الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية أصول الدين
قسم القرآن وعلومه
استنباطات الشوكاني في تفسيره "فتح القدير"
جمعاً ودراسة
رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه
إعداد الطالبة
خلود شاكر فهيد العبدلي
إشراف
د. يوسف بن عبد العزيز الشبل
الأستاذ المشارك بقسم القرآن وعلومه
العام الجامعي: 1434/ 1435 هـ
المقدمة
وتتضمن:
• أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره.
• أهداف البحث.
• حدود البحث.
• الدراسات السابقة.
• خطة البحث.
• منهج البحث.
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد.
فإن الاستنباط من القرآن الكريم علم جليل من علوم القرآن، وهو ثمرة لفهم كلام الله تعالى وتدبره.
وفي المعاني المتوصل إليها بالاستنباط هدايات قرآنية عقدية، وفقهية، وأصولية، وتربوية ينتفع بها الناظر إليها والعامل بها.
وقد ظهر هذا العلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكان للصحابة الكرام رضي الله عنهم استنباطات دقيقة من القرآن الكريم. وكذا كان لمن جاء من بعدهم من التابعين وتابعيهم رضي الله عنهم.
واستمرت عناية العلماء بالاستنباط من القرآن فظهرت في تآليفهم المختلفة عموما، وفي تفاسير القرآن خصوصا، فالمتأمل في كتب التفسير يقف على استنباطات كثيرة عند المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين كلٌ بحسب ما يفتح الله عليه.
قال ابن العربي
(1)
- عن المعاني المستنبطة -: (أن تستدلَّ من مدلول اللفظ على نظير المعنى، وهذا بابٌ جرى في كتب التفسير كثيراً)
(2)
.
وقال الشوكاني: (فإن المعاني المأخوذة من كتاب الله سبحانه كثير العدد، يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده، وقدر ملكته في العلوم) إلى أن قال: (فإن القرآن جميعه حتى قصصه، وأمثاله لا يخلو من فوائد متعلقة بالأحكام الشرعية، ولطائف لا يأتي الحصر عليها، لها مدخل في الدين)
(3)
.
وإن جمع مواضع الاستنباط من القرآن عند أحد المفسرين ممن كان ذا شهرة كبيرة، ومكانة عالية بين علماء التفسير وأصول الفقه فيه إبراز لهذا العلم من علوم القرآن من وجه، كما فيه بيان لبراعة المفسر من وجه آخر؛ لذا عقدت العزم - متوكلة على الله مستعينة به- على اختيار موضوع: استنباطات الشوكاني في تفسيره "فتح القدير" جمعاً ودراسة
(1)
الحافظ أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد ابن العربي، المعافري، الأندلسي، كان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، مقدماً في المعارف كلها، له تصانيف كثيرة حسنة منها:"أحكام القرآن" وغير ذلك، مات في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ج 1/ ص 105، 106، وطبقات المفسرين للداودي ج 2/ ص 162 - 166.
(2)
قانون التأويل ص 526.
(3)
أدب الطلب ص 200، 201.
أهمية الموضوع:
1 -
القيمة العلمية لهذا الموضوع لتعلقه بعلم الاستنباط الذي هو علم من علوم القرآن وثمرة تدبر كلام الله تعالى.
2 -
شهرة الشوكاني رحمه الله ومكانته بين العلماء، فهو مفسر فقيه أصولي، له (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)، وهذا مما يزيد من أهمية استنباطاته؛ لارتباط الاستنباط بأصول الفقه.
3 -
مكانة تفسير الشوكاني رحمه الله بين كتب التفسير، فقد أودع فيه مؤلفه دررا حقيق بطالب علم التفسير الإفادة منها.
4 -
في دراسة استنباطات الشوكاني رحمه الله تأصيل قرآني لها، وهذا مما لا تخفى أهميته.
5 -
البحث في هذا الموضوع يستلزم الاطلاع بتوسع على عدد من العلوم الشرعية المتعلقة بأنواع الاستنباط المختلفة العقدية، والفقهية، والأصولية، والاستنباطات في علوم القرآن.
6 -
تتيح دراسة استنباطات الشوكاني رحمه الله وموازنتها باستنباطات المفسرين التعرف على مناهج وطرق العلماء في الاستنباط، وتسهم في بناء شخصية الباحث في هذا العلم من علوم القرآن.
أسباب اختيار الموضوع:
1 -
أهميته السابق ذكرها وهذه الأهمية من أهم أسباب اختيار الموضوع.
2 -
أن في بحث هذا الموضوع ودراسته تدبراً لكتاب الله.
3 -
الإسهام في إثراء المكتبة القرآنية بكتاب مستقل يضم كل ما يتعلق بالاستنباط عند الشوكاني رحمه الله في تفسيره.
أهداف البحث:
1 -
جمع ودراسة استنباطات الشوكاني من القرآن الكريم من خلال تفسيره.
2 -
دراسة منهج الشوكاني في الاستنباط.
3 -
…
إبراز هذا العلم من علوم القرآن من وجه، وإبراز براعة المفسر فيه من وجه آخر.
حدود البحث:
جمع ودراسة استنباطات الشوكاني من خلال تفسيره "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير".
وبتتبع استنباطات الشوكاني في تفسيره وقفت على مائتين وتسعة عشر استنباطا.
والمراد بالاستنباط استخراج ما خفي من النص بإحدى الدلالات كدلالة الالتزام، أو النص ونحو ذلك، فلا يدخل في البحث ما دل عليه النص دلالة ظاهرة.
الدراسات السابقة:
بعد البحث والسؤال في الأقسام المتخصصة بالجامعات السعودية، والمراكز العلمية تبين لي أن موضوع الاستنباط عند الشوكاني لم تسبق دراسته.
إلا أن هناك دراسات عنيت بدراسة الاستنباط عند عدد من المفسرين غير الشوكاني. وهناك دراسات أخرى عنيت بتفسير الشوكاني دون إفراد استنباطاته بالبحث، وسيأتي بيانها.
فأما دراسة موضوع الاستنباط عند المفسرين فقد سجل في رسائل علمية نوقش بعض منها، وبعضها لا يزال قيد الإعداد.
1 -
الاستنباط عند الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسيره "المحرر الوجيز" دراسة نظرية تطبيقية، عواطف البساطي، إشراف: أ. د: أمين باشا، دكتوراه، جامعة أم القرى، 1430 هـ. (نوقشت).
2 -
استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة، سيف الحارثي، إشراف: أ. د: أحمد سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1430 هـ. (نوقشت).
3 -
الاستنباط قواعده وتطبيقاته عند ابن العربي المالكي في تفسيره (أحكام القرآن)، إيمان أسيد أركوبي، إشراف: د. ناصر بن محمد المنيع، ماجستير، جامعة الملك سعود، 1430 هـ. (نوقشت).
4 -
مجموعة رسائل في جامعة أم القرى: رسائل ماجستير في: الاستنباط عند البغوي، ومحمد الأمين الشنقيطي، وابن عثيمين. ورسائل دكتوراه في: الاستنباط عند القصاب، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن عاشور، والقاسمي، ورسالة الاستنباط عند محمد أبي زهرة (نوقشت).
5 -
مجموعة رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: رسائل دكتوراه عن: استنباطات ابن جزي في تفسيره (نوقشت)، واستنباطات الشربيني، واستنباطات ابن كثير، ورسالتا ماجستير إحداهما في استنباطات السمعاني، والثانية في استنباطات الدوسري.
وجميع الرسائل السابقة -كما هو ظاهر- تبحث في استنباطات عدد من المفسرين غير الشوكاني.
وأما الدراسات التي عنيت بتفسير الشوكاني، فمدارها حول بيان منهج الشوكاني في تفسيره، وتحقيق القراءات في تفسيره، وجمع اختياراته، وبيان الدخيل، إضافة إلى جمع علوم القرآن عنده. وتفصيلها على النحو التالي:
1 -
"الإمام الشوكاني مفسرا"، محمد حسن الغماري، إشراف: أ. د. السيد أحمد صقر، دكتوراه، جامعة أم القرى، 1400 هـ.
وهي رسالة في التعريف بالشوكاني، وبيان منهجه في التفسير.
2 -
الإمام الشوكاني وإيراده للقراءات في تفسيره، أحمد عبدالله المقري، إشراف: عبد القادر شيبة الحمد، ماجستير، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1405 هـ.
وهي رسالة في تحقيق القراءات الَّتي تعرض لها الشوكاني في تفسيره، من حيث بيان المتواتر منها والشاذ، وليس فيها شيء عن استنباطات الشوكاني في تفسيره التي هي مقصود بحثي هذا.
3 -
اختيارات الإمام الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول الكتاب إلى نهاية سورة الإسراء تحقيق ودراسة، علي بن حميد السناني، إشراف: أ. د. محمد بن بكر عابد، دكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1419 هـ.
4 -
اختيارات الإمام الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول سورة الكهف إلى آخر سوره الناس عرض ودراسة، فايز حبيب الترجمي، إشراف: د. عبد الله بن عمر الشنقيطي، دكتوراه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1420 هـ.
وهما رسالتان في جمع اختيارات الشوكاني وترجيحاته في التفسير مع دراستها.
5 -
الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني من أول فاتحة الكتاب إلى الآية 141 من سوره البقرة، لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، أ. د. عبدالغفور محمود مصطفى، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، 1415 هـ.
6 -
الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني من الآية 142 من سوره البقرة إلى نهاية السورة، منيرة عبدالله بن صالح الحبيب، أ. د. هاشم عبدالفتاح جودة، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، 1415 هـ.
7 -
الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني تحقيق ودراسة من أول سوره آل عمران إلى قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) من الآيه 92 من سوره آل عمران، فاطمة سليمان بن سعد العكوز، إشراف: د. لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، ماجستير، كلية الآداب للبنات بالرياض، 1420 هـ.
8 -
الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني في سورة آل عمران، من قوله تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلى نهاية السورة، دلال سليمان بن زيد المسلم، إشراف: د. لولوه عبدالله بن عبدالعزيز القضيبي، ماجستير، كلية الآداب للبنات بالرياض، 1424 هـ.
9 -
الدخيل في تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للإمام الشوكاني سورة النساء، فاطمة سليمان بن سعد العكوز، إشراف: أ. د. زاهر بن عواض الألمعي، دكتوراه، كلية الآداب للبنات بالرياض، 1426 هـ.
وهذه الرسائل عنيت بدراسة الدخيل في تفسير الشوكاني، وهو موضوع يختلف عن المقصود من بحثي هذا.
10 -
علوم القرآن عند الشوكاني جمعا ودراسة، إيمان بنت محمد بن فواز الصميل، إشراف: أ. د. بدر بن ناصر بن بدر البدر، ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1428 هـ.
وهي رسالة في استخراج الموضوعات المتعلقة بعلوم القرآن من مصنفات الشوكاني المطبوعة ودراستها، مع إبراز منهجه في علوم القرآن.
11 -
"الشوكاني ومنهجه في التفسير"، علاء صالح القيسي، ماجستير، جامعة بغداد، كلية العلوم الإسلامية، 1991 م.
12 -
"الإمام الشوكاني وأثره في الدراسات الإسلامية"، أمينة أبو الفيال، ماجستير، جامعة محمد الخامس بالمغرب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1989 م.
والرسالتان الأخيرتان لم أقف عليهما - بعد البحث - لوجودهما خارج المملكة، ولا يوجد في المراكز العلمية كمركز الملك فيصل وغيره إلا المعلومات التي ذكرتها عنهما. والظاهر من عنوانيهما اختلاف موضوعيهما عن الموضوع المراد بحثه؛ إذ هذا البحث يختص بإفراد استنباطات الشوكاني في تفسيره بالجمع والدراسة وهو ما لم تخصه الرسالتان بالإفراد كما هو ظاهر من عنوانيهما، والله أعلم.
فيتأكد مما سبق أن هذا الموضوع لم يفرد بالبحث، إذ ليس في الدراسات السابقة إفراد استنباطاته بالجمع والدراسة التي هي مقصود هذا البحث.
وأحسب أن إفراد هذا الموضوع من موضوعات علوم القرآن بالجمع والدراسة من خلال تفسير ذي مكانة عالية كتفسير الشوكاني رحمه الله إضافة أرجو أن تكون ضمن سلسلة الخدمات التي عنيت بهذا التفسير.
خطة البحث:
يتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، تعقبهما الخاتمة، والفهارس.
المقدمة:
وتتضمن:
1 -
أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره.
2 -
أهداف البحث.
3 -
حدود البحث.
4 -
الدراسات السابقة.
5 -
خطة البحث.
6 -
منهج البحث.
التمهيد:
ويشمل:
أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته.
ثانياً: أهميته، وعلاقته بالتفسير.
ثالثاً: التعريف بالشوكاني.
رابعاً: التعريف بتفسير "فتح القدير" للشوكاني.
الباب الأول: منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره "فتح القدير".
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: الاستنباطات في التفسير.
المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.
المطلب الثالث: الاستنباطات العقدية.
المطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية.
المطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية.
المطلب السادس: الاستنباطات اللغوية.
المطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.
المطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.
المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.
المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.
الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).
المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).
المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.
المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.
المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.
المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.
الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.
المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني.
الباب الثاني: جمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.
وفيه جمع استنباطات الشوكاني الواردة في تفسيره مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم، ثم دراستها وتحليلها والحكم عليها.
الخاتمة:
وفيها أهم نتائج البحث، وتوصياته.
الفهارس:
• فهرس الآيات القرآنية.
• فهرس المعاني المستنبطة. (مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها).
• فهرس الأحاديث والآثار.
• فهرس الأعلام.
• ثبت المصادر والمراجع.
• فهرس الموضوعات والمسائل العلمية.
منهج البحث:
سلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك وفق ما يلي:
1 -
التزمت كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع عزوها إلى سورها بأرقام آياتها، ووضعها بين قوسين مزهرين.
2 -
خرِّجت الأحاديث من مظانها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما أكتفيت بذلك. وإن كان في غيرهما خرجته من مظانه، وحكمت عليه مستعينة بحكم العلماء. مع تخصيص الأحاديث بذكرها بين علامتي تنصيص " ".
3 -
وضعت عناوين جانبية لرؤوس الموضوعات ما دعت الحاجة لذلك.
4 -
وثقت ما أنقله من نصوص بوضع النص المنقول بين قوسين ()، مع الإحالة إلى مصادره في الحاشية. فإن تصرفت فيه نبهت على ذلك في الحاشية.
5 -
اكتفيت بجعل المعلومات الكاملة عن المصدر في ثبت المصادر لئلا أثقل حواشي البحث.
6 -
عرَّفت بالفرق والأماكن.
7 -
عزوت الأبيات الشعرية إلى قائليها، مع توثيقها.
8 -
شرحت غريب الألفاظ.
9 -
ترجمت ترجمة موجزة للأعلام - عند ورود ذكرهم لأول مرة - عدا المشهورين، ومن كان حياً من العصريين إن ذكروا، والعصريون من كانت وفاتهم في حدود المائة سنة الماضية.
10 -
وضعت الفهارس الفنية المناسبة، والتي تعين القارئ على كشف مضامين البحث بيسر.
11 -
افتتحت بعض الفصول أو المباحث أو المطالب بتمهيد إذا دعت الحاجة لذلك.
12 -
في جمع الاستنباطات اتبعت المنهج التالي:
أ - جمعت كل ما ظهر في عبارة الشوكاني أنه استنباط، فإن لم يظهر فإني لا أجمعه. وذلك كالمواضع التي عزا فيها الاستنباط للعلماء ولم يظهر تأييده له.
ب - بلغت استنباطات الشوكاني مائتين وتسعة عشر (219) استنباطا، منها خمسة عشر استنباطا مكررا
(1)
، وقد جمعت المكرر أيضا لأسباب:
1) اختلاف وجه الاستنباط وطريقه أحيانا بين الموضع الأول والموضع المكرر، كما في استنباط ذم التقليد فإن وجهه وطريقه يختلف من موضع لآخر، فجمعت كل المواضع لأبين هذه الأوجه والطرق.
2) اختلاف القائلين بالاستنباط؛ إذ في موضع يقول به بعض المفسرين، وفي موضع آخر يقول به آخرون، فالجمع بين مواضع الاستنباط يكشف عن جميع القائلين به.
3) بيان ما تميز به الشوكاني من استنباط المعنى الواحد من مواضع مختلفة بطرق متعددة.
13 -
في دراسة استنباطات الشوكاني اتبعت المنهج التالي:
أ - ذكر الآية المستنبط منها.
ب - ذكر استنباط الشوكاني.
ت - تحليل الاستنباط ببيانه، ثم الحكم عليه بعد موازنة قوله بأقوال غيره من العلماء
(2)
.
مع الالتزام بترتيب الاستنباطات وفق ترتيب الآيات -المستنبط منها- في المصحف.
(1)
تكرر الاستنباط رقم: 4 في الاستنباطات رقم: 20، 83، 91، 181، 189. وتكرر الاستنباط: 5 في الاستنباط: 19، وتكرر الاستنباط: 11 في الاستنباط: 36، وتكرر الاستنباط: 41 في الاستنباط: 81، وتكرر الاستنباط: 67 في الاستنباط: 162، وتكرر الاستنباط: 75 في الاستنباط: 192، و 203، وتكرر الاستنباط رقم: 80 في الاستنباط: 146، وتكرر الاستنباط: 119 في الاستنباط: 202، وتكرر الاستنباط: 204 في الاستنباط: 207، وتكرر الاستنباط: 197 في الاستنباط: 214.
(2)
وقد اعتمدت في الموازنة على أكثر من أربعين كتابا في التفسير وآيات الأحكام. ورجعت في بعض استنباطاته إلى بعض مؤلفاته: إما التي يحيل عليها، أو التي يكون فيها مزيد توضيح لاستنباطه كنيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، والقول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول، وأدب الطلب ومنتهى الأرب، وبلوغ المنى في حكم الاستمنى.
وبعد:
فالحمد لله الذي يسر البدء، وأعان على الإتمام. وله سبحانه الحمد من قبل ومن بعد.
هذا بحثي، بدأته والحال:
عسى ربي أن يهديني سواء السبيل.
واليوم - بحمد الله- أتممته والحال:
ولعلي مؤمل بعض ما أبـ
…
لغ باللطف من عزيز حميد.
فاللهم ما كان من صواب، وتوفيق، وتسديد فمنك وحدك.
وما كان من خلل وتقصير وخطأ فاللهم ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
ثم شكري، وامتناني، ودعائي للنعمة التي لا يبلغها حمدي، والديَّ الكريمين حفظهما الله ومتعهما بطاعته.
والشكر موصول لشيخي، وأستاذي، وموجهي، ومعيني-بعد الله- فضيلة: د. يوسف بن عبد العزيز الشبل، وإني حين أشكره أشكر فيه علما، وخلقا، وصبرا، وحلما، وتوجيها، وحرصا. شكر لا تقدر حروف النثر عليه، ولا ترتقي قصائد الشعر إليه، فليس إلا الدعاء له بأن يتولى الكريم -جل في علاه- مجازاته والإحسان إليه.
والشكر كل الشكر لقسم القرآن الكريم وعلومه، ولجامعة الإمام التي أويت إليها فآوتني، وعلى إتمام هذه المرحلة العلمية أعانتني.
فكيف أشكر من أحسنوا وفادتي إليهم؟
فاللهم اجزهم جميعا إدارة، وأساتذة، وإداريين، وعاملين خير ما تجزي به عبادك المحسنين.
وأختم بحمد الله تعالى الذي بلغني ما آمل فجعل لي إلى الجامعة الإسلامية انتسابا كما جعل لي إلى جامعة الإمام انتسابا حيث منَّ الله تعالى على بحثي بمناقشين كريمين هما: فضيلة أ. د. محمد بن عبد العزيز العواجي وكيل كلية القرآن بالجامعة الإسلامية، وفضيلة أ. د. بدر بن ناصر البدر الأستاذ بقسم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام، فشكر الله لهما تفضلهما بقبول مناقشة هذا البحث، وأسأل جل في علاه أن يحسن إليهما كما أحسنا إلي وأن يبارك في جهدهما وعلمهما.
وأخيرا أختم بالشكر والتقدير لجامعتي جامعة الطائف، وأخص بالشكر إدارتها، ووكيل كلية الشريعة ورئيس قسم القراءات -سابقا- فضيلة د. ناصر القثامي على جميل تعاونهم، وحسن رعايتهم.
هذا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
التمهيد
• أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته.
• ثانياً: أهمية الاستنباط وعلاقته بالتفسير.
• ثالثاً: التعريف بالشوكاني رحمه الله.
• رابعاً: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني.
أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته.
أ - تعريف الاستنباط:
تعريف الاستنباط لغة: هو الاستخراج والإظهار بعد الخفاء. ومادة "نَبَطَ" تدور على أصل واحد، وهو استخراج شيء
(1)
، والانتهاء إليه
(2)
. فأصل الاستنباط من النَّبَط، وهو الماء الذي يَنْبُطُ من قعر البئر إِذا حُفرت، وقد نَبَطَ ماؤها، يَنْبِطُ، و يَنْبُطُ نَبْطاً، و نُبُوطاً. و أَنبطنا الماءَ أَي: استنبطناه وانتهينا إِليه. وكل ما أُظهر، فقد أُنْبِط
(3)
.
ومنه قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}
(4)
[النساء: من الآية 83].
قال الزجاج
(5)
: (معنى يستنبطونه في اللغة: يستخرجونه، وأَصله من النبَط، وهو الماء الذي يخرج من البئر في أَوّل ما يحفر)
(6)
.
واسْتَنْبَطه، واستنبط منه علماً، وخبراً، ومالاً: استخرجه. واستنبَطَ الفَقِيهُ إِذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمِه
(7)
.
(1)
انظر: مقاييس اللغة ج 5/ ص 381، ولسان العرب ج 7/ ص 410. ومختار الصحاح ج 1/ ص 268، ومفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص 159.
(2)
انظر: العين ج 7/ ص 439، ولسان العرب ج 7/ ص 410، والقاموس المحيط ج 1/ ص 889.
(3)
انظر: لسان العرب ج 7/ ص 410.
(4)
(5)
هو أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السَّري بن سهل الزَّجاج، البغدادي، نحوي زمانه، لقب بالزجاج لاشتغاله بخرط الزجاج، مصنف:"كتاب معاني القرآن"، له تآليف جمة، مات سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقيل: غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء ج 14، ص 360، وبغية الوعاة ج 1، ص 338 - 340.
(6)
معاني القرآن وإعرابه ج 2/ ص 83.
(7)
انظر: لسان العرب ج 7/ ص 410، والقاموس المحيط ج 1/ ص 889.
قال ابن جرير الطبري
(1)
: (كلُّ من أخرج شيئاً كان مُستَتِرا عن إبصار العيون، أو عن معارف القلوب فهو مستنبطٌ له)
(2)
.
والألف والسين والتاء في استنبط تدل على تطلب الشيء لأجل حصوله، وكأن فيها معنى التكلف في إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط
(3)
.
ويستفادُ من هذه المعاني اللغوية ما يأتي
(4)
:
أولاً: الاستنباط هو الاستخراج باتفاق أهل اللغة، وهو المعنى المطابق للَّفظ.
ثانياً: في الاستنباط نوعُ اجتهاد ومعاناة دلَّ عليه صيغة اللفظ المفتتحة بحروف الطلب الألف والسين والتاء، كما يدل عليه الجهد والعناء في استنباط الماء من البئر.
قال ابن القيم
(5)
: (الاستنباط هو: استخراج الشيء الثابت الخفي الذي لا يعثر عليه كل أحد)
(6)
.
ثالثاً: الاستنباط أقرب إلى باطن الكلام منه إلى ظاهره، وأقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ، وهو معنى الاستتار والتواري الذي ذكره ابن جرير.
رابعا: أن الاستنباط يطلق على المحسوسات كما في استنباط الماء من البئر، وعلى المعاني كاستنباط العلم أو الفائدة بعد التأمل.
تعريف الاستنباط اصطلاحا: الذي يعنينا في هذا المقام بيان المعنى الاصطلاحي للاستنباط من القرآن الكريم، وهو استخراج ما خفي من النص القرآني بطريق صحيح
(7)
. أي: استخراج ما خفي من المعاني، والأحكام، والحكم، والمناسبات
(8)
من القرآن بطريق صحيح
(9)
.
(1)
هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد الآملي، الطبري، من أهل آمل بطبرستان، كان رأساً في التفسير، إماماً في الفقه، علامة بالتاريخ، عارفاً بالقراءات واللغة، له تصانيف عظيمة منها:"جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، و"تاريخ الأمم والملوك"، توفي سنة عشر وثلاثمائة للهجرة. انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ج 2، ص 106 - 108، وطبقات المفسرين للسيوطي ص 95 - 97.، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 106 - 114.
(2)
جامع البيان ج 7/ ص 255.
(3)
انظر: مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص 159.
(4)
انظر هذه المعاني في: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 33، ومعالم الاستنباط في التفسير ص 20، 21.
(5)
هو شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، الدمشقي، الأصولي، المفسر، النحوي، المعروف بابن قيِّم الجوزية، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه، اُمتحن وأوذي مرات، وحُبس مع شيخه بالقلعة، له تصانيف عظيمة منها:"زاد المعاد"، و"التبيان في أقسام القرآن"، توفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة للهجرة. انظر: بغية الوعاة ج 1، ص 56، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 90 - 93، وشذرات الذهب ج 6، ص 168 - 170.
(6)
مفتاح دار السعادة ج 2/ ص 104.
(7)
منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 45.
(8)
أعني هنا المناسبات الخفية؛ أما المناسبات الظاهرة فليست باستنباطات. ويمكن أن يستأنس لإثبات أن المناسبات الخفية تعد استنباطات بقول السيوطي- بعد أن عدَّد وجوها من المناسبات في سورة الأنعام-: (وجميع هذه الوجوه التي استنبطتها من المناسبات بالنسبة إلى أسرار القرآن كنقطة من بحر). تناسق الدرر في تناسب السور ص 86، 87.
وقال في آخر كتابه تناسق الدرر في تناسب السور: (وهذا آخر ما منَّ الله به علي من استخراج مناسبات ترتيب السور، وكله من مستنبطاتي، ولم أعثر فيه على شيء لغيري إلا النزر اليسير
…
). ص 148.
(9)
انظر: استنباطات الشيخ السعدي من القرآن عرض ودراسة ص 13.
ويمكن تعريف الاستنباط في استعمال المفسرين بأنه استخراج ما وراء ظواهر معاني الألفاظ من الآيات القرآنية. والمراد بظواهر معاني الألفاظ: ما يتوقف فهم القرآن عليها من المعاني المباشرة
(1)
.
تنبيهات:
1 -
لابد أن يكون في دلالة الآية على المعنى المستنبط نوع خفاء، ولا يلزم أن يكون الخفاء شديدا، بل الخفاء هنا متفاوت، فقد يكون شديدا فلا يظهر إلا بعد تأمل طويل، وتدبر كثير، وقد يكون أقل من ذلك.
ولذا نجد بعض الاستنباطات قريبة المأخذ تتضح بلا إعمال ذهن، وقد يدق مسلكها ويخفى؛ فتحتاج إلى تفهم وإعمال ذهن
(2)
. والمهم هنا التنبه إلى أن قربها لا ينفي كونها استنباطات.
فالمعاني المستنبطة تتفاوت في القرب والبعد من معنى الآية، كما تتفاوت في الظهور والخفاء، وكل ذلك بحسب المعنى المستنبط، ووجه اتصاله بالمعنى الظاهر. وهذا التفاوت في المعاني المستنبطة يستلزم التنبيه على أنه لا يمكن عد الاستنباط معنى للآية على الاستقلال مهما اشتد قربه وظهوره من المعنى المباشر؛ لأنه تابع للمعنى الأصلي، ومترتب عليه، والتفسير شرط في وجوده ولا عكس
(3)
.
ويمثل للاستنباط القريب باستنباط تحريم ضرب الوالدين من قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)} .
قال السيوطي
(4)
: (وأشار بالنهي عن ذكر (أف) إلى تحريم ما فوقه بطريق الأولى)
(5)
.
(1)
معالم الاستنباط في التفسير ص 21.
(2)
انظر: مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص 165.
(3)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 44. وفيه قال أيضا: باستعراض أيٍّ من الكتب المفردة في الاستنباطات القرآنية يتضح ذلك بلا خفاء؛ فبينما ترى استنباطا على التمام، إذ يتلوه آخر موغلا في الإبهام، ثم يمر بك استنباط في القرب والظهور كأنه المعنى المباشر للفظ، ويتبعه آخر في البعد والخفاء بما لا يكاد يسفر لك عن وجه اتصاله بالآية.
(4)
جلال الدين، أبو الفضل، عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر الأسيوطي، العلامة المشهور في الآفاق، حافظ، مؤرخ، أديب، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، له نحو ستمائة مصنف في عدة فنون منها:"الإتقان في علوم القرآن"، و"الدر المنثور في التفسير المأثور"، و"لباب النقول في أسباب النزول"، ختم القرآن وهو دون ثمان سنوات، توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة للهجرة. انظر ترجمته لنفسه في كتابه: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ج 1، ص 155 - 161، وشذرات الذهب ج 8، ص 51.
(5)
الإكليل ج 2/ ص 914،
وقال الشنقيطي: (فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق)
(1)
.
(2)
.
2 -
لا يشترط في المعنى المستنبط أن يكون خفيا في ذاته، فالخفاء إنما هو في دلالة الآية عليه، أما المعنى المستنبط فقد يكون ظاهرا لكن دلالة الآية عليه خفية.
ويمكن أن يُمثل له بالاستنباط السابق أيضا.
3 -
يمكن تسمية الاستنباط فائدة
(3)
. فالفائدة قد تكون استدلالا، أي أن طريق الوصول إليها ظاهر، وقد تكون استنباطا، أي التوصل إليها بطريق خفي. والذي ظهر لي -والله أعلم- أن الفوائد أعم من الاستنباط، فكل استنباط فائدة.
ويخطئ من يجعل الفوائد أعم من جهة الموضوعات، فيخص موضوع الاستنباط بالفقه دون غيره. والصحيح أن الاستنباط كالفوائد يكون في الفقه، والعقيدة، واللغة، والتربية وغيرها، ولعل هذا وجه آخر لتسمية الاستنباط فائدة.
ويمكن أن يستدل على صحة ذلك بأمور:
الأول: أن الرازي
(4)
سمى بعض الاستنباطات الخفية فوائدا، ومن ذلك: استنباطه أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين من قوله: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)} [القمر: 8]، قال:({هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)} وفيه فائدتان: إحداهما: تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب، كما قال تعالى:{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)} [المدثر: 9 - 10] يعني له عسر لا يسر معه
…
)
(5)
.
(1)
أضواء البيان ج 3/ ص 118.
(2)
انظر هذا الاستنباط برقم: 132.
(3)
قال د. مساعد الطيار: وقد يكون الاستنباط استنباط حكم فقهي،
…
أو فائدة علمية. مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر ص 161.
(4)
هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين الفخر الرازي، القرشي، البكري، المعروف بابن الخطيب الشافعي، من ذرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، مفسر، متكلم، إمام عصره في العلوم العقلية، قال ابن خلكان فيه:"فريد عصره، ونسيج وحده، شهرته تغني عن استقصاء فضائله"، له تصانيف كثيرة منها:"التفسير الكبير"، و"إعجاز القرآن"، توفي سنة ست وستمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 21، ص 500، 501، وطبقات المفسرين للسيوطي ج 1، ص 115، 116، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 213 - 216.
(5)
انظر: التفسير الكبير ج 29/ ص 31. وراجع هذا الاستنباط برقم: 200.
الثاني: تسمية الشيخ السعدي بعض الاستنباطات الخفية بالفوائد، ومثال ذلك:
ما استنبطه من قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي
…
ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)} [يوسف: 42]، قال:(ومنها-أي الفوائد-: أنه لا بأس بالاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله، أو قوله، وإخباره)
(1)
.
الثالث: تسمية الشيخ ابن عثيمين ما يذكره في آخر تفسيره للآية بفوائدها؛ فيذكر فوائد ظاهرة، واستنباطات خفية، وكلها يجمعها اسم فوائد. ومن الاستنباطات التي ذكرها:
ما استنبطه من قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} [البقرة: 24]، قال: (من فوائد الآية
…
أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض، والماضي يدل على وجود الشيء
…
)
(2)
.
وما استنبطه من قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} [البقرة: 128]، قال:(من فوائد الآية .... أن الأصل في العبادات أنها توقيفية)
(3)
.
ب - نشأة الاستنباط:
لم يتأخر ظهور الاستنباط من القرآن الكريم عن وقت نزول القرآن العظيم. فللصحابة رضي الله عنهم استنباطاتهم، ومن ذلك:
1 -
استنبط علي رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنه بدلالة التركيب بين قوله تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}
(4)
[البقرة: من الآية 233]، وقوله تعالى:{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}
(5)
[الأحقاف: من الآية 15] أن المرأة قد تلد لستة أشهر
(6)
.
(1)
ص 32. وطريق هذا الاستنباط: الاستدلال بشرع من قبلنا، والاقتداء بأفعال الأنبياء عليهم السلام. انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 159.
(2)
تفسير سورة البقرة ج 1/ ص 85. وانظر تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 145، 146.
(3)
تفسير سورة البقرة ج 2/ ص 64. وانظر تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 147.
(4)
(5)
(6)
انظر: جامع البيان ج 4/ ص 202، وتفسير القرآن العزيز ج 5/ ص 154، وإرشاد العقل السليم ج 8/ ص 83، والدر المنثور ج 1/ ص 688، وروح المعاني ج 26/ ص 18، وتيسير الكريم الرحمن ص 104. وراجع تحليل هذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 134.
قال ابن كثير
(1)
: (وهو استنباط قوي وصحيح)
(2)
.
2 -
استنبط ابن عباس رضي الله عنه من سورة النصر أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم
(3)
، حيث قال: "هو أجل
رسول الله أعلمه إياه، ووافقه عليه عمر رضي الله عنه بقوله:"لا أعلم منها إلا ما تقول"
(4)
.
قال ابن القيم: (وهذا من أدق الفهم وألطفه، ولا يدركه كل أحد)
(5)
.
ولم يفترق الاستنباط عن تفسير القرآن الكريم، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من استنباط من الآيات، فالاستنباط من أشد علوم القرآن ارتباطا بعلم التفسير، ولشدَّة هذا الارتباط أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرا، وذلك حين يرتقي هذا المعنى المستنبط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، فمن هنا يتوجه تسميته تفسيرا لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب. قال ابن عاشور:(وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه)
(6)
. فالاستنباط بهذه المثابة قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى جمهرة معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر، وإلا فإن الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى.
(1)
هو عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، الدمشقي، القرشي، الشافعي، فقيه متفنن، ومحدث متقن، ومفسر نقاد، صاحب التصانيف الكثيرة منها:"تفسير القرآن العظيم"، "البداية والنهاية"، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1، ص 110 - 112، وشذرات الذهب ج 6، ص 231، 232.
(2)
تفسير القرآن العظيم ج 6/ ص 623.
(3)
وهو استنباط بدلالة الإشارة. انظر مزيد تفصيل لهذا الاستنباط في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 302 - 305.
(4)
وتمام الحديث: "كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدني ابن عباس رضي الله عنهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: إن لنا أبناء مثله؛ فقال: إنه من حيث تعلم، فسأل عمر ابن عباس عن هذه الآية {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)} [النصر: 1]؛ فقال: أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه؛ قال: ما أعلم منها إلا ما تعلم". أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم: 3428، ج 3/ ص 1327.
(5)
إعلام الموقعين ج 1/ ص 353.
(6)
التحرير والتنوير ج 1/ ص 10.
وقد كان الحالُ كذلك منذ أوَّلِ نشأةِ علم التفسير وظهوره، ولا تكاد تخرج تفاسير السلف عن هذين الوجهين في الأعم الأغلب.
(1)
.
ثم إنا نجد أن بعض العلماء أفرد علم الاستنباط في مصنفات مستقلة، مثل:
1 -
القصاب
(2)
في كتابه: (نُكت
(3)
القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام).
2 -
…
نجم الدين الطوفي
(4)
في (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية).
3 -
السيوطي في كتابه: (الإكليل في استنباط التنْزيل). وإن كان جمع فيه بين الاستنباط والتفسير.
ثم توالت المؤلفات. وكما اعتنى المتقدمون بإفراد هذا العلم بالتأليف اعتنى المتأخرون به كذلك، ومن ذلك:(كتاب جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار) لعبد القادر بن أحمد بن بدران
(5)
.
ثانياً: أهمية الاستنباط وعلاقته بالتفسير.
أ - أهمية الاستنباط:
لا أدل على أهمية الاستنباط من أن الله تعالى سماه علما، ومدح أهله، وأخبر أنهم أهل العلم، قال سبحانه:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} [النساء: 83]، ولولا أن الاستنباط علم معتبَرٌ، وحجة في الشرع، لما أمر الله تعالى عباده برَدِّ ما لم يدركوا علمه نصا إلى من يدركونه بالاستنباط من أهل العلم، فالاستنباط من أهم أسباب دَرَكِ العلوم
(6)
.
(1)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 22.
(2)
هو الحافظ محمد بن علي الكَرَجي نسبة إلى مدينة كَرَج بين همذان وأصبهان، وسمي بالقصاب لكثرة ما قتل من الكفار في مغازيه، جمع بين الفقه، والحديث، مع المعرفة باللغة والقراءات، توفي في حدود الستين وثلاثمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 16/ ص 213، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص 380.
(3)
جمع نكتة، النَّكْتُ أن تنكت بقضيب في الأرض فتؤثر بطرفه فيها، انظر: لسان العرب ج 2/ ص 100. قال الجرجاني: (النكتة هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من نكت رمحه بأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها). التعريفات ص 316.
(4)
هو أبو الربيع، نجم الدين، سليمان بن عبد القوي الصَّرْصَري، نسبة إلى صرصر من نواحي بغداد، فقيه أصولي، كان فقيها حنبليا، شاعرا أديبا، له مؤلفات كثيرة منها:"الإكسير في قواعد التفسير"، توفي سنة سبعمائة وستة عشر للهجرة. انظر: الدرر الكامنة ج 2/ ص 249، وبغية الوعاة ج 2/ ص 42.
(5)
المتوفى سنة 1346 هـ.
(6)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 23، واستنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص 14.
قال ابن القيم: (وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم)
(1)
.
ومما يدل على أهمية الاستنباط أيضا أمور:
الأول: اعتناء المفسرين به.
فقد اعتنى العلماء بالاستنباط من القرآن عناية بالغة تدل على أهميته، ومكانته عندهم. فلا يكاد يوجد كتاب من كتب التفسير-قديما وحديثا- إلا ويتضمن عددا كبيرا من الاستنباطات
(2)
.
الثاني: تنوع المعاني المستنبطة، وانتفاع الناس بها، فالمعنى المستنبط قد يكون حكما فقهيا، أو عقديا، أو أدبا أخلاقيا، أو فائدة تربوية، أو فائدة علمية، أو غير ذلك مما ينفع الناس في دينهم ودنياهم.
الثالث: أن الاستنباط سبيل إلى إعطاء ألفاظ القرآن حقَّها، وتوفيتها ما لها من المعاني.
قال ابن القيم: (الواجب فيما علَّقَ عليه الشارعُ الأحكامَ من الألفاظ والمعاني أن لا يُتَجَاوَز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقْصَر بِها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه، وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم)
(3)
، ومن حق اللفظ والمعنى استيعاب المعاني الصحيحة المتعلقة بهما من جهة نِدِّ المعنى ولوازمه وأشباهه ونظائره.
(4)
.
الرابع: أن المعاني المأخوذة بالاستنباط أكثر من معاني الألفاظ المباشرة، بل إن من أحكام الحوادث ما لا يُعرَفُ بالنصِّ وإنما بالاستنباط، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة، ولم تبينهما العبارة
(5)
. فليس كل حكم يؤخذ من اللفظ، بل أكثرها تؤخذ من جهة المعاني والاستنباط من النصوص إذ الألفاظ محصورة، ومعانيها محددة، والوقائع والمناسبات متجددة، وقد أنْزل الله تعالى كتابه الكريم صالحا لكل زمان ومكان، وتبيانا لكل شيء يتوقف عليه التكليف والتعبد، وتستقيم به حياة الناس؛ من العلوم الشرعية، والحقائق العقلية، وقد أبان عن هذا ابن عاشور: -في حديثه عن المقصد الأول من مقاصد القرآن الكريم-: (كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين؛ لتؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين)
(6)
.
والعناية بالاستنباط واجب مطلوب. قال النووي
(7)
: (فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل
(1)
إعلام الموقعين ج 1/ ص 225.
(2)
انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 8.
(3)
إعلام الموقعين ج 1/ ص 225.
(4)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 23، 24.
(5)
انظر: روح المعاني ج 6/ ص 191.
(6)
التحرير والتنوير ج 3/ ص 18.
(7)
هو الإمام، الفقيه، الحافظ، محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف، صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرها، كشرح مسلم، ورياض الصالحين، مات سنة ست وسبعين وستمائة. انظر: تذكرة الحفاظ للقيسراني ج 4/ ص 1470، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص 513.
الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها والله أعلم)
(1)
.
وقال الجصاص
(2)
: (وفي هذه الآية-يعني قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)} - دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في الأحكام الحوادث؛ وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته إذا كانوا بحضرته، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته صلى الله عليه وسلم، وهذا لا محالة فيما لا نص فيه؛ لأن المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه؛ فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كلفنا الوصول إلى الاستدلال عليه واستنباطه، فقد حوت هذه الآية معاني: منها أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه، بل مدلول عليه، ومنها أن على العلماء استنباطه، والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من المنصوص)
(3)
.
(4)
.
الخامس: أن الاستنباط سبب لتحصيل العلم العظيم، قال السعدي:(لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ، والذي يوجب الجزم له بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته، وجزمه بأنه من توابع المعنى، والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم، والخير الكثير بحسب ما وفقه الله له. وقد كان في تفسيرنا هذا كثير من هذا منَّ به الله علينا، وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة)
(5)
.
(6)
.
(1)
شرح النووي على صحيح مسلم ج 11/ ص 57، 58.
(2)
هو أحمد بن علي، أبو بكر، الرازي الجصاص الحنفي، درس الفقه على كبار الحنفية في عصره، كان زاهدًا ورعًا جمع إلى العلم الصلاح والتقوى،. وكان جادًا في طلب العلم حتى صار إمام الحنفية في عصره ببغداد، توفي ببغداد سنة سبعين وثلاثمائة، أو ست وسبعين وثلاثمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 55، وشذرات الذهب ج 3/ ص 72.
(3)
أحكام القرآن ج 3/ ص 183.
(4)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 23، 24، واستنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص 14.
(5)
تيسير الكريم الرحمن ص 733.
(6)
انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص 14.
ب - علاقة الاستنباط بالتفسير:
إذا كان التفسير: هو بيان معاني القرآن الكريم
(1)
؛ فإن بينه وبين الاستنباط وجه شبه، كما أن بينهما أوجه اختلاف.
أولا: وجه الشبه:
يُعد الاستنباط من أشد علوم القرآن ارتباطا بعلم التفسير، فهو يتفق مع التفسير في أنهما بيان للمعنى، ثم يفترقان في المعنى المُبَيَّن في كل منهما، فللتفسير المعنى الظاهر المباشر، وللاستنباط ما وراءه من المعاني الزائدة، وكلاهما من أجلِّ علوم القرآن الكريم، وألصقها بألفاظه
(2)
.
ولشدَّة هذا الارتباط أُلحِق به في بيان علم التفسير وموضوعاته، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير من استنباط من الآيات.
وربما توسع بعض العلماء فسمَّاه تفسيرا، وذلك حين يرتقي هذا المعنى المستنبط الباطن في شدة قربه وظهوره من المعنى الظاهر، وربما أريد معه، فمن هنا يتوجه تسميته تفسيرا لارتباطه بمعنى الآية من هذا الجانب.
قال ابن عاشور: (وموضوع التفسير: ألفاظ القرآن من حيث البحث عن معانيه، وما يستنبط منه)
(3)
. فالاستنباط بهذه المثابة قسيمٌ لبيان المعاني؛ وذلك بالنظر إلى جمهرة معلومات كتب التفسير التي يذكرها المفسر.
والمقصود من أن المعنى المستنبط الباطن ربما يراد مع المعنى الظاهر للآية إنما هو لشدة قرب المعنى المستنبط وظهوره؛ إذ قد يرتفع المعنى الباطن البعيد فيكون مرادا مع المعنى الظاهر القريب لاشتراكهما في الصحة، والقبول، والدلالة، لكن لا يصل المعنى الباطن بحال إلى أن يكون مرادا دون المعنى الظاهر لئلا يكون الإغراق في معاني باطنة باطلة لا يقبلها نقل صحيح ولا عقل صريح، وكي لا يؤول التفسير إلى دعاوى ليست من الظاهر، ولا من الباطن الصحيح في شيء.
(4)
.
ومما يدل على أن المعنى المستنبط الباطن ربما يراد مع المعنى الظاهر قول السعدي: (لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر، والطرق الموصلة إليه، وما لا يتم إلا به، وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص الدال عليه اللفظ، والذي يوجب الجزم له بأن الله أراده أمران: أحدهما: معرفته، وجزمه بأنه من توابع المعنى، والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه، وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا)
(5)
.
(1)
أصول في التفسير لابن عثيمين ص 28.
(2)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 22، 23.
(3)
التحرير والتنوير ج 1/ ص 10.
(4)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 22 و 24، 25.
(5)
تيسير الكريم الرحمن ص 733.
ويبقى الاستنباط من علوم الآية التي تأتي بعد تمام التفسير الذي هو بيان المعنى. وبيان معنى اللفظ سابق للاستنباط منه، ولا يصح استنباط إلا على معنى صحيح ثابت للفظ، فاللفظ بمنْزلة الأساس، والاستنباط بمنْزلة البنيان
(1)
. قال القرطبي
(2)
: (والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط
…
ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر)
(3)
.
ثانيا: أوجه الاختلاف:
لا يمكن القول بأن الاستنباط والتفسير شيء واحد وإن كانت الصلة بينهما كبيرة. فيبقى بين الاستنباط والتفسير أوجه تميز كل واحد منهما، ومن هذه الأوجه:
1) يشترط في الاستنباط الخفاء فيما يستنبط بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك.
2) مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات.
3) التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية.
4) الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد عُلم. قال الشنقيطي:(فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم من الصحابة، والتابعين، وكبار المفسرين)
(4)
، ولا يمكن لأحد ادعاء معرفة جميع ما تحمله الآية من الفوائد والأحكام.
(5)
.
تنبيه:
لا يلزم للحكم بصحة الاستنباط أن يصح مع جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية، ففي بعض المواطن يصح الاستنباط على أحد المعاني الراجحة في تفسير الآية
(6)
.
(1)
انظر: معالم الاستنباط في التفسير ص 22 و 44.
(2)
هو أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح القرطبى، الخزرجي، الأنصاري، المالكي، له تصانيف مفيدة تدل على إمامته، وكثرة إطلاعه، و وفور فضله، منها: تفسيره "الجامع لأحكام القرآن"، و"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص 92، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 65، 66.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 68، 69.
(4)
أضواء البيان ج 5/ ص 64.
(5)
انظر هذه الأوجه في منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 58 - 60.
(6)
مثاله: استنباط الشوكاني من قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} [البقرة: 3] أن فيها الإرشاد إلى ترك الإسراف. راجع هذا التفصيل في موضعه من هذا البحث.
وفي مواطن أخرى يصح الاستنباط على جميع المعاني الصحيحة لتفسير الآية
(1)
.
ثالثاً: التعريف بالشوكاني رحمه الله.
قال عنه تلميذه محمد صديق خان القنوجي
(2)
: (هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، بحر العلوم، وشمس الفهوم، سند المجتهدين الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، نادر الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علامة الزمان، ترجمان الحديث والقرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، آخر المجتهدين، رأس الموحدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، قاضي الجماعة، شيخ الرواية والسماعة، عالي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد على الأكابر الأمجاد، المطلع على حقائق الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها)
(3)
.
اسمه، ونسبه:
هو أبو عبد الله
(4)
، أو أبو علي
(5)
، بدر الدين
(6)
، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، ثم الصنعاني.
(7)
.
(1)
مثاله: استنباط الشوكاني من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} [البقرة: 104] أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم. راجع هذا التفصيل في موضعه من هذا البحث.
(2)
هو الأمير أبو الطيب، محمد صديق حسن خان البخاري، القنوجي نسبة إلى قنوج من بلاد الهند، من رجال النهضة الإسلامية، تنقل في طلب العلم، مشارك في أنواع من العلوم، أخذ العلم عن علماء اليمن، من تلاميذ الشوكاني، مكثر من التأليف، من مؤلفاته "فتح البيان في مقاصد القرآن"، توفي سنة 1307 هـ. انظر: الأعلام ج 6/ ص 167، 168، ومعجم المؤلفين ج 3/ ص 358.
(3)
أبجد العلوم ج 3/ ص 201.
(4)
انظر: هدية العارفين ج 3/ ص 403، ومعجم المؤلفين ج 3/ ص 541، 542.
(5)
لم ينص على هذه الكنية أكثر من ترجم له إلا زميله وصديقه الفقيه الأديب المؤرخ إبراهيم بن عبد الله الحوثي في نفحات العنبر في تراجم أعيان وفضلاء اليمن في القرن الثاني عشر. ذكر هذا د. فايز الترجمي في رسالته: اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير لـ. ص 16.
(6)
انظر: المرجع السابق ص 16.
(7)
انظر ترجمته في: البدر الطالع حيث ترجم لوالده في ج 2/ 518، و ترجم لنفسه في ج 2/ ص 768، والتاج المكلل للقنوجي ص 436 - وما بعدها، وأبجد العلوم للقنوجي ج 3/ ص 201 وما بعدها، والأعلام ج 6/ ص 298، وهدية العارفين ج 3/ ص 403 وما بعدها، ومعجم المؤلفين ج 3/ ص 541، 542، ومقدمة قطر الولي على حديث الولي ل. د. إبراهيم هلال ص 15، والشوكاني مفسرا لـ. د. حسن الغماري ص 56 وما بعدها، ومقدمة تحقيق فتح القدير لـ. د. عبد الرحمن عميرة ص 14 - 21، ومنهج الإمام الشوكاني في العقيدة لـ. د. عبد الله نومسوك ص 71 وما بعدها.
فأما الصنعاني فنسبة إلى صنعاء اليمن
(1)
، وأما الشوكاني فنسبة إلى مكان عدني
(2)
هجرة شَوْكَان
(3)
-وهي هجرة بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم- بينه وبينها جبل كبير مستطيل يقال له الهجرة؛ ولذا ذكر الشوكاني أن نسبته إلى شوكان ليست حقيقية
(4)
.
وقد ترجم الشوكاني لوالده علي بن محمد، ثم انتهى بالسلسلة إلى آدم عليه السلام.
وذكر في أثناء ذلك نسبة والده إلى قحطان بن هود بن عامر، وإذا كانت أنساب اليمن تنتهي إلى حمير وكهلان ابني سبأ بن يشجب بن قحطان؛ فإن في هذا ما يوضح نسبه العربي اليمني
(5)
.
مولده:
ولد حسبما وُجد بخط والده، في وسط نهار يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف للهجرة (1173 هـ)
(6)
.
نشأته وطلبه العلم:
نشأ بصنعاء في بيئة ميسورة الحال، حيث كان أبوه من العلماء الكبار، وكان يشغل منصب قاضي صنعاء؛ فتربى في بيئة تعينه على طلب العلم، بيئة علمية تهيئه لأن يكون عالما نابغا
(7)
. وقد تكفل والده بأمور معيشته لئلا يشتغل بغير طلب العلم. قال الشوكاني عن والده: (ولقد بلغ معي إلى حد من البر والشفقة والإعانة على طلب العلم، والقيام بما أحتاج إليه مبلغا عظيما بحيث لم يكن لي شغلة بغير الطلب، فجزاه الله خيرا، وكافأه بالحسنى)
(8)
.
قرأ القرآن وجوَّده على جماعة من مشايخ القراء بصنعاء، وفي أثناء ذلك كان قد حفظ عدة مختصرات في الفقه، والنحو، والعروض، وآداب البحث، وعلوم اللغة. وطالعَ عدة كتب من كتب التاريخ والأدب.
(1)
صنعاء منسوبة إلى جودة الصنعة في ذاتها كقولهم امرأة حسناء، وصنعاء موضعان: أحدهما ظاهرا وهي العظمى في اليمن بينها وبين عدن ثمانية وستون ميلا، والموضع الثاني قرية بالغوطة من دمشق. انظر: معجم البلدان ج 3/ ص 425، 426.
(2)
أي جنوب شوكان؛ لأن مصطلح عدني يطلق على اتجاه الجنوب، نسبة إلى عدن عاصمة الشطر الجنوبي. انظر: الإمام الشوكاني حياته وفكره لعبد الغني الشرجي ص 150.
(3)
شَوْكان بالفتح ثم السكون وكاف وبعد الألف نون قرية باليمن من ناحية ذمار، قال امروء القيس: أفلا ترى أظعانهن بعاقل
…
كالنخل من شوكان حين صرام. انظر: معجم البلدان ج 3/ ص 373.
(4)
قاله الشوكاني في ترجمته لوالده في البدر الطالع ج 2/ 518.
(5)
انظر: الإمام الشوكاني حياته وفكره لعبد الغني الشرجي ص 151.
(6)
انظر: البدر الطالع ج 2/ ص 768.
(7)
انظر: مقدمة قطر الولي على حديث الولي ل. د. إبراهيم هلال ص 15.
(8)
انظر: البدر الطالع ج 2/ ص 524.
ثم شرع في طلب العلم فدرس على والده، وعلى البارزين من العلماء في عصره في مختلف العلوم: الدينية، والعقلية، والفلكية، والرياضية، إذ وجد بيئة علمية زاخرة بالعلماء والأدباء. وظل كما يقول: يأخذ عن شيوخه حتى استوفى كل ما عندهم من كتب، بل زاد في قراءاته الخاصة على ما ليس عندهم. وكان طلبه للعلم في صنعاء نفسها، لم يرحل عنها على عادة طلاب العلم لعدم إذن أبويه له في الرحلة، فكان عند إذنهما
(1)
.
وكثيرا ما كان يقرأ على مشايخه، فإذا فرغ من كتاب قراءةً أخذه عنه تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، وهو لا يزال في أول الطلب، بل ربما اجتمعوا على الأخذ عنه قبل أن يفرُغ من قراءة الكتاب على شيخه؛ ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلاميذه
(2)
.
وكان في أيام قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن وفد إليها، بل ترد عليه الفتاوى من الديار التهامية وشيوخه إذ ذاك أحياء. وكادت الفتيا تدور عليه من عوام الناس وخواصهم، واستمر يفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك، وكان لا يأخذ على الفتيا شيئا تنزها، فإذا عوتب في ذلك قال: أنا أخذت العلم بلا ثمن فأريد إنفاقه كذلك
(3)
.
وفي الجملة، فقد درس دراسة واسعة، واطلع اطلاعاً يندر أن يحيط به غيره، فليس من المستطاع سرد ما درسه من كتب، أو استجازه من مراجع. ومن يرجع إلى كتبه يدرك مدى ما كان عليه هذا الرجل من تنوّع في الثقافة، واتساع فيها. وقد برع في كل ذلك تقريبا، وصنَّف ودرَّس فيه. ولا غرو أنْ رأينا بعض كُتَّاب التراجم
(4)
يعرِّف به فيقول: مفسر، محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، أديب، نحوي، منطقي، متكلم، حكيم.
(5)
.
عقيدته:
قرر الشوكاني مذهب السلف الصالح من هذه الأمة، وبيَّن أنه المذهب الحق الذي يجب اتباعه، فقال: لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة، وإبراز الصفات كما جاءت، ورد علم المتشابه إلى الله سبحانه، وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم، المبنية على شفا جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوى والافتراء على العقل بما يطابق الهوى، ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الحديث والسنة، فإنها حينئذ حديث خرافة، ولعبة لاعب، فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه، وبالوعد والوعيد، والجنة والنار، والمبدأ والمعاد، إلا ما جاءت به الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- عن الله سبحانه
(6)
.
(1)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 768، و 772.
(2)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 771.
(3)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 772.
(4)
مثل: هدية العارفين ج 3/ ص 403، ومعجم المؤلفين ج 3/ ص 541، 542،.
(5)
انظر: مقدمة قطر الولي على حديث الولي ل. د. إبراهيم هلال ص 16، 17.
(6)
انظر: أدب الطلب ص 198.
وقال أيضا: الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا رحمهم الله وأرشدنا إلى الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم-يُمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يتأولون، وهذا المعلوم من أقوالهم، وأفعالهم، والمتقرر من مذاهبهم، لا يشك شاك في ذلك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزع بينهم نازع، أو نجم في عصرهم ناجم؛ أوضحوا للناس أمره؛ وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك له في المجامع والمحافل
(1)
.
وقد وافق الشوكاني السلف في جميع أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، ولم يخالفهم إلا في مسائل قليلة،
وكان رأيه في بعضها مضطربا بين كتاب وآخر كما في بعض الصفات. وتلك المسائل هي:
أولا: في توحيد الألوهية:
أجاز التوسل بالذات والجاه، وجعله كالتوسل بالعمل الصالح
(2)
، وهذا مخالف لما قرره ودعا إليه في عدد من كتبه من محاربة الشرك وسد الذرائع المؤدية إليه
(3)
.
ثانيا: في أسماء الله تعالى:
ذهب إلى جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته، سواء ورد التوقيف بها أو لم يرد، قال- عند شرح حديث"كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب"
(4)
-: (والمراد بتقليب القلوب تقليب أحوالها لا ذواتها، وفيه جواز تسمية الله بما ثبت من صفاته على وجه يليق به)
(5)
. لكنه لم يطبق هذه القاعدة في شيء من كتبه
(6)
.
ثالثا: في صفات الله تعالى:
1)
…
أوَّل بعض الصفات في تفسيره تأويلا أشعريا. والصفات التي أولها هي:
الوجه
(7)
، والعين
(8)
، واليد
(9)
، والعلو
(10)
، والمجيء
(11)
،
(1)
انظر: التحف في مذاهب السلف ص 17.
(2)
انظر: الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص 45، 46. وانظر مناقشة قوله في: منهج الشوكاني في العقيدة ص 311 - 338.
(3)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 856.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: 6253، ج 6/ ص 2445.
(5)
نيل الأوطار ج 9/ ص 122.
(6)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 856.
(7)
قال عند قوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)} [القصص: 88]: (أي إلا ذاته). فتح القدير ج 4/ ص 189. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 433 - 436.
(8)
قال عند قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)} [المؤمنون: 27]: (أي: اعمل السفينة متلبسا بأعيننا، أي: بمرأى منا، والمراد: بحراستنا لك، وحفظنا لك، وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية، والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب). فتح القدير ج 2/ ص 497. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 436 - 439.
(9)
قال عند قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
…
شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [الملك: 1]: (واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء). فتح القدير ج 5/ ص 258. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 440 - 447.
(10)
قال عند قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
…
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} [البقرة: 255]: (والعلي: يراد به علو القدرة والمنزلة). فتح القدير ج 1/ ص 272. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 425 - 433.
(11)
قال عند قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22]: (أي: جاء أمره وقضاؤه وظهرت آياته). فتح القدير ج 5/ ص 440. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 454 - 460.
والإتيان
(1)
، والمحبة
(2)
، والغضب
(3)
. وهذا المنهج مناقض
(4)
لمنهجه في رسالته: (التحف) في إثبات الصفات على ظاهرها من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل- وهو مذهب السلف رضوان الله عليهم- حيث قال: مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم، هو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل. وكانوا إذا سال سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل، وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا، ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف، ولا نتكلم بما لا نعلمه، ولا أذن الله لنا بمجاوزته. فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه، ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين
(5)
.
(1)
قال عند قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)} [البقرة: 210]: (هل ينتظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة). فتح القدير ج 1/ ص 210. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 454 - 460.
(2)
قال عند قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
…
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)} [آل عمران: 31]: (ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران). فتح القدير ج 1/ ص 333. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 466 - 470.
(3)
قال عند قوله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)} [طه: 86]: (أي: يلزمكم وينزل بكم، والغضب: العقوبة والنقمة). فتح القدير ج 3/ ص 380. وانظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 466 - 470.
(4)
ولعل الذي أوقعه في هذا التناقض أنه وهو ينقل في تفسيره عن غيره من المفسرين فاته أن يدقق فيما ينقل.
(5)
انظر: التحف في مذاهب السلف ص 19.
2)
…
نهج منهج أهل التفويض في صفة المعية-في رسالته (التحف)، فلم يفسرها بمعية العلم، بل زعم أن هذا التفسير شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف
(1)
. وهذا مخالف لما ذهب إليه في تفسيره، وفي كتابه (تحفة الذاكرين) من أن هذه المعية معية العلم، ففسرها تفسير السلف
(2)
.
(3)
.
3)
…
في مسألة خلق القرآن لم يجزم برأي هل هو مخلوق أو غير مخلوق، قال:(والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله، والأمر لله سبحانه)
(4)
.
(5)
.
رابعا: في نواقض التوحيد:
1)
…
أجاز تحري الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين باعتبارها أماكن مباركة يستجاب الدعاء فيها
(6)
، وهذا مخالف لما قرره ودعا إليه في عدد من كتبه من سد الذرائع إلى الشرك في الأموات
(7)
.
2)
…
جعل الحلف بالقرآن كالحلف بمخلوق من مخلوقات الله
(8)
.
خامسا: في النبوات:
يرى التوقف في مسألة التفضيل بين الأنبياء والرسل
(9)
عليه السلام.
وقد كان الشوكاني يسلك طريقة السلف في الاستدلال لكل مسألة من مسائل العقيدة التي أثبتها، فيقدم الأدلة النقلية على العقلية، ويقدم المعنى الظاهر من النصوص على معنى المجاز منها، كما في كتابه (التحف)، إلا في مسألة المعية كما تقدم، وكذلك في تفسيره للاستواء وغيرها من الصفات التي أثبتها في تفسيره ولم يؤولها. أما ما يظهر في كتبه من اضطراب وتناقض في هذا الباب وغيره مما خالف فيه السلف فيمكن الاعتذار عنه بأنه نشأ وترعرع في بيئة زيدية
(10)
، وكانت دراسته داخلها ولم يخرج منها، فلعل الظروف المحيطة بهذه البيئة لم يتهيأ معها الاطلاع على كتب أئمة السلف.
(1)
انظر: المصدر السابق ص 28.
(2)
انظر قول الشوكاني عند شرح حديث "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني" في تحفة الذاكرين ص 13.
(3)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 461.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 397.
(5)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 857.
(6)
انظر قوله في تحفة الذاكرين ص 63.
(7)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 857.
(8)
انظر: المرجع السابق ص 501.
(9)
انظر قول الشوكاني في فتح القدير ج 1/ ص 269، وانظر مناقشته في منهج الشوكاني في العقيدة ص 857.
(10)
فرقة شيعية تنتسب إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنه (80 - 122 هـ)، تأثروا بالمعتزلة فقالوا بالعدل، ونفوا خلق الله لأفعال العباد بزعم نفي الجبر، وقالوا: إن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار. وهم يعطلون نصوص الصفات الذاتية والفعلية لله تعالى تحت دعوى التوحيد. وهذه الفرقة من أكثر فرق الشيعة اعتدالا بالنسبة لغيرهم، لكن انحرفت فرق الزيدية ما عدا الهادوية؛ فوافقوا الرافضة في رفض خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، وتبرؤوا من عثمان صدق الله العظيم، وقالوا بعصمة الأئمة. وما زال اليمن معقل الزيود ومركز ثقلهم. انظر: الفرْق بين الفِرَق لعبد القادر البغدادي ص 25 وما بعدها، والملل والنحل ج 1/ ص 155 وما بعدها، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ص 76 وما بعدها.
هذا، وقد أخطأ الشوكاني فيما أخطأ، ولا يقال إلا أنه من البشر يخطئ كما يخطئون ويصيبون
(1)
.
مذهبه:
تخلى الشوكاني في سن مبكرة عن التمذهب، وتحلى بمنصب الاجتهاد، وأصبح لا يتقيد
بمذهب معين، بل اعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة مجتهدا في فهم نصوصها، ولو خالف مذهب الزيدية، أو المذاهب الأربعة كلها
(2)
.
وقد ذكر في ترجمته لنفسه أنه ترك التقليد، واجتهد رأيه اجتهاد مطلقا غير مقيَّد وهو قبل الثلاثين
(3)
. ودعا إلى مذهبه الاجتهادي، وقرر أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره، والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ورأي، وإهمال ما عداه، من أعظم ما حدث في هذه الأمة من البدع والضلالة
(4)
.
الاجتهاد والتقليد عند الشوكاني:
التقليد لغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى ذلك قلادة. ومنه تقليد البدن بأن يجعل في عنقها شعارا يعلم به أنها هدي
(5)
.
ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه، كما قال لقيط الإيادي
(6)
:
وقلدوا أمركم لله دركم
…
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
(7)
.
وفي عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير معرفة دليله
(8)
.
أو العمل بقول الغير من غير حجة
(9)
. أخذا من المعنى اللغوي، كأن المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشه به في دينه، أي يجعله طوقا في عنقه
(10)
.
وقد عني الشوكاني بأمر التقليد كثيرا؛ فكتب فيه كتابه: (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد)، وكتاب:(أدب الطلب ومنتهى الأرب)، وقد أشار الشوكاني لهذين الكتابين عند تفسير قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)} [المائدة: 104] قال: (وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه، والبحث في ذلك يطول، وقد أفردته بمؤلف مستقل سميته: القول المفيد في حكم التقليد، واستوفي الكلام فيه في أدب الطلب ومنتهى الأرب)
(11)
.
(1)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 857.
(2)
انظر: المرجع السابق ص 118.
(3)
انظر: البدر الطالع ج 2/ ص 776.
(4)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 118.
(5)
انظر: مادة (قلد) في لسان العرب ج 3/ ص 366، 367، والقاموس المحيط ج 1/ ص 398.
(6)
هو لقيط بن يعمر، شاعر جاهلي قديم، مقل، ليس يعرف له شعر غير هذه القصيدة ومطلعها: يا دار عمرة من محتلِّها الجَرَعا، وقطع من الشعر لطاف متفرقة، انظر: الأغاني ج 22/ ص 357 وما بعدها.
(7)
انظر: الأغاني ج 22/ ص 357.
(8)
انظر: البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270، ومذكرة في أصول الفقه ص 487.
(9)
انظر: روضة الناظر ج 2/ ص 496، و البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270، والسيل الجرار ج 1/ ص 6، وإرشاد الفحول ص 597، وفتح القدير ج 3/ ص 399.
(10)
انظر: البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270، ونزهة الخاطر شرح روضة الناظر ج 2/ ص 496.
(11)
فتح القدير ج 1/ ص 167، 168.
كما تحدث عن التقليد أيضا في مقدمة كتابه: (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)، وكذلك في مواطن كثيرة من تفسيره
(1)
، وهو القائل:(وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا-يعني التقليد- والتحذير منه والتنفير عنه)
(2)
.
وفي حكم التقليد خلاف دائر بين الجواز والمنع، ولكل دليله
(3)
.
وقبل الحكم على ما ذهب إليه الشوكاني في حكم التقليد ينبغي التنبه إلى أمور:
الأول: أن الشوكاني يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة.
فالمتتبع لكلام الشوكاني -في تفسيره- عن التقليد والمقلدين يظهر له أنه يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة، وقد نص على هذا في مواضع كثيرة، منها:
1 -
قال الشوكاني: - عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} [الأنفال: 24]- (على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به، كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي، وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان)
(4)
.
(1)
والمواضع هي: البقرة: 22 (ج 1/ ص 50.)، البقرة: 120 (ج 1/ ص 135)، البقرة: 170 (ج 1/ ص 167)، آل عمران: 64 (ج 1/ ص 348)، المائدة: 104 (ج 2/ ص 82)، الأعراف: 28 (ج 2/ ص 198، 199)، الأنفال: 24 (ج 2/ ص 299)، التوبة: 31 (ج 2/ ص 353)، يونس: 39 (ج 2/ ص 446)، يونس: 59 (ج 2/ ص 455)، يونس: 78 (ج 2/ ص 465)، إبراهيم: 22 (ج 3/ ص 103)، النحل: 116 (ج 3/ ص 201)، الإسراء: 36 (ج 3/ ص 227)، الأنبياء: 7 (ج 3/ ص 399)، الأنبياء: 53 (ج 3/ ص 412)، المؤمنون: 24 (ج 3/ ص 481)، المؤمنون 81 (ج 3/ ص 494)، الشعراء: 74 (ج 4/ ص 104)، الأحزاب: 67 (ج 4/ ص 306)، لقمان: 21 (ج 4/ ص 241)، والزخرف: 22 (ج 4/ ص 552، 553).
(2)
انظر: فتح القدير ج 4/ ص 306.
(3)
انظر للتوسع في ذلك: الإحكام في أصول الأحكام ج 4/ ص 212 وما بعدها، والبحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270 وما بعدها، والمسودة في أصول الفقه ص 304 وما بعدها، وأعلام الموقعين ج 4/ ص 210 وما بعدها، وإرشاد الفحول ص 596 وما بعدها، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 354 وما بعدها.
وينبغي التنبه لأمور في قول من قال بالجواز:
1 -
من أجاز التقليد فإنه بلا شك لم يجز التقليد المخالف للكتاب والسنة، ولا التعصب في التقليد المفضي لترك الحق، وللنزاع بين الأمة.
2 -
قد يكون قصد من أجاز التقليد إنما عني به الاتباع أي قبول قول الغير بالدليل، فيكون الاختلاف في التسمية، فالشوكاني يسميه اتباعا وغيره يسميه تقليدا.
3 -
من أجاز التقليد أجازه لأن الاجتهاد لا يستطيعه كل أحد، والشوكاني يتفق معهم في هذا فإنه أوجب الاجتهاد على القادر، ومنعه من التقليد، وأجاز لغير القادر اتباع قول الغير بمعرفة الدليل.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 299.
2 -
قال الشوكاني: - عند قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [التوبة: 31]- (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه؛ هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة)
(1)
.
الثاني: لا يلام الشوكاني في تشنيعه على التقليد؛ إذ نشأ في بيئة زيدية، ودرس وتفقه على علمائها، لكنه ترك التمذهب، واعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة
(2)
. وكان في زمانه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، وكان الشوكاني إماما مجتهدا، ينبذ التقليد، ويحاربه محاربة شديدة؛ لذا كان شديد الإنكار على التقليد، محاربا له بلسانه، وبنانه. ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة؛ لذا جعل كلامه في السيل الجرار في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد
(3)
.
فكأن ذمه للتقليد دعوة للبحث عن الحق، وتحذير من التعصب في التقليد، وتنبيه لما يفضي إليه من نزاع بين أفراد الأمة.
قال الشوكاني: كان الجاهل في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فيفتيه به، ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حتى استدرج الشيطان بذريعة التقليد من استدرج، ولم يكتف بذلك حتى سول لهم الاقتصار على تقليد فرد من أفراد العلماء، وعدم جواز تقليد غيره، ثم توسع في ذلك، فخيل لكل طائفة أن الحق مقصور على ما قاله إمامها، وما عداه باطل، ثم أوقع في قلوبهم العداوة والبغضاء حتى إنك تجد من العداوة بين أهل المذاهب المختلفة ما لم تجده بين أهل الملل المختلفة
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 353. وانظر مثله في: فتح القدير ج 1/ ص 135، وج 2/ ص 83، وج 2/ ص 198، وج 3/ ص 103، وج 4/ ص 552.
(2)
مستفاد من: اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير عرضا ودراسة، من أول سورة الكهف إلى نهاية سورة الناس، -رسالة دكتوراه- لـ. د. فايز حبيب الترجمي، ص 20.
(3)
انظر: أبجد العلوم ج 3/ ص 203.
(4)
انظر: القول المفيد ص 38، 39.
الثالث: أنه فرَّق بين التقليد والاتباع
(1)
. فجعل من عرف دليل من أخذه عنه متبعا لا مقلدا.
قال الشوكاني: (وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
…
لَا تَعْلَمُونَ (7)} [الأنبياء: 7]. فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يبينون له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده، فإن معنى هذا السؤال الذي شرع الله هو السؤال عن الحجة الشرعية، وطلبها من العالم؛ فيكون راويا وهذا السائل مسترويا، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم، ولا يطالبه بالحجة. فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد)
(2)
.
ولأن الآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد؛ رد استنباط من استنبط جواز التقليد من قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
…
لَا تَعْلَمُونَ (7)} فقال: (وقد اُستدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم؛ لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته)
(3)
.
الرابع: ليس في منعه من التقليد تكليف للأمة بما لا يطيقون، إنما مراده أن يبذل كل أحد وسعه في معرفة الحق. وعلى الجاهل الذي لا يفهم ألفاظ الكتاب والسنة أن يسأل من يفطن ذلك، وحينها يكون السائل عاملا بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول، ويرتفع عنه وصف التقليد المذموم.
قال الشوكاني: (على أني أقول بعد هذا
(4)
إن من كان عاطلا عن العلوم الواجب عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن نصوص الكتاب والسنة في الأمور التي يجب عليه من عبادة أو معاملة، وسائر ما يحدث له؛ فيقول لمن يسأله: علمني أصح ما ثبت في ذلك من الأدلة حتى أعمل به، وليس هذا من التقليد في شيء؛ لأنه لم يسأل عن رأيه بل عن روايته، ولكنه لما كان لجهله لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك، فهو عامل بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول)
(5)
.
(1)
الاتباع: هو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله. انظر: القول المفيد ص 37، و 60، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 356.
(2)
القول المفيد ص 88.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 399.
(4)
أي قوله: (والذي أدين الله به أنه لا رخصة لمن علم من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف، وشطر من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاع على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعمل بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحق بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بين الصحيح وغيره، مع البيان لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العمل بما كان كذلك من السنة، ولا يحل التمسك بما يخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحدا أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب أو السنة
…
). البدر الطالع 640 وما بعدها.
(5)
البدر الطالع ص 643. عند ترجمة محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى.
ولذا رد الشوكاني قول من قال: لو كان التقليد غير جائز؛ لكان الاجتهاد واجبا على كل فرد من أفراد العباد، وهو تكليف ما لا يطاق؛ فإن الطباع البشرية متفاوتة، وعلى فرض إنها قابلة له جميعها فوجوب تحصيله على كل فرد يؤدي إلى تبطيل المعايش التي لا يتم بقاء النوع بدونها؛ فحينئذ يشتغل الحراث والزراع والنساج والعمار ونحوهم بالعلم وتبقى هذه الأعمال شاغرة معطلة. فرد بقوله:(ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمر دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش، والقاصرون إدراكا وفهما، كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون، والذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فيفتيه به ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد؛ فإن تفهم دقائق علم الرأي أصعب من تفهم الرواية بمراحل كثيرة، فما طلبنا من هؤلاء العوام إلا ما هو أخف عليهم مما طلبه منهم الملزمون لهم بالتقليد، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)
(1)
.
ومما يدل أيضا على أنه لم يطالب الأمة بما لا يطيقون أنه نبه على حكم التقليد في الأصول بما لا يشق على أفراد هذه الأمة؛ فكما راعى حالهم في معرفة الفروع راعى حالهم في معرفة الأصول، فقال: -ردا على من قال: لا يكون المرء مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين- (فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه. وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله -وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته)
(2)
. ثم نبه على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي
(3)
.
(4)
.
(1)
القول المفيد ص 38، 39.
(2)
إرشاد الفحول ص 599.
(3)
انظر: المصدر السابق ص 600.
(4)
ويؤيد هذا الحكم في الأصول قول أبي عمرو بن الصلاح -في حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه الذي سأل النبي عن خالق السماء والأرض، وناصب الجبال، ثم سأله عن أركان الإسلام، ثم ولى قائلا: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لئن صدق ليدخلن الجنة"-: (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية). نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 1/ ص 171. وتمام الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل؛ فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة". أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم وقوله تعالى: {وقل رب زدني علما} ، رقم: 63، ج 1/ ص 35. ومسلم -واللفظ له- في كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام، رقم: 12، ج 1/ ص 41.
فإذا تقررت هذه الأمور، وعرفت؛ تبين صواب قول الشوكاني بمنع التقليد، والله تعالى أعلم.
(1)
.
ومذهب الشوكاني في التقليد هو مذهب من سبقه من المجددين والمصلحين، كالأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية
(2)
، وتلميذه ابن القيم، وصاحب الدعوة السلفية في نجد الإمام محمد بن عبد الوهاب
(3)
، وغيرهم
(4)
.
شيوخه:
تقدم أن الشوكاني نشأ في صنعاء التي كانت حينذاك مدينة علمية، تعقد في مساجدها الحلقات الدراسية التي يتولى التدريس فيها مشايخ العلم في مختلف العلوم الإسلامية والعربية.
ومن شيوخه:
1 -
أحمد بن عامر الحدائي (1127 - 1197 هـ)
(5)
.
الفقيه الفرضي، عالم عصره، تصدر لتدريس علم الفقه والفرائض في جامع صنعاء، وقد قرأ عليه الشوكاني في الفقه والفرائض.
2 -
السيد إسماعيل بن الحسن المهدي (1120 - 1206 هـ)
(6)
.
(1)
وانظر: مزيد توضيح لهذه المسألة عند دراسة استنباط منع التقليد في المواضع التالية -من هذا البحث-: البقرة: 22 (فتح القدير ج 1/ ص 50)، والبقرة: 170 (ج 1/ ص 167)، والأنفال: 24 (ج 2/ ص 299)، والتوبة: 31 (ج 2/ ص 353)، والأحزاب: 67 (ج 4/ ص 306))، والزخرف: 22 (ج 4/ ص 552، 553).
(2)
شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمِيَّة الحراني، الحنبلي، أقبل على تفسير القرآن، وبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والجبر، وغيرها من العلوم، تأهل للفتوى، والتدريس، وله دون العشرين سنة، له تصانيف جاوزت حد الكثرة، توفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة معتقلا بقلعة الشام. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1، ص 45 - 49، وشذرات الذهب ج 6، ص 80، 81،.
(3)
المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي، درس على والده الفقه الحنبلي، والتفسير، والحديث، وعكف على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، فزادته علماً، وبصيرة، وعزيمة على الدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك ووسائله، له مصنفات أكثرها رسائل مطبوعة منها:"كتاب التوحيد"، "كشف الشبهات"، توفي سنة 1206 هـ. انظر: الأعلام ج 6، ص 257، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه، لأحمد آل أبو طامي، ص 22 - 61.
(4)
انظر: منهج الشوكاني في العقيدة ص 121، 122.
(5)
انظر: البدر الطالع ج 1/ ص 93، ومقدمة تحقيق فتح القدير لعبد الرحمن عميرة ص 22.
(6)
انظر: المصدر السابق ج 1/ ص 177، 178، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص 22.
كان يسمى سيبويه عصره، وهو شيخ الشوكاني في العربية. واشتهر على الألسن أنه من افتتح طلبه عليه في علم العربية.
3 -
عبد الرحمن بن الحسن الأكوع (1135 - 1206 هـ)
(1)
.
شيخ الفروع ومحققها، وسمع عليه الشوكاني صحيح البخاري.
4 -
عبد القادر بن أحمد الكوكباني (1135 - 1207 هـ)
(2)
.
العلامة المجتهد المطلق في كل الفنون كما وصفه الشوكاني، قرأ عليه الشوكاني في مختلف الفنون، وكان بينهما مكاتبات أدبية من نظم ونثر.
5 -
علي بن إبراهيم بن أحمد بن عامر (1143 - 1207 هـ)
(3)
.
كان إماما في جميع الفنون، ليس له نظير في حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والإسلام كما وصفه الشوكاني.
6 -
الحسن بن إسماعيل المغربي (1140 - 1208 هـ)
(4)
.
عالم النحو والصرف والمعاني والبيان والفقه والتفسير والحديث، قرأ عليه الشوكاني بعض كتب الحديث.
7 -
القاسم بن يحيى الخولاني (1162 - 1208 هـ)
(5)
.
قال عنه الشوكاني: شيخنا العلامة الأكبر، برع في جميع العلوم، وفاق الأقران. وقد لازمه الشوكاني وانتفع به في أوائل الطلب.
8 -
صدِّيق علي المزجاجي الحنفي (1150 - 1209 هـ)
(6)
.
قرأ وتفقه في الحديث حتى صار علما في هذا الفن، وحجة في علوم الحديث، وهو مع هذا محقق في فقه الحنفية، شيخ الشوكاني بالإجازة في الحديث وغيره.
9 -
والده علي بن محمد الشوكاني (1130 - 1211 هـ)
(7)
.
قرأ عليه الفقه في أيام الصغر.
10 -
أحمد بن محمد القابلي الحرَازي (1158 - 1227 هـ)
(8)
.
شيخ الفروع وأستاذ الفقه والأصول، برز في الفقه والفرائض، لازمه الشوكاني في الفقه ثلاث عشرة سنة، وقرأ عليه الفرائض أيضا.
تلاميذه:
تتلمذ على الشوكاني جماعة كبيرة من فضلاء العلماء، وأعلام المحققين، منهم:
1 -
أخوه يحيى بن علي الشوكاني (1190 - 1267 هـ)
(9)
.
(1)
انظر: المصدر السابق ج 1/ ص 373، 374.
(2)
انظر: المصدر السابق ج 1/ ص 399 - 406، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص 22.
(3)
انظر: المصدر السابق ج 1/ ص 456 - 460، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص 23.
(4)
انظر: المصدر السابق ج 1/ ص 231 - 233.
(5)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 607، 608.
(6)
انظر: المصدر السابق ج 1/ ص 332، 333، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص 22.
(7)
انظر: المصدر السابق ج 2/ 518 - 524.
(8)
انظر: المصدر السابق ج 1/ 125 - 127.
(9)
انظر: المصدر السابق ج 2/ 891، 892.
أجازه الشوكاني إجازة عامة في جميع مؤلفاته، وجميع ما لهُ من نظم ونثر. ووصفه بأنه جيِّد النظم إلى الغاية القصوى.
2 -
محمد بن حسين الشجني الذماري (1200 - 1286 هـ)
(1)
.
درس على الشوكاني، واختص به، وأجازه الشوكاني إجازة عامة.
3 -
محمد بن أحمد بن سعد السودي (1178 - 1236 هـ)
(2)
.
لازم الشوكاني في أول طلبه، وقرأ عليه في العربية، والأصول، والحديث.
4 -
لطف الله بن أحمد جحاف (1189 - 1223 هـ)
(3)
.
لازم الشوكاني دهرا طويلا، وقرأ عليه في النحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والتفسير، والحديث، والأصول والفقه، قال عنه الشوكاني:(صار من أعيان علماء العصر وهو في سن الشباب).
أعماله:
1) اشتغاله بالتدريس:
اشتغل الشوكاني بالتدريس في أيام الطلب، وكان في أثناء دراسته يُلقي ما يأخذه عن مشايخه إلى تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن أساتذته، ومنها ما يلقيه على تلاميذه. ثم تفرغ لإفادة طلاب العلم، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دروس -كما قال في ترجمته لنفسه- في فنون متعددة كالتفسير والحديث والأصول والمعاني والبيان والمنطق
(4)
.
2) مباشرته للإفتاء:
بدأ الشوكاني بالإفتاء في أيام قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته، وكان في العشرين من عمره، وكان يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن وفد إليها. ومما يدل على سعة علمه، وعلو كعبه أن الفتاوى ترد إليه وشيوخه إذ ذاك أحياء.
وكادت الفتيا تدور عليه من عوام الناس وخواصيهم، واستمر يفتي من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك، وكان لا يأخذ على الفتيا شيئا تنزها، فإذا عوتب في ذلك قال: أنا أخذت العلم بلا ثمن فأريد إنفاقه كذلك
(5)
.
(1)
انظر: الشوكاني مفسرا ص 81، ومقدمة تحقيق فتح القدير ص 23.
(2)
انظر: البدر الطالع ج 2/ ص 656 - 659.
(3)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 614 - 625.
(4)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 771، 772.
(5)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 772.
3) قيامه بالدعوة الإصلاحية:
يمكن بيان دعوة الشوكاني التجديدية الإصلاحية في ثلاثة خطوط:
1 -
دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد.
2 -
دعوته إلى العقيدة السلفية.
3 -
دعوته إلى تطهير العقيدة، وتنقيتها من مظاهر الشرك الخفي
(1)
.
4) توليه القضاء العام:
قال عن نفسه إنه ابتلي بالقضاء في مدينة صنعاء بعد موت من كان متوليا للقضاء الأكبر بها، وكان إذ ذاك مشتغلا بعلوم الاجتهاد، والإفتاء، والتصنيف، فلم يشعر إلا بطلاب الخليفة يطالبونه بتولي منصب القضاء؛ فتردد لفترة طويلة، ثم تلقى إلحاحا من كبار العلماء والأعيان، وأجمعوا على أن الإجابة واجبة؛ فقبل. وكان في السادسة والثلاثين من عمره
(2)
.
آثاره العلمية ومؤلفاته:
بذل الشوكاني في التأليف جهدا عظيما، فمع اشتغاله بالتدريس، والإفتاء لم يتوقف عن التأليف. وكان يؤلف كتبه لأهداف محددة
(3)
ذكرها بقوله: وإنما التصنيف الذي يستحق أن يقال له تصنيف، والتأليف الذي ينبغي لأهل العلم الذين أخذ الله عليهم بيانه، وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه، وهو أن ينصروا فيه الحق، ويخذلوا به الباطل، ويهدموا بحججه أركان البدع، ويقطعوا به حبائل التعصب، ويوضحوا فيه للناس ما نزل إليهم من البينات والهدى، ويبالغوا في إرشاد العباد إلى الإنصاف فيحببوا إلى قلوبهم العمل بالكتاب والسنة، وينفروهم من اتباع محض الرأي، وزائف المقال، وكاسد الاجتهاد
(4)
.
وذكر الشوكاني في ترجمته لنفسه عددا كبيرا من مؤلفاته بلغ عددها ستة وتسعين كتابا ورسالة
(5)
، ثم قال:(هذا ما أمكن خطوره بالبال حال تحرير هذه الترجمة، ولعل ما لم يُذكر أكثر مما ذكر)
(6)
.
واختلف الباحثون في عدد مؤلفاته، فقيل: هي مائة وواحد وخمسون (151) كتابا مخطوطا
ومطبوعا
(7)
، وقيل: هي مائة وستون (160) كتابا
(8)
، وأما صاحب رسالة:(الإمام الشوكاني مفسرا) فقد حصر كتبه المخطوطة والمطبوعة، وقال: إنها مائتان وسبعة وعشرون (227) كتابا وبحثا ورسالة
(9)
. والأظهر ما ذكره صاحب كتاب: (الإمام الشوكاني حياته وفكره) من أن مؤلفاته تصل إلى مائتين وثمانية وسبعين (278) مؤلفا مخطوطا ومطبوعا، منها: مائتان وأربعون (240) مخطوطا، و ثمانية وثلاثون (38) مؤلفا مطبوعا
(10)
.
(1)
انظر: مقدمة تحقيق قطر الولي، وفيها تفصيل هذه الخطوط ص 20 - 38.
(2)
انظر: البدر الطالع ج 2/ ص 777.
(3)
انظر: المصدر السابق ج 2/ ص 777.
(4)
انظر: أدب الطلب 159.
(5)
وانظر ضبط هذا العدد في الإمام الشوكاني حياته وفكره ص 193.
(6)
البدر الطالع ج 2/ ص 776.
(7)
انظر: مقدمة قطر الولي ص 46 - 62.
(8)
قاله د. أحمد الحكمي صاحب رسالة (الإمام الشوكاني أديبا وشاعرا). ونقله عنه مؤلف (الإمام الشوكاني حياته وفكره) ص 193، 194.
(9)
انظر: ص 83 - 102.
(10)
انظر: ص 229. وقد اسقصاه المؤلف جميعا فذكر قائمة بأسماء مؤلفاته، وبيان ما يتعلق بها. انظر: ص 194 - 229.
ومن أشهر مؤلفاته:
1) إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.
2) أدب الطلب ومنتهى الأرب.
3) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول.
4) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.
5) تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين.
6) التحف في الإرشاد إلى مذهب السلف.
7) الدرر البهية في المسائل الفقهية.
8) الدراري المضيئة شرح الدرر البهية.
9) در السحابة في مناقب الصحابة والقرابة.
10) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار.
11) شرح الصدور بتحريم رفع القبور.
12) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير.
13) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.
14) قطر الولي على حديث الولي.
15) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد.
16) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.
(1)
.
شعره وأدبه:
الشوكاني شاعر أديب. وصف بعض نظمه بأنه اشتمل على مباحث علمية وأدبية، والقيام في نصرة الحق، وتنشيط النفس على لزوم العزة، وحفظ شرف العلم، وصيانته عن أن يبتذل أو يمتهن، والحث على الاجتهاد، والتنفير من التقليد، والحض على الإنصاف، وعدم التعصب
(2)
.
ونبَّه الشوكاني إلى أنه كان ينظم الشعر في بعض المواطن، فقال في ترجمته لنفسه:(وربما قال الشعر إذا دعت لذلك حاجة، كجواب ما يكتبه إليه بعض الشعراء من سؤال، أو مطارحة أدبية، أو نحو ذلك)
(3)
.
وقد جمع ابنه أحمد (ت: 1281 هـ) شعر والده في ديوان سماه: أسلاك الجوهر، وفيه ما يربو على 2600 بيت
(4)
.
ومن شعره قوله:
أود بأن أعيش لنشر علم
…
قطعت به الشبيبة والمشيبا
وصنفت الدفاتر فيه حتى
…
إذا سهم الصواب بها مصيبا
وصارت مرجع الأعلام لما
…
رأوها مرتعا لهم خصيبا
(5)
.
وقال عن المقلدين:
فشمِّر على اسم الله في نشر سنة
…
لخير الورى فاصبر على ما تكابده
فإنك في دهر به قد تنكَّرت
…
من الدين فاعلم يا ابن ودي معاهده
إذا قلت: قال الله قال رسوله
…
يقولون: هذا مورد ضل وارده
فإن قلت: هذا قدَّرته مشايخ
…
يقولون: هذا عالم العصر واحده
أيُنكرُ معروف ويُعرفُ منكر
…
ويقبل في الدين المطهر جاحده
(6)
.
وقال أيضا في شأن التقليد:
قلبٌ تقلَّب في فنو
…
نٍ من جنون العشق طبعا
في ربا تلك المنازل
يذري دموع عيونه
…
مُحْمَرَّة وترا وشفعا
من هوى ظبي الخمائل
ما العيش إلا في ذرا الـ
…
أحباب والأتراب قطعا
كم على هذا دلائل
كم بين من يقضي بما
…
قام الدليل عليه قطعا
وفتى عن التحقيق عاطل
يروي من الرأي المجر
…
د كل فاقرة وشنعا
مقصوده قد قال قائل
كم بين ذاك وبين ذا
…
من غاية رفعا ووضعا
أين العقال من المعاقل
(7)
.
(1)
وفي كتابّي: الإمام الشوكاني حياته وفكره ص 194 - 229، ومنهج الشوكاني في العقيدة ص 101 - 116 تفصيل لأسماء مؤلفاته المخطوطة، والمطبوعة وبيان طبعاتها.
(2)
أثبته له ابنه أحمد في خطبة ديوان أسلاك الجوهر. انظر: ص 58.
(3)
البدر الطالع ج 2/ ص 777.
(4)
انظر: أسلاك الجوهر ص 55.
(5)
المصدر السابق ص 99.
(6)
المصدر السابق ص 129.
(7)
المصدر السابق ص 271، 272.
زهده:
كان منجمعا عن بني الدنيا، لم يقف بباب أمير، ولا قاض، ولا صحب أحدا من أهل الدنيا، ولا خضع لمطلب من مطالبها، بل كان مشتغلا في جميع أوقاته بالعلم درسا، وتدريسا، وإفتاء، وتصنيفا، عائشا في كنف والده
(1)
.
وفاته:
توفي الشوكاني-رحمه الله تعالى- بصنعاء في جمادى الآخرة سنة ألف ومائتين وخمسين للهجرة (1250 هـ) عن سبع وسبعين سنة
(2)
.
رابعاً: التعريف بتفسير (فتح القدير) للشوكاني.
تفسير الشوكاني (فتح القدير) فريد في بابه، حوى جواهر ابن جرير، وعمق القرطبي، وإيجاز ابن عطية
(3)
، وتدقيق ابن كثير، ودرر السيوطي، وألمعية الشوكاني
(4)
. وهو وحيد من حيث جمعه، وترتيبه، وحسن أدائه، واستيعابه لأنواع علوم القرآن، وجمعه بين الدراية والرواية
(5)
.
وعنوان هذا الكتاب يشرح الطريقة، فلم يقتصر على التفسير بالمأثور، ولم يجعل همه العقليات بل هو تفسير يجمع بين الرواية التي هي إيراد المأثورات، والدراية التي هي إبداء الرأي بعد الفهم والتأمل في الآية
(6)
.
وأحسن ما يبين طريقة الشوكاني في تفسيره ما قاله هو عن طريقته فيه في مقدمة تفسيره، حيث قال: وطنت نفسي على سلوك طريقة هي بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبين لك إيرادها وإصدارها؛ فأقول: إن غالب المفسرين تفرقوا فريقين، وسلكوا طريقين:
الفريق الأول: اقتصروا في تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية.
والفريق الآخر: جرَّدوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأسا، وإن جاءوا بها لم يصححوا لها أساسا. وكلا الفريقين قد أصاب، وأطال، وأطاب، وإن رفع عماد بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما لا يتم بدونه كمال الانتصاب؛ فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان المصير إليه متعينا، وتقديمه متحتما، غير أن الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن، ولا يختلف في مثل ذلك من أئمة هذا الشأن اثنان، وأما ما كان منها ثابتا عن الصحابة رضي الله عنهم فإن كان من الألفاظ التي قد نقلها الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب، فبالأولى تفاسير من بعدهم من التابعين، وتابعيهم، وسائر الأئمة. وأيضا كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية، ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي تتبين بها دقائق العربية وأسرارها، كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير باللغة لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه. وأيضا لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن السلف، بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن، ولا اعتبار بما لم يصح كالتفسير المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه، وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي وطنت نفسي عليه، والمسلك الذي عزمت على سلوكه إن شاء الله، مع تعرضه للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي والإعرابي والبياني بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم، أو الأئمة المعتبرين. وقد أذكر ما في إسناده ضعف إما لكون في المقام ما يقويه، أو لموافقته للمعنى العربي، وقد أذكر الحديث معزوا إلى راويه من غير بيان حال الإسناد؛ لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها، كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفا ولا يبينونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن؛ لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك كما يقع منهم كثيرا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها، ويعزون ما في تفاسيرهم إليها؛ فلينظر في أسانيدها موفقا إن شاء الله. واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور قد اشتمل على غالب ما في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتفاسير الصحابة، ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لما تكرر لفظا واتحد معنى بقولي: ومثله، أو نحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها وجدتها في غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التي لاحت لي من تصحيح، أو تحسين، أو تضعيف، أو تعقب، أو جمع، أو ترجيح.
(1)
انظر: البدر الطالع ج 2/ ص 776.
(2)
انظر: هدية العارفين ج 3/ ص 403، ومعجم المؤلفين ج 3/ ص 541، والشوكاني مفسرا ص 72.
(3)
القاضي أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الغرناطي، كان فقيها، عالما بالتفسير، والأحكام، والفقه، والنحو، واللغة، والأدب، كانت له يد في النظم، والنثر، له في التفسير:"المحرر الوجيز". توفي سنة إحدى، أو ثنتين، أو ست وأربعين وخمسمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص 60، 61، وطبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 260، 261.
(4)
انظر: مقدمة تحقيق فتح القدير لعبد الرحمن عميرة ص 38.
(5)
انظر: الإمام الشوكاني مفسرا ص 166.
(6)
انظر: مناهج المفسرين لـ. د. منيع محمود ص 278.
فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب غرض الحق سهمه، واشتمل على ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فوائد وقواعد شوارد، فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة، انظر تفاسير المعتمدين على الرواية، ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين؛ فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب، وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب، ونهاية مآرب الألباب. وقد سميته: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
(1)
.
المنهج العام الذي اتبعه الشوكاني في تفسير الآيات:
يبدأ في تفسيره للآية أو الوحدة غالبا كما يلي:
1 -
فضائل السورة.
2 -
القراءة.
3 -
اللغة.
4 -
الإعراب ثم الشواهد.
5 -
أسباب النزول.
6 -
النسخ.
7 -
المعنى الإجمالي، وترجيح الأقوال.
8 -
الأحكام المستنبطة من الآية.
9 -
الختم بالأحاديث النبوية والآثار.
(2)
.
وهو مع هذا يذكر كثيرا المناسبات بين الآيات، وغيرها من أنواع المناسبات، ويدلي بدلوه؛ فيرجح، ويستظهر، ويستنبط، ويعطي نفسه حرية واسعة في الاستنباط؛ لأنه يرى نفسه مجتهدا لا يقل عن غيره من المجتهدين
(3)
. وكثيرا ما يقدم خلاصة لما تضمنته السورة قبل الشروع في تفسيرها
(4)
.
تقديم الدراية على الرواية:
إن قيل: كان الأولى تقديم الرواية على الدراية؛ فيمكن أن يُجاب على هذا بأن لتقديم الدراية وجوها:
الأول: أن الرواية التي يذكرها الشوكاني لا تستوعب كل ما في الآية مما يحتاج إلى تفسير، وكذلك لا تستوعب جميع الآيات، أما الدراية فهي بخلاف ذلك.
الثاني: أن بعض المروي ضعيف فلا يعتمد عليه.
الثالث: أنه قد يكون من باب ذكر الشيء ثم الاستدلال عليه، فلا يفهم من تقديم الدراية على الرواية الصحيحة تقديم الرأي على المأثور.
عناية الشوكاني بعلم المناسبات:
(1)
انظر: فتح القدير ج 1/ ص 12، 13.
(2)
انظر: الإمام الشوكاني مفسرا ص 165.
(3)
انظر: التفسير والمفسرون للذهبي ج 2/ ص 288.
(4)
كما في سورة الفرقان. انظر: الإمام الشوكاني مفسرا ص 166.
الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها، ويدل على هذا أمور:
الأول: أنه اعتنى في تفسيره كثيرا بأنواع المناسبات الداخلية، والخارجية، ومن هذه الأنواع:
1) مناسبة اختيار لفظة:
استنبط الشوكاني مناسبة اختيار لفظة محددة دون غيرها في بعض المواضع، ومن الأمثلة على ذلك:
أ - استنبط مناسبة اختيار لفظ البارئ في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)} [البقرة: 54]، فقال:(وفي ذكر البارئ إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره)
(1)
.
ب - استنبط مناسبة اختيار لفظ (يرجون) في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} [البقرة: 218]، فقال:(وقوله: {يَرْجُونَ} معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ)
(2)
.
2) المناسبة بين المقسم والمقسم به:
نبه الشوكاني على نوع هام من أنواع المناسبات هو التناسب والترابط بين المقسم به والمقسم عليه، إذ اختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف
(3)
.
ومثال ذلك: في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} [الذاريات: 7 - 8]. حيث قال: ({إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد صلى الله عليه وسلم بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 86. وانظر: الاستنباط رقم: 12.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 218. وانظر: الاستنباط رقم: 23.
(3)
انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم ج 1/ ص 25.
(4)
فتح القدير ج 5/ ص 83. وانظر: الاستنباط رقم: 196.
3) مناسبة ختم الآية:
فللشوكاني عناية باستنباط مناسبة ختم الآية لموضوعها، والآية قد تختم باسم من أسماء الله الحسنى، أو تختم بخاتمة تناسب موضوعها.
أولا: الأمثلة على مناسبة ختم الآية باسم من أسماء الله الحسنى:
أ - استنبط الشوكاني مناسبة ختم قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} [البقرة: 29] بأن الله بكل شيء عليم، فقال:(وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه)
(1)
.
ب - استنبط الشوكاني مناسبة ختم قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} [آل عمران: 129] بأن الله غفور رحيم، فقال: قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل)
(2)
.
ت - مناسبة ختم قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ
…
عَلِيًّا كَبِيرًا (34)} [النساء: 34] بأن الله علي كبير، قال الشوكاني رحمه الله: ({إِنَّ اللَّهَ كَانَ
…
عَلِيًّا كَبِيرًا (34)} إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة والله بالمرصاد لكم)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 61. وانظر: الاستنباط رقم: 6.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 378. وانظر: الاستنباط رقم: 42. وهذه المناسبة مما لم يذكره البقاعي.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 461. وانظر: الاستنباط رقم: 53.
ثانيا: مناسبة ختم الآية بخاتمة تناسب موضوعها.
أ - مناسبة ختم قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} [البقرة: 30] بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} ، قال الشوكاني رحمه الله:(ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقا بأن يسلم له ما يصدر عنه. وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة)
(1)
.
ب - مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا في قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)} [الأنعام: 97 - 98]، قال الشوكاني رحمه الله:(وذكر سبحانه هاهنا {يَفْقَهُونَ (98)}، وفيما قبله {يَعْلَمُونَ} ؛ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه؛ لإشعاره بمزيد تدقيق، وإمعان فكر)
(2)
.
4) المناسبة بين الآيات:
أ - مناسبة قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلا في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
…
حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
…
خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} [النساء: 125 - 126]، قال:({وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 63. وانظر: الاستنباط رقم: 7.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 144. وانظر: الاستنباط رقم: 72.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 519. وانظر: الاستنباط رقم: 59.
ب - مناسبة ذكر قصتي موسى عليه السلام، وعيسى عليه السلام بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ
…
بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)} [الصف: 4 - 6]، قال: (لما ذكر سبحانه أنه يحب المقاتلين في سبيله بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم
…
ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما)
(1)
.
5) المناسبة بين سورتين (مناسبة آخر سورة بفاتحة التي تليها):
كمناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج. قال الشوكاني: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ})
(2)
.
(3)
.
الثاني: أنه دعا إلى استخراج المناسبة،
وإعمال الفكر لمعرفتها. قال- عند قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143)} [الأنعام: 143]-: (وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن على الإبل والبقر، مع كون الإبل والبقر أكثر نفعا، وأكبر أجساما، وأعود فائدة، لا سيما في الحمولة والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو الوجه الأوضح في إعراب ثمانية)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 5/ ص 220. وانظر: الاستنباط رقم: 208.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 435. وانظر: الاستنباط رقم: 149.
(3)
وانظر غيرها من الأنواع في بحث: موقف الإمام الشوكاني في تفسيره من المناسبات د. أحمد الشرقاوي ص 45 وما بعدها.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 171.
الثالث: أنه أثنى في كتابه (البدر الطالع) على كتاب البقاعي
(1)
(نظم الدرر)
عند ترجمته له بقوله: (ومن أمعن النظر في كتاب المترجَم له في التفسير، الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور؛ علم أنه من أوعية العلم، المفرطين في الذكاء، الجامعين بين علمي المعقول والمنقول. وكثيرا ما يشكل علي شيء في الكتاب العزيز فأرجع إلى مطولات التفاسير ومختصراتها، فلا أجد ما يشفي، وأرجع إلى هذا الكتاب فأجد ما يفيد في الغالب)
(2)
. فهذا النص دال على أن الشوكاني أخذ عن البقاعي كثيرا، فقول الشوكاني:(فأجد ما يفيد في الغالب) دال على أنه يرتضي غالب ما عند البقاعي، لكنه يدل أيضا على أن بعض ما عند البقاعي لا يرتضيه الشوكاني ربما للتكلف فيه.
والشوكاني لم يكتف بالأخذ عن البقاعي بل استنبط مناسبات لم يذكرها البقاعي مما يدل على اعتنائه بذكر المناسبات. ومن المناسبات التي ذكرها الشوكاني ولم يذكرها البقاعي: مناسبة ختم قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} [آل عمران: 129] بأن الله غفور رحيم. قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل)
(3)
.
أما كلامه الشديد الذي ظاهره رد المناسبات، وهو قوله:(اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره، ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته، وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قبضه الله عز وجل إليه، وكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا، وتحليل أمر كان حراما، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى، وتارة مع من حضر، وحينا في عبادة، وحينا في معاملة، ووقتا في ترغيب، ووقتا في ترهيب، وآونة في بشارة، وآونة في نذارة، وطورا في أمر دنيا، وطورا في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية، ومرة في أقاصيص ماضية. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف؛ فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار، والملاح والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن، ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة. هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبا على هذا الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علما يقينا أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوة؛ فإنه ينثلج صدره، ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلا عن المطولة؛ لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة، وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} [العلق: 1]، وبعده {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
…
(1)} [المدثر: 1]{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} [المزمل: 1] وينظر وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف، وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخرا، وتأخر ما أنزله الله متقدما، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا، وأنزر ثمرته، وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات، وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس. وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا، وأخرى هجاء، وحينا نسيبا، وحينا رثاء، وغير ذلك من الأنواع المتخالفة، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد، والخطبة التي خطبها في الحج، والخطبة التي خطبها في النكاح، ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء، والإنشاء الكائن في الهناء، وما يشابه ذلك؛ لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله، متلاعبا بأوقاته، عابثا بعمره الذي هو رأس ماله، وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر، فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان، وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى به مجاريهم في الخطاب، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متحالفة، وطرائق متباينة، فضلا عن المقامين، فضلا عن المقامات، فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا، وكذلك شاعرهم. ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين، وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن؛ لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السلام، فإذا قال متكلف: كيف ناسب هذا ما قبله؛ قلنا: لا كيف.
(1)
هو برهان الدين، إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي، الشافعي، المفسر، المحدث، المؤرخ، صنف تصانيف كثيرة منها:"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، توفي سنة خمس وثمانين وثمانمائة للهجرة. انظر: شذرات الذهب ج 7/ ص 339، 340، ومعجم المؤلفين ج 1/ ص 49.
(2)
البدر الطالع ج 1/ ص 51.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 378. انظر هذا الاستنباط برقم: 42. وهذه المناسبة مما لم يذكره البقاعي.
فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل)
(1)
.
فإن قوله هذا لا يكفي للقطع بأنه من المعارضين لعلم المناسبة، كيف؟ وهو ينهج في تفسيره نهجا يشد أزر القائلين به، ولا يجد فرصة لإبراز النظام إلا وينتهزها، ويقف عندها. وإنما الذي حمله على تسجيل تلك الكلمات اللاذعة هو أن الذين تبنوا فكرة التناسب لم يتعاطوها على وجهها. فالمطلع على تلك الجهود يجدها كثيرا ما تخطئ الهدف، ويجد جزءا كبيرا منها يغلب عليه لون التكلف والتعسف، فهي أقرب إلى التكلفات منها إلى المناسبات. وهذا ما هيَّج الشوكاني وأثار حميته، وجعله يشدد القول
(2)
.
ومن الأمثلة على المناسبات التي يأباها الشوكاني:
1) ما ذكره البقاعي من مناسبة قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة: 163] لما قبله، فإن فيه تكلفا يأباه الشوكاني؛ ولذا استنبط مناسبة أخرى هي أقرب للصواب
(3)
.
2) مناسبة تخصيص الطير، والعدد أربعة بالذكر في قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)} [البقرة: 260]، قال الشوكاني:(وخص الطير بذلك قيل: لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان، وقيل: إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو، وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تسمن ولا تغني من جوع، وليست إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام الله، وعللا لما يرد في كلامه. وهكذا قيل: ما وجه تخصيص هذا العدد، فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد، فقيل: إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد العبودية فأعطي أربعا على قدر الربوبية، وقيل: إن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان، ونحو ذلك من الهذيان)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 72، 73.
(2)
انظر: إمعان النظر في نظام الآي والسور لمحمد سبحاني ص 37 و 39.
(3)
انظر قول البقاعي وموقف الشوكاني منه عند الاستنباط رقم: 18.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 282.
3) مناسبة إيراد قصة ابني آدم عليه السلام في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)} [المائدة: 27] فإن العلماء أطالوا فيها واختصر الشوكاني، فقال رحمه الله:(وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل)
(1)
. فهذا مثال آخر على عدم التكلف في المناسبة.
ولا يُعترض على هذا بأنه ربط بين موضوعين مختلفين؛ لأن ربطه لا تكلف فيه.
4) مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء في قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النحل: 97 - 98]، قال الشوكاني رحمه الله:(ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}
(2)
[النحل: من الآية 89]، والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 30. وانظر هذا الاستنباط برقم: 62.
(2)
وتمامها: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ
…
أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)}.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 193. وانظر هذا الاستنباط برقم: 128.
والقول الثاني هو قول القرطبي
(1)
. ولعل مخالفة الشوكاني القرطبي في ذكر المناسبة هنا مع إفادته كثيرا من تفسيره ما يدل على أن بعض المناسبات يأباها الشوكاني. ولعل هذا يصلح لأن يكون مثالا للتكلف الذي يأباه الشوكاني في تطلب المناسبة؛ لأن القول الثاني فيه ربط للآية بآية بعيدة عنها في الترتيب، وإهمال لمناسبتها للآية المتصلة بها.
بقي توجيه كلام الشوكاني المتقدم، والذي ظاهره أنه ينفي المناسبة، فالباحثة إيمان الصميل ذكرت أن الشوكاني بالغ في رد أمر ثم لم يستطع الانفكاك عنه، فظهر ذلك في تطبيقاته لعلم المناسبات في تفسيره
(2)
.
والأولى أن يحمل كلامه على المناسبات التي فيها تكلف، وتطلب ربط آيات بعيدة عن بعضها في الترتيب؛ لأن في كلامه ما يدل على أنه ينفي تطلب المناسبة بين الموضوعات المختلفة، والتي يصعب الوصول إلى معرفة وجه الربط بينها. أما ما عدا هذه الصورة فهو لا يرده ولا ينكره.
والقول بالمناسبة بين آيات مختلفة الموضوع فيه تكلف لا يليق بالعالم، قال ابن عاشور: الانتقال من غرض إلى غرض في آي القرآن لا تلزم له قوة ارتباط؛ لأن القرآن ليس كتاب تدريس يرتب بالتبويب، وتفريع المسائل بعضها على بعض، ولكنه كتاب تذكير وموعظة
…
فقد يجمع به الشيء للشيء من غير لزوم ارتباط، وتفرع مناسبة
(3)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 156.
(2)
انظر: علوم القرآن عند الشوكاني، رسالة ماجستير، ص 197.
(3)
انظر: التحرير والتنوير ج 2/ ص 443، 444.
•
الباب الأول:
منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره "فتح القدير"
وفيه ثلاثة فصول:
•
الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
• الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
• الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني.
•الفصل الأول:
أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
وفيه ثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط.
• المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.
• المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.
•
المبحث الأول:
الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط
وفيه ثمانية مطالب:
• المطلب الأول: الاستنباطات في التفسير.
• المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.
• المطلب الثالث: الاستنباطات العقدية.
• المطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية.
• المطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية.
• المطلب السادس: الاستنباطات اللغوية.
• المطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.
• المطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.
موضوعات الاستنباط عند الشوكاني.
تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني وتعددت، فمنها ما هو في علوم القرآن، ومنها ما هو في أصول الفقه، ومنها ما هو في العقيدة، ونحو ذلك من الموضوعات التي سيبينها هذا المبحث مفصلة. وفي هذا التنوع ما يدل على عناية الشوكاني بالاستنباط، كما فيه ما يدل على سعة علمه، وعميق فهمه.
وتفاوتت عدد الاستنباطات في كل موضوع من الموضوعات قلة وكثرة، وكانت أكثر الاستنباطات ورودا عند الشوكاني في تفسيره هي الاستنباطات في علوم القرآن بأقسامها، ثم تلتها الاستنباطات الفقهية. وسيأتي في نهاية المبحث- بإذن الله تعالى- بيان لهذه الأنواع مرتبة حسب ورودها عند الشوكاني.
المطلب الأول:
الاستنباطات في التفسير
تقدم بيان علاقة علم التفسير بالاستنباط
(1)
، والمقصود هنا بالاستنباطات في التفسير الاستنباطات الباطنة التي ترتقي في شدة قربها وظهورها من المعنى الظاهر.
وبهذا الاعتبار يمكن عد التفسير أحد موضوعات الاستنباط عند الشوكاني، وهو من الموضوعات الأقل ورودا عنده.
تنبيه:
لا يعد التفسير الموضوع الأصلي للاستنباط، بل لابد أن يكون للاستنباط موضوعه الأصلي من فقه، أو عقيدة، أو تربية، أو نحو ذلك، ويكون التفسير موضوعا ثانيا للاستنباط من جهة شدة ارتباطه بمعنى الآية، فلا يستقل التفسير بأن يكون موضوعا للاستنباط.
أمثلة على الاستنباطات في التفسير:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221] تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة
(2)
؛ فقال رحمه الله: (قوله: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ} أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى)
(3)
.
(1)
انظر التمهيد ص 31 - 34.
(2)
انظر: الاستنباط رقم 24.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 224.
فموضوع هذا الاستنباط العقيدة، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)} [الإسراء: 23] نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل، أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها
(1)
؛ فقال- رحمه الله: (
…
والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول)
(2)
.
فموضوع هذا الاستنباط التربية، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} [الإسراء: 32] أن في النهي عن قربان الزنا بمباشرة مقدماته نهيا عنه بالأولى
(3)
؛ فقال رحمه الله: (
…
وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب)
(4)
.
فموضوع هذا الاستنباط الفقه، ويصلح أن يكون استنباطا في التفسير أيضا لشدة تعلقه بمعنى الآية.
(5)
(1)
انظر: الاستنباط رقم 132.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 218.
(3)
انظر: الاستنباط رقم 134.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 223.
(5)
وانظر المثال الرابع في سورة النور: 31، الاستنباط رقم:157.
المطلب الثاني:
الاستنباطات في علوم القرآن
الاستنباطات في علوم القرآن هي أكثر موضوعات الاستنباط ورودا عند الشوكاني في تفسيره.
وقد جاءت الاستنباطات في ثلاثة علوم من علوم القرآن، وترتيبها حسب الأكثر ورودا على النحو التالي: المناسبات، ثم قصص القرآن، ثم معاني التكرار.
أولا: الاستنباطات في المناسبات
(1)
.
(1)
تقدم في التمهيد في آخر الحديث عن تفسير الشوكاني الحديث عن عنايته بالمناسبات بتوسع.
اعتنى الشوكاني بالمناسبات الداخلية، والخارجية؛ ولذا تنوعت الاستنباطات في المناسبات عنده إلى أنواع:
•
الاستنباطات في المناسبات الداخلية (داخل السورة):
1 - مناسبة اللفظ
(1)
.
ومثال ذلك: مناسبة تخصيص هارون عليه السلام لفظ (الأم) بالإضافة في مناداته لموسى عليه السلام، مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ في قوله تعالى:{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)} [الأعراف: 150]، قال الشوكاني:(وإنما قال {ابْنَ أُمَّ} مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة)
(2)
.
2 - مناسبة ختم الآية
(3)
.
ومثال ذلك: قول الشوكاني - في مناسبة خاتمة قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)} [البقرة: 207]-: (ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم)
(4)
.
3 - المناسبة بين أجزاء الآية الواحدة
(5)
.
ومثال ذلك: قول الشوكاني -عند قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)} [غافر: 13]-: ({وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} يعني المطر فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان)
(6)
.
(1)
انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: 12، 80، 153، 146.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 248. وانظر هذا الاستنباط برقم: 80. والاستنباط رقم: 146 حيث استنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من الآية 94 من سورة طه.
(3)
انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: 6، 7، 53، 119، 125، 161.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 209. وانظر هذا الاستنباط برقم: 21.
(5)
وانظر مثال آخر في الاستنباط رقم: 136.
(6)
فتح القدير ج 4/ ص 484. وانظر هذا الاستنباط برقم: 187.
4 -
المناسبة بين الآيات (بين آيتين أو أكثر)
(1)
. وهذا النوع هو الأكثر ورودا عند الشوكاني.
و
أمثلة ذلك:
أ - المناسبة بين الآيتين: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النحل: 97 - 98] أن ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه لأن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، قال الشوكاني رحمه الله:(ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)})
(2)
.
ب - المناسبة بين الآيتين: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)} [العنكبوت: 59 - 60]، أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل، قال الشوكاني رحمه الله: (ثم وصف هؤلاء العاملين فقال: {الَّذِينَ صَبَرُوا} على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح
…
ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب. فقال:{وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ}
…
ومعنى لا تحمل رزقها: لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم، فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها)
(3)
.
ت - من الأمثلة على المناسبة بين الآيات: مناسبة قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)} [النساء: 15] لما قبله من الآيات، قال الشوكاني رحمه الله:(لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهن إليهن، وميراثهن مع الرجال ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف)
(4)
.
(1)
انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: 52، 59، 62، 64، 101، 106، 128، 145، 174، 199، 202، 208.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 193. وانظر هذا الاستنباط برقم: 128.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 211. وانظر هذا الاستنباط برقم: 174.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 437. وانظر هذا الاستنباط برقم: 52.
5 - المناسبة بين المقسم والمقسم به:
ومثال ذلك: في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} [الذاريات: 7 - 8]. حيث قال: ({إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد صلى الله عليه وسلم بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء)
(1)
.
6 - مناسبة خاتمة السورة لآخر موضوعاتها.
ومثال ذلك: مناسبة ختم سورة المؤمنون بقوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ
…
لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)} [المؤمنون: 117، 118]، وآخر موضوعاتها يبينه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ
…
هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} [المؤمنون: 99 - 100]، قال الشوكاني رحمه الله:(ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوه بالمغفرة والرحمة، فقال: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)} أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين. ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته)
(2)
.
•
الاستنباطات في المناسبات الخارجية (بين السور):
كالمناسبة بين آخر سورة وبداية السورة التي تليها.
ومثال ذلك: مناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج. قال الشوكاني: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ})
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 5/ ص 83. وانظر هذا الاستنباط برقم: 196.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 501. وانظر هذا الاستنباط برقم: 156.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 435. وانظر هذا الاستنباط برقم: 149.
ثانيا: الاستنباطات في قصص القرآن.
استنبط الشوكاني كثيرا من الاستنباطات في قصص القرآن، وهذا النوع من الاستنباطات يأتي في المرتبة الثانية من استنباطات علوم القرآن.
أمثلة على الاستنباطات في قصص القرآن:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من قوله تعالى: {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} [يونس: 85 - 86] اهتمام من آمن بموسى عليه السلام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم
(1)
؛ فقال رحمه الله: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم)
(2)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} [مريم: 10]، وقوله تعالى:{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)} [آل عمران: 41] أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا عليه السلام لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن
(3)
؛ فقال رحمه الله: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن)
(4)
.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [الصافات: 101] البشارة
لإبراهيم عليه السلام ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما
(5)
؛ فقال رحمه الله: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم)
(6)
.
(7)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 103.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 466.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 142.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 324.
(5)
انظر: الاستنباط رقم: 184.
(6)
فتح القدير ج 4/ ص 403.
(7)
وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: 29، 90، 97، 103، 144، 169، 212، 215.
ثالثا: الاستنباطات في معاني التكرار.
هذا النوع من علوم القرآن هو أقل موضوعات علوم القرآن ورودا عند الشوكاني، فلم يرد سوى ثلاث مرات فقط.
أمثلة على الاستنباطات في معاني التكرار:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} [البقرة: 5] معنى تكرار لفظ (أولئك)
(1)
؛ فقال رحمه الله: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله)
(2)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني معنى تكرار قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)} [القمر: 40]
(3)
؛ فقال رحمه الله: (ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها)
(4)
.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني معنى تكرار لفظ (الناس) في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)} [الناس: 1 - 3]
(5)
؛ فقال رحمه الله: (وقوله:
{مَلِكِ النَّاسِ (2)} عطف بيان جيء به لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والسلطان القاهر. {إِلَهِ النَّاسِ (3)} هو أيضا عطف بيان كالذي قبله؛ لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام، وأيضا الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}
(6)
[التوبة: 31] فبين أنه ملك الناس، ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد، وأيضا بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلا كاملا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس. وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس)
(7)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 3.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 37، 38.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 201.
