المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي - خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي

[محمد إبراهيم برناوي]

الفصل: ‌خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي

‌خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي

قلنا إن النظريات الاقتصادية الغربية هي نتيجة- الصرع الطبقي التي دعت الإنسان لحب التملك والاستعلاء كما يزعمون

لكنا نحاول بيان مقومات وخصائص الاقتصاد الإسلامي بعد أن عرفنا موطن الداء في النظريات الاقتصادية- السلبية- التي تتنافى مع فطرة الإنسان ومع المصلحة الجماعية في آنٍ واحد، فضلا عن منافاتها للسنن الكونية. فمنهج الإسلام كما يبدو واضحا وواسعا وشاملا في نفس الوقت- تراعى فيه مصلحة الجماعة من جهة وتراعى فيه مصلحة الفرد من جهة أخرى لأن الفرد عضو في هذه الجماعة وليس كمًّا مهملا ساقطا من أي اعتبار وإنما هو كيان له ما للجماعة المتمثلة في بقية الأفراد.

فالشريعة الإسلامية لا تسقط من حسابها مصلحة الفرد، ولا تهمل أيضا المصلحة الجماعية كذلك فهي تقيد هذه وتلك بقيود لا تتنافى مع العدل والإنصاف، ولا تترك العنان لإحدى المصلحتين- الجماعية أو الفردية، أن تطغى على الأخرى.

فلئن كانت المصلحة الجماعية مقدمة في الأصل على المصلحة الفردية فكذلك الربط بين المصلحتين الفردية والجماعية أيضا، فلا تضر الشريعة بمصلحة الفرد على حساب المصالح الجماعية، وإنما تدور هذه المصالح جميعها في فلك واحد لا يتنازعان على طول الخط مادام هناك تقدير لجهود الفرد- ومادام هناك شعور بحق الجماعة كما سلف.

وهذه هي أبرز مقومات وخصائص الاقتصاد الإسلامي نلخصها فيما يلي:-

1-

تسخير ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء.

2-

حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية.

3-

مراعاة المصلحة الفردية.

4-

مراعاة مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف.

5-

محاربة الفوائد الربوية بشتى طرقها.

تلك هي أهم خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي كما سنوضح ذلك بإذن الله تعالى.

1-

تسخير الله ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء:

بهذه الخاصية نستدل على أن الإسلام خول للناس جميعا حرية العيش في الأرض، واستخدام- الوسائل التي تمكنهم من الاستفادة مما خلق الله لهم في السماوات والأرض بشتى

ص: 204

الطرق. بل وطلب الإسلام من الإنسان أن يستخدمها ليستفيد ويفيد. فالله سبحانه وتعالى ذلل لهم ما خلق في السماوات وما خلق في الأرض وسخر جميع ما فيها من خيرات ومواد وخامات وجعلها معايش للناس جميعا لا احتكار فيها ولا استئثار فيها لأحد دون أحد، والآيات- التي تشير إلى ذلك وتحث الناس على أن يشكروا لله تلك النعم الكثيرة التي لا تحصى؛ يقوله تعالى من سورة البقرة {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً الآية} وقوله تعالى من سورة الأعراف:{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} وقوله تعالى من سورة الملك: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} فهذه الآيات المتقدمة تشير إلى أن الله خلق جميع ما في الأرض للناس على السواء. والهدف من هذا كله هو الانتفاع بذلك ليكون عونا لهم على عبادته جل وعلا؛ لأنه في الحقيقة لم يُمكن الله العباد في هذه الأرض هذا التمكين ويكشف لهم عن- أسرارها ودواخلها وما تحويه بين طياتها من كنوز ومعادن ومواد إلا ليعبدوه وحده، لا لتسيطر عليهم "مادة" فيعبدوا من دونه فتثقلهم، وتقعدهم عن السمو بأرواحهم، بل ليعيشوا مع خالقهم ورازقهم الذي منحهم هذه الأشياء بمحض كرمه وامتانه، وإلا فإن الله قادر على قهرهم وعدم تمكينهم من أن يتوصلوا إلى كل هذه الاكتشافات، ولكنه سبحانه يبلوهم فيما آتاهم على حد قوله تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (الملك) . وبهذا نستطيع تحديد الأبعاد

