المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

[الكتاب الرابع] كتابُ الزكاةِ الزكاةُ لغةً مشتركةٌ بينَ النماءِ والطهارةِ، وتطلقُ - سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق - جـ ٤

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

[الكتاب الرابع] كتابُ الزكاةِ

الزكاةُ لغةً مشتركةٌ بينَ النماءِ والطهارةِ، وتطلقُ على الصدقةِ الواجبةِ والمندوبةِ، والنفقةِ والعفوِ والحقِّ، وهي أحدُ أركانِ الإسلامِ الخمسةُ بإجماعِ الأمةِ، وبما عُلِمَ منْ ضرورةِ الدينِ. واختُلِفَ في أي سنةٍ فُرضَتْ، فقالَ الأكثرُ: إنَّها فُرضتْ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ قبلَ فرضِ رمضانَ. ويأتي بيانُ متَى فُرِضَ في‌

‌ باب

هِ.

‌الإمام أو نائبه يتولَّى قبض الزكاة

1/ 562 - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: "إنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً في أَمْوَالِهِمْ تُؤخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ

(1)

. [صحيح]

(عن ابن عباسٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ معاذًا إلى اليمنِ فذكرَ الحديثَ وفيهِ: إنَّ اللَّهَ قدِ افترضَ عليهمْ صدقةً في أموالهم تُؤْخَذُ منْ أغنيائِهم فتردُّ في فقرائِهم. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). كانَ بعثهُ صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ إلى اليمنِ سنةِ عشرٍ قبل حجّ النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره البخاري في أواخر المغازي. وقيل كان آخر سنة تسع عندَ مُنْصَرَفِهِ صلى الله عليه وسلم منْ غزوةِ تبوكٍ. وقيلَ: سنةَ ثمانٍ بعدَ الفتحِ، وبقي فيه إلى خلافةِ أبي بكرٍ.

والحديثُ في البخاريِّ ولفظهُ: "عن ابن عباسٍ أنهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بعثَ معاذًا إلى

(1)

البخاري (1458)، ومسلم (29/ 19).

قلت: وأخرجه أبو داود (1584)، والترمذي (625)، والنسائي (5/ 2 - 4 رقم 2435)، وابن ماجه (1783).

ص: 5

اليمنِ قالَ لهُ: إنكَ تَقْدُمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ فليكنْ أولُ ما تدعوهم إليهِ عبادةَ اللَّهِ، فإذا عرفُوا اللَّهَ فأخبرهم أن الله قدْ فرضَ عليهمْ خمسَ صلواتٍ في يومهم وليلتِهم، فإذا فعلُوا فأخبرهم أن الله قدْ فرضَ عليهمُ الزكاةَ في أموالِهم تُوخَذُ مِنْ أغنيائِهم وتُرَدُّ في فقرائِهم، فإذَا أطاعُوكَ فخذْ منهم وتَوَقَّ كرائمَ أموالِ الناسِ".

واستُدِلَّ بقولِه: تؤخذُ منْ أموالِهم، أن الإمامَ هوَ الذي يتولَّى قبض الزكاةِ وصرفَها إما بنفسهِ أو بنائبهِ، فمنِ امتنعَ منْها أُخِذَتْ منْهُ قهرًا. وقدْ بيَّنَ صلى الله عليه وسلم المرادَ منْ ذلكَ ببعثِه السعاةَ. واستُدلَّ بقوله: تردُّ على فقرائِهم، أنهُ يكفي إخراجُ الزكاةِ في صنفٍ واحدٍ، وقيلَ: يحتملُ أنهُ خصَّ الفقراءَ لكونِهم الغالبَ في ذلكَ، فلا دليلَ على ما ذُكِرَ. ولعلُه أريدَ بالفقيرِ مَنْ يحلُّ إليهِ الصرفُ فيدخلُ المسكينُ عندَ مَنْ يقولُ إنَّ المسكينَ أعلى حالًا منَ الفقيرِ، ومَنْ قالَ بالعكسِ فالأمرُ واضحٌ.

‌كتاب أبي بكر إلى أنس في الزكاة

2/ 563 - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه كَتَبَ لَهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتي فَرَضَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُسْلِمِينَ، والَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولُه: "فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْس وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُون، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.

وَفي صَدَقَةِ الْغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمَائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ

ص: 6

شَاةٌ. فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ، وَفي الرِّقَةِ: رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ"، رَواهُ الْبُخَارِيُّ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ أَنسٍ

(2)

أن أبا بكرٍ الصديقَ رضي الله عنه كتبَ لهُ) لما وجَّههُ إلى البحرينِ عاملًا (هذهِ فريضة الصدقةِ) أي: نسخةُ فريضةِ الصدقةِ، حذفَ المضافُ للعلمِ بهِ، وفيهِ جوازُ إطلاقِ الصدقةِ على الزكاةِ خلافًا لمنْ منعَ ذلكَ. واعلمْ أنَّ في البخاري تصديرَ الكتابِ هذا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، (التي فرضَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على المسلمينَ) فيهِ دلالةٌ على أن الحديثَ مرفوعٌ، والمرادُ بفرضِها قدرُها، لأنَّ وجوبَها ثابتٌ بنصق القرآنِ كما يدلُّ لهُ قولُه:(والتي أمرَ الله بها رسولَه) أي: أنَّهُ أمرَهُ تعالى بتقديرِ أنواعِها وأجناسِها، والقدرُ المخرجُ منْها كما بيَّنهُ التفصيلُ بقولهِ:(في كلِّ أربعٍ وعشرينَ منَ الإبلِ فما دونَها الغنمُ) هوَ مبتدأٌ مؤخرٌ، وخبرُه قولُهُ في كلِّ أربعٍ وعشرينَ إلى فما دونَها (في كلِّ خمسٍ شاةٌ)، [فيه]

(3)

تعيينُ إخراجِ الغنمِ في مثلِ ذلكَ، وهوَ قولُ مالك

(4)

، وأحمدُ

(5)

. فلوْ أخرجَ بعيرًا لم

(1)

في "صحيحه"(1454).

قلت: وأخرجه أبو داود (1567)، والنسائي (5/ 18 - 23 رقم 2447).

(2)

في المخطوط (ابن عباس)، والصواب ما أثبتناه من الصحيح والسنن.

(3)

في (ب): "فيهما".

(4)

انظر: "أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك"، لأبي بكر بن حسن الكشناوي (1/ 384).

(5)

انظر: "المغني"(2/ 438).

ص: 7

يجزِهِ، وقالَ الجمهورُ: يجزيهِ، قالُوا: لأنَّ الأصل أنْ تجبَ منْ جنس المالِ، وإنَّما عدلَ عنهُ رِفقًا بالمالكِ فإذا رجعَ باختيارهِ إلى الأصلِ أجزأهُ، فإنْ كانتْ قيمةُ البعيرِ الذي يخرجُه دونَ قيمةِ الأربعِ الشياهِ ففيهِ خلافٌ عندَ الشافعيةِ وغيرِهم.

قالَ المصنفُ في الفتحِ

(1)

: والأقيسُ أنْ لا يجزئَ، ([فإذا]

(2)

بلغتْ) أي: الإبلُ (خمسًا وعشرينَ إلى خمسٍ وثلاثينَ ففيها بنت مخاضٍ أنثَى) زادهُ تأكيدًا وإلَّا فقدْ عُلِمَتْ، والمخَاضُ بفتحِ الميم، وتخفيفِ المعجمةِ، آخرُه معجمةٌ، وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الأُولى ودخلَ في الثانيةِ إلى آخرِها، سمِّي بذلكَ ذَكَرًا كانَ أو أنثىَ لأنَّ أمَّهُ منَ المخاضِ أي: الحواملِ، لا واحدَ لهُ منْ لفظهِ، والماخضُ الحاملُ التي دخلَ وقتُ حملِها وإنْ لمْ تحملْ، وضميرُ "فيها" للإبلِ التي بلغتْ خمسًا وعشرينَ، فإنَّها تجبُ فيها بنتُ مخاضٍ منْ حينَ تبلغُ عدَّتُها خمسًا وعشرينَ إلى أن تنتهيَ إلى خمسٍ وثلاثين، وبهذَا قالَ الجمهورُ، ورُوِيَ عن عليٍّ

(3)

عليه السلام "أنهُ يجبُ في الخمسِ والعشرينَ خمسُ شياهٍ" لحديثٍ مرفوعٍ وردَ بذلكَ، وحديث موقوفٍ عنْ عليِّ عليه السلام، ولكنَّ المرفوعَ ضعيفٌ والموقوفَ ليسَ بحجةٍ، فلذا لم يقلْ بهِ الجمهورُ، (فإنْ لم تكنْ) أي: توجدُ (فابن لبونٍ ذكرٍ) هوَ منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثانيةَ ودخلَ في الثالثةِ إلى تمامِها، سمِّيَ بذلكَ لأنَّ أمَّهُ ذاتُ لبنٍ ويقالُ: بنتُ اللبونِ للأنثى، وإنَّما زادَ قولَه:"ذكرٍ" معَ قولِه ابنُ لبونٍ للتأكيدِ كما عَرفْتَ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ أنثَى، فإذَا بلغتْ ستًا وأربعينَ إلى ستينَ ففيها حِقَّةٌ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ القافِ وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثالثةَ ودخلَ في الرابعةِ إلى تمامِها ويقالُ: للذكرِ حِقٌّ، سُمِّيَتْ بذلكَ لاستحقاقِها أنْ يحملَ عليها، ويركبَها الفحلُ، ولذلكَ قالَ:(طَروقَة الجملِ) بفتح أولهِ، أي:[مطروقتهُ]

(4)

، فعولةٌ بمعنَى مفعولةٌ،

(1)

(3/ 319).

(2)

في (أ): "فإن"، وهو خلاف ما في الصحيح.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 122) وموسوعة فقه علي للقلعجي ص 299 - 301.

وقال ابن حجر في "الفتح"(3/ 319): "أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفًا ومرفوعًا وإسناد المرفوع ضعيف".

(4)

في (أ): "مطروقة وهي".

ص: 8

والمرادُ منْ شأنُها أنْ تقبلَ ذلكَ وإنْ لم يطرقْها (فإذَا بلغتْ)[أي]

(1)

: الإبلُ (واحدةً وستينَ إلى خمسٍ وسبعينَ ففيها جَذَعةٌ) بفتح الجيمِ والذالِ المعجمةِ، وهي التي أتتْ عليها أربعُ سنينَ ودخلتْ في الخامسةِ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وسبعينَ إلى تسعينَ ففيها بنتا لبونٍ) تقدمَ بيانُه. (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (إحدى وتسعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ ففيها حقتانِ طروقتا الجملِ) تقدمَ بيانهُ. (فإذا زادتْ) أي: الإبلُ (على عشرينَ ومائةٍ) أي: واحدةً فصاعدًا كما هوَ قول الجمهورِ، ويدلُّ لهُ كتابُ عمرَ رضي الله عنه:"فإذا كانتْ إحدى وعشرينَ ومائةً ففيها ثلاثُ بناتٍ لبونٍ حتَّى تبلغَ تسعًا وعشرينَ ومائةً". ومقتضاهُ أن ما زادَ على ذلكَ [فزكاته]

(2)

بالإبلِ، وإذا كانت بالإبلِ فلا تجبُ زكاتُها إلَّا إذا بلغتْ مائةً وثلاثينَ، فإنهُ يجبُ فيها بنتا لبونٍ وحقةٌ، فإذا بلغتْ مائةً وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ وحقتانِ. [وعند]

(3)

أبي حنيفةَ

(4)

إذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ رجعتْ إلى فريضةِ الغنمِ فيكونُ في كلِّ خمسٍ وعشرينَ ومائةٍ ثلاثُ بناتِ لبونٍ وشاةٌ.

قلتُ: والحديثُ إنَّما ذكرَ فيهِ حكمُ كلِّ أربعينَ وخمسينَ، فمعَ بلوغِها إحدى وعشرينَ ومائةٍ يلزمُ ثلاثُ بناتٍ لبونٍ عنْ كلِّ أربعينَ بنتِ لبونٍ، ولمْ يبيِّنْ فيهِ الحكمَ في الخمسِ والعشرينَ ونحوِها، فيحتملُ ما قالهُ أبو حنيفةَ، ويحتملُ أنها وقصٌ

(5)

حتَّى تبلغَ مائةً وثلاثينَ كما قدَّمناهُ، واللَّهُ أعلمُ.

(ففي كلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ وفي كلِّ خمسينَ حقةٌ، ومنْ لم يكنْ معهُ إلَّا أربعٌ منَ الإبلِ فليسَ فيها صدقةٌ إلَّا أنْ يشاءَ ربُّها) أي: أنْ يخرجَ [عنها]

(6)

نفلًا منهُ وإلَّا

(1)

زيادة من (أ).

(2)

في (ب): "فإنّ ذكاته".

(3)

في (ب): "وعن".

(4)

انظر: "المبسوط"(2/ 151)، و"الهداية"(1/ 98).

(5)

الوقص: فيه لغتان: فتح القاف وإسكانها، وهو مشتق من قولهم:"رجل أوقص" إذا كان قصير العنق.

واصطلاحًا: يطلق لما بين الفريضتين في الصدقة. والشنق مثله. وبعض العلماء يجعل الوقص في البقر والغنم، والشنق: في الإبل خاصة.

انظر: "معجم مقاييس اللغة، المغرب، مختار الصِّحاح، والمصباح، مادة "وقص"، "تهذيب الأسماء" (3/ 193).

(6)

في (ب): "منها".

ص: 9

فلا واجبَ عليهِ، فهوَ استثناءٌ منقطعٌ ذُكِرَ لدفعِ توهُّمٍ نشأَ منْ قوله: فليسَ فيها صدقةٌ، أن المنفيَ مطلقُ الصدقةِ لاحتمالِ اللفظِ لهُ وإن كانَ غيرَ مقصودٍ.

فهذهِ صدقةُ الإبلِ الواجبةِ فصِّلتْ في هذا الحديثِ الجليلِ. وظاهرُهُ وجوبُ أعيانِ ما ذكرَ إلَّا أنهُ سيأتي قريبًا أن مَنْ لمْ يجدِ العينَ الواجبةَ أجزأهُ غيرُها. وأما زكاةُ الغنمِ فقدْ بيَّنَها قولُه: (وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتِها) بدلٌ منْ صدقةِ الغنمِ بإعادةِ العاملِ، وهوَ خبرٌ مقدَّمٌ، والسائمةُ منَ الغنمِ الراعيةُ غيرُ المعلوفةِ.

واعلمْ أنهُ أفادَ مفهومُ السَّومِ أنهُ شرطٌ في وجوبِ زكاةِ الغنمِ، وقالَ بهِ الجمهورُ، وقالَ مالكٌ

(1)

وربيعةُ: لا يشترطُ.

وقالَ داودُ

(2)

: يُشْتَرطُ في الغنمِ لهذا الحديثِ، قلْنا: وفي الإبلِ ما أخرجهُ أبو داودَ

(3)

، والنسائيُّ

(4)

منْ حديثِ بَهْزِ بن حكيمٍ بلفظِ: "في كلِّ سائمةٍ إبلٌ" وسيأتي

(5)

.

نعمْ البقرُ لم يأتِ فيها ذكرُ السَّومِ وإنما قاسُوها على الإبل والغنمِ، (إذا كانتْ أربعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ شاةٍ) بالجرِّ تمييزُ مائةِ، والشاةُ تعمُّ الذكرَ والأنثَى والضأنَ والمعزَ، (شاةٌ) مبتدأٌ خبرُه ما تقدَّمَ منْ قولِه في صدقةِ الغنمِ، فإنَّ في الأربعينَ شاةً إلى عشرينَ ومائةِ، (فإذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتينِ ففيهَا شاتانِ، فإذا زادتْ على مائتين إلى ثلثمائةِ ففيها ثلاثُ شياهٍ، فإذَا زادتْ على ثلثمائةِ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ)، ظاهرُه [أنَّها]

(6)

لا تجبُ الشاةُ الرابعةُ حتَّى تفيَ أربعمائةٍ وهوَ قولُ الجمهورِ

(7)

، وفي روايةِ عنْ أحمد

(8)

، وبعضِ الكوفيينَ إذا زادتْ على ثلثمائةٍ واحدةٌ وجبتِ الأربعُ، (فإذا كانتْ سائمةُ الرجلِ ناقصة عنْ أربعينَ شاةٍ شاةً [واحدة]

(9)

فليسَ فيها صدقةٌ) واجبةٌ (إلا أنْ يشاءَ ربُّها) إخراجُ صدقةٍ نفلًا كما سلفَ، (ولا يُجْمَعُ) بالبناءِ للمفعولِ (بينَ متفرِّقٍ ولا يفرَّقُ)، مثلُه مشدَّدُ الراءِ (بينَ

(1)

انظر: "قوانين الأحكام الشرعية"(ص 125).

(2)

انظر: "المحلَّى"(6/ 45).

(3)

في "السنن"(1575).

(4)

في "السنن"(5/ 15 - 17 رقم 2444)، وهو حديث حسن.

(5)

رقم (6/ 567) من كتابنا هذا.

(6)

في (أ): "أنه".

(7)

انظر: "بداية المجتهد"(2/ 95) بتحقيقنا.

(8)

انظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 463).

(9)

زيادة من (ب).

ص: 10

مجتمعٍ خشيةَ الصدقةِ) مفعولٌ لهُ. والجمعُ بينَ المفترقِ صورتُه أنْ يكونَ ثلاثةَ نفرٍ مثلًا ولكلِّ واحدٍ أربعونَ شاةً، وقدْ وجبَ على كلِّ واحدٍ منْهمُ الصدقةُ، فإذا وصلَ إليهمُ المصدقُ جمعُوها ليكونَ عليهمْ فيها شاةٌ واحدة فَنُهُوا عن ذلك. وصورة التفريق بين مجتمع أن الخليطين لكل منهما مائةُ شاةٍ وشاةٌ فيكونُ عليهما فيها ثلاثُ شياهٍ؛ فإذا وصلَ إليهما المصدقُ فرَّقا غنَمَهما فلمْ يكنْ على كلِّ واحدٍ منْهما سوى شاةٍ واحدةٍ فَنُهُوا عنْ ذلكَ.

قالَ ابنُ الأثيرِ: هذا الذي سمعتُه في ذلكَ. وقالَ الخطابيُّ: قالَ الشافعيُّ: الخطابُ في هذا للمصدقِ ولربِّ المالِ، قالَ: والخشيةُ خشيتانِ: خشيةُ الساعي أنْ تقلَّ الصدقةُ، وخشيةُ ربّ المالِ أنْ يقلَّ مالُه، فأمرَ كلَّ واحدٍ منْهما أنْ لا يحدِثَ في المالِ شيئًا منَ الجمعِ والتفريقِ خشيةَ الصدقةِ، (وما كانَ منْ خليطينِ فإنَّهما يتراجعانِ بينَهما) والتراجعُ بينَ الخليطينِ أنْ يكونَ لأحدِهما مثلًا أربعونَ بقرةً، وللآخرَ ثلاثونَ بقرةً، ومالُهما مشتركٌ، فيأخذُ الساعي عن الأربعينَ مسنَّة، وعنِ الثلاثينَ تبيعًا، فيرجعُ باذلُ المسنَّةِ بثلاثةِ أسباعِها على خليطه، وباذلُ التبيعِ بأربعةِ أسباعهِ على خليطهِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منَ [السنينِ]

(1)

واجبٌ على الشيوعِ كأنَّ المالَ ملكُ واحدٍ. وفي قولهِ: (بالسويةِ) دليلٌ على أن الساعي إذا ظلمَ أحدَهما فأخذَ منْه زيادةً على فرضِهِ، فإنهُ لا يرجعُ بها علَى شريكهِ، وإنَّما يغرمُ لهُ قيمةُ ما يخصُّهُ منَ الواجبِ دونَ [الزيادةِ، كذَا في الشرحِ. ولَو قيلَ مثلًا: إنهُ يدلُّ أنَّهما يتساويان في الحقّ والظلم لما بَعُدَ الحديثُ عنْ إفادةِ]

(2)

ذلكَ. (ولا يُخْرَجُ) مبنيٌّ للمجهولِ (في الصدقةِ هَرِمةٌ) بفتحِ الهاءِ، وكسرِ الراءِ، الكبيرةُ التي سقطتْ أسنانُها، (ولا ذاتُ عَوارٍ) بفتحِ العينِ المهملةِ وضمِّها، وقيلَ: بالفتحِ معيبةُ العينِ، وبالضمِّ [عوراءُ]

(3)

العينِ، ويدخلُ في ذلكَ المرضُ، والأَوْلى أنْ تكونَ مفتوحةً لتشملَ ذاتَ العيبِ فيدخلُ ما أفادَهُ حديث أبي داودَ: "لا تُعْطَى الهرمةُ، ولا الدرنةُ، ولا المريضةُ، ولا [الشرَط]

(4)

اللَّئيمةُ ولكنْ منْ وسطِ أموالِكم؛ فإنَّ اللَّهَ لم يسألْكم خيرَهُ ولا أمَركم بشرِّه"، انتهَى.

(1)

في (أ): "الشيئين".

(2)

زيادة من (ب).

(3)

في (أ): "عور".

(4)

في (أ) و (ب): "الشرطاء". وما أثبتناه من "النهاية"(2/ 460).

ص: 11

والدرنةُ الجرباءُ منَ الدرنِ الوسخِ، والشرطاءُ اللئيمةُ هي أرذلُ المال، وقيلَ: صغارُه [وشرارُه]

(1)

، قالُه في النهايةِ

(2)

. (ولا تيسٌ إلَّا أنْ يشاءَ المصدقُ)، اختُلفَ في ضبطهِ فالأكثرُ على أنهُ بالتشديد، وأصلُه المتصدِّقُ أدغمتِ التاءُ بعدَ قلْبِها صادًا والمرادُ بهِ المالكُ، والاستثناءُ راجعٌ إلى الآخرِ، وهوَ التيسُ، وذلكَ أنهُ إذا لم يكنْ معدًا للإنزاءِ فهوَ منَ الخيارِ، وللمالكِ أنْ يخرجَ الأفضلَ، ويحتملُ ردُّهُ إلى الجميعِ، ويفيدُ أن للمالكِ إخراجَ الهرمةِ وذاتِ العوارِ إذا كانتْ سمينةً قيمتُها أكثرُ منَ الوسطِ الواجبِ. وفي هذا خلافٌ بينَ المفرِّعينِ، وقيلَ: إنَّ ضبطَهُ بالتخفيفِ والمرادُ بهِ الساعي فيدلُّ على أن لهُ الاجتهادَ في نظرِ الأصلحِ للفقراءِ، وأنهُ كالْوَكيلِ فَتُقَيَّدُ مشيئتُه بالمصلحةِ فيعودُ الاستثناءُ إلى الجميعِ على هذَا، وهذَا إذا كانتِ الغنمُ مختلفةً، فلوْ كانتْ معيبةً كلُّها أو تيوسًا أجزأهُ إخراجُ واحدةٍ، وعنِ المالكيةِ يشتري شاةً مُجْزئَةً عملًا بظاهرِ الحديثِ، وهذهِ زكاةُ الغنمِ وتقدَّمتْ زكاةُ الإبلِ وتأتي زكاةُ البقرِ. وأما الفضةُ فقدْ أفادَ الواجبَ منْها قولُه:(وفي الرِقةِ) بكسرِ الراءِ وتخفيفِ القافِ، وهي الفضةُ الخالصةُ [في مائتي درهم]

(3)

(ربعُ العشرِ) أي يجبُ إخراجُ ربعِ عُشْرها زكاةً، ويأتي النصُّ على الذهبِ، (فإنْ لم تكنْ) أي: الفضةُ (إلا تسعينَ) دِرْهمًا (ومائةً فليسَ فيها صدقةٌ إلَّا أنْ يشاءَ ربُّها) كما عرفتَ، وفي قولِه: تسعينَ ومائةً ما يوهمُ أنَّها إذا زادتْ على التسعينَ والمائةِ قبلَ بلوغِ المائتينِ أن فِيْها صدقةً وليسَ كذلكَ، بلْ إنَّما ذكرَهُ لأنهُ آخرُ عقدٍ قبلَ المائةِ، والحسابُ إذا جاوزَ الآحادَ كانَ تركيبهُ بالعقودِ كالعشراتِ والمئينَ والألوفِ فذكرَ التسعينَ لذلكَ ثمَّ ذكرَ حكمًا منْ أحكامِ زكاةِ الإبلِ قدْ أشرْنا إلى أنهُ يأتي بقولهِ: (ومَنْ بلغتْ عندَهُ منَ الإبلِ

(4)

صدقةُ الجذعةِ). وقدْ عرفتَ في صدرِ الحديثِ العدةَ التي تجبُ فيها الجذعةُ (وليستْ عندَهُ جذعة) أي: في ملكهِ، (وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تقبلُ منهُ) عوضًا عن الجذعةِ (ويجعلُ معَها) أي: توفيةً لها

(1)

في (أ): "وأشراره". وما أثبتناه موافق (ب) ولما في "النهاية"(2/ 460).

(2)

في "غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 460).

(3)

زيادة من (ب).

(4)

لعل الفاعل ضمير يعود إلى صدقة المال، وصدقة في الحديث مفعول.

ص: 12

(شاتينِ إن استيسرتَا لهُ أو عشرينَ دِرهمًا) إذا لم [يتيسر]

(1)

لهُ الشاتان. وفي الحديثِ دليلٌ أن هذَا القدْرَ هوَ جبرُ التفاوتِ ما بينَ الجَذْعةِ والحقَّةِ. (ومَنْ بلغتْ عندَهُ صدقةُ الحِقَّةِ) التي عرفتَ قدْرَها (وليستْ عندَه الحِقَّةُ وعندَه الجذعة فإنها تُقْبَل منهُ الجذعةُ) وإنْ كانتْ زائدةً على ما يلزمُه فلا يكلَّفُ تحصيلُ ما ليسَ عندَه (ويعطيهِ المصدقُ) مقابلَ ما زادَ عندَهُ (عشرينَ دِرْهَمًا أو شاتينِ) كما سلفَ في عكسه (رواهُ البخاريُّ). وقد اختُلِفَ في قدْر التفاوتِ في سائرِ الأسنانِ، فذهبَ الشافعيُّ إلى أن التفاوتَ بينَ كلِّ سنينَ كما ذُكِرَ [في الحديث]

(2)

، وذهبَ الهادويةُ إلى أن الواجبَ هوَ زيادةُ فضل القيمةِ منْ ربِّ المالِ أو ردَّ الفضلَ منَ المصدقِ، ويرجعُ في ذلكَ إلى التقويمِ قالُوا: بدليلِ أنهُ وردَ في روايةِ عشرةِ دراهمَ أو شاةٍ وَمَا [ذلكَ]

(3)

إلَّا أن التقويمَ يختلفُ باختلافِ الزمانِ والمكانِ فيجبُ الرجوعُ إلى التقويمِ. وقدْ أشارَ البخاريُّ إلى ذلكَ، فإنهُ أوردَ حديثَ أبي بكرٍ في بابِ أخْذِ العَرُوضِ منَ الزكاةِ وذكرَ في ذلكَ قولَ معاذٍ لأهلِ اليمنِ: "ائتوني بعرضِ

(4)

ثيابِكم خميصٍ أو لبيسٍ في الصدقةِ مكانَ الشعيرِ والذرةِ أهونُ عليكم، وخيرٌ لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ"، ويأتي استيفاءُ ذلكَ.

‌زكاة البقر ونصابها

3/ 564 - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مُعَافِريًا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(5)

، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَشَارَ إِلَى اخْتِلَافٍ في وَصْلِهِ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

(6)

وَالْحَاكِمُ

(7)

. [صحيح]

(1)

في (ب): "تتيسر".

(2)

زيادة من النسخة (ب).

(3)

في (أ): "ذاك".

(4)

كما في صحيح البخاري (3/ 311) باب 33 مع الفتح.

(5)

أخرجه أحمد (5/ 230)، وأبو داود (1578)، والترمذي (623) والنسائي (5/ 25 - 26) و (5/ 26)، وابن ماجه (1803).

* قال الترمذي: "هذا حديث حسن. وروى بعضُهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثَ معاذًا إلى اليمن فأمره أن يأخذ. وهذا أصح" اهـ.

(6)

في "الإحسان"(11/ 244 رقم 4886). رجاله ثقات رجال الشيخين غير يحيى بن عيسى فمن رجال مسلم، وهو صدوق يخطئ، وقد توبع عليه.

(7)

في "المستدرك"(1/ 398)، ووافقه الذهبي. =

ص: 13

(وعنْ معاذٍ بن جبلَ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَة إلى اليمنِ، فأمرة أنْ يأخذَ منْ كلِّ ثلاثينَ بقرةً تبيعًا أو تبيعةً). فيهِ أنهُ مخيَّرٌ بينَ الأمرينِ، والتبيعُ ذو الحولِ ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى، (ومنْ كلِّ أربعينَ مُسَّنةً)، وهي ذاتُ الحولينِ (ومنْ كلِّ حالمٍ دينارًا) أي: محتلِمٍ. وقدْ أخرجهُ بهذا اللفظِ أبو داودَ

(1)

. والمرادُ بهِ الجزيةُ ممنْ لم يُسلمْ، (أو عَدْلَهُ) بفتحِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الدالِ المهملةِ، (مُعافِريًا) نسبةً إلى معافرٍ [بزنة]

(2)

مساجدَ حيٌّ في اليمنِ إليهمْ تنسبُ الثيابُ المعافريةُ، يقالُ: ثوبٌ معافريٌّ (رواهُ الخمسةُ، واللفظُ لأحمدَ، وحسَّنهُ الترمذيُّ. وأشارَ إلى اختلافٍ في وصلهِ)، لفظُ الترمذيِّ بعدَ إخراجهِ

(3)

: وَرَوى بعضُهم هذا الحديثَ عن الأعمشِ عنْ أبي وائلٍ عنْ مسروقٍ: "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ معاذًا إلى اليمنِ فأمرَهُ أنْ يأخذَ" قالَ: وهذا أصحُّ، أي: منْ روايتهِ عنْ مسروقٍ عن معاذٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، (وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ)، وإنَّما رجَّحَ الترمذيُّ الروايةَ المرسلةَ، [لأنَّ رواية الاتصال اعتُرضتْ]

(4)

بأن مسروقًا لمْ يلقَ معاذًا، وأجيبَ عنهُ بأنَّ مسروقًا همدانيُّ النسبِ منْ وادعةَ يمانيُّ الدارِ. وقدْ كان في أيامِ معاذِ باليمنِ، فاللقاءُ ممكن بينَهما، فهوَ محكومٌ باتصالهِ على رأي الجمهورِ.

قلت: وكانَ رأيُ الترمذيِّ رأيَ البخاريِّ أنهُ لا بدَّ منْ تحقُّق اللقاءِ.

= قلت: وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" رقم (6841) والطيالسي رقم (567) والدارمي (1/ 382) وابن الجارود رقم (343) والدارقطني (2/ 102) والبيهقي (4/ 98) و (9/ 193) من طرق

• ثم للحديث شاهدٌ من حديث ابن مسعود، يرويه خصيف عن أبي عبيدة عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مسنة"، أخرجه الترمذي (3/ 19 رقم 622) وابن ماجه (1/ 57 رقم 1804) وابن الجارود رقم (344) والبيهقي (4/ 99) وأحمد (1/ 411) وقال الترمذي: وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من عبد الله.

قلت: وخصيف سيء الحفظ كثير الوهم.

والخلاصة: أن حديث معاذ صحيح بطرقه وهذا الشاهد، والله أعلم.

انظر تخريجنا للحديث في "بداية المجتهد"(2/ 92 - 94).

(1)

في "السنن"(1576).

(2)

في (أ): "زنة".

(3)

في "السنن"(3/ 20).

(4)

في (أ): "لأنها اعترضت رواية الاتصال".

ص: 14

والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في البقر، وأنَّ نصابَها ما ذُكِرَ، وهوَ مُجْمَعٌ [عليهِ في]

(1)

الأمرينِ. وقالَ ابنُ عبد البرِّ

(2)

: لا خلافَ بينَ العلماءِ أن السنةَ في زكاةِ البقر على ما في حديثِ معاذٍ، وأنهُ النصابُ المجمعُ عليهِ.

وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يجبُ فيما دون الثلاثينَ شيءٌ، وفيهِ خلافٌ [عن الزهري]

(3)

فقالَ: يجبُ في كلِّ خمسٍ شاةٌ قياسًا على الإبلِ. وأجابَ الجمهورُ بأنَّ النصابَ لا يثبتُ بالقياسِ وبأنهُ قدْ رُوِيَ: "ليسَ فيما دونَ ثلاثينَ منَ البقر شيءٌ"

(4)

، وهوَ وإنْ كانَ مجهولَ الإسنادِ فمفهومُ حديثِ معاذٍ يؤيدُه.

‌تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم

4/ 565 - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تُؤخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ

(5)

. وَلأَبي دَاوُدَ

(6)

أيضًا: "لَا تُؤخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا في دُورِهمْ". [حسن لغيره]

(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: تُؤْخَذُ صدقاتُ المسلمينَ على مياهِهم. رواهُ أحمدُ، ولأبي داودَ) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ (أيضًا: ولا تؤخذُ صدقاتُهم إلَّا في دورِهم)، وعندَ النسائيِّ

(7)

وأبي داودَ

(8)

في لفظٍ منْ حديثِ عمرٍو أيضًا: "لا جلَبَ، ولا جنَبَ، ولا تؤخذُ صدقاتُهم إلَّا في دورهِم"، أي: لا تجلبُ الماشيةُ إلى المصدقِ؛ بلْ هوَ الذي يأتي إلى ربِّ

(1)

في (أ): "على".

(2)

في "التمهيد"(2/ 273 - 274).

(3)

في (ب): "للزهري".

(4)

فلينظر من أخرجه؟!

(5)

في "المسند"(2/ 184 - 185). وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 110).

قلت: وأخرجه ابن ماجه (1806) من حديث ابن عمر قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تُؤخذُ صدقات المسلمين على مياههم".

وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 55 رقم 645/ 1806): "هذا إسناد ضعيف لضعف أسامة".

وانظر: "الصحيحة للألباني" رقم (1779).

(6)

في "السنن"(1591) بإسناد حسن.

(7)

عزاه صاحب "التحفة"(6/ 333) لأبي داود فقط، ولم يعزه للنسائي.

(8)

في "السنن"(1591) بإسناد حسن.

ص: 15

المالِ، ومعنى لا جنبَ [أنهُ]

(1)

حيثُ يكونُ المصَدِّقُ بأقصَى مواضعِ أصحابِ الصدقةِ فتجنبُ إليه فنهيَ عنْ ذلكَ، وفيهِ تفسيرٌ آخرُ يخرجهُ عنْ هذا البابِ. والأحاديثُ دلَّتْ على أن المصَدِّقَ هوَ الذي يأتي إلى ربِّ المالِ، فيأخذُ الصدقةَ. ولفظُ أحمدَ خاصٌّ بزكاةِ الماشيةِ، ولفظُ أبي داودَ عام لكلِّ صدقةٍ، وقدْ أخرجَ أبو داودَ

(2)

عن جابرٍ بن عُتَيْكٍ مرفوعًا: "سيأتيكمْ رَكْبٌ مبغضونَ، فإذا أتوكُم فرحِّبُوا بهم، وخلوا بينَهم وبينَ ما يبتغونَ، فإنْ عدلُوا فلأنفسِهم، وإن ظلمُوا فعليها، وأرضُوهم؛ فإنَّ تمام زكاتِكم رضاهُم". فهذا يدلُّ أنَّهم ينزلونَ بأهلِ الأموالِ، وأنَّهم يرضونَهم وإن ظلمُوهم. وعندَ أحمدَ

(3)

منْ حديثِ أنسٍ قال: "أتى رجلٌ منْ بني تميمٍ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إذا أدَّيتُ الزكاةَ إلى رسولكَ فقدْ برئتُ منْها إلى اللَّهِ ورسولهِ؟ قالَ: نَعَمْ ولكَ أجرُها، وإثمها على مَنْ بدَّلها"، وأخرجَ مسلمٌ

(4)

حديثَ جابرٍ مرفوعًا: "أرضُوا مصدّقكم"، في جوابِ ناس منَ الأعرابِ أَتَوْه صلى الله عليه وسلم فقالُوا: إنَّ ناسًا من المصدِّقينَ يأتونَنَا فيظلمونَنَا"، إلَّا أن في البخاري أن مَنْ سُئِلَ أكثرَ مما وَجَبَ عليهِ فلا يعطيهِ المصدقَ. وجُمِعَ بينهُ وبينَ هذهِ الأحاديثِ أن ذلكَ حيثُ يطلبُ الزيادةَ على الواجبِ منْ غيرِ تأويلٍ، وهذهِ الأحاديثُ حيثُ طلبَها متأولًا وإنْ رآهُ صاحبُ المالِ ظالمًا.

5/ 566 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(5)

، وَلمُسْلِمٍ

(6)

: "لَيْسَ في الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ". [صحيح]

(1)

في (أ): "وذلك".

(2)

في "السنن"(1586)، وهو حديث ضعيف.

(3)

في "المسند"(3/ 136).

(4)

في صحيحه (989) من حديث جرير بن عبد الله، وليس من حديث جابر.

قلت: وأخرجه الترمذي (647) والنسائي (5/ 31 رقم 2460)، وأبو داود (1589).

(5)

في صحيحه (1463)، و (1464)، ومسلم (8 - 9/ 982)، وأبو داود (1594 - 1595)، والترمذي (628)، والنسائى (5/ 35).

(6)

في صحيحه (10/ 982).

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(2289)، والبيهقي (4/ 160).

ص: 16

(وعنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ليسَ على المسلمِ في عبدِه ولا فرسه صدقةٌ. رواهُ البخاريُّ، ولمسلمٍ) أي: منْ روايةِ أبي هريرةَ: (ليسَ في العبدِ صدقةٌ إلَّا صدقةُ الفطرِ). الحديثُ نصَّ على أنهُ لا زكاةَ في العبيدِ ولا الخيلِ، وهوَ إجماعٌ فيما كانَ للخدمةِ والركوبِ، وأما الخيلُ المعدَّةُ للنتاجِ ففيها خلافٌ للحنفيةِ، وتفاصيلُ. واحتجُّوا بحديثِ:"في كلِّ فرسٍ سائمةٍ دينارٌ أو عشرَةُ دراهمَ" أخرجهُ الدارقطنيُّ

(1)

، والبيهقيُّ

(2)

، وضعَّفاهُ. وأجيبَ بأنهُ لا يقاومُ حديثَ النفي الصحيحَ، واتفقتْ هذهِ الواقعةُ في زمنِ مروانَ فشاورَ الصحابةَ في ذلكَ، فرَوَى أبو هريرةَ الحديثَ:"ليسَ على الرجلِ في عبدهِ ولا فرسهِ صدقةٌ"، فقالَ مروانُ لزيدِ بن ثابتٍ: ما تقولُ يا أبا سعيدٍ؟ فقالَ أبو هريرةَ: عجبًا منْ مروانَ أحدِّثُهُ بحديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهوَ يقولُ: ما تقولُ يا أبا سعيدٍ، فقالَ زيدٌ: صدقَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أرادَ بهِ الفرسَ الغازيَ، فأما تاجرٌ يطلبُ نسلَها ففيها الصدقةُ، فقالَ: كمْ؟ قالَ: "في كلِّ فرسٍ دينارٌ أوْ عشرةُ دراهمَ".

وقالتِ الظاهريةُ

(3)

: لا تجبُ الزكاةُ في الخيلِ ولو كانتْ للتجارةِ، وأجيبَ بأنَّ زكاةَ التجارةِ واجبةٌ بالإجماعِ كما نقلهُ ابنُ المنذرِ

(4)

.

قلتُ: كيفَ الإجماعُ وهذا خلافُ الظاهريةِ.

‌للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا

6/ 567 - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "في كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: في أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ،

(1)

في "السنن"(2/ 125 - 126 رقم 1) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في الخيل السائمة في كل فرس دينار تؤدِّيه"، تفرَّد به غورك عن جعفر وهو ضعيف جدًّا، ومن دونه ضعفاء.

(2)

في "السنن الكبرى"(4/ 119)، ونقل كلام الدارقطني السابق.

(3)

انظر: "المحلَّى"(5/ 209 رقم المسألة 641).

(4)

في كتابه "الإجماع"(ص 51 رقم 114).

ص: 17

عَزْمَةٌ مِن عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدِ مِنْهَا شَيْءٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

، وَأَبُو دَاوُدَ

(2)

، وَالنَّسَائِيُّ

(3)

، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ

(4)

، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ

(5)

الْقَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ. [حسن]

(وعنْ بَهْزِ) بفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ الهاءِ، وبالزاي (ابن حكيمٍ) بن معاويةَ بن حيدةَ بفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، القشيري، بضمِّ القافِ، وفتحِ المعجمةِ. وبهزٌ تابعيٌّ مختلفٌ في الاحتجاجِ بهِ، فقال يحيى بنُ معينٍ

(6)

في هذهِ الترجمةِ إسنادٌ صحيحٌ إذا كانَ منْ دون بَهْزٍ ثقةٌ.

وقالَ أبو حاتمٍ: هوَ شيخٌ يُكْتَبُ حديثُه، ولا يحتجُّ بهِ. وقالَ الشافعيُّ: ليسَ بحجةٍ.

وقالَ الذهبيُّ: ما تركهُ عالمٌ قطُّ

(7)

(عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ) هوَ معاويةُ بنُ حيدةَ صحابيُّ (قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: في كلِّ سائمةِ إبلٍ في أربعينَ بنتُ لبونٍ) تقدمَ في حديثِ أنسٍ

(8)

أن بنتَ اللبونِ تجبُ منْ ستٍّ وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ، فهوَ يصدقُ على أنهُ يجبُ في الأربعينَ بنتُ لبونٍ، ومفهومُ العددِ هنَا مطرحُ زيادةٍ ونقصانٍ، لأنهُ عارضَهُ المنطوقُ الصريحُ، وهوَ حديثُ أنسٍ: (لا تفرقُ إبلٌ عنْ

(1)

في "المسند"(5/ 2 - 4).

(2)

في "السنن"(1575).

(3)

في "السنن"(5/ 15 - 16 رقم 2444).

(4)

في "المستدرك"(1/ 398)، ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه البيهقي (4/ 105)، والدارمي (1/ 396)، وابن أبي شيبة (3/ 122)، والطبراني في "الكبير" (19/ 411 رقم 984 - 988) وعبد الرزاق (رقم: 6824)، وابن خزيمة (4/ 18 رقم 2266)، وابن الجارود (رقم: 341) من طرق عنه.

وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(5)

ذكره النووي في "المجموع"(5/ 332).

(6)

كما في "التلخيص الحبير"(2/ 160).

(7)

انظر: "الميزان"(1/ 353 - 354 رقم 1325).

وقال ابن عدي في "الكامل"(2/ 501): " .. ولم أر أحدًا تخلَّف في الرواية من الثقات ولم أر له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه" اهـ.

(8)

رقم الحديث: (2/ 563) من كتابنا هذا.

ص: 18

حسابِها). معناهُ أن المالكَ لا يفرقُ ملكَهُ عنْ ملكِ غيرهِ حيثُ كانا خليطينِ كما تقدَّمَ، (مَنْ أعطاها مؤتجرًا بها) أي: قاصدًا للأجرِ بإعطائِها (فلهُ أجرُها، ومنْ منعَها فإنَّا آخذوها وشطرَ مالهِ عزمةٌ) يجوزُ رفعهُ على أنهُ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، ونصبُه على المصدريةِ، وهوَ مصدرٌ مؤكدٌ لنفسهِ مثلُ: لهُ عليَّ ألفُ درهمٍ اعترافًا، والناصبُ لهُ فعلٌ يدلُّ عليهِ [جملة]

(1)

: فإنَّا آخذُوها، والعزمةُ الجدُّ في الأمرِ، يعني أن أخذَ ذلكَ بجدٍّ فيهِ لأنهُ واجبٌ مفروضٌ (منْ عزماتِ ربِّنا، لا يحلُّ لآلِ محمدٍ منْها شيءٌ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحه الحاكئم، وعلَّقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على ثبوتهِ) فإنهُ قالَ: هذا الحديثُ لا يثبتهُ أهلُ العلم بالحديثِ، لو ثبتَ لقُلْنا بهِ.

وقالَ ابنُ حبانَ

(2)

: كانَ - يعني بهزًا - يخطئُ كثيرًا، ولولا هذا الحديثُ لأدخلتهُ في الثقاتِ، وهوَ مَنْ أستخيرُ اللَّهَ فيهِ.

والحديثُ دليلٌ على أنهُ يأخذُ الإمامُ الزكاةَ قَهْرًا ممَّنْ منعَها، والظاهرُ أنهُ مجمعٌ عليهِ، وأن نيةَ الإمامِ كافيةٌ، وأنها تجزئُ مَنْ هي عليهِ وإنْ فاتهُ الأجرُ فقدْ سقطَ عنهُ الوجوبُ. وقولُه: وشطرَ مالِه هوَ عطفٌ على الضميرِ المنصوبِ في آخذوها، والمرادُ من الشطرِ البعضُ، وظاهرهُ أن ذلكَ عقوبةٌ بأخذِ جزءِ منَ المالِ على منعهِ إخراجِ الزكاةِ. وقدْ قيلَ: إنَّ ذلكَ منسوخٌ أوْ لم يقمْ مدَّعي النسخِ دليلًا على النسخِ، بلْ دلَّ على عدمهِ أحاديثُ أُخَرُ ذكرَها في الشرحِ. وأما قولُ

(3)

المصنفِ: إنهُ لا دليلَ في حديثِ بهز على جوازِ العقوبةِ بالمالِ لأنَّ الروايةَ: "وشُطّرَ مالهِ " بضمِّ الشينِ، فعلٌ مبني للمجهولِ، أي: جعلَ ماله شطرينِ ويتخيرُ عليهِ المصدقُ ويأخذُ الصدقةَ منْ خيرِ الشطرينِ عقوبةً لمنعهِ الزكاةَ.

قلتُ: وفي النهايةِ

(4)

ما لفظُه: قالَ الحربيُّ: غَلِطَ الرُّاوي في لفظِ الرّوايةِ إنَّما هيَ وشُطِّرَ مالهُ، أي: يُجْعَلُ مالهُ شَطْرَينِ إلى آخرِ ما ذكرهُ المصنفُ.

وإلى مثلهِ جنحَ صاحبُ ضوءِ النهارِ

(5)

فيهِ وفي غيرهِ منْ رسائِله، وذكرْنا في

(1)

في (أ): "لفظ".

(2)

في "المجروحين"(1/ 194).

(3)

جوابه قوله قلت إلخ

(4)

لابن الأثير (1/ 473).

(5)

للجلال (2/ 350 - 351).

ص: 19

حواشيهِ

(1)

أنهُ على هذهِ الروايةِ أيضًا دالٌّ على جوازِ العقوبةِ بالمالِ؛ إذ الأخذُ منْ خيرِ الشطرينِ عقوبةٌ بأخذِ زيادةٍ على الواجبِ؛ إذِ الواجبُ الوسطُ غيرُ الخيارِ، ثمَّ رأيتُ الشارحَ أشارَ إلى هذا الذي قلناهُ في حواشي ضوءِ النهارِ قبلَ الوقوفِ علَى كلامهِ، ثمَّ رأيتُ النوويَّ بعدَ مدةٍ طويلةٍ ذ كرَ ما ذكرناهُ بعينهِ ردًا على مَنْ قالَ إنهُ علَى تلكَ الروايةِ لا [دليل]

(2)

فيهِ على جوازِ العقوبةِ بالمالِ، ولفظهُ: إذا تخيَّرَ المصدقُ وأخذَ مِنْ خيرِ الشطرينِ فقدْ أخذَ زيادةً على الواجبِ وهي عقوبةٌ بالمالِ، إلَّا أن حديثَ بهزٍ هذا لو صحَّ فلا يدلُّ إلَّا على هذهِ العقوبةِ بخصوصِها في مانعِ الزكاةِ لا غيرُ.

وهذا الشطرُ المأخوذُ يكونُ زكاةً كلُّه أي: حكمهُ حكمُها أخذًا ومصرِفًا، ولا يلحقُ بالزكاةِ غيرُها في ذلكَ لأنهُ إلحاقٌ بالقياسِ ولا نصَّ على علتهِ، وغيرُ النصِّ منْ أدلةِ العلةِ لا يفيدُ ظنًا يعملُ بهِ سيَّما وقدْ تقرَّرتْ حرمةُ مالِ المسلمِ بالأدلةِ القطعيةِ كحرمةِ دمهِ، فلا يحلُّ أخذُ شيءٍ منهُ إلَّا بدليلٍ قاطع، ولا دليلَ بلْ هذا الواردُ في حديثِ بهزٍ آحادي لا يفيدُ إلَّا الظنَّ فكيفَ يُؤْخَذُ بهِ ويُقَدَّمُ على القطعي.

ولقدِ استرسلَ أهلُ الأمرِ في هذه الأعصارِ في أخذِ [الأموالِ في العقوبةِ]

(3)

استرسالًا ينكرهُ العقلُ والشرعُ، وصارتْ [تناطُ]

(4)

الولاياتُ بجهَّالٍ لا يعرفونَ مِنَ الشرعِ شيئًا، ولا مِنَ الدينِ أمرًا، فليسَ همُّهم إلَّا [أخذ]

(5)

المالِ منْ كلِّ مَنْ لهمْ عليهِ ولايةٌ يسمونَهُ أدبًا وتأديبًا، ويصرفونَهُ في حاجاتِهم وأقواتِهم، وكسبِ الأطيانِ، وعمارةِ المساكنِ في الأوطانِ، فإنا للَّهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ. ومنْهم مَنْ يضيِّعُ حدَّ السرقةِ أو شربَ المسكرِ ويقبضُ عليهِ مالًا.

ومنهم مَنْ يجمعُ بينَهما فيقيمُ الحدَّ ويقبضُ المالَ، وكلُّ ذلكَ محرَّمٌ ضرورةً دينيةً، لكنهُ شابَ عليهِ الكبيرُ، وشبَّ عليهِ الصغيرُ، وتركَ العلماءُ النكيرَ، فزادَ الشرُّ في الأمرِ الخطيرِ.

وقولُه: " [لا تحلُّ]

(6)

لآلِ محمدٍ" يأتي الكلامُ في هذا الحكمِ مستوفَى إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.

(1)

وهي "منحة الغفار" للأمير الصنعاني (2/ 350 رقم التعليقة 3 و 4).

(2)

في (أ): "دلالة".

(3)

في (أ): "المال بالعقوبة".

(4)

في (أ): "نياط".

(5)

في (ب): "قبض".

(6)

في (أ): "لا يحل".

ص: 20

‌نصاب الفضة والذهب

7/ 568 - وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَم - وَحَالَ عَلَيهَا الْحَوْلُ - فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمٍ، وَلَيسَ عَلَيْكَ شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ، وَلَيْسَ في مالٍ زَكاةٌ حَتى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ. [صحيح]

(وعنْ عليٍّ عليه السلام قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إذا كانتْ لكَ مائتا درهمٍ وحالَ عليها الحولُ ففيها خمسةُ دراهمَ) ربعُ عُشْرِها (وليسَ عليك شيءٌ) أي: في الذَّهبِ (حتَّى يكونَ لكَ عشرونَ دينارًا، وحالَ عليْها الحولُ ففيْها نصفُ دينارٍ، فما زادَ فبحسابِ ذلكَ، وليسَ في مالٍ زكاةٌ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ. رواهُ أبو داودَ، وهوَ حسنٌ، وقد اختُلِف في رفعهِ). أخرجَ الحديثَ أبو داودَ مرفوعًا منْ حديثِ الحارثِ الأعورِ إلَّا قولَه: "فما زادَ فبحساب ذلكَ"، قالَ: فلا أدري [أعليٌّ]

(2)

يقولُ فبحسابِ ذلكَ، أو يرفعُهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإلَّا قولَه:"ليسَ في المالِ زكاةٌ إلى آخرهِ" انتهَى. فأفادَ كلامُ أبي داودَ أن في رفعهِ بجُملتِه اختلافًا ونبَّهَ المصنفُ في التلخيصِ

(3)

على أنهُ معلولٌ وبيَّنَ عِلَّتَهُ، ولكنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ

(4)

الجملةَ [الأخرى]

(5)

منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا [بلفظ]

(6)

: "لا زكاةَ في مالِ امرئٍ حتَّى يحولَ عليه الحولُ"، وأخرجَ أيضًا

(7)

عنْ عائشةَ مرفوعًا: "ليسَ في المالِ

(1)

في "السنن"(1573).

وقال المنذري (2/ 191): "وذكر أن شعبة وسفيان وغيرهما لم يرفعوه.

وأخرج ابن ماجه (1790) طرفًا منه، والحارث وعاصمٍ ليسا بحجة.

قلت: وأخرج الترمذي (620) والنسائي (5/ 37) طرفًا منه أيضًا. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.

(2)

في (أ): "أعليًا" والصواب ما أثبتناه من (ب).

(3)

(2/ 173 - 174).

(4)

في "السنن"(2/ 90 رقم 1)، وقال الدارقطني:"رواه معتمر وغيره عن عبيد الله موقوفًا".

(5)

في (أ): "الآخرة".

(6)

زيادة من (ب).

(7)

في "السنن"(2/ 90 - 91 رقم 3)، وفيه حارثة هو ابن أبي الرجال، وهو ضعيف.=

ص: 21

زكاةٌ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ"، ولهُ [طريقٌ]

(1)

أُخْرى [عنهما]

(2)

.

والحديثُ دليل على أن نصابَ الفضةِ مائتا درهمٍ، وهوَ إجماعٌ

(3)

، وإنَّما الخلافُ في قدر الدرهمِ

(4)

؛ فإنَّ فيهِ خلافًا كثيرًا سَرَدَهُ في الشرحِ، ولم يأتِ بما يشفي وتسكنُ إليهِ النفسُ في قدْرِه. وفي شرحِ الدّميْرِي أن كلَّ درهمٍ ستةُ دوانيقَ، وكلَّ عشرةِ دراهمَ سبعةُ مثاقيلَ، والمثقالُ لم يتغيرْ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، قالَ: وأجمعَ المسلمون على هذَا، وقرَّرَ في المنارِ

(5)

بعدَ بحثٍ طويلٍ أن نصابَ الفضةِ منَ القروشِ الموجودةِ على رأي الهادويةِ ثلاثةَ عشرَ قرشًا، وعلى رأي الشافعيةِ أربعةَ عشرَ، وعلى رأي الحنفيةِ عشرونَ، وتزيدُ قليلًا، وأنَّ نصابَ الذهبِ عندَ الهادويةِ خمسةَ عشرَ أحمرَ، وعشرونَ عندَ الحنفيةِ، ثمَّ قالَ: وهذا تقريبٌ. وفيهِ أن قدْرَ زكاةِ المائتي الدرهمِ ربعُ العشرِ وهوَ إجماعٌ.

وقولُه: "فما زادَ فبحسابِ ذلكَ"، قدْ عرفتَ أن في رفعهِ خلافًا وعلى ثبوتهِ، فيدلُّ على أنهُ يجبُ في الزائدِ.

وقالَ بذلكَ جماعةٌ منَ العلماءِ، ورُويَ عنْ عليٍّ

(6)

، وعنِ ابن عمرَ

(7)

أنَّهما قالا: ما زادَ على النصابِ منَ الذهبِ والفضةِ ففيهِ - أي: الزائدِ - ربعُ العشرِ في قليلهِ وكثيرهِ، وأنهُ لا وقْصَ فيهما، ولعلَّهم يحملونَ حديثَ جابرٍ الآتي

(8)

بلفظِ: "وليسَ فيما دونَ خمسِ أواقي صدقةٌ"، علَى مَا إذا انفردتْ عنْ نصابٍ منْهما لا إذا كانتْ مضافةً إلى نصابٍ منْهما. وهذَا الخلافُ في الذهبِ والفضةِ، وأما

= قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: كان ممَّن كثر وهمه وفحش خطؤه، تركه أحمد ويحيى. ومن طريق حارثة أخرجه ابن ماجه (1792) بسند ضعيف.

(1)

في (أ): "طرق".

(2)

أخرج الدارقطني في "السنن"(2/ 90 رقم 2) و (2/ 92 رقم 8 - 9) عن ابن عمر.

وأخرج الدارقطني في "السنن" أيضًا (2/ 91 رقم 4) و (2/ 92 رقم 7) عن عائشة.

(3)

ذكره ابن المنذر في كتابه "الإجماع"(ص 48 رقم 97).

(4)

انظر كتابنا "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية"، مبحث "الدرهم"، ومبحث "الدينار".

(5)

(1/ 293).

(6)

انظر: موسوعة فقه علي ص 297، والمحلَّى (6/ 69).

(7)

انظر: موسوعة فقه ابن عمر ص 392.

(8)

برقم (13/ 574) من كتابنا هذا.

ص: 22

الحبوبُ فقالَ النوويُّ في شرح مسلمٍ

(1)

: أنَّهم أجمعُوا فيما زادَ على خمسةِ أوسُقٍ أنَّها تجبُ زكاتُه بحسابهِ، وأنهُ لا أوقاصَ فيها. انتهى.

وحملُوا ما يأتي منْ حديثِ أبي سعيدٍ

(2)

بلفظِ: "وليسَ فيما دونَ خمسةِ أوساقٍ منْ تمرٍ ولا حبٍّ صدقةٌ"، على ما لمْ ينضمَّ إلى خمسةِ أوسقٍ، وهذا يقوي مذهبَ عليٍّ وابنِ عمرَ رضي الله عنهما الذي قدَّمناهُ في النقدينِ. وقولُه:"وليسَ عليكَ شيءٌ حتَّى يكونُ لكَ عشرونَ دينارًا"، فيهِ حكمُ نصابِ الذهبِ، وقدرُ زكاتهِ، وأنهُ عشرونَ دينارًا، وفيها نصفُ دينارٍ، وهوَ أيضًا ربعُ عُشْرها، وهوَ عامٌّ لكلِّ فضةٍ وذهبٍ مضروبَيْنِ أو غيرِ مضروبينِ. وفي حديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ الدارقطنيٌّ

(3)

وفيهِ: "ولا يحلُّ في الورقِ زكاةٌ حتَّى [تبلغ]

(4)

خمس أواقٍ"، وأخرجَ أيضًا

(5)

منْ حديثِ جابرٍ مرفوعًا: "ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ منَ الورِقِ صدقةٌ".

وأمَّا الذهبُ ففيهِ هذا الحديثُ. ونقلَ المصنفُ عن الشافعي أنهُ قالَ: فرضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الورِق صدقةً، فأخذَ المسلمونَ بعدَهُ في الذهبِ صدقةً إما بخبر لم يبلغْنا، وإما قياسًا.

وقال ابنُ عبد البرِّ: لم يثبتْ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذهب شيءٌ منْ جهةِ نقلِ الآحادِ الثقاتِ، وذكرَ هذا الحديثَ الذي أخرجهُ أبو داودَ وأخرجهُ الدارقطنيُّ.

قلتُ: لكنَّ قولَه تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

(6)

الآيةَ، منبهٌ على أن في الذهب حقًّا لله.

وأخرج البخاريُّ

(7)

وأبو داودَ

(8)

، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ

(1)

(7/ 49).

(2)

برقم (14/ 575) من كتابنا هذا.

(3)

في "السنن"(2/ 92 رقم 4)، وسيأتي تخريجه بأنه متفق عليه.

(4)

في (ب): "يبلغ" وما أثبتناه من (أ) موافق لما عند الدارقطني.

(5)

في "السنن"(2/ 93 رقم 6).

(6)

سورة التوبة: الآية 34.

(7)

في صحيحه (1403) وأطرافه (رقم 4565 و 4659 و 6957).

(8)

في "السنن"(1658).

قلت: وأخرجه مسلم (987).

ص: 23

مردويه

(1)

منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما منْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدي حقَّهُما إلا جُعِلَتْ لهُ يومَ القيامةِ صفائحُ وأُحمِيَ عليه" الحديثَ. فحقُّها هوَ زكاتُها. وفي البابِ عدةُ أحاديثَ يشدُّ بعضُها بعضًا سردَها في الدرِّ المنثورِ

(2)

.

ولا بدَّ في نصابٍ الذهبِ والفضةِ منْ أنْ يكونا خالصينِ منَ الغشِّ. وفي شرحِ الدَّميري على المنهاجِ

(3)

: أنهُ إذا كانَ الغشُّ يماثلُ أجرةَ الضربِ والتخليصِ فَيُتَسامَحُ بهِ، وبهِ عملَ الناسُ علَى الإخراجِ منْها.

ودلَّ الحديثُ على أنهُ لا زكاةَ في المالِ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ، وهوَ قولُ الجماهيرِ، وفيهِ خلافٌ لجماعةٍ منَ الصحابةِ والتابعينَ، وبعضِ الآلِ، وداودَ فقالُوا: إنهُ لا يُشْتَرَطُ الحولُ لإطلاقِ حديثِ: "في الرقةِ ربعُ العُشْرِ"

(4)

. وأجيبَ بأنهُ مقيدٌ بهذَا الحديثِ وما عضَّدَهُ منَ الشواهدِ، ومنْ شواهدِه أيضًا:

‌لا زكاة على المال إلا بعد حولان الحول عليه

8/ 569 - وَللتِّرْمِذِيِّ

(5)

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ

(1)

عزاه إليهم السيوطي في "الدُّرُّ المنثور"(4/ 179).

(2)

(4/ 179 - 182).

(3)

قال حاجي خليفة في "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"(2/ 1875): " .. وممن شرحه - منهاج الطالبين للنووي - الشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدميري الشافعي المتوفى سنة (808 هـ) ثمان وثمانمائة في أربع مجلدات سمَّاه: النجم الوهَّاج. لخَّصه في شرح السبكي والإسنوي وغيرهما، وعظم الانتفاع به خصوصًا بما طرزه به من التتمات والخاتمات والنكت البديعة، وابتدأ من المساقاة بناء على قطعة شيخه الأسنوي، فانتهى في ربيع الآخر سنة (786 هـ) ست وثمانين وسبعمائة. ثم استأنف (شرحًا ثانيًا) "اهـ.

(4)

وهو جزء من حديث صحيح تقدم برقم (2/ 563) من كتابنا هذا.

(5)

في "السنن"(631) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه. عن ابن عمر به.

قلّت: وأخرجه الدارقطني (2/ 90 رقم 2) والبيهقي (4/ 104). ولفظ الدارقطني: "ليس في مال المستفيد زكاة حتى يحول عليه الحول". =

ص: 24

عَلَيْهِ حَتى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. [صحيح بشواهده]

(وللترمذي [عن]

(1)

ابن عمرَ: منِ استفادَ مالًا فلا زكاةَ عليهِ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ) رواهُ مرفوعًا (والراجحُ وقْفُهُ)، إلَّا أنَّ لهُ حكمَ الرفعِ إذْ لا مسرحَ للاجتهادِ فيهِ، وتؤيدُه آثارٌ صحيحةٌ عن الخلفاءِ الأربعةِ وغيرِهم، فإذَا حالَ عليهِ الحولُ فينبغي المبادرةُ بإخراجِها. فقدْ أخرجَ الشافعيُّ

(2)

، والبخاريُّ

(3)

في التاريخِ منْ

= وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في الحديث، ضعَّفه أحمد وابن المديني وغيرهما، وهو كثير الغلط، ["انظر: المجروحين" (2/ 57) و"الجرح والتعديل" (5/ 233) و"الميزان" (2/ 564)].

• ثم أخرجه الدارقطني (2/ 90 رقم 1) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. ثم قال: رواه معتمر وغيره عن عبيد الله موقوفًا.

قلت: وإسماعيل بن عياش في غير الشاميين ضعيف.

• وأخرجه الترمذي (632) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. وقال الترمذي: هذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال الألباني في "صحيح الترمذي"(1/ 197): "صحيح الإسناد موقوف، وهو في حكم المرفوع".

قلت: وفي الباب من حديث علي، وعائشة، وأنس، وأم سعد الأنصارية، وسراء بنت نبهان.

• أما حديث علي فقد أخرجه أبو داود (1573)، والبيهقي (4/ 95)، وهو حديث حسن.

• وأما حديث عائشة فقد أخرجه ابن ماجه (1792)، وأبو عبيد في "الأموال"(ص 373 رقم 1131)، والدارقطني (2/ 91 رقم 3)، والبيهقي (4/ 95) وفيه حارثة بن أبي الرجال: ضعيف. انظر: "التلخيص الحبير"(2/ 156)، وأبو الرجال اسمه محمد بن عبد الرحمن المدني.

• وأما حديث أنس فقد أخرجه الدارقطني (2/ 91 رقم 5)، وابن عدي في "الكامل"(2/ 779) من جهة حسان بن سياه عن ثابت، عنه. وقد أعلَّه ابن عدي بحسَّان هذا، وقال:"لا أعلم يرويه عن ثابت غيره".

• وأما حديث أم سعد الأنصارية فقد أخرجه الطبراني في "الكبير"(3/ 79 - مجمع)، وقال الهيثمي: فيه عنبسة بن عبد الرحمن، وهو ضعيف.

• وأما حديث سراء بنت نبهان فقد أخرجه الطبراني في "الكبير"(3/ 78 - مجمع)، وقال الهيثمي: فيه أحمد بن الحارث الغساني، وهو ضعيف.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح بهذه الشواهد. وانظر: "الإرواء" رقم (787).

(1)

في (أ): "من حديث".

(2)

في "ترتيب المسند"(1/ 220 رقم 607).

(3)

في "التاريخ الكبير"(1/ 180 رقم الترجمة 549).

ص: 25

حديثِ عائشةَ مرفوعًا: "ما خالطتِ الصدقةُ مالًا قطُّ إلا أهلكَتْهُ"، وأخرجهُ الحميديُّ

(1)

وزادَ: "يكونُ قدْ وجبَ عليكَ في مالكَ صدقةٌ فلا تخرجُها فَيُهلِكَ الحرامُ الحلالَ". قالَ ابنُ تيميةَ في المنتقى

(2)

: قدِ احتَجَّ بهِ مَنْ يرى تعلَّقَ الزكاةِ بالعينِ.

9/ 570 - وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: لَيْسَ في الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

وَالدَّارَقُطْنيُّ

(4)

، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. [ضعيف]

(وعنْ عليٍّ عليه السلام قالَ: ليسَ في البقر العواملِ صدقةٌ. رواة أبو داودَ، والدارقطنيُّ، والراجحُ وقْفُهُ). قالَ المُصنِّفُ: قال البيهقي

(5)

: رواه النفيليُّ عن زُهيْرِ بالشَّكِّ في وقفه ورفعه، إلَّا أنّه ذكره المصنفُ بلفظِ:"ليسَ في البقرِ العواملِ شيءٌ"، ورواهُ بلفظِ الكتاب منْ حديثِ ابن عباسٍ ونسبهُ للدارقطنيِّ

(6)

، وفيهِ متروكٌ. وأخرجهُ الدارقطنيُّ

(7)

منْ حديثِ عليٍّ عليه السلام. وأخرجهُ

(8)

منْ حديثِ جابرِ إلَّا أنهُ بلفظِ: "ليسَ في البقرِ المثيرةِ صدقةٌ"، وضعَّفَ البيهقيُّ إسنادَهُ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ في البقرِ العواملِ شيءٌ، وظاهرُه سواءٌ كانتْ سائمةً أو معلوفةً.

(1)

في "المسند"(1/ 115 رقم 237).

(2)

(2/ 137 رقم 2017) لابن تيمية الجد.

(3)

في "السنن"(1572). وهو جزء من حديث طويل.

(4)

في "السنن"(2/ 103 رقم 4).

قلت: وأخرجه البيهقي (4/ 116).

(5)

في "السنن الكبرى"(4/ 116).

(6)

في "السنن"(2/ 103 رقم 2).

قلت: وأخرجه الطبراني في "الكبير"(11/ 40 رقم 10974)، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (3/ 75) وقال: فيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس.

وأخرجه ابن عدي في "الكامل"(3/ 1294) وأعله بسوار بن مصعب، ونقل تضعيفه عن البخاري والنسائي وابن معين ووافقهم، وقال: عامة ما يرويه غير محفوظ.

(7)

في "السنن"(2/ 103 رقم 3).

وقال الآبادي في "التعليق المغني" (أخرجه أبو داود مختصرًا، قال ابن القطان في كتابه:"هذا سند صحيح، وكل من فيه ثقة معروف، ولا أعني رواية الحارث، وإنما أعني رواية عاصم" اهـ.

(8)

الدارقطني في "السنن"(2/ 103 رقم 5).

قلت: وأخرجه البيهقي (4/ 116)، وقال: في إسناده ضعف، والصحيح موقوف.

ص: 26

وقدْ ثبتتْ شرطِيةُ السَّومِ في الغنمِ في البخاريِّ

(1)

، وفي الإبلِ في حديثِ بَهْزٍ

(2)

عندَ أبي داودَ والنسائيِّ، قالَ الدميريُّ: وأُلْحِقَتِ البقرُ بهِمَا.

10/ 571 - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتى تَأكُلُهُ الصَّدَقَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

(3)

، وَالدَّارَقُطْنِيُّ

(4)

، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ

(5)

. [ضعيف]

(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ، عنْ جدِّه، عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ وَلِيَ يتيمًا لهُ مالٌ فليتجرْ لهُ، ولا يتركْهُ حتَّى تأكلَه الصدقةُ. رواهُ الترمذيُّ، والدارقطنيُّ، وإسنادُه ضعيفٌ)؛ لأنَّ فيهِ المثنَّى بنَ الصباح في روايةِ الترمذيِّ، والمثنَّى ضعيفٌ، وروايةُ الدارقطنيِّ فيها مندلُ بنُ عليٍّ ضعيفٌ، والعزرميُّ متروكٌ، ولكنْ قالَ المصنفُ:(ولهُ) أي: لحديثِ عمرٍو (شاهدٌ مرسلٌ عندَ الشافعيِّ) هوَ قولُه صلى الله عليه وسلم: "ابتغُوا في أموالِ [اليتامى]

(6)

، لَا تأكلُها الزكاةُ"، أخرجهُ منْ روايةِ ابن جُرَيْجٍ عنْ يونسَ بن ماهكٍ مرسلًا، وأكَّدَهُ الشافعيُّ لعمومِ الأحاديثِ الصحيحةِ في

(1)

في "صحيحه"(1454) من حديث أنس.

(2)

تقدم برقم (6/ 567) في كتابنا هذا، وهو حديث حسن.

(3)

في "السنن"(641).

قال الترمذي: وإنما روى هذا الحديث من هذا الوجه، وفي إسناده مقال. لأن المثنى بن الصَّبَّاح يُضَعَّفُ في الحديث.

وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمرَ بن الخطاب .. فذكر هذا الحديث.

(4)

في "السنن"(2/ 109 - 110 رقم 1).

وذكر الأبادي في "التعليق المغني": "وقال صاحب التنقيح رحمه الله: قال منها: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح.

(5)

في ترتيب "المسند"(1/ 224 رقم 614) عن يوسف بن ماهَكَ.

قلت: وأخرجه البيهقي (4/ 107) وقال: وهذا مرسل إلا أن الشافعي رحمه الله أكَّده بالاستدلال بالخبر الأول وبما روى عن الصحابة رضي الله عنه في ذلك. وخلاصة القول: أن الحديث بكل طرقه ضعيف، والله أعلم.

(6)

في (ب): "الأيتام".

ص: 27

إيجابِ الزكاةِ مطلقًا. وقدْ رُوِيَ مثلُ حديثِ عمرِو أيضًا عنْ أنسٍ

(1)

، وعنِ ابن عمرَ موقوفًا

(2)

، وعنْ عليٍّ عليه السلام فإنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ

(3)

منْ حديثِ أبي رافعٍ قالَ: كانتْ لآلِ بني رافعٍ أموالٌ عندَ عليٍّ، فلمَّا دفعَها إليهمْ وجدُوها تنقصُ، فحسبُوها معَ الزكاةِ فوجدُوها تامةً، فأتَوْا عليًا فقالَ: كنتمُ ترونَ أنْ يكونَ عندي مالٌ لا أزكيهِ.

وعنْ عائشةَ أخرجهُ مالكٌ في الموطأِ

(4)

أنَّها كانتْ تخرجُ زكاةَ أيتامٍ كانُوا في حجرها، ففي الكلِّ دلالةٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ الصبيِّ كالمكلفِ، ويجبُ على وليِّهِ الإخراجُ، وهو رأيُ الجمهورِ

(5)

. ورُويَ عن ابن مسعودٍ

(6)

أنهُ يخرجهُ الصبيُّ بعدَ تكليفهِ، وذهبَ ابنُ عباسٍ

(7)

وجماعةٌ إلى أنهُ يلزمهُ إخراجُ العشرِ منْ مالهِ لعمومِ أدلتهِ لا غيرَهُ لحديثِ: "رُفِعَ القلمُ"

(8)

.

قلتُ: ولا يَخْفَى [أنهُ لا دِلالةَ فيهِ، و]

(9)

أن العمومَ في العشرِ حاصلٌ أيضًا في غيرِه كحديثِ: "في الرقةِ ربعُ العشرِ"

(10)

ونحوِهِ.

(1)

أخرجه الطبراني في الأوسط - كما في "مجمع الزوائد"(3/ 67)، وقال الهيثمي: وأخبرني سيدي وشيخي أن إسناده صحيح.

(2)

أخرجه الشافعي في ترتيب "المسند"(1/ 225 رقم 618) موقوفًا، وإسناده صحيح.

(3)

في "السنن"(2/ 110 - 111 رقم 5 و 6).

(4)

(1/ 251 رقم 14) بلاغًا.

(5)

انظر: "المجموع للنووي"(5/ 331).

(6)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 108)، قال الشافعي في مناظرة جرت بينه وبين مخالفه وجوابه عن هذا الأثر مع أنك تزعم أن هذا ليس بثابت عن ابن مسعود من وجهين (أحدهما): أنه منقطع وأن الذي رواه ليس بحافظ. قال الشيخ: - أي البيهقي - وجهة انقطاعه أن مجاهدًا لم يدرك ابن مسعود، وراويه الذي ليس بحافظ هو ليث بن أبي سليم، وقد ضعَّفه أهل العلم بالحديث.

(7)

أخرجه البيهقي (4/ 108) وقال: انفرد بإسناده ابن لهيعة، وابن لهيعة لا يحتج به.

(8)

وهو حديث صحيح.

أخرجه أحمد (6/ 100 - 101)، وأبو داود (4398)، والنسائي (6/ 156 رقم 3432)، وابن ماجه (2041) وابن الجارود رقم (148) والدارمي (2/ 171) من حديث عائشة.

(9)

زيادة من (ب).

(10)

وهو جزء من حديث صحيح تقدم تخريجه برقم (2/ 563) من كتابنا هذا.

ص: 28

‌الدعاء لمخرج الزكاة

11/ 572 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: "اللهُمّ صَلِّ عَلَيْهِمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن أبي أوفَى قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا أتاهُ قومٌ بصدقتِهم قالَ: اللهمَّ صلِّ عليهمْ. متفقٌ عليهِ). هذا منهُ صلى الله عليه وسلم امتثالًا لقولهِ تَعَالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ - إلى قولهِ - وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}

(2)

، فإنهُ أمرَهُ اللَّهُ بالصلاةِ عليهمْ ففعلَها بلفظِها حيثُ قالَ:"اللهمَّ صلِّ على آلِ أبي فلانٍ". وقدْ وردَ أنهُ دعا لهمْ بالبركةِ كما أخرجهُ النسائيُّ

(3)

أنهُ قالَ في رجلٍ بعثَ بالزكاةِ: "اللهمَّ باركْ فيه وفي [إبله]

(4)

". وقالَ بعضُ الظاهريةِ بوجوبِ ذلكَ على الإمام، كأنهُ أخذهُ منَ الأمرِ في الآيةِ، وردّ بأنهُ لو وجبَ لعلَّمَهُ صلى الله عليه وسلم السعاةَ [ولم ينقلْ]

(5)

، فالأمرُ محمولٌ في الآيةِ على أنهُ خاصٌ بهِ صلى الله عليه وسلم؛ فإنهُ الذي صلاتهُ سكنٌ لهمْ.

واستدلَّ بالحديثِ على جوازِ الصلاةِ على غيرِ الأنبياءِ، وأنهُ يدعو المصدِّقُ بهذا الدعاءِ لمن أَتَى بصدقتهِ، وكرهَهُ مالكٌ، وقالَ الخطابيُّ: أصلُ الصلاةِ الدعاءُ إلَّا أنهُ يختلِفُ بحسبِ المدعوِّ لهُ، فصلاةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أمتهِ دعاءٌ لهم بالمغفرةِ، وصلاتُهم عليهِ دعاءٌ لهُ بزيادةِ القربةِ والزُّلْفَى، ولذلكَ كان لا يليقُ بغيرِه.

‌تعجيل الزكاة قبل مجيء وقتها

12/ 573 - وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

(6)

، وَالْحَاكِمُ

(7)

. [حسن]

(1)

البخاري (1497)، ومسلم (1078)، وأبو داود (1590)، والنسائي (5/ 31 رقم 2459)، وابن ماجه (1796).

(2)

سورة التوبة: الآية 103.

(3)

في "السنن"(5/ 30 رقم 2458) من حديث وائل بن حجر، بإسناد صحيح.

(4)

في (ب): "أهله".

(5)

زيادة من (ب).

(6)

في "السنن"(678).

(7)

في "المستدرك"(3/ 332)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

قلت: الحجاج بن دينار، وحجية بن عدي، مختلف فيهما، وغاية حديثهما أن يكون حسنًا.=

ص: 29

(وعنْ عليٍّ عليه السلام أن العباسَ رضي الله عنه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم تعجيلِ صدقتهِ قبلَ أنْ تحلَّ فرخَّصَ لهُ في ذلكَ. رواهُ الترمذيُّ والحاكمُ). قالَ الترمذيُّ

(1)

: وفي البابِ عن ابن عباسٍ قالَ: وقدْ اختلَفَ أهلُ العلمِ في تعجيلِ الزكاةِ قبلَ محلِّها، ورأى طائفةٌ مِنْ أهلِ العلمِ أن لا يعجلَها وبهِ يقولُ سفيانُ. وقالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: إنْ عجَّلَها قبلَ محلِّها أجزأتْ عنهُ انتهَى. وقدْ رَوَى الحديثَ أحمدُ، وأصحابُ السننِ، والبيهقيُّ

(2)

وقالَ: قال الشافعيُّ

(3)

: "رُوِيَ أنهُ صلى الله عليه وسلم تسلَّفَ صدقةَ مالِ العباسِ قبلَ أنْ تحلَّ"، ولا أدري أثبتَ أمْ لا؟ قالَ البيهقيُّ: عَنَى بذلكَ هذا الحديثَ، وهوَ معتضدٌ بحديثِ أبي البختري عنْ عليٍّ عليه السلام أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"إنَّا كنَّا احتجْنا فأسلفَنَا العباسُ صدقةَ عامينِ" رجالهُ ثقاتٌ، إلَّا أنهُ منقطعٌ.

وقدْ وَرَدَ هذا منْ طُرقٍ بألفاظٍ مجموعُها يدلُّ على أنهُ صلى الله عليه وسلم تقدَّمَ منَ العباسِ زكاةَ عامينِ. واختلفتِ الرواياتُ هلْ هو استلفَ ذلكَ أو تقدَّمهُ، ولعلَّهما واقعانِ معًا، وهوَ دليلٌ على جوازِ تعجيلِ الزكاةِ. وإليهِ ذهبَ الأكثرُ كما قالهُ الترمذيُّ وغيرُه، ولكنهُ مخصوصٌ جوازُه بالمالكِ، ولا يصحُّ منَ المتصرفِ بالوصايةِ والولايةِ.

واستدلَّ مَنْ منعَ التعجيلَ مطلقًا بحديثِ: "إنهُ لا زكاةَ حتَّى يحولَ الحولُ"

(4)

كما دلَّتْ لهُ الأحاديثُ التي تقدَّمتْ، والجوابُ أنهُ لا وجوبَ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ، وهذا لا ينفي جوازَ التعجيلِ، وبأنهُ كالصلاةِ قبلَ الوقتِ، وأجيبَ بأنهُ لا قياسَ معَ النصِّ.

= قلت: وأخرج الحديث أبو داود (1624)، وابن ماجه (1795)، وأحمد (1/ 104)، والبيهقي (4/ 111)، وأبو عبيد في الأموال (ص 523 رقم 1885)، والدارمي (1/ 385)، وابن الجارود في "المنتقى" رقم (360) وابن سعد في "الطبقات"(4/ 26) والدارقطني (2/ 123 رقم 3) كلهم من حديث علي رضي الله عنه.

وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في "السنن"(3/ 63 - 64).

(2)

تقدم العزو إليهم في التعليقة ما قبل السابقة.

(3)

ذكره البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 111).

(4)

وهو حديث صحيح بشواهده، وقد تقدم تخريجه برقم (8/ 569) من كتابنا هذا.

ص: 30

‌بيان مفاهيم الأعداد في الأنصباء

13/ 574 - وَعَنْ جَابِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَة"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ جابرٍ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ) وقعَ في مسلمٍ أواقي بالياءِ، وفي غيرِه بحذفِها، وكلاهُما صحيحٌ؛ فإنهُ جمعُ أوقيَّةٍ، ويجوزُ في جمعِها الوجهانِ كما صرَّحَ بهِ أهلُ اللغةِ. (منَ الورقِ) بفتحِ الواوِ وكسرِها، وكسرِ الراءِ، وإسكانِها، الفضةُ مطلقًا (صدقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسِ ذودٍ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ، وسكونِ الواوِ المهملةِ، [هي]

(2)

ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، (منَ الإبلِ) لا واحدَ لهُ منْ لفظهِ:(صدقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ منَ التمرِ) بالمثلثةِ مفتوحةً والميمِ

(3)

(صدقةٌ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ صرَّحَ بمفاهيمِ الأعدادِ التي سلفتْ في بيانِ الأنصباءِ؛ إذْ قدْ عرفتَ أنهُ تقدمَ أن نصابَ الإبلِ خمسٌ ونصابُ الفضةِ مائتا درهمٍ، وهي خمسُ أواقٍ، وأما نصابُ الطعامِ فلمْ يتقدمْ وإنما عُرِفَ [هنا]

(4)

بنفي الواجبِ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ أنهُ يجبُ في الخمسةِ بمفهومِ النفي، (ولهُ) أي: لمسلمٍ وهوَ:

14/ 575 - وَلَهُ

(5)

مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدِ رضي الله عنه: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ"، وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(6)

. [صحيح]

(منْ حديثِ أبي سعيد رضي الله عنه: ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ

(7)

منْ تمرٍ) بالمثناةِ الفوقيةِ، (ولا حبٍّ صدقةٌ. وأصل حديثِ أبي سعيدٍ متفقٌ عليهِ). الحديثُ تصريحٌ أيضًا بما سلفَ منْ مفاهيمِ الأحاديثِ إلا التمرَ، فلم يتقدَّمْ فيهِ شيءٌ. والأوساقُ جمعُ وَسْقٍ بفتحِ الواوِ وكسرِها، والوسقُ ستونَ صاعًا، والصاعُ أربعةُ أمدادٍ، فالخمسةُ الأوساقِ ثلاثمائةِ صاعٍ، والمدُّ رطلٌ وثلثُ.

(1)

في "صحيحه"(980).

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 36)، وابن خزيمة (4/ 34 - 35 رقم 2298، 2299).

(2)

في (أ): "هو".

(3)

كذا في المخطوط (أ) و (ب) والصواب بالمثناة الفوقية.

(4)

في (ب): "هذا".

(5)

أي لمسلم في "صحيحه"(4/ 979).

(6)

البخاري (1447)، ومسلم (979).

(7)

في المخطوط (أ) و (ب): " خمسة أوساق"، وما أثبتناه موافق لما في الصحيحين.

ص: 31

قالَ الداووديُّ: معيارهُ الذي لا يختلفُ أربعُ حفناتٍ بكفَّيْ الرجلِ الذي ليسَ بعظيمِ الكفينِ ولا صغيرِهما. قالَ صاحبُ القاموسِ

(1)

بعدَ حكايتهِ لهذا القولِ: وجربتُ ذلكَ فوجدتُه صحيحًا، انتهَى.

والحديثُ دليلٌ [على]

(2)

أنهُ لا زكاةَ فيما لم يبلغْ هذهِ المقاديرَ منَ الورِقِ والإبلِ والثمرِ والتمرِ لطفًا منَ اللَّهِ بعبادهِ وتخفيفًا، وهوَ اتفاقٌ في الأوَّلَينِ، وأما الثالثُ ففيهِ خلافٌ بسببِ ما عارضَهُ.

15/ 576 - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" رَوَاهُ الْبُخارِيُّ

(3)

، وَلأبِي دَاوُدَ

(4)

: "إِذَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسّوَانِي أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ". [صحيح]

وهوَ قولُه: (وعنْ سالمٍ بن عبدِ اللَّهِ) بن عمرَ (عنْ أبيهِ) عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، (عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: فيما سقتِ السماءُ) بمطرٍ أو ثلجٍ أو بَرَدٍ أو طلِّ، (والعيون) الأنهارُ الجاريةُ التي يُسْقَى منها بإساحةِ الماءِ منْ غيرِ اغترافٍ لهُ، (أو كان عَثَرِيًا) بفتحِ المهملةِ، وفتحِ المثلثةِ، وكسرِ الراءِ، وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ. قالَ الخطابيُّ

(5)

: هو الذي يشربُ بعروقهِ لأنهُ عثرَ على الماءِ، وذلكَ حيثُ كانَ الماءُ قريبًا منْ وجهِ الأرضِ، فيغرسُ عليهِ فيصلُ الماءُ إلى العروقِ منْ غيرِ سَقْيٍ، وفيهِ أقوالٌ أُخَرُ، وما ذكرْنَاه أقربُها.

(العشرُ) مبتدأٌ خبرُه ما تقدَّمَ منْ قولِه فيما سقتْ [السماء](6)، أوْ أنهُ فاعلُ [فعل](6) محذوفٍ، أي: فيما ذكرَ يجبُ، (وفيما سقي بالنضحِ)، النَّضحُ بفتحِ النونِ، وسكونِ الضادِ [المعجمة]

(6)

، فحاءٍ مهملةٍ: السانِيةُ منَ الإبلِ والبقرِ

(1)

المحيط (ص 407).

(2)

زيادة من (أ).

(3)

في "صحيحه"(1483)، قلت: وأخرجه الترمذي (2/ 32 رقم 640).

(4)

في "السنن"(1596)، قلت: وأخرجه النسائي (5/ 41 رقم 2488).

(5)

في "معالم السنن"(2/ 252 - وهو بهامش سنن أبي داود).

(6)

زيادة من (أ).

ص: 32

وغيرِها منَ الرجالِ (نصفُ العشرِ. رواهُ البخاريُّ، ولأبي داودَ) منْ حديثِ سالمٍ: (إذا كانَ بَعْلًا) عوضًا عنْ قولِه: عَثَرِيًا، وهوَ بفتحِ الموحدةِ، وضمِّ العينِ المهملةِ، كذا في الشرحِ، وفي القاموسِ

(1)

أنهُ ساكنُ العينِ، وفسَّرَهُ بأنهُ كلُّ نخلٍ وشجرٍ وزرعٍ لا يُسْقَى، أو ما سقتْهُ السماءُ، وهوَ النخلُ الذي يشربُ بعروقِهِ (العشرُ، وفيما سُقِيَ بالسواني أو النضحِ) دلَّ عطفُهُ عليهِ على التغايرِ، وأنَّ السواني المرادُ بها الدوابُّ، والنضحُ ما كانَ بغيرِها كنضحِ الرجالِ بالآلةِ، والمرادُ منَ الكلِّ ما كانَ سقيهُ بتعبٍ وعَنَاءٍ (نصفُ العشرِ).

وهذَا الحديثُ دلَّ على التفرقةِ بينَ ما يُسقى بالسواني، وبينَ ما يُسقى [بماءِ السماءِ و]

(2)

الأنهارِ، وحكمتهُ واضحةٌ، وهوَ زيادةُ التعبِ والعناءِ فنقصَ بعضُ ما يجبُ رِفقًا منَ اللَّهِ تعالى بعبادهِ، ودلَّ علَى أنهُ يجبُ في قليلِ ما أخرجتِ الأرضُ وكثيرِه الزكاةُ على ما ذُكِرَ، وهذا معارَضٌ بحديثِ جابرٍ، وحديثِ أبي سعيدٍ، واختلَفَ العلماءُ في الحكمِ في ذلكَ.

فالجمهورُ أن حديثَ الأوساقِ مخصِّصٌ لحديثِ سالمٍ، وأنهُ لا زكاةَ فيما لم يبلغِ الخمسةَ الأوساقِ. وذهبَ جماعةٌ منهمْ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ إلى أنهُ لا يخصُّ بلْ يُعْمَلُ بعمومهِ، فيجبُ في قليلِ ما أخرجتِ الأرضُ وكثيرِه، والحقُّ معَ أهلِ القولِ الأولِ لأنَّ حديثَ الأوساقِ حديثٌ صحيحٌ وردَ لبيانِ القدْر الذي تجبُ فيهِ الزكاةُ كما وردَ حديثُ مائتي الدرهمِ لبيانِ ذلكَ معَ ورودِ:"في الرقةِ ربعُ العشرِ"(3)، ولم يقلْ أحدٌ: إنهُ يجبُ في قليلِ الفضةِ وكثيرِها الزكاةُ، وإنَّما الخلافُ هلْ يجبُ في القليلِ منْها إذا كانتْ قدْ بلغتِ النصابَ كما عرفتَ، وذلكَ لأنهُ لم يردْ حديثُ:"في الرقةِ ربعُ العشرِ"

(3)

إلَّا لبيانِ أنَّ هذا الجنسَ يَجبُ فيهِ [الزكاةُ]

(4)

، وأما [بيان]

(5)

ما يجبُ فيهِ فموكولٌ إلى حديثِ التبيينِ لهُ بمائتي درهم، فكذَا هنَا قولُهُ:"فيما سقتِ السماءُ العشرُ"، أي: في هذا الجنسِ يجبُ العشرُ، وأما بيانُ ما يجبُ فيهِ فموكولٌ إلى حديثِ الأوساقِ، وزادهُ إيضاحًا قولُه في الحديثِ [هذا و]

(6)

: "ليس فيما دونَ

(1)

المحيط (ص 560).

(2)

في (ب): "بالسماء أو".

(3)

وهو حديث ضعيف جدًّا، تقدَّم في "شرح الحديث"(7/ 568) من كتابنا هذا.

(4)

في (أ): "العشر".

(5)

في (ب): "قَدْرُ".

(6)

زيادة من (أ).

ص: 33

خمسةِ أوسقٍ صدقةٌ"، كأنهُ ما وردَ إلا لدفعِ ما يُتَوَهَّمُ منْ عمومِ: "فيما سقتِ السماءُ ربعُ العشرِ"، كما وردَ ذلكَ في قولهِ: "وليسَ فيما دونَ خمسةِ أواقي منَ الورِقِ صدقةٌ"، ثمَّ إذا تعارضَ العامُّ والخاصُّ كان العملُ بالخاصِّ عندَ جهلِ التاريخِ كما هنا؛ فإنهُ أظهرُ الأقوالِ في الأصولِ.

‌أصناف الحبوب التي تجب فيها الزكاة

16/ 577 - وَعَنْ أَبي مُوسى الأَشعَرِيِّ وَمُعَاذٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُمَا: "لَا تَأخُذُوا في الصَّدَقَةِ إلَّا مِنْ هذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيب، وَالتَّمْرِ"، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ

(1)

، وَالْحَاكِمُ

(2)

. [حسن]

(وعنْ أبي موسى الأشعريِّ ومعاذٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لهما) حينَ بعثَهما إلى اليمنِ يعلِّمانِ الناسَ أمرَ دينِهم: (لا تأخذَا في الصدقةِ إلَّا منْ هذهِ الأصنافِ الأربعةِ: الشعيرِ، والحنطةِ، والزبيبِ، والتمرِ. رواهُ الطبرانيُّ، والحاكمُ)، والدارقطنيُّ

(3)

.

قالَ البيهقيُّ

(4)

: رواتهُ ثقاتٌ وهوَ متَّصلٌ.

ورَوَى الطبرانيُّ

(5)

منْ حديثِ موسَى بن طلحةَ عنْ عمرَ: "إنَّما سنَّ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزكاةَ في هذهِ الأربعةِ فذكرَها". قالَ أبو زرعةَ

(6)

: إنهُ مرسلٌ، [وساق في الباب أحاديث تفيد ما ذكر، ثم قال: - أي البيهقي - وهذه المراسيل طُرقها مختلفة وهي تؤكد بعضها بعضًا، ومعها حديث أبي موسى، ومعاذ،

(1)

في "الكبير" - كما في "مجمع الزوائد"(3/ 75)، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.

(2)

في "المستدرك"(1/ 401)، وقال:"إسناد صحيح" ووافقه الذهبي. وأقرَّه الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 389) إلا أنه قال: قال الشيخ في "الإمام" وهذا غير صريح في الرفع.

ورجَّح الألباني في "الإرواء"(3/ 278) رفعه. وذكر له مرسل صحيح السند عن موسى بن طلحة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب"، أخرجه أبو عبيد في "الأموال" رقم (1174) و (1175).

والخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(3)

في "السنن"(2/ 98 رقم 15).

(4)

في "السنن الكبرى"(4/ 125).

(5)

وأخرجه الدارقطني (2/ 96 رقم 7). وانظر: "نصب الراية"(2/ 389) و" التلخيص"(2/ 166).

(6)

ذكره الحافظ في "التلخيص"(2/ 166).

ص: 34

ومعهما قول عمر، وعلي، وعائشة رضي الله عنها: ليس في الخضروات زكاة]

(1)

.

والحديثُ دليلٌ على [أنهُ]

(2)

لا تجبُ الزكاة إلا في الأربعة المذكورةِ لا غيرُ، وإلى ذلكَ ذهبَ الحسنُ البصريُّ، والحسنُ بن صالحٍ، والثوريُّ، والشعبيُّ، وابنُ سيرينَ. ورُويَ عَنْ أحمدَ ولا يجبُ عندَهم في الذرةِ [ونحوها]

(3)

. وأما حديثُ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه فذكرَ الأربعةَ وفيهِ زيادةُ الذرةِ. رواهُ الدارقطنيُّ

(4)

منْ دونِ ذكرِ الذرةِ، وابنُ ماجة

(5)

بذكرِها، فقدْ قالَ المصنفُ: إنهُ حديثٌ واه؛ قال: لأنه من رواية محمد بن عبيد الله العزرمي الكوفي، وهو متروك، انتهى.

وفي الباب مراسيلُ فيها ذكرُ الذرةِ، قالَ البيهقيُّ

(6)

: إنهُ يقوي بعضُها بعضًا كذَا قالَ، [والظاهر]

(7)

أنَّها لا تقاومُ حديثَ الكتابِ وما فيهِ منَ الحصْرِ، وقدْ ألحقَ الشافعيُّ الذرةَ بالقياسِ على الأربعةِ المذكورةِ، بجامعِ الاقتياتِ في الاختيارِ، واحترزَ بالاختيارِ عما يُقْتَاتُ في المجاعاتِ، فإنَّها لا تجبُ فيهِ، فمنْ كانَ رأيهُ العملُ بالقياسِ لزمَهُ هذَا إنْ قامَ الدليلُ علَى أن العلةَ الاقتياتُ، ومَنْ لا يراهُ دليلًا لم يقلْ بهِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنَّها تجبُ في كلِّ ما أخرجتِ الأَرْضُ لعمومِ الأدلةِ نحوِ:"فيما سقتِ السماءُ العُشرُ"

(8)

إلا الحشيشَ والحطبَ لقولِه صلى الله عليه وسلم: "الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ"

(9)

، وقاسُوا الحطبَ على الحشيشِ.