(4)
فتح القدير ج 5/ ص 127.
(5)
انظر: الاستنباط رقم: 219.
(6)
(7)
فتح القدير ج 5/ ص 522.
المطلب الثالث:
الاستنباطات العقدية
استنبط الشوكاني استنباطات كثيرة في العقيدة فجاء هذا الموضوع في المرتبة الثانية بعد الاستنباطات في علوم القرآن.
أمثلة على الاستنباطات العقدية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)} [يوسف: 88] جواز الشكوى عند الضرورة
(1)
؛ فقال رحمه الله: ({مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة)
(2)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ
…
الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} [الكهف: 2 - 4] أن أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه
(3)
؛ فقال رحمه الله: ({وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر)
(4)
.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)} [الشعراء: 14] أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء
(5)
؛ فقال رحمه الله: (
…
الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء)
(6)
.
(7)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 116.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 50.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 137.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 269.
(5)
انظر: الاستنباط رقم: 165.
(6)
فتح القدير ج 4/ ص 95.
(7)
وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: 43، 55، 64، 120، 164.
المطلب الرابع:
الاستنباطات الأصولية
استنبط الشوكاني عددا من الاستنباطات في أصول الفقه، كذم التقليد، وحجية سد الذرائع، ومخاطبة الكفار بفروع الشريعة، وجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، وجواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرها
(1)
.
أمثلة على الاستنباطات الأصولية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة: 22] وجوب استعمال الحجج وترك التقليد
(2)
؛ فقال رحمه الله: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد)
(3)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني حجية سد الذرائع
(4)
من قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} [البقرة: 35]؛ فقال رحمه الله: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل. ولا يخفي أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل؛ لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام)
(5)
.
ومثله من قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)} [الأنعام: 108]؛ فقال رحمه الله: (وهى أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه)
(6)
.
(1)
انظر أمثلة لهذا في الاستنباطات رقم: 20، 60، 83، 91، 93، 148، 181، 189.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 4.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 50.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 8، 74.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 68.
(6)
فتح القدير ج 2/ ص 150.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
…
(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)} [المدثر: 42 - 46] أن الكفار مخاطبون بالشرعيات
(1)
؛ فقال رحمه الله: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)} أي: من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات)
(2)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 213.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 333.
المطلب الخامس:
الاستنباطات الفقهية
استنبط الشوكاني استنباطات كثيرة في الفقه؛ ولذا جاءت الاستنباطات الفقهية في المرتبة الثالثة من حيث الاستنباطات الأكثر ورودا عند الشوكاني.
وكما استنبط الشوكاني استنباطات فقهية فكذلك استنبط استنباطات في القواعد الفقهية، وسأُمَثِّل لها أولا، ثم أُمَثِّل للاستنباطات الفقهية.
أولا: أمثلة على الاستنباط في القواعد الفقهية:
استنبط الشوكاني استنباطين في القواعد الفقهية هما:
المثال الأول:
الأصل في الأشياء الإباحة
(1)
. (قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة: اليقين لا يزول بالشك).
فاستنبط هذه القاعدة من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} [البقرة: 29]؛ فقال رحمه الله: (وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله:
…
{جَمِيعًا} أقوى دلالة على هذا)
(2)
.
ومن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)} [البقرة: 168]؛ فقال رحمه الله: (
…
وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه)
(3)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 5، 19.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 60.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 167.
المثال الثاني:
دفع المفاسد أهم من جلب المصالح
(1)
. (قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة: لا ضرر ولا ضرار)
فاستنبط هذه القاعدة من قوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)} [المائدة: 76]؛ فقال رحمه الله: (أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم، وقطعا لشبهتهم، أي: أتعبدون من دون الله -متجاوزين إياه- ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه
…
وقدم سبحانه الضر على النفع؛ لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح)
(2)
.
ومن قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)} [الفرقان: 3]؛ فقال رحمه الله: (وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم)
(3)
.
ثانيا: أمثلة على الاستنباطات الفقهية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [البقرة: 43] الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد
(4)
؛ فقال رحمه الله: (وقوله: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد)
(5)
.
واستنبط هذا الاستنباط أيضا من قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43]
(6)
؛ فقال رحمه الله: (قوله: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ظاهره ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة)
(7)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 67، 162.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 65.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 61.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 11.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 77.
(6)
انظر: الاستنباط رقم: 36.
(7)
فتح القدير ج 1/ ص 338.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)} [البقرة: 237] أن المتعة لا تجب للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية
(1)
؛ فقال رحمه الله: (قوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}
…
الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة)
(2)
.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)} [النساء: 3] أنه لا حق للمملوكات في القسم
(3)
؛ فقال رحمه الله: (قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} معطوف على واحدة، أي: فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهن، كما يفيده الموصول. والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح. وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل)
(4)
.
(5)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 28.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 253.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 45.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 421.
(5)
وانظر أمثلة أخرى للاستنباطات الفقهية في الاستنباطات رقم: 26، 27، 33، 36، 46، 47، 49، 50، 63، 69، 77، 111، 115، 134، 151، 152، 157، 158، 159، 160، 168، 177، 210.
المطلب السادس:
الاستنباطات اللغوية استنبط الشوكاني عددا من الاستنباطات اللغوية وذلك في ثمانية مواضع
(1)
.
أمثلة على الاستنباطات اللغوية:
(1)
انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات رقم: 30، 153، 163، 179.
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)} [التوبة: 68] أن وعد يقال في الشر
(1)
؛ فقال رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر)
(2)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)} [الكهف: 77] وقوله: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ
…
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا
…
أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا
…
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)} [الكهف: 82] جواز إطلاق اسم المدينة على القرية
(3)
؛ فقال رحمه الله: ({فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة)
(4)
.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)} [الأنبياء: 78] جواز إطلاق الجمع على الاثنين
(5)
؛ فقال رحمه الله: ({وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين)
(6)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 95.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 379.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 141.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 304.
(5)
انظر: الاستنباط رقم: 148.
(6)
فتح القدير ج 3/ ص 418.
المطلب السابع:
الاستنباطات في الرقائق.
استنبط الشوكاني استنباطات في الرقائق، كبيان أن رحمة الله سبب دخول الجنة، وأن رحمة الله سبقت غضبه، وكالحديث عن الزهد، ونحو ذلك
(1)
.
أمثلة على الاستنباطات في الرقائق:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)} [البقرة: 249] أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش
(2)
؛ فقال رحمه الله: (والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى. ورخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وفيه أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية)
(3)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} [آل عمران: 129] أن رحمة الله سبقت غضبه
(4)
؛ فقال رحمه الله: (وفي قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل)
(5)
.
(1)
انظر: الاستنباطات رقم: 23، 39، 76، 104، 131، 185، 198، 200.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 29.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 265.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 42.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 378.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)} [فاطر: 33] سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة
(1)
؛ فقال رحمه الله: (
…
وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال:{يُحَلَّوْنَ فِيهَا} أشار أن دخولهم على وجه السرعة)
(2)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 182.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 350.
المطلب الثامن:
الاستنباطات التربوية السلوكية.
استنبط الشوكاني استنباطات تربوية سلوكية في ثمانية عشر موضعا من تفسيره
(1)
.
أمثلة على الاستنباطات التربوية السلوكية:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} [البقرة: 104] أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه
(2)
؛ فقال رحمه الله: (وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سباً. قيل: إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت. وقيل: غير ذلك. فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا طلبا منه أن يراعيهم -من المراعاة- اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم. وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه. ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال:{وَقُولُوا انْظُرْنَا} أي: أقبل علينا، وانظر إلينا
…
)
(3)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)} [التوبة: 118] جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي
(4)
؛ فقال رحمه الله: (قوله: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وما مصدرية أي: برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم
…
وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي)
(5)
.
(1)
انظر أمثلة لهذا في الاستنباطات رقم: 2، 87، 94، 98، 123، 132، 144، 166، 188، 195، 217.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 14.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 124.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 97.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 413.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)} [الكهف: 66] أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب
(1)
؛ فقال رحمه الله: (في هذا السؤال ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم
…
وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية، والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن)
(2)
.
موضوعات أخرى للاستنباط:
يظهر للمتأمل في استنباطات الشوكاني عنايته بموضوعات أخرى غير التي تقدم ذكرها، وهذه الموضوعات هي:
الدعوات والذكر،
والأخلاق، والدعوة، والسيرة النبوية، والطب، والتأريخ.
أمثلة للاستنباط في هذه الموضوعات:
• الدعوات والذكر: استنبط الشوكاني أربعة عشر استنباطا في الدعوات والذكر
(3)
. وأمثلة ذلك:
1 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} [الروم: 17 - 18] حيث قال رحمه الله: (وجملة: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الحجر: من الآية 98]، و {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: من الآية 30])
(4)
.
2 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)} [الأحقاف: 15] حيث قال رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات)
(5)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 140.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 299.
(3)
انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات رقم: 71، 85، 89، 100، 105، 108، 151، 195، 207، 212.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 218، 219. وانظر هذا الاستنباط برقم:175.
(5)
فتح القدير ج 5/ ص 18. وانظر هذا الاستنباط برقم: 191.
•
الأخلاق:
وهذا الموضوع قريب من موضوع التربية، لكن الفرق بين الاستنباط في التربية وفي الأخلاق أن الاستنباط التربوي فيه توجيه تربوي، أما الاستنباط في الأخلاق فهو مجرد وصف لخلق ممدوح أو مذموم، وبيان حال الناس معه. وقد استنبط الشوكاني ثلاثة استنباطات في الأخلاق. ومثال ذلك: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا
…
مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} [آل عمران: 75] حيث قال رحمه الله: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى)
(1)
.
(2)
.
•
الدعوة:
استنبط الشوكاني استنباطين في الدعوة، هما:
1 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
…
وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا
…
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة: 159 - 163] حيث قال- رحمه الله: (وقوله:
…
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فيه الإرشاد إلى التوحيد، وقطع علائق الشرك. والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 353. وانظر هذا الاستنباط برقم: 38.
(2)
وانظر أيضا الاستنباط رقم: 54، 78.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 162. وانظر هذا الاستنباط برقم: 18.
2 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ
…
زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا
…
يَعْمَلُونَ (108)} [الأنعام: 108] حيث قال رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه)
(1)
.
•
السيرة النبوية:
استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في السيرة النبوية في موضعين فقط من القرآن، فاستنبط من قوله تعالى:{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} [آل عمران: 126] أن الملائكة لم تقاتل في بدر
(2)
؛ فقال رحمه الله: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ)
(3)
.
…
واستنبط هذا الاستنباط أيضا من قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} [الأنفال: 9 - 10]
(4)
؛ فقال رحمه الله: ({وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها)
(5)
.
•
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 150. وانظر هذا الاستنباط برقم: 73.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 41.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 378.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 81.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 290.
الطب:
والمقصود بالطب هنا ما كان فيه توجيه لنفع البدن، ووقايته من الأمراض. وقد استنبط الشوكاني استنباطين في الطب، هما:
1 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)} [النحل: 14] حيث قال رحمه الله: ({لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة)
(1)
.
2 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا
…
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)} [مريم: 26] حيث قال رحمه الله: ({فَكُلِي وَاشْرَبِي} أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء)
(2)
.
•
التأريخ:
استنبط الشوكاني استنباطا واحدا في التأريخ هو أنه لا اعتبار بما عند العجم
والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها
(3)
، وذلك من قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
…
كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)} [التوبة: 36]؛ فقال رحمه الله: (وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 153. وانظر هذا الاستنباط برقم: 124.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 329. وانظر هذا الاستنباط برقم: 143.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 92.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 358.
الخلاصة:
تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة، ويمكن ترتيبها على النحو التالي:
جاءت الاستنباطات في علوم القرآن
(1)
أولا، ثم الاستنباطات العقدية
(2)
، ثم الاستنباطات الفقهية
(3)
، ثم الاستنباطات التربوية السلوكية
(4)
، ثم الاستنباطات الأصولية والاستنباطات في الدعوات والذكر
(5)
، ثم الاستنباطات في الرقائق
(6)
، ثم الاستنباطات اللغوية
(7)
، ثم الاستنباطات في التفسير
(8)
، ثم الاستنباطات في الأخلاق
(9)
، ثم الاستنباطات في الدعوة، وفي السيرة، وفي الطب.
(10)
، وأخيرا الاستنباطات في التأريخ
(11)
.
وما عدا هذه الأنواع يصح أن يكون استنباطا عاما، أو استنباطا لفوائد علمية.
تنبيه:
يتنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا،
إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر
(12)
.
و
من الأمثلة على ذلك:
1 -
استنباط في اللغة وأصول الفقه: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)} [الأنبياء: 78] حيث قال: رحمه الله: ({وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين)
(13)
.
2 -
استنباط في الفقه والذكر: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ
…
اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)} [الحج: 36 - 37] حيث قال رحمه الله: (ومعنى {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} هو قول الناحر الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير؛ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء)
(14)
.
(1)
بنسبة 30 %.
(2)
بنسبة 74، 23 %.
(3)
بنسبة 37، 22 %.
(4)
بنسبة 21، 8 %.
(5)
بنسبة 39، 6 %
(6)
بنسبة 47، 5 %.
(7)
نسبة 73، 2 %.
(8)
بنسبة 82، 1 %.
(9)
بنسبة 36، 1 %.
(10)
بنسبة 1% تقريبا.
(11)
بنسبة 45، 0 %.
(12)
وهذا بلا شك مؤثر في احتساب نسبة كل نوع من الأنواع.
(13)
فتح القدير ج 3/ ص 418. وانظر الاستنباط رقم: 148.
(14)
فتح القدير ج 3/ ص 455. وانظر الاستنباط رقم: 151.
3 -
استنباط في الفقه وقصص القرآن: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا
…
يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
…
(26)} [القصص: 26] حيث قال رحمه الله: (أي: استأجره ليرعى لنا الغنم. وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة)
(1)
.
4 -
استنباط في القصص والتربية: مثل: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)} [التوبة: 118] حيث قال رحمه الله: (
…
وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي)
(2)
.
(1)
فتح القدير ج 4/ ص 169. وانظر الاستنباط رقم: 171.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 413. وانظر الاستنباط رقم: 97.
•
المبحث الثاني:
الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه
بالنظر إلى النص القرآني المستَنبط منه يمكن تقسيمه باعتبارين:
الأول: باعتبار إفراده وتركيبه (ضمه إلى نص آخر)، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من الآية الواحدة، والاستنباط بالربط بين آيتين أو أكثر. وسيأتي بيانه في المبحث الثالث من هذا الفصل.
الثاني: باعتبار ظهور معناه، وهذا ينقسم إلى: الاستنباط من النص الظاهر المعنى، والاستنباط من النص غير الظاهر.
(1)
. وهو موضوع هذا المبحث.
والمقصود هنا بالظهور والخفاء هو النص القرآني المستَنبط منه، وليس المعنى المستنبط؛ لأن المعنى المستنبط يشترط فيه الخفاء دائما.
ونصوص القرآن من حيث حاجتها إلى التفسير والبيان تنقسم إلى قسمين:
1 -
نصوص بيِّنة ظاهرة المعنى.
2 -
نصوص غير بينة تحتاج إلى بيان وتفسير.
قال الزركشي
(2)
: (ينقسم القرآن العظيم إلى: ما هو بين بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه
ولا من غيره، وهو كثير،
…
وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان)
(3)
.
أولا: الاستنباط من نص ظاهر المعنى.
النص الظاهر المعنى هو النص البيِّن في نفسه، الذي لا يحتاج إلى بيان.
وهذا هو الأصل؛ لأن أكثر القرآن يعود إليه؛ ولأجله صح الأمر بالتدبر كما قال تعالى:
…
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص: 29]. ولو كان القرآن أكثره غير بيَّن لما جاز معه أن يُتوجه الخطاب في هذه الآية إلى جميع المكلفين؛ إذ لا يؤمر الجميع بتدبر ما يتوقف معرفة معناه على علم الخاصة
(4)
.
(1)
منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 95.
(2)
الإمام بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن بَهادُر - وقيل: محمد بن بَهادُر بن عبد الله - الشافعي، الزركشي، كان فقيهاً أصولياً مفسراً أديباً، له تصانيف كثيرة في عدة فنون منها:"البرهان في علوم القرآن"، و"تفسير القرآن العظيم" وصل فيه إلى سورة مريم، توفي سنة أربع وتسعين وسبعمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 2/ ص 158، وشذرات الذهب ج 6/ ص 335.
(3)
البرهان في علوم القرآن ج 2/ ص 321، 322.
(4)
انظر: المقدمات الأساسية في علوم القرآن ص 265.
أمثلة على الاستنباط من نص ظاهر المعنى:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني رحمه الله من قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة: 22] وجوب استعمال الحجج وترك التقليد، قال:(وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد)
(1)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا
…
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)} [مريم: 26] أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء، قال-رحمه الله:({فَكُلِي وَاشْرَبِي} أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب - أي في قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)} [مريم: 24 - 25]-؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء)
(2)
.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني رحمه الله من قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)} [فاطر: 33] سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة، قال: (
…
وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال:
…
{يُحَلَّوْنَ فِيهَا} أشار أن دخولهم على وجه السرعة)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 50. وانظر هذا الاستنباط برقم: 5.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 329. وانظر هذا الاستنباط برقم: 143.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 350. وانظر هذا الاستنباط برقم: 182.
ثانيا: الاستنباط من نص خفي.
النص الخفي هو النص الذي يحتاج إلى بيان وتفسير.
ومع هذا النص لا يصح الاستنباط إلا بعد معرفة معنى الآية وتفسيرها.
قال القرطبي: (فمن لم يُحْكِم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية؛ كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي. والنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتَّقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط
…
ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر)
(1)
.
وقد يكون في تفسير الآية خلاف ينبني عليه صحة أو بطلان الاستنباط
(2)
، فقد يصح الاستنباط على معنى، ولا يصح على معنى آخر.
ومثال ذلك: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)} [الأنبياء: 78] جواز إطلاق الجمع على الاثنين، قال رحمه الله:({وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} أي: لحكم الحاكمَين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين)
(3)
.
وهذا الاستنباط يصح على أن معنى الآية: أن الله تعالى بعد أن ذكر حكم داود عليه السلام، وسليمان عليه السلام في قصة الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم- قال:{لِحُكْمِهِمْ} فجمع مع أنهما حَكَمَان اثنان هما داود عليه السلام، وسليمان عليه السلام.
وفي معنى {لِحُكْمِهِمْ} قيل: إن المراد بقوله: {لِحُكْمِهِمْ} الحاكمان والمحكوم عليه
(4)
.
وقيل: إن الجمع للتعظيم
(5)
.
فعلى هذين القولين لا يصح هذا الاستنباط.
(6)
.
(1)
الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 68، 69.
(2)
استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن ص 76.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 418.
(4)
انظر هذا القول محكيا في: الجامع لأحكام القرآن ج 11/ ص 269، واللباب ج 13/ ص 551. وهذا القول تعقبه الرازي بقوله:(جوابه أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الاثنين). التفسير الكبير ج 22/ ص 169.
(5)
حكاه الآلوسي في روح المعاني ج 17/ ص 74.
(6)
انظر تفصيل هذا الاستنباط ودراسته في موضعه من هذا البحث.
أمثلة أخرى على الاستنباط من نص خفي:
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} [البقرة: 3] الإرشاد إلى ترك الإسراف، قال رحمه الله: (
…
وفي المجيء بمن التبعيضية ههنا نكتة
سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف)
(1)
.
فلابد من معرفة تفسير النفقة المذكورة في الآية قبل الاستنباط منها؛ لأن في معناها خلافا مؤثرا في الاستنباط
(2)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)} [آل عمران: 61] أن أبناء البنات يسمون أبناء، قال رحمه الله:(وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه صلى الله عليه وسلم أراد بالأبناء الحسنين)
(3)
.
فهذا الاستنباط مبني على تفسير المراد بأبناء الرسول صلى الله عليه وسلم المذكورين في الآية.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من قوله تعالى: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ
…
مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)} [النمل: 27] أن على المرء البحث عن الأخبار، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، قال: رحمه الله: (والنظر هو التأمل والتصفح. وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه)
(4)
.
وهذا الاستنباط مبني على معرفة معنى {سَنَنْظُرُ} في الآية.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 36.
(2)
وفي معنى النفقة خلاف راجعه في الاستنباط برقم: 2.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 347. وانظر هذا الاستنباط برقم: 37.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 136. وانظر هذا الاستنباط برقم: 169.
•
المبحث الثالث:
الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.
لا يقتصر الاستنباط من القرآن الكريم على التأمل في الآيات على جهة الإفراد، بل يمكن استخراج المعاني البديعة، والفوائد الدقيقة بطريق آخر لطيف ألا وهو ضم النصوص بعضها إلى بعض، وهو قسم رفيع دقيق برز فيه علم العلماء من السلف والخلف رحمهم الله وتبيَّن به مقدار ما وهبهم الله تعالى من ذكاء العقول وزكاء النفوس
(1)
.
وقد أشار الزركشي إلى الاستنباط باعتبار الإفراد، وباعتبار التركيب بقوله: (والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، ثم هو على قسمين:
أحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى
…
والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى)
(2)
.
أولا: الاستنباط باعتبار الإفراد.
المراد من الاستنباط باعتبار الإفراد هو الاستنباط من النص الواحد دون الرجوع إلى نصوص أخرى. والاستنباط من نص واحد هو غالب استنباطات الشوكاني.
أمثلة على الاستنباط باعتبار الإفراد.
المثال الأول:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)} [يوسف: 76]، قال رحمه الله:(وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا)
(3)
.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)} [القصص: 29]، قال رحمه الله:(وسار بأهله إلى مصر، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء)
(4)
.
(1)
منهج الاستنباط من القرآن ص 124.
(2)
البرهان في علوم القرآن ج 2/ ص 130.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 43. وانظر هذا الاستنباط برقم: 115.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 169. وانظر هذا الاستنباط برقم: 173.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)} [الأحقاف: 15] أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، قال رحمه الله:(وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات)
(1)
.
ثانيا: الاستنباط باعتبار التركيب.
المراد من الاستنباط باعتبار التركيب هو الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر.
وهذا النوع من الاستنباط من أدق أنواع الاستنباط، ولهذا يقول عنه ابن القيم:(فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه)
(2)
.
أمثلة على الاستنباط باعتبار التركيب.
المثال الأول:
استنبط الشوكاني جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى:{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)} [الكهف: 77]، وقوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ
…
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا
…
أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا
…
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)} [الكهف: 82]، قال رحمه الله:({فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 5/ ص 18. وانظر هذا الاستنباط برقم: 191.
(2)
إعلام الموقعين ج 1/ ص 83.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 304. وانظر هذا الاستنباط برقم: 141.
المثال الثاني:
استنبط الشوكاني أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا عليه السلام لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن. وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} [مريم: 10] وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)} [آل عمران: 41]، قال رحمه الله:(وقد دل بذكر الليالي هنا -يعني في سورة مريم- والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن)
(1)
.
المثال الثالث:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، وذلك بدلالة التركيب بين قوله تعالى:{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)} [المائدة: 62]، وبين قوله تعالى:{لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} [المائدة: 63]، قال رحمه الله: (
…
والربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم، ثم وبخ علماءهم في تركهم لنبيهم فقال:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} وهذا فيه زيادة على قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)} ؛ لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل. فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي.
فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغنى من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه النهوض به)
(2)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 324. وانظر هذا الاستنباط برقم: 142.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 55، 56. وانظر هذا الاستنباط برقم:65.
ووجهه: أن الله تعالى وبخ العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فقال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)} ، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} ، والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا
(1)
؛ فظهر بذلك الفرق بين ذم متعاطي الذنب، وبين تارك النهي عنه، حيث جعل ذاك عملا، وهذا صناعة
(2)
؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وبطريق التأمل في خاتمة كلٍّ منهما على أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 12/ ص 34.
(2)
انظر: قطف الأزهار ج 2/ ص 818.
الفصل الثاني:
دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
وفيه ستة مباحث:
• المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).
• المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).
• المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.
• المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.
• المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.
• المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.
دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره.
استنبط الشوكاني من القرآن الكريم استنباطات كثيرة بدلالات مختلفة، وطرق متنوعة، فمنها دلالات في أصول الفقه، كدلالة النص، ودلالة مفهوم المخالفة، ودلالة الالتزام، وغيرها، ومنها دلالات في علوم القرآن، كعادات القرآن ودلالاته الأسلوبية، ومنها دلالات بلاغية، وإلى غير ذلك من قواعد الاستنباط وطرقه مما سيتعرض هذا الفصل لبيانه وإيضاحه.
وكان استخدام الشوكاني لهذه الدلالات والطرق متفاوتا، وسيأتي في نهاية هذا الفصل ترتيب هذه الدلالات حسب الأكثر استعمالا لها.
وقبل الشروع في بيان دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني يحسن تعريف الدلالة، وبيان المقصود بطريق الاستنباط.
فأما الدلالة فهي: كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر
(1)
.
وأما طريق الاستنباط فهو أعم من الدلالة؛ إذ يشمل الدلالة وغيرها من قواعد الاستنباط وأوجهه المختلفة.
تنبيه:
قليلا ما كان الشوكاني يصرح بذكر دلالة الاستنباط أو طريقه
(2)
. ومن الأمثلة على المواضع التي صرح فيها:
المثال الأول: (دلالة الالتزام)
استنبط الشوكاني أن ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم، وذلك من قوله تعالى:{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)} [المائدة: 5]؛ فقال رحمه الله: (قوله:
(1)
انظر: التعريفات ص 139، والحدود الأنيقة ص 79.
(2)
انظر أمثلة في الاستنباطات رقم: 3، 9، 22، 24، 44، 52، 62، 67، 121، 134، 185، 205، 217.
{وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه
…
إخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض
(1)
الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية)
(2)
.
المثال الثاني: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة "فحوى الخطاب")
استنبط الشوكاني نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط، وذلك من قوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
…
الرَّحِيمُ
…
(53)} [الزمر: 53]؛ فقال رحمه الله: (واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب)
(3)
.
المثال الثالث: (دلالة النص أو مفهوم الموافقة "فحوى الخطاب ولحنه")
استنبط الشوكاني نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها، وذلك من قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)} [الإسراء: 23]؛ فقال رحمه الله: (
…
والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول)
(4)
.
المثال الرابع: (دلالة الاقتران)
استنبط الشوكاني أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول، وذلك من قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا
…
أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)} [الأنعام: 133]؛ فقال رحمه الله: (قوله: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول)
(5)
.
(1)
الصواب: (أعواض) الطعام، أي ثمنه والعوض عنه.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 15. وانظر: الاستنباط رقم: 61.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 470. وانظر: الاستنباط رقم: 186.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 218. وانظر: الاستنباط رقم: 132.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 164. وانظر: الاستنباط رقم: 76.
المبحث الأول:
الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة)
تعريف مفهوم الموافقة:
بينه الشوكاني بقوله: حيث يكون المسكوت عنه موافقا للملفوظ به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويا فيسمى لحن الخطاب
(1)
.
فتبين أن من أسماء مفهوم الموافقة: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب.
ويسمى أيضا: مفهوم الخطاب
(2)
.
وتنبيه الخطاب
(3)
.
ودلالة الدلالة
(4)
.
والحنفية يسمونه دلالة النص
(5)
.
أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم الموافقة:
المثال الأول:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ
…
بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)} [البقرة: 41] حيث قال رحمه الله: (وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا)
(6)
.
المثال الثاني:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا
…
مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} [آل عمران: 75] حيث قال رحمه الله: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى)
(7)
.
(1)
إرشاد الفحول ص 403. وتعريفات العلماء في ذلك متقاربة انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 3، ص 74، وروضة الناظر ج 2، ص 226، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 382، وأمالي الدلالات ج 1، ص 136، 137.
(2)
العدة في أصول الفقه ج 1، ص 152.
(3)
العدة في أصول الفقه ج 2، ص 480، وروضة الناظر ج 2، ص 226، وأمالي الدلالات ج 1، ص 136.
(4)
لأن الحكم يؤخذ من معنى النص لا من لفظه. انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم للدكتور فهد الوهبي ص 306 نقلا عن موازنة بين دلالة النص والقياس للصاعدي ص 286.
(5)
أصول السرخسي ج 1، ص 241، وكشف الأسرار ج 1، ص 115.
(6)
فتح القدير ج 1/ ص 74. وانظر: الاستنباط رقم: 9.
(7)
فتح القدير ج 1/ ص 353. وانظر: الاستنباط رقم: 38.
المثال الثالث:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النحل: 98] حيث قال رحمه الله: (وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها؛ للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى)
(1)
.
المبحث الثاني:
الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة)
…
تعريف مفهوم المخالفة:
بينه الشوكاني بقوله: وهو حيث يكون المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم، إثباتا ونفيا، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق. ويسمى دليل الخطاب؛ لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه
(2)
.
ويسمى أيضا تنبيه الخطاب
(3)
.
أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة مفهوم المخالفة:
المثال الأول: (بمفهوم الشرط)
أ - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)} [البقرة: 230] حيث قال رحمه الله: (قوله: {إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه على الزوجين)
(4)
.
ب - ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} [البقرة: 279] حيث قال رحمه الله: (قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ} أي: من الربا، {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} تأخذونها لا تظلِمون غرماءكم بأخذ الزيادة، ولا تُظلمون أنتم من قبلهم بالمطل والنقص
…
وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم)
(5)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 193، 194. وانظر: الاستنباط رقم: 129.
(2)
إرشاد الفحول ص 405. وانظر: العدة في أصول الفقه ج 1، ص 154، وج 2، 448 ومابعدها، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 3، ص 78، وروضة الناظر ج 2، ص 229، 230، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 383، وأمالي الدلالات ج 1، ص 140.
(3)
ذكره ابن بيه في أمالي الدلالات ج 1، ص 140.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 239. وانظر: الاستنباط رقم: 26.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 297. وانظر: الاستنباط رقم: 33.
المثال الثاني: (بمفهوم التقسيم)
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)} [البقرة: 237] حيث قال رحمه الله: (قوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}
…
الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة)
(1)
.
المثال الثالث: (بمفهوم الحصر)
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} [آل عمران: 126] حيث قال رحمه الله: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ)
(2)
.
المثال الرابع: (بمفهوم القيد أو الصفة، ويشمل الصفة، والحال وغيرهما).
مفهوم صفة: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)} [البقرة: 159] حيث قال رحمه الله: (وفي قوله: {مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك
…
)
(3)
.
مفهوم حال: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} [الحشر: 10] حيث قال رحمه الله: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمته نبيه صلى الله عليه وسلم، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة)
(4)
.
(5)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 253. وانظر: الاستنباط رقم: 28.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 378. وانظر: الاستنباط رقم: 41.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 161. وانظر: الاستنباط رقم: 17.
(4)
فتح القدير ج 5/ ص 202. وانظر: الاستنباط رقم: 206.
(5)
وانظر أمثلة أخرى للاستنباط بمفهوم المخالفة في الاستنباطات: 22، 46، 49، 56، 63، 68، 77، 107، 120، 150، 152، 154، 180، 200.
المبحث الثالث:
الاستنباط بدلالة الالتزام
تعريف دلالة الالتزام:
دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل
(1)
.
أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الالتزام:
المثال الأول:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)} [البقرة: 154] حيث قال رحمه الله: ({وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)} أي: لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم؛ لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ. وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر
…
(2)
.
المثال الثاني:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)} [المائدة: 5] حيث قال رحمه الله: (قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة. وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية)
(3)
.
(1)
انظر: إرشاد الفحول ص 403، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 3، ص 71، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 381، وتفسير النصوص في الفقه الإسلامي ج 1، ص 478، وأمالي الدلالات ج 1، ص 130.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 159. وانظر: الاستنباط رقم: 16.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 15. وانظر: الاستنباط رقم: 61.
المثال الثالث:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
…
وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ
…
إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)} [المؤمنون: 91] حيث قال رحمه الله: (ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ
…
إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ}. وفي الكلام حذف تقديره: لو كان مع الله آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب. {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: غلب القوي على الضعيف، وقهره، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها. وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك؛ فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه)
(1)
.
(2)
المبحث الرابع:
الاستنباط بدلالة التضمن
تعريف دلالة التضمن:
هي دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له
(3)
.
ويندر استعمال الشوكاني لهذه الدلالة، فلم أقف سوى على مثال واحد: هو ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)} [البقرة: 275] حيث قال رحمه الله: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس. وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخبطه الشيطان
…
)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 496. وانظر: الاستنباط رقم: 155.
(2)
وانظر أمثلة أخرى للاستنباط بدلالة الالتزام في الاستنباطات: 5، 19، 34، 118، 133، 184، 203.
(3)
انظر: روضة الناظر ج 1، ص 56، 57، ومباحث أصولية في تقسيمات الألفاظ ص 352، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 137.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 295. وانظر: الاستنباط رقم: 32.
ووجه الاستنباط: أن الله -جل ثناؤه- أخبر أن الذين يربون الربا في الدنيا، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخنقه فيصرعه {مِنَ الْمَسِّ} يعني: من الجنون؛ فدل ذلك بدلالة التضمن على أن الشيطان يسلك في الإنسان فيصرعه؛ لأن من تَخَبُط الشيطان أن يسلك في الإنسان فيصرعه.
تنبيه:
كثيرا ما يذكر المفسرون - ومنهم الشوكاني
(1)
- لفظ تضمن وهم لا يقصدون به التضمن بمعناه الأصولي. بل ربما عبَّروا عن دلالة الالتزام بلفظ التضمن. ومثال ذلك: ما استنبطه الواحدي
(2)
من قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا
…
(27)} [الإسراء: 27] حيث قال: (وهذا يتضمن أن المنفق في السرف كفور)
(3)
.
والأظهر أن هذا المعنى يُستنبط بدلالة الالتزام، فالله تعالى سجل على المبذرين مماثلتهم الشياطين، ثم سجل على جنس الشيطان بأنه كفور؛ فدل بدلالة الالتزام على أن المبذر كفور؛ لأنه مماثل للشيطان وله حكمه، وكل شيطان كفور.
(1)
مثل قوله- عند قوله تعالى: ({يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} [البقرة: 40]-: والرهب والرهبة: الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد). فتح القدير ج 1/ ص 74. ومثل قوله:(وقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)} [البقرة: 113] فيه أن كل طائفة تنفي الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها تحجيرا لرحمة الله سبحانه). فتح القدير ج 1/ ص 130.
(2)
أبو الحسن، علي بن أحمد به محمد بن علي الواحدي النيسابوري، كان واحد عصره في التفسير، صنف التفاسير الثلاثة: البسيط، والوسيط، والوجيز، وأسباب النزول، وله مؤلفات كثيرة في المغازي، العربية، وغيرها، مات سنة ثمان وستين وأربعمائة. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي ص 78، وطبقات المفسرين للداودي ج/ ص 387.
(3)
التفسير الوجيز ج 2/ ص 632.
قال الرازي: ({وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا
…
(27)} ومعنى كون الشيطان كفورا لربه: هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي، والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى، والمقصود أن المبذرين إخوان الشياطين بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه؛ فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه)
(1)
.
(2)
.
المبحث الخامس:
الاستنباط بدلالة الاقتران
تعريف دلالة الاقتران:
الجمع بين شيئين أو أكثر في سياق واحد
(3)
.
وفي (العدة في أصول الفقه): أن يذكر الله أشياء في لفظ واحد، ويعطف بعضها على بعض
(4)
.
ويُعَرَّف أيضا بأنه: الاستدلال بالجمع بين شيئين على اتحاد حكمهما
(5)
.
والاقتران كما يأتي في الأحكام يكون في المعاني المختلفة أيضا. قال د. خالد السبت-بعد أن تحدث عن دلالة الاقتران بمعناها الأصولي، وحكمها-:(هذا واعلم أن ما مضى إنما هو في الأحكام، أما المعاني الأخرى فيمكن أخذ شيء منها عن طريق دلالة الاقتران، وذلك كالتشريف الناتج عن الاقتران المشعر به أحيانا، أو التعظيم، أو غير ذلك من المعاني، والله أعلم)
(6)
.
والذي ظهر لي -والله أعلم- أن الشوكاني استعمل دلالة الاقتران في المعاني فقط، كتعظيم أمر ما، والتنبيه على معنى شريف مستنبط من اقتران اسمين من أسماء الله الحسنى، ونحو ذلك
(7)
. أما دلالة الاقتران بالمعنى الأصولي الدقيق -أي في الأحكام- فلم يستعملها الشوكاني.
أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة الاقتران:
المثال الأول:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)} [آل عمران: 181] حيث قال رحمه الله: (قوله: {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} عطف على {مَا قَالُوا} أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به. جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء تنبيها على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء)
(8)
.
(1)
التفسير الكبير ج 20/ ص 155.
(2)
وهذا من استنباطات الشوكاني وانظر دراسته في الاستنباط رقم: 133.
(3)
انظر: منهج الاستنباط للوهبي ص 327 نقلا عن دلالة الاقتران وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية لليوبي ص 8.
(4)
لأبي يعلى ج 4، ص 1420 - 1422.
(5)
انظر: منهج الاستنباط للوهبي ص 327 نقلا عن دلالة الاقتران وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية لليوبي ص 8.
(6)
قواعد التفسير ج 2/ ص 646.
(7)
انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات: 34، 217.
(8)
فتح القدير ج 1/ ص 406. وانظر: الاستنباط رقم: 44.
فاستنبط الشوكاني رحمه الله من الآية أن قول اليهود: إن الله فقير وهم أغنياء بمكان يعدل قتل الأنبياء، وذلك بدلالة اقترانهما.
المثال الثاني:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا
…
أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)} [الأنعام: 133]؛ حيث قال رحمه الله: (قوله: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول)
(1)
.
فاستنبط الشوكاني رحمه الله أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هو غاية التفضل والتطول، وذلك بدلالة الاقتران بين اسمين من أسماء الله الحسنى.
المثال الثالث:
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ
…
لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} [الحاقة: 33 - 34] حيث قال رحمه الله: (والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين، وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم)
(2)
.
فاستنبط الشوكاني-رحمه الله أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم بدلالة اقتران حرمان المسكين بالكفر.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 164. وانظر: الاستنباط رقم: 76.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 285. وانظر: الاستنباط رقم: 211.
المبحث السادس:
الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن
المقصود بدلالة المطرد من أساليب القرآن:
ما جاء على نسق واحد متتابع في القرآن الكريم بلا استثناء
(1)
.
أمثلة لاستنباط الشوكاني بدلالة المطرد من أساليب القرآن:
من المطرد من أساليب القرآن: كل حكاية وردت في القرآن ولم يردها فهي صحيحة، وإن ردها فهي باطلة، وقد استنبط الشوكاني بهذه القاعدة استنباطات، منها:
المثال الأول:
ما استنبطه الشوكاني رحمه الله من قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)} [الكهف: 22] حيث قال: (والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، والموصوفون بالرجم بالغيب هم كل الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب)
(2)
.
المثال الثاني:
ما استنبطه الشوكاني رحمه الله من قوله تعالى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} [المدثر: 43 - 44] حيث قال: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)} أي من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات)
(3)
.
ويلحق بالاستنباط بالمطرد من أساليب القرآن
الاستنباط بدلالة الاقتداء
بأفعال الله تعالى، وأقواله، وإقراره. وكذلك يلحق به الاقتداء بأفعال الأنبياء. وأيضا الاعتبار بقصص السابقين.
أولا: الاقتداء بأفعال الله:
استنبط الشوكاني رحمه الله بدلالة الاقتداء بأفعال الله استنباطات
(4)
، منها:
أ - استنبط من قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة: 22] بدلالة الاقتداء بأفعال الله وجوب استعمال الحجج وترك التقليد؛ فقال رحمه الله: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد)
(5)
.
(1)
استنباطات السعدي من القرآن الكريم عرضا ودراسة للدكتور سيف الحارثي ص 73.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 278. وانظر: الاستنباط رقم: 139.
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 333. وانظر: الاستنباط رقم: 213.
(4)
انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات: 89، 97، 147، 179، 195.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 50. وانظر: الاستنباط رقم: 4.
ب - استنبط من قوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} [الأنعام: 45]، حيث قال رحمه الله:(قوله: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} أي: على هلاكهم. وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد)
(1)
.
ثانيا: الاقتداء بأفعال الأنبياء:
وهذا داخل في قاعدة شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.
استنبط الشوكاني رحمه الله بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء استنباطات
(2)
، منها:
أ - ما استنبطه من قوله تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} [يوسف: 55] حيث قال رحمه الله: ({قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ}
…
وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه)
(3)
. فاستنبط هذا المعنى بدلالة الاقتداء بفعل يوسف عليه السلام.
ب - استنبط من قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ
…
أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)} [القصص: 29] أن للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء؛ فقال رحمه الله: (وسار بأهله إلى مصر. وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء)
(4)
. فاستنبط هذا المعنى بدلالة الاقتداء بفعل موسى عليه السلام.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 116. وانظر: الاستنباط رقم: 71.
(2)
انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات: 115، 116، 126، 140، 168، 169، 212.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 35. وانظر: الاستنباط رقم: 111.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 169. وانظر: الاستنباط رقم: 173.
ثالثا: الاعتبار بقصص السابقين.
استنبط الشوكاني رحمه الله بدلالة الاعتبار بقصص السابقين استنباطات
(1)
، منها:
أ - ما استنبطه من قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} [البقرة: 170] حيث قال-رحمه الله: (وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره. ومثل هذه الآية قوله تعالى:
…
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)} [المائدة: 104]. وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه)
(2)
. فالله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد.
ب - ما استنبطه من قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)} [الكهف: 19] حيث قال رحمه الله: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله)
(3)
. فالفتية أصحاب الكهف كانوا يحملون معهم وَرِقا، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف لعلهم يحتاجون إليه؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص القرآن، والاقتداء بالصالحين على أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله.
ومن دلالات الاستنباط بأساليب القرآن:
1 - دلالة استعمال القرآن.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)} [التوبة: 68] حيث قال رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أن (وعد) يقال في الشر)
(4)
.
(5)
.
(1)
انظر أمثلة لذلك في الاستنباطات: 79، 91، 109، 110، 189.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 167، 168. وانظر: الاستنباط رقم: 20.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 276. وانظر: الاستنباط رقم: 138.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 379. وانظر: الاستنباط رقم: 95.
(5)
وانظر مثال آخر في الاستنباط رقم: 30.
2 - دلالة التقديم.
ومثاله: استنبط الشوكاني أن من آمن بموسى عليه السلام كان اهتمامهم بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم، وذلك من قوله تعالى:{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} [يونس: 85 - 86]؛ فقال رحمه الله: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم)
(1)
.
(2)
.
3 - دلالة وضع الظاهر موضع المضمر.
ومثاله: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)} [يونس: 107] أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به؛ فقال: رحمه الله: ({وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم)
(3)
.
(4)
.
4 - دلالة تغيير النظم.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} [النحل: 8] حيث قال رحمه الله: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات)
(5)
. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {وَزِينَةً} ، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق؛ فدل ذلك بدلالة تغيير النظم على أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة.
(6)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 466. وانظر: الاستنباط رقم: 103.
(2)
وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: 1، 67، 105، 121، 143، 162، 183، 193، 194، 205.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 478. وانظر: الاستنباط رقم: 104.
(4)
وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: 31، 114، 117.
(5)
فتح القدير ج 3/ ص 149. وانظر: الاستنباط رقم: 123.
(6)
وانظر مثالا آخر في الاستنباط رقم: 166.
5 - دلالة التكرار.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} [البقرة: 5] حيث قال رحمه الله: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله)
(1)
.
(2)
.
6 - دلالة التأكيد.
ومثاله: استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)} [البقرة: 233] أن مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبا؛ فقال رحمه الله:(وقوله: {كَامِلَيْنِ} تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي)
(3)
.
وهذه الدلالات هي دلالات في علوم القرآن باعتبار أسلوب القرآن وعادته. وبعضها يصلح أن يُعد دلالة بلاغية كدلالة التقديم، ووضع الظاهر موضع المضمر، والتأكيد، والتكرار
(4)
.
ومن دلالات علوم القرآن أيضا دلالة الربط، وهي أنواع:
أ - الربط: بين آيتين أو أكثر:
ومثال الربط بين آيتين: استنبط الشوكاني أن النبوة هي من باب الرحمة، وذلك من قوله تعالى:{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)} [مريم: 49 - 50]؛ فقال رحمه الله: ({وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} بأن جعلناهم أنبياء. وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء؛ لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة
…
)
(5)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 37، 38. وانظر: الاستنباط رقم: 3.
(2)
وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: 201، 218.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 244، 245. وانظر: الاستنباط رقم: 27.
(4)
فهذه من أنواع علم المعاني الذي يُعرَّف بأنه: علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال. انظر: بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة لعبد المتعال الصعيدي ص 25.
(5)
فتح القدير ج 3/ ص 337. وانظر: الاستنباط رقم: 145.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه وهب لإبراهيم عليه السلام إسحاق عليه السلام، ويعقوب عليه السلام، وجعلهم أنبياء، ثم ذكر بعد جعلهم أنبياء أنه وهب لهم من رحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النبوة هي من باب الرحمة.
ومثال الربط بين آيات: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 119] حيث قال رحمه الله: (قوله:
…
{وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله)
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالصدق بعد أن ذكر توبته على الثلاثة الذين خلفوا؛ فدل بدلالة الربط بين هذه الآية وما قبلها من آيات أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم ما حصل من توبة الله بالصدق.
ب - الربط بين أجزاء الآية:
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ
…
الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} [الإسراء: 111] حيث قال رحمه الله: (
…
وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات؛ لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له فضلا عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه، ومؤدية إلى الفساد {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}
(2)
[الأنبياء: 22]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى بنفسه)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 414. وانظر: الاستنباط رقم: 98.
(2)
وتمام الآية: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
…
عَمَّا يَصِفُونَ (22)}.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 266. وانظر: الاستنباط رقم: 136.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بحمده ذكر صفات جليلة له عز وجل دالة على تمام الكمال، والقدرة التامة على الإيجاد، وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم؛ فدل بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة ذكرها وكونه رتب الحمد عليها للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد؛ لأنه الكامل الذات، المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق. وما عداه ناقص، مملوك نعمة، أو منعم عليه؛ ولذلك عطف عليه قوله:{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} .
ت - الربط بين الآية وخاتمتها:
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)} [النحل: 18] حيث قال رحمه الله: (وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان، مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)} أي: كثير المغفرة والرحمة، لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم، وإدرارها في كل لحظة، وعند كل نفس تتنفسونه، وحركة تتحركون بها)
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها، ثم ختم ذلك بذكر مغفرته ورحمته دون غيرهما من الأسماء والصفات؛ فدل ذلك بدلالة تأمل خاتمة الآية والربط بينها وبين الآية على أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها.
ولم يقتصر الشوكاني على الاستنباط بما تقدم في هذا الفصل من دلالات؛ إذ استنبط بقواعد ودلالات أخرى، وبيانها على النحو التالي:
دلالات عامة:
1 - دلالة عدم الذكر. ولم يستنبط بها سوى مرة واحدة.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [التوبة: 31] حيث قال رحمه الله: (قوله: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} معطوف على {وَرُهْبَانَهُمْ} رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا)
(2)
. ووجهه: أن الله تعالى ذكر أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ثم ذكر اتخاذ النصارى عيسى عليه السلام ربا معبودا؛ فدل بدلالة عدم الذكر على أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 154. وانظر: الاستنباط رقم: 125.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 353. وانظر: الاستنباط رقم: 90.
2 - السياق.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)} [النجم: 55] حيث قال رحمه الله: (وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين)
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)} في سياق التهديد، فإن الله تعالى قبلها قال: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا
…
هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)}، وقال بعدها: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ
…
(58)}؛ فدل بدلالة السياق
(2)
على أن تسمية بعض النقم آلاء لاشتمالها على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء هنا وذكر التهديد رابط يربطهما.
3 - دلالة التركيب.
ومثاله: استنبط الشوكاني مشروعية التسبيح في كل الأوقات والأزمنة، وذلك بدلالة التركيب بين عدد من الآيات، فالله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي في قوله تعالى:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} [الحديد: 1]، وفي قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
…
(1)} [الصف: 1]، وفي قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
…
(1)} [الحشر: 1]، وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى:{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)} [الجمعة: 1]، وفي قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
…
شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [التغابن: 1]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} [الأعلى: 1]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال
(3)
.
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 5/ ص 117. وانظر: الاستنباط رقم: 199.
(2)
لأن السباق، واللحاق تهديد، فذكر الآلاء بينهما دال على أن التهديد نعمة.
(3)
انظر: فتح القدير ج 5/ ص 165، وص 219. وانظر: الاستنباطين رقم: 204، 207.
(4)
وانظر أمثلة أخرى في الاستنباطات رقم: 55، 65، 72، 141، 142، 151.
قواعد الاستنباط:
1 -
قاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} [الإسراء: 32] حيث قال: رحمه الله: (
…
وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب)
(1)
.
2 -
قاعدة: كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} [التوبة: 43] حيث قال رحمه الله: (وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور)
(2)
.
3 -
قاعدة: ذكر قضية كلية، ثم عطف قضية خاصة -هي بعض جزئيات تلك الكلية- عليها دال على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية.
ومثاله: ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ
…
الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} [الكهف: 2 - 4] حيث قال رحمه الله: ({وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر)
(3)
.
تنبيه:
يمكن أن يكون طريق الاستنباط طريقين أو أكثر. وأمثلة ذلك:
1 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)} [الشعراء: 80] حيث قال رحمه الله: (وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 223. وانظر: الاستنباط رقم: 134.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 365. وانظر: الاستنباط رقم: 94.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 269. وانظر: الاستنباط رقم: 137.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 105. وانظر: الاستنباط رقم: 166.
فاستنبط الشوكاني-رحمه الله رعاية الأدب مع الرب سبحانه بدلالة تغيير النظم، و بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام.
2 -
ما استنبطه الشوكاني من قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)} [يوسف: 88] حيث قال رحمه الله: ({مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة)
(1)
.
فاستنبط الشوكاني-رحمه الله من الآية جواز الشكوى عند الضرورة، وذلك بدلالتين:
الأولى: أن يوسف عليه السلام أقر إخوته على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة، ولو كان فعلهم غير جائز لأنكر عليهم
(2)
.
الثانية: أن الله لم يعاقبهم على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة
(3)
.
خاتمة الفصل: ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا:
يمكن ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا كما يلي: أكثرها استعمالا دلالات علوم القرآن
(4)
، ثم دلالة مفهوم المخالفة
(5)
، ثم دلالة مفهوم الموافقة
(6)
، ثم دلالة الالتزام
(7)
، ثم دلالة التركيب
(8)
، ثم دلالة الاقتران
(9)
، ثم دلالة السياق
(10)
، وأخيرا دلالة التضمن، ودلالة عدم الذكر
(11)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 50.
(2)
أحكام القرآن للجصاص ج 4/ ص 393.
(3)
أحكام القرآن لابن الفرس ج 3/ ص 229.
(4)
بنسبة: 48، 47%.
(5)
بنسبة: 95، 10%.
(6)
بنسبة: 39، 6%.
(7)
بنسبة: 5 %
(8)
بنسبة: 65، 3%.
(9)
بنسبة: 28، 2%.
(10)
بنسبة: 91، 0%.
(11)
بنسبة: 45، 0%.
الفصل الثالث:
القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني وفيه مبحثان:
• المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.
• المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني.
المبحث الأول:
تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.
يظهر للمتأمل في استنباطات الشوكاني بعد دراستها وموازنتها باستنباطات غيره من المفسرين أنه تأثر بعدد منهم في كثير من المواضع، كما أنه تأثر باستنباطات بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في مواضع قليلة، ومع هذا فإنه ينفرد باستنباطات لم يذكرها غيره.
ويمكن القول بأن موقف الشوكاني من استنباطات من سبقه يتمثل في ثلاثة مواقف:
الأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها.
ومن أمثلة ذلك:
1 -
قول الشوكاني - عند قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)} [آل عمران: 44]-: (وقد استدل بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف، وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها)
(1)
.
2 -
قول الشوكاني - عند قوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10)} [إبراهيم: 10]-: (وبهذه الآية احتج من جوَّز زيادة من في الإثبات)
(2)
.
3 -
قول الشوكاني - عند قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ
…
لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)} [سبأ: 15]-: (وقيل: إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 339.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 98.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 320.
الثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا.
ومن أمثلة ذلك:
1 -
قول الشوكاني - عند قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء: 115]-: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ، ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم
…
)
(1)
.
2 -
قول الشوكاني - عند قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا
…
مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153)} [النساء: 153]-: (والباء في قوله: {بِظُلْمِهِمْ} للسببية أي: بسبب ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانا في هذه الحالة، وذلك لا يسلتزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطا بينا)
(2)
.
3 -
قول الشوكاني - عند قوله تعالى: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)} [يوسف: 92]-: (عن عطاء الخراساني
(3)
قال: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألم تر إلى قول يوسف:{لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} ، وقال يعقوب: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ
…
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)} [يوسف: 98]؛ أقول: وفي هذا الكلام نظر؛ فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم: {لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف: من الآية 91]؛ فقال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} ؛ لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم، وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم، وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله عز وجل، وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلا عليهم بسؤال الله لهم، ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة، فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 515.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 533.
(3)
هو أبو عثمان، عطاء بن أبي مسلم الخراساني، اسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله، له كتاب:"تنزيل القرآن"، وتفسيره، وناسخه ومنسوخه، لم يصح أن البخاري أخرج له، لكن روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، مات سنة خمس وثلاثين ومائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 379، 380، وشذرات الذهب ج 1/ ص 192.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 54.
وهذا يدل على أن الشوكاني لا يكتفي في جزء الرواية بنقل المأثور، بل يمحص وينقد ويرد. ومثله أيضا المثال الآتي.
4 -
قول الشوكاني - عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ
…
مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)} [النمل: 15]-: (عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ
…
مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)} وأي نعمة أفضل مما أعطى داود وسليمان؛ أقول: ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه الله والذي تدل عليه أنهما حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم، فمن أين تدل على أن حمده أفضل من نعمته)
(1)
.
(2)
.
الثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين:
أحدهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره وصرح بذكره. وهذه نادرة، ولم أقف سوى على مثال واحد هو استنباط البشارة لإبراهيم عليه السلام ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما، وذلك من قوله تعالى:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [الصافات: 101] حيث قال-رحمه الله: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم
(3)
(4)
.
ثانيهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره ولم يصرح بذكره. وهي كثيرة وسيأتي التمثيل لها.
ويتنبه إلى أن نسبة هذه الاستنباطات إلى غيره نسبة إنشاء لا ينفي جواز نسبتها إلى الشوكاني نسبة تأييد وموافقة؛ فهي بهذا الاعتبار تعد استنباطاته.
(1)
فتح القدير ج 4/ ص 134.
(2)
وانظر أمثلة أخرى في فتح القدير: (ج 1/ ص 98)، و (ج 1/ ص 420)، و (ج 1/ ص 533)، و (ج 5/ ص 190).
(3)
معاني القرآن وإعرابه ج 4/ ص 310.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 403. وانظر: الاستنباط رقم: 184.
أمثلة لتأثر الشوكاني باستنباطات من قبله:
تأثره باستنباطات الصحابة:
مثل: تأثره باستنباط ابن عمر رضي الله عنهم: "لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا"
(1)
. قال الشوكاني- عند قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)} [البقرة: 237]-: (قوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}
…
الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة)
(2)
.
تأثره باستنباطات التابعين:
وأمثلة ذلك:
1 -
تأثره باستنباط مجاهد بن جبر
(3)
: الإيمان يزيد وينقص
(4)
. قال الشوكاني- عند قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} [آل عمران: 173]-: (وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص)
(5)
.
(1)
أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في متعة الطلاق، رقم: 1188، ج 2/ ص 573، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصداق، باب المتعة، رقم: 14268، ج 7/ ص 257. وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر، وعبد بن حميد انظر: ج 1/ ص 740.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 253. وانظر: الاستنباط رقم: 28.
(3)
الإمام أبو الحجاج، مجاهد بن جَبْر المكي، المقريء، المفسر، قرأ على ابن عباس، وروى عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وقرأ عليه كثير، صح عنه أنه قال:"عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه عند كل آية أسأله فيم نزلت، وكيف كانت"، توفي سنة إحدى، أو اثنتين، أو ثلاث، أو أربع ومائة للهجرة. انظر: معرفة القراء الكبار ج 1، ص 66، 67، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 305 - 308.
(4)
قال مجاهد في قوله: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} : الإيمان يزيد وينقص. انظر: تفسير ابن أبي حاتم ج 3/ ص 818، والدر المنثور ج 2/ ص 389.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 400. وانظر: الاستنباط رقم: 9.
2 -
تأثره باستنباط ابن أبي ليلى
(1)
، والضحاك
(2)
، والحسن
(3)
في استنباط: المطيع من الجن في الجنة
(4)
. قال الشوكاني- عند قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)} [الرحمن: 56]-: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه)
(5)
.
تأثره باستنباطات المفسرين:
تأثر الشوكاني في تفسيره بالزجاج، وابن عطية، والقرطبي، وتأثره بهم واضح في تفسير القرآن وبيان معانيه، لكن تأثره بهم في الاستنباط جاء متفاوتا، فالقرطبي أكثر من تأثر به، وإن كان يخالفه أحيانا، مع التنبه إلى أن نصف استنباطات الشوكاني التي تم جمعها ودراستها لم يذكرها القرطبي. أما ابن عطية فإن الشوكاني تأثر به قليلا، وأما الزجاج فإن تأثر الشوكاني به في الاستنباط يكاد يكون معدوما.
ويمكن
(1)
هو الحافظ أبو عيسى، عبد الرحمن بن أبي ليلى-واسم أبي ليلى يسار- الكوفي، الفقيه، من كبار التابعين، قرأ القرآن على علي رضي الله عنهم، توفي سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين للهجرة. انظر: الثقات ج 5/ ص 100، 101. وسير أعلام النبلاء ج 4/ ص 262 - 267. وانظر قوله في: تفسير ابن أبي حاتم ج 4/ ص 1389، والدر المنثور ج 3/ ص 360.
(2)
هو أبو القاسم أو أبو محمد الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، المفسر، من أوعية العلم، مات سنة خمس أو ست ومائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 4/ ص 598 - 600. وطبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 216.
(3)
هو أبو سعيد، الحسن بن يسار البصري، من كبار التابعين، إمام زمانه علما وعملا، دعا له عمر رضي الله عنهم بالتفقه في الدين، توفي سنة عشر ومائة للهجرة. انظر: التاريخ الكبير ج 2/ ص 289. وغاية النهاية ج 1/ ص 235.
(4)
راجع أقوالهم في الاستنباط رقم: 75.
(5)
فتح القدير ج 5/ ص 141. وانظر: الاستنباط رقم: 203. والاستنباطين رقم: 75، 192.
ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في الشوكاني
على النحو التالي:
•
أولا: القرطبي:
تأثر الشوكاني باستنباطات القرطبي كثيرا، ويمكن القول بأن ما يقارب نصف استنباطات
الشوكاني أفادها من القرطبي
(1)
، ولذا فإني لن أتعرض لهذا النوع من الاستنباطات، بل سأمثل لاستنباطات الشوكاني التي لم يذكرها القرطبي، وهي:
1 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} [البقرة: 279] أن أموال المرابين مع عدم توبتهم حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم
(2)
.
2 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43] مشروعية صلاة الجماعة
(3)
.
3 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} [التوبة: 43] مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور
(4)
.
4 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)} [التوبة: 68] أن لفظ (وعد) يقال في الشر كما يقال في الخير
(5)
.
5 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)} [الكهف: 19] أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله
(6)
.
6 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ
…
مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)} [النمل: 27] أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه
(7)
.
(1)
وأمثلة ذلك: 6، 9، 14، 37، 45، 73، 109، 113، 122، 167، 168، 172، 173.
(2)
انظر: فتح القدير ج 1/ ص 297، والاستنباط رقم:33.
(3)
انظر: فتح القدير ج 1/ ص 338، والاستنباط رقم:36.
(4)
انظر: فتح القدير ج 2/ ص 365، والاستنباط رقم:94.
(5)
انظر: فتح القدير ج 2/ ص 379 والاستنباط رقم: 95.
(6)
انظر: فتح القدير ج 3/ ص 276 والاستنباط رقم: 138.
(7)
انظر: فتح القدير ج 4/ ص 136، والاستنباط رقم:169.
وربما خالف الشوكاني القرطبي كما في الأمثلة التالية:
1 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} [البقرة: 29] أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل
(1)
.
والقرطبي ممن لا يرى هذا
(2)
.
2 -
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ
…
عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)} [يوسف: 109] أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن، وأن في الآية ردا على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم
(3)
.
قال القرطبي: والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحي إلى سائر النبيين. وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها
(4)
.
•
ثانيا: أبو السعود
(5)
:
يعد أبو السعود من أكثر من تأثر به الشوكاني بعد القرطبي في الاستنباط، فقد تأثر به فيما يقارب ثلث استنباطاته، ومن أمثلة ذلك:
1 -
في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} [الأنفال: 9 - 10] قال أبو السعود: (وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال، وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين، وتكثير سوادهم، ونحوه كما هو رأي بعض السلف)
(6)
.
(1)
انظر: فتح القدير ج 1/ ص 60، والاستنباط رقم:6.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 292.
(3)
انظر: فتح القدير ج 3/ ص 60، والاستنباط رقم:118.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 84.
(5)
محمد (وقيل: أحمد) بن محمد بن مصطفى العمادي الرومي، الحنفي،، المفسر، الأصولي، تولى القضاء والإفتاء، توفي سنة 982 هـ. انظر: شذرات الذهب ج 8/ ص 398، ومعجم المفسرين ج 2/ ص 625.
(6)
إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 8.
وقال الشوكاني رحمه الله: ({وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها)
(1)
.
2 -
في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [التوبة: 31] قال أبو السعود: ({وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} عطف على رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا: إنه ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وتخصيص الاتخاذ به يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير)
(2)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} معطوف على
…
{وَرُهْبَانَهُمْ} رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا)
(3)
.
3 -
في قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} [الروم: 17 - 18] قال أبو السعود: (وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه، والإشعار بأن حقهما أن يجمع بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}، وقوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} .. )
(4)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (وجملة: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الحجر: من الآية 98]، و {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: من الآية 30])
(5)
.
•
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 290. وانظر: الاستنباط رقم: 81.
(2)
إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 60.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 353. وانظر: الاستنباط رقم: 90.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 7/ ص 54.
(5)
فتح القدير ج 4/ ص 218، 219. وانظر: الاستنباط رقم: 175.
ثالثا: الرازي:
تأثر الشوكاني باستنباطات الرازي كثيرا، وفي بعض الاستنباطات تكاد عبارة الشوكاني تكون هي عبارة الرازي، ومن أمثلة ذلك:
1 -
في قوله تعالى: {قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ
…
الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} [الكهف: 2 - 4] قال الرازي: (اعلم أن قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} معطوف على قوله: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} ، والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه، فالأول عام في حق كل من استحق العذاب، والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي، كقوله تعالى:{وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} [البقرة: من الآية 98]، فكذا هاهنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى)
(1)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: ({وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر)
(2)
.
2 -
في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} [مريم: 10] مع وقوله: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)} [آل عمران: 41] قال الرازي: (قال في آل عمران: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)}، وقال ههنا:{ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} ، وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن)
(3)
.
(1)
التفسير الكبير ج 21/ ص 66.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 269. وانظر: الاستنباط رقم: 137.
(3)
التفسير الكبير ج 21/ ص 166.
وقال الشوكاني رحمه الله: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن)
(1)
.
3 -
في قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)} [فاطر: 33] قال الرازي: (قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} إشارة إلى سرعة الدخول، فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول، فقال يدخلونها وفيها تقع تحليتهم)
(2)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (
…
وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال:{يُحَلَّوْنَ فِيهَا} أشار أن دخولهم على وجه السرعة)
(3)
.
•
رابعا: البيضاوي
(4)
.
ومن أمثلة تأثر الشوكاني باستنباطاته:
1 -
في قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)} [البقرة: 237] قال البيضاوي: ({فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي: فلهن، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن. وهو دليل على أن الجناح المنفي ثم تبعه المهر
(5)
، وأن لا متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها)
(6)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 324. وانظر: الاستنباط رقم: 142.
(2)
التفسير الكبير ج 26/ ص 24.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 350. وانظر: الاستنباط رقم: 182.
(4)
هو ناصر الدين، عبد الله بن عمر البيضاوي، الشافعي، مفسر، فقيه، أصولي، عالم بالعربية والمنطق، ولي القضاء بشيراز، له مصنفات كثيرة، منها: المنهاج في الأصول، توفي سنة 691 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ج 8/ ص 157، 158، وطبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 242.
(5)
أي: لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهرا، إذ لو كانت ممسوسة فعليه المسمى أو مهر المثل، ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمي لها فلها نصف المسمى. انظر: أنوار التنزيل ج 1/ ص 533.
(6)
أنوار التنزيل ج 1/ ص 534.
وقال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}
…
الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة)
(1)
.
2 -
في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} [النحل: 8] قال البيضاوي: (وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود من خلقها الركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض)
(2)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات)
(3)
.
3 -
في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} [الذاريات: 7 - 8] قال البيضاوي: (ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها، واختلاف غاياتها)
(4)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: ({إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد صلى الله عليه وسلم بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء)
(5)
.
•
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 253. وانظر: الاستنباط رقم: 28.
(2)
أنوار التنزيل ج 3/ ص 387.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 149. وانظر: الاستنباط رقم: 123.
(4)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 235.
(5)
فتح القدير ج 5/ ص 83. وانظر: الاستنباط رقم: 196.
خامسا: ابن عطية:
لم يتأثر الشوكاني في الاستنباط بابن عطية إلا قليلا، إذ انحصر تأثره به في خمسة عشر موضعا
(1)
. ومن أمثلة ذلك:
1 -
في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} [البقرة: 35] قال ابن عطية: (وهذا مثال بيَّن في سد الذرائع)
(2)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل
…
)
(3)
.
2 -
في قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)} [آل عمران: 120] قال ابن عطية: (وذكر تعالى المس في الحسنة ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة، وهي عبارة عن التمكن لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه؛ فدل هذا المنزع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في مثل هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة)
(4)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (وعبر بالمس في الحسنة، وبالإصابة في السيئة؛ للدلالة على أن مجرد مس الحسنة يحصل به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة)
(5)
.
•
سادسا: البقاعي:
تأثر الشوكاني بالبقاعي في استنباط المناسبات وغيرها، وذلك فيما يقارب أربعة عشر موضعا
(6)
، ومن أمثلة ذلك:
1 -
في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)} [البقرة: 221] قال البقاعي: (وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدُّونَه دَنِيَّا فشرفه الإيمان، ومن يعدُّونَه شريفا فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دَنِيَّا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصراً عليه؛ لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه)
(7)
.
(1)
انظر: الاستنباطات رقم: 10، 13، 20، 27، 35، 53، 54، 77، 109، 113، 132، 158، 212.
(2)
انظر: المحرر الوجيز ص 77.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 68، وانظر: الاستنباط رقم: 8.
(4)
المحرر الوجيز ص 349.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 376، وانظر: الاستنباط رقم: 40.
(6)
انظر أمثلة ذلك في الاستنباطات رقم: 7، 12، 23، 25، 27، 54، 72، 124، 131.
(7)
المصدر السابق ج 1/ ص 420.
وقال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ} أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى)
(1)
.
2 -
في مناسبة خاتمة سورة الأنبياء لفاتحة سورة الحج قال البقاعي: (لما ختمت التي قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر، وطيّ السماء، وإتيان ما يوعدون، والدينونة بما يستحقون، وكان أعظم ذلك يوم الدين، افتتحت هذه بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم)
(2)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ})
(3)
.
ويتنبه إلى أن الشوكاني استنبط أنواعا من المناسبات لم يذكرها البقاعي، مما يدل على عناية الشوكاني بالمناسبات وأنواعها، ومثال ذلك:
1 -
مناسبة ختم قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} [آل عمران: 129] التنبيه إلى أن رحمة الله سبقت غضبه
(4)
.
2 -
مناسبة ذكر الرحمة بعد النبوة في قوله تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)} [مريم: 49 - 50] أن النبوة هي من باب الرحمة
(5)
.
•
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 224. وانظر: الاستنباط رقم: 24.
(2)
نظم الدرر ج 5/ ص 129.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 435. وانظر: الاستنباط رقم: 149.
(4)
انظر: فتح القدير ج 1/ ص 378، وانظر: الاستنباط رقم: 42.
(5)
انظر: فتح القدير ج 3/ ص 337،. وانظر: الاستنباط رقم: 145.
سابعا: الزجاج.
لم يظهر لي أن للزجاج أثرا في استنباطات الشوكاني إلا ما ندر. ويمكن حصر تأثره به في موضع واحد:
في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)} [البقرة: 233]: قال الزجاج: (وإِنما قيل: (كَامِلَيْنِ) لأن القائل يقُول: قد مضى لذلك عامان وسنتان فيجيز أن السنتين قد مضتا، ويكون أن تبقى منهما بقية، إِذا كان في الكلام دليل على إِرادة المتكلم فإِذا قال:(كَامِلَيْنِ) لم يجز أن تنقصا شيئاً)
(1)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {كَامِلَيْنِ} تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي)
(2)
.
تأثيره في المفسرين بعده
لاشك أن للشوكاني أثرا في القنوجي الذي اعتنى بمؤلفات الشوكاني، وقد ظهر هذا جليا في تفسير فتح البيان. كما ظهر لي أن الشوكاني أثر أيضا في محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي الهرري الشافعي صاحب تفسير حدائق الروح والريحان.
أما القنوجي فلم يقتصر على نقل استنباطات الشوكاني وموافقته عليها بل يستنبط أحيانا ما ليس عند الشوكاني، ومثال ذلك:
1 -
في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)} [المائدة: 5] قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه
…
إخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض
(3)
الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية)
(4)
. ووافقه القنوجي وزاد عليه استنباطا آخر، فقال:(وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا)
(5)
.
(1)
معاني القرآن وإعرابه ج 1/ ص 312.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 244، 245. وانظر: الاستنباط رقم: 27.
(3)
يظهر أنه: (أعواض) الطعام، أي ثمنه والعوض عنه.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 15. وانظر: الاستنباط رقم: 61.
(5)
انظر: فتح البيان ج 3/ ص 355.
2 -
في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)} [الكهف: 19] قال الشوكاني رحمه الله: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله)
(1)
. ووافقه القنوجي وزاد عليه استنباطا آخر، فقال:(فيه دليل على جواز الاجتهاد، والقول بالظن الغالب)
(2)
.
ويندر أن يخالف القنوجي الشوكاني، ويمكن أن يمثل له بمثال واحد- على احتمال- في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ
…
الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)} [الرعد: 3] قال الشوكاني: ({وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ}
…
وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها)
(3)
. وقال القنوجي: (قيل: وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها
(4)
، وبه قال أهل الهيئة، والله أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها، وبسطها، وأنه جعلها فراشا، وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف، وهو أصدق قيلا، وأبين دليلا من أصحاب الهيئة)
(5)
. وانظر بسط القول في هذا الاستنباط عند قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ
…
شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)} [الحجر: 19]
(6)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 276. وانظر: الاستنباط رقم: 138.
(2)
فتح البيان ج 8/ ص 27.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 64. وقد نقل الشوكاني قبله قولا للأصم، فقال: (وقال الأصم: إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه. وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها). فإن قيل: قد يكون الكلام كله للأصم فنقله الشوكاني؛ قلت: قول الشوكاني: (وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) ليس من تمام كلام الأصم، إذ ليس موجودا في تفسيره للآية في ص 24، وص 82، وكذلك لم ينقله الرازي عن الأصم-مع أنه ينقل عنه كثيرا-، فلم يبق إلا أن يكون من كلام الشوكاني.
(4)
هذا قول النيسابوري في غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج 7/ ص 252.
(5)
فتح البيان ج 7، ص 12.
(6)
الاستنباط رقم: 122. وفيه يظهر أهمية الرجوع إلى تفسير القنوجي وموازنته بتفسير الشوكاني.
ويندر أيضا ألا يذكر استنباطا من استنباطات الشوكاني، ولم أقف سوى على مثال واحد لم يذكره هو: في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} [الرعد: 4] إذ استنبط الشوكاني أن مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} لأنه ليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة، والصنع العجيب
(1)
.
وأما الهرري: فقد ذكر في تفسيره ما يقارب ثلث استنباطات الشوكاني، ومن أمثلة ذلك:
1 -
في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)} [إبراهيم: 35] قال الشوكاني رحمه الله: (وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا)
(2)
. وذكر الهرري هذا الاستنباط بعبارته دون تغيير
(3)
.
2 -
في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
…
عَمَّا يَصِفُونَ (22)} [الأنبياء: 22] قال الشوكاني رحمه الله: ({فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
…
عَمَّا يَصِفُونَ (22)} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي: تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك له. وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به)
(4)
.
قال الهرري: (وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به)
(5)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 119.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 112. وانظر: الاستنباط رقم: 121.
(3)
انظر: حدائق الروح والريحان ج 14/ ص 416.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 402. وانظر: الاستنباط رقم: 147.
(5)
حدائق الروح والريحان ج 18/ ص 37.
وهذان الاستنباطان لم أقف عليهما عند أحد غير القنوجي والهرري.
المبحث الثاني:
مميزات استنباطات الشوكاني
تميزت استنباطات الشوكاني بميزات هي:
1 -
ظهرت شخصية الشوكاني في الاستنباط جلية حيث انفرد بذكر أربعة عشر استنباطا لم أقف عليها عند أحد ممن سبقه فيما اطلعت عليه، وهي:
1) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)} [البقرة: 113] أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا
(1)
.
2) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} [المائدة: 67] أن من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله
(2)
.
3) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة: 77] أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم
(3)
.
4) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} [الأعراف: 13] أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع
(4)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 15.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 66.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 68.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 78.
5) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55)} [الأنفال: 55] انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم
(1)
.
6) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ
…
عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [هود: 46] عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع
(2)
.
7) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)} [إبراهيم: 35] أن تقديم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا
(3)
.
8) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
…
عَمَّا يَصِفُونَ (22)} [الأنبياء: 22] إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به
(4)
.
9) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ
…
تَعْمَلُونَ (84)} [النمل: 84] أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم
(5)
.
10) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)} [الأحزاب: 50] من الآية شرف الهجرة، وشرف من هاجر
(6)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 86.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 108.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 121.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 147.
(5)
انظر: الاستنباط رقم: 170.
(6)
انظر: الاستنباط رقم: 178.
11) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} [الأحزاب: 58] أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله
(1)
.
12) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
…
الرَّحِيمُ
…
(53)} [الزمر: 53] نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط
(2)
.
13) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)} [الأحقاف: 15] أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)}
(3)
.
14) استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 3] أن الصبر أعظم خصال الحق
(4)
.
2 -
تميز عدد كبير من استنباطات الشوكاني باستنباط المناسبات الخفية بأنواعها المختلفة، ولذا كان أكثر موضوعات الاستنباط عنده موضوع علوم القرآن عموما، واستنباط المناسبات خصوصا، وقد تقدم تفصيل القول في المبحث الأول من الفصل الأول فليراجع في موضعه.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 180.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 186.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 191.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 217.
وإذا ما نظرنا إلى هذا العدد الكبير من استنباطات المناسبات الخفية وضممناها إلى المناسبات الظاهرة التي يعتني بها الشوكاني كثيرا في تفسيره -والتي لا تدخل ضمن الاستنباطات-؛ فيمكن عد تفسير الشوكاني مصدرا من مصادر معرفة المناسبات.
3 -
يستنبط الشوكاني من الآية الواحدة استنباطين مثل:
أ - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)} [البقرة: 249] استنباطين، هما:
الأول: أن غرفة الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية
(1)
.
الثاني: الماء يقال له طعام
(2)
.
ب - استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} [التوبة: 43] استنباطين، هما:
الأول: جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم
(3)
.
الثاني: مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور
(4)
.
4 -
يستنبط المعنى الواحد أو القريب من مواضع مختلفة مثل: استنباط ذم التقليد والمنع منه من آيات مختلفة
(5)
وبدلالات متنوعة
(6)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 29.
(2)
انظر: الاستنباط رقم: 30.
(3)
انظر: الاستنباط رقم: 93.
(4)
انظر: الاستنباط رقم: 94.
(5)
انظر: البقرة: 22 (ج 1/ ص 50)، البقرة: 170 (ج 1/ ص 167)، الأنفال: 24 (ج 2/ ص 299)، التوبة: 31 (ج 2/ ص 353)، الأحزاب: 67 (ج 4/ ص 306)، والزخرف: 22 (ج 4/ ص 552، 553).
(6)
انظر: الاستنباطات رقم: 4، 20، 83، 91، 181، 189.
5 -
يكرر الاستنباط للتأكيد مثل: استنباط الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد؛ إذ استنبط هذا المعنى من قوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [البقرة: 43]، ومن قوله تعالى:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43]
(1)
.
وقد يؤكد على المعنى المستنبط من آية عند تفسير آية أخرى، مثل:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)} [البقرة: 249] أن الماء يقال له طعام، وأكد هذا المعنى عند قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: من الآية 93] فقال: (أي: من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر، لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي})
(2)
.
(3)
(1)
انظر: الاستنباطين رقم: 11، 36.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 74.
(3)
وأحيانا لا يكرر مثل: استنباط أن الإيمان يزيد وينقص من قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} [آل عمران: 173] فاكتفى بذكره في هذا الموضع، ولم يذكره في بقية المواطن المماثلة و هي: الأنفال: 2، والتوبة: 124، والكهف: 13، والأحزاب: 22، والفتح: 4، محمد: 17، والمدثر:31.
6 -
دلت بعض الاستنباطات على صحة مذهبه العقدي، فتميزت بكونها استنباطات عقدية صحيحة مثل: استنباط أن الإيمان يزيد وينقص من قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} [آل عمران: 173]
(1)
.
7 -
ظهر أثر قراءة نافع
(2)
- التي اعتمدها في تفسيره- على الاستنباط، ومثاله:
استنبط الشوكاني من قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)} [البقرة: 249] أن غرفة الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. وفي:(غرفة) قراءتان: فقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: غَرفة بيده، بفتح الغين، والباقون بضمها
(3)
. وما كان باليد فهو غَرفة بالفتح، وما كان بإناء فهو غُرفة بالضم
(4)
.
والغَرفة أي: مرة واحدة باليد، وهي المد، والغُرفة: ما تحمله اليد، أو المغروف
(5)
.
(1)
انظر: الاستنباط رقم: 43.
(2)
أبو رويم، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، مولاهم، المقرئ، أحد السبعة، مقرئ المدينة، أصله من أصبهان، قرأ على سبعين من التابعين، قال مالك: نافع إمام الناس في القراءة، مات سنة تسع وستين ومائة للهجرة. انظر: معرفة القراء الكبار ج 1، ص 107 - 111، وغاية النهاية ج 2، ص 332 - 334.
(3)
انظر: النشر ج 2/ ص 230، وإتحاف فضلاء البشر ج 1/ ص 207، والبدور الزاهرة ج 1/ ص 123.
(4)
انظر: الكتاب المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ج 1/ ص 111، والحجة في القراءات السبع لابن خالويه ج 1/ ص 99، وحجة القراءات لابن زنجلة ج 1/ ص 140.
(5)
انظر: الكتاب المختار ج 1/ ص 111، ومفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني للكرماني ص 120، وحجة القراءات ج 1/ ص 140.
أو الغَرفة: ما كان بيد واحدة، والغُرفة: ما كان بيدين. أو أنهما لغتان بمعنى واحد
(1)
.
وهذا الاستنباط يستقيم على القراءتين؛ إذ هما دالتان على القلة، إلا أنه- والله أعلم- على قراءة الفتح أظهر، وذلك على توجيهها بأنها بالكف الواحد. لأن فيها مزيد قلة.
(1)
انظر: الكتاب المختار ج 1/ ص 111، 112.
•
الباب الثاني
جمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره
من أول سورة الفاتحة
إلى آخر سورة الناس
سورة الفاتحة
1 - العبادة وسيلة إلى الاستعانة
(1)
.
قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} الفاتحة: 5.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقدمت العبادة على الاستعانة؛ لكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن العبادة وسيلة إلى الاستعانة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم العبادة على الاستعانة، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب؛ فدل التقديم على أن العبادة وسيلة للاستعانة.
ولعل مقصوده -والله أعلم- أن في العبادة خضوعا وتذللا، والاستعانة بالله حاجة للعبد، فتقديم الخضوع والتذلل على طلب الحاجة، هو كالوسيلة لتحصل الإجابة إليها.
وأحسن منه وأدق استنباط السيوطي حيث قال: (فيه الإرشاد إلى تقديم الخضوع والتذلل على طلب الحاجة)
(4)
.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 23.
(3)
واستنبط غيره استنباطات أخرى من الآية، منها:
1) في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} إثبات لمذهب أهل السنة إذ فيه إثبات الفعل من العبد، والتوفيق من الله كالخلق. وفيه دليل على بطلان قول الجبرية والمعتزلة. ووجه الرد على الجبرية النافين للفعل من العبد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ففيها إثبات الفعل للعبد. أما الرد على المعتزلة فبقوله تعالى:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} فإثبات طلب الاستعانة يبطل قولهم بقدرة العبد على خلق أفعال نفسه. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 33. وروح البيان ج 1/ ص 19، 20، وتيسير الكريم الرحمن ص 40.
2) في ذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها بيان لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 39.
3) في الالتفات إلى الخطاب في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بعد الغيبة في أول السورة إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله؛ تقرب منه، وحضر بين يديه. انظر: أنوار التنزيل ج 1/ ص 63. والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 33، وتفسير القرآن العظيم ج 1/ ص 206، وفتح البيان ج 1/ ص 48، وجواهر الأفكار ص 38، وزهرة التفاسير ص 63.
(4)
الإكليل ج 1/ ص 290.
وممن قال باستنباط الشوكاني: البيضاوي، وابن جزي
(1)
، وأبو حيان
(2)
، والبروسوي
(3)
، والقنوجي، وابن بدران.
(4)
. وأشار إليه الزمخشري
(5)
.
ورأى آخرون كابن عرفة
(6)
، وابن كثير أن العبادة هي المقصد- ولذا قدمت- والاستعانة وسيلة
(7)
.
(1)
محمد بن أحمد بن محمد بن جُزَيّ الكلبي، المالكي، فقيه، حافظ، مشارك في فنون كثيرة من: عربية، وأصول، وقراءات، وحديث، وأدب، حُفظة للتفسير، مستوعباً للأقوال، له مصنفات كثيرة منها:"التسهيل في علوم التنزيل"، توفي سنة إحدى وأربعين وسبعمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين ج 2، ص 81 - 83، وغاية النهاية ج 2، ص 83.
(2)
أثير الدين، محمد بن يوسف بن علي بن حيَّان أبو حيان الأندلسي، الغرناطي، نحوي عصره، ولُغويه، ومُفَسِّره، ومُحَدَّثه، ومُقْرِئه، ومُؤَرِّخه، وأديبه، له من التصانيف:"البحر المحيط"، و"إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب"، توفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة للهجرة. انظر: بغية الوعاة ج 1، ص 231 - 235، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 286 - 291.
(3)
هو إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي، الخلْوَتي، تركي مستعرب، مفسر، متصوف، مشارك في أنواع العلوم، توفي سنة 1127 هـ. انظر: الأعلام ج 1/ ص 313، وهدية العارفين ج 1/ ص 249.
(4)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 57، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 68، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 33، والبحر المحيط ج 1/ ص 41، وروح البيان ج 1/ ص 19، 20، وفتح البيان ج 1/ ص 48، وجواهر الأفكار ص 38.
(5)
أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري، الخوارزمي، المتكلم، المعتزلي، المفسر، النحوي، اللغوي، يلقب جار الله؛ لأنه جاور بمكة زمانا، له التصانيف الكثيرة البديعة منها:"الكشاف" في التفسير، و"الفائق" في غريب الحديث، وغير ذلك، مات ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين ص 120، 121، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 314 - 316.
وفي عبارة الزمخشري خلل حيث قال: (لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة؛ ليستوجبوا الإجابة إليها)؛ ولذا تعقبها ابن المنير بقوله: معتقد أهل السنة أن العبد لا يستوجب على ربه جزاء، والثواب عندنا- من الإعانة في الدنيا على العبادة، ومن صنوف النعيم في الآخرة- ليس بواجب على الله تعالى، بل فضل منه وإحسان. انظر: الانتصاف ج 1/ ص 57.
(6)
هو أبو عبد الله، محمد بن محمد بن عرفة الورْغَمي المالكي، الأصولي، البياني، ولد بتونس سنة 716 هـ، له تصانيف في الحديث، والتفسير، وله المبسوط من فروع المالكية، توفى سنة 803 هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 2/ ص 235 - 237، وهدية العارفين ج 3/ ص 200.
(7)
انظر: تفسير ابن عرفة ج 1/ ص 9، وتفسير القرآن العظيم ج 1/ ص 207.
وكلا القولين صحيح باعتبار.
فالأول: باعتبار أن العبادة خضوع وتذلل في اللغة، والاستعانة بالله حاجة للعبد، فتقديم الخضوع على طلب الحاجة هو كالوسيلة لوصول العبد لحاجته.
والثاني: باعتبار معنى العبادة شرعا، وأنها غاية العباد الّتي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ومن ثمّ يكون تقديم العبادة على الاستعانة من قبيل تقديم الغايات على الوسائل.
لكن الثاني مقدم لأن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية.
وذكر ابن القيم مناسبات أخرى للتقديم، قال: (وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها.
ولأنّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ متعلّق بألوهيّته، واسمه الله، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ متعلّق بربوبيّته، واسمه الرب؛ فقدم إِيَّاكَ نَعْبُدُ على وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كما قدم اسم «اللّه» على الرّبّ» في أوّل السّورة.
ولأن إِيَّاكَ نَعْبُدُ قسم الرّبّ، فكان من الشّطر الأوّل، الّذي هو ثناء على اللّه تعالى، لكونه أولى به، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قسم العبد، فكان من الشّطر الّذي له، وهو اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السّورة.
ولأنّ العبادة المطلقة تتضمّن الاستعانة من غير عكس، فكلّ عابد للّه عبوديّة تامّة، مستعين،
ينعكس. لأنّ صاحب الأغراض والشّهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتمّ، ولهذا كانت قسم الرب.
ولأنّ الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس.
ولأنّ الاستعانة طلب منه سبحانه، والعبادة طلب له.
ولأنّ العبادة لا تكون إلّا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص.
ولأنّ العبادة حقّ اللّه الّذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته الّتي تصدّق بها عليك، وأداء حقّه أهمّ من التّعرّض لصدقته.
ولأنّ العبادة شكر نعمته عليك، واللّه يحبّ أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإذا التزمت عبوديّته، ودخلت تحت رقّها؛ أعانك عليها. فكان التزامها والدّخول تحت رقّها؛ سببا لنيل الإعانة، وكلّما كان العبد أتمّ عبوديّة كانت الإعانة له من اللّه أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى. وهكذا أبدا حتى يقضي العبد نحبه.
ولأنّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ له، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ به، وماله مقدّم على ما به، لأنّ ما له متعلّق بمحبّته ورضاه وما به متعلّق بمشيئته، وما تعلّق بمحبّته، أكمل ممّا تعلّق بمجرّد مشيئته، فإن الكون كلّه متعلّق بمشيئته، والملائكة والشّياطين والمؤمنون والكفّار، والطّاعات والمعاصي. والمتعلّق بمحبّته طاعاتهم وإيمانهم. فالكفّار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبّته، ولهذا لا يستقرّ في النّار شيء للّه أبدا، وكلّ ما فيها فإنّه به تعالى وبمشيئته)
(1)
.
(1)
مدارج السالكين ج 1/ ص 97، 98.
سورة البقرة
2 - الإرشاد إلى ترك الإسراف
(1)
.
قال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} البقرة: 3.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
وفي المجيء بمن التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله من الآية الإرشاد إلى ترك الإسراف.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على المتقين بصفات منها الإنفاق مما رزقهم الله؛ فدل مجيء من التبعيضية على التنبيه على ترك الإسراف.
واستنباطه إنما يتأتى على القول بأن (من) تبعيضية أما على أنها بيانية فلا يتأتى.
وقد يتأتى كذلك على القول بأن النفقة هنا عامة -وهو الأرجح
(4)
- تشمل الزكاة، وسائر النفقات، والصدقات
(5)
. لكن في هذا تفصيل على النحو التالي:
(1)
وهو استنباط تربوي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 36.
(3)
واستنبط الشيخ محمد أبو زهرة من تقديم {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} على {يُنْفِقُونَ (3)} استنباطا آخر فقال: وفي ذلك بيان أنهم لا ينفقون من كسب خالص لهم، بل إنهم ينفقون من رزق الله تعالى، فهو وحده الرزاق، إن شاء أعطى، وإن شاء منع، ولست أيها المنفق ترزق نفسك إنما يرزقك الله وحده، فأنت تعطي من عنده، وتجود على نفسك وعلى عباده من عنده. فالتقديم للقصر أولا، وللاهتمام ثانيا. انظر: زهرة التفاسير ج 1/ ص 108.
(4)
قال الطبري: وأولى التأويلات بالآية وأحقها بصفة القوم، أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين، زكاة كان ذلك، أو نفقة من لزمته نفقته من أهل وعيال وغيرهم ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله جل ثناؤه عم وصفهم، إذ وصفهم بالإنفاق مما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم، فكان معلوما أنهم إذ لم يخصص مدحهم، ووصفهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبها دون نوع، بخبر ولا غيره، أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمود عليها صاحبها، من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم، وأملاكهم، وذلك الحلال منه الذي لم يشبه حرام. انظر: جامع البيان ج 1/ ص 250، وانظر مثله في الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 226.
وقال ابن جزي: فيه ثلاثة أقوال: الزكاة؛ لاقترانها مع الصلاة، والثاني: أنه التطوع، والثالث العموم، وهو الأرجح؛ لأنه لا دليل على التخصيص. التسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 36. وانظر توجيها آخر للقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 226.
(5)
قال الرازي: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية الإنفاق الواجب، والإنفاق المندوب. والإنفاق الواجب أقسام، أحدها الزكاة
…
فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح. انظر: التفسير الكبير ج 2/ ص 29.
أولا: على القول بأن النفقة غير الصدقات والزكاة؛ فوجه الاستنباط واضح كما تقدم، وهو أن مجيء من التبعيضية للتنبيه على ترك الإسراف.
ثانيا: على القول بأن النفقة هي الزكاة -بدلالة اقترانها بالصلاة
(1)
- فإن الاستنباط يصح؛ فإذا كان الله جعل في الزكاة حقا يسيرا، فمفهوم ذلك التنبيه على ترك الإسراف عموما.
ثالثا: على القول بأن النفقة هي صدقة التطوع؛ فيصح الاستنباط في حال دون حال؛ إذ في الأمر تفصيل. وللإنفاق تطوعا في سبيل الله خصوصيته، فيجوز في بعض الأحوال أن ينفق المرء جميع ماله في سبيل الله، ولا يكون ذلك تبذيرا؛ فإن الله أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، ولكن لكل مقام مقال.
قال الشنقيطي: ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة، وسد الخلة التي لا بد منها وذلك كقوله:{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: من الآية 219] المراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور
…
وقوله تعالى:
{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: من الآية 29] فنهاه عن البخل بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} ونهاه عن الإسراف بقوله: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا
…
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)} [الفرقان: 67] فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل. فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} . والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}
…
فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر: من الآية 9] فالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: وابدأ بمن تعول
(2)
. وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس، فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك. وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر، والتعفف، وعدم السؤال
(3)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 226، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 36.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، رقم: 1360، ج 2/ ص 518. وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن اليد السفلى هي الآخذة. رقم الحديث: 1033، ج 2/ ص 717.
(3)
انظر: أضواء البيان ج 1/ ص 51. بتصرف. وانظر قريبا منه قول الشيخ ابن عثيمين في تفسير سورة البقرة ج 1/ ص 33.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبروسوي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة.
(1)
.
3 - تكرير اسم الإشارة {أولئك} لمزيد الثناء على المتقين،
فكل من: الهدى، والفلاح مستقل، يتميزون بكل واحد منهما، فكيف وقد اجتمعا لهم
(2)
.
قال تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} البقرة: 5.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلا من الهدى والفلاح المستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى تميزا على حاله)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن في قوله تعالى عن المتقين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} ما يدل على مزيد الثناء عليهم، إذ أثنى الله عليهم بالهدى من ربهم وهو غاية المدح، وكذلك مدحهم بالفلاح، وكل من الهدى والفلاح مستقل، يتميزون به عن غيرهم، ولو مدحوا بأحدهما لكان دالا على تميزهم، فكيف وقد اجتمع لهم المدح والثناء بهما.
ووجه الاستنباط: تكرير اسم الإشارة {أولئك} الدال على أن كلتا الأثرتين: الهدى من الله، والفلاح جديرة بالاعتناء والتنويه، فلا تذكر إحداهما تبعا للأخرى، بل تخص بجملة
(5)
. ويستحقون بذلك الاستقلال بالتمكن في الهدى، والاستبداد بالفلاح، والاختصاص بكل منهما
(6)
. ويؤيده توسيط العاطف بين الجملتين
(7)
.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 2/ ص 29، وروح البيان ج 1/ ص 40، وفتح البيان ج 1/ ص 81، 82، وزهرة التفاسير ج 1/ ص 108.
(2)
وهو استنباط في علوم القرآن (معنى التكرار).
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 37، 38.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أتى بالحرف على في هذا الموضع الدالة على الاستعلاء وفي الضلالة يأتي ب في كما في قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)} [سبأ: من الآية 24]؛ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر. انظر: البرهان في علوم القرآن ج 4/ ص 175، وتيسير الكريم الرحمن ص 41.
2) على في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} لبيان تمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، فكأنهم يسيرون على طريق واضح دون شك. انظر: الكشاف ج 1/ ص 85، وأنوار التنزيل ج 2/ ص 32، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 34، وتيسير الكريم الرحمن ص 41، والتحرير والتنوير ج 1/ ص 239، وزهرة التفاسير ج 1/ ص 113، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 31.
(5)
انظر: التحرير والتنوير ج 1/ ص 243.
(6)
انظر: روح المعاني ج 1/ ص 125.
(7)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 34.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والشربيني
(1)
، والبروسوي، والآلوسي
(2)
، والقنوجي، وابن بدران، وابن عاشور، والهرري.
(3)
.
4 - وجوب استعمال الحجج وترك التقليد
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(6)
رحمه الله وجوب استعمال الحجج، وترك التقليد
(7)
.
(1)
هو شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، القاهري، مفسر، من فقهاء الشافعية، درَّس وأفتى في حياة شيوخه، توفي سنة 977 هـ. انظر: شذرات الذهب ج 8/ ص 384، ومعجم المفسرين ج 2/ ص 485.
(2)
هو أبو الثناء، الشهاب، محمود بن عبد الله الحسيني، شيخ علماء العراق في عصره، مفسر، محدث، فقيه، أديب، لغوي، توفي سنة 1270 هـ. انظر: الأعلام ج 7/ ص 176، ومعجم المفسرين ج 2/ ص 665.
(3)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 85، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 132، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 34، والسراج المنير ج 1/ ص 27، وروح البيان ج 1/ ص 46، وروح المعاني ج 1/ ص 125، وفتح البيان ج 1/ ص 87، وجواهر الأفكار ص 59، والتحرير والتنوير ج 1/ ص 243، وحدائق الروح والريحان ج 1/ ص 133.
(4)
وهو استنباط أصولي.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 50.
(6)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) استنباط تربوي من مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} ، فإن الله جمع بين التوبيخ وإثارة الهمة؛ فإنه أثبت لهم علما؛ ليثير همتهم، ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية، وهذا منزع تهذيبي عظيم، أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال فيه، حتى لا يقتل همته باليأس، فإنه إذا ساءت ظنونه في نفسه خارت عزيمته، وذهبت مواهبه. انظر: التحرير والتنوير ج 1/ ص 329.
2) أنه ينبغي لمن خاطب أحدا أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} ، ولقوله في صدر الآية الأولى:{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: من الآية 21]، فإن قوله تعالى:{الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 80.
(7)
عني الشوكاني في تفسيره في مواضع كثيرة بذم التقليد؛ ولذا تكرر استنباطه المنع من التقليد من خمس آيات-غير هذه الآية-، هي: البقرة: 170 (ج 1/ ص 167)، الأنفال: 24 (ج 2/ ص 299)، التوبة: 31 (ج 2/ ص 353)، الأحزاب: 67 (ج 4/ ص 306)، والزخرف: 22 (ج 4/ ص 552، 553). وهذه المواضع هي التي ظهر لي تصريحه فيها باستنباط منع التقليد بعبارة صريحة دالة على الاستنباط من الآية، وإن كان الشوكاني قد تحدث في مواطن كثيرة من تفسيره عن التقليد استطرادا، انظر تفسيره للآيات: البقرة: 120 (ج 1/ ص 135)، آل عمران: 64 (ج 1/ ص 348)، المائدة: 104 (ج 2/ ص 82)، الأعراف: 28 (ج 2/ ص 198، 199)، يونس: 39 (ج 2/ ص 446)، يونس: 59 (ج 2/ ص 455)، يونس: 78 (ج 2/ ص 465)، إبراهيم: 22 (ج 3/ ص 103)، النحل: 116 (ج 3/ ص 201)، الإسراء: 36 (ج 3/ ص 227)، الأنبياء: 7 (ج 3/ ص 399)، الأنبياء: 53 (ج 3/ ص 412)، المؤمنون: 24 (ج 3/ ص 481)، المؤمنون 81 (ج 3/ ص 494)، الشعراء: 74 (ج 4/ ص 104)، لقمان: 21 (ج 4/ ص 241).
ووجه الاستنباط: أن الله أمر بعبادته بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة: 21]، ثم ذكر الأدلة على وجوب عبادته وحده بأنه ربى بأصناف النعم، فخلق بعد العدم، وأنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، فجعل الأرض فراشا يُستقر عليها، ويُنتفع بالأبنية والزراعة والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها. وجعل السماء بناء، وأودع فيها من المنافع ما هو من الضرورات، والحاجات كالشمس والقمر والنجوم. وأنزل من السماء ماء؛ فأخرج به من الثمرات كالحبوب والثمار من نخيل وفواكه وزروع وغيرها رزقا
(1)
؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد.
وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا الهراسي
(2)
، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي
(3)
، والقنوجي
(4)
.
والتقليد لغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى ذلك قلادة. ومنه تقليد البدن بأن يجعل في عنقها شعارا يعلم به أنها هدي
(5)
. ثم يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص استعارة، كأنه ربط الأمر بعنقه، كما قال لقيط الإيادي:
وقلدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
(6)
.
وفي عرف الفقهاء: قبول قول الغير من غير معرفة دليله
(7)
.
أو العمل بقول الغير من غير حجة
(8)
. أخذا من المعنى اللغوي، كأن المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشه به في دينه، أي يجعله طوقا في عنقه
(9)
.
(1)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 45.
(2)
أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الطبري، الهرَّاسي، شيخ الشافعية، مفسر، أصولي، توفي سنة 504 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ج 7/ ص 231، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 376.
(3)
هو سراج الدين، أبو حفص، عمر بن علي بن عادل الحنبلي، له في التفسير: اللباب في علوم الكتاب، توفي سنة 880، وقيل: 775 هـ. انظر: الأعلام ج 5/ ص 58، ومعجم المؤلفين ج 2/ ص 568
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 8، والجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 274، واللباب في علوم الكتاب ج 1/ ص 424، وفتح البيان ج 1/ ص 105.
(5)
انظر: مادة (قلد) في لسان العرب ج 3/ ص 366، 367، والقاموس المحيط ج 1/ ص 398.
(6)
انظر: الأغاني ج 22/ ص 357.
(7)
انظر: البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270، ومذكرة في أصول الفقه ص 487.
(8)
انظر: روضة الناظر ج 2/ ص 496، و البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270، والسيل الجرار ج 1/ ص 6، وإرشاد الفحول ص 597، وفتح القدير ج 3/ ص 399.
(9)
انظر: البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270، ونزهة الخاطر شرح روضة الناظر ج 2/ ص 496.
وقد عني الشوكاني بأمر التقليد كثيرا؛ فكتب فيه كتابه: القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، وكتاب: أدب الطلب ومنتهى الأرب
(1)
، وتحدث عنه في مقدمة كتابه: السيل الجرار. كما تحدث عن التقليد في مواطن كثيرة من تفسيره، وهو القائل:(وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا-يعني التقليد- والتحذير منه والتنفير عنه)
(2)
.
وفي حكم التقليد خلاف دائر بين الجواز والمنع، ولكل دليله
(3)
. ومما يعين على الحكم على ما ذهب إليه الشوكاني في حكم التقليد؛ تأمل كلامه عن التقليد، والتنبه إلى أمور:
الأول: أن الشوكاني يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة.
(1)
وقد أشار الشوكاني لهذين الكتابين عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)} [المائدة: 104] قال: (وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه، والبحث في ذلك يطول، وقد أفردته بمؤلف مستقل سميته: القول المفيد في حكم التقليد، واستوفي الكلام فيه في أدب الطلب ومنتهى الأرب) فتح القدير ج 1/ ص 167، 168.
(2)
انظر: فتح القدير ج 4/ ص 306. وتقدم في أول دراسة هذا الاستنباط المواطن التي تحدث فيها الشوكاني عن التقليد في تفسيره.
(3)
انظر للتوسع في ذلك: الإحكام في أصول الأحكام ج 4/ ص 212 وما بعدها، والبحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270 وما بعدها، والمسودة في أصول الفقه ص 304 وما بعدها، وأعلام الموقعين ج 4/ ص 210 وما بعدها، وإرشاد الفحول ص 596 وما بعدها، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 354 وما بعدها.
وينبغي التنبه لأمور في قول من قال بالجواز:
1 -
من أجاز التقليد فإنه بلا شك لم يجز التقليد المخالف للكتاب والسنة، ولا التعصب في التقليد المفضي لترك الحق، وللنزاع بين الأمة.
2 -
قد يكون قصد من أجاز التقليد إنما عني به الاتباع أي قبول قول الغير بالدليل، فيكون الاختلاف في التسمية، فالشوكاني يسميه اتباعا وغيره يسميه تقليدا.
3 -
من أجاز التقليد أجازه لأن الاجتهاد لا يستطيعه كل أحد، والشوكاني يتفق معهم في هذا فإنه أوجب الاجتهاد على القادر، ومنعه من التقليد، وأجاز لغير القادر اتباع قول الغير بمعرفة الدليل.
فالمتتبع لكلام الشوكاني -في تفسيره- عن التقليد والمقلدين يظهر له أنه يذم التقليد المخالف للكتاب والسنة، وقد نص على هذا في مواضع كثيرة، منها:
1 -
قال الشوكاني: - عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} [الأنفال: 24]- (على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به، كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي، وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان)
(1)
.
2 -
قال الشوكاني: - عند قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [التوبة: 31]- (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه؛ هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم، وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة)
(2)
.
(3)
.
الثاني: لا يلام الشوكاني في تشنيعه على التقليد؛ إذ نشأ في بيئة زيدية، ودرس وتفقه على علمائها، لكنه ترك التمذهب، واعتمد اعتمادا مباشرا على الكتاب والسنة
(4)
. وكان في زمانه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع، وكان الشوكاني إماما مجتهدا، ينبذ التقليد، ويحاربه محاربة شديدة؛ لذا كان شديد الإنكار على التقليد، محاربا له بلسانه، وبنانه. ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة؛ لذا جعل كلامه في السيل الجرار في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم إلى النظر في الدليل؛ لأنه يرى تحريم التقليد
(5)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 299.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 353.
(3)
وانظر أيضا: فتح القدير ج 1/ ص 135، وج 2/ ص 83، وج 2/ ص 198، وج 3/ ص 103، وج 4/ ص 552.
(4)
مستفاد من: اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير عرضا ودراسة، من أول سورة الكهف إلى نهاية سورة الناس، -رسالة دكتوراه- لفايز حبيب الترجمي، ص 20.
(5)
انظر: أبجد العلوم ج 3/ ص 203.
فكأن ذمه للتقليد دعوة للبحث عن الحق، وتحذير من التعصب في التقليد، وتنبيه لما يفضي إليه من نزاع بين أفراد الأمة.
قال الشوكاني: كان الجاهل في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فيفتيه به، ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. حتى استدرج الشيطان بذريعة التقليد من استدرج، ولم يكتف بذلك حتى سول لهم الاقتصار على تقليد فرد من أفراد العلماء، وعدم جواز تقليد غيره، ثم توسع في ذلك، فخيل لكل طائفة أن الحق مقصور على ما قاله إمامها، وما عداه باطل، ثم أوقع في قلوبهم العداوة والبغضاء حتى إنك تجد من العداوة بين أهل المذاهب المختلفة ما لم تجده بين أهل الملل المختلفة
(1)
.
الثالث: أنه فرَّق بين التقليد والاتباع
(2)
. فجعل من عرف دليل من أخذه عنه متبعا لا مقلدا.
قال الشوكاني: (وإن استروح المقلد إلى الاستدلال بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
…
لَا تَعْلَمُونَ (7)} [الأنبياء: 7]. فهو يقتصر على سؤال أهل العلم عن الحكم الثابت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يبينون له كما أخذ الله عليهم من بيان أحكامه لعباده، فإن معنى هذا السؤال الذي شرع الله هو السؤال عن الحجة الشرعية، وطلبها من العالم؛ فيكون راويا وهذا السائل مسترويا، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم، ولا يطالبه بالحجة. فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد)
(3)
.
ولأن الآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد؛ رد استنباط من استنبط جواز التقليد من قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
…
لَا تَعْلَمُونَ (7)} فقال: (وقد اُستدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم؛ لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته)
(4)
.
(1)
انظر: القول المفيد ص 38، 39.
(2)
الاتباع: هو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله. انظر: القول المفيد ص 37، و 60، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 356.
(3)
القول المفيد ص 88.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 399.
الرابع: ليس في منعه من التقليد تكليف للأمة بما لا يطيقون، إنما مراده أن يبذل كل أحد وسعه في معرفة الحق. وعلى الجاهل الذي لا يفهم ألفاظ الكتاب والسنة أن يسأل من يفطن ذلك، وحينها يكون السائل عاملا بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول، ويرتفع عنه وصف التقليد المذموم.
قال الشوكاني: (على أني أقول بعد هذا
(1)
إن من كان عاطلا عن العلوم الواجب عليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه عن نصوص الكتاب والسنة في الأمور التي يجب عليه من عبادة أو معاملة، وسائر ما يحدث له؛ فيقول لمن يسأله: علمني أصح ما ثبت في ذلك من الأدلة حتى أعمل به، وليس هذا من التقليد في شيء؛ لأنه لم يسأل عن رأيه بل عن روايته، ولكنه لما كان لجهله لا يفطن ألفاظ الكتاب والسنة وجب عليه أن يسأل من يفطن ذلك، فهو عامل بالكتاب والسنة بواسطة المسؤول)
(2)
.
ولذا رد الشوكاني قول من قال: لو كان التقليد غير جائز؛ لكان الاجتهاد واجبا على كل فرد من أفراد العباد، وهو تكليف ما لا يطاق؛ فإن الطباع البشرية متفاوتة، وعلى فرض إنها قابلة له جميعها فوجوب تحصيله على كل فرد يؤدي إلى تبطيل المعايش التي لا يتم بقاء النوع بدونها؛ فحينئذ يشتغل الحراث والزراع والنساج والعمار ونحوهم بالعلم وتبقى هذه الأعمال شاغرة معطلة. فرد بقوله:(ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد، بل المطلوب هو أمر دون التقليد، وذلك بأن يكون القائمون بهذه المعايش، والقاصرون إدراكا وفهما، كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون، والذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين، ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء، بل كان الجاهل يسأل العالم عن الحكم الشرعي الثابت في كتاب الله أو بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فيفتيه به ويرويه له لفظا أو معنى؛ فيعمل بذلك من باب العمل بالرواية لا بالرأي، وهذا أسهل من التقليد؛ فإن تفهم دقائق علم الرأي أصعب من تفهم الرواية بمراحل كثيرة، فما طلبنا من هؤلاء العوام إلا ما هو أخف عليهم مما طلبه منهم الملزمون لهم بالتقليد، وهذا هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)
(3)
.
(1)
أي قوله: (والذي أدين الله به أنه لا رخصة لمن علم من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف، وشطر من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاع على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعمل بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحق بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بين الصحيح وغيره، مع البيان لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العمل بما كان كذلك من السنة، ولا يحل التمسك بما يخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحدا أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب أو السنة
…
). البدر الطالع 640 وما بعدها.
(2)
البدر الطالع ص 643. عند ترجمة محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى.
(3)
القول المفيد ص 38، 39.
ومما يدل أيضا على أنه لم يطالب الأمة بما لا يطيقون أنه نبه على حكم التقليد في الأصول بما لا يشق على أفراد هذه الأمة؛ فكما راعى حالهم في معرفة الفروع راعى حالهم في معرفة الأصول، فقال: -ردا على من قال: لا يكون المرء مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين- (فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه. وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله -وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته)
(1)
. ثم نبه على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي
(2)
.
(3)
.
(1)
إرشاد الفحول ص 599.
(2)
انظر: المصدر السابق ص 600.
(3)
ويؤيد هذا الحكم في الأصول قول أبي عمرو بن الصلاح -في حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه الذي سأل النبي عن خالق السماء والأرض، وناصب الجبال، ثم سأله عن أركان الإسلام، ثم ولى قائلا: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لئن صدق ليدخلن الجنة"-: (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية). نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 1/ ص 171. وتمام الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل؛ فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله التابعين بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق، قال: ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن صدق ليدخلن الجنة". أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم وقوله تعالى: {وقل رب زدني علما} ، رقم: 63، ج 1/ ص 35. ومسلم -واللفظ له- في كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام، رقم: 12، ج 1/ ص 41.
فإذا تقررت هذه الأمور، وعرفت؛ تبين صواب قول الشوكاني بمنع التقليد، والله تعالى أعلم.
وما أحسن هذا الاستنباط، إذ فيه تنبيه وتحذير للمسلمين في كل زمان من تقديس آراء الرجال تقديسا يبعد عن الحق وقبوله. وكم من طائفة من المسلمين انحرفت عن جادة الصواب لما سلمت زمام عقلها لأقوال الرجال، دون النظر فيما في الكتاب والسنة، أو السؤال عما ورد فيهما.
5 - الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل
(1)
.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} البقرة: 29.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله: {جَمِيعًا} أقوى دلالة على هذا)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله من الآية أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم
(1)
وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (اليقين لا يزول بالشك).
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 60.
(3)
واستنبط غيره من الآيات استنباطات أخرى، منها:
1) إثبات الأفعال لله عز وجل، أي: أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ}، و {اسْتَوَى} فعل، فهو جل وعلا يفعل ما يشاء. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 111.
2) كل ما امتن الله علينا بخلقه؛ وجب علينا فرض كفاية، كتعلم العلم الذي نستطيع بسببه الانتفاع به، من معرفة طريق استخراجه، أو تصفيته، ونحو ذلك من ضروريات التسخير والاستثمار. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج 2/ ص 73.
واستنبط آخرون استنباطات باطلة، منها:
3) استنبط أهل الإباحة من المتصوفة الجهلة أن الآية دلت على الإباحة المطلقة فلا حظر ولا نهي ولا أمر، فإذا تحققت المعرفة سقطت الخدمة؛ لأن الحبيب لا يكلف حبيبه. انظر: روح البيان ج 1/ ص 93، و حدائق الروح والريحان ج 1، 263.
…
4) استنبط بعض الاشتراكيين أنه لا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا. أي المساواة الاقتصادية وإلغاء الملكية الفردية. وهو باطل لأنه بني على جهل بمعنى الآية وتفسيرها. انظر: منهج الاستنباط للوهبي ص 121، 122.
دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتن على الناس بأنه خلق لهم ما في الأرض؛ فدل هذا الامتنان بدلالة الالتزام على أن الأصل الإباحة حتى يقوم الدليل على غير ذلك؛ لأن الله لا يمتن إلا بجائز.
ويؤيد هذا الاستنباط التأكيد بلفظ {جَمِيعًا} مع أن {مَا} موصولة تفيد العموم، لكنه سبحانه وتعالى أكده حتى لا يتوهم واهم بأن شيئا من أفراد هذا العموم قد خرج من الأصل
(2)
.
قال السعدي: (وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، والطهارة؛ لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث؛ فإن تحريمها أيضا يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته منعنا من الخبائث تنزيها لنا)
(3)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني: الجصاص، وإلكيا الهراسي، والبيضاوي، وابن جزي، والقنوجي، وابن بدران، والمراغي، والسعدي-كما تقدم-، ومحمد أبو زهرة، والدوسري، وابن عثيمين.
(4)
.
وخالف في استنباط هذا المعنى من الآية آخرون، منهم: ابن العربي، وابن عطية، والقرطبي
(5)
. فذكروا أن {لَكُمْ} للاعتبار؛ يدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء، وتسويتها، فكل هذا يستدل بها على وحدانيته سبحانه وتعالى.
قال ابن العربي: (ليس لهذه الآية في الإباحة ودليلها مدخل، ولا يتعلق بها محصل)
(6)
.
وللعلماء في مسألة الأصل في الأشياء ثلاثة أقوال:
الأول: الإباحة.
(1)
وسيأتي مثل هذا الاستنباط عند الآية 168 من سورة البقرة.
(2)
انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 110.
(3)
تيسير الكريم الرحمن ص 48.
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 33، وأحكام القرآن ج 1/ ص 8، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 272، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 43، وفتح البيان ج 1/ ص 119، 120، وجواهر الأفكار ص 149، وتفسير المراغي ج 1/ ص 73، وتيسير الكريم الرحمن ص 48، وزهرة التفاسير ج 1/ ص 188، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 2/ ص 73، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 110. وذكره السيوطي في الإكليل ج 1/ ص 296.
(5)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 35، والمحرر الوجيز ص 69، والجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 292.
(6)
أحكام القرآن ج 1/ ص 35.
الثاني: الحظر.
الثالث: التوقف.
والحق أن هذه الأقوال الثلاثة إنما هي في مسألة الأشياء قبل ورود الشرع، أما بعده فليس إلا قولي الإباحة، والحظر.
قال ابن رجب الحنبلي
(1)
: (واعلم أن هذه مسألة الأعيان قبل ورود الشرع هل هو الحظر، أو الإباحة، أو لا حكم فيها، فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بعد وروده فقد دلت هذه النصوص
(2)
وأشباهها على أن حكم ذلك الأصل زال، واستقر أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلط من سوى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحدا)
(3)
.
وقال الزركشي: الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع، خلافا لبعضهم، وهذا عندنا من الأدلة، فيما بعد ورود الشرع. أعني أن الدليل السمعي دل على أن الأصل ذلك فيهما إلا ما دل دليل خاص على خلافهما. أما قبله، فقد سبقت المسألة في أول الكتاب:"لا حكم للأشياء قبل الشرع"، ولم يحكموا هنا قولا بالوقف كما هناك، لأن الشرع ناقل. وقد خلط بعضهم الصورتين وأجرى الخلاف هنا أيضا. وكأنه استصحب ما قبل السمع إلى ما بعده
(4)
.
(1)
الحافظ العلامة زين الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن البغدادي، الدمشقي، الحنبلي، الشهير بابن رجب، له مصنفات منها: شرح على الترمذي، وشرح على البخاري بلغ فيه إلى كتاب الجنائز، توفي سنة 795 هـ. انظر: الدرر الكامنة ج 3/ ص 108، والبدر الطالع ج 1/ ص 367.
(2)
ذكر ابن رجب بعض النصوص قبل كلامه، فقال: مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم؛ فحرم من أجل مسألته". -وسيأتي تخريجه قريبا- وقد دل القرآن على مثل هذا أيضا في مواضع كقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)} [الأنعام: 145] فهذا يدل على أن ما لم فليس بمحرم. وكذلك قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: من الآية 119] فعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه، معللا بأنه قد بين لهم الحرام وهذا ليس منه؛ فدل على أن الأشياء على الإباحة، وإلا لما لحق اللوم بمن امتنع من الأكل مما لم ينص له على حكمه بمجرد كونه لم ينص. انظر: جامع العلوم والحكم ص 283.
(3)
جامع العلوم والحكم ص 283.
(4)
انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، كتاب: الأدلة المختلف فيها ج 6/ ص 12.
وقد أفرد الشوكاني لمسألة: هل الأصل فيما وقع فيه الخلاف، ولم يرد فيه دليل يخصه، أو يخص نوعه الإباحة، أو المنع، أو الوقف؟ فصلا في آخر كتابه إرشاد الفحول، ذكر فيه الأقوال الثلاثة للعلماء
(1)
. إلى أن قال: وصرح الرازي في المحصول: أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع.
ثم ذكر أدلة القائلين بالإباحة، منها: احتجاجهم بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: من الآية 32]؛ فإنه - سبحانه - أنكر على من حرم ذلك، فوجب أن لا تثبت حرمته، وإذا لم تثبت حرمته؛ امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده؛ لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراده؛ لثبتت الحرمة في زينة الله، وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة.
واحتجوا أيضا بقوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: من الآية 4] وليس المراد من الطيب الحلال، وإلا لزم التكرار، فوجب تفسيره بما يستطاب طبعا، وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها.
واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} واللام تقتضي الاختصاص بما فيه منفعة.
واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)} [الأنعام: 145]، فجعل الأصل الإباحة، والتحريم مستثنى.
وبقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)} [الجاثية: من الآية 13].
(1)
قال الشوكاني: فذهب جماعة من الفقهاء، وجماعة من الشافعية، ونسبه بعض المتأخرين إلى الجمهور أن الأصل الإباحة.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يعلم حكم الشيء إلا بدليل يخصه، أو يخص نوعه، فإذا لم يوجد دليل كذلك؛ فالأصل المنع.
وذهب الأشعري، وأبو بكر الصيرفي، وبعض الشافعية إلى الوقف، بمعنى لا يدري هل هناك حكم أم لا؟. انظر: إرشاد الفحول ص 643.
وبما ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم؛ فحرم من أجل مسألته"
(1)
.
واحتجوا أيضا بأنه - سبحانه - إما أن يكون خلقه لهذه الأعيان لحكمة، أو لغير حكمة، والثاني باطل؛ لقوله تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)} [الدخان: 38]، وقوله تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} [المؤمنون: 115]، والعبث لا يجوز على الحكمة؛ فثبت أنها مخلوقة لحكمة، ولا تخلو هذه الحكمة إما أن تكون؛ لعود النفع إليه - سبحانه - أو إلينا، والأول باطل؛ لاستحالة الانتفاع عليه عز وجل، فثبت أنه إنما خلقها؛ لينتفع بها المحتاجون إليها، وإذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فإن منع منه؛ فإنما هو يمنع منه؛ لرجوع ضرره إلى المحتاج إليه، وذلك بأن ينهى الله عنه، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة.
