الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فاتحة الكتاب
الحمدُ لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على سيّد الأولين والآخرين، سيّدنا ونبيّا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين .... وبعد:
1 ــ فهذه تقييدات طريفة، وحواش نافعة ــ إن شاء الله ــ لطيفة، على كتابي "مختصر الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم" للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدّمشقي، المولود سنة: 701 هـ، والمتوفى سنة: 774 هـ رحمه الله تعالى.
2 ــ وكتاب "الفصول في سيرة الرسول" يعد من أحسن كتب السيرة المختصرة، وقد تحرَّى مؤلفُه صحة المرويات غالباً، وأجاد في عرض الحوادث، وكتابتها بأسلوب واضح مليح.
3 ــ لكنه رغم ذلك لم يسلم من بعض المآخذ، خاصة خوضه في بعض الزوائد والاستطرادات في الأحداث، وتفصيله أحياناً في بعض المسائل المتعلقة بالأنساب، وإيراد الأشعار، وتنبيهه على الخلافات الفقهية داخل المذهب الشافعي .. فضلاً عن كونه ختم الكتاب بفصول مطولة في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وخصائصه ..
هذه الزوائد دفعتني إلى اختصار الكتاب قبل شرحه؛ أولاً: لأن الاختصار
هو سمة هذا الزمان ومطلب أكثر أبنائه، وثانياً: لأنني أرى أن التفاصيل والاستطرادات تشوش ذهن القارئ، وتشتت انتباهه، وتقطع مقدرته على متابعة الحوادث الأساسية.
4 ــ لكنني ومع هذا لم أختصر من الكتاب إلا القليل
(1)
، وقد حافظتُ على نصّ المؤلف كما هو، ولم أغيّر منه حرفاً، بحيث يمكن للقارئ والباحث أن يعزو منه إلى ابن كثير وهو مطمئن إن شاء الله.
والشيء الوحيد الذي أضفته إلى كلام المصنف هو عناوين الفصول والمقاطع، فقد أغفل المصنف كتابتها، واجتهدت في وضع ما يناسب منها ويعبر عنها باللون الأحمر.
5 ـ وأما عن منهجي في الشرح والتعليق، فإني أُثبت نصَّ المصنف أولاً كما هو بخط بارز بين قوسين.
ثم أشرحُ منه ما يحتاج إلى شرح وإيضاح، وأوثق ما يذكره من حوادث السيرة من مصادرها الأصلية، وبيان درجة كل حادثة من حيث الصحة أو الضعف، حسب قواعد علم الحديث المرعيّة، مع توجيه ما قد يقع في كلام المصنف من عبارة مشكلة، أو تعقبه فيما رأيت الصواب في خلافه.
كل هذا أكتبه على ضوء ما حرره أئمة هذا الشأن، كالإمام ابن إسحاق صاحب السيرة، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من أهل العلم المعتبرين المختصين.
(1)
إلا فصوله الأخيرة المتعلقة بالمعجزات والشمائل والخصائص فقد حذفتها كلها، وفي رأيي أن إفرادها بتأليف مستقل هو الأفضل، لأنها من مكملات السيرة النبوية وليست من صلبها.
وبما أن كتاب "السيرة النبوية" لابن إسحاق مفقودٌ معظمه فإن الإحالة إليه تكون في الأغلب عن طريق مختصره المعروف "بسيرة ابن هشام"، أو ما ينقله أهل العلم عنه، خاصة الطبري في تاريخه، والبيهقي في دلائله، فقد استوعبا كثيراً من سيرة ابن إسحاق ونصوصه.
6 ـ وقد رأيت ألّا أُخلي الشرح من بعض ما يستفاد ويستنبط من حوادث السيرة من فوائد فقهية وآداب تشريعية حسبما تيسر، لأنه باب يطول جداً.
7 ـ كذلك لم أُخله من تعقب بعض أباطيل المستشرقين في تفسير بعض حوادث السيرة وبيان ما في كلامهم من خطأ وخطل.
8 ــ وقد كنت كتبت مقدمة في التعريف بالسيرة النبوية وأهميتها والكلام على مصادرها مع ترجمة موجزة لابن كثير رحمه الله .. ثم تركت ذلك كله وأغفلته لكثرة ما كتب في هذا مما يستغنى به عن الإعادة.
9 ــ وقبل مغادرة المقدمة تجدر الإشارة إلى أن السيرة النبوية ليست مجرد قَصَص وحكايات، وحوادث وروايات، تُقرأ من أجل ترقيق القلوب واستجلاب العَبَرات!
هذا تصور قاصر للسيرة النبوية.
إن السيرة النبوية علمٌ قائمٌ بذاته، كعلم التوحيد والفقه، وعلم التفسير والأصول.
إن السيرة النبوية مصدر أساسي من مصادر التشريع في الإسلام، لاشتمالها على كثير من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته.
ومن ثم لا بد لمن يتحدث في السيرة أن يكون مؤهلاً في علم الحديث،
حتى يكون قادراً على دراسة أسانيد الروايات، وتمييز ما يصح منها مما لا يصح، وما يقبل منها مما لا يقبل.
ولا بد أن تكون له دُربة قويّة في علم الفقه وأصول الفقه حتى يكون قادراً على استنباط ما يستفاد من أحداث السيرة من أحكام تشريعية ودلالات عقدية وفقهية، ويستطيع أن يوفق بين ما قد يقع بين نصوصها أحياناً من تعارض وإشكالات.
ولا بد أن يكون على معرفة وإلمام بعلم التربية والاجتماع حتى يتمكن من انتزاع ما يقع في السيرة من آداب تربوية وفوائد سلوكية واجتماعية يحتاجها الفرد أو المجتمع.
وإذن فليست السيرة النبوية كلأً مباحاً يتحدث فيها من يشاء، كيف شاء.
وليست السيرة النبوية تخصص من لا تخصص له كما يحسب البعض؟!!
إن هذا كلام من لا يعرف السيرة النبوية، ولا يعرف قدرها وأهميتها وخطورتها ومكانتها في الإسلام.
10 ــ هذا وقد عنونت هذا الشرح بـ"حصول المأمول بشرح مختصر الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم". سائلاً المولى فيه القبول، وأن ييسر لي به إلى جنّة الخلد الوصول، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتبه: أ. د هاني فقيه
أستاذ الحديث وعلومه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
مقدمة المصنّف
قال المصنّف رحمه الله: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين: الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، شهادةَ من أخلص له قلبُه، وانجابت عنه أكدارُ الشّرك وصفا، وأقرّ له برقّ العبودية، واستعاذَ بهِ من شرّ الشيطان والهوى، وتمسّك بحبلِه المتين المنزَّل على رسوله الأمين؛ محمدٍ خيرِ الورى، صلواتُ الله وسلامُه عليه دائماً إلى يوم الحشر واللقا. ورضي الله عن أصحابِهِ وأزواجِهِ وذُرّيتِهِ وأتباعِهِ أجمعين، أولي البصائرِ والنُّهى.
أما بعد: فإنَّه لا يَجْمُل بأولي العلم إهمالُ معرفة الأيام النبويّةِ، والتواريخ الإسلامية، وهي مشتملةٌ على علومٍ جمّةٍ، وفوائدَ مهمّةٍ، لا يستَغني عالمٌ عنها، ولا يُعذَر في العِرْو منها.
وقد أحببتُ أنْ أُعلّق تذكرةً في ذلك لتكونَ مدخلاً إليه، وأنموذجاً وعوناً له وعليه، وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي.
وهي مشتملةٌ على ذكر نَسَبِ رسُولِ الله عليه الصلاة والسلام، وسيرتِه،
وأعلامِه
(1)
، وذكر أيامِ الإسلام بعده إلى يومنا هذا، مما تمسُّ حاجةُ ذوي الأرَبِ إليه، على سبيلِ الاختصارِ، إن شاء الله تعالى».
الكلام على مقدمة المصنف من وجوه:
1 ــ بدأ المصنف رحمه الله بمقدمة موجزة جداً، تحدّث فيها عن أهمية دراسة السيرة النبوية، ومعرفة التاريخ الإسلامي، وأنها مشتملة على علوم جمّة، وفوائد مهمّة، لا يستغني عنها عالِمٌ، ولا يُعذر بالجهل بها.
2 ــ ثم أشار إلى أنه يريد كتابة كتاب في ذلك، سماه تواضعاً بالتذكرة.
3 ــ لكن قوله بعد ذلك: "وهي مشتملة على ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته .. وذكر أيام الإسلام بعده إلى يومنا هذا"، هذه الجملة فيها إشكال، لأن ظاهرها يفيد أن الكتاب المصنف هذا لا يقتصر على السيرة النبوية فحسب، بل ويذكر أيضاً تاريخ الإسلام إلى عصر المؤلف!!
والذي بين أيدينا من الكتاب إنما هو مقتصر على حوادث السيرة وملحقاتها من الخصائص والشمائل، وليس فيه شيء من أيام الإسلام كما يفيده كلام المصنّف!!
ولعل أحسن ما يقال في الجواب عن هذا الإشكال: أن المصنّف ربما أراد ذكر حوادث السيرة وتاريخ الإسلام بعدها على وجه مختصر، ثم إنه عدل عن ذلك، واقتصر على قسم السيرة النبوية وملحقاتها فحسب، اكتفاء منه بكتابه الكبير الآخر، المسمَّى بالبداية والنهاية، حيث أسهب فيه وأطنب في الحديث عن حوادث التاريخ الإسلامي إلى عصره رحمه الله.
(1)
معجزاته.
وهناك من أهل العلم كالعلامة أحمد محمد شاكر (ت: 1377 هـ) من أبدى احتمال أن يكون قسم التاريخ من كتاب الفصول قد فُقد!! فقد قال رحمه الله: "إن المطبوع غير كامل يقيناً، فلا أدري اقتصر المؤلف على هذا القدر، أم فُقد باقي الكتاب؟ "
(1)
.
ومسألة فقدان شيء من الكتاب بعيد في نظري، لأن جميع من وصفوا الكتاب قالوا إنه سيرة صغيرة، كابن العماد الحنبلي في الشذرات
(2)
وغيره، ولم يشر أحدٌ منهم إلى ما أشار له الشيخ شاكر، أو قال إن الكتاب ناقص، والله تعالى أعلم.
(1)
عمدة التفسير 1/ 35.
(2)
شذرات الذهب 8/ 399.
فصل
نَسَبه
(1)
صلى الله عليه وسلم وأسمائه
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ قول المصنّف: "هو سيَد ولد آدم": هذا محلّ اتفاق بين العلماء، وقد دلت عليه النصوص الصريحة الثابتة كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة:«أنا سيّد الناس يوم القيامة»
(2)
.
2 ــ وقوله: "أبو القاسم": هذه كنيته صلى الله عليه وسلم، وقد تواترت النصوص بذلك كما قال الحافظ الذهبي
(3)
.
و"القاسم" هو أكبر أبنائه صلى الله عليه وسلم، ولد بمكة قبل النبوة، ومات بها طفلاً، وهو ابن سنتين. وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الولد في قول جمهور العلماء
(4)
: أولهم:
(1)
النَّسَب هو: سلسلة الآباء والأجداد الذين ينتمي إليهم الإنسان.
(2)
صحيح البخاري «4712» ، صحيح مسلم «327» .
(3)
تاريخ الإسلام 1/ 488.
(4)
ينظر سبل الهدى والرشاد 11/ 16.
القاسم، وقد تقدم الكلام حوله.
وثانيهم: عبد الله، ويُلقب بالطيّب والطاهر، لأنه ولد بعد النبوة على الصحيح، وقد مات بمكة طفلاً رضيعاً.
وثالثهم: إبراهيم، ولد بالمدينة، ومات بها وعمره (18) شهراً في السنة العاشرة للهجرة.
ــــــ وأما بناته صلى الله عليه وسلم فهنّ: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة رضي الله عنهن.
ــــــ وأفضلهن وأحبّهن إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة رضي الله عنها، وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لها في مرض موته:«أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء المؤمنين»
(1)
.
ـــــــ وكلّ أولاده صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً من زوجه خديجة رضي الله عنها إلا إبراهيم فأمُّه مارية بنت شمعون القبطية جارية النبي صلى الله عليه وسلم، التي أهداها إليه المقوقس عظيم مصر.
3 ــ وهل يجوز التكني بأبي القاسم لغير النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذه مسألة اختلف فيها على مذاهب، ومذهب الجمهور وهو الراجح أن النهي مقيّد بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، أما بعد وفاته فلا بأس بالتكني بهذه الكنية.
ويدلّ على هذا التفصيل حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال رجلٌ: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما دعوتُ هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي»
(2)
. ففهم من هذا أن
(1)
رواه البخاري «3624» ، صحيح مسلم «2450» واللفظ للبخاري.
(2)
صحيح البخاري «2120» واللفظ له، صحيح مسلم «2131» .
النهي مختصٌّ بحياته صلى الله عليه وسلم للسبب المذكور، وقد زالت العلة بوفاته
(1)
.
4 ــ وقوله: "محمد": أخذ المصنف يذكر بعض أسمائه صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة، فبدأ باسمه الأجل والأشهر "محمد" صلى الله عليه وسلم، قيل إن الذي سمّاه به جدُّه عبد المطلب، وقيل بل أمّه آمنة، رأت في المنام من يأمرها بتسميته محمداً
(2)
.
ــــ وقد تكرر هذا الاسم في القرآن الكريم مرات عدة. وهو مشتق من الحمْد، لكثرة محامده وخصاله المحمودة.
ــــ ولم يكن هذا الاسم مشهوراً في الجاهلية، وإنما تسمَّى به بعض العرب قرب بعثته عليه الصلاة والسلام، لمّا سمعوا من الأحبار والرهبان أن نبياً يبعث آخر الزمان اسمه «محمداً» ، فسمُّوا أبناءهم بهذا الاسم رجاء نيل النبوة
(3)
!!
5 ــ وقوله: "وأحمد": هذا هو الاسم الثاني في المكانة والشهرة لنبينا صلى الله عليه وسلم. وقد ورد ذكره في القرآن مرة واحدة على لسان نبي الله عيسى بن مريم في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصَّفِّ: 6].
6 ــ وقوله: "والماحِي": هذا أيضاً من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وفسره المصنف بالذي يمحو الله به الكفر، وهو نص تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في قوله من حديث جبير بن مُطعم واللفظ للبخاري: «لي خمسة أسماء: أنا محمّد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله
(1)
إرشاد الساري للقسطلاني 9/ 110.
(2)
فتح الباري 7/ 163، شرح المواهب للزرقاني 1/ 199.
(3)
عيون الأثر 1/ 39.
بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحُشر الناس على قدمي، وأنا العاقب»
(1)
.
ـــ وفي الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمِّي لنا نفسه أسماء، فقال:«أنا محمّد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبيّ التَّوبة، ونبيّ الرحمة»
(2)
.
7 ــ وقوله: "والحاشِر": قلت: هذا من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وقد فسره في حديث جبير بن مُطعم السابق بالذي يُحشر الناس على قدمه.
ومعناه: أن الخلق يُحشرون يوم القيامة على أثره، فليس بينه وبين يوم القيامة نبي آخر، كما أفاده ابن الملقن
(3)
.
8 ــ وقوله: "والعاقِب": فسَّره المصنف بالذي ليس بعده نبي، وهو نص تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم لحديث جبير بن مُطعم.
9 ــ وقوله: "والمقفّي": أي: آخر الأنبياء المتَّبِع لهم، فإذا قفّى فلا نبي بعده، أفاده ابن الأثير
(4)
.
ـــــ وبناء على ما تقدَّم فإن الحاشِرَ والعاقِبَ والمقفِّي كلها بمعنى واحد: أي الذي لا نبيّ بعده.
10 ــ وقوله: "ونبيّ التوبة": دل على هذا الاسم حديث أبي موسى الأشعري المتقدم، قال العلماء: سمّي بذلك لأنه كان كثير الرجوع والتوبة إلى الله، أو لأنه
(1)
صحيح البخاري «3532» ، صحيح مسلم «2354» .
(2)
صحيح مسلم «2355» .
(3)
التوضيح لشرح الجامع الصحيح 20/ 106.
(4)
النهاية في غريب الحديث 4/ 94.
قُبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار بخلاف الأمم السالفة
(1)
.
11 ــ وقوله: "ونبيّ الرحمة": سُمي بذلك: لأنه بعث رحمة للناس، كما في قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
12 ــ وقوله: "ونبيّ المَلحمة": قلت: ورد هذا الاسم في إحدى ألفاظ روايات مسلم لحديث أبي موسى الأشعري المتقدم
(2)
.
ومعنى "نبي الملحمة": أي نبي الحرب والجهاد، فالإسلام كما أنه دين لين ورحمة، فهو دين جهاد وقوة، كلٌ بحسب الحاجة والمناسبة، وهذا من واقعيته ووسطيته.
بقيّة نَسَبه صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «ابن عبد الله بن عبدِ المطَّلِب بن هَاشِم بن عبد مَنَاف بن قُصيّ بن كِلَاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لؤيّ بن غَالِب بن فِهْر بن مَالك بن النَّضر بن كِنَانَة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إِلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَد بن عَدنَان.
فهذا النَّسب الذي سُقناه إلى عَدْنان لا مِرية فيه، ولا نِزاع، وهو ثابتٌ بالتواتر والإجماع. وإنما الشأنُ فيما بعد ذلك، لكن لا خِلَاف بين أهل النَّسب وغيرِهم من عُلماء أهلِ الكتاب أن عَدْنان من ولدِ إسماعيل؛ نبيّ الله، وإسماعيل بن إبراهيم؛ خليل الرحمن عليه أفضل الصلاة والسلام.
وأمُّه صلى الله عليه وسلم آمنةُ بنت وَهْب بن عبد مَنَاف بن زُهرة بن كِلَاب بن مُرَّة».
(1)
مرقاة المفاتيح للقاري 9/ 3697.
(2)
تحفة الأشراف للمزي 6/ 472.
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله "ابن عبد الله": هذا هو اسم والد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مات قبل البعثة شاباً بالمدينة ودفن بها.
كان قد قدم إلى المدينة من مكة ليشتري تمراً فاتفق أنه مرض بها ومات، وقيل بل مرّ بها مريضاً وهو راجع من بلاد الشام
(1)
.
وكان عمره عندما مات ثماني عشرة سنة كما صححه الحافظ العلائي وابن حجر والسيوطي، وقيل: خمساً وعشرين سنة
(2)
.
2 ــ قوله "ابن عبد المطلب": هذا هو جدّ النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه الحقيقي: شيبة الحَمْد، كان شيخاً معظّماً في قريش، وزعيماً من زعمائها، وهو الذي حفر بئر زمزم، وهو الذي كَفَل النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أمّه، وقد رقّ عليه جداً، وكان يجلسه معه على فراشه في ظل الكعبة، وكان عُمُره صلى الله عليه وسلم عندما مات جدُّه ثمان سنين، وقد أوصى بكفالة حفيده من بعده إلى عمّه أبي طالب
(3)
.
3 ــ وإذن فإبراهيم الخليل هو جدّ النبي الأعلى، وقد انتقلت منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصفات الوراثية الجسمانية، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أشبه الناس به في الخِلْقَة، كما ورد في الحديث الصحيح:«أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه»
(4)
.
4 ــ وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يجعل نسب نبيه صلى الله عليه وسلم من أرفع الأنساب
(1)
تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 499.
(2)
شرح المواهب للزرقاني 1/ 204.
(3)
جوامع السيرة لابن حزم ص 5، تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 51.
(4)
صحيح مسلم «278» من حديث أبي هريرة.
وقبيلته من أشرف القبائل.
ولعل من حكم ذلك: أن يكون أدعى لقبول كلامه، لأن العرب كانت في ذلك الوقت لا تستمع إلا لذوي الأنساب العالية.
وأيضاً حتى لا يتوهم متوهم أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كانت وسيلة لرفع مستواه الاجتماعي بين الناس، فهو لم يكن بحاجة إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
5 ــ ومن النصوص الدالة على شريف نسبه صلى الله عليه وسلم ما ثبت في الصحيح مرفوعاً: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»
(1)
.
6 ــ وقوله: "وهذا النَّسَب إلى عَدْنان لا مِرية فيه، وهو ثابتٌ بالتواتر والإجماع": قلتُ: الأمر كما ذكر المصنف، فإن العلماء متفقون على هذا القدر من نسبه صلى الله عليه وسلم، ولذلك ساقه الإمام البخاري في صحيحه بدون إسناد
(2)
.
وأما ما بعد عدنان فهو محلّ خلاف، والقدر المتفق عليه بعد عدنان، أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام
(3)
.
7 ــ وقوله: "وأمُّه صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب": هذا هو اسم أمه صلوات الله وسلامه عليه، وهي من أفضل قريش نسباً وموضعاً، وتجتمع به صلى الله عليه وسلم في كِلَاب بن مُرة، وسيأتي مزيد كلام عنها في الفصل القادم
(1)
صحيح مسلم «2276» من حديث واثلة بن الأسقع.
(2)
صحيح البخاري مع فتح الباري 7/ 163.
(3)
عيون الأثر 1/ 26.
فصل
مولدُهُ صلى الله عليه وسلم ورضاعُه ونشأتُه
قال المصنف: «ووُلد رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّلِ. وقِيل: ثامنُه، وقِيل عاشرُه، وقِيل لثنتي عشرة منه، وذلكَ عَام الفيلِ على الصحيح.
ومات أبوه وهو حَمْل، واستُرضع له في بني سَعْدٍ، فأرضعته حَلِيمة السَّعدية، وأقامَ عندها في بني سَعْدٍ نحواً من أربعِ سنين، وشُقّ عن فُؤادِه هناك، فردَّته إلى أُمّه. فخَرجتْ به أمُّه إلى المدينة؛ تزورُ أخوالَه بالمدينة، فتوفيت بالأَبواء، وهي راجعةٌ إلى مكة، وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "وُلد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين .. إلى آخره": قلت: ثمة مواضع اتفاق ومواضع اختلاف في تحديد تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم.
فقد اتفق العلماء على أن مولده صلى الله عليه وسلم كان في يوم الاثنين، كما صح بذلك حديث أبي قتادة الأنصاري أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال:«ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه»
(1)
. وكذلك اتفقوا تقريباً على أن
(1)
صحيح مسلم «1162»
مولده كان عام الفيل
(1)
.
وأما الشهر، فقال الحافظ ابن حجر:"الصحيح المشهور أنه في ربيع الأول"
(2)
.
وحدده الجمهور باليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق شيخ السيرة
(3)
، الموافق لسنة:(571) للميلاد.
2 ــ وقد صحبت ولادته الشريفة بعض العجائب والآيات؛ من ذلك أن أمه رأت حين حملت به كأن نوراً خرج منها، أضاءت له قصور الشام
(4)
.
ــــ كذلك اشتهر في كتب السيرة أنه في اليوم الذي ولد فيه: إرتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نارُ المجوس، ولم تكن خمدت منذ ألف عام، وأن ماء بحيرة ساوة
(5)
ذَهَبَ في الأرض.
وهذه الثلاث الآيات وإن كانت قد اشتهرت في كتب السيرة إلا أنها لم تثبت من طريق يمكن الوثوق به
(6)
.
(1)
إكمال المعلم للقاضي عياض 7/ 316، سبل الهدى والرشاد 1/ 334.
(2)
فتح الباري 7/ 164.
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 146، البداية والنهاية 3/ 375، السيرة الحلبية 3/ 637.
(4)
رواه أحمد في المسند «17151» بسند حسنه الحافظ الهيثمي مجمع الزوائد 8/ 222، وقال شعيب الأرناؤوط:"صحيح لغيره".
(5)
بحيرة ساوة: بحيرة مغلقة مالحة قرب نهر الفرات بالعراق، ترشح إليها المياه الجوفية من نهر الفرات عبر الصدوع والشقوق. وعمق المياه فيها يتراوح ما بين 4 إلى 5 أمتار، كما في الموسوعة الحرة المنشورة على شبكة الإنترنت.
(6)
السيرة النبوية الصحيحة للعُمري 1/ 100.
وكأن المقصود بهذه الآيات تنبيه البشرية بأنها مقبلة على حدث كبير سوف يغير العالم، ويدخله دوراً جديداً في الدين والأخلاق
(1)
.
3 ــ وقوله: "ومات أبوه وهو حمل": هذا هو القول الراجح الذي عليه عامة علماء السيرة، وصححه الحافظ الذهبي
(2)
. وقد ثبت ما يؤيده عن الإمام الزهري، أنه قال:"ولدت آمنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توفي أبوه"
(3)
.
4 ــ وقوله: "واستُرضع له في بني سعد": بنو سعد يُنسبون إلى سعد بن بكر بن هوازن، إحدى فروع قبيلة هوازن المعروفة التي كانت تسكن الطائف، وكانوا مشهورين بالفصاحة وسلامة اللغة، لذلك كانت قريش ترسل أبناءها إليهم في سنواتهم الأولى.
ورضاعه صلى الله عليه وسلم في بني سعد بن بكر مما لا شك في ثبوته، وقد دلت عليه نصوص كثيرة، منها ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال:«دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، واستُرضعت في بني سعد بن بكر»
(4)
.
5 ــ وقوله: "فأرضعته حليمة السعدية": حليمة السعدية هي: بنت أبي ذؤيب، أسلمت بعد ذلك، وترجم لها غير واحد في الصحابة
(5)
.
(1)
السيرة النبوية للندوي ص 100.
(2)
تاريخ الإسلام 1/ 499.
(3)
صحيح مسلم «1771» .
(4)
سيرة ابن إسحاق ص 51، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 3/ 413:"إسناده جيد قوي".
(5)
الإصابة لابن حجر 8/ 87.
وكذا أسلم زوجها، واسمه الحارث بن عبد العزى، والد النبي صلى الله عليه وسلم بالرضاعة
(1)
.
ورضاعته صلى الله عليه وسلم من حليمة ثابت من طرق عدة
(2)
.
6 ــ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رضع من ثويبة جارية عمّه أبي لهب بضعة أيام قبل أن يرضع من حليمة السعدية
(3)
.
7 ــ واسترضاعه صلى الله عليه وسلم في بني سعد بن بكر فيه دلالة على عناية العرب ذلك الوقت بلغتهم العربية، حيث كانوا يرضعون أطفالهم في البادية لإكسابهم سلامة اللغة وفصاحة اللسان، وأيضاً لما في البادية من نقاء الهواء، وبعد أهلها عن مفاسد المدنية.
8 ــ وقوله: "وأقام عندها في بني سعد نحواً من أربع سنين": اختلف في عمر النبي صلى الله عليه وسلم عندما ردّته حليمة إلى أمه، والمشهور الذي جزم به الحافظان العراقي وابن حجر ورجحه الزرقاني أنه كان في سنّ الرابعة بعد حادثة شقّ الصدر مباشرة
(4)
.
وكان سبب ردّها له هو ما حصل له من حادثة شقّ الصدر، فقد خافت حليمة عليه، ورغبت في إخلاء مسؤوليتها عنه، بالرغم من شدة حبّها له وتعلقها به.
(1)
المصدر السابق 1/ 676.
(2)
السيرة النبوية الصحيحة للعُمري 1/ 103.
(3)
صحيح البخاري «5101» ، صحيح مسلم «1449» .
(4)
شرح المواهب للزرقاني 1/ 282.
9 ــ وقوله: ""وشُقّ عن فؤاده هناك فردّته إلى أمه": حادثة شقّ الصدر ذكرها ابن إسحاق في السيرة بإسناد جيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي في بَهْمٍ لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بياض، معهما طست من ذهب مملوءة ثلجاً، فأضجعاني، فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذاك الثلج، حتى إذا أنقياه، ردّاه كما كان»
(1)
.
وكان عمره صلى الله عليه وسلم عندما شُقَّ صدره في بني سعد أربع سنوات أو خمسة
(2)
.
10 ــ وقد حاول بعض المستشرقين ومن تلوث بأفكارهم إنكار حادثة الشقّ، وزعموا أنها أسطورة وخيال
(3)
!!
ورُدّ عليهم بأن الحادثة ذكرها عامة علماء السيرة في كتبهم المعتمدة، وأصلها مخرج في صحيح الإمام مسلم، ولم ينكرها أحدٌ من علماء المسلمين، فالواجب التصديق بها.
وما أحسن قول الحافظ ابن حجر في الرد على هؤلاء: "وجميع ما ورد من شقّ الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك"
(4)
.
(1)
سيرة ابن إسحاق ص 51، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 3/ 413:"إسناده جيد قوي". والحادثة أصلها في صحيح مسلم «261» .
(2)
السيرة النبوية الصحيحة 1/ 103.
(3)
"حياة محمد"!! لهيكل ص 80.
(4)
فتح الباري 7/ 205.
11 ــ وقد تكررت حادثة شقّ الصدر للنبي صلى الله عليه وسلم على ما رجحه السهيلي مرتين
(1)
، مرة في بني سعد بن بكر عندما كان صغيراً، والثانية قبيل صعوده في رحلة الإسراء والمعراج، وسيأتي الحديث عنها بمشيئة الله تعالى.
12 ـ قوله: "فخرجت به أمّه إلى المدينة تزور أخواله
(2)
، فتوفيت بالأبواء وهي راجعة إلى مكة": هذه الحادثة رواها ابن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم به مرسلاً
(3)
، وبهذا جزم الذهبي وعامة كتاب السيرة
(4)
.
13 ـ وقوله: "وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام": قلت: هكذا جزم به ابن إسحاق
(5)
والذهبي
(6)
وغيرهما دون ذكر عدد الأشهر والأيام.
حضانة أمّ أَيمن وكفالة عمّه أبي طالب:
قال المصنف: «فلمَّا ماتت أمُّه: حضنته أمُّ أَيمن وهي مولاتُه، ورثها من أبيه، وكَفلهُ جدُّه عبد المطَّلب، فلما بَلَغَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من العُمُر ثماني سنين توفي جدُّه، وأوصى به إلى عمّه أبي طالب، لأنه كان شقيقَ عبد الله فكَفَلَه، وحاطَه أتم حِياطة، ونَصَرَه حين بعثَه الله أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمراً على شركه إلى أن ماتَ،
(1)
الروض الأنف 2/ 173.
(2)
وهم بنو عدي بن النجار، ويطلق عليهم أخوال النبي تجوزاً، وإنما هم أخوال جدّه عبد المطلب، أما أخواله المباشرون فكانوا من قريش من بني زهرة.
(3)
سيرة ابن إسحاق ص 65.
(4)
تاريخ الإسلام 1/ 500.
(5)
سيرة ابن إسحاق ص 65.
(6)
تاريخ الإسلام 1/ 500.
فخفَّفَ الله بذلك من عذابه كما صَحَّ الحديثُ بذلك».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "حضنته أم أيمن": اسمها: بركة بنت ثعلبة الحبشية، مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وحاضنته، وقد زوجها صلى الله عليه وسلم بمولاه زيد بن حارثة، وأنجبت له أسامة بن زيد رضي الله عنهما، معدودة في الصحابة
(1)
.
2 ــ وقوله: "فكَفَلَه ــ أبو طالبٍ ــ وحاطَه أتم حِياطةٍ، ونَصَرَه حين بعَثَه الله .. ": قلت: كفالة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم وحَدَبه عليه وذوده عنه ونصرته له بعد بعثته قد صحت بها الأحاديث، كحديث العباس الآتي بعد قليل.
3 ــ وقوله: "فخفَّفَ الله بذلك من عذابه": قلت: يشير إلى حديث العباس بن عبد المطلب في الصحيحين: أنه قال: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:«نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»
(2)
.
4 ــ ولعل من أسباب بقاء أبي طالب على شركه رغم نصرته للنبي صلى الله عليه وسلم ووقوفه معه هو التمسك بالإلف والعادة واتباع الآباء، كما قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: 104].
خروج عمّه به إلى الشَّام وما صَحِبَه من الآيات:
قال المصنف: «وخَرَجَ به عمُّه إلى الشَّام في تجارة وهو ابنُ ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفِه بهِ، لعدمِ من يقوم به إذا تركه بمكة، فرأى هو وأصحابه ممن
(1)
الإصابة لابن حجر 8/ 358.
(2)
صحيح البخاري «3883» ، صحيح مسلم «209» واللفظ لمسلم.
خَرَجَ معه إلى الشَّام من الآيات فيه صلى الله عليه وسلم ما زاد عمَّه في الوصاة بهِ والحرصِ عليهِ؛ كما رواه الترمذي في جامعه بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثقاتٍ، من تظليل الغَمَامةِ له ومَيْلِ الشجرة بظلّها عليه، وتبشير بَحيرا الرَّاهب به، وأمره لعمّه بالرجوع به لئلَّا يراه اليهود فيرومونه سوءاً، والحديث له أصلٌ محفوظٌ، وفيه زياداتٌ أُخر».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ قوله: "وخرج به عمه إلى الشام": هذه الحادثة أخرجها الترمذي في سننه، وابن إسحاق في السيرة
(1)
، ورجالها كلهم ثقات ولها أصل محفوظ كما قال المصنف.
وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده قوي"
(2)
، وقد صححها الحاكم في المستدرك
(3)
، وصححها بمجموع طرقها وشواهدها الدكتور أكرم ضياء العُمري
(4)
، والألباني
(5)
، على نكارة في بعض ألفاظ الحديث نبّه عليها العلماء.
2 ــ وقد اكتفى المصنف بالإشارة إلى الحادثة، وخلاصتها: أن أبا طالب كان قد أراد الخروج إلى بلاد الشام في تجارة له، فرغب ابن أخيه في صحبته، فرقّ له واصطحبه. فلما وصل الركبُ بُصرى من بلاد الشام، كان بها راهب نصراني
(6)
(1)
سنن الترمذي (3620)، سيرة ابن هشام 1/ 181.
(2)
فتح الباري 7/ 716.
(3)
مستدرك الحاكم (4229).
(4)
السيرة النبوية الصحيحة 1/ 109.
(5)
صحيح سنن الترمذي 3620، والتعليق على فقه السيرة للغزالي ص 69.
(6)
وقيل: يهودي.
يقال له بَحِيرا، وكان عنده عِلْمٌ بالكتب السماوية، وقد علم منها قرب مبعث نبيّ، فكان يتحرّى خروجه.
فلما وصلت قافلة أبي طالب قرية بُصرى جذب انتباه الراهبَ غمامةٌ كانت تظلل شخصاً في القافلة، والشجر يميل عليه بفيئه، فدعاهم إلى طعام، وهناك تعرّف الراهب على النبي صلى الله عليه وسلم من خلال صفاته وأحواله وخاتم النبوة الذي كان بين كتفيه.
وقد ورد عند ابن إسحاق
(1)
: أن بحيرا سأل أبا طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني.
قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفتُ ليبغنَّه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
3 ــ وقد استغل هذه الحادثة بعض المستشرقين والمبشرين للطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، فزعموا أنه عندما التقى مع الراهب بَحيرا تعلَّم منه مبادئ الدين، وأمدَّه الراهبُ بكثير من علوم أهل الكتاب، مما كان له بالغ الأثر في ادعائه النبوة بعد ذلك!!
بل زعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن كله من الراهب بحيرا!!
وكل هذا محض كذب وافتراء وخيال، لأن قصة التعليم والتلقي المزعوم ليس في الروايات ما يدل عليها؟!
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 182.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها كان عمره ما بين العاشرة والثانية عشرة، وكان لقاؤه بالراهب قصيراً عابراً على دعوة طعام، فكيف تسنَّى في ذاك العمر الصغير وذاك اللقاء العابر أن يتعلَّم منه علوم أهل الكتاب وعقائدهم، هذه دعاوى باطلة عقلاً ونقلاً.
والعجيب أن هؤلاء المستشرقين لا يفتؤون يرددون مثل هذه الأباطيل في كتبهم، فتارة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلَّم من بحيرا الراهب!
وتارة يزعمون أنه تعلَّم من ورقة بن نوفل، أو من يهود مكة .. ومعلوم أن مكة لم يكن بها يهود آنذاك، إلى غير ذلك من الأباطيل والتفسيرات التي يريدون من ورائها إنكار الوحي وتكذيب الرسالة، كما قال أسلافهم من قبل:{إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103].
4 ــ وقوله: "وفيه زيادات أخر": يريد المصنف أن الحديث مع كون أصله محفوظاً إلا أن بعض رواياته اشتملت على ألفاظ منكرة وباطلة.
ففي رواية الترمذي أن أبا طالب ردّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ومعه أبو بكر وبلال!!
وقد استنكر العلماء هذه اللفظة وقالوا: إن أبا بكر وقتها كان صبياً في التاسعة، وبلال لعله من يخلق بعد. ورجح ابن حجر أن تكون هذه الزيادة وهم من أحد الرواة
(1)
.
خُروجُه الثَّاني إلى الشَّام وزواجُهُ من خَدِيجة:
قال المصنف: «ثم خَرجَ ثانياً إلى الشامِ في تجارة لخديجة بنتِ خُويلد مع
(1)
الإصابة لابن حجر 1/ 476، تحفة الأحوذي للمباركفوري 10/ 66.
غلامها مَيْسَرة على سبيلِ القِراض
(1)
، فرأى مَيْسَرةُ ما بَهَرَهُ من شأنه، فرجعَ فأخبر سيّدته بما رأى، فرغبت إليهِ أن يتزوجها؛ لما رجَتْ في ذلك من الخيرِ الذي جَمَعَه الله لها، وفوقَ ما يخطرُ ببال بشرٍ، فتزوَّجها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وله خمسٌ وعشرونَ سنة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ خروجه صلى الله عليه وسلم في تجارة لخديجة إلى أرض الشام ذكره ابن إسحاق مرسلاً بدون إسناد
(2)
، وصحح الرواية الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي
(3)
.
2 ــ وهذا الخروج هو الثاني له صلى الله عليه وسلم إلى بلاد الشام، وكان عمُرُه كما قال المصنف خمساً وعشرين سنة، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور
(4)
.
3 ــ وخلاصة الحادثة أن خديجة بنت خويلد كانت امرأة تاجرة، وكانت تستأجر الرجال للعمل في مالها على سبيل القِراض والمضاربة. فلما سمعت عن صدق رسول الله وأخلاقه أرسلت إليه وطلبت منه أن يخرج إلى بلاد الشام في تجارة لها، فَقَبِلَ ذلك، وخرج في صحبته غلام لخديجة اسمه: ميسرة
(5)
.
(1)
القِراض: أن يكون المال من طرف والعمل من طرف آخر والربح بينهما على ما شرطا، ويسمى المضاربة.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 187.
(3)
المستدرك للحاكم 2/ 200، ورواية الحاكم تقول: إنها كانت سَفرتين.
(4)
فتح الباري 7/ 134.
(5)
ذكر ابن حجر ميسرة في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" 6/ 189، وقال:"لم أقف على رواية صريحة بأنه بقي إلى البعثة، فكتبته على الاحتمال".
4 ــ وقد حالف التوفيق هذه الرحلة فربحت تجارتُها، ورأى ميسرةُ من أمانة النبي صلى الله عليه وسلم واستقامته ما أثار إعجابه فأخبر سيدته بذلك فرغبت في الزواج منه، ورأت فيه ضالتها المنشودة
(1)
.
5 ــ وقد اختلفت الروايات في سنّ خديجة عندما تزوجت به صلى الله عليه وسلم، فالمشهور أنها كانت في سنّ الأربعين، وهو قول الواقدي
(2)
.
وقال ابن إسحاق: كانت في الثامنة والعشرين
(3)
.
وليس عندنا رواية مسندة تفصل في المسألة، فالله أعلم.
6 ــ وكانت خديجة هي أول امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وولدت له كل ولده، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية كما تقدم.
7 ــ وفي الحادثة دليل على اعتماد النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه في الكسب والعيشة قبل بعثته، فقد عمل أجيراً لدى خديجة، وعمل قبلها راعياً للغنم لبعض أهل مكة، وهكذا استطاع صلى الله عليه وسلم في صغره وفي شبابه أن يستغني عمَّا في أيدي الناس، أو انتظار إحسانهم وشفقتهم.
صيانة الله لنبيّهِ صلى الله عليه وسلم في صِغَره وشَبَابه:
قال المصنف: «وكان اللهُ سُبحانَه قد صَانَه وحَمَاه من صِغَره، وطهَّره من دَنَس الجاهِلية، ومن كلّ عَيب، ومَنَحَه كلّ خُلقٍ جَمِيل، حتى لم يَكن يُعرفُ بين قومِه إلا بالأَمين، لما شاهدوا مِنْ طهارتِه وصِدقِ حديثِه وأمانتِه. حتى إِنه لما بنت قريشٌ
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 272، سبل الهدى والرشاد 2/ 164.
(2)
طبقات ابن سعد 1/ 105.
(3)
مستدرك الحاكم 3/ 200.
الكعبةَ في سنةِ خمسٍ وثلاثين من عمرِه فوصلوا إلى موضِعِ الحَجَر الأسودِ اشتجروا فيمن يَضَع الحَجَر موضعه، فقالت كلُّ قبيلة: نحن نَضَعه، ثم اتَّفقُوا على أن يَضَعَه أولُّ داخلٍ عليهم، فكان رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: جاء الأَمينُ، فَرضُوا به، فأَمَر بثوبٍ، فوَضَع الحَجَر في وسَطَه، وأَمرَ كلّ قبيلةٍ أن تَرفَع بجانبٍ مِنْ جَوانب الثوبِ، ثم أخذ الحَجَر فوَضَعَه موضِعَه صلى الله عليه وسلم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ صيانة الله عز وجل لنبيّه وحفظه له منذ صغره مما تواترت به النصوص، فلم يُعرف عنه شيء صلى الله عليه وسلم من انحرافات أهل، سواء في العقيدة أو السلوك. ولم يُعرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه مسَّ صنماً أو شرب خمراً، وكان يأبى مشاركة قريش في أعيادهم وشعائرهم الوثنية
(1)
.
2 ــ ومن شواهد حفظ الله له في أيام شبابه أنه صلى الله عليه وسلم: أراد مرّة حين كان شاباً أن يسمُر كما يسمُر فتيان مكة، فقال لغلام كان يرعى الغنم معه: لو أبصرتَ لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمُر بها كما يسمُر الفتيان! فخرج حتى إذا كان عند أول دار سمع عزفاً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: تزوج فلان بفلانة، فجلس يستمع، فضرب الله على أذنيه، فنام، فما أيقظه إلا حرّ الشمس، ثم إنه حاول مرة أخرى فأصابه مثل ما أصابه في المرة الأولى، فما عاد إلى ذلك بعدها
(2)
.
(1)
عيون الأثر 1/ 56.
(2)
رواه ابن إسحاق في سيرته ص 79، ومن طريقه الحاكم في المستدرك 4/ 237، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر:"إسناده حسن متصل" كما نقله عنه الصالحي في سبل الهدى والرشاد 2/ 148.
3 ــ ومن الشواهد ما رواه زيد بن حارثة، قال: كان صنم من نحاس يقال له: إِساف أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تمسَّه! فقال زيد: فطفت فقلت في نفسي لأمسَّنَّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألم تُنه؟!
(1)
.
4 ــ وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله يحدث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره» ، فقال له العبَّاس عمّه: يا ابن أخي، لو حللتَ إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال:«فحلَّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشياً عليه، فما رُئي بعد ذلك عرياناً صلى الله عليه وسلم»
(2)
.
وعلق الحافظ ابن حجر على هذا الحديث قائلاً: "وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان مصوناً عما يستقبح قبل البعثة وبعدها"
(3)
.
5 ــ ويكفي في الدلالة على حال النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته شهادة زوجه خديجة له وهي أعلم الناس به حين قالت له: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"
(4)
.
6 ــ وأما حادثة اختصام قريش حول من يضع الحجر الأسود في مكانه عندما جددت بناء الكعبة، وما أشار به النبي صلى الله عليه وسلم من الرأي السديد، فهذه حادثة مشهورة
(1)
دلائل النبوة للبيهقي 2/ 34، وحسنه الذهبي في تاريخ الإسلام 1/ 516.
(2)
صحيح البخاري «364» واللفظ له، صحيح مسلم «340» .
(3)
فتح الباري 1/ 475.
(4)
صحيح البخاري «3» ، صحيح مسلم «252» .
مخرجة في مسند أحمد وغيره من كتب السنة بإسناد صحيح
(1)
.
7 ــ وفي الحادثة دليل على ما كان يتمتع به صلى الله عليه وسلم من مكانة أدبية في أوساط قريش قبل البعثة، فإن قريشاً قالت لما دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم من باب المسجد:"جاء الأمين"، ورضوا بحكمه كما ورد في الرواية المذكورة.
(1)
مسند أحمد «15504» ، وقال الحاكم في المستدرك 1/ 628:"صحيح على شرط مسلم، وله شاهد صحيح على شرطه"، وكذا صحح إسناده شعيب الأرناؤوط.
فصل
مَبْعَثُه صلى الله عليه وسلم
قال المصنف: «ولما أرادَ الله تعالى رحمةَ العِبَاد، وكرامتَه بإرساله إلى العالمين؛ حَبَّب إليه الخلاءَ، فكان يتحنَّثُ بغار حِرَاءٍ، كما كان يصنعُ ذلك متعبّدوا ذلك الزمان، كما قال أبو طالبٍ في قصيدته المشهورة اللاميةِ:
وثَور ومن أرسى ثَبيراً مكانَه
…
وراقٍ لِبِرّ في حِرَاءٍ ونَازل».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ شرع المصنف رحمه الله في الحديث عن بدايات بعثته صلى الله عليه وسلم وبعض ما تقدمها من حوادث.
وحاصل الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دنت سنُّهُ من الأربعين حبَّب الله إليه الخلوة عن الناس، فكان يختلي كل عام شهراً
(1)
بغار حِراء للتعبد والتأمل وإطعام
(1)
حدَّد مدة الشهر من كل عام: ابن إسحاق في سيرته ص 121 من رواية عُبيد بن عمير مرسلاً: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كلّ سنةٍ شهراً» ، بينما رواية الصحيحين لم تحدّد. لكن يقوي التحديد بالشهر ما ثبت في صحيح مسلم «257» من حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً:«جاورت بحراء شهراً، فلما قضيت جواري نزلت .. » . وقد جزم غير واحد كابن حجر في الفتح 1/ 33 أن ذاك الشهر كان في رمضان.
من يمرّ به من المساكين. وسأورد بعد قليل حديث عائشة في وصف خلوته صلى الله عليه وسلم بغار حراء.
2 ـــ وغار حراء يقع في جبل النور قريباً من مكة
(1)
، وقد كانت قريش تقصده للتعبد به في الجاهلية كما في سيرة ابن إسحاق عن عُبيد بن عمير بإسناد صحيح مرسل
(2)
.
ويبدو أن التحنث كان من بقايا دين إبراهيم التي ظلت في قريش على طريقة الاعتكاف
(3)
.
3 ــ ولا يعرف على وجه التحديد متى كان بدء هذه العزلة، بيد أن المجزوم به أنها كانت قرب بعثته صلى الله عليه وسلم، كما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين:«أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه ـــ وهو التعبد ــــ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك .. »
(4)
.
4 ــ وفي اختلائه صلى الله عليه وسلم شهراً من كل عام وهو ما عبرت عنه عائشة رضي الله عنها "بالليالي ذوات العدد" دليل على ضرورة مراعاة الاعتدال والوسطية في الأمور كلها بما فيه أمور التعبد، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يخلو أياماً قصيرة جداً في الغار ولا أياماً طويلة جداً،
(1)
وهو مطل على الكعبة، ويحتاج الصعود إليه نحواً من نصف ساعة أو أكثر.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 235.
(3)
فتح الباري 12/ 355.
(4)
صحيح البخاري «3» واللفظ له، صحيح مسلم «160» من حديث عائشة رضي الله عنها.
وإنما وسطاً بين هذا وذاك، وهو الهدي الذي استمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته في أموره كلها.
5 ــ كذلك يؤخذ من هذه الخلوة حاجة المسلم إلى الاختلاء بين الحين والآخر خلوة إيجابية للتأمل والتفكر والتوبة ومراجعة النفس والتبصر فيها.
6 ــ وقصيدة أبي طالب اللاميَّة المشار إليها: هي من عيون الشعر العربي، وقد أوردها المصنف بطولها في تاريخه، وقال عنها:"هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جداً; لا يستطيع أن يقولها إلا من نُسبت إليه، وهي أفحل من المعلّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعاً"
(1)
.
7 ــ وقد كان العالم بأسره عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعيش في ظلام حالك وجاهلية جهلاء، ومظاهر هذه الجاهلية كثيرة جداً، فبلاد العرب في ذلك الوقت ــ على سبيل المثال ــ كان الناس فيها يعبدون الأصنام، ويستشفعون بها عند الله، وكانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن الجن شركاء لله، ويطوفون بالكعبة عراة .. هذا فضلاً عن انحرافاتهم الاجتماعية والأخلاقية، كقطع الطريق، وإتيان الفواحش، وأكل الميتة، ووأد البنات .. وغير ذلك مما يطول الحديث عنه، سواء كان في بلاد العرب أو في غيرها من البلدان ذلك الوقت.
لكن هذه الانحرافات والمساوئ التي كان عليها العرب في ذلك الوقت لم تمنع من وجود بعض الفضائل والخصال الحميدة فيهم، كحُبّ الصّدق والشهامة، والأنفة والإباء، والشجاعة والصراحة، وحماية المستجير والمستغيث .. إلى غير ذلك
(1)
البداية والنهاية 4/ 142.
من الفضائل التي أهّلتهم لحمل راية الإسلام وتحمّل أمانة الدعوة إلى دين الحق بعد ذلك.
مجيئ المَلَك في غَار حِرَاء:
قال المصنف: «فَجَاءه الحقُّ وهو بغَار حِرَاء في رمضانَ، ولهُ من العُمُر أربعونَ سنة، فجَاءه الملَكُ، فقالَ: اقرأ. قالَ: لستُ بقارئ، فغتَّه
(1)
حتى بَلَغ منه الجَهْد، ثم أرسلَه فقال: اقرأ، قال: لستُ بقارئِ ثلاثاً، ثم قالَ:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 ــ 5]».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كافة علماء السيرة على أن مجيء جبريل في الغار كان حقيقة في اليقظة، كما هو ظاهر الروايات الصحيحة.
لكن أشكل على هذا روايةٌ ذكرها ابن إسحاق تفيد أن مجيئه كان مناماً، ولفظها من طريق عُبيد بن عمير:«فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمطٍ من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ»
(2)
.
ويجاب عن هذه الرواية بأنها رواية مرسلة
(3)
، فهي لا تحتمل مخالفة ظاهر روايات الصحيحين الدالة على أن هذا المجيء كان يقظة لا مناماً.
(1)
ضمه وعصره.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 236.
(3)
لأن راويها عبيد بن عمير تابعي، فروايته مرسلة، لكن ما ذكره الدكتور أكرم العُمري في صحيح السيرة 1/ 129 بأن "إسنادها واه" فيه نظر، فإن عبيد بن عمير من كبار التابعين والإسناد إليه صحيح، وكان بالإمكان قبول روايته هذه لولا معارضتها لظاهر روايات الصحيحين، والله أعلم.
وأما محاولة السهيلي
(1)
وابن سيد الناس
(2)
الجمع بين الروايتين بأن الحادثة تكررت مرتين، الأولى في المنام والأخرى في اليقظة، ففيه نظر، لأنه لو كان كذلك لما حصل للنبي كل ذلك الخوف من هول المفاجأة في المرة الثانية!!
2 ــ وقوله: "في رمضان": أي أن مجيء جبريل إلى الغار كان في رمضان، قال ابن حجر:"هذا هو الراجح"
(3)
.
وقال الألباني: "هو المشهور"
(4)
.
واستدل له ابن إسحاق بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185] "
(5)
.
3 ــ وقوله: "وله أربعون سنة": هذا هو المشهور، وتدل عليه الروايات الصحيحة، منها ما ثبت عن ابن عباس قال:«أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين»
(6)
.
(1)
الروض الأنف 2/ 392.
(2)
عيون الأثر 1/ 108.
(3)
فتح الباري 12/ 356، 8/ 718. ووهم الدكتور مهدي رزق الله في كتابه السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص 130 عندما قال:"روى الشيخان أن أمين الوحي فجأ الرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة في يوم الاثنين، الحادي والعشرين من شهر رمضان"!! وهذا وهم منه، فليس في الصحيحين تحديد تاريخ المجيء باليوم والشهر، والثابت فيهما التحديد بيوم الاثنين فقط.
(4)
صحيح السيرة للألباني ص 89.
(5)
سيرة ابن هشام 1/ 239.
(6)
صحيح البخاري «3851» .
لكن بيّن الحافظُ ابنُ حجر أنه صلى الله عليه وسلم كان بالتحديد ابن أربعين سنة وستة أشهر، لأنه ولد في ربيع الأول ونُبّيء في رمضان
(1)
.
4 ــ ولعل الحكمة في اختيار الأربعين: أنها سنّ النضج واكتمال العقل وحصول التجربة في الحياة.
5 ــ وأما ما أشتهر بين الناس من أنه لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين فهذا لم أطلع على دليل يسنده بالرغم من اشتهاره.