(1)

زيادة من (ب).

(2)

في (أ): "أنها".

(3)

في (أ): "ونحوه".

(4)

في "السنن"(2/ 94 رقم 1)، وقال الآبادي في "التعليق المغني": محمد بن عبيد الله العرزمي: ضعفه البخاري والنسائي وابن معين، والفلاس. وقال ابن حجر في "التلخيص" (2/ 166) عنه: متروك.

(5)

في "السنن"(1/ 580 رقم 1815) بإسناد واهٍ. والخلاصة: فهو حديث ضعيف جدًّا.

(6)

في "السنن الكبرى"(4/ 129).

(7)

وفي (ب): "والأظهر".

(8)

تقدم تخريجه برقم (15/ 576) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.

(9)

أخرجه ابن ماجه (2472) وهو حديث ضعيف بهذا اللفظ - "الناس" - بدل - "المسلمون" -.

قال ابن حزم في "المحلَّى"(9/ 54): إن في رواته راويًا مجهولًا فلا تقوم به الحجة.

قال: وهو أبو خِدَاش. وقال ابن حجر في "التقريب"(1/ 147): "حبان بن زيد الشرعبي أبو خِدَاش ثقة فلا يضره جهالة ابن حزم، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وقال الحافظ أيضًا في "بلوغ المرام" (رقم: 9/ 870) بتحقيقنا: "رواه أحمد في "المسند"(5/ 364) - وأبو داود - (3477) - ورجاله ثقات". =

ص: 35

قالَ الشارحُ: والحديثُ - أي: حديثُ أبي موسى ومعاذٍ - وأردٌ على الجميعِ، والظاهرُ معَ مَنْ قالَ بهِ.

قلتُ: لأنهُ حصْرٌ لا يقاومُه العمومُ ولا القياسُ، وبهِ يُعْرَفُ أنهُ لا يقاومُه حديثُ:"خُذِ الحبَّ مِنَ الحبِّ"، الحديثُ أخرجهُ أبو داودَ

(1)

، لأنهُ عمومٌ فالأوضحُ دليلًا معَ الحاصرينَ للوجوبِ في الأربعةِ. وقالَ في المنارِ

(2)

: إنَّ ما عدا الأربعةَ محلُّ [احتياطٍ]

(3)

أخذًا وتركًا، والذي يقوى أنهُ لا يؤخذُ منْ غيرِها.

قلتُ: الأصلُ المقطوعُ بهِ حرمةُ مالِ المسلم ولا يخرجُ عنهُ إلا بدليلٍ قاطعٍ، وهذَا المذكورُ لا يرفعُ ذلكَ الأصلَ، وأيضًا فالأصلُ براءةُ الذمةِ، وهذانِ الأصلانِ لم يرفعْهما دليل يقاومُهما فليسَ محلَّ الاحتياطِ إلَّا تركُ الأخذِ منَ الذرةِ وغيرِها مما لم يأتِ بهِ إلَّا مجردُ العمومِ الذي قد ثبتَ تخصيصهُ.

17/ 578 - وَللدَّارَقُطْنيِّ

(4)

، عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه قَالَ: فَأَمّا الْقِثَّاءُ، وَالْبِطِّيخُ

= وتعقَّبه الألباني في "الإرواء"(6/ 8) وقال: "لقد وهم الحافظ ابن حجر رحمه الله فأورد الحديث في "بلوغ المرام" باللفظ الشاذ يعني "الناس" بدل "المسلمون"، من رواية أحمد وأبي داود ولا أصل له عندهما البتة، فتنبَّه اهـ.

والخلاصة: أن الحديث صحيح بلفظ: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار".

قلت: ويشهد له حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن ماجه (2473) مرفوعًا بلفظ: "ثلاث لا يُمنعن: الماء والكلأ والنار وثمنها حرام".

وانظر: "سؤال في حديث "الناس شركاء في ثلاث" وجوابه: لمحمد إسماعيل الأمير بتحقيقنا.

(1)

في "السنن"(1599).

قلت: وأخرجه ابن ماجه (1814)، وهو حديث ضعيف.

(2)

وهو: "المنار في المختار من جواهر البحر الزخار"، حاشية العلامة صالح بن مهدي المقبلي على البحر الزخار (في مجلدين).

(3)

في (أ): "الاحتياط".

(4)

في "السنن"(2/ 97 رقم 9).

قلت: وأخرجه الحاكم (1/ 401) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

"قال صاحب التنقيح: وفي تصحيح الحاكم لهذا الحديث نظر، فإنه حديث ضعيف وإسحاق بن يحيى تركه أحمد والنسائي، وقال أبو زرعة: موسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمر مرسل، ومعاذ توفي في خلافة عمر، فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال" اهـ من "التعليق المغني".

ص: 36

وَالرُّمَّانُ وَالْقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ضعيف]

(وللدارقطنيِّ عنْ معاذٍ قالَ: فأما القثَّاءُ والبطيخُ والرمَّانُ والقصبُ) بالقافِ والصادِ المهملةِ، والضادِ المعجمةِ معًا (فقدْ عفَا عنهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وإسنادُه ضعيفٌ)، لأنَّ في إسنادِهِ محمدَ بنَ عبدِ اللَّهِ العزرمي، بفتح العينِ المهملةِ، وسكونِ الزاي، وفتحِ الراءِ، كذا في حواشي بلوغ المرامِ بخطِّ السيدِ محمدٍ بن إبراهيمَ بن المفضلِ رحمه الله، والذي في الدارقطنيِّ

(1)

منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: "سئلَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو عنْ نباتِ الأرضِ البقلِ والقثاءِ والخيارِ فقالَ: ليسَ في البقولِ زكاةٌ"؛ فهذَا الذي منْ روايةِ محمدٍ بن عبدِ اللَّهِ العرزميِّ

(2)

، وأما روايةُ معاذٍ التي في الكتاب فقالَ المصنفُ في التلخيصِ

(3)

: فيها ضعفٌ وانقطاعٌ إلَّا أن معناهُ قدْ أفادَه الحصَرُ في الأربعةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديثِ الأولِ. وحديثُ: "ليسَ في الخضرواتِ صدقةٌ" أخرجهُ الدارقطنيُّ

(4)

مرفوعًا منْ طريقِ [موسَى]

(5)

بن طلحةَ، ومعاذٍ. وقول الترمذيِّ

(6)

: لمْ يصحَّ رفعُه إنَّما هوَ مرسلٌ منْ حديثِ موسَى بن طلحةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فموسَى بن طلحةَ تابعيٌّ عدْلٌ يلزمُ مَنْ يقبلُ المراسيلَ قبولَ ما أرسلَهُ. وقد ثبتَ عنْ عليٍّ

(7)

وعمرَ

(8)

موقوفًا ولهُ حكمُ الرفعِ، والخضرواتُ ما لا يُكَالُ ولا يُقْتَاتُ.

18/ 579 - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ"، رَوَاهُ

(1)

في "السنن"(2/ 94 رقم 1).

(2)

متروك الحديث، قاله النسائي في "الضعفاء" رقم (546)، واسمه محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَمي"، وانظر: "المجروحين" (2/ 246) و"الجرح والتعديل" (1/ 8) و"الميزان" (3/ 635).

(3)

(2/ 165).

(4)

في "السنن"(2/ 97 رقم 10)، وهو مرسل ضعيف.

(5)

في (ب): "علي" وهو خطأ.

(6)

في "السنن"(3/ 30 - 31).

(7)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(4/ 120 رقم 7188).

(8)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 129).

ص: 37

الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ

(1)

، وَصَحّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ

(2)

، وَالْحَاكِمُ

(3)

. [ضعيف]

(وعنِ سهلِ بن أبي حَثمةَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ المثلثةِ (قالَ: أمرنا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا خرصتُم فخذُوا ودعُوا الثلثَ) لأهلِ المالِ، (فإنْ لم تدَعُوا الثلثَ فدَعُوا الربعَ. [رواهُ]

(4)

الخمسة إلا ابنَ ماجه، وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ)، وفي إسنادهِ مجهولُ الحالِ كما قالَ ابنُ القطانِ، لكنْ قالَ الحاكمُ: لهُ شاهدٌ متفقٌ على صحَّتهِ "أن عمرَ أمرَ بهِ"، كأنهُ يشيرُ إلى ما أخرجهُ عبدُ الرزاقِ

(5)

، وابنُ أبي شيبةَ

(6)

، وأبو عبيدٍ

(7)

: "أن عمرَ كانَ يقولُ للخارصِ: دعْ لهم قَدْرَ ما يأكلونَ، وقَدْرَ ما يقعُ". [وأخرجهُ]

(8)

ابنُ عبدِ البرِّ

(9)

عنْ جابرٍ مرفُوعًا: "خَفِّفُوا في الخرْصِ، فإنَّ في المالِ العريةَ والوطيةَ والأكلةَ". وقدِ اختُلِفَ في معنَى الحديثِ على قولينِ:

أحدُهما: أن يتركَ الثلثُ أو الربعُ منَ العشرِ.

(1)

أحمد (3/ 448)، وأبو داود (1605)، والترمذي (643)، والنسائي (5/ 42).

(2)

في "الإحسان"(8/ 75 رقم 3280).

(3)

في "المستدرك"(1/ 402).

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 194)، وأبو عبيد في الأموال (ص 434 رقم 1447)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 39)، والبيهقي (4/ 123)، وابن خزيمة في "صحيحه"(4/ 42 رقم 2319، 2320) من طرق. وفي سنده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار. قال الحافظ في "التلخيص"(2/ 172): "وقد قال البزار: إنه تفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، قال الحاكم: وله شاهد بإسناد متفق على صحته: أن عمر بن الخطاب أمر به" اهـ.

قلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(4)

في (أ): "أخرجه".

(5)

في "المصنف"(4/ 129 رقم 7221). وانظر: "المحلَّى"(5/ 260).

(6)

في "المصنف"(3/ 194).

(7)

في "الأموال"(ص 435 رقم 1448).

(8)

في (أ): "وأخرج".

(9)

في "الاستذكار"(9/ 249 رقم 13166)، وأخرجه أيضًا الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 41)، وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (4/ 153): وفي إسناده ابن لهيعة - وهو ضعيف.

• العرية: النخلة.

• الأكلة: أهل المال يأكلون منه رطبًا.

• الوطية: الزائرون.

ص: 38

وثانيهما: أن يتركَ ذلكَ من نفسِ الثمرِ قبلَ أنْ يعشَّرَ.

وقالَ الشافعيُّ: معناهُ أن يدعَ ثلثَ الزكاةِ أو ربعَها ليفرقَها هو بنفسهِ على أقاربهِ وجيرانهِ، وقيلَ: يدعُ لهُ ولأهلهِ قَدْرَ ما يأكلونَ ولا يخرصُ.

قالَ في الشرحِ: والأَوْلى الرجوعُ إلى ما صرَّحتْ بهِ روايةُ جابرٍ، وهوَ التخفيفُ في الخرصِ ويتركُ منَ العشرِ قدرَ الربعِ أو الثلثِ.

فإنَّ الأمورَ المذكورةَ قدْ لا تدركُ الحصادَ فلا تجبُ فيها الزكاةُ. قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: إنَّ الحديثَ جارٍ على قواعدِ الشريعةِ ومحاسنِها، موافقٌ لقولهِ صلى الله عليه وسلم:"ليسَ في الخضرواتِ صدقةٌ"

(1)

، [لأنها]

(2)

قدْ جرتِ العادةُ أنهُ لا بدَّ لربِّ المالِ بعدَ كمالِ الصلاحِ أنْ يأكلَ هو وعيالُه ويطعِمُوا الناسَ ما لا يدَّخرُ ولا يبقى، فكانَ ما جَرَى العرفُ بإطعامهِ وأكلِه بمنزلةِ الخضرواتِ التي لا تُدَّخَرُ، [وضح]

(3)

ذلكَ بأنّ هذا العرفَ الجاريَ بمنزلةِ ما لا يمكنُ تركُه فإنه لا بدَّ للنفوسِ منَ الأكلِ منَ الثمارِ الرطبةِ، ولا بدَّ من الطعامِ بحيثُ يكونُ تركُ ذلكَ مُضِرًا بها وشاقًّا عليها، انتهَى.

19/ 580 - وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(4)

، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. [ضعيف]

(وعنْ عتَّابِ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ المثناةِ الفوقيةِ، آخرُه موحدةٌ (ابن أسيدٍ)

(1)

تقدم تخريجه، وهو حديث ضعيف.

(2)

في (ب): "لأنه".

(3)

في (ب): "يوضح".

(4)

أبو داود (1603)، والترمذي (644)، والنسائي (5/ 109 رقم 2618)، وابن ماجه (1819)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 39)، والدارقطني (2/ 134 رقم 24) والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 243 رقم 661)، والبيهقي (4/ 122)، وله عندهم ألفاظ.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

قلت: هذا الحديث منقطع؛ لأن عتابًا توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر .. انظر:"المختصر" لابن المنذر (2/ 211). والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 39

بفتحِ الهمزةِ، وكسرِ السينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ (قالَ: أمرَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يخرصَ العنبُ كما يخرصُ النخلُ، وتؤخذُ زكاتُه زبيبًا. رواهُ الخمسةُ وفيهِ انقطاعُ)، لأنه رواهُ سعيدُ بنُ المسيبِ عنْ عتابٍ

(1)

. وقدْ قالَ أبو داودَ

(2)

: إنهُ لم يسمعْ منهُ. قالَ أبو حاتمٍ

(3)

: الصحيحُ عنْ سعيد بن المسيبِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ عتابًا (مرسلٌ)، قالَ النوويُّ

(4)

: وهوَ إنْ كانَ مرسلًا فهوَ يعتضدُ بقولِ الأئمةِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ خرصِ التمرِ والعنبِ، لأنَّ قولَ الراوي:"أمرَ"، يفهمُ أنهُ أَتَى صلى الله عليه وسلم بصيغةٍ تفيدُ الأمرَ والأصلُ فيهِ الوجوبُ، وبالوجوبِ قالَ الشافعيُّ

(5)

رحمه الله، وقالتِ الهادويةُ: أنهُ مندوبٌ. وقالَ أبو حنيفةَ

(6)

: إنهُ محرَّمٌ لأنهُ رجمٌ بالغيبِ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ عملٌ بالظنِّ وردَ بهِ أمرُ الشارعِ، ويكفي فيهِ خارصٌ واحدٌ عَدْلٌ لأنَّ الفاسقَ لا يَقْبَلُ خبرَه، عارفٌ؛ لأنَّ الجاهلَ بالشيءِ ليسَ منْ أهلِ الاجتهادِ فيهِ لأنهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يبعثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ

(7)

وحدَه يخرصُ على أهلِ خيبرَ، ولأنهُ كالحاكمِ يجتهدُ ويعملُ، فإنْ أصابتِ الثمرةَ جائحةٌ بعدَ الخرصِ فقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعَ مَنْ يحفَظُ عنهُ العلمُ أن المخروصَ إذا أصابتْهُ جائحةٌ قبلَ الجذاذِ فلا ضمانَ. وفائدةُ الخرصِ أمنُ الخيانةِ منْ ربِّ المالِ، ولذلكَ يجبُ عليهِ البيِّنةُ في دعْوى النقصِ بعدَ الخرصِ، وضبطُ حقِّ الفقراءِ على المالكِ،

(1)

في المخطوط (أ): يوجد كلمة زائدة هي: "وقد قالوا"، فلذا حذفتها.

(2)

في "السنن"(2/ 258).

(3)

في "العلل"(1/ 213).

(4)

في "المجموع"(5/ 451).

(5)

انظر: "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 386 - 387)، وفيه أن الخرص سنة وقد قيل إنه واجب.

(6)

انظر: "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" لعلي بن زكريا المنبجي (1/ 394 - 396).

(7)

وهو حديث حسن.

• أخرجه أحمد (2/ 24)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 38) من حديث ابن عمر.

• وأخرجه أبو داود (3/ 697 رقم 3410)، وابن ماجه (1820) من حديث ابن عباس.

• وأخرجه أبو داود (3413 و 3414)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 38 - 39)، والدارقطني (2/ 133)، والبيهقي (4/ 123)، وأحمد (3/ 367)، من حديث جابر بن عبد الله.

ص: 40

ومطالبةُ المصدقِ بقدرِ ما خرصَه

(1)

، وانتفاعُ المالكِ بالأكلِ ونحوِه.

وأعلمْ أن النصَّ وردَ بخرصِ النخلِ والعنبِ، قيلَ: ويقاسُ عليهِ غيرُه مما يمكنُ ضبطهُ وإحاطةُ النظرِ بهِ، وقيلَ: يقتصرُ على محلِّ النصِّ وهوَ الأقربُ لعدمِ النصِ على العلةِ، وعندَ الهادويةِ والشافعيةِ أنهُ لا خرصَ في الزرعِ لتعذرِ ضبطهِ لاستتارهِ بالقشرِ، وإذا ادَّعَى المخروصُ عليهِ النقصَ بسببٍ يمكنُ إقامةُ البينةِ عليهِ وجبَ إقامتُها وإلَّا صُدِّقَ بيمينهِ. وصفةُ الخرصِ أنْ يطوفَ بالشجرةِ ويرى جميعَ ثمرتِها ويقولَ خَرْصُها كذا وكذا رطبًا، ويجيءُ كذَا وكذَا يابسًا.

‌دليل وجوب الزكاة في حلي النساء

20/ 581 - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه رضي الله عنهما: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا:"أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هذَا؟ "، قَالَتْ: لَا، قَالَ:"أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ " فَأَلْقَتْهُمَا، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ

(2)

، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَصَحّحَهُ

(1)

قال القاضي أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي"(3/ 141 - 142): "ليس في الخرص حديث يصح إلا واحد وهو المتفق عليه، وهو ما رويناه في حديقة المرأة، قال: ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود، وهذه المسألة عسرة جدًّا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه خرص النخل، ولم يثبت عنه خرص الزبيب، وكان كثيرًا في حياته وفي بلاده، ولم يثبت عنه خرص النخل إلا على اليهود، لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم. قال: ولما لم يصح حديث سهل، ولا حديث ابن المسيب، بقي الحال وقفًا، فلأن خرص على الناس لحق الفقراء، لقد يجب أن يخرص عليهم جميع ما فيه الزكاة" اهـ.

(2)

أبو داود (1563)، والترمذي (637)، والنسائي (5/ 38)، والبيهقي (4/ 140).

قال الترمذي: وهذا حديث قد رواه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، نحو هذا والمثنى بن الصباح، وابنُ لهيعةَ يُضعفان في الحديث.

ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ.

وأخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا، وذكر أن المرسل أولى بالصواب.

وقال ابن المنذر: طريق أبي داود لا مقال فيها.

وقال ابن القطان بعد تصحيحه لحديث أبي داود: وإنما ضعَّف الترمذي هذا الحديث لأن عنده فيه ضعيفين: ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح. =

ص: 41

الْحَاكِمُ

(1)

مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة. [حسن]

(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن امرأةً) هي أسماءُ بنتُ يزيدَ بن السكنِ (أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ومعَها ابنةٌ لها، وفي يدِ ابنتِها مَسَكَتَانِ) بفتحِ الميمِ، وفتحِ السينِ المهملةِ، الواحدةُ مَسَكةٌ، وهي الإسورةُ والخلاخيلُ (منْ ذهبٍ، فقالَ لهَا: أتعطينَ زكاةَ [هذه]

(2)

؟ قالتْ: لا، قالَ: أيسُّركِ أنْ يسِّورَكِ الله بهمَا يومَ القيامةِ سوارينِ منْ نارٍ؟ فألقتْهما. رواهُ الثلاثة وإسنادُهُ قويٌّ)، ورواهُ أبو داودَ

(3)

منْ حديثِ حسينٍ المعلمِ، وهوَ ثقةٌ. فقولُ الترمذي

(4)

إنهُ [لا يعرفُ]

(5)

إلَّا منْ طريقِ ابن لهيعةَ غيرُ صحيحٍ. (وصحَّحه الحاكمُ منْ حديثِ عائشةَ). وحديثُ عائشةَ أخرجهُ الحاكمُ وغيرُه ولفظهُ: "أنها دخلتْ على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فرأَى في يدِها فتخاتٍ منْ وَرِقٍ، فقالَ: "ما هذَا يا عائشةُ؟ "، فقالتْ: صغْتُهنَّ لأتزينَ لكَ بهنَّ يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: أتؤدِّينَ زكاتَهنَّ؟ قالتْ: لا، قالَ: هنَّ حسبُكِ منَ النارِ".

قالَ الحاكمُ: إسنادُه على شرطِ الشيخينِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في الحليةِ، وظاهرهُ أنهُ لا نصابَ لها لأمرِهِ صلى الله عليه وسلم بتزكيةِ هذهِ المذكورةِ، ولا تكونُ خمسَ أواقي في الأغلبِ، وفي المسألةِ أربعةُ أقوالٍ:

الأولُ: وجوبُ الزكاةِ

(6)

، وهوَ مذهبُ الهادويةِ وجماعةٍ منَ السلفِ، وأحدُ أقوالِ الشافعي عملًا بهذهِ الأحاديثِ.

والثاني: لا تجبُ الزكاةُ في الحليةِ

(7)

، وهوَ مذهبُ مالكٍ، وأحمدَ،

= كما في "نصب الراية" للزيلعي (2/ 370).

قلت: والخلاصة أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في "المستدرك"(1/ 389)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

(2)

في (أ): "هذا".

(3)

في "السنن"(1563).

(4)

في "السنن"(3/ 30).

(5)

في (أ): "لا أعرفه".

(6)

انظر: "المبسوط"(2/ 192) و"الهداية"(1/ 104) و "اللباب"(1/ 384 - 386).

و"الروض النضير"(2/ 604 - 605).

(7)

انظر: "قوانين الأحكام الشرعية"(ص 118) و"المجموع"(6/ 32 - 36)، و"المغني" لابن قدامة (2/ 603 - 605).

ص: 42

والشافعي في أحدِ أقوالهِ لآثارٍ وردتْ عن السلفِ قاضيةٍ بعدمِ وجوبها في الحليةِ، ولكنْ بعدَ صحةِ الحديثِ لا أثرَ للآثارِ.

الثالثُ: أن زكاةَ الحليةِ عاريتُها، لما رَوَى الدارقطنيُّ عنْ أنسٍ

(1)

، وأسماءَ بنت أبي بكرٍ

(2)

.

الرابعُ: أنَّها تجبُ فيها الزكاةُ مرةً واحدةً، رواهُ البيهقيُّ

(3)

عنْ أنسٍ، وأظهرُ الأقوال دليلًا وجوبُها لصحةِ الحديثِ وقوتهِ، وأمَّا نصابُها فعندَ الموجبينَ نصابُ النقدينِ، وظاهرُ حديثِها الإطلاقُ، وكأنَّهم قيَّدُوهُ بأحاديثَ النقدينِ، ويقويِّ الوجوبَ قولُه:

‌الزكاة في حلي النساء

21/ 582 - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنه أَنّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَال:"إِذَا أَدَّيْتِ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(4)

، والدَّارَقُطْنيُّ

(5)

، وَصَحّحَه الْحَاكِمُ

(6)

. [حسىن]

(1)

أخرجه الدارقطني في "السنن"(2/ 109 رقم 6)، والبيهقي في "المعرفة"(6/ 140).

(2)

أخرجه الدارقطني في "السنن"(2/ 109 رقم 10)، والبيهقي في "المعرفة"(6/ 140).

(3)

في "معرفة السنن والآثار"(6/ 140 - 141 رقم 8284).

(4)

في "السنن"(1564) من طريق عتاب بن بشير، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عنها، به.

(5)

في "السنن"(2/ 105 رقم 1) من طريق محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عنها، به.

(6)

في "المستدرك"(1/ 390) من طريق محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عنها، به. وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 140) وقال: تفرد به ثابت بن عجلان، قال في "تنقيح التحقيق": وهذا لا يضر، فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري - انظر:"رجال صحيح البخاري" رقم 161 - ووثقه ابن معين، وقال ابن القطان في "كتابه "روى عن القدماء سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وابن أبي مليكة، ورأى أنس بن مالك، قال النسائي فيه: ثقة، وقال أبو حاتم في "الجرح" (2/ 455): صالح الحديث، وقول عبد الحق فيه: لا يحتج به، قول لم يقله غيره. اهـ.

قال ابن الجوزي في "التحقيق": محمد بن مهاجر، قال ابن حبان - في "المجروحين" (2/ 310 - 311) -: يضع الحديث على الثقات، قال في "التنقيح": وهذا وهم قبيح، فإن =

ص: 43

(وعنْ أمِّ سلمةَ رضي الله عنها أنَّها كانتْ تلبسُ أوضاحًا)، في النهايةِ

(1)

: هي نوعٌ منَ الحليِّ يُعْمَلُ منَ الفضةِ سمِّيتْ بها لبياضِها، واحدُها وضْحٌ، انتهَى.

وقولُه: (منْ ذهب) يدلُّ أنَّها تسمَّى إذا كانتْ منَ الذهبِ أوضاحًا، ([فقلتُ]

(2)

يا رسولَ اللَّهِ، أكنزٌ هوَ؟) أي: فيدخلُ تحتَ آيةِ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ}

(3)

الآيةَ؟ ([قال]

(4)

: إذا أديتِ زكاتَه فليسَ بكنزٍ. رواهُ أبو داودَ، والدارقطنيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، فيهِ دليلٌ كما في الذي قبلَه على وجوبِ زكاةِ الحليةِ، وأنَّ كلَّ مالٍ أخرجَتْ زكاتُه فليسَ بكنرٍ فلا يشملُه الوعيدُ في الآيةِ.

22/ 583 - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأمُرُنَا: "أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(5)

، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ. [ضعيف]

(وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يأمرُنا أنْ نخرجَ الصدقةَ

= محمد بن مهاجر الكذاب ليس هو هذا، فهذا الذي يروي عن ثابت بن عجلان ثقة شامي، أخرج له مسلم في "صحيحه" - انظر:"رجال صحيح مسلم" رقم (1524) - ووثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، ودحيم، وأبو داود وغيرهم. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات" - (7/ 413 - 414) - وقال: كان متقنًا، وأما محمد بن مهاجر الكذاب، فإنه متأخر في زمان ابن معين، وعتاب بن بشير وثقه ابن معين، وروى له البخاري متابعة. اهـ.

قال الشيخ رحمه الله في "الإمام": وقول العقيلي - في "الضعفاء الكبير"(1/ 175 - 176) - في ثابت بن عجلان: لا يتابع على حديث تحامل منه، إذ لا يمس بهذا إلا من ليس معروفًا بالثقة، فأما من عرف بالثقة فانفراده لا يضره، وكذلك ما نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه سئل عنه، أكان ثقة؟ فسكت، إذ لا يدل السكوت على شيء، وقد يكون سكوته لكونه لم يعرف حاله، ومن عُرِفَ حجة على من لم يُعرف، أو لأنه لا يستحق اسم الثقة عنده، فيكون إما صدوقًا، أو صالحًا، أو لا بأس به، أو غير ذلك من مصطلحاتهم، ولما ذكره ابن عدي في كتابه لم يسمِّه بشيء، وقول عبد الحق أيضًا: لا يحتج به تحامل أيضًا، وكم من رجل قد قبل روايته ليسوا مثله. والله أعلم. اهـ. "نصب الراية"(2/ 371 - 372).

وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في غريب الحديث لابن الأثير (5/ 196).

(2)

في (أ): "فقالت".

(3)

سورة التوبة: الآية 34.

(4)

في (أ): "فقال".

(5)

في "السنن"(1562) بإسناد ضعيف.

وقد ضعَّف الحديث الألباني في ضعيف أبي داود.

ص: 44

منَ الذي نعدُّه للبيعِ. رواهُ أبو داودَ، وإسنادُه ليِّنٌ) لأنهُ منْ روايةِ سليمانَ بن سمرةَ وهوَ مجهولٌ، وأخرجهُ الدارقطنيُّ

(1)

، والبزارُ

(2)

، منْ حديثهِ أيضًا. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ.

واستُدِلَّ للوجوبِ أيضًا بقولهِ تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}

(3)

الآيةَ.

قالَ مجاهدٌ: نزلتْ في التجارةِ، وبما أخرجهُ الحاكمُ

(4)

أنهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: "في الإبلِ صدقتُها، وفي البقرِ صدقتُها، وفي الغنم صدقتها، وفي البزِّ صدقتُه". والبزُّ بالباءِ الموحدةِ، والزاي المعجمةِ ما يبيعُه البزَّازونَ، كذا ضبطَهُ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ.

قالَ ابنُ المنذرِ

(5)

: الإجماعُ قائمٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ، وممنْ قالَ بوجوبِها الفقهاءُ السبعةُ

(6)

. قالَ: لكنْ لا يكفرُ جاحدُها للاختلافِ فيْها.

(1)

في "السنن"(2/ 127 - 128 رقم 9). قال ابن حزم (5/ 234): رواته من جعفر بن سعد إلى سمرة مجهولون، وتبعه ابن القطان، فقال: ما من هؤلاء من يعرف حاله، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروي به جملة أحاديث، قد ذكر البزار منها نحو المائة. وانظر:"الميزان"(1/ 407).

(2)

(1/ 420 رقم 886) - "كشف الأستار". وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 69) وقال: رواه البزار وفي إسناده ضعف.

(3)

سورة البقرة: الآية 267.

(4)

في "المستدرك"(1/ 388) من طريقين وقال: كلا الإسنادين صحيحان على شرط الشيخين.

قلت: وأخرجه الدارقطني أيضًا من الطريقين (2/ 101 و 102 رقم 27 و 28)، وهو حديث ضعيف. انظر:"التلخيص الحبير"(2/ 179).

(5)

في كتابه: "الإجماع"(ص 51 رقم 114).

قلت: أقرَّ ابن قدامة في "المغني"(2/ 623) ابن المنذر ثم قال: وحكي عن "مالك" و"داود" أنه لا زكاة فيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".

(6)

وهم:

1 -

سعيد بن المسيب.

2 -

عروة بن الزبير.

3 -

أبو بكر بن عبيد بن الحارث.

4 -

القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.

5 -

عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.

6 -

سليمان بن يسار.

7 -

خارجة بن زيد بن ثابت.

ص: 45

‌الرِّكاز الخمس

23/ 584 - وَعَن أَبي هرَيرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: وفي الرِّكازِ) بكسرِ الراءِ، آخِرَهُ زايٌ، المالُ المدفونُ يُؤْخَذُ منْ غيرِ أنْ يُطْلَبَ بكثيرِ عملٍ (الخُمُسُ. متفقٌ عليهِ). للعلماءِ في حقيقةِ الرِّكازِ قولانِ:

الأولُ: أنهُ المالُ المدفونُ في الأرضِ منْ كنوزِ الجاهليةِ.

الثاني: أنهُ المعادنُ.

قالَ مالكٌ

(2)

بالأولِ، قالَ: وأمَّا المعادنُ فتُؤْخَذُ فيها الزكاةُ لأنَّها بمنزلةِ الزرعِ، ومثلَه قالَ الشافعيُّ

(3)

، وإلى الثاني ذهبتِ الهادويةُ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ

(4)

، ويدلُّ للأولِ قولُهُ صلى الله عليه وسلم:"العجماءُ جُبارٌ، والمعدنُ جُبارٌ، وفي الركازِ الخُمُسُ" أخرجهُ البخاريُّ، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ غيرُ المعدِنِ، وخصَّ الشافعيُّ المعدِنَ بالذهبِ والفضةِ لِمَا أخرجهُ البيهقيُّ

(5)

: "أنَّهم قالُوا: وما الركازُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذهبُ والفضةُ التي خُلِقَتْ في الأرضِ يومَ خُلِقَتْ"، إلَّا أنهُ قيلَ: إنَّ هذا التفسيرَ روايةٌ ضعيفةٌ. واعتبرَ النصابَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ عملًا بحديثِ:

(1)

البخاري (1499)، ومسلم (3/ 1334 رقم 1710).

قلت: وأخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 249) والترمذي (642) وأبو داود (3085)، والنسائي (5/ 44 رقم 2495)، وابن ماجه (2509)، وابن الجارود رقم (372)، والبيهقي (4/ 155) وأحمد (2/ 228)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 224 - 225)، والطيالسي (ص 304 رقم 2305)، والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 248، رقم 671، 672). وغيرهم.

(2)

انظر: "قوانين الأحكام الشرعية"(ص 119 - 120).

(3)

انظر: "مغني المحتاج"(1/ 394 - 396).

(4)

انظر: "بدائع الصنائع"(2/ 65 - 68).

(5)

في "السنن الكبرى"(4/ 152). وفي إسناده سعيد بن أبي سعيد المقبري الذي هو ثقة حجة، شاخ، ووقع في الهرم ولم يختلط. انظر:"الميزان"(2/ 139 رقم 3187)، فحديثه لا يقصر عن صلاحية التفسير، فليعلم.

ص: 46

"ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ صدقةٌ"

(1)

في نصابِ الذهبِ والفضةِ، وإلى أنهُ يجبُ ربعُ العشرِ بحديثِ:"وفي الرِّقَةِ ربعُ العشرِ"

(2)

بخلافِ الركازِ فيجبُ فيهِ الخمُسُ، ولا يعتبرُ فيهِ النصابُ. ووجهُ الحكمةِ في التفرقةِ أن أَخْذَ الركازِ بسهولةٍ منْ غيرِ تعبٍ بخلافِ المستخرَجِ منَ المعدنِ فإنهُ لا بدَّ فيهِ منَ المشقةِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ يجبُ الخمسُ في المعدنِ والركازِ، وأنهُ لا تقديرَ لهما بالنصاب، بلْ يجبُ في القليلِ والكثيرِ. وإلى أنهُ يعمُّ كلَّ ما استُخرِجَ منَ البحرِ والَبرِّ منْ ظاهرِهِما أو باطِنهما فيشملُ الرصاصَ، والنحاسَ، والحديدَ، والنفطَ، والملحَ، والحطبَ، والحشيشَ. والمتيقنُ بالنصِّ الذهبُ والفضةُ، وما عداهما الأصلُ فيهِ عدمُ الوجوبِ حتَّى يقومَ الدليلُ. وقدْ كانتْ هذهِ الأشياءُ موجودةً في عصرِ النبوةِ ولا يعلمُ أنهُ أخذَ فيها خمسًا. ولم يردْ إلَّا حديثُ الركازِ وهوَ في الأظهرِ في الذهبِ والفضةِ، وآيةُ:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ}

(3)

وهي في غنائمِ الحربِ.

24/ 585 - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ - في كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ في خَرِبَةٍ - "إِنْ وَجَدْتَهُ في قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ غَيرِ مَسْكُونَةِ فَفِيهِ وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ

(4)

بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [حسن]

(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ في كنزٍ وَجَدَهُ [رجل]

(5)

في خَرِبَةٍ: إنْ وجدتَه في قريةٍ مسكونةٍ فعرِّفْه، وإنْ وجدتَه في قريةٍ غيرِ مسكونةٍ ففيهِ، وفي الركازِ الخمسُ. أخرجهُ ابنُ ماجهْ بإسنادٍ حَسَنٍ)، وفي قولهِ: ففيهِ وفي الركازِ الخمس بيانُ أنهُ قدْ صارَ مِلْكًا لواجدهِ، وأنهُ يجبُ عليهِ

(1)

تقدَّم تخريجه برقم (11/ 574) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.

(2)

تقدَّم تخريجه أكثر من مرة.

(3)

سورة الأنفال: الآية 41.

(4)

وأخرجه أبو داود (1710)، وأبو عبيد في الأموال (ص 308 رقم 860)، وأحمد في المسند رقم (6683 و 6936) شاكر، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 155) بسند حسن، وصحَّحه الحاكم في "المستدرك"(2/ 56)، ووافقه الذهبي.

قلت: وله شواهد صحيحة ومنها ما في "الصحيحين" رقم (23/ 582)، فالحديث حسن، والله أعلم.

(5)

زيادة من (أ).

ص: 47

إخراجُ خُمُسِهِ، وهذا الذي وجده في قريةٍ لم يسمِّهِ الشارعُ رِكازًا؛ لأنهُ لم يستخرجْه منْ باطنِ الأرضِ، بلْ ظاهرُه أنهُ وُجِدَ في ظاهرِ القريةِ، وذهبَ الشافعيُّ ومَنْ تبعَهُ إلى أنهُ يشترطُ في الركازِ أمرانِ: كونُه جاهليًا، وكونُه في مواتٍ. فإنْ وُجِدَ في شارعٍ أو مسجدٍ فَلُقَطَةٌ؛ لأنَّ يدَ المسلمينَ عليهِ. وقدْ جُهِلَ مالكُه فيكونُ لقطةً وإنْ وجدَ في ملكِ شخصٍ فللشخصِ إنْ لم ينفِه عنْ ملكِه، فإنْ نفاهُ عنْ ملكهِ فلمنْ ملكَه عنهُ، وهكذا حتَّى ينتهيَ إلى المحيي للأرضِ، ووجهُ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ

(1)

ما أخرجهُ هوَ عنْ عمرِو بن شعيبٍ بلفظِ: "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في كنزٍ وَجَدَهُ رجلٌ في خربةٍ جاهليةٍ: إنْ وجدَتَهُ في قريةٍ مسكونةٍ أو طريقٍ ميتاء فعرِّفْه، وإنْ وجدتَهُ في خربةٍ جاهليةٍ أو قريةٍ غيرِ مسكونةٍ ففيهِ وفي الركازِ الخُمُسُ".

25/ 586 - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ مِنَ الْمَعَادِنِ الْقَبَلِيّةِ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(2)

. [ضعيف]

(وعنْ بلالِ بن الحارثِ رضي الله عنه)

(3)

هوَ المزنيُّ، وفدَ على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سنةَ خمسٍ، وسكنَ المدينةَ، وكانَ أحدَ مَنْ يحملُ ألويةَ مُزينةَ يومَ الفتحِ، رَوَى عنهُ ابنهُ الحارثُ، ماتَ سنةَ ستينَ، ولهُ ثمانونَ سنة (أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخذَ منَ المعادنِ القَبَلِيَّةِ) بفتحِ القافِ، وفتحِ الموحدةِ، وكسرِ اللامِ، وياءٍ مشددةٍ مفتوحةٍ، وهوَ موضعٌ بناحيةِ الفرعِ (الصدقةَ. رواهُ أبو داودَ) وفي الموطأِ

(4)

عنْ ربيعةَ عنْ غيرِ

(1)

في "ترتيب المسند"(1/ 248 رقم 673).

(2)

في "السنن"(3061).

قلت: وأخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 248 رقم 8)، وأبو عبيدة في "الأموال"(ص 309 رقم 864)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/ 152) وقال: قال الشافعي: ليس هذا مما يثبت أهل الحديث، ولو ثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه.

والخلاصة: أن الحديث ضعيف. ولمزيد من التخريج انظر: "إرواء الغليل"(3/ 311 - 313 رقم 830).

(3)

انظر: "تهذيب التهذيب"(1/ 440 رقم 929).

(4)

(1/ 248 رقم 8).

ص: 48

واحدٍ منْ علمائِهم: "أنهُ صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ بلالَ بنَ الحارثِ المعادنَ القبليةَ، وأخذَ منْها الزكاةَ دونَ الخمسِ".

قالَ الشافعيُّ

(1)

بعدَ أنْ رَوَى حديثَ مالكٍ: ليسَ هذا مما يثبتُه أهلُ الحديثِ، ولمْ يكنْ فيهِ روايةٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا إقطاعَه.

وأما الزكاةُ في المعادنِ دونَ الخمسِ فليستْ مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قالَ البيهقيُّ: هوَ كما قالَ الشافعيُّ في روايةِ مالكٍ، والحديثُ يدلُّ على وجوبِ الصدقةِ في المعادنِ، ويحتملُ أنهُ أرِيدَ بها الخمسُ. وقدْ ذهبَ إلى الأولِ أحمدُ، وإسحاقُ. وذهبَ غيرُهم إلى الثاني، وهوَ وجوبُ الخمسِ لقولهِ: وفي الركازِ الخمسُ، وإنْ كانَ فيهِ احتمالٌ كما سلفَ.

* * *

(1)

ذكره البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 152).

ص: 49

[الباب الأول] باب صدقةِ الفطرِ

أي: الإفطارُ، وأضيفتْ إليهِ لأنهُ سببُها كما يدلُّ لهُ ما في بعضِ رواياتِ البخاريِّ: زكاةُ الفطرِ منْ رمضانَ.

‌وجوب صدقة الفطر

1/ 587 - عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قالَ: فرضَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطرِ صاعًا) نصبَ على التمييزِ، أو بدلٌ منْ زكاةٍ بيانٌ لها (منْ تمرٍ أو صاعًا منْ شعيرٍ، على العبدِ، والحرِّ، والذكرِ، والأنثَى، والصغيرِ، والكبيرِ منَ المسلمينَ، وأمرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ صدقةِ الفطرِ لقولهِ: فرضَ، فإنهُ بمعنى ألزمَ وأوجبَ.

قالَ إسحاقُ: هي واجبةٌ بالإجماعِ، [وكأنهُ ما علمَ]

(2)

فيها الخلافُ

(1)

البخاري (1504)، ومسلم (12/ 984).

قلت: وأخرجه أبو داود (1611)، والنسائي (5/ 48)، وابن ماجه (1826)، والبيهقي (4/ 159)، والدارمي (1/ 392)، وأحمد (2/ 137)، والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 250)، ومالك في "الموطأ"(1/ 284 رقم 52)، وغيرهم.

(2)

زيادة من (ب).

ص: 50

لداودَ

(1)

، وبعضِ الشافعيةِ، فإنَّهم قائلونَ إنها سنةٌ، وتأوَّلُوا فرضَ بأنَّ المرادَ قدر، وردَّ هذا التأويلُ بأنهُ خلافُ الظاهرِ.

وأما القولُ بأنَّها كانتْ فرضًا ثم نُسِخَتْ بالزكاةِ لحديثِ قيسِ بن سعدِ بن عبادةَ

(2)

: "أمَرَنَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بصدقةِ الفطرِ قبلَ أن تنزلَ الزكاةُ، فلمَّا نزلتِ الزكاةُ لم يأمرْنا ولم ينْهنا"، فهوَ قولٌ غيرُ صحيحٍ، لأنَّ الحديثَ فيهِ راوٍ مجهولٌ ولوَ سلِمَ صحتُه فليسَ فيهِ دليل على النسخ لأنَّ عدمَ أمرِه لهم بصدقةِ الفطرِ ثانيًا لا يشعرُ بأنَّها نسختْ، فإنهُ يكفي الأمرُ الأَولُ ولا يرفعُه عدمُ الأمرِ.

والحديثُ دليلٌ على عموم وجوبها علَى العبيدِ والأحرارِ، الذكورِ والإناثِ صغيرًا وكبيرًا غنيًا وفقيرًا. وقدْ أَخرجَ البيهقيُّ

(3)

منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن ثعلبةَ أو ثعلبةَ بن عبدِ اللَّهِ مرفوعًا: "أدُّوا صاعًا منْ قمحٍ عنْ كلِّ إنسانٍ ذكرٍ أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، حرٌّ أو مملوك. أما الغنيُّ فيزكيهِ اللَّهُ، وأمَّا الفقيرُ فيردُّ اللَّهُ عليهِ أكثرَ مما أعطَى". قالَ المنذريُّ في مختصرِ السننِ

(4)

: في إسنادهِ النعمانُ بنُ راشدٍ لا يُحْتَجُّ بحديثهِ، (نعمْ) العبدُ تلزمُ مولاهُ عندَ مَنْ يقولُ إنهُ لا يملكُ، ومَنْ يقولُ إنهُ يملكُ تَلزَمُه، وكذلك الزَّوْجَةُ يَلْزَمُ زَوْجَهَا، والخادِمُ

(1)

انظر: "الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي" لعارف خليل محمد أبو عيد، ص 559. "وبداية المجتهد" لابن رشد الحفيد - بتحقيقنا (2/ 129).

قلت: أما ابن حزم فقد نقل وجوبها على كل مسلم [المحلَّى 6/ 164].

(2)

أخرجه النسائي (5/ 49 رقم 2507)، وابن ماجه (1828)، والحاكم (1/ 410)، والبيهقي (4/ 159). من طريق سلمة بن كُهيل عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار الهمداني، عن قيس بن سعد، به.

قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وصحَّحه الألباني في صحيح النسائي.

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 49 رقم 2506) من طريق الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد، به.

قال النسائي: "وسلمة بن كُهيل خالف الحكم في إسناده، والحكم أثبت من سلمة بن كُهيل". قلت: وكلا السندين رجاله ثقات معروفون.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(3)

في "السنن الكبرى"(4/ 163 - 164).

(4)

(2/ 220).

ص: 51

مَخْدومَهُ، والقريبُ مَنْ تلزمهُ نفقتُه لحديثِ:"أدُّوا صدقةَ الفطرِ عمنْ تمونونَ" أخرجهُ الدارقطنيُّ

(1)

، والبيهقيُّ

(2)

، وإسنادُه ضعيفٌ، ولذلكَ وقعَ الخلافُ في المسألةِ كما هوَ مبسوطٌ في الشرحِ وغيرهِ. وأما الصغيرُ فتلزمُ في مالهِ إنْ كانَ لهُ مالٌ كما تلزمُه الزكاةُ في مالِه. وإنْ لم يكنْ لهُ مالٌ لزمتْ منفقه كما يقُولُ الجمهورُ.

وقيلَ: تلزمُ الأبَ مطلقًا، وقيلَ: لا تجبُ على الصغيرِ أصلًا لأنَّها شُرعَتْ طُهرةً للصائمِ منَ اللغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمساكينِ كما يأتي. وأجيبَ بأنهُ خرجَ علَى الأغلبِ فلا يقاومُه تصريحُ حديثِ ابن عمرَ بإيجابِها على الصغيرِ، وهوَ أيضًا دالٌ علَى أنهُ يجبُ صاعٌ

(3)

على كلِّ إنسانٍ منَ التمرِ والشعيرِ، ولا خلافَ في ذلكَ، وكذلكَ وردَ صاعٌ منْ زبيبٍ.

(1)

و

(2)

أخرجه الدارقطني (2/ 141 رقم 12) ومن طريقه البيهقي (4/ 161) من حديث ابن عمر قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون".

قال الدارقطني: رفعه القاسم وليس بقوي. والصواب موقوف.

• وأخرجه الدارقطني (2/ 141 رقم 13)، من طريق حفص بن غياث، قال: سمعت عدة منهم الضحاك بن عثمان عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يعطي صدقة الفطر عن جميع أهله، صغيرهم وكبيرهم عمن يعول، وعن رقيقه وعن رقيق نسائه.

• وأخرج الشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 251 رقم 676) من طريق إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد عن أبيه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر عن الحر والعبد والذكر والأنثى ممن تمونون"، وأخرجه البيهقي من طريقه (4/ 161).

• وأخرجه البيهقي (4/ 161) من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي رضي الله عنه، به. وهو منقطع.

• وأخرجه الدارقطني (2/ 140 رقم 11)، من طريق إسماعيل بن همام، حدثني علي بن موسى الرضى عن أبيه عن جده عن آبائه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير والذكر والأنثى ممن تمونون".

قال الآبادي في "التعليق المغني": "هذا حديث مرسل، فإن جدَّ علي بن موسى هو جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجعفر لم يدرك الصحابة، وقد أخرج له الشيخان، وقال ابن حبان في الثقات: يحتج بحديثه ما لم يكن من رواية أولاده عنه، فإنه في حديث ولده مناكير كثيرة" اهـ.

وانظر: "نصب الراية" للزيلعي (2/ 412 - 413).

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(3)

الصاع = 4 أمداد، والمد = 544 غ من القمح. =

ص: 52

وقولُه في الحديثِ: (منَ المسلمينَ)، لأئمةِ الحديثِ كلامٌ طويلٌ في هذهِ الزيادةِ، لأنهُ لم يتفقْ عليْها الرواةُ لهذَا الحديثِ إلَّا أنَّها على كلِّ تقديرٍ زيادةٌ منْ عدْلٍ فتقبلُ، ويدلُّ على اشتراطِ الإسلامِ في وجوبِ صدقةِ الفطرِ، وأنَّها لا تجبُ على الكافرِ عنْ نفسهِ وهذَا متفقٌ عليهِ. وهلْ يخرجُها المسلمُ عنْ عبدهِ الكافرِ؟ فقالَ الجمهورُ: لا، وقالتِ الحنفيةُ وغيرُهم: تجبُ، مستدلينَ بحديثِ:"ليسَ على المسلم في عبدِه صدقةٌ إلَّا صدقةَ الفطرِ"

(1)

، وأجيبَ بأنَّ حديثَ البابِ خاصٌّ يقضِي على العامِّ، فعمومُ قولهِ: عبدَه مخصَّصٌ بقولِه منَ المسلمينَ، وأما قولُ الطحاوي: إنَّ منَ المسلمينَ صفةٌ للمخرجينَ لا للمخرَج عنْهم فإنهُ يأباهُ ظاهرُ الحديثِ، فإنَّ فيهِ العبدَ، وكذَا الصغيرَ، وهمْ ممنْ يخرجُ عنْهم، فدلَّ على أن صفةَ الإسلامِ لا تختصُّ بالمخرجينَ، يؤيدُه حديثُ مسلمٍ

(2)

بلفظِ: "على كلِّ نفسٍ منَ المسلمينَ حرٍّ أو عبدٍ"، وقولُه:"وأمرَ بها أن تؤدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ"

(3)

يدلُّ علَى أن المبادرةَ بها، هي المأمورُ بها، فلو أخَّرها عن الصلاةِ أَثِمَ، وخرجتْ عنْ كونِها صدقةَ فطرٍ وصارتْ صدقةً منَ الصدقاتِ، ويؤكدُ ذلكَ قولُه:

2/ 588 - وَلابْنِ عَدِيٍّ

(4)

، وَالدَّارَقُطْنِيِّ

(5)

بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: "أَغْنُوهُمْ عَن الطَّوَافِ في هذَا الْيَوْمِ". [ضعيف]

(ولابنِ عديٍّ والدارقطنيِّ) أي: منْ حديثِ ابن عمرَ (بإسنادٍ ضعيفٍ) لأنَّ فيهِ

= فالصاع =544 × 4 = 2176 غ.

وانظر كتابنا: "الإيضاحات العصرية في المقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية" مبحث: الصاع.

(1)

أخرجه مسلم (10/ 982) من حديث أبي هريرة.

(2)

في "صحيحه"(16/ 984) من حديث ابن عمر.

(3)

أخرجه البخاري (1509)، ومسلم (986) من حديث ابن عمر.

(4)

لم أجده في "الكامل" لابن عدي وخاصة في ترجمة الواقدي.

(5)

في "السنن"(2/ 152 رقم 67).

قلت: وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 175)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص 131 من حديث ابن عمر.

وأخرجه ابن سعد في "الطبقات"(1/ 248) من حديث عائشة وأبي سعيد، وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 53

محمدَ بنَ عمرَ الواقدي

(1)

، (أغنُوهم) أي: الفقراءَ (عن الطوافِ) في الأزقةِ والأسواقِ لطلب المعاشِ (في هذا اليومِ) أي: يومِ العيدِ، وإغناؤُهم يكونُ بإعطائِهم صدقتَه أَولَ اليومِ.

‌مقدار ما يخرج من صدقة الفطر من كل نوع

3/ 589 - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح].

وَفي رِوَايَةٍ: أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. قَالَ أبُو سَعِيدٍ: أَمّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

وَلأَبي دَاوُدَ: لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا

(2)

.

(وَعنْ أبي سعيدٍ رضي الله عنه قالَ: كنَّا نعطِيْها) أي: صدقةَ الفطرِ، (في زمانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم صاعًا منْ طعامٍ، أو صاعًا منْ تمرٍ، أوْ صاعًا منْ شعيرٍ، أوْ صاعًا منْ زبيبٍ، متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ) للبخاري: (أو صاعًا منْ أَقِطٍ) بفتحِ الهمزةِ، وهوَ لبنٌ مجففٌ يابسٌ مستحجرٌ يُطبخُ، كما في النهايةِ

(3)

، ولا خلافَ فيما ذكرَ أنهُ يجبُ

(1)

قال ابن عدي في "الكامل"(6/ 2247): "وهذه الأحاديث التي أمليتها للواقدي والتي لم أذكرها كلها غير محفوظة، ومن يروي عن الواقدي من الثقات فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم إلا من رواية الواقدي والبلاء منه، ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة وهو بيِّن الضَّعف" اهـ.

(2)

أخرجه البخاري (1505 - 1506) و (1508) و (1510)، ومسلم (2/ 678 - 679 رقم 17، 18، 19، 20، 21/ 985)، وأبو داود (1616)، و (1617)، و (1618)، والترمذي (673)، والنسائي (5/ 51 رقم 2511 و 2512 و 2513)، وابن ماجه (1829)، وابن الجارود رقم (357)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 41 - 42)، والدارقطني (2/ 146 رقم 31)، والحاكم (1/ 411)، والبيهقي (4/ 165)، والدارمي (1/ 392)، وأحمد (3/ 23)، وابن أبي شيبة (3/ 172 - 173)، ومالك (1/ 284 رقم 53)، والبغوي في "شرح السنة"(6/ 73 - 74 - 75) من طرق عن عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري.

(3)

لابن الأثير (1/ 57).

ص: 54

فيهِ صاعٌ، وإنَّما الخلافُ في الحِنْطَةِ؛ فإنه أَخْرجَ ابنُ خزيمةَ عنْ سفيانَ، عن ابن عمرَ أنهُ لما كانَ معاويةُ عدلَ الناسُ نصفَ صَاعٍ بُرٍّ بصاعِ شعير، وذلكَ أنهُ لم يأتِ نصٌّ في الحنطةِ أنهُ يخرجُ فيها صاعٌ، والقولُ بأنَّ أبا سعيدٍ أرادَ بالطعامِ الحنطةَ في حديثهِ هذا غيرُ صحيحٍ كما حققَهُ المصنفُ في فتحِ الباري

(1)

، قالَ ابنُ المنذرِ

(2)

: لا نعلمُ في القَمحِ خبرًا ثانيًا يعتمدُ عليه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولمْ يكنِ البُرُّ في المدينةِ ذلكَ الوقتَ إلَّا الشيءَ اليسيرَ منهُ، فلمَّا كثرُ في زمنِ الصحابةِ رأوْا أن نصفَ صاعٍ منهُ يقومُ مقامَ صاعٍ منْ شعيرٍ، وهمْ الأئمةُ فغيرُ جائزٍ أنْ يعدلَ عنْ قولِهم إلَّا إلى قَوْلِ مثلِهم، ولا يخْفَى أنهُ قدْ خالفَ أبو سعيدٍ كما يفيدُه قولُه: قال الراوي: (قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزالُ أخرجُه) أي: الصاعَ (كما كنتُ أخرجُ في [زمان]

(3)

رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. ولأبي داودَ) عنْ أبي سعيدٍ: (لا أخرِجُ أبدًا إلا صاعًا) أي: منْ أي قوتٍ. أخرجَ ابنُ خزيمةَ

(4)

، والحاكمُ

(5)

: "قالَ أبو سعيدٍ؛ وقدْ ذكرَ عنده صدقةُ رمضانَ فقال: لا أخرجُ إلّا ما كنتُ أخرِجُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صاعًا منْ تمرٍ، أوْ صاعًا منْ حنطةٍ، أو صاعًا مِنْ شعيرٍ، أو صاعًا منْ أَقِطٍ، فقالَ لهُ رجلٌ منَ القومِ: أو مُدَّينِ منْ قمحٍ، قالَ: لا تلكَ فعلُ معاويةُ لا أقبلُها ولا أعملُ بها"، لكنهُ قالَ ابنُ خزيمةَ

(6)

: ذِكْرُ الحنطةِ في خبرِ أبي سعيدِ غيرُ محفوظٍ، ولا أدري ممَّن الوهمُ، وقالَ النوويُّ

(7)

: تمسَّكَ بقولِ معاويةَ مَنْ قالَ بالمدَّينِ منَ الحنطةِ وفيهِ نظرٌ، لأنهُ فعلُ صحابيٍّ. وقدْ خالفَه فيهِ أبو سعيدٍ وغيرُه منَ الصحابةِ ممنْ هوَ أطولُ صحبةً منهُ، وأعلمُ بحالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وقدْ صرَّحَ معاويةُ بأنهُ رأيٌ رآهُ لا أنهُ سمعهُ منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كما أخرجَهُ البيهقيُّ في السننِ

(8)

منْ حديثِ أبي سعيدٍ: "أنهُ قَدِمَ معاويةُ حاجًا أوْ معتمرًا، فكلَّمَ الناسَ على المنبرِ، فكانَ فيما كلَّمَ بهِ الناسَ أنهُ قالَ: إني أرى مدَّينِ منْ سمراءِ الشامِ تعدلُ صاعًا منْ

(1)

(3/ 373 - 374).

(2)

ذكره ابن حجر في "الفتح"(3/ 374).

(3)

في (أ): "زمن".

(4)

في "صحيحه"(4/ 89 - 90 رقم 2419) بإسناد حسن. لكن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ كما قاله ابن خزيمة.

(5)

في "المستدرك (1/ 411).

(6)

في "صحيحه"(4/ 90).

(7)

في شرحه لصحيح مسلم" (7/ 61).

(8)

(4/ 165).

ص: 55

تمرٍ، فأخذَ بذلكَ الناسُ فقالَ أبو سعيدٍ: أما أنا فلا أزالُ أخرجُه"، الحديثُ المذكورُ في الكتابِ. فهذَا صريحٌ أنهُ رأيٌ من معاويةَ. قالَ البيهقيُّ

(1)

بعدَ إيرادِ أحاديثَ في البابِ ما لفظهُ: وقدْ وردتْ أخبارٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في صاعٍ منْ بُرِّ، ووردتْ أخبارٌ في نصفِ صاعٍ، ولا يصحُّ شيءٌ منْ ذلكَ. وقد بيَّنتُ علةَ كلِّ واحدٍ منْها في الخلافياتِ انتَهى.

‌الصدقات تكفِّر السيئات

4/ 590 - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ "طُهْرَةً لِلصَّائِم مِنَ الَّلغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَة لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(2)

، وَابْنُ مَاجَهْ

(3)

، وصَحّحَهُ الْحَاكِمُ

(4)

. [حسن].

(وعنِ ابن عباس رضي الله عنهما قالَ: فرضَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطرِ طهرةً للصائمِ منَ اللغوِ والرَّفَثِ) الواقعِ منهُ في صومهِ (وطعمةً للمساكينِ، فمنْ أداها قبلَ الصلاةِ)[أي: صلاةِ العيدِ]

(5)

(فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أداها بعدَ الصلاةِ فهيَ صدقةٌ منَ الصدقاتِ. رواهُ أبو داودَ وابن ماجه، وصحَّحهُ الحاكمُ). فيهِ دليلٌ على وجوبها لقولهِ: فَرضَ، كما سلفَ. ودليلٌ على أنَّ الصدقاتِ تكفِّرُ السيئاتِ. ودليلٌ على أَنَّ وقتَ إخراجِها قبلَ صلاةِ العيدِ، وأنَّ وجوبها مؤقتٌ، فقيلَ: تجبُ [منْ]

(6)

(1)

في "السنن الكبرى"(4/ 170).

(2)

في "السنن"(1609).

(3)

في "السنن"(1827).

(4)

في "المستدرك"(1/ 409).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 138 رقم 1)، والبيهقي (4/ 163)، قال الدارقطني: ليس فيهم مجروح.

وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وأقرَّه المنذري في "الترغيب" والحافظ هنا. وفي ذلك نظر، لأن من دون عكرمة لم يخرج لهم البخاري شيئًا، وهم صدوقون سوى مروان فثقة، فالسند حسن. وقد حسَّنه النووي في "المجموع"(6/ 126)، والألباني في "الإرواء"(3/ 332 رقم 843).

وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(5)

زيادة من (ب).

(6)

زيادة من (ب).

ص: 56

فجرِ أولِ شوالَ لقوله: "أغنُوهم عن الطوافِ في هذا اليومِ"

(1)

، وقيلَ: تجبُ منْ غروبِ آخرِ يومٍ منْ رمضانَ لقولهِ: "طهرةً للصائمِ"، وقيلَ: تجبُ بمضيِّ الوقتينِ عملًا بالدليلينِ.

وفي جوازِ تقديْمِها أقوالٌ: منْهم مَنْ ألحقَها بالزكاةِ فقالَ: يجوزُ تقديمُها ولو إلى عامينِ، ومنْهم مَنْ قالَ: يجوزُ في رمضانَ لا قبلَهُ، لأِنَّ لها سببينِ: الصومُ والإفطارُ، فلا تتقدمُهُمَا كالنصابِ والحولِ. وقيلَ: لا تُقَدَّمُ علَى وقتِ وجوبِها إلَّا ما يغتفرُ كاليومِ واليومينِ. وأدلةُ الأقوالِ كما تَرَى.

وفي قولهِ: "طُعْمَةً للمساكينِ" دليلٌ على اختصاصِهم بها، وإليه ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ وذهبَ آخرونَ إلى أنَّها كالزكاةِ تُصْرَفُ في الثمانيةِ الأصنافِ واستقواهُ المهديُّ لعمومِ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ}

(2)

. والتنصيصُ على بعض الأصناف لا يلزم منه التخصيص، فإنه قد وقع ذلك في الزكاة، ولم يقل أحد بتخصيص مصرفِها، ففي حديثِ معاذٍ:"أُمْرِتُ أَنْ آخذَها منْ أغنيائِكم وأردَّها في فقرائِكم"

(3)

.

* * *

(1)

وهو حديث ضعيف، تقدَّم تخريجه برقم (2/ 588) من كتابنا هذا.

(2)

سورة التوبة، الآية: 60 وتتمتها: {لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)} .

(3)

ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(3/ 337) بدون سند بهذا اللفظ.

وأخرج البخاري (1395)، ومسلم (1/ 50 رقم 29/ 19)، وأبو داود (1584)، والنسائي (2/ 5)، والترمذي (625)، وابن ماجه (1873)، وأحمد (1/ 233)، من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله

فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتُرد على فقرائهم".

ص: 57

[الباب الثاني] بابُ صدقةِ التطوعِ أي النفلِ

‌فضل صدقة التطوع

1/ 591 - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "سَبْعَة يُظِلُّهُم اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح].

(عنْ أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: سبعةٌ يظلُّهمْ اللَّهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه - فذكرَ الحديثَ) في تعدادِ السبعةِ، وهمْ: الإمامُ العادلُ، وشابٌّ نشأَ في عبادةِ ربِّهِ عز وجل، ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ، ورجلانِ تحابَّا في الله اجتمعَا على ذلكَ وافترقَا عليهِ، ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقالَ إني أخافُ اللَّهَ، ورجلٌ ذكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ، (وفيهِ: ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفْاها حتَّى لا تعلمَ شمائه ما تنفق يمينُه. متفقٌ عليه). قيلَ: المُرادُ بالظِّلِّ الحِمَايةُ والكَنَفُ كمَا يُقالُ: أنا في ظِلِّ فُلانٍ، وَقِيلَ: المرادُ ظلُّ عرشهِ؛ ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ

(2)

منْ حديثِ سلمانَ: "سبعةٌ يظلُّهم اللَّهُ في ظلِّ عرشهِ"، وبهِ جزمَ القرطبيُّ. وقولُه:(أخْفَى) بلفظِ الفعلِ الماضي حالٌ بتقديرِ قدْ،

(1)

البخاري (1423)، ومسلم (2/ 715 رقم (1031).

قلت: وأخرجه الترمذي (2391)، والنسائي (8/ 222) وأحمد (2/ 439).

(2)

عزاه إليه ابن حجر في "الفتح"(2/ 144)، وحسَّن إسناده.

ص: 58

وقولُه: (حتَّى لا تعلمَ شمالُه) مبالغةٌ في الإخفاءِ، وتبعيدُ الصدقةِ عنْ مظانِّ الرياءِ، ويحتملُ أنهُ على حذف مضافٍ، أي:[من]

(1)

عنْ شمالهِ. وفيهِ دليلٌ على فضلِ إخفاءِ الصدقةِ على إبدائِها إلَّا أنْ يعلمَ أنَّ في إظهارِها ترغيبًا للناسِ في الاقتداءِ، وأنهُ يحرسُ سرَّهُ عن داعيةِ الرياءِ، وقدْ قالَ تعالَى:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ}

(2)

الآية. والصدقةُ في الحديثِ عامةٌ للواجبةِ والنافلةِ، فلا يُظَنُّ أنَّها خاصةٌ بالنافلةِ حيثُ جعلَهُ المصنفُ في بابِها.

واعلمْ أنهُ لا مفهومَ يعملُ بهِ في قولهِ: ورجلٌ تصدَّقَ؛ فإنَّ المرأةَ كذلكَ إلَّا في الإمامةِ، ولا مفهومَ أيضًا للعددِ، فقدْ وردتْ خصالٌ أُخْرى تقتضي الظلَّ وأبلغَها المصنفُ في الفتحِ

(3)

إلى ثمانٍ وعشرينَ خصلةً، وزادَ عليها الحافظُ السيوطيُّ حتَّى أبلْغَها إلى سبعينَ، وأفردَها بالتأليفِ، ثمَّ لخَّصَها في كراسةٍ سمَّاها:"بزوغُ الهلالِ في الخصالِ المقتضيةِ للظلالِ"

(4)

.

2/ 592 - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "كُل امْرِئٍ في ظلِّ صَدَقَتِهِ حَتى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ

(5)

وَالْحَاكِمُ

(6)

. [صحيح]

(1)

زيادة من (أ).

(2)

سورة البقرة: الآية 271.

(3)

(2/ 144) وله رسالة سمَّاها: "معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال".

(4)

وهي رسالة للسيوطي تتبَّع فيها الأحاديث الواردة في الخصال الموجبة لظل العرش فبلغ سبعين خصلة واستوعب شواهدها، ثم لخَّص مرة بعد أخرى واقتصر فيه على متن الحديث. "كشف الظنون"(1/ 243).

(5)

في "الإحسان"(8/ 104 رقم 3310) بإسناد صحيح.

(6)

في "المستدرك"(1/ 416)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه أبو نعيم في "الحلية"(8/ 181)، وابن المبارك في "الزهد" رقم (645)، وأحمد (4/ 147 - 148)، وابن خزيمة (4/ 94 رقم 2431)، وأبو يعلى في "المسند"(3/ 300 رقم 33/ 1766)، و"شرح السنة" للبغوي (1/ 136)، والبيهقي (4/ 177)، والطبراني في "الكبير"(17/ رقم 771).

وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 110) وقال: "رواه كله أحمد، وروى أبو يعلى والطبراني بعضه، ورجال أحمد ثقات".

وقال الشيخ حسين سليم أسد: نقول: رواه أبو يعلى كله ولم يقتصر على بعضه كما قال الهيثمي.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

ص: 59

(وعنْ عقبةَ بن عامرٍ قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقتهِ) أي: يومَ القيامةِ أعمُّ منْ صدقتهِ الواجبةِ والنافلةِ (حتَّى يفْصَلَ بينَ الناسِ. رواهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ). فيهِ حثٌّ على الصدقةِ، وأمَّا كونُه في ظلِّها فيحتملُ الحقيقةَ، وأنَّها تأتي أعيانُ الصدقةِ فتدفعُ عنهُ حرَّ الشمسِ، أو المرادُ في كنفِها وحمايتِها.

ومنْ فوائدِ صدقةِ النفلِ أنَّها تكونُ توفيةً لصدقةِ الفرضِ إنْ وجدتْ في الآخرةِ ناقصةً، كما أخرجهُ الحاكمُ في الكُنَى

(1)

منْ حديثِ ابن عمرَ وفيهِ: "وانظرُوا في زكاةِ عبدي فإنْ كانَ ضيَّعَ منْها شيئًا فانظُروا هلْ تجدونَ لعبدي نافلةً [منْ صدقةٍ لتُتِمُّوا]

(2)

بها ما نقصَ منَ الزكاةِ"، فيؤخذُ ذلكَ على فرائضِ اللَّهِ، وذلكَ برحمةِ اللَّهِ وعدلِه.

‌الحث على أنواع البر

3/ 593 - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَيُّمَا مُسْلِمِ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

وَفي إِسْنَادِهِ لِينٌ. [ضعيف]

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: أيُّما مسلم كَسَا مسلمًا ثوبًا على عريٍ كساهُ اللَّهُ منْ خضْرِ الجنةِ) أي: منْ ثيابِها الخضرِ، (وأيُّما مسلمٍ أطعمَ

(1)

وهو كتاب "الكنى والألقاب" لأبي عبد الله الحاكم. انظر: "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة"، لمحمد بن جعفر الكتاني (ص 120).

(2)

في (أ): "تنمون".

(3)

في "السنن"(1682) بسند ضعيف.

وقال المنذري في "مختصر السنن"(2/ 256): "في إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف بالدَّالاني. وقد أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد".

قلت: وأخرجه الترمذي (2449). وقال الترمذي: "هذا حديث غريب. وقد روي هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوف، وهو أصح عندنا وأشبه". وأخرجه أحمد في "المسند"(3/ 14).

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 60

مسلمًا) متصفًا بكونهِ (على جوعٍ أطعمة اللَّهُ منْ ثمارِ الجنةِ، وأيُّما مسلمٍ سقَى مسلمًا) متصفًا بكونهِ (على ظمأٍ سقاة اللَّهُ منَ الرحيقِ)، هوَ الخالصُ منَ الشرابِ الذي لا غِشَّ فيهِ، (المختومِ) الذي تختمُ أوانيهِ، وهوَ عبارةٌ عنْ نفاستِها، (رواهُ أبو داودَ وفى إسنادهِ لينٌ). لم يبينِ الشارحُ رحمه الله وجَهُه، وفي مختصرِ السننِ للمنذري

(1)

: في إسنادهِ أبو خالدٍ يزيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المعروفُ بالدالاني، وقد أثنى عليهِ غيرُ واحدٍ، وتكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ. وفي الحديثِ الحثُّ على أنواعِ البرِّ وإعطائِها مَنْ هُوَ مفتقرٌ إليْها، وكونُ الجزاءِ عليها منْ جنسِ الفعلِ.

‌خير الصدقة عن ظهر غنى

4/ 594 - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

، وَالَّلفظ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]

(وعنْ حكيمِ بن حزامٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: اليدِ العليا خيرٌ منَ اليدِ السّفْلَى، وابدأ بمنْ تعولُ، وخيرُ الصدقةِ عنْ ظهرِ غنَىً، ومَنْ يستعففْ يعفه اللَّهُ، ومَنْ يستغنِ يغنهِ اللَّهُ. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاريِّ). أكثرُ التفاسيرِ، وعليهِ الأكثرُ أن اليدَ العليا يدُ المعطِي، والسفلَى يدُ السائلِ، وقيلَ: يدُ المتعفِّفِ ولو بعدَ أنْ يمدَّ إليهِ المعطي وعلُوُّها معنويٌّ، وقيلَ: يدُ الآخذِ [لغيرِ]

(3)

سؤالٍ، وقيلَ: العليا المعطِيةُ والسفلَى المانِعةُ. وقالَ قومٌ منَ المتصوفةِ: اليدُ الآخذةُ أفضلُ منَ المعطيةِ مطلقًا، قالَ ابنُ قتيبةَ: ما أَرى هؤلاءِ إلَّا قَوْمًا استطابُوا السؤالَ، فهمْ يحتجونَ للدناءةِ، ونِعْمَ ما قالَ. وقدْ وردَ التفسيرُ النبويُّ بأنَّ اليدَ العليا التي تعطي ولا تأخذُ. أخرجهُ إسحاق

(1)

(2/ 256).

(2)

البخاري (1427)، ومسلم (2/ 717 رقم 1034).

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 69 رقم 2543)، وأحمد (3/ 402، 403، 434)، والدارمي (1/ 389)، والبيهقي (4/ 180) من طرق ..

• وقد ورد الحديث من حديث أبي هريرة، وأبي أمامة، وجابر بن عبد الله، وطارق المحاربي وابن عمر. انظر تخريجها في كتابنا:"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الزكاة.

(3)

في (ب): "بغير".

ص: 61

في مسندِه

(1)

عنْ حكيمِ بن حزامٍ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ ما اليدُ العليا؟ فذكرهُ.

وفي الحديث دليلٌ على البداءةِ بنفسهِ وعيالهِ؛ [لأنه]

(2)

الأهمُّ [فالأهم]

(3)

، وفيه أنَّ أفضلَ الصدقةِ ما بقيَ بعدَ إخراجِها صاحبُها مستغنيًا؛ إذْ معنَى أفضلُ الصدقةِ ما أبقى المتصدقُ منْ مالهِ ما يستظهرُ بهِ على حوائجهِ ومصالحهِ؛ لأنَّ المتصدقَ بجميعِ مالهِ يندمُ غالبًا، ويحبُّ إذا احتاجَ أنهُ لم يتصدقْ، ولفظُ الظهرِ كما قالَ الخطابي:[أنه]

(4)

يوردُ في مثلِ هذَا اتساعًا في الكلامِ، وقيلَ غير ذلكَ. واختلفَ العلماءُ في صدقةِ الرجلِ بجميعِ مالهِ، فقالَ القاضي عياضٌ

(5)

رحمه الله: إنهُ جوَّزهُ العلماءُ وأئمةُ الأمصارِ، قال الطبرانيُّ

(6)

: ومعَ جوازهِ فالمستحب أنْ لا يفعلَه، وأنْ يقتصرَ على الثُّلُثِ. والأَوْلى أنْ يقالَ: مَنْ تصدَّقَ بمالهِ كلِّه، وكانَ صبورًا على الفاقةِ، ولا عيالَ لهُ أو لهَ عيالٌ يصبرونَ فلا كلامَ في حسْنِ ذلكَ. ويدلُّ له قولُه تعالى:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}

(7)

الآيةَ، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ}

(8)

، ومنْ لمْ يكنْ بهذهِ المثابةِ كُرِهَ لهُ ذلكَ.

وقولُه: (ومنْ يستعففْ) أي: عن المسألةِ يعينه اللَّهُ على العفةِ، (ومَنْ يستغنِ) بما عندَهُ ولو قلَّ (يغنهِ اللَّهُ) بإلْقَاءِ القناعةِ في قلبهِ والقُنوعِ بما عندَهُ.

‌أفضل الصدقة جهد المقل

5/ 595 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:"جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأَ بِمَنْ تَعْولُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ

(9)

، وَأَبُو دَاوُدَ

(10)

، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

(11)

وَالْحَاكِمُ

(12)

. [صحيح]

(1)

عزاه إليه ابن حجر في "الفتح"(3/ 298).

(2)

في (ب): "لأنهم".

(3)

زيادة من (أ).

(4)

زيادة من (أ).

(5)

ذكره النووي في "شرح صحيح مسلم"(7/ 125).

(6)

في "شرح مسلم"(7/ 125): (الطبري) وليس الطبراني.

(7)

سورة الحشر: الآية 9.

(8)

سورة الإنسان: الآية 8.

(9)

في "المسند"(2/ 358).

(10)

في "السنن"(1677).

(11)

في "الإحسان"(8/ 134 رقم 3346).

(12)

في "المستدرك"(1/ 414)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، مع أن يحيى بن =

ص: 62

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قالَ: جهدُ المقلِّ، وابدأ بمنْ تعولُ. أخرجه أحمد، وأبو داودَ، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، وابنُ حبانَ).

الجهدُ: بضمِّ الجيمِ، وسكونِ الهاءِ، الوسعُ والطاقةُ، وبالفتحِ المشقةُ، وقيلَ: المبالغةُ والغايةُ، وقيلَ: هما لغتانِ بمعنًى، قالَ في النهايةِ

(1)

: أيْ: قَدْرُ ما يحتملُه القليلُ منَ المالِ وهَذَا بمعنَى حديثِ: "سبقَ درهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ، رجلٌ لهُ درهمانِ أخذَ أحدَهما فتصدَّقَ بهِ، ورجلٌ لهُ مالٌ كثيرٌ فأخذَ منْ عرضهِ مائةَ ألفِ درهمٍ فتصدَّقَ بها"، أخرجهُ النسائيُّ

(2)

منْ حديثِ أبي ذرٍّ، وأخرجهُ ابنُ حبانَ

(3)

والحاكمُ

(4)

منْ حديثِ أبي هريرةَ.

ووجهُ الجمْع بينَ هذا الحديثِ والذي قبلَه ما [قالهَ]

(5)

البيهقيُّ ولفظُه: والجمعُ بينَ قولهِ صلى الله عليه وسلم: "خيرُ الصدقةِ ما كانَ عن ظهرِ غنىً"، [و]

(6)

قولهُ: "أفضلُ الصدقةِ جهدُ المقلِّ" أنهُ يختلفُ باختلافِ أحوالِ الناسِ في الصبرِ على الفاقة والشدةِ والاكتفاءِ بأقلِّ الكفايةِ، وساقَ أحاديثَ تدلُّ على ذلكَ.

‌بيان الأولوية في التصدق

6/ 596 - وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقُوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ:"تَصَدَّقْ عَلَى نَفْسِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ،

= جعدة الراوي عن أبي هريرة لم يخرج له مسلم.

قلت: وأخرجه ابن خزيمة (4/ 99 رقم 2444)، والبيهقي (1/ 480)، وإسناده صحيح.

وللحديث شواهد كما تقدم قريبًا.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(1)

لابن الأثير (1/ 320).

(2)

لم أجده من حديث أبي ذر عند النسائي، انظر:"تحفة الأشراف"(9/ 346)، و (10/ 297).

(3)

في "الإحسان"(8/ 135 رقم 3347).

(4)

في "السنن"(5/ 59 رقم 2527 و 2528).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة (4/ 99 رقم 2443)، والحاكم (1/ 416)، والبيهقي (4/ 181 - 182)، من طرق.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(5)

في (أ): "قال".

(6)

في (أ): "يبين".

ص: 63

قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ:"تَصَدّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ:"تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ"، قَالَ: عِنْدي آخَرُ، قَالَ:"أنتَ أَبْصَرُ بِهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

، وَالنَّسَائيُّ

(2)

، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

(3)

، وَالْحَاكِمُ

(4)

. [حسن].

(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ رضي الله عنه (قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: تصدَّقُوا، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، عندي دينارٌ، قالَ: تصدقْ بهِ على نفسِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: تصدَّقْ بهِ على ولدِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: تصدَّقْ بهِ على خادمِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: أنتَ أبصرُ. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، والحاكم)، ولمْ يذكْر في هذا الحديثِ الزوجةَ. وقدْ وردتْ في صحيحِ مسلمٍ مقدمةً على الولدِ، وفيهِ أن النفقةَ على النفسِ صدقةٌ، وأنهُ يبدأُ بها، ثمَّ على الزوجةِ، ثمَّ على الولدِ، ثمَّ على العبدِ إنْ كانَ، أوْ مطلقِ مَنْ يخدمهُ، ثمَّ حيثُ [شاء]

(5)

. ويأتي في النفقاتِ تحقيقُ النفقةِ على مَنْ تجبُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا.

‌تصدق المرأة من بيت زوجها جائز

7/ 597 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضِ شَيئًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(6)

. [صحيح].

(1)

في "السنن"(1691).

(2)

في "السنن"(5/ 62 رقم 2535).

(3)

في "الإحسان"(8/ 126 رقم 3337).

(4)

في "المستدرك"(1/ 415) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه الشافعي في "ترتيب المسند"(2/ 63 - 64)، وأحمد (2/ 251 و 471)، والبيهقي (7/ 466)، والبغوي في "شرح السنة"(6/ 192 رقم 1685) و (6/ 194 رقم 1686).

والخلاصة: فهو حديث حسن، والله أعلم.

(5)

في (أ): "يشاء".

(6)

البخاري (1441)، ومسلم (2/ 710 رقم 1024).

قلت: وأخرجه أبو داود (1685)، والترمذي (671 و 672)، والنسائي (5/ 65 رقم 2539)، وابن حبان في "الإحسان"(8/ 145 رقم 3358)، والبيهقي (4/ 192)، =

ص: 64

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إذا أنفقتِ المرأةُ منْ طعامِ بيتِها غيرَ مفْسِدَةٍ)، كأنَّ المرادَ غيرُ مسرفةٍ في الإنفاقِ، (كانَ لها أجرُها بما أنفقتْ، ولزوجِها [أجرهُ]

(1)

بما اكتسبَ، وللخازن مثل ذلكَ، لا ينقُصُ بعضُهم من أجرِ بعضٍ شيئًا. متفق عليه).

فيهِ دليلٌ على جوازِ تصدُّقِ المرأةِ منْ بيتِ زوجِها، والمرادُ إنفاقُها منَ الطعامِ الذي لها فيهِ تصرُّفٌ بصنعته للزوجِ ومنْ يتعلقُ بهِ، بشرطِ أنْ يكونَ ذلكَ بغيرِ إضرارٍ، وأنْ لا يخلَّ بنفقتِهم، قالَ ابنُ العربيِّ

(2)

رحمه الله: قد اختلفَ السلفُ في ذلكَ، فمنهم مَنْ أجازهُ في الشيءِ اليسيرِ الذي لا يُؤْبَهُ لهُ ولا يظهرُ بهِ النقصانُ، ومنْهم مَنْ حملَه على ما إذَا أَذِنَ الزوجُ ولو بطريقِ الإجمالِ - وهوَ اختيارُ البخاريِّ - ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ الترمذيُّ

(3)

عنْ أبي أمامةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تنفقِ المرأةُ منْ بيتِ زوجِها إلَّا بإذنِه"، قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ولا الطعامَ؟ قالَ:"ذلكَ أفضلُ أموالنِا"، إلَّا أنهُ قدْ عارضَه ما أخرجهُ البخاريُّ

(4)

مِنْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: "إذا أنفقتِ المرأةُ منْ كَسْبِ زوجِها من غيرِ أَمْرِهِ فلَها نصفُ أجرهِ". ولعلَّه يقالُ في الجمْع بينَهما إنَّ إنفاقَها معَ إذنهِ تستحقُّ بهِ الأجرَ كاملًا، ومعَ عدم الإذنِ نصفُ الأجرِ، وإنَّ النَّهيَ عنْ إنفاقِها من غيرِ إذنِه إذا عرفتْ منهُ [القسا]

(5)

أوَ البخلَ فلا يحلُّ لها الإنفاقُ إلَّا بإذنهِ بخلافِ ما إذا عرفتْ منهُ خلافَ ذلكَ؛ جازَ لها الإنفاقُ عن غيرِ إذنهِ ولها نصفُ أجرهِ، ومنْهم مَنْ قالَ: المرادُ بنفقةِ المرأةِ والعبدِ والخادمِ النفقةُ على عيالِ صاحبِ المالِ في مصالحهِ، وهوَ بعيدٌ منْ لفظِ الحديثِ. ومنْهم مَنْ فرَّقَ بينَ المرأةِ والخازن فقالَ: المرأةُ لها حقٌّ في مالِ الزوجِ، والتصرفُ في بيتهِ، فجازَ لها أنْ تتصدقَ بخلافِ الخازن؛ فليسَ لهُ تصرُّفٌ في مالِ مولاهُ فيشتَرطُ الإذنُ فيهِ. ويُرَدُّ عليه أن المرأةَ ليسَ لها التصرفُ إلَّا

= والبغوي في "شرح السنة" رقم (1692) و (1693)، وعبد الرزاق رقم (7275) و (16619)، وأحمد (6/ 44 و 99) من طرق.

(1)

زيادة من (ب).

(2)

في "عارضة الأحوذي"(3/ 177).

(3)

في "السنن"(3/ 57 رقم 670)، وقال الترمذي: حديث حسن، وهو كما قال.

قلت: وأخرجه أبو داود (3565)، وابن ماجه (2295).

(4)

رقم (1960 - البغا).

(5)

في (ب): "الفقر".

ص: 65

في القدْرِ الذي تستحقُّهُ، وإذا تصدقتْ منهُ اختصَّتْ بأجْرِهِ، ثمَّ ظاهرهُ أنَّهم سواءٌ في الأجرِ. ويحتملُ أن المرادَ بالمثلِ حصولُ الأجرِ في الجملةِ وإنْ كانَ أجرُ المكتسبِ أوفرَ، إلا أنَّ في حديث أبي هريرةَ:"ولها نصفُ أجرِهِ"، فهوَ يشعرُ بالمساواةِ.

‌بيان أن الصدقة على الأقرب أفضل

8/ 598 - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُود أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أحَقُّ مَنْ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(1)

[صحيح].

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قالَ: جاءتْ زينبُ امرأةُ ابن مسعودٍ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنكَ أمْرتَ اليومَ بالصدقةِ، وكانَ عندي حُلِيٌّ لي فأردت أنْ أتصدَّقَ بهِ، فزعمَ ابن مسعودٍ أنهُ [هو]

(2)

وولده أحقُّ مَنْ أتصدَّق بهِ عليهمْ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "صدقَ ابن مسعودٍ، زوجُك وولدُك أحقُّ مَنْ تصدَّقتِ بهِ عليْهم. رواهُ البخاريُّ)، فيهِ دلالةٌ على أن الصدقةَ على مَنْ كانَ أقربَ منَ المتصدقِ أفضلُ وأَوْلَى.

والحديثُ ظاهرٌ في صدقةِ الواجبِ، ويحتملُ أن المرادَ بها التطوعُ، والأولُ أوضحُ، ويؤيدهُ ما أخرجهُ البخاريُّ

(3)

: "عن زينبَ امرأةِ ابن مسعودٍ أنَّها قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُجْزِي عنَّا أنْ نجعلَ الصدقةَ في زوجٍ فقيرٍ وأبناء

(4)

أخ أيتام في حجورِنا؟ فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لكِ أجرُ الصدقةِ وأجرُ الصلةِ"، وأخرجهُ أَيضًا مسلمٌ

(5)

، وهوَ أوضحُ في صدقةِ الواجبِ لقولِها: أيُجزي، ولقولهِ: صدقةٌ وصلةٌ؛ إذِ الصدقةُ عندَ الإطلاقِ [تتبادرُ]

(6)

في الواجبةِ، بهذا جزمَ المازري

(7)

، وهوَ دليلٌ

(1)

في "صحيحه"(1462).

(2)

زيادة من (أ).

(3)

في "صحيحه"(1466).

(4)

في المخطوط (أ): "وابن" والأصوب "وأبناء".

(5)

في "صحيحه"(2/ 694 رقم 1000).

(6)

في (أ): "تبادر".

(7)

في "المعلم"(2/ 15 - 16).

ص: 66

علَى جواز صرْفِ زكاةِ المرأةِ في زوجِها وهوَ قولُ الجمهورِ

(1)

، وفيهِ خلافٌ لأبي حنيفةَ

(2)

، ولا دليل يقاوِمُ النصَّ المذكورَ. ومَنِ استدلَّ لهُ بأنَّها تعودُ إليها بالنفقةِ فكأنَّها ما خرجتْ عنْها فقدْ أوردَ عليهِ أنهُ يلزمُه منعُ صرفِها صدقةُ التطوعِ في زوجِها معَ أنَّها يجوزُ صرفُها فيهِ اتفاقًا. وأما الزوجُ فاتفقُوا على أنهُ لا يجوزُ لهُ صرفُ واجبةٍ في زوجتهِ، قالُوا: لأنَّ نفقتَها واجبةٌ عليهِ فتستغني بها عن الزكاةِ، قالَه المصنفُ في الفتحِ

(3)

، وعندي في هذا الأخيرِ تَوَقُّفٌ؛ لأنَّ غِنَى المرأةِ بوجوبِ النفقةِ على زوجِها لا يصيِّرُها غنيةً، الغِنَى الذي يمنعُ منْ حلِّ الزكاةِ لها.

وفي قولهِ: (وولدُهُ) ما يدلُّ على إجزائِها في الولدِ إلَّا أنهُ ادَّعى ابنُ المنذرِ الإجماعَ

(4)

على عدمِ جوازِ صرفِها إلى الولدِ، وحملُوا الحديثَ على أنهُ في غيرِ الواجبةِ، وأن الصرفَ إلى الزوجِ وهوَ المنفقُ على الأولادِ، أوْ أن الأولادَ للزوجِ ولمْ يكونُوا منها كما يُشْعِرُ بهِ ما وقعَ في روايةٍ أُخْرى:"على زوجِها وأيتامٍ في حجرِها"، ولعلَّهم أولادَ زوجِها سُمُّوا أيتامًا باعتبارِ اليُتْمِ منَ الأمِّ.

‌النهي عن المسألة

9/ 599 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتى يَأتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(5)

[صحيح]

(وعنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا يزال الرجلُ) والمرأةُ (يسألُ الناسَ) أموالَهم (حتَّى يأتيَ يومَ القيامةِ وليسَ في وجهِهِ مُزْعَةُ)،

(1)

قال الصاحبان - محمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف - والشافعية والمالكية على الصحيح: يجوز دفع الزوجة إلى زوجها زكاتها.

[بدائع الصناع (2/ 40)، واللباب (1/ 403 - 405)، والمنتقى للباجي (2/ 156)، وفتح الباري (3/ 329 - 330).

(2)

قال أبو حنيفة والحنابلة على الراجح: لا يجوز دفع الزوجة إلى زوجها زكاتها.

الشرح الكبير (2/ 713 - وهو بذيل المغني)، واللباب (1/ 403 - 405).

(3)

(3/ 330).

(4)

في كتابه "الإجماع"(ص 51 رقم 118).

(5)

البخاري (1474)، ومسلم (2/ 720 رقم 104).

ص: 67

بضمِّ الميمِ، وسكونِ الزاي، فعينٍ مهملةٍ، (لحم. متفقٌ عليه).

الحديثُ دليلٌ على قبْحِ كثرةِ السؤالِ، وأنَّ كلَّ مسألةٍ تُذْهِبُ منْ وجهِه قطعةَ لحمٍ حتَّى لا يبقَى فيهِ شيءٌ، لقولهِ: لا يزالُ، ولفظُ الناسِ عامٌّ مخصوصٌ بالسلطانِ كما يأتي. والحديثُ مُطْلَقٌ في قُبْحِ السؤالِ مطلقًا، وقيدَهُ البخاريُّ بمَنْ يسألُ تكثُّرًا كما يأتي، يعني: مَنْ سألَ وهوَ غنيٌّ فإنهُ ترجمَ لهُ: ببابِ

(1)

مَنْ سأَلَ تكثُّرًا لا مَنْ سألَ لحاجةٍ؛ فإنهُ يباحُ لهُ ذلكَ، ويأتي قريبًا بيانُ الغنَى الذي يمنعُ منَ السؤالِ، قالَ الخطابي: معنَى قولهِ: "وليسَ في وجههِ مزعةُ لحمٍ"، يحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ يأتي ساقطًا لا قدرَ لهُ ولا جاهَ، أو يعذبُ في [وجهه]

(2)

حتَّى يسقطَ لحمُه عُقُوبَةً لهُ في موضعِ الجنايةِ؛ لكونهِ أذلَّ وجهَه بالسؤالِ، وأنهُ يُبْعَثُ ووجههُ عَظْمٌ ليكونَ ذلكَ شعارَهُ الذي يُعْرَفُ بهِ. ويؤيدُ الأولَ ما أخرجهُ الطبرانيُّ

(3)

، والبزارُ

(4)

منْ حديثِ مسعودِ بن عمروٍ: "لا يزالُ العبدُ يسألُ وهوَ غنيٌّ حتَّى يَخْلَقَ وجههُ، فلا يكونُ لهُ عندَ اللهِ وَجْهٌ"، وفيهِ أقوالُ أُخَرُ.

[النهي عن كثرة المسألة]

10/ 600 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَسْأَلِ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(5)

. [صحيح]

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يسألِ الناسَ أموالَهم تكثرًا، فإنَّما يسألُ جَمْرًا، فليستقلَّ أو لِيستكثرْ. رواهُ مسلمٌ). قالَ ابنُ العربيِّ رحمه الله: إنَّ قولَهُ: "فإنَّما يسألُ جَمْرًا" معناهُ: أنهُ يعاقبُ بالنارِ، ويحتملُ أنْ يكونَ حقيقةً أي: أنهُ يصيرُ ما يأخذُه جَمْرًا يُكْوَى بهِ كما في مانعِ الزكاةِ، وقولهُ:"فليستقلَّ" أمرٌ للتهكمِ، ومثلُهُ ما عطفَ عليهِ، أو للتهديدِ منْ بابِ (اعملُوا ما شئْتُم)، وهوَ مُشْعِرٌ بتحريمٍ السؤالِ للاستكثار.

(1)

برقم (52)(338).

(2)

في (أ): "جهنم".

(3)

في الكبير - كما في "المجمع"(3/ 96).

(4)

في "الكشف"(1/ 434 رقم 919).

وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في "الكبير"، وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام.

(5)

في "صحيحه"(2/ 720 رقم 1041).

ص: 68

[الترغيب في الأكل من عمل اليد]

11/ 601 - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لأَنْ يَأخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأَتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ، خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوهُ أَوْ مَنَعُوهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(1)

. [صحيح]

(وعنِ الزبيرِ بن العوَّامِ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: لأَنْ يأخذَ أحدُكم حبلَه، فيأتي بحزمةٍ من الحطبِ على ظهرهِ، فيبيعَها، فيكفَّ الله بها) أي: بقيمتها (وجهَهُ، خيرٌ لهُ منْ أنْ يسألَ [الناس]

(2)

أعطَوْهُ أو منعُوهُ. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دلَّ علَى ما دلَّ الذي قبلَه عليهِ منْ قبحِ السؤالِ معَ الحاجةِ، وزادَ بالحثِّ على [الاكتسابِ]

(3)

، ولو أدخلَ على نفسهِ المشقةَ؛ وذلكَ لما يدخلُ السائلُ على نفسهِ منْ ذلِّ السؤالِ وذلةِ الردِّ إنْ لمْ يعطِهِ المسؤولُ؛ ولما يدخلُ على المسؤولِ منَ الضّيقِ في مالهِ إنْ أعطَى كلَّ مَنْ يسألُ. وللشافعيةِ وجهانِ في سؤالِ مَنْ لهُ قدرةٌ على التكسبِ، أصحُّهما أنهُ حرام لظاهرِ الأحاديثِ، والثاني أنهُ مكروهٌ بثلاثةِ شروط:[أنهُ]

(4)

لا يذلُّ نفسَه، ولا يلحُّ في السؤالِ، ولا يؤذي المسؤولَ، فإنْ فقدَ أحدها فهوَ حرامٌ بالاتفاقِ.

[المسألة كدٌّ يكَدُّ بها الرجل وجهه]

12/ 602 - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكَدُّ بِهَا الرّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ في أَمْرٍ لَا بُدّ مِنْهُ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ

(5)

. [صحيح]

(وعنْ سمُرةَ بن جندب رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: المسألةُ كدٌّ يَكَدُّ بها الرجل وجهَهُ، إلَّا أن يسألَ الرجل سلطانًا، أو في أمرٍ لا بدَّ منهُ. رواة الترمذيُّ

(1)

في "صحيحه"(1471).

(2)

لم تكن في المخطوط (أ).

(3)

في (أ): "الكسب".

(4)

في (أ): "أن".

(5)

في "السنن"(681) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

قلت: وأخرجه أبو داود (1639)، والنسائي (5/ 100)، وهو حديث صحيح.