(2)
(1)
أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، رقم الحديث: 6859، ج 6، ص 2658. ومسلم في كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع ونحو ذلك، رقم الحديث: 2358، ج 4، ص 1831.
(2)
ثم ذكر أدلة القائلين بالمنع، ورد عليها، فقال: وقد احتج القائلون بأن الأصل المنع بمثل قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ} [الأنعام: من الآية 119] وهذا خارج عن محل النزاع، فإن النزاع إنما هو فيما لم ينص على حكمه، أو حكم نوعه، وأما ما قد فصل وبين حكمه، فهو كما بينه بلا خلاف.
واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل: من الآية 116] قالوا: فأخبر الله - سبحانه - أن التحريم والتحليل ليس إلينا، وإنما هو إليه فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه.
ويجاب عن هذا: بأن القائلين بأصالة الإباحة لم يقولوا بذلك من جهة أنفسهم، بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله، كما تقدم، فلا ترد هذه الآية عليهم، ولا تعلق لها بمحل النزاع.
واستدل بعضهم بالحديث الصحيح الثابت في دواوين الإسلام عنه صلى الله عليه وسلم قال: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات". [أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه، رقم الحديث: 52، ج 1/ ص 28. ومسلم في كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم الحديث: 1599، ج 3/ ص 1219] قال: فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى ترك ما بين الحلال والحرام، ولم يجعل الأصل فيه أحدهما.
ولا يخفاك أن هذا الحديث لا يدل على مطلوبهم من أن الأصل المنع.
فإن استدل به القائلون بالوقف؛ فيجاب عنه: بأن الله - سبحانه - قد بين حكم ما سكت عنه بأنه حلال بما سبق من الأدلة، وليس المراد بقوله:"وبينهما أمور مشتبهات" إلا ما لم يدل الدليل على أنه حلال طلق، أو حرام واضح، بل تنازعه أمران، أحدهما يدل على إلحاقه بالحلال، والآخر يدل على إلحاقه بالحرام، كما يقع ذلك عند تعارض الأدلة. أما ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه.
واستدلوا أيضا بالحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" الحديث [أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع، رقم الحديث: 52، ج 1/ ص 37. ومسلم في كتاب: الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث: 1218، ج 2/ ص 886.].
ويجاب عنه: بأنه خارج عن محل النزاع؛ لأنه خاص بالأموال التي قد صارت مملوكة لمالكيها، ولا خلاف في تحريمها على الغير، وإنما النزاع في الأعيان التي خلقها الله لعباده، ولم تصر في ملك أحد منهم، وذلك كالحيوانات التي لم ينص الله عز وجل على تحريمها، لا بدليل عام ولا خاص، وكالنباتات التي تنبتها الأرض، ما لم يدل دليل على تحريمها، ولا كانت مما يضر مستعمله بل مما ينفعه. انظر: إرشاد الفحول ص 643 - 646.
فيظهر أن الحق-والله أعلم- ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله من العلماء؛ لما تقدم من أدلة احتج بها على صحة المعنى المستنبط، ولأن استنباط هذا المعنى من الآية يصح.
ثم إن القول بأن الآية تدل على وحدانية الله لا يمنع أن يُستنبط من الآية ما ذكره الشوكاني.
6 - مناسبة إثبات الله أنه بكل شيء عليم بعد أن ذكر خلقه الأرض والسموات
؛ أنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه
(1)
.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} البقرة: 29.
قال الشوكاني رحمه الله: (وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله مناسبة إثبات الله لنفسه أنه بكل شيء عليم بعد أن ذكر خلقه الأرض والسموات؛ لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ثبت أنه خالقه.
ووجه الاستنباط: أن الله ذكر في الآية خلقه للأرض والسموات خلقا محكما، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله؛ فناسب ختم الآية بإحاطته سبحانه بكل شيء، إذ لابد من مناسبة بين الآية وختامها. ودل على ذلك دلالة الربط بين موضوع الآية وخاتمتها.
قال ابن القيم: (إذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات؛ وجدت كلامه مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام، حتى كأنها ذكرت دليلا عليه وموجبة له)
(3)
.
والتنبه لمناسبة الآيات لختمها بالأسماء الحسنى من أهم المهمات؛ لذا جعلها السعدي من القواعد الهامة، فقال:(ختم الآيات بأسماء الله الحسنى يدل على أن الحكم المذكور له تعلق بذلك الاسم الكريم، وهذه القاعدة لطيفة نافعة، عليك بتتبعها في جميع الآيات المختومة بها، تجدها في غاية المناسبة، وتدلك على أن الشرع والأمر والخلق كله صادر عن أسمائه وصفاته ومرتبط بها. وهذا باب عظيم في معرفة الله ومعرفة أحكامه، وهو من أجل المعارف وأشرف العلوم. فتجد آية الرحمة مختومةً بأسماء الرحمة، وآيات العقوبة والعذاب مختومة بأسماء العزة والقدرة والحكمة والعلم والقهر). ثم أشار إلى مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} ، فقال:(قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} فذكرُ إحاطة علمه بعد ذكر خلقه للأرض والسماوات يدل على إحاطة علمه بما فيها من العوالم العظيمة، وأنه حكيم حيث وضعها لعباده، وأحكم صنعها في أحسن خلق وأكمل نظام، وأن خلقه لها من أدلة علمه، كما قال في الآية الأخرى:: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك: 14]؛ فخلقه للمخلوقات وتسويتها على ما هي عليه من إنسان وحيوان ونبات وجماد من أكبر الأدلة العقلية على علمه، فكيف يخلقها وهو لا يعلمها؟)
(4)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 61.
(3)
شفاء العليل ص 200.
(4)
القواعد الحسان ص 53.
فجاءت الفاصلة {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} ممكنة لمعنى الآية
(1)
.
والتمكين أن يُمهد للفاصلة قبلها تمهيدا تأتي به الفاصلة ممكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافذة ولا قلقة، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى، واضطرب الفهم
(2)
.
وعد السيوطي الفاصلة في هذه الآية مع الفاصلة في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)} [آل عمران: 29] من مشكلات الفواصل، فقال: (ومن خفي ذلك أيضا -أي من خفي الفواصل- قوله في سورة البقرة {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}، وفي آل عمران {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)} فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة، وفي آية آل عمران الختم بالعلم).
ثم أجاب عن ذلك مبينا مناسبة كل فاصلة للآية التي ختمت بها، فقال:(والجواب أن آية البقرة لما تضمنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، وخلق السموات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليا وجزئيا، مجملا ومفصلا؛ ناسب ختمها بصفة العلم. وآية آل عمران لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب؛ ناسب ختمها بصفة القدرة)
(3)
.
وفي القرآن الكريم يقرن الله كثيرا بين خلقه وعلمه، وذلك للمناسبة بينهما؛ إذ خلق الله للمخلوقات أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته، وإحاطته بالجزئيات والكليات
(4)
.
(1)
ذكره الزركشي في البرهان في علوم القرآن ج 1/ ص 178.
(2)
المصدر السابق ص 170.
(3)
الإتقان ج 2/ ص 275، 276.
(4)
انظر: أسماء الله الحسنى في خواتيم آيات سورة الفاتحة والبقرة، للدكتور علي العبيد ص 13.
قال السعدي: (وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية - {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} -، وكما في قوله تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك: 14]؛ لأن خلقه للمخلوقات أدل دليل على علمه وحكمته وقدرته)
(1)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني: أبو حيان، والقرطبي، وكذلك السيوطي، والسعدي كما تقدم.
(2)
.
7 - لما كان سؤال الملائكة عن الخليفة في الأرض واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ ناسب أن يجيبهم الله سبحانه بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)}
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)}.
وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقا بأن يسلم له ما يصدر عنه. وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
(1)
تيسير الكريم الرحمن ص 48.
(2)
انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 197، والجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 302، وقطف الأزهار ج 1/ ص 225، 226، والإتقان ج 2/ ص 275، 276، والقواعد الحسان ص 53.
(3)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 63.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 305، وأضواء البيان ج 1/ ص 58.
2) تخصيص سفك الدم بعد التعميم بذكر الفساد لبيان شدة مفسدة القتل. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 48.
3) إثبات القول لله عز وجل، وأنه بحرف وصوت، وهذا مذهب السلف الصالح، فالله يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء. تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 116.
4) وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر لقوله: (ونحن نسبح بحمدك)، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز. تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 118. وقد ذكر جملة من الاستنباطات النافعة.
وذلك أنه لما كان سؤال الملائكة عن الخليفة في الأرض واقعا على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم؛ ناسب أن يجيبهم سبحانه بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} .
ووجه الاستنباط: أن الله أخبر الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، فاستنكروا استخلاف بني آدم في الأرض؛ لكونهم مظنة للإفساد في الأرض؛ فقالوا:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} وكأن قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} تعريض بأنهم أحق بذلك، أو أنهم أفضل من الخليفة بقولهم:{مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}
(1)
. وكأنهم بقولهم هذا أثبتوا شيئا من العلم لأنفسهم؛ فناسب أن يجيبهم الله بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} تحديدا دون غيره مما في إثبات علمه سبحانه. ودل على ذلك دلالة الربط بين موضوع الآية وخاتمتها.
قال البقاعي: ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبة الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة؛ أعلمنا سبحانه -لنشكره- أنه حاجَّ ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله- استئنافا-:{إِنِّي أَعْلَمُ} أي من ذلك، وغيره {مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)}
(2)
.
ومما يدل على أنهم ظنوا أنهم أفضل من الخليفة أن الله قال بعدها: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)} [البقرة: 31]
(3)
.
قال السعدي: لما كان قول الملائكة عليه السلام فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض؛ أراد الله تعالى أن يبين لهم من فضل آدم ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه فقال:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} . إلى أن قال-رحمه الله: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)} في قولكم وظنكم أنكم أفضل من هذا الخليفة
(4)
.
(1)
انظر: التحرير والتنوير ج 1/ ص 398.
(2)
نظم الدرر ج 1/ ص 88.
(3)
قال ابن عطية: وقال ابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معنى الآية: إن كنتم صادقين في أن الخليفة يفسد ويسفك. المحرر الوجيز ص 73. وانظر أقوال المفسرين في أنوار التنزيل ج 1/ ص 287، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 85، وروح المعاني ج 1/ ص 225.
(4)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 49.
وأيضا قول الله تعالى -بعده-: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: 32].
قال ابن جرير الطبري في تفسيرها: وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته بالأوبة إليه، وتسليم علم ما لم يعلموه له، وتبريهم من أن يعلموا، أو يعلم أحد شيئا إلا ما علمه تعالى ذكره. إلى أن قال: ألا ترى أن الله جل ذكره رد على ملائكته قيلهم: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} ، وعرَّفهم أن قيل ذلك لم يكن جائزا لهم بما عرَّفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء؛ {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)} فلم يكن لهم مفزع إلا الإقرار بالعجز، والتبري إليه أن يعلموا إلا ما علمهم بقولهم: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن بدران.
(2)
.
وفي هذا الاستنباط -خصوصا في معرفة المناسبة- تنبيه لكل أحد بأن يتأدب بين يدي الله تعالى، وبين يدي العلماء؛ لئلا يظهر بالأنانية، وإظهار العلم عندهم، فقد وعظنا الله بقوله للملائكة:{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)}
(3)
.
(1)
جامع البيان ج 1/ ص 527.
(2)
انظر: نظم الدرر ج 1/ ص 88، وفتح البيان ج 1/ ص 127، وجواهر الأفكار ص 159.
(3)
انظر: روح البيان ج 1/ ص 97.
8 - في النهي عن القرب من الشجرة سد للذريعة
(1)
وقطع للوسيلة.
(2)
.
قال تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} البقرة: 35.
قال الشوكاني رحمه الله: (والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة؛ ولهذا جاء به عوضا عن الأكل. ولا يخفي أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل؛ لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من النهي عن القرب من الشجرة قاعدة سد الذرائع.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى علق النهي بقربان الشجرة عوضا عن الأكل، فدل ذلك بدلالة تأمل علل أفعال الله تعالى على قاعدة سد الذرائع، إذ علة النهي تدل على سد الذريعة وقطع الوسيلة.
والنهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل، إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب، وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى، وهي: قوله تعالى: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)} [الأعراف: 22]، ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال:{وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} ، فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة، لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل، وسائر الانتفاعات. ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة
(5)
.
(1)
سد الذرائع يعني منع الوسائل الجائزة في الأصل التي تقرب إلى الحرام. انظر: أمالي الدلالات لابن بيه ص 584. والذَّرَائِعُ جمع ذَّرِيعة، وهي في اللغة: الوسيلة. وقد تذَرَّعَ فلان بِذَرِيعةٍ أَي توسَّل. انظر: لسان العرب (مادة: ذرع) ج 8/ 96. وقد غلب على الفقهاء والأصوليين استعمال الذرائع بمعنى الوسائل المباحة في ظاهرها الموصلة للمحرم. قال ابن تيمية: (والذريعة ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم- ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة- ولهذا قيل: الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم). الفتاوى الكبرى ج 3/ ص 256. ولذا نجد الشاطبي عرَّفها بقوله: التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة. انظر: الموافقات ج 4/ ص 199.
وقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وكذلك الآثار عن السلف الصالح على اعتبار قاعدة سد الذرائع، فسد الذرائع مقصد من مقاصد الشريعة. وسد الذرائع يدور مع المصلحة والمفسدة وجودا وعدما، فمتى كانت المصلحة غالبة أو متحققة عمل بالمصلحة، ومتى كانت المفسدة غالبة أو متحققة عمل بالمنع منها، ولا عبرة للذرائع إذا كانت تؤدي إلى مفسدة قليلة أو نادرة. انظر بحث: سد الذرائع وعلاقتها بمقاصد الشريعة للدكتور محمد المقرن ص 101 - 102. وللاستزادة في قاعدة سد الذرائع ينظر: البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 82 - 86، وإعلام الموقعين ج 3/ ص 135 وما بعدها، وإرشاد الفحول ص 557 - 560.
(2)
وهو استنباط أصولي.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 68.
(4)
واستنبط بعض المفسرين من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن سكنى آدم عليه السلام وزوجه الجنة لا تدوم. ووجهه: أن المخلد لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يمنع من شيء. انظر: البحر المحيط ج 1، ص 230، وجواهر الأفكار ص 173، وتفسير حدائق الروح والريحان ج 1/ ص 317.
2) العالِم جدير بالإكرام بالعيش الهنيء. ووجهه: أن الله أمر آدم عليه السلام وزوجه بسكنى الجنة بعد أن بين سبحانه للملائكة فضل آدم عليه السلام في العلم. انظر: التحرير والتنوير ج 1/ ص 413.
3) أن الأمر يأتي للإباحة. ووجهه: أن الله تعالى أمرهما بالأكل، ثم خيرهما أن يأكلا من أي مكان، فقال:{حَيْثُ شِئْتُمَا} ؛ فدل على أن الأمر للإباحة، وإن كان الأصل في الأمر الطلب حتى يقوم دليل على أنه للإباحة. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 130.
4) في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} حجة في اختصار الكلام، وإشارة للمعنى. ووجهه: لإحاطة العلم بأنهما لم ينهيا عن الدنو إنما نهيا عن الأكل منها، فلما لم يوصل للأكل إلا بالاقتراب منها؛ استغنى به من ذكر الأكل. انظر: نكت القرآن للقصاب ج 1/ ص 108، 109.
(5)
انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 6، واللباب في علوم الكتاب ج 1/ ص 559.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن الفرس
(1)
، وابن جزي، وابن عاشور.
(2)
.
9 - من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا
(3)
.
قال تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ
…
بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)} البقرة: 41.
قال الشوكاني رحمه الله: (وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به؛ فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله من الآية أن من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه؛ أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات الله ثمنا قليلا.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى بني إسرائيل المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم النداء لأولاد إسرائيل عليه السلام من عهد موسى عليه السلام، ولكن المخاطبين هم الذين عاصروا النبي لأنهم أقروا بما كان عليه أسلافهم
(6)
- عن أخذ الرشا لكتمان أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذ الآيات هنا هي الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلى الله عليه وسلم
(7)
. وهذا النهي يتناول المسلمين من هذه الأمة، ودلالة الآية عليه بمفهوم الموافقة المساوي -لحن الخطاب- لمساواتهم في الخطاب ببني إسرائيل، ولأن كل من أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فحكمه موافق للحكم المنطوق به في الآية؛ أو أن المسلمين محذَّورون من مثله، منهيون عنه بطريق الأولى- فحوى الخطاب-؛ لأن المسلمين أولى بالكمالات النفسية. ولا سيما علماءهم فإنهم منهيون عن أن يأتوا بما نُهي عنه بنو إسرائيل من الصدف عن الحق لأغراض الدنيا، وكذلك كانت سيرة السلف رضي الله عنهم
(8)
.
(1)
هو أبو عبد الله، عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، فقيه مالكي، قاضٍ، نحوي، من علماء غرناطة، توفي سنة 599 هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 356، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 335،
(2)
انظر: المحرر الوجيز ص 77، وأحكام القرآن ج 1/ ص 58، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 44، والتحرير والتنوير ج 1/ ص 418.
(3)
وهو استنباط فقهي.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 74.
(5)
واستنبط غيره من الآية أن النهي في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ
…
بِهِ} عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل، بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به؛ لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته. وهذا من مفهوم الخطاب الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمهما واحد، فالأول والثاني وغيرهما داخل في النهي، ولكن حذروا البدار إلى الكفر به إذ على الأول كفل من فعل المقتدي. انظر: المحرر الوجيز ص 81، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 46.
(6)
انظر: روح المعاني ج 1/ ص 241، وزهرة التفاسير ج 1/ ص 206، وحدائق الروح والريحان ج 1/ ص 351.
(7)
انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 46.
(8)
انظر: التحرير والتنوير ج 1/ ص 451.
ومما يؤيد هذا الاستنباط أن خطابات القرآن وقصصه المتعلقة بالأمم الأخرى إنما يقصد منها الاعتبار والاتعاظ.
قال الرازي: جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب؛ لأن الفضيلة بالنبي صلى الله عليه وسلم قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد، قال الله تعالى:{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)} [الزمر: 18]، وقال:
{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: من الآية 55] وقال: {لَقَدْ كَانَ
…
فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف 111]. ولذلك روى قتادة
(1)
قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، وابن عاشور.
(3)
.
10 - كفر اليهود كفر عناد لا كفر جهل، وقوله:{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل
(4)
.
قال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} البقرة: 42.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} جملة حالية، وفيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين، فإن التكلم فيها والتصدي للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان رأسا في العلم، فردا في الفهم، وما للجهال والدخول فيما ليس من شأنهم والقعود في غير مقاعدهم)
(5)
.
(1)
التابعي، المفسر، الحافظ، قَتَادة بن دَعَامة بن عزيز السدوسي، البصري، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وكان رأسا في العربية، والغريب، وأيام العرب، وأنسابها، توفي سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سبع عشرة ومائة للهجرة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7، ص 229، 230، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 43، 44.
(2)
التفسير الكبير ج 3/ ص 50. وانظر قريبا منه قول ابن عاشور في التحرير والتنوير ج 1/ ص 68.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 374، وفتح البيان ج 1/ ص 149، 150، والتحرير والتنوير ج 1/ ص 451.
(4)
وهو استنباط فائدة علمية.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 75.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من التقييد: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} أمورا:
أولها: أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل.
ثانيها: أن الكفر المتضمن على اللبس، والكتمان عن علم أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة.
ثالثها: ألا يفهم من تقييد النهي عن اللبس والكتمان بالعلم جواز اللبس والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين.
ووجه الاستنباط: أن الله نهى اليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل، ثم ذكر حالهم بقوله:{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} أي: فلا يناسب من كان عالما أن يكتم الحق، ويلبسه بالباطل؛ فدل التقييد على أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل.
والحال هنا أبلغ في النهي؛ لأن صدور ذلك من العالِم أشد
(1)
فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح
(2)
؛ وعقوبتهم أشد.
فهذه الحال وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهي عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، وإنما فائدتها: أن الإقدام على الأشياء القبيحة مع العلم بها أفحش من الإقدام عليها مع الجهل بها
(3)
.
ورأى آخرون منهم: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والهرري
(4)
، أن التقييد لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل قد يعذر.
وما ذكروه له وجه، لكن ما ذكره الشوكاني أدق إذ نبه على أن الجاهل بما ينبغي عليه معرفته لا يعذر بجهله خصوصا في أمر الدين.
وممن قال باستنباط الشوكاني الأول: القرطبي، والقنوجي.
(5)
.
وقال بالثاني، والثالث: ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والقنوجي، وابن عاشور.
(6)
.
وفي هذا الاستنباط تحذير لكل مقترف لذنب عالم بحكمه، فإن عقوبة العالم أشد.
(1)
انظر: التحرير والتنوير ج 1/ ص 456.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 41.
(3)
انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 262.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 382، وفتح البيان ج 1/ ص 150، 151
(5)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 161، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 314، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 96، وروح المعاني ج 1/ ص 246، وحدائق الروح والريحان ج 1/ ص 395.
(6)
انظر: المحرر الوجيز ص 82، والتفسير الكبير ج 3/ ص 41، والجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 382، والبحر المحيط ج 1/ ص 262، وفتح البيان ج 1/ ص 150، 151، والتحرير والتنوير ج 1/ ص 456.
قال ابن عطية: (وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من واقعه على علم، وأنه أعصى من الجاهل)
(1)
.
وفيه أيضا تحذير لكل جاهل إذ يجب عليه أن لا يقدم على شيء كالفتوى، ونحوها حتى يعلم بحكمه، خصوصا في أمور الدين.
11 - الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد
(2)
.
قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} البقرة: 43.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد).
ثم قال: (وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف. وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على خلاف بينهم في كون ذلك عينا أو كفاية
(3)
. وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها وليس بواجب، وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة
(4)
. وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام
(5)
. والبحث طويل الذيول كثير النقول)
(6)
.
(1)
المحرر الوجيز ص 82.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
صلاة الجماعة واجبة عند الحنفية، والحنابلة، ووجه عند الشافعية، وفي قول لبعض المالكية. ويرى بعض المالكية أنها سنة، كما يرى بعضهم أنها سنة مؤكدة. واتفق علماء الحنفية على أنه لا يرخص لأحد في تركها بغير عذر، ويأثم من تركها بغير عذر. ويرى عامة شيوخهم أنها واجبة، وسماها بعضهم سنة مؤكدة، لكنهم فسروها بما يفسر به الواجب، فالخلاف بينهم وبين من سماها واجبة لفظي. ولم يرخص الإمام الشافعي في ترك صلاة الجماعة لغير المعذور. وقد اختلف علماء الشافعية في تسميتها. فمنهم من سماها فرض عين، ومنهم من سماها فرض كفاية، ومنهم من سماها سنة مؤكدة، لكنهم اتفقوا على أن من ترك صلاة الجماعة فهو آثم. والمعتمد عندهم إلى أن صلاة الجماعة فرض كفاية. انظر: الأم ج 1/ ص 154، والصلاة وحكم تاركها ص 135 وما بعدها، وفتح الباري ج 2، ص 126، ونيل الأوطار ج 3/ ص 151.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل صلاة الجماعة، رقم: 619، من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة"، ج 1/ ص 231.
ومسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، رقم: 649، 650، ج 1/ ص 450.
(5)
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام". وفي رواية أبي كريب: حتى يصليها مع الإمام في جماعة. أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد، رقم: 662، ج 1/ ص 460.
(6)
فتح القدير ج 1/ ص 77.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله من الآية الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد
(2)
.
ووجه الاستنباط: أن الله أمر بالصلاة أولا ثم أمر بالركوع مع الراكعين فدلت المعية على شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد.
أما السعدي فقد استنبط من الآية -بدلالة الالتزام- وجوب صلاة الجماعة، فقال:(وقوله: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} أي صلوا مع المصلين. ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها)
(3)
.
قال ابن القيم: (ووجه الاستدلال بالآية -على وجوب صلاة الجماعة- أنه سبحانه أمرهم بالركوع وهو الصلاة، وعبر عنها بالركوع لأنه من أركانها والصلاة يعبر عنها بأركانها وواجباتها، كما سماها الله سجودا، وقرآنا، وتسبيحا، فلا بد لقوله: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} من فائدة أخرى، وليست إلا فعلها مع جماعة المصلين، والمعية تفيد ذلك. إذا ثبت هذا، فالأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلا إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال)
(4)
.
وخالف ابن عثيمين -مع قوله بوجوب صلاة الجماعة- في دلالة مع في الآية على المصاحبة في الفعل، فقال: واستدل بهذه الآية بعض العلماء على وجوب صلاة الجماعة، لكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل، ولهذا قيل لمريم:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43]، والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذا لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة، ولكن وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة
(5)
.
والجواب عن ذلك قول ابن القيم: (فإن قيل: فهذا -أي: الاستدلال بقوله تعالى:
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} على وجوب صلاة الجماعة- ينتقض بقوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43] والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة، قيل: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء، فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، وكانت لا تفارقه؛ فأمرت أن تركع مع أهله، ولما اصطفاها الله، وطهرها على نساء العالمين أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، قال تعالى {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 42 - 43]. فإن قيل: كونهم مأمورين أن يركعوا مع الراكعين لا يدل على وجوب الركوع معهم حال ركوعهم، بل يدل على الإتيان بمثل ما فعلوا كقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 119] فالمعية تقضي المشاركة في الفعل، ولا تستلزم المقارنة فيه، قيل: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة، ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صل مع الجماعة، أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة)
(6)
.
(1)
واستنبط غيره من الآية أن الركوع ركن من أركان الصلاة؛ لأنه عبر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها بدلالة اللزوم. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 51.
(2)
واستنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43]. وسيأتي بيانه في موضعه.
(3)
تيسير الكريم الرحمن ص 51.
(4)
الصلاة وحكم تاركها ص 140.
(5)
انظر: تفسير سورة البقرة ج 1/ ص 157.
(6)
الصلاة وحكم تاركها ص 140.
واستنباط الشوكاني صحيح من حيث دلالة الآية على شهود صلاة الجماعة، والخروج إلى المساجد.
وقد شدَّد رحمه الله في الحث عليها -مع قوله بأنها سنة مؤكدة- بقوله: (ولكن المحروم من حُرِم صلاة الجماعة، فإن صلاة يكون أجرها أجر سبع وعشرين صلاة لا يعدل عنها إلى صلاة ثوابها ثواب جزء من سبعة وعشرين جزءا منها إلا مغبون، ولو رضي لنفسه في المعاملات الدنيوية بمثل هذا لكان مستحقا لحجره عن التصرف في ماله لبلوغه من السفه إلى هذه الغاية، والتوفيق بيد الرب سبحانه)
(1)
.
وقوله: (وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب، و تبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون تأويل، والتمسك بما يقتضي به الظاهر فيه إهدار للأدلة القاضية بعدم الوجوب وهو لا يجوز، فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن صلاة الجماعة من السنن المؤكدة التي لا يخل بملازمتها ما أمكن إلاَّ محروم مشؤوم، وأمَّا أنها فرض عين، أو كفاية، أو شرط لصحة الصلاة فلا)
(2)
.
أما القول بسنية صلاة الجماعة، وكذا القول بأنها فرض كفاية فقولان معتبران لكل منهما دليله، لكن الأظهر-والله أعلم- الوجوب؛ لأدلة كثيرة، منها:
1 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة، فقال: نعم؛ قال: فأجب"
(3)
.
وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائدا فغيره أولى
(4)
.
2 -
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا، أو مرماتين حسنتين؛ لشهد العشاء"
(5)
. وفى رواية: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية"
(6)
. فبين أنه إنما يمنعه من تحريق المتخلفين عن الجماعة من في البيوت من النساء والأطفال، فإن تعذيب أولئك لا يجوز؛ لأنه لا جماعة عليهم. ومن قال: إن هذا كان في الجمعة، أو كان لأجل نفاقهم فقوله ضعيف، فان المنافقين لم يكن النبي يقتلهم لأجل النفاق، بل لا يعاقبهم إلا بذنب ظاهر، فلولا أن التخلف عن الجماعة ذنب يستحق صاحبه العقاب لما عاقبهم
(7)
.
(1)
السيل الجرار ج 1/ ص 246.
(2)
نيل الأوطار ج 3/ ص 158.
(3)
أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، رقم: 653، ج 1/ ص 452.
(4)
المغني ج 2/ ص 3.
(5)
أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة والإمامة، باب: وجوب صلاة الجماعة، رقم:، ج 1/ ص 231. واللفظ له. ومسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، رقم: 651، ج 1/ ص 451.
(6)
في مسند أحمد رقم: 8782، ج 2/ ص 367.
(7)
راجع مجموع الفتاوى ج 23/ ص 239، 240، وكتاب: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص 135 وما بعدها.
وفي الحديث ما يدل على أنه أراد الجماعة لأنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها
(1)
.
12 - مناسبة تخصيص اسم الله البارئ بالذكر في صفة توبة الله على بني إسرائيل الإشارة إلى عظيم جرمهم
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي ذكر البارئ إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن مناسبة تخصيص اسم الله البارئ بالذكر في صفة توبة الله على بني إسرائيل الإشارة إلى عظيم جرمهم حيث عبدوا مع الله غيره.
والبارئ: الخالق الذي برأ الخلق فأوجدهم بقدرته
(5)
.
(1)
المغني ج 2/ ص 3.
(2)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 86.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) التنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافرين؛ لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الأتقياء، والانتقاص بمعصية الأشقياء. انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 72.
2) ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقول الله حكاية عن موسى عليه السلام:{يَاقَوْمِ} ؛ فإن هذا لاشك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 189. ووجهه: الاقتداء بأفعال الأنبياء عليهم السلام. وقد ذكر رحمه الله بعد تفسير الآية جملة من الاستنباطات النافعة انظر: ج 1/ ص 188 - 190.
(5)
انظر: زاد المسير ج 1/ ص 82، جامع البيان ج 22/ ص 555. وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس قال له أخبرني عن قوله عز وجل: إلى بارئكم، قال: خالقكم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت قول تبع:
شهدت على أحمد أنه ........... رسول من الله باري النسم. انظر: الدر المنثور ج 1/ ص 169.
وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن أبي العالية قوله: فتوبوا إلى بارئكم أي: إلى خالقكم. انظر: جامع البيان ج 1/ ص 685، وتفسير ابن أبي حاتم ج 1/ ص 110.
وبرأ الخلق: فطرهم، وقيل: البرء خلق على صفة فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروءاً؛ لأن البرء فيه فصل بعض الخلق عن بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو وهكذا
(1)
.
فعلى هذا يكون البرء أخص من الخلق؛ ولذا أتبع به الخالق في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر: من الآية 24]
(2)
.
ووجه الاستنباط: أن الله خص بالذكر اسمه (البارئ) في هذا الموضع دون غيره من الأسماء، وهذا الاسم لم يرد في القرآن إلا ثلاث مرات: مرة بلفظ (البارئ) في سورة الحشر في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} [الحشر: 24]، ومرتين بلفظ (بارئكم) في هذه الآية، فلابد أن يكون لتخصيص هذا الاسم بالذكر هنا مناسبة للمقام، وهي: الإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها، ومن الغواية منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم إلى عبادة البقر
(3)
فعرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى، ونزول أمره حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها، ففي ذكر البارئ في هذا المقام تقريع بما كان منهم
(4)
، وتنبيه على أن من كان كذلك -أي: بارئهم- فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة
(5)
.
وذكر البارئ هنا تضمن الترهيب والترغيب.
قال البقاعي: (وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان، وترهيب بإيقاع الهوان)
(6)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والطِّيْبِي
(7)
، وابن كثير، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري.
(8)
.
(1)
تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 37، والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى ج 1/ ص 163 - 166.
(2)
انظر: التحرير والتنوير ج 1/ ص 488.
(3)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 102، وروح البيان ج 1/ ص 138، وحدائق الروح والريحان ج 1/ ص 411.
(4)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 169، وروح المعاني ج 1/ ص 259، 260.
(5)
انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 75.
(6)
نظم الدرر ج 1/ ص 135.
(7)
هو شرف الدين، الحسين بن محمد بن عبد الله، مفسر، محدث، علامة في العربية والمعاني والبيان، توفي سنة 743 هـ. انظر: طبقات المفسرين للدوادي ج 1/ ص 143، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 159.
(8)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 169، وفتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب -من أوله لآخر الآية 117 من سورة البقرة، رسالة دكتوراه بتحقيق: د. صالح الفايز- ص 522، 523، ونقله السيوطي عن الطيبي في قطف الأزهار ج 1/ ص 254، وتفسير القرآن العظيم ج 1/ ص 394، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 102، وروح البيان ج 1/ ص 138، 139، وروح المعاني ج 1/ ص 259، 260، وفتح البيان ج 1/ ص 170، وحدائق الروح والريحان ج 1/ ص 411.
ولمعرفة هذا الاستنباط فائدة عملية ينتفع بها المتحدث إذ عليه التعبير بما يناسب المقام
(1)
.
13 - مناسبة تقييد قتل اليهود النبيين بأنه كان بغير الحق لنعي هذا الأمر عليهم، وأنه ظلم بحت؛ لأن قتلهم النبيين ليس بحق في اعتقادهم الباطل
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال: إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر. ويمكن أن يقال: إنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لم يعارضوهم في مال ولا جاه، بل أرشدوهم إلى مصالح الدين والدنيا كما كان من شعيا
(3)
وزكريا ويحيى، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون)
(4)
.
(1)
انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 189.
(2)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(3)
(شعيا) في طبعات: دار الكتاب العربي، ودار المعرفة، ودار الوفاء. وفي طبعة دار الفكر كتبت (شعيبا) وهو خطأ.
وشعيا هو النبي شعيا بن أمصيا، من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم السلام، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، قُتِل نشرا. انظر: تاريخ الأمم والملوك ج 1/ ص 313 - 315، والبداية والنهاية ج 2/ ص 357 - 359.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 92، 93. وذكر الشوكاني مثل هذا الاستنباط عند قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
…
تَعْمَلُونَ (23)} [يونس: 23]، فقال:"والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق، بل لا يكون إلا بالباطل، لكن زيادة بغير الحق إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك بغير شبهة عندهم، بل تمردا وعنادا؛ لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع كونها باطلة". فتح القدير ج 2/ ص 435.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن مناسبة تقييد قتل النبيين بأنه كان {بِغَيْرِ الْحَقِّ} نعي هذا الأمر عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر؛ لأن قتلهم النبيين ليس بحق في اعتقادهم الباطل، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن قوله تعالى: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} لم يخرج مخرج التقييد بل هو توكيد لتعظيم الشنعة عليهم.
ويجوز أن يخرج قوله تعالى: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} مخرج الصفة لقتلهم
(2)
بأنه ظلم في حقهم، وهو أبلغ في الشناعة والتعظيم لذنوبهم
(3)
؛ لأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم.
فهو وصف لازم وليس بقيد، فلا مفهوم له
(4)
، إذ هو لبيان الواقع
(5)
، ولم يرد على أن قتل النبيين ينقسم إلى قتل بحق، وقتل بغير حق
(6)
، بل للتشنيع عليهم إذ قتلهم النبيين لم يكن عن سوء فهم أو فساد تأويل، وإنما هو عن خبث قصد وتصميم
(7)
.
ومعلوم أن الإتيان بالباطل قد يكون حقا لأن الآتي به اعتقده حقا؛ لشبهة وقعت في قلبه، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلا.
ولا شك أن الثاني أقبح فقوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: أنهم قتلوهم من غير أن يكون ذلك القتل حقا في اعتقادهم وخيالهم، بل كانوا عالمين بقبحه، ومع ذلك فقد فعلوه
(8)
، ولم يدَّعو في قتلهم وجهًا، يستحقون به القتل عندهم
(9)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي
(10)
، والسعدي، ومحمد أبو زهرة، وابن عثيمين.
(11)
.
(1)
انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج 2/ ص 164.
(2)
انظر: تفسير القرآن للسمعاني ج 1/ ص 87، ومعالم التنزيل ج 1/ ص 78، والسراج المنير ج 1/ ص 73، وزهرة التفاسير ص 253.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 470.
(4)
انظر: البرهان في علوم القرآن ج 3/ ص 12.
(5)
انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 214.
(6)
انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 346.
(7)
انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج 2/ ص 164.
(8)
انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 95.
(9)
انظر: الكشاف ج 1/ 174، 175، و البحر المحيط ج 1/ ص 346.
(10)
هو جمال الدين محمد بن محمد بن سعيد قاسم الحلاق، عالم مشارك في أنواع من العلوم، له مصنفات منها: تفسير "محاسن التأويل"، و"إصلاح المساجد من البدع والفوائد"، توفي سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة. انظر: الأعلام ج 2/ ص 135، ومعجم المؤلفين ج 1/ ص 504.
(11)
انظر: المحرر الوجيز ص 94، والجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 470، والبحر المحيط ج 1/ ص 346، وروح المعاني ج 1/ ص 276، 277، وفتح البيان ج 1/ ص 184، ومحاسن التأويل ج 1/ ص 315، وتيسير الكريم الرحمن ص 53، وزهرة التفاسير ص 253، وتفسير سورة البقرة ج 1/ ص 214.
14 - ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه
(1)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} البقرة: 104.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سباً. قيل: إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت. وقيل: غير ذلك.
فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا طلبا منه أن يراعيهم -من المراعاة- اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم.
وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه.
ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال:
…
{وَقُولُوا انْظُرْنَا} أي: أقبل علينا، وانظر إلينا
…
)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن
(1)
وهو استنباط تربوي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 124.
(3)
واستنبط بعض المفسرين من الآية استنباطات أخرى، منها:
…
1) في الآية دليل على سد الذرائع. ووجهه أن الله تعالى نهى عن قول راعنا: وهو قول مباح، لكنهم منعوا منه؛ لأن فيه تشبها بالمعنى الفاسد الذي قصده اليهود حيث كانوا يقولون ذلك، وهي سب بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ؛ لأنه ذريعة للسب. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 56، 57، وروح البيان ج 1/ ص 200، وتيسير الكريم الرحمن ص 61، والتحرير والتنوير ج 1/ ص 634، وزهرة التفاسير ج 1/ ص 347.
2) تضمن النهي عن قول: "راعنا" النهي عن كل ما فيه استواء مع النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 488. ووجهه: أن لفظ راعنا مفاعلة أي: أرعنا نرعك. قال الرازي: راعنا مفاعلة من الرعي بين اثنين فكان هذا اللفظ موهما للمساواة بين المخاطبين. انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 203.
قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري: "لاشك أن من يعامل أستاذه ومرشده معاملة المساواة في القول والعمل؛ يقل اهتمامه له، وتزول هيبته من نفسه حتى تقل استفادته منه، أو يكون محروما من علمه، لأن المدار في التربية الدراسية على الاحترام وحسن التأسي والقدوة، وأي شخص تراه في المعلومات مثلك أو أقل؛ فإنك لا ترتضيه إماما وقدوة، أما من رأيته فوقك في العلم والكمال؛ فإنك ترغب في إمامته وأخذ العلم عنه، وحينئذ لابد من احترامه، فكيف إذا كان المعلم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ولذلك نهى الله الصحابة التكلم بلفظ (راعنا) إجلالا لمقام النبوة؛ لئلا يجرهم الأنس به والطمع بكرم أخلاقه إلى تعدي حدود الأدب الواجب معه، الذي لا تكمل التربية إلا بكماله، كما نهاهم فوق ذلك عن رفع أصواتهم فوق صوته الشريف، والجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض، محذرا لهم من حبوط أعمالهم، والعياذ بالله". صفوة الآثار والمفاهيم ج 2/ ص 316.
3) ينبغي لمن نهى عن شيء أن يدل الناس على بدله المباح؛ فلا ينهاهم، ويجعلهم في حيرة.
ووجه: الاقتداء بأفعال الله تعالى؛ لأن الله نهى عن لفظ (راعنا) وأمر بغيره. انظر: تفسير سورة البقرة للشيخ ابن عثيمين ج 1/ ص 339.
لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدا للذريعة ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه.
ووجه الاستنباط: أن الله نهى المؤمنين عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: راعنا مع أن معناه في لغة العرب صحيح جائز
(1)
، وقد لا يكون للمتكلم به إلا القصد الحسن. لكن لما كان هذا اللفظ -أو لفظ قريب منه
(2)
- في لغة اليهود سباً؛ نهاهم عن موافقتهم في القول؛ منعا للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح، وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال:{وَقُولُوا انْظُرْنَا} فأبقى المعنى وصرف اللفظ
(3)
، فدل ذلك بدلالة النص-مفهوم الموافقة- على وجوب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن، وترك الألفاظ التي فيها احتمال لأمر غير لائق
(4)
، وإن كان استعمالها في لغة العرب جائزا، وقصد المتكلم بها خيرا.
وهذا الاستنباط كما أنه يصح على أن وجه أن النهي عن لفظ راعنا لئلا يتوهم أنه سب
(5)
كما ذكر الشوكاني؛ فإنه يصح أيضا على الأوجه الأخرى التي لأجلها كان النهي، ولا مدخل لليهود فيها. وهي:
(1)
قال الطبري:
…
ولكنه جائز أن يكون كما روي عن قتادة، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي، هي عند اليهود سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه؛ لتفهم عني. انظر: جامع البيان ج 2، ص 381.
وقال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزء والسخرية. انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 203، والبحر المحيط ج 1/ ص 489.
(2)
قيل: لليهود كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي راعينا، ومعناها اسمع لا سمعت.
وقيل: لفظ قريب منه هو "راعينا" أي أنت راعي غنمنا.
…
أو أنهم قصدوا بالراعن اسم فاعل من الرعونة، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم: عياذا بك أي: أعوذ عياذا بك، فقولهم: راعنا أي: فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به صرت راعنا أي: صرت ذا رعونة. انظر: معالم التنزيل ج 1/ ص 102، والتفسير الكبير ج 3/ ص 203، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 375، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 141.
(3)
انظر محاسن التأويل ج 1/ ص 369.
(4)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 61.
(5)
ذكر المفسرون في كتبهم للنهي أوجها لا تخرج -فيما يظهر لي والله أعلم- عن الأوجه التي ذكرها الرازي. انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 203.
وتلك الأوجه: ثلاثة منها لليهود فيها مدخل، وهي سب بلا شك. ووجهان فيهما سب، وليس لليهود فيهما مدخل، هما:
1) راعنا وإن كانت صحيحة المعنى، إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزء والسخرية أو عند المفر.
2) لا تقولوا قولا راعناً، أي: قولا منسوبا إلى الرعونة بمعنى راعن.
انظر: التفسير الكبير ج 3/ ص 203 والبحر المحيط ج 1/ ص 489.
فلفظ (راعنا) على هذه الأوجه الخمسة سب، سواء أكان لليهود فيها مدخل أو لم يكن؛ لذا كان النهي عنه لفظ (راعنا) مع صحته لئلا يتوهم أنه سب.
1 -
النهي لأن راعنا بمعنى فاعلنا، أي: أرعنا نرعك. وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره.
2 -
النهي لأن راعنا من أرعنا سمعك، أي: فرغ سمعك لكلامنا. وفي المخاطبة بهذا جفاء
(1)
.
فلفظ (راعنا) على هذين الوجهين من الرعاية. وهذان الوجهان وإن لم يبلغ معهما لفظ (راعنا) أن يكون سبا، لكن فيهما نوع تنقص وجفاء - وإن لم يقصده المتكلم- كره الله أن يُخَاطَب به نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لذا جاء الأمر باختيار ألفاظ لا شبهة فيها، ولا تنقص.
ومما يؤكد صحة هذا الاستنباط أن القرآن حث على استعمال أحسن اللفظين الحسنين؛ فمن باب أولى حثه على استعمال الألفاظ التي لا شبهة فيها، وطرح ما كان فيه أدنى شبهة. وهذا كله موجب لسعادة الدارين.
قال السعدي-رحمه الله: "وهذا من لطفه بعباده حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة؛ فقال: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53] وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله، من قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين؛ فإنه يأمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. والقول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح؛ فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره"
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط الجصاص
(3)
، والسمعاني
(4)
، وابن العربي، والقرطبي، والبروسوي، والقنوجي، والسعدي، ومحمد أبو زهرة، وابن عثيمين.
(5)
.
(1)
انظر: المحرر الوجيز ص 119، والتفسير الكبير ج 3/ ص 203، والجامع لأحكام القرآن ج 1/ ص 56.
(2)
تيسير الكريم الرحمن ص 460.
(3)
واستنباطه أدق إذ لم يجوز استعمال اللفظ المحتمل للخير والشر إلا إن قيد بما يفيد الخير، ففيه زيادة على استنباط الشوكاني ومن وافقه. قال: كل لفظ احتمل الخير والشر فغير جائز إطلاقه حتى يقيد بما يفيد الخير. انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 71، 72.
(4)
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، الحنفي، ثم الشافعي، مفتي خراسان، صنف في الفقه والتفسير، والحديث، والأصول، توفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 19، ص 114 - 119، وطبقات المفسرين للداودي ج، 2، ص 339، 340.
(5)
انظر: تفسير القرآن العزيز ج 1/ ص 120، وأحكام القرآن ج 1/ ص 53، والجامع لأحكام القرآن ج 2، ص 56، وروح البيان ج 1/ ص 199، وفتح البيان ج 1/ ص 243، وتيسير الكريم الرحمن ص 61، وزهرة التفاسير ج 1/ ص 347، وتفسير سورة البقرة ج 1/ ص 339.
15 - تكلم أهل العلم والدراسة لكتب الله بما ليس عليه برهان أشد قبحا وأفظع جرما من تكلم غيرهم به
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} أي: التوراة والإنجيل،
…
وفي هذا أعظم توبيخ، وأشد تقريع؛ لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان قبيحا على الإطلاق، لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن أن كل طائفة من اليهود والنصارى تنفي الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها، ثم ذكر الله حالهم بقوله تعالى:{وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} ؛ فدل بدلالة التقييد على أن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان قبيحا على الإطلاق، لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا، وأفظع جرما، وأعظم ذنبا.
ووافقه على هذا الاستنباط: القنوجي
(3)
، وابن عثيمين حيث ذكر أن من فوائد الآية: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه، فهذه الجملة تفيد زيادة قبح ما قالوه
…
ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحا من الذي ينكر الحق مع الجهل به، لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر الحق للجهل به، ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل، لكن العالم لا عذر له
(4)
.
واستنبط غيره أن مجيء الجملة الحالية للنعي عليهم في مقالتهم تلك؛ إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه
(5)
، ولمزيد التعجب من حالهم أن يقولوا ذلك وكل فريق منهم يتلون الكتاب، وكل كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله حق اتباعه
(6)
.
(1)
وهو استنباط تربوي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 130.
(3)
انظر: فتح البيان ج 1/ ص 256.
(4)
انظر: تفسير سورة البقرة ج 1/ ص 374، 375.
(5)
انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 508.
(6)
انظر: جواهر الأفكار ص 317، والتحرير والتنوير ج 1/ ص 658.
ولا يمنع أن تكون الجملة الحالية للنعي عليهم، والتعجب من حالهم، ويستفاد منها عموما التنبيه على شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه.
و في هذا الاستنباط تحذير لأهل العلم في كل زمان من التكلم بما ليس عليه برهان؛ فإن عقاب العالِم أشد.
16 - ثبوت عذاب القبر
(1)
.
قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)} البقرة: 154.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)} أي: لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات، بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم؛ لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في البرزخ.
وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك
(2)
، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة، ودلت عليه الآيات القرآنية
(3)
. ومثل هذه الآية قوله
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
كالمعتزلة الذين نفوا عذاب القبر. انظر شبههم والرد عليها في معارج القبول ج 2/ ص 713 وما بعدها.
(3)
من الأدلة: قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)} غافر: 46.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قال تعوذوا بالله من فتنة الدجال قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال". أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ح: 2867، ج 4/ ص 2199. وللاستزادة انظر: شرح العقيدة الطحاوية ج 1/ ص 447، وتوحيد الألوهية ج 4/ ص 284، ومعارج القبول ج 2/ ص 713.
(1)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية ثبوت عذاب القبر.
ووجه الاستنباط: أن الآية أثبتت الحياة للشهداء، وهي بلا شك حياة في القبور قبل البعث، إذ لو كان المقصود سيحيون؛ لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق، إذ كل أحد سيحيى، وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم؛ فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر
(3)
بدلالة الالتزام.
وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والقرطبي، والخازن
(4)
، والقنوجي، والسعدي.
(5)
.
17 - جواز كتمان ما ليس من الهدى والبينات
(6)
.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)} البقرة: 159.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم أخرجه البخاري
(7)
(8)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(9)
رحمه الله من الآية جواز كتمان ما ليس من الهدى والبينات.
(1)
آل عمران: 169.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 159.
(3)
انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 1/ ص 115، والجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 168، 169.
(4)
هو علي بن محمد، عالم بالتفسير والحديث، من فقهاء الشافعية، لقب بالخازن لأجل قيامه على خزانة الكتب بدمشق، توفي سنة 741 هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 422، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 379.
(5)
انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 1/ ص 115، وأحكام القرآن للهراسي ج 1/ ص 23، وأحكام القرآن لابن الفرس ج 1/ ص 120، والجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 168، ولباب التأويل ج 1/ ص 103، وفتح البيان ج 1/ ص 318، وتيسير الكريم الرحمن ص 75.
(6)
وهو استنباط فقهي، أو استنباط تربوي لتعلقه بالأدب في العلم.
(7)
كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، ح: 120، ج 1/ ص 56.
(8)
فتح القدير ج 1/ ص 161.
(9)
واستنبط بعض المفسرين من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) قبول خبر الواحد. ووجهه: أن هذه الآيات دلت على أن إظهار هذه الأحكام واجب، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجبا، وتمام التقرير فيه قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} [البقرة 160] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 1/ ص 124، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ج 1/ ص 25، وأحكام القرآن لابن الفرس ج 1/ ص 126، والبحر المحيط ج 1/ ص 655، وروح المعاني ج 2/ ص 28.
2) قال السيوطي: وقد يستدل بالآية على عدم وجوب ذلك -البيان- على النساء بناء على أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال. الإكليل ج 1/ ص 331.
3) منع أخذ الأجرة على بيان العلم. ووجهه: أن الآية لما دلت على وجوب البيان؛ كان أخذ الأجرة عليه أخذا للأجرة على أداء الواجب، وغير جائز استحقاق الأجر على ما يجب عليه فعله. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 1/ ص 125، وأحكام القرآن للكيا الهراسي ج 1/ ص 25، وأحكام القرآن لابن الفرس ج 1/ ص 126، وزاد المسير لابن الجوزي ج 1/ ص 165.
4) جواز لعن الكافر بعد موته. انظر: فتح البيان ج 1/ ص 323. ووجهه: أن الله تعالى قال:؛ فدل على الأمر بلعنهم.
واستنباطات أخرى ذكرها ابن عثيمين في تفسيره ج 2/ ص 190 - 195.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى توعد الذين يكتمون ما أنزله سبحانه من البينات والهدى؛ فدل بمفهوم المخالفة -مفهوم صفة- على أن من كتم غير ذلك فلا إثم عليه.
قال القرطبي: (لما قال: دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف؛ فإنه آكد في الكتمان)
(1)
.
والكتم، والكتمان: ترك إظهار الشيء قصدا مع مساس الحاجة إليه، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر في موضعه
(2)
.
فجاءت هذه الآية محذرة من الكتمان، زاجرة للكاتمين. ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى:
وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)} آل عمران: 187. فهذه كلُّها زواجرُ عن الكتمان
(3)
.
والآية نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ونحوه
(4)
. فعلى هذا يكون معنى البينات: الآيات الواضحة الدالة على أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم. والهدى: الآيات الهادية إلى كنه أمره، ووجوب اتباعه والايمان به
(5)
.
(1)
الجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 183.
(2)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 182.
(3)
انظر: اللباب في علوم الكتاب ج 3/ ص 105.
(4)
قال الواحدي: نزلت في علماء أهل الكتاب وكتمانهم آية الرجم، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم. أسباب نزول القرآن ص 155. وأتم منه حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة؛ فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم؛ فأنزل الله فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)} . انظر: العجاب في بيان الأسباب ص 228 - 230، ولباب النقول ص 31.
(5)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 182.
لكنها وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته؛ فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله من البينات الدالات على الحق المظهرات له، والهدى وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم
(1)
. فالآية عامة لأن عموم الحكم لا يأبى خصوص السبب
(2)
. وفيها وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله
(3)
.
وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم العموم؛ لذا قال أبو هريرة رضي الله عنه: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله؛ ما حدثت حديثا، ثم يتلو: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} إلى قوله الرحيم. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"
(4)
.
والوعيد المذكور في الآية إنما هو لقاصد كتمان العلم. فإذا قصد العالم كتمان العلم؛ عصى، وإن لم يقصده؛ لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سئل؛ فقد وجب عليه التبليغ؛ لهذه الآية
(5)
.
ويجوز الكتمان في مواطن، منها:
1 - إذا خاف على نفسه.
ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم-"حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم".
(6)
قال القرطبي: (وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف).
ثم قال: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة رضي الله عنه، وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى
(7)
.
(1)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ج 1/ ص 77.
(2)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 182.
(3)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 26.
(4)
رواه البخاري في كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، ح: 118، ج 1/ ص 55.
(5)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 1، ص 73، والجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 182، واللباب في علوم الكتاب ج 3/ ص 105.
(6)
انظر: المحرر الوجيز ص 148.
(7)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 183.
وقال ابن حجر
(1)
في شرح الحديث: وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم
(2)
.
2 - إن رأى العالم مفسدة ظاهرة جلية تفوق مصلحة ظهور ما لديه
(3)
.
قال الذهبي
(4)
: (هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه بوجه؛ فإنه من البينات والهدى. وفي صحيح البخاري قول الإمام علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"
(5)
. وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء؛ لأوذي، بل لقتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني؛ إحياء للسنة فله ما نوى وله أجر، وإن غلط في اجتهاده)
(6)
.
(1)
هو أبو الفضل، أحمد بن علي الشهير بابن حجر، العسقلاني الأصل، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ عصره، له عدد من المؤلفات، صاحب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة للهجرة. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ج 2، ص 36 - 40، وشذرات الذهب ج 7، ص 270 - 273
(2)
انظر: فتح الباري ج 1/ ص 216.
(3)
ومن المصلحة: ألا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهى بل يربي بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة في نظر الفقه كما ذكر عز الدين بن عبد السلام في مسألة الدور في الطلاق؛ لما يؤدى إليه من رفع حكم الطلاق بإطلاق وهو مفسدة.
…
ومنها: ترك الجواب عن سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحكم التشريعات، وإن كان لها علل صحيحة وحكم مستقيمة؛ ولذلك أنكرت عائشة رضي الله عنها على من قالت: لم تقضى الحائض الصوم ولا تقضى الصلاة وقالت لها: أحروية أنت؟. وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغا، وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خيالا وفتنة، وإن كان صحيحا، وتلا قوله تعالى:{وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)} [عبس: 31] فقال: هذه الفاكهة فما الأب؟ ثم قال: ما أمرنا بهذا. إلى غير ذلك مما يدل على أنه ليس كل علم يبث وينشر وإن كان حقا. انظر: الموافقات ج 4/ ص 190.
ومنه: عدم تعليم المبتدع الجدال، والحجاج، ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجَّةً، ليقتطع بها ماله، ولا السُّلطان تأويلاً يتطرَّق به على مكاره الرَّعيَّة، ولا ينشر الرُّخص من السُّفهاء، فيجعلوا ذلك طريقاً إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات، ونحو ذلك. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 182، واللباب في علوم الكتاب ج 3/ ص 105.
(4)
أبو عبد الله، شمس الدين، الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تركماني الأصل، جمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على من تقدم بتحرير أخبار المحدثين خصوصا، له "سير أعلام النبلاء"، و"طبقات الحفاظ"، و"طبقات القراء"، و"الميزان في نقد الرجال"، توفي سنة 748 هـ. انظر: الدرر الكامنة ج 5/ ص 66، والبدر الطالع ج 2/ ص 663.
(5)
رواه البخاري في كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ح: 127، ج 1/ ص 59. ولفظه:""حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله".
(6)
سير أعلام النبلاء ج 2/ ص 297، 298.
ويدخل فيما في ترك بيانه مصلحة ما يشتبه على الناس، ولا تبلغه عقولهم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"
(1)
.
وقال الحرالي
(2)
: ({مِنَ الْبَيِّنَاتِ} ففي إفهامه إذن في كتم ما يخفى من العلم عن عقول لم تصل إليه)
(3)
.
ونبه الشاطبي
(4)
على ذلك بقوله: (ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة. ومما يفيد علما بالأحكام بل ذلك ينقسم:
فمنه: ما هو مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة.
ومنه: ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال، أو وقت، أو شخص، ومن ذلك: تعيين هذه الفرق، فإنه وإن كان حقا فقد يثير فتنة كما تبين تقريره فيكون من تلك الجهة ممنوعا بثه.
ومن ذلك: علم المتشابهات والكلام فيها فإن الله ذم من اتبعها، فإذا ذكرت وعرضت للكلام فيها فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى عنه، وقد جاء فى الحديث عن علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله"
(5)
. إلى أن قال: (وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ؛ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية)
(6)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الحرَّالي، والقرطبي، والقنوجي.
(7)
.
(1)
رواه مسلم في باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع، ح: 5، ج 1/ ص 11.
(2)
هو أبو الحسن، علي بن أحمد بن الحسن التجيبي، مفسر، فقيه، أصولي، من علماء المغرب، فلسفي متصوف، توفي سنة 638 هـ. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1/ ص 386، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 352.
(3)
نقله عنه البقاعي في نظم الدرر ج 1/ ص 288. وانظر: تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي ص 292.
(4)
هو إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، حافظ ثقة، محدث، مفسر، أصولي، من أئمة فقهاء المالكية، توفي سنة 790 هـ. انظر: الأعلام ج 1/ ص 75، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 23.
(5)
سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(6)
الموافقات ج 4/ ص 189 - 191.
(7)
انظر: تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي ص 292 (ونقله البقاعي عن الحرالي في نظم الدرر ج 1/ ص 288)، والجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 183، فتح البيان ج 1/ ص 323.
18 - أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد
(1)
.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
…
وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا
…
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} البقرة: 159 - 163.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فيه الإرشاد إلى التوحيد، وقطع علائق الشرك. والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد.
(1)
وهو استنباط في الدعوة وفي العقيدة أيضا.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 162.
(3)
واستنبط بعض المفسرين مناسبة ختم آية {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ
…
وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا
…
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} بقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} .
قال الرازي: (واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين؛ لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية، وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان). التفسير الكبير ج 4/ ص 160.
وقال غيره: ({الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} كالحجة عليها؛ فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها، وفروعها، وما سواه إما نعمة أو منعم عليه؛ لم يستحق العبادة أحد غيره). أنوار التنزيل ج 1/ ص 435 ومدارك التنزيل ج 1/ ص 82، وروح البيان ج 1/ ص 267، وتيسير الكريم الرحمن ص 78.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر توحيده عز وجل بعد أن توعد الذين يكتمون ما أنزله سبحانه من البينات والهدى. وإذا كانت البينات هي الدالات على الحق المظهرات له. والهدى هو النافع للقلوب الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم
(1)
؛ فإن أعظم ذلك كله توحيد الله تعالى؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن أول ما يجب بيانه، ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي.
(2)
.
قال القرطبي: (لما حذر تعالى من كتمان الحق؛ بين أن أول ما يجب إظهاره، ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد. ووصل ذلك بذكر البرهان وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع؛ ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء)
(3)
.
وقصد بقوله: (ووصل ذلك بذكر البرهان) قوله تعالى -بعدها-: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} البقرة: 164.
وقد تلمس العلماء مناسبات أخرى، منها:
قول البقاعي: (ولا يبعد عندي- وإن بعد المدى- أن تكون الواو في قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} عاطفة على قوله في أوائل السورة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} [البقرة: 29] قبل قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} [البقرة: 30]؛ فإن التوحيد هو المقصود بالذات، وعنه تنشأ جميع العبادات، فلما قال أولاً {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: من 21]؛ أتبعه في قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: من 21] إلى آخره بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال:
(1)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 26، وتيسير الكريم الرحمن ج 1/ ص 77.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 187، وفتح البيان ج 1/ ص 323.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 187.
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ
…
السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة: 22] إعلاماً بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه عليه، ثم رجع إليه قائلاً ثانياً:
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: من 28] إلى آخرها، فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات، إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين والمصرين، وذكر ما أعد لكل من الجزاء؛ فأتبع ذلك هذه الآية عاطفاً لها على ما ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد؛ بياناً لما هو الحق، وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين وعقوبة بعض العاصين بعض أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره. ولا يستنكر تجويز هذا العطف؛ لأنه جرت عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة الحج على شيء لأمر يرتبه عليه أن يبدأ بدليل كاف، ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه، ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر؛ لتأنس به النفوس، وتسرّ به القلوب، وربما كان الدليل طويل الذيول كثير الشعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك، ورأى أن الخصم لم يصل غلى غاية الإذعان؛ أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفاً له على الوجوه الأول تذكيراً بما ليس بمستنكر ذلك في مجاري عاداتهم ومباني خطاباتهم؛ ومن تأمل مناظرات الباقلاني وأضرابه من أولي الحفظ الواسع والتبحر في العلم علم ذلك)
(1)
.
واستحسن ابن بدران قول البقاعي بقوله: (وهو تدقيق بديع، واستنباط حسن).
ثم نبه إلى إشارة ألطف ذكرها الحرالي -الذي أفاد منه البقاعي-، فقال- ابن بدران-: وهنا إشارة ألطف أبداها صاحب كتاب الباب المقفل، حاصلها: أنه لما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ملائكته وأنبيائه ورسله ومن يلحق بهم من أهل ولايتهم، وإظهار شواهد ذلك منهم، و إقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم أتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات؛ كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم عليه الصلاة والسلام في جمع الذرية، ووحدة أبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في جمع الإسلام، ووحدة أحمدية محمد صلى الله عليه وسلم في جمع الدين؛ فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات؛ كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق، وفي إفهام ذلك وحدات ما يظن في ظاهر الوحدات الظاهرة من وحدة الروح، ووحدة النفس والعقل؛ فقال تعالى: - عطفاً على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة- {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد، فكيف به مع وحدة أب الدّين، فكيف به مع وحدة النبي المكمل، فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الرحيم
(2)
.
(1)
نظم الدرر ج 1/ ص 291، 292.
(2)
نقله عنه البقاعي في نظم الدرر ج 1/ ص 292، 293. وانظر: تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي ص 294 - 298. وكلامه في هذا طويل، حيث ربط الآية بمواضع كثيرة في سورة البقرة. ولعل هذا النوع من الكلام في المناسبات هو الذي يرده الشوكاني، ويراه متكلفا.
ثم ختم ابن بدران كلامه بقوله: (هذا ولما اطلع البقاعي على هذه الإشارة، وزين بها كتابه، وأطال بها، أقدم على ما ذكره سابقا من العطف، وانفتح له ذلك الباب المقفل)
(1)
.
وممن تلمس مناسبة الآية لما قبلها: الآلوسي، قال:(والجملة -أي: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} - معطوفة على: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} عطف القصة على القصة. والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى)
(2)
.
وقال ابن عاشور: (والمناسبة أنه لما ذكر ما ينالهم على الشرك من اللعنة والخلود في النار بين أن الذين كفروا به وأشركوا هو إله واحد)
(3)
.
وقال الهرري: (لما كان كفر معظم الكفار المستحقين اللعنة والخلود في النار؛ لاتخاذهم آلهة مع الله؛ أخبر تعالى أن الإله واحد لا يتعدد، ولا يتجزأ، ولا مثيل له في صفاته، وحصر الإلهية فيه)
(4)
.
وما ذكروه جميعا مع ما ذكره الشوكاني جائز؛ إذ المناسبات لا تتزاحم كما أن النكات لا تتزاحم. لكن يضعف قولي الحرالي والبقاعي -والله أعلم- طول الفصل بين الآيات.
أما ما ذكره ابن عاشور، والهرري فهو ظاهر؛ لظهور اتصال الآيتين ببعضيهما.
والذي يظهر - والله أعلم- أن استنباط الشوكاني قريب؛ إذ هو منسجم مع سياق الآية وسباقها. لكن مع التنبه إلى أن الخطاب في قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} خطاب عام، ولا يصح اختصاصه بالكاتمين؛ فلا يفهم من وجود المناسبة بين آيتي {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} و {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أن الخطاب في الثانية للكاتمين.
قال الآلوسي: (وقيل: الخطاب للكاتمين -أي في قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} - وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربهم، حيث يكتمون وحدانيته ويقولون عزير وعيسى ابنا لله عز وجل. وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أن فيه خروج شأن النزول عن الآية وهو باطل)
(5)
.
(1)
جواهر الأفكار ومعادن الأسرار ص 418.
(2)
روح المعاني ج 2/ ص 29.
(3)
التحرير والتنوير ج 2/ ص 73.
(4)
حدائق الروح والريحان ج 3/ ص 72.
(5)
روح المعاني ج 2/ ص 29.
19 - كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه
(1)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)} البقرة: 168.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر
(2)
من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه.
وأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29])
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه
(5)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في مقام الامتنان أنه أباح للناس أن يأكلوا مما في الأرض، في حال كونه حلالا من الله، طيبا أي: مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول
(6)
؛ فدل ذلك بدلالة الالتزام على أن الأصل الإباحة.
(1)
وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (اليقين لا يزول بالشك).
(2)
النص: هو ما يفيد بنفسه من غير احتمال، أو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا. والظاهر: هو ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنى مع تجويز غيره، أو ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر. انظر: روضة الناظر: ج 2/ ص 31 - 34، وشرح الورقات للمحلي ص 162، 163، وإرشاد الفحول ص 402، ومذكرة في أصول الفقه ص 287.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 167.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} . انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 2/ ص 235.
2) مناسبة الآية لما قبلها: قبلها أنه سبحانه لما بين التوحيد ودلائله، وما للتائبين والعاصين؛ أتبع ذلك بذكر إنعامه وشمول رحمته؛ ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الأنعام. انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 679، وروح المعاني ج 2/ ص 38.
…
3) تقييد حل الأكل بالطيب منه يفيد تحريم النجس، كما يفيد تحريم المحرم والخبيث، وكم في النجس من جراثيم وأضرار. ويدل تقييد إباحة الأكل بالحلال والطيب على تحريم السحت كالرشوة والربا وغيره. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج 2/ ص 526.
(5)
وقد تقدم مثل هذا الاستنباط عند قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}.
(6)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 32، وتيسير الكريم الرحمن ص 80.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عرفة، والقنوجي، والسعدي، والدوسري، وابن عثيمين.
(1)
. وأشار ابن عاشور إلى أن في الآية ما يدل على أن الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم
(2)
.
والقول بأن الأصل في المنافع الحل، وفي المضار التحريم لا يصادم القاعدة بل هو نوع تخصيص لها، باستثناء المضار منها
(3)
.
وقد نبه الشوكاني إلى هذا التخصيص عند استنباطه من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
…
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}، فقال:(وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر)
(4)
.
وهذه الآية استدل بها أيضا القائلون بأن الأصل في الأشياء على الحظر.
ووجهه: أن الأشياء ملك لله تعالى، فلابد من إذنه فيما يتناول منها، وما عدا ما لم يأذن فيه يبقى على الحظر
(5)
.
والقول بأن الأصل الإباحة -والله أعلم- أظهر؛ لأمور:
الأول: أن كثيرا من أدلة الكتاب والسنة تؤيده
(6)
، بل إن بعضها يكاد يكون نصا في هذه المسألة كحديث:"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ما عفا عنه"
(7)
، وأشباهه مما لا تنهض معه أدلة القائلين بالحظر.
الثاني: أن القول بالإباحة هو الذي يوافق مقاصد الشريعة في جانب شمول أحكامها لكل الحوادث والنوازل، فلا تخلو واقعة من حكم لله تعالى، ومتى ما استحضر الإنسان أدلة اكتمال الدين وإتمام النعمة، مع تفصيل المحرمات وحصرها من قبل الشارع؛ أدرك رجحان هذا القول بلا ريب
(8)
.
(1)
انظر: تفسير ابن عرفة ج 1/ ص 211، وفتح البيان ج 1/ ص 334، وتيسير الكريم الرحمن ص 80، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 2/ ص 526، وتفسير سورة البقرة ج 2/ ص 235.
(2)
انظر: التحرير والتنوير ج 2/ ص 101. قال الزركشي: (الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع). البحر المحيط في أصول الفقه ج 6/ ص 12.
(3)
انظر: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة للدكتور أحمد الضويحي ص 125.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 60.
(5)
انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 681، وتفسير ابن عرفة ج 1/ ص 211.
(6)
سبق بيانها عند الآية: 29 من سورة البقرة.
(7)
أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب: الأطعمة، باب: أكل الجبن والسمن، رقم: 3367، ج 2/ ص 1117، والترمذي في سننه، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في لبس الفراء، رقم: 1726، ج 4/ ص 220، ولهذا الحديث شواهد ومتابعات من طرق أخرى يتعزز بها.
(8)
انظر: قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة للدكتور أحمد الضويحي ص 128.
20 - قبح التقليد وذم المقلدين
(1)
.
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} البقرة: 170.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية من الذم للمقلدين، والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره. ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)} [المائدة: 104]. وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية قبح التقليد والمنع منه، وذم المقلدين
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله ذم الكفار وأنكر عليهم امتناعهم من قبول الحق، وزهدهم في الإيمان بالأنبياء؛ لأجل تقليد آبائهم في ذلك؛ فكأنه نهاهم عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحجة؛ فدل بمفهوم الموافقة على ذم المقلدين، والمنع من التقليد، وإبطاله.
أو يمكن القول بأن وجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد
(4)
.
قال الرازي: (إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان؛ تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابع التقليد. وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل)
(5)
. فوجه استنباطه لمنع التقليد من المناسبة بين هذه الآية وما قبلها.
وممن قال بإبطال التقليد: ابن عطية، وابن الفرس، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، والطوفي، والسيوطي، والآلوسي، والقنوجي، وابن بدران.
(6)
.
(1)
وهو استنباط أصولي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 167، 168.
(3)
واستنبط مثله من عند الآية 22 من سورة البقرة: 22.
(4)
انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 175.
(5)
التفسير الكبير ج 5/ ص 7.
(6)
انظر: المحرر الوجيز ص 153، وأحكام القرآن ج 1/ ص 130، و التفسير الكبير ج 5/ ص 7، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 447، والبحر المحيط ج 1/ ص 683، والإشارات الإلهية ج 1/ ص 305، والإكليل ج 1/ ص 334، وروح المعاني ج 2/ ص 41، وفتح البيان ج 1/ ص 373، وجواهر الأفكار ص 443.
وربما عني بعضهم بإبطال التقليد إبطاله في العقائد خصوصا، لأن عباراتهم غير واضحة في هذا، إلا من نص على ذلك كالطوفي بقوله:(واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات، أما الفروع فلا)
(1)
.
وفي حكم التقليد في العقائد والأصول خلاف
(2)
، لكن الأصح- والله أعلم- أنه يجوز ما دام الإيمان راسخا لا تردد فيه ولا شك.
(3)
.
وقد نبه الشوكاني على أن المقصود هو حصول العلم حتى يصير ثابتا بحيث لا يتردد، وأن من أمعن النظر في أحوال العوام وجد في كثير منهم الإيمان في صدره كالجبال الرواسي
(4)
. فقال: (وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته)
(5)
.
والتقليد في الحق عند القرطبي أصل من أصول الدين، قال:(تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم الله تعالى الكفار بإتباعهم لآبائهم في الباطل واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح)
(6)
.
(1)
الإشارات الإلهية ج 1/ ص 305
(2)
فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، ووجوب التقليد وتحريم النظر والبحث فيه. راجعه في: الإحكام في أصول الأحكام ج 4/ ص 212 وما بعدها، والبحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 270 وما بعدها، والمسودة في أصول الفقه ص 304 وما بعدها، وأعلام الموقعين ج 4/ ص 210 وما بعدها، وإرشاد الفحول ص 596 وما بعدها، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 354 وما بعدها.
(3)
قال أبو عمرو بن الصلاح -في حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن خالق السماء والأرض، ثم سأله عن أركان الإسلام، ثم ولى قائلا: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لئن صدق ليدخلن الجنة"-: (وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنين، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك معرفة النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية). نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ج 1/ ص 171.
(4)
انظر: إرشاد الفحول ص 600.
(5)
المصدر السابق ص 599.
(6)
الجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 206.
ولا شك أن التقليد الذي جوزه القرطبي هو الموافق للكتاب والسنة؛ بدليل أنه جعله عصمة للمسلمين، وليس في كلام الشوكاني عن التقليد ما يخالف هذا، ولكن التقليد الذي هو عصمة يسميه الشوكاني الاتباع، فإنه فرَّق بين التقليد، والاتباع، فالتقليد الذي يقصده الشوكاني في كلامه هو ما يسميه غيره تقليدا مذموما، أما ما يسميه غيره بتقليد حسن أو جائز أو غير مذموم فإن الشوكاني يسميه الاتباع أي العمل بقول الغير مع معرفة دليله
(1)
.
قال الآلوسي: (وأما إتباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما إنه محق؛ فإتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى وليس من التقليد المذموم في شيء)
(2)
.
ورأى ابن عاشور أن هذه الآية ليس لها تعلق بأمر التقليد، فقال:(وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد؛ لأنها ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله، فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله)
(3)
.
ومقصود الشوكاني رحمه الله التحذير والتنبيه إلى أن التقليد بغير علم للدليل قد يفضي إلى مخالفة الكتاب والسنة كما حدث في عصره، فيكون التقليد الذي استنبط الشوكاني منعه وذمه هو كتقليد الكفار في تمسكهم بما عندهم دون دليل.
21 - مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاته عز وجل؛ أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه فكان ذلك رأفة بهم
(4)
.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)} البقرة: 207.
قال الشوكاني رحمه الله: (ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم)
(5)
.
(1)
راجع تعريف الاتباع، والفرق بينه وبين التقليد، وتفريق الشوكاني بينهما عند الآية 22 من سورة البقرة في هذا البحث.
(2)
روح المعاني ج 2/ ص 41.
(3)
التحرير والتنوير ج 2/ ص 109.
(4)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 209.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية مناسبة ذكر الرأفة بعد ذكره سبحانه البائعين أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، والمناسبة أنه أوجب عليهم ما أوجبه؛ ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفا لهم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر صنفين من أصناف الناس، مذموم، وممدوح.
فالأول: منافقون يُشهدون الله على ما في قلوبهم من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أو الإسلام، وهم كاذبون شديدو الخصومة، يدل على ذلك أنهم يسعون في الأرض فسادا، وإذا ذُكِّروا بالله حملتهم العزة على الإثم.
والصنف الثاني: موفقون يشرون أنفسهم، أي: يبيعونها ابتغاء مرضاة الله، كالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم ذكر الله تعالى بعد الصنف الثاني أنه رؤوف بالعباد؛ فدل ذكر الرأفة هنا بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على أنه أوجب عليهم ما أوجبه، ومدح المستجيبين لأوامره؛ لرأفته سبحانه تعالى بهم، فمن الرأفة أن يعرضهم للثواب، ويدلهم على طرق تحصيله، وإن كان فيه مشقة ظاهرة، لكن عواقبه إلى خير.
ورأفته سبحانه كما تكون في التخفيف على العباد في حالة ضعفهم ونقص قوتهم؛ تكون في تغليظ الفرائض في حالة شدة قوتهم
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، البروسوي، والقنوجي.
(2)
.
وذكر ابن عاشور وجها آخر، فقال: ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله، وجعلوا أنفسهم عبيده، فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده، فإن كان (مَنْ) عاماً كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله، فالمعنى: والله رءوف بهم، فعدل عن الإضمار إلى الإظهار؛ ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلاً بنفسه وهو من لوازم التذييل، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عبادا له
(3)
.
ونبه الشيخ الدوسري إلى وجه ثالث لمناسبة ذكر الرأفة هنا فقال: (وفي قوله تعالى: عدة فوائد واعتبارات:
أحدها: أنه لا يلزم من بيع الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله أن يحرم نفسه من ملذات الدنيا أو يهجرها، فهذا شيء مبتدع في الدين، مخالف لرأفة الله بعباده.
ثانيها: أن من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله لا يتهور حتى يلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يسلك الحكمة المطلوبة بتقدير الأمور مقاديرها، وتنزيلها منازلها اللائقة بها، إذ ليس المقصود من ذلك إهانة النفس وإذلالها، وإنما المراد أن يسلك بها مسالك العزة والكرامة.
(1)
انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ج 11/ ص 154.
(2)
انظر: أنوار التنزيل ج 1/ ص 492، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 212. وروح البيان ج 1/ ص 327، وفتح البيان ج 1/ ص 418.
(3)
انظر: التحرير والتنوير ج 2/ ص 258.
ثالثها: بيع النفس ابتغاء مرضاة الله لا ينافي آية الدعاء السابقة بطلب الدنيا من الوجوه الحسنة شرعا)
(1)
.
وهذه المناسبات -والله أعلم- لا تتزاحم. وكلٌ ذكر ما فتح الله به عليه من أوجه المناسبة.
22 - لا يبطل عمل من ارتد إلا إذا مات على الكفر
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (والتقييد بقوله: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قيَّد إحباط عمل المرتد بالموت؛ فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الشرط- على أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر، وأنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وأبو حيان، وأبو السعود، والسيوطي، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين.
(4)
.
وخالف آخرون: منهم ابن العربي، والآلوسي.
(5)
.
والأول قول الشافعي، والثاني قول مالك وأبي حنيفة
(6)
.
(1)
صفوة الآثار والمفاهيم ج 3/ 314، 315.
(2)
وهو استنباط عقدي وفقهي.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 218.
(4)
انظر: التفسير الكبير ج 6/ ص 32، والبحر المحيط ج 2/ ص 242، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 217، وتفسير الجلالين ص 43، وفتح البيان ج 1/ ص 437، وتيسير الكريم الرحمن ص 98، وأضواء البيان ج 2/ ص 508، وتفسير سورة البقرة ج 3/ ص 61.
(5)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 183، وروح المعاني ج 2/ ص 110.
(6)
انظر: التفسير الكبير ج 6/ ص 32، والتحرير والتنوير ج 2/ ص 316.
قال ابن العربي-مبينا دليل كل منهما-: (اختلف العلماء رحمة الله عليهم في المرتد هل يحبط عمله نفس الردة أم لا يحبط إلا على الموافاة على الكفر. فقال الشافعي: لا يحبط له عمل إلا بالموافاة كافرا. وقال مالك: يحبط بنفس الردة.
ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد، ثم أسلم، فقال مالك: يلزمه الحج؛ لأن الأول قد حبط بالردة، وقال الشافعي: لا إعادة عليه؛ لأن عمله باق.
واستظهر عليه علماؤنا -المالكية- بقول الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}
(1)
[الزمر: من الآية 65]، وقالوا: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يستحيل منه الردة شرعا.
وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله فكيف أنتم؟، لكنه لا يشرك؛ لفضل مرتبته كما قال الله تعالى:{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}
(2)
[الأحزاب: من الآية 30]؛ وذلك لشرف منزلتهن وإلا فلا يتصور إتيان فاحشة منهن؛ صيانة لصاحبهن المكرم المعظم). إلى أن قال: (وقال علماؤنا: إنما ذكر الموافاة شرطا هاهنا؛ لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء، فمن وافى كافرا؛ خلده الله في النار بهذه الآية ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين، وحكمين متغايرين. وما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به، وما ورد في أزواجه صلى الله عليه وسلم فإنما قيل ذلك فيهن؛ ليبين أنه لو تصور؛ لكان هتكا لحرمة الدين، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكل هتك حرمة عقاب، وينزَّل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام، أو في البلد الحرام، أو في المسجد الحرام، فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات)
(3)
.
(1)
(2)
(3)
أحكام القرآن ج 1/ ص 183.
ولكل قول دليله المعتبر، لكن ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله أظهر- والله أعلم- لأمرين:
الأول: لوجوب حمل المطلق في قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} على المقيد وهو قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)}
(1)
.
قال الشنقيطي: (قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجري على الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا)
(2)
.
الثاني: لأن القول بهذا الاستنباط فيه ترغيب في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد
(3)
.
23 - لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ
(4)
.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} البقرة: 218.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {يَرْجُونَ} معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(6)
رحمه الله أنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ.
(1)
انظر: البرهان في علوم القرآن ج 2/ ص 140، و أضواء البيان ج 2/ ص 508.
(2)
أضواء البيان ج 2/ ص 508.
(3)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 217.
(4)
وهو استنباط في الرقائق، وفي العقيدة باعتبار الرجاء من أبواب التوحيد، وهو استنباط في علوم القرآن (مناسبة لفظ).
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 218.
(6)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} ، قال الحرالي: وفي الختم بالرحمة أبداً في خواتم الآي إشعار بأن فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل، فكما يرحم العبد طفلاً ابتداء؛ يرحمه كهلاً انتهاء، ويبتدئه برحمته في معاده كما ابتدأه رحمته في ابتدائه. انظر: نظم الدرر ج 1/ ص 408.
وقال الشيخ ابن عثيمين: قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله الغفور هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، والتقصير؛ ولذلك شرع للمصلي أن يستغفر الله ثلاثا بعد السلام، وأما ذكر الرحيم فواضح مناسبته؛ لأن كل هذه الأعمال التي عملوها من آثار رحمته. تفسير سورة البقرة ج 3/ ص 64، 65.
2) مناسبة تقديم وصف المغفرة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. انظر: روح المعاني ج 2، ص 205.
ووجه الاستنباط: أن الله وصف المؤمنين بصفات عالية هي: الإيمان، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، ثم ذكر حالهم بلفظ {يَرْجُونَ} أي يطمعون ويترقبون رحمة الله؛ إذ رحمته تفضل منه، وهم وإن كانوا عالي الرتبة، عظيمي الزلفة إلا أنهم يطمعون في رحمة الله، غير قاطعين بذلك، علماً منهم أن له أن يفعل ما يشاء؛ لأنه الملك الأعظم فلا كفء له، وهم غير قاطعين بموتهم محسنين، قاطعون بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم؛ فدل ذلك على أنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو أطاع أقصى طاعة. فجاءت الآية لتعليم العباد -ولو بلغوا من العبادة الغاية القصوى- أن يكونوا على الرجاء الممتزج بالخوف؛ لأمرين: أحدهما: لا يدري بما يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله.
(1)
. والذي دل على هذا المعنى مناسبة لفظ {يَرْجُونَ} .
والمعنى الذي استنبطه الشوكاني من هذه الآية دل عليه الكتاب والسنة، قال تعالى:
…
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)} [المؤمنون: 60]. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله في هذه الآية {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)} يا رسول الله هو الذي يسرق، ويزني، ويشرب الخمر، وهو يخاف الله؟ قال: لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي، ويصوم، ويتصدق، وهو يخاف الله عز جل"
(2)
.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن ينجي أحدا منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا"
(3)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 49، ونظم الدرر ج 1/ ص 407، وقطف الأزهار ج 1/ ص 454.
(2)
أخرجه أحمد برقم: 25302، ج 6/ ص 159. واللفظ له. وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: التوقي على العمل، رقم: 4198، ج 2/ ص 1404، والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: تفسير سورة المؤمنون، رقم الحديث: 3175، ج 5/ ص 327، والحاكم في المستدرك برقم: 3486، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انظر: ج 2/ ص 427.
(3)
أخرجه مسلم في كتاب: الجنة، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، رقم الحديث: 2816، ج 4/ ص 2169.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، وأبو السعود.
(1)
.
واستنباط الشوكاني لهذا المعنى من هذه الآية دقيق. كما استنبط معنى قريبا منه من قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)} [آل عمران: 107] فقال: "قوله: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} أي: في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة"
(2)
.
24 - تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ} أي: ولرقيقة مؤمنة. وقيل: المراد بالأمة الحرة؛ لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي
(4)
؛ لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة؛ يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى)
(5)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 49، والبحر المحيط ج 2/ ص 244، ونظم الدرر ج 1/ ص 407، وقطف الأزهار ج 1/ ص 454، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 218.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 370.
(3)
وهو استنباط في العقيدة، واستنباط في التفسير؛ لشدة تعلقه بمعنى الآية.
(4)
يعني سبب نزول: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} الذي أورده في جزء الرواية، قال:(وأخرج الواحدى، وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس رضي الله عنهم في قوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} قال: نزلت في عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فو الذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم؛ رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ}. [انظر: أسباب النزول للواحدي ص 187، ولباب النقول ص 42، 43، والدر المنثور ج 1/ ص 615]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي مثله. [انظر: جامع البيان ج 3/ ص 717، وتفسير ابن أبي حاتم ج 2/ ص 398، والعجاب في بيان الأسباب ص 361، وعزاه إلى ابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ج 1/ ص 615]. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ} قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة، سوداء، فأعتقها، وتزوجها حذيفة [انظر: تفسير ابن أبي حاتم ج 2/ ص 399، والعجاب في بيان الأسباب ص 362]). فتح القدير ج 1/ ص 225.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 224.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله من الآية تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة.
ووجه الاستنباط: أن في الآية تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة، فيستنبط بدلالة مفهوم الموافقة - مفهوم الأولى- تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة.
إذ الأمة هنا هي المملوكة، والمشركة الحرة؛ بقرينة المقابلة بقوله:{وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ} فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر
(2)
.
وتفضيل الأمة المؤمنة على الحرة المشركة أبلغ في الدلالة على تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة إذ فيه الدلالة على تمايز الناس وتفاوت مراتبهم اعتبارا بالإيمان، فالمؤمنة مقدمة ولو كانت أمة رقيقة؛ لأن نفع الإيمان أمر ديني يرجع إلى الآخرة الباقية، فهي خير من الحرة المشركة لأن نفع نسبها ومالها وجمالها يرجع إلى الدنيا الدنية الفانية. وإنما ترك ذكر الحرة المؤمنة إعلاما بأن خيريتها أمر مقطوع به لا كلام فيه.
(3)
.
(1)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) قال الجصاص: وقوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة يدل على جواز نكاح الأمة [يعني المؤمنة] مع وجود الطول إلى الحرة؛ لأن الله تعالى أمر المؤمنين بتزويج الأمة المؤمنة بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم ويجدون الطول إليها، وواجد الطول إلى الحرة المشركة هو واجده إلى الحرة المسلمة، إذ لا فرق بينهما في العادة في المهور، فإذا كان كذلك وقد قال الله تعالى:{وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} ولا يصح الترغيب في نكاح الأمة المؤمنة وترك الحرة المشركة إلا وهو يقدر على تزويج الحرة المسلمة، فتضمنت الآية جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة. ويدل من وجه آخر على ذلك وهو أن النهي عن نكاح المشركات عام في واجد الطول وغير واجده، للغني والفقير منهم، ثم عقب ذلك بقوله:{وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} فأباح نكاحها لمن حظر عليه نكاح المشركة، فكان عموما في الغني والفقير موجبا لجواز نكاح الأمة للفريقين. أحكام القرآن ج 2/ ص 19، 20. ونقل مثله الرازي عن الجبائي، ثم تعقبه بقوله: وهذا استدلال لطيف في هذه المسألة. انظر: التفسير الكبير ج 6/ ص 52.
وهذا الاستنباط رده الكيا الهراسي بقوله: وهذا غلط؛ لأنه ليس في الآية نكاح الإماء، وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرة المشركة؛ لأن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة، فقال تعالى ذلك، أي إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى. أحكام القرآن ج 1/ ص 134. ثم تعقبه السيوطي بالرد في الإكليل ج 1/ ص 398.
2) جواز نكاح العبد الحرة. الإكليل ج 1/ ص 398.
(2)
انظر: التحرير والتنوير ج 2/ ص 343.
(3)
انظر: نظم الدرر ج 1/ ص 420.
قال البقاعي: (وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام فيه، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدُّونَه دَنِيَّا فشرفه الإيمان، ومن يعدُّونَه شريفا فحقره الكفران، وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل على أنه وإن كان دَنِيَّا موضع التفضيل لعلو وصفه، وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصراً عليه؛ لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه)
(1)
.
وهذا الاستنباط مبني على تفسير الأمة في الآية بالرقيقة
(2)
- وهو ما رجحه الشوكاني- فيكون تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة استنباطا على هذا، أما عند من فسر الأمة بمطلق المرأة حرة كانت أو مملوكة
(3)
فقد يكون تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة تفسيرا لا استنباطا؛ لأنه معنى ظاهر من الآية.
ويظهر أن ما رجحه الشوكاني- والله أعلم- هو الأولى؛ لأمور:
الأول: أنه مؤيد بسبب النزول إذ نزلت في عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة، فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم؛ رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ}
(4)
.
قال الآلوسي: (والظاهر أن المراد بالأمة ما يقابل الحرة، وسبب النزول يؤيد ذلك؛ لأن العيب على من تزوج الأمة، والترغيب في نكاح حرة مشركة، ففي الآية تفضيل الأمة المؤمنة عل المشركة مطلقا ولو حرة، ويعلم منه تفضيل الحرة عليها بالطريق الأولي).
(1)
المصدر السابق ج 1/ ص 420.
(2)
ممن فسر الأمة بالرقيقة: ابن عطية في المحرر الوجيز ص 194، وأبو حيان في البحر المحيط ج 2/ ص 262، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 221، والآلوسي في روح المعاني ج 2/ ص 119، والقاسمي في محاسن التأويل ج 2/ ص 116.
(3)
قال الزمخشري: ولامرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة، وكذلك ولعبد مؤمن. الكشاف ج 1/ ص 292. وممن وافقه: البيضاوي في أنوار التنزيل ج 1/ ص 507، وابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 80.
(4)
تقدم تخريجه قريبا.
الثاني: تقدم في قوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} بيان أن المشركة دون المؤمنة، فيكون تفسير الأمة بالحرة تكرارا، والتأسيس أولى من التأكيد.
الثالث: لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة إلا مقيدا بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: يا أمة الله.
قال ابن عاشور: ووقع في الكشاف
(1)
حمل الأمة على مطلق المرأة، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده، وهذا باطل من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ، أما المعنى فلأنه يصير تكرارا مع قوله:{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، وبقيت المقصود من التنبيه على شرف أقل أفراد أحد الصنفين على أشرف أفراد الصنف الآخر. وأما من جهة اللفظ؛ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلا مقيدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: يا عبد الله، ويا أمة الله، وكون الناس إماء الله وعبيده إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال، فكيف يُخَرَّج القرآن عليه
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور.
(3)
.
…
25 - في معاشرة المشركين ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} أي إلى الأعمال الموجبة للنار؛ فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه)
(5)
.
(1)
ج 1/ ص 292.
(2)
انظر: التحرير والتنوير ج 2/ ص 343، 344.
(3)
انظر: نظم الدرر ج 1/ ص 420، وروح المعاني ج 2/ ص 119، وفتح البيان ج 1/ ص 445، والتحرير والتنوير ج 2/ ص 343.
(4)
وهو استنباط فقهي.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 224.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية عدم جواز معاشرة المشركين ومصاحبتهم؛ لأن في ذلك من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له، ويدخلوا فيه.
ووجه الاستنباط: أن الله حرم مصاهرة المشركين غير أهل الكتاب مع ما قد يكون فيه من مصالح؛ فدل ذلك بدلالة مفهوم الموافقة -الأولي- عدم جواز معاشرتهم ومصاحبتهم؛ لأن مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد.
قال السعدي: (ويستفاد من تعليل الآية النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع؛ لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة، فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصا الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم كالخدمة ونحوها)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والبقاعي، والقنوجي، والسعدي.
(2)
.
26 - إذا لم يحصل للزوجين الظن بإقامة حدود الله فلا يجوز الدخول في النكاح لأنه مظنة لمعصية لله والوقوع فيما حرمه الله على الزوجين
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه على الزوجين)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله من الآية أنه لا يجوز للمرأة ومطلقها الأول-بعد طلاقها من الزوج الثاني- الرجعة إذا لم يحصل لهما الظن بإقامة حدود الله، بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو تردد أحدهما؛ فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرمه الله على الزوجين.
(1)
تيسير الكريم الرحمن ص 99. ودلالة الآية عنده القياس.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج/ ص، ونظم الدرر ج 1/ ص 420، وفتح البيان ج 1/ ص 446، وتيسير الكريم الرحمن ص 99.
(3)
وهو استنباط فقهي.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 239.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) إطلاق المراجعة على عقد النكاح.
2) الاكتفاء بالظن في الأمور المستقبلة؛ لأن طلب اليقين في المستقبل من باب التكليف بما لا يطاق. وغيرهما. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 118، 119.
ووجه الاستنباط: أن الله أباح لهما الرجعة بشرط أن يظنا إقامة حدود الله التي هي أمره ونهيه في الحقوق الزوجية؛ فيستنبط بمفهوم المخالفة -مفهوم الشرط- أن من لم يحقق الشرط؛ فلا تحل له الرجعة، بل وعليهما جناح إن غلب على ظنهما ألا يقيما حدود الله.
قال السعدي: (ومفهوم الآية الكريمة أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة، أن عليهما في ذلك جناحا؛ لأن جميع الأمور إن لم يقم فيها أمر الله ويسلك بها طاعته لم يحل الإقدام عليها)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والطوفي، وأبو حيان، والقنوجي، والسعدي، وابن عثيمين، والهرري.
(2)
.
وخالف الرازي فجوز الرجعة بدون هذا الظن، إذ لم يجعله شرطا، وجعله من باب حث الزوجين وحضهما على إقامة حدود الله، قال: كلمة إن في اللغة للشرط، والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط، فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة، لكن ليس الأمر كذلك، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل، إلا أنا نقول ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة، بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى وقصد الإقامة لحدود الله
(3)
.
وقال في موضع آخر: والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها
…
قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} والمراجعة جائزة بدون هذا الظن
(4)
.
وقول الشوكاني، ومن معه أظهر-والله أعلم- لأنه ظاهر الآية، ولأن جعل ظنهما إقامة حدود الله شرطا أبلغ في زجر النفوس المتنازعة التي استوفت مرات الطلاق كلها، حتى بانت المرأة، وحرمت على زوجها، إلا بالزواج من آخر وطلاقها منه. ففي اشتراط هذا الشرط ما يستقيم به حال الزوجين، وتستقر معه الحياة الزوجية، وبغيره لا يكون إلا إعادة الخصومات
(5)
، والرجوع إلى الحال الأولى من الاختلاف، والشقاق.
(1)
تيسير الكريم الرحمن ص 103.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 146، والإشارات الإلهية ج 1/ ص 339، والبحر المحيط ج 2/ ص 323، 324، وفتح البيان ج 2/ ص 27، وتيسير الكريم الرحمن ص 103، وتفسير سورة البقرة ج 3/ ص 119، وحدائق الروح والريحان ج 3/ ص 320.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 6/ ص 92.
(4)
انظر: المصدر السابق ج 31/ ص 131.
(5)
انظر: التحرير والتنوير ج 2/ ص 400.
قال الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله، وجه ذلك: أنهما إن تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئا، وعناء، وتعبا، وخسارة مالية،؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى
(1)
.
27 - مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريباً
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {كَامِلَيْنِ} تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير لا تقريبي)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
أن مدة تمام الرضاع حولين حقيقة، لا تقريبا.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن أن مدة الرضاع حولين، ثم أعقبها بقوله:{كَامِلَيْنِ} ؛ فدل ذكره كاملين بعد الحولين -مع أن فيها مستغنى عن ذكر الكاملين- بدلالة التأكيد على أن المراد بالحولين حقيقة، لا تقريباً. وجاء التأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثاني؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان على بعض المدلول إطلاق شائع عند العرب، فيقولون: هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية.
(5)
. ومنه قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)} [البقرة: 203] ومعلوم أن المتعجل إنما يتعجل في يوم ونصف.
(6)
.
(1)
انظر: تفسير سورة البقرة ج 3/ ص 117.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 244، 245.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله: {بِالْمَعْرُوفِ} ، وهذا إذا لم يخالف الشرع، فإن خالفه رد إلى الشرع.
2) الرد على الجبرية بقول الله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ، والجبرية يسلبون الإنسان إرادته، راجع هذين الاستنباطين وغيرهما في تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 147 وما بعدها.
(5)
انظر: جامع البيان ج 4/ ص 200، والتحرير والتنوير ج 2/ ص 410.
(6)
انظر: جامع البيان ج 4/ ص 200.
وفائدة التأكيد على الحولين في مدة الرضاع بالتحقيق لا التقريب؛ إعلام بالوقت المقيد للتحريم، وقطع لتنازع الزوجين في مدة الرضاع، فتكون هذه المدة حدا عند اختلاف الزوجين في مدة الرضاع، فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له
(1)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني: الطبري، والزجاج، والسمرقندي
(2)
، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وابن جزي، وأبو حيان، والبقاعي، والسيوطي، والسعدي.
(3)
.
وذكر البغوي
(4)
وجها آخر لذكر كاملين، فقال: وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا
…
رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: من الآية 196] وقيل: إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا وبعض الشهر شهرا
(5)
.
فجعل البغوي التوكيد بكاملين من باب توكيد مالا يُوهم، وأنه مثل التوكيد في قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا
…
رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}.
(1)
انظر: البحر المحيط ج 2/ ص 338، ونظم الدرر ج 1/ ص 439.
(2)
أبو الليث، نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، الفقيه، له تصانيف كثيرة منها:"بحر العلوم"، توفي سنة ثلاث أو خمس وسبعين وثلاثمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 16، ص 322، 323، وطبقات المفسرين للداودي ج 2، ص 345.
(3)
انظر: جامع البيان ج 4/ ص 200، ومعاني القرآن وإعرابه ج 1/ ص 312، وبحر العلوم ج 1/ ص 179، والمحرر الوجيز ص 206، والتفسير الكبير ج 6/ ص 101، والجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 154، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 83، والبحر المحيط ج 2/ ص 338، ونظم الدرر ج 1/ ص 439، وقطف الأزهار ج 1/ ص 478، وتيسير الكريم الرحمن ص 104.
(4)
الإمام، العلامة، الحافظ، محيي السنة، أبو محمد، الحسين بن مسعود بن محمد، المعروف بابن الفرَّاء البغوي، الشافعي، كان إماما في التفسير، والحديث، والفقه، صاحب التصانيف كـ"شرح السنة"، و"معالم التنزيل"، وغيرهما، كان زاهدا قانعا باليسير، توفي سنة ست عشرة وخمسمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 19، ص 439 - 442، وطبقات المفسرين للسيوطي ص 49، 50، وطبقات المفسرين للداودي ج 1، ص 157 - 159.
(5)
انظر: معالم التنزيل ج 1/ ص 211.
ولكن الأظهر -والله أعلم- أن يكون التوكيد كما ذكره الشوكاني، ومن قال بقوله؛ لأن لفظ الحولين موهم، إذ يدل على تمامهما كما يدل على ما دونهما.
أما قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فإنه لا يوهم، فالتوكيد فيه توكيد للكلام كما يقول القائل: سمعته بأذني، ورأيته بعيني
(1)
، وليس الأمر كذلك في التأكيد بكاملين.
والتأكيد بكاملة إنما جاء لغرض الاهتمام، فجاءت كاملة صفة مؤكدة لعشرة؛ فإن الوصف قد يكون للتأكيد إذا أفاد الموصوف معنى ذلك الوصف نحو إلهين اثنين، والتأكيد إنما يصار إليه إذا كان الحكم المؤكد مما يهتم بشأنه، والمحافظة عليه، والمؤكد ههنا رعاية هذا العدد في الصوم، أكده لبيان أن رعايته من المهمات التي لا يجوز إهمالها البتة
(2)
.
أو أن قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} دل على الأمر وإن كان مخرج الكلام مخرج الخبر، والمعنى: تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها؛ لأنه فرض عليكم صومها
(3)
.
بينما كاملين في مدة الرضاع هي لبيان حد الرضاع، ولا يلزم إتمام الحولين؛ بدليل قوله تعالى:{لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} وليس الإتمام حتما بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه
(4)
.
28 - لا تجب المتعة للمطلقة بعد التسمية وقبل الدخول
(5)
.
(1)
ذكر ابن جرير الطبري هذا القول ضمن خمسة أقوال - منها: كاملة من الهدي، أو كملت لكم أجر من أقام على إحرامه، ولم يحل، ولم يتمتع تمتعكم بالعمرة إلى الحج- في معنى: كاملة ثم رجح أن يكون المعنى تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها؛ وذلك أنه جل ثناؤه قال فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ثم قال تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج فأخرج ذلك مخرج الخبر ومعناه الأمر بها. انظر: جامع البيان ج 3/ ص 436.
(2)
انظر: روح البيان ج 1/ ص 315.
(3)
انظر: جامع البيان ج 3/ ص 436.
(4)
انظر: فتح القدير ج 1/ ص 245.
(5)
وهو استنباط فقهي.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}
…
الآية. فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة؛ لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
أن المتعة لا تجب للمطلقة بعد التسمية وقبل الدخول.
ووجه الاستنباط: أن الله ذكر المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول عقب المطلقة قبل الدخول وقبل التسمية وهو قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ
…
قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
…
(236)} [البقرة: 236]؛ فأوجب لها نصف المفروض لها من المهر، ولم يأمر لها بالمتاع، فدل بدلالة مفهوم التقسيم أن المتعة لا تجب لها (أي: للمطلقة -قبل البناء- المفروض لها).
قال البيضاوي: ({فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أي: فلهن، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن. وهو دليل على أن الجناح المنفي تبعة المهر
(3)
، وأن لا متعة مع التشطير؛ لأنه قسيمها)
(4)
.
ويمكن أيضا أن يقال بعدم وجوب المتعة بدلالة عدم الذكر؛ لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة، ولو كانت واجبة لذكرها، فلما لم يذكرها لم تكن واجبة.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 253.
(2)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) جواز هبة المشاع-وهو الشيء المشترك بين اثنين فأكثر، فلكل واحد جزء شائع، متفرق وممتزج، في جميع أجزاء هذا الشيء، ولا يتميز إلا بالقسمة- فيما ينقسم، وما لا ينقسم؛ لأن الله أباح تمليك نصف الصداق، ولم يفرق بين العين والدين وما لا يحتمل القسمة، وغيره. انظر: الإكليل ج 1/ ص 433.
2) تعيين المهر إلى الزوج، لا إلى الزوجة؛ لقوله:{وَقَدْ فَرَضْتُمْ} . انظر هذا الاستنباط وغيره في تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 173 وما بعدها.
(3)
أي: لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهرا، إذ لو كانت ممسوسة فعليه المسمى أو مهر المثل، ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمي لها فلها نصف المسمى. انظر: أنوار التنزيل ج 1/ ص 533.
(4)
أنوار التنزيل ج 1/ ص 534.
وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وابن العربي، البيضاوي، وابن جزي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي، والشربيني، وابن عاشور.
(1)
.
وممن خالف في ذلك: الطبري؛ إذ رجح أن لكل مطلقة متعة بدليل عموم قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)} [البقرة: 241] فقال: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره قال: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)} فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة، ولم يخصص منهن بعضا دون بعض، فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها.
فإن قال قائل: فإن الله - تعالى ذكره- قد خصص المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضا لها بقوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} إذ لم يجعل لها غير النصف الفريضة، قيل: إن الله تعالى ذكره إذا دل على وجوب شيء في بعض تنزيله؛ ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه الكفاية عن تكريره حتى يدل على بطول فرضه، وقد دل بقوله:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} على وجوب المتعة لكل مطلقة، فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة، وليس في دلالته على أن للمطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها دلالة على بطول المتعة عنه؛ لأنه غير مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة، فلما لم يكن ذلك محالا في الكلام؛ كان معلوما أن نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة
(2)
.
وذكر الشنقيطي دليلا آخر على أن لها المتعة مع نصف المهر، فقال: وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضا لها، وذلك في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)} [الأحزاب: 49]؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها
(3)
.
(1)
انظر: أحكام القرآن ج 2/ ص 142، وأحكام القرآن لابن العربي ج 1/ ص 249، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 534، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 85، وتفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 210، واللباب في علوم الكتاب ج 4/ ص 213، 214، والسراج المنير ج 1/ ص 178، والتحرير والتنوير ج 2/ ص 441.
(2)
انظر: جامع البيان ج 4/ ص 301، 302.
(3)
انظر: أضواء البيان ج 1/ ص 144.
وقول المخالفين له وجه، لكن الأظهر -والله أعلم- ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله؛ لأمور:
الأول: توجيه العموم في قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)} يكون من وجهين:
أحدهما: أن متعة المطلقة قبل الدخول وبعد التسمية نصف المهر المسمى-وكفى به متاعا- إذ المتاع هو كل ما ينتفع به.
قال ابن عمر رضي الله عنهم: لكل مطلقة متعة إلا التي يطلقها ولم يدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا
(1)
.
وقال الجصاص: فإن قيل قال الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)} وذلك عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل؛ قيل له: هو كذلك إلا أن المتاع اسم لجميع ما ينتفع به قال الله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)} [عبس: 31، 32] فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به، فمتى أوجبنا للمطلقات شيئا مما ينفع به من مهر أو نفقة، فقد قضينا عهدة الآية فمتعة التي لم يدخل بها نصف المهر المسمى، والتي لم يسم لها على قدر حال الرجل، وللمدخول بها تارة المسمى، وتارة المثل إذا لم يكن مسمى، وذلك كله متعة، وليس بواجب إذا أوجبنا لها ضربا من المتعة أن توجب لها سائر ضروبها لأن قوله تعالى وللمطلقات متاع إنما يقتضي أدنى ما يقع عليه الاسم
(2)
.
ثانيهما: أن المطلق في قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)} يحمل على المقيد في قوله: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ
…
قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
…
(236)}.
(1)
أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في متعة الطلاق، رقم: 1188، ج 2/ ص 573، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب: الصداق، باب المتعة، رقم: 14268، ج 7/ ص 257. وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر، وعبد بن حميد انظر: ج 1/ ص 740.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 2/ ص 141، 142. وانظر مثله في أحكام القرآن لابن العربي ج 1/ ص 249.
قال السعدي: (وقيل: إن المتعة واجبة على كل مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية- يعني: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)} -، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة)
(1)
.
الثاني: أن في ذكر نصف المهر للمطلقة قبل الدخول وبعد التسمية عقب ذكر المتعة للمطلقة قبل الدخول وقبل التسمية دليلا على اختصاص المتعة بالثانية.
قال ابن كثير: (وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول فانه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها، لاسيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الآية والله أعلم)
(2)
.
الثالث: إذا كانت المتعة لجبر إيحاش الطلاق؛ فنصف المهر يجبره.
ولكن الأحوط الأخذ بعموم قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)} ، وقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)} .
قال الشنقيطي: والأحوط الأخذ بالعموم. وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر
مقدم على الدال على الإباحة
(3)
.
29 - الغرفة من الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش
(4)
.
(1)
تيسير الكريم الرحمن ص 106.
(2)
تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 210.
(3)
انظر: أضواء البيان ج 1/ ص 144.
(4)
وهو استنباط في الرقائق، وهو أيضا استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص القرآن).
قال الشوكاني رحمه الله: (والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى. ورخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وفيه أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني أن غرفة الماء تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية.
ووجه الاستنباط: أن الله أخبر عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، أنه قال: إن الله مختبركم بنهر، فمن شرب منه فليس مني أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، أي فلا بأس عليه
(2)
؛ فرخص لهم في الغرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع؛ فدل ذلك على أن الغرفة تكف سورة العطش عند الصابرين على شظف العيش، الدافعين أنفسهم عن الرفاهية.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، والقنوجي.
(3)
.
وفي هذا الاستنباط حث على الزهد في الدنيا، وتنبيه على أن القليل منها يكفي.
قال القرطبي: (وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش، الذين همهم في غير الرفاهية، كما قال عروة
(4)
: وأحْسُو قَرَاح الماء والماء بارد
(5)
. قلت: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حسب المرء لقيمات يقمن صلبه")
(6)
.
(7)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 265.
(2)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 235.
(3)
انظر: المحرر الوجيز ص 225، والجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 239، وفتح البيان ج 2/ ص 78.
(4)
هو عروة بن الورد بن زيد، من شعراء الجاهلية، وفارس من فرسانها، قال الحطيئة: كنا نأتم بشعر عروة بن الورد. انظر: الأغاني ج 3/ ص 72.
(5)
وصدر البيت: أُقَسِّم جسمي في جسوم كثيرة .... وأحسو قراح الماء والماء بارد. قال المرزوقي في شرحه: وقوله: أُقَسِّم: أراد قوت جسمي وطعمته، لأني أوثر به الغير على نفسي، وأجتزئ بحسو الماء القراح، وهو البحت الذي لا يخالطه شيء من اللبن وغيره، والماء بارد أي: والشتاء شات والبرد متناه. انظر: شرح ديوان الحماسة، ج 4/ ص 1654.
(6)
والحديث رواه المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس" رواه أحمد في مسنده ج 4/ ص 132، وابن ماجه في السنن -واللفظ له- في كتاب: الأطعمة، باب: الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع، رقم: 3349، ج 2/ ص 1111. والترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل، رقم: 2380، ج 4/ ص 590، والنسائي في السنن الكبرى رقم: 6768، 6770، ج 4/ ص 177، 178، وابن حبان في صحيحه، رقم: 674، ج 2/ ص 449، وصححه الحاكم في المستدرك، رقم: 7945، ج 4/ ص 367، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(7)
الجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 239.
وفي: (غرفة) قراءتان: فقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: غَرفة بيده، بفتح الغين، والباقون بضمها
(1)
. وما كان باليد فهو غَرفة بالفتح، وما كان بإناء فهو غُرفة بالضم
(2)
.
والغَرفة أي: مرة واحدة باليد، وهي المد، والغُرفة: ما تحمله اليد، أو المغروف
(3)
.
أو الغَرفة: ما كان بيد واحدة، والغُرفة: ما كان بيدين. أو أنهما لغتان بمعنى واحد
(4)
.
وهذا الاستنباط يستقيم على القراءتين؛ إذ هما دالتان على القلة، إلا أنه- والله أعلم- على قراءة الفتح أظهر، وذلك على توجيهها بأنها بالكف الواحد. لأن فيها مزيد قلة.
30 - يقال للماء طعام
(5)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} يقال: طعمت الشيء، أي: ذقته، وأطعمته الماء أي أذقته. وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام)
(6)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(7)
رحمه الله من الآية أن الماء يقال له طعام.
(1)
انظر: النشر ج 2/ ص 230، وإتحاف فضلاء البشر ج 1/ ص 207، والبدور الزاهرة ج 1/ ص 123.
(2)
انظر: الكتاب المختار في معاني قراءات أهل الأمصار ج 1/ ص 111، والحجة في القراءات السبع لابن خالويه ج 1/ ص 99، وحجة القراءات لابن زنجلة ج 1/ ص 140.
(3)
انظر: الكتاب المختار ج 1/ ص 111، ومفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني للكرماني ص 120، وحجة القراءات ج 1/ ص 140.
(4)
انظر: الكتاب المختار ج 1/ ص 111، 112.
(5)
وهو استنباط لغوي.
(6)
فتح القدير ج 1/ ص 265.
(7)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) في الآية دليل على القول بسد الذرائع. ووجهه: أن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم. انظر: المحرر الوجيز ص 225، والجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 240. وإنما يستقيم هذا الاستنباط على تفسير يطعمه بمعنى يذقه، ولا يستقيم على تفسيره بيشربه كما هو تفسير البغوي في معالم التنزيل ج 1/ ص 231.
2) الرد على الجبرية؛ لقوله: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ} ، وقوله:{اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} حيث أضاف الفعل إليهم.
3) ينبغي للقائد أن يتفقد الجند؛ لقوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} أي مشى بهم، وتدبر أحوالهم، ورتبهم. انظر هذين الاستنباطين وغيرهما من الاستنباطات النافعة في تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ 222 - 228.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} فجعله مطعوما؛ فدل ذلك بدلالة تسمية القرآن له مطعوما على أن الماء يقال له طعام.
وقد أكد الشوكاني هذا المعنى المستنبط عند تفسيره لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: من الآية 93]؛ فقال: (أي: من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر، لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي})
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي.
(2)
. وأشار إليه القصاب
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 74.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 263، والجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 240، والبحر المحيط ج 2/ ص 422، والإكليل ج 1/ ص 439، وفتح البيان ج 2/ ص 78.
(3)
عند قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)} [المائدة: 93] فقال: ({لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} دليل على أن من حلف أن لا يطعم شيئا لوقت، فشرب شرابا أنه يحنث؛ لأن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها، ويؤيده قوله سبحانه -في سورة البقرة إخبارا عن طالوت-: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)}). نكت القرآن ج 1/ ص 319.
ومما ينبني على هذا الاستنباط قول من قال: إن في الماء الربا؛ لأنه إن كان طعاما؛ كان قوتا لبقائه واقتيات البدن به؛ فوجب أن يجري فيه الربا. وهو الصحيح من المذهب المالكي كما قال ابن العربي
(1)
، وهو أحد الوجهين عند الشافعية
(2)
.
قال ابن العربي: ولمَ لا يجري فيه الربا وهو أجل الأقوات؟ وإنما هان؛ لعموم وجوده، وإنما عمم الله تعالى وجوده بفضله؛ لعظيم الحاجة إليه، ومن شرفه على سائر الأطعمة أنه مهيأ مخلوق على صفة لا صنعة لأحد فيها لا أولا ولا آخرا
(3)
.
وخالف ابن الفرس بقوله: ولا حجة في الآية؛ لأن الطعام فيها بمعنى الذوق، وإثبات الطعم له، أو نفيه عنه لا يثبت له أنه طعام
(4)
.
وكلا القولين معتبر له دليله. واستنباط الشوكاني بأن الماء طعام صحيح، ويؤيده دليلان:
أولهما: قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)} [المائدة: 93]؛ فإن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها
(5)
؛ فدل على أن الطعام يشمل الأكل والشرب معا.
(1)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 1/ ص 263.
(2)
في المجموع شرح المهذب: وأما الماء إذا قلنا بالمذهب: أنه مملوك يصح بيعه، فهل يحرم فيه الربا؟ فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما، أصحهما: يحرم. هكذا صححه إمام الحرمين، والرافعي، والجمهور، وهو الصواب، ولا يغتر بتصحيح صاحب الانتصار الإباحة، فإنه شاذ ضعيف. فإن قيل: لو كان مطعوما لم يجز الاستنجاء به، قلنا: ثبتت الأحاديث في جواز الاستنجاء به؛ فصار مستثنى. انظر: ج 9/ ص 383.
(3)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 263.
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 382.
(5)
انظر: أسباب نزول القرآن للواحدي ص 361. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة؛ فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا فنادى، فقال أبو طلحة: أخرج فانظر ما هذا الصوت، قال: فخرجت فقلت: هذا منادي ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} ". أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: صب الخمر في الطريق، رقم: 2332، ج 2/ ص 869، وفي كتاب: التفسير، باب:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} ، رقم: 4344، ج 4/ ص 1688. وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر، وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر، رقم: 1980، ج 3/ ص 1570.
قال القصاب: ({لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} دليل على أن من حلف أن لا يطعم شيئا لوقت، فشرب شرابا أنه يحنث؛ لأن الآية نزلت في الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها)
(1)
.
وثانيهما: حديث ابن عمر رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه؟ إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه"
(2)
.
فسمى النبي صلى الله عليه وسلم اللبن طعاما وهو مشروب، فكذلك الماء
(3)
.
31 - محاجة الذي حاج إبراهيم عليه السلام كفر
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقال سبحانه: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ إشعار بأن تلك المحاجة كفر)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(6)
رحمه الله أن محاجة الذي حاج إبراهيم عليه السلام كانت كفرا.
(1)
نكت القرآن ج 1/ ص 319.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب: اللقطة، باب: تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها، رقم: 1726، ج 3/ ص 1352.
(3)
انظر: المغني ج 10/ ص 52.
(4)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء)، ويجوز أن يكون استنباطا عقديا.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 278.
(6)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا. انظر: أحكام القرآن للكيا ج 1/ ص 225، والجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 273.
2) الآية أصل في علم الجدل والمناظرة. انظر: أحكام القرآن للكيا ج 1/ ص 225، والجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 273، والإشارات الإلهية ج 1/ ص 358، والإكليل ج 1/ ص 440، والتحرير والتنوير ج 2/ ص 507.
3) الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان حر: يهتدي بنفسه، ويضل بنفسه. ووجه الاستنباط أن الله قال:{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)} فنسب الهداية إليه. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 285.
…
4) من أخذ بالعدل كان حريا بالهداية. ووجه الاستنباط: مفهوم المخالفة في قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)} ؛ فإذا كان الظالم لا يهديه الله؛ فصاحب العدل حري بالهداية. انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 286. وانظر غيرها من الاستنباطات النافعة للشيخ في تفسيره ص 281 - 286.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال عن - ملك بابل
(1)
- الذي حاج إبراهيم عليه السلام:
…
{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} - يعني: انقطع، وبطلت حجته
(2)
-، ولم يقل: فبهت الذي حاج؛ فدل إيراد الكفر في حيز الصلة، وإظهار ذلك في موضع الإضمار على كون المحاجة كفرا
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، البروسوي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عثيمين، والهرري.
(4)
.
وفائدة هذا الاستنباط: التنبيه على أن المحاجة بالباطل كفر. ويؤيده قوله تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: من الآية 56]. فالذين كفروا هم الذين يحاجون بحجج باطلة. فالآية وإن كانت أصلا في جواز المجادلة، والمناظرة
(5)
، لكن التنبه لهذا المعنى المستنبط مهم للتفريق بين ما يجوز وما لا يجوز من الجدل.
(1)
هو النُمْرُود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح. ويقال: نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. والأول قول مجاهد وغيره. انظر: جامع البيان ج 4/ ص 568 - 570، و تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 254. وفي نمرود وجهان: بالمهملة، كما في تاريخ الأمم والملوك ج 1/ ص 172، والبداية والنهاية ج 1/ ص 342. وبالمعجمة كما في لسان العرب ج 3/ ص 516.
(2)
انظر تفسيرها في جامع البيان ج 4/ ص 570، والمحرر الوجيز ص 234.
(3)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 252، وروح المعاني ج 3/ ص 19، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 285.
(4)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 252، وروح البيان ج 1/ ص 416، وروح المعاني ج 3/ ص 19، وفتح البيان ج 2/ ص 103، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 285، وحدائق الروح والريحان ج 4/ ص 38.
(5)
قال القرطبي: (وتدل على إثبات المناظرة، والمجادلة، وإقامة الحجة. وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)} [البقرة: من الآية 111]، {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} [يونس: من الآية 68] أي: من حجة. وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه، ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة الأنبياء وغيرها، وقال في قصة عليه السلام:{قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: من الآية 32] الآيات إلى قوله: {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)} [هود: من الآية 35] وكذلك مجادلة موسى عليه السلام مع فرعون إلى غير ذلك من الآي، فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل، وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة على ما يأتي بيانه في آل عمران، وتحاج آدم عليه السلام وموسى عليه السلام فغلبه آدم عليه السلام بالحجة، وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة، وتدافعوا، وتقرروا، وتناظروا حتى صدر الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر رضي الله عنه في أهل الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله عز وجل:{فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: من الآية 66] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر). الجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 273.
وقال ابن عاشور: والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصب وترويج الباطل. انظر: التحرير والتنوير ج 2/ ص 507.
ومما ينبني على هذا الاستنباط إثبات أن من جحد الله فهو كافر، فإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم
(1)
؛ لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر
(2)
.