ومعلوم أن نبي الله عيسى كان في سنّ الثلاثين عندما بعث، فإن صحّ أن النبوة تكون في الأربعين فيكون أمراً أغلبياً وليس لجميع الأنبياء، والله أعلم.
6 ــ قوله: "فجاءه الملَك فقال له اقرأ": المراد بالملَكِ: جبريل عليه السلام بغير خلاف كما قال الحافظ العراقي
(2)
.
7 ــ وقوله: "لست بقارئ": معناه: لا أحسن القراءة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب.
ولفظ رواية الصحيح: «ما أنا بقارئ»
(3)
، والمؤلف أتي بجملة تفسيرية لرواية الصحيح، وكان الأولى التزام اللفظ الوارد.
رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى خديجة وفؤاده يرجف:
قال المصنف: «فرجعَ بها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ترجُفُ بوادِرُه، فأخبرَ بذلك خديجةَ رضي الله تعالى عنها، وقال: قد خشيتُ على عقلي، فثبّتته، وقالت: أبْشر،
(1)
فتح الباري 7/ 164، 12/ 356.
(2)
طرح التثريب 4/ 187.
(3)
صحيح البخاري «3» ، صحيح مسلم «160» .
كلا والله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكَلَّ
(1)
، وتُعين على نوائب الدهر
(2)
، في أوصافٍ أُخر جميلة عدّدتها من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وتصديقاً منها له، وتثبيتاً، وإعانة على الحقّ، فهي أولُ صِدّيقٍ له رضي الله تعالى عنها وأكرمها».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "ترجف بوادره": هذه إحدى روايات الصحيحين
(3)
، وفسرها المصنف في حاشية الأصل بقوله:"البوادر هي: اللحم الذي بين العُنُق والمنكب"
(4)
. وقد جاء في بعض روايات الصحيحين: «يرجف فؤاده»
(5)
.
2 ــ وسبب هذا الخوف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد مثل هذا الأمر من قبل، ولم يسمع به، وقد طال عهد انقطاع العرب عن النبوة والأنبياء.
3 ــ وقوله: "قد خشيت على عقلي": هذه الرواية ذكرها المؤلف بالمعني، ولفظ رواية الصحيحين:«لقد خشيت على نفسي»
(6)
، ومعناها خشيت على نفسي من الجنون ومسّ الشياطين. وكان هذا قبل أن يعلم أن الذي جاءه ملَكٌ ووحي من عند الله.
(1)
الكلّ: الضعيف، والمرد إعانته والإنفاق عليه.
(2)
حوادثه.
(3)
صحيح البخاري «4953» ، صحيح مسلم «160» .
(4)
انظر الفصول ص 59، حاشية:3.
(5)
صحيح البخاري «3» ، صحيح مسلم «160» .
(6)
صحيح البخاري «3» ، صحيح مسلم «160» .
4 ــ قوله: "فهي أول صدّيق له": أي أنها أول من آمن به وصدّقه صلى الله عليه وسلم، وهذا هو القول الصحيح الذي تقتضيه المرويات الصحيحة؛ أن أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق هي زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
واختلف فيمن آمن بعدها، والذي ذكره ابن إسحاق: أنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنه
(1)
.
ونقل ابن عبد البر عن بعض السلف أن أبا بكر أسلم قبل علي
(2)
، والأمر في هذا يسير.
5 ــ وفي مبادرة هؤلاء الناس إلى الإسلام دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا أقرب الناس إليه وأعرفهم بحاله فبادروا إلى تصديقه.
6 ــ وفي قول خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم: "كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ .. " دليل على أن التحلي بمكارم الأخلاق سبب في وقاية المرء من مصارع السوء ووقوع المكاره
(3)
.
فتور الوحي عنه صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «ثم مكَثَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَا شَاءَ أنْ يَمكُثَ لَا يَرَى شيئاً، وفَتَرَ عنهُ الوحيُ، فاغتمَّ لذلكَ، وذهبَ مراراً ليتردّى من رُؤوس الجبَالِ، وذلك مِنْ شوْقه إلى مَا رأى أولَ مرَّةٍ، ومِن حَلاوةِ ما شاهدَه من وحي الله إليهِ، ثم تبدَّى له الملَكُ بين السَّماءِ والأرضِ على كرسيّ، وثبَّته، وبشَّره بأنه رسُولُ الله حقاً، فلمَّا رآه
(1)
سيرة ابن إسحاق ص 140.
(2)
الدرر في اختصار المغازي والسير ص 38.
(3)
دراسات في السيرة النبوية ص 52.
رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرِقَ منهُ، وذهبَ إلى خديجةَ، وقال: زمّلُوني. دثّرُوني. فأنزَلَ اللهُ عليه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 1 - 4]».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ مقصود المؤلف بفترة الوحي: أن جبريل بعد مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار انقطع عنه مدة من الزمن قبل أن يعاوده المجيء مرة أخرى.
ـــ ولعل الحكمة في هذا الانقطاع: حتى يذهب عنه ما أصابه من الخوف والفزع في اللقاء الأول، وحتى يحصل له الشوق إلى لقاء جبريل مرة أخرى.
وفترة الوحي ثابت في حديث عائشة السابق في الصحيحين.
2 ــ وقد اختلف في مدة الانقطاع على أقوال، ولم تأت رواية حاسمة في المسألة، والذي رجحه الشيخ أبو شهبة
(1)
والمباركفوري
(2)
أنها دامت أياماً، وهو مروي عن ابن عباس
(3)
. وقال الدكتور العُمَري: "يبدو أنها لم تدم طويلاً"
(4)
.
3 ــ وقوله: "وذهب مراراً ليتردى من رؤوس الجبال": بنى المؤلف هذا على رواية وردت في البخاري من كلام الزهري، وفيها:«وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، حُزناً غدا منهُ مِراراً كي يتردَّى مِنْ رءوس شَواهِق الجبَال»
(5)
.
(1)
السيرة النبوية لأبي شهبة 1/ 264.
(2)
الرحيق المختوم ص 58.
(3)
شرح المواهب للزرقاني 1/ 441.
(4)
السيرة النبوية الصحيحة 1/ 127.
(5)
صحيح البخاري «6982» .
وهذه الرواية مع كونها مخرجة في البخاري إلا أنها ضعيفة الإسناد منكرة المتن، لأسباب منها:
أولاً: أن إسنادها منقطع، فلم يذكرها البخاري بإسناد متصل، وإنما ذكرها بلاغاً من كلام الزهري، وذلك في قوله:«فيما بلغنا» . ولعل البخاري إنما ذكرها لينبّه على ضعفها وأنه ليس لها إسناد متصل.
ثانياً: أن محاولة النبي صلى الله عليه وسلم قتل نفسه لمجرد انقطاع الوحي عنه مدة هذا يتنافى مع عصمته صلى الله عليه وسلم، ويتنافى مع ما عرف عنه من رباطة الجأش وقوة النفس. وقد مرّ عليه في مسيرة دعوته شدائد وأهوال آلمته وأحزنته لكنه لم يفكر بمثل هذا قط.
ثالثاً: زعمُ الراوي أنه صلى الله عليه وسلم كان يريد التردّي من فوق رؤوس الجبال زعمٌ باطلٌ، لأنه مبني على الظن والتخمين، فكيف عَلِمَ الراوي مقصد النبي صلى الله عليه وسلم؟
ولِمَ لا يقال إنه صلى الله عليه وسلم كان يصعد رؤوس الجبال بحثاً عن جبريل عليه السلام وليس لقصد التردي وقتل نفسه كما حسب الراوي
(1)
!!
وأما تعليل المصنف بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك بسبب شوقه لحلاوة الوحي ففيه نظر؛ أولاً: لأنه مخالف لتعليل رواية الزهري التي اعتمد عليها، والتي تقول أن ذلك كان بسبب الهم والحزن وليس بسبب الحلاوة والشوق.
وثانياً: فلأن الإنسان إنما يفكر بقتل نفسه بسبب ما قد يصيبه من الهم والحزن وليس بسبب ما يجده من شوق وحلاوة!!
(1)
أطال العلامة محمد الصادق العرجون في نقد هذه الرواية ومناقشتها سنداً ومتناً في كتابه: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 385.
4 ــ وقوله: "ثم تبدَّى له الملَكُ بين السماء والأرض على كرسيّ": هذه الرواية ثابتة في الصحيح
(1)
.
قيامُه صلى الله عليه وسلم بالدَّعوة:
قال المصنف: «ثم أَمَرَه اللهُ في هذه الآيةِ
(2)
أن يُنذرَ قومَه ويدعُوهم إلى الله، فشمَّر صلى الله عليه وسلم عن سَاقِ التكليفِ، وقامَ في طاعةِ الله أتمَّ قيامٍ، يدعو إلى الله سبحانَه: الكبيرَ والصغيرَ، والحرَّ والعبدَ، والرجالَ والنساءَ، والأسودَ والأحمرَ، فاستجابَ له عِبَادُ الله من كلّ قبيلةٍ. وكان حائِزَ سبْقهم: أبو بكرٍ عبدُ الله بن عثمان التَّيمي، وآزَرهُ في دينِ الله، ودعا معه إلى الله على بصيرةٍ، فاستجابَ لأبي بكر: عثمانُ بنُ عفان، وطلحةُ، وسعدٌ بن أبي وقَّاصٍ. وأما عليٌّ فأسلم صغيراً ابنَ ثمانِ سنين، وكذلك أسلمتْ خديجةُ، وزيدُ بن حَارثة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "وكان حائز سبقهم أبو بكر": تقدم الكلام عن أول الناس إسلاماً قبل قليل.
2 ــ وقوله: "وأما عليّ فأسلم صغيراً ابن ثمانِ سنين": قلت: رجح الحافظان الذهبي وابن حجر أنه أسلم وعمره عشر سنين
(3)
.
3 ــ ثم إن في قول المصنف: "وقامَ صلى الله عليه وسلم في طاعة الله أتم قيام، يدعو إلى الله: الكبيرَ والصغيرَ .. إلى آخره": قلت: هذا فيه عموم وإجمال، والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
صحيح البخاري «4925» ، صحيح مسلم «161» من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(2)
يعني بها الآيات الأول من صدر سورة المدثر: يا أيها المدثر قم فأنذر ..
(3)
تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 539، فتح الباري 7/ 72.
بدأ أولاً بالدعوة سراً، واستمر على هذه الحال طيلة ثلاث سنوات كما ذكر ابن إسحاق
(1)
والواقدي
(2)
وغيرهما.
4 ــ وإنما اختار صلى الله عليه وسلم البدء بالدعوة سراً لما كان يعلمه من تعنّت قريش وشدّة تعصبها لشركها ووثنيتها، فلم يكونوا ليقبلوا بدعوة التوحيد بسهولة ابتداء.
5 ــ لكن بعد مرور ثلاث سنوات أمره الله بإظهار دينه، ونزل قول الحق تبارك وتعالى:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين} [الحجر: 94].
فحينها جَهَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بدعوته واستعلن بها، فوقع الصدام بينه وبين قريش.
وبعض علماء السيرة يذكر أن الدعوة السرية انتهت بنزول قول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 214].
إسلام وَرَقَة بن نَوْفَل:
قال المصنف: «وأسلَمَ القِسّ وَرَقَة بن نَوْفَلٍ، وصَدَّق بما وجدَ من وحي الله، وتمنّى أن لو كان جَذَعاً
(3)
، وذلك أولَ ما نَزَل الوحيُ، وجاء في حديثٍ أن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:«رأيتُ القِسّ عليه ثيابٌ بيضٌ» ، وفي الصحيحين أنه قال: هذا الناموسُ الذي جاء موسى بن عِمْران. لما ذهبت خديجةُ به إليه، فَقَصَّ عليه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من أمرِ جبريلَ عليه السلام».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ورقة بن نوفل هو: ابن أسد بن عبد العزى القرشي، ابن عمّ خديجة
(1)
بلاغاً بدون إسناد، انظر سيرة ابن هشام 1/ 237.
(2)
طبقات ابن سعد 1/ 156.
(3)
شاباً قوياً.
بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
كان قد تنصّر في الجاهلية وتفقه في دينها، وهو الذي ذهبت إليه خديجة برفقة النبي صلى الله عليه وسلم بعدما جاءه جبريل في الغار، فثبّته وطمأنه، وقال له:"هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يُخرجك قومُك .. إلى أن قال: وإن يُدركني يومُك أنصرك نصراً مُؤزراً"، كما في الصحيحين
(1)
.
2 ــ وقد اختلف في إسلام ورقة، والصواب أنه أسلم وآمن كما حققه جمع من أهل العلم، منهم المصنف، والحافظ العراقي
(2)
، وابن حجر
(3)
، والقسطلاني
(4)
، ويشهد لهذا ظاهر رواية الصحيحين التي سقناها.
وأما حديث الترمذي الذي ساقه المصنف: «رأيت القسَّ عليه ثياب بيض» ، فإسناده ضعيف
(5)
، ويغني عنه حديث الصحيحين المتقدم.
وأيضاً ورد بإسناد صحيح مرفوعاً: «لا تسبوا ورقة بن نوفل فإني قد رأيت له جنة أو جنتين»
(6)
.
(1)
صحيح البخاري «3» ، صحيح مسلم «160» .
(2)
التقييد والإيضاح للعراقي ص 312.
(3)
الإصابة لابن حجر 6/ 475.
(4)
إرشاد الساري 1/ 42.
(5)
ضعف إسناده الألباني في ضعيف الترمذي «2288» ، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق مسند أحمد «24367» .
(6)
أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 666، وقال:«صحيح على شرط الشيخين» ، ووافقه الذهبي، وصححه العراقي في التقييد والإيضاح ص 312، والألباني في صحيح الجامع، «7320» .
3 ــ وقد ترجم لورقة غير واحد من العلماء في الصحابة، منهم: ابن الأثير
(1)
وابن حجر
(2)
.
حماية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «ودَخَلَ مَنْ شَرَحَ اللهُ صدرَه للإسلامِ على نورٍ وبصيرةٍ ومُعاينةٍ، فأخذهُم سفهاءُ أهلِ مكة بالأذى والعقوبة، وصَانَ اللهُ رسُولَه وحماه بعمّهِ أبي طالبٍ، لأنه كان شَريفاً مطاعاً فيهم، نبيلاً بيْنهم، لا يتجاسَرونَ على مفاجأته بشيءٍ في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لما يعلَمونَ من محبَّته له.
وكان من حكمةِ اللهِ بقاؤُه على دِينهم لما في ذلك من المصلحةِ. هذا ورسُولُ الله يدعو إلى الله ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، لا يصدُّه عن ذلك صَادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ، ولا يأخذُه في الله لومةُ لائمٍ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "فأخذهم سفهاء أهل مكة بالأذى": يشير إلى ما تعرض له المسلمون بمكة من ألوان الأذى والبلاء من قبل أقوامهم بسبب إسلامهم.
وكتب السنّة والسيرة طافحة بشواهد ذلك، وسيذكر المصنف بعضاً منها في الفصل القادم.
2 ــ بل حتى من أسلم من ذوي الشرف والمكانة لم يسلموا من أذية أقوامهم، وكان الواحد منهم يُهَدَّدُ ويُقال له:"لنسفهنّ حلمك، ولنضعنّ شرفك"، وإن كان
(1)
أسد الغابة 5/ 416.
(2)
الإصابة لابن حجر 6/ 474.
تاجراً قيل له: "لنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك"
(1)
، حتى يصدوه عن دين الله.
3 ــ وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجترئ قريش على أذيته جسدياً بسبب حماية عمّه أبي طالب له ووقوفه معه.
لكن بعد موت أبي طالب في السنة العاشرة من البعثة نالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم جسدياً
(2)
أكثر من مرة، حتى قرروا قتله في النهاية، مما كان سبباً مباشراً لهجرته إلى المدينة كما سيأتي تفصيله.
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 279.
(2)
انظر على سبيل المثال حادثة خنق عقبة بن أبي معيط للنبي صلى الله عليه وسلم عند الكعبة في صحيح البخاري «3856» ، ووضعهم سلا الجزور على ظهره في صحيح مسلم «1794» .
فصل
عُدوان المشركينَ وفتنةٌ المعذَّبين
قال المصنف: «ولمَّا اشتدَّ أذى المشركينَ على مَنْ آمنَ وفتنوا منهم جماعة، حتى إنهم كانوا يصبرونهم
(1)
، ويلقونهم في الحرّ، ويضعونَ الصخرة العظيمة على صدْر أحدِهم في شدَّة الحرّ، حتى إن أحدهَم إذا أُطلق لا يستطيعُ أن يجلسَ من شدَّةِ الألمِ، فيقولونَ لأحدِهم: اللاتُ إلهك من دونِ الله. فيقول مكرهاً: نعم! وحتى إن الجُعَل
(2)
ليمرُّ فيقولونَ: وهذا إلهك من دون الله. فيقول نعم!
ومرّ الخبيثُ عدو الله أبو جهل عمرو بن هشام بسُمَيَّة أم عمَّار وهي تعذَّبُ وزوجُها وابنُها، فطعنَها بحربةٍ في فرجها فقتلها رضي الله عنها وعن ابنها وزوجها.
وكان الصّدّيق رضي الله تعالى عنه إذا مَرَّ بأحدٍ من الموالي يعذَّب يشتريهِ من مواليه ويعتقه، منهم بلالٌ، وأمه حمامة، وعامر بن فُهيرة، وأم عبس، وزنِّيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية لبني عدي، كان عمرُ يعذّبها على الإسلام قبل أن يُسلم، حتى قال له أبوه أبو قحافة: يا بنيّ، أراك تُعتق رقاباً ضعافاً، فلو أعتقتَ قوماً جُلداً يمنعونك. فقال له أبو بكر: إني أريد
(1)
يحبسونهم.
(2)
الجعل بضم الجيم وفتح العين: دويبة من دواب الأرض تشبه الخنفساء.
ما أريد
(1)
. فيقال إنه نزلت فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل: 17 - 18] إلى آخر السورة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ما ذكره المصنف من ألوان العذاب والبلاء الذي أنزله المشركون بالمؤمنين بمكة له شواهد كثيرة في السنة والسيرة، منها حديث ابن مسعود أنهم: كانوا يلبسونهم أدارع الحديد، ويصهرونهم في الشمس، ويطوفون بهم في شعاب مكة
(2)
.
ومنها حديث ابن عباس: أنهم كانوا يضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدّت ما نزل به من الضرّ
(3)
.
2 ــ وحادثة استشهاد سمية والدة عمار بن ياسر على يد أبي جهل مخرجة في مصنف ابن أبي شيبة
(4)
مرسلاً بإسناد صحيح عن مجاهد بن جبر كما قال ابن حجر
(5)
.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بها وبزوجها وابنها وهم يعذبون بمكة، فقال لهم:
(1)
كذا في الفصول!، وعند ابن هشام 1/ 279:«إنما أريد ما أريد لله عز وجل» ، وبها تتضح الجملة.
(2)
مسند أحمد «3832» ، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط.
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 320 وقال الصوياني في الصحيح من أحاديث السيرة ص 71: "إسناده قابل للتحسين".
(4)
مصنف ابن أبي شيبة «33869» .
(5)
الإصابة 8/ 190.
«صبراً يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة»
(1)
.
3 ــ وقصة شراء أبي بكر الصّدّيق للموالي المعذَّبين بمكة وإعتاقهم ذكرها ابن إسحاق في السيرة، ومن طريقه الحاكم في المستدرك وصححه
(2)
.
وقد ثبت إعتاق أبي بكر لبلال في البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: «أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا يعني بلالاً»
(3)
.
4 ــ وما كان يصيب المؤمنين الصادقين بمكة من ألوان العذاب والمعاناة فيه دليل على أن المؤمن مبتلى ليطهره الله ويرفع درجاته.
وفي الحديث الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل»
(4)
.
5 ــ وما كان ينطق به بعض المؤمنين من ألفاظ الكفر تحت العذاب فيه دليل على أن الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها كما في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ} [النحل: 106].
6 ــ وفي شراء أبي بكر للموالي المعذبين وإعتاقهم دليل على فضله وكرمه وبعض ما كان يقوم به رضي الله عنه من أعمال جليلة في الإسلام.
الهجرة إلى أرض الحَبَشة:
قال المصنف: «فلمَّا اشتدَّ البلاءُ أذِنَ الله سبحانه لهم في الهجرةِ إلى أرضِ
(1)
أخرجه الحاكم في المستدرك «5646» ، وصححه الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص 111.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 319، مستدرك الحاكم «3942» ، وقال: صحيح على شرط مسلم.
(3)
صحيح البخاري «3754» .
(4)
سنن ابن ماجه «4023» وصححه شعيب الأرناؤوط.
الحَبَشةِ
(1)
، فكان أولُ من خرجَ فاراً بدينهِ إلى الحَبَشة عثمانُ بنُ عفان رضي الله عنه، ومعه زوجته رقية بنت رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وتبعه الناس.
ثم خرجَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ وجماعاتٌ رضي الله عنهم وأرضاهم، وكانوا قريباً من ثمانين رجلاً. فانحاز المهاجرون إلى مملكة أَصْحَمَة النجاشي، فآواهم وأكرمهم، فكانوا عنده آمنين».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أخذ المصنف يتحدث عن هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وقد ذكر أهل السير أنها بدأت في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة
(2)
.
2 ــ وكان سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى ما كان ينزل بأصحابه من العذاب والفتنة، ورأى أنه غير قادر على حمايتهم ومنعم، أشار عليهم بالخروج إلى بلاد الحبشة، وقال لهم:«لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحدٌ، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه»
(3)
.
3 ــ وقد جاء في البخاري ما يدل على أن هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة كانت مرتين
(4)
. وأوضح ذلك أهل السير فقالوا: إنهم كانوا في البداية أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وتسمّى هجرة الحبشة الأولى، ثم إنهم رجعوا إلى مكة بعد أن
(1)
البلد المعروف في إفريقية، ويسمّى اليوم أثيوبية.
(2)
فتح الباري 7/ 188.
(3)
سيرة ابن إسحاق ص 174، والبيهقي في السنن 9/ 9، وصححه الألباني في الصحيحة «3190» .
(4)
صحيح البخاري «3872» ، وانظر فتح الباري 7/ 189.
بلغتهم أخبار كاذبة بإسلام قريش، فلمّا رأوا أن الحال لم تتغير هاجروا مرة ثانية، وكانوا في هذه المرة نحواً من ثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة
(1)
.
4 ــ وأَصْحَمَة المذكور هو: أَصْحَمَة بن أبحر، والنجاشي لقبٌ له، وقد ثبت أنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وظل في بلاده حتى مات، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب، وكبَّر عليه أربعاً، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة
(2)
.
5 ـ وفي اختياره صلى الله عليه وسلم للحبشة دون غيرها دليل على معرفته بأحوال البلدان والدول وما كان يجري فيها، وما يصلح منها وما لا يصلح.
6 ــ وقد أثني النبي صلى الله عليه وسلم على الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، وقال لهم كما في الحديث الصحيح:«لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان»
(3)
.
وعند ابن سعد بإسناد صحيح كما قال ابن حجر أن أسماء بنت عُميس قالت: يا رسول الله! إن رجالاً يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأوّلين؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك»
(4)
.
7 ـ وقد أخذ العلماء من هذه الحادثة وجوب هجرة المسلم من البلد الذي يمنع فيه من إقامة شعائر دينه، من صلاة وصيام ونحوهما، إن كان قادراً على الهجرة.
(1)
زاد المعاد 3/ 26.
(2)
صحيح البخاري «1245» ، صحيح مسلم «951» .
(3)
صحيح البخاري «3876» ، من حديث أبي موسى الأشعري.
(4)
طبقات ابن سعد 8/ 219، فتح الباري 7/ 486.
وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة
(1)
. لأن الدين هو أغلى ما يملكه المسلم وما يجب المحافظة عليه.
محاولة قريش رد المهاجرين إلى الحبشة:
قال المصنف: «فلما عَلِمَت قريشٌ بذلك بعثت في إثرهم عبدَ الله بنَ أبي ربيعة وعمرو بنَ العاص بهدايا وتُحَفٍ من بلادِهم إلى النجاشيّ، ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم وتشفَّعوا إليه بالقُوَّادِ من جُنده، فلم يُجبهم إلى ما طلبوا، فوشَوا إليه: إن هؤلاء يقولُون في عيسى قولاً عظيماً، يقولُون: إنه عبدٌ، فأُحْضر المسلمون إلى مجلسِه، وزعيمُهم جعفرُ بنُ أبي طالب رضي الله عنه، فقال: ما يقولُ هؤلاء إنكم تقولُون في عيسى؟! فتلا عليه جعفرٌ سورةَ {كهيعص} [مريم: 1]، فلما فرغَ أخذ النجاشيُّ عُوداً من الأرض، فقال: ما زاد هذا على ما في التوراة ولا هذا العُود.
ثم قال: اذهبوا فأنتم سيُوم
(2)
بأرضي، من سبَّكُم غَرِم. وقال لعمرو وعبد الله: والله لو أعطيتموني دَبَراً
(3)
من ذهب ــ يقول: جبلاً من ذهب ــ ما سلّمتُهم إليكما، ثم أمر فَرُدَّتْ عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحَين بشرّ خَيْبة وأسوئِها».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ محاولة قريش استعادة المسلمين من بلاد الحبشة وما جرى من حوار بين جعفر بن أبي طالب والنجاشي أخرجه ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن
(4)
.
(1)
تفسير القرطبي 5/ 350.
(2)
كلمة حبشية معناها: آمنون.
(3)
كلمة حبشية معناها: الجبل.
(4)
سيرة ابن إسحاق ص 213، ومن طريقه أحمد في المسند «1470» بإسناد حسنه الشيخ شعيب الأرناؤوط.
2 ـ ومن الأحكام التي تؤخذ من هذه الحادثة: جواز استعانة المسلمين بغير المسلمين والاحتماء بهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك،، ولهذا نظائر عديدة في حوادث السيرة، كاحتماء النبي صلى الله عليه وسلم بعمّه أبي طالب، واحتمائه بالمُطعم بن عَديّ عندما عاد من رحلة الطائف، واستعانته بعبد الله بن أُريقط في هجرته إلى المدينة.
3 ــ كما يؤخذ من الحادثة أن دين الإسلام والنصرانية الحقَّة قبل أن يدخلها التحريف لا يختلفان في أصل العقيدة والتوحيد، وأن عيسى بن مريم رسول من عند الله، ليس بإله ولا ابن إله. ولذلك قال النجاشي لجعفر: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت مقدار هذا العود.
4 ــ وفي جواب جعفر بن أبي طالب للنجاشي دليل على مدى ما كان عليه المسلمون من صراحة في بيان دينهم وعقيدتهم، وتركهم المجاملة والمداهنة رغم ضعفهم وغربتهم، مما كان له الأثر الطيب في نجاتهم.
5 ــ كما أن في جواب جعفر دليل على رجاحة عقله وبلاغة بيانه وقوة حجته رضي الله عنه، وما ذلك إلا من تأييد الله له وتسديده إياه، حتى يتم نوره وينصر دينه ولو كره الكافرون.
* * *
فصل
مقاطعة قريش لبَني هاشمٍ وبَني المُطَّلِب
قال المصنف: «ثم أسلَمَ حمزةُ عمُّ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وجماعةٌ كثيرونَ، وفشَا الإسلامُ. فلما رأتْ قريشٌ ذلك ساءَها، وأجمعوا على أن يتعاقَدُوا على بنى هاشمٍ وبني المطَّلِب ابنَي عبد مناف: ألا يُبايعوهم، ولا يُناكحوهم، ولا يُكلموهم، ولا يُجالسوهم، حتى يُسلِموا إليهم رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في سقفِ الكعبة.
فانحاز إلى بنو هاشم وبنو المطَّلِب، مؤمنُهم وكافرُهم إلا أبا لهبٍ ــ لعنه الله وولده ــ في شعب أبي طالبٍ، محصورين مضيّقاً عليهم جداً نحواً من ثلاثِ سنين.
ثم سَعَى في نقْض تلكَ الصحيفةِ أقوامٌ من قريشٍ، فكان القائمُ في أمرِ ذلك: هشام بن عمرو بن ربيعة، مشى في ذلك إلى مُطْعِم بن عَديّ وجماعةٍ من قريشٍ، فأجَابُوه إلى ذلك، وأخبرَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قومَه أن الله قد أرسلَ على تلك الصحيفة الأَرَضَة
(1)
، فأكلتْ جميعَ ما فيها إلا ذكرَ الله عز وجل، فكان كذلك.
ثم رجع بنو هاشمٍ وبنو المطَّلِب إلى مكة، وحصل الصُلْحُ برغمٍ من أبي جهلٍ؛ عمرو بن هشامٍ. واتصلَ الخبرُ بالذين هُمْ بالحَبَشة: أن قريشاً أسلموا، فقدِمَ مكة
(1)
الأَرَضَة: دويبة تأكل الخشب.
منهم جماعةٌ، فوجدوا البلاءَ والشدَّة كما كانا، فاستمروا بمكة إلى أن هاجَروا إلى المدينةِ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب أوردتها عامة كتب السيرة، وقد وردت إشارات مختصرة لها في صحيح البخاري كما ذكر الحافظ ابن حجر
(1)
.
2 ــ وكان ابتداء هذه المقاطعة في السنة السابعة من البعثة كما ذكر ابن حجر
(2)
.
3 ــ وأما عن أسباب المقاطعة، فيمكن إجمالها في التالي:
أولاً: ما رأته قريش من فشو الإسلام في القبائل، وإسلام بعض الكبار كحمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب.
ثانياً: فشل قريش في إقناع بني هاشم وبني المطلب في التخلي عن حماية النبي صلى الله عليه وسلم والوقوف معه.
ثالثاً: فشل قريش في إعادة من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة.
فأجمعت قريش على منابذة بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم، كورقة ضغط عليهم حتى يُسلّموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ويتخلوا عن مؤازرته
(3)
.
4 ــ وقد أصاب بني هاشم وبني المطلب من جراء الحصار ضيق شديد
(1)
فتح الباري 7/ 193، وانظر صحيح البخاري «1590» .
(2)
فتح الباري 7/ 192.
(3)
السيرة النبوية لأبي شهبة 1/ 359.
ومجاعة عظيمة، فلم يكن يأتيهم طعام إلا خفية من بعض المتعاطفين، حتى إنهم أكلوا جلود البهائم وأوراق الشجر.
ولعل مما يصور ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "لقد جعتُ حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطْب فوضعته في فمي فبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن"
(1)
5 ــ وقد ذكر كتاب السيرة أن أبا طالب كان من شدّة خوفه على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأيام يأمر بعض بنيه أن ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يقتله أحد
(2)
.
6 ــ وقد استمر هذا الحصار ثلاث سنوات
(3)
حتى قام بعض ذوي المروءة والشرف من قريش ممن كانوا كارهين لهذا الحصار منذ البداية، فأجمعوا أمرهم على نقض الصحيفة، وسعوا في ذلك حتى تم مرادهم.
وبذلك أُنهي الحصار وبطل ما في الصحيفة دون أن تحقق قريش شيئاً من أهدافها المرجوة.
7 ــ وفي مؤازرة مشركي بني هاشم وبني المطلب للنبي صلى الله عليه وسلم ووقوفهم معه في سنوات الحصار دليل على أن المجتمعات غير المسلمة لا تخلوا من أهل الشيم والمروءات الذين يمكن للمسلم الاحتماء بهم والإفادة منهم أيام الشدائد والمحن.
8 ــ ولم ينس النبي صلى الله عليه وسلم معروف الذين وقفوا معه في هذه الضائقة، ففي
(1)
الروض الأنف 3/ 354.
(2)
سيرة بن إسحاق ص 160.
(3)
بهذا جزم موسى بن عقبة، بينما قال ابن إسحاق: سنتين أو ثلاث، انظر فتح الباري 7/ 192.
غزوة بدر نهي صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري ابن هشام وكان مشركاً لما له من مواقف مشرفة في السعي لنقض صحيفة قريش
(1)
.
9 ــ كذلك عندما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم خيبر أعطى بني المطلب من الخمس مع بني هاشم، ولم يعط أبناء عمّهم من بني نوفل وبني عبد شمس، وعندما قيل له في ذلك، قال:«إنّا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام»
(2)
.
10 ــ ورجوع جماعة من المؤمنين من بلاد الحبشة لما بلغهم إسلام قريش وتبيّنهم بطلان ذلك أورده ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(3)
.
* * *
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 629.
(2)
رواه أبو داود في سننه «2980» ، بإسناد حسن، وهو في صحيح البخاري «3140» بلفظ:«إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد» .
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 364.
فصل
خُروجُه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ جزم المصنف هنا بالمدة التي كانت بين وفاة خديجة وأبي طالب مع أنه مجرّد قول قاله بعض أهل العلم، لا يوجد ما يثبته أو يؤكده.
وهناك من قال: إن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يوماً
(1)
.
وأما شيخ المغازي ابن إسحاق فلم يحدد شيئاً بالأيام، واكتفى بقوله:"توفيت خديجة وأبا طالب في عام واحد"
(2)
.
(1)
تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 614.
(2)
سيرة ابن إسحاق ص 243.
لأجل هذا كان الأولى بالمصنف عدم الجزم بعدد الأيام بينهما، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير، قال:«توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاث سنين»
(1)
. أي في العام العاشر من البعثة.
2 ــ وقد اشتهر عند كتاب السيرة تسمية هذا العام الذي توفيت فيه خديجة وأبو طالب بعام الحزن، وبعضهم ينسب هذه التسمية إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت
(2)
، وإن كان عاماً حزيناً بلا شك على النبي صلى الله عليه وسلم.
3 ــ وأما ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فقد ورد من طرق يقوي بعضها بعضاً، كما أن في البخاري بعض الإشارات له
(3)
.
4 ــ وسبب ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى هناك هو ما كان يرجوه من إيمان أهل الطائف به وإيوائهم له حتى يبلّغ رسالة ربه، بعد أن أمعنت قريش في مقاومته والصدّ عنه.
5 ــ وقد أرخ الواقدي خروج النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الرحلة في السنة العاشرة من البعثة، وذكر أنه كان برفقة مولاه زيد بن حارثة، وأنه أقام فيهم عشرة أيام يدعو أهلها للإسلام
(4)
.
6 ــ ولكنهم كما ذكر المصنف لم يستجيبوا له، بل سبُّوه ونالوا منه وردوا عليه رداً منكراً، وسلّطوا سفهاءهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين،
(1)
صحيح البخاري «3896» .
(2)
دفاع عن الحديث النبوي ص 18.
(3)
صحيح البخاري «3231» ، السيرة النبوية الصحيحة للعُمري 1/ 186.
(4)
نقله عنه ابن سعد في طبقاته 1/ 165. وأما ابن إسحاق فلم يؤرخ تاريخ الرحلة، ولم يذكر مدة الإقامة في الطائف، وقال: "خرج إليهم وحده"، كما في سيرة ابن هشام 2/ 47.
وألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة القرشيين كي يحتمي به.
وقد كان لأثرياء أهل مكة أملاكاً وبساتين في الطائف وما حولها، يقضون بها شهور الصيف القائظة.
7 ــ فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أهلِ الطائف تحركت فيهما الرحم والمروءة، وأمرا غلاماً لهما نصرانياً اسمه: عَدَّاس أن يقدم له طبقاً من عنب.
فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه قال: «بسم الله» ، فقال عَدَّاس مستغرباً: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!!
فقال صلى الله عليه وسلم: «ومن أيّ البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك» ؟ فقال: نصراني من أهل نينوى.
فقال صلى الله عليه وسلم: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى» ؟
فقال عدَّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «ذاك أخي، كان نبياً، وأنا نبي» .
فأكب عَدَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبّل رأسه ويديه وقدميه
(1)
!!
9 ــ ومما يدل على شدة ما أصابه صلى الله عليه وسلم في الطائف ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أُحد،
(1)
قصة عداس وردت من مراسيل عديدة كابن إسحاق والزهري وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة أرى أنها يقوي بعضها بعضاً خلافاً للدكتور أكرم العمري الذي ضعفها كما في كتابه السيرة النبوية الصحيحة 1/ 187. وقد عدّ عداساً في جملة الصحابة غير واحد، منهم: أبو نعيم في معرفة الصحابة 4/ 2262، وابن الأثير في أسد الغابة 3/ 501، وابن حجر في الإصابة 4/ 385.
قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة»
(1)
، يعني عقبة الطائف.
10 ـ ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة حزيناً مهموماً مكلوم الفؤاد، ودخلها في جوار المُطعم بن عَديّ.
11 ـ وفي هذا دليل على جواز استعانة المسلم بغير المسلم والاحتماء به عند الحاجة أو الضرورة، وقد تقدم التنبيه على هذه المسألة مراراً.
إسلام الطُّفيلُ بنُ عمرو:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كان الطفيل بن عمرو سيّد قومه وشاعرهم، وخلاصة قصة إسلامه: أنه قدم مرَّة مكة في بعض حاجته، فمشى إليه رجالٌ من قريش وحذروه من الاستماع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال الطفيل: فما زالوا بي حتى عزمت ألا أسمع منه شيئاً، وحشوت الكُرسف ــ القطن ــ في أُذُني. قال: فغدوت يوماً إلى المسجد، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلي عند الكعبة، فأبى الله إلا أن أسمع قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت:
(1)
صحيح البخاري «3231» ، والمراد بالعقبة هنا: عقبة عند الطائف كما في دليل الفالحين لابن علان 5/ 100.
والله إني لشاعر لبيب، فما يمنعني أن أسمع ما يقول هذا الرجل، فإن كان حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته. ثم إنه جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه القرآن فشرح الله صدره للإسلام فأسلم
(1)
.
2 ــ وفي دعوة الطفيل قومه للإسلام بعد إسلامه دليل على أن أصحاب رسول الله ما كانوا يكتفون بالإسلام ثم يجلسون في بيوتهم فحسب. بل كان الواحد منهم يتحول بدوره داعية للإسلام ومبشراً به، وقد تقدم أن أبا بكر الصديق أسلم على يديه جماعة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم.
3 ــ وما ذكره المصنف من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للطفيل حتى صار في طرف سوطه نورٌ يسطع فهذا لم يرد إلينا من طريق صحيحة
(2)
.
* * *
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 22، وهي رواية مرسلة بدون إسناد، لكن أخرج البخاري في صحيحه «4392» عن أبي هريرة قال: قدم الطفيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن دوساً قد عصت وأبت فادع الله عليها، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال:"اللَّهم اهد دوسا وأت بهم".
(2)
ضعف إسناده غير واحد كشعيب الأرناؤوط في تعليقه على سير أعلام النبلاء 1/ 344، والدكتور العُمري في سيرته 1/ 146.
فصل
حادثة الإسْرَاءِ والمِعْرَاج
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حادثة الإسراء والمعراج من أعظم حوادث السيرة، ومن أعظم المعجزات التي أكرم الله بها نبيّه صلى الله عليه وسلم تسلية له وتسرية عنه، بعد كل ما أصابه من عَنَت قريش وأذيّة ثقيف وموت زوجه خديجة وعمّه أبي طالب.
2 ــ والإسراء معناه: ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
وأما المعراج: فهو الصعود برسول الله صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى السموات السبع وما فوقها، حيث رأى عجائب آيات الله، وملكوت السموات والأرض، كما قال تعالى:{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 17 - 18].
3 ــ وقد اختلف في تاريخ وقوع هذه الحادثة على أقوال، والمشهور أنها كانت
قبل الهجرة بسنة كما أفاده الإمام ابن سيد الناس
(1)
.
4 ـ وقول المصنف: "وأمَّ بالأنبياءِ ببيتِ المقدس فصلَّى بهم": في هذا إشارة إلى عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، وخلود إمامته، وأن دينه مهيمن على الدين كله صلوات الله وسلامه عليه.
5 ــ وقوله: "وأُسرى بجسده على الصحيح"، هذا هو القول الراجح الذي تقتضيه ظواهر النصوص، وهو قول أكثر العلماء
(2)
.
وذهب قليل من العلماء إلى أن رحلة الإسراء والمعراج كانت رؤيا منامية، وإن كانت رؤيا الأنبياء حقّ وصدق.
واستدل هؤلاء بما جاء في إحدى روايات الصحيحين، من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، قال: سمعت أنس بن مالك، يحدّثنا عن ليلة أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة:«جاءه ثلاثة نَفَر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائمٌ في مسجد الحرام .. »
(3)
.
وأجاب العلماء عن هذا الدليل بأجوبة:
أولاً: أن هذه الرواية محمولة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نائماً عند وصول الملائكة إليه قبل أخذه للرحلة، وليس في الحديث أن الحادثة كلها كانت مناماً
(4)
.
(1)
عيون الأثر 1/ 172، وهو الذي رواه موسى بن عقبة عن الزهري وعروة بن الزبير مرسلاً كما في مغازي عروة ص 120.
(2)
الشفا 1/ 188، وشرح النووي على مسلم 2/ 209، فتح القدير للشوكاني 3/ 246.
(3)
صحيح البخاري «3570» ، وصحيح مسلم «262» .
(4)
شرح النووي على صحيح مسلم 2/ 210.
ثانياً: أن ذكر النوم في هذه الرواية غَلَطٌ تفرَّد به شريك بن عبد الله بن أبي نمر وخالف تلامذة أنس بن مالك الذين لم يذكروها، كما أشار إلى ذلك الإمام مسلم في صحيحه
(1)
.
ثالثاً: أن حادثة الإسراء والمعراج لو كانت مناماً لما أنكرتها قريش، وسارعت إلى تكذيبها، والتندر بها، لأن رؤيا المنام أمر غير مستنكر.
العروج إلى السموات العلا:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أجمل المصنف الكلام عن معجزة الإسراء والمعراج لأن تفاصيلها تطول، وقد ورد الكثير منها في الصحيحين وغيرهما
(2)
.
2 ـــ وسِدرة المنتهى: شجرة عظيمة في السماء السابعة
(3)
، سميت بهذا الاسم لأن عِلْم الخلائق ينتهي إليها بمن فيهم الملائكة.
ولم يجاوزها أحدٌ إلا النبي صلى الله عليه وسلم
(4)
، حيث عُرج به إلى ما بعدها حتى وصل
(1)
المصدر السابق 2/ 210.
(2)
جامع الأصول «8866» .
(3)
فتح الباري 1/ 131،
(4)
شرح النووي على صحيح مسلم 2/ 214.
إلى مستوى يسمع فيه صَريف الأقلام
(1)
.
3 ـــ وقوله: "ورأى عندها جبريل على الصورة التي خُلق عليها": فقد ذكر العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته الحقيقية إلا مرتين، مرة في رحلة المعراج عند سدرة المنتهى، والثانية: عند نزوله من غار حراء عقب فترة الوحي
(2)
.
4 ــ وفي الحادثة دليل على عِظَم قدر الصلوات الخمس، حيث فرضها الله على نبيّه مباشرة بغير واسطة وهو فوق السماء السابعة في أعلى مكان وصله بشر.
خلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه:
قال المصنف: «واختلفَ العلماءُ: هل رأى ربَّه عز وجل أو لا؟ على قولين: فصحَّ عن ابن عباسٍ أنه قال: رأى ربَّه. وجاء في رواية عنه: رآه بفؤاده. وفي الصحيحين: «عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أنكرت ذلك على قائله
(3)
. وقالتْ هي وابنُ مسعودٍ: إنما رأى جبريلَ. وروى مسلمٌ في صحيحه
(4)
من حديث قتادة، عن عبد الله بن شَقيق، عن أبي ذَرّ أنه قال:«سألتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم هل رأيتَ ربك؟ قال: نورٌ، أنَّى أراه!؟، وفي رواية: رأيتُ نُوراً» . فهذا الحديث كافٍ في هذه المسألةِ».
الكلام عليه من وجهين:
1 ــ أشار المصنف في هذا الموضع إلى خلاف العلماء في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
صحيح البخاري «349» ، صحيح مسلم «263». وصريف الأقلام معناه: صوت جريانها بما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما يستنسخونه من اللوح المحفوظ.
(2)
تحفة الأحوذي 9/ 118.
(3)
صحيح البخاري «3244» ، صحيح مسلم «177» .
(4)
صحيح مسلم «178» .
لربه ليلة الإسراء والمعراج، والقول بعدم الرؤية هو الذي رجحه كثير من العلماء كالمصنف، وابن تيمية
(1)
، وابن أبي العز
(2)
، والشنقيطي
(3)
، وذلك لعدم ورود دليل صريح في إثبات الرؤية، إضافة إلى حديث أبي ذر الذي ذكره المصنف فهو كالنص في المسألة.
2 ــ وقد تطرق المصنف للمسألة مرة أخرى في آخر الكتاب، وقال:"وما رُوي من إثبات الرؤية بالبَصَر فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك لا مرفوعاً بل ولا موقوفاً"
(4)
.
إخباره صلى الله عليه وسلم قريشاً بالحادثة وتكذيبهم له:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم غدا على قريش صبيحة ليلة الإسراء فأخبرهم الخبر، فقالوا: هذا والله المنكر البيّن، إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهراً مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة
(5)
!!
2 ــ وفي الصحيحين
(6)
أن قريشاً لما كذبت النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن صفة بيت
(1)
مجموع الفتاوى لابن تيمية 6/ 507.
(2)
شرح الطحاوية ص 163.
(3)
أضواء البيان 3/ 9.
(4)
الفصول ص 255.
(5)
سيرة ابن هشام معلقاً من رواية الحسن البصري 1/ 398.
(6)
صحيح البخاري «4710» ، صحيح مسلم «170» .
المقدس، فجلَّاه الله عز وجل له، فطفق يصفه لهم وهو ينظر إليه. زاد أحمد في المسند: فقالوا: "أما النعتُ فوالله لقد أصاب"
(1)
.
3 ــ وفي مسند أحمد بإسناد صحيح
(2)
أن أناساً ارتدوا كفاراً بعد أن حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم برحلته تلك!! وواضح أنهم كانوا من ضعفاء العقل والإيمان، وأما المؤمنون فقد آمنوا وصدقوا.
4 ــ وقد سعت قريش إلى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا له: "إن صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، فقال: أَوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أَوَ تصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدّقه فيما هو أبعدُ من ذلك أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق"
(3)
.
عرض رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائِل:
قال المصنف: «وجعلَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نفسَه على القبائل أيامَ المواسم، ويقول: مَنْ رجلٌ يحملُني إلى قومِه فيمنعُني حتى أُبلّغَ رسالةَ ربي؛ فإن قريشاً منعوني أن أُبلّغَ رسالةَ ربي. هذا وعمُّه أبو لهب ــ لعنه الله ــ وراءه يقولُ للناسِ: لا تسمعوا منه فإنه كذَّابٌ. فكان أحياءُ العَرَبِ يتحامَوْنه لما يسمعون من قريشٍ فيه: إنه كاذبٌ،
(1)
مسند أحمد «2819» ، وصحح إسناده أحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط.
(2)
صححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للمسند «3546» . ولم تذكر الرواية أسماءهم ولا عددهم.
(3)
مستدرك الحاكم 3/ 65، وقال:"صحيح الإسناد"، وصححه الألباني في الصحيحة «306» .
إنه ساحرٌ، إنه كاهنٌ، إنه شاعرٌ، أكاذيبُ يقذفونَه بها من تلقاءِ أنفسِهِم، فيُصغي إليهم مَنْ لا تمييز له من الأحياءِ. وأما الألبَّاءُ
(1)
إذا سمعوا كلامه وتفهموه شهدوا بأن ما يقولُه حقٌّ وأنهم مفترونَ عليهِ، فيُسْلِمون».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل في المواسم ودعوتهم إلى الإسلام مخرج في أبي داود بإسناد على شرط البخاري كما قال الحافظ الذهبي
(2)
.
2 ــ وقول عمّه أبي لهب: "لا تسمعوا منه فإنه كذاب"، أخرجه أحمد في المسند بسند صحيح، ولفظ روايته عن ربيعة بن عباد الديلي، أنه قال:"رأيت أبا لهب بعكاظ، وهو يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا أيها الناس، إن هذا قد غوى، فلا يغوينكم عن آلهة آبائكم، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يفرّ منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه، ونحن غلمان، كأني أنظر إليه أحول ذو غديرتين أبيض الناس وأجملهم"، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح
(3)
.
3 ــ وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين وهو يعرض نفسه على القبائل في المواسم ويتبع منازلهم ويقول: «من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ رسالة ربي وله الجنة»
(4)
.
4 ــ وفي عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل أيام المواسم، دليل على أن الداعية
(1)
العقلاء.
(2)
سنن أبي داود (4734)، تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 644.
(3)
مسند أحمد بتحقيق شعيب الأرناؤوط «16020» .
(4)
مسند أحمد «14456» ، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
إلى الله يجب عليه استغلال كل مناسبة يجتمع فيها الناس لدعوتهم إلى الله تعالى.
5 ــ وأنه لا ينبغي أن يقصر الداعي دعوته على مجالسه ودروسه الخاصة فحسب، بل يَحْسُنُ به الذهاب إلى مجالس الناس وأنديتهم وأماكن تجمعاتهم إن أمكنه ذلك.
* * *
فصل
بدء إِسلام الأنْصار
الكلام عليه من وجهين:
1 ــ ما أورده المصنف من سبب مسارعة الأنصار في دخول الإسلام وأنهم كانوا يجاورون يهود بالمدينة ويسمعون منهم أن نبياً قد أظل زمان خروجه إلى آخره .. هذا ذكره ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه
(1)
.
(1)
سيرة ابن إسحاق ص 84، وحسَّن إسناده الدكتور أكرم العُمري في السيرة النبوية الصحيحة 1/ 122، والعلي في صحيح السيرة النبوية ص 105، وصححه الصوياني في الصحيح من أحاديث السيرة النبوية ص 106.
2 ــ ويضاف إلى هذا سببان آخران ساعدا في إسراع دخول الأنصار في الإسلام؛ أولهما: أن الأنصار كانوا وقتها يعانون فتنناً كبيرة وحروباً حادة بين الأوس والخزرج، وقد مات بسببها كثيرٌ من أشرافهم وأعيانهم، فكانوا يأملون أن تنتهي هذه الحروب بدخولهم في الإسلام.
يشهد لذلك قول الأنصار يومها للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك"
(1)
.
والسبب الثاني: ما طبع عليه الأوس والخزرج من رقة الطبع ولين الجانب والبعد عن المغالاة في الكبرياء.
فقد كانت أصولهم ترجع إلى اليمن الذين وصف النبي صلى الله عليه وسلم أهلها بقوله: «أتاكم أهل اليمن، أرق أفئدة وألين قلوباً»
(2)
.
حديث سُويد بن الصَّامت وإسلامُ إياس بن معاذ:
قال المصنف: «وكان سُويدُ بن الصَّامت أخو بني عَمرو بن عوف بن الأوس قد قَدِمَ مكة، فدعاه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فلم يُبْعد ولم يُجب، ثم انصرفَ إلى المدينةِ، فقُتل في بعض حُروبهم. ثم قَدِمَ مكة أبو الحَيْسر أنسُ بن رافع في فتيةٍ من قومه من بني عبد الأشهل، يطلبون الحِلْف، فدعاهم رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلامِ، فقال إياس بنُ مُعاذ منهم ــ وكان شاباً حَدَثاً ــ: يا قومُ، هذا والله خيرٌ مما جئنا له، فضربه أبو الحَيْسر وانتهره، فسكتَ، ثم لم يَتِمّ لهم الحِلْف، فانصرفوا إلى بلادهم إلى المدينةِ،
(1)
المصدر السابق بالإسناد نفسه.
(2)
صحيح البخاري «4388» ، صحيح مسلم «52» .
فيقال: إن إياسَ بن معاذٍ مات مسلماً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تحدث المصنف هنا عن بدايات اتصال أهل المدينة «يثرب» بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من أوائل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم منهم: سُويد بن الصَّامت الأوسي، كان من أشراف أهل يثرب، فتصدّى له النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع بمقدمه مكة، ودعاه إلى الإسلام، فاستحسن سُويد كلامه وانصرف إلى المدينة يفكر في الأمر، فلم يلبث أن قتلته الخزرج في بعض حروبهم، فكان رجال من قومه يقولون: إنا لنراه قد قُتِل وهو مُسلم
(1)
.
2 ـ ولأجل عدم وضوح أمر سُويد فقد اختلف في إسلامه، فأثبته بعضهم وشكّ فيه آخرون
(2)
.
3 ــ وأما إياس بن معاذ فهو أيضاً من أوائل الأنصار الذين التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم للإسلام، وقد جزم غير واحد بإسلامه، وترجموا له في الصحابة، منهم ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر
(3)
.
4 ــ وقد أخرج أحمد في المسند بإسناد حسن
(4)
: «أن قوم إياس بن معاذ عند موته كانوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكُّون
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 52، قال الدكتور العُمري في سيرته 1/ 195:«إسناده حسن من رواية عاصم بن عمر بن قتادة، ثقة يرويه عن أشياخ من قومه الأنصار» .
(2)
ينظر الإصابة لابن حجر 3/ 247.