ص: 69

وصحَّحهُ)، أي: سؤالُ الرجلِ أموالَ الناسِ كدٌّ بفتح الكاف، أي: خدْشٌ، وهوَ الأثرُ. وفي روايةٍ كُدوحٌ بضمِّ الكافِ، [وإن سأله]

(1)

منَ السلطانِ فإنهُ لا مذمَّةَ فيهِ؛ لأنهُ إنَّما يسألُ مما هوَ حقٌّ لهُ في بيتِ المالِ، ولا منَّةَ للسلطانِ على السائلِ؛ لأنهُ وكيلٌ، فهوَ كسؤالِ الإنسانِ وكيله أنْ يعطيهُ منْ حقِّه الذي لديهِ، وظاهرهُ أنهُ وإنْ سألَ السلطانَ تكثُّرًا فإنهُ لا بأسَ

(2)

فيهِ، لأنهُ جعلهُ قسيمًا للأمرِ الذي لا بدَّ منهُ.

وقدْ فسَّرَ الأمرَ الذي لا بدَّ منهُ حديثُ قبيصةَ، وفيهِ:"لا يحلُّ السؤالُ إلَّا لثلاثةٍ: ذي فقرٍ مدقعٍ، أو دمٍ موجعٍ، أو غُرْمٍ مفظعٍ"

(3)

الحديثَ.

وقولُه: (أو في أمرٍ لا بدَّ منهُ) أي: لا يتمُّ لهُ حصولُه مع ضرورتِهِ إلَّا بالسؤال.

* * *

(1)

في (ب): "وأما سؤاله".

(2)

هذا يخالف ما قرَّره في "منحة الغفار حاشية ضوء النهار": أنه ليس له السؤال إلا ليبلغ به ما جوز له فيه، ثم يكون ممن سأل إلحافًا. فراجع ذلك من خط العلامة محمد بن عبد الملك الأنسي رحمه الله. (من المخطوط أ).

(3)

أخرج هذا اللفظ أحمد (3/ 114، 127) وأبو داود رقم (1641) من حديث أنس، أما حديث قبيصة فقد أخرجه مسلم (2/ 722 رقم 109/ 1044)، والبغوي في شرح السنة" (6/ 124 رقم 1626)، وأبو داود (1640)، والنسائي (5/ 89 رقم 2580) و (5/ 96 رقم 2591)، والبيهقي (5/ 21، 23)، وأحمد (3/ 477) و (5/ 60) من طرق.

وسيأتي برقم (3/ 605) من كتابنا هذا.

ص: 70

[الباب الثالث] بابُ قسمةِ الصدقاتِ أي قسمةُ اللهِ للصدقاتِ بينَ مصارِفها

[حدُّ الغني الذي يمتنع به أخذ الصدقة]

1/ 603 - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَحِلُّ الصَّدقَةُ لغَنيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيهَا، أَوْ رَجُلٍ اشتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَو غَازٍ في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مسْكِينٍ تُصُدِّقَ علَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنيٍّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

، وَأبُو دَاوُدَ

(2)

، وَابْنُ مَاجَهْ

(3)

، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ

(4)

، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ

(5)

. [صحيح].

(عنْ أبي سعيدِ الخدريِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلَّا

(1)

في "المسند"(3/ 56).

(2)

في "السنن"(1636).

(3)

في "السنن"(1841).

(4)

في "المستدرك"(1/ 407 - 408).

قلت: وأخرجه عبد الرزاق (4/ 109 رقم 7151)، وابن الجارود رقم (365) والدارقطني (2/ 121 رقم 3 و 4)، والبيهقي (7/ 15) وابن خزيمة (4/ 71 رقم 2374)، وابن عبد البر في "التمهيد"(5/ 96 - 97) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عنه.

(5)

أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 268 رقم 29)، ومن طريقه أبو داود (1635)، والحاكم (1/ 408)، والبيهقي (7/ 15)، وابن عبد البر في "التمهيد"(5/ 96)، والبغوي في "شرح السنة" (6/ 89 رقم 1604) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. وخلاصة القول: أن الحديث صحيح. انظر: "الإرواء" رقم (870).

ص: 71

لخمسةٍ: لعاملٍ عليْها، أو رجلٍ اشتراها بمالهِ، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيلِ اللهِ، أو مسكينٍ تصُدِّقَ عليهِ منها، فأهدَى منْها لغنيٍّ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، وصحَّحهُ الحاكمُ، وأُعِلَّ بالإرسالِ). ظاهرهُ إعلالُ ما أخرجهُ المذكورونَ جميعًا. وفي الشرحِ أنَّ التي أُعِلَّتْ بالإرسالِ روايةُ الحاكمِ التي حكم بِصِحَّتِها. وقولُه: لغني، قد اختلفتِ الأقوالُ في حدِّ الغنَى الذي يحرُمُ بهِ قبضُ الصدقةِ على أقوالٍ، وليسَ عليها ما تسكنُ له النفسُ منَ الاستدلالِ؛ لأنَّ المبحثَ ليسَ لغويًا حتى يُرْجَعَ فيهِ إلى تفسيرِ لغةٍ؛ ولأنهُ في اللغةِ أمرٌ نسبيٌّ لا يتعينُ في قدرٍ. وقد وردتْ أحاديثُ معينةٌ لقدرِ الغنَى الذي يحرمُ بهِ السؤالُ كحديثِ أبي سعيدٍ عندَ النسائيِّ

(1)

: "مَنْ سألَ ولهُ أوقيةٌ فقدْ ألحفَ"، وعندَ أبي داودَ

(2)

: "مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أوقيةٌ أَوْ عَدْلُها فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا"، وَأخرَجَ أيْضًا

(3)

: "مَنْ سألَ ولهُ ما يغنيهِ [فإنما]

(4)

يستكثرُ منَ النارِ. قالُوا: وما يُغنيه؟ قالَ: قدرُ ما يعشِّيهِ ويغدِّيهِ" صحّحهُ ابنُ حبانَ

(5)

، فهذَا قدرُ الغنَى الذي يحرمُ معهُ السؤالُ. وأما الغِنَى الذي يحرُمُ معهُ قبضُ الزكاةِ فالظاهرُ أنهُ مَنْ تجبُ عليهِ الزكاةُ؛ وهوَ مَنْ يملكُ مائتي درهمٍ، لقولِه صلى الله عليه وسلم:"أُمرِتُ أنْ آخذَها منْ أغنيائكم، وأردَّها في فقرائِكم"

(6)

، فقابلَ بين الغَنِيِّ، وأفادَ أنهُ مَنْ تجبُ عليهِ الصدقةُ، وبَيَّنَ الفقيرَ وأخبرَ أنهُ مَنْ تردُ فيهِ الصدقةُ، هذا أقربُ ما يقالُ فيه، وقدْ بيَّنَاهُ في رسالةِ:"جوابِ سؤالٍ"

(7)

.

(1)

في "السنن"(5/ 98 رقم 2595).

(2)

في "السنن"(1628)، وهو حديث حسن.

(3)

في "السنن"(1629) عن أبي كبشة السلولي، حدثنا سهل بن الحنظلية قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس فسألاه، فأمر لهما بما سألا، وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا، فأما الأقرع فأخذ كتابه، فلفَّه في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم مكانه، فقال: يا محمد، أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه .... الحديث.

(4)

في (أ): "فإنه".

(5)

في "الإحسان"(8/ 187 رقم 3394). وهو حديث صحيح.

(6)

تقدم تخريجه في شرحِ الحديث رقم (4/ 590) من كتابنا هذا.

(7)

وهي: "جواب سؤال في أخذ الأجرة على الصلاة والأذان". مجموع (7)، من الصفحة (193 - 196). مخطوط.

ص: 72

وأفادَ حديثُ البابِ حلَّها للعاملِ عليها وإنْ كانَ غنيًا؛ لأنهُ يأخذُ أجرَه على عملهِ لا لفقرِه، وكذلكَ من اشتراها بمالهِ فإنَّها قدْ وافقتْ مصرفَها، وصارتْ ملكًا لهُ، فإذَا باعَها فقدْ باعِ ما ليس بَزكاةِ حينَ البيعِ، بلْ ما هوُ مِلْكٌ لَهُ، وكذلكَ الغارمُ [تحل له]

(1)

وإنْ كان غنيًا، وكذلكَ الغازي يحلُّ لهُ أنْ يتجهَّزَ منَ الزكاةِ وإنْ كان غنيًا، لأنهُ ساعٍ في سبيلِ اللَّهِ. قالَ الشارحُ رحمه الله: ويلحقُ بهِ مَنْ كانَ قائمًا بمصلحةٍ عامةٍ مِنْ مَصَالِحِ المُسلمينَ كَالقَضَاءِ، وَالإفِتْاءِ، وَالتَّدرِيسِ، وَإنْ كَان غَنيًّا، وَأَدخَلَ أبُو عُبَيْدٍ مَنْ كانَ في مصلحةٍ عامةٍ في العاملين، وأشارَ إليه البخاريُّ حيثُ قالَ:(بابُ رزقِ الحاكمِ والعاملينَ عليها)، وأرادَ بالرزقِ ما يرزقُهُ الإمامُ منْ بيتِ المالِ لمنَ يقومُ بمصالحِ المسلمينَ، كالقضاءِ، والفُتيا، والتدريس، فلهُ الأخذُ منَ الزكاةِ فيما يقومُ به مدةَ القيامِ بالمصلحةِ، وإنْ كان غنيًا. قالَ الطبريُّ: إنهُ ذهبَ الجمهورُ إلى جوازِ أخذ القاضي الأجرةَ على الحكمِ؛ لأنهُ يشغلُه الحكمُ عن القيام بمصالحهِ. غيرَ أن طائفةً مِنَ السلفِ كرِهُوا ذلكَ ولمْ يحرِّموهُ. وقالتْ طائفةٌ: أخْذ الرزقِ على القضاءِ إنْ كانتْ جهةُ الأخذِ مِنَ الحلالِ كانَ جائزًا إجماعًا، ومَنْ تركهُ فإنَّما تركهُ تورُّعًا، وأما إذا كانتْ هناكَ شبهةٌ فالأَوْلى التركُ. ويحرمُ إذا كانَ المالُ يُؤْخَذُ لبيتِ المالِ منْ غيرِ وجههِ. واختُلِفَ إذا كانَ الغالبُ حرامًا. وأما الأخذُ من المتحاكمينَ ففي جوازهِ خلافٌ، ومَنْ جوَّزَهُ فقدْ شرَطَ لهُ شرائطَ، ويأتي ذكرُ ذلكَ في بابِ القضاءِ، وإنما لمَّا تعرَّضَ لهُ الشارحُ رحمه الله هنا تعرَّضْنا لهُ.

[تحريم الصدقة على الغني]

2/ 604 - وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ رضي الله عنه، أَنْ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا النَّظَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ:"إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنيٍّ، وَلَا لِقَوِيِّ مُكْتَسِبٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ

(2)

، وَقَوّاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

، وَالنَّسَائِيُّ

(4)

. [صحيح].

(1)

زيادة من (ب).

(2)

في "المسند"(4/ 224).

(3)

في "السنن"(1633).

(4)

في "السنن (5/ 99 - 100 رقم 2598). =

ص: 73

(وعنْ عبيدِ اللهِ بن عديِّ بن الخيارِ)

(1)

بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، فمثناةِ تحتيةٍ آخرهُ راءٌ، وعبيدُ اللهِ يقالُ: إنهُ وُلدَ عَلى عهدِ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يعدُّ في التابعينَ، رَوَى عنْ عمرَ وعثمانَ وغيرِهما، (أن رجلينِ حدَّثَاهُ أنَّهما أتيا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسألانِه منَ الصدقةِ، فقلَّبَ النظرَ فيهما)، [فسَّرتْ]

(2)

ذلكَ الروايةُ الأُخرى، فرفعَ فينا النظرَ وخفَّضَه، (فرآهُما جلْدَيْنِ فقالَ: إنْ شئتُما أعطيتُكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكْتَسِبٍ. رواهُ أحمدُ، وقوَّاهُ أبو داودَ والنسائيُّ)، قالَ أحمدُ بن حنبلٍ

(3)

: ما أجودَهُ منْ حديثٍ، وقولُه: إن شئتُما، أي: أن أخْذَ الصدقةِ ذلّةٌ، فإنْ رضيتُما بها أعطيتُكما، أو أنَّها حرامٌ على الجَلْدِ، فإنْ شئتُما تناولُ الحرامِ أعطيتُكما، قالهُ توبيخًا وتغليظًا. والحديثُ منْ أدلةِ تحريمِ الصدقةِ على الغنيِّ، وهو تصريحٌ بمفهومِ الآيةِ، وإنِ اختُلِفَ في تحقيقِ الغنيِّ كما سلفَ، وعلى القويِّ المكتسبِ؛ لأن حرفتَه صيَّرتْهُ في حكم الغنيِّ، ومَنْ أجازَ له تأوَّلَ الحديثَ بما لا يقبلُ.

[تحريم المسألة إلا لثلاثة]

3/ 605 - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَاليِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذِوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(4)

، وَأَبُو

= قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 119 رقم 7)، والبيهقي (7/ 14) وغيرهم.

قال الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 401): "قال صاحب "التنقيح": حديث صحيح، ورواته ثقات، قال الإمام أحمد رضي الله عنه: ما أجوده من حديث، وهو أحسنها إسنادًا" اهـ.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، كما قال صاحب "التنقيح"، والألباني في "الإرواء"(رقم 876).

(1)

انظر: "تهذيب التهذيب"(7/ 32 - 33 رقم 67).

(2)

في (أ): "فسَّرَهُ".

(3)

ذكره الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 401).

(4)

في "صحيحه"(109/ 1044).

ص: 74

دَاوُدَ

(1)

، وَابْنُ خُزَيْمَةَ

(2)

، وَابْنُ حِبَّانَ

(3)

. [صحيح].

(وعنْ قبيصةَ)

(4)

بفتحِ القافِ، فموحدةٍ مكسورةٍ، فمثناةٍ تحتيةٍ فصادٍ مهملةٍ (ابن مخارقٍ) بضمِّ الميمِ، فخاءٍ معجمةٍ، فراءٍ مكسورةٍ بعدَ الألفِ فقافٍ (الهلاليِّ)، وفدَ علىَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، عِدَادُهُ في أهلِ البصرةِ، رَوَى عنهُ ابنهُ فطنُ وغيرُه (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إن المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٍ) بالكسرِ بدلًا منْ ثلاثةٍ، ويصحُّ رفعهُ بتقديرِ أحدُهم (تحمَّلَ حَمَالة) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وهوَ المالُ يتحمَّلُه الإنسانُ عنْ غيرهِ، (فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَها، ثمَّ يمسكُ، ورجلٌ أصابتْه جائحةٌ) أي: آفةٌ (اجتاحتْ) أي أهلكتْ (مالَه فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَ قِوامًا)، بكسرِ القافِ ما يقومُ بحاجتهِ، وسدِّ خلتهِ (منْ عيشٍ، ورجلٍ أصابْته فاقةٌ) أي: حاجةٌ (حتى يقومَ ثلاثةٌ منْ ذوي الحِجَى) بكسرِ المهملةِ، والجيمِ مقصورٌ العقلُ (منْ قومهِ)، لأنَّهم أخبرُ بحالهِ، يقولونَ أو قائلينَ:(لقدْ أصابتْ فلانًا فاقةٌ فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يصيبَ قِوامًا)، بكسرِ القافِ (منْ عيشٍ، فما سواهنَّ منَ المسألةِ يا قبيصة سحتٌ) بضمِّ السينِ المهملةِ، (يأكلُها) أي: الصدقةَ أُنِّثَ؛ لأنهُ جعلَ السحتَ عبارةً عنْها، وإلا فالضميرُ لهُ، (سحتًا) السحتُ: الحرامُ الذي لا يحلُّ كسبهُ؛ لأنهُ يسحتُ البركةَ أي: يُذْهِبُها، (رواهُ مسلمٌ، وأبو داودَ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ دليلٌ على أنَّها تحرمُ المسألةُ إلا لثلاثةٍ:

الأولُ: لمنْ تحمَّلَ حمالةً، وذلكَ أنْ يتحمَّلَ الإنسانُ عنْ غيرهِ دَيْنًا، أوْ ديةٌ، أوْ يصالحُ بمالٍ بينَ طائفتينِ؛ فإنَّها تحلُّ لهُ المسألةُ. وظاهرهُ وإنْ كانَ غنيًا،

(1)

في "السنن"(1640).

(2)

في "صحيحه"(4/ 65 رقم 2360).

(3)

في "الإحسان"(8/ 85 - 86 رقم 3291).

قلت: وأخرجه عبد الرزاق رقم (2008)، والطبراني في "الكبير"(18/ 370 رقم 946)، والبغوي في "شرح السنة"(1625)، وأحمد (3/ 477) و (5/ 60)، والحميدي رقم (819)، والدارمي (1/ 396)، والنسائي (5/ 89) و (5/ 96، 97)، والدارقطني (2/ 119 و 120)، وابن الجارود رقم (367)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 17 - 18 و 19) وابن أبي شيبة (3/ 210 - 211)، وأبو داود الطيالسي "منحة المعبود" رقم (834)، وأبو عبيد في "الأموال" رقم (1721) و (1722). من طرق ....

(4)

انظر: "تهذيب التهذيب"(8/ 314 رقم 634).

ص: 75

فإنهُ لا يلزمهُ تسليمهُ منْ مالهِ، وهذَا هوَ أحدُ الخمسةِ الذينَ يحلُّ لهمْ أخذُ الصدقةِ وإنْ كانُوا أغنياءَ كما سلفَ في حديثِ أبي سعيدٍ

(1)

.

والثاني: مَنْ أصابَ مالَهُ آفةٌ سماويةٌ أو أرضيةٌ، كالبرَدِ والغرقِ ونحوِه، بحيثُ لمْ يبقَ لهُ ما يقومُ بعيشهِ؛ حلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يحصلَ لهُ ما يقومَ بحالهِ ويسدَّ خلَّتَهُ.

والثالث: مَنْ أصابته فاقةٌ، ولكنْ لا تحلُّ لهُ المسألةُ إلَّا بشرطٍ أنْ يشهدَ لهُ - منْ أهلِ بلدِه لأنَّهم أخبرُ بحالهِ - ثلاثةٌ منْ ذوي العقولِ، لا مَنْ غلبَ عليهِ الغباوةُ والتغفيلُ، وإلى كونِهم ثلاثةً ذهبتِ الشافعيةُ للنصِّ فقالُوا: لا يقبلَ في الإعسارِ أقلُّ منْ ثلاثةٍ. وذهبَ غيرُهم إلى كفايةِ الاثنينِ قياسًا على سائرِ الشهاداتِ، وحملُوا الحديثَ على الندبِ. ثمَّ هذا محمولٌ على مَنْ كانَ معروفًا بالغِنَى ثم افتقرَ، أمَّا إذا لمْ يكنْ كذلكَ فإنهُ يحلُّ لهُ السؤالُ، وإنْ لمْ يشهدُوا لهُ بالفاقةِ يقبلُ قولُه. وقد ذهبَ إلى تحريمِ السؤالِ ابنُ أبي ليلَى، وأنَّها تسقطُ بهِ العدالةُ. والظاهرُ منَ الأحاديثِ تحريمُ السؤالِ إلَّا للثلاثةِ المذكورينَ، أو أنْ يكونَ المسؤولُ السلطانَ كما سلف.

[الصدقة لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لآله]

4/ 606 - وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ".

وَفي رِوَايَةِ: "وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمّد"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(2)

. [صحيح]

(وعنْ عبدِ المطلبِ بن ربيعةَ بن الحارث)، بن عبدِ المطلبِ بن هاشمٍ، سكنَ المدينةَ ثمَّ تحولَ عنْها إلى دمشقَ، وماتَ بها سنةَ اثنتينِ وستينَ، وكانَ قدْ أَتَى إلى

(1)

رقم (1/ 603) من كتابنا هذا.

(2)

في "صحيحه"(167، 168/ 1072).

قلت: وأخرجه أبو داود (3/ 386 رقم 2985)، والنسائي (5/ 105 - 106 رقم 2609)، وأبو عبيد (رقم: 842)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 7)، والبيهقي (7/ 31)، وأحمد (4/ 166) عن المطلب بن ربيعة بن الحارث.

ص: 76

رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يطلبُ منهُ أنْ يجعلَهُ عاملًا على بعضِ الزكاةِ، فقالَ لهُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم الحديثَ، وفيهِ قصةٌ، (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ الصدقةَ لا تنبغي لآل محمدٍ، إنما هو أوساخُ الناس). هوَ بيانٌ لعلةِ التحريمِ، (وفي روايةٍ) أي: لمسلمٍ عنْ عبدِ المطلبِ: (فإنها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ. رواه مسلمٌ)؛ فأفادَ أن لفظَ لا تنبغي أرادَ بهِ لا تحلُّ فيفيدُ التحريمَ أيضًا. وليْسَ لعبدِ المطلبِ المذكورِ في الكتبِ الستةِ غيرُ هذا الحديثِ، وهوَ دليلٌ على تحريمِ الزكاةِ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعلَى آلهِ، فأمَّا عليه صلى الله عليه وسلم فإنهُ إجماعٌ، وكذا ادَّعَى الإجماعَ على حرمتِها على آله أبو طالبٍ، وابنُ قدامةَ

(1)

. ونقلَ [جوازٌ]

(2)

عنْ أبي حنيفةَ

(3)

. وقيلَ: إنْ مُنِعُوا خمسَ الخمسِ، والتحريمُ هوَ الذي دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ، ومَنْ قالَ بخلافِها قالَ متأوِّلًا لها ولا حاجةَ للتأَويل، وإنما يجبُ التأويلُ إذا قامَ على الحاجةِ إليهِ دليلٌ، والتعليلُ بأنَّها أوساخُ الناسِ قاضٍ بتحريمِ الصدقةِ الواجبةِ عليهم لا النافلةِ؛ لأنَّها هي التي يطهرُ بها مَنْ يخرجُها كما قال تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}

(4)

، إلَّا أن الآيةَ نزلتْ في صدقةِ النفلِ كما هوَ معروفٌ في كتبِ التفسيرِ. وقدْ ذهبَ طائفةٌ إلى تحريمِ صدقةِ النفل أيضًا على الآلِ، واختْرنَاهُ في حواشي ضوء النهارِ

(5)

لعمومِ الأدلةِ، وفيهِ أنهُ صلى الله عليه وسلم كرَّمَ آلَهُ عنْ أنْ يكونُوا محلًّا للغُسالةِ، وشرَّفَهم عنها، وهذهِ هي العلةُ المنصوصةُ. وقدْ وردَ التعليلُ عندَ

(1)

انظر: "نيل الأوطار"(4/ 172 - 173)، و"الشرح الكبير" وهو بذيل المغني (2/ 709).

(2)

في (ب): "الجواز".

(3)

"نقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة، وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاوي ونقله بعض المالكية عن الأبهري. قال في "الفتح": وهو وجه لبعض الشافعية، وحكى فيه أيضًا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم، وحكاه في البحر عن زيد بن علي والمرتضى وأبي العباس والإمامية. وحكاه في الشفاء عن ابني الهادي والقاسم العياني. قال الحافظ: وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه. والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع

" اهـ، "نيل الأوطار" (4/ 172).

وانظر: "موسوعة الإجماع"(1/ 474 - 475)، و"المحلَّى" رقم المسألة (1643).

(4)

سورة التوبة: الآية 103.

(5)

للجلال (2/ 343 - 344 رقم الحاشية "2").

ص: 77

أبي نعيمٍ مرفوعًا: بأنَّ لهمْ في خمسِ الخمسِ ما يكفيهم ويغنيْهم، فهما علَّتانِ منصوصتانِ، ولا يلزمُ في منعهم الخُمُسَ أنْ تحلَّ لهم؛ فإنَّ مَنْ مَنَعَ الإنسانَ عن مالهِ وحقِّه لا يكونُ منعُه له محلِّلًا مَا حُرِّمَ عليه. وقدْ بسَطْنا القولَ في رسالةٍ مستقلةٍ

(1)

. وفي المرادِ بالآلِ خلافٌ، والأقربُ ما فسَّرَهم بهِ الراوي وهوَ زيدُ بنُ أرقمَ بأنَّهم: آلُ عليٍّ، وآلُ العباسِ، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عقيلٍ، انتهَى.

قلتُ: ويريدُ وآلُ الحارثِ بن عبدِ المطلبِ لهذا الحديثِ، فهوَ تفسيرُ الراوي، وهوَ مقدَّمٌ على تفسيرِ غيرهِ، فالرجوعُ إليه [من تفسير]

(2)

آل محمدٍ هُنَا هوَ الظاهرُ؛ لأنَّ لفظَ الآلِ مشتركٌ، وتفسيرُ راويهِ دليلٌ على المرادِ منْ معانيهِ، فهؤلاءِ الذينَ فسَّرهم بهِ زيدُ بنُ أرقمَ وهوَ في صحيحِ مسلمٍ

(3)

. وأمَّا تفسيرُهم هنا ببني هاشمٍ اللازمُ منهُ دخولُ مَنْ أسلمَ منْ أولادِ أبي لهبٍ ونحوِهم، فهوَ تفسيرٌ بخلاف تفسير الراوي، وكذلكَ يدخلُ في تحريمِ الزكاةِ عليهمْ بنُو المطلبِ بن عبدِ منافٍ كما يدخلونَ معَهم في قسمةِ الخمسِ كما يفيدُهُ:

[من هم آل النبي صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة؟]

5/ 607 - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَني الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّما بَنُو الْمُطَّلِبِ وبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ

(4)

. [صحيح].

وهوَ قَولهُ: (وعَنْ جبيرِ) بضمِّ الجيمِ، وفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ الياءِ التحتيةِ (ابن مطعمٍ) بضمِّ الميمِ، وسكونِ الطاءِ، وكسرِ العين المهملةِ، ابن نوفلِ بن عبدِ منافٍ القرشيِّ، أسلمَ قبلَ الفتحِ، ونزلَ المدينةَ، وماتَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ،

(1)

وهو بعنوان: "حل العقال عما في رسالة الزكاة للجلال من إشكال" بتحقيقنا.

(2)

في (ب): "في تفسير".

(3)

في "صحيحه"(3140).

(4)

في "صحيحه"(3140)، وطرفاه رقم (3502) و (4229)، وأحمد (4/ 81، 83، 85)، وأبو عبيد في "الأموال" (رقم: 843)، وأبو داود (2978)، والنسائي (7/ 130 رقم 4136)، وابن ماجه رقم (2881)، والبيهقي (6/ 341) وغيرهم.

ص: 78

وقيلَ غيرُ ذلكَ. (قالَ: مشيتُ أنا وعثمان بنُ عفانَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقلْنا: يا رسول اللهِ، أعطيتَ بني المطَّلبِ منْ خُمسِ خبيرَ وتركْتَنَا ونحنْ وهمْ بمنزلةِ واحدةٍ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّما بنُو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ) المرادُ ببني هاشم: آلُ جعفر، وآل عليٍّ، وآلُ عقيل، وآلُ العباسِ، وآلُ الحارثِ، ولمْ يُدخِلْ آلَ أبي لهبٍ في ذلكَ؛ لأنهُ لم يسلمْ في عصرِهِ صلى الله عليه وسلم منهم أحدٌ، وقيلَ: بلْ أسلمْ منْهم [عتبةُ]

(1)

ومعتبٌ ابنا أبي لهب، وثبتَا معهُ صلى الله عليه وسلم في حنين (شيءٌ واحدٌ. رواهُ البخاريُّ).

الحديثُ دليلٌ على أن بني المطَّلبِ يشاركونَ [بني هاشم]

(2)

في سهمٍ ذوي القُربى، وتحريمِ الزكاةِ أيضًا دونَ مَنْ عداهُم وإنْ كانُوا في النسبِ سواءً، وعلَّلَهُ صلى الله عليه وسلم باستمرارهم على المُوَالَاةِ كما في لفظٍ آخرَ تعليلُه:"بأنَّهم لم يفارقونا في جاهليةٍ ولا إسلامٍ"، [وصاروا]

(3)

كالشيءِ الواحدِ في الأحكامِ، وهوَ دليلٌ واضحٌ في ذلكَ، وذَهَبَ إليهِ الشافعيُّ

(4)

، وخالفَهُ الجمهورُ

(5)

وقالُوا: إنهُ صلى الله عليه وسلم أعطاهُم على جهةِ التفضلِ لا الاستحقاقِ، وهوَ خلافُ الظاهر، بلْ قولُه شيءٌ واحدٌ دليلٌ أنهَّم [مشتركون]

(6)

في استحقاقِ الخمسِ وتحريمِ الزكاةِ.

(واعلمْ) أن بني المطلبِ همْ أولادُ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وجبيرِ بن مطعمٍ منْ أولادِ نوفلِ بن عبدِ منافٍ، وعثمانُ منْ أولادِ عبدِ شمسِ بن عبدِ منافٍ، فبنُو المطلبِ، وبنُو عبدِ شمسٍ، وبنُو نوفلِ أولادُ عمٍّ في درجةٍ واحدةً؛ فلذا قال عُثمانُ وجُبير بنُ مُطعِمٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّهم وبنو المطَّلب بمنزِلةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الكلَّ أبناءُ عمٍّ.

(واعلم) أنه كان لعبد مناف أربعة أولاد: هاشم، والمطَّلب، ونوفل، وعبد شمس، ولهاشم من الأولادِ عبد المطّلب، وصيفي، وأبو صيفي، وأسد، ولعبد المطَّلبِ من الأولاد عبد الله، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، والحارث، وعبد العُزَّى، ومحل، ومقوم، والفيداق، وضرار، وزبير.

(1)

في (أ): عقبة وهو خطأ.

(2)

زيادة من (ب).

(3)

في (ب): "فصاروا".

(4)

انظر: "المجموع"(6/ 226 - 228).

(5)

انظر: "الفقه وأدلته" للزحيلي (2/ 883 - 884).

(6)

في (ب): "يشاركون".

ص: 79

[حكم موالي آل محمد حكمهم في تحريم الصدقة]

6/ 608 - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَني مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبي رَافِعٍ: اصْحَبْني، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتى آتيَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ:"مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفسِهِمْ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

، وَالثَّلَاثَةُ

(2)

، وَابْنُ خُزَيْمَةَ

(3)

، وَابْنُ حِبَّانَ

(4)

. [صحيح]

(وعنْ أبي رافعٍ) هو أبو رافعٍ مولَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قيلَ: اسمُه إبراهيمَ، وقيلَ: هرمزُ، وقيلَ: كان للعباسِ فوهبَهُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قلما أسْلمَ العباسُ بشَّرَ أبو رافعٍ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بإسلامهِ فأعتقه. ماتَ في خلافةِ عليٍّ كما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ

(5)

.

(أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ رجلًا على الصدقةِ) أي: على قبضِها (منْ بني مخزومٍ) اسمُه الأرقمُ (فقالَ لأبي رافعٍ: اصحبني فإنكَ تصيبُ منْها، فقالَ: حتَّى آتيَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأتاة فسألَهُ فقالَ: مولى القوم مِنْ أنفسِهم، وإنَّها لا تحلُّ لنا الصدقةُ. رواهُ أحمدُ، والثلاثةُ، وابن خزيمةَ، وابنُ حبانَ).

الحديثُ دليلٌ على أنَّ حكمَ موالي آلِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم حكمْهم في تحريمِ الصدقةِ.

قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في التمهيدِ

(6)

: إنهُ لا خلافَ بينَ المسلمينَ في عدمِ حلِّ الصدقةِ للنبي صلى الله عليه وسلم، ولبني هاشمٍ، ولمواليهِمْ انتهَى. وذهبتْ جماعةٌ إلى عدم تحريمِها عليهمْ لعدمِ المشاركةِ في النسبِ، ولأنهُ ليسَ لهم في الخُمُسِ سَهْمٌ، وأَجيبَ بأنَّ النصَّ لا تُقدَّمُ عليهِ هذهِ العللُ؛ فهي مردودةٌ فإنَّها ترفعُ النصَّ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ

(7)

:

(1)

في "المسند"(6/ 8 - 9).

(2)

أبو داود (1650)، والنسائي (5/ 107 رقم 2612)، والترمذي (657) وقال: حديث حسن صحيح.

(3)

في "صحيحه"(4/ 57 رقم 2344).

(4)

في "الإحسان"(8/ 88 رقم 3293).

قلت: وأخرجه الطيالسي في "المسند"(رقم: 972)، وابن أبي شيبة (3/ 214)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 8)، والحاكم (1/ 404)، والبيهقي (7/ 32)، والبغوي (رقم 1607).

وهو حديث صحيح.

(5)

في "الاستيعاب"(4/ 68 - بهامش الإصابة).

(6)

و

(7)

(3/ 91).

ص: 80

هذَا خلافُ الثابتِ منَ النصِّ، ثمَّ هذَا نصٌّ على تحريمِ العمالةِ على الموالي، وبالأَوْلى على آلِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ لأنهُ أرادَ الرجلَ الذي عرضَ على أبي رافعٍ أنْ يولِّيَهُ بعضَ عَمَلِهِ الذي ولَّاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فينالُ عمالةً لا أن أرادَ أنهُ يعطيَهُ من أجرتِهِ فإنهُ جائزٌ لأبي رافعٍ أخذُهُ؛ إذْ هوَ داخلٌ تحتَ الخمسِ الذينَ تحلُّ لهم، لأنهُ قدْ ملكَ ذلكَ الرجلُ أجرتَه فيعطيه منْ ملكهِ، فهوَ حلالٌ لأبي رافعٍ، فهوَ نظيرُ قولِه فيما سلفَ: ورجلٌ تصدَّقَ عليهِ منْها فأُهدِي منْها.

[ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس فخذه]

7/ 609 - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما أَنْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِني، فَيَقُولُ:"خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح].

(وعنْ سالمِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ عنْ أبيهِ أن رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يعطي عمر العطاءَ فيقولُ: أعطِهِ أفقرَ منِّي، فيقولُ: خذْهُ فتموَّلْه أو تصدَّقْ بهِ، وما جاءكَ منْ هذا المالِ وأنت غيرُ مشرفٍ) بالشين المعجمة، والراء والفاء من الإشراف؛ وهو التعرُّض للشيء، والحرص عليه، (ولا سائلِ فخذْه، [وما لا]

(2)

فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ) أي: لا تعلِّقْها بطلبهِ (رواهُ مسلمٌ).

الحديثُ أفادَ أن العاملَ ينبغي لهُ أنْ يأخذَ العمالةَ ولا يردَّها؛ فإنَّ الحديثَ في العمالةِ كما صرَّحَ بهِ في روايةِ مسلمٍ. والأكثرُ على أن الأمرَ في قولهِ: فخذْهُ، للندبِ، وقيلَ: للوجوبِ، قيلَ: وهو مندوبٌ في كلِّ عطيةٍ يُعطاها الإنسانُ، فإنهُ يندبُ لهُ قبولُها بالشرطينِ المذكورينِ في الحديثِ. هذَا إذَا كانَ المالُ الذي يعطيهِ منهُ حلالًا، وأما عطيةُ السلطانِ الجائر وغيرهِ ممنْ مالُه حلالٌ وحرامٌ فقالَ ابنُ

(1)

في "صحيحه"(1045).

قلت: وأخرجه البخاري (1473)، والنسائي (5/ 105 رقم 2608)، والبغوي في "شرح السنة"(6/ 128 رقم 1629)، وابن خزيمة (4/ 67 رقم 2366) وغيرهم.

(2)

في (أ) و (إلا)، وما أثبتناه من (ب) لموافقتها ما في مسلم ومخطوط بلوغ المرام.

ص: 81

المنذرِ: إنَّ أخْذَها جائزٌ مرخَّصٌ فيهِ. قالَ: وحجةُ ذلكَ أنه تعالى قالَ في اليهودِ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}

(1)

. وقدْ رهنَ صلى الله عليه وسلم درعَه منْ يهوديٍّ معَ علمهِ بذلكَ، وكذَا أخْذُ الجزيةِ منْهم معَ علمِه بذلكَ. وإنَّ كثيرًا منْ أموالِهم منْ ثمنِ الخنزيرِ والمعاملاتِ [الباطلة]

(2)

انتهَى.

وفي الجامعِ الكافي: إنَّ عطيةَ السلطانِ الجائرِ لا تردُّ، لأنه إن علمَ أن ذلكَ عين مالِ المسلمِ وجبَ قبولُه وتسليمهُ إلى مالكهِ، وإن كانَ ملتَبسًا فهوَ مظلمةٌ يصرفُها على مستحقِّها، وإنْ كانَ ذلكَ عينُ ماله الجائرِ ففيهِ تقليلٌ لباطلهِ، وأخذُ ما يستعينُ بإنفاقهِ على معصيتهِ، وهوَ كلامٌ حسنٌ جارٍ على قواعدِ الشريعةِ، إلَّا أنهُ يشترطُ في ذلكَ أنْ يأمنَ القابضُ على نفسه منْ محبةِ المحسنِ الذي جُبلتِ النفوسُ على حبِّ مَنْ أحسنَ إليها، وأنْ لا يوهِمَ الغيرَ أن السلطانَ على الحقِّ حيثُ قبضَ ما أعطاهُ.

وقدْ بسطْنا في حواشي ضوءِ النهارِ في كتابِ البيعِ

(3)

ما هوَ أوسعُ منْ هذَا.

* * *

(1)

سورة المائدة: الآية 42.

(2)

ليست في المخطوطة (أ) وهي زيادة لتمام المعنى.

(3)

(3/ 1133 - 1134).

ص: 82

[الكتاب الخامس] كتابُ الصيَام

هو لغةً: الإمساكُ، فيعمُّ الإمساك عن القول والعمل من الناس والدواب وغيرها، وقال أبو عبيد

(1)

: كل ممسِك عن كلام أو طعام أو سير فهو صائم، وفي الشرعِ: إمساك مخصوصٌ، وهوَ الإمساكُ عن الأكلِ والشربِ والجماعِ، وغيرِها مما وردَ بهِ الشرعُ في النهارِ على الوجهِ المشروعِ، ويتبعُ ذلكَ الإمساكُ عن اللغوِ والرفثِ وغيرِهما منَ الكلامِ المحرَّمِ والمكروهِ، لورودِ الأحاديثِ بالنهي عنْها في الصوم زيادة على غيرِه، في وقتٍ مخصوصٍ، بشروطٍ مخصوصةٍ تفصِّلُها الأحاديثُ الآتية. وكانَ مبدأُ فرضهِ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ.

[النهي عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين]

1/ 610 - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوْم وَلَا يَوْمَينِ، إِلَّا رَجُلْ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح].

(عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تقدَّموا رمضانَ) فيهِ دليلٌ على إطلاقِ هذا اللفظِ على شهرِ رمضانَ. وحديثُ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ

(3)

وغيرِه

(1)

في "غريب الحديث"(1/ 325 - 326، 327).

(2)

البخاري (1914)، ومسلم (1082).

قلت: وأخرجه أبو داود (2335)، والترمذي (684)، والنسائي (4/ 149)، وابن ماجه (1650).

(3)

وأخرجه البيهقي (4/ 201)، وابن عدي في "الكامل"(7/ 2517)، والذهبي في "الميزان" =

ص: 83

مرفُوعًا: "لا تقولُوا جاءَ رمضانُ، فإنَّ رمضانَ اسمٌ منْ أسماءِ اللهِ تعالى، ولكنْ قولُوا: جاءَ شهرُ رمضانَ"، حديث ضعيفٌ لا يقاوِمُ ما ثبتَ في الصحيحِ، (بصومِ يومٍ ولا يومينِ، إلا رجلٌ) كذا في نسخِ بلوغِ المرامِ، ولفظهُ في البخاريِّ:"إلَّا أنْ يكونَ رجلٌ"، قالَ المصنفُ:"يكونُ" تامةٌ أي يوجدُ رجلٌ، ولفظُ مسلمٍ:"إلَّا رجلًا" بالنصب، قلتُ: وهوَ قياسُ العربيةِ لأنهُ استثناءٌ متصلٌ من مذكورٍ، (كانَ يصومُ صومًا فليصمُه).

الحديثُ دليلٌ على تحريمِ صومِ يومٍ أو يومينِ قبلَ دخول رمضانَ. قالَ الترمذيُّ

(1)

بعدَ روايةِ الحديثِ: والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ: كرهُوا أن يتعجَّلَ الرجلُ الصيامَ قبلَ دخولِ رمضانَ لِمَعْنى رمضانَ. انتهى.

وقولُه: لمعنى رمضانَ، تقييدٌ للنَّهي بأنهُ مشروطٌ بكونِ الصومِ احتياطًا، لا لْو كانَ صومًا مطلقًا كالنفلِ المطلقِ وللنذر ونحوِه.

قلتُ: ولا يخْفَى أن بعدَ هذا التقييدِ يلزمُ منهُ جوازُ تقام رمضانَ بأيِّ صومٍ كانَ، وهوَ خلافُ الظاهر من النهي، فإنهُ عامٌّ لم يستثنِ منهُ إلا صوم منِ اعتادَ صومَ أيامٍ معلومةٍ ووافقَ آخرَ يومٍ منْ شعبانَ، ولو أرادَ صلى الله عليه وسلم الصومَ المقيدَ بما ذكرَ لقالَ إلا متنفِّلًا أو نحوَ هذا اللفظِ. وإنَّما نَهَى عنْ تقدُّم رمضانَ لأنَّ الشارعَ قدْ علَّق الدخولَ في صومِ رمضانَ برؤيةِ هِلالِهِ، فالمتقدِّمُ عليهِ مخالفٌ للنصِّ أمرًا ونهيًا. وفيهِ إبطالٌ لما يفعلُه الباطنيةُ من تقدُّم الصومِ بيومٍ أو يومين قبلَ رُؤيةِ هلالِ رمضانَ، وزعْمُهم أن اللامَ في قولهِ: صومُوا لرؤيتهِ، في معنى مستقبلينَ لها، وذلكَ لأنَّ الحديثَ يفيدُ أن اللامَ لا يصحُّ حملُها على هذا المعنى وإنْ وردتْ لهُ في مواضعَ. وذهبَ بعضُ العلماء إلى أن النَّهيَ عن الصومِ منْ بعدِ النصفِ الأَولِ منْ يومِ سادسَ عشرَ منْ شعبانَ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا:"إذا انتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا"، أخرجهُ أصحابُ السننِ

(2)

وغيرُهم، وقيلَ: إنهُ يكرهُ بعدَ الانتصافِ

= (4/ 247). وقال النووي في "المجموع"(6/ 248): "هذا حديث ضعيف، ضعَّفه البيهقي وغيره، والضعف فيه بيِّن، فإن من رواته: "نجيح السندي" وهو ضعيف سيء الحفظ" اهـ.

(1)

في "السنن"(3/ 69).

(2)

أبو داود (2337)، والترمذي (738)، وابن ماجه (1651).

وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه.

ص: 84

ويحرمُ قبلَ رمضانَ بيومٍ أو يومينِ. وقالَ آخرونَ: يجوزُ منْ بعدِ انتصافهِ، ويحرمُ قبلَه بيومٍ أو يومينِ. أما جوازُ الأولِ فلأنهُ الأصلُ وحديثُ أبي هريرةَ ضعيفٌ. قالَ أحمدُ وابنُ معينٍ: إنهُ منكرٌ. وأما تحريمُ الثاني فلحديثِ الكتابِ وهوَ قولٌ حَسَنٌ

(1)

.

‌[من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم

-]

2/ 611 - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا

(2)

، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ

(3)

، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ

(4)

وَابْنُ حِبَّانَ

(5)

. [صحيح].

(وعنْ عمَّارِ بن ياسرٍ رضي الله عنه قالَ: مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ) مغيرُ الصيغةِ مسندٌ إلى (فيهِ، فقدْ عَصَى أبا القاسمِ. ذكرهُ البخاريُّ تعليقًا ووصلَه) إلى عمارِ (الخمسة)، وزادَ المصنفُ في الفتحِ

(6)

[الحاكم]

(7)

، وأنهمْ وصلوهُ منْ طريقِ عمروِ بن قيسِ عنْ أبي إسحاقَ، ولفظهُ عندَهم: "كنا عندَ عمارِ بن ياسرٍ فأُتيَ بشاةٍ مَصْليةٍ فقالَ: كلُوا فتنحَّى بعضُ القومِ فقالَ: إني صائمٌ، فقالَ عمَّارٌ: مَنْ صامَ

"، (وصحَّحهُ

(1)

انظر: "المجموع"(6/ 399 - 435) و"المغني" لابن قدامة (3/ 6 - 9).

(2)

في "صحيحه"(4/ 119 رقم الباب 11).

(3)

أبو داود (2334)، وابن ماجه (1645)، والترمذي (686)، والنسائي (4/ 153).

(4)

في "صحيحه"(1914).

(5)

في "الإحسان"(3585).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 157)، والحاكم (1/ 423 - 424)، والبيهقي (4/ 208)، وابن أبي شيبة (3/ 72)، وعبد الرزاق رقم (7318)، وأبو يعلى (3/ 208 رقم 43/ 1644) من طرق.

ويشهد له حديث أبي هريرة، وطلق، وحذيفة، وابن عباس، وآثار علي، وابن عمر، وعمر، وابن مسعود.

انظر: "سنن البيهقي"(4/ 208 - 209)، والدارقطنى (2/ 157، 158، 160، 161)، وابن أبي شيبة (3/ 71 - 73) - و"إرشاد الأمة"، جزء الصوم.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(6)

(4/ 120).

(7)

زيادة من (ب).

ص: 85

ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: هو مسندٌ عندَهم لا يختلفونَ في ذلكَ انتهَى. وهو موقوفٌ لفظًا، مرفوعٌ حكمًا، ومعناهُ مستفادٌ منْ أحاديثِ النَّهي عن استقبالِ رمضانَ بصومٍ، وأحاديثُ الأمر بالصومِ لرؤيتهِ. واعلمْ أنَّ يومَ الشكِّ هوَ يومُ الثلاثينَ منْ شعبانَ إذا لم يُرَ الهلالُ في ليلةٍ بغيمٍ ساترٍ أو نحوِه، فيجوزُ كونُه منْ رمضانَ، وكونُه من شَعبانَ، والحديثُ وما في معناهُ يدلُّ على تحريمِ صومهِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ

(1)

. واختلفَ الصحابةُ في ذلكَ، منْهم مَنْ قالَ بجوازِ صومهِ، ومِنْهمُ مَنْ منعَ منهُ وعدَّه عصيانًا لأبي القاسمٍ والأدلةُ معَ المحرِّمينَ

(2)

. وأما ما أخرجه الشافعيُّ

(3)

عنْ فاطمةَ بنتِ الحسينِ أن عليًا رضي الله عنه قال: "لأَنْ أصومَ يومًا منْ شعبانَ أحبُّ إليَّ منْ أنْ أُفطِرَ يومًا مِنْ رمضانَ"؛ فهوَ أثرٌ منقطعٌ على أنهُ ليسَ في يومِ شكٍّ مجردٍ، بلْ بعدَ أنْ شهدَ عندهُ رجلٌ على رؤيةِ الهلالِ فصامَ وأمرَ الناسَ بالصيامِ، وقالَ: لأنْ أصومَ إلخ، ومما هو نصٌّ في البابِ حديثُ ابن عباسٍ:"فإنْ حَالَ بينَكم وبينَه سحابٌ فأكملُوا العدةَ ثلاثينَ، ولَا تستقبلُوا الشهرَ استقبالًا"، أخرجهُ أحمدُ

(4)

، وأصحابُ السننِ

(5)

، وابنُ خزيمةَ

(6)

، وأبو يَعْلى

(7)

. وأخرجهُ الطيالسيُّ

(8)

بلفظِ: "ولا تستقبلُوا رمضانَ بيومٍ منْ شعبانَ"، وأخرجه الدارقطنيُّ

(9)

، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ في صحيحهِ

(10)

. ولأبي داودَ

(11)

منْ حديثِ

(1)

انظر: "مغني المحتاج"(1/ 433 - 434).

(2)

انظر: "الفقه الإسلامي وأدلته"(2/ 579 - 582).

(3)

في "بدائع المتن"(1/ 251 رقم 666)، وهو أثر ضعيف.

(4)

في "المسند"(1/ 226) و (1/ 327، 344، 371).

(5)

النسائي (4/ 136) و (4/ 153 - 154)، وأخرجه الترمذي (688)، وأبو داود (2327)، وابن ماجه (1655) بنحوه.

(6)

في "صحيحه"(رقم: 1912).

(7)

في "مسنده"(4/ 243 رقم 28/ 2355).

(8)

في "مسنده"(رقم: 2671).

(9)

في "السنن"(2/ 162).

(10)

في "صحيحه"(رقم 1912).

قلت: وأخرجه مسلم (1088)، والدَّارمي (2/ 2)، وابن حبان (رقم 873 - موارد)، والحاكم (1/ 425) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. والبيهقي (4/ 247) و (4/ 206) وغيرهم من طرق عن ابن عباس. وهو حديث صحيح.

(11)

في "السنن"(2325).

قلت: وأخرجه ابن حبان (رقم 869 - موارد)، والحاكم (1/ 423)، والبيهقي (4/ 206)، =

ص: 86

عائشةَ: "كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتحفَّظُ منْ شعبانَ ما لا يتحفَّظُ منْ غيرِه، يصومُ لرؤيةِ هلال رمضانَ، فإنْ غُمَّ عليهِ عدَّ ثلاثينَ يومًا، ثمَّ صامَ". وأخرج أبو داودَ

(1)

منْ حديثِ حذيفةَ مرفوعًا: "لا تقدَّموا الشهرَ حتَّى تَرَوُا الْهلالَ أو تُكملُوا العدَّةَ، ثم صومُوا حتَّى تَرَوُا الهلالَ أو تُكملوا العدةَ". وفي البابِ أحاديثُ واسعةٌ دالةٌ على تَحْرِيمِ صومِ يومِ الشكِّ، منْ ذلكَ قولُه:

[يجب الصوم والفطر برؤية الهلال]

3/ 612 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتَمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

وَلمُسْلِمٍ

(3)

: "فَإنْ أُغْميَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاِثينَ".

وللبخاريِّ

(4)

: "فأكملُوا العدَّةَ ثلاثينَ".

(وعنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: إذا رأيتموهُ) أي: الهلالَ (فصومُوا، وإذا رأيتُموه فافطروا، فإنْ غُمَّ) بضمِّ الغينِ المعجمةِ، وتشديدِ الميم أي: حالَ بينكم وبينَه غيم (عليكمْ فاقدُرُوا له. متفقٌ عليهِ).

= وأحمد (6/ 149). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

قلت: وفيه نظر لأن ابن صالح، وابن أبي قيس لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم فقط.

والخلاصة: فهو حديث صحيح.

(1)

في "السنن"(2326).

قلت: وأخرجه ابن حبان (رقم 875 - موارد)، والنسائي (4/ 135)، وابن خزيمة (رقم 1911)، والبزار (رقم: 969 - كشف)، والبيهقي (4/ 208) من طرق. وهو حديث صحيح.

(2)

البخاري (1900)، ومسلم (8/ 1080).

قلت: وأخرجه الطيالسي (1/ 182 رقم 866 - منحة المعبود) وأحمد (2/ 145) والنسائي (4/ 134)، وابن ماجه (1654)، والبيهقي (4/ 204 - 205).

(3)

في "صحيحه"(4/ 1080).

(4)

في "صحيحه"(1907).

ص: 87

الحديثُ دليلٌ علَى وجوبِ صومِ رمضانَ لرؤيةِ هلالهِ وإفطار [هـ]

(1)

أولَ يومٍ منْ شوَّالٍ لرؤيةِ هلالهِ، وظاهرهُ اشتراطُ رؤيةِ الجميعِ لهُ من المخاطبينَ، لكنْ قامَ الإجماعُ على عدمِ وجوبِ ذلكَ، بلِ المرادُ ما يثبتُ بهِ الحكمُ الشرعيُّ من إخبارِ الواحدِ العدْلِ أو الاثنينِ على الخلاف في ذلكَ، فمعنَى إذا رأيتموهُ إذا وُجِدَتْ فيما بينَكم الرؤيةَ، فيدلُّ [هذا]

(2)

على أن رؤيةَ بلدٍ رؤيةٌ لجميعِ أهلِ البلادِ فيلزمُ الحكمُ. وقيلَ: لا يعتبرُ لأنَّ قولَه إذا رأيتموه خطابٌ لأناسٍ مخصوصينَ بهِ. وفي المسألةِ أقوالٌ ليسَ على أحدِها دليلٌ ناهضٌ، والأقربُ لزومُ أهل بلدٍ الرؤيةَ وما يتصلُ بها من الجهاتِ التي على سَمْتِها.

وفي قولهِ: (لرؤيته) دليلٌ على أن الواحدَ إذا انفردَ برؤيةِ الهلالِ لزمهُ الصومُ والإفطارُ وهوَ قولُ أئمةِ الآلِ

(3)

، وأئمةِ المذاهبِ الأربعةِ

(4)

في الصومِ. واختلفُوا في الإفطارِ فقالَ الشافعيُّ: يفطرُ ويخفيهِ، وقالَ الأكثرُ: يستمرُ صائمًا احتياطًا كذَا قالهُ في الشرحِ، ولكنهُ تقدمَ لهُ في أولِ بابِ صلاةِ العيدينِ أنهُ لم يقلْ بأنهُ يتركُ يقينَ نفسهِ ويتابعُ حكمَ الناس إِلا محمدَ بنَ الحسنِ الشيباني، وأنَّ الجمهورَ يقولونَ: أنهُ يتعيَّنُ عليهِ حكمُ نفسهِ فيما يتيقنُه فناقض هنا ما سلفَ. وسببُ الخلافِ قولُ ابن عباسٍ لكريبٍ إنهُ لا يعتدُّ برؤيةِ الهلالِ وهوَ بالشامِ بلْ يوافقُ أهلَ المدينةِ فيصومُ الحادي والثلاثينَ باعتبارِ رؤيةِ الشام لأنهُ يومُ الثلاثينَ عندَ أهلِ المدينةِ، وقالَ ابنُ عباسٍ: إنَّ ذلكَ منَ السنَّةِ. وتقدَّمَ الحديثُ وليسَ بنصٍّ فيما احتجُّوا بهِ لاحتمالهِ كما تقدَّمَ، فالحقُّ أنهُ يعملُ بيقينِ نفسهِ صومًا وإفطارًا،

(1)

زيادة من (ب).

(2)

في (أ): "هنا".

(3)

انظر: "الروض النضير"(3/ 85).

(4)

انظر: "اللباب شرح الكتاب" لعبد الغني الميداني.

و"الكتاب": للقدوري. مطبعة صبيح بالقاهرة (1/ 164).

"ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح" للشرنبلالي. المطبعة العلمية بمصر (ص 108) وما بعدها.

و"القوانين الفقهية" لابن جزي (ص 115 وما بعدها).

و"الشرح الصغير" للدردير بحاشية الصاوي دار المعارف بمصر (1/ 682 وما بعدها). و "الشرح الكبير" للدردير بحاشية الدسوقي مطبعة البابي الحلبي (1/ 509 وما بعدها).

و"المهذب"(1/ 179)، و "مغني المحتاج"(1/ 420 - 422).

و"المغني" لابن قدامة، ط 3، بدار المنار بالقاهرة (3/ 156 - 163).

ص: 88

ويحسنُ التكتمُ بها صونًا للعبادِ عنْ إثمِهم بإساءةِ الظنِّ بهِ.

(ولمسلمٍ) أي: عن ابن عمرَ (فإنْ أغميَ عليكمْ فاقدُرُوا له ثلاثينَ. وللبخاريِّ) أي: عن ابن عمرَ (فأكملُوا العدةَ ثلاثينَ)، قولُه: فاقُدُروا لهُ هوَ أمرٌ همزتُه همزةُ وصلٍ، وتكسرُ الدالُ وتضمُّ. وقيلَ: الضمُّ خطأٌ. وفسَّرَ المرادَ بهِ [بقوله]

(1)

: فاقُدُروا له ثلاثينَ، [قوله: فأكملوا]

(2)

العدةَ ثلاثينَ، والمعنى أفطِرُوْا يومَ الثلاثينَ، واحْسِبُوا تمامَ الشّهرِ، وهذا أحسنُ تفاسيرِهِ، وفيهِ تفاسيرُ أُخَرُ نقلَها الشارحُ خارجةً عنْ ظاهرِ المرادِ منَ الحديثِ. قالَ ابنُ بطالٍ: في الحديثِ دفعٌ لمراعاةِ المنجِّمينَ، وإنَّما المعوَّلُ عليهِ رؤيةُ الأهلةِ وقدْ نُهِينَا عن التكلفِ. وقدْ قالَ الباجي في الردِّ على مَن قال: يجوزُ للحاسبِ والمُنَجِّمِ وغيرِهما الصومُ والإفطارُ اعتمادًا على النجومِ: إنَّ إجماعَ السلفِ حجةٌ عليهمْ. وقالَ ابنُ بُريرةَ: هوَ مذهبٌ باطلٌ قدْ نهتِ الشريعةُ في الخوضِ في علمِ النجومِ، لأنَّها حدسٌ وتخمينٌ ليسَ فيها قطعٌ. قالَ الشارحُ: قلتُ: والجوابُ الواضحُ عليهمْ ما أخرجهُ البخاريُّ عن ابن عمرَ أنهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنَّا أمةٌ أميَّةٌ لا نكتبُ ولا نحسبُ، الشهرُ هكَذَا وهكَذَا، يعني تسعًا وعشرينَ مرةً، وثلاثينَ مرة".

4/ 613 - وَلَهُ

(3)

في حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ: "فَكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ". [صحيح]

(ولهُ) أي: البخاريّ (في حديثِ أبي هريرةَ: فأكملُوا عدةَ شعبانَ ثلاثينَ)، هوَ تصريحٌ بمفادِ الأمرِ بالصَّومِ لرؤيته، فإنْ غُمَّ فأكملُوا العدةَ، أي: عدةَ شعبانَ. وهذهِ الأحاديثُ نصوصٌ في أنهُ لا صومَ ولا إفطارَ إلا بالرؤيةِ للهلالِ، أو إكمالِ العدةِ.

[دليل العمل بخبر الواحد في الصوم]

5/ 614 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: تَرَاءَى النّاسُ الهِلالَ، فأخْبَرْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(4)

، وَصَحّحَهُ

(1)

في (ب): "قوله".

(2)

في (ب): "وأكملوا".

(3)

في صحيح البخاري (1909).

(4)

في "السنن"(2342).

ص: 89

الْحَاكِمُ

(1)

وَابْنُ حِبّانَ

(2)

[صحيح]

(وعنِ ابن عمرَ رضي الله عنه قالَ: تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أتي رأيتهُ فصامَ وأمرَ الناسَ بصيامهِ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ).

الحريثُ دليلٌ على العملِ بخبرِ الواحدِ في الصومٍ دخولًا فيهِ، وهوَ مذهبُ طائفةٍ منْ أئمة العلم، ويشترطُ فيهِ العدالةُ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ لا بدُّ من الاثنينِ لأنَّها شَهَادَةٌ، واستدلُّوا بخبرِ رواهُ النسائيُّ

(3)

عنْ عبدِ الرحمنِ بن زيدِ بن الخطابِ أنهُ قالَ: "جالستُ أَصْحَابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وسألتُهم وحدَّثوني أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: صومُوا لرويتِه وأفطرُوا لرؤيتِه، فإنْ غمَّ عليكمْ فأكملُوا عدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ يومًا، إلَّا أنْ يشهدَ شاهدانِ". [فيدل]

(4)

بمفهومهِ أنه لا يكفي الواحدُ. وأُجيبَ عنهُ بأنهُ مفهومٌ، والمنطوقُ الذي أفادُه حديث ابن عمر، وحديث الأعرابي الآتي أَقْوَى منهُ، ويدلُّ على قبولِ خبرِ الواحدِ فيقبلُ بخبر المرأةِ والعبدِ. وأما الخروجُ منهُ فالظاهرُ أن الصومَ والإفطار مستويانِ في كفايةِ خبر الواحدِ. وأما حديث ابن عباسٍ وابنِ عمرَ:"أنهُ صلى الله عليه وسلم أجازَ خبرَ واحدٍ على هلالِ رمضانَ، وكانَ لا يجيزُ شهادةَ الإفطار إلَّا بشهادةِ رجلينِ"

(5)

، فإنهُ ضعَّفَه الدارقطنيُّ وقال: تفرَّدَ بهِ حفصُ بن عمرَ الأبلي وهوَ ضعيفٌ. ويدلُّ لقبولِ كبرِ الواحدِ في الصومِ دخولًا [فيه]

(6)

أيضًا قولُه:

(1)

في "المستدرك"(1/ 423)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

(2)

في "الإحسان"(8/ 231 رقم 3447).

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 4)، والبيهقي (4/ 212)، والدارقطني (2/ 156) رقم (1) وقال: تفرَّد به مروان بن محمد، عن ابن وهب وهو ثقة فيه نظر، فقد تابعه هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب، عند الحاكم (1/ 423)، والبيهقي (4/ 212).

والخلاصة: فهو حديث صحيح، والله أعلم.

(3)

في "السنن"(4/ 132 رقم 2116)، وهو حديث صحيح. انظر:"الإرواء" رقم (989).

(4)

في (ب): "فدل".

(5)

في "السنن"(2/ 156 رقم 3). قال صاحب التنقيح: حفص هذا: هو حفص بن عمر بن دينار الأيلي وهو ضعيف باتفاقهم، ولم يخرج له أحد من أصحاب السنن. وأما حفص بن عمر بن ميمون العدني المعروف بالفرخ، فروى له ابن ماجه ووثقه بعضهم، وليس هو هذا.

(6)

زيادة عن (أ).

ص: 90

6/ 615 - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ أَعْرَابيًا جَاء إِلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ:"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"فَأَذِّن في النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يصُومُوا غَدًا". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(1)

، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ

(2)

، وَابْنُ حِبَّان

(3)

، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ

(4)

. [ضعيف].

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن أعرابيًا جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسل - فقال: إني رَأيْتُ الهلالَ، فقالَ: أتشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ؟ قالَ: نعم، قالَ: أتشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ؟ قالَ: نعم، قالَ: فَأَذِّنْ في الناسِ يا بلالُ أنْ يصومُوا غدًا. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، ورجَّحَ النسائيُّ إرسالَهُ). فيهِ دليل كالذي قبلَه على قبولِ خبرِ الواحدِ في الصومِ، ودلالة على أن الأصلَ في المسلمين العدالةُ، إذْ لم يطلبْ صلى الله عليه وسلم منَ الأعرابيِّ إلَّا الشهادةَ. إلا أن الأمرَ في الهلالِ جارٍ مجرَى الإخبارِ لا الشهادةِ، وأنهُ يكفي في الإيمانِ الإقرارُ بالشهادتينِ، ولا يلزمُ التبرِّي منْ سائرِ الأديانِ.

[النية في الصوم وأول وقتها]

7/ 616 - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ

(1)

أبو داود (2340)، والنسائي (4/ 132 رقم 2113)، والترمذي (691)، وابن ماجه (1652).

(2)

في "صحيحه"(رقم: 1924) و (رقم: 1923).

(3)

في "الإحسان"(8/ 229 - 230 رقم 3446).

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (3/ 68)، وأبو يعلى (رقم 2529)، والدارمي (2/ 5)، والطحاوي في "مشكل الآثار" رقم (482) و (483)، و (484)، وابن الجارود رقم (379) و (385)، والحاكم (1/ 424)، والبيهقي (4/ 211)، والدارقطني (2/ 158)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1724) من طرق.

(4)

أخرجه أبو داود (2341) من طريق حماد، وابن أبي شيبة (3/ 67 - 68) من طريق إسرائيل. وعبد الرزاق رقم (7342)، والنسائي (4/ 132)، والطحاوي رقم (485)، والدارقطني (2/ 159) من طريق سفيان. ثلاثتهم عن سماك، عن عكرمة مرسلًا.

وقال النسائي: إنه أولى بالصواب. وانظر: "نصب الراية"(2/ 443).

وخلاصة القول: أن حديث ابن عباس ضعيف، والله أعلم.

ص: 91

الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(1)

، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ

(2)

وَالنَّسَائِيُّ

(3)

إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحّحَهُ مَرْفوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ

(4)

وَابْنُ حِبَّانَ

(5)

. [حسن].

وَلِلدَّارَقُطْنيِّ

(6)

: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرضْهُ مِنَ الَّليْلِ".

(وعنْ حفصةَ أمِّ المؤمنينَ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: منْ لم يبيِّتِ [الصيامَ]

(7)

قبلَ الفجرِ فلا صيامَ لهُ. رواهُ الخمسةُ، ومالَ الترمذيُّ والنسائيُّ إلى ترجيحِ وقْفِهِ) علَى حفصةَ، (وصحَّحهُ مرفوعًا ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ. وللدارقطنيِّ) أي: عنْ حفصةَ (لا صيامَ لمنْ لم يفرضْه منَ الليلِ) الحديثَ. اختلفَ الأئمةُ في رفْعه ووقْفه. وقالَ أبو محمدِ بن حزمٍ

(8)

: الاختلافُ فيهِ يزيدُ الخبر قوةً لأنَّ مَنْ رواهُ مرفوعًا [فقد]

(9)

رواهُ موقوفًا. وقدْ أخرجهُ الطبرانيُّ

(10)

منْ طريقٍ أُخْرى وقالَ: رجالُها ثقاتٌ.

(1)

أحمد (6/ 287)، وأبو داود (2454)، والترمذي (730)، والنسائي (4/ 196 رقم 2331)، وابن ماجه (1700).

(2)

في "السنن"(3/ 108).

(3)

في "السنن"(3/ 197).

(4)

في "صحيحه"(3/ 212 رقم (1933).

(5)

في "المجروحين"(2/ 46).

(6)

في "السنن"(2/ 172 رقم 2 - 3).

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 6 - 7)، والبيهقي (4/ 202)، والطحاوي في "شرح المعاني"(2/ 54)، والخطيب في "التاريخ" (3/ 92 - 93). وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" (6/ 222 - مع الفيض) ورمز إلى تحسينه. وأورده النووي في "المجموع" (6/ 289) وقال:"الحديث حسن يحتج به اعتمادًا على رواية الثقات الرافعين والزيادة من الثقة مقبولة".

وهناك خلاف بين العلماء في رفع الحديث ووقفه، فذهب فريق إلى أنه مرفوع، وبه قال الحاكم، والدارقطني، وابن خزيمة وابن حزم وابن حبان.

وذهب فريق إلى أنه موقوف ولا يصح رفعه، وبه قال البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد.

انظر: "نصب الراية"(2/ 433 - 435)، و "التلخيص الحبير"(2/ 188 رقم 881)، و "فتح الباري"(4/ 142) و "إرواء الغليل"(4/ 25 رقم 914).

والخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(7)

في (أ): "الصوم".

(8)

في "المحلَّى"(6/ 162).

(9)

في (ب): "قد".

(10)

في "المعجم الكبير"(23/ 196 - 199 رقم 337).

ص: 92

وهوَ يدلُّ على أنهُ لا يصحُّ الصيامُ إلَّا بتبييت النيةِ، وهوَ أنْ ينويَ الصيامَ في أيِّ جزءٍ منَ الليلِ، وأولُ وَقتِها الغروبُ، وذلكَ لأنَّ الصومَ عملٌ، والأعمالُ بالنياتِ، وأجزاءُ النهارِ غيرُ منفصلةٍ منَ الليلِ بفاصلٍ يتحققُ، فَلَا يتحققُ إلَّا إذا كانتِ النيةُ واقعةً في جزءِ الليلِ، وتشترطُ النيةُ لكلِّ يومٍ على انفرادهِ، وهذا مشهورٌ منْ مذهبِ أحمدَ

(1)

، ولهُ قولٌ: أَنَّهُ إِذَا نَوَى مِنْ أَوَّلِ الشّهرِ تُجزئُهُ، وَقَوَّى هَذَا القَولَ ابنُ عَقيلٍ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لكلِّ امرئٍ ما نَوَى"

(2)

، وهذَا قدْ نَوَى جميعَ الشهرِ، ولأنَّ رمضانَ بمنزلةِ العبادةِ الواحدةِ لأنَّ الفطرَ في لياليهِ عبادةٌ أيضًا يُستعانُ بها على صومِ نهارهِ، وأطالَ في الاستدلالِ على هذَا بما يدلُّ على قوَّتِهِ. والحديثُ عامٌّ للفرضِ، والنفلِ، والقضاءِ، والنذرِ مُعَيَّنًا، ومطلقًا. وفيهِ خلافٌ وتفاصيلُ.

واستدلَّ مَنْ قالَ بعدم وجوبِ التبييتِ بحديثِ البخاريِّ

(3)

: "أنهُ صلى الله عليه وسلم بعثَ رجلًا ينادي في الناسِ يومَ عاشوراءَ: إنَّ مَنْ أكلَ فليتمَّ أو فليصمْ، ومَنْ لمْ يأكلْ فلا يأكلْ"، قالُوا: وقدْ كانَ واجبًا، ثمَّ نُسِخَ وجوبُه بصومِ رمضانَ، ونَسْخُ وجوبهِ لا يرفعُ سائرَ الأحكامِ فقيسَ عليهِ رمضانُ وما في حُكمهِ منَ النذَرِ المعيَّنِ والتطوعِ، فخصَّ عمومَ "فلا صيامَ لهُ" بالقياسِ، وبحديثِ عائشةَ الآتي، فإنهُ [دلَّ]

(4)

على أنهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يصومُ تطوعًا من غيرِ تبييتِ النيةِ. وأجيبَ بأنَّ صومَ عاشوراءَ غيرُ مساوٍ لصومِ رمضانَ حتَّى يقاسَ عليهِ، فإنهُ صلى الله عليه وسلم ألزمَ الإمساكَ لمنْ قدْ أكلَ ولمنْ لم يأكلْ، فعلمَ أنهُ أمرٌ خاصٌ، ولأنهُ إنَّما أجزأَ عاشوراءَ [من غير]

(5)

تبييتِ لتعذرِه، فيقاسُ عليهِ ما سواهُ، كمنْ نامَ حتَّى أصبحَ على أنهُ لا يلزمُ منْ تمامِ الإمساكِ ووجوبهِ أنهُ صومٌ مُجْزِئٌ. وأما حديثُ عائشةَ وهوَ قوله:

8/ 617 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ،

(1)

انظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 26، 23).

(2)

وهو جزء من حديث صحيح.

أخرجه البخاري (1)، ومسلم (155 و 1907)، والترمذي (1647)، وأبو داود (2201)، والنسائي (1/ 58)، وابن ماجه (4227)، وأحمد (1/ 25، 43).

(3)

في "صحيحه"(رقم: 1824 - البغا)، ومسلم (1135).

(4)

في (أ): "دال".

(5)

في (ب): "بغير".

ص: 93

فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ"؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ:"فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ"، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ:"أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا" فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح].

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: دخلَ عليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ فقالَ: هلْ عندكمْ شيءٌ؟ قلْنا: لا، قالَ: فإني إذًا صائمٌ، ثمَّ أتانا يومًا آخرَ [فقلنا]

(2)

: أُهدِيَ لنا حَيسٌ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فسينٍ مهملةٍ هوَ التمرَ معَ السمنِ والأقطِ (فقالَ: أرينيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فأكلَ. رواهُ مسلمٌ). فالجوابُ عنهُ أنهُ أعمُّ منْ أن يكونَ بيَّتَ الصومَ أوَّلًا، فيحملُ على التبييتِ لأنَّ المحتملَ يُردُّ إلى العامِّ ونحوهُ، على أن في بعضِ رواياتِ حديثِها:"إني كنتُ أصبحتُ صائمًا".

والحاصلُ أن الأصلَ عمومُ حديثِ التبييتِ، وعدمُ الفرقِ بينَ الفرضِ والنفلِ والقضاءِ والنذرِ، ولم يقمْ ما يرفعُ هذينِ الأصلينِ، فتعيَّنَ البقاءُ عليهما.

[فضل تعجيل الفطر وتأخير السحور]

9/ 618 - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(3)

. [صحيح].

(وعنْ سهلِ بن سعدٍ رضي الله عنه)

(4)

هو أبو العباسِ سهلُ بنُ سعدٍ بن مالكٍ، أنصاريٌّ، خزرجيٌّ. يقالُ: كانَ اسمهُ حَزَنًا فسمَّاهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سهلًا، ماتَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولهُ خمسَ عشرةَ سنةً، وماتَ سهلٌ بالمدينةِ سنةَ إحدَى وتسعينَ، وقيلَ:

(1)

في "صحيحه"(170/ 1154).

قلت: وأخرجه أبو داود (2455)، والترمذي (734)، والنسائي (4/ 194 - 195) والدارقطني (2/ 176 رقم 21)، والبيهقي (4/ 274 - 275) من حديث عائشة، عنها بألفاظ.

(2)

في (ب): "فقلتُ".

(3)

البخاري (1957)، ومسلم (48/ 1098).

قلت: وأخرجه الترمذي (699)، ومالك (1/ 288 رقم 6)، وأحمد (5/ 331)، والدارمي (2/ 7)، وابن ماجه (1/ 541 رقم 1697).

(4)

انظر ترجمته في: "المعرفة والتاريخ"(1/ 338)، و "الجرح والتعديل"(4/ 198)، و "أسد الغابة"(2/ 472)، و "الإصابة"(2/ 88)، و "شذرات الذهب"(1/ 99).

ص: 94

ثمانٍ وثمانينَ، وهوَ آخرُ مَنْ ماتَ منَ الصحابةِ بالمدينةِ (أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ. متفقٌ عليهِ). زادَ أحمدُ

(1)

: "وأَخَّرُوا السحورَ"، زادَ أبو داودَ

(2)

: "لأنَّ اليهودَ والنَّصارى يؤخِّرونَ الإفطارَ إلى اشتباكِ النجومِ". قالَ في شرحِ المصابيحِ: ثمَّ صارَ في مِلتِنَا شعارًا لأهلِ البدعةِ وسمةً لهمْ. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ تعجيلِ الإفطارِ إذا تحققَ غروبُ الشمسِ بالرؤيةِ، أو بإخبارِ مَنْ يجوزُ العملُ بقولهِ. وقدْ ذكرَ العلةَ وهيَ مخالفةُ اليهودِ والنَّصارى. قالَ المهلَّبُ: والحكمةُ في ذلكَ أنهُ لا يزادُ في النهارِ منَ الليلِ، ولأنهُ أرْفَقُ بالصائمِ، وأقوى [للعبادة]

(3)

. قالَ الشافعيُّ رحمه الله: تعجيلُ الإفطارِ مستحبٌّ ولا يكرهُ تأخيرُه إلا لمنْ تعمَّدَهُ ورأى الفضلَ فيهِ.

قلتُ: في إباحتهِ صلى الله عليه وسلم الموَاصَلةُ إلى السَّحَرِ كما في حديثِ أبي سعيد

(4)

ما يدلُّ على أنهُ لا كراهةَ إذا كانَ ذلكَ سياسةً للنفسِ ودفعًا لشهوتِها، إلَّا أنَّ قولَه:

10/ 619 - وَللترْمِذِيِّ

(5)

مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَالَ اللهُ عز وجل: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيّ أَعْجَلُهُمْ فِطرًا". [حسن].

(وللترمذيِّ منْ حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: قالَ اللهُ عز وجل: أحبُّ عِبَادي إليَّ أعجلُهم فِطْرًا) دالٌّ على أن تعجيلَ الإفطارِ أحبُّ إلى اللهِ تعالى منْ تأخيرِه، وأنَّ أباحةَ المواصلةِ إلى السَّحَر لا تكونُ أفْضَلَ مِنْ تعْجِيلِ الإفْطارِ، أَوْ يُرادُ بِعبادِي الَّذينَ يُفطِرون وَلا يُواصِلونَ إلى السَّحَر. وأما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فإنهُ خارجٌ عنْ عمومِ هذا الحديثِ لتصريحهِ صلى الله عليه وسلم[أنه]

(6)

ليسَ مثلَهم كما يأتي، [فهوَ

(1)

في "المسند"(5/ 172) من حديث أبي ذر.

(2)

في "السنن"(2353). قلت: وأخرجه ابن ماجه (1698) كليهما من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح.

(3)

في (ب): "له على العبادة".

(4)

أخرجه البخاري (1967)، وأبو داود (2361).

(5)

في "السنن"(700) بإسناد ضعيف، ولكن له شواهد بمعناه يقوى بها.

قلت: وأورده الحافظ في "التلخيص الحبير"(2/ 198 رقم 898) ولم يعقب عليه.

وخلاصة القول: أن الحديث حسن بشواهده.

(6)

في (ب): "بأنه".

ص: 95

أحبُّ الصائمينَ إلى الله تعالى وإنْ لم يكنْ أعجلَهم فطرًا، لأنهُ قدْ أُذِنَ لهُ في الوصالِ، ولو أيامًا متصلةً كما يأتي]

(1)

.

11/ 620 - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

[صحيح].

(وعنْ أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: تسحَّروا فإنَّ في السحورِ) بفتحِ المهملةِ، اسمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بهِ، ورُوِيَ بالضمِّ على أنهُ مصدرٌ (بركةٌ. متفقٌ عليه). زادَ أحمدُ

(3)

منْ حديثِ أبي سعيد: "فلا تَدَعُوهُ ولو أنْ يتجرَّعَ أحدُكم جُرْعَةً منْ ماء؛ فإنَّ الله وملائكتهَ يصلُّونَ على المتسحِّرينَ". وظاهرُ الأمرِ وجوبُ التسحُّرِ، ولكنهُ صرفَه عنهُ إلى الندبِ ما ثبتَ منْ مواصلتهِ صلى الله عليه وسلم، ومواصلةِ أصحابهِ، ويأتي الكلامُ في حكمِ الوصالِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ

(4)

الإجماعَ على أنَّ التسحُّرَ مندوبٌ. والبركةُ المشارُ إليها فيهِ اتِّبَاعُ السُنةِ ومخالفةُ أهلِ الكتابِ لحديثِ مسلمٍ

(5)

(1)

زيادة من (ب).

(2)

البخاري في "صحيحه"(1923)، ومسلم (45/ 1095).

قلت: وأخرجه الترمذي (708)، والنسائي (4/ 141)، وابن ماجه (1692)، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم: 383)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 35) و (6/ 339)، وأحمد (3/ 99، 215، 229، 243، 258، 281)، وعبد الرزاق في "المصنف"(4/ 227 رقم 7598)، وابن خزيمة (3/ 213 رقم 1937)، والطيالسي (1/ 185 رقم 882 - منحة المعبود)، والطبراني في "الصغير"(1/ 58 رقم 60 - الروض الداني)، والدولابي في "الكُنى"(1/ 120) وأبو يعلى في "مسنده"(5/ 235 رقم 93/ 2848) والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 236)، والبغوي في "شرح السنة"(6/ 251 رقم 1727)، والدارمي (2/ 6)، والقضاعي في "مسند الشهاب"(1/ 395 رقم 677)، والبزار (1/ 464 رقم 976 - كشف) من طرق كثيرة عنه.

قلت: وقد ورد الحديث من حديث جابر، وأبي هريرة، وابن مسعود، وميسرة الفجر، وأبي سعيد الخدري، والمقدام بن معد يكرب، والعرباض بن سارية، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، ورجل من الصحابة، ومرسلًا عن علي بن الحسين، وأبي سعيد الإسكندراني.

انظر تخريجها في كتابنا: "إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الصوم.

(3)

في "المسند"(3/ 32).

(4)

في كتابه "الإجماع"(ص 52 رقم 123).

(5)

في "صحيحه"(46/ 1096).

قلت: وأخرجه أبو داود (2343)، والترمذي (709)، والنسائي (4/ 146)، والبيهقي =

ص: 96

مرفُوعًا: "فَصْل ما بينَ صيامِنا وصيامِ أهلِ الكتابِ أَكْلَةُ السحور"، والتقوِّي بها على العبادةِ، وزيادةِ النشاطِ والتسبُّبِ للصدقةِ علىَ مَنْ سألَ وقتَ السحرِ.

[فضل الإفطار على التمر أو الماء]

12/ 621 - وَعَنْ سَلمَانَ بْنَ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(1)

، وَصَحّحَهُ ابْنُ حُزَيْمَةَ

(2)

وَابْنُ حِبَّانَ

(3)

وَالْحَاكِمُ

(4)

. [حسن لغيره].

(وعنْ سلمان بن عامرٍ الضبيِّ رضي الله عنه) قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ: ليسَ [في]

(5)

الصحابةِ ضبيٌّ غيرَ سلمان بنَ عامرٍ المذكورِ (عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إذا أفطرَ أحدُكم فليفطرْ على تمرٍ، فإنْ لم يجدْ فليفطرْ على ماءٍ فإنهُ طهورٌ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن خزيمةَ، وابن حبانَ، والحاكمُ). والحديثُ قدْ رُوِيَ منْ حديثِ عمرانَ بن حصينٍ

(6)

، وفيه ضعفٌ. ومن حديث أنسٍ

(7)

رواه الترمذي والحاكم،

= (4/ 236)، والدارمي (2/ 6)، وأحمد (4/ 202) من حديث عمرو بن العاص.

(1)

أحمد (4/ 17، 18، و 18 - 19 و 214)، وأبو داود (2355)، والترمذي (658) و (695)، والنسائي في "الكبرى"(4/ 25) كما في "تحفة الأشراف"، وابن ماجه (1699).

(2)

في "صحيحه"(2067).

(3)

في "الإحسان"(8/ 281 رقم 3515).

(4)

في "المستدرك"(1/ 431 - 432) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه عبد الرزاق رقم (7587)، والحميدي (رقم 823)، وابن أبي شيبة (3/ 107 و 107 - 108)، والدارمي (2/ 7)، والبيهقي (4/ 238 و 239)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم: 1684) و (1743) من طرق

وله شاهد من حديث أنس أخرجه أحمد (3/ 164)، وأبو داود رقم (2356)، والترمذي رقم (696)، والدارقطني (2/ 185)، والحاكم (1/ 432). وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الترمذى: حسن غريب. وقال الدارقطني: إسناده صحيح.

وهو حديث حسن لغيره، والله أعلم.

وقد ضعَّفه المحدث الألباني في "الإرواء" رقم (922).

(5)

في (ب): "من".

(6)

أخرجه ابن عدي كما في "التلخيص"(2/ 198) بإسناد ضعيف.

(7)

أخرجه أحمد (3/ 164)، وأبو داود رقم (2356)، والترمذي رقم (696)، والدارقطني =

ص: 97

وصحَّحَهُ، ورواهُ أيضًا الترمذيُّ والنسائيُّ وغيرُهم منْ حديثِ أنسٍ منْ فعلِهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:"كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يفطرُ على رطباتٍ قبلَ أنْ يصلِّيَ، فإنْ لمْ يكنْ فَعَلَى تمراتٍ، فإنْ لمْ يكنْ حَسَا حَسَوَاتٍ منْ ماءٍ". ووردَ في عددِ التمرِ أنَّها ثلاثٌ، وفي البابِ رواياتٌ في معنَى ما ذكرْنا. ودلَّ على أن الإفطارَ بما ذكرَ هوَ السنَّةُ. قالَ ابنُ القيِّم

(1)

: وهذَا منْ كمالِ شفقتهِ صلى الله عليه وسلم على أمَّتِه ونُصْحِهم، فإنَّ إعطاءَ الطبيعةِ الشيءَ الحلْوَ معَ خلُوِّ المعدةِ أدْعَى إلى قبولِه وانتفاعِ القِوَى بهِ، لا سيَّما القوةُ الباصرةُ، فإنَّها تَقْوَى بهِ. وأما الماءُ فإنَّ الكبدَ يحصلُ لها بالصومِ نوعُ يَبَسٍ فإنْ رُطِّبتْ بالماءِ كَمُلَ انتفاعُها بالغذاءِ بعدَه، هذا معَ ما في التمرِ والماءِ منَ الخاصيَّةِ التي لها تأثيرٌ في صلاحِ القلب لا يعلمُها إلَّا أطباءُ القلوبِ.

‌[حكم الوصال لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم

-]

13/ 622 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِني أَبِيتُ يُطعِمُني رَبِّي وَيَسْقِيني"، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمّ يَوْمًا، ثُمّ رَأَوْا الْهِلَالَ، فَقَالَ:"لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ" كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح].

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الوصالِ)، هوَ تركُ الفطرِ بالنهارِ، وفي ليالي رمضانَ بالقصدِ، (فقالَ رجلٌ من المسلمينَ)، قَال المصنِّفُ: لم أقِفْ عَلى اسْمِهِ، (فإنك تواصلُ يا رسولَ اللهِ، فقالَ: وأيُّكم مِثْلي؟ فإني أبيتُ يُطْعْمِني

= (2/ 185) والحاكم (1/ 432) والبيهقي (4/ 239) عنه.

وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

وقال الدارقطني: إسناده صحيح.

وقال الترمذي: حسن غريب.

قلت: وخلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في زاد المعاد (2/ 50).

(2)

البخاري في "صحيحه"(1965)، ومسلم (1103).

قلت: وأخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 301).

ص: 98

ربي ويُسقيني. فلما أَبَوْا أنْ ينتَهوا عن الوصالِ واصل بهمْ يومًا، ثمَّ يومًا، ثمَّ رأَوا الهلالَ فقالَ: لو تأخَّرَ الهلالُ لزدْتكم، كالمنكِّل لهم حينَ أَبَوْا أنْ ينتَهُوا. متفقٌ عليهِ).

الحديثُ عندَ الشيخينِ منْ حديثِ أبي هريرةَ

(1)

، وابنِ عمرَ

(2)

، وعائشة

(3)

، وأنسٍ

(4)

، وتفرَّدَ مسلمٌ

(5)

بإخراجه عنْ أبي سعيدٍ، وهوَ دليلٌ على تحريمِ الوصالِ لأنهُ الأصلُ في النهي. وقدْ أُبيحَ الوصالُ إلى السُّحور لحديثِ أبي سعيدٍ

(6)

: فأيُّكمْ أرادَ أنْ يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحَرِ"، وفي حديثِ أبي سعيدٍ هَذَا دليلٌ على أن إمساكَ بعضِ الليلِ مواصلةٌ. وهوَ يردُّ على مَنْ قالَ: إنَّ الليلَ ليسَ محلًّا للصومِ فلا [تنعقد]

(7)

بنيَّتهِ. وفي الحديث دلالةٌ على أن الوصالَ منْ خصائِصهِ صلى الله عليه وسلم. وقدِ اختُلِفَ في حقِّ غيرهِ فقيلَ التحريمُ مطلقًا، وقيلَ: محرَّمٌ في حقِّ مَنْ يَشُقُّ عليهِ، ويباحُ لمنْ لا يشقُّ عليهِ. الأولُ رأيُ الأكثرِ للنهي وأصلُه التحريمُ. واستدلَّ مَنْ قالَ: إنهُ لا يحرمُ بأنهُ صلى الله عليه وسلم واصلَ بهمْ، ولو كانَ النهيُ للتحريمِ لما أقرَّهم عليه، فهوَ قرينةٌ أنهُ للكراهةِ رحمة لهمْ وتخفيفًا عنْهم، ولأنهُ قد أخْرجَ أبو داودَ

(8)

عنْ رجلٍ مِنَ الصحابةِ: "نَهَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الحجامةِ والمواصلةِ، [ولم يحرِّمْهُما إبقاءً على أصحابهِ]

(9)

"، إسنادُه صحيحٌ. وإبقاءٌ متعلقٌ بقولهِ: نَهَى. ورَوَى البزار

(10)

، والطبرانيّ

(11)

في الأوسط منْ حديثِ سمُرة:

(1)

تقدَّم تخريجه آنفًا في حديث الباب.

(2)

البخاري (1922)، ومسلم (1102).

قلت: وأخرجه مالك في الموطأ (1/ 300)، وأبو داود (2360)، وأحمد في "المسند"(4721 - شاكر).

(3)

البخاري (1964)، ومسلم (1105).

(4)

البخاري (1961)، ومسلم (1104).

قلت: وأخرجه الترمذي (778).

(5)

لم يخرجه مسلم، بل أخرجه البخاري (1963)، وأبو داود (2361).

(6)

تقدَّم تخريجه في "شرح الحديث" رقم (9/ 618) من كتابنا هذا، وهو متفق عليه.

(7)

في (ب): "ينعقد".

(8)

في "السنن"(2374)، وهو حديث صحيح.

(9)

في النسخة (أ): "إبقاءً ولم يحرمها على أصحابه"، والتصويب من السنن.

(10)

"كشف الأستار"(1/ 482 رقم 1024).

(11)

في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد"(3/ 158)، وضعَّف إسناده الهيثمي.

ص: 99

"نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الوصالِ وليسَ بالعزيمةِ". ويدلُّ أيضًا مواصلةُ الصحابةِ فَرَوَى ابنُ أبي شيبةَ

(1)

بسندٍ صحيحٍ: "أنَّ ابنَ الزبيرِ كانَ يواصلُ خمسةَ عشر يومًا"، وذكرَ ذلكَ عنْ جماعةٍ غيرهِ، فلوْ فهمُوا التحريم لما فعلُوهَ. ويدلُّ للجوازِ أيضًا ما أخرجهُ ابنُ السكنِ

(2)

مرفوعًا: "إنَّ الله لم يكتبِ الصيامَ بالليلِ فمنْ شاءَ فليتبعني ولا أجْرَ لهُ"، قالُوا: والتعليلُ بأنهُ منْ فعلِ النَّصَارى لا يقتضي التحريم؛ فإنه قد علل تأخير الإفطار من فعل أهل الكتاب ولم يقتضِ التحريم. واعتذرَ الجمهورُ عنْ مواصلتهِ صلى الله عليه وسلم بالصحابةِ بأنَّ ذلكَ كانَ تقريعًا لهم وتنكيلًا بهمْ، واحتُمِلَ جوازُ ذلكَ لأجلِ مصلحةِ النَّهْي في تأكيدِ زجرِهم، لأنهمْ إذا باشروهُ ظهرتْ لهم حكمةُ النَّهي، وكان ذلكَ أَدْعَى إلى قبولهِ لما يترتبُ عليهِ منْ المللِ في العبادةِ، والتقصيرِ فيما هوَ أهمُّ منهُ وأرجحُ منْ وظائفِ العباداتِ. والأقربُ منَ الأقوالِ هوَ التفصيلُ.

وقولُه صلى الله عليه وسلم: "وأيُّكم مِثلي" استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ، أي: أيكمْ على صفتي ومنزلتي منْ ربِّي. واختُلِف في قولِه: "يُطعِمُني ويُسْقِيني"، فقيلَ: هوَ على حقيقتهِ كانَ يُطْعَمُ ويُسقَى منْ عندِ اللهِ، وتعقِّبَ بأنهُ لو كانَ كذلكَ لم يكنْ مواصلًا. وأجيبَ عنهُ بأنَّ ما كانَ منْ طعامِ الجنةِ على جهةِ التكريمِ، فإنهُ لا ينافي التَّكليفَ، ولا يكونُ لهُ حكمُ طعامِ الدنيا. وقالَ ابنُ القيم

(3)

رحمه الله: المرادُ ما يغذيه اللهُ منْ معارفِهِ وما يقيضهُ على قلبهِ منْ لذةِ مناجاتِه، وقُرَّةِ عينهِ بقربهِ، وتَنَعُّمِهِ بحبِّهِ، والشوقِ إليهِ، وتوابعُ ذلكَ منَ الأحوالِ التي هي غذاءُ القلوبِ، وتنعيمُ الأرواحِ، وقرةُ العينِ، وبهجةُ النفوسِ. وللقلبِ والروحِ بها أعظمُ غذاءٍ وأجودُه وأنفعهُ. وقد يقوِّي هذا الغذاءُ حتَّى يغني عن غذاءِ الأجسامِ برهةً منَ الزمانِ كما قيل:

لَها أحَادِيثُ مِنْ ذِكْراكَ تَشْغَلُهَا

عَنِ الشَّرَابِ وتُلْهِيْهَا عَنِ الزَّادِ

لَها بِوَجْهِكَ نُورٌ يُستضاءُ بهِ

وَمِنْ حَدِيثكَ في أعقْابِهَا حَادِي

وَمَنْ لهُ أَدْنَى معرفةٍ وشوقٍ يعلمُ استغناءَ الجسمِ بغذاءِ القلبِ والروحِ عنْ كثيرٍ منَ الغذاءِ الحيوانيّ، ولا سيَّما المسرورُ الفرحانُ الظافرُ بمطلوبهِ الذي قرَّتْ

(1)

في "المصنف"(3/ 84) بسند صحيح.

(2)

عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(4/ 202).

(3)

في "زاد المعاد"(2/ 32 - 33).

ص: 100

عينُه بمحبوبهِ، وتنعَّمَ بقربهِ، والرِّضَا عنهُ. وساقَ [في]

(1)

هذا المعنَى، واختارَ هذا الوجهَ في الإطعام والإسقاءِ. وأما الوصالُ إلى السَّحرِ فقدْ أذِنَ صلى الله عليه وسلم فيهِ كما في [صحيح]

(2)

البخاريِّ

(3)

[من حديث]

(4)

أبي سعيدٍ: "أنهُ سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: لا تواصلُوا فأيُّكم أرادَ أنْ يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحرِ". وأما حديثُ عمرَ في الصحيحينِ

(5)

مرفوعًا: "إذا أَقْبَلَ الليلُ منْ ههنا، وأدبرَ النهارُ منْ ههنَا، وغربتِ الشمسُ فقدْ أفطرَ الصائمُ"؛ فإنهُ لا ينافي الوصالَ، لأنَّ المرادَ بأفطرَ دخلَ في وقتِ الإفطارِ لا أنهُ صارَ مُفْطِرًا حقيقةً كما قيلَ، لأنهُ لو صارَ مفطِرًا حقيقةً لما وردَ الحثُّ على تعجيلِ الإفطارِ ولا النَّهي عن الوصالِ ولا استقامَ الإِذْنُ بالوصالِ إلى السَّحرِ.

[تأكيد النهي عن المحرَّمات في الصيام]

14/ 623 - وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(6)

، وَأَبُو دَاوُدَ

(7)

، وَالَّلفْظُ لَهُ. [صحيح].

(1)

زيادة من (أ).

(2)

في (أ): "حديث".

(3)

تقدم تخريجه في "شرح حديث" رقم (9/ 618) من كتابنا هذا.

(4)

في (أ): "عند".

(5)

البخاري في "صحيحه"(1954)، ومسلم (1100)، وأبو داود (2351)، والترمذي (698)، والنسائي في "الكبرى"(8/ 34 - تحفة الأشراف)، وأبو يعلى (رقم: 240)، وابن خزيمة (رقم: 2058)، وابن الجارود (رقم: 393)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم: 1735)، والبيهقي (4/ 216 و 237 - 238)، وعبد الرزاق في "المصنف" (رقم: 7595)، والحميدي (رقم: 20)، وأحمد (1/ 28، 35، 48، 54)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 11)، والدارمي (2/ 7) وغيرهم.

(6)

في "صحيحه"(1903) و (6057).

(7)

في "السنن"(2362).

قلت: وأخرجه الترمذي (707)، والنسائي (10/ 308 - تحفة الأشراف)، وابن ماجه (1689)، وابن خزيمة (1995)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم: 1746)، والبيهقي (4/ 270)، وأحمد (2/ 452 - 453 و 505) من طرق.

ص: 101

(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ: (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ لمْ يدعْ قولَ الزورِ) أي: الكذبَ، (والعملَ بهِ والجهلَ) أي: السَّفَهَ، (فليسَ للهِ حاجةٌ) أي: إرادةٌ (في أنْ يدعَ شرابَهُ وطعامَهُ. رواة البخاريُّ، وأبو داودَ، واللفظُ لهُ).