32 - فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس. وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتخبطه الشيطان كما أخرجه النسائي وغيره
(4)
(5)
.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 252، وروح البيان ج 1/ ص 416، وروح المعاني ج 3/ ص 19.
(2)
انظر: تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 285.
(3)
وهو استنباط فائدة علمية.
(4)
يقصد حديث أبي اليسر كعب بن عمرو السَّلمي رضي الله عنه، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم، والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً". أخرجه النسائي في سننه، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من التردي والهدم، رقم الحديث: 5531، ج 8/ ص 282، وأبو داود في سننه، كتاب: الصلاة، باب في الاستعاذة، رقم الحديث: 1552، ج 2/ ص 92، وأحمد ج 3/ ص 427، والطبراني رقم الحديث: 381، ج 19/ ص 170، والحاكم في المستدرك، كتاب: الدعاء والتهليل والتسبيح والذكر، رقم الحديث: 1948، ج 1/ ص 713، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 295.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله من الآية أن الشيطان يسلك في الإنسان، وأن الصرع يكون من جهة الجن، وأن في الآية ما يرد قول من قال بخلاف ذلك كالمعتزلة
(2)
الذين أنكروا قدرة الشيطان على أن يمس الإنسان ويصرعه
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله -جل ثناؤه- أخبر أن الذين يربون الربا في الدنيا، لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. يعني بذلك: يتخبله الشيطان في الدنيا، وهو الذي يتخنقه فيصرعه {مِنَ الْمَسِّ} يعني: من الجنون
(4)
؛ فدل ذلك بدلالة التضمن على أن الشيطان يسلك في الإنسان فيصرعه، والصرع يكون من جهة الجن.
(1)
واستنبط غيره مناسبة هذه الآية لما قبلها، فقالوا: وجه مناسبتها لما قبلها التضاد بين الصدقة والربا، فهذه الآية تقدمها حديث الصدقة، والصدقة نقص من المال، والربا زيادة فيه، فالنفوس تحبه وتكره الصدقة؛ فجاءت الآية ردّا عليهم، وإشعارا بأن ذلك النقص زيادة، وتلك الزيادة نقص. انظر: التفسير الكبير ج 7/ ص 74، 75، والبحر المحيط ج 2/ ص 534، وتفسير ابن عرفة ج 1/ ص 354.
ويجوز أن تكون المناسبة أن ما قبلها وارد في تفضيل الإنفاق والصدقة في سبيل الله، وأنه يكون من طيب ما كسب، ولا يكون من الخبيث، فذكر نوع عليهم في الجاهلية، وهو خبيث، وهو الربا، حتى يمتنع من الصدقة بما كان من ربا. انظر: البحر المحيط ج 2/ ص 534.
(2)
المعتزلة فرقة نشأت في أواخر العصر الأموي، تعتمد على العقل المجرد في فهم العقيدة، حرروا مذهبهم في خمسة أصول: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. من عقائدهم الباطلة: استحالة رؤية الله، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم، وأنه ليس لله عز وجل في أكسابهم، ولا في أعمار سائر الحيوانات صنع ولا تقدير؛ ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية. انظر: الفرْق بين الفِرَق ص 94 ومابعدها، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ج 1/ ص 64 - 75.
(3)
قال الجبائي المعتزلي: الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه، وهذا باطل؛ لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم. نقله الرازي في التفسير الكبير ج 7/ ص 78.
وقال القاضي عبد الجبار: إن مس الشيطان إنما هو بالوسوسة، ولو كان يقدر على الخبط لصرف همته إلى العلماء والزهاد وأهل العقول. انظر: تنزيه القرآن عن المطاعن ص 54.
(4)
انظر: جامع البيان ج 5/ ص 38، 39.
وقد جاءت السنة بإثبات ذلك، ومن ذلك الحديث الذي استدل به الشوكاني:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم، والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً"
(1)
.
فقوله صلى الله عليه وسلم: "أن يتخبطني" فيه دلالة واضحة على المس الحقيقي.
وكذلك التخبط المذكور في الآية هو مس حقيقي، قال ابن عاشور:(وإنما احتيج إلى زيادة قوله: {مِنَ الْمَسِّ} ليظهر المراد من تخبط الشيطان، فلا يُظن أنه تخبط مجازي بمعنى الوسوسة).
ومن أدلة السنة أيضا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم"
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، وأبو زهرة، وابن عثيمين، والهرري.
(3)
.
وخالف الزمخشري، قال:(وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع)
(4)
.
وممن تبعه على هذا من المفسرين: البيضاوي، والشربيني، وأبو السعود، والمراغي.
(5)
.
واستدل المخالفون لما ذهبوا إليه بأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم، وقالوا: يدل عليه وجوه:
أحدها: قوله تعالى: - حكاية عن الشيطان-: {وَمَا كَانَ
…
لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: من الآية 22] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء.
والثاني: الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم، أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول؛ وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر، ثم لا يرى؛ لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال، ونحن لا نراها، ولأنه لو كان جسما كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان. وأما إن كان جسما لطيفا كالهواء فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الإنسان ويقتله.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب: الاعتكاف، باب: زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، رقم الحديث: 1933، ج 2/ ص 717، ومسلم في كتاب: السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليا بامرأة وكانت زوجة أو محرما له أن يقول: هذه فلانة؛ ليرفع ظن السوء به، رقم الحديث: 2174، ج 4/ ص 1712.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 337، وفتح البيان ج 2/ ص 139، ومحاسن التأويل ج 2/ ص 220، والتحرير والتنوير ج 2/ 550، وزهرة التفاسير ج 2/ 1042، وتفسير سورة البقرة ج 3/ ص 376، وحدائق الروح والريحان ج 4/ ص 103.
(4)
الكشاف ج 1/ ص 347.
(5)
انظر: أنوار التنزيل ج 1/ ص 574، والسراج المنير ج 1/ ص 212، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 266 وتفسير المراغي ج 3/ 59، 60.
الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل؛ لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء عليه السلام، وذلك يجر إلى الطعن في النبوة.
الرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين؟ ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان؟ ولم لا يغصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويفشي أسرارهم، ويزيل عقولهم؟.
إبطال أدلة المنكرين من عدة وجوه:
الأول: السلطان المنفي في الآية الكريمة إنما هو القهر والإلجاء إلى متابعته، أو الحجة والبرهان، وليس هو التعرض للإيذاء النفسي والبدني، فهذا حاصل للإنسان من قبل الشيطان، فيكون معنى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ
…
لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}: وما كان لي من تسلط عليكم بإظهار الحجة والبرهان على ما وعدتكم به وزينته لكم إلا أن دعوتكم وأغويتكم.
الثاني: قولهم بأن الجن أجسام لطيفة ليس فيها قوة وصلابة فلا تقدر على صرع الإنسان وقتله باطل؛ لأنه لم يدل دليل عقلي ولا نقلي على امتناع ذلك، ثم إن الجن له قدرة وسرعة على التحول والتشكل بإذن الله تعالى في صور كثيرة.
يقول القرطبي: إذا كانت أجسام الجن رقيقة، فإن العقل لا يحيل سلوكهم في الإنسان، وإذا كانت كثافاً، فإنه يصح دخول الجن في الإنسان أيضاً كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الديدان قد تكون في ابن آدم وهي أحياء
(1)
.
الثالث: القول بأن الشيطان إذا كانت له قدرة على الصرع فمعنى ذلك أنه أتى مثل معجزات الأنبياء، وهذا قدح في النبوة باطل، وبيان ذلك: أن أهل الضلال والبدع تظهر على أيديهم خوارق شيطانية، ومن هؤلاء السحرة والكُهان، وهذا ثابت بالحس والمشاهدة، ولم يؤد ذلك إلى الطعن في النبوة، وإبطال المعجزة والمساواة في الحد والحقيقة بين معجزات الأنبياء وأفعال السحرة والمشعوذين أمر معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام.
الرابع: إن قول المنكرين صرع الجن للإنسان بأنه لو كان قادراً على ذلك، لصرع جميع المؤمنين، ولصرف همته إلى العلماء والزهاد، ولسرق أموالهم وأفسد أحوالهم، باطل لأن الشيطان يصرع ويؤذي من شاء الله تعالى له ذلك، فلا يستقل في الفعل بإرادته ومشيئته، فالأمر كله بيد الله عز وجل، فمن شاء الله تعالى له الضرَّ أضره الشيطان.
(2)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 50.
(2)
انظر أدلتهم وإبطالها في: أدلة المنكرين والرد عليها في الأدلة الشرعية في إثبات صرع الشيطان للإنسان، والرد على المنكرين ص 16 - 21.
والحق بلا شك ما قاله الشوكاني، ومن قال بقوله.
قال ابن تيمية: وجود الجن ثابت بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} وفي الصحيح عن النبي: أن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم
(1)
. وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع، فقال: يا بنى يكذبون، هذا يتكلم على لسانه.
وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل، فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرا عظيما، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب ولا بالكلام
…
وليس في الأدلة الشرعية ما ينفى ذلك
(2)
.
ويتنبه إلى أن للصرع نوعان. قال ابن القيم: الصرع صرعان:
صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية
وصرع من الأخلاط الرديئة.
والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة، وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطتهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطيبة ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به.
إلى أن قال: وبالجملة: فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما كان عرياناً فيؤثر فيه هذا
(3)
.
ويتنبه إلى أن قول الشوكاني: (وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع) لا يلزم منه القول بأنه ينكر نوع الصرع الذي يكون من الطبائع؛ لأن قوله هذا إنما جاء في معرض الرد على المنكرين النافين بالجملة كون الصرع من جهة الجن، فاقتضى المقام إثبات ما أنكروه، ولا يلزم من ذلك نفيه للنوع الثاني من الصرع، والله أعلم.
(1)
تقدم تخريجه قريبا.
(2)
انظر: مجموع الفتاوى ج 24/ ص 276، 277.
(3)
انظر: زاد المعاد ج 4/ ص 66 ومابعدها.
33 - أموال المرابين مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم
(1)
.
قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} البقرة: 279.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ} أي: من الربا، {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} تأخذونها لا تظلِمون غرماءكم بأخذ الزيادة، ولا تُظلمون أنتم من قبلهم بالمطل والنقص
…
وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله من الآية أن أموال المرابين مع عدم توبتهم حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى جعل للمرابين التائبين رؤوس أموالهم يأخذونها، لا يظلمون غرماءهم بأخذ الزيادة، ولا يظلمهم الغرماء بنقصان رؤوس أموالهم أو بالمطل؛ فدل بمفهوم المخالفة -مفهوم شرط- أنهم إن لم يتوبوا فأموالهم ليست لهم، بل هي حلال لمن أخذها من الأئمة، ونحوهم ممن ينوب عنهم.
وفي حكم أموال المرابين حال عدم توبتهم تفصيل:
فإن أنكروا حرمة الربا: فهم مرتدون، وما لهم المكسوب في حال الردة فيء للمسلمين عند الإمام أبي حنيفة، وكذا سائر أموالهم عند الشافعي
(4)
، فما داموا على استحلال الربا؛ كان ما لهم فيئا ليس لهم
(5)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 297.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) في الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا، فما مضى منهم وقت الكفر فلا يفسخ، فالأنكحة التي جرت في الشرك لا تتعقب بالنقض بعد انبرامها، كما في البيع بعد الانبرام. انظر: أحكام القرآن للكيا ج 1/ ص 236، وأحكام القرآن لابن الفرس ج 1/ ص 412، وأنوار التنزيل ج 7/ ص 86، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 3/ ص 544.
2) القياس يهدمه النص؛ لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه، فأنكر تسويتهم. انظر: أنوار التنزيل ج 1/ ص 575، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 94.
(4)
انظر: الأم ج 8/ ص 363.
(5)
انظر: تفسير القرآن العزيز للسمعاني ج 1/ ص 281 الكشاف ج 1/ ص 350، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 577، والبحر المحيط ج 2/ ص 546.
وقال أبو السعود، والآلوسي: وعندنا هو لورثتهم ولا شيء لهم على كل حال
(1)
.
وإن اعتقدوا حرمته: فإن كان لهم شوكة -أي: امتنعوا عن الإمام-؛ فهم على شرف القتل لم يكد تسلم لهم رءوسهم، فكيف برءوس أموالهم.
وإن لم تكن لهم شوكة؛ يستتابون وإلا قتلوا.
قال ابن عباس رضي الله عنه قال: "فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه"
(2)
.
(1)
أبو السعود والآلوسي حنفيان، ولعل المقصود بقولهما:(عندنا) الأحناف. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: سئل أبو حنيفة -رحمة الله تعالى عليه- عن المرتد عن الإسلام إذا اكتسب مالا في ردته، ثم قتل على الردة، فقال: ما اكتسب في بيت المال؛ لأن دمه حلال، فحل ماله.
وقال أبو يوسف -رحمه الله تعالى-: ماله المرتد الذي كان في دار الإسلام، والذي اكتسب في الردة ميراث بين ورثته المسلمين، وبلغنا عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أنهم قالوا: ميراث المرتد لورثته المسلمين. وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: إنما هذا فيما كان له قبل الردة. وقال أبو يوسف: هما سواء، ما اكتسب المرتد في الردة، وقبل ذلك لا يكون فيئا. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: كل ما اكتسب المرتد في ردته، أو كان له قبل الردة سواء، وهو فيء؛ لأن الله تبارك وتعالى منع الدماء بالإسلام، ومنع الأموال بالذي منع به الدماء، فإذا خرج الرجل من الإسلام إلى أن يباح دمه بالكفر كما كان يكون مباحا قبل أن يسلم، يباح معه ماله، وكان أهون من دمه؛ لأنه كان ممنوعا تبعا لدمه، فلما هتكت حرمة الدم؛ كانت حرمة المال أهتك وأيسر من الدم. انظر: الأم ج 8/ ص 363.
وقال الذهبي: هذه اللفظة (وعندنا) تدل بوضوح على أن الآلوسي كان حنفي المذهب، وما أكثر مثل هذا التعبير في تفسيره، مما يجعلنا لا نميل إلى ما نقلناه سابقا من أنه كان شافعيا يقلد أبا حنيفة في كثير من المسائل). التفسير والمفسرون ج 1/ ص 359. ومما يؤكد أن لفظة عندنا يقصد بها الأحناف أن الآلوسي لما ذكر الخلاف الدائر حول البسملة ذكر أقوال أصحاب المذاهب غير أبي حنيفة، ثم قال: ومذهبنا. انظر: منهج الشيخ الألوسي في تفسيره روح المعاني، عبد الله جنيد، ص 26، 27.
ولعل أبو السعود والآلوسي تبعا رأي أبي يوسف في هذه المسألة باعتبار أن منكر حرمة الربا مرتد.
(2)
أخرجه الطبري في جامع البيان ج 5/ ص 52، وابن أبي حاتم في تفسيره ج 2/ ص 550، وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر في الدر المنثور ج 2/ ص 108.
وعند غيره يحبسون، ويعاقبهم الإمام بمقدار ما يستحقون من التعزير والردع، فلا يمكنون من التصرفات أصلا، فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شيء من أموالهم، بل إنما يسلم بموتهم لورثتهم
(1)
.
(2)
.
ومفهوم الآية دال على أن أموال المرابين حال عدم توبتهم ليست لهم، فيحل للإمام أن ينزعها، سواء جُعِل في بيت مال المسلمين، أو سلم بموتهم لورثتهم المسلمين، على الخلاف المتقدم.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي
(3)
. كما أشار السمعاني، والبيضاوي إلى أن المرابين ماداموا على استحلال الربا؛ كان مالهم فيئا ليس لهم
(4)
.
34 - وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه
(5)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ
…
الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ
…
وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)} البقرة: 282.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 1/ ص 268، وروح المعاني ج 3/ ص 53، وروح البيان ج 1/ ص 443.
(2)
انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 2/ ص 192، وإرشاد العقل السليم ج 1/ ص 268، وروح المعاني ج 3/ ص 53، وحدائق الروح والريحان ج 4/ ص 108.
(3)
انظر: فتح البيان ج 2/ ص 143.
(4)
انظر: تفسير القرآن العزيز ج 1/ ص 281، وأنوار التنزيل ج 1/ ص 577.
(5)
وهو استنباط فائدة علمية.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} ما تحتاجون إليه من العلم. وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه. ومنه قوله تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: من الآية 29]
(1)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بتقواه ثم أعقبها بتعليمه لعباده؛ فدل اقتران الجملتين على مناسبة بينهما هي وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه.
قال ابن عاشور: (وقوله: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} تذكير بنعمة الإسلام
…
وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم)
(4)
.
أو دلت الآية على هذا المعنى بدلالة الالتزام.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكلٌ من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علَّمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتقاه زاده من العلم، وهلم جرا)
(5)
.
(1)
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 303.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات كثيرة، منها:
1) مناسبة ختم الآية بقوله: قال الطوفي: (والختم به مناسب لما تضمنته آية الدين من الأحكام الكثيرة، ولقوله: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}؛ لأنه إذا أخبر أنه بكل شيء عليم وثقوا بتعليمه وسكنوا إليه). نقله عنه السيوطي في قطف الأزهار ج 1/ ص 537.
2) جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به؛ فذكر؛ لقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . انظر: الإكليل ج 1/ ص 453، وتيسير الكريم الرحمن ص 119، وتفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 3/ ص 416. ودلالة هذا الاستنباط بمفهوم الموافقة.
3) مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه؛ لأن المقصود من ذلك التوثيق والعدل؛ وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 118. وانظر غيرها من الاستنباطات النافعة للسعدي في تفسيره ص 118، 119.
(4)
التحرير والتنوير ج 2/ ص 582.
(5)
مجموع الفتاوى ج 18/ ص 178.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، والقنوجي، وابن عاشور.
(1)
.
وخالفهم آخرون، منهم: ابن القيم، و ابن جزي.
(2)
.
ووجه مخالفتهم ذكره ابن القيم بقوله: (وأما قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} فليس من هذا الباب بل هما جملتان مستقلتان: طلبية وهي الأمر بالتقوى، وخبرية وهي قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} أي: والله يعلمكم ما تتقون. وليست جوابا للأمر بالتقوى، ولو أريد بها الجزاء؛ لأتى بها مجزومة، مجردة عن الواو، فكان يقول: واتقوا الله يعلمكم، أو إن تتقوه يعلمكم، كما قال: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} فتدبره)
(3)
.
والمعنى الذي استنبطه الشوكاني صحيح دلت عليه الآيات. قال ابن كثير:
({وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} كقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}، وكقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ
…
لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)} [الحديد: 28])
(4)
.
(5)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 3/ ص 386، و تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 297، وفتح البيان ج 2/ ص 154، والتحرير والتنوير ج 2/ ص 582.
(2)
انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 97، و مفتاح دار السعادة ج 1/ ص 172.
(3)
مفتاح دار السعادة ج 1/ ص 172.
(4)
تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 297.
(5)
ونزع بعض العلماء عند تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69] إلى قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} . وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا؛ لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا قال الله تعالى:{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} . انظر: المحرر الوجيز ص 1469، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 324، 325.
والذي يظهر -والله أعلم- أن المخالفين لم يمنعوا صحة المعنى، لكنهم رأوا أن الآية لا تدل عليه صراحة، قال ابن جزي:(ويعلمكم الله إخبار على وجه الامتنان. وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه، وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه؛ لأنه لو كان كذلك؛ لجزم يعلمكم في جواب اتقوا)
(1)
.
فقول المخالفين يصح إذا قلنا إن الآية لا تدل صراحة على هذا المعنى، لكن هذا لا يمنع أن تكون دلالة الآية عليه خفية؛ فيصح عندها هذا المعنى استنباطا.
وكأن هذا المعنى المستنبط دلت عليه الآيات بدلالات متفاوتة في الظهور والخفاء. قال السعدي: (واُستدل بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} أي: علما تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل)
(2)
.
ومما ينبغي التنبه إليه أن التقوى لا تفيد المعرفة بذاتها، إنما تعين على حصول العلم النافع.
قال ابن تيمية: نعم لسنا ننكر أن إماتة الشهوات قد تكون شرطا في صحة النظر مثلما تكون الصحة شرطا في صحة النظر، لا أن إماتة الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها وإن كانت شرطا فيها، كما أن الصحة شرط في العلم، وإن كانت ليست مفيدة له. ومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة -أي النظر والاعتبار- وحث عليها في جملة ما حث، أعني على العمل، لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم
…
العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به؛ لأنه مقصود في نفسه، وهو معين على حصول العلم النافع، كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح، كما أن الشرع أمر بالعلم بالله تعالى؛ لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل الصالح، وعلى علم آخر نافع
(3)
.
فالقول إذاً بصحة هذا الاستنباط لا يجيز قول الصوفية بأن التقوى سبب للعلم، إذ لابد للعلم من التعلم وبذل الجهد في البحث والحفظ، وهذا هو الأصل، أما التقوى فهي سبب من أسباب تحصيل العلم.
قال الشيخ الدوسري: (واعلم أنه لا يلتفت إلى قول الصوفية وأشياعهم-رحمهم الله من أن التقوى تكون سببا للعلم، بل إن التقوى جالبة للعمل، وحسن المراقبة لله، والاستجابة لنداءاته في القرآن. أما العلم فلا يحصل إلا بالتعلم، وبذل الجهد في الحفظ والبحث، ولكن مع حسن النية يسهل الله طريقه ويبارك في معلومات صاحبه، أما زعم الصوفية الحصول على العلم الإلهي بترويض النفس على العبادة السنية والمبتدعة، وقراءة الأوراد والأحزاب؛ فهذا فيه فتح باب للدجل والشعوذة، والقول على الله بغير علم، وهو أشرك من الشرك)
(4)
.
(1)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 97.
(2)
تيسير الكريم الرحمن ص 119.
(3)
انظر: درء التعارض ج 9/ ص 130، 131.
(4)
صفوة الآثار والمفاهيم ج 3/ ص 563.
والشوكاني لم يقل بأن التقوى كافية بذاتها في المعرفة، ولا أنه يستغنى بها عن الطلب وبذل الجهد، إنما عني أن التقوى مما يعين على العلم.
سورة آل عمران
35 - مناسبة ذكر الله رأفته بعباده بعد أن حذرهم نفسه؛ للجمع بين الترهيب والترغيب
(1)
.
قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)} آل عمران: 30.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)} دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله مناسبة ذكر رأفة الله بعباده بعد أن حذرهم -سبحانه-نفسه؛ لبيان أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم، فيكون فيه جمع بين الترهيب والترغيب.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قرن بين التهديد والرأفة، والترهيب والترغيب؛ فقال- مؤكدا ومهددا ومتوعدا-:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} أي: يخوفكم عقابه، وذكر النفس؛ للإيذان بأن له عقابا هائلا
(4)
ثم قال جل جلاله مرجيا لعباده؛ لئلا ييأسوا من رحمته، ويقنطوا من لطفه:{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)}
(5)
، والذي دل على هذا المعنى دلالة الربط بين أجزاء الآية.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 332.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) فائدة تكرار قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} - إذ وردت هنا، وجاءت قبلها في قوله تعالى:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)} [آل عمران: 28]- لاختلاف متعلقهما، فالأول في سياق الوعيد، والثاني في سياق حذر التفويت للخير. انظر: أسرار التكرار في القرآن للكرماني ج 1/ ص 47، وقطف الأزهار ج 1/ ص 580، وحدائق الروح والريحان ج 4/ ص 260.
2) ينبغي استعمال الأسلوب المناسب للحال؛ لأن الله قال هنا: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ، وفي آيات كثيرة يتحبب إلى عباده. تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ج 1/ ص 187.
(4)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 2/ ص 23.
(5)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 336، وحدائق الروح والريحان ج 4/ ص 260.
وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، فأمثال هذه الآية كثير، منها: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)} [البقرة: 235]، وكقوله:{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)} [المائدة: 98].
قال ابن القيم: (ثم عقب ذلك بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}
(1)
أن تتعدوا ما حد لكم؛ فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون، ثم قال:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)} لولا مغفرته وحلمه؛ لعنتم غاية العنت؛ فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه؛ فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار؛ فإنه الغفور الحليم. وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة كقوله تعالى:{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)} )
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والبيضاوي، والنسفي
(3)
، وأبو حيان، وابن جزي، وابن كثير، والقنوجي.
(4)
.
(1)
(2)
جلاء الأفهام ص 174، 175.
(3)
المفسر أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، فقيه، مفسر، أصولي، من فقهاء الحنفية، له مصنفات جليلة منها:"مدارك التنزيل وحقائق التأويل"، "تأويلات القرآن"، توفي سنة عشر وسبعمائة للهجرة. انظر: الأعلام ج 4، ص 67، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 304.
(4)
انظر: المحرر الوجيز ص 290، وأنوار التنزيل ج 2/ ص 27، ومدارك التنزيل ج 1/ ص 232، والبحر المحيط ج 2/ ص 686، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 104، وتفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 336، وفتح البيان ج 2/ ص 218.
ويجوز أن تكون المناسبة بيان أن التحذير رأفة
(1)
، كما قال الحسن: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه
(2)
.
وأيَّد ابن عثيمين هذه الوجه من المناسبة بقوله: (استشكل بعض العلماء إتيان قوله: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)} بعد قوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} . وقال: كان مقتضى الحال أن يقال: ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب؛ لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد. فأجيب عن ذلك: بأن من رأفته عز وجل بالعباد أن حذرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به)
(3)
.
ولا تزاحم بين المناسبات فكلتا المناسبتين جائز.
قال أبو حيان: لما ذكر صفة التخويف وكررها؛ كان ذلك مزعجا للقلوب، ومنبها على إيقاع المحذور، مع ما قرن بذلك من اطلاعه على خفايا الأعمال، وإحضاره لها يوم الحساب، وهذا هو الاتصاف بالعلم والقدرة، اللذين يجب أن يحذر لأجلهما؛ فذكر صفة الرحمة; ليطمع في إحسانه، وليبسط الرجاء في أفضاله، فيكون ذلك من باب ما إذا ذكر ما يدل على شدة الأمر؛، ذكر ما يدل على سعة الرحمة كقوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)} [الأنعام: 165]
(4)
…
قالوا: ويحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير، أي: إن تحذيره نفسه، وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد; لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروا؛ دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه
…
والكلام محتمل لذلك، لكن الأظهر الأول، وهو أن يكون ابتداء إعلامه بهذه الصفة على سبيل التأنيس والإطماع؛ لئلا يفرط الوعيد على قلب المؤمن
(5)
.
(1)
انظر: المحرر الوجيز ص 290، والتفسير الكبير ج 8/ ص 15، ومدارك التنزيل ج 1/ ص 232، وروح المعاني ج 3/ ص 142، وزهرة التفاسير ج 2/ ص 1182، و 1183.
(2)
أخرجه الطبري في تفسيره ج 5/ ص 324، وابن أبي حاتم في تفسيره ج 2/ ص 632، وعزاه إلى ابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ج 2/ ص 177.
(3)
تفسير سورة آل عمران ج 1/ ص 186.
(4)
وتمام الآية: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ
…
فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)}.
(5)
انظر: البحر المحيط ج 2/ ص 686.
36 - مشروعية صلاة الجماعة
(1)
.
قال تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} آل عمران: 43.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ظاهره ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله من الآية مشروعية صلاة الجماعة
(4)
.
ووجه الاستنباط: أن الله لما اصطفى مريم، وطهرها على نساء العالمين؛ أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، فأمرها أن تركع مع أهل المسجد، وتصلي مع المصلين في جماعة بقوله:{وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ؛ فدلت المعية على مشروعية صلاة الجماعة.
قال ابن القيم: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة، بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء، فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، وكانت لا تفارقه؛ فأمرت أن تركع مع أهله، ولما اصطفاها الله، وطهرها على نساء العالمين؛ أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، قال تعالى:{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 42 - 43]. إلى أن قال: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة، ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صل مع الجماعة، أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة
(5)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 338.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) نكتة التعبير بذلك في هذا المقام دون واسجدي مع الساجدين الإشارة إلى أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك ركعة من الصلاة. انظر: روح المعاني ج 3/ ص 157.
2) أن العُبَّاد من الرجال أكثر من العُبَّاد من النساء؛ لقوله: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، ولم يقل مع الراكعات إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء. انظر: تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ج 1/ ص 261.
(4)
تقدم استنباط الشوكاني: الإرشاد لصلاة الجماعة من قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} الآية 42 من سورة البقرة.
(5)
انظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم. ص 140. بتصرف.
وقال الشيخ محمد أبو زهرة: وهذا -أي أمرها بالركوع مع الراكعين- فيه فائدة، فالصلاة مع الجماعة من تمام النسك والعبادة. فمريم البتول كانت ملازمة للمحراب منذ نشأتها في كفالة زكريا، وهي بهذا تشبه أن تكون بعزلة عن عوجاء الحياة وما فيها، وما عند الناس حتى في عباداتهم، فبينت لها الملائكة عن الله سبحانه أن تصلي جماعة مع الناس، فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والدوسري.
(2)
. وأشار إليه
أكثر المفسرين
(3)
.
وخالف الشيخ ابن عثيمين في أن المعية هنا دالة على الصحبة والاجتماع، فرأى أنها في الآية دلت على الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع، فقال في تفسير {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}: أي: في جملتهم، وليس المراد أن تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل
(4)
.
وقول الشيخ ابن عثيمين له وجه إذ المعية تحتمل الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع؛ كما تحتمل الصحبة والاجتماع في إيقاع الركوع مع من يركع، فتكون مأمورة بالصلاة في جماعة
(5)
، إلا أن الثاني -والله أعلم- هو الأظهر؛ لأمور:
الأول: أنها أمرت بذلك لخصوصيتها -كما تقدم من كلام ابن القيم-، وإظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء الذي دل عليه سياق الثناء عليها بالاصطفاء.
قال ابن عاشور: وقوله: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها بين نساء بني إسرائيل؛ إظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء
(6)
.
الثاني: أن الله أمرها بقوله: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} بعد الأمر بالسجود الذي يهدف إلى الصلاة، فالأمر بركوعها مع الراكعين هو للتأسيس، لا للتأكيد، -لأن التأسيس أولى من التأكيد- إذ فيه زيادة أمر الركوع مع الراكعين، ويقصد به صلاتها مع الجماعة
(7)
.
(1)
انظر: زهرة التفاسير ج 2/ ص 1215.
(2)
انظر: روح المعاني ج 3/ ص 157، وفتح البيان ج 2/ ص 233، وزهرة التفاسير ج 2/ ص 1215، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 4/ ص 121.
(3)
قال الآلوسي: والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه: {مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} الإرشاد إلى صلاة الجماعة. انظر: روح المعاني ج 3/ ص 157.
(4)
انظر: تفسير سورة آل عمران ج 1/ ص 257.
(5)
انظر: البحر المحيط ج 2/ ص 732.
(6)
انظر: التحرير والتنوير ج 3/ ص 95.
(7)
انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج 4/ ص 121.
الثالث: أنه قول أكثر المفسرين
(1)
. قال الآلوسي: والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه: {مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} الإرشاد إلى صلاة الجماعة
(2)
.
37 - أبناء البنات يسمون أبناء
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه صلى الله عليه وسلم أراد بالأبناء الحسنين)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن أبناء البنات يسمون أبناء.
ووجه الاستنباط: أن قول الله تعالى {نَدْعُ أَبْنَاءَنَا} دال على أن للرسول صلى الله عليه وسلم أبناء، ولم يكن له يومئذ إلا ابنا بنته فاطمة رضي الله عنهم؛ فدل ذلك على أن ابن البنت يسمى ابنا
(6)
. ويؤيده الحديث الذي أخرجه مسلم: لما نزلت هذه الآية {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا فقال:"اللهم هؤلاء أهلي"
(7)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي.
(8)
.
(1)
انظر مثلا: المحرر الوجيز ص 300، وأنوار التنزيل ج 2/ ص 39، ومدارك التنزيل ج 1/ ص 154، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 107، والبحر المحيط ج 2/ ص 732، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 35، وروح البيان ج 2/ ص 34، وحدائق الروح والريحان ج 4/ ص 300.
(2)
انظر: روح المعاني ج 3/ ص 157.
(3)
وهو استنباط فقهي أو لغوي.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 347.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها: أن في الآية دليلا على جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة؛ جازت مباهلته اقتداء بما أمر به صلى الله عليه وسلم. انظر: محاسن التأويل ج 2/ ص 330.
(6)
انظر: أحكام القرآن للكيا ج 2/ ص 286، والإكليل ج 2/ ص 470.
(7)
في كتاب: فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رقم: 2404، ج 4/ ص 1871.
(8)
انظر: أحكام القرآن ج 2/ ص 286، وأحكام القرآن ج 1/ ص 303، والتفسير الكبير ج 8/ ص 72، والجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 104، والإكليل ج 2/ ص 470، وفتح البيان ج 2/ ص 257.
ويستدل القائلون بأن أبناء البنات أبناء بأدلة منها:
ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال- في الحسن بن علي رضي الله عنه: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"
(1)
.
ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: من الآية 23]
(2)
(3)
؛ فدل ذلك على أن بنت البنت تسمى بنتا.
وخالف آخرون، فقالوا: إن تسمية الحسن والحسين رضي الله عنهم أبناء إنما هو من خصائصه صلى الله عليه وسلم
(4)
أو أن هذه التسمية على المجاز لا الحقيقة
(5)
.
فينبغي إذا التنبه إلى أن بعض من استنبط أن أبناء البنات يسمون أبناء إنما عني بذلك تسميتهم مجازا. وينبني على هذا أن الابن من البنت لا يدخل عندهم في الوصية والحبس.
وممن يرى ذلك ابن العربي، حيث قال -في قوله تعالى:{نَدْعُ أَبْنَاءَنَا} -: هذا يدل على أن الحسن والحسين ابناه، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال- في الحسن-:"إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". فتعلق بهذا من قال: إن الابن من البنت يدخل في الوصية والحبس، وليس فيها حجة؛ فإنه يقال: إن هذا الإطلاق مجاز
(6)
.
(1)
أخرجه البخاري، كتاب: الصلح، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهم: "ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين"، وقوله جل ذكره:{فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ، رقم: 2557، ج 2/ ص 962.
(2)
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 16/ ص 70.
(4)
ذكره ابن حجر في تحفة المحتاج ج 6/ ص 266، ونقله إلكيا في أحكام القرآن ج 2/ ص 286، والسيوطي في الإكليل ج 2/ ص 287، والآلوسي في روح المعاني ج 7/ ص 214.
(5)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 1/ ص 303.
(6)
انظر: أحكام القرآن ج 1/ ص 303.
وقال في موضع آخر: (فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وسلم أنه قال -في الحسن-: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه، ألا ترى أنه يجوز نفيه عنه فيقول الرجل في ولد بنته ليس بابني، ولو كان حقيقة ما جاز نفيه عنه؛ لأن الحقائق لا تنفى عن منتسباتها، ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون أمه، ولذلك قيل في عبد الله بن عباس رضي الله عنهم إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه هلالية
(1)
(2)
.
ورد القرطبي هذا الاستدلال بقوله: (هذا الاستدلال غير صحيح، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة؛ لوجود معنى الولادة فيه، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} ، وقال تعالى:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله: {كُلٌّ
…
مِنَ الصَّالِحِينَ (85)} [الأنعام: 84 - 85]
(3)
.
فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدم بيانه هناك
(4)
، فإن قيل: فقد قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا
…
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
(1)
هي لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم الهلالية، أم الفضل، وهي زوج العباس بن عبد المطلب، أم الفضل، وعبد الله، ومعبد، وعبيد الله، وقثم، وعبد الرحمن، وغيرهم من بني العباس، أول امرأة آمنت بعد خديجة رضي الله عنه، ماتت في خلافة عثمان رضي الله عنه قبل زوجها العباس رضي الله عنه. انظر: أسد الغابة ج 7/ ص 274، والإصابة في تمييز الصحابة ج 8/ ص 276.
(2)
أحكام القرآن ج 4/ ص 76.
(3)
الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ
…
مِنَ الصَّالِحِينَ (85)}.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 31.
قيل لهم: هذا لا دليل فيه؛ لأن معنى قوله: إنما هو ولد بنيه الذكران هم الذين لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك، إذ ينتسبون إلى غيره، فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية، ولم ينف عن ولد البنات اسم الولد؛ لأنه ابن، وقد يقول الرجل في ولده ليس هو بابني إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقا، ولا يريد بذلك نفي اسم الولد عنه، وإنما يريد أن ينفي عنه حكمه. ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا فقد أفسد معناه، وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح، إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن في اللسان العربي ابنا، ولا يسمى ولد الابنة ابنا؛ من أجل أن معنى الولادة التي اشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى؛ لأن ولد الابنة هو ولدها بحقيقة الولادة، وولد الابن إنما هو ولده بماله مما كان سببا للولادة. ولم يخرج مالك رحمه الله أولاد البنات من حبس على ولده من أجل أن اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياسا على الموارثة)
(1)
.
قال القرطبي: ومسألة دخول ولد البنت في الوقف على الولد مسألة خلافية، فقال أبو حنيفة والشافعي: من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا
(2)
، وقال مالك لا يدخل في ذلك ولد البنات. إلى أن قال: وحجة مالك قوله -سبحانه-: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: من الآية 11]
(3)
فلم يعقل المسلمون من ظاهر
(1)
الجامع لأحكام القرآن ج 16/ ص 70.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 31. وللاستزادة انظر: المغني ج 6/ ص، 87، وتحفة المحتاج ج 6/ ص 266.
(3)
وتمامها: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ
…
نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ
…
كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ
…
لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)}.
الآية إلا ولد الصلب، وولد الابن خاصة
(1)
.
أما حجة من أدخلهم في الوقف فمنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن بن علي: "إن ابني هذا سيد"، فسماه ابنا؛ فدل على دخوله في الأبناء
(2)
وأشار الشوكاني إلى دليل آخر فقال-في نيل الأوطار-: حكم أولاد الأولاد حكم الأولاد، فمن وقف على أولاده دخل في ذلك أولاد الأولاد ما تناسلوا، وكذلك أولاد البنات، وفي ذلك خلاف، ومما يؤيد القول بدخول أولاد البنات حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابن أخت القوم منهم"
(3)
.
(4)
.
ومما ينبغي التنبه له أن لفظ الولد في الوقف غير لفظ الابن، إذ للعلماء في هذين اللفظين ونحوهما مما يدخل في أحكام الوقف، ويترتب عليه عقود التحبيس كالذرية، والقرابة، والعقب أقوال
(5)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 31.
(2)
تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 573.
(3)
انظر: نيل الأوطار ج 6/ ص 140.
(4)
ونص الحديث: عن أنس رضي الله عنه قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال: أحد من غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ابن أخت القوم منهم". أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: ابن أخت القوم، ومولى القوم منهم، رقم: 3327، ج 3/ ص 1294، ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه، رقم: 1059، ج 2/ ص 735.
(5)
راجع إن شئت: أحكام القرآن لابن العربي ج 4/ ص 75 - 78، والجامع لأحكام القرآن ج 16/ ص 67 - 72.
وقد استنبط البيضاوي، وابن جزي، وابن كثير، وأبو السعود، والآلوسي، والشنقيطي وغيرهم من قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ
…
مِنَ الصَّالِحِينَ (85)} أن أبناء البنات من الذرية. انظر: أنوار التنزيل ج 4/ ص 22، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 15، وتفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 573، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 271، وروح المعاني ج 7/ ص 213، وأضواء البيان ج 4/ ص 455.
والأظهر -والله تعالى أعلم- أن تسمية أبناء البنات أبناء، وأنهم يدخلون في الوقف على البنين هو ظاهر القرآن.
قال الشنقيطي: ظاهر الآيات الكريمة يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين لأنه قال في بعضها عن إبراهيم عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)} [إبراهيم: من الآية 35]
(1)
، وقال عنه في بعضها:{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: من الآية 40]
(2)
، وفي بعضها {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: من الآية 37]
(3)
وفي بعضها {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: من الآية 124]
(4)
وفي بعضها {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: من الآية 27]
(5)
، وفي بعضها {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: من الآية 28]
(6)
. فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين، والذرية، والعقب شيء واحد؛ لأن جميعها في شيء واحد، وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن يدل على أن من وقف وقفا، أو تصدق صدقة على بنيه، أو ذريته، أو عقبه أن حكم ذلك واحد. وقد دل بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين، وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت في اسم الذرية والبنين، والفرض أن العقب بمعناهما؛ دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضا فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله: {وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ} وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية؛ لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له.
(1)
(2)
وتمامها: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)}
(3)
(4)
(5)
(6)
وتمامها: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً
…
بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)}.
ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} ، وقوله تعالى:{وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} ؛ لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة شامل لبنات البنات، وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن. فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب هو ظاهر القرآن، ولا ينبغي العدول عنه
(1)
.
لكن الأظهر- والله أعلم- أن أبناء البنات لا يدخلون في اسم الولد.
قال الشنقيطي: (أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه، وذلك في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} فإن قوله في أولادكم لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد. وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء، ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم)
(2)
.
وقد نبه ابن جزي للفرق بين لفظ الابن، والولد بقوله: وإنما قال: {فِي أَوْلَادِكُمْ} ولم يقل في أبنائكم؛ لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى ابن المتبنى، وليسوا من الورثة
(3)
.
38 - من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى)
(5)
.
(1)
انظر: أضواء البيان ج 4/ ص 455.
(2)
المصدر السابق ج 4/ ص 456.
(3)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 131.
(4)
وهو استنباط في الأخلاق لتعلقه بالأمانة والخيانة.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 353.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
أن من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن.
ووجه الاستنباط: أن الآية بينت أن بعض أهل الكتاب لو اؤتمن على قنطار
(2)
فإنه يؤديه إلى من ائتمنه عليه، فدل بمفهوم الموافقة على أن هذا البعض لو اؤتمن على ما هو دون القنطار فإنه يؤديه أيضا؛ لأن العلة في تأدية القنطار هي الأمانة، وهي موجودة متحققة في تأديته لما هو دون القنطار المسكوت عنه.
وكذلك دلت الآية على أن بعض أهل الكتاب لو اؤتمن على دينار لا يؤديه؛ فدل بمفهوم الموافقة على أنه لو اؤتمن على ما هو أكثر من الدينار فإنه لن يؤديه؛ لأن علة عدم التأدية هي الخيانة وهي موجودة في المسكوت عنه وهو ما كان فوق الدينار.
فدلت الآية بمفهوم الموافقة على أن من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن.
قال القرطبي: (ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير، أو منعه فذلك في الكثير أكثر، وهذا أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب، وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه)
(3)
.
وقال الطوفي: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يستشهد بها على مفهوم الموافقة، وهو ما يكون المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق؛ لأن من يؤدي قنطارا أولى بأداء الدينار، ومن يمنع دينارا أولى بمنع القنطار، وهو من باب:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}
(4)
[الإسراء: 23]. واعلم أن الحكم إما أن يستفاد من منظوم الكلام، وهو المنطوق، أو من مفهومه، وهو إما أن يكون أولى بالحكم من المنطوق وهو مفهوم الموافقة، أو لا يكون أولى به، وهو مفهوم المخالفة نحو:{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين: 15]
…
وإلى هذه القسمة ترجع الألقاب الكثيرة نحو مفهوم الخطاب، ودليله، وفحواه، ولحنه، وما كان من ذلك
(5)
.
(1)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {إِلَّا
…
مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} أن للطالب ملازمة المطلوب بالدين. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 2/ ص 299. وتعقبه ابن العربي بقوله: (تعلق به أبو حنيفة في ملازمة الغريم للمفلس، وأباه سائر العلماء، ولا حجة لأبي حنيفة فيه؛ لأن ملازمة الغريم المحكوم بعدمه لا فائدة فيها إذ لا يرجى ما عنده). أحكام القرآن ج 1/ ص 304.
(2)
قال البغوي: (والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل). معالم التنزيل ج 1/ ص 317.
وقال ابن عثيمين: (والقنطار المال الكثير من الذهب، حدَّه بعضهم بألف دينار، وبعضهم بملء مسك الثور، يعني جلد الثور من الدنانير). تفسير سورة آل عمران ج 1/ ص 424.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 115.
(4)
(5)
انظر: الإشارات الإلهية ج 1/ ص 411.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والطوفي -كما تقدم-، وابن كثير، والقنوجي، وابن عاشور، وابن عثيمين.
(1)
.
39 - لا يستقل العمل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من رحمة الله
(2)
.
قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)} آل عمران: 107.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} أي في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل
(3)
بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة، ومنه حديث:"لن يدخل أحد الجنة بعمله" وهو في الصحيح
(4)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لابد من رحمة الله تعالى.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال عمن ابيضت وجوههم أنهم في رحمته، أي في جنته
(6)
ودار كرامته، فعبر عن ذلك بالرحمة؛ فدلت مناسبة اللفظ على أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، فلو استغرق عمره كله في طاعة الله فإنه لن يدخل الجنة إلا برحمة الله.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 115، والإشارات الإلهية ج 1/ ص 411، وتفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 363، وفتح البيان ج 2/ ص 268، والتحرير والتنوير ج 3/ ص 132، وتفسير سورة آل عمران ج 1/ ص 424، 425.
(2)
وهو استنباط في الرقائق وفي العقيدة باعتبار الرجاء والخوف من أعظم أعمال القلوب.
(3)
تظهر دقة الشوكاني في اختياره كلمة (لا يستقل) إذ نبه بها على أن العمل لابد منه.
(4)
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سددوا، وقاربوا، وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل". أخرجه البخاري، في كتاب: الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل، رقم: 6102، ج 5/ ص 2373. وأخرجه مسلم- واللفظ له- في كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، رقم: 2818، ج 4/ ص 2171.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 370.
(6)
قال الطبري: في رحمة الله يعني: في جنته، ونعيمها، وما أعد الله لأهلها فيها. جامع البيان ج 5/ ص 667. وانظر تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 394.
وقد ذكر الشوكاني هذا المعنى أيضا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: من الآية 43]
(1)
مستدلا عليه بآيات من كتاب الله، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، رادا على من أنكر هذا المعنى، فقال:({وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} أي: وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقيل لهم: {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} أي: ورثتم منازلها بعملكم. قال في الكشاف بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقوله المبطلة
(2)
انتهى. أقول يا مسكين هذا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"، والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر، ولولا التفضل من الله سبحانه وتعالى على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلا، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة، وفى التنزيل:{ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ} [النساء: من الآية 70]
(3)
، وفيه:{فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} [النساء: من الآية 175]
(4)
(5)
. فسمى الله دخولهم الجنة فضلا منه ورحمة.
(1)
وتمامها: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ
…
تَعْمَلُونَ (43)}
(2)
انظر قول الزمخشري في الكشاف ج 2/ ص 101. وقد تعقبه ابن المنير بقوله: (يعني بالمبطلة قوما سمعوا قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، ولكن بفضل الله وبرحمته، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة"، فقالوا: صدق رسول الله، وهؤلاء هم أهل السنة. قيل لهم: فما معنى قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ
…
تَعْمَلُونَ (72)} [الزخرف: 72]؟، قالوا: اللّه تفضل بأن جعل الجنة جزاء العمل، فضلا منه ورحمة، لا أن ذلك مستحق عليه وواجب للعباد وجوب الديون التي لا اختيار في أدائها، جمعا بين الدليلين على وجه يطابق دليل العقل، الدال على أن اللّه تعالى يستحيل أن يجب عليه شيء، فانظر أيها المنصف، هل تجد في هذا الكلام من الباطل ما يوجب أن يلقب أصحابه بالمبطلة؟ وحاكم نفسك إليها، ثم إذا وضح لك أنهم برآء في هذا البر، فاعرضه على قوم زعموا أنهم يستحقون على اللّه تعالى حقا بأعمالهم التي لا ينتفع بوجودها، ولا يتضرر بتركها- تعالى وتقدس عن ذلك- ويطلقون القول بلسان الجرأة أن الجنة ونعيمها أقطاعهم بحق مستحق على الله تعالى لا تفضل له عليهم فيه، بل هو بمثابة دين تقاضاه بعض الناس من مديانه، وانظر أي الفريقين المذكورين أحق بلقب المبطلة، والسلام). الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج 2/ ص 101.
(3)
(4)
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 206.
وممن قال بهذا الاستنباط: السمرقندي، والبيضاوي، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري.
(1)
.
40 - تناهي عداوة المنافقين فبمجرد أن تمس المسلمين حسنة يحصل به المساءة للمنافقين، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة
(2)
.
قال تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)} آل عمران: 120.
قال الشوكاني رحمه الله: (وعبر بالمس في الحسنة، وبالإصابة في السيئة؛ للدلالة على أن مجرد مس الحسنة يحصل به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية تناهي عداوة المنافقين فبمجرد أن تمس المسلمين حسنة يحصل به المساءة للمنافقين، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة.
ووجه الاستنباط: أن الله ذكر المس -وهو أقل تمكنا من الإصابة- في الحسنة؛ ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن؛ لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه؛ فدل هذا المنزع البليغ -بدلالة مناسبة اللفظ- على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين
(4)
.
قال ابن المنير
(5)
: (والمس أقل تمكنا من الإصابة، وكأنه أقل درجاتها، فكأن الكلام-والله أعلم-: إن تصبكم الحسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم عليها، وإن تمكنت الإصابة منكم وانتهى الأمر فيها إلى الحد الذي يرثى الشامت عنده منها فهم لا يرثون لكم، ولا ينفكون عن حسدهم، ولا في هذه الحالة، بل يفرحون ويسرون، والله أعلم)
(6)
.
(1)
انظر: بحر العلوم ج 1/ ص 262، وأنوار التنزيل ج 2/ ص 77، واللباب ج 5/ ص 458، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 69، وروح المعاني ج 4/ ص 26، وفتح البيان ج 2/ ص 308، ومحاسن التأويل ج 2/ ص 384، وحدائق الروح والريحان ج 5/ ص 59.
(2)
وهو استنباط فائدة علمية.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 376.
(4)
انظر: المحرر الوجيز ص 349.
(5)
هو ناصر الدين، أحمد بن محمد بن منصور الإسكندري المالكي، المعروف بابن المُنَيَّر، إمام بارع في الفقه، والعربية، والبلاغة، وله باع طويل في التفسير، والقراءات، له مصنفات كثيرة منها:"الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال"، توفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة للهجرة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ج 1، ص 88 - 90، وشذرات الذهب ج 5، ص 381.
(6)
الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج 1/ ص 436.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن المنير-كما تقدم-، والنيسابوري
(1)
، والقنوجي، والبروسوي، والدوسري، ومحمد أبو زهرة، والشعراوي.
(2)
.
لكن بعض المفسرين كالزمخشري، والبيضاوي، والنسفي
(3)
لم يفرق بين المس والإصابة، بل جعلوا المعنى واحدا، مستدلين بأن الله سوى بينهما في مواضع من كتابه، منها:
قوله تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)} [التوبة: 50].
وقوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)} [النساء: 79].
وقوله تعالى: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ
…
جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)} [المعارج: 20 - 21].
وجعل بعضهم التعبير في قوله: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} بالمس مع الحسنة، وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن
(4)
.
وتعقب النيسابوري قول من قال: إنهما بمعنى، فقال:(ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة، وجعل المعنى واحدا. وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة، وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد إلا أن يكون ثمة غاية الحقد. وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال: التنوين في {حَسَنَةٌ} للتقليل وفي {سَيِّئَةٌ} للتعظيم)
(5)
.
(1)
هو النظام، الحسن بن محمد بن الحسين القمي، مفسر، من كبار علماء الشيعة في عصره، توفي بعد 850 هـ. انظر: معجم المؤلفين ج 1/ ص 591، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 145.
(2)
انظر: المحرر الوجيز ص 349، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج 1/ ص 436، وغرائب القرآن ورغائب الفرقان ج 3/ ص 381، وفتح البيان ج 2/ ص 322، وروح البيان ج 2/ ص 89، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 4/ ص 285، وزهرة التفاسير ج 2/ ص 1385، وخواطري حول القرآن الكريم للشعراوي ج 3/ ص 1721.
(3)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 436، وأنوار التنزيل ج 2/ ص 86، ومدارك التنزيل ج 1/ ص 175.
(4)
انظر: روح المعاني ج 4/ ص 40، والتحرير والتنوير ج 2/ ص 203.
(5)
غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج 3/ ص 381.
وكان الشيخ ابن عثيمين عد ما ذكره الشوكاني ومن قال بقوله وجيها، لكنه رجح أن يكون مس وأصاب بمعنى واحد فقال:(وهذا الفرق-يعني ما ذكره العلماء من أن المس هنا أخف من الإصابة، وما ينبني عليه من معنى دقيق- بالنسبة لقوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} وجيه، لكن بالنسبة لقوله: {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح قول بأن مس وأصاب بمعنى واحد)
(1)
.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن رأي الشوكاني ومن قال بقوله وجيه أيضا بالنسبة لقوله: {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} من حيث إن المنافقين إذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثى له الشامت، ويرق الحاسد فغيره أولى.
(2)
.
ومع هذا فقول من قال إنهما بمعنى واحد قول صحيح من جهة أن بين المس والإصابة قدرا مشتركا، فالمس بلا شك هو إصابة، لكنه يختلف عنه بكونه أدنى الإصابة وأقلها.
وأما ما استدلوا به من آيات، فالجواب عنه أن يقال: إن المس إصابة.
ووجود هذا القدر المشترك هو الذي يسمح بتبادل الألفاظ، والتعبير عن اللفظة بالأخرى
(3)
، ولذلك سوى الله بينهما، فجاء في مواضع من القرآن ذكر المس، وفي أخرى ذكر الإصابة، لكن هذا لا يمنع أن يكون بين اللفظين فرق.
ومما يدل على أن المس إصابة قليلة: قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)} [الأنبياء: 46]. قال ابن عاشور: (والنفحة: المرة من الرضخ في العطية، يقال: نفحه بشيء إذا أعطاه. وفي مادة " النفح " أنه عطاء قليل نَزِر. وبضميمة بناء المرة فيها، والتنكير، وإسناد المس إليها دون فعل آخر أربع مبالغات في التقليل، فما ظنك بعذاب يدفع قليله من حل به إلى الإقرار باستحقاقه إياه، وإنشاء تعجبه من سوء حال نفسه)
(4)
.
فالأحسن والأنسب بالمقام ما قيل إنه للدلالة على إفراطهم في السرور والحزن؛ لأن المس أقل من الإصابة كما هو الظاهر، فإذا ساءهم أقل خير نالهم فغيره أولى منه، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثى له الشامت، ويرق الحاسد فغيره أولى. وهذا من أسرار بلاغة التنزيل
(5)
.
(1)
تفسير سورة آل عمران ج 2/ ص 104.
(2)
انظر: روح المعاني ج 4/ ص 40، ومحاسن التأويل ج 2/ ص 396.
(3)
انظر: الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم للدكتور محمد الشايع ص 303.
(4)
التحرير والتنوير ج 17/ ص 59.
(5)
انظر: روح المعاني ج 4/ ص 40، ومحاسن التأويل ج 2/ ص 396.
أما قولهم: إنه للتفنن، فالجواب عنه أن يقال: إن التفنن في الخطاب مطلب ممدوح، لكن الكلام الصادر من حكيم لابد أن يكون لحكمة.
قال الشعراوي: وفي الآية التي نحن بصدد الخواطر عنها تجد خلافا في الأسلوب فسبحانه يقول: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} إنه لم يورد الأمر كله مسا، ولم يورده كله إصابة إنه كلام رب حكيم، وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول: هذا كلام لا يقوله إلا رب حكيم وحين يقول الحق: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} فمعنى ذلك أن الحسنة الواقعة بسيطة، وليست كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير إن الحق يقول:{وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} إن الكافرين يفرحون لأي سوء يصيب المؤمنين، مع أنه كان مقتضي الإنسانية أن ينقلب الحاسد راحما:
وحسبك من حادث بامرئ
…
ترى حاسديه له راحمينا
(1)
يعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحما له، إذن فلما تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ لا، كان أهل الكفر يفرحون في أهل الإيمان، وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون فالحق يقول:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} والحسنة هي أي خير يمسهم مسا خفيفا
(2)
.
فظهر أن استنباط الشوكاني ومن قال بقوله صحيح، بل هو الأظهر لما تقدم، والله أعلم.
(1)
البيت للشاعر أبي عبد الرحمن العتبي من أحفاد عتبة من أبي سفيان، كان علامة راوية للأخبار، تتابعت عليه المصائب في الذكور من ولده في الطاعون الكائن بالبصرة سنة تسع وعشرين ومائتين وقبل ذلك فمات منهم ستة فرثاهم بمراث كثيرة منها قوله:
وكنت أبا ستة كالبدور
…
فقد فقؤوا أعين الحاسدينا
فمروا على حادثات الزمان .... كمر الدراهم للناقدينا
وحسبك من حادث بامرئ
…
ترى حاسديه له راحمينا
انظر: معجم الشعراء للمرزباني ص 420.
(2)
انظر: خواطري حول القرآن الكريم للشعراوي ج 3/ ص 1721، 1722.
41 - لم تباشر الملائكة القتال يوم بدر، وإنما كان الإمداد بهم بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب فحسب
(1)
.
قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} آل عمران: 126.
قال الشوكاني رحمه الله: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله من الآية أن الملائكة لم تباشر القتال يوم بدر، وإنما كان الإمداد بهم بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب فحسب
(4)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه ما جعل الإمداد بالملائكة إلا بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ.
وهذا الاستنباط مبني على أن الوعد بنصرة الملائكة كان يوم بدر لا يوم أحد. إذ في قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)} [آل عمران: 124] خلاف بين المفسرين هل كان يوم بدر أو أحد؟ على قولين:
أحدهما: أن هذا الوعد متعلق بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)} [آل عمران: 121] وذلك يوم أحد
(5)
. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ لقوله تعالى:{بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)} } [آل عمران: 125] فلم يصبروا؛ فلم يمدوا بملك واحد
(6)
.
(1)
وهو استنباط في السيرة النبوية لتعلقه بغزوة بدر.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 378.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ} . انظر: تفسير سورة آل عمران لابن عثيمين ج 2/ ص 141.
2) مناسبة ختم الآية بالعزيز الحكيم؛ لأنهما أولى بالذكر في هذا المقام؛ لأن العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يعطاه. انظر: التحرير والتنوير ج 3/ ص 212.
(4)
وقد ذكر الشوكاني هذا الاستنباط أيضا عند قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} [الأنفال: 9 - 10]، فقال: ({وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها". فتح القدير ج 2/ ص 290.
(5)
قال ابن كثير: وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والزهري، وموسى بن عقبة، وغيرهم. انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 415. ورجح ابن عثيمين أن يكون في أحد. انظر: تفسير سورة آل عمران ج 2/ ص 138.
(6)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 415.
ثانيهما: أن قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} متعلق بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)} [آل عمران: 123]
(1)
.
قال الشوكاني: (قوله: {إِذْ تَقُولُ} متعلق بقوله: {نَصَرَكُمُ})
(2)
.
والقول بأن الوعد بنصرة الملائكة كان يوم بدر لا يوم أحد قول جمهور المفسرين
(3)
، وهو الأظهر -والله أعلم- إذ السياق دال عليه
(4)
.
قال ابن كثير: فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} [الأنفال: 9 - 10]؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؛ لقوله: {مُرْدِفِينَ} بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر والله أعلم)
(5)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني: أبو السعود، والقنوجي.
(6)
.
(1)
قال ابن كثير: وهذا عن: الحسن البصري، وعامر الشعبي، والربيع بن أنس، وغيرهم. واختاره ابن جرير انظر: تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 414.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 378.
(3)
انظر: جامع البيان ج 6/ ص 20، والمحرر الوجيز ص 352، والبحر المحيط ج 3/ ص 71، وتفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 414، والتحرير والتنوير ج 3/ ص 207.
(4)
انظر: زاد المعاد ص 491، ومحاسن التأويل ج 2/ ص 405.
(5)
تفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 414.
(6)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 2/ ص 81، وفتح البيان ج 2/ ص 327. وذكر السعدي أنه قول لكثير من المفسرين، فقال: (و اختلف الناس هل كان هذا الإمداد حصل فيه من الملائكة مباشرة للقتال كما قاله بعضهم، أو أن ذلك تثبيت من الله لعباده المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قاله كثير من المفسرين، ويدل عليه قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ}). تيسير الكريم الرحمن ص 146. ولعل السعدي أراد يوم بدر، وإن كان يحتمل أنه أراد يوم أحد.
لكن القول بأن الملائكة باشرت القتال يومئذ هو قول جماعة من المفسرين كابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور.
(1)
. وهو قول ابن القيم في زاد المعاد حيث قال: (وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم)
(2)
.
وهذا القول -والله أعلم- هو الأظهر؛ لأن القول بمفهوم المخالفة معارض بالأدلة على أن الملائكة قاتلت ببدر، وقد تظاهرت الروايات وتظافرت على أن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت كما قال ابن عطية والقرطبي
(3)
.
ومن تلكم الأدلة:
حديث ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب"
(4)
.
وقول ابن عباس رضي الله عنهم: "بينما رجل من المسلمين يومئذ -يعني ببدر- يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع حصول بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم كلاهما، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة
…
الحديث"
(5)
.
(1)
انظر: المحرر الوجيز ص 352، والجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 188، 189، وتفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 414، والتحرير والتنوير ج 3/ ص 208.
(2)
انظر: زاد المعاد ص 493.
(3)
انظر: المحرر الوجيز ص 352، والجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 188، 189.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرا، رقم: 3773، ج 4/ ص 1468.
(5)
أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، رقم: 1763، ج 3/ ص 1384. قال مسلم: حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ح، وحدثنا زهير بن حرب -واللفظ له-، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل هو سماك الحنفي، حدثني عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} فأمده الله بالملائكة. قال أبو زميل فحدثني بن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع حصول بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا
…
الحديث.
وقول الربيع بن أنس
(1)
رضي الله عنه: "كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة عليهم السلام ممن قتلوهم، بضرب على الأعناق، وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به"
(2)
.
ويتنبه إلى أن الشوكاني نقض هذا الاستنباط عند تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)} [التوبة: 26] حيث قال: (قوله: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} هم الملائكة. وقد اختلف في عددهم على أقوال: قيل: خمسة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفا، وقيل غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضا هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا؟ وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين، وإدخال الرعب في قلوب المشركين)
(3)
.
فلعله رجع عن هذا الاستنباط. أو أنه نقله ممن سبقه ولم يدقق فيه.
42 - سبقت رحمة الله غضبه
(4)
.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} آل عمران: 129.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل)
(5)
.
(1)
هو الربيع بن أنس بن زياد البكري، الخراساني، المروزي، تابعي، سمع أنس بن مالك، وأبا العالية الرياحي وأكثر عنه، والحسن البصري. وعنه: سليمان التيمي، والأعمش، والحسين بن واقد، وأبو جعفر الرازي، وعبد العزيز بن مسلم، وابن المبارك، وآخرون. وكان عالم مرو في زمانه، قال أبو حاتم: صدوق، سجن بمرو ثلاثين سنة، يقال: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة، حديثه في السنن الأربعة. انظر: الطبقات الكبرى ج 7/ ص 369، والثقات ج 4/ ص 228، وسير أعلام النبلاء ج 6/ ص 170.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ج 5/ ص 1668. وأورده ابن كثير في تفسيره، وقال عنه محقق التفسير-أ. د. حكمت ياسين-: أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي. انظر: تفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 170.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 348.
(4)
وهو استنباط في الرقائق، وفي علوم القرآن أيضا (لتعلقه بمناسبة ختم الآية).
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 378.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية أن رحمة الله سبقت غضبه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن الجميع ملك له، وأنه المتصرف فلا معقب لحكمه، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ثم ختم الآية بما يدل على المغفرة فقال:{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} فدل ختمه بهذين الاسمين المتضمنين صفتي المغفرة والرحمة بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على أن رحمة الله سبقت غضبه، إذ التذييل بهذين الاسمين مقرر لمضمون قوله تعالى:{يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به من الاعتناء بشأن المغفرة والرحمة ما لا يخفى.
(1)
.
قال الرازي: (ثم ختم الكلام بقوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه، إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب، بل على سبيل الفضل والإحسان)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والطوفي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي.
(3)
.
وذكر الهرري وجها آخر لاستنباط هذا المعنى فقال: ({يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} مغفرته بفضله ورحمته، {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} تعذيبه بعدله، وتقديم المغفرة على التعذيب للإعلام بأن رحمته سبقت غضبه)
(4)
.
فوجه الاستنباط عنده تقديم ذكر المغفرة على العذاب.
وكلا الوجهين صحيح في دلالته على المعنى المستنبط. وهو بلا شك معنى صحيح، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي"
(5)
. ولذا جمع بعض المفسرين كالبروسوي بين الوجهين
(6)
.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 2/ ص 84، وروح المعاني ج 4/ ص 52.
(2)
التفسير الكبير ج 8/ ص 193.
(3)
انظر: قطف الأزهار ج 1/ ص 640 حيث نقل السيوطي قول الطوفي، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 84، وروح المعاني ج 4/ ص 52، وفتح البيان ج 2/ ص 329، ومحاسن التأويل ج 2/ ص 410.
(4)
حدائق الروح والريحان ج 5/ ص 115.
(5)
أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء رقم: 6986، ج 6/ ص 2700.
(6)
انظر: روح البيان ج 2/ ص 95.
43 - الإيمان يزيد وينقص
(1)
.
قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} آل عمران: 173.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية أن الإيمان يزيد وينقص.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن الإيمان يزيد؛ فدل بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضا؛ لأن كل ما يزيد ينقص
(3)
.
وهو استنباط صحيح على مذهب أهل السنة والجماعة أيدته الآيات والأحاديث
(4)
.
فمن الآيات: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} [الأنفال: 2]، وقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)} [الفتح: 4].
ومن الأحاديث الدالة عليه:
حديث الشفاعة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: فيه: "فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار؛ فأنطلق فأفعل هذا"
(5)
.
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 400.
(3)
انظر: أضواء البيان ج 1/ ص 438.
(4)
انظر: الإبانة لابن بطة العكبري، باب: زيادة الإيمان ونقصانه ج 2/ ص 831 - 861، واعتقاد أهل السنة لللالكائي ج 5/ ص 951، ومنهاج السنة النبوية ج 5/ ص 205، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص 384، ومعارج القبول ج 1/ ص 277، وج 3/ ص 1004.
(5)
أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ح 193، ج 1، ص 183. ونص الحديث:"إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم فيقولون له: اشفع لذريتك؛ فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام؛ فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى عليه السلام؛ فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام؛ فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأوتى، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل هذا".
قال النووي: (وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة)
(1)
.
قال الآلوسي: ({زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] أي: تصديقا كما هو المتبادر؛ فإن تظاهر الأدلة، وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك، وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، وبه أقول؛ لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضا، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان؛ لكان إيمان آحاد الأمة، بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام واللازم باطل فكذا الملزوم)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط من هذه الآية: البيضاوي، وأبو السعود، والقنوجي، والقاسمي، ومحمد أبو زهرة، وعبد الرحمن الدوسري.
(3)
.
وكذا استنبط جمع من المفسرين المعنى الذي استنبطه الشوكاني من هذه الآية، لكن استنباطهم لهذا المعنى جاء من آيات أخرى مماثلة
(4)
لهذه الآية.
(5)
.
(1)
شرح النووي على صحيح مسلم ج 3/ ص 63.
(2)
روح المعاني ج 9/ ص 165.
(3)
انظر: أنوار التنزيل ج 2/ ص 117، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 114، وفتح البيان ج 2/ ص 379، ومحاسن التأويل ج 2، ص 461، وزهرة التفاسير ج 3/ ص 1512، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 4/ ص 435.
(4)
كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} الأنفال: 2.
وقوله: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)} التوبة: 124.
وقوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)} الكهف: 13.
وقوله: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)} مريم: 76.
وقوله: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)} الأحزاب: 22.
وقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)} محمد: 17.
وقوله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا
…
هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ
…
(31)} المدثر: 31.
(5)
كاستنباط السمعاني في تفسير القرآن العزيز ج 2/ ص 248، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 157، والآلوسي في روح المعاني ج 9/ ص 165، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن ص 315 من آية الأنفال.
واستنباط ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 374، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن ص 356 من آية التوبة.
واستنباط ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج 6/ ص 170 من آية الأحزاب.
قال ابن كثير- في تفسير قوله تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)} [الكهف: 13]-: (استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)}، كما قال:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)} [محمد: 17]، وقال:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)} [التوبة: 124]، وقال:{لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك)
(1)
.
44 - قول اليهود: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} بمكان يعدل قتل الأنبياء
(2)
.
قال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)} آل عمران: 181.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} عطف على {مَا قَالُوا} أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به. جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء تنبيها على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية أن قول اليهود: إن الله فقير وهم أغنياء بمكان يعدل قتل الأنبياء.
ووجه الاستنباط: عطف
(4)
قتلهم الأنبياء على قولهم الفاسد، فجعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء؛ فدل بدلالة الاقتران على أن قولهم بمكان يعدل قتل الأنبياء.
والاقتران هنا معتبر لأنه دال على معنى غير الأحكام. إذ يمكن أخذ شيء من المعاني الأخرى غير الأحكام عن طريق دلالة الاقتران، وذلك كالتشريف الناتج عن الاقتران المشعر به أحيانا، أو التعظيم، أو غير ذلك من المعاني
(5)
.
(1)
تفسير القرآن العظيم ج 5/ ص 140. وانظر قريبا منه قول الشنقيطي في أضواء البيان ج 1/ ص 438.
(2)
وهو استنباط عقدي من حيث تعظيم وصف الله بما لم يصف به نفسه فضلا عما يترفعون عنه.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 406.
(4)
من أغراض العطف بلوغ أحد الموصولين شهرة الآخر في الصفة، فأحد الموصولين هنا قد بلغ في الوصف المراد بيانه مبلغ الآخر الذي عُرف وشُهر ببلوغه الغاية في هذا الوصف. انظر: بلاغة أسلوب الفصل والوصل في القرآن ج 2/ ص 1.
(5)
انظر: قواعد التفسير ج 2/ ص 646.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي.
(1)
.
(1)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 475، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 121، وروح البيان ج 2/ ص 140، وروح المعاني ج 4/ ص 141، وفتح البيان ج/ 2 ص 389.
سورة النساء
45 - لا حق للمملوكات في القَسْم
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} معطوف على واحدة، أي: فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهن، كما يفيده الموصول. والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح. وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن المملوكات لا حق لهن في القسم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} والمراد به العدل في القسم بين الزوجات، فأما إن خاف إظهار الميل ومجانبة العدل فعليه الاقتصار على الواحدة، وبه يزول الخوف من الميل
(4)
، ثم قال بعدها:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فجعل الإماء والحرة الواحدة عوضا من الأربع، مع خيفة الجور في ترك الخروج إليهن بحقوقهن، والقسم منها
(5)
، فاقتضى عطف ملك اليمين على الواحدة أن يكون الذي يعدل إليه خيفة الحيف وترك العدل، لا يجب فيه مراعاة العدل، وذلك ملك اليمين
(6)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 421.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) استنبط الشافعي أن الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح، ووجهه: أن الله خيَّر بين تزوج الواحدة والتسري، والتخيير بين شيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة، -خلافا لأبي حنيفة إذ عكس الأمر- والحكمة: سكون النفس بالأزواج، وتحصين الدين، ومصالح البيت، وكل ذلك حاصل بالطريقين، وأجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح؛ لأن الزائد على المتساويين يكون زائدا على المساوي الثاني لا محالة. انظر: التفسير الكبير ج 9/ ص 144، والبحر المحيط ج 3/ ص 230، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 54.
2) في قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} الإشارة إلى النظر قبل النكاح؛ لأن الطيب إنما يعرف به؛ فدل باللزوم على النظر. الإكليل ج 2/ ص 502.
…
3) استنبط السعدي بمفهوم المخالفة-مفهوم الصفة-أنه لا يجوز نكاح المرأة الخبيثة، فقال:(وفي قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به بل منهي عنه، كالمشركة، وكالفاجرة). انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 164.
(4)
انظر: أحكام القرآن للكيا ج 2/ ص 319.
(5)
انظر: نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام ج 1/ ص 239.
(6)
انظر: أحكام القرآن للكيا ج 2/ ص 320.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، وإلكيا الهراسي، وابن العربي، وابن الفرس، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي.
(1)
.
وهن وإن لم يكن لهن حق في القسم؛ فإن لهن الحق في حسن المعاملة، وترك الضر
(2)
، وهو حق قائم بوجوب حسن الملكة، والرفق بالرقيق
(3)
.
46 - حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها
(4)
.
47 - عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك
(5)
.
قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)} النساء: 4.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {طِبْنَ} دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها؛ لم يحل للزوج ولا للولي، وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما).
ثم قال: (وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها؛ لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن، وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب)
(6)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(7)
رحمه الله حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها.
(1)
انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 239، وأحكام القرآن ج 2/ ص 320، وأحكام القرآن ج 1/ ص 345، وأحكام القرآن ج 2/ ص 52، والجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 23، والإكليل ج 2/ ص 502، وفتح البيان ج 3/ ص 18.
(2)
انظر: التحرير والتنوير ج 3/ ص 19.
(3)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 1/ ص 345، والجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 23.
(4)
وهو استنباط فقهي.
(5)
وهو استنباط فقهي.
(6)
فتح القدير ج 1/ ص 422.
(7)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) دلت هذه الآية على جواز هبة الدين والبراءة منه كما جازت هبة المرأة للمهر وهو دين. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 2/ ص 352.
2)
…
ظاهر التبعيض في قوله تعالى: {مِنْهُ} فيه إشارة إلى أن ما تهبه المرأة يكون بعضا من الصداق، ففيه حث لهن على تقليل الموهوب. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 85. وهذا الاستنباط إنما يصح على القول بأن من هنا تبعيضية، ولا يصح على القول بأنها للجنس والبيان. انظر: التفسير الكبير ج 9/ ص 148.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أنما أباح الأخذ من مهر الزوجة على شرط رضاها؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم الشرط- حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها؛ لانتفاء الشرط
(1)
.
قال الشافعي: (فكان في هذه الآية إباحة أكله إذا طابت به نفسا، ودليل على أنها إذا لم تطب به نفسا لم يحل أكله)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط أيضا القنوجي. وأشار إليه المراغي، وابن عثيمين، والهرري.
(3)
.
والآية دالة على ضيق المسلك في هذا الباب ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: {فَإِنْ طِبْنَ}
(4)
وآثر لفظ طبن في النظم الكريم دون فإن وهبن لكم شيئا منه عن طيب نفس؛ إيذانا بأن العمدة في الأمر طيب النفس، وتجافيها عن الموهوب بالمرة، حيث جعل ذلك مبتدأ وركنا من الكلام لا فضلة كما في التركيب المفروض
(5)
. وطيبة النفس بالعطاء أرق من الرضا به؛ لأن الرضا قد يتصور مع التورط، أما طيبة النفس فلا تتصور إلا بالسماح
(6)
.
قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا.
وعن الشعبي
(7)
أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه، وهي تطلب الرجوع، فقال شريح
(8)
: رد عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} ، فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.
(1)
انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 324.
(2)
أحكام القرآن ج 1/ ص 216.
(3)
انظر: فتح البيان ج 3/ ص 22، وتفسير المراغي ج 4/ ص 184، وتفسير سورة النساء ج 1/ ص 37، وحدائق الروح والريحان ج 5/ 390،
(4)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 502، والتفسير الكبير ج 9/ ص 148، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 144.
(5)
انظر: روح المعاني ج 4/ ص 199، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 86.
(6)
انظر: زهرة التفاسير ج 3/ ص 1588.
(7)
أبو عمرو عامر بن شراحيل الشَّعْبي الكوفى، علامة التابعين، أدرك خمسمائة من الصحابة رضي الله عنهم، كان إماما حافظا فقيها متفننا ثبتا متقنا، وكان يقول ما كتبت سوداء في بيضاء، ولي قضاء الكوفة، مات بعد المائة. انظر: تذكرة الحفاظ ج 1/ ص 79، وتقريب التهذيب ج 1/ ص 287، وطبقات الحفاظ ص 40.
(8)
هو الفقيه أبو أمية شريح بن الحارث، يعد في كبار التابعين، واختلف في صحبته، توفي سنة ثمان وسبعين وهو ابن مائة سنة، وولى القضاء ستين سنة من زمن عمر إلى زمن عبد الملك بن مروان. انظر: الاستيعاب ج 2/ ص 701، والإصابة ج 3/ ص 334، و سير أعلام النبلاء ج 4/ ص 100.
وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله؛ لأنهن يخدعن.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.
(1)
.
قال القاسمي: (ما رآه شريح وروي عن عمر هو الفقه الصحيح والاستنباط البديع؛ إذ الآية دلت على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس، ولم يقل فإن وهبن لكم إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وبرجوعها يظهر عدم طيب نفسها)
(2)
.
ورأى آخرون بأن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. قال ابن العربي:(اتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه، إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} وإذا قامت طالبة له لم تطب به نفسا، وهذا باطل لأنها قد طابت وقد أكل، فلا كلام لها إذ ليس المراد صورة الأكل وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال وهذا بين)
(3)
.
كما استنبط الشوكاني من الآية: عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها؛ لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن-لعله قصد أن عواطفهن تغلب على عقولهن- وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال {طِبْنَ} فدل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس؛ فدل بمفهوم الموافقة على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها إذ لابد من طيبة النفس. فيكون لغير المهر حكم المهر في التمليك، فلا يحل إلا بطيبة النفس. وكأن الشوكاني رحمه الله رأى أن في الآية تنبيها للرجال بأن يتحققوا مما يهبه لهم النساء عموما، فلا يحل لهم منه شيئا إلا إن طابت أنفسهن بذلك.
ومعنى هذا الاستنباط صحيح يؤيده عموم قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه"
(4)
.
(1)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 502، والتفسير الكبير ج 9/ ص 148، والبحر المحيط ج 3/ ص 235، ومحاسن التأويل ج 3/ ص 27.
(2)
محاسن التأويل ج 3/ ص 27.
(3)
أحكام القرآن ج 1/ ص 349.
(4)
رواه أحمد في مسنده ج 5/ ص 72، والبيهقي في شعب الإيمان، باب: في قبض اليد عن الأموال المحرمة، رقم: 5492، ج 4/ ص 387.
48 - إفراد ذكر النساء بعد ذكر الرجال في الميراث للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم
(1)
.
قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)} النساء: 7.
قال الشوكاني رحمه الله: (وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب؛ للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله من الآية أصالة حق النساء في الميراث، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أفرد ذكر النساء بعد ذكر الرجال، فلم يقل للرجال والنساء نصيب، بل جاء الحديث عن ميراث النساء بصيغة مساوية لنصيب الرجال مع أن نصيبهن أقل من نصيب الرجال؛ فدل ذلك على أصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء.
(4)
.
(1)
وهو استنباط فقهي من وجه، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة) من وجه آخر.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 428.
(3)
واستنبط ابن عاشور مناسبة هذه الآية للآية قبلها: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ
…
غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)} [النساء: 6] والمناسبة أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا إيثار الأقوياء والأشداء بالمال، وحرمان الضعفاء، فلما أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم أمر عقبه بأمرهم بأن يجعلوا للرجال وللنساء نصيبا مما ترك الوالدان والأقربون، فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه مما ترك له الوالدان والأقربون، وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم مما ترك له الوالدان والأقربون. انظر: التحرير والتنوير ج 4/ ص 37.
(4)
انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج 1/ ص 50.
قال أبو السعود: (إيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكامهم بأن يقال: للرجال والنساء الخ؛ للاعتناء بأمرهن، والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية؛ فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود -كما تقدم-، والقنوجي، والآلوسي، والدوسري، وابن عثيمين.
(2)
.
وفي هذا الاستنباط ما يدل على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية. وفيه دليل على بلاغة القرآن ودقة ألفاظه في الدلالة على المراد.
ومن الأمور الدقيقة الدالة على حرص الإسلام على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء:
1 -
بلاغة قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: من الآية 11] في الدلالة على اعتناء الإسلام بميراث المرأة.
قال ابن عاشور: ({لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي يقدر به حظ الذكر، ولم يكن قد تقدم تعيين حظ للأنثيين حتى يقدر به، فعلم أن المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على حظ الأنثى منهم، وقد كان المراد صالحا لأن يؤدى بنحو: للأنثى نصف حظ ذكر، أو للأنثيين مثل حظ ذكر، إذ ليس المقصود إلا بيان المضاعفة، ولكن أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة هي الإيماء إلى أن حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع الأسماع قد علم أن قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات)
(3)
.
2 -
أن الله تعالى أثبت فرضا للإخوة للأم في الكلالة فقال: {وَإِنْ كَانَ
…
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: من الآية 12] فكان هذا إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلا؛ لأنه جانب نساء
(4)
.
(1)
إرشاد العقل السليم ج 2/ ص 146.
(2)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 2/ ص 146، وفتح البيان ج 3/ ص 30، وروح المعاني ج 4/ ص 210، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 86، و تفسير سورة النساء ج 1/ ص 50.
(3)
التحرير والتنوير ج 4/ ص 46.
(4)
انظر: المصدر السابق ج 4/ ص 52.
49 - الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وللاثنتين فصاعدا الثلثان وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا، ولم يسم للاثنتين فريضة؛ ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس رضي الله عنهم إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين؛ فإن الله سبحانه قال في شأنهما:{فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين
(2)
…
ويكمن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من الآية الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 431.
(3)
المصدر السابق ج 1/ ص 432.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن الله أرحم بعباده من الوالدين حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم. قال ابن كثير: (وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها حيث أوصى الوالدين بأولادهم؛ فعُلم أنه أرحم بهم منهم
…
). تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 27.
2) ينبغي للإنسان أن يختار من الألفاظ الأحسن والأمثل، وإن كان المؤدى واحدا؛ فإن الله قال:{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر. انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج 1/ ص 84.
3) مشروعية الوصية؛ لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} . انظر: الإكليل ج 2/ ص 518.
4) واستنبط السعدي من هذه الآية والتي تليها حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والخنثى، وغيرهم، فقال:(فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات) راجعها في تيسير الكريم الرحمن ص 166 - 170.
ووجه الاستنباط من جهتين:
الأولى: أن الله تعالى فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف، ومفهوم المخالفة يقتضي أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف؛ فدل ذلك على أن فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وليس بعده إلا الثلثان.
الثانية: أن الله تعالى جعل الثلثين للأختين في قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا
…
اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا
…
إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: من الآية 176] وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، فدل بمفهوم الموافقة الأولي، أو القياس على أن للبنتين الثلثين.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، والجصاص، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين.
(1)
.
ورأى ابن عباس رضي الله عنهم أن للبنتين النصف، وكأنه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محملا في الآية، ولو أريد ذلك لما قال:{فَوْقَ اثْنَتَيْنِ}
(2)
.
وما ذهب إليه الشوكاني هو رأي الجمهور. قال الشنقيطي: ({فَإِنْ كُنَّ
…
نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان، وقوله:{فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف-يعني: فوق- لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضا: الأول: قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلا، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان؛ فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر
…
ومما يزيده إيضاحا أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله: {فَإِنْ كُنَّ} إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر. الموضع الثاني: هو قوله تعالى في الأختين: {فَإِنْ كَانَتَا
…
اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: من الآية 176]؛ لأن البنت أمس رحما، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع، فإذا صرح تعالى بأن للأختين الثلثين علم أن البنتين كذلك من باب أولى
…
فالله تبارك وتعالى لما بين أن للأختين الثلثين أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط -ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات- أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين؛ لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به. ويزيد ما ذكرنا إيضاحا حديث جابر رضي الله عنهم قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما يوم أحد، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال؛ فقال صلى الله عليه وسلم: يقضي الله تعالى في ذلك؛ فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك"
(3)
.
(1)
انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 245، 246، وأحكام القرآن ج 3/ ص 9، وفتح البيان ج 3/ ص 37، وتيسير الكريم الرحمن ص 166، وأضواء البيان ج 1/ ص 191، وتفسير سورة النساء لابن عثيمين ج 1/ ص 65، 66.
(2)
انظر: التحرير والتنوير ج 4/ ص 46.
(3)
أخرجه أحمد في مسنده برقم: 14840، ج 3/ ص 352، وابن ماجه في كتاب: الفرائض، باب: فرائض الصلب، رقم: 2720، ج 2/ ص 908، والترمذي في كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث البنات، رقم: 2092، ج 4/ ص 414. وأبو داود في كتاب: الفرائض، باب: ما جاء في ميراث الصلب، رقم: 2891، ج 3/ ص 120.
ثم قال: وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهم من أنه قال للبنتين النصف لأن الله تعالى قال:
{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فصرح بأن الثلثين إنما هما لما فوق الاثنتين فيه أمور:
الأول: أنه مردود بمثله؛ لأن الله قال أيضا: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} فصرح بأن النصف للواحدة، جاعلا كونها واحدة شرطا معلقا عليه فرض النصف. وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف؛ لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم إلا ما قال فيه بعض العلماء: إنه منطوق لا مفهوم، وهو النفي والإثبات، وإنما من صيغ الحصر والغاية، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط
…
وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} أقوى من مفهوم الظرف في قوله: {فَإِنْ كُنَّ
…
نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ}.
الثاني: دلالة الآيات المتقدمة على أن للبنتين الثلثين.
الثالث: تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث جابر المذكور آنفا.
الرابع: أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك.
(1)
.
50 - الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب
(2)
.
قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ
…
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)} النساء: 12.
(1)
انظر: أضواء البيان ج 1/ ص 191، 192.
(2)
وهو استنباط فقهي.
قال الشوكاني رحمه الله: (ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية
(1)
، وهي إذا تركت الميتة زوجا، وأما، وأخوين لأم، وإخوة لأبوين؛ فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للأخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة
(2)
، ويؤيد هذا الحديث:"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر"
(3)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله من الآية أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب
(6)
، فلا شيء للأخوة لأبوين.
(1)
وتسمى بالمشرَّكة؛ وهي التي شرِّك فيها أحد مع أحد. وتسمى المشتركة؛ لاشتراك أولاد الأبوين مع أولاد الأم، وتسمى الحجرية، واليَمْيِّة؛ لأن الذين سألوا قالوا: اجعل أبانا حجرا في اليم. وسميت أيضا بالحمارية لأن الإخوة لأبوين قالوا: هب أبانا كان حمارا. واعترض الشيخ ابن عثيمين على هذه التسمية فقال: (وبهذا نعرف أن القضية التي تروى في كتب الفرائض وهي أن قوما ترافعوا إلى عمر رضي الله عنه في المشرَّكة، وقالوا: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا، أنا ظني أن هذه القصة مكذوبة؛ لأنهم لو قالوا لعمر: هب أن أبانا حمار لأوجعهم ضربا؛ لأن هذا من أكبر العقوق أن يقول الإنسان: هب أبي كان حمارا، ولو قالوا: هب أبانا كان معدوما لكان أهون، أما أن يقولوا أمام أمير المؤمنين عمر المعروف بشدته في دين الله: هب أبانا حمارا فلا أظن أن يكون أبدا، وهذا مما يدل على بطلان نسبتها إلى عمر رضي الله عنه. شرح منظومة القلائد البرهانية ص 167 - 170.
(2)
عند الجمهور: هو الميت الذي لا ولد له ولا والد. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 3/ ص 16، وأحكام القرآن لابن الفرس ج 2/ ص 95، وفتح القدير ج 1/ ص 434.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب: الفرائض، باب: ميراث الولد من أبيه وأمه، رقم: 6351، ج 6/ ص 2476، ومسلم في كتاب: الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، رقم: 1615، ج 3/ ص 1233.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 435. وقد ذكر الشوكاني في هذا الموضع من تفسيره أنه ألف رسالة سماها: المباحث الدرية في المسألة الحمارية، وظهر لي - والله أعلم- أنها ما تزال مخطوطة لم تطبع بعد.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) دل لفظ الكلالة على أن الفروع وإن نزلوا، والأصول الذكور وإن علوا يسقطون أولاد الأم؛ لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة فلو لم يكن يورث كلالة لم يرثوا منه شيئا اتفاقا. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 168.
2) الأخت مع البنت عصبة؛ لأن ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات، فإذا كان كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن؛ فإنه يعطى للأخوات، ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومن هو أبعد منهم. انظر: أحكام القرآن للكيا ج 2/ ص 363، وتيسير الكريم الرحمن ص 170.
(6)
قال ابن كثير: (وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه:
أحدها: أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم.
والثاني: أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء.
والثالث: لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب، ولاجد، ولا ولد، ولا ولد ابن.
الرابع: أنهم لا يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم) تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 32.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى فرض للأخوة لأم
(1)
-في الكلالة- الثلث؛ فدل ذلك على أن غيرهم ساقط؛ فيصير الشقيق العاصب في المشرَّكة ليس له شيء.
قال السعدي: (ودل قوله: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} أن الإخوة الأشقاء يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية، وهي زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء؛ لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض والأشقاء عصبات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" وأهل الفروض هم الذين قدر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء، فيسقط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك. وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب فمذكور في قوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: من الآية 176] الآية، فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين، وإذا استغرقت الشقيقات الثلثين تسقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن، وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين)
(2)
.
وممن قال بهذا: الجصاص، والقنوجي، والسعدي-كما تقدم-، وابن عثيمين.
(3)
.
(4)
.
(1)
وقد أجمع المسلمون أن المراد هاهنا الإخوة من الأم؛ لأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلث، ففهموا أن المراد هنا الإخوة من الأم، وقد وردت فيها قراءة لأبي:{وله أخ أو أخت من الأم} ولسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: {وله أخ أو أخت من أم} أو {وله أخ أو أخت من لأمه} . انظر: بحر العلوم ج 1/ ص 313، والمحرر الوجيز ص 409، والبحر المحيط ج 3/ ص 264، وتفسير سورة النساء لابن عثيمين ج 1/ ص 107.
(2)
تيسير الكريم الرحمن ص 166.
(3)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 24، وفتح البيان ج 3/ ص 46، وتيسير الكريم الرحمن ص 166، وشرح منظومة القلائد البرهانية ص 167.
(4)
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه؛ لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم، وهو المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهم، وهو مذهب الشعبي، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 3/ ص 24، وأحكام القرآن لابن الفرس ج 2/ ص 96، 97، والمغني ج 6/ ص 172، وتفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 32.
ورأى آخرون
(1)
منهم ابن العربي أنهم يشتركون مع الإخوة لأم في الثلث، فقال:(قوله: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} اتفق العلماء على أن التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى؛ لأن مطلق اللفظ يدل عليه، كما أن الآية التي في سورة النساء في آخرها ما يقتضي التعصيب; ولذلك قلنا في مسألة الزوج، والأم، والأخ من الأم، والإخوة من الأب والأم: إن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ للأم السدس، وللإخوة للأب والأم السدس بحكم التعصيب)
(2)
.
ولكل قول وجهه.
فأما القول بالتشريك فبيَّن وجهه الشافعي بقوله: قلنا في المشتركة: زوج، وأم، وأخوين لأم، وأخوين لأب وأم: للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين للأم الثلث، ويشركهم بنو الأب والأم; لأن الأب لما سقط حكمه صاروا بني أم معا،
…
وجدنا بني الأب والأم قد يكونون مع بني الأم فيكون للواحد منهم الثلثان وللجماعة من بني الأم الثلث، ووجدنا بني الأب والأم قد يشركهم أهل الفرائض فيأخذون أقل مما يأخذ بنو الأم، فلما وجدناهم مرة يأخذون أكثر مما يأخذون، ومرة أقل مما يأخذون فرقنا بين حكميهم، فورثنا كلا على حكمه؛ لأنا وإن جمعتهم الأم لم نعطهم دون الأب، وإن أعطيناهم بالأب مع الأم فرقنا بين حكميهم، فقلنا: إنا إنما أشركناهم مع بني الأم؛ لأن الأم جمعتهم وسقط حكم الأب، فإذا سقط حكم الأب كان كأن لم يكن، ولو صار للأب موضع يكون له فيه حكم استعملناه قل نصيبهم أو كثر، قال: فهل تجد مثل ما وصفت من أن يكون الرجل مستعملا في حال ثم تأتي حال لا يكون مستعملا فيها؟
…
قلت: نعم، الأب يموت ابنه وللابن إخوة فلا يرثون مع الأب، فإذا كان الأب قاتلا ورثوا ولم يورث الأب من قبل أن حكم الأب قد زال، وما زال حكمه كان كمن لم يكن، فلم نمنعهم الميراث به، إذا صار لا حكم له كما منعناهم به إذا كان له حكم
(3)
.
(1)
قال ابن كثير: وقد وقعت هذه المسألة في زمان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فأعطى الزوج النصف، والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة! فشرَّك بينهم. وصح التشريك عن عثمان رضي الله عنه، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس رضي الله عنهم، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح القاضي، ومسروق، وطاووس، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 3/ ص 24، وأحكام القرآن لابن الفرس ج 2/ ص 96، 97، والمغني ج 6/ ص 172، و تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 32.
(2)
أحكام القرآن ج 1/ ص 375.
(3)
انظر: الأم ج 4/ ص 88.
وأما ما استنبطه الشوكاني-ومن قال بقوله- فيؤيده-كما قال الشوكاني- حديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر".
وذكر الجصاص وجوها أخرى تؤيده فقال: (والدليل -على صحة القول بعدم التشريك- قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ
…
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} فنص على فرض الإخوة من الأم وهو الثلث، وبين أيضا حكم الإخوة من الأب والأم في قوله تعالى:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: من الآية 176] فلم يجعل الله لهم فرضا مسمى، وإنما جعل لهم المال على وجه التعصيب، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا خلاف أنها لو تركت: زوجا، وأما، وأخا لأم، وإخوة وأخوات لأب وأم: أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ من الأم السدس، وما بقي وهو السدس بين الإخوة والأخوات من الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يدخلوا مع الأخ من الأم في نصيبه، فلما كانوا مع ذوي السهام إنما يستحقون باقي المال بالتعصيب لا بالفرض؛ لم يجز لنا إدخالهم مع الإخوة من الأم في فرضهم؛ لأن ظاهر الآية ينفي ذلك إذ كانت الآية إنما أوجبت لهم ما يأخذونه للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالفرض، فما أعطاهم بالفرض فهو خارج عن حكم الآية، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر" فجعل للعصبة بقية المال بعد أخذ ذوي السهام سهامهم، فمن أشركهم مع ذوي السهام وهم عصبة فقد خالف الأثر.
فإن قيل: لما اشتركوا في نسب الأم وجب أن لا يحرموا بالأب، قيل له: هذا غلط؛ لأنها لو تركت: زوجا، وأما، وأخا لأم، وإخوة وأخوات لأب وأم؛ لأخذ الأخ من أم السدس كاملا، وأخذ الإخوة والأخوات من الأب والأم السدس الباقي بينهم، وعسى يصيب كل واحد منهم أقل من العشر، ولم يكن لواحد منهم أن يقول قد حرمتموني بالأب مع اشتراكنا في الأم، بل كان نصيب الأخ من الأم أوفر من نصيب كل واحد منهم؛ فدل ذلك على معنيين:
أحدهما: انتقاض العلة بالاشتراك في الأم.
والثاني: أنهم لم يأخذوا بالفرض، وإنما أخذوا بالتعصيب.
ويدل على فساد ذلك أيضا أنها لو تركت: زوجا، وأختا لأب وأم، وأختا وأخا لأب، أن للزوج النصف، وللأخت من الأب والأم النصف، ولا شيء للأخ والأخت من الأب لأنهما عصبة، فلا يدخل مع ذوي السهام، ولم يجز أن يجعل الأخ من الأب بمنزلة من لم يكن حتى تستحق الأخت من الأب سهمها الذي كانت تأخذه في حال الانفراد عن الأخ، وإنما التعصيب أخرجها عن السدس الذي كانت تستحقه، كذلك التعصيب يخرج الإخوة من الأب والأم عن الثلث الذي يستحقه الإخوة من الأم والله أعلم)
(1)
.
وأطال ابن القيم في تأييد هذا القول، والرد على المخالفين. ومما قال: فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم -أي من الإخوة لأم- إلغاء لقرابة الأب، قيل: هذا وهم؛ لأن الله سبحانه قال في أول الآية: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} ، ثم قال:{فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} فذكر حكم واحدهم وجماعتهم حكما يختص به الجماعة منهم كما يختص به واحدهم، وقال في ولد الأبوين: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا
…
اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا
…
إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} فذكر حكم ولد الأب، والأبوين، واحدهم وجماعتهم، وهو حكم يختص به جماعتهم كما يختص به واحدهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم، فكذا حكم ولد الأم، وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخرين، فلا يشارك أحد الصنفين الآخر، وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع، والأول هو ولد الأم بالإجماع كما فسرته قراءة بعض الصحابة (من أم) وهي تفسير وزيادة إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق. ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين وهم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه ولا حظ لأحد منهم في التعصيب، ولم يذكر فيها أحد من العصبة بخلاف ما ذكر في آية العمودين -الآية التي قبلها- فإن لجنسهم حظا في التعصيب، ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين:{غَيْرَ مُضَارٍّ} ولم يقل ذلك في آية العمودين؛ فإن الإنسان كثيرا ما يقصد ضرار الزوج، وولد الأم؛ لأنهم ليسوا من عصبته، بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضارهم في العادة، فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم منه، وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر وهم عصبته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر"، وفي هذه المسألة لم تبق الفرائض شيئا فلا شيء للعصبة بالنص. وأما قول القائس: هب أن أبانا كان حمارا؛ فقول باطل حسا وشرعا؛ فإن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا، وإذا قيل: يقدر وجوده كعدمه؛ قيل: هذا باطل؛ فإن الموجود لا يكون كالمعدوم، وأما بطلانه شرعا؛ فإن الله سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. فإن قيل: الأب أن لم ينفعهم لم يضرهم، قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم؛ فإن ولد الأم لو كان واحدا، وولد الأبوين مائة، وفضل نصف سدس انفرد ولد الأم بالسدس، واشترك ولد الأبوين في نصف السدس، وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم. وأيضا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامها، هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله كأخ من أب، وأخ من أم؛ فنعطيه السدس فرضا بقرابة الأم، والباقي تعصيبا بقرابة الأب
(2)
.
(1)
أحكام القرآن ج 3/ ص 24، 25.
(2)
انظر: إعلام الموقعين ص 355 - 357.
51 - كل وصية من العباد تخالف وصية الله فهي مسبوقة بوصية الله
(1)
.
قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ
…
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)} النساء: 12.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله مناسبة قوله تعالى: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} التنبيه على أن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، و ذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر مقادير المواريث، وحذر من الضرار في الوصايا
(3)
، ثم أعقب ذلك بقوله:{وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} -أي: عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم-؛ فدل ذلك على أن كل وصية خالفت ما أمر الله به في تقسيم المواريث أو في الوصايا باطلة مردودة بوصية الله؛ لأنها سابقة لكل وصية يوصي بها العباد.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 435.
(3)
الضرار في الوصية يقع على وجوه:
أحدها: أن يوصي بأكثر من الثلث.
وثانيها: أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي.
وثالثها: أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة.
ورابعها: أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه.
وخامسها: أن يبيع شيئا بثمن بخس، أو يشتري شيئا بثمن غال، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة.
وسادسها: أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة. انظر: التفسير الكبير ج 9/ ص 182.
فوصية الله شاملة لكل ما ذكره الآية في قسمة المواريث.
وقيل هي خاصة بميراث أبناء الأم، فقوله:{وَصِيَّةً} منصوب
(1)
من قوله: {وَإِنْ كَانَ
…
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: من الآية 12].
(2)
والأول أظهر والله أعلم.
قال الطبري: وأما قوله: {وَصِيَّةً} فإن نصبه من قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: من الآية 11] وسائر ما أوصى به في الاثنين والذي قلناه بالصواب أولى؛ لأن الله جل ثناؤه افتتح ذكر قسمة المواريث في هاتين الآيتين بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} ، ثم ختم ذلك بقوله:{وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} .
أخبر أن جميع ذلك وصيةٌ منه به عبادَه. فنَصْبُ قوله: {وَصِيَّةً} على المصدر من قوله: {يُوصِيكُمُ} أولى من نصبه على التفسير من قوله: {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} لما ذكرنا
(3)
.
(1)
في نصب {وَصِيَّةً} أربعة أوجه:
أحدها: أنه مصدر مؤكد، أي: يوصيكم اللَّهُ بذلك وصية.
الثاني: أنها مصدر في موضع الحال، والعامل فيها {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: من الآية 11].
والثَّالِثُ: أنها منصوبة على الخروج- قال الآلوسي: المراد أنه خارج عن طرفي الإسناد فهو كقولهم: فضلة فلينظر- إما من قوله: {وَإِنْ كَانَ
…
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: من الآية 12]، أو من قوله:{فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: من الآية 12].
والرَّابعُ: أنَّها منصوبةٌ باسم الفاعل وهو {مُضَارٍّ} ، والمُضَارَّة لا تقع بالوصيَّةِ بل بالورثة، لكنَّه لَمَّا وّصَّى اللَّهُ بالورَثَة جَعَلَ المُضَارَّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصيّة مُبَالَغةً في ذلك، وَيُؤيَّدُ هذا التخريج القراءة الشاذة: غير مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ. انظر: الدر المصون ج 3/ ص 612، وروح المعاني ج 4/ ص 232.
(2)
انظر: معاني القرآن للفراء ج 1/ ص 258، وزهرة التفاسير ج 3/ ص 1607.
(3)
انظر: جامع البيان ج 6/ ص 487، 488.
وقيل: إن مناسبة ذكر {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} في خاتمة هذه الآية بالنظر لختم الآية السابقة بقوله تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} أن لفظ الفرض أقوى و آكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية؛ ليدل بذلك على أن الكل وإن كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى
(1)
.
وقيل العكس، أي: الوصية أقوى من الفرض؛ لدلالة الوصية على الرغبة، وطلب سرعة الحصول؛ فختم شرح ميراث الكلالة بها؛ لأنها لبعدها ربما لا يعتني بشأنها فحرض على الاعتناء بها بذكر الوصية
(2)
.
52 - مناسبة ذكر التغليظ على من يأتين الفاحشة من النساء بعد الأمر بالإحسان إلى النساء؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهن إليهن، وميراثهن مع الرجال ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن مناسبة ذكر التغليظ على من يأتين الفاحشة من النساء بعد الأمر بالإحسان إلى النساء؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 9/ ص 183.
(2)
انظر: روح المعاني ج 4/ ص 232.
(3)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 437.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى، أي: إثبات صفة الفعل المتجدد لله؛ لقوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)} . انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج 1/ ص 128.
2) حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة؛ لقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ} لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر. انظر المصدر السابق ج 1/ ص 127.
3) في الآية إشارة إلى أن منع النساء من الخروج عند الحاجة إليه لمجرد الغيرة، أو لمجرد الهوى والتحكم من الرجال لا يجوز. قاله المراغي في تفسيره ج 4/ ص 206، ومثله قول ابن عثيمين:(لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من الخروج، إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها؛ فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه، لكن لا نلزمهن بذلك). تفسير سورة النساء ج 1/ ص 127، 128.
4) يكون التعزير بالحبس، وسائر أنواع الأذى من الضرب والتعيير والتوبيخ والإهانة. قاله السيوطي في الإكليل ج 2/ ص 521. ومثله قول السعدي:(يؤخذ منهما-أي من هذه الآية ومن قوله تعالى بعدها: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)} [النساء: 16]-أن الأذية بالقول والفعل والحبس قد شرعه الله تعزيرا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر). تيسير الكريم الرحمن ص 171.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى النساء؛ فذكر إيتاء صدقاتهن، وتوريثهن، ثم ذكر التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف. والدلالة على ذلك دلالة الربط بين الآيات.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي.
(1)
.
وفي هذا الاستنباط الموازنة بين ما للمرأة من حقوق، وما عليها من واجب الالتزام بأمر الله. و فيه تنبيه مهم للنساء، وللداعين إلى حقوق المرأة في هذا العصر، فللمرأة أن تنال حقوقها التي كفلها لها الإسلام، على ألا تكون المطالبة بحقوقها ذريعة لترك العفاف، ولا وسيلة لتعريضها للضرر في دينها. فكما أن لها حقوقا؛ فعليها واجب الالتزام بأمر الله، فإن خالفته وجبت عليها العقوبة.
واستنبط بعض المفسرين مناسبات أخرى، منها:
1 -
أن التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة بعد ذكر الإحسان إليهن في الحقيقة إحسان إليهن، ونظر لهن في أمر آخرتهن؛ إذ الإحسان في الدنيا تارة يكون
بالثواب، وأخرى يكون بالزجر والعقاب لكف العاصي عن العصيان
(2)
.
2 -
لئلا يتوهم أن من الإحسان إليهن ترك إقامة الحدود عليهن؛ فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك
(3)
.
3 -
بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة، ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط
(4)
.
وكلها -والله أعلم- يصح.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 79، وفتح البيان ج 3/ ص 52.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 9/ ص 186، والبحر المحيط ج 3/ ص 271، واللباب في علوم الكتاب ج 6/ ص 236، ونظم الدرر ج 2/ ص 224، وتفسير القرآن للمراغي ج 4/ ص 204، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 161، وحدائق الروح والريحان ج 5/ ص 461.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 9/ ص 186، والبحر المحيط ج 3/ ص 271، واللباب في علوم الكتاب ج 6/ ص 236، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 161.
(4)
انظر: التفسير الكبير ج 9/ ص 186، واللباب في علوم الكتاب ج 6/ ص 236، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 161.
53 - مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)}
الإشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم
(1)
.
قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ
…
عَلِيًّا كَبِيرًا (34)} النساء: 34.
قال الشوكاني رحمه الله: ({إِنَّ اللَّهَ كَانَ
…
عَلِيًّا كَبِيرًا (34)} إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة والله بالمرصاد لكم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن مناسبة ختم الحديث عما أباحه الله للأزواج من تأديب زوجاتهن بما أمر الله بكون الله عليا كبيرا تذكير الأزواج بقدرة الله عليهم وحثهم على خفض الجناح، ولين الجانب.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوامة الرجال على النساء، وفي هذا نوع استعلاء، ثم أباح للأزواج تأديب زوجاتهن بما أمر الله، ثم ختم الآية باسمين كريمين من أسمائه سبحانه هما العلي الكبير؛ فدل بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على وعظ الأزواج وتوجيههن بخفض الجناح، ولين الجانب، وتحذيرهم وإنذارهم بأن قدرة الله عليهم فوق قدرتهم على زوجاتهن
(4)
.
قال ابن عطية: (وهذا نهي عن ظلمهن بغير واجب بعد تقدير الفضل عليهن، والتمكين من أدبهن، وحسن معه الاتصاف بالعلو والكبر أي: قدره فوق كل قدر، ويده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعمل أحد على امرأته فالله بالمرصاد. وينظر هذا إلى حديث أبي مسعود
(5)
: "فصرفت وجهي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد"
(6)
(7)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 1/ ص 461.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) استنبط من قوله تعالى: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} بمفهوم المخالفة أنه متى عجز الزوج عن نفقة زوجته لم يكن قواما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 166، والإكليل ج 2/ ص 553. ونسبه الشوكاني في فتح القدير إلى مالك والشافعي ج 1/ ص 461.
2) لا يجوز للمرأة أن تلي القضاء كالإمامة العظمى؛ لأنه جعل الرجال قوامين عليهن، فلم يجز أن يَقُمن على الرجال. انظر: الإكليل ج 2/ ص 553.
(4)
انظر: البحر المحيط ج 3/ ص 343، وقطف الأزهار ج 2/ ص 702.
(5)
هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، أبو مسعود البدري، وهو مشهور بكنيته، اتفقوا على أنه شهد العقبة، واختلفوا في شهوده بدرا، فقال الأكثر نزلها، وقيل: إنه نزل ماء ببدر فنسب إليه، وشهد أحدا وما بعدها، ونزل الكوفة، وكان من أصحاب علي، واُستخلف مرة على الكوفة، ثبت أنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة وذلك بعد سنة أربعين قطعا، قيل: مات بالكوفة، وقيل: مات بالمدينة. انظر: الاستيعاب ج 1/ ص 177، والإصابة ج 4/ ص 425.
(6)
وتمام الحديث: عن أبي مسعود الأنصاري قال: "كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا: اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار". أخرجه مسلم في كتاب: الأيمان، باب: صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده، رقم: 1659، ج 3/ ص 1281.
(7)
المحرر الوجيز ص 432.
وقال الدوسري مؤيدا: (فيه ختم مناسب لموضوع الآية، وذلك أنه لما أمر الأزواج بتأديب الزوجات وعظهم وأنذرهم بقدر ته عليهم، وأنه العلي الكبير فلا يستعلوا على أزواجهن بأي نوع من التسلط، بل ينصفوا لهن، ويراقبوا الله في وصفهن. وهاتان الصفتان يجب إثباتهما لله على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه العلي الأعلى، له علو الذات، وعلو الصفات، وعلو الكمال، وقد أسلفنا أنه الأعلى على خلقه، دون أن تحيط به جهة، أو تحويه جهة، فإن الجهات التي تتصورها العقول بالنسبة إلى المخلوق، فأما الله الخلاق العظيم فإن الجهات عنده عديمة، لأن جميع العوالم العلوية والسفلية بالنسبة لوسع الله كالذرة الصغرى في يد أحدنا، والله أعلى وأجل، وقد فصلنا ذلك عند الكلام على آية الكرسي، وبالجملة فالله هو العلي الأعلى، له علو الذات على ما يليق بجلاله، وعلو القهر وعلو الاستعلاء المعنوي بجميع معانيه، وهو الكبير، كبير الشأن والسلطان لا يطاوله أحد إلا قصمه، ولا يستعلي عليه أحد إلا أذله، وفي ذكر الله لهذين الاسمين العظيمين في ختام هذه الآية إنذار وتهديد من الله للأزواج على ظلم زوجاتهم، والتجني عليهن بالضرب والإهانة بلا سبب، فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم أيها الرجال، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، وهو سبحانه بالمرصاد ينتقم لهن منكم على ظلمكم إياهن، واستعلائكم عليهن بالباطل، وانتقاصكم لحقوقهن بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة، فهو الكبير المتعال، فلا يغيب عن بالكم أنه علي كبير قائم بالقسط، وينتصف من الظالم، فما أحسن مناسبة ختم هذه الآية بذلك)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية -كما تقدم-، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وأبو السعود، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والدوسري كما تقدم.
(2)
.
وذكر بعض المفسرين مناسبات أخرى جمعها الرازي بقوله: (وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه:
الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى: أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي، قاهر، كبير، قادر، ينتصف لهن منكم، ويستوفي حقهن منكم؛ فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة منهن.
(1)
صفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 307، 308.
(2)
انظر: المحرر الوجيز ص 432، والتفسير الكبير ج 10/ ص 74، والجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 166، والبحر المحيط ج 3/ ص 343، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 174، وفتح البيان ج 3/ ص 108، وزهرة التفاسير ج 3/ ص 1671، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 5/ ص 307، 308.
الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم؛ فان الله أعلى منكم، وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق.
الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم؛ فإنهن لا يقدرن على ذلك.
الرابع: أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها.
الخامس: أنه تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض)
(1)
.
54 - مناسبة تخصيص ذم المختال الفخور بعد الأمر بعبادة الله والإحسان إلى الخلق؛ لأن هاتين الصفتين تحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وخص هاتين الصفتين لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن مناسبة ختم الآية بنفي محبته سبحانه عن المختال الفخور بعد أن أمر سبحانه بعبادته، ونهى عن الإشراك به، وأمر بالإحسان إلى الخلق؛ لأنهما صفتان تحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية.
ووجه الاستنباط: أن الله أمر بالدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة، ونهى عن الشرك به، ثم أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب، فبدأ بالوالدين، ثم جميع الأقارب قربوا أو بعدوا. ثم أمر بالإحسان إلى المساكين الذين أسكنتهم الحاجة والفقر فلم يحصلوا على كفايتهم. ثم حث على الإحسان إلى الجار ذي القربى وهو الجار القريب الذي له حقان: حق الجوار، وحق القرابة، وكذلك الإحسان للجار الجنب الذي ليس له قرابة. وإلى الصاحب بالجنب وهو الصاحب مطلقا فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر، ويشمل الزوجة. ثم أمر بالإحسان إلى ابن السبيل، وما ملكت الأيمان من الآدميين والبهائم، وذلك بالقيام بكفايتهم، وعدم تحميلهم ما يشق عليهم
(4)
. ثم نفى سبحانه محبته ورضاه عن المختال ذو الخيلاء أي: الكبر، والفخور: الذي يعدد مناقبه كبرا، فخص هاتين الصفتين بالذكر هنا؛ لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير، والجار الفقير، وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم
(5)
. والدلالة على هذا المعنى دلالة الربط بين الآية وخاتمتها.
(1)
التفسير الكبير ج 10/ ص 74.
(2)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة)، وهو استنباط في الأخلاق لتعلقه بالاختيال والفخر.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 464.
(4)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 178.
(5)
انظر: زاد المسير ج 2/ ص 81، الجامع لأحكام القرآن ج 5/ 185.
قال الرازي: (وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف إليه ذم الفخور؛ لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة بل لمحض أمر الله تعالى)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن الجوزي
(2)
، والرازي-كما تقدم-، والقرطبي، والبقاعي، والقنوجي.
(3)
.
وقد ذكر أبو حيان هذه المناسبة في تفسيره لكنه رأى غيرها، فقال: والذي يظهر لي أن مساقهما غير هذا المساق الذي ذكروه، وذلك أنه تعالى لما أمر بالإحسان للأصناف المذكورة، والتحفي بهم وإكرامهم، كان في العادة أن ينشأ عن من اتصف بمكارم الأخلاق أن يجد في نفسه زهوا وخيلا وافتخارا بما صدر منه من الإحسان. وكثيرا ما افتخرت العرب بذلك وتعاظمت في نثرها ونظمها به، فأراد تعالى أن ينبه على التحلي بصفة التواضع، وأن لا يرى لنفسه شفوفا على من أحسن إليه، وأن لا يفخر عليه كما قال تعالى:{لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: من الآية 264]
(4)
.
(5)
. إلى أن قال: إلا أن ما ذكرناه لا يتم إلا على أن يكون {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} [النساء: من الآية 37]
(6)
مبتدأ مقتطعا مما قبله، أما أن يكون متصلا بما قبله فيأتي المعنى الذي ذكره المفسرون.
(1)
التفسير الكبير ج 10/ ص 79.
(2)
العلامة، الحافظ، المفسر، جمال الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، علاَّمة عصره، لقب جده بالجوزي لجوزة كانت في دارهم بواسط لم يكن بها جوزة سواها، وابن الجوزي صاحب التصانيف في التفسير، والفقه، والحديث، والتاريخ، والوعظ، والطب، من تلك المصنفات:"الوجوه والنظائر"، "زاد المسير في علم التفسير"، "فنون الأفنان في علوم القرآن"، توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 21، ص 365، وطبقات المفسرين للسيوطي ص 61، وطبقات المفسرين للداودي ج 1، ص 270 - 274.
(3)
انظر: المحرر الوجيز ص 434، وزاد المسير ص 282، والتفسير الكبير ج 10/ ص 79، والجامع لأحكام القرآن ج 5/ 185، ونظم الدرر ج 2/ ص 256، وفتح البيان ج 3/ ص 117.
(4)
انظر: البحر المحيط ج 3/ ص 348.
(5)
وتمامها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
…
صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)}.
(6)
وكلتا المناسبتين صحيح والله أعلم، فالمقصود التحذير من هاتين الصفتين سواء أكانتا مانعتين ابتداء مما ندب الله إليه، أو كانتا ناشئتين في نفس المحسن بعد إحسانه افتخارا بعمله.
وما أشار إليه أبو حيان من انفصال قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)} عما قبله يصح. فقد تكون هذه الآية متصلة بما قبلها لبيان صفتهم، ويكون معنى الكتمان كتمان الرزق.
وقد تكون منفصلة عنها فتكون ابتداء حديث عن اليهود الذين بخلوا بإظهار العلم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيكون معنى الكتمان كتمانهم ذلك.
قال ابن كثير: وقد حمل بعض السلف
(1)
هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)}
…
ولا شك أن الآية محتملة لذلك. والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء
(2)
.
55 - مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته
(3)
.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)} النساء: 48.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقد تقدم قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)} [النساء: 31] وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر؛ فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته)
(4)
.
(1)
كابن عباس رضي الله عنه، ومجاهد، وسعيد بن جبير انظر: جامع البيان ج 7/ ص 22 - 24، وتفسير ابن أبي حاتم ج 3/ ص 951، والدر المنثور ج 2/ ص 538.
(2)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 106.
(3)
وهو استنباط عقدي.
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 475، 476.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله أن مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال هنا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)} ، وقال قبلها:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)} ؛ فدل بدلالة التركيب على أن مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والقاسمي.
(2)
. وأشار إليه القرطبي بقوله: فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه
(3)
.
ولعل الشوكاني عني بذلك وعد الله تعالى بتكفير الصغائر، فقد أشار عند تفسير قوله تعالى:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)} [النجم: 31، 32] إلى أن الصغائر ذنوب تفتقر إلى مغفرة الله، فقال:(وجملة: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته)
(4)
.
والقول بأن الكبائر والصغائر تحت المشيئة هو الأحسن. قال ابن عثيمين: (ما دون الشرك تحت المشيئة؛ لقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، وليس مجزوما بمغفرته، ولا مجزوما بالمؤاخذة عليه، وإنما هو تحت المشيئة)
(5)
.
وقال: (الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي: فإن لم يجتنب الكبائر أخذ بالصغائر، لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرا، فالفائدة من قولهم يؤخذ بها أنه إذا اجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر)
(6)
.
(1)
واستنبط غيره أن في الآية ردا على المعتزلة القائلين بأن الكبائر لا تغفر، وردا على المرجئة القائلين: إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون؛ لقوله تعالى: {لِمَنْ يَشَاءُ} . انظر: الإكليل ج 2/ ص 563.
(2)
انظر: فتح البيان ج 3/ ص 143، ومحاسن التأويل ج 3/ ص 148.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 152.
(4)
فتح القدير ج 5/ ص 113.
(5)
تفسير سورة النساء ج 1/ ص 390.
(6)
المصدر السابق ج 1/ ص 269.
ونقل القرطبي عن الأصوليين قولهم: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة
(1)
.
56 - من حبسه العذر عن الجهاد يعطى مثل أجر المجاهد
(2)
.
قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ
(3)
أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)} النساء: 95.
قال الشوكاني رحمه الله: (وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد. وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف؛ لأجل المباشرة
(4)
(5)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 152.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
قراءة نافع -وهي القراءة التي فسَّر عليها الشوكاني- بنصب الراء من (غيرَ)، وهي قراءة ابن عامر، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف، أما الرفع فقرأ به ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، ويعقوب. انظر: النشر ج 2/ ص 251، وإتحاف فضلاء البشر ج 1/ ص 245.
فمن نصب فعلى الاستثناء من القاعدين، وإن شئت من المؤمنين، وإن شئت نصبته على الحال من القاعدين أي: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم. ومن رفع غير جعله نعتا للقاعدين؛ لأنهم غير معنيين، لم يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة، فجاز أن يوصفوا بغير، وجاز الحال منهم؛ لأن لفظهم لفظ المعرفة، وقيل: هو بدل من القاعدين. والأحسن أن يكون الرفع في غير على البدل من القاعدين. انظر: مشكل إعراب القرآن ج 1/ ص 206، والتبيان في إعراب القرآن ج 1/ ص 383، والدر المصون ج 4/ ص 76.
(4)
هذا القول تعقبه ابن العربي -عند تفسير قوله تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)} [التوبة: 121]- بقوله: (وقد قال بعض الناس: إنما يكون له الأجر غير مضاعف، ويضاعف للعامل المباشر. وهذا تحكم على الله، وتضييق لسعة رحمته). أحكام القرآن ج 2/ ص 470.
