المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حقيقة علم الأصول: - دراسات في أصول الفقه

[علي أحمد محمد بابكر]

الفصل: ‌حقيقة علم الأصول:

‌مدخل

دراسات في أصول الفقه

للدكتور علي أحمد بابكر

المساعد بكلية الشريعة بالجامعة الأستاذ

في الحلقة الأول من هذه الدراسة الأصولية والتي نشرناها في العدد 46 من هذه المجلة والتي دارت حول أهمية علم الأصولي وخصوبته، أشرنا إلى المضمون العام لهذا العلم، ولكن لابد لنا من بيان الحد الاصطلاحي له كما قرره العلماء، ثم مناقشة وتحليل ذلك حتى نخرج بفكرة واضحة لما أراده العلماء من حدهم الذي وضعوه في عبارات مختصرة ثم ننتقل بعد ذلك لعرض ودراسة مباحث علم الأصول الرئيسية، والتي أشرنا فيما مضى إلى أنها تطلب الاتصال بعلوم متعددة.،

ص: 163

‌حقيقة علم الأصول:

نلاحظ أن العلماء في تحديدهم لعلم الأصول، منذ أن ظهر هذا العلم منظماً ومكتوبًا، قد أوردوا تعريفات متعددة ومتنوعة في صياغتها، ونجد مناقشات تدور حول تلك التعريفات، ولعل هذا التنوع في التعريفات يرجع إلى أسباب نحاول توضيحها فيما يلي:

أولا: يميل بعض العلماء إلى الاختصار الشديد وتقديم أقصر العبارات لإعطاء معنى إجمالي لهذا العلم، بينما يميل البعض الآخر إلى أن تكون الكلمات التي يشتمل عليها التعريف متضمنة بارتياح لذلك المعنى. فيبدو للناظر أن بعض هذه التعريفات غير جامع لمعنى العلم وبعضا آخر غير مانع من دخول علوم أخرى في التعريف.

ومن هنا تتوجه بعض الملاحظات والانتقادات والمآخذ من العلماء على بعضهم.

ص: 163

ثانيا: من الأسباب التي يرجع إليها التنوع في تعريفات هذا العلم أن بعض الكلمات والعبارات التي تستخدم في التعريفات تلقى ظلالا، وتشير إلى معان زائدة والبعض الآخر من العبارات والكلمات لها معان محددة، فاستعمال الكلمات التي لها ظلال قد يؤدي إلى اختلاف في فهمها ومدى أدائها للمعنى المقصود. فيحدث بذلك اختلاف في الاعتداد بالتعريف أو عدم الاعتداد به.

انظر مثلا إلى تعريف الغزالي لهذا العلم حين يقول: "هو عبارة عن أدلة الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالاتها على هذه الأحكام "1. فعبارة وجوه دلالاتها ضمّنها الغزالي القياس ووجوه الاجتهاد العقلي الأخرى. وهى عبارة قد تعطى ذلك المعنى الذي أراده الغزالي، وقد يرى غيره أنها لا تتسّع لتشمل كل ما أراده بها، وقد وردت مناقشات حول هذا التعريف، نوردها في مكانها عندما نعرض لهذا التعريف بتحليل أكثر.

ثالثا: من الأسباب التي يرجع إليها تنوع التعريفات للأصول أن بعض العلماء يعتبر أن الأصول هي المصادر التي تستقى منها الأحكام فحسب، والبعض الأخر يرى أن الأصول تشمل المصادر والقواعد الأصولية المختلفة والأبحاث التي إشتمل عليها العلم. ومن هنا يخرج بعضهم ما يدخله الآخرون في مضمون العلم فيحدث الاختلاف.

رابعاً: اختار العلماء ما يناسب عصورهم المختلفة من عبارات وألفاظ بحيث يسهل على أجيالهم فهم مضمون التعريف من غير كبير عناء. وللتحقق من هذا يمكن النظر في تعريفات بعض المعاصرين من الأصوليين ومقارنتها بالتعريفات القديمة؛ فالصياغة والأسلوب، يسببان اختلافا في صورة التعريف، وربما يوحيان باختلاف في المعنى.