الحديثُ دليلٌ على تحريمِ الكذبِ، والعملِ بهِ، وتحريمِ السفهِ على الصائمِ، وهما محرَّمانِ على غيرِ الصائم أيضًا، إلَّا أن التحريمَ في حقِّه آكدُ كتأكدِ تحريمِ الزِّنى منَ الشيخِ، والخُيلاءِ منَ الفقيرِ. والمرادُ منْ قولِه:"فليسَ للهِ حاجةٌ"، أي: إرادةُ بيانِ عظمِ ارتكابِ ما ذُكِرَ، وأنَّ صيامَه كَلَا صيامَ، ولا معنَى لاعتبارِ المفهومِ هنا فإنَّ الله تعالى لا يحتاجُ إلى أحدٍ هو الغنيُّ سبحانهُ، ذكرَهُ ابنُ بطَّالٍ. وقيلَ: هوَ كنايةٌ عنْ عدمِ القَبولِ كما يقولُ المغضبُ لمنْ ردَّ شيئًا عليهِ: لا [حاجة]

(1)

لي في كذا، وقيلَ: إنَّ معناهُ أن ثوابَ الصيامِ لا يُقاومُ في حكمِ الموازنةِ ما يستحقُّ منَ العقابِ لما ذكرَ. هذَا وقدْ وردَ في الحديثِ الآخَرِ: " [إن]

(2)

شاتَمَهُ أو سابَّهُ فليقلْ إني صائمٌ"

(3)

، فلا تشتمْ مبتدئًا ولا مجاوِبًا.

[جواز القبلة والمباشرة للصائم]

15/ 624 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، ولَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(4)

، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم، وَزَادَ في رِوَايَةٍ

(5)

: في رَمَضَانَ. [صحيح].

(1)

في (أ): "حيلة".

(2)

في (ب): "فإن".

(3)

أخرجه ابن خزيمة (1993) من حديث أبي هريرة بسند صحيح على شرط مسلم.

وأخرج البخاري (1904)، ومسلم (163/ 1151) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "

فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤٌ صائم

".

(4)

البخاري (1927)، ومسلم (65/ 1106).

قلت: وأخرجه أبو داود (2382)، وابن ماجه (1687)، وابن خزيمة رقم (1998)، والبيهقي (4/ 230)، وأحمد (6/ 42، 216، 230)، والترمذي (729) كلهم من طريق الأسود عنها.

وللحديث طرق كثيرة عنها، انظر تخريجها في:"إرواء الغليل" للمحدث الألباني (4/ 80 - 85)، وكتابنا:"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الصوم.

(5)

في "صحيحه"(71/ 1106).

ص: 102

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وهُوَ صائمٌ، ويباشرُ) المباشرةُ الملامسةُ، وقدْ تردُ بمعنَى الوطْءِ في الفرجِ، وليسَ بمرادِ هنَا. (وهوَ صائمٌ، ولكنهُ أملكَكُمْ لإرْبِه) بكسرِ الهمزةِ، وسكونِ الراءِ، فموحدةٍ، وهو حاجةُ النفسِ ووطرِها، وقالَ المصنفُ في التلخيصِ

(1)

: معناهُ لعضوهِ. (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. وزادَ) أي: مسلمٌ (في روايةٍ: في رمضانَ).

قالَ العلماءُ: معنَى الحديثِ أنهُ ينبغي لكمُ الاحترازُ من القُبْلةِ، ولا تتوهَّمُوا أنكم مثلُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في استباحتِها، لأنهُ يملكُ نفسَه ويأمنُ منْ وقوعِ القبلةِ أنْ يتولَّدَ عنْها إنزالٌ، أو شهوةٌ، أو هيجانُ نفسٍ، أو نحوُ ذلكَ، وأنتمْ لا تأمنونَ ذلكَ؛ فطريقُكم كفُّ النفسِ عنْ ذلكَ. وأخرجَ النسائيُّ

(2)

منْ طريقِ الأسودِ: "قلتُ لعائشةَ: أيباشرُ الصائمُ؟ قالتْ: لا، قلتُ: أليسَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يباشرُ وهوَ صائمٌ؟ قالتْ: إنهُ كانَ أملكَكُم لإِربِه". وظاهرُ هذَا الحديث أنَّها اعتقدتْ أن ذلك خَاصٌّ بهِ صلى الله عليه وسلم. قالَ القرطبيُّ: وهوَ اجتهادٌ منْها، وقيلَ: الظاهرُ أنَّها تَرَى كراهةَ القبلة لغيره صلى الله عليه وسلم كراهة تنزيه لا تحريم كما يدل له قولها أملككم لإربه. وفي كتاب الصيامِ لأبي يوسفَ القاضي منْ طريقِ حمادِ بن سلمةَ: "سُئِلَتْ عائشةُ عن المباشرةِ للصائمِ فكرهتْها". وظاهرُ حديثِ البابِ جوازُ القُبلةِ والمباشرةِ للصائمِ لدليلِ التأسِّي به صلى الله عليه وسلم، ولأنَّها ذكرتْ عائشةُ الحديثَ جوابًا عمنْ سَأَلَ عن القبلةِ وهوَ صائمٌ، وجوابُها قاض بالإباحةِ مستدلةً بما كانَ يفعلُه صلى الله عليه وسلم. وفي المسألةِ أقوالٌ:

الأولُ: للمالكيةِ

(3)

أنهُ مكروهٌ مطلقًا.

الثاني: أنهُ محرَّمٌ مستدلينَ بقولهِ تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}

(4)

؛ فإنهُ مَنَعَ المباشرةَ في النهارِ، وأجيبَ بأنَّ المرادَ بها في الآيةِ الجماعُ، وقدْ بينَ ذلكَ فعلُه صلى الله عليه وسلم كما أفادَهُ حديثُ البابِ. وقالَ قومٌ إنَّها تحرمُ القبلةُ، وقالُوا: إنَّ مَنْ قَبَّلَ بَطَلَ صومُه.

(1)

(2/ 195).

(2)

في "السنن الكبرى"(2/ 210 رقم 3109/ 8).

(3)

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (2/ 323 - 325 رقم 13).

(4)

سورة البقرة: الآية 187.

ص: 103

الثالثُ: أنهُ مباحٌ، وبالغَ بعضُ الظاهريةِ

(1)

فقالَ: إنهُ مستحبٌّ.

الرابعُ: التفصيلُ، فقالُوا: يكرهُ للشابِّ، ويباحُ للشيخِ. ويُرْوَى عن ابن عباسٍ، ودليلُه ما أخرجَهُ أبو داودَ

(2)

: "أنهُ أتاهُ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فسأله عن المباشرةِ للصائمِ فرخَّصَ لهُ، وأتاهُ آخرٌ فسألهُ عنها فنهاهُ؛ فإذَا الذي رخَّصَ لهُ شيخٌ، والذي نهاهُ شابٌّ".

الخامسُ: أن مَنْ ملكَ نفسَه جازَ لهُ وإلَّا فلا، وهوَ مرويٌّ عن الشافعي، واستدلَّ لهُ بحديثِ عمرَ بن أبي سلمةَ لما سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرتْه أمُّهُ أمُّ سلمةَ:"أنهُ صلى الله عليه وسلم يصنعُ ذلكَ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، قدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ منْ ذنبكَ وما تأخرَ، فقالَ: إني أخشاكم للهِ"

(3)

. فدلَّ على أنهُ لا فرقَ بينَ الشابِّ والشيخِ، وإلَّا لبَّينَهُ صلى الله عليه وسلم لعمرَ لا سيَّما وعمرُ كانَ في ابتداءِ تكليفهِ. وقدْ ظهرَ مما عرفتَ أَنَّ الإباحةَ أقوى الأقوالِ، ويدلُّ لذلكَ ما أخرجَهُ أحمدُ

(4)

، وأبو داودَ

(5)

منْ حديثِ عمرَ بن الخطابِ قالَ: هشِشتُ يومًا فقبَّلْتُ وأنا صائمٌ، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: صنعتُ اليومَ أمرًا عظيمًا، فقبَّلْتُ وأنا صائمٌ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنتَ صائمٌ؟ قلتُ: لا بأسَ بذلكَ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ففيمَ؟! " انتَهى قولُه: هشِشْتُ بفتحِ الهاءِ وكسرِ الشينِ المعجمةِ، بعدَها شينٌ

(1)

انظر: "المحلَّى"(6/ 205 - 214)، فقد جمع فأوعى وناقش فأبلى.

(2)

في "السنن"(2387) من حديث أبي هريرة.

وفي إسناده أبو العنبس، واسمه عبد الله بن صُهبان الأسدي، وهو ليِّن الحديث، كما قال الحافظ في "التقريب"(1/ 424 رقم 389).

(3)

أخرجه مسلم في "صحيحه"(74/ 1108).

(4)

في "الفتح الرباني"(10/ 52 رقم 118)، وفي "المسند"(1/ 21).

(5)

في "السنن"(2385).

قلت: وأخرجه البزار (1/ 479 - كشف الأستار)، وقال عقبه:"لا نعلمه عن عمر إلّا من هذا الوجه بهذا اللفظ، وقد روي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف هذا" اهـ.

وأخرجه الدارمي (2/ 13)، والحاكم (1/ 431)، والبيهقي (4/ 218) و (4/ 261) وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 60 - 61)، والنسائي في "الكبرى"(8/ 17 - تحفة الأشراف) من طرق.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

ص: 104

معجمةٌ ساكنةٌ، معناهُ ارتحتُ وخففتُ. واختلفُوا أيضًا فيما إذا قبَّلَ أو نَظَرَ أو باشرَ فأنزلَ أو أمذَى، فعنِ الشافعيِّ وغيرِه: أنهُ يقضي إذا أنزلَ في غيرِ النظرِ، ولا قضاءَ في الإمذاءِ. وقالَ مالكٌ: يقضي في كلِّ ذلكَ ويُكَفِّرُ إلَّا في الإمذاءِ فيقضي فقطْ. وثمةَ خلافاتٌ أُخَرُ الأظهرُ أنهُ لا قضاءَ ولا كفارةَ إلا على مَنْ جامعَ وإلحاقُ غيرِ المجامِعِ بهِ بعيدٌ.

(تنبيهٌ): قولُها: وهوَ صائمٌ لا يدلُّ أنهُ قبَّلَها وهي صائمةٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ

(1)

عنْ عائشةَ: "كانَ يقبِّلُ بعضَ نسائهِ في الفريضةِ والتطوعِ"، ثمَّ ساقَ بإسنادهِ:"أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ لا يمسُّ وجْهَهَا وهي صائمةٌ"

(2)

. وقالَ: ليسَ بينَ الخبريْنِ تضادٌّ، لأنه كانَ يملكُ إربهُ، ونبَّهَ بفعلهِ ذلكَ على جوازِ هذا الفعلِ لمنْ هوَ بمثلِ حالهِ، وتركِ استِعمالِه إذا كانتِ المرأةُ صائمةً علمًا منهُ بما رُكِّبَ في النساءِ منَ الضعفِ عندَ الأشياءِ التي تردُ عليهنَّ، انتهى.

[القول في الحجامة في الصيام]

16/ 625 - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(3)

. [صحيح].

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجمَ وهوَ محرِمٌ، واحتجمَ وهوَ صائمٌ. رواهُ البخاريُّ) قيلَ: ظاهرهُ أنهُ وقعَ منهُ الأمرانِ المذكورانِ مفترقينِ، وأنهُ احتجمَ وهوَ صائمٌ، واحتجمَ وهوَ محرمٌ، ولكنهُ لم يقعْ ذلكَ في وقتٍ واحدٍ، لأنه لم

(1)

في "الإحسان"(8/ 314 رقم 3545).

وأخرجه النسائي في "الكبرى"(12/ 368)، و (12/ 351)، وأحمد (6/ 241 - 252)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 91)، وعبد الرزاق في "المصنف" رقم (7408) من طرق.

وهو حديث صحيح.

(2)

أخرجه ابن حبان (8/ 315 رقم 3546) وسنده قوي.

(3)

في "صحيحه"(1938).

قلت: وأخرجه مسلم (87/ 1202)، والترمذي (775، 777)، وأبو داود (2373)، وابن ماجه (1682).

ص: 105

يكنْ صائمًا في إحرامهِ إذا أريدَ إحرامهُ وهوَ في حجَّةِ الوداعِ؛ إذْ ليسَ في رمضانَ، ولا كانَ محرمًا في سفرهِ في رمضانَ عامَ الفتحِ، ولا في شيءِ منْ عُمَرِهِ التي اعتمرَهَا، وإن احتملَ أنهُ صامَ نفلًا إلَّا أنهُ لم يعرفْ ذلكَ، وفي الحديثِ رواياتٌ.

وقالَ أحمدُ: إنَّ أصحابَ ابن عباسٍ لا يذكرونَ صيامًا. وقالَ أبو حاتمٍ

(1)

: "أخطأ فيهِ شريكٌ إنَّما هوَ احتجمَ وأعطَى الحجَّامَ أُجْرَتَهُ. وشريكٌ حدَّثَ بهِ مِنْ حفظِه، وقدْ ساءَ حفظهُ". فَعَلَى هذا الثابتُ إنما هوَ الحاجةُ. والحديثُ يحتملُ أنهُ إخبارٌ عنْ كلِّ جملةٍ على حِدَةٍ، وأنَّ المرادَ احتجمَ وهوَ محرمٌ في وقتٍ، واحتجمَ وهوَ صائمٌ في وقتٍ آخرَ، والقرينةُ على هذا معرفةُ أنهُ لم يتفقْ لهُ اجتماعُ الإحرامِ والصيامِ، وأما تغليطُ شريكٍ وانتقالُه إلى ذلكَ اللفظِ فَأَمْرٌ بعيدُ، والعمل على صحةِ روايتِه معَ تأويلِها أَوْلى.

وقدِ اختُلِفَ فيمنِ احتجَم وهوَ صائمٌ، فذهبَ إلى أنها لا تفطِّر الصيَّام الأكثرون منَ الأئمةِ، وقالُوا: إنَّ هذا ناسخٌ لحديثِ شدَّادِ بن أَوْسٍ وهوَ:

17/ 626 - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ في رَمَضَانَ فَقَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ

(2)

، وَصَحّحَهُ أَحْمَدُ

(3)

، وَابْنُ خُزَيْمَةَ

(4)

، وَابْنُ حِبَّان

(5)

. [صحيح].

(وعنْ شدادِ بن أوسٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى عَلَى رجلٍ بالبقيعِ وهوَ يحتجمُ في

(1)

في "العلل"(1/ 230 رقم 668).

(2)

أحمد (4/ 24، 123، 124، 125)، وأبو داود (2368)، والنسائي (4/ 144 - مع تحفة الأشراف)، وابن ماجه (1681).

(3)

قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد يقول: هو أصح ما روي فيه - كما في "التلخيص"(2/ 193).

(4)

في "صحيحه"(3/ 226 رقم 1963).

(5)

في "الإحسان"(8/ 302 رقم 3533).

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 14)، والطبراني في "الكبير" (رقم: 7151) و (7152)، و (7147)، و (7149)، (7150) و (7153) و (7154) و (7184) و (7188)، والبيهقي (4/ 265)، وعبد الرزاق في "المصنف" (رقم: 7519)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 49 - 50) من طرق.

ص: 106

رمضانَ فقالَ: أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ له. رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحهُ أحمدُ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ قدْ صحَّحهُ البخاريُّ

(1)

وغيرُه، وأخرجهُ الأئمةُ عنْ ستةَ عشرَ منَ الصحابةِ

(2)

. وقالَ الحافظ السيوطيُّ في الجامعِ الصغيرِ

(3)

: إنَّه متواترٌ. وهوَ دليلٌ على أن الحجامةَ تفطِّرُ الصائمَ منْ حاجمٍ ومحجومٍ لهُ. وقدْ ذهبتْ طائفةٌ قليلةٌ إلى ذلكَ منهم أحمدُ بنُ حنبل وأتباعُه لحديثِ شدادٍ هذا. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يفطرُ المحجومُ لهُ، وأما الحاجمُ فإنهُ لا يفطِرُ عملًا بالحديثِ هذا في الطرفِ الأولِ، ولا أدري ما الذي أوجبَ العملَ ببعضِه دونَ بعضٍ، وأما الجمهورُ القائلونَ: إنهُ لا يفطرُ حاجمٌ ولا محجومٌ له فأجابوا عنْ حديثِ شدادٍ هذا بأنهُ منسوخٌ

(4)

، لأن حديثَ ابن عباسٍ متأخِّرٌ، لأنهُ صحبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عامَ حجهِ وهوَ سنةَ عشرٍ، وشدادٌ صحبهُ عامَ الفتحِ، كذَا حُكِيَ عن الشافعيِّ

(5)

قالَ: وتوقِّي الحجامةِ احتياطًا أحبُّ إليَّ. ويؤيدُ النسخَ ما يأتي في حديثِ أنسٍ في قصةِ جعفرِ بن أبي طالبٍ. وقدْ أخرجَ الحازميُّ

(6)

منْ حديثِ أبي

(1)

ذكره الترمذي في "العلل الكبير"(ص 122).

(2)

منهم: 1) رافع بن خديج. 2) أبو موسى. 3) معقل بن يسار. 4): أسامة بن زيد 5) بلال. 6) علي. 7) عائشة. 8) أبو هريرة. 9) أنس. 10) جابر. 11) ابن عمر. 12) سعد بن أبي وقاص. 13) أبو يزيد الأنصاري. 14) ابن مسعود. 15) ثوبان. 16) شداد. انظر تخريجها في كتابنا: "إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الصيام.

(3)

رقم الحديث (1309).

(4)

انظر: "رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار" للجعبري (ص 356 - 359).

(5)

انظر: "المجموع"(6/ 351)، و"نصب الراية"(2/ 479) و "فتح الباري"(4/ 177).

(6)

في "الاعتبار"(ص 355).

قلت: وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير"(رقم: 215)، والبزار (رقم 1012 - كشف الأستار) وقال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا إسحاق عن الثوري.

وقال ابن خزيمة: إنما هو من قول أبي سعيد الخدري لا عن النبي صلى الله عليه وسلم. أدرج في الخبر. وقال الترمذي: سألت محمدًا - البخاري - عن هذا الحديث فقال: حديث إسحاق الأزرق عن سفيان هو خطأ.

قال أبو عيسى: وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا أصح. هكذا روى قتادة وغير واحد، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد قوله.

قلت: وانظر: "كشف الأستار"(1/ 476 و 477).

وصحيح ابن خزيمة (3/ 231 رقم 1967 و 1968 و 1969) و (3/ 247 رقم 2005).

ص: 107

سعيدٍ مثلَه. قالَ أبو محمدٍ بن حزمٍ

(1)

: إنَّ حديثَ: "أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ" ثابتٌ بلا ريبٍ لكنْ وجدْنا في حديثٍ: "أنهُ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الحجامةِ للصائمِ وعنِ المواصلةِ، ولم يحرِّمْهُما إبقاءً على أصحابهِ"

(2)

إسنادُه صحيحٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ

(3)

ما يؤيِّدُ حديثَ أبي سعيدٍ: "أنهُ صلى الله عليه وسلم رخَّصَ في الحجامةِ للصائمِ" والرخصةُ إنما تكونُ بعدَ العزيمةِ فدلَّ على النسخِ سواءٌ كانَ حاجمًا أو محجومًا. وقيلَ: إنهُ يدلُّ على الكراهةِ، ويدلُّ لها حديثُ أنسٍ الآتي

(4)

، وقيلَ إنَّما قالهُ صلى الله عليه وسلم في خاصٍّ وهوَ أنهُ مرَّ بهما، وهما يغتابانِ الناسَ، رواهُ الوحاظيُّ عنْ يزيدِ بن ربيعةَ، عنْ أبي الأشعثِ الصنعانيِّ أنهُ قالَ:"إنَّما قالَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ له، لأنَّهما كانا يغتابانِ الناسَ". وقالَ ابنُ خزيمةَ في هذا التأويلِ: إنهُ أعجوبةٌ، لأنَّ القائلَ بهِ لا يقولُ إنَّ الغيبةَ تفطِّرُ الصائمَ. وقالَ أحمدُ: ومنْ سَلِمَ مِنَ الغيبةِ؟ لو كانتِ الغيبةُ تفطِّرُ ما كانَ لنا صومٌ. وقدْ وجَّهَ الشافعيُّ

(5)

هذا القولَ، وحملَ الشافعيُّ الإفطارَ بالغيبةِ على سقوطِ أجرِ الصومِ مثلُ قولهِ صلى الله عليه وسلم للمتكلِّمِ والخطيبُ يخطبُ:"لا جمعةَ لهُ"

(6)

، ولم يأمْره بالإعادةِ، فدلَّ على أنهُ أرادَ سقوطَ الأجرِ وحينئذٍ فلا وجْهَ لجعلهِ أعجوبةً كما قالَ ابنُ خزيمةَ. وقالَ البغويُّ:

(7)

المرادُ بإفطارِهما تعرُّضُهمَا للإفطارِ؛ أما الحاجمُ فلأنهُ لا يأمنُ من وصولِ شيءٍ منَ الدمِ إلى جوفهِ عندَ المصِّ، وأما المحجومُ [له]

(8)

فلأنهُ لا يأمنُ منْ ضعفِ قوَّتهِ بخروجِ الدم فَيَؤولُ إلى الإفطارِ. قالَ ابنُ تيمية رحمه الله في ردِّ هذا التأويلِ: إنَّ قولَهُ صلى الله عليه وسلم: "أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ لهُ" نصٌّ في حصول الفطرِ لهما، فلا يجوزُ أن يعتقدَ بقاءَ صَومِهما والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يخبرُ عنْهما بالفطرِ، لا سيَّما وقد

(1)

في "المحلَّى"(6/ 204 - 205).

(2)

تقدم تخريجه في شرح حديث رقم (13/ 622) من كتابنا هذا.

(3)

في "المصنف"(3/ 51 - 53).

(4)

رقم (18/ 627) من كتابنا هذا.

(5)

انظر: "مغني المحتاج"(1/ 435).

(6)

أخرجه أحمد في "الفتح الرباني"(6/ 62 رقم 1563)، وأبو داود في "السنن"(رقم 1051) من حديث علي وفي إسناده مجهول وهو مولى امرأة عطاء الخراساني.

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(7)

في "شرح السنة"(6/ 304).

(8)

زيادة من (أ).

ص: 108

أطلقَ هذا القولَ إطلاقًا منْ غيرِ أنْ يقرنَه بقرينةٍ تدلُّ على أن ظاهرهَ غيرُ مرادٍ، فلوْ جازَ أن يريدَ مقاربةَ الفطرِ دونَ حقيقته لكانَ ذلكَ تلبيسًا لا بيانًا للحكم، انتهَى.

قلتُ: ولا ريبَ في أن هذا هوَ الذي دلَّ لهُ:

18/ 627 - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوّلُ مَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبي طَالبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرّ بِهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"أَفْطَرَ هَذَانِ"، ثُمّ رَخَّصَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعْدُ في الْحِجَامَةِ لِلصّائمِ، وَكَانَ أَنسِّ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَواهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَقوّاهُ

(1)

. [صحيح].

(وعنْ أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قالَ: أولُ ما كُرِهَتِ الحجامةُ للصائمِ أن جعفرَ بنَ أبي طالبٍ احتجمَ وهوَ صائمٌ، فمرَّ بهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: أفطرَ هذانِ، ثمَّ رخَّصَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعدُ في الحجامةِ للصائمِ، وكانَ أنسٌ يحتجمُ وهوَ صائمٌ. رواهُ الدارقطنيُّ وقوَّاهُ)، قالَ: إنَّ رجاله ثقاتٌ، ولا تُعْلَمُ لهُ علةٌ. وتقدَّمَ أنهُ منْ أدلةِ النسخِ لحديثِ شدادٍ.

[الكحل في الصيام]

19/ 628 - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم اكْتَحَلَ في رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ

(2)

، بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ

(3)

. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ

(4)

: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. [ضعيف].

(1)

في "السنن"(2/ 182 رقم 7) وقال: كلهم ثقات، ولا أعلم له علة.

وأخرجه البيهقي (4/ 268) من طريق الدارقطني به.

وقال ابن حجر في "الفتح"(4/ 178) عقب الحديث: "ورواته كلهم من رجال البخاري .. ".

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(2)

في "السنن"(1678).

(3)

قال الوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 13 رقم 608/ 1678): "هذا إسناد ضعيف لضعف الزبيدي واسمه: سعيد بن عبد الجبار، بيَّنه أبو بكر بن أبي داود.

رواه الحاكم من طريق أحمد بن أبي الطيب عن بقية به.

ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في "سننه"(4/ 262) وقال: "سعيد الزبيدي من مجاهيل شيوخ بقية منفرد بما لا يتابع عليه" اهـ.

(4)

في "السنن"(3/ 105).

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 109

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم اكتحلَ في رمضانَ وهوَ صائمٌ. رواهُ ابن ماجهْ بإسنادٍ ضعيفٍ. قالَ الترمذيُّ: لا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ)، ثمَّ قالَ: واختلفَ أهلُ العلمِ في الكحلِ للصائمِ فكرهَهُ بعضُهم، وهوَ قولُ سفيانَ، وابنِ المباركِ، وأحمدَ، وإسحاقَ. ورخَّصَ بعضُ أهلِ العلمِ في الكحل للصائمِ، وهوَ قولُ الشافعيِّ انتهَى. وخالفَ ابنُ شبرمةَ وابنُ أبي ليلى فقالَا: إنهُ يفطرُ لقولهِ صلى الله عليه وسلم: "الفطرُ مما دخلَ وليسَ مما خرجَ"، وإذا وَجَدَ طعمَهُ فقدْ دخلَ، وأجيبَ عنهُ بأنا لا نسلِّم كونَه داخلًا، لأنَّ العينَ ليستَ بمنفَذٍ وإنَّما يصلُ منَ المسامِ، فإنَّ الإنسانَ قدْ يدلكُ قدميْهِ بالحنظلِ فيجدُ طعمهُ في فيهِ لا يفطرُ. وحديثُ:"الفطرُ مما دخلَ" علَّقَهُ البخاريُّ

(1)

عن ابن عباسٍ، ووصلَهُ عنهُ ابنُ أبي شيبةَ

(2)

. وأما ما أخرجهُ أبو داودَ

(3)

عنهُ صلى الله عليه وسلم قالَ في الإثمدِ: "ليتقهِ الصائمُ" ققالَ أبو داودَ: قالَ لي يحيى بنُ معين: إنه حديث منكرٌ.

[من أكل أو شرب ناسيًا]

20/ 629 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(4)

.

- وَللْحَاكِمِ

(5)

: "مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ وَلَا كفَّارَةَ"، وَهُوَ صَحِيحٌ. [صحيح]

(1)

في "صحيحه"(4/ 173 رقم الباب 32).

(2)

في "المصنف"(3/ 51).

(3)

في "السنن"(2377)، وهو حديث ضعيف.

(4)

البخاري (1933)، ومسلم (171/ 1155).

قلت: وأخرجه أحمد (2/ 425)، والدارمي (2/ 13)، وأبو داود (2398)، والترمذي (721)، وابن ماجه (1673)، وابن الجارود (ص 161 رقم 390).

(5)

في "المستدرك"(1/ 430).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 178 رقم 28)، وابن خزيمة في "صحيحه" (3/ 239 رقم 1990) وابن حبان (رقم 906 - موارد): وقال ابن حجر في "فتح الباري"(4/ 157): إسناده صحيح.

ص: 110

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ نسيَ وهوَ صائمٌ، فأكلَ أو شربَ فليتمَّ صومَه، فإنَّما أطعمهُ اللهُ وسقاهُ)، وفي روايةِ الترمذيِّ

(1)

: "فإنَّما هو رزقٌ ساقهُ اللهُ إليهِ"(متفقٌ عليه. وللحاكمِ) أي: [عن]

(2)

أبي هريرةَ: (مَنْ أفطرَ في رمضانُ ناسيًا فلا قضاءَ عليهِ ولا كفارةَ. وهوَ صحيحٌ)، وورود لفظِ: مَنْ أفطرَ يعمُّ الجماعَ، وإنَّما خصَّ الأكلَ والشربَ لكونِهما الغالبَ في النسيانِ كما قالهُ ابنُ دقيقِ العيدِ.

والحديثُ دليلٌ على أن مَنْ أكلَ أو شربَ أو جامعَ ناسيًا لصومهِ فإنهُ لا يفطرهُ ذلكَ لدلالةِ قولهِ: "فليتمَّ صومَهُ" على أنهُ صائمٌ حقيقةً، وهذَا قولُ الجمهور

(3)

، وزيدُ بنُ عليٍّ، والباقرُ، وأحمدُ بنُ عيسى، والإمامُ يحيى، والفريقينِ. وذهبَ غيرُهم إلى أنهُ يفطرُ، قالُوا: لأنَّ الإمساكَ عن المفطراتِ ركنُ الصومِ، فحكمهُ حكمُ مَنْ نسيَ ركنًا منَ الصلاةِ، فإنَّها تجبُ عليهِ الإعادةُ وإنْ كانَ ناسيًا. وتأَوَّلُوا قولَه:"فليتمَّ صومَهُ" بأنَّ المرادَ فليتمَّ إمساكَهُ عن المفطراتِ. وأجيبَ بأنَّ قولَهُ: "فلا قضاء عليهِ ولا كفارةَ" صريحٌ في صحَّةِ صومهِ وعدمِ قضائهِ لهُ.

وقدْ أَخْرجَ الدارقطنيُّ إسقاطَ القضاءِ في روايةِ أبي رافعٍ

(4)

، وسعيدٍ المقبريِّ

(5)

، والوليدِ بن عبدِ الرحمنِ

(6)

، وعطاء بن يسارٍ

(7)

، كلُّهم عنْ أبي هريرةَ. وأفتَى بهِ جماعةٌ منَ الصحابةِ، منْهم عليٌّ رضي الله عنه وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرةَ، وابنُ عمرَ، كما قالُ ابنُ المنذرِ، وابنُ حزمٍ

(8)

. وفي سقوطِ القضاءِ أحاديثُ يشدُّ بعضُها بعضًا، ويتمُّ الاحتجاجُ بها. وأما القياسُ على الصلاةِ فهوَ

(1)

في "السنن"(3/ 100): " .. فإنما هو رزقٌ رزَقه اللهُ".

واللفظ المذكور عند الدارقطني (2/ 178 رقم 27).

(2)

في (ب): "من".

(3)

انظر: "نيل الأوطار"(4/ 206 - 207).

(4)

أخرجه الدارقطني (2/ 179 رقم 30) وقال: نصر بن طريف أبو جزء ضعيف.

(5)

أخرجه الدارقطني (2/ 179 رقم 31) وقال: ياسين ضعيف الحديث، وعبد الله بن سعيد مثله.

(6)

و

(7)

أخرجه الدارقطني (2/ 179 رقم 33) وقال: والحكم بن عبد الله هو ابن سعد الأيلي ضعيف الحديث.

(8)

في "المحلَّى"(6/ 220 - 226).

ص: 111

قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ لأنهُ في مقابلةِ النصِّ، على أنهُ منازعٌ في الأصلِ. وقدْ أخرجَ أحمدُ

(1)

عنْ مولاةٍ لبعضِ الصحابياتِ: "أنّها كانتْ عنِدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأُتيَ بقصعةٍ منْ ثريدٍ فأكلت منه، ثم تذكرتْ أنَّها كانتْ صائمةً فقالَ لها ذو اليدينِ: الآنَ بعدَ ما شبعتِ، فقالَ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أتمِّي صومَك فإنَّما هوَ رزقٌ ساقَهُ اللهُ إليكِ"، ورَوَى عبدُ الرزاقِ

(2)

: "أن إنسانًا جاءَ إلى أبي هريرةَ، فقالَ لهُ: أصبحتُ صائمًا وطعمتُ، فقالَ: لا بأسَ، قالَ: ثمَّ دخلتُ على إنسانٍ فنسيتُ وطعمتُ وشربت، قال: لا بأس أطعمك الله وسقاك، قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت، قالَ أبو هريرة: أنتَ إنسانٌ لم تتعوَّد الصوم.

[لا يفطر الصائم بالقيء الغالب بل يفطر باستجلابه]

21/ 630 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(3)

، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ

(4)

، وَقَوّاهُ الدَّارَقُطْنيُّ

(5)

. [صحيح]

(1)

في "المسند"(6/ 367) بسند ضعيف.

(2)

في "المصنف"(4/ 174 رقم 7378) عن عمرو بن دينار.

(3)

أحمد (2/ 498)، وأبو داود (2380)، والترمذي (720). وابن ماجه (1676)، والنسائي في "الكبرى"(10/ 354 - تحفة الأشراف).

(4)

أنكره أحمد، وقال في رواية: ليس من ذا شيء، قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ، وقال مهنا عن أحمد: حدث به عيسى وليس هو في كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه. كما في "التلخيص"(2/ 189).

(5)

في "السنن"(2/ 184 رقم 20) وقال: رواته ثقات كلهم.

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 14)، وابن خزيمة رقم (1960) و (1961)، والبيهقي (4/ 219)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1755)، والحاكم (1/ 426 - 427) وصحَّحه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي وهو كما قالا.

وقال أبو داود عقب حديث (2380): رواه أيضًا حفص بن غياث عن هشام مثله. وهذه الرواية وصلها ابن ماجه (1676)، وابن خزيمة (رقم 1961)، والحاكم (1/ 426)، والبيهقي (4/ 219) من طرق عن حفص بن غياث عن هشام به.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

ص: 112

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ) بالذالِ المعجمةِ، والراءِ والعينِ المهملتينِ أي: سبقهُ وغَلَبَهُ في الخروجِ، (فَلَا قضاءَ عليهِ، ومَن استقاءَ) أي: طلبَ القيءَ باختيارهِ (فعليهِ القضاءُ. رواهُ الخمسةُ، وأعلَّهُ أحمدُ) بأنهُ غلطٌ، (وقوَّاهُ الدارقطنيُّ)، وقالَ البخاريُّ: لا أراهُ محفوظًا. وقدْ رُوِيَ منْ غيرِ وجهٍ ولا يصحُّ إسنادُه، وأنكرهُ أحمدُ وقالَ: ليسَ مِنْ ذا بشيء. قالَ الخطابيُّ: يريدُ أنهُ غيرُ محفوظٍ وقالَ: يقالُ صحيحٌ على شرطِهِما.

والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يفطرُ بالقيءِ الغالبِ لقولهِ: فلا قضاءَ عليهِ؛ إذْ عدمُ القضاءِ فرعُ الصحةِ. وعلى أنهُ يفطرُ منْ طَلَبَ القيءَ واستجْلَبَهُ، وظاهرُهُ وإنْ لم يخرجْ لهُ قيءٌ لأمرهِ بالقضاءِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ الإجماعَ

(1)

على أن تعمُّدَ القيءِ يفطِّرُ.

قلتُ: ولكنهُ رُوِي عن ابن عباسٍ، ومالكٍ، وربيعةَ، والهادي

(2)

أن القيءَ لا يفطِّرُ مطلقًا إلَّا إذا رجعَ منهُ شيءُ فإنهُ يفظرُ، وحجَّتُهم ما أخرجهُ الترمذيُّ

(3)

، والبيهقي بإسنادٍ ضعيفٍ

(4)

: "ثلاثٌ لا يُفَطِّرْنَ: القيءُ، والحجامةُ، والاحتلامُ". ويجابُ بحملهِ على مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ جمعًا بينَ الأدلةِ، وحَمْلًا للعامِّ على الخاصِّ على أن العامَّ غيرُ صحيحٍ، والخاصُّ أرجحُ منهُ سندًا، فالعملُ بهِ أَوْلَى وإنْ عارضَتْهُ البراءةُ الأصليةُ.

[المسافر له أن يصوم وله أن يفطر]

22/ 631 - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ

(1)

في كتابه "الإجماع"(ص 52 رقم 124)، وذكر المحقق في التعليقة رقم (5):"قال الخطابي: لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافًا". "معالم السنن"(3/ 261).

وقال ابن قدامة: هذا قول عامة أهل العلم. "المغني"(3/ 117) اهـ.

(2)

انظر: "نيل الأوطار"(4/ 204).

(3)

في "السنن"(719) وقال: حديث أبي سعيد حديث غير محفوظ.

(4)

في "السنن الكبرى"(4/ 220).

قلت: في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، انظر:"التقريب"(1/ 480)، و "الميزان"(2/ 564) و "المجروحين"(2/ 57).

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 113

رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، في رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَشَرِبَ، ثُمّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ".

- وفَي لَفْظٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ منْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ رضي الله عنهما أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خرجَ عامَ الفتحِ إلى مكة في رمضانَ)، سنةَ ثمانٍ منَ الهجرةِ. قالَ ابنُ إسحاقَ وغيرهُ: أنهُ خرجَ يومَ العاشرِ منهُ (فصامَ حتَّى بلغَ كراعَ الغميمِ)، بضمِّ الكافِ، فراءٍ آخرَهُ مهملةٌ. والغميمُ بمعجمةٍ مفتوحةٍ، وهوَ وادٍ أمامَ عَسَفَانَ (فصامَ الناسُ، ثمَّ دعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ فرفعهُ حتَّى نظرَ الناسُ إليهِ فشربَ) لِيُعْلِمَ الناسَ بإفطارهِ، (ثمَّ قيلَ لهُ بعدَ ذلكَ: إنَّ بعضَ الناسِ قد صامَ فقالَ: أولئكَ العصاةُ، أولئك العصاة. وفي لفظٍ فقيلَ: إنَّ الناسَ قدْ شقَّ عليهمُ الصيامُ، وإنَّما ينتظرونَ فيما فعلتَ، فدعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ بعدَ العصرِ فشربَ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على أن المسافرُ لهُ أنْ يصومَ، ولهُ أن يفطرَ، وأنَّ له الإفطارَ وإنْ صامَ أكثرَ النهارِ، وخالفَ في الطرفِ الأولِ داودُ

(2)

والإماميةُ فقالُوا: لا يجزئُ المسافر الصومُ لقولِه تَعَالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

(3)

، ولقولهِ:"أولئك العصاةُ"، [ولقولهِ]

(4)

: "ليسَ منَ البرِّ الصيامُ في السفر"

(5)

، وخالفَهمُ

(1)

في "صحيحه"(90، 91/ 1114).

قلت: وأخرجه الترمذي (710)، والنسائي (4/ 177)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 65)، والبيهقي (4/ 241).

(2)

انظر: "المحلى"(6/ 243 - 259 رقم المسألة 762).

(3)

سورة البقرة: الآية 184.

(4)

في (ب): "وقوله".

(5)

أخرجه البخاري (1946)، ومسلم (1115). والطيالسي في "منحة المعبود"(1/ 189 رقم 910)، وأحمد (3/ 299). والدارمي (2/ 9)، وأبو داود (2407)، والنسائي (4/ 175)، وأبو نعيم في "الحلية"(7/ 159)، والبيهقي (4/ 242)، والطحاوي في شرح معاني الآثار" (2/ 62) من حديث جابر.

ص: 114

الجماهيرُ فقالُوا: يجزئُه صومُه لفعلِه صلى الله عليه وسلم. والآيةُ لا دليلَ فيها على عدمِ الإجزاءِ. وقولُهُ: "أولئكَ العصاةُ" إنَّما هوَ لمخالفتهم لأمرهِ بالإفطارِ، وقدْ تعيَّنَ عليهمْ. وفيه أنهُ ليسَ في الحديثِ أنهُ أمرَهمْ وإنَّما يتمُّ على أنَّ فعلَه يقتضي الوجوبَ. وأما حديثُ:"ليسَ منَ البرِّ" فإنَّما قالهُ صلى الله عليه وسلم فيمَنْ شقَّ عليهِ الصيامُ. نعمْ يتمُّ الاستدلالُ بتحريمِ الصومِ في السفرِ علَى مَنْ شقَّ عليهِ فإنهُ إنَّما أفطرَ صلى الله عليه وسلم لقولِهم إنَّهم قدْ شقَّ عليهمْ الصيامُ فالذين صامُوا بعدَ ذلكَ وصفَهم بأنَّهمْ عصاةٌ.

وأما جوازُ الإفطارِ وإنْ صامَ أكثرَ النَّهارِ، فذهبَ أيضًا إلى جوازهِ الجماهيرُ، وعلَّقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على صحةِ الحديثِ، وهذَا إذا نوى الصيامَ في السفرِ، وأما إذا دخلَ فيهِ وهوَ مقيمٌ ثمَّ سافرَ في أثناءِ يومِه فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ليسَ لهُ الإفطارُ، وأجازَهُ أحمدُ، وإسحاق، وغيرُهم. والظاهرُ معَهم لأنهُ مسافرٌ

(1)

، وأما الأفضلُ فذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ إلى أنَّ الصومَ أفضلُ للمسافرِ

(2)

حيثُ لا مشقةَ عليهِ ولا ضررَ، فإنْ تضررَ فالفطرُ أفضلُ. وقالَ أحمدُ وإسحاقُ وآخرونَ: الفطرُ أفضلُ مطلقًا، واحتجُّوا بالأحاديثِ التي احتجَّ بها مَنْ قالَ: لا يجزئُ الصومُ، قالُوا: وتلكَ الأحاديثُ وإنْ دلَّتْ على المنعِ لكنَّ حديثَ حمزةَ بن عمرٍو الآتي

(3)

، وقولَهُ:"مَنْ أحبَّ أنْ يصومَ فلا جناحَ عليهِ" أفادَ بنفيهِ الجناحَ أنهُ لا بأسَ بهِ لا أنهُ محرَّمٌ ولا أفضلُ، واحتجَّ مَنْ قَالَ: بأنَّ الصومَ الأفضلُ أنهُ كانَ غالبَ فعلهِ صلى الله عليه وسلم في أسفارهِ. ولا يُخفَى أنهُ لا بدَّ مِنَ الدليلِ على الأكثريةِ. وتأوَّلُوا أحاديثَ المنعِ بأنهُ لمنْ شُقَّ عليهِ الصومُ. وقالَ آخرونَ: الصومُ والإفطارُ سواءٌ لتعادلِ الأحاديثِ في ذلكَ، وهوَ ظاهرُ حديثِ أنسٍ

(4)

: "سافرْنا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلمْ يُعِبِ الصائمَ على المفطرِ، ولا المفطرَ على الصائمِ"، وظاهرهُ التسويةُ.

(1)

انظر: "بداية المجتهد" بتحقيقنا (2/ 165 - 175).

والفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (2/ 641 - 644).

و"المجموع" للنووي (6/ 260 - 266).

(2)

و "الروض النضير"(3/ 34 - 38).

(3)

رقم (23/ 632) من كتابنا هذا.

(4)

أخرجه البخاري (1947)، ومسلم (1118).

ص: 115

[أيهما أفضل في السفر الفطر أم الصوم؟]

23/ 632 - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني أَجِدُ فيَّ قُوّةً عَلَى الصِّيَامِ في السّفَرِ، فَهَلْ عَلَيّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. وَأَصْلُهُ في الْمُتَّفقِ عَلَيْهِ

(2)

مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ ابْنُ عَمْرٍو سَأَلَ. [صحيح]

(وعنْ حمزةَ بن عمروِ الأسلميِّ)

(3)

هوَ أبو صالح أو أبو محمد، حمزةُ بالحاءِ المهملةِ وزاي معجمة يُعَدُّ في أهلِ الحجازِ، رَوَى عنهُ ابنُه محمدٌ وعائشةُ وغيرهما، ماتَ سنةَ إحدى وستينَ ولهُ ثمانونَ سنةً (أنهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ، إني أجدُ فيَّ قوةً على الصيامِ في السفرِ فهلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقالَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: هي رخصةٌ منَ اللهِ فمن أخذها فَحَسَنٌ، ومنْ أحبَّ أنْ يصومُ فلا جنَاحٌ عليه. رواة مسلمٌ، وأصلُه في المتفقِ منْ حديثِ عائشةَ أن حمزَة بن عمرٍو سأل)، وفي لفظِ مسلمٍ

(4)

: "إني رجلٌ أسردُ الصومَ أفأصومُ في السفرِ؟ قالَ: صُمْ إنْ شئتَ، وأفطرْ إنْ شئتَ". ففي هذا اللفظِ دلالةٌ على أنّهما سواءٌ، وتقدمَ الكلامُ في ذلك. وقد استدلَّ بالحديثِ مَنْ يَرى أنهُ لا يكرهُ صومُ الدهرِ، وذلكَ أنهُ أخبرَ أنهُ يسردُ الصومَ فأقرَّهُ ولم ينكرْ عليه وهوَ في السفرِ ففي الحضَرِ بالأَوْلَى، وذلك إذا كان لا يضعُفُ بهِ عنْ واجبٍ، ولا يفوتُ بسببهِ عليه حقٌّ، وبشرطِ فطرهِ العيدينِ والتشريقِ، وأما إنكارهُ صلى الله عليه وسلم

(1)

في "صحيحه"(1121).

قلت: وأخرجه مالك (1/ 295 رقم 24)، والطيالسي (1/ 189 رقم 907 - منحة المعبود)، وأحمد (3/ 494)، والحاكم (1/ 433)، والبيهقي (4/ 243)، والنسائي (4/ 187)، وأبو داود (2402).

(2)

البخاري (1943)، ومسلم (1121).

قلت: وأخرجه أحمد (6/ 46)، والدارمي (2/ 8 - 9)، والترمذي (711)، والنسائي (4/ 187)، وابن ماجه (1662)، والبيهقي (4/ 243).

(3)

انظر: "أسد الغابة"(2/ 55 رقم الترجمة 1252).

و"تهذيب التهذيب"(3/ 28 رقم الترجمة 46).

(4)

في "صحيحه"(104/ 1121).

ص: 116

على ابن عمرٍ صومَ الدهرِ

(1)

فلا يعارضُ هذا إلا أنه علمَ صلى الله عليه وسلم أنهُ سيضعفُ عنهُ، وهكذا كان فإنهُ ضعُفَ آخرَ عمرِه، وكانَ يقولُ: يا ليتني قبلتُ رخصةَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يحبُّ العملَ الدائمَ وإنْ قلَّ ويحثُّهم عليهِ.

[حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام]

24/ 633 - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ: "أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ

(2)

، وَالْحَاكِمُ

(3)

، وَصَحَّحَاهُ. [صحيح بشواهده]

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: رُخِّصَ للشيخِ الكبيرِ أنْ يفطرَ ويُطعِمَ عنْ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليهِ، رواهُ الدارقطنيُّ والحاكمُ وصحَّحاهُ). اعلمْ أنهُ اختلفَ الناسُ في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

(4)

؛ فالمشهور أنَّها منسوخةٌ، وأنهُ كانَ أولَ فرضِ الصيامِ أن مَنْ شاءَ أطعمَ مسكينًا وأفطرَ، ومنْ شاءَ صامَ، ثمَّ نسختْ بقولِه تعالَى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}

(5)

، وقيلَ بقولهِ:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

(6)

وقالَ قومٌ: هي غيرُ منسوخةٍ، منْهم ابنُ عباسٍ كما هنا، ورُوِيَ عنهُ أنهُ كانَ يقرأ:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} (4) أي: يُكَلَّفُونَهُ ولا يطيقونه ويقولُ: ليستْ بمنسوخةٍ، هي للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الهرمةِ، وهذَا هوَ الذي أخرجَهُ عنهُ مَنْ ذكرهُ المصنفُ، وفي سننِ الدارقطنيِّ

(7)

عن ابن عباس رضي الله عنه: "وعلى الذينَ يطيقونَهُ فديةٌ طعامُ مسكينٍ واحدٍ فمنْ تطوَّعَ خيرًا، قال: زادَ مسكينًا آخرَ فهو خيرٌ لهُ، قالَ: وليستْ منسوخةً إلا أنهُ رُخّصَ للشيخِ الكبيرِ الذي لا

(1)

أخرجه البخاري (1997)، ومسلم (186/ 1159).

(2)

في "السنن"(2/ 205 رقم 6) وقال: هذا إسناد صحيح.

(3)

في "المستدرك"(1/ 440) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

(4)

سورة البقرة: الآية 184.

(5)

سورة البقرة: الآية 184.

(6)

سورة البقرة: الآية 185.

(7)

(2/ 205 رقم 3 ورقم 7): قال بعد رقم 3: إسناد صحيح ثابت، وقال بعد رقم 7: وهذا صحيح.

ص: 117

يستطيعُ الصيامُ". إسنادُه صحيحْ ثابتٌ، وفيهِ

(1)

أيضًا: "لا يُرَخَّصُ في هذا إلا للكبيرِ الذي لا يطيقُ الصيامَ أو مريضٍ لا يُشْفَى"، قالَ: وهذا صحيحْ وعيَّنَ في روايةٍ

(2)

قدْرَ الإطعامِ وأنهُ نصفُ صالحٍ منْ حنطةٍ. وأخرجَ أيضًا

(3)

: "عن ابن عباسٍ، وابنِ عمرَ في الحاملِ والمرضعِ أنَّهما يفطرانِ ولا قضاءَ"، وأخرجَ مثلَه عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ

(4)

، وأنَّهما يطعمانِ كلَّ يومٍ مسكينًا. وأخرجَ

(5)

: "عنْ أنسِ بن مالكٍ أنهُ ضعفَ عامًا عن الصومِ، فصنعَ جفنةً منْ ثريدٍ، فدعا ثلاثينَ مسكينًا فأشبعَهم". وفي المسألةِ خلافٌ بينَ السلفَ، فالجمهورُ

(6)

أَنَّ الإطعامَ لازمٌ في حقِّ مَنْ لم يطقِ الصيامَ لِكِبَرٍ منسوخٌ في غيرِهِ. وقالَ جماعةٌ منَ السلفِ: الإطعامُ منسوخٌ وليسَ على الكبيرِ إذا لم يطقِ الصيامَ إطعامٌ

(7)

. وقالَ مالكٌ

(8)

: يستحبُّ لهُ الإطعامُ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، والأظهرُ ما قالَهُ ابنُ عباسٍ، والمرادُ بالشيخ العاجزُ عن الصومِ. ثمَّ الظاهرُ أن حديثَه موقوفٌ، ويحتملُ أن المرادَ رَخَّصَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فَغَيَّرَ الصيغةَ للعلمِ بذلكَ؟ فإنَّ الترخيصَ إنَّما يكونُ توْقِيفًا، وفيه أنه يحتملُ أنهُ فهمهُ ابنُ عباسٍ منَ الآيةِ وهوَ الأقربُ.

‌كفارة المجامع في رمضان

25/ 634 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ:"وَمَا أَهْلَكَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرأَتي فِي رَمَضَانَ، فَقَال:"هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ:"فَهلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ

(1)

في "سنن" الدارقطني (2/ 205 رقم 4) وقال: هذا الإسناد صحيح.

(2)

في "سنن" الدارقطني (2/ 207 رقم 12) وقال: صحيح.

(3)

في "سنن" الدارقطني (2/ 207 رقم 11) وقال: صحيح وما بعده.

(4)

منهم ابن عمر (2/ 207 رقم 14) وقال: صحيح.

(5)

في "سنن" الدارقطني (2/ 207 رقم 16).

(6)

انظر: "الفقه الإسلامي وأدلته"(2/ 647).

(7)

انظر: "بداية المجتهد" بتحقيقنا (2/ 177 - 178).

(8)

انظر: "قوانين الأحكام الشرعية"(ص 143).

ص: 118

مِسكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، ثُمّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: (تَصَدَّق بِهذَا"، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنا، فَضَحِكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حَتى بَدَتْ أَنْيَابَهُ، ثُمّ قَالَ:"اذْهَبْ فَأَطْعِمهُ أَهْلَكَ"، رَوَاهُ السَّبْعَةُ

(1)

، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رجلٌ) هوَ سلمةُ أو سلمانُ بنُ صخرٍ البياضي

(2)

، (إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: هلكْتُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: وما أهلكَكَ؟ قالَ: وقعتُ على امرأتي في رمضانَ، قالَ: هلْ تجدُ ما تعتقُ رقبةً) بالنصبِ بدلٌ منْ ما (قالَ: لا، قالَ: فهلْ تستطيعُ أنْ تصومَ شهرينِ متتابعينِ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ تجدُ ما تطعِمُ ستينَ مسكينًا) الجمهورُ أنَّ لكلِّ مسكينٍ مدًّا منْ طعامٍ ربعَ صاعٍ (قالَ: لا، ثمَّ جلسَ فَأُتيَ) بضمِّ الهمزةِ مغيرُ الصيغةِ (النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ) وهو المكيل الضخم بفتح العينِ المهملةِ والراءِ ثمَّ قافٍ (فيهِ تمرٌ). وردَ في روايةٍ

(3)

في غيرِ الصحيحينِ: فيهِ خمسةَ عشرَ صاعًا، وفي أُخْرَى

(4)

عشرونَ، (فقالَ: تصدَّقْ بهذَا، قال: أعلى أفقرَ منَّا فما بينَ لابَتَيها) تثنيةُ لابةٍ وهي الحرَّةُ، ويقالُ فيها لوبةُ ونوبةُ بالنونِ وهي غيرُ مهموزةٍ (أهل بيتٍ أحوجُ إليهِ منَّا فضحكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتَّى بَدتْ انيابُهُ، ثمَّ قالَ: اذهبْ فأطعمْهُ أهْلَك. رواهُ السبعةُ، واللفظُ لمسلمٍ). الحديثُ دليل على وجوبِ الكفارةِ على مَنْ جامعَ في نهارِ رمضانَ عامدًا، وذكرَ النوويُّ أنهُ إجماعٌ معسرًا كانَ أو

(1)

البخاري (1936)، ومسلم (1111)، ومالك (1/ 296 - 297)، وأبو داود (2390)، والترمذي (724)، وابن ماجه (1671)، والنسائي في "الكبرى"(2/ 212 رقم 3117/ 4)، وأحمد في "المسند"(2/ 258 و 241 و 281)، والبيهقي (4/ 221 و 222 و 224 و 226)، وابن الجارود رقم (384)، والدارقطني (2/ 195، 191) وغيرهم. من طرق.

(2)

قال الخزرجي في "الخلاصة"(ص 148): "سلمة بن صخر بن سليمان بن الصمة الأنصاري الخزرجي البياضي، الذي ظاهر من امرأته، روى عنه ابن المسيب، وسليمان بن يسار، قال البخاري: "لم يسمع منه له عندهم حديث".

(3)

عند الدارقطني في "السنن"(2/ 190 رقم 49) وقال: هذا إسناد صحيح.

وعند البيهقي (4/ 222 و 224 و 226).

(4)

انظر: "موطأ مالك"(1/ 297).

ص: 119

موسِرًا؛ فالمعسِرُ تثبتُ [الكفارة]

(1)

في ذمتهِ على أحدِ قولينِ للشافعيةِ، ثانيْهمَا لا تستقرُّ في ذمتهِ لأنهُ صلى الله عليه وسلم لم يبيِّنْ لهُ أنَّها باقيةٌ عليهِ. واختُلِفَ في الرقبةِ فإنَّها هنا مطلقةٌ، فالجمهورُ قَيَّدُوها بالمؤمنةِ حملًا للمطلقِ هنا عَلى المقيَّدِ في كفَّارَةِ القَتْلِ قَالُوا: لِأنّ كَلامَ اللَّهِ في حُكمِ الخِطابِ الوَاحِدِ فَيتَرتّبُ فِيه المُطْلَقُ عَلى المقيَّدِ. وقَالتِ الحنفيَّةُ: لَا يُحْمَلُ المُطْلَقُ على المقيدَ مطلقًا، فتجزئُ الرقبةُ الكافرةُ. وقيلَ: يفصَّلُ في ذلكَ، وهوَ أنهُ يقيدُ المطلقُ إذا اقتضَى القياسُ التقييدَ فيكونُ تقييدًا بالقياسِ كالتخصيصِ بالقياسِ، وهوَ مذهبُ الجمهورِ، والعلةُ الجامعةُ هنا هوَ أن جميعَ ذلكَ كفارةٌ عنْ ذنبٍ مكفرٍ للخطيئةِ، والمسألةُ مبسوطةٌ في الأصولِ. ثمَّ [إن]

(2)

الحديثُ ظاهرٌ في أن الكفارةَ مرتبةٌ على ما ذُكِرَ في الحديثِ، فلا يجزئُ العدولُ إلى الثاني معَ إمكانِ الأولِ، ولا إلى الثالثِ معَ إمكانِ الثاني لوقوعهِ مُرَتَّبًا في روايةِ الصحيحينِ. وَرَوَى الزُّهريُّ الترتيبَ عنْ ثلاثينَ نفسًا أوْ أكثرَ. ورواية التخييرِ مرجوحةٌ معَ ثبوتِ الترتيبِ في الصحيحينِ. ويؤيدُ روايةَ الترتيب أنهُ الواقعُ في كفارةِ الظهارِ، وهذهِ الكفارةُ شبيهةٌ بها. وقولُه:"ستينَ مسكينًا" ظاهر مفهومه أنهُ لا يجزئُ إلا إطعامُ هذَا العدد فلا يجزئُ أقلُّ منْ ذلكَ. وقالتِ الحنفيةُ: يجزئُ الصرفُ في واحدٍ، ففي القَدُورِيِّ منْ كتُبِهمْ فإنْ أطعمَ مسكينًا واحدًا ستينَ يومًا أجزأَه عندَنا، وإنْ أعطاهُ في يومٍ واحدٍ [لا يجزه]

(3)

إلَّا عنْ يومهِ. وقولُه: "اذهبْ فأطعمْه أهلَكَ"، فيهِ قولانِ للعلماءِ هما:

أنَّ هذهِ كفارةٌ، ومنْ قاعدةِ الكفاراتِ أنْ لا تصرفَ في النفس لكنهُ صلى الله عليه وسلم خصَّهُ بذلكَ، وردَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ الخصوصيةِ.

الثاني: أن الكفارةَ ساقطةٌ عنهُ لإعسارهِ، ويدلُّ له حديثُ عليٍّ عليه السلام:"كُلْهُ أنتَ وعيالُك فقدْ كفَّر الله عنكَ"

(4)

إلَّا أنهُ حديثٌ ضعيفٌ، أو أنَّها باقيةٌ في ذمتهِ، والذي أعطاهُ صلى الله عليه وسلم صدقةٌ عليهِ وعلى أهلهِ لما عَرفَهُ صلى الله عليه وسلم منْ حاجتِهم. وقالتِ

(1)

زيادة من (أ).

(2)

زيادة من (أ).

(3)

في (ب): "لم يجزه".

(4)

أخرجه الدارقطني في "السنن"(2/ 208 رقم 21) وفيه المنذر بن محمد ليس بقوي، وهذا إسناد علوي، وقال في "التلخيص": في إسناده من لا تعرف عدالته.

ص: 120

الهادويةُ

(1)

وجماعةٌ: إنَّ الكفارةَ غيرُ واجبةٍ أصلًا على موسرٍ ولا معسرٍ. قالُوا: لأنهُ أباحَ لهُ أنْ يأكلُ منْها ولوْ كانتْ واجبةً لما جازَ ذلكَ وهوَ استدلالٌ غيرُ ناهضٍ، لأنَّ المرادَ ظاهرٌ في الوجوبِ، وإباحةُ الأكل لا تدلُّ على أنَّها كفارةٌ بلْ فيها الاحتمالاتُ التي سلفتْ. واستدلَّ المهدي في البحرِ

(2)

كلى عدمِ وجوب الكفارةِ بأنهُ صلى الله عليه وسلم قالَ للمُجامِعِ: "استغفرِ اللَّهَ وثمْ يومًا مكانَهُ"

(3)

ولم يذكرْها. وأَجيبَ عنهُ بأنها قد ثبتت روايةُ الأمرِ بها عندَ السبعةِ بهذَا الحديثِ المذكورِ هُنَا. واعلم أنهُ لم يأمْرهُ في هذهِ الروايةِ بقضاءِ اليومِ الذي جامعَ فيهِ إلَّا أنهُ وردَ في روايةٍ [أخرى]

(4)

أخرجَها أبو داودَ

(5)

عن أبي هريرةَ بلفظِ: "كُلْهُ أنتَ وأهلُ بيتك وصمْ يومًا واستغفرِ الله". وإلى وجوب القضاءِ ذهبتِ الهادويةُ والشافعيُّ لعمومِ قولهِ تعالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

(6)

. (وفي) قولٍ للشافعيِّ: أنهُ لا قضاءَ لأنهُ صلى الله عليه وسلم لمْ يأمرْهُ إلا بالكفارةِ لا غيرُ. (وأجيبَ) بأنهُ اتكلَ صلى الله عليه وسلم على ما علمَ منَ الآيةِ. هذا حكمُ ما يجبُ على الرجلِ. وأما المرأةُ التي جامعَها فقد استدلَّ بهذَا الحديثِ أنهُ لا يلزمُ إلا كفارةٌ واحدةٌ، وأنَّها لا تجبُ على الزوجةِ، وهوَ الأصحُّ منْ قولي الشافعيِّ، وبهِ قال الأوزاعي. وذهبَ الجمهورُ

(7)

إلى وجوبِها على المرأةِ أيضًا قالُوا: وإنَّما لم يذكرْها النبيُّ صلى الله عليه وسلم معَ الزوجِ لأنَّها لم تعترفْ واعترافُ الزوجِ لا يوجبُ عليْها الحكمَ، أو لاحتمالِ أن المرأةَ لم تكنْ صائمةً بأنْ تكونَ طاهرةً منَ الحيضِ بعدَ طلوعِ الفجرِ، أوْ أن بيانَ الحكمِ في حقِّ الرجلِ يثبتُ الحكمَ في حقِّ المرأةِ أيضًا لما عُلِمَ منْ تعميمِ الأحكامِ، أوْ أنهُ عَرَفَ فقرَها كما ظهرَ منْ حالِ زوجِها.

(واعلمْ) أن هذا حديثٌ جليلٌ كثيرُ الفوائدِ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري

(8)

: إنهُ قد اعتنَى بعضُ المتأخرينَ ممنْ أدركَ شيوخنَا بهذا الحديثِ فتكلَّمَ عليهِ في مجلدينِ جمعَ فيهما ألفَ فائدةٍ وفائدةٍ، انتهَى. وما ذكرْناهُ فيهِ

(1)

انظر: "البحر الزخار"(2/ 249).

(2)

(2/ 249).

(3)

أخرجه سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب كما في "التلخيص"(2/ 207).

(4)

زيادة من (أ).

(5)

في "السنن"(2393)، وهو حديث صحيح.

(6)

سورة البقرة: الآيتان 184، 185.

(7)

انظر: "الروض النضير"(3/ 76).

(8)

(4/ 173).

ص: 121

كفايةٌ لِمَا فيهِ منَ الأحكامِ وقدْ طوَّلَ الشارحُ فيهِ ناقلًا منْ فتحِ الباري.

‌من أصبح جنبًا في الصيام فلا شيء عليه

26/ 635 - وَعَنْ عَائِشَةَ وَأمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصْبحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ

(1)

، وَزَادَ مُسْلِمٌ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ

(2)

: وَلَا يَقْضِي. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ وأمِّ سلمةَ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يصبحُ جُنُبًا منْ جماعٍ ثم يغتسلُ ويصومُ. متفقٌ عليهِ. وزادَ مسلمٌ في حديثِ أمِّ سَلَمة: ولا يقضي).

فيهِ دليلٌ على صِحَّةِ صومِ مَنْ أصبحَ أي دَخَلَ في الصباحِ وهوَ جُنُبٌ منْ جماعٍ، والى هذا ذهبَ الجمهورُ

(3)

. وقالَ النوويُّ: إنهُ إجماعٌ، وقدْ عارضَه ما أخرجَهُ أحمدُ

(4)

، وابنُ حِبَّانَ

(5)

منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا نُودِيَ

(1)

البخاري (1926)، ومسلم (75/ 1109).

قلت: وأخرجه أبو داود (2388)، والترمذي (779) وقال: حديث حسن صحيح.

(2)

في "صحيحه"(77/ 1109).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (2/ 78 - 79 رقم المسألة 2078).

(4)

في "المسند"(2/ 314).

(5)

في "الإحسان"(8/ 261 رقم 3485).

قلت: وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(رقم 7399)، وابن ماجه (1702). وعلقه البخاري بإثر حديث رقم (1926)، وقال الحافظ في "الفتح" (4/ 146): وصله أحمد وابن حبان في طريق معمر عن همام.

وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 22 رقم 615/ 1702).

هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه النسائي في "الكبرى" عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة به

قال شيخنا أبو الفضل بن الحسين رحمه الله: وهذا إما منسوخ كما رجَّحه الخطابي، أو مرجوح كما قاله الشافعي والبخاري بما في "الصحيحين" من حديث عائشة وأم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم.

ولمسلم من حديث عائشة التصريح بأنه ليس من خصائصه، وعنده أن أبا هريرة رجع عن ذلك حين بلغه حديث عائشة وأم سلمة.

انظر: "شرح صحيح مسلم" للأبي (3/ 238 - 240).

ص: 122

للصلاةِ صلاةِ الصبحِ وأحدُكم جُنُبٌ فلا يصمْ يومَهُ". وأجابَ الجمهورُ: بأنهُ منسوخٌ وأنَّ أبا هريرةَ رجعَ عنهُ لمَّا رُوِيَ لهُ حديثُ عائشةَ وأمِّ سلمةَ وأفتَى بقولِهِمَا. ويدلُّ للنسخِ ما أخرجَهُ مسلمٌ

(1)

، وابنُ حبانَ

(2)

، وابنُ خزيمةَ

(3)

عنْ عائِشةَ: "أن رجلًا جاءَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يستفتيهِ وهي تسمعُ منْ وراءِ حجابٍ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، تدركُني الصلاةُ أي: صلاةُ الصبحِ وأنا جُنُبٌ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وأنا يدركني الصبح وأنا جُنُبٌ فأصومُ"، قالَ: لستَ مثلَنا يا رسول اللَّهِ، قدْ غفرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ منْ ذنبِكَ وما تأَخَّر، فقالَ: "واللَّهِ إني لأَرْجُو أنْ أكُونَ أخشاكم للَّهِ وأعلمَكم بما أتقي". وقد ذهبَ إلى النسخِ ابنُ المنذرِ والخطابي وغيرُهما، وهذا الحديثُ يدفعُ قولَ مَنْ قالَ: إنَّ ذلكَ كانَ خاصًّا بهِ صلى الله عليه وسلم، وردَّ البخاريُّ حديثَ أبي هريرةَ: بأنَّ حديثَ عائشةَ أقوى سندًا

(4)

حتَّى قالَ ابنُ عبدِ البرِّ

(5)

: إنهُ صحَّ وتواترَ، وأما حديثُ أبي هريرةَ فأكثرُ الرواياتِ أنهُ كانَ يفتي بهِ، وروايةُ الرفعِ أقلُّ، ومعَ التعارضِ يُرَجَّحُ لقوةِ الطريقِ

(6)

.

‌الصوم عن الغير

27/ 636 - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(7)

. [صحيح].

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ ماتَ وعليهِ صومٌ صامَ عنهُ وليُّهُ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يجزئُ الميتَ صيامُ وليِّهِ عنهُ إذا ماتَ وعليه صومٌ واجبٌ، والإخبارُ في معنَى الأمرِ، أي:[فليصمْ]

(8)

عنهُ وليُّه، والأصلُ فيهِ الوجوبُ إلَّا أنهُ قد ادَّعَى الإجماعَ على أنهُ للندبِ. والمرادُ منَ المولَى كلُّ قريبٍ

(1)

في "صحيحه" رقم (1110).

(2)

في "الإحسان" رقم (3495).

(3)

في "صحيحه" رقم (2014).

قلت: وأخرجه النسائي في "الصوم" و"التفسير" كما في "التحفة"(12/ 381)، والبيهقي (4/ 214).

(4)

في صحيح البخاري (4/ 143) في آخر الحديث رقم (1926).

(5)

في "التمهيد"(22/ 40).

(6)

انظر: "التمهيد"(17/ 418 - 427).

(7)

البخاري (1952)، ومسلم (153/ 1147).

قلت: وأخرجه أحمد (6/ 69)، وأبو داود (2400)، والبيهقي (4/ 255) من حديث محمد بن جعفر عن عروة عنها.

(8)

في (ب): "ليصمْ".

ص: 123

وقيلَ: الوارثُ خاصةً، وقيلَ: عصبتهُ. وفي المسألةِ خلافٌ، فقالَ أصحابُ الحديثِ وأبو ثورٍ وجماعةٌ: إنهُ يجزئُ صومُ الوليِّ عن الميتِ لهذَا الحديثِ الصحيحِ

(1)

. وذهبت جماعةٌ منَ الآلِ ومالكٌ وأبو حنيفةَ أنه لا يصام عن الميتِ، وإنَّما الواجبُ الكفارةُ لما أخرجهُ الترمذيُّ

(2)

منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: "مَنْ ماتَ وعليهِ صيامٌ أُطْعِمَ عنهُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينٌ"، إلَّا أنهُ قالَ بعدَ إخراجهِ: غريبٌ لا نعرفُه إلا من هذا الوجهِ، والصحيحُ أنهُ موقوفٌ على ابن عمرَ. قالُوا: ولأنهُ وردَ عن ابن عباسٍ وعائشةَ الفتيا بالإطعامِ، ولأنهُ الموافقُ لسائرِ العباداتِ، فإنهُ لا يقومُ بها مكلَّفٌ عنْ مكلَّفٍ، والحج مخصوصٌ. [والجواب]

(3)

بأنَّ الآثارَ المرويةَ [منْ فُتْيا]

(4)

عن عائشةَ وابنِ عباس رضي الله عنهم لا تُقاوِمُ الحديثَ الصحيحَ.

وأما قيامُ مكلَّفٍ بعبادةٍ عنْ غيرهِ فقدْ ثبتَ في الحجِّ بالنصِّ الثابتِ فليثبت في الصومِ بهِ فلا عذرَ عن العملِ بهِ، واعتذارُ المالكيةِ عنهُ بعدمِ عملِ أهلِ المدينةِ بهِ مبنيٌّ على أن تركَهُمُ العملَ بالحديثِ حجةٌ وليسَ كذلكَ كما عرفَ في الأصولِ، وكذلكَ اعتذارُ الحنفيةِ بأنَّ الراويَ أفتَى بخلافِ ما رُوِيَ عذرٌ غيرُ مقبولٍ إذِ العبرةُ بما رَوَى لا بما رَأَى كما عُرِفَ فيها أيضًا. ثمَّ اختلَفَ القائلونَ بإجزاءِ الصيامِ عن الميتِ هلْ يختصُّ ذلكَ بالولي [أم لا]

(5)

؟ فقيلَ: لا يختصُّ بالوليِّ بلْ لو صامَ عنهُ الأجنبيُّ بأمرِهِ أجزأ كما في الحجِّ، وإنَّما ذُكِرَ الوليُّ في الحديثِ للغالبِ. وقيلَ: يصحُّ أنْ يستقلَّ بهِ الأجنبيُّ بغيرِ أمرٍ لأنهُ [قدْ]

(6)

شبَّههُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالدَّيْنِ حيثُ قالَ: "فدينُ اللَّهِ أحقُّ أنْ يُقْضَى"، فكما أن الدَّيْنَ لا يختصُّ بقضائهِ القريبُ فالصومُ مثلُه وللقريبِ أنْ يستنيبَ

(7)

.

(1)

انظر: "بداية المجتهد" بتحقيقنا (2/ 174 - 175).

(2)

في "السنن"(718) وقال: حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.

والصحيح عن ابن عمر موقوف قولُه.

قلت: وأخرجه ابن ماجه (1757)، وهو حديث ضعيف.

(3)

في (ب): "وأجيب".

(4)

زيادة من: (أ).

(5)

في (ب): "أولًا".

(6)

زيادة من: (ب).

(7)

قال صاحب "فتح العلام": قلت: "ظاهر الحديث اختصاص الولي بالصوم وكذا بالحج، ولم يرد دليل على الصيام والحج عن غير القريب بل دل حديث الباب وما ورد في معناه على أنه يصوم الولي عن الميت وكان يحج عنه القريب دون الأجنبي والغريب" اهـ.

ص: 124

[الباب الأول] بابُ صومِ التطوعِ وما نُهِيَ عنْ صَوْمِه

‌فضل صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الاثنين

1/ 637 - عَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ:"يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ"، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ:"يُكَفرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ"، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، فَقَالَ:"ذَلِكَ يَومٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَى فِيهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح]

(عنْ أبي قتادةَ الأنصاريِّ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عنْ صومِ يومِ عرفةَ فقالَ: يكفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقيةَ، وسئلَ عنْ صومِ يومِ عاشوراءَ فقالَ: يكفِّرُ السنةَ الماضيةَ، وسئلَ عنْ صومِ يومِ الاثنينِ فقالَ: ذلكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ أو بعثتُ فيهِ، وأنزلَ عليَّ فيهِ. رواهُ مسلمٌ). قدِ استُشكلَ تكفيرُ ما لا يقعْ وهو ذنب الآتية، وأجيبَ بأنَّ المرادَ: أنهُ يُوفق فيهِ لعدم الإتْيانِ بذَنْب، وسَمَّاهُ تَكفيرًا لمُناسبةِ المَاضيةِ، أوْ أَنَّهُ إِن أوْقعَ فِيهَا ذنبًا وُفِّقَ للإتيانِ بما يكفرهُ. وأما صومُ يومِ عاشوراءَ وهوَ العاشرُ منْ شهرِ المحرمِ عندَ الجماهيرِ فإنهُ قدْ كانَ واجبًا قبل فرضِ رمضانَ ثمَّ صارَ بعدَه مُسْتَحَبًّا. وأفادَ الحديثُ أن صومَ عرفةَ أفضلُ منْ صومِ يومِ عاشوراءَ، وعلَّلَ صلى الله عليه وسلم شرعيةَ صومِ يومِ الاثنينِ بأنهُ ولد فيه أو بعث

(1)

في "صحيحه"(196، 197/ 1162).

قلت: وأخرجه أبو داود (2425، 2426)، والترمذي (767)، وابن ماجه (1730)، والطحاوي في "شرح المعاني"(2/ 72)، والبيهقي (4/ 283)، وأحمد (5/ 297، 308، 311).

ص: 125

فيه، وأنزل عليه فيه، وكأنه شك من الراوي. وقد اتفق أنه صلى الله عليه وسلم وُلدَ فيهِ وبعثَ فيهِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ ينبغي تعظيمُ اليومِ الذي أحدثَ اللَّهُ فيهِ على عبدِهِ نعمةً بصومِه والتقربِ فيهِ. وقدْ وردَ في حديث أسامةَ

(1)

تعليلُ صومِه صلى الله عليه وسلم يومَ الاثنينِ والخميسِ: "بأنهُ يومٌ تُعْرَضُ فيهِ الأعمالُ، وأنهُ يحبُ أنْ يعرضَ عملُه وهوَ صائمٌ"، ولا منافاةَ بينَ التعليلينِ.

‌يستحب صوم ستة أيام من شوَّال

2/ 638 - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كصِيَامِ الدَّهْرِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(2)

. [صحيح].

(وعنْ أبي أيوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ صَامَ رمضانَ ثمَّ أتبعهُ ستًا)، هكذَا وردَ مؤنثًا معَ أن مميزَهُ أيامٌ وهي مذكرٌ لأنَّ اسمَ العددِ إذا لم يذكَّرْ مميزُهُ جازَ فيهِ الوجهانِ كما صرَّحَ بهِ النحاةُ (منْ شوَّالٍ كانَ كصيامِ الدهرِ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على استحباب صومِ ستةِ أيامٍ منْ شوالِ، وهو مذهبُ جماعةٍ منَ الآلِ، وأحمدَ، والشافعيِّ

(3)

. وقالَ مالكٌ: يكرهُ صومُها، قالَ: لأنهُ ما رأى أحدًا من أهلِ العلمِ يصومُها، ولئلَّا يُظَنَّ وجوبُها. (والجوابُ): أنهُ بعدَ ثبوتِ النصِّ بذلكَ لا حكمَ لهذِه التعليلاتِ، وما أحسنَ ما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ

(4)

:

(1)

أخرجه الطبراني (1/ 22/ 1) كما في الإرواء (4/ 105) وفيه موسى بن عبيدة، ضعيف.

بل أخرجه أحمد (2/ 268)، والترمذي (747) من حديث أبي هريرة. وقال: حديث حسن غريب. وذكر الألباني في "الإرواء" رقم (949) له شواهد تقوِّيه فبها يكون الحديث صحيحًا، والله أعلم.

(2)

في "صحيحه"(1164).

قلت: (وأخرجه أبو داود (2433)، والترمذي (759)، وابن ماجه (1716)، وأحمد (5/ 417)، والدارمي (2/ 21)، والبيهقي (4/ 292)، والطيالسي (1/ 197 رقم 948) - منحة المعبود).

(3)

انظر: "المجموع" للنووي (6/ 378 - 379).

(4)

في "الاستذكار"(10/ 259 رقم 14782) و (14783).

ص: 126

إنهُ لم يبلغْ مالكًا هذا الحديثُ يعني حديثُ مسلمٍ. واعلمْ أنَّ أجرَ صومِها يحصلُ لمنْ صامَها متفرِّقةً أو متواليةً، ومَنْ صامَها عقيبَ العيدِ أو في أثناءِ الشهرِ. وفي سننِ الترمذيِّ

(1)

عن ابن المباركِ أنهُ اختارَ أنْ تكون ستةَ أيامٍ منْ أولِ شوالٍ. وقدْ رُوِيَ عن ابن المباركِ أنهُ قالَ: مَنْ صَامَ ستةَ أيامٍ منْ شوالٍ متفرقًا فهو جائزٌ.

قلت: ولا دليلَ على كونِها منْ أولِ شوالٍ، إذْ مَنْ أَتَى بِها في شوالٍ في أي أيامهِ [فقد]

(2)

صدقَ عليهِ أنهُ أتبعَ رمضانَ ستًا من شوالٍ، وإنَّما شبَّهها بصيامِ الدهرِ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها؛ فرمضانُ بعشرةِ أشهرٍ وستٌ من شوالٍ بشهرينِ، وليسَ في الحديثِ دليلٌ على مشروعيةِ صيامِ الدهرِ، ويأتي بيانُه في آخرِ البابِ.

(واعلمْ) أنهُ قالَ التقي السُّبكيُّ

(3)

إنهُ قدْ طعنَ في هذا الحديثِ مَنْ لا فَهْمَ لهُ مغترًّا بقولِ الترمذي: إنهُ حسنٌ، يريدُ في روايةِ سعدِ بن سعيدٍ الأنصاريِّ أخي يحيى بن سعيدٍ.

قلت: ووجهُ الاغترارِ أنَّ الترمذيَّ لمْ يصفْه بالصحةِ بلْ بالحسنِ وكأنهُ في نسخةٍ والذي رأيناهُ في سننِ الترمذي

(4)

بعدَ سياقِه للحديثِ ما لفظُهُ: قالَ أبو عِيسَى: حديثُ أبي أيوبَ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، ثمَّ قالَ: وسعدُ بنُ سعيدٍ هو أخو يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، وقدْ تكلَّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في سعدِ بن سعيدٍ منْ قِبَلِ حفظِه، انتهَى.

قلت: قالَ ابنُ دحيةَ [إنهُ]

(5)

قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ

(6)

: سعد بن سعيد ضعيفُ

(1)

(3/ 132 - 133).

(2)

زيادة من (أ).

(3)

هو علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي (تقي الدين، أبو الحسن) عالم مشارك في الفقه والتفسير والأصلين والمنطق والقراءات، والحديث والخلاف والأدب والنحو واللغة والحكمة. ولد بسبك العبيد من أعمال المنوفية بمصر في صفر، سنة 683 هـ، وتوفي سنة (756 هـ).

[معجم المؤلفين (2/ 461 رقم الترجمة 9638)، و"شذرات الذهب"(6/ 180 - 181)، و"النجوم الزاهرة"(10/ 318 - 319).

(4)

في "السنن"(3/ 132 - 133).

(5)

زيادة من: (ب).

(6)

في "بحر الدم فيمن تكلم فيهم الإمام أحمد بمدح أو ذم"(ص 168 رقم 344).

ص: 127

الحديثِ، وقال النَّسائيُّ

(1)

ليس بالقويّ، وقال أبو حاتم

(2)

: لا يجوزُ الاشتغالُ بحديثِ سعدِ بن سعيدٍ، انتهَى. ثمَّ قالَ ابنُ السُّبكيِّ: وقدِ اعتنَى شيخُنا أبو محمدٍ الدمياطيِّ بجمعِ طُرُقِهِ فأسندَهُ عنْ بضعةٍ وعشرينَ رجلًا رَوَوْهُ عنْ سعدِ بن سعيدٍ، وأكثرُهم حفاظٌ ثقاتٌ، منْهم السفيانانِ. وتابع سعدًا على روايتِه أخوهُ يحيى وعبدُ ربِّهِ، وصفوانُ بنُ سُلَيْم، وغيرُهم، ورواهُ أيضًا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثوبانُ

(3)

، وأبو هريرة

(4)

، وجابرُ

(5)

، وابنُ عباسٍ

(6)

، والبراءُ بنُ عازبٍ

(7)

، وعائشة

(8)

، ولفظُ ثوبانَ:"مَنْ صامَ رمضانَ فشهرهُ بعشرةٍ، ومَنْ صامَ ستةَ أيامٍ بعدَ الفطرِ فذلكَ صيامُ السنةِ"، رواهُ أحمدُ والنسائيُّ.

‌فضل الصيام في سبيل الله

3/ 639 - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله إلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(9)

، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ

(10)

. [صحيح]

(1)

في كتاب "الضعفاء والمتروكين" رقم (298).

(2)

كما في "الجرح والتعديل"(4/ 84 رقم 370).

(3)

أخرجه أحمد (5/ 280)، والدارمي (2/ 21)، وابن ماجه (1715)، والبيهقي (4/ 293) وغيرهم. وهو حديث صحيح، وانظر:"الإرواء"(4/ 107) وقال: راجع الشواهد ..

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في "العلل"(1/ 244 رقم 713) من جهة عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به.

ونقل عن أبيه أنه قال: "المصريون يروون هذا الحديث عن زهير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ".

(5)

أخرجه أحمد (3/ 308)، والبيهقي (4/ 292) وهو حديث صحيح لغيره.

(6)

أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (4642) وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 184) وقال: وفيه يحيى بن سعيد المازني وهو متروك.

(7)

عزاه الحافظ في "التلخيص"(3/ 214 رقم 932) إلى الدارقطني ولم أجده في "السنن" وهو في "العلل"(6/ 108).

(8)

فلينظر من أخرجه؟!

(9)

البخاري (رقم: 2685 - البغا)، ومسلم (1153).

(10)

في "صحيحه"(167/ 1153).

ص: 128

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما مِنْ عَبدٍ يصومُ يومًا في سبيلِ اللَّهِ) هوَ إذا أُطْلِقَ يرادُ بهِ الجهادُ (إلا باعدَ الله بذلكَ اليومِ عنْ وجههِ النارَ سبعينَ خريفًا. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). فيهِ دلالةٌ على فضيلةِ الصومِ في الجهادِ ما لمْ يضعُفْ بسببهِ عنْ قتالِ عدوِّهِ، وكانَ فضيلةَ ذلكَ لأنه جمعَ بينَ جهادِ عدوهِ وجهادِ نفسهِ في طعامهِ وشرابهِ وشهوتهِ، وكنَّى بقولِه: باعدَ اللَّهُ بينَه وبينَ النارِ سبعينَ خريفًا عنْ سلامتهِ منْ عذابِها.

‌فضل صوم شعبان

4/ 640 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا في شَعْبَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم

(2)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يصومُ حتَّى نقولَ: لا يفطرُ ويفطرُ حتَّى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيت رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم استكملَ صيام شهْر قطُّ إلَّا رمضانَ، وما رأيتُهُ في شهرٍ أكثرَ منة صيامًا فَي شعبانَ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمَّسَلمٍ). فيهِ دليلٌ على أن صومَه صلى الله عليه وسلم لم يكنْ [مختصًا بشهرٍ]

(3)

دونَ شهرٍ، وأنهُ كانَ صلى الله عليه وسلم يسردُ الصيامَ أحيانًا، ويسردُ الفطرَ أحيانًا، ولعلَّهُ كانَ يفعلُ ما يقتضيهِ الحالُ منْ تجردهِ عن [الأشغال]

(4)

فيتابعُ الصومَ، ومنْ عكسِ ذلكَ فيتابعُ الإفطارَ. ودليلٌ على أنهُ يخصُّ شعبانَ بالصوم أكثرَ منْ غيرِهِ. وقدْ نبَّهتْ عائشةُ على علةِ ذلكَ فأخرجَ الطبراني

(5)

عنْها: "أنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يصومُ ثلاثةَ أيامٍ في كلِّ شهرٍ فربَّما أخَّرَ ذلكَ فيجتمعُ عليه صومُ السنةِ فيصومُ شعبانَ"، وفيهِ ابنُ أبي ليلى وهو ضعيفٌ

(6)

.

(1)

البخاري (1969)، ومسلم (1156).

(2)

في "صحيحه"(175/ 1156).

(3)

في (أ): "متحيِّنًا لشهر".

(4)

في (أ): "الاشتغال".

(5)

في "الأوسط" كما في "المجمع"(3/ 192).

(6)

قال الهيثمي (3/ 192) ولكنه قال "فيه كلام" بدل "ضعيف".

ص: 129

وقيلَ: كانَ يصومُ ذلكَ تعظيمًا لرمضانَ كما أخرجه الترمذيُّ

(1)

منْ حديثِ أنسٍ وغيرِه: "أنهُ سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصومِ أفضلُ؟ فقالَ: شعبانُ تعظيمًا لرمضانَ"، قالَ الترمذيُّ: فيهِ صدقةُ بنُ موسى وهوَ عندَهم ليسَ بالقويِّ، وقيلَ: كانَ يصومهُ: "لأنه شهرٌ يغفلُ عنهُ الناسُ بينَ رجبِ ورمضانَ" كما أخرجهُ النسائيُّ

(2)

، وأبو داود

(3)

، وصحَّحهُ ابن خُزيمةَ

(4)

عنْ أسامةَ بن زيدٍ: "قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ لمْ أرَكَ تصومُ في شهرِ من الشهورِ ما تصومُ في شعبانَ قالَ: ذلكَ شهرٌ يغفلُ الناسُ عنهُ بينَ رجب ورمضانَ، وهوَ شهرٌ تُرْفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ فَأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ فيهِ عملي وأنا صائمٌ".

قلتُ: ويحتملُ أنهُ يصومُه لهذهِ الحِكَمِ كلِّها. وقدْ عُورِضَ حديثُ: "إنَّ صومَ شعبانَ أفضلُ الصومِ بعدَ رمضانَ"، بما أخرجهُ مسلمٌ

(5)

من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "أفضلُ الصومِ بعدَ رمضانَ صومُ المحرَّمِ"، وأوردَ عليهِ أنهُ لوْ كانَ أفضلُ لحافظَ على الإكثارِ منْ صيامِه، وحديثُ عائشةَ يقتضي أنهُ كان أكثرُ صيامه شعبانَ، فأُجيبَ بأنَّ تفضيلَ صومِ المحرَّم بالنظرِ إلى الأشهرِ الحُرُمِ وفضلِ شعبانَ مطلقًا، وأما عدمُ إكثارهِ لصومِ المحرَّمِ فقالَ النوويُّ: إنه إنَّما علمَ ذلكَ آخرَ عمرِهِ.

‌فضل الصيام ثلاثة أيام من كل شهر

5/ 641 - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

(1)

في "السنن"(663)، وقال: هذا حديث غريب.

وصدقةُ بن موسى ليس عندهم بذاك القوي.

قلت: وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

(2)

في "السنن"(4/ 201 رقم 2357).

(3)

في "السنن"(2436).

(4)

في "صحيحه"(رقم 2119) من طرق.

وهو حديث حسن. انظر: "مختصر السنن"(3/ 320)، و"الإرواء"(4/ 102 - 104 رقم 948).

(5)

في "صحيحه"(1163).

قلت: وأخرجه أحمد (2/ 344)، وأبو داود (2429)، والترمذي (740)، وابن ماجه (1742)، والنسائي (3/ 206 رقم 1613).

ص: 130

"أنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ

(1)

، وَالتِّرْمِذِيُّ

(2)

، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

(3)

. [حسن]

(وعنْ أبي ذرٍّ رضي الله عنه قالَ: أمرنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ نصومَ منَ الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ) وَبيَّنَهَا بقولِه: (ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ. رواهُ النسائيُّ، والترمذيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). الحدِيثُ وَرَدَ منْ طُرُقٍ عَدِيدةٍ مِنْ حديثِ أبي هُريْرة بلفظ: "فإن كنتَ صائمًا فَصُم الغرَّ، أي: البيض". أخرجه أحمد

(4)

، والنسائي

(5)

، وابن حبان

(6)

. وفي بعضِ أَلفاظِهِ عندَ النسائيِّ: "فإنْ كنتَ صائِمًا فَصُم البيضَ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ". وأخرجَ أصحابُ السننِ

(7)

منْ حديثِ قتادةَ بن ملحانَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يأمرُنا أنْ نصومَ البيضَ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ، وقالَ: هيَ كهيئةِ الدهرِ". وأخرجَ النسائي

(8)

منْ حديثِ جريرٍ مرفُوعًا: "صيامُ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ صيامُ الدهر أيامِ البيضِ" الحديثَ، وإسنادُه صحيحٌ. [ووردَ]

(9)

أحاديثُ في صيامِ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ مُطْلَقَةً ومبينةً بغيرِ الثلاثةِ. وأخرجَ أصحابُ السننِ

(10)

، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ

(11)

منْ حديثِ ابن مسعودٍ: "أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يصومُ عدةَ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ". وأخرجَ مسلمٌ

(12)

(1)

في "السنن"(4/ 222 - 224).

(2)

في "السنن"(761) وقال: هذا حديث حسن.

(3)

(رقم: 943 - موارد).

قلت: وأخرجه البيهقي (4/ 294)، وأحمد (5/ 152)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1800) وقال: حديث حسن، وهو كما قال. وانظر:"الإرواء"(4/ 102).

(4)

في "المسند"(2/ 336 و 346).

(5)

في "السنن"(4/ 222)، و (7/ 196).

(6)

في "الإحسان" رقم (3650).

(7)

أبو داود (2449)، والنسائي (4/ 224 - 225 رقم 2432)، وابن ماجه (1707).

قلت: وأخرجه مسلم (1162).

(8)

في "السنن"(4/ 221 رقم 2420)، وهو حديث حسن.

(9)

في (ب): "ووردتْ".

(10)

أبو داود (2450)، والترمذي (742)، والنسائي (4/ 204 رقم 2368). وهو حديث حسن، والله أعلم.

(11)

في "صحيحه"(3/ 303 رقم 2129) بإسناد حسن.

(12)

في "صحيحه"(194/ 1160).

ص: 131

منْ حديثِ عائشةَ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يصومُ منْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ ما يبالي في أيِّ الشهرِ صامَ". وأما المبيَّنةُ بغيرِ الثلاثِ فهيَ ما أخرجهُ أبو داودَ

(1)

، والنسائيُّ

(2)

من حديثِ حفصةَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ يصومُ في كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ: الاثنينِ، والخميسٍ، والاثنينِ منَ الجمعةِ الأخْرى". ولا معارضةَ بينَ هذهِ الأحاديثِ؛ فإنَّها كلَّها دالةٌ على ندبيةِ صومِ كلِّ ما وردَ، وكل منَ الرواةِ حَكَى ما اطلعَ عليهِ إلا أن ما أمرَ بهِ وحثَّ عليهِ ووصَّى بهِ أوْلَى وأفضلُ، وأما فعلُه صلى الله عليه وسلم فلعلَّهُ كانَ يَعْرِضُ لهُ ما يشغلُه عنْ مراعاةِ ذلكَ. وقدْ عيَّنَ الشارعُ أيامَ البيضِ. وللعلماءِ في تعيينِ الثلاثةِ الأيامِ التي يندبُ صومُها منْ كلِّ شهرٍ أقوالٌ عشرةٌ سردَها في الشرحِ.

‌الوفاء بحق الزوج أولى من التطوع بالصوم

6/ 642 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَحِلُّ لِلمَرأةِ أنْ تَصُومَ وَزَوْجُها شَاهِدٌ إِلَّا بِإذْنِهِ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ

(3)

، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ

(4)

: "غَيرَ رَمَضَانَ". [صحيح]

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: لا يحلُّ للمرأةِ) أي: المزوجةِ بدليلِ قولِه: (أنْ تصومَ وزوجُها شاهدٌ) أي: حاضرٌ (إلَّا بإِذنهِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ، زادَ أبو داودَ: غيرَ رمضانَ). فيه دليلٌ أن الوفاءَ بحقِّ الزوج أقدم منَ التطوعِ بالصومِ، وأما رمضانُ فإنهُ يجبُ عليْها وإنْ كرهَ الزوجُ، ويُقاسُ عليهِ القضاءُ؛ فلو صامتِ النفلَ بغيرِ إذنهِ كانتْ فاعلةً [لمحرَّم]

(5)

.

(1)

في "السنن"(2451).

(2)

في "السنن"(4/ 203 و 204).

وهو حديث حسن.

(3)

البخاري (5195)، ومسلم (84/ 1026).

(4)

في "السنن"(2458).

قلت: وأخرجه أحمد (2/ 316)، والبيهقي (4/ 192، 303)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1694)، وعبد الرزاق (رقم 7886) وغيرهم.

(5)

زيادة من النسخة (ب).

ص: 132

‌تحريم صوم العيدين

7/ 643 - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهى عَنْ صِيامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيوْمِ النَّحْرِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - رضيَ الله تعالى عنه - أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عنْ صيام يومينِ: يومِ الفطرِ، ويومِ النحرِ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليل على تحريمِ صومِ هذينِ اليومينِ، لأنَّ أصلَ النَّهي التحريمُ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ

(2)

. فلو نذرَ صومَهُمَا لم ينعقدْ نذرُه في الأظهرِ لأنهُ نذرٌ بمعصيةٍ، وقيل: يصومُ مكانَهما عنْهما.

‌النهي عن صوم أيام التشريق

8/ 644 - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُرْبِ وَذِكْرِ الله عز وجل"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(3)

. [صحيح]

(وعنْ نبيشةَ)

(4)

بضمِّ النونِ، وفتحِ الباءِ الموحَّدةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وشين معجمةٍ، يقالُ لهُ: نبيشةُ الخيرِ بنُ عمروٍ، وقيلَ: ابنُ عبدِ الله (الهذليِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيامُ التشريقِ) وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ، وقيلَ: يومانِ بعدَ النحرِ، (أيامُ أَكلٍ وشربٍ وذكرِ الله عز وجل. رواهُ مسلمٌ)، وأخرجهُ مسلمٌ

(5)

أيضًا منْ حديثِ كعبِ بن مالكٍ، وابنُ حبانَ

(6)

منْ حديثِ أبي هريرةَ، والنسائيُّ

(7)

(1)

البخاري (1197)، ومسلم (140/ 827).

قلت: وأخرجه أحمد (3/ 46).

(2)

انظر: "المجموع"(6/ 440).

(3)

في "صحيحه"(144/ 1141)، قلت: وأخرجه أحمد (5/ 75)، والطحاوي في "شرح المعاني"(2/ 245).

(4)

انظر: "أسد الغابة"(5/ 310 رقم الترجمة 5191).

(5)

في "صحيحه"(145/ 1142).

قلت: وأخرجه أحمد (3/ 460).

(6)

في "الإحسان"(8/ 367 رقم 3602) بإسناد حسن.

(7)

في "السنن"(8/ 104) بإسناد صحيح.

ص: 133

منْ حديثِ بشرٍ بن سحيمٍ، وأصحابُ السننِ

(1)

منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ، والبزارُ

(2)

منْ حديثِ ابن عمرَ: "أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ فلا يصومُها أحدٌ"، وأخرجَ أبو داودَ

(3)

منْ حديثِ عمرَ في قصتِه: "أنهُ صلى الله عليه وسلم كان يأمرُهم بإفطارِها ويَنهاهُمْ عنْ صيامِها"، أي: أيامِ التشريقِ. وأخرجَ الدارقطنيُّ

(4)

منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن حذافةَ السَّهْمِيِّ: "أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وبُعَالٍ" البُعالُ: مواقعةُ النساءِ.