(5)
فتح القدير ج 1/ ص 503.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله من الآية أن من حبسه العذر عن الجهاد يعطى مثل أجر المجاهد.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نفى استواء القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر؛ فدل بمفهوم المخالفة أن من قعد عن الجهاد بعذر يعطى مثل أجر المجاهد.
قال الشنقيطي: (وقوله في هذه الآية الكريمة: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والشنقيطي كما تقدم.
(3)
.
وخالفهم آخرون، منهم: الجصاص، وابن عطية.
فقال الجصاص: (فإن قيل: هل في الآية دلالة على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله من أجل معنى الاستثناء فيها؛ قيل له: لا دلالة فيها على التساوي؛ لأن الاستثناء ورد من حيث كان مخرج الآية تحريضا على الجهاد وحثا عليه، فاستثنى أولي الضرر إذ ليسوا مأمورين بالجهاد، لا من حيث ألحقوا بالمجاهدين)
(4)
.
(1)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) الجهاد فرض كفاية لا فرض عين؛ لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضا لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى وهي الجنة والثواب الجزيل. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 3/ ص 227، وتفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 192، و وأضواء البيان ج 1/ ص 206.
2) قالت الشافعية: دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح؛ لأنا بينا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعودا من عند الله بالحسنى، إذا ثبت هذا فنقول: إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة، ثم إن قوله:{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)} يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجبا أو مندوبا، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد؛ فثبت أن الاشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح والله أعلم. انظر: التفسير الكبير ج 11/ ص 9، 10.
3) الغنى أفضل من الفقر؛ لأن الله تعالى فضَّل المجاهد بماله على المجاهد بغير ماله. انظر: أحكام القرآن بن الفرس ج 2/ ص 257، والإكليل ج 2/ ص 584.
(2)
أضواء البيان ج 1/ ص 206.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 325، والإكليل ج 2/ ص 584، وفتح البيان ج 3/ ص 210، وأضواء البيان ج 1/ ص 206.
(4)
أحكام القرآن ج 3/ ص 227.
وقال ابن عطية: (لأن أولي الضرر لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر)
(1)
.
والأظهر -والله تعالى أعلم- القول بأن في القاعد من أولي الضرر تفصيلا، فلا يجوز أن يُساوى بالمجاهد مطلقاً، ولا يُنفى عنه المساواة مطلقاً، ودلالة المفهوم لا عموم لها
(2)
.
(1)
المحرر الوجيز ص 470.
(2)
انظر هذا التفصيل في طريق الهجرتين ص 528 - 536. وفيه قال ابن القيم: وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس من جهة أن القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجات إن كانوا هم القاعدين الذي فضل عليهم أولو الضرر فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا، وعلى هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين وهم لا يستوون والمجاهدين أصلا، فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا، فهذا وجه الإشكال ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله.
إلى أن قال: ولكن بقى أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقاً لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقاً، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أُولى الضرر فائدة، فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أُولى الضرر أيضاً. وأيضاً فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولى الضرر لا القاعدون الذين هم أولوا الضرر، فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم وبيَّن أن التفضيل على غيرهم، فاللام في "القاعدين" للعهد والمعهود هم غير أولى الضرر لا المضرورون، وأيضاً فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً"، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا وهم معكم" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة حبسهم العذر".
وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أُولى الضرر لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن القاعدين من أولى الضرر، فلم يدل على حكمهم بطريق منطوقها، ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى:
معذور من أهل الجهاد غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد، وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام. والقسم الثاني: معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزما تاما، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضل الله المجاهدين عليه وإن كان معذورا؛ لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول.
فلما كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز أن يساوي بالمجاهد مطلقا، ولا ينفي عنه المساواة مطلقا. ودلالة المفهوم لا عموم لها، فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ العامة.
قال ابن تيمية: فصل الخطاب في الآية أن أولي الضرر نوعان:
نوع لهم عزم تام على الجهاد، و لو تمكنوا لما قعدوا و لا تخلفوا، و إنما أقعدهم العذر، فهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر"
(1)
.
وكما في حديث أبى موسى رضي الله عنهم: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما"
(2)
. فأثبت له مثل ذلك العمل لأن عزمه تام و إنما منعه العذر.
والنوع الثاني من أولى الضرر: الذين ليس لهم عزم على الخروج، فهؤلاء يفضُل عليهم الخارجون المجاهدون و أولوا الضرر العازمون عزما جازما على الخروج.
و قوله تعالى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} سواء كان استثناء أو صفة دل على أنهم لا يدخلون مع القاعدين في نفي الاستواء، فإذا فصل الأمر فيهم بين العازم و غير العازم بقيت الآية على ظاهرها. و لو جعل قوله:{فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} عاما في أهل الضرر و غيرهم؛ لكان ذلك مناقضا لقوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ؛ فإن قوله لا يستوي القاعدون و المجاهدون إنما فيها نفي الاستواء، فإن كان أهل الضرر كلهم كذلك لزم بطلان قوله:{غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ، و لزم أنه لا يساوي المجاهدين قاعد و لو كان من أولي الضرر، و هذا خلاف مقصود الآية
(3)
.
إذاً فما استنبطه الشوكاني إنما يصح في المعذور من أهل الجهاد الذي غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة.
قال ابن القيم: (وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية؛ وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام. كما دل عليه قوله: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه"
(4)
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: نزول النبي الحجر،، رقم: 4161، ج 4/ ص 1610. وعند مسلم من حديث رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض". أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، رقم: 1911، ج 3/ ص 1518.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، رقم: 2834، ج 3/ ص 1092.
(3)
انظر: مجموع الفتاوى ج 14/ ص 123، 124.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب:{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} فسماهم المؤمنين، رقم: 31، ج 1/ ص 20، وأخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، رقم: 2888، ج 4/ ص 2213.
(5)
طريق الهجرتين ص 532.
أما المعذور الذي ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزما تاما، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله.
قال السعدي: (فمن كان من أولي الضرر راضيا بقعوده، لا ينوي الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع ولا يحدث نفسه بذلك؛ فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر. ومن كان عازما على الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع يتمنى ذلك، ويحدث به نفسه؛ فإنه بمنزلة من خرج للجهاد؛ لأن النية الجازمة إذا اقترن بها مقدورها من القول أو الفعل ينزل صاحبها منزلة الفاعل)
(1)
.
57 - الحث على الهجرة
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف فكيف من كان مكلفا.
وقيل: أراد بالولدان المراهقين والمماليك)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من الآية تأكيد أمر الهجرة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر وعيده لمن تركوا الهجرة، ثم استثنى أهل العذر المستضعفين من الرجال وضعفة النساء والولدان، فذكر الولدان مع أنهم غير مكلفين بالهجرة؛ فدل ذلك على أنها تجب لو استطاعها غير المكلف فكيف من كان مكلفا.
والمقصود وجوبها على من لم يكن متمكنا من إقامة الدين
(5)
.
(1)
تيسير الكريم الرحمن ص 195.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
فتح القدير ج 1/ ص 505.
(4)
واستنبط السعدي من قوله تعالى: {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)} التنبيه على أن الدليل في الحج والعمرة ونحوهما -مما يحتاج إلى سفر- من شروط الاستطاعة، ووجهه: القياس على الهجرة. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 196.
(5)
ذكر ابن عاشور أن القياس على حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظرا في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي يفتن فيه المؤمن في دينه، ثم ذكر ستة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون المؤمن ببلد يفتن فيه في إيمانه فيرغم على الكفر وهو يستطيع الخروج، فهذا حكمه حكم الذين نزلت فيهم الآية، وقد هاجر مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصر، فخرجوا على وجوههم في كل واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانهم، وهلك فريق منهم في الطريق وذلك في سنة 902 وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة 1016.
الحالة الثانية: أن يكون ببلد الكفر غير مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال، فهذا قد عرض نفسه للضر وهو حرام بلا نزاع، وهذا مسمى الإقامة ببلد الحرب المفسرة بأرض العدو.
الحالة الثالثة: أن يكون ببلد غلب عليه غير المسلمين إلا أنهم لم يفتنوا الناس في إيمانهم ولا في عباداتهم ولا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولكنه بإقامته تجري عليه أحكام غير المسلمين إذا عرض له حادث مع واحد من أهل ذلك البلد الذين هم غير مسلمين، وهذا مثل الذي يقيم اليوم ببلاد أوروبا النصرانية.
وظاهر قول مالك أن المقام في مثل ذلك مكروه كراهة شديدة من أجل أنه تجري عليه أحكام غير المسلمين.
الحالة الرابعة: أن يتغلب الكفار على بلد أهله مسلمون ولا يفتنوهم في دينهم ولا في عبادتهم ولا في أموالهم، ولكنهم يكون لهم حكم القوة عليهم فقط، وتجري الأحكام بينهم على مقتضى شريعة الإسلام كما وقع في بلاد غرناطة حين استولى عليها طاغية الجلالقة على شروط منها احترام دينهم، فإن أهلها أقاموا بها مدة وأقام منهم علماؤهم وكانوا يلون القضاء والفتوى والعدالة والأمانة ونحو ذلك، وهاجر فريق منهم فلم يعب المهاجر على القاطن، ولا القاطن على المهاجر.
الحالة الخامسة: أن يكون لغير المسلمين نفوذ وسلطان على بعض بلاد الإسلام، مع بقاء ملوك الإسلام فيها، واستمرار تصرفهم في قومهم، وولاية حكامهم منهم، واحترام أديانهم وسائر شعائرهم، ولكن تصرف الأمراء تحت نظر غير المسلمين وبموافقتهم، وهو ما يسمى بالحماية والاحتلال والوصاية والانتداب. وكما وقع بتونس والمغرب الأقصى من حماية فرنسا، وكما وقع في سوريا والعراق أيام الانتداب، وهذه لا شبهة في عدم وجوب الهجرة منها.
الحالة السادسة: البلد الذي تكثر فيه المناكر والبدع، وتجري فيه أحكام كثيرة على خلاف صريح الإسلام بحيث يخلط عملا صالحا وآخر سيئا ولا يجبر المسلم فيها على ارتكابه خلاف الشرع، ولكنه لا يستطيع تغييرها إلا بالقول، أو لا يستطيع ذلك أصلا. هذه روي عن مالك وجوب الخروج منها، غير أن ذلك قد حدث في القيروان أيام بني عبيد فلم يحفظ أن أحدا من فقهائها الصالحين دعا الناس إلى الهجرة. وحدث في مصر مدة الفاطميين أيضا فلم يغادرها أحد من علمائها الصالحين. ودون هذه الأحوال الستة أحوال كثيرة هي أولى بجواز الإقامة، وأنها مراتب. وإن لبقاء المسلمين في أوطانهم إذا لم يفتنوا في دينهم مصلحة كبرى للجامعة الإسلامية. انظر: التحرير والتنوير ج 4/ ص 235، 236.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والهرري.
(1)
. وأشار إليه السعدي وإن لم يصرح بوجه الاستنباط، فقال:(وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات وتركها من المحرمات بل من أكبر الكبائر)
(2)
.
وهذا الاستنباط إنما هو على ترجيح أن يكون معنى الولدان الأطفال، ويؤيد هذا الترجيح حديث ابن عباس رضي الله عنهم:"كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء"
(3)
.
وهذا الاستنباط مما يستأنس به في ثبوت وجوب الهجرة، وقد بسط الشوكاني الأدلة الصريحة في وجوب الهجرة في نيل الأوطار
(4)
.
وقد ذكر البيضاوي وأبو السعود أن مناسبة ذكر الولدان للإشعار بأنهم لا محيص لهم عنها البتة، حتى كأنها واجبة عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وأن قومهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت
(5)
. وذكر الآلوسي أنه للتنبيه على أن العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان
(6)
.
وكل عباراتهم دالة على وجوب الهجرة، والتأكيد على أمرها.
58 - تأكيد أمر الهجرة
(7)
.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 2/ ص 223، وروح المعاني ج 5/ ص 127، وفتح البيان ج 3/ ص 215، 216، وحدائق الروح والريحان ج 6/ ص 305.
(2)
تيسير الكريم الرحمن ص 196.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام، رقم/ 1291، ج 1/ ص 455.
(4)
انظر: باب بقاء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها ج 8/ ص 176 - 179.
(5)
انظر: أنوار التنزيل ج 2/ ص 243، إرشاد العقل السليم ج 2/ ص 223.
(6)
انظر: روح المعاني ج 5/ ص 127.
(7)
وهو استنباط فقهي.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجيء بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية أن مناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) لتأكيد أمر الهجرة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر أصحاب الأعذار المعفو عنهم في أمر الهجرة من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان قال: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} فجاء بكلمة الإطماع؛ لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه. فدلالة الآية على المعنى هي مناسبة لفظ عسى.
قال البيضاوي: (ذكر بكلمة الإطماع ولفظ العفو إيذانا بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر -الذي تحقق عدم وجوبها عليه- من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويعلق بها قلبه)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(3)
.
ومعلوم أن عسى من الله واجبة
(4)
، باعتباره منسوبا إلى الله
(5)
، لكن المقصود هنا النظر إلى الرجاء باعتبار ما يكون في قلب المخاطَب
(6)
، ومناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) في هذا المقام -وهي لا تعطي الإنسان يقينا بالوقوع- دون الألفاظ الدالة على القطع.
واستنبط غيره مناسبة مجيء كلمة الإطماع هنا:
فذكر السعدي أنها للدلالة على أن العبد لا يوفي العمل حق توفيته، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرا
(7)
.
(1)
فتح القدير ج 1/ ص 505.
(2)
وروح المعاني ج 5/ ص 127.
(3)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 589، وأنوار التنزيل ج 2/ ص 243، وإرشاد العقل السليم ج 2/ ص 224، وروح المعاني ج 5/ ص 127، وفتح البيان ج 3/ ص 216.
(4)
قال السمعاني: (وعسى من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدا أوجب له، وأوصله إليه). تفسير القرآن العزيز ج 1/ ص 470.
(5)
أي: أن الله وعدهم بأن يعفو عنهم. انظر: تفسير سورة النساء لابن عثيمين ج 2/ ص 122.
(6)
المصدر السابق ج 2/ ص 122. وقال ابن عطية: ثم رجى الله تعالى هؤلاء بالعفو عنهم، و عسى من الله واجبة؛ إما لأنها دالة على ثقل الأمر المعفو عنه، قال الحسن: عسى من الله واجبة. قال غيره: هي بمنزلة الوعد إذ ليس يخبر ب عسى عن شك ولا توقع، وهذا يرجع إلى الوجوب. قال آخرون: هي على معتقد البشر، أي: ظنكم بمن هذه حالة ترجى عفو الله عنه. انظر: المحرر الوجيز ص 472.
(7)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 196.
وذكر الرازي أن المناسبة هي أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها، مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة؛ فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة عسى لا بالكلمة الدالة على القطع
(1)
.
ولا تزاحم بين هذه المناسبات. وما ذكره الشوكاني يصح كاستنباط دقيق يستأنس به مع الأدلة الصريحة في وجوب الهجرة، و قد بسط الشوكاني ذكرها في كتابه: نيل الأوطار
(2)
.
59 - مناسبة قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلا؛ لبيان أنه سبحانه اتخذ إبراهيم عليه السلام خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته
(3)
.
قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
…
حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
…
خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} النساء: 125 - 126.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن مناسبة قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم خليلا لبيان أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 11/ ص 12.
(2)
انظر: باب بقاء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها ج 8/ ص 176 - 179.
(3)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(4)
فتح القدير ج 1/ ص 519.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) إثبات أفعال الله؛ لقوله: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
…
خَلِيلًا (125)} فإن الله يفعل ما يريد، ومتى شاء. وفيه رد على من يقول: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية، ولا يتجدد له فعل، انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 274، وتفسير سورة النساء لابن عثيمين ج 2/ ص 272.
2) قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} مناسب لأول الآية؛ لأن من ملك شيئا فلابد أن يحيط به علما وقدرة ليصح تصرفه فيه. انظر: قطف الأزهار ج 2/ ص 754.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر سعة ملكه، وإحاطته بكل شيء عقب ذكر اتخاذه إبراهيم عليه السلام خليلا؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيتين على أنه سبحانه لم يتخذ إبراهيم عليه السلام خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض، وما كان كذلك فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف، وإنما اتخذه خليلا بمحض الفضل، والإحسان، والكرم
(1)
فهي خلة تشريف منه تعالى لإبراهيم عليه السلام مع بقائه على العبودية
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن جرير الطبري، والرازي، والقرطبي، والنسفي، وأبو حيان، وابن عادل الحنبلي، والبقاعي، والآلوسي، والقنوجي، والدوسري.
(3)
.
وهذا الاستنباط على أن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} متصل بقوله تعالى- قبله-: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
…
خَلِيلًا (125)}.
ويحتمل أن يكون متصلا بقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)} [النساء: 124] على أنه كالتعليل لوجوب العمل
(4)
، ففيه الترغيب في طاعة الله والانقطاع إليه
(5)
.
وكلتا المناسبتين ذكرهما أبو حيان، وغيره
(6)
. فقال أبو حيان: (لما تقدم ذكر عامل السوء، وعامل الصالحات أخبر بعظيم ملكه. وملكه بجميع ما في السموات وما في الأرض، والعالم مملوك له، وعلى المملوك طاعة مالكه، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لما ذكرناه، ولما تقدم ذكر الخلة، فذكر أنه مع الخلة عبد الله، وأن الخلة ليست لاحتياج، وإنما هي خلة تشريف منه تعالى لإبراهيم عليه السلام مع بقائه على العبودية).
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 11/ ص 48.
(2)
انظر: البحر المحيط ج 3/ ص 508.
(3)
انظر: جامع البيان ج 7/ ص 530، والتفسير الكبير ج 11/ ص 48، والجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 383، ومدارك التنزيل ج 1/ ص 368، والبحر المحيط ج 3/ ص 508، واللباب في علوم الكتاب ج 7/ ص 41، ونظم الدرر ج 5/ ص 414، وروح المعاني ج 5/ ص 156، وفتح البيان ج 3/ ص 251، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 6/ ص 535، 536.
(4)
انظر: روح المعاني ج 5/ ص 156.
(5)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 603، والمحرر الوجيز ص 485.
(6)
انظر: التفسير الكبير ج 11/ ص 48، واللباب في علوم الكتاب ج 7/ ص 41، وروح المعاني ج 5/ ص 156، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 6/ ص 535، 536.
وكلها يصح، فقد ذكر الرازي هذين الوجهين وغيرهما بقوله: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجوه:
الأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض، وما كان كذلك فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف.
والثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد فبين هاهنا أنه مالك المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ومن كان كذلك كان ملكا مطاعا فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه.
الثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد، ولا يمكن الوفاء بهما إلا عند حصول أمرين:
أحدهما: القدرة التامة.
والثاني: العلم التام حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي، والمحسن والمسيء.
فدل على كمال قدرته بقوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، وعلى كمال علمه بقوله:{وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} .
الرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له، وذلك لأنه له ما في السماوات وما في الأرض، ويجري هذا مجرى قوله:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)} [مريم: 93]، ومجرى قوله:{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172)} [النساء: 172]. فإذا كان كل من في السماوات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلاهيته فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلا يخرجه عن عبودية الله
(1)
.
ثم ختم ذلك بقوله: (وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة)
(2)
.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 11/ ص 48.
(2)
المصدر السابق ج 11/ ص 48.
سورة المائدة
60 - جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة
(1)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)} المائدة: 1.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} استثناء من قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} أي: إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال. والمتلو هو ما نص الله على تحريمه نحو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] الآية
(2)
، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه. وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان؛ فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعا)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أحل بهيمة الأنعام، ثم استثنى منه ما يتلى فقال:{إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} أي: ما يقرأ عليكم في القرآن والسنة. والاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، أو إلا ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان، وكل ذلك تأخير للبيان.
(4)
.
(1)
وهو استنباط أصولي.
(2)
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 5.
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 2/ ص 10، والجامع لأحكام القرآن ج 6/ ص 34.
قال ابن العربي: يحتمل قوله إلا ما يتلى عليكم الآن، أو إلا ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان. وفي هذا دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة، وهي مسألة أصولية، ومعناه أن الله سبحانه أباح لنا شيئا وحرم علينا شيئا استثناء منه، فأما الذي أباح لنا فسماه وبينه، وأما الذي استثناه فوعد بذكره في حين الإباحة، ثم بينه بعد ذلك في وقت واحد، أو في أوقات متفرقة على اختلاف التأويلين المتقدمين، وكل ذلك تأخير للبيان والله أعلم
(1)
.
وإنما أثبتُ للشوكاني عبارة (جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة)، وإن كانت عبارته في تفسيره:(جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة)؛ لأمرين:
الأول: أنه نص في إرشاد الفحول على أن تأخر البيان عن وقت الحاجة- وهو الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب، وذلك في الواجبات الفورية- لم يجز; لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ما لا يطاق.
(2)
.
ثم ذكر مسألة أخرى هي: تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات التي ليست بفورية، وذكر فيها مذاهب
(3)
، أبرزها:
1 -
الجواز مطلقا، وبه قال الشوكاني بعد أن ذكر أدلة القول بهذا القول
(4)
.
(1)
انظر: أحكام القرآن ج 2/ ص 10.
(2)
انظر: إرشاد الفحول ص 393. وقد نقل عن السمعاني قوله: لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل، ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل; لأن المكلف قد يؤخر النظر، وقد يخطئ إذا نظر فهذان الضربان لا خلاف فيهما.
(3)
راجعها في: إرشاد الفحول ص 396 - 397.
(4)
واستدلوا بقوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة: 18 - 19] وثم للتعقيب مع التراخي. وقوله في قصة نوح صدق الله العظيم: وأهلك من قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)} [هود: 40]، وعمومه يتناول ابنه.
وبقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} [الأنبياء: 98]. ثم لما سأل ابن الزبعرى عن عيسى والملائكة نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء: 101].
وبقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ثم وقع بيانها بعد ذلك بصلاة جبريل وبصلاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، و {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ثم وقع البيان لهذه الأمور بعد ذلك بالسنة، ونحو هذا كثير جدا. انظر: إرشاد الفحول ص 394 - 395.
2 -
المنع مطلقا. وقد رده الشوكاني بقوله: واستدل هؤلاء بما لا يسمن ولا يغني من جوع، فقالوا: لو جاز ذلك فإما أن يكون إلى مدة معينة، أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أما إلى مدة معينة فلكونه تحكما، ولكونه لم يقل به أحد، وأما إلى الأبد فلكونه يلزم المحذور، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم.
إلى أن قال: هذا أنهض ما استدلوا به على ضعفه، وقد استدلوا بما هو دونه في الضعف، فلا حاجة لنا إلى تطويل البحث بما لا طائل تحته.
(1)
ثم نص على اختياره القول الأول وهو جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فقال: وأنت إذا تتبعت موارد هذه الشريعة المطهرة وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب قضاء ظاهرا واضحا، لا ينكره من له أدنى خبرة بها، وممارسة لها.
(2)
.
فعلى هذا يبعد أن يكون مراد الشوكاني جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، إلا إن قصد تأخير البيان إلى وقت الحاجة لحاجة.
الثاني: بمراجعة كلام القرطبي في قوله تعالى: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} يظهر تأثر الشوكاني به كثيرا، حيث قال القرطبي:(ويحتمل إلا ما يتلى عليكم الآن، أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة)
(3)
. فلعل الشوكاني أراد جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والله أعلم.
وممن استنبط -من المفسرين- جواز تأخير البيان إلى وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة: القنوجي، والدوسري.
(4)
.
61 - ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم
(5)
.
(1)
انظر: المصدر السابق ص 395.
(2)
انظر: المصدر السابق ص 397.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 6/ ص 34.
(4)
انظر: فتح البيان ج 3/ ص 324، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 8/ ص 24.
(5)
وهو استنباط فقهي.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة
(1)
. وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض
(2)
الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم.
(1)
قال ابن كثير: (أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن أبي بن سلول حين مات، ودفنه فيه، قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بذلك، فأما الحديث الذي فيه: لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي فمحمول على الندب والاستحباب والله أعلم). تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 330. وقال النسفي: (فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لو كان حراما عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم). مدارك التنزيل ج 1/ ص 394.
(2)
هكذا (أعراض) بالراء فيما وقفت عليه من طبعات، والذي يظهر أنه:(أعواض) الطعام، أي ثمنه والعوض عنه؛ ليستقيم المعنى.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 15.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) دل قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} بمفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل. انظر: تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 330، والإكليل ج 2/ ص 617.
2) دل قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأن التحليل حكم وقد علقه بهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 77، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ج 1/ ص 642، وفتح البيان ج 3/ ص 355، وصفوة الآثار والمفاهيم ج 8/ ص 136.
3) أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ} ، والمذكور في هذه الآية أعمال؛ فدل على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة. تفسير سورة المائدة لابن عثيمين ج 1/ ص 83.
4) دل قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} على الحاجة لمخالطة أهل الكتاب. قال ابن عاشور: (لم يعرج المفسرون على بيان المناسبة بذكر {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}، والذي أراه أن الله تعالى نبهنا بهذا إلى التيسير في مخالطتهم، فأباح لنا طعامهم، وأباح لنا أن نطعمهم طعامنا، فعلم من هذين الحكمين أن علة الرخصة في تناولنا طعامهم هو الحاجة إلى مخالطتهم، وذلك أيضا تمهيد لقوله بعد: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}؛ لأن ذلك يقتضي شدة المخالطة معهم لتزوج نسائهم والمصاهرة معهم). التحرير والتنوير ج/ ص 46. لكن البقاعي أشار إلى هذا المعنى بقوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} أي: تناوله لحاجتكم، أي: مخالطتهم للإذن في إقرارهم على دينهم بالجزية، ولما كان هذا مشعراً بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم زاده تأكيداً بقوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} أي: فلا عليكم في بذله لهم، ولا عليهم في تناوله). نظم الدرر ج 2/ ص 398.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أحل لأهل الكتاب ذبائح المسلمين؛ فيلزم من ذلك أن يباح لهم بيعها، وشراؤها من المسلمين؛ فيكون ثمن لحمها حلا للمسلمين.
قال ابن الجوزي: ({وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} أي: وذبائحكم لهم حلال، فإذا اشتروا منا شيئا كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلالا)
(1)
.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي عن الشوكاني، وزاد عليه استنباطا آخر، فقال:(وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا)
(2)
.
وممن أشار إلى استنباط الشوكاني: ابن الجوزي-كما تقدم-، والقرطبي، والمراغي.
(3)
.
62 - مناسبة إيراد قصة ابني آدم عليه السلام في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن مناسبة إيراد قصة ابني آدم عليه السلام في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم هي التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر ظلم اليهود، ثم ذكر قصة ابني آدم وفيها ظلم أحدهما لأخيه؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيات على أن مناسبة ذكرها التنبيه على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي.
(6)
.
وفي هذا الاستنباط بيان لعناية الشوكاني بالمناسبات عموما، وبالمناسبات بين الآيات خصوصا.
(7)
.
(1)
زاد المسير ص 360.
(2)
انظر: فتح البيان ج 3/ ص 355. وفي هذا بيان لشيء من منهج القنوجي في الاستنباط حيث يزيد أحيانا على ما عند الشوكاني.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 5/ ص 77، وتفسير المراغي ج 6/ ص 59.
(4)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 30.
(6)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 6/ ص 128، وفتح البيان ج 3/ ص 395.
(7)
ذكر د. أحمد الشرقاوى في بحثه: (موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات) هذا الموضع قائلا: من المناسبات التي أبرزها الشيخ في بعض الأحيان بيان المناسبة التي من أجلها سيقت القصة، من ذلك ما ذكره في مناسبة إيراد قصة ابني آدم عليه السلام في سورة المائدة في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم
…
انظر: ص 66.
كما فيه بيان شيء من منهجه في المناسبات، فإن الشوكاني اختار استنباط القرطبي وعبارته دون غيرها، مما يدل على أنه لا يرتضي من المناسبات إلا ما كان بعيدا عن التكلف.
وقد اختلف العلماء في استنباط المناسبة، فمنهم من يرى مناسبتها لما بعدها، كالسيوطي حيث قال: (وجه إيراد هذه القصة هنا؛ أن هذه الآيات لما كانت متعلقة باليهود، وقد أخبر أنه كتب عليهم في كتابهم: أن النفس بالنفس-في الآية الآتية
(1)
-ناسب أن يذكر في خلال ذلك مبدأ القتل، وأول من سنه، ولهذا عقب القصة بقوله: من أجل ذلك، وهذا غاية الملاءمة والارتباط)
(2)
.
ومنهم من يرى مناسبتها للقصة قبلها، وهي قصة عصيان بني إسرائيل أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة
(3)
. وممن قال بهذا أبو حيان حيث قال: (فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه، ومن حيث المعصية بهما)
(4)
. ومثله ابن عاشور حيث قال: (والمناسبة بينها وبين القصة التي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضاد. فأما التماثل فإن في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى؛ فإن بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، وأحد ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنه لم يكن من المتقين. وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصية; فبنو إسرائيل قالوا: اذهب أنت وربك، وابن آدم قال: لأقتلن الذي تقبل الله منه. وأما التضاد فإن في إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم، وإحجاما مذموما من بني إسرائيل، وإن في إحداهما اتفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلاف أخوين بالصلاح والفساد)
(5)
.
(1)
(2)
قطف الأزهار ج 2/ ص 803.
(3)
قال تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ
…
اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ
…
مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)} [المائدة: 21 - 26].
(4)
البحر المحيط ج 3/ ص 640.
(5)
التحرير والتنوير ج 5/ ص 81، 82.
أما الرازي فذكر مناسبة هذه القصة لمواضع مختلفة من السورة قبلها، ومنها مناسبة الآية للقصة قبلها
(1)
، ثم زاد عليها أربعة وجوه:
الأول: أنه تعالى قال فيما تقدم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)} [المائدة: 11] فذكر تعالى أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم، لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصا كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسدا وبغيا، فذكر أولا قصة النقباء الاثني عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة
(2)
.
(1)
فقال: هذه القصة متعلقة بما قبلها وهي قصة محاربة الجبارين، أي: اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر. انظر: التفسير الكبير ج 11/ ص 160.
(2)
يعني قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)} المائدة: 12. وقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)} المائدة: 13.
وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث
(1)
بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما آتاه الله من الدين الحق.
ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان.
ثم ذكر بعده قصة ابني آدم أن أحدهما قتل الآخر حسدا منه على أن الله تعالى قبل قربانه.
وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود فلما كانت نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة.
الثاني: أن هذا متعلق بقوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)} [المائدة: 15]، وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة.
الثالث: هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}
(2)
[المائدة: من الآية 18] أي: لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبيا معظما عند الله تعالى.
(1)
يعني قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
…
شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)} المائدة: 17.
(2)
الرابع: لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم حسدا أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم، وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة، والمقصود منه التحذير عن الحسد
(1)
.
وهذه المناسبات -والله أعلم- لا تسلم من التكلف إلا ما ذكره أبو حيان وابن عاشور؛ لقرب اتصال الآيات. أما ما ذكره السيوطي، والرازي ففيه نوع من التكلف؛ لطول الفصل بين الآيات.
63 - توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد {قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا})
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 11/ ص 160.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 36.
(4)
واستنبط غيره من الآية أن سائر الحدود كحد الزنا، والسرقة وما أشبه ذلك يلحق بحد الحرابة بقياس الأولى، فإذا أسقطت توبة المحارب قبل القدرة عليه حد الحرابة عنه على عظم جرمه؛ فما دونه من الحدود من باب أولى. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 230، وتفسير سورة المائدة لابن عثيمين ج 1/ ص 328.
وخالف في هذا ابن العربي، والسيوطي، وابن عاشور، وغيرهم. قال السيوطي: توبة المحارب قبل القدرة عليه تسقط العقوبة عنه بخلاف توبة غيره من العصاة. انظر: الإكليل ج 2/ ص 632. وقال ابن عاشور: قال جمهور العلماء: توبة السارق تسقط القطع ولو جاء تائبا قبل القدرة عليه. ويدل لصحة قولهم أن النبي قطع يد المخزومية و شك أنها تائبة) التحرير والتنوير ج 5/ ص 101. وردَّ ابن العربي هذا الاستنباط مبينا دليله بقوله: وقد قال بعض الشافعية: إن التوبة تسقط حقوق الله وحدوده، وعزوه إلى الشافعي قولا، وتعلقوا بقول الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} وذلك استثناء من الوجوب؛ فوجب حمل جميع الحدود عليه. وقال علماؤنا هذا بعينه هو دليلنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حد المحارب قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} وعطف عليه حد السارق وقال فيه: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)} [المائدة: 39] فلو كان مثله في الحكم ما غاير الحكم بينهما
…
ألم تروا إلى المحارب المستبد بنفسه المجترئ بسلاحه، الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف بالخيل والركاب كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة كما فعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافا على الإسلام، فأما السارق والزاني وهم في قبضة المسلمين وتحت حكم الإمام فما الذي يسقط عنهم ما وجب عليهم! أو كيف يجوز أن يقال على المحارب وقد فرقت بينهما الحالة والحكمة. انظر: أحكام القرآن ج 2/ ص 78.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في قبول توبة المحارب قيدا هو توبته قبل القدرة عليه والظفر به؛ فدل مفهوم مخالفة- مفهوم القيد- على أن من تاب من المحاربين بعد القدرة عليه لا تسقط عنه العقوبة.
قال البيضاوي: (وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد، وإن أسقطت العذاب. وأن الآية في قطاع المسلمين؛ لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها)
(1)
.
وقال السعدي: (ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب ـ بعد القدرة عليه ـ أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة)
(2)
. لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن يُنَكِّل بهم فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط أيضا: السيوطي، والآلوسي، والقنوجي، والشنقيطي.
(4)
.
وفي اختلاف حكم المحاربين التائبين قبل القدرة عليهم عن حكم التائبين منهم بعد القدرة عليهم والظفر بهم -مع استحقاق كُلِّ للعقوبة- فتحٌ لباب التوبة، وحث المحاربين عليها؛ فإن في إسقاط العقوبة عن المحاربين التائبين قبل القدرة عليهم دعوة لهم للتوبة.
وهذا الاستنباط فيه تأصيل لما يسمى اليوم بالتحفيز المناسب، حيث إن التحفيز أنواع، وتتوقف جدواه على معرفة ما يحتاجه المحَفَّز، وهنا تظهر حاجته إلى العفو عن الحد أكثر من أي شيء آخر
(5)
.
64 - مناسبة الشروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر؛ لأن موالاتهم نوع من أنواع الردة
(6)
.
(1)
أنوار التنزيل ج 2/ ص 321.
(2)
تيسير الكريم الرحمن ص 230.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 6/ ص 151.
(4)
انظر: (الإكليل ج 2/ ص 632، وتفسير الجلالين ص 122)، وروح المعاني ج 6/ ص 121، وفتح البيان ج 3/ ص 411، وأضواء البيان ج 1/ ص 305.
(5)
انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة ص 466.
(6)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة) من وجه، وهو أيضا استنباط عقدي من وجه.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردة)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
رحمه الله أن مناسبة الشروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر؛ لأن موالاتهم نوع من أنواع الردة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن حكم موالاة المسلم للكافرين، وهو نوع من الردة؛ فناسب أن يشرع بعده في بيان أحكام المرتدين.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 51.
(2)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ}
…
الآية استنباطات أخرى، منها:
1) يفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة؛ لأن اللين في محل الشدة ضعف وخور، والشدة في محل اللين حمق وخرق. انظر: أضواء البيان ج 1/ ص 316.
2) في الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؛ وذلك لأن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة، وقد أخبر الله أنه يحبهم ويحبونه، وأنهم يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ولي الله. ولم يقاتل المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء المذكورين وأتباعهم، ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية في غير المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من العرب، ولا في غير هؤلاء الأئمة؛ لأن الله تعالى لم يأت بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 4/ ص 101، والتفسير الكبير ج 12/ ص 19.
3) هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض، وتقرير مذهبهم أن الذين أقروا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين؛ لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي عليه السلام، فنقول لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويردهم ويبطل شوكتهم، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم، ولما لم يكن الأمر كذلك، بل الأمر بالضد، فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة أبدا منذ كانوا، علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم. انظر: التفسير الكبير ج 12/ ص 18، 19.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي، وأشار إليه أبو السعود، والآلوسي، والقاسمي، وابن عاشور.
(1)
حيث ذكروا أن الموالاة ذريعة للردة؛ فناسب الشروع بعده في بيان أحكام المرتدين.
قال ابن عاشور: فجملة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} الخ معترضة بين ما قبلها وبين جملة: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} [المائدة: من الآية 55]
(2)
دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار في قوله:
…
{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: من الآية 51]
(3)
تعقيبها بهذا الاعتراض إشارة إلى أن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ذريعة للارتداد؛ لأن استمرار فريق على موالاة اليهود والنصارى من المنافقين وضعفاء الإيمان يخشى منه أن ينسل عن الإيمان فريق. وأنبأ المترددين ضعفاء الإيمان بأن الإسلام غني عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر)
(4)
.
65 - العلماء التاركون للأمر بالمعروف ونهي العصاة عن المنكر أشد حالا، وأعظم وبالا من العصاة
(5)
.
(1)
انظر: فتح البيان ج 3/ ص 451، وإرشاد العقل السليم ج 3/ ص 50، وروح المعاني ج 6/ ص 160، ومحاسن التأويل ج 4/ ص 168، والتحرير والتنوير ج 5/ ص 134.
(2)
(3)
(4)
التحرير والتنوير ج 5/ ص 134.
(5)
وهو استنباط فائدة علمية.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
والربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم، ثم وبخ علماءهم في تركهم لنبيهم فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا
…
يَصْنَعُونَ (63)} وهذا فيه زيادة على قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا
…
يَعْمَلُونَ (62)}؛ لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل. فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي.
فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغنى من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه النهوض به)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وبخ العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فقال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت:{لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)} ، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} ، والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا
(2)
؛ فظهر بذلك الفرق بين ذم متعاطي الذنب، وبين تارك النهي عنه، حيث جعل ذاك عملا، وهذا صناعة
(3)
؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وبطريق التأمل في خاتمة كلٍّ منهما على أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة.
قال البقاعي: (ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه، كانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلاً عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب طويل، وتمرن عظيم، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها، وملكة لا يتكلفها، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ؛ لأن الشهوة تدعوه إليها، وذنب التارك للنهي راسخاً؛ لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك، بل معه حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي، فكان أشد حالاً؛ قال:{لَبِئْسَ مَا} ، ولما كان ذلك في جبلاتهم، عبر بالكون فقال: {كَانُوا
…
يَصْنَعُونَ (63)} أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 55، 56.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 12/ ص 34،
(3)
انظر: قطف الأزهار ج 2/ ص 818.
(4)
نظم الدرر ج 2/ ص 496.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، والسيوطي، والآلوسي.
(1)
.
66 - من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه
(2)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} المائدة: 67.
قال الشوكاني رحمه الله: (وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله، وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده، ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا، وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله، وشدة شكيمة في القيام بحجة الله. وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلة، وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة لأنها لا تأتى إلا بخير في الأولى والأخرى، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله.
(1)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 687، والتفسير الكبير ج 12/ ص 34، وأنوار التنزيل ج 2/ ص 345، وإرشاد العقل السليم ج 3/ ص 57، وقطف الأزهار ج 2/ ص 818، وروح المعاني ج 6/ ص 179.
(2)
وهو استنباط فائدة علمية.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 60.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1)
…
مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} ، قال البقاعي: ترك التبليغ يأتي لسببين: أحدهما: الخوف من القتل أو الأسر، والثاني: الخوف من عدم حصول ثمرة ذلك البلاغ، فأجاب النظم الكريم في سياق تلك الآيات عن الأول بقوله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، وأجاب عن الثاني بقوله بعدها:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} ؛ أي: ليست عليك ثمرة البلاغ؛ إنما عليك واجب البلاغ في ذاته، ولو لم توجد ثمرته. نظم الدرر ج 2/ ص 503.
2)
…
في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} دليل على نبوته؛ لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 6/ ص 229.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، ووعده بأن يعصمه، فكأن بين التبليغ والعصمة تلازما؛ فدل ذلك على أن -من سبقت له العناية من الله- من المبلغين رسالات الله يعصمهم الله.
فيكون في الآية إشارة إلى المبلِّغين رسالات الله، ألا يخشوا أحداً إلا الله، وفيها بشارة لهم بأن الله ينتقم من أعدائهم، ويُضِل سعيهم في إيقاف دعوتهم كما فعل الله بأعداء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من امتثل لأمر الخالق يعصمه الله من شر المخلوق
(1)
.
واحترز الشوكاني بقوله: من سبقت له العناية من الله، أي: من كتب الله تعالى له الحفظ والعصمة.
ولأن المرء لا يدري بما كتب الله له فعليه التبليغ، فهو بين أمرين: إما أن يعصمه الله، أو أن يكون قد كتب الله له أن يناله من الأذى ما به ترتفع درجته، وتعلو عند ربه منزلته.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي
(2)
. وأشار إليه البروسوي بقوله: (وفي الآية إشارة إلى أن من امتثل لأمر الخالق يعصمه الله من مضرة المخلوق)
(3)
.
والتلازم بين التبليغ والعصمة يدل عليه قوله تعالى: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)} [القصص: 35]. قال ابن كثير: ({فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا} أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} إلى قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ})
(4)
.
وفي هذا الاستنباط باعث لكل مسلم على الجد في أمر التبليغ، وعدم الاكتراث بعداوات الأعداء وكيدهم.
(1)
راجع مقال بعنوان: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} للدكتور عبد العزيز كامل، مجلة البيان، ص 20، 21.
(2)
انظر: فتح البيان ج 4/ ص 19، 20.
(3)
روح البيان ج 2/ ص 424.
(4)
تفسير القرآن العظيم ج 6/ ص 21.
67 - دفع المفاسد أهم من جلب المصالح
(1)
.
قال تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)} المائدة: 76.
قال الشوكاني رحمه الله: (أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم، وقطعا لشبهتهم، أي: أتعبدون من دون الله -متجاوزين إياه- ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه وقدم سبحانه الضر على النفع؛ لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله قاعدة: أن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للعابدين غير الله من سائر فرق بني آدم- ودخل في ذلك النصارى وغيرهم-: {أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} أي: لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم
(4)
، فدل بدلالة التقديم على أن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي.
(5)
.
ومما يستأنس به في تأييد هذا الاستنباط أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع
(6)
.
وقاعدة: درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكليّة "الضرر يزال"
(7)
، وذلك لأنه عند الموازنة بين المصلحة والمفسدة، ودفع الضرر وإزالته لابد من التعرض للموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض، وأيهما أولى بالتقديم دفعا وجلبا. ناهيك عن أن دفع المفسدة عبارة عن إزالة ضرر
(8)
.
(1)
وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (لا ضرر ولا ضرار).
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 65.
(3)
واستنبط الشوكاني هذا الاستنباط من الآية 3 من سورة الفرقان، وسيأتي بيانها.
(4)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 3/ ص 442.
(5)
انظر: أنوار التنزيل ج 2/ ص 354، وإرشاد العقل السليم ج 3/ ص 68، وروح المعاني ج 6/ ص 210، وفتح البيان ج 4/ ص 29، ومحاسن التأويل ج 4/ ص 217.
(6)
ذكر الكرماني أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع. وحيث تقدم النفع على الضر تقدم لسابقة لفظ تضمن نفعا، وذلك في ثمانية مواضع، ثلاثة منها بلفظ الاسم وهي: الأعراف: 188، والرعد: 16، وسبأ:42. وخمسة بلفظ الفعل وهي في: الأنعام: 71، وآخر في يونس: 106، وفي الأنبياء: 66، والفرقان: 55، وفي الشعراء: 73. ثم بسط الكرماني القول في كل آية منها مبينا وجه تقديم النفع على الضر، ثم قال:(فتأمل فإنه برهان القرآن). أسرار التكرار ص 92، 93.
(7)
القواعد الخمس الكبرى هي: الأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، والضرر يزال أو لا ضرر و لا ضرار. راجع تفصيلاتها في كتاب: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها للدكتور صالح السدلان.
(8)
انظر بحث: قاعدة "درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة": دراسة أصوليّة فقهيّة للدكتور حسن بن إبرهيم الهنداوي ص 3.
ولتعارض المصالح مع المفاسد حالات:
فأولها: تعارض مصالح غالبة أو راجحة على المفاسد،
فحينها يطلب تحصيل المصلحة، ولا يلتفت إلى ما فيها من مفسدة.
ومثال ذلك الجهاد في سبيل الله فيه قتال ينتج عنه قتل النفس وتلفها، وهو لاشك في كونه مفسدة، ولكن كتب القتال على المؤمنين بالنظر إلى ما يترتب عليه من مصالح تربو على ما فيه من مفاسد. فالقتال في سبيل الله يحقق مصالح جمّة من أهمها حماية الدين، والدّفاع عن أرض المسلمين من أن يطأها العدوّ، وحماية أعراض المسلمين من أن تنتهك، والاعتداء على المستضعفين من النساء والرجال والولدان. فلا شكّ أن هذه المصالح تفوق مفسدة القتل وتربو عليها، ناهيك عن أنّ الجهاد متعلق بمقصد حفظ الدين، والقتل متعلق بمقصد حفظ النفس، وحفظ الدّين مغلّب على حفظ النفس عند التعارض فكانت مصلحة الدين مقدّمة على مصلحة النفس.
وثانيهما: تعارض مفاسد غالبة أو راجحة مع تحصيل مصالح مرجوحة وجلبها،
فحينها يقدّم درء المفسدة، ولا يلتفت إلى جلب المصلحة. فالمفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي.
ومثال ذلك ما ورد في التنزيل من تحريم الخمر دفعا لمفاسدها حيث نصت الآية النازلة في هذا الصدد على أنّ الخمر فيها منافع (مصالح) ومآثم (مفاسد)، ولكن المفاسد غالبة أو راجحة على المصالح فكان حكمها في الأخير التحريم بناء على أنّ درأ المفسدة مقدّم على جلب المصلحة. فالخمر قد تحقق منافع مثل النشوة وتحصيل المال من جراء بيعها والمتاجرة بها، ولكن هذه المصالح التي تجلبها الخمر لا تقوى أمام المفاسد المترتبة على شربها مثل إدخال الضرر على العقل، ووقوع العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وتضييع الحقوق وغيرها من المفاسد التي هي أعظم بكثير من جلب ما فيها من منافع، وأنّ المصالح المجتلبة بشرب الخمر لا تعدّ شيئاً إذا ما تمّ مقابلتها بما يترتب عليها من مفاسد وأضرار.
والحاصل أنّ أهمّ ضابط في إعمال قاعدة "درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة" هو غلبة أو رجحان المفسدة المدفوعة على المصلحة المجتلبة، أو في حال تساوي المصلحة والمفسدة.
(1)
.
قال الشنقيطي: فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له فالمنع؛ لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وإن كان النفع أرجح فالأظهر الجواز؛ لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة.
(1)
انظر: المرجع السابق ص 27 - 32.
ثم مثَّل له بمثالين:
الأول: تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة، قُدِّمت على المفسدة المرجوحة التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى.
الثاني: انتفاع الناس بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه؛ لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة
(1)
.
ويشترط في تقديم درء المفسدة ألا يؤدي إلى مفسدة أخرى، فيلغى التقديم
(2)
.
68 - الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم
(3)
.
قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} المائدة: 77.
قال الشوكاني رحمه الله: (وأما الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه فليس بمذموم)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن الغلو بقوله: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} فقيد الغلو المذموم بكونه بغير الحق؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم القيد- أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم.
ونقل القنوجي هذا الاستنباط عن الشوكاني، كما أشار إليه القاسمي، وابن عاشور.
(6)
.
وهذا الاستنباط مبني على تفسير {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} بمعنى: غلوا غير غلو الحق. فيكون الغلو نوعين: بحق، وبغير حق.
(1)
انظر: أضواء البيان ج 5/ ص 222، 223.
(2)
انظر: القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، للدكتور محمد مصطفى الزحيلي ج 1/ ص 239.
(3)
وهو استنباط عقدي.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 65.
(5)
واستنبط ابن عثيمين من الآية: الرد على الجبرية الذين قالوا: إن ضلال الإنسان لا ينسب إليه، وأنه مجبور عليه ولا اختيار له فيه؛ لأن الآية صريحة بأنهم ضلوا وأضلوا. انظر: تفسير سورة المائدة ج 1/ ص 232.
(6)
انظر: فتح البيان ج 4/ ص 30، ومحاسن التأويل ج 4/ ص 218، والتحرير والتنوير ج 5/ ص 178.
وهو مبني أيضا على إعراب {غَيْرَ} على أنه منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف: أي غلوا غير غلو الحق
(1)
.
ورأى آخرون -منهم ابن عثيمين- أن الغلو كله ليس بحق. ويكون إعراب {غَيْرَ الْحَقِّ} صفة كاشفة أي هي لبيان الواقع ولا مفهوم لها
(2)
. وعلى هذا المعنى والإعراب لا يستقيم ما استنبطه الشوكاني.
ويمكن توجيه هذا الخلاف بأن من جعل الغلو كله ليس بحق إنما عني بالغلو الغلو في العبادة، أو تجاوز الحق بالإعراض عن الأدلة.
أما من قسم الغلو إلى قسمين: غلو بحق، وبغير حق، فإنه يتفق مع الفريق الأول في المقصود بالغلو الباطل.
(3)
ويكون مقصودهم من الغلو بحق -هنا- ما كان من الاجتهاد في تحصيل الحجج، واستخراج الحقائق.
لكن تسمية هذا الفعل غلوا فيه إشكال من وجهين:
الأول: أن هذا الفعل وإن صحت تسميته غلوا من جهة اللغة إلا أن الشرع يحث عليه، ويثيب فاعله ما دام حقا. وإذا كان الغلو المجاوزة عن الحد، فلا مجاوزة عنه ما لم يخرج عن الدين، فهذا الفعل ليس خروجا عنه حتى يكون غلوا.
الثاني: أن تسمية هذا الاجتهاد بالغلو قد يفتح للتأويلات الفاسدة المخالفة للحق بابا بحجة التفتيش عن أباعد المعاني، وفحص الحقائق.
فالاستمساك بالقول بوجود غلو بالحق قد يفضى إلى جعل التعمق في المباحث الكلامية المخالفة لما عليه السلف حقا بحجة أن هذا غلو بحق، وقد فعل هذا الزمخشري حيث قال: الغلو في الدين غلوان: غلو حق وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم.
وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة، واتباع الشبه كما يفعل أهل الأهواء والبدع
(4)
.
قال الدوسري-متعقبا-: (ولا عبرة بما قاله الزمخشري في تفسير الغلو وتقسيمه، فإنه مبني على مذهب الاعتزال، ومراده بأهل العدل والتوحيد المعتزلة، ومراده بأهل الأهواء أهل السنة، فهم في عرفه أهل الأهواء والبدع حاسبه الله وعامله بما يستحق)
(5)
.
(1)
انظر: فتح القدير ج 2/ ص 65.
(2)
انظر: تفسير سورة المائدة لابن عثيمين ج 1/ ص 229.
(3)
وذكر ابن عاشور أمثلة للغلو الذي لا ضير فيه، فقال: وأن من الغلو الذي لا ضير فيه المبالغة في الثناء على العمل الصالح من غير تجاوز لما يقتضيه الشرع
…
ومن الغلو الذي ليس باطلا ما هو مثل الزيادة في الوضوء على ثلاث غسلات فإنه مكروه. انظر: التحرير والتنوير ج 5/ ص 178. فأما الأول فليس بغلو لأن ليس فيه تجاوز لما يقتضيه الشرع، وأما الثاني فهو أقرب للغلو الباطل إذ ليس بحق والله أعلم.
(4)
انظر: الكشاف ج 1/ ص 699.
(5)
صفوة الآثار والمفاهيم ج 9/ ص 203.
69 - من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة
(1)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)} المائدة: 87.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَلَا تَعْتَدُوا} أي: لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله لكم، أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم أي: تترخصوا فتحللوا حراما كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال. وقد ذهب جمهور العلماء
(2)
إلى أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا يلزمه كفارة، وقال أبو حنيفة
(3)
وأحمد
(4)
ومن تابعهما إن من حرم شيئا صار محرما عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة. وهو خلاف ما في هذه الآية، وخلاف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولعله
يأتي في سورة التحريم ما هو أبسط من هذا إن شاء الله
(5)
(6)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
قال ابن العربي: (هذا مذهب مالك، والشافعي، وأكثر الصحابة). أحكام القرآن ج 2/ ص 99.
(3)
قال الجصاص: (وكذلك قال أكثر أهل العلم فيمن حرم طعاما أو جارية على نفسه أنه إن أكل من الطعام حنث، وكذلك إن وطئ الجارية لزمته كفارة يمين). أحكام القرآن ج 4/ ص 110.
(4)
قال السعدي: (ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب وسرية وأمة ونحو ذلك فإنه لا يكون حراما بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} الآية. إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار). تيسير الكريم الرحمن ص 242.
(5)
قال الشوكاني في سورة التحريم: (قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. قلت: وهذا هو الحق أن تحريم ما أحل الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل والمذاهب فيه كثيرة والمقالات فيه طويلة وقد حققناه في مؤلفاتنا بما يشفي. واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف، وليس في الآية ما يدل على أنه يمين؛ لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله له ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}، وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية أنه حرم أولا، ثم حلف ثانيا كما قدمنا). فتح القدير ج 5/ ص 250.
(6)
فتح القدير ج 2/ ص 70.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن تحريم ما أحل لعباده؛ فدل ذلك على أن من التحريم والتحليل له سبحانه، فمن حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه إذ هو تحريم لا أثر له.
قال إلكيا: (فيه دليل على أن العبد لا يمكنه أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له بعقده وقصده) إلى أن قال: (وفيه دليل على أن ذلك منه لغو، وأبو حنيفة رأى أن ذلك صار محرما عليه، وأنه إذا تناوله لزمته الكفارة، وهو بعيد).
(2)
.
وعدم الكفارة هنا يستثنى منه تحريم النساء. قال الدوسري: (وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم على نفسه مأكلا أو مشربا ونحوه ما عدا النساء فإنه لا تحرم عليه، وليس عليه كفارة إلا في تحريم النساء، وذهب الإمام أحمد ومن وافقه إلى وجوب الكفارة على من حرم على نفسه حلالا؛ لأن التزم نفسه باليمين فيؤاخذ بما التزمه، ولكن هذه الآية تدل على ما ذهب إليه الشافعي إلا في تحريم النساء؛ لقوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: من الآية 2])
(3)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني: إلكيا الهراسي، وابن العربي، والقرطبي، وابن عاشور.
(4)
.
وخالف السعدي إذ جعل الكفارة على من حرم حلالا، فقال:(ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب وسرية وأمة ونحو ذلك فإنه لا يكون حراما بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: من الآية 1] الآية. إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار)
(5)
.
(1)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) مناسبة هذه الآية لما قبلها، قال الرازي:(ظهر وجه النظم بين هذه الآية وبين ما قبلها وذلك لأنه تعالى مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهبانا، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ولذاتها، فلما مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطريقة، فذكر تعالى عقيب هذه الآية إزالة لذلك الوهم ليظهر للمسلمين أنهم ليسوا مأمورين بذلك). التفسير الكبير ج 12/ ص 59.
2) استنبط من قوله تعالى: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} تحريم إيقاع الطلاق الثلاث؛ لما فيه من تحريم المباح من المرأة. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 4/ ص 111.
(2)
أحكام القرآن ج 3/ ص 87.
(3)
صفوة الآثار والمفاهيم ج 9/ ص 232.
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 87، وأحكام القرآن ج 2/ ص 99، والجامع لأحكام القرآن ج 6/ ص 246، والتحرير والتنوير ج 5، ص 191.
(5)
تيسير الكريم الرحمن ص 242.
والأظهر-والله تعالى أعلم- أن التحريم إن كان مقترنا بيمين فعليه الكفارة
(1)
، أما إن كان امتناعا بلا يمين فلا شيء عليه.
قال ابن العربي-عند تفسير قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)} [آل عمران: 93]-: (حقيقة التحريم المنع، فكل من امتنع من شيء مع اعتقاده الامتناع منه فقد حرمه، وذلك يكون بأسباب: إما بنذر كما فعل يعقوب في تحريم الإبل وألبانها، وإما بيمين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العسل أو في جاريته، فإن كان بنذر فإنه غير منعقد في شرعنا. ولسنا نتحقق كيفية تحريم يعقوب هل كان بنذر أو بيمين، فإن كان بيمين فقد أحل الله لنا اليمين بالكفارة، أو بالاستثناء المتصل رخصة منه لنا ولم يكن ذلك لغيرنا من الأمم. فلو قال رجل: حرمت الخبز على نفسي أو اللحم لم يحرم ولم ينعقد يمينا. فإن قال: حرمت أهلي فقد اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. والصحيح أنه يلزمه تحريم الأهل إذا ابتدأ بتحريمها كما يحرمها بالطلاق، ولا يلزمه تحريم فيما عدا ذلك؛ لقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ})
(2)
.
وفي هذا الاستنباط حكمة عظيمة هي بقاء الحلال والحرام في إطار الحفظ من الأهواء و التنطعات، فربما شوه الإسلام بتنطع محرم
(3)
.
(1)
ويدل عليه قول ابن عباس رضي الله عنهم الذي أخرجه الطبري في جامع البيان ج 8/ ص 616، والسيوطي في الدر المنثور ج 3/ ص 149 - : لما نزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: من الآية 89]. فإنهم قالوا كيف نصنع بأيماننا، وهذا يدل على أن تحريمهم كان باليمين. وانظر سبب نزول الآية في لباب النقول ص 96.
(2)
أحكام القرآن ج 1/ ص 310.
(3)
انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي ص 476.
كما أن الامتناع من الطيبات التي أحلها الله لا فضيلة فيه
(1)
. قال الشوكاني: (فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء. فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة؛ فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الردية؛ لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته)
(2)
.
والإسلام دين الوسطية والاعتدال، ولذا فإن المعتدل المقتصد يثاب على اعتداله مالا يثاب عليه المتنطع المتشدد ولا يشفع له أن كان مقصده التقرب إلى الله؛ لأنه خالف الطريق التي شرعها الله. قال ابن تيمية: فالمسلم المتبع لشريعة الإسلام هو المحرم ما حرمه الله و رسوله، فلا يحرم الحلال و لا يسرف في تناوله، بل يتناول ما يحتاج إليه من طعام أو لباس أو نكاح، و يقتصد في ذلك، و يقتصد في العبادة فلا يحمل نفسه مالا تطيق. فهذا تجده يحصل له من مجاهدات النفس، و قهر الهوى ما هو أنفع له من تلك الطريق المبتدعة الوعرة القليلة المنفعة التي غالب من سلكها ارتد على حافره، و نقض عهده، و لم يرعها حق رعايتها، و هذا يثاب على ذلك مالا يثاب على سلوك تلك الطريق، و تزكو به نفسه، و تسير به إلى ربه، و يجد بذلك من المزيد في إيمانه مالا يجده أصحاب تلك الطريق، فإنهم لابد أن تدعوهم أنفسهم إلى الشهوات المحرمة فإنه ما من بني آدم إلا من أخطأ، أو هم بخطيئة، و قد قال تعالى:{وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} [النساء: من الآية 28]
(3)
.
إلا أنه يجوز للمرء ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام، بل لقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان. قال ابن عاشور:(والنهي إنما هو عن تحريم ذلك على النفس. أما ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس. وكذلك الإعراض عن كثير من الطيبات للتطلع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو أعلى الزهد، وقد كان ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة من أصحابه، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس، فالتطلع إليها تعسير، وهو مع ذلك كان يتناول الطيبات دون تشوف ولا تطلع. وفي تناولها شكر لله تعالى)
(4)
واستعانة بها على طاعة الله
(5)
.
(1)
انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 4/ ص 110.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 69.
(3)
انظر: مجموع الفتاوى ج 14/ ص 460، 461.
(4)
التحرير والتنوير ج 5، ص 190.
(5)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 242.
70 - من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد
(1)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)} المائدة: 105.
قال الشوكاني رحمه الله: (وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(2)
، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد، وقد قال الله
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
بيَّن الرازي الأوجه التي تحمل عليها الآية، مجيبا عن توهم أن فيها جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: فإن قيل ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب؛ قلنا الجواب عنه من وجوه:
الأول: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل.
والوجه الثاني في تأول الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنه أنهما قالا: قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يكون هذا في آخر الزمان.
والوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك قال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه قال: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} وهذا كقوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: من الآية 54] يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضا، ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات، وينفره عن القبائح والسيئات؛ والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله:{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} معناه: احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمرا بأن نحفظ أنفسنا، فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجبا.
والوجه الرابع: أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ ولا يتركون الكفر بسبب الأمر بالمعروف، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين.
الوجه الخامس: أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه، أو على عرضه، أو على ماله، فهاهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل.
الوجه السادس: لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك.
الوجه السابع: عليكم أنفسكم من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك، فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم. انظر: التفسير الكبير ج 12/ ص 93، 94.
سبحانه: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} )
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
رحمه الله أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما قال: {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} أعقبها بقوله: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ، ولازم الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فدل ذلك على أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد.
قال الشنقيطي: (قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور وذلك في قوله: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد). إلى أن قال: (ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 1 - 3]).
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وأبو السعود، والسعدي، والشنقيطي-كما تقدم-، وابن عثيمين.
(4)
.
وفي هذا الاستنباط تحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ تركه عدم اهتداء، وإنما يجوز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أحوال قليلة.
قال ابن عطية: (وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول، أو رجي رد المظالم ولو بعنف، ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصيته، أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده)
(5)
وقال الشوكاني: (فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك)
(6)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 84.
(2)
واستنبط ابن عثيمين من الآية استنباطات أخرى، منها: ما استنبط بمفهوم المخالفة من أن المؤمنين إذا لم يهتدوا فقد يسلط عليهم أعداؤهم فيضرونهم؛ لأن الله اشترط لعدم الضرر الهداية. انظر: تفسير سورة المائدة ج 2/ ص 461.
(3)
أضواء البيان ج 1/ ص 344.
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 4/ ص 155، وإرشاد العقل السليم ج 3/ ص 88، وتيسير الكريم الرحمن ص 246، وأضواء البيان ج 1/ ص 344، وتفسير سورة المائدة ج 2/ ص 459.
(5)
المحرر الوجيز ص 588.
(6)
فتح القدير ج 2/ ص 84.
سورة الأنعام
71 - للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظَّلَمَة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون
(1)
.
قال تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} الأنعام: 45.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} أي: على هلاكهم. وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد. اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين، واقطع دابرهم، وأبدلهم بالعدل الشامل لهم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية أن للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى جل في علاه حمد نفسه بعد إهلاكه الظالمين؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على أن للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
قال الزمخشري: ({وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم- والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة.
(4)
.
ومما يدل على هذا المعنى المستنبط قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)} [النمل: 58 - 59]
عند من يقف على قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}
(5)
فيكون الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين.
(1)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 116.
(3)
الكشاف ج 2/ ص 24.
(4)
انظر: الكشاف ج 2/ ص 24، وروح المعاني ج 7/ ص 152، وفتح البيان ج 4/ ص 143، ومحاسن التأويل ج 4/ ص 362، والتحرير والتنوير ج 6/ ص 103، وزهرة التفاسير ج 5/ ص 2502.
(5)
قال النحاس: الوقف على {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} تمام عند نافع، وأحمد بن موسى، وأبي حاتم. انظر: القطع والائتناف ص 382. وعند الأشموني هو وقف حسن. انظر: منار الهدى ص 573.
وهذا الوجه من الوقف رجحه القاسمي بقوله: إذا جرينا على ما هو الأسدُّ في الآي من توافق النظائر اقتضى حمل آية النمل على ما هنا
(1)
.
وفي الآية وجه آخر للوقف هو الوقف على قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)}
(2)
فيكون الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى.
فعلى الوجه الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة
(3)
.
وفي هذا الاستنباط بيان لكون إهلاك الظالمين نعمة؛ إذ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة.
قال ابن عاشور: (في ذلك كله تنبيه على أنه يحق الحمد لله عند هلاك الظلمة؛ لأن هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب. وهذا الحمد شكر لأنه مقابل نعمة. وإنما كان هلاكهم صلاحا؛ لأن الظلم تغيير للحقوق، وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحق والصلاح جاء الدمار والفوضى، وافتتن الناس في حياتهم، فإذا هلك الظالمون عاد العدل وهو ميزان قوام العالم)
(4)
.
72 - مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا
(5)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وذكر سبحانه هاهنا {يَفْقَهُونَ (98)}، وفيما قبله {يَعْلَمُونَ} ؛ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه؛ لإشعاره بمزيد تدقيق، وإمعان فكر)
(6)
.
(1)
ومحاسن التأويل ج 4/ ص 362
(2)
ذكر الداني أنه وقف تام. انظر: المكتفى في الوقف والابتدا ص 154. وقال الأشموني: هو تام؛ لأنه آخر قصص هذه السورة، ومن قوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} ليس فيه وقف؛ لأنه جميعه داخل في الاستفهام الأول، ومتصل بعضه ببعض من جهة المعنى. منار الهدى ص 573.
(3)
انظر: الانتصاف ج 2/ ص 24.
(4)
التحرير والتنوير ج 6/ ص 103.
(5)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(6)
فتح القدير ج 2/ ص 144.
الدراسة:
استنبط الشوكاني مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا؛ لما في هذا من الغموض والدقة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما امتن بنعمة النجوم واهتداء بها ختم ذلك بقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)} ، ولما ذكر خلقه للأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا ختم ذلك بقوله:{قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)} ؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وطريق التأمل في خواتيم الآيات على أن الله ختم الآية الثانية بالفقه؛ لأن في خلق الأنفس من نفس واحدة من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء.
قال البقاعي: (ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة، وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جداً ألطف وأدق صنعة، فكان ذلك محتاجاً إلى تدبر، واستعمال فطنة، وتدقيق نظر؛ قال: {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)} أي لهم أهلية الفقه والفطنة)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الكرماني
(2)
، والرازي،، وابن جماعة
(3)
، وأبو حيان، والبقاعي-كما تقدم-، وابن عاشور.
(4)
.
وفي هذا الاستنباط حث على مزيد التدقيق، وإمعان الفكر في خلق الأنفس، وتصريفها على أطوار مختلفة، إذ في ذلك ما يدل على عظمة الخالق سبحانه.
(1)
نظم الدرر ج 2/ ص 684.
(2)
هو برهان الدين، أبو القاسم، محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، النحوي، يعرف بتاج القراء، صاحب التصانيف، منها: لباب التفسير، البرهان في توجيه متشابه القرآن أو أسرار التكرار، توفي عام 505 هـ. انظر: غاية النهاية ج 2/ ص 291، وبغية الوعاة ج 2/ ص 282.
(3)
هو المحدث الفقيه بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني، الحموي الأصل، من علماء الشافعية، اشتغل بالعلم فحصل فنونا متعددة، وتقدم وساد أقرانه، ولى الحكم والخطابة بالقدس الشريف، ثم نقل إلى قضاء مصر، ثم قضاء الشام، له تصانيف نافعة، منها: التبيان في مبهمات القرآن، والمنهل الروي في علوم الحديث، توفي عام 733 هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ج 9/ ص 139، والبداية والنهاية ج 18/ ص 357، 358، والدرر الكامنة ج 5/ ص 4 - 7.
(4)
انظر: أسرار التكرار ص 72، والتفسير الكبير ج 13/ ص 85، وكشف المعاني ص 118، والبحر المحيط ج 4/ ص 244، ونظم الدرر ج 2/ ص 684، والتحرير والتنوير ج 6/ ص 238.
73 - الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه، وما أنفع هذه الآية، وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم والبكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات عنادا للحق، وبغضا لاتباع المحقين، وجراءة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم شر من الزنادقة؛ لأنهم يحتجون بالباطل، وينتمون إلى البدع، ويتظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتم باطلهم، وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه.
(1)
وهو استنباط في الدعوة واستنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 150.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن في الآية تأديبا لمن يدعو إلى الدين لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب؛ لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. انظر: التفسير الكبير ج 13/ ص 115، 116.
2) في قوله تعالى: {كَذَلِكَ
…
زَيَّنَّا} نكتة سرية، وهي أن كل ما يظهر في هذه النشأة من الأعيان والأعراض، فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصي سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة ما تستحسنها نفوس العصاة كما نطقت به هذه الآية الكريمة، وكذا الطاعات فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة لذلك قال صلى الله عليه وسلم:"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"، فأعمال الكفرة قد برزت لهم في النشأة بصورة مزينة يستحسنها الغواة ويستحبها الطغاة، وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة، فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا؟. فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها، لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي، فليتدبر. انظر: إرشاد العقل السليم ج 3/ ص 172.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ألغى هنا اعتبار المصلحة وهي سب آلهة المشركين لاشتمالها على مفسدة أرجح منها هي سب المشركين لله؛ فدل ذلك بدلالة تأمل أفعال الله تعالى، والاقتداء به عز وجل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه.
قال الرازي: (تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: السمرقندي، والرازي-كما تقدم- والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي.
(2)
.
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط أن الشريعة مبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وفيه أيضا تنبيه لكل داعية للحق بأن يُقّدِّر الأمور بقدرها، فإذا ناقض الوعظ المقصود كان تركه مقصودا.
قال السعدي: (ينبغي أن يستعمل المُذَكِّر من الكلام ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره كان تركه هو الواجب لأنه إذا ناقض المقصود كان تركه مقصودا)
(3)
.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 13/ ص 115.
(2)
انظر: بحر العلوم ج 1/ ص 493، والتفسير الكبير ج 13/ ص 115، والجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 56، والإكليل ج 2/ ص 709، وفتح البيان ج 4/ ص 217.
(3)
تيسير الكريم الرحمن ص 261. وهذا من استنباطات السعدي حيث استنبط هذا المعنى من قوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)} [الأنعام: 69]. ووجهه: أن الله تعالى بيَّن أن الغاية من الوعظ حصول التقوى؛ فدل بمفهوم المخالفة على أن الوعظ إن أدى لخلاف المقصود فتركه واجب. انظر: استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي ص 495.
74 - حجية قاعدة سد الذرائع
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وهى أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية حجية قاعدة سد الذرائع
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن سب آلهة المشركين، وهو جائز في ذاته، لكنه ذريعة للمشركين ليسبوا الله عدوا بغير علم؛ فدل ذلك على حجية قاعدة سد الذرائع بدلالة تأمل أفعال الله تعالى، والاقتداء به تعالى في أوامره ونواهيه
(4)
.
قال الطوفي: يحتج بها على سد الذرائع، وحسم مواد الفساد، إذ كان معنى الآية لا تسبوا آلهتهم فيجعلوا ذلك وسيلة وذريعة إلى سب إلهكم. ونظيره قوله تعالى:{لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} ، وقاعدة سد الذرائع عظيمة، وفروعها كثيرة
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن الفرس، والقرطبي، والطوفي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة
(6)
.
وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد، فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصة بوسائل حصول المفسدة
(7)
.
وقد استنبط السعدي من الآية ما يدل على القاعدة العامة (للوسائل حكم المقاصد)، فقال:(وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهي أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم ولو كانت جائزة تكون محرمة إذا كانت تفضي إلى الشر)
(8)
.
75 - المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في النار
(9)
.
قال تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ
…
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا
…
كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)} الأنعام: 130 - 132.
(1)
وهو استنباط أصولي.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 150.
(3)
واستنبط الشوكاني هذا الاستنباط من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} [البقرة: 104] وقد تقدم بيانه في موضعه.
(4)
انظر: منهج الاستنباط من القرآن ص 188.
(5)
انظر: الإشارات الإلهية ج 2/ ص 191، 192.
(6)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 15، والجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 56، والإشارات الإلهية ج 2/ ص 191، 192، وفتح البيان ج 4/ ص 218، والتحرير والتنوير ج 6، ص 264، وزهرة التفاسير ج 5/ ص 2626.
(7)
التحرير والتنوير ج 6/ ص 265.
(8)
تيسير الكريم الرحمن ص 268.
(9)
وهو استنباط عقدي.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} أي: لكل من الجن والإنس درجات متفاوتة مما عملوا، فنجازيهم بأعمالهم كما قال في آية أخرى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)} [الأحقاف: 19]. وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في النار)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني أن المطيع من الجن في الجنة كما أن العاصي منهم في النار
(2)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر خطابه يوم القيامة للجن والإنس بقوله: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} ثم أخبر أن لكل درجات مما عملوا، أي: من الجن والإنس؛ فدل ذلك على أن الجن كالأنس سواء في العذاب والثواب، فالمطيع من الجن في الجنة كما أن العاصي منهم في النار.
قال القرطبي: (قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} أي: من الجن والإنس كما قال -في آية أخرى-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)} [الأحقاف: 18] ثم قال: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)} [الأحقاف: 19] وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي منهم في النار كالإنس سواء، وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه)
(3)
.
والاستنباط هنا متوجه لدخول الجن الجنة؛ لأن هذا هو موضع الخلاف بين العلماء، أما دخولهم النار فقد نص عليه القرآن. قال الشوكاني عند تفسير سورة الجن:(وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار؛ لقوله في سورة تبارك: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)} [الملك: من الآية 5]
(4)
، وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة:{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)} [الجن: 15]، وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة. وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. والأول أولى؛ لقوله في سورة الرحمن: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74)} [الرحمن: 74]، وفي سورة الرحمن آيات غير
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 163.
(2)
استنبط الشوكاني هذا الاستنباط أيضا من سورة الأحقاف: 31. وكذلك من قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)} [الرحمن: 56]، فقال: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه). فتح القدير ج 5/ ص 141. وسيأتي بيانه في موضعه.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 78.
(4)
هذه تدل على ذلك فراجعها
(1)
(2)
.
وقال الرازي عند تفسير قوله تعالى: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} [الأحقاف: 31]: (اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا. فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم. واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى: {وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} وهو قول أبي حنيفة. والصحيح أنهم في حكم بني آدم، فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى
(3)
، ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة. قال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون
(4)
، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، وأبو حيان، والثعالبي
(6)
، والقنوجي.
(7)
.
(1)
منها: قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} . قال ابن كثير: (وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا؛ ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)}). تفسير القرآن العظيم ج 7/ ص 114. وقال الشنقيطي: (قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة). أضواء البيان ج 5/ ص 229.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 303.
(3)
انظر قوله في: تفسير ابن أبي حاتم ج 4/ ص 1389، والدر المنثور ج 3/ ص 360.
(4)
انظر: الدر المنثور ج 3/ ص 360.
(5)
التفسير الكبير ج 28/ ص 28، 29.
(6)
أبو زيد، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف، مفسر، من كبار علماء الجزائر وصلحائها الأبرار، ولي القضاء على غير رضى منه ثم خلع نفسه، له نحو تسعين كتابا، توفي سنة 875 هـ أو 876 هـ. انظر: الأعلام ج 3/ ص 331، ومعجم المفسرين ج 1/ ص 276.
(7)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 78، والبحر المحيط ج 4/ ص 291، والجواهر الحسان ج 1/ ص 560، وفتح البيان ج 4/ ص 244.
وهو قول لبعض السلف كما تقدم.
أما المخالفون فقد ذكر الشنقيطي وجه القول عندهم بامتناع دخول الجن الجنة متعقبا قولهم بقوله: (وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- بظاهر هذه الآية-أي قوله تعالى: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} - فقالوا: إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن: 46]؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} [الرحمن: 47]. ويستأنس لهذا بقوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74)} ، فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس.
والجواب عن هذا: أن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} . وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، فقوله:{وَلِمَنْ خَافَ} يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك الجن والإنس معا بقوله:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي: نعمه على الإنس والجن، فلا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى)
(1)
.
فيظهر بهذا -والله تعالى أعلم- أن الأصح هو ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله.
ويدل عليه أيضا أن الجن كالإنس مكلفون، وإذا كانوا كذلك فلا يبعد أن يوافقوهم في الجزاء. وكذلك فإن هذا هو قول أكثر العلماء. قال ابن تيمية:(والجن مكلفون كتكليف الإنس. ومحمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين الجن والإنس، وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع المسلمين، وأما مؤمنهم ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة)
(2)
.
(1)
دفع إيهام الاضطراب ص 209.
(2)
مجموع الفتاوى ج 13/ ص 85.
76 - رحمة الله بعباده مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول
(1)
.
قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا
…
أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)} الأنعام: 133.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما بيَّن غناه عن خلقه قرنه برحمته عز وجل بهم؛ فدل هذا الاقتران على أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول، إذ لا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم، كما أن رحمته ليست من ضعف ولا حاجة.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(3)
. وأشار إليه ابن عطية بقوله: (الغنى صفة ذات لله عز وجل؛ لأنه تبارك وتعالى لا يفتقر إلى شيء من جهة من الجهات، ثم تليت هذه الصفة بقوله: ذو الرحمة، فأردف الاستغناء بالتفضل، وهذا أجمل تناسق)
(4)
.
وهذا الاستنباط مبني على أن لكل اسم من أسماء الله تعالى، وكذلك صفاته معنى، وباقتران اسمين، أو وصفين، أو اسم وصفة يحصل معنى زائد على مفرديهما. فالغنى هنا دل على كمال، والرحمة كذلك دلت على كمال، واقترانهما دل على كمال آخر زائد على الكمال بكل واحد منهما.
وقد اعتنى ابن القيم بهذا النوع من الاقتران، ونبه إليه بقوله:(صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما، نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة، والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما. وكذلك العفو القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف)
(5)
.
(1)
وهو استنباط في الرقائق، واستنباط عقدي لتعلقه بباب الوعد والوعيد.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 164.
(3)
انظر: فتح البيان ج 4/ ص 245، 246، وحدائق الروح والريحان ج 9/ ص 64.
(4)
المحرر الوجيز ص 664.
(5)
بدائع الفوائد ج 1/ ص 168، 169.
وقال في موضع آخر: (قرن بين الملك والحمد على عاداته تعالى في كلامه، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما، فله كمال من ملكه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا، والحمد بلا ملك يستلزم عجزا، والحمد مع الملك غاية الكمال)
(1)
.
77 - الدم غير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (والدم المسفوح: الجاري. وغير المسفوح معفو عنه كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية أن الدم غير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى حين حرَّم الدم وصفه بالمسفوح؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة-مفهوم الصفة-على أن الدم غير المسفوح ليس بحرام بل معفو عنه.
قال السعدي: ({أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم. ومفهوم هذا
اللفظ أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح أنه حلال طاهر)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الطبري، والجصاص، وابن عطية، والقرطبي، والقنوجي، وابن عاشور.
(5)
.
وفي هذا الاستنباط ما يدل على رحمة الله بعباده برفع المشقة عن هذه الأمة، والتيسير عليها. عن عكرمة قال:(لولا هذه الآية {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع منه اليهود)
(6)
.
(1)
بدائع الفوائد ج 1/ ص 87.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 172.
(4)
تيسير الكريم الرحمن ص 277.
(5)
انظر: جامع البيان ج 9/ ص 633، وأحكام القرآن ج 1/ ص 152، والمحرر الوجيز ص 671، والجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 111، وفتح البيان ج 4/ ص 264، والتحرير والتنوير ج 7، ص 103.
(6)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ج 2/ ص 220، وابن أبي حاتم في تفسيره ج 5/ ص 1407. وانظر: الدر المنثور ج 3/ ص 373.
سورة الأعراف
78 - كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع
(1)
.
قال تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} الأعراف: 13.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجملة: {إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} تعليل للأمر، أي: إنك من أهل الصغار والهوان على الله وعلى صالحي عباده. وهكذا كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
من الآية أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى جعل عاقبة إبليس حين تكبر الطرد والصغار والهوان؛ فدل ذلك بدلالة تأمل أفعال الله تعالى على أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار. كما دل بمفهوم المخالفة على أن من لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع.
قال الشنقيطي: بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده، حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرا حقيرا ذليلا، متصفا بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة، وذلك في قوله:{فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} والصغار أشد الذل والهوان. وقوله: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا}
(4)
[الأعراف: من الآية 18]، ونحو ذلك من الآيات.
(1)
وهو استنباط في الأخلاق، وفي علوم القرآن (لتعلقه بقصص القرآن) أيضا.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 192.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن لأهل المحلة أن يخرجوا من محلتهم من يخشى من سيرته. قال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل في ثبوت الحق لأهل المحلة أن يخرجوا من محلتهم من يخشى من سيرته فشو الفساد بينهم). التحرير والتنوير ج 8/ ص 34.
2) الجنة دار تواضع وأدب لا كبر فيها. وهذا على احتمال أن يعود الضمير في {مِنْهَا} إلى الجنة. انظر: الإشارات الإلهية ج 2/ ص 208.
(4)
ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك. وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله:{إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ}
(1)
[غافر: من الآية 56].
ويفهم من مفهوم المخالفة في الآية أن المتواضع لله جل وعلا يرفعه الله. وقد أشار تعالى إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أخر كقوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ
…
هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)} [الفرقان: 63]، وقوله:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} [القصص: 83]
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والشنقيطي-كما تقدم-، والهرري.
(3)
.
وفي هذا الاستنباط تحذير من التكبر إذ الصغار لازم الاستكبار
(4)
. كما فيه حث على التواضع.
79 - المهارة في علم الخير سبب للفوز بالسعادة
(5)
.
قال تعالى: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)} [الأعراف: 120 - 122].
قال الشوكاني رحمه الله: (ولقد كان ما هم عليه من السحر والمهارة في علمه، مع كونه شرا محضا سببا للفوز بالسعادة؛ لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر إلى الخير، ولم يحصل من غيرهم ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون ما حصل منهم من الإذعان والاعتراف والإيمان. وإذا كانت المهارة في علم الشر قد تأتي بمثل هذه الفائدة فما بالك بالمهارة في علم الخير. اللهم انفعنا بما علمتنا، وثبت أقدامنا على الحق، وأفرغ علينا سجال الصبر، وتوفنا مسلمين)
(6)
.
(1)
(2)
انظر: أضواء البيان ج 1/ ص 410، 411.
(3)
انظر: فتح البيان ج 4/ ص 312، وأضواء البيان ج 1/ ص 410، 411، وحدائق الروح والريحان ج 9/ ص 227.
(4)
انظر: مدارك التنزيل ج 2/ ص 69.
(5)
وهو استنباط فائدة علمية.
(6)
فتح القدير ج 2/ ص 235.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
من الآية أن المهارة في علم الخير سبب للفوز بالسعادة.
ووجه الاستنباط: أن السحرة علموا أن الذي جاء به موسى عليه السلام خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر الذي كانوا عليه من المهارة في علم السحر إلى الخير، فكانت مهارتهم تلك سببا لفوزهم بالسعادة؛ فدل بدلالة تأمل قصص الأنبياء، والاعتبار بقصص السابقين على أن المهارة في علم الخير أولى بأن تكون سببا للفوز بالسعادة.
قال الشنقيطي: (واعلم أن علم السحر مع خسته، وأن الله صرح بأنه لا يضر ولا ينفع قد كان سببا لإيمان سحرة فرعون؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا أن معجزة العصا خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي، فلم يداخلهم شك في ذلك، فكان ذلك سببا لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد، ولو كانوا غير عالمين بالسحر جدا لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس الشعوذة، والعلم عند الله تعالى)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، وأبو بكر الجزائري.
(3)
. وذكره الرازي، وأبو حيان في تفسيريهما.
(4)
.
وفي هذا الاستنباط حث على أن يتقن المرء العلوم النافعة، فإن العلم سبب الهداية، فإيمان السحرة كان ثمرة العلم، إذ عرفوا أن ما جاء به موسى ليس سحراً وإنما هو آية له من الله فآمنوا
(5)
.
80 - مناسبة تخصيص هارون عليه السلام الأم بالإضافة في مناداته لموسى عليه السلام مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت مؤمنة
(6)
.
(1)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)} أن فعل العبد خلق الله تعالى. ووجهه: أن قوله تعالى: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)} دال على أن غيرهم ألقاهم ساجدين، وما ذاك إلا الله رب العالمين، فهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى. انظر: التفسير الكبير ج 14/ ص 168.
(2)
أضواء البيان ج 3/ ص 45.
(3)
انظر: فتح البيان ج 4/ ص 433، وأيسر التفاسير ص 405.
(4)
انظر: التفسير الكبير ج 14/ ص 168، والبحر المحيط ج 4/ ص 462.
(5)
انظر: أيسر التفاسير ص 405.
(6)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة اللفظ، وبقصص الأنبياء)، وهو أيضا استنباط فائدة علمية.
الأعراف: 150.
قال الشوكاني: (وإنما قال {ابْنَ أُمَّ} مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
أن مناسبة تخصيص هارون عليه السلام الأم بالإضافة في مناداته لموسى عليه السلام، مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت
مؤمنة
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن هارون عليه السلام نادى موسى عليه السلام بابن أم، وخص الأم بذلك مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ فدل مناسبة اللفظ على أن أمهما كانت مؤمنة، وأن مناداته له بها كانت استعطافا له، وترقيقا لقلبه.
قال النسفي: (كان ابن أمه وأبيه، و إنما ذكر الأم لأنها كانت مؤمنة، ولأن ذكرها أدعى إلى العطف)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: النسفي-كما تقدم-، وأبو حيان، والقنوجي.
(5)
. وأشار إليه الزمخشري
(6)
.
وممن قال بأنها للاستعطاف دون أن يشير لكون أمهما كانت مؤمنة: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير، والآلوسي، والسعدي
(7)
.
وفي الآية قول آخر، فقيل: إن قوله: {ابْنَ أُمَّ} على ظاهره، فهو أخوه لأمه لا لأبيه
(8)
.
والقول الأول-والله أعلم- أولى؛ لأمور:
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 248.
(2)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يسقط في حال الخوف على النفس، وفي الحال الذي يعلم أنه لا ينفع.
2) الغضب والأسف على المبتدع محمود في الدين. انظر هذين الاستنباطين في: محاسن التأويل ج 5/ ص 188.
3) من ألقى كتب علم من يده على الأرض وهو غضبان لا يلام. انظر: الإكليل ج 2/ ص 767.
4) الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في إجراء الأحكام عليه. انظر: التحرير والتنوير ج 8/ ص 298.
(3)
ذكر الشوكاني مثل هذا الاستنباط في سورة طه 94.
(4)
مدارك التنزيل ج 2/ ص 114.
(5)
انظر: مدارك التنزيل ج 2/ ص 114، والبحر المحيط ج 4/ ص 500، وفتح البيان ج 5/ ص 24.
(6)
الكشاف ج 2/ ص 153.
(7)
انظر: المحرر الوجيز ص 746، والجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 256، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 61، وتفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 90، وروح المعاني ج 9/ ص 68، وتيسير الكريم الرحمن ص 304.
(8)
حكاه البغوي في معالم التنزيل ج 2/ ص 202، وأبو حيان في البحر المحيط ج 4/ ص 500.
الأول: لأن عادة العرب التلطف بذكر الأم.
قال أبو حيان: (ناداه نداء استعطاف وترقق، وكان شقيقه. وهي عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأم كما قال:
يا ابن أمي ويا شقيق نفسي
(1)
وقال آخر:
يا ابن أمي فدتك نفسي ومالي
(2)
وأيضا: فكانت أمهما مؤمنة)
(3)
.
الثاني: لأنه قول جمهور المفسرين.
قال أبو السعود -عند قوله تعالى: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)} [طه: 94]-: (خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها، وترقيقا لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم؛ فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين)
(4)
.
وقال الشوكاني -عند آية طه أيضا-: (ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له، وترقيقا لقلبه)
(5)
.
(1)
وتمامه: أنت خلفتني لدهر شديد. والبيت لأبي زبيد الطائي وهو حرملة بن المنذر، وقيل: المنذر بن حرملة، والصحيح حرملة بن المنذر بن معد يكرب، كان نصرانيا، وعلى دينه مات، وكان من المعمرين، وهو ممن أدرك الجاهلية والإسلام فعد في المخضرمين، استنشده عثمان فأنشده قصيدة فيها وصف للأسد، توفي سنة 62 هـ. انظر: الأغاني ج 12/ ص 150، 151، ومعجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002 م ج 2/ ص 24.
(2)
وتمامه: كنت ركني ومفزعي وجمالي. والبيت للسيد الحميري، أبو هاشم، أو أبو عامر، إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري، شاعر إمامي متقدم، قد أخمل ذكر الحميري وصرف الناس عن رواية شعره إفراطه في النيل من بعض الصحابة وأزواج صلى الله عليه وسلم، وكان يتعصب لبني هاشم تعصباً شديداً، وأكثر شعره في مدحهم، وذم غيرهم ممن هو عنده ضدهم، توفي سنة 173 هـ .. انظر: معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002 م ج 1/ ص 285، 286. ومعجم الشعراء المخضرمين والأمويين ص 165.
(3)
البحر المحيط ج 4/ ص 500.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 6/ ص 38.
(5)
فتح القدير ج 3/ ص 383.
سورة الأنفال
81 - الملائكة لم تقاتل ببدر
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه ما جعل الإمداد بالملائكة إلا بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ.
قال أبو السعود: (وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال، وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين، وتكثير سوادهم، ونحوه كما هو رأي بعض السلف)
(4)
.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي
(5)
. وحكاه الرازي، والآلوسي
(6)
.
والأظهر أن الملائكة باشرت القتال يومئذ. وهذا هو قول جماعة من المفسرين كابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور
(7)
. وبه قال ابن القيم في زاد المعاد، قال:(وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم)
(8)
.
(1)
وهو استنباط في السيرة النبوية لتعلقه بغزوة بدر.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 290.
(3)
استنبط الشوكاني هذا الاستنباط من قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} [آل عمران: 126]. وقد سبق بيانه هناك.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 8.
(5)
انظر: فتح البيان ج 5/ ص 139.
(6)
انظر: التفسير الكبير ج 15/ ص 105، وروح المعاني ج 9/ ص 174.
(7)
انظر: المحرر الوجيز ص 352، والجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 188، 189، وتفسير القرآن العظيم ج 2/ ص 414، والتحرير والتنوير ج 3/ ص 208.
(8)
انظر: زاد المعاد ص 493.
ثم إن القول في هذا الموضع بمفهوم المخالفة معارض بالأدلة على أن الملائكة قاتلت ببدر، وقد تظاهرت الروايات على أن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت كما قال ابن عطية والقرطبي
(1)
. وقد سبق بيان هذه الأدلة عند قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} [آل عمران: 126].
82 - الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة
(2)
.
قال تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} الأنفال: 16.
قال الشوكاني رحمه الله: (والمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بغضب كائن من الله إلا المتحرف والمتحيز. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي: المكان الذي يأوي إليه هو النار، فقراره أوقعه إلى ما هو أشد بلاء مما فر منه، وأعظم عقوبة. والمأوى: ما يأوي إليه الإنسان. {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف، وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة.
ووجه الاستنباط: أن الله نهى عن الفرار من الزحف وتوعد عليه بوعيدين، فدل بدلالة تأمل وعيد الله تعالى، على أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة.
قال السعدي: ({وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ} أي: رجع {بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والقاسمي، والسعدي-كما تقدم-، وابن عاشور.
(5)
.
(1)
انظر: المحرر الوجيز ص 352، والجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 188، 189.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 294.
(4)
تيسير الكريم الرحمن ص 317.
(5)
انظر: أحكام القرآن ج 2/ ص 297، والجامع لأحكام القرآن ج 7، ص 334، والإكليل ج 2/ ص 782، وفتح البيان ج 5/ ص 147، ومحاسن التأويل ج 5/ ص 268، وتيسير الكريم الرحمن ص 317، والتحرير والتنوير ج 9/ ص 48.
وخالف آخرون- فقالوا: حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة- إذ جعلوا الفرار يوم الزحف مخصوصا بيوم بدر، فروي ذلك عن جماعة من السلف
(1)
، وهو قول أبي حنيفة.
(2)
. واحتجوا بحجتين:
الأولى: أن قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ} هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف
(3)
، وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين:{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)} [التوبة: 25]، ولم يقع على ذلك تعنيف.
وقد رد الجمهور على هذه الحجة ببيان أن قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ} إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمْ} [الأنفال: 45]
(4)
. وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأكثر العلماء.
(5)
.
(1)
فروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ونافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك. انظر: جامع البيان ج 11/ ص 78 - 81، وتفسير ابن أبي حاتم ج 5/ ص 1670 وما بعدها، وأحكام القرآن لابن العربي ج 2/ ص 297، والجامع لأحكام القرآن ج 7، ص 334، و 335، وتفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 173، 174، والدر المنثور ج 4/ ص 37.
(2)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 2/ ص 297، والجامع لأحكام القرآن ج 7، ص 334.
(3)
هي قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)} الأنفال: 66.
(4)
وتمام الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)} الأنفال: 45.
(5)
انظر حججهم والرد عليها في أحكام القرآن لابن العربي ج 2/ ص 297، والجامع لأحكام القرآن ج 7، ص 334، و 335.
قال ابن العربي: (ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهم
(1)
، وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة، وإنما شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر، وليس به، وإنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف، والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حسبما قدمناه في الحديث الصحيح أن الكبائر كذا، وعد الفرار يوم الزحف
(2)
، وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف ويبين الحكم، وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع باختصاصه بيوم بدر)
(3)
.
وأما يوم أحد فإنما فر الناس من ضعفهم ومع ذلك عنفوا، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة
(4)
.
وقال ابن كثير -بعد أن ساق أقوال السلف الدالة على أن الآية في بدر-: (وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم)
(5)
.
الثانية: أنه لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض
(6)
.
(1)
عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: "أكبر الكبائر الشرك بالله، والفرار من الزحف؛ لأن الله عز وجل يقول: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} ". أخرجه الطبري في جامع البيان ج 11/ ص 81. وانظر: الدر المنثور ج 4/ ص 38.
(2)
يعني حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} ، رقم: 2615، ج 3/ ص 1017. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، رقم: 89، ج 1/ ص 92.
(3)
أحكام القرآن ج 2/ ص 297.
(4)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 2/ ص 297، والجامع لأحكام القرآن ج 7، ص 335.
(5)
تفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 174.
(6)
انظر: أحكام القرآن للكيا ج 3/ ص 153، وأحكام القرآن لابن العربي ج 2/ ص 297، والجامع لأحكام القرآن ج 7، ص 334، و 335.
وهذه الحجة ردها إلكيا بقوله: (وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه قتال وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه)
(1)
.
فظهر بذلك أن القول بأن الزحف من الفرار كبيرة أقرب للصواب والله أعلم.
وقد نبه ابن عاشور للحكمة من تحريم الزحف من الفرار بقوله: (وإنما حرم الله الفرار في وقت مناجزة المشركين ومجالدتهم وهو وقت اللقاء؛ لأن الفرار حينئذ يوقع في الهزيمة الشنيعة والتقتيل، وذلك أن الله أوجب على المسلمين قتال المشركين، فإذا أقدم المسلمون على القتال لم يكن نصرهم إلا بصبرهم، وتأييد الله إياهم، فلو انكشفوا بالفرار لأعمل المشركون الرماح في ظهورهم فاستأصلوهم، فلذلك أمرهم الله ورسوله بالصبر والثبات، فيكون ما في هذه الآية هو حكم الصبر عند اللقاء)
(2)
.
وفي هذا الاستنباط تنبيه للمسلمين بأن ينظروا قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات أو لا. قال ابن عاشور: (الذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة، بحيث إن المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين، أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم وعزموا على المقاتلة، فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات والصبر للقتال، ولو كانوا أقل من جيش المشركين، فإما أن ينتصروا، وإما أن يستشهدوا، وعلى هذا فللمسلمين النظر قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات وجهه أو لا، فإن وقت المجالدة يضيق عن التدبير، فعلى الجيش النظر في عَدده وعُدده ونسبة ذلك من جيش عدوهم، فإذا أزمعوا الزحف وجب عليهم الثبات)
(3)
.
83 - وجوب ترك التقيد بالمذاهب المخالفة لما في الكتاب والسنة
(4)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} الأنفال: 24.
قال الشوكاني رحمه الله: (ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله، أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان)
(5)
.
(1)
أحكام القرآن ج 3/ ص 153.
(2)
التحرير والتنوير ج 9/ ص 49.
(3)
المصدر السابق ج 9/ ص 48.
(4)
وهو استنباط أصولي.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 299.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
من الآية وجوب ترك التقيد بالمذاهب المخالفة لما في الكتاب والسنة
(2)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالاستجابة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أي: الانقياد لما أمرا به، والاجتناب لما نهيا عنه؛ فيلزم من ذلك معرفة الأوامر والمنهيات، أي معرفة الأدلة؛ فدل ذلك على المنع من التقليد للمذاهب المخالفة للكتاب والسنة.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي في تفسيره
(3)
.
وفي هذا الاستنباط حث على معرفة الدليل؛ لأنه السبيل إلى الاتباع الصحيح على بصيرة.
84 - الأقلون من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون
(4)
.
قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)} الأنفال: 34.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)} ذلك. والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية أن الأقلين من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون
(6)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن أكثر كفار قريش لا يعلمون، فحكم على الأكثرين بالجهل؛ فدل بمفهوم المخالفة (للأكثر)، أو بالتقييد بالأكثر على أن الأقلين من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون.
(1)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} أن الله تعالى خالق لجميع اكتساب العباد خيرها وشرها. ففيها رد على القدرية والمعتزلة القائلين بأن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 7/ ص 342، والإشارات الإلهية ج 2/ ص 263، والإكليل ج 2/ ص 785.
(2)
تقدم عند الآيتين: 22، و 170 من سورة البقرة بيان استنباط الشوكاني لمنع التقليد من تلكم الآيتين، مع بسط القول في دراستهما. وانظر أيضا: التوبة: 31 (ج 2/ ص 353)، الأحزاب: 67 (ج 4/ ص 306)، والزخرف: 22 (ج 4/ ص 552، 553).
(3)
انظر: فتح البيان ج 5/ ص 155، 156.
(4)
وهو استنباط دعوي أو عقدي لأن الإنصاف من شعب الإيمان.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 305.
(6)
وسيأتي مثل هذا الاستنباط عند سورة المؤمنون: 70.
قال ابن عاشور: (وإنما نفى العلم عن أكثرهم دون أن يقال: ولكنهم لا يعلمون؛ فاقتضى أن منهم من يعلم أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام، وهم من أيقنوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، واستفاقوا من غفلتهم القديمة، ولكن حملهم على المشايعة للصادين عن المسجد الحرام العناد، وطلب الرئاسة، وموافقة الدهماء على ضلالهم، وهؤلاء هم عقلاء أهل مكة، ومن تهيأ للإيمان منهم مثل: العباس، وعقيل بن أبي طالب، وأبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وخالد بن الوليد ومن استبقاهم الله للإسلام، فكانوا من نصرائه من بعد نزول هذه الآية)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، وابن عاشور.
(2)
.
وهذه الاستنباط مبني على حمل لفظ (أكثر) على معناه حقيقة. وقد أشار بعض المفسرين إلى أن المراد بالأكثر هنا الكل على سبيل المجاز كما يراد بالقلة العدم
(3)
. لكن الأظهر-والله تعالى أعلم- إبقاء الأكثر على ظاهره إذ الحقيقة أولى من المجاز.
قال أبو حيان: (إبقاء الأكثر على ظاهره أولى)
(4)
.
وفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن في الأحكام. قال الهرري: (وقد جرت سنة القرآن أن يدقق في الحكم، ولا يقول إلا الحق، ولا يقول كما يقول الناس: إن القليل لا حكم له)
(5)
.
85 - مشروعية الذكر في جميع الأحوال
(6)
.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)} الأنفال: 45.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر)
(7)
.
(1)
التحرير والتنوير ج 7/ ص 91.
(2)
انظر: فتح البيان ج 5/ ص 169، والتحرير والتنوير ج 7/ ص 91.
(3)
أجازه البيضاوي في أنوار التنزيل ج 3/ ص 106، والنسفي في مدارك التنزيل ج 2/ ص 64، والآلوسي في روح المعاني ج 9/ ص 203. لكنهم عند قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
…
(70)} [المؤمنون: 70] اقتصروا على ما ذكره الشوكاني مما يؤيد ما ذهب إليه. انظر: أنوار التنزيل ج 4/ ص 162، ومدارك التنزيل ج 3/ ص 185، وروح المعاني ج 18/ ص 51.
(4)
البحر المحيط ج 4/ ص 621.
(5)
حدائق الروح والريحان ج 10/ ص 415.
(6)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(7)
فتح القدير ج 2/ ص 315.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية مشروعية الذكر في جميع الأحوال.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بذكره عند ملاقاة العدو في الحرب وهي حالة ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر، وعلى شدتها لم يرخص للرجل فيها بترك الذكر؛ فدل بدلالة تأمل أوامر الله تعالى على مشروعية الذكر في جميع الأحوال.
قال محمد بن كعب القرظي
(1)
: (لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام؛ يقول الله عز وجل: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا}
(2)
[آل عمران: 41]، ولرخص للرجل يكون في الحرب يقول الله عز وجل:{إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} )
(3)
.
قال الآلوسي منبها إلى هذا الاستنباط: (وفي الآية تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر مولاه سبحانه، وذكره جل شأنه في مثل ذلك الموطن من أقوى أدلة محبته جل شأنه، ألا ترى من أحب مخلوقا مثله كيف يقول:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
…
مني وبيض الهند تشرب من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
…
برقت كبارق ثغرك المتبسم
(4)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والشنقيطي.
(6)
.
(1)
هو أبو عبد الله، محمد بن كعب القرظي، المدني، تابعي، من أوعية العلم، عالم بالقرآن، كثير الحديث، توفي بعد المائة للهجرة. انظر: سير أعلام النبلاء ج 5/ ص 65 - 67، وتهذيب التهذيب ج 9/ ص 373.
(2)
(3)
أخرج أوله الطبري في جامع البيان ج 5/ ص 391، وابن أبي حاتم ج 2/ ص 646، وعزاه السيوطي كاملا في الدر المنثور ج 2/ ص 192 إلى ابن المنذر.
(4)
البيت لعنترة بن شداد. انظر: شرح ديوان عنترة للخطيب التبريزي ص 191.
(5)
روح المعاني ج 10/ ص 13.
(6)
انظر: الكشاف ج 2/ ص 214، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 112، وإرشاد العقل السليم ج 4/ ص 25، وروح المعاني ج 10/ ص 13، وفتح البيان ج 5/ ص 188، ومحاسن التأويل ج 5/ ص 304، وأضواء البيان ج 1/ ص 474.
والمعنى المستنبط دل عليه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)} [آل عمران: 191].
وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا
…
مَوْقُوتًا (103)} [النساء: 103]
قال ابن عباس رضي الله عنه: (لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}. بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال)
(1)
.
86 - انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم
(2)
.
قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55)} الأنفال: 55.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم عن الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى الكفار شر الدواب، ولم يقل شر الناس، فخص لفظ الدواب بالذكر
(4)
؛ فدلت مناسبة اختيار هذا اللفظ على انسلاخهم من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم.
(1)
أخرجه الطبري في جامع البيان ج 7/ ص 446، وابن أبي حاتم في تفسيره ج 4/ ص 1056 دون أوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ج 6/ ص 618، 619 إلى ابن المنذر.
(2)
وهو استنباط فائدة علمية.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 319.
(4)
والكفار وإن كانوا داخلين في لفظ الدواب من حيث اللغة- قال الرازي: كل ماش على الأرض دابة. انظر: مختار الصحاح ج 1/ ص 83 - لكن استعمال لفظ الدواب في الناس قليل، ولذا استنبط القصاب وقوع اسم الدواب على الناس كما يقع على البهائم؛ لأن كل ماش داب. انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 466.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والشعراوي.
(1)
.
ولا يعني هذا الاستنباط جواز الاعتداء على الكفار بغير حق، فإن القرآن حفظ حقوقهم فقال تعالى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} [البقرة: 190].
والقرآن بيَّن أنهم في علوم الدين النافعة كالأنعام بل أضل، فقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ
…
بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} [الأعراف: 179]
وقال في موضع آخر: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان: 44].
فالدابة المحكومة بالغريزة خير من الكافر؛ لأن الدابة تؤدي مهمتها في الحياة تماما، بينما لا يؤدي الكافر مهمته في الأرض، وبذلك يكون شرا من الدابة
(2)
.
ومع هذا الذم أنصفهم إذ لم ينف عنهم علوم الدنيا فقال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ
…
(7)} [الروم: 7].
(1)
انظر: فتح البيان ج 5/ ص 197، وخواطري مع القرآن للشعراوي ص 4765.
(2)
انظر: خواطري مع القرآن للشعراوي ص 4765.
فغاية ما في هذا الاستنباط ذم الكفار، وبيان عدم انتفاعهم بعقولهم -التي ميز الله بها الإنسان- في الوصول للحق وطريق النجاة والهداية، وهذا هو معنى انسلاخهم من الإنسانية. وليس فيه ما يدعو للاعتداء عليهم وظلمهم.
سورة التوبة
87 - الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)} إشارة إلى أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين.
ووجه الاستنباط: أن الله أمر المسلمين بالوفاء بعهد من عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام، فإن لهم في العهد في هذا المكان الفاضل حرمة أوجب أن يراعوا فيها، ثم ختم هذا الأمر بقوله:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)} ؛ فدل هذا بدلالة الربط بين خاتمة الآية وموضوعها على أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، والبروسوي.
(3)
.
واستنبط ابن عطية، والبيضاوي، والآلوسي
(4)
هذا المعنى من قوله تعالى -قبل هذه الآية-: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)} [التوبة: 4]. فقال ابن عطية: (وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)} تنبيه على أن الوفاء بالعهد من التقوى)
(5)
.
(1)
وهو استنباط تربوي، وعقدي لأن الوفاء بالعهد من الإيمان.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 339.
(3)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 45، وفتح البيان ج 5/ ص 241، وروح البيان ج 3/ ص 410.
(4)
انظر: المحرر الوجيز ص 826، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 129، وروح المعاني ج 10/ ص 49. ولعل تنبيههم على هذا المعنى عند قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)} [التوبة: 4] أغنى عن إعادته هنا.
(5)
المحرر الوجيز ص 826.
وفي هذا الاستنباط تنبيه على حفظ العهود، والوفاء بالمواثيق حتى مع الكفار المُعَاهَدِين، وأن مخالفة هذه العهود ليست من التقوى في شيء لمن كان يظن ذلك.
88 - حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم
(1)
.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} التوبة: 18.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات.
وقيل: عسى من الله واجبة. وقيل: هي بمعنى خليق أي: فخليق أن يكونوا من المهتدين. وقيل: إن الرجاء راجع إلى العباد)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر الذين يعمرون المساجد بأوصافهم الطيبة ذكر اهتداءهم بصيغة التوقع (عسى)؛ فدلت مناسبة لفظ (عسى) على حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم؛ فإذا كان اهتداء المؤمنين مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات.
قال البيضاوي: ({فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} ذكره بصيغة التوقع قطعا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخا لهم بالقطع بأنهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرا بين عسى ولعل فما ظنك بأضدادهم)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(4)
.
ويتنبه إلى أن هذا الاستنباط لا يعارضه القول الحق بأن عسى من الله واجبة، فعسى من الله واجبة باعتبار عسى منسوبة إلى الله
(5)
. وإنما المقصود هنا النظر إلى الرجاء باعتبار ما يكون في قلب المخاطَب
(6)
، وتأمل مناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) -التي لا تعطي الإنسان يقينا بالوقوع- في هذا المقام دون الألفاظ الدالة على القطع.
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 344.
(3)
أنوار التنزيل ج 3/ ص 136.
(4)
انظر: الكشاف ج 2/ ص 243، والتفسير الكبير ج 16/ ص 10، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 136، وإرشاد العقل السليم ج 4/ ص 51، وروح المعاني ج 10/ ص 66، وفتح البيان ج 5/ ص 255.
(5)
قال السمعاني: (وعسى من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدا أوجب له، وأوصله إليه). تفسير القرآن العزيز ج 1/ ص 470.
(6)
أي هي على معتقد البشر، أي: ظنكم بمن هذه حالة ترجى عفو الله عنه. انظر: المحرر الوجيز ص 472.
وحكى الآلوسي مناسبة أخرى لمجيء كلمة الإطماع هنا فقال: (وقيل: إن الأوصاف المذكورة وإن أوجبت الاهتداء ولكن الثبات عليها مما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد يطرأ ما يوجب ضد ذلك والعبرة للعاقبة، فكلمة التوقع يجوز أن تكون لهذا).
ثم تعقبها بقوله: (ولا يخفى ما فيه. فإن النظر إلى العاقبة هنا لا يناسب المقام الذي يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال)
(1)
.
ويتنبه إلى أن في قوله تعالى: {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} أيضا تحذيرا للمؤمنين من الاغترار بأحوالهم، والاتكال على أعمالهم.
قال أبو السعود: (وفيه لطف للمؤمنين، وترغيب لهم في ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، ورفض الاغترار بالله تعالى)
(2)
.
وقال الآلوسي: (وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم وما هم عليه، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، وهذا هو المناسب للمقام)
(3)
.
89 - على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، كما عليهم ألا يفتروا عن دعاء الله والتضرع إليه
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفائدة التقييد بالمشيئة التعلم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(6)
من الآية أن على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، كما أن عليهم ألا يفتروا عن الدعاء والتضرع.
(1)
روح المعاني ج 10/ ص 66.
(2)
إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 51.
(3)
روح المعاني ج 10/ ص 66.
(4)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 350.
(6)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) الكفار مخاطبون بالشريعة؛ لأن ظاهر الآية توجه النهي إلى المشركين. انظر: محاسن التأويل ج 5/ ص 376.
2) تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز، وليس ذلك بمناف للتوكل، وإن كان الرزق مقدرا، وأمر الله وقسمه مفعولا، ولكنه علقه بالأسباب حكمةً؛ ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب، والسبب لا ينافي التوكل. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 98.
3) المراد من المسجد الحرام جميع الحرم، والدليل عليه قوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة، وإنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم. انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 21، 22.
ووجه الاستنباط الأول: أن الله تعالى لما وعد عباده المؤمنين بأنه سيغنيهم قيد الإغناء بالمشيئة؛ فدل هذا بدلالة التقييد، والاقتداء بأفعال الله تعالى على أن على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل.
أما الاستنباط الثاني فوجهه: أن التقييد دال على حث العباد على ألا يفتروا عن الدعاء والتضرع؛ حيث نبههم بأن الإغناء بمشيئته، لا سبب له غيره؛ فلا يحصل عندهم الاعتماد على حصول هذا المطلوب، بل ينقطعوا إليه وحده متضرعين.
قال البيضاوي: قيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله تعالى
(1)
.
وقال الآلوسي: ذلك-أي الإغناء- بإرادته، لا سبب له غيرها، حتى ينقطعوا إليه سبحانه، ويقطعوا النظر عن غيره
(2)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني: الرازي، والقنوجي.
(3)
.
إلا أن الرازي نبه إلى ما ذكرهما الشوكاني، وزاد عليه، فقال: (ولسائل أن يسأل فيقول: الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود، وجوابه من وجوه:
الأول: أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب، فيكون الإنسان أبدا متضرعا إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات.
الثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب كما في قوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ}
(4)
[الفتح: من الآية 27].
الثالث: أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور؛ لأن إبراهيم عليه السلام قال في دعائه: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}
(5)
[البقرة: من الآية 126]، وكلمة من تفيد التبعيض، فقوله تعالى في هذه الآية:{إِنْ شَاءَ} المراد منه ذلك التبعيض).
(1)
انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 139.
(2)
انظر: روح المعاني ج 10/ ص 77.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 22، وفتح البيان ج 5/ ص 270.
(4)
(5)
وتمامها: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ
…
فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ
…
الْمَصِيرُ (126)}
والوجه الثالث ذكره البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي
(1)
.
ونبه المفسرون إلى أوجه أخرى لتقييد الإغناء بالمشيئة، منها:
1 -
أن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله.
قال السعدي: ({إِنْ شَاءَ} تعليق للإغناء بالمشيئة؛ لأن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله، فلهذا علقه الله بالمشيئة، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين إلا من يحب)
(2)
.
2 -
التنبيه على أنه تعالى متفضل بالإغناء، وأنه ليس بواجب عليه.
قال البيضاوي: ولينبه على أنه تعالى متفضل في ذلك
(3)
.
وقال الآلوسي: وفيه تنبيه على أنه سبحانه متفضل بذلك الإغناء لا واجب عليه عز وجل؛ لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى المشيئة
(4)
.
وكلها صحيح-والله أعلم- ولا تزاحم بينهم.
90 - لم يتخذ اليهود عزيرا ربا معبودا
(5)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} معطوف على
{وَرُهْبَانَهُمْ} ، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا)
(6)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ثم ذكر اتخاذ النصارى عيسى عليه السلام ربا معبودا، فخص فعل النصارى دون اليهود؛ فدل بدلالة عدم الذكر، أو بالتخصيص على أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا.
قال أبو السعود: ({وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} عطف على رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا: إنه ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وتخصيص الاتخاذ به يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير)
(7)
.
(1)
انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 139، وإرشاد العقل السليم ج 4/ ص 57، وروح المعاني ج 10/ ص 77.
(2)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ج 1/ ص 333.
(3)
انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 139.
(4)
انظر: روح المعاني ج 10/ ص 77.
(5)
وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)، وهو أيضا استنباط فائدة علمية.
(6)
فتح القدير ج 2/ ص 353.
(7)
إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 60.
فأما اتخاذ النصارى عيسى عليه السلام ربا إنما معناه اتخاذهم له ربا معبودا، وليس في عطف {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} على {وَرُهْبَانَهُمْ} ما يقتضي أنه في طاعته كما هي طاعة الرهبان؛ لأن طاعته عليه السلام حق، ولا يقول إلا الحق. ويدل على هذا المعنى تقديم {مِنْ دُونِ اللَّهِ} على {وَالْمَسِيحَ} .
قال محمد أبو زهرة: وقدم قوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} على {وَالْمَسِيحَ} للإشارة إلى أنهم اتخذوه بمرتبة من الربوبية التي نحلوها له غير ما اتخذوه من أربابهم، فما نحلوه له من ربوبية كان عبادة له.
إلى أن قال: ولو أخرت كلمة {أَرْبَابًا} عن {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} لكان المعنى أن الربوبية التي اتخذوها واحدة، مع أن ربوبيتهم للمسيح عبادة، وربوبية الأحبار أخذ للتعاليم
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي.
(2)
.
ويدل على هذا الاستنباط أن الله تعالى أخر هذا الاتخاذ مع أنه أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم؛ فدل على اختصاصه بالنصارى.
قال الآلوسي: (وتخصيص الإتخاذ به عليه السلام يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير، وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له كذلك أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم؛ لأنه مختص بالنصارى)
(3)
.
91 - الزجر عن التقليد
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه، وأنبياؤه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء)
(5)
.
(1)
انظر: زهرة التفاسير ص 3283، 3284.
(2)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 60، وروح المعاني ج 10/ ص 84، وفتح البيان ج 5/ ص 286.
(3)
روح المعاني ج 10/ ص 84.
(4)
وهو استنباط أصولي.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 353، 354. وتمام كلامه: (فيا عباد الله، ويا أتباع محمد بن عبد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاده، فعلتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة، تنادى بأبلغ نداء، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذانا صما، وقلوبا غلفا، وأفهاما مريضة، وعقولا مهيضة، وأذهانا كليلة، وخواطر عليلة وأنشدتم بلسان الحال:
وما أنا إلا من غزية إن غوت
…
غويت وإن ترشد غزية أرشد
فدعوا أرشدكم الله وإياي كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم، وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتكم وقدوتهم وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
دعوا كل قول عند قول محمد
…
فما آمن في دينه كمخاطر)
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
من الآية الزجر عن التقليد
(2)
.
ووجه الاستنباط: أن الله ذم تقليد اليهود والنصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يخالف أمر الله تعالى؛ فإن الأحبار والرهبان أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبهذا الاتباع اتخذوهم أربابا من دون الله؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على الزجر عن التقليد؛ لأن طاعة المُقَلِّد لمن يُقَلِّده، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي
(3)
. وأشار الرازي إلى ما يقاربه فيما نقله عن أحد شيوخه فقال: (قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا)
(4)
.
92 - لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها
(5)
.
قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
…
كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)} التوبة: 36.
(1)
واستنبط القصاب استنباطات أخرى، منها:
1) جواز اختصار الكلام، والإخبار عن المعاني المختلفة باللفظ الواحد. ووجهه: أن الأحبار على الأغلب في اليهود، والرهبان في النصارى، وقد أخبر عنهم في لفظ واحد.
2) أن الله أوقع اسما له -هو الرب- على خلقه: أعدائه، ونبيه، ولم يكن نقصا فيما هو له. انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 520 - 521.
(2)
استنبط الشوكاني المنع من التقليد في مواضع سابقة سبق بيانها ودراستها عند الآيتين 22، و 170 من سورة البقرة، والآية 24 من سورة الأنفال. وانظر أيضا: الأحزاب: 67 (ج 4/ ص 306)، والزخرف: 22 (ج 4/ ص 552، 553).
(3)
انظر: فتح البيان ج 5/ ص 286.
(4)
التفسير الكبير ج 16/ ص 31.
(5)
وهو استنباط في التأريخ.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
من الآية أنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ، وقد كان يحتمل أن يراد بهن السنة الشمسية أو القمرية، لكن قوله تعالى:{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} خلصت لأن يقال إنما أراد السنة القمرية، وهي العربية؛ لأن العرب هي التي كانت تعتقد حرمة هذه الأشهر الأربعة الحرم
(3)
، وتُحرِّم القتال فيها، ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما. فدل ذلك على أن الواجب تعليق الأحكام المتصلة بالشهور والسنين من عبادات وغيرها بالأشهر العربية دون الأشهر التي يعتبرها العجم والروم
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي.
(5)
.
فالواجب على المسلمين الأخذ بهذا الحساب والعدد في صومهم، وحجهم، وأعيادهم، وبيعاتهم، وأجل ديونهم، وسائر أحكام المسلمين المرتبة على الشهور
(6)
. دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط، وإن لم تزد على اثني عشر شهرا؛ لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين، وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج
(7)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 358.
(2)
واستنبط السيوطي من الآية أن اللغات توقيفية، ووجهه: أن الله وضع هذه الأشهر، وسماها ورتبها على ما هي عليه، وأنزل ذلك على أنبيائه. الإكليل ج 2/ ص 807.
(3)
انظر: أحكام القرآن لابن الفرس ج 3/ ص 149. والأشهر الأربعة الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
(4)
انظر: أحكام القرآن للكيا ج 4/ ص 199.
(5)
انظر: أحكام القرآن للكيا ج 4/ ص 199، والجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 123، والإكليل ج 2/ ص 806، وفتح البيان ج 5/ ص 296.
(6)
انظر: حدائق الروح والريحان ج 11/ ص 241.
(7)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 123.
93 - جواز الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم
-
(1)
.
قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} التوبة: 43.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم. والمسألة مدونة في الأصول
(2)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم
(4)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم على الإذن لبعض المنافقين الذين عزموا على القعود، فعاتبه على ما اجتهد فيه، ولم ينكر عليه الاجتهاد؛ فدل ذلك على جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم.
أو أن وجهه: أن الله عاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والآلوسي، والقنوجي.
(6)
.
وقد أثبت الرازي دلالة الآية على جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، رادا على أقوال المخالفين بقوله: فإن قيل: فهذا يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى؛ لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} .