هذه بعض الأسباب التي بدت لنا، والتي نظن أنها أدت إلى الاختلاف في تعريف علم الأصول في كتبه المختلفة على مرّ العصور. وربما كانت هنالك أسباب أخرى لم تبد لنا في هذه الساعة التي نكتب فيها هذا البحث.

وينبغي أن لا يفهم من ذكر هذه الأسباب -من إيضاح أن هنالك اختلاف في صورة التعريفات التي وردت في كتب الأصول- أن هذا الاختلاف هو اختلاف مخلّ بالمضمون، يؤدى إلى تعارض في المعنى، ولكن هذا الاختلاف ربما يحدث فرقا في توسيع المعنى أو تضييقه حسب ما سنرى بعد أن نعرض بعض نماذج من هذه التعريفات ونتعرض لتحليلها ومقارنتها.

1المستصفى جـ1 ص4-5.

ص: 164

بعد هذه الملاحظات التي أبديناها حول اختلاف تعريفات علم الأصول التي وردت في كتبه، نورد بعض هذه التعريفات ولا نستقصيها لتساعد في توضيح النقاط التي أثرناها في الفقرات السابقة، ثم نتوصل إلى تقرير أوضح حد لعلم الأصول. ونرجو أن لا يمل القارئ عرض هذه التعريفات التي سنوردها تباعا من غير تعليق، ثم نعقب عليها بتعليق مجمل يسهّل مقارنتها ويوصل إلى الخلاصة.

أول تعريف نورده هو التعريف الذي أورده أبو الحسين البصري 1 في كتابه المعتمد في الأصول، والذي كان شرحا لكتاب العمد في الأصول للقاضي عبد الجبار بن أحمد 2 بحسبان أن هذا الكتاب هو أقدم الكتب الأصولية بعد رسالة الإمام الشافعي ألف على طريقة الشافعية، وأن الإمام الشافعي في رسالته نثر مفهوم علم الأصول في عبارات مطولة ومشروحة خلال بيان مفهوم هذا العلم؛ فلخص أبو الحسين البصري هذا المفهوم في عبارات محددة، كما لخَّصها من بعده الإمام الغزالي في كتابه المستصغى في تعريف مشابه لتعريف أبي الحسين، كما سنورد ذلك.

يقول أبو الحسين البصري في تعريفه لعلم الأصول: "هو طرق الفقه على طريق الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وما يتبع كيفية الاستدلال بها"3.

وقد شرح أبو الحسين هذا التعريف الذي أورده بأنه أراد بطرق الفقه على وجه الإجمال: أن هذه الطرق غير معينة؛ مثل أن يتكلم الفقيه عن أن الأمر للوجوب والنهى للتحريم وكذلك إذا تكلم في مطلق الإجماع والقياس. فليس الحديث في هذه الأمور مثل الحديث في أدلة الفقه التفصيلية المعينة؛ مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" فهذا ينتمي إلى الفقه وليس لأصوله.

وشرح كيفية الاستدلال بأنها: الشروط والمقدمات وترتيبها الذي يستدل معه بالطرق على الفقه- أما ما يتبع كيفية الاستدلال فقد بينه بأنه الحديث عن المجتهدين.

وعند مقارنتنا للتعاريف التي سنوردها سندرك وجوه الاتفاق والاختلاف بينها، ووجوه التقارب.

وبما أننا أوردنا تعريفا قديما من تعريفات العلماء الذين كتبوا في الأصول على طريقة الشافعية، فينبغي أن نورد هنا أيضا تعريفاً من التعريفات القديمة التي أوردها العلماء

1 توفي أبو الحسين البصري في ربيع الآخر سنة 436هـ (أنظر وفيات الأعيان)

2 توفي عبد الجبار بن أحمد في عام 415هـ

3 المعتمد، جـ1 ص9. الذين كتبوا في الأصول على طريقة الحنفية 3 وسنورد هنا التعريف الذي أورده البزدوى 3 لأن البزدوى من أهم العلماء الذين كتبوا في الأصول على هذه الطريقة، وقد اعتمد عليه المتأخرون من علماء المدرسة الحنفية في كتابتهم في أصول الفقه. على الرغم من أنه كان مسبوقا بعدد من علماء الأحناف الذين كتبوا في الأصول، وكان أسبقهم أبو الحسن الكرخي 3 الذي ألف رسالة في الأصول ذكر فيها الأصول التي عليها مدار فقه الأحناف. ولكنه لم يضع تعريفا محددا لعلم أصول الفقه كما وضعه البزدوى.

