيه الطَّوافُ حَوْلَه وإلا لزم هجرُ كثيرٍ من الأجْزَاء؛ لأنَّ أحدًا لا يسْتَلِمُ جميعَ أجزاءِ البيتِ، فالرُّكنان البَاقِيَان كسَائر الأجزاءِ.

• قوله: "لَيْسَ شَىْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُوْرًا

" إلخ، وزادَ من طريق مُجَاهدٍ فقال ابن عباس:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}

(1)

فقال معاويةُ: صَدَقَ. شرح الموطأ

(2)

.

(1)

الأحزاب: 21.

(2)

راجع: شرح الزرقاني على الموطأ: 2/ 310.

ص: 735

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْبِيلِ الحَجَرِ

562 -

(860) - (3/ 205 - 206) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابسِ بْن رَبيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب يُقَبِّلُ الحَجَرَ، وَيَقُولُ: إنِّي أُقَبِّلُكَ وَأعْلمُ أنَّكَ حَجَرٌ، وَلوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقبِّلُكَ لمْ أُقَبِّلْكَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ عُمَرَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "وَيَقُولُ"، أي: للحَجَر مخاطبًا له ليُسْمِعَ الحاضرين؛ ليَعْلَمُوا أن المقصودَ الاتِّبَاعُ لا تعظيمُ الحجر كما كان عليه عَبَدَة الأوْثَان، فالمطلوبُ تعظيمُ أمرِ الرَّبِّ تعالى واتِّبَاعُ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم.

ص: 736

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ

563 -

(862) - (3/ 207 - 208) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ بالبَيْتِ سَبْعًا، فَقَرَأ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}

(1)

فَصَلَّى خَلْفَ المَقَام، ثُمَّ أَتَى الحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ:"نَبْدَأُ بمَا بَدَأَ اللهُ بهِ"، فَبَدَأَ بالصَّفَا، وَقَرَأ:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}

(2)

.

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْل العِلْمِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّفَا قَبْلَ المَرْوَةِ، فإِنْ بَدَأ بِالمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا لمْ يُجْزِهِ وَبَدَأَ بِالصَّفَا.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْم فِيمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى رَجَعَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ فَإنْ ذَكَرَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا رَجَعَ فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى أَتَى بِلَادَهُ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ تَرَكَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بلَادِهِ، فَإِنَّهُ لا يُجْزِئه، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ: الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَاجِبٌ لا يَجُوزُ الحَجُّ إِلَّا بِهِ.

• قوله: "فطَافَ بِالبَيْتِ

" إلخ، عطفٌ على مُقَدَّرٍ يَتَعلَّقُ به. "حِينَ"، أي: دَخَلَ المسجدَ فطَافَ، ويحتملُ أن الفاءَ زائِدَةٌ، ويكونُ "حِيْنَ" مُتَعَلِّقٌ به.

(1)

البقرة: 125.

(2)

البقرة: 125.

ص: 737

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ

564 -

(863) - (3/ 208) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاؤوْسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ العِلْمِ أَنْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْعَ وَمَشَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ رَأَوْهُ جَائِزًا.

• قوله: "السَّعْيُ": المرادُ بالسَّعْي ههنا الإسْراعُ في بَطْن الوَادي المعلوم بين الصَّفا والمَرْوة.

ص: 738

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الطَّوَافِ رَاكِبًا

565 -

(865) - (3/ 209) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلالٍ الصَّوَّافُ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْد الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِهِ فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَأُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ رَاكِبًا إلا مِنْ عُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

• قوله: "إِلَّا مِنْ عُذْرٍ": وهو مَحْمَلُ فِعْلِه صلى الله تعالى عليه وسلم لحديثِ أبي وَدَاعَةَ عن ابن عباس "قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِيْ وَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ"

(1)

ولحديثِ مسلمٍ عن جابرٍ "طَافَ رَاكِبًا لِيَرَاه النَّاسُ وَليَسْألُوْه"

(2)

فيحتمل أنَّه فعل ذلك لأمْرَيْن.

(1)

راجع: سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب الطواف الواجب، ح:1881.

(2)

راجع: صحيح مسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره .... ، ح:1273.

ص: 739

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ، وَبَعْدَ المَغْربِ

(1)

لِمَنْ يَطُوفُ

566 -

(868) - (3/ 211 - 212) حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَاهَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.

وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي ذَرٍّ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ جُبَيْرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاه عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَاهَ أيضًا.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا بَأْسَ بِالصَّلاةِ وَالطَّوَافِ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا طَافَ بَعْدَ العَصْرِ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَكَذَلِكَ إِنْ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْح أيضًا لَمْ يُصَلِّ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَاحْتَجُّوا بحَدِيثِ عُمَرَ: أنَّهُ طافَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فلمْ يُصَلِّ، وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى نَزَل بِذِي طوًى فَصَلَّى بَعْدَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَهُوَ قَولُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْن أَنَسٍ.

• قوله: "وَبَعْدَ المَغْرِبِ":

(2)

قد وُجِدَ في كثير من النُّسخ، وقد سَقَطَ عن

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: "بَعْدَ الصُّبْحِ" مكان "بَعْدَ المَغْرِبِ".

(2)

كذلك سقط من نسخة أحمد شاكر التي اعتمدنا عليه في إيراد الأحاديث.

ص: 740

بعض النُّسخ، قال بعضُهم: والصَّوابُ بعدَ الصبح.

قلتُ: لأنَّه مَحَلُّ الكلامِ للاختلافِ فيه وهو المُوَافِق لآخر الكلام، لكن قد يُوَجِّهُ نَسْخُه "بعدَ المَغْرِبِ" بأنَّ قولَه بعدَ العصر كنايةٌ عن الأوْقَات المكروهةِ.

• وقوله: "وَبَعْدَ المَغْرِبِ": وغيرِها فصارَ المعنى في الأوقاتِ المكروهةِ وغيرها، والتَّنْبِيْهُ بذكر فَرْدٍ على جنسٍ في بيانِ الأحْكَام شَائِعٌ لا يخفى على من ينظر في كتبِ الأحكام، فصارَ التَّرجمةُ مُناسِبًا لعُموم أيَّةِ سَاعةٍ في الحديث.

• قوله: "لا تَمْنَعُوا

" إلخ، الظَّاهر أن المعنى لا تمنعوا أحدًا دخل المسجدَ للطَّوافِ والصَّلاةِ عن الدُّخْول أيَّةَ ساعةٍ يريدُ الدُّخولَ، فقوله: "أيَّةَ سَاعَةٍ" ظرفٌ لقوله: "لا تَمْنَعُوْا" لا لـ "طَافَ [و "صلَّى"، ففي دلالةِ الحَديثِ على المطلوبِ بَحْثٌ، وكيف والظاهر أن الطوافَ]

(1)

والصلاةَ حين يصلى الإمامُ الجمعةَ، بل حين يخطب الخطيبُ يومَ الجمعة، بل حين يصلي الإمامُ إحدى الصلواتِ الخمس غير مأذونٍ فيها للرِّجالِ. والله تعالى أعلم.

(1)

ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط، وقد زدناه من حاشية السندي على أبي داود، المسمى بـ "فتح الودود".

ص: 741

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كرَاهِيَةِ الطَّوَافِ عُرْيَانًا

567 -

(871) - (3/ 213) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْعٍ، قال: سَألتُ عَلِيًّا بِأَي شَيْءٍ بُعِثتَ؟ قال: "بِأربَعٍ: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمةً، وَلا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلا يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لا مُدَّةَ لَهُ فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.

قالَ: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

• قوله: "بِأَيِّ شَيءٍ بُعِثْتُ": على بناءِ المفعول، أي: بَعَثَكَ النبيُّ صلى اللهُ تعالى عليه وسلم مَوْسِمَ حَجِّ أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه.

"قولة: "وَلا يَطُوفُ": نفيٌ بمعنى النَّهْي، وكذا قوله: "وَلا يَجْتَمِعُ": معناه منعُ المشركين عن الحَجِّ.

• قوله: "فَعَهْدُه إِلَى مُدَّتِهِ"، أي: لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا}

(1)

الآية.

• قوله: "وَمَنْ لا مُدَّةَ لَهُ"، أي: مِمَّنْ نَقَضَ العهدَ فأربعةُ أشْهُرٍ لقوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}

(2)

.

(1)

التوبة: 4.

(2)

التوبة: 2.

ص: 742

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ الكَعْبَةِ

(1)

568 -

(875) - (3/ 215 - 216) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، قَالَ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمَا كَانَتْ تُفْضِي إِلَيْكَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ يَعْنِي عَائِشَةَ، فَقَالَ: حَدَّثَتْني أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: "لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالجَاهِلِيَّةِ، لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ". قَالَ: فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدَمَهَا وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ.

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "حَدِيثُ عَهْدٍ

" إلخ، المرادُ قربُ عَهْدِهم بالكُفْر والخُرُوْج منه إلى الإسْلام، وأنَّه لم يَتَمَكَّنِ الدِّينُ في قلوبِهم فلو هَدَّمتُ ربَّما نَفَرُوْا منه، وَيَرَوْنَ تَغَيُّره عظيمًا. هذا قال السيوطي في حاشية النسائي

(2)

.

"حَدِيْثُ عَهْدٍ": كذا روي بالإضَافَة وحذف الواو. وقال المطرزي

(3)

:

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَا جَاءَ فِي كَسْرِ الكَعْبَةِ.

(2)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 5/ 237.