ما بين طبيعة المنهج الرباني الذي وضعه الله للناس على علم، وما بين الفلسفات "المادية التي وضعها البشر"، وشتان ما بينهما، فبينما يسخر الله تبارك وتعالى كل ما في الأرض وما في السماء للبشرية عامة ويطلب منهم أن يجتهدوا في طلب الرزق على تفاوت منازلهم ليعموا هذا الكون وفق منهجه، إذا بالفلسفات الحمقاء تقف حجر عثرة على الطريق لتعرقل سير الإنسانية عن هذا الطريق السوي بكبت المواهب وقتل الحوافز لدى الأفراد والجماعات، فتحجر عليهم طرف الكسب والتحصيل كما سنوضع ذلك في محله، فإلى أين تذهب البشرية في عملياتها إلى متى تستمر في تنكبها عن الطريق.

2-

حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية:

وهذه الخاصية كسابقتها من حيث الضرب في الأرض ابتغاء فضل الله فلم تضيق الشريعة الإسلامية الخناق على الناس في طرق كسبهم من الرزق المقدور لهم شريطة ألا يتعدى ذلك المنهج الذي رسمه الله لهم وألا يخرج عن إطاره، وعلى الفرد أن يختار بعد ذلك العمل الذي يريده من حرف يدوية، وصناعة آلية ومن بيع وشراء وما إلى ذلك بصور فردية جماعية. مادام ذلك الكسب والتحصيل بطرق شرعية نظيفة.

والطرق الشرعية في ذلك كثيرة. نذكر أهمها فيما يلي:

ص: 205

أ- البيع والشراء الشرعيان.

ب- طرق المضاربة. برؤوس الأموال.

جـ- العمل بأجر أو الاحتراف وما إلى ذلك.

ويشترط فيها جميعها "الطهارة والنزاهة وصدق المعاملة" في كل كلمة واحدة منها مع عدم الغش والتدليس.

3-

مراعاة المصلحة الفردية:

سبق لنا القول عن حرية الكسب والتحصيل وكيف سخر الله ما في السماوات وما في الأرض للناس جميعا. إلا أننا نكرر في هذه الخاصية ما سبق أن ذكرناه من أن الشريعة الإسلامية نظرت للمصلحة الفردية بعين الاعتبار، فراعت تلك المصلحة بل وجعلتها من المصلحة العامة أيضا أفمن مراعاتها للمصلحة الفردية وجعل مصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة هو مقت البطالة ومحاربتها بشتى الوسائل حتى ولو كانت عن ظهر غنى وتلك من مصلحة الجماعة أيضا؛ لأن توقف هذا الفرد عن العمل بدون أي مبرر هو خسارة فادحة على المجتمع بأسره إذ قد خسر المجتمع موهبة هذا الفرد الذي كان بإمكانه أن يسهم بدوره في رفع إنتاج البلاد فيفيد ويستفيد.

فالإسلام يشجع على العمل، ويمقت البطالة ويعتبر العامل في نظر الشريعة الإسلامية- كالمجاهد، وهو يفضل على العابد المنقطع للعبادة وحدها، فقد جاء في الأثر "أن من الذنوب.. ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة 1 يكفرها الهموم في طلب المعيشة" وجاء أيضا في الحديث الصحيح:"ما أكل ابن آدم طعاما قط خيرا من عمل يديه".