(3)
الاستيعاب 1/ 126، أسد الغابة 1/ 341، الإصابة 1/ 313.
(4)
مسند أحمد «23619» ، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط.
أن قد مات مسلماً». وهذا ظاهر في إسلامه، فقول المصنف:"فيقال إن إياس مات مسلماً" فيه نظر، لأنها صيغة تشعر بالشك في إسلامه!!
فصل
أول لقاء للأنصار بالنبي صلى الله عليه وسلم
قال المصنف: «ثم إنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبةِ
(1)
في الموسم ستةَ نفرٍ من الأنصار، كلُّهم من الخزرجِ، فدعاهم إلى الإسلامِ، فأسلَموا مبادرةً إلى الخير، ثم رجعوا إلى المدينةِ فدعَوا إلى الإسلام، ففشا الإسلامُ فيها، حتى لم تبق دارٌ إلا وقد دخلها الإسلامُ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكره المصنف: أن الله عز وجل عندما أراد إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم حج العام الحادي عشر من البعثة كما كان يصنعُ كل عام، فبينا هو عند جمرة العقبة لقي رهطاً من الخزرج من أهل يثرب أراد الله بهم خيراً. فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج. قال: أمِنْ موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فعرض عليهم الإسلام فأسلموا
(2)
.
(1)
عقبة منى حيث ترمى جمرة العقبة.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 54 بإسناد حسنه الدكتور أكرم العُمري في سيرته 1/ 196، والعلي في صحيح السيرة ص 105.
2 ــ وقد قدمنا قبل قليل الأسباب التي دعت الأنصار إلى المسارعة في دخول الإسلام.
3 ــ ويستفاد من هذه الحادثة أن الداعي إلى الله لا ينبغي أن ييأس أو يحبط من صَدّ الناس وإعراضهم عنه، فقد ظلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات يعرض نفسَه على القبائل فلا يجد منهم قبولاً، حتى لقي بعدها أولئك النفر من الخزرج اللذين آمنوا به وصدَّقوه، وترتب على إيمانهم به تحولات عظيمة وكبيرة في مسيرة الدعوة.
بيعةُ العَقَبة الأولى:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تسمى هذه البيعة: بيعة العقبة الأولى، وقد حضرها اثنا عشر رجلاً من الأنصار؛ عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، بعضهم ممن لقي النبي في الموسم السابق وآمن به، وكانت في السنة (12) من البعثة
(1)
.
2 ــ وإنما قيل لها كبيعة النساء لخلوها عن الجهاد والنصرة، إذ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر وقتها بالقتال.
3 ــ وقد روى نص هذه البيعة عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه وكان أحد شهودها، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «تعالوا، بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم
(1)
السيرة الحلبية 3/ 521.
وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارةٌ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعنا على ذلك».
هذه رواية الصحيحين
(1)
، وهي وإن لم تصرح بذكر العقبة الأولى، لكن رواية ابن إسحاق أوضحت ذلك بجلاء
(2)
.
بعث مصعب بن عمير معلماً إلى المدينة:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قدوم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم المدينة يعلمان الناس القرآن ثابت في البخاري من حديث البراء بن عازب
(3)
.
2 ــ وكان أهل المدينة يسمون مصعب بن عمير عندما قدم عليهم «المقرئ» ، وقد أسلم على يديه كثيرٌ من الأنصار
(4)
.
(1)
صحيح البخاري «3892» ، صحيح مسلم «1709» .
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 433.
(3)
صحيح البخاري «3925» .
(4)
سيرة ابن هشام 1/ 434.
3 ــ وقصة صلاة مصعب بن عمير الجُمُعة بالأنصار مخرجة عند أبي داود
(1)
وابن ماجه
(2)
بإسناد حسن، وهي تدل على أن صلاة الجمعة كانت قد شرعت بمكة قبل الهجرة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتمكن من أدائها إلا بعد مقدمه المدينة
(3)
.
4 ــ وأما أبو أُمامة أسعد بن زرارة فهو: أنصاري خزرجي نجاري، كان من أوائل من أسلم، وقد مات في السنة الأولى من الهجرة أثناء بناء المسجد النبوي
(4)
.
بيعة العَقَبة الثانية:
قال المصنف: «وكثُر الإسلامُ بالمدينةِ وظَهَرَ، ثم رجعَ مصعبٌ إلى مكة، ووافى الموسمَ ذلك العام خلقٌ كثيرٌ من الأنصارِ من المسلمين والمشركين، وزعيمُ القوم البراءُ بنُ مَعرورٍ رضي الله عنه. فلما كانت ليلة العقبة ـــ الثلثُ الأولُ منها ـــ تسلَّلَ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثةٌ وسبعونَ رجلاً وامرأتان، فبايعوا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خُفْية من قومهم، ومن كفارِ مكة، على أن يمنعُوه مما يمنعُون منه نساءَهم وأبناءَهم وأُزُرَهم، وكان أولَ من بايعه ليلتئذٍ البراءُ بنُ مَعرور، وكانت له اليدُ البيضاء، إذ أكّد العَقْدَ وبادرَ إليه.
وحضرَ العبَّاسُ عمُّ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم موثّقاً مؤكداً للبيعةِ، مع أنه كان بعدُ
(1)
سنن أبي داود «1069» .
(2)
سنن ابن ماجه «1082» .
(3)
فتح الباري 2/ 355.
(4)
أسد الغابة 1/ 205.
على دينِ قومِه. واختار رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج، ومن الأوس ثلاثة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تسمَّى هذه البيعة: بيعة العقبة الثانية، وخلاصتها: أنه في موسم حجّ السنة (13) من البعثة، وبعد انتشار الإسلام بالمدينة، تلاوم الأنصار فيما بينهم، وقالوا:"حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطرد في جبال مكة"! فقدم منهم إلى موسم الحج (73) رجلاً وامرأتان، متخفين مع قومهم من المشركين، فالتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم سراً عند جمرة العقبة الأولى، في أوسط أيام التشريق، فبايعوه على الهجرة إليهم، وعلى الولاء والنصرة له، وعلى أن يحموه مما يحمون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم
(1)
.
2 ــ وقد ذكر المصنف أن العبَّاس بن عبد المطلب كان ممن حضر البيعة من أجل أن يستوثق لابن أخيه، وكان يريد أيضاً أن يوضح للأنصار خطورة قرارهم هذا وعِظَم المسئولية التي سيتحملونها بسببه.
3 ــ وكان من جملة ما قاله العبَّاس ليلتها: "يا معشر الخزرج ـــ وكانت العرب يسمون الأنصار الخزرج، لخزرجها وأوسها ـــ: إن محمدا منّا حيثُ قد علمتم، قد منعناه من قومنا، فهو في عزّ في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحاق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد أن يخرج إليكم فمن الآن فدعوه. فقالوا: قد سمعنا يا رسول الله
(1)
ينظر تفاصيل هذه البيعة في سيرة ابن هشام 1/ 438.
فخذ لنفسك ولربك ما أحببت"
(1)
.
4 ــ وفي الحادثة دليل على فضل أولئك النفر من الأنصار الذين أسلموا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الأولى والثانية وما ترتب على بيعتهم من انتشار الإسلام في المدينة وتمهيد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها بعد ذلك.
الإذن بالهجرة إلى المدينة:
قال المصنف: «فلما تمَّت هذه البيعةُ استأذنوا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يَمِيلوا على أَهلِ العقبةِ فلم يأذَن لهم في ذلك، بل أَذِن للمسلمين بعدها من أهلِ مكة في الهجرةِ إلى المدينةِ، فبادرَ الناسُ إلى ذلك، فكان أولَ من خرجَ إلى المدينةِ من أهلِ مكة أبو سَلَمَة بنُ عبد الأسد، هو وامراتُه أمّ سَلَمَة، فاحتُبست من دونه، ومُنعت سنةً من اللّحاقِ بهِ، وحِيل بينها وبين ولدِها، ثم خرجتْ بعد السنةِ بولدِها إلى المدينةِ، وشيَّعها عثمانُ بنُ أبي طلحة، ويقال إن أبا سَلَمَة هاجرَ قبل العقبةِ الأخيرةِ، فالله أعلم، ثم خرجَ الناسُ أرسالاً
(2)
يتبعُ بعضُهم بعضاً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ إنما لم يأذن النبي للأنصار بالقتال وقتها لأنه لم يكن قد شُرِع بعد، لأن الجهاد إنما شُرِع بعد الهجرة على القول الصحيح
(3)
.
(1)
أخرج خبر بيعة العقبة الثانية أحمد في المسند «15798» بلفظ مطول من طريق ابن إسحاق، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط، وأورده الهيثمي في المجمع 6/ 45، وقال:"رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع".
(2)
أفواجاً وجماعات متقطعة.
(3)
السيرة النبوية لأبي شهبة 1/ 455، السيرة النبوية لمهدي رزق الله ص 236.
2 ــ وبناء على ما تم الاتفاق عليه في هذه البيعة فقد أخذ المسلمون بالهجرة إلى المدينة، فارين بدينهم، خاصة وقد أصبحت لهم دارٌ يأمنون بها، وإخوان ينصرونهم.
3 ــ وقوله: "ويقال إن أبا سَلَمَة هاجر قبل العقبة الأخيرة": قلت: هذا هو المشهور؛ أنه هاجر بعد بيعة العقبة الأولى
(1)
.
4 ــ وفي بيعة الأنصار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سراً عند العقبة دليل على مشروعية أخذ الحيطة والحذر عند تدبير الأمور.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 80، أسد الغابة 3/ 295.
فصل
هجرة رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ لم يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء لأنه كان ينتظر الإذن بذلك من الله عز وجل. وأما علي بن أبي طالب فقد أمره النبي بالتخلف بعده كي يردّ الودائع التي كانت عنده للناس
(1)
. وأما أبو بكر فقد أزمع الهجرة لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقاه كي يكون رفيقاً له، وقال له:«على رِسْلِكَ يا أبا بكر فإني أرجو أن يؤذن لي»
(2)
.
2 ــ وفي إيداع المشركين ودائعهم عند النبي صلى الله عليه وسلم دليل على ما كان يتمتع به صلى الله عليه وسلم من ثقة وصدق وأمانة عند قريش حيث كانوا يتركون أموالهم وودائعهم عنده،
(1)
سنن البيهقي 6/ 289، من طريق ابن إسحاق، وصحح إسناده الصوياني في الصحيح من أحاديث السيرة ص 141.
(2)
صحيح البخاري «3905» .
وفي المقابل يكذبونه ويرمونه بالسحر والخداع، وهذا تناقض عجيب.
3 ــ وفي اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر دون غيره كي يكون رفيق هجرته دليل على مدى حبّ النبي صلى الله عليه وسلم له وقربه منه وثقته فيه.
الاختباء بغار ثور:
قال المصنف: «فلمَّا كانت ليلةُ هَمَّ المشركونَ بالفتكِ برسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأَرصَدُوا على البابِ أقواماً، إذا خَرَجَ عليهم قتلُوه، فلمَّا خَرَجَ عليهم لم يرهُ منهم أحدٌ.
وقد جاء في حديث أنه «ذَرَّ على رأسِ كلّ واحدٍ منهم تراباً» . ثم خَلُص إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه، فخرجا من خَوْخَةٍ
(1)
في دار أبي بكرٍ ليلاً، وقد استأجرا عبدَ الله بن أُرَيْقط، وكان هادياً خِرّيتاً
(2)
، ماهراً بالدَّلَالة إلى أرضِ المدينة، وأمِنَاه على ذلك مع أنه كان على دينِ قومه، وسلّما إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثَوْرٍ
(3)
بعد ثلاثٍ. فلمَّا حصلا في الغار عَمَّى الله على قريشٍ خبرَهما، فلم يدروا أين ذهبا.
وكان عامرُ بنُ فُهيرة يُريح
(4)
عليهما غنماً لأبي بكرٍ، وكانت أسماءُ أبنةُ أبي بكرٍ تحمل لهما الزادَ إلى الغار، وكان عبد الله بنُ أبي بكر يتسمَّعُ ما يُقال بمكة ثم يذهبُ إليهما بذلك فيحتَرِزَان منه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكره المصنف أن قريشاً كانت قد همّت بقتل النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
الخوخة: باب صغير في ظهر البيت.
(2)
الخرِّيت: الماهر العارف بالطريق.
(3)
غار ثور: يقع في جبل ثور، وهو جبل جنوب مكة، عال يرى من جميع نواحيها المرتفعة.
(4)
يرجع بها ليلاً.
والخلاص منه قبل أن يخرج إلى أنصاره في المدينة، فجاءه جبريل وأعلمه بما دبّرت قريش، وأمره أن يغادر مكة وقال له:"لا تبت هذه الليلة على فراشك"
(1)
.
2 ــ وقد أُرّخ خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بليلة (27) من شهر صفر، سنة:(13) من البعثة، حيث توجه هو وأبو بكر إلى غار ثور، وبقيا فيه ثلاث ليالٍ قبل أن يتوجها بعدها إلى المدينة
(2)
.
3 ــ وقوله: "وقد جاء في حديث أنه «ذَرَّ على رأس كلّ واحد منهم تراباً» ": قلت: أخرجه ابن إسحاق بإسناد حسن بالشواهد
(3)
.
وهي معجزة باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يشعروا به حين وضع التراب على رؤوسهم ومرّ من أمامهم.
4 ــ وقوله: "وقد استأجرا عبدَ الله بن أُرَيْقط وكان هادياً خِريتاً .. ": هذا مخرج في الصحيح
(4)
، لكن دون التصريح باسمه، وإنما رجل من بني الدّيل، وقد سماه ابن إسحاق في السيرة
(5)
.
وفيه دليل على جواز استعانة المسلم بغير المسلم عند الحاجة أو الضرورة، وقد تقدمت المسألة بشواهدها مراراً.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 482، وحسنه الصوياني في الصحيح من أحاديث السيرة ص 141.
(2)
فتح الباري 7/ 244.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 91، وقد حسنه بمجموع طرقه وشواهده: العلي في صحيح السيرة النبوية ص 121.
(4)
صحيح البخاري «2263» .
(5)
سيرة ابن هشام 1/ 485.
5 ــ كما يؤخذ من هجرة النبي وأبي بكر سراً، واختبائهما في الغار مشروعية الأخذ بالأسباب من الحيطة والحذر، وأن هذا لا يتنافى مع كمال التوكل على الله عز وجل.
خوف أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "وجاء المشركونَ في طلبِهما إلى ثور": بيَّنت رواية المسند أن قريشاً إنما استطاعت الوصول إلى فم الغار عن طريق الاستعانة بالقافة الذين كانوا يقصُّون آثار الأقدام
(1)
، ووصولهم إلى الغار واختبائهما فيه ثلاث أيام
(1)
مسند أحمد «3251» ، وسأذكر درجته بعد قليل عند ذكر حادثة نسج العنكبوت.
مخرج في الصحيحين
(1)
.
2 ــ وقوله: "ويقال إنَّ العنكبوتَ سدَّت باب الغار": قصة العنكبوت مخرجة عند أحمد
(2)
بإسناد حسنه ابن كثير
(3)
وابن حجر
(4)
.
3 ـــ أما قصة الحمامتين والشجرة التي نبتت في فم الغار فبرغم اشتهارهما في كتب السيرة إلا أن أسانيدها لا ترتقي إلى درجة الصحة، وقد ضعفها غير واحد، كابن كثير
(5)
، والعُمري
(6)
، والله أعلم.
4 ــ وقد استدل بعض أهل الباطل بحزن أبي بكر حين اقترب المشركون من الغار على ضعفه وجزعه وخوفه!! وهذا استدلال باطلٌ لأن حزن أبي بكر لم يكن لأجل نفسه، وإنما كان لأجل سلامة النبي صلى الله عليه وسلم أن يصيبه سوء أو مكروه، وهذا أمر ظاهر.
5 ــ وفي قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر «لا تحزن إن الله معنا» : دليل على أن المؤمن يجب عليه التوكل على الله، والثقة بنصره وعونه وتأييده.
بَدْء المسيرِ إِلى المدينة:
قال المصنف: «ولمَّا كان بعد الثلاثِ أتى ابن أُريقط بالراحلتين فركباهما،
(1)
صحيح البخاري «2264، 3922» ، صحيح مسلم «2381» .
(2)
مسند أحمد «3251» .
(3)
حيث قال في البداية والنهاية 4/ 451: «هذا إسناد حسنٌ، وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار» .
(4)
فتح الباري 7/ 236.
(5)
البداية والنهاية 4/ 454، حيث قال:«هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه» .
(6)
السيرة النبوية الصحيحة 1/ 208.
وأردفَ أبو بكرٍ عامرَ بن فُهيرة، وسارَ الدَّيلي أمامَهما على راحِلتِه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكره المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ظلّا مختبئين في غار ثور ثلاثة أيام ريثما يخفّ البحث عنهما. وبعدها جاءهما عبد الله بن أريقط، فانطلقوا إلى المدينة وفي صحبتهم عامرُ بنُ فُهيرة، مولى أبي بكر، كما دل على ذلك روايات الصحيحين المتقدمة ـ
2 ــ وكان ابن أريقط مشركاً على دينه قومه كما في رواية الصحيحين المتقدمة، وقد جزم غير واحد من العلماء بأنه لا يُعرف له إسلاماً بعد ذلك إلا الحافظ الذهبي فقد ذكره في جملة الصحابة
(1)
.
3 ــ وقد وردت رواية ضعيفة بتحديد انطلاق الركب صوب المدينة بيوم الاثنين، لأربع خلون من شهر ربيع، سنة: 1 هـ
(2)
.
خَبَر سُراقة بن مالِك:
قال المصنف: «وجَعَلَتْ قريشٌ لمن جاء بواحدٍ من محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ رضي الله عنه مائةً من الإبل، فلمَّا مرُّوا بحي مُدلِج، بَصُر بهم سُراقة بن مالِك بن جُعشُم، سيّد مُدْلِج، فركبَ جواده وسارَ في طلبهم، فلمَّا قرُب منهم سمع قراءةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ رضي الله عنه يُكثر الالتفات حَذَراً على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم لا يلتفتُ. فقال أبو
(1)
قال السهيلي: «لم نجد من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك» ، وكذا جزم غير واحد بأنه لم يعرف له إسلاماً، انظر الروض الأنف 4/ 145، الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 5.
(2)
ضعفها الدكتور أكرم العُمري في السيرة النبوية الصحيحة له 1/ 211.
بكرٍ: يا رسُولَ الله! هذا سُراقة بن مالِك قد رهقنا
(1)
. فدعا عليه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فساخَت
(2)
يدا فرسِه في الأرضِ، فقال: رميتُ، إنَّ الذي أصابني بدعائِكما، فادعُوا الله لي، ولكما عليَّ أن أردَّ الناسَ عنكما، فدعا له رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فأُطلِق، وسأل رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاباً، فكتب له أبو بكرٍ في أديمٍ، ورجع يقول للناسِ: قد كُفيتم ما ههُنا.
وقد جاء مسْلِماً عامَ حجة الوداع ودفعَ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الكتابَ الذي كتبه له، فوفَّى له رسُول الله صلى الله عليه وسلم بما وعدَه وهو لذلك أهلٌ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حادثة سراقة بن مالِك مخرجة في الصحيحين بنحو ما ذكره المصنف، وفي رواية البخاري أن سراقة كرر محاولة الوصول للنبي صلى الله عليه وسلم مرتين، وفي كل مرة كانت تسقط فرسه وتسيخ يداها في الأرض
(3)
.
2 ــ وفي الحادثة معجزه باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومظهر من مظاهر حفظ الله ورعايته له أثناء هجرته، ونظيره تعمية عيون قريش عنه عندما خرج من بيته، وعندما اختبأ في غار ثور.
3 ــ ومما اشتهر في كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومها لسراقة: «كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سواري كسرى؟» ، فلما فُتحت بلاد فارس وأُتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسواريّ كسرى وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، وقال له:
(1)
رهقنا: أدركنا واقترب منا.
(2)
ساخت: غاصت ودخلت.
(3)
صحيح البخاري «3906» ، صحيح مسلم «2009» .
"قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مُدلج"
(1)
.
4 ــ وقد اتفق الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب على جعل تاريخ هجرته صلى الله عليه وسلم هو مبدأ التاريخ الإسلامي بعد تشاور وتداول، وأوضح العلامة السهيلي سبب اختيارهم لهذا التاريخ، فقال:"لأنه الوقت الذي عزَّ فيه الإسلام، والذي أُمِّر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأَسَّسَ المساجد، وعبدَ الله آمنا كما يجب"
(2)
.
وحتى لا يختلف مبدأ تاريخ الهجرة مع مبدأ السنة الهلالية قدَّم الصحابة ميعاد الهجرة شهرين وأياماً، وجعلوا بدء الهجرة من محرَّم تلك السَّنَة.
خَبَر شَاةِ أمِّ مَعْبَدٍ:
قال المصنف: «ومرّ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في مسيرهِ ذلك بخيمةِ أمّ مَعْبَدٍ فقال عندها
(3)
، ورأتْ من آياتِ نبوَّتهِ في الشاةِ وحلْبها لبناً كثيراً في سَنَةٍ مُجدبةٍ ما بَهَرَ العقولَ صلى الله عليه وسلم».
الكلام عليه من وجهين:
1 ــ هذه معجزة باهرة أخرى أكرم الله بها نبيّه صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته إلى المدينة، وخلاصتها: أن النبي صلى الله عليه وسلم والركب الذي معه مروا في طريق هجرتهم جهة قُديد بخيمة أمرأة يقاله لها: أم معبد، واسمها: عاتكة بنت خالد الخزاعية، وكانت امرأة
(1)
أخرج هذه الحادثة البيهقي في الدلائل 6/ 325 بإسناد رجاله ثقات، من طريق الحسن البصري، عن عمر بن الخطاب به، لكن رواية الحسن عن عمر منقطعة.
(2)
الروض الأنف 4/ 255.
(3)
أخذ وقتاً للقيلولة.
تسقي وتطعم من يمرّ بها من المسافرين، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم إن كان عندها لبن أو لحم يشترونه، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرَى
(1)
، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة هزيلة في جانب الخيمة، فسألها:«هل بهذه الشاة من لبن» ؟ فقالت: هي أجهد من ذلك. فقال: «أتأذنين لي في حلبها؟» ، فقالت: نعم، إن رأيت بها حَلْباً فَاحْلُبْهَا، فدعا بالشاة فمسح ضرعها وظهرها وسمّى، فدرّت لبنا غزيراً، فحلب للقوم في إناء وسقاهم مرة بعد مرة حتى ارتووا جميعاً، ثم حلب ثالثة وقال:«ارفعي هذا لأبي معبد» ، ثم ركبوا وانصرفوا.
2 ــ وهذه الحادثة ذكرتها عامة كتب السيرة، وقد صححها الإمام الحاكم في المستدرك ودافع عنها
(2)
، وقال ابن كثير:"قصتها مشهورة مروية من طرق يشدّ بعضها بعضا"
(3)
، وكذا حسنها بمجموع طرقها وشواهدها الصوياني
(4)
، والعلي
(5)
.
3 ــ وقد أكرم الله أمّ معبد وزوجها فأسلما بعد ذلك، وترجم لهما غير واحد في الصحابة
(6)
.
(1)
أي ما منعنا عنكم إكرام الضيف.
(2)
مستدرك الحاكم 3/ 9.
(3)
البداية والنهاية 4/ 472.
(4)
الصحيح من أحاديث السيرة ص 153.
(5)
صحيح السيرة للعلي ص 129.
(6)
أسد الغابة 7/ 180، الإصابة في تمييز الصحابة 8/ 477.
فصل
وصُوُلُه صلى الله عليه وسلم المدينةَ
قال المصنف: «وقد كان بَلَغَ الأنصارَ مخرجه من مكة وقصدُه إِيَّاهم، فكانوا كلَّ يومٍ يخرجُون إلى الحَرَّة ينتظرُونه، فلمَّا كان يومُ الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأسِ ثلاث عشرة سنة من نبوّته صلى الله عليه وسلم وافاهم رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حين اشتدّ الضّحاء، وكان قد خرجَ الأنصارُ يومئذٍ، فلمَّا طالَ عليهم رجعوا إلى بيوتهم.
وكان أوَّلَ من بَصُر به رجلٌ من اليهود ــ وكان على سطح أُطُمه
(1)
ــ فنادى بأَعلى صوته: يا بني قَيْلَة
(2)
هذا جَدُّكم
(3)
الذي تنتظرون! فخرجَ الأنصارُ في سلاحهم، فتلقوه وحَيّوْه بتحية النبوّة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ اختلفت الرواية في تاريخ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء بالمدينة، فقيل إنه كان في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول، وقيل في اليوم الثاني عشر من الشهر نفسه،
(1)
الأطم: الحصن.
(2)
بنو قيلة: هم الأوس والخزرج، وقيلة هي: جدتهم الكبرى، كما في شرح المواهب 2/ 149.
(3)
حظكم وصاحب دولتكم.
وذكر الخلاف ابن حجر ولم يرجح في المسألة، لكنه اعتمد أن القدوم كان يوم الاثنين
(1)
.
2 ــ وما أشار له المصنف من خروج الأنصار كل يوم إلى حرَّة المدينة ينتظرون قدومه صلى الله عليه وسلم ورؤية اليهودي له .. إلى آخره، هذه رواية مخرجة في البخاري
(2)
.
3 ــ وقد اشتهر في كتب السيرة أن جواري بني النجار خرجن يومها ينشدن: طلع البدر علينا
…
من ثنيَّات الوداع .. الأبيات المعروفة، وهذه الحادثة لم تصل إلينا من طريق ثابتة
(3)
.
وقد رجح جمع من العلماء كابن القيم
(4)
، وابن حجر
(5)
: أن هذا النشيد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة تبوك، لأن ثنيَّة الوداع من جهة الشام لا من جهة مكة.
4 ـ وقد ازدحم الأنصار رجالاً ونساء وصبياناً لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرحوا بمقدمه فرحاً عظيماً، حتى قال البراء بن عازب رضي الله عنه:«جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء، فرحهم به»
(6)
.
5 ــ وفي الحادثة صورة من صور شدة محبة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد بوّب
(1)
ينظر فتح الباري 7/ 244.
(2)
صحيح البخاري «3906» .
(3)
أعلّ إسناد الرواية الحافظان العراقي وابن حجر بالإعضال، كما في المغني للعراقي ص 749، والفتح لابن حجر 7/ 262.
(4)
زاد المعاد 3/ 482.
(5)
فتح الباري 7/ 262.
(6)
صحيح البخاري «4941» .
العلماء في كتبهم أبواباً كثيرة في مناقب الأنصار وفضائلهم رضي الله عنهم.
في منزل قباء:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "ونزل رسول الله بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة": قلت: هكذا أورده ابن إسحاق على الشكّ، وجَمَعَ بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم كان يبيت ليلاً عند كلثوم بن الهِدم، ويجلس نهاراً عند سعد بن خيثمة، لأنه كان عزباً
(1)
.
2 ــ وقد كان كلثوم بن الهِدم شيخاً كبيراً عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم عنده.
ويقال: إنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة، ولم يدرك شيئًا من المشاهد
(2)
.
3 ــ ودار كلثوم بن الهدم كانت في قبلة مسجد قباء، ملاصقة لها، وبقربها دار سعد بن خيثمة، كما أفاده السمهودي
(3)
.
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 493، فتح الباري 7/ 260.
(2)
أسد الغابة 4/ 467.
(3)
وفاء الوفا 3/ 26، 71.
4 ــ وما ذكره المصنف من تسليم الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقدمه، وتظليل أبي بكر له بثوبه فقد أخرج مضمونه البخاري في الصحيح
(1)
.
5 ــ وقد اختلف في مقدار مكثه صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يتوجه إلى المدينة، فالذي في البخاري عن أنس بن مالك: أربعة عشر يوماً
(2)
، والمشهور عند أصحاب المغازي: أربعة أيام
(3)
، قال ابن حجر:"وقول أنس أولى بالقبول"
(4)
.
(1)
صحيح البخاري «3906» .
(2)
صحيح البخاري «428، 3932» .
(3)
عيون الأثر 1/ 222.
(4)
فتح الباري 7/ 244.
فصل
تأسيسُ مسجدِ قُباء
قال المصنف: «فأقامَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بقُباء أياماً، وقيل: أربعة عشر يوماً، وأسَّسَ حينئذٍ مسجدَ قُباء، ثم ركبَ بأَمرِ الله تعالى فأدركتهُ الجُمُعة في بني سالِم بن عَوف فصلَّاها في المسجدِ الذي في بطن وادي رانونا
(1)
. ورغبَ إليه أهلُ تلك الدارِ أن ينزل عليهم، فقال:«دعوها فإِنها مأْمورة» ، فلم تزل ناقتهُ سائرة به، لا يمرُّ بدارٍ من دُور الأنصار إلا رغِبوا إليه في النُّزول عليهم، فيقول:«دعوها فإِنها مأْمورة» . فلمَّا جاءت موضعَ مسجدِه اليومَ بركت، ولم ينزل عنها صلى الله عليه وسلم حتى نهضتْ وسارتْ قليلاً، ثم التفتتْ ورجعتْ فبركتْ في موضعها الأول، فنزلَ عنها صلى الله عليه وسلم، وذلك في دار بني النَّجار، فحَمَل أبو أيوب رضي الله عنه رَحْلَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قدمنا في الفصل السابق أن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بقباء كانت على الأرجح (14) يوماً.
2 ــ ثم إن المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أسس مسجد قباء وصلَّى فيه حين
(1)
وادي رانوناء: واد صغير بين قباء وبين مسجده صلى الله عليه وسلم.
قدم إلى المدينة
(1)
.
لكن ورد في بعض الروايات أن الصحابة كانوا قد بنوه قبل هجرته، فلما قَدِمَ صلَّي بهم فيه
(2)
.
وظاهر رواية أنس في الصحيح يردّ هذا، ولفظها:"فلبثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بني عَمْرِو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأَسَّسَ المسجد الذي أُسِّس على التَّقْوى، وصلَّى فيه"
(3)
.
3 ــ وقوله: "فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن وادي رانونا": حاصله: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد إقامته في قباء توجه إلى المدينة فأدركته صلاة الجمعة وهو في بطن وادي رانونا فصلاها بأصحابه هناك. ثم اتخذ موضع مصلاه بعد ذلك مسجداً، وسمّي مسجد الجمعة
(4)
.
4 ــ وقوله: "دعوها فإنها مأمورة": هذه الرواية ذكرها ابن إسحاق
(5)
وغيره، وحسنها بعض العلماء بمجموع طرقها
(6)
.
5 ــ وما ذكره المصنف من بروك الناقة عند موضع المسجد ثم سيرها قليلاً ثم التفاتها ورجوعها إلى موضعها الأول فهذه رواية ابن إسحاق في السيرة
(7)
.
(1)
فتح الباري 7/ 245.
(2)
شرح الزرقاني على المواهب 2/ 154.
(3)
صحيح البخاري «3906» .
(4)
بهجة المحافل 1/ 154.
(5)
سيرة بن هشام 1/ 494.
(6)
منهم الدكتور أكرم العُمري في سيرته 1/ 219.
(7)
سيرة ابن هشام 1/ 495.
وأما رواية البخاري فاكتفت بقوله: "ثم ركب راحلته، فسار حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة .. فقال: هذا إن شاء الله المنزل"
(1)
.
6 ــ وما أشار إليه المصنف من نزوله صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب مخرج في الصحيحين
(2)
.
7 ــ وكانت مدة إقامته صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب سبعة أشهر حتى بنيت له حجراته
(3)
.
* * *
بناءُ المسجدِ النَّبويّ:
قال المصنف: «واشترى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم موضعَ المسجد، وكان مِرْبَداً
(4)
ليتيمين، وبناه مسجداً، فهو مسجده الآن، وبُني لآل رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُجَراً إلى جانبه. وأما عليٌّ رضي الله عنه فأقامَ بمكة ريثما أدَّى عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الودائعَ التي كانت عنده وغيرَ ذلك، ثم لَحِقَ برسُولِ الله صلى الله عليه وسلم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "واشترى رسول الله موضع المسجد": هذا ثابت في الصحيحين عن أنس بن مالك، ولفظه:«لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمر ببناء المسجد، وقال: «يا بني النَّجار ثامنوني بِحائطكم هذا» قالُوا: لا الله لا نطلب ثمنه إلا إلى
(1)
صحيح البخاري «3906» .
(2)
صحيح البخاري «3911» ، وصحيح مسلم «2053» .
(3)
طبقات ابن سعد 1/ 183.
(4)
محلاً لتجفيف التمر.
الله، فأبى رسولُ الله أن يقْبله منهما هِبةً حتى ابتاعه منهما»
(1)
.
2 ــ وقد كان في أرض المسجد عند شرائها قبور قديمة للمشركين وخِرَب ونخل، فأمر صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، وبالخِرَب فهدمت، وبالنخل فقطع، وجعل في قِبلة المسجد
(2)
.
3 ــ وقد اشترك صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في بناء المسجد بيده الشريفة، وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا ينشدون أثناء البناء وهم في سعادة وسرور:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
4 ــ وفي هذه المشاركة صورة من صور تواضعه الجم صلى الله عليه وسلم ومساواة نفسه بأصحابه في تحمّل المسؤوليات عندما يحمل معهم الحجارة ويشاركهم العمل بيده، ولا يكتفي بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل الزعماء عادة.
5 ــ وفي بدء النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد بمجرد وصوله إلى المدينة دليل على أهمية دور المسجد في الإسلام ومكانته العظيمة، فالمسجد هو بيت الله، ودار العبادة، ومعهد العلم، وفيه يلتقي المسلمون كل يوم خمس مرات فيتعارفوا ويتآلفوا، وهو محور كل مجتمع إسلامي وعلامته الفارقة.
(1)
صحيح البخاري واللفظ له «2774، 3906» ، صحيح مسلم «524» .
(2)
صحيح البخاري «428» ، صحيح مسلم «524» .
فصل
وثيقة المعاهدَة مع اليهود
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكره المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم مهاجراً للمدينة قام أولاً بثلاثة أعمال رئيسة؛ الأول: بناء المسجد، لأنه ركيزة المجتمع المسلم وروحه وهويته، وهذا تقدم الكلام حوله.
والثاني: مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وهذا سوف يأتي الكلام عنه قريباً.
والثالث: أنه كتب بينه وبين اليهود معاهدة خطية، وهو ما أشار إليه المصنف في هذا الموضع.
2 ــ وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم منذ بداية قدومه إلى المدينة على إقامة علاقة سِلْمٍ بينه وبين اليهود القاطنين بالمدينة، وكتب بينه وبينهم معاهدة خطية أشبه ما تكون بالعقد الاجتماعي، أقرهم فيها على دينهم وأمَّنَهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم
شريطة ألا يحاربوه، ولا يعينوا عليه، وأن يتعاون الجميع في الدفاع المشترك عن المدينة.
3 ــ وقد أورد نص هذه الوثيقة بطولها ابن إسحاق في سيرته
(1)
، وصححها بمجموع طرقها: العلامة الصادق العرجون
(2)
، والدكتور العُمري
(3)
، وحسنها الدكتور جاسم العيساوي في رسالة أفردها للحديث عنها
(4)
، وأوردها ابن كثير في البداية والنهاية
(5)
، ولم يتكلم في سندها أو متنها بما يشعر بضعفها.
4 ــ وقوله: "وأسلم حَبرهم عبد الله بن سلام": قلت: قصة إسلامه ثابتة في البخاري
(6)
.
وقد ورد في السنن عنه رضي الله عنه أنه قال: «أول ما قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ انْجَفَل ــ أسرع ــ الناس إليه، فكنتُ فيمن جاءه، فلما تأمَّلْتُ وجهه، عرفتُ أنَّ وجهه ليس بوجه كَذَّاب»
(7)
.
5 ــ وقد ذكر بعض الباحثين أن عدد من أسلم من اليهود وشرف بصحبة
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 501.
(2)
محمد رسول الله، للعرجون 3/ 170.
(3)
حيث قال بعد مناقشة مطولة: «إنها وثيقة أصلية غير مزوّرة» ، انظر: السيرة النبوية الصحيحة 1/ 274.
(4)
الوثيقة النبوية للعيساوي ص 68.
(5)
البداية والنهاية 3/ 224.
(6)
صحيح البخاري «3938» .
(7)
أخرجه الترمذي في السنن «2487» ، وقال: حديث حسنن صحيح، وصحح إسناده الألباني في الصحيحة، «569» ، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند «23784» .
النبي صلى الله عليه وسلم كانوا (39) رجلاً، جمعهم من الكتب المؤلفة في الصحابة
(1)
.
6 ــ وما ذكره المصنف عن يهود بني قريظة والنضير وقينقاع فهذه كانت أكبر وأقوى قبائل اليهود في المدينة.
وكانت تعيش إلى جوارها بطون وعشائر يهودية أصغر منها في أماكن متناثرة من المدينة
(2)
.
7 ــ وقد اختلف في أصول هذه القبائل، فبعض المؤرخين يقول إنهم كانوا عرباً تهوَّدوا، لكن الأكثر على أنهم كانوا عبرانيين قدموا إلى المدينة من خارج الجزيرة العربية ثم تطبعوا مع مرور الوقت بالثقافة العربية، فأصبحوا يتكلمون العربية ويتسمون بالأسماء العربية
(3)
.
8 ــ ولم تكن هذه القبائل اليهودية على وفاق فيما بينها، بل كانت يشوب علاقتهم كثيرٌ من التوتر والاضطراب بل والحروب أحياناً!!.
وصدق الله العظيم القائل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، [البقرة: 84 ـ 85].
وكذلك علاقتهم بجيرانهم من الأوس والخزرج كان يشوبها كثيرٌ من
(1)
السيرة النبوية للندوي ص 204، نقلاً عن كتاب (الصحابة والتابعون من أهل الكتاب) لمجيب الله الندوي.
(2)
مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ص 245.
(3)
تاريخ العرب القديم ص 186.
الاضطراب، وكانت قائمة على المنافع الشخصية، والمكاسب المادية، ومحاولة الاستحواذ والسيطرة المالية على اقتصاد المدينة
(1)
.
مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المُهاجِرينَ والأنْصارِ:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكره المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم مهاجراً إلى المدينة كان من ضمن ما قام به من الأعمال الأولية أنه آخي بين أصحابه من المهاجرين والأنصار على الحق والمؤاساة، وهذا ثابتٌ في الصحيحين
(2)
.
2 ــ وكان الهدف من هذه المؤاخاة: تخفيف آلام الغربة، وتأليف قلوب الصحابة بعضهم على بعض، ومواساة بعضهم بعضاً، ومساعدة بعضهم لبعض، حتى يساعد القويُّ الضعيف، والغنيُّ الفقير
(3)
.
3 ــ وكان الصحابة في بداية الأمر يتوارثون بتلك المؤاخاة بعد الموت دون ذوي الرحم، كما أشار المصنف، ثم نُسخ هذا الحكم بعد غزوة بدر بقوله تعالى:{وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الْأَنْفَالِ: 75]
(4)
.
(1)
السيرة النبوية للندوي ص 174.
(2)
صحيح البخاري «2292» ، صحيح مسلم «2529» .
(3)
فتح الباري 7/ 271.
(4)
تفسير ابن كثير 6/ 381، فتح الباري 12/ 30.
4 ــ وأما فرضية الزكاة فالمشهور عند العلماء أنها فُرضت في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: إنها فُرضت بمكة إجمالاً من غير تقييد بنصاب أو حول، ثم فُصّلت أحكامها بالمدينة
(1)
.
(1)
تفسير ابن كثير 7/ 164، الدين الخالص للسبكي 8/ 106.
فصل
تشريع الجِهَاد
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ما ذكره المصنف من أن سورة الحج مكيّة هو أحد الأقوال في المسألة، لكن رجح بعض العلماء كابن القيم
(1)
أن آية الإذن بالقتال خاصة كانت مدنيّة، وهذا هو الصواب، لأن الجهاد لم يكن مأذوناً به في مكة، بل كان الواجب على المسلمين الصبر والصفح والكفّ.
(1)
زاد المعاد 3/ 63، وقد أطال في الاستدلال له.
2 ــ ثم لما أصبح للمسلمين بعد الهجرة معقل ودولة ومنعة وشوكة أذن الله لهم بالجهاد أولاً، ثم فرضه عليهم أخيراً.
3 ــ ثم لا بد من الإشارة إلى أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم إنما هي المسالمة والأمان على القول الراجح، كما دلّ على ذلك عشرات النصوص من القرآن والسنة، كقوله تعالى:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61].
وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].
وقوله تعالى في سورة النساء المدنية: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء: 90].
وأما القتال المسلح فإنما يلجأ إليه في حالات محدودة، وبشروط مقررة، كأن يعتدي الكفار على المسلمين، أو يقفوا عقبة في سبيل الدعوة إلى الإسلام، أو يفتنوا من أسلم من الناس، فحينئذ يجب قتالهم دفعاً للعدوان وحماية للدعوة، وفي المسألة خلاف، وهذا أرجح الأقوال والله أعلم
(1)
. * * *
(1)
ينظر السياسة الشرعية لعبد الوهاب خلاف ص 82.
فصل
غزوة الأَبْواء
قال المصنف: «وكانتْ أولُ غَزَاةٍ غَزَاها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غَزوة الأَبْواءِ
(1)
، وكانت في صَفَر سنة اثنتين من الهجرة، خرجَ بنفسهِ صلى الله عليه وسلم حتى بَلَغَ وَدَّان
(2)
، فوادعَ بني ضَمْرة بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة مع سيّدهم مَجدي بن عمروٍ، ثم كرَّ راجعاً إلى المدينةِ، ولم يلق حَرْباً، وكان استخلف عليها سعد بن عُبادة رضي الله عنه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ هذا أوان بدء المصنف في الحديث عن الغزوات والسرايا والبعوث النبوية
(3)
.
ولكن قبل هذا لابد من الإشارة إلى أن لهذه الغزوات والسرايا أهدافاً سامية ومقاصد شريفة، وليست مجرد حروب توسعية، ومن هذه الأهداف والمقاصد:
(1)
الأبواء: قرية تابعة الآن لمحافظة رابغ، شمال مكة المكرمة.
(2)
وَدّان: قرية بالقرب من مستورة، وقد اندثرت اليوم.
(3)
اصطلح أهل السّيَر غالباً على أن: الجيش الذي يخرج فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه يسمَّى غزوة، حارب أم لم يحارب، وما خرج فيه أحد قادته يسمَّى سريّة، وما افترق من السريّة يسمَّى بعثاً، ينظر شرح المواهب للزرقاني 3/ 362.
أولاً: إشعار القبائل المعادية بأن المسلمين ما عادوا ضعفاء كالسابق، بل أصبحت لهم قوة ومنعة وشوكة يدفعون بها عن أنفسهم.
ثانياً: استخلاص ما استولت عليه قريش من أموال المسلمين وممتلكاتهم بمكة.
ثالثاً: تأديب بعض الأعراب والغزاة الذين كانوا يغيرون على المدينة بين الحين والآخر، كما في غزوة بدر الأولى وغزوة ذي قَرَد، أو يستعدون لذلك، كما في غزوة المُريسيع.
2 ــ وأما عن هذه الغزوة المسماة بغزوة الأبواء ويقال لها وَدّان، فكان سبب خروج المسلمين فيها اعتراض قافلة تجارية لقريش، لكنها كانت قد سبقتهم وأفلتت منهم.
3 ــ وفي هذه الغزوة صالح النبي صلى الله عليه وسلم بني ضمْرة وعقد بينه وبينهم اتفاقية سلام، ثم كرّ راجعاً للمدينة.
4 ـ وقد أورد تفاصيل هذه الغزوة ابن إسحاق لكن دون إسناد
(1)
.
بَعْث حمزةَ بنِ عبد المُطّلِبِ وبعث عُبيدة بنِ الحارث:
قال المصنف: «ثم بَعَثَ عمَّه حمزة رضي الله عنه في ثلاثين راكباً من المهاجرين ليس فيهم أنصاريٌّ إلى سِيفِ البحر
(2)
، فالتقى بأبي جهل بن هشام ورَكْبٍ معه زُهَاء ثلاثمائةٍ، فحالَ بينهم مَجْدي بن عمرو المتقدّم؛ لأنه كان موادعاً للفريقين.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 17، فتح الباري 7/ 279.
(2)
سِيف البحر: ساحل البحر وهو طريق قريش إلى الشام.
وبَعَثَ عُبيدةَ بنَ الحارث بن المطلب في ربيع الآخر في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين أيضاً إلى ماءٍ بالحجاز بأسفل ثنية المَرَة، فلَقُوا جمعاً عظيماً من قريشٍ عليهم: عكرمة بنُ أبي جهلٍ، وقيل: بل كان عليهم مِكْرَز بن حفص، فلم يكن بينهم قتالٌ، إلا أن سعد بن أبي وقاص رَشَقَ المشركين يومئذٍ بسهمٍ، فكان أولَ سهمٍ رُمي به في سبيل الله. وفرّ يومئذ من الكفار إلى المسلمين المقدادُ بنُ عمرو الكندي، وعُتبةُ بنُ غَزْوان رضي الله عنهما. فكان هذان البعثان أولَ رايةٍ عقدها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اختُلف في أيهما كان أول، وقيل: إنهما كانا في السنةِ الأولى من الهجرة. وهو قول ابن جَرير الطبري
(1)
، والله تعالى أعلم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كان الهدف من هذه البعوث كما قدمنا: تهديد قوافل قريش التجارية لإفهامها بضرورة تغيير موقفها المتعنت تجاه المسلمين، واستخلاص بعض ما استولت عليه من أموال المسلمين بمكة بعد أن طردتهم منها.
2 ــ وقد أورد تفاصيل هذين البعثين ابن إسحاق وغيره لكن دون إسناد
(2)
.
3 ــ وفي بعث عُبيدة: فضيلة لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حيث إنه أول من رمى بسهم في سبيل الله.
(1)
حيث ذكر ذلك في أحداث السنة الأولى من الهجرة، انظر تاريخ الطبري 2/ 404.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 595.
فصل
غزوة بُوَاط
(1)
والعُشَيْرة
(2)
وبَدْر الأُولى
قال المصنف: «ثم غزا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غزوة بُوَاط، فخرجَ بنفسه صلى الله عليه وسلم في ربيع الآخر من السنة الثانية، واستعملَ على المدينةِ السَّائبَ بن عثمان بن مظعون، فسار حتى بلغ بُواطَ من ناحية رَضْوَى، ثم رجعَ ولم يلقَ حرباً.
ثم كانت بعدها غزوة العُشَيْرة، ويقال بالسّين المهملة، ويقال العُشَيْراء. خرجَ بنفسه صلى الله عليه وسلم في أثناء جُمَاد الأُولى حتى بلغَها، وهي مكانٌ ببطن ينبع، وأقام هناك بقية الشهر ولياليَ من جُمَادى الآخرة، وصالَحَ بني مُدْلِج، ثم رجع ولم يلق كيداً، وقد كان استخلف على المدينة أبا سَلَمَة بنَ عبد الأسد. وفي صحيح مسلم من حديث أبي إسحاق السبيعي، قال: قلتُ لزيد بن أَرقم: كم غزا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: تسع عشرة غزوة، أولها العُشيرة أو العُشيراء.
ثم خرجَ بعدها بنحو من عشرة أيام إلى بَدْرٍ الأُولى، وذلك أن كُرْزَ بن جابر الفِهْري، أغار على سَرْحِ المدينة
(3)
، فطلبه، فبلغَ وادياً يقال له سَفَوان في ناحية بَدْرٍ،
(1)
بُواط: واد غرب المدينة، على قرابة «55» كيلاً.
(2)
العشيرة: مكان ناحية ينبع، بينه وبين المدينة «185» كيلاً.
(3)
السرح: الإبل والغنم.
ففاته كُرْز فرجع، وقد كان استخلف على المدينة زيد بن حارثة رضي الله عنه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أورد ابن إسحاق تفاصيل غزوتي بُواط والعُشيرة بدون إسناد
(1)
، لكن البخاري بوب في الصحيح، وقال:"باب غزوة العُشيرة أو العُسيرة" ثم نقل عن ابن إسحاق قوله: «أول ما غزا النبي صلى الله عليه وسلم: الأبْواء، ثم بُوَاط، ثم العُشَيْرة»
(2)
.
2 ــ وحديث زيد بن أرقم في أول غزوات النبي صلى الله عليه وسلم عزاه المصنف لمسلم
(3)
، وهو مخرج أيضاً في البخاري بنحوه
(4)
.
3 ــ وقد تقدم توجيه المصنف لحديث زيد في أول الغزوات، وأن مقصوده: ما حضره زيدٌ بنفسه مع النبي صلى الله عليه وسلم لا أنها أول الغزوات مطلقاً.
وكذلك ما ذكره زيد بن أرقم من عدد الغزوات فقد خولف فيه، حيث أثبت جمهور العلماء للنبي صلى الله عليه وسلم (27) غزوة
(5)
، ويحتمل أن زيداً تكلم بحسب علمه وخفيت عليه بعض الغزوات
(6)
، على أن الحافظ ابن حجر دافع عما قاله زيد بن أرقم، وأوضح أن سبب الاختلاف يرجع إلى طريقة عدّ الغزوات، فبعض العلماء يجعل مثلاً غزوة الأحزاب وبني قريظة واحدة لقربهما من بعض، وبعضهم يجعلهما اثنتين،
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 598.
(2)
صحيح البخاري، قبيل «3949» .
(3)
صحيح مسلم «1254» .
(4)
صحيح البخاري «3949» .
(5)
شرح المواهب للزرقاني 2/ 220.
(6)
البداية والنهاية لابن كثير 5/ 31.
وبعضهم يجعل غزوة حنين والطائف واحدة، وبعضهم يجعلهما اثنتين .. وهكذا
(1)
.
4 ــ وغزوة بدر الأولى ذكرها ابن إسحاق والواقدي وابن سعد جميعاً بدون إسناد
(2)
. 5 ــ وقد أسلم كُرز فيما بعد كما ذكر الحافظ ابن حجر
(3)
.
(1)
فتح الباري 7/ 281.
(2)
سيرة بن هشام 1/ 601، والمغازي للواقدي 1/ 12، طبقات ابن سعد 2/ 6.
(3)
فتح الباري 8/ 10.
فصل
بَعْث عبدِ الله بن جَحْش
قال المصنف: «ثم بَعَثَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عبدَ الله جَحْش بن رِئاب الأسديّ وثمانية من المهاجِرينَ، وكَتَبَ له كتاباً، وأمَرَه ألا ينظُر فيه حتى يسيرَ يومينِ، ثم ينظُر فيه، ولا يُكره أحداً من أصحابه، فَفعلَ.
ولما فتح الكتاب وجد فيه: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزِلَ نَخْلَة ــ بين مكة والطائف ــ وترصُد بها قريشاً، وتَعْلَمَ لنا من أخبارهم» ، فقال: سمعاً وطاعةً، وأخبَر أصحابَه بذلك، وبأنَّه لَا يستكرهُهُم، فمن أحبَّ الشهادة فلينهض، ومن كرِه الموتَ فليرجعْ، وأما أنا فناهضٌ، فنهضوا كلُّهم.
فلما كان في أثناء الطريق أضلّ سعدُ بنُ أبي وقَّاص وعتبةُ بنُ غزوانَ بعيراً لهما كانا يعتقبانِهِ فتخلَّفا في طلبهِ، وتقدَّم عبدُ الله بن جَحْشٍ حتى نزل بنَخلَة، فمرَّت به عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيباً وأَدَماً وتجارة، فيها عمرُو بن الحضرميّ وعثمانُ ونوفلُ ابنا عبد الله بن المُغيرة، والحَكَمُ بنُ كيْسان مولى بني المُغيرة.
فتشاورَ المسلمون وقالوا: نحنُ في آخرِ يومٍ من رجبٍ الشهر الحرام، فإن قاتلناهُم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهُم الليلة دخلُوا الحرم، ثم اتفقوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عمرَو بن الحضرميّ فقتلَه، وأسروا عثمانَ والحَكَمَ، وأفلتَ
نوفلٌ. ثم قدمُوا بالعير والأسيرين قد عزلوا من ذلك الخمس. فكانت أولُ غنيمةٍ في الإسلام، وأولُ خُمُسٍ في الإسلام، وأولُ قتيلٍ في الإسلام، وأولُ أسيرٍ في الإسلام.
إلَّا أن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنكرَ عليهم ما فعلوه، وقد كانوا رضي الله عنهم مجتهدين فيما صَنَعوا.
واشتدَّ تعنُّتُ قريشٍ وإِنكارُهم ذلك، وقالوا: محمدٌ قد أحلَّ الشهرَ الحرامَ، فأنزلَ الله عز وجل في ذلك {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 217]، يقول سبحانه: هذا الذي وَقَعَ وإن كان خطأً، لأن القتالَ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ عند الله، إلَّا أن ما أنتُم عليه أيها المشركونَ من الصَّدّ عن سبيلِ الله والكفرِ به وبالمسجدِ الحرام، وإخراجِ محمدٍ وأصحابِه الذين هم أهلُ المسجدِ الحرامِ في الحقيقةِ أكبرُ عند الله من القتالِ في الشهرِ الحرامِ.