(3)

هو: أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي المطرزي، الخوارزمي، الحنفي، ولد في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة بخوارزم، كان فقيها، أديبا، نحويا، له معرفة تامة بالنحو، واللغة، والشعر، وأنواع الأدب، قرأ ببلده على أبيه، وأبي الموفق، وكان تامة المعرفة بفنه، رأسا في الاعتزال، داعيا إليه، ينتحل مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع، وله تصانيف منها:"شرح المقامات" للحريري، و"المغرب"، و"المعرب في شرح المغرب"، و"الإقناع بما حوى تحت القناع" وغير ذلك، توفي يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين، سنة عشَر وسِتَّ مائة =

ص: 743

لا يجوزُ حذفُ الواو في مثل هذَا، والصَّوابُ "حَدِيْثُوْا عَهْدٍ"

(1)

.

= بخوارزم. راجع لترجمته: وفيات الأعيان: 5/ 369، سير أعلام النبلاء: 11/ 18.

(1)

راجع: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي: 1/ 186.

ص: 744

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الحِجْرِ

569 -

(876) - (3/ 216) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ البَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الحِجْرَ، فَقَالَ:"صَلِّي فِي الحِجْرِ إِنْ أَرَدْتِ دُخُولَ البَيْتِ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ البَيْتِ، وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوهُ حِينَ بَنَوْا الكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوه مِنَ البَيْتِ".

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ هُوَ عَلْقَمَةُ بْنُ بِلَالٍ.

• قوله: "فِي الحِجْرِ": الحجر - بكسر المُهملة، وسكون المُعْجَمة، وحكي فتح المهملة - اسم للحَائط المُسْتديرِ إلى جانبِ الكَعْبَة. "اسْتَقْصَرُوهُ"، أي: قَصَّرُوْه عن تَمام بِنَائِه لقِلَّةِ النَّفقَةِ.

ص: 745

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الحَجَرِ الأسْوَدِ، وَالرُّكْنِ، [وَالمَقَامِ]

570 -

(878) - (3/ 217) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَجَاءٍ أَبِي يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ مُسَافِعًا الحَاجِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ الرُّكْنَ، وَالمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ، طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأضَاءَتَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ".

قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا قَوْلُهُ، وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ أيضًا، وَهُوَ حَدِيثٌ غرِيبٌ.

• قوله: و "الرُّكْنَ": الظَّاهرُ أن الرُّكنَ هو الحَجَر الأسْود، أي: الثَّاني وهو المرادُ في الحديث أيضًا، والعطفُ بمُجَرَّدِ تَعَارُض اللَّفْظِ مراعاةً للَفْظِ الحديثين. والله تعالى أعلم.

• قوله: "طَمَسَ اللهُ"، أي: ليكونَ الإيمانُ بِهما بالغَيبِ. "مجمع"

(1)

.

• قوله: "لَمْ يَطْمِسْ": بكسر الميم.

(1)

لم نعثر عليه في مجمع بحار الأنوار.

ص: 746

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الخُرُوجِ إلَى مِنًى [وَالمُقَامِ بهَا]

571 -

(880) - (3/ 215 - 216) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الأجْلَحِ، عَنْ الأعْمَشِ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِمِنًى الظُّهْرَ وَالفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا إِلَى عَرَفَاتٍ.

قَالَ: وفِي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ يَسْمَعِ الحَكَمُ مِنْ مِقْسَمٍ إِلَّا خَمْسَةَ أَحَادِيثَ، وَعَدَّهَا، وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيثُ فِيمَا عَدَّ شُعْبَةُ.

• قوله: "الظُّهْرَ وَالفَجْرَ"، أي: وما بَيْنَهما ترك لظهور ذلك.

• قوله: "وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيثُ

" إلخ، أي: فيكون منقطعًا.

ص: 747

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْصِير الصَّلَاةِ بمِنًى

572 -

(882) - (3/ 219 - 220) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ.

قَالَ: وفي البَاب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ حَارِثَةَ بْن وَهْبٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعودٍ أَنَّهُ قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَ عُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ رَكعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتهِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ بِمِنًى لِأهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ لِأهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَقْصُرُوا الصَّلاةَ بِمِنًى، إِلَّا مَنْ كَانَ بِمِنًى مُسَافِرًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا بَأْسَ لِأهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَقْصُرُوا الصَّلَاةَ بِمِنًى، وَهُوَ قَول الأوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيّ.

• قوله: "آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ

" إلخ، المقصودُ من هذَا الكلامِ وأمثالِه واضِحٌ، أي: حينَ كانَ النَّاسُ أكثرَ أمنًا وعددًا؛ لأنَّ تَطْبِيْقَه على قواعدِ العربية خَفِيٌّ، والأقربُ عندي أن "مَا" مَصْدَرِيَّةٌ و"كان" تامَّةٌ، و"آمَنَ" منصوبٌ على الظَّرْفِيَّةِ بتقدير مضافٍ، وموصوفُه مُقَدَّرٌ من جنسِ المُضَافِ إليه كمَا هو المشهورُ

ص: 748

في اسم التَّفْضِيْل، و"أكثرَه" عطفٌ على "آمَنَ"، وضميرُه لِمَا أضيفُ إليه "آمَنَ" لا للنَّاسِ كما وُهِمَ، واعْتُذِرَ عن إفرادِه بأنَّ النَّاسَ جنسٌ، والتَّقدير: زمانُ كونِ هو آمَنَ أكوان النَّاس، وزمانُ كونِ هو أكثر أكوان الناس عددًا، أو نسبةُ الأمنِ والكثرةِ إلى الكونِ مجازيَّة فإنَّهما وصفان حقيقةً للنَّاس، [فرَجَعَ فيما]

(1)

بالنَّظر إلى الحقيقةِ إلى: "زمانًا وحينًا" كانَ النَّاسُ فيه آمنَ وأكثرَ، وعلى هذا فنصبُ "آمنَ وأكثرَ" على الظَّرفِيَّةِ بتقدير المُضَافِ، وإقامة المُضَافِ إليه مقامَه. والله تعالى أعلم.

ولو جُعِلَ "آمَنَ" خبرًا لـ "كَانَ" مُقَدَّمًا، و "أكثرَ" عطفًا عليه، ويُجْعَلُ "مَا" مصدريَّةً حِيْنِيَّةً، ويكونُ المعنى حينَ كونِ النَّاس آمَنَ وأكْثَرَ، أي: آمَنَهم وأكْثَرَهم لكانَ المعنى صحيحًا، ولا تكَلُّفَ فيه، أي: في أنَّه يَلْزَمُ تقديرُ "مَا" في حِيَزِ "مَا" المصدريةِ، وكلمةُ "مَا" المصدريةُ عندهم موصولةٌ حَرْفِيَّةٌ لا يتَقَدَّمُ عليها "مَا" في صِلَتِها.

• قوله: "إِلَّا مَنْ كَانَ

" إلخ، يحتملُ الاتِّصَال، أي: الإنْزَال معهم بمِنَى مسافرًا خَرَجَ على نِيَّةِ السَّفَر، ورجع من السَّفَر، ونَزَلَ بِها قبلَ دُخُوْلِه مَكَّةَ كذا، ويحتمل الانقطاع وهو ظاهرٌ.

(1)

هكذا في المخطوط، والصحيح:"رجع فيهما".

ص: 749

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُقُوفِ بعَرَفَاتٍ وَالدُّعَاءِ بهَا

573 -

(883) - (3/ 221) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْن دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: آَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيُّ وَنَحْنُ وُقُوفٌ بِالمَوْقِفِ مَكَانًا يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْكُمْ يَقُولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَالشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنُ مِرْبَعٍ: اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ مِرْبَعٍ الأَنصَارِيُّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ لَهُ هَدا الحَدِيثُ الوَاحِدُ.

• قوله: "مَكَانًا يُبَاعِدُه عَمْرٌو": وبَاعَدَ بمعنى بَعَّدَ - مشدَّدًا - و "عَمْرٌو": هو المُخَاطَب بِهذا الكلامِ، أي: مكانًا تَبْعُدُه أنتَ، وتَعُدُّه بعيدًا، والمقصودُ تقرير بُعْده، وأنَّه مُسَلَّمٌ عندَ المُخَاطَب. والله تعالى أعلم.

574 -

(884) - (3/ 222) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ البَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهَا وَهُمُ الحُمْسُ يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ يَقُولُونَ: نَحْنُ قَطِينُ اللهِ، وَكَانَ مَنْ سِوَاهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ

ص: 750

تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}

(1)

.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قال: وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ، وَعَرَفَةُ خَارِجٌ مِنَ الحَرَمِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ كَانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ قَطِينُ اللهِ، يَعْنِي: سُكَّانَ اللّهِ، وَمَنْ سِوَى أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}

(2)

وَالحُمْسُ هُمْ أَهْلُ الحَرَمِ.

• قوله: "ثُمَّ أَفِيضُوا"، أي: ادْفَعُوا أنفسَكم أو مَطَايَاكم أيُّها القُريش "مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسُ"، أي: غيرُكم وهو عرفات، والمقصودُ؛ أي: ارْجِعُوْا من ذلك المكانِ، ولا شكَّ أن الإفاضَةَ والرَّجُوْعَ من ذلك المكانِ يَسْتَلْزِمُ الوقوفَ فيه؛ لأنَّها مَسْبُوْقَة بالوقوفِ، فلزم من ذلك: الأمرُ بالوقوفِ من حيثُ وَقَفَ النَّاسُ وهو عرفةَ.