والحديثُ وما سقْناهُ في معناهُ دالٌ على النَّهي عنْ صومِ أيامِ التشريقِ، وإنَّما اختُلِفَ هلْ هوَ نَهْيُ تحريمٍ أو تنزيهٍ، فذهبَ إلى أنهُ للتحريمِ مُطْلقًا جماعةٌ منَ السلفِ وغيرُهم، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ في المشهورِ

(5)

، وهؤلاءِ قالُوا: لا يصومُها المتمتِّعُ ولا غيرُه، وجعلُوه مخصِّصًا لقولِه تعالَى:{ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ}

(6)

، لأنَّ الآيةَ عامةٌ فيما قبلَ يومِ النحر وما بعدَه، والحديثُ خاصٌّ بأيام التشريقِ وإنْ كانَ فيهِ عمومٌ بالنظرِ إلى الحاج وغيرِه فَيُرَجَّحُ خصوصُها [لكونه]

(7)

مقصودًا بالدلالةِ على أنَّها ليستْ محلًّا للصومِ، وأنَّ ذاتَها باعتبارِ ما هيَ مؤهلةٌ لهُ كأنَّها منافيةٌ للصومِ. وذهبنِ الهادويةُ إلى أنهُ يصومُها المتمتعُ الفاقدُ للهدي لما يفيدُه سياقُ الآية، ولرواية ذلكَ عنْ عليٍّ عليه السلام قالُوا: ولا يصومُها القارنُ والمحصِرُ إذا فقدَ الهديَ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يصومُها المتمتعُ ومنْ تعذَّرَ عليهِ الهديُ، وهوَ المحصرُ والقارنُ لعمومِ الآيةِ ولما أفادَهُ:

(1)

أبو داود (2419)، والترمذي (773)، والنسائي (5/ 252).

قلت: وأخرجه أحمد (4/ 152)، والدارمي (2/ 23)، والحاكم (1/ 434)، والطحاوي في "شرح المعاني"(2/ 71)، والبيهقي (4/ 298)، وهو حديث صحيح.

(2)

عزاه إليه ابن حجر في "التلخيص"(2/ 197)، ولم أجده في "كشف الأستار".

(3)

أخرجه أبو داود (2418) من حديث عمرو، وهو حديث صحيح.

(4)

في "السنن"(2/ 187 رقم 35).

قلت: وأخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 376) مرسلًا، ووصله أحمد (3/ 451) بإسناد صحيح.

(5)

انظر: "المجموع"(6/ 445).

(6)

سورة البقرة: الآية 196.

(7)

في (أ): "بكونه".

ص: 134

‌صوم أيام التشريق جائز لمن لم يجد الهدي

9/ 645 - وعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِي

(1)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ وابنِ عمرَ رضي الله عنهما قالَا: لم يُرَخَّصْ) بصيغةِ المجهولِ، (في أيامِ التشريقِ أنْ يُصَمْنَ إلا لمنْ لم يجدِ الهدْيَ. رواهُ البخاريُّ)، فإنهُ أفادَ أن صومَ أيامِ التشريقِ جائزٌ رخصةً لمنْ لم يجدِ الهديَ سواء كانَ مُتَمَتِّعًا، أو قارِنًا، أو مُحصرًا، لإطلاقِ الحديثِ بناءً على أنَّ فاعلَ يرخصُ [النبي]

(2)

صلى الله عليه وسلم، وأنهُ مرفوعٌ، وفي ذلكَ أقوالٌ ثلاثةٌ. ثالثُها أنهُ إن أضافَ ذلك إلى عهدهِ صلى الله عليه وسلم كانَ حجةً وإلَّا فَلا. وقدْ وردَ التصريحُ بالفاعلِ في روايةِ للدارقطنيِّ

(3)

والطحاويِّ

(4)

، إلَّا أنَّها بإسناد ضعيفٍ، ولفظُها:"رَخَصَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للمتمتِّع إذا لم يجدِ الهدْيَ أنْ يصومَ أيامَ التشريقِ"، إلَّا أنهُ خصَّ المتمتعَ فلا يكونُ حجةً لأهلِ هذَا القولِ. وقدْ رَوَى [البخاري

(5)

]

(6)

منْ فعلِ عائشةَ، وأبي بكرٍ، وفُتيا لعليٍّ عليه السلام وذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ النهيَ للتنزيهِ، وأنهُ يجوزُ صومُها لكلِّ واحدٍ وهوَ قولٌ لا ينهضُ عليهِ دليلٌ.

‌النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم وليلتها بقيام

10/ 646 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى - عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ بِقِيَامِ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمْعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ

(1)

في "صحيحه"(1997، 1998).

(2)

في (ب): "رسول الله".

(3)

في "السنن"(2/ 186 رقم 29)، وقال: يحيى بن سلام ليس بالقوي.

(4)

في "شرح معاني الآثار"(2/ 243).

(5)

في "صحيحه"(1996) عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي: "كانت عائشة رضي الله عنها تصومُ أيام منىً، وكان أبوه يصومها".

قال الحافظ في "الفتح"(4/ 243): " .. ووقع في رواية كريمة: "وكان أبوها" وعلى هذا فالضمير لعائشة وفاعل يصومها هو أبو بكر الصديق".

(6)

زيادة من (أ).

ص: 135

بَيْنِ الأيَّامِ، إلَّا أنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يصُومُهُ أَحَدُكمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: لا تخصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ منْ بين الليالي، ولا تخصُّوا يومَ الجمعةِ بصيامٍ منْ بين الأيامِ، إلَّا أنْ يكونَ في صومٍ يصومُه أحدُكم. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليل على تحريمِ تخصيصِ ليلةِ الجمعةِ بالعبادةِ بصلاةٍ وتلاوةٍ غيرِ معتادَةٍ، إلا ما وردَ بهِ النصُّ على ذلكَ، كقراءةِ سورةِ الكهفِ

(2)

؛ فإنهُ وردَ تخصيصُ ليلةِ الجمعةِ بقراءَتِها، وسورٍ أُخَرَ

(3)

وردتْ بها أحاديثُ فيها مقالٌ. وقدْ دلَّ هذا بعمومهِ على عدم مشروعيةِ صلاةِ الرغائبِ

(4)

في

(1)

في "صحيحه"(148/ 1144) بهذا اللفظ.

قلت: وأخرجه البخاري (1985)، ومسلم (147/ 1144)، وأحمد (2/ 495)، والترمذي (743)، وابن ماجه (1723)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 78)، والبيهقي (4/ 302).

عنه بلفظ: "لا يصومُ أحدكم يومَ الجمعةِ إلا يومًا قبلَهُ أو بعدَه"، وسيأتي برقم (11/ 647).

(2)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 249)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 368) عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين".

قال الحاكم: صحيح الإسناد. وردَّه الذهبي بقوله: نعيم بن حماد: ذو مناكير.

قلت: لكنه لم يتفرد به.

انظر: "الإرواء"(3/ 93 - 95 رقم 626).

والخلاصة: فهو حديث صحيح، والله أعلم.

(3)

أخرج الطبراني في "الكبير"(11/ 48 رقم 11002) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة - صلَّى عليه الله - وملائكته حتى تغيب الشمس".

وأورده الهيثمي في "المجمع"(2/ 168) وقال: فيه طلحة بن زيد الرقي: وهو ضعيف وفيه قصور لأنه متروك، قاله الحافظ في "التقريب"(1/ 378).

والخلاصة: أن الحديث موضوع. انظر: "الضعيفة"(رقم: 415) وقد حكم عليه بالوضع.

(4)

ذكر الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"(ص 67 رقم 106) "حديث: رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، قيل: يا رسول الله، ما معنى قولك: رجب شهر الله؟ قال: لأنه مخصوص بالمغفرة، ثم ذكر حديثًا طويلًا، رغب في صومه، ثم قال: لا تغفلوا عن أول ليلة في رجب فإنها ليلة تسمِّيها الملائكة الرغائب، ثم قال: وما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس من رجب، ثم يصلِّي ما بين العشاء والعتمة - يعني ليلة الجمعة - اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة؛ وإنا =

ص: 136

أولِ ليلةِ جمعةٍ منْ رجبٍ، ولو ثبتَ حديثُها لكانَ مخصصًا لها منْ عمومِ النَّهْي، لكنَّ حديثَها تكلَّمَ العلماءُ فيهِ، وحكَموا بأنهُ موضوعٌ. ودلَّ علَى تحريمِ النفلِ بصومِ يومِها منفرِدًا. قالَ ابنُ المنذرِ: ثبتَ النَّهْيُ عنْ صومِ يوم الجمعةِ كما ثبتَ عنْ صوم يوم العيد، وقالَ أبو جعفرٍ الطبريِّ: يفرَّقُ بينَ العيدِ والجمعةِ بأنَّ الإجماعَ منعقدٌ علَى تحريمِ صومِ يوم العيدِ ولوْ صامَ قبلَه أو بعدَه. وذهبَ الجمهورُ

(1)

إلى أن النَّهْيَ عن إفرادِ الجمعةِ بالصومِ للتنزيهِ مُستدِلينَ بحديثِ ابن مسعودٍ: "كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصومُ منْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وقلَّما كانَ يفطرُ يومَ الجمعةِ"، أخرجهُ الترمذيُّ

(2)

وحسَّنهُ؛ فكان فعلُه صلى الله عليه وسلم قرينةً على أن النَّهيَ ليسَ

= أنزلناه في ليلة القدر ثلاثًا، وقل هو الله أحد اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة. فإذا فرغ من صلاته صلَّى علي سبعين مرة. ثم يقول: اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله. ثم يسجد فيقول في سجوده: سُبُّوح قدُّوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه، فيقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأعظم، سبعين مرة. ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته، فإنها تقضى - إلخ.

هو: موضوع، ورجاله مجهولون.

وهذه هي صلاة الرغائب المشهورة.

وقد اتفق الحفاظ على أنها موضوعة، وألَّفوا فيها مؤلفات، وغلَّطوا الخطيب في كلامه فيها. وأول من ردَّ عليه من المعاصرين له: ابن عبد السلام وليس كون هذه الصلاة موضوعة مما يخفى على مثل الخطيب، والله أعلم ما حمله على ذلك، وإنما أطال الحفاظ المقال في هذه الصلاة المكذوبة بسبب كلام الخطيب، وهي أقل من أن يشتغل بها ويتكلم عليها، فوضعها لا يمتري فيه من له أدنى إلمام بفن الحديث.

قال الفيروزآبادي في "المختصر": إنها موضوعة بالاتفاق، وكذا قال المقدسي. ومما أوجب طول الكلام عليها، وقوعها في كتاب رزين بن معاوية العبدري، ولقد أدخل في كتابه الذي جمع فيه بين دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف. ولا يُدرى من أين جاء بها وذلك خيانة للمسلمين.

وقد أخطأ ابن الأثير خطأ بيِّنًا بذكر ما زاده رزين في "جامع الأصول"، ولم ينبِّه على عدم صحته في نفسه إلا نادرًا. كقوله بعد ذكر هذه الصلاة ما لفظه:"هذا الحديث مما وجدته في كتاب رزين، ولم أجده في واحد من الكتب الستة والحديث مطعون فيه".

(1)

انظر: "المجموع"(6/ 438 - 439).

(2)

في "السنن"(742) وقال: حديث حسن غريب.

قلت: والصحيح وقفه على ابن مسعود، والله أعلم.

ص: 137

للتحريمِ، وأجيبَ عنهُ بأنهُ يحتملُ أنهُ كانَ يصومُ يومًا قبلَهُ أو بعدَهُ، ومعَ الاحتمالِ لا يتمُّ الاستدلالُ. واختُلِفَ في وجهِ حكمةِ تحريمِ صومِه علَى أقوالٍ أظهرُها أنهُ يومُ عيدٍ كما رُوِيَ منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا:"يومُ الجمعةِ يومُ عيدِكم"

(1)

، وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ بإسنادٍ حَسَنٍ

(2)

عنْ عليٍّ عليه السلام قال: "مَنْ كان منْكم مُتَطَوِّعًا منَ الشهرِ فليصمْ يومَ الخميسِ ولا يصمْ يومَ الجمعةِ، فإنهُ يومُ طعامٍ وشرابٍ وذِكْرٍ". وهذا أيضًا منْ أدلةِ تحريمِ صومِه ولا يلزمُ أنْ يكونَ كالعيدِ منْ كلِّ وجهٍ؛ فإنهُ تزولُ حرمةُ صومِه بصيامِ يومٍ قبلَه أو يومٍ بعدَه كما يفيدُه قولُه:

11/ 647 - وَعَنْهُ أَيْضًا رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، إَلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(3)

. [صحيح]

(وعنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا يصومنَّ أحدُكُم يومَ الجمعةِ إلَّا أنْ يصومَ يومًا قبلَه أو يومًا بعدَه. متفقٌ عليه)؛ فإنهُ دالٌّ على زوالِ تحريمِ صومِه لحكمةٍ لا نعلمُها، فلوْ أفردَه بِالصَّومِ وجبَ فطرُهُ كما يفيدُه ما أخرجهُ أحمدُ

(4)

، والبخاريِّ

(5)

، وأبو داودَ

(6)

منْ حديثِ جويريةَ: "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخلَ عليها في يومِ جُمُعَةٍ وهي صائمةٌ فقالَ لها: "أصمتِ أمسِ"؟ قالتْ: لا، قالَ: "تَصومينَ غدًا"؟ قالتْ: لا، قالَ: "فأفطري"، والأصلُ في الأمر الوجوبُ.

‌النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان

12/ 648 - وَعَنْهُ أَيْضًا رضي الله عنه أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(7)

، وَاسْتَنْكَرَهُ أحْمَدُ. [صحيح]

(1)

أخرجه أحمد في "المسند"(2/ 532) بسند حسن.

(2)

في "المصنف"(3/ 44) بسند حسن.

(3)

البخاري (1985)، ومسلم (147/ 1144) وقد تقدَّم تخريجه عند الحديث رقم (10/ 646) من كتابنا هذا.

(4)

في "الفتح الرباني"(10/ 150 رقم 201).

(5)

في "صحيحه"(1986).

(6)

في "السنن"(2422).

(7)

أحمد (2/ 442)، وأبو داود (2337)، والترمذي (738)، وابن ماجه (1651).

قلت: وأخرجه ابن حبان في "الإحسان"(8/ 355 رقم 3589)، وعبد الرزاق في =

ص: 138

(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ رضي الله عنه: (أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إذا انتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا. رواهُ الخمسةُ، واستنكرَهُ أحمدُ) وصحَّحهُ ابنُ حبانَ وغيرُه

(1)

، وإنَّما استنكرهُ أحمدُ لأنهُ منْ روايةِ العلاء بن عبدِ الرحمن.

قلتُ: وهوَ منْ رجالِ مسلمٍ

(2)

. قالَ المصنفُ في التقريبِ

(3)

: إنهُ صدوقٌ وربَّما وَهِمَ، والحديثُ دليلٌ على [أنّ]

(4)

النَّهي عن الصومِ في شعبانَ بعدَ انتصافِه ولكنَّهُ مُقَيَّدٌ بحديثِ: "إلَّا أن يوافقَ صوْمًا معتَادًا" كما تقدَّمَ

(5)

. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ فذهبَ كثيرٌ منَ الشافعيةِ

(6)

إلى تحريمه لهذا النَّهْي، وقيلَ: إنهُ يكرهُ إلَّا قبلَ رمضانَ بيومِ أو يومينِ فإنهُ محرَّمٌ. وقيلَ: لا يكرهُ، وقيلَ: إنهُ مندوبٌ، وأنَّ الحديثَ مُؤَوَّلٌ بمنْ يُضْعِفُهُ الصومُ، وكأنَّهم استدلُّوا بحديثِ:"أنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يصلُ شعبانَ برمضانَ"

(7)

، ولا يخْفى [أنه]

(8)

إذا تعارضَ القولَ والفعلُ كانَ القولُ مقدَّمًا.

‌النهي عن إفراد يوم السبت بصيام

13/ 649 - وَعَنِ الصَّمّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ رضي الله عنها أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا

= "المصنف" رقم (7325)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 21) والدارمي (2/ 17) والبيهقي (4/ 209) من طرق.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وقال أبو داود: وكان عبد الرحمن لا يُحدث به، قلت لأحمد: لِمَ؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَصِلُ شعبان برمضان، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خِلافه.

قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم،

(1)

ابن حبان في "الإحسان"(رقم: 3589)، والترمذي في "السنن"(738) كما تقدم.

(2)

انظر: "رجال صحيح مسلم" لابن منجويه (2/ 63 رقم 1158).

(3)

(2/ 92 رقم 826).

(4)

زيادة من (أ).

(5)

رقم (1/ 610) من كتابنا هذا.

(6)

انظر: "الفقه الإسلامي وأدلته"(2/ 583).

(7)

أخرجه أبو داود (2336)، والترمذي (736)، والنسائي (4/ 200) وابن ماجه (1648) وأحمد (6/ 311) من حديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان". وهو حديث صحيح.

(8)

زيادة من (ب).

ص: 139

تَصُومُوا يَوْمَ السّبْتِ، إلَّا فِيمَا افتُرِضَ عَلَيكُمْ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لَحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهَا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ

(1)

، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أنَّهُ مُضْطرِبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ

(2)

[صحيح]

(وعنِ الصمَّاءِ) بالصادِ المهملةِ (بنت بُسْر) بالموحدةِ مضمومةِ وسينٍ مهملةٍ، اسمُها بُهَيَّةُ بضمِّ الموحدةِ وفتحِ الهاءِ، وتشديدِ المثناةِ التحتية. وقيلَ: اسمُها بُهيمةُ بزيادةِ ميمٍ، هيَ أختُ عبدِ اللهِ بن بسرٍ، رَوَى عَنْها أخُوها عبدُ الله (أن رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: لا تصومُوا يومَ السبتِ إلا فيما افترضَ عليكمْ، فإنْ لم يجدْ أحدُكم إلا لَحاءَ) بفتحِ اللام فحاءٍ مهملةٍ [فألفٍ]

(3)

ممدودةٍ (عنبٍ) بكسرِ المهملة، وفتحِ النونِ، [فموحدةٍ]

(4)

، الفاكهةُ المعروفةُ والمرادُ قشرُهُ (أو عودَ شجرٍ فليمضغْهَا) أيْ: يطعمُها للفطرِ بها (رواة الخمسةُ، ورجالُه ثقاتٌ، إلَّا أنهُ مضطربٌ. وقدْ أنكرهُ مالكٌ وقالَ أبو داودَ: هوَ منسوخٌ). أمَّا الاضطرابُ فلأنهُ رواهُ عبدُ الله بنُ بسرٍ عنْ

(1)

أحمد (6/ 368)، وأبو داود (2421). وقال: هذا الحديث منسوخ، والترمذي (744) وقال: حديث حسن، وابن ماجه (1726)، والدارمي (2/ 19)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 80)، وابن خزيمة رقم (2162)، والحاكم (1/ 435)، والبيهقي (4/ 302)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم: 1806) من طرق.

(2)

قال الحافظ في "التلخيص"(2/ 216): " .. وأعل أيضًا باضطراب، فقيل هكذا، وقيل: عن عبد الله بن بسر، وليس فيه عن أخته الصماء، وهذه رواية ابن حبان - (8/ 379 رقم 3615 - الإحسان) - وليست بعلة قادحة، فإنه أيضًا صحابي، وقيل عنه عن أبيه بسر، وقيل: عنه عن الصماء عن عائشة، قال النسائي: هذا حديث مضطرب، قلت: ويحتمل أن يكون من عبد الله عن أبيه، وعن أخته، وعند أخته بواسطة، وهذه طريقة من صحَّحه، ورجح عبد الحق الرواية الأولى، وتبع في ذلك الدارقطني لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج، يوهن راويه، وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالًا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف فيه أيضًا على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضًا، وادَّعى أبو داود أن هذا منسوخ، ولا يتبين وجه النسخ فيه. قلت: يمكن أن يكون أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر أمره قال: خالفوهم، فالنهي عن صوم يوم السبت، يوافق الحالة الأولى، وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ والله أعلم" اهـ.

(3)

زيادة من (أ).

(4)

زيادة من (ب).

ص: 140

أختهِ الصماءِ، وقيلَ: عنْ عبدِ اللَّهِ بن بسر، وليسَ فيهِ ذكرُ أختِه. قيلَ: وليستْ هذهِ بِعلَّةٍ قادحةٍ فإنهُ صحابي. وقيلَ: عنهُ عنْ أبيهِ بسرٍ، وقيلَ: عنه عن الصماءِ عنْ عائشةَ. قالَ النسائيُّ: هذا حديثٌ مضطَّرِبٌ.

قالَ المصنفُ: يحتملُ أنْ يكونَ عندَ عبدِ اللَّهِ عنْ أبيهِ وعنْ أختِه، وعندَ أختهِ بواسطةٍ، وهذهِ طريقةٌ صحيحةٌ. وقدْ رجَّحَ عبدُ الحقِّ الطريقَ الأُولى، وتبعَ في ذلكَ الدارقطني لكنَّ هذا التلونِ في الحديثِ الواحدِ بإسنادِ الواحدِ معَ اتحادِ المُخْرِجِ يوهي الروايةَ، وينبنئُ بقلةِ الضبطِ إلَّا أنْ يكونَ منَ الحفاظِ المكثرينَ المعروفينَ بجمعِ طرقِ الحديثِ، فلا يكونُ ذلكَ دالًّا على قلةِ الضبطِ، وليسَ الأمرُ هنا كذلكَ، بلِ اختُلِفَ فيهِ على الراوي أيضًا عنْ عبدِ اللَّهِ بن بسرِ. وأما إنكارُ مالكٍ لهُ فإنهُ قالَ أبو داودَ عنْ مالكٍ: إنهُ قالَ: هذا كذبٌ، وأما قولُ أبي داودَ: إنهُ منسوخٌ فلعلَّهُ أرادَ أن ناسخَه قولُه:

‌إذا قُرن بيوم آخر جاز صوم السبت

14/ 650 - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ أكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأيَّامِ يَوْمُ السّبْتِ، وَيوْمُ الأحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ:"إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ للْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أنْ أُخَالِفَهُمْ". أخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ

(1)

، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهذَا لَفْظُهُ

(2)

. [حسن]

(وعنْ أمِّ سَلمةَ رضي الله عنها أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان أكثرَ ما كانَ يصومُ منَ الأيامِ يومُ السبتِ، ويومُ الأحدِ وكانَ يقولُ: إنَّهما يوما عيدٍ للمشركينَ فأنا أريدُ أنْ أخالفَهم.

(1)

في "السنن الكبرى"(2/ 146 رقم 2775/ 1) ورقم (2776/ 2).

(2)

في "صحيحه"(3/ 318 رقم 2167) بإسناد ضعيف.

قلت: وأخرجه ابن حبان (8/ 381 رقم 3616)، وأحمد (6/ 323 - 324)، والطبراني في "الكبير"(23/ 238 رقم 616) و (23/ 402 رقم 964)، والحاكم (1/ 436) وعنه البيهقي (4/ 303) من طرق.

وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 198) وقال بعد أن نسبه للطبراني وحده: رجاله ثقات.

وقال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه الذهبي.

والخلاصة: فالحديث حسن، والله أعلم.

ص: 141

أخرجهُ النسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، وهذا لفظُه). فالنَّهْيُ عنْ صومِه كانَ أوَّلَ الأمرِ حيثُ كانَ صلى الله عليه وسلم يحبُّ موافقةَ أهلِ الكتابِ، ثمَّ كانَ آخرَ أمرِه صلى الله عليه وسلم مخالفتُهم، كما صرَّحَ بهِ الحديثُ نفسُه، وقيلَ: بلِ النّهْيُ كانَ عنْ إفرادِه بالصومِ إلَّا إذا صامَ ما قبلَه أو ما بعدَه. وأخرجَ الترمذيُّ

(1)

منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: "كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منَ الشهرِ السبتِ والأحدِ والاثنينِ، ومنَ الشهرِ الآخرِ الثلاثاءِ والأربعاءِ والخميس". وحديثُ الكتاب [دلَّ]

(2)

على استحبابِ صومِ السبتِ والأحدِ مخالفةً لأهلِ الكتابِ، وظاهرهُ صومُ كلٍّ على الانفرادِ أو الاجتماعِ.

‌النهي عن صوم عرفة بعرفة

15/ 651 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نَهى عَنْ صَوْمِ يوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ

(3)

، وصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ

(4)

وَالْحَاكِمُ

(5)

، واسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ

(6)

. [ضعيف]

(وعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهى عنْ صومِ يومِ عرفةَ بعرفةَ. رواهُ الخمسةُ غيرُ الترمذيِّ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ والحاكمُ، واستنكرهُ العقيليُّ)، لأنَّ في

(1)

في "السنن"(746) وقال: هذا حديث حسن. وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه.

وهو حديث ضعيف. وقد ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي.

(2)

في (ب): "دالٌ".

(3)

أحمد (2/ 304)، وأبو داود (2440)، وابن ماجه (1732)، والنسائي في "الكبرى"(2/ 155 رقم 2830/ 1) ورقم (2831/ 2).

(4)

في "صحيحه"(3/ 292 رقم 2101) بإسناد ضعيف.

(5)

في "المستدرك"(1/ 434) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

(6)

في "الضعفاء الكبير"(1/ 298).

قلت: وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 72) والبيهقي (4/ 284).

قلت: إسناده ضعيف لجهالة العبدي واسمه مهدي بن حرب، قال ابن معين وأبو حاتم: لا أعرفه. وانظر الكلام عليه في الضعيفة للألباني (رقم: 404).

والخلاصة: أن الحديث ضعيف.

ص: 142

إسنادِه [مهديًا]

(1)

الهجري ضعَّفَه العقيليُّ وقالَ: لا يتابعُ عليهِ، والراوي عنهُ مختلَفٌ فيهِ. قلتُ: في الخلاصةِ إنَّهُ قالَ ابن معينٍ: لا أعرفُه، وأما الحاكمُ فصحُّحَ حديثَه، وأقرَّهُ الذهبيُّ في مختصرِ المستدركِ ولم يعدَّهُ منَ الضعفاءِ في المغني، وأما الراوي عنهُ فإنهُ حوشبُ بنُ عبدلٍ. قالَ المصنفُ في التقريبِ

(2)

: إنهُ ثقةٌ. والحديثُ ظاهرٌ في تحريمِ صومِ عرفةَ بعرفةَ، وإليه ذهبَ يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريِّ وقالَ: يجبُ إفطارُه على الحاجِّ، وقيلَ: لا بأسَ بهِ إذَا لمْ يَضْعُفْ عن الدعاء، نُقِلَ عن الشافعيِّ، واختارهُ الخطابي والجمهورُ على أنهُ يُسْتَحَبُّ إفطارُه

(3)

. وأما هوَ صلى الله عليه وسلم فقدْ صحَّ أنهُ كانَ يومَ عرفةَ بعرفةَ مفطِرًا في حجتِه، ولكنْ لا يدلُّ تركُه الصومَ على تحريِمِه. (نعمْ) يدلُّ أن الإفطارَ هوَ الأفضلُ لأنهُ صلى الله عليه وسلم لا يفعلُ إلَّا الأفضلَ، إلَّا أنهُ قدْ يَفْعَلُ المفضولَ لبيانِ الجوازِ فيكونُ في حقِّه أفضلَ لما فيهِ منَ التشريعِ والتبليغِ بالفعلِ، [و]

(4)

لكنَّ الأظهرَ التحريمُ لأنهُ أصلُ النَّهي.

‌يكره صوم الدهر

16/ 652 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبدَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(5)

. [صحيح]

(وعنْ عَبدِ الله بن عَمرو رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صامَ منْ صامَ الأبَدَ" متفقٌ عليه) اخْتَلَفَ [العلماءِ]

(6)

في معناهُ، قالَ شارحُ المصابيحِ: فُسِّرَ هذا من وجهينِ: أحدُهما أنهُ على معنَى الدعاءِ عليهِ زجْرًا لهُ عنْ صنيعهِ، والآخرُ على سبيلِ الإخبار. والمعنَى أنهُ بمكابدةِ سَوْرَةِ الجوعِ، وحرِّ الظمأ لاعتياده الصومَ حتَّى خفَّ عليهِ ولم يفتقرْ إلى الصبرِ على الجهدِ الذي يتعلقُ به الثوابُ، فكانهُ لم يصمْ ولم تحصلْ لهُ فضيلةُ الصوم، ويؤيدُ أنهُ للإخبارِ قولُه:

(1)

في (أ): مهدي.

(2)

(1/ 207).

(3)

انظر: "المجموع"(6/ 380 - 381).

(4)

زيادة من (ب).

(5)

البخاري (1977)، ومسلم (186/ 1159).

(6)

زيادة من (أ).

ص: 143

17/ 653 - وَلمُسْلِمٍ

(1)

مِنْ حَديثٍ أَبي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: "لَا صَامَ وَلَا أَفطَرَ". [صحيح]

(ولمسلمٍ منْ حديثِ أبي قتادةَ رضي الله عنه: لا صامَ ولا أفطر)، ويؤيدُه أيضًا حديثُ الترمذيِّ

(2)

عنهُ بلفظِ: "لم يصمْ ولم يفطرْ". قالَ ابنُ العربي

(3)

: إنْ كان دعاءٌ فيا ويحَ مَنْ دعا عليهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وإنْ كانَ معناهُ الخبرُ فيا ويحَ من أخبرَ عنهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنهُ لمْ يصمْ، وإذا لم يصمْ شرعًا فكيفَ يُكْتَبُ لهُ ثوابٌ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في صيامِ الأبدِ فقالَ بتحريمِهِ طائفةٌ وهوَ اختيارُ ابن خزيمةَ لهذا الحديثِ وما في معناهُ، وذهبت طائفةٌ إلى جوازِه وهوَ اختيارُ ابن المنذرِ، وتأوَّلُوا أحاديثَ النَّهي عنْ صيامِ الدهرِ أن المرادَ مَنْ صامهُ مَعَ الأيامِ المنهيِّ عنْها منَ العيدينِ وأيامِ التشريقِ وهو تأويلٌ مردودٌ بنهيهِ صلى الله عليه وسلم لابن عمرو عنْ صوم الدهرِ، وتعليلِه بأنَّ لنفسِه عليهِ حقًّا، ولأهلِه حقًّا، ولضيفهِ حقًّا، ولقولِه:"أما أَنا فأصومُ وأفطرُ فمنْ رغبَ عن سُنَّتِي فليسَ منّي"

(4)

؛ فالتحريم هوَ الأوجَهُ دليلًا. ومِنْ أدلة التحريم ما أخرجَهُ أحمدُ

(5)

، والنسائيُّ

(6)

وابنُ خزيمةَ

(7)

، وابن حبان

(8)

منْ حديثِ أبي

(1)

في "صحيحه"(196/ 1162).

قلت: وأخرجه أبو داود (2425)، والترمذي (767) والنسائي (4/ 207)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 435) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

وابن خزيمة (رقم: 2150).

وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 78)، وعبد الرزاق في "المصنف" رقم (7865).

(2)

في "السنن"(767)، وهو حديث صحيح.

(3)

في "عارضة الأحوذي"(3/ 299).

(4)

وهو جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (4/ 129 - الآفاق الجديدة) عن أنس.

(5)

في "المسند"(4/ 414).

(6)

لم أعثر عليه في "الصغرى" ولا في "الكبرى"، والله أعلم.

(7)

في "صحيحه"(رقم 2154) و (2155) بإسناد صحيح.

قلت: وأخرجه البزار في "الكشف"(رقم: 1040)، والطيالسي في "المسند" (رقم: 513)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 78)، والبيهقي (4/ 300)، وعبد الرزاق (رقم: 7866).

(8)

في "الإحسان"(8/ 349 رقم 3584).

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

ص: 144

مُوسى مرفوعًا: "مَنْ صَامَ الدهرَ ضُيِّقَتْ عليهِ جهنمُ وعقدَ بيدِه".

قالَ الجمهورُ: يستحبُّ صومُ الدهرِ لمنْ لا يضعِفُه عنْ حقِّ، وتأولُوا أحاديثَ النَّهي بتأويلِ غيرِ راجحٍ، واستدلُوا بأنهُ صلى الله عليه وسلم شبَّهَ صومَ ستٍّ منْ شوالِ معَ رمضانَ، وشبَّهَ ثلاثةَ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ بصومِ الدهرِ، فلولا أن صائمه يستحقُّ الثوابَ لما شبَّهَ بهِ.

وأجيبَ بأنَّ ذلكَ على تقديرِ مشروعيتهِ، فإنَّها تغني عنهُ كما أغنتِ الخمسُ الصلواتِ عن الخمسينَ الصلاةِ التي قدْ كانتْ فرضتْ [على]

(1)

أنّهُ لو صلَّاها أحدٌ لوجوبِها لم يستحقَّ ثوابًا بلْ يستحقُّ العقابَ، نعمْ أخرجَ ابنُ السني

(2)

منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ صامَ الدهرَ فقدْ وهبَ نفسَه منَ اللَّهِ عز وجل"، إلا أنَّا لا ندري ما صحَّتُه.

* * *

(1)

في (ب): "مع".

(2)

لم أعثر عليه في "عمل اليوم والليلة" لابن السنِّي.

بل ذكره علي المتقي الهندي في "كنز العمال"(8/ 559 رقم 24161) وعزاه لأبي الشيخ.

ص: 145

[الباب الثاني] بابُ الاعتكافِ وقيامُ رمضانَ

الاعتكافُ لغةً: لزومُ الشيءِ وحبسُ النفسِ عليهِ، وشرْعًا: المقامُ في المسجدِ منْ شخصٍ مخصوصٍ على صفةٍ مخصوصةٍ. (وقيامُ رمضانَ) أي: قيامُ لياليهِ مصلِّيًا أو تاليًا. قالَ النوويُّ

(1)

: قيامُ رمضانَ يحصلُ بصلاةِ التراويحِ، وهوَ إشارةٌ إلى أنهُ لا يشترطُ استغراقُ كلِّ الليلة بصلاةِ النافلةِ فيهِ، ويأتي ما في كلامِ النوويِّ.

1/ 654 - عَنْ أَبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانِ إيِمانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعنْ أبي هريرة رضي الله عنهم أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: مَنْ قَامَ رمضانَ إيمانًا)، أي: تصديقًا بوعدِ الله للثوابِ، (واحتسابًا) منصوبٌ على أنهُ مفعولٌ لأجلِه كالذي عطفَ عليهِ، أي: طلبًا لوجهِ اللهِ وثوابِهِ، والاحتسابُ منَ الحسبِ كالاعتدادِ منَ العددِ، وإنما قيلَ: لمن ينوي بعملهِ وجهَ اللَّهِ احتسبَه، لأنهُ لهُ حينئذٍ أنْ يعتدَّ عملَه فجُعِلَ في حالِ مباشرةِ الفعلِ كأنهُ معتدٌّ بِهِ، قالَه في النهايةِ. (غفرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِه. متفقٌ عليهِ).

(1)

انظر: "المجموع"(4/ 32).

(2)

البخاري (2009)، ومسلم (173/ 759).

قلت: وأخرجه أبو داود (1371)، والنسائي (4/ 156)، والترمذي (808)، وابن ماجه (1326)، وأحمد (2/ 281، 289، 408، 423) وغيرهم.

ص: 146

يحتملُ أنهُ يريدُ قيامَ جميعِ لياليهِ، وأنَّ منْ قامَ بعضَها لا يحصلُ لهُ ما ذكرهُ منَ المغفرةِ وهوَ الظاهرُ، وإطلاقُ الذنبِ شامل للكبائرِ والصغائرِ. وقالَ النوويُّ

(1)

: المعروف أنهُ يختصُّ بالصغائرِ، وبهِ جزمَ إمامُ الحرمينِ، ونسبَهُ عياضٌ لأهلِ السنةِ، وهوَ مبنيٌّ على أنَّها لا تغفرُ الكبائرُ إلَّا بالتوبةِ، وقدْ زادَ النسائيُّ

(2)

في روايته: "ما تقدَّمَ وما تأخرَ". وقدْ أخرجَها أحمدُ

(3)

، وأخرجتْ منْ طريقِ مالكٍ. وتقدَّمَ معنَى مغفرةِ الذنبِ المتأخرِ. والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ قيامِ رمضان، [والظاهر]

(4)

أنهُ يحصلُ بصلاة الوترِ إحدَى عشْرةَ ركعةً كما كانَ صلى الله عليه وسلم يفعلُه في رمضانَ وغيرِه كما سلفَ في حديثِ عائشةَ

(5)

، وأما التراويحُ على ما اعتِيدَ الآنَ فلمْ تقعْ في عصرِه صلى الله عليه وسلم، إنَّما كانَ ابتدَعَها عمرُ في خلافتِه

(6)

، وأمرَ

(1)

في "شرح صحيح مسلم"(6/ 40).

(2)

في "الكبرى" - كما في "تحفة الأشراف"(11/ 26 - 27) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

(3)

في "المسند"(1/ 529) لكن ليس عنده: "وما تأخر"، فلعلَّ هذا راجع لاختلاف نسخ المسند.

ولمزيد البحث في المسألة انظر: "معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدَّمَة والمؤخَّرة" للحافظ ابن حجر. تحقيق وتعليق: جاسم الفهيد الدوسري (ص 56 - 67).

(4)

في (ب): "والذي يظهر".

(5)

رقم الحديث (20/ 352) من كتابنا هذا.

(6)

اعلم أن صلاة القيام مشروعة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمةٍ. فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك؛ ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر على ذلك". أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 113 - 114)، والبخاري (4/ 250 - مع الفتح)، ومسلم (174).

• كما أن صلاة القيام جماعة مشروعة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فعن عائشة رضي الله عنها أخبرت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرج ليلةً من جوف الليل فصلَّى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلَّى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدَّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهَّد ثم قال:"أما بعد فإنه لم يخف عليَّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها".

فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. أخرجه البخاري (4/ 250 - 251 - مع الفتح)، ومسلم (178). =

ص: 147

أُبَيًا أنْ يجمعَ الناس، واختُلِفَ في القَدْر الذي كانَ يصلِّي بِهِ أُبيٌّ، فقيلَ: كانَ يصلِّي بِهِمْ إحدَى عشْرَةَ ركعةً، ورُوِيَ إحدَى وعشرونَ، ورُوِيَ عشرونَ [ركعةً]

(1)

، وقيلَ: ثلاثٌ وعشرونَ، وقيلَ: غيرُ ذلكَ. وقد قدَّمنا تحقيقَ ذلكَ.

‌في العشر الأواخر من رمضان يستحب الاجتهاد في العمل

2/ 655 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ العَشْرُ - أي: الْعَشْرُ الأَخِيرَةُ مِنْ رَمَضَانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلَ العشرُ، أي: العشرُ الأخيرةُ منْ رمضانَ). هذا التفسيرُ مُدْرَجٌ منْ كلامِ الراوي، (شدَّ مئزَرَهُ) أي: اعتزلَ النساءَ، (وأحيا ليلَه وأيقظَ أهلَه. متفق عليه)، وقيلَ في تفسيرِ شدِّ المئزر: إنهُ كنايةٌ عن التشميرِ للعِبادةِ. قيلَ: ويحتملُ أنْ يكونَ المعنَى أنهُ شدِّ مئزَره: جَمَعَهُ حقيقة فلمْ يحله، واعتزلَ النساءَ وشمَّر للعبادةِ، إلَّا أنهُ يبعدُه ما رُوِيَ عنْ عليٍّ رضي الله عنه بلفظٍ:"فشدَّ مئزرَه واعتزلَ النساءَ"؛ فإنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ، وإيقاعُ الإحياءِ على الليلِ مجازٌ عقليٌّ لكونِه زمانًا للإحياءِ نفسِه، والمرادُ به السهرُ. وقولُه:"أيقظَ أهلَهُ" أي: للصلاةِ والعبادةِ، وإنَّما خصَّ بذلكَ صلى الله عليه وسلم آخرَ رمضانَ لقربِ

= • قلت: لقد اتضح من الحديثين السابقين أن صلاة القيام في رمضان مشروعة وصلاتها جماعة مشروعة، وإنَّما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الحضور في الليلة الرابعة، مخافة أن تفرض على المسلمين، فلما انقطع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمن ما خاف منه الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنّ العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فبقيت السنة للجماعة لزوال العارض، فجاء عمر رضي الله عنه أمر بصلاتها جماعة، إحياءً للسنة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعلم أنَّ مفهوم البدعة لا ينطبق على فعل عمر رضي الله عنه.

ويقول ابن تيمية رحمه الله: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية. انظر كتاب:"اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية ص 275 - 277.

(1)

زيادة من (ب).

(2)

البخاري (2024)، ومسلم (1174).

قلت: وأخرجه أبو داود (1376)، والنسائي (3/ 217 رقم 1639)، وابن ماجه (1768)، والبيهقي (4/ 313)، والبغوي في "شرح السنة"(6/ 389).

ص: 148

خروجِ وقتِ العبادةِ فيجتهدُ فيهِ لأنهُ خاتمةُ العملِ، والأعمالُ بخواتيمِها.

‌مشروعية الاعتكاف

3/ 656 - وعَنْهَا رضي الله عنها، أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عز وجل، ثُمّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعنْها) أي: عائشةَ رضي الله عنها: (أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ منْ رمضانَ حتَّى تَوفَّاهُ اللَّهُ عز وجل، ثمَّ اعتكفَ أزواجُه منْ بعدِه. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على أن الاعتكافَ سُنَّةٌ واظبَ عليْها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأزواجُهُ منْ بَعْدِهِ. قالَ أبو داودَ عنْ أحمدَ: لا أعلمُ عنْ أحدٍ منَ العلماءِ خلافًا أن الاعتكافَ مسنونٌ. وأمَّا المقصودُ منهُ فهوَ جَمْعُ القلبِ على اللهِ تعالى بالخلوةِ معَ خُلْوِّ المعدةِ، والإقبالُ عليهِ تعالى، والتنعمُ بذكرهِ، والإعراضُ عما عداهُ.

‌لا يخرج المعتكف من المسجد

4/ 657 - وعَنْهَا رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعنْها) أي عائشةَ رضي الله عنها: (قَالتْ: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ أنْ يعتكفَ صلَّى الفجرَ، ثمَّ دخلَ معتكَفَهُ. متفق عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنَّ أولَ وقتِ الاعتكافِ بعدَ صلاةِ الفجرِ، وهوَ ظاهرٌ في ذلكَ. وقدْ خالفَ فيهِ مَنْ قَالَ: إنهُ يدخلُ المسجدَ قبلَ طلوعِ الفجرِ إذا كانَ معتكفًا نهارًا، وقبلَ [الغروب]

(3)

إذا كانَ معتكِفًا ليلًا، وأُوِّلَ الحديثُ بأنهُ كانَ يطلعُ الفجرُ وهوَ صلى الله عليه وسلم في المسجدِ ومنْ بعدِ صلاتِه الفجرَ يخلُو بنفسِه في المحلِّ الذي أعدَّه لاعتكافِه.

(1)

البخاري (2026)، ومسلم (5/ 1171).

قلت: وأخرجه أبو داود (2462)، والترمذي (790) وقال: حديث حسن صحيح.

(2)

البخاري (2033)، ومسلم (6/ 1172).

قلت: وأخرجه أبو داود (2464)، والترمذي (791)، وابن ماجه (1771) وغيرهم.

(3)

في (ب): "غروبِ الشمسِ".

ص: 149

قلتُ: ولا يخْفَى بعدُهُ؛ فإنَّها كانتَ عادتُه صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجُ منْ منزلِه إلَّا عندَ الإقامة للصلاة.

‌الأعمال التي لا تبطل الاعتكاف

5/ 658 - وَعَنْهَا رضي الله عنها قَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأسَهُ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]

(وعَنْها) أي: عائشة (رضي الله عنها قالتْ: إنْ كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليُدخِلُ على رَأْسَهُ وهوَ في المسجدِ، فأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا يدخلُ البيتَ إلَّا لحاجةٍ إذا كان معتكفًا. متفق عليه، واللفظُ للبخاريِّ). في الحديثِ دليلٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وأنَّ خُروجَ بعضِ بدنِه لا يضرُّ، وفيهِ أنهُ يشرعُ للمعتكفِ النظافةُ والغسلُ والحَلْقُ والتزيُّنُ، وعلى أنَّ العملَ اليسيرَ [و]

(2)

الأفعالَ الخاصةَ بالإنسانِ يجوزُ فعلُها وهوَ في المسجدِ، وعلى جوازِ استخدامِ الرجلِ زوجته، وقولها:"إلَّا لحاجةٍ" يدلُّ علَى أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ إلَّا للأمرِ الضروريِّ. والحاجةُ فسَّرها الزهريُّ بالبول والغائطِ، وقد اتُّفق على استثنائِهِمَا، واختُلِفَ في غيرِهِما منَ الحاجاتِ كالأكلِ والشربِ، وألحقَ بالبولِ والغائطِ جوازُ الخروجِ للفصدِ والحجامةِ ونحوِهما.

6/ 659 - وَعَنْها قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

، وَلَا بَأسَ بِرِجَالِهِ إلَّا أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ. [إسناده حسن]

(1)

البخاري (2029)، ومسلم (6/ 297).

قلت: وأخرجه الترمذي (804)، والنسائي (1/ 193).

(2)

في (ب): "من".

(3)

في "السنن"(2473).

وقال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: "قالت السنة"، قال أبو داود: جعله قول عائشة. وحسَّن الألباني إسناده.

ص: 150

(وعَنْها) أيْ: عائشةَ (رضي الله عنها: قَالَتْ: السنة علَى المعتكفِ أنْ لا يعودَ مريضًا، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمسَّ امرأةً، ولا يباشرَها، ولا يخرجَ لحاجةٍ إلَّا لِمَا لا بدَّ لَهُ منهُ) مما سلفَ ونحوِه (ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ، ولا اعتكافَ إلَّا في مسجدٍ جامعٍ. رواهُ أبو داوُدَ، ولا بأسَ برجالِه، إلَّا أن الراجحَ وقْفُ آخِرِهِ) من قولِها: "ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ". [و]

(1)

قالَ المصنفُ

(2)

: جزمَ الدارقطنيُّ أنَّ القدْرَ الذي منْ حديثِ عائشةَ قولُها: "لا يخرجُ إلا لحاجةٍ"، وما عداهُ ممنْ دونَها، انتَهَى منْ فتحِ الباري. وهنَا قالَ: إنَّ آخِرَهُ موقوفٌ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ لشيءٍ مما عيَّنَتْهُ هذهِ الروايةُ، وأنهُ أيضًا لا يخرجُ لشهودِ الجمعةِ، وأنهُ إن فعلَ أي ذلكَ بطلَ اعتكافُهُ. وفي المسْألةِ خلافٌ كثير ولكنَ الدليل قائمٌ على ما ذكرناهُ. وأما اشتراطُ الصوم ففيهِ خلافٌ أيضًا، وهذا الحديثُ الموقوفُ دالٌّ على اشتراطِهِ، وفيهِ أحاديثُ منْها في نفي شرطِيَّتِهِ، ومنْها في إثباتها، والكلُّ لا ينتهض حجةً، إلَّا أن الاعتكافَ عُرفَ منْ فعلِهِ صلى الله عليه وسلم ولمْ يعتكفْ إلَّا صائمًا. واعتكافُه في العشْرِ الأوَلِ منْ شوالٍ

(3)

الظاهرُ أنهُ صامَها. [ولا]

(4)

يعتكفْ إلَّا منْ ثاني شوالٍ، لأنَّ يومَ العيدِ يومُ شغلِه بالصلاةِ والخطبةِ والخروجِ إلى الجبانةِ، إلَّا أنهُ لا يقومُ بمجردِ الفعْلِ حجةٌ على الشرطيةِ. وأنها اشتراطُ المسجدِ فالأكثرُ على شرطيتِه إلَّا عنْ بعض العلماءِ، والمرادَ منْ كونِه جامعًا أنْ تقامَ فيهِ الصلواتُ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ وأبو حنيفةَ. وقالَ الجمهورُ: يجوزُ في كلِّ مسجدٍ إلا لمنْ تلزمُه الجمعةُ

(1)

زيادة من (ب).

(2)

في "فتح الباري"(4/ 273).

(3)

أخرج البخاري (2033)، ومسلم (6/ 1172) عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكفُ في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبحَ ثم يدخلُه.

فاستأذنت حفصةُ عائشةَ أن تضرب خِباء فأذنت لها فضربت خباء. فلما رأتهُ زينب بنتُ جحش ضربت خباءً آخرَ، فلما أصبحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية فقال: ما هذا؟ فأخبرَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: آلْبِرَّ تُرَونَ بهنَّ؟ فترك الاعتكافَ ذلك الشهرَ.

ثم اعتكفَ عشرًا من شوّالٍ".

وقال صاحب "الروضة الندية"(1/ 573) بتحقيقنا عقب هذا الحديث: "ولم ينقل عنه أنه صامها، بل روي عنه أنه اعتكف العشر الأول من شوال، ولا يخفى أن يوم الفطر من جملتها، وليس بيوم صوم، فالحق عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف لما تقدم

".

(4)

في (ب): "ولم".

ص: 151

فاسْتَحَبَّ لهُ الشافعيُّ الجامعَ، وفيهِ مثلُ ما في الصومِ من أنهُ صلى الله عليه وسلم لم يعتكفْ إلَّا في مسجدهِ، وهوَ مسجدٌ جامعٌ

(1)

. ومنَ الأحاديثِ الدالةِ على عدمِ شرطيةِ الصيامِ قولُه:

7/ 660 - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلا أنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

(2)

، والْحَاكِمُ

(3)

، وَالرَّاجِحُ وَقْفَهُ أَيْضًا. [موقوف]

(وعنِ ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: لَيْس على المعتكفِ صيامٌ إلَّا أن يجعلَه على نفسه. رواهُ الدارقطنيُّ، والحاكمُ، والراجحُ وقْفُه أيضًا) علَى ابن عباسٍ. قالَ البيهقيُّ

(4)

: الصحيحُ أنهُ موقوفٌ ورفْعُهُ وهْمٌ وللاجتهادِ في هذا مسرحٌ، فلا يقومُ دليلٌ على عدمِ الشرطيةِ. وأمّا قولُه:"إلَّا أنْ يجعلَه على نفسِه"، فالمرادُ أنْ يَنْذرَ بالصومِ.

‌وقت ليلة القدر

8/ 661 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أن رِجالًا مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في الْمَنَامِ، في السَّبْعِ الأوَاخِر، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أُرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ في السّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السّبْعِ الأوَاخِرِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(5)

. [صحيح]

(وعَنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما أن رجالًا من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم)، قال المصنفُ: لم أقفْ على تسميةِ أحدٍ منْ هؤلاءِ، وقولِه:(أُرُوا) بضمِّ الهمزةِ على البناءِ للمجهولِ (ليلةَ القدرِ في المنامِ) أي: قيلَ لهمْ: في المنامِ هي (في السبعِ الأواخِرِ، فقالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أُرَى) بضمِّ الهمزةِ أي: أظنُّ (رؤياكمْ قد تواطأتْ) أي: توافقتْ لفظًا

(1)

انظر: "المجموع"(6/ 483).

(2)

في "السنن"(2/ 199 رقم 3).

(3)

في "المستدرك"(1/ 439)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(4)

في "السنن الكبرى"(4/ 319).

(5)

البخاري (2015)، ومسلم (205/ 1165).

قلت: وأخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 321 رقم 14).

ص: 152

ومعنًى، (في السبعِ الأواخر، فمنْ كانَ متحرِّيْها فليتحرَّها في السبع الأواخِر. متفقٌ عليهِ). وأخرجَ مسلمٌ

(1)

منْ حديثِ ابن عمرَ [مرفوعًا]

(2)

: "التمسُوها في العشرِ الأواخِرِ، فإنْ ضَعُفَ أحدٌ أوْ عَجَزَ فلا يُغْلَبَنَّ على السبعِ البواقي". وأخرجَ أحمدُ

(3)

: "رأَى رجلٌ أن ليلةَ القدرِ ليلةُ سبع وعشرينَ أو كذا، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "التَمسُوها في العشرِ البواقي في الوترِ منْها"، ورَوَى أحمدُ

(4)

منْ حديثِ عليٍّ مرفُوعًا: "إنْ غُلِبْتُمْ فلا تُغْلَبُوا على السبعِ البواقي"، وجُمِعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ العشْرَ للاحتياط منْها، وكذلكَ السبعُ، والتسعُ، لأنَّ ذلكَ هو [لمظنة]

(5)

، وهوَ أقصَى ما يُظَنُّ فيهِ الإدراكُ. وفي الحديثِ دليلٌ على عِظَمِ شأنِ الرؤيا، وجوازِ الاستنادِ إليها في الأمورِ الوجوديةِ بشرطِ أنْ لا تخالفَ القواعدَ الشرعيةَ.

9/ 662 - وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبي سُفْيَانَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: "لَيلَةُ سَبْعِ وَعِشْرِينَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(6)

، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتُهَا في فَتْحِ الْبَارِي

(7)

. [صحيح]

(وعنْ معاويةَ بن أبي سفيانَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ في ليلةِ القدرِ: ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. رواهُ أبو داودَ) مرفُوعًا: (والراجحُ وقْفه) على معاويةَ ولهُ حكمُ الرفعِ. (وقد اختُلِفَ في تعيينِها على أربعينَ قولًا، أوردتها في فتحِ الباري)، ولا حاجةَ إلى سردِها لأنَّ منْها ما ليسَ في تعيِينها، كالقولِ بأنَّها رُفِعَتْ، والقولُ بإنكارِها منْ أصلِها؛ فإنَّ هذهِ عدَّها المصنفُ منَ الأربعينَ. [وفيها]

(8)

أقوالٌ أُخَرُ لا دليلَ

(1)

في "صحيحه"(209/ 1165) مرفوعًا.

(2)

في (أ): "موقوفًا"، والأصح ما أثبتناه من (ب).

(3)

في "المسند"(5/ 40).

(4)

في "الفتح الرباني"(10/ 270 رقم 325) بسند لا بأس به.

وهو من زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد.

(5)

في (ب): "المظنة".

(6)

في "السنن"(1386) وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.

(7)

(4/ 262 - 267).

وانظر: "نيل الأوطار" للشوكاني (4/ 272 - 275)، فقد بسطها فيه فكانت سبعة وأربعين قولًا.

(8)

في (أ): "ومنها".

ص: 153

عليْها. وأظهرُ الأقوالِ أنَّها في السبع الأواخِرِ. وقالَ المُصنفُ في فتحِ الباري

(1)

بعدَ سردِه الأقوالَ: وأرجحُها كلُّها أنَّها في وترِ العشرِ الأواخرِ، وأنَّها تنتقلُ كما يفهمُ منْ حديثِ هذا البابِ، وأرجَاها أوتارُ الوترِ عندَ الشافعيةِ إحدَى وعشرينِ، وثلاثٌ وعشرين على ما في حديثي أبي سعيدٍ

(2)

، وعبدِ اللهِ بن أُنَيْسٍ

(3)

، وأرجَاها عندَ الجمهورِ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ.

‌ماذا يقول من وافق ليلة القدر

10/ 663 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ:"قولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنِّي". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبي دَاوُدَ

(4)

، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ

(5)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ ليليةٍ ليلةُ القدرِ ما أقولُ فيها قالَ: قولي اللَّهمَّ إنكَ عفوٌ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني. رواهُ الخمسةُ غيرُ أبي داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، والحاكم). قيلَ

(6)

: علامتُها أن المطَّلِعَ عليها يَرَى كلَّ شيءٍ ساجدًا، وقيلَ: يَرَى الأنوارَ في كلِّ مكانٍ ساطعةً حتَّى في المواضعَ المظلمةِ، وقيلَ: يسمعُ سلامًا أو خِطابًا منَ الملائكةِ، وقيلَ: علامتُها استجابةُ دعاءِ مَنْ وقعتْ لهُ. وقالَ الطبريُّ: ذلكَ غيرُ لازمٍ فإنَّها قدْ تحصلُ ولا يُرَى شيءٌ

(1)

(4/ 266).

(2)

أخرجه البخاري (2016)، ومسلم (213/ 1167).

(3)

أخرجه مسلم (218/ 1168).

(4)

أخرجه أحمد (6/ 171، 182، 208، 258)، والترمذي (3513)، والنسائي في "اليوم والليلة" (رقم: 872)، وابن ماجه (3850) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(5)

في "المستدرك"(1/ 530) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.

قلت: وأخرجه ابن السني في "اليوم والليلة"(رقم: 767).

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(6)

قلت: غفر الله للأمير الصنعاني فقد وافق العامة في مثل ذلك، ومثل هذا لا يقال إلا بالدليل. وانظر كتاب:"شرح الصدر بذكر ليلة القدر" للعراقي بتحقيقنا ص 44 - 46: فصل في علامات ليلة القدر.

ص: 154

ولا يُسْمَعُ. واختلفَ العلماءُ هلْ يقعُ الثوابُ المرتَّبُ لمنِ اتفقَ أنُ وافقَها ولم يظهرْ له شيءٌ، أو يتوقفُ ذلكَ على كشفِها؟ ذهبَ إلى الأولِ الطبري وابنُ العربيِّ وآخرونَ، وإلى الثاني ذهبَ الأكثرونَ، ويدلُّ لهُ ما وقعَ عن مسلم

(1)

منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: "مَنْ يقُمْ ليلةَ القدرِ فيوافقها". قال النوويُّ

(2)

: أي يعلمُ أنَّها ليلةُ القدرِ، ويحتملُ أن المراد يوافقُها في نفسِ الأمرِ وإنْ لم يعلمْ هوَ ذلكَ، ورجَّحَ هذَا المصنفُ. قالَ: ولا أنكرُ حصولَ الثوابِ الجزيلِ لمنْ قامَ ابتغاء ليلةِ القدرِ وإنْ لم [يوافقها]

(3)

، وإنَّما الكلامُ في حصولِ الثوابِ المعيَّنِ الموعودِ به، وهوَ مغفرةُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ.

‌يحرم شدُّ الرحال لزيارة الصالحين لقصد التبرك

11/ 664 - وعَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(4)

. [صحيح]

(عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لا تُشَدُّ) بضمِّ الدالِ المهملةِ، على أنهُ نفيٌ، ويُرْوَى بسكونِها على أنهُ نهْيٌ، (الرِّحال) جمعُ رَحْلٍ، وهوَ للبعيرِ كالسَّرْجِ للفرسِ، وشدُّهُ هنا كنايةٌ عن السفرِ لأنهُ لازمَه غالبًا، (إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرام) أي: المحرَّمِ، (ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى. متفقٌ عليه). اعلمْ أن إدخالَ هذا الحديثِ في بابِ الاعتكافِ لأنهُ قدْ قيلَ: أنه لا يصحُّ الاعتكافُ إلَّا في الثلاثةِ المساجدِ

(5)

، ثمَّ المرادُ بالنفي النهيُ مجازًا كأنهُ

(1)

في "صحيحه"(176/ 760).

(2)

في "شرح صحيح مسلم"(1/ 46).

(3)

في (ب): "يوفَقْ لها".

(4)

البخاري (1197) و (1995)، ومسلم (415/ 827).

قلت: وأخرجه أحمد (3/ 34 و 51، و 52 و 71 و 77)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 374)، والبغوي في "شرح السنة"(رقم 450)، والطحاوي في "مشكل الآثار" رقم (578).

(5)

وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث: "لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة"، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 91) عن إبراهيم قال: جاء حذيفة إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قومك عكوف بين دارك ودار الأشعري - يعني المسجد - قال: عبد الله - يعني=

ص: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ابن مسعود - ولعلهم أصابوا وأخطأت. فقال حذيفة: أما علمت أنه لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما أبالي اعتكف فيه أو في سوقكم هذه".

قلت: ولا وجود لما ذكر الشوكاني عند أبي شيبة. والله أعلم.

وأخرج الحديث البيهقي في "سننه"(4/ 316)، والطحاوي في "مشكل الآثار"(4/ 20) والذّهبي في "سير أعلام النبلاء"(15/ 81)، كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل قال: قال حذيفة لعبد الله، عكوفًا بين دارك، ودار أبي موسى، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاث"، فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، وأخطأت وأصابوا".

وقال الحافظ الذهبي بعد روايته للحديث: صحيح غريب عال.

• أما من حيث مشروطية المسجد للاعتكاف. قال ابن حجر في "فتح الباري"(4/ 272): "واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول الشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوتِ أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصَّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصَّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة".

قلت: وأخرج عبد الرزاق في المصنف" (3/ 349 رقم 8018): عن عطاء قال: لا جوار إلا في مسجد الجامع، ثم قال: "لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة".

- وأخرج عبد الرزاق في "المصنف" رقم (8019) عن عطاء بسند صحيح قال: "لا جوار إلا في مسجد مكة، ومسجد المدينة

"، والجوار: أي الاعتكاف.

- وأخرج بن أبي شيبة في "مصنفه"(3/ 91)، وعبد الرزاق في "المصنف" (4/ 346 رقم 8008) بسند صحيح عن ابن المسيِّب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي".

- مسجد نبي: يعني المساجد الثلاث.

- وأخرج عبد الرزاق في "المصنف"(4/ 348 رقم 8017)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 93) عن الزهري قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة يجمع فيه".

- وأخرج عبد الرزاق في "المصنف"(4/ 346 رقم 8009)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 91) عن علي بن أبي طالب قال:"لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة".

والخلاصة: أن القول الراجح هو قول حذيفة، لأن معه سنة مروية صحيحة، والجمهور ليس =

ص: 156

قالَ: لا يستقيمُ شرْعًا أنْ يقصدَ بالزيارةَ إلَّا هذهِ البقاعَ لاختصاصِها بما اختصَّتْ بهِ منَ المزية التي شرَّفَها اللَّهُ تعالى بِها. والمرادُ منَ المسجدِ الحرامِ هوَ الحرمُ كلُّه لما رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ

(1)

منْ طريقِ عطاءٍ: "أنهُ قيلَ لهُ: هذَا الفضلُ في المسجدِ الحرامِ وحدَه أمْ في الحرمِ؟ قالَ: بلْ في الحرمِ كلِّهِ"، ولأنهُ لما أرادَ صلى الله عليه وسلم التعيينَ للمسجدِ قالَ:"مسجدي هذَا"، والمسجدُ الأقْصَى بيتُ المقدسِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنهُ لم يكنْ وراءَهُ مسجدٌ كما قالُ الزمخشريُّ

(2)

. والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ المساجدِ هذهِ، ودلَّ بمفهومِ الحصْرِ أنهُ يحرمُ شدُّ الرحالِ لقصدِ غيرِ الثلاثةِ، كزيارةِ الصالحينَ أحياءً وأمواتًا لقصدِ التقرُّبِ، وقصد المواضعِ الفاضلةِ لقصدِ التبرُّكِ بها والصلاةِ فيها. وقدْ ذهبَ إلى هذا الشيخُ أبو محمدٍ الجوينيُّ، وبهِ قالَ القاضي عياضٌ وطائفةٌ، ويدلُّ عليه ما رواهُ أصحابُ السننِ

(3)

منْ إنكارِ أبي بصرةَ الغفاريِّ على أبي هريرةَ خروجَهُ إلى الطورِ، وقالَ: لو أدركتُكَ قبلَ أنْ تخرجَ ما خرجتُ. واستدلَّ بهذا الحديثِ ووافقَهُ أبو هريرةَ. وذهبَ الجمهورُ إلى أن ذلكَ غيرُ محرَّمٍ، واستدلُّوا بما لا ينهضُ، وتأولُوا حديث الباب بتآويلَ بعيدةٍ، ولا ينبغي التأويلُ إلَّا بعدَ أنْ ينهضَ على خلافِ ما أَوَّلُوهُ الدليلُ

(4)

.

وقدْ دلَّ الحديثُ على فضلِ المساجدِ الثلاثةِ، وأنَّ أفضلَها المسجدُ الحرامُ لأنَّ التقديمَ ذكرًا يدلُّ على مزيةِ المقدَّمِ، ثمَّ مسجدُ المدينةِ، ثمَّ المسجدُ الأقْصَى.

وقدْ دلَّ لِهذَا أيضًا ما أخرجهُ البزَّارُ

(5)

وحسَّنه منْ حديثِ أبي الدرداء

= معهم إلا عموم الآية: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، وهو مُحْصصٌ بحديث حذيفة الصحيح. والله أعلم.

(1)

لم أجده في "مسند الطيالسي".

(2)

في "الكشاف"(2/ 351).

(3)

لم أجده عند أصحاب "السنن".

بل أخرجه الطيالسي في "منحة الغفار"(2/ 203 رقم 2722)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (2/ 55 رقم 582) بإسناد ضعيف. وأخرجه كذلك (2/ 56 رقم 584) بإسناد صحيح على شرطهما. والخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(4)

قال صاحب "فتح العلام" ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيادة ومسألة السفر لها فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه" اهـ.

(5)

في "الكشف" رقم (422). وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(2/ 69 رقم 609) بسند ضعيف، لضعف سعيد بن بشير. =

ص: 157

مرفُوعًا: "الصلاةُ في المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةٍ، والصلاةُ في مسجدي بألفِ صلاةً، والصلاةُ في بيتِ المقدسِ بخمسِمِائةِ صلاة"، وفي معناهُ أحاديثُ أُخَرُ.

ثمَّ اختلفَ هل الصلاةُ في هذه المساجدِ تعمُّ الفرضَ والنَّفلَ أو تخصُّ الأولَ؟ قال الطحاويُّ وغيرُهُ: تخصُّ بالفروضِ لقولِه صلى الله عليه وسلم: "أفضلُ صلاة المرءِ في بيتِهِ إلَّا المكتوبةَ"

(1)

.

ولا يخْفى أنّ لفظَ الصلاةِ المعروفَ بلامِ الجنسِ عامٌّ فيشملَ النافلةَ، إلا أنْ يُقَالَ: لفظَ الصلاةِ إذا أُطْلِقَ لا يتبادرُ منهُ إلَّا الفريضةُ فلا يشملُها.

* * *

= وأورده الهيثمي في "المجمع"(4/ 7) وقال: رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام. والخلاصة: فهو حديث حسن.

انظر: "إرواء الغليل"(رقم: 1130).

(1)

تقدَّم تخريجه.

ص: 158

[الكتاب السادس] كتابُ الحَجِّ

الحجُّ بفتحِ الحاءِ المهمله وكسرِها لغتانِ، وهوَ ركنٌ منْ أركانِ الإسلامِ الخمسةِ بالاتفاقِ، وأولُ فرضِه سنةَ ستٍّ عندَ الجمهورِ، واختارَ ابنُ القيمِ في الهدي

(1)

أنهُ فُرِضَ سنةَ تسعٍ أو عشرٍ، وفيهِ خلافٌ.

[الباب الأول] باب فضلهِ وبيان مَنْ فرِضَ عليهِ

‌فضل العمرة وتكرارها

1/ 665 - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "العُمرَةُ إلَى العُمرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ

(2)

[صحيح]

(عنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه عنه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: العُمرة إلى العُمرةِ كفارةٌ لما بينَهما، والحجُّ المبرورُ)، قيلَ: هوَ الذي لا يخالطُه شيءٌ منَ الإثمِ، ورجَّحهُ النوويُّ

(3)

. وقيلَ: المقبولُ، وقيل: هوَ الذي تظهرُ ثمرتُه على صاحبِه بأنْ يكونَ

(1)

في "زاد المعاد"(2/ 101).

(2)

البخاري (1773)، ومسلم (437/ 1349).

قلت: وأخرجه الترمذي (933) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (5/ 115 رقم 2629)، وابن خزيمة (4/ 131 رقم 2513) وغيرهم.

(3)

في "شرح صحيح مسلم"(9/ 118 - 119).

ص: 159

حالُه بعدَه خَيْرًا منْ حالِه قبلَه. وأخرجَ أحمدُ

(1)

، والحاكمُ

(2)

منْ حديثِ جابرٍ: "قيلَ يا رسولَ اللهِ، ما برُّ الحجِّ؟ قالَ: إطعامُ الطعامِ وإفشاءُ السَّلامِ" وفي إسنادِه ضعفٌ، ولو ثبتَ لتعيَّنَ بهِ التفسير، (ليسَ لهُ جزاءٌ إلا الجنة. متفقٌ عليه).

العمرةُ لغةً الزيارةُ، وقيلَ: القصدُ. وفي الشرعِ: إحرامٌ، وسعيٌ، وطوافٌ، وحَلْقٌ، أو تقصيرٌ، سميتْ بذلكَ لأِنَّهُ يزارُ بها البيتُ، ويقصدُ. وفي قولِه:"العمرةُ إلى العمرةِ" دليلٌ على تكرارِ العمرةِ، وأنهُ لا كراهةَ في ذلكَ، ولا تحديدَ بوقتٍ.

وقالتِ المالكيةُ

(3)

: يكرهُ في السنةِ أكثرُ منْ عمرةٍ واحدةٍ، واستدلُّوا لهُ بأنهُ صلى الله عليه وسلم لمْ يفعلْها إلَّا منْ سنةٍ إلى سنةٍ، وأفعالُه صلى الله عليه وسلم تُحْمَلُ عندَهم على الوجوبِ أو الندبِ. وأجيبَ عنه بأنهُ عُلِمَ منْ أحوالِهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ كانَ يتركُ الشيءَ وهوَ يستحبُّ فعله ليرفعَ المشقةَ عن الأمةِ، وقد ندبَ إلى ذلكَ بالقولِ. وظاهرُ الحديثِ عمومُ الأوقاتِ في شرعيَّتِها، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ. وقيلَ: إلا للمتلبس بالحجِّ، وقيل: إلَّا أيامُ التشريقِ، وقيلَ: ويومُ عرفةَ، وقيلَ: إلَّا أشهرُ الحجِّ لغيرِ المتمتعِ والقارنِ، والأظهرُ أنَّها مشروعةٌ مطلقًا، وفعلُه صلى الله عليه وسلم لها في أشهرِ الحجِّ يردُّ قولَ مَنْ قالَ بِكَراهَتِها فيها، فإنّه صلى الله عليه وسلم يَعْتَمِرْ عُمُرهُ الأربَعِ إِلّا في أشهُرِ الحجِّ كما هوَ معلومٌ، وإنْ كانتِ العمرةُ الرابعةُ في حجِّهِ، فإنهُ صلى الله عليه وسلم حجَّ قارنًا كما تظاهرتْ عليهِ الأدلةُ، وإليه ذهبَ من الأئمةِ الأجلَّةُ.

2/ 666 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ:"نَعَمْ، عَلَيهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ

(4)

، وَابْنُ مَاجَهْ

(5)

، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحِ

(6)

. [صحيح]

(1)

في "المسند"(3/ 325 و 334).

(2)

في "المستدرك"(1/ 483) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه لأنهما لم يحتجَّا بأيوب بن سويد، لكنه حديث له شواهد كثيرة. وقال الذهبي: صحيح.

(3)

انظر: "قوانين الأحكام الشرعية" لابن جزيّ (ص 161).

(4)

في "المسند"(6/ 165).

(5)

في "السنن"(2901)، وهو حديث صحيح.

(6)

في "صحيح البخاري"(1762) من حديث عائشة.

ص: 160

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، على النساءِ جهادٌ) هوَ إخبارٌ يُرَادُ بهِ الاستفهامُ (قالَ: نعمْ عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه) كأنَّها قالتْ: ما هوَ؟ فقالَ: (الحجُّ والعمرة) أُطْلِقَ عليهما لفظُ الجهادِ مجازًا، شبَّههُمَا بالجهادِ، وأطلقَه عليهما بجامعِ المشقةِ. وقولُه:"لا قتالَ فِيه" إيضاحٌ للمرادِ، وبذكرِه خرجَ عنْ كونِه استعارةً، والجوابُ منَ الأسلوبِ الحكيمِ (رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجهْ، واللفظُ لهُ)، أي: لابنِ ماجهْ، (وإسنادُهُ صحيحٌ، وأصلُه في الصحيحِ) أي: في صحيحِ البخاريِّ. وأفادتْ عبارتُه أنهُ إذا أُطْلِقَ الصحيحُ فالمرادُ بهِ البخاريُّ، أوْ أرادَ بذلكَ ما أخرجهُ البخاريُّ

(1)

منْ حديثِ عائشةَ بنتِ طلحةَ عنْ عائشةَ أمِّ المؤمنينَ: "أنَّها قالتْ: يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضلَ العملِ أفلا نجاهدُ؟ قالَ: لا، لكنْ أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ". وأفادَ تقييدَ إطلاقِ روايةِ أحمد للحجِّ، وأفادَ أن العمرةَ والحجَّ يقوم مقامَ الجهادِ في حقِّ النساءِ، وأفادَ أيضًا بظاهرِه أن العمرةَ واجبةٌ إلَّا أن الحديثَ الآتي يخالفه وهوَ:

‌حكم العمرة وأقوال العلماء في ذلك

3/ 667 - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَتى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْرَابيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ:"لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيرٌ لَكَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(2)

، وَالتِّرْمِذِيُّ

(3)

، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. [ضعيف]

(وعَنْ جابر رضي الله عنه قالَ: أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ) بفتحِ الهمزةِ، نسبةً إلى الأعراب، وهمْ سكانُ الباديةِ الذينَ يطلبونَ مساقطَ الغيثِ والكلأ، سواءً كانُوا منَ العربِ أَو منْ مواليهِمْ. والعربيُّ مَنْ كانَ نسبُه إلى العربِ ثابتًا، وجمعه أعرابٌ، ويجمعُ الأعرابيُّ على الأعرابِ والأعاربِ (فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أخبرني عن العمرةِ؟) أي: عنْ حكمِها كما أفادُه (أواجبةٌ هي؟ قال: لا) أي: لا تجبُ، وهوَ منَ

(1)

في "صحيحه"(رقم 1448 - البغا).

(2)

في "الفتح الرباني"(11/ 58 رقم 50).

(3)

في "السنن"(931)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

قلت: إسناده ضعيف، لضعف الحجاج بن أرطأة. انظر:"المجروحين"(1/ 225) والميزان (1/ 458)، و"الجرح والتعديل"(3/ 154).

ص: 161

الاكتفاءِ، (وأنْ تعتمرَ خيرٌ لكَ) أي: مِنْ تركَها، والأخيَريةُ في الأجرِ تدلُّ على ندبِها، وأنَّها غيرُ مستويةِ الطرفينِ حتَّى تكونَ منَ المباحِ، والإتيانُ بهذهِ الجملةِ لدفعِ ما يُتَوَّهَمُ أنَّها إذا لم تجبْ تردَّدتْ بينَ الإباحةِ والندبِ بلْ كانَ ظاهرًا في الإباحة، لأنَّها الأصلُ فأبانَ ندبَها (رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ) مرفُوعًا، (والراجح وَقْفُهُ) على جابرٍ، فإنهُ الذي سألَهُ الأعرابيُّ وأجابَ عنهُ، وهوَ مما للاجتهادِ فيهِ مسرحٌ (وأخرجه ابن عديٍّ

(1)

منْ وجهٍ آخرَ)، وذلكَ أنهُ رواهُ منْ طريقِ أبي عصمةَ

(2)

، عن ابن المنكدرِ، عنْ جابرٍ. وأبو عصمةَ كذَّبوهُ، (ضعيفٌ)؛ لأنَّ في إسنادِه أبا عصمة، وفي إسناده [عندَ] أحمدَ، والترمذيِّ أيضًا الحجاج بنُ أرطاةَ

(3)

وهو ضعيفٌ.

وقدْ رَوَى ابنُ عديٍّ

(4)

، والبيهقيِّ

(5)

منْ حديثِ عطاءٍ عنْ جابرٍ: "الحجٌّ والعمرةُ فريضتانِ" سيأتي بما فيه

(6)

. والقولُ بأنَّ حديثَ جابرٍ المذكورَ صحَّحَهُ التِّرمذيُّ مردودٌ بما في الإمامِ أنَّ الترمذيَّ لمْ يزدْ على قولِه حَسَنٌ في جميعِ الرواياتِ عنهُ، وأفرطَ ابنُ حزمٍ

(7)

فقالَ: إنهُ مكذوبٌ باطلٌ. وفي البابِ أحاديثُ لا تقومُ بها حجةٌ. ونقلَ الترمذيُّ

(8)

عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: ليسَ في العمرةِ شيءٌ ثابتٌ، إنَّها تطوُّعٌ، وفي إيجابِها أحاديثُ لا تقومُ بها الحجةُ كحديثِ عائشةَ الماضي وكالحديثِ:

(1)

في "الكامل"(7/ 2507) وإسناده ضعيف جدًّا.

(2)

قال عنه أحمد: لم يكن بذاك في الحديث، وكان شديدًا على الجهمية. وقال مسلم وغيره: متروك الحديث، وقال الحاكم: وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل.

وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.

[الميزان (4/ 279 رقم 9143)، و "الكامل" لابن عدي (7/ 2505 - 2508)].

(3)

تقدَّم الكلام عليه قريبًا.

(4)

في "الكامل"(4/ 1468) وقال: وهذه الأحاديث، عن ابن لهيعة، عن عطاء غير محفوظة.

(5)

في "السنن الكبرى"(4/ 350).

(6)

وهو الحديث الآتي برقم (4/ 668) من كتابنا هذا.

(7)

في كتابه "المحلَّى"(7/ 37).

(8)

في "السنن"(3/ 271).

ص: 162

‌حجة من قال بوجوب العمرة

4/ 668 - وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ

(1)

مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ. عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: "الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ". [ضعيف]

(وعنْ جابرٍ رضي الله عنه مرفوعًا: الحجُّ والعمرةُ فريضتانِ)، ولو ثبتَ لكانَ ناهضًا على إيجابِ العمرةِ، إلَّا أن المصنفَ هنا لم يذكرْ مَنْ أخرجَهُ، ولا ما قيلَ فيهِ، والذي في التلخيصِ

(2)

أنهُ أخرجَهُ ابن عديٍّ والبيهقي من حديث ابن لهيعة عن عطاء، عنْ جابرٍ، وابنِ لهيعةَ ضعيفٌ، وقالَ ابنُ عديٍّ: هوَ غيرُ محفوظٍ عنْ عطاء. وأخرجهُ أيضًا الدارقطنيُّ

(3)

منْ حديث زيدِ بن ثابت من طريق ابن سيرين موقوفًا بزيادةِ: "ولا يضرُّكَ بأيِّهما بدأتَ"، وفي إحدَى طريقَيْهِ ضعفٌ، وانقطاعٌ في الأُخْرى، ورواهُ البيهقي

(4)

عن زيد بن ثابت منْ طريقِ ابن سيرينَ موقوفًا، وإسنادُه أصحُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ

(5)

. ولما اختلفتِ الأدلةُ في إيجابِ العمرةِ وعدمِهِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ سَلَفًا وخَلَفًا؛ فذهبَ ابنُ عمرَ إلى وجوبِها، رواهُ عنهُ البخاريُّ تعليقًا

(6)

، ومثله ابنُ خزيمةَ

(7)

، والدارقطنيُّ

(8)

، وعُلِّقَ أيضًا

(9)

عن ابن عباسٍ أنَّها واجبة لقرينتها في كتابِ اللهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}

(10)

، ووصلهُ عنهُ الشافعي

(11)

(1)

في "الكامل"(4/ 1468) وقد تقدَّم آنفًا. وانظر: "نصب الراية"(3/ 148).

(2)

(2/ 225).

(3)

في "السنن"(2/ 284 - 285 رقم 217 و 218)، وفي إسناد (217) إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. ورقم (218) منقطع.

(4)

في "السنن الكبرى"(4/ 351).

(5)

في "المستدرك"(1/ 471) وقال الحاكم: والصحيح عن زيد بن ثابت قوله. وقال الذهبي: الصحيح موقوف.

(6)

في "صحيحه"(3/ 597 رقم الباب 1).

(7)

في "صحيحه"(4/ 356 رقم 3066)، وأشار الحافظ في "الفتح"(3/ 597) إلى رواية ابن خزيمة.

(8)

في "السنن"(2/ 285 رقم 219).

(9)

أي: البخاري في "صحيحه"(3/ 597) رقم الباب 1).

(10)

سورة البقرة: الآية 196.

(11)

في الأم (2/ 144 - 145).

ص: 163

وغيرُه، وصرَّحَ البخاريُّ

(1)

بالوجوبِ، وبوَّبَ عليه بقولهِ:"بابُ وجوبِ العمرةِ وفضْلِها"، وساقَ خبرَ ابن عمرَ وابنِ عباس. واستدلَّ غيرُه للوجوب بحديثِ:"حُجَّ عنْ أبيكَ واعْتَمِرْ"

(2)

، وهوَ حديثٌ صحيح. قالَ الشافعيُّ: لَا أعلمُ في إيجابِ العمرةِ أجودَ منهُ. وإلى الإيجابِ ذهبت الحنفيةُ لِمَا ذُكِرَ منَ الأدلةِ، وأمّا الاستدلالُ بقولهِ تعالَى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}

(3)

، فقد أُجِيبَ عنهُ بأنهُ لا يفيدُ إلَّا وجوبَ الإتمامِ، وهُو متفقٌ على وجوبِهِ بعدَ الإحرام بالعمرةِ ولو تَطَوُّعًا. وذهبت الشافعيةُ

(4)

إلى أنَّ العمرةَ فرضٌ في الأظهرِ. والأدلةُ لا تنتهض عندَ التحقيقِ على الإيجابِ الذي الأصلُ عدمُهُ.

5/ 669 - وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السّبيلُ؟ قَالَ:"الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ

(5)

، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ

(6)

، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ. [ضعيف]

(1)

في "صحيحه"(3/ 597 الباب رقم 1).

(2)

أخرجه أحمد (4/ 10، 11، 12)، وأبو داود رقم (1810)، والترمذي (930) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر. والنسائي (5/ 111) و (5/ 117)، وابن ماجه (2906)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 481) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. والبيهقي في "السنن"(4/ 329).

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(3)

سورة البقرة: الآية 196.

(4)

انظر كتاب "الأم"(2/ 144) وما بعدها.

(5)

في "السنن"(2/ 216 رقم 5). وفيه بُهلول بن عُبيد الكندي الكوفي أبو عبيد عن سلمة بن كُهيل وجماعة، وعنه الحسن بن قزعة والربيع بن سليمان الجيزي وغيرهما، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب. وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال ابن حبان: يسرق الحديث. [الميزان: 1/ 355 رقم (1329)].

(6)

(1/ 441 - 442) و (1/ 442).

وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وقد تابع حماد بن سلمة سعيدًا على روايته، عن قتادة.

ثم ساق الحاكم من طريق أبي قتادة الحراني عن حماد بن سلمة عن قتادة به ثم قال: "هذا صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في كل ذلك. وخالفه البيهقي - وهو تلميذه - فقال (4/ 230) بعد أن علقه من طريق سعيد بن أبي عروبة به: ولا أراه إلا وهمًا، فقد أخبرنا

".

ثم ساق إسناده إلى جعفر بن عون: أنبأ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: فذكره مرفوعًا مرسلًا، وقال: =

ص: 164

- وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ

(1)

مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]

(وعنْ أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ما السبيل) الذي ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالَى في الآيةِ؟ (قالَ: الزَّادُ والراحلةُ. رواهُ الدارقطنيُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ). قلتُ: والبيهقيُّ

(2)

أيضًا منْ طريقِ سعيدِ بن أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، (والراجحُ إرسالُه)، لأنهُ قالَ البيهقيُّ: الصوابُ عنْ قتادةَ عن الحسنِ مرسلًا. قالَ المصنفُ

(3)

: يعني الذي أخرجهُ الدارقطني وسندُه صحيحٌ إلى الحسنِ، ولا أرَى الموصولَ إلَّا وهْمًا. (وأخرجهُ الترمذيُّ منْ حدِيثِ ابن عمرَ أيضًا)، أي: كما أخرجهُ غيرُه منْ حديثِ أنسٍ، (وفي إسناده ضعفٌ)، وإن قالَ الترمذيُّ: إنهُ حسنٌ، وذلكَ أن فيهِ راويًا [متروكًا. والحديثِ]

(4)

وله طُرُقٌ عنْ عليٍّ

(5)

، وعنْ ابن عباسٍ

(6)

، وعنِ ابن مسعودٍ

(7)

، وعنْ عائشةَ

(8)

، وعنْ غيرِهم منْ طُرُقٍ كلُّها ضعيفةٌ. قالَ عبدُ الحقِّ: طرقُهُ كُلُّها ضعيفةٌ. وقالَ ابنُ المنذرِ: لا يثبتُ الحديثُ في ذلكَ مسندًا، والصحيحُ روايةُ الحسنِ المرسلةِ. وقدْ ذهبَ إلى هذا التفسيرِ أكثرُ الأمةِ، فالزادُ شرطٌ مطلقًا، والراحلةُ لمن دارُهُ على مسافةٍ.

= "هذا هو المحفوظ عن قتادة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وكذلك رواه يونس بن عبيد عن الحسن" اهـ.

(1)

في "السنن"(813) وقال: حديث حسن. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي قد تكلَّم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه".

وقال ابن حجر عنه في "التقريب"(1/ 146 رقم 303): متروك الحديث.

قلت: وأخرجه ابن ماجه (2896)، والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 284 رقم 744)، والدارقطني (2/ 217 رقم 255)، والبيهقي (4/ 230).

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(2)

في "السنن الكبرى"(4/ 230).

(3)

في "التلخيص"(2/ 221).

(4)

في "النسخة"(ب): "متروك الحديث".

(5)

أخرجه الدارقطني (2/ 218 رقم 17) بسند ضعيف جدًّا.

(6)

أخرجه ابن ماجه (2897) بسند ضعيف.

(7)

أخرجه الدارقطني (2/ 216 رقم 5) بسند ضعيف جدًّا. وقد تقدَّم الكلام عليه قريبًا.

(8)

أخرجه الدارقطني (2/ 217 رقم 8)، والبيهقي (4/ 330) بسند ضعيف.

وخلاصة القول: أن الأحاديث في هذا الباب ضعيفة غير منجبرة. انظر: "الإرواء" للمحدِّث الألباني (رقم 988).

ص: 165

وقالَ ابنُ تيميةَ في شرحِ العمدةِ بعدَ سردِه لما وَرَدَ في ذلكَ: فهذهِ الأحاديثُ مسندَةٌ منْ طرقٍ حِسَانٍ، ومرسلةٌ وموقوفةٌ تدلُّ على أن مناطَ الوجوبِ الزادُ والراحلةُ معَ علمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن كثيرًا منَ الناس يقدرونَ على المشي، وأيضًا فإنَّ الله تعالى قال في الحجِّ:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}

(1)

، إمَّا أنْ يعني القدرةَ المعتبرَةَ في جميعِ العباداتِ وهو مطلقُ المُكْنةِ، أوْ قَدْرًا زائدًا على ذلكَ، فإنْ كانَ المعتبرُ هوَ الأولُ لم يحتجْ إلى هذا التقييدِ كما لم يحتجْ إليه في آيةِ الصومِ والصلاةِ، فَعُلِمَ أن المعتبرَ قدرٌ زائدٌ في ذلك، وليسَ هوَ إلَّا المالُ. وأيضًا فإن الحجَّ عبادةٌ تفتقر إلى مسافةٍ فافتقرَ وجوبُها إلى ملكِ الزادِ والراحلةِ كالجهادِ، ودليلُ الأصلِ قولُه تعالى:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ}

(2)

[إلى قوله]

(3)

: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ}

(4)

الآية انتهَى. وذهبَ ابنُ الزبيرِ وجماعةٌ منَ التابعينَ إلى أن الاستطاعةَ هي الصحةُ لا غيرُ، لقولِه تعالَى:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}

(5)

فإنهُ فسَّرَ الزادَ بالتقْوى. وأُجيبَ بأنهُ غيرُ مرادٍ منَ الآيةِ كما يدلُّ له سببُ نزولها. وحديثُ البابِ يدلُّ أنَّهُ أريدَ بالزادِ الحقيقةُ وهوَ وإن ضَعُفَتْ طُرُقُهُ فكثْرتُها تشدُّ ضعفَه، والمرادُ به كفايةٌ فاضلةٌ عنْ كفايةِ [مَنْ يعولُ]

(6)

حتَّى يعودَ لقولِه صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بالمرءِ إثْمًا أنْ يضيِّعَ مَنْ يعولُ"، أخرجهُ أبو داودَ

(7)

. ويجزئُ الحجُّ وإنْ كانَ المالُ حرامًا ويأثمُ عندَ الأكثرِ. وقالَ أحمدُ: لا يجزئُ.

‌حجُّ الصبي

6/ 670 - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ "، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقالَ: "رَسُولُ الله"، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(8)

. [صحيح]

(1)

سورة آل عمران: الآية 97.

(2)

سورة التوبة: الآية 91.

(3)

زيادة من (ب).

(4)

سورة التوبة: الآية 92.

(5)

سورة البقرة: الآية 197.

(6)

في النسخة (أ): "العول".

(7)

في "السنن"(1692) وهو حديث حسن.

(8)

في "صحيحه"(1336).

قلت: وأخرجه أبو داود (1736)، والنسائي (5/ 120)، والبيهقي (5/ 155)، ومالك=

ص: 166

(وعَنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ)[ركبًا بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب]

(1)

. قالَ عياضٌ: يحتملُ أنهُ لقيَهُم ليلًا فلم يعرفوهُ صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أنهُ نهارًا ولكنَّهم لم يروهُ قبلَ ذلكَ (ركبًا بالرَّوحاءِ)، براءٍ مهملةٍ بعدَ الواوِ حاءٌ مهملةٌ بزنةِ حمراءَ، محلٌّ قربَ المدينةِ (فقالَ: مَنِ القومُ؟ فقالُوا) المسلمونَ، فقالُوا:(مَنْ أنتَ؟ فقالَ: رسولُ اللَّهِ، فرفعتْ إليهِ امرأةٌ صبيًا فقالتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قالَ: نعم ولكِ أجرٌ) بسببِ حملِها [له](1)، وحجِّها به، أو بسببِ سؤالِها عنْ ذلكَ الحكمِ، أو بسببِ الأمرينِ (أخرجهُ مسلمٌ).

والحديثُ دليلٌ أنهُ يصحُّ حجٌّ الصبيِّ وينعقدُ سواءٌ كانَ مميزًا أمْ لا، حيثُ فَعَلَ وليَّهُ عنهُ ما يفعلُ الحاجُّ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ ولكنَهُ لا يجزِيهِ عنْ حجَّةِ الإسلامِ لحديثِ ابن عباسٍ:"أيُّما غلامٍ حجَّ بهِ أهلُه ثمَّ بلغَ فعليهِ حجةٌ أخرَى" أخرجهُ الخطيبُ

(2)

، والضياءُ المقدسيُّ منْ حديثِ ابن عباسٍ رضي الله عنه وفيه زيادةٌ [أخرى] (1) قالَ القاضي: أجمعُوا [على]

(3)

أنهُ لا يجزئُه إذا بلغَ عنْ فريضةِ الإسلامِ إلَّا فرقةٌ شذَّتْ فقالتْ: يجزئه لقولِه: "نعمْ" فإنَّ ظاهرَه أنهُ حجٌّ، والحجُّ إذا أُطْلِقَ يتبادرُ منهُ ما يُسْقِطُ الواجبَ، ولكنَّ العلماءَ ذهبُوا إلى خلافِ ذلكِ.

قالَ النوويُّ

(4)

: والوليُّ الذي يُحرِمُ عن الصبيِّ إذَا كانَ غيرَ مميِّزٍ هوَ وليُّ مالِهِ وهوَ أبوهُ [أو جدُّهُ أو الوصيُّ، أي: المنصوبُ]

(5)

منْ جهةِ الحاكمِ. وأما الأمُّ فلا يصحُّ إحرامُها عنهُ إلا أنْ تكونَ وصيةً عنهُ أو منصوبةً منْ جهةِ الحاكمِ. وقيلَ: يصح إحرامُها وإحرامُ العصبةِ وإنْ لم يكنْ لهم ولايةُ المالِ. وصفةُ إحرامِ الوليِّ عنهُ أنْ يقولَ بقلبِه: جعلْتُه مُحرمًا.

= (1/ 422 رقم 244)، وأحمد (1/ 219، 244، 288، 343، 344).

(1)

زيادة من النسخة (أ).

(2)

في "تاريخ بغداد"(8/ 209).

قلت: وأخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 481)، والبيهقي (4/ 325) من حديث ابن عباس. وهو حديث صحيح بشواهده.

(3)

زيادة من (أ).

(4)

في "شرح صحيح مسلم"(9/ 100).

(5)

في النسخة (أ): "وجده والوصي والمنصوب".

ص: 167

‌الحج عن الغير وما قيل فيه

7/ 671 - وعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ. وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَر. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ:"نَعَمْ"، وَذَلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخِارِي

(1)

. [صحيح]

(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (رضي الله عنهما قالَ كانَ الفضلُ بنُ [عباسٍ]

(2)

رديفَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي: في حجةِ الوداعِ، وكانَ ذلكَ في منَى (فجاءتِ امرأةٌ منْ خَثْعَمَ) بالخاءِ المعجمةِ مفتوحةً فمثلثةٍ ساكنةٍ، فعينٍ مهملةٍ، قبيلةٌ معروفةٌ (فجعلَ الفضلُ ينظرُ إليها وتنظرُ إليهِ، وجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصرفُ وجهَ الفضلِ إلى الشقِّ الآخر، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادهِ في الحجِّ أدركتْ أبي) حالَ كونِه (شيخًا) منتصبٌ على الحالِ، وقولُه:(كبيرًا) يصحُّ صفةً، ولا ينافي اشتراطُ كونِ الحالِ نكرةً إذْ لا يخرجهُ ذلكَ عنْها، (لا يثبُتُ) صفةٌ ثانيةٌ (على الراحلةِ) يصحُّ صفة أيضًا، ويحتمل الحالَ ووقعَ في بعضِ ألفاظِهِ:"وإنْ شددتُه خشيتُ عليه"، (أفأحجُّ) نيابةً (عنهُ؟ قالَ: نعمْ) أي: حُجِّي عنهُ، (وذلكَ) أي: جميعُ ما ذُكِرَ (في حجةِ الوداعِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). في الحديث رواياتٌ أُخَرُ، ففي بعضِها أن السائلَ رجلٌ وأنهُ سألَ" [أن]

(3)

يحجَّ عنْ أمِّهِ" فيجوزُ تعدُّدُ [القصة]

(4)

.

وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ [يجوز]

(5)

الحجُّ عن المكلَّفِ إذا كانَ مأيوسًا منهُ القدرةَ على الحجِّ بنفسهِ مثلُ الشيخوخةِ، فإنهُ مأيوسٌ زوالُها، وأما إذا كانَ

(1)

البخاري (1513) و (1854) و (1855) و (4399) و (6228)، ومسلم (1334) و (1335).

قلت: وأخرجه مالك (1/ 359 رقم 97)، والترمذي (928)، وأبو داود (1809)، والنسائي (5/ 117 رقم 2635) و (5/ 118 رقم 2641) وابن ماجه (2909).

(2)

في النسخة (أ): "العباس".

(3)

في النسخة (ب): "هل".

(4)

في النسخة (ب): "القضية".

(5)

في النسخة (ب): "يجزء".