ثم إن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَبِلَ الخُمُسَ من تلك الغنيمة، وأخذ الفِدَاءَ من ذينك الأسِيرينِ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ سرية عبد الله بن جحش أوردها ابن إسحاق في السيرة
(1)
، وقال ابن حجر:"حديث مرسل، أخرجه ابن إسحاق في المغازي، وإسناده قوي، وله شاهد موصول بإسناد حسن"
(2)
.
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 601.
(2)
موافقة الخُبر الخبر لابن حجر 1/ 384، وكذا قال بنحوه في تغليق التعليق 2/ 76.
2 ــ وقد وقعت هذه الحادثة قبل غزوة بدر بشهرين
(1)
.
3 ــ وفي هذه السرية تتجلى دقة ومهارة النبي صلى الله عليه وسلم العسكرية في جوانب عدة، منها: أمره للسرية بالذهاب إلى نخلة وهي مكان بعيد، وذلك لأن قريشاً كانت تجتهد في إخفاء أخبار قوافلها عن أهل المدينة، فغلبهم النبي صلى الله عليه وسلم على حذرهم وأراد أخذ أخبارهم من أقرب مكان من مكة.
4 ــ ومنها: عدم إخباره صلى الله عليه وسلم السرية بمقصده من إرسالهم ووجهتهم إلا بعد يومين من مغادرتهم المدينة حذراً من إشاعة الخبر، فربما نقله أحد المنافقين أو اليهود إلى قريش، فتترصدهم في ذاك المكان النائي عن المدينة، وهم قِلَّة فيقتلونهم
(2)
.
(1)
تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر 1/ 130.
(2)
السيرة النبوية لأبي شهبة 2/ 119.
فصل
تحويل القِبْلَةِ وفرضُ الصَّوْم
قال المصنف: «وفي شعبانَ مِنْ هذه السنةِ
(1)
حُوّلت القِبْلةُ من بيت المقدسِ إلى الكعبةِ، وذلك على رأسِ ستة عشرَ شهراً من مقدَمِهِ المدينة. وقيل سبعة عشرَ شهراً، وهما في الصحيحين
(2)
. وفُرض صَوم رمضان، وفُرضت لأجله زكاة الفطر قُبيله بيوم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ حاصل الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة يستقبل الكعبة
(3)
، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله عز وجل باستقبال بين المقدس تأليفاً لليهود، فاستقبلها ستة عشر شهراً أو سبعة عشر. وكان عليه الصلاة والسلام يحبّ أن يستقبل الكعبة، فكان ينظر إلى السماء ويدعو الله ويبتهل حتى نزل قوله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] فتحوّل
(1)
السنة الثانية للهجرة.
(2)
صحيح البخاري «40» ، صحيح مسلم «525» .
(3)
ورجح ابن عبد البر أن النبي كان بمكة يستقبل بيت المقدس والكعبة جميعاً، فلما هاجر استمر على استقبال بيت المقدس حتى نُسخ ذلك. التمهيد 8/ 54.
إلى الكعبة، وأعلم الناس بذلك
(1)
.
2 ــ وكان اليهود قد فرحوا باستقبال النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس بادئ الأمر فلمَّا تحوّل إلى الكعبة غضبوا وأرجفوا وأنكروا واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالتناقض والتردد، فنزل الرد الحاسم عليهم في قوله تعالى:{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142].
3 ــ وقد اختلفت الرواية في المسجد الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم حين نزول الأمر بالتحويل، فقيل إنه كان في مسجد بني سَلَمَة يصلّي الظهر، فأُمر بالتحويل بعد أن صلّى الركعتين الأوليين، فاستدار بمن معه صوب الكعبة، فسمّي مسجد القبلتين، قال الواقدي:"هذا الثبت عندنا"
(2)
، وقيل: إنه كان في مسجده بالمدينة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الاختلاف ولم يرجح في المسألة
(3)
، لعله لعدم ورود شيءٍ مؤكد يُركن إليه.
4 ــ وقوله: "وفُرض صوم رمضان": قلت: هذا متفق عليه أن صيام رمضان فُرض في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وكذا فُرضت زكاة الفطر.
* * *
(1)
فتح الباري 1/ 502.
(2)
طبقات ابن سعد 1/ 186.
(3)
فتح الباري 1/ 503.
فصل غزوة بَدْرٍ الكُبْرَىَ
(1)
قال المصنف: «نذكر فيه ملخص وقعة بدرٍ الثانية، وهي الوقعةُ العظيمةُ التي فرَّق الله فيها بين الحقِ والباطلِ وأعزّ الإسلامَ، ودَمَغَ الكفرَ وأهلَهُ.
وذلك أنه لمَّا كان في رمضانَ من هذه السنة الثانية بلغَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أن عِيراً مقبلةٌ من الشامِ صُحبة أبي سفيان، صخْرِ بنِ حربٍ، في ثلاثين أو أربعين رجلاً من قريش وهي عِيرٌ عظيمةٌ، تحمل أموالاً جزيلة لقريشٍ، فَنَدَبَ صلى الله عليه وسلم الناسَ للخروجِ إليها، وأَمَرَ من كان ظهرُه
(2)
حاضراً بالنهوضِ، ولم يحتفل لها احتفالاً كثيراً، إلَّا أنه خرجَ في ثلاثمائة وبضعة عشرَ رجلاً، لثمانٍ خلونَ مِنْ رمضانَ، واستخلفَ على المدينةِ وعلى الصلاةِ ابنَ أمّ مَكتومٍ، فلما كان بالرَّوحاءِ
(3)
ردّ أَبا لُبَابَة بنَ عبد المنذر واستعملَهُ على المدينةِ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ معركة بدر من أشهر المعارك في السيرة النبوية الزكية، وقد أوجز المصنف
(1)
بدر: بلدة كبيرة عامرة اليوم، بين مكة والمدينة، على بعد 150 كيلاً من المدينة، من جهة الجنوب الغربي.
(2)
الظهر: الدابة التي يُركب عليها من الإبل أو الخيل.
(3)
الروحاء: محطة على الطريق بين المدينة وبدر، على مسافة (74) كيلاً من المدينة.
الكلام فيها، ونحن نوجز الشرح تبعاً له ونعلّق على أهم ما جاء في كلامه.
2 ــ وقد سمّيت هذه الغزوة ببدر نسبة للموضع الذي وقعت فيه، ويقال لها غزوة بدر الكبرى أو الثانية لأنه تقدم معنا أن هناك غزوة يقال لها غزوة بدر الأولى، وسيأتينا أن هناك غزوة وقعت بعد غزوة أحد بسنةٍ تسمّى غزوة بدر الثالثة أو الموعد. وإذن فهناك ثلاث غزوات ارتبطت بقرية بدر؛ وهي غزوة بدر الأولى وغزوة بدر الثانية وغزوة بدر الثالثة.
3 ــ وتسمّى هذه الغزوة أيضاً بيوم الفرقان، كما قال تعالى:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41].
سمّيت بهذا الاسم لأنها فرَّقت بين أهل الحق وأهل الباطل بنصر المؤمنين.
4 ــ وكانت غزوة بدر الثانية هي أول معركة حقيقية تقع بين المسلمين وبين مشركي قريش بعد أن سبقتها مناوشات عدة بين الطرفين.
5 ـ وقد اتفق علماء السيرة على تأريخ هذه الغزوة بيوم الجمعة، السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين من الهجرة النبوية
(1)
.
6 ـ وقد وردت إشارات عديدة في القرآن الكريم لهذه الغزوة المباركة، كقوله تعالى:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون} [آل عمران: 123].
وقوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
(1)
حكى اتفاقهم الحافظ ابن حجر، إلا أنه أشار إلى خلاف في تاريخ اليوم، فالجمهور على أنه كان في 17 وقيل 12، وجمع بينهما بأن الثاني عشر كان ابتداء الخروج من المدينة والسابع عشر كان يوم الوقعة، انظر التلخيص الحبير 4/ 240، حديث:1826.
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7].
كما أخرج صاحبا الصحيحين أخباراً متفرقة عنها
(1)
.
7 ـ وغزوة بدر هي من أفضل الغزوات النبوية، وأهلها من أفضل الصحابة، كما جاء في حديث الصحيحين:«لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»
(2)
.
ولذلك أكثر العلماء عندما يتكلمون عن مراتب الصحابة في الفضيلة يقولون: أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقيّة العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة
(3)
.
8 ــ وقد كان سبب هذه الغزوة هو الاستيلاء على قافلة قريش التجارية القادمة من بلاد الشام وما فيها من أموال ومتاع مقابل ما استولت عليه قريش من أموال المسلمين ومتاعهم بمكة بعدما اضطرتهم لمغادرتها والخروج منها.
وأيضاً كان يقصد من هذه الغزوة إضعاف قريش لتوقف عدوانها على المسلمين واضطهادها للداخلين فيه، فقد كانت تستخدم هذه الأموال وغيرها في سبيل تحقيق ذلك
(4)
.
(1)
ينظر صحيح البخاري: باب قصة غزوة بدر، ج 5/ ص 72، صحيح مسلم، باب غزوة بدر 3/ 1403.
(2)
صحيح البخاري «3007» ، صحيح مسلم «2494» .
(3)
العقيدة السفارينية ص 87 وشرحها لوامع الأنوار البهية 2/ 361.
(4)
دراسات في السيرة النبوية ص 83.
تحسُّس أَخبار العير:
قال المصنف: «ولم يكن معه مِنْ الخيلِ سوَى فرسِ الزُّبير، وفرسِ المقدادِ بنِ الأسودِ، ومنَ الإِبلِ سبعونَ بعيراً، يعتقب
(1)
الرجلان والثلاثةُ فأكثرُ على البعيرِ الواحدِ. فرسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وعليٌّ ومَرْثَد بنُ أبي مَرْثَدٍ الغَنوي يعتقبون بعيراً.
وسارَ صلى الله عليه وسلم فلما قَرُبَ من الصفراء
(2)
بَعَثَ بَسْبَسَ بنَ عمرٍو الجهني وعَديَّ بن أبي الزَّغباء الجهنيّ إلى بدرٍ يتحسَّسَانِ أخبارَ العيرِ.
وأما أبو سفيان فإنه بلغَه مخرجُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وقصدُهُ إيَّاه، فاستأجر ضَمْضَمَ بن عمرو الغفاريَّ إلى مكة مستصرخاً لقريشٍ بالنفيرِ إلى عيرِهم ليمنعوه من محمد وأصحابه. وبلغَ الصريخُ أهلَ مكة، فنهضوا مسرعين، وأوعبوا
(3)
في الخروج، ولم يتخلَّف من أشرافهم أحدٌ سِوَى أبي لهبٍ، فإنه عوَّض عنه رجلاً كان له عليه دين.
وخرجوا من ديارهم كما قال الله عز وجل: {بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 47]. وأقبلوا في تحمّلٍ وحَنَقٍ عظيمٍ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه. فجمعهم الله على غير ميعادٍ؛ لما أراد في ذلك من الحكمةِ كما قال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال: 42]».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ في قلة أعداد إبل المسلمين وخيلهم دليل على ما كانوا عليه وقتها من
(1)
يتعاقب عليها.
(2)
الصفراء: واد وقرية بين المدينة وبدر، وتسمى القرية اليوم: الواسطة.
(3)
خرجوا كلهم.
ضيق ذات اليد وقلة الموارد المادية.
2 ــ وفي اشتراك النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه في اعتقاب بعير واحد دليل على تواضعه ومساواة نفسه بأصحابه في الشدَّة والعُسر، في المنشط والمكره، وقد كان بإمكانه وهو القائد أن يصطفي لنفسه أجود فرس أو أجود بعير يركبه وحده.
3 ــ كما أن في إرسال النبي بعض أصحابه إلى بدر يتحسسون الأخبار دليل على جواز الاستعانة بالعيون والجواسيس في الجهاد لكشف تحركات الأعداء ومعرفة خططهم ومواضع قوتهم وضعفهم.
خروج قريش ومشاورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في القتال:
ثم رحل رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فنَزَلَ قريباً من بدر، فلمَّا أمسى بَعَثَ علياً وسعداً والزبير إلى ماء بدر يلتمسون الخبرَ، فقدموا بعبدين لقريشٍ، ورسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يُصَلّي، فسألهما أصحابُه لمن أنتما؟ فقالا: نحنُ سُقاةٌ لقريشٍ، فكره ذلك أصحابُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وودُّوا أن لو كانا لعير أبي سفيان، وأنه منهم قريبٌ ليفوزوا به، لأنه أخفُّ مؤونة من قتال النفير من قريشٍ؛ لشدَّة بأسهم واستعدادهم لذلك، فجعلوا يضربونهما، فإذا آذاهما الضربُ قالا: نحنُ لأبي سفيان، فإذا سكتوا عنهما قالا: نحنُ لقريشٍ، فلما انصرفَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من صلاته قال: «والذي نفسي بيده إنكم
لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا». ثم قال لهما: «أخبراني أين قريش؟» قالا: وراء هذا الكثيب. قال: «كم القوم؟» قالا: لا عِلْمَ لنا. فقال: «كم ينحرون كل يوم؟» فقالا: يوماً عشراً ويوماً تسعاً، فقال صلى الله عليه وسلم:«القومُ ما بين التسعمائة إلى الألف» .
وأما بَسْبَسُ وعديّ فإنهما وردَا ماء بدرٍ فسمعا جاريةً تقول لصاحبتها: ألا تقضيني ديني؟ فقالت الأخرى: إنما تقدُم العيرُ غداً أو بعد غدٍ فأعمل لهم وأقضيك، فصدَّقها مَجْدي بنُ عمرو. فانطلقا مقبلين لما سمعا، ويعقبهما أبو سفيان، فقال لمَجْدي بن عمرو: هل أحسستَ أحداً من أصحابِ محمد؟ فقال: لا إلا أن راكبين نزلا عند تلك الأكمة، فانطلق أبو سفيان إلى مكانهما وأخذ من بعر بعيرهما ففتَّه فوجد فيه النوى، فقال: والله هذه علائِفُ يثرب، فعدل بالعيرِ إلى طريق الساحل، فنجا، وبَعَثَ إلى قريشٍ يُعلمهم أنه قد نجا هو والعير ويأمرهم أن يرجعوا».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ دلت مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما بلغه خروج قريش لقتاله على التزامه صلى الله عليه وسلم بمبدأ الشورى في كل ما لم يرد فيه نص ملزم من الكتاب أو السنة، وعدم تفرده بالرأي، وفي حوادث السيرة شواهد كثيرة على ذلك.
2 ــ وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر رأي الأنصار في خوض هذه المعركة دون المهاجرين فلأنهم كانوا أولاً أغلب الحاضرين، ولأنهم كانوا قد بايعوا النبي سابقاً على حمايته داخل حدود المدينة فحسب، فلم يكن صلى الله عليه وسلم ليجبرهم على خوض معركة خارجها دون أن يكون لهم رأي في ذلك.
3 ـ وخبر مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وانتظاره رأي الأنصار أخرجه مسلم
في صحيحه ضمن سياق مطول
(1)
.
4 ــ كما أن في تقدير النبي صلى الله عليه وسلم لأعداد جيش المشركين عن طريق معرفة ما يأكلونه من الإبل كلَّ يوم دليل على براعته ومهارته صلى الله عليه وسلم وحَدَسِهِ الصائب في الاستدلال والاستنتاج إلى جانب ما أكرمه الله من النبوة والرسالة
(2)
.
مشورة الحُبابِ بن المنذر:
قال المصنف: «وبَلَغَ ذلك قريشاً، فأبى أبو جهلٍ، وقال: والله لا نرجع حتى نَرِد ماء بدر، ونُقيم عليه ثلاثاً، ونشرب الخمرَ، وتضرب على رؤوسنا القِيَانُ، فتهابنا العربُ أبداً. فبادر رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قريشاً إلى ماءِ بدر، ونزل على أدنى ماء هناك، فقال له الحُبَابُ بنُ المُنذر بن عمرو: يا رسُولَ الله! هذا المنزل الذي نزلته أمرك الله به؟ أو منزلٌ نزلته للحربِ والمكيدةِ. فقال: «بل منزلٌ نزلته للحربِ والمكيدةِ» . فقال: ليس هذا بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماءٍ من مياه القومِ فننزله، ونغوّر
(3)
ما ورائنا من القُلُبِ، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه، فنشربُ ولا يشربون. فاستحسن رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم منه ذلك. وحال الله بين قريشٍ وبين الماء بمطرٍ عظيمٍ أرسله، وكان نِقمة على الكفار ونِعمة على المسلمين، مهَّد لهم الأرضَ ولبَّدها، وبُني لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عريشٌ
(4)
يكون فيه».
(1)
صحيح مسلم «1779» .
(2)
الخبر ساقه ابن إسحاق بدون إسناد (سيرة ابن هشام 1/ 617)، لكن أخرجه أحمد «948» بنحوه ضمن حديث طويل وصحح إسناده أحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط.
(3)
بالغين المعجمة: ندفنها ونطمسها، وفي بعض المصادر: بالعين المهملة ومعناه: نفسدها من العَوَر.
(4)
العريش: خيمة تكون مقراً للقيادة.
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قول أبي جهل: "لا نرجع حتى نرد بدراً .. إلى آخره" ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(1)
.
2 ــ ومشورة الحُباب بن المنذر وردت من طرق كثيرة ضعيفة، لكنها تتقوى بمجموعها وترتقي لدرجة الحسن لغيره كما قال الباحث أحمد با وزير
(2)
.
وفيها دلالة على التزامه عليه الصلاة والسلام بالأخذ بمبدأ الشورى فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا قبل قليل عندما شاور النبي الأنصار في خوض المعركة، وفي السيرة نظائر كثيرة لها.
3 ــ ونزول المطر وجعله نعمة ورحمة للمؤمنين أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَام} [الْأَنْفَالِ: 11].
4 ــ وقوله: "وبُني لرسول الله عريش يكون فيه": حَسِبَ بعض كتاب السيرة من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل في المعركة!
وليس كذلك، فقد ثبت عن علي بن أبي طالب أنه قال:"لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدو، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأساً"
(3)
.
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 618، ومن طريقه الطبري في تاريخه 2/ 438.
(2)
مرويات غزوة بدر ص 164.
(3)
مسند أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر «654» .
ويُجمع بين الأمرين بالحمل على اختلاف الأوقات، فتارة كان عليه الصلاة والسلام يشارك فعلياً في ساحة القتال، وتارة يكون في العريش يدير أمور المعركة.
إصرار أَبي جهل على القتال:
قال المصنف: «ومشى صلى الله عليه وسلم في موضعِ المعركة، وجعل يُرِيهم مَصَارعَ رؤُوسِ القومِ واحداً واحداً، ويقول: «هذا مصرعُ فلانٍ غداً إن شاء الله، وهذا مصرعُ فلانٍ، وهذا مصرعُ فلان» . قال عبد الله بن مسعود: فوالذي بعثهُ بالحقّ ما أخطأ واحدٌ منهم موضعَهُ الذي أشار إليه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم.
وبات رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يُصلّي إلى جَذْم شجرة
(1)
هناك، وكانت ليلة الجمعة السابع عشرَ من رمضان، فلمَّا أصبح وأقبلت قريشٌ في كتائبها، قال صلى الله عليه وسلم:«اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت في فخرها وخُيلائها، تُحادَّك وتُحادَّ رسُولَك» .
ورام حَكِيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريشٍ فلا يكونُ قتالٌ، فأَبى ذلك أبو جهل، وتقاول هو وعتبة، وأَمَرَ أبو جهلٍ أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دمَ أخيه عمرو، فكشفَ عن إِسته وصرخ: واعمراه! واعمراه! فحمي القومُ ونَشِبَتْ الحربُ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تحديده صلى الله عليه وسلم ليلة المعركة مصارع رؤوس قريش مخرج في صحيح مسلم بنحوه
(2)
. وفيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بأمر مستقبل غيبي ووقع كما أخبر به.
(1)
أصل شجرة.
(2)
صحيح مسلم «1779» ، من حديث أنس بن مالك.
2 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم هذه قريش قد أقبلت في فخرها وخيلائها .. إلى آخره» : ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(1)
.
3 ــ ومحاولة عتبة بن ربيعة الرجوع بالجيش وإصرار أبي جهل على القتال مخرج في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح ضمن سياق طويل
(2)
.
4 ــ وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم بات ليلة المعركة وهو يصلّي ويبتهل إلى الله تعالى ويهتف به ويتضرع له بالدعاء والنصر، ويقول:«أللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»
(3)
. وفي هذا دلالة على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله بعد الأخذ بالأسباب الواجبة.
تعديل الصفوفِ واشتدادُ القتال:
قال المصنف: «وعدَّل رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الصفوفَ، ثم رجعَ إلى العَريشِ هو وأبو بكر وحده، وقام سعدُ بنُ معاذٍ وقومٌ من الأنصار على بابِ العَريشِ يحمون رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم.
وخرجَ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثلاثتُهم جميعاً يطلبون البِرَازَ، فخرج إليهم من المسلمينَ ثلاثةٌ من الأنصار، وهم: عوفٌ ومعوّذٌ ابنا عفراء، وعبدُ الله بنُ رواحة، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصارِ، فقالوا:
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 621، وأشار الذهبي إلى ضعفه بقوله في تاريخ الإسلام 1/ 66:«فيما زعموا» .
(2)
صححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند «948» .
(3)
صحيح مسلم «1793» .
أكفاءٌ كرامٌ، وإنما نريدُ بني عمّنا.
فبرزَ لهم عليٌّ وعبيدة بن الحارث وحمزة رضي الله عنهم، فقَتَلَ عليٌّ الوليدَ، وقَتَلَ حمزةُ عتبة، وقيل: شيبة، واختلف عُبيدة وقِرْنُه بضربتين، فأجهد كل منهما صاحبَهُ، فَكَرَّ حمزةُ وعليٌّ فتمَّما عليه، واحتملا عُبيدة وقد قُطِعَتْ رجلُهُ، فلم يزل طَمِثاً
(1)
حتى مات بالصَّفراء رضي الله عنه.
ثم حَمِيَ الوطيسُ، واشتدَّ القتالُ، ونزلَ النَّصرُ، واجتهد رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الدُّعاء، وابتهلَ ابتهالاً شديداً، حتى جعل رداؤه يسقُط عن منكبيهِ، وجعل أبو بكرٍ يُصلحه عليه، ويقول: يا رسُولَ الله! بعض مناشدَتك ربك
(2)
، فإنه منجزٌ لك ما وعدك.
ورسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إن تَهلِك هذه العصابة لا تعبد في الأرضِ» ، فذلك قوله تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، ثم أَغْفَى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إغفاءةً، ثم رفعَ رأسه وهو يقول:«أَبشرْ يا أبا بكرٍ، هذا جبريلُ على ثناياه النقعُ» ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ مبارزة عليّ وحمزة وعبيدة رضي الله عنهم لعتبة وشيبة والوليد مخرجة في سنن أبي داود بإسناد صحيح
(3)
. وفيه دليل على جواز المبارزة خلافاً لمن أنكرها، وشرط
(1)
ينزف دماً.
(2)
هكذا في نسخ الفصول المطبوعة، والذي في الصحيح:"كفاك مناشدتك ربك". صحيح مسلم «1763» .
(3)
صححه الألباني في صحيح أبي داود «2665» ، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود.
الثوري وأحمد وإسحاق للجواز إذن أمير الجيش
(1)
.
2 ــ وقول أبي بكر: "كفاك يا رسول الله مناشدتك ربك"، وقوله صلى الله عليه وسلم:«اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» ، ومشاركة الملائكة في القتال، كلُّه مخرج في صحيح مسلم ضمن سياق طويل
(2)
.
3 ــ وقد جاء في القرآن الكريم أن الله عز وجل أمدّ المؤمنين بألف من الملائكة، ثم جعلهم ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف
(3)
.
4 ــ وعن حكمة مشاركة الملائكة في القتال بهذا العدد مع أن جبريل وحده قادرٌ على إهلاك المشركين جميعاً بأمر الله، فقد أوضحه العلامة السُّبكي بقوله:"وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده. والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم"
(4)
.
والظاهر أن مشاركة الملائكة كانت محدودة جداً، وبقوة تتناسب مع قدرة البشر، وأغلبها كان من باب التأييد المعنوي، وأما الجهد الأكبر فإنما كان على عاتق المسلمين كما هي سنة الله عز وجل في الكون.
نكوص الشيطانِ ونزولُ الملائكةِ للقتال:
قال المصنف: «وكان الشيطانُ قد تبدَّى لقريشٍ في صورة سُراقة بن مالك
(1)
شرح المواهب للزرقاني 2/ 277.
(2)
صحيح مسلم «1763» .
(3)
ينظر سورة الأنفال: 9، وسورة آل عمران: 124 - 126.
(4)
فتح الباري 7/ 313.
بن جُعشم زعيم مُدْلِج، فأجارهم، وزيَّن لهم الذهابَ إلى ما هم فيه؛ وذلك أنهم خَشُوا بني مُدْلِج أن يخلُفُوهم في أهاليهم وأموالهم، فذلك قوله تعالى:{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} [الأنفال: 48]، وذلك أنه رأى الملائكة حين نزلت للقتال، ورأى ما لا قِبَلَ له به ففرَّ، وقاتلتِ الملائكة كما أمرها الله، وكان الرجلُ من المسلمين يطلبُ قِرْنه، فإذا به قد سَقَطَ أمامه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ تبدّي الشيطان في صورة سراقة بن مالِك وتزيينه الحرب لقريش ذكره ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح من مرسل عروة بن الزبير
(1)
.
2 ــ وقوله: "إن قريشاً خشوا بني مُدلج أن يخلُفوهم في أهاليهم": سببه ما كان بينهم وبين مُدلج من الحرب، فخشيت قريش أن تأتيهم من خلفهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالِك المدلجي ووعدهم بألا يصيبهم من بني مُدلج مكروه.
3 ــ وقوله: "وكان الرجل يطلب قِرْنه، فإذا به قد سقط أمامه": يشير بهذا إلى ما أخرجه مسلم عن ابن عباس: «بينما رجلٌ من المسلمين يومئذ يشتدُّ في أَثَر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسَّوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقْدِم حيزوم
(2)
، فَنَظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم
(1)
سيرة ابن هشام 1/ 612.
(2)
اسم فرس الملك.
أنفه، وشُقَّ وجهه، كضربة السَّوط فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«صَدَقت، ذلك من مَدَد السماء الثالثة» »
(1)
.
نزول نصر الله على رسوله وعلى المؤمنين:
(2)
ثلاثاً، وأنزل الله تعالى في وقعةِ بدر سورة الأنفال».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ما ذكره المصنف من عدد قتلى وأسرى المشركين في بدر مخرج في صحيح الإمام مسلم
(3)
، وقصة مقتل أبي جهل مخرجة في الصحيحين
(4)
.
(1)
صحيح مسلم «1763» ، ضمن سياق مطول.
(2)
العَرْصَة: الموضع الواسع الذي ليس فيه بناء.
(3)
صحيح مسلم «1763» ، ضمن سياق مطول.
(4)
صحيح البخاري «3141، 3962» ، صحيح مسلم «1752» .
2 ــ ومقتل عتبة وشيبة ابني ربيعة وأمية بنَ خَلَف مخرج عند مسلم
(1)
، وتقدم الكلام عن قصة مقتلهم في المبارزة وبيان من أخرجه ودرجته قبل قليل.
3 ــ وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء قتلى رؤوس قريش في قليب بدر مخرج في الصحيحين
(2)
.
4 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم لأهل القليب: «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس .. » : ذكره ابن إسحاق مرسلاً، فقال: حدثني بعض أهل العلم
(3)
. وفي الصحيحين واللفظ لمسلم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم: تَرَكَ قتلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهُم فقام عليهم فناداهُم، فقال:«يا أبا جهل بن هشام يا أميَّة بن خَلَف يا عُتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربُّكم حقّا؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقّاً، فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نَفْس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لِمَا أقول منهُم»
(4)
.
6 ــ وقد استدل بعض أهل العلم بخطاب النبيّ لأهل القليب على سماع الموتى، وأجيب بأنها حادثة مخصوصة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث أحياهم الله وأسمعهم كلام نبيه معجزة له، كما ثبت في صحيح البخاري من قول قتادة:"أحياهُم الله حتى أسْمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمةً وحسرةً وندماً"
(5)
، وهذه مسألة طويلة الذيول ولا يتسع المقام للتوسع فيها.
(1)
صحيح مسلم «1794» .
(2)
صحيح البخاري «3976» ، صحيح مسلم «2875» .
(3)
سيرة ابن هشام 1/ 639.
(4)
صحيح البخاري «3976» ، صحيح مسلم «2875» .
(5)
صحيح البخاري «3976» .
قسمة الغنائم وقتل النَّضْر بن الحارث وابن أبي مُعَيْط:
قال المصنف: «فلما كان رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالصَّفراء قَسَم المغانمَ كما أمره الله تعالى، وأمر بالنَّضْر بن الحارث فضُربت عنقُه صبراً، وذلك لكثرة فساده وأذاه رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم. ولمَّا نزل عِرْق الظُّبية
(1)
أمر بعُقبة بن أبي مُعَيْط فضُربت عنقه أيضاً صبراً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أمره صلى الله عليه وسلم بقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ذكره ابن إسحاق بدون إسناد
(2)
، وجزم به الذهبي في تاريخه
(3)
، وقد ثبت أمره صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة في سنن أبي داود أيضاً
(4)
.
2 ــ وقد علَّق المصنف في تاريخه على مقتل النَّضر وعقبة بن أبي معيط فقال: "كان هذان الرجلان من شرّ عباد اللَّه، وأكثرهم كفراً، وعناداً، وبغياً، وحسَداً، وهجاءً للإِسلام وأهله، لعنهما اللَّه وقد فَعَل"
(5)
.
3 ـ وقد استدل العلماء بهذه الحادثة على جواز قتل الأسير الحربي الكافر إذا رأى ولي الأمر المصلحة في قتله
(6)
، خاصة إذا كان ممن يعرفون بالنكاية بالمسلمين.
(1)
موضع يعرف اليوم بـ «طرف الظبية» ، وهو قبل الروحاء بثلاثة أكيال مما يلي المدينة.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 644.
(3)
تاريخ الإسلام 1/ 36.
(4)
سنن أبي داود «2686» ، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للسنن.
(5)
البداية والنهاية 5/ 189.
(6)
شرح صحيح البخاري لابن بطال 5/ 204، فتح الباري 4/ 62.
قبول الفداءِ من الأسرى والرجوعُ إلى المدينة:
قال المصنف: «ثم إن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم استشارَ أصحابَه في الأسارى: ماذا يصنعُ بهم؟ فأشار عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه بأن يُقتلوا، وأشار أبو بكرٍ رضي الله عنه بالفِدَاء، وَهَوِيَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، فحلَّل لهم ذلك، وعاتبَ الله في ذلك بعضَ المعاتبة في قوله تعالى:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الآيات [الأنفال: 67]. وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حديثاً طويلاً فيه بيان هذا كله
(1)
.
ورجعَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ مؤيداً مظفراً منصوراً، قد أعلى الله كلمته، ومكَّن له، وأعزّ نصره، فأسلم حينئذ بشرٌ كثيرٌ من أهلِ المدينةِ، ومن ثم دَخَلَ عبدُ الله بنُ أُبيّ بن سَلُول وجماعته من المنافقين في الدين تَقِيَّة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ في قبوله صلى الله عليه وسلم الفداء من أسرى بدر دليل على عظم رحمته وشدة شفقته في تعامله مع أعدائه المهزومين الذين حاربوه وحرصوا على قتله.
2 ــ وقد ذكر جمع من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين يوم بدر أن يكرموا الأسرى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء
(2)
، والقرآن الكريم يشهد لهذا في قوله تعالى:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً، وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان: 8].
3 ــ وثبت أن بعض أسرى بدر ممن لم يكن لهم مال يفدون به أنفسهم،
(1)
صحيح مسلم «1763» .
(2)
تفسير الطبري 24/ 97، تفسير ابن كثير 8/ 288.
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلّموا أولاد الأنصار الكتابة
(1)
، مما يدل على إعلاء الإسلام لقيمة العلم.
4 ــ وأما ما نزل من عتاب الله عز وجل لنبيه بعد ذلك في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ} ، فالمقصود به أن جيش الإسلام ليس له أن يأسر حتى يثخن في الأرض بأن يثقل جيش العدو بالجراح، ولا تكون له قدرة على مواصلة القتال
(2)
.
(1)
أخرجه أحمد في مسنده «2216» ، وصحح إسناده أحمد شاكر، وحسنه شعيب الأرناؤوط في تحقيقهما للمسند.
(2)
خاتم النبيين لأبي زهرة 2/ 523.
فصل
جملة من حَضَر بَدراً
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ نبَّه الحافظ ابن حجر إلى أن المسلمين الذين شاركوا في القتال الفعلي في بدر إنما كانوا ثلاثمائة وخمسة أو ستة فحسب، لأن بعضهم عُدّ من أهل بدر ولم يشارك في القتال لأسباب مختلفة، إما لكون النبي صلى الله عليه وسلم ردّه أثناء الطريق واستخلفه على المدينة كأبي لبابة، وآخر انكسرت قدمه فردّه إلى المدينة .. وهكذا
(1)
.
2 ــ وقوله: "وقُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم مثل ذلك": هذا هو الحق كما قال الحافظ ابن حجر
(2)
. ولعله جزم به لثبوته في أحاديث عدة، كحديث ابن عباس قال:"فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين"
(3)
.
(1)
فتح الباري 7/ 292.
(2)
المصدر السابق 7/ 307.
(3)
صحيح مسلم «1763» .
3 ــ وقوله: "وقُتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً": قلت: هذا متفق عليه بين علماء السيرة.
فصل
غزوة بني سُلَيْم
فصل
غزوة السَّوِيق
قال المصنف: «ولمَّا رجع أبو سفيان إلى مكة وأوقع الله في أصحابه ببدر بأسَه، نذر أبو سفيان ألَّا يمسّ رأسه بماءٍ حتى يغزو رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فخرجَ في مائتي راكبٍ، فنزلَ طرف العُرَيْض
(1)
، وبات ليلة واحدة في بني النَّضير عند سلَّام بن مِشْكَم، فسقاه وبَطَنَ له من خبر الناس، ثم أصبح في أصحابه، وأمر فقطَّع أصواراً
(2)
من النخل، وقَتَلَ رجلاً من الأنصار وحليفاً له ثم كرّ راجعاً. ونذر به رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فخرج في طلبِه والمسلمون، فبلغ قَرْقَرة الكُدْر
(3)
، وفاته أبو سفيان والمشركون، وألقوا شيئاً كثيراً من أزوادهم، من السَّويق، فسمّيت غزوة السويق، وكانت في ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقد كان استخلف عليها أبا لُبابة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ غزوة بني سُليم ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(4)
. وكان
(1)
العُريض: واد بالمدينة.
(2)
صغار النخل المجتمعة.
(3)
فضاء واسع، بين الصويدرة والحناكية، على طريق القصيم.
(4)
سيرة ابن هشام 2/ 43.
سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعاً من بني سُليم يستعدون لغزو المدينة فخرج إليهم، لكنهم كانوا قد تفرقوا
(1)
.
2 ــ وغزوة السويق ذكرها ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح مرسل
(2)
.
3 ــ وكان مقصود أبي سفيان بغزوه المدينة هو نوع من الانتقام وحفظ ماء الوجه بعد الذي حصل لقريشٍ ببدر.
4 ــ وفي إيواء سلّام بن مِشْكم لأبي سفيان واستبطانه الأخبار له مظهرٌ من مظاهر خيانة اليهود وغدرهم وعدم التزامهم بوثيقة المعاهدة التي كانت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، والتي من ضمن بنودها ألا يعينوا عليه أحداً.
فصل
غزوة ذي أَمرَ
(1)
سبل الهدى والرشاد 4/ 172.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 44
فصل
غزوة بُحْرَان
قال المصنف «ثم خَرَجَ صلى الله عليه وسلم في ربيع الآخر يريد قريشاً، واستخلف ابن أم مكتوم فبلغ بُحْرَان
(1)
معدِناً في الحجاز، ثم رَجَعَ ولم يلق حرباً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كانت غزوة ذي أَمَر في محرم السنة الثالثة من الهجرة، وقد ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(2)
.
2 ـ وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بلغه أن جمعاً كبيراً من غطفان كانوا يستعدون لغزو المدينة فخرج إليهم في جيش تعداده أربعمائة وخمسون مقاتلاً، فلما بلغ غطفان ذلك فروا وتفرقوا في رؤوس الجبال
(3)
.
3 ـ وغزوة بُحْرَان كانت في السنة الثالثة للهجرة، وقد ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(4)
.
(1)
بُحْران: جبل شرق مدينة رابغ، على مسافة (90) كيلاً.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 46.
(3)
المغازي للواقدي 1/ 194.
(4)
سيرة ابن هشام 2/ 46.
فصل
غزوة بني قَيْنُقَاع
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أصل غزوة بني قينقاع ثابتٌ في الصحيحين دون تفاصيل، ولفظه:"وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلَام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة"
(1)
، وقد فصَّلها ابن إسحاق وغيره من كتاب السيرة
(2)
.
2 ــ واتفق المؤرخون على أن هذه الغزوة وقعت بعد بدر، وحددها أكثر
(1)
صحيح البخاري، «4028» ، صحيح مسلم «1766» .
(2)
انظر سيرة ابن هشام 2/ 46 بإسناد صحيح مرسل.
أهل العلم بيوم السبت، للنصف من شهر شوال من السنة الثانية من الهجرة
(1)
.
3 ــ وأما عن سبب هذه الغزوة فقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما انتصر في بدر حرك هذا ضغائن اليهود، وأخذ وبالأخص يهود بني قينقاع يظهرون العداوة تجاه المسلمين، مع أنهم كانت بينهم وبين المسلمين معاهدة مسالمة، فحذَّرهم النبي صلى الله عليه وسلم عاقبة البغي ونكث العهد، لكنهم قالوا: يا محمد لا يغرنَّك ما لقيت من قومك ببدر، فإنهم لا عِلْمَ لهم بالحرب، وإنك إن قاتلتنا لتعلمنَّ أننا نحن الناس
(2)
!!
وقد روي أيضاً أنهم تحرشوا بامرأة مسلمة وكشفوا عن سوأتها في سوقهم، فلما قام أحد المسلمين لنجدتها قتلوه
(3)
.
4 ــ وقد كانت غزوة بني قينقاع تمثل أول مواجهة عسكرية للنبي صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة.
* * *
(1)
ينظر سبل الهدى والرشاد 4/ 179، شرح المواهب للزرقاني 2/ 348.
(2)
سنن أبي داود «3001» ، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح 7/ 332.
(3)
حادثة تحرش بني قينقاع بالمرأة المسلمة ذكرها ابن هشام في السيرة 2/ 47 فقال: وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن أبي عون به، وضعف إسنادها الألباني بسبب التعليق والإرسال، ينظر دفاع عن الحديث النبوي ص 26.
فصل
قتل كعبِ بن الأَشرفِ اليهوديّ
قال المصنف: «وأما كعب بن الأشرف اليهودي، فإنه كان رجلاً من طيء، وكانت أمُّه من بني النَّضير، وكان يُؤذي رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويشبّبُ في أشعاره بنساء المؤمنين
(1)
، وذهب بعد وقعة بدر إلى مكة وألَّب على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، فندبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى قتله، فقال:» من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ «، فانتدبَ رجالٌ من الأنصارِ ثم من الأوس، فذهبوا إليه واستنزلوه من أُطُمِه
(2)
ليلاً، وتقدَّموا إليه بكلامٍ مُوهم للتعريض برسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فاطمأنَّ إليهم، فلما استمكنوا منه قتلوه لعنه الله، ثم أصبحَ اليهودُ يتكلَّمون في قتله، فأَذِنَ صلى الله عليه وسلم في قتل اليهود».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ قصة مقتل كعب بن الأشرف جاءت مفصلة مطولة في الصحيحين
(3)
.
2 ــ وقد بين المؤلف أسباب قتله بما يغني عن إعادته، وقال الإمام المازري:
(1)
يشبب: يتغزل ويذكر المحاسن.
(2)
الأطم: الحصن.
(3)
صحيح البخاري «4037» ، صحيح مسلم «1801» .
"إنَّما قُتل كعب على هذه الصّفة لأنه نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهجاه وسبّه وعاهده أن لا يُعين عليه أحداً، وجاءه مع أهل الحرب مُعيناً عليه، وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم ولم يعرف هذا الوجه، والجواب ما قلناه"
(1)
.
3 ــ وكان حادثة قتله قبل غزوة أحد، في ربيع الأول من السنة الثالثة
(2)
.
4 ــ وقوله: "فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل اليهود": المقصود بهم المحاربين وناقضي العهود منهم، من أمثال كعب بن الأشرف، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض لبقية يهود إلا بعد نقضهم العهد كما سيأتي في حوادث السيرة.
(1)
المعلم للمازري 3/ 41.
(2)
طبقات ابن سعد 2/ 24.
فصل
غزوة أُحُدٍ
قال المصنف: «وهي وقعةٌ امتحنَ اللهُ عز وجل فيها عبادَهُ المؤمنينَ واختبرهُم، وميّزَ فيها بين المؤمنينَ والمنافقينَ. وذلك أن قريشاً حين قَتَلَ الله سَرَاتهَم
(1)
ببدر، وأصيبوا بمصيبةٍ لم تكن لهم في حسابٍ، ورأَسَ فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم، شرع يجمّع قريشاً ويؤلّب على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمينَ، فجمّع قريباً مِنْ ثلاثةِ آلافٍ من قريشٍ والحلفاء والأحابيش
(2)
.
وجاؤوا بنسائهم لئلَّا يفرُّوا، ثم أقبلَ بهم نحو المدينةِ، فنزلَ قريباً من جبل أُحد بمكان يقال له: عَيْنَينِ
(3)
، وذلك في شوال من السنةِ الثالثة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ اتفق علماء السيرة على وقوع هذه الغزوة في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة
(4)
، واختلفوا في تحديد اليوم، والأشهر أنه: يوم السبت
(1)
أشرافهم.
(2)
الأحابيش: أحياء عربية بجانب مكة كانت متحالفة مع قريش، سموا بهذا الاسم لتحبشهم وهو التجمع.
(3)
عينان: جبل بالمدينة، قريباً من جبل أحد، والذي سمي بعد المعركة بجبل الرماة.
(4)
قال ابن حجر في الفتح 7/ 346: "باتفاق الجمهور، وشذَّ من قال سنة أربع".
للنصف من شوال
(1)
.
2 ــ وقد كان لهذه الغزوة أسبابٌ عديدة، من أهمها كما أشار المصنف: أن قريشاً أرادت الثأر لقتلاها ببدر، وردُّ اعتبارها وهيبتها أمام العرب، وقد استعانت على تجهيز الجيش بأموال العير التي نجت يوم بدر.
3 ــ وما ذكره المصنف من عدد جيش قريش هو المتفق عليه بين عامة أهل السير، وقد رواه البيهقي عن الزهري مرسلاً بإسناد صحيح
(2)
.
4 ــ وقوله: "ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم": قلت: كان أبو سفيان بن حرب من زعماء الدرجة الثانية في قريش، وكان مسؤولاً عن شؤون تجارة قريش الخارجية، لكن بعد مقتل كثير من كبارهم يوم بدر آلت إليه زعامة مكة ورئاستها، وقد كان من أشد الناس عداء للإسلام وتصدياً له حتى إسلامه يوم فتح مكة.
مشاورته صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لقريش أو المكث في المدينة:
قال المصنف: «واستشارَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه: أيخرجُ إليهم أم يمكثُ في المدينةِ؟ فبادَرَ جماعةٌ من فضلاءِ الصحابةِ ممَّن فاتهُ الخروجُ يومَ بدرٍ إلى الإشارةِ بالخروجِ إليهم، وألحُّوا عليه صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وأشار عبدُ الله بنُ أُبي بنُ سلول بالمُقام بالمدينةِ، وتابعهُ على ذلك بعضُ الصحابةِ، فألحَّ أولئك على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فنهضَ ودخلَ بيته ولبِس لأمَتَه
(3)
،
(1)
السيرة النبوية الصحيحة للعُمري 2/ 378.
(2)
دلائل النبوة 3/ 220، وإسناده صحيح عن الزهري.
(3)
اللأمة: لباس الحرب.
وخرجَ عليهم، وقد انثنى عزمُ أولئك فقالوا: يا رسُولَ الله! إن أحببتَ أن تمكثَ في المدينةِ فافعل. فقال: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبِس لأمَتَه أن يَضَعَها حتى يُقاتل» ، وذلك يومُ الجمعة، واستخلفَ على المدينةِ ابنَ أم مكتُوم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ مشاورته صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لملاقاة جيش قريش أم التحصن في المدينة ذكرها ابن إسحاق
(1)
في السيرة، وعلقها البخاري في الصحيح
(2)
، وأخرجها أحمد في المسند بإسناد صححه ابن حجر
(3)
.
2 ــ وقد كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول ــ رأس المنافقين ـــ موافقاً لرأي النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لسبب وهدف مختلف، فقد كان يريد عدم المشاركة في القتال دون أن يحس به أحد، وهذا إنما يتحقق له إذا كانت المعركة داخل أزقة المدينة وليس خارجها.
3 ــ وفي الحادثة دليل على الأخذ بمبدأ الشورى فيما لم يرد فيه نص شرعي ملزم، وتقدم لذلك نظائر عدة.
4 ـ وفيه أيضاً دلالة على ضرورة حزم القائد وترك التردد في الرأي، "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل".
5 ــ واستخلافه صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على المدينة ذكره ابن إسحاق بدون إسناد
(4)
.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 63.
(2)
صحيح البخاري 9/ 112.
(3)
مسند أحمد «14787» ، تغليق التعليق 5/ 332.
(4)
سيرة ابن هشام 2/ 64.
رجوع عبد الله بن أُبيّ ومن معه أثناء الطريق:
قال المصنف: «وخَرَجَ إلى أُحدٍ في ألفٍ، فلما كان ببعضِ الطريقِ انخزلَ عبدُ الله بنُ أُبيّ في نحو ثلاثمائةٍ إلى المدينةِ، واستقلَّ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بمن بقيَ معهُ حتى نزلَ شِعْبَ أُحدٍ، فجعلَ ظهرَهُ إلى أُحدٍ، ونهى الناسَ عن القتالِ حتى يأمرهُم.
فلما أصبحَ تعبَّأ صلى الله عليه وسلم للقتالِ في أصحابهِ، وكان فيهم خمسونَ فارساً، واستعملَ على الرُّماةِ ــ وكانوا خمسين ــ عبدَ الله بن جُبير الأوسيّ، وأمرهُ وأصحابهُ أن لا يتغيَّروا من مكانِهم، وأن يحفظوا ظهورَ المسلمينَ أن يُؤتوا من قِبَلِهِم. وظاهر صلى الله عليه وسلم يومئذ بين درعين».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "وخرج إلى أُحد في ألف": قلت: هذا هو عدد جيش المسلمين عند خروجه من المدينة، هكذا ذكره ابن إسحاق
(1)
، وهو المشهور عن أهل المغازي كما قال البيهقي
(2)
.
2 ــ وخبر رجوع ابن سلول بثلث الجيش ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة بدون إسناد
(3)
، وأصله في البخاري بلفظ:«لمَّا خَرَج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُحد، رجع نَاسٌ ممَّن خَرَج معه»
(4)
، قال ابن حجر:"هُمْ عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن تبعه"
(5)
.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 63.
(2)
دلائل النبوة 3/ 220.
(3)
ينظر سيرة ابن هشام 2/ 64، دلائل النبوة للبيهقي 3/ 206.
(4)
صحيح البخاري «4050» .
(5)
فتح الباري 1/ 304.
3 ــ وأمره صلى الله عليه وسلم للرُّماة ألا يغيّروا مكانهم ثبت مضمونه في الصحيح، وفيه أنه قال لهم:«إن رأيتمونا تخطَّفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»
(1)
.
4 ــ وقوله "وظاهر بين درعين" أي لبس درعاً فوق درع. والدرع: قَمِيص مصنوع من حلقات من الحدِيد المتشابك، يُلبس وقاية من السِّلَاح.
5 ــ ومظاهرته صلى الله عليه وسلم بين درعين صح فيها أحاديث، منها حديث الزبير بن العوام عند الترمذي، وحسنه الألباني
(2)
. وفيه دليل على أن التوكل على الله لا يعني ترك مراعاة الأسباب.
تنظيمه صلى الله عليه وسلم للجيش واستعراضه للشباب:
قال المصنف: «وأعطى اللواء
(3)
مصعبَ بن عُمير، وجعلَ على إحدى المجنبتين الزُّبيرَ بن العوَّام، وعلى المجنبة الأُخرى المُنذر بن عمرو.
واستعرض الشبابَ يومئذٍ، فأجاز بعضَهم وردّ آخرينَ، وتعبأت قريشٌ أيضاً وهم في ثلاثةِ آلافٍ كما ذكرنا، فيهم مائتا فارسٍ، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وكان شعار أصحابِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: أمِتْ أمِتْ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ في تقسيمه صلى الله عليه وسلم للجيش إلى ميمنة وميسرة، وترتيبه للصفوف، وجعله
(1)
صحيح البخاري «3039» .
(2)
سنن الترمذي «1692» ، صحيح وضعيف سنن الترمذي 4/ 192.
(3)
اللواء: العَلَم وهو دون الراية.
بعض الرماة فوق الجبل، وتوزيعه للأدوار والمهام بين الصحابة دليل على ما كان يتمتع به صلى الله عليه وسلم من مهارة حربية وبراعة عسكرية فائقة.
2 ــ وقوله: "واستعرض الشباب يومئذ، فأجاز بعضهم وردّ آخرين": قلت: قَبِلَ منهم اثنين، وردَّ نحو العشرة
(1)
، وفي الصحيحين أن عبد الله بن عمر ممن رُدَّ يومها
(2)
.
3 ــ وفي رده صلى الله عليه وسلم لغير البالغين يوم أحد دليل على رحمته صلى الله عليه وسلم وشفقته بالأطفال حتى وإن كانت حرباً عادلة، لا كما يفعله تجَّار الحروب اليوم الذين لا يتوانون عن استغلال الأطفال في حروبهم الدامية والزج بهم في أتونها!!
4 ـ وقول المصنف: "وكان شعارهم يومئذ أمِتْ أمِتْ" بالتكرار، المراد بالشعار: ما يُجعل في الحرب علامة بين أفراد الجيش من الكلمات، حتى يعرف بها الرجل رفيقه، وهذا الشعار ذكره كتاب السيرة بدون إسناد
(3)
.
مخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «وكانت الدولةُ أولَ النهارِ للمسلمينَ على الكفارِ، فانهزموا راجعينَ حتى وصلُوا إلى نسائهم، فلما رأى ذلك أصحابُ عبدِ الله بنِ جُبير قالوا:
(1)
عيون الأثر 2/ 13.
(2)
صحيح البخاري «4097» ، صحيح مسلم «1868» .
(3)
ينظر: سيرة ابن هشام 2/ 68، جوامع السيرة ص 160، ووهم د. مهدي زرق الله في كتابه السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص 367 فعزاه إلى مسند أحمد وأبي داود والحاكم وغيرهم، وهذا خطأ فإن المصادر المحال إليها تتحدث عن غزوة أخرى ليست بغزوة أحد!!
يا قومُ، الغنيمة الغنيمة. فذكَّرهم عبدُ الله بن جُبير تقديمَ
(1)
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إليه في ذلك، فظنوا أن ليس للمشركينَ رجعة، وأنهم لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، فذهبوا في طلبِ الغنيمة.
وكرَّ الفرسانُ من المشركينَ فوجدوا تلك الفُرجة قد خلت من الرُّماة فجازوها وتمكنوا، وأقبل آخرُهم، فكان ما أرادَ اللهُ تعالى كونُه، فاستشهد من أكرمهم الله بالشَّهادةِ من المؤمنين، فقُتِل جماعة من أفاضل الصحابة، وتولّى أكثرُهم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل هذا أن معركة أحد مرّت بثلاث مراحل؛ ففي بداية المعركة حقق المسلمون نصراً كبيراً ضد المشركين، حتى إن المشركين ولَّوا هاربين، وأخذ المسلمون في جمع غنائمهم.
لكن بعد أن تخلَّى أكثر الرماة عن أماكنهم وخالفوا وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، تمكن المشركون من الالتفاف عليهم من خلفهم، وإحداث نكسة للمسلمين أدت إلى اضطراب أمرهم وقتل كثير منهم.
وفي المرحلة الأخيرة أخذ المسلمون يستعيدون السيطرة مرة أخرى ويقاتلون ببسالة، حتى حال اقتراب الليل بين الفريقين دون أن يحقق أحدهما نصراً حاسماً على الآخر.
وقد خاف المشركون أن ينقلب الأمر ضدهم، ويحقق المسلمون نصراً قوياً فكفُّوا عن القتال وانصرفوا.
(1)
يقصد بالتقديم: ما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من العهد عليهم ألا يبرحوا مكانهم.