(1)

البقرة: 199.

(2)

البقرة: 199.

ص: 751

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ

575 -

(885) - (3/ 223 - 224) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَةَ، فَقَالَ:"هَذِهِ عَرَفَةُ، وَهَذا هُوَ الْمَوْقِفُ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ"، ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِيْنَتهِ، وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، وَيَقُولُ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ"، ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَّى بهِمُ الصَّلَاتَيْن جَمِيعًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ:"هَذَا قُزَحُ وَهُوَ المَوْقِفُ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ"، ثُمَّ أَفَاضَ حَتَّى انتَهَى إِلى وَادِي مُحَسِّرٍ، فقرَعَ نَاقَتَهُ، فَخَبَّتْ حَتَّى جَاوَزَ الوَادِيَ فَوَقَفَ، وَأَرْدَفَ الفَضْلَ ثُمَّ أَتَى الجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى المَنْحَرَ، فَقَالَ:"هَذَا المَنْحَرُ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ". وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللّهِ فِي الحَجِّ، أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ:"حُجِّي عَنْ أَبِيكِ". قَالَ: وَلَوَى عُنُقَ الفَضْلِ، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ:"رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا". ثُمَّ أَتَاه رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ، قَالَ:"احْلِقْ، أَوْ قَصِّرْ وَلا حَرَجَ". قَالَ: وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ:"ارْمِ وَلا حَرَجَ". قَالَ: ثُمَّ أَتَى البَيْتَ فَطَافَ بِهِ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، فَقَالَ:"يَا بَنِي عَبْدَ المُطَّلِبِ، لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَنْهُ لَنَزَعْتُ".

ص: 752

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَقَدْ رَوَاه غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلَ هَذَا.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ رَأَوْا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَشْهَدِ الصَّلَاةَ مَعَ الإِمَامِ إِنْ شَاءَ جَمَعَ هُوَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِثْلَ مَا صَنَعَ الإِمَامُ. قَالَ: وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ ابْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

• قوله: "هَذِهِ": أشارةٌ إلى إلى مَوْقِفِه صلى الله تعالى عليه وسلَّم ومَنْ معه، والتَّأنيثُ لتأنيثِ الخَبَر.

• وقوله: "عَرَفَةُ"، أي: منها وجزءٌ من أجْزَائِها.

• وقوله: "وَهُوَ الْمَوْقِفُ": التَّذكيرُ فيه لمُرَاعَاةِ الخبر، أو لتَذْكِيرِ المُشارِ إليه بِـ"هذه" وإنْ عُبِّر عنه بلفظٍ مؤنَّثِ وهو "هذه".

ومعنى التَّعريف في المَوْقِف أنَّه معلومٌ به مُسلَّم، [وأحكم] صلى الله عليه وسلم الحكمَ عليه بذلك لئلا يمكنَ النَّزاعُ فيه كما في قوله:"ووَالِدَاكَ العبدُ" وذلك أنَّه صلى الله تعالى عليه وسلم حيثُ وَقَفَ فيه قد عَلِم علماءُنا بذلك لأنَّه موقِفٌ، ويمكن أنْ يجعلَ الحصرُ بالنَّظر إلى الكمالِ، والأوَّل أقربُ ومثله في الوجهين.

• قوله: فِي "قُزَح": وهو الموقِفُ.

ص: 753

• وقوله: "وهَذَا المَنْحَرُ"

(1)

.

• وقوله: و "أَرْدَفَ أُسَامَةَ"، أي: جَعَلَه خلفَه في الرُّكُوبِ.

• وقوله: "وَجَعَلَ يُشِيرُ": الظَّاهرُ؛ أي: إلى النَّاس ويقولُ لهم: "أَيَّهَا النَّاسُ

" إلخ.

• وقوله: "عَلَى هِيْنَتِهِ": حالٌ، أي: حالَ كونِه على عادَتِه ودأبِه الشَّريفِ في السكون وغيره، وكذا قوله:"والنَّاسُ يَضْرِبُوْنَ" حالٌ، وكذا:"يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ" حالٌ، وفي رواية أبي دواد:"لَا يَلْتَفِتُ"

(2)

إلى مَشْيِهم ولا يُشارِكُهُمْ فيه.

• وقوله: "ثُمَّ أَتَى جَمْعًا": - بفتح، فسكون - اسمٌ للمزدلفة.

• وقول: "وَلَوَى": من حَدِّ ضَرَبَ، أي: صَرَفَ عُنَقَه من شِقِّ الجاريةِ إلى الشقِّ الآخَر.

• "وَلَوْلَا أنْ يَغْلِبَكُمْ

" إلخ، أي: قصدًا للاتِّباع. "لَنَزَعْتُ"؛ أي: أخرجتُ الماءَ وسقيتُه للنَّاس كما تفعلون أنتم، قال حَثًّا لهم على الثُّباتِ. والله تعالى أعلم.

• قوله: "خَثْعَمٍ": - بفتح الخاء المُعجمة، وسكون المُثَلَّثةِ، بعدَها عينٌ مهملةٌ مفتوحةٌ - غير منصرفٍ للعلمية، ووزن الفعل حيٌّ مِنْ بُجَيْلة. حاشية النسائي للسيوطي

(3)

.

(1)

لم يذكر بعده شيء في المخطوط.

(2)

راجع: سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب: الدَّفْعة من عرفة، ح:1922.

(3)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 5/ 125.

ص: 754

• قوله: "رَأَوْا أَنْ يُجْمَعَ": لا يخفى أنَّه ليسَ في الحديثِ المذكورِ تصريحٌ بجمع عرفةَ، فكان مرادُه أنَّه يُفْهَم من الحديثِ امتدادُ الوقوفِ إلى الغُرُوْبِ وذلك يقتضي أنَّه جمع العصرَ مع الظُّهرِ وإلا اسْتَلْزَم امتدادُ الوُقُوْف فوتَ العصر، فصار الجمعُ مفهومًا مِمَّا ذكره من الحديث، ولهذا جعل الجمع من العمل بالحديث. واللّه تعالى أعلم.

ص: 755

‌بَابُ مَا جَاءَ في الإفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ

576 -

(886) - (3/ 225) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَبِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَزَادَ فِيهِ بِشرٌ: وَأَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَزَادَ فِيهِ أَبُو نُعَيْمٍ: وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ، وَقَالَ: لَعَلِّي لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا.

قال: وفي البَابِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أبو عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "حَصَى الخَذْفِ": - بالخَاء المُعْجمة، والذَّال المُعجمة - هو رَمْيُ حصَاةٍ ونحوِها تأخُذُهَا بينَ السَّبَابَتَيْن وتَرْمِي بِها.

• وقوله: "حَصَى الخَذْفِ"، أي: صِغَارًا.

• وقوله: "وَقَالَ: لَعَلِّي

" إلخ، حَثًّا لهم على ضَبْط السُّنَنِ.

ص: 756

‌بَابُ مَا جَاءَ مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ

577 -

(889) - (3/ 228) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوع الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَزَادَ يَحْيَى: وَأَرْدَفَ رَجُلًا فَنَادَى.

578 -

(890) - (3/ 228 - 229) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَه بِمَعْنَاه، وقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. وَهَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن يَعْمَرَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْم مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَاتٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ وَلا يُجْزِئُ عَنْهُ إِنْ جَاءَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً، وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ نَحْوَ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الجَارُودَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: هَذَا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ.

• قوله: "الحَجُّ عَرَفَةُ": قال الشيخ عِزُّ الدين بنُ عَبْد السَّلام في أمَاليه:

ص: 757

فإن قيل: أيُّ أرْكَان الحَجِّ أفضلُ؟ قُلْنَا: الطَّوافُ، ثُمَّ ذَكَر دليلَه، ثم قال فإنْ قيلَ: قولُه صلى الله تعالى عليه وسلَّم: "الحَجُّ عَرَفَة" يَدُلُّ على أفْضَلِيَّةِ عرفةَ؛ لأنَّ التقديرَ مُعْظَم الحَجِّ وُقوفُ عرَفَةَ، فالجوابُ إنَّا لا نُقَدِّرُ ذلك، بل نُقَدِّرُ أمرًا مجمعًا عليه وهو إداركُ الحَجِّ وقوفُ عرفةَ. حاشية السيوطي على النسائي

(1)

.

• قوله: "مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ"، أي: جاءَ عرفةَ ليلةَ جمعٍ فليسَ في هذا الحديث دلالةٌ على إدراكِ الإمامِ بجمع. واللّه تعالى أعلم.

• قوله: "أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ"، أي: سِوى يومَ النَّحرِ، وإنَّما لم يَعُدَّ يومَ النَّحْر من أيَّام مِنى؛ لأنَّه ليس مخصوصًا بمنى بل فيه مناسكُ كثيرةٌ.

• قوله: "وَيَجْعَلُهَا"؛ أي: الحَجَّةَ المَنْوِيَّةَ، والضميرُ للحَجِّ، والتأنيثُ لمُرَاعَاةِ المفعولِ الثَّاني؛ لكونِه في معنى الخَبر.

579 -

(891) - (3/ 235 - 229) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَزَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلَا، أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ".

قَالَ أبو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: قَوْلُهُ: "تَفَثَهُ" يَعْنِي: نُسُكَهُ.

(1)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 5/ 282، 283.

ص: 758

• قَوْلُهُ: "مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ": إِذَا كَانَ مِنْ رَمْلٍ يُقَالُ لَهُ حَبْلٌ، وَإِذَا كَانَ مِنْ حِجَارَةٍ يُقَالُ لَهٌ: جَبَلٌ.