تلك هي مراعاة المصلحة الفردية التي تدعو الفرد لتنمية مواهبه وثرواته المادية وتقدر له ذلك حق التقدير، وترى أن عود الفائدة ليست له وحده، وهو كذلك بلا شك فقد تعود الفائدة إلى ورثته من بعده، وقد تعود للمصلحة العامة التي يشترك فيها جميع إخوانه من المسلمين، وتعتبر تلك الثروات التي قدمها زيادة الإنتاج كان له دوره في إسهامه وتعود فيه الفائدة أيضا على الجميع فضلا عما يقدمه هو لآخرته من أعمال البر والإحسان ليكون له رصيد يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

((إن من الذنوب الخ)) رواه الطبراني وأبو نعيم عن أبي هريرة مرفوعا ورواه الخطيب في تلخيص المتشابه وفي لفظ (عرق الجبين) بدل الهموم وللديلمي عن أبي هريرة رفعه:" إن في الجنة درجة لا ينالها إلا أصحاب الهموم يعنى في طلب المعيشة" اهـ كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس- للمفسر المحدث الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجرافي

ص: 206

4-

مصلحه الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف:

في هذه الخاصية نرى الترابط الوثيق بين المصلحتين. فمصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة في نفس الوقت، ولكن المصلحة الجماعية في الحقيقة لها دورها الكبير في هذا المجال لأنها مصلحة الأمة بأسرها والتي يعتبرها الشرع من المصالح العامة التي لا يحل لفرد من أفراد الأمة استغلالها لحسابه الخاص، فمن هذه المصالح العامة على سبيل المثال ما يلي:-

1-

الطرق والميادين العامة وما شابهها والتي جعلت للناس كافة، فلا يحل لفرد من الأفراد استغلالها لمصالحه الشخصية.. فيعرقل مصالح المسلمين بوضع عوائق في طرقاتهم وشوارعهم.

2-

الأموال العامة تعتبر من المصالح العامة للمسلمين فلا يحل لوال من الولاة التصرف فيها وصرفها في غير وجهها، وإنما يوزعها على المستحقين وفق العدل والإنصاف فيقرض من يحتاج إلى القرض. ويحمى بها الثغور الإسلامية.

3-

عدم احتكار أقوات الناس للإضرار بهم لحساب مصلحة شخصية، كما هو الحال لدى أصحاب رؤوس الأموال حينما يلجئون لكسب السوق، بتعطيل المصالح الجماعية فلا يحل لفرد من الأفراد أن يبخل على إخوانه ببعض ما أتاه الله فيبيعهم بالأسعار المناسبة المعقولة فضلا عن احتكار أقواتهم وأرزاقهم فقد جاء في الحديث أن المحتكر ملعون والجالب مرزوق.

هذه هي النظرة الإسلامية لمصلحة الأفراد والجماعات، وهى في حقيقتها نظرة عادلة لا ظلم فيها ولا حيف؛ لأنها تقدر حق الفرد ولا تسقط من حسابها حق الجماعة المتمثلة في هؤلاء الأفراد وتلك هي سنة العدل والإنصاف.

5-

محاربة الفوائد الربويه:-

المتأمل في عمليه الربا يجدها في الواقع عملية ((سلبية بحته)) جامدة فضلا عن نتائجها السيئة التي تأباها الفطرة السليمة. ولما كانت الشريعة الإسلامية تنظر- نظرتها الواسعة للأمور وتضع لكل مشكلة حلولها المناسبة لها بعد علم المقدمات والإحاطة الشاملة "بالنتائج " عندها تحلل وتحرم عن علم ودراية بمصالح البشرية كافة {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} . وما كان الربا من أفحش الظلم وأشنعه حرمة إلا لأنه يتنافى مع العدل الذي أراد الله أن يُسَوِّد العباد- {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة) .

ص: 207

فلئن ظن المرابي أنه يحقق بهذه العملية رغباته في الحياة ويصبح من أصحاب الأموال الطائلة التي لا تحصى، بما يتحصل عليه من فوائد ربوية لا تقف عند حد فيجب أن يتيقن كذلك أن ما جمعه إلى زوال وأن مآله "المحق" كما قال تعالى:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} . فشتان ما بين وجه السماحة وطهارة النفس وسمو الإنسانية، وهو الوجه المقابل للصدقة الذي تكفل الله له النماء والزيادة، والوجه الآخر المقابل لعداء الإنسانية كلها بما لا يعرف للرحمة أو الشفقة طريقا، ذلك الوجه المرذول الممثل للأنانية والحقد والشّحّ وخبث النفس والذي توعده الله بالمحق. ولسنا في حاجة بعد ذلك كله لنعت المرابي بأكثر من تلك النعوت التي نعت بها في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم لأن مرد ذلك إلى شيء واحد وهو مرض القلب والعياذ بالله، ومرض القلب معروف النتائج ِ