(1)
وهو استنباط أصولي.
(2)
انظر: روضة الناظر ج 2/ ص 451 - 456، والبحر المحيط ج 6/ ص 214 - 216، وإرشاد الفحول ص 577 - 579، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 346 - 348 ..
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 365.
(4)
أكد الشوكاني عند قوله تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)} [الأنعام: 50] جواز اجتهاد الأنبياء، ورد قول المانعين بقوله:({إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} أي: ما أتبع إلا ما يوحيه الله إلي. وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملا بما يفيده القصر في هذه الآية، والمسألة مدونه في الأصول، والأدلة عليها معروفة وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أوتيت القرآن ومثله معه"). فتح القدير ج 2/ ص 118.
(5)
ذكر الشوكاني هذا الوجه في إرشاد الفحول ص 579.
(6)
انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 60، وروح المعاني ج 10/ ص 109، وفتح البيان ج 5/ ص 310.
قلنا: إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقا؛ لأنه قال: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} والحكم الممدود إلى غاية بكلمة (حتى) يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية، فهذا يدل على صحة قولنا.
فإن قالوا: فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي؟
قلنا: ما ذكرتموه محتمل، إلا أن على التقدير الذي ذكرتم يصير تكليفه أن لا يحكم البتة، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص، فلما ترك ذلك كان ذلك كبيرة.
وعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأً واقعا في الاجتهاد، فكان حمل الكلام عليه أولى
(1)
.
ثم إن القول بجواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم هو رأي الجمهور. قال النووي -عند شرح حديث: "لولا أن أشق على المؤمنين -أو على أمتي- لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"
(2)
-: (فيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهذا مذهب أكثر الفقهاء، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار)
(3)
.
واجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون فيما يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب، أو أن يكون في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية.
فأما الأول فمجمع على جوازه
(4)
، وأما اجتهاده في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية، فقد اختلفوا في ذلك على مذاهب
(5)
:
الأول: المنع؛ لقدرته على النص بنزول الوحي، وقد قال سبحانه:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 4] والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)} [النجم: 3]
(6)
.
واحتجوا أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل ينتظر الوحي، ويقول: ما أنزل علي في هذا شيء.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 60.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: السواك، رقم: 252، ج 1/ ص 220. وأخرجه البخاري في كتاب: الجمعة، باب: السواك، رقم: 847، ج 1/ ص 303.
(3)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ج 3/ ص 144.
(4)
حكى هذا الإجماع سليم الرازي، وابن حزم. انظر: البحر المحيط ج 6/ ص 214، وإرشاد الفحول ص 577.
(5)
انظر هذه المذاهب وأدلتها في: البحر المحيط ج 6/ ص 214 - 216، وإرشاد الفحول ص 577 - 579، والوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 346 - 348.
(6)
قال الزركشي: حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي، وهو ظاهر اختيار ابن حزم. انظر: البحر المحيط ج 6/ ص 214.
الثاني: أنه يجوز الاجتهاد لنبينا صلى الله عليه وسلم، ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب الجمهور.
واحتجوا بأن الله سبحانه خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله، وأعظم المعتبرين بها.
وأما قوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} فالمراد به القرآن; لأنهم قالوا: إنما يعلمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده; لأنه صلى الله عليه وسلم إذا كان متعبدا بالاجتهاد بالوحي; لم يكن نطقا عن الهوى، بل عن الوحي، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع، مع كونه معرضا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى.
وأيضا قد وقع ذلك كثيرا منه صلى الله عليه وسلم، ومن غيره من الأنبياء.
فأما منه فمثل قوله للعباس: "إلا الإذخر"
(1)
، ولم ينتظر الوحي في هذا، ولا في كثير مما سئل عنه.
وأما من غيره فمثل قصة داود، وسليمان عليه السلام
(2)
.
(1)
وتمام الحديث: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، قال: إلا الإذخر". أخرجه البخاري في كتاب: الجزية والموادعة، باب: إثم الغادر للبر والفاجر، رقم: 3017، ج 3/ ص 1164. وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، رقم: 1353، ج 2/ ص 986. والاذخر: نبت معروف طيب الرائحة. وأما قوله: فإنه لقينهم بفتح القاف: هو الحداد والصائغ، ومعناه: يحتاج إليه القين في وقود النار، ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات، ويحتاج إليه في سقوف البيوت يجعل فوق الخشب. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ج 9/ ص 127.
(2)
قال ابن قدامة: لأن داود وسليمان حكما بالاجتهاد بدليل قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)} [الأنبياء: 79]، ولو حكما بالنص لم يخص سليمان بالتفهيم. روضة الناظر ج 2/ ص 455.
وأما ما احتج به المانعون، من أنه صلى الله عليه وسلم لو جاز له الاجتهاد; لجازت مخالفته، واللازم باطل.
وبيان الملازمة: أن ذلك الذي قاله بالاجتهاد هو حكم من أحكام الاجتهاد، ومن لوازم أحكام الاجتهاد جواز المخالفة، إذ لا قطع بأنه حكم الله; لكونه محتملا للإصابة، ومحتملا للخطأ، فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاده يكون له حكم اجتهاد غيره، فإن ذلك إنما كان لازما لاجتهاد غيره، لعدم اقترانه بما اقترن به اجتهاده صلى الله عليه وسلم من الأمر باتباعه.
وأما ما احتجوا به من أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما تأخر في جواب سؤال سائل، فقد أجيب عنه بأنه إنما تأخر في بعض المواطن; لجواز أن ينزل عليه فيه الوحي الذي عدمه شرط في صحة اجتهاده، على أنه قد يتأخر الجواب لمجرد الاستثبات في الجواب، والنظر فيما ينبغي النظر فيه في الحادثة، كما يقع ذلك من غيره من المجتهدين.
الثالث: الوقف عن القطع بشيء من ذلك
(1)
.
قال الشوكاني- بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة، وأدلتها والرد عليها-:(ولا وجه للوقف في المسألة; لما قدمنا من الأدلة الدالة على الوقوع، على أنه يدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله عز وجل: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} فعاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه) إلى أن قال: (ولم يأت المانعون بحجة تستحق المنع، أو التوقف لأجلها)
(2)
.
فلا شك في ترجيح قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم، ولوقوع الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم عمليا، ولأن أدلة المخالفين لم تسلم من الاعتراض والنقد
(3)
.
94 - مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور
(4)
.
قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} التوبة: 43.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم على التعجل في الإذن لبعض المنافقين الذين عزموا على القعود فقالوا: إن أذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا
(6)
، فعاتبه الله على ترك الأولى والأفضل الذي هو تأخير الأذن حتى يظهر كذبهم، ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة. ولما كان العتاب على التعجل دل ذلك على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور؛ إذ كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده.
(1)
وهو اختيار الغزالي وغيره. انظر: البحر المحيط للزركشي ج 6/ ص 215، وإرشاد الفحول ص 579.
(2)
انظر: إرشاد الفحول ص 579.
(3)
انظر: الوجيز في أصول الفقه الإسلامي ص 348.
(4)
وهو استنباط تربوي.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 365.
(6)
عن مجاهد قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا). أخرجه الطبري في جامع البيان ج 11/ ص 478، وابن أبي حاتم في تفسيره ج 6/ ص 1805. وانظر: الدر المنثور ج 4/ ص 210، 211.
قال الرازي: (دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقنوجي، والبروسوي.
(2)
.
95 - (وعد) يقال في الشر
(3)
.
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)} التوبة: 68.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني من الآية أن لفظ (وعد) يقال في الشر كما يقال في الخير.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى توعد المنافقين والمنافقات بنار جهنم بلفظ (وعد)؛ فدل ذلك بدلالة استعمال القرآن على أن لفظ (وعد) يقال في الشر بطريق الاحتجاج بالقرآن الكريم في اللغة، وأن كل ما ورد فيه فهو أسلوب عربي مبين.
قال القصاب: (دليل على أن الوعد يكون في الخير والشر، والإيعاد هو الذي يكون في الشر ولا يشاركه فيه الخير)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(6)
. وأشار إليه ابن عادل الحنبلي
(7)
.
وقيَّد بعض المفسرين استخدام الوعد في الشر إذا صرح به
(8)
.
قال ابن جزي: (الأصل في الشر أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا صرح بالشر)
(9)
.
ولذا حسن الإتيان بلفظ وعد في هذه الآية للتصريح بالشر فيها.
قال ابن عطية: (لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن، وإن كانت آية وعيد محض)
(10)
.
ويكون الإتيان بلفظ وعد هنا دون ألفاظ الوعيد- وكلاهما جائز في هذا الموضع- لغرض التهكم بهم، قال الآلوسي:(والتعبير بالوعد للتهكم نحو قوله سبحانه: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24)} [الانشقاق: 24])
(11)
.
(1)
التفسير الكبير ج 16/ ص 60، 61.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 60، 61، وفتح البيان ج 5/ ص 311، وروح البيان ج/ ص 462.
(3)
وهو استنباط لغوي.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 379.
(5)
نكت القرآن ج 1/ ص 546.
(6)
انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 546، وفتح البيان ج 5/ ص 340، وحدائق الروح والريحان ج 11/ ص 330.
(7)
انظر: اللباب ج 10/ ص 141.
(8)
انظر: بحر العلوم ج 2/ ص 71، والمحرر الوجيز ص 862، و التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 79.
(9)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 79.
(10)
المحرر الوجيز ص 862.
(11)
روح المعاني ج 10/ ص 133.
96 - من الكفار من يكون عدلا في دينه
(1)
.
قال تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)} التوبة: 84.
قال الشوكاني رحمه الله: (وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلا في دينه. والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث مستقبحة في كل دين)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
من الآية أن من الكفار من يكون عدلا في دينه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصف المنافقين بالفسق بعد وصفهم بالكفر، والفسق أدنى حالا من الكفر؛ فدل ذكر الفسق -الذي هو أدنى- بعد الكفر -الذي هو أعظم- على أن الكافر قد يكون عدلا في دينه، وهؤلاء المنافقون ليسوا كذلك.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري.
(4)
.
وفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن لأعداء الله؛ فإنه نبه على ما قد يكون عند بعض الكافرين من أخلاق محمودة.
كما فيه بيان أن هؤلاء المنافقين جمعوا مع الكفر طريقة مذمومة من الكذب، والنفاق، والخداع، والمكر، والكيد، وهذا أبلغ في ذمهم.
قال الرازي: الكافر قد يكون عدلا في دينه، وقد يكون فاسقا في دينه، خبيثا، ممقوتا عند قومه، والكذب، والنفاق، والخداع، والمكر، والكيد أمر مستقبح في جميع الأديان، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر تنبيها على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم
(5)
.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 389.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف على قبورهم. ووجهه: بمفهوم المخالفة (مفهوم الصفة). انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 564، والإكليل ج 2/ ص 825، وتيسير الكريم الرحمن ص 347.
2) إذا حضر الإمام جنازة فهو المقدم في الصلاة عليها دون الأولياء، إذ لو كان الأولياء أحق منه كان النهي واقعا على منع ولي عبد الله بن أبي سلول -الذي نزلت فيه الآية- من الصلاة عليه. انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 564، 565.
(4)
انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 122، واللباب ج 10/ ص 134، وفتح البيان ج 5/ ص 362، وحدائق الروح والريحان ج 11/ ص 389.
(5)
انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 122.
والأظهر-والله أعلم- أن الفسق هنا أشد من الكفر، فالمراد: متمردون في الكفر خارجون عن حدوده
(1)
.
قال ابن عاشور: (والأحسن أن يفسر الفسق هنا بالخروج عن الإيمان بعد التلبس به، أي بصورة الإيمان، فيكون المراد من الفسق معنى أشنع من الكفر)
(2)
.
97 - جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وما مصدرية أي: برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم.
وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
من الآية جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي.
ووجه الاستنباط: أن الله خَلَّف الثلاثة عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بهجرانهم، ونهى الناس عن كلامهم، وأخر الحكم فيهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى، وتأمل أحكام الله على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 90، وروح المعاني ج 10/ ص 155.
(2)
التحرير والتنوير ج 10/ ص 171.
(3)
وهو استنباط تربوي، واستنباط في علوم القرآن (قصص القرآن) أيضا.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 413.
(5)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {خُلِّفُوا} لطف الله بالثلاثة أن وسمهم بوسم ليس بعار عليهم، فقال:{خُلِّفُوا} إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، أو خلفوا عن من بت في قبول عذرهم، أو في رده، وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل تخلفوا. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 355.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والبروسوي.
(1)
.
وهذا الاستنباط مبني على أن معنى التخليف هو الإرجاء.
قال ابن جرير الطبري: (فتأويل الكلام إذا، ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله)
(2)
.
وهو التفسير الذي فسر به كعب بن مالك رضي الله عنه في حديثه المروي في الصحيح
(3)
، فقال:"وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه".
وإنما جاز هنا الهجران فوق ثلاثة أيام؛ لأنه لحق الله لا لشيء من الأمور الدنيوية، وحظوظ النفس، ولأن فيه صلاحا لدين المهجور، فيُهجر حتى تظهر توبته.
قال البروسوي: إذا كان المهجور مذموم الحال لبدعة، أو فسق، أو نحوهما؛ فإنه لا يحرم الهجران إلى ظهور التوبة؛ لأنه لحق الله لما كان في جانب الدين، فيجوز فوق ثلاثة أيام، ولا يجوز الزيادة عن الثلاثة فيما كان بينهم من الأمور الدنيوية، وحظوظ النفس. وإنما عفي عنه في الثلاثة؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب فعفي عن الهجر في الثلاثة ليذهب ذلك العارض
(4)
.
98 - حصل للثلاثة
(5)
الذين خلفوا ما حصل من توبة الله عليهم بالصدق
(6)
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} التوبة: 119.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم)
(7)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 261، وفتح البيان ج 5/ ص 419، وروح البيان ج 3/ ص 553.
(2)
جامع البيان ج 12/ ص 54.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك، وقول الله عز وجل:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} ، رقم: 4156، ج 4/ ص 1603 - 1608، وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم: 2769، ج 4/ ص 2120 - 2127.
(4)
انظر: روح البيان ج 3/ ص 553.
(5)
وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم.
(6)
وهو استنباط تربوي، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص القرآن) أيضا.
(7)
فتح القدير ج 2/ ص 414.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
من الآية أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالصدق بعد أن ذكر توبته على الثلاثة الذين خلفوا؛ فدل بدلالة الربط بين هذه الآية وما قبلها من آيات أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم ما حصل من توبة الله بالصدق.
ولهذه المناسبة حسن هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وذهب بهم عن منازل المنافقين
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(3)
.
(1)
واستنبط غيره استنباطات أخرى، منها:
1) إجماع الأمة حجة. ووجهه: أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت، وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل، ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين، فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة. انظر: التفسير الكبير ج 16/ ص 175.
2) وجوب اتباع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ووجهه: أن الله تعالى قال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)} [البقرة: 177]، وهذه صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، ثم قال هنا:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} ؛ فدل بدلالة التركيب على وجوب اتباعهم والاقتداء بهم. انظر: أحكام القرآن للكيا ج 4/ ص 219، 220، والإشارات الإلهية ج 2/ ص 286.
(2)
انظر: المحرر الوجيز ص 891، والجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 261.
(3)
انظر: فتح البيان ج 5/ ص 420، وحدائق الروح والريحان ج 11/ ص 75.
وفي هذا الاستنباط بيان أن الصدق منجاة.
سورة يونس عليه السلام
-
99 - جبل الخلق على الرجوع إلى الله في الشدائد
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد.
ووجه الاستنباط: أن الله أخبر عن الكفار لما أصابهم السوء في البحر أنهم أخلصوا الدعاء لله هنالك دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذ إلى الله دونها؛ فدل ذلك على أن الخلق جميعا مؤمنهم وكافرهم جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والمراغي.
(4)
.
وفي هذا الاستنباط ذم لمن خالف فطرته فدعا في الشدائد غير الله تعالى.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما يشابهها. فيا عجبا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات، فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات، ولم يخلصوا الدعاء لله كما فعله المشركون، كما تواتر ذلك إلينا تواترا يحصل به القطع، فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية، وأين وصل بها أهلها وإلى أين رمى بهم الشيطان وكيف اقتادهم وتسلط عليهم حتى انقادوا له انقيادا ما كان يطمع في مثله ولا في بعضه من عباد الأوثان فإنا لله وإنا إليه راجعون)
(5)
.
(1)
وهو استنباط عقدي لأنه دليل الفطرة.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 435.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) جواز ركوب البحر. انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 3/ ص 3.
2) فعل العبد خلق لله تعالى؛ لأنه قال: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} وهذا يدل على أن سيرهم منهم، ومن الله، فيكون كسباً لهم وخلقاً لله. انظر: اللباب ج 10/ ص 294. وفيه حجة على المعتزلة في خلق الأفعال. انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 588.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 293، 294، وفتح البيان ج 6/ ص 39، وتفسير المراغي ج 11/ ص 90.
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 435.
وقال الآلوسي: الآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع. ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدا يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له بباله أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا، وأي الداعيين أقوم قيلا، وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف
(1)
.
100 - المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: وفي هذا دليل على أن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من الآية أن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر حال الكفار واضطرارهم في البحر عند اشتداده، والخوف من عواقبه فقال:{وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)} فبين أنهم دعوه مخلصين، ثم قال بعدها:{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: أجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم، مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم، فدل ذلك على أن الله سبحانه يجيب دعاء المضطرين وإن كانوا كافرين
(4)
.
(1)
انظر: روح المعاني ج 11/ ص 98.
(2)
وهو استنباط في الدعوات والذكر، وهو استنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.
(3)
انظر: فتح القدير ج 2/ ص 435.
(4)
أشار إليه الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} [النمل: 62]. انظر: فتح القدير ج 4/ ص 147.
قال القرطبي: ({دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي: دعوه وحده، وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا؛ لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي.
(2)
.
ويدل على المعنى المستنبط عموم قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} [النمل: 62]. فهو يشمل المضطر المسلم والكافر.
ويدل عليه كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى كفار اليمن: "واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"
(3)
، فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن دعوة المظلوم من هؤلاء الكفّار لا يحجبها شيء عن الله تعالى.
قال القرطبي- عند تفسير قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} -: ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وُجِدَ من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر كما قال تعالى:{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)} وقوله: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن:"واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب"
(4)
.
(1)
الجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 293، 294.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 8/ ص 293، 294، وفتح البيان ج 6/ ص 39.
(3)
وتمامه: عن ابن عباس رضي الله عنهم أن معاذا قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب". أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم: 4090، ج 4/ ص 1580. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم: 19، ج 1/ ص 50. واللفظ له.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 200.
وفي هذا الاستنباط تأنيس وتبشير لكل مؤمن مضطر، فإن الذي وسعت رحمته المضطر الكافر؛ يغدق على المؤمنين حال اضطرارهم من فيض رحماته، وجميل عطاياه.
101 - مناسبة قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)} بعد ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)} ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار؛ لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك ولم يظلمهم الله شيئا من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية فعلى نفسها جنت براقش)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن مناسبة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)} عقب ذكر عدم اهتداء الكفار بالأسماع والأبصار بيان أن عدم الاهتداء لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة)، وهو استنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 448.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن للسمع مزية على البصر، ووجهه: لأن الله تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر. انظر: التفسير الكبير ج 17/ ص 82، والإكليل ج 2/ ص 846. قال ابن الأنباري: وهذا غلط لأن المراد من الآية عمى القلب لا عمى العين، وكذلك صمم القلب لا صمم الأذن فعلى هذا لا يقع التفضيل. انظر: تفسير القرآن العزيز للسمعاني ج 2/ ص 386.
2) في الآية دليل على أن للعبد كسبا، وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة. انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 200.
ووجه الاستنباط: أن الله ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم ثم ذكر عقب ذلك أنه سبحانه لا يظلم الناس شيئا؛ فدل ذلك بدلالة الربط الآيات على أن عدم اهتدائهم لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر.
وممن قال بهذا: الآلوسي، والقنوجي.
(1)
.
102 - كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء بل من الجهل المحض
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
ثم وبخهم على هذا القول العاطل على الدليل الباطل عند العقلاء فقال: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68)} ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من الآية أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى البرهان عن المدعين بأن لله ولدا؛ جعلهم غير عالمين؛ فدل ذلك بدلالة ربط الآية بخاتمتها على أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض
(5)
.
قال الزمخشري: (لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم)
(6)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(7)
.
(1)
انظر: روح المعاني ج 11/ ص 175، وفتح البيان ج 6/ ص 69.
(2)
وهو استنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 460.
(4)
واستنبط غيره من الآية إبطال التقليد في العقائد، إذ لا بد لها من برهان قطعي وأن التقليد بمعزل من الاعتداد به. انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 208، والبحر المحيط ج 5/ ص 231، وإرشاد العقل السليم ج 4/ ص 163.
(5)
البحر المحيط ج 5/ ص 231.
(6)
الكشاف ج 2/ ص 341.
(7)
انظر: الكشاف ج 2/ ص 341، والتفسير الكبير ج 17/ ص 108، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 208، والبحر المحيط ج 5/ ص 231، وإرشاد العقل السليم ج 4/ ص 163، وروح المعاني ج 11/ ص 156، وفتح البيان ج 6/ ص 97.
وفي هذا الاستنباط حث على معرفة الأمور بأدلتها، وعلى التثبت في كل أمر إذ لا يقوم إلا ما كان عليه برهان ودليل، وأما ما لا حجة عليه فلا يثبت.
قال الطوفي: ({إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} أي: لا حجة عندكم لاتخاذه ولدا، وهو يقتضي أن ما لا حجة عليه لا يثبت)
(1)
.
103 - كان لمن آمن بموسى عليه السلام اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم
(2)
.
قال تعالى: {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} يونس: 85 - 86.
قال الشوكاني رحمه الله: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم)
(3)
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من الآية اهتمام من آمن بموسى عليه السلام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم.
ووجه الاستنباط: أنهم سألوا الله تعالى صيانة الدين عن الفساد أولا فقالوا: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ثم سألوه أن يعصمهم ويحفظهم؛ فدل بدلالة التقديم على أن اهتمامهم بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم.
وسؤالهم صيانة الدين يحتمل وجهين:
الأول: أنهم سألوا الله أن يصون دينهم عن الفساد، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى:{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا
(5)
.
(1)
الإشارات الإلهية ج 2/ ص 299.
(2)
وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(3)
فتح القدير ج 2/ ص 466.
(4)
واستنبط غيره من الآية: أن الداعي حقه أن يبني دعاءه على التوكل على الله تعالى، فإنه أرجى للإجابة. ووجهه: ترتيب الدعاء على التوكل. انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 212، إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 171، وروح المعاني ج 11/ ص 170.
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ج 2/ ص 297، والطبري في جامع البيان ج 12/ ص 252، وانظر: الدر المنثور ج 4/ ص 382.
الثاني: أنهم سألوا الله أن يصون أولئك الكفار عن الافتنان في الدين، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى:{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : أنهم سألوا الله أن لا يظهر عدوهم عليهم، فيظن أنه خير منهم، وأنه إنما سلط على المؤمنين لكرامته عليه، وهوان الآخرين، فيكون ذلك سببا في فتنة أعدائهم وفساد دينهم.
عن مجاهد رضي الله عنه {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على الحق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم، فيفتنون بنا
(1)
.
وعلى كلا التفسيرين يظهر اهتمام من آمن من قوم موسى عليه السلام بالدين، فعلى التفسير الأول كانت عنايتهم بصيانة دينهم فوق عنايتهم بنجاة أنفسهم.
وعلى التفسير الثاني يكون اهتمامهم بمصالح الدين في أقصى درجات الاهتمام حيث قدموا الاهتمام بصيانة دين الأعداء، وهدايتهم على عنايتهم بنجاة أنفسهم.
قال الرازي: (واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، وذلك لأنا إن حملنا قولهم:{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل، فتضرعوا إلي تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة. وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم.
وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين، كان ذلك أيضا دليلا على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم. وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم- وابن عادل الحنبلي، والقنوجي.
(3)
.
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ج 6/ ص 1976، وانظر: الدر المنثور ج 4/ ص 382.
(2)
التفسير الكبير ج 17/ ص 118.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 17/ ص 118، واللباب في علوم الكتاب ج 10/ ص 394، وفتح البيان ج 6/ ص 109.
104 - الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به
(1)
.
قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)} يونس: 107.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من الآية أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} فذكر الخير أولا، ثم لم يعد ذكره بالضمير بل أوقع موقع الضمير لفظ (الفضل)، فدل الإظهار في موضع الإضمار على أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به.
قال ابن عاشور: (والفضل هو الخير، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير؛ لدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به؛ لأنهم عبيد له يصيبهم بما يشاء)
(4)
.
أو أن وجه الاستنباط: أن الله سمى الخير فضلا فدلت مناسبة اللفظ على هذا المعنى.
قال أبو حيان: (سمى الخير فضلا إشعارا بأن الخيور من الله تعالى هي صادرة على سبيل الفضل والإحسان والتفضل)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والمراغي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة.
(6)
.
وفي هذا حث الناس على شكر الله تعالى على نعمه، والاعتراف بفضله.
قال أبو زهرة: (قوله تعالى: {لِفَضْلِهِ} فيها إظهار في موضع الإضمار، وذلك لبيان أنه لفضل من الله ورحمة منه سبحانه، وأنه واجب الشكر على هذه النعمة)
(7)
.
(1)
وهو استنباط في الرقائق.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 478.
(3)
وقريبا من هذا الاستنباط قول الشوكاني: -عند قوله تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ
…
عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)} [الإسراء: 20]-: (وفي قوله: {مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل). فتح القدير ج 3/ ص 217. وسيأتي بيانه في موضعه.
(4)
التحرير والتنوير ج 10/ ص 193.
(5)
البحر المحيط ج 5/ ص 255.
(6)
البحر المحيط ج 5/ ص 255، وإرشاد العقل السليم، ج 4/ ص 180، وروح المعاني ج 11/ ص 200، وفتح البيان ج 6/ ص 132، وتفسير المراغي ج 11/ ص 135، والتحرير والتنوير ج 10/ ص 193، وزهرة التفاسير ج 7/ ص 3646.
(7)
زهرة التفاسير ج 7/ ص 3646.
سورة هود عليه السلام
105 - تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن مناسبة تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكون الاستغفار وسيلة إلى التوبة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب؛ فدل التقديم على أن الاستغفار وسيلة إلى التوبة.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي
(4)
. وأشار إليه الطبري، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة.
(5)
.
ورأى العكس آخرون، منهم: الرازي، والبيضاوي
(6)
، فتقديم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها.
قال الرازي: معنى قوله: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا} اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة فقال:{ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} ؛ لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة، وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المذنب معرض عن طريق الحق، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب، إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب؛ فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة
(7)
.
(1)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(2)
فتح القدير ج 2/ ص 481.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) استنزال الرزق والعيش الطيب يكون بالاستغفار والتوبة. انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 601. على أن المراد بالمتاع الحسن سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا.
2) في التعرض لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين، وإرشاد لهم إلى طريق الابتهال في السؤال. انظر: إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 184.
(4)
انظر: فتح البيان ج 6/ ص 138.
(5)
انظر: جامع البيان ج 12/ ص 312، 313، والتحرير والتنوير ج 11/ ص 202، وزهرة التفاسير ج 7/ ص 3662.
(6)
انظر: التفسير الكبير ج 17/ ص 145، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 220. كما حكى هذا القول السمعاني في تفسير القرآن العزيز ج 2/ ص 412،، والشوكاني في فتح القدير ج 2/ ص 481.
(7)
انظر: التفسير الكبير ج 17/ ص 145.
وكلا القولين -والله أعلم- صحيح باعتبار.
فالأول صحيح على أن التوبة هي الرجوع إلى العمل بطاعة الله، والعمل لله لا يكون عملا له إلا بعد ترك الشرك به، فلابد من الاستغفار من الشرك أولا
(1)
.
ولذلك أخر الغاية، وقدم الوسيلة. قال ابن عاشور:(لأن الاعتراف بفساد ما هم فيه من عبادة الأصنام أهم من طلب المغفرة؛ فإن تصحيح العزم على عدم العودة إليها هو مسمى التوبة. وهذا ترغيب في نبذ عبادة الأصنام، وبيان لما في ذلك من الفوائد في الدنيا والآخرة)
(2)
.
والثاني صحيح باعتبار أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة.
وفي استنباط الشوكاني ما يدل على أهمية التوبة بجعلها غاية يتوسل إليها بالاستغفار.
والأمر بالاستغفار ثم التوبة تكرر في ثلاثة مواضع من هذه السورة، أولها على لسان هود عليه السلام، قال تعالى:{وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)} [هود: 52].
وعلى لسان صالح عليه السلام، قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
…
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)} [هود: 61].
وعلى لسان شعيب عليه السلام، قال تعالى:{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)} [هود: 90].
106 - مناسبة ذكر أن الله لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق بعد ذكر علمه سبحانه بما يسره الكفار وما يعلنونه أنه لما كان لا يغفل عن رزق كل حيوان فكيف يغفل عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم
(3)
.
(1)
انظر: جامع البيان ج 12/ ص 312، 313.
(2)
التحرير والتنوير ج 11/ ص 202.
(3)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة)، واستنباط عقدي لتعلقه بالربوبية.
قال الشوكاني رحمه الله: (ثم أكد كونه عالما بكل المعلومات بما فيه غاية الامتنان ونهاية الإحسان؛ فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} أي: الرزق الذي تحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان على اختلاف أنواعه تفضلا منه وإحسانا
…
ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن مناسبة ذكر أن الله لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق بعد ذكر علمه سبحانه بما يسره الكفار وما يعلنونه، أنه لما كان لا يغفل عن رزق كل حيوان فكيف يغفل عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه يعلم ما يسر الكفار وما يعلنون، ثم أخبر برزق الجميع وأنه لا يغفل عن تربيته، فالرزق بعلم الله؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيات على أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله، أي: فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والهرري.
(2)
.
وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى سعة علم الله تعالى، وأنه يعلم حال الإنسان سره وعلانيته، فالذي يرزقه يعلم أحواله، ولو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات
(3)
.
107 - بعض أشراف قوم نوح عليه السلام لم يكونوا كفرة
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة)
(5)
.
(1)
فتح القدير ج 2/ ص 482.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 9، وفتح البيان ج 6/ ص 142، وحدائق الروح والريحان ج 13/ ص 8.
(3)
آخره مستفاد من التفسير الكبير ج 17/ ص 148.
(4)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).
(5)
فتح القدير ج 2/ ص 493.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن بعض أشراف قوم نوح عليه السلام لم يكونوا كفرة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} فوصف القائلين ذلك من الملأ بقوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم صفة- على أن بعض أشراف قوم نوح عليه السلام لم يكونوا كفرة.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(1)
.
وأشار إليه البقاعي عند قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)} [الأعراف: 59 - 60]، فقال:(ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا، ووصفهم بذلك في سورة هود عليه السلام، إما لأنها صفة يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين: إحداهما: قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية: بعد أن أسلم بعضهم)
(2)
.
وخالفه ابن عاشور فقال: (ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصة هود
(3)
بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنهم كذبوا وكفروا)
(4)
.
والأظهر-والله أعلم- أنه يحتمل أن يكون في أشراف قوم نوح عليه السلام مؤمن، كما يحتمل أن يكون هذا الوصف للذم فحسب، ولا يراد منه التقييد.
وقد ذكر الزمخشري هذين الاحتمالين في شأن أشراف قوم هود عليه السلام عند قوله تعالى في سورة الأعراف: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)} [59 - 60] وقوله تعالى-بعدها-: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)} [الأعراف: 65 - 66]. فوجَّه الزمخشري وصف الله الملأ من قوم هود عليه السلام بالكفر دون الملأ من قوم نوح عليه السلام بقوله: (فإن قلت: لم وصف الملأ الذين كفروا دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه، فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن، ونحوه قوله تعالى:{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ} [المؤمنون: من الآية 33]
(5)
، ويجوز أن يكون وصفا واردا للذم لا غير)
(6)
.
(1)
انظر: فتح البيان ج 6/ ص 166، وحدائق الروح والريحان ج 12/ ص 58.
(2)
نظم الدرر ج 3/ ص 49.
(3)
يعني قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)} [الأعراف: 65 - 66].
(4)
التحرير والتنوير ج 8/ ص 147.
(5)
وتمامها: {وَقَالَ الْمَلَأُ
…
مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا
…
بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)}
(6)
الكشاف ج 2/ ص 110.
ويتنبه إلى أن الزمخشري غفل عن آية هود في وصف أشراف قوم نوح عليه السلام بالكفر أيضا.
قال ابن عاشور: (والتوجيه الذي في الكشاف هنا غفلة عما في سورة هود)
(1)
.
فإذا كان هذا يجوز في قوم هود عليه السلام فإنه يجوز في أشراف قوم نوح عليه السلام كذلك. وإن كان الأظهر-والله أعلم- أن قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا} وصف كاشف، لا مفهوم له.
قال ابن عاشور: (ووصْفُ الملإ بـ {الَّذِينَ كَفَرُوا} هنا، دون ما في قصة نوح عليه السلام، وصْفٌ كاشف وليس للتقييد، تَفَنُّنًا في أساليب الحكاية، ألا ترى أنه قد وصف ملأ قوم نوح عليه السلام بـ {الَّذِينَ كَفَرُوا} في آية سورة هود عليه السلام، والتوجيه الذي في الكشاف هنا غفلة عما في سورة هود عليه السلام
(2)
.
وقد يدل عليه قولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)} ولو آمن من أشرافهم أحد لما جاز لهم أن يقولوا هذا عن أتباع هود عليه السلام.
108 - لا يجوز للإنسان أن يدعو بما لا يعلم مطابقته للشرع
(3)
.
قال تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} هود: 46.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى نوح عليه السلام عن السؤال عما ليس له به علم، فدل بدلالة العموم، وبدلالة تأمل نواهي الله تعالى على النهي عن كل سؤال لا يعلم صاحبه أن حصول مطلوبه منه صواب، وعلى عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع.
(1)
التحرير والتنوير ج 8/ ص 156.
(2)
المصدر السابق ج 8/ ص 156.
(3)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(4)
فتح القدير ج 2/ ص 503.
(5)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أن الاتفاق في الدين أقوى من النسب. انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي ج 3/ ص 209، والجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 42.
قال المراغي: (وفي الآية إيماء إلى أنه لا يجوز الدعاء بطلب ما هو مخالف لسنن الله في خلقه، بإرادة قلب نظام الكون لأجل الداعي، ولا بطلب ما هو محرم شرعا، وإنما يجوز الدعاء بتسخير الأسباب، والتوفيق فيها، والهداية إلى العلم بالمجهول، من السنن والنظام لنكثر من عمل الخير، ونزيد من عمل البر والإحسان)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والمراغي-كما تقدم-، والهرري.
(2)
.
وفي هذا حث لكل داع على أن يتفقه في باب الدعاء حتى يدعو على علم وبصيرة، ويعرف ما يجوز الدعاء به وما لا يجوز.
وأن على الداعي الاعتناء بالأدعية الشرعية؛ فإن فيها السلامة.
كما فيه تحذير من الاعتداء في الدعاء.
(1)
حدائق الروح والريحان ج 12/ ص 103، 104.
(2)
انظر: فتح البيان ج 6/ ص 194، وتفسير المراغي ج 12/ ص 41، وحدائق الروح والريحان ج 12/ ص 103، 104.
سورة يوسف عليه السلام
-
109 - لم يكن إخوة يوسف عليه السلام أنبياء حين آذوا يوسف عليه السلام
-
(1)
.
قال تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ
…
فَاعِلِينَ (10)} يوسف: 9 - 10.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذا دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء، فإن الأنبياء لا يجوز عليهم التواطؤ على القتل لمسلم ظلما وبغيا.
وقيل: كانوا أنبياء وكان ذلك منهم زلة قدم، وأوقعهم فيها التهاب نار الحسد في صدورهم، واضطرام جمرات الغيظ في قلوبهم، ورد بأن الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكثيرة المتبالغة في الكبر، مع ما في ذلك من قطع الرحم، وعقوق الوالد، وافتراء الكذب.
وقيل: إنهم لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء بل صاروا أنبياء من بعد)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء وقت أن آذوا يوسف عليه السلام.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 8.
(3)
واستنبط غيره استنباطات أخرى، منها:
1) من قوله تعالى: {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)} استنبط أن توبة القاتل مقبولة؛ لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 114.
2) بعض الشر أهون من بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإن إخوة يوسف لما اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضا، و {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ} كان قوله أحسن منهم وأخف، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 408.
3) على الوالد العدل بين الأولاد في المحبة فضلا عما سواها؛ لأن سبب ما فعله إخوة يوسف به هو ما رأوه من تمييزه في محبة والده له. قال السعدي: العدل مطلوب في كل الأمور لا في معاملة السلطان رعيته فقط ولا فيما دونه، بل حتى في معاملة الوالد لأولاده في المحبة والإيثار وغيره، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه الأمر، وتفسد الأحوال، ولهذا لما قدم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته جرى منهم ما جرى على أنفسهم وعلى أبيهم وأخيهم. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 408، ومنهج الاستنباط من القرآن ص 181.
4) التغريب يساوي القتل؛ لقوله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} . انظر: روح البيان ج/ ص 234.
ووجه الاستنباط: أن إخوة يوسف عليه السلام تآمروا على قتله؛ فدل ذلك بدلالة تأمل قصص الأنبياء على أنهم ليسوا بأنبياء.
ويتنبه إلى أن الشوكاني نص في هذا الموضع على نفي النبوة عنهم، لكن المتتبع لكلامه في مواضع أخرى من السورة يظهر له أن الشوكاني ذكر ما يقيد هذا النفي بوقت أن آذوا يوسف عليه السلام تحديدا، وجواز أن يكونوا أنبياء بعد توبتهم.
فعند قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا
…
أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)} [يوسف: 6] قال: ({وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} وهم قرابته من إخوته وأولاده ومن بعدهم، وذلك أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله جماعة من المفسرين. ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر من النعم التي من جملتها كون الملك فيهم مع كونهم أنبياء)
(1)
.
وعند قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)} [يوسف: 15]-: ({وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} أي: إلى يوسف تيسيرا له وتأنيسا لوحشته، مع كونه صغيرا اجتمع على إنزال الضرر به عشرة رجال من إخوته بقلوب غليظة فقد نزعت عنها الرحمة، وسلبت منها الرأفة؛ فإن الطبع البشري دع عنك الدين يتجاوز عن ذنب الصغير ويغتفره لضعفه عن الدفع، وعجزه عن أيسر شيء يراد منه، فكيف بصغير لا ذنب له، بل كيف بصغير هو أخ وله ولهم أب مثل يعقوب، فلقد أبعد من قال: إنهم كانوا أنبياء في ذلك الوقت فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين)
(2)
.
وعند قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)} [يوسف: 77] قال: (فما هذه الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال إنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم)
(3)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 6.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 10.
(3)
المصدر السابق ج 3/ ص 45.
فكأنه أراد نفي النبوة عنهم حين آذوا يوسف عليه السلام، ولا يلزم من ذلك نفي النبوة عنهم عنده مطلقا. وأدل دليل على ذلك قوله- عند قوله تعالى:{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)} [يوسف: 91]-: ({قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي: لقد اختارك وفضلك علينا بما خصك به من صفات الكمال، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء فإن درج الأنبياء متفاوتة)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقنوجي.
(2)
.
وفي إثبات نبوة إخوة يوسف عليه السلام أقوال:
الأول: أنهم كانوا أنبياء.
قال ابن زيد
(3)
-في قوله: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا
…
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)} [يوسف: 4]-: أبواه وإخوته، قال: فبغاه إخوته وكانوا أنبياء، فقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه حين بلغهم
(4)
.
وهذا القول تعقبه ابن عطية -عند قوله تعالى: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا
…
أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)} [يوسف: 5 - 6]- فقال: (تقتضي هذه الآية أن يعقوب عليه السلام كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم فيعملوا الحيلة على هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف الذي يأتي ذكره يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت. ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتوافر في قتله)
(5)
.
(1)
المصدر السابق ج 3/ ص 52.
(2)
انظر: المحرر الوجيز ص 979، وفتح البيان ج 6/ ص 296.
(3)
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، المدني، روى عن أبيه، وغيره، أخرج له الترمذي، وابن ماجة، له: كتاب التفسير، والناسخ والمنسوخ، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة للهجرة. انظر: التاريخ الصغير، ج 2/ ص 227 - 229. و"طبقات المفسرين" للداودي ج 1/ ص 265، 266.
(4)
أخرجه الطبري في جامع البيان ج 12/ ص 13، وابن أبي حاتم في تفسيره ج 7/ ص 2101.
(5)
المحرر الوجيز ص 979.
الثاني: أنهم ما كانوا أنبياء. وهذا قول ابن كثير، والسيوطي، والآلوسي
(1)
. ووجه قولهم: أنه لم يقم دليل على نبوتهم، كما أن أفعالهم تدل على أنهم لم يكونوا أنبياء.
قال ابن كثير: - عند قوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى
…
أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8)} [يوسف: 8]-: (واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى:{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ}
(2)
[البقرة: 136] وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم والله أعلم)
(3)
.
وقد ترددت عبارات بعض المفسرين بين إثبات نبوتهم ونفيها، فقال الرازي: بل الجواب الصحيح أن يقال إنهم ما كانوا أنبياء، وإن كانوا أنبياء إلا أن هذه الواقعة إنما أقدموا عليها قبل النبوة
(4)
.
ومثله القرطبي حيث قال: (وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولا ولا آخرا؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي فكانت هذه زلة منهم، وهذا يرده أن الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدمناه. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله وهذا أشبه والله أعلم)
(5)
.
(1)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 494، ورسالة للسيوطي بعنوان: دفع التعسف عن إخوة يوسف ضمن كتابه: الحاوي للفتاوى ج 1/ ص 310، وروح المعاني ج 6/ ص 16.
(2)
(3)
تفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 494.
(4)
انظر: التفسير الكبير ج 18/ ص 76.
(5)
الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 115، 116.
وقال القرطبي- قبلها-: (ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتآمر في قتله ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء ولا يستحيل في العقل زلة نبي إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم)
(1)
.
فكأن مراده نفي النبوة عنهم وقت إيذائهم ليوسف عليه السلام.
واستنباط الشوكاني -والله أعلم- أرجح، فهم ما كانوا أنبياء لكن الله منَّ عليهم بالنبوة بعد توبتهم، وما فعلوه قبل النبوة لا يقدح في نبوتهم.
قال ابن تيمية: قد اتفق المسلمون على أنهم -أي الأنبياء- معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيء مما يبلغونه عنه، وبهذا يحصل المقصود من البعثة. وأما وجوب كونه قبل أن يبعث نبيا لا يخطئ، أو لا يذنب فليس في النبوة ما يستلزم هذا. وقول القائل: لو لم يكن كذلك لم تحصل ثقة فيما يبلغونه عن الله، كذب صريح فإن من آمن وتاب حتى ظهر فضله وصلاحه ونبَّأه الله بعد ذلك، كما نبَّأ إخوة يوسف، ونبَّأ لوطا وشعيبا وغيرهما، وأيده الله تعالى بما يدل على نبوته فإنه يوثق فيما يبلغه كما يوثق بمن لم يفعل ذلك. وقد تكون الثقة به أعظم إذا كان بعد الإيمان والتوبة قد صار أفضل من غيره، والله تعالى قد أخبر أنه يبدل السيئات بالحسنات للتائب، ومعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا من خيار الخلق، وكانوا أفضل من أولادهم الذين ولدوا بعد الإسلام
(2)
.
ويدل على ترجيح هذا القول أمور:
أولها: ورود أثر عن سفيان بن عيينة
(3)
يشير إلى هذا أنهم كانوا أنبياء، فإنه لما سئل: هل حرمت الصدقة على أحد الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ألم تسمع قوله: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)} [يوسف: 88]
(4)
.
(1)
الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 110.
(2)
انظر: منهاج السنة النبوية ج 2/ ص 396، 397.
(3)
أبو محمد، سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي، المحدث، المفسر، الفقيه، قال الإمام الشافعي: لولا مالك وسفيان ابن عيينه لذهب علم الحجاز، سكن مكة وتوفي بها سنة ثمان وتسعين ومائة للهجرة. انظر: تهذيب التهذيب ج 4/ ص 104 وما بعدها، وسير أعلام النبلاء ج 8/ ص 462 وما بعدها.
(4)
أخرجه الطبري في جامع البيان ج 12/ ص 325. وانظر: الدر المنثور ج 4/ ص 576.
وقوله هذا يقتضي أنهم عنده أنبياء.
ثانيها: أن الأسباط يحتمل -كما ذكر ابن كثير آنفا- أن يكونوا هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم.
قال السعدي: (ومنها - أي من فوائد قصة يوسف عليه السلام أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه فالله خير الراحمين ولهذا-في أصح الأقوال- أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ}
(1)
[النساء: 163] والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم. ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية، وذلك من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة)
(2)
.
ثالثها: ما ذكره الشوكاني
(3)
وغيره من المفسرين في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)} [يوسف: 6] من أن معنى إتمام النعمة على آل يعقوب هي بالنبوة.
ولذا قال البغوي، والسمعاني وغيرهما: ({وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} أي على أولاده، فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء
(4)
.
رابعها: أن هذا القول هو القول الوسط بين القائلين بنبوتهم والنافين لها، والجمع بين الأدلة أولى من إلغاء أحدها، أو اللجوء إلى القول بالتعارض.
(1)
(2)
تيسير الكريم الرحمن ص 408.
(3)
انظر: فتح القدير ج 3/ ص 6.
(4)
انظر: معالم التنزيل ج 2/ ص 410، وتفسير القرآن العزيز ج 3/ ص 8.
110 - جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة
(1)
.
قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)} يوسف: 15.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى ويحيى بن زكريا. وقد قيل: إنه كان في ذلك الوقت قد بلغ مبالغ الرجال، وهو بعيد جدا؛ فإن من كان قد بلغ مبالغ الرجال لا يخاف عليه أن يأكله الذئب)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى عليه السلام، ويحيى بن زكريا عليه السلام.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه أوحى ليوسف عليه السلام لما ألقي في الجب، وكان وقتها صغيرا؛ فدل ذلك بدلالة تأمل قصص الأنبياء على جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري.
(3)
.
وخالف آخرون كابن العربي، وابن عطية، وابن تيمية، والآلوسي، والمراغي
(4)
.
فقال ابن عطية: (وقال الحسن: أعطاه الله النبوءة وهو في الجب. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد)
(5)
.
وقال ابن تيمية: وليس كل ما أوحي إليه الوحي العام يكون نبيا؛ فإنه قد يوحي إلى غير الناس قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)} [النحل: 68]، وقال تعالى:{وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}
(6)
[فصلت: من الآية 12]، وقال تعالى عن يوسف وهو صغير:{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)} ، وقال تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}
(7)
[القصص: 7].
(8)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء)، واستنباط عقدي لتعلقه بباب النبوات.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 10.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 18/ ص 88، والجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 123، واللباب في علوم الكتاب ج 11/ ص 36، 37، وفتح البيان ج 6/ ص 299، وحدائق الروح والريحان ج 13/ ص 333.
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 177، والمحرر الوجيز ص 982، والنبوات ص 178، وروح المعاني ج 26/ ص 19، وتفسير المراغي ج 12/ ص 122.
(5)
المحرر الوجيز ص 982.
(6)
(7)
(8)
انظر: النبوات ص 178.
فجعل الوحي إلى يوسف عليه السلام في الجب بمعنى الإلهام. أي: أوحى إليه وحيا إلهاميا تطييبا لقلبه، وتثبيتا لنفسه.
أما ابن العربي فقد ذهب إلى أنه يجوز على الله سبحانه بعث الصبي إلا أنه لم يقع، فذكر عند قوله تعالى:{يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)} [مريم: 12] أن أجل مراتب الحُكْم، والحكمة النبوة، ثم ذكر الأوجه في المراد بالحكم فقال:(الأول: الوحي. والثاني: النبوة. والثالث: المعرفة والعمل بها. وهذا كله محتمل يفتقر إلى تحقيق; فأما من قال: إنه الوحي فجائز أن يوحي الله إلى الصغير، ويكاشفه بملائكته وأمره، وتكون هذه المكاشفة نبوة غير مهموزة رفعة ومهموزة إخبارا، ويجوز أن يرسله إلى الخلق كامل العقل والعلم مؤيدا بالمعجزة، ولكن لم يرد بذلك خبر، ولا كان فيمن تقدم. وقول عيسى {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)} [مريم: 30] إخبار عما وجب له حصوله، لا عما حصل بعد)
(1)
.
وعلل الآلوسي المنع من نبوة الصغير بأن النفوس في الأغلب تأنف عن اتباع الصغير وإن كبر فضلا، كالرقيق والأنثى
(2)
.
وقد أشار ابن عادل الحنبلي إلى هذا الخلاف - مرجحا ما ذهب إليه الشوكاني- فقال: (في المراد بقوله: ({وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} قولان:
الأول: المراد منه الوحي والنبوة والرسالة، وهو قول أكثر المحققين، ثم اختلف هؤلاء في أنه عليه الصلاة والسلام هل كان في ذلك الوقت بالغاً أو كان صبياً؟ قال بعضهم: كان بالغاً، وكان ابن سبع عشرة سنة. وقال آخرون: كان صغيراً إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحاً لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى عليه الصلاة والسلام حين قالوا: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)}
(3)
[مريم: من الآية 29]{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)} .
والقول الثاني: أن المراد بهذا الوحي: الإلهام، كقوله:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} ، وقوله:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} .
(1)
أحكام القرآن ج 3/ ص 177.
(2)
انظر: روح المعاني ج 26/ ص 19.
(3)
وتمامها: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ
…
نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ
…
فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)}.
والأول أولى؛ لأنه الظاهر من الوحي.
فإن قيل: كيف يجعله نبياً في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة؟ فالجواب: لا يمتنع أن يشرفه الله تعالى بالوحي ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات، ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه، وزوال الغم والوحشة عن قلبه، والفائدة في أخفاء ذلك الوحي عن إخوته: أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله)
(1)
.
وقوله: (لا يمتنع أن يشرفه الله تعالى بالوحي، ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات) يعني به قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} [يوسف: 22] أي: ما كان رسولا قبل بلوغ الأشد، ثم إنه صار رسولا وقته
(2)
.
ويجوز أن يكون معنى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} أنه أوتي النبوة صبيا، ولما بلغ أشده زاده الله فهما وعلما كما قال القرطبي
(3)
.
كما يجوز أن يكون المعنى: ولما بلغ يوسف أشده، أي: كمال قوته المعنوية والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة من النبوة والرسالة جعلناه نبيا رسولا، وعالما ربانيا
(4)
. وهذا على قول من يرى أن الوحي في الجب إلهام.
والأظهر-والله تعالى أعلم- أن الله تعالى آتى يوسف عليه السلام النبوة وهو صغير؛ فإن أكثر المفسرين
(5)
على أن الله آتى يحيى عليه السلام النبوة صغيرا؛ لقوله تعالى: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)} [مريم: 12]، والأظهر أن معنى صبيا أي: لم يبلغ
(6)
.
فإذا جاز ذلك في حق يحيى عليه السلام؛ فإنه يجوز كذلك في حق يوسف عليه السلام.
قال ابن حجر: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)} ولا بُعد في أن يؤتى النبوة في ذلك السن فقد قال في قصة يحيى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)} ، ولا اختصاص لذلك بيحيى، فقد قال عيسى وهو في المهد:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)}
(7)
.
(1)
اللباب في علوم الكتاب ج 11/ ص 36، 37.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 18/ ص 89.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 139.
(4)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 395.
(5)
قال السمعاني: وقوله: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)} أي: النبوة هذا قول أكثر المفسرين). تفسير القرآن العزيز ج 3/ ص 282، وانظر: بحر العلوم ج 2/ ص 370، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 8.
(6)
انظر: أضواء البيان ج 2/ ص 454.
(7)
انظر: فتح الباري ج 9/ ص 5339.
111 - يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه
(1)
.
قال تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} يوسف: 55.
قال الشوكاني رحمه الله: ({قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ}
…
وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من الآية أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه.
ووجه الاستنباط: أن يوسف عليه السلام طلب الولاية من الملك؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أنه يجوز للمرء طلب الولاية متى وثق من نفسه أنه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل.
قال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره؛ لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي، وابن عاشور.
(4)
.
وجواز طلب الولاية لا يعارضه حديث عبد الرحمن بن سمرة
(5)
، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها"
(6)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 35.
(3)
التحرير والتنوير ج 12/ ص 82.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 183، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 295، وإرشاد العقل السليم ج 4/ ص 286، وروح المعاني ج 13/ ص 5، وفتح البيان ج 6/ ص 356، وتيسير الكريم الرحمن ص 410، والتحرير والتنوير ج 12/ ص 82.
(5)
هو أبو سعيد، عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، أسلم يوم الفتح وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان اسمه عبد الكعبة فسماه رسول الله عبد الرحمن، سكن البصرة واستعمله عبد الله بن عامر لما كان أميرا على البصرة على جيش فافتتح سجستان سنة ثلاث وثلاثين، توفي في البصرة سنة خمسين وقيل: سنة إحدى وخمسين. انظر: الاستيعاب ج 2/ ص 835، وأسد الغابة ج 3/ ص 486 - 474.
(6)
أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام، باب: من سأل الإمارة وكل إليها، رقم: 6728، ج 6/ ص 2613. ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، رقم: 1652، ج 3/ ص 1456
قال القرطبي: يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه، فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها، ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها، وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن:"لا تسأل الإمارة"، وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله عليه السلام: وكل إليها، ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: أعين عليها
(1)
.
فظهر بذلك أن المعنى المستنبط لا يعارض الحديث.
قال ابن عاشور: فلا يعارض هذا ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة؛ لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردا بالفضل من بين أمثاله، ولا راجحا على جميعهم
(2)
.
وتبين أيضا أن لطلب الولاية أحكاما مختلفة، فقد يتعين أحيانا إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلا، وقد يكون جائزا، وقد يكون مذموما.
قال السعدي: (وكذلك لا تذم الولاية إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يذم إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودا غيره مثله أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله فبهذه الأمور ينهى عن طلبها والتعرض لها)
(3)
.
وفي هذا الاستنباط حجة بالغة على كل مسلم ولي عملا في ديار المسلمين، وكان تحت حكم مسلمين أن يقوم فيه بالعدل، فيؤدي في عمله حقوق الله، وحقوق عباده، وأن يحرص على نفع الناس، وإيصال الخير إليهم مع إتقان العمل؛ فإن يوسف عليه السلام تولى عمله عند غير مسلم حرصا على إقامة العدل، ونفع الناس.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 183.
(2)
التحرير والتنوير ج 12/ ص 82.
(3)
تيسير الكريم الرحمن ص 410.
112 - جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها
(1)
.
قال تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} يوسف: 55.
قال الشوكاني رحمه الله: ({قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل طلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيبا فيما يرومه وتنشيطا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به، ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا صلى الله عليه وسلم من النهي عن طلب الولاية والمنع من تولية من طلبها أو حرص عليها)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها.
ووجه الاستنباط: أن يوسف عليه السلام وصف نفسه بالعلم والحفظ؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، والجصاص، وإلكيا، والقرطبي، وابن جزي، والآلوسي، والقنوجي.
(4)
.
وجواز مدح الإنسان نفسه يقيد بأن يكون إذا جهل أمره، وأن يكون بالحق، وأن يكون ذلك لفائدة.
قال ابن جزي: (ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جهل أمره، وإذا كان في ذلك فائدة)
(5)
.
وقال ابن عثيمين -عند قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} [البقرة 30]-: (وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر لقوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} ، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"
(6)
، وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقوله تعالى:{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ}
(7)
[النجم: من الآية 32])
(8)
.
(1)
وهو استنباط فقهي، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 35.
(3)
واستنبط غيره جواز تسمية المخلوقين بأسماء الخالق؛ فالحفيظ والعليم من أسماء الله. انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 618.
(4)
انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 618، وأحكام القرآن ج 4/ ص 389، وأحكام القرآن ج 4/ ص 232، والجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 183، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 122، وروح المعاني ج 13/ ص 5، وفتح البيان ج 6/ ص 257.
(5)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 122.
(6)
أخرجه مسلم -بدون لفظ ولا فخر- في كتاب: الفضائل، باب: تفضيل صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق، رقم: 2278، ج 4/ ص 1782.
(7)
وتمامها: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ
…
الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)}.
(8)
تفسير سورة البقرة لابن عثيمين ج 1/ ص 117، 118.
فمدح النفس إنما يكون مذموما إذا قُصِد به التطاول والتفاخر، والتوصل إلى غير ما يحل
(1)
.
ومثل هذا الاستنباط استنبطه القصاب أيضا من قوله تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)} [يوسف: 59]، فقال:(قوله إخبارا عن يوسف عليه السلام: {قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)} أوضح حجة، وأبلغها نهاية في تطرية النفس عند الحاجة)
(2)
.
وكما وصف يوسف عليه السلام نفسه وصف صالح مدين نفسه مادحا بقوله: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)} القصص: 27.
قال ابن عاشور: (يريد الصالحين بالناس في حسن المعاملة ولين الجانب. قصد بذلك تعريف خلقه لصاحبه، وليس هذا من تزكية النفس المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما قصد به قائله الفخر والتمدح، فأما ما كان لغرض في الدين أو المعاملة فذلك حاصل لداع حسن كما قال يوسف: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ})
(3)
.
113 - يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر
(4)
.
قال تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)} يوسف: 55 - 56.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفي في قوله سبحانه: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}
(5)
[هود: 113])
(6)
.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 18/ ص 129.
(2)
نكت القرآن ج 1/ ص 619.
(3)
التحرير والتنوير ج 20/ ص 47.
(4)
وهو استنباط فقهي، واستنباط في علوم القرآن (لتعلقه بقصص الأنبياء).
(5)
(6)
فتح القدير ج 3/ ص 35.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من الآية أنه يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر.
ووجه الاستنباط: أنه لما ظهر للملك أحوال يوسف عليه السلام رغب أن يتخذه لنفسه فقال: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)} [يوسف: من الآية 54]، فلم يمتنع يوسف عليه السلام بل طلب من الملك الولاية، والملك يومها كان كافرا؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أنه يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر.
وهذا الاستنباط على أن الملك يومها كان كافرا.
قال ابن جزي: ({قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل، وإقامة الحق والإحسان وكان هذا الملك كافرا، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال. وقيل: إن الملك أسلم
(1)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(3)
.
والتولي من يد الكافر يجوز إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به.
قال النسفي: (وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله، ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به)
(4)
.
ويشترط للعمل عند الفاجر، والكافر ألا يكون عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك.
قال ابن عطية: قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز له ذلك.
(1)
أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: أسلم الملك الذي كان معه يوسف عليه السلام. انظر: جامع البيان ج 12/ ص 222. وانظر: الدر المنثور ج 4/ ص 551.
(2)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 122.
(3)
انظر: المحرر الوجيز ص 1002، والجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 183، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 295، ومدارك التنزيل ج 2/ ص 326، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 122، وفتح البيان ج 6/ ص 358، وحدائق الروح والريحان ج 14/ ص 14.
(4)
مدارك التنزيل ج 2/ ص 326.
قال القاضي أبو محمد: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام؛ لرغبته في أن يقع العدل
(1)
.
وقد فصل الشوكاني عند قوله تعالى - {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)} - أحكام العمل عند الجائر، والكافر.
فذكر أنه يجب على من أمره الولاة بالعمل أن يستجيب لأمرهم ما لم يكن فيه معصية لله، شرط أن يثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه. و من قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى. فقال: فكل من أمروه -الولاة- ابتداء أن يدخل في شي من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله، كالمناصب الدينية ونحوها إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه فذلك واجب عليه فضلا عن أن يقال جائز له، وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعا بين الأدلة، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة، أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من الظلم، وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة، أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ولا تخفي على الله خافية.
وبالجملة فمن ابتلى بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني، ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به
(2)
.
114 - الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى
(3)
.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)} يوسف: 56 - 57.
(1)
انظر: المحرر الوجيز ص 1002.
(2)
انظر: فتح القدير ج 2/ ص 531.
(3)
وهو استنباط فائدة علمية.
قال الشوكاني رحمه الله: ({خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا} بالله {وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)} الوقوع فيما حرمه عليهم، والمراد بهم المحسنون المتقدم ذكرهم. وفيه تنبيه على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
رحمه الله أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر ما أنعم به على يوسف عليه السلام في الدنيا، ذكر أنه سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ثم لما كان ما أصاب يوسف عليه السلام من عز الدنيا والتمكين في الأرض، وكان هذا مما يستعظمه الناس في الدنيا، وكان عزها لا يعد في الحقيقة إلا إن كان موصولاً بنعيم الآخرة؛ نبه على ما ليوسف عليه السلام في الآخرة مما لا يعد هذا في جنبه شيئاً؛ فقال:{وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)} ؛ فذكر الذين آمنوا وكانوا يتقون موضع المحسنين
(3)
؛ فدل بدلالة وضع الظاهر موضع الضمير على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى.
قال أبو السعود: ({وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} أي: للمحسنين المذكورين، وإنما وضع موضعه الموصول فقيل: {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)} تنبيها على أن المراد بالإحسان إنما هو الإيمان، والثبات على التقوى المستفاد من جمع صيغتي الماضي والمستقبل)
(4)
.
والمقصود التنبيه على فضل الإيمان والتقوى، وأن منزلة الإحسان لا تنال إلا بالجمع بينهما.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي.
(5)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 36.
(2)
واستنبط القصاب من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) نيل الدنيا إذا لم يشغل عن الآخرة غير مذموم. ووجهه: أن الله ذكر ما أصاب يوسف عليه السلام من عز الدنيا والتمكين في الأرض في معرض الامتنان بنعمته سبحانه.
2) جواز الخصوص في ذكر العموم؛ إذ لا محالة تمكين يوسف عليه السلام لم يكن في جميع الأرض، بل كان في أرض مصر وما حولها دون سائر الأرض. انظر الاستنباطين في: نكت القرآن ج 1/ ص 619.
(3)
مستفاد من نظم الدرر ج 4/ ص 61.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 287.
(5)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 4/ ص 287، وروح المعاني ج 13/ ص 6، وفتح البيان ج 6/ ص 358، وتيسير الكريم الرحمن ص 401.
115 - جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا.
ووجه الاستنباط: أن يوسف عليه السلام وضع السقاية
(4)
في رحل أخيه حيلة ليتوصل بذلك لبقائه عنده؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما
صورته صورة الحيلة والمكيدة، ويشترط لذلك ألا يخالف شرعا ثابتا.
قال ابن العربي: ({كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} فيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف الشريعة ولا هدمت أصلا، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل)
(5)
.
فأشار ابن العربي إلى حكم نوع آخر من الحيل هي المخالفة للشرع، فهذه هي المحرمة.
قال القصاب: الحيل المنهي عنها المعدودة من أبي حنيفة ذما هي فيما أحل حراما أو حرم حلالا
(6)
.
وهذا النوع من الحيل -المحرمة- قال عنه ابن القيم: (وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه)
(7)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 43.
(3)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {فِي دِينِ الْمَلِكِ} جواز تسمية قوانين ملل الكفر دينا. انظر: محاسن التأويل ج 6/ ص 204.
(4)
قال ابن عطية: السقاية الإناء الذي به يشرب الملك، وبه كان يكيل الطعام للناس. هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن زيد. المحرر الوجيز ص 1008. فالسقاية إناء يسقى به، والصواع وعاء للكيل؛ ولأنهم كانوا يشربون الخمر بالمقدار سمي بهذا، وذاك. انظر: التحرير والتنوير ج 12/ ص 96.
(5)
أحكام القرآن ج 3/ ص 48.
(6)
نكت القرآن ج 1/ ص 623.
(7)
إعلام الموقعين ج 3/ ص 159 وما بعدها.
وذكر ابن تيمية نحوا من ثلاثين دليلا على تحريمه
(1)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني: القصاب، وإلكيا، وابن العربي، والقرطبي، والقنوجي، والسعدي.
(2)
.
116 - جواز الشكوى عند الضرورة
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله من الآية جواز الشكوى عند الضرورة.
ووجه الاستنباط: أن يوسف عليه السلام أقر إخوته على شكواهم؛ فيدل ذلك الإقرار بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز الشكوى عند الضرورة. ولو كان فعلهم غير جائز لأنكر عليهم.
قال الجصاص: (لما ترك يوسف عليه السلام النكير عليهم في قوله: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ}؛ دل ذلك على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه، وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله تعالى)
(6)
.
وقال السعدي: (ومنها جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما على غير وجه التسخط؛ لأن إخوة يوسف قالوا: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ}، ولم ينكر عليهم يوسف)
(7)
.
(1)
انظر: الفتاوى الكبرى ج 3/ ص 110 وما بعدها.
(2)
انظر: نكت القرآن ج 1/ ص 623، وأحكام القرآن ج 4/ ص 233، 234، وأحكام القرآن ج 3/ ص 48، والجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 200، وفتح البيان ج 6/ ص 377، وتيسير الكريم الرحمن ص 411.
(3)
وهو استنباط عقدي.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 50.
(5)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} أن أجرة الكيال على البائع؛ فإنه إن كان عليه أن يوف الكيل فيتعين عليه أن يقوم بمؤونة ما يجب عليه، أي أن عليه تعيين المبيع للمشتري ولا يتعين إلا بالكيل، وقد قالوا له:{فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} ؛ فدل على أن الكيل قد كان عليه. انظر: أحكام القرآن للجصاص ج 4/ ص 393، وأحكام القرآن للكيا ج 4/ ص 234.
(6)
أحكام القرآن ج 4/ ص 393.
(7)
تيسير الكريم الرحمن ص 411.
أو أن وجه الاستنباط: أن الله لم يعاقبهم على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة.
قال ابن الفرس: (يتخرج منه شكوى المسبغة والحاجة لمن يرجى أن يكون سببا في كشفها، لأن الله تعالى لم يعاقبهم على شكواهم تلك)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وابن الفرس-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي، والقاسمي، والسعدي-كما تقدم-، والهرري
(2)
.
وحقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي
الصبر، ويؤيد هذا المعنى أن الله قال في أيوب عليه السلام:{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)}
(3)
[ص: من الآية 44] مع أنه قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}
(4)
[الأنبياء: من الآية 83].
(5)
.
قال ابن القيم: (لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، والقلب عن التسخط، والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها، كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة، فمنه الشكوى إلى المخلوق، فإذا شكى العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى الله كما تقدم في شكاية يعقوب إلى الله مع قوله:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}
(6)
[يوسف: من الآية 83]. وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته، والتوصل إلى زوال ضرورة لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض للطبيب بشكايته، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه. وقد كان النبي إذا دخل على المريض يسأله عن حاله ويقول: كيف نجدك؟ وهذا استخبار منه واستعلام بحاله)
(7)
.
(1)
أحكام القرآن ج 3/ ص 229.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 4/ ص 393، وأحكام القرآن ج 3/ ص 229، والجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 214، 215، وفتح البيان ج 6/ ص 391، ومحاسن التأويل ج 6/ ص 212، وتيسير الكريم الرحمن ص 411، وحدائق الروح والريحان ج 14/ ص 93.
(3)
(4)
وتمامها: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)} .
(5)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ج 3/ ص 102، والجامع لأحكام القرآن ج 2/ ص 170.
(6)
(7)
عدة الصابرين ص 232.
وقد نبه القرطبي إلى جواز هذا النوع من الشكوى-الذي لا تسخط فيه-، وأنه لا يقدح في التوكل، كما نبه إلى أن أحسن الشكوى سؤال الله زوال البلوى، فقال: وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر أي: الجوع، بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع، كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط. والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، وذلك قول يعقوب:{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)} [يوسف: 86] أي من جميل صنعه، وغريب لطفه وعائدته على عباده، فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه إلا أن يكون على وجه البث والتسلي
(1)
.
117 - الموصوفون بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان
(2)
.
قال تعالى: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)} يوسف: 90.
قال الشوكاني رحمه الله: ({فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)}
…
وجاء بالظاهر وكان المقام مقام المضمر أي: أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أجر من يتق ويصبر بقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)} ، فوضع المحسنين موضع المتقين والصابرين؛ فدل وضع الظاهر موضع المضمر على أن الموصوفين بالتقوى، والصبر موصوفون بصفة الإحسان.
قال البيضاوي: ({فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)} وضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر)
(4)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 214، 215.
(2)
وهو استنباط عقدي لأن التقوى والإحسان أعلى شعب الإيمان.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 52.
(4)
أنوار التنزيل ج 3/ ص 307.
والمقصود التنبيه على فضل التقوى، والصبر، وأن منزلة الإحسان لا تنال إلا بالجمع بينهما.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبيضاوي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي.
(1)
.
118 - لم يبعث الله نبيا من النساء ولا من الجن
(2)
.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ
…
عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)} يوسف: 109.
قال الشوكاني رحمه الله: (وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن، وهذا يرد على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن.
ووجه الاستنباط من شقين:
فأما وجه استنباط أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء: أن الله تعالى ذكر أنه لم يرسل إلا رجالا؛ فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الحصر-
(4)
على أن الله سبحانه لم يرسل أحدا من النساء. ودل بدلالة الالتزام على نفي النبوة عن النساء؛ لأن نفي الرسالة عنهن يستلزم نفي النبوة عنهن.
وأما وجه استنباط أن الله لم يرسل نبيا من الجن فلدلالة لفظ رجال؛ إذ المعهود من لفظ رجال أن يكونوا من الإنس. فدل أيضا بدلالة الالتزام على نفي النبوة عن الجن؛ لأن نفي الرسالة عنهم يستلزم نفي النبوة عنهم.
وهذا كله مبناه على أن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضي التكليف بالإبلاغ
(5)
، فنفي الإرسال عن غير الرجال- أي: عن النساء والجن- يستلزم نفي النبوة عن النساء والجن.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 18/ ص 163، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 307، وفتح البيان ج 6/ ص 394، ومحاسن التأويل ج 6/ ص 214.
(2)
وهو استنباط عقدي لتعلقه بالنبوات.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 60.
(4)
قال الشنقيطي- عند قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
…
لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43]-: (يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط؛ لقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا}). أضواء البيان ج 2/ ص 149.
(5)
انظر: النبوات ص 272.
إذ الراجح في مسألة النبوة والرسالة هو ما نبه إليه ابن تيمية من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول، وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين حيث قال:(النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول)
(1)
.
فإن قيل: إن الله سمى الجن رجالا في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ
…
رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} [الجن: 6]، وجعلهم منذرين في قوله:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)} [الأحقاف: 29]؛ فالجواب قول ابن القيم: (فالإنذار أعم من الرسالة، والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}
(2)
[التوبة: من الآية 122] فهؤلاء نذر وليسوا برسل، قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيا، ولا امرأة، ولا بدويا. وأما تسميته تعالى الجن رجالا في قوله:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} ، فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله:{مِنَ الْجِنِّ} ، فهم رجال من الجن، ولا يستلزم ذلك دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب)
(3)
.
(1)
المصدر السابق ص 184.
(2)
وتمامها: {وَمَا كَانَ
…
الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ
…
فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}.
(3)
طريق الهجرتين ص 615، 616.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والقنوجي.
(1)
. وأشار إليه البيضاوي، والشنقيطي.
(2)
.
وخالف آخرون في نفي النبوة عن النساء، فقالوا: لا حجة في الآية على منع النبوة، وإنما هي خاصة بالرسالة فقط.
وممن خالف القرطبي، والآلوسي.
فاستدل القرطبي بحديث: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"
(3)
، فقال: وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام، وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحي إلى سائر النبيين. وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها
(4)
.
وذكر الآلوسي أن ذكر مريم مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لإثبات نبوتها. وأن الاستدلال بالآية على نفي نبوة النساء لا يصح؛ لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء على الصحيح المشهور، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم
(5)
.
والصواب نفي النبوة عن النساء.
قال ابن كثير: وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}
…
الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى عليه السلام، وبقوله تعالى:{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 42 - 43]، وهذا القدر حاصل لهن ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 18/ ص 180، وفتح البيان ج 6/ ص 416.
(2)
ذكره البيضاوي في آل عمران: 42. انظر: أنوار التنزيل ج 2/ ص 38. وذكره الشنقيطي في سورة النحل: 43. انظر: أضواء البيان ج 2/ ص 149.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة رضي الله عنه، باب: فضل عائشة رضي الله عنها، رقم: 3558، ج 3/ ص 1374. ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة رضي الله عنه، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، رقم: 2431، ج 4/ ص 1886.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 84.
(5)
انظر: روح المعاني ج 3/ ص 154.
الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى:{مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)}
(1)
[المائدة: من الآية 75]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام فهي صديقة بنص القرآن
(2)
.
فتبين من قول ابن كثير أن وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء ليس فيه ما يثبت لهن النبوة؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} [فاطر: 32].
فليس فيما استدل به القائلون بنبوة النساء مستند قوي يعتمد عليه في إثبات ذلك، فأما ما ذكره القرطبي من الاستدلال بالوحي إليهن فإنه لا يكفي في الدلالة على نبوتهن؛ لأنه وحي بمعناه العام.
وقد فسر قتادة الإيحاء في حق أم موسى عليه السلام بقوله: (وحياً جاءها من الله، فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة أن أرضعي موسى)
(3)
.
وقال ابن تيمية: وليس كل ما أوحي إليه الوحي العام يكون نبيا؛ فإنه قد يوحي إلى غير الناس قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)} [النحل: 68]، وقال تعالى:{وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}
(4)
[فصلت: من الآية 12]، وقال تعالى عن يوسف وهو صغير:{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)} ، وقال تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}
(5)
[القصص: 7].
(6)
.
(1)
(2)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 4/ ص 544.
(3)
أخرجه الطبري في جامع البيان ج 18/ ص 156، وابن أبي حاتم في تفسيره ج 9/ ص 2941. وانظر: الدر المنثور ج 3/ ص 230.
(4)
(5)
(6)
انظر: النبوات ص 178.
وأما ما ذكره الآلوسي من دليل اقتران ذكر مريم بالأنبياء في قوله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)} [الأنبياء: 91]؛ فإن دلالة الاقتران ضعيفة.
وأما كون الاستدلال بالآية على نفي نبوة النساء لا يصح؛ لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم؛ فيضعفه ما تقدم من أن الأرجح في حقيقة النبوة أنها إرسال من الله يقتضي التكليف بالإبلاغ
(1)
.
(1)
انظر: النبوات ص 272.
سورة الرعد
119 - مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)}
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الدلالة على بديع صنعه، وعظيم قدرته ما لا يخفي على من له عقل، فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد، وتتفاضل في الثمرات في الأكل، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر حامضا، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه؛ لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين، إما اختلاف المكان الذي هو المنبت، أو اختلاف الماء الذي تسقى به، فإذا كان المكان متجاورا، وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحدا لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا قال الله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} أي: يعملون على قضية العقل وما يوجبه، غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات، والاعتبار في العبر الموجودات)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} لأنه ليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة، والصنع العجيب.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وأشكالها، وألوانها مع اتفاق الماء، والتربة، وليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا ناسب أن تختم الآية بقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} ؛ لأن هذه الآية العظيمة من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل. ودلالة هذا الاستنباط هي الربط بين أجزاء الآية بطريق تأمل خواتيم الآيات.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 65.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبقاعي، وأبو السعود، والقنوجي.
(1)
.
120 - لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح
(2)
.
قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ
…
بَابٍ (23)} الرعد: 23.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} يشمل الآباء، والأمهات، وأزواجهم، وذرياتهم،
…
وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من الآية أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا
(5)
، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 19/ ص 7، ونظم الدرر ج 4/ ص 125، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 5، وفتح البيان ج 7/ ص 17.
(2)
وهو استنباط عقدي.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 79.
(4)
واستنبط غيره من الآية أن الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوف بتلك الصفات يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم. انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 327، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 18.
(5)
في معنى الصلاح في الآية قولان: الأول قال ابن عباس رضي الله عنهم: يريد من صدق بما صدقوا به، وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة. قال الرازي متعقبا هذا القول:(واعلم أن هذه الحجة ضعيفة؛ لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا وبهجة، فإذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك، وتقوى بهجته به، ويقال: إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا، ثم يشكرون الله على الخلاص منها والفوز بالجنة). التفسير الكبير ج 19/ ص 36.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وعد عباده الصالحين بعقبى الدار وهي الجنة، ثم ذكر أنه يلحق بهم من أقاربهم من صلح، فقيد ذلك بالصلاح؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.
قال البيضاوي: (وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم- وأبو حيان، وأبو السعود، والقنوجي.
(2)
.
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8)} [غافر: 8]، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)} [الطور: 21].
وفي هذا الاستنباط بيان لأهمية الصلاح، وحث عليه؛ إذ الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة
(3)
.
قال أبو السعود: (وفي التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب)
(4)
.
(1)
أنوار التنزيل ج 3/ ص 327.
(2)
انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 327، والبحر المحيط ج 5/ ص 497، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 18، وفتح البيان ج 7/ ص 48.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 19/ ص 36.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 18.
سورة إبراهيم عليه السلام
-
121 - طلب الأمن مقدم على سائر المطالب؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا
(1)
.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)} إبراهيم: 35.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}
(2)
[البقرة: 126]، والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن
(3)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن تقديم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا.
(1)
وهو استنباط في مقاصد الشريعة.
(2)
وتمامها: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ
…
فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ
…
الْمَصِيرُ (126)}.
(3)
قال الزمخشري: (فإن قلت: أي فرق بين قوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}، وبين قوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا}؛ قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا). الكشاف ج 2/ ص 523. ومثله في التفسير الكبير ج 19/ ص 104.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 112.
(5)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)} استنباطات أخرى، منها:
1) أن فيه دليلا على أن المؤمن لا ينبغي له أن يأمن على إيمانه، وينبغي أن يكون متضرعا إلى الله ليثبته على الإيمان كما سأله إبراهيم لنفسه ولبنيه الثبات على الإيمان. انظر: بحر العلوم ج 2/ ص 245.
2) فيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته. انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 351.
ووجه الاستنباط: أن إبراهيم عليه السلام سأل الله تعالى مسائل عدة، ودعاه بدعوات جعل أولها طلب الأمن، فقدم الأمن على غيره من المطالب الهامة؛ فدل بدلالة التقديم على أن طلب الأمن مقدم على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(1)
.
والقرآن بخبره وأسلوبه دل على أهمية الأمن، ومن ذلك:
1 -
أنه وصف المكان هنا بالأمن، والأمن للسكان لا للمكان؛ فدل هذا الوصف على أهمية الأمن وسيادته
(2)
.
2 -
تكرار طلبه من خليل الله إبراهيم عليه السلام، إذ طلبه مع البلدية أولا في سورة البقرة، ثم طلبه ثانيا هنا بعد أن تحققت البلدية. قال الآلوسي:(وأعاد سؤاله- أي الأمن في هذه الآية- دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه، وإما غيره بأن يكون المسئول أولا مجرد الأمن المصحح للسكنى، وثانيا الأمن المعهود)
(3)
.
(1)
انظر: فتح البيان ج 7/ ص 121، وحدائق الروح والريحان ج 14/ ص 416.
(2)
انظر: زهرة التفاسير ج 8/ 4035.
(3)
روح المعاني ج 1/ ص 381.
سورة الحجر
122 - في ذكر مد الله للأرض رد على من زعم أنها كالكرة
(1)
.
قال تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)} الحجر: 19.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} أي: بسطناها وفرشناها كما في قوله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30)} [النازعات: 30]، وفي قوله:{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)} [الذاريات: 48]. وفيه رد على من زعم أنها كالكرة)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن في الآية ردا على من زعم أن الأرض كالكرة.
ووجه الاستنباط: من قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} أي: بسطناها؛ إذ دل مد الأرض على أنها بسيطة لا كرة.
قال القرطبي: (قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} هذا من نعمه أيضا، ومما يدل على كمال قدرته. قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. كما قال: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30)} أي: بسطها، وقال:{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)} . وهو يرد على من زعم أنها كالكرة وقد تقدم
(3)
(4)
.
فالقرطبي ممن ينفي كروية الأرض، فإنه قال -قبل هذا عند قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)} [الرعد: 3]-: (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة)
(5)
.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 126.
(3)
يعني قوله- عند قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ
…
الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)} الرعد: 3 - (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة).
(4)
الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 14.
(5)
الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 239.
وقريبا من قول القرطبي قول ابن عطية- في آية سورة الرعد أيضا-: (وقوله: {مَدَّ الْأَرْضَ} يقتضي أنها بسيطة لا كرة، وهذا هو ظاهر الشريعة، وقد تترتب لفظة المد والبسط مع التكوير، والله أعلم)
(1)
.
وقول ابن جزي- في آية سورة الرعد أيضا-: ({مَدَّ الْأَرْضَ} يقتضي أنها بسيطة لا مكورة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يترتب لفظ البسط والمد مع التكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها وإنما التكوير لجملة الأرض)
(2)
.
وقول القنوجي- في آية سورة الرعد أيضا-: (قيل: وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها
(3)
، وبه قال أهل الهيئة، والله أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها، وبسطها، وأنه جعلها فراشا، وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف، وهو أصدق قيلا، وأبين دليلا من أصحاب الهيئة)
(4)
.
وقوله في آية الحجر: (وفيه رد على من زعم أنها كالكرة)
(5)
.
وخالف آخرون فقالوا بكروية الأرض، منهم: الخازن، والآلوسي، والبروسوي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين
(6)
. بل نقل ابن تيمية الإجماع على هذا القول، فقال:(اعلم أنّ الأرض قد اتفقوا على أنها كرية الشكل)
(7)
.
(1)
المحرر الوجيز ص 1027، 1028. وقال عند قوله تعالى:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19)} [نوح: 19]: (وقوله تعالى: {بِسَاطًا} يقتضي ظاهره أن الأرض بسيطة وغير كروية، واعتقاد أحد الأمرين غير قادح في نفسه، اللهم إلا أن يتركب على القول بالكروية نظر فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة فهو ظاهر كتاب الله تعالى وهو الذي لا يلحق عنه فساد البتة). ص 1903. وقال عند قوله تعالى: {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ
…
سُطِحَتْ (20)} [الغاشية: 20]: (وظاهر هذه الآية أن الأرض سطح لا كرة، وهو الذي عليه أهل العلم، والقول بكريتها وإن كان لا ينقص ركنا من أركان الشرع، فهو قول لا يثبته علماء الشرع) ص 1973.
(2)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 130.
(3)
هذا قول النيسابوري في غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج 7/ ص 252.
(4)
فتح البيان ج 7/ ص 12.
(5)
المصدر السابق ج 6/ ص 157.
(6)
انظر: لباب التأويل ج 3/ ص 98، روح المعاني ج 14/ ص 28، و ج 26/ ص 176، وروح البيان ج 4/ ص 356، وتيسير الكريم الرحمن ص 922، 923، وأضواء البيان ج 5/ ص 548، 549، وتفسير جزء عم لابن عثيمين ص 110.
(7)
مجموع الفتاوى ج 5/ ص 150.
والقول بكروية الأرض هو الصواب. ولا يشكل عليه كون الناظر إلى الأرض يراها مبسوطة.
قال الرازي: (فإن قيل: هل يدل قوله: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} على أنها بسيطة؛ قلنا نعم؛ لأن الأرض بتقدير كونها كرة فهي كرة في غاية العظمة، والكرة العظيمة يكون كل قطعة صغيرة منها إذا نظر إليها فإنها ترى كالسطح المستوي، وإذا كان كذلك زال ما ذكروه من الإشكال، والدليل عليه قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)} [النبأ: 7] سماها أوتادا مع أنه قد يحصل عليها سطوح عظيمة مستوية فكذا ههنا)
(1)
.
وقال الآلوسي: (والظاهر أن المراد بسطها وتوسعتها ليحصل بها الانتفاع لمن حلها، ولا يلزم من ذلك نفي كرويتها؛ لما أن الكرة العظيمة لعظمها ترى كالسطح المستوي)
(2)
.
وقال أيضا- عند قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ
…
زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)} [ق: 7]-: ({وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} بسطناها، وهو لا ينافي كريتها التامة أو الناقصة من جهة القطبين لمكان العظم)
(3)
.
وقال السعدي - عند قوله تعالى: {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} [الغاشية: 20]-: ({وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} أي: مدت مدا واسعا، وسهلت غاية التسهيل؛ ليستقر العباد على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها، وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك طرقها. واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها، كما دل على ذلك النقل، والعقل، والحس، والمشاهدة كما هو مذكور معروف عند كثير من الناس خصوصا في هذه الأزمنة التي وقف فيها الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر، وأما جسم الأرض الذي هو كبير جدا وواسع، فيكون كرويا مسطحا، ولا يتنافى الأمران كما يعرف ذلك أرباب الخبرة)
(4)
.
كما ذكر الآلوسي دلالات على كرويتها فقال: واستدل بالآية على أنها مسطحة غير كرية. وذهب الأكثرون إلى أنها كرية، أما في الطول فلأن البلاد المتوافقة في العرض أو التي لا عرض لها كلما كانت أقرب إلى الغرب كان طلوع الشمس وسائر الكواكب عليها متأخرا بنسبة واحدة، ولا يعقل ذلك إلا في الكرة. وأما في العرض فلأن السالك في الشمال كلما أوغل فيه ازداد القطب ارتفاعا عليه بحسب إيغاله فيه على نسبة واحدة، بحيث يراه قريبا من سمت رأسه، وكذلك تظهر له الكواكب الشمالية، وتخفى عنه الكواكب الجنوبية، والسالك الواغل في الجنوب بالعكس من ذلك، وأما فيما بينهما فلتركب الأمرين. وأورد عليهم الاختلاف المشاهد في سطحها؛ فأجابوا عنه: بأن ذلك لا يقدح في أصل الكرية الحسية المعلومة بما ذكر، فإن نسبة ارتفاع أعظم الجبال على ما استقر عليه استقراؤهم، وانتهت إليه آراؤهم إلى قطر الأرض كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع. والحق الذي لا ينكره إلا جاهل أو متجاهل أن ما ظهر منها كرة حسا؛ ولذلك كرية الفلك، تختلف أوقات الصلاة في البلاد، فقد يكون الزوال ببلد ولا يكون ببلد آخر، وهكذا الطلوع والغروب وغير ذلك، وكرية ما عدا ما ذكر لا يعلمها إلا الله تعالى، نعم إنها لعظم جرمها الظاهر يشاهد كل قطعة وقطر منها كأنه مسطح، وهكذا كل دائرة عظيمة، وبذلك يعلم أنه لا تنافي بين المد وكونها كروية. وزعم ابن عطية أن ظاهر الشريعة يقتضي أنها مسطحة، وكأنه يقول بذلك وهو خلاف مايقتضيه الدليل
(5)
.
(1)
التفسير الكبير ج 19/ ص 135.
(2)
روح المعاني ج 14/ ص 28.
(3)
روح المعاني ج 26/ ص 176.
(4)
تيسير الكريم الرحمن ص 922، 923.
(5)
انظر: روح المعاني ج 13/ ص 90، 91.
ونبه ابن عثيمين إلى كروية الأرض عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)} [الانشقاق: 3]، فقال:(هذه الأرض التي نحن عليها الآن هي غير ممدودة، أولا: أنها كرة مدورة، وإن كانت جوانبها الشمالية والجنوبية منفتحة قليلاً ـ أي ممتدة قليلاً ـ فهي مدورة الآن. ثانيا: ثم هي أيضاً معرجة فيها المرتفع جداً، وفيها المنخفض، فيها الأودية، فيها السهول، فيها الرمال، فهي غير مستوية، لكن يوم القيامة {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)} أي: تمد مدًّا واحداً كمد الأديم يعني: كمد الجلد، كأنما تفرش جلداً أو سماطاً، تُمد حتى إن الذين عليها ـ وهم الخلائق ـ يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، لكن الآن لا ينفذهم البصر، لو امتد الناس على الأرض لوجدت البعيدين منخفضين لا تراهم لكن يوم القيامة إذا مُدت صار أقصاهم مثل أدناهم)
(1)
.
لكن يشكل على استنباط الشوكاني هذا قوله في سورة الرعد-عند قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)} [الرعد: 3]-: ({وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها)
(2)
.
فإنه يثبت في سورة الرعد كروية الأرض، بينما ينفيها في سورة الحجر.
ويمكن توجيه هذا التعارض بأحد وجهين:
فإما أنه ممن يرى كروية الأرض.
ويدل عليه أنه مع تأثره الشديد بالقرطبي إلا أنه لم يوافقه على رأيه في نفي كروية الأرض من آية سورة الرعد فقد قال القرطبي -عندها-: (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة)
(3)
.
(1)
تفسير جزء عم ص 110.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 64. وقد نقل الشوكاني قبله قولا للأصم، فقال: (وقال الأصم: إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه. وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها). فإن قيل: قد يكون الكلام كله للأصم فنقله الشوكاني؛ قلت: قول الشوكاني: (وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) ليس من تمام كلام الأصم، إذ ليس موجودا في تفسيره للآية في ص 24، وص 82، وكذلك لم ينقله الرازي عن الأصم-مع أنه ينقل عنه كثيرا-، فلم يبق إلا أن يكون من كلام الشوكاني.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 9/ ص 239.
وأما الشوكاني فإنه قال: (وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها)
(1)
.
وإما أن يكون الشوكاني ممن ينفي كروية الأرض.
ويكون توجيه قوله الأخير الذي يثبت به كروية الأرض بأنه سقط منه لفظ: (وقيل)، إذ أصل كلامه:(وقيل: هذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها)، وهذا ما نقله القنوجي
(2)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 64.
(2)
انظر: فتح البيان ج 7، ص 12. وقد تقدم قوله في أول هذا الاستنباط. وإن صح هذا التوجيه فإنه يظهر أهمية الرجوع إلى تفسير القنوجي وموازنته بتفسير الشوكاني.
سورة النحل
123 - ركوب الخيل والبغال والحمير هو المعتبر في المقصود، بخلاف التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات
(1)
.
قال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} النحل: 8.
قال الشوكاني رحمه الله: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن ركوب الخيل والبغال والحمير هو المعتبر في المقصود، بخلاف التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {وَزِينَةً} ، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق؛ فدل ذلك بدلالة تغيير النظم على أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات.
قال البيضاوي: (وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود من خلقها الركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض)
(4)
.
(1)
وهو استنباط تربوي.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 149.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) تحريم أكل لحوم الخيل، بدلالة الاقتران. انظر: الإشارات الإلهية ج 2/ ص 363، والإكليل ج/ ص 900، ومنهج الاستنباط من القرآن ص 333، 334.
2) تحريم الخيل والبغال والحمير بدليل الخطاب؛ لأن تخصيصها بالركوب دليل على أنه لا يجوز أكلها. انظر: أحكام القرآن لابن الفرس ج 3/ ص 242، 243، وأحكام القرآن للكيا ج 4/ ص 242. وهذان الاستنباطان من الاستنباطات التي ردها الشوكاني انظر: فتح القدير ج 3/ ص 149.
3) عدم وجوب الزكاة في الخيل.؛ لأنه قرن بين الخيل والبغال والحمير، والبغال والحمير لا زكاة فيها إجماعا؛ فدل بدلالة الاقتران على أنه لا زكاة فيها. انظر: الإكليل ج/ ص 901، ومنهج الاستنباط من القرآن ص 334.
(4)
أنوار التنزيل ج 3/ ص 387.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن المنير، والبيضاوي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي.
(1)
. وحكاه الآلوسي
(2)
.
وهذا الاستنباط من حيث النظر إلى سر تغيير النظم صحيح. وفيه حث على علو الهمة، والنظر إلى الأنفع، والتحذير من الميل إلى الدنيا ولذاتها.
لكن يتنبه إلى أن اتخاذ الخيل والبغال والحمير زينة جائز؛ لأن ذكر التزين في معرض الامتنان دال على أنه نعمة، فاتخاذها زينة دون خيلاء جائز؛ لأن التجمل بالملابس والمراكب لا مانع منه شرعا، وهو لا ينافي أن يكون لخلقها حكم أهم، كالجهاد عليها، وسفر الطاعات
(3)
.
قال القرطبي: (وهذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه)
(4)
.
ولذا استنبط القصاب أن اتخاذها زينة ليس من الدنيا المذمومة، فقال:(قوله: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} دليل على أن طلب الجمال والزينة إذا عري صاحبها من الفخر والخيلاء. وأراد بهما إظهار نعمة الله عليه ليس بمؤثر في نسك الناسك، وليس من الدنيا المذمومة. ألا ترى أنه جل جلاله جعل ذلك في عداد النعمة على خلقه)
(5)
.
وليس في استعمالها زينة دون خيلاء ما يشين؛ إذ فرق بين اتخاذها زينة، والخيلاء بها. قال الشيخ محمد أبو زهرة: بعد أن ذكر سبحانه نعمته في الأنعام، وما تتخذ منها من منافع وما يكون فيها، ذكر نعمه في غيرها مما لا يشمله اسمها، وكان العرب يجدون فيها متاعا، وهي الخيل والبغال والحمير، فإن فيها نعمة التمكين من ركوبها، أو نعمة أنها تتخذ زينة لهم في غدوهم ورواحهم، وقد قال تعالى:{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)} [آل عمران: 14]، فالخيل المسومة من زينة الحياة، فالخيل ومثلها البغال والحمير تتخذ زينة، والزينة هي ما يكون في الخيل من راحة للنفس، وفرق بين اتخاذها زينة والخيلاء بها، فإن الخيلاء تفسد القلب، أما التزين، أو طلب ما يكون فيه زينة فإنه لا شيء يمس القلب ليفسده
(6)
.
(1)
انظر: الانتصاف ج 2/ ص 557، وأنوار التنزيل ج 3/ ص 387، وفتح البيان ج 7/ ص 211، ومحاسن التأويل ج 6/ ص 352.
(2)
روح المعاني ج 14/ ص 101.
(3)
مستفاد من المصدر السابق ج 14/ ص 101.
(4)
الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 74.
(5)
نكت القرآن ج 2/ ص 46.
(6)
انظر: زهرة التفاسير ج 8/ ص 4135.
بل يمكن القول بأن الآية دلت دلالة ظاهرة على الجواز. قال السعدي: ({وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} أي: تارة تستعملونها للضرورة في الركوب، وتارة لأجل الجمال والزينة)
(1)
.
124 - وصف السمك بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن وصف السمك بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصف السمك بالطراوة دون غيرها من الأوصاف، وفي الطراوة ما يدل على لطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبقاعي، والشربيني، والقنوجي، والهرري.
(5)
.
وفي هذا الاستنباط دلالة على تنوع موضوعات الاستنباط عند الشوكاني، إذ لم تقتصر الاستنباطات على الفقه، والتربية ونحوهما، بل شملت ما فيه صلاح البدن ونفعه، والتحذير مما يضر به من مطعومات.
(1)
تيسير الكريم الرحمن ص 436.
(2)
وهو استنباط طبي.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 153.
(4)
واستنبط غيره إباحة أكل السمك ما طفا منه، وما انحسر منه، إذ ممكن أن يكون طفوه من فور خروج نفسه، والانحسار عنه كذلك، فلا يزول اسم الطري عنه. انظر: نكت القرآن ج 2/ ص 48، 49.
(5)
انظر: الكشاف ج 2/ ص 559، ونظم الدرر ج 4/ ص 253، والسراج المنير ج 2/ ص 247، وفتح البيان ج 7/ ص 219، وحدائق الروح والريحان ج 15/ ص 159.
125 - مناسبة ختم ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها بمغفرة الله ورحمته؛ لبيان أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها
(1)
.
قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)} النحل: 18.
قال الشوكاني رحمه الله: (وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان، مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)} أي: كثير المغفرة والرحمة، لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم، وإدرارها في كل لحظة، وعند كل نفس تتنفسونه، وحركة تتحركون بها)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن مناسبة ختم ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها بمغفرة الله ورحمته؛ بيان أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها، ثم ختم ذلك بذكر مغفرته ورحمته دون غيرهما من الأسماء والصفات؛ فدل ذلك بدلالة تأمل خاتمة الآية والربط بينها وبين الآية على أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، وأبو حيان، والبقاعي، والقنوجي، والهرري.
(4)
.
ومن أراد أن يعرف تقصيره، وقصوره عن شكر أدنى نعمة نظر في نفسه، فكل جزء من أجزاء بدن الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، ثم إنه سبحانه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فهذا مثال تقاس عليه سائر نعم الله تعالى حتى يعرف الإنسان تقصيره، وقصوره عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها
(5)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 154.
(3)
واستنبط الشنقيطي من الآية أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة فإنه يعم؛ لأن نعمة الله مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم. انظر: أضواء البيان ج 2/ ص 137.
(4)
انظر: الكشاف ج 2/ ص 561، والتفسير الكبير ج 20/ ص 13، والبحر المحيط ج 5/ ص 617، ونظم الدرر ج 4/ ص 256، وفتح البيان ج 7/ ص 224، وحدائق الروح والريحان ج 15/ ص 167.
(5)
انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان ج 7/ ص 466.
126 - أمرُ الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي دليل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر
(1)
.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} النحل: 90.
قال الشوكاني رحمه الله: (وهذه الآية هي من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وهذا كله أمر بالمعروف، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذا نهي عن المنكر؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
قال القرطبي: (تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي.
(4)
.
ويؤيده أنه قد قوبل في الآية الأمر بالنهي، وكل من المأمور به بكل من المنهي عنه، وجمع بين الأمر والنهي، مع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده؛ فدل ذلك على الاعتناء بالأمر بكل معروف، وكذلك الاعتناء بالنهي عن كل منكر.
127 - عمل الكافر لا اعتداد به
(5)
.
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} النحل: 97.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجملة: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} في محل نصب على الحال، جعل سبحانه الإيمان قيدا في الجزاء المذكور؛ لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)} [الفرقان: 23])
(6)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 188.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 150.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 150، وفتح البيان ج 7/ ص 303.
(5)
وهو استنباط عقدي.
(6)
فتح القدير ج 3/ ص 193.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن عمل الكافر لا اعتداد به.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وعد من عمل صالحا بالحياة الطيبة، والجزاء بالجنة، وقيد الاعتداد بهذا العمل بالإيمان؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أن من لم يكن مؤمنا فإنه ليس موعودا بهذه الجنة، ولا اعتداد بعمله.
قال البيضاوي: ({وَهُوَ مُؤْمِنٌ} حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور، وتنبيها على أنه لا اعتداد به دونه فيه)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والشنقيطي.
(2)
.
والإيمان أحد شروط العمل الصالح، قال الشنقيطي: (اعلم أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:
الأول: موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}
(3)
[الحشر: من الآية 7].
الثاني: أن يكون خالصا لله تعالى؛ لأن الله جل وعلا يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)}
(4)
[البينة: من الآية 5]، و {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 14 - 15].
الثالث: أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ، فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح)
(5)
.
(1)
أنوار التنزيل ج 2/ ص 258.
(2)
انظر: أنوار التنزيل ج 2/ ص 258، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 139، وروح البيان ج 5/ ص 79، وروح المعاني ج 14/ ص 226، وفتح البيان ج 7/ ص 312، وأضواء البيان ج 2/ ص 189.
(3)
وتمامها: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ
…
لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)}.
(4)
(5)
أضواء البيان ج 2/ ص 189.
128 - مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح والجزاء عليه
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}
(2)
[النحل: من الآية 89]، والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ
(3)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه؛ أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
وتمامها: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ
…
أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)}.
(3)
هذا قول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 156. وهذا مثال لما خالف فيه الشوكاني القرطبي في الاستنباط. ولعله يصح أن يكون مثالا للتكلف الذي يأباه الشوكاني في تطلب المناسبة؛ لأن فيه ربطا للآية بآية بعيدة عنها في الترتيب، وإهمالا لمناسبتها للآية المتصلة بها.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 193.
(5)
واستنبط الآلوسي أن في الآية درءا للمفاسد وجلبا للمصالح، فقوله تعالى:{فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} إشارة إلى درء المفاسد، وقوله سبحانه:{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إشارة إلى جلب المصالح، ثم قال: ولكون الأول أهم قدم فليتأمل. انظر: روح المعاني ج 14/ ص 228.
ووجه الاستنباط: أن الله ذكر العمل الصالح والجزاء عليه، ثم أتبعه بذكر الاستعاذة، واتصال الآيتين، والربط بينهما دال على أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية.
قال الرازي: (اعلم أنه لما قال قبل هذه الآية: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس، فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)})
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والشربيني، والآلوسي، والقنوجي.
(2)
. وأشار البقاعي إلى مناسبة قريبة مما قالوه إذ جعل مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح أن القرآن تلاوة وتفكراً وعملاً بما ضمن أجل الأعمال الصالحة، فتسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرئ هذا القرآن المنزل يستعاذ من الشيطان. ثم ذكر أن حاصل الأمر الالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح؛ لئلا يفسده الشيطان بوساوسه
(3)
.
ورأى الزمخشري أن مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح والجزاء عليه أن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة، فقال:(لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل به قوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} إيذانا بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب)
(4)
.
ولا تزاحم بين ما ذكره الزمخشري، وما ذكره الشوكاني فكلاهما -والله أعلم- صحيح.
أما ابن عاشور
(5)
، وقبله القرطبي
(6)
فقد جعلوا قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} متصلا بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ، فتكون المناسبة ظاهرة، وهي الأمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن الذي هو تبيان.
(1)
التفسير الكبير ج 20/ ص 91.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 20/ ص 91، واللباب ج 12/ ص 155،، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 139، والسراج المنير ج 2/ ص 286، وروح المعاني ج 14/ ص 228، وفتح البيان ج 7/ ص 313.
(3)
انظر: نظم الدرر ج 4/ ص 309، 310.
(4)
الكشاف ج 2/ ص 591. وبه قال البيضاوي في أنوار التنزيل ج 3/ ص 419.
(5)
انظر: التحرير والتنوير ج 13/ ص 221.
(6)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 156.
وهذا الوجه من المناسبة على جعل قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} من الموصول لفظا المفصول معنى؛ إذ اتصل لفظا بقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} ، وانفصل عنه معنى.
ولا شك أن القول باتصال الآيتين: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} في المعنى أولى؛ وبه يصح ما استنبطه الشوكاني.
129 - الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن
(1)
.
قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} النحل: 98.
قال الشوكاني رحمه الله: (وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها؛ للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، فخص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة؛ فدل مفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على أن الاستعاذة من الشيطان عند إرادة الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(3)
.
وبالنظر إلى الاستنباط السابق الذي استنبط فيه الشوكاني المناسبة بين قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} يمكن القول بأن استنباطه مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه؛ أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية يناسب استنباطه هنا، فالمناسبة تدل على حاجة كل عمل للاستعاذة، وزاد هنا أن الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن.
(1)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 193، 194.
(3)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 139، 140، وروح المعاني ج 14/ ص 230، وفتح البيان ج 7/ ص 314.
130 - مناسبة ذكر السبت، وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم عليه السلام بيان أن الله لم يجعله على إبراهيم عليه السلام
-
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم؛ فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله مناسبة ذكر السبت وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم عليه السلام بيان أن الله لم يجعله على إبراهيم عليه السلام.
ووجه الاستنباط: أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم؛ فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه بعد أن ذكر إبراهيم عليه السلام، وأثنى عليه، فذكر جعل السبت على الذين اختلفوا فيه عقب ذكر الآيات التي فيها خبر إبراهيم عليه السلام دون غيرها من الآيات دال بدلالة الربط بين الآيات على أن الله لم يجعل السبت على إبراهيم عليه السلام، ولا على غيره.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 203.
(3)
واستنبط غيره من الآيات استنباطات أخرى، منها:
1) في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ
…
أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)} حجة في تسمية العرب كثير المعاني باسم واحد، فالأمة تطلق على معاني كثيرة، لكنها هنا على معلم الخير يأتم الناس به في الهدى. انظر: نكت القرآن ج 2/ ص 104، 105.
2) في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
…
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)} جواز اتباع الأفضل للمفضول. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 176.
قال ابن جزي: (وتقتضي الآية أن السبت لم يكن من ملة إبراهيم عليه السلام
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن جزي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور، والهرري
(2)
.
وذكر القرطبي مناسبة أخرى، فقال:{عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} يريد في يوم الجمعة، اختلفوا على نبيهم موسى عليه السلام، ووجه الاتصال بما قبله أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود
(3)
. وبه قال البقاعي
(4)
.
ولا تزاحم بينهما-والله أعلم- فالمناسبة الأولى باعتبار ذكر السبت وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم عليه السلام، والثانية باعتبار ذكر اختلاف اليهود على نبيهم عليه السلام في يوم الجمعة -الذي هو من ملة إبراهيم عليه السلام عقب الأمر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم باتباع الحق الذي هو ملة إبراهيم عليه السلام.
(1)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 164.
(2)
انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 164، وفتح البيان ج 7/ ص 338، والتحرير والتنوير ج 13/ ص 258، 259، وحدائق الروح والريحان ج 15/ ص 420.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 177.
(4)
انظر: نظم الدرر ج 4/ ص 322.
سورة الإسراء
131 - عطاء الله إنما هو بمحض التفضل
(1)
.
قال تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)} الإسراء: 20.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن عطاء الله إنما هو بمحض التفضل لا بطريق الاستيجاب، والاستحقاق بالسعي، والعمل الصالح
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن كمال رأفته وشمول رحمته فقال: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ} أي: كل واحد من الفريقين نمد، أي: نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار، وأهل الطاعة وأهل المعصية، لا توثر معصية العاصي في قطع رزقه، ثم قال:{مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} ؛ فدلت مناسبة ذكر عطاء الله، والتنصيص عليه، واختيار لفظة عطاء دون غيرها على أن عطاء الله إنما هو بمحض التفضل، لا بطريق الاستيجاب، والاستحقاق بالسعي، والعمل الصالح.
قال أبو السعود: ({مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} متعلق بنمد، ومغن عن ذكر ما به الإمداد، ومنبه على أن الإمداد المذكور ليس بطريق الاستيجاب بالسعي والعمل، بل بمحض التفضل)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي، وأبو السعود-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(5)
.
(1)
وهو استنباط في الرقائق.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 217.
(3)
تقدم ما يقارب معناه معنى هذا الاستنباط عند قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)} يونس: 107. حيث قال الشوكاني رحمه الله: ({وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم). فتح القدير ج 2/ ص 478.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 165.
(5)
انظر: نظم الدرر ج 4/ ص 373، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 165، وفتح البيان ج 7/ ص 372، وحدائق الروح والريحان ج 16/ ص 64.
وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى عطاء الله الواسع الذي لا تناهي له، وإلى عظيم نعم الله على عباده؛ فإن أعمالهم كلها لا تساوي نعمة واحدة كنعمة البصر، فكيف بالنعم التي لا تعد ولا تحصى.
كما أن فيه بيان لرحمة الله بعبيده جميعا، فهو سبحانه يعطي تفضلا منه، على ما عند العبيد من كفر، وقصور في العبادة، ومخالفة لأوامره.
132 - نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل، أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول
(2)
(3)
.
(1)
وهو استنباط تربوي، واستنباط أصولي لتعلقه بدلالات الخطاب، وفي التفسير أيضا لشدة تعلقه بمقصود الآية.
(2)
تقدم بيان مفهوم الموافقه، وأقسامه، ومسمياته في الفصل الثاني من الباب الأول. وفي الآية اختلف الأصوليُّون في أنَّ دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالةٌ لفظيةٌ، أو دلالة مفهومة بالقياس، فقيل: إنها دلالة لفظية، لأنَّ أهل العرف، إذا قالوا: لا تقل لفلانٍ أفٍّ عنوا به أنَّه لا يتعرض له بنوعٍ من أنواع الأذى. وقيل: إنَّ هذا اللفظ، إنَّما دلَّ على المنعِ من سائر أنواعِ الأذى بالقياس الجليِّ. ورجح ابن عادل الحنبلي القياس، فقال: فالمنع من التأفيف إنما دلَّ على المنع من الضرب بالقياس الجليِّ، من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّ التأفيف غير الضرب، فالمنع من التأفيف لا يكون منعاً من الضرب، وأيضاً: المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلاً؛ لأنَّ الملك الكبير، إذا أخذ ملكاً عظيماً كان عدُوًّا له فقد يقول للجلاَّد: إيَّاك أن تستخفَّ به أو تشافهه بكلمة موحشةٍ، لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولاً في الجملة، علمنا أنَّ المنع من التأفيف يغاير المنع من الضرب، وغير مستلزم للمنع من الضرب في الجملة إلاَّ أنَّا علمنا في هذه الصورة: أنَّ المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين؛ لقوله تعالى: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)} ، فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب بالقياس من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى. انظر: اللباب ج 12/ ص 257، 258. وبمثله قال الآلوسي في روح المعاني ج 15/ ص 55. والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا جليا لأنه يفهم بطريق الأولى.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 218.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى الولد عن أن يقول لوالده كلمة أف الدالة على السأم والضجر؛ فكل ما ساوى هذه الكلمة فهو منهي عنه بلحن الخطاب، أي: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه مساو لحكم المنطوق.
قال ابن عطية: (وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالا لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها وإنما هي مثال الأعظم منها والأقل، فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور)
(1)
.
وكل ما كان أشد منها من قول أو فعل كالضرب والحبس وغيرهما فهو منهي عنه بفحوى الخطاب، أي: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق.
قال السيوطي: (وأشار بالنهي عن ذكر (أف) إلى تحريم ما فوقه بطريق الأولى)
(2)
.
وقال الشنقيطي: (فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق)
(3)
.
وكذلك استنبط الطوفي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة
(4)
حكم المسكوت عنه الذي هو أولى بالحكم من المنطوق.
فالآية إذاً دلت على النهي عن سائر ما يؤذي الوالدين من قول وفعل سواء أكان مساو لكلمة الأف، أو أشد منها.
وقد نقل هذا الاستنباط القنوجي
(5)
.
وفي هذا الاستنباط مزية الجمع بين استنباط حكم المسكوت عنه المساوي لحكم المنطوق، والمسكوت عنه الذي هو أولى بالحكم من المنطوق؛ فإنه لم يقتصر على أحدهما.
133 - المبذر كفور
(6)
.
قال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)} الإسراء: 27.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور، فاقتضى ذلك أن المبذر مماثل للشيطان، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان، وكل شيطان كفور، فالمبذر كفور)
(7)
.
(1)
المحرر الوجيز ص 1137.
(2)
الإكليل ج 2/ ص 914،
(3)
أضواء البيان ج 3/ ص 118. قاله في سورة الأنبياء.
(4)
انظر: الإشارات الإلهية ج 2/ ص 393، والتحرير والتنوير ج 14/ ص 57، وزهرة التفاسير ج 8/ ص 4362.
(5)
انظر: فتح البيان ج 7/ ص 376.
(6)
وهو استنباط فائدة علمية.
(7)
فتح القدير ج 3/ ص 221.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله أن المبذر كفور.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سجل على المبذرين مماثلتهم الشياطين، ثم سجل على جنس الشيطان بأنه كفور-
(2)
-؛ فدل بدلالة الالتزام على أن المبذر كفور؛ لأنه مماثل للشيطان وله حكمه، وكل شيطان كفور.
قال الرازي: ({وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا
…
(27)} ومعنى كون الشيطان كفورا لربه: هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي، والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى، والمقصود أن المبذرين إخوان الشياطين بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه؛ فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والواحدي، والقنوجي.
(4)
.
134 - في النهي عن قربان الزنى بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى
(5)
.
قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)} الإسراء: 32.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب)
(6)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(7)
رحمه الله أن في النهي عن قربان الزنا بمباشرة مقدماته نهيا عنه بالأولى.
(1)
واستنبط غيره مناسبة ذكر الربوبية في هذا المقام، والتعرض لوصف الربوبية، وذلك للإشعار بكمال عتوه، فإن كفران نعمة الرب مع كون الربوبية من قوى الدواعي إلى شكرها غاية الكفران ونهاية الضلال والطغيان. انظر: إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 168، وروح المعاني ج 15/ ص 63.
(2)
المقصود بالكفور هنا -كما قال ابن كثير- الجحود؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته. تفسير القرآن العظيم ج 5/ ص 69. قال الآلوسي:(ويشعر كلام بعضهم بجواز حمل الكفر هنا على ما يقابل الإيمان وليس بذاك). روح المعاني ج 15/ ص 63.
(3)
التفسير الكبير ج 20/ ص 155.
(4)
انظر: التفسير الكبير ج 20/ ص 155، واللباب ج 12/ ص 264، التفسير الوجيز ج 2/ ص 632، وفتح البيان ج 7/ ص 381.
(5)
وهو استنباط فقهي، وفي التفسير أيضا لشدة تعلقه بمقصود الآية.
(6)
فتح القدير ج 3/ ص 223.
(7)
واستنبط غيره أن مناسبة توسيط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد، والنهي عن قتل النفس المحرمة على الإطلاق، هي باعتبار أن الزنا قتل للأولاد؛ لما أنه تضييع للأنساب، فإن من لم يثبت نسبه ميت حكما. انظر: إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 170، وروح المعاني ج 15/ ص 67.
وذكر البقاعي مناسبة النهي عن الزنا عقب النهي عن قتل الأولاد، فقال:(لما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي فعل الزنا داعٍ من الإسراف، أتبعه به). نظم الدرر ج 4/ ص 378.
ووجه الاستنباط: أن الله نهى عباده عن مقاربة الزنا، ومخالطة أسبابه ودواعيه، ومباشرة مقدماته؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- وبقاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما على النهي عن الزنا.
ويمكن القول بأن النهي عن قربه نهي عنه بدلالة الالتزام. قال أبو حيان: (فنهى عن قربان
الزنا، واستلزم ذلك النهي عن الزنا)
(1)
.
وهذا الاستنباط مبناه على سر اختيار النهي عن القرب دون النهي عن الزنا ذاته، وهو مقصود بلا شك، قال النسفي:(وهو نهى عن دواعي الزنا، كالمس والقبلة ونحوهما، ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال ولا تزنوا)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(3)
.
وفي النهي عن مقدماته بيان لخطورته وتشديد على النهي عنه؛ لأن الله لما نهى عن قربانه دل ذلك على خطورة الاقتراب فكيف بمباشرة الفعل ذاته.
ولذا كان النهي عن قربان الزنا أبلغ؛ لأن المقصود التحذير من كل ما يؤدي إليه.
قال محمد أبو زهرة: وهذا يتضمن النهي عن كل ما يؤدي إلى الزنا، أو يظن أنه يؤدي إليه، كالقبلة، والملامسة، ورؤية الأجزاء المغرية من جسم المرأة، والرقص الذي يثير الغريزة، وأصوات النساء المغرية التي تتلوى فيها المرأة بما يثير ويدفع، ونشر الصور العارية، وغير ذلك مما نراه ونسمعه كل يوم، فكل ذلك منهي عنه، وهو حرام؛ لأنه قرب من الزنا أو ذريعة إليه، وكل ما كان حراما في ذاته فذريعته ممنوعة، وهذا باب يسمى في الفقه سد الذرائع، فكل ما يؤدي إلى حرام لذاته يكون حراما لأنه يؤدي إليه
(4)
.
135 - إنكار الكفار أن يكون الرسول بشرا ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم لا دليل عليه ولا برهان
(5)
.
قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)} الإسراء: 94.
قال الشوكاني رحمه الله: ({إِلَّا أَنْ قَالُوا} أي: ما منعهم إلا قولهم، فهو في محل رفع على أنه فاعل منع، والهمزة في {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)} للإنكار منهم أن يكون الرسول بشرا، والمعنى: أن هذا الاعتقاد الشامل لهم وهو إنكار أن يكون الرسول من جنس البشر هو الذي منعهم عن الإيمان بالكتاب وبالرسول. وعبر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم)
(6)
.
(1)
البحر المحيط ج 6/ ص 40.
(2)
مدارك التنزيل ج 2/ ص 452.
(3)
انظر: فتح البيان ج 7/ ص 385، وحدائق الروح والريحان ج 16/ ص 84.
(4)
انظر: زهرة التفاسير ج 8/ ص 4375.
(5)
وهو استنباط عقدي لتعلقه بالرسالة.
(6)
فتح القدير ج 3/ ص 260.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن إنكار الكفار أن يكون الرسول بشرا ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم لا دليل عليه ولا برهان.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر عن الكفار مانعهم من الإيمان وهو إنكارهم أن يكون الرسول من جنس البشر عبر عن إنكارهم بالقول، فقال:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)} ، ولم يقل أن مانعهم اعتقادهم مع أنه هو المقصود؛ إذ هو المانع حقيقة، وليس المانع مجرد القول
(1)
، لكنه عدل عنه إلى لفظ قولهم؛ فدل اختيار هذا اللفظ دون غيره على أن مناسبته للمقام دالة على أن إنكارهم ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم، لا دليل عليه ولا برهان بل هو تحكم فاسد، وتعنت باطل، ولا يليق به أن يصل إلى درجة المعتقد؛ لبعد هذا الإنكار عن كل عاقل.
قال أبو السعود: (وليس المراد أن هذا القول صدر عن بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع لهذا القول منهم، وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهوم ومصداق)
(2)
.
وقال محمد أبو زهرة: (نفيهم لأن يكون البشر رسولا إنما هو قولهم لا حقيقة أمرهم، فهم لا يؤمنون بألا يكون البشر رسولا، ولكنهم يقولونه قولا من غير برهان ولا إيمان)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة كما تقدم.
(4)
.
136 - التعرض في أثناء الحمد لصفات جليلة؛ للإيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات
(5)
.
قال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} الإسراء: 111.
(1)
قال أبو حيان: (وليس المراد مجرد القول، بل القول الناشئ عن اعتقاد). البحر المحيط ج 6/ ص 103.
(2)
إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 195.
(3)
زهرة التفاسير ج 8/ ص 4459.
(4)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 195، وروح المعاني ج 15/ ص 171، وفتح البيان ج 7/ ص 455، 456، وزهرة التفاسير ج 8/ ص 4459.
(5)
وهو استنباط عقدي، وفي علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة) أيضا.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات؛ لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له فضلا عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه، ومؤدية إلى الفساد {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}
(1)
[الأنبياء: 22]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى بنفسه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله من الآية أن مناسبة التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة الإيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات دون غيره.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بحمده ذكر صفات جليلة له عز وجل دالة على تمام الكمال، والقدرة التامة على الإيجاد، وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم؛ فدل بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة ذكرها وكونه رتب الحمد عليها للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد؛ لأنه الكامل الذات، المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق. وما عداه ناقص، مملوك نعمة، أو منعم عليه؛ ولذلك عطف عليه قوله:{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)}
(4)
.
(1)
وتمام الآية: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
…
عَمَّا يَصِفُونَ (22)}.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 266.
(3)
واستنبط غيره أن في قوله تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} تنبيها على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في الطاعة والتحميد فينبغي أن يعترف بالقصور. ووجهه: أن الله تعالى أمر بالتكبير بعد ما تقدم -من صفاته عز وجل مؤكَّدا بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى؛ فدل ذلك على أنه مما لا تسعه العبارة، ولا تفي به القوة البشرية وإن بالغ العبد في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد. انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 473، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 201، وروح المعاني ج 15/ ص 196.
(4)
بعضه مستفاد من أنوار التنزيل ج 3/ ص 473.
قال أبو السعود: (وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته دون غيره إذ بذلك يتم الكمال والقدرة التامة على الإيجاد وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم وما عداه ناقص، مملوك نعمته، أو منعم عليه)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور.
(2)
.
(1)
إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 201.