• قوله: "فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ": كأنَّ المرادَ به التَّمامُ على وَجْهِ الكَمالِ وإلا فأصْلُ التَّمَام بوُقُوْف عرفةَ كما هو مقتضى الحديثِ السَّابقِ، وأيضًا ليس بشرطٍ للتَّمامِ عندَ أحدٍ.

ص: 759

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الإفَاضَةَ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ

580 -

(895) - (3/ 232 - 233) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفَاضَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ. قَالَ أبو عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ يُفِيضُونَ.

• قوله: "أَفَاضَ"، أي: دَفَع وهو مُتَعَدٍّ، لكن شَاعَ استعمالُه بلا ذِكْرِ المفعولِ لظُهُوْرِه، وأصْلُه دَفَعَ مَطِيَّتَه أو نَفْسَه حتَّى أنَّه غالبًا لا يفْهَمُ منه إلا معنى اللازم؛ أي: رجع.

ص: 760

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الجِمَارَ الَّتِى يُرْمَى بهَا مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ

581 -

(897) - (3/ 233 - 234) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الجِمَارَ بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ، عَنْ أُمِّهِ وَهِيَ أُمُّ جُنْدُبٍ الأزْدِيَّةُ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالفَضْلِ بْنِ عَبَّاس، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ.

قَالَ أبو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ العِلْمِ أَنْ تَكُونَ الجِمَارُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا مِثْلَ حَصَى الخَذْفِ.

• قوله: "الجِمَارَ": هي جمعُ جَمْرةٍ، وهي اسمٌ للمَحَلِّ المَرِمِيِّ الذي هو الشَّاخِص.

• قوله: "الخَذْف": - بفتح مُعجمةٍ، وسكونِ المُعجمةِ الثَّانية - هو رَمْيُ الحصاةِ ونحوِها بأنْ تأخذَ بين السَّبَابَتَيْن وترمى بِها، والمقصودُ بيانُ كَيْفِيَّةِ الرَّمْي بأنَّه كان خَذَفًا.

ص: 761

‌بَابُ مَا جَاءَ في الرَّمْي بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ

582 -

(898) - (3/ 234) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ الحَجَّاجِ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الجِمَارَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ".

قَالَ أبو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

• قوله: "يَرْمِي [الجِمَارَ] إِذَا زَالَت

" إلخ؛ أي: فيما سِوى يومِ النَّحْر كما سبق في حديثِ جابرٍ، ولعلَّ جمعَ الجِمَار يُغْنِي عن ذلك إذْ يومُ العيدِ لا يُرْمَى إلا جمرةُ العَقَبة، فرَمْيُ الجمار لا يتَحَقَّقُ إلا في غيره.

ص: 762

[بابُ مَا جَاءَ في رَمْي الجِمَارِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا]

583 -

(899) - (3/ 235) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنَا الحَجَّاجُ، عَنْ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَمَى الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكبًا.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَقُدَامَةَ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ، وَأُمِّ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى الجِمَارِ.

• قوله: "وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَمْشِيَ": كلُّهم حملوا رُكُوْبَه صلى الله تعالى عليه وسلَّم يومَ النَّحْر على أنَّه كانَ اتِّفَاقِيًّا، لا أنَّه أفاضَ من الجَمْع راكبًا إلى الجمرةِ كذلك، والَّذِي وقع منه قَصْدًا هو المَشْيُ إلى الجِمار في غير يَومِ النَّحر، فينبغي أبي يُوَجَّهَ بما فعل قصدًا لا بما فعل اتِّفَاقًا وتَبْعًا، والأقربُ الاتِّباعُ في الأمرين إن تَيَسَّر.

584 -

(890) - (3/ 236 - 235) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا رَمَى الجِمَارَ مَشَى إِلَيْهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: يَرْكَبُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَمْشِي فِي الأَيَّامِ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ.

ص: 763

قَالَ أبو عِيْسَى: وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ هَذَا، إِنَّمَا أَرَادَ اتِّبَاعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي فِعْلِهِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ رَكِبَ يَوْمَ النَّحْرِ حَيْثُ ذَهَبَ يَرْمِي الجِمَارَ، وَلا يَرْمِي يَوْمَ النَّحْرِ إِلَّا جَمْرَةَ العَقَبَةِ.

• قوله: "مَشَى إِلَيْهَا": كأنَّ إفرادَ الضَّميرِ بتأويل "مَشَى" إلى مَوْضِع الرَّمْي، والحديثُ مخصوصٌ بغير يوم النَّحْر إذ رَمْيُ الجِمار لا يتَحَقَّقُ إلا هُناك.

ص: 764

‌بَابُ مَا جَاءَ كيْفَ تُرْمَى الجِمَارُ

585 -

(901) - (3/ 236 - 237) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا المَسْعُودِيُّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللّهِ جَمْرَةَ العَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَجَعَلَ يَرْمِي الجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ:"وَاللّه الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مِنْ هَاهُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَة البَقَرَةِ".

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ المَسْعُودِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قَالَ: وفي البَابِ عَنْ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاس، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ يَخْتَارُونَ أَنْ يَرْمِيَ الرَّجُلُ مِنْ بَطْنِ الوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَرْمِيَ مِنْ بَطْنِ الوَادِي رَمَى مِنْ حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِ الوَادِي.

• قوله: "اسْتَبْطَنَ الوَادِيَ"؛ أي: طَلَبَ بطنَ الوَادِي ليَقُوْمَ به للرَّمْي.

• وقوله: "وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ": في روايةِ مسلمٍ "وَاسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ"

(1)

ويُرَجِّحُها أن ذلك أسهلُ، ويُرَجِّحُ روايةَ الكتاب أن استقبالَ القَبلةِ حالَ أداءِ العبادةِ أولى. واللّه تعالى أعلم.

586 -

(902) - (3/ 237) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ

(1)

في رواية مسلم، كتاب الحج، باب رمي الجمرة من بطن الوادي

: ح: 1296.

ص: 765

خَشْرَمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الجِمَارِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللّهِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللّهِ"؛ أي: في هذه المَحَالِّ عندَ هذه الأفعالِ.

ص: 766

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ طَرْدِ النَّاسِ عِنْدَ رَمْي الجِمَار

587 -

(903) - (3/ 238) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَ:"رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي الجِمَارَ عَلَى نَاقَةٍ لَيْسَ ضَرْبٌ، وَلا طَرْدٌ، وَلا إِلَيْكَ إِلَيْكَ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.

• قوله: "يَرْمِي الجِمَارَ": المرادُ بالجِمَار ههنا الأحْجارُ الصِّغَار التي يُرْمَى بِها، لا المواضعُ الَّتِي تُرْمَى؛ لأنَّ هذا كانَ يومَ العيدِ ولم يكُنْ فيه رَمْيُ الجَمَراتِ كُلِّها، وإنَّما كان فيه رَمْيُ جمرةِ العَقَبَةِ.

• قوله: "لَيْسَ ضَرْبٌ": هو اسمُ "لَيْسَ" وما بعدَه عطفٌ عليه، والخبر محذوفٌ، أي: لم يكن شيءٌ من هذه الأشْياءِ موجودًا ثَمَّ، فتكونُ مُحْدَثَةً فتكون مكروهةً كسائر المُحْدَثَات. و"إِلَيْكَ": اسمُ فِعْلٍ بمعنى: تَنَحَّ وابْتَعِدْ، يُفعل بينَ أيدي الأمراءِ كما يقال: الطَّريقَ.

ص: 767

‌بَابُ مَا جَاءَ في الاِشْتِرَاكِ في البَدَنَةِ وَالبَقَرَةِ

588 -

(904) - (3/ 239) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.

قَالَ: وفي البَابِ عَن ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: يَرَوْنَ الجَزُورَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ.

"وَالْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ": بفتحتين، هو الأشْهر، وبضَمٍّ، فسكونٍ، مفردُ البُدُن، أو - بضمتين - أريد بِها الوَاحِدَة من الإبل.

ص: 768

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي إشْعَارِ البُدْنِ

589 -

(906) - (3/ 240 - 241) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأعْرَجِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَلَّدَ نَعْلَيْنِ، وَأَشْعَرَ الهَدْيَ فِي الشِّقِّ الأيْمَنِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَمَاطَ عَنْهُ الدَّمَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو حَسَّانَ الأَعْرَجُ: اسْمُهُ مُسْلِمٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ الإِشْعَارَ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ حِينَ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: لا تَنْظُرُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي هَذَا، فَإِنَّ الإِشْعَارَ سُنَّةٌ، وَقَوْلُهُمْ بِدْعَةٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا السَّائِب يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ وَكيعٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الرَّأْي: أَشْعَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلَةٌ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّهُ قدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قال: الإِشْعَارُ مُثْلَةٌ، قال: فَرَأَيْتُ وَكِيعًا غَضِبَ غَضَبًا شَعدِيدًا، وَقَالَ: أَقُولُ لَكَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ، مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ، ثُمَّ لَا تَخْرُجَ حَتَّى تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِكَ هَذَا.

• قوله: "البُدْنَ": بضم فسكونٍ، أو بضَمَّتَيْن.