ص: 168

عدمُ القدرةِ لأجلِ مرضٍ أو جنونٍ يُرْجَى برؤُهما فلا يصحُّ. وظاهرُ الحديثِ معَ الزيادةِ

(1)

أنه لا بدَّ في صحةِ التحجيجِ عنهُ منَ الأمرينِ: عدمُ ثباتِه على الراحلةِ، والخشيةُ منَ الضررِ عليهِ من شدِّه، فمنْ لا يضرُّهُ الشدُّ كالذي يقدرُ علَى المحفةِ لا يجزئُه حجُّ الغيرِ [عنه]

(2)

، إلَّا أنهُ ادَّعى في البحرِ

(3)

الإجماعَ على أن الصحةَ وهي التي يستمسكُ معَها قاعدًا شرطٌ بالإجماع، فإنْ صحَّ الإجماعُ فذاكَ وإلَّا فالدليلُ معَ مَنْ ذكرنا، قيلَ: ويؤخذُ منَ الحديثِ أَنَّه إذا تبرعَ أحدٌ بالحجِّ عنْ غيرِه لزمَه الحجُّ عنْ ذلكَ الغيرِ، وإنْ كانَ لا يجبُ عليهِ الحجُّ، ووجهُه أن المرأةَ لم تبيِّنْ أن أباها مستطيعٌ بالزادِ والراحلةِ، ولم يستفصلْ صلى الله عليه وسلم عنْ ذلك، وَرُدَّ هذا بأنهُ ليسَ في الحديثِ إلا الإجزاءُ لا الوجوبُ، فلم يتعرَّضْ لهُ، وبأنهُ يجوزُ أنَّها قدْ عرفتْ وجوبَ الحجِّ على أبيْها كما يدلُّ لهُ قولُها:"إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادِه في الحجِّ"، فإنَّها عبادة دالةٌ على علمِها بشرطِ دليلِ الوجوبِ وهوَ الاستطاعةُ.

واتفقَ القائلونَ بإجزاءِ الحجِّ عنْ فريضةِ الغيرِ بأنهُ لا يجزئُ إلَّا عنْ موت أو عدمِ قدرةٍ منْ عجز ونحوِه بخلافِ النفلِ فإنَّهُ ذهبَ أحمدُ

(4)

وأبو حنيفةَ

(5)

إلى جوازِ النيابةِ عن الغيرِ فيهِ مطلقًا للتوسيعِ في النفلِ. وذهبَ بعضُهم إلى أن الحجَّ عن فرضِ الغيرِ لا يجزئُ أحدًا، وأنَّ هذا الحكمَ يختصُّ بصاحبةِ هذه [القضية]

(6)

وإنْ كانَ الاختصاصُ خلافَ الأصلِ إلا أنهُ استدلَّ بزيادةٍ رويتْ في الحديثِ بلفظ: "حُجِّي عنهُ وليسَ لأحدٍ بعدك"، وَرُدَّ بأنَّ هذه الزيادةَ رويتْ بإسنادٍ ضعيفٍ. وعنْ بعضِهم أنهُ يختصُّ بالولدِ وأجيبَ [عنهُ]

(7)

بأنَّ القياسَ عليهِ دليلٌ شرعيٌّ. وقد نبَّهَ صلى الله عليه وسلم على العلةِ بقولهِ في الحديث: "فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ بالقضاءِ" كما يأتي، فجعله دَيْنًا، والدينُ يصحُّ أنْ يقضيهِ غيرُ الولدِ بالاتفاقِ، وما يأتي منْ حديثِ شُبْرُمَة

(8)

.

(1)

أي قوله وإن شدتته إلخ.

(2)

زيادة من النسخة (أ).

(3)

للإمام المهدي (2/ 395).

(4)

"المغني مع الشرح الكبير"(3/ 181).

(5)

"المبسوط" للسرخسي (4/ 151).

(6)

في النسخة (ب): "القصة".

(7)

زيادة من النسخة (ب).

(8)

قال صاحب "فتح العلَّام شرع بلوغ المرام": "قلت: ظاهر حديث الباب أن الحج نيابة تصح من قريب لقريب ولدًا كان أو غيره، فإن الروايات الواردة في ذلك كلها في الأقارب، ولم يرد دليل واحد على أن الأجانب تصح عنهم النيابة في الحج، وأما أن الدين =

ص: 169

8/ 672 - وَعَنْهُ رضي الله عنهما أن امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إنَّ أُمي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتى مَاتَتْ، أَفَأحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ:"نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقضُوا الله فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِي

(1)

[صحيح]

(وعنهُ) أيْ: عن ابن عباسٍ (أن امرأةً) قالَ المصنفُ: لم أقفْ على اسمِها ولا اسمِ أمِّها (منْ جُهَيْنةَ) بضمِّ الجيمِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ فنونٌ، اسمُ قبيلةٍ (جاءتْ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالتْ: إنَّ أمي نذرتْ أنْ تحجَّ ولم تحجَّ حتَّى ماتَتْ، أَفأحُجُّ عنْها؟ قالَ: نعم حجِّي عنْها، أرأيتِ لو كَانَ على أمِّك دينٌ أكنتِ قاضيَتَهُ؟ اقضُوا اللَّهَ فاللَّهُ أحقُّ بالوفاءِ. رواهُ البخاريُّ).

الحديثُ دليلٌ على أنَّ الناذرَ بالحجِّ إذا ماتَ ولم يحجَّ أجزأَه أنْ يحجَّ عنهُ ولدُه [وقريبُه]

(2)

، ويجزئهُ عنهُ وإنْ لم يكنْ قدْ حجَّ عنْ نفسِه لأنهُ صلى الله عليه وسلم لم يسأَلْها حجَّتْ عنْ نفسِها أمْ لا، ولأنهُ صلى الله عليه وسلم شبَّههُ بالدَّيْنِ، وهوَ يجوزُ أنْ يقضيَ الرجلُ دَيْنَ غيرِه قبلَ دينِه، وردَّ بأنهُ سيأتي في حديثِ شبرمه

(3)

ما يدلُّ على عدمِ إجزاءِ حجِّ مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسه. وأما مَسألةُ الدِّيْنِ فإنهُ لا يجوزُ لهُ أن يصرفَ مالَه إلى دينِ غيرِه وهوَ مطالبٌ بدينِ نفسِه.

وفي الحديثِ دليلٌ على مشروعيةِ القياسِ، وضربِ المثل ليكونَ أوقعَ في نفسِ السامعِ، وتشبيهُ المجهولِ حكمهُ بمعلوم

(4)

، فإنهُ دلَّ أن قضاءَ الدَّيْنِ عن الميتِ كانَ معلومًا عندَهم متقرَّرًا ولهذا حسنَ الإلحاقُ بهِ.

ودلَّ على وجوب التحجيجِ عن الميتِ سواءٌ أَوْصَى أمْ لم يوصِ، لأنَّ الديْنَ يجبُ قضاؤُه مطلقًا، وكذا سائرُ الحقوقِ الماليةِ منْ كفارةٍ ونحوِها. وإلى هذا ذهبَ ابنُ عباسٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرةَ، والشافعيُّ، ويجبُ إخراجُ الأجرةِ

= يصح قضاؤه عن الغير فهذا عام وأخبار النيابة خاصة ولا تَعارض بينهما، فكل منهما معمول به في محله" اهـ.

(1)

في "صحيحه"(6699).

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 116).

(2)

زيادة من النسخة "ب".

(3)

رقم (11/ 675) من كتابنا هذا.

(4)

في النسخة (ب): "بالمعلوم".

ص: 170

منْ رأسِ المالِ عندَهم، وظاهرُه أنهُ يُقَدَّمُ على دَيْنِ الآدميِّ، وهوَ أحدُ أقوالِ الشافعيُّ، ولا يعارضُ ذلكَ قولُه تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}

(1)

[الآية]

(2)

، لأنَّ ذلك عامٌّ

(3)

خصَّهُ هذا الحديثُ، أوْ لأنَّ ذلكَ في حقِّ الكافرِ. وقيل: اللامُ في الآيةِ بمعنَى على، أي ليسَ عليه، مثلُ:"ولهمُ اللعنةُ"، أي: عليهمْ. وقدْ بسطنا القولَ في هذا في حواشي ضوءِ النهارِ

(4)

.

‌حج الصبي والعبد

9/ 673 - وَعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى". رَوَاهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ

(5)

وَالْبَيْهَقِيُّ

(6)

، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. [صحيح]

(1)

سورة النجم: الآية 39.

(2)

زيادة من النسخة (ب).

(3)

خير من ذلك أن ولد الرجل من كسبه كما ورد في بعض الآثار، وعليه فالآية عامة وحج الولد عن أبيه متناول لها. والآية عند التأمل ليست من العام الذي خصَّصه الحديث لأن فيها حصرًا، والحديث ناقض لذلك الحصر فالعمل به إبطال للحصر.

وإذا صح للشارح أن يتأول اللام بمعنى على أو يجعل الآية في حق الكافر وهو خلاف الظاهر، فماذا يرى في آيات أخرى كآية:{وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} ، وآية:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} ؟!

(4)

(2/ 664 - 665) و (2/ 666 - 667).

(5)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 220).

(6)

في "السنن الكبرى"(4/ 325).

قلت: وأخرجه الطبراني في "الأوسط"(3/ 353 رقم 2752) وقال: لم يَرْوِ هذا الحديث عن شعبة مرفوعًا إلا يزيدُ، تفرَّدَ به محمدُ بنُ المِنْهال.

وأخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد"(8/ 209). وقال: لم يرفعه إلا يزيد بن زريع عن شعبة، وهو غريب.

وأخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 481) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

قلت: وصحَّحه ابن دقيق العيد في "الإلمام" بعدما أورده (رقم: 635).

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(3/ 349 رقم 3050) بإسناد صحيح.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، انظر:"إرواء الغليل" للألباني (986).

و"التلخيص" لابن حجر (2/ 220).

ص: 171

(وعنهُ) أي: [عن]

(1)

ابن عباسٍ رضي الله عنهما (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّمَا صبيٍّ حجَّ ثمَّ بلغَ الحِنْثَ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ النونِ، فمثلثةٍ، أي: الإثمَ، أي بلغَ أنْ يُكْتَبَ عليهِ حنثُه، (فعليهِ أن يحجَّ حجةً أخْرى، وأيُّمَا عبدٍ حجَّ ثمَّ أُعتِقَ فعليهِ [أنْ يحجَّ] (1) حجةً أُخْرى. رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، والبيهقيُّ، ورجالُه ثقاتٌ، إلَّا أنهُ اختُلِفَ في رَفْعِهِ، والمحفوظُ أنهُ موقوفٌ). قالَ ابنُ خزيمةَ

(2)

: الصحيحُ أنهُ موقوفٌ، وللمحدثينَ كلامٌ كثيرٌ في رفْعِهِ ووقْفِهِ. ورَوَى محمدُ بنُ كعب القرظيّ [مرفوعًا]

(3)

قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إني أريدُ أنْ أجددَ في صدورِ المؤمنينَ، أيُّما صبيٍّ حجَّ بهِ أهلُه فماتَ [أجزأتْ، فإنْ أدركَ]

(4)

فعليهِ الحجُّ"، ومثلُه قالَ في العبدِ، رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ، وأبو داودَ في مراسيلِه

(5)

، واحتجَّ بهِ أحمدُ.

ورَوَى الشافعيُّ حديثَ ابن عباسٍ. قال ابنُ تيميةَ: والمرسلُ إذا عملَ بِهِ الصحابةُ حجةٌ اتفاقًا، قالَ: وهذا مجمعٌ عليهِ، ولأنهُ منْ أهلِ العباداتِ فيصحُّ منهُ الحجُّ ولا يجزئهُ لأنه فعلَه قبلَ أنْ يخاطبَ بهِ.

‌تحريم الخلوة بالأجنبية وسفرها من غير محرم

10/ 674 - وعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَقُولُ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وإني اكْتُتِبْتُ في غزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ:"انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ

(6)

. [صحيح]

(وعنهُ) أي: عن ابن عباسٍ (رضي الله عنهما قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يخطبُ يقولُ: "لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ) أي: أجنبيةٍ لقولِه: (إلَّا ومعَها ذو محرمٍ، ولا تسافرُ المرأةُ إلا معَ ذي محرمٍ، فقامَ رجلٌ) قالَ المصنفُ: لم أقفْ على تسميتِهِ، (فقالَ: يا

(1)

زيادة من النسخة (ب).

(2)

في "صحيحه"(3/ 349).

(3)

زيادة من النسخة (أ).

(4)

في النسخة (ب): "أجزأه فإن أدركه".

(5)

(رقم: 134) بسند ضعيف لجهالة الشيخ الراوي عن محمد بن كعب، انظر:"التلخيص"(2/ 221).

(6)

البخاري (3006)، ومسلم (1341).

ص: 172

رسولُ اللهِ، إنَّ امرأتي خرجتْ حاجَّةً، وإني اكتتبتُ في غزوةِ كذَا وكذَا، فقال: انطلقْ فحجَّ معَ امرأتكَ. متفقٌ عليه، واللفظُ لمسلمٍ).

دلَّ الحديثُ على تحريمِ الخلوةِ بالأجنبيةِ وهوَ إجماعٌ. وقدْ وردَ في حديثٍ: "فإن ثالثَهما الشيطانُ"

(1)

، وهلْ يقومُ غيرُ المحرمِ مقامَه في هذا بأنْ يكونَ معَهما مَنْ يزيلُ معنَى الخلوةِ؟ الظاهرُ أنهُ يقومُ لأنَّ المعنَى المناسبَ للنَّهْي إنَّما هو خشيةُ أن يوقعَ الشيطانُ بينَهما الفتنةَ. وقالَ القفَّالُ: لا بدَّ منَ المحرِمِ عملًا بلفظِ الحديثِ. ودلَّ أيضًا على تحريمِ سفرِ المرأةِ منْ غيرِ محرِمٍ، وهوَ مطلقٌ في قليلِ السفرِ وكثيرهِ. وقدْ وردتْ أحاديثُ مقيدةٌ لهذا الإطلاقِ إلَّا أنَّها اختلفتْ ألفاظُها

(2)

، ففي لفظٍ:"لا تسافرُ المرأةُ مسيرةَ ليلةٍ إلا معَ ذي محرمٍ"،

(1)

وهو جزء من حديث أخرجه الترمذي (2165) عن ابن عمر.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

(2)

• أخرج البخاري (1087)، و (1086)، ومسلم (413/ 1338) و (2/ 975)، وأبو داود (1727)، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم"، وفي رواية:"لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم".

وفي رواية لمسلم (414/ 1338): "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليالي إلا ومعها ذو محرم".

• وأخرج البخاري (1088)، ومسلم (421/ 1339)، وأبو داود (1724)، والترمذي (1170) وقال: حديث حسن صحيح.

ومالك (2/ 979 رقم 37).

عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة".

وفي رواية أخرجها مسلم (419/ 1339)، وأبو داود (1723):"لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذُو حرمة منها"، وفي رواية أخرجها أبو داود (1725):"بريدًا".

وفي رواية أخرجها مسلم (420/ 1339)، وابن ماجه (2899):"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم".

وفي رواية أخرجها مسلم (422/ 1339): "لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم منها".

• وأخرج البخاري (1864) و (1995) و (1197)، ومسلم (415/ 827) و (416/ 827).

عن قزعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، وقد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة غزوة، قال: أربع سمعتهنَّ من رسول الله - أو قال: يحدثهنَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبنَّني وَانقْنَنِي: "أن لا تسافِرَ امرأةٌ مسيرة يومين ليس معها زوجها، أو ذو محرم

" الحديث =

ص: 173

وفي آخرَ: "فوقَ ثلاثٍ"، وفي آخَرَ:"مسيرةَ يومينِ"، وفي آخرَ:"ثلاثةَ أميالٍ"، وفي لفظٍ:"بريدَ"، وفي آخرَ:"ثلاثةَ أيامٍ".

[ثم]

(1)

قال النوويُّ

(2)

: ليسَ المرادُ من التحديدِ ظَاهِرُهُ، بل كلُّ مَا يُسمَّى سَفَرًا، فالمرأةُ مَنهيَّةٌ عنهُ إلَّا بالمَحرَمِ، وإنّما وَقَعَ التحديدُ عنْ أمرٍ واقعٍ فلا يعملُ بمفهومِه. وللعلماءِ تفصيلٌ في ذلكَ قالُوا:[فيجوز]

(3)

سفرُ المرأةِ وحدَها في الهجرةِ منْ دارِ الحربِ، والمخافةِ على نفسِها، ولقضاءِ الدَّيْنِ، وردِّ الوديعةِ، والرجوعِ منَ النشوزِ، وهذا مجمعٌ عليه. واختلفُوا في سفرِ الحجِّ الواجبِ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يجوزُ للشابة إلَّا معَ مَحْرَمٍ، ونقلَ [الكرابيسي]

(4)

قولًا عن الشافعيِّ أنَّها تسافرُ وحدَها إذا كانَ الطريقُ آمَنًا، ولم ينهضْ دليلُه على ذلكَ. قالَ ابنُ دقيق العيد: إنَّ قولَه تعالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}

(5)

عمومٌ شاملٌ للرجالِ والنساءِ، وقولُه:"لا تسافرُ المرأةُ إلا معَ ذي مَحْرَمٍ"

(6)

عمومٌ لكلِّ أنواعِ السفرِ، فتعارضَ العمومان. [وأجيبَ]

(7)

بأنَّ أحاديثَ: لا تسافرُ المرأةُ للحجِّ إلا معَ ذي مَحْرَمٍ، مخصِّصٌ لعمومِ الآيةِ، ثمَّ الحديثُ عامٌّ للشابةِ والعجوزِ.

وقالَ جماعةٌ من الأئمةِ: يجوزُ للعجوزِ السفرُ منْ غيرِ مَحرمٍ، وكأنَّهم نَظَرُوا إلى المعنَى، فخصَّصُوا بهِ العمومَ، وقيلَ: لا يُخَصَّصُ بل العجوزُ كالشابةِ. وهلْ تقومُ النساءُ الثقاتُ مقامَ المَحْرَمِ للمرأةِ؟ فأجازَهُ البعضُ مستدلًّا بأفعالِ الصحابةِ، ولا [تنهضُ]

(8)

حجةٌ على ذلكَ لأنهُ ليسَ بإجماعٍ، وقيلَ: يجوزُ لها السفرُ إذا

= وفي رواية أخرجها مسلم (417/ 827): "لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم".

وفي رواية أخرجها مسلم (2/ 976): "

أكثرَ مِن ثلاثٍ إلا مع ذي محرم".

• وأخرج مسلم (423/ 1340) و (2/ 977)، والترمذي (1169) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود (1726)، وابن ماجه (2898) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها".

(1)

زيادة من النسخة (أ).

(2)

في "شرح صحيح مسلم"(9/ 103).

(3)

في النسخة (ب): "يجوز".

(4)

زيادة من النسخة (أ).

(5)

سورة آل عمران: الآية 97.

(6)

تقدم تخريجه قريبًا.

(7)

في النسخة (ب): "ويجاب".

(8)

في النسخة (أ): "ينهض".

ص: 174

كانتْ ذات حشمٍ، والأدلةُ لا تدلُّ على ذلكَ. وأما أمرُه صلى الله عليه وسلم لهُ بالخروجِ معَ امرأتِهِ، فإنهُ أخذَ منهُ أحمدُ

(1)

أنهُ يجبُ خروجَ الزوجِ مع زوجتِهِ إلى الحجِّ إذا لم يكنْ معَهَا غيرُه، وغيرُ أحمدَ قالَ: لا يجبُ عليه، وحَمَلَ الأمرَ على الندبِ، قالَ: وإنْ كانَ لا يحملُ على النّدب إلا لقرينةٍ عليهِ، فالقرينةُ عليهِ ما علمَ منْ قواعدِ الدينِ أنهُ لا يجبُ على أحدٍ بذلُ منافعَ نفسِه لتحصيلِ غيرِه ما يجبُ عليهِ، وأخذَ منَ الحديثِ أنهُ ليسَ للرجلِ منعُ امرأتِه منْ حجِّ الفريضةِ لأنها عبادةٌ قدْ وجبتْ عليها، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ، سواءٌ قلْنا إنهُ على الفورِ أو التراخي؛ أما الأولُ فظاهرٌ، قيلَ: وعلى الثاني أيضًا، فإنَّ لها أنْ تسارعَ إلى براءةِ ذمتها كما أن لها أن تصلي أولَ الوقتِ وليسَ له منعُها.

وأما ما أخرجه الدارقطنيُّ

(2)

من حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا في امرأةٍ لها زوجٌ ولها مالٌ ولا يؤذنُ لها في الحجِّ: "ليسَ لها أن تنطلقَ إلَّا بإذنِ زوجِها"؛ فإنهُ محمولٌ على حجِّ التطوعِ جمْعًا بينَ الحديثينِ على أنهُ: "ليسَ في حديثِ الكتابِ ما يدلُّ أنها خرجتْ منْ دونِ إذنَ زوجها. وقال ابنُ تيميةَ: إنهُ يصحُّ الحجُّ منَ المرأةِ بغيرِ محرمٍ ومنْ غيرِ المستطيعِ.

وحاصلُه أن مَنْ لم يجبْ عليهِ لعدمِ الاستطاعةِ مثلُ المريضِ، والفقيرِ، والمعضوبِ، والمقطوعِ طريقُه، والمرأةُ بغيرِ مَحْرَمٍ، [وغيرُ]

(3)

ذلكَ، إذا تكلَّفُوا شهودَ المشاهِد أجزأَهم الحجُّ. ثمَّ منْهم مَنْ هوَ محسنٌ في ذلكَ كالذي يحجُّ ماشيًا، ومنهم من هو مسيءٌ في ذلكَ كالذي يحجُّ بالمسأَلةِ، والمرأةُ تحجُّ بغيرِ محرمٍ وإنما أجزأهم لأنَّ الأهليةَ تامةً، والمعصيةُ إنْ وقعتْ فهيَ في الطريقِ لا في نفسِ المقصودِ.

‌يبدأ أولًا بالحجِّ عن نفسه

11/ 675 - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ:"مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قَالَ: أخٌ لي، أوْ قَرِيبٌ لِي، فَقَالَ:"حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ "،

(1)

انظر: "المغني مع الشرح الكبير"(3/ 192 - 193).

(2)

في "السنن"(2/ 223 رقم 31) وفيه العباس بن محمد بن مجاشع، لا يعرف حاله.

(3)

في النسخة (أ): "ونحو".

ص: 175

قَالَ: لَا، قَالَ:"حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُم حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

، وَابْنُ مَاجَهْ

(2)

، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

(3)

، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ. [صحيح]

(وعنهُ) أي: عن ابن عباسٍ (رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سمعَ رجلًا يقولُ: لبيكَ عنْ شُبرمةَ) بضمِّ الشينِ المعجمةِ، فموحدةٍ ساكنةٍ (قالَ: مَنْ شُبْرمةُ؟ قال: أخٌ [لي]

(4)

، أو قريبٌ لي) شكٌّ منَ الرأوي، (فقالَ: حججتَ عنْ نفسكَ؟ قالَ: لا، قالَ: حجَّ عنْ نفسِكَ، ثمَّ حُجَّ عنْ شبرمَةَ. رواهُ أبو داود، وابنُ ماجه، وصحَّحهُ ابن حبانَ، والراجحُ عند أحمدَ وَقْفهُ). وقالَ البيهقيُّ

(5)

: إسنادُهُ صحيحَ، وليسَ في هذا البابِ أصحُّ منهُ. وقالَ أحمدُ بن حنبلٍ

(6)

: رفْعُه خطأٌ. وقالَ ابنُ المنذِر: لا يثبتُ رَفْعُه. وقالَ الدارقطنيُّ: المرسلُ أصحُّ. قالَ المصنفُ

(7)

: وهوَ كما قالَ لكنهُ يُقَوِّي المرفوعَ لأنهُ منْ غيرِ رجالِه. وقالَ ابنُ تيميةَ: إن أحمدَ حكمَ في روايةِ ابنِهِ صالحٍ عنهُ أنهُ مرفوعٌ، فيكونُ قد اطلعَ على ثقة مَنْ رَفَعَهُ، قالَ: وقدْ رَفَعَهُ جماعةٌ على أنهُ وإنْ كانَ موقوفًا فليسَ لابنِ عباسٍ فيهِ مخالِفٌ.

والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يصحُّ أن يحجَّ عنْ غيرِه مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسِه، فإذا أحرمَ عنْ غيرِه فإنهُ ينعقدُ إحرامُه عنْ نفسِه، لأنهُ صلى الله عليه وسلم أمَره أنْ يجعلَه عنْ نفسِه بعدَ أنْ لبَّى عنْ شبرمةَ، فدلَّ على أنَّها لم تنعقِد النيةُ عنْ غيرِه، وإلا لوجب عليه

(1)

في "السنن"(1811).

(2)

في "السنن"(2903).

(3)

في "الإحسان"(8/ 299 رقم 3988).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 270) و (2/ 271) و (2/ 267 و 268 و 269)، والبيهقي (4/ 336) و (5/ 179 - 180) و (4/ 337)، وأبو يعلى في "المسند" رقم (2440)، وابن الجارود (رقم: 499) وابن خزيمة رقم (3039)، والطبراني في "الكبير"(12/ 42 رقم 12419)، والبغوي في "شرح السنة"(1856)، والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 389 رقم 1000 و 1001) وغيرهم من طرق

وقال الزيلعي في "نصب الراية"(3/ 155): "عن ابن القطان في كتابه أنه قال: وحديث شبرمة علَّله بعضهم بأنه قد روي موقوفًا، والذي أسنده ثقة، فلا يضره

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(4)

زيادة من النسخة (ب).

(5)

في "السنن الكبرى"(4/ 336).

(6)

ذكره عنه ابن حجر في "التلخيص"(2/ 223).

(7)

في "التلخيص الحبير"(2/ 223).

ص: 176

المضيُّ فيهِ، وأن الإحرامَ ينعقدُ معَ الصحةِ والفسادِ، وينعقدُ مطلقًا مجهولًا معلَّقًا، فجازَ أنْ يقعَ عنْ غيرِه ويكونُ عنْ نفسه، وهذَا لأنَّ إحرامه عن الغيرِ باطلٌ لأجلِ النَّهْيِ، والنَّهْيُ يقتضي الفسادَ. وبطلانُ صفةِ الإحرامِ لا توجبُ بطلانَ أصلِه، وهذا قولُ أكثرِ الأمةِ إنهُ لا يصحُّ أنْ يحجَّ عنْ غيرِه مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسِه مطلقًا، مستطيعًا كانَ أو لا، لأنَّ تركَ الاستفصالِ والتفريقَ في حكايةِ الأحوالِ دالٌ على العمومِ، ولأنَّ الحجَّ واجبٌ في أولِ سنةٍ منْ سِنِيِّ الإمكانِ، فإذا أمكَنَهُ فعلُه عنْ نفسِه لم يجزْ أنْ يفعلَه عنْ غيرِه، لأنَّ الأولَ فرضٌ، والثاني نفلٌ، كمنْ عليهِ دينٌ وهو مطالبٌ بهِ ومعهُ دارهمُ بقدرِه لم يكنْ لهُ أنْ يصرفها إلا إلى دينِه، وكذلكَ كلُّ ما احتاجَ أنْ [يصرفها]

(1)

إلى واجب عنهُ فلا يصرفُه إلى غيرِه، إلَّا أن هذَا إنَّما يتمُّ في المستطيعِ، ولذَا قيلَ: إنَّما يُؤْمَرُ بأنْ يبدأَ بالحجِّ عنْ نفسِه إذا كانَ واجبًا عليهِ وغيرُ المستطيعِ لم يجبْ عليهِ، فجازَ أنْ يحجَّ عنْ غيرِهِ، ولكنَّ العملَ بظاهرِ عمومِ الحديثِ أَوْلَى.

‌يجب الحج مرة واحدة في العمر

12/ 676 - وَعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمْ الْحَجَّ"، فَقَامَ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذيِّ

(2)

. [صحيح]

(1)

في النسخة (ب): (يصرفه).

(2)

أبو داود (1721)، والنسائي (5/ 111)، وابن ماجه (2886)، وأحمد رقم (2663 و 2741 و 2971 و 2998 - شاكر).

قلت: وأخرجه الحاكم (1/ 441 و 470)، والدارمي (2/ 29) من طرق.

قال الحاكم: إسناده صحيح، وأبو سنان هو الدؤلي. قلت: واسمه: يزيد بن أمية. وهو ثقة، ومنهم من عدَّه في الصحابة.

وله في الدارمي (2/ 29)، وأحمد (1/ 292 و 301 و 323 و 325) متابع من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس باختصار. وهو إسناد لا بأس به في المتابعات.

وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة وعلي بن أبي طالب. انظر تخريجها في كتابنا: "إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" جزء الحج.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

ص: 177

- وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ

(1)

مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ.

(وعنه) أي: ابن عباس رضي الله عنهما (قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: إنَّ الله كَتَبَ عليكمُ الحجَّ، [فقام]

(2)

الأقرعُ بنُ حابس فقالَ: أفي كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ، قالَ: لو قُلْتُها لوجبتْ، الحجُّ مرةً فما زادَ فهوَ تطوعٌ. رواهُ الخمسةُ غيرُ الترمذيِّ، وأصلُه في مسلم من حديثِ أبي هريرَةَ)، وفي روايةٍ زيادةٌ بعدَ قولِه لوجبتْ:"ولو وجبتْ لم تقومُوا بِها، ولوْ لم تقومُوا بها لعُذِّبْتُمْ".

والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ الحجُّ إلَّا مرةً واحدةً في العمرِ علَى كلِّ مكلَّفٍ مستطيعٍ. وقدْ أُخِذَ منْ قولِه صلى الله عليه وسلم: لو قلتُ نعمْ لوجبتْ، أنهُ يجوزُ أنْ يفوِّضَ اللهُ إلى الرسولِ صلى الله عليه وسلم شرحَ الأحكامِ. ومحلُّ المسألةِ الأصولُ، وفيها خلافٌ بينَ العلماءِ، وقد أشارَ إليها الشارحُ رحمه الله.

* * *

(1)

في "صحيحه"(412/ 1337).

(2)

في النسخة (أ): "فقال".

ص: 178

[الباب الثاني] بابُ المواقيتِ

المواقيتُ: جمعُ ميقاتٍ، والميقات ما حُدّ ووقِّتَ للعبادةِ منْ زمانٍ ومكانٍ، والتوقيتُ: التحديدُ، ولهذَا يذكرُ في هذا البابِ ما حدَّدَهُ الشارعُ للإحرامِ منَ الأماكنِ.

‌مواقيت الحج

1/ 677 - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَقتَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، ولأهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، ولأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أَتى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(عَنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُليفةِ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وبعدَ اللامِ مثناةٌ تحتيةٌ، وفاءٌ، تصغيرُ حلفةٍ، والحلفةُ واحدةُ الحلفاءِ نبتٌ في الماءِ، وهي مكانٌ معروفٌ بينَه وبينَ مكةَ عشرُ مراحلَ

(2)

، وهيَ منَ المدينةِ على فرسخٍ، وبها المسجدُ الذي أحرمَ منهُ صلى الله عليه وسلم، والبئرُ التي تُسمَّى الآنَ بئرُ عليٍّ، وهيَ أبعدُ المواقيتِ إلى مكةَ، (ولأهلِ الشام الجُحفَة) بضمِّ الجيمِ، وسكونِ الحاءِ المهملةِ، ففاءٍ، سمِّيتْ بذلكَ لأن السيلَ اجتحفَ أهلَها إلى الجبلِ الذي هنالكَ، وهي من مكةَ على ثلاثِ مراحلَ

(3)

، وتسمَّى مهيعةَ، كانتْ قريةً قديمةً،

(1)

البخاري (1524) و (1526) و (1529) و (1530) و (1845)، ومسلم (11، 12/ 1181).

(2)

وهي تساوي (450 كم).

(3)

وهي تساوي (187 كم)، أما رابغ تبعد عن مكة (204 كم).

ص: 179

وهي الآن خرابٌ، ولذا يحرمونَ الآنَ منْ رابغٍ قبلَها بمرحلةٍ لوجودِ الماءِ بها للاغتسال، (ولأهلِ نجدٍ قَرْنَ المنازلِ) بفتحِ القافِ، وسكونِ الراءِ، ويقالُ له قرنَ الثعالب، بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ

(1)

، (ولأهلِ اليمنِ يلملمَ) بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ

(2)

، (هنَّ) أَي: المواقيتُ (لهنَّ) أي: للبلدانِ المذكورةِ، والمرادُ لأهلِها. ووقعَ في بعضِ الرواياتِ: هنَّ لهم، وفي روايةٍ للبخاريِّ

(3)

: هنَّ لأهلهنَّ، (ولمنْ أتى عليهنَّ منْ غيرهنَّ ممنْ أرادَ الحجَّ أو العمرةَ، ولمنْ كانَ دونَ ذلك) المذكورِ منَ المواقيتِ، (فمنْ حيثُ أنشأ، حتَّى أهلُ مكةَ) يحرمون (منْ مكةَ) بحجٍّ أوْ عمرةٍ (متفقٌ عليهِ).

فهذه المواقيتُ التي عيَّنَها صلى الله عليه وسلم لمنْ ذكرَه منْ أهلِ الآفاقِ، وهي أيضًا مواقيتُ لمنْ أَتَى عليها وإنْ لم يكنْ منْ أهل تلكَ الآفاقِ المعينة، فإنهُ يَلزَمُهُ الإحرامُ منْها إذا أَتَى عليْها قاصدًا لإتيانِ مكةَ لأحدِ النّسكينِ، فيدخلُ في ذلكَ ما إذا وردَ الشاميُّ مثلًا إلى ذي الحليفة، فإنهُ يجبُ عليهِ الإحرامُ منْها ولا يتركُه حتى يصلَ الجحفةَ، فإن أخَّرَ أساءَ ولزمَهُ دمٌ هذا عندَ الجمهورِ. وقالتِ المالكيةُ

(4)

: إنهُ يجوزُ لهُ التأخيرُ إلى ميقاتِهِ وإنْ كانَ الأفضلُ لهُ خلافَه. [قالوا]

(5)

: والحديثُ محتملٌ؛ فإنَّ قولَه: "هُنَّ لهنَّ" ظاهرُه العمومُ لمنْ كانَ منْ أهلِ تلكَ الأقطارِ سواءٌ وردَ على ميقاتِه أو وردَ على ميقاتٍ آخَرَ، فإنَّ لَهُ العدولَ إلى ميقاتِهِ كما لو وردَ الشاميُّ على ذي الحليفةِ، فإنهُ لا يلزمُه الإحرامُ منْها بلْ يُحْرِمُ منَ الجحفةِ، وعمومُ قولِه:"ولمن أتى عليهنَّ منْ غيرهنَّ"، [فإنه] (5) يدلُّ على أنهُ يتعينُ على الشاميِّ في مثالِنا أنْ يحرِمَ منْ ذي الحليفةِ لأنهُ منْ غيرِ أهلِهنَّ [إنما يتعين على من كان من أهل المواقيت] (5). قالَ ابنُ دقيق العيدِ: قولُه: "ولأهل الشامِ

(1)

وهي تساوي (94 كم).

(2)

وهي تساوي (54 كم).

وأما ميقات أهل العراق ذات عرق يبعد عن مكة (94 كم).

انظر كتابنا: "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية".

(3)

في "صحيحه"(1530).

(4)

انظر: "أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك"، لأبي بكر بن حسن الكشتاوي (1/ 450 - 453).

(5)

زيادة من النسخة (أ).

ص: 180

الجحفة" يشملُ مَنْ مرَّ منْ أهلِ الشامِ بذي الحليفةِ ومَنْ لم يمرَّ. وقولُه: "ولمنْ أتَى عليهنَّ منْ غيرِ أهلهِنَّ" يشملُ الشاميِّ إذا مرَّ بذي الحليفةِ وغيرَه، فههُنا عمومانِ قدْ تعارضَا، انتهَى ملخصًا. قال المصنفُ: ويحصلُ الانفكاكُ بأنَّ قولَه هنَّ لهنَّ مفسرٌ لقولِه مثلًا: وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحليفةِ، وأنَّ المرادَ بأهلِ المدينةِ ساكنُوها ومَنْ سلكَ طريقَ مِيقاتِهِمْ فمرَّ على ميقاتِهم، انتهَى.

قلتُ: وإنْ صحَّ ما رُوِيَ منْ حديثِ عروةَ: "أنَّهُ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ومَنْ مَرَّ بهمْ ذا الحليفةَ" تبيَّن أن الجحفة إنما هي ميقات للشامي إذا لم يأت المدينة، ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطةِ جوانبِ الحرمِ فكلُّ مَنْ مرَّ بجانب منْ جوانب الحرم لزمَه تعظيمُ حرمتِه وإن كانَ بعضُ جوانِبه أبعدَ من بعضٍ، ودلَّ قولُه:"ومنْ كانَ دونَ ذلكَ فمِنْ حيثُ أنشأ" على أن مَنْ كانَ بينَ الميقاتِ ومكةَ فميقاتُه حيثُ أنشأ الإحرامَ إما منْ أهلِه ووطنِه أو منْ غيرِه. وقولُه: "حتَّى أهلُ مكةَ منْ مكةَ" دلَّ على أن أهلَ مكة يحرمونَ من مكةَ وأنها ميقاتُهم سواءٌ كانَ من أهلِها أو منَ المجاورينَ [أو]

(1)

الواردينَ إليها أحرمَ بحجٍّ أو عمرةٍ، وفي قولِه:"ممن أراد الحجَّ أو العمرةَ" ما يدلُّ أنهُ لا يلزمُ الإحرام إلا مَنْ أراد دخولَ مكةَ لأحد النُّسكين، [فمن]

(2)

لم يردْ ذلكَ جازَ له دخولُها منْ غيرِ إحرامٍ، وقدْ دخلَ ابنُ عمر [بغيرِ]

(3)

إحرامٍ، ولأنهُ قد ثبتَ بالاتفاقِ أن الحجَّ والعمرةَ عندَ مَنْ أوجَبَها إنمَّا تجب مرةً واحدةً، فلو أوجَبْنا على كلٍّ مَنْ دخَلَها أنْ يحجَّ أو يعتمرَ [لوجبَتْ]

(4)

أكثرَ منْ مرةٍ، ومَنْ قَالَ: إنهُ لا يجوزُ مجاوزةَ الميقاتِ إلا بالإحرامِ إلَّا لمن استُثني منْ أهلِ الحاجاتِ كالحاطبينَ فإنَّ لهُ في ذلكَ آثارًا عن السلفِ، ولا تقومُ بها حجةٌ، فمنْ دخلَ مريدًا مكةَ لا ينوي نُسُكًا منْ حجٍّ ولا عمرةٍ وجاوزَ ميقاته [بغير](3) إحرامٍ، فإنْ بدَا له إرادةُ أحدِ النُّسُكَيْنِ أحرمَ منْ حيثُ أرادَ، ولا [يلزم]

(5)

أنْ يعودَ إلى ميقاتِه. واعلمْ أن قولَه: (حتَّى أهلُ مكةَ منْ مكةَ) يدلُّ أن ميقاتَ عمرةِ أهلِ مكة مكة كحجِّهم، وكذلك القارنُ منْهم ميقاتُه مكةُ، ولكنْ قالَ

(1)

في النسخة (أ): "و".

(2)

في النسخة (ب): "فلو".

(3)

في النسخة (أ): "من غير".

(4)

في النسخة (أ): "لوجب".

(5)

في النسخة (ب): "ولا يلزمه".

ص: 181

المحبُّ الطبريُّ: إنهُ لا يعلمُ أحدًا جعلَ مكةَ ميقاتًا للعمرةِ. وجوابُه أنهُ صلى الله عليه وسلم جعلَها ميقاتًا لها بهذَا الحديثِ، وأما ما رُويَ عن ابن عباسٍ أنهُ قالَ:"يا أهلَ مكةَ مَنْ أرادَ منكمُ العمرةَ فليجعلْ بينَه وبينها بطنَ مُحَسِّرٍ"

(1)

، وقالَ أيضًا:"مَنْ أرادَ مِنْ أهلِ مكةَ أنْ يعتمرَ خرجَ إلى التنعيمِ ويجاوزُ الحرمَ"

(2)

فآثارٌ موقوفةٌ لا تقاومُ المرفوعَ، وأمَّا ما ثبتَ منْ أمرِه صلى الله عليه وسلم لعائشةَ بالخروجِ إلى التنعيمِ

(3)

لتحرمَ بعمرةٍ فلمْ يردْ إلا تطييب قلبها بدخولِها إلى مكةَ معتمرةً كصواحباتها، لأنَّها أحرمتْ بالعمرةِ معهُ ثمَّ حاضتْ، فدخلتْ مكة، ولم تطفْ بالبيتِ كما طُفْنَ كما يدلُّ لهُ قولُها قلتُ: يا رسولَ اللهِ، يصدرُ الناسُ بِنُسُكَيْنِ، وأصدرُ بنسكٍ واحدٍ قال: انتظري فاخرجي إلى التنعيمِ فأهلِّي منهُ - الحديثَ.

فإنهُ محتملٌ أنَّها إنَّما أرادتْ أن تشابهَ الداخلينَ منَ الحلِّ إلى مكة بالعمرةِ، ولا يدلُّ أنَّها لا تصحُّ العمرةُ إلَّا مِنَ الحلِّ لمنْ صارَ في مكةَ ومعَ الاحتمالِ لا يقاومُ حديثَ الكتابِ. وقدْ قالَ طاوسُ: لا أدري الذينَ يعتمرونَ منَ التنعيمِ يؤجرونَ أو يُعذَّبونَ، قيلَ لهُ: فلِمَ يعذبونَ؟ قالَ: لأنهُ يدعُ البيتَ والطوافَ، ويخرجُ إلى أربعةِ أميالٍ ويجيءُ أربعةَ أميالٍ قدْ طافَ مِائتيْ طوافِ وكلَّما طافَ كان أعظمَ أجرًا منْ أنْ يمشي في غيرِ [مَمْشَى]

(4)

، إلَّا أن كلامهُ في تفضيلِ الطوافِ على العُمرةِ، قال أحمدُ

(5)

: العُمرة بمكَّة مِنَ النّاسِ من يَخْتَارُهَا عَلَى الطوافِ ومنْهم منْ يختارُ المقامَ بمكةَ والطوافَ، وعندَ أصحابِ أحمدَ أن المكيَّ إذا أحرمَ للعمرةِ منْ مكةَ كانتْ عمرةً صحيحةً. قالُوا: ويلزمهُ دمٌ لما تركَ من الإحرامِ مِنَ الميقاتِ.

قلتُ: ويأتيكَ أن إلزامَهُ الدمَ لا دليلَ عليه.

2/ 678 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(6)

وَالنّسَائِيُّ

(7)

. [صحيح]

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(4/ 87) نحوه.

(2)

فلينظر من أخرجه؟!

(3)

أخرجه البخاري (1784)، ومسلم (1211).

(4)

في النسخة (أ): "شيء".

(5)

انظر: "المغني مع الشرح الكبير"(3/ 216).

(6)

في "السنن"(1739).

(7)

في "السنن"(5/ 125). =

ص: 182

- وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ

(1)

مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه، إلَّا أن رَاوِيهُ شكَّ في رَفْعِهِ. [صحيح]

- وَفِي صَحْيحِ الْبُخَارِيِّ

(2)

أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ. [موقوف]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ) بكَسْرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، بعدَها قافٌ، بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ، وسمِّي بذلكَ لأنَّ فيهِ عِرْقًا، وهوَ الجبلُ الصغيرُ. (رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وأصلُه عندَ مسلمٍ منْ حديثِ جابرٍ، إلَّا أن راويهِ شكَّ في رفْعِهِ)، لأنَّ في صحيحِ مسلمٍ عنْ أبي الزبيرِ أنهُ سمعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ سُئِلَ عن المهلِّ فقالَ: سمعتُ "أحسبُه رُفِعَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم"، فلمْ يجزمْ برفعِهِ. (وفي صحيح البخاريِّ أن عمرَ هوَ الذي وقَّتَ ذاتَ عِرْقٍ)، وذلك [أنَّها]

(3)

لما فتحتِ البصرةُ والكوفةُ أي: أرضُهما، وإلَّا فإنَّ الذي مصَّرَهما المسلمونَ طلبوا من عمرَ [أن]

(4)

يعين لهم ميقاتًا فعيَّنَ لهم ذاتَ عرقٍ، وأجمعَ عليهِ المسلمونَ. قالَ ابنُ تيميةَ في المنتقَى

(5)

: والنصُّ بتوقيتِ ذاتِ عرقٍ ليسَ في القوةِ كغيرهِ، فإنْ ثبتَ فليسَ ببدعٍ وقوعُ اجتهادِ عمرَ على وفقهِ فإنهُ كانَ مُوَفَّقًا للصوابِ. وكأنَّ عمرَ لم يبلغْه الحديثُ فاجتهدَ بما وافقَ النصَّ. هذا وقد انعقدَ الإجماعُ على ذلكَ. وقدْ رُوِيَ رَفْعَهُ بلا شكٍّ منْ حديثِ أبي الزبيرِ عنْ جابرِ عندَ ابن ماجَهْ

(6)

، ورواهُ أحمدُ

(7)

مرفوعًا عنْ جابرٍ بن عبدِ اللهِ وابنِ

= قلت: وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 118)، والدارقطني (2/ 236 رقم 5) والبيهقي (5/ 28).

وصحَّحه ابن حزم في "المحلَّى" المسألة (822) وقال: "رجاله ثقات مشاهير".

وصحَّحه الألباني في "الإرواء" رقم (999).

(1)

في "صحيحه"(4/ 7 - الآفاق).

قلت: وأخرجه أحمد في "المسند"(3/ 333)، والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 290 رقم 756)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 118، 119)، والدارقطني (2/ 237 رقم 7)، والبيهقي (5/ 27).

وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في "الإرواء" رقم (998).

(2)

(1531).

(3)

في النسخة (أ): "أنه".

(4)

في النسخة (ب): "أنه".

(5)

(2/ 219) أعانني الله على إتمام خدمته (على مخطوطتين).

(6)

و

(7)

في "السنن"(رقم: 2915). =

ص: 183

عمر

(1)

، وفي إسنادِه الحجاجُ بنُ أرطاةَ. ورواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، والدارقطنيُّ، وغيرُهم منْ حديثِ عائشةَ

(2)

: "أنهُ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عرقٍ، بإسنادٍ جيدٍ، ورواهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ أيضًا عنْها. وقدْ ثبتَ مرسلًا أيضًا عنْ مكحولٍ وعطاءٍ. قالَ ابنُ تيميةَ: وهذِهِ الأحاديثُ المرفوعةُ الجيادُ الحسانُ يجبُ العملُ بمثلِها مع تعددِها ومجيئها مسندةً ومرسلةً منْ وجوهِ شتَّى. وأمَّا:

3/ 679 - وَعِنْدَ أحْمَدَ

(3)

، وَأَبِي دَاوُدَ

(4)

، وَالتِّرْمِذِيِّ

(5)

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهْلِ المَشْرِقِ الْعَقِيقَ. [ضعيف].

(وعندَ أحمدَ، وأبي داودَ، والترمذيِّ عن ابن عباسٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقَّتَ لأهلِ المشرقِ العقيقَ)، فإنهُ وإنْ قالَ فيهِ الترمذيُّ: إنَّهُ حسنٌ فإنَّ مدارَه على يزيدِ بن أبي زيادٍ

(6)

، وقدْ تكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ.

قالَ ابنُ عبدِ البرِّ

(7)

: أجمعَ أهلُ العلمِ على أن إحرامَ العراقي منْ ذاتِ عرقٍ إحرامٌ منَ الميقاتِ.

هذا والعقيقُ يُعَدُّ مِنْ ذاتِ عرقٍ. وقدْ قيلَ: إنْ كانَ لحديثِ ابن عباسٍ هذَا أصلٌ فيكونُ منسوخًا لأنَّ توقيتَ ذاتِ عرقٍ كانَ في حجةِ الوداعِ حينَ أكملَ اللهُ

= قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(3/ 11 رقم 1027/ 2915): "هذا إسناد ضعيف: إبراهيم بن يزيد الخوزي قال فيه أحمد والنسائي وعلي بن الجنيد: متروك الحديث.

وقال الدارقطني: منكر الحديث

". ولكن تابعه ابن لهيعة عند أحمد (3/ 336).

وروى هذا الحديث عن ابن لهيعة ابن وهب، أخرجه البيهقي (5/ 27) بسند صحيح فصحَّ الحديث من هذا الطريق، والله أعلم.

(1)

أخرجه أحمد (11/ 110 رقم 74 - الفتح الرباني) وفي سنده الحجاج وهو ضعيف.

(2)

تقدَّم تخريجه في حديث الباب.

(3)

في "المسند" رقم (3205 - شاكر).

(4)

في "السنن" رقم (1740).

(5)

في "السنن" رقم (832).

قلت: وأخرجه البيهقي (5/ 28)، وفي "المعرفة"(7/ 95 رقم 9411)، وهو حديث ضعيف.

(6)

أحد علماء الكوفة المشاهير على سوء حفظه. قال يحيى: ليس بالقوي، وقال أيضًا: لا يحتج به. وقال أحمد: ليس بذاك.

[المجروحين (3/ 99)، و "الجرح والتعديل" (9/ 265)، و "الميزان" (4/ 423)].

(7)

انظر: "الاستذكار"(11/ 79 رقم 15485).

ص: 184

دينَه كما يدلُّ له ما رواه الحارثُ بنُ عمرٍو السهميِّ قالَ: "أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهُو بمنَى أو عرفاتٍ، وقدْ أطافَ بِه الناسُ، قالَ فتجيءُ الأعرابُ فإذَا رأَوْا وجهَه قالُوا: هذا وجهٌ مباركٌ. قال: ووقَّتَ ذاتَ عرقٍ لأهلِ العراقِ"، رواهُ أبو داود

(1)

، والدارقطنيُّ

(2)

.

* * *

(1)

في "السنن"(1742).

(2)

في "السنن"(2/ 236 - 237 رقم 6) فيه زارة بن كريم لم يوثقه إلا ابن حبان. وهو حديث حسن، وقد حسَّنه الألباني.

ص: 185

[الباب الثالث] بابُ وجوهِ الإحرامِ [وصفتِه]

(1)

الوجوهُ جمعُ وجهٍ، والمرادُ بها الأنواعُ التي يتعلقُ بها الإحرامُ وهوَ الحجُّ، [أو]

(2)

العمرةُ، أو مجموعُهما، (وصفتُه) كيفيتُه التي يكونُ بها فاعلُها محرِمًا.

‌الإحرام بأنواع الحج الثلاثة

1/ 680 - عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعٍ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ، وَأهَلَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجِّ، فَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ عند قُدُومِهِ، وَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(3)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: خرجنا) أي: منَ المدينةِ، وكانَ خروجُه صلى الله عليه وسلم يومَ السبتِ [لست]

(4)

بَقَيْنَ منْ ذي القعدةِ بعدَ صلاتِه الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، وبعدَ أنْ خطبَهم خطبةً علَّمَهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننه، (مَعَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عامَ حجَّةِ الوداعِ)، وكانَ ذلكَ سنةَ عشرةٍ منَ الهجرةِ، سمِّيتْ بذلكَ لأنهُ صلى الله عليه وسلم ودَّعَ الناسَ فيها ولم يحجَّ بعدَ هجرتِه غيرَها؛ (فمنَّا منْ أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا منْ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ) فكانَ قارنًا، (ومِنَّا منْ أهلَّ بحجِّ) فكانَ مفرِدًا، (وأهلَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالحجِّ، فأمَّا منْ أهلَّ

(1)

زيادة من النسخة "ب".

(2)

في النسخة (أ): "و".

(3)

البخاري (319)، ومسلم (112/ 1211).

(4)

في النسخة (ب): "لخمس".

ص: 186

بعمرةٍ فحلَّ عندَ قدومِه) مكةَ بعدَ إتيانِه ببقيةِ أعمالِ العمرةِ، (وأما مَنْ أهلَّ بحجٍّ أو جَمَعَ بينَ الحجِّ والعمرةِ فلمْ يحلُّوا حتَّى كانَ يومُ النحرِ. متفقٌ عليه).

الإهلالُ: رفعُ الصوتِ. قالَ العلماءُ: هوَ هنا رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ عندَ الدخولِ في الإحرامِ، ودلَّ حديثُها [على]

(1)

أنهُ وقعَ منْ مجموعِ الركبِ الذينَ صحبوهُ في حجِّهِ هذه الأنواعُ، وقدْ رويتْ عنْها رواياتٌ تخالفُ هذا وجمعَ بينَها بما ذكرنَاه. وقدِ اختلَفَتِ الرواياتُ في إحرامِ عائشةَ، بماذا كانَ لاختلافِ الرواياتِ أيضًا، ودلَّ حديثُها على أنهُ وقعَ منْ ذلكَ الركبِ الإحرامُ بأنواعٍ الحجِّ الثلاثةِ؛ فالمحرمُ بالحجِّ هوَ منْ حجَّ الإفراد، والمحرمُ بالعمرةِ هو منْ حجَّ التمتعَ، والمحرمُ بهما هوَ القارنُ. ودلَّ حديثُها على أن منْ أهلَّ بالحجِّ مفردًا لهُ عن العمرةِ لم يحلَّ إلا يومَ النحرِ، وهذَا يخالفُ ما ثَبَتَ منَ الأحاديثِ عنْ أربعةَ عشرَ صحابيًا في الصحيحينِ

(2)

وغيرِهما: أنهُ صلى الله عليه وسلم أمرَ مَنْ لم يكنْ مَعَهُ هَدْيٌ أنْ يفسخَ حجَّهُ إلى العمرة. قيلَ فيتأولُ حديثُ عائشةَ على تقييدِه بمنْ كانَ معهُ هديٌ وأحرمَ بحجٍّ مفرِدًا، فإنهُ كمنْ ساقَ الهديَ وأحرمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا.

(1)

زيادة من النسخة (ب).

(2)

• البخاري (1693 - البغا)، ومسلم (1216) من حديث جابر بن عبد الله.

• البخاري (1564 - عبد الباقي)، ومسلم (1240 و 1241)، وأبو داود (1787) و (1792)، والنسائي (5/ 180، 181، 201، 202)، وأحمد في "المسند"(1/ 252) من حديث ابن عباس.

• أحمد في "المسند"(2/ 28) بإسناد صحيح عن ابن عمر.

• أبو داود (1801)، والدارمي (2/ 51) بسند حسن عن الربيع بن سَبْرَةَ عن أبيه.

• البخاري (1561 - عبد الباقي)، ومسلم (1211) من حديث عائشة.

• مسلم (1236) من حديث أسماء بنت أبي بكر.

• مسلم (1247) من حديث أبي سعيد الخدري.

• أحمد في "المسند"(4/ 286)، وابن ماجه (2982) بسند حسن من حديث البراء بن عازب.

• البخاري (1565 - عبد الباقي) من حديث أبي موسى الأشعري.

• أبو داود (1797)، والنسائي (5/ 144) بسند حسن عن البراء بن عازب، أن عليًا رضي الله عنه لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، أدرك فاطمة وقد ليست ثيابًا صبيغًا، ونضحتِ البيت بنضُوحٍ، فقال: ما بالكِ؟ فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ أصحابه فحَلُّوا".

• البخاري (7230) وفيه عن سراقة.

ص: 187

وقدِ اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في الفسخِ للحجِّ إلى العمرةِ، هَلْ هَوَ خاصٌّ بالذينَ حجُّوا معهُ صلى الله عليه وسلم، أوْ لا، وقدْ بسطَ ذلكَ ابنُ القيمِ في زادِ المعادِ

(1)

، وأفردْناهُ برسالةٍ ولا يحتملُ هنا نقلَ الخلافِ والإطالة.

واختلفَ العلماءُ أيضًا فيما أحرمَ بهِ صلى الله عليه وسلم، والأكثرُ أنهُ أحرمَ بحجٍّ وعمرةٍ وكان قارِنًا، وحديثُ عائشةَ هذا دلَّ أنهُ صلى الله عليه وسلم أحرمَ بالحجِّ مفردًا لكنَّ الأدلةَ الدالةَ على أنهُ حجَّ قارِنًا، واسعةٌ جدًّا، واختلفُوا أيضًا في الأفضلِ منْ أنواعِ الحجِّ، والأدلةُ تدلُّ على أن أفضلَها القرانُ وقدِ استوفَى أدلةَ ذلكَ ابن القيِّمِ.

* * *

(1)

(2/ 178 - 223).

ص: 188

[الباب الرابع] باب الإحرام وما يتعلَّق به

الإحرامُ: الدخولُ في أحدِ النسكينِ والتشاغلُ بأعمالهِ بالنيةِ.

1/ 681 - عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قالَ: مَا أهَل رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَّا مِنْ عِنْد الْمَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(عَنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما قالَ: ما أهلَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا منْ عندِ المسجدِ)، أي: مسجدِ ذي الحليفةِ (متفقٌ عليه). هذَا قالهُ ابنُ عمرَ ردًّا على مَنْ قالَ: إنهُ صلى الله عليه وسلم أحرمَ منَ البيداءِ؛ فإنهُ قالَ: "بيداؤُكم هذهِ التي تكذبونَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ أهلَّ منْها ما أهلَّ" الحديثَ

(2)

. وفي روايةٍ: "أنهُ أهلَّ من عندِ الشجرةِ حينَ قامَ بهِ بعيرُه"

(3)

، والشجرةُ كانتْ عندَ المسجدِ. وعندَ مسلمٍ

(4)

: "أنهُ صلى الله عليه وسلم ركعَ ركعتينِ بذي الحليفةِ، ثمَّ إذا استوتْ بهِ الناقةُ قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحليفةِ أهلَّ".

وقَدْ جَمَعَ بَينَ حَديثِ الإهلالِ بالبيداءِ، والإِهْلالِ بذي الحليفةِ بأنهُ صلى الله عليه وسلم أهلَّ منْهما، وكلُّ من رَوَى أنهُ أهلَّ بكذا فهو راوٍ لما سمعَه منْ إهلالِه. وقدْ أخرجَ أبو داودَ

(5)

، والحاكمُ 4

(6)

منْ حديثِ أبنِ عباسٍ: "أنهُ صلى الله عليه وسلم لما صلَّى في مسجدِ ذي

(1)

البخاري (1541)، ومسلم (1186).

قلت: وأخرجه أبو داود (771)، والترمذي (818)، والنسائي (5/ 162 - 163 - 164) وابن ماجه (2916)، ومالك (1/ 336 رقم 30).

(2)

أخرجه مسلم (23/ 1186).

(3)

أخرجه مسلم (24/ 1186).

(4)

في "صحيحه"(30/ 1188).

(5)

في "السنن". (1770).

(6)

في "المستدرك"(1/ 451) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وفي إسناده خُصيف بن عبد الرحمن الحرَّاني وهو ضعيف. وفي إسناده أيضًا محمد بن إسحاق وقد تقدَّم الكلام عليه. المختصر للمنذري (2/ 298). ومع ذلك فقد صحَّحه أحمد شاكر في =

ص: 189

الحليفةِ ركعتينِ أهلَّ بالحجِّ حينَ فرغَ منْهما"، فسمعَ قومٌ فحفظُوه، فلما استقرتْ بهِ راحلتُه أهلَّ وأَدْركَ ذلكَ منهُ قومٌ لم يشهدُوا في المرةِ الأُولى فسمعُوه حينَ ذاكَ فقالُوا: إنَّما أهلَّ حينَ استقلَّتْ بهِ راحلتُه، ثمَّ مضَى فلما عَلَا شرفَ البيداءَ أهلَّ وأدركَ ذلكَ قومٌ لم يشهدُوه فَنَقَلَ كما سمعَ الحديثَ. ودلَّ الحديثُ على أن الأفضلَ أنْ يحرمَ منَ الميقاتِ لا قبلَهُ، فإنْ أحرمَ قبلَه فقالَ ابنُ المنذرِ

(1)

: أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أحرمَ قبلَ الميقاتِ أنهُ محرمٌ. وهلْ يكرهُ؟ فقيلَ: نعمْ لأنَّ قولَ الصحابةِ وقَّتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأهلِ المدينةِ ذا الحليفةِ يقضِي بالإهلالِ منْ هذِه المواقيتِ، ويقضي بنفي النقصِ والزيادةِ، فإنْ لم تكنِ الزيادةُ محرَّمةً فلا أقلَّ منْ أنْ يكونَ تركُها أفضلَ، ولولا ما قيلَ منَ الإجماعِ بجوازِ ذلكَ لقلْنا بتحريمِه لأدلةِ التوقيتِ، ولأنَّ الزيادةَ على المقدراتِ منَ المشروعاتِ كأعدادِ الصلاةِ، ورمي الجمارِ، لا تشرعُ كالنقصِ منْها وإنَّما لم يجزمْ بتحريمِ ذلكَ لما ذكرْنا منَ الإجماعِ، ولأنهُ رُوِيَ عن عدةٍ منَ الصحابةِ تقديمُ الإحرامِ على الميقاتِ، فأحرمَ ابنُ عمرَ منْ بيتِ المقدسِ

(2)

، وأحرمَ أنسٌ منَ العقيقِ

(3)

، وأحرمَ ابنُ عباسٍ من

= شرح الحديث (1831) من المسند. وضعَّفه المحدث الألباني في ضعيف أبي داود. وهو الأقرب للصواب، والله أعلم.

(1)

في كتابه "الإجماع"(ص 54 رقم 137).

قلت: قال الحافظ في "فتح الباري"(3/ 383): "وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني.

وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره" اهـ.

(2)

أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 331 رقم 26) وفي الموطأ برواية محمد بن الحسن: 133، الأثر (383)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 30)، وفي "المعرفة"(7/ 103 رقم 9442).

• الثقة عنده. قيل: نافع.

(3)

أخرج الطبراني في "الكبير"(3/ 216 - مجمع) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدائن العقيق. وقال الهيثمي: وفيه: أبو ظلال، هلال بن يزيد وثقه ابن حبان، وضعفه جمهور الأئمة، وبقية رجاله رجال الصحيح.

قلت: انظر ترجمة هلال هذا في "الضعفاء" للعقيلي (4/ 345 - 346) و "الميزان"(4/ 316).

• وذكر البيهقي في "المعرفة"(7/ 96 رقم 9417) عن أنس بن مالك أنه كان يحرم من العقيق.

ص: 190

الشامِ

(1)

، وأهلَّ عمرانُ بنُ حصينٍ من البصرةِ

(2)

، وأهلَّ ابنُ مسعودٍ منَ القادسيةِ

(3)

.

ووردَ في تفسيرِ الآية: "أنَّ الحجَّ والعمرةَ تمامُهما أنْ تحرمَ بهما من دويرةِ أهلكَ" عنْ عليٍّ

(4)

، وابن مسعودٍ

(5)

رضي الله عنهما، وإنْ كانَ قدْ تُؤُوِّلَ بأنَّ مرادَهما أنْ ينشئَ لهما سفرًا من أهله، فقد ورد أثر عن علي عليه السلام بلفظ: تمام العمرة أن ينشئ لها من بلاده، أي: أن ينشئ لها سفرًا مفردًا منْ بلدهِ كما أنشأ صلى الله عليه وسلم لعمرةِ الحديبيةِ والقضاءِ سفَرًا منْ بلدِه، ويدلُّ لهذَا التأويلِ أنَّ عليًا لم يفعلْ ذلكَ، ولا أحدٌ منَ الخلفاءِ الراشدينَ، ولم يحرمُوا بحجٍّ ولا عمرةٍ إلا من الميقاتِ بلْ لم يفعلْهُ صلى الله عليه وسلم، فكيفَ يكونُ ذلك تمامَ الحجِّ [والعمرة]

(6)

ولم يفعلْهُ صلى الله عليه وسلم، ولا أحدٌ منَ الخلفاءِ، ولا جماهيرُ الصحابةِ.

نعمْ الإحرامُ منْ بيتِ المقدسِ بخصوصهِ وردَ فيهِ حديثُ أمِّ سلمةَ: "سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ مَنْ أهلَّ منَ المسجدِ الأقصَى بعمرةٍ أو حجةٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ"، رواهُ أحمدُ

(7)

. وفي لفظٍ: "مَنْ أحْرمَ منْ بيتِ المقدسِ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِه"، رواهُ أبو داودَ

(8)

. ولفظُه: "مَنْ أَهْل بحجَّةٍ أوْ عمرةٍ مِنَ المسجِدِ الأقْصى إِلى المسِجِدِ الحَرامِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وَمَا تأخَّرَ، أوْ وَجَبَتْ لَهُ الجنَةُ" شكٌّ منَ الرَّاوي، ورَواهُ ابنُ مَاجَه

(9)

بلفظ: "مَنْ أهلَّ بعمرةٍ منْ بيتِ المقدسِ كانتْ كفارةً لما قبلَها منَ الذنوبِ" فيكونُ هذَا مخصوصًا ببيتِ المقدسِ فيكونُ الإحرامُ خاصةً أفضلَ منَ الإحرامُ منَ المواقيتِ، ويدلُّ لهُ إحرامُ ابن عمرَ منهُ، ولم يفعلْ ذلكَ منَ المدينةِ على أن منْهم من ضعَّف الحديثَ، ومنْهم مَنْ تأوَّله بأنَّ المرادَ ينشئُ لهما السفرَ منْ هنالكَ.

(1)

ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار"(11/ 82).

(2)

ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار"(11/ 82).

(3)

ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار"(11/ 82).

(4)

أخرجه ابن حزم في "المحلَّى"(7/ 75). وأبو يوسف في "الآثار"(رقم: 484)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 341) وفي "المعرفة"(7/ 103 رقم 9443).

(5)

أخرجه ابن حزم في "المحلَّى"(7/ 75)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 341).

(6)

زيادة من النسخة (أ).

(7)

في "المسند"(11/ 111 رقم 77 - الفتح الرباني) بسند لا بأس به.

(8)

في "السنن"(1741)، وهو حديث ضعيف.

(9)

في "السنن"(3002)، وهو حديث ضعيف.

وانظر: "الضعيفة" للألباني رقم (211).

ص: 191

‌رفع الصوت بالتلبية

2/ 682 - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ"، رواهُ الخَمْسَةُ

(1)

، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ

(2)

. [حسن]

(وعنْ خلَّادِ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وتشديدِ اللامِ، آخرُه دالٌ مهملةٌ (ابن السائبِ) بالسينِ المهملةِ (عَنْ أبيهِ أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: أتاني جبريلُ، فأمرني أن آمرَ أصحابي أنْ يرفعُوا أصواتَهم بالإهلالِ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ).

وأخرجَ ابنُ ماجهْ

(3)

: "أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: "العجُّ والثجُّ"، وفي روايةٍ

(4)

عن السائبِ عنهُ صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريلُ فقالَ: كنْ عجَّاجًا ثجَّاجًا". والعجُّ رفعُ الصوتِ، والثجُّ نحرُ البُدنِ. كلُّ ذلكَ دالٌّ على استحباب رفعِ الصوتِ بالتلبيةِ وإنْ كانَ ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ

(5)

: أن أصحابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانُوا يرفعونَ أصواتَهم بالتلبيةِ حتَّى تبحَّ أصواتُهم، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ

(6)

. وعنْ مالكٌ لا يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ إلَّا عندَ المسجدِ الحرأمِ ومسجدِ منَى

(7)

.

(1)

أبو داود (1814)، والترمذي (829)، والنسائي (5/ 162)، وابن ماجه (2922)، وأحمد (4/ 55).

قلت: وأخرجه الحميدي (رقم 853)، وابن خزيمة رقم (2625) و (2627)، وابن الجارود رقم (433)، والبيهقي (5/ 42)، والطبراني في "الكبير" رقم (6627) و (6628) و (6626) و (6629)، والدارمي (2/ 34)، والبغوي في "شرح السنة"(رقم 1867)، والدارقطني (2/ 238) وغيرهم من طرق

(2)

في "الإحسان"(9/ 111 رقم 3802).

(3)

في "السنن"(2924) من حديث أبي بكر الصديق.

قلت: وأخرجه الترمذي (827)، والدارمي (2/ 31). من طرق .. وهو حديث صحيح.

انظر: "الصحيحة" رقم (1500).

(4)

أخرجها أحمد في "المسند"(11/ 180 رقم 150 - الفتح الرباني) وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 224) وقال: رواه أحمد وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس.

(5)

عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(3/ 458) من طريق المطلب بن عبد الله بسند صحيح.

ولم أجده في "المصنف"، والله أعلم.

(6)

انظر: "شرح السنة" للبغوي (7/ 53 - 54)، و "المعرفة" للبيهقي (7/ 129).

(7)

انظر: "الاستذكار"(11/ 119 رقم 15668).

ص: 192

‌الاغتسال والتطيب للإحرام

3/ 683 - وَعَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لإهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ

(1)

. [صح].

(وعَنْ زيدِ بن ثابتٍ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تجرَّدَ لإهلاله واغتسلَ. رواهُ الترمذيُّ وحسَّنة)، وغرَّبَهُ وضعَّفَهُ العقيليُّ

(2)

، وأخرجهُ الدارقطنيُّ

(3)

، والبيهقيُّ

(4)

، والطبرانيُّ

(5)

. رواهُ الحاكمُ

(6)

، والبيهقيُّ

(7)

منْ طريقِ يعقوبَ بن عطاءٍ عنْ أبيهِ عن ابن عباسٍ: "اغتسل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثمَّ لبِسَ ثِيَابَهُ فلما أَتَى ذا الحليفةِ صلَّى ركعتينِ ثمَّ قعدَ على بعيرهِ، فلما استوى بهِ على البيداءِ أحرمَ بالحجِّ"، ويعقوبُ بنُ عطاءِ بن أبي رباحٍ ضعيفٌ

(8)

.

وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما

(9)

قالَ: مِنَ السنةِ أنْ يغتسلَ إذا أرادَ الإحرامَ، وإذا أرادَ دخولَ مكةَ. ويستحبُّ التطيبُ قبلَ الإحرامِ لحديثِ عائشةَ: كنتُ أطيِّبُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بأطيبِ ما أجدُ"، وفي رواية: "كنتُ أطيبُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأطيبِ ما [أقدرُ]

(10)

عليهِ قبلَ أن يحرمَ ثم يحرمُ"، متفقٌ عليهِ

(11)

. ويأتي الكلامُ في ذلكَ.

(1)

في "السنن"(830) وقال: حديث حسن غريب.

قلت: في سنده عبد الله بن يعقوب وهو مجهول الحال، وبقية رجاله ثقات.

وقد صحَّحه الألباني في صحيح الترمذي.

(2)

في "الضعفاء الكبير"(4/ 138) بمحمد بن موسى بن مسكين أبو غَزِيَّة القاضي.

(3)

في "السنن"(2/ 220 - 221 رقم 23) وفيه أبو غزية.

(4)

في "السنن الكبرى"(5/ 32 - 33).

(5)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 235).

(6)

في "المستدرك"(1/ 447) وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

(7)

في "السنن الكبرى"(5/ 33).

(8)

انظر: "الميزان"(4/ 453 رقم الترجمة 9821).

(9)

أخرجه البيهقي (5/ 33)، والحاكم (1/ 447) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قلت: والإسناد فيه سهل بن يوسف لم يخرج له مسلم، وهو ثقة، "التقريب"(1/ 337). فالحديث على شرط البخاري.

(10)

في النسخة (أ): "يقدر".

(11)

البخاري (5928)، ومسلم (36، 37/ 1189).

ص: 193

‌ما يلبسه المحرم

4/ 684 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ. قَالَ: "لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّينِ وَلْقْطَعهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ

(1)

. [صحيح]

(وعنِ ابن عمرَ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عما يلبسُ المحرِمُ منَ الثيابِ [قال]

(2)

: لا يلبسُ القميصَ، ولا العمائمَ، ولا [السراويلَ]

(3)

، ولا البرانسَ، ولا الخفافَ إلا أحدٌ لا يجدُ نعلينِ) أي لا يجدُهما [يباعان](4)، أو يجدُهما [يباعان]

(4)

ولكنْ ليس معهُ ثمنٌ [فائضٌ]

(5)

عنْ حوائجِه الأصليةِ كما في سائرِ الأبدالِ، (فلْيلبسِ الخفينِ ولْيقْطعْهما أسفلَ من الكعبينِ، ولا تلبسُوا شيئًا من الثيابِ مسَّه الزعفرانُ، ولا الوَرْسُ) بفتحِ الواو، وسكونِ الراء، آخرهُ سينٌ مهملةٌ (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). وأخرجَ الشيخانِ

(6)

منْ حديثِ ابن عباسٍ: "سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يخطبُ بعرفاتٍ: منْ لم يجدْ إزارًا فليلبسْ سراويلَ، ومَنْ لم يجدْ نعلينِ فليلبسْ خُفينِ"، ومثلُه عندَ أحمدَ. والظاهرُ أنهُ ناسخٌ لحديثِ ابن عمرَ بقطعِ الخفينِ لأنهُ قالَ بعرفاتٍ في وقتِ الحاجةِ، وحديثُ ابن عمرَ كانَ في المدينةِ قالَه ابنُ تيميةَ في المنتقَى

(7)

. واتفقُوا على أن المرادَ بالتحريمِ هنا على الرجلِ ولا تلحقُ بهِ المرأةُ في ذلكَ. واعلمْ أنهُ تحصلُ منَ الأدلةِ أنهُ يحرمُ على المحرم الحلق لرأسه، ولبسُ

(1)

البخاري (1542)، ومسلم (1177)، وأبو داود (1824)، والترمذي (833)، والنسائي (5/ 131 - 132)، وابن ماجه (2929)، ومالك في "الموطأ"(1/ 324 - 325 رقم 8).

(2)

في النسخة (أ): "فقال".

(3)

في النسخة (أ): "ولا السراويلات".

(4)

في النسخة (أ): "يباع".

(5)

في النسخة (أ): "فاضل".

(6)

البخاري (1843)، ومسلم (4/ 1178).

قلت: وأخرجه أبو داود (1829)، والترمذي (834)، والنسائي (5/ 132 - 133)، وابن ماجه (2931)، وأحمد (1/ 279).

(7)

(2/ 241) أعاننا الله على إتمامه.

ص: 194

القميصِ، والعمامةِ، والبرانسِ، والسراويلِ، وثوبٍ مسَّهُ وَرْسٌ أوْ زعفرانُ، ولبسُ الخفينِ إلا لعدم غيرِهما فيشقُّهما ويلبسُهما، وَالطيبُ، والوطءُ. والمرادُ منَ القميصِ كلُّ ما أَحاطَ بالبدنِ مما كانَ عنْ تفصيلٍ وتقطيعٍ، وبالعمامةِ ما أحاطَ بالرأسِ فيلحق بها غيرُها مما يغطي الرأسَ. قال الخطابي: ذكر البرانس والعمامة معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتادِ كالعمامة، ولا بالنادِر كالبرانسِ، وهوَ كلُّ ثوبٍ رأسهُ منهُ ملتزِقًا بهِ منْ جبةٍ أو درَّاعةٍ أو غيرِهما.

وأعلمْ أنَّ المصنفَ رحمه الله لم يأتِ بالحديثِ فيما يحرُمُ على المرأةِ المحرِمَةِ، والذي يحرمُ عليها في الأحاديثِ الانتقابُ، أي: لبسُ النقابِ كما يحرمُ لبسُ الرجلِ القميصَ والخفينِ، فيحرمُ عليها النقابُ، ومثلُه البرقعُ، وهوَ الذي فُصِّلَ على قدرِ سَتْرِ الوجهِ لأنهُ الذي وردَ به النصُّ، كما وَرَدَ بالنهي عن القميصِ للرجلِ معَ جوازِ سترِ الرجلِ لبدنِه بغيرِه اتفاقًا فكذلكِ المرأةُ المحرمةُ تسترُ وجْهَهَا بغيرِ ما ذكرَ كالخمارِ والثوبِ، ومنْ قالَ إنَّ وجْهَهَا كرأسِ الرجلِ المحرمِ لا يُغَطَّى شيءٌ فلا دليلَ معهُ. ويحرمُ عليها لبسُ القفازينِ، ولبسُ ما يمسه ورسٌ أو زعفرانُ منَ الثيابِ، ويباحُ لها ما أحبَّتْ منْ غير ذلكَ من حليةٍ وغيرها.

وأما الصيدُ، والطيب، وحلقُ الرأسِ، فالظاهرُ أنهنَّ كالرجلِ في ذلكَ، واللَّهُ أعلمُ. وأما الانغماسُ في الماءِ، ومباشرة المحملِ بالرأسِ، وسترُ الرأسِ باليدِ، وكذَا وضعُهُ على المخدةِ عندَ النومِ [فإنه لا يضرُّ]

(1)

، لأنهُ لا يسمَّى لابسًا. والخفافُ جمعُ خفٍّ وهو ما يكونُ إلى نصفِ الساقِ، ومثلُه في الحكمِ الجوربُ، وهوَ ما يكونُ إلى فوقِ الركبةِ. وقدْ أُبيحَ لمنْ لم يجدِ النعلينِ بشرطِ القطعِ، إلا أنكَ قد سمعتَ [ما قاله]

(2)

في المنتقَى منْ نسخِ القطعِ، وقدْ رجَّحهُ في الشرحِ بعدَ إطالةِ الكلامِ بذكرِ الخلافِ في المَسْألةِ، ثمَّ الحقُّ أنهُ لا فديةَ على لابسِ الخفينِ لعدمِ النعلين. وخالفتِ الحنفيةُ فقالُوا: تجبُ الفديةُ.

ودلَّ الحديثُ على تحريمِ لبسِ ما مسَّهُ الزعفرانُ والورسُ. واختُلِفَ في العلةِ التي لأجلِها النهي هلْ هي الزينةُ أو الرائحةُ؟ فذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها

(1)

في النسخة (أ): "فلا يضر".

(2)

في النسخة (أ): "ما قال".

ص: 195

الرائحةُ؛ فلو صارَ الثوبُ بحيثُ إذا أصابهُ الماءُ لم يظهرْ لهُ رائحةٌ جازَ الإحرامُ فيهِ. وقد وردَ في روايةٍ: "إلا أنْ يكونَ غسيلًا"، وإن كانَ فيها مقالٌ. ولبسُ المعصفرِ والمورَّسِ محرَّمٌ على الرجالِ في حالِ الحلِّ كما في الإحرام.

‌تطيُّب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ولحله

5/ 685 - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كنتُ أطيِّبُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لإحرامِه قبلَ أنْ يحرِمَ، ولحلِّه قبلَ أنْ يطوفَ بالبيتِ. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على استحبابِ التطيبِ عندَ إرادةِ فعلِ الإحرامِ، وجوازِ استدامتِه بعدَ الإحرامِ، وأنهُ لا يضرُّ بقاءَ لونِه وريحِه، وإنما يحرمُ ابتداؤهُ في حالِ الإحرامِ. وإلى هذا ذهبَ جماهيرُ الأئمةِ منَ الصحابةِ والتابعينَ

(2)

وذهبَ جماعةٌ منْهم إلى خلافهِ، وتكلَّفوا لهذِهِ الروايةِ ونحوِها بما لا يتمُّ بهِ مدعاهُمْ فإنَّهم قالُوا:"إنهُ صلى الله عليه وسلم تطيَّبَ ثمَّ اغتسلَ بعدَه فذهبَ الطيبُ". قالَ النووي رحمه الله في شرح مسلمٍ

(3)

بعدَ ذكرِه: الصوابُ ما قالهُ الجمهورُ من أنهُ يستحبُّ الطيبُ للإحرامِ لقولِها: "لإحرامِه". ومنْهم مَنْ زعمَ أن ذلكَ خاصٌّ بهِ صلى الله عليه وسلم، ولا يتمُّ ثبوتُ الخصوصيةِ إلا بدليلٍ عليْها، بلِ الدليلُ قائمٌ على خلافِها، وهوَ ما ثبتَ منْ حديثِ عائشةَ: "كُنَّا ننضحُ وجوهَنا [بالمسك المطيب]

(4)

قبلَ أنْ نحرمَ، فنعرقَ [ويسيل]

(5)

على وجوهِنا، ونحنُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلا يَنْهانا" رواهُ أبو داودَ

(6)

، وأحمدُ بلفظِ:"كُنَّا نخرجُ معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ فننضحُ جباهَنا بالمسكِ المطيبِ عندَ الإحرامِ، فإذا عرقتْ إحدانَا سالَ على وجهِهَا فيراهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فلا ينْهانا".

(1)

البخاري (1539)، ومسلم (1189).

قلت: وأخرجه أبو داود (1745)، والترمذي (917)، والنسائي (5/ 137 رقم 2685)، ومالك؛ 1/ 328 رقم 17).

(2)

انظر: "بداية المجتهد"(2/ 236 - 237) بتحقيقنا.

(3)

(8/ 98 - 99).

(4)

في النسخة (أ): "بالطيب المسك".

(5)

في النسخة (أ): "فيسيل".

(6)

في "السنن"(1830) بسند حسن.

ص: 196

ولا يقالُ هذا خاصٌ بالنساءِ لأنَّ الرجالَ والنساءَ في الطيب سواءٌ بالإجماعِ؛ فالطيبُ يحرمُ بعدَ الإحرامِ لا قبلَه وإن دامَ حالُه فإنهُ كالنكاحِ لأنهُ منْ دواعِيهِ، والنكاحُ إنَّما يمنعُ المحرِم منِ ابتدائِه لا منِ استدامتهِ فكذلك الطيبُ، ولأنَّ الطيبَ منَ النظافةِ منْ حيثُ إنهُ يقصدُ بهِ دفعُ الرائحةِ الكريهةِ كما يقصدُ بالنظافةِ إزالةَ ما يجمعُه الشعرُ والظفرُ منَ الوسخِ، ولذَا استُحِبَّ أنْ يأخذَ قبلَ الإحرامِ منْ شعرِه وأظفارِه لكونِه ممنوعًا منهُ بعدَ الإحرامِ وإنْ بقيَ أثرُه بعدَه.

وأما حديثُ مسلمٍ

(1)

في الرجلِ الذي جاء يسألُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كيفَ يصنعُ في عمرتِه، وكانَ الرجلُ قدْ أحرمَ وهوَ متضمِّخٌ بالطيبِ "فقالَ: يا رسولَ اللهِ ما تَرَى في رجلٍ أحرمَ بعمرةٍ في جبةٍ بعدَما تضمَّخَ بطيب؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم: "أما الطيبُ الذي بكَ فاغسلْه ثلاثَ مراتٍ" الحديث. فقدْ أُجِيبَ عنهُ بأنَّ هذَا السؤالَ والجوابَ كانا بالجعرَّانةِ في ذي القعدةِ سنةَ ثمانٍ، وقدْ حجَّ صلى الله عليه وسلم سنةَ عشرٍ، واستدامَ الطيبُ، وإنَّما يؤخذُ بالآخرِ [فالآخر]

(2)

منْ أمرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأنه يكونُ ناسخًا للأول.

وقولُها: "لحلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيتِ"، المرادُ بحلِّه الإحلالُ الذي يحلُّ بهِ كلُّ محظورٍ وهوَ طوافُ الزيارةِ، وقدْ كانَ حلُّ بعضِ الإحلالِ وهوَ بالرمي الذي يحلُّ بهِ الطيبُ وغيرُه ولا يمنعُ بعدَه إلا منْ النساءِ. وظاهرُ هذا أنهُ قدْ كانَ فعلَ الحلقَ والرميَ وبقيَ الطوافُ.

‌تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره، وتحريم الخطبة

6/ 686 - وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه أن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(3)

. [صحيح]

(1)

في "صحيحه"(8/ 1180).

قلت: وأخرجه البخاري (4985)، وأبو داود (1819)، والترمذي (836)، والنسائي (5/ 142، 143)، والبيهقي (5/ 56).

(2)

زيادة من النسخة (ب).

(3)

في "صحيحه"(41/ 1409).

قلت: وأخرجه مالك (1/ 348 رقم 70)، والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 316 رقم 821)، وأحمد (1/ 69)، والدارمي (2/ 141)، والطيالسي (1/ 213 رقم 1030 - منحة =

ص: 197

(وعنْ عثمانَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: لا يَنكحُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ، أي: لا يَنْكِحُ هو لنفسِه، (المحرمُ ولا يُنكِحُ) بضمِّ حرفِ المضارعةِ لا يعقدُ لغيرِه، (ولا يخطبُ) لهُ ولا لغيرِه (رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على تحريمِ العقْدِ علَى المحرِم لنفسِه ولغيرِه، وتحريمِ الخطبةِ كذلكَ. والقولُ بأنهُ صلى الله عليه وسلم تزوجَ ميمونَة بنتَ الحارثِ وهوَ محرمٌ لروايةِ ابن عباسٍ

(1)

لذلكَ مردودٌ بأنَّ روايةَ أبي رافعٍ

(2)

: "أنّهُ تزوَّجَها صلى الله عليه وسلم وهوَ حلالٌ" أرجحُ، لأنهُ كانَ السفيرَ بينَهما، أي: بينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبينَ

= المعبود)، وأبو داود (1841)، والترمذي (840)، والنسائي (5/ 192)، وابن ماجه (1966)، وابن الجارود (444)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 268)، والدارقطني (2/ 267 رقم 141)، والبيهقي (5/ 65) وغيرهم.

(1)

أخرجه البخاري (1837)، ومسلم (47/ 1410)، وأبو داود (1844)، والترمذي (842)، والنسائي (5/ 191)، وابن ماجه (1965)، وابن الجارود رقم (446)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 269)، والدارقطني (3/ 263 رقم 73)، وأحمد (1/ 266)، والطيالسي (1/ 213 رقم 1031 - منحة المعبود).

(2)

أخرجه أحمد (6/ 393)، والدارمي (2/ 38)، والترمذي (841)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 270)، والدارقطني (3/ 262 رقم 67، 68)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 264)، والبيهقي (5/ 66) كلهم من طريق حماد بن زيد، عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع. قال:"تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال، وبني بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما".

وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة.

وروى مالك بن أنس (1/ 348 رقم 69) عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال. رواه مالك مرسلًا.

قال: ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا" اهـ.

قلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف.

• ويغني عنه رواية يزيد بن الأصم.

أخرجه مسلم (48/ 1411)، وأبو داود (1843)، والترمذي (845)، وابن ماجه (1964)، وابن الجارود رقم (445)، والطحاوي في شرح معاني الآثار" (2/ 269)، والدارقطني (3/ 261 رقم 63، 64، 65، 66)، وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 315، 316) والبيهقي (5/ 66)، والدارمي (2/ 38)، وأحمد (6/ 332، 333، 335)، والشافعي في "ترتيب المسند" (1/ 318 رقم 830) وغيرهم عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.

ص: 198

ميمونةَ، ولأنها روايةُ أكثرِ الصحابةِ. قالَ القاضي عياض رحمه الله: لم يُرْوَ أنهُ تزوَّجَها محرِمًا إلا ابنُ عباسٍ وحدَه، حتَّى قالَ سعيدُ بنُ المسيبِ: ذَهَلَ ابنُ عباسٍ وإنْ كانتْ خالتُه، ما تزوَّجَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا بعدَ ما حلَّ. ذكرُه البخاريُّ

(1)

. ثمَّ ظاهرُ النَّهْي في الثلاثةِ التحريمُ إلا أنهُ قيلَ: إنَّ النَّهيَ في الخطبةِ للتنزيهِ، وإنهُ إجماعٌ، فإنْ صحَّ الإجماعُ فذاكَ، ولا أظنُّ صحتَه، وإلَّا فالظاهرُ هوَ التحريمُ. ثمَّ رأيتُ بعدَ هذا نقلًا عن ابن عقيلٍ الحنبلي أنَّها تحرمُ الخطبةُ أيضًا.

قال ابنُ تيمية: لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الجميع نَهْيًا واحدًا، ولم يفصِّلْ. وموجبُ النَّهْي التحريمُ وليسَ ما يعارضُ ذلكَ من أثر أَو نظرٍ.

‌حلُّ صيد الحلال للمُحرمين

7/ 687 - وعَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه في قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - "هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيه بِشَيْءِ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ:"فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِن لَحْمِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعنْ أبي قتادةَ الأنصاريِّ رضي الله عنه في قصةِ صيدِه الحمارَ الوحشيَّ وهوَ غيرُ محرمٍ)، وكانَ ذلكَ عامَ الحديبيةِ. (قالَ: فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ وكانُوا محرمينَ: "هَلْ منْكم أحدٌ أمرهُ أو أشارَ [إليهِ بشيءٍ]

(3)

؟ فَقالُوا: لا، قالَ: فكلُوا ما بقيَ منْ لحمِه. متفقٌ عليهِ). قد استُشكِلَ عدمُ إحرامِ أبي قتادةَ وقدْ جاوزَ الميقاتَ، وأجيبَ عنهُ بأجوبةٍ منها أنهُ قدْ كان بعثَه صلى الله عليه وسلم هوَ وأصحابُه لكشفِ عدوٍّ لهم [بالساحلِ]

(4)

.

(1)

وأخرج أبو داود (1845) عن سعيد بن المسيب قال: وَهِمَ ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.

وقال الألباني في صحيح أبي داود: "صحيح مقطوع".

(2)

البخاري (2914)، ومسلم (58/ 1196).

قلت: وأخرجه أبو داود (1852)، والترمذي (847)، والنسائي (5/ 182)، وابن ماجه (3093)، وأحمد (5/ 182)، ومالك (1/ 350 رقم 76) وغيرهم.

(3)

في النسخة (أ): "إلى شيء".

(4)

في النسخة (أ): "في الساحل".

ص: 199

ومنْها: أنهُ لم يخرجْ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بلْ بعثَه أهلُ المدينةِ. ومنْها: أنَّها لم تكنِ المواقيتُ قدْ وقِّتَتْ في ذلكَ الوقت. والحديثُ دليلٌ على جوازِ أكلِ المحرِمِ لصيدِ البر، والمرادُ [به إنْ صاده]

(1)

غيرُ محرِمٍ ولمْ يكنُ منهُ إعانةٌ على قتلِهِ بشيءٍ وهوَ رأيُ الجماهيرِ

(2)

، والحديثُ نصٌّ فيهِ. وقيلَ: لا يحلُّ أكلُه وإنْ لم يكنْ منهُ إعانةٌ عليه. ويُرْوَى هذَا عنْ عليٍّ عليه السلام وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وهوَ مذهبُ الهادوية

(3)

عملًا بظاهرِ قولهِ تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}

(4)

بناءً علَى أنَّهُ أُريدِ بالصيدِ المصيدُ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ المرادَ في الآيةِ الاصطيادُ، ولفظُ الصيدِ وإنْ كانَ مترددًا بيَّنَ المعنيينِ لكنْ بينَ حديثِ أبي قتادةَ المرادَ، وزادَه بيانًا حديثُ جابرِ بن عبدِ اللهِ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:"صيدُ البرِّ لكمْ حلالٌ ما لم تصيدُوهُ أو يُصَدْ لكم"، أخرجهُ أصحابُ السُّنَنِ

(5)

، وابنُ خزيمةَ

(6)

، وابنُ حِبَّانَ

(7)

، والحاكمُ

(8)

،

(1)

في النسخة (أ): "إذا اصطاده".

(2)

انظر: "الفقه الإسلامي وأدلته"(3/ 248 - 253).

(3)

انظر: "الروض النضير"(3/ 221 - 223).

(4)

سورة المائدة الآية: 96.

(5)

أبو داود (1851)، والترمذي (846) والنسائي (5/ 187).

(6)

في "صحيحه"(4/ 180 رقم 2641).

(7)

(رقم 980 - موارد).

(8)

في "المستدرك"(1/ 452) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقرَّه الذهبي.

قلت: وأخرجه ابن الجارود (رقم (437) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 171) والدارقطني (2/ 290 رقم 243)، والبيهقي (5/ 190)، وأحمد (3/ 362) والشافعي في "ترتيب المسند"(1/ 322 رقم 839)، والبغوي في "شرح السنة"(7/ 263 - 264)، وابن عبد البر في "التمهيد"(9/ 62) وفي "الاستذكار"(11/ 277 رقم 16340)، والبيهقي في "المعرفة"(7/ 429 رقم 10579).

من طرق عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن المطلب، عن جابر.

قلت: وفي إسناده المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي، وهو صدوق كثير التدليس والإرسال.

وقال الترمذي: "حديث جابر حديث مفسر، والمطلب لا نعرف له سماعًا من جابر".

وقال النسائي: "عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك".

وأعلَّه المارديني في "الجوهر النقي"(5/ 191) بأربع علل

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 200

إلا أن في بعضِ رُوَاتِهِ مقالًا بيَّنَه المصنفُ في التلخيصِ

(1)

. وعلى تقدير أن المرادَ في الآيةِ الحيوانُ الذي يُصَادُ فقدْ ثبتَ تحريمُ الاصطيادِ منْ آياتٍ أُخَرَ، ومنْ أحاديثَ، ووقعَ البيانُ بحديثِ جابرٍ فإنهُ نصٌّ في المراد. والحديثُ فيه زيادةٌ وهي قولُه

(2)

صلى الله عليه وسلم

(3)

: "هلْ معكمْ منْ لحمِه شيءٌ"؟ وفي روايةٍ: "هلْ مَعكم منهُ شيءٌ؟ "، قالُوا: مَعَنَا رجْلُهُ [رواه مسلم]

(4)

، فأخذَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم[فأكلها]

(5)

، إلا أنهُ لم [يتفق]

(6)

الشيخان [على إخراج]

(7)

هذهِ الزيادةَ، واستدلَّ المانعُ لأكلِ المحرِمِ الصيدَ مطلقًا بقولِه:

‌لا يحلُّ لحم الصيد للمُحرم

8/ 688 - وعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثيِّ رضي الله عنه أنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِمَارًا وَحْشيًا، وَهُوَ بالأَبْوَاءِ، أوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ:"إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(8)

. [صحيح]

(وعنِ الصعب)

(9)

بفتحِ الصادِ المهملةِ، وسكونِ العينِ المهملةِ، فموحَّدةٍ (ابن جَثَّامةَ) بفتحِ الجيم، وتشديدِ المثلثةِ، الليثيِّ (أنهُ أَهْدَى لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم حمارًا وحشيًا)، وفي روايةٍ: حمارُ وحشٍ يقطرُ دمًا، وفي أُخْرى: لحمُ حمارِ وحشٍ، وفي أُخْرى: عُجْزُ حمارِ وحشٍ، وفي روايةٍ: عَضُدًا منْ لحمِ صيدٍ. كلُها في مسلمٍ

(10)

، (وهو بالأبواءِ) بالموحدة [ممدودة]

(11)

، (أو بِوَدَّانِ) بفتحِ الواوِ وتشديدِ الدالِ المهملةِ، وكانَ ذلكَ في حجةِ الوداعِ، (فردَّه عليهِ وقالَ: إنا لم نردَّهُ) بفتح

(1)

(2/ 276).

(2)

في النسخة (أ) هنا زيادة "أنه".

(3)

في النسخة (أ) هنا زيادة "قال".

(4)

زيادة من النسخة (أ). والحديث أخرجه مسلم (63/ 1196).

(5)

في النسخة (أ): "وأكلها".

(6)

في النسخة (ب): "يخرج".

(7)

زيادة من النسخة (أ).

(8)

البخاري (1825)، ومسلم (50/ 1193).

قلت: وأخرجه الترمذي (849)، والنسائي (5/ 184)، وابن ماجه (3090)، والبيهقي (5/ 191)، وأحمد (4/ 37، 38).

(9)

انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(3/ 20 رقم 2501).

(10)

في "صحيحه"(54/ 1194 و 55/ 1195) من حديث ابن عباس.

(11)

في النسخة (أ): "ممدودًا".