ولما أراد الله تبارك وتعالى أن يبين حقيقة المنافقين؛ إنما نعتهم بذلك فقال: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} . وبالاستقراء والاستنتاج نجد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه إنما عمل -أول ما عمل في بادئ الأمر- على معالجة القلوب في كثير من الأحيان، ووردت في ذلك أحاديث كثيرة تعالج هذه النواحي النفسية بما لا نستطيع حصرها في مثل هذه المعالجة. ولا بأس بذكر شيء منها على سبيل المثال.. فقد جاء في ذلك من حديث طويل رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدبروا وكونوا عباد الله إخوانا -كما أمركم الله تعالى- المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره...." الحديث.

ومعلوم أن كل هذه الأفعال إنما هي من أعمال القلب. وكذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبى أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ". إنما يعالج أمراضا نفسية مناطقها القلب. وكذلك الأمر في بيع الرجل على بيع أخيه المنهي عنه في الحديث، لأنه يسبب التباعد والتباغض، والإسلام إنما جاء في الحقيقة ليجمع لا ليفرق، إذا كان الأمر كذلك فما هو موضع- آكل الربا الذي آذنه الله ورسوله بالحرب ولعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه هي بعض العلاجات لأصحاب القلوب المريضة والأمراض التي حاربها عليه الصلاة والسلام في المجتمع المسلم؛ حتى تسود في الأمة المحبة والألفة والتعاون في الخير بدلا من الاختلاف والفرقة. وإنما سقنا الكلام هنا عن هذه الأمراض كلها لمحل الشاهد: وهو اجتماع

ص: 208

هذه الخصال المذمومة في شخص المرابي، فتجده من أعدى الأعداء لله ولعباد الله وأشدهم إنكارا لأنعم الله، فهو حسود حقود كالحيوان المفترس، فكيف يتصور ولاء شخص منعوت بهذه النعوت جميعا، وكيف يرجى منه النفع للمجتمع وهو بؤرة للفساد والهدم والتخريب {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} ؛ لذا أراد الله تبارك وتعالى أن يطهر المجتمع المسلم من مثل هؤلاء جميعا ليعيش الناس كافة تحت راية العدل والإنصاف. ولا بأس من نقل رأَي لفقيد الإسلام " سيد قطب رحمه الله " في هذا الصدد من تفسير الظلال؛ حيث يقول عن الربا وبشاعته ما نصه: "فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره، ولكن الجوانب الشائنة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر. ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث. فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع في حياة البشرية أشد مما كانت منكشفة في الجاهلية الأولى، ويدرك من يريد أن يتدبر حكمة الله وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام.

يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة وأمامه من واقع العالم- ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا، والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتؤكله تنصب عليها البلايا الساحقة من جراء هذا النظام الربوي في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها، وتتلقى- حقا حربا من الله تصب عليها النقمة والعذاب أفرادا وجماعات وأمما وشعوبا، وهي لا تعتبر ولا تفيق وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام- الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد الله للمجتمع المسلم أن يقوم عليه ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم إنهما نظامان متقابلان: النظام الإسلامي، والنظام الربوي؟ وهما لا يلتقيان في تصور ولا يتفقان في أساس ولا يتوافقان في نتيجة؛ لأن كلا منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة، وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف.

إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي ونظام الحياة كلَّها على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود، يقيمه على أساس أن الله سبحانه هو خالق هذا الكون فهو خالق هذه الأرض، وهو خالق هذا الإنسان وهو الذي وهب كل موجود وجوده، وأن الله سبحانه هو مالك كل موجود، وبما أنه هو موجده فقد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض ومكنه مما ادّخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قول وطاقات على صد منه وشرط، ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى يصنع فيه ما شاء كيف شاء، وإنما استخلفه فيه في إطار من الحدود

ص: 209