• قوله: "قَلَّدَ نَعْلَيْنِ، وَأَشْعَرَ الهَدْيَ": هو مفعولُ الفِعْلَيْن على التَّنَازُع

ص: 769

أي: قلَّد الهَدْيَ نَعْلَيْن وعلَّقَهُما في عُنُقِه وجَعَلَهما كالقِلادَةِ له. و"الشَّعرة": والإشْعَار أن يُشَقَّ أحدُ جَانِبَي سنَام البعير حتَّى يَسِيْلَ دمُها ليُعْرَفَ أنَّها هَدْيٌ، ولتَتَمَيَّز إنْ خَلَطَتْ، وعُرِفَتْ إذَا ضَلَّتْ، ويرتدع السُّرَاق عنها، ويأكُلُها الفقراءُ، وتُذْبَح حين تقربُ الهَلاكَ في الطَّريق، وليسَ بمُثْلَةٍ كالحِجَامة والفَصْدِ والخِتَان.

• وقول: "وَأَمَاطَ"؛ أي: أزَال عنه الدَّمَ.

• قوله: "قَوْل أَهْلِ الرَّأْي": أشار بِهذا إلى قولِ أبي حنيفةَ، قيل: عنده مكروهٌ، وقيل: بدعةٌ لأنَّه مُثْلَةٌ، لكن المُحَقِّقِيْنَ من أصحابِه حملوا قولَه على إشْعَار أهل زَمَانِه؛ لأنَّه رآهم يُبالغون في ذلك بحيثُ يُخَافُ منه هلاكُ البَدَنة بالسِّرَاية سَيِّمَا في حَرِّ الحِجَاز، وعلى هذا فالإشْعارُ المُقْتَصِد المُختارُ عنده من بابِ الاسْتِحْبَاب.

قلتُ: وهو المُوافقُ لما رُوِي عنه في تعليلِ الكَرَاهِيَّةِ أنَّه مُثْلَةٌ لظُهور أن مُجَرَّدَ الجرحِ لا يعَدُّ مُثْلَةً قَطُّ، وإلا لكانَ الحجامةُ والفَصْدُ مُثلةً ولا يرضى به عاقلٌ، بل المُثلةُ ما فيه تَغييرُ الصُّورةِ وذلك لا يظهرُ إلا في صورةِ المُبالَغةِ وهو المُناسبُ لقولِه:"أنَّه بِدْعَةٌ" لظُهور أن البدعةَ هي المُحْدَث في الدين، ومُجَرَّدُ الشَقِّ ليسَ كذلك إنَّما هو الشَقُّ على وَجْهِ المبالغةِ، فلعلَّ هذا هو مُرادُه بما قال. واللّه تعالى أعلم بحقيقةِ الحال.

ص: 770

‌بَابٌ

590 -

(907) - (3/ 242) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن اليَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اشْترى هَدْيَهُ مِنْ قُدَيْدٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْن اليَمَانِ، وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْترى هَدْيَهُ مِنْ قُدَيْدٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَهَذَا أَصَحُّ.

• قوله: "وَهَذَا أَصَحُّ"، أي: الوقوفُ أصَحُّ.

ص: 771

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْلِيدِ الهَدْي لِلْمُقِيمِ

591 -

(908) - (3/ 242 - 243) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ لَمْ يُحْرِمْ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِذَا قَلَّدَ الرَّجُلُ الهَدْيَ وَهُوَ يُرِيدُ الحَجَّ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الثِّيَابِ وَالطِّيبِ حَتَّى يُحْرِمَ.

وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا قَلَّدَ الرَّجُلُ هَدْيَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَى المُحْرِمِ.

• قوله: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ"؛ أي: فيمن قَلَّدَ مُرِيْدًا للحَجِّ أيضًا وإنْ كانَتِ الأحاديثُ فيمن لا يريدُ الحَجَّ، نَبَّهَ عليه المصنفُ في التَّرجمةِ حيث قال للمُقيم. فالحاصلُ: أنَّ بعضَ أهل العلم استعملَ الحديثَ عامًا للموْردِ أخرجه مالكٌ وغيره

(1)

، وخصَّه بعضُهم بالموردِ وهو الذي يُقَلِّدُ الهَدْي ويُهْدِي به إلى مَكَةَّ مع غيرِه، ويُقِيْم هو في بَلَدِه، والحديثُ مع التَّصريحِ بالمورد أخرجه مالكٌ في المُوطأ بسنده عن عمرةَ: "أنَّ زَيَّادًا كَتَبَ إلى عَائِشَةَ رضي الله عنها أن عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ مَنْ أهْدَى هَدْيًا إلَى مَكَّةَ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَإنِّي

(1)

راجع: سنن النسائي، كتاب مناسك الحج، باب هل يحرم إذا قلد، ح:2794.

ص: 772

فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُوْلِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُوْلُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أبِيْ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ صَلَّى اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلَّمَ شَيْءٌ أحَلَّهُ اللّهُ لَهُ"

(1)

.

(1)

راجع: موطأ الإمام مالك بن أنس، كتاب الحج، باب: ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي، ح:820.

ص: 773

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي تَقْلِيدِ الغَنَمِ

592 -

(909) - (3/ 243) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم كُلَّهَا غَنَمًا، ثُمَّ لَا يُحْرِمُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: يَرَوْنَ تَقْلِيدَ الغَنَمِ.

"كُلَّهَا": - بالنَّصب - تأكيدُ القَلائدِ، و - بالجر - تأكيدُ الهَدْي، و"غَنَمًا" حالٌ عن الهَدْي.

ص: 774

‌بَابُ مَا جَاءَ في رُكُوبِ البَدَنَةِ

593 -

(911) - (3/ 245) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ:"ارْكَبْهَا"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ: "ارْكَبْهَا وَيْحَكَ، أَوْ وَيْلَكَ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ وقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ فِي رُكُوبِ البَدَنَةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ظَهْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَرْكَبُ مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا.

• قوله: "أَوْ فِي الرَّابِعَةِ": "أو "للشَكِّ من بعضِ الرُّوَاة، والكَلِمتَان للدُّعاءِ بالهلاكِ، وقد لا يرادُ بِهما الحقيقةُ بل الزَّجرُ وهو المرادُ ههنا. واللّه تعالى أعلم.

ص: 775

‌بَابُ مَا جَاءَ بأَيِّ جَانِبِ الرَّأْسِ يَبْدَأُ في الحَلْقِ

594 -

(912) - (3/ 246) حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا رَمَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الجَمْرَةَ نَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاه أَبَا طَلْحَةَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ شِقَّهُ الأَيْسَرَ فَحَلَقَهُ، فَقَالَ:"أقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ".

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَه، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ.

• قوله: "نَحَرَ نُسُكَهُ": - بضَمَّتَيْن - جمعُ نَسِيْكَةٍ بمعنى الذَّبِيْحَة، أو مصدرُ نُسُكٍ إذا ذبح، فيُطلق على الواحدِ والكثيرِ، يُقال: نَسَكَ يَنْسُكُ نَسْكًا إذا ذَبَح، والنَّسِيْكةُ الذَّبَيْحةُ، وجمعها نُسُك، فقوله:"وَنَحَرَ نُسُكَهُ" يحتمل أنَّه جمعُ نَسِيكةٍ، ويحتمل أنَّه مصدرٌ فيطلقُ على الواحِد والكثيرِ.

ص: 776

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ

595 -

(913) - (3/ 247) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَلَقَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَحِمَ الله المُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ"، ثُمَّ قَالَ:"وَالمُقَصِّرِينَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاس، وَابْنِ أُمِّ الحُصَيْنِ، وَمَارِبَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي مَرْيَمَ، وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: يَخْتَارُونَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَإِنْ قَصَّرَ يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "حَلَّقَ": من التَّحليقِ والتَّقصير، فالأوَّلُ تمكينُ الحَالِق من أخْذِ تَمامِ الشُّعُور، والثَّاني من أخْذِ أطْرافِ الشُّعُور، ويمكنُ أن يكونَ "حَلَقَ" مُخَفَّفًا والأوَّلُ أنسبُ بلفظ الدُّعاء، والثاني هو المشهور روايةً. واللّه تعالى أعلم.

• قوله: "رَحِمَ اللّهُ المُحَلِّقِينَ"، أي: لاتِّبَاعِهم سُنَّةَ نَبِيِّهم صلى الله تعالى عليه وسلم.

ص: 777

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الحَلْق لِلنِّسَاءِ

596 -

(914) - (3/ 248) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْجُرَشِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَحْلِقَ المَرْأَةُ رَأْسَهَا".

• قوله: "نَهَى

" إلخ، لكَوْنِ ذلك كالمُثْلَةِ في حَقِّهِنَّ.

ص: 778

‌بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ، أَوْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ

597 -

(916) - (3/ 249) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فقال: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، وَسَأَلَهُ آخَرُ، فَقَالَ: نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ".

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاس، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا قَدَّمَ نُسُكًا قَبْلَ نُسُكٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ.

• قوله: "وَلَا حَرَجَ"؛ أي: عليكَ في ذلك، والجملةُ حالٌ؛ لأنَّه عطفُ الإخْبار على الإنْشاءِ.

• قوله: "فَعَلَيْهِ دَمٌ": وحملوا "لا حَرَجَ" على رَفْع الإثمِ وهو بعيدٌ إذ ظاهرُ نَفْي الجَرَج عمومُه لحرج الدُّنيا والآخِرة؛ لأنَّ "لا" لنَفْي الجِنْس وهو يقتضي عمومَ النَّفْي، وأيضًا لو كانَ عليه دمٌ، لبيَّنَه صلى الله تعالى عليه وسلم إذ تركُ البيانِ أو تأخيرُه عن وقتِ الحاجةِ لا يجوز في حَقِّه صلى الله عليه وسلم.