ص: 201

الدالِ، رواهُ المحدِّثونَ، وأنكرهُ المحققونَ من أهلِ العربيةِ، وقالُوا: صوابُه ضمُّها لأنهُ القاعدةُ في تحريكِ [الساكن]

(1)

إذا كانَ بَعدهُ ضميرُ المذكرِ الغائبِ على الأصحِّ. وقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ

(2)

: في "ردّهِ" ونحوِه للمذكرِ ثلاثةُ أوجهٍ أوضحُها الضمُّ، والثاني الكسرُ وهوَ ضعيفٌ، والثالثُ الفتحُ وهو أضعفُ منهُ، بخلافِ ما إذا اتصلَ بهِ ضميرُ المؤنثِ نحوَ ردَّها؛ فإنهُ بالفتحِ (عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ) بضمِّ الحاءِ والراءِ أي مُحرمونَ (متفقٌ عليْهِ)

(3)

.

دلَّ على أنهُ لا يحلُ لحمُ الصيدِ للمحرمِ مطلقًا، لأنهُ صلى الله عليه وسلم علَّلَ ردَّه بكونه

محرمًا، ولم يستفصلْ هلْ صاده لأجله صلى الله عليه وسلم أوْ لا؛ فدلَّ على التحريمِ مطلقًا.

وأجابَ مَنْ جوَّزَه بأنهُ محمولٌ على أنهُ صِيْدَ لأجلِهِ صلى الله عليه وسلم فيكونُ جمْعًا بينَه وبينَ حديثِ أبي قتادة الماضي

(4)

. والجمعُ بينَ الأحاديثِ إذا أمكنَ أوْلَى منِ اطراحِ بعضِها. وقدْ دلَّ لهذا بأن في حديثِ أبي قتادةَ الماضي عندَ أحمدَ

(5)

، وابنِ ماجه

(6)

بإسنادٍ جيدٍ: "إنَّما صدْتُهُ لهُ، وأنهُ أمرَ أصحابَهُ يأكلونَ ولم يأكلْ منهُ حينَ أخبرْتُه أني اصْطَدْتُهُ لهُ". قالَ أبو بكرٍ النيسابوريُّ: قولُه اصطدتُه لكَ، وأنهُ لم [يأكل منهُ]

(7)

لا أعلمُ أحدًا قالهُ في هذا الحديثِ غيرَ معمرٍ.

قلتُ: معمرٌ ثقةٌ لا يضرُّ تفردُه ويشهدُ للزيادةِ حديثُ جابرٍ

(8)

الذي قدَّمناهُ.

وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينبغي قبولُ الهديةِ، وإبانةُ المانعِ من قبولِها إذا ردَّها.

واعلمْ أنَّ ألفاظَ الرواياتِ اختلفَتْ فقالَ الشافعيُّ

(9)

: إنْ كانَ الصَّعبُ أهدَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم الحمارَ حيًّا فليسَ للمحرِمِ ذبحُ حمارٍ وحشي، وإنْ كانَ أَهْدَى لحمَ حمارٍ فيحتملُ أنهُ صلى الله عليه وسلم قدْ فَهِمَ أنهُ صاده لأجلِه، وأما روايةُ:"أنه صلى الله عليه وسلم أكلَ منه" التي أخرجَها البيهقيُّ

(10)

(1)

في النسخة (أ): "الساكنين".

(2)

(8/ 104).

(3)

هنا زيادة من النسخة (أ): "وقال".

(4)

برقم (7/ 687) من كتابنا هذا.

(5)

في "المسند"(5/ 182).

(6)

في "السنن"(3093).

(7)

في النسخة (أ): "يأكله".

(8)

وهو حديث ضعيف تقدَّم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (7/ 687) من كتابنا هذا.

(9)

ذكره البيهقي في "المعرفة"(7/ 430 رقم 10585).

(10)

في "السنن الكبرى"(5/ 193) وقال: هذا إسناد صحيح. وقد تعقَّبه ابن التركماني في =

ص: 202

فقدْ ضعَّفَها ابنُ القيمِ

(1)

، ثمَّ إنهُ استقْوى منَ الرواياتِ روايةَ لحمِ حمارٍ، قالَ: لأنَّها لا تنافي روايةَ مَنْ رَوَى حمارًا، لأنه قدْ يسمَّى الجزءُ باسمِ الكلِّ وهوَ شائعٌ في اللغةِ، ولأنَّ أكثرَ الرواياتِ اتفقتْ أنهُ بعضٌ منْ أبعاضِ الحمارِ، وإنما وقعَ الاختلافُ في ذلكَ البعضِ، ولا تناقضَ بينَها؛ فإنهُ يحتملُ أنْ يكونَ المهدَى منَ الشقِّ الذي فيهِ العجُزُ الذي فيه [رجْلُهُ]

(2)

.

‌قتل الفواسق الخمس في الحرم

9/ 689 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ

(3)

. [صحيح]

(وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "خمسٌ منَ الدوابِّ كلُّهن فواسقُ يُقْتَلْنَ في الحرمِ: الغرابُ والحِدأةُ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وفتحٍ الدالِ بعدَها همزهٌ [بوزن عنبة]

(4)

، (والعقربُ) يُقالُ على الذكرِ والأنثَى، وقدْ يقالُ عقربةُ، (والفأرةُ)

= "الجوهر النقي" فقال: هذا في سنده يحيى بن سليمان الجعفي عن ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب هو الغافقي المصري. ويحيى بن سليمان ذكر الذهبي في "الميزان"، و "الكاشف" عن النسائي أنه ليس بثقة. وقال ابن حبان: ربما أغرب.

وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: كان سيء الحفظ يخطئ خطأ كبيرًا. وكذبه مالك في حديثين. فعلى هذا لا يشتغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده، لمخالفته للحديث الصحيح.

(1)

في "زاد المعاد"(2/ 164) وقال: أما حديث يحيى بن سعيد، عن جعفر، فغلط بلا شك، فإن الواقعة واحدة، وقد اتفق الرواةُ أنه لم يأكل منه، إلا هذه الرواية الشاذة المنكرة.

(2)

في النسخة (أ): "رجل".

(3)

البخاري (3314)، ومسلم (1198).

قلت: وأخرجه الترمذي (837)، والنسائي (5/ 188)، وابن ماجه (3087)، والطيالسي في "المسند"(ص 214 رقم 1521)، وأحمد في "المسند"(6/ 97، 98)، والدارمي (2/ 36، 37)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 166)، والبيهقي (5/ 209) من رواية جماعة عنها بألفاظ.

(4)

زيادة من النسخة (أ).

ص: 203

بهمزةٍ ساكنةٍ، ويجوزُ تخفيفُها ألفًا، (والكلبُ العقورُ. متفقٌ عليهِ)، وفي روايةٍ في البخاريِّ

(1)

زيادةُ ذكرِ الحيةِ فكانتْ ستًا. وقد أخرجَها بلفظِ ستٍ أبو عوانةَ، وسردَ الخمسَ معَ الحيةِ. ووقع [عند]

(2)

أبي داود

(3)

زيادةُ السَّبُعُ العادي فكانتْ سبعًا، ووقعَ عندَ ابن خزيمةَ

(4)

، وابنِ المنذرِ زيادةُ الذئب والنمرِ فكانتْ تسعًا، إلَّا أنهُ نُقِلَ عن الذهليِّ أنهُ ذكرَهما في تفسير الكلب العقورِ. ووقعَ ذكرُ الذئبِ في حديثٍ مرسلٍ

(5)

رجالُه ثقاتٌ: وأخرجَ أحمدُ

(6)

مرفوعًا الأمرَ للمحرمِ بقتلِ الذئبِ، وفيهِ راو ضعيفٌ. وقدْ دلَّتْ هذه [الروايات]

(7)

أن مفهومَ العددِ غيرُ مرادٍ منْ قولِهِ خمسٌ. والدوابُّ بتشديدِ الباءِ جمعُ دابةٍ وهوَ ما دبَّ منَ الحيوانِ، وظاهرهُ أنهُ يسمَّى الطائرُ دابةً وهوَ يطابقُ قولَه تعالَى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}

(8)

، {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا}

(9)

. وقيل: يخرجَ الطائرُ منْ لفظِ الدابةِ لقولِه تعالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}

(10)

ولا حجة [فيه]

(11)

، لأنهُ يحتملُ أنهُ عطفٌ خاصٌّ على عامٍّ. هذَا وقد اختصَّ في العرفِ لفظُ [الدابة]

(12)

بذواتِ الأربعِ القوائم. وتسميتُها فواسق لأنَّ الفسقَ لغة

(1)

لم أجدها في صحيح البخاري بل وجدتها في صحيح مسلم (67/ 1198) من حديث عائشة وأخرجه مسلم أيضًا (75/ 1199) من حديث ابن عمر.

(2)

في النسخة (أ): "في رواية".

(3)

في "السنن"(1848) من حديث أبي سعيد الخدري. وفي سنده يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي وهو ضعيف، كبر فتغيَّر فصار يتلقَّن، وباقي رجاله ثقات.

وقال الألباني: ضعيف. وقوله: "يرمي الغراب ولا يقتله" منكر. انظر: "الإرواء"(رقم 1036).

(4)

في "صحيحه"(4/ 190 رقم 2666).

(5)

أخرجه أبو داود في "المراسيل" رقم (137) وعبد الرزاق رقم (8384)، وابن أبي شيبة (4/ 55)، والبيهقي (5/ 210) من طرق عن عبد الرحمن بن حرملة أنه سمع ابن المسيب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس يقتلهن المحرم: العقرب، والحية، والغراب، والكلب، والذئب". ورجاله ثقات.

(6)

في "المسند"(11/ 272 رقم 702 - الفتح الرباني) من حديث ابن عمر.

وفي سنده الحجاج بن أرطاة ضعيف.

(7)

في النسخة (ب): "الزيادات".

(8)

سورة هود: الآية 6.

(9)

سورة العنكبوت: الآية 60.

(10)

سورة الأنعام: الآية 38.

(11)

زيادة من النسخة (أ).

(12)

في النسخة (أ): "الدواب".

ص: 204

الخروجُ، ومنهُ:{فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}

(1)

، أي: خرجَ، ويسمَّى العاصي فاسقًا لخروجِه عنْ طاعةِ ربِّهِ، ووصفتِ المذكورةُ بذلكَ لخروجِها عنْ حكمِ غيرِها منَ الحيواناتِ في تحريمِ [قتل المحرم لها]

(2)

، وقيلَ: لخروجِها عن غيرها من الحيواناتِ في حلِّ أكلهِ لقولِه تعالَى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}

(3)

، فسمِّي ما لا يُؤكَلُ فسقًا. قالَ تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}

(4)

، وقيلَ: لخروجِها عن حكمِ غيرِها بالإيذاءِ والإفسادِ وعدمِ الانتفاع

(5)

، فهذِه ثلاثُ عللٍ استخرجَها العلماءُ في حلِّ قتلِ هذهِ الخمسِ. ثمَّ اختلفَ أهل الفتوى فمنْ قالَ بالأولِ ألحقَ بالخمسِ كلَّ ما جازَ قتلَهُ [للحلال في الحرم]

(6)

. ومنْ قالَ بالثاني ألحقَ كلَّ ما لا يؤكلُ إلَّا ما نُهِيَ عنْ قتلِه. وهذا قدْ يجامع الأولَ. ومَنْ قالَ بالثالثِ [خَصَّ]

(7)

الإلحاقَ بما يحصلُ منهُ الإفسادُ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري.

قلتُ: ولا يخفى أنَّ هذهِ العللَ لا دليلَ عليْها فيبعدُ الإلحاقُ لغيرِ المنصوصِ بهَا، والأحوطُ عدمُ الإلحاقِ، وبهِ قالتِ الحنفيةُ إلَّا أنَّهم ألحقُوا الحيةَ لثبوتِ الخبرِ، والذئبَ لمشاركتِه للكلبِ في الكلبيةِ، وألحقُوا بذلكَ من ابتدأَ بالعدوانِ والأذى منْ غيرِها. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ

(8)

: والتعديةُ بمعنَى الأذى إلى كلِّ مؤذٍ قويٍّ [بالإضافة]

(9)

إلى تصرفِ أهلِ القياسِ فإنهُ ظاهرٌ منْ جهةِ الإيماءِ بالتعليلِ بالفِسقِ وهوَ الخروجُ عن الحدِّ، انتهَى.

قلتُ: ولا يخْفَى أنه قدِ اختُلِفَ في تفسيرِ فِسْقِها على ثلاثةِ أقوالٍ كما عرفتَ فلا يتمُّ تعيينُ واحدٍ منْها علةً بالإيماءِ، فلا يتمُّ الإلحاقُ بهِ، وإذا جازَ قتلُهنَّ للمحرم جازَ للحلالِ بالأَوْلَى وقدْ وردَ بلفظِ:"يُقْتَلْنَ في الحلِّ والحَرَمِ" عندَ مسلم

(10)

، وفي لفظٍ:"ليسَ على المحرمِ في قتلهنَّ جُناحٌ"

(11)

؛ فدلَّ أنهُ يقتلُها

(1)

سورة الكهف: الآية 50.

(2)

في النسخة (أ): "قتله".

(3)

سورة الأنعام: الآية 145.

(4)

سورة الأنعام: الآية 121.

(5)

هذا أظهر الوجوه وأولاها، وما عداه تكلُّف.

(6)

في النسخة (أ): "للحلال وفي الحل".

(7)

في النسخة (أ): "يخص".

(8)

في كتابه: "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام"(3/ 33).

(9)

في النسخة (ب): "بالنظر".

(10)

في "صحيحه"(66/ 1198) من حديث عائشة.

(11)

أخرجه ابن خزيمة (4/ 190 رقم 2666) من حديث أبي هريرة. والبخاري رقم (1826)، =

ص: 205

المحرِمُ في الحرمِ وفي الحلِّ بالأَوْلَى. وقولُه: "يُقْتَلْنَ" إخبارٌ بحلِّ قتلها.

وقدْ وردَ بلفظِ الأمرِ، وبلفظِ نفي الجناحِ، ونفي الحرجِ على قاتِلهنَّ؛ فدلَّ على حملِ الأمرِ علَى الإباحةِ. وأطلقَ في هذهِ الروايةِ لفظَ الغرابِ، [وقيَّدَ]

(1)

عندَ مسلمٍ

(2)

منْ حديثِ عائشةَ بالأبقعِ، وهوَ الذي في ظهرِه أو بطْنِه بياضٌ، فذهبَ بعضُ أئمةِ الحديثِ إلى تقييدِ المطلقِ بهذَا، وهيَ القاعدةُ في حملِ المطلقِ على المقيَّدِ. والقدحُ في هذه الزيادةِ بالشذوذِ، وتدليسِ الراوي مدفوعٌ بأنهُ صرَّحَ الراوي بالسماعِ فلا تدليسَ، وبأنَّها زيادةٌ منْ عدلٍ ثقةٍ حافظٍ فلا شذوذ.

قالَ المصنفُ: قدِ اتفقَ العلماءُ على إخراجِ الغرابِ الصغيرِ الذي يأكلُ الحبَّ ويقالُ له غرابُ الزرع [ويقال له الزارع، وأفتوا]

(3)

بجوازِ أكلِه، فبقيَ ما عداهُ من الغربانِ ملحقًا بالأبقعِ. والمرادُ بالكلبِ هوَ المعروفُ، وتقييدُه بالعقورِ يدلُّ على أنهُ لا يقتلُ غيرُ العقورِ. ونقلَ عنْ أبي هريرةَ تفسيرُ الكلبِ العقورِ بالأسدِ، وعنْ زيدِ بن أسلم [تفسيرُه]

(4)

بالحيةِ، وعنْ سفيانَ أنهُ الذئبُ خاصةً. وقالَ مالكٌ رحمه الله: كلَّ ما عقرَ الناسَ وأخافَهم وعدَا عليْهم مثلُ الأسدِ والنمرِ والفهدِ والذئبِ هوَ الكلبُ العقورُ، ونُقِلَ عنْ سفيانَ وهو قولُ الجمهورِ، واستدلَّ لذلكَ بقولِه صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ سلِّطْ عليه كلْبًا منْ كلابِك" فقتلَه الأسدُ، وهو حديثٌ حسنٌ أخرجهُ الحاكم

(5)

.

‌جواز الحجامة للمحرم

10/ 690 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(6)

. [صحيح]

= ومسلم (1199) من حديث ابن عمر.

(1)

في النسخة (أ): "وقيده".

(2)

في "صحيحه"(67/ 1198).

(3)

في النسخة (ب): "وقد احتجوا".

(4)

زيادة من النسخة (ب).

(5)

في "المستدرك"(2/ 539) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.

(6)

البخاري (1835)، ومسلم (1202).

قلت: وأخرجه أبو داود (1835)، والترمذي (839)، والنسائي (5/ 193)، وابن ماجه (3081)، والدارمي (2/ 37)، وأحمد (1/ 90).

ص: 206

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجمَ وهوَ مُحرِمٌ)؛ وذلكَ في حجةِ الوداعِ بمحلٍّ يقالُ لهُ لُحَى، جَبَلٌ بينَ مكةَ والمدينةِ (متفقٌ عليه). دلَّ على جوازِ الحجامةِ للمُحرمِ، وهوَ إجماعٌ في الرأسِ وغيرِه إذا كانَ لحاجةٍ، فإنْ قطع منَ الشعرِ شيئًا كانَ عليهِ فديةُ الحلقِ، وإنْ لم يقطع فلا فديةَ عليهِ.

وإنْ كانتِ الحجامةُ لغيرِ عُذْرٍ، فإنْ كانتْ في الرأسِ حَرُمَتْ إنْ قُطِعَ معَها شعرٌ لحرمةِ قطعِ الشعرِ، وإنْ كانتْ في موضعٍ لا شعْرَ فيهِ فهيَ جائزةٌ عندَ الجمهورِ ولا فديةَ، وكرهَهَا قومٌ. وقيلَ: تجبُ فيها الفديةُ. وقدْ نبَّهَ الحديثُ على قاعدة شرعيةٍ، وهيَ أنَّ محرماتِ الإحرامِ منَ الحلقِ وقتلِ الصيدِ ونحوهما تباحُ للحاجةِ وعليه الفديةُ، فمنِ احتاجَ إلى حلقِ رأسِه، أو لبسِ قميصِه مثلًا لحرٍّ، أو بردٍ، أُبيحَ لهُ ذلكَ ولزمْته الفديةُ، وعليهِ دلَّ قولُه تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ}

(1)

الآية. [وقد]

(2)

بيَّنَ قَدْرَ الفديةِ الحديثُ:

11/ 691 - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْقُمَّلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ:"مَا كنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أتجِدُ شَاةً؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ:"فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(3)

. [صحيح]

وهو قولُه: (وعنْ كعبِ بن عجرةَ)

(4)

بضمِّ [المهملة]

(5)

، وسكون الجيمِ، وبالراءِ، وكعبٌ صحابيٌّ جليلٌ حليفُ الأنصاري، نزلَ الكوفَةَ، وماتَ بالمدينةِ سنةَ إحدى وخمسينَ. (قالَ: حُمِلْتُ) مغيرُ الصيغةِ (إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم والقملُ يتناثرُ على وجهي فقالَ: ما كنتُ أْرَى) بضمِّ الهمزةِ، أي أظنُّ (الوجعَ بلغَ بكَ ما أرَى) بفتحِ

(1)

سورة البقرة: الآية 196.

(2)

في النسخة (ب): "و".

(3)

البخاري (1816)، ومسلم (85/ 1201).

قلت: وأخرجه أبو داود (1856)، والترمذي (953)، والنسائي (5/ 194 - 195)، ومالك (1/ 417 رقم 238).

(4)

انظر ترجمته في: "تاريخ البخاري"(7/ 220)، و "الجرح والتعديل"(7/ 160)، و "أسد الغابة"(4/ 241)، و "تهذيب التهذيب"(8/ 390)، و "شذرات الذهب"(1/ 58)، و "الإصابة"(3/ 297 رقم 7419).

(5)

في النسخة (أ): "العين".

ص: 207

الهمزةِ منَ الرؤيةِ، (أتجدُ شاةً؟، قلتُ: لا، قال: فصُم ثلاثةَ أيام أو أطعمْ ستةَ مساكينَ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. متفقٌ عليه). وفي روايةٍ للبخاريِّ

(1)

: مرَّ بي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالحديبيةِ، ورأسي يتهافتُ قملًا فقالَ:"أتؤذيكَ هوامُّك؟ "، قلتُ: نعمْ، قالَ:"احلق رأسَكَ - الحديثَ". وفيهِ فقالَ: نزلتْ فيَّ هذهِ الآيةُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ}

(2)

الآية.

وقد رُوِيَ الحديثُ بألفاظٍ عديدةٍ، وظاهرُه أنهُ يجبُ تقديمُ النُّسُكِ على النوعينِ الآخرينِ إذا وجدَ، وظاهرُ الآيةِ الكريمةِ وسائرُ رواياتِ الحديثِ أنهُ مخيَّرٌ في الثلاثِ جميعًا، ولذَا قالَ البخاريُّ

(3)

في أولِ بابِ الكفاراتِ: "خَيَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم كعبًا في الفديةِ"، وأخرجَ أبو داودَ

(4)

منْ طريقِ الشعبيِّ عن ابن أبي ليلَى، عنْ كعبِ بن عجرةَ أنهُ صلى الله عليه وسلم قالَ:"إن شئتَ فأنسكْ نسيكةً، وإن شئتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وإنْ شئتَ فأطعمْ - الحديثَ". والظاهرُ أن التخييرَ إجماعٌ. وقولُه: نصفُ صاعٍ، أخذَ جماهيرَ العلماءِ بظاهرِه إلا ما يُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ والثوريِّ أنهُ نصفُ صاعٍ منْ حنطةٍ، أو صاعٍ منْ غيرِها.

‌حُرمة مكة

12/ 692 - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:"إنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينَ، وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ كانَ قَبْلِي، وَإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأحَدِ بَعْدِي، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتهَا إلا لِمُنْشِدٍ، وَمَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإنَّا نَجْعَلُهُ في قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ:"إلا الإذْخِرَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(5)

. [صحيح]

(1)

في "صحيحه"(1815).

(2)

سورة البقرة: الآية (196).

(3)

في "صحيحه"(6/ 2467/ 87 كتاب كفارات الأيمان) ترقيم: البغا.

(4)

في "السنن"(1857).

(5)

البخاري (2434)، ومسلم (447/ 1355)، وأبو داود (2017).

ص: 208

(وعنْ أبي هريرةَ قالَ: لما فتحَ اللهُ على رسولِه صلى الله عليه وسلم)[أراد بهِ فتحَ مكةَ وأطلقه لأنهُ المعروفُ]

(1)

، (قامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الناسِ) أي: خاطِبًا، وكانَ قيامُه ثانيَ الفتح، (فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ ثمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ حبسَ عنْ مكةَ الفيلَ)، تعريفًا لهم بالمنَّةِ التي مَنَّ اللهُ تعالى بها عليْهم، وهي قصةٌ معروفةٌ مذكورةٌ في القرآنِ، (وسلَّط عليها رسوله والمؤمنينَ) ففتحُوها عُنوةً، (وإنَّها لم تحلَّ لأحدٍ كانَ قبلي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً منْ نهارٍ)؛ هي ساعةَ دخولِه إيَّاها، (وإنَّها لا تحلُّ لأحدٍ بعدي فلا يُنَفَّرُ) بالبناءِ للمجهولِ (صيدُها)، أي: لا يزعجُه أحدٌ، ولا ينحِّيهِ عنْ موضعهِ، (ولا يُخْتَلَى) بالخاءِ المعجمةِ مبنيٌّ للمجهولِ أيضًا (شوكُها)، أي: لا يُؤْخَذُ [ويُقْطَعُ]

(2)

، (ولا [تحلُّ ساقطتُها])

(3)

أي: لقطتُها، وهوَ بهذَا اللفظِ في روايةٍ، (إلا لمنشدٍ) أي: معرِّف [بها]

(4)

، يقالُ لهُ: منشدٌ، [ولطالبها]

(5)

: ناشدٌ، (ومَنْ قُتِلَ له قتيلٌ فهوَ بخيرِ النظرينِ)؛ إما أخذُ الديةِ، أو قتلُ القاتلِ. ([فقال]

(6)

العباسُ: إلا الإذخرَ يا رسولَ اللهِ) بكسرِ الهمزةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ، فخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ، نَبْتٌ معروفٌ طيبُ الرائحةِ، (فإنا نَجعلُه في قبورِنا وبيوتِنا، فقال: إلا الإذخرَ. متفقٌ عليه). فيه دليلٌ على أن فتحَ مكةَ عنوةً لقولِه: "لم تحلّ".

[وقوله: "سلَّطَ عليها"، وقوله

(7)

: "ولا تحلُّ"، وعلى ذلكَ الجماهيرُ. وذهبَ الشافعيُّ رحمه الله إلى أنَّها فتحتْ صلحًا [مستدلًّا بأنه]

(8)

صلى الله عليه وسلم لم يقسمْها على الغانمينَ كما قسمَ خيبرَ، وأجيبَ [عنهُ]

(9)

بأنهُ صلى الله عليه وسلم مَنَّ على أهلِ مكةَ، وجعلَهمُ الطلقاءَ، وصانَهم عن القتلِ والسبي للنساءِ والذرية، واغتنام الأموالِ، إفضالًا منهُ على قرابتِه وعشيرتِه. وفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يحلُّ لأحدٍ القتال بعدَه صلى الله عليه وسلم بمكةَ.

قالَ الماورديُّ

(10)

: منْ خصائصِ الحرمِ أنهُ لا يُحَاربُ أهلُه وإنْ بَغَوْا على أهلِ العدلِ. وقالتْ طائفةٌ بجوازِه، وفي المسْألةِ خلافٌ. وتحريمُ القتالِ فيها هوَ

(1)

في النسخة (أ): "أي فتح مكة".

(2)

في النسخة (أ): "ولا يقطع".

(3)

في النسخة (أ): "يحل ساقطها".

(4)

في النسخة (ب): "لها".

(5)

في النسخة (ب): "وطالبها".

(6)

في النسخة (أ): "قال".

(7)

زيادة من النسخة (ب).

(8)

في النسخة (ب): "لأنه".

(9)

زيادة من النسخة (ب).

(10)

ذكره ابن دقيق في "إحكام الأحكام"(3/ 25).

ص: 209

الظاهرُ. قالَ القرطبيُّ: ظاهرُ الحديثِ يقتضي تخصيصُه صلى الله عليه وسلم بالقتالِ لاعتذارِه عنْ ذلكَ الذي أُبِيحَ لَهُ، معَ أنَّ أهلَ مكةَ كانُوا إذْ ذاكَ مستحقينَ للقتال، لصدِّهم عن المسجدِ الحرامِ، وإخراج أهلهِ منهُ، وكفرِهم. وقالَ بهِ غيرُ واحدٍ منْ أهلِ العلمِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ

(1)

: يَتأكدُ القولُ بالتحريمِ بأنَّ الحديثَ دلَّ على أن المأذونَ فيهِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يُؤذَنْ فيهِ لغيرِه، ويؤيدُه قولُه صلى الله عليه وسلم:"فإنْ ترخصَ أحدٌ لِقِتَالِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لرسولِهِ ولم يأذنْ لكمْ"

(2)

، فدلَّ أن حلَّ القتالِ فيها مِنْ خصائِصه صلى الله عليه وسلم. ودلَّ على تحريمِ تنفيرِ صيدِها، وبالأَوْلَى تحريمُ قتلِه، وعلى تحريمِ قطع شوكِها، ويفيدُ تحريمُ قطعِ مَا لَا يؤذي بالأَولَى. ومنَ العجبِ أنهُ ذهبَ الشافعيُّ

(3)

إلى جوازِ قطعِ الشوكِ منْ فروعِ الشجرِ كما نقلَه عنهُ أبو ثورٍ، وأجازَهُ جماعةٌ غيرُه، ومنْهمُ الهادويةُ

(4)

، وعلَّلُوا ذلكَ بأنهُ يؤذي فأشبهَ الفواسقَ.

قلتُ: وهذا منْ تقديمِ القياسِ على النصِّ، وهوَ باطلٌ، على أنكَ عرفتَ أنهُ لم يتم دليلٌ [على]

(5)

أن علةَ قتلِ الفواسقِ هوَ الأذيةُ. واتفقَ العلماءُ على تحريمِ قطعِ أشجارِها التي لم ينبتْها الآدميونَ في العادةِ، وعلى تحريمِ قطعِ خَلَاها، وهوَ الرطبُ منَ الكلأ، فإذا يبسَ فهوَ الحشيشُ. واختلفُوا فيما ينبتُه الآدميونَ، فقالَ القرطبيُّ: الجمهورُ على الجوازِ. وأفادَ أنَّها لا تحلُ لُقَطَتُها إلا لمنْ يعرِّفُ بها أبدًا ولا يتملَّكُها، وهوَ خاصٌّ بلقطةِ مكةَ، وأما غيرُها فيجوزُ أنْ يلتقطَها بنيةِ التملُّكِ بعدَ التعريفِ بها سنةً، ويأتي ذكرُ الخلافِ في المَسْألةِ في بابِ اللقطة

(6)

[إنْ شاءَ اللهُ تعالَى]

(7)

. وفي قولِه: "ومنْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ فهوَ بخيرِ النظرينِ

(8)

دليلٌ على أن الخيارَ للوليِّ، ويأتي الخلافُ في ذلكَ في بابِ الجناياتِ

(9)

.

(1)

في "إحكام الأحكام"(3/ 26).

(2)

وهو جزء من حديث أبي شريح العدوي. أخرجه البخاري (رقم: 104 - البغا)، ومسلم (1354).

(3)

انظر: "المجموع للنووي"(7/ 448).

(4)

انظر: "التاج المذهب"(1/ 285).

(5)

زيادة من النسخة (ب).

(6)

رقم الباب (19) من كتاب البيوع (7).

(7)

زيادة من النسخة (ب).

(8)

وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (2434 - عبد الباقي)، ومسلم (1355).

(9)

بل هو كتاب الجنايات رقم (11).

ص: 210

وقولُه: "نجعلُه في قبورِنا"، أي: نسدُّ بِه خللَ الحجارةِ التي تُجْعَلُ على اللَّحدِ، وفي البيوتِ كذلكَ يجعلُ فيما بينَ الخشبِ على السقوفِ. وكلامُ العباسِ يحتملُ أنهُ شفاعةٌ إليه صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أنهُ اجتهادٌ منهُ لما عُلِمَ منْ أن العمومَ غالبهُ التخصيصُ، كأنهُ يقولُ هذا مما تدعُو إليه الحاجةُ، وقدْ عهدَ منَ الشرعيةِ عدمُ الحرجِ فقرَّرَ صلى الله عليه وسلم كلامَه. واستثناؤُه إما بوحيٍ أو اجتهادٍ منهُ صلى الله عليه وسلم.

‌يحرم من المدينة ما يحرم من مكة

13/ 693 - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ بن عَاصِمٍ رضي الله عنه أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنْ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وإنِّي دَعَوْتُ في صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لأهْلِ مَكَّة"، متَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعن عبدِ اللهِ بن زيدِ بن عاصمٍ رضي الله عنه أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ)، وفي روايةٍ:"إنَّ اللَّهَ حرَّمَ مكةَ". ولا منافاةَ، فالمرادُ أن اللَّهَ حكمَ بحرمتِها، وإبراهيمُ أظهرَ هذا الحكمَ على العبادِ، (ودَعَا لأهلِها) حيثُ قالَ:{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}

(2)

، وغيرُها من الآيات، (وإني حرمتُ المدينةَ) هي عَلَمٌ بالغلبةِ لمدينتهِ صلى الله عليه وسلم التي هاجرَ إليها فلا يتبادرُ عندَ إطلاقِ لفظِها إلَّا هيَ، (كما حرَّمَ إبراهيمُ مكةَ، وإني دعوتُ في صاعِها ومُدِّها) أي: فيما يُكالُ بهما لأنَّهما مكيالانِ معروفانِ (بمثلِ ما دعا إبراهيمُ لأهلِ مكة. متفقٌ عليهِ).

المرادُ [من تحريم]

(3)

مكةَ تأمينُ أهلِها منْ أنْ يقاتَلُوا، وتحريمِ منْ [يدخلها]

(4)

لقولِه تعالَى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}

(5)

، وتحريمِ صيدِها، وقطعِ شجرِها، وعضدِ شوكِها. والمرادُ منْ تحريمِ المدينةِ تحريمُ صيدِها وقطعُ شجرِها ولا يحدثُ فيها حدثٌ. وفي تحديدِ حرمِ المدينةِ خلافٌ وردَ تحديدُه بألفاظٍ كثيرةٍ، ورجَّحتْ روايةُ:"ما بَيْنَ لابَتَيْهَا"

(6)

لتواردِ الرواةِ عليها.

(1)

البخاري (2129)، ومسلم (1360).

(2)

سورة البقرة: الآية 126.

(3)

في النسخة (أ): "بتحريم".

(4)

في النسخة (أ): "دخلها".

(5)

سورة آل عمران: الآية 97.

(6)

أخرجه البخاري (1873)، ومسلم (1372). من حديث أبي هريرة.

ص: 211

14/ 694 - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ عليٍّ صلى الله عليه وسلم قالَ: قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: المدينةُ حرامٌ ما بينَ عَيرٍ) بالعينِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فراءٍ، جبلٌ بالمدينةِ (إلي ثورٍ. رواهُ مسلمٌ). ثورٌ بالمثلثةِ، وسكونِ الواوِ، وآخرُه راءٌ. في القاموسِ

(2)

: إنهُ جبلٌ بالمدينةِ.

قالَ: وفيهِ الحديثُ الصحيحُ، وذكرَ هذا الحديث ثمَّ قالَ: وأمَّا قولُ أبي عبيدِ القاسمِ بن سلامِ وغيرِه منَ الأكابرِ الأعلامِ: إنَّ هذَا تصحيفٌ والصوابُ إلى أُحُدٍ لأنَّ ثورًا إنَّما هوَ بمكةَ فغير جيدٍ، لما أخبرني الشجاعُ الثعلبيُّ الشيخُ الزاهدُ عن الحافظ أبي محمدِ بن

(3)

عبدِ السلامِ البصريِّ أن حذاءَ أُحُدِ جانحًا إلى ورائِه جبلًا صغيرًا يقالُ لهُ ثورٌ، وتكررَ سؤالي عنهُ طوائفَ منَ العربِ العارفينَ بتلكَ الأرض، فكلٌّ أخبرني أن اسمَه ثورٌ، ولما كُتِبَ إلى الشيخ عفيفِ الدينِ المطري عنْ والدِه الحافظِ الثقةِ قالَ: إنَّ خلفَ أُحُدٍ عنْ شمالِه جبلًا صغيرًا مدوَّرًا يسمَّى ثورًا يعرفُه أهلُ المدينةِ خلَفٌ عنْ سلفِ، انتهَى.

وهوَ لا ينافي حديثَ: "ما بينَ لابَتيْها"

(4)

، لأنَّهما حرَّتانِ يكتنفانِها كما في القاموس. وعيرٌ وثورٌ مكتنفانِ المدينةِ، [فحديثُ عيرٍ وثورٍ يفسرُ اللَّابتينِ]

(5)

.

* * *

(1)

في "صحيحه"(1370).

قلت: وأخرجه البخاري (1870). والبغوي في "شرح السنة"(7/ 307 رقم 2009)، وأبو داود (2034)، والترمذي (2127).

(2)

المحيط (ص 459).

(3)

الذي في "وفاء الوفاء": أبي محمد عفيف الدين عبد السلام بن مرزوع البصري. (من حاشية المطبوع).

(4)

أخرجه البخاري (1873)، ومسلم (1372)، من حديث أبي هريرة.

(5)

زيادة من (ب).

ص: 212

[الباب الخامس] بابُ صفةِ الحجِّ ودخولِ مكةَ

أراد بهِ بيانَ المناسكِ والإتيانَ بها مرتبةً، وكيفيةَ وقوعِها، وذكرَ حديثَ جابرٍ وهوَ وافٍ بجميعِ ذلكَ.

1/ 695 - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حجَّ فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتى إذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَالَ:"اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي"، وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ:"لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، حَتى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ، "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَرَقَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ وَقَالَ:"لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هذَا ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى إلى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ -.

وَفِيهِ: فَلَمّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتى طَلَعَتِ

ص: 213

الشَّمْسُ، فَأجَازَ حَتَّى أتَى عَرَفَةَ. فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى إِذَا زَالتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْوَاء إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتى غَابَ الْقُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتى إنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبَ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، السكِينَةَ، السكِينَةَ"، كلَّمَا أَتى حَبْلًا أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ودَعَا، وَكَبَّرَ، وَهَلَّلَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حتى أَتى الْجَمْرَةَ الَّتي عِنْدَ الشَّجَرةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى المَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. رَوَاهُ مِسْلِمٌ مُطَوَّلًا

(1)

. [صحيح].

(عنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ رضي الله عنهما أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حجَّ)؛ عبَّرَ بالماضي لأنهُ رَوَى ذلكَ بعدَ تقضي الحجِّ حينَ سألهُ عنهُ محمدُ بنُ عليّ بن الحسينِ رضي الله عنهم كما في صحيحِ مسلمٍ، (فخرجْنا معهُ) أي: منَ المدينةِ، (حتَّى [إذا]

(2)

أتيْنا ذا الحليفة

(1)

في "صحيحه"(147/ 1218).

قلت: وأخرجه أبو داود (1905). والنسائي (5/ 235 - 236)، وابن ماجه (3074)، والترمذي رقم (862) وغيرهم بلفظ:"نبدأ" بالنون.

(2)

زيادة من النسخة: (ب).

ص: 214

فولدتْ أسماءُ بنتُ عميسٍ) بصيغةِ التصغيرِ، امرأةُ أبي بكرٍ، يعني محمد بن أبي بكر، (فقالَ) أي النبيُّ صلى الله عليه وسلم:(اغتسلي واستثفري) بسينٍ مهملةٍ، فمثناةٍ فوقيةٍ [فمثلثةٍ فراءٍ]

(1)

هوَ شدُّ المرأةِ على وسطِها شيئًا، ثم تأخذُ خرقةً عريضةً تجعلُها في محلِّ الدم، وتشدُّ طرفيْها منَ ورائِها ومن قُدَّامِها إلى ذلكَ الذي شدَّته في وسطِها. وقولُه:(بثوب) بيانُ لما تستثفرُ بهِ، (وأحرمي) فيهِ أنهُ لا يمنعُ النفاسُ صحةَ عقدِ الإحرامِ (وصلَّى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم[في المسجدِ)، مسجد ذي الحليفة]

(2)

أي: صلاةَ الفجرِ، كذا ذكرهُ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ

(3)

. والذي في الهدي النبوي

(4)

أنَّها صلاةُ الظهر وهوَ الأوْلى لأنهُ صلى الله عليه وسلم صلَّى خمسَ صلواتٍ بذي الحليفةِ الخامسةُ هي الظهرُ

(5)

، وسافرَ بعدَها [في المسجد]

(6)

، (ثمَّ ركبَ القصواءَ) بفتحِ القافِ فصادٍ مهملةٍ فواوٍ فألفٍ ممدودةٍ - وقيلَ: بضمِّ القافِ مقصورٌ وخُطِّئ مَن قالَه - لَقَبٌ لناقتِه صلى الله عليه وسلم، (حتَّى إذا استوتْ بهِ علي البيداءِ) اسم محلٍّ (أَهَلَّ) رفَعَ صوتَه (بالتوحيدِ) أي إفرادِ التلبيةِ للَّهِ وحدَه بقولِه:(لبيكَ اللَّهمَّ لبيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبيكَ). وكانت الجاهليةُ تزيدُ في التلبيةِ: إلَّا شريكًا هوَ لكَ تملكُه وما ملكَ، (إنَّ الحمدَ) بفتحِ الهمزةِ وكسرِها والمعنَى واحدٌ وهوَ التعليلُ (والنعمة لك والملك، لا شريك لك)[وأهلَّ الناس بهذا اللفظ الذي يهلُّون به فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منهم، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته]

(7)

، (حتَّى إذا أتيْنا البيتَ استلمَ الركنَ) أي مسحهُ بيدِه، [والمراد]

(8)

بهِ الحجرَ الأسودَ وأطلقَ الركنَ عليهِ لأنهُ قدْ غلبَ على اليماني، (فرملَ) أي: في طوافِه بالبيتِ أي أسرعَ في [مشيِه]

(9)

مهرولًا [فيما عدا الركنين اليمانيين فقط، فإنه مشى فيما بينهما كما يأتي حديث ابن عباس قريبًا]

(10)

،

(1)

في النسخة (ب): "ثم راء".

(2)

زيادة من النسخة (أ).

(3)

(8/ 93).

(4)

لابن القيم (9/ 152).

(5)

يشير المؤلف رحمه الله إلى الحديث الذي أخرجه النسائي (5/ 127)، ورجاله ثقات من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهر بالبيداء ثم ركبَ وصعدَ جبل البيداء فأهلَّ بالحج والعمرة حين صلَّى الظهر.

(6)

زيادة من النسخة (ب).

(7)

زيادة من النسخة (أ).

(8)

في النسخة (ب): "وأراد".

(9)

في النسخة (أ): "مشيته".

(10)

زيادة من النسخة (أ).

ص: 215

(ثلاثًا) أي مراتٍ (ومشى أربعًا، ثمَّ أتَى مقامَ إبراهيمَ فصلَّى) ركعتي الطواف (ثم رجعَ إلى الركن فاستلمهُ، ثمَّ خرجَ من البابِ) أي: بابِ الحرمِ (إلي الصَّفَا فلمَّا دَنَا)[أي]

(1)

قربَ (منَ الصَّفا قرأَ: إن الصفَا والمروةَ منْ شعائِرِ اللهِ، أبدأُ) في الأخذِ في السعي (بما بَدأ اللَّه به، فرقَى) بفتحِ القافِ (الصفَا حتَّى رأى البيتَ فاستقبلَ القبلةَ فوحَّدَ اللَّهَ وكبَّرَهُ) وبيَّنَ ذلكَ بقولِه: (وقال: لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا اللهُ، أنجزَ وعدَه) بإظهارِه تعالى للدِّينِ، (ونَصرَ عبدهُ) يريدُ بهِ نفسَه صلى الله عليه وسلم، (وهزمَ الأحزابَ) في يومِ الخندقِ (وحدَه) أي: منْ غيرِ قتالِ من الآدميينَ، ولا سببَ لانهزامِهم كما أشارَ إليه قولُه تعالى:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}

(2)

، أو المرادُ كلُّ من تحزَّبَ لحربِه صلى الله عليه وسلم فإنهُ هزمَهم، (ثم دعا بينَ ذلكَ - قال مثل هذا - ثلاثَ مراتٍ). دلَّ أنهُ كررَ الذكرَ المذكورَ ثلاثًا، (ثمَّ نزلَ) منَ الصَّفا منتهيًا (إلي المروةِ حتَّى انصبتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سعى) قالَ عياضُ: فيهِ إسقاطُ لفظةٍ لا بدَّ منها وهيَ حتَّى انصبتْ قدماهُ فرملَ في بطنِ الوادي، فسقطَ [لفظ]

(3)

رملَ، قالَ: وقدْ ثبتَتْ هذهِ اللفظةُ في روايةِ لمسلمٍ، وكذا ذكرَها الحميديُّ في الجمْعِ بينَ الصحيحينِ، (حتَّى إذا صعدَ) منْ بطنِ الوادي (مشَى إلى المروةِ ففعلَ على المروةِ كما فعلَ على الصَّفَا) منْ استقبالِه القبلةَ إلى آخر ما ذكرَ (فذكرَ) أي جابرٌ (الحديثَ) بتمامِه واقتصرَ المصنفُ على محلِّ الحاجةِ. (وفيه) أي في الحديث:(فلمَّا كانَ يومُ الترويةِ) بفتح المثناةِ الفوقية، فراءِ وهوَ الثامنُ منْ شهرِ ذي الحجة، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهم [كانوا]

(4)

يتروونَ فيهِ إذا لم يكنْ بعرفةَ ماءٌ، (توجَّهوا إلي منَى وركبَ صلى الله عليه وسلم فصلَّى بها الظهرَ، والعصرَ، والمغربَ، والعشاءَ، والفجرَ، ثمَّ مكثَ) بفتحِ الكافِ، ثم مثلثةٍ، لبثَ (قليلًا) أي بعدَ [صلاة الفجرِ]

(5)

(حتَّى طلعتِ الشمسُ، فأجازَ) أي: جاوزَ المزدلفةَ ولم يقفْ بها، (حتى أتى عرفةَ) أي: قَرُبَ منْها لا أنهُ دخلَها بدليلِ (فوجدَ القبةَ) خيمةً صغيرةً (قد ضُربت له بِنَمِرةَ)؛ بفتح النون، وكسر الميم، فراءٍ فتاءِ تأنيث؛ محلٌّ معروفٌ (فنزلَ بها)، فإنَّ نمرةَ ليستْ منْ عرفاتٍ،

(1)

زيادة من النسخة (ب).

(2)

سورة الأحزاب: الآية 9.

(3)

في النسخة (أ): "لفظة".

(4)

زيادة من النسخة (أ).

(5)

في النسخة (أ): "الصلاة".

ص: 216

(حتى إذا زالت الشمسُ أمرَ بالقصواءِ فرحِّلتْ لة) مغيَّرُ صيغةٍ مخففُ الحاءِ المهملةِ أي: وضعَ عليها رحلَها، (فأتى بطنَ الوادي) وادي عرفةَ (فخطبَ الناسَ، ثمَّ أذَّنَ ثمَّ أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ) جمعًا منْ غيرِ أذانٍ (ولمْ يصلِّ بينَهما شيئًا، ثمَّ ركبَ حتَّى أتى الموقفَ، فجعلَ بطنَ ناقتِه القصواءَ إلى الصخراتِ، وجعلَ حبلَ)؛ فيهِ ضبطانِ بالجيم والحاءِ المهملةِ والموحدةِ، إما مفتوحةً أو ساكنةً (المشاةِ) وبها ذكرهُ في النهايةِ

(1)

، وفسَّرهُ بطريقِهم الذي يسلكونَه في الرمل. وقيلَ أرادَ صفَّهم ومجتمعهم في مشيهِم تشبيهًا بحبلِ الرملِ (بين يديهِ، واستقبلَ القبلةَ فلم يزلْ واقفًا حتَّى غربتِ الشمسُ وذهبتِ الصفرةُ [قليلًا]

(2)

، حتى غابَ القرصُ). قال في شرحِ مسلمٍ

(3)

: هكذَا في جميعِ النسخ، [وكذا]

(4)

نقله القاضي [عنْ]

(5)

جميعِ النسخِ قالَ: قيلَ: صوابُه حينَ غابَ القرصُ قالَ: ويحتملُ أنْ يكونَ قولُه: حتَّى غابَ القرصُ بيانًا لقولِه غربتِ الشمسُ، وذهبتِ الصفرةُ فإنَّ هذهِ قدْ تطلقُ مجازًا على مغيبِ معظمِ القرصِ فأزالَ ذلكَ الاحتمالَ بقولِه: حتَّى غابَ القُرصُ (ودفعَ، وقد شنقَ) بتخفيفِ النونِ، ضمَّ وضيَّق (للقصواءِ الزمامَ، حتَّى إنَّ رأسَها ليصيبُ مَورِكَ)[بفتح]

(6)

الميمِ، وكسرِ الراءِ، (رحلِه) بالحاءِ المهملةِ الموضعُ الذي يُثني الراكبُ رجله عليه قدامَ وسط الرحْلِ إذا ملَّ منَ الركوبِ، (ويقولُ بيدِه اليمني) أي: يشيرُ بها قائلًا: (يا أيُّها الناسُ السَّكينةَ السَّكينةَ) بالنصب، أي الزمُوا، (وكلما أتى حبلًا) بالمهملةِ وسكونِ الموحدةِ منْ حبالِ الرملِ، وحبلُ الرملِ ما طالَ منه وضخم (أرخَى لها قليلًا حتَّى تصعدَ) بفتحِ المثناةِ وضمِّها، يقالُ صَعِدَ وأصعدَ، (إذا أَتَى المزدلفة فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ ولم يسبِّحْ) أي لم يصلِّ (بينهما شيئًا) أي نافلةً:(ثم اضطجعَ حتَّى طلعَ الفجرُ فصلَّى الفجرَ حين تبينَ لهُ الصبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى المشعرَ الحرامَ)، وهوَ جبلٌ معروفٌ في المزدلفةِ يقالُ لهُ: قُزَحٌ بضمِّ القافِ، وفتحِ الزايِ، وحاءٍ مهملةٍ، (فاستقبلَ القبلةَ [ودعا]

(7)

، وكبَّرَ، وهلَّلَ، فلم يزلْ

(1)

(1/ 333).

(2)

زيادة من النسخة (ب).

(3)

(8/ 186).

(4)

في النسخة (أ): "هكذا".

(5)

في النسخة (ب): "من".

(6)

في النسخة (أ): "بتخفيف".

(7)

في النسخة (ب): "فدعا".

ص: 217

واقفًا حتَّى أسفرَ) أي: الفجرُ (جِدًا) بِكسرِ الجيمِ إسفارًا بليغًا، (فدفَع قبلَ أن تطلعَ الشمسُ حتَّى أتَى بطنَ مُحَسِّرِ) بضمِّ الميمِ، وفتحِ المهملة، وكسرِ السينِ المشددةِ المهملةِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّ فيلَ أصحابِ الفيلِ حَسِرَ [هنالك]

(1)

، أي كلَّ وأعيا (فحرَّكَ قليلًا) أي: حرَّك لدابتهِ لتسرعَ في المشي، وذلك مقدارَ مسافة رميةِ حجرٍ، (ثمَّ سلكَ الطريقَ الوسطَى) وهي غيرُ الطريقِ التي ذهبَ فيها إلى عرفاتٍ (التي تخرجُ على الجمرةِ الكُبْرَى)، وهي جمرةُ العقبةِ (حتَّى أَتَى الجمرةَ التي عندَ الشجرةِ)، وهيَ حدٌّ لِمِنَى [وليستْ]

(2)

منْها، والجمرةُ اسمٌ لمجتَمَع الحصَى، سُمِّيَتْ بذلكَ لاجتماعِ الناسِ. يقالُ أجمرَ بنو فلانٍ إذا اجتمعُوا، (فرماها بسبعِ حصياتٍ يكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ منْها، كلُّ حصاة مثلُ حَصَى الخذفِ)، وقدْرُه مثلُ حبة الباقلاء (رَمَي منْ بطنِ الوادي) بيانٌ لمحلِّ الرَّمي، (ثمَّ انصرفَ إلى المنحرِ فنحرَ، ثمَّ ركبَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأفاضَ إلى البيتِ فصلَّى بمكةَ الظهرَ)، فيهِ حذفٌ أي: فأفاضَ إلى البيتِ فطافَ بهِ طوافَ الإفاضةِ، ثمَّ صلَّى الظهرَ. وهذَا يعارضُه حديثُ ابن عمرَ:"أنهُ صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهرَ يومَ النحرِ بمنَى"

(3)

. وجُمِعَ بينَهما بأنهُ صلى الله عليه وسلم صلَّى بمكةَ ثمَّ أعادهُ بأصحابِه جماعةً بِمِنَى لينالُوا فضلَ الجماعةِ خلْفَهُ

(4)

. (رواهُ مسلمٌ مطوَّلًا)، وفيهِ زياداتٌ حَذَفَها المصنفُ، واقتصرَ على محلِّ الحاجةِ هُنَا.

(واعلمْ) أن هذَا حديثٌ عظيمٌ مشتملٌ على جُمَلٍ منَ الفوائدِ، ونفائسَ منْ مهمَّاتِ القواعدِ. قال [القاضي]

(5)

عياضُ: قدْ تكلَّمَ الناس على ما فيهِ منَ الفقهِ وأكثَرُوا، وصَنَّفَ فيهِ أبو بكرِ بن المنذرِ جُزءًا كبيرًا أخرجَ فيهِ منَ الفقهِ مائةً ونيفًا وخمسينَ نوعًا قالَ: ولو تقصَّى لزيد على هذَا العددِ [أو قريبٍ]

(6)

منهُ.

قلتُ: وليعلمَ أن الأصلَ في كلِّ ما ثبتَ أنهُ فَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم في حجِّهِ الوجوبُ لأمرينِ: أحدُهما أن أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحجِّ بيانٌ للحجِّ الذي أمرَ الله بهِ مجملًا في

(1)

في النسخة (ب): "فيه".

(2)

في النسخة (أ): "وليس".

(3)

أخرجه مسلم (1308)، وأبو داود (1998)، وأحمد (2/ 34).

(4)

وانظر كلام ابن القيم في كتابه "زاد المعاد"(2/ 280 - 283)، فقد ذكر من رجح قول جابر، وكذلك أورد ذكر من رجح قول ابن عمر، فقد أجاد وأفاد.

(5)

زيادة من النسخة (ب).

(6)

في التسخة (أ): "قريبًا" وهو خطأ.

ص: 218

القرآن، والأفعالُ في بيانِ الوجوبِ محمولةٌ على الوجوب. والثاني قولُه صلى الله عليه وسلم:"خُذُوا عني مناسكَكُم"

(1)

؛ فمنِ ادَّعى عدمَ وجوبِ شيءٍ من أفعالِهِ في الحجِّ فعليهِ الدليلُ. ولنذكرْ ما يحتملُه المختصرُ منْ فوائدِهِ ودلائِله:

ففيهِ دلالةٌ على أنَّ غسلَ الإحرامِ سنةٌ للنفساءِ والحائضِ ولغيرِهما بالأَوْلى، وعلى استثفارِ الحائضِ والنفساءِ، وعلى صحَّةِ إحرامِهما، وأنْ يكونَ الإحرامُ عَقيبَ صلاةِ فرضٍ أو نَفْلٍ فإنهُ قدْ قيلَ: إنَّ الركعتينِ اللتين أهلَّ بعدَهما فريضةُ الفجرِ، وقدَّمنا لك أن الأصح أنهما ركعتا الظهر لأنه صلَّاها قصرًا ثم أهل. وأنهُ يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ. قالَ العلماءُ: ويستحبُّ الاقتصارُ على تلبيةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلو زادَ فلا بأسَ فقدْ زادَ عمرَ رضي الله عنه:"لبيكَ ذَا النعماءِ والفضلِ الحسنِ، لبيكَ مرهوبًا منكَ ومرغوبًا إليكَ". وابنُ عمرَ رضي الله عنهما: "لبيكَ وسعديكَ، والخيرُ بيدكَ، والرغباءُ إليكَ والعملُ"، وأنسٌ رضي الله عنه:"لبيكَ حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورقًّا"، وأنهُ ينبغي للحاجِّ القدومُ أولًا مكةَ ليطوفَ طوافَ القدومِ، وأنهُ يستلمُ الركنَ قبلَ طوافِه، فيرمل في الثلاثةِ الأشواطِ الأُوَلِ، والرملُ إسراعُ المشي معَ تقاربِ الخُطا وهوَ الخَبَبُ، وهذا الرمل يفعله فيما عدا ما بين الركنين اليمانيين كما قدَّمناه، ثمَّ يمشي أربعًا على عادتِه. وأنهُ يأتي بعدَ تمامِ طوافِه مقامَ إبراهيمَ ويتلُو:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}

(2)

، ثمَّ يجعلُ المقامَ بينَهُ وبينَ البيتِ ويصلِّي ركعتينِ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على أنهُ ينبغي لكلِّ طائفٍ إذا طافَ بالبيتِ أنْ يصلِّيَ خلفَ المقامِ ركعتي الطوافِ، واختلفُوا هلْ هما واجبتانِ أمْ لا؟ فقيلَ بالوجوبِ، وقيلَ: إنْ كان الطوافُ واجبًا وجبتا وإلَّا فسنَّةٌ، وهلْ يجبانِ خلْفَ مقامِ إبراهيمَ حتْمًا أو يُجزئانِ في غيرِه؟ فقيلَ: يجبانِ خلْفَهُ، وقيلَ: يُنْدَبانِ خلفَه ولو صلَّاهُما في الحِجْرِ، أوْ في المسجِد الحرامِ، أوْ في أيِّ محلٍّ من مكة جازَ وفاتتهُ الفضيلةُ. ووردَ في القراءةِ فيهما في الأُولى بعدَ الفاتحةِ الكافرونَ، والثانيةِ بعدَها الصمدُ، رواهُ مسلمٌ

(3)

. ودلَّ على أنهُ يشرعُ لهُ

(1)

أخرجه مسلم (310/ 1297)، وأبو داود (1970)، والنسائي (5/ 270)، وابن ماجه (3023)، وأحمد (3/ 318)، والبيهقي (5/ 130)، وأبو نعيم في الحلية (7/ 226) من حديث جابر بألفاظ متقاربة.

(2)

سورة البقرة: الآية 125.

(3)

في "صحيحه"(147/ 1218).

ص: 219

الاستلامُ عندَ الخروجِ منَ المسجدِ كما فعلَه عندَ الدخولِ واتفقُوا أنَّ الاستلامَ سنةٌ، وأنهُ يسعى بعدَ الطوافِ ويبدأُ بالصَّفا

(1)

ويرقَى إلى أعلاهُ، ويقفُ عليهِ مستقبلَ القبلةِ، ويذكرُ اللَّهَ تعالى بهذا الذكرِ، ويدعُو ثلاثَ مراتٍ. وفي الموطأِ

(2)

: "حتى إذا انصبَّتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سَعَى". وقدْ قدَّمْنا لكَ أن في روايةٍ مسلمٍ سقطًا، فدلَّتْ روايةُ الموطإِ أنهُ يرملُ في بطنِ الوادي، وهوَ الذي يقالُ لهُ بينَ الميلينِ، وهوَ مشروعٌ في كلِّ مرةٍ منَ السبعةِ الأشواطِ لا في الثلاثةِ الأُولِ كما في طوافِ القدومِ بالبيتِ. وأنهُ يرقَى أيضًا على المروةِ كما رَقَى على الصَّفَا، وَيذْكرُ ويدْعُو وبتمام ذلكَ تتمُّ عمرتُه؛ فإنْ حَلَقَ أو قصَّرَ صارَ حلالًا، وهكذا فعلَ الصحابةُ الذينَ أمرَهُمْ صلى الله عليه وسلم بفسخِ الحجِّ إلى العمرةِ، وأما مَنْ كانَ قارنًا فإنه لا يحلقُ ولا يقصرُ ويبقَى على إحرامِه. ثمَّ في يومِ الترويةِ وهوَ ثامنُ ذي الحجَّةِ يحرمُ مَنْ أرادَ الحجَّ ممّن حلَّ مِنْ عمرتِه ويطلعُ هوَ ومَنْ كانَ قارِنًا إلى منىً كما قال جابرٌ:"فلمَّا كانَ يومُ التروبةِ توجَّهُوا إلى منَىً"

(3)

، أي: توجَّهَ مَنْ كانَ باقيًا علَى إحرامِه لتمامِ حجِّهِ، ومَنْ كانَ قدْ صارَ حلالًا أحرمَ وتوجَّهَ إلى مِنَى، وتوجَّهَ إليها صلى الله عليه وسلم راكبًا فنزلَ بها وصلَّى الصلواتِ الخمسِ. وفيهِ أن الركوبَ أفضلُ منَ المشي في تلكَ المواطنِ، وفي الطريقِ أيضًا، وفيهِ خلافٌ. ودليلُ الأفضليةِ فعلُه صلى الله عليه وسلم. وأنَّ السنةَ أنْ يصلِّيَ بمنَى الصلواتِ الخمسَ، وأن يبيتَ بها هذهِ الليلةَ وهي ليلةُ التاسعِ منْ ذي الحجَّةِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يخرجُوا يومَ عرفةَ منْ مِنَى إلَّا بعدَ طلوعِ الشمسِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يدخلُوا عرفاتٍ إلَّا بعدَ زوالِ الشمسِ، وأنْ يصلُّوا صلاة الظهرِ والعصرِ [جمعًا]

(4)

بعرفاتٍ؛ فإنهُ صلى الله عليه وسلم نزلَ بِنَمِرَةَ وليستْ منْ عرفاتٍ، ولمْ يدخلْ إلى الموقفِ إلَّا بعدَ الصلاتينِ، وأنْ لا يصلِّيَ بينَهما شيئًا، وأنَّ السنةَ أنْ يخطب الإمامُ الناسَ قبلَ صلاةِ العصرينِ، وهذهِ

(1)

يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (84/ 1780) من حديث أبي هريرة. وفيه: " .. فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيث، ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو".

(2)

(1/ 374)، والنسائي (5/ 243) بإسناد صحيح من حديث جابر.

(3)

وهو جزء من حديث جابر الطويل (147/ 1218).

(4)

في النسخة (ب): "جميعًا".

ص: 220

إحدى الأربعِ الخطبِ المسنونة [في الحج]

(1)

. والثانيةُ يومُ السابعِ منْ ذي الحجةِ يخطبُ عندَ الكعبةَ بعدَ صلاةِ الظهرِ، والثالثةُ يومُ النحرِ، والرابعة يومُ النفرِ الأولِ، وهوَ اليومُ الثاني من أيامِ التشريق [ويأتي الكلام عليها]

(2)

. وفي قولِه: "ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى الموقفَ إلى آخرِه" سننٌ وآدابٌ منْها:

أنهُ يجعلُ الذهابَ إلى الموقفِ عندَ فراغِه منَ الصلاتينِ.

ومنها: أن الوقوفَ راكبًا أفضلُ.

ومنها: أنْ يقفَ عندَ الصخراتِ، وهي صخراتٌ متفرشاتٌ في أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ الجبلُ الذي بوسطِ أرضِ عرفاتٍ.

ومنها: استقبالُ القبلةِ في الوقوفِ.

ومنها: أنهُ يبقَى في الموقفِ حتى تغيبَ الشمسُ، ويكونَ في وقوفِه داعيًا فإنهُ صلى الله عليه وسلم وقفَ على راحلتِه راكبًا يدعُو الله عز وجل، وكانَ في دعائِه رافعًا يديْهِ إلى صدْرِه، وأخبرَهم أن خيرَ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفةَ، وذكرَ منْ دعائِه في الموقفِ: "اللَّهمَّ لكَ الحمدُ [كالذي]

(3)

نقولُ وخيرًا مما نقولُ، اللَّهمَّ لكَ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي وإليكَ مآبي، ولكَ تراثي، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، ووسواسِ الصدرِ، وشتاتِ الأمرِ، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منْ شرِّ ما تجيءُ بهِ الريحُ"، ذكرهُ الترمذيُّ

(4)

.

ومنها: أنْ يدفعَ بعدَ تحقق [غروب الشمس]

(5)

بالسكينةِ، ويأمرَ الناسَ بها إنْ كان مُطاعًا، ويضمَّ زمامَ مركوبِه لئلا يسرعَ في المشي، إلَّا إذا أَتَى حبلًا منْ حبالِ الرمالِ أرخَاه قليلًا ليخفَّ على مركوبِه صعودُه، فإذا أَتَى المزدلفةَ نزل بها، وصلَّى المغربَ والعشاءَ جمْعًا بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، وهذا الجمعُ متفقٌ عليهِ، وإنَّما اختلف العلماء في سببهِ فقيلَ: لأنهُ نُسُكٌ، وقيلَ: [لأجلِ أنَّهم

(1)

زيادة من النسخة (أ).

(2)

زيادة من النسخة (أ).

(3)

في النسخة (أ): "مثل الذي".

(4)

في "السنن"(3520) وقال: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.

وهو حديث ضعيف. انظر: "الضعيفة" للألباني (رقم 2918).

(5)

في النسخة (أ): "غروبها".

ص: 221

مسافرون]

(1)

، وأنهُ لا يصلِّي بينَهما شيئًا. وقولُه:"ثمَّ اضطجعَ حتَّى طلعَ الفجرُ" فيه سننٌ نبويةٌ: المبيتُ بمزدلفةَ وهوَ مجمعٌ على أنهُ نُسُكٌ، [وإنما]

(2)

اختلفَوا هلْ [هوَ]

(3)

واجبٌ أو سنةٌ، والأصلُ فيما فعلَه صلى الله عليه وسلم في [حجته]

(4)

الوجوبُ كما عرفتَ، وأنَّ السنةَ أن يصلِّيَ الصبحَ [بالمزدلفةِ]

(5)

، ثمَّ يدفعُ منْها بعدَ ذلكَ فيأتي المشعرَ الحرامَ فيقفُ بهِ ويدعُو، والوقوفُ عندَه منَ المناسكِ، ثمَّ يدفعُ منهُ عندَ إسفارِ الفجرِ إسفارًا بليغًا، فيأتي بطنَ محسِّرٍ فيسرعُ السيرَ فيهِ لأنهُ محلُّ غضبِ اللَّهِ فيهِ على أصحابِ الفيلِ، فلا ينبغي الأناةُ فيهِ ولا البقاءُ بهِ، فإذا أَتَى الجمرةَ وهي جمرةُ العقبةِ نَزَلَ ببطنِ الوادي ورماها بسبعِ حصياتٍ، كلُّ حصاةٍ كحبةِ الباقلَّا يُكَبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ. ثمَّ ينصرفُ بعدَ ذلكَ إلى المنحرِ، فينحرُ إنْ كان عنده بُدْنٌ يريدُ نحرَها، وأما هوَ صلى الله عليه وسلم فإنهُ نحرَ بيدِه الشريفةِ ثلاثًا وستينَ بُدْنةً، وكانَ معهُ مائةُ بدنةٍ فأمرَ عليًا رضي الله عنه بنحرِ باقيْها ثمَّ ركبَ إلى مكةَ فطافَ طوافَ الإفاضةِ، وهوَ الذي يُقَالُ لهُ طوافُ الزيارةِ، ومنْ بعدِه يحلُّ لهُ كلُّ ما حَرُمَ بالإحرامِ حتَّى وطءُ النساءِ، وأما إذا رَمَى جمرةَ العقبةِ، ولم يطفْ هذَا الطوافَ فإنهُ يحلُّ لهُ ما عدَا النساءَ.

فَهذهِ الجملُ منَ السننِ والآدابِ التي أفادَها هذا الحديثُ الجليلُ منْ أفعالِه صلى الله عليه وسلم تبينُ كيفيةَ أعمالِ الحجِّ، وفي كثيرٍ مما دلّ عليهِ هذَا الحديثُ [الجليل]

(6)

مما سقْناه خلافٌ بينَ العلماءِ كثيرٌ في وجوبِهِ أو عدمِ وجوبِهِ، وفي لزومِ الدمِ بتركِهِ وعدمِ لزومِه، وفي صحةِ الحجِّ إنْ تركَ [منها]

(7)

شيئًا أو عدم صحتِه، وقدْ طوَّلَ بذكرِ ذلكَ في الشرحِ واقتصرْنا على ما أفادهُ الحديثُ، فالآتي بما اشتملَ عليهِ هوَ الممتثلُ لقولهِ صلى الله عليه وسلم. "خُذُوا عني مناسككُم"، والمقتدي به في أفعالهِ وأقوالِه.

‌يستحب الدعاء عند الانتهاء من كل تلبية

2/ 696 - وَعنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ

(1)

في النسخة (أ): "لأنهم يسافرون".

(2)

في النسخة (ب): "إنما".

(3)

زيادة من النسخة (ب).

(4)

في النسخة (أ): "حجة".

(5)

في النسخة (أ): "في مزدلفة".

(6)

زيادة من النسخة (ب).

(7)

في النسخة (ب): "منه".

ص: 222

تَلْبِيَتِهِ في حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ الله رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ.

رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ

(1)

، [ضعيف]

(وعنْ خزيمةَ بن ثابتٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا فرغَ منْ تلبيتِه في حجٍّ أو عمرةٍ سألَ اللَّهَ رضوانَه والجنةَ، واستعاذ برحمتِه منَ النارِ. رواهُ الشافعيُّ بإسنادٍ ضعيف). سقطَ هذا الحديثُ منْ نسخةِ الشارحِ التي وقفْنا عليها فلمْ يتكلَّمْ عليهِ؛ ووجْهُ ضعفِه أن فيهِ صالحَ بنَ محمدٍ بن أبي زائدةَ أبا واقدٍ الليثيِّ ضعَّفوه

(2)

. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ الدعاءِ بعدَ الفراغِ منْ كلِّ تلبيةٍ يلبِّيها المحرمُ في أي حينٍ بهذا الدعاءِ ونحوِه، ويحتملُ أن المراد بالفراغِ منْها انتهاءُ وقتِ مشروعِيَّتها، وهوَ عندَ رمي جمرةِ العقبةِ، والأولُ أوضحُ.

‌مِنى كلها منحر، وعرفة وجمع كلها موقف

3/ 697 - وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنَى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا في رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ"، رَوَاهُ مُسلِمٌ

(3)

. [صحيح]

(وعَنْ جابرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نحرتُ ههنا ومنَىً كلُّها منحرٌ فانحرُوا في رحالِكم)، جمعُ رحلٍ وهوَ المنزلُ، (ووقفتُ ههنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ)، وحدُّ عرفةَ ما خرجَ عنْ وادي عرفةَ إلى الجبالِ المقابلةِ مما يلي بساتينَ بني عامرٍ، (ووقفتُ ههُنا وجَمْعٌ كلُّها موقفٌ. رواهُ مسلمٌ). أفادَ صلى الله عليه وسلم أنهُ لا يتعينُ على أحدٍ نحرُه

(1)

في "بدائع المنن"(1/ 322 - 323 رقم 938).

قلت: وأخرجه الدارقطني (1/ 238 رقم 11)، والبيهقي (5/ 46) والبغوي في "شرح السنة"(7/ 52 رقم 1866).

وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 224) وقال: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه صالح بن محمد بن زائدة وثقه أحمد وضعَّفه خلق. والخلاصة: أن الحديث ضعيف.

(2)

قال البخاري: منكر الحديث. انظر ترجمته في: "الميزان"(2/ 299 رقم 3824).

(3)

في "صحيحه"(149/ 1218).

قلت: وأخرجه أبو داود (1936 و 1937)، وابن ماجه (3048)، والبغوي في "شرح السنة"(7/ 150 رقم 1926).

ص: 223

حيثُ نحرَ، ولا وقوفُه بعرفةَ ولا جَمْعٍ حيثُ وقفَ، بلْ ذلكَ موسعٌ عليهمْ حيثُ نحرُوا في أيِّ بقعةٍ منْ بقاع مِنَى، فإنهُ يجزئُ عنْهم، وفي أيِّ بقعةٍ منْ بقاعِ عرفةَ أو جمعٍ وقفُوا أجزأَ، [وهذهِ زياداتٌ]

(1)

في بيانِ التخفيفِ عليهمْ، وقدْ كانَ صلى الله عليه وسلم أفادَهُ تقريرُه لمنْ حجَّ معهُ ممنْ لم يقفْ في موقفِه ولم ينحرْ في منحرِه؛ إذْ مِنَ المعلومِ أنهُ حجَّ معهُ أممٌ لا تُحصَى ولا يتسعُ لها مكانُ وقوفِه ونحرِه. هذَا والدمُ الذي محلُّه منىً هوَ دمُ القرانِ، والتمتعِ، والإحصارِ، والإفسادِ، والتطوعِ بالهدي، وأما الذي يلزمُ المعتمرَ فمحلُّه مكةُ، وأما سائرُ الدماءِ اللازمةِ منَ الجزاءاتِ فمحلُّها الحرمُ المحرمُ. وفي ذلكَ خلافٌ معروفٌ.

4/ 698 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما جاءَ إلى مكةَ دخلَها منْ أعلاهَا وخرجَ من أسفلِها. متفقٌ عليهِ). هذا إخبارٌ عنْ دخولِه صلى الله عليه وسلم عامَ الفتحِ؛ فإنهُ دخلَها منْ محلِّ يقالُ لهُ كَداءُ بفتحِ الكافِ والمدِّ غيرُ منصرفٍ، وهي الثنيَّةُ التي ينزلُ منها إلى المعلاةِ، مقبرةُ أهلِ مكةَ، وكانتْ صعبةَ المرتقَى فسهَّلها معاويةُ، ثمَّ عبدُ الملكِ، ثمَّ المهديُّ. ثمَّ سُهِّلَتْ كلُّها في زمنِ سلطانِ مصرَ المؤيدِ في حدودِ عشرينَ وثمانمائةٍ، وأسفلُ مكةَ هيَ الثنيةُ السفلَى يقالُ لها كُدَا، بضمِّ الكافِ والقصرِ عندَ بابِ الشبيكةِ ويقولُ أهلُ مكةَ: افتحْ وادخلْ وضمَّ [واخرجْ]

(3)

، ووجْهُ دخولِهِ صلى الله عليه وسلم منَ الثنيةِ العليا ما رُوِيَ:"أنهُ قالَ أبو سفيانَ: لا أسلمُ حتّى أرى الخيلَ تطلعُ من كَداءَ فقالَ له العباسُ: ما هذا؟ قالَ: شيءٌ طلعَ بقلبي، وإنَّ اللَّهَ لا يطلعُ الخيلَ منْ هنالكَ أبدًا. قالَ العباسُ: فذكَّرتُ أبا سفيانَ بذلكَ لما دخلَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منْها". [وهو]

(4)

عندَ البيهقيِّ منْ حديثٍ ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كيفَ قالَ حسانُ "؟ فأنشدَه شعرًا:

(1)

في النسخة (أ): "وهذا زيادة".

(2)

البخاري (1577)، ومسلم (1258).

قلت: وأخرجه أبو داود (1868 و 1869)، والترمذي (853).

(3)

في النسخة (أ): "وأخرجه".

(4)

في النسخة (ب): "و".

ص: 224

عدمتُ بنيتي إنْ لم تروها

تثيرُ النقعَ مطلعُها كداءُ

(1)

فتبسَّمَ صلى الله عليه وسلم قالَ: [ادخلُوها]

(2)

منْ حيثُ قالَ حسانُ. واختُلِفَ في استحبابِ الدخولِ منْ حيثُ دخلَ صلى الله عليه وسلم، والخروجِ منْ حيثُ خرجَ، فقيلَ: يستحبُّ وأنهُ يعدلُ إليهِ منْ لمْ يكنْ طريقُه عليهِ. وقالَ البعضُ: إنَّما فعلَهُ صلى الله عليه وسلم لأنهُ كانَ على طريقهِ فلا يستحبُّ لمنْ لم يكنْ كذلكَ

(3)

. قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: يشبهُ أنْ يكونَ ذلكَ - واللَّهُ أعلمُ - أن الثنيةَ العليا التي تشرفُ على الأبطحِ والمقابرِ إذا دَخَلَ منْها الإنسانُ فإنهُ يأتي منْ وجهةِ البلدِ والكعبةِ، ويستقبلُها استقبالًا منْ غيرِ انحرافٍ بِخِلافِ الذي يدخلُ منَ الناحيةِ السفلَى؛ [فإنه يدخل من دبر البلد والكعبة، وإنما خرج من الثنية]

(4)

، لأنهُ يستدبرُ البلدَ والكعبةَ، [فاستحبَّ]

(5)

أن يكونَ ما يليهِ منْها مؤخرًا لئلا يستدبرَ وجْهَهَا.

‌الاغتسال لدخول مكة

5/ 699 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ كَانَ لَا يَقْدُمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوَى حَتى يُصْبحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(6)

. [صحيح]

(وعنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما أنهُ كانَ لا يقدمُ مكةَ إلَّا باتَ) ليلة قدومِه (بذي طُوىً). في القاموسِ مثلثةُ الطاءِ، وينونُ، موضعٌ قريبٌ منْ مكةَ، (حتَّى يصبحَ ويغتسلَ، ويُذْكَرُ ذلكَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم) أي: أنهُ فعلهُ (متفقٌ عليهِ). فيه استجابُ ذلكَ، وأنهُ

(1)

وفي شرح ديوان حسان" (ص 57).

"عَدِمْنا خَيْلَنَا إنْ لم تَرَوْهَا

تُثيرُ النَّقْعَ موعِدُها كَدَاءُ"

• النقع: الغبار.

• عدمنا خيلنا: هو كقولك لا حملتني رجلي إن لم تسر إليك، ولا نفعني مالي إن لم أنفقه عليك. وهو من البديع أن يلف المتكلم على شيء بما يكون فيه فخر له وتعظيم لشأنه، أو تنويه بغيره وتعظيم له، أو دعاء على نفسه أو هجاء لغيره.

(2)

في النسخة (أ): "اخطوها".

(3)

في النسخة (ب): هنا "و".

(4)

زيادة من النسخة (أ).

(5)

في النسخة (أ): "واستحب".

(6)

البخاري (1573)، ومسلم (227/ 1259).

قلت: وأخرجه أبو داود (1865)، والنسائي (5/ 199)، ومالك (1/ 324 رقم 6).

ص: 225

يدخلُ مكةَ نهارًا، وهوَ قولُ الأكثرِ. وقالَ جماعةٌ منَ السلفِ وغيرِهم: الليلُ والنهارُ سواءٌ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم دخلَ مكةَ في عمرةِ الجعرَّانةِ ليلًا. وفيه دلالة على استحباب الغسلِ لدخولِ مكةَ.

6/ 700 - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما أنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا

(1)

، وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا

(2)

. [ضعيف]

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنهُ كانَ يقبِّلُ الحجرَ الأسودَ ويسجدُ عليهِ. رواهُ الحاكمُ مرفوعًا، والبيهقيُّ موقوفًا)، وحسَّنَهُ أحمدُ. وقدْ رواهُ الأزرقيُّ بسندِهِ

(3)

إلى محمدِ بن عبادِ بن جعفر قالَ: "رأيتُ ابنَ عباسٍ رضي الله عنه جاءَ يومَ الترويةِ وعليهِ حُلَّةٌ مرجِّلًا رأسَهُ، فقبَّلَ الحجرَ وسجدَ عليهِ، ثمَّ قبّلهُ وسجدَ عليهِ ثلاثًا"، ورواهُ أبو يعلى

(4)

بسندِه منْ حديثٍ أبي داودَ الطيالسي عنْ جعفرِ بن عثمانَ المخزومي "قالَ: رأيتُ محمدَ بنَ عبادِ بن جعفرٍ قبَّلَ الحجرَ وسجدَ عليهِ"، وقالَ:"رأيتُ خالي ابنَ عباسٍ يقبِّلُ الحجرَ ويسجدُ عليهِ"، وقالَ:"رأيتُ عمرَ يقبِّلُ الحجرَ ويسجدُ عليهِ"، وقالَ: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يفعلُها). وحديثُ عمرَ في صحيح مسلمٍ

(5)

: "أنهُ قبَّلَ الحجرَ والتزمَهُ وقال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بكَ حفيًّا" يؤيدُ هذا، ففيهِ شرعيةُ تقبيلِ الحجرِ والسجودِ عليهِ.

(1)

في "المستدرك"(1/ 455) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال الذهبي: هذا صحيح.

(2)

في "السنن الكبرى"(5/ 74) من حديث جعفر بن عبد الله الحميدي. وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير"(1/ 183 رقم 228) عنه: "مكي في حديثه وهم اضطراب". ثم أورد العقيلي الحديث وتكلَّم عليه فانظره إن شئت. والخلاصة: أن الحديث ضعيف.

قلت: الذي اتفق عليه هو تقبيل الحجر الأسود فقط، أما السجود على الحجر فلا دليل عليه.

(3)

في "أخبار مكة"(1/ 329).

(4)

في "المسند"(1/ 192 رقم 80/ 219) بإسناد منقطع. محمد بن عباد بن جعفر لم يدرك عمر، وابنه جعفر بن محمد بن عباد المخزومي، وثقه أبو داود، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عيينة: لم يكن صاحب حديث [الميزان: 1/ 414 رقم 1518].

وأخرجه البزار (2/ 23 رقم 1114) وقال: لا نعلمه عن عمر إلا بهذا الإسناد. وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 241) وقال: رواه أبو يعلى بإسنادين وفي أحدهما جعفر بن محمد المخزومي وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار من الطريق الجيد. قلت: وفي إسناد البزار جعفر بن محمد أيضًا.

(5)

في "صحيحه"(252/ 1271).

• حفيًا: أي معتنيًا. وجمعه أحفياء.

ص: 226

‌أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرمُلوا ثلاثة أشواط في الطواف

7/ 701 - وعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: "أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (قالَ: أمرهمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم) أي: أصحابَه الذينَ قدِمُوا معهُ مكةَ في عمرة [القضاءِ]

(2)

(أنْ يرمُلُوا)، بضمِّ الميمِ (ثلاثةَ أشواطٍ)، أي يهرولونَ فيها في الطوافِ، (ويمشُوا أربعًا ما بينَ الركنينِ. متفقٌ عليهِ).

8/ 702 - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأوَّلَ خَبَّ ثَلاثًا، ومَشَى أَرْبَعًا

(3)

. [صحيح]

وَفي رِوَايَة

(4)

: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذا طَافَ في الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أوَّلَ مَا يَقْدُمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَاف بِالْبَيْتِ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح]

(وعنِ ابن عمرَ: أنهُ كانَ إذا طَافَ بالبيتِ الطوافَ الأولَ خبَّ ثلاثًا ومَشَى أربعًا، وفي روايةٍ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا طافَ في الحجِّ أو العمرةِ أولَ ما يقدُمُ، فإنه [يسعَى]

(5)

ثلاثةَ أطوافٍ بالبيتِ، ويمشي أربعةً. متفقٌ عليهِما). وأصلُ ذلكَ ووجهُ حكمتِهِ ما رواهُ ابنُ عباسٍ قالَ: "قدمَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه مكةَ فقالَ المشركونَ: إنَّهُ يقدمُ عليكمْ وفدٌ قدْ وهنتْهم حُمَّى يثربَ، فأمرَ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أنْ يرمُلُوا الأشواطَ الثلاثةَ، وأنْ يمشُوا ما بينَ الركنينِ، ولمْ يمنعْه أنْ يرمُلُوا

(1)

البخاري (1602)، ومسلم (1266).

قلت: وأخرجه أبو داود (1886)، والنسائي (5/ 230)، والترمذي (863)، وأحمد (1/ 290، 306، 373).

(2)

في النسخة (أ): "القضية".

(3)

أخرجه البخاري (1644)، ومسلم (1261)، والنسائي 5/ 229 - 230)، ومالك (1/ 365 رقم 108).

(4)

أخرجه البخاري (1616)، ومسلم (231/ 1261)، وأبو داود (1893)، والنسائي (3/ 229 رقم 2941).

(5)

في النسخة (أ): "يطوف".

ص: 227

الأشواطَ كلَّها إلَّا الإبقاءَ عليهمْ"، أخرجهُ الشيخانِ

(1)

. وفي لفظِ مسلمٍ

(2)

: "أن المشركينَ جلسُوا مما يلي الحجرَ، وأنَّهم حينَ رأَوْهم يرمُلونَ قالُوا: هؤلاءِ الذينَ زعمتم أنَّ الحمَّى وهنَتهم، إنَّهم لأجلدُ منْ كذَا وكذَا"، وفي لفظٍ لغيرِه

(3)

: "إنْ همْ إلَّا كالغِزلانِ"؛ فكانَ هذا أصلَ الرملِ، وسببُهُ إغاظةُ المشركينَ وردُّ قولِهم، وكانَ هذَا في عمرةِ [القضاءِ]

(4)

، ثمَّ صارَ سنَّةً ففعلَه في حجةِ الوداعِ معَ زوالِ سببهِ، وإسلامِ منْ في مكةَ، وإنَّما لم يرمُلُوا بَينَ الرّكْنيْنِ لأنَّ المشركينَ كَانوا مِنْ ناحِيَةِ الحَجرِ عندَ قُعَيْقِعَانَ

(5)

فَلم يَكُونُوا يَرَوْنَ مِنْ بينَ الركنينِ. وفيهِ دليل على أنهُ لا بأسَ بقصدِ إغاظةِ الأعداءِ بالعبادةِ، وأنهُ لا ينافي إخلاصَ العملِ بل هُوَ إضافةُ طاعةٍ إلى طاعةٍ، وقدْ قالَ تعالى:{وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}

(6)

.

9/ 703 - وَعَنْهُ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(7)

. [صحيح]

(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (قالَ: لمْ أرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يستلمُ منَ البيتِ غيرَ الركنينِ اليمانيينِ. رواهُ مسلمٌ). اعلمْ أن للبيتِ أربعةَ أركانٍ: الركنُ الأسودُ، ثمَّ اليماني، ويقالُ لهما: اليمانيانِ، بتخفيفِ الياءِ، وقدْ تُشَدَّدُ، وإنَّما قيلَ لهما اليمانيانِ تغليبًا، كالأبوينِ، والقمرينِ، والركنانِ الآخرانِ يقالُ لهما: الشاميانِ، وفي الركنِ الأسودِ فضيلتانِ: أحدهما كونُه على قواعدِ إبراهيمَ عليه السلام، والثانيةُ [كونُه في]

(8)

الحجر.

وأما اليماني ففيه فضيلة كونه على قواعد إبراهيم، وأما الشاميانِ فليس

(1)

البخاري (1525 - البغا)، ومسلم (1264).

(2)

في "صحيحه"(240/ 1266).

(3)

وهي لأبي داود في سننه (1889)، وهو حديث صحيح.

(4)

في النسخة (أ): "القضية".

(5)

جبل مشهور بمكة.

(6)

سورة التوبة: الآية 120.

(7)

• أخرجه مسلم رقم (247/ 1269)، والبخاري رقم (1608)، والترمذي رقم (858) من حديث ابن عباس كما في مخطوطات سبل السلام.

• وأخرجه مسلم رقم (242/ 1267)، والبخاري رقم (1609)، وأبو داود رقم (1874)، وابن ماجه رقم (2946) من حديث ابن عمر كما يفيد كلام ابن حجر في البلوغ.

(8)

زيادة من النسخة (أ).

ص: 228

فيهما شيءٌ منْ هاتينِ الفضيلتينِ، فلهذا خُصَّ الأسودُ بِسُنَّتَيْ التقبيلِ والاستلامِ للفضيلتينِ، وأما اليماني فيستلمُه مَنْ يَطوفُ ولا يقبِّلُه، لأنَّ فيهِ فضيلةً واحدةً. واتفقتِ الأمة على استحبابِ استلامِ الركنينِ اليمانيينِ، واتفقَ الجماهيرُ على أنهُ لا يمسحُ الطائفُ الركنينِ الآخرينِ. قالَ القاضي:[وكانَ فيهِ]

(1)

- أي في استلامِ الركنينِ [الآخرين]

(2)

- خلافٌ لبعضِ [الصحابة]

(3)

والتابعينَ، وانقرضَ الخلافُ وأجمعُوا على أنَّهما لا يُسْتَلَمَانِ، وعليهِ حديثُ البابِ.

‌تقبيل الحجر سنَّة واتباع

10/ 704 - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَبّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ: إِني أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَني رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(4)

. [صحيح]

(وعنْ عمرَ رضي الله عنه أنهُ قبَّلَ الحجرَ وقالَ: إني أعلمُ أنكَ حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقبِّلكَ ما قبَّلتكَ. متفقٌ عليه). وأخرجَ مسلمٌ

(5)

منْ حديثٍ سويدِ بن غفلةَ قالَ: رأيتُ عمرَ قبَّلَ الحجرَ والتزمَه وقالَ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بكَ حفيًا". وأخرجَ البخاريُّ

(6)

أن رجلًا سألَ ابنَ عمرَ عن استلامِ الحجرِ فقالَ: "رأيتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يستلمُه ويقبِّلُه. قالَ: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ فقالَ: دعْ أرأيتَ باليمن، رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يستَلِمُهُ ويقبِّلهُ". ورَوَى الأزرقيُّ

(7)

[من]

(8)

حديثَ عمرَ بزيادةِ: وأنهُ قالَ لهُ عليٌّ عليه السلام: بلى يا أميرَ المؤمنينَ هوَ يضرُّ وينفعُ، قالَ: وأينَ ذلكَ؟ قالَ:

(1)

في النسخة (أ): "كون فيه".

(2)

زيادة من النسخة (ب).

(3)

في النسخة (أ)(أصحابنا)، والصواب ما أثبتناه من النسخة (ب).

(4)

البخاري (1597)، ومسلم (251/ 1270).

قلت: وأخرجه أبو داود (1873)، والترمذي (860)، والنسائي (5/ 227)، وابن ماجه (2943)، ومالك في الموطأ (1/ 367 رقم 115)، والدارمي (2/ 52، 53)، وأحمد (1/ 21، 26، 34، 35، 39، 46، 51، 53، 54).

(5)

في "صحيحه"(252/ 1271).

(6)

في "صحيحه"(1611).

(7)

في "أخبار مكة وما جاء فيها من آثار"(1/ 323 - 324)، وفيه أبو هارون العبدي، قال الحافظ ابن حجر: ضعيف جدًّا. وقال الجوزجاني: كذاب مفتر. انظر: "أحوال الرجال" للجوزجاني رقم (142). و "التقريب"(2/ 49)، و "الميزان"(3/ 173).

(8)

زيادة من النسخة (أ).

ص: 229

في كتاب اللَّهِ، قالَ: وأينَ ذلكَ منْ كتاب اللَّهِ عز وجل؟ قال: قالَ اللَّهُ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا}

(1)

قالَ: فلمَّا خلقَ اللَّهُ آدمَ مسحَ ظهرَه فأخرجَ ذريَّتَه منْ صلْبه، فقرَّرَهم أنهُ الربُّ وهمُ العبيدُ، ثمَّ كتبَ ميثاقَهم في رَقٍّ، وكانَ لهذا الحجرِ عينانِ ولسانٌ فقالَ لهُ: افتحْ فاكَ فألقمَه ذلكَ الرقَّ، وجعلَه في هذَا الموضعِ وقالَ:[تشهدُ]

(2)

لمنْ وافاكَ بالإيمان يومَ القيامةِ. قالَ الراوي: فقال عمرُ: أعوذُ باللَّهِ أنْ أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم يا أبا الحسنِ". قالَ الطبريُّ: إنَّما قالَ ذلكَ عمرُ لأنَّ الناسَ كانُوا حديثي عهدٍ بعبادةِ الأصنامِ فخشيَ عمرُ [أن يفهمُوا]

(3)

أن تقبيل الحجرِ منْ بابِ تعظيمِ بعضِ الأحجارِ كما كانتِ العربُ تفعلُ في الجاهليةِ، فأراد عمرُ أن يعلمَّ الناسَ أن استلامُه اتباعٌ لفعلِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لا لأنَّ الحجرَ ينفعُ ويضرُّ [لذاته]

(4)

كما كانت الجاهليةُ تعتقدُه في الأوثان.

‌استلام الحجر بآلة إذا تعذر باليد وتقبيلها

11/ 705 - وَعَنْ أَبي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويَقُبِّلُ الْمِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(5)

. [صحيح]

(وعنْ أبي الطفيلِ قالَ: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يطوفُ بالبيتِ ويستلمُ الركنَ بمحجن)، هي عَصَا محنيةَ الرأسِ (معهُ، ويقبِّلُ المحجنَ. رواهُ مسلمٌ)، وأخرجَ الترمذيُّ

(6)

وغيرُه، وحسَّنَهُ منْ حديثٍ ابن عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يأتي هذا الحجرُ يومَ القيامةِ لهُ عينانِ يبصرُ بِهِما، ولسانٌ ينطقُ بهِ يشهدُ لمنِ استلمهَ بحقٍّ". ورَوَى الأزرقيُّ

(7)

بإسناد صحيحٍ [منْ]

(8)

حديثٍ ابن عباسٍ "قالَ: إنَّ هذَا

(1)

سورة الأعراف: الآية 172.

(2)

في النسخة (أ): "أشهد".

(3)

زيادة من النسخة (ب).

(4)

في النسخة (ب): "بذاته".

(5)

في "صحيحه"(1275).

قلت: وأخرجه أبو داود (1879)، وابن ماجه (2949).

(6)

في "السنن"(961) وقال: هذا حديث حسن.

(7)

للأزرقي كتاب "أخبار مكة وما جاء فيها من آثار" محشو بكثير من الأخبار الملفَّقة والخرافات الموضوعة، فتنبَّه.

(8)

في النسخة (أ): "عن".

ص: 230

الركنَ يمينُ اللَّهِ عز وجل في الأرضِ يصافحُ بهِ عبادَه مصافحةَ الرجلِ أخاهُ"

(1)

، وأخرجَ أحمدُ

(2)

عنهُ: "الركنُ يمينُ اللَّهِ في الأرضِ يصافحُ بها خلْقَه، والذي نفسُ ابن عباسٍ بيدِه ما منِ امرئٍ مسلمٍ يسأل الله تعالى عنده شيئًا إلَّا أعطاهُ إيَّاهُ"، وحديثُ أبي الطفيلِ دالٌّ أنهُ يجزي عن استلامِه باليدِ استلامُه بآلةٍ ويقبِّلُ الآلةَ كالمحجنِ والعصَا، وكذلكَ إذا استلمهُ بيدهِ قبَّلَ يدَه، فقدْ رَوَى الشافعيُّ

(3)

: "أنهُ قالَ ابنُ جريجٍ لعطاءٍ: هلْ رأيتَ أحدًا منْ أصحاب رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا استلمُوا قبَّلُوا أيديَهم؟ قالَ: "نعمْ رأيتُ جابرَ بنَ عبدِ الَلَّهِ، وابنَ عمرَ، وأبا سعيدٍ، وأبا هريرةَ إذا استلمُوا قبَّلُوا أيديَهم"، فإنْ لمْ يكنِ استلامُه لأجلِ الزحمةِ قامَ حيالَه ورفعَ يدَه وكبَّرَ لما رُوِيَ: "أنهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: يا عمرُ إنكَ رجلٌ قويٌّ، لا تزاحمْ على الحجرِ، فتؤذي الضعفاءِ إنْ وجَدْتَ خلْوةً فاستلمْه وإلا فاستقبلْه وكبِّرْ وهلِّلْ" رواهُ أحمدُ

(4)

، والأزرقيُّ

(5)

. وإذا أشارَ بيدِه فلا يقبِّلْها لأنهُ لا يقبِّلُ إلَّا الحجرَ أو ما مسَّ الحجرَ.

‌الاضطباع في الطواف

12/ 706 - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيّةَ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُضْطَبعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ

(6)

. [حسن]

(وعنْ يعْلَى بن أميةَ رضي الله عنه قالَ: طافَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُضْطَبِعًا ببردٍ أخضرَ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيُّ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ). الاضطباعُ افتعالٌ منَ الضبعِ وهوَ العضوُ، ويسمَّى التأبطَ لأنهُ يُجْعَلُ وسطَ الرداءِ تحتَ الإبِط ويبدي ضبعَه الأيمنَ، وقيلَ:

(1)

أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة"(1/ 323).

(2)

وأخرجه الأزرقي (1/ 326).

(3)

في "بدائع المنن"(1/ 354 رقم 1035).

(4)

في "المسند"(8/ 21) بسند ضعيف.

(5)

في "أخبار مكة"(1/ 333 - 334).

(6)

أبو داود (1883)، والترمذي (859) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه (2954)، وأحمد في "المسند"(4/ 222، 223، 224).

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (4/ 124)، والدارمي (2/ 43)، والبيهقي (5/ 79)، وهو حديث حسن.

ص: 231

يبدي ضُبُعَيْهِ. وفي النهايةِ هوَ أنْ يأخذَ الإزارَ أو البردَ ويجعلَه تحتَ إبطهِ الأيمنِ، ويلقي طرفيهِ على كتفيهِ الأيسر منْ جهتيْ صدرهِ وظهرهِ. وأخرجَ أبو داودَ

(1)

عن ابن عباسٍ: "اضطبعَ فكبَّرَ، واستلمَ [فكبر]

(2)

، ثمَّ رملَ ثلاثةَ أطواف. كانُوا إذا بلغُوا الركنَ اليماني، وتغيَّبُوا منْ قريشِ مَشَوْا ثم يطلعونَ عليهم يرمُلون، تقولُ قريشٌ: كأنَّهم الغزلانُ". قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنه: فكانتْ سُنَّةً. وأولُ ما اضطَّبَعُوا في عمرةِ القضاءِ، ليستعينُوا بذلكَ على الرملِ ليرَى المشركونَ قُوُّتَهم، ثمَّ صارَ سُنَّةً، ويضطبعُ في الأشواطِ السبعةِ فإذا قضَى طوافَه سوَّى ثيابَه، ولم يَضْطَبعْ في ركعتي الطوافِ، وقيلَ: في الثلاثةِ الأُولى [ألا غير]

(3)

.