ص: 165

الذين كتبوا في الأصول على طريقة الحنفية1، وسنورد هنا التعريف الذي أورده البزدوي 2؛ لأن البزدوي من أهم العلماء الذين كتبوا في الأصول على هذه الطريقة، وقد اعتمد عليه المتأخرون من علماء المدرسة الحنفية في كتابتهم في أصول الفقه. على الرغم من أنه كان مسبوقا بعدد من علماء الأحناف الذين كتبوا في الأصول، وكان أسبقهم أبو الحسن الكرخي 3 الذي ألف رسالة في الأصول ذكر فيها الأصول التى عليها مدار فقه الأحناف. ولكنه لم يضع تعريفا محددا لعلم أصول الفقه كما وضعه البزدوي.

يقول البزدوي في تعريف هذا العلم: " اعلم أن أصول الشرع ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، والأصل الرابع القياس بالمعنى المستنبطة من هذه الأصول"4.

أما أبو حامد الغزالي الذي اتبع في تعريفه لشيخه إمام الحرمين 5 فيقول: " افهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالاتها على الأحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل"6.

وقد أورد ابن قدامة نفس هذا التعريف مع الاختصار قليلا حيث قال: "وأصول الفقه أدلته الدالة عليه من حيث الجملة لا من حيث التفصيل"7.

ونسبة لأن تعريف ابن الهمام يعطينا نموذجا مستقلا متميزا عما أوردنا من تعريفات فيستحسن أن نورده للاستفادة منه في تحليل هذه التعريفات. يقول ابن الهمام: "أصول الفقه هو القواعد التي يتوصل بمعرفتها إلى استنباط الفقه"8.

ونختم نماذج تعريفات القدماء بما أورده الإمام الشاطبي 9 في كتابه الموافقات من بيان يريد به توضيح معنى أصول الفقه، وهذا البيان الذي أورده يتناسب مع أسلوبه في

1 كانت الكتابة في الأصول الفقه في القديم على طرقتين، طريقة الشافعية وطريقة الأحناف، ثم اندمجت الطريقتان فيما بعد كما سنوضح ذلك في فصل خاص.

2 توفي سنة 482هـ

3 توفي ببغداد سنة 340هـ.

4 أصول البزدوي جـ1 ص19-20 الخ.

5 توفي سنة 478 هـ

6 االمستصفى جـ1 ص4.

7 روضة الناظر ص4.

8 التحرير وشرحه جـ1 ص24.

9 توفي سنة 790هـ.

ص: 166

الكتابة. ومع أنه أطول من التعريفات المعهودة، فسنورده كآخر نموذج من التعريفات القديمة، يقول الإمام الشاطبي:

"الأدلة الشرعية ضربان: أحدها ما يرجع إلى النقل المحض، والثاني ما لا يرجع إلى النقل المحض. وهذه القسمة بالنسبة إلى أصول الأدلة. وإلا فكل واحد من الضربين مفتقر إلى الآخر. لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر. كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل. فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة- وأما الثاني فالقياس والاستدلال. ويلحق بكل واحد منهما وجوه إما باتفاق وإما باختلاف. فيلحق بالضرب- الأول الإجماع على أي وجه قيل به، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا؛ لأن ذلك وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد. ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان، والمصالح المرسلة إن قلنا إنها راجعة إلى أمر نظري، وقد ترجع إلى الضرب الأول، إن شهدنا أنها راجعة إلى العمومات المعنوية- ثم نقول: إن الأدلة في أصلها محصورة في الضرب الأول. لأنا لم نثبت الضرب الثاني بالعقل وإنما أثبتناه بالأول- وإذا كان كذلك فالأول هو العمدة"1.

والآن نورد بعض نماذج من تعريفات المعاصرين لعلم أصول الفقه. فقد عرفه الشيخ الخضري بقوله: "أصول الفقه هو القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة".