ص: 779

‌بَابُ مَا جَاءَ في الطِّيبِ عِنْدَ الإحْلَالِ قَبْلَ الزِّيَارَةِ

598 -

(917) - (3/ 250) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ يَعْنِي ابْنَ زَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ".

وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّ المُحْرِمَ إِذَا رَمَي جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ الَنَّحْرِ، وَذَبَحَ، وَحَلقَ أَوْ قَصَّرَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاء، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ:"حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاء وَالطِّيب". وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ: عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الكُوفَةِ.

• قوله: "أَهْلِ الكُوفَةِ": كأنَّه قولُ بعضٍ منهم، وإلا فمذهبُ الحَنَفِيَّةِ هو [مذهب]

(1)

أنَّه يَحِلُّ كلُّ شيءٍ إلا النِّساءُ فقط.

(1)

هكذا في المخطوط، وينبغي حذف هذه الكلمة. والله أعلم بالصواب.

ص: 780

‌بَابُ مَا جَاءَ مَتَى تُقْطَعُ التَّلْبِيَةُ فِي الحَجِّ

599 -

(918) - (3/ 251) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْن عَبَّاس، عَنْ الفَضْل بْن عَبَّاس قَالَ:"أَرْدَفَنِي رَسُول اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جَمْعٍ إِلى مِنًى فَلَمْ يَزَل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ".

وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ الفَضْلِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ الحَاجَّ لا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرْمِيَ الجَمْرَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "حَتَّى رَمَى"؛ أي: شَرَعَ فيه، أو فَرَغَ منه على اختلافِ المَذْهَبَيْنِ.

ص: 781

‌بَابُ مَا جَاءَ في طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِاللَّيْلِ

600 -

(920) - (3/ 253) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي أَنْ يُؤَخَّرَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَزُورَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَوَسَّعَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُؤَخَّرَ وَلَوْ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ مِنًى.

• قوله: "أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ

" إلخ، المعلومُ الثَّابتُ من فعلِه صلى الله تعالى عليه وسلَّم هو أنَّه قدَّم طوافَ الإفَاضَةِ - وهو طوافُ العَرْض - على اللَّيْل، فلعلَّ المرادَ بِهذا الحديثِ أنَّه رَخَّصَ في تأخِيْره إلى اللَّيْل، أو المرادُ بطَوافِ الزِّيَارَة غيرُ طَوافِ الإفَاضَة، أي: أنَّه كانَ يَقصد زيارةَ البيتِ أيَّام مِنى بعدَ طوافِ تلك الزِّيارةِ إلي اللَّيل بتأخير تلك الزَّيارة إلى اللَّيل ولا يذهبُ. لمَكَّةَ لأجل تلك الزَّيارة في النَّهار بعدَ العصر مثلًا.

ص: 782

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي نُزُولِ الأَبْطَحِ

601 -

(921) - (3/ 253 - 254) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، يَنْزِلُونَ الأَبْطَحَ.

قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَابْنِ عَبَّاس. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْد الرَّزَّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْن عُمَرَ.

وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ نُزُولَ الأَبْطَحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا ذَلِكَ وَاجبًا إِلَّا مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَنُزُولُ الأَبْطَحِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا

" إلخ؛ أي: فلا يفعلُ إلا مَنْ أحَبَّ.

• قوله: "لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ"؛ أي: أمور الحَجِّ.

602 -

(922) - (3/ 254) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو بْن دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس قَالَ:"لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: التَّحْصِيبُ نُزُولُ الأَبْطَحِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "نَزَلَهُ"؛ أي: اتِّفَاقًا من غير قَصْدٍ له للنُّسُك.

• قوله: "التَّحْصِيبُ"؛ أي: النُّزُول بالمُحَصَّب وهو الأبْطَح.

ص: 783

‌بَابٌ آخَرَ

(1)

603 -

(923) - (3/ 255) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الأَبْطَحَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ نَحْوَه.

• قوله: "أَسْمَحَ"، أي: أسْهَلُ.

(1)

في نسخة أحمد شاكر للترمذي: بَابُ مَنْ نَزَلَ الأَبْطَحَ.

ص: 784

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ

604 -

(924) - (3/ 255 - 256) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ قَالَ: رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ:"نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ".

قَالَ: وَفِي البَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

• قوله: "وَلَكِ أَجْرٌ": قال النَّووي: معناه بسبب حَمْلِها، وبِتَجْنِيْبِها إيَّاه مَا يَتَجَنَّبُه المُحْرِمُ، وفعل ما يفعله المُحْرِمُ

(1)

.

(1)

راجع: صحيح مسلم بشرح النووي: 9/ 100.

ص: 785

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الحَجِّ عَنِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ [وَالمَيِّتِ]

605 -

(928) - (3/ 258 - 259) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكتْهُ فَرِيضَةُ اللّهِ فِي الحَجِّ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ البَعِيرِ، قَالَ:"حُجِّي عَنْهُ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ عَلِيٍّ، وَبُرَيْدَةَ، وَحُصَيْنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ، وَسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضًا، عَنْ سِنَانِ بْنٍ عَبْدِ اللهِ الجُهَنِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَقَالَ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ الفَضْلِ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَوَى هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَرْسَلَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا البَابِ غَيْرُ حَدِيثٍ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ يَرَوْنَ أَنْ

ص: 786

يُحَجَّ عَنِ المَيِّتِ. وقَالَ مَالِكٌ: إِذَا أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ.

وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُحَجَّ عَنِ الحَيِّ إِذَا كَانَ كَبِيرًا أَوْ بِحَالٍ لا يَقْدِرُ أَنْ يَحُجَّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ.

• قوله: "خَثْعَم": - بفتح، فسكون، ففتح - غيرُ منصرفٍ للعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفعلِ.

• قوله: "قَالَ: حُجِّي عَنْهُ": ظاهرُ الحديثِ وأمثالُه يقتضي أنَّ افتراضَ الحَجِّ يُشْتَرطُ له القدرةُ على السَّفَر وهو يريدُ أن الاسْتِطَاعةَ المُعْتبرةَ في افتراضِ الحَجِّ ليسَ بالبُدُن وإنَّما هي بالزَّادِ والرَّاحِلَةِ. واللّه تعالى أعلم.

• قوله: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا"، أي: في جَواز الحَجِّ عن الغَير وإن كانَ ظاهرًا يفيدُ جوازَه عن الحَيِّ وهم يقولون بالجَواز في المَيِّتِ كما ذكره المصنف بقوله: "يَرَوْنَ الحَجَّ عَنِ المَيِّتِ".

ص: 787

‌بَابٌ مِنْهُ

606 -

(930) - (3/ 260 - 261) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، وَلا العُمْرَةَ، وَلا الظَّعْنَ، قَالَ:"حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ العُمْرَة عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ.

وَأَبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ: اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ.

• قوله: "وَلا الظَّعْنَ": الظَّعنُ - بفتح مُعجمةٍ، فمُهملةٌ، أو سكونِ مهملةٍ - لغتان: الرَّاحلة، أي: لا يقْوى على السَّيْر ولا على الرُّكُوب من كِبْرِ السِّنِّ. وقال الإمام أحمد: لا أعلم في إيْجَاب العُمْرةِ حديثًا أجودَ من هذا ولا أصَحَّ منه، ذكره السيوطي في حاشية النسائي

(1)

. ومتقضى الجمعِ بينَ هذا الحديثِ، وحديثِ البابِ الآتي أن يُحْمَلَ الأمرُ فيه على النُّدب.

(1)

راجع: سنن النسائي بشرح السيوطي: 5/ 118.

ص: 788

‌بَابُ مَا جَاءَ في العُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ أَمْ لَا؟

607 -

(931) - (3/ 261 - 262) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ الحَجَّاجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ العُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ:"لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: العُمْرَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَكَانَ يُقَالُ: هُمَا حَجَّانِ الحَجُّ الأَكْبَرُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَالحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرَةُ.

وقَالَ الشَّافِعِيُّ: العُمْرَةُ سُنَّةٌ لا نَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ثَابتٌ بأَنَّهَا تَطَوُّعٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَا تَقُومُ بِمِثلِهِ الحُجَّةُ، وَقدْ بَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُهَا. قَالَ أبُوْ عِيْسَى:"كُلُّهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ".

• قوله: "وَأَنْ تَعْتَمِرُوا

" إلخ، بفتح همزةِ "أن" وهو من قبيل {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} .

ص: 789

‌بَابٌ مِنْهُ

608 -

(932) - (3/ 262 - 263) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"دَخَلَتِ العُمْرَة فِي الحَجِّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاس حَدِيث حَسَنٌ.

وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: أَنْ لا بَأْسَ بِالعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لا يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ رَخَّصَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:"دَخَلَتِ العُمْرَة فِي الحَجِّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"، يَعْنِي: لا بَأْسَ بِالعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَأَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْر مِنْ ذِي الحِجَّةِ، لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَأَشْهُرُ الحُرُمِ: رَجَعث، وَذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، هَكَذا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ.

• قوله: "وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ"؛ أي: سببُ، ورُوْدِه وهذا كما يقالُ: عِلَّةُ النَّص معناه، فيقال: العِبْرة للنَّص لا لمعناه.