(2)
انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 473، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 201، وفتح البيان ج 7/ ص 470، والتحرير والتنوير ج 14/ ص 188.
سورة الكهف
137 - أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، فقال:{لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} أي لينذر من كفر بالله ورسوله عموما، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية، فقال:{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} فخص القائلين بذلك مع دخولهم في الإنذار السابق
(3)
؛ فدل بدلالة عادة القرآن في أنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي؛ أي دل على أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر.
قال الرازي: (اعلم أن قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} معطوف على قوله: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} ، والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه، فالأول عام في حق كل من استحق العذاب، والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي، كقوله تعالى:{وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ}
(4)
[البقرة: 98]، فكذا هاهنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى)
(5)
.
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 269.
(3)
ولذا لم يذكر المنذر به هنا لتقدم ذكره. قال الزمخشري: (فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي ينذر؛ قلتُ: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه فوجب الاقتصار عليه، والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به). الكشاف ج 2/ ص 657، 658.
(4)
(5)
التفسير الكبير ج 21/ ص 66.
فقوله: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)} هو من باب عطف الخاص على العام لشناعته وفظاعته. قال الشنقيطي: (وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن قوله:
{لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} شامل للذين قالوا اتخذ الله ولدا ولغيرهم من سائر الكفار. وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على العام إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة من الإطناب المقبول، تنزيلا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى:{وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} ، وقوله:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ}
(1)
[الأحزاب: 7]. ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها؛ فإن الذين قالوا اتخذ الله ولدا امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء، ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي
(3)
. وأشار إليه البيضاوي، وأبو السعود، والقاسمي، والشنقيطي.
(4)
.
138 - إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله
(5)
.
(1)
(2)
أضواء البيان ج 2/ ص 336.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 21/ ص 66، واللباب ج 12/ ص 421، وفتح البيان ج 8/ ص 10.
(4)
انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 476، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 203، ومحاسن التأويل ج 7/ ص 5، وأضواء البيان ج 2/ ص 336 ..
(5)
وهو استنباط عقدي.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
رحمه الله أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله.
ووجه الاستنباط: أن الفتية أصحاب الكهف قالوا بعد أن بعثهم الله من نومهم:
…
{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} أي أنهم مع قوة إيمانهم، وثقتهم بربهم، وتوكلهم عليه كانوا يحملون معهم وَرِقا، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف لعلهم يحتاجون إليه؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص القرآن، والاقتداء بالصالحين على أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله.
قال الرازي: (وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع، وأنه لا يبطل التوكل)
(3)
.
وقال الهرري: وفي قولهم: {هَذِهِ} إشارة إلى أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم ونحوها لمن خرج من منزله لا ينافي التوكل على الله
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 276.
(2)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) في توكيل المبعوث لشراء الطعام بالورق دليل على الوكالة وصحتها. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 326، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 184، والإكليل ج 3/ ص 927، وتيسير الكريم الرحمن ص 473.
2) جواز الشركة؛ لأن الورق كان لجميعهم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 10/ ص 328، وتيسير الكريم الرحمن ص 473.
3) جواز أكل الطيبات والمطاعم اللذيذة إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه؛ لقوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} وخصوصا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 473.
4) دل قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} على مشروعية استجادة الطعام واستطابته بأقصى ما يمكن؛ لصيغة التفضيل، فإن الغذاء الأزكى المتوفر فيه الشروط الصحيحة يفيد الجسم، ولا يتعبه؛ ولذلك يجب طبا الاعتناء بجودته وتزكيته، كما فصل في قوانين الصحة. انظر: محاسن التأويل ج 7/ ص 15.
5) فيه دليل على جواز الاجتهاد، والقول بالظن الغالب. انظر: فتح البيان ج 8/ ص 27. وهذا مثال لما زاده القنوجي من استنباطات عما عند الشوكاني.
(3)
التفسير الكبير ج 21/ ص 88.
(4)
حدائق الروح والريحان ج 16/ ص 305.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وأبو حيان، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والقنوجي، والمراغي، والهرري كما تقدم.
(1)
.
139 - القول بأن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين. والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة. {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب
…
)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن القول بأن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما حكى قولهم: {ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} ، وقولهم:{خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} أعقب ذلك بقوله: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} ، والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، ولما حكى قولهم:{سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} لم يتبعه بإبطال؛ فدل عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب بدلالة المطرد من أسلوب القرآن-لو كان قولهم غير حق لرده القرآن- على أن القول الثالث أقرب إلى الصواب
(5)
.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 21/ ص 88، والبحر المحيط ج 6/ ص 139، واللباب ج 12/ ص 450، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 214، وفتح البيان ج 8/ ص 27، وتفسير المراغي ج 15/ ص 132، وحدائق الروح والريحان ج 16/ ص 305.
(2)
وهو استنباط فائدة علمية.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 278.
(4)
واستنبط غيره من الآية أنه لا يبحث في المسائل التي لا أهمية لها؛ إذ ليس المهم معرفة العدد بل المهم الاعتبار بالقصص؛ لقوله تعالى: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)} . انظر: تفسير المراغي ج 15/ ص 136، والتحرير والتنوير ج 15/ ص 44، وحدائق الروح والريحان ج 16/ ص 334.
(5)
انظر: منهج الاستنباط من القرآن ص 340.
قال ابن تيمية: (فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث؛ فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما)
(1)
.
وقال السيوطي: (وصف الأولين بالرجم بالغيب دون الثالث يدل على أنه مرضي وصحيح)
(2)
.
وقال القنوجي: ({رَجْمًا بِالْغَيْبِ} ولم يقل هذا في السبعة، وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه)
(3)
.
وقد ذكر الرازي هذا الوجه، وأوجها أخرى تدل على هذا الاستنباط
(4)
، في بعضها ضعف كما ذكر، لكنه تعقبها بقوله: (واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا
(1)
مقدمة في أصول التفسير ص 92.
(2)
الإكليل ج 3/ ص 928.
(3)
هذه العبارة ليست عند الشوكاني، ولعل القنوجي أفادها من الرازي إذ لم أقف عليها عند غيره فيما اطلعت عليه.
(4)
فقال: قال أكثر المفسرين: هذا الأخير هو الحق، ويدل عليه وجوه:
الأول: أن الواو في قوله: {وَثَامِنُهُمْ} هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ
…
مَعْلُومٌ (4)} [الحجر: 4]، وفائدتها: توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وأنهم قالوا قولا متقررا متحققا عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس.
الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو، فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صونا للفظ عن التعطيل، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال: المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح.
الوجه الثالث: أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ} ، وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه؛ فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفا لهما في كونهما رجما بالظن.
والوجه الرابع: أنه تعالى لما حكى قولهم: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} قال بعده: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} ، فإتباع القولين الأولين بكونهما رجما بالغيب، وإتباع هذا القول الثالث بقوله:{قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة.
والوجه الخامس: أنه تعالى قال: {مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل، وكل من قال من المسلمين قولا في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول.
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول كانوا سبعة، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول أنا من ذلك العدد القليل وكان يقول إنهم سبعة وثامنهم كلبهم.
الوجه السادس: أنه تعالى لما قال: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل؛ لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ما هو الحق؛ فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب، فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث.
الوجه السابع: أنه تعالى قال لرسوله: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)} فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم، وعن استفتائهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة، وأيضا أنه تعالى قال:{مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي ولا يحصل للنبي، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي عليه السلام، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي؛ لأن الأصل فيما سواه العدم، وأن يكون الأمر كذلك، فكان الحق هو قوله:{وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} . واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم. انظر: التفسير الكبير ج 21/ ص 90، 91. وانظر مثله في اللباب ج 12، ص 456، 457.
أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم)
(1)
.
فمجموع ما ذكره من أوجه يستأنس به في هذا المقام، وإن كان هذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس دينية ولا دنيوية، لكن المقصود معرفة وجه هذا الاستنباط، وبيان صحة الدلالة.
وممن قال بهذا الاستنباط: النسفي، وأبو حيان، وابن كثير، والسيوطي-كما تقدم- والبروسوي، والقنوجي، والسعدي، والهرري.
(2)
.
140 - المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب
(3)
.
قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)} الكهف: 66.
قال الشوكاني رحمه الله: (في هذا السؤال ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية، والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 21/ ص 91.
(2)
انظر: مدارك التنزيل ج 3/ ص 20، والبحر المحيط ج 6، ص 142، 143، وتفسير القرآن العظيم ج 5/ ص 147، 148، والإكليل ج 3/ ص 928، وروح البيان ج 5/ ص 217، وفتح البيان ج 8/ ص 32، وتيسير الكريم الرحمن ص 474، وحدائق الروح والريحان ج 16/ ص 333.
(3)
وهو استنباط تربوي.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 299.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) جواز التعاقد على تعليم القرآن والعلم؛ لأن موسى تعاقد مع الخضر على أن يعلمه. انظر: التحرير والتنوير ج 15/ ص 106.
2) تواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة، ووجهه: أن موسى عليه السلام استأذن الخَضِر في إثباتِ التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضع، كما أنه قال:{تُعَلِّمَنِ} وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم، وكذلك قوله:{مِمَّا عُلِّمْتَ} ، وصيغة مِنْ للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء ممَّا علِّمت. انظر: البحر المحيط ج 6/ ص 184، واللباب ج 12/ ص 531، والإكليل ج 3/ ص 932.
3) استحباب طلب العلم حتى للعالم زيادة على ما عنده اقتداء بموسى عليه السلام. انظر: الإشارات الإلهية ج 2/ 429.
4) استحباب السفر في طلب العلم اقتداء بموسى عليه السلام. انظر: الإشارات الإلهية ج 2/ 429.
ووجه الاستنباط: أن موسى عليه السلام عندما أراد أن يتعلم من العبد الصالح سأله ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ فاستأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم، فجعل نفسه تبعاً له فقال:{هَلْ أَتَّبِعُكَ} مع أن موسى عليه السلام أفضل منه؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب.
والمتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير. قال الرازي: (المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير، قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ} يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيا بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم، وترك المنازعة والاعتراض)
(1)
.
والمتابعة نوع من الأدب والتواضع الواجب على المتعلم، وقد راعى موسى عليه السلام في سوق الكلام غاية التواضع معه، فأثبت كونه تبعا للعبد الصالح، واستأذنه في إثبات هذا التبعية، ثم طلب أن يعلمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع
(2)
.
فحق العالم على المتعلم أن يتبعه، وأن يقتدي به. قال ابن عاشور:(وفيه أيضا إشارة إلى أن حق المعلم على المتعلم اتباعه، والاقتداء به)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم-، والهرري.
(4)
.
141 - جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة
(5)
.
و قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ
…
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)} الكهف: 82.
(1)
التفسير الكبير ج 21/ ص 129.
(2)
انظر: المصدر السابق ج 21/ ص 128، 129.
(3)
التحرير والتنوير ج 15/ ص 107.
(4)
انظر: التفسير الكبير ج 21/ ص 129، والجامع لأحكام القرآن ج 11/ ص 18، وفتح البيان ج 8/ ص 81، والتحرير والتنوير ج 15/ ص 107، وحدائق الروح والريحان ج 16/ ص 442، 443.
(5)
وهو استنباط لغوي.
قال الشوكاني رحمه الله: ({فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
رحمه الله جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى أولا الموضع الذي فيه الجدار بالقرية فقال: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} ، ثم سمى الموضع بالمدينة بقوله:{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} ؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين على جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، بل دلت دلالة التركيب على جواز تسمية إحداهما بالأخرى.
قال ابن عادل الحنبلي: (واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: {أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ}، وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: {يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ}؛ فدل على جواز تسمية إحداهما بالأخرى)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والهرري.
(4)
.
وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى أن للقرآن مصطلحات خاصة، فلا يجوز حمله على المصطلحات الحادثة. قال ابن تيمية:(والقرآن نزل بلغة العرب فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم)
(5)
. وعدَّ -في موضع آخر- هذا الفعل من أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله، فقال:(ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسِّر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها)
(6)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 304.
(2)
واستنبط غيره من الآية الثانية استنباطات أخرى، منها:
1) استعمال الأدب مع الله؛ فإن الخضر أسند الإرادة هنا إلى الله فقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ} ، وأسندها إلى نفسه في قوله:{فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: من الآية 79]؛ لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لا يسندها إلى الله. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 11/ ص 38، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 194.
2) إباحة كنز الكنوز، وحفظ الأموال على الصغار إلى وقت البلوغ؛ لقوله تعالى:{وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ} . انظر: نكت القرآن ج 2/ ص 222.
(3)
اللباب ج 12/ ص 548.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 11/ ص 37، وتفسير القرآن العظيم ج 5/ ص 183، واللباب ج 12/ ص 548، وفتح البيان ج 8/ ص 93، ومحاسن التأويل ج 7/ ص 54، وحدائق الروح والريحان ج 17/ 15.
(5)
درء التعارض ج 6/ ص 7.
(6)
مجموع الفتاوى ج 12/ ص 107.
وقد حاول بعض المفسرين منهم: أبو السعود
(1)
، والآلوسي معرفة سر الإتيان بكل لفظة من اللفظتين في المقام الذي يناسبها، فقال الآلوسي:({فِي الْمَدِينَةِ} هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح، ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر بالقرية فيه)
(2)
.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 238.
(2)
روح المعاني ج 16/ ص 12.
سورة مريم
142 - المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا عليه السلام لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن
(1)
.
قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} مريم: 10.
و قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)} آل عمران: 41.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا عليه السلام لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في سورة آل عمران أن زكريا عليه السلام لما رأى خرق العادة في حق مريم طمع فيه في حق نفسه، فبشره الله بالولد، فطلب من ربه أن يجعل له آية دالة على ذلك، فقال تعالى:{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)} فذكر الله أنها ثلاثة أيام لا يكلم الناس فيها إلا رمزا،، ثم ذكر هذه المدة في سورة مريم بقوله تعالى:{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} ؛ فدل بدلالة التركيب على أن المدة التي أمر الله زكريا عليه السلام ألا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن؛ لأن الليالي الثلاث قد تكون من يومين
(4)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)، وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 324.
(3)
واستنبط غيره من الآيتين استنباطات أخرى، منها:
1) مشروعية الذكر في كل حال. قال محمد بن كعب القرظي: "لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام حيث قال: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} ". انظر: الدر المنثور ج 2/ ص 192.
2) الإشارة تنزل منزلة الكلام؛ لقوله تعالى: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} ؛ لأن الله استثنى من الكلام الرمز. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 4/ ص 82. وفي هذه المسألة خلاف بسطه الشنقيطي في أضواء البيان ج 2/ ص 468 - 474.
3) تخصيص التكليم مع الناس في قوله: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} دال بطريق المفهوم على أنه كان قادراً على التكلم مع غير الناس. انظر: اللباب ج 13/ ص 23.
(4)
مستفاد من حدائق الروح والريحان ج 17/ ص 96.
قال الرازي-في سورة آل عمران-: (ذكره ههنا ثلاثة أيام وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي؛ فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها)
(1)
.
وقال - مؤكدا هذا في سورة مريم-: (قال في آل عمران: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)}، وقال ههنا:{ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)} ، وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن)
(2)
.
وقال الشنقيطي: (وقد قال تعالى هنا: {ثَلَاثَ لَيَالٍ}، ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر الأيام في آل عمران في قوله: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ}؛ فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي-كما تقدم-، والبيضاوي، وأبو حيان، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والشنقيطي.
(4)
.
143 - احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء
(5)
.
قال تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)} مريم: 26.
قال الشوكاني رحمه الله: ({فَكُلِي وَاشْرَبِي} أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء)
(6)
.
(1)
التفسير الكبير ج 8/ ص 36.
(2)
المصدر السابق ج 21/ ص 166.
(3)
أضواء البيان ج 2/ ص 449.
(4)
انظر: الكشاف ج 3/ ص 9، والتفسير الكبير ج 21/ ص 166، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 7، والبحر المحيط ج 6/ ص 219، وفتح البيان ج 18/ ص 141، وزهرة التفاسير ج 9/ ص 4615، وأضواء البيان ج 2/ ص 449.
(5)
وهو استنباط طبي، واستنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)،
(6)
فتح القدير ج 3/ ص 329.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر مريم بالأكل من الرطب قبل الشرب، فقال:{فَكُلِي وَاشْرَبِي} ؛ فدل بدلالة التقديم على أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء.
قال الرازي: (ونقول قدم الأكل على الشرب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدماء)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي.
(3)
.
ويشهد لهذا الاستنباط أن الله تعالى ذكر الماء أولا بقوله: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)} [مريم: 24]، ثم ذكر الرطب بقوله:{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)} [مريم: 25]، ثم أمر بالأكل أولا ثم الشرب، مع أن ذكر الماء مقدم، فلابد أن يكون لتقديم الأكل من فائدة
(4)
. وأما تقديم الماء فلأنه أصل في النفع، ونفعه عام للتنظيف ونحوه، وقد كان جاريا، وهو أظهر في إزالة الحزن
(5)
.
ولا شك أن الرطب نافع للنفساء. قال القصاب - عند قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)} [مريم: 25]-: (دليل على أن الرطب للنفساء نافع)
(6)
.
وقال السيوطي: (وفيه أصل لما يقوله الأطباء: إن الرطب ينفع النفساء)
(7)
.
بل هو أنفع ما يكون لها، قال الشنقيطي: وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، قالوا: لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى
(8)
.
ويمكن حمل هذا على أنه الأنفع وقت ولادتها خصوصا؛ فإنه إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب
(9)
.
وهي بحاجة إليه في كل وقت لأنه يعد غذاء كاملا؛ لاحتوائه على جميع العناصر الغذائية الأساسية بنسب متوازنة، ولذلك أرشد الله مريم إلى أكله، ومعلوم أن المرأة بعد الولادة تحتاج غذاء غنيا لتعويضها عما تفقده من دم أثناء الولادة وفي فترة النفاس، ولتوفير كمية كافية من اللبن من أجل إرضاع وليدها
(10)
.
(1)
واستنبط غيره أن الرزق وإن كان محتوما فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه؛ لأن مريم أمرت بهز الجذع. وليس فيه ما ينافي التوكل. انظر: المحرر الوجيز ص 1225، وأضواء البيان ج 2/ ص 466.
(2)
التفسير الكبير ج 21/ ص 176.
(3)
انظر: التفسير الكبير ج 21/ ص 176، واللباب ج 13/ ص 50، وفتح البيان ج 8/ ص 153.
(4)
وليس لمجرد كون العادة الأكل قبل الشرب كما جاء في البحر المحيط ج 6/ ص 230.
(5)
انظر: روح المعاني ج 16/ ص 85، 86.
(6)
نكت القرآن ج/ ص 238.
(7)
الإكليل ج 3/ ص 941.
(8)
أضواء البيان ج 2/ ص 467.
(9)
انظر: زهرة التفاسير ج 9/ ص 4630.
(10)
انظر: الموسوعة الطبية الفقهية ص 219.
144 - الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون
(1)
.
قال تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)} مريم: 28.
قال الشوكاني رحمه الله: ({مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)} هذا فيه تقرير لما تقدم من التعيير والتوبيخ، وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون.
ووجه الاستنباط: أن قوم مريم لما أتتهم تحمل عيسى عليه السلام أنكروا عليها ذلك، وعدوه أمرا فريا، ثم وصفوا أبويها بالصلاح، فنفوا عن والدها أن يكون امرأ سوء، ونفوا عن أمها أن تكون بغيا، وذلك لما استقر في نفوسهم من أن الفاحشة مما يبعد عن ذرية الصالحين؛ فدل ذلك على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون؛ لأن ذرية الصالحين لا يظن بها غالبا إلا أن تكون على نهج والديهم.
قال أبو حيان: (وفي هذا دليل على أن الفروع غالبا تكون زاكية إذا زكت الأصول، ويُنكر عليها إذا جاءت بضد ذلك)
(4)
.
وقال ابن عادل: (ووُصف أبواها بالصَّلاح، وحينئذ يصيرُ التوبيخُ أشدّ؛ لأنَّ من كان حال أبويه وأخيه هذا الحال يكونُ صدور الذَّنْبِ منه أفحش)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن عادل- كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، والهرري.
(6)
.
وفي هذا الاستنباط تحذير لكل من رزق والدينِ صالحينِ من أن يخالف نهجهما؛ فإنه لا عذر له في ذلك وقد هيأ الله له من أسباب الصلاح أقواها.
(1)
وهو استنباط تربوي، واستنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء)، وهو من اعتبار القرائن.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 332.
(3)
واستنبط القصاب أن الإشارة إذا قامت مقام الكلام في الإفهام فليست بكلام؛ لأن مريم نذرت ألا تكلم شيئا فلم تخرجها الإشارة إلى ابنها عيسى عليه السلام من النذر، ولا عدت كلاما يخرجها منه. انظر: نكت القرآن ج 2/ ص 239.
(4)
البحر المحيط ج 6/ ص 231.
(5)
اللباب ج 13/ ص 54.
(6)
انظر: التفسير الكبير ج 21/ ص 177، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 13، والبحر المحيط ج 6/ ص 231، و اللباب ج 13/ ص 54، وإرشاد العقل السليم ج 5/ ص 263، وفتح البيان ج 8/ ص 155، وحدائق الروح والريحان ج 17/ ص 135.
145 - النبوة هي من باب الرحمة
(1)
.
قال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)} مريم: 49 - 50.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} بأن جعلناهم أنبياء. وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء؛ لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة.
وقيل: المراد بالرحمة هنا المال، وقيل: الأولاد، وقيل: الكتاب
(2)
. ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن النبوة هي من باب الرحمة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه وهب لإبراهيم عليه السلام إسحاق عليه السلام، ويعقوب عليه السلام، وجعلهم أنبياء، ثم ذكر بعد جعلهم أنبياء أنه وهب لهم من رحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النبوة هي من باب الرحمة.
قال أبو السعود: ({وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} هي النبوة. وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء للإيذان بأنها من باب الرحمة. وقيل: هي المال والأولاد ما بسط لهم من سعة الرزق. وقيل: هو الكتاب. والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤته أحد من العالمين)
(5)
.
(1)
وهو استنباط عقدي لتعلقه بباب النبوة، وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
هذه تفاسير للفظة الرحمة هنا. والنسفي ممن فسرها بالمال والولد. انظر: مدارك التنزيل ج 3/ ص 61، والواحدي فسرها بالنبوة والكتاب. انظر: الوجيز ج 2/ ص 683. والمقصود هنا ما وراء تفسير الرحمة.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 337.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) الآية حجة في تناول الأب مال ولده؛ لقوله تعالى: {وَهَبْنَا لَهُ} . وقد رده القصاب في نكت القرآن ج 2/ ص 246.
2) الولد الصالح نعمة على أبيه وجده، والولد الذي هو فتنة إنما هو الطالح؛ إذ محال أن يمتن الله على إبراهيم بما هو فتنة. انظر: نكت القرآن ج 2/ ص 244.
3) الشيء إذا سمي به شيئا جاز أن ينقل لغيره لسعة اللسان، فقد نقل اللسان من آلة النطق إلى الثناء الحسن. انظر: نكت القرآن ج 2/ ص 244.
(5)
إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 269.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(1)
.
ومما يؤيد هذا الاستنباط أن القرآن سمى النبوة رحمة. قال الشنقيطي: اعلم أولا أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي، فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى- في الزخرف-:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)} [الزخرف: 31 - 32]، وقوله تعالى -في سورة الدخان-:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)} [الدخان: 4 - 6]، وقوله تعالى -في آخر القصص-: {وَمَا كُنْتَ
…
تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86)} [القصص: 86]
(2)
.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 5/ ص 269، وروح المعاني ج 16/ ص 103، وفتح البيان ج 8/ ص 168.
(2)
انظر: أضواء البيان ج 2/ ص 412.
سورة طه
146 - مناسبة مناداة هارون عليه السلام موسى عليه السلام بنسبته إلى أمهما مع كونه أخاه لأبيه وأمه استعطافا له، وترقيقا لقلبه
(1)
.
قال تعالى: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)} [طه: 94].
قال الشوكاني: (ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له، وترقيقا لقلبه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن مناسبة مناداة هارون عليه السلام موسى عليه السلام بنسبته إلى أمهما مع كونه أخاه لأبيه وأمه استعطافا له، وترقيقا لقلبه.
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن هارون عليه السلام نادى موسى عليه السلام بابن أم، وخص الأم بذلك، مع كونه أخاه من أبيه وأمه لأن ذكر الأم ها هنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف؛ فدلت مناسبة اللفظ على أن مناداته له بها كانت استعطافا له، وترقيقا لقلبه.
وزاد بعض المفسرين -كأبي السعود- في المناسبة أن الآية دالة على عظم حق الأم بدلالة تخصيصها بالذكر، فقال أبو السعود:({قَالَ يَبْنَؤُمَّ} خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها، ترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين)
(4)
.
وممن قال باستنباط الشوكاني
(5)
: البيضاوي، والنسفي، وابن كثير، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(6)
.
وهو استنباط صحيح لأوجه تقدم بيانها عند قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)} [الأعراف: 150].
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة اللفظ، وبقصص الأنبياء)، وهو أيضا استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 383.
(3)
تقدم مثل هذا الاستنباط في سورة الأعراف: 150.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 6/ ص 38.
(5)
لم ينص عليه القرطبي في هذا الموضع اكتفاء بذكره في سورة الأعراف: 150.
(6)
انظر: أنوار التنزيل ج 4/ ص 67، ومدارك التنزيل ج 3/ ص 98، وتفسير القرآن العظيم ج 5/ ص 305، وإرشاد العقل السليم ج 6/ ص 38، وروح المعاني ج 16/ ص 251، وفتح البيان ج 8/ ص 269.
سورة الأنبياء
147 - إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به
(1)
.
قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
…
عَمَّا يَصِفُونَ (22)} الأنبياء: 22.
قال الشوكاني رحمه الله: ({فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
…
عَمَّا يَصِفُونَ (22)} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي: تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك له. وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن في الآية إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نزه نفسه بعد أن نفى أن يكون له شريك؛ فدل ذلك إما بدلالة الاقتداء بأفعال الله، أو بمناسبة تسبيح الله لنفسه بعد ثبوت الوحدانية بالبرهان على إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(4)
.
148 - جواز إطلاق الجمع على الاثنين
(5)
.
قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)} الأنبياء: 78.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين)
(6)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(7)
رحمه الله جواز إطلاق الجمع على الاثنين.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر حكم داود عليه السلام، وسليمان عليه السلام في قصة الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم- قال:{لِحُكْمِهِمْ} فجمع مع أنهما حَكَمَان اثنان هما داود عليه السلام، وسليمان عليه السلام؛ فدل ذلك على جواز إطلاق الجمع على الاثنين.
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 402.
(3)
واستنبط غيره من إيراد لفظ الجلالة في موضع الإضمار أن في ذلك تربية المهابة، وإدخال الروعة في نفوس الناس. انظر: إرشاد العقل السليم ج 6/ ص 62، وروح المعاني ج 17/ ص 28.
(4)
انظر: فتح البيان ج 8/ ص 316، وحدائق الروح والريحان ج 18/ ص 37.
(5)
وهو استنباط لغوي، وأصولي كذلك.
(6)
فتح القدير ج 3/ ص 418.
(7)
واستنبط غيره من الآية جواز الاجتهاد. انظر: البحر المحيط ج 6/ ص 403، والإكليل ج 3/ ص 964.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي
(1)
. وهو مذهب مالك
(2)
.
وهذا الاستنباط تؤيده قراءة ابن عباس رضي الله عنهم: {لحكمهما} بالتثنية
(3)
.
كما أن هذا الاستنباط يصح على أن المراد بقوله: {لِحُكْمِهِمْ} داود عليه السلام، وسليمان عليه السلام.
وقيل: إن المراد بقوله: {لِحُكْمِهِمْ} الحاكمان والمحكوم عليه
(4)
.
وقيل: إن الجمع للتعظيم
(5)
.
فعلى هذين القولين لا يصح هذا الاستنباط.
ومثل هذا الاستنباط اُستنبط من قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41)} [القمر: 41]، فقيل: إن الآية دالة على أن أقل الجمع اثنان.
ووجهه: أن المقصود بالنذر في الآية موسى وهارون.
(6)
.
ومما يدل على أهمية هذا الاستنباط ما ينبني عليه من مسائل فقهية منها ما ذكر في المواريث من أن الإخوة يدخل تحته الأخوان، فلمالك: أن الإخوة اثنان فصاعدا، ومذهبه أن أقل الجمع اثنان، فعلى هذا يحجب الأخوان الأم من الثلث إلى السدس سواء كانا شقيقين، أو لأب، أو لأم
(7)
.
(1)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 11/ ص 269، وفتح البيان ج 8/ ص 352.
(2)
ذكر ذلك ابن الفرس في أحكام القرآن ج 2/ ص 83. وهو مذهب طائفة من أهل العربية، كالزمخشري، والرضي، وتقدمهما إلى القول به الفراء. قاله الشوكاني في فتح القدير ج 3/ ص 418.
(3)
انظر: المحرر الوجيز ص 1289، والبحر المحيط ج 6/ ص 404.
(4)
انظر هذا القول محكيا في: الجامع لأحكام القرآن ج 11/ ص 269، واللباب ج 13/ ص 551. وهذا القول تعقبه الرازي بقوله:(جوابه أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الاثنين). التفسير الكبير ج 22/ ص 169.
(5)
حكاه الآلوسي في روح المعاني ج 17/ ص 74.
(6)
انظر: منهج الاستنباط من القرآن ص 168. ورد بأن المراد بالنذر موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء؛ لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون. أو أن نذر في الآية بمعنى الإنذار. انظر: البحر المحيط ج 8/ ص 259.
(7)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 1/ ص 368، و أحكام القرآن لابن الفرس ج 2/ ص 83، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 1/ ص 132.
سورة الحج
149 - مناسبة فاتحة سورة الحج لخواتيم سورة الأنبياء
(1)
.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
…
يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} الأنبياء: 96 - 98.
إلى قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)} الأنبياء: 112
ثم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)} الحج: 1.
قال الشوكاني رحمه الله: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ})
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن الله لما ذكر في آخر سورة الأنبياء الإعادة وما قبلها وما بعدها ناسب أن يفتتح سورة الحج -التي بعدها- بذكر القيامة حثا على التقوى.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ختم سورة الأنبياء بذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ ثم افتتح سورة الحج -التي بعدها- بذكر القيامة؛ فدل بدلالة الربط بين أواخر سورة ما وفاتحة السورة التالية لها على أن المناسبة ذكر القيامة بعد الإعادة لما بينهما من اعتلاق، والحث على التقوى إذ هي المقصودة بالترهيب في السورتين. ويؤكده كون مقصود سورة الحج التقوى
(3)
.
قال البقاعي: (لما ختمت التي قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر، وطيّ السماء، وإتيان ما يوعدون، والدينونة بما يستحقون، وكان أعظم ذلك يوم الدين، افتتحت هذه بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم)
(4)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 435.
(3)
نص البقاعي على أن مقصودها التقوى. انظر: نظم الدرر ج 5/ ص 129.
(4)
نظم الدرر ج 5/ ص 129.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو حيان، والبقاعي-كما تقدم-، والقنوجي.
(1)
.
150 - القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} أي: على ذبح ما رزقهم منها. وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه شرع لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضربا من القربان، وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك، ثم قيده سبحانه بقوله:{مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة-القيد- على أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها.
قال الآلوسي: (وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام، فلا يجوز الخيل ونحوها)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي.
(5)
.
151 - مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح
(6)
.
(1)
انظر: البحر المحيط ج 6/ ص 424، ونظم الدرر ج 5/ ص 129، وفتح البيان ج 9/ ص 9.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
فتح القدير ج 3/ ص 452.
(4)
روح المعاني ج 17/ ص 154.
(5)
انظر: أنوار التنزيل ج 4/ ص 126، وإرشاد العقل السليم ج 6/ ص 106، وروح المعاني ج 17/ ص 154، وفتح البيان ج 9/ ص 49، ومحاسن التأويل ج 7/ ص 247.
(6)
وهو استنباط فقهي، وفي الدعوات والذكر.
قال الشوكاني رحمه الله: (ومعنى {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} هو قول الناحر الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير؛ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بذكر اسمه عند الذبح فقال: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} ، ثم ذكر التكبير بقوله عز وجل:{كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} ؛ فدل بدلالة التركيب على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح.
قال السيوطي: (فيه أنه يستحب أن يضم إلى التسمية التكبير عند الذبح)
(2)
.
وقال ابن العربي: (ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها في الآية قبلها فقال: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ}، وذكر هاهنا التكبير، فكان ابن عمر رضي الله عنهم يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول: بسم الله، والله أكبر. وهذا من فقهه رضي الله عنه. وقد قال قوم: التسمية عند الذبح، والتكبير عند الإحلال بدلا من التلبية عند الإحرام. وفعل ابن عمر أفقه والله أعلم)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي-كما تقدم-، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي
(4)
.
وهو استنباط صحيح؛ لأن التكبير عام يشمل التكبير مطلقا، والتكبير عند الذبح.
قال الرازي: (لتكبروا الله وهو التعظيم بما نفعله عند النحر، وقبله، وبعده على ما هدانا)
(5)
.
وهذا المعنى المستنبط دلت عليه السنة صراحة في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث أنس رضي الله عنه قال:"ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما"
(6)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 455.
(2)
الإكليل ج 3/ ص 989.
(3)
أحكام القرآن ج 3/ ص 211.
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 211، والجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 64، والإكليل ج 3/ ص 989، وفتح البيان ج 9/ ص 54.
(5)
التفسير الكبير ج 23/ ص 33.
(6)
أخرجه البخاري في كتاب: الأضاحي، باب: التكبير ثم الذبح، رقم: 5245، ج 5/ ص 2114. ومسلم في كتاب: الأضاحي، باب: استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل والتسمية والتكبير، رقم: 1966، ج 3/ ص 1551.
كما دل عليه فعل ابن عمر رضي الله عنهم وهو من أشد الصحابة تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المقصود هنا استنباط هذا الحكم من القرآن.
سورة المؤمنون
152 - تحريم نكاح المتعة
(1)
.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} المؤمنون: 5 - 7.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة. واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء
(2)
؛ لأنه من الوراء لما ذكر. وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها بلوغ المنى في حكم الاستمنا، وذكرنا فيها أدلة المنع، والجواز، وترجيح
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
وهو قول مالك والشافعي، قال الشنقيطي: (الذي يظهر لي أن استدلال مالك والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة، وما روي عن الإمام أحمد مع علمه وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلا على ذلك بالقياس، قائلا هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها، فجاز قياسا على الفصد والحجامة كما قال في ذلك بعض الشعراء ـ إذا حللت بواد لا أنيس به
…
فاجلد عميرة لا عار ولا حرج فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها؛ لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار
…
فالله جل وعلا قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)} ولم يستثن من ذلك ألبتة إلا النوعين المذكورين في قوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين دالة على المنع هي قوله:{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده، وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى). أضواء البيان ج 3/ ص 550. وممن استنبط تحريم الاستمناء من الآية ابن عادل في اللباب ج 14/ ص 172.
الراجح منهما
(1)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله تحريم نكاح المتعة.
ووجه الاستنباط: أن الآية ذكرت من صفات المؤمنين حفظ الفرج، ثم استثنت الزوجات وملك اليمين-الإماء-؛ فدل مفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على تحريم نكاح المتعة. كما دلت الآية على أن المباح الزوجة والأمة، أما المستمتع بها فليست بزوجة؛ إذ الزوجة هي التي يعقد عليها عقدا مؤبدا أما هذه فلأجل مسمى.
قال إلكيا: (يقتضي تحريم المتعة؛ إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين)
(3)
.
ودل مفهوم المخالفة لقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} على أن عدم الحفظ على من سواهن يوجب اللوم الشرعي ليحذره المؤمنون. قاله ابن عاشور
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا-كما تقدم-، والرازي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، ومحمد أبو زهرة.
(5)
.
وخالف الزمخشري، وابن العربي، وأبو حيان
(6)
في عد الآية دليلا على تحريم المتعة؛ لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صح النكاح كما قالوا.
(1)
رجح الشوكاني الجواز، فقال في نهاية هذه الرسالة: وبهذا ينتهي جواب ما سأل عنه السائل كثر الله فوائده حيث قال: ما قولكم في الاستمناء بالكف والتفخذ، أو نحوهما؟
…
فأقول: ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دليل صحيح ولا ضعيف يقتضي تحريم ما ذكره، بل هو عند الضرورة إليه مباح، وإذا تعاظمت الضرورة وتزايدت الحاجة، وخشي أن يفضي ذلك إلى الإضرار ببدنه فهو على الجواز والإباحة، مع أنه يجوز له الأدوية واستعمالها، ويزداد ذلك إذا خشي الوقوع في المعصية إن لم يفعل، وهذا إذا لم يمكنه دفع الضرورة بشيء من الأمور التي هي طاعة محضة كالصوم، وكثرة العبادة، والاشتغال بطلب العلم، والتفكر في أمور المعاد، أو بشيء من الأطعمة، أو الأشربة، أو الأدوية. انظر: بلوغ المنى ص 36، 37. والأظهر التحريم، قال ابن العربي: (وعامة العلماء على تحريمه، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به). أحكام القرآن ج 3/ ص 225.
(2)
فتح القدير ج 3/ ص 474.
(3)
أحكام القرآن ج 4/ ص 285.
(4)
انظر: التحرير والتنوير ج 18/ ص 12.
(5)
انظر: أحكام القرآن ج 4/ ص 285، والتفسير الكبير ج 23/ ص 71، والجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 98، والإكليل ج 3/ ص 998، وفتح البيان ج 9/ ص 98، وتيسير الكريم الرحمن ص 548، وأضواء البيان ج 3/ ص 551، وزهرة التفاسير 5048.
(6)
انظر: الكشاف ج 3/ ص 180، وأحكام القرآن ج 3/ ص 225، والبحر المحيط ج 6/ ص 384.
قال ابن العربي: (قال قوم: هذه الآية دليل على تحريم نكاح المتعة؛ لأن الله قد حرم الفرج إلا بالنكاح أو بملك اليمين، والمتمتعة ليست بزوجة. وهذا يضعف؛ فإنا لو قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجة، وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليها الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة، فلم تدخل في الآية، وبقيت على أصل حفظ الفرج وتحريمه من سببها).
والقول الأول أظهر والله أعلم؛ لأنه قول الجمهور، ولأن نكاح المتعة مما وراء ذلك، فليس بزواج ولا بملك يمين. قال الطوفي:(يحتج به الجمهور على تحريم المتعة؛ لأن ذات المتعة لا ملك يمين بإجماع، ولا هي زوجة لعدم التوارث بينهما؛ فتكون داخلة في حد العدوان)
(1)
.
وقال الشنقيطي: المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ليست زوجة ولا مملوكة، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما الدليل على كونها غير زوجة فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها، كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت، واعتدت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة؛ لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء
(2)
.
وقال محمد أبو زهرة: (ولا شك أن نكاح المتعة مما وراء ذلك؛ لأنها ليست زواجا ولا ملك يمين، وبها احتجت عائشة على ابن عباس، وأخطأ الزمخشري ومن تبعه إذ عدها زواجا وما هي بزواج، وما سماها أحد من السلف زواجا)
(3)
.
153 - تعدى فعل الإرسال بفي للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم
(4)
نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم
(5)
.
(1)
الإشارات الإلهية ج 3/ ص 44.
(2)
انظر: أضواء البيان ج 3/ ص 551.
(3)
زهرة التفاسير 5048.
(4)
قال الرازي: (اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضي الله عنه وأكثر المفسرين، واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود عليه السلام: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)} [الأعراف: 69]، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وسورة هود، والشعراء. وقال بعضهم المراد بهم صالح وثمود؛ لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة). التفسير الكبير ج 23/ ص 85.
(5)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة لفظ "في"). وهو استنباط بلاغي أيضا.
قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32)} المؤمنون: 32.
قال الشوكاني رحمه الله: ({فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا} عدي فعل الإرسال بفي مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم، يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم. وقيل: وجه التعدية للفعل المذكور بفي أنه ضُمِّن معنى القول: أي قلنا لهم على لسان الرسول)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن فعل الإرسال تعدى بفي مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم.
ووجه الاستنباط: أن فعل الإرسال تعدى بفي وحقه أن يتعدى بإلى؛ فدل بتأمل معاني حرف الجر (في) على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم.
قال الآلوسي: (وجعل القرن ظرفا للإرسال كما في قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ} [الرعد: من الآية 30]
(2)
لا غاية له كما في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: من الآية 59]
(3)
؛ للإيذان من أول الأمر أن من أرسل إليهم لم يأتيهم من غير مكانهم، بل إنما نشأ فيما أظهرهم)
(4)
.
(1)
فتح القدير ج 3/ ص 482.
(2)
(3)
(4)
روح المعاني ج 18/ ص 28، 29.
وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي.
(1)
.
أما القول بأنه ضُمِّن معنى القول فتعقبه القنوجي بقوله: (وقيل: وجه التعدية بفي أنه ضُمِّن معنى القول، والأول أولى؛ لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا لايستلزم تعديته بفي)
(2)
.
154 - الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له
(3)
.
قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
…
(70)} المؤمنون: 70.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
…
(70)} لما جبلوا عليه من التعصب والانحراف عن الصواب والبعد عن الحق، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر. وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له
(6)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر موقف كفار قريش من الحق ذكر تعالى أن أكثر الكفار هم الكارهون للحق؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة -بالتقييد بالأكثر- على أن الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له.
قال أبو حيان: (يدل على أن فيهم من لا يكره الحق، وذلك من يترك الإيمان أنفة واستكبارا من توبيخ قومه أن يقولوا صبأ، وترك دين آبائه)
(7)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والآلوسي، والقنوجي.
(8)
.
(1)
انظر: روح المعاني ج 18/ ص 28، 29، وفتح البيان ج 9/ ص 116.
(2)
فتح البيان ج 9/ ص 116.
(3)
وهو استنباط عقدي لأن كره الحق نفاق.
(4)
فتح القدير ج 3/ ص 492.
(5)
واستنبط القصاب أن الآية دليل على أن خبر الواحد يلزم قبوله بشرط معرفة المخبَر بصدق المخبِر، وثبات عقله؛ لأن حجج قريش كانت منقطعة بما عرفت من عقل النبي صلى الله عليه وسلم، وصدقه، فلزمهم خبره عن الله. انظر: نكت القرآن ج 2/ ص 367.
(6)
تقدم مثل هذا الاستنباط في سورة الأنفال: 34.
(7)
البحر المحيط ج 6/ 506.
(8)
انظر: الكشاف ج 3/ ص 197، والتفسير الكبير ج 23/ ص 97، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 162، ومدارك التنزيل ج 3/ ص 185، والبحر المحيط ج 6/ 506، واللباب ج 14/ ص 242، وروح المعاني ج 18/ ص 51، وفتح البيان ج 9/ ص 137.
وخالف القرطبي إذ فسر: أكثرهم بمعنى كلهم
(1)
. على سبيل المجاز كما يراد بالقلة العدم
(2)
. وأجازه ابن المنير كذلك
(3)
، قال الآلوسي -متعقبا هذا القول-:(وقال ابن المنير يحتمل أن يحمل الأكثر على الكل كما حمل القليل على النفي. وفيه بعد)
(4)
.
والأظهر-والله تعالى أعلم- إبقاء الأكثر على ظاهره إذ الحقيقة أولى من المجاز.
قال أبو حيان: (إبقاء الأكثر على ظاهره أولى)
(5)
.
وفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن في الأحكام. قال ابن عاشور: (وإنما أسندت كراهية الحق إلى أكثرهم دون جميعهم إنصافا لمن كان منهم من أهل الأحلام الراجحة الذين علموا بطلان الشرك وكانوا يجنحون إلى الحق، ولكنهم يشايعون طغاة قومهم مصانعة لهم، واستبقاء على حرمة أنفسهم بعلمهم أنهم إن صدعوا بالحق لقوا من طغاتهم الأذى والانتقاص، وكان من هؤلاء أبو طالب، والعباس، والوليد بن المغيرة. فكان المعنى: بل جاءهم بالحق فكفروا به كلهم، فأما أكثرهم فكراهية للحق، وأما قليل منهم مصانعة لسائرهم وقد شمل الكفر جميعهم)
(6)
.
وقال الهرري: (وقد جرت سنة القرآن أن يدقق في الحكم، ولا يقول إلا الحق، ولا يقول كما يقول الناس: إن القليل لا حكم له)
(7)
.
155 - نفي الشريك عن الله يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه
(8)
.
قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)} المؤمنون: 91.
قال الشوكاني رحمه الله: (ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ
…
إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ}. وفي الكلام حذف تقديره: لو كان مع الله آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب. {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: غلب القوي على الضعيف، وقهره، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها. وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك؛ فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه)
(9)
.
(1)
الجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 127.
(2)
انظر: أنوار التنزيل ج 3/ ص 106، ومدارك التنزيل ج 2/ ص 64، وروح المعاني ج 9/ ص 203.
(3)
انظر: الانتصاف ج 3/ ص 197.
(4)
روح المعاني ج 18/ ص 52.
(5)
البحر المحيط ج 4/ ص 621.
(6)
التحرير والتنوير ج 18/ ص 74.
(7)
حدائق الروح والريحان ج 10/ ص 415.
(8)
وهو استنباط عقدي.
(9)
فتح القدير ج 3/ ص 496.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من الآية أن نفي الشريك عن الله يدل على نفي الولد؛ لأن الولد ينازع أباه في ملكه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نفى عن نفسه سبحانه الشريك؛ إذ لو كان معه-سبحانه-آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، ووقع بينهم التحارب، ولغلب القوي على الضعيف، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم؛ لأن الشريك ينازع في الملك؛ فدل نفي الشريك المنازع في الملك بدلالة الالتزام على نفي الولد؛ لأن الولد ينازع أباه في ملكه.
ولذا لم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد كما استدل على انتفاء الشريك. قال الآلوسي: (ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده، أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إله بناء على ما قيل أن ابن الإله يلزم أن يكون إلها إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي.
(2)
. وأشار إليه الآلوسي
(3)
.
والمعنى المستنبط وإن كان صدر الآية دال عليه إلا أن المقصود هنا استنباطه من نفي الشريك.
156 - مناسبة ختم سورة المؤمنون بالأمر بطلب مغفرة الله ورحمته
(4)
.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} المؤمنون: 99 - 100.
إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)} المؤمنون: 117، 118.
قال الشوكاني رحمه الله: (ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوه بالمغفرة والرحمة، فقال: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)} أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين. ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته)
(5)
.
(1)
روح المعاني ج 18/ ص 60.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 132، وفتح البيان ج 9/ ص 145.
(3)
انظر: روح المعاني ج 18/ ص 60.
(4)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(5)
فتح القدير ج 3/ ص 501.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن مناسبة ختم سورة المؤمنون بالأمر بطلب مغفرة الله ورحمته أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته؛ لأنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات.
ووجه الاستنباط: أن الله شرح أحوال الكفار ثم أمر بطلب مغفرته ورحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن مناسبة هذا الأمر حاجة العبد إلى الانقطاع إلى الله، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته العاصمين عن كل الآفات والمخافات.
قال الرازي: (فإن قيل: كيف تتصل هذه الخاتمة بما قبلها؛ قلنا: لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة؛ أمر بالانقطاع إلى الله تعالى، والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته؛ فإنهما هما العاصمان عن كل الآفات والمخافات)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقنوجي.
(2)
.
وفي الأمر بطلب الرحمة والمغفرة إشارة إلى أنه لا ينبغي الاغترار بالأعمال، وإرشاد إلى التشبت برحمة الملك المتعال
(3)
. فكأن المناسبة ألا يغتر المسلم بعمله حين يسمع عاقبة السوء للكفار وأعمالهم.
وفي تخصيص الاستغفار والاسترحام إيذان بأنهما من أهم الأمور الدينية حيث أمر به من قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر صلى الله عليه وسلم فكيف بمن عداه
(4)
.
(1)
التفسير الكبير ج 23/ ص 112.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 23/ ص 112، وفتح البيان ج 9/ ص 159.
(3)
انظر: روح المعاني ج 18/ ص 74.
(4)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 6/ ص 154.
سورة النور
157 - نهي المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة منهن
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله نهي المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة منهن.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى المؤمنات عن أن يبدين زينتهن؛ فدل بمفهوم الموافقة-مفهوم الأولى
(4)
- على نهيهن عن إبداء مواضع الزينة.
(1)
وهو استنباط فقهي، ويصلح أن يكون في التفسير أيضا لتعلقه بمقصود الآية.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 23.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن المرأة إذا ملكت زوجها حرمت عليه، وانفسخ نكاحها؛ لأن الله جعل ملك يمين المرأة في عداد محارمها. انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 443، 444.
2) دل مفهوم المخالفة لقوله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} على أن الطفل المميز تستتر عنه المرأة. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 567.
(4)
قال الشوكاني مبينا الدلالة: (وهكذا إذا كان النهى عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب). فتح القدير ج 4/ ص 23.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، وأبو السعود.
(1)
. وأشار إليه القنوجي
(2)
.
وهذا الاستنباط على أن المراد بالزينة غير مواضعها.
(3)
. أما على القول بأن المراد بالزينة في الآية مواقعها، وأنها من باب إطلاق اسم الحال على المحل؛ فإن حرمة النظر إلى المواقع تكون
(1)
انظر: الكشاف ج 3/ ص 235، وإرشاد العقل السليم ج 6/ ص 170.
(2)
ولم يصرح بعبارة الشوكاني: (وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى)، بل قال:(وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك، وهكذا إذا كان النهى عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح والاستثناء يكون من الجميع). انظر: فتح البيان ج 9/ ص 205.
(3)
ذكر الشنقيطي الأقوال في المراد بالزينة، فقال: وقد رأيت في النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها، كقول ابن مسعود رضي الله عنه، من وافقه إنها ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها، خارجة عن أصل خلقتها، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا، وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة ما تتزين به وليس من أصل خلقتها أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان. وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب يدل على أنه هو المراد في محل النزاع؛ لدلالة غلبة إرادته في القرءان بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان للذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها.
أما الأول منهما فبيانه أن قول من قال في معنى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أن المراد بالزينة الوجه والكفان مثلا توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها، كالحلي، والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال الزينة الظاهرة الوجه والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها، كقوله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ
…
لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} الأعراف: 31، وقوله تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)} الأعراف: 32،
…
فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى
…
وإذا عطلن فهن خير عواطل.
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين: فقال بعضهم هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة كالكحل والخطاب ونحو ذلك.
قال مقيده ــ عفا الله عنه وغفر له ــ أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي الله عنه أن الزينة الظاهرة هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها كما هو معلوم، والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي. أضواء البيان ج 4/ ص 101، 102.
بعبارة النص
(1)
، فلا يكون هذا استنباطا.
والأول -والله أعلم- أظهر؛ لأنه لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزينة الظاهرة، وهذا باطل؛ لأن كل بدن عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة، وتحمل الشهادة
(2)
.
وفي هذا الاستنباط حث على التستر والتصون. قال الزمخشري: (وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله؛ كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها، ويتقين الله في الكشف عنها)
(3)
.
158 - المرأة لا تُنكِح نفسها
(4)
.
قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى
(5)
مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)} النور: 32
قال الشوكاني رحمه الله: (والخطاب في الآية للأولياء. وقيل: للأزواج، والأول أرجح. وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها. وقد خالف في ذلك أبو حنيفة)
(6)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(7)
رحمه الله المرأة لا تُنْكِح نفسها، أي لابد من ولي
(8)
لها.
(1)
حكاه الآلوسي في روح المعاني ج 18/ ص 140.
(2)
انظر: روح المعاني ج 18/ ص 140.
(3)
الكشاف ج 3/ ص 235.
(4)
وهو استنباط فقهي.
(5)
قال ابن جزي: (الأيامى جمع أيم، ومعناه: الذين لا أزواج لهم، رجالا كانوا أو نساء، أبكارا أو ثيبات، والخطاب هنا للأولياء، والحكام). التسهيل لعلوم التنزيل ج 3/ ص 66.
(6)
فتح القدير ج 4/ ص 28.
(7)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن الأيامى من غير المسلمين ليسوا كذلك في الحكم، قال الشنقيطي:(ويفهم من دليل الخطاب أي مفهوم المخالفة في قوله: {مِنْكُمْ} أن الأيامى من غيركم أي: من غير المسلمين وهم الكفار ليسوا كذلك). أضواء البيان ج 4/ ص 110.
2) النكاح مجلبة للرزق. انظر: الإكليل ج 3/ ص 1030.
(8)
قال الشوكاني: (المراد بالولي هو الأقرب من العصبة من النسب، ثم من السبب، ثم من عصبته، وليس لذوي السهام، ولا لذوي الأرحام ولاية وهذا مذهب الجمهور). نيل الأوطار ج 6/ ص 251.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى في نكاح المرأة خاطب غيرها فقال: {وَأَنْكِحُوا} ولم يخاطبها؛ فدل خطابه للولي على أن المرأة لا تُنْكِح نفسها، بل لابد من ولي لها يُنكِحها.
قال القصاب: (حجة واضحة في أن ليس للبكر ولا للثيب أن تتزوج بغير أمر وليها؛ إذ لو كان لها ذلك ما أمر غيرها بإنكاحها)
(1)
.
وقال البيضاوي: والخطاب للأولياء والسادة، وفيه إشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به؛ إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى
(2)
.
وهو قول الشافعي، ومالك، وأكثر أهل العلم عليه.
قال السيوطي: (فاستدل به الشافعي على اعتبار الولي لأن الخطاب له)
(3)
. و قال ابن جزي: (وفي الآية دليل على عدم استقلال النساء بالإنكاح، واشتراط الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي خلافا لأبي حنيفة)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وإلكيا، والبغوي، وابن عطية، وابن الفرس، والقرطبي، والبيضاوي-كما تقدم-، وابن جزي، والقنوجي.
(5)
.
وهذا الاستنباط على أن الخطاب للأولياء. وهو الأرجح، قال ابن العربي:(في المراد بالخطاب بقوله: {وَأَنْكِحُوا} فقيل: هم الأزواج، وقيل: هم الأولياء من قريب أو سيد. والصحيح أنهم الأولياء؛ لأنه قال: أنكحوا بالهمزة، ولو أراد الأزواج لقال ذلك بغير همزة، وكانت الألف للوصل، وإن كان بالهمزة في الأزواج له وجه، فالظاهر أولى، فلا يعدل إلى غيره إلا بدليل)
(6)
.
وقال ابن الفرس: (والمخاطبون بهذه الآية في إنكاح الأيامى هم الأولياء. وقيل: كل أحد كان وليا أو مأذونا له. والأول أظهر؛ لأن المقصود من الخطاب ترك العضل والمنع، وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب. وعلى القولين ففي الآية دليل على عدم استقلال المرأة بالإنكاح. واستدل بعضهم
(7)
على ذلك أيضا بما يعقب قوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} في قوله: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} قالوا: فكما لم يصح للعبد والأمة ولاية كذلك الأيامى المعطوف عليهما ذلك القول)
(8)
.
(1)
نكت القرآن ج 3/ ص 444.
(2)
انظر: أنوار التنزيل ج 4/ ص 184، 185.
(3)
الإكليل ج 3/ ص 1029.
(4)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 3/ ص 66.
(5)
انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 444، وأحكام القرآن ج 4/ ص 313، ومعالم التنزيل ج 3/ ص 341، والمحرر الوجيز ص 1359، وأحكام القرآن ج 3/ ص 373، والجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 218، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 184، 185، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 3/ ص 66، وفتح البيان ج 9/ ص 213.
(6)
أحكام القرآن ج 3/ ص 277.
(7)
هم أصحاب الشافعي كما قال إلكيا في أحكام القرآن ج 4/ ص 313.
(8)
أحكام القرآن ج 3/ ص 373.
وممن خالف هذا الاستنباط أبو حنيفة فأجاز للبوالغ من الأبكار والثيبات الزواج بغير ولي. وخالف أيضا الجصاص فقال: (فإن قيل: هذا يدل على أن عقد النكاح إنما يليه الأولياء دون النساء، وأن عقودهن على أنفسهن غير جائزة؛ قيل له: ليس كذلك؛ لأن الآية لم تخص الأولياء بهذا الأمر دون غيرهم، وعمومه يقتضي ترغيب سائر الناس في العقد على الأيامى، ألا ترى أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء، وهو في الرجال لم يرد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء)
(1)
.
والأظهر-والله أعلم- ما ذكره الشوكاني؛ ويدل عليه:
أولا: حديث: "لا نكاح إلا بولي"
(2)
.
ثانيا: أنه قول الجمهور. قال البغوي: (وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة
(3)
ومن بعدهم)
(4)
.
ثالثا: أن الراجح في الخطاب بقوله: {وَأَنْكِحُوا} أنه للأولياء كما تقدم.
(1)
أحكام القرآن ج 5/ ص 178.
(2)
أخرجه ابن ماجه في كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، رقم: 1880، ج 1/ ص 605. وأبو داود في كتاب: النكاح، باب: في الولي، رقم: 2085، ج 2/ ص 229. والترمذي في كتاب: النكاح، باب: ما جاء "لا نكاح إلا بولي"، رقم: 1101، ج 3/ ص 407. وصححه ابن حبان، باب: الولي، رقم: 4075، ج 9/ ص 386، والحاكم في المستدرك، كتاب: النكاح، رقم: 2710، ج 2/ ص 184. وقال الترمذي: والعملُ في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي " عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله ابن عباس، وأبو هريرة رضي الله عنهم، وغيرهم، وهكذا رُوي عن بعض فقهاء التابعين أنهم يقولون:" لا نكاح إلا بولي"، منهم: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشُريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوري، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. انظر: سنن الترمذي ج 3/ ص 407.
(3)
تقدم ذكرهم في كلام الترمذي.
(4)
معالم التنزيل ج 3/ ص 341.
159 - المملوك
(1)
لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه
(2)
.
قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)} النور: 32
قال الشوكاني رحمه الله: (وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
رحمه الله أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى في نكاح العبيد ساداتهم فقال: {وَأَنْكِحُوا} ولم يخاطبهم؛ فدل خطابه للسادة على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه.
قال القصاب: ({وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} دليل على أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن سيدهما)
(4)
.
وقال البيضاوي: والخطاب للأولياء والسادة، وفيه إشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به؛ إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب -كما تقدم-، وابن العربي، والبيضاوي -كما تقدم- والقنوجي.
(6)
. وأشار إليه القرطبي
(7)
.
ونقل ابن العربي قولا مخالفا لأصحاب الشافعي ثم تعقبه بقوله: أما أن أصحاب الشافعي تعلقوا بأن العبد مكلف فلا يجبر على النكاح؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية، وإنما يتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة، فله حق المملوكية في بضع الأمة ليستوفيه ويملكه. فأما بضع العبد فلا حق له فيه؛ ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها. ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد، ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه إجماعا، والنكاح وبابه إنما هو من المصالح، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد هو يراها ويقيمها للعبد، ولذلك زوج الأمة بملكه لرقبتها لا باستيفائه لبضعها. والدليل على صحة ما نقوله من ذلك أنه لا يملك بضع امرأته وإن كان يملكها، ويملك بضع أخته من الرضاع أمة وإن كان لا يستوفيه، والمالكية في رقبة العبد كالمالكية في رقبة الأمة، والمصلحة في كل واحد منهما بيد السيد استيفاؤها وإقامتها
(7)
.
(1)
بيّن ابن العربي أن المقصود بعبادكم في الآية المملوكون، فقال: (فإن قيل: لو أراد المملوكين لقال من عبيدكم؛ قلنا عنه جوابان: أحدهما: أنه قال بعده: {وَإِمَائِكُمْ} ، ولو أراد الناس لما جاء بالهمزة كما تقدم، ولذلك قرأها الحسن: من عبيدكم، وليبين الإشكال، ويرفع اللبس.
الثاني: أن هذا اللفظ لو قدرناه كما زعموا لكان عاما، وكنا نحكم بعمومه فيمن كان حرا أو عبدا كما حكمنا بعمومه فيمن كانت أمة لله أو لأحد من خلقه بتمليكه إياها له). أحكام القرآن ج 3/ ص 279.
(2)
وهو استنباط فقهي.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 28.
(2)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) في الآية دليل على أن العبيد والإماء يملكون؛ لأن من لا يملك شيئا لا يقع عليه اسم غني. انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 450.
2) أن العبيد والإماء إن لم يكونوا صالحين كان تزويجهم آكد أمرا، وهذا من دلالة الفحوى، فيشمل غير الصالحين غير الأعفاء والعفائف من المماليك المسلمين. انظر: التحرير والتنوير ج 18/ ص 173.
(4)
نكت القرآن ج 3/ ص 447.
(5)
انظر: أنوار التنزيل ج 4/ ص 184، 185.
(6)
انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 447، وأحكام القرآن ج 3/ ص 278، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 184، 185، وفتح البيان ج 9/ ص 215.
(7)
الجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 219.
(8)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 278، 279.
لكن يجوز للمملوك تزويج نفسه إذا أمره سيده بذلك. قال الرازي: (ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه وإنما يجوز أن يتولى المولى تزويجه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه فيكون توليه بإذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد، فأما الإماء فلا شبهة في أن المولى يتولى تزويجهن خصوصا على قول من لا يجوز النكاح إلى بولي)
(1)
.
والمعنى المستنبط يؤيده مذهب مالك، وأكثر العلماء في أن السيد يجبر عبده وأمته على النكاح
(2)
.
160 - وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه
(3)
.
قال تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)} النور: 50
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء. والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله، أي: إلى حكمهما)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه.
ووجه الاستنباط: أن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى ذم من دُعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه فأبى بأقبح الذم، فقال:{أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)}
(5)
؛ فدل ذلك على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه، وأن من لم يجبه داخل في الذم.
(1)
التفسير الكبير ج 23/ ص 186.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 219، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 3/ ص 66.
(3)
وهو استنباط فقهي.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 45.
(5)
وقال تعالى قبلها: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)} النور: 48.
قال السيوطي: (فيها وجوب الحضور على من دعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع، واستحباب أن يقول: سمعنا وأطعنا)
(1)
.
وذكر الشوكاني أنه يشترط في ذلك أن لا يكون القاضي مقصرا لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة، ولا يعقل حجج الله ومعاني كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن كان جاهلا جهلا بسيطا وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلا مركبا وهو من لا علم عنده بما ذكر، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واطلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم، فاعتقاده باطل، فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه؛ لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والسيوطي-كما تقدم-، والقنوجي.
(3)
.
وهذا الاستنباط يشكل عليه أن الممتنعين عن قبول حكم الله ورسوله الذين ذمهم الله كان امتناعهم عن كفر ونفاق، فلا يصح القول بأن كل ممتنع يدخل في حكمهم. قال ابن عاشور:(ولا تعلق لهذه الآية بحكم من دعي إلى القاضي للخصومة فامتنع؛ لأن الذم والتوبيخ فيها كانا على امتناع ناشئ عن كفرهم ونفاقهم)
(4)
. إلا إن يكون سبب امتناعه الامتناع من قبول حكم الشرع فيعمه.
161 - الاستئذان في التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر جامع
(5)
إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة
(6)
.
(1)
الإكليل ج 3/ ص 1037.
(2)
انظر: فتح القدير ج 4/ ص 45.
(3)
انظر: أحكام القرآن ج 4/ ص 320، والجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 269، والإكليل ج 3/ ص 1037، وفتح البيان ج 9/ ص 249.
(4)
التحرير والتنوير ج 18/ ص 218.
(5)
المراد بالأمر الجامع ما للإمام من حاجة إلى تجمع الناس فيه لإذاعة مصلحة من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم، فهو يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل، ونحو ذلك. انظر: جامع البيان ج 17/ ص 385، والجامع لأحكام القرآن ج 12/ ص 293.
(6)
وهو استنباط فقهي أو عقدي لأنه في باب الطاعة ولزوم الجماعة، واستنباط في علوم القرآن من جهة معرفة مناسبة ختم الآية بما يناسبها.
قال الشوكاني رحمه الله: (ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم، وفيه إشارة إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(2)
رحمه الله أن الاستئذان في التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر جامع إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة.
وزاد القنوجي: (لأن اغتنام مجالسه أولى من الاستئذان)
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يأذن لمن شاء ممن استأذنوه؛ ثم عقب ذلك بأمره بأن يستغفر لهم؛ فدل بدلالة تأمل خواتم الآيات على أن في ختم الآية بالأمر بالاستغفار ما يشير إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة.
(1)
فتح القدير ج 4/ ص 58.
(2)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) استنبط القصاب من قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أن فيه حجة على المرجئة فيما يزعمون أن الأعمال ليست من الإيمان، وقد جعل الله استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان؛ إذ جعله في صفة الإيمان، ولم يشهد لهم به إلا معه. انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 502.
2) قال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة؛ لأن من السنة أن يكون لكل اجتماع إمام ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع، وقد أشارت مشروعية الإمامة إلى ذلك النظام، ومن السنة أن لا يجتمع جماعة إلا أمروا عليهم أميرا، فالذي يترأس الجمع هو قائم مقام ولي أمر المسلمين، فهو في مقام النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينصرف أحد عن اجتماعه إلا بعد أن يستأذنه؛ لأنه لو جعل أمر الانسلال لشهوة الحاضر لكان ذريعة لانفضاض الاجتماعات دون حصول الفائدة التي جمعت لأجلها، وكذلك الأدب أيضا في التخلف عن الاجتماع عند الدعوة إليه، كاجتماع المجالس النيابية والقضائية والدينية، أو التخلف عن ميقات الاجتماع المتفق عليه إلا لعذر واستئذان). التحرير والتنوير ج 18/ ص 247.
(3)
فتح البيان ج 9/ ص 273، 274.
قال إلكيا: ((وقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحل له أن يستغفر إلا لمن تكامل إيمانه؛ لأنه شرط فيه. ويحتمل أن يراد به أن من أذن له في مفارقة الجهاد لبعض شأنه يكون في الظاهر مقصرا أو متأخرا في الفضل عن غيره، فأمر الله تعالى نبيه أن يستغفر لهم؛ ليكون استغفاره جبرا لهذا النقص، فلا ينكسر عند ذلك قلب هذا المتأخر عن الجمع)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور.
(2)
.
وأشار الرازي إلى هذا الوجه، وإلى وجه آخر لذكر الاستغفار للمستأذنين، فقال: (وفي قوله: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ} وجهان:
أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيها على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن؛ لأن الاستغفار يدل على الذنب.
الثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان)
(3)
.
والمقصود من هذا الاستنباط التنبيه على أن الأحسن والأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب، ولا يستأذنوا فيه
(4)
. وأنه ينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم، يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم إلا بإذن
(5)
.
(1)
أحكام القرآن ج 4/ ص 325، 326.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 4/ ص 325، 326، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 203، وإرشاد العقل السليم ج 6/ ص 198، وروح المعاني ج 18/ ص 224، وفتح البيان ج 9/ ص 273، 274، والتحرير والتنوير ج 18/ ص 246، 247.
(3)
التفسير الكبير ج 24/ ص 35.
(4)
انظر: الكشاف ج 3/ ص 264.
(5)
انظر: مدارك التنزيل ج 3/ ص 230.
سورة الفرقان
162 - دفع الضر أهم من جلب النفع
(1)
.
قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)} الفرقان: 3
قال الشوكاني رحمه الله: (وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله قاعدة: أن دفع الضر أهم من جلب النفع
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أخبر عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء، لكنهم عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فكيف يملكون لعابديهم، فقدم ذكر الضر؛ فدل بدلالة التقديم على أن دفع الضر أهم من جلب النفع.
قال الآلوسي: (ولما كان دفع الضر أهم أفيد أولا عجزهم عنه)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(5)
.
ومما يستأنس به في تأييد هذا الاستنباط أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع
(6)
.
وقاعدة: درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكليّة "الضرر يزال"
(7)
، وذلك لأنه عند الموازنة بين المصلحة والمفسدة، ودفع الضرر وإزالته لابد من التعرض للموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض، وأيهما أولى بالتقديم دفعا وجلبا. ناهيك عن أن دفع المفسدة عبارة عن إزالة ضرر
(8)
.
(1)
وهو استنباط قاعدة فقهية فرعية مندرجة تحت القاعدة العامة (لا ضرر ولا ضرار).
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 61.
(3)
وقد تقدم مثل هذا الاستنباط عند الآية 76 من سورة المائدة.
(4)
روح المعاني ج 18/ ص 234.
(5)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 6/ ص 202، وروح المعاني ج 18/ ص 234، وفتح البيان ج 9/ ص 282.
(6)
ذكر الكرماني أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع. وحيث تقدم النفع على الضر تقدم لسابقة لفظ تضمن نفعا، وذلك في ثمانية مواضع، ثلاثة منها بلفظ الاسم وهي: الأعراف: 188، والرعد: 16، وسبأ:42. وخمسة بلفظ الفعل وهي في: الأنعام: 71، وآخر في يونس: 106، وفي الأنبياء: 66، والفرقان: 55، وفي الشعراء: 73. ثم بسط الكرماني القول في كل آية منها مبينا وجه تقديم النفع على الضر، ثم قال:(فتأمل فإنه برهان القرآن). أسرار التكرار ص 92، 93.
(7)
القواعد الخمس الكبرى هي: الأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، والضرر يزال أو لا ضرر و لا ضرار. راجع تفصيلاتها في كتاب: القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها للدكتور صالح السدلان.
(8)
انظر بحث: قاعدة "درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة": دراسة أصوليّة فقهيّة للدكتور حسن بن إبرهيم الهنداوي ص 3.
163 - انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر
(1)
.
قال تعالى: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان: 6
قال الشوكاني رحمه الله: (فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء؛ فلهذا عجزتم عن معارضته، ولم تأتوا بسورة منه. وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. والسر الغيب أي يعلم الغيب الكائن فيهما)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله من الآية انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى عن القرآن شبهة أن يكون مفترى، وأثبت أنه من عنده سبحانه قال:{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فخص السر دون غيره من الألفاظ، ودون ذكر الشهادة مع أنه سبحانه عالم بالغيب والشهادة؛ فدل ذلك التخصيص على انطواء القرآن على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر.
قال الآلوسي: (للإيذان بانطواء ما أنزله على أسرار مطوية عن عقول البشر)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي، والقنوجي، والهرري.
(4)
. وأشار إليه البيضاوي، وأبو السعود.
(5)
.
(1)
وهو استنباط عقدي لتعلقه بالنبوات، وفي علوم القرآن (لتعلقه بمناسبة لفظ السر). وهو استنباط بلاغي أيضا. قال القرطبي: وذكر السر دون الجهر لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم، ولو كان القرآن مأخوذا من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها، فليس مأخوذا منها. ولو كان مأخوذا من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضا كما تمكن محمد صلى الله عليه وسلم فهلا عارضوه! فبطل اعتراضهم من كل وجه. الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 7.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 62.
(3)
روح المعاني ج 18/ ص 236.
(4)
انظر: روح المعاني ج 18/ ص 236، وفتح البيان ج 9/ ص 284، وحدائق الروح والريحان ج 19/ ص 481.
(5)
انظر: أنوار التنزيل ج 4/ ص 207، وإرشاد العقل السليم ج 6/ ص 203.
164 - الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم
(1)
.
قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)} الفرقان: 58.
قال الشوكاني رحمه الله: (وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بالتوكل عليه خص اسمه الحي بالذكر دون غيره من الأسماء؛ فدل ذلك على أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم.
كما دل مفهوم المخالفة -مفهوم القيد- لقوله: {الَّذِي لَا يَمُوتُ} على أن الذي يموت لا يوثق به.
قال الآلوسي: ({وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} في الإغناء عن أجورهم، والاستكفاء عن شرورهم، وكأن العدول عن (وتوكل على الله) إلى ما في النظم الجليل؛ ليفيد بفحواه، أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة التوكل على غير المتصف بما ذكر من الحياة والبقاء، أما عدم صحة التوكل على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر، وأما عدم صحته على من لم يتصف بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(4)
. وأشار إليه محمد أبو زهرة
(5)
.
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 83، 84.
(3)
انظر: روح المعاني ج 19/ ص 37.
(4)
انظر: روح المعاني ج 19/ ص 37، وفتح البيان ج 9/ ص 327، وحدائق الروح والريحان ج 20/ ص 96.
(5)
انظر: زهرة التفاسير ص 5305.
سورة الشعراء
165 - قد يحصل الخوف مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء
(1)
.
قال تعالى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)} الشعراء: 14.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء.
ووجه الاستنباط: أن الله لم ينكر على موسى عليه السلام قوله: {فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)} ؛ فدل عدم تعقبه على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء.
قال القرطبي: (ودل على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(4)
.
والمقصود من هذا الاستنباط بيان أن الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان، ولا يزيله، ولا ينافي التوكل على الله.
وقد أشار السعدي إلى مثل هذا المعنى - فيما استنبطه من سورة القصص- فقال: (الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف)
(5)
.
(1)
وهو استنباط عقدي، وهو استنباط في علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 95.
(3)
الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 89.
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 89، وفتح البيان ج 9/ ص 367، وحدائق الروح والريحان ج 20/ ص 160.
(5)
تيسير الكريم الرحمن ص 618. ولعل الآية التي استنبط منها السعدي ما يتعلق بخوف موسى عليه السلام هي قوله تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)} [القصص: 21]، أو قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)} [القصص: 33]، أو هما معا.
166 - رعاية الأدب مع الرب سبحانه
(1)
.
قال تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)} الشعراء: 80.
قال الشوكاني رحمه الله: (وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله رعاية الأدب مع الرب سبحانه.
ووجه الاستنباط: أن إبراهيم عليه السلام أسند المرض إلى نفسه دون غيره من الأفعال المذكورة، والمرض وغيره من الله سبحانه؛ فدل بدلالة تغيير النظم، و بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام على رعاية الأدب مع الرب سبحانه.
(3)
.
قال أبو السعود: (ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى مع أنهما منه تعالى لمراعاة
حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام:{فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79]
(4)
، وقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا
…
أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82]
(5)
…
)
(6)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري.
(7)
.
والآية دالة بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على الأدب في الخطاب عموما.
قال الزركشي: (فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله، وأسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وليس من جنس النعم المتقدمة. وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا
…
وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب)
(8)
.
(1)
وهو استنباط تربوي.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 105.
(3)
وذكر السمرقندي، والرازي، والبيضاوي أوجها أخرى لتغيير النظم راجعها في بحر العلوم ج 2/ ص 557، والتفسير الكبير ج 24/ ص 125، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 242.
(4)
وتمامها: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
…
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)}.
(5)
وتمامها: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ
…
لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا
…
أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا
…
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)}.
(6)
إرشاد العقل السليم ج 6/ ص 249.
(7)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 103، وإرشاد العقل السليم ج 6/ ص 249، وروح المعاني ج 19/ ص 96، وفتح البيان ج 9/ ص 389، ومحاسن التأويل ج 7/ ص 460، وحدائق الروح والريحان ج 20/ ص 223.
(8)
البرهان في علوم القرآن ج 4/ ص 52، 53. وانظر: منهج الاستنباط من القرآن ص 344.
سورة النمل
167 - نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده
(1)
.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)} النمل: 15.
قال الشوكاني-رحمه الله: (وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها علي عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر أنه آتى داود عليه السلام، وسليمان عليه السلام علما أعقبه بأن ذكر أنهما حمدا الله الذي فضلهما على كثير من عباده المؤمنين؛ فدل ذلك على أنهما جعلا العلم أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم؛ فلزم من ذلك أن تكون نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده.
قال الرازي: (في الآية دليل على علو مرتبة العلم؛ لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما، فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم)
(4)
وقال المراغي: (وفي الآية إيماء إلى فضل العلم، وشرف أهله من حيث شكرا عليه، وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)}
(5)
[المجادلة: 11])
(6)
.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 129.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) يجوز للعالم أن يذكر مرتبته في العلم لفوائد شرعية ترجع إلى أن يحذر الناس من الاغترار بمن ليست له أهلية من أهل الدعوى الكاذبة. وهذا حكم يستنبط من الآية؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا. قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير ج 19/ ص 233.
2) يلزم العالم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمد الله عليها، وأن يعتقد أنه إن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. انظر: تفسير المراغي ج 19/ ص 127، وحدائق الروح والريحان ج 20/ ص 395.
(4)
التفسير الكبير ج 24/ ص 159.
(5)
(6)
تفسير المراغي ج 19/ ص 127.
وقال الهرري: (وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها علي عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة؛ لأنهم القوام بما بعثوا من أجله)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والبيضاوي، والقرطبي، وأبو السعود، والقنوجي، والمراغي، والهرري كما تقدم.
(2)
.
168 - عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده
(3)
.
قال تعالى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)} النمل: 21.
قال الشوكاني-رحمه الله: (وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب لا على قدر الجسد)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله أن عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده.
ووجه الاستنباط: أن سليمان عليه السلام توعد الهدهد لما تغيب بعقوبة
(6)
تناسب ذنبه، ولم يلتفت لصغر جسده؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده.
(1)
حدائق الروح والريحان ج 20/ ص 395.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 24/ ص 159، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 261، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 148، 149، وإرشاد العقل السليم ج 6/ ص 276، وفتح البيان ج 10/ ص 20، وتفسير المراغي ج 19/ ص 127، وحدائق الروح والريحان ج 20/ ص 395.
(3)
وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 132.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) استدل بها على أن الطير كانوا مكلفين؛ إذ لا يعاقب على ترك فعل إلا من كلف به. انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 3/ ص 349.
2) جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب عند تقصيرها في المشي، أو إسراعها، أو نحو ذلك. انظر: الإكليل ج 3/ ص 1069.
3) جواز نتف ريش الحيوان لمصلحة بناء على أن المراد بالتعذيب المذكور نتف ريشه. انظر: الإكليل ج 3/ ص 1070.
(6)
بأن ينتف ريشه كما ذكر ابن عباس رضي الله عنه، أو ريشه كله كما قال مجاهد، أو أن يحبسه مع أضداده، وقيل: أن يمنعه من خدمته. انظر: الدر المنثور ج 6/ ص 349، 350، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 263، وفتح القدير ج 4/ ص 132.
قال ابن العربي: (كان الهدهد صغير الجرم، ووُعد بالعذاب الشديد لعظيم الجرم. قال علماؤنا: وهذا يدل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي.
(2)
. وأشار إليه أبو حيان بقوله: (وفيه دليل على الإغلاظ على العاصين وعقابهم)
(3)
.
واستنبط ابن عاشور من الآية-بالقياس- جواز عقاب الجندي المخالف، فقال:(ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عين له من عمل أو تغيب عنه)
(4)
.
169 - على المرء البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه
(5)
.
قال تعالى: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)} النمل: 27.
قال الشوكاني رحمه الله: (والنظر هو التأمل والتصفح. وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه)
(6)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(7)
رحمه الله أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه.
ووجه الاستنباط: أن سليمان عليه السلام لما أخبره الهدهد بخبر سبأ وأهلها وملكتهم قال: {قَالَ سَنَنْظُرُ} فتروى وتحرى؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه.
(1)
أحكام القرآن ج 3/ ص 349. ثم قال: أَمَا إنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة على ما بيناه في أحكام استيفاء القصاص.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 349، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 162، وفتح البيان ج 10/ ص 29.
(3)
البحر المحيط ج 7/ ص 84.
(4)
التحرير والتنوير ج 19/ ص 243.
(5)
وهو استنباط فائدة علمية، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(6)
فتح القدير ج 4/ ص 136.
(7)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن على الوالي قبول عذر رعيته، ودرء العقوبة عنهم؛ لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه. انظر: أحكام القرآن لابن العربي ج 3/ ص 353، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 170، والإكليل ج 3/ ص 1070.
2) في الآية دليل على جواز إرسال الكتب إلى المشركين من الإمام لإبلاغ الدعوة والدعاء إلى الإسلام. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 171، وروح المعاني ج 19/ ص 193.
قال السيوطي: فيه امتحان الوالي صدق رعيته فيما اعتذروا به
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: السيوطي-كما تقدم-، والقنوجي.
(2)
.
وأشار إليه ابن العربي والقرطبي منبهين إلى أن على الإمام التحري إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة، فقال القرطبي: (في قوله: {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ
…
مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)} دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم
…
ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة كما فعل سليمان، فإنه لما قال الهدهد:{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)} [النمل: 23] لم يستفزه الطمع ولا استجره حب الزيادة في الملك إلى أن يعرض له حتى قال:
…
{وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: من الآية 24]
(3)
فغاظه حينئذ ما سمع، وطلب الانتهاء إلى ما أخبر، وتحصيل علم ما غاب عنه من ذلك؛ فقال: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ
…
مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)}
(4)
.
170 - من ذم علما من العلوم الشرعية، أو ذم علما هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم
(5)
.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84)} النمل: 84.
قال الشوكاني رحمه الله: ({حَتَّى إِذَا جَاءُوا} إلى موقف الحساب قال الله لهم توبيخا وتقريعا: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي} التي أنزلتها على رسلي، وأمرتهم بإبلاغها إليكم، والحال أنكم {وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} ، بل كذبتم بها بادئ بدء جاهلين لها، غير ناظرين فيها، ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا، وعنادا، وجرأة على الله وعلى رسله. وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذَّب بشيء ولم يحط به علما؛ فقد كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف، وسوء الفهم وقصور الإدراك. ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها وتعقل معانيها كعلوم اللغة العربية بأسرها،
…
وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله)
(6)
.
(1)
الإكليل ج 3/ ص 1070.
(2)
انظر: الإكليل ج 3/ ص 1070، وفتح البيان ج 10/ ص 37.
(3)
(4)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 353، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 170.
(5)
وهو استنباط فائدة علمية.
(6)
فتح القدير ج 4/ ص 154.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله من الآية أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم.
ووجه الاستنباط: أن الله ذم من كذب بآياته وزاد في ذمهم وتقريعهم ببيان أنهم كذبوا بما لم يحيطوا به علما، فتكذيبهم بها جاهلين لها غير ناظرين فيها ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة على أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(1)
.
وفي هذا الاستنباط حث على الإمساك عن الحديث فيما لا علم للمرء به، وأن على العاقل ألا يخوض فيما يجهل، وألا يحكم على مسألة قبل النظر والتأمل والبحث عن حقيقتها. كما فيه حث على النظر في العلوم النافعة الموصلة إلى الحق.
(1)
انظر: فتح البيان ج 10/ ص 75، وحدائق الروح والريحان ج 21/ ص 58.
سورة القصص
171 - كانت الإجارة
(1)
مشروعة عند أهل مدين
(2)
.
قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} القصص: 26.
قال الشوكاني رحمه الله: (أي: استأجره ليرعى لنا الغنم. وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة)
(3)
.
(1)
الإجارة: تمليك المنفعة بعوض. انظر: التعريفات للجرجاني ص 23، وأنيس الفقهاء للقونوي ص 259، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص 35.
والإجارة مجمع على جوازها كما في المغني، قال: الأصل في جواز الإجارة الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]. وقال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} .
وأما السنة فثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: ثلاثة أنه خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره". والأخبار في هذا كثيرة.
وأجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبد الرحمن- أي الأصم- أنه قال: لا يجوز ذلك لأنه غرر، يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسار في الأمصار، والعبرة أيضا دالة عليها فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانها وحملهم تطوعا، وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر، ولا يمكن كل أحد عمل ذلك ولا يجد متطوعا به فلا بد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله طريقا للرزق، حتى أن أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه مع ما ذكرنا من الحاجة. انظر: المغني ج 5/ ص 250.
(2)
وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 169.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله أن الإجارة كانت عند أهل مدين مشروعة.
ووجه الاستنباط: أن إحدى المرأتين -من أهل مدين- اللتين سقى لهما موسى عليه السلام سألت والدها أن يستأجر موسى عليه السلام؛ فدل ذلك على أن الإجارة كانت عند أهل مدين مشروعة.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي.
(2)
.
172 - مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام كما ثبت من عرض عمر رضي الله عنه لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم، والقصة معروفة
(4)
…
)
(5)
.
(1)
واستنبط القصاب أن ظاهر عمل الطاعة في الإنسان يستدل به على عدالته وأمانته. انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 556.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 360، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 241، والبحر المحيط ج 7/ ص 149، والإكليل ج 3/ ص 1078، وفتح البيان ج 10/ ص 108.
(3)
وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(4)
يعني حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: "أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا، قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها". أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير، رقم: 4830، ج 5/ ص 1968.
(5)
فتح القدير ج 4/ ص 169.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل.
ووجه الاستنباط: أن والد المرأتين اللتين سقى لهما موسى عليه السلام عرض على موسى عليه السلام أن يزوجه إحدى ابنتيه؛ فدل هذا بدلالة شرع من قبلنا شرع لنا، أو بدلالة أن الله تعالى أقر هذا الفعل ولم يرده على مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل.
يعني الرجل الصالح رغبة في صلاحه، قال ابن عاشور:(وفيه جواز عرض الرجل مولاته على من يتزوجها رغبة في صلاحه)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي، وابن عاشور.
(3)
.
وهذا الاستنباط صحيح. ويؤيده ما جاء في شرعنا من فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تأيمت حفصة بنت عمر فعرضها على عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، ثم عرضها على أبي بكر رضي الله عنه فصمت ولم يرجع إلى عمر شيئا لما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها
(4)
.
173 - للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء
(5)
.
(1)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) جواز النكاح بالإجارة؛ بدلالة الاقتداء بفعل موسى عليه السلام. انظر: بحر العلوم ج 2/ ص 605، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 3/ ص 105، ومنهج الاستنباط من القرآن ص 250.
2) في هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الولي لاحظ للمرأة فيه؛ لأن صالح مدين تولاه بنفسه. انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 561، الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 241.
3) على أن الرجل الصالح ينبغي أن يحسن خلقه مهما أمكنه، وأن الذي يطلب منه أبلغ من غيره. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 615.
وذكر السيوطي في الإكليل ج 3/ ص 1078 جملة من الاستنباطات.
(2)
التحرير والتنوير ج 20/ ص 44.
(3)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 361، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 241، والبحر المحيط ج 7/ ص 149، والإكليل ج 3/ ص 1078، وفتح البيان ج 10/ ص 108، والتحرير والتنوير ج 20/ ص 44.
(4)
تقدم نص الحديث بتمامه مع تخريجه في أول هذا الاستنباط.
(5)
وهو استنباط فقهي، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).
قال الشوكاني رحمه الله: (وسار بأهله إلى مصر، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء)
(1)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء.
ووجه الاستنباط: أن موسى لما قضى الأجل سار بأهله من مدين إلى مصر؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، والقنوجي.
(2)
.
وخالف الجصاص، فقال:(وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} فلما يستدل به بعضهم على أن للزوج أن يسافر بامرأته وينقلها إلى بلد آخر، ويفرق بينها وبين أبويها، ولا دلالة فيه عندي على ذلك؛ لأنه جائز أن يكون فعل برضاها)
(3)
.
والأظهر -والله أعلم- أنه يجوز للرجل أن يسافر بأهله إلى ما يجوز السفر إليه، إلا إن اشترطت عليه عند العقد ألا ينقلها من بلدها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"
(4)
.
قال القرطبي: (فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء لما له عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرا فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج)
(5)
.
(1)
فتح القدير ج 4/ ص 169.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 375، والجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 250، وفتح البيان ج 10/ ص 112.
(3)
أحكام القرآن ج 5/ ص 216.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: الشروط في النكاح، رقم: 4856، ج 5/ ص 1978. ومسلم في كتاب: النكاح، باب: الوفاء بالشروط في النكاح، رقم: 1418، ج 2/ ص 1035.
(5)
الجامع لأحكام القرآن ج 13/ ص 250.
سورة العنكبوت
174 - النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل
(1)
.
قال تعالى: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)} العنكبوت: 59 - 60.
قال الشوكاني رحمه الله: (ثم وصف هؤلاء العاملين فقال: {الَّذِينَ صَبَرُوا} على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب. فقال:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} ومعنى لا تحمل رزقها: لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم، فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على من صبر وتوكل عليه، ثم ذكر عقب ذلك حال الدواب التي لا تدخر شيئاً لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم، والمقصود بيان أنهم أولى بالتوكل على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل.
قال ابن عادل: (لما ذكر الله {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)} ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئاً لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم)
(3)
.
وقال ابن عاشور: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)} عطف على جملة: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت: من الآية 57]
(4)
فإن الله لما هون بها أمر الموت في مرضاة الله، وكانوا ممن لا يعبأ بالموت علم أنهم يقولون في أنفسهم: إنا لا نخاف الموت، ولكنا نخاف الفقر والضيعة. واستخفاف العرب بالموت سجية فيهم كما أن خشية المعرة من سجاياهم كما بيناه عند قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: من الآية 31]
(5)
فأعقب ذلك بأن ذكرهم بأن رزقهم على الله وأنه لا يضيعهم. وضرب لهم المثل برزق الدواب، وللمناسبة في قوله تعالى:{إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت: من الآية 56]
(6)
من توقع الذين يهاجرون من مكة أن لا يجدوا رزقا في البلاد التي يهاجرون إليها، وهو أيضا مناسب لوقوعه عقب ذكر التوكل في قوله:{وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)}
(7)
.
(1)
وهو استنباط تربوي سلوكي. وهو استنباط في علوم القرآن أيضا (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 211.
(3)
اللباب في علوم الكتاب ج 15/ ص 372.
(4)
وتمامها: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57)}
(5)
(6)
وتمامها: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)}
(7)
انظر: التحرير والتنوير ج/ ص 196، 197.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم- والهرري.
(1)
.
(1)
انظر: اللباب في علوم الكتاب ج 15/ ص 372، وفتح البيان ج 10/ ص 213، والتحرير والتنوير ج/ ص 196، 197، وحدائق الروح والريحان ج 22/ ص 35.
سورة الروم
175 - مشروعية الجمع بين الحمد التسبيح
(1)
.
قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} الروم: 17 - 18.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجملة: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الحجر: من الآية 98]
(2)
، و {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: من الآية 30]
(3)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله مشروعية الجمع بين الحمد والتسبيح.
ووجه الاستنباط: أنه ذُكِر الحمد في أثناء الحديث عن التسبيح وأوقاته، فاعتُرض بذكر الحمد بين أوقات التسبيح المعطوفة؛ فدل هذا الاعتراض
(6)
على مشروعية الجمع بين الحمد والتسبيح.
(1)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(2)
وتمامها: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)} . ومثلها قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} [النصر: 3].
(3)
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 218، 219.
(5)
واستنبط غيره من الآية أن في هذه الآية تنبيها على الصلوات الخمس. فتمسون يعني صلاة الغرب والعشاء، وتصبحون يعني صلاة الفجر، وعشيا يعني صلاة العصر، وتظهرون على معنى التقديم والتأخير أي صلاة الظهر. انظر: بحر العلوم ج 3/ ص 7.
(6)
وذكر الرازي وجها آخر للاعتراض بالحمد فقال: (وقوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} كلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفيه لطيفة: وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه بين لهم أن تسبيحهم الله لنفعهم لا لنفع يعود على الله، فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه، وهذا كما في قوله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: من الآية 17]). التفسير الكبير ج 25/ ص 94.
قال أبو السعود: (وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه، والإشعار بأن حقهما أن يجمع بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى:{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} ، وقوله تعالى:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"
(1)
، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه"
(2)
، وقوله صلى الله عليه وسلم:"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"
(3)
، وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات والأحاديث)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، والهرري
(5)
. وأشار إليه ابن كثير.
(6)
.
وهذا الاستنباط على أن التسبيح في الآية هو على ظاهره من تنزيه الله تعالى، وهو الأظهر والله تعالى أعلم، وبه قال الزمخشري، والرازي، وابن كثير، والآلوسي، والهرري
(7)
.
قال الآلوسي: (واختار الإمام الرازي حمل التسبيح على التنزيه، فقال: إنه أقوى، والمصير إليه أولى
…
وأنا بالإمام أقتدي في دعوى أولوية الحمل على الظاهر)
(8)
.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح، رقم: 6042، ج 5/ ص 2352. وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم: 2691، ج 4/ ص 2071.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم: 2692، ج 4/ ص 2071.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا قال: والله لا أتكلم اليوم، فصلى، أو قرأ، أو سبح، أو كبر، أو حمد، أو هلل؛ فهو على نيته، رقم: 6304، ج 6/ ص 2459. وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم: 2694، ج 4/ ص 2072.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 7/ ص 54.
(5)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 7/ ص 54، وفتح البيان ج 10/ ص 234، وحدائق الروح والريحان ج 22/ ص 96.
(6)
انظر: تفسير القرآن العظيم ج 6/ ص 86، 87.
(7)
انظر: الكشاف ج 3/ ص 477، والتفسير الكبير ج 25/ ص 92، وتفسير القرآن العظيم ج 6/ ص 86، 87، وروح المعاني ج 21/ ص 28، حدائق الروح والريحان ج 22/ ص 95.
(8)
روح المعاني ج 21/ ص 28.
وقال أيضا: (والمراد بالتسبيح والحمد ظاهرهما على ما ذهب إليه جمع من الأجلة)
(1)
.
وقال الهرري: (والتسبيح محمول على حقيقته وظاهره الذي هو تنزيه الله تعالى عن السوء، والثناء عليه بالخير)
(2)
.
(1)
المصدر السابق ج 21/ ص 28.
(2)
حدائق الروح والريحان ج 22/ ص 95.
سورة السجدة
176 - تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم فحسب بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (والباء في {بِمَا نَسِيتُمْ} للسببية. وفيه إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدم بل بذاك وهذا)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر أنه حق القول منه بمعاقبة الكافرين بالنار قال: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ} فجعل سبب العذاب فعلهم؛ فدل ذكر سبب تعذيب الكفار بعد أن أعلمهم أنه عز وجل قضى بتعذيبهم بدلالة الربط بين الآيتين على أن تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب.
قال أبو السعود: (والباء في قوله تعالى: {بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} للإيذان بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق الوعيد به فقط، بل هو وسبق الوعيد أيضا بسبب موجب له من قبلهم)
(4)
.
وقال الهرري: (والباء في قوله: {بِمَا نَسِيتُمْ} للسببية، أتى بها إشارة إلى أنه وإن سبق القول في حق التعذيب لكنه كان بسبب موجب من جانبهم أيضا؛ فإن الله قد علم منهم سوء الاختيار)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والبروسوي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري كما تقدم.
(6)
.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 252.
(3)
واستنبط الرازي مناسبة اختيار لفظ النسيان دون غيره، فقال:(فكأنه ظهر وعلم، ولما تركوه بعد الظهور ذكر بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين لأمر ظاهر، كمن ينكر أمرا كان قد علمه). التفسير الكبير ج 25/ ص 157. وبمثله قال البقاعي في نظم الدرر ج 6/ ص 56.
(4)
إرشاد العقل السليم ج 7/ ص 84.
(5)
حدائق الروح والريحان ج 22/ ص 350.
(6)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 7/ ص 84، وروح البيان ج 7/ ص 119، وفتح البيان ج 11/ ص 23،، ومحاسن التأويل ج 8/ ص 41، وحدائق الروح والريحان ج 22/ ص 350.
والمقصود من هذا الاستنباط التنبيه على أن العذاب مستحق بأسبابه.
قال السعدي - عند قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)} [البقرة: 24]-: (وفيه دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه وهو الكفر وأنواع المعاصي على اختلافها)
(1)
.
(1)
تيسير الكريم الرحمن ص 46.
سورة الأحزاب
177 - العدة حق للرجال
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}
…
ومعنى تعتدونها تستوفون عددها من: عددتُ الدراهم فأنا أعتدها. وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم كما يفيده {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} )
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله العدة حق للرجال.
ووجه الاستنباط: أن العدة في قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} أسندت في الآية للرجال؛ فدل ذلك على أن العدة حق لهم.
قال أبو حيان: (يدل على أن العدة حق الزوج فيها غالب، وإن كانت لا تسقط بإسقاطه لما فيه من حق الله تعالى)
(4)
. فإثبات هذا الحق للرجال لا يجيز إسقاطه بإسقاطهم له؛ لأن العدة حق لله تعالى.
وذكر ابن عاشور معنى كونها حقا لهم، فقال:(وجعلت العدة لهم، أي لأجلهم؛ لأن المقصد منها راجع إلى نفع الأزواج بحفظ أنسابهم، ولأنهم يملكون مراجعة الأزواج ما دمن في مدة العدة كما أشار إليه قوله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)}
(5)
[الطلاق: 1]، وقوله:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}
(6)
[البقرة: 228] ومع ذلك هي حق أوجبه الشرع، فلو رام الزوج إسقاط العدة عن المطلقة لم يكن له ذلك؛ لأن ما تتضمنه العدة من حفظ النسب مقصد من أصول مقاصد التشريع فلا يسقط بالإسقاط)
(7)
.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 290.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، ووجهه أنه رتب الطلاق على النكاح بكلمة ثم. انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 663، وأحكام القرآن للكيا ج 4/ ص 348، والإكليل ج 3/ ص 1112. ولابن الفرس تفصيل في هذه المسألة ذكره في أحكام القرآن ج 3/ ص 427.
2) جواز الطلاق؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين على وجه لم يلمهم عليه ولم يؤنبهم، مع تصدير الآية بخطاب المؤمنين. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 668.
3) من عدا غير المدخول بها من المفارقات من الزوجات بموت أو حياة عليهن العدة، ووجهه: مفهوم مخالفة لقيد {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} . انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 669.
(4)
البحر المحيط ج 7/ ص 319.
(5)
وتمامها: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ
…
حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)}.
(6)
وتمامها: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ
…
يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)}.
(7)
التحرير والتنوير ج 21/ ص 287.
وقد أشار القصاب لمقاصد العدة بقوله: (للمُطلِّق تحصين المدخول بها إلى انقضاء عدتها؛ لإضافة العدة إليهم، فعدة المطلقات الآن على ثلاثة معاني: تعبد، واستبراء، وحق المطلق في التحصين. وعدة الوفاة بعد الدخول كذلك. فإن كانت قبل الدخول خلا منها مضي الاستبراء، وبقي التعبد والتحصين؛ لئلا يلحق بالميت عار ريبة إن حدثت)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، وأبو حيان-كما تقدم قولهما-، وابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم-، والهرري.
(2)
.
178 - الإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر
(3)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وهكذا قيَّد المهاجرة في قوله: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله من الآية شرف الهجرة، وشرف من هاجر.
(1)
نكت القرآن ج 3/ ص 664.
(2)
انظر: نكت القرآن ج 3/ ص 664، والبحر المحيط ج 7/ ص 319، واللباب ج 15/ ص 567، وروح البيان ج 7/ ص 202، وفتح البيان ج 11/ ص 109، التحرير والتنوير ج 21/ ص 287، وحدائق الروح والريحان ج 23/ 72.
(3)
وهو استنباط فائدة علمية.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 291.
(5)
واستنبط القصاب جواز الخروج من تمام قصة قبل الفراغ منها، ثم الرجوع إلى إتمامها. ألا ترى أنه بدأ القصة بـ {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} إلى أن حال بين تمامها:{قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} ثم رجع إلى مخاطبته، فقال:{لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} . نكت القرآن ج 3/ ص 667.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أباح لنبيه صلى الله عليه وسلم نكاح بنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته، ثم قيد ذلك بالهجرة؛ فدل هذا التقييد على شرف الهجرة، وشرف من هاجر.
قال الهرري: (وتقييد البنات بكونها مهاجرات معه للإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري
(2)
. وأشار إليه ابن عاشور.
(3)
.
وهذا الاستنباط على أن الهجرة في الآية على ظاهرها. قال ابن العربي: ({اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} وفيه قولان: أحدهما: أن معناه: لا يحل لك أن تنكح من بنات عمك وبنات عماتك إلا من أسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"
(4)
. الثاني: أن المعنى: لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة) إلى أن قال: (والمراد بقوله: {هَاجَرْنَ} خرجن إلى المدينة. وهذا أصح من الأول؛ لأن الهجرة عند الإطلاق هي الخروج من بلد الكفر إلى دار الإيمان، والأسماء إنما تحمل على عرفها، والهجرة في الشريعة أشهر من أن تحتاج إلى بيان أو تختص بدليل، وإنما يلزم ذلك لمن ادعى غيرها)
(5)
.
179 - جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد
(6)
.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} الأحزاب: 56
قال الشوكاني-رحمه الله: ({يُصَلُّونَ} وفيه تشريف للملائكة راجع إلى الله وإلى الملائكة عظيم، حيث جعل الضمير لهم ولله سبحانه واحدا، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم لما سمع قول الخطيب يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى؛ فقال:"بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله"
(7)
. ووجه ذلك أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد. وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وثبت أيضا في الصحيح:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مناديا ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية"
(8)
. ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين
(9)
ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحدا، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول صلى الله عليه وسلم. ويحمل الذم لذلك الخطيب الجامع بينهما على أنه صلى الله عليه وسلم فهم منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك. وهذا أحسن ما قيل في الجمع. وقالت طائفة: في هذه حذف، والتقدير: إن الله يصلي، وملائكته يصلون
(10)
، وعلى هذا القول فلا تكن الآية مما جمع فيه بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد)
(11)
.
(1)
حدائق الروح والريحان ج 23/ ص 78.
(2)
انظر: فتح البيان ج 11/ ص 112، وحدائق الروح والريحان ج 23/ ص 78.
(3)
انظر: التحرير والتنوير ج 21/ ص 291.
(4)
أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، رقم: 10، ج 1/ ص 13.
(5)
أحكام القرآن ج 3/ ص 447.
(6)
وهو استنباط عقدي ولغوي أيضا.
(7)
ولفظ الحديث عند مسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: "أن رجلا خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله". كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم: 870، ج 2/ ص 594.
(8)
ولفظ الحديث عند البخاري: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاءِ فقال: اختلفا الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: اختلفا الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم". كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، رقم: 3963، ج 4/ ص 1539. وأخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب: تحريم أكل لحم الحمر الأنسية، رقم: 1940، ج 3/ ص 1540.
(9)
انظر: فتح الباري ج 1/ ص 61، وشرح النووي على صحيح مسلم ج 6/ ص 159.
(10)
قال ابن الفرس: وقالت فرقة: ليس في الآية اجتماع ضمير، فالضمير للملائكة خاصة، تقديره: إن الله تعالى يصلي على محمد، وملائكته يصلون، ودل الظاهر من القول على ما ترك. واستدلوا بإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على رجل قال: ما شاء الله وشئت. انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 442.
(11)
فتح القدير ج 4/ ص 300.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} فجمع بين صلاته سبحانه على النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاة ملائكته في ضمير واحد؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن الفرس، والقرطبي، والقنوجي.
(1)
.
وقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار هذا الاستنباط، فبيَّن جواز التشريك بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في ضمير واحد. واستدل على ذلك بحديث:"أن يكون الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما"
(2)
. وبيَّن أن سبب إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على الخطيب أنه جمع بينهما في خطبة، والخطبة شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه، وإنما ثنى الضمير في قوله:"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم، فكل ما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها وإنما يراد الاتعاظ بها. أو أنه أنكر على ذلك الخطيب التشريك لأنه فهم منه اعتقاد التسوية، فنبهه على خلاف معتقده، وأمره بتقديم اسم الله تعالى على اسم رسوله ليعلم بذلك فساد ما اعتقده
(3)
.
وهذا الاستنباط إنما يصح على أن الضمير في قوله تعالى: {يُصَلُّونَ} راجع لله تعالى وملائكته. لكنه يحتاج إلى تقييده بأن يقال: التشريك جائز إلا فيما ورد في الشرع ذمه، والمنع منه
(4)
.
(1)
أحكام القرآن ج 3/ ص 442، والجامع لأحكام القرآن ج 14/ ص 206، وفتح البيان ج 11/ ص 134.
(2)
ولفظ الحديث عند البخاري: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". كتاب: الإيمان، باب: حلاوة الإيمان، رقم: 16، ج 1/ ص 14. وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم: 43، ج 1/ ص 66.
(3)
انظر: نيل الأوطار ج 3/ ص 325، 326. باب اشتمال الخطبة على حمد الله تعالى، والثناء على رسوله صلى الله عليه وسلم، والموعظة، والقراءة.
(4)
كقول: ما شاء الله وشئت. ففي حديث قتيلة بنت صيفي الجهني قالت: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنتم تشركون، قال: سبحان الله وما ذلكم؟ قال: تقولون إذا حلفتم بالكعبة، فأمهل النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: من حلف فليحلف برب الكعبة. ثم قال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء فلان، فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من قال ما شاء الله فليجعل بينهما ثم شئت". وفي رواية: "إن حبرا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا ما شاء الله ثم شئت، وقولوا ورب الكعبة. أخرجه أحمد في المسند برقم: 27138، ج 6/ ص 371. والحاكم في المستدرك برقم: 7815، ج 4/ ص 331. والبيهقي في السنن الكبرى، جماع أبواب آداب الخطبة، باب: كيف يستحب أن تكون الخطبة، رقم: 5602، ج 3/ ص 217. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج 1/ ص 263.
قال الألباني: قول الرجل لغيره: ما شاء الله وشئت يعد شركاً في الشريعة، وهو من شرك الألفاظ؛ لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب سبحانه وتعالى، وسببه القرن بين المشيئتين، ومثل ذلك قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعي العلم: مالي غير الله وأنت، وتوكلنا على الله وعليك، ومثله قول بعض المحاضرين: باسم الله والوطن، أو باسم الله والشعب، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها أدباً مع الله تبارك وتعالى. سلسلة الأحاديث الصحيحة ج 1/ ص 266.
مع التنبه إلى أن الفصل أولى. قال ابن الفرس: وقالت فرقة: بل الضمير لله تعالى وملائكته، وذلك جائز للبشر فعله، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على:"ومن يعصهما" وسكت
(1)
. إلى أن قال: وفي كتاب مسلم: "بئس الخطيب أنت"، وقَّفه وحمله على الأولى في فصل الضمير. "قل: ومن يعص الله ورسوله" احتمل هذا أن يكون لما خطأه في وقفه أصلح له بعد ذلك جميع كلامه؛ لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ضميره أولى لا محالة، فقال له: بئس الخطيب أنت لموضع وقفه، وحمله على الأولى في فصل الضمير، وإن كانا جميعا جائزين
(2)
.
180 - الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله
(3)
.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} الأحزاب: 58
قال الشوكاني-رحمه الله: ({وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} بوجه من وجوه الأذى، من قول، أو فعل. ومعنى: {بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} أنه لم يكن ذلك لسبب فعلوه يوجب عليهم الأذية ويستحقونها به. فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبه مما يوجب عليه حدا، أو تعزيرا، أو نحوهما فذلك حق أثبته الشرع، وأمر أمرنا الله به، وندبنا إليه. وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة، أو ضرب، فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على أي وجه كان، ما لم يجاوز ما شرعه الله)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى رتب على أذية المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا وعيدا شديدا، وعذابا مهينا، وقيده بقوله:{بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} ؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة، شرط ألا تجاوز ما شرعه الله. فإن تجاوزت كانت أذية بغير ما اكتسب. قال الرازي: فإن من جلد مائة على شرب الخمر آذى بغير ما اكتسب أيضا، ومن جلد على الزنا، أو حد الشرب، لم يؤذ بغير ما اكتسب، ويمكن أن يقال: لم يؤذ أصلا؛ لأن ذلك إصلاح حال المضروب
(5)
.
(1)
ولذا يذكر أهل فن الوقف والابتداء هذا الحديث في مقدمات كتبهم لتأصيل الوقف. انظر: القطع والائتناف للنحاس ص 28، ومنار الهدى للأشموني ص 18.
(2)
انظر: أحكام القرآن ج 3/ ص 442، 443.
(3)
وهو استنباط فقهي.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 303.
(5)
انظر: التفسير الكبير ج 25/ ص 198.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري.
(1)
.
وخالف ابن عاشور في كون للآية مفهوم، فقال: وليس المراد بالحال تقييد الحكم حتى يكون مفهومه جواز أذى المؤمنين والمؤمنات بما اكتسبوا، أي أن يُسبوا بعمل ذميم اكتسبوه؛ لأن الجزاء على ذلك ليس موكولا لعموم الناس، ولكنه موكول إلى ولاة الأمور كما قال تعالى:{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)} [النساء: 16]
(2)
.
ويمكن الجمع بين القولين بأن للآية مفهوما دالا على أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تتجاوز ما شرعه الله. ولا يلزم من القول بصحة هذا الاستنباط أن يفتئت الناس على ولي الأمر في أخذ حقوقهم، ومجازاة من ظلمهم فيما هو من شأن ولي الأمر، وأما ما دون ذلك فجائز لهم شرط ألا يكون فيه عدوان.
وقد قال الشوكاني في آخر استنباطه (ما لم يجاوز ما شرعه الله) وهذا الشرط يتضمن ما ذكره ابن عاشور؛ فإن عموم الناس إن جازَوا فيما هو من حق ولي الأمر كان ذلك مجاوزة للشرع.
والإيذاء في بعض المواضع حق، ولذا جاء هذا القيد هنا ولم يُذكر في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)} [الأحزاب: 57].
قال الزمخشري: (وأطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا، وأما أذى المؤمنين والمؤمنات فمنه، ومنه)
(3)
.
181 - الزجر عن التقليد
(4)
.
قال تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67)} الأحزاب: 67.
قال الشوكاني-رحمه الله: ({وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67)}
…
والمراد بالسادة والكبراء هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم. وفي هذا زجر عن التقليد شديد. وكم في الكتاب العزيز من التنبيه علي هذا، والتحذير منه، والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله، ويقتدي به، وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم، ومزيد البلادة، وشدة التعصب)
(5)
.
(1)
انظر: فتح البيان ج 11/ ص 142، وحدائق الروح والريحان ج 23/ ص 134.
(2)
انظر: التحرير والتنوير ج 21/ ص 327.
(3)
الكشاف ج 3/ ص 569.
(4)
وهو استنباط أصولي.
(5)
فتح القدير ج 4/ ص 306.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله الزجر عن التقليد.
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن أهل النار يتحسرون ويندمون قائلين: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا} يعني بدل طاعة الله تعالى أطعنا السادة، وبدل طاعة الرسول أطعنا الكبراء، وتركنا طاعة سيد السادات وأكبر الأكابر، فبُدلنا الخير بالشر فلا جرم فاتنا خير الجنان، وأوتينا شر النيران
(2)
، فمقولتهم هذه دالة على أن الذي صَّيرهم إلى النار التقليد المخالف لأمر الله ورسله؛ فدل ذكر ذنبهم -التقليد- الذي أوردهم النار على الزجر عن التقليد.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي.
(3)
.
(1)
تقدم مثل هذا الاستنباط في السور: البقرة: 22 (فتح القدير ج 1/ ص 50)، والبقرة: 170 (ج 1/ ص 167)، والأنفال: 24 (ج 2/ ص 299)، والتوبة: 31 (ج 2/ ص 353). وانظر أيضا: الزخرف: 22 (ج 4/ ص 552، 553).
(2)
عبارته مستفادة من التفسير الكبير ج 25/ ص 200.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 14/ ص 222، وفتح البيان ج 11/ ص 150.
سورة فاطر
182 - سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة
(1)
.
قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)} فاطر: 33.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال:{يُحَلَّوْنَ فِيهَا} أشار أن دخولهم على وجه السرعة)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر دخول أهل الجنة إلى الجنة
(4)
ذكر أن تحليتهم تكون في الجنة لا خارجها؛ لأن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير لدخولهم؛ فدل ذلك على سرعة دخولهم إلى الجنة.
(1)
وهو استنباط في الرقائق، واستنباط عقدي لتعلقه بذكر الجنة.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 350.
(3)
واستنبط غيره أن في الآية تنبيها على أن دخول الجنة لا باستحقاق بل بفضله سبحانه، وليس في الفضل تميز فيما يتعلق بالنعمة دون ما يتعلق بالمنعم. وهذا على أن الأصناف الثلاثة كلهم مؤمنون يدخلون الجنة. انظر: حدائق الروح والريحان ج 23/ ص 417.
(4)
رجح ابن جرير الطبري أن يكون مرجع الضمير في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} [فاطر: 32] عائدا على الأصناف الثلاثة، قال: فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته، وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله:{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} ، فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة. فإن قال قائل: فإن قوله: {يَدْخُلُونَهَا} إنما عني به المقتصد والسابق؛ قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل، فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد؛ قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا وظلمه نفسه فيها بالنار، أو بما شاء من عقابه، ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله:{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} . انظر: جامع البيان ج 19/ ص 374، 375.
وقال ابن عطية: (واختلف الناس في عود الضمير من قوله: {فَمِنْهُمْ}، فقال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم ما مقتضاه أن الضمير عائد على {الَّذِينَ}، والأصناف الثلاثة هي كلها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فالظالم لنفسه العاصي المسرف، والمقتصد متقي الكبائر وهو الجمهور من الأمة، والسابق المتقي على الإطلاق. وقالت هذه الفرقة: والأصناف الثلاثة في الجنة، وقاله أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، والضمير في {يَدْخُلُونَهَا} عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة رضي الله عنهم: دخلوا الجنة كلهم). المحرر الوجيز 1552. ونبه ابن جزي إلى أن الزمخشري قال: إن الضمير يعود على السابق خاصة، وذلك على قول المعتزلة في الوعيد. انظر: التسهيل لعلوم التنزيل ج 3/ ص 159.
قال الرازي: (قوله: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} إشارة إلى سرعة الدخول، فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول، فقال يدخلونها وفيها تقع تحليتهم)
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري.
(2)
.
وفي هذا الاستنباط ما يؤكد سرعة إنجاز الله تعالى لعباده ما وعدهم إياه.
(1)
التفسير الكبير ج 26/ ص 24.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 26/ ص 24، واللباب ج 16/ ص 142، وفتح البيان ج 11/ ص 254، وحدائق الروح والريحان ج 23/ ص 417.
سورة يس
183 - الحب
(1)
معظم ما يؤكل، وأكثر ما يقوم به المعاش
(2)
.
قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} يس: 33.
قال الشوكاني رحمه الله: (قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} وهو ما يقتاتونه من الحبوب. وتقديم منه للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني- رحمه الله أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش.
ووجه الاستنباط: أن الآية جاء فيها تقديم منه على فعل الأكل؛ فدل ذلك بدلالة التقديم على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش.
قال الزمخشري: (وقوله: {حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش، ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط، ووقع الضر، وإذا فقد جاء الهلاك، ونزل البلاء)
(4)
.
وقال الرازي: (قال عن ذكر الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} وفي الأشجار والثمار قال: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ}
(5)
[يس: من الآية 35]؛ وذلك لأن الحب قوت لا بد منه فقال: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} أي: هم آكلوه، وأما الثمار ليست كذلك، فكأنه تعالى قال: إن كنا ما أخرجناها كانوا يبقون من غير أكل فأخرجناها ليأكلوها)
(6)
.
وقال ابن عثيمين: ({فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} دليل على سهولة تناول هذا الحب وعظم فائدته، وأنه حب نافع سهل التناول؛ لأنه لو كان صعبا لكانوا لا يستطيعون الأكل منه إلا بمشقة عظيمة؛ ولهذا قال:{فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} قدم المعمول لإفادة الحصر، لكنه حصر إضافي لسهولته، كأنه لا أكل لهم إلا من هذا السهل المتيسر)
(7)
.
(1)
الحب هو القمح، والحنطة، والشعير وما أشبه هذا. انظر: تفسير القرآن العزيز ج 4/ ص 376.
(2)
وهو استنباط عقدي لتعلقه بإثبات الربوبية.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 368.
(4)
الكشاف ج 4/ ص 17.
(5)
وتمام الآية: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)} .
(6)
التفسير الكبير ج 26/ ص 58.
(7)
تفسير سورة يس ص 118، 119.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والبيضاوي، والرازي-كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، وابن عثيمين كما تقدم.
(1)
.
ويدل على صحة هذا المعنى أن الله تعالى امتن على عباده بالحب في قوله تعالى:
…
{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)} [الرحمن: 12]. وجاء الامتنان بالحب موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)} [ق: 9]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ
…
خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)} [الأنعام: 99]، وقوله تعالى:{فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27)} [عبس: 27] إلى غير ذلك من الآيات
(2)
.
(1)
انظر: الكشاف ج 4/ ص 17، وأنوار التنزيل ج 4/ ص 433، والتفسير الكبير ج 26/ ص 58، وإرشاد العقل السليم ج 7/ ص 166، وفتح البيان ج 11/ ص 289، وتفسير سورة يس ص 118، 119.
(2)
أضواء البيان ج 5/ ص 221.
سورة الصافات
184 - البشارة لإبراهيم عليه السلام ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما
(1)
.
قال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} الصافات: 101.
قال الشوكاني رحمه الله: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم
(2)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من الآية البشارة لإبراهيم عليه السلام ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بشر إبراهيم عليه السلام بغلام حليم؛ والصغير لا يوصف بالحلم؛ فدل ذلك بدلالة الالتزام على بقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما.
قال البغوي: (ففيه بشارة أنه نبي، وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البغوي-كما تقدم-، والقرطبي، وابن عادل، والقنوجي.
(6)
.
وهذا الاستنباط على أن الصغير لا يوصف بالحلم وهو الأظهر. أما على القول بأن الله بشره بغلام حليم يعني في صغره، عليم في كبره
(7)
فلا يصح هذا الاستنباط.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(2)
معاني القرآن وإعرابه ج 4/ ص 310.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 403.
(4)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) ما يدل على أن الغلام المبشر به هو إسماعيل عليه السلام، ووجه الاستنباط: أن الأب تظهر أخلاقه في أولاده، والعرب الذين هم بنو إسماعيل عليه السلام أحلم من بني إسرائيل الذين هم بنو إسحاق عليه السلام، فيكون الحليم المأمور بذبحه هو إسماعيل عليه السلام. انظر: الإشارات الإلهية ج 3/ ص 171.
2) تشرع بشارة من ولد له ولد به؛ لأن الله عبر عن إخباره إبراهيم بأنه سيولد له ولد بالبشارة. انظر: تفسير سورة الصافات لابن عثيمين ص 234.
(5)
معالم التنزيل ج 4/ ص 32.
(6)
انظر: معالم التنزيل ج 4/ ص 32، والجامع لأحكام القرآن ج 15/ ص 88، واللباب ج 16/ ص 330، وفتح البيان ج 11/ ص 406.
(7)
ذكره السمرقندي في بحر العلوم ج 3/ ص 139، والسمعاني في تفسيره ج 4/ ص 406. وذكر ابن عثيمين أن الموصوف بالحلم غير الموصوف بالعلم، فالموصوف بالحلم إسماعيل عليه السلام، والموصوف بالعلم إسحاق عليه السلام كما أفادت بذلك الآيات التي جاء في سياقها. انظر: تفسير سورة الصافات لابن عثيمين ص 225.
سورة الزمر
185 - تبشير المؤمنين بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم
(1)
.
قال تعالى: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35)} الزمر: 35
قال الشوكاني رحمه الله: ({لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم؛ لأن الله سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني- رحمه الله من الآية تبشير المؤمنين بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه يكفر عن المحسنين
(3)
أسوأ ما عملوه؛ فدل ذلك بدلالة مفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على أنه سبحانه يغفر لهم ما دونه، وهذه بشارة لهم بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو حيان، والقنوجي، وابن عاشور.
(4)
.
وهذا الاستنباط على أن أسوأ هنا أفعل تفضيل. قال أبو حيان: (والظاهر أن أسوأ هنا أفعل تفضيل وبه قرأ الجمهور، وإذا كفر أسوأ أعمالهم فتكفير ما هو دونه أحرى)
(5)
.
(1)
وهو استنباط في الرقائق.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 463.