2 ــ وقصة عبد الله بن جبير مع الرماة وهزيمة المشركين في أول المعركة ثم استشهاد سبعين من المسلمين كله ثابت ومخرج في الصحيح
(1)
.
3 ــ وقوله: "وقُتل جماعة من أفاضل الصحابة": سيأتي تسمية بعضهم في كلام المصنف.
4 ــ وقوله: "وتولّى أكثرهم": قلت: سببه: ما بلغهم من إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن تعبير المصنف هذا فيه نظر، لأن الذين فرّوا وتولوا حقيقة من المعركة كانوا قلّة، وأما أكثرهم فقد اضطرب أمرهم وجلسوا حيارى قد أصابهم الذهول لا يدرون ما يصنعون.
وقد أوضح المسألة الحافظُ ابنُ حجر فقال: "الواقع أن الصحابة صاروا ثلاث فرق (بعد الهزيمة)؛ فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال، وهم قليل .. وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتِل فصار غاية الواحد منهم أن يذبّ عن نفسه .. وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئاً فشيئاً لما عرفوا أنه حي"
(2)
5 ــ ثم إن الصواب أن المشركين لم يحققوا نصراً بالمعنى العسكري في هذه المعركة، فهم لم يغنموا شيئاً، ولم يحتلّوا أرضاً، ولم يأسروا مسلماً، ولم يقتلوا القائد، وكل ما استطاعوا صنعه هو الثأر لقتلاهم ببدر مع قتل من قُتل منهم يومها!!
إصابته صلى الله عليه وسلم في المعركة وإشاعة مقتله:
قال المصنف: «وخَلَصَ المشركونَ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فجُرحَ في وجههِ الكريمِ،
(1)
صحيح البخاري «3039، 4043» .
(2)
فتح الباري 7/ 362 باختصار.
وكُسرت رَبَاعيته
(1)
اليمنى السُّفلى بحَجَرٍ، وهُشِمَت البيضة
(2)
على رأسه المقدَّس، وقُتل مصعب بن عمير رضي الله عنه بين يديه، ونشبت حلقتان من حِلَق المغْفر
(3)
في وجهه صلى الله عليه وسلم، فانتزعهما أبو عُبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنه، وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيّتاه، وترَّسَ أبو دُجانة سِمَاك بن خَرَشَة عليه صلى الله عليه وسلم بظهره، والنبلُ يقعُ فيه، وهو لا يتحرك رضي الله عنه، ورمى سعدُ بنُ أبي وقاص رضي الله عنه يومئذٍ رمياً مسَّدداً مُنْكئاً، فقال له رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:«ارم فداكَ أَبي وأُمي» ، وأُصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان الظفريّ، فأتى رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فردَّها عليه الصلاة والسلام بيده الكريمة، فكانت أصحَّ عينيه وأحسنَهما.
وصرخَ الشيطانُ ــ لعنه الله ــ بأعلى صوته: إن محمداً قد قُتل، ووقعَ ذلك في قلوبِ كثير من المسلمينَ، وتولَّى أكثرُهم، وكان أمر الله».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ما ذكره المصنف هنا هو بعضٌ مما قدمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تضحيات عظيمة وبطولات خالدة في المعركة، وثمة مواقف أخرى تركناها اختصاراً.
2 ــ وجرحُ وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرُ رباعيته، وهشْمُ البيضة فوق رأسه الشريف، كلُّه مخرج في الصحيحين
(4)
. والمراد بكسر ثنيته: ذهاب قطعة منها،
(1)
الرباعية: السنّ بين الثنية والناب، وهما اثنان في الأعلى، واثنان في الأسفل.
(2)
البيضة: الخوذة التي يلبسها الفارس على رأسه.
(3)
حلقات تنسج من الدروع على قدر الرَّأْس تلبس تَحت القلنسوة.
(4)
صحيح البخاري «2911» ، صحيح مسلم «1790» .
وليس قلعها من أصلها كما نبّه عليه الحافظ ابن حجر
(1)
.
3 ــ وقوله: "ونشبت حلقتان من حِلَق المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم، فانتزعها أبو عبيدة بن الجراح": أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة رضي الله عنها بإسناد ضعيف
(2)
.
4 ــ وتتريس أبي دجانة عليه صلى الله عليه وسلم من النبل ذكره ابن إسحاق بدون إسناد
(3)
.
وردّه صلى الله عليه وسلم عين قتادة بن النعمان إلى مكانها بعد أن قلعت ذكره ابن إسحاق من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة
(4)
.
5 ــ وتفدية النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص بأبويه يوم أحد مخرج في الصحيحين
(5)
.
6 ــ وصرخة الشيطان بأن "محمداً قد قُتل" مخرج في مسند أحمد بإسناد صحيح
(6)
.
7 ــ وفي لبسه صلى الله عليه وسلم للخوذة والمغفر في المعركة دليل على مشروعية الأخذ بالأسباب المادية وأنه لا يتنافى مع كمال التوكل على الله تعالى.
8 ــ كما دلت الحادثة على فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بذلوه من
(1)
فتح الباري 7/ 366.
(2)
مسند أبي داود الطيالسي «6» ، وفي سنده إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو ضعيف.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 82.
(4)
المصدر السابق 2/ 82.
(5)
صحيح البخاري «4055» ، صحيح مسلم «2412» .
(6)
صحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند «2609» .
تضحيات جسيمة في سبيل حمايته صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمة الإسلام.
9 ــ كذلك يؤخذ من الحادثة خطورة نشر الإشاعات والأراجيف ووجوب الحذر منها، كما ظهر ذلك في الإشاعة التي أطلقها إبليس لعنه الله بأن "محمداً قد قُتل" حتى أصيب المسلمين بالذهول والفزع الشديد.
10 ــ كما دلت الحادثة على شؤم المعاصي وأثرها السيئ ليس على أصحابها فحسب، بل وعلى من حولهم أيضاً، فإن المعاصي تصيب الطالح والصالح جميعاً في الدنيا، كما أصيب المسلمون يوم أحد بسبب مخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
11 ــ ومع كل ما فعله المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فإنه لم يدع عليهم، بل لقد طمع في هدايتهم وإسلامهم، وقال:«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»
(1)
.
محاولة أُبيّ بن خَلَف قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «وأقبلَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمينَ، فكان أولَ من عرَفه تحت المِغْفَر كعبُ بن مالك رضي الله عنه، فصاح بأعلى صوته: يا معشرَ المسلمين، أبشروا، هذا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم! فأشار إليه صلى الله عليه وسلم أن اسكت.
واجتمعَ إليه المسلمونَ، ونهضوا معهُ إلى الشِّعب الذي نزل فيه، فلما أسندوا في الجبل، أدركه أُبيّ بن خَلَفٍ على جواد، زعم الخبيثُ أنه يقتلُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا اقتربَ تناولَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الحربة من يد الحارث بن الصّمة فطعنه بها، فجاءت في تَرْقُوته، ويَكِرُّ عدوّ الله منهزماً، فقال له المشركونَ: والله ما بك من بأسٍ، فقال:
(1)
أخرجه ابن حبان في صحيحه «973» ، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.
والله لو كان ما بي بأهلِ ذي المجازِ
(1)
لماتُوا أجمعونَ، إنه قال لي: إنه قاتلي، ولم يزل به ذلك حتى مات بِسَرِف
(2)
مرجِعَه إلى مكة لعنه الله».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قول المصنف أن أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت المغفر كعب بن مالك أخرجه الطبراني بإسناد رجاله ثقات
(3)
.
2 ــ وحادثة طعن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُبي بن خلَف مخرجة عند ابن سعد بإسناد قوي مرسل
(4)
.
3 ــ ولقد كان لخبر حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد إشاعة مقتله أثراً عظيماً في رفع معنويات الصحابة وعودتهم مرة أخرى للقتال والالتفاف حوله.
استشهاد سبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «وأرادَ صلى الله عليه وسلم أن يعلوَ صخرةً هناك، فلم يستطع لما به صلى الله عليه وسلم، ولأنه ظاهرَ يومئذٍ بين درعين، فجلس طلحةُ تحته حتى صَعِدها، وحانت الصلاةُ، فصلّى جالساً، ثم مال المشركون إلى رحالهم، ثم استقبلوا طريق مكة منصرفينَ إليها، وكان هذا كله يومَ السبت.
واستُشهد يومئذٍ من المسلمين نحو السبعين، منهم: حمزةُ عمُّ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قتله وحشيٌ مولى بني نوفل، وعبد الله بن جَحْش، ومصعب بن عمير، فدفنهم في
(1)
من أسواق العرب المشهورة في الجاهلية، كان قريباً من عرفة.
(2)
واد شمال مكة على طريق المدينة، على بعد (12) كيلاً.
(3)
معجم الطبراني الأوسط «1104» ، وقال الهيثمي في المجمع 6/ 112: رجاله ثقات.
(4)
طبقات ابن سعد 2/ 35 من مراسيل سعيد بن المسيب، ومراسيله قوية.
دمائهم وكلومهم، ولم يُصَلّ عليهم يومئذٍ.
وفرّ يومئذ من المسلمينَ جماعةٌ من الأعيان، منهم عثمانُ بنُ عفان رضي الله عنه، وقد نصَّ الله سبحانه على العفو عنهم، فقال عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]. وقُتل يومئذٍ من المشركينَ اثنانِ وعشرونَ.
وقد ذكر سبحانهُ هذه الوقعة في سورةِ آلِ عمرانَ حيث يقولُ: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121]، الآيات».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ جلوسه صلى الله عليه وسلم فوق ظهر طلحة بن عبيد الله حتى صعد الصخرة مخرج عند الترمذي بإسناد حسن، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعدها: أوجب طلحة
(1)
، أي وجبت له الجنة.
2 ــ وقوله: "واستُشهد يومئذٍ من المسلمين نحو السبعين": أخرجه البخاري في الصحيح
(2)
.
3 ـ وقصة قتل وحشي بن حرب لحمزة رضي الله عنه مخرجة في صحيح البخاري، وفيها أن جُبير بن مُطعم قال له:"إن قتلت حمزة بعمّي فأنت حرٌّ"
(3)
.
(1)
سنن الترمذي «1692» ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 4/ 192.
(2)
صحيح البخاري «3986» ، «4078» .
(3)
صحيح البخاري «4072» .
4 ــ وترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على شهداء أحد وترك تغسيلهم ثابت في صحيح البخاري
(1)
.
قال الإمام الشافعي: "جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلّ على قتلى أحد"
(2)
.
5 ــ وقد دل ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على شهداء أحد ودفنهم في دمائهم على أن شهيد المعركة في حرب الكفار لا يصلّى عليه ولا يغسل، وهو قول جمهور العلماء
(3)
.
6 ـ وقوله: "وقُتل يومئذ من المشركين اثنان وعشرون": هذا قول ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: كانوا ستة عشر رجلاً، وكلا القولين بدون إسناد
(4)
.
(1)
صحيح البخاري «1343» .
(2)
فتح الباري 3/ 210.
(3)
المجموع للنووي 5/ 264.
(4)
سيرة ابن هشام 2/ 129، دلائل النبوة للبيهقي 3/ 280.
فصل
غزوة حَمراءِ الأَسَد
(1)
قال المصنف: «ولمَّا أصبحَ يومُ الأحدِ، ندبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمينَ إلى النهوضِ في طلبِ العدوّ، إرهاباً لهم، وهذه غزوة حَمراء الأَسَد، وأَمَرَ ألَّا يخرجَ معهُ إلَّا من حَضَر أُحداً، فلم يَخرج إلَّا من شَهِدَ أُحداً، سوى جابرِ بنِ عبدِ الله، فإنه كان أبوه استخلفهُ في مهماته، فقُتِل أبوه يومَ أُحدٍ، فاستأذنَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في الخروجِ إلى حَمراء الأَسَد، فأذن لهُ.
فنَهضَ المسلمونَ كما أمرهم صلى الله عليه وسلم، وهم مُثقلونَ بالجراحِ، حتى بلغَ حَمراءَ الأَسَد، وهي على ثمانية أميال مِنْ المدينةِ، فذلك قوله تعالى:{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172]».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ غزوة حمراء الأسد ليست غزوة مستقلة وإنما هي تابعة لغزوة أُحد وفصلاً من فصولها.
2 ــ وحاصل هذه الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح الغد من معركة أُحد كان قد خشي أن يفكر المشركون بالكرَّة مرة أخرى فيهاجموا المدينة ليتمموا ما حققوه
(1)
حمراء الأسد: جبل أحمر جنوب المدينة على مسافة (20) كيلاً على طريق مكة.
من غلبة، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يبادرهم بالغزو والمطاردة حتى يأمن رجوعهم وعودتهم.
3 ــ وقد وردت إشارة إلى هذه الغزوة في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنه قالت: "لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلاً"
(1)
.
4 ــ وفي خروجه صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغزوة مظهر عظيم من مظاهر الشجاعة وتحمل المشاق في سبيل الله وعدم الاستسلام لأي شكل من أشكال الضعف والهزيمة.
5 ــ وفي استجابة الصحابة لنداء النبي صلى الله عليه وسلم وخروجهم وهم مثقلون بالجراح دليل على فضلهم وقوة إيمانهم وتفانيهم في طاعة الله ورسله صلى الله عليه وسلم.
عزم قريش على مهاجمة المدينة ورجوعهم عن ذلك:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ خبر معبد الخزاعي ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(2)
.
2 ــ كذلك ذكر ابن إسحاق بدون إسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أقام في حمراء الأسد ثلاثة أيام؛ الاثنين والثلاثاء والأربعاء
(3)
.
(1)
صحيح البخاري «4077» .
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 102.
(3)
المصدر السابق 2/ 102.
3 ــ ولا شك أن غزوة حمراء الأسد قد حققت أهدافها المرسومة حيث أوقع الله عز وجل الرعب في قلوب المشركين فعدلوا عن غزو المدينة وانصرفوا إلى مكة، كما أنها أظهرت المسلمين بمظهر القوة والقدرة على القتال بعدما أصابهم في أحد مما أخاف الأعراب خارج المدينة، والمنافقين واليهود داخلها.
* * *
فصل
بَعْث الرَّجيع
(1)
قال المصنف: «ثم بَعَثَ صلى الله عليه وسلم بعد أُحدٍ بَعْثَ الرَّجيع، وذلك في صَفَر من السنةِ الرابعةِ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلى عَضَل والقَارَّة بسؤالهم رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ذلك حين قدموا عليه وذكروا أن فيهم إسلاماً.
فبَعَثَ ستة نفرٍ في قول ابن إسحاق
(2)
، وقال البخاري في صحيحه كانوا عشرة
(3)
. وقال أبو القاسم السهيلي: وهذا هو الصحيح
(4)
. وأمَّرَ عليهم مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوي رضي الله عنهم. ومنهم خُبَيب بن عَديّ، فذهبوا معهم.
فلما كانوا بالرَّجيع، وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهَدْأَة
(5)
غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هُذيلاً، فجاؤوا فأحاطوا بهم فقتلوا عامتهم، واستُأسر منهم خُبَيبُ بن عَديّ ورجلٌ آخر وهو زيد بن الدَّثِنَّة فذهبوا بهما فباعوهما بمكة؛ وذلك
(1)
الرجيع: ماء يقع شمال مكة على مسافة سبعين كيلاً، سميت به الحادثة لوقوعها بالقرب منه.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 169.
(3)
صحيح البخاري «3045» .
(4)
الروض الأنف 6/ 184.
(5)
موضع بين مكة وعسفان.
بسبب ما كانا قتلا من كفار قريش من يوم بدرٍ.
فأما خُبَيب رضي الله عنه فمكث عندهم مسجوناً، ثم أجمعوا لقتله فخرجوا به إلى التنعيم
(1)
ليصلبوه، فاستأذنَهم أن يُصلّي ركعتين فأذنوا له: فصلاهما، ثم قال: والله لولا أن تقولوا أن ما بي جَزَعٌ لزدت، ثم قال:
ولستُ أُبالي حينَ أُقتلُ مُسلماً
…
على أي جنْبٍ كان لله مصرعي
وذلك في ذاتِ الإلهِ وإن يَشَأْ
…
يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّع
وقد قال له أبو سفيان: أيسرُّك أن محمداً عندنا تُضربُ عنقُه، وأنك في أهلِك؟ فقالَ: والله ما يسُرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تُصيبه شوكة تُؤذيه.
ثم وكلوا به من يحرسه، فجاء عمرو بن أمية فاحتمله بخدعة ليلاً فذهب به فدفنه. وأما زيد بن الدَّثِنة رضي الله عنه فابتاعه صفوانُ بنُ أمية فقتله بأبيه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ذكر المصنف أن حادثة الرجيع كانت في صفر سنة أربع من الهجرة، بينما ذكر غيره أنها كانت في أواخر سنة ثلاث
(2)
، فالله أعلم.
2 ــ وحاصل الحادثة أن وفداً من عرب عَضَل والقارَّة كانوا قد جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه أنهم يرغبون في الدخول في الإسلام، وأنهم بحاجة أن يرسل معهم من يعلّمهم أمور الدين وشرائع الإسلام، فأرسل النبي معهم نفراً من
(1)
مكان معروف بمكة، وهو أدنى الحلّ.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 169، فتح الباري 7/ 380.
أصحابه فغدروا بهم في الطريق.
3 ــ وقد ساق الحادثة بطولها الإمام البخاري في الصحيح
(1)
، لكن روايته تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هؤلاء "سريّة عيناً"، أي عيوناً يأتوه بأخبار قريش.
وربما يجمع بين الروايتين بأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بعثهم عيوناً فوافق مجيئ النفر في طلب من يفقههم فبعثهم لذلك.
4 ــ وفي الحادثة دليل على سنيّة الصلاة عند القتل، حيث فعلها خبيب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكرها
(2)
. وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: باب "من ركع ركعتين عند القتل"
(3)
.
5 ــ وفي جواب خُبيب بن عَديّ
(4)
لأبي سفيان دليل على عظيم محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وعظم تضحيتهم من أجله.
(1)
صحيح البخاري «3045» .
(2)
إرشاد الساري 6/ 314.
(3)
صحيح البخاري قبل حديث «3045» .
(4)
وقيل إن القائل: زيد بن الدّثنّة كما في جوامع السيرة لابن حزم 1/ 178.
فصل
بَعَث بئر مَعُونة
(1)
قال المصنف: «وفي صَفَرَ هذا بَعَثَ إلى بئرِ مَعُونة أيضاً، وذلك أن أبا بَراء عامر بن مالك المدعو مُلاعب الأسنة، قَدِمَ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاه إلى الإسلامِ فلم يُسلم ولم يُبعد. فقال: يا رسُولَ الله! لو بعثتَ أصحابَك إلى أهلِ نجدٍ يدعونهم إلى دينكَ لرجوتُ أن يجيبوهم، فقال: «إني أخافُ عليهم أهلَ نجدٍ» ، فقال أبو بَراء: أنا جارٌ لهم.
فبَعَثَ صلى الله عليه وسلم فيما قاله ابن إسحاق: أربعين رجلاً من الصحابة
(2)
، وفي الصحيحين: سبعين رجلاً
(3)
، وهذا هو الصحيح. وأمَّر عليهم المُنذر بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين، وكانوا من فُضلاءِ المسلمينَ وسادتِهم وقرائِهم، فنهضُوا فنزلُوا بئرَ مَعُونة، ثم بعثوا منها حرام بن مِلْحَان أخا أم سُليم بكتاب رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّ الله عامرِ بن الطُّفيل، فلم ينظُر فيه، وأمر به فقتله رجلٌ، ضربه بحربة، فلمَّا خرج الدمُ، قال: فزتُ وربّ الكعبةِ. واستنفرَ عدوُّ الله عامرٌ: بني عامرٍ إلى
(1)
بئر معونة موضع في نجد على بعد (160) كيلاً عن المدينة.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 184.
(3)
صحيح البخاري «4084» ، صحيح مسلم «677» .
قتال الباقين، فلم يجيبوهُ، لأجل جوار أبي بَراء، فاستنفر بني سُليم فأجابته عُصيةُ ورِعْلٌ وذكوانَ، فأحاطوا بأصحابِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا حتى قُتلوا عن آخرهم رضي الله عنهم، إلا كعب بن زيد من بني النجار فإنه ارتُثَّ
(1)
من بين القتلى. وكان عمرو بن أمية الضمريّ والمُنذر بن محمد بن عقبة في سَرحِ المسلمين، فرأيا الطيرَ تحومُ على موضعِ الوقعة، فنزل المُنذر بن محمد هذا فقاتل المشركين حتى قُتل مع أصحابه، وأُسر عمرو بن أمية، فلما أخبر أنه من مُضَر جَزَّ عامرٌ ناصيته وأعتقه فيما زعم عن رقبة كانت على أمّه.
ورجع عمرو بن أُمية، فلمَّا كان بالقرقرة من صَدر قناة نزلَ في ظلّ، ويجيء رجلانِ من بني كلاب، وقيل من بني سُليم فنزلا معه فيه، فلما ناما فتك بهما عمرٌو وهو يرى أنه قد أصاب ثأراً من أصحابِه، وإذا معهما عهْد من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به.
فلما قَدِمَ أخبرَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بما فعل، قال:«لقد قتلتَ قتيلين لأدينَّهما» . وكان هذا سببُ غزوة بني النَّضير هذا الصحيح».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حادثة بئر معونة مخرجة في الصحيحين مع زيادات ونقص عن سياق المصنف
(2)
.
2 ــ وقد كان بين هذه المأساة وبين مأساة الرجيع السابقة أيامٌ قليلة
(3)
.
(1)
حمل من المعركة جريحاً وبه رمق.
(2)
انظر جميع ألفاظ الصحيحين في جامع الأصول «6087» .
(3)
فتح الباري 7/ 380.
3 ــ وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ظلَّ يقنتُ شهراً يدعو على تلك القبائل التي غدرت بالقرّاء، وكان يلعنهم ويقول كما في لفظ مسلم:«اللهم العن لحيانَ ورِعْلاً وذكْوان، وعُصيَّةَ عَصَت الله ورسوله، قال: ثم بلغَنَا: أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]»
(1)
.
4 ــ وقد دلت الحادثة على استحباب القنوت في الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة أو بليّة أو ضرر ظاهر والعياذ بالله، هذا قول جمهور العلماء
(2)
.
5 ــ كما دلت على جواز لعن الكافرين عموماً، وأما الكافر المعيّن فالجمهور على المنع لهذه الحادثة
(3)
.
6 ــ كذلك دلت على عظم ما كان يقدّمه أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تضحيات في سبيل نشر الدعوة إلى الله عز وجل.
7 ــ ثم إن الله عز وجل سلّط على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فأهلكه
(4)
!!
8 ــ كما أن في الحادثتين الماضيتين دليل على ما كانت تفيض به قلوب المشركين من حقد وضغينة وغدر تجاه المسلمين.
(1)
صحيح مسلم «675» .
(2)
الفقه الإسلامي وأدلته 2/ 1008.
(3)
الإعلام بفوائد عمدة الأحكام 4/ 508.
(4)
سيرة ابن هشام 2/ 569.
فصل
غزوة بني النَّضِير
قال المصنف: «ونَهَضَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بنفسهِ الكريمةِ إلى بني النَّضير ليستعينَ على ذَينِك القتيلين لما بينه وبينهم من الحِلْف، فقالوا: نعم. وجلَسَ صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ وطائفةٌ من أصحابه رضي الله عنهم تحت جدارٍ لهم، فاجتمعوا فيما بينهم، وقالوا: مَنْ رجلٌ يُلقي بهذه الرحا
(1)
على محمدٍ فيقتله؟
فانتدب لذلك عمرو بن جحاشٍ لعنه الله. وأعلمَ اللهُ رسُولَه بما همُّوا به، فنهضَ صلى الله عليه وسلم من وقته مِنْ بين أصحابه، فلم يتناه دون المدينة، وجاء من أخبر أنَّه رآه صلى الله عليه وسلم داخلاً في حِيطان المدينة.
فقام أبو بكرٍ ومن معه فاتبعوه. فأخبرهم بما أعلَمه الله مِنْ أمر يهود، وندبَ الناسَ إلى قتالهِم، فخرجَ، فحاصرهم ستَّ ليالٍ، فتحصَّنوا في آطامهم. فأمر صلى الله عليه وسلم بقطعِ نخيلِهم وإحراقها، فسألوا رسُولَ الله أن يُجليهم ويحقِن دماءَهم على أن لهم ما حملت إبلُهم غيرَ السلاح فأجابهم إلى ذلك.
فتحمَّل أكابرُهم كحُييّ بن أخطَب، وسلَّامِ بن أبي الحُقيق بأهليهم وأموالهم إلى خيبر فدانت لهم، وذهبت طائفةٌ منهم إلى الشام. وفي هذه الغزوة أنزلَ الله سبحانه
(1)
الرحا: حجران مستديران ثقيلان يطحن بهما الحبوب.
سورة الحشْرِ، وقد كان عبدُ الله بن عبَّاس رضي الله عنهما يسميها سورة بني النَّضير
(1)
.
وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على الذين قتلوا القراء؛ أصحاب بئر معونة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حادثة بني النضير أورد البخاري ومسلم في الصحيحين أجزاء مفرقة منها، منها: حديث ابن عمر قال: "حاربت النضير، وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومنّ عليهم، حتى حاربت قريظة .. "
(2)
، ومنها حديث ابن عمر قال: «حرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقَطَع .. "
(3)
.
2 ــ والمشهور عند أهل المغازي والسير أن هذه الغزوة كانت بعد أُحد في السنة الرابعة من الهجرة
(4)
.
3 ــ وأما عن سبب الغزوة فقد ذكر المصنف أنها كانت بسبب محاولة بني النضير الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عندما جاءهم ليستعين بهم على دية الرجلين الذين قتلهما أحد أصحابه خطأ.
وهذا السبب ذكره ابن إسحاق بإسناد مرسل
(5)
، وذكره البخاري في صحيحه مما يدل على قبوله له وذلك في قوله: "باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
صحيح البخاري «4029» .
(2)
صحيح البخاري «4028» ، صحيح مسلم «1766» .
(3)
صحيح البخاري «4031» ، صحيح مسلم «1746» .
(4)
سيرة ابن هشام 2/ 190، طبقات ابن سعد 2/ 43.
(5)
سيرة ابن هشام 2/ 190.
إليهم في دية الرجلين، وما أرادوا من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم"
(1)
.
وقد ذكر أهل المغازي لهذه الغزوة أسباباً أخرى، منها: الدس والتحريض، حيث حضّ بنو النضير قريشاً على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها: إعانتهم لأبي سفيان بن حرب عندما أغار على أطراف المدينة بعد بدر فيما عرف بـ «غزوة السويق» ، وإمداده بالمعلومات التي يحتاجها عن المسلمين.
فاجتمعت هذه الأسباب كلها فقرر النبي صلى الله عليه وسلم وضع حدّ لممارساتهم الإجرامية، وحصارهم وطردهم من المدينة
(2)
.
4 ــ وأمره صلى الله عليه وسلم بتحريق نخل بني النضير وقطعه ثابت في الصحيحين، وقد أنزل بسببه قوله تعالى:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ} [الحشر: 5]
(3)
.
5 ــ وقد أراد صلى الله عليه وسلم بقطع وتحريق نخيلهم التضييق عليهم حتى يستسلموا، وفيه من الفقه: جواز تحريق شجر العدو وحصونهم إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية من النكاية به وإضعافه وهزيمته
(4)
.
6 ــ وقد كانت مدة الحصار ستّ ليال كما في السيرة لابن إسحاق
(5)
.
7 ــ وقد ذكر الحافظُ ابنُ حجر أن: "أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على
(1)
صحيح البخاري قبل «4028» .
(2)
ينظر السيرة النبوية لمهدي رزق الله ص 402.
(3)
صحيح البخاري «2326» ، صحيح مسلم «1736» .
(4)
عمدة القاري 12/ 162،
(5)
سيرة ابن هشام 2/ 191، وقوى الرواية أكرم العُمري في السيرة الصحيحة 1/ 308.
رسوله وكانت له خالصة، لكنه آثر بها المهاجرين وأمرهم أن يعيدوا إلى الأنصار ما كانوا واسوهم به لما قدموا عليهم المدينة ولا شيء لهم، فاستغنى الفريقان جميعاً بذلك"
(1)
.
8 ــ وقنوته صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على الذين غدروا بالقراء في بئر معونة مخرج في الصحيحين
(2)
.
9 ــ والمراد أنه كان يدعو عليهم في كل صلاة إذا قال "سمع الله لمن حمده" في الركعة الأخيرة، وفيه دليل على استحباب القنوت عند النوازل والمصائب
(3)
.
غزوة ذاتِ الرّقاعِ:
قال المصنف: «ثم غزا صلى الله عليه وسلم غزوةَ ذاتِ الرّقاع، وهي غزوة نجد، فخرج في جمادى الأولى من هذه السنة الرابعة، يريد محارب وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان.
واستعملَ على المدينة أبا ذرٍ الغفاري، فسارَ حتى بَلَغَ نخلاً
(4)
، فلقي جمعاً من غطفان فتوقفوا، ولم يكن بينهم قتالٌ، إلا أنه صلَّى يومئذ صلاة الخوفِ ــ فيما ذكره ابن إسحاق
(5)
وغيرُه من أهلِ السّيَر».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ المشهور أن هذه الغزوة سمّيت بذات الرّقاع لأن الصحابة كانوا يلفُّون
(1)
فتح الباري 6/ 227.
(2)
صحيح البخاري «4088» ، صحيح مسلم «3031» .
(3)
زاد المعاد 1/ 294.
(4)
نخل: واد تقع فيه بلدة الحناكية اليوم شرق المدينة، على مسافة مائة كيل منها.
(5)
سيرة ابن هشام 2/ 206.
فيها على أرجلهم الخرق بعد أن تنقبت خفافُهم وأقدامُهم، كما صرح بذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه
(1)
.
2 ــ وبعضهم يسمّيها غزوة نجد لأنها كانت قِبَل نجد، وبعضهم يسميها غزوة بني محارب وبني ثعلبة، وهي أسماء القبائل المقصودة بالغزوة.
3 ــ وقد اختلف في تاريخ هذه الغزوة اختلافاً كثيراً أشار المصنف لبعضه في الأصل، والمشهور عند أهل السير كما قال ابن سيد الناس
(2)
أنها كانت في السنة الرابعة بعد غزوة بني النضير.
لكن رجح البخاري وابن حجر أنها كانت بعد خيبر، لأدلة منها: أن أبا موسى الأشعري كان قد حضر هذه الغزوة وهو إنما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد خيبر
(3)
.
4 ــ وكان سبب هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بلغه أن قبائل من نجد تجمع الجموع لغزو المدينة فخرج إليهم صلى الله عليه وسلم.
ولا يبعد أنه أراد أيضاً الاقتصاص من تلك القبائل التي غدرت بالقراء في بئر معونة.
5 ــ وكما صرَّح المصنف فهذه الغزوة لم يحصل فيها قتال، وإنما تقارب الفريقان وخاف بعضهم بعضاً، حتى إن المسلمين صلوا فيها صلاة الخوف.
(1)
صحيح البخاري «4128» ، صحيح مسلم «1816» .
(2)
عيون الأثر 2/ 78.
(3)
صحيح البخاري مع الفتح 7/ 418.
6 ـ وما ذكره المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف أبا ذر على المدينة فهذا ذكره ابن إسحاق، أما الواقدي وابن سعد وابن هشام فذكروا أنه استخلف عثمان بن عفان
(1)
.
* * *
(1)
المصدر السابق 5/ 175.
فصل
غزوة بدرٍ الموعِد
قال المصنف: «وقد كان أبو سفيان يومَ أُحدٍ عند منصرَفه نادى: موعدُكم وإيَّانا بدرٌ العامَ المُقبل، فأمر رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بعضَ أصحابه أن يُجيبه بنعم، فلما كان شعبانُ في هذه السنة
(1)
نهضَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى بدراً للموعد، واستخلف على المدينة عبدَ الله بنَ عبد الله بن أُبيّ، فأقام هناك ثمانيَ ليالٍ، ثم رجعَ ولم يلق كيداً، وذلك أن أبا سفيان خرجَ بقريشٍ، فلما كان ببعضِ الطريقِ بدا لهم الرجوعُ لأجل جدْب سنتهم فرجعوا، وهذه الغزوة تُسمّى بدراً الثالثة وبدرَ الموعِد».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ غزوة بدر الموعد وتسمّى بدر الثالثة ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(2)
.
2 ــ اختلف في تاريخ الغزوة، والمشهور أنها كانت في السنة الرابعة كما قال المصنف، وهو قول ابن إسحاق
(3)
.
(1)
الرابعة.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 209.
(3)
المصدر السابق 2/ 209.
3 ــ وقد ذكر المصنف أن سبب رجوع أبي سفيان بجيش مكة هو جدب الأرض، بينما ذكر بعض كتاب السيرة أن أبا سفيان كان كارهاً للقاء المسلمين وإن كان يظهر خلاف ذلك، وأن مسألة جدب الأرض ما كانت إلا ذريعة للرجوع
(1)
!!
4 ــ ولقد كان لخروج جيش المسلمين وانتظاره ورجوع جيش قريش أثر كبير في استعادة هيبة المسلمين بعد ما أصابهم في أحد
(2)
.
(1)
ينظر سبل الهدى والرشاد 4/ 338.
(2)
السيرة النبوية الصحيحة 2/ 402.
فصل
غزوة دُومة الجَنْدَل
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ دومة: ضبطها ابن سيد الناس
(1)
بضم الدال وفتحها، ودومة الجندل: قرية قريبة من تبوك
(2)
.
2 ــ وقد اتفق علماء المغازي والسير على تاريخ هذه الغزوة في السنة الخامسة، كما ذكره المصنف رحمه الله
(3)
.
3 ــ وأما سبب الغزوة فقد ذكر علماء السيرة لها سببين؛ الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بدومة الجندل جمعاً كثيراً وأنهم يظلمون من يمرّ بهم من التجار، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، والسبب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يدنو من الشام
(1)
عيون الأثر 2/ 81.
(2)
فتح الباري 1/ 118.
(3)
السيرة النبوية لمهدي رزق الله ص 414.
ليفزع قيصر وجنوده
(1)
.
4 ــ وكما ذكر المصنف فإنه لم يحصل قتال في هذه الغزوة لأن أهل دومة الجندل لما وصلهم خبر اقتراب النبي صلى الله عليه وسلم منهم تفرقوا، فلمَّا وصل بساحتهم لم يجد بها أحداً، فأقام أياماً ورجع
(2)
.
(1)
سبل الهدى والرشاد 4/ 342.
(2)
طبقات ابن سعد 2/ 48.
فصل
غزوة الخَندق
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ اشتهرت هذه الغزوة بغزوة الخندق نسبة للخندق الذي حفره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة ليحولوا بين المشركين وبين دخول المدينة.
ويقال لها أيضاً غزوة الأحزاب، نسبة للمشركين الذين تحزبوا وتكالبوا لغزو المدينة.
وقد أشار الإمام البخاري إلى هاتين التسميتين فقال في الصحيح: "باب غزوة الخندق وهي الأحزاب"
(1)
.
(1)
صحيح البخاري 5/ 107.
2 ــ وقد كان جيش المشركين يتألف من قبائل عدة تحالفت لغزو المدينة، وهم قريش ومن تبعها، وغطفان ومن تبعها، في نحو عشرة آلاف مقاتل، بقيادة أبي سفيان بن حرب، إضافة إلى يهود بني قريظة بعد نقضهم العهد
(1)
.
3 ــ وهؤلاء الأحزاب وإن اشتركوا والتقوا على حرب المسلمين في هذه الغزوة، إلا أن دوافعهم كانت مختلفة، فقريش كانت تدفعها العداوة التقليدية للمسلمين، واليهود كان يدفعهم الحقد والخيانة. وأما غطفان كانوا مجرَّد مرتزقة تجَّار حرب لا أكثر
(2)
!!
4 ــ وقد كانت هذه الغزوة كما أشار المصنف آخر الغزوات التي تعرض لها المسلمون في المدينة، وبعدها انتقل المسلمون من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم. ولذلك صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد انصراف الأحزاب ورجوعهم:«الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم»
(3)
، وكان الأمر كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عَلَمٌ من أعلام نبوته.
تأليب بني النضير على حرب المسلمين:
قال المصنف: «وكانت في سنةِ خمسٍ في شوّالها على الصحيح من قَولَي أهل المغازي والسير. وكان سبب غزوة الخندق أن نَفَراً من يهود بني النَّضير الذين أجلاهم صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر كما قدمنا وهم أشرافُهم: كسلَّام بن أبي الحُقَيْق،
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 215.
(2)
ومما يؤكد ارتزاق غطفان في هذه الحرب أن اليهود كانوا قد أغروهم بإعطائهم تمر خيبر تلك السنة في حال انضموا إلى قريش في غزو المدينة كما في مغازي الواقدي 2/ 443.
(3)
صحيح البخاري «4110» .
وسلَّام بن مِشْكَم، وكنانة بن الرَّبيع وغيرهم، خرجوا إلى قريش بمكة فألَّبوهم على حربِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر، فأجابوهم، ثم خرجوا إلى غَطَفَان فدعَوهم فأجابوهم أيضاً، وخرجت قريشٌ وقائدُهم أبو سفيان بن حرب، وعلى غطفان عُيينة بن حِصْن، كلُّهم في نحو عشرة آلاف رجلٍ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ عرض المصنف في هذا الموضع من الأصل إلى الخلاف في تاريخ غزوة الخندق، ورجح أنها كانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وهذا هو قول جمهور علماء السيرة، وهو المعتمد كما قال الحافظ ابن حجر
(1)
، وقال الذهبي: هو المقطوع به
(2)
.
2 ــ والسبب الذي ذكره المصنف لغزوة الخندق من تحريض يهود بني النضير سبب وجيه بلا ريب، وإن كان الظاهر أن العداوة التقليدية بين قريش والمسلمين، ومحاولة قريش مراراً القضاء على قوة المسلمين هي السبب والدافع الرئيس وراء هذه الغزوة.
3 ــ وخبر خروج وفد يهود النضير إلى مكة وتحريضهم قريشاً وغطفان على غزو المدينة ذكره ابن إسحاق في السيرة بأسانيد عديدة مرسلة يقوي بعضها بعضاً
(3)
.
4 ــ وما ذكره المصنف أن عدد جيش الأحزاب كان نحو عشرة آلاف ذكره
(1)
فتح الباري 7/ 393.
(2)
تاريخ الإسلام 1/ 196.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 214.
ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(1)
.
إشارة سلمان الفارسي بحفر الخندق:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكر المصنف هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع بمسير الأحزاب لغزو المدينة استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة، وهي الجهة الوحيدة المكشوفة من المدينة أمام الغزاة، إذ كانت بقية الجهات محصنة طبيعياً بالحِرَار الوعرة والأبنية المتشابكة التي يصعب على الجيوش الحركة فيها.
2 ــ وخبر مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق مما أطبق عليه كتاب السيرة، وفي بعض ألفاظه أنه قال:"إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"، لكن لم أقف لهذه المشورة على إسناد
(2)
.
3 ــ وقد ورد في بعض الروايات أن طول الخندق كان خمسة آلاف ذراع،
(1)
المصدر السابق 2/ 219.
(2)
ينظر فتح الباري 7/ 393.
أي أقلّ من (3) كيلو، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة إلى عشرة. كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعاً
(1)
.
4 ــ واختلف في المدة التي استغرقها حفر الخندق ما بين من يقول ستة أيام ومن يقول شهراً، وبينهما أقوال عدة
(2)
.
5 ــ وقد ثبت في الصحيحين اشتراك النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في حفر الخندق ونقله التراب معهم حتى وارى بياض بطنه
(3)
.
وفي هذا صورة من صور تحقيقه صلى الله عليه وسلم لمبدأ العدالة والمساواة بين الحاكم والرعية في تحمّل المسؤوليات والمهام، حيث لم يكتف بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل القادة عادة.
6 ــ وفي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم فكرة حفر الخندق من الفرس دليل على انفتاحه صلى الله عليه وسلم على جميع الأنظمة والتدابير العالمية التي ليس فيها مخالفة للشرع، أخذاً بمبدأ الحكمة ضالة المؤمن.
7 ــ وكانت أيام حفر الخندق أيام برد شديد وتعب وجوع
(4)
، حتى إنهم لبثوا مرة ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً، فكانوا يعصبون الحجاة على بطونهم
(5)
.
8 ــ وقوله: "وكان في حفره آيات مفصلة وأعلام نبوة قد تواتر خبرها":
(1)
وردت بذلك روايات ضعيفة من الناحية الحديثية.
(2)
فتح الباري 7/ 394.
(3)
صحيح البخاري «7236» ، صحيح مسلم «1803» .
(4)
فتح الباري 11/ 231.
(5)
صحيح البخاري «4101» .
أقول: من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم جمعاً غفيراً يبلغ الألف من شاة صغيرة وصاع شعير حتى شبعوا وزاد الطعام
(1)
.
ومن ذلك أن صخرةً صلبة عرضت للصحابة أثناء الحفر لا تؤثر فيها المعاول وحالت دون إتمامهم للحفر، فكلَّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فضربها فأصبحت رملاً
(2)
.
وجاء في رواية البراء بن عازب قال: عرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول فقال:"بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال:"الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم قال:"بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا"
(3)
تحصُّن المسلمين بالخندق:
(1)
صحيح البخاري «4101» ، صحيح مسلم «2039» .
(2)
صحيح البخاري «4101» .
(3)
مسند أحمد «18694» ، وحسن إسنادها الحافظ في الفتح 7/ 397.
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ما ذكره المصنف من عدد جيش المسلمين أورده ابن إسحاق في السيرة وغيره بدون إسناد
(1)
.
2 ـ وما نقله المصنف عن ابن إسحاق من أن المسلمين كانوا سبعمائة وتغليطه له اعتمد فيه على شيخه ابن القيم
(2)
، والذي رأيته في سيرة ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق أنهم كانوا ثلاثة آلاف
(3)
، وهو الذي نقله ابن حجر عنه في الفتح
(4)
، فلا أدري من أين لابن القيم هذا النقل عن ابن إسحاق!!
3 ــ وللفائدة فإن المصنف رحمه الله كثيراً ما يعتمد على كتاب "زاد المعاد" وينقل عنه نصوصاً كثيرة، يظهر هذا بالمقارنة.
غدر بني قريظة ونقضهم للعهد:
قال المصنف: «فجعلوا ظهورَهم إلى سَلْع
(5)
. وأَمَرَ صلى الله عليه وسلم بالنساء والذَّراري، فجُعلوا في آطامِ
(6)
المدينةِ. وانطلقَ حُييُّ بن أخطب النًّضري إلى بني قريظة، فاجتمع بكعب بن أسد رئيسِهم، فلم يزل به حتى نَقَضَ العهدَ الذي كان بينَه وبين رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ووافقَ كعبٌ المشركينَ على حربِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فسرُّوا بذلك.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 220.
(2)
زاد المعاد 3/ 242
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 220.
(4)
فتح الباري 7/ 393.
(5)
جبل بالمدينة يقع الآن في وسط العمران.
(6)
جمع أُطُم وهو: الحصن.
وبَعَث رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم السعدين: ابنَ معاذ وابنَ عبادة وخَوَّاتَ بن جُبير وعبدَ الله بن رَواحة، ليعرفوا له هل نقضَ بنو قريظة العهدَ أو لا؟ فلما قربوا منهم وجدوهم مُجاهرين بالعداوةِ والغدرِ، فتسابُّوا ونالَ اليهودُ ــ عليهم لعائن الله ــ من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فسبَّهم سعدُ بن معاذ، وانصرفوا عنهم.
وقد أمرهم صلى الله عليه وسلم إن كانوا نقضُوا أن لا يفتُّوا بذلك في أعضاد المسلمين
(1)
، لئلا يورث وهناً، وأن يَلحنوا إليه لحناً ــ أي لغزاً ــ فلمَّا قدموا عليه، قال: ما وراءكم؟ قالوا: عَضَلٌ والقارَّة، يعنون غدرهم بأصحابِ الرَّجيعِ، فعظُم ذلك على المسلمينَ، واشتدّ الأمرُ، وعظُم الخطرُ، وكانوا كما قال الله تعالى:{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11]».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ جَعْلُ المسلمين ظهورهم إلى جبل سَلْع، هذا كان من ضمن خطتهم بحيث تكون وجوههم مقابلة للعدو المتمركز خلف الخندق. وكذلك وضع النساء والذراري في آطامها، وكله ذكره ابن إسحاق بدون إسناد
(2)
.
2 ــ ومجيئ حُيي بن أخطب إلى كعب بن أسد وإقناعه بنقض العهد مع المسلمين ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة بدون إسناد، والقدر الثابت في الأحاديث هو غدر بني قُريظة
(3)
.
3 ــ وإرساله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومن معهما إلى بني قريظة
(1)
أعضاد المسلمين: قوتهم.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 220.
(3)
السيرة النبوية للعُمري 2/ 428.
ليستجلوا خبر غدرهم أورده ابن إسحاق بدون إسناد
(1)
. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أيضاً الزبير بن العوام للمهمة نفسها
(2)
.
4 ـ وقد تسبب نقض بني قريظة العهد إلى اشتداد الأمر على المسلمين وضيق الحال بهم، فأصبحوا محاصَرين بالأعداء من فوقهم (بنو قريظة)، ومن أسفل منهم (جيش المشركين)، وأصبح الحال عندها كما وصف الله تعالى:{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11].
إن هذه مكيدة لا تعرفها العرب:
قال المصنف: «ولبثَ المشركونَ محاصرينَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم شهراً، ولم يكن بينهم قتالٌ لأجلِ ما حالَ الله به من الخندقِ بينه وبينهم، إلا أن فوارسَ من قريشٍ منهم عمرو بن عبد وُدّ العامري وجماعةٌ معه أقبلوا نحو الخندقِ، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه لمكيدةٌ ما كانت العربُ تعرفُها.
ثم يمموا مكاناً ضيقاً من الخندقِ فاقتحموه وجازوه، وجالتْ بهم خيلُهم في السبخةِ بين الخندقِ وسَلْعٍ ودعوا للبِرَازِ. فانتدبَ لعمرو بنِ عبدِ ودّ عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه فبارزه فقتله الله على يديه. وكان عمرٌو لا يُجَارى في الجاهلية شجاعةً، وكان شيخاً قد جاوز المائة يومئذٍ، وأما الباقون فينطلقون راجعينَ إلى قومِهم من حيث جاؤوا.
وكان هذا أولُ ما فتحَ الله به من خِذلانهم. وكان شعارُ المسلمين تلك الغزوة: حم لا ينصرون».
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 221.
(2)
صحيح البخاري «4113» ، صحيح مسلم «2415» .
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ما ذكره المصنف من مدة الحصار تبع فيه شيخه ابن القيم
(1)
، وثَبَتَ عن ابن المسيّب أنه قال:"حاصر النبيَّ صلى الله عليه وسلم المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة"
(2)
. والخلاف في هذا يسير.
2 ــ ولم يقع قتال واسع بين الطرفين بسبب حيلولة الخندق بينهما كما أشار المصنف، لكنه وقع بينهم تراشق بالنبال من وراء الخندق قُتل وأُصيب بسببه رجال من الجيشين، منهم سعد بن معاذ رضي الله عنه؛ أصيب بسهم في أكحله فاستشهد بعد المعركة بوقت قصير
(3)
.
3 ــ ومبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ وقتله إياه ذكره ابن إسحاق وابن سعد بدون إسناد
(4)
.
4 ــ وما ذكره المصنف أن شعار المسلمين يومها: "حم لا ينصرون" أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد حسن
(5)
.
5 ــ وفي مبارزة عليّ لعمرو بن عبد ودّ دليل على جواز المبارزة خلافاً لمن أنكرها، كالحسن البصري، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق للجواز
(1)
زاد المعاد 3/ 243.
(2)
طبقات ابن سعد 2/ 56.
(3)
صحيح البخاري «463» ، صحيح مسلم «1769». والأكحل: وريد في وسط الذراع.
(4)
سيرة ابن هشام 2/ 225، طبقات ابن سعد 2/ 51.
(5)
السنن الكبرى «8810» ، وإسناده حسن، وهو عند أبي داود «2597» ، والترمذي «1682» بإسناد صحيح، لكن ليس عندهما التصريح أن ذلك كان في غزوة الخندق.
إذن أمير الجيش
(1)
.
مشاورته صلى الله عليه وسلم في إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة:
قال المصنف: «ولما طالَ هذا الحالُ على المسلمينَ أرادَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُصالحَ عيينة بن حِصن والحارثَ بن عوف رئيسي غطفانَ، على ثُلُثِ ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك ولم يتم الأمرُ، حتى استشارَ صلى الله عليه وسلم السعدين في ذلك.
فقالا: يا رسُولَ الله! إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعُه لنا فلقد كنَّا نحنُ وهؤلاءِ القوم على الشركِ بالله وعبادةِ الأوثانِ، وهم لا يطمعونَ أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًى أو بيعاً، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلامِ وهدانا له وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف.
فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما هو شيء أصنعه لكم» ، وصوَّب رأيَهما في ذلك رضي الله عنهما، ولم يفعل من ذلك شيئاً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ إرادته صلى الله عليه وسلم مصالحة غطفان وما جرى بينه وبين السعدين من حوار ومشاورة ذكره ابن إسحاق في السيرة مرسلاً من رواية الزهري
(2)
، وأسنده البزار والطبراني عن أبي هريرة
(3)
.
(1)
شرح المواهب للزرقاني 2/ 277.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 223.
(3)
قال الهيثمي في المجمع 6/ 133: "رجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات".
2 ــ وفي الحادثة دليل على مشاورته صلى الله عليه وسلم أصحابه في المهمات فيما لم يرد فيه نص ملزم، وقد تقدم نظائر عديدة لهذا.
3 ــ واستدل بعض الفقهاء بهذه الحادثة على جواز عقد الهدنة مع الكفار مع بذل المال لهم إذا اقتضت الضرورة ذلك، كأن يكون بالمسلمين ضعف شديدٌ يخافون معه أن يجتاحهم العدو، من باب دفع أعلى الضررين بأخفهما
(1)
.
إيقاع نُعيم بن مسعود بين قريظة والأحزاب:
فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة ــ وكان عشيراً لهم في الجاهلية ــ فدخلَ عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فُرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً، فانتقم منكم. قالوا: فما العملُ يا نُعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا لقد أشرت بالرأي.
ثم نهضَ إلى قريشٍ فقالَ لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودّي ونصحي لكم؟ قالوا نعم. قال: إن يهودَ ندموا على ما كان منهم من نقضِ عهد محمدٍ وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم
(1)
روضة الطالبين للنووي 10/ 335.
ذهبَ إلى قومه غطفانَ فقال لهم مثل ذلك. فلما كان ليلةُ السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنَّا لسنا بأرضِ مُقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يومُ السبت، ومع هذا فإنَّا لا نقاتلُ معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً.
فلمَّا جاءَهم الرُّسلُ بذلك قالت قريشٌ: صدقنا والله نُعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنَّا والله لا نُرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدَقَ والله نُعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قصة نعيم بن مسعود الغطفاني ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد، وأسندها عبد الرزاق من طريق الزهري عن سعيد بن المسيّب مرسلاً
(1)
.
2 ــ وحديث «الحرب خُدعة» مخرج في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله
(2)
.
3 ــ والحادثة فيها دليل على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز
(3)
.
هزيمة الأحزاب ورحيلهم:
قال المصنف: «وأرسل الله عز وجل على قريشٍ ومن معهم الجنودَ والريحَ
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 229، مصنف عبد الرزاق «9737» . ومراسيل ابن المسيب قوية كما هو معروف، وقول الدكتور العُمري في السيرة الصحيحة 2/ 430: إنها لا يثبت من الناحية الحديثية فيه نظر، وكأنه لم يقف على رواية ابن المسيب.
(2)
صحيح البخاري «3030» ، صحيح مسلم «1739» .
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 45.
تُزلزلهم، فجعلوا لا يَقِرُّ لهم قرارٌ، ولا تثبت لهم خيمةٌ ولا طُنُبٌ
(1)
، ولا قِدْرٌ ولا شيءٌ. فلما رأوا ذلك ترحّلوا من ليلتِهم تلك.
وأرسلَ صلى الله عليه وسلم حُذيفة بنَ اليمان يخبُر له خبَرهم، فوجدهم كما وصفنا، ورأى أبا سفيان يُصْلي ظهره بنار، ولو شاء حُذيفة لقتله، ثم رجعَ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ليلاً فأخبره برحيلهم. فلمَّا أصبحَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غدا إلى المدينةِ وقد وضعَ الناسُ السلاحَ، فجاء جبريلُ عليه السلام إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يغتسلُ في بيت أمّ سلَمة، فقالَ: أوضعتم السلاحَ؟ أما نحنُ فلم نضعْ أسلحتنا، انهد
(2)
إلى هؤلاءِ، يعني بني قريظة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكره المصنف أن الله عز وجل لما أراد هزيمة الأحزاب أرسل عليهم ريحاً باردة شديدة في ليلة مظلمة فكفأت قدورهم واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم، فضاق المشركون بها وبطول الانتظار والحصار ذرعاً فتنادوا بالرحيل وانصرفوا. والخبر بذلك ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن جبير مرسلاً
(3)
.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحادثة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9].