ص: 790

‌بَابُ مَا ذُكِرَ فِي فَضْل العُمْرَةِ

609 -

(933) - (3/ 263) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

= قوله: "العُمْرَة إِلَى العُمْرَةِ": قال ابنُ التِّين: يحتملُ أَنْ تكونَ إلى بمعنى "مع" أي: العمرة مع العمرةِ. و"مَا بَيْنَهُمَا": مُتَعَلِّقَة بقوله: "تُكَفِّرُ

" إلخ، خَصَّه ابنُ عَبْد البَّرِ بالصَّغائر، وتَعَقَّبَ بأَنَّ اجتنابَ الكبائر مُكَفِّرٌ لقوله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ}

(1)

الآية. فماذا تُكَفِّرُ العمرةُ؟

قلتُ: وليسَ بشيءٍ لأَنَّ الذي لا يجتنبُ الكبائرَ فصغائرُه تُكفِّرُها العمرةُ، ومَنْ ليسَ له صغيرةٌ أو صغائر مكَفَّرَةٌ بسبب آخَر فالعمرةُ فضيلةٌ.

• وقوله: "والْحَجُّ المَبْرُوْرُ"؛ أي: الذي لا يخَالِطُه إثمٌ، من "البِرِّ": وهو الطَّاعةُ.

• وقوله: "إِلَّا الجَنَّةُ"؛ أي: لا يقتصرُ لصَاحبه من الجَزَاء على تَكْفِير بعضِ ذُنُوبِه، بل لا بُدّ أَن يدخل الجَنَّةَ.

(1)

النساء: 31.

ص: 791

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي العُمْرَةِ مِنَ التَّنْعِيمِ

610 -

(934) - (3/ 264) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "أَنْ يُعْمِرَ": من الإعْمَارِ.

ص: 792

‌بَابُ مَا جَاءَ في العُمْرَةِ مِنَ الجعِرَّانَةِ

611 -

(935) - (3/ 264 - 265) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ مُحَرِّشٍ الكَعْبِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنَ الجِعِرَّانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا، فَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ بِالجِعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنَ الغَدِ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ سَرِفَ، حَتَّى جَاءَ مَعَ الطَّرِيقِ طَرِيقِ جَمْعٍ بِبَطْنِ سَرِفَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَفِيَتْ عُمْرتُهُ عَلَى النَّاسِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيث حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلا نَعْرِفُ لِمُحَرِّشٍ الكَعْبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ. وَيُقَالُ: جَاءَ مَعَ الطَّرِيْقِ مَوْصُولٌ.

• قوله: "الجِعِرَّانَةِ": بكسر، فسكون، وتخفيفٍ راءٍ، أو بكسرتين مع تشديد راءٍ.

• قوله: "كَبَائِتٍ"؛ أي: كأنَّه باتَ بالجِعِرَّانَة ليلًا وما خَرج منها.

ص: 793

‌بَابُ مَا جَاءَ في عُمْرَةِ رَجَبٍ

612 -

(936) - (3/ 265 - 266) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: فِي أي: شَهْرٍ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: "فِي رَجَبٍ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ - تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - وَمَا اعْتَمَرَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ قَطُّ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.

• قوله: "إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ": كأنَّه كنايةٌ عن نِسْيَانِه.

613 -

(937) - (3/ 266) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَمَرَ أَرْبَعًا إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

• قول: "اعْتَمَرَ أَرْبَعًا

" إلخع، قد ثبت عن عائشةَ رضي الله عنها رَدُّ هذا القولِ، وقد صوَّبَ النَّاسُ عائشةَ في الردِّ. واللّه تعالى أعلم.

ص: 794

‌بَابُ مَا جَاءَ في عُمْرَةِ رَمَضَانَ

614 -

(939) - (3/ 267 - 268) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ أُمِّ مَعْقِلٍ، عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً".

وَفِي البَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَوَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَيُقَالُ: هَرِمُ بْنُ خَنْبَشٍ. قَالَ: بَيَانٌ، وَجَابِرٌ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ، وقَالَ دَاوُدُ الأوْدِيُّ: عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ هَرِمٍ بن خَنْبَشٍ، وَوَهْبٌ أَصَحُّ، وَحَدِيثُ أُمِّ مَعْقِلٍ حَدِيث حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.

وقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "أَنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً". قَالَ إِسْحَاقُ: مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ مِثْلُ مَا رُوِيَ عَن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "مَنْ قرَأ: قل هُوَ اللّهُ أحَدٌ فقدْ قرَأ ثُلُثَ القرْآنِ".

• قوله: "مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ": كأنَّه أرادَ أنَّه كنايةٌ عن تَعْظيمِ أجْرِها وتَوْفِير فَضْلِها ولم يُرِدْ حقيقةَ المُسَاوَاةِ، أو المرادُ أنَّها تعدِلُ الحَجَّةَ، أي: تُسَاوِيها ثوابًا بغير تَضْعيفٍ. والله تعالى أعلم.

ص: 795

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُهلُّ بِالحَجِّ فَيُكْسَرُ أَوْ يَعْرَجُ

615 -

(940) - (3/ 268 - 269) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى"، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالا: صَدَقَ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الأَنصَارِيُّ، عَنِ الحَجَّاجِ مِثْلَهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ. هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ الحَجَّاجِ الصَّوَّافِ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ رَافِعٍ. عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الحَدِيثَ، وَحَجَّاجٌ الصَّوَّافُ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ رَافِعٍ، وَحَجَّاج ثِقَةٌ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رِوَايَةُ مَعْمَرٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْن سَلَّامٍ أَصَحُّ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبرنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَه.

• قوله: "مَنْ كُسِرَ

" إلخ، على بناءِ المفعول. و"عَرِجَ": - بكسر الرَّاء

ص: 796

- على بناءِ الفاعل؛ أي: مَنْ أحْرَمَ ثُمَّ حدثَ له بعدَ الإحْرام مانعٌ من المُضِيِّ على مقتضى الإحْرَام غيرَ حِصَارِ العَدُوِّ بأنْ كُسِرَتْ رِجلُ أحدٍ أو صارَ أعرجَ من غير صُنعٍ من أحدٍ يجوزُ له أن يَتْرُك الإحرامَ ولم يُشتَرط التَّحَلُّلَ، وقَيَّدَه بعضُهم بالاشتراطِ.

ومن يرى أنَّه من بابِ الإحْصَارِ لعلَّه، يقول أنَّ معنى "حَلَّ" كانَ له أن يَحِلَّ قبل أن يصلَ إلى النُّسُكِ بأنْ يبعثَ الهَدْيَ مع أحدٍ ويُوَاعِدَه يومًا بِعَيْنِه يذبَحُها فيه في الحرم فيحل بعدَ الذَّبْح.

ص: 797

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الاشْتِرَاطِ في الحَجِّ

616 -

(942) - (3/ 268 - 269) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ المُبَارَكِ، أخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الحَجِّ، وَيَقُولُ:"أَليْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيَكُمْ صلى الله عليه وسلم".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

• قوله: "سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم"، أي: ما سَنَّه صلى الله عليه وسلم في الإحْصَارِ وكأنَّه ما بَلَغَه حديثُ الاشتراطِ وإلا فهو كما سَنَّ ذلك فعلًا سَنَّ الاشتراطَ قولًا.

ص: 798

‌بَابُ مَا جَاء في المَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإفَاضَةِ

617 -

(943) - (3/ 271) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشة، أَنَّهَا قالتْ: ذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيٍّ حَاضَتْ فِي أَيَّامِ مِنًى، فَقَالَ:"أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "، قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم:"فَلَا إِذًا".

قَالَ: وفي البَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا طَافَتْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ثُمَّ حَاضَتْ، فَإِنَّهَا تَنْفِرُ وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ قَول الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.

• قوله: "بِنْتَ حُيَيٍّ": بضم، ففتح، ثم مشدَّدة.

• قوله: "فَقَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ"، أي: أهِيَ ما طَافَتْ طوافَ الإفَاضَة ليَلْزَمَ أنْ نُقِيْمَ لأجَلِها حتَّى تَطُوْفَ بعدَ الفَراغ عن الحَيْض.

• وقوله: "فَلَا إِذًا"؛ أي: فإذًا لا تحْبِسنا لأنَّه يجوزُ لها تركُ طوافِ الصَّدْر للعذر.

618 -

(944) - (3/ 271 - 272) حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"مَنْ حَجَّ البَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ إِلَّا الحُيَّضَ، وَرَخَّصَ لَهُنَّ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا

ص: 799

عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.

• قوله: "فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ": يحتملُ أنْ يُرَادَ بالعَهْد: النُّسُك، أو الكَوْن بمَكَّةَ، ويؤيِّدُ الأوَّلَ روايةُ الشَّافعي في مسنده حيث زادَ فيها: فإنَّ آخر النُّسُكِ الطَّوافُ بالبيتِ

(1)

.

• وقوله: "بِالبَيْتِ": على تقدير المُضافِ؛ أي: طوافُ البيتِ بقرينة الزِّيادَةِ المَذْكُورةِ في مسندِ الشافعيِّ، ولأنَّ الذي يَتَعَلَّقُ بالبيتِ بالمَناسِك هو الطَّوافُ، فهو المَتَبادَر من هذا الكلام، والمعنى فليَكُنْ ختمُ نُسُكِه بطوافِ البيتِ، أو فليكن ختمُ الكَوْنِ بمكَّةَ بطوافِ البيتِ، وعلى الأوَّل يلزمُ أنْ يكونَ طوافُ الوَدَاع آخرَ النُّسُكِ، وعلى الثَّانِي يَلْزَمُ أنْ يكونَ عنه الخروجُ من مَكَّةَ، ويقتضي المعنى الأوَّلُ أنْ يكونَ طوافُ الوَدَاع واجبًا على المَكِّيِّ أيضًا لعُموم الحديثِ له على المعنى الأوَّل؛ فإنَّه داخل في عمومِ مَنْ حَجَّ البيتَ ولا مخرجَ له فيما بعد، وكأنَّه لهذا قال أبو يوسفَ من علماءِنا أحِبُّ أنْ يطوفَ المَكِّيُّ طوافَ الصَّدْر؛ لأنَّه وُضِعَ لخَتْم أفعالِ الحَجِّ. والله تعالى أعلم.

