المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الزاد الأول: أن يكون الداعية على علم فيما يدعو إليه: - زاد الداعية إلى الله

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌ الزاد الأول: أن يكون الداعية على علم فيما يدعو إليه:

علمه من شريعة الله سبحانه وتعالى في أي مكان، وفي أي مناسبة.

أيها الأخوة: إن موضوع محاضرتنا هذه: «زاد الداعية إلى الله عز وجل» والزاد لكل مسلم هو ما بينه الله عز وجل في قوله: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} . (البقرة: 197) . فزاد كل مسلم هي تقوى الله عز وجل التي كرر الله تعالى ذكرها في القرآن أمراً، وثناء على من قام بها وبياناً لثوابه، وغير ذلك من أساليب الكلام:{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالَاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الَاْنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} . (آل عمران: 133 ـ 136) .

أيها الأخوة الكرام: ربما تقولون: ما هي التقوى؟

فالجواب: ما أثر عن طلق بن حبيب رحمه الله حيث قال: (التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله) . فجمع في هذه العبارات بين العلم، والعمل، واحتساب الثواب، والخوف من العقاب فهذه هي التقوى.

وإننا نعلم جميعاً أن الداعية إلى الله عز وجل أولى الناس أن يتحلى بهذا الخلق بتقوى الله في السر والعلن. وإنني ذاكر بمعونة الله عز وجل في هذا المقام ما يتعلق بالداعية وما ينبغي أن يتزود به.

*‌

‌ الزاد الأول: أن يكون الداعية على علم فيما يدعو إليه:

على علم صحيح مرتكز على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن كل علم يتلقى من سواهما فإنه يجب أن يعرض عليهما أولاً، وبعد عرضه فإما أن يكون موافقاً

ص: 10

أو مخالفاً. فإن كان موافقاً قُبل، وإن كان مخالفاً وجب رده على قائله كائناً من كان، فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:«يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله وتقولون: قال أبو بكر وعمر» . إذا كان هذا في قول أبي بكر وعمر الذي يُعارض به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بالكم بقول من دونهما في العلم والتقوى والصحبة والخلافة؟! إن ردَّ قوله إذا خالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من باب أولى، ولقد قال عز وجل:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . (النور: 63) . قال الإمام أحمد رحمه الله: «أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك» .

وإن أول زاد يتزود به الداعية إلى الله عز وجل أن يكون على علم مستمد من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الصحيحة المقبولة، وأما الدعوة بدون علم فإنها دعوة على جهل، والدعوة على الجهل ضررها أكبر من نفعها، لأن هذا الداعية قد نصب نفسه موجهاً ومرشداً فإذا كان جاهلاً فإنه بذلك يكون ضالاً مضلاًّ والعياذ بالله، ويكون جهله هذا جهلاً مركباً، والجهل المركب أشد من الجهل البسيط، فالجهل البسيط يمسك صاحبه ولا يتكلم، ويمكن رفعه بالتعلم، ولكن المشكلة كل المشكلة في حال الجاهل المركب، إن هذا الجاهل المركب لن يسكت بل سيتكلم ولو عن جهل وحينئذ يكون مدمراً أكثر مما يكون منوراً.

* أيها الأخوة: إن الدعوة إلى الله على غير علم خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن اتبعه، استمعوا إلى قول الله تعالى آمراً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، حيث قال:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . (يوسف: 108) . فقال: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى} ، أي أن من اتبعه، صلى الله عليه وسلم، فإنه لابد أن يدعو إلى الله على بصيرة لا على جهل.

ص: 11

* وتأمل أيها الداعية لله قول الله تعالى: {عَلَى بَصِيرَةٍ} أي على بصيرة في ثلاثة أمور:

الأول: على بصيرة فيما يدعو إليه، بأن يكون عالماً بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظنه واجباً، وهو في شرع الله غير واجب فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شيء يظنه محرماً، وهو في دين الله غير محرم فيحرم على عباد الله ما أحله الله لهم.

الثاني: على بصيرة في حال الدعوة ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، معاذاً إلى اليمن قال له:«إنك ستأتي قوماً أهل كتاب» (1) . ليعرف حالهم ويستعد لهم. فلابد أن تعلم حال هذا المدعو ما مستواه العلمي؟ وما مستواه الجدلي؟ حتى تتأهب له فتناقشه وتجادله، لأنك إذا دخلت مع مثل هذا في جدال وكان عليك لقوة جدله صار في هذا نكبة عظيمة على الحق وأنت سببها، ولا تظن أن صاحب الباطل يخفق بكل حال فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال:«إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع» (2) فهذا يدل على أن المخاصم وإن كان مبطلاً قد يكون ألحن بحجته من آخر فيُقضى بحسب ما تكلم به هذا المخاصم فلابد أن تكون عالماً بحال المدعو.

الثالث: على بصيرة في كيفية الدعوة قال الله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} . (النحل: 125) .

* وبعض الناس قد يجد المنكر فيهجم عليه، ولا يفكر في العواقب الناتجة عن ذلك لا بالنسبة له وحده، ولكن بالنسبة له ولنظرائه من الدعاة إلى الحق، لذا يجب على الداعية قبل أن يتحرك أن ينظر إلى النتائج ويقيس، قد يكون في تلك الساعة ما يطفي لهيب غيرته فيما صنع، لكن سيخمد

(1) أخرجة البخاري كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد إلى الفقراء حيث كانوا (1496) ومسلم كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (31)(19)

(2)

رواه البخاري كتاب الشهادات باب من أقام البينة بعد اليمين (2680) كتاب الحيل باب (6967) كتاب الأحكام باب موعظة الإمام للحضرم (7169) ومسلم كتاب باب بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن (1713)

ص: 12