(1)
الطنب: حبل يشد به الخيمة ونحوها.
(2)
يقال نهد الرجل: إذا نهض وقام.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 232، طبقات ابن سعد 2/ 55.
2 ــ وبعثه صلى الله عليه وسلم حُذيفة بن اليمان حتى يأتيه بخبر الأحزاب أخرجه مسلم في صحيحه
(1)
.
3 ــ وفي الحادثة دليل على جواز بعث الإمام الجواسيس والعيون لكشف أخبار العدو
(2)
.
4 ــ كما أن فيها معجزة نبوية، فإن حذيفة حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليأتيه بخبر الأحزاب كانت الريح باردة جداً وتعصف بقوة، فلما ذهب جعل يمشي كأنه في حمام دافئ كما في رواية الصحيح ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له.
5 ــ وقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "أوضعتم السلاحَ؟ أما نحن فلم نضع أسلحتنا .. إلى آخره" هذه الرواية مخرجة في الصحيحين بنحوه
(3)
.
(1)
صحيح مسلم «1788» .
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 146.
(3)
صحيح البخاري «4117» ، صحيح مسلم «1769» .
فصل
غزوة بني قريظة
قال المصنف: «فَنَهَضَ صلى الله عليه وسلم من وقتهِ إليهم، وأمرَ المسلمينَ أن لا يصلّي أحدٌ صلاة العصرَ ــ وقد كان دخل وقتُها ــ إلَّا في بني قريظة، فراحَ المسلمونَ أرسالاً، وكان منهم مَنْ صلَّى العصرَ في الطريقِ، وقالوا: لم يُرِد رسُولُ الله تركَ الصلاةِ، إنما أرادَ تعجيلَ السيرَ، وكان منهم من لم يُصلّ حتى غربت الشمسُ، ووصلَ إلى بني قريظة، ولم يعنّف صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين.
والذين صلّوا العصرَ في وقتها حازوا قصَبَ السبقِ، لأنهم امتثلوا أمره صلى الله عليه وسلم في المبادرة إلى الجهادِ وفعل الصلاة في وقتها، ولا سيما صلاة العصرِ التي أكد الله سبحانه المحافظة عليها في كتابه. والحاصلُ أنَّ الذين صلّوا العصرَ في الطريقِ جمعوا بين الأدلةِ، وفهموا المعنى فلهم الأجرُ مرتين، والآخرينَ حافظوا على أمرِه الخاصّ، فلهم الأجرُ رضي الله عن جميعهم وأرضاهم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كانت غزوة بني قريظة بعد الأحزاب مباشرة في السنة الخامسة من الهجرة، وبعضهم يعدها غزوة مستقلة، وبعضهم يعدها تابعة لغزوة الأحزاب
(1)
.
(1)
فتح الباري 7/ 281.
2 ــ وكان سبب هذه الغزوة خيانة ونقض بني قريظة للعهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم بتحريض من حييّ بن أخطب ــ جرثومة هذه الفتنة ــ كما تقدم تفصيله في حوادث غزوة الأحزاب.
ولولا أن الله عز وجل صرف الأحزاب وردّهم لأصاب المسلمين شرٌّ عظيم بسبب بني قريظة ونقضهم للعهد!!
3 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلينّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة": هذا مخرج في الصحيحين، إلا أنه في رواية مسلم: الظهر بدل العصر.
(1)
. وعلماء السيرة متفقون على أنها العصر
(2)
.
4 ـ وحاصل خلاف الصحابة في فهم هذا الحديث أن بعضهم حمل النهي فيه على حقيقته فأخروا صلاة العصر حتى صلوها في بني قريظة ولم يبالوا بخروج وقتها، وأما الصحابة الآخرون فحملوا النهي على غير حقيقته، وقالوا: ليس المقصود تأخير الصلاة عن وقتها، وإنما المراد الحثُّ والإسراع إلى بني قريظة، وهذا قول الجمهور من أهل المعاني والقياس
(3)
، وفعلهم هو الأرجح كما أوضحه المصنف رحمه الله.
5 ــ وقد دلت هذه الحادثة على جواز اجتهاد العلماء في فروع الأحكام، ورفع الحرج عنهم في ذلك، وأن بعض نصوص الكتاب والسنة يمكن أن يحمل أكثر من فهم وأكثر من تفسير.
(1)
صحيح البخاري «4119» ، صحيح مسلم «1770» .
(2)
فتح الباري 7/ 408.
(3)
إعلام الموقعين 1/ 156.
حصار بني قريظة وبعث أبي لبابة لهم:
قال المصنف: «وأعطى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الرَّاية عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، واستخلف على المدينة ابنَ أم مكتوم، ونازلَ حصون بني قريظة، وحصَرَهُم خمساً وعشرين ليلة، وكان قد دخل معهم في الحصن حُييُّ بن أخطب حين انصرفت قريشٌ، لأنه كان أعطاهم عهداً بذلك حتى نقضوا العهد وجعلوا يسبُّون رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ويُسمِعُون أصحابه ذلك، فأرادَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم، فقال له عليٌّ رضي الله عنه: لا تقرب منهم يا رسُولَ الله ــ خشية أن يسمع منهم شيئاً ــ فقال: «لو قد رأوني لم يقولوا شيئاً» ، فلما رأوه لم يستطع منهم أحدٌ أن يتكلَّم بشيءٍ.
ثم بعثَ صلى الله عليه وسلم إليهم أبا لُبابة بنَ عبد المُنذر الأوسي، وكانوا حلفاء الأَوس، فلما رأوهُ قاموا في وجههِ يبكون: رجالُهم ونساؤُهم، وقالوا: يا أبا لُبابة كيف تَرى لنا؟ أننزلُ على حُكمِ محمدٍ؟
قال: نعم وأشار بيده إلى حلقِهِ، يعني: أنه الذَّبح، ثم نَدِمَ على هذه الكلمة من وقتهِ، فقام مُسرعاً فلم يرجع إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء مسجدَ المدينةِ، فربط نفسه بساريةِ المسجدِ، وحلف لا يحلُّه إلَّا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدِه، وأنه لا يدخلُ أرضَ بني قريظة أبداً، فلما بلغ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال:«دعوه حتى يتوبَ الله عليه» ، وكان من أمره ما كان حتى تابَ الله عليه رضي الله عنه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ إعطاؤه صلى الله عليه وسلم الرَّاية لعلي بن أبي طالب يوم الخندق ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(1)
، وعزاه ابن حجر للحاكم والبيهقي من مرسل
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 234.
عروة بن الزبير
(1)
.
2 ــ واستخلافه صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم على المدينة أورده ابن هشام في السيرة بدون إسناد
(2)
.
3 ــ وحصاره صلى الله عليه وسلم لبني قريظة خمساً وعشرين ليلة وحادثة أبي لبابة أخرجها أحمد في المسند من رواية عائشة مطولاً بإسناد جيد كما قال ابن كثير
(3)
.
تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة:
قال المصنف: «ثم إن بني قريظة نزلوا على حُكم رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. ولما نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، قالت الأوسُ: يا رسُولَ الله، قد فعلتَ في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخوتنا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فقال: «ألا ترضَون أن يحكم فيهم رجلٌ منكم؟» قالوا: بلا. قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ» .
وكان سعدٌ إذ ذاك قد أصابه جرحٌ في أكحلِه، وقد ضربَ له رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجدِ، ليعوده من قريبٍ، فبعثَ إليه صلى الله عليه وسلم فجيء به وقد وطَّؤوا له على حمارٍ، وإخوتُه من الأوس حوله مُحيطون به، وهم يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فلما أكثروا عليه، قالَ: لقد آن لسعدٍ أن لا تأخذه في الله لومة لائم!
فرجعَ رجالٌ من قومهِ إلى بني عبد الأشهل فنَعوا إليهم بني قُريظة. فلمَّا دنا من رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال:«قوموا إلى سيّدكم» ، فقام إليه المسلمونَ، فقالوا: يا سعدُ! قد ولَّاك رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الحكمَ في بني قُريظة، فقال: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقُه
(1)
فتح الباري 7/ 413.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 234.
(3)
البداية والنهاية 6/ 91.
أن الحكمَ فيهم كما حكمتُ؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ وأشارَ إلى الناحيةِ التي فيها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرضٌ عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:«نعم» .
فقال سعدٌ: إني أحكمُ فيهم أن تُقتل مُقاتِلتهُم، وتُسبى ذراريهم. فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:«لقد حكمتَ فيهم بحكمِ الله من فوقِ سبعةِ أرقعةٍ» ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حادثة حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ثابت في الصحيحين
(1)
باختصار، وهو عند ابن إسحاق مطولاً على نحو ما ذكره المصنف
(2)
.
2 ــ وهذه الحادثة تدل كما قال الإمام النووي على: "جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم وأقام الحجة عليهم"
(3)
.
3 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم» ثابت في الصحيحين
(4)
، وقد استدل به جمهور العلماء على استحباب إكرام أهل الفضل والقيام لهم إذا أقبلوا، قالوا: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون على الرجل وهو جالس، ويمثلون قياماً طوال جلوسه كما أفاده الإمام النووي
(5)
.
(1)
صحيح البخاري «3043» ، صحيح مسلم «1769» .
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 239.
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 92.
(4)
صحيح البخاري «3043» ، صحيح مسلم «1768» .
(5)
شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 93.
قتل المقاتلة وقسمة الأموال:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أمره عليه الصلاة والسلام بقتل من أنبت من بني قريظة وترك من لم ينبت أخرجه الأربعة وإسناده صحيح من قول عطية القرظي
(1)
.
لكني أشك في صحة هذه الحادثة من جهة أن عطية القرظي غير مشهور ولا يعرف إلا بهذا الحديث، والذين عدوه في الصحابة اعتمدوا على هذه الحادثة والتي لم ينقلها أحدٌ سواه، فالله أعلم.
2 ــ وما ذكره المصنف عن عدد من قتل من بني قريظة وأنهم كانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، وقيل ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، فهذا بعض ما قيل، وقد أخرج أصحاب السنن عن جابر بن عبد الله بإسناد صحيح كما قال ابن حجر أنهم كانوا أربعمائة
(2)
، وهذا أصح.
(1)
سنن أبي داود «4404» ، سنن الترمذي «1584» ، والنسائي 6/ 155، وابن ماجه «2541» .
(2)
فتح الباري 7/ 414.
3 ــ وقد دلت هذه الحادثة على جواز قتل الخونة من ناقضي العهد من أهل الذمة، وهو ما يسمى في الاصطلاح الحديث بالخيانة العظمى.
وما من شك أن بني قريظة قد غدروا وخانوا العهد وعرّضوا بخيانتهم أرواح المسلمين للقتل، فكان عقابهم مناسب لجرمهم.
4 ــ وقتل المرأة القرظية يدل على جواز قتل المرأة القاتلة والمحاربة.
5 ــ ويبدوا أن هذه الحادثة قد أرعبت المنافقين كثيراً في المدينة فقد خفت صوتهم ولم يعد يسمع منهم بعدها ما يناقض الإسلام كما كانوا من قبل
(1)
.
6 ــ ويلاحظ أن غزوة بني قريظة كانت بسبب خيانة اليهود ومثلها غزوة بني النضير، مما يؤكد أن اليهود قوم بهت وأهل خداع وخيانة، وأنهم ما إن يجدوا سبيلاً إلى الإضرار بالمسلمين إلا وسارعوا إليه
(2)
.
استشهاد سعد بن معاذ:
قال المصنف: «ولمَّا فرغ منهم استجاب الله دعوة العبدِ الصَّالحِ سعدِ بن معاذٍ، وذلك أنه لمَّا أصابَه الجرحُ قال: اللهم إن كنت أبقيتَ من حربِ قريشٍ شيئاً فأبقني لها، وإن كنتَ رفعتَ الحربَ بيننا وبينهم فأفجرها، ولا تمتني حتى تشفيني من بني قريظة.
وكان صلى الله عليه وسلم قد حسَم جُرْحَه فانفجرَ عليه فمات منه رضي الله عنه، وشيَّعه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وهو الذي اهتزَّ له عرشُ الرحمن فرحاً بقدومِ روحه رضي الله عنه وأرضاه. وقد استُشهد يوم الخندق ويوم قُريظة نحو العشرة رضي الله عنهم آمين».
(1)
السيرة النبوية للندوي ص 366.
(2)
دراسات في السيرة النبوية ص 103.
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ مقولة سعد بن معاذ: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش .. " مخرجة في الصحيحين بنحوه
(1)
.
2 ــ واهتزاز عرش الرحمن فرحاً بقدوم روح معاذ مخرج في الصحيحين بلفظ: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ"
(2)
.
3 ــ وقد اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث، فقيل: إنه على ظاهره، وأن عرش الرحمن تحرك فرحاً بموت سعد بن معاذ وقدوم روحه، وقيل: إنه كناية عن تعظيم شأن موت معاذ، كما تقول العرب: أظلمت الأرض لموت فلان، واختار النووي الأول
(3)
.
4 ــ وقوله: "استشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو العشرة": أخذه عن شيخه ابن القيم في الزاد
(4)
، وبحسب ابن إسحاق فإنهم كانوا نحو السبعة
(5)
، والله أعلم.
(1)
صحيح البخاري «4122» ، صحيح مسلم «1769» .
(2)
صحيح البخاري «3803» ، صحيح مسلم «2466» .
(3)
شرح صحيح مسلم للنووي 16/ 22.
(4)
زاد المعاد 3/ 246.
(5)
سيرة ابن هشام 2/ 252.
فصل
قَتْل أَبي رافع سَلَّام بن أَبي الحُقيق
قال المصنف: «لمَّا قَتَلَ اللهُ ــ وله الحمدُ ــ كعبَ بن الأشرف عدوّ الله على يد رجالٍ من الأوس كما قدَّمنا ذكره بعد وقعة بدر، وكان أبو رافع سَلَّام بن أبي الحُقيق ممن ألَّب الأحزابَ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ولم يُقتل مع بني قريظة كما قُتل صاحبه حُييّ بنُ أخطب، رغبتِ الخزرجُ في قتله طلباً لمساواة الأوس في الأجر، فاستأذنوا رسُولَ الله في قتله فأذِن لهم.
فانتدب له رجالٌ كلهم من بني سَلَمَة، فنهضوا حتى أتوه في خيبرَ في دارٍ له جامعة، فنزلوا عليه ليلاً فقتلوه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أخرج هذه الحادثة البخاري في صحيحه مطولة مع اختلاف عن سياق المصنف
(1)
.
2 ــ وأبو رافع هذا كان ممن ألَّب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر المصنف، وأعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب يومها بالمال الكثير
(2)
.
(1)
صحيح البخاري «4039، 2040» .
(2)
فتح الباري 7/ 343.
3 ــ وقد اختلف في تاريخ وقوع هذه الحادثة، والأظهر أنها كانت بعد غزوة الأحزاب بقليل، لأن سبب قتل أبي رافع هذا تأليبه الأحزاب على المسلمين يوم الخندق
(1)
.
4 ــ وفي الحادثة دليل على جواز قتل ولي الأمر المحاربين والمعينين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدهم أو بمالهم أو بلسانهم.
(1)
السيرة النبوية لمهدي رزق الله ص 452.
فصل
غزوة بني لِحْيَان
قال المصنف: «ثم خَرَجَ صلى الله عليه وسلم بعد قريظة بستةِ أشهر، وذلك في جمادى الأولى من السنة السادسة على الصحيح قاصداً بني لِحْيَان ليأخذ بثأْر أصحاب الرَّجيع المتقدم ذكرُهم، فسار حتى نزلَ بلادَهم في وادٍ يقالُ له غُرَان
(1)
، وهو بين أَمَج وعُسفان، فوجدهم قد تحصّنوا في رؤوس الجبالِ، فتركهم وركبَ في مائتي فارسٍ حتى نزل عُسْفان، ثم قفل صلى الله عليه وسلم إلى المدينة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل هذه الحادثة أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الثأر والاقتصاص من الأعراب الخونة الذين غدروا بخُبيب بن عدي وأصحابه القراء في واقعة الرَّجيع. فخرج إليهم يريد مباغتتهم، فلما علموا به هربوا وتفرقوا في رؤوس الجبال
(2)
.
(1)
غُران: بضم الغين وتخفيف الراء، واد على (85) كيلاً من مكة شمالاً.
(2)
ذكر الحادثة ابن هشام في السيرة 2/ 279 عن ابن إسحاق بدون إسناد، وأخرجها البيهقي في الدلائل 3/ 364 من طريق ابن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ببن حزم وغيره به، وهذا إسناد مرسل، عبد الله بن أبي بكر أحد علماء التابعين الثقات من أهل المدينة.
2 ــ وكانت هذه الغزوة في السنة السادسة للهجرة كما صححه المصنف هنا، وابن إسحاق في السيرة
(1)
.
3 ــ ويؤخذ من الحادثة مشروعية قتال من خان وغدر ومعاقبته.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 279.
فصل
غزوة ذِي قَرَد
قال المصنف: «ثم أغار بعد قدومه المدينة بليال عيينةُ بن حِصْن في بني عبد الله بن غطفان، على لِقَاحِ
(1)
النبيّ صلى الله عليه وسلم التي بالغابةِ، فاستاقَها وقَتَلَ راعيَها، وأخذوا امرأتَه.
فكان أول من أنذر بهم
(2)
سَلَمَةُ بنُ عمرو بن الأكوع الأسلمي رضي الله عنه، ثم انبعثَ في طلبهم ماشياً وكان لا يُسبق، فجعل يرميهم بالنبل ويقول: أنا ابنُ الأكوع واليومُ يومُ الرُّضَع، يعني: اللئام، واسترجعَ عامة ما كان في أيديهم.
ولما وقع الصريخُ في المدينةِ خرج رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في جماعةٍ من الفُرسان، فلحقوا سَلَمَة بن الأكوع، واسترجعوا اللقاحَ، وبلغ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ماءً يقال له ذو قَرَد، فنحر لَقْحَة مما استرجع، وأقام هناك يوماً وليلة، ثم رجع إلى المدينةِ.
وأقبلت المرأةُ المأسورةُ على ناقةٍ لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقد نَذَرَتْ: إن الله أنجاها عليها لتنحرنهَّا، فقال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:«بئس ما جزتها، لا نذرَ لابنِ آدم فيما لا يملك، ولا في معصيةٍ» ، وأخذ ناقته».
(1)
اللقاح: الناقة القريبة العهد بالولادة، وتكون ذات لبن.
(2)
علم بهم.
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ خبر هذه الغزوة مخرج في الصحيحين بنحو سياق المصنف من رواية سلمة بن الأكوع رضي الله عنه
(1)
.
2 ــ وقد سمّيت بذي قَرَد نسبة إلى اسم الموضع الذي وقعت عنده، وبعضهم يسمّيها غزوة الغابة لأن اللّقاح كانت ترعى هناك
(2)
.
3 ــ وقد اختلف في تاريخ هذه الغزوة، والذي عليه عامة أهل السير أنها كانت في سنة ست، قبل صلح الحديبية، وجزم الإمام البخاري في الصحيح أنها كانت سنة سبع، قبل غزوة خيبر بثلاثة أيام
(3)
.
4 ــ ومن الملاحظ أن المدينة كانت تتعرض في عهده صلى الله عليه وسلم بين حين وآخر لمثل هذا الاعتداءات ممن حولها من الأعراب، وقد سبق مثله عندما أغار كُرز بن جابر الفهري على سرح المدينة في غزوة بدر الأولى.
5 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا في معصية» : فيه دليل على أن من نذر بما لا يملك فنذره لا يصح ولا ينعقد ولا كفارة عليه، كأن يقول: لله عليّ إن شفى الله مريضي أن أتصدق بثوب فلان. وكذلك من نذر معصية كشرب الخمر، فنذره باطلٌ لا ينعقد ولا كفارة عليه عند أكثر العلماء
(4)
.
* * *
(1)
صحيح البخاري «4194» ، صحيح مسلم «1806» .
(2)
عيون الأثر 2/ 120، والغابة: موضع في المدينة، على بعد (6) أكيال منها، جهة ما يسمى اليوم بالخليل.
(3)
فتح الباري 7/ 460.
(4)
شرح النووي على صحيح مسلم 2/ 125، نيل الأوطار 8/ 281.
فصل
غزوة بني المُصْطَلِق أو المُريسيع
قال المصنف: «ثم غزا صلى الله عليه وسلم بني المُصْطلِق من خُزاعة في شعبانَ من السنةِ السادسةِ، وقيل: كانتْ في شعبان سنة خمسٍ، والأول أصحّ، وهو قول ابن إسحاق
(1)
وغيره.
واستعمل على المدينة أبا ذرّ، فأغار عليهم وهم غارُّون على ماءٍ لهم يسمّى المُريسيع، وهو من ناحية قُديد إلى الساحل، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ منهم، وسبى النساء والذريّة.
وكان شعارُ المسلمينَ يومئذٍ: أمِت أمِت. وكان من السبيّ: جُويْرية بنتُ الحارث بن أبي ضِرَار مَلِك بني المُصْطَلِق، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شَمَّاس، فكاتبها، فأدَّى عنها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فصارتْ أمَّ المؤمنين، فأعتق المسلِمُون بسبب ذلك مائة بيتٍ من بني المُصْطلِق قد أسلَمُوا».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تسمّى هذه الغزوة: غزوة بني المُصطلق، نسبة إلى القوم الذين غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال لها أيضاً غزوة المُريسيع، نسبة إلى اسم الماء الذي وقعت عنده.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 289.
2 ــ والمُريسيع: ماء قريب من قُديد التي تبعد عن مكة (120) كيلاً، جهة الساحل.
3 ــ وأصل هذه الغزوة ثابت في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية»
(1)
.
4 ــ وقد صحح المصنف أنها وقعت في السنة السادسة، لكن جزم الذهبي أنها كانت في شعبان من سنة خمس، وهو ما رجحه ابن حجر لأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين من اشتراك سعد بن معاذ فيها، ومعلوم أن سعد بن معاذ مات عقب غزوة الخندق مباشرة سنة خمس، فلا يمكن أن تكون غزوة بني المصطلق في السنة السادسة
(2)
.
5 ــ وكان عدد جيش المسلمين (700) مقاتل
(3)
، فيهم أناس من المنافقين كعبد الله بن أبيّ بن سلول خرجوا من أجل المغانم، وتسببوا في قلاقل وفتن سيأتي الحديث عنها.
6 ــ وكان سبب هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المُصطلق بقيادة زعيمهم الحارث بن أبي ضِرَار تجمع السلاح وتألّب القبائل استعداداً لغزو المدينة وحرب المسلمين، وكأنهم رأوا الفرصة مواتية بعد معركة أحد، وهو من سوء تقديرهم لقوة المسلمين!! فلمّا تأكد الخبر للنبي صلى الله عليه وسلم خرج إليهم وباغتهم على
(1)
صحيح البخاري «2541» ، صحيح مسلم «1730» .
(2)
ينظر تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 170، وفتح الباري 7/ 430.
(3)
تاريخ الإسلام 1/ 170.
حين غرَّة منهم
(1)
.
أضف أن بني المُصطلق كانوا من ضمن قبائل الأحابيش الذين ساندوا قريشاً في غزوة أحد وانضموا إليهم
(2)
.
7 ــ ولم يستطع بنو المصطلق المقاومة فانهزموا سريعاً، وقُتل بعضهم، ووقع بقيتهم أسرى بأيدي المسلمين، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ جويرية بنت الحارث التي أعتقها فيما بعد وتزوجها
(3)
.
8 ــ وقد أسلم أبوها الحارث بن أبي ضرار سيّد بني المصطلق، وولاه النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات من أسلم من قومه
(4)
.
9 ــ استدل بعض علماء السلف بهذه الحادثة على جواز الإغارة على الكفار مطلقاً، سواء بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم، قال عبد الله بن عون: كتبتُ إلى نافع مولى ابن عمر أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتبَ إليَّ: "إنما كان ذلك في أول الإسلام، قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارّون"
(5)
!!
لكن يردّ هذا ما تقدم من سبب الغزوة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يباغتهم إلا بعد أن تأكد له عزمهم على الغدر، وكانوا في حالة حرب مع المسلمين، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لينتظرهم حتى يغزوا المدينة، فليس في الحادثة دليل على غزو الكفار
(1)
رواه ابن إسحاق بأسانيد متعددة مرسلة يقوي بعضها بعضاً، (سيرة ابن هشام 2/ 290).
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 373.
(3)
صحيح البخاري مع الفتح 5/ 171.
(4)
مسند أحمد «18459» ، وقال السيوطي في الدر المنثور 7/ 555: سنده جيد.
(5)
صحيح مسلم «1730» .
مطلقاً كما فهمه نافع رحمه الله!!
ما قاله المنافق ابن سلول في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ هذه الحادثة مخرجة بنحوها في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم
(1)
.
2 ــ وسبب مقولة عبد الله بن أبيّ أنه وقع نزاع بين رجلين من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، وكاد يقع الشرُّ بين الفريقين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصلح بينهم، ونهاهم عن دعاوى الجاهلية، وعندها قال عبد الله بن أُبيّ المنافق مقولته هذه
(2)
.
3 ــ وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل عبد الله بن أبي بسبب مقولته، فأبى النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال:«دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»
(3)
.
وفي هذا دليل على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الحلم والصبر، واحتماله بعض المفاسد خوفاً من حدوث مفاسد أكبر وأعظم منها.
(1)
صحيح البخاري «4900» ، صحيح مسلم «2772» .
(2)
صحيح البخاري «4905» ، صحيح مسلم «2584» .
(3)
المصدرين السابقين.
قال النووي رحمه الله: "وقد كان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه، ويجاهدون معه، إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم"
(1)
.
4 ــ وكما أشار الشيخ أبي شهبة
(2)
فإن غزوة بني المصطلق على صغرها قد اشتملت على حادثتين عظيمتين، إحداهما كادت تحدث فتنة بين المسلمين وتمزق وحدتهم، لولا أن تداركها النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته، يعني حادثة ابن سلول، والثانية حادثة الإفك التي حسم الكلام بشأنها وحي السماء، ونزل بسببها تشريع خالد، وهي ما سيتحدث عنه المصنف في حديثه التالي.
طعن المنافقين في السيدة عائشة وتبرئة الله لها:
قال المصنف: «وكان في هذه الغزوة
(3)
من الحوادثِ قصة الإفكِ الذي افتراه عبدُ الله بن أُبيّ هذا الخبيث وأصحابه، وذلك أن أمّ المؤمنين عائشة بنت الصّدّيق رضي الله عنها كانت قد خرجت مع رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في هذه السَّفْرة، وكانت تُحمل في هَوْدَج، فنزلوا بعضَ المنازل، ثم أرادوا أن يرتحلوا أوّل النهارِ، فذهبت إلى المتبرَّز، ثم رجعت فإذا هي فاقدة عِقْداً لأختها أسماء كانت أعارتها إيَّاه، فرجعت تلتمسه في الموضعِ الذي كانت فيه، فجاء النفرُ الذين كانوا يرحَلُون بها فحملوا الهَوْدَجَ، حملة رجلٍ
(1)
شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 139.
(2)
السيرة النبوية لأبي شهبة 2/ 254.
(3)
غزوة بني المصطلق السابقة.
واحدٍ، وليس فيه أحدٌ، فرَحلوه على البعير ولم يستنكروا خفَّته؛ لتساعُدِهم عليه، ولأن عائشة رضي الله عنها كانت في ذلك الوقتِ لم تحمل اللحم، بل كانت طفلة في سنّ أربعَ عشرة سنة.
فلما رجعت وقد أصابت العِقْدَ لم تر بالمنزل أحداً، فجلست في المنزلِ، وقالت: إنهم سيفقدونها فيرجعون إليها. وأخذتها سَنَةٌ من النومِ فلم تستيقظ إلا بترجيع صفوانِ بن المُعَطّل السُّلَمي، وكان قد عرَّس
(1)
في أخرياتِ القومِ، فلما رأى أمَّ المؤمنينَ، قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، زوجةُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟!
ثم أناخَ بعيره فقرَّبه إليها، فركبته، ولم يكلمها كلمة واحدة، ثم سارَ بها يقودُها حتى قَدِمَا، وقد نزلَ الجيشُ في نحرِ الظهيرة
(2)
. فلما رأى ذلك الناسُ تكلَّم المنافقون بما الله مجازيهم به، وجعلَ عبدُ الله بن أُبيّ الخبيث مع ما تقدم له من الخزي في هذه الغزوة يتكلَّم في ذلك ويستحكيه، ويُظهره ويُشيعه وُيبديه.
وكان الأمرُ في ذلك كما هو مطول في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها الصّدّيقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماواتٍ مما أبَنَها
(3)
به أهلُ الإفكِ في هذه الغزوة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ
…
} [النور: 11] الآيات.
فلما أنزل الله تعالى ذلك وكان بعد قدومهم من هذه الغزوة بأكثر من شهرٍ جُلد الذين تكلَّموا في الإفكِ. وكان ممن جُلد مِسْطحُ بنُ أُثَاثَة، وحَمْنةُ بنتُ جحش.
(1)
التعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم أو الاستراحة.
(2)
نحر الظهيرة: أول الزوال وهو أشد ما يكون في حرارة النهار.
(3)
اتهمها.
وقد كان رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك صعد على المنبرِ فخطبَ المسلمين واستعذرَ من عبدِ الله بنِ أُبيّ وأصحابِه، فقال:«مَنْ يعذرني من رجلٍ بلغني أذاهُ في أهلي؟ والله ما علمتُ على أهلي إلَّا خيراً، وذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلَّا خيراً، وما يدخلُ على أهلي إلَّا معي» ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ الإفك كما قال غير واحد: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو البهتان، مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه
(1)
.
2 ــ وحادثة الإفك مخرجة في الصحيحين بلفظ مطول
(2)
، وسياق المصنف مختصر أورده بالمعنى.
3 ــ وقد اشتملت هذه الحادثة على كثير من الأحكام والحِكَم والفوائد، منها: فضل السيدة عائشة رضي الله عنها وتكذيب من قذفها في عفافها وشرفها.
4 ــ ومنها: فضل الصحابة الذين صانوا أنفسهم وألسنتهم عن الخوض في أعراض الناس والافتراء عليهم، وقالوا كما حكى القرآن الكريم عنهم:{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12].
5 ــ ومنها: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبرغم فضلهم ومكانتهم العظيمة قد تقع من بعضهم بعض الذنوب والآثام، لأنهم في منظور أهل السنة ليسوا بمعصومين
(3)
،
(1)
تحفة الأريب لأبي حيان ص 46، اللامع الصبيح للبرماوي 11/ 198.
(2)
صحيح البخاري «4141» ، صحيح مسلم «2770» .
(3)
حيث جلد النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بسبب القذف في هذه الحادثة، كما في مجمع الزوائد «15296» بإسناد حسن.
إلا أن ذنوبهم وآثامهم قليلة جداً، ومغمورة في بحر حسناتهم وسابقتهم ومآثرهم وبلائهم في الإسلام.
6 ـ ومنها: حرمة قذف المحصنين والمحصنات من المؤمنين والمؤمنات، وأنه من كبائر الذنوب، وإقامة الحدّ على فاعل ذلك.
7 ــ قال العلماء: وإنما لم يحدّ النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُبي بن سلول مع أنه من تولى كبر هذا الإفك وتبنّاه، لأنه لم يقذف صراحة، ولم يترك دليلاً ضده، إذ كان يعرّض ولا يصرّح.
وقال بعضهم: إنما لم يُحَدّ لأن الله تعالى أعدّ له في الآخرة عذاباً عظيماً، فلو حُدّ في الدنيا لكان تخفيفاً عنه في الآخرة، بخلاف من أقيم عليهم الحدّ، فإن الله أراد أن يطهرهم ويكفر عنهم إثم ما صدر منهم
(1)
.
على أن الحافظ ابن حجر أبدى احتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام على عبد الله بن أُبي الحدَّ لورود ذلك من طريقين مرسلين
(2)
.
8 ــ وقد أراد المنافقون من وراء نشر هذا الإفك الطعن في الإسلام عن طريق الطعن في مقام النبي صلى الله عليه وسلم وعرضه وكرامته، لكن الله فضح أمرهم وأبطل كيدهم.
* * *
(1)
طرح التثريب 8/ 73.
(2)
فتح الباري 8/ 479، 481.
فصل
صُلْح الحُدَيبِيَة
قال المصنف: «ولمَّا كان ذو القعدة من السنة السادسة خرجَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم معتمراً في ألفٍ، قيل: وخمسمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة، وأما من زعم أنه خرجَ في سبعمائة فقد غلط.
فلما علِم المشركونَ بذلك جمعوا أحابيشهم وخرجوا من مكة صادّين له عن الاعتمار هذا العام، وقدَّموا على خيل لهم خالدَ بنَ الوليد إلى كُرَاع الغَمِيم
(1)
.
وخالفه صلى الله عليه وسلم في الطريقِ فانتهى صلى الله عليه وسلم إلى الحُدَيبِيَة، وتراسلَ هو والمشركونَ حتى جاء سُهيلُ بنُ عمرو فصالحه على: أن يرجعَ عنهم عامهم هذا، وأن يعتمرَ من العام المقبل، فأجابه صلى الله عليه وسلم إلى ما سأل؛ لِمَا جعلَ الله عز وجل في ذلك من المصلحةِ والبركةِ. وكره ذلك جماعةٌ من الصحابةِ رضي الله عنهم، منهم: عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه، وراجع أبا بكر الصّدّيق في ذلك، ثم راجعَ النبي صلى الله عليه وسلم، فكان جوابُه صلى الله عليه وسلم كما أجابه الصّدّيق رضي الله عنه، وهو أنه عبدُ الله ورسُولُه وليس يعصيه، وهو ناصره، وقد استقصى البخاري هذا الحديث في صحيحه».
(1)
كراع الغميم: تبعد عن مكة (64) كيلاً على طريق المدينة.
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ الحُديبية: قرية قرب مكة المكرمة، على بعد (22) كيلاً غربها، وتعرف الآن بالشميسي، وسمّيت الحادثة بالحديبية، لأن قريشاً منعت المسلمين من دخول مكة وهم بها.
2 ــ وقد درج كثير من كتاب السيرة على تسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية، وكذا وقع في بعض كلام السلف.
وفي هذه التسمية عندي نظرٌ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج غازياً ولا محارباً، وإنما خرج زائراً لبيت الله معظماً له مُحْرماً بالعمرة.
لذلك كان الأولى تسميتها بعمرة الحديبية، أو صُلح الحديبية، ولم أر من سبقني إلى مثل هذا التنبيه، فالله أعلم.
3 ــ وقد كان مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بخروجه هو زيارة البيت الحرام وأداء العمرة، هكذا ورد في الأحاديث الصحيحة
(1)
، وأخطأ من قال من كتاب السيرة أنه خرج قاصداً الحج
(2)
.
4 ــ والحادثة كما أشار المصنف مخرجة في صحيح البخاري بلفظ مطول، وكذا أخرج مسلم حوادث مفرقة منها
(3)
.
5 ــ وقول المصنف: "وأما من زعم أنه إنما خرج في سبعمائة فقد غلط"،
(1)
انظر على سبيل المثال صحيح البخاري «1694، 1778» ، صحيح مسلم «1253» .
(2)
مثل محمد حسين هيكل في حياة محمد ص 231، ومحمد أبو زهرة في خاتم النبيين 2/ 743.
(3)
صحيح البخاري «2731» ، صحيح مسلم «1253، 1783، 1785» .
فالمصنف يقصد بهذا ابن إسحاق رحمه الله.
قال ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطاً"
(1)
.
قلت: لم أر ابن إسحاق صرّح بالسبعمائة من عند نفسه، وإنما روى هذا عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم كانوا سبعمائة رجل
(2)
.
وقد حمله الحافظ العراقي على مبدأ خروجهم من المدينة قبل أن يلحق بهم من لحقهم من غيرها
(3)
.
شروط الصلح:
قال المصنف: «فقاضاه سُهيلُ بنُ عمرو على أن يرجعَ عنهم عامَه هذا، وأن يعتمرَ مِنْ العام المقبل، على أن لا يدخلَ مكة ألا في جُلْبّان السلاح
(4)
.
وأن لا يُقيم عندهم أكثر من ثلاثة أيامٍ. وعلى أن يأمنَ الناسُ بينهم وبينه عشر سنين.
وعلى أنه من شاء دخل في عَقْد رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ومن شاء دخل في عَقْد قريشٍ.
(1)
فتح الباري 7/ 441.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 309.
(3)
طرح التثريب 7/ 208.
(4)
السيوف في قرابها.
وعلى أنه لا يأتيه أحدٌ منهم وإن كان مسلماً إلا ردّه إليهم، وإن ذهب أحدٌ من المسلمين إليهم لا يردُّونه إليه.
فأقرّ الله سبحانه ذلك كلَّه إلَّا ما استثنى من المهاجراتِ المؤمناتِ من النساء؛ فإنه نهاهم عن ردهنّ إلى الكفار، وحرمهنّ على الكفار يومئذ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ ما ذكره المصنف أن مدة الهدنة بين المسلمين وقريش كانت عشر سنين ذكره ابن إسحاق في السيرة، قال ابن حجر:"وهو المعتمد"
(1)
.
2 ــ وقد استدل بهذه الحادثة على جواز عقد الهُدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدة معلومة، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.
والجمهور على أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين، بناء على ما تم في صلح الحديبية، قال ابن حجر:"وهو الراجح"
(2)
.
3 ــ كما دلت الحادثة على أن للإمام التنازل عن بعض الحقوق والمصالح الصغيرة رجاء تحقيق مصالح ومنافع أكبر منها وأعظم.
4 ــ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على إتمام هذا الصلح، لأنه كان حريصاً على إنهاء حالة الحرب التي تنافي الهدوء والاستقرار الذي يمكن أن تنتشر فيه الدعوة.
5 ــ وقد كان لهذا الصلح فوائد عدة للمسلمين منها:
أولاً: أن فيه اعترافاً من قريش لأول مرة بالمسلمين، وأن لهم شرعية وكياناً
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 317، فتح الباري 5/ 343.
(2)
المصدر السابق 5/ 343.
مستقلاً تبرم معه العهود والمواثيق.
ثانياً: أن هذا الصلح أتاح للنبي صلى الله عليه وسلم التفرغ للدعوة إلى الله ومراسلة الملوك والزعماء ودعوتهم إلى الإسلام مما لم يكن متاحاً قبل الصلح.
ثالثاً: أن هذا الصلح أتاح للنبي صلى الله عليه وسلم دعوة القبائل التي كانت تخشى قريشاً فأصبحوا يقبلون على الإسلام دون خوف أو وجل.
وقد ذكر أهل السير أن الذين أسلموا في مدة صلح الحديبية وهي سنتان فقط كانوا أكثر من الذين أسلموا قبل ذلك في (16) عاماً من عمرة الدعوة، وكل هذا كان من بركات صلح الحديبية
(1)
.
6 ــ وقد أسلم في زمن صلح الحديبية بعض كبار الصحابة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة صاحب مفاتيح الكعبة
(2)
.
7 ــ وفي مكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم للملوك والأمراء خارج الجزيرة العربية وداخلها دليل على عالمية الإسلام، وأن رسالته لا تقتصر على أناس بعينهم أو بلد بعينه، كما قال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الْأَعْرَافِ: 158].
8 ــ كما دلت حادثة صلح الحديبة على أن الخِيَرة فيما يختاره الله لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر، كما قال تعالى:{فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]
(3)
.
(1)
ينظر سيرة ابن هشام 2/ 322.
(2)
دلائل النبوة للبيهقي 4/ 346.
(3)
دراسات في السيرة النبوية ص 115.
بيعة الرضوان:
قال المصنف: «وقد كان صلى الله عليه وسلم قبلَ وقوعِ هذا الصُّلْح بَعَثَ عثمان بنَ عفان رضي الله عنه إلى أهلِ مكة يُعْلِمُهم أنه لم يجيء لقتالِ أحدٍ، وإنما جاء معتمراً، فكان من سيادة عثمان رضي الله عنه أنه عرض عليه المشركون الطَّواف بالبيتِ، فأبى عليهم وقال: لا أطوف بها قبل رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. ولم يرجع عثمانُ رضي الله عنه حتى بلغه صلى الله عليه وسلم أنه قد قُتِل عثمان، فَحَمِي لذلك رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا أصحابَه إلى البيعةِ على القتال، فبايعوه تحت شجرةٍ هناك. ووضعَ صلى الله عليه وسلم إحدى يديه عن نفسهِ الكريمةِ ثم قال: «وهذه عن عثمان» رضي الله عنه، فكان ذلك أجلَّ من شُهوده تلك البيعة. وأنزل الله عز وجل في ذلك:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وقال صلى الله عليه وسلم:«لا يدخل أحدٌ ممن بايعَ تحتَ الشجرةِ النارَ»
(1)
، فهذه هي بيعة الرضوان».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ هذه الحادثة تسمّى ببيعة الرضوان، لأن الله تبارك وتعالى أخبر بأنه قد رضي عن أصحابها في قوله:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وسببها كما أشار المصنف من إشاعة قتل قريشٍ لعثمان بن عفان رضي الله عنه.
2 ــ وقد اختلف في الشيء الذي بايع الصحابةُ عليه النبيَّ صلى الله عليه وسلم يومها، فذكر المصنف أنهم بايعوه على القتال، ولم أقف على هذه الرواية، إلا أنها صحيحة من حيث المعني، لأن الرواية في الصحيح أنهم بايعوه على الموت، وفي رواية: على أن ألا يفروا، وفي رواية على الصبر، وكلها روايات صحيحة، ولا تعارض بينهما،
(1)
صحيح مسلم «2496» .
لأن البيعة على الموت تعني الثبات وعدم الفرار، وتعني الصبر عند اللقاء، وتعني القتال
(1)
.
3 ــ والحادثة فيها فضيلة ظاهرة لأهل الحديبية، وهم أهل بيعة الرضوان.
4 ــ وفيها فضيلة خاصة لعثمان بن عفان رضي الله عنه حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم عنه في غيبته وقال: بيده اليمنى: «هذه يد عثمان» ، فضرب بها على يده، فقال:«هذه لعثمان»
(2)
.
تحلل النبي صلى الله عليه وسلم ورجوعه إلى المدينة:
قال المصنف: «ولمَّا فَرَغَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من مُقاضاةِ المشركينَ شَرعَ في التحلُّل مِنْ عمرتِه وأَمَرَ الناسَ بذلك، فشقَّ عليهم وتوقفوا، رجاء نسخه، فغضبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذلك، فدخل على أمّ سَلَمَة، فقال لها ذلك، فقالت: اخرج أنتَ يا رسُولَ الله فاذبحْ هديَك واحلق رأسَك، والناسُ يَتْبَعُونك يا رسُولَ الله، فخرجَ ففعل ذلك.
فبادرَ الناسُ إلى موافقته، فحلقوا كلُّهم، إلَّا عثمان بن عفان وأبا قتادة الحارث بن ربعي، فإنهما قصّراً، ذكره السهيلي في الروض الأنف
(3)
.
وكادَ بعضُهم يقتلُ بعضاً غماً، لأنهم يرون المشركينَ قد ألزموهم بشروطٍ كما أحبُّوا، وأجابهم صلى الله عليه وسلم إليها، وهذا من فَرْطِ شجاعتِهم رضي الله عنهم وحرصهم على نصرِ الإسلام.
ولكنَّ الله عز وجل أعلمُ بحقائقِ الأمورِ ومصالحِها منهم. ولهذا لمَّا انصرفَ صلى الله عليه وسلم
(1)
فتح الباري 6/ 118.
(2)
صحيح البخاري «3698» .
(3)
الروض الأنف 6/ 492.
راجعاً إلى المدينة أنزلَ الله عز وجل عليه سورةَ الفتح بكمالها في ذلك».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ في الحادثة دليل على أن من أحرم للحج أو العمرة ثم عرض له مانع من أدائها من عدو أو مرض ونحوه فإنه يتحلَّل منها ولا يلزمه قضاء، واختلف في وجوب ذبح الهدي عليه
(1)
.
2 ــ وإنما تأخر الصحابة في امتثال أمره صلى الله عليه وسلم بالتحلل لأنهم كانوا يرجون نزول وحي يغيّر الموقف وينسخ الأمر.
فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ في التحلُّل بادروا إلى ذلك، وقد دخلهم من الهم والغم أمر عظيم، لأنهم كانوا يرون أن شروط قريش فيها إجحاف بالمسلمين، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أخبرهم قبل بأنهم سيدخلون المسجد الحرام ويطوفون بالبيت، فلما صُدُّوا عنه ووقع الصلح أشكل عليهم، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يخبرهم أنهم سيدخلونه عامهم هذا.
3 ــ ونسْبَة المصنف إلى السهيلي التقصير وعدم الحلق لعثمان بن عفان وأبي قتادة نسَبَه الحافظ في الفتح أيضاً إلى أبي داود
(2)
، ولم أقف عليه عند أبي داود، فالله أعلم.
4 ــ كما أن في الحادثة فضل أم سَلَمَة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وحصافة رأيها.
* * *
(1)
سبل السلام 1/ 659.
(2)
فتح الباري 3/ 563.
فصل
غزوة خَيْبَر
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تقع شمال المدينة على طريق الشام، وتبعد عنها حوالي (150) كيلاً.
2 ــ وحاصل هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمِن جانبَ قريش بالصلح الذي عقده معها بالحديبية أراد أن يحلّ مشكلة الخطر اليهودي في خيبر، وما كانوا يشكلونه من تهديد للمسلمين، حيث شاركوا في تأليب الأحزاب يوم الخندق، وسخروا أموالهم في ذلك، وحرضوا بني قريظة على نقض العهد مع المسلمين، وكانوا يستعدون لغزو المدينة بالتحالف مع غطَفان.
وكانت خيبر تتألف من مجموعة من الحصون المنيعة، فحاصرها النبي صلى الله عليه وسلم
أياماً عدة، وفتحها حصناً حصناً، حتى سقطت كلها بأيدي المسلمين.
3 ــ وجمهور علماء السير على أن الغزوة وقعت في محرَّم من سنة سبع، قال ابن حجر:"وهو الراجح".
(1)
4 ــ وما ذكره المصنف من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم نصف خيبر، وأبقى نصفها لنوائبه ومصالحه، أخرجه أبو داود عن سهل بن أبي حثْمة، قال:«قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين»
(2)
.
وقد بيّن الإمام الخطابي أن أرض خيبر منها ما فُتح عنوة فهذا هو الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين المجاهدين، ومنها ما فُتح صلحاً فكان فيئاً وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في حوائجه ومصالح المسلمين
(3)
.
5 ــ وبرغم شدة القتال الذي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين يهود خيبر فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على إسلامهم وهدايتهم، وقال لعلي بن أبي طالب حين أعطاه الراية لقتالهم:«انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حُمُر النعم»
(4)
.
إقرار اليهود للعمل بخيبر وحادثة الشاة المسمومة:
قال المصنف: «واستعملَ اليهودَ الذين كانوا فيها بعد ما سألوا ذلك عِوَضاً
(1)
فتح الباري 7/ 464.
(2)
سنن أبي داود «3010» بإسناد صحيح.
(3)
ينظر معالم السنن 3/ 31.
(4)
صحيح البخاري «3009» ، صحيح مسلم «2406» .
عمّا كان صالحهم عليه من الجلاءِ على أن يعملوها ولرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم النصفُ مما يخرج منها من ثمر أو زرعٍ، وقد اصطفى صلى الله عليه وسلم من غنائمها صفيَّة بنتَ حُييّ بن أخطب لنفسه، فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وبنى بها في طريقِ المدينةِ بعدما حلَّت.
وقد أهدتْ إليه امرأةٌ من يهودِ خيبر ــ وهي زينبُ بنتُ الحارثِ امرأةُ سلَّام بن مِشْكم ــ شاة مصليَّة
(1)
مسمومة، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراعُ أنه مسمومٌ، فترك الأكلَ، ودعا باليهودية فاستخبرها: أسممتِ هذه الشاة؟ فقالت: نعم، فقال:«ما أردتِ إلى ذلك» ؟ فقالت: أردتُ إن كنت نبياً لم يضرّك، وإن كنت غيره استرحنا منك، فعفا عنها صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن بشرَ بن البراء بن مَعْرور كان ممن أكل منها، فمات، فقتلها به. وقد روى ذلك أبو داود مرسلاً عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حاصل ما ذكره المصنف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما فتح الله عليه خيبر عَزَم أولاً على إجلاء اليهود منها، فسألوه أن يبقيهم يعملوا فيها على أن لهم نصف ما يخرج منها، فوافق بشرط أن يخرجهم منها متى شاء.
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرّهم بها، على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نقرّكم بها على ذلك ما شئنا» ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء
(2)
.
(1)
مشويّة.
(2)
صحيح مسلم «1551» .
2 ــ واصطفاؤه صلى الله عليه وسلم صفيّة بنت حُيي وإعتاقها وتزوجها أخرجه صاحبا الصحيحين من حديث أنس بن مالك
(1)
.
3 ــ وقصة الشاة المسمومة التي أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم في خيبر مخرجة في البخاري من حديث أبي هريرة باختصار
(2)
.
وقد بين غير واحد من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن تلك المرأة أول الأمر، لكن لما مات بشر بن البراء بعد ذلك بسبب السم قتلها قصاصاً به
(3)
.
4 ــ وقوله: "وقد روى ذلك أبو داود مرسلاً .. " قلت: لفظه عند أبي داود: عن أبي سَلَمَة: أن رسول الله - أهدت له يهوديةٌ بخيبر شاة مصليّة، قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية:«ما حملك على الذي صنعت؟» فأمر بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقتلت
(4)
.
قدوم جعفر بن أبي طالب ومن بقي بالحبشة:
قال المصنف: «وقَدِمَ على النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر بعد فراغهم من القتال جعفرُ بنُ أبي طالب وأصحابُه ممن بقي مهاجراً بأرضِ الحبشةِ، وصُحْبتهم أبو موسى الأشعري في جماعةٍ من الأشعريين يزيدون على السبعين. وقَدِم عليه أبو هريرة وآخرون رضي الله عنهم أجمعين، فأعطاهم صلى الله عليه وسلم من المغانم كما أراه الله عز وجل.
(1)
صحيح البخاري «371» ، صحيح مسلم «1365» .
(2)
صحيح البخاري «3169» .
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم 14/ 179، فتح الباري 7/ 497.
(4)
سنن أبي داود «4511» وإسناده صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقد وصله الحاكم 3/ 219 والبيهقي 8/ 46 عن أبي هريرة، وسنده حسن.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لجعفر: «لا أدري بأيّهما أنا أُسرّ، أبفتحِ خيبر أم بقدومِ جعفر؟» ، ولمّا قَدِمَ عليه قام وقبّل ما بين عينيه. وقد استُشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلاً رضي الله عنهم جميعهم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه حين فتح خيبر مخرَّج في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري
(1)
.
ولم يتبين لي سبب تأخرهم في بلاد الحبشة كل هذا الوقت رغم أن سبب هجرتهم وهو اضطهاد قريش قد انتهى منذ سنوات كثيرة، ولم أر من تعرض لبحث هذا، فلينظر؟!
ثم بدى لي احتمال أن يكون مكوثهم هناك إنما هو من أجل الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام، هذا أمر وارد، والله أعلم.
2 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا أدري بأيهما أُسرّ، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» وتقبيله له أخرجه الحاكم وصححه، وحسنه الألباني
(2)
.
3 ــ وفي تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر دليل على مشروعية تقبيل القادم من السفر والتزامه، وكذلك من طال العهد به.
وأما حديث أنس بن مالك عند الترمذي، «أن رجلاً قال يا رسول الله: الرجل منّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبّله؟ قال:
(1)
صحيح البخاري «3136» ، صحيح مسلم «2502» .
(2)
مستدرك الحاكم 4/ 211، تعليق الألباني على فقه السيرة للغزالي ص 351.
لا، قال: فيأخذ بيده فيصافحه؟ قال: نعم»
(1)
.
فهذا الحديث محمول على اللقاء المعتاد المتكرر بين الناس، فالتقبيل والالتزام في هذه الحال غير مرغب فيه، بخلاف القادم من السفر أو من طال به العهد
(2)
.
4 ــ وقوله: "استُشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلاً": يعني في معارك خيبر، وقد سماهم ابن إسحاق في السيرة من قوله معلقاً
(3)
.
وذكر الواقدي أن قُتِل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلاً
(4)
.
5 ــ وكان عدد جيش المسلمين بخيبر (1500)، فيهم ثلاثمائة فارس
(5)
.
6 ــ وكما يقول الدكتور العُمري فإنه بهذه الغزوة يكون قد انتهى دور اليهود العسكري والاقتصادي في الحجاز، وتفرغ المسلمون بعدها لإخضاع قبائل العرب المشركة ولتوحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام
(6)
.