(3)
الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34)} [الزمر: 33 - 34]. وهم كما ذكر الطبري: كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من بين رسل الله، وأتباعه، والمؤمنين به، والصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدِّق به المؤمنون بالقرآن من جميع خلق الله كائنا من كان من نبي الله وأتباعه؛ لأن الله تعالى ذكره لم يخص وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم. انظر: جامع البيان ج 20/ ص 206.
(4)
انظر: أنوار التنزيل ج 5/ ص 67، والبحر المحيط ج 7/ ص 571، وفتح البيان ج 12/ ص 116، والتحرير والتنوير ج 24/ ص 88.
(5)
البحر المحيط ج 7/ ص 571.
وقيل: أفعل ليس للتفضيل، بل من إضافة الشيء إلى بعضه للقصد إلى التحقيق والتوضيح من غير اعتبار تفضيله عليه، فيكون الأسوأ هنا أي: سيء الذي عملوا، فالزيادة المعتبرة فيهما ليست بطريق الحقيقة بل هي في الأول بالنظر إلى ما يليق بحالهم من استعظام سيئاتهم وإن قلت، واستصغار حسناتهم وإن جلت. والثاني بالنظر إلى لطف أكرم الأكرمين من استكثار الحسنة اليسيرة ومقابلتها بالمثوبات الكثيرة. وحمل الزيادة على الحقيقة وإن أمكن في الأول بناء على أن تخصيص الأسوأ بالذكر لبيان تكفير ما دونه بطريق الأولوية ضرورة استلزام تكفير الأسوأ لتكفير السيء، لكن لما لم يكن ذلك في الأحسن كان الأحسن نظمهما في سلك واحد من الاعتبار
(1)
. فعلى هذا القول لا يصح هذا الاستنباط.
والأول- والله أعلم- أظهر؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة أولى، ولفظ الأحسن لا يشكل عليه ما ذُكر إذ يمكن حمله على الحقيقة، ويكون المعنى كما قال أبو حيان:(والظاهر أن بأحسن أفعل تفضيل، فقيل: لينظر إلى أحسن طاعاته فيجزي الباقي في الجزاء على قياسه، وإن تخلف عنه بالتقصير. وقيل: بأحسن ثواب أعمالهم. وقيل: بأحسن من عملهم، وهو الجنة، وهذا ينبو عنه {بِأَحْسَنِ الَّذِي})
(2)
.
186 - نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط
(3)
.
قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
…
الرَّحِيمُ
…
(53)} الزمر: 53.
قال الشوكاني رحمه الله: (واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب)
(4)
.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 7/ ص 255، وروح المعاني ج 24/ ص 4. وقد أشار أبو حيان إلى قراءة شاذة دالة على هذا التأويل وهي قراءة ابن مقسم بألف بين الواو والهمزة جمع سوء، ولا تفضيل فيها. انظر: البحر المحيط ج 7/ ص 571.
(2)
البحر المحيط ج 7/ ص 571. والقول بالتفضيل تؤيده القراءة المتواترة.
(3)
وهو استنباط في الرقائق.
(4)
فتح القدير ج 4/ ص 470.
الدراسة:
استنبط الشوكاني- رحمه الله نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى المسرفين في المعاصي والذنوب عن القنوط من رحمة الله مع كثرة معاصيهم، وعظيم ذنوبهم؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط.
وهذا الاستنباط نقله القنوجي
(1)
.
وفي هذا الاستنباط تنبيه للمؤمنين على أن يتعلقوا بربهم، ويرجوا رحمته، وألا ييأسوا من روح الله صغرت ذنوبهم أو عظمت. ويدل على هذا المعنى المستنبط عموم قوله تعالى:{يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)} [يوسف: 87]، وقوله تعالى:{قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)} [الحجر: 56]؛ فإن اليأس والقنوط استصغار لسعة رحمة الله ومغفرته.
(1)
انظر: فتح البيان ج 12/ ص 130.
سورة غافر
187 - مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان
(1)
.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)} غافر: 13.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} يعني المطر فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتن على عباده بما فيه مصلحة أديانهم، بإظهار آياته للعباد، أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها. ثم امتن عليهم بما فيه مصلحة أبدانهم بإنزال المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه، وطعومه، وروائحه، وأشكاله، وألوانه وهو ماء واحد؛ فدل الجمع بين إظهار الآيات وإنزال المطر بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة الجمع بينهما أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان.
قال ابن عادل: (واعلم أن أهم المهمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فالله تعالى يراعي مصالح أديان العباد بإظهار البَيِّنات والآيات، وراعى مصالح العباد بأبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولها يحصل الإنعام الكامل)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(5)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 484.
(3)
واستنبط غيره من الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن فيه تنبيها على أن النعم كلها من الله، فمنه نعم الدين وهي المسائل الدينية، والأدلة عليها، وما يتبع ذلك من العمل بها، والنعم الدنيوية كلها، كالنعم الناشئة عن الغيث الذي تحيى به البلاد والعباد. انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 734.
(4)
اللباب ج 17/ ص 22.
(5)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 15/ ص 262، واللباب ج 17/ ص 22، وفتح البيان ج 12/ ص 169، وحدائق الروح والريحان ج 25/ ص 133، 134.
وفي هذا الاستنباط تنبيه على أهمية التوازن في حياة المسلم، فلا تعارض بين مراعاة مصالح البدن ومصالح الدين.
سورة الزخرف
188 - التنعم هو سبب إهمال النظر
(1)
.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)} الزخرف: 23.
قال الشوكاني رحمه الله: (وخصص المترفين تنبيها على أن التنعم هو سبب إهمال النظر)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني- رحمه الله أن التنعم هو سبب إهمال النظر.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر تكذيب الأمم بالرسل خص بالذكر المترفين من عموم المكذبين؛ فدل هذا التخصيص على أن التنعم هو سبب إهمال النظر.
قال أبو السعود: (وتخصيص المترفين بتلك المقالة للإيذان بأن التنعيم، وحب الإطالة هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري
(4)
.
وفي هذا الاستنباط تحذير من المبالغة في التنعم، والانغماس في ملذات الدنيا؛ فإنها دافعة إلى النفرة من لوازم الدين، داعية إلى كره الحق وإنكاره.
189 - بطلان التقليد وقبحه
(5)
.
قال تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ
…
(24)} الزخرف: 22 - 24.
قال الشوكاني رحمه الله: (وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)} أو بما يلاقى معناه معنى ذلك. فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الإسلامية، وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم وتعبد آباءكم من قبلكم إلا بكتابه الذي أنزله على رسوله، وبما صح عن رسوله فإنه المبين لكتاب الله، الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله:
(1)
وهو استنباط تربوي، وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 4/ ص 552.
(3)
حدائق الروح والريحان ج 26/ ص 213.
(4)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 8/ ص 44، وروح البيان ج 8/ ص 399، 400، وروح المعاني ج 25/ ص 75، وفتح البيان ج 12/ ص 339، ومحاسن التأويل ج 8/ ص 385، وحدائق الروح والريحان ج 26/ ص 213.
(5)
وهو استنباط أصولي.
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}
(1)
[النساء: 59] فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم، ودرج عليه آباؤكم نفروا نفور الوحوش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ
…
قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}
(2)
[النور: من الآية 51]، ولا قوله:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65] فإن قال لهم: القائل هذا العالم الذي تقتدون به، وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله وسنة رسوله، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل فذلك رخصة له لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجدوا الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح من سنة رسوله، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة، ولم يسلموا ذلك، ولا أذعنوا له. وقد وهب لهم الشيطان عصى يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله؛ وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر، وكثرة الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم، مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل لهم: إن في التابعين من هو أعظم قدرا، وأقدم عصرا من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر، وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصرا، وأجل قدرا، فإن أبيتم ذلك ففي الصحابة رضي الله عنهم من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا، وأجل خطرا، وأكثر أتباعا، وأقدم عصرا وهو محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم، ورسول الله إلينا وإليكم، فتعالوا فهذه سنته موجودة في دفاتر الإسلام ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ورازق الكل، وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم يلحقه تغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقص، ولا تحريف، ولا تصحيف، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا سمع ولا طاعة، إما بلسان المقال، أو بلسان الحال، فتدبر هذا وتأمله أن بقى فيك بقية من إنصاف، وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب التقليد)
(3)
.
(1)
وتمامها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ
…
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)}
(2)
وتمامها: {إِنَّمَا كَانَ
…
قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)}.
(3)
فتح القدير ج 4/ ص 552، 553.
الدراسة:
استنبط الشوكاني- رحمه الله بطلان التقليد وقبحه
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد.
قال الطوفي: (الآيات دلت على ذم التقليد، والمشهور المطابق لهذه الآية أنه متابعة الغير في قول أو فعل من غير دليل، بل لحسن ظن به، أو غلبة عادة وإلف)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الطوفي-كما تقدم-، والقنوجي.
(3)
.
وإنما جاز استنباط إبطال التقليد من هذه الآيات مع أنها في الكفار؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة الكفر والإيمان، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، فالتقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه.
قال ابن القيم: فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ولم يذم من قلد العلماء المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم، وذلك تقليد لهم، فقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
…
لَا تَعْلَمُونَ (43)}
(4)
[النحل: من الآية 43] وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم؛ فالجواب: أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف، والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله، وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه؛ فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور
…
والله تعالى قال: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}
(5)
[الإسراء: من الآية 36] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم
…
فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد وليس بمقلد، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده، وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب، وأنهم إذا كانوا إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على الهدى
…
وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها؛ كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه
(6)
.
(1)
تقدم مثل هذا الاستنباط في المواضع: البقرة: 22 (فتح القدير ج 1/ ص 50)، والبقرة: 170 (ج 1/ ص 167)، والأنفال: 24 (ج 2/ ص 299)، والتوبة: 31 (ج 2/ ص 353)، والأحزاب: 67 (ج 4/ ص 306).
(2)
الإشارات الإلهية ج 3/ ص 237، 238.
(3)
انظر: الإشارات الإلهية ج 3/ ص 237، 238، وفتح البيان ج 12/ ص 339 - 344.
(4)
وتمامها: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ
…
لَا تَعْلَمُونَ (43)}.
(5)
وتمامها: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ
…
عَنْهُ مَسْئُولًا (36)}.
(6)
انظر: إعلام الموقعين ج 2/ ص 188 - 190.
سورة الأحقاف
190 - حق الأم آكد من حق الأب
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (
…
وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب؛ لأنها حملته بمشقة، ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن حق الأم آكد من حق الأب.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصى بالوالدين إحسانا فذكرهما جميعا، ثم خص الأم بذكر ما لاقته من نصب الحمل، ومشقة الوضع، وتعب الإرضاع؛ فدل ذلك على أن حق الأم آكد من حق الأب.
قال ابن عادل: (دلت الآية على أن حق الأم أعظم؛ لأنه تعالى قال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} فذكرهما معاً، ثم خص الأُمَّ بالذكر فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} وذلك يدل على أن حقها أعظمُ، وأَنَّ وصول المشاقّ إليهما بسبب الولد كثيرة)
(4)
.
وهذا يستدعي الإحسان الزائد إليها، والبر بها.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 18.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ بدلالة التركيب بين هذه الآية وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)} [لقمان: 14]. انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 146، والإشارات الإلهية ج 3/ ص 249.
2) أجرة القابلة على المرأة؛ لإسناد الوضع إليها. انظر: أحكام القرآن لابن الفرس ج 3/ ص 479.
(4)
اللباب ج 17/ ص 394.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(1)
.
191 - ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي
مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)}
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله من الآية أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)} .
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري
(5)
. وأشار ابن كثير لمعنى قريب من هذا المعنى، فقال:(وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها)
(6)
.
(1)
انظر: اللباب ج 17/ ص 394، وفتح البيان ج 13/ ص 22، وحدائق الروح والريحان ج 27/ ص 48 - 50.
(2)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 18.
(4)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} أن فيها إشارة إلى أنه لا يمكن للعبد أن يعمل عملا يرضي ربه إلا بتوفيقه وإرشاده. انظر: حدائق الروح والريحان ج 27/ ص 53.
(5)
انظر: فتح البيان ج 13/ ص 23، وحدائق الروح والريحان ج 27/ ص 53.
(6)
تفسير القرآن العظيم ج 6/ ص 624.
192 - حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي
(1)
.
قال تعالى: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} الأحقاف: 31.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} وهو عذاب النار. وفي هذه الآية دليل على إن حكم الجن حكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي
(4)
.
ووجه الاستنباط: أن في الآية دعوة الجن للاستجابة إلى أمر الله، وترتيب ثواب وعقاب على ذلك؛ فدل على أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي.
قال الآلوسي: وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون
(5)
.
وقال ابن تيمية: (والجن مكلفون كتكليف الإنس. ومحمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين الجن والإنس، وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع المسلمين، وأما مؤمنهم ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة)
(6)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو حيان، وابن عادل، والآلوسي، والقنوجي، والهرري.
(7)
.
(1)
وهو استنباط عقدي لأن فيه الرد على المعتزلة وغيرهم.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 28.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن من لم يجب داعي الله من الجن ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره من عذاب أليم؛ ووجه: من مفهوم المخالفة للآية. انظر: أضواء البيان ج 5/ ص 46.
2) أن الجن لا يدخلون الجنة؛ ووجهه: مفهوم المخالفة لقوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} . انظر: أضواء البيان ج 5/ ص 46. قال الآلوسي: ولعل الاقتصار هنا على ما ذكر لما فيه من التذكير بالذنوب، والمقام مقام الإنذار، فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب. انظر: روح المعاني ج 26/ ص 32، 33.
(4)
تقدم مثل هذا الاستنباط في سورة الأنعام: 130، 132. وسيأتي مثله في سورة الرحمن:56.
(5)
روح المعاني ج 26/ ص 32.
(6)
مجموع الفتاوى ج 13/ ص 85.
(7)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 16/ ص 186، والبحر المحيط ج 8/ ص 95، واللباب ج 17/ ص 417، 418، وروح المعاني ج 26/ ص 32، 33، وفتح البيان ج 13/ ص 38، 39، وحدائق الروح والريحان ج 27/ ص 101.
سورة الفتح
193 - مناسبة تقديم إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم مع أن الأمر بالعكس
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس؛ للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن مناسبة تقديم إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم المسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم في الآية ذكر إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم مع أن مع أن الترتيب في الوجود على العكس من حيث إن التخلية قبل التحلية؛ فدل بدلالة التقديم على المسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري.
(3)
.
194 - المنافقون أشد عذابا من المشركين
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذابا، وأحق منهم بما وعدهم الله به)
(5)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن المنافقين أشد عذابا من المشركين.
ووجه الاستنباط: أن الله توعد المنافقين والمشركين، فقدم المنافقين في الذكر؛ فدل بدلالة التقديم على أن المنافقين أشد عذابا من المشركين؛ لأن المنافقين كانوا أشد ضررا على المؤمنين من الكافرين المجاهرين
(6)
؛ لأن الكافر يمكن أن يُحترز منه، ويُجاهد؛ لأنه عدو مبين، فيتوقي المؤمن من شره، والمنافق لا يمكن أن يُحترز منه، ولا يُجاهد؛ لأنه يُختلط؛ لظنه إيمانه فيفشي سره، فلهذا كان شره أكثر من شر الكافر، فكان تقديم المنافق بالذكر أولى.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 45.
(3)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 8/ ص 105، وروح البيان ج 9/ ص 14، وروح المعاني ج 26/ ص 93، وفتح البيان ج 13/ ص 90، وحدائق الروح والريحان ج 27/ ص 235.
(4)
وهو استنباط عقدي لتعلقه بالإيمان والوعد والوعيد.
(5)
فتح القدير ج 5/ ص 45.
(6)
قال الرازي: واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في الذكر في كثير من المواضع لأمور: أحدها: أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر؛ لأن المؤمن كان يتوقي المشرك المجاهر، وكان يخالط المنافق لظنه بإيمانه، وهو كان يفشي أسراره. ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق. التفسير الكبير ج 28/ ص 73. وانظر مثله في اللباب ج 17/ ص 484.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والقنوجي، والهرري.
(1)
.
195 - على العباد ذكر المشيئة في كل كلام
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} تعليق للعدة بالمشيئة؛ لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه، كما في قوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23، 24])
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله على العباد ذكر المشيئة في كل كلام.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى خاطب عباده بما يحب أن يقولوه
(5)
، فعلق أمرا متحقق الوقوع بالمشيئة؛ فدل هذا التعليق، وبدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على أن على العباد ذكر المشيئة في كل كلام.
(1)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 8/ ص 105، وروح البيان ج 9/ ص 15، وفتح البيان ج 13/ ص 91، وحدائق الروح والريحان ج 27/ ص 236.
(2)
وهو استنباط تربوي، وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 55.
(4)
واستنبط غيره أن في الآية حجة لمن يستثني في الإيمان ولا يكون شكا منه. انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 164.
(5)
وذكر القرطبي أوجها أخرى لذكر المشيئة في الآية، فقال: قال ابن كيسان: إنه حكاية ما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في منامه، خوطب في منامه بما جرت به العادة، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك، ولهذا استثنى تأدبا بأدب الله تعالى حيث قال تعالى:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} . وقيل: خاطب الله العباد بما يحب أن يقولون كما قال: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} . وقيل: استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، قاله ثعلب. وقيل: كان الله علم أنه يميت بعض هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية، فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسين بن الفضل. وقيل: الاستثناء من {آمِنِينَ} وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به العادة. وقيل: معنى إن {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} إن أمركم الله بالدخول. وقيل: أي: إن سهل الله. وقيل: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} أي: كما شاء الله. وقال أبو عبيدة: إن بمعنى إذ، أي: إذ شاء الله كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ
…
مُؤْمِنِينَ (278)} [البقرة: 278] أي: إذ كنتم. وفيه بعد؛ لأن إذ في الماضي من الفعل، وإذا في المستقبل، وهذا الدخول في المستقبل فوعدهم دخول المسجد الحرام وعلقه بشرط المشيئة، وذلك عام الحديبية فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا، ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه، فساءهم ذلك واشتد عليهم، وصالحهم ورجع، ثم أذن الله في العام المقبل فأنزل: الله {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} وإنما قيل له في المنام لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله، فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام، فليس هنا شك كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل على الشك، والله تعالى لا يشك، ولتدخلن تحقيق فكيف يكون شك فإن بمعنى إذا. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 16/ ص 246. وذكر الرازي أوجها أخرى في التفسير الكبير ج 28/ ص 91.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه دخول إن شاء الله في أخبار الله عز وجل؛ قلتُ: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليما لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته
(1)
.
وقال السيوطي: (فيه استحباب ذكر المشيئة في كل كلام)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: السمعاني، والزمخشري، والسيوطي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي.
(3)
.
(1)
انظر: الكشاف ج 4/ ص 347.
(2)
الإكليل ج 3/ 1191.
(3)
انظر: تفسير القرآن العزيز ج 5/ ص 208، والكشاف ج 4/ ص 347، والإكليل ج 3/ 1191، وإرشاد العقل السليم ج 8/ ص 113، وروح البيان ج 9/ ص 52، وروح المعاني ج 26/ ص 120 فتح البيان ج 13/ ص 117، ومحاسن التأويل ج 8/ ص 505.
سورة الذاريات
196 - مناسبة تخصيص القسم بالسماء المتصفة بالحبك
(1)
.
قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} الذاريات: 7 - 8.
قال الشوكاني رحمه الله: ({إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)} هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد صلى الله عليه وسلم بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن مناسبة تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أقسم على أن الكفار في قول مختلف متناقض في أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان قبلها أقسم بالسماء ذات الطرائق؛ فدل تخصيص القسم بالسماء المتصفة بالطرائق على أن المناسبة بين المقسم والمقسم عليه أن أقوالهم تشبه في اختلافها اختلاف طرائق السماء.
قال البيضاوي: (ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها، واختلاف غاياتها)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، والبقاعي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور.
(4)
. وضعَّفه أبو السعود
(5)
.
لكن الأظهر أنه ليس بضعيف، ويؤيده كون هذا الاستنباط يصح-والله أعلم- على جميع التفاسير لكلمة الحبك
(6)
، فقيل في معانيها: المقصود ذات الخلق الحسن المستوي، أو ذات الزينة، أو ذات النجوم، أو ذات الشدة. ويمكن أن ترجع لمعنى واحد، قال الشوكاني:(على أنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا-أي الطرائق-، وذلك بأن يقال: إن ما في السماء من الطرائق يصح أن يكون سببا لمزيد حسنها، واستواء خلقها، وحصول الزينة فيها، ومزيد القوة لها)
(7)
.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 83.
(3)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 235.
(4)
انظر: أنوار التنزيل ج 5/ ص 235، ونظم الدرر ج 7/ ص 272، 273، وروح المعاني ج 27/ ص 5، وفتح البيان ج 13/ ص 192، والتحرير والتنوير ج 27/ ص 9.
(5)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 8/ ص 137.
(6)
انظر هذه التفاسير في تفسير القرآن العظيم ج 7/ ص 27، 28، والجامع لأحكام القرآن ج 17/ ص 31، 32.
(7)
فتح القدير ج 5/ ص 83.
وقد بين الآلوسي أن هذا الاستنباط يصح على التفاسير السابقة، فقال:(ولعل النكتة في ذلك القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف هيئاتها، أو الإشارة إلى أنها ليست مستوية جيدة، أو ليست قوية محكمة، أو ليس فيها ما يزينها بل فيها ما يشينها من التناقض)
(1)
.
وفي هذا الاستنباط تنبيه على نوع هام من أنواع المناسبات هو التناسب والترابط بين المقسم به والمقسم عليه، إذ اختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف
(2)
.
وقد نبه إلى هذا النوع ابن القيم، كما اعتنى به ابن عاشور في تفسيره
(3)
.
قال ابن القيم -في سورة الضحى-: (فتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه. وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة، فهذان للحس، وهذان للعقل. وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم، لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي، بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم. فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها)
(4)
.
(1)
روح المعاني ج 27/ ص 5. وقلتُ: يصح هذا الاستنباط على جميع الأقول على اعتبار أن المناسبة هي التضاد بين أقوالهم وبين حال السماء من الشدة والجمال والقوة.
(2)
انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم ج 1/ ص 25.
(3)
انظر: أثر الدلالات اللغوية في التفسير عند الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير ص 561 - 563.
(4)
التبيان في أقسام القرآن ص 46.
سورة النجم
197 - مخاطبة قريش بأن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبهم إشارة إلى أنهم المطلعون على حقيقة حاله
(1)
.
قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)} النجم: 2.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي قوله: {صَاحِبُكُمْ} إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن مخاطبة قريش بأن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبهم إشارة إلى أنهم المطلعون على حقيقة حاله
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما خاطب قريش جاء بوصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صاحبهم، ولم يقل: رسولهم، أو رسول الله، أو محمد؛ فدل ذلك على مزيد تقبيحهم وذمهم على تكذيبه؛ فإنهم يعرفونه ويعرفون نسبه، وصدقه، وأمانته، فهو ليس غريبا عنهم بل نشأ فيهم، وكانوا يصفونه قبل البعثة بالأمين والصادق، فكيف يكذبونه بعد البعثة، ومقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه
(4)
.
قال الهرري: وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان صاحبيته لهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله، وإحاطتهم خبرا ببراءته صلى الله عليه وسلم مما نفي عنه بالكلية، واتصافه بغاية الهدى والرشاد؛ فإن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم محاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما، فسمي النبي صاحبهم تنبيها على أنكم صحبتموه، وجربتموه، وعرفتم ظاهره وباطنه، ولم تجدوا به خبلا ولا جنة
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي-كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، وابن عثيمين، والهرري.
(6)
.
وهذا الاستنباط يصح على أن معنى صاحبكم مصاحبكم، ولا يستقيم على تفسير صاحبكم بمعنى سيدكم
(7)
.
(1)
وهو استنباط عقدي لأنه فيه الاحتجاج عليهم بالرسالة.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 105.
(3)
واستنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)} في سورة التكوير. انظر: فتح القدير ج 5/ ص 391.
(4)
مستفاد من تفسير السور من الحجرات إلى الحديد لابن عثيمين ص 205، 206.
(5)
انظر: حدائق الروح والريحان ج 28/ ص 106.
(6)
انظر: نظم الدرر ج 18/ ص 313، وإرشاد العقل السليم ج 9/ ص 118، وفتح البيان ج 13/ ص 244، ومحاسن التأويل ج 9/ ص 58، والتحرير والتنوير ج 27/ ص 99، وتفسير السور من الحجرات إلى الحديد لابن عثيمين ص 205، 206، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 106.
(7)
قال الرازي: (وقوله: {صَاحِبُكُمْ} فيه وجهان: الأول: سيدكم، والآخر: مصاحبكم). التفسير الكبير ج 28/ ص 242. وانظر مثله في اللباب ج 18/ ص 157.
198 - اقتراف -مجتنب الكبائر- اللمم
(1)
من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجملة: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله اقتراف -مجتنب الكبائر- اللمم من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح المحسنين الذين يجتنبون الكبائر إلا اللمم من الذنوب، ثم ذكر بعد هذا سعة مغفرته؛ فدلت مناسبة ذكرها
(4)
على أن اقتراف مجتنب الكبائر
اللمم من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري.
(5)
.
(1)
أظهر الأقوال في معنى اللمم أن المراد به صغائر الذنوب. انظر: تفسير القرآن العظيم ج 7/ ص 71.
(2)
وهو استنباط في الرقائق.
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 113.
(4)
وذكر البقاعي مناسبة أخرى لقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} ، فقال: (ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت، فكان السامع يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل هذا، علل ذلك بقوله:{إِنَّ رَبَّكَ} أي: المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين، والتخفيف عن أمتك {وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} فهو يغفر الصغائر حقاً أوجبه على نفسه، ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره من الملوك، فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه اتباعه، ولو جاهد حتى تمكن من ذلك في وقت فسدت مملكته. انظر: نظم الدرر ج 18/ ص 328.
(5)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 8/ ص 162، وروح البيان ج 9/ ص 241، وروح المعاني ج 27/ ص 63، وفتح البيان ج 13/ ص 265، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 140.
199 - تسمية بعض النقم آلاء لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين
(1)
.
قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)} النجم: 55.
قال الشوكاني رحمه الله: (وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن وجه تسمية بعض النقم آلاء أنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)} في سياق التهديد، فإن الله تعالى قبلها قال:{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)} ، وقال بعدها:
{هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58)} ؛ فدل بدلالة الربط بين قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)} وما اتصل بها من آيات، أو بدلالة السياق
(3)
على أن تسمية بعض النقم آلاء أنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء هنا وذكر التهديد رابط يربطهما.
قال الزمخشري: (وقد عدد نعما ونقما، وسماها كلها آلاء من قِبَل ما في النقمة من المزاجر والمواعظ للمعتبرين)
(4)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(5)
.
ومما يؤيد المعنى المستنبط هنا أن ذكر الآلاء تكرر في سورة الرحمن بعد الشدائد، والتهديد، والتخويف، فتكرر قوله تعالى:{فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)} في مواطن التهديد والتخويف، ومن ذلك: قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)} [الرحمن: 31 - 32]، وقوله تعالى:{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)} [الرحمن: 33 - 34].
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 117.
(3)
لأن السباق، واللحاق تهديد، فذكر الآلاء بينهما دال على أن التهديد نعمة.
(4)
الكشاف ج 4/ ص 429.
(5)
انظر: الكشاف ج 4/ ص 429، وأنوار التنزيل ج 5/ ص 261، وإرشاد العقل السليم ج 8/ ص 165، وروح المعاني ج 27/ ص 71، وفتح البيان ج 13/ ص 278.
وقيل: إن التعبير بالآلاء هنا للتغليب، أي أن السورة ورد فيها ذكر نعم كثيرة. وهذا القول تعقبه الآلوسي بقوله:(وتعقب بأن المقام غير مناسب له)
(1)
أي أن السياق سياق تهديد، فما ذكره الشوكاني أولى.
(1)
وروح المعاني ج 27/ ص 71.
سورة القمر
200 - يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين
(1)
.
قال تعالى: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)} القمر: 8.
قال الشوكاني-رحمه الله: (وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أسند القول بأن يوم القيامة عسير إلى الكفار ولم يسنده للمؤمنين؛ فدل بمفهوم المخالفة على أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين، بل سهل يسير.
قال السعدي: (مفهوم ذلك أنه يسير سهل على المؤمنين)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي
(4)
، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي-كما تقدم-، والهرري
(5)
.
وفي هذا الاستنباط بشارة للمؤمنين، وتطمين لقوبهم.
201 - القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها
(6)
.
قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)} القمر: 40.
قال الشوكاني رحمه الله: (ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها)
(7)
.
(1)
وهو استنباط في الرقائق.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 122.
(3)
تيسير الكريم الرحمن ص 824.
(4)
وسماه الرازي فائدة، وهذا يدل على أن الاستنباط قد يسميه المفسرون فائدة. ونص كلام الرازي:({هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)} وفيه فائدتان:
إحداهما: تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب، كما قال تعالى:{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)} [المدثر: 9 - 10] يعني له عسر لا يسر معه.
ثانيتهما: هي أن الأمرين متفقان مشتركان بين المؤمن والكافر، فإن الخروج من الأجداث كأنهم جراد، والانقطاع إلى الداعي يكون للمؤمن فإنه يخاف ولا يأمن العذاب إلا بإيمان الله تعالى إياه، فيؤتيه الله الثواب، فيبقى الكافر فيقول:
{هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)} ). التفسير الكبير ج 29/ ص 31.
(5)
انظر: التفسير الكبير ج 29/ ص 31، وإرشاد العقل السليم ج 8/ ص 168، وروح المعاني ج 27/ ص 81، وفتح البيان ج 13/ ص 291، وتيسير الكريم الرحمن ص 824، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 205.
(6)
وهو استنباط عقدي لأن فيه بيان مصدر التشريع والاحتجاج له.
(7)
فتح القدير ج 5/ ص 127.
الدراسة:
استنبط الشوكاني رحمه الله أن القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40)} أي: متعظ بمواعظه، ومعتبر بعبره. وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه
(1)
. وقد تكررت هذه الآية في السورة أربع مرات
(2)
؛ فدل بدلالة التكرار على أن القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي. وزاد: (ولأن في كل قصة إشهارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ، وهذا حكم التكرير في قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)} [الرحمن: 13] عند كل نعمة عدها، وقوله:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19)} [المرسلات: 19] عند كل آية أوردها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها؛ لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان)
(3)
.
(1)
المصدر السابق ج 5/ ص 123.
(2)
الآيات: 17، 22، 32، 40.
(3)
انظر: فتح البيان ج 13/ ص 304. وانظر مثله في الكشاف ج 4/ ص 439، وأنوار التنزيل ج 5/ ص 269.
سورة الرحمن
202 - تهديد الله للمخالفين يعد من النعم؛ لأن به ينزجر المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا
(1)
.
قال تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)} الرحمن: 31 - 32.
قال الشوكاني رحمه الله: ({فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)} فإن من جملتها ما في هذا التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا؛ فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو النعيم في الحقيقة)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن تهديد المخالفين يعد من النعم؛ لأن به ينزجر المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد تهديده لمن خالف ذكر قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)} ؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيتين، أو بدلالة السياق
(4)
على أن تهديد المخالفين من النعم؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء وذكر التهديد رابط يربطهما.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري
(5)
.
وقد تكرر في السورة التنبيه على آلآء الله بعد الشدائد، ولذلك تكرر هذا الاستنباط، ومن ذلك قول الشوكاني - عند قوله تعالى:{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)} الرحمن: 33 - 34 - : ({فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)} ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد؛ فإنها تزيد المحسن إحسانا، وتكف المسيء عن إساءته، مع أن من حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة)
(6)
.
(7)
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 137.
(3)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31)} أن الجن مخاطبون، مكلفون، مأمورون، منهيّون، مثابون، معاقبون، كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم. انظر: اللباب ج 18/ ص 330، ووجهه: دلالة الالتزام للتهديد.
(4)
لأن السباق، واللحاق وهو قوله تعالى:{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)} [الرحمن: 33] تهديد، فذكر الآلاء بينهما دال على أن التهديد نعمة.
(5)
انظر: فتح البيان ج 13/ ص 329، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 290.
(6)
فتح القدير ج 5/ ص 137.
(7)
نقله القنوجي في فتح البيان ج 13/ ص 331، والهرري في حدائق الروح والريحان ج 28/ ص 293.
وقول البيضاوي: - عند قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36)} [الرحمن: 35 - 36]-: (فإن التهديد لطف، والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء)
(1)
.
203 - الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه
(2)
.
قال تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)} الرحمن: 56.
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه
(5)
.
ووجه الاستنباط: أن الله امتن على عباده المنعمين في الجنة بقاصرات الطرف اللاتي لم يطمثهن أنس ولا جان؛ فدل بدلالة الالتزام على أن في الجنة جنا، أي أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، والشنقيطي، وابن عثيمين، والهرري.
(6)
.
كما أيد الطوفي المعنى المستنبط -مع أنه ذكر أن دلالة الآية عليه ليست بالقوية- فقال: (فيه أن الجن يطمثون النساء، وربما أشعر هذا بأن مؤمنيهم في الجنة، وليست دلالته بالقوية على ذلك. والنصوص وردت بأن عصاتهم في النار، أما أن مؤمنيهم في الجنة فاختلف فيه، فقيل: نعم بالقياس على مؤمني الإنس بجامع الإيمان والطاعة، وقيل: لا لعدم النص فيه، ومثله لا يثبت بالقياس، فعلى هذا قيل: يصيرون ترابا أو يفنون بوجه من وجوه الفناء كالبهائم، وهو بعيد، والأشبه مشاركتهم في الرضوان لمشاركتهم في الإيمان)
(7)
.
(1)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 278.
(2)
وهو استنباط عقدي.
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 141.
(4)
واستنبط غيره من الآية فضل الأبكار على الثيب؛ إذ لا يصفهن ببراءتهن من الطمث إلا وقد فضلن على من طمثن. انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 210، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 319.
(5)
تقدم مثل هذا الاستنباط في سورتي الأنعام: 130، 132، و الأحقاف:31.
(6)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 17/ ص 156، وتفسير القرآن العظيم ج 7/ ص 116، واللباب ج 18/ ص 352، وروح البيان ج 9/ ص 306، وفتح البيان ج 13/ ص 342، وأضواء البيان ج 5/ ص 47، وتفسير السور من الحجرات إلى الحديد ص 321، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 319.
(7)
الإشارات الإلهية ج 3/ ص 312.
والصحيح أن هذه الآية مما يستأنس به في إثبات دخول الجن الجنة كما قال الشنقيطي: ويستأنس لهذا - أي دخول الجن الجنة- بقوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)} فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس
(1)
.
(1)
انظر: أضواء البيان ج 5/ ص 47.
سورة الحديد
204 - تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة
(1)
.
قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} الحديد: 1.
قال الشوكاني رحمه الله: (وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا كهذه الفاتحة، وفي بعضها مضارعا، وفي بعضها أمرا؛ للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة
(3)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي هنا، وفي قوله تعالى:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} [الحشر: 1]، وفي قوله تعالى:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} [الصف: 1]. وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)} [الجمعة: 1]، وفي قوله تعالى:{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [التغابن: 1]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} [الأعلى: 1]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال.
(4)
.
(1)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 165.
(3)
وسيأتي مثل هذا الاستنباط عند الآية الأولى من سورة الصف.
(4)
قال ابن عادل- عند قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
…
(1)} [الصف: 1]-: (فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قال في بعض السور: {سَبَّحَ لِلَّهِ} بلفظ الماضي، وفي بعضها: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر؟ فالجواب: أن الحكم في ذلك تعليم العبد أن تسبيح الله تعالى دائم لا ينقطع، كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال). اللباب ج 19/ ص 43.
وقول الشوكاني في هذا الاستنباط بينه عند قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
…
(1)} [الصف: 1]، فقال:(ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد)
(1)
.
قال الهرري: (وفيه تعليم عباده استمرار وجود التسبيح منهم في جميع الأزمنة والأوقات)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، والهرري.
(3)
.
205 - فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة
(4)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح؛ لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف. وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق؛ لما كانوا عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون ما يجودون به من الأموال، والجود بالنفس أقصى غاية الجود
(5)
(6)
.
(1)
فتح القدير ج 5/ ص 219.
(2)
حدائق الروح والريحان ج 28/ ص 433، 434.
(3)
انظر: اللباب ج 18/ ص 453، وروح البيان ج 9/ ص 344، وفتح البيان ج 13/ ص 394، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 433، 434.
(4)
وهو استنباط فقهي في بيان مراتب الإنفاق في سبيل الله.
(5)
فالقتال نوع إنفاق، قال أبو السعود:(وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه من أهم مواد الإنفاق، مع كونه في نفسه من أفضل العبادات، وأنه لا يخلو من الإنفاق أصلا). إرشاد العقل السليم ج 8/ ص 206.
(6)
فتح القدير ج 5/ ص 168.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(1)
رحمه الله فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وقدم الإنفاق على القتال؛ فدل بدلالة التقديم على فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة.
قال ابن جزي: (ويؤخذ من الآية أن من أنفق في شدة أعظم أجرا ممن أنفق في حال الرخاء)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن جزي-كما تقدم-، وابن عادل، والقنوجي، والهرري.
(3)
.
(1)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) استنبط الإمام مالك من الآية أنه ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 17/ ص 206، واللباب ج 18/ ص 462.
2) أن في الآية دليلا على تنزيل الناس منازلهم. انظر: الإكليل ج 3/ ص 1232.
(2)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 4/ ص 96.
(3)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 17/ ص 205، والتسهيل لعلوم التنزيل ج 4/ ص 96، واللباب ج 18/ ص 462، وفتح البيان ج 13/ ص 402، وحدائق الروح والريحان ج 28/ ص 446.
سورة الحشر
206 - من لم يستغفر للصحابة رضي الله عنهم، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمته نبيه صلى الله عليه وسلم، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن من لم يستغفر للصحابة رضي الله عنهم، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم.
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 202.
(3)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) من أبغض الصحابة أو واحداً منهم، أو اعتقد فيه شرًّا أنه لا حقَّ له في الفيء؛ لأن الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه جعل لمن بعدهم حظًّا في الفيء ما أقاموا على محبتهم، وموالاتهم، والاستغفار لهم؛ فدل بمفهوم المخالفة على أنهم إن خالفوا الشرط فلا فيء لهم. انظر: اللباب ج 18/ ص 596.
2) استنبط من قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} بمفهوم المخالفة أن الحقد على غيرهم جائز لغيرة الدين، وإن لم يكن الحسد جائزا. انظر: حدائق الروح والريحان ج 29/ ص 121.
3) استنبط الإمام مالك-بدلالة السياق- كفر الرافضة، ووجهه: أن قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)} [الحشر: 8] متعلق بقوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ
…
لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)} [الحشر: 7]، ثم إن الله لما قال:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} عطف عليهم {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر: 9] وهم الأنصار، ثم عطف عليهم:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} بشرط أن يستغفروا لمن قبلهم، والرافضة خارجون عن الأصناف الثلاثة؛ فإنهم يسبون السلف، فإذن لا حظ لهم في الفيء؛ إذ الفيء حق المسلمين، فمن لا حظ له في الفيء فليس بمسلم. انظر: الإشارات الإلهية ج/ ص 334، 335.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح الذين يأتون من بعد الصحابة رضي الله عنهم والتابعين بكونهم يستغفرون لسلفهم؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم الحال- على أن من لم يستغفر للصحابة، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم غير ممدوح.
قال القصاب: قوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} دليل على أن من لم يكن سليم الصدر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، محبا لكافتهم، داعيا لجميعهم فهو مسلوك به غير سبيل الممدوحين، منوط في طرق المذمومين
(1)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وابن عادل، والقنوجي، والهرري.
(2)
.
(1)
انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 259، 260.
(2)
انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 259، 260، واللباب ج 18/ ص 596، وفتح البيان ج 14/ ص 55، وحدائق الروح والريحان ج 29/ ص 121.
سورة الصف
207 - مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها
(1)
.
قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
…
(1)} الصف: 1.
قال الشوكاني رحمه الله: (ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد
(2)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة
(4)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي هنا، وفي قوله تعالى:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} [الحديد: 1]. وقوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
…
(1)} [الحشر: 1]. وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)} [الجمعة: 1]، وفي قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
…
شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [التغابن: 1]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} [الأعلى: 1]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال.
قال ابن عادل: (فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قال في بعض السور: {سَبَّحَ لِلَّهِ} بلفظ الماضي، وفي بعضها: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر؟ فالجواب: أن الحكم في ذلك تعليم العبد أن تسبيح الله تعالى دائم لا ينقطع، كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال)
(5)
.
(1)
وهو استنباط في الدعوات والذكر.
(2)
انظر: فتح القدير ج 5/ ص 165.
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 219.
(4)
تقدم مثل هذا الاستنباط في الآية الأولى من سورة الحديد.
(5)
اللباب ج 19/ ص 43.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري.
(1)
.
208 - مناسبة ذكر قصتي موسى عليه السلام، وعيسى عليه السلام بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله
(2)
.
قال الشوكاني رحمه الله: (لما ذكر سبحانه أنه يحب المقاتلين في سبيله بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن مناسبة ذكر قصتي موسى عليه السلام، وعيسى عليه السلام بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم. أو أن المناسبة التحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما.
(1)
انظر: اللباب ج 19/ ص 43، وفتح البيان ج 14/ ص 97، وحدائق الروح والريحان ج 29/ ص 246.
(2)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 220.
(4)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ
…
بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)} أن قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان؛ لأن التراص إنما يمكن منه. قال ابن الفرس متعقبا: (وهذا ضعيف لأنه ليس المراد بالآية نفس التراص، وإنما المقصود الجد والاجتهاد في القتال، فسواء كانوا رجالا أو فرسانا). أحكام القرآن ج 3/ ص 555. ومثله قول القرطبي: وذلك غير مستقيم؛ لما جاء في فضل الفارس في الأجر والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناه الثبات. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 18/ ص 74.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على المجاهدين في سبيله، وبين حبه سبحانه لهم، ثم ذكر قصة موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن المناسبة أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم. فالرابط الجهاد. أو أن المناسبة التحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي
(1)
. وذكر القرطبي الوجه الأول
(2)
.
أما ابن عاشور ففصل في ذكر المناسبة، فجعل مناسبة مجيء قصة موسى إما للتعريض بمن آذوا النبي صلى الله عليه وسلم. أو التحذير من مخالفة لنبي صلى الله عليه وسلم، فوافق الشوكاني في الوجه الثاني، قال:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} موقع هذه الآية هنا خفي المناسبة، فيجوز أن تكون الجملة معترضة استئنافا ابتدائيا انتقل به من النهي عن عدم الوفاء بما وعدوا الله عليه إلى التعريض بقوم آذوا النبي صلى الله عليه وسلم بالقول أو بالعصيان أو نحو ذلك، فيكون الكلام موجها إلى المنافقين، فقد وسموا بأذى الرسول صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا الوجه فهو اقتضاب، نقل به الكلام من الغرض الذي قبله لتمامه إلى هذا الغرض. أو تكون مناسبة وقعه في هذا الموقع حدوث سبب اقتضى نزوله من أذى قد حدث لم يطلع عليه المفسرون، ورواة الأخبار وأسباب النزول. ويجوز أن يكون من تتمة الكلام الذي قبلها، ضرب الله مثلا للمسلمين لتحذيرهم من إتيان ما يؤذي رسوله صلى الله عليه وسلم ويسوءه، من الخروج عن جادة الكمال الديني، مثل عدم الوفاء بوعدهم في الإتيان بأحب الأعمال إلى الله تعالى. وأشفقهم من أن يكون ذلك سببا للزيغ والضلال كما حدث لقوم موسى لما آذوه. ويناسب أن تكون هذه الآية تحذيرا من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعبرة بما عرض لهم من الهزيمة يوم أحد لما خالفوا أمره من عدم ثبات الرماة في مكانهم. وقد تشابهت القصتان في أن القوم فروا يوم أحد كما فر قوم موسى يوم أَرِيْحَا.
(3)
.
(4)
.
(1)
انظر: فتح البيان ج 14/ ص 100.
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 18/ ص 74.
(3)
أريحا بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة والحاء مهملة. وفيها لغات أخرى: أَرْيَح بالفتح ثم السكون وياء مفتوحة وحاء مهملة، وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة، لغة عبرانية. وهي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس في جبال صعبة المسلك. سميت فيما قيل بأريحا بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. انظر: معجم البلدان ج 1/ ص 165.
(4)
انظر: التحرير والتنوير ج 28/ ص 158، 159.
وأما مناسبة قصة عيسى عليه السلام عنده فهي على وجهين:
إما التعريض بمن آذوا النبي صلى الله عليه وسلم. وإما أنها مسوقة لتتميم قصة موسى عليه السلام بذكر مثال آخر لقوم حادوا عن طاعة رسولهم، لكنها ولم تفد تحذير المخاطبين
(1)
.
ولا تزاحم-والله أعلم- بين هذه المناسبات فلكل وجهه.
(1)
انظر: المصدر السابق ج 28/ ص 160.
سورة الجمعة
209 - الطاعات سبب الرزق
(1)
.
قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)} الجمعة: 11.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)} فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة؛ فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق، وأعظم ما يجليه)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن الطاعات سبب الرزق.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة، والسعي إلى ذكره، والإقبال على الصلاة، وترك البيع إلى أن تنقضي الصلاة، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
…
تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9 - 10]، ثم عاتب سبحانه على ما كان من انصراف بعض المؤمنين عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)} وختم ذلك بأنه خير الرازقين؛ فدل هذا الختم بدلالة الربط بين الآيات على أن الطاعات سبب الرزق.
وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل، والقنوجي، والهرري.
(4)
.
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)} [طه: 132]. قال الشنقيطي: من نتائج الاستعانة بالصلاة أنها تجلب الرزق وذلك في قوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)} ، ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة
(5)
.
(1)
وهو استنباط تربوي أو فقهي.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 228.
(3)
واستنبط غيره من الآية أن الخطيب ينبغي أن يخطب قائما. انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 301، وروح المعاني ج 28/ ص 105.
(4)
انظر: اللباب ج 19/ ص 99، وفتح البيان ج 14/ ص 142، وحدائق الروح والريحان ج 29/ ص 306.
(5)
ذكره الشنقيطي عند قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} [البقرة: 45]. أضواء البيان ج 1/ ص 67، 68.
وقد اقترن في القرآن الكريم ذكر الرزق بكثير من العبادات، قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)} [النور: من الآية 32]
(1)
فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار والعبيد بأن الله يغنيه والله لا يخلف الميعاد وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: من الآيات 2 - 3]
(2)
، ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها وذلك في قوله:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)} [طه: 132]، وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح عليه السلام في قوله تعالى عنه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ
…
جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)}، وعلى لسان نبيه هود عليه السلام في قوله تعالى عنه:{وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)} [هود: 52] وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: من الآية 3]
(3)
. ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: من الآية 96]
(4)
ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: من الآية 66]
(5)
، وقوله تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل: 97] أي: في الدنيا
(6)
.
(1)
(2)
وتمامها: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ
…
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)}.
(3)
وتمامها: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ
…
ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)}.
(4)
وتمامها: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا
…
فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)}.
(5)
(6)
انظر: أضواء البيان ج 4/ ص 111.
وإذا كانت الطاعات سبب الرزق؛ فإن المعاصي سبب قلة الرزق، وكثرة البلاء، وقد استنبط الشنقيطي من قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)} [المائدة: 66] بمفهوم المخالفة أن المعاصي سبب قلة الرزق، وكثرة البلاء، فقال:(ومفهوم الآية أن معصية الله تعالى سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)} [الروم: 41]، ونحوها من الآيات)
(1)
.
(1)
انظر: المصدر السابق ج 1/ ص 316.
سورة الطلاق
210 - كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} أي: التي كنَّ فيها عند الطلاق ما دمن في العدة، وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة، ومثله قوله:{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ}
(2)
[الأحزاب: من الآية 34]، وقوله: وقرن في بيوتكن {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}
(3)
[الأحزاب: من الآية 33])
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(5)
رحمه الله كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة.
(1)
وهو استنباط فقهي.
(2)
(3)
(4)
فتح القدير ج 5/ ص 241.
(5)
واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
1) أن الحنث بدخول دار يسكنها فلان بغير ملك ثابت فيما إذا حلف لا يدخل داره. انظر: مدارك التنزيل ج 4/ ص 388.
2) في ذكر البيوت دون الدار إشارة إلى أن اللازم على الزوج في سكناهن ما تحصل المعيشة فيه؛ لأن الدار ما يشتمل على البيوت. انظر: حدائق الروح والريحان ج 29/ ص 407.
3) دل قوله: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} بدلالة الإشارة على النهي عن الأذن لهن في الخروج، ففي الآية دلالة على أن سكونهن في البيوت حق للشرع مؤكد، فلا يسقط بالإذن. انظر: روح المعاني ج 28/ ص 133.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أضاف البيوت إلى المطلقات المعتدات، وهي لأزواجهن؛ فدلت الإضافة على كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة.
قال النسفي: ({لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة وهي بيوت الأزواج، وأضيف إليهن لاختصاصها بهن من حيث المسكن، وفيه دليل على أن السكنى واجبة)
(1)
.
وقال أبو السعود: ({لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن)
(2)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والنسفي، وأبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي.
(3)
.
وذكر البيضاوي وجها آخر لتأكيد هذا الحكم، فقال:(وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقهما السكنى، ولزومها ملازمة مسكن الفراق)
(4)
.
(1)
مدارك التنزيل ج 4/ ص 388.
(2)
إرشاد العقل السليم ج 8/ ص 260.
(3)
انظر: أحكام القرآن ج 4/ ص 419، 420، والجامع لأحكام القرآن ج 18/ ص 138، ومدارك التنزيل ج 4/ ص 388، وإرشاد العقل السليم ج 8/ ص 260، وروح المعاني ج 28/ ص 133، وفتح البيان ج 14/ ص 179.
(4)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 349.
سورة الحاقة
211 - حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم
(1)
.
قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} الحاقة: 33 - 34.
قال الشوكاني رحمه الله: (والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين، وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما قرر الأسباب التي أدخلت الكفار النار ذكر أعظمها وهو عدم الإيمان بالله، ثم ذكر سببا آخر هو حرمان المسكين، والامتناع من حث النفس والغير على التصدق، فقرنه بالكفر؛ فدل بدلالة الاقتران على أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم.
وذكر الزمخشري هذا الوجه كما ذكر وجها آخر، فقال:(وفي قوله: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين:
أحدهما: عطفه على الكفر، وجعله قرينة له.
والثاني: ذكر الحض دون الفعل؛ ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل)
(4)
.
ويمكن أن يكون وجه الاستنباط تخصيص هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر. قال البيضاوي: (ولعل تخصيص الأمرين بالذكر لأن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب)
(5)
.
(1)
وهو استنباط فائدة علمية.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 285.
(3)
واستنبط غيره من قوله تعالى: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} استنباطات أخرى، منها:
1) أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع؛ لأنهم يعاقبون على ترك الامتثال بها. انظر: أنوار التنزيل ج 5/ ص 383، والتفسير الكبير ج 30/ ص 102.
2) فيه إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث؛ لأن الناس لا يطلبون من المساكين الجزاء فيما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة، فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم، أي أنه مع كفره لا يحرض غيره على إطعام المحتاجين. انظر: مدارك التنزيل ج 4/ ص 422، 423.
(4)
الكشاف ج 4/ ص 608.
(5)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 383.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والنسفي، وأبو حيان، والقنوجي، والهرري.
(1)
.
واستنبط القصاب مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} [المدثر: 43 - 44]، فقال: دليل على توكيد حرمة المسكين حين قرن تضييعه بترك الصلاة، وخوض الخائضين، وتكذيب بيوم الدين، وكما قال تبارك وتعالى في سورة الحاقة:{إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)}
(2)
.
وفي هذا الاستنباط تحذير شديد من حرمان المسكين؛ فإنه أضر الخلال بالبشر. قال ابن عطية: (وإضافة الطعام إلى المسكين من حيث له إليه نسبة ما، وخصت هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر؛ لأنها من أضر الخلال في البشر إذا كثرت في قوم هلك مساكنهم)
(3)
.
وفيه أيضا بيان لعظم فضل الصدقة. قال ابن جزي: (وهذه الآية تدل على عظم الصدقة وفضلها؛ لأنه قرن منع طعام المسكين بالكفر بالله)
(4)
.
ثم إن الإحسان للناس عامة، وللمساكين خاصة من أسباب السعادة، قال السعدي: مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه الإحسان التي من أعظمها دفع ضرورة المحتاجين بإطعامهم ما يتقوتون به
(5)
.
(1)
انظر: الكشاف ج 4/ ص 608، ومدارك التنزيل ج 4/ ص 422، 423، والبحر المحيط ج 8/ ص 458، وفتح البيان ج 14/ ص 299، وحدائق الروح والريحان ج 30/ ص 169.
(2)
انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 448.
(3)
المحرر الوجيز ص 1894.
(4)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 4/ ص 144.
(5)
انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 884.
سورة نوح عليه السلام
-
212 - الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق
(1)
.
قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ
…
جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} نوح: 10 - 12
قال الشوكاني رحمه الله: (وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق؛ ولهذا قال: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ} يعني: بساتين {وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} جارية)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق.
ووجه الاستنباط: أن نوحا عليه السلام وعد قومه على الاستغفار إمدادا بالأموال والبنين؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص الأنبياء عليه السلام على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق.
قال القصاب: ({وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} دليل على استنزال الرزق، وتكثير الأولاد بالعمل الصالح؛ لأن نوحا عليه السلام وعد قومه على الاستغفار إمدادا بالأموال والبنين)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وابن عطية، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي.
(4)
.
وهذا المعنى يستنبط أيضا من قوله تعالى: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)} [هود: 52]. قال ابن جزي: (وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار)
(5)
.
وقد اقترن في القرآن الكريم ذكر الرزق بكثير من العبادات، قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)} [النور: من الآية 32]
(6)
فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار والعبيد بأن الله يغنيه والله لا يخلف الميعاد
…
وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: من الآيات 2 - 3]
(7)
، ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها وذلك في قوله:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)} [طه: 132]، وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح عليه السلام في قوله تعالى عنه:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} ، وعلى لسان نبيه هود عليه السلام في قوله تعالى عنه:{وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)} [هود: 52] وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: من الآية 3]
(8)
. ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: من الآية 96]
(9)
ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: من الآية 66]
(10)
، وقوله تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل: 97] أي: في الدنيا
(11)
.
(1)
وهو استنباط في الدعوات والذكر، وفي علوم القرآن (قصص الأنبياء).
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 298.
(3)
نكت القرآن ج 4/ ص 415.
(4)
انظر: نكت القرآن ج 4/ ص، و 415، والمحرر الوجيز ص 1902، والجامع لأحكام القرآن ج 18/ ص 261، والإكليل ج 3/ ص 1281، وفتح البيان ج 14/ ص 334.
(5)
التسهيل لعلوم التنزيل ج 2/ ص 107.
(6)
(7)
وتمامها: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ
…
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)}.
(8)
وتمامها: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ
…
ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)}.
(9)
وتمامها: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا
…
فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)}.
(10)
(11)
انظر: أضواء البيان ج 4/ ص 111.
سورة المدثر
213 - الكفار مخاطبون بالشرعيات
(1)
.
قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)} المدثر: 42 - 46.
قال الشوكاني رحمه الله: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)} أي: من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن الكفار مخاطبون بالشرعيات.
ووجه الاستنباط: أن الكفار عللوا دخولهم النار بتركهم الصلاة والزكاة، ولو كان قولهم باطلا لرد عند حكايته
(4)
؛ فدل بدلالة المطرد من أسلوب القرآن على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات.
قال الطوفي: (يحتج بها على تكليف الكفار بفروع الإسلام؛ لأنهم عللوا سلكهم في سقر بتركهم الصلاة والزكاة وبالتكذيب بيوم الدين وما بينهما، ولولا تكليفهم بالصلاة لما صلح تركها جزء علة للعقاب)
(5)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، والطوفي، والسيوطي، والقنوجي.
(6)
.
واستنبط القرطبي هذا الاستنباط من قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}
(7)
[المائدة: 5]، قال:(قوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا)
(8)
.
(1)
وهو استنباط أصولي. وانظر تفصيل هذه المسألة في: روضة الناظر ج 1/ ص 170 - 175، والبحر المحيط ج 1/ ص 397 - 403، وشرح الورقات في أصول الفقه ص 129، وإرشاد الفحول ص 26، 27، ومذكرة في أصول الفقه ص 62، والأصول والفروع للدكتور سعد الشثري ص 266 - 281.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 333.
(3)
واستنبط غيره من الآية توكيد حرمة المسكين حين قرن تضييعه بترك الصلاة، وخوض الخائضين، وتكذيب بيوم الدين. انظر: نكت القرآن ج 4/ ص 448.
(4)
انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 340.
(5)
الإشارات الإلهية ج 3/ 380، 381.
(6)
انظر: أنوار التنزيل ج 5/ ص 417، والإشارات الإلهية ج 3/ 380، 381، والإكليل ج 3/ ص 1288، وفتح البيان ج 14/ ص 420.
(7)
(8)
الجامع لأحكام القرآن ج 6/ ص 77.
كما استنبطه البيضاوي من آيات أخرى، منها:
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)} [فصلت: 6 - 7].
قال البيضاوي: (وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع)
(1)
.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35)} [الحاقة: 33 - 35] قال البيضاوي: (وفيه دليل على تكليف الكفار بالفروع)
(2)
.
وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)} [المرسلات: 48 - 49] قال البيضاوي: (الكفار مخاطبون بالفروع)
(3)
.
واعترض على استنباط الشوكاني بأن معنى من المصلين أي من المؤمنين، وقد نقل الطوفي هذا الاعتراض، وتعقبه بقوله:(واعترض الخصم بأن معناه لم نكن من أهل الصلاة، أي: من المؤمنين. وأجيب بأنه خلاف الظاهر بغير دليل، ثم هو مع قولهم: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)} [المدثر: 46] فيه ضرب من التكرار فلا يحمل عليه)
(4)
. والتأسيس أولى من التأكيد.
وفي خطاب الكفار بالفروع أقوال، قال الشنقيطي: (واعلم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال:
الأولى: أنهم مخاطبون بها. وهو الحق.
الثاني: أنهم غير مخاطبين بها مطلقا
(5)
.
الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي لصحة الكف عن الذنب منهم دون الأوامر)
(6)
.
والمعنى الذي استنبطه الشوكاني مؤيد في شرعنا
(7)
.
قال ابن العربي: (ولا خلاف في مذهب مالك في أنهم يخاطبون
قال الله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]، وهذا نص في مخاطبتهم بفروع الشريعة)
(8)
.
(1)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 106.
(2)
المصدر السابق ج 5/ ص 383.
(3)
المصدر السابق ج 5/ ص 437.
(4)
الإشارات الإلهية ج 3/ 380، 381.
(5)
وهو قول جمهور الحنفية. واختاره ابن خويزمنداد المالكي. انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 399.
(6)
مذكرة في أصول الفقه ص 62.
(7)
منهج الاستنباط من القرآن الكريم ص 252.
(8)
أحكام القرآن ج 1/ ص 529.
ويؤيد هذا الاستنباط كون القول بأن الكفار مخاطبون بالفروع هو قول الجمهور، فهو قول الشافعي وأكثر أصحابه، وهو ظاهر مذهب مالك، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وهو محكي عن الجصاص وغيره من الحنفية
(1)
.
(1)
انظر: البحر المحيط ج 1/ ص 399، ونزهة الخاطر العاطر لابن بدران ج 1/ ص 170، وأحكام القرآن للجصاص ج 3/ ص 281.
سورة التكوير
214 - مخاطبة قريش بأن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبهم إشارة إلى أنهم عالمون بأمره
(1)
.
قال تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)} التكوير: 22.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)} الخطاب لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: وما محمد يا أهل مكة بمجنون. وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يذمونه به من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن مخاطبة قريش بأن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبهم إشارة إلى أنهم
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 391.
(3)
واستنبط الزمخشري من المبالغة في وصف جبريل عليه السلام، وتركها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم على أفضلية جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم. قال الزمخشري: (وناهيك بهذا دليلا على جلالة مكان جبريل عليه السلام وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته أفضل الإنس محمد صلى الله عليه وسلم إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما وقايست بين قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
…
(19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)} [التكوير: 19 - 21] وبين قوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)} ) انظر: الكشاف ج 4/ ص 713. وهو مردود. قال البيضاوي: (وهو ضعيف إذ المقصود منه نفي قولهم). أنوار التنزيل ج 5/ ص 458. وقال الآلوسي: وقد علمت أن من شأن البليغ أن يجرد الكلام لما سبق له لئلا يعد الزيادة لكنة وفضولا، و لاخفاء أن وصف الآتي بالقول يشد من عضد ذلك أبلغ شد، وأما وصف من أنزل عليه فلا مدخل له في البين إلا إذا كان الغرض الحث على اتباعه، فلهذا لم تدل المبالغة في شأن جبريل عليه السلام، وعد صفاته الكوامل، وترك ذلك في شأن نبينا عليه أفضل الصلوات والتسليمات على تفضيله بوجه. وقال بعضهم: أن المبالغة في وصف جبريل عليه السلام مدح بليغ في حق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الملك إذا أرسل لأحد من هو معزز معظم مقرب لديه دل على أن المرسل إليه بمكانه عنده ليس فوقها مكانة. انظر: روح المعاني ج 30/ ص 60.
عالمون بأمره
(1)
.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما خاطب قريشا جاء بوصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صاحبهم، ولم يقل: رسولهم، أو رسول الله، أو محمد؛ فدل ذلك على أنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يذمونه به من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم، وكانوا يصفونه قبل البعثة بالأمين والصادق، فكيف يكذبونه بعد البعثة، ومقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه
(2)
.
قال الآلوسي: (وفي التعرض لعنوان الصحبة مضافة إلى ضميرهم على ما هو الحق تكذيب لهم بألطف وجه، إذ هو إيماء إلى أنه عليه الصلاة والسلام نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن، فأنتم أعرف به، وبأنه صلى الله عليه وسلم أتم الخلق عقلا، وأرجحهم قيلا، وأكملهم وصفا، وأصفاهم ذهنا، فلا يسند إليه الجنون إلا من هو مركب من الحمق والجنون)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور.
(4)
.
(1)
واستنبط الشوكاني مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)} النجم: 2. انظر: فتح القدير ج 5/ ص 105.
(2)
مستفاد من تفسير السور من الحجرات إلى الحديد لابن عثيمين ص 205، 206.
(3)
روح المعاني ج 30/ ص 60.
(4)
انظر: إرشاد العقل السليم ج 9/ ص 118، وروح البيان ج 10/ ص 357، وروح المعاني ج 30/ ص 60، وفتح البيان ج 15/ ص 106، والتحرير والتنوير ج 30/ ص 139.
سورة الفجر
215 - ما أحله الله بقوم عاد وثمود وفرعون في الدنيا من العذاب العظيم هو قليل بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة
(1)
.
قال تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)} الفجر: 13.
قال الشوكاني رحمه الله: (وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وقيل: ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم، وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به
…
فجرى لكل عذاب إذا كان فيه عندهم غاية العذاب
(2)
. وقيل: معناه عذاب يخالط اللحم والدم، من قولهم: ساطه يسوطه سوطا أي: خلطه، فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض
(3)
…
)
(4)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن ما أحله الله بقوم عاد وثمود وفرعون في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر عذابه لهم في الدنيا ذكره بلفظ سوط، وهو وإن دل على الكثرة والتتابع إلا أن مناسبة ذكر هذا اللفظ دون غيره دالة على أن ما حل بهم من عذاب هو قليل بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة، فهو كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
قال الرازي: (وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به)
(5)
.
وقال البيضاوي: (وقيل: شبه بالسوط ما أحل بهم في الدنيا إشعارا بأنه القياس إلى ما أعد لهم في الآخرة من العذاب كالسوط إذا قيس إلى السيف)
(6)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، وأبو السعود، والبروسوي، والقنوجي.
(7)
.
(1)
وهو استنباط في قصص القرآن (قصص الأنبياء).
(2)
ذكره السمعاني في تفسير القرآن العزيز ج 6/ ص 220.
(3)
قال به البيضاوي في أنوار التنزيل ج 5/ ص 488. وقال البغوي: (قال أهل المعاني هذا على الاستعارة؛ لأن السوط عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكل نوع من العذاب). انظر: معالم التنزيل ج 4/ ص 484.
(4)
فتح القدير ج 5/ ص 436.
(5)
التفسير الكبير ج 31/ ص 153.
(6)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 488.
(7)
انظر: الكشاف ج 4/ ص 751، 752، والتفسير الكبير ج 31/ ص 153، وإرشاد العقل السليم ج 9/ ص 155، وروح البيان ج 10/ ص 433، وفتح البيان ج 15/ ص 225، 226.
ولا تعارض بين الأقوال التي ذكرها الشوكاني؛ إذ يجوز أن يكون العذاب الذي حل بهم شديدا متتابعا خالط لحومهم ودمائهم، وهو مع كل هذا قليل بالنسبة لعذاب الآخرة.
وهذا المعنى تؤيده الآيات: قال تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)} [الرعد: 34]. وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)} [طه: 127]، وقال تعالى:{فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26)} [الزمر: 26]، وقال تعالى:{كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)} [القلم: 33].
وقد نبه الآلوسي إلى أن هذا المعنى المستنبط لا يأباه التعبير بالصب الدال على الكثرة، فقال: وتسمية ما أنزل سوطا قيل: للإيذان بأنه على عظمه بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط بالنسبة إلى سائر ما يعذب به، أو أن إضافة السوط إلى العذاب تقليل لما أصابهم منه ولا يأبى ذلك التعبير بالصب المؤذن بالكثرة لأن القلة والكثرة من الأمور النسبية
(1)
.
(1)
انظر: روح المعاني ج 30/ ص 125.
سورة البلد
216 - القُرَب الصالحة إنما تنفع مع الإيمان
(1)
.
قال الشوكاني رحمه الله: ({ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)} عطف على المنفي بلا، وجاء ب (ثم) للدلالة على تراخي رتبة الإيمان، ورفعة محله. وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان. وقيل: المعنى ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم. وقيل: المعنى أنه أتى بهذه القرب لوجه الله)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن القُرَب الصالحة إنما تنفع مع الإيمان.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر العاقبة الحسنة لبعض القُرَب كالعتق والإطعام ذكر الإيمان به سبحانه بلفظ ثم الدال على رفعة محل الإيمان، فهو مقدم لأنه أعلى شأنا؛ فدل على أن القُرَب الصالحة إنما تنفع مع الإيمان.
وممن قال بهذا الاستنباط: البغوي، والقرطبي، والقنوجي، والهرري.
(4)
.
وهذا الاستنباط على أن ثم هنا للتراخي في الذكر لا في الوجود، وعلى أنها لتراخي مرتبة الإيمان، وتباعده في الرتبة.
وقد ذكر الرازي هذين الوجهين وغيرهما، فقال: فإن قيل: لما كان الإيمان شرطا للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدما عليها، فما السبب في أن الله تعالى أخره عنها بقوله:{ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ؟
والجواب من وجوه:
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 445.
(3)
واستنبط ابن جزي أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام، قال:(ثم هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام). التسهيل لعلوم التنزيل ج 4/ ص 201.
(4)
انظر: معالم التنزيل ج 4/ ص 490، والجامع لأحكام القرآن ج 20/ ص 64، وفتح البيان ج 15/ ص 247، وحدائق الروح والريحان ج 32/ ص 21، 22.
أحدها: أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود.
وثانيها: أن يكون المراد ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا، وهو أن يموت على الإيمان، فإن الموافاة شرط الانتفاع بالطاعات.
وثالثها: أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم آمن بعد ذلك بمحمد عليه الصلاة والسلام فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات، قالوا: ويدل عليه ما روي أن حكيم بن حزام بعدما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟ فقال عليه السلام: "أسلمت على ما قدمت من الخير"
(1)
.
ورابعها: أن المراد من قوله: {ثُمَّ كَانَ
…
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} تراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة؛ لأن درجة ثواب الإيمان أعظم بكثير من درجة ثواب سائر الأعمال
(2)
.
ولا يصح هذا الاستنباط على المعنيين الأخيرين الذين ذكرهما الشوكاني في معنى الآية، حيث قال: (وقيل: المعنى ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم. وقيل: المعنى أنه أتى بهذه القرب لوجه الله
(3)
.
وكذلك لا يصح على أن معنى ثم هنا الواو
(4)
؛ لوضوحه.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم، رقم: 1369، ج 2/ ص 521. ولفظه: عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: "يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، وصلة رحم فهل فيها من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أسلمت على ما سلف من خير". وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، رقم: 55، ج 1/ ص 113. ولفظه: "أسلمت على ما أسلفت من خير". والتحنث التعبد. وقال الشيخ عطية سالم: (وقد بحث العلماء موضوع عمل الكافر الذي عمله حالة كفره ثم أسلم هل ينتفع به بعد إسلامه أم لا؟ والراجح أنه ينتفع به كما ذكر القرطبي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال: يا رسول الله إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟ فقال عليه السلام: "أسلمت على ما أسلفت من الخير". انظر: تتمة أضواء البيان ج 6/ ص 50.
(2)
انظر: التفسير الكبير ج 31/ ص 169.
(3)
يعني أتى بهذه القرب لوجه الله ثم آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج 20/ ص 64.
(4)
قال ابن الجوزي: (ثم بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان بقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ
…
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، و ثم هاهنا بمعنى الواو كقوله تعالى:{ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: من الآية 46]). زاد المسير ج 9/ ص 135. وهذا الوجه ضعفه النحاس عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا
…
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)} [فصلت: 11]، قال: وقيل: ثم ههنا بمعنى الواو، وهذا لا يصح ولا يجوز. انظر: معاني القرآن ج 6/ ص 248.
سورة العصر
217 - الصبر أعظم خصال الحق
(1)
.
قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} العصر: 3.
قال الشوكاني رحمه الله: ({وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} أي: بالصبر عن معاصي الله سبحانه، والصبر على فرائضه. وفي جعل التواصي بالصبر قرينا للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره، وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه
…
وأيضا التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده بالذكر، وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(3)
رحمه الله أن الصبر أعظم خصال الحق.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى عمم الخسران لكل إنسان إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فجعل التواصي بالصبر قرينا للتواصي بالحق؛ فدل بدلالة الاقتران على أن الصبر أعظم خصال الحق. أو أنه خص بالذكر التواصي بالصبر مع أنه مما يندرج تحت التواصي بالحق؛ فدل على أن الصبر أعظم خصال الحق.
وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي
(4)
.
(1)
وهو استنباط تربوي.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 492.
(3)
واستنبط الرازي أن الحق ثقيل، قال:(دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي). التفسير الكبير ج 32/ ص 85.
(4)
انظر: فتح البيان ج 15/ ص 377.
سورة الإخلاص
218 - من لم يتصف بأنه أحد صمد فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية
(1)
.
قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} الإخلاص: 1 - 2.
قال الشوكاني رحمه الله: (وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية)
(2)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني-رحمه الله أن من لم يتصف بأنه أحد صمد فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر اسمه الجليل (الله) عند وصف نفسه بأنه أحد، ثم كرر اسمه الجليل الدال على الألوهية عند وصفه بالصمدية؛ فدل بدلالة التكرار على أن من لم يتصف بأنه أحد صمد فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية.
قال البيضاوي: (وتكرير لفظة (الله) للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية)
(3)
.
وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والقنوجي، والهرري
(4)
.
(1)
وهو استنباط عقدي.
(2)
فتح القدير ج 5/ ص 516.
(3)
أنوار التنزيل ج 5/ ص 548.
(4)
انظر: أنوار التنزيل ج 5/ ص 548، وإرشاد العقل السليم ج 9/ ص 212، وروح البيان ج 10/ ص 556، وفتح البيان ج 15/ ص 449، وحدائق الروح والريحان ج 32/ ص 444.
سورة الناس
219 - مناسبة ذكر أن الله رب الناس وملكهم وإلههم، وترتيبها على هذا النحو
(1)
.
قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)}
الناس: 1 - 3.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقوله: {مَلِكِ النَّاسِ (2)} عطف بيان جيء به لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والسلطان القاهر. {إِلَهِ النَّاسِ (3)} هو أيضا عطف بيان كالذي قبله؛ لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام، وأيضا الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، كما يقال: رب الدار، ورب المتاع، ومنه قوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}
(2)
[التوبة: 31] فبين أنه ملك الناس، ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد، وأيضا بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلا كاملا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك الناس، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس. وكرر لفظ الناس في الثلاثة المواضع؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار، ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس)
(3)
.
الدراسة:
استنبط الشوكاني
(4)
رحمه الله أن مناسبة ذكر أن الله رب الناس وملكهم وإلههم، وترتيبها على هذا النحو أن الله بدأ بما هو أول وهو ربوبيته سبحانه، ثم ذكر أنه ملكهم لأن الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، ثم بين أنه ملك الناس؛ لأن الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد.
(1)
وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بمعنى التكرار).
(2)
(3)
فتح القدير ج 5/ ص 522.
(4)
واستنبط غيره من الآيات استنباطات أخرى، منها:
1) قال البيضاوي: وفي هذا النظم إشعار بمراتب النظر في المعارف، فإنه يعلم أولا بما عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له ربا، ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل، فهو الملك الحق، ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة. انظر: أنوار التنزيل ج 5/ ص 553، والتحرير والتنوير ج 30/ ص 554.
2) استنبط الرازي مناسبة ذكر أنه رب الناس على التخصيص، فقال:(وذلك لوجوه: أحدها: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم، ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم. وثانيها: أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس. وثالثها: أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا ربي، يا ملكي، يا إلهي). التفسير الكبير ج 32/ ص 180.
ووجه الاستنباط:
أن الله تعالى ذكر أنه رب الناس، ثم أعقبها بذكر أنه ملكهم، وإلههم؛ فدل ذكره لهذه الأوصاف على هذا النحو على أن المناسبة أن الله بدأ بما هو أول وهو ربوبيته سبحانه فهي من أوائل نعمه، ثم ذكر أنه ملكهم لأن الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ملكا، ثم بين أنه ملك الناس؛ لأن الملك قد يكون إلها وقد لا يكون، فبين أنه إله؛ لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد.
وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي.
(1)
.
وفي هذا النظم دلالة على أنه حقيق بالإعاذة، قادر عليها غير ممنوع عنها
(2)
. ولذا أشار ابن القيم إلى مناسبة ذكر هذه الأوصاف في الاستعاذة، فقال: (وأما سورة الناس فقد تضمنت أيضا استعاذة ومستعاذا به ومستعاذا منه منه فالاستعاذة تقدمت، وأما المستعاذ به فهو الله تعالى رب الناس، ملك الناس، إله الناس، فذكر ربوبيته للناس، وملكه إياهم، وإلهيته لهم، ولا بد من مناسبة في ذكر ذلك في الاستعاذة من الشيطان الرجيم كما تقدم فنذكر أولا معنى هذه الإضافات الثلاث ثم وجه مناسبتها لهذه الاستعاذة.
الإضافة الأولى: إضافة الربوبية المتضمنة لخلقهم، وتدبيرهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، وجلب مصالحهم وما يحتاجون إليه، ودفع الشر عنهم، وحفظهم مما يفسدهم، هذا معنى ربوبيته لهم، وذلك يتضمن قدرته التامة، ورحمته الواسعة، وإحسانه، وعلمه بتفاصيل أحوالهم، وإجابة دعواتهم، وكشف كرباتهم.
الإضافة الثانية: إضافة الملك، فهو مَلِكُهم المتصرف فيهم وهم عبيده ومماليكه، وهو المتصرف لهم المدبر لهم كما يشاء النافذ القدرة فيهم الذي له السلطان التام، فهو ملكهم الحق الذي إليه مفزعهم عند الشدائد والنوائب، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجؤهم، فلا صلاح لهم ولا قيام إلا به وبتدبيره، فليس لهم ملك غيره يهربون إليه إذا دهمهم العدو، ويستصرخون به إذا نزل العدو بساحتهم.
الإضافة الثالثة: إضافة الإلهية فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله لهم سواه، ولا معبود لهم غيره، فكما أنه وحده هو ربهم ومليكهم لم يشركه في ربوبيته ولا في ملكه أحد فكذلك هو وحده إلههم ومعبودهم، فلا ينبغي أن يجعلوا معه شريكا في إلهيته كما لا شريك معه في ربوبيته وملكه.
(1)
انظر: التفسير الكبير ج 32/ ص 180، 181، وإرشاد العقل السليم ج 9/ ص 216، وروح المعاني ج 30/ ص 285، وفتح البيان ج 15/ ص 466.
(2)
انظر: أنوار التنزيل ج 5/ ص 553، وروح المعاني ج 30/ ص 285.
وهذه طريقة القرآن الكريم يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وإذا كان وحده هو ربنا ومالكنا وإلهنا، فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى، ولا يخاف، ولا يرجى، ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك، والقيم بأمورك، ومولي شأنك، وهو ربك فلا رب سواه، أو تكون مملوكه، وعبده الحق فهو ملك الناس حقا، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك وهو الإله الحق إله الناس الذي لا إله لهم سواه، فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجئوا إلى غير حماه، فهو كافيهم، وحسبهم، وناصرهم، ووليهم، ومتولي أمورهم جميعا بربوبيته، وملكه، وإلهيته لهم، فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عدوه به إلى ربه ومالكه وإلهه، فظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء، وأعظمهم عداوة، وأشدهم ضررا، وأبلغهم كيدا.
ثم إنه سبحانه كرر الاسم الظاهر ولم يوقع المضمر موقعه فيقول: رب الناس وملكهم وإلههم تحقيقا لهذا المعنى، وتقوية له، فأعاد ذكرهم عند كل اسم من أسمائه، ولم يعطف بالواو لما فيهم من الإيذان بالمغايرة، والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات حتى كأنها صفة واحدة، وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب، وأخر الإلهية لخصوصها؛ لأنه سبحانه إنما هو إله من عبده ووحده واتخذه دون غيره إلها، فمن لم يعبده ويوحده فليس بإلهه وإن كان في الحقيقة لا إله له سواه، ولكن ترك إلهه الحق واتخذ إلها غيره، ووسط صفة الملك بين الربوبية والإلهية لأن الملك هو المتصرف بقوله وأمره، فهو المطاع إذا أمر، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم، فملكه من كمال ربوبيته وكونه إلههم الحق من كمال ملكه؛ فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها، فهو الرب الحق الملك الحق الإله الحق، خلقهم بربوبيته، وقهرهم بملكه، استعبدهم بإلهيته، فتأمل هذه الجلالة وهذه العظمة التي تضمنته هذه الألفاظ الثلاثة على أبدع نظام، وأحسن سياق: رب الناس، ملك الناس، إله الناس)
(1)
.
(1)
بدائع الفوائد ج 2/ ص 471 - 473.
الخاتمة
الخاتمة
الحمد لله حمدا حمدا.
والشكر له شكرا شكرا.
وبعد:
فهذه رحلتي مع استنباطات الشوكاني، تفيأت علمه زمنا، عشت مع تفسيره، ووقفت على استنباطاته، وتعرفت على منهجه فيها، ثم اليوم تحط رحالي لتظهر آثار هذه الرحلة، وتبرز نتائج هذا البحث، وهي:
1 -
بلغت استنباطات الشوكاني مائتين وتسعة عشر استنباطا في موضوعات شتى.
2 -
تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة، وترتيبها حسب الأكثر ورودا عنده على النحو التالي: جاءت الاستنباطات في علوم القرآن أولا - في ثلاثة علوم من علوم القرآن، وترتيبها: المناسبات، ثم قصص القرآن، ثم معاني التكرار- ثم جاءت الاستنباطات العقدية، ثم الاستنباطات الفقهية، ثم الاستنباطات التربوية السلوكية، ثم الاستنباطات الأصولية والاستنباطات في الدعوات والذكر، ثم الاستنباطات في الرقائق، ثم الاستنباطات اللغوية، ثم الاستنباطات في التفسير، ثم الاستنباطات في الأخلاق، ثم الاستنباطات في الدعوة، وفي السيرة، وفي الطب، وأخيرا الاستنباطات في التأريخ.
مع التنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا، إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر.
3 -
استنبط الشوكاني من القرآن الكريم استنباطات كثيرة بدلالات مختلفة، وطرق متنوعة، هي:
أ - بدلالات في أصول الفقه، وهي: دلالة النص، ودلالة مفهوم المخالفة، ودلالة الالتزام، ودلالة الاقتران، ودلالة التضمن.
ب - بدلالات علوم القرآن، مثل: الدلالات المتعلقة بأساليب القرآن: كدلالة استعمال القرآن، ودلالة التقديم، ودلالة وضع الظاهر موضع المضمر، ودلالة تغيير النظم، ودلالة التكرار، ودلالة التأكيد. وكالاستنباط بالمطرد من أساليب القرآن، ويلحق به: الاستنباط بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى، والاقتداء بأفعال الأنبياء، والاعتبار بقصص السابقين. ومن دلالات علوم القرآن أيضا: دلالة الربط، وهي أنواع: الربط بين آيتين أو أكثر، والربط بين أجزاء الآية، والربط بين الآية وخاتمتها.
ت - بالدلالات العامة، وهي: دلالة عدم الذكر، ودلالة السياق، ودلالة التركيب.
ث - ببعض قواعد الاستنباط، وهي: قاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما. وقاعدة: كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده. وقاعدة: ذكر قضية كلية، ثم عطف قضية خاصة -هي بعض جزئيات تلك الكلية- عليها دال على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية.
مع التنبه إلى أن طريق الاستنباط يمكن أن يكون طريقين أو أكثر.
4 -
ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا كما يلي: أكثرها استعمالا دلالات علوم القرآن، ثم دلالة مفهوم المخالفة، ثم دلالة مفهوم الموافقة، ثم دلالة الالتزام، ثم دلالة التركيب، ثم دلالة الاقتران، ثم دلالة السياق، وأخيرا دلالة التضمن، ودلالة عدم الذكر.
5 -
يتمثل موقف الشوكاني من استنباطات من سبقه في ثلاثة مواقف:
الأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها.
الثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا.
الثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين:
أحدهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره وصرح بذكره.
ثانيهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره ولم يصرح بذكره.
6 -
تأثر الشوكاني باستنباطات بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في مواضع قليلة، كما تأثر في الاستنباط بعدد من المفسرين في كثير من المواضع، ويمكن ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في استنباطات الشوكاني على النحو التالي: القرطبي - وهو أكثر من تأثر به، إذ أن ما يقارب نصف استنباطات الشوكاني أفادها من القرطبي- ثم أبو السعود، ثم الرازي، ثم البيضاوي، ثم ابن عطية والبقاعي، وأخيرا الزجاج.
7 -
الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها، ويدل على هذا أمور:
الأول: أنه اعتنى في تفسيره كثيرا بأنواع المناسبات الداخلية، والخارجية، ومن هذه الأنواع: مناسبة اختيار اللفظ، المناسبة بين المقسم والمقسم به، مناسبة ختم الآية، المناسبة بين الآيات، مناسبة آخر سورة بفاتحة التي تليها.
الثاني: أنه دعا إلى استخراج المناسبة، وإعمال الفكر لمعرفتها.
الثالث: أنه أثنى في كتابه (البدر الطالع) على كتاب البقاعي (نظم الدرر) ونص على أنه أفاد منه، بل إن الشوكاني لم يكتف بالأخذ عن البقاعي وإنما استنبط مناسبات لم يذكرها البقاعي مما يدل على اعتنائه بذكر المناسبات.
والأولى أن يحمل كلامه الشديد الذي يوهم ظاهره أنه ينفي المناسبة على المناسبات التي فيها تكلف، وتطلب ربط آيات بعيدة عن بعضها في الترتيب، أما ما عدا هذه الصورة فهو لا يرده ولا ينكره.
8 -
تميزت استنباطات الشوكاني بأمور، أبرزها:
أ - أنه انفرد بأربعة عشر استنباطا.
ب - تميز عدد كبير من استنباطات الشوكاني باستنباط المناسبات الخفية بأنواعها المختلفة، وإذا ما نظرنا إلى هذا العدد الكبير من استنباطات المناسبات الخفية وضممناها إلى المناسبات الظاهرة التي يعتني بها الشوكاني كثيرا في تفسيره -والتي لا تدخل ضمن الاستنباطات-؛ فيمكن عد تفسير الشوكاني مصدرا من مصادر معرفة المناسبات.
ت - يستنبط الشوكاني من الآية الواحدة استنباطين.
ث - يستنبط المعنى الواحد أو القريب من مواضع مختلفة مثل: استنباط ذم التقليد والمنع منه من آيات مختلفة، وبدلالات متنوعة.
التوصيات:
1 -
يوصي البحث بإفراد (المناسبات عند الشوكاني) بالبحث، بحيث تجمع المناسبات في تفسير الشوكاني ثم تدرس؛ لبيان عناية الشوكاني بالمناسبات.
2 -
يوصي البحث بإعادة طباعة تفسير فتح القدير بعد تحقيقه وذلك لوجود بعض التحريفات النصية المشكلة.
3 -
يوصي البحث بالمقارنة الدقيقة بين تفسيري الشوكاني وتلميذه القنوجي، فقد ظهر من خلال هذا البحث أن للقنوجي شخصيته في التفسير والاستنباط.
4 -
عند موازنة استنباطات الشوكاني باستنباطات المفسرين ظهرت عنايتهم بالاستنباطات التربوية، ولحاجة الناس إلى هذا النوع في تزكية نفوسهم وتربيتها؛ فإن البحث يوصي بجمع هذه الاستنباطات ودراستها وتقريبها إلى الناس بكل وسيلة تعين على ذلك.
هذا، والله تعالى أسأل أن يتقبل عملي هذا، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ما فيه من خطأ وزلل، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص الرسالة
الحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده
…
أما بعد، فهذا ملخص لهذه الرسالة العلمية.
عنوان الرسالة: استنباطات الشوكاني في تفسيره "فتح القدير" جمعا ودراسة.
المرحلة: دكتوراه.
اسم الباحثة: خلود شاكر فهيد العبدلي.
اسم المشرف: د. يوسف بن عبد العزيز الشبل.
أما خطة البحث فهي على النحو الآتي:
يتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، تعقبهما الخاتمة، والفهارس.
• المقدمة: وتتضمن: أهمية موضوع البحث وأسباب اختياره، وأهداف البحث، وحدوده، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهج البحث.
• التمهيد: ويشمل:
أولاً: تعريف الاستنباط، ونشأته.
ثانياً: أهميته، وعلاقته بالتفسير.
ثالثاً: التعريف بالشوكاني.
رابعاً: التعريف بتفسير "فتح القدير" للشوكاني.
• الباب الأول: منهج الشوكاني في الاستنباط من خلال تفسيره "فتح القدير".
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أقسام الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط. وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: الاستنباطات في التفسير.
المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.
المطلب الثالث: الاستنباطات العقدية.
المطلب الرابع: الاستنباطات الأصولية.
المطلب الخامس: الاستنباطات الفقهية.
المطلب السادس: الاستنباطات اللغوية.
المطلب السابع: الاستنباطات في الرقائق.
المطلب الثامن: الاستنباطات التربوية السلوكية.
المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه وخفائه.
المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.
الفصل الثاني: دلالات وطرق الاستنباط عند الشوكاني في تفسيره. وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).
المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).
المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.
المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.
المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.
المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.
الفصل الثالث: القيمة العلمية لاستنباطات الشوكاني. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تأثر الشوكاني باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.
المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشوكاني.
• الباب الثاني: جمع ودراسة استنباطات الشوكاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.
وفيه جمع استنباطات الشوكاني الواردة في تفسيره مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم، ثم دراستها وتحليلها والحكم عليها.
• الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث، وتوصياته.
• الفهارس، وهي:
• فهرس الآيات القرآنية.
• فهرس المعاني المستنبطة. (مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها).
• فهرس الأحاديث والآثار.
• فهرس الأعلام.
• ثبت المصادر والمراجع.
• فهرس الموضوعات والمسائل العلمية.
أما النتائج المتوصل إليها فأهمها:
1 -
بلغت استنباطات الشوكاني مائتين وتسعة عشر استنباطا في موضوعات شتى.
2 -
تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشوكاني حتى بلغت أربعة عشر نوعا، وهذه الأنواع متفاوتة قلة وكثرة. وتعد أكثر الاستنباطات عنده في علوم القرآن. مع التنبه إلى أنه لا يلزم أن يكون موضوع الاستنباط واحدا، إذ يصح أن يكون الاستنباط الواحد في موضوعين أو أكثر.
3 -
استنبط الشوكاني من القرآن الكريم استنباطات كثيرة بدلالات مختلفة، وطرق متنوعة، هي كدلالات أصول الفقه، ودلالات علوم القرآن، والدلالات العامة، وبعض قواعد الاستنباط. مع التنبه إلى أن طريق الاستنباط يمكن أن يكون طريقين أو أكثر.
4 -
ترتيب دلالات الاستنباط عند الشوكاني حسب الأكثر استعمالا كما يلي: أكثرها استعمالا دلالات علوم القرآن، ثم دلالة مفهوم المخالفة، ثم دلالة مفهوم الموافقة، ثم دلالة الالتزام، ثم دلالة التركيب، ثم دلالة الاقتران، ثم دلالة السياق، وأخيرا دلالة التضمن، ودلالة عدم الذكر.
5 -
يتمثل موقف الشوكاني من استنباطات من سبقه في ثلاثة مواقف:
الأول: الاستنباطات التي نقلها دون أن يظهر معها ما يدل على موافقته أو رده لها.
الثاني: الاستنباطات التي ردها ردا صريحا.
الثالث: الاستنباطات التي تأثر فيها بمن سبقه. وهذه على قسمين:
أحدهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره وصرح بذكره.
ثانيهما: الاستنباطات التي تأثر فيها بغيره ولم يصرح بذكره.
6 -
تأثر الشوكاني باستنباطات بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في مواضع قليلة، كما تأثر في الاستنباط بعدد من المفسرين في كثير من المواضع، ويمكن ترتيب المفسرين حسب الأكثر تأثيرا في استنباطات الشوكاني على النحو التالي: القرطبي - وهو أكثر من تأثر به، إذ أن ما يقارب نصف استنباطات الشوكاني أفادها من القرطبي- ثم أبو السعود، ثم الرازي، ثم البيضاوي، ثم ابن عطية والبقاعي، وأخيرا الزجاج.
7 -
الشوكاني ليس معارضا للمناسبة، بل هو من المؤيدين لها.
8 -
تميزت استنباطات الشوكاني بأمور، أبرزها:
أ - أنه انفرد بأربعة عشر استنباطا.
ب - تميز عدد كبير من استنباطات الشوكاني باستنباط المناسبات الخفية بأنواعها المختلفة، وإذا ما نظرنا إلى هذا العدد الكبير من استنباطات المناسبات الخفية وضممناها إلى المناسبات الظاهرة التي يعتني بها الشوكاني كثيرا في تفسيره -والتي لا تدخل ضمن الاستنباطات-؛ فيمكن عد تفسير الشوكاني مصدرا من مصادر معرفة المناسبات.
ت - يستنبط الشوكاني من الآية الواحدة استنباطين.
ث - يستنبط المعنى الواحد أو القريب من مواضع مختلفة مثل: استنباط ذم التقليد والمنع منه من آيات مختلفة، وبدلالات متنوعة.
ثبت
ا
لمصادر والمراجع
- أ-
1 -
الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، عبد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي، تحقيق: رضا بن نعسان معطي، دار الراية، الطبعة الثانية، الرياض، 1415 هـ.
2 -
أبجد العلوم، صديق حسن القنوجي، تحقيق: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978 م.
3 -
إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، شهاب الدين أحمد بن محمد الدمياطي، تحقيق: أنس المهرة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1419 هـ.
4 -
الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: أحمد بن علي، دار الحديث، القاهرة، 1425 هـ/ 2004 م.
5 -
أحكام القرآن، أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1425 هـ/ 2004 م.
6 -
أحكام القرآن، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث، بيروت، 1405 هـ.
7 -
أحكام القرآن، عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بإلكيا الهراسي، المكتبة العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1403 هـ.
8 -
أحكام القرآن، عبد المنعم بن عبد الرحيم ابن الفرس، تحقيق: طه بو سريج، منجية بنت الهادي السوايحي، صلاح الدين بو عفيف، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، 1427 هـ.
9 -
أحكام القرآن، محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، 1400 هـ.
10 -
الإحكام في أصول الأحكام، علي بن أحمد الآمدي، تحقيق: سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1404 هـ.
11 -
أدب الطلب ومنتهى الأرب، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الله يحيى السريحي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، 1419 هـ.
12 -
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود محمد بن محمد العمادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
13 -
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، 1425 هـ.
14 -
أسباب نزول القرآن، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، رواية: بدر الدين أبي نصر محمد عبد الله الأرغياني، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، الميمان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الرياض، 1426 هـ/ 2005 م.
15 -
الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، الطبعة الأولى، بيروت، 1412 هـ.
16 -
أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الاثير، تحقيق: عادل أحمد الرفاعي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1417 هـ/ 1996 م.
17 -
أسرار التكرار في القرآن، محمود بن حمزة الكرماني، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، دار الفضيلة، القاهرة.
18 -
أسماء الله الحسنى في خواتم آيات سورة الفاتحة والبقرة، د. علي العبيد، دار العاصمة، الطبعة الأولى، الرياض، 1418 هـ.
19 -
الأسماء والصفات، أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي، الطبعة الأولى، جدة، 1413 هـ.
20 -
الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية، نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1423 هـ.
21 -
الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، 1412 هـ/ 1992 م.
22 -
أصول السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، عنيت بنشره لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن بالهند، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1414 هـ/ 1993 م.
23 -
أصول في التفسير، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الثالثة، الدمام، 1430 هـ.
24 -
الأصول والفروع، حقيقتهما، والفرق بينهما، والأحكام المتعلقة بهما، دراسة نظرية تطبيقية، سعد بن ناصر الشثري، دار كنوز إشبيليا، الطبعة الأولى، الرياض، 1426 هـ/ 2005 م.
25 -
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1417 هـ/ 1996 م.
26 -
اعتقاد أهل السنة، أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، 1402 هـ.
27 -
الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة، لبنان، 1980 م.
28 -
إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر أيوب ابن القيم، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت، 1973 م.
29 -
الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني، تحقيق: علي مهنا، وسمير جابر، دار الفكر، بيروت.
30 -
الإكليل في استنباط التنزيل، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عامر بن علي العرابي، دار الأندلس الخضراء، الطبعة الأولى، جدة، 1422 هـ.
31 -
الأم، محمد
ب
ن إدريس الشافعي، دار المعرفة، الطبعة الثانية، بيروت، 1393 م.
32 -
أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات، عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه، دار المنهاج، الطبعة الأولى، جدة، 1427 هـ/ 2007 م.
33 -
الإمام الشوكاني حياته وفكره، عبد الغني قاسم الشرجي، مؤسسة الرسالة، مكتبة الجيل الجديد، الطبعة الأولى، بيروت، صنعاء، 1408 هـ.
34 -
إمعان النظر في نظام الآي والسور، محمد عناية الله سبحاني، دار عمار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، عمَّان، 1424 هـ.
35 -
إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات، أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، المكتبة العلمية، باكستان.
36 -
الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 1421 هـ/ 2001 م.
37 -
أنوار التنزيل وأسرار التأويل، أبو سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي، دار الفكر، بيروت.
38 -
أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، قاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي، تحقيق: د. أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي، الطبعة الأولى، دار الوفاء، جدة، 1406 هـ.
39 -
أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة السادسة، المدينة المنورة، 1423 هـ.
40 -
إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، تحقيق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، 1390/ 1971 م.
- ب-
41 -
بحر العلوم، أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي، تحقيق: محمود مطرجي، دار الفكر، بيروت.
42 -
البحر المحيط، أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي. دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1423 هـ/ 2002 م.
43 -
البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، حرره: عبد القادر العاني، راجعه: د. عمر الأشقر، وزارة الأوقاف والشؤؤن الإسلامية، الطبعة الثانية، الكويت، 1413 هـ.
44 -
بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا وآخرون، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى، مكة المكرمة، 1416 - 1996.
45 -
البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى، مصر، 1417 هـ.
46 -
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني،
ت
حقيق: محمد حسن حلاق، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، دمشق، 1427 هـ.
47 -
البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، عبد الفتاح القاضي، دار السلام، الطبعة الأولى، القاهرة، 1429 هـ.
48 -
البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: يوسف عبد الرحمن مرعشلي، جمال حمدي الذهبي، إبراهيم عبد الله الكردي. دار المعرفة، الطبعة الثانية، بيروت، 1415 هـ/ 1994 م.
49 -
بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة، عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب، القاهرة، 1420 هـ.
50 -
بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1425 هـ/ 2004 م.
51 -
بلوغ المنى في حكم الاستمنى، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الله صالح الوادعي، دار الآثار، الطبعة الأولى، صنعاء، 1423 هـ/ 2002 م.
- ت-
52 -
التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، محمد صديق حسن القنوجي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الأولى، قطر، 1428 هـ.
53 -
تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1407 هـ.
54 -
التاريخ الصغير، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، مكتبة دار التراث، الطبعة الأولى، حلب، القاهرة: 1397 هـ/ 1977 م.
55 -
التاريخ الكبير، محمد بن إسماعيل البخاري. تحقيق: هاشم الندوي. دار الفكر، بيروت.
56 -
التبيان في إعراب القرآن، أبو البقاء العكبري، تحقيق: علي محمد البجاوي، مكتبة عيسى البابي الحلبي.
57 -
التبيان في أقسام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، دار الفكر.
58 -
التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1420 هـ/ 2000 م.
59 -
التحف في مذاهب السلف، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: سيد عاصم علي، دار الصحابة للتراث، الطبعة الأولى، طنطا، 1409 هـ.
60 -
تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، محمد بن علي الشوكاني، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، بيروت، 1408 هـ.
61 -
تذكرة الحفاظ (أطراف أحاديث كتاب المجروحين لابن حبان)، محمد بن طاهر بن القيسراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي، دار الصميعي، الطبعة الأولى، الرياض، 1415 هـ.
62 -
تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي في التفسير، تحقيق: محمادي عبد السلام الخياطي، الطبعة الأولى، 1418 هـ.
63 -
التسهيل لعلوم التنزيل، محمد بن أحمد بن محمد بن جُزَي الغرناطي الكلبي، دار الكتاب العربي، الطبعة الرابعة، لبنان، 1403 هـ/ 1983 م.
64 -
التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1405 هـ.
65 -
تفسير ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية، صيدا.
66 -
تفسير أسماء الله الحسنى، إبراهيم بن السري الزجاج، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، الطبعة الخامسة، دمشق، بيروت، 1406 هـ.
67 -
تفسير أبي بكر الأصم، دراسة وتحقيق: د. خضر محمد نبها، تقديم: د. رضوان السيد، دار الكتب العلمية، بيروت.
68 -
التفسير البياني للقرآن الكريم، عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، دار المعارف، الطبعة السابعة، القاهرة.
69 -
تفسير الجلالين، جلال الدين أحمد بن محمد المحلي، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار السلام للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1422 هـ.
70 -
تفسير جزء عم، محمد بن صالح بن عثيمين، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، بيروت، 1424 هـ.
71 -
تفسير ابن عرفة، محمد بن محمد بن عرفة الورغمي، تحقيق: جلال الأسيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 2008 م.
72 -
تفسير سورة آل عمران، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، 1426 هـ.
73 -
تفسير السور من الحجرات إلى الحديد، محمد بن صالح بن عثيمين، دار الثريا، الطبعة الأولى، الرياض، 1425 هـ
74 -
تفسير سورة الصافات، محمد بن صالح بن عثيمين، دار الثريا، الطبعة الأولى، الرياض، 1424 هـ. ـ
75 -
تفسير سورة الفاتحة، والبقرة، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، الدمام، 1431 هـ.
76 -
تفسير سورة المائدة، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، 1432 هـ.
77 -
تفسير سورة النساء، محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، 1430 هـ.
78 -
تفسير سورة يس، محمد بن صالح بن عثيمين، دار الثريا، الطبعة الثانية، الرياض، 1424 هـ. ـ
79 -
تفسير القرآن العزيز، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس غنيم، دار الوطن، الطبعة الأولى، الرياض، 1418 هـ/ 1997 م.
80 -
تفسير القرآن العزيز، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: مصطفى مسلم محمد. مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، الرياض، 1410 هـ.
81 -
تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: د. حكمت بشير ياسين، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1431 هـ.
82 -
التفسير الكبير، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت،، 1421 هـ.
83 -
تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الأولى، مصر، 1365 هـ.
84 -
تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، محمد أديب صالح، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، بيروت، 1413 هـ.
85 -
التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، دار الكتب الحديثة، الطبعة الثانية، مصر، 1396 هـ/ 1976 م.
86 -
تقريب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي،
تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد، الطبعة الأولى، سوريا، 1406 هـ - 1986 م.
87 -
تناسق الدرر في تناسب السور، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1406 هـ/ 1986 م.
88 -
تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عماد الدين أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، دار النهضة الحديثة، بيروت.
89 -
تهذيب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت، 1404 هـ/ 1984 م.
90 -
توحيد الألوهية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية.
91 -
التوقيف على مهمات التعاريف، محمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت، دمشق 1410 هـ.
92 -
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت، 1423 هـ/ 2002 م.
-
ث
-
93 -
الثقات، م
ح
م
د
بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1395 - 1975.
-
ج
-
94 -
جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1424 هـ.
95 -
جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت، 1408 هـ.
96 -
الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، الطبعة الخامسة، بيروت، 1423 هـ/ 2003 م.
97 -
جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، دار العروبة، الطبعة الثانية، الكويت، 1407 - 1987.
98 -
جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار، عبد القادر بن أحمد بدران، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1420 هـ.
99 -
الجواهر الحسان في تفسير القرآن، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
- ح-
100 -
الحاوي للفتاوى، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ، 1983 م.
101 -
الحجة في القراءات السبع، أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1420 هـ/ 1999 م.
102 -
حجة القراءات، أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، بيروت، 1399 هـ/ 1979 م.
103 -
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، محمد الأمين بن عبد الله الأرمي الهرري، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1421 هـ.
104 -
الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، أبو يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، تحقيق: د. مازن المبارك، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى، بيروت، 1411 هـ.
105 -
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، جلال الدين السيوطي، مطبعة الموسوعات.
106 -
حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج، عبد الحميد الشرواني، وأحمد بن قاسم العبادي، شهاب الدين أحمد ابن حجر الهيتمي، مطبعة مصطفى محمد.
- د-
107 -
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، تحقيق: أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق.
108 -
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت، 1993 م.
109 -
الدر النضيد في إخلاص التوحيد، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: أبو عبد الله الحلبي، دار ابن خزيمة، الطبعة الأولى، الرياض، 1414 هـ.
110 -
درء تعارض العقل والنقل، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض، 1391 هـ.
111 -
الد
ر
ر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، الحافظ شهاب الدين ابن حجر الع
س
قلاني، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، 1392 هـ/ 1972 م.
112 -
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، محمد الأمين الشنقيطي، اعتنى به: عمر السلامي، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1420 هـ.
113 -
ديوان الشوكاني "أسلاك الجوهر" والحياة الفكرية والسياسية في عصره، تحقيق حسين عبد الله العمري، دار الفكر، الطبعة الثانية، سوريا، 1409 هـ.
- ر-
114 -
روح البيان في تفسير القرآن، إسماعيل حقي الخلوتي البروسوي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت، 1430 هـ.
115 -
روح المعاني روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبو الفضل شهاب الدين محمود الآولسي، دار إحياء التراث بيروت.
116 -
روضة الناظر وجنة المناظر، موفق الدين أبي عبد الله أحمد بن قدامة، قرأه وعلق عليه ووثق نصوصه: د. سعد بن ناصر الشثري، دار الحبيب، الطبعة الأولى، الرياض، 1422 هـ.
-
ز
-
117 -
زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، 1423 هـ/ 2002 م.
118 -
زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم، تحقيق: خليل شيحا، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت، 1427 هـ.
119 -
زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.
- س-
120 -
السراج المنير، محمد بن أحمد الشربيني، دار الكتب العلمية، بيروت.
121 -
سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.
122 -
سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.
123 -
سنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ - 1994 م.
124 -
سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
125 -
السنن الكبرى، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت.
126 -
سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
127 -
سير أعلام النبلاء، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق:
ش
عيب الأرناؤوط، ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، بيروت، 1413 هـ.
128 -
السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1405 هـ.
- ش-
129 -
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن العماد الحنبلي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.
130 -
شرح ديوان الحماسة، أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي، تحقيق: أحمد أمين وعبد السلام هارون، دار الجيل، الطبعة الأولى، 1411 هـ.
131 -
شرح ديوان عنترة، الخطيب التبريزي، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه مجيد طراد، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1412 هـ.
132 -
شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، بيروت، 1391 هـ.
133 -
شرح منظومة القلائد البرهانية في علم الفرائض، محمد بن
ص
الح العثيمين، دار الوطن، الطبعة الأولى، الرياض، 1429 هـ.
134 -
شرح الورقات في أصول الفقه، جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، قدمه وعلق عليه: د. حسام الدين عفانة، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية، الرياض، 1427 هـ.
135 -
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي، دار الفكر، بيروت، 1398 هـ - 1978 م.
136 -
شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت/ 1410 هـ.
137 -
الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية، ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه، أحمد بن حجر آل أبو طامي، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، الرياض، 1419 هـ/ 1999 م.
- ص-
138 -
صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، ودار اليمامة، الطبعة الثالثة، بيروت، 1407 هـ/ 1987 م.
139 -
صحيح ابن حبان، أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، بيروت، 1414 هـ/ 1993 م.
140 -
صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي، بيروت.
141 -
صحيح مسلم بشرح النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 1392 هـ.
142 -
صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن ال
ع
ظيم، عبد الرحمن بن محمد الدوسري، دار المغني، ال
ط
بعة الأولى، 1425 هـ.
143 -
الصلاة وحكم تاركها، وسياق صلاة النبي من حين كان يكبر إلى أن يفرغ منها، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي، الجفان والجابي - دار ابن حزم، الطبعة الأولى، قبرص، بيروت، 1416 - 1996.
- ط-
144 -
طبقات الحفاظ، أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1403 هـ.
145 -
طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، و د. عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1413 هـ.
146 -
الطبقات الكبرى، أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، دار صادر، بيروت.
147 -
طبقات المفسرين، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى، القاهرة، 1396 م.
148 -
طبقات المفسرين، محمد بن علي الداودي، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية، القاهرة، 1415 هـ/ 1994 م.
149 -
طريق الهجرتين وباب السعادتين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الطبعة الثانية، الدمام، 1414 هـ - 1994 م.
- ع-
150 -
العجاب في بيان الأسباب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، 1422 هـ.
151 -
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق: زكريا علي يوسف، دار الكتب العلمية، بيروت.
152 -
العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، تحقيق: د. أحمد سير مباركي، الطبعة الثانية، 1420 هـ.
-
غ
-
153 -
غاية النهاية
ف
ي طب
ق
ات القراء، شمس الدين أبو الخير محمد بن الجزري، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، بيروت، 1402 هـ/ 1982 م.
154 -
غرائب القرآن ورغائب الفرقان، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، تحقيق: زكريا عميران، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1416 هـ - 1996 م.
- ف-
155 -
الفتاوى الكبرى، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: حسنين محمد مخلوف، دار المعرفة، الطبعة الأولى، بيروت، 1386 هـ.
156 -
فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ.
157 -
فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق بن حسن القنوجي، المكتبة العصرية، صيدا، 1412 هـ.
158 -
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت.
159 -
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (أخرى)، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الوفاء، الطبعة الأولى، المنصورة، 1415 هـ.
160 -
الفرْق بين الفِرَق، أبو منصور عبد القاهر البغدادي، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثانية، بيروت، 1977 م.
161 -
الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم، محمد بن عبد الرحمن الشايع، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، الرياض، 1414 هـ.
162 -
فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، اعتنى به: أبو محمد أشرف عبد المقصود، أضواء السلف، الطبعة الأولى، الرياض، 1420 هـ/ 2000 م.
- ق-
163 -
القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي، شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الثانية، مصر، 1371 هـ/ 1952 م.
164 -
قانون التأويل، أبو بكر ابن العربي، تحقيق: محمد السليماني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت، 1990 م.
165 -
قطر الولي على حديث الولي (ولاية الله والطريق إليها)، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: إبراهيم هلال، دار الكتب الحديثة، مصر.
166 -
القطع والائتناف أو الوقف والابتداء، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1423 هـ/ 2002 م.
167 -
قطف الأزهار في كشف الأسرار، جلال الدين السيوطي، تحقيق: د. أحمد محمد الحمادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الأولى، قطر، 1414 هـ.
168 -
قواعد التفسير جمعاً ودراسة، خالد بن عثمان السبت، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، القاهرة، 1421 هـ
169 -
القواعد الحسان لتفسير القرآن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة الرشد، الطبعة الثالثة، الرياض، 1424 هـ.
170 -
القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، د. صالح السدلان، دار بلنسيه، الطبعة الأولى، الرياض، 1417 هـ.
171 -
القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، محمد مصطفى الزحيلي، دار الفكر، الطبعة الأولى، دمشق، 1427 هـ - 2006 م.
172 -
القول المفيد القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن عبد الخالق، دار القلم، الكويت، 1396 هـ.
-
ك
-
173 -
كتاب ا
ل
عين، الخليل بن أح
م
د الفراهيدي، تحقيق: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.
174 -
الكتاب المختار في معاني قراءات أهل الأمصار، أبو بكر أحمد بن إدريس، تحقيق: عبد العزيز الجهني، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، الرياض، 1428 هـ.
175 -
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، بيروت،، 1421 هـ، 2001 م.
176 -
كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، تحقيق: عبد الله محمود محمد عمر. دار الكتب العلمية، بيروت، 1418 هـ - 1997 م.
177 -
كشف المعاني في المتشابه من المثاني، بدر الدين ابن جماعة، تحقيق: ناصر القطامي، آيات للنشر والتوزيع، الرياض، 1432 هـ.
- ل-
178 -
لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي محمد البغدادي الخازن، مكتبة المثنى، بغداد.
179 -
اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1419 هـ -1998 م.
180 -
لباب النقول في أسباب النزول، أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار إحياء العلوم، بيروت.
181 -
لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي، دار صادر، الطبعة الأولى، بيروت.
- م-
182 -
مباحث أصولية في تقسيمات الألفاظ، محمد عبد العاطي محمد علي، دار الحديث، القاهرة.
183 -
المجموع شرح المهذب، محيي الدين بن شرف النووي، دار الفكر، بيروت، 1997 م.
184 -
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي، وابنه محمد، مكتبة المعارف.
185 -
محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1418 هـ/ 1997 م.
186 -
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، 1423 هـ/ 2002 م.
187 -
مختار الصحاح، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، لبنان ناشرون، بيروت، 1415 هـ/ 1995 م
188 -
مدارك التنزيل وحقائق التأويل، عبد الله بن أحمد النسفي، تحقيق: مروان محمد الشعار، دار النفائس، الطبعة الأولى، بيروت، 1416 هـ/ 1996 م.
189 -
مذكرة أصول الفقه، محمد الأمين الشنقيطي، تحقيق: أبي حفص سامي العربي، دار الفاروق، الطبعة الأولى، مصر، 1430 هـ.
190 -
المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1411 هـ- 1990 م.
191 -
مسند أحمد، أبو عبدالله أحمد بن حنبل الشيباني، مؤسسة قرطبة، مصر.
192 -
المسودة في أصول الفقه، آل تيمية، جمعه وبيضه ونسقه: أحمد بن محمد العلاني الحراني، المكتبة العصرية، الطبعة الأولى، بيروت، 2008 م.
193 -
مشكل إعراب القرآن، أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، بيروت، 1405 هـ.
194 -
معارج القبول، حافظ حكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، الدمام، 1410 هـ.
195 -
معالم التنزيل، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: خالد محمد العك. دار المعرفة، بيروت.
196 -
معاني القرآن، أبو جعفر النحاس، تحقيق: محمد علي الصابوني، جامعة أم القرى، الطبعة الأولى، مكة المكرمة، 1409 هـ.
197 -
معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، محمد على نجار، عبدالفتاح إسماعيل شلبى، دارالمصرية.
198 -
معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق إبراهيم السَّرِي بن سَهل الزجاج، تحقيق: عبد الجليل عبد شلبي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، بيروت، 1408 هـ - 1988 م.
199 -
معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار الفكر، يروت.
200 -
معجم الشعراء، أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت، 1402 هـ.
201 -
معجم الشعراء المخضرمين والأمويين، عزيزة فوال، دار صادر، الطبعة الأولى، لبنان، 1998 م.
202 -
معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002 م، كامل سلمان الحبوري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، لبنان، 1424 هـ.
203 -
المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، الموصل، 1404 هـ- 1983 م.
204 -
معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت، 1414 هـ/ 1993 م.
205 -
معجم المفسرين من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، عادل نويهض، مؤسسة نويهض الثقافية، الطبعة الثالثة، 1409 هـ.
206 -
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف، شعيب الأرناؤوط، صالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، بيروت، 1404 هـ.
207 -
المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت، 1405 هـ.
208 -
مفاتيح الأغاني في القراءات والمعاني، أبو العلاء الكرماني، تحقيق: عبد الكريم مصطفى مدلج، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بيروت، 1422 هـ/ 2001 م.
209 -
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر أيوب ابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.
210 -
مفهوم التفسير، والتأويل، والاستنباط، والتدبر، والمفسر، د. مساعد بن سليمان الطيار، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، الدمام، 1423 هـ.
211 -
مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، بيروت، دار الفكر، 1399 هـ/ 1979 م.
212 -
المقدمات الأساسية في علوم القرآن، عبد الله يوسف الجديع، مؤسسة الريان، الطبعة الرابعة، بيروت، 1429 هـ.
213 -
مقدمة في أصول التفسير، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، اعتنى به: فواز زمرلي، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، بيروت، 1418 هـ.
214 -
المكتفى في الوقف والابتدا، أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد بن عثمان، تحقيق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، دار عمار، الطبعة الأولى، عمان، 1422 هـ/ 2001 م.
215 -
الملل والنحل، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، 1404 هـ.
216 -
منار الهدى في بيان الوقف والابتدا، ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء، أحمد بن محمد الأشموني، وزكريا بن محمد الأنصاري، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1422 هـ/ 2002 م.
217 -
مناهج المفسرين، منيع عبد الحليم محمود، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، القاهرة، بيروت، 1421 هـ/ 2000 م.
218 -
منهاج السنة النبوية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، 1406 هـ.
219 -
منهج الاستنباط من القرآن الكريم، فهد مبارك الوهبي، مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، الطبعة الأولى، جدة،، 1428 هـ.
220 -
الموافقات في أصول الفقه، إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي المالكي، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت.
221 -
الم
و
سوع
ة
الطبية الفقهية، أحمد ك
ن
عان، دار النفائس، بيروت.
222 -
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف: د. مانع الجهني، دار الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الطبعة الرابعة، 1420 هـ.
223 -
الموطأ، أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
- ن-
224 -
النبوات، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، المطبعة السلفية، القاهرة، 1386 هـ.
225 -
النشر في القراءات العشر، أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري، دار الكتاب العربي.
226 -
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 هـ - 1995 م.
227 -
نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، محمد بن علي القصاب، تحقيق: علي غازي التويجري، وإبراهيم منصور الجنيدل، وشايع عبده الأسمري، دار ابن القيم، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، الدمام، القاهرة، 1424 هـ.
228 -
النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، مكتبة الإمام الذهبي، الطبعة الثانية، الكويت، 1421 هـ.
229 -
نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار، شرح منتقى الأخبار، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، دار الجيل، بيروت، 1973 م.
- هـ-
230 -
هدية العارفين (أسماء المؤلفين، وآثار المصنفين)، إسماعيل باشا البغدادي، وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية، دار إحياء التراث العربي، استانبول، بيروت، 1951 م.
- و-
231 -
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، محمد مصطفى الزحيلي، دار الخير، الطبعة الأولى، دمشق، 1425 هـ.
232 -
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق: صفوان داوودي، دار القلم، الطبعة الأولى، دمشق، بيروت، 1415 هـ.
الرسائل العلمية، والبحوث المحكمة
233 -
أثر الدلالات اللغوية في التفسير عند الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير، مشرف بن أحمد الزهراني، إشراف: د. أمين عطيه باشه، دكتوراه، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1426 هـ/ 1427 هـ.
234 -
الإمام الشوكاني مفسرا، محمد حسن الغماري، إشراف: السيد أحمد صقر، دكتوراه، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، مكة المكرمة، 1400 هـ.
235 -
اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير عرضا ودراسة، من أول سورة الكهف إلى نهاية سورة الناس، فايز حبيب الترجمي، إشراف: أ. د: عبد الله عمر الشنقيطي، دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1419 هـ/ 1420 هـ.
236 -
اختيارات الشوكاني في التفسير من خلال كتابه فتح القدير من أول الكتاب إلى آخر سورة الإسراء، عرض ودراسة، علي حميد السناني، إشراف: د. محمد بكر آل عابد، دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1418 هـ/ 1419 هـ.
237 -
استنباطات السعدي من القرآن الكريم عرضا ودراسة، سيف الحارثي، إشراف: أ. د. سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1430 هـ.
238 -
سد الذرائع وعلاقتها بمقاصد الشريعة، محمد بن سعد المقرن، مجلة وزارة العدل السعودية، العدد 41، شهر محرم، 1430 هـ.
239 -
علوم القرآن عند الشوكاني جمعا ودراسة، إيمان محمد الصميل، إشراف: د. بدر بن ناصر البدر، ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1428 هـ.
240 -
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب من أوله إلى الآية 117 من سورة البقرة، الحسين بن محمد بن عبد الله الطِّيْبِي، تحقيق: د. صالح الفايز، إشراف: أ. د. حكمت بشير ياسين، دكتوراه، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1413 هـ.
241 -
قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، د. أحمد بن عبد الله الضويحي، بحث محكم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، الرياض، 1428 هـ.
242 -
قاعدة "درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة": دراسة أصوليّة فقهيّة، د. حسن بن إبرهيم الهنداوي، من الشبكة العنكبوتية.
243 -
معالم الاستنباط في التفسير، نايف بن سعيد الزهراني، مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية، جدة، العدد الرابع، ذو الحجة، 1428 هـ.
244 -
منهج الإمام الشوكاني في العقيدة، عبد الله نومسوك، مكتبة دار القلم والكتاب.
245 -
منهج الشيخ الألوسي في تفسيره روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، عبد الله ربيع جنيد، إشراف: عصام العبد زهد، ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، 1432 هـ.
246 -
موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات، د. أحمد بن محمد الشرقاوى، جامعة الأزهر، 1425 هـ.
الشبكة المعلوماتية
247 -
الأدلة الشرعية في إثبات صرع الشيطان للإنسان، والرد على المنكرين، د. صالح الرقب، الجامعة الإسلامية، غزة.
248 -
بلاغة أسلوب الفصل والوصل في القرآن، د. مسرت جمال، مجلة الداعي الهندية، العدد 7، رجب، 1431 هـ.
249 -
خواطري حول القرآن، محمد متولي الشعرواي.
250 -
المرتبع الأسنى في رياض الأسماء الحسنى من كتب ابن القيم، عبد العزيز الداخل.
251 -
{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ، د. عبد العزيز كامل، مجلة البيان، العدد 293، شهر محرم، 1433 هـ.