• قوله: "إِلَّا الحُيَّضَ": - بضَمِّ الحاءِ، وتشديدِ الياء المفتوحةِ - جمعُ حائضٍ.

• قوله: "رَخَّصَ لَهُنَّ"؛ أي: فِي تَرْكِ طوافِ الصَّدْر.

(1)

راجع مسند الإمام الشافعي: 1/ 363.

ص: 800

‌بَابُ مَا جَاءَ مَا تَقْضِى الحَائِضُ مِنَ المَنَاسِكِ

619 -

(945) - (3/ 272) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الجُعْفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حِضْتُ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقْضِيَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَا خَلا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أيضًا.

• قوله: "أَنْ أَقْضِيَ الْمَنَاسِكَ كلَّهَا إلَا الطَّوَافَ

" إلخ، ظاهرُه يَقْتَضِي أن لهَا السَّعْيَ قبلَ الطَّوافِ والمشهورُ، خلافَه، فكأنَّ المرادَ بالطَّوَافِ هو وما يَتَّبِعُه والسَّعْىُ من توابعه، وعدمُ جوازِه ليس لأنَّ الحيضَ مانعٌ عنه، وإنَّما هو لأنَّ تقديمَه على الطَّوافِ يُخِلُّ بالتَّبْعِيَّةِ. واللّه تعالى أعلم.

ص: 801

‌بَابُ [مَا جَاءَ] مَنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بالبَيْتِ

620 -

(946) - (3/ 274 - 273) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ، حَدَّتنَا المُحَارِبِيُّ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَلْمَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ الحَارِثِ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ"، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: خَرِرْتَ مِنْ يَدَيْكَ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ تُخْبِرْنَا بِهِ.

قَالَ: وفي البَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَوْسٍ حَدِيث غَرِيبٌ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أرْطَاةَ مِثْلَ هَذَا، وَقَدْ خُولفَ الحَجَّاجُ فِي بَعْضِ هَذَا الإِسْنَادِ.

• قوله: "خَرِرْتَ": - بكَسْر الرَّاء - أي: سَقَطْتَّ من أجل مكروهٍ يُصِيْبُ يَدَيْك من قَطْعٍ أو وَجْعٍ، أو سقطتَّ إلى الأرض من سبب يَدَيْك، أي: من جِنَايَتِهما، وقيل: كنايةٌ عن الخَجَل، يقال خَرِرْتُ عن يدي، أي: خَجِلْتُ، والأظهرُ أنَّه دُعاءٌ عليه وليس المقصودُ حقيقةً، إنَّما المقصودُ نسبةُ الخَطأ إليه في تأخير التَّبليغِ كأنَّه بذلك اسْتَحَقَّ أنْ يُدْعَى عليه يِهذا الدُّعَاء.

ص: 802

‌بَابُ مَا جَاء أَنَّ القَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا

621 -

(947) - (3/ 274) حَدَّثنَا ابْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَنَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا.

قَالَ: وفي البَاب عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. قَالُوا: القَارِنُ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: يَطُوفُ طَوَافَيْنِ، وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، وَهُوَ قَول الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ.

• قوله: "طَوَافًا وَاحِدًا"، أي: حينَ دخلَ وإنْ كان طافَ طوافَ الإفَاضَة للحَجِّ يومَ النَّحْر أيضًا وهذا هو المرادُ في حديث "أجْزَأه طَوَافٌ وَاحِدٌ"

(1)

.

(1)

راجع الحديث الذي يلي هذا الحديث في سنن الترمذي.

ص: 803

‌بَابُ مَا جَاءَ أَنْ يَمْكُثَ المُهَاجِرُ بمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدْرِ [ثَلَاثًا]

622 -

(949) - (3/ 275 - 276) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، سَمِعَ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ يَعْنِي مَرْفُوعًا، قَالَ:"يَمْكُثُ المُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ بِمَكَّةَ ثَلاثًا".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مَرْفُوعًا.

• قوله: "يَمْكُثُ المُهَاجِر

" إلخ، أي: يَجوزُ له مَكْثُ هذه المُدَّة لقَضَاء حَوائِجِه وليس له أزيدَ منه؛ لأنَّها بلدةٌ تَرَكَها لِله فلا يُقيْمُ فيها أكثرَ من هذه المُدَّةِ لأنَّه يَشْبَهُ العودَ إلى ما تركه لِله تعالى.

ص: 804

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المُحْرِمِ يَمُوتُ فِي إحْرَامِهِ

623 -

(951) - (3/ 277) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَجُلا قَدْ سَقَطَ مِنْ بَعِيرِهِ فَوُقِصَ فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم:"اغْسِلُوه بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكفِّنُوه فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُهِلُّ أَوْ يُلَبِّي".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَول سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا مَاتَ المُحْرِمُ انْقَطَعَ إِحْرَامُهُ وَيُصْنَعُ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِغَيْرِ المُحْرِمِ.

• قوله: "وَيُصْنَعُ بِهِ

" إلخ، ويُحْمَلُ هذا الحديثُ على أنَّه مخصوصٌ بذلك المُحْرَم.

ص: 805

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المُحْرِمِ يَشْتكِى عَيْنَهُ فَيَضْمِدُهَا بالصَّبر

624 -

(952) - (3/ 278) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ، عَنْ أَيُّوبَ بن مُوسَى، عن نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بنَ عُبَيْدِ اللّهِ بْن مَعْمَرٍ اشْتَكَى عَيْنَيْهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَسَأَل أَبَانَ بْنَ عُثمَانَ، فقال: اضمِدْهُمَا بالصَّبِرِ، فَإِنِّي سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: لا يَرَوْنَ بَأْسًا أَنْ يَتَدَاوَى المُحْرِمُ بِدَوَاءٍ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ.

• قوله: "اضْمِدْهُمَا": - بكسر الميم - أي: لَطِّخْهُمَا.

ص: 806

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي المُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَهُ فِي إحْرَامِهِ مَا عَلَيْهِ

625 -

(953) - (3/ 279) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَحُمَيْدٍ الأعْرَجِ، وَعَبْدِ الكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِهِ وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالقَمْلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ:"أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟ "، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ:"احْلِقْ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ". - وَالفَرَقُ: ثَلَاثَةُ آصُعٍ - أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً". قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: أَوْ اذْبَحْ شَاةً.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ المُحْرِمَ إِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ، أَوْ لَبِسَ مِنَ الثِّيَابِ مَا لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْبَسَ فِي إِحْرَامِهِ، أَوْ تَطيَّبَ فَعَلَيْهِ الكَفَّارَة بِمِثْلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

• قوله: "وَالفَرَقُ": بفتح الرَّاء، وسكونِها.

• قوله: "النَسِيكَة": الذَّبِيْحَةُ، أي: اذبَحْ ذبيحةً.

ص: 807

‌بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا

626 -

(955) - (3/ 280 - 281) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْن عَلِيٍّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي البَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لِرِعَاءِ الإِبلِ فِي البَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْن بَعْدَ يَوْم النَّحْرِ فيَرْمُونهُ فِي أحَدِهِمَا. قال مَالِكٌ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قال: فِي الأوَّلِ مِنْهُمَا ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ.

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَهَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.

• قوله: "البَيْتُوتَة"، أي: في البَيْتُوْتَةِ خارجَ مِنَى، أو في تركِ البيتوتةِ في مِنَى.

• وقوله: "أَنْ يَرْمُوا": ويمكنُ أنْ يكونَ معنى "في البَيْتُوْتَةِ"، أي: في أيَّام البيتوتةِ، بمعنى رَخَّصَ لهم في "أنْ يَرْمُوْا

" إلخ.

ص: 808

[بابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْن]

627 -

(959) - (3/ 283) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّكَ تُزَاحِمُ عَلَى الرُّكنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُزَاحِمُ عَلَيْهِ، ققَالَ: إِنْ أَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"إِنَّ مَسْحَهُمَا كفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا" وَسَمِعْتُهُ، يَقُولُ:"مَنْ طَافَ بِهَذَا البَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاه كَانَ كعِتْقِ رَقَبَةٍ" وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لا يَضَعُ قَدَمًا وَلا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنةً".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَه وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

• قوله: "فَأَحْصَاه"، أي: حَفِظَ عن الخَلَل بمُرَاعَاةِ الأدَب، أو عن الرِّيَاء أو لم يَسْهُو فيه بزيادَةٍ أو نَقْصٍ.

ص: 809

‌بَابُ [مَا جَاءَ فِي الكَلَامِ فِي الطَّوَافِ]

628 -

(960) - (3/ 284) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاؤوْسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ، إِلَّا أنَّكُمْ تَتكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا تتكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ".

قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ، عَنْ ابْنِ طَاؤوْسٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ طَاؤوْسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَلا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَديثِ عَطَاء بْنِ السَّائِبِ.

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لا يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِي الطَّوَافِ إِلَّا لِحَاجَةٍ، أَوْ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ مِنَ العِلْمِ.

• قوله: "إِلَّا أَنَّكُمْ تَتكَلَّمُونَ فيهِ"، أي: يجوزُ لكم التَّكَلُّم فيه.

ص: 810