* * *
(1)
سنن الترمذي «2728» ، وحسنه، وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (4680).
(2)
مرقاة المفاتيح 7/ 2965، فقه السيرة للبوطي ص 248.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 343.
(4)
مغازي الواقدي 2/ 700.
(5)
سنن أبي داود «2736» ، وإسناده فيه ضعف، فيه يعقوب بن مجمع لم يوثقه غير ابن حبان.
(6)
السيرة النبوية الصحيحة 1/ 332.
فصل
فتح فَدَك
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ فدك بالتحريك وآخره كاف: بلدة عامرة كثيرة النَّخل والزرع والسكان شرق خيبر، وتسمى اليوم:«الحائط» .
2 ــ وقصة أهل فَدَك ذكرها ابن أسحاق بنحوه سياق المصنف، وهي في سنن أبي داود
(1)
.
3 ــ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفُ مال الفيء الذي يأتي من فَدَك وغيرها على ما أمره الله؛ فينفق منه على نفسه وأهله نفقة سنة، ويجعل باقيه في السلاح ومصالح المسلمين.
فلما مات صلى الله عليه وسلم اعتقدت ابنته فاطمة رضي الله عنها أن هذا الفيء ومنه فَدَك يكون
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 337 بدون إسناد، سنن أبي داود «3016» بإسناد ضعيف، لكن لها شواهد كثيرة تثبت بها.
موروثاً عنه! ولم يبلغها رضي الله عنها قوله عليه الصلاة والسلام: «لا نورث ما تركناه صدقة»
(1)
، أو أنها رضي الله عنها تأوّلت الحديث على أن المراد به الأصول والرقاب دون المنافع، وأما أبو بكر فتمسك بعموم النص.
قال الحافظ ابن حجر: "وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله «لا نورث»، ورأت أن منافع ما خلّفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل"
(2)
.
(1)
صحيح البخاري «6726» ، صحيح مسلم «1758» .
(2)
فتح الباري 6/ 202.
فصل
فتح وادي القُرى
قال المصنف: «ورجعَ إلى المدينةِ على وادي القُرى فافتتحه، وقيل: إنه قاتل فيه. فالله أعلم. وفي الصحيحين
(1)
: أن غلاماً لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يُدعى مِدْعَماً، بينما هو يَحطُّ رحل رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم غَرْبٌ
(2)
فقتله، فقال الناسُ: هنيئاً له الشهادة يا رسُولَ الله، فقال:«كلا والذي نفسي بيدِه، إن الشَّمْلة التي أخذها من الغنائم لم تُصبها المقاسمُ لتشتعلُ عليه ناراً» ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ وادي القرى سمّي بذلك لكثرة قراه، وهو بين المدينة وتبوك، وأعظم مدنه اليوم: مدينة «العُلا» شمال المدينة، على مسافة (350) كيلاً.
2 ــ وحادثة فتح وادي القرى ذكرها ابن إسحاق في السيرة
(3)
، وفي الصحيحين إشارة لها
(4)
.
(1)
صحيح البخاري «4234» ، صحيح مسلم «115» من حديث أبي هريرة.
(2)
أي لا يُدرى من رمى به.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 338 بدون إسناد.
(4)
صحيح البخاري «4234» ، صحيح مسلم «115» .
وذكر ابن القيم
(1)
: أنه كان بها جماعة من اليهود والعرب، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا احرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، فلما أبوا قاتلهم حتى فتح بلادهم عنوة وغنم أموالهم.
3 ــ وحادثة الغلام الذي غلّ الشملة من الغنائم مخرجة في الصحيحين
(2)
، وفيها دليل على تعظيم أمر الأخذ من مال الغنيمة قبل قسمتها، وعدّه الهيتمي من الكبائر
(3)
.
(1)
زاد المعاد 3/ 314.
(2)
صحيح البخاري «4234» ، صحيح مسلم «115» ، وليس عند مسلم التصريح باسم الغلام.
(3)
الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/ 291.
فصل
عُمْرة القَضَاءِ
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ عمرة القضاء ذكرها ابن إسحاق وموسى بن عقبة بسند حسنه ابن حجر عن ابن عمر
(1)
.
2 ــ وكانت هذه العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السابعة من الهجرة في قول عامة أهل السير.
3 ــ وسمّيت بعمرة القضاء على القول الراجح لأنها كانت مقاضاة حسبما اتُفق عليه في صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش أن يرجع من عامه ذاك ويعتمر في العام المقبل.
(1)
فتح الباري 7/ 500.
ولذلك يقال لها أيضاً عمرة القضيّة وعمرة الصلح.
قال العلامة السهيلي: "سمّيت عمرة القضاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاضى قريشاً عليها، لا لأنه قضى العمرة التي صُدّ عن البيت فيها، فإنها لم تك فسدت بصدّهم عن البيت، بل كانت عمرة تامة"
(1)
.
4 ـ ومما يؤكد أنها كانت عمرة جديدة ولم تكن قضاء لعمرة الحديبية أن الذين صُدّوا عن البيت كانوا ألفاً وأربعمائة، وهؤلاء كلّهم لم يكونوا معه في عمرة القضية، ولو كانت قضاء لم يتخلّف منهم أحد
(2)
.
زواجه صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث:
قال المصنف: «وتزوّج بعد إحلالِه بميمونة بنتِ الحارثِ أمّ المؤمنين، وتمت الثلاثة أيام، فبعثَ إليه المشركون علياً رضي الله عنه يقولون له: اخرجْ من بلدنا. فقال: «وما عليهم لو بنيتُ بميمونة عندهم؟» ، فأبو عليه ذلك. وقد كانوا خرجوا من مكة حين قدمها صلى الله عليه وسلم عداوة وبغضاً له. فخرج عليه الصلاة والسلام فبنى بميمونة بسَرِفٍ ورجعَ إلى المدينةِ مؤيداً منصوراً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ بقاءُ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد العمرة ثلاثة أيام كان بحسب اتفاقه مع قريش في صُلح الحديبية
(3)
.
(1)
الروض الأنف 7/ 25.
(2)
زاد المعاد 2/ 86.
(3)
صحيح البخاري «4251» .
2 ــ وبعث المشركين علياً كي يُعلم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة مخرج في البخاري
(1)
.
3 ــ وقد اختلفت الروايات في زواجه صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث هل كان حلالاً وقتها أم كان مُحرماً، والصحيح أنه كان حلالاً.
وذهب ابن عباس إلى أنه كان حراماً، قال ابن القيم:"ووهم رضي الله عنه، فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوجها حلالاً، وقال: كنت أنا السفير بينهما. وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائباً عن القصة لم يحضرها، وأبو رافع رجلٌ بالغٌ، وعلى يده دارت القصة وهو أعلمُ بها، ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم"
(2)
.
4 ــ وفي هذه العمرة تحدَّثت قريش فيما بينها بأن محمداً وأصحابه قد أضعفتهم حُمى يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة حتى يريهم منه قوة وجلداً، وقد كرر فعله هذا في عمرة الجعرانة وفي حجة الوداع فصارت سنة للأبد
(3)
.
(1)
صحيح البخاري «4251» .
(2)
زاد المعاد 1/ 109.
(3)
المنتقى للباجي 2/ 284.
فصل
غزوة مُؤتة
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ سمّيت هذه الغزوة مؤتة نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه.
ومؤتة اليوم: قرية عامرة بالسكان، شرقي الأردن، تبعد (11) كيلاً عن مدينة الكرك.
2 ــ جرى عامة كتاب السيرة على تسمية هذه الحادثة بـ "غزوة مؤتة" مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج فيها، فكان حسب الاصطلاح ينبغي أن تسمى سريّة أو بعثاً، لكنهم اطلقوا عليها غزوة لكثرة عدد المسلمين فيها، ولما لها من أهمية بالغة
(1)
.
3 ــ وقوله: "ليأخذوا بثأر من قُتل هناك من المسلمينَ": كان هذا سبب الغزوة، وإيضاحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل رسولاً يقال له الحارث بن عمير
(1)
فقه السيرة للبوطي ص 258.
الأزدي إلى شرحبيل بن عمرو الغساني أمير بصرى من قِبَل الروم يدعوه إلى الإسلام.
فأوثقه شرحبيل وقتله صبراً، وكانت العادة قد جرت بعدم قتل الرسل والسفراء مهما عظم الخلاف وكرهت الرسالة.
فلما بلغ الخبرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم غضب واشتدّ عليه فبعث هذه السرية تأديباً له
(1)
.
وربما كان مقصد النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من ذلك، وأنه كان يريد تحرير قبائل العرب القاطنين شمالي الجزيرة العربية من هيمنة الروم، وجعلها تحت رعاية دولة الإسلام.
4 ــ وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أهل المغازي لا يختلفون في أنها وقعت في السنة الثامنة من الهجرة إلا ما ذكره خليفة بن خياط أنها كانت سنة سبع
(2)
.
5 ــ وترتيبه صلى الله عليه وسلم الأمراء وقوله "إن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب فعبد الله بن رواحة"، هذا مخرّج في الصحيح بنحوه من حديث ابن عمر
(3)
.
وفيه دليل على جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب، كما أفاده الحافظ في الفتح
(4)
.
6 ــ وكانت هذه الغزوة هي الأولى التي يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم فيها مثل هذا الإجراء من تولية عدد من الأمراء على الترتيب، وربما حمله صلى الله عليه وسلم على ذلك بعد المسافة وقوة
(1)
طبقات ابن سعد 4/ 255.
(2)
فتح الباري 7/ 511.
(3)
صحيح البخاري «4261» .
(4)
فتح الباري 7/ 513.
الأعداء، مما قد يتوقع معه حصول الأخطار والمكاره
(1)
.
خروج الجيش وتوديع النبي صلى الله عليه وسلم لهم:
قال المصنف: «فخرجُوا في نحوِ من ثلاثةِ آلافٍ، وخَرَجَ صلى الله عليه وسلم معهم يُودّعهم إلى بعضِ الطريقِ، فساروا حتى إذا كانوا بمعان
(2)
بلغهم أن هرقلَ ملكَ الروم قد خَرَجَ إليهم في مائةِ ألفٍ ومعه مالِك بنُ زافلة في مائة ألف أخرى من نصارى العرب؛ من لَخْم وجُذام وقبائل قُضاعة من بَهْراء وبِلّي وبَلْقِين.
فاشتورَ المسلمون هناك، وقالوا: نكتبُ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأمره أو يمدّنا. فقال عبدُ الله بنُ رَواحة رضي الله عنه: يا قومُ! والله إن الذي خرجتُم تطلبون: أمامكم ــ يعني الشهادة ــ وإنكم ما تقاتلون الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ، وما نقاتلهم إلَّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فهي إحدى الحُسنيين: إما ظهورٌ، وإما شهادةٌ. فوافقه القومُ، فنهضوا».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ عامة مصادر السيرة تذكر أن عدد جيش المسلمين كان ثلاثة آلاف، بينما كان عدد جيش الروم ومن انضم إليهم من نصارى العرب مائتي ألف مقاتل، أي أكثر من (66) ضعفاً!!
قال ابن كثير: "أقل ما قيل: إن الروم كانوا مائة ألف ومن العرب خمسون ألفا"
(3)
.
(1)
السيرة النبوية للعُمري 2/ 467.
(2)
معان: مدينة جنوب عمان بالأردن، على مسافة (212) كيلاً منها.
(3)
البداية والنهاية 6/ 416.
وأنا أشك في هذا الرقم، وأرى أن فيه مبالغة لأسباب منها:
أولاً: أن حشد مثل هذه الأعداد الضخمة ليس بالأمر الهين في وقت قصير.
ثانياً: أن عدد جيش المسلمين كان معروفاً لدى أعدائهم وأنه لا يتجاوز ثلاثة آلاف، فمن المستبعد أن يقابلهم الروم بتلك الأعداد الهائلة.
ثالثاً: أن حصيلة شهداء المسلمين في المعركة لم تتجاوز ثلاثة عشر شهيداً أو أقلّ، مما لا يتناسب مع ما ذُكر من أعداد خصومهم وقوتهم!؟
على أن بعض علماء السيرة كالإمام الزهري
(1)
لم يحدد عدداً لجيش الروم وحلفائهم، واكتفى بكونهم جموعاً كثيرة، ولعل هذا هو الأصوب والله أعلم
(2)
.
2 ــ مقولة عبدالله بن رواحة "يا قوم إن الذي خرجتم تطلبون أمامكم .. "، نقلها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(3)
.
3 ــ وقد دلت مواجهة الصحابة لهذه الجموع الكبيرة على مقدار ما كانوا عليه من شجاعة وصبر وقوة إيمان في ميادين الجهاد.
4 ــ رأى بعض المحللين المعاصرين أن تشجيع عبد الله بن رواحة للمسلمين
(1)
رواه عنه الطبراني، وقال الهيثمي في المجمع 6/ 160: رجاله ثقات. وانظر مرويات الإمام الزهري في المغازي 2/ 684.
(2)
وبعد كتابة هذا رأيت من كتاب السيرة المعاصرين أيضاً من أبدى شكاً فيما ذكر من أعداد الروم ومن معهم ومال إلى ما رجحته، ينظر غزوة مؤتة لبريك أبي مائلة ص 279.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 375.
لخوض هذه المعركة بالرغم من تفوق عدوهم الهائل يعد خطأ استراتيجياً ومغامرة خطرة!!
لكن يجاب عن هذا بأن ما ذكر إنما هو بحسب القوانين الأرضية المادية، وليس بحسب من يجاهد في سبيل الله ويدافع عن عقيدة وإيمان
(1)
.
اشتداد القتال واستشهاد القادة الثلاثة:
قال المصنف: «فلمَّا كانوا بتخومِ البلْقاء لقُوا جموعَ الروم، فنزل المسلمون إلى جنب قرية مؤتة، والرومُ على قريةٍ يقال لها مَشَارف، ثم التقوا فقاتلوا قتالاً عظيماً. وقُتل أميرُ المسلمين زيدُ بنُ حارثة رضي الله عنه والراية في يده، فتناولها جعفرٌ، وقاتل حتى قُطعت يده اليمنى، فأخذ الراية بيده الأخرى فقُطعت أيضاً، فاحتضن الراية ثم قُتل رضي الله عنه عن ثلاث وثلاثين سنة على الصحيح. فأخذ الراية عبدُ الله بنُ رواحة الأنصاري رضي الله عنه، وتلوَّم بعض التلوّم، ثم صمَّم وقاتل حتى قُتل، فيقالُ: إن ثابتَ بن أقرم أخذ الراية وأراد المسلمون أن يؤمّروه عليهم فأبى.
فأخذ الراية خالدُ بن الوليد رضي الله عنه فانحازَ بالمسلمين، وتلطَّفَ حتى خَلَصَ المسلمون من العدو، ففتح الله على يديه كما أخبر بذلك كلّه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين بالمدينة يومئذٍ، وهو قائم على المنبر، فنعى إليهم الأمراء، واحداً واحداً، وعيناه تذرفان صلى الله عليه وسلم، والحديث في الصحيح
(2)
.
وجاء الليل فكفّ الكفار عن القتال. ومع كثرة هذا العدو وقلّة عدد المسلمين بالنسبة إليهم لم يُقتل من المسلمين خلقٌ كثيرٌ على ما ذكره أهل السير، فإنهم لم
(1)
ينظر غزوة مؤتة لأبي مائلة ص 294.
(2)
صحيح البخاري «4262» من حديث أنس بن مالك.
يذكروا فيما سمّوا إلا نحو العشرة. وكرَّ المسلمون راجعين، ووقى الله شرّ الكفرة وله الحمدُ والمنّة، إلا أن هذه الغزوة كانت إرهاصاً لما بعدها من غزو الروم، وإرهاباً لأعداءِ الله ورسُولِه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ عامة ما أورده المصنف من أحداث الغزوة ذكره ابن إسحاق في السيرة
(1)
، وبعضه في صحيح البخاري كما أشار المصنف.
2 ــ ومن براعة خالد بن الوليد العسكرية في هذه المعركة ما ذكره الواقدي أنه عندما تسلَّم خالدٌ قيادة الجيش في المساء غيّر ترتيبه، فجعل مقدمته مؤخرته، ومؤخرته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته، فلما أصبح من الغد أنكر الروم هيئة الجيش وراياته وحسبوا أنه قد جاءهم مَدَدٌ فرعبوا وانهزموا
(2)
.
3 ــ وفي نعيه صلى الله عليه وسلم لزيد وجعفر وابن رواحة وهو على المنبر في اليوم الذي ماتوا فيه قبل أن يأتيه خبرهم آية باهرة ومعجزة ظاهرة من معجزاته صلوات الله وسلامه وعليه.
4 ـ وفي نعيه صلى الله عليه وسلم للقادة الثلاثة دليل على جواز الإعلام بموت الميت، وليس ذلك من النعي المنهي عنه، فإن المراد بالنهي إذاعة موت الميت في الأماكن العامة مع تعديد شمائله ومآثره ونعته بأنواع المدائح الصحيحة والمكذوبة، هذا هو المنهي عنه
(3)
.
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 378.
(2)
مغازي الواقدي 2/ 764.
(3)
تيسير العلام ص 279.
5 ــ وفي ظهور حزنه وبكائه صلى الله عليه وسلم على أهل مؤتة دليل على أن الحزن والبكاء لا يتنافيان مع الصبر والرضا بالقضاء، وإنما النهي موجه للجزع ورفع الصوت عند المصيبة
(1)
.
* * *
(1)
فتح الباري 7/ 514.
فصل
فتح مكة
قال المصنف: «نذكر ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله عز وجل بها رسُولُه، وأقرَّ عينَه بها، وجعلها عَلَماً ظاهراً على إعلاءِ كلمته وإكمالِ دينه والاعتناءِ بنصرته.
وذلك لمّا دخلت خزاعةُ ــ كما قدّمنا ــ عام الحُديبية في عَقْد رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكرٍ في عَقْد قريشٍ، وضُربت المدَّةُ إلى عشْر سنين، أَمِنَ الناسُ بعضهم بعضاً، ومضى من المدةِ سنةٌ ومن الثانية نحو تسعةِ أشهر، فلم تكمل حتى غدا نوفلُ بن معاوية الدّيلي فيمن أطاعه من بني بكر بنِ عبد مناة فبيَّتوا خُزاعة على ماءٍ لهم يقال له الوَتِير
(1)
، فاقتتلوا هناك بذحُول
(2)
كانت لبني بكرٍ على خزاعة من أيام الجاهلية، وأعانت قريشٌ بني بكرٍ على خزاعة بالسّلاح، وساعدهم بعضهم بنفسِه خفية، وقتلوا من خزاعة رجلاً، فانتقض عهدُ قريشٍ بذلك.
فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبُديل بن ورقاء الخزاعي وقومٌ من خزاعة حتى أتوا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فأعلموه بما كان من قريشٍ واستنصروه عليهم، فأجابهم
(1)
ماء قريب من مكة.
(2)
الذحل: ثأر الجاهلية وعداوتها.
صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالنَّصر، وأنذرهم أن أبا سفيان سيقدُمُ عليهم مؤكداً العَقْد وأنه سيردُّه بغير حاجةٍ. فكان ذلك».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ اتفق علماء السيرة على أن غزوة فتح مكة كانت في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة
(1)
.
2 ــ وسبب هذه الغزوة هو نقض قريشٍ للعهد الذي كان بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشاً كانت قد أعانت بني بكر على غزو خزاعة وساعدتهم بالسلاح والرجال، وكانت خزاعة قد دخلت في عقد المسلمين وجوارهم بموجب اتفاق الحديبية، وبذلك تكون قريش قد نقضت عهد الصلح مع المسلمين
(2)
.
3 ــ وقد دلت هذه الحادثة على أن أهل العهد والهدنة مع المسلمين، إذا حاربوا من هم في ذمة المسلمين وجواره، صاروا حرباً لهم بذلك. ولم يبق بينهم وبين المسلمين عهد. وهذا ما اتفق عليه علماء المسلمين
(3)
.
فشل قريش في تجديد عقد الصلح:
قال المصنف: «وذلك أن قريشاً ندِمُوا على ما كان منهم، فبعثوا أبا سفيان
(1)
السيرة النبوية الصحيحة للعُمري 2/ 475.
(2)
هذه محصلة رواية ابن إسحاق ــ كما في البداية والنهاية 6/ 508 ــ بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم به، ومن طريق ابن إسحاق رواه البيهقي في الكبرى 9/ 233، وصحح إسناده الصوياني في كتابه السيرة النبوية 4/ 12، وحسنه أكرم العُمري في السيرة النبوية الصحيحة 2/ 473، وله شاهدان آخران ذكرهما العُمري في كتابه السابق.
(3)
فقه السيرة للبوطي ص 270.
ليشدَّ العَقْد الذي بينهم وبين محمدٍ صلى الله عليه وسلم ويزيدَ في الأجلِ، وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، فذهب ليقعد على فراش رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فمنعته، وقالت: إنك رجلٌ مشركٌ نجسٌ. فقال: والله يا بنيّة لقد أصابك بعدي شرٌّ. ثم جاء رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه صلى الله عليه وسلم بكلمةٍ واحدةٍ. ثم ذهب إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه فطلب منه أن يكلّم رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه فأغلظ له، وقال: أنا أفعل ذلك؟! والله لو لم أجد إلا الذرّ لقاتلتكم به. وجاء علياً رضي الله عنه فلم يفعل، وطلب من فاطمة بنتَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أن تأمر ولدَها الحسن أن يجير بين الناس، فقالت: ما بلغ بنيّ ذلك، وما يجيرُ أحدٌ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
فأشار عليه عليٌّ رضي الله عنه أن يقوم هو فيجيرُ بين الناس، ففعل. ورجعَ إلى مكةَ، فأعلمهم بما كان منه ومنهم، فقالوا: والله ما زاد ــ يعنون علياً ــ أن لعبَ بك.
ثم شَرَع رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الجهاز إلى مكة، وسأل الله عز وجل أن يعمّي على قريشٍ الأخبار، فاستجاب له ربّه تبارك وتعالى، ولذلك لما كتَبَ حاطبُ بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكة يعلمُهم فيه بما هَمَّ به رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من القدومِ على قتالِهم، وبَعَثَ به مع امرأة، وقد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه، وقَبِلَ ذلك منه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وصدَّقه، لأنه كان من أهلِ بدرٍ، وبَعَثَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير والمقداد رضي الله عنهم، فردُّوا تلك المرأة من روضة خَاخٍ
(1)
، وأخذوا منها الكتاب.
وكان هذا من إعلامِ الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم بذلك ومن أَعلامِ نبوته صلى الله عليه وسلم. وخرجَ صلى الله عليه وسلم لعشرٍ خلون من رمضان، في عشرة آلاف مُقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل
(1)
موضع بالمدينة بقرب حمراء الأسد من حدود العقيق.
العرب. ولقيه عمّه العباس بذي الحليفة، وقيل: بالجحفة فأسلَم، ورجعَ معه صلى الله عليه وسلم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ نَدَمُ قريشٍ على نقضهم العهد وإرسالهم أبا سفيان لتجديده وفشله في ذلك ذكره ابن إسحاق من مرسل عروة بن الزبير، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح من مرسل عكرمة
(1)
.
2 ــ وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمّي عن قريش أخبار مسيره إليهم ذكره ابن إسحاق بلفظ: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها»
(2)
.
3 ــ وكتابة حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم .. إلى آخر قصته مخرج في الصحيحين بلفظ مطول من حديث علي بن أبي طالب
(3)
.
4 ــ وقد عفى النبي صلى الله عليه وسلم عن حاطب خطيئته هذه لأنه كان من أهل بدر، وقال لعمر بن الخطاب عندما أراد قتله:«وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم»
(4)
.
5 ــ قال ابن القيم: "وفي هذا دليل أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية .. ثم ذكر نصوصاً عدة في أن الحسنات قد تمحوا
(1)
مصنف ابن أبي شيبة (26902)، فتح الباري 8/ 6.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 397، وقال الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص 376: ضعيف رواه ابن إسحاق بدون إسناد.
(3)
صحيح البخاري «4274» ، صحيح مسلم «2494» .
(4)
صحيح البخاري «3081» ، صحيح مسلم «2494» .
السيئات، كقوله تعالى:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، ثم قال: "وعَكْسُ هذا ذو الخُويْصَرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حدٍّ يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»
(1)
فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة"
(2)
.
6 ــ وما ذكره المصنف من إسلام العباس بن عبد المطلب قبل الفتح هذا هو المشهور في إسلامه، وقيل إنه أسلم قبل خيبر، وكان يكتم إسلامه وأظهره يوم الفتح، وبه جزم به ابن عبد البر، وقال ابن حجر إنه "ليس ببعيد".
(3)
.
7 ــ وفي إعلامه صلى الله عليه وسلم بالظعينة التي كانت تحمل كتاب حاطب إلى قريش آية ظاهرة ومعجزة باهرة، وهو مما أطلعه الله عليه من الغيب.
إسلام أبي سفيان بن حرب:
قال المصنف: «وأما قريشٌ فعمّى الله عليها الخبر، إلا أنَّهم قد خافوا وتوهَّموا من ذلك، فلما كانت تلك الليلةُ خرجَ ابن حَرْب، وبُدَيل بن وَرْقاء، وحَكيم بن حِزَام يتجسسون الخبر، فلما رأوا النيران أنكروها، فقال بُديل: هي نار خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ من ذلك. وركب العبّاس بغلة رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذٍ، وخرجَ من الجيش لعله يلقى أحداً، فلما سمعَ أصواتهم عرفهم، فقال: أبا حنظلة! فعرفه أبو سفيان، فقال: أبو الفضل؟ قال نعم. قال ما وراءك؟ قال ويحك، هذا
(1)
صحيح البخاري «7432» ، صحيح مسلم «1064» .
(2)
زاد المعاد 3/ 375 باختصار.
(3)
الاستيعاب لابن عبد البر 2/ 812. فتح الباري 3/ 220، 7/ 77.
رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في الناس، قال: فما الحيلة؟ قال والله لئن ظَفِرَ بك ليقتلنَّك، ولكن اركبْ ورائي وأسْلِم.
فأدخله على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمرُ في أثره، فاستأذن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في ضربِ عنقه، فأجاره العبّاسُ مبادرة، فتقاول هو وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يأتيه به غداً، فلما أصبحَ أتى به رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فعَرَضَ عليه الإسلامَ فتلكأ قليلاً، ثم زجره العبّاسُ فأسْلَم، فقال العبّاسُ: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحبُّ الشرفَ، فقال صلى الله عليه وسلم «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» . والغرضُ أنه صلى الله عليه وسلم أصبحَ يومه ذلك سائراً إلى مكة، وقد أَمَر صلى الله عليه وسلم العبّاسَ أن يُوقف أبا سفيان عند خَطْم الجبل
(1)
، لينظر إلى جنودِ الإسلامِ إذا مرَّت عليه.
وقد جعلَ صلى الله عليه وسلم أبا عُبيدة بنَ الجرَّاح رضي الله عنه على المقدّمة، وخالدَ بنَ الوليد رضي الله عنه على الميمنة، والزبيرَ بنَ العوام رضي الله عنه على الميسرة، ورسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في القلب، وأَمَرَهُم بقتالِ مَنْ قاتلهم، فقُتل من المسلمين ثلاثةٌ، وقُتل من المشركين ثلاثة عشر، وفرّ بقيتُهم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ خروج أبي سفيان وبُدَيل بن وَرْقاء وحَكيم بن حِزام يتجسسون الخبر .. إلى آخر القصة أخرجه البخاري
(2)
بنحوه مع زيادات ونقص من حديث
(1)
خطم الجبل: أنفه النادر منه.
(2)
صحيح البخاري «4280» .
عروة بن الزبير. قال القسطلاني: "هذا مرسل لأن عروة تابعي"
(1)
.
2 ــ وقصة إسلام أبي سفيان وقوله صلى الله عليه وسلم: «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» مخرجة عند أبي داود من حديث ابن عباس بإسناد حسن
(2)
، وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم بنحوه
(3)
.
3 ــ وفي قصة إسلام أبي سفيان بن حرب دليل على عدم اشتراط رسوخ الإيمان في بداية الإسلام، فإن أبا سفيان أسلم في أول الأمر وهو متردد لكن حسن إسلامه بعد ذلك.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها»
(4)
.
4 ــ واستدل بضعهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» على أن مكة فتحت صلحاً، وذهب الأكثرون إلى أنها فتحت عنوة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار»
(5)
، وأما ما ذكروه من عدم قسمة أرض مكة بين الفاتحين فلقدسيتها وكونها حرم الله ودار النسك ومتعبد الخلق ..
(1)
إرشاد الساري 6/ 390.
(2)
حسنه الألباني في صحيح أبي داود «3022» .
(3)
صحيح مسلم «1780» .
(4)
المصدر السابق «2312» .
(5)
صحيح مسلم «1354» .
والمسألة فيها أبحاث طويلة
(1)
.
5 ــ وفي إرداف العبّاس لأبي سفيان دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وليس فيه إضرار بها، وقد صحَّ ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم في أحاديث عدة
(2)
.
6 ــ وقوله: "وأَمَرَهُم بقتال من قاتلهم"، قلت: قد صحّ هذا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غداً: أن تَحصدُوهم حصداً، وأحفَى بيده، ووضع يمينَه على شماله"
(3)
.
دخوله صلى الله عليه وسلم مكة وتأمين الناس:
(1)
فتح الباري 8/ 12، عمدة القاري 8/ 162.
(2)
معالم السنن 2/ 250، فيض القدير 5/ 215.
(3)
صحيح مسلم «1780» .
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ دخوله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المِغْفَر مخرج في الصحيحين
(1)
.
2 ــ وقوله: "ورأسه يكاد يمسُّ مُقَدَّمة الرَّحل من تواضعه لربّه" هذا أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك بلفظ: «وضع رأسه على رحله تخشُّعاً»
(2)
.
3 ــ وتأمينه صلى الله عليه وسلم الناس يوم الفتح إلا من ذكرهم المصنف أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وحسنه بمجموع طرقه وشواهده الصوياني
(3)
.
وفيه دليل على رحمته صلى الله عليه وسلم بالناس وعدم إرادته الانتقام ممن طردوه وحاربوه سنين طويلة وكانوا ألدّ أعدائه.
وبهذه الأخلاق الرفيعة تمكّن الإسلام من قلوبهم، فأقبلوا عليه، ودخلوا في دين الله أفواجاً
(4)
.
وقد أورد ابن إسحاق في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقريش يوم الفتح: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»
(5)
.
(1)
صحيح البخاري «5808» ، صحيح مسلم «1357» .
(2)
مسند أبي يعلى «3393» ، وقال الهيثمي في المجمع 6/ 196:" فيه عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ضعيف".
(3)
الصحيح من أحاديث السيرة ص 497.
(4)
دراسات في السيرة النبوية ص 126.
(5)
سيرة ابن هشام 2/ 412 بإسناد مرسل، حيث قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم.
4 ــ وأمره صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خَطَل ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ثابت في الصحيحين
(1)
.
قال الدكتور أكرم العُمري: "وهؤلاء الذين أُهدرت دماؤُهم كانوا ممن ألحق الأذى الشديد بالمسلمين، فكان في إهدار دمهم عبرة لم تسوّل له نفسه الظلم والطغيان"
(2)
.
5 ــ ودخوله صلى الله عليه وسلم مكة ورأسه يكاد يمسّ مقدَّمة رحله دليل على شدة تواضعه صلى الله عليه وسلم وبعده عما يصيب الفاتحين عادة من التعاظم والغرور.
6 ــ وفي دخوله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر، وفي رواية: وعليه عمامة سوداء، دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر
(3)
.
أمره صلى الله عليه وسلم بمحو الصور التي في الكعبة:
قال المصنف: «ونَزَلَ صلى الله عليه وسلم مكة واغتسل في بيت أم هانئ، وصلّى ثماني ركعاتٍ يسلّم من كل ركعتين، فقيل إنها صلاة الضحى. وقيل: صلاة الفجر. وخرج صلى الله عليه وسلم إلى البيت فطاف به طواف قدومٍ، ولم يسعَ، ولم يكن معتمراً، ودعا بالمفتاحِ، فدخلَ البيتَ وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه، وأذَّن بلالٌ يومئذ على ظَهْرِ الكعبة، ثم ردَّ صلى الله عليه وسلم المفتاحَ إلى عثمانَ بنَ طلحة بن أبي طلحة. وأقرَّهم على السّدَانَة
(4)
. وكان الفتحُ
(1)
صحيح البخاري «3044» ، صحيح مسلم «1357» .
(2)
السيرة النبوية الصحيحة 2/ 480.
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم 9/ 131.
(4)
سِدَانة الكعبة معناه: القيام بشؤونها من فتحها وإغلاقها وتنظيفها وكسوتها وصيانتها ..
لعَشْرٍ بقين من رمضانَ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ نزوله واغتساله صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانئ وصلاته فيه ثمان ركعات ثابت في الصحيحين
(1)
.
2 ــ وقول المصنف: "فقيل إنها صلاة الضحى، وقيل: صلاة الفجر"، قلت: الصحيح أنها كانت صلاة الضحى لتصريح الروايات الثابتة في الصحيحين بذلك كما تقدم.
3 ــ وفي صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى بمكة دليل على مشروعية صلاة الضحى للمسافر، وبوب عليه البخاري بقوله:"باب صلاة الضحى في السفر"
(2)
.
4 ــ وطوافه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بالبيت من غير عمرة مخرج في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة
(3)
.
5 ــ وأذان بلال رضي الله عنه يوم الفتح فوق ظهر الكعبة أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير، ومن مرسل ابن ابي مليكة، ومن حديث بعض آل جبير بن مطعم به
(4)
.
6 ــ وأمره صلى الله عليه وسلم بمحو الصور وإخراجها من البيت ودخول البيت بعد ذلك
(1)
صحيح البخاري «1176» ، صحيح مسلم «336» .
(2)
صحيح البخاري مع الفتح 3/ 52.
(3)
صحيح مسلم «1780» .
(4)
دلائل النبوة للبيهقي 5/ 79، وهو يتقوى بتعدد تلك المراسيل.
مخرج في صحيح البخاري من حديث ابن عباس
(1)
.
وقد صحّ أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتحطيم الأصنام التي كانت حول البيت وتطهيره منها، وشارك في ذلك بنفسه، وكانت ثلاثمائة وستين صنماً
(2)
.
خطبته صلى الله عليه وسلم وبيان حرمة مكة:
قال المصنف: «واستمر صلى الله عليه وسلم مُفطراً بقيّة الشهر، يصلّي ركعتين، ويأمر أهلَ مكة أن يتمّوا، كما رواه النسائي
(3)
بإسناد حسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه، وخَطَبَ صلى الله عليه وسلم الغَدَ من يوم الفتح فبيَّن حرمة مكة وأنها لم تحلّ لأحدٍ قبله ولا تحلّ لأحدٍ بعده، وقد أُحلَّت له ساعةً من نهار، وهي غير ساعته تلك حرامٌ. وبعث صلى الله عليه وسلم السرايا إلى من حول مكة من أحياءِ العربِ يدعوهم إلى الإسلام».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "واستمر صلى الله عليه وسلم مُفطراً بقية الشهر، يصلّي ركعتين": قلت: قال المصنف في تاريخه: "ولا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام أقام بقيّة شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر"
(4)
.
2 ــ وخطبته صلى الله عليه وسلم الغَد من يوم الفتح وبيان حرمة مكة مخرج في الصحيحين من حديث أبي شريح العدوي
(5)
.
(1)
صحيح البخاري «1601» .
(2)
صحيح البخاري «2478» ، صحيح مسلم «1781» .
(3)
الحديث لم يروه النسائي، وإنما هو في سنن أبي داود (1229).
(4)
البداية والنهاية 6/ 609.
(5)
صحيح البخاري «4295» ، صحيح مسلم «1354» .
3 ــ وبعثه صلى الله عليه وسلم السرايا حول مكة تدعوا إلى الإسلام ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(1)
.
4 ــ وقد استدل بقصره صلى الله عليه وسلم مدة بقائه بمكة زمن الفتح على أن المسافر له أن يقصر ولو كان مقيماً.
واختلف في المدة، فالجمهور على أنها أربعة أيام، وذهب بعضهم كابن عباس إلى أن له القصر إلى تسعة عشر يوماً استدلالاً بحادثة الفتح هذه، فإنه قال بعد أن روى الحديث:«ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا»
(2)
.
5 ــ وفي خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ما يؤكد على حرمة مكة المكرمة، وعظيم شرفها، وتحريم القتال فيها، وحرمة قطع الشجر، وقتل الصيد، وإخافته فيها.
6 ــ وهكذا قضى الإسلام على الوثنية والشرك في مكة بلد التوحيد ومهد الإسلام، فلم تَقُم بعده للشرك قائمة فيه
(3)
.
* * *
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 428.
(2)
صحيح البخاري «4299» .
(3)
دراسات في السيرة النبوية ص 127.
فصل
غزوة حُنين
قال المصنف: «ولمَّا بَلَغَ فتحُ مكة هَوازِنَ جَمَعَهم مالكُ بن عوف النَّصْري، فاجتمعَ إليه ثقيفٌ، وقومُه بنو نصر بن معاوية، وبنو جُشَم، وبنو سعد ابن بكر، ويسيرٌ من بني هلال بن عامر، وقد استصحبوا معهم أنعامَهم ونساءَهم لئلَّا يَفِرُّوا، وبَعَثَ صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن أبي حَدْرَد الأسْلَمي فاستعلَم له خبر القوم وقصدهم، فتهيأ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم للقائهم، واستعارَ من صَفوان بن أُمية أدراعاً، واقترض منه جملة من المال.
وسَارَ إليهم في العَشَرَةِ آلافٍ الذين كانوا معه في الفَتْحِ، وألفينِ من طُلقاءِ مكة
(1)
، واستخلف على مكة عتَّاب بن أُسيد، وله نحو عشرين سنة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ سمّيت هذه الغزوة حُنين نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه، وحُنين: وادٍ يعرف اليوم بالشرائع، ويبعد عن مكة (26) كيلاً شرقاً.
2 ــ وكانت غزوة حنين في أول شهر شوال من السنة الثامنة من الهجرة
(2)
.
(1)
طلقاء مكة: هم الذين مَنَّ عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فخلى سبيلهم ولم يسترقهم، ينظر شرح المواهب للزرقاني 3/ 498.
(2)
الدرر في اختصار المغازي والسير ص 228.
3 ــ وخروج هوازن عن بكرة أبيها وقد جمعت أنعامها ونساءها وذراريها لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح
(1)
، وله شاهد في صحيح مسلم بنحوه
(2)
.
4 ــ وفي بعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حَدْرَد ليأتيه بخبر القوم دليل على جواز بثّ العيون بين الأعداء ليأتوا بأخبارهم وشأنهم، بل إنه واجب إذا دعت الحاجة إليه
(3)
.
5 ــ وفي استعارته صلى الله عليه وسلم سلاحاً ومالاً من صفوان بن أُمية وكان لا يزال مشركاً دليل على جواز الاستعانة بالمشرك إذا كان موضع ثقة واطمئنان، وقد تقدمت هذه المسألة بشواهدها مراراً.
6 ــ ومسيره صلى الله عليه وسلم إلى هوازن في جيشٍ تعداده عشرة آلاف ومعه من الطلقاء مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك
(4)
.
7 ــ وتحديد الطلقاء بألفين ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(5)
.
وكان عدد جيش هوازن ضعف عدد جيش المسلمين أو أكثر حسب قول الحافظ ابن حجر
(6)
، أي نحو عشرين ألفاً.
(1)
سنن أبي داود «2501» ، سنن النسائي الكبرى «8819» .
(2)
صحيح مسلم «1059» .
(3)
فقه السيرة للبوطي ص 290.
(4)
صحيح البخاري «4337» ، صحيح مسلم «1059» .
(5)
سيرة ابن هشام 2/ 440.
(6)
فتح الباري 8/ 29.
8 ــ واستخلافه صلى الله عليه وسلم عتّاب بن أُسيد على مكة ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(1)
.
وفيه دليل على عنايته صلى الله عليه وسلم بعنصر الشباب وتربيتهم على القيام بالمهام الكبيرة، فإن عتَّاباً كان عمره عشرين عاماً عندما استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم والياً على مكة، وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم أوكل إليه أيضاً مهمة الحج بالناس عام حنين.
اجعل لنا ذات أنواط!!
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ حادثة ذات أنواط مخرجة في مسند أحمد، وصححها الألباني وشعيب الأرناؤوط
(2)
.
2 ــ وفي الحادثة دليل تحريم التبرك بالأشجار والأحجار والعكوف عندها، وسدّ جميع المنافذ التي قد تفضي إلى الشرك، ونحوه العكوف على القبور والتماس البركة منها.
3 ــ ولا شك أن الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم هذا الطلب العجيب من أن يجعل
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 440.
(2)
مسند الإمام أحمد «21897» بتحقيق الأرناؤوط، تعليق الألباني على مشكاة المصابيح «5408» .
لهم ذات أنواط كانوا يجهلون معنى إخلاص التوحيد لله تعالى، ولعله بسبب حداثة دخولهم في الإسلام.
كمون هوازن للمسلمين في عماية الصبح:
قال المصنف: «ثم نَهَضَ صلى الله عليه وسلم فوافى حنيناً، وهو واد حَدُوْر
(1)
من أودية تهامة. وقد كَمَنَتْ لهم هَوازِنُ فيه، وذلك في عَمَاية الصُّبْحِ، فحَمَلُوا على المسلمين حَمْلَةَ رجُل واحدٍ، فولّى المسلمون لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، فذلك قوله تعالى:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التَّوْبَةِ: 25].
وذلك أن بعضَهم قال: لن نُغلب اليوم من قلّة. وثَبَتَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفرَّ، ومعه من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وعمّه العبّاس، وابناه: الفضل، وقُثَم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، وآخرون. وهو صلى الله عليه وسلم يومئذ راكب بغلته التي أهداها له فَرْوَة بن نُفَاثَة الجِذَامي، وهو يَرْكُضُها إلى وجهِ العدو، والعبّاسُ آخذٌ بحكَمَتها يكفُّها عن التقدم، وهو صلى الله عليه وسلم يُنَوّه باسمه يقول: أنا النبيُّ لا كذب .. أنا ابنُ عبد المطلب».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ هجوم هوازن في عماية الصبح وانهزام المسلمين في أول الأمر وثبات النبي صلى الله عليه وسلم في جمع من أصحابه ذكره ابن إسحاق في السيرة، ومن طريقه أحمد في المسند بإسناد حسنه شعيب الأرناؤوط
(2)
.
(1)
منحدر.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 442، ومسند أحمد «15027» .
2 ـ وفي هذه الغزوة دليل على أن الكثرة لا تفيد شيئاً إذا لم يكونوا صابرين محتسبين منظمين، فقد انضم لجيش المسلمين جموع كثيرة لم يتمكن الإيمان في نفوسهم وفرحوا بكثرة عددهم، فكانوا سبب الهزيمة في أول الأمر
(1)
.
3 ــ وفي ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة دليل على تواضعه الشديد، وكان بإمكانه اصطفاء أفضل فرس ليركبه.
4 ــ وفي ثباته صلى الله عليه وسلم حين ولّي أكثر المسلمين في بداية المعركة دليل على فرط شجاعته وقوة يقينه، قال المصنف في تفسيره تعليقاً على هذه الحادثة:"وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلُح لكرّ ولا لفرّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضاً يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، وما هذا كلّه إلا ثقة بالله، وتوكلاً عليه، وعلْما منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان"
(2)
.
ثبات المؤمنين وهزيمة المشركين:
قال المصنف: «ثم أَمَرَ العبَّاسَ ــ وكان جَهِيرَ الصّوت ــ أن يُنادي: يا معشرَ الأنصار، يا معشرَ أصحابِ الشجرةِ، يا معشرَ أصحابِ السَّمُرة، فلمَّا سمعه المسلمونَ وهم فارُّون كرُّوا وأجابوه: لبيْك لبيْك.
وجَعَلَ الرجلُ إذا لم يستطع أن يُثني بعيره لكثرة المنهزمين نَزَلَ عن بعيرِه وأخذ دِرْعَه فلبسها، وأخذ سيفه وتِرسَه، ويرجع راجلاً إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، حتى
(1)
فقه السيرة للبوطي ص 289.
(2)
تفسير ابن كثير 4/ 128.
إذا اجتمعَ حوله عِصَابةٌ منهم نحو المائة، استقبلوا هَوزِانَ فاجتلدوا هُمْ وإيّاهم، واشتدّت الحربُ، وألقى الله في قلوبِ هَوازِن الرعبَ حينَ رجعوا، فلم يملكوا أنفُسَهم.
ورماهم صلى الله عليه وسلم بقبضة حصى بيده، فلم يبقى منهم أحدٌ إلا ناله منها. وتَفِرُّ هَوازِنُ بين يدي المسلمين، ويتبعونهم يقتلون ويأسرون، فلم يرجع آخرُ الصحابة إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلا والأُسارى بين يده، وحازَ صلى الله عليه وسلم أموالَهم وعيالَهم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أمره صلى الله عليه وسلم العبّاس بمناداة الأنصار وأصحاب الشجرة إلى قول المصنف: ورماهم صلى الله عليه وسلم بقبضة حصى فلم يبق منهم أحدٌ إلا ناله منها .. أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه من حديث سَلَمَة بن الأكوع رضي الله عنه، وقد ذكره أيضاً ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح
(1)
.
2 ــ وفي رميه صلى الله عليه وسلم كفاً من حصى بيده وإصابته جميع جيش المشركين معجزة ظاهرة له صلى الله عليه وسلم وقد تقدم نظيرها في غزوة بدر
(2)
.
3 ــ وقد دل القرآن الكريم على اشتراك الملائكة في هذه المعركة وتأييد الله للمؤمنين بهم، وذلك في قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ
(1)
صحيح مسلم «1777» ، سيرة ابن هشام 2/ 444.
(2)
سيرة ابن هشام 1/ 628.
جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 ــ 26]. وهؤلاء الجنود الذين أنزلهم الله تعالى هم الملائكة كما قال ابن عباس وغيره
(1)
.
4 ــ وفي الغزوة دليل ظاهر على فضل الأنصار وأصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان لأنهم أول من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمناداتهم عندما انهزم جيش المسلمين في البداية، وهم أول من فاء إليه وثبت معه حينها.
انحياز المشركين إلى أوطاس:
قال المصنف: «وانحازتْ طوائفُ من هَوازِن إلى أَوْطَاس
(2)
، فبَعَثَ صلى الله عليه وسلم إليهم أبا عَامر الأشعري واسمه عُبَيْد ومعه ابن أخيه أبو موسى الأشعري حاملاً راية المسلمين في جماعة من المسلمين، فقتلوا منهم خَلْقاً.
وقُتِلَ أميرُ المسلمين أبو عَامر، رماه رجلٌ فأصاب ركبته، وكان منها حتفه، فَقَتَل أبو موسى قاتله، وقيل: بل أسلم قاتلُه بعد ذلك. ولما أخبر أبو موسى رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك استغفرَ صلى الله عليه وسلم لأبي عَامر.
وكان أبو عَامر رابع أربعة استشهدوا يوم حنين، وأما المشركون فقُتل منهم خلقٌ كثيرٌ. وفي هذه الغزوة قال صلى الله عليه وسلم:«من قَتَلَ قتِيلاً فَلَه سَلَبُه» ».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ انحياز طوائف من هوازن إلى أوطاس وبعْثه صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأَشعري إليهم .. إلى استشهاده واستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم له كله مخرج في الصحيحين من
(1)
زاد المسير لابن الجوزي 2/ 247.
(2)
واد في ديار هوازن قرب حنين.
حديث أبي موسى الأشعري
(1)
.
2 ــ وفي هذا دليل على فضل أبي عامر الأشعري ــ واسمه: عُبيد بن سُليم ــ حيث استغفر له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال:«اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثيرٍ من خلقك»
(2)
.
3 ــ وقوله: "فَقَتَلَ أبو موسى قاتلَ أبي عامر، وقيل بل أسلم قاتلُه بعد ذلك"، قلت: الصواب الأول لثبوته في الصحيحين، وأما رواية إسلامه فقال ابن حجر:"هذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قَتَل قاتِل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول"
(3)
.
4 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه» مخرج في الصحيحين
(4)
من حديث أبي قتادة رضي الله عنه. والسلب هو: ما يكون مع القتيل من سلاح ونحوه.
وقد استدل به على أن للقاتل أخذ سلب القتيل في المعركة، لكن وقع اختلاف بين العلماء هل يستحق القاتلُ السلبَ في جميع الحروب ولو بدون إذن القائد، أم لا بد أن يصرح القائد بذلك قبل الحرب فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه؟ قولان لأهل العلم
(5)
.
5 ــ وقد كانت غزوة حنين هي آخر الغزوات داخل الجزيرة العربية، حيث
(1)
صحيح البخاري «4323» ، صحيح مسلم «2498» .
(2)
صحيح البخاري «4323» ، صحيح مسلم «2498» .
(3)
فتح الباري 8/ 43.
(4)
صحيح البخاري «4321» ، صحيح مسلم «1751» .
(5)
شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 59.
ابتدأت ببدر وانتهت بحنين.
6 ــ وربما كانت أيضاً آخر محاولة يائسة لمحاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، ووقف مدّ الإسلام في جزيرة العرب
(1)
.
(1)
السيرة النبوية للندوي ص 353.
فصل
غزوة الطائِف
(1)
، يعني ثقيفاً، فاستعصوا وتَمَنَّعوا، وقتلوا جماعةً من المسلمين بالنَّبْلِ وغيرِه.
وقد خرَّب صلى الله عليه وسلم كثيراً من أموالهم الظاهِرَة وقطع أعنَابَهم، ولم يَنَلْ منهم كبيرَ شيء، فرجعَ عنهم فأتى الجِعِرَّانَة
(2)
، فأتاه وفدُ هَوازِن هنالك مسلمين، وذلك قبل أن يَقْسِم الغنائم، فخيَّرَهم صلى الله عليه وسلم بين ذراريهم وبين أموالهم، فاختاروا الذُّرية، فقال صلى الله عليه وسلم:«أما ما كان لِي ولِبَني عبْد المطلب فهو لكم» ، قال المهاجرون والأنصار: وما كان لنَا فهو لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم.
فرُدَّت الذُّريَّة على هَوازِن، وكانوا ستة آلاف، فيهم الشَّيْمَاءُ بنتُ الحارث بنُ عبد العُزَّى من بني سعْد بن بكر بن هَوزِان، وهي أختُ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم من الرَّضاعة، فأكرمها وأعطاها، ورجعت إلى بلادِها مختارةً لذلك، وقد كانت هَوازِن مَتُّوا إلى
(1)
صحيح مسلم «1059» . ولفظه: أربعين ليلة.
(2)
الجعرانة: مدينة صغيرة على بعد (20) كيلاً شمال شرق مكة، يعتمر منها المكيون.
رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم برضاعتهم إياه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كانت غزوة الطائف بعد فراغه صلى الله عليه وسلم من غزوة حُنين في شهر شوال من السنة الثامنة، قال ابن حجر:"وهو قول جمهور أهل المغازي"
(1)
.
2 ــ وحصاره صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ثابت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك حيث حاصرهم أربعين ليلة
(2)
.
3 ــ وتخريبه صلى الله عليه وسلم أموال أهل الطائف وقطع أعنابهم ذكره ابن إسحاق بغير إسناد
(3)
.
وكان الغرض من ذلك هو التضييق عليهم وإضعافهم حتى يستسلموا، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أمر بالكفّ عن القطع لمّا ناشدته ثقيف ذلك، وقال:«إني أدعها لله وللرحم»
(4)
.
4 ــ وقدوم وفد هوازن مسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه إلى الجعرانة وتخييره لهم بين أخذ المال أو السبي مخرج في البخاري من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة
(5)
.
5 ــ ووقوع الشيماء بنت الحارث أخت النبي صلى الله عليه وسلم بالرَّضاع وإكرامه لها وردها
(1)
فتح الباري 8/ 44.
(2)
صحيح مسلم «1059» .
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 483.
(4)
المصدر السابق.
(5)
صحيح البخاري «2307» .
إلى بلادها أورده ابن إسحاق مرسلاً من رواية يزيد بن عبيد السعدي، وله شواهد أخرى تقويه.
وقد أطبق العلماء على هذه الحادثة، وعلى عَدّ الشيماء من ضمن الصحابة
(1)
.
6 ــ وقوله: "وقد كانت هَوازن مَتُّوا إلى رسولِ الله برضاعتهم إياه": قلت: أخرجه ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن وفد هوازن أتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة"، وفيه "وإنما في الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك"
(2)
7 ــ وفي الغزوة دليل على جواز قطع أشجار الكفار إذا كان في ذلك إضعافهم والنكاية بهم.
8 ــ كذلك دلت الغزوة على أن للإمام إعادة الغنائم إلى أصحابها إذا جاؤوا مسلمين قبل قسمتها، أما بعد القسمة فليس للإمام استرداد شيء منها إلا بطيب نفس من الغانمين
(3)
.