‌من كبَّر مكان التلبية فلا بأس عليه

13/ 707 - وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(4)

. [صحيح]

(وعنْ أنسٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ يهلُّ منَّا المهِلُّ فلا ينكرُ عليهِ، ويكبِّرُ منا المكبِّرُ فلا ينكرُ عليهِ. متفقٌ عليهِ). تقدَّم أن الإهلالَ رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ، وأولُ وقتِه منْ حينِ الإحرامِ إلى الشروعِ في الإحلالِ، وهو في الحجِّ إلى أنْ يأخذَ في رمي جمرةِ العقبةِ، وفي العمرة إلى الطواف. ودلَّ الحديث على [أن]

(5)

من كبَّر مكان التلبية فلا نكير عليه بل هوَ سنةٌ لأنهُ يريدُ أنسٌ أنَّهم كانُوا يفعلونَ ذلكَ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فيقرُّ كلًّا عَلَى ما قالَه، إلَّا أن الحديثَ وردَ في صفةِ غُدُوِّهِم منْ منىً إلى عَرفَاتٍ، وفيهِ ردٌّ على مَنْ قالَ يقطعُ التلبيةَ بعدَ صبحِ يومِ عرفةَ.

14/ 708 - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الثَّقَلِ، أوْ قَالَ في الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْع بِلَيْل. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(6)

. [صحيح]

(1)

في "السنن"(1889)، وهو حديث صحيح.

(2)

في النسخة (ب): "وكبر".

(3)

في النسخة (ب): "غير".

(4)

البخاري (1659)، ومسلم (1285).

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 250).

(5)

في النسخة (ب): "أنه".

(6)

البخاري (1677)، ومسلم (1293). =

ص: 232

(وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: بعثني النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الثَّقَلِ) بفتحِ المثلثةِ، وفتحِ القافِ، وهوَ متاعُ المسافرِ كما في النهايةِ

(1)

، (أوْ قالَ: في الضعفةِ) شكٌّ منَ الراوي (منْ جَمْع) بفتحِ الجيمِ، وسكونِ الميمِ، علمُ المزدلفةِ؛ سمِّيتْ بهِ لأنَّ آدمَ وحواءَ لما أُهِبطَا اجتمعا بها كما في النهايةِ

(2)

، (بليلٍ). [و]

(3)

قد علمَ أن منَ السنةِ أنهُ لا بدَّ منَ المبيتِ بِجَمْعٍ، وأنهُ لا يفيضُ منْ بَاتَ بها إلَّا بعدَ صلاةِ الفجرِ بها ثم يقفُ في المشعرِ الحرامِ، ولا يدفعُ منهُ إلَّا بعدَ إسفارِ الفجرِ جِدًا، ويدفعُ قبلَ طلوعِ الشمسِ. وقدْ كانتِ الجاهليةُ لا يفيضونَ منْ جَمْع حتَّى تطلعَ الشمسُ ويقولونَ: أشرق ثبيرُ كيما نغيرُ؛ فخالفَهم صلى الله عليه وسلم. إلَّا أن حديثَ ابن عباسٍ هذا ونحوَه دلَّ على الرخصةِ للضَّعَفَةِ في عدمِ استكمالِ المبيتِ. والنساءُ كالضعفةِ أيضًا لحديثِ أسماء بنتِ أبي بكرٍ

(4)

رضي الله عنهما: "أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أذِنَ للظُّعُنِ بضمِّ الظاءِ والعينِ المهملةِ، وسكونِها، جمعُ ظعينةٍ وهي المرأةُ في الهودجِ ثمَّ أُطْلِقَ على المرأة [بلا هودج]

(5)

، وعلى الهودجِ بلا امرأةٍ كما في النهاية

(6)

.

‌جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر لعذر

15/ 709 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: اسْتَأَذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبْطَةً - تَعْني ثَقِيلَةً - فَأَذِنَ لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(7)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: استأذنتْ سودةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ المزدلفةِ أنْ تدمْعَ قبلَه، وكانتْ ثَبْطةً) بفتحِ المثلثةِ، وسكونِ الموحدةِ، فسَّرها قولُه: (تعني ثقيلةً

= قلت: وأخرجه أبو داود (1939)، والترمذي (892)، والنسائي (5/ 261 رقم 3034)، وابن ماجه (3025).

(1)

(1/ 216 - 217).

(2)

(1/ 296). قلت: ليس في ذلك خبر يثبت. والظاهر أنها سمِّيت بذلك لجميع صلاتي المغرب والعشاء فيها.

(3)

زيادة من النسخة (ب).

(4)

أخرجه البخاري (1679)، ومسلم (1291).

(5)

زيادة من النسخة (أ).

(6)

(157/ 3).

(7)

البخاري (1680)، ومسلم (1290)، قلت: والنسائي (5/ 262).

ص: 233

فَأَذِنَ لها. متفقٌ عليهما) على حديثٍ ابن عباسٍ وعائشةَ. وفيه دليلٌ على جوازِ الدفعِ منْ مزدلفةَ قبلَ الفجرِ ولكنْ للعذرِ كما أفادَه قولُه: "وكانتْ ثبطةً".

وجمهورُ العلماءِ أنهُ يجبُ المبيتُ بمزدلفةَ ويلزمُ منْ تركه دمٌ. وذهب آخرونَ إلى أنهُ سنةٌ إن تركَه فاتتْهُ الفضيلةُ ولا إثمَ عليهِ ولا دمَ، ويبيتُ أكثرَ الليلِ وقيلَ ساعةً منَ النصفِ الثاني، وقيلَ: غيرُ ذلكَ. والذي فعلَه صلى الله عليه وسلم المبيتُ بها إلى أنْ صلَّى الفجرَ، وقدْ قالَ:"خذُوا عني مناسِكَكُم"

(1)

.

16/ 710 - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ

(2)

، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. [صحيح]

(وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لا ترمُوا الجمرةَ حتَّى تطلعَ الشمسُ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيُّ، وفيهِ انقطاعٌ). وذلكَ لأنَّ فيهِ الحسنَ العرنيَّ، بَجَلِيٌّ كوفيٌّ ثقةٌ، احتجَّ بهِ مسلمٌ، واستشهدَ بهِ البخاريُّ، غيرَ أن حديثَه عن ابن عباسٍ منقطعٌ. قالَ أحمدُ: الحسنُ العُرَنِيُّ لم يسمعْ منِ ابن عباسٍ

(3)

. وفيهِ دليلٌ على أن وقتَ رمي جمرةِ العقبةِ منْ بعدِ طلوعِ الشمس، وإنْ كانَ الرامي ممنْ أبيحَ لهُ التقدمُ إلى منَى، وأُذِنَ لهُ في عدمِ المبيتِ بمزدلفةَ. وفي المسْأَلةِ أربعةُ أقوالٍ:

الأولُ: جوازُ الرمي منْ بعدِ نصفِ الليلِ للقادرِ والعاجزِ، قالهُ أحمدُ والشافعيّ.

(1)

تقدَّم تخريجه مرارًا.

(2)

أخرجه النسائيُّ (5/ 270 - 272)، وابن ماجه (3025)، وأحمد (1/ 234، 311)، وأبو داود (1940).

قلت: وأخرجه البغوي في "شرح السنة" رقم (1943)، والطحاوي في "مشكل الآثار"(9/ 122 رقم 3501)، وأبو عبيد في "غريب الحديث"(1/ 128 - 129)، والطبراني في "الكبير" رقم (12699) و (12701)، وابن حبان في "الإحسان"(9/ 181 رقم 3869) وغيرهم من طرق. وهو بهذه الطرق صحيح كما قال ابن حجر في "الفتح"(3/ 617).

(3)

الحسن العرني وهو الحسن بن عبد الله، لم يلق ابن عباس بل لم يُدركه، وهو يرسل عنه، صرح بذلك أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم.

انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم (ص 46 رقم 155 و 156)، و "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (1/ 143 - 144 رقم 31).

ص: 234

الثاني: لا يجوزُ إلَّا بعدَ الفجرِ مطلقًا، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ.

الثالثُ: لا جوزُ للقادرِ إلَّا بعدَ طلوعِ الفجرِ ولمنْ له عذرٌ بعدَ نصفِ الليلِ، وهوَ قولُ الهادويةِ.

والرابعُ: للثوريِّ والنخعيِّ أنهُ منْ بعدِ طلوعِ الشمسِ للقادرِ، وهذَا أقْوى الأقوالِ دليلًا وأرجحُها قيلًا.

17/ 711 - وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَت الْجَمَرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ. [ضعيف]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: أرسلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأمِّ سلمةَ ليلةَ النحرِ، فرمتِ الجمرةَ قبلَ الفجرِ، ثمَّ مضتْ فأفاضتْ. رواهُ أبو داودَ وإسنادُه على شرطِ مسلمٍ).

الحديثُ دليلٌ على جوازِ الرمي قبلَ الفجرِ، لأنَّ الظاهرَ أنهُ لا يخْفى عليه صلى الله عليه وسلم ذلكَ فقرَّرَهُ، وقدْ عارضَه حديثُ ابن عباسٍ، وجُمِعَ بينَهما [بأنهُ لا يجوزُ]

(2)

الرميُ قبلَ الفجرِ لمنْ لهُ عذْرٌ، وكانَ ابنُ عباسٍ لا عذرَ لهُ، وهذَا قولُ الهادويةِ فإنّهم يقولونَ: لا يجوزُ الرميُ للقادرِ إلَّا بعدَ الفجرِ، ويجوزُ لغيرِه منْ بعدِ نصفِ الليلِ، إلَّا أنَّهم أجازُوا للقادرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ. وقدْ ذهبَ الشافعيُّ إلى جوازِ الرمي منْ بعدِ نصفِ الليلِ للقادرِ والعاجزِ. وقالَ آخرونَ: إنهُ [لا رَمْيَ إلَّا]

(3)

منْ بعدِ طلوعِ الشمسِ للقادرِ، وهوَ الذي يدلُّ لهُ فعلُه صلى الله عليه وسلم. وقولُه في حديثِ ابن عباسٍ المتقدمِ قريبًا

(4)

، وهوَ وإنْ كانَ فيهِ انقطاعٌ فقدْ عضَّدَه فعلُه معَ قولِه:"خُذُوا عني"

(5)

الحديثَ. وقدْ تقدَّمتْ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ.

(1)

في "السنن"(1942).

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 272)، ولم يسم المرأة. وهو حديث ضعيف.

(2)

في النسخة (أ): "بجواز".

(3)

زيادة من النسخة (ب).

(4)

برقم (16/ 710) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.

(5)

تقدَّم تخريجه مرارًا.

ص: 235

‌الوقوف بالمزدلفة وقبلها الوقوف بعرفة

18/ 712 - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ - يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ - فَوَقَفَ مَعَنَا حَتى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضى تَفَثَهُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(1)

، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ

(2)

وَابْنُ خُزَيْمَةَ

(3)

. [صحيح]

(وعنْ عروةَ بن مُضَرِّسِ)

(4)

بضمِّ الميمِ، وتشديدِ الراءِ [وكسرها]

(5)

، وبالضادِ المعجمةِ والسينِ المهملةِ، كوفيٌّ شهدَ حجَّةَ الوداعِ، وصدر حديثَه أنهُ قالَ: "أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالموقفِ يعني جَمْعًا فقلتُ: جئتُ يا رسولَ اللَّهِ منْ جبلِ طيِّء فأكلَّتْ مطيتي، وأتعبتُ نفسي، [وفي لفظ: فرسي]

(6)

. واللَّهِ ما تركتُ منْ جبلٍ إلَّا وقفتُ عليهِ، فهلْ لي منْ حجٍّ؟ " ثم ذكرَ الحديثَ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: منْ شهدَ صلاتَنا - يعني صلاةَ الفجرِ - هذه يعني بالمزدلفة فوقفَ معنا)، [يعني]

(7)

في مزدلفةَ (حتَّى ندفعَ، وقدْ وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلكَ ليلًا أو نهارًا، فقدْ تمَّ حجُّه وقضَى تفثَه. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَة الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ). فيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يتمُّ الحجُّ إلَّا بشهودِ صلاةِ الفجرِ بمزدلفةَ، والوقوفِ بها حتَّى يدفعَ

(1)

أبو داود (1950)، والترمذي (891)، والنسائي (5/ 263)، وابن ماجه (3016)، وأحمد (4/ 261، 262).

(2)

في "السنن"(3/ 239).

(3)

في "صحيحه"(4/ 256 رقم 2821) و (4/ 255 رقم 2820).

قلت: وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 208)، والبيهقي (5/ 173)، والحميدي رقم (900) و (901)، وابن الجارود رقم (467) والدارمي (2/ 59)، والدارقطني (2/ 239)، والحاكم (1/ 463)، والطبراني في "الكبير"(17/ 382)(386) و (387) و (388) و (389) و (390) و (391) و (392) و (393) وغيرهم من طرق ..

وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص"(2/ 256): وصحَّح هذا الحديث الدارقطني والحاكم والقاضي أبو بكر بن العربي على شرطهما. قلت: وصحَّحه المحدث الألباني في "الإرواء" رقم (1066).

(4)

انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(4/ 33 - 34 رقم 3654).

(5)

زيادة من النسخة (أ).

(6)

زيادة من النسخة (أ).

(7)

في النسخة (ب): "أي".

ص: 236

الإمامُ، وقدْ وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلكَ في ليلٍ أو نهارٍ. ودلَّ على إجزاءِ الوقوفِ بعرفةَ في نهارِ يومِ عرفةَ إذا كان منْ بعدِ الزوالِ، أو في ليلةِ الأضْحى، وأنهُ إذا فعلَ ذلكَ فقدْ قَضَى تفَثَه، وهوَ قضاءُ المناسكِ. وقيلَ: إذهابُ الشعرِ. ومفهومُ الشرطِ أن مَنْ لم يفعلُ ذلكَ لم يتمَّ حجُّه، فأما الوقوفُ بعرفةَ [فإنُه]

(1)

مُجْمَعٌ عليهِ، وأما بمزدلفةَ فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يتمُّ الحجُّ وإنْ فاتَ وقوفه بالمزدلفة وصلاته الفجر بها، ويلزمُ فيهِ دمٌ. وذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ إلى أنهُ ركنٌ كعرفةَ، وهذا المفهومُ [دليلُه، ويدلُّ له]

(2)

روايةُ النسائي: "ومنْ لم يدركْ جَمْعًا فلا حجَّ له"، وقولُه تعالَى:{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}

(3)

، وفعلُه صلى الله عليه وسلم، وقولُه:"خذُوا عني مناسِكَكُم"

(4)

. وأجابَ الجمهورُ بأنَّ المرادَ منْ حديثٍ عروةَ منْ فعلِ جميعِ ما ذكرَ فقدْ تمَّ حجَّةُ، وأَتَى بالكاملِ منَ الحجِّ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ أحمدُ

(5)

، وأهلُ السننِ

(6)

، وابنُ حِبَّانَ

(7)

، والحاكمُ

(8)

، والدارقطنيُّ

(9)

، والبيهقيُّ

(10)

،:"أنهُ أتاهُ صلى الله عليه وسلم وهوَ واقفٌ بعرفاتٍ ناسٌ منْ أهلِ نجدٍ فقالُوا: كيفَ الحجُّ؟ فقالَ: "الحجُّ عرفة، منْ جاءَ قبلَ صلاةِ الفجرِ منْ ليلةِ جَمْعٍ فقدْ تمَّ حجُّه"، وفي روايةٍ لأبي داودُ

(11)

: "منْ أدركَ عرفةَ قبلَ أن يطلعَ الفجرُ فقدْ أدركَ الحجَّ"، ومنْ روايةٍ الدارقطني

(12)

: "الحجُّ عرفةُ، الحجُّ عرفةُ". قالُوا: هذا صريحٌ في المرادِ، وأجابُوا عنْ زيادةِ:"ومنْ لم يدركْ جَمْعًا فلا حجَّ لهُ"

(1)

في النسخة (أ): "فهو".

(2)

في النسخة (أ): "دليل له ويؤيده".

(3)

سورة البقرة: الآية 198.

(4)

تقدم تخريجه مرارًا.

(5)

في "المسند"(4/ 309 - 310).

(6)

أبو داود (1949)، والترمذي (889)، والنسائي (5/ 264 - 265)، وابن ماجه (3015).

(7)

في "الموارد" رقم (1009).

(8)

في "المستدرك"(1/ 463).

(9)

في "السنن"(2/ 240).

(10)

في "السنن الكبرى"(5/ 73، 116، 152، 173).

قلت: وأخرجه البغوي رقم (2001)، وابن خزيمة (2822)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 209 - 210)، والدارمي (2/ 59)، والطيالسي رقم (1309) و (1310) وغيرهم. وهو حديث صحيح.

(11)

في السنن (1/ 486 - 487 رقم 1949)، وهو حديث صحيح.

(12)

في "السنن"(2/ 240 - 241 رقم 19).

ص: 237

باحتمالِها التأويل، أي: فلا حجَّ كاملُ الفضيلةِ، وبأنَّها روايةٌ أنكرَها أبو جعفرٍ العقيلي، وألفَ في إنكارِها جُزءًا، [وعن]

(1)

الآيةِ أنَّها لا تدلُّ إلَّا على الأمرِ بالذكرِ عندَ المشعرِ [الحرام، ولا تدل]

(2)

على أنهُ ركنٌ، وبأنهُ فعلَه صلى الله عليه وسلم بيانًا للواجبِ المستكملِ الفضيلةَ.

‌وقت الإفاضة من مزدلفة

19/ 713 - وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(3)

. [صحيح]

(وعنْ عمرَ رضي الله عنه قالَ: إن المشركينَ كانُوا لا يفيضونَ) أي: منْ مزدلفةَ (حتَّى تطلعَ الشمسُ، ويقولونَ أشرقْ) بفتحِ الهمزةِ، فعلُ أمرٍ منَ الإشراقِ، أي: ادخلْ في الشروقِ، (ثبيرُ) بفتحِ المثلثةِ، وكسرِ الموحدة، فمثناةٍ تحتية فراءٍ، جبلٌ معروفٌ على يسار الذاهبِ إلى منَى، وهوَ أعظمُ جبالِ مكةَ، (وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خالفَهم فأفاضَ قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ. رواهُ البخاريُّ). وفي روايةٍ بزيادةٍ:"كيما نُغِيرُ" أخرجَها الإسماعيليُّ، وابنُ ماجهْ

(4)

، وهوَ منَ الإغارةِ الإسراعُ في عدْوِ الفرسِ. وفيهِ أنهُ يشرعُ الدفعُ، وهوَ الإفاضةُ قبلَ شروقِ الشمسِ. وتقدَّم حديثُ جابرٍ

(5)

: "حتَّى أسفرَ جدًّا".

‌استمرار التلبية حتى رمي الجمرة

20/ 714 - وَعَن ابْنِ عَبّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهم قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمىَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(6)

. [صحيح]

(1)

في النسخة (أ): "وعلى".

(2)

في النسخة (أ): "لا".

(3)

في "صحيحه"(1684).

(4)

في "السنن"(3022).

(5)

الطويل برقم (1/ 695) من كتابنا هذا.

(6)

في "صحيحه"(1686، 1687).

قلت: وأخرجه مسلم (1281)، وأبو داود (1815)، والترمذي (918)، والنسائي (5/ 268).

ص: 238

(وعنِ ابن عباسٍ وأسامةَ بن زيدٍ رضي الله عنهم قَالَا: لم يزلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبِّي حتَّى رَمَىَ جمرةَ العقبةِ. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دليلٌ على مشروعيةِ الاستمرارِ في التلبيةِ إلى يومِ النحرِ حتَّى يرمي الجمرةَ. وهلْ يقطعُه عندَ الرمي بأولِ حصاةٍ أو معَ فراغه منْها؟ ذهبَ الجمهورُ إلى الأولِ، وأحمدُ إلى الثاني، ودلَّ لهُ ما رواهُ النسائيُّ

(1)

: "فلمْ يزلْ يلبي حتَّى رمَى الجمرةَ، فلما رجَع قطعَ التّلْبِيةَ"، وما رواهُ أيضًا ابنُ خزيمةَ

(2)

وقالَ: حديثٌ صحيحٌ منْ حديث ابن عباسٍ رضي الله عنه عن الفَضلِ أنّه قال: "أفضْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منْ عرفاتٍ فلم يزلْ يلبي حتَّى رمَى جمرةَ العقبةِ، ويكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ قطعَ التلبيةَ معَ آخرِ حصاةٍ"، وهوَ يبينُ المرادَ منْ قولِه:"حتَّى رَمَى جمرةَ العقبةِ" أي: أتمَّ رميَها. وللعلماءِ خلافٌ متَى يقطعُ التلبيةَ، وهذه الأحاديثُ قد بيَّنتْ وقتَ تركِه صلى الله عليه وسلم لها.

‌هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها

21/ 715 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ورَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(3)

. [صحيح]

(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ رضي الله عنه أنهُ جعلَ البيتَ على يسارهِ) عندَ رميهِ جمرةَ العقبةِ، (ومنىً عنْ يمينِه، ورمَى الجمرةَ بسبعِ حصياتٍ، وقالَ: هذا مقامُ الذي أُنزلتْ عليهِ سورةُ البقرةِ. متفقٌ عليهِ). قامَ الإجماعُ على أن هذه الكيفيةَ ليستْ [بواجبة]

(4)

، وإنَّما هي مستحبَّةٌ، وهذَا قاله ابنُ مسعودٍ ردًا على مَنْ يرميْها منْ فوقِها، واتفقُوا أن سائرَ الجمارِ تُرْمَى من فوقِها، وخصَّ سورةَ البقرةِ بالذكرِ لأنَّ غالبَ أعمالِ الحجِّ مذكورةٌ فيها، أوْ لأنَّها اشتملتْ على أكثرِ أمورِ الدياناتِ

(1)

في "السنن"(5/ 268 رقم 3055).

(2)

في "صحيحه"(4/ 282 رقم 2887) بسند صحيح.

(3)

البخاري (1748)، ومسلم (307/ 1296).

قلت: وأخرجه أبو داود (1974)، والترمذي (901)، والنسائي (5/ 273 - 274).

(4)

في النسخة (أ): "واجبة".

ص: 239

والمعاملاتِ، وفيهِ جوازُ أنْ يقالَ سورةُ البقرةِ خلافًا لمنْ قال يكرهُ ولا دليلَ لهُ.

‌وقت رمي الجمار الثلاث بعد زوال الشمس

22/ 716 - وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: رَمَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

[صحيح]

(وعنْ جابرٍ رضي الله عنه قالَ: رَمَى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الجمرةَ يومَ النحرِ ضُحَى، وأما بعدَ ذلكَ فإذا زالتِ الشمسُ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ على وقتِ رمي جمرةِ العقبةِ، والحديثُ دليلٌ على أن وقتَ رمي الثلاثة الجمارِ منْ بعدِ زوالِ الشمسِ وهوَ قولُ جماهيرِ العلماءِ.

‌هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها والدعاء عندها

23/ 717 - وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمّ يَرْمِي الْوُسْطى، ثُمَّ يَأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(2)

. [صحيح]

(وعنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما أنهُ كان يرمي الجمرةَ الدُّنيا)، بضمِّ الدالِ وبكسرِها، أي:[الدانية]

(3)

إلى مسجد الخيفِ، وهي أولُ الجمراتِ التي تُرْمَى ثاني [يوم]

(4)

النحرِ (بسبعِ حصياتٍ، يكبِّرُ على أثرِ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ يتقدمُ ثمَّ يسْهلُ) بضمِّ حرفِ

(1)

في "صحيحه"(314/ 1299).

قلت: وأخرجه أبو داود (1971)، والترمذي (894)، والنسائي (5/ 270)، وابن ماجه (3053).

(2)

في "صحيحه"(1751).

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 276).

(3)

في النسخة (أ): "الدنية".

(4)

زيادة من النسخة (أ).

ص: 240

المضارعةِ، وسكون المهملةِ، أي:[يقصدُ]

(1)

السهلَ منَ الأرض، (فيقومُ فيستقبلُ القبلةَ [ثمّ يدعوُ]

(2)

ويرفعُ يدِيْه [ويقومُ طويلًا]

(3)

، ثمَّ يرمي الوسطى، ثمَّ يأخذُ ذاتَ الشمالِ) أي: يمشي إلى جهةِ شمالِه ليقفَ داعيًا في مقامٍ لا يصيبُه الرميُ، (فيُسهلُ ويقومُ مستقبلَ القبلةِ ثمَّ يدعو ويرفعُ يديهِ ويقومُ طويلًا، ثمَ يرمي جمرةَ ذاتِ العقبةِ منْ بطنِ الوادي ولا يقفُ عندَها، ثمَّ ينصرفُ فيقولُ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يفعلُه. رواهُ البخاريُّ). فيهِ ما قدْ دلَّتْ عليهِ الأدلةُ الماضيةُ منَ الرمي بسبعِ حصياتٍ لكلِّ جمرةٍ والتكبيرُ عندَ كلِّ حصاةٍ. وفيه زيادةُ أنه يستقبلُ القبلةَ بعدَ الرمي للجمرتين ويقومُ طويلًا يدعو اللَّهَ تعالى. وقد فسَّرَ مقدارَ القيامِ ما أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ

(4)

بإسنادٍ صحيح: "أن ابنَ عمرَ كانَ يقومُ عندَ الجمرتينِ بمقدارِ ما يقرأُ سورةَ البقرةِ، وأنهُ يرفع يديْهِ عندَ الدعاءِ"، قالَ ابنُ قدامةَ: ولا نعلمُ في ذلكَ خلافًا إلَّا ما يُرْوَى عنْ مالكٍ: لا أنهُ لا يرفعُ يديْهِ عند الدعاءِ". وحديثُ ابن عمرَ دليل لخلافِ ما قالَ مالكٌ.

‌الحلق أفضل من التقصير

24/ 718 - وَعَنْهُ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اللَّهُمّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ في الثَّالِثَةِ:"وَالْمُقَصِّرِينَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(5)

. [صحيح]

(وعنهُ) أي ابن عمرَ رضي الله عنهما أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: اللهمَّ ارحمِ المحلِّقينَ) أي: الذينَ حلقُوا رؤوسَهم في حجٍّ أو عمرةٍ عندَ الإحلالِ [منْها]

(6)

، (قالُوا) يعني السَّامعينَ منَ الصحابةِ. قالَ المصنفُ في الفتحِ

(7)

: إنهُ لم يقفْ في شيءٍ منَ الطرقِ على [اسم]

(8)

الذي تولَّى السؤالَ بعدَ البحثِ الشديدِ عنهُ، (والمقصِّرينَ)

(1)

في النسخة (أ): "يطلب".

(2)

في النسخة (أ): "فيقوم طويلًا فيدعو".

(3)

زيادة من النسخة (ب).

(4)

عزاه إليه ابن حجر في "الفتح"(3/ 584) وقال: إسناد صحيح.

(5)

البخاري (1727)، ومسلم (1301).

قلت: وأخرجه أبو داود (1979)، والترمذي (913)، ومالك في الموطأ (1/ 395 رقم 184)، والبغوي في "شرح السنة"(7/ 202 رقم 1961).

(6)

في "النسخة"(أ): "منهما".

(7)

(3/ 562).

(8)

زيادة من النسخة (أ): وهي غير موجودة في "فتح الباري".

ص: 241

هوَ منْ عطفِ التلقينِ كما في قولهِ تعالى: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ}

(1)

على أحدِ الوجهينِ في الآيةِ كأنهُ قيلَ: وارحمِ المقصِّرينَ (يا رسولَ اللَّهِ، قالَ في الثالثةِ: والمقصرينَ. متفقٌ عليهِ). وظاهرهُ أنهُ دعا للمحلِّقينَ مرتينِ، وعطفَ المقصِّرينَ في الثالثةِ، وفي رواياتٍ أنهُ دعا للمحلِّقينَ ثلاثًا ثمَّ عطفَ المقصِّرينَ، ثمَّ إنهُ اختُلِفَ في هذا الدعاءِ متى كانَ منهُ صلى الله عليه وسلم، فقيلَ في عمرةِ الحديبيةِ وجزمَ بهِ إمامُ الحرمينِ، وقيلَ في حجَّةِ الوداعِ وقوَّاهُ النوويُّ

(2)

، وقالَ: هوَ الصحيحُ المشهورُ. وقالَ القاضي عياضُ: كان في الموضعينِ. قالَ النوويُّ: ولا يبعدُ ذلكَ، وبمثلِه قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ

(3)

. قالَ المصنفُ

(4)

: وهذا هوَ المتعينُ لتضافرِ الرواياتِ بذلكَ.

والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الحلقِ والتقصيرِ، وأنَّ الحلقَ أفضلُ. هذا ويجبُ في حلقِ الرأسِ استكمالُ حلْقه عندَ الهادوية

(5)

، ومالكِ

(6)

، وأحمدَ

(7)

، وقيلَ: هوَ الأفضلُ، ويجزئُ الأقلُّ فقيلَ الرُّبُعُ، وقيلَ النصفُ، وقيلَ أقلُّ ما يجبُ حلقُ ثلاثِ شعراتٍ، وقيلَ شعرةٌ واحدةٌ، والخلافُ في التقصير في التفضيل مثلُ هذا، وأما مقدارُه فيكونُ [مقداره قدر أنْمُلة]

(8)

، وقيلَ: إذا اقتصرَ على دونِها أجزأَ، وهذا كلُّه في حقِّ الرجالِ، ثمَّ هو [أيضًا]

(9)

أيْ: تفضيلُ الحلْقِ على التقصيرِ أيضًا في حقِّ الحاجِّ والمعتمرِ، وأما المتمتعُ فإنهُ صلى الله عليه وسلم خيَّرهُ بينَ الحلقِ والتقصيرِ كما في روايةٍ البخاريِّ بلفظِ:"ثمَّ يحلقُوا أو يقصِّروا". وظاهرُ الحديثِ استواءُ الأمرينِ في حقِّ المتمتعِ، وفصَّلَ المصنفُ في الفتح فقالَ: إنْ كانَ [بحيثُ يطلعُ]

(10)

شعْرُه فالأوْلى لهُ الحلقُ وإلَّا فالتقصيرُ، ليقعَ الحلقُ في الحجِّ وبيَّنَ وجْهَ التفصيلِ في الفتح. وأما النساءُ فالمشروعُ في حقِّهنَّ التقصيرُ إجماعًا. وأخرجَ أبو داوَدَ

(11)

منْ حديثٍ ابن عباسٍ: "ليسَ على النساءِ حلقٌ، وإنَّما على النساءِ التقصيرُ".

(1)

سورة البقرة: الآية 126.

(2)

في "شرح صحيح مسلم"(9/ 50).

(3)

في كتابه: "إحكام الأحكام"(3/ 84).

(4)

في "الفتح"(3/ 564).

(5)

انظر: "التاج المذهب"(1/ 299).

(6)

انظر: "قوانين الأحكام"(ص 153).

(7)

انظر: "المغني" لابن قدامة (5/ 303 - 304) تحقيق: التركي والحلو.

(8)

في النسخة (ب): "مقدار أنملة".

(9)

زيادة من (أ).

(10)

في النسخة (أ): "حيث. تطلع".

(11)

في "السنن"(1984) ورقم (1985)، وهو حديث صحيح.

ص: 242

وأخرجَ الترمذيُّ

(1)

منْ حديثٍ عليٍّ عليه السلام: "نَهَى أنْ تحلقَ المرأةُ رأسَها"، وهلْ يجزئُ لو حلقتْ؟ قالَ بعضُ الشافعيةِ: يجزئُ ويكرهُ لها ذلك.

‌تقديم الحلق أو الرمي على النحر

25/ 719 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ في حَجّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ:"اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ:"ارْمِ وَلَا حَرَجَ"؛ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن العاصِ رضي الله عنهما أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقفَ في حجةِ الوداعِ) أي: يومَ النحرِ بعدَ الزوالِ، وهوَ على راحلتهِ يخطبُ عندَ الجمرةِ؛ (فجعلُوا يسألونُه فقالَ رجلٌ) قالَ المصنفُ

(3)

رحمه الله: لم أقفْ على اسمِه بعدَ البحثِ الشديدِ: (لم أشعرْ) أي: لم أفطنْ ولم أعلمْ، (فحلقتُ قبلَ أن أذبحَ قالَ: اذبحْ) أي: الهديَ، والذبحُ ما يكونُ في الحلقِ (ولا حرجَ)[أي]

(4)

لا إثمَ، (وجاءَ آخرُ فقالَ: لم أشعرْ فنحرتُ)، النحرُ ما يكونُ في اللبةِ (قبلَ أنْ أرميَ) جمرةَ العقبةِ (قالَ: ارمِ ولا حرجَ، فما سُئِلَ يومئذٍ عنْ شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قالَ افعلْ ولا حرجَ. متفق عليه). اعلمْ أنَّ الوظائفَ على الحاجِّ يومَ النحرِ أربعٌ: الرميُ لجمرةِ العقبةِ، ثمَّ نحرُ الهدي أو ذبحُه، ثمَّ الحلقُ أو التقصيرُ، ثمَّ طوافُ الإفَاضَةِ، هذا هوَ

(1)

في "السنن"(914) وقال: حديث علي فيه اضطراب. وروى هذا الحديثُ عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها". والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقًا، ويرون عليها التقصير.

والخلاصة: حديث علي ضعيف.

(2)

البخاري (1736)، ومسلم (1306).

قلت: أخرجه أبو داود (2014)، والترمذي (916)، وأحمد (2/ 159)، وابن ماجه (3052)، ومالك (1/ 421 رقم 242)، وابن الجارود رقم (487).

(3)

في "فتح الباري"(3/ 570).

(4)

زيادة من (ب).

ص: 243

الترتيبُ المشروعُ فيها، وهكذَا فعلَ صلى الله عليه وسلم في [حجتهِ]

(1)

، ففي الصحيحينِ

(2)

: "أنهُ صلى الله عليه وسلم أتى مِنَى، فأتَى الجمرةَ فرماها، ثمَّ أتَى منزلَه بمنَى فنحرَ وقالَ للحالقِ: خذْ"، ولا نزاعَ في هذا للحاجِّ مطلقًا، ونازعَ بعضُ الفقهاءِ في القارنِ فقالَ: لا يحلقُ حتَّى يطوفَ.

والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجوزُ تقديمُ بعضِ هذهِ الأشياءِ وتأخيرُها، وأنهُ لا ضيقَ ولا إثمَ على مَنْ قدَّمَ أو أخَّرَ، فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فذهبَ الشافعيُّ وجمهورُ السلفِ، وفقهاءُ أصحابِ الحديثِ، والعلماءُ إلى الجوازِ، وأنهُ لا يجبُ الدمُ على مَنْ فعلَ ذلكَ لقوله للسائلِ:"ولا حرجَ"، فإنهُ ظاهرٌ في نفي الإثمِ والفديةِ معًا، لأنَّ اسمَ الضيقِ [يشملُها]

(3)

.

قالَ الطبريُّ: لم يُسقِطِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الحرجَ إلَّا وقدّ أجزأَ الفعلُ، إذْ لو لم يجزئْه لأمرَهُ بالإعادةِ، لأنَّ الجهلَ والنسيانَ لا يضعانِ عن المكلَّفِ الحكمَ الذي يلزمُه في الحجِّ كما لو تركَ الرميَ ونحوَه، فإنهُ لا يأثمُ بتركهِ ناسيًا أو جاهلًا، لكنْ يجبُ عليهِ الإعادةُ. وأما الفديةُ فالأظهرُ سقوطُها عن الناسي والجاهلِ، وعدمُ سقوطِها عن العالم، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ

(4)

: القولُ بسقوطِ الدمِ عن الجاهلِ والناسي دونَ العامدِ قويٌّ منْ جهةِ أن الدليلَ دلَّ على وجوبِ اتباعِ أفعالِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحجِّ بقولهِ: "خُذُوا عني مناسِكَكم"

(5)

. وهذه السؤالاتُ المرخصةُ بالتقديمِ لما وقعَ السؤالُ عنهُ إنَّما قرنتْ بقولِ السائلِ: "لم أشعرْ"؛ فيختصُّ الحكمُ بهذهِ الحالةِ، ويحملُ قولُه:"لا حرجَ" على نفي الإثمِ والدمِ معًا في الناسي والجاهلِ، ويبقى العامدُ على أصلِ وجوب اتباعِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم في الحجِّ. والقائلُ بالتفرقةِ بينَ العامدِ وغيْرهِ قدْ مشَىَ أيضًا على القاعدةِ في أن الحكمَ إذا رُتِّبَ على وصفٍ يمكنُ بأنْ يكونَ معتبرًا لم يجز اطِّراحُه، ولا شكَّ أن عدمَ الشعورِ وصفٌ مناسبٌ

(1)

في النسخة (أ): "حجه".

(2)

أخرجه مسلم (1305)، وأبو داود (1981)، والترمذي (912)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(3)

في النسخة (أ): "يشملهما".

(4)

في كتابه "إحكام الأحكام"(3/ 79).

(5)

تقدَّم تخريجه مرارًا.

ص: 244

لعدمِ التكليفِ والمؤاخذةِ، والحُكمُ عُلِّقَ بهِ فلا يمكنُ اطِّراحُه بإلحاقِ العامدِ بِه، إذْ لا يساويهِ.

قال: وأما التمسكُ بقولِ الراوي: "فما سُئِلَ عنْ شيءٍ" إلى آخرِه لإشعارهِ بأنَّ الترتيبَ مُطلقًا غيرُ مراعَى، فجوابُه أن [هذي الأخبارَ]

(1)

منَ الراوي تتعلقُ بما وقعَ السؤالُ عنهُ وهوَ مطلقٌ بالنسبةِ إلى حالِ السائلِ، والمطلقُ لا يدلُّ على أحدِ الخاصينِ بعينه فلا تبقَى حجةٌ في حالِ العمدِ.

‌تقديم النحر على الحلق

26/ 720 - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(2)

. [صحيح]

(وعنِ المِسورِ)

(3)

بِكَسرِ الميمِ، وسكونِ المهملةِ، وفتحِ الواوِ، فراءٍ (ابن مخرمةَ رضي الله عنه) بفتحِ الميمِ، وسكونِ الخاءِ المعجمةِ، وفتحِ الراءِ، زهريٌّ قرشيٌّ، ماتَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهوَ ابنُ ثماني سِنِين وسمعَ منهُ وحفظَ عنهُ، انتقلَ منَ المدينةِ بعدَ قتلِ عثمانَ إلى مكةَ، ولم يزلْ بها إلى أنْ حاصرَها عسكرُ يزيدَ، فقتلَه حجرٌ من حجارِ المنجنيقِ، وهوَ يصلِّي في أولِ سنةِ أربعٍ وستينَ، وكانَ من أهل الفضلِ والدينِ، (أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لنحرَ قبلَ أنْ يحلقَ، وأمرَ أصحابَه بذلكَ. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دلالةٌ على تقديم النحرِ قبلَ الحلقِ. وتقدَّمَ قريبًا أن المشروعَ [تقديمُ الحلقِ قبلَ الذبحِ، فقيل:]

(4)

حديثُ المسورِ هذا إنَّما هو إخبارٌ عنْ فعلِه صلى الله عليه وسلم في عمرْةِ الحديبيةِ حيثُ أُحصِرَ فتحلَّلَ صلى الله عليه وسلم بالذبحِ. وقدْ بوَّبَ عليهِ البخاريُّ (بابُ النحرِ قبلَ الحلقِ في الحصر)

(5)

، وأشارَ البخاريُّ إلى أن هذَا الترتيبَ يختصُّ بالمحصرِ على جهةِ الوجوبِ؛ [فإنهُ]

(6)

أخرجَهُ بمعناهُ هذا، وقدْ أخرجَهُ بطولِه في كتابه

(1)

في النسخة (أ): "هذا الإخبار".

(2)

في "صحيحه"(1811).

(3)

انظر ترجمته في: "المعرفة والتاريخ"(1/ 358)، و "تهذيب الأسماء واللغات"(4/ 94) و "العقد الثمين"(7/ 197)، و "تهذيب التهذيب"(10/ 137).

(4)

زيادة من النسخة (ب).

(5)

رقم الباب (3)، (4/ 10).

(6)

في النسخة (أ): "وقد".

ص: 245

الشروطِ

(1)

، وفيهِ:"أنهُ قالَ لأصحابِه: قومُوا فانحرُوا ثم احلُقوا"، وفيهِ قولُ أمِّ سلمةَ لهُ صلى الله عليه وسلم:"اخرجْ ثمَّ لا تكلِّمْ أحدًا منْهم كلمةً حتَّى تنحرَ بُدنَك، فخرجَ فنحرَ بُدنَه، ثمَّ دعا حالقَه فحلقَه"، الحديثَ. وكانَ الأحسنُ تأخيرَ المصنفِ لهُ إلى بابِ الإحصار.

‌رمي جمرة العقبة والحلق يحل كل محرَّم على المحرِم إلا النساء

27/ 721 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكلُّ شَيءٍ إِلَّا النِّسَاءَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ

(2)

، وأَبُو دَاوُدَ

(3)

، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إذا رمَيتمْ وحلقتمْ فقدْ حلَّ لكمُ الطِّيبُ وكلُّ شيءٍ إلَّا النساءَ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وفي إسنادِه ضعفٌ)؛ لأنهُ منْ روايةِ الحجاجِ بن أرطاةَ

(4)

، ولهُ طرقٌ أُخَرُ مدارُها عليهِ، وهوَ يدلُّ على أنهُ بمجموعِ الأمرينِ رميُ جمرةِ العقبةِ والحلقُ يحلُّ كلُّ محرمٍ على المحرمِ إلَّا النساءَ، فلا يحلُّ وطؤُهنَّ إلَّا بعدَ طوافِ الإفاضةِ، والظاهرُ أنهُ مجمعٌ على حلِّ الطيبِ وغيرِه إلا الوَطْءَ بعدَ الرمي وإنْ لمْ يحلقْ.

‌على النساء التقصير وليس الحلق

28/ 722 - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ

(1)

رقم (2581/ 2582) بترتيب البغا.

(2)

في "المسند"(12/ 186 - الفتح الرباني).

(3)

في "السنن"(1978) وقال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم يرَ الزهري ولم يسمع منه.

قلت: وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(4/ 302 رقم 2937).

والحديث صحَّحه الألباني في "صحيح أبي داود". قلت: لعله صحَّحه بشاهد من حديث ابن عباس. وانظر. "التلخيص الحبير"(2/ 260).

(4)

ضعيف تقدَّم الكلام عليه مرارًا.

ص: 246

حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ

(1)

. [صحيح]

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ليسَ على النساءِ حلْقٌ وإنَّما يقصِّرْنَ. رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنن). تقدَّمَ ذكرُ هذا الحكم في الشرحِ، وأنهُ ليسَ في حقِّهنَّ الحلقُ فإنْ حلقْنَ أجزأ.

‌المبيت بمنى ليالي النحر واجب إلَّا لعذر

29/ 723 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ الْعَبَّاسَ بنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأَذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعنِ ابن عمرَ رضي الله عنهما أن العباسَ بنَ عبدِ المطلبِ رضي الله عنه استأذنَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يبيتَ بمكةَ ليالي مِنَى منْ أجلِ سقايتهِ)، وهي ماءُ زمزمَ؛ فإنَّهم كانُوا يغترفونَه بالليلِ، ويجعلونَه في الحياضِ سبيلًا، (فَأَذِنَ لهُ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يجبُ المبيتُ بمنَى ليلةَ ثاني النحرِ، وثالثِهِ إلَّا منْ لَهُ عذرٌ، [ولهذا]

(3)

يُرَوى عنْ أحمدَ

(4)

. والحنفيةُ قالتْ: إنهُ سنةٌ. قيلَ: إنهُ يختصُّ هذَا الحكمُ بالعباسِ دونَ غيرِه. وقيلَ: بلْ وبمنْ يحتاجُ إليهِ في سقايتهِ وهوَ الأظهرُ، لأنهُ لا يتمُّ له وحدَه إعدادُ الماءِ للشاربينَ، وهل يختصُّ بالماءِ أوْ يلحقُ بهِ ما في معناهُ منَ الأكلِ

(1)

في "السنن"(1984، 1985).

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 64)، والدارقطني في "السنن"(2/ 271 رقم 165، 166) والطبراني في "الكبير"(12/ 250 رقم 13018)، والبيهقي (5/ 104). وصحَّحه أبو حاتم في "العلل"(2/ 281 رقم 834)، وقال الحافظ في "التلخيص" (2/ 261 رقم 1058): "

وإسناده حسن، وقواه أبو حاتم في "العلل"، والبخاري في "التاريخ".

وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق فأصاب".

وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(2)

البخاري (1634)، ومسلم (1315).

قلت: وأخرجه أبو داود (1959)، وابن ماجه (3065)، والدارمي (2/ 75)، وأحمد (2/ 19، 22، 28، 88).

(3)

في النسخة (ب): "وهذا".

(4)

انظر: "المغني" تحقيق: التركي، والحلو (5/ 324 - 326 رقم 655).

ص: 247

وغيرِه، وكذَا حفظُ مالِه، وعلاجُ مريضِه، وهذَا الإلحاقُ رأيُ الشافعيِّ ويدلُّ للإلحاق الحديثُ:

30/ 724 - وَعَنْ عَاصِمِ بن عَدِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ في الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(1)

، وَصحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ

(2)

، وَابْنُ حِبّانَ

(3)

. [صحيح]

‌ترجمة عاصم بن عدي

وهوَ قولُه: (وعنْ عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ رضي الله عنه)

(4)

هوَ أبو عبدِ اللَّهِ أو عمرُ أو عمرُو حَليفُ بني عُبيدِ بن زيدٍ منْ بني عمرِو بن عوفٍ منَ الأنصارِ شهدَ بَدْرًا والمشاهدَ بعدَها، وقيل: لم يشهدْ بدرًا وإنَّما خرجَ إليها معَهُ صلى الله عليه وسلم فردَّه إلى أهلِ مسجدِ الضرارِ لشيءٍ بلغَهُ عنْهم، وضربَ لهُ سهمَه وأجْرَهُ، فكانَ كمنْ شهدَها، ماتَ سنةَ خمسٍ وأربعينَ، وقيلَ: استُشْهِدَ يومَ اليمامةِ وقدْ بلغَ مائةً وعشرينَ سنةً، (أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رخَّص لرعاءِ الابلِ في البيتوتةِ عنْ مِنَى يرمونَ يومَ النَّحرِ) جمرةَ العقبةِ، ثمَّ ينفرونَ ولا يبيتونَ بِمنَى، (ثُمَّ يَرْفونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، ليومينِ) أي: يرمونَ اليومَ الثالثَ لذلكَ اليومِ ولليومِ الذي فاتَهم الرميُ فيه، وهوَ اليومُ الثاني، (ثمَّ يرمونَ يومَ النفرِ) أي: اليومُ الرابعُ إنْ لم يتعجَّلُوا (رواهُ الخمسة، وصحَّحه، الترمذيُّ، وابنُ حبانَ)، فإنَّ فيه دليلًا على أنهُ يجوزُ [لأهل]

(5)

الأعذارِ عدمُ المبيتِ بمنَى، وأنهُ غيرُ خاصٍّ بالعباسِ، ولا بسقايتهِ، وأنهُ لو أحدثَ أحدٌ سقايةً جازَ له ما جازَ لأهلِ سقايةِ زمزمَ.

(1)

أحمد (5/ 450)، وأبو داود (1975)، والترمذي (955)، والنسائي (5/ 273) وفي "الكبرى" كما في "التحفة"(4/ 226)، وابن ماجه (3037).

قلت: وأخرجه مالك (1/ 408)، والدارمي (2/ 61 - 62)، والبخاري في "التاريخ الكبير"(6/ 477)، تعليقًا وابن خزيمة رقم (2975) و (2979)، وابن الجارود في "المنتقى"، رقم (478)، والحاكم (1/ 478)، والبيهقي (5/ 150)، والبغوي رقم (1970) وغيرهم.

(2)

في "السنن"(3/ 290).

(3)

في "الإحسان"(9/ 200 رقم 3888) بإسناد صحيح.

(4)

انظر ترجمته في: "أسد الغابة"(3/ 114 رقم 2670).

(5)

زيادة من (ب).

ص: 248

‌خطبة يوم النحر من غير صلاه عيد

31/ 725 - وَعَنْ أَبِي بَكرَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ. الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ أبي بكرةَ رضي الله عنه قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومَ النحرِ [الحديث]

(2)

متفقٌ عليهِ). فيهِ شرعيةُ الخطبةِ يومَ النحرِ، وليستْ خطبةَ العيد، فإنهُ صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ العيدَ في [حجتهِ]

(3)

، ولا خطبَ خطبتَهُ. واعلمْ أن الخُطَبَ [المشروعة]

(4)

في الحجِّ ثلاثٌ عندَ المالكيةِ والحنفيةِ: الأولى سابعَ ذي الحجةِ، والثانيةُ يومَ عرفةَ، والثالثةُ ثاني [يوم]

(5)

النحرِ، وزادَ الشافعيُّ رابعةً هي يومِ النحرِ، وجعلَ الثالثةَ في ثالثِ النحرِ لا في [ثانية]

(6)

.

قالَ: لأنهُ أولُ النفرِ. وقالتِ المالكيةُ والحنفيةُ: إنَّ خطبةَ يومِ النحرِ لا تعدُّ خطبةً إنما هي وصايا عامةٌ لا أنَّها مشروعةٌ في الحجِّ، وردَّ عليهم بأنَّ الصحابةَ سمُّوها خطبةً، [ولأنها]

(7)

اشتملتْ على مقاصدِ الخطبةِ كما أفادهُ لفظُها وهو قولُه: "أتدرونَ أيّ يومَ هذَا؟ قلْنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ يومَ النحرِ؟ قلنا: بَلَى، قالَ: أيُّ شهرٍ هذَا؟ قلنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتَّى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ [ذي]

(8)

الحجةِ؟ قلْنا: بلَى، قالَ: أيُّ بلدٍ هذَا؟ قلْنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتَّى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ البلدةَ الحرامَ؟ قلْنا: بَلَى، قالَ: فإنَّ دماءَكم وأموالكم حرامٌ عليكمْ كحرمةِ يومكِمْ هَذا، في شهرِكم هذَا، في بلدِكمْ هذَا، إلى يومِ تلقونَ ربَّكم، ألا هلْ بلَّغتُ؟ قالُوا: نعمْ، قالَ: اللهمَّ اشهدْ فليبلغِ الشاهدُ الغائبَ، فربَّ مُبَلَّغ أَوْعَى منْ سامعٍ، فلا ترجعُوا بعدي كفارًا؛ يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ"، أخرجَه البخاريُّ. فاشتملَ الحديثُ على تعظيمِ

(1)

البخاري (1741)، ومسلم (31/ 1679).

(2)

زيادة من النسخة (أ).

(3)

في النسخة (أ): "حجه".

(4)

في النسخة (ب): "المشروعات".

(5)

زيادة من النسخة (أ).

(6)

في النسخة (ب): "الثانية".

(7)

في النسخة (ب): "وبأنها".

(8)

في النسخة (أ): "ذا".

ص: 249

البلدِ الحرامِ، ويومِ النحرِ، وشهرِ ذي الحجةِ، والنَّهي عن الدماءِ والأموالِ، والنَّهي عنْ رجوعِهم كفارًا، وعنْ [قتال]

(1)

بعضهم بعضًا، والأمرِ بالإبلاغِ عنهُ. وهذهِ منْ مقاصدِ الخطبِ. ويدلُّ علَى شرعيةِ خُطبةِ ثاني يومِ النحرِ.

32/ 726 - وَعَنْ سَرّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يوْمَ الرُّؤوسِ فقَالَ: "أَلَيسَ هذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ " الْحَدِيثَ. رَوًاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ

(2)

. [ضعيف]

(وعنْ سرَّاءَ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ الراءِ ممدود (بنتِ نبهانَ) بفتحِ النونِ، وسكونِ الموحدةِ (قالتْ: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومَ الرؤوسِ فقالَ: أليسَ هذَا أوسطَ أيامِ التشريقِ؟ الحديثَ، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ). وهذهِ هي الخطبةُ الرابعةُ. ويومُ الرؤوسِ ثاني يومِ النحرِ بالاتفاقِ. وقولُه:"أوسط أيام التشريقِ" يحتملُ أفضلَها، ويحتملُ [أوسطها]

(3)

بينَ الطرفينِ. [وعليه ففيه]

(4)

دليلٌ [على]

(5)

أن يومَ النحرِ منْها، ولفظُ حديثٍ السَّرَاءِ قالتْ: "سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: أتدرونَ أيَّ يومٍ هذَا؟ قالتْ: وهوَ اليومُ الذي يدعونَه يومَ الرؤوسِ، قالُوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قالَ: هذا أوسط أيام التشريق.

قال: أتدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذَا المشعرُ الحرامُ، قالَ: إني لا أدري لعلي لا ألقاكمْ بعدَ عامي هذَا، ألا وإنَّ دماءَكم، وأموالَكم، وأعراضَكم عليكمْ حرامٌ كحرمةِ بلدِكم هذا، [في عامكم هذا]

(6)

حتَّى تلقونَ ربَّكم فيسألُكم عنْ أعمالِكم، ألا فليبلِّغْ أدنَاكُم أقصاكُم، ألا هلْ بلَّغتُ؟ فلما قدِمْنَا المدينةَ لم يلبثْ إلَّا قليلًا صلى الله عليه وسلم حتَّى مَاتَ".

‌يكفي القارن طواف وسعي واحد لحجِّه وعُمرته

33/ 727 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "طَوَافُكِ بِالبَيْتِ وَسَعْيُكِ

(1)

في النسخة (ب): "قتالهم".

(2)

في "السنن"(1953)، وهو حديث ضعيف.

(3)

في النسخة (ب): "الأوسط".

(4)

في النسخة (ب): "وفيه".

(5)

زيادة من النسخة (ب).

(6)

زيادة من النسخة (أ).

ص: 250

بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك" رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لها: طوافُك بالبيتِ وبينَ الصفَا والمروةِ يكفيكِ لحجِّك وعمرتِكِ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أن القارنَ يكفيهِ طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ للحجِّ والعمرةِ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ الصحابة، والشافعيُّ وغيرُه. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنهُ لا بدَّ منْ طوافينِ وسعيين؛ فالأحاديثُ متواردةٌ علَى معنَى حديثٍ عائشةَ عن ابن عمرَ وجابرٍ وغيرِهما. واستدلَّ مَنْ قالَ بالطوافينِ بقولِه تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}

(2)

، ولا دليلَ في ذلك؛ فإنَّ التمامَ حاصلٌ وإنْ لم يطفْ إلَّا طوافًا واحدًا، وقد اكتفىَ صلى الله عليه وسلم بطوافٍ وسعي واحدٍ، وكانَ قارنًا كما هوَ الحقُّ، واستدلُّوا أيضًا بحديثٍ رواهُ زيادُ بنُ مالكٍ، قالَ في الميزانِ

(3)

: "زيادُ بنُ مالكٍ، عن ابن مسعودٍ: ليسَ بحجةٍ، وقالَ البخاريُّ: لا يُعْرَفُ لهُ سماعٌ منْ عبدِ اللَّهِ، وعنهُ رَوَى حديثَ: "القارنُ يطوفُ طوافَينِ ويسعى سَعْيَيْنِ". واعلمْ أن عائشةَ كانتْ قدْ أهلَّتْ بعمرةٍ ولكنَّها حاضتْ فقالَ لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ارفضي عمرتَك"، قالَ النوويُّ: معنَى رفضِها إيَّاها رفضُ العملِ فيها، وإتمامُ أعمالِها التي هي الطوافُ والسعيُ، وتقصيرُ شعرِ الرأسِ؛ فأمرَها صلى الله عليه وسلم بالإعراضِ عنْ أفعالِ العمرةِ، وأنْ تحرِمَ بالحجِّ فتصيرُ قارنةً، وتقفُ بعرفاتٍ، وتفعلُ المناسكَ كلَّها إلَّا الطوافَ فتؤخرُّه حتَّى تطهرَ. ومنْ أدلةِ أنَّها صارتْ قارنةً قولُه صلى الله عليه وسلم[لها]

(4)

: "طوافُكِ بالبيتِ" الحديثَ؛ فإنهُ صريحٌ أنَّها كانتْ متلبسةً بحجٍّ وعمرةٍ، ويتعيَّنُ تأويلُ قولِه صلى الله عليه وسلم:"ارفضي عمرتَكِ" بما ذكرهُ النوويُّ، فليسَ معنَى [ارفضي]

(5)

(1)

في "صحيحه"(133/ 1212) عنها بلفظ: "يُجزئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بالصَفَا والمروةِ، عن حَجِّكِ وعُمْرَتِكِ"، وهو حديث صحيح.

قلت: وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 173)، وأبو داود (1897) بسند حسن. والشافعي في "بدائع المنن"(1/ 363 رقم 1057)، وابن عبد البر في "التمهيد" (2/ 99) كلهم بلفظ:"طوفكِ بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك".

وانظر: "العلل" لابن أبي حاتم (2/ 294 رقم 880).

(2)

سورة البقرة: الآية 196.

(3)

أي: "ميزان الاعتدال" للذهبي (2/ 93 رقم 2960).

(4)

زيادة من النسخة (ب).

(5)

في النسخة (أ): "رفض".

ص: 251

العمرةَ الخروجَ منْها وإبطالُها بالكلية؛ فإنَّ الحجَّ والعمرةَ لا يصحُّ الخروجَ منْهما بعدَ الإحرامِ بهما بنيةِ الخروجِ، وإنَّما يصحُّ بالتحلُّلِ منْهما بعدَ فراغِهما.

‌لَمْ يرمل السبع الذي أفاض فيه

34/ 728 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ

(1)

إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ

(2)

. [صحيح]

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يرملْ في السبعِ الذي أفاضَ فيهِ. رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ، [وصحَّحَهُ الحاكمُ]

(3)

. فيهِ دليلٌ [على]

(4)

أنهُ لا يشرعُ الرملُ الذي سلفتْ مشروعيتُه في طوافِ القدومِ في طوافِ الزيارةِ وعليه الجمهور.

‌هل النزول بالمحصَّب من النسك

35/ 729 - وَعنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(5)

. [صحيح]

(وعنْ أنسٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، ثمَّ رقدَ رقدةً بالمحصَّبِ)، بالمهملتين فموحَّدَةٍ بزنةِ مُكرم اسمِ مفعولٍ، الشعبُ الذي [مخرجُه]

(6)

إلى الأبطحِ، وهوَ خيفُ بني كنانةَ، (ثمَّ ركبَ إلى البيتِ فطافَ بهِ) أي طوافَ الوداعِ (رواهُ البخاريُّ)، وكانَ ذلكَ يومَ النفرِ الآخرِ، وهوَ ثالثُ أيامِ التشريقِ، فإنهُ صلى الله عليه وسلم رَمَى الجمارَ يومَ النفرِ بعدَ الظهرِ، وأخَّرَ صلاةَ الظهرِ حتَّى وصلَ المحصبَ، ثمَّ صلَّى الصلواتِ فيهِ كما ذكرَ. واختلفَ السلفُ والخلفُ هلِ التحصيبُ سنةٌ أمْ لا؟ فقيلَ: سنَّةٌ، وقيلَ: لا، إنَّما هوَ منزلٌ نزلهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقدْ

(1)

أبو داود (2001)، وابن ماجه (3060).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(4/ 305 رقم 2943) بسند صحيح.

(2)

في "المستدرك"(1/ 475)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.

(3)

زيادة من النسخة (ب).

(4)

زيادة من النسخة (أ).

(5)

في "صحيحه"(1764).

(6)

في النسخة (أ): "يخرجه".

ص: 252

فعلَه الخلفاءُ بعدَه تأسيًا بهِ صلى الله عليه وسلم. وذهبَ ابنُ عباسٍ إلى أنهُ ليسَ منَ المناسكِ المستحبَّة، [وإلى مثله]

(1)

ذهبتْ عائشة كما دلَّ لهُ الحديثُ:

36/ 730 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذلِكَ - أي النُّزُولَ بِالأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(2)

. [صحيح].

وهوَ قولُه: (وعنْ عائشةَ رضي الله عنها أنَّها لم تكنْ تفعلُ ذلكَ أي النزولَ بالأبطحِ وتقولُ: إنَّما نزلهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأنهُ كانَ منزلًا أسمحَ لخروجهِ. رواهُ مسلمٌ)، أي: أسهلُ لخروجهِ منْ مكة راجعًا إلى المدينةِ. قيلَ: والحكمةُ في نزولهِ فيهِ إظهارُ نعمةِ اللَّهِ [عليه]

(3)

باعتزازِ دينهِ، وإظهارِ كلمتِه، وظهورهِ على الدينِ كلِّه؛ فإنَّ هذَا المحلَّ هوَ الذي تقاسمتْ فيهِ قريشٌ على قطيعةِ بني هاشم، وكتبُوا صحيفةَ القطيعةِ في القصةِ المعروفةِ. وإذا كانتِ الحكمةُ هيَ هذهِ فهيَ نعمةٌ على الأمةِ أجمعينَ فينبغي نزولُه لمنْ حجَّ منَ الأمةِ إلى يومِ الدينِ.

‌الأمر بطواف الوداع

37/ 731 - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِض. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(4)

. [صحيح]

(وعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: أُمِرَ) بضمِّ الهمزةِ (الناسُ) نائبُ الفاعلِ، (أن يكونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ إلَّا أنهُ خفِّفَ عن الحائضِ. متفقٌ عليهِ). الآمرُ للناسِ هوَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وكذلكَ المخففُ عن الحائضِ، وغيَّر الراوي الصيغةَ للعلمِ بالفاعلِ. وقدْ أخرجَه مسلمٌ

(5)

وأحمدُ

(6)

عن ابن عباسٍ بلفظِ: "كانَ الناسُ ينصرفونَ منْ كلِّ وجْهةٍ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا ينصرفُ أَحدٌ حتَّى يكونَ آخرُ عهدِه بالبيتِ"، وهوَ

(1)

في النسخة (أ): "وإليه".

(2)

في "صحيحه"(340/ 1311).

(3)

زيادة من النسخة (أ).

(4)

البخاري (1755)، ومسلم (1328).

(5)

في "صحيحه"(379/ 1327).

(6)

في "المسند"(12/ 233 رقم 439 - الفتح الرباني).

قلت: وأخرجه أبو داود (2002)، وابن ماجه (3070)، والدارمي (2/ 72).

ص: 253

دليلٌ على وجوبِ طوافِ الوداعِ، وبهِ قالَ جماهيرُ السلفِ والخلفِ

(1)

. وخالفَ الناصرُ ومالكٌ وقَالَا: لوْ كانَ واجبًا لما خفَّفَ عن الحائضِ، وأجيبَ بأنَّ التَّخْفيفَ دليلُ الإيجابِ؛ إذْ لوْ لم يكنْ واجبًا لما أُطلِقَ عليهِ لفظ التخفيفِ، والتخفيفُ عنْها دليلٌ على أنهُ لا يجبُ عليها فلا تنتظرُ الطهرَ ولا يلزمُها دمٌ بتركهِ، لأنهُ ساقطُ عنْها منْ أصلِه. ووقتُ طوافِ الوداعِ منْ ثالثِ النحرِ؛ فإنهُ يجزئُ إجماعًا، وهلْ يجزئُ قبلَه والأظهرُ عدمُ إجزائِه لأنهُ آخرُ المناسكِ. واختلفُوا إذا أقامَ بعدَه هلْ يعيدُه أمْ لا؟ قيلَ: إذا بقيَ بعدَه لشراءِ زادٍ، وصلاةِ جماعةٍ لم يعده، وقيلَ يُعيْدَهُ إذا أقام لتمريضٍ ونحوِه. وقالَ أبو حنيفةَ: لا يعيدُ ولو أقامَ شهرينِ. ثمَّ هل يُشْرَعُ في حقِّ المعتمر؟ قيلَ: لا يلزمُه لأنهُ لم يردْ إلَّا في الحجِّ. وقالَ الثوريُّ: يجبُ على المعتمرِ أيضًا وإلا لزمَه دمٌ.

‌مضاعفة الثواب على الصلاة في المساجد الثلاث

38/ 732 - وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذَا أفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ في مَسْجِدِي هذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(2)

، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ

(3)

. [صحيح]

(وعن ابن الزبيرِ رضي الله عنهما) هوَ عندَ الإطلاقِ يرادُ بهِ عبدَ اللَّهِ (قالَ: قالَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: صلاةٌ في مسجدي هذَا)؛ الإشارةُ تفيدُ أنهُ الموجودُ عندَ الخطابِ،

(1)

انظر: "المغني " تحقيق: التركي، والحلو (5/ 336 - 337).

(2)

في "المسند"(5/ 4).

(3)

في "الإحسان"(4/ 499 رقم 1620) بسند صحيح على شرط مسلم.

قلت: وأخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"(2/ 61 - 62 رقم 597)، والبزار رقم (425 - كشف)، والبيهقي (5/ 246)، وابن حزم (7/ 290) من طرق عن حماد بن زيد، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح به.

وأخرجه الطيالسي في "المسند" رقم (1367) عن الربيع بن صبيح، عن عطاء بن أبي رباح به، وأورده الهيثمي في "المجمع"(4/ 4) وزاد نسبته إلى الطبراني.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

ص: 254

فلا يدخلُ في الحكمِ ما زيدَ فيهِ (أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ)، وفي روايةٍ خيرٌ، وفي [أُخرى]

(1)

تعدلُ ألفَ صلاةٍ (فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ صلاةٍ في مسجدي هذَا بمائةِ صلاةٍ)، وفي لفظٍ عندَ ابن ماجهْ، وابنِ زنجويْهَ، وابنِ عساكرَ منْ حديثٍ أنسٍ

(2)

: "صلاةٌ في مسجدي بخمسينَ ألفِ صلاةٍ" وإسنادُه ضعيفٌ، وفي لفظِ عندَ أحمدَ منْ حديثٍ ابن عمرَ

(3)

: "وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ ماثةِ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ". وفي لفظٍ عنْ جابرٍ

(4)

: "أفضلُ منْ ألفِ صلاةِ فيما سواهُ"، أخرجَها أحمدُ وغيرُه (رواهُ أحمدُ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). ورَوَى الطبرانيُّ عنْ أبي الدرداءِ

(5)

قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الصلاةُ في المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةِ، والصلاةُ في مسجدي بألفِ صلاةٍ، والصلاةُ في بيتِ المقدسِ بخمسمائةِ صلاةٍ). ورواهُ ابنُ عبدِ البرِّ منْ طريقِ البزارِ، [ثمَّ]

(6)

قالَ

(7)

: هذَا إسنادٌ حسنٌ.

(1)

في النسخة (أ): "رواية".

(2)

أخرجه ابن ماجه (1413).

وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 456 رقم 498/ 413): "هذا إسناد ضعيف. أبو الخطاب الدمشقي لا يعرف حاله. ورزيق أبو عبد الله الألهاني فيه مقال، حكي عن أبي زرعة أنه قال: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" وفي "الضعفاء"، وقال: ينفرد بالأشياء التي لا نشبه حديث الثقات، لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق" اهـ.

وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" بسند ابن ماجه وضعَّفه برزيق.

[انظر: "الثقات" (4/ 239) و"المجروحين" (1/ 301)، و "التاريخ الكبير" (3/ 318)].

قلت: وخلاصة القول أن حديث أنس ضعيف، والله أعلم.

(3)

أخرجه مسلم (1395)، والطيالسي في "المسند"(رقم (1826)، وأحمد (2/ 16، 29، 53، 54، 68، 102)، والدارمي (1/ 330)، والبيهقي (5/ 246) وابن أبي شيبة (1/ 371) وغيرهم عنه بلفظ:"صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". ولم أجد هذا اللفظ المذكور في سبل السلام عنه.

(4)

أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار"(2/ 62 رقم 599)، وابن ماجه (1406)، وأحمد (3/ 343 و 397)، وهو حديث صحيح.

(5)

أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد"(4/ 7) وقال الهيثمي: "ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن" اهـ.

(6)

زيادة من النسخة (ب).

(7)

هنا كلمة "البزار"، من النسخة (أ)، وهي فيما يبدو زائدة.

ص: 255

قلتُ: فَعَلَى هذَا يُحملُ قولُه

(1)

في حديثٍ ابن الزبيرِ بمائةِ صلاةٍ أي منْ صلاةِ مسجدي، فتكونُ مائةَ ألفِ صلاةٍ فيتوافقُ الحديثانِ. قالَ أبو محمدٍ بن حزمٍ

(2)

رحمه الله: رواهُ ابنُ الزبيرِ عنْ عمرَ بن الخطابِ بسندٍ كالشمسِ في الصحةِ، ولا مخالفَ لهما منَ الصحابةِ، فصارَ كالإجماعِ. وقدْ رُوِيَ بألفاظٍ كثيرةٍ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ، وعددُهم فيما اطلعتُ عليهِ خمسةَ عشرَ صحابيًا وسردَ أسماءَهم. وهذَا الحديثُ وما في معناهُ دالٌّ على أفضليةِ المسجدينِ على غيرِهما منْ مساجدِ الأرضِ، وعلى تفاضلِهما فيما بينَهما. وقدِ اختلفتْ أعدادُ المضاعفةِ كما عرفتَ، والأكثرُ دالٌّ على عدمِ اعتبارِ مفهوم الأقلِّ والحكمُ للأكثرِ، لأنهُ صَرِيحٌ [أي منطوق]

(3)

، وسبقتْ إشارةٌ إلى أن الأَفضليةَ في مسجدِه صلى الله عليه وسلم خاصةٌ بالموجودِ في عصرهِ. قالَ النوويُّ: لقولهِ في مسجدي فالإضافةُ للعهدِ.

قلتُ: ولقَولِهِ هذَا، ومثلُ ما قالَه النوويُّ منَ الاختصاصِ [نقله]

(4)

المصنفُ رحمه الله عن ابن عقيل الحنبليِّ. وقالَ الآخرونَ: إنهُ لا اختصاصَ للموجدِ حالَ تكلُّمِه صلى الله عليه وسلم، بلْ كلُّ ما زيدَ فيه داخلٌ في الفضيلة. [قالوا]:

(5)

وفائدة الإضافةِ الدلالةُ على اختصاصِه دونَ غيرِه منْ مساجدِ المدينةِ، لا أنَّها للاحترازِ عما [يزيدُ]

(6)

فيهِ.

قلتُ: بلْ فائدةُ الإضافةِ الأمرانِ معًا. قالَ مَنْ عمَّمَ الفضيلةَ فيما زيدَ فيهِ: إنهُ يشهدُ لهذَا ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ والديلميُّ في مسندِ الفردوسِ منْ حديثٍ أبي هريرةَ

(7)

مرفوعًا: "لو مُدَّ هذَا المسجدُ إلى صنعاءَ لكانَ مسجدي"، ورَوَى

(1)

هنا جملة مفسرة من النسخة (أ): "بل هو مصرح به فيه".

(2)

في "المحلى"(7/ 290).

(3)

زيادة من النسخة (أ).

(4)

في النسخة (ب): "نقل".

(5)

زيادة من النسخة (أ).

(6)

في النسخة (أ): "يزاد".

(7)

• أخرجه أبو زيد عمر بن شَبَّة النُّميرِي في كتاب: "أخبار المدينة":

حدثنا محمد بن يحيى، عن سعد بن سعيد، عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة .. فذكره.

كذا في "الرد على الإخنائي"(126). قلت وذكره الديلمي في "الفردوس" رقم (5152).

قلت: "أي الألباني - وهذا سند ضعيف جدًّا، آفته أخو سعد بن سعيد، واسمه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك متهم بالكذب. وأخوه سعد لين الحديث. وقد =

ص: 256

الديلميُّ مرفوعًا: "هذا مسجدي وما زيدَ فهوَ منهُ"، وفي سندِ عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ المقبريِّ، وهوَ واهٍ. وأخرجَ الديلميُّ أيضًا حديثًا آخرَ في معناهُ إلَّا أنهُ حديثٌ معضَلٌ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ [عن ابن عمرُ]

(1)

قالَ: "زادَ عمرُ في المسجدِ منْ شامِيِّهِ ثمَّ قالَ: لو زدْنا فيهِ حتَّى يبلغَ الجبانةَ [كانَ]

(2)

مسجدَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وفيهِ عبدُ العزيزِ بنُ عمران المدنيّ متروكٌ،

(3)

ولا يخفَى عدمُ نهوضِ هذهِ الآثارِ، إذِ المرفوعُ معضَلٌ وغيرُه كلامُ صحابيٍّ

(4)

. ثمَّ هلْ تعمُّ هذهِ المضاعفةُ الفرضَ والنفلَ

= أشار إلى تضعيف الحديث ابن النجار في "تاريخ المدينة" المسمَّى بـ "الدرر الثمينة" ص 370 بقوله: "روي عن أبي هريرة أنه قال .... "، فذكره.

والظاهر أن أصل الحديث موقوف. رفعه هذا المتهم، فقد رواه عمر بن شبة من طريقين مرسلين عن عمر قال:

"لو مُدَّ مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة لكان منه". هذا لفظه في الطريق الأولى. ولفظه في الطريق الأخرى: "لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءه الله بعامر".

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.

• وأخرج ابن النجار في "تاريخ المدينة"(369) من طريق محمد بن الحسن بن زَبَالة: حدثني محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن مصعب بن ثابت عن مسلم بن خباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا وهو في مصلَّاه: "لو زدنا في مسجدنا، وأشار بيده إلى القبلة". فلما توفي صلى الله عليه وسلم وولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فذكره)، فأجلسوا رجلًا في موضع مصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم رفع يده ثم مدَّ. ووضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدُّوه، فلم يزالوا يقدِّمونه ويؤخِّرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه بما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزيادة، فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة.

قلت: - أي الألباني - وهذا سند واه جدًّا. ابن زبالة اتهموه بالكذب كما في "التقريب"، وقال ابن حبان (2/ 271):"كان ممن يسرق الحديث، ويروي عن الثقات ما لم يسمع منهم من غير تدليس عنهم".

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.

انظر: "الضعيفة" للألباني (2/ 402 - 404 رقم 973 و 974).

(1)

في النسخة (أ): "عن ابن أبي عمرة".

(2)

في النسخة (أ): "لكان".

(3)

انظر: "الميزان"(2/ 632 - 633 رقم 5119)، فقد قال البخاري: لا يكتب حديثه، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال يحيى: ليس بثقة

(4)

وهذه الآثار عن الصحابة لم تتوفر فيها شروط الصحة أو الحسن.

ص: 257

أو تُخَصُّ بالأولِ؟ قالَ النوويُّ

(1)

رحمه الله: إنها تَعُمُّهُما وخالفَه الطحاويُّ والمالكيةُ مستدلينَ بحديثِ: "أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ"

(2)

.

وقالَ المصنفُ

(3)

رحمه الله: يمكنُ بقاءُ حديثٍ: "أفضلُ صلاةِ المرءِ" على عمومهِ فتكونُ النافلةُ في بيتهِ في مكةَ أو المدينةِ تضاعفُ على صلاتِها في البيتِ بغيرِهما وكذَا في المسجدِ، وإنْ كانتْ في البيوتِ أفضلَ مطلقًا.

قلتُ: ولا يخْفى أن الكلامَ في المضاعفةِ في المسجدِ لا في البُيُوتِ في المدينةِ ومكةَ، إذْ لم تردْ فيهمَا المضاعفةُ بلْ في مسجديْهِما. وقالَ الزركشيُّ [وغيرُه]

(4)

: إنَّها تُضَاعفُ النافلةُ في مسجدِ المدينةِ ومكةَ، وصلاتُها في البيوتِ أفضل.

قلتُ: يدلُّ لأفضليةِ النافلةِ في البيوتِ مطلقًا محافظتُه صلى الله عليه وسلم عَلَى صلاةِ النافلةِ في بيتهِ، وما كانَ يخرجُ إلى مَسجدِه إلَّا لأداءِ الفرائضِ معَ قربِ بيتهِ منْ مسجدِه، ثمَّ هذا التضعيفُ لا يختصُّ بالصلاةِ، بلْ قالَ الغزاليُّ رحمه الله: كلُّ عملٍ في المدينةِ بألفٍ.

وأخرجَ البيهقيُّ

(5)

عنْ جابرٍ مرفوعًا: "الصلاةُ في مسجدي هذَا أفضل منْ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرام، والجمعةُ في مسجدي هذَا أفضلُ منْ ألفِ جُمُعةٍ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ، وشهرُ رمضانَ في مسجدي هذَا أفضلُ منْ ألفِ شهرِ رمضانَ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ"، وعن ابن عمرَ نحوه، وقريبٌ منهُ للطبراني في الكبيرِ عنْ بلالٍ بن الحارثِ.

* * *

(1)

في "شرح صحيح مسلم"(9/ 164).

(2)

وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (698 - البغا)، ومسلم (781) من حديث زيد بن ثابت.

(3)

في "فتح الباري"(3/ 68).

(4)

زيادة من النسخة (ب).

(5)

عزاه إليه الزبيدي في "إتحاف السادة المتَّقين"(4/ 482).

ص: 258

[الباب السادس] باب الفوات والإحصار

الحصرُ: المنعُ، قالهُ أكثرُ أئمةِ اللغةِ، والإحصارُ: هوَ الذي يكونُ بالمرضِ والعجزِ والخوفِ ونحوِها؛ [فإذا]

(1)

كانَ بالعدوِّ قيلَ لهُ الحصرُ، وقيلَ: هما بمعنَى واحدٍ.

‌ماذا يصنع المحصَر

1/ 733 - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَحَلَقَ رَأسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(2)

. [صحيح]

(عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: قدْ أُحصِرَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فحلقَ وجامعَ نساءَه، ونحرَ هديَهُ حتَّى اعتمرَ عامًا قابلًا. رواه البخاريُّ)، اختلفَ العلماءُ بماذا يكونُ الإحصار، فقالَ الأكثرُ: يكونُ منْ كلِّ حابسٍ يحبسُ الحاجَّ منْ عدوٍّ ومرضٍ وغيرِ ذلكَ، حتَّى أفتَى ابنُ مسعودٍ رجلًا لُدِغَ بأنهُ محصرٌ، وإليهِ ذهبَ طوائفُ منَ العلماءِ، منْهم الهادويةُ، والحنفيةُ. وقالُوا: إنهُ يكونُ بالمرضِ، [والكسر]

(3)

، والخوفِ، وهذهِ منصوصٌ عليْها. ويقاسُ عليْها سائرُ الأعذارِ المانعةِ، ويدلُّ عليهِ عمومُ قولِه تعالَى:{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}

(4)

الآيةَ، وإنْ كانَ سَبَبُ نزولها إحصارُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالعدوِّ فالعامُّ لا يقصرُ على سببهِ، وفيهِ ثلاثةُ أقوالٍ أُخَرُ.

أحدُها: أنهُ خاصٌّ به صلى الله عليه وسلم، وأنهُ لا حصرَ بعدَه.

(1)

في النسخة (ب): "إذا".

(2)

في "صحيحه"(1809).

(3)

في النسخة (ب): "والكبر".

(4)

سورة البقرة: الآية 196.

ص: 259

والثاني: أنهُ خاصٌّ بمثلِ ما اتفقَ لهُ صلى الله عليه وسلم فلا يُلْحَقُ بهِ إلَّا مَنْ أحصرهُ عدوٌّ كافرٌ.

الثالثُ: أن الإحصارَ لا يكونُ إلَّا بالعدوِّ كافرًا كان أو باغيًا، والقولُ المصدرُ هوَ أقْوى الأقوالِ، وليسَ في غيرِه منَ الأقوالِ إلَّا آثارٌ وفتاوى للصحابةِ. هذا وقدْ تقدَّمَ حديثُ البخاريِّ، وأنهُ صلى الله عليه وسلم نحرَ قبلَ أنْ يحلقَ وذلكَ في قصةِ الحديبيةِ. قالُوا: وحديثُ ابن عباسٍ هذَا لا يقتضي الترتيبَ كما عرفتَ، ولم يقصدْه ابنُ عباسٍ إنَّما قصدَ وصْفَ ما وقعَ منْ غيرِ نظرٍ إلى ترتيبٍ. وقولُه:"ونحرَ هديَه" هوَ إخبارٌ بأنهُ كانَ معهُ صلى الله عليه وسلم هديٌ نحرَهُ هنالكَ، ولا يدلُّ كلامُه على إيجابِه.

وقدِ اختلفَ العلماءُ في وجوبِ الهدي على المحصرِ، فذهبَ الأكثرُ إلى وجوبِه، وخالفَ مالكٌ فقالَ: لا يجبُ والحقُّ معَه، فإنهُ لم يكنْ معَ كلِّ المحصرينَ هديٌ، وهذَا الهديُ الذي كانَ معهُ صلى الله عليه وسلم ساقَه مني المدينةِ متنقلًا به، وهوَ الذي أراده اللَّهُ تعالى بقولِه:{وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}

(1)

والآيةُ لا تدلُّ على الإيجابِ أعني قولَه تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

(2)

، وحقَّقناهُ في منحةِ الغفارِ حاشيةِ ضوءِ النهارِ

(3)

. وقولُه: "حتَّى اعتمرَ عامًا قابلًا"، قيلَ: إنهُ يدلُّ على إيجابِ القضاءِ على مَنْ أُحصِرَ، والمرادُ مَنْ أُحْصِرَ عن النفلِ، وأما مَنْ أُحصِرَ عنْ واجبِه منْ حجٍّ أوْ عمرةٍ فلا كلامَ أنهُ يجبُ عليهِ الإتيانُ بالواجبِ إنْ مُنِعَ منْ أدائهِ، والحقُّ أنهُ لا دلالةَ في كلامِ ابن عبّاسٍ على إيجابِ القضاءِ، فانَّ ظاهرَ ما فيه أنهُ أخبرَ أنهُ صلى الله عليه وسلم اعتمرَ عامًا قابلًا ولا كلامَ أنهُ صلى الله عليه وسلم اعتمرَ في عامِ القضاءِ، ولكنَّها عمرةٌ أُخْرى ليستْ قضاءً عنْ عمرةِ الحديبيةِ.

أخرجَ مالكٌ بلاغًا

(4)

: "أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حلَّ هوَ وأصحابُه بالحديبيةِ، فنحرُوا الهدي، وحلقُوا رؤوسَهم، وحلُّوا منْ كلِّ شيءٍ قبلَ أنْ يطوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أنْ يصلَ إليهِ الهدْيُ"، ثمَّ لم يعلمْ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أمرَ أحدًا منْ أصحابِه ولا ممنْ كانَ معهُ يقضُون شيئًا، ولا أنْ يعودُوا لشيءٍ، وقالَ الشافعيُّ: فحيثُ أُحْصِرَ ذَبَحَ وحلَّ ولا قضاءَ عليهِ منْ قِبَلِ أن الله تعالى لم يذكرْ قضاءً، ثمَّ قالَ:

(1)

سورة الفتح: الآية 25.

(2)

سورة البقرة: الآية 196.

(3)

(2/ 657) رقم التعليقة (3).

(4)

في الموطأ (1/ 360).

ص: 260

لأنا علمْنا منْ تواطؤِ أحاديثِهم أنهُ كانَ معهُ صلى الله عليه وسلم في عامِ الحديبيةِ رجالٌ معروفونَ، ثمَّ اعتمرُوا عمرةَ القضاء، فتخلَّفَ بعضُهم في المدينةِ منْ غيرِ ضرورةٍ في نفسٍ ولا مالٍ، ولو لزمَهمْ القضاءُ لأمرَهمْ بأنْ لا يتخلَّفُوا عنهُ، وقالَ: إنما سمِّيتْ عمرةَ القضاءِ والقضيةُ للمقاضاةِ التي وقعتْ بينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبينَ قريشٍ، لا على أنهُ واجبٌ قضاءُ تلكَ العمرةِ. وقولُ ابن عباسٍ:"ونحرَ هديَهُ"، اختلفَ العلماءُ هلْ نحرَه يومَ الحديبيةِ في الحلِّ أو في الحرمِ؟ وظاهرُ قولِه تعالَى:{وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}

(1)

أنَّهم نحروه في الحلِّ، وفي محلِّ نحرِ الهدي للمحصَرِ أقوالٌ:

الأول: للجمهورِ، أنهُ يذبحُ هديهُ حيثُ يحلُّ في حلٍّ أو حَرَمٍ.

الثاني: للهادوية والحنفيةِ، أنهُ لا ينحرهُ إلَّا في الحرمِ.

الثالثِ: لابنِ عباسٍ وجماعةٍ، أنهُ إنْ كانَ يستطيعُ البعثَ بهِ إلى الحرمِ وجبَ عليهِ، ولا يحلُّ حتَّى ينحرَ في محلِّه، وإنْ كانَ لا يستطيعُ البعثَ بهِ إلى الحرم نحرَه في محلِّ إحصارِه. وقيلَ إنهُ نحرَه في طرفِ الحديبيةِ وهوَ منَ الحرمِ، والأولُ أَظهرُ.

‌الاشتراط في الحج

2/ 734 - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِني أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَن مَحَلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي"، مُتَّفَق عَلَيْهِ

(2)

. [صحيح]

(وعنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ضُباعةَ)، بضمِّ الضادِ المعجمةِ، ثمَّ موحَّدةٌ مخفَّفةٌ (بنتِ الزبير بن عبدِ المطلبِ) بن هاشمِ بن عبدِ منافٍ بنتِ عمِّ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، تزوَّجَها المقدادُ بنُ عمرو فولَدتْ لهُ عبدَ اللَّهِ وكريمةَ، رَوَى عنْها

(1)

سورة الفتح: الآية 25.

(2)

البخاري (5089)، ومسلم (1207).

قلت: وأخرجه أحمد (6/ 164، 202)، والنسائي (5/ 68، 168)، وابن الجارود في "المنتقى" رقم (420)، والطبراني في "الكبير"(24 رقم 833، 834، 835)، والبيهقي (5/ 221)، والبغوي رقم (2000)، وابن خزيمة (4/ 164)، وابن حبان (973 - موارد)، والدارقطني (2/ 219) وغيرهم من طرق

ص: 261

ابنُ عباسٍ، وعائشةُ وغيرُهما، قالهُ ابنُ الأثيرِ في الجامعِ الكبيرِ (فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إني أريدُ الحجَّ وأنا شاكيةٌ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: حُجِّي واشترطِي أن محلِّي حيثُ حبسْتَني. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أن المحرِمَ إذا اشترطَ في إحرامِه ثمَّ عرضَ لهُ المرضُ، فإنَّ لهُ أنْ يتحلَّلَ، وإليهِ ذهبَ طائفةٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ، ومنْ أئمةِ المذاهبِ أحمدُ وإسحاقُ، وهوَ الصحيحُ منْ مذهبِ الشافعيِّ، ومَنْ قالَ إنَّ عذرَ الإحصارِ يدخلُ فيهِ المرضُ قالَ: يصيرُ المريضُ محصرًا لهُ حكْمُه. وظاهرُ هذا الحديثِ أنهُ لا يصيرُ مُحْصَرًا بلْ يحلُّ حيثُ حصرَهُ المرضُ، ولا يلزمُه ما يلزمُ المحصرَ من هدي ولا غيرِه.

وقالَ طائفةٌ منَ الفقهاءِ: إنَّهُ لا يصحُّ الاشتراطُ ولا حكمَ لهُ، قالُوا: وحديثُ ضباعةَ قصةُ عيني موقوفةٌ [مَرْجُوحَةٌ]

(1)

، أو منسوخةٌ، أو أن الحديثَ ضعيفٌ، وكلُّ ذلكَ مردودٌ؛ إذِ الأصلُ عدمُ الخصوصيةِ، وعدمُ النسخِ. والحديثُ ثابتٌ في الصحيحين، وسننِ أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيُّ، وسائرِ كتبِ الحديثِ

(2)

المعتمدةِ منْ طرقٍ متعددة، بأسانيدَ كثيرةٍ، عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ. ودلَّ مفهومُ الحديثِ أن مَنْ لم يشترطْ في إحرامهِ فليسَ لهُ التحلُّلُ، ويصيرُ مُحصَرًا لهُ حكمُ المحصرِ على ما هوَ الصوابَ على أن الإحصارَ يكونُ بغيرِ العدوِّ.

‌ماذا يعمل من قام به مانع من الاستمرار في الحج

3/ 735 - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَل وَعَلَيهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ"، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسّنَهُ التّرْمِذِيُّ

(3)

. [صحيح]

(1)

زيادة من النسخة (ب).

(2)

تقدَّم آنفًا تخريجه: وفي الباب حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (1208)، وأبو داود (1776)، والترمذي (941)، والنسائي رقم (2765).

(3)

أبو داود (1862)، والترمذي (940)، والنسائي (5/ 198 - 199)، وابن ماجه (3077)، وأحمد (3/ 450). =

ص: 262

(وعنْ عكرمةَ) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ عكرمةُ مولَى عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ أصلُه منَ البربرِ، سمع منِ ابن عباسٍ، وعائشةَ، وأبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ وغيرِهم، ونُسِبَ إليه أنهُ يَرَى رأَيَ الخوارج. وقدْ أطالَ المصنفُ في ترجمتهِ في مقدمةِ الفتحِ

(1)

، وأطالَ الذهبيُّ فيهِ في الميزانِ

(2)

، والأكثرونَ على اطِّراحِه وعدمِ قَبولِه، (عن الحجاجِ بن عمرِو) بن أبي غَزِيَّةَ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، وكسرِ الزاي، وتشديدِ المثناةِ التحتية (الأنصاريِّ رضي الله عنه) المازنيِّ نسبةً إلى جدِّهِ مازنِ بن النجارِ، قالَ البخاري

(3)

: لهُ صحبةٌ رَوَى عنهُ حديثينِ هذَا أحدُهما، (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ كُسِرَ) مغير صيغةٍ (أو عَرِجَ) بفتحِ المهملةِ وكسرِ الراء وهوَ محرمٌ لقولِه: (فقدْ حلَّ وعليهِ الحجُّ منْ قابِلٍ) إذَا لم يكنْ قدْ أَتَى بالفريضةِ (قالَ عكرمةُ: فسألتُ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ رضي الله عنهما عن ذلكَ فقالا: صدقَ) في إخبارهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم (رواهُ الخمسةُ، وحسَّنه الترمذيُّ). والحديثُ دليلٌ على أن مَنْ أحرمَ فأصابهُ مانعٌ منْ مرضٍ مثلُ ما ذكرَهُ أو غيرُه فانهُ بمجرَّدِ حصولِ ذلكَ المانعِ يصيرُ حلالًا، [وإن لم يشترط ولا يصير محصَرًا، والمراد بقوله: "فقد حلَّ"، أي: أبيح له ذلك، وصار حلالًا]

(4)

؛ فأفادتِ الثلاثةُ الأحاديثِ أن المحرمَ يخرجُ عنْ [إحرامه]

(5)

بأحدِ ثلاثةِ أمورٍ، إما بالإحصارِ بأي مانعٍ كانَ، أو بالاشتراط، أو بحصولِ ما ذكرَ منْ حادثِ كسرٍ أو عَرَجٍ، وهذا فيمنْ أُحْصِرَ وفاتَه [الحجُّ]

(6)

، وأما

= قلت: وأخرجه الدارمي (61)، والحاكم (1/ 482 - 483)، والطبراني في "الكبير"(3/ 224 رقم 3211).

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

قلت: في إسناده يحيى بن أبي كثير وهو ثقة لكنه يدلس ويرسل. ولكن للحديث شاهد، فهو به صحيح، والله أعلم.

(1)

المسمَّاة: "هدي الساري مقدمة فتح الباري"(ص 425 - 430).

(2)

(3/ 93 - 97 رقم 5716).

وانظر: "التقريب"(2/ 30)، و "تهذيب التهذيب"(7/ 234 - 242)، والكاشف (2/ 241)، و "التاريخ الكبير"(7/ 49) و "رجال صحيح البخاري"(2/ 583 رقم 922).

(3)

في "التاريخ الكبير"(2/ 370 رقم 2806).

(4)

زيادة من النسخة (أ).

(5)

في النسخة (ب): "إحرامًا".

(6)

زيادة من النسخة (ب).

ص: 263

مَنْ فاتهُ الحجُّ لغيرِ إحصارٍ فإنهُ اختلفَ العلماءُ في حكمهِ؛ فذهبَ الهادويةُ وآخرونَ إلى أنهُ يتحلَّلُ بإحرامهِ الذي أحرمَهُ للحجِّ بعمرةٍ.

وعنِ الأسودِ قالَ: "سألتُ عمرَ عمَّنْ فاتهُ الحجُّ وقدْ أحرمَ بهِ فقالَ: يهلُّ بعمرةٍ وعليه الحجُّ منْ قابلٍ، ثم لقيتُ زيدَ بنَ ثابتٍ فسألتُه فقالَ مثلَه"، أخرجَهما البيهقيُّ

(1)

، وقيلَ: يهلُّ بعمرةٍ ويستأنفُ لها إحرامًا آخر.

وقالتِ الهادويةُ: ويجبُ عليهِ دمٌ لفواتِ الحجِّ. وقالتِ الشافعيةُ والحنفيةُ: لا يجبُ عليهِ؛ إذْ يُشْرَعُ لهُ التحلُّلُ وقد تحلَّلَ بعمرةٍ، والأظهرُ ما قالُوه لعدمِ الدليلِ على [الإيجابِ]

(2)

واللَّهُ أعلمُ.

تمَّ الجزءُ الثاني ويليهِ إنْ شاء اللَّهُ الجزءُ الثالثُ وأولُه كتابُ البيوعِ.

[قال في الأم ما لفظه قال في الأم حاكيًا عن الأم نجز النصف الأول من سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام، قال مؤلِّفه قدس الله روحه في أعلى عِلِّيين مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين: وكان الفراغ من تسويده صبيحة يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الآخر سنة اثنتين وستين ومائة وألف سنة؟ وكان الفراغ من هذا النصف نهار الثلاثاء لعله 20 شهر محرَّم الحرام سنة 1317]

(3)

.

[نجز تحريرًا النصف الأول من سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام. قال مؤلفه قدس الله روحه في أعلى علِّيين مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين. وكان الفراغ من تسويده صبيحة يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الأخرى سنة اثنتين وستين ومائة وألف سنة.

وكان الفراغ من تحرير هذه النسخة العظيمة نفع الله بها في يوم السبت بعد العصر لعله خامس وعشرون من جمادى الآخرة ستة 1209 بقلم الفقير إلى الله تعالى علي بن محسن أحمد المعافى عفا الله عنهم، وذلك بعناية القاضي الأجل

(1)

في "السنن الكبرى"(5/ 175).

(2)

في النسخة (أ): "إيجاب الدم".

(3)

زيادة من المخطوطة (أ).

ص: 264

عن الهدى محمد أحمد قاطن غفر الله لنا ولهم جميعًا، كل ذلك بحمد الله وتوفيقه ومنِّه وعونه، فللَّه الحمد حمدًا كثيرًا مباركًا فيه وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله.

ورضي الله عن أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. آمين]

(1)

.

تمَّ بحمد الله المجلد الرابع من

"سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام"

ولله الحمد والمنَّة

ويليه المجلد الخامس

وأوله [كتاب البيوع]

الكتاب السابع

* * *

(1)

زيادة من المخطوطة (ب).

ص: 265