وعرفه الشيخ عبد الوهاب خلاف بقوله: "هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية"2.

ونختم نماذج التعريفات المعاصرة بالتعريف الذي أورده الشيخ أبو زهرة ونكتفي بذلك لتشابه التعريفات المعاصرة، بل يمكن أن نقول تطابقها حتما في الألفاظ، يقول الشيخ أبو زهرة:" أصول الفقه هو العلم بالقواعد التي ترسم المناهج لاستنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية"3.

هذه نماذج من التعريفات التي أوردها العلماء على مر العصور لعلم الأصول- وهي تعريفات تمثل آراء العلماء في المدارك الفقهية المختلفة إلى حد، من القرن الثاني الهجري إلى عصرنا هذا.

وبإلقاء نظرة فاحصة على هذه التعريفات ومقارنتها، نخرج بملاحظات عامة، نخلص

1 الموافقات جـ3 ص24-25 الخ.

2أصول الفقه لخلَاّف ص12.

3 أصول الفقه لأبي زهرة ص7.

ص: 167

بعدها إلى نتيجة توضع ما إذا كان هذا الاختلاف فما شكل وصورة التعريفات يشكّل اختلافاً فما المضمون، والملاحظات العامة تتلخص فيما يلي:

الملاحظة الأولى هي: أن جميع هذه التعريفات تدور حوله ثلاثة أمور: فهي إما أن تشير إلى منابع الفقه ومصادره، أو تشير إلى القواعد المستخدمة لاستخراج الأحكام من هذه المنابع، أو تشير إلى الأمرين معاً.

الملاحظة الثانية هي: أننا بتتبع الكتب التي ألفت في الأصول، لم نجد اختلافا في وضع منابع الأصول ومصادرها ودراستها في بداية جميع هذه المؤلفات بلا استثناء- ثم تأتي بعد ذلك الأبحاث التي تتضمن القواعد المختلفة التي يتوصل بها إلى استخراج الأحكام.

الملاحظة الثالثة هي: أن المتأخرين تأثروا بالمتقدمين من حيث المذهبية، فجاءت صياغة التعريفات متماثلةً تقريباً بعين فقهاء المدرسة الواحدة. مثلا فقهاء المدرسة الشافعية ومن تبعهم تشابهت تعريفاتهم، وفقهاء المدرسة الحنفية تشابهت تعريفاتهم.

فالتعريفات التي أوردناها للمؤلفين المعاصرين كلها تأثرت بالتعريف الذي أورده صدر الشريعة الحنفي. وبما أننا لم نورد تعريفه في مضى فإننا نقول إن صدر الشريعة عرّف الأصول بقوله: " وعلم أصول الفقه: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إليه 1 على وجه التحقيق" فانظر إلى التشابه بينه وبين التعريفات المعاصرة.

الملاحظة الرابعة هي: أن بعض الأصوليين يبدأ تعريفه بقوله: هو العلم بكذا. وبعضهم يحذف كلمة العلم -هذه- ويبدأ تعريفه بقوله: هو كذا. وطبعا العلم بالشيء ليس هو حقيقة الشيء. وربما تأثر بعض المعاصرين ببعض المتقدمين في ذكر هذه الكلمة في أول التعريف.

هذه بعض الملاحظات التي نلاحظها ونحن نقرأ تعريفات الصيغ المختلفة لتعريفات علم الأصول التي أوردها العلماء على مرّ العصور.

ومن ذلك نستطيع أن نقول: إن الذين أرادوا أن يقصروا التعريف على القواعد المتبعة لاستخراج الأحكام فقط بحيث لا يشمل المصادر نفسها قد حذفوا من التعريف ما لا يمكن إهماله. حتى هم -أنفسهم- لم يستطيعوا الاكتفاء بالقواعد فقط في كتاباتهم، بل بحثوا المصادر نفسها أولا، ثم بحثوا القواعد التي تتبع لاستخراج الأحكام من هذه المصادر. ولأن كلمة أصول نفسها أقرب إلى المصادر منها إلى أي شيء آخر.

1 قوله إليه الضمير راجع إلى الفقه.

ص: 168