قسمة الغنائم وإعطاء المؤلفة قلوبهم:
قال المصنف: «ثم قَسَمَ صلى الله عليه وسلم بقيّته على المسلمين، وتألَّفَ جماعةً من ساداتِ قُريشٍ وغيرهم، فجعل يُعطي الرجلَ المائة بعير، والخمسين، ونحو ذلك. وعَتَبَ بعضُ الأنصارِ، فبَلَغَه، فخَطَبَهم وحدهم، وامتنَّ عليهم بما أكرمهم الله من الإيمانِ
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 458، ومرويات غزوة حنين وحصار الطائف ص 268.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 488 وإسناده حسن.
(3)
فقه السيرة للبوطي ص 293.
به، وبما أغنَاهم اللهُ به بعد فقرهم، وألَّف بينهم بعد العداوةِ التَّامةِ، فرضوا وطابتْ أنفُسُهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
وطَعَنَ ذو الخُويْصِرة التَّميمي، واسمه حُرْقُوص ــ فيما قيل ــ على النبيّ صلى الله عليه وسلم في قِسْمَتِه تلك، وصَفَحَ عنه صلى الله عليه وسلم وحَلُمَ، بعد ما قال له بعض الأمراء: ألا نضربُ عنقه؟ فقال: لا. ثم قال: «إنه سيخرج من ضِئْضِئِ هذا قومٌ يقرؤون القرآنَ لا يُجاوزُ حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلِهم أجراً لمن قتلهم» .
واستعمل صلى الله عليه وسلم مالك بن عَوف النَّصْري على من أسلم من قومه، وكان قد أسلَم وحسُن إسلامُه. واعتمر صلى الله عليه وسلم من الجِعِرَّانة ودخل مكة، فلما قضى عمرتَه ارتحل إلى المدينةِ، وأقام للناسِ الحجَّ عامئذٍ عَتَّابُ بنُ أُسيدٍ رضي الله عنه، فكان أَوَّل من حجَّ بالنَّاسِ من أُمراء المسلمين».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تألفه صلى الله عليه وسلم بعض ساداتِ قريش وغيرهم بالعطاء، وعَتَب بعض الأنصار في ذلك، وتطيبه صلى الله عليه وسلم نفوسهم .. كله مخرج في الصحيحين في أكثر من حديث
(1)
.
2 ــ وقصة ذي الخُويصرة في طعْنه في قسمة النبي صلى الله عليه وسلم مخرجة في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري
(2)
.
3 ــ واستعماله صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف النَّصْري على قومه بعد إسلامه ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(3)
.
(1)
صحيح البخاري «4331» ، صحيح مسلم «1059» .
(2)
صحيح البخاري «3610» ، صحيح مسلم «1064» .
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 491.
4 ــ واعتماره صلى الله عليه وسلم من الجعرانة بعد انصرافه من الطائف وفراغه من قسمة غنائم حنين مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك
(1)
.
5 ــ وحجّ عتّاب بن أُسيد بالناس عام حنين ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(2)
. وفيه دليل على عنايته صلى الله عليه وسلم بعنصر الشباب وتربيتهم على القيام بالمهام الكبيرة، فإن عتَّاباً كان عمره عشرين عاماً عندما أوكل النبي صلى الله عليه وسلم مهمة الحج بالناس تلك السنة، وكان قد استخلفه أيضاً على مكة كما تقدم.
6 ــ كما أن في الحادثة دليل على جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من أموال الغنائم إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، والمراد بهم هنا: أناس حديثٌ عهدهم بالإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، وقد عدّ الحافظ منهم نحواً من أربعين نفساً ممن أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم
(3)
.
7 ــ وقد اختلف هل أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المؤلفة قلوبهم من أصل الغنيمة أم من الخمس، وقد اعتمد الحافظ القول الأول واعتبره خاصاً بتلك الواقعة، لأن قريشاً كانت حديثة عهد بمصيبة فأراد أن يتألفهم ويجبر قلوبهم
(4)
.
8 ــ وفي قصة ذي الخُويصرة بيانٌ لحال الخوارج وأصلهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم منهم ومن شرّهم فكيف بمن بعد من العلماء والصالحين؟!
* * *
(1)
صحيح البخاري «1778» ، صحيح مسلم «1253» .
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 500.
(3)
فتح الباري 8/ 48.
(4)
المصدر السابق.
فصل
غزوة تبُوك
قال المصنف: «ولمَّا أنزل الله عز وجل على رسُولِه {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون} [التَّوْبَةِ: 29] نَدَبَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ المدينةِ ومن حولهم من الأعرابِ إلى الجهادِ، وأعلَمَهم بغزو الروم، وذلك في رجب من سنة تسعٍ، وكان لا يريد غزوةً إلَّا ورَّى بغيرها، إلا غزوته هذه، فإنه صرَّح لهم بها ليتأَهبوا، لشدَّة عدوّهم وكثرتِه، وذلك حين طابتْ الثمارُ، وكان ذلك في سنةٍ مُجدبة، فتأهب المسلمونَ لذلك.
وأنْفَقَ عثمانُ بنُ عفان رضي الله عنه على هذا الجيشِ وهو جيشُ العُسْرة مالاً جزيلاً. ونَهَضَ صلى الله عليه وسلم في نحو من ثلاثين ألفاً، وقد خرجَ معه عبدُ الله بنُ أُبيّ رأسُ النفاق، ثم رجعَ من أثناء الطريق.
وتخلَّف عن رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم النساء والذرية، ومن عَذَرَه الله من الرّجال ممن لا يجد ظهراً يركبه أو نفقة تكفيه، وتخلَّف منافقون كفراً وعِنَاداً وكانوا نحو الثمانين رجلاً. وتخلَّف عُصَاةٌ مثل: مُرارة بن الرَّبيع، وكعْب بن مالك، وهِلَال بن أُميّة، ثم تابَ الله عليهم بعد قدومه صلى الله عليه وسلم بخمسينَ ليلةً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ تسمّى هذه الغزوة غزوة تبوك نسبة إلى المدينة المعروفة، وهي في منتصف المسافة بين المدينة ودمشق، تبعد عن المدينة نحو (778) كيلاً.
وتسمّى الغزوة أيضاً غزوة العُسرة، مأخوذة من قوله تعالى:{الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117]. وبعضهم يسميها غزوة الفاضحة، لأنها فضحت حال كثير من المنافقين
(1)
.
2 ــ وكانت هذه الغزوة في شهر رجب من سنة تسع من الهجرة كما ذكر المصنف، قال ابن حجر:"بلا خلاف"
(2)
.
وكانت في وقت "حرّ شديد" حسب وصف الصحابي كعب بن مالك رضي الله عنه
(3)
. وفي القرآن الكريم حكاية عما قاله المنافقون في هذه الغزوة: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [التوبة: 81].
3 ــ وقد ذكر المصنف أن سبب هذه الغزوة هو استجابة النبي صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ .. الآية} [التَّوْبَةِ: 29].
لكن ذكر ابن سعد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن الرّوم كانوا قد جمعوا جموعاً كثيرة بالشام ومعهم متنصّرة العرب لغزو المسلمين ولم يكن لذلك حقيقة، حينها نَدَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج
(4)
.
(1)
السيرة الحلبية 3/ 183.
(2)
فتح الباري 8/ 111.
(3)
صحيح البخاري «4418» .
(4)
طبقات ابن سعد 2/ 125.
ولعل ما ذكره المصنف سبب عام، وما ذكره ابن سعد سبب مباشر، فلا تعارض بينهما.
4 ــ وقوله: "وكان صلى الله عليه وسلم لا يريد غزوة إلا ورّى بغيرها"، قلت: هذا مخرج في الصحيحين من حديث كعب بن مالك
(1)
.
5 ــ وانفاق عثمانُ بنُ عفان على جيش العُسْرة مالاً جزيلاً ثابت في سنن الترمذي بإسناد حسنه عبد القادر الأرناؤوط، وأصل تجهيزه للجيش ثابت في البخاري
(2)
.
6 ــ وما ذكره المصنف أن عدد جيش المسلمين نحو ثلاثين ألفاً هو ما جزم به ابن إسحاق
(3)
. وعليه أغلب المؤرخين
(4)
.
والذي في صحيح مسلم من حديث كعب بن مالك أنهم كانوا يزيدون على عشرة آلاف
(5)
. وهو بلا شك أكبر جيش قاده النبي صلى الله عليه وسلم.
7 ـ وقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ بن أبي طالب: «ألا تَرْضى أن تكون منّي بمنزلة هارونَ من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي» هذا مخرج في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص
(6)
. وفيه دليل على فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفضائله في السنة
(1)
صحيح البخاري «4418» ، صحيح مسلم «2769» .
(2)
سنن الترمذي «3701» ، جامع الأصول بتعليق عبد القادر الأرناؤوط «6470» ، صحيح البخاري «2778» .
(3)
نسبه إليه ابن حجر في الفتح 8/ 117 ولم أقف عليه في سيرة ابن هشام.
(4)
السيرة النبوية للعُمري 2/ 531.
(5)
صحيح مسلم «2769» .
(6)
صحيح البخاري «4416» ، صحيح مسلم «2404» .
النبوية كثيرة مشهورة.
8 ــ وتخلُّف عبد الله بن أُبيّ المنافق في الغزوة أثناء الطريق ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(1)
. وكان مقصوده: تخذيل المسلمين والإرجاف بهم.
9 ـ وما ذكره المصنف من عدد المنافقين الذين تخلفوا، وأنهم كانوا نحو ثمانين رجلاً .. هذا ثابت في الصحيحين من حديث كعب بن مالك بلفظ:"بضعة وثمانين رجلاً"
(2)
.
ومن أسباب تخلّفهم في هذه الغزوة: بعد المسافة ومشقة السفر وشدّة الحر وقوة العدو.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} [التوبة: 42].
10 ــ وحادثة الثلاثة الذين خُلّفوا ثم تاب الله عليهم ثابتة في الصحيحين من حديث كعب بن مالك
(3)
. وقد كانوا كلهم من الأنصار، ومن خيار الصحابة، ولكن الشيطان يترصد للإنسان!! وفي الحادثة دلالة على جواز الهجر لأكثر من ثلاث لسبب شرعي، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هجرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبة الله عليهم.
11 ــ وقد دلّ إعلامه صلى الله عليه وسلم أصحابه بوجهته في غزوة تبوك وتوريته بغيرها
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 519.
(2)
صحيح البخاري «4418» ، صحيح مسلم «2769» .
(3)
المصدرين السابقين بالأرقام نفسها.
من الغزوات على أنه يجب على الإمام أن يصرح لرعيته بالأمر الذي يضرهم ستره
(1)
.
12 ــ وفي تجهيز عثمان جيش العسرة بمالٍ جزيل دليل على فضله وقوة إيمانه، وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تعليقاً على صنيعه:«ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم ــ مرتين»
(2)
.
13 ــ كما دلت الحادثة على أن من عزم على الجهاد وعجز عنه فلا حرج عليه، كما في حال الذين لم يجدوا ظهراً يحملهم للجهاد، وقد أثنى عليهم القرآن الكريم.
مروره صلى الله عليه وسلم بديار ثمود:
قال المصنف: «فسَارَ صلى الله عليه وسلم فمرَّ في طريقه بالحِجْر
(3)
، فأَمَرَهم أن لَا يدخلوا عليهم بيوتَهم إلَّا أن يكونوا باكينَ، وأن لَا يشربوا إلا من بئْر الناقة، وما كانوا عجنوا به من غيره فليطعموه للإِبل، وجازها صلى الله عليه وسلم مُقَنَّعاً
(4)
.
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ مروره صلى الله عليه وسلم بالحِجْر في غزوة تبوك وأمره أصحابه ألا يدخلوه إلا باكين،
(1)
زاد المعاد 3/ 488.
(2)
أخرجه الترمذي في سننه «3701» ، وحسن إسناده عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول «6470» .
(3)
الحِجر: واد بين المدينة والشام، كان يسكنه ثمود (قوم صالح)، الذين أهلكهم الله بالصيحة، ويعرف اليوم بمدائن صالح، يبعد عن مدينة العُلا (22) كيلاً شمالاً.
(4)
مغطياً رأسه.
ومجاوزته له مقنَّعاً، كله مخرج في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر
(1)
.
2 ــ ونهيه صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من مياه الحِجْر إلا من البئر التي تردها الناقة مخرج في صحيح مسلم من حديث ابن عمر
(2)
.
3 ــ وأمرهم بإطعام الإبل ما عُجن بماء الحِجْر ثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر
(3)
.
4 ــ وفي الحادثة دليل على أنه ينبغي للمارّ في مواضع العذاب: المراقبة والخوف والبكاء والاعتبار بمصارع أولئك القوم وأن يستعيذ بالله من ذلك
(4)
.
5 ــ وفي نهيه صلى الله عليه وسلم أصحابه من الشرب من مياه الحِجْر إلا من بئر الناقة .. دليل على النهى عن استعمال مياه آبار الحِجْر إلا بئر الناقة، ولو عجن منه عجيناً لم يأكله بل يعلفه الدواب
(5)
.
بعض ما وقع من الآيات في طريق تبوك:
قال المصنف: «فبَلَغَ صلى الله عليه وسلم تبُوك وفيها عينٌ تَبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ قليلٍ فكثُرت ببركته، مع ما شُوهِد من بركةِ دعائه في هذه الغزوة، من تكثير الطَّعَامِ الذي كان حاصِلُ الجيشِ جميعهِ منه مقدار العَنْزِ البارِكَة، فدعا الله عز وجل فأكلوا منه وملؤوا كلَّ وِعَاء كان في ذلك الجيشِ، وكذا لمَّا عطشوا دعا الله تعالى فجاءت سحابةٌ فأَمطرتْ،
(1)
صحيح البخاري «4419» ، صحيح مسلم «2980» ، لكن ليس عند مسلم:«وجازها مقنعاً» .
(2)
صحيح مسلم «2981»
(3)
صحيح البخاري «3379» ، صحيح مسلم «2981» .
(4)
شرح النووي على صحيح مسلم 18/ 111.
(5)
المصدر السابق 18/ 111.
فشربوا حتى رووا واحتملوا، ثم وجدوها لم تُجاوِز الجيش، في آياتٍ أُخَرَ كثيرةٍ احتاجوا إليها في ذلك الوقت.
ولمَّا انتهى إلى هناكَ لم يَلْقَ عدواً، ورأى أن دخولهم إلى أرض الشَّامِ بهذه السنة يَشُقُّ عليهم، فعزمَ على الرُّجوع.
وصالحَ صلى الله عليه وسلم يُحَنَّة بن رُؤْبَّة صاحبَ أيلة، وبعث خالداً إلى أُكيْدر دومة، فجيء به فصالحه أيضاً، وردَّه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تكثير ماء عين تبوك ببركته صلى الله عليه وسلم ثابت عند مسلم من حديث أنس بن مالك
(1)
.
2 ــ وتكثير طعام الجيش ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم ثابت عند مسلم من حديث أبي هريرة، ولفظه: "لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«افعلوا» ، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نعم» ، قال: فدعا بنطع، فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال:«خذوا في أوعيتكم» ، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله
(1)
صحيح مسلم «706» .
إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة» "
(1)
.
3 ــ وحادثة السحابة التي أمطرت الجيش حتى شربوا ولم تجاوزه أخرجها ابن حبان في صحيحه، من حديث ابن عباس قال:"قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن العُسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً، أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى نظنّ أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصِر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، قد عوَّدك الله في الدعاء خيراً، فادع لنا، فقال: «أتحبُّ ذلك؟» قال: نعم، قال: فرفع يديه صلى الله عليه وسلم، فلم يرجعهما حتى أظلت سحابة، فسكبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر"، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط
(2)
.
4 ــ وفي تكثير ماء عين تبوك وتكثير طعام الجيش ونزول المطر بما لم يجاوز الجيش كل هذا من معجزاته الظاهرة وآياته الباهرة صلوات الله وسلامه عليه.
5 ــ مصالحته صلى الله عليه وسلم يُحَنَّة بن رؤبة صاحب أيلة في غزوة تبوك ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد، وكان ذلك مقابل الجزية
(3)
.
6 ــ وبعثه صلى الله عليه وسلم خالداً إلى أُكيدر دومة ومصالحته إياه أخرجه أبو يعلى بسند قوي كما قال ابن حجر
(4)
.
(1)
صحيح مسلم «44» .
(2)
صحيح ابن حبان «1383» بتحقيق شعيب الأرناؤوط.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 525.
(4)
فتح الباري 5/ 231، المطالب العالية «4317» .
7 ــ وقد عسكر النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً قبل أن يرجع إلى المدينة بغير حرب ولا قتال
(1)
.
رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمره بهدم مسجد الضرار:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ أمره صلى الله عليه وسلم بهدم مسجد الضرار إثر عودته من غزوة تبوك ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(2)
.
2 ــ وقد كان ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ .. إلى أن قال: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 107، 108].
3 ــ وكان هذا المسجد قد بناه المنافقون للتفريق بين المؤمنين ومأوى للمتآمرين من أهل النفاق.
(1)
مسند أحمد «14139» ، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 530.
4 ــ وفي موقفه صلى الله عليه وسلم من المتخلفين من المنافقين والمتخلفين من أصحابه دليل على اختلاف سياسته صلى الله عليه وسلم في التعامل بين الفريقين، حيث قَبِلَ من المنافقين وصَفَحَ عنهم بينما عاتب وعاقب أصحابه المؤمنين تكريماً وتشريفاً لهم.
فصل
قدوم وَفْد ثَقِيف وإسلامهم
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كانت السنة التاسعة من الهجرة تسمّى سنة الوفود، حيث أقبلت القبائل العربية من كل جهة تبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام بعد أن أكرمه الله بفتح مكة وفرغ من صراعه مع قريش وأسلم أهل الطائف
(1)
.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة قال: "كانت العرب تُلَوَّمُ ــ تنتظرـ بإسلامهم الفتح، فلما كانت وقعة الفتح،
(1)
سيرة ابن هشام 2/ 560،
بادر كل قوم بإسلامهم"
(1)
.
2 ــ وكان من ضمن الوفود التي قدمت: وفد ثقيف، حيث أرسلوا نفراً منهم لمبايعة النبيّ صلى الله عليه وسلم وإعلان إسلامهم.
وأصل قدومهم مخرج في صحيح مسلم، وذكر الحادثة ابن إسحاق مفصلة بدون إسناد
(2)
.
3 ــ وقصة إسلام عروة بن مسعود ومقتله على يد قومه ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد
(3)
.
4 ــ وفي الحادثة دليل على فضل عروة بن مسعود رضي الله عنه، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«مثل عروة، مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى اللَّه فقتلوه»
(4)
، وقد كانت له اليد البيضاء في تقرير صلح الحديبية كما في الصحيح
(5)
.
هدم طاغية ثقيف:
قال المصنف: «فأنزلهم عليه الصلاة والسلام في المسجدِ وضَرَب لهم فيه قُبة، فأسلموا واشترطوا أن تبقى عندهم طاغيتهم الَّلات، وأن لَا تُهدم، فلم يُجيبهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك.
(1)
صحيح البخاري «4302» باختصار.
(2)
صحيح مسلم «328، 2331» ، سيرة ابن هشام 2/ 537.
(3)
سيرة ابن هشام 2/ 537.
(4)
قال الهيثمي في المجمع 9/ 386: "رواه الطبراني، وروي عن الزهري نحوه، وكلاهما مرسل، وإسنادهما حسن".
(5)
صحيح البخاري «2731» ضمن حديث مطول.
وسألوا أن يخفّف عنهم بعض الصلواتِ فلم يُجبهم إلى ذلك. فسألوا أن لَا يهدموا بأيديهم طاغيتهم، فأجابهم إليه. وبَعَثَ معهم أبا سفيان صخرَ بنَ حرْب والمغيرةَ بنَ شعبة لهدمها فهدمها. وعَظُمَ ذلك على نساءُ ثقيف، واعتقدوا أن يصيبهم منها سوء! وقد طَنَّز
(1)
بهم المغيرةُ بنُ شعبة حين هدمها فخرَّ صريعاً، وذلك بتواطؤ منه ومن أبي سفيان، ليُوهمهم أن ذلك منها، ثم قام يبكِّتهم ويقرِّعهم رضي الله عنه. فأسلموا وحَسُن إسلامُهم».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ إنزاله صلى الله عليه وسلم وفْد ثقيفٍ في المسجد وضربه لهم فيه قبة ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، وقال:"كما يزعمون"
(2)
، أي كما يزعم الرواة.
2 ــ واشتراط ثقيف في بداية الأمر ألا يهدم صنمهم اللَّات وأن تخفّف عنهم بعض الصلوات المفروضة وإباء النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(3)
.
لكن أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن رجل من ثقيف قال: "سألنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فلم يرخّص لنا، فقلنا: إن أرضنا أرض باردة، فسألناه أن يرخّص لنا في الطهور، فلم يرخّص لنا، وسألناه أن يرخّص لنا في الدُّباء
(4)
، فلم يرخّص لنا فيه ساعة، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة، فأبى، وقال: «هو طليق الله
(1)
طنز: سخر وتهكم.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 540.
(3)
المصدر السابق 2/ 539.
(4)
يعني الانتباذ في الدباء لصنع الخمر.
وطليق رسوله»، وكان أبو بكرة خرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين حاصر الطائف فأسلم، "
(1)
.
3 ــ وقصة أبي سفيان والمغيرة بن شعبة حين بعثهما صلى الله عليه وسلم لهدم اللَّات ذكرها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد
(2)
.
4 ــ وقد أوضح ابنُ إسحاق سبب طلب وفد ثقيف إبقاء صنمهم اللَّات، فقال:"وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يَسْلَموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يُرَوِّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام"
(3)
. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أبى عليهم ذلك.
5 ــ وفي إنزاله صلى الله عليه وسلم وفْد ثقيف في المسجد قبل إسلامهم دليل على جواز إدخال الكافر المسجد إذا كان في ذلك مصلحة شرعية، وهو قول جماعة من أهل العلم. والقصة وإن كانت لا تثبت من الناحية الحديثية إلا أن لها شواهد عديدة منها: ربطه صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال في سواري المسجد وكان مشركاً وقتها، وقد بوب عليه البخاري بقوله:"باب دخول المشرك المسجد"
(4)
.
(1)
مسند أحمد «17530» ، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(2)
سيرة ابن هشام 2/ 541.
(3)
المصدر السابق 2/ 540.
(4)
صحيح البخاري «469» ، فتح الباري 1/ 560.
فصل
حجة أبي بكرٍ الصّدّيق وتواتر الوفُودِ عليه صلى الله عليه وسلم
قال المصنف: «وبَعَثَ صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه أميراً على الحجّ هذه السنة، وأردفه عليّاً رضي الله عنه بسورة براءة: أن لا يَحُجَّ بعد العام مُشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، وينبِذ إليهم عهودَهم إلا من كان ذا عَهْد مقدَّرٍ فعهدُه إلى مُدَّته.
وتواترت الوُفودُ هذه السَّنَة وما بعدها على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مُذعنة بالإسلامِ وداخلينَ في دينِ الله أفواجاً، كما قال تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [سُورَةُ النَّصْرِ].
وبَعَثَ صلى الله عليه وسلم معاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمنِ ومعه أبو موسى الأشعري رضي الله عنهما، وبَعَثَ الرُّسُل إلى ملوكِ الأقطارِ يدعوهم إلى الإسلامِ. وانتشرت الدعوة، وعَلَتْ الكلمة، وجاء الحقُّ، وزَهَقَ الباطلُ، إن الباطلَ كان زَهُوقاً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ بعثه صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على حجّ تلك السنة وإردافه علياً بسورة براءة، وألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، كله مخرج في الصحيح من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه
(1)
.
2 ــ ولم يحجّ النبي صلى الله عليه وسلم تلك السنة مع تمكنه من ذلك لأنه كره مخالطة المشركين وهُم يطوفون بالبيت عراة ويتلفظون بالشركيات.
3 ــ قال العلماء: وإنما أردف النبيُّ صلى الله عليه وسلم علياً بإبلاغ الناس سورة براءة لأنها تتضمن نبذ العهود المطلقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين العرب والبراءة منها، وكان من عادة العرب ألا يبرم العهد ولا يفسخه إلا الرجل نفسه أو رجل من أهل بيته
(2)
.
4 ــ وقوله: "وتواترت الوفود في هذه السنة وما بعدها": قدَّمنا في الفصل السابق أن سنة تسع كانت تسمّى سنة الوفود، لأنها السنة التي قدمت فيها وفود قبائل العرب من كل صوب لإعلان إسلام قبائلهم ومبايعة النبي صلى الله عليه وسلم. وأن العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش، فلما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم.
5 ــ وبعثه صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن مخرج في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، ولفظه عند مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذاً إلى اليمن، فقال:«يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا»
(3)
.
6 ــ وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يطوف بالبيت عريان» فيه إبطال لما كانت عليه الجاهلية من الطواف بالبيت عراة، واستدل به بعض العلماء على أن الطواف يشترط له ستر العورة
(4)
.
(1)
صحيح البخاري «4655» .
(2)
منهاج السنة لابن تيمية 5/ 493.
(3)
صحيح البخاري «4341» ، صحيح مسلم «1733» .
(4)
شرح النووي على صحيح مسلم 9/ 116.
7 ــ وفي تواتر الوفود عليه صلى الله عليه وسلم دليل على وفاء الله له بوعده بالنصر، وانتشار الإسلام في أرجاء جزيرة العرب، وتوحيدها تحت رايته، وكانت هي المرة الأولى التي يتوحد فيها سكان الجزيرة العربية تحت راية واحدة دينياً وسياسياً.
* * *
فصل
حجة الوَدَاع
صلاته صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة وانطلاقه من المدينة:
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ كانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة باتفاق العلماء.
2 ــ وسُميت بحجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودَّع الناس فيها وقال لهم: «لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجتي هذه»
(1)
، وتسمّى حجة البلاغ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها:
(1)
رواه مسلم في صحيحه «1297» . وفي رواية عند النسائي ذكرها في جامع الأصول «1583» : «فإني لا أدري لعلي لا أعيش بعد عامي هذا» .
(1)
.
3 ـ ولم يحجّ النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة سواها، وقد حج بعد النبوة وقبلها حجات لا يُعرف عددها
(2)
.
4 ــ وحجة الوداع تشتمل على أحكام فقهية كثيرة متعلقة بالحج وغيره، ومن ثم أفردها غير واحدٍ من أهل العلم بتصانيف مستقلة، كالإمام ابن حزم، والشيخ الألباني في العصر الحديث وغيرهما.
5 ـ وصلاته صلى الله عليه وسلم العصر بذي الحليفة ركعتين ومبيته بها ثابت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك
(3)
.
6 ــ وقول المصنف أنه صلى الله عليه وسلم أتاه آت في واد العقيق، فقال له:"قلْ حجّة في عمرة" مخرج في البخاري من حديث عمر بن الخطاب، ولفظه:«أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرة في حجّة»
(4)
.
7 ــ وقوله: "ومعنى هذا أن الله أمره أن يَقْرِن الحجّ مع العمرة": هذا مبنيّ على القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم حجّ قارناً، وهي مسألة مختلف فيها، والذي جزم به المصنف بعد مناقشة مطولة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً
(5)
، وبه جزم شيخه ابن القيم، واستدل له بأكثر من عشرين دليلاً
(6)
.
(1)
صحيح البخاري «4403» .
(2)
تلقيح فهوم أهل الأثر ص 41.
(3)
صحيح البخاري «1547» ، صحيح مسلم «690» .
(4)
صحيح البخاري «1534» .
(5)
البداية والنهاية 7/ 487.
(6)
زاد المعاد 2/ 102.
8 ــ وقوله: "وطاف على نسائه يومئذ بغسل واحد"، قلت: هذا مخرج في الصحيحين من حديث عائشة
(1)
.
9 ــ وقوله: "ثم اغتسل وصلَّى في المسجد ركعتين": المراد بالغُسل هنا غسلٌ خاصٌ للإحرام غير غُسل الجماع الأول كما رجحه ابن القيم
(2)
، وقوله:"وصلّى في المسجد ركعتين وأهلَّ بحجّة وعمرة معاً": المراد بالركعتين هذه هي ركعتي الظهر قصراً، قال ابن القيم:"ولم ينقل عنه أنه صلَّى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر"
(3)
.
سوقه صلى الله عليه وسلم الهدي ووصوله إلى مكة:
قال المصنف: «وساقَ صلى الله عليه وسلم الهدْيَ من ذِي الحُلَيْفة
(4)
، وأَمَرَ مَنْ كان معه هدْيٌ أن يُهِلَّ كما أهلَّ صلى الله عليه وسلم. وسَارَ صلى الله عليه وسلم والنَّاسُ بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله، أُمماً لا يُحصَوْن كثرةً، كلُّهم قَدِمَ ليأتمّ به صلى الله عليه وسلم.
فلما قَدِمَ صلى الله عليه وسلم مكة طافَ للقدوم، ثم سعى بين الصفا والمروة، وأَمَر الذين لم يسوقوا هَدْياً أن يَفْسَخُوا حجّهم إلى عُمرةٍ ويتحلَّلوا حِلاً تاماً، ثم يُهِلُّوا بالحجّ وقتَ خروجهم إلى مِنى، ثم قال:«لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدْيَ ولجعلتُها عُمرةً» ».
(1)
صحيح البخاري «270» ، صحيح مسلم «1192» .
(2)
زاد المعاد 2/ 101.
(3)
المصدر السابق 2/ 101.
(4)
ذو الحليفة: موضع بقرب المدينة على طريق مكة، وهو ميقات أهل المدينة ومن يمر بها، تبعد عنها تسعة أكيال.
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "وساق صلى الله عليه وسلم الهدي من ذي الحليفة .. إلى آخره": مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله في صفة حجه صلى الله عليه وسلم
(1)
.
2 ــ وسوقه صلى الله عليه وسلم الهدي من ذي الحليفة فيه دليل على ندب سَوْق الهدي من المواقيت ومن الأماكن البعيدة وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس كما قال ابن حجر
(2)
، لكن قد لا يتيسر هذا الآن لمعظم المعتمرين والحجيج بسبب اختلاف وسائل المواصلات عن الزمن القديم.
3 ــ وقوله: "ولما قدم صلى الله عليه وسلم مكة طاف للقدوم"، فيه دليل على استحباب طواف القدوم للحاج، وهو سنة عند جماهير العلماء وليس بواجب، وأما العمرة فليس لها طواف قدوم
(3)
.
4 ــ وقوله: "ثم سعى بين الصفا والمروة"، هذا هو سعي الحجّ، وهو ركن من أركانه عند أكثر العلماء
(4)
.
أداؤه صلى الله عليه وسلم المناسك ورجوعه إلى المدينة:
قال المصنف: «ثم خَرَجَ صلى الله عليه وسلم إلى مِنى فباتَ بها وكانت ليلة الجمعة التاسع من ذِي الحجة. ثم أصْبحَ فسارَ إلى عَرَفَة وخطَبَ بنَمِرَة خطبةً عظيمةً، شهدها مِنْ أصحابه نحو أربعين ألفاً رضي الله عنهم أجمعين، وجَمَع بين الظهر والعصر، ثم وقف
(1)
صحيح مسلم «1218» .
(2)
فتح الباري 3/ 540.
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم 8/ 217 ــ 218.
(4)
المصدر السابق 9/ 21.
بعَرَفَة. ثم باتَ بالمُزدلفة، وجَمَع بين المغرب والعشاء ليلتئذٍ، ثم أصْبَحَ فصلَّى الفجرَ في أوَّل وقتها. ثم سارَ قبلَ طُلُوع الشمسِ إلى مِنى، فرمى جمْرة العَقَبَة، ونَحَر، وحَلَقَ. ثم أفاضَ فطاف بالبيت طوافَ الفرض وهو طواف الزيارة.
واختُلف أين صلَّى الظهر يومئذٍ، وقد أشكل ذلك على كثيرٍ من الحفَّاظ. ثم حلَّ من كلّ شيءٍ حرُم منه صلى الله عليه وسلم. وخطبَ ثاني يوم النَّحر خُطبة عظيمة أيضاً، ووصَّى وحذَّر وأنذر وأشهدهم على أنفُسِهم أنه بلَّغ الرسالة. فنحن نشهدُ أنه بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونَصَحَ الأُمة صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين. ثم أقبلَ صلى الله عليه وسلم منصرفاً إلى المدينة، وقد أكملَ الله له دينَه».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ قوله: "ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى منى فبات بها .. إلى آخره": هذا ملخّص ما ورد في حديث جابر بن عبد الله في صفة حجه صلى الله عليه وسلم
(1)
.
2 ــ وقوله: "وشهد خطبة عرفة من أصحابه نحو من أربعين ألفاً": قلت: لم أقف على هذا العدد في المصادر المتقدمة، وقد كرر نحوه في تاريخه
(2)
. وقال العلامة الحلبي: " كان معه جموعٌ لا يعلمها إلا الله تعالى، قيل كانوا أربعين ألفاً، وقيل كانوا سبعين ألفاً، وقيل كانوا تسعين ألفاً، وقيل كانوا مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، وقيل وعشرين ألفاً، وقيل كانوا أكثر من ذلك"
(3)
. والله أعلم.
3 ــ وفي خطبة يوم عرف لخّص عليه الصلاة السلام تعاليم الإسلام ونظامه
(1)
صحيح مسلم «1218» .
(2)
البداية والنهاية 7/ 479.
(3)
السيرة الحلبية 3/ 361.
في كلمات جامعة، فأكد على حُرمة التعدي على الدماء والأموال، وأبطل ثارات الجاهلية، ووضع الربا الذي كان منتشراً بينهم، وأوصى بالنساء خيراً، وأوصى بلزوم كتاب الله والعمل بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
4 ــ وقوله: "واختُلف أين صلَّى الظهر يوم النحر، وقد أشكل ذلك على كثيرٍ من الحفَّاظ": قلت: سبب الإشكال أنه قد تعارض في ذلك حديثان صحيحان صريحان، أحدهما يقول إنه صلى الله عليه وسلم صلّى الظهر يومها بمنى. والآخر يقول صلَّى الظهر بمكة. وقد أبدى المصنف في تاريخه احتمال أن يكون عليه الصلاة والسلام صلَّى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلّى بهم، والله أعلم
(1)
.
5 ـ وقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم أحكاماً فقهية كثيرة وعظيمة متعلقة بالحجّ لا مجال للخوض فيها، ومحلُّها كتب الفقه وشروح الأحاديث.
* * *
(1)
البداية والنهاية 7/ 622.
فصل
في وفاته صلى الله عليه وسلم
بدء وجعه صلى الله عليه وسلم وتمريضه في بيت عائشة:
قال المصنف: «فأقامَ بها
(1)
بقيَّة ذِي الحِجَّة والمحرَّم وصَفَر، ثم ابتدأَ به صلى الله عليه وسلم وجَعُهُ في بيت مَيمونة يوم خميسٍ، وكان وَجَعاً في رأسهِ الكريم، وكثيراً ما كان يعتريه الصُّداعُ عليه الصلاة والسلام، فجَعَلَ مع هذا يدورُ على نسائهِ حتى شَقَّ عليهِ، فاستأذنهنَّ أن يمرَّض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأَذِنَّ له، فمكثَ وَجِعاً اثني عشر يوماً. وقيل: أربعة عشر يوماً. والصّدّيقُ رضي الله عنه يصلّي بالناسِ بنصّه صلى الله عليه وسلم عليه، واستثنائه له من جيشِ أُسامة الذي كان قد جهَّزه صلى الله عليه وسلم إلى الشام؛ لغزو الروم. فلما حصل الوَجَعُ، تربصوا لينظروا ما يكون من أمرِه صلى الله عليه وسلم، وقد صلَّى عليه الصلاة والسلام خَلْفَ الصّدّيق جالساً».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ الموت هو حكم الله في خلقه ونهاية كل حيّ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو كغيره من خلق الله ليس بمخلّد، والله عز وجل خاطبه بقوله تعالى:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون} [الزمر: 30].
(1)
المدينة المنورة.
2 ــ وابتداء مرضه صلى الله عليه وسلم في بيت زوجه ميمونة هو القول المعتمد كما قال ابن حجر
(1)
.
ويدلّ عليه حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "أول ما اشتكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة"
(2)
.
3 ــ وكان من أسباب مرضه صلى الله عليه وسلم: أثرُ الشاة المسمُومة التي قدَّمتها له المرأة اليهودية في غزوة خيبر، فإن ذاك السمّ لم يقتله وقتها، لكنه بقي أثره معه حتى كان من أسباب وفاته، كما في صحيح البخاري، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة ما أزال أجدُ ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبهَري
(3)
من ذلك السُّم»
(4)
. وبهذا جمع الله لنبيه بين درجة النبوة ودرجة الشهادة وأكرمه بذلك.
4 ــ وقوله: "وكان وَجَعاً في رأسه صلى الله عليه وسلم": قلت: دلّ عليه ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلت، وارأساه، قال: بل أنا وارأساه .. »
(5)
.
5 ـ وقوله: "وكثيراً ما كان يعتريه الصُّداع صلى الله عليه وسلم": قلت: ربما دلَّ عليه
(1)
فتح الباري 8/ 129.
(2)
صحيح مسلم «418» .
(3)
عِرْق مرتبط بالقلب.
(4)
صحيح البخاري «4428» .
(5)
أخرجه أحمد في المسند «25113» ، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «احتجم وهو محرم في رأسه، من شقيقةٍ كانت به»
(1)
.
6 ــ ودورانه صلى الله عليه وسلم على أزواجه في مرض موته واستئذانه منهنَّ أن يمرَّض في بيت عائشة ثابت في الصحيحين من حديثين لعائشة رضي الله عنها
(2)
.
7 ــ وقوله: "فمكثَ وَجِعاً اثني عشر يوماً .. ": قال الحافظ ابن حجر: "اختلف في مدة مرضه فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يوماً، وقيل بزيادة يوم، وقيل بنقصه"
(3)
.
8 ــ وقوله: "والصّدّيق يصلّي بالناس بنصّه صلى الله عليه وسلم عليه": هذا يدلّ عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما مرض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأُذّن، فقال:«مروا أبا بكر فليصل بالناس .. الحديث»
(4)
.
9 ــ وقوله: "وقد صلَّى صلى الله عليه وسلم خَلْفَ الصّدّيق جالساً": قلت: في هذا نظر، لأن الثابت في حديث عائشة أنها قالت: "فلمّا دخل ــ أبو بكر ــ في الصلاة وجد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفَّة فقام يُهادى بين رجلين، قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه، ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قم مكانك، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي
(1)
صحيح البخاري «5701» .
(2)
صحيح البخاري «1389، 2588» ، صحيح مسلم «418، 2443» .
(3)
فتح الباري 8/ 129.
(4)
صحيح البخاري «664» ، صحيح مسلم «418» .
بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر"
(1)
. فهذه الرواية صريحة في أن الإمام كان النبي صلى الله عليه وسلم وليس أبا بكر.
10 ــ وفي استخلافه صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصّدّيق ليصلّي بالناس في مرض موته دليل على فضل أبي بكر، وأنه أولى الناس بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا"
(2)
.
تاريخ وقت وفاته صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «وقُبِضَ صلى الله عليه وسلم ضُحى، يوم الاثنين من ربيع الأول، فالمشهور أنه الثاني عشر منه، وقيل: مستهله. وقيل: ثانيه. وقيل غير ذلك. وكان عمُرُه يوم مات صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة على الصحيح.
فاشتدَّت الرَّزية بموته صلى الله عليه وسلم، وعظُم الخطبُ وجلَّ الأمر، وأُصيب المسلمون بنبيّهم، وأَنكر عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه ذلك، وقال: إنه لم يمت، وإنه سيعودُ كما عَادَ موسى لقومه. وماجَ الناسُ، وجاء الصّدّيقُ المؤيّد المنصور رضي الله عنه أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فأقام الأَوَدَ
(3)
، وصَدَع بالحقّ، وخَطَبَ الناسَ وتلا عليهم:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، فكأنَّ الناسَ لم يسمعوها قبْل ذلك، فما مِنْ أحدٍ إلَّا يتلوها».
(1)
صحيح مسلم «418» .
(2)
قال السفاريني في لوامع الأنوار 2/ 313: أخرجه الحاكم بإسناد جيد.
(3)
أصلح الأمر.
الكلام عليه من وجوه:
1 ـ أجمع العلماء على أن وفاته صلى الله عليه وسلم كانت يوم الاثنين من شهر ربيع الأول
(1)
، لكن اختلف في تحديد اليوم؟ والمشهور كما ذكر المصنف أنه في الثاني عشر، وهو قول جمهور العلماء
(2)
.
2 ــ وقوله: "وكان عمُرُه يوم مات ثلاثاً وستين سنة على الصحيح"، قلت: وهو قول جمهور العلماء. قال الحافظ ابن حجر: "كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور وهو ثلاث وستون جاء عنه المشهور"
(3)
.
3 ــ وقصة إنكار عمر بن الخطاب موته صلى الله عليه وسلم وبيان الصّدّيق للحق مشهورة وهي مخرجة في الصحيح
(4)
.
4 ــ وفي موقف أبي بكر عند وفاته صلى الله عليه وسلم دليل على ثباته ورباطة جأشه عند الشدائد وعميق علمه وفقهه في الدين رضي الله عنه.
بيعة الصحابة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:
قال المصنف: «ثم ذهبَ المسلمونَ به
(5)
إلى سَقِيفة بني سَاعِدَة وقد اجتمعوا على إِمرة سعدِ بنِ عُبادة، فصدَّهم عن ذلك وردَّهم، وأشار عليهم بعمرَ بنِ الخطاب أو بأَبي عُبيدة بن الجرَّاحِ، فأبيا ذلك والمسلمونَ، وأبى الله ذلك أيضاً، فبايعه
(1)
حكى إجماعهم الحافظ في فتح الباري 7/ 164.
(2)
المصدر السابق 8/ 129.
(3)
فتح الباري 8/ 151.
(4)
صحيح البخاري «4454» .
(5)
يعني أبا بكر الصديق.
المسلمونَ رضي الله عنهم هناك، ثم جاء فبايعه الناسُ البيعة العامة على المِنبر».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ مشاورة الصحابة في سقيفة بني ساعدة ومبايعتهم لأبي بكر الصّديق مخرجة بطولها في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها
(1)
.
تجهيزه والصلاة عليه ودفنه صلى الله عليه وسلم:
قال المصنف: «ثم شرعوا في جَهَاز رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فغسَّلوه في قميصه، وكان الذي تولَّى ذلك عمُّه العبَّاس، وابنه قُثَم، وعليُّ بن أبي طالب، وأُسامة بن زيد، وشُقْران ــ مولياه ــ يصبَّان الماء، وساعد في ذلك أوْس بن خَوْلي الأنصاري البدريّ، رضي الله عنهم أجمعين.
وكفَّنوه في ثلاثةِ أثوابٍ قُطْنٍ سَحُوليَّة
(2)
بيضٌ ليس فيها قَميص، وصلَّوا عليه أفراداً واحداً واحداً، لحديث جاء في ذلك رواه البزار ــ والله أعلم بصحته ــ أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك.
ودُفِن صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء سَحَراً، في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة، لحديث رواه الترمذي عن أبي بكر رضي الله عنه، وهذا هو المتواتر تواتراً ضرورياً معلوماً من الدَّفن الذي هو اليوم داخل مسجدِ المدينة».
الكلام عليه من وجوه:
1 ــ تغسيله صلى الله عليه وسلم في قميصه مخرج عند أبي داود بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنه
(1)
صحيح البخاري «3667، 3668» .
(2)
سحولية: نسبة إلى سحول مدينة باليمن تجلب منها هذه الثياب.
أنها قالت: "لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما ندري أنجرّد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرّد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عز وجل عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبّون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه"
(1)
.
2 ـــ وتغسيل العباس ومن معه للنبي صلى الله عليه وسلم مخرج في المسند من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
(2)
. لكن ورد في المسند إضافة الفضل بن العباس رضي الله عنهما.
3 ــ وتكفينه صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من قطن ليس فيها قميص ولا عمامة مخرج في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها
(3)
.
4 ــ وفي الحادثة دلالة على فضل هؤلاء الصحابة الذين شرفهم الله بغسل نبيه صلى الله عليه وسلم وتكفينه.
5 ــ وقوله: "صلُّوا عليه أفراداً واحداً واحداً، لحديث جاء في ذلك رواه البزار، الله أعلم بصحته"، قلت: حديث البزار يدل على أن ذلك كان بأمره صلى الله عليه وسلم ولفظه: «ثم ادخلوا عليَّ فوجاً فوجاً فصلُّوا عليَّ» . لكن الحديث ضعيف، قال عنه ابن حجر:"سنده ضعيف"
(4)
.
(1)
سنن أبي داود «3141» ، وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
(2)
مسند أحمد «2357» ، وقال شعيب الأرناؤوط: حسن لغيره.
(3)
صحيح البخاري «1264» ، صحيح مسلم «941» .
(4)
مسند البزار «2028» ، فتح الباري 5/ 363.
لكن صلاتهم عليه صلى الله عليه وسلم فُرادى لم يؤمَّهم أحدٌ عليه أمرٌ مُجمع عليه لا خلاف فيه كما قال ابن عبد البر في التمهيد والمصنف في تاريخه
(1)
.
وقال الإمام النووي: "والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم صلُّوا عليه فُرادى، فكان يدخل فوج يصلّون فرادى ثم يخرجون ثم يدخل فوج آخر فيصلّون كذلك ثم دخلت النساء بعد الرجال ثم الصبيان"
(2)
.
6 ــ وقد اختلف في تعليل صلاة الصحابة عليه فُرادى، فنقل المصنف في الأصل عن الشافعي أنه قال:"إنما صلُّوا عليه مرة بعد مرة أفذاذاً لعِظَم قَدره، ولمنافستهم أن يؤمَّهم عليه أحدٌ"
(3)
، وقيل: حتى تكثر الصلاة عليه وتتكرر، وقيل: إنه أمر تعبدي، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
7 ــ ثم إن الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصحابة صلّوا عليه صلاة حقيقية صلاة الجنازة وليس مجرد دعاء كما زعم بعضهم
(4)
.
8 ــ وقوله: "ودفن صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وقيل الأربعاء سحراً": قلت: دفنه صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء هو المشهور عن الجمهور كما قال المصنف في تاريخه
(5)
.
ويؤيده حديث عائشة، قالت:"توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء"
(6)
.
(1)
التمهيد 24/ 397، البداية والنهاية 8/ 134.
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم 7/ 36.
(3)
الفصول ص 204.
(4)
سبل الهدى والرشاد 12/ 332.
(5)
البداية والنهاية 8/ 152.
(6)
رواه أحمد في المسند «24790» ، وقال شعيب الأرناؤوط:"حديث محتمل للتحسين".
9 ــ وقوله: "ودفن في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة، لحديث رواه الترمذي عن أبي بكر رضي الله عنه" قلت: لفظ الحديث: عن عائشة رضي الله عنها: قالت: "لما قُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ما نسيته قال: «ما قَبَض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه»، فدفنوه في موضع فراشه"
(1)
.
10 ــ ولا ريب أن مصاب المسلمين بفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم لا يعدله مصاب في الدنيا، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب»
(2)
.
قال العلامة المناوي: "وإنما كان ــ موته صلى الله عليه وسلم ــ أعظم المصائب لانقطاع الوحي، وظهور الشرّ بارتداد العرب، وتحزب المنافقين، وكان موته أول نقصان الخير"
(3)
.
والحمد لله الذي حفظ كتابه، ووفق علماء الأمة لحفظ سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم، والحمد لله أولاً وآخراً.
تم الكتاب بحمد الله
(1)
سنن الترمذي «1018» ، وقال الألباني في أحكام الجنائز ص 137:"حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد".
(2)
أخرجه الدارمي في سننه «86» ، وصححه الألباني في صحيح الجامع «347» .
(3)
فيض القدير 1/ 286.
أهم
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري، لأحمد بن محمد القسطلاني الشافعي، المطبعة الكبرى، مصر، ط: 7، 1323 هـ.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ليوسف بن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق: علي محمد البيجاوي، دار الجيل، بيروت، ط: 1، 1412 هـ.
أسد الغابة في معرفة الصحابة، لعلي بن محمد ابن الأثير الجزري، تحقيق: علي معوض وعادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، ط: 1، 1415 هـ.
الإصابة في تمييز الصحابة، لأحمد ابن حجر العسقلاني الشافعي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1، 1415 هـ.
البداية والنهاية، لإسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي الشافعي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر، ط: 1، 1418 هـ.
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، لمحمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط: 1، 2003 م.
تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك)، لمحمد بن جرير الطبري، دار التراث، بيروت، ط: 2، 1387 هـ.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ليوسف بن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق: مصطفى بن أحمد ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف، المغرب، 1387 هـ.
جوامع السيرة، لعلي بن أحمد بن حزم الأندلسي، تحقيق: إحسان عباس، دار المعارف، مصر، ط:1.
حياة محمد صلى الله عليه وسلم، لمحمد حسين هيكل، بدون ناشر أو تاريخ طبع.
خاتم النبيين، لمحمد أبي زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1425 هـ.
دراسات في السيرة النبوية، لمجموعة من المؤلفين غير مسميين، دار جامعة الملك سعود للنشر، الرياض، الإصدار الثاني، 1439 هـ.
الدرر في اختصار المغازي والسير، ليوسف ابن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، 1403 هـ.
دفاع عن الحديث النبوي الشريف، لمحمد ناصر الدين الألباني، بدون ناشر أو تاريخ نشر.
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1، 1405 هـ.
الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري، دار الهلال، بيروت، ط:1.
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، لعبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: 1، 1412 هـ.
زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1422 هـ.
زاد المعاد في هدي خير العباد، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: 27، 1415 هـ.
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1، 1414 هـ.
سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد ابن ماجه القزويني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العالمية، ط: 1، 1430 هـ.
سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العالمية، ط: 1، 1430 هـ.
سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط: 2، 1406 هـ.
سنن الترمذي، لمحمد ابن عيسى الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي، طبعة مصطفى البابي الحلبي، ط: 2، 1395 هـ.
سيرة ابن هشام (السيرة النبوية)، لعبد الملك بن هشام الحميري، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ الشلبي، طبعة مصطفى البابي الحلبي، ط: 2، 1375 هـ.
سيرة ابن إسحاق (السير والمغازي)، قطعة منها، لمحمد بن يسار بن إسحاق المطلبي، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، ط: 1، 1398 هـ،
السيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون)، لعلي بن إبراهيم الحلبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 2، 1427 هـ.
السيرة النبوية، لأبي الحسن علي الندوي، دار القلم، دمشق، ط: 5، 1431 هـ.
السيرة النبوية الصحيحة، للدكتور أكرم ضياء العُمري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط: 6، 1415 هـ.
السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، لمحمد بن حمد الصوياني، مكتبة العبيكان، ط: 1، 1424 هـ.
السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، لمحمد محمد أبي شهبة، دار القلم، دمشق، ط: 8، 1427 هـ.
السيرة النبوية على ضوء المصادر الأصلية، للدكتور مهدي رزق الله، دار إمام الدعوة، ط: 3، 1424 هـ.
السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية، لعبد الوهاب خلاف، دار القلم، ط: 1408 هـ.
شرح المواهب اللدنية، لمحمد عبد الباقي الزرقاني، دار الكتب العلمية، ط: 1، 1417 هـ.
شرح النووي على صحيح مسلم، ليحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: 2، 1392 هـ.
صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: 1، 1422 هـ.
صحيح السيرة النبوية، إبراهيم بن محمد العلي، دار النفائس للنشر والتوزيع، ط: 1، 1415 هـ.
صحيح السيرة، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتبة الإسلامية، عمان، ط:1.
صحيح وضعيف سنن أبي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، 1421 هـ.
صحيح وضعيف سنن الترمذي، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، 1422 هـ.
صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الصحيح من أحاديث السيرة النبوية، لمحمد بن حمد الصوياني، مدار الوطن للنشر، ط: 1، 1432 هـ.
طبقات ابن سعد (الطبقات الكبرى)، لمحمد بن سعد الهاشمي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1، 1410 هـ.
طرح التثريب في شرح التقريب، لعبد الرحيم بن الحسين العراقي، دار إحياء التراث العربي.
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين محمد بن أحمد العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، لمحمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري، تحقيق: إبراهيم محمد رمضان، دار القلم، بيروت، ط: 1، 1414 هـ.
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لأحمد بن علي ابن حجر العسقلاني الشافعي، تصحيح محمد الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ.
الفصول في سيرة الرسول، لإسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي، تحقيق: باسم الجوابرة وسمير أمين الزهيري، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، ط: 2، 1427 هـ.
فقه السيرة، لمحمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، دمشق، ط: 25، 1426 هـ.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، 1414 هـ.
المستدرك على الصحيحين، لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 1، 1411 هـ.
مسند أحمد، لأحمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، ط: 1، 1416 هـ.
مسند أحمد، لأحمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط: 1، 1